######OpenITI# #META# المؤلف: ملا علي القاري (ت1014ه) #META# bkid: 33181 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: فتح باب العناية بشرح النقاية ¶ المؤلف: ملا علي القاري (ت1014ه) ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# auth: الملا على القاري #META# Lng: علي بن (سلطان محمد)، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري #META# max: 2345 #META# bk: فتح باب العناية بشرح النقاية #META# authinf: الملا علي القاري (000 - 1014 ه = 000 - 1606 م) ¶ علي بن (سلطان محمد)، نور الدين الملا الهروي القاري: فقيه حنفي، من صدور العلم في عصره. ¶ ولد في هراة وسكن مكة وتوفي بها. ¶ قيل: كان يكتب في كل عام مصحفا وعليه طرر من القراآت ¶ والتفسير فيبعيه فيكفيه قوته من العام إلى العام. ¶ وصنف كتبا كثيرة، منها «تفسير القرآن - خ» ثلاثة مجلدات، و «الأثمار الجنية في أسماء الحنفية» و «الفصول المهمة - خ» فقه، و «بداية السالك - خ» مناسك، و «شرح مشكاة المصابيح - ط» و «شرح مشكلات الموطأ - خ» و «شرح الشفاء - ط» و «شرح الحصن الحصين - خ» في الحديث، و «شرح الشمائل - ط» و «تعليق على بعض آداب المريدين، لعبد القاهر السهرودي - خ» في خزانة الرباط (2503 ك) و «سيرة الشيخ عبد القادر الجيلاني - ط» رسالة، ولخص مواد من القاموس سماها «الناموس» وله «شرح الأربعين النووية - ط» و «تذكرة الموضوعات - ط» و «كتاب الجمالين، حاشية على الجلالين - ط» جزء منه، في التفسير، و «أربعون حديثا قدسية - خ» [ثم طبع] رسالة، و «ضوء المعالي - ط» شرح قصيدة بدء الأمالي، في التوحيد، و «منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر - ط» ورسالة في «الرد على ابن العربي في كتابه الفصوص وعلى القائلين بالحلول والاتحاد - خ» و «شرح كتاب عين العلم المختصر من الإحياء - ط» و «فتح الأسماع - خ» فيما يتعلق بالسماع، من الكتاب والسنة ونقول الائمة، و «توضيح المباني - خ» شرح مختصر المنار، في الأصول، و «الزبدة في شرح البردة - خ» في مكتبة عبيد. ¶ ونقل لي عن هامشه، بشأن الخلاف حول اسم أبي صاحب الترجمة، الحاشية الآتية: ¶ «ودأب العجم أن يسموا أولادهم أسماء مزدوجة مثل فاضل محمد وصادق محمد وأسد محمد. واسم أبيه سلطان محمد. فهو من هذا القبيل على ما سمع وأما كونه من الملوك فلم يسمع» ¶ نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# ndata: فتح باب B3466660*** #META# bkord: 7458 #META# archive: 22 #META# الكتاب: فتح باب العناية بشرح النقاية #META# authno: 421 #META# ad: 1014 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: 1014 #META# cat: فقه حنفي - مرقم آليا #META# iso: فتح باب العنايه بشرح النقايه #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | CHECK [شرح النقاية- ج1] # فتح باب العناية بشرح النقاية # علي بن سلطان محمد القاري الحنيفي الحنفي # اسم المتن وقاية الرواية في مسائل الهداية في الفقه الحنفي لبرهان ~~الشريعة محمود بن صدر الشريعة الأول الخولي الحنفي وله شروح ومختصرات منها ~~هذا الشرح ... # المقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه أستعين، رب تمم بالخير # الحمد لله الذي جعل العلماء ورثة الأنبياء، وخلاصة الأولياء، الذين يدعو ~~لهم ملائكة السماء، والسمك في الماء، والطير في الهواء. والصلاة والسلام ~~الأتمان الأعمان على زبدة خلاصة الموجودات، وعمدة سلالة المشهودات، في ~~الأصفياء الأزكياء، وعلى آله الطيبين الأطهار الأتقياء، وأصحابه الأبرار ~~نجوم الاقتداء والاهتداء. # أما بعد، فيقول الملتجي إلى حرم ربه الباري، علي بن سلطان محمد القاري ~~الحنيفي الحنفي، عاملهما الله بلطفه الخفي، وكرمه الوفي: # إن من المعلوم عند أرباب الفهوم أن علم الفقه من العلوم أهمها، ولنفع ~~الخاصة والعامة أعمها وأتمها، فينبغي الاعتناء به، لتحصيل درجة الاعتلاء ~~بسببه، وقد قال الله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من ~~كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ~~لعلهم يحذرون}، وقال عز وجل: {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون}. # وقد ورد في «مسند أحمد» و«صحيحي الشيخين» وغيرهما، عن جمع من الصحابة أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». وروى ~~الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس مرفوعا: «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف ~~عابد». وروى ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعا: «إن أناسا من أمتي سيتفقهون في ~~الدين، ويقرؤن القرآن، ويقولون: نأتي الأمراء، ونصيب من دنياهم، ونعتزلهم ~~بديننا، ولا يكون ذلك، كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتنى من ~~قربهم إلا الخطايا». # --- PageV01P001 ~~*** # وروى الترمذي عن أبي أمامة: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». ~~وما ذلك إلا لكون العلم نفعه متعد والعبادة نفعها قاصر، ولأن العلم إما فرض ~~عين وإما فرض كفاية، والعبادة الزائدة على الفرائض لا تكون إلا نافلة، ~~والعابد قد يكون مقلدا، والعالم يكون ms0001 محققا مجتهدا، فلا يكونان متساويين ~~أبدا. ومن ها هنا # ورد: «يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء، ويرجح مداد العلماء»، مع أن ~~مدادهم أدنى مراتب أفعالهم، ودماء الشهداء أعلى مناقب أحوالهم. # (قبول الحديث المرسل) # والحاصل: أن علم الفقه هو الباحث عن الحلال والحرام، والباعث على التمييز ~~بين الجائز والفاسد من وجوه الأحكام، المحتاج إليه الخواص والعوام، في جميع ~~الساعات والأيام، لكن روى الديلمي عن علي مرفوعا: «من ازداد علما ولم يزدد ~~في الدنيا زهدا، لم يزدد من الله إلا بعدا». # اعلم: أن علماءنا رحمهم الله تعالى أكثر اتباعا للسنة من غيرهم، وذلك ~~أنهم اتبعوا السلف في قبول المرسل، معتقدين أنه كالمسند في المعتمد، مع ~~الإجماع على قبول مراسيل الصحابة من غير النزاع. # قال الطبري: أجمع العلماء على قبول المرسل، ولم يأت عن أحد منهم إنكاره ~~إلى رأس المئتين. قال الراوي: كأنه يعني الشافعي، وأشار إلى ذلك الحافظ أبو ~~عمر بن عبد البر في «التمهيد». فمن نسب أصحابنا إلى مخالفة السنة واعتبار ~~الرأي والمقايسة، فقد أخطأ خطأ عظيما، لأن الحديث الموقوف على الصحابة مقدم ~~على القياس عندنا، وكذا الحديث الضعيف، فمن خالفنا فيما ذكرنا فهو من رأيه ~~الفاسد وقياسه الكاسد. # --- PageV01P002 ~~*** # والحاصل: أن المرسل حجة عند الجمهور، ومنهم الإمام مالك، وقد نقل الحافظ ~~أبو الفرج بن الجوزي في «التحقيق» عن أحمد، وروى الخطيب في كتاب «الجامع»، ~~أنه قال: ربما كان المرسل أقوى من المسند. وجزم بذلك عيسى بن أبان من ~~أصحابنا، وطائفة من أصحاب مالك: أن المرسلات أولى من المسندات. ووجهه أن من ~~أسند لك فقد أحالك على البحث عن أحوال من سماه لك، ومن أرسل من الأئمة ~~حديثا مع علمه ودينه وثقته، فقد قطع لك على صحته وكفاك بالنظر. وقالت طائفة ~~من أصحابنا ومن أصحاب مالك: لسنا نقول: إن المرسل أقوى من المسند، ولكنهما ~~سواء في وجوب الحجة. واستدلوا بأن السلف أرسلوا ووصلوا وأسندوا، فلم يعب ~~واحد منهم على صاحبه شيئا من ذلك. # ورد الشافعي المرسل إلا أن يجيء من وجه آخر مسندا، ms0002 أو مرسلا أرسله عن ~~واحد من غير رجال الأول، أو اعتضد بقول الصحابي، أو بقول أكثر أهل العلم، ~~أو كان المرسل لا يرسل إلا عن عدل، هكذا نص عليه الإمام فخر الدين والآمدي. # قال ابن الحاجب: وقد أخذ على الشافعي فقيل: إن أسند فالعمل بالمسند وهو ~~وارد، وإن لم يسند فقد انضم غير مقبول إلى مثله، لكن الشق الثاني لم يرد، ~~لأن الظن قد يحصل أو يقوى بالانضمام، والله سبحانه أعلم بحقائق المرام. # ثم اعلم: أن المتأخرين اصطلحوا على تقسيم الحديث إلى صحيح، وحسن، وضعيف، ~~ومرسل، ومنقطع، ومعضل، وغير ذلك من الأنواع المعروفة في أصول الحديث كما ~~حققناه في «شرحنا» على «شرح النخبة» # للحافظ ابن حجر العسقلاني، ثم ردوا من ذلك المرسل وما بعده. # --- PageV01P003 ~~*** # وأما المتقدمون من السلف، فلم يردوا شيئا من ذلك، كما فعل الإمام مالك في ~~«موطئه» كذلك، وذلك لعدم الفرق عندهم بين المرسل والصحيح والحسن، ويطلقون ~~المرسل على المنقطع وعلى المعضل. فإذا رأى مخالفنا أنا احتججنا بأحاديث ~~مرسلة، أطلق عليها أنها ضعيفة على اصطلاحهم ونسبنا إلى العمل بالحديث ~~الضعيف المعارض للحديث الصحيح أو الحسن بزعمه. # (السبب الداعي لذكر الأدلة) # ثم لم يزل أصحابنا المتقدمون يعتنون في كتبهم بذكر الأدلة من السنة، ~~والبحث عنها وتبيين الصحيح والحسن والضعيف ونحوها، كالطحاوي، وأبي بكر ~~الرازي، والقدوري وغيرهم. وإنما قصر في ذلك المتأخرون من أصحابنا لاعتمادهم ~~على ما تقرر عند متقدميهم، فنسبوا إلى هجر السنة والشريعة ولا يحل لأحد أن ~~ينسب أصحابنا إلى هذه الخصلة الشنيعة. # مع أن المخالفين من الشافعية يعيبون على أصحابنا ما هم واقعون فيه، فلقد ~~أكثر الإمام أبو إسحاق في «المهذب»، وإمام الحرمين في «النهاية» وغيرهما من ~~ذكر الاستدلال بالأحاديث الضعيفة، وقد بين ذلك البيهقي من متقدميهم، ثم ~~النووي والمنذري من متأخريهم في عدة مواضع، بل صرح إمام الحرمين عن حديث ~~ضعيف بأنه صحيح، وغلطه الشيخ تقي الدين، وابن الصلاح، والنووي وغيرهم. # فهذا الذي أوجب علينا ذكر الأحاديث وتبيينها، وتعريف المخرجين لها ~~وتعيينها، فإن صاحب «الهداية» لما ms0003 ذكر أحاديث مجملة في تقوية الدراية ~~بالرواية، من غير إسناد إلى المخرجين، صار سببا لطعن بعض أحاديثه ~~للمتأخرين، والله الموفق والمعين. # --- PageV01P004 ~~*** # ولما كان كتاب «النقاية» مختصر «الوقاية» التي هي مقتصر «الهداية» ~~المقبول عند أرباب البداية والنهاية، من أوجز المتون الفقيهة، في مذهب ~~السادة الحنفية، الذين هم قادة ذي الملة الحنيفية، قصدت أن أكتب عليه شرحا ~~غير مخل ولا ممل، يبين مشكلات مبانيه، ويعين معضلات معانيه، مشحونا بالأدلة ~~من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، واختلاف الأئمة، وأكتفي من الفروع بما هو ~~كثير الوقوع، رجاء أن أدرج في سلك العلماء العاملين، وأحشر في زمرة الفقهاء ~~الكاملين، فأقول، وبعون الله سبحانه أحول وأجول، وهو حسبي ونعم الوكيل، في ~~أن يهديني سواء السبيل: # قال المصنف عمدة العلماء، وزبدة الفضلاء، الجامع بين معرفة الفروع ~~والأصول، والحاوي لطريق المنقول والمعقول، صاحب «التنقيح» وشرحه «التوضيح» ~~مولانا وسيدنا صدر الشريعة، عبيد الله بن مسعود بن تاج الشريعة، جعل الله ~~سعيه من أعلى السعاية، والذريعة إلى مراتب الدرجات الرفيعة، مات في نيف ~~وثمانين وست مئة رحمه الله سبحانه رحمة تامة : # (بسم الله الرحمن الرحيم) # أي باسمه أشرع لا بغيره (الحمد لله) وهو: الثناء بالجميل على جهة ~~التبجيل. وجمع بينهما اقتداء بالكتاب المجيد، وعملا بما ورد من الحديث ~~الحميد، كما رواه الحافظ الرهاوي في «أربعينه»: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ~~بباسم الله فهو أقطع»، وفي رواية: «بذكر الله». قال ابن الصلاح: رجاله رجال ~~«الصحيحين»، وفي رواية: «فهو أبتر» رواه ابن حبان. وروى أبو داود والنسائي ~~في «عمل اليوم والليلة»: «كل كلام ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو ~~أجذم»، ورواه ابن ماجه: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع». # --- PageV01P005 ~~*** # والحمد لغة: هو الثناء بالجميل على جهة التبجيل، وعرفا: صرف العبد جميع ~~نعم ربه إلى ما خلق لأجله، كصرف النظر إلى مصوغات مصنوعاته، والسمع إلى ما ~~ينبىء بمرضياته، والاجتناب عن منهياته، والقلب إلى تذكر آياته والتفكر في ~~صفاته. وقد بسطنا القول على مفردات البسملة والحمدلة ms0004 وما يتعلق بهما في بعض ~~مصنفاتنا المطولة. # (رافع أعلام الشريعة الغراء) بدل أو بيان للجلالة، ويجوز رفعه وجره، كما ~~قرىء بالوجوه الثلاثة في قوله تعالى: {الحمد رب العالمين}، وروي بها في ~~حديث «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله...» الحديث. # والمراد بالأعلام علماء الأنام. والغراء: البيضاء النوراء. وفي رفعهم ~~إشارة إلى قوله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات}. وفيما بعده إيماء إلى حديث: «بعثت بالحنيفية السمحاء»، ولا يبعد أن ~~يراد بالأعلام ما يدل على الأحكام من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، ~~والقياس: الأدلة، أو ما يدل على ترويجها كالأذان والجماعة. ورفعها إظهارها. # (جاعلها) أي مصير الشريعة أو أعلامها. والمراد قواعد أصول الفقه وأحكامها ~~(شجرة) أي كجشرة عظيمة، لها ثمرة وسيمة (أصلها ثابت) أي في أرض قلوب ~~العلماء (وفرعها) أي أعلاها، أو غصنها أو نتيجتها (في السماء) أي في سماء ~~الرفعة والعلاء، وفيه اقتباس لطيف، وتضمين شريف لقوله تعالى: {ألم تر كيف ~~ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة} الآية. # --- PageV01P006 ~~*** # وقد ورد عن عبد الله بن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إن من الشجر ~~شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي»؟ قال عبد الله: فوقع ~~الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: ~~حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: «هي النخلة» قال عبد الله: فذكرت ذلك لعمر ~~فقال: لأن تكون قلت: هي النخلة أحب إلي من كذا وكذا». والمراد بأصلها ~~الدلائل القطعية، وبفرعها المسائل الظنية. # (والصلاة) وهي: أفضل الثناء (والسلام) هو: أكمل الدعاء (على رسوله) أي ~~المجتبى من الأصفياء (محمد أفضل الرسل والأنبياء). والأنبياء أفضل من ~~الملائكة عند أكثر العلماء، فهو أفضل أهل الأرض والسماء. والصحيح أن النبي ~~إنسان أوحي إليه، سواء أمر بالتبليغ أو لا، والرسول من أمر بتبليغه. # (وعلى آله) أي أهل بيته وأقاربه، أو جميع أمته، لما روى تمام في «فوائده» ~~أنه قيل: من آلك يا رسول الله؟ قال: «آلي كل تقي إلى ms0005 يوم القيامة». والتقوى ~~لها مراتب أدناها الاجتناب من الشرك بالله، وأعلاها من ملاحظة ما سواه. # (وأصحابه) أي كل من لقيه وآمن به ومات عليه (نجوم الاقتداء والاهتداء) ~~وفيه تلميح إلى أن أنوار علومهم وأسرار فهومهم، مقتبسة من مشكاة صدر أرباب ~~النبوة، الموصوف بكونه {سراجا منيرا} المراد به شمس سماء الرفعة والعلاء، ~~كما أن أنوار الكواكب مستفادة من ضياء شمس السماء، كما أشار إليه شارح متن ~~«الحكم». وفيه أيضا إيماء إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «أصحابي كالنجوم ~~بأيهم اقتديتم اهتديتم»، وفيه تنبيه نبيه على تقديم الحسب على النسب. # --- PageV01P007 ~~*** # (وبعد) مبني على الضم لقطعه عن الإضافة، أي بعد البسملة والحمدلة ~~والتصلية (فإن العبد) الفاء لتوهم تحرير أما، أو تقريره بتقدير، أو لدفع ~~تجويز إضافة بعد إلى ما بعده، وقيل: الواو قائمة مقام أما. (المتوسل) أي ~~طالب الوسيلة إلى مقام القربة والوصلة. وفي بعض النسخ: يقول العبد المتوسل ~~(إلى الله تعالى) شأنه، وتعظم برهانه (بأقوى الذريعة) أي بأعظم أنواع ~~الوسيلة الشريفة، إلى وصول الدرجات المنيفة، ومنه قوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} # (عبيد الله) عطف بيان للعبد. فعلى النسخة الأولى منصوب، وعلى الثانية ~~مرفوع (بن مسعود بن تاج الشريعة، سعد) بفتح فكسر، أو بصيغة المفعول، وبهما ~~قرىء قوله تعالى: {وأما الذين سعدوا}. (جده) بفتح الجيم، أي حظه، ومنه ~~حديث: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد »، وفسر بأبي الأم والأب، وعلو النسب ~~أيضا. فيكون في العبارة تورية، وهي: أن يؤتى بكلمة لها معنيان، أحدهما قريب ~~متبادر إلى الذهن، والآخر بعيد، ويراد به الأخير. # (وأنجح جده) بكسر الجيم، أي سعيه. وروي به في الحديث أيضا. وفي نسخة: ~~قصده، أي نيته ومقصده. فالمعنى: ظفر بمقصوده من باب معبوده. والجملتان ~~دعائيتان معترضتان. (يقول) خبر إن على النسخة الأولى، وساقط من النسخة ~~الثانية: # --- PageV01P008 ~~*** # (لما ألف جدي) أي حين صنف أبو والدي (ومولاي) أي مخدومي في مقام الفضل، ~~ومعتقي من رق الجهل (العالم الرباني) منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون ~~للمبالغة كاللحياني، ومعناه: الكامل ms0006 الجامع في العلم النافع، والعمل ~~الرافع، لما روى شعبة، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود رضي الله عنه ~~في قوله تعالى: {ولكن كونوا ربانيين} قال: حكماء وعلماء. وفي رواية: كادوا ~~أن يكونوا أنبياء. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الرباني: هو الذي يربي ~~الناس بصغار العلم قبل كباره (والعامل الصمداني) أي منسوب إلى الصمد، لأنه ~~يصمد إليه في الحوائج ويقصد، وقيل: الصمداني: هو الذي يقصد بعمله وجه الله ~~سبحانه لا غير (برهان الشريعة) وهي ظاهر الملة. والبرهان بيان الحجة ~~(والحق) وهو الأمر الثابت من أطوار الطريقة وأسرار الحقيقة (والدين) وهو ~~جامع المعارف اليقينية (وارث الأنبياء والمرسلين) أي آخذ علومهم من بعدهم. # وقد ورد أن: «العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لا يورثون دينارا ولا ~~درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» # (محمود بن صدر الشريعة جزاه الله تعالى عني) أي جزاه عن قبلي، وكافأه ~~عوضي وبدلي (وعن سائر المسلمين) فيما أفادني وإياهم من أمر الدين (خير ~~الجزاء) وقد ورد: «من أتى إليكم بمعروف فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له» # --- PageV01P009 ~~*** # . وفي حديث آخر: «من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد ~~أبلغ في الثناء»، أي فكافأه في الجزاء في مقام الدعاء (لأجل حفظي) علم ~~الفقه. متعلق ب: ألف (كتاب «وقاية الرواية») مفعول ألف. والوقاية بالكسر، ~~وتثلث: ما وقيت به شيئا وحفظته بالرعاية (في مسائل الهداية) وهي «شرح ~~البداية» للإمام برهان الدين المرغيناني. # (وهو) أي: كتاب «وقاية الرواية»، أو «وقاية الرواية»، وتذكيره لأنه مصدر، ~~أو لتذكير خبره وهو (كتاب لم تكتحل عين الزمان بثانيه) أي لم يوجد له نظير ~~(في وجازة ألفاظه) بكسر الواو أي قلة مبانيه (مع كثرة معانيه) أي فكان ~~الواجب على كل أحد أن يقبل عليه، ويقبل ما ينسب إليه. # (لكن قصرت) أي بعدت أو خلت (همة أكثر أهل الزمان) من جملة الإخوان (عن ~~حفظه) مع أنه في غاية من الإتقان (فاتخذت منه هذا المختصر) وكان الأولى أن ~~يقول: فاتخذت هذا المختصر عنه ms0007 ليكون مسجعا مع قوله (مشتملا على ما لا بد ~~منه) أي لا مندوحة عنه، ولا استغناء منه، حال مقدرة كقوله سبحانه: ~~{فادخلوها خالدين}. ويحتمل أن يكون مفعولا ثانيا نحو قوله تعالى: {اتخذوا ~~أيمانهم جنة}. وفي بعض النسخ: مشتملا على مسائل لا مندوحة عن حفظها. # --- PageV01P010 ~~*** # (فمن أحب) وفي نسخة: أراد (استحضار مسائل الهداية) ضبطا. وفي نسخة: أحب ~~ضبط مسائل الهداية (فعليه بحفظ «الوقاية») ربطا، (ومن أعجله الوقت) أي لم ~~يسعه حفظه في مقام الرعاية (فليصرف إلى حفظ هذا المختصر) المسمى بالنقاية ~~(عنان العناية) أي لجام الاهتمام في الغاية (إنه) أي الله سبحانه (ولي ~~الهداية) وهي: ضد الضلالة والغواية. وقيل: الضمير إلى المختصر، والهداية ~~إما اسم الكتاب، والمعنى أن المختصر متولي أمر «الهداية»، بمعنى أنه يحصل ~~منه ما يحصل من مسائل «الهداية». وإما معناه اللغوي، أي هذا المختصر يهدي ~~إلى علم الفقه لأرباب البداية. والله تعالى أعلم. # كتاب الطهارة # (كتاب الطهارة) أي جنسها، وافتتح بها لأنها مفتاح الصلاة التي هي أم ~~العبادات المقدمة على المعاملات، مع ما في الطهارة من الإيماء إلى النزاهة ~~الباطنية، عن الاعتقادات الردية، والأخلاق الدنية. # والكتاب مصدر بمعنى المفعول، واصطلاحا: طائفة من المسائل إما في الفروع ~~وإما في الأصول. والطهارة لغة: مجرد النظافة، وشرعا: النظافة عن الحدث أو ~~الخبث. وسبب وجوبها إرادة الصلاة وما يشابهها مما لا يصح وجوبه بدونها. ~~وشرطه الحدث أو الخبث. # (فرض الوضوء) بضم الواو: الفعل المخصوص، مشتق من الوضاءة وهي: النقاوة. ~~وبفتحها: الماء المعد له. وقدمه على الغسل لأن الحاجة إليه أكثر، ولأن محله ~~جزء من محل الغسل، ولأنه تعالى قدمه عليه. # والفرض عندنا: ما لزم فعله بدليل قطعي، وحكمه، أن يستحق فاعله الثواب، ~~وتاركه العقاب. # --- PageV01P011 ~~*** # وأما الواجب فما ثبت لزومه بدليل ظني. وثواب فاعله دون ثواب فاعل الفرض، ~~وعقاب تاركه أقل من عقاب تارك الفرض. الفرض ما يفوت العمل بفوته، بخلاف ~~الواجب. والعجب من الإمام الشافعي في عدم الفرق بينه وبين الظني، وتسميته ~~الكل واجبا، مع أنه اضطر إليه في باب الحج. # وقال ms0008 السهيلي: «وكانت فريضة الوضوء بمكة، ونزلت آيته بالمدينة، وأخرج عن ~~أسامة بن زيد بن حارثة أن أباه حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أول ما أوحي إليه أتاه جبرائيل عليه السلام فعلمه الوضوء، فلما فرغ من ~~الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه». # وزعم ابن الجهم المالكي أنه كان مندوبا قبل الهجرة، وابن حزم أنه لم يشرع ~~إلا في المدينة. # ففرض الوضوء مبتدأ، أي فرائضه أربعة: (غسل الوجه) بفتح الغين مصدر غسل، ~~بمعنى إسالة الماء وإمراره على العضو بحيث يتقاطر، وعن أبي يوسف أنه مجرد ~~الإسالة، وعنه أنه يكفي بل العضو. وبالضم: الاسم للفعل المخصوص. وبالكسر: ~~ما يغسل به. # وحد الوجه: (من) مبدأ (الشعر) بفتحهما، ويسكن الثاني، أي شعر الرأس ~~غالبا، والأوجه أن يقال: من مبدأ الجبهة الذي يلي الشعر (إلى الأذن) ~~بضمتين، وبضم فسكون، فهذا بيان عرضه الشامل لليمنى واليسرى، فيكون ما بين ~~العذار والأذن واجب الغسل كما هو مذهب أبي حنيفة ومحمد، خلافا لأبي يوسف ~~(و) إلى (أسفل الذقن) بفتحتين وهو: مجمع اللحيين، وهذا بيان طوله. وفي ~~الابتداء من الجبهة الحد الأعلى: إيماء إلى أن السنة في غسل الوجه أن يمر ~~من الجبهة إلى الذقن. # (ويديه ورجليه) أي وغسل يديه ورجليه. والضمير لصاحب الوجه، لدلالة الوجه ~~عليه، أو إلى المتوضىء، لأن سياق الكلام يشير إليه. # --- PageV01P012 ~~*** # وقالت الشيعة: الواجب في الرجلين المسح، وقال ابن جرير: هو مخير، وقال ~~بعض الظاهرية: يجب الغسل والمسح، ويأتي تحقيق الكلام على هذا المرام. # (مع مرفقيه وكعبيه) أي مع غسل كل منهما. والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء، ~~وعكسه: مجتمع العضد والساعد. والكعب ها هنا: العظم الناتىء عند أسفل الساق، ~~وقال زفر وداود: لا يدخل المرفقان ولا الكعبان في غسل الوضوء. # ويستحب ابتداؤه من رؤوس الأصابع في اليدين والرجلين، لأنه سبحانه جعل ~~المرافق والكعبين غاية الغسل، فينبغي أن تكون نهاية الفعل. # (ومسح ربع رأسه) عطف على غسل الوجه. والمسح إصابة اليد المبتلة العضو، ~~إما بللا يأخذه من الإناء، أو بللا باقيا ms0009 في اليد بعد غسل العضو من ~~المغسولات، لا بللا باقيا في يده بعد مسح العضو الممسوح، أو مأخوذا من ~~العضو المغسول أو الممسوح. # وقال الشافعي: الفرض في المسح ما يقع عليه اسمه، وهو رواية عن أحمد. وقال ~~مالك وأحمد: جميع الرأس. # ودليل جملة ما ذكرنا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين}. ومعنى قمتم إلى الصلاة: أردتم القيام إليها، فأقيم السبب مقام ~~سببه الخاص للملابسة بينهما في تمام النظام ولإيجاز الكلام. وظاهر الآية ~~وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا، وهو خلاف الإجماع، ~~ولأنه عليه الصلاة والسلام «صلى بوضوء واحد خمس صلوات عام الفتح، فقال عمر ~~رضي الله عنه: صنعت ما لم تكن تصنعه؟ فقال: عمدا صنعته يا عمر». فلا بد من ~~تأويل في الآية، فقيل: مطلق أريد به التقييد، والمعنى وأنتم محدثون. وقيل: ~~الأمر فيها للندب، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يجدد الوضوء لكل صلاة في ~~غالب الأيام. # --- PageV01P013 ~~*** # ومعنى «إلى» عند المحققين الغاية مطلقا، وأما دخول ما بعدها في حكم ما ~~قبلها أو خروجه عنه، فأمر يدور مع الدليل. فمما قام الدليل فيه على خروج ما ~~بعدها قوله تعالى: {فنظرة إلى ميسرة}، إذ لو دخل لكان الإنظار واجبا حالة ~~اليسر أيضا، وهو ممنوع اتفاقا. وقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل}، ~~إذ لو دخل لوجب الوصال، وهو من المحال. ومما قام الدليل فيه على دخول ما ~~بعدها قوله تعالى:{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى}، للعلم بأنه لا يسري به إلى البيت المقدس من غير أن يدخله. وقد ورد ~~أحاديث مما يدل على دخوله. # وأما قوله تعالى: {إلى المرافق} وقوله: {إلى الكعبين} فأخذ زفر وداود ~~فيهما بالمتيقن فلم يدخلاها في الغسل، وأخذ الجمهور بالاحتياط وأدخلوها فيه ~~لكونه عليه الصلاة والسلام أدار الماء على مرافقه. # --- PageV01P014 ~~*** # ومعنى الباء في {برءوسكم} للإلصاق، وماسح بعض رأسه ومستوعبه كلاهما ملصق ~~المسح برأسه. فأخذ ms0010 الشافعي بالمتيقن، وأخذ مالك بالاحتياط، وأخذ أبو حنيفة ~~رحمه الله تعالى ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما روى مسلم ~~والطبراني عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه المغيرة: «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم توضأ ومسح بناصيته وعلى الخفين». وروى أبو داود والحاكم وسكتا ~~عنه، من حديث أبي معقل، عن أنس بن مالك قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية وهي بكسر القاف نوع من البرود فأدخل يده من ~~تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة». وروى البيهقي عن عطاء: «أنه ~~عليه الصلاة والسلام توضأ في العمامة ومسح مقدم رأسه أو قال ناصيته». وهو ~~وإن كان مرسلا إلا أنه حجة عندنا وعند الجمهور، كيف وقد اعتضد بالمتصل. # --- PageV01P015 ~~*** # أما قول صاحب «الهداية»: «والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وهو ربع ~~الرأس، لما روى المغيرة بن شعبة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة ~~قوم فبال، وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه» فمركب من حديث المغيرة وحديث ~~حذيفة، أما حديث المغيرة فرواه مسلم عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه». وأما حديث حذيفة فرواه الشيخان ~~عنه قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائما، ثم دعا بماء ~~فجئته بماء فتوضأ»، وفي رواية لمسلم: «فتوضأ، فمسح على خفيه». وقد رواه ابن ~~ماجه عن المغيرة بأسناد مختلفة مختلف فيه كما ساقه صاحب «الهداية». ومعلوم ~~أن الناصية ومقدم الرأس أحد جوانبه الأربعة، إذ ظاهره استيعاب تمام المقدم، ~~وتمامه هو الربع المسمى بالناصية، فلو كان مسح ربع الرأس ليس بمجزىء لم ~~يقتصر في ذلك الوقت عليه، ولو كان مسح ما دونه مجزئا لفعله صلى الله عليه ~~وسلم ولو مرة في عمره تعليما للجواز، إذ يجب عليه مثل ذلك. # بقي الكلام على أن مسح الربع فرض عملي لا اعتقادي، لأن خبر الآحاد ظني في ~~نفسه مع قطع النظر عن صحة دلالته. وقد يطلق الفرض على ما يفوت ms0011 الجواز ~~بفوته، كغسل الفم والأنف في الغسل، ويسمى ذلك فرضا ظنيا. # والواجب: هو الذي لا يلزم اعتقاد حقيته، لثبوته بدليل ظني. ويلزم العمل ~~بموجبه للدلائل الدالة على وجوب اتباع الظن في أخبار الآحاد. وقد يستعمل ~~الواجب بمعنى الفرض وبالعكس، كقولهم: الحج واجب، والوتر فرض. # --- PageV01P016 ~~*** # ثم قوله تعالى: {وأرجلكم} بالنصب على قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائي ~~عطفا على {وجوهكم}. والباقون بالجر. فقيل: على الجوار، كقولهم: ماء بئر ~~بارد، وجحر ضب خرب. وحكمة العدول إفادة الترتيب سنية أو وجوبا. وقيل: عطفت ~~على الممسوح لا لتمسح بل لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، لكون ~~غسل الرجل مظنة للإسراف الموهوم. ونبه بقوله: {إلى الكعبين} على أنها غير ~~ممسوحة، لأن المسح لم يضرب له غاية في الشريعة. # والأظهر أن القراءتين مبهمتان محمولتان على الحالتين، كما نبه عليه عليه ~~الصلاة والسلام بفعله حيث غسلهما وقت عريهما، ومسح عليهما حال لبسهما، وقد ~~قال الله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم}. ومما يدل عليه ما تواتر عنه ~~أنه عليه الصلاة والسلام كان يغسل رجله. ولم يرو أنه مسح على رجله قط ~~مكشوفة، بل ولما رأى لمعة على رجلي بعض الصحابة حيث غسلهما عجلة قال: «ويل ~~للأعقاب من النار» رواه مسلم. # (وكل ما يستر) بالجر، عطف على ربع رأسه، أي ومسح كل ما يغطي (البشرة من ~~لحيته) بيان ل «ما»، والبشرة ظاهر البشر. واحترز بما يسترها عن الشعر ~~المسترسل، فإنه لا يجب غسله عندنا، وأوجبه مالك والشافعي بقوله عليه الصلاة ~~والسلام لرجل غطى لحيته بثوب: «اكشفها فإنها من الوجه». والجواب أنه غير ~~صحيح، ولا على المدعى صريح. ثم هذه رواية عن أبي حنيفة، ووجهها أن غسل ~~البشرة لما سقط لعدم المواجهة بها أو لعسره، وجب مسح شيء هو ساترها ~~كالجبيرة. # أو عطف على رأسه، أي ومسح ربع كل ما يسترها. فعن أبي حنيفة رحمه الله ~~تعالى: يجب مسح ربع ساتر البشرة، لأنه لما سقط غسل ما تحته صار كالرأس ~~يفترض مسح ربعه. # --- PageV01P017 ~~*** # والأصح ما روي عن ms0012 أبي حنيفة ومحمد أنه يجب إمرار الماء على ظاهر اللحية، ~~لأنه لما سقط غسل ما تحت الشعر انتقل الواجب إليه من غير تغيير، كالحاجبين ~~وأهداب العينين. وفي «البدائع» عن أبي شجاع: أنهم رجعوا عما سوى هذا القول. ~~وفي «الفتاوى الظهيرية»: وعليه الفتوى. # والخلاف إنما هو في اللحية الكثيفة، إذ يجب اتفاقا غسل شعر اللحية ~~الخفيفة، وهو ما يشاهد منه البشرة اللطيفة. ولا يجب غسل ما انكتم من ~~الشفتين عند الانضمام المعتاد، فإنه تبع للفم على الأصح، وما ظهر فللوجه. ~~ولا باطن العينين ولو في الغسل لخوف الضرر. وقد تكلفه بعض السلف كابن عمر ~~وابن عباس فكف بصرهما في آخر عمرهما. # فرع # ومن الفروع الكثيرة الوقوع:لو انضمت الأصابع، أو طال الظفر فغطى الأنملة ~~بحيث لا يتيقن وصول الماء إلى أثنائها في الصورتين، أو كان فيه ما يمنع ~~وصول الماء كعجين يابس وشمع: يجب غسل ما تحته، ولا يكفي إجراء الماء على ~~البدن لعروض الحائل. واختلف في التراب، ولا يمنع الوسخ ولا خرء البراغيث ~~وونيم الذباب. ونحو ذلك. # ويجب تحريك الخاتم الضيق في المختار من الرواية، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم «كان إذا توضأ وضوء الصلاة حرك خاتمه في إصبعه» رواه ابن ماجه. # ولو ضره غسل شقوق رجليه أجرى الماء على ظاهر الدواء. # ولا يجوز المسح على ما جاوز الأذنين من الشعر، لعدم كونه من الرأس حقيقة ~~ولا حكما. ولا يعاد الغسل والمسح على موضع الحلق وقطع الظفر ونحو ذلك لعدم الحدث. # (سنن الوضوء) # --- PageV01P018 ~~*** # (وسننه): أي سنن الوضوء. وفي نسخة: سنته، وهي الطريقة المسلوكة في الدين ~~من غير افتراض ولا وجوب، ويستحق فاعلها الثواب، وتاركها الملامة والعتاب. ~~قال ابن الهمام: «والسنة ما واظب عليها عليه الصلاة والسلام مع تركها ~~أحيانا». وفيه: أن بعض سنن الوضوء مما لم يثبت أنه عليه الصلاة والسلام ~~تركه أصلا كالترتيب، والولاء، والتيامن، وكذا النية. # (البداءة) بالكسر، ويضم. وكذا البداية بالياء. وفي «المغرب» أنها عامية، ~~وهو الابتداء (بالتسمية) وأقلها باسم الله، وأعلاها تكميلها بالنعتين. وقال ~~ابن الهمام: ms0013 لفظها المنقول عن السلف الكرام وقيل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم باسم الله العظيم والحمد لله على دين الإسلام. انتهى. وقد روى معمر عن ~~ثابت، وقتادة عن أنس قال: «نظر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءا ~~فلم يجدوا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ها ها ماء، فرأيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وضع يده في الإناء الذي فيه الماء ثم قال: توضؤا بباسم ~~الله، قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، والقوم يتوضؤن حتى توضؤا من ~~آخرهم. قال ثابت: فقلت لأنس: تراهم كم كانوا؟ قال: نحوا من سبعين». رواه ~~البيهقي وقال: هذا أصح ما في التسمية، وأخرجه النسائي، وابن منده، وأبو بكر ~~بن خزيمة، والدارقطني، قاله في «الإمام»، وقال النووي: إسناده جيد. # --- PageV01P019 ~~*** # وذهب أحمد إلى أن التسمية شرط في الوضوء، لما روى الحاكم وأبو داود عن ~~أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا ~~وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، وضعف حديث أبي داود بالانقطاع، وهو عندنا ~~كالإرسال بعد عدالة الرواة وثقتهم لا يضر، وروى ابن ماجه عن أبي سعيد أنه ~~عليه الصلاة والسلام قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، وكذا رواه ~~البيهقي. # وأجيب: بأن المراد نفي الفضيلة والكمال، لا نفي الجواز والصحة، كحديث: ~~«لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، ولما روى أصحاب «السنن الأربعة» من ~~حديث علي بن يحيى بن خلاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: ~~«إذا قمت فتوضأ كما أمرك الله». وليس في الوضوء الذي أمر الله به التسمية. ~~ولما رواه الدارقطني مرفوعا: «من توضأ وذكر اسم الله فإنه يطهر جسده كله، ~~ومن توضأ ولم يذكر اسم الله لم يطهر إلا موضع الوضوء». # --- PageV01P020 ~~*** # وفي «الهداية»: الأصح أنها مستحبة. قال ابن الهمام: يجوز كون مستنده فيه ~~ضعف الأحاديث، ويجوز كونه حديث المهاجر بن قنفذ، قال: «أتيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو يتوضأ فسلمت عليه، فلم ms0014 يرد علي، فلما فرغ قال: إنه لم يمنعني ~~أن أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء». رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن ~~حبان في «صحيحه». وروى أبو داود عن نافع قال: انطلقت مع عبد الله بن عمر في ~~حاجة إلى ابن عباس، فلما قضى حاجته كان من حديثه أن قال: مر النبي صلى الله ~~عليه وسلم في سكة من سكك المدينة وقد خرج من غائط أو بول إذ سلم عليه رجل، ~~فلم يرد عليه السلام، ثم إنه ضرب بيده الحائط فمسح وجهه مسحا، ثم ضرب ضربة ~~فمسح ذراعيه إلى المرفقين، ثم كفه، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا ~~أني لم أكن على طهارة»، وما في «الصحيحين»: أنه عليه الصلاة والسلام أقبل ~~من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى أقبل على الجدار ~~فمسح وجهه ويديه، ثم رد عليه السلام. فهذه الأحاديث متظافرة على عدم ذكره ~~صلى الله عليه وسلم على غير طهارة، ومقتضاه انتفاؤه في أول الوضوء الكائن ~~عن حدث. # والجواب أن المعارضة غير متحققة، لأن كراهة ذكر لا يكون من متممات الوضوء ~~لا يستلزم كراهة ما جعل شرعا من ذكر الله تعالى تكميلا له، فذلك الذكر ~~ضروري للوضوء الكامل شرعا، فلا تعارض للاختلاف قطعا. # --- PageV01P021 ~~*** # (وبغسل يديه إلى رسغيه ثلاثا) جر الغسل بالباء وعطفه على بالتسمية، ~~للتصريح بأن هذا الغسل سنة باعتبار البداءة به، كما أن التسمية كذلك، ولذا ~~لا يكون الإتيان بواحد منهما في أثناء الوضوء إتيانا بالسنة. وأما تقديم ~~التسمية على غسل اليد فجائز بل متعين. والرسغ بضم الراء وسكون السين ~~المهملة، فغين معجمة: المفصل الذي بين الساعد والكف. # ولم يقيد الغسل بالاستيقاظ من النوم في بعض النسخ، لأن هذا الغسل سنة في ~~غير المستيقظ أيضا، لأن علة الغسل وهي احتمال أنه مس بيده أعراق بدنه ~~موجودة في المتنبه أيضا، ولأن من حكى وضوءه عليه الصلاة والسلام قدمه، ~~وإنما كان يحكى ما كان دأبه وعادته في سائر الأيام، لا خصوص وضوئه ms0015 الذي بعد ~~المنام. بل الظاهر أن اطلاعهم على وضوئه من غير النوم كان أكثر. # وأما التقيد به في حديث «الشيخين» عن أبي هريرة: «إذا استيقظ أحدكم من ~~نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يده»، ولفظ ~~مسلم: «حتى يغسلها ثلاثا»، ولفظ البزار من حديث هشام بن حسان: «فلا يغمسن ~~يده في طهوره حتى يفرغ عليها ثلاثا»، مؤكدا بالنون الثقيلة، وهو هكذا في ~~«الهداية» ومعظم كتب أصحابنا؛ فلأن توهم نجاسة اليد يكون من المستيقظ غالبا. # وعن عروة بن الزبير وأحمد بن حنبل وداود الظاهري: أنه يجب على المستيقظ ~~من نوم الليل غسل اليدين لظاهر الحديث. قيل: وهو مذهب أبي هريرة وابن عمر ~~والحسن. # وفي «الكفاية»: ينوب هذا الغسل المسنون عن الغسل المفروض، كالفاتحة واجبة ~~في الصلاة، وتنوب عن القراءة المفروضة فيما لو صلى ولم يقرأ غيرها. # --- PageV01P022 ~~*** # (والسواك) قيل: عطف على البداية، والأظهر أنه مجرور عطفا على التسمية، ~~ليدل على أن السنة استعماله في أوله. وقد صرحوا بأن محله قبل المضمضة. ولعل ~~مرادهم أنه آخر وقته، إذ يجوز تقديمه على غسل يده، كما صرح به بعضهم. ثم هو ~~بكسر السين، اسم للاستياك، وهو المراد هنا، وقد يطلق على العود الذي يستاك ~~به، فيقدر مضاف، أي استعماله. # وإنما كان سنة لقوله عليه الصلاة والسلام: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة» أو: «مع كل صلاة» رواه الستة، وعند النسائي في رواية: ~~«عند كل وضوء»، ورواها ابن خزيمة في «صحيحه» وصححها الحاكم، وذكرها البخاري ~~تعليقا. # والمعنى: لأمرتهم وجوبا، وإلا فقد أمرهم سنة. وروى أبو داود عن عائشة أنه ~~عليه الصلاة والسلام: «كان لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن ~~يتوضأ». وورد في «مسند أحمد» أنه عليه الصلاة والسلام قال: «صلاة بسواك ~~أفضل من سبعين صلاة بغير سواك». واختار ابن الهمام أنه من مستحبات الوضوء. # وينبغي أن يكون لينا في غلظ الإصبع وطول الشبر، مستويا قليل العقد، من ~~الأشجار المرة، ليكون أقطع ms0016 للبلغم، وأنقى للصدر، وأهنأ للطعام. وأن يستاك ~~به عرضا وطولا أي عرض الأسنان، وهو طول الفم، ولو اقتصر على أحدهما فطولا، ~~وقيل: يستاك عرضا لا طولا. ويستاك بأصابعه عند عدمه أو عدم أسنانه لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «يجزي من السواك الأصابع»، رواه البيهقي عن أنس ~~بألفاظ مختلفة، وروى الطبراني عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول ~~الله، الرجل يذهب فوه يستاك؟ قال: «نعم»، قلت: كيف يصنع؟ قال: «يدخل إصبعه ~~في فيه». # --- PageV01P023 ~~*** # (وغسل فمه) برفعه (بمياه) متعلق به (كأنفه) أي بثلاث غرفات لكل منهما، لا ~~بثلاث لها كما قال الشافعي ومالك على الصحيح، لما روي «أنه عليه الصلاة ~~والسلام مضمض واستنشق ثلاث مرات من غرفة واحدة». # ولنا صريح ما رواه الطبراني بسنده إلى كعب بن عمرو اليامي: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم توضأ فمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، يأخذ لكل واحدة ماء ~~جديدا، وغسل وجهه، فلما مسح رأسه قال هكذا وأومأ بيديه من مقدم رأسه حتى ~~بلغ بهما إلى أسفل عنقه من قبل قفاه. وروى الطبراني وأبو داود عن طلحة بن ~~مصرف عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فمضمض واستنشق ~~ثلاثا، يأخذ لكل مرة ماء جديدا. # وتحقيق التوفيق بعد صحة الروايات كلها: أن كلا روى ما رأى، ولا منافاة ~~بينهما في حصول أصل السنة، وإنما الخلاف في زيادة الفضيلة. # والحاصل: أنه عليه الصلاة والسلام واظب على المضمضة والاستنشاق في غالب ~~الأيام، إذ أكثر حكاة وضوئه عليه الصلاة والسلام قولا وفعلا وهم اثنان ~~وعشرون نفرا من الصحابة نصوا عليهما، إلا أن بعضهم سكت عن ذكر العدد ~~فيهما، وذكر بعضهم أنه مضمض واستنشق مرة، وبعضهم وهو عبد الله بن زيد بن ~~عاصم حكاه فعلا، وفيه: «مضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات» وفيه: ~~«فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة». روى الأخير الستة عنه. وقد بسطنا ~~الكلام على هذا المرام في «المرقاة شرح المشكاة». # وأما المبالغة للمفطر فيهما فمستحبة، لقوله عليه الصلاة والسلام للقيط بن ms0017 ~~صبرة: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون ~~صائما» رواه أصحاب «السنن الأربعة». وروى ابن القطان بسند صحيح: «وبالغ في ~~المضمضة والاستنشاق». # --- PageV01P024 ~~*** # وحد المضمضة استيعاب جميع الفم. والمبالغة فيه أن يصل الماء إلى رأس الحلق. # وحد الاستنشاق أن يصل الماء إلى المارن. والمبالغة فيه أن يجاوز المارن، ~~وهو بكسر الراء: ما اشتد من الأنف. وفي «المحيط»: يفعل كلا من المضمضة ~~والاستنشاق بيمينه، وقيل: يستنشق بيساره، والصحيح أنه يستنشق بيمينه، ~~ويستنثر بيساره. # وقال أحمد في أقوى الروايتين عنه بوجوب المضمضة والاستنشاق (في الوضوء ~~لما روى الدارقطني عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمضمضمة والاستنشاق). هذا، وقال المصنف: إنما قلت: بمياه ليدل على أن ~~المسنون التثليث بمياه جديدة، انتهى. وذلك لأن أقل الجمع ثلاثة، لكن لا ~~خفاء في خفاء الدلالة على التجديد، فلو قال: بغرفات بدل قوله: بمياه لكان ~~مشعرا بما ذكر. # وقدم غسل الفم لأن تقديمه سنة. ومن الدليل على الفصل بين المضمضة ~~والاستنشاق ما رواه أبو داود عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: «أنه رأى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق». وسكت عنه ~~المنذري، فهو حديث حسن، لكن روى أبو داود في «سننه» ضد ذلك عن علي: «أنه ~~وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد» ~~فمحمول على بيان الجواز، فإن الأول أولى كما لا يخفى. # --- PageV01P025 ~~*** # (وتخليل اللحية) بالرفع أيضا، لما روى الترمذي وابن ماجه عن عثمان: «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته». ولفظ الترمذي: «توضأ وخلل ~~لحيته»، وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم، وقال الترمذي في «علله ~~الكبير»: قال محمد بن إسماعيل يعني البخاري : أصح شيء عندي حديث عثمان، ~~وهو حديث حسن انتهى. فكيف وله شواهد من حديث عمار وأنس؟ كما رواها الحاكم ~~والترمذي وابن ماجه: «رأيته عليه الصلاة والسلام يخلل لحيته». وحديث أنس ~~قال: «كان عليه الصلاة والسلام إذا توضأ خلل لحيته» رواه ms0018 البزار وابن ماجه، ~~وحديث أبي أيوب نحوه، رواه ابن ماجه. # وكيفية تخليلها أن يدخل أصابعه من أسفل لحيته إلى ما فوقها لما روى أبو ~~داود عن أنس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أخذ كفا من ماء ~~فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: بهذا أمرني ربي» وسكت عنه، وكذا ~~المنذري. ويؤيده حديث ابن عباس: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يتوضأ، وقال فيه: فخلل لحيته، فقلت: يا رسول الله هكذا الطهور؟ قال: «هكذا ~~أمرني ربي». رواه الطبراني في «الأوسط». وروى أيضا حديث أبي أمامة وحديث ~~عبد الله بن أبي أوفى. وفي حديث أبي الدرداء وحديث أم سلمة: كان إذا توضأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خلل لحيته. وروى البزار عن أبي بكرة: أنه ~~عليه الصلاة والسلام توضأ وخلل لحيته. وروى ابن عدي عن جابر: أنه توضأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث مرات، فرأيته يخلل ~~لحيته بأصابعه كأنها أسنان المشط. # فهذه الأحاديث تؤيد قول أبي يوسف: إن تخليل اللحية سنة، إلا أن أبا حنيفة ~~يقول: لم يثبت منها المواظبة، بل مجرد الفعل إلا في شذوذ من الطرق، فكان ~~مستحبا لا سنة. # --- PageV01P026 ~~*** # (والأصابع) أي وتخليل أصابع اليدين والرجلين، لما تقدم من حديث لقيط، ~~ولما روى الترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك». وتخليل الأصابع يكون بالتشبيك، ~~والأولى أن يجعل باطن كفه اليمنى على ظهر اليسرى، وبطن كفه اليسرى على ظهر ~~اليمنى. وروى أحمد في «مسنده» عن المستورد بن شداد صاحب النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ يخلل أصابع ~~رجليه بخنصره. # وكيفية تخليلها: أن يضع يده اليسرى في أسفل رجله اليمنى ويدخل خنصرها بين ~~الأصابع، مبتدءا من خنصره اليمنى منتهيا إلى خنصره اليسرى. وهذا إذا وصل ~~الماء داخل الأصابع، وأما إذا لم يصل بأن كانت منضمة، فإن ms0019 تخليلها واجب، ~~فقد ورد في الدارقطني مرفوعا: «خللوا (بين) أصابعكم، لا يخللها الله بالنار ~~يوم القيامة». وفي الطبراني: «من لم يخلل أصابعه بالماء خللها الله بالنار ~~يوم القيامة». # وقال ابن الهمام: أمثل أحاديث التخليل ما في «السنن الأربعة» من حديث ~~لقيط بن صبرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا توضأت فأسبغ ~~الوضوء، وخلل بين الأصابع»، قال الترمذي: حسن صحيح. وروى هو وابن ماجه عن ~~ابن عباس قال عليه الصلاة والسلام: «إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك»، ~~وقال: حسن غريب. # --- PageV01P027 ~~*** # (وتثليث الغسل) أي غسل الوجه، واليدين، والرجلين، عطف على تخليل اللحية. ~~وإنما كان سنة لما روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عمرو بن ~~شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا، فذكر صفة الوضوء ~~ثلاثا ثلاثا إلا الرأس، ثم قال: «هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد ~~أساء وظلم» أو: «ظلم وأساء». وفي رواية ابن ماجه: «فقد تعدى وظلم»، ~~وللنسائي: «فقد أساء وتعدى وظلم». وهذا إذا زاد على الثلاث أو نقص عنه ~~معتقدا أن السنة هذا، أما لو زاد لطمأنينة القلب عند الشك، أو نقص لحاجة ~~فلا بأس به، إذ توضأ عليه الصلاة والسلام ثلاثا ثلاثا، ومرتين مرتين، ومرة مرة. # وظاهر العبارة توهم أن كلا من المرات الثلاث سنة، لكن المراد منه أن ~~الأولى ركن، والثانية والثالثة سنة. وهذا هو الصحيح. وقيل: الثانية سنة، ~~والثالثة نفل، وقيل: بعكسه، وقيل: إذا توضأ ثلاثا ثلاثا فالثلاث فرض، وهذا ~~بعيد جدا. # (ومسح كل الرأس) أي استيعابه (مرة) لما تقدم عن عبد الله بن زيد بن عاصم، ~~ولما حكت الربيع بنت معوذ أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ، قالت: ~~فمسح رأسه ما أقبل منه وما أدبر، وصدغيه، وأذنيه مرة واحدة، ولما روي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم ~~رأسه، ms0020 ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم ~~غسل رجليه. رواه الترمذي. # --- PageV01P028 ~~*** # والأظهر في كيفية المسح: أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه ويمدها إلى ~~قفاه على وجه يستوعب الرأس، ثم يمسح بإصبعيه أذنيه. ولا يكون الماء مستعملا ~~بهذا، لأن الاستيعاب بماء واحد لا يكون إلا بهذا الطريق، ولأن مسح الأذنين ~~بماء الرأس، ولا يكون ذلك إلا بماء مسح به الرأس، ولأنه لا يحتاج إلى تجديد ~~الماء لكل جزء من أجزاء الرأس، فالأذن أولى لكونه تبعا له، كذا ذكره في ~~«شرح الكنز»، واختاره ابن الهمام لأنه أوفق بما روي عنه عليه الصلاة ~~والسلام. # وقال صاحب «المحيط»: يستحب في الاستيعاب أن يضع من كل واحدة من اليدين ~~ثلاث أصابع على مقدم رأسه ولا يضع الإبهام والسبابة ويجافي كفيه، ويمدهما ~~إلى القفا، ثم يضع كفيه على مؤخر رأسه ويمدهما إلى مقدمه، ثم يمسح ظاهر كل ~~أذن بإبهام، ويمسح باطنهما بمسبحة. # وفي «الأسرار»: إن كرر إقبالا وإدبارا مرة بعد أخرى بغير ماء جديد لم يكن ~~فيه بأس. هذا، وقد توافر وتكاثر، كاد أن يتواتر الطرق الصحيحة على المسح ~~مرة واحدة. # وقال الشافعي: السنة في مسح الرأس التثليث، لما روى مسلم: أن عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه توضأ بالمقاعد وهو موضع وقال: ألا أريكم وضوء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم توضأ ثلاثا ثلاثا. قال البيهقي: على هذا الحديث ~~اعتمد الشافعي في تكرير المسح. والروايات الثابتة عنه المفسرة، تدل على أن ~~التكرار وقع فيما عدا الرأس من الأعضاء، وأنه مسح برأسه مرة واحدة. # --- PageV01P029 ~~*** # وأما ما رواه الدارقطني عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عن ~~عبد خير، عن علي كرم الله وجهه: أنه توضأ فغسل يديه ثلاثا، وفيه: مسح رأسه ~~ثلاثا، وغسل، رجليه ثلاثا، ثم قال: من أحب أن ينظر إلى وضوء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كاملا فلينظر إلى هذا، فهكذا رواه أبو حنيفة عن خالد بن ~~علقمة، عن عبد ms0021 خير، عن علي، لكن خالفه جماعة من الثقات: كسفيان الثوري، ~~وشريك، والشعبي وغيرهم، وقالوا: مسح برأسه مرة. # نعم، روى البزار في «مسنده» من طريق أبي داود الطيالسي: أن عليا توضأ في ~~الرحبة فغسل كفيه ثلاثا، ثم مضمض ثلاثا، واستنثر ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ~~وذراعيه ثلاثا، ومسح رأسه ثلاثا، وغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ثلاثا، ثم ~~قال: إني أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا ~~دليل الشافعي وكذا دليل رواية الحسن في تثليث المسح عن أبي حنيفة، ولكن ~~بماء واحد كما رواه الطبراني عن علي في كتاب «مسند الشاميين». والجواب ~~رجحان رواية الإفراد على التثليث، أو حمله على تحقيق الاستيعاب، أوحمل تعدد ~~المياه على قلة البلة أو نفادها، لا لتكون سنة مستمرة. وقال البيهقي: وقد ~~روي من أوجه (غريبة) عن عثمان تكرار المسح، إلا أنه مع خلاف الحفاظ ليس ~~بحجة عند أهل العلم. # (والأذنين) أي ومسحهما (بمائه) أي بماء مسح الرأس. # وقال مالك والشافعي وأحمد: بماء جديد، لما روى الحاكم من حديث حبان ابن ~~واسع، أن أباه حدثه، أنه سمع عبد الله بن زيد يذكر: أنه رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يتوضأ فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه. # --- PageV01P030 ~~*** # ولنا صريحا: ما رواه ابن حبان، وابن خزيمة، والحاكم عن ابن عباس أنه قال: ~~ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: ثم غرف غرفة: فمسح ~~بها رأسه وأذنيه. ودلالة: ما رواه ابن ماجه بإسناد صحيح عن عبد الله بن ~~زيد، والدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «الأذنان من الرأس»، أي حكمهما، فإنه عليه الصلاة والسلام ما بعث ~~لبيان الخلقة، فيحمل ما تقدم على نفاد البلة توفيقا بين الأدلة. وروى ابن ~~ماجه بإسناد صحيح عن ابن عباس: أنه عليه الصلاة والسلام مسح أذنيه فأدخلهما ~~السبابتين وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما. وقد صرح ~~الشيخ في «الإلمام» عن أبي أمامة أن رسول الله ms0022 صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الأذنان من الرأس وكان يمسح المأقين» وقال أخرجه ابن ماجه، وهو حديث حسن. # (والنية) وهي: أن يقصد بالقلب الوضوء، أو رفع الحدث، أو عبادة لا تصح إلا ~~بالطهارة. # وقال مالك والشافعي وأحمد: النية فرض في الوضوء، لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». # ولنا أنه عليه الصلاة والسلام لم يعلم الرجل الذي سأله عن الوضوء النية، ~~ولأن الوضوء شرط للصلاة فلا يفتقر إلى النية كسائر شروطها، فالمراد ~~بالأعمال العبادات، فإن المباحات تعتبر شرعا بلا نية، كالطلاق، والنكاح، ~~وسائر المعاملات، بل المراد بها الطاعات المستقلة، دون ما يتعلق بها من ~~الشرائط التي هي كالوسيلة من طهارة الثوب، وستر العورة، ومعرفة القبلة، ~~فالنية فيها توجب المثوبة، وتصير العمل عبادة، فمن ادعى أن الشرط وضوء هو ~~عبادة، فعليه البيان. # --- PageV01P031 ~~*** # وصورة الخلاف إنما يتحقق في نحو من دخل الماء مدفوعا أو مختارا لقصد ~~التبرد، أو مجرد قصد إزالة الوسخ، أو مجرد تعليم الضوء. # ثم محل النية إما في مبدأ سنن الوضوء، أو في أول فرائضه، والأول أكمل ~~وأفضل، لكن الأولى أن يستديمها إلى غسل الوجه، فتأمل. # (والترتيب) أي بين أعضاء الوضوء المفروضة. # وقال مالك والشافعي وأحمد: فرض لقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم}، فإن غسل الوجه فيها مرتب على القيام بالصلاة، فيجب ~~الترتيب في الباقي، إذ لا قائل بالفصل. # وأجيب بأنه لا يتم هذا الاستدلال إلا إذا كانت الفاء الجزائية تدل على ~~تعقيب مضمون الجزاء مضمون الشرط من غير تراخ، وتدل على وجوب تقديم ما بعدها ~~على ما عطف عليه بالواو، وكلاهما ممنوع، لأننا نقطع بأن لا دلالة في قوله ~~تعالى: {إذا نودي للصلاوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ا وذروا البيع}، ~~على وجوب السعي عقيب النداء بلا تراخ، وعلى وجوب تقديم السعي على ترك ~~البيع. فمعنى آية الوضوء: فاغسلوا هذه الأعضاء، ولا دلالة فيه على ترتيبها ~~في الأداء، فهو على نظير قولك: إذا دخلت السوق فاشتر لنا خبزا ولحما، حيث ~~كان المفاد إعقاب الدخول بشراء ms0023 ما ذكر كيف وقع. نعم، لو استدل بمواظبته ~~عليه الصلاة والسلام ومداومته على مراعاة الترتيب لكان أولى كما لا يخفى. # (والولاء) بكسر الواو: المتابعة، وهو: أن يغسل العضو الثاني قبل جفاف ~~الأول في زمان اعتدال الهواء. وقيل: أن لا يشتغل بينهما بعمل غير ما يتعلق ~~بالوضوء. وشرطه مالك، والدلك كذلك لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم # --- PageV01P032 ~~*** # والجواب أنها تدل على السنية دون الفرضية، لأن الله تعالى أمر بالغسل ~~مطلقا عن قيد الولاء والدلك قد روى ابن دقيق العيد في كتابه «الإمام» عن ~~عبد الرحمن بن عوف قال: قلت: يا رسول الله، إن أهلي تغار علي إذا أنا وطئت ~~جواري، قال: «ومم يعلمن ذلك»؟ قلت: من قبل الغسل، قال: «فإذا كان ذلك منك ~~فاغسل رأسك عند أهلك، فإذا حضرت الصلاة فاغسل سائر جسدك». فهذا يفيد عدم ~~اشتراط الولاء في الغسل، ففي الوضوء كذلك. # (مستحبات الوضوء) # (ومستحبه) أي الوضوء: (التيامن) أي الابتداء باليمين في غسل اليدين ~~والرجلين. # والمستحب: ما فعله عليه الصلاة والسلام أحيانا وتركه أحيانا، فالأصح أنه ~~سنة كما صرح به في «التحفة» لمواظبته عليه الصلاة والسلام، ولقوله صلى الله ~~عليه وسلم «إذا توضأتم فابدؤا بميامنكم» رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن ~~خزيمة، وابن حبان في «صحيحيهما». قال في «الإمام»: وهو جدير بأن يصحح. وغير ~~واحد ممن حكى وضوءه عليه الصلاة والسلام صرحوا بتقديم اليمنى على اليسرى من ~~اليدين والرجلين، وذلك يفيد المواظبة، لأنهم إنما يحكون وضوءه الذي هو دأبه ~~وعادته، فيكون سنة، ولما روى البخاري ومسلم والأربعة عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شيء، حتى ~~في طهوره، وتنعله، وترجله، وشأنه كله». والطهور: بضم الطاء عند الجمهور، ~~والتنعل: لبس النعلين، والترجل: تسريح الشعر. # --- PageV01P033 ~~*** # (ومسح الرقبة) وقيل: إنه سنة، وهو اختيار بعض الشافعية وأكثر العلماء كما ~~في «الخلاصة» من كتب الحنفية، لما روى أبو عبيد القاسم، عن القاسم بن عبد ~~الرحمن، عن موسى بن طلحة قال: «من مسح قفاه مع رأسه ms0024 وقي من الغل». والحديث ~~موقوف لكنه حكما مرفوع، لأن مثله لا يقال بالرأي، ويقويه ما روي مرفوعا في ~~«مسند الفردوس» من حديث ابن عمر، لكن سنده ضعيف، إلا أن الاتفاق على أن ~~الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، على أنا روينا عن كعب بن عمرو اليامي: ~~«أنه صلى الله عليه وسلم توضأ وأومأ بيديه من مقدم رأسه حتى بلغ بهما إلى ~~أسفل عنقه من قبل قفاه». ومسح الحلقوم بدعة كما في «الظهيرية». # (آداب الوضوء) # ومن آداب الوضوء: أن لا يتكلم فيه بكلام الناس، ويستقبل القبلة، ولا ~~يستعين بغيره عند القدرة. # وعن الوبري: لا بأس بصب الخادم، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يصب الماء ~~عليه. ويقرأ الأدعية المأثورة عن الصحابة والتابعين. وقد ورد عنه صلى الله ~~عليه وسلم «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخلها من ~~أي باب شاء» رواه مسلم وزاد الترمذي: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني ~~من المتطهرين». ويستحب أن يصلي ركعتين بعده لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما ~~من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه ~~إلا وجبت له الجنة» رواه مسلم. # (مكروهات الوضوء) # --- PageV01P034 ~~*** # ويكره: الإسراف في الماء لقوله عليه الصلاة والسلام لسعد لما مر به وهو ~~يتوضأ: «ما هذا السرف يا سعد؟» فقال: أفي الوضوء سرف؟ قال: «نعم، وإن كنت ~~على نهر جار» رواه أحمد وابن ماجه. # (فروع) # ومن الفروع: شك في بعض أعضاء وضوئه قبل الفراغ، فعل ما شك فيه إن كان أول ~~شك، وإلا فلا عليه، وإن شك بعده فلا مطلقا. ولو شك في الوضوء أو الحدث، ~~وتيقن سبق أحدهما: بنى على السابق، إلا أن يتأيد اللاحق. # (نواقض الوضوء) # (وناقضه) أي مبطل الوضوء ومخرجه عما هو مطلوب فيه من استباحة الصلاة ~~ونحوها، سواء كان وضوؤه كاملا أو ناقصا: (ما خرج) أي ظهر حقيقة أو حكما، ~~فلا ينقض البول النازل إلى قصبة الذكر، ms0025 لعدم ظهوره أصلا، وينقض البول ~~النازل إلى القلفة لظهوره حكما. وإنما لم يجب إيصال الماء إلى ما تحت ~~القلفة في الغسل عند بعض المشايخ للحرج في ذلك. وقد روى الدارقطني عن ابن ~~عباس عنه عليه الصلاة والسلام قال: «الوضوء مما خرج وليس مما دخل». وقيل: ~~هذا موقوف، وقيل: من قول علي رضي الله عنه فلو أدخلت إصبعها فيه نقض، لا ~~لما دخل، بل لأنها لا تخرج إلا ببلة معها، وكذا العود في الدبر كالمحقنة ~~وغيرها. # (من السبيلين) أي من أحدهما، معتادا كان أو غير معتاد، كالدود والحصى، ~~لقوله تعالى في التيمم الذي هو بدل عن الوضوء: {أو جاء أحد منكم من ~~الغائط}، وهو المكان المطمئن والمنخفض من الأرض. واستعمل في الحدث مجازا، ~~لأنه في مثله يقضى مستترا. # وقال مالك: لا ينقض الدود، والحصاة، والاستحاضة، ونحوها من سلس بول، ~~وانطلاق بطن، أو انفلات ريح، لأن الله تعالى كنى بالغائط عن الحاجة، وهي ~~المعتادة. # --- PageV01P035 ~~*** # ولنا ما صح من قوله عليه الصلاة والسلام: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة». # فإن قيل: الريح الخارجة من قبل المرأة وذكر الرجل خارجة من أحد السبيلين، ~~وليست بناقضة؟ أجيب بأن ذلك اختلاج أي انجذاب وتحرك، وليست بريح خارجة، ولو ~~سلم، فليست بمنبعثة عن محل النجاسة، ولهذا لا تخرج منتنة، فصارت كالجشاء، ~~إلا أن المرأة إذا كانت مفضاة يستحب لها الوضوء، لاحتمال خروجها من دبرها، ~~على أنه روي عن محمد: أن الريح الخارجة من قبل المرأة حدث، قياسا على دبرها. # وأما ما ذكره صاحب «الهداية»: أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~الحدث؟ قال: ما يخرج من السبيلين. فلا أعرف له أصلا. نعم، روى الدارقطني عن ~~ابن عباس مرفوعا: «الوضوء مما خرج وليس مما دخل»، إلا أن في شعبة مولى ابن ~~عباس الراوي اختلافا في توثيقه وتضعيفه، والأصح أنه موقوف على ابن عباس ~~كما ذكره سعيد بن منصور. وقال البيهقي: وروي أيضا عن علي من قوله. # فإن قيل: الحدث شرط الوضوء، فلا يكون ناقضا له. أجيب بأنه ms0026 ناقض لما كان، ~~وشرط لما يكون. # ثم الأصح من مذهب الشافعي أن المني لا ينقض الوضوء، وإن أوجب الغسل لقول ~~ابن عباس: المني كالمخاط، فأمطه عنك ولو بإذخرة. ولأنه أصل خلقة الآدمي، ~~فكان طاهرا كالتراب، لاستحالة أن يقال: خلق الأنبياء من شيء نجس. # ولنا قوله عليه الصلاة والسلام لعمار بن ياسر: «إنما يغسل الثوب من خمسة: ~~البول، والغائط، والخمر، والمني، والدم». وكونه أصل الخلقة لا ينافي ~~النجاسة كالمضغة والعلقة. وابن عباس شبهه بالمخاط في النظر لا في الحكم، ~~وأمره بالإماطة للتمكن من غسله، إذ قبلها يشيع إذا أصابه الماء. # فرع # --- PageV01P036 ~~*** # ومن الفروع: أن المرأة إذا خرج الأقل من ولدها لم تصر نفساء، ويجب عليها ~~الصلاة حينئذ، وإن لم تصل صارت عاصية، كذا في «الخلاصة». وفيه إشكال حيث ~~يدل على أن خروج بعض الولد ليس بناقض للوضوء، ودفع بأن خروج بعض الولد في ~~حقها كخروج البول في حق من به سلس البول، فكما أن خروج البول في حقه اعتبر ~~عدما في الوقت للضرورة، كذا خروج بعض الولد في حقها. انتهى. وفي تنظيره نظر ~~لا يخفى، والظاهر نقض وضوئها، فتتوضأ وتصلي في آخر الوقت. # (أو غيره) أي من غير أحد السبيلين، أو من غير المذكور. والمراد من الخروج ~~أعم من أن يكون بنفسه أو بالإخراج، ليلائم الخروج المذكور في المعطوف عليه، ~~فإنه كذلك. فعلى هذا: لو عصر جرح وخرج منه شيء، وهو بحيث لو لم يعصر لا ~~يخرج، ينقض الوضوء، لأنه مخرج لا خارج بنفسه. # (إن كان نجسا) بفتح الجيم، أي عين نجاسة، كدم، وقيح، وصديد، فلا ينقض نحو ~~المخاط، والدمع، والبزاق، واللعاب، والعرق. وكذا العرق المدني الذي يقال له ~~بالفارسية: رشته، فهو بمنزلة الدود الخارج حيث لا ينقض الوضوء، لأنهما ~~طاهران. وإن كان العرق المدني يسيل منه الماء ينقض كذا في «الظهيرية». ولو ~~دخل الماء في أذنه وخرج، ففي «الخلاصة»: أنه لا ينقض. وفي «المحيط»: خروج ~~القيح من الأذن مع الوجع ناقض، وبدونه لا. ثم الماء الخارج من النفطة ~~بمنزلة الدم ms0027 على الأصح، وكذا الصديد. وقيل: الماء بمنزلة الدمع، كذا في ~~«المضمرات». # --- PageV01P037 ~~*** # (سال إلى ما يطهر) أي ما يجب تطهيره في الجملة، ولو في الجنابة كالفم ~~والأنف، فلا ينقض ما ظهر في موضعه ولم يرتق كنفطة الجدري والبثرة إذا قشرت، ~~ولا ما ارتقى عن موضعه ولم يسل، والدم المرتقي من مغرز الإبر، والحاصل في ~~الخلال من الأسنان، وفي الخبز من العض، وفي الإصبع من إدخال الأنف، ولا ما ~~يسيل بعصر وكان بحيث لو لم يعصر لم يسل. # فالمراد بالسيلان أعم من أن يكون بالفعل أو بالقوة القريبة منه. ولا ينقض ~~نحو الدم يخرج من العين أو الجراحة ويسيل فيهما بحيث لا يتجاوزهما. وقال ~~زفر: لا يشترط السيلان اعتبارا بالمخرجين. ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: ~~«ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون سائلا» رواه الدارقطني ~~في «سننه»، لكن في إسناده ضعفا. # --- PageV01P038 ~~*** # وقال أحمد: ينقض الدم الفاحش والدود الفاحش الخارج من الفرج. وقال مالك ~~والشافعي: لا ينقض الخارج من غير السبيلين لما أسنده أبو داود والحاكم ~~وعلقه البخاري فقال: «ويذكر عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان في غزوة ذات الرقاع بكسر الراء فرمي رجل بسهم فنزفه الدم، أي ~~خرج منه حتى ضعف، فركع وسجد ومضى في صلاته». وسماه البيهقي وقال: فنام عمار ~~بن ياسر، وقام عباد بن بشر يصلي وقال: كنت أصلي بسورة الكهف فلم أحب أن ~~أقطعها. والاستدلال به مشكل، ولذا قال الخطابي: ولست أدري كيف يصح ~~الاستدلال به، والدم إذا سال يصيب بدنه، وربما أصاب ثوبه، ومع إصابة شيء من ~~ذلك لا تصح صلاته، إلا أن يقال: إن الدم كان يجري من الجرح على سبيل الدفق ~~حتى لا يصيب شيئا من ظاهر بدنه، وإن كان كذلك فهو أمر عجيب. انتهى. ومع هذا ~~لا ينهض حجة إلا إذا ثبت اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الرجل ~~وتقريره له عليها. # ولنا ما روى الدارقطني فى «سننه» عن تميم الداري، وابن عدي في ms0028 «كامله» عن ~~زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الوضوء من كل دم ~~سائل». وروى البخاري عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش جاءت إلى النبي عليه ~~الصلاة والسلام فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إنما ~~ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي ~~عنك الدم، وتوضئي لكل صلاة». فنبه عليه الصلاة والسلام على العلة الموجبة ~~للوضوء، وهو كون ما يخرج منها دم عرق، وهو أعم من أن يكون خارجا من ~~السبيلين أو غيرهما، ثم أمرها بالوضوء لكل صلاة. # --- PageV01P039 ~~*** # وقد قالوا: من رمدت عينه وسال الدم منها وجب عليه الوضوء، فإذا استمر ~~فلوقت كل صلاة. وأما ما رواه الدارقطني من أنه عليه الصلاة والسلام «احتجم ~~وصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه» فضعيف. # (والقيء) بالرفع عطف على ما خرج، والواو بمعنى أو. وقوله: (دما) مفعول، ~~لأنه مصدر قاء يقيء (رقيقا) فإنه حينئذ يكون من قرحة في الجوف وقد وصل إلى ~~ما يطهر (إن احمر به البزاق) لأن الدم حينئذ غالب أو مساو، فيكون سائلا ~~بقوة نفسه فيعتبر (لا إن اصفر به) لأنه حينئذ مغلوب فيكون سائلا بقوة غيره ~~فلا يعتبر. # (وغيره) بالنصب عطف على دما والضمير له، أي والقيء غير دم، وهو شامل ~~للطعام والماء والمرة والدم الغليظة. # وقال أحمد: ينقض القيء الفاحش، وقال مالك والشافعي: لا ينقض القيء مطلقا ~~لما صححه الترمذي من حديث صفوان بن عسال قال، «كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا من ~~جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم»، فلم يذكر القيء، فلو كان حدثا لذكره. # ولنا ما روى أبو داود والنسائي والترمذي وقال: أصح شيء في الباب، والحاكم ~~في «مستدركه» وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، من حديث معدان بن أبي ~~طلحة عن أبي الدرداء: أن النبي عليه الصلاة والسلام قاء فتوضأ فلقيت ثوبان ~~في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، ms0029 فقال: صدق، وأنا صببت له وضوءه. # --- PageV01P040 ~~*** # وأجيب عن حديث صفوان بإنه إنما لم يذكر القيء فيه لقلة وقوعه، ولذا لم ~~يذكر فيه الإغماء والجنون. وقد روى ابن ماجه عن عائشة مرفوعا: «من أصابه ~~قيء، أو رعاف، أو قلس، أو مذي فلينصرف وليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ~~ذلك لا يتكلم» وفي رواية الدارقطني: «ثم ليبن على صلاته ما لم يتكلم»، ~~والحديث هذا وإن كان مرسلا، لكنه حجة عندنا وعند الجمهور، لا سيما ويعضده ~~حديث معدان، والله المستعان. وروى الدارقطني: أنه عليه الصلاة والسلام قال: ~~«القلس حدث». والقلس محركة ويسكن الخارج مع الغثيان، والقيء مع سكون ~~النفس أو الأعم، والله تعالى أعلم. # وأما قول صاحب «الهداية» في دليل الشافعي: على أن الخارج من غير السبيلين ~~لا ينقض الوضوء لما روي أنه عليه الصلاة والسلام «قاء ولم يتوضأ» فليس له ~~أصل. وأما حديث ابن جريج عن أبيه كما رواه الدارقطني فقد ذكر البيهقي عن ~~الشافعي: أن هذه الرواية ليست بثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. # ومن الغريب ما ذكره القاضي أبو العباس من أن إمام الحرمين في «النهاية» ~~والغزالي في «البسيط» ذكرا أن هذا الحديث مروي في كتب الصحاح، قال: وهو وهم ~~منهما، ولا معرفة لهما بالحديث لأنهما ليسا من أهل هذا الشأن. وأما ما رواه ~~الدارقطني عن ثوبان: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قاء فدعا بوضوئه، ~~فقلت: يا رسول الله أفريضة الوضوء من القيء؟ قال: «لو كان فريضة لوجدته في ~~القرآن». فقال: لم يروه عن الأوزاعي غير عتبة بن السكن، وهو متروك. # --- PageV01P041 ~~*** # ومن أدلتنا ما في «موطأ مالك» عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا رعف رجع ~~فتوضأ ولم يتكلم، ثم رجع وبنى على ما قد صلى، وما في «مصنف عبد الرزاق» عن ~~الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال: إذا وجد أحدكم ~~رزا أو رعافا أو قيئا فلينصرف وليتوضأ، فإن تكلم استقبل وإلا اعتد لما مضى. ~~وفيه عن سلمان مثله، وفي «مسند ms0030 الشافعي» عن ابن عمر نحوه. والرز بكسر الراء ~~وتشديد الزاي: القرقرة، وقيل: هو غمز الحدث وحركته للخروج، كذا في ~~«النهاية»، وقال السيوطي: هو صوت خفي، وفي «القاموس»: صوت تسمعه من بعيد أو أعم. # وقول من نفى صحة حديث في نقض الوضوء بالدم والقيء والضحك إن سلم لم يقدح ~~في صحة الاحتجاج، لعدم توقفه على صحة الحديث إذ الحسن كاف، على أنها قد ~~تحصل من العدد المجتمع، كما في المتواتر المعنوي، مع أنه رأي من النافي ~~لها، وهو لا يمنع رأي مثله من الصحيح بالنسبة إليه عند غلبة ظنه. # (إن ملأ) أي القيء (الفم) بأن لم يمكن ضبطه إلا بكلفة. وقيل: بأن لم يمكن ~~معه الكلام. وقال زفر: قليل القيء ككثيره اعتبارا بالخارج من السبيلين. ~~ولنا: ما رويناه مقيدا بالسيلان، وما رواه البيهقي في «الخلافيات» من قوله ~~عليه الصلاة والسلام: «يعاد الوضوء من سبع: من إقطار البول، والدم السائل، ~~والقيح، ومن دسعة تملاء الفم، ونوم المضطجع، وقهقهة الرجل في الصلاة، وخروج ~~الدم»، ولا يضر ضعف سهل بن عفان والجارود بن يزيد لوجود أصل الحديث عند ~~غيرهما. والدسعة: الدفعة الواحدة من القيء على ما في «النهاية». # وأما ما ذكره صاحب «الهداية» من قول علي رضي الله عنه حين عد الأحداث: ~~«أو دسعة تملأ الفم» فهذا اللفظ عن علي رضي الله عنه ليس له أصل. # --- PageV01P042 ~~*** # وينتقض بمص قراد وشرب الذباب دم جرح بحيث لو شرط القراد أو ترك دم الجرح ~~لسال، لا بسقوط لحم ودود منه لعدم نجاسة الدود في ذاته واللحم في أصله. # وأما قيء الدم المائع فناقض عند أبي حنيفة رحمه الله وإن لم يملأ الفم، ~~وشرط محمد ملئه، وعن أبي يوسف أنه إن كان من قرحة نقض مطلقا، وإن كان من ~~الجوف لا ينقض حتى يملأ الفم. وفي «النوادر». لو قاء مرارا كل مرة دون ملء ~~الفم والمجموع قد ملأه قال أبو يوسف: ينقض إذا اتحد المجلس، لأن اتحاده ~~يجمع المتفرقات كما في سجدة التلاوة. وقال محمد: إن اتحد السبب ms0031 وهو ~~الغثيان، لأن الأصل إضافة الفعل إلى سببه، وهو الأصح كما في «الكافي». # ولو أرخينا العنان، وجعلنا الأدلة تتعارض في ميدان البيان، فإن جمعنا ~~بينها فهو أولى عند الإمكان، حملنا ما رواه الشافعي على القليل في القيء ~~وما لم يسل، وما رواه زفر على الكثير توفيقا بين الأدلة. # ثم القليل في القيء غير ناقض، وعلى هذا يظهر ما في «المجتبى» عن الحسن: ~~لو تناول طعاما أو ماء ثم قاء من ساعته لا ينتقض لأنه طاهر حيث لم يستحل، ~~وإنما اتصل به قليل القيء فلا يكون نجسا، وكذا الصبي إذا ارتضع وقاء من ~~ساعته، قيل: هو المختار. # (لا بلغما) عطف على «دما»، أو منصوب بمحذوف، أي لا ينقض القيء إذا كان ~~بلغما (أصلا) أي سواء كان من الرأس أو من الجوف، لم يكن ملء الفم أو كان ~~ملئه، ولم يكن مخلوطا بطعام أو كان مخلوطا به، والحال أن الطعام دون ملء ~~الفم، وأما لو كان الطعام ملء الفم فإنه ينقض بالاتفاق. وقال أبو يوسف: ~~البلغم النازل من الرأس لا ينقض، والصاعد من الجوف إن كان ملء الفم ينقض ~~كغيره من أنواع القيء. # --- PageV01P043 ~~*** # (وما ليس بحدث) كالدم الذي ليس بسائل والقيء دون ملء الفم (ليس بنجس) ~~بفتح الجيم، ليس بنجاسة عند أبي يوسف وهو الصحيح عند صاحب «الهداية» وغيره، ~~وقال محمد: وهو نجس احتياطا، واختاره أبو جعفر الهندواني وغيره. فإن قيل: ~~دم الاستحاضة والجرح الذي لا يرقأ ليس بحدث وهو نجس؟ أجيب بأنا لا نسلم أنه ~~ليس بحدث، غايته أنه حدث، لا يظهر أثره إلا بخروج الوقت. # (ونوم متكىء) أي مستند (إلى ما لو أزيل لسقط). واعلم أن النوم إن كان ~~اضطجاعا أو اتكاء على أحد الوركين نقض، وإن كان استنادا إلى شيء يسقط ~~المتكيء عند إزالته، فإن زالت المقعدة عن الأرض نقض اتفاقا، وإن لم تزل ذكر ~~الطحاوي والقدوري أنه ينقض لحصول غاية الاسترخاء، والمروي عن أبي حنيفة ~~رحمه الله أنه لا ينقض، لأن استقرار المقعدة على الأرض يمنع من الخروج. ms0032 وإن ~~كان في قيام أو ركوع أو سجود، فإن كان في الصلاة لا ينقض، وكذلك إن كان ~~خارجها وهو على هيئتها من رفع البطن في السجود عن الفخذين وتجافي العضدين ~~عن الجنبين. وذكر ابن شجاع أنه ينقض خارج الصلاة. # وقال الشافعي: ينقض مطلقا، لأنه لا يؤمن الحدث في هذه الهيئات، ففارقت ~~هيئة القعود متمكنا. # --- PageV01P044 ~~*** # ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يجب الوضوء على من نام جالسا، أو ~~قائما، أو ساجدا، حتى يضع جنبيه، فإذا اضطجع استرخت مفاصله» رواه البيهقي، ~~وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس: أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام ~~نام وهو ساجد حتى غط أو نفخ، ثم قام فصلى فقلت: يا رسول الله إنك نمت؟ ~~فقال: «إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعا، فإنه إذا اضطجع استرخت ~~مفاصله». وغط النائم بفتح الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة إذا نخر. # وأخرج ابن عدي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله عليه ~~الصلاة والسلام: «ليس على من نام قائما أو قاعدا وضوء حتى يضطجع جنبه إلى ~~الأرض»، وأخرج أيضا عن ابن عباس عن حذيفة بن اليمان قال: كنت جالسا في مسجد ~~المدينة أخفق فاحتضنني رجل من خلفي، فإذا أنا بالنبي عليه الصلاة والسلام، ~~فقلت: يا رسول الله وجب علي وضوء؟ قال: «لا حتى تضع جنبك على الأرض». # وهذه الأحاديث وإن كانت بانفرادها لا تخلو عن ضعف، إلا أنها إذا تعاضدت ~~لم تنزله عن درجة الحسن، ولم يعارضه صريح مثله، فيجوز العمل به. # وقال أبو يوسف: ينقض الوضوء بتعمد النوم في سجود الصلاة، وقالا: لا ينقض ~~به لعموم ما روينا، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا نام العبد في السجود ~~يباهي الله ملائكته فيقول: انظروا إلى عبدي، روحه عندي، وبدنه في طاعتي». ~~وإنما يكون في الطاعة أن لو بقيت طهارته، لأنه بدونها إما كفر أو كبيرة. # --- PageV01P045 ~~*** # وفي «الظهيرية»: لو نام قاعدا فسقط إن انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الأرض ~~لا ينقض. وقيل: ينقض إذا ms0033 ارتفع مقعدته عن الأرض، والأول أصح. وفي ~~«الخلاصة»: أن الأول قول أبي حنيفة، والثاني قول محمد. ولو وضع يده على ~~الأرض ونام، أو نام محتبيا ورأسه على ركبتيه لا ينقض. ولو صلى المريض ~~مضطجعا، فنام فالصحيح أنه ينقض. ولو نعس مضطجعا إن كان نعاسه خفيفا بحيث ~~يسمع ما يتحدث عنده لا ينقض. # ثم النوم وما ذكر بعده من الإغماء والجنون: مظنات للأحداث أقيمت مقامها. ~~والأصل فيها قوله عليه الصلاة والسلام: «العينان وكاء السه، فإن نامت ~~العينان استطلق الوكاء». وأما إذا نام قاعدا وتمايل بحيث احتمل زوال ~~المقعدة به فلا ينقض، لما في «سنن أبي داود»: كان أصحاب رسول الله عليه ~~الصلاة والسلام ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤسهم أي تضطرب (ثم يصلون) ولا ~~يتوضؤون. # واعتبر مالك ثقل النوم حال الجلوس لأنه مظنة استرخاء المفاصل غالبا، ~~فأدير الحكم عليه بخفاء سببه. # ولنا إطلاق ما روينا من حديث حذيفة وغيره. وأما ما في «مسند البزار» ~~بإسناد صحيح «كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ينتظرون الصلاة ~~فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام ثم يقوم إلى الصلاة»، فيجب حمله على النعاس. # وقال الحلواني: لا ذكر للنعاس مضطجعا، والظاهر أنه ليس بحدث، لأنه نوم ~~قليل. أقول: بل هو مقدمة النوم، وقد قال الدقاق: إن كان لا يفهم عامة ما ~~قيل حوله كان حدثا، وإن كان يسهو حرفا أو حرفين فلا. # وأما نومه عليه الصلاة والسلام فليس بحدث، لأنه من خصوصياته ولقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «تنام عيناي ولا ينام قلبي». # --- PageV01P046 ~~*** # (والإغماء) وهو مرض يوجب ضعف القوى، والمراد به هنا: الغلبة على العقل ~~بأي سبب كان، فيشمل السكر وهو: خفة تعتري الإنسان. والضابط هنا كاليمين، ~~وهو أن يكون في مشيه اختلال، وهو الأصح على ما في «المجتبى». وفي ~~«الخلاصة»: السكر حدث إذا لم يعرف به الرجل من المرأة. # وإنما ينتقض وضوؤه بالغلبة على العقل، لأنها فوق النوم مضطجعا، ولهذا ~~كانت ناقضة في جميع الأحوال، ألا ترى أن المغمى عليه لا ينتبه بالتنبيه ~~بخلاف النائم. # (والجنون) وهو علة تزيل ms0034 العقل وتسلبه، وهو أقوى مما قبله. # (وقهقهة بالغ) عمدا كان أو سهوا، وهي ما تكون مسموعة له ولجيرانه، سواء ~~ظهرت أسنانه أو لا. والضحك: ما يكون مسموعا له دون غيره، وتبطل به الصلاة ~~دون الوضوء. والتبسم: ما لا يسمع أصلا، وليس بمبطل لواحد منهما. وقيد ~~«بالغ» لأن قهقهة الصبي لا تبطل وضوءه وتبطل صلاته. # (في صلاة مطلقة) أي ذات ركوع وسجود أو ما يقوم مقامهما من الإيماء، فلا ~~تنقض القهقهة في صلاة الجنازة ولا في سجدة تلاوة، وتنقض في نافلة على ~~الدابة. # وقال مالك والشافعي وأحمد: لا تنقض القهقهة وضوءا، لأنها لو نقضت في ~~الصلاة لنقضت خارجها، وفي صلاة الجنازة وسجدة التلاوة كباقي النواقض. # ولنا أن القياس ما ذكروه ولكن تركناه فيما إذا كانت القهقهة في ذات ركوع ~~وسجود بما رواه الدارقطني عن أبي هريرة وعمران بن حصين، والطبراني عن أبي ~~موسى الأشعري واللفظ له قال: بينما رسول الله عليه الصلاة والسلام يصلي ~~بالناس إذ دخل رجل فتردى أي وقع في حفرة كانت في المسجد، وكان في بصره ~~ضرر، فضحك كثير من القوم وهم في الصلاة، فأمر رسول الله عليه الصلاة ~~والسلام من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة. # --- PageV01P047 ~~*** # ولنا أيضا ما قدمنا من قوله عليه الصلاة والسلام: «يعاد الوضوء من سبع»، ~~وقوله: «من ضحك في الصلاة قهقهة فليعد الوضوء والصلاة»، فإنه روي مرسلا ~~ومسندا، وقد اعترف أهل الحديث كلهم بصحته مرسلا، والمرسل حجة عندنا وعند ~~الجمهور. وأما روايته مسندا، فعن عدة من الصحابة كابن عمر، ومعبد الخزاعي، ~~وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وأنس، وجابر، وعمران بن حصين، وقد استوفى ~~صاحب التخريج الكلام على الطرق كلها، ونقتصر منها على طريقين: # طريق ابن عمر، وهو ما روى ابن عدي في «الكامل» من حديث عطية بن بقية: ~~حدثنا أبي: حدثنا عمرو بن قيس السكوني، عن عطاء، عن ابن عمر قال: قال رسول ~~الله عليه الصلاة والسلام: «من ضحك في الصلاة قهقهة فليعد الوضوء والصلاة». # وأما الطعن فيه بأن بقية مدلس، فكأنه سمعه من ms0035 بعض الضعفاء وحذف اسمه: ~~فمدفوع بأنه صرح فيه بالتحديث، والمدلس الصدوق إذا صرح بالتحديث تزول تهمة ~~التدليس، وبقية من هذا القبيل. # وطريق معبد، وهو ما روى أبو حنيفة في «مسنده» عن منصور بن زاذان الواسطي، ~~عن الحسن، عن معبد بن أبي معبد الخزاعي، عنه عليه الصلاة والسلام قال: ~~بينما هو في الصلاة إذ أقبل أعمى يريد الصلاة، فوقع في زبية بضم الزاي ~~وسكون الموحدة فتحتية ، أي حفرة، فاستضحك القوم فقهقهوا، فلما انصرف رسول ~~الله عليه الصلاة والسلام قال: «من كان منكم قهقه فليعد الوضوء والصلاة». # --- PageV01P048 ~~*** # وقيل: معبد هذا لا صحبة له، فهو مرسل أيضا، ورد بأن المعبد الذي لا صحبة ~~له هو معبد البصري الجهني، كان الحسن يقول فيه: إياكم ومعبدا، فإنه ضال ~~مضل، ومعبد هذا هو الخزاعي كما هو مصرح في «مسند أبي حنيفة»، ولا شك في ~~صحبته، ذكره ابن منده وأبو نعيم في الصحابة، ورويا له حديث جابر: أنه لما ~~مر النبي عليه بخباء أم معبد، فبعث معبدا وكان صغيرا فقال: «ادع الشاة»... ~~الحديث. # (والمباشرة الفاحشة) وهي أن يمس فرجه فرجها وهو منتشر الآلة، وقال محمد: ~~إنما ينقض إذا خرج المذي، لأن الناقض خروج النجس. ولهما أن المباشرة على ~~هذه الصفة لا تخلو غالبا عن مذي، فجعل الغالب كالمتحقق احتياطا. وفي ~~«القنية»: وكذا المباشرة بين الرجل والغلام، وكذا بين الرجلين، توجب الوضوء ~~عليهما. ثم عبارات أكثر الكتب متظاهرة من أن الصحيح والمفتى به قول محمد. # (لا مس المرأة) أي لا ينقض الوضوء مس المرأة، سواء تكون إضافة المصدر إلى ~~فاعله أو مفعوله، وهو قول علي وجماعة من الصحابة. # وقال الشافعي وأحمد: ينقض مس المرأة التي غير محرم وضوء اللامس، وهو قول ~~عمر وبعض الصحابة لقوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم ~~النساء} بقصر اللام كما قرأه حمزة والكسائي، وحقيقة اللمس المس، لقوله ~~تعالى: {فلمسوه بأيديهم}. وقال مالك: ينقض بالمس إذا كان يتلذذ به. # --- PageV01P049 ~~*** # ولنا ما في «الصحيحين» من حديث عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: ms0036 كنت أنام ~~بين يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني ~~فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما، وما في «السنن الأربعة»: عن عائشة: أن النبي ~~عليه الصلاة والسلام كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ، ورواه البزار ~~في «مسنده» بإسناد حسنه. # وأجيب عن الآية بأن اللمس يكنى به عن الجماع، وحمل الآية عليه أولى ~~ليوافق قراءة: {لامستم} فإنه مفسر بالجماع عند الجمهور، وقد قال ابن عباس: ~~المراد باللمس: الجماع، إلا أن الله تعالى حيي كنى بالحسن عن القبيح، كما ~~كنى بالمس عن الجماع في قوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن}، ~~والمراد الجماع بالإجماع، ولأن الآية تصير بيانا لكون اللمس رافعا للحدث ~~الأصغر والأكبر. # (و) لا (الذكر) أي ولا ينقض الوضوء مس ذكره أو ذكر غيره مطلقا. # وقال الشافعي: ينقضه إن كان ببطن الكف أو بطن الأصابع، وبه قال مالك إذا ~~كان بشهوة، وقال أحمد: مس الفرج ينقض الوضوء ذكرا كان أو أنثى، لما روى ~~أحمد والطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا ~~أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه الوضوء»، وما روى ~~أصحاب «السنن الأربعة»: عن بسرة بنت صفوان أنه عليه الصلاة والسلام قال: ~~«من مس ذكره فليتوضأ». # --- PageV01P050 ~~*** # ولنا ما رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يمس ذكره، في الصلاة؟ فقال: «هل هو إلا ~~بضعة منك»، بفتح الموحدة، أي قطعة من جسدك، قال الترمذي: هذا الحديث أحسن ~~شيء يروى في هذا الباب، ورواه ابن حبان في «صحيحه»، ورواه الطحاوي وقال: ~~هذا حديث مستقيم غير مضطرب في إسناده ومتنه، فهو حديث صحيح معارض لحديث ~~بسرة. وأما ما قيل من أن المراد به المس بحائل: فرد بأن تعليله عليه الصلاة ~~والسلام يأبى ذلك. # قال بعض المحققين: إن الحديثين لم يسلما من الطعن فيهما، والحق أنهما لا ~~ينزلان عن درجة الحسن، لكن ms0037 يترجح حديث طلق بأن الرجال أقوى في الحال، لأنهم ~~أحفظ وأضبط للأقوال. # وقد ثبت عن علي، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وحذيفة ~~ابن اليمان، وعمران بن الحصين، وأبي الدرداء، وسعد بن أبي وقاص: أنهم كانوا ~~لا يرون النقض منه، وإن روي النقض عن غيرهم كعمر، وابنه، وأبي أيوب ~~الأنصاري، وزيد بن خالد، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر، ~~وعائشة رضي الله عنهم، ذكره ابن الهمام. # --- PageV01P051 ~~*** # وفي «شرح الآثار» للطحاوي: لا نعلم أحدا من الصحابة أفتى بالوضوء من مس ~~الذكر إلا ابن عمر، وقد خالفه في ذلك الأكثر فتأمل وتدبر، فإنه على تقدير ~~تساويهما إذا تعارضا تساقطا، والأصل عدم النقض. وإن سلكنا طريق الجمع جعل ~~مس الذكر كناية عما يخرج منه، وهو من أسرار البلاغة، يسكتون عن ذكر الشيء ~~ويرمزون عليه بذكر ما هو من روادفه، فلما كان مس الذكر غالبا يرادف خروج ~~الحدث منه ويلازمه، عبر به عنه، كما عبر الله سبحانه بالمجيء من الغائط عما ~~يقصد الغائط لأجله ويحل فيه، فيتطابق طريقا الكتاب والسنة. وكذا الخلاف في ~~مس الدبر. # (فرض الغسل) # (وفرض الغسل) بالضم أي الاغتسال (غسل فمه وأنفه) بالفتح مصدر غسلت. وبه ~~قال أحمد في أقوى الروايتين. # وقال مالك والشافعي: غسلهما سنة في الغسل كالوضوء. # فهما فرضان كما قدمنا. ولنا في الفرق بينهما أن المأمور به في الوضوء غسل ~~الوجه، وهو ما تقع به المواجهة ولا مواجهة بداخل الفم والأنف، والمأمور به ~~في الجنابة غسل جميع البدن على وجه المبالغة لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا}. فما في غسله حرج كداخل العين: يسقط، وما لا حرج فيه: يبقى. وداخل ~~الفم والأنف مما لا حرج فيه. وأيضا يغسلان عادة وعبادة: نفلا في الوضوء، ~~وفرضا من النجاسة الحقيقية، فشملهما نص الكتاب، والله تعالى أعلم بالصواب. # --- PageV01P052 ~~*** # وأما استدلالهما بقوله عليه الصلاة والسلام كما رواه أبو داود عن عمار، ~~ومسلم عن عائشة: «عشر من الفطرة» وعد منها المضمضة والاستنشاق: فمدفوع بأن ~~كونهما من الفطرة لا ms0038 ينفي وجوبهما، لأنها الدين، وهو أعم منه فلا يعارضه، ~~قال الله تعالى: {فطرة الله التي فطر الناس عليها}، وورد «كل مولود يولد ~~على الفطرة». # وروى الدارقطني عن أبي هريرة لكن بسند ضعيف جدا أنه عليه الصلاة والسلام ~~جعل المضمضة والاستشناق فريضة للجنب، وفي رواية أنه عليه الصلاة والسلام ~~«جعل المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثا فريضة». وقد انعقد الإجماع على إخراج ~~اثنتين منها عن الفرض فيبقى مرة واحدة. # وأما ما في «الهداية» من أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إنهما يعني ~~المضمضة والاستنشاق فرضان في الجنابة، سنتان في الوضوء»، فلا أصل له. وروى ~~أبو حنيفة عن عثمان بن راشد، عن عائشة بنت عجرد، عن ابن عباس فيمن نسي ~~المضمضة والاستنشاق قال: لا يعيد إلا أن يكون جنبا. وبمثله يترك القياس، ~~وإن ادعى الشافعي أن عثمان وعائشة الراويين غير معروفين ببلدهما، إذ عدم ~~معرفته بحالهما لبعد عهده بينهما: لا ينفي معرفة من أخذ عنهما. # وفي «الظهيرية»: من اغتسل وبين أسنانه طعام لا بأس به، لأن ما بين ~~الأسنان رطب فيصل الماء إلى ما تحته. وقال الأستاذ الإمام علي البزدوي: يجب ~~عليه غسل ذلك الموضع، وينبغي أن يحمل الأول على حال تخلخله، والثاني على ~~عدمه. ولو نسي المضمضمة ثم شرب ماء وأتى على جميع فمه أجزأه وإلا فلا. ~~والدرن اليابس في الأنف كالخبز الممضوغ والعجين يمنع. # --- PageV01P053 ~~*** # (وكل البدن) أي وغسل جميع بدنه مرة واحدة مستوعبة للشعر والبشرة لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر، وأنقوا البشر» رواه ~~أبو داود والترمذي. وقوله عليه الصلاة والسلام: «من ترك شعرة من جسده ولم ~~يغسلها فعل به كذا وكذا من النار». قال علي كرم الله وجهه: فمن ثم عاديت ~~شعري وكان يجزه. كذا روى في «الإمام». # فيجب غسل السرة وفرج المرأة الخارج، وداخل القلفة عند بعض المشايخ. ولو ~~كان في الأذن ثقب فإن كان فيه قرط وظن أن الماء لا يصل إلا بتحريكه حرك، ~~وإن لم يكن فيه قرط فإن كان لا يصل الماء إليه إلا ms0039 بالتكلف ارتكبه، وإن كان ~~بحال إن أمر الماء عليه دخل وإن لم يمر لم يدخل: أمر الماء، وأجزأه كالسرة، ~~لا سيما بالنسبة إلى السمان، ولا يتكلف بإدخال شيء، ولا يضر ما ينتضح من ~~غسله في الإناء، بخلاف ما إذا قطر فيه كله أو أكثره. # (سنن الغسل) # (وسننه) وفي نسخة: سنته، أي يسن في الغسل (أن يغسل يديه) أي إلى رسغيه ~~أولا، لأنهما آلة التطهير (وفرجه) لأنه مظنة النجاسة، فيشمل قبله ودبره، ~~وإن اختص في اللغة بالقبل. # (ويزيل النجاسة) أي الحقيقية عن بدنه إن كانت عليه، لئلا تشيع بإسالة ~~الماء. ولا يغني ذكرها عن ذكر الفرج كما ظنه شارح «الكنز»، لأن تقديم غسله ~~ها هنا سنة وإن لم يكن فيه نجاسة كتقديم الوضوء حتى مسح الرأس على الصحيح، ~~وهو ظاهر الرواية. لقول ميمونة: «توضأ وضوءه للصلاة»... الحديث كما سيأتي، ~~وإن روى الحسن عدمه، لأن غسله لا بد منه. # --- PageV01P054 ~~*** # (ثم يتوضأ، إلا رجليه) هذا الاستثناء ثابت في بعض النسخ، فهو متصل أي ~~يغسل أعضاء وضوئه، أو يستكمل أجزاءه إلا غسلهما فإنه يؤخر إلى آخر الأمر. # (ثم يفيض الماء على بدنه ثلاثا، ثم يغسل الرجلين لا في المستنقع) بصيغة ~~المفعول، أي مجتمع الماء المستعمل، بل إن كان اغتساله في مكان يجتمع فيه ~~الماء غسل رجليه في مكان آخر، وإن كان في مكان لا يجتمع فيه الماء كما لو ~~اغتسل على لوح أو حجر أو قبقاب غسل رجليه فيه. # وثم في المواضع الثلاث للتراخي في الرتبة مع الإيماء إلى الترتيب، وإلى ~~جواز المهلة، فإن الموالاة ليست بشرط عندنا. وكان الأولى أن يعطف بالواو أو ~~الفاء فإنه أخصر وأظهر. # وأصل ذلك ما روى أصحاب «الكتب الستة» عن ابن عباس قال: حدثتني خالتي ~~ميمونة قالت: أدنيت أي قربت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من ~~الجنابة بكسر الغين أي ما يغتسل به فغسل كفيه مرتين أو ثلاثا، ثم أدخل ~~يده في الإناء، ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها ~~دلكا شديدا، ms0040 ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات، كل حفنة ~~ملء كفيه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه، ثم أتيته ~~بالمنديل فرده. # ثم كيفية الصب أن يفيض على منكبه الأيمن ثلاثا، ثم الأيسر ثلاثا، ثم على ~~سائر جسده، أو يبدأ بالرأس، وهو الأظهر، لحديث ميمونة وغيرها من عدة أحاديث ~~أوردها البخاري في «جامعه». # --- PageV01P055 ~~*** # (ويكفي لذات الضفيرة) أي لصاحبة الشعر المضفور (أن يبتل أصلها) أي أصل ~~الضفيرة. وفيه إشعار بأنه لا يجب عليها بل ذوائبها وعصرها كما قال بعض ~~المشايخ، والصحيح: أنه يجب غسل الذوائب وإن جاوزت القدمين. ثم المراد ~~بالابتلال هذا: هو وصول الماء إلى أصول الشعر، حتى لا يكفي الابتلال الحاصل ~~بالمسح، لكن في «الملتقط»: أنه إذا لم يصب الغسل بعض البدن فمسحه بيده حتى ~~ابتل جسده كله أجزأه. # واحترز بذات الضفيرة عن ذي الضفيرة، فإنه يجب عليه نقضها في الصحيح. وأما ~~إذا كانت الضفيرة منقوضة فيجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر كما في اللحية ~~لعدم الحرج. # وإنما لا يجب عليها نقص ضفيرتها لما روى الجماعة إلا البخاري: عن أم سلمة ~~قالت: قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ وفي ~~رواية للحيضة والجنابة؟ فقال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ~~ثم تفيضي عليك الماء فتطهري». # والضفر بفتح وسكون، وقيل بضمهما. # ولما في أبي داود من أنهم استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فقال: «أما الرجل فلينشر رأسه فليغسل حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا ~~عليها أن تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها»، وفي رواية لمسلم ~~عنها: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ قال: «لا».. الحديث. لكن روى الدارقطني عن ~~أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا اغتسلت المرأة من حيضها ~~نقضت شعرها نقضا وغسلته بخطمي وأشنان، فإذا اغتسلت من الجنابة صبت على ~~رأسها الماء وعصرته». # وأوجب مالك الدلك في الغسل كما في الوضوء. وأوجبه أبو يوسف في الغسل، ~~ووجهه ms0041 ما في آية الغسل من المبالغة. # --- PageV01P056 ~~*** # (موجبات الغسل) # (وموجبه) بكسر الجيم، أي سبب وجوبه أي فرضيته، فإن الموجب الحقيقي هو ~~الله سبحانه (إنزال مني) أي نزوله وخروجه. وهو من المرأة: رقيق أصفر. ومن ~~الرجل: غليظ أبيض رائحته كرائحة الطلع (ذي دفق) وفي بعض النسخ: ذي قوة، أي ~~دفق وغلبة # (وشهوة) أي ذي شهوة، وكأنه عطف تفسير (عند الانفصال) أي انفصال المني عن ~~الظهر، حتى لو أنزل من غير شهوة، بأن حمل شيئا ثقيلا أو ضرب على ظهره، ~~فسبقه المني، لا غسل عليه. # وقال مالك والشافعي: عليه الغسل لما روى مسلم وأبو داود عن أبي سعيد ~~الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما الماء من الماء». أي ~~الغسل من المني واجب، إذ هو خطاب جار مجرى الأمر. # ولنا قوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} والجنب من قضى شهوته، لأن ~~الرجل إذا قضى شهوته من المرأة جانبها. والحديث محمول على الخروج بشهوة، ~~لأن اللام فيه للعهد الذهني، أي الماء المعهود وهو الخارج عن شهوة، كيف وهو ~~متناول لماء لا يوجب الغسل كالمذي ونحوه، وربما يأتي على أكثر الناس جميع ~~عمره ولا يرى هذا الماء مجردا عن شهوة، إذ حصوله إنما يكون بضرب على الصلب ~~ونحوه. على أنا نمنع وجود مني بلا شهوة، ألا ترى إلى تفسير عائشة المني ~~بأنه أبيض ثخين ينكسر منه الذكر؟ وانكساره لا يكون إلا من شهوة، كذا ذكره ~~بعض المحققين. وفيه بحث لا يخفى على المدققين. # --- PageV01P057 ~~*** # وقال أبو يوسف: لا بد من بقاء الشهوة عند خروج المني من ذكره. واكتفيا ~~بوجودها عند انفصالها من الصلب احتياطا، مع الاتفاق على أنه لا يجب الغسل ~~إذا انفصل عن مقره من الصلب بشهوة إلا إذا خرج على رأس الذكر. وتظهر ثمرته ~~فيمن استمنى بكفه وأمسك ذكره حتى سكنت شهوته فخرج المني بلا شهوة، وفيمن ~~اغتسل قبل البول والنوم والمشي ونحوها، ثم خرج منه بقية المني حيث يلزمه ~~الغسل عندهما خلافا له. وقولهما أحوط كما لا يخفى. # (وغيبة حشفة) ms0042 وهي ما فوق موضع الختان من رأس الذكر، أو قدرها إذا كانت ~~مقطوعة ولو من مقطوع الأنثيين (في قبل أو دبر) وإنما لم يقل: والتقاء ~~الختانين كما في الحديث الآتي، لأنه لا يتناول الدبر، ولأن الحاصل في القبل ~~أيضا ليس بالتقاء حقيقة وإنما هو محاذاة، لأن ختان المرأة أعلى الفرج فوق ~~مخرج البول، ومحل الوطء أسفله. والختان سنة للرجل تكرمة لها، إذ جماع ~~المختون ألذ. وفي «نظم الفقه»: سنة فيهما غير أنه لو تركه يجبر عليه إلا من ~~خشية الهلاك، ولو تركته هي لا. # (على الفاعل) وهو ظاهر، لأن الحد واجب عليه اتفاقا (والمفعول به) أما عند ~~أبي يوسف ومحمد فلأنه لما وجب عليه الحد الذي يحتاط في تركه ففي الغسل الذي ~~يحتاط في فعله أولى. وأما عند أبي حنيفة فلأن الاحتياط في الحد تركه وفي ~~الغسل فعله. # وقالت الظاهرية: لا يجب الغسل بدون الإنزال لما في «الصحيحين» عن أبي بن ~~كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يصيب من المرأة ثم ~~يكسل؟ فقال: «يغسل ما أصابه من المرأة، ثم يتوضأ ويصلي». يقال: أكسل الرجل ~~في الجماع: إذا خالط أهله ولم ينزل. # --- PageV01P058 ~~*** # ولنا ما روى مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: اختلف رهط من المهاجرين ~~والأنصار فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال ~~المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، وقال أبو موسى: أنا أشفيكم من ذلك، ~~قال: فاستأذنت على عائشة فأذن لي فقلت: يا أماه إني أريد أن أسألك عن شيء ~~وأنا أستحييك، قالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلا عنه أمك التي ولدتك ~~فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب ~~الغسل». # وفي «مسند عبد الله بن وهب» أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إذا التقى ~~الختانان وغابت الحشفة وجب الغسل أنزل أو لم ينزل». ولفظ ابن أبي شيبة ms0043 في ~~«مصنفه»: و«توارت الحشفة». وفي الترمذي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها: ~~«إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فاغتسلنا». # --- PageV01P059 ~~*** # ولا يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم «إنما الماء من الماء» لما روى أبو ~~داود والترمذي وصححه أن الفتيا التي كانوا يفتون إنما الماء من الماء ~~كانت رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر بالاغتسال، وفي ~~رواية: «ثم أمرنا»، فهذا مصرح بالنسخ، ولأن الماء موجود فيه تقديرا لأنه ~~سبب الإنزال، إذ الغالب في مثله الإنزال، وهو متغيب عن بصره، فأقيم السبب ~~الظاهر وهو الالتقاء مقام الإنزال احتياطا، وما ذكرناه مأثور، لأن هذا ~~الفعل أقيم مقام الإنزال في حق وجوب الحد، فلأن يقوم مقامه في وجوب الغسل ~~أولى. وبهذا احتج علي رضي الله عنه على الأنصار فقال: توجبون الرجم ولا ~~توجبون صاعا من الماء. # ثم السببية موجودة على الكمال في الإيلاج في الد # بر لكونه سببا لخروج المني غالبا كالإيلاج في القبل لاشتراكهما في دواعي ~~الإنزال، ويجب على المفعول به وإن لم يكن سببا لنزول مائه احتياطا لوجوب الغسل. # ثم مطلق الإيلاج في الآدمي يتناول الذكر في القبل والدبر وإيلاج الإصبع، ~~وفي إيلاج الإصبع الدبر خلاف في إيجاب الغسل. # (ورؤية المستيقظ) أي علمه ليدخل الأعمى. والرؤية تستعمل في معنى العلم ~~باتفاق أهل اللغة، ومنه: رأيت الله أكبر كل شيء. (المني) بالنصب على ~~المفعولية (أو المذي) بفتح الميم فسكون معجمة، وبكسر المعجمة وتشديد الياء: ~~ما يخرج من الرجل عند الملاعبة مع أهله. وهو ماء رقيق يضرب إلى البياض. ~~وأما ما يخرج من المرأة فيسمى القذى بفتح القاف والذال المعجمة. يعني إذا ~~استيقظ النائم فوجد بللا، فإن كان منيا يجب عليه الغسل تذكر احتلاما أو لم ~~يتذكر، وكذلك إن كان مذيا. # --- PageV01P060 ~~*** # وقال أبو يوسف: لا غسل عليه إن رأى مذيا ولم يتذكر احتلاما، لأن خروج ~~المذي موجب للوضوء لا للغسل حال اليقظة، فبالحري أن لا يوجب في المنام، وبه ~~أخذ خلف بن ms0044 أيوب وأبو الليث لكونه أقيس. # ولهما ما روى أبو داود والترمذي: عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما؟ قال: «يغتسل»، وعن الرجل ~~يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: «لا غسل عليه». فقالت أم سلمة: يا ~~رسول الله قالمرأة ترى ذلك أعليها الغسل؟ قال: «نعم، إنما النساء شقائق ~~الرجال». ولأن النوم مظنة الاحتلام فيحمل عليه، ثم يحتمل أنه كان منيا فرق ~~بواسطة الهواء، والاحتياط لازم في باب العبادات. # وإنما قيد بالمستيقظ، لأنه لو أفاق السكران والمغمى عليه فوجدا مذيا لا ~~غسل عليهما، لأنه وجد سبب خروج المذي وهو السكر والإغماء، فيحال عليه. ~~وتوضيحه: أن المني لا بد له من سبب، وقد ظهر في النوم وإن لم يتذكر احتلاما ~~لكونه مظنته، فإن راحة النوم تهيج الشهوة مع احتمال حدوث الرقة، فاعتبر ~~منيا احتياطا، ولا كذلك المغمى عليه والسكران، لأنه لم يظهر فيهما هذا السبب. # (وانقطاع الحيض) لقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن}، بتشديد الطاء، أي ~~يغتسلن، فإن منع الزوج من القربان الذي هو حقه، وجعل الغسل غاية لذلك ~~المنع، دليل على وجوب الغسل. (والنفاس) للإجماع والقياس على الحيض. # (لا وطء بهيمة) أي لا يوجب الغسل وطء دابة، وكذا وطء ميتة وصغيرة لا ~~تشتهى (بلا إنزال) لنقصان السببية في اقتضاء الشهوة. # --- PageV01P061 ~~*** # وقال مالك والشافعي: لا يشترط الإنزال فيهما اعتبارا لهما بغيرهما. # (فيما يسن الغسل) # (وسن) أي الغسل (للجمعة) بضمتين ويسكن الميم، لما روى أبو داود والترمذي ~~والنسائي عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل». وهو مذهب جمهور ~~العلماء وفقهاء الأمصار في الأعصار، وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه ~~الأبرار. # وقيل: إنه قال بوجوبه لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: «الغسل يوم الجمعة ~~واجب على كل محتلم» أي بالغ، رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري. # وأجابوا عنه بأن معنى واجب: متأكد لازم ثابت، جمعا بين الحديثين. ms0045 وقيل ~~الأول ناسخ للحديث الثاني، والدليل على تأخره ما رواه أبو داود: عن عكرمة ~~أن أناسا من أهل العراق جاؤا فقالوا لابن عباس: أترى الغسل واجبا يوم ~~الجمعة فقال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه ~~بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل؟: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون ~~على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقا مقارب السقف إنما هو عريش، فخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم في يوم حار وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح آذى ~~بذلك بعضهم بعضا، فلما وجد النبي صلى الله عليه وسلم تلك الرياح قال: «يا ~~أيها الناس إذا كان هذا اليوم اغتسلوا، وليمس أحدكم أمثل ما يجد من دهنه ~~وطيبه». قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ~~ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق. # --- PageV01P062 ~~*** # ثم هذا الغسل لليوم عند الحسن بن زياد، وللصلاة عند أبي يوسف وهو الأصح، ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل». رواه الشيخان ~~عن ابن عمر. # (والعيدين والإحرام وعرفة) أما العيدان وعرفة فلما روى ابن ماجه في ~~«سننه» والطبراني في «معجمه» عن ابن عباس: أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~يغتسل يوم العيدين. والبزار في «مسنده» من حديث الفاكه بن سعد وهو صحابي ~~مشهور، ولا يعرف له غير هذا الحديث : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يغتسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة». # وأما الإحرام فلما روى الترمذي والدارقطني عن خارجة بن زيد بن ثابت عن ~~أبيه: «أنه صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل»، والمعنى أنه كان ~~يتجرد لإحرامه ويغتسل سواء كان حجا أو عمرة، فيفيد المواظبة الدالة على ~~كونه سنة. # ومن الفروع: أن الجنب أولى بالماء المباح إذا وجده ومعه حائض، أو ومعه ~~ميت، ويتيمم الميت والحائض، وكذا من المحدث. # (أقسام المياه) # --- PageV01P063 ~~*** # (ويتوضأ) أي المتوضيء أو مريد الصلاة، والأولى أن يقرأ مجهولا، ولو قال: ~~يتطهر لكان أعم وأظهر (بماء السماء) كماء المطر، والندى، ms0046 والثلج، والبرد ~~الذائبين لقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}، (والأرض) ~~أي وبمائها من العيون والآبار والغدران لقوله تعالى: {ألم تر أن ا أنزل من ~~السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض}. ومنها ماء البحار لما روى مالك وأصحاب ~~«السنن الأربعة»: عن أبي هريرة: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا ~~به عطشنا أفتوضأ من البحر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «هو الطهور ماؤه الحل ~~ميتته». صححه الترمذي وقال: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: حديث صحيح. # وروى أبو داود والترمذي من حديث الخدري قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر ~~بضاعة وهي بئر تلقى فيها الحيض أي خروقها ولحوم الكلاب والنتن ؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «الماء طهور لا ينجسه شيء»، وحسنه الترمذي ~~وصححه ابن القطان، وكذا قال الإمام أحمد: هو حديث صحيح، فحينئذ يستدل ~~بالقدر الصحيح على طهورية الماء، وبالإجماع على تنجسه بتغير وصفه بالنجاسة. ~~وأما أنه لا يتنجس إلا إذا تغير كما قال مالك فلا، إذ لا يمكن الاستدلال ~~عليه بصدر الحديث وهو قوله: «لا ينجسه شيء»، إذ الإجماع على تنجسه بالتغير: ~~يفيد أن ظاهره غير مراد، على أن ماءها كان جاريا في البساتين كما رواه ~~الطحاوي بسنده عن الواقدي. # --- PageV01P064 ~~*** # (وإن تغير) أي لونه وطعمه وأنتن (بالمكث) بفتح الميم أي طول اللبث، وهو ~~مصدر مكث بفتح الكاف وضمها، والاسم منه المكث بضم الميم وكسرها، وذلك لبقاء ~~اسم الماء عليه. # (أو اختلط به طاهر) كالأشنان والزعفران والصابون والورق الواقع في المياه ~~زمان الخريف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل يوم الفتح من قصعة فيها ~~من أثر العجين. رواه النسائي، والماء بذلك يتغير. ومما يدل على ذلك ما رواه ~~الشيخان عن ابن عباس: أن رجلا كان واقفا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~فوقصته ناقته وفي رواية: فأوقصته، وفي أخرى: فأقصعته أي كسرت عنقه وهو ~~محرم فمات، فقال ms0047 رسول الله صلى الله عليه وسلم «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه ~~في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإن الله عز وجل يبعثه يوم القيامة ~~ملبيا». وليس في الحديث أن الماء أغلي بالسدر كما ذكره صاحب «الهداية». # وأما تغطية رأس المحرم وتطييبه حال موته عندنا فمأخوذ من دليل آخر يأتي ~~في محله، والميت لا يغسل إلا بما يجوز للحي أن يتطهر به. وروى مالك في ~~«الموطأ» من حديث أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين توفيت ابنته فقال: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك بماء وسدر، ~~واجعلن في الآخرة كافورا، أو شيئا من كافور...»، الحديث. والغسل بالماء ~~والسدر لا يتصور إلا بخلط السدر بالماء أو بوضعه على الجسد وصب الماء عليه، ~~وكيفما كان فلا بد من الاختلاط والتغير، فيكونان مما لا يضر. # --- PageV01P065 ~~*** # (إلا إذا أخرجه) أي الطاهر أو اختلاطه (عن طبع الماء) وهو الرقة والسيلان ~~بأن غلب الطاهر المخالط على الماء. والصحيح أنه لا يعتبر غلبة اللون كما ~~قال به محمد، بل يعتبر الأجزاء كما قال به أبو يوسف، ونقل بالعكس عنهما، ~~فكان لهما روايتان. # وقال مالك والشافعي: لا يرفع الحدث بماء غالب على شيء طاهر كأشنان ~~وزعفران، مع الاتفاق على أن الماء المطلق يزيل الحدث، وأن المقيد لا يزيل، ~~إذ الحكم منقول إلى التيمم عند فقد المطلق فى النص. والخلاف في الماء الذي ~~خالطه الأشنان ونحوه مبني على أنه هل تقيد بذلك أم لا؟ وقالا: تقيد به، ~~لأنه ماء الزعفران. # ونحن لا ننكر أنه يقال ذلك، ولكن لا يمتنع مع ذلك ما دام الخالط مغلوبا ~~أن يقول القائل فيه: ماء، من غير زيادة، كما في ماء المد والسيل حال غلبة ~~لون الطين عليه. وإضافته إليه للتعريف كإضافته للبئر أو للعين، لا للتقييد ~~كماء البطيخ. والفرق بين الإضافتين عدم صحة نفي الماء في الأولى وصحته في ~~الثانية، فحيث لم يصح النفي وقيل الإطلاق كان مطلقا ولزمه حكمه من إزالة ~~الحكمية شرعا، إذ زواله بارتفاعه، ms0048 وهو بأن يحدث له اسم على حدة، ولزوم ~~التقييد يندرج فيه، وإنما يكون ذلك إذا كان الماء مغلوبا، إذ في إطلاقه على ~~المجموع حينئذ يكون اعتبار الغالب عدما، وهو عكس الثابت لغة وعرفا وشرعا. # --- PageV01P066 ~~*** # (أو غيره) أو إذا غيره الخالط الطاهر (طبخا) أي من جهة الطبخ، لأنه حينئذ ~~ليس بماء مطلق لعدم تبادره عند إطلاق اسم الماء، ولا معني بالمطلق إلا ما ~~يتبادر عند إطلاقه (وهو) أي الطبخ بمعنى المطبوخ (مما لا يقصد به النظافة) ~~جملة حالية، وقيده به لأنه لو كانت النظافة تقصد به كالسدر والأشنان يطبخ ~~بالماء: فإنه يتوضأ به، إلا إذا أخرج الماء عن طبعه. # (وإن اختلط به) أي بالماء (نجس) بفتح الجيم، ويجوز كسرها، إذ المتنجس لا ~~يخلو عن النجاسة، فتفهم عينها بالأولى. # (فإن كان) أي الماء (جاريا): إما حقيقة وهو ما يعده الناس جاريا، وقيل: ~~ما لا يتكرر استعماله، أو: ما يذهب بتبنة. وألحقوا بالجاري حوض الحمام إذا ~~كان الماء ينزل من أعلاه، حتى لو أدخلت القصعة النجسة فيه لا يتنجس. وإما ~~حكما كما أشار إليه بقوله: # (أو عشرا في عشر) وبه قال عامة المشايخ، وعليه الفتوى. كما قال أبو ~~الليث. وقيل: ثمان في ثمان، و: اثني عشر في اثني عشر. # وفي «الهداية» وغيرها: تعتبر بذراع الكرباس توسعة على الناس، وهو سبع ~~مشتات، ليس فوق كل مشت إصبع قائمة. وفي «الخانية»: يعتبر ذراع المساحة، ~~لأنه أليق بالممسوحات، وهو سبع مشتات، فوق كل مشت إصبع قائمة. وفي ~~«المحيط»: الأصح أن يعتبر في كل زمان ومكان ذراعه. # --- PageV01P067 ~~*** # وفي «شرح الوقاية»: إنما قدرنا الغدير بعشر في عشر بناء على قوله صلى ~~الله عليه وسلم «من حفر بئرا فله حريمها أربعون ذراعا». فيكون له حريمها من ~~كل جانب عشرة أذرع، ففهم من منع غير صاحب البئر عن حفر بئر في العشر ~~لانجذاب الماء إلى ما يحفره، ومن عدم منعه عن الحفر فيما وراء ذلك لعدم ~~انجذاب الماء إليه، اعتبار العشر في العشر، هذا خلاصة كلامه. وفيه نظر، لأن ~~كون ms0049 حريم البئر عشرة أذرع من كل جانب قول البعض، والصحيح أنه أربعون ذراعا ~~من كل جانب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في محله # (لا تنحسر) أي لا تنكشف (أرضه بالغرف) أي بالاغتراف بكف واحد أو بكفين. ~~وقيل: يعتبر تقدير عمقه بذراع أو شبر (لا ينجس) بفتح الجيم وضمها، وهو ~~مجزوم على جواب قوله: فإن كان، ويجوز رفعه. أما عدم نجاسة الجاري، فإن عدم ~~أثر النجاسة دليل على عدم بقائها، وأما عدم نجاسة العشر فى العشر فلأنه في ~~معنى الجاري. # --- PageV01P068 ~~*** # وكلام المصنف ظاهر في عدم نجاسة موضع وقوع النجاسة، وهو مروي عن أبي ~~يوسف، وبه أخذ مشايخ بخارى وبلخ توسعة على الناس، إذا لم تكن النجاسة ~~مرئية. وفي «المبسوط» و«البدائع» و«المفيد»: أنه ينجس، وإليه أشار القدوري ~~في «مختصره» بقوله: جاز الوضوء من الجانب الآخر، وعن أبي يوسف: أنه كالماء ~~الجاري لا ينجس إلا بالتغير، وهو الذي ينبغي تصحيحه، فينبغي عليه عدم ~~التفرقة بين المرئية وغيرها، لما روى الطحاوي عن جابر وأبي سعيد قالا: «كنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانتهينا إلى غدير فيه جيفة، ~~فكففنا وكف الناس، حتى أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مالكم لا ~~تستقون»؟. فقلنا: يا رسول الله هذه جيفة، قال: «استقوا فإن الماء لا ينجسه ~~شيء، فاستقينا وارتوينا». # ومن الفروع: إذا وجد الماء متغير اللون والريح يتوضأ منه ما لم يعلم أنه ~~من نجاسة، لأن التغير قد يكون لطاهر أو لمكث. # --- PageV01P069 ~~*** # واعلم أن علماءنا اتفقوا على أن الغدير العظيم في حكم الجاري، واختلفوا ~~بماذا يعتبر؟ فقال المتقدمون: بعدم تحرك طرفه عند تحريك الطرف الآخر، بأن ~~لا ينخفض ويرتفع من ساعته. ثم عن أبي حنيفة رحمه الله: تحريك الاغتسال، لأن ~~الحاجة إلى الحياض فيه أشد، وهو رواية عن أبي يوسف، وعنه تحريك اليد توسعة ~~على الناس، وعن محمد تحريك التوضؤ، لأنه الوسط، وهو رواية عن أبي حنيفة. ~~وفي «الغاية»: ظاهر الرواية عن أبي حنيفة اعتباره بغلبة الظن، فإن غلب على ~~ظن المتوضىء ms0050 وصول النجاسة إلى الجانب الآخر لا يتوضأ به، وإلا توضأ، قال: ~~وهو الأصح. وقال أبو عصمة: كان محمد يقدره بعشر في عشر، ثم رجع إلى قول أبي ~~حنيفة وقال: لا أقدر فيه شيئا. لكن التقدير مختار ابن المبارك ومشايخ بلخ ~~وجماعة من المتأخرين. قال أبو الليث: وعليه الفتوى، وبه قال صاحب ~~«الهداية». ثم العبرة بحال الوقوع، فإن نقص بعده لا ينجس، وعلى العكس لا يتطهر. # ولو كان الماء له طول وليس له عرض، أو عمق بلا طول، فالأصح أنه إن كان ~~بحال لو ضم طوله إلى عرضه يصير عشرا في عشر يجوز الوضوء منه، ولا ينجس ~~بوقوع النجاسة فيه، لأن اعتبار العرض يوجب تنجسه، واعتبار الطول لا يوجبه، ~~فوقع الشك في تنجسه، والأصل فيه هو الطهارة فيبقى طاهرا، وإن كان الحوض ~~مدورا فقدر بأربعة وأربعين، وثمانية وأربعين، والمختار ستة وأربعون في الأصل. # --- PageV01P070 ~~*** # ويتوضأ من الحوض الذي يخاف أن يكون فيه قذر ولا يستيقنه، وليس عليه أن ~~يسأل ولا أن يدع التوضؤ منه حتى يستيقن، لقول عمر رضي الله عنه حين سأل ~~عمرو بن العاص صاحب الحوض: أيرده السباع؟ : يا صاحب الحوض لا تخبرنا. ذكره ~~في «الموطأ». ولا بأس بالوضوء من حب يوضع كوزه في نواحي الدار ويشرب منه، ~~ما لم يعلم أنه قذر. ويكره للرجل أن يستخلص لنفسه إناء يتوضأ منه ولا يتوضأ ~~من غيره. وقيل: التوضؤ من الحوض أفضل من التوضؤ من النهر، لأن أهل الاعتزال ~~لا يرون التوضؤ من الحياض جائزا، فنحن نتوضأ رغما لهم. وفي «الواقعات» ~~و«فتاوى أبي الليث»: أن البول في الماء الجاري مكروه، وأما البول في الماء ~~الراكد فحرام. # ثم اعلم أن الشافعي قدره بقلتين، وهي خمس مئة رطل بالعراقي، وقيل: ست مئة ~~رطل، وقال: إذا بلغهما لم ينجس إلا بالتغير لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا ~~بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». رواه أصحاب «السنن الأربعة»عن ابن عمر، ~~وفي رواية أخرى لأبي داود: «فإنه لا ينجس»، وأخرجه ابن خزيمة والحاكم في ~~«صحيحيهما». # قلنا: ضعفه ms0051 جماعة، منهم الحافظ ابن عبد البر، والقاضي إسماعيل بن إسحاق، ~~وأبو بكر بن العربي: المالكيون، وقال البيهقي: إنه ليس بالقوي. وقد تركه ~~الغزالي والروياني مع شدة اتباعهما للشافعي، وعن أستاذ البخاري علي بن ~~المديني أنه قال: لم يثبت حديث القلتين، ولأن ابن العباس وابن الزبير أمرا ~~بنزح ماء زمزم حين مات فيها الزنجي، ولو كان هذا صحيحا لاحتج به بقية ~~الصحابة والتابعين عليهما، فعلم أنه شاذ في حادثة تعم بها البلوى، فيرد، ~~كخبر الوضوء مما مسته النار. # --- PageV01P071 ~~*** # ثم حديث القلتين ضعفه أبو داود أيضا للاضطراب فى سنده وكذا فى متنه، ففي ~~رواية: «لم ينجسه شيء»، وفي رواية: «لم يحمل الخبث»، قال البيهقي: وهو ~~غريب، وفي رواية: «إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا لم ينجسه شيء»، وفي رواية: ~~«إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث». وضعفه الدارقطني وذكر أن ~~جماعة رووا عن ابن عمر موقوفا: «إذا بلغ الماء أربعين قلة لم ينجس». وفي ~~رواية: «لم ينجسه شيء». وفي أخرى: «لم يحمل خبثا». قال الدارقطني: وروى غير ~~واحد عن أبي هريرة فقالوا: «أربعين غربا»، ومنهم من قال: «أربعين دلوا». # وهذا الاضطراب يوجب الضعف وإن وثق الرجال، مع ما فيه من الاضطراب في ~~معناه أيضا حيث قيل: معنى لم يحمل خبثا أنه يضعف عن حمل النجاسة فيتنجس، ~~كما يقال: هو لا يحمل الكل، أي لا يطيقه. وأيضا القلة مشتركة بين الجرة ~~والقربة ورأس الجبل. # --- PageV01P072 ~~*** # وأما قول الشافعي في «مسنده»: أخبرني مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج ~~بإسناد لا يحضرني: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان الماء قلتين لم ~~يحمل خبثا»، فمنقطع للجهالة، وفي رواية ابن عدي، عن ابن عمر مرفوعا: «إذا ~~كان الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء»، ويذكر أنهما فرقان، والفرق: ~~بفتح الراء ستة عشر رطلا، كذا في «مجمل اللغة». وقال ابن جريج: رأيت قلال ~~هجر، فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا. وقال الشافعي: فالاحتياط أن يجعل ~~قربتين ونصفا. لكن قال ابن عدي: قوله في ms0052 متنه: «من قلال هجر» غير محفوظ، لا ~~يذكر إلا من رواية مغيرة بن سقلاب يكنى أبا بشر، منكر الحديث. وروى ابن عدي ~~عنه عن ابن عمر مرفوعا: «إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شي». والقلة أربعة ~~أصوع. هذا خلاصة ما ذكر ابن الهمام من تلخيص ما ذكره الشيخ تقي الدين بن ~~دقيق العيد في «الإمام»، وقد أفرده الناس بالتصنيف. # واعتبر مالك أوصاف الماء قليلا كان الماء أو كثيرا، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الماء طاهر إلا أن يتغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه»، ~~وقوله: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء». # قلنا: الحديث الأول غير قوي كما ذكره البيهقي. والثاني ليس على إطلاقه ~~لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه ~~من الجنابة»، أو: «ثم يغتسل منه» أو: «فيه» كما هو رواية «الصحيحين». فلو ~~لم يكن مفسدا للماء لما كان للنهي عنه فائدة. # --- PageV01P073 ~~*** # (إلا إذا غير طعمه أو لونه أو ريحه) يتعلق بالماء الجاري وماء الحوض ~~جميعا، فإنه إذا اختلط النجس بأحدهما وغير أحد أوصافه الثلاثة يصير نجسا. ~~(وإن لم يكن) الماء جاريا ولا عشرا في عشر على الوجه المذكور (ينجس) ذلك ~~الماء لوقوع النجاسة فيه قليلة كانت أو كثيرة. # (ولا بأس بموت مائي المولد) وهو ما يتولد في الماء، كالسمك والضفدع ~~والسرطان (ولا بموت ما ليس له دم سائل) كالبق والذباب والخنافس لقوله صلى ~~الله عليه وسلم «يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم سائل ~~فماتت فيه فهو حلال أكله وشربه ووضوؤه» رواه الدارقطني وقال: لم يرفعه إلا ~~بقية عن سعيد بن أبي سعيد الزبيدي وهو ضعيف. انتهى. وأعله ابن عدي بجهالة ~~سعيد، ودفعا بأن بقية هذا هو أبو الوليد روى عنه الأئمة مثل الحمادين، وابن ~~المبارك، ويزيد بن هارون، وابن عيينة، ووكيع، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، ~~وشعبة، وناهيك بشعبة واحتياطه، قال يحيى: كان شعبة مبجلا لبقية حين قدم ~~بغداد، وقد روى له الجماعة إلا البخاري. ms0053 وأما سعيد ابن أبي سعيد هذا فذكره ~~الخطيب قال: واسم أبيه: عبد الجبار، وكان ثقة فانتفت الجهالة، والحديث مع ~~هذا لا ينزل عن الحسن. # --- PageV01P074 ~~*** # ولقوله صلى الله عليه وسلم «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم ~~لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء» رواه البخاري، وزاد أبو ~~داود: «وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء»، وفي رواية ابن ماجه والنسائي: ~~«وإذا وقع في الطعام فامقلوه فيه، فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء». ولولا أن ~~موته فيه لا بأس به لم يأمر صلى الله عليه وسلم بغمسه الذي هو في العادة ~~سبب لموته. قال ابن المنذر: ولا أعلم في ذلك خلافا إلا ما كان من أحد قولي ~~الشافعي. # ثم إطلاق المصنف يقتضي أنه لا فرق بين الموت في الماء والإلقاء فيه بعد ~~الموت، ولا بين الماء وباقي المائعات، وهو الصحيح. وهذه المسألة داخلة فيما ~~قبلها لأن ما يعيش في الماء لا دم فيه، ذكره ابن الهمام. وفيه نظر، إذ ~~المراد به غير مائي المولد بقرينة المقابلة، على أنه قد يكون مائي المولد ~~وله دم سائل كالخنزير المائي والكلب المائي، فإن الأصح أنه لا بأس به كما ~~في «الهداية» و«الكافي». ولا يبعد أن يكون مائي المولد مطلقا: مما ليس له ~~دم سائل. وعلامته أن دمه إذا ألقي في الشمس لم يسود بل يبيض. # (ولا يتوضأ) أي ولا يرفع الحدث (بماء اعتصر) يجوز قصر ألف الماء ومدها، ~~أي بماء اعتصره الخالق أو المخلوق من شجر أو ثمر، لأنه ليس بماء مطلق. ~~والشجر يعم ما نبت من الأرض، كان له ساق أو لا. والثمر يشمل البذر والحبوب. ~~(ولا بماء استعمل لقربة) واجبة أو مندوبة كالوضوء (على الوضوء)، أو أريد ~~بها أن ينوي الوضوء حتى يصير عبادة (أو رفع حدث). # --- PageV01P075 ~~*** # والحاصل: أنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف كل من رفع الحدث والتقرب، وعند ~~محمد التقرب كان معه رفع أو لا، وعند زفر الرفع كان معه تقرب أو لا. وإنما ~~حصر محمد الاستعمال بالقربة لأنه ms0054 إنما هو بانتقال نجاسة الذنوب إليه، كما ~~ورد في الحديث الدال عليه، وذا لا يكون إلا بنية القربة لديه. # ووافقنا الشافعي في الجديد خلافا لمالك، لأنه ماء طاهر لاقى محلا طاهرا ~~فيبقى على حاله، كما لو غسل به ثوبا طاهرا، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «الماء طاهر إلا أن يتغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه». لكن ~~الحديث غير قوي، كما تقدم عن البيهقي. # واعلم أن كلام المصنف دال على حكم الماء المستعمل بعدم التوضوء به، وليس ~~بدال على حكمه بالطهارة أو عدمها، فنقول: لم يثبت مشايخ العراق خلافا بين ~~الأئمة الثلاثة في أن الماء المستعمل طاهر غير طهور، وأثبته مشايخ ما وراء ~~النهر، واختلاف الرواية: فعن أبي حنيفة في رواية الحسن عنه وهو قوله : أنه ~~نجس نجاسة مغلظة، وعن أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة: أنه نجس نجاسة ~~مخففة، وعن محمد وهو رواية عن أبي حنيفة وهو الأقيس: أنه طاهر غير طهور، ~~واختار هذه الرواية المحققون من مشايخ ما وراء النهر وغيرهم، وهو ظاهر ~~الرواية، وعليها الفتوى. # --- PageV01P076 ~~*** # أما دليل النجاسة فما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «لا يعتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، مع ما رواه ~~أيضا عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبولن أحدكم في الماء ~~الراكد»، وفي «سنن أبي داود»: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبولن أحدكم ~~في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة». ووجه الدلالة أنه صلى الله ~~عليه وسلم سوى في النهي بين البول في الماء والاغتسال فيه، لكن أبا يوسف ~~قال بالتخفيف لاختلاف العلماء. # وأما دليل الطهارة فما روى البخاري عن جابر قال: ممرضت فأتاني النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبو بكر وهما ماشيان، فوجداني قد أغمي علي، فتوضأ النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم صب وضوءه علي، فأفقت فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في ~~مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني ms0055 بشيء، حتى نزلت آية الميراث»، وروى ~~البخاري أيضا من حديث أبي جحيفة قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~في قبة حمراء من أدم، ورأيت بلالا أخذ وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ~~(ورأيتت الناس يبتدرون ذاك الوضوء، فمن أصاب منه شيئا تمسح به، ومن لم يصب ~~منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه». # وفي «المحيط»: لو أدخل الجنب يده في الماء لا يضره استحسانا، لأنه ربما ~~لا يمكنه استعمال الماء إلا بالاغتراف منه، فسقط اعتباره دفعا للضرورة. # --- PageV01P077 ~~*** # أما دليل النجاسة فما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «لا يعتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، مع ما رواه ~~أيضا عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبولن أحدكم في الماء ~~الراكد»، وفي «سنن أبي داود»: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبولن أحدكم ~~في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة». ووجه الدلالة أنه صلى الله ~~عليه وسلم سوى في النهي بين البول في الماء والاغتسال فيه، لكن أبا يوسف ~~قال بالتخفيف لاختلاف العلماء. # وأما دليل الطهارة فما روى البخاري عن جابر قال: ممرضت فأتاني النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبو بكر وهما ماشيان، فوجداني قد أغمي علي، فتوضأ النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم صب وضوءه علي، فأفقت فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في ~~مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء، حتى نزلت آية الميراث»، وروى ~~البخاري أيضا من حديث أبي جحيفة قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~في قبة حمراء من أدم، ورأيت بلالا أخذ وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ~~(ورأيتت الناس يبتدرون ذاك الوضوء، فمن أصاب منه شيئا تمسح به، ومن لم يصب ~~منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه». # وفي «المحيط»: لو أدخل الجنب يده في الماء لا يضره استحسانا، لأنه ربما ~~لا يمكنه استعمال الماء إلا بالاغتراف منه، فسقط اعتباره دفعا للضرورة. # (أحكام الدباغة) # --- PageV01P078 ~~*** # (وكل إهاب) وهو ms0056 الجلد قبل الدباغ (دبغ) أي بما يمنع النتن والفساد كالقرظ ~~والعفص والتتريب والتشميس والإلقاء في الريح، لا بمجرد التجفيف (طهر) لما ~~روى ابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم وصححه، والبيهقي في «سننه» وصححه: عن ~~ابن عباس قال: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ من سقاء فقيل له: ~~إنه ميتة، فقال: «دباغه يزيل خبثه» أو «نجسه» أو «رجسه». ولما في «سنن ~~الترمذي»: وصححه، والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، وفي «صحيح مسلم»: «إذا دبغ الإهاب ~~فقد طهر». # وفي «الصحيحين»: عن ابن عباس قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، ~~فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه؟»، ~~زاد مسلم: «فانتفعتم به؟ » فقالوا: إنها ميتة، قال: «إنما حرم أكلها»، وزاد ~~الدارقطني: «أو ليس في الماء والقرظ ما يطهرها؟»، وفي لفظ قال: «إنما حرم ~~عليكم لحمها، ورخص لكم في مسكها» أي جلدها وفي لفظ: «إن دباغه طهور»، أخرج ~~هذه الألفاظ في حديث ميمونة ثم قال: وهذه الأسانيد كلها صحاح. وفي أيمان ~~البخاري من حديث سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «ماتت لنا شاة ~~فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صار شنا ». # --- PageV01P079 ~~*** # وقال مالك والشافعي بنجاسة جلد الميتة ولو دبغ لما في «السنن الأربعة»: ~~من حديث الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى جهينة قبل موته أن لا تنتفعوا من ~~الميتة بإهاب ولا عصب، قال الترمذي: حديث حسن، وعند أحمد: قبل موته بشهر أو ~~بشهرين، قال البيهقي: وجاء في لفظ آخر قبل موته بأربعين يوما. # وأجيب بأن حديث ابن عكيم لا يوازي حديث ابن عباس في جهة من جهات الترجيح ~~للاضطراب في متنه وسنده، وللاختلاف في صحبته كما ذكره النووي في «الخلاصة»، ~~وقال البيهقي وغيره: لا صحبة له، ولهذا رجع أحمد عن قوله به أولا ms0057 حيث دل ~~على أنه وقف آخرا. # قيل: وعلى تقدير مساواته ليس بينهما معارضة، لأن الإهاب اسم لغير ~~المدبوغ، وبعد الدبغ يسمى أديما وشنا، وأما ما رواه الطبراني في «الأوسط» ~~من لفظ هذا الحديث هكذا: «كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فلا تنتفعوا من ~~الميتة بجلد ولا عصب» ففي سنده فضالة بن مفضل، مضعف. # والحق أن حديث ابن عكيم ظاهر في النسخ لولا الاضطراب، فإن من المعلوم أن ~~أحدا لا ينتفع بجلد الميتة قبل الدباغة، لأنه حينئذ مستقذر فلا يتعلق به ~~النهي ظاهرا. # --- PageV01P080 ~~*** # ثم الدليل على حصول الدباغة بالتشميس أو التتريب ما في الدارقطني عن ~~معروف بن حسان، عن عمرو بن ذر، عن عبادة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «استمتعوا بجلود الميتة إذا هي دبغت، ترابا كان، أو رمادا، ~~أو ملحا، أو ما كان، بعد أن يزيد صلاحه»، إلا أن أبا حاتم وابن عدي أنكرا ~~معروفا. وروى أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم قال: كل شيء يمنع الجلد من ~~الفساد فهو دباغ. إلا أنه إذا أصابه الماء يعود نجسا في رواية، وفي أخرى: ~~لا، وبها قالا، وهي الأظهر. # (إلا جلد الخنزير والآدمي) أما جلد الخنزير فلنجاسة عينه لقوله تعالى: ~~{أو لحم خنزير فإنه رجس}. # والضمير للمضاف إليه لقربه. فإن قيل: المضاف إليه غير مقصود ولا يعود ~~الضمير إليه نحو لقيت ابن عمر وخدمته. أجيب بأن عود الضمير إلى المضاف إليه ~~شائع من غير نكير، نحو قوله تعالى: {واشكروا نعمة ا إن كنتم إياه تعبدون}. ~~وجوز الوجهان في قوله تعالى: {ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}. ولأن في ~~صرفه إلى الخنزير عملا بهما دون العكس فهو أحوط. # وأما جلد الآدمي فلئلا يتجاسر الناس على من كرمه الله بابتذال أجزائه، ~~ولأنه لا يجوز الانتفاع به لكرامته. وما لا يجوز الانتفاع به لا يؤثر ~~الدباغ فيه. وفي «المحيط»: الصحيح أن عين الكلب ليس بنجس. وبه قال صاحب ~~«الهداية». وفي «المبسوط»: الصحيح من المذهب عندنا أن عين الكلب نجس. وعند ms0058 ~~محمد أن الفيل كالخنزير، وعندهما كسائر السباع لما في «سنن البيهقي»: عن ~~أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمتشط بمشط من عاج. والعاج: ناب الفيل ~~كما في «المحكم»، و: عظمه كما في «الصحاح». # --- PageV01P081 ~~*** # (وما طهر جلده بالدباغ طهر) أي جلده المفهوم من الجلد المضاف إلى الضمير ~~الراجع إلى ما، لا ما، فتأمل، (بالذكاة) الشرعية، لأنها مانعة من تشرب ~~الجلد بالرطوبات، كما أن الدباغة رافعة للرطوبات. وقيد الشرعية لإخراج ذبح ~~المجوسي مطلقا والمحرم صيدا، فلا يطهر بها الجلد، بل بالدبغ، لأنها إماتة. # (وكذا لحمه وإن لم يؤكل) لأن الجلد يطهر بالذكاة اتفاقا، واللحم متصل به ~~فلا يكون نجسا، وهو مختار الكرخي، وصاحب «الهداية»، و«التحفة»، وفي ~~«المحيط»: وهو الصحيح من المذهب، وفي «البدائع»: وهو أقرب إلى الصواب، لأن ~~النجاسة بالدم المسفوح وقد زال بالذكاة. وقال كثير من المشايخ: يطهر جلده ~~بها ولا يطهر لحمه، كما لا يطهر بالدباغ. قال شارح «الكنز»: وهو الصحيح، ~~واختاره صاحب «الغاية» و«النهاية». # (وما لا) يطهر جلده بالدباغ (فلا) يطهر جلده بالذكاة. # (وشعر الميتة) وريشها، ووبرها، وصوفها، وعظمها (وسنها) ومنقارها (وعصبها) ~~إذا يبس وذهب لحمه، وكذا ظلفها وحافرها وقرنها (طاهر) وكذا لبنها وبيضها ~~عند أبي حنيفة، إذا لم يكن على هذه الأشياء دسومة، وبه قال مالك. # وقال الشافعي: كل ذلك نجس إلحاقا للجزء بالكل، ولما تقدم من حديث ابن ~~عكيم: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب». # --- PageV01P082 ~~*** # ولنا ما علقه البخاري عن الزهري: قال في عظام الموتى نحو الفيل وغيره: ~~أدركت ناسا من سلف العلماء يمتشطون بها، ويدهنون فيها، لا يرون به بأسا. ~~وتقدم حديث أنس مرفوعا عن البيهقي. وأخرج الدارقطني عن عبد الجبار بن مسلم ~~من حديث ابن عباس قال: إنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الميتة ~~لحمها، أما الجلد والصوف والشعر فلا بأس به. فإن قيل: عبد الجبار ضعفه ~~الدارقطني؟ فالجواب أن ابن حبان وثقه، فلا ينزل حديثه عن الحسن. وأخرج أيضا ~~عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت أم ms0059 سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~تقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ~~ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء». فهذه عدة أحاديث ولو كانت ~~ضعيفة حسن المتن، فكيف ولها شاهد في «الصحيحين»؟. # (وكذا الإنسان) شعره وعظمه وعصبه: طاهر، لأن هذه الأشياء لا تحلها الحياة ~~لعدم الحس الذي هو من خصائصها، فلا تكون بانفصالها ميتة، ولأنه صلى الله ~~عليه وسلم ناول شعره أبا طلحة فقسمه بين الناس. أما لو نتف الشعر فينجس ~~باعتبار طرفه المتصل بالجلد، وقيل: عصبها نجس في الصحيح، لأن فيه حياة ~~بدليل تألمه بالقطع، وقيل: طاهر لأنه غير متصل. # (أحكام الآبار) # --- PageV01P083 ~~*** # (بئر) بهمزة ويبدل ياء (فيها نجس) بفتح الجيم أو كسرها، أي وقع نجاسة، من ~~بول، أو خمر، أو دم، أو خنزير، أو متنجس قليلا كان أو كثيرا (أو مات حيوان ~~وانتفخ) أي تورم (أو تفسخ) أي تقطع وتفرق صغيرا كان أو كبيرا (أو مات مثل ~~آدمي، أو شاة) أي كبيرة، فإنها إذا كانت صغيرة جدا فحكمها حكم الدجاجة ~~(ينزح كل ماء) بهمزة في آخره (فيها) أي في البئر. وفي بعض النسخ: كل مائها، ~~أي في الصور المذكورة جميعها (إن أمكن) نزح جميعه بأن لا تكون معينا. # أما إذا وقع فيها نجاسة أو مات فيها حيوان وانتفخ فلانتشار النجاسة في ~~البئر، وأما إذا مات فيها مثل آدمي، فلما روى البيهقي والدارقطني واللفظ ~~له: عن ابن سيرين أن زنجيا وقع في بئر زمزم يعني فمات فأمر به ابن عباس ~~فأخرج وأمر بها أن تنزح، فغلبتهم عين جاءت من الركن، فأمر بها فدست ~~بالقباطي والمطارف ونحوها حتى نزحوها، فلما نزحوها انفجرت عليهم. وهو مرسل، ~~فإن ابن سيرين لم ير ابن عباس. والقباطي بالضم ويكسر: الثياب المصرية، ~~والمطارف: الأردية. # وروى الطحاوي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عطاء: أن حبشيا وقع في زمزم ~~فمات، فأمر عبد الله بن الزبير فنزح ماؤها، فجعل الماء لا ينقطع، فنظر فإذا ~~عين تجري من قبل ms0060 الحجر الأسود، فقال ابن الزبير: حسبكم. # --- PageV01P084 ~~*** # وأما ما نقل عن ابن عيينة: أنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر صغيرا ولا كبيرا ~~يعرف حديث الزنجي الذي قالوا: إنه وقع في زمزم. وقول الشافعي: لا يعرف هذا ~~عن ابن عباس، كيف ويروي ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم «الماء لا ~~ينجسه شيء» ويتركه؟ وإن كان قد فعله فلنجاسة ظهرت على وجه الماء، أو ~~للتنظيف: فمدفوع بأن عدم علمهما لا يصلح دليلا في دين الله سبحانه، وروايته ~~الحديث كعلمك أنت به، وقد قلت بنجاسة ما دون القلتين لدليل آخر وقع عندك، ~~فلا يستبعد من ابن عباس مثله. والظاهر من السوق ولفظ القائل: فمات فأمر ~~بنزحها، أنه للموت لا لنجاسة أخرى، على أن عندك لا تنزح للنجاسة أيضا. # ثم إنهما بينهما وبين الحادثة قريب من مئة وخمسين سنة، فكان إخبار من ~~أدركها وأثبتها أولى من عدم علم غيره. # وقول النووي: كيف يصل هذا الخبر إلى أهل الكوفة ويجهله أهل مكة؟ استبعاد ~~بعد وضوح طريق سداد، ومعارض بقول الشافعي لأحمد: أنتم أعلم بالأخبار ~~الصحيحة منا، فإذا كان خبر صحيح فأعلموني به حتى أذهب إليه كوفيا أو بصريا ~~أو شاميا. فهلا قال: كيف يصل هذا إلى أولئك ويجهله أهل الحرمين؟ وذلك ~~لانتشار الصحابة رضي الله عنهم في البلاد خصوصا بالعراق وما حوله من ~~السواد، قال العجلي في «تاريخه»: نزل بالكوفة ألف وخمس مئة من الصحابة. # --- PageV01P085 ~~*** # (وإلا) أي وإن لم يمكن نزح كل ماء في البئر لكونها معينا (فقدر ماء) ~~بالهمزة، أي فينزح مقدار ماء (فيها) أي في البئر. وفي بعض النسخ: مائها، أي ~~في وقت الوقوع يؤخذ في قدره (بقول ذي بصارة) بفتح موحدة، أي خبرة ومعرفة ~~بأمر الماء، لأن الرجوع إلى أهل المعرفة أصل شرعي، قال الله تعالى: ~~{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}. # واعلم أن عبارته تقتضي الاكتفاء بقول واحد، والذي في غير هذا المختصر حتى ~~في «شرح الوقاية»: ويؤخذ بقولي رجلين لهما بصيرة بأمر الماء. وهو الأشبه ~~بالفقه، وأوفق ms0061 بقوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} والظاهر أن أصل العبارة ~~ذوي بصارة على لفظ المثنى، وأن النساخ أسقطوا الواو، فتغير المبنى، وترتب ~~عليه فساد المعنى. ثم رأيت أصل البرجندي على التثنية قال: وفي بعض النسخ ~~بالإفراد، وهو مبني على ما في «زاد الفقهاء»: أنه يكفي قول رجل ذي بصارة، ~~والنسخة الأولى هي الأولى لما في «الهداية» و«الظهيرية» وغيرهما. # هذا، وعن أبي حنيفة أنه ينزح منها مئتا دلو. وعن محمد ثلاث مئة دلو، قال ~~في «الخلاصة»: وبه يفتى. # --- PageV01P086 ~~*** # (وفي نحو دجاجة) كهرة وحمامة وما أشبههما في الجثة ولم ينتفخ نزح ~~(أربعون) دلوا بطريق الوجوب، لما روى الطحاوي عن الشعبي في الطير والسنور ~~ونحوهما يقع في البئر قال: ينزح منها أربعون دلوا. وعن النخعي في السنور: ~~مثله. وعنهما: ينزح منها سبعون. وعن حماد بن أبي سليمان في دجاجة وقعت في ~~البئر نزح منها قدر أربعين أو خمسين ثم يتوضأ منها، وهو المذكور في «الجامع ~~الصغير». وروى ابن أبي شيبة عن عطاء كما روى الطحاوي عن حماد (إلى ستين) ~~استحبابا، لما روي عن الأولين. وقيل: إلى خمسين لما روي عن عطاء وحماد. # (وفي نحو عصفور) بضمتين كفأرة وسام أبرص ونحوهما في الجثة (نصف ذلك) أي ~~عشرون دلوا وجوبا إلى ثلاثين استحبابا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في ~~فأرة ماتت في بئر وأخرجت من ساعتها نزح عشرون دلوا. ذكره في «الهداية» ~~وغيرها، لكن في كتب الحديث لم أره. # وأما ما رواه الطحاوي من قول علي كرم الله وجهه في بئر وقعت فيها فأرة ~~فماتت: ينزح ماؤها، وقوله: إذا سقطت الفأرة أو الدابة في البئر فانزحها حتى ~~يغلبك ماؤها: فمحمول على الفأرة المنتفخة والدابة الكبيرة أو الصغيرة التي ~~على بدنها نجاسة، توفيقا بين الآثار. # --- PageV01P087 ~~*** # (دلوا وسطا) بفتحتين أي متوسطا، وهو ما كثر استعماله في تلك البئر، ~~لإطلاق السلف فيصرف إلى المعتاد. وقيل: ما يستعمل في ذلك البلد وغيره (وغير ~~الوسط احتسب به) أي بالوسط، يعني إذا نزح بدلو غير وسط نزح به على ms0062 حساب ~~الدلو الوسط، حتى لو نزح بدلو عظيم يسع عشرين دلوا وسطا من بئر وجب فيها ~~ذلك، اكتفي بدلو واحد خلافا لزفر. # واعلم أن مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار، لأن القياس إما عدم ~~تطهرها لعدم تطهر الجدران والطين كما قاله بشر، وإما عدم تنجسها كما نقل عن ~~محمد أنه قال: اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الجاري لوجود ~~النبع من أسفلها والأخذ من أعلاها، ثم قلنا: وما علينا لو أمرنا بنزح بعض ~~دلاء ولا نخالف السلف. ومن الطريق: أن يكون الإنسان في يد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه كالأعمى في يد القائد. انتهى. # ثم النزح يكون طهارة لها، وللدلو، والرشاء، والبكرة، ويد المستقي، روي ~~ذلك عن أبي يوسف والحسن، لأن نجاسة هذه الأشياء كانت بنجاسة ماء البئر ~~حكما، فتكون طهارتها بطهارة البئر حكما، نفيا للحرج، كالدن إذا تنجس بنجاسة ~~الخمر ثم صارت خلا حكم بطهارة الدن تبعا، وكمن أخذ عروة الإناء من إبريق ~~ونحوه بيده وهي نجسة، وكلما غسل يده يأخذ عروة الإناء: تطهر العروة بطهارة ~~يده، وكذا يد المستنجي تطهر بطهارة المحل. وقيل: الدلو طاهرة في حق هذا ~~البئر لا غيرها، كدم الشهيد طاهر في حق نفسه فقط. # --- PageV01P088 ~~*** # ولو وقع البعر والروث والخثي في الآبار لا ينجسها استحسانا. ولا فصل في ~~ظاهر الرواية بين الرطب واليابس، والصحيح والمنكسر لشمول الضرورة للكل، إلا ~~أن يستكثره الناظر، وهو المروي عن أبي حنيفة. قال في «الهداية»: وعليه ~~الاعتماد. احترازا مما قيل: الكثير أن يأخذ وجه ثلث الماء أو ربعه أو أكثره ~~أو كله، أو لا يخلو دلو عن بعرة. # ولو بعرت الشاة وقت الحلب في المحلب فرمي من حينه ولم يأخذ اللبن من لونه ~~لا ينجس اللبن كما روي عن علي كرم الله وجهه، ولأن فيه ضرورة: إذ يتعذر أو ~~يتعسر الاحتراز عن بعرها وقت الحلب. والبعر للبعير، والروث للخيل والحمير، ~~والخثي بكسر الخاء للبقر. وفي «الهداية»: ولا يعفى القليل في الإناء على ما ~~قيل لعدم ms0063 الضرورة، فإنه المتساهل في تركه مكشوفا، وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم في فأرة وقعت في السمن: «إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان ~~مائعا فلا تقربوه». # ولا يفسد الماء بخرء حمام وعصفور استحسانا، لحديث ابن مسعود: أنه خرئت ~~عليه حمامة فمسحه بإصبعه. وزرق على ابن عمر طائر فمسحه بحصاة وصلى ولم ~~يغسله. وأصله حديث أبي أمامة: أن النبي صلى الله عليه وسلم شكر الحمامة ~~وقال: «إنها وكرت علي باب الغار حتى سلمت، فجزاها الله تعالى، بأن جعل ~~المسجد مأواها». فهو دليل على طهارة ما يكون منها، ويقاس عليها نحوها من ~~طير يؤكل لحمها. # --- PageV01P089 ~~*** # في «الهداية»: أجمع المسلمون على اقتناء الحمامات في المساجد والعلم بما ~~يكون منها، مع ورود الأمر بتطهيرها. أما الأول فيراد الإجماع العملي، فإنها ~~في المسجد الحرام مقيمة من غير نكير من أحد من العلماء مع العلم بما يكون ~~منها. وأما الثاني فعن عائشة قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء ~~المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب. رواه ابن حبان في «صحيحه»، وأحمد، وأبو ~~داود، والترمذي وغيرهم. وقد قال الله تعالى: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ~~أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود}. # ولا يفسد الماء من وقوع آدمي أو ما يؤكل لحمه إذا خرج حيا ولم يكن عليه ~~نجاسة، هو الصحيح، سواء كان جنبا أو محدثا. ثم ماء البئر والجنب المنغمس ~~فيه لطلب السقاء لا لدفع الحدث: طاهران في الأصح عند أبي حنيفة، وعلى ~~حالهما عند أبي يوسف، وطاهر وطهور عند محمد. والتحقيق أن بقاءه طهورا ~~للضرورة، كما قالوا جميعا: لو أدخل المحدث أو الجنب أو الحائض يده في الماء ~~للاغتراف طهرت، ولا يصير مستعملا استحسانا، لما روي أن المهراس كان يوضع ~~على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه ماء، وكان أصحاب الصفة ~~يغترفون منه للوضوء وغيره بأيديهم. ولأن فيه بلوى وضرورة وحاجة. # (وتنجس) البئر (من وقت الوقوع) أي وقوع الحيوان الذي وجد ميتا فيها (إن ~~علم) ذلك الوقت (وإلا) أي ms0064 وإن لم يعلم وقت الوقوع، فإن لم ينتفخ الحيوان في ~~ماء البئر (فمنذ) أي تنجس من ابتداء (يوم وليلة) وهذا كله إذا كان الواقع ~~نجسا أو حيوانا ميتا ولم ينتفخ في الماء. # --- PageV01P090 ~~*** # (وإن انتفخ) أي في الماء (فمنذ) أي فتنجس من ابتداء (ثلاثة أيام ~~ولياليها). # (وقالا): لا تتنجس إلا (منذ وجد) فيها لأن الماء طاهر بيقين، ووقع الشك ~~في نجاسته فيما مضى، واليقين لا يزول بالشك. # ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الوقوع سبب ظاهر للموت فيستند إليه، وإن احتمل ~~الموت لغيره، لأن الموهوم لا يعتبر في مقابلة الظاهر، كمن جرح رجلا فلم يزل ~~صاحب فراش حتى مات، فإنه يحمل موته على تلك الجراحة لأنها السبب الظاهر وإن ~~احتمل غيره بأن يموت بسبب آخر. لكن عدم الانتفاخ دليل القرب فقدر بيوم ~~وليلة، لأن ذلك أقل المقادير في باب الصلاة. والانتفاخ دليل التقادم فقدر ~~بالثلاث، كالصلاة على قبر من لم يصل عليه. # وهذا في حق الوضوء، وأما في حق غيره فيحكم بنجاستها منذ وجد، حتى لو ~~توضؤا منها في تلك المدة أعادوا صلواتهم، ولو غسلوا ثيابهم منها في تلك ~~المدة لم يلزم غسلها على الصحيح، لأنه من باب وجود النجاسة في الثوب. ولو ~~وجد في ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم ولم يدر متى أصابته لا يعيد شيئا من ~~صلاته بالاتفاق، لأن الثوب شيء ظاهر يطلع صاحبه أو غيره على إصابة النجاسة، ~~فإذا لم يشعر به هو ولا غيره علم أنه أصابته للحال. ولا كذلك البئر، فإنها ~~غائبة مخفية عن العين لا يدرى ما فيها. # ومن الفروع: البعد بين البالوعة والبئر المانع من وصول النجاسة إلى البئر ~~خمسة أذرع، وفي رواية: سبعة أذرع، والمعتبر هو الطعم أو اللون أو الريح، ~~فإن لم يتغير جاز وإلا فلا ولو كان عشرة أذرع. # --- PageV01P091 ~~*** # ثم اعلم أن جميع ما ذكر في مسائل البئر إنما هو على تقدير أن يكون وجه ~~الماء في البئر أقل من عشر في عشر، (أما إذا كان عشرا في عشر فلا حاجة ms0065 إلى ~~النزح. وفي «القنية»: إذا كان عمق ماء البئر عشرة أذرع) فصاعدا لا يتنجس في ~~أصح الأقوال، ونقل عن «جمع التفاريق»: إذا كان الماء فيها بقدر الحوض ~~الكبير لا ينجس. # (أحكام الأسآر) # (وسؤر الآدمي) بالهمزة ويبدل، وهو: بقية ماء الشرب، مسلما كان أو كافرا، ~~جنبا كان أو حائضا، إلا حال شربه الخمر لأنها نجسة، فتلاقي الماء فتنجسه، ~~فإن ابتلع ريقه ثلاث مرات طهر فمه عند أبي حنيفة رحمه الله، لأن المائع غير ~~الماء مطهر عنده من غير اشتراط الصب. # (والفرس) أي على الأصح، إذ قيل بكراهته والشك فيه، والمعتمد: أن حرمة لحم ~~الفرس لكونه آلة الجهاد لا لنجاسته، ألا يرى أن لبنه حلال بالإجماع، ذكره ~~العيني في «شرح تحفة الملوك». # (وكل مأكول) أي لحمه، وفي نسخة: وكل مأكول اللحم أي من الطيور، والدواب، ~~إلا الدجاجة المخلاة، والإبل، والبقر، والغنم الجلالة. # --- PageV01P092 ~~*** # (طاهر) من غير كراهة. وإنما قلنا: إن سؤر هذه الأشياء طاهر من غير كراهة، ~~لأن اللعاب يترشح من اللحم، ولحم هذه الأشياء طاهر. وحرمة أكل الآدمي ~~لاحترامه لا لنجاسته، وكذلك حرمة الفرس عند أبي حنيفة في إحدى الروايتين ~~عنه ليست لنجاسته بل لأنه آلة الجهاد. وروى مسلم: عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: كنت أشرب وأنا حائض، وأناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على ~~موضع في فيشرب. وقد ورد: «إن المؤمن لا ينجس» رواه أصحاب «السنن» عن أبي ~~هريرة. ونجاسة الكافر في قوله تعالى: {إنما المشركون نجس} لخبث باطنه في ~~اعتقاده فلا يؤثر في نجاسة أعضائه، ولأنه صلى الله عليه وسلم أنزل وفد ثقيف ~~في المسجد، فلو كان النص على ظاهره لما أنزلهم فيه. # (وسباع البهائم) سؤرها وهي: الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، والضبع، ~~والكلب، والخنزير، والفيل ونحوها (نجس). أما الكلب والخنزير فيوافقنا ~~فيهما الشافعي. # وأما مالك فيقول بطهارة سؤرهما، لأنه يرى طهارة كل حي. # قلنا: ثبتت نجاسة الخنزير بالنص، والكلب بدلالة قوله صلى الله عليه وسلم ~~«طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه كلب أن يغسله سبع مرات». رواه ms0066 مسلم وأبو داود. # --- PageV01P093 ~~*** # وأما سائر أسآر سباع البهائم، فيخالفنا الشافعي رحمه الله فيها تبعا ~~لمالك، لما روى ابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ~~عطاء عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحياض التي ~~بين مكة والمدينة، فقيل له: إن الكلاب والسباع ترد عليها؟ فقال: «لها ما ~~أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شراب وطهور»، وما روي: أنتوضأ بما أفضلت ~~الحمر؟ فقال: «نعم: وبما أفضلت السباع كلها». # ولنا ما روي: أن عمر وعمرو بن العاص وردا حوضا، فقال عمرو بن العاص: يا ~~صاحب الحوض أترد السباع ماءك هذا؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا. ~~فلولا أنه كان إذا أخبر بورود السباع يتعذر عليهما استعماله لما نهاه عن ذلك. # وتأويل الحديثين: أنه كان في الابتداء قبل تحريم لحوم السباع، أو وقع ~~السؤال في الحياض الكبار، ونحن نقول أيضا: إن مثلها لا يتنجس. على أن الأول ~~معلول بعبد الرحمن بن زيد، والثاني رواه الدارقطني وفيه داود بن الحصين، ~~ضعفه ابن حبان. لكن روى عنه مالك. وأيضا مقتضى الحديث الأول طهارة سؤر ~~الكلب وإن كان دون القلتين، والشافعي لا يقول به. وإن خصصه بهما رجعنا معه ~~إلى أصل المسألة. # --- PageV01P094 ~~*** # وأوجب علماؤنا والشافعي: غسل الإناء بولوغ الكلب فيه لنجاسته عندنا، ولم ~~يوجبه مالك لطهارته عنده، لكن يغسل عندنا ثلاثا، لا سبعا إحداهن بالتراب ~~كما قال الشافعي، لما رواه الستة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات أولاهن أو السابعة ~~بالتراب، على شك الراوي، وفي رواية: «أخراهن»، وفي الأخرى: «إحداهن». وهذا ~~الاضطراب عيب عظيم في هذا الباب. # ولنا ما روى الدارقطني: عن عبد الوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل بن عياش، عن ~~هشام بن عروة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عنه عليه الصلاة ~~والسلام في الكلب يلغ في الإناء: «يغسل ثلاثا أو خمسا أو سبعا». قال: ~~وانفرد به عبد الوهاب ms0067 عن ابن عياش وهو متروك، وغيره يرويه عن ابن عياش بهذا ~~الإسناد: «فاغسلوه سبعا»، ثم رواه أيضا عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن ~~عطاء، عن أبي هريرة: أنه كان إذا ولغ الكلب في الإناء أهراقه ثم غسله ثلاث ~~مرات. قال في «الإمام»: وهذا سند صحيح. ورواه ابن عدي في «الكامل» عن ~~الحسين بن علي الكرابيسي: حدثنا إسحاق الأزرق: حدثنا عبد الملك، عن عطاء، ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا ولغ الكلب في ~~إناء أحدكم فليهرقه، وليغسله ثلاث مرات». ثم أخرجه عن عمر بن شيبة: حدثنا ~~إسحاق الأزرق به موقوفا. قال: ولم يرفعه غير الكرابيسي، ولم أجد له حديثا ~~منكرا غير هذا، وإنما حمل عليه أحمد بن حنبل من جهة اللفظ بالقرآن، فأما في ~~الحديث فلم أر به بأسا. # --- PageV01P095 ~~*** # ولا شك أن الحكم بالضعف والصحة إنما هو في الظاهر، أما في نفس الأمر ~~فيجوز صحة ما حكم بضعفه ظاهرا وكذا العكس. وثبوت كون مذهب أبي هريرة ذلك ~~قرينة تفيد أن هذا مما أجاده الراوي المضعف، وحينئذ فيعارض حديث السبع ~~ويقدم عليه، لأن معه دلالة على التقدم للعلم بما كان من التشديد في أمر ~~الكلاب أول الأمر، حتى أمر بقتلها. والتشديد في سؤرها يناسب كونه في ذلك ~~الوقت، وقد ثبت نسخه فيتبعه حكم ما كان معه. # ولئن طرحنا الحديث بالكلية كان في عمل الراوي على خلاف كمية ما روى دلالة ~~ظاهرة عليه لاستحالة عدوله عن القطعي إلى رأيه الظني، إذ ظنية خبر الواحد ~~إنما هي بالنسبة إلى غير راويه، وأما بالنسبة إلى من سمعه من النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقطعي، ولا يجوز تركه إلا بالنسخ، إذ لا يترك القطعي إلا ~~بمثله، فبطل تجويز تركه بناسخ ثبت باجتهاده المحتمل للخطأ، مع أن إثبات ~~اجتهاده في حيز المنع. وإذا عرفت هذا كان تركه للعمل به بمنزلة روايته ~~للناسخ بلا شبهة، فيكون الآخر منسوخا بالضرورة، وإلا استلزم سوء الظن به ~~وسقوط عدالته، وهو باطل بإجماع الأمة. # --- PageV01P096 ~~*** # ثم ms0068 إن الشافعي جعل العدد تعبدا، وعداه إلى الثوب وإلى رطوبة أخرى منه ~~وإلى الخنزير، والتعبدي لا يتعدى. وجعل مالك غسل الإناء من ولوغ الكلب فقط ~~مندوبا دون غيره من السباع ولو خنزيرا، ويحكم بإراقة الماء لا الطعام، ~~وقيل: لا يراق الماء أيضا لأن غسل الإناء تعبد، وكان مالك يرى الكلب كأنه ~~من أهل البيت كالهرة، ليس كغيره من السباع، وكان يستعظم أن يعمد إلى رزق ~~الله من الماء أو الطعام فيراق بولوغ الكلب فيه، وقال: جاء هذا الحديث وما ~~أدري ما حقيقته؟ وفي «مدونتهم» لو توضأ به وصلى فلا إعادة. # (والهرة) أي وسؤر الهرة التي لم تأكل نجاسة أو أكلتها ومكثت ساعة: مكروه ~~عند أبي حنيفة وقيل عند محمد أيضا كراهة تحريم كما ذهب إليه الطحاوي، أو ~~تنزيه كما ذهب إليه الكرخي وهو الأصح، لأنها لا تتحامى النجاسة فيكره، كماء ~~غمس فيه صغير يده. وأصله كراهة غمس المستيقظ يده في الإناء قبل غسلها. وفي ~~«النوادر» عن أبي حنيفة في هرة أكلت فأرة ثم شربت لا يتنجس الماء لأنها ~~غسلت فمها بلعابها، ولعابها طاهر، وهو قول أبي يوسف، وهو مؤيد بأحاديث: # منها: ما رواه هو عن عبد ربه، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن عروة بن ~~الزبير، عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تمر به ~~الهرة فيصغي لها الإناء فتشرب، ثم يتوضأ بفضلها. رواه الدارقطني في «سننه»، ~~وضعف عبد ربه. ويدفع بأن أبا يوسف أدرى به منه ضرورة علمه بحال شيخه. # --- PageV01P097 ~~*** # ومنها: ما رواه الدارقطني، وابن ماجه، والطحاوي من حديث حارثة بن محمد، ~~عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أتوضأ أنا ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في إناء واحد قد أصابت منه الهرة قبل ذلك. # ومنها: ما رواه أصحاب «السنن الأربعة» والطحاوي عن كبشة بنت كعب بن مالك، ~~وكانت تحت ابن أبي قتادة، فدخل عليها فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة تشرب منه، ~~فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، ms0069 فقال: أتعجبين يا ~~ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنها ~~ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات»، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # ومنها: ما في «صحيح ابن خزيمة» عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إنها ليست بنجس، هي كبعض أهل البيت»، وفي «سنن ~~الدارقطني»: «هي كبعض متاع البيت». # ومنها: ما في «معجم الطبراني»: سئل أنس بن مالك عن الهرة؟ قال: خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض بالمدينة يقال لها: بطحان، فقال: «يا أنس ~~اسكب لي وضوئي»، فسكبت له، فلما قضى صلى الله عليه وسلم حاجته أقبل إلى ~~الإناء وقد أتى هر فولغ في الإناء، فوقف له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقفة حتى شرب الهر، ثم سألته فقال: «يا أنس إن الهر من متاع البيت، لن يقذر ~~شيئا ولن ينجسه». # --- PageV01P098 ~~*** # ولهما، ما رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإسناد، والدارقطني عن ~~عيسى بن المسيب قال: حدثنا أبو زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «السنور سبع». وعيسى: مختلف فيه توثيقا وتضعيفا. وعلى كل ~~حال فليس لمحل الخلاف حاجة إلى هذا الحديث، إذ ليس هو في النجاسة، لسقوطها ~~اتفاقا بالطواف المنصوص عليه، كسقوط الاستئذان عن المماليك، والذين لم ~~يبلغوا الحلم عند دخولهم على مواليهم وأهليهم في غير الأوقات الثلاثة ~~المنصوص عليها في الآية، المعللة بأنهم {طوافون عليكم بعضكم على بعض}. # (والدجاجة) بفتح الدال، وتثلث (المخلاة) بتشديد اللام وهي: التي يصل ~~منقارها إلى النجاسة، يكره سؤرها، لأنها تفتش الأنجاس، فلا يخلو منقارها من ~~ذلك، إلا أنه لم تعلم طهارته من نجاسته، لكن لو توضأ به جاز، لأنه تيقن ~~طهارته وشك في نجاسته والشك لا يعارض اليقين، فثبتت الكراهة للاحتمال، فلا ~~يكره لو حبست في قفص وجعل علفها وماؤها ورأسها خارجه، بحيث لا يصل منقارها ~~إلى ما تحت قدميها، لأنها ربما تفتش نجاستها. # وكذا كره سؤر إبل، وبقر، وغنم جلالة، ms0070 وهي التي تأكل النجاسة، لكن إذا جهل ~~حالها، وأما إذا علم حال فمها طهارة ونجاسة فالسؤر كذلك. ولا يحل أكل ~~الدجاجة المخلاة، والبقرة الجلالة إلا بحبس الأولى ثلاثة أيام والثانية ~~عشرة أيام. # (وسباع الطير) كالصقر، والبازي، والشاهين والحدأة، إلا المحبوس الذي يعلم ~~صاحبه أنه لا قذر على منقاره، روي ذلك عن أبي يوسف، واستحسنه المشايخ. # --- PageV01P099 ~~*** # (وسواكن البيوت) كالحية والفأرة والوزغة، لأن الضرورة التي وقعت الإشارة ~~إليها في الهرة موجودة فيها، فإنها تسكن البيوت ولا يمكن صون الأواني منها، ~~فلم يحكم في سؤرها بالنجاسة فتبقى الكراهة، وقيل: كراهة سؤرها لحرمة لحمها ~~مع تعذر صون الأواني عنها، والأول يشير إلى كراهة التنزيه، والثاني إلى ~~القرب من التحريم، فقوله: (مكروه) يحتملهما. وحكمه أن يتوضأ به ولا يتيمم. # (والحمار والبغل) أي وسؤرهما: (مشكوك) في طهوريته، وقيل في طهارته، ~~والأول أصح، لأنه لو مسح رأسه منه ثم وجد الماء لا يجب غسل رأسه، ولو كان ~~الشك في طهارته لوجب غسله احتياطا لتوهم النجاسة. # وسبب الشك تعارض الخبرين في إباحته وحرمته. # فقد روى البخاري من حديث أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه جاء ~~في خيبر فقال: أكلت الحمر فسكت، ثم أتاه الثانية فقال: أكلت الحمر فسكت، ثم ~~أتاه الثالثة فقال: أفنيت الحمر فأمر مناديا ينادي في الناس: «إن الله ~~ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية»، فأكفئت القدور وإنها لتفور ~~باللحم. قال ابن أبي أوفى: فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس، وقال ~~بعضهم: نهى عنها البتة لأنها تأكل العذرة. قال ابن عباس: لا أدري أنهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب ~~حمولتهم؟ أو حرمه يوم خيبر؟. # --- PageV01P100 ~~*** # وروى أبو داود عن غالب بن أبجر قال: أصابتنا سنة، أي قحط، ولم يكن في ~~مالي شيء أطعم أهلي إلا شيء من حمر، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حرم لحوم الحمر الأهلية، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~«أطعم أهلك من ms0071 سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية». # وكذا تعارض الأثران، فعن ابن عمر نجاسته، وعن ابن عباس طهارته. وليس ~~أحدهما أولى من الآخر، فيبقى مشكلا. # والبغل متولد من الحمار، فأخذ حكمه. وقيل: البغل تابع لأمه، فإن كانت ~~أتانا فسؤره مشكوك فيه، وإن كانت رمكة فسؤره طاهر. وأما لبن الحمار ففي ~~«الهداية»: أنه طاهر، وفي ظاهر الرواية أنه نجس. وحكم المشكوك قوله: # (يتوضأ به ويتيمم) أي يجمع بين الوضوء بسؤر الحمار أو البغل وبين التيمم ~~(إن عدم غيره) أي فقد ولم يوجد حينئذ غير سؤر الحمار أو البغل، وأيهما قدم ~~جاز. وقال زفر: يجب تقديم الوضوء لتحقق شرط صحة التيمم وهو فقد ماء واجب ~~استعماله. قلنا: الاحتياط في الجمع بينهما لا في الترتيب، فإن كان مطهرا ~~فقد توضأ به، قدم أو أخر، وإلا ففرضه التيمم وقد أتى به، لكن الأفضل تقديم ~~الوضوء ولذا قدمه. # --- PageV01P101 ~~*** # (والعرق كالسؤر) أي في جميع ما تقدم، لأن اللعاب والعرق كلاهما متولد من ~~اللحم، لكن في ظاهر الرواية: طهارة عرق الحمار ونجاسة لبنه. أما العرق فلأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يركب الحمار معروريا في حر الحجاز، فلا بد من ~~أن تعرق الحمر، ولأن ضرورة البلوى ظاهرة لمن يركب. وأما اللبن فعن شمس ~~الأئمة: الصحيح أنه نجس نجاسة غليظة، لأنه حرام بالإجماع، ولا ضرورة فيه، ~~وعن البزدوي: أنه يعتبر فيه الكثير الفاحش وصححه، فيكون على هذا نجاسته ~~مخففة. وعن محمد: أنه طاهر ولا يؤكل. # (باب التيمم) # (باب) بالتنوين، أو بالوقف، أو بالإضافة إلى قوله: (التيمم) والباب في ~~اللغة: النوع، وفي العرف: نوع من المسائل اشتمل عليها كتاب، وإنه بمنزلة ~~الجنس. وفي نسخة: فصل بدل باب. # ثم التيمم في اللغة: القصد، ومنه قوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون}، وفي الشرع: القصد إلى الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين، بنية ~~استباحة الصلاة ونحوها، لقوله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا}. وقد ~~شرع في غزوة المريسيع، وهو بناحية قديد بين مكة والمدينة، وهي غزوة بني ~~المصطلق. # (يخلف) أي التيمم ms0072 (الوضوء) أي يقوم مقام الوضوء، بمعنى أن التراب بدل عن ~~الماء لرفع الحدث، فالبدلية بين الصعيد والماء، فكما أن الماء مطهر مطلقا ~~فكذلك التراب، وهذا عند الشيخين، وأما عند محمد فالفعل بدل عن الفعل، أي ~~التيمم، بدل عن التوضؤ، فإن الأمر وقع في القرآن بالتوضؤ ثم بالتيمم عند ~~العجز، فلهذا لا يجوز عنده إمامة المتيمم للمتوضىء، كما لا يجوز إمامة ~~المومىء لمن يتم الركوع والسجود اتفاقا. # --- PageV01P102 ~~*** # (والغسل) سواء كان عن جنابة، أو حيض، أو نفاس، لقوله تعالى: {أو لامستم ~~النساء} أي جامعتم، فذكر نوعي الحدث عند وجود الماء، ثم ذكر نوعي الحدث عند ~~عدمه، وأمر بالتيمم لهما بصفة واحدة. والحائض والنفساء في معنى الجنب. # (عند العجز عن الماء) أي الكافي لرفع الحدث، لأن ما دونه لا يثبت به ~~استباحة الصلاة، فكان وجوده كالعدم. وإنما شرطنا في التيمم العجز عن الماء ~~لقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} # ولقوله صلى الله عليه وسلم «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج ما ~~لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته». رواه أبو داود، وابن حبان، ~~والحاكم عن أبي ذر، وصححه الترمذي وقال: حسن صحيح. # (لبعده) أي الماء عن المتيمم (ميلا) أي بعد ميل، أو بقدر ميل، سواء كان ~~مسافرا أو مقيما، خارج المصر أو داخله كما صرح به في «الأسرار»، وهو قول ~~أبي حنيفة، وهو المختار. والميل ثلث فرسخ، وذلك أربعة آلاف خطوة، وكل خطوة ~~ذراع ونصف ذراع بذراع العامة، وذلك أربع وعشرون إصبعا بعدد حروف: لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله، فيكون ثلث الفرسخ ستة آلاف ذراع. # (أو لمرض) يخاف زيادته، أو شدته، أو طوله باستعماله، كالمحموم، وصاحب ~~الجدري، والحصبة، أو بالحركة إليه كالمبطون ومشتكي العرق المدني، أو لا ~~يزداد لكن تشق عليه الحركة. # --- PageV01P103 ~~*** # وعند الشافعي: لا يتيمم إلا إذا خاف تلف نفس أو عضو. وهو مردود لإطلاق ~~قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى}. وفي «المحيط»: ولو وجد المريض من يوضئه جاز ~~له التيمم عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز، ولو ms0073 كان له خادم أو أجير لا ~~يجوز بالاتفاق. وعلى هذا لو عجز عن التوجه إلى القبلة، أو عن التحول عن ~~فراش نجس ووجد من يوجهه ويحوله، بناء على أن القدرة بالغير لا تعد قدرة ~~عنده، لأن الإنسان إنما يعد قادرا إذا اختص بحالة تهيىء له الفعل متى أراد، ~~وهذا لا يتحقق بقدرة غيره، ولهذا قلنا: لو بذل الابن لأبيه المال والطاعة ~~لا يلزمه الحج، وعندهما تثبت القدرة له بالغير، لأن آلته صارت كآلته ~~بإعانته، واختار حسام الدين قولهما. # (أو برد) يخاف الصحيح المقيم من استعماله الماء الهلاك، أو تلف العضو، أو ~~المرض. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز التيمم للبرد إلا في السفر، لأن ~~الغالب في المصر وجدان الماء الحار وإمكان الاستدفاء. ولأبي حنيفة: أن ~~عدمهما في المصر ليس بنادر، ولو سلم، فالندور لا ينافي إباحة التيمم، كخوف ~~حضور السبع. وفي إطلاق المصنف إشارة إلى أنه يجوز للمحدث التيمم لخوف ~~البرد، وهو قول بعض المشايخ، والصحيح: أنه لا يجوز له التيمم. # والأصل في ذلك: ما رواه ابن مردويه عن ابن عباس: أن عمرو بن العاص صلى ~~بالناس وهو جنب، فلما قدموا المدينة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله خفت أن يقتلني البرد، وقد قال الله ~~تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن ا كان بكم رحيما} قال فسكت عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (وقد نقل الإمام هذا الحديث بزيادة: فتيممت وصليت، فضحك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # --- PageV01P104 ~~*** # (أو عدو) آدميا كان أو غيره كالسبع والحية، وهذا يشمل المحبوس، فإنه يصلي ~~بالتيمم، واختلف هل يعيد أم لا ؛ (أو عطش) سواء كان عطش نفسه أو رفيقه أو ~~دابته من كلب أو غيره، وسواء كان العطش حاصلا في الوقت أو متوقعا في ثاني ~~الحال على ما ذكر في عامة الكتب (أو عدم آلة) كحبل أو دلو أو نحوهما. # (أو فوت ما يفوت لا إلى خلف) بفتحتين أي: بدل وعوض. احترز بهذا القيد عن ~~فوت ms0074 الجمعة فإن الظهر يخلفها، وعن فوت إحدى الفرائض الخمس، فإن قضاءها ~~يخلفها (كصلاة العيد ابتداء) بأن كان جنبا أو محدثا، وخاف إن اغتسل أو توضأ ~~فاتته (أو بناء) بأن كان الإمام أو المقتدي شرع فيها فسبقه الحدث فخاف إن ~~اشتغل بالوضوء أن تفوته، فإن كان شرع فيها بالتيمم تيمم وبنى بالاتفاق، ~~لأنه متى أمر بالوضوء فسدت صلاته، لأنه يكون واجدا للماء فيها، وإن كان شرع ~~فيها بالوضوء تيمم وبنى عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجزيه التيمم لعدم خوف ~~الفوت إذ اللاحق يصلي بعد فراغ الإمام. ولأبي حنيفة: أن خوف الفوت باق، ~~لأنه يوم زحمة، فربما اعتراه ما أفسد صلاته، والأظهر قولهما. # (والجنازة) أي وكصلاة الجنازة (لغير الولي) قيد به لأن الولي ينتظر، ولو ~~صلوا له حق الإعادة، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، وفي «الهداية»: هو ~~الصحيح. وروى ابن أبي شيبة والطحاوي والنسائي في كتاب «الكنى» عن ابن عباس ~~أنه قال: إذا خفت أن تفوتك الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم، وروى البيهقي ~~أن ابن عمر أتي بجنازة وهو على غير وضوء فيتمم وصلى عليها، ونقل الدارقطني ~~عنهما في صلاة العيد كذلك. # --- PageV01P105 ~~*** # وهو قول مالك وأحمد خلافا للشافعي، ومما يستدل به على ذلك ما رواه ~~الشيخان من حديث أبي جهيم الحارث بن الصمة قال: أقبل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى أقبل على ~~جدار فمسح وجهه ويديه، ثم رد صلى الله عليه وسلم عليه السلام، ثم اعتذر ~~إليه فقال: «إني كرهت أن أذكر اسم الله إلا على طهر» أو قال: «إلا على ~~طهارة». # (صفة التيمم) # (وهو) أي التيمم (ضربتان) وهما وضعتان على وجه الشدة، ولو في مكان واحد ~~على الأصح لعدم صيرورته مستعملا، لحصوله بما التزق بيده لا بما فضل. ~~وحاصله: أن الضرب ركن، فلو أحدث بعده قبل المسح لا يجوز المسح بتلك الضربة ~~لكونها ركنا كما لو أحدث في الوضوء بعد غسل بعض الأعضاء، وبه قال السيد ms0075 أبو ~~شجاع، واختاره شمس الأئمة، وقال الإسبيجابي: يجوز كمن ملأ فمه فأحدث ثم ~~استعمله. # (ضربة لمسح وجهه، وضربة ليديه مع مرفقيه) لقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم} ولما رواه الدارقطني والحاكم وصححه من حديث جابر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى ~~المرفقين». # ولو وضع يده مرتين من غير ضرب ففي «المبسوط»: الجواز، وفي «الغاية»: ~~الضرب أولى وذلك إما ليوافق لفظ الحديث، وإما ليدخل الغبار في أثناء ~~الأصابع، ولذا قال في «الزاد»: ينبغي أن تكون الأصابع منفرجة عند الضرب. ~~واستيعاب مسح العضوين بالتيمم واجب في ظاهر الرواية، لأنه خلف عن الوضوء، ~~وفي الوضوء يجب الاستيعاب، فكذا في التيمم، حتى لو لم يمسح ما تحت الحاجبين ~~وفوق العينين أو لم يحرك خاتمه وهو ضيق لا يجزئه. وفي رواية الحسن عن أبي ~~حنيفة: أنه إذا تيمم على الأكثر جاز. # --- PageV01P106 ~~*** # والمرفقان يدخلان في المسح، وبه قال الشافعي خلافا لزفر، وقال الأوزاعي ~~والأعمش: إلى الرسغين، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ومروي عن ابن عباس، ~~وقال الزهري: إلى الآباط. # وحديث عمار ورد بذلك كله كما رواه الطحاوي وغيره: فرجحنا رواية إلى ~~المرفقين بقول النبي صلى الله عليه وسلم «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة ~~لليدين إلى المرفقين»، رواه الحاكم والدارقطني بهذا اللفظ عن ابن عمر عنه ~~صلى الله عليه وسلم # وبما في الطبراني والدارقطني والطحاوي: عن الربيع بن بدر، عن أبيه، عن ~~جده، عن الأسلع التميمي: قال: أراني رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ~~أمسح، فضرب بكفيه الأرض ثم رفعهما لوجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ~~باطنهما وظاهرهما حتى مس بيديه المرفقين. # زاد الطحاوي عن الأسلع التميمي قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في سفر فقال: «يا أسلع قم فارحل لنا»، قلت: يا رسول الله أصابتني بعدك ~~جنابة، فسكت عني حتى أتاه جبرائيل بآية التيمم، فقال لي: «يا أسلع قم فتيمم ~~صعيدا طيبا ضربتين: ضربة لوجهك، وضربة لذراعيك ظاهرهما وباطنهما»، فلما ~~انتهينا إلى الماء ms0076 قال: «يا أسلع قم واغتسل». # --- PageV01P107 ~~*** # ومن قال: إلى الرسغين استدل بما في «الكتب الستة» من حديث عبد الرحمن بن ~~أبزى: أن رجلا أتى عمر رضي الله عنه، فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء، فقال: ~~لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ كنت أنا وأنت في سرية، ~~فأجنبنا فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب ~~فصليت، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرناه فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم «إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ وتمسح بهما وجهك وكفيك»؟ قال ~~عمر: نوليك من ذلك ما توليت. # قلنا: المراد بالكفين: الذراعان إطلاقا لاسم الجزء على الكل، أو المراد ~~الكفان مع الباقي حملا له على قوله: كنت في القوم حين نزلت الرخصة في المسح ~~بالتراب إذا لم نجد الماء، فأمرنا فضربنا واحدة للوجه، ثم ضربة أخرى لليدين ~~إلى المرفقين. # ومن حده إلى الآباط استدل بما رواه الطحاوي من طرق عن عمار بن ياسر قال: ~~كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت آية التيمم فضربنا ضربة ~~واحدة للوجه، ثم ضربنا ضربة لليدين إلى المنكبين ظهرا وبطنا، وفي رواية: ~~تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فهلك عقد لعائشة، فطلبوه ~~حتى أصبحوا وليس مع القوم ماء، فنزلت الرخصة في التيمم بالصعيد، فقام ~~المسلمون فضربوا بأيديهم إلى الأرض، فمسحوا بها وجوههم وظاهر أيديهم إلى ~~المناكب وباطنها إلى الآباط. # --- PageV01P108 ~~*** # قلنا: هو بدل عن الوضوء، فالتنصيص على الغاية فيه تنصيص عليها في التيمم، ~~مع ما في الأحاديث القولية من التنصيص عليها، ويحمل الحديث على فعل بعضهم ~~أخذا من إطلاق اليدين بدون ذكر الغاية، وليس في الحديث ما يدل على أنه صلى ~~الله عليه وسلم اطلع على فعلهم هذا وقررهم، مع احتمال النسخ، والله سبحانه أعلم. # وفي «المحيط»: وكيفية التيمم أن يضرب يديه على الأرض ثم ينفضهما فيمسح ~~(بهما وجهه بحيث لا يبقى منه شيء وإن قل، ثم يضرب يديه على الأرض ثم ms0077 ~~ينفضهما فيمسح) بهما كفيه وذراعيه كليهما إلى المرفقين. وقال بعض مشايخنا: ~~يضرب يديه ثانيا ويمسح بأربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس ~~الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى باطن يده اليمنى إلى الرسغ، ويمر ~~باطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليد اليسرى كذلك، ~~وهو الأحوط، لأن فيه احترازا عن استعمال المستعمل بقدر الإمكان، فإن التراب ~~الذي على يده يصير مستعملا بالمسح حتى لو ضرب يديه مرة ومسح بهما وجهه ~~وذراعيه لا يجوز، ولا يجب مسح باطن الكف، لأن ضربهما على الأرض يغني عنه. # (على كل طاهر) متعلق بضربة، وقيد بالطاهر لأنه المراد بالطيب في قوله ~~تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا} وعليه الإجماع، (من جنس الأرض) فكل ما يلين ~~ويذوب بالنار كالذهب والفضة، أو يحترق بها فيصير رمادا كالخشب: ليس من جنس ~~الأرض، لأن من طبعها أن لا تحترق بالنار ولا تلين بها، كذا في «المحيط». # --- PageV01P109 ~~*** # وأطلقه مالك لظاهر الصعيد، وأجمعوا على أنه لا يجوز التيمم بالرماد، وقال ~~الشافعي وأحمد في أقوى الروايتين عنه وأبو يوسف في رواية: لا يجوز التيمم ~~إلا بالتراب لما في مسلم من حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض ~~كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء». # وعن أبي يوسف وهو رواية عن أحمد: لا يجوز التيمم إلا بالتراب أو الرمل، ~~لما روى أحمد، والبيهقي، وإسحاق بن راهويه، والطبراني في «الأوسط»، عن أبي ~~هريرة: أن أناسا من أهل البادية أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~إنا نكون بالرمال الأشهر الثلاثة والأربعة، ويكون فينا الجنب والحائض ~~والنفساء، ولسنا نجد الماء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «عليكم بالأرض». # ولأبي حنيفة ومحمد وهو مذهب مالك: قوله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا}، ~~والصعيد: اسم لما ظهر على وجه الأرض من جنسها، وما في «الصحيحين» من حديث ~~جابر: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، ms0078 وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت جوامع الكلم، وأحلت لي الغنائم، وأرسلت إلى ~~الخلق كافة». وأما حديث حذيفة فنحن نقول به، فإن التراب عندنا مما يتيمم ~~به، وكذلك حديث أبي هريرة، على أن في إسناده المثنى بن الصباح وقد قال أحمد ~~فيه: لا يساوي شيئا، وقال النسائي: متروك. # --- PageV01P110 ~~*** # (ولو بلا نقع) أي ولو كان الطاهر الذي من جنس الأرض بلا غبار، حتى لو ضرب ~~بيديه على حجر أملس، أو حائط لا غبار عليه، أو على أرض ندية ولم يلتزق بيده ~~منه شيء: جاز عند أبي حنيفة، وقال محمد: لا يجوز بلا نقع، وهو قول الشافعي ~~لقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه}. وكلمة من للتبعيض، ولأبي ~~حنيفة وهو رواية عن محمد: أن المعتبر هو الإمساس، بدليل أنه ينفضهما حتى ~~يتناثر ما عليهما من التراب. # (وعليه) أي وجاز التيمم على النقع أيضا (مع القدرة على الصعيد) أي فضلا ~~مع عدم القدرة للضرورة، حتى لو تيمم بغبار ثوبه، أو بنفاضة لبده، أو كنس ~~دارا، أو كال حنطة، أو هدم بيتا، أو هبت الريح فارتفع الغبار وأصاب وجهه ~~وذراعيه فمسح بنية التيمم: جاز، لأن الغبار جزء من التراب. وقال أبو يوسف: ~~لا يجوز لأنه تراب ناقص، إلا إذا عجز عن التراب للضرورة. ولو تيمم من الطين ~~جاز عند أبي حنيفة وهو الصحيح، لأن الواجب عنده وضع اليد على الأرض لا ~~استعمال جزء منها، والطين من جنس الأرض، إلا إذا صار مغلوبا بالماء فلا ~~يجوز التيمم به. # (بنية أداء الصلاة) وكذا بنية استباحتها، أو الطهارة، أو عبادة مقصودة لا ~~تصح إلا بالطهارة، كسجود التلاوة وصلاة الجنازة. وقال زفر: لا تشترط النية ~~في التيمم كما لا تشترط في الوضوء والغسل. وأجيب بأن التيمم لما كان معناه ~~اللغوي القصد، فاعتبر في مقتضاه الشرعي، وأيضا الماء مطهر بطبعه فلا يحتاج ~~إلى قصده، والتراب مغبر بوضعه فاحتيج إلى قصده، لا سيما عند فقد أصله. # --- PageV01P111 ~~*** # ولو تيمم لقراءة القرآن لا تجوز به الصلاة هو الصحيح، وكذا لو تيمم لدخول ~~المسجد ms0079 أو مس المصحف ثم صلى الفريضة لا يجوز عند عامة العلماء. قال أبو بكر ~~الرازي: ويحتاج إلى نية التيمم للحدث أو الجنابة، لأن التيمم لهما بصفة ~~واحدة، فلا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالنية. وقيل: لا يجب وهو الصحيح، ~~لأن الحاجة إلى النية لتحصيل الطهارة، وعن محمد في الجنب إذا تيمم يريد به ~~الوضوء أجزأه عن الجنابة. # (ويصح) أي التيمم (قبل الوقت) أي وقت الصلاة. # وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يصح لأنه طهارة لضرورة صحة الصلاة، كطهارة ~~المستحاضة. # ولنا إطلاق النصوص في حق الوقت، والمطلق يبقى على إطلاقه، منها: قوله ~~تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} وقوله صلى الله عليه وسلم ~~«التراب طهور المسلم»، وفي رواية «السنن»: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو ~~إلى عشر حجج ما لم يجد الماء»، وقوله في «الصحيحين»: «وجعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا»، ولأنه خلف عن الوضوء والغسل، وهما من شروط الصلاة، والأصل في ~~الشرط جواز تقدمه على الوقت، وكذا خلفه الذي بمنزلة فرعه. # --- PageV01P112 ~~*** # (والطلب من الرفيق) أي ويصح التيمم أيضا قبل طلبه الماء من رفيقه الذي ~~معه ماء، وكذا حكم الدلو والرشاء، وهذا عند أبي حنيفة لأنه لا يلزمه الطلب ~~من ملك الغير، ولأن السؤال مذلة ومهانة، وفيه بعض حرج وزيادة كلفة. ~~وعندهما: لا يصح التيمم إلا بعد الطلب، لأن الماء مبذول عادة، وقد سأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعض حوائجه من غيره. وقيل: لا خلاف، فمراد أبي ~~حنيفة إذا غلب على ظنه منعه إياه، ومرادهما إذا غلب عليه عدم منعه، ولذا لم ~~نجد في «الكافي» خلافا، وقال: إن كان مع رفيقه ماء فظن أنه إن سأله أعطاه ~~لم يجز التيمم، وإن ظن أنه لا يعطيه جاز، وإن شك (في الإعطاء) وتيمم وصلى ~~وسأله فأعطاه يعيده لأنه ظهر أنه كان قادرا، وإن منعه قبل شروعه وأعطاه بعد ~~فراغه لم يعد لأنه لم يتبين أن القدرة كانت ثابتة. # (ويصلي بواحد) أي بتيمم واحد (ما شاء) أي من أداء الفرائض وقضائها ~~والنوافل. # وقال مالك ms0080 والشافعي: لا يجمع بين فرضين بتيمم واحد. والخلاف يبنى تارة ~~على أنه رافع للحدث عندنا مبيح عندهم، وتارة على أنه طهارة ضرورية عندهم، ~~مطلقة عندنا. وقال أحمد: إذا تيمم صلى الصلاة التي حضر وقتها والفوائت ~~والتطوع، إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى. # ولنا حديث أبي ذر السابق وهو قوله صلى الله عليه وسلم «الصعيد الطيب وضوء ~~المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء»، فقد جعله صلى الله عليه وسلم ~~وضوءا عند عدم الماء مطلقا، فوجب أن يكون حكمه كحكم الوضوء، فوجب القول ~~بارتفاع الحدث إلى وجود الماء، ويؤيده قوله تعالى: {ولكن يريد ليطهركم}. # --- PageV01P113 ~~*** # ولا متمسك للشافعي في قوله: إن التيمم لا يرفع الحدث لقوله صلى الله عليه ~~وسلم لعمرو بن العاص حين صلى بالتيمم عن الجنابة: «ما حملك على أن صليت ~~بأصحابك وأنت جنب»؟ لاحتمال أنه تيمم مع القدرة أو ظن صلى الله عليه وسلم ~~منه ذلك، بل هو الظاهر، لأنه صلى الله عليه وسلم قال له على وجه الإنكار، ~~ولا ينكر صلى الله عليه وسلم التيمم في موضع يجوز، ولما بين له السبب تركه. # (نواقض التيمم) # (وينقضه) أي التيمم (ناقض الأصل) أصل ذلك التيمم وضوءا كان أو غسلا، لأنه ~~خلفه فيأخذ حكمه منه. وفي بعض النسخ: ناقض الوضوء. (وقدرته على ماء) أي ~~بإباحة أو تمليك، في الصلاة أو خارجها، قدرة حقيقة أو حكمية، كالناعس إذا ~~مر على الماء عند أبي حنيفة. وفي «فتاوى قاضيخان» قيل: يجب أن لا ينقض عند ~~الكل، لأنه لو تيمم وبقربه ماء ولم يعلم به صح تيممه فكذا هذا. انتهى. وهذا ~~هو الظاهر، لأن أبا حنيفة إذا قال بجوازه لمستيقظ على شاطىء نهر لا يعلم ~~به، فكيف يقول بانتقاض تيمم المار به مع تحقق غفلته؟. # (كاف لطهره) وضوءا كان أو غسلا، لأن الماء الذي لا يكفي للطهارة وجوده ~~كالعدم في حقها. فلو اغتسل جنب فبقي عضو من أعضائه وفني الماء ثم أحدث حدثا ~~يوجب الوضوء فيتمم لهما، فإن وجد بعد ذلك من الماء ms0081 ما يكفي للمعة والوضوء ~~بطل تيممه في حق كل واحد منهما، وإن لم يجد ما يكفي لأحدهما بقي تيممه في ~~حقهما، وإن وجد ما يكفي لأحدهما بعينه بطل تيممه في حقه، وإن وجد ما يكفي ~~لأحدهما لا بعينه غسل اللمعة لأن الجنابة أغلظ. # --- PageV01P114 ~~*** # وهل يعيد التيمم للحدث؟ فيه روايتان، وعلى إعادته فإن تيمم أولا ثم غسل ~~اللمعة، ففي إعادة التيمم أيضا روايتان، وإن صرف الماء إلى الحدث انتقض ~~تيممه في حق اللمعة باتفاق الروايتين. # (لا ارتداده) أي لا ينقض التيمم ارتداد المتيمم، وقال زفر: ينقضه لأنه ~~عبادة، وكل عبادة تبطل بالردة. واعترض بأن التيمم لا يكون عبادة إلا ~~بالنية، وهي ليست بشرط عند زفر. وأجيب بأن هذا القول منه في تيمم بنية. ~~ولنا أن الحاصل بالتيمم صفة الطهارة، والكفر لا ينافيها كالوضوء، والردة ~~تبطل ثواب العمل لا زوال الحدث. # (وندب) أي استحب (لراجيه) أي الماء (صلاته آخر الوقت) ليقع الأداء بأكمل ~~الطهارتين كالطامع في الجماعة ندب له تأخير الصلاة إلى آخر الوقت، لكن لا ~~يبالغ في التأخير لئلا تقع الصلاة في وقت الكراهة. # (ويجب طلبه) أي طلب الماء أو طلبه الماء، بأن ينظر يمينه وشماله وأمامه ~~ووراءه، كذا ذكره الشمني. والظاهر أنه يجب عليه الطلب من جانب ظنه ما يقدر ~~(قدر غلوة) بفتح معجمة وسكون لام، وهي: مقدار رمية وهو الصحيح (إن ظنه ~~قريبا). # وقال مالك والشافعي: يجب الطلب مطلقا لقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء}. وهو ~~يفيد وجوب الطلب. # ولنا ما روى أبو داود والحاكم وصححه: عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان ~~في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا يعني فصليا ثم ~~وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة ~~وأجزأتك صلاتك، وللذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين». # --- PageV01P115 ~~*** # وفي «المحيط»: ولو قرب من الماء وهو لا يعلم به ولم يكن بحضرته من يسأله ~~عنه أجزأه التيمم، لأن ms0082 الجهل بقربه من الماء كبعده عنه، ولو كان بحضرته من ~~يسأله فلم يسأل حتى تيمم وصلى، ثم سأله، فأخبره بماء قريب لم تجز صلاته، ~~لأنه قادر على استعمال الماء بواسطة السؤال، فإذا لم يسأل جاء التقصير من ~~قبله فلم يعذر، كمن نزل بالعمران ولم يطلب الماء لم يجز تيممه. وإن سأله في ~~الابتداء فلم يخبره حتى تيمم وصلى، ثم أخبره بماء قريب جازت صلاته، لأنه ~~فعل ما عليه، وإن وجده بثمن زائد على المثل زيادة لا يتغابن الناس فيها ~~يتيمم، لأنه لا يصل إلى استعماله إلا بإتلاف بعض ماله بلا عوض، وحرمة المال ~~كحرمة النفس. # وإن وجده بثمن المثل أو بزيادة يتغابن فيها لم يتيمم ولزمه الشراء، لأن ~~القدرة على البدل كالقدرة على الأصل، كمن عليه كفارة ولم يملك رقبة، ولكنه ~~ملك ثمنها، فإنه لا يجزيه التكفير بالصوم. وفي «الخلاصة»: وتفسير الغبن ~~الفاحش: لو كان قيمة الماء درهما وهو لا يبيعه إلا بدرهمين. وهذا كله إن ~~فضل عن نفقته. # (وإذا ذكره) أي تذكر الماء (في رحله) أي منزله بعدما صلى متيمما وكان ~~بمحل ينسى فيه عادة، فسواء ذكره في الوقت أو بعده (لا يعيد الصلاة) إذا ~~وضعه بنفسه أو وضع بعلمه عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف، وكذا عند ~~مالك والشافعي، وأما إذا وضع بغير علمه فبالاتفاق. وقيدنا بالنسيان لأنه لو ~~ظن أن ماءه قد فني فتيمم وصلى ثم تبين أنه لم يفن أعاد الصلاة بالاتفاق، ~~لأنه أخطأ في ظنه وأمكنه تحقيقه بالطلب والتفحص. وقيدنا الماء بكونه في محل ~~ينسى فيه عادة لأنه لو لم يكن كذلك بأن كان في مقدم الرحل وهو راكب، أو في ~~مؤخره على الظهر وهو سابق يعيد بالاتفاق. # --- PageV01P116 ~~*** # ثم التيمم مع وجود نبيذ التمر متعين عند أبي حنيفة في الأصح، وقد أفتى ~~أبو يوسف به، وفي رواية عن أبي حنيفة تعين الوضوء به لما روى الطحاوي: أن ~~ابن مسعود كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن وأنه صلى الله عليه ~~وسلم احتاج ms0083 إلى ما يتوضأ به ولم يكن معه إلا النبيذ فقال صلى الله عليه ~~وسلم «تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ به». لكن روي أن ابن مسعود أنكر كونه مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، ويؤيده ما صح في أبي داود والترمذي عن ~~عبد الله ابن مسعود... الحديث إلا أنه قيل: هو منسوخ بآية التيمم، لأن تلك ~~القضية مكية والآية مدنية. وروي عن محمد عن أبي حنيفة: الجمع بينهما ~~احتياطا. # ولو كان أكثر بدنه صحيحا وأقله جريحا ثم أجنب أو أحدث غسل الصحيح ومسح ~~الجريح إن لم يضره، وعلى الخرقة إن ضره وتيمم لو كان عكسه لقوله صلى الله ~~عليه وسلم في المجدور: «كان يكفيه التيمم». ولأن أحدا لم يقل بغسل ما بين ~~كل جدرتين، فدل أن العبرة بالأكثر. وقد تقرر أنه لا يجمع بين الأصل والبدل، ~~فلا نجمع نحن ومالك بين الوضوء والتيمم خلافا للشافعي. # فصل (في المسح على الخفين والجبيرة) # (المسح على الخفين) أي دون الخف الواحد (جائز) أي عند أهل السنة والجماعة ~~خلافا لبعض أهل البدعة. وهو ثابت بالسنن المشهورة المتظاهرة، كادت أن تكون ~~متواترة. وروي عن أبي حنيفة أنه قال: ما قلت بالمسح على الخفين حتى وردت ~~فيه آثار أضوأ من الشمس، وعنه: أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين. ~~لأن الآثار التي جاءت فيه في حيز التواتر، أي التواتر المعنوي وإن كانت من ~~الآحاد اللفظي. # --- PageV01P117 ~~*** # وقال أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثا من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وفي «الاستذكار» لابن عبد البر: روى المسح على ~~الخفين نحو أربعين من الصحابة. وفي «الإمام» لابن دقيق العيد: قال ابن ~~المنذر وغيره: روينا عن الحسن البصري أنه قال: حدثني سبعون من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين. وروى الجماعة من حديث جرير قال: ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ فمسح على خفيه. قال إبراهيم ~~النخعي: كان يعجبهم هذا لأن إسلام جرير ms0084 كان بعد نزول المائدة، وفي لفظ ~~للبخاري: لأن جريرا كان آخر من أسلم. # وقال ابن عبد البر: لم يرو عن أحد من الصحابة إنكار المسح، إلا عن ابن ~~عباس وعائشة وأبي هريرة، فأما ابن عباس وأبو هريرة فقد جاء عنهما بالأسانيد ~~الحسان خلاف ذلك وموافقة سائر الصحابة، وأما عائشة رضي الله عنها ففي «صحيح ~~مسلم»: أنها أحالت ذلك على علم علي. وقد روى عن شريح بن هانيء قال: سألت ~~عائشة رضي الله عنها عن المسح على الخفين فقالت: لا أدري، سلوا عليا، فإنه ~~كان أكثر سفرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألنا عليا فقال: رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين. وفي رواية: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ~~ولياليها»، فبلغ ذلك عائشة فقالت: هو أعلم. # --- PageV01P118 ~~*** # وإنما يجوز المسح على الخفين (للمحدث) رجلا كان أو امرأة (دون من عليه ~~الغسل) للجنابة، لما روى الترمذي، وصححه وابن خزيمة، وابن حبان في «صحيحه»: ~~عن زر بن حبيش أنه سأل صفوان بن عسال المرادي عن المسح على الخفين فقال: ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ~~ثلاثة أيام ولياليها إلا من جنابة، ولكن من بول وغائط ونوم». فلا يمسح الجنب. # وصورته: توضأ ولبس خفيه ثم أجنب ومعه ماء، فليس له أن يربط خفيه بحيث لا ~~يدخل الماء فيهما ويغسل سائر جسده ويمسح خفيه. وقيل: صورته: لبس خفيه ثم ~~أجنب وليس معه ماء، فتيمم لجنابته، ثم أحدث ثم وجد ماء يكفي للوضوء: لا ~~يجوز المسح على خفيه. # وكذا لا تمسح النفساء، وصورته: لبست الخفين على طهارة فنفست وانقطع ~~نفاسها قبل ثلاثة أيام وهي مسافرة، أو قبل يوم وليلة وهي مقيمة. وكذا لا ~~تمسح الحائض، وصورة ذلك إنما تتأتى على قول أبي يوسف: إن أقل الحيض يومان ~~وأكثر الثالث في مسافرة لبست الخفين فحاضت وانقطع حيضها لعادتها وهي يومان ~~وأكثر الثالث، وأما على ms0085 قولهما: إن أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها، فلا ~~يتأتى تصوير لها، لأنها إن لبست الخفين قبل الحيض فغسل الرجلين واجب ~~لانقضاء مدة المسح، وإن لبستهما في الحيض فغسل الرجلين واجب لفوات شرط ~~المسح وهو لبس الخفين على طهارة. والمقصود تصوير المسألة بحيث لا يكون مانع ~~من مسح الخفين سوى وجوب الاغتسال. # (وفرضه) أي مفروض المسح مقدر عندنا (وهو خطوط) أي ثلاثة (مقدار ثلاثة ~~أصابع اليد) وقيل: أصابع الرجل. # وقدره الشافعي بجزء ما، ومالك بأكثر ساتر أو كله قياسا على مسح الرأس. # --- PageV01P119 ~~*** # (في أسفل) أي في محل يكون أسفل (الساق) في كل رجل، فلو مسح على أحد خفيه ~~قدر إصبعين وعلى الآخر قدر أربع لا يجزيه. ولو بدأ من قبل الساق إلى ~~الأصابع أو مسح على ظهر القدم جاز، إلا أنه خلاف الأولى. وفي بعض النسخ: ~~قدر ثلاث أصابع اليد أسفل الساق على أعلاها. أي أعلى أسفل الساق وهو ما ~~لاقى ظاهر القدم، ولا يمسح على أسفلها، وهو ما لاقى باطن القدم، ولا على ~~عقبه، ولا على جنبه، ولا على ما تحته لما روى أبو داود في «سننه»: من حديث ~~عبد خير، عن علي كرم الله وجهه أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل ~~الخف أولى بالمسح من أعلاه. وفي رواية: لكان باطن الخف أولى بالمسح من ~~ظاهره، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه. # وروى ابن أبي شيبة عن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح على ~~ظاهر الخفين إذا لبسهما وهما طاهرتان. وفي رواية الطبراني بلفظ: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالمسح على ظهر الخف ثلاثة أيام ولياليهن ~~للمسافر، وللمقيم يوما وليلة. وروى ابن أبي شيبة عن المغيرة بن شعبة قال: ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم جاء حتى توضأ ومسح على خفيه، ~~ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح ~~أعلاهما مسحة واحدة، وكأني أنظر إلى أصابع رسول الله ms0086 صلى الله عليه وسلم ~~على الخفين. # وروى ابن ماجه والطبراني عن بقية بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: مر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يتوضأ وهو يغسل خفيه فنخسه بيده وقال: ~~«إنما أمرنا بالمسح هكذا»، وأراه من مقدم الخفين إلى أسفل أصل الساق مرة، ~~وفرج بين أصابعه. # --- PageV01P120 ~~*** # ولا يسن مسح أسفله عندنا. ويسن عند مالك والشافعي لما رواه أبو داود ~~والترمذي من حديث الوليد بن مسلم بسنده إلى المغيرة بن شعبة قال: وضأت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فمسح على الخف وأسفله. قلنا: قد ~~أعله الترمذي وغيره. # (ويجوز) أي المسح (على الجرموقين) أي الجرموقين يلبسان فوق الخفين في ~~البلاد الباردة، فارسي معرب. # وقال مالك في إحدى الروايتين والشافعي في قول: لا يجوز المسح عليه، لأنه ~~لا يحتاج إليه في الغالب فلا تتعلق به الرخصة. # ولنا ما روى أبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم وصححه: أن عبد ~~الرحمن بن عوف سأل بلالا عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان ~~يخرج يقضي حاجته، فآتيه بالماء فيتوضأ ويمسح على عمامته وجرموقيه. ولأن ~~الجرموق لا يلبس بدون الخف عادة، فأشبه خفا ذا طاقين، وإنما يجوز المسح على ~~الجرموقين عندنا إذا لبسهما فوق الخفين قبل أن يحدث ويمسح، فأما إذا مسح ~~عليهما أولا ثم لبس الجرموق فليس له أن يمسح عليه (لأن حكم المسح استقر في ~~الخف، فصار من أعضاء الوضوء حكما، فيصير الجرموق بدلا عنه، وكذا لو أحدث ~~بعدما لبس الخف ثم لبس الجرموق، فليس له أن يمسح عليه) لأن ابتداء المسح من ~~وقت الحدث، وقد انعقد في حق الخف، ولا يتحول إلى الجرموق بعد ذلك. # --- PageV01P121 ~~*** # (وكل ما يستر الكعب) أي ويجوز المسح على ما يستره (ويمكن به السفر) أي ~~السفر القصير العرفي وأقله فرسخ، سواء كانا مجلدين بأن كان الجلد أعلاهما ~~وأسفلهما، أو منعلين بأن كان الجلد أسفلهما فقط، أو ثخينين مستمسكين على ~~الساق في قول أبي يوسف ومحمد وأبي حنيفة أخيرا ms0087 قبل موته بسبعة أيام، وفي ~~«النوازل»: بثلاثة أيام، وعليه الفتوى، لما روى أصحاب «السنن الأربعة»: عن ~~المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين ~~والنعلين. قال الترمذي: حسن صحيح. واعترض بأن المعروف من رواية المغيرة ~~المسح على الخفين. وأجيب بأنه لا مانع من أن يروي المغيرة اللفظين، وقد ~~عضده فعل الصحابة. # قال أبو داود: ومسح على الجوريين: علي، وابن مسعود، والبراء، وأنس، وأبو ~~أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، ~~ويؤيده رواية ابن ماجه عن أبي موسى، والطبراني عن عيسى بن شيبان، وابن أبي ~~شيبة عن بلال: أنه صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين والجوربين. # وأجمعوا على أنه لو كان منعلا أو مبطنا يجوز المسح عليه، ولو كان من ~~الكرباس لا يجوز المسح عليه، وإن كان من الشعر فالصحيح أنه إن كان صلبا ~~مستمسكا يمشي معه فرسخا أو فراسخ يجوز. فعلى هذا الخلاف. # (وشرط كونهما) أي الخفين ونحوهما أو الممسوحين سواء كانا خفين أو جرموقين ~~أو جوربين (ملبوسين على طهر تام) أي بعد طهر (كامل) أعضاء فرض وضوئه أو ~~غسله (وقت الحدث) ظرف لتام، فلا يمسح على الخف الملبوس على حدث. # --- PageV01P122 ~~*** # وتمسح المستحاضة ومن بمعناها في الوقت، وبه قال مالك، ومنعه الشافعي في ~~قول لضعف طهارتها. ولا تمسح خارج الوقت، وأجازه زفر إلى تمام المدة مسافرا ~~كان أو مقيما، ولا يمسح على الجرموق الملبوس على خف ممسوح، ولا على الخف ~~الملبوس على تيمم. # وقال مالك والشافعي وهو أشهر الروايتين عن أحمد: يشترط أن يكون الطهر ~~تاما وقت اللبس، فعندنا لو غسل رجليه ولبس الخفين ثم غسل باقي الأعضاء، أو ~~توضأ مرتبا وغسل رجله اليمنى فأدخلها الخف ثم غسل اليسرى وأدخلها ثم أحدث: ~~يمسح، وعندهم لا يمسح. أما لو غسل رجليه، ثم لبس خفيه، ثم أحدث، ثم أكمل ~~الوضوء لا يجوز له المسح بالإجماع كما ذكره العيني في «شرح التحفة». # لنا أن الخف مانع حلول ms0088 الحدث بالقدم فيراعى كمال الطهارة وقت المنع، ولا ~~دلالة لهم في قوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة: «دعهما فإني ~~أدخلتهما طاهرتين». لأن معناه أدخلت كل واحدة منهما وهي طاهرة، كما يقال: ~~دخلنا البلد ركبانا، فإن معناه دخل كل منا وهو راكب، لا أن جميعنا راكب عند ~~دخول كل منا، كذا ذكره بعض علمائنا. وفيه بحث، إذ يبعد حمل طهره صلى الله ~~عليه وسلم على غير المرتب المسطور مع احتماله المرتب المذكور، فالصواب في ~~الجواب أن الحديث نحن نقول به، وجواز ترك الترتيب علم بدليل آخر فتدبر. # (لا في الجبيرة) أي لا يشترط في المسح على الجبيرة كونها مربوطة على طهر ~~لأنها تشد حال الضرورة، فاشتراط الطهارة في شدها مفض إلى الحرج. # وقال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه: يشترط، لأنه مسح على الحائل ~~فصار كمسح الخف. # والجبيرة: عود أو نحوه يربط على العظم المكسور ونحوه لجبره. # --- PageV01P123 ~~*** # وفي «المحيط»: لو كانت الجبيرة زائدة على رأس الجرح، أو افتصد فتجاوز ~~الرباط موضع الجراحة: فإن كان حل الخرقة وغسل ما تحتها يضر بالجراحة، يجوز ~~المسح على الكل تبعا لموضع الجراحة، لأنه لا يمكنه ربط موضع الجراحة وحده. ~~وإن كان الحل والمسح لا يضر بالجرح لا يجزيه المسح على الخرقة، بل يغسل ما ~~حول الجراحة ويمسح عليها. وإن كان يضره المسح ولا يضره الحل، يمسح على ~~الخرقة التي على رأس الجراحة ويغسل حواليها وما تحت الخرقة الزائدة، هكذا ~~فسره الحسن ابن زياد، لأن جواز المسح لأجل الضرورة فيتقدر بقدرها، ومن ضرر ~~الحل أن يكون في مكان لا يقدر على ربطها بنفسه ولا يجد من يربطها. # ولو مسح على بعض الجبيرة، ذكر الحسن: أنه إن مسح على الأكثر أجزأه وإلا ~~فلا، لأنه أقيم الأكثر مقام الكل دفعا للحرج. ولو ترك المسح على الجبائر، ~~والمسح يضره، جاز بلا خلاف، وإن لم تضره لم تجز صلاته عند أبي يوسف ومحمد، ~~ولم يحك في «الأصل» قول أبي حنيفة. وقيل: عنده يجوز تركه بناء على رواية ~~استحبابه ms0089 عنده، قيل: هو قوله الأول ثم رجع عنه، والصحيح: أن عنده مسح ~~الجبيرة واجب وليس بفرض حتى يجوز بدونه الصلاة، لأن الفرضية لا تثبت إلا ~~بدليل مقطوع به، قال في «متن المواهب»: وبه قالا. وفي «الخلاصة» من يقول: ~~مسح الجبيرة فرض يقول: استيعابها فرض، وهو رواية عن أبي حنيفة، وفي رواية ~~عنه: لو مسح الأكثر يجوز وعليه الفتوى. والمجروح كالمكسور. # --- PageV01P124 ~~*** # (ولا بأس بسقوطها) أي في حال (إلا) إذا سقطت بنفسها سقوطا ناشئا (عن برء) ~~فإنه إن كان في الصلاة يستقبل الصلاة، لأنه ظهر حكم الحدث السابق، فصار ~~كأنه شرع من غير غسل ذلك الموضع. وإن كان خارج الصلاة يغسل موضعها لا غير ~~إن لم يكن محدثا. وأما إن سقطت عن غير برء فإن كان في الصلاة يمضي عليها، ~~وإن كان خارج الصلاة أعاد الجبيرة أو أبدلها بأخرى ولا يعيد المسح لبقاء العذر. # والدليل على جواز مسح الجبيرة ما رواه ابن ماجه، والبيهقي، والدارقطني: ~~عن علي كرم الله وجهه أنه قال: انكسر أحد زندي فسألت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأمرني أن أمسح على الجبيرة. والزند مفصل طرف الذراع في الكف. قال ~~البيهقي: وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه مسح على الجبيرة، ولم يعرف له ~~مخالف من الصحابة. وروى الدارقطني عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يمسح على الجبائر. وضعفه، لكن صحح المنذري وغيره عن ابن عمر موقوفا ~~عليه أنه توضأ وكفه معصوبة، فمسح عليها وعلى العصابة، وغسل سوى ذلك. ~~والموقوف في هذا كالمرفوع، لأن الأبدال لا تنصب بالرأي. # وروى الطبراني عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما رماه ~~ابن قميئة يوم أحد قال: «رأيته إذا توضأ حل عن عصابته، أي كشف عنها ومسح ~~عليها بالوضوء». أي على الجبيرة بماء الوضوء، وكان شج في وجهه وكسرت ~~رباعيته صلى الله عليه وسلم. # --- PageV01P125 ~~*** # وروى أبو داود في «سننه» عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر ~~فشجه في رأسه، ثم احتلم ms0090 فقال لأصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ~~ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، قال: فاغتسل فمات، فلما قدمنا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ ~~لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب ~~شك موسى على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده». قال البيهقي في ~~«المعرفة»: هذا أصح ما يروى في هذا الباب مع اختلاف في إسناده. # (ولا يمسح ساتر غير الرجل) بالإضافة (إلا هي) أي الجبيرة، فلا يمسح على ~~عمامة، ولا قلنسوة، ولا برقع، ولا قفاز. قال محمد في «موطئه»: أخبرنا مالك ~~قال: بلغني عن جابر: أنه سئل عن العمامة فقال: لا، حتى يمس الشعر الماء. ثم ~~قال: وأخبرنا مالك عن نافع قال: رأيت صفية ابنة أبي عبيد تتوضأ وتنزع ~~خمارها ثم تمسح برأسها. # قال نافع: وأنا يومئذ صغير. قال محمد: بهذا نأخذ، لا يمسح على خمار ولا ~~على عمامة، بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك. أي فصار منسوخا. # --- PageV01P126 ~~*** # وأجازه الأوزاعي وأحمد وأهل الظاهر على العمامة، وقالوا: صح أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته وخفيه، فقد روى أبو داود في «سننه»، ~~وابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم وصححه: أن عبد الرحمن بن عوف سأل بلالا عن ~~وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان يخرج يقضي حاجته، فآتيه ~~بالماء فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه» وروى الطبراني في «معجمه» عن علي ~~بن أبي طالب قال: «زعم بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح على ~~الموقين والخمار». وروى البيهقي في «سننه» عن أنس والطبراني عن أبي ذر مثله. # والجواب أنه منسوخ، أو كان بعذر برأسه، ومع وجود الاحتمال لا يصلح ~~للاستدلال والله تعالى أعلم بالأحوال، مع أن الاستدلال بالحديث لا يتم، لأن ~~قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} يقتضي عدم جواز مسح غير الرأس، فيكون العمل ~~به زيادة عليه بخبر الواحد، وهو لا يجوز، وإنما ms0091 جاز المسح على الخف لكون ~~خبره تجاوز عن حد الآحاد، والله تعالى أعلم بالمراد. # (ومدته) أي مدة المسح على الخفين (للمقيم يوم وليلة). وقال مالك في إحدى ~~الروايتين عنه: لا يمسح المقيم. (وللمسافر ثلاثة) وفي بعض النسخ: ثلاثة أيام. # وقال مالك: لا توقيت في مسح الخفين، ويستحب نزعهما للمقيم في كل جمعة. ~~لما رواه الحاكم في «المستدرك» عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه، فليصل فيهما، وليمسح عليهما، ثم لا ~~يخلعهما إن شاء إلا من جنابة». وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم، ورواته ~~ثقات عن آخرهم. وحمله ابن الجوزي على مدة الثلاث ولم يعله. ولحديث خزيمة: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، ~~وللمقيم يوم وليلة». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. # --- PageV01P127 ~~*** # وفي رواية لأبي داود: ولو استزدناه لزادنا. ولابن ماجه: ولو مضى السائل ~~على مسألته لجعلها خمسا. إلا أنه معلول بثلاث علل ذكره ابن دقيق العيد في ~~«الإمام». ولحديث أبي بن عمارة قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: ~~«نعم، قال: يوما؟ قال: «نعم»، قال: ويومين؟ قال: «نعم»، قال: وثلاثة؟، قال: ~~«نعم وما بدا لك». رواه أبو داود ثم قال: واختلف في إسناده، وليس بالقوي. # (من وقت الحدث) أي مبتدئا من وقت الحدث الذي يمسح عقيبه، وهو قول عامة ~~العلماء، لما روى أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح، عن خزيمة بن ~~ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المسح على الخفين للمسافر ~~ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة». ولقول المغيرة بن شعبة: آخر غزوة غزونا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نمسح على خفافنا، للمسافر ثلاثة ~~أيام ولياليها وللمقيم يوما وليلة ما لم نخلع. رواه الطبراني. والظاهر أن ~~هذا التوقيت لبيان مدة الحاجة إلى المسح، إذ قبل الحدث لا حاجة إليه لحصول ~~الطهارة بالغسل. # وقيل: ابتداء مدة المسح من وقت لبس الخفين، وهو قول الحسن البصري لقول ~~صفوان: ms0092 (كان رسول الله يأمرنا) أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها. ~~وقيل: من وقت مسحهما لتعليق المدة بالمسح في الحديث، وهو رواية عن أحمد، ~~واختاره ابن المنذر، وقال النووي: وهو الراجح دليلا. انتهى. # ويصح المسح على الخف المغصوب والمسروق، وفي سفر المعصية عندنا، ونفاه ~~الشافعي ومالك، لأن هذا معصية والرخصة لا تناط بها. قلت: الحرمة لمعنى في ~~الغير لا تنافي الصحة كالصلاة في ثوب مغصوب، وأرض مغصوبة، والطهارة بماء ~~مغصوب، والمسألة أصولية. # (نواقض المسح على الخفين) # --- PageV01P128 ~~*** # (وناقضه) أي مبطل مسح الخف (ناقض الوضوء) لأنه بدل عن بعضه (ومضي المدة) ~~لأنه موقت بها، وذلك لأن استتار القدمين بالخف كان مانعا من سراية الحدث ~~إليهما في المدة بالنص، فإذا مضت سرى إليهما، فيجب غسلهما لا إعادة بقية ~~الوضوء. هذا إذا كان الماء موجودا. # ولو انقضت المدة في الصلاة وهو غير واجد للماء فقيل: لا تفسد صلاته، ~~فيمضي عليها لعدم الفائدة في نزعه، لأنه للغسل ولا ماء عنده فيكون عبثا. ~~وقيل: تفسد فيتيمم ويصلي، لأن عدم الماء لا يمنع سراية الحدث، وهذا هو ~~الأصح، لأن الشرع قدر منعه بمدة، فيسري الحدث بعدها، فكما يحكم عند وجود ~~الماء بأن يغسل، يحكم عند عدمه بأن يتيمم، لأن الحدث وإن لم يصب الرجل حسا، ~~لكن يصيبها حكم طهارته وهو المقصود، فلا يصلح عدمه مانعا من السراية بعد ~~تمام المدة. لا يقال: هذا جمع بين التيمم والوضوء في الجملة وهو غير جائز ~~عندنا، لأنا نقول: أحوج إلى ذلك الاحتياط كما قلنا بالجمع بينهما في الماء ~~المشكوك. # (وخروج أكثر العقب) # بكسر القاف: مؤخر الرجل (إلى الساق) عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف خروج ~~أكثر القدم إلى الساق، وعند محمد إن بقي في محل المسح مقدار ما يجوز المسح ~~عليه يعني ثلاث أصابع لا ينتقض المسح وإلا انتقض، لأن خروج ما سوى قدر ~~المسح كلا خروج. ولأبي يوسف: أن في الاحتراز من خروج أقل القدم حرجا كما في ~~الخف الواسع، ولا حرج في أكثره. ولأبي حنيفة: أن بقاء المسح ms0093 لبقاء محل ~~الغسل في الخف، وبخروج أكثر العقب إلى الساق الذي هو في حكم الظاهر لا يبقى ~~محل الغسل فيه، وهذا هو الأحوط، وكان مقتضاه خروج مطلقه إلا أنه ترك الأقل ~~دفعا للحرج. # --- PageV01P129 ~~*** # ثم اعلم أن خروج الرجل ومضي المدة ليس بناقض حقيقة، وإنما الناقض الحدث ~~السابق، لكن لما ظهر أثره عندهما نسب النقض إليهما. # (وبعد أحد هذين) أي مضي المدة وخروج أكثر العقب إلى الساق (يجب غسل رجليه ~~فقط) إذا لم يكن محدثا، لأن الحدث السابق سرى إلى رجليه دون سائر أعضائه. # وشرط مالك أن يبادر إلى غسلهما بعد النزع بناء على افتراض الولاء عنده. ~~ولم يوجب الحسن وطاوس شيئا بنزعهما، كحلق الرأس بعد المسح. قلنا: الشعر ~~خلقي بخلاف الخف. وقال الزهري: إن نزع الخف عن إحدى رجليه غسلها ومسح على ~~خف الأخرى. قلنا: طهارة المسح جنس واحد، فما يبطل بعضها يبطل كلها. وقال ~~بعضهم: لا ينقض المسح أصلا، وهو الأظهر، لأن الشرع اعتبر الخف مانعا عن ~~سراية الحدث للقدم، فتبقى على طهارتها. # (ويمنعه) أي مسح الخف (خرق) أي دون الكعب، لأن ما فوقه لا عبرة به في حق ~~المسح، حتى جاز المسح على خف قطع من الكعبين. # (يبدو) أي يظهر حال المشي (منه) أي من ذلك الخرق (قدر ثلاث أصابع الرجل) ~~أي مضمومة (أصغرها) بالجر، لأن الخفاف لا تخلو عن قليل الخرق وتخلو عن ~~كثيره غالبا، فلو اعتبر القليل مانعا وقع الحرج، فاعتبرنا الكثير، وقدرناه ~~بثلاث أصابع الرجل الصغار، لأن الأصل في القدم الأصابع، والثلاث أكثرها ~~فقام مقام الكل، واعتبار الأصغر للاحتياط. # وقدر مالك المنع بأكثر القدم لأن الأصل في الرخصة أن الصحابة وعامتهم ~~كانوا محتاجين لا يجدون إلا الخلق من الخفاف وقد جوز لهم المسح. # --- PageV01P130 ~~*** # (ويجمع خروق خف) حتى لو بلغ مجموعها قدر ثلاث أصابع منع (لا خفين) حتى لو ~~بلغ مجموع ما فيهما قدر ثلاث أصابع لا يمنع. ولو كانت النجاسة في الخفين ~~جمعت، وكذا لو كانت في ثياب المصلي أو في ثوبه وبدنه وتحت قدمه، ms0094 وكذا ~~انكشاف العورة في مواضع متعددة. وقد أجاز الخرق اليسير مالك كعلمائنا، ~~ونفاه الشافعي. # (وفي سفر المقيم وعكسه) أي إقامة المسافر (قبل يوم وليلة) هذا قيد في ~~المسألتين (يعتبر الأخير) وهو السفر في الأولى، فيكمل ثلاثة أيام، والإقامة ~~في الثانية فيكمل يوما وليلة، لأنه صدق في الأولى أنه مسافر، وفي الثانية ~~أنه مقيم، وقد قال صلى الله عليه وسلم «يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ~~ثلاثة أيام». (وبعدهما) أي وفي سفر المقيم وإقامة المسافر بعد يوم وليلة ~~(ينزع) أي جنس الخف، أما في الأولى فلانتهاء المدة، وأما في الثانية، فلأن ~~رخصة السفر لا تبقى بدونه، والله تعالى أعلم. # وقال الشافعي: لا يجوز لمن مسح ثم سافر قبل يوم وليلة تكميل مدة السفر. # وأما لو أقام مسافر في مدته لم يزد على يوم وليلة من حين مسح، وهذا ~~بالإجماع، لأن مدة المسافر قبل استكمالها تصير مدة المقيم عند الإقامة، ~~والله أعلم. # (باب الحيض) # --- PageV01P131 ~~*** # هو في أصل اللغة مصدر حاض يحيض إذا سال، وفي الشرع: (هو دم ينفضه) بضم ~~الفاء، أي يدفعه ويدفقه (رحم بالغة) أي فرج آدمية أقل عمرها تسع سنين على ~~المختار، وقيل: ست سنين، وقيل: ضعفها. فخرج ما لا يكون من الفرج، كالرعاف، ~~ودم الجراحات، والاستحاضة، وما يكون منه ولكن من غير آدمية، وما يكون منه ~~إلا أنه من غير بالغة (لا داء بها) فخرج ما يكون لمرض أو حبل أو نفاس (ولا ~~إياس) فخرج ما تراه الآيسة، وهي عند أكثرهم: بنت ستين سنة، وقيل: بنت خمس ~~وخمسين، وهو المختار كما في «الظهيرية»، وقيل: بنت خمس وأربعين، وفي ~~«الكفاية»: والفتوى في زماننا على أنه خمسون سنة. # (وأقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها) أي الثلاث، وروى الحسن عن أبي حنيفة: ~~ثلاثة أيام والليلتان المتخللتان، وعن أبي يوسف: يومان وأكثر اليوم الثالث. # وقال الشافعي وأحمد: يوم وليلة. وقال مالك: لا حد لأقله لإطلاق قوله ~~تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض}. # والصحيح عندنا أنها تترك الصوم والصلاة عند رؤية الدم وإن احتمل انقطاعه ~~دون الثلاث، ms0095 لأن الأصل الصحة، والحيض دم صحة. وروى ابن وهب عن مالك: أن ~~أقله في العدة والاستبراء ثلاثة أيام ولياليها. # (وأكثره عشرة) وقال مالك والشافعي وأحمد وهو قول أبي حنيفة الأول: خمسة ~~عشر يوما، لأن المرجع في ذلك إلى العرف، وهو كذلك على ما قال عطاء: رأيت من ~~النساء من كانت تحيض يوما، ومن كانت تحيض خمسة عشر يوما. وقال أبو عبد الله ~~الزهري: كانت من نسائنا من تحيض يوما، ومن تحيض خمسة عشر يوما. # --- PageV01P132 ~~*** # ولنا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة الصحيح لما سألته عن ~~المرأة التي تهراق الدم: «لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيض من ~~الشهر ثم لتغتسل ثم لتصل». حيث أجابها صلى الله عليه وسلم بذكر الأيام من ~~غير سؤال عن حيضها قبل ذلك، وأكثر ما يتناول لفظ الأيام عشرة، وأقله ثلاثة. # وروى الطبراني في «معجمه»: عن أبي أمامة، والدارقطني عنه: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة، وأكثر ما يكون ~~عشرة أيام، فإذا زاد فهي استحاضة». # وروى الدارقطني عن واثلة بن الأسقع مرفوعا: «أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره ~~عشرة أيام». # وروى ابن عدي في «الكامل»: عن أنس مرفوعا ولفظه: «الحيض ثلاثة أيام، ~~وأربعة، وخمسة، وستة، وسبعة، وثمانية، وتسعة، وعشرة، فإذا جاوزت العشرة فهي ~~مستحاضة». # وروى الدارقطني عن أنس قال: هي حائض فيما بينها وبين عشرة، فإذا زادت فهي ~~مستحاضة. # وروى ابن عدي عن معاذ بن جبل مرفوعا: «لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا حيض ~~فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة، تتوضأ لكل صلاة إلا أيام ~~أقرائها، ولا نفاس دون أسبوعين، ولا نفاس فوق أربعين يوما، فإن رأت النفساء ~~الطهر دون الأربعين صامت وصلت، ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين». # وروى العقيلي عن معاذ بن جبل مرفوعا: «لا حيض أقل من ثلاثة، ولا فوق عشرة». # وروى ابن الجوزي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «أقل الحيض ثلاثة، وأكثره ~~عشرة، وأقل ما بين الحيضتين خسمة عشر يوما». ms0096 # --- PageV01P133 ~~*** # وروى الدارقطني بسنده إلى عثمان بن أبي العاص: الحائض إذا جاوزت عشرة ~~أيام فهي بمنزلة المستحاضة، تغتسل وتصلي. وعثمان هذا صحابي. وبطريق آخر له ~~إلى سعيد بن جبير قال: الحيض ثلاثة عشر. وأسند مثله عن سفيان. وهو قول عمر ~~وعلي وابن مسعود وابن عباس. # فهذه عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بطرق متعددة ترفع الضعيف ~~إلى الحسن. والمقدرات الشرعية مما لا يدرك بالرأي، فالموقوف فيها حكمه ~~الرفع. بل تسكن النفس بكثرة ما روي فيه عن الصحابة والتابعين إلى أن ~~المرفوع مما أجاد فيه أولئك الرواة الضعفاء. وبالجملة فله أصل في الشرع، ~~بخلاف قولهم: أكثره خمسة عشر يوما، فإنه لم يعلم فيه حديث حسن ولا ضعيف، ~~ولهذا رجع عنه أبو حنيفة، والله سبحانه أعلم. # وأما ما استدلوا به من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «تمكث إحداكن شطر ~~عمرها لا تصلي». فقال ابن الجوزي في «التحقيق»: إنه لا يعرف، وقال البيهقي: ~~لم أجده في شيء من كتب الحديث، وقال ابن منده: لا يثبت هذا بوجه من الوجوه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو سلم أنه ثابت، فمن بلغت بخمس عشرة سنة إذا ~~حاضت من كل شهر عشرة، وماتت في ستين سنة، كانت تاركة للصلاة شطر عمرها، على ~~أن الشطر نصف الشيء وجزؤه كما في «القاموس»، ومنه قوله تعالى: {فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام}. وحديث الإسراء: «فوضع شطرها» أي بعضها. # ويسن للمرأة أن تحتشي عند الحيض قطنة لتتعرف بها حالها، وتطيبها بمسك أو ~~غالية لتذهب رائحة دمها. # --- PageV01P134 ~~*** # (وأقل الطهر خمسة عشر يوما) لاتفاق الصحابة على ذلك. وقد روى جعفر بن ~~محمد، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقل الحيض ~~ثلاث، وأكثره عشر، وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر يوما». عزاه القاضي أبو ~~العباس إلى الإمام. # (ولا حد لأكثره) لأنه قد يمتد إلى سنة وإلى سنتين، وقد لا تحيض أصلا، فلا ~~يقدر أكثره إلا لمن استمر دمها وهي مبتدأة، فإنه يقدر لها من كل ms0097 شهر عشرة ~~حيضا والباقي استحاضة. # (المحيرة) # وأما المعتادة الناسية عدد أيام حيضها ودورها من كل شهر: فإن كان لها ظن ~~تحرت ومضت على غالب ظنها، وإن لم يكن لها ظن وتسمى المحيرة والمضللة ~~فإنها لا يحكم لها بشيء من الطهر أو الحيض على التعيين، بل تأخذ بالأحوط في ~~حق الأحكام بأن تصوم وتصلي لجواز أن لا تكون حائضا، ولا يطأها زوجها ~~لاحتمال أن تكون حائضا. # وهل يقدر طهرها في حق انقضاء العدة؟ قيل: لا يقدر بشيء ولا تنقضي عدتها، ~~وقال الأكثر: يقدر، واختلفوا في قدره: # --- PageV01P135 ~~*** # فقال محمد بن إبراهيم الميداني: يقدر بستة أشهر إلا ساعة، وعليه الأكثر، ~~لأن مدة الطهر أقل من أدنى مدة الحمل عادة، فنقصنا من ذلك ساعة، وعلى هذا ~~تنقضي عدتها بتسعة عشر شهرا إلا ثلاث ساعات، لأنها تحتاج إلى ثلاث حيض كل ~~حيضة عشرة أيام، وإلى ثلاثة أطهار كل طهر ستة أشهر إلا ساعة. قال البرجندي: ~~وهذا إنما يصح لو كان الطلاق في أول الطهر، إذ لو كان الطلاق في آخره انقضت ~~بثلاثة عشر شهرا إلا ساعتين. وفي «شرح الكنز»: ينبغي أن يزيدوا على ذلك ~~لجواز أن يكون طلاقها في أول الحيض، فلا يعتد بتلك الحيضة، فتنقضي العدة ~~بتسعة عشر شهرا وعشرة أيام إلا أربع ساعات. فثلاث ساعات لما مر، وواحدة ~~لزمان إيقاع الطلاق. # وروى ابن سماعة عن محمد بن الحسن: أنه يقدر الطهر بشهرين. وهو اختيار أبي ~~سهل الغزالي والحاكم في «مختصره». وقيل: وعليه الفتوى. لأن العادة من ~~العود، والحيض والطهر مما يعود في شهرين عادة، فلا يكون الطهر أكثر من شهرين. # وأما في حق ما عدا العدة، فلم يقدروا لها الطهر بشيء، بل قالوا: تجتنب ما ~~تجتنب الحائض من قراءة القرآن ومسه ودخول المسجد وإتيان الزوج، وتغتسل لكل ~~صلاة فتؤدي به الفرض والوتر، وتقرأ فيهما قدر ما تجوز به الصلاة ولا تزيد، ~~وقيل: تقرأ الفاتحة والسورة، لأنهما واجبتان وهو الأصح الأحوط. وإن حجت ~~تطوف للزيارة، لأنه ركن ثم تعيده بعد عشرة أيام، وتطوف للصدر ms0098 لأنه واجب، ~~وتصوم شهر رمضان لاحتمال أنها طاهرة، ثم تقضي خمسة وعشرين يوما، لاحتمال ~~أنها حاضت فيه خمسة عشر يوما، عشرة في أوله وخمسة في آخره أو بالعكس، ~~واحتمال أنها حاضت في القضاء عشرة. # --- PageV01P136 ~~*** # (والطهر المتخلل) أي بين الدمين (في مدته) أي مدة الحيض (وما رأت من لون ~~فيها) أي المدة (سوى البياض حيض). # أما كون ما عدا البياض الخالص حيضا، فلما في «الموطأ»: عن علقمة بن أبي ~~علقمة، عن أمه مولاة عائشة أنها قالت: كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة ~~فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة؟ فتقول لهن: لا ~~تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. تريد بذلك الطهر من الحيضة. والكرسف: بضم ~~الكاف والسين المهملة: القطن. والدرجة: بضم الدال: حقة تضع المرأة فيها ~~طيبها ونحوه. والقصة: بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة: شيء كالخيط الأبيض ~~يخرج من قبل المرأة عقيب انقطاع الدم، يعرف به أنها طهرت. # وأما كون الطهر المتخلل بين الدمين في مدة الحيض حيضا فهو رواية محمد عن ~~أبي حنيفة، ولا يجوز على هذه الرواية بداءة الحيض بالطهر ولا الختم به. ~~ووجهها أن استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط إجماعا، فيعتبر أولها وآخرها ~~كالنصاب في باب الزكاة. # وقال أبو يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة وقيل: هو آخر أقواله : إن كان ~~الطهر أقل من خمسة عشر يوما لا يفصل لأنه طهر فاسد، فصار بمنزلة الدم، ~~وحكمه حكم دم منفصل، فينظر: إن كان ذلك كله لا يزيد على العشرة فالكل حيض: ~~ما رأت فيه الدم وما لم تر، سواء كانت مبتدأة أو صاحبة عادة. # --- PageV01P137 ~~*** # وإن زاد على العشرة: إن كان لها عادة ردت إليها، ويكون الزائد استحاضة. ~~وإن كانت مبتدأة فالعشرة حيض: ما رأت فيه الدم وما لم تر، وما زاد استحاضة. ~~وكثير من المتأخرين أفتوا بهذه الرواية لأنها أيسر على المفتي والمستفتي ~~لقلة التفاصيل التي يشق ضبطها. ويجوز على هذه الرواية البداءة بالطهر ~~والختم به، لكن يشترط إحاطة الدم من الجانبين، كما إذا رأت قبل ms0099 عادتها يوما ~~دما وعشرة طهرا ويوما دما، فالعشرة حيض. # وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة: أنه يشترط أن يكون الدم في العشرة ثلاثة ~~أيام، وهو قول زفر، لأن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة. # وحكم محمد بفصل الثلاثة من الطهر في مدة الحيض إن زادت على الدمين. قال ~~في «المبسوط»: وهو الأصح وعليه الفتوى. فلو رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويوما ~~دما، لم يكن شيء منها حيضا، لأن الطهر بلغ ثلاثة أيام، وهو غالب على الدمين ~~فصار فاصلا، وكذلك إن زاد الطهر. وإن رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويومين دما، ~~فالستة حيض، لأن الدم ساوى الطهر في طرفي الستة فصار غالبا. ولو رأت ثلاثة ~~دما وخمسا طهرا ويوما دما، فحيضها الثلاثة الأولى، لأن الطهر غالب فصار ~~فاصلا، والمتقدم يمكن أن يجعل بانفراده حيضا، فجعلناه حيضا. # --- PageV01P138 ~~*** # وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان ~~دون ثلاثة أيام لا يصير فاصلا، وإذا بلغ ثلاثة أيام فصل على كل حال، ثم ~~ينظر إن أمكن أن يجعل أحدهما بانفراده حيضا جعل حيضا، كما بينا من مذهب ~~محمد وإن خالفه في حرف واحد، وهو أنه لم يعتبر غلبة الدم ولا مساواة الدم ~~بالطهر، فلو رأت مبتدأة يوما دما ويومين طهرا ويوما دما يكون الأربعة حيضا. ~~ولو رأت يومين دما وثلاثة طهرا ويوما دما لم يكن شيء منه حيضا، لأن الطهر ~~المتخلل بلغ ثلاثة أيام، وواحد منهما بانفراده لا يمكن أن يجعل حيضا، ولو ~~رأت يوما دما وثلاثة طهرا وثلاثة دما كانت الثلاثة الأخيرة حيضا. # ولا نميز نحن ومالك بين دمي الحيض والاستحاضة باللون عند اتصال الدمين. # وميز الشافعي به بينهما وقال: إذا عبر الدم الأكثر وكانت مبتدأة مميزة ~~وهي التي ترى في بعض الأيام دما قويا كالأسود، وفي بعضها دما ضعيفا ~~كالأحمر، فيجعلها حائضا في وقت القوي، ومستحاضة في وقت الضعيف، بشرط أن لا ~~ينقص القوي عن أقل الحيض، ولا يزيد على أكثره ليمكن جعله حيضا، وأن لا ms0100 ينقص ~~الضعيف عن أقل الطهر ليمكن جعله طهرا بين الحيضتين. وإن كانت معتادة مميزة ~~فيأخذ بمقتضى التميز دون العادة على الأصح عنده لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: «إن دم الحيض غليظ أسود، فإذا كان ذلك فأمسكي عن ~~الصلاة، فإذا كان غيره فاغتسلي وصلي». # --- PageV01P139 ~~*** # ولنا قوله صلى الله عليه وسلم «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها». ~~وقوله: «دعي الصلاة أيام أقرائك». اعتبر الأيام دون اللون وغيره، ومذهبنا ~~روي عن علي وابن عباس، ومثله عن سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، ~~ومكحول، والحسن، وإبراهيم، وابن سيرين. وما رواه موقوف على عائشة، ومعارض ~~بقول علي وابن عباس، وقد روى ابن ماجه عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي ~~حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة أستحاض فلا أطهر، ~~أفادع الصلاة؟ فقال: «لا، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي وتوضئي لكل ~~صلاة وإن قطر الدم على الحصير». # (يمنع) أي الحيض (الصلاة والصوم) بإجماع المسلمين (ويقضى هو) أي الصوم ~~(لا هي) أي الصلاة لما في «الكتب الستة»: عن معاذة العدوية قالت: سألت ~~عائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ ~~قلت: لست بحرورية ولكني أسأل؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا ~~نؤمر بقضاء الصلاة». انتهى. وعليه الإجماع. ولأن في قضاء الصلاة حرجا ~~لكثرتها وتكرر الحيض، بخلاف الصوم، فإنه يجب في السنة شهرا، ولا تحيض ~~المرأة في الشهر بحسب العادة إلا مرة. # والحرورية: بفتح فضم نسبة إلى حروراء، وهي قرية بالكوفة كان اجتماع أول ~~الخوارج بها. وإنما قالت ذلك لها، لأن طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض ~~قضاء الصلاة. والاستفهام إنكاري بأن هذه طريقة الحرورية. وقيل: إنما قالت ~~ذلك لأنها تعمقت في الدين، وأهل حروراء تعمقوا فيه حتى خرجوا عنه. # --- PageV01P140 ~~*** # (و) يمنع الحيض (دخول المسجد) لما روى أبو داود من حديث عائشة قالت: جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: ~~«وجهوا هذه البيوت عن المسجد». ms0101 ثم دخل ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن ينزل ~~فيهم رخصة، فخرج إليهم فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل ~~المسجد لجنب ولا حائض». # (و) يمنع (الطواف) بالكعبة لأنه في المسجد. واحتيج إلى ذكره لئلا يتوهم ~~أنه لما جاز لها الوقوف مع أنه أقوى أركان الحج، فلأن يجوز لها الطواف ~~أولى، وليدل على أنه كما يحرم عليها الدخول في المسجد يحرم عليها الطواف، ~~ولأنها إذا دخلت المسجد طاهرة ثم حاضت لا تطوف، إذ يجب عليها الخروج في ~~ساعته بتيمم وهو الأولى. # (و) يمنع (استمتاع ما تحت الإزار) من المرأة حائضا أو نفساء، وهو: ما بين ~~السرة والركبة. # وقال محمد وأحمد بن حنبل: يمنع الحيض الاستمتاع بالفرج خاصة، وهو قول ~~للشافعي، واختاره النووي لما رواه الجماعة إلا البخاري عن أنس: أن اليهود ~~كانوا إذا حاضت المرأة لم يواكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، أي لم ~~يساكنوها فيها. فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله ~~تعالى: {يسئلونك عن المحيض قل هو أذى}... الآية. فقال صلى الله عليه وسلم: ~~«اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، أي الجماع كما في رواية. # ولنا: ما روى أبو داود عن عبد الله بن سعد قال: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال صلى الله عليه وسلم «لك ما ~~فوق الإزار». وقد حسنه البعض، وقال شارحه أبو زرعة العراقي: ينبغي أن يكون صحيحا. # --- PageV01P141 ~~*** # وما صح من قول عائشة: وكان يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض. أي ~~يلامسني. وفي المتفق عليه: أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يباشر إحداهن حتى ~~يأمرها أن تأتزر. ولولا منع ما تحت الإزار لم يكن لأمرها بالإزار قبل ~~المباشرة معنى، إلا أنه يحتمل أن يكون من باب الاحتياط، فإن الراعي حول ~~الحمى يوشك أن يقع فيه، ويمكن حمل قوله صلى الله عليه وسلم «إلا النكاح» ~~على الجماع حقيقة أو حكما، فالمسألة ظنية غير قطعية. # ثم المشهور من رواية المحدثين وغيرهم فأتزر بهمزة ms0102 قطع فمثناة فوقية ~~مشددة. وقال المطرزي: الصواب فأءتزر بهمزتين: الأولى للوصل، والثانية ~~ساكنة، هي فاء افتعل من الإزار، كذا نقله الشمني. وهو خطأ في نقل عبارته، ~~فإن الصواب أن يقول: بهمزتين: الأولى للقطع لأنها همزة متكلم، والثانية ~~مبدلة الفاء. ونص الزمخشري أيضا على خطأ أتزر بالإدغام وتبعه الطيبي في ~~«شرح المشكاة»، ولا يخفى أن رواية المحدثين أقوى من نقل اللغويين. # وقد قال ابن مالك: إن إدغام الهمزة في التاء مقصور على السماع. وقد سمع: ~~اتزر من الإزار، واتكل من الأكل. وقرأ ابن محيصن {فليؤد الذي اتمن} بهزة ~~وصل وتاء مشددة مضمومة، وهو من الأمانة. والقراءة الشاذة بمنزلة خبر ~~الآحاد. ويؤيده قراءة الجمهور {اتخذتم} بالإدغام، فالظاهر أنه مأخوذ من ~~الأخذ لا من اتخذ. # --- PageV01P142 ~~*** # وفي «المحيط»: روى ابن رستم: أن من قال بأن جماع الحائض حلال كفر، أي إذا ~~كان يعتقده أنه ليس بمنهي عنه، لأنه يصير جاحدا لحكم الكتاب. ومن جامع وهو ~~عالم بالتحريم فليس عليه إلا التوبة والاستغفار، لأنه باشر كبيرة فكفارتها ~~غير مشروعة إلا بالتوبة. ويستحب أن يتصدق بدينار أو نصف دينار. وقيل: إن ~~أصابها في الدم فبدينار، وفي انقطاعه فبنصف دينار. ويشهد للقول الأول: ما ~~أخرجه أبو داود في «سننه» عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي ~~يأتي امرأته وهي حائض قال: «يتصدق بدينار أو بنصف دينار». قال أبو داود: ~~هكذا الرواية الصحيحة: «بدينار أو بنصف دينار». وللقول الثاني: ما أخرجه ~~أبو داود أيضا عن ابن عباس: قال: إذا أصابها في أول الدم فدينار، وإذا ~~أصابها في انقطاعه فنصف دينار. قلت: فهذا تفسير للحديث الأول، والإشعار بأن ~~«أو» للتنويع لا للشك. # (ولا تقرأ) أي الحائض آية ولا ما دونها (كجنب ونفساء) أي كما لا يقرأ جنب ~~ونفساء شيئا منه، وهذا اختيار الكرخي. واختيار الطحاوي: أنه لا بأس بقراءة ~~ما دون الآية لأن النظم والمعنى قاصران فيه، ولهذا لا تجوز به الصلاة. وفي ~~«البخاري»: قال إبراهيم أي النخعي : لا بأس أن تقرأ الحائض الآية. ولم ms0103 ير ~~ابن عباس بالقراءة للجنب بأسا. # ووجه الأول ما روى الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن». وفي «المحيط»: ~~وهذا إذا قرأت على قصد التلاوة، إذ لو قرأت على قصد الذكر والثناء نحو: بسم ~~الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، أو علمت الحائض أو الجنب حرفا ~~حرفا فلا بأس به بالاتفاق لأجل العذر والضرورة. # --- PageV01P143 ~~*** # (بخلاف المحدث) فإنه يقرأ لما في «السنن الأربعة» وصححه الحاكم عن علي ~~رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحجبه أو لا يحجزه ~~عن القرآن شيء، ليس الجنابة. قال الترمذي: حسن صحيح. # ولم يمنع مالك الحائض التلاوة لاحتياجها إليها خوفا من النسيان، ولعدم ~~قدرتها على رفع الحيض، بخلاف الجنابة لقدرتها على إزالتها. # ولنا ما رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن». ورواه الدارقطني في «سننه» عن ~~جابر مرفوعا نحوه. # (ولا يمس هؤلاء) أي الحائض، والنفساء، والجنب، والمحدث (مصحفا) لقوله ~~تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون}. ولقوله صلى الله عليه وسلم «لا يمس القرآن ~~إلا طاهر». رواه أبو داود. ولما روى الحاكم في «المستدرك» وصححه عن حكيم بن ~~حزام قال: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: «لا تمس ~~القرآن إلا وأنت طاهر». (إلا بغلاف متجاف) أي منفصل نحو الخريطة، لأن ~~المنفصل عنه لا يكون تبعا له. وفي «البخاري» عن أبي وائل أنه كان يرسل ~~خادمه وهي حائض إلى أبي رزين لتأتيه بالمصحف فتمسك بعلاقته. # (وكره) أي المس (بالكم) أي بشيء من الثوب الذي على الماس، لأنه تبع له ~~فلا يصير حائلا بينه وبين المصحف. ولهذا لو حلف لا يجلس على الأرض فلبس ~~ثوبا وجلس على ذيله على الأرض يحنث. وفي «النوادر»: أنه لا بأس به لأن ~~المحرم المس وهو اسم للمباشرة من غير حائل. # --- PageV01P144 ~~*** # وكره لهم أيضا مس التفسير، ms0104 وكتب السنن، والفقه، لأنها لا تخلو عن آيات. ~~ولا بأس بمسها بالكم بلا خلاف. وفي «فتاوى أهل سمرقند»: يكره لهم أن يكتبوا ~~كتابا فيه آية، لأن الكتابة بالقلم وهو في اليد. وذكر أبو الليث أنهم لا ~~يكتبون، وإن كانت الصحيفة على الأرض والمكتوب دون آية، وذكر القدوري: أنه ~~لا بأس بالكتابة إذا كانت الصحيفة على الأرض. وقيل: هو قول أبي يوسف. وكره ~~بعضهم دفع المصحف أو اللوح الذي عليه القرآن مكتوب إلى الصبي إذا كان ~~محدثا، والصحيح: أنه لا بأس به، لأن في تكليفهم بالطهارة حرجا. # (ولا درهما) أي مثلا فيشمل دينارا ونحوه، عطفا على مصحفا (فيه سورة) أي ~~شيء من القرآن آية أو أكثر. قال المصنف: وإنما قيل: سورة لأن الغالب كتب ~~نحو سورة الإخلاص على الدراهم (إلا بصرة) أي من هميان وغيره لأنها بمنزلة ~~غلاف متجاف. # (وحل وطء من انقطع دمها لأكثر الحيض أو النفاس قبل الغسل) ظرف للوطء ~~(دون) أي لا (من انقطع دمها لأقل) أي أقل من أكثر الحيض أو النفاس، يعني أن ~~الحائض التي انقطع حيضها لأكثر الحيض، والنفساء التي انقطع نفاسها لأكثر ~~النفاس: يحل وطء كل واحدة منهما وإن لم تغتسل. والحائض التي انقطع حيضها ~~لأقل من أكثر الحيض، والنفساء التي انقطع نفاسها لأقل من أكثر النفاس: لا ~~يحل وطؤها. # (إلا إذا) اغتسلت بلا خلاف، أو تيممت في السفر أو الحضر عند العجز عن ~~الماء وصلت باتفاق، أو لم تصل عند محمد قياسا على ما إذا اغتسلت. ولهما: أن ~~التيمم لا استقرار له لجواز بطلانه بالماء ولا كذلك الغسل. # --- PageV01P145 ~~*** # أو إذا (مضى وقت يسع الغسل والتحريمة) لأن وقت التحريمة يتحقق به إدراك ~~وقت الصلاة، إذ لا تجب في ذمتها ما لم تدرك قدر ذلك من الوقت، ووقت الغسل ~~محسوب من الحيض، ولهذا لو طهرت قبل الصبح بأقل من وقت يسع الغسل لا يجزئها ~~صوم ذلك اليوم ولا يجب عليها صلاة العشاء. # وهذا كله في حق التي استكملت عادتها. وأما التي لم تستكمل فلا يحل ms0105 وطؤها ~~وإن اغتسلت حتى تمضي عادتها لاحتمال عود الدم إليها، لكنها تغتسل وتصوم ~~احتياطا. وفي «مواهب الرحمن»: إلا أن تغتسل أو تصير الصلاة دينا في ذمتها ~~بخروج وقتها. # والمراد من قول بعضهم: أو يمضي عليها أدنى وقت صلاة: أدناه الواقع آخرا، ~~أعني أن تطهر في وقت منه إلى خروجه قدر الاغتسال والتحريمة، لا أعم من هذا ~~ومن أن تطهر في أوله ويمضي منه هذا المقدار، لأن هذا لا ينزلها طاهرة كما ~~غلط به بعضهم، ألا ترى إلى تعليلهم بأن تلك الصلاة صارت دينا في ذمتها وذلك ~~بخروج الوقت، ولذا لم يذكر غير واحد لفظة أدنى. وعبارة «الكافي»: أو تصير ~~الصلاة دينا في ذمتها بمضي أدنى وقت صلاة بقدر الغسل والتحريمة بأن انقطعت ~~في آخر الوقت، لأن الشرع حكم بطهارتها لما أوجب الصلاة عليها. # وقال مالك والشافعي وأحمد وزفر: لا يجوز وطء من انقطع حيضها ونفاسها حتى ~~تغتسل لقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} أي من الحيض {فإذا تطهرن} أي ~~اغتسلن، كذا فسره ابن عباس فيما رواه البيهقي وغيره. وقال إسحاق بن راهويه: ~~وأجمع أهل العلم من التابعين على أنه لا يطأها حتى تغتسل. # --- PageV01P146 ~~*** # ولنا قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض}. ووقت انقطاع الدم ليس وقت ~~محيض، وإنها بمضي ما يسع الغسل والتحريمة تثبت الصلاة في ذمتها، وهو من ~~أحكام الطهارة فتكون طاهرة حكما، ولأن في الآية قراءتين، فمقتضى قراءة ~~التخفيف انتهاء الحرمة العارضة على الحل بالانقطاع مطلقا، وإذا انتهت حلت ~~بالضرورة. ومقتضى قراءة التشديد عدم انتهائها عنده بل عند الاغتسال، ~~فالتوفيق بينهما بما قلنا. # وفي «الظهيرية»: والحائض إذا حبست الدم عن الدرور لا تخرج من أن تكون ~~حائضا. وصاحب الجرح إذا منع الجرح عن السيلان بعلاج يخرج من أن يكون صاحب عذر. # (أحكام النفاس) # (والنفاس) بكسر النون، مصدر نفست المرأة بفتح النون ونفست بضمها إذا ~~ولدت، وقيل: ضمها أشهر من فتحها. ثم سمي به (دم) أي دم رحم (يعقب الولد) ~~بضم القاف أي يتبع ولادته، احترازا مما يخرج قبلها. # (ولا ms0106 حد لأقله) أي أقل النفاس اتفاقا، لما روى ابن ماجه عن أنس: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقت للنفساء أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ~~ذلك. وضعف. وقد روي من عدة طرق لم تخل عن طعن، لكنه يرتفع بكثرتها إلى ~~الحسن. وأما ما روي عن أم سلمة قالت: كانت النفساء تقعد على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أربعين يوما. فقال النووي: هو حديث حسن رواه أبو داود ~~والترمذي وغيرهما. وقال ابن تيمية في «المنتقى»: ومعنى الحديث كانت تؤمر أن ~~تجلس إلى الأربعين لئلا يكون الخبر كذبا، إذ لا يمكن أن يتفق نساء عصر في ~~نفاس أو حيض. # --- PageV01P147 ~~*** # ولو ولدت ولم تر دما يجب الغسل عند أبي حنيفة وزفر، وهو اختيار أبي علي ~~الدقاق. وعند أبي يوسف وهو رواية عن محمد : لا غسل عليها، لكن يجب عليها ~~الوضوء. وفي «المفيد» هو الصحيح. # (وأكثره أربعون يوما)، وهو قول الشافعي حكاه عنه أبو عيسى الترمذي ~~والمشهور من مذهب أحمد. # وقال الأوزاعي: أكثره في الغلام خمسة وثلاثون وفي الجارية أربعون. وعن ~~مالك روايتان: إحداهما الرجوع إلى العادة، والأخرى ستون يوما، وبه قال ~~الشافعي في المشهور عنه. # ولنا ما رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصححه من حديث أم ~~سلمة قالت: كانت المرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقعد في النفاس ~~أربعين يوما أو أربعين ليلة، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك. زاد أبو داود في ~~لفظ: لا يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء صلاة النفاس. وقال النووي: ~~حديث حسن. والمراد بنساء النبي صلى الله عليه وسلم ها هنا: بناته وقريباته. ~~وقال الترمذي: أجمع أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم على أن النفساء تدع ~~الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك. # (وهو) أي النفاس (لأم التوأمين) وهما الولدان في بطن بين ولادتيهما أقل ~~من ستة أشهر (من الأول) لأن ما تراه حينئذ دم رحم خارج عقب الولادة (خلافا ~~لمحمد) فإن نفاسها عنده من الولد ms0107 الأخير، لأنها حامل به منسد رحمها بسببه، ~~فلا يكون ما تراه عقب الأول من الرحم، وبه قال زفر. # (وانقضاء العدة من الأخير إجماعا) لقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن} وبوضع الأول لم تضع حملها، وإنما وضعت بعضه. # --- PageV01P148 ~~*** # ولو قطع الولد فيها: إن خرج أكثره فهو نفاس، وإلا فلا. وقال محمد وزفر: ~~لا يثبت النفاس إلا بوضع كل الحمل. وإن كان بين الولدين أربعون يوما فصاعدا ~~قيل: على قول أبي حنيفة يجب النفاس من الولد الثاني أيضا، وعلى قياس قولهما ~~لا يجب وهو الصحيح. فلما تضع الولد الثاني تغتسل وتصلي. # (وسقط) بالكسر ويثلث: اسم للولد الساقط قبل تمام خلقه (بدا) أي ظهر (بعض ~~خلقه) من إصبع ونحوه (ولد) أي في حكم الشرع (فتصير أمه نفساء والأمة أم ~~ولد) إذا ادعاه السيد (ويقع المعلق به) من طلاق وعتاق (وتنقضي العدة به) ~~لأنه ولد ناقص الخلقة، ونقصان الخلقة لا يمنع أحكام الولادة. # (أحكام الاستحاضة) # (وما نقص عن أقل الحيض) وهو ثلاثة أيام (أو زاد على حيض المبتدأة) وهي من ~~لم تحض قبل ذلك (وهو) أي حيض المبتدأة (عشرة) أي أيام (أو نفاسها) أي أو ~~زاد على نفاس المبتدأة، وهي من لم تلد قبل ذلك (وهو) أي نفاس المبتدأة ~~(أربعون) أي يوما (أو على العادة) أي أو زاد على العادة (فيهما) أي في ~~الحيض والنفاس (وجاوز أكثرهما) قيد به لأنه لو زاد على العادة فيهما ولم ~~يجاوز أكثرهما يكون حيضا في الحيض ونفاسا في النفاس (وما رأت حامل) عطف على ~~ما نقص: (استحاضة) خبر عن ما نقص وما عطف عليه (لا تمنع) أي ما ذكر أو ~~الاستحاضة (صلاة وصوما) أي صحتهما (ووطئا) أي جوازه. # أما كون الزائد على العادة في الحيض والنفاس استحاضة إذا جاوز أكثرهما: ~~فلقول عائشة رضي الله عنها: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المستحاضة: ~~«تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل مرة، ثم تتوضأ إلى مثل أيام أقرائها». # --- PageV01P149 ~~*** # وقول سودة بنت زمعة: قال رسول الله صلى الله ms0108 عليه وسلم «المستحاضة تدع ~~الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس فيها، ثم تغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ ~~لكل صلاة». رواهما الطبراني. # ولأن ما تراه في أيام عادتا في الحيض حيض يقينا، وفي النفاس نفاس يقينا، ~~وما تراه فيما زاد على أكثر الحيض والنفاس استحاضة يقينا، وما تراه فيما ~~بينهما مشكوك فيه، فألحق بما زاد على أكثرهما، لأنه يجانسه في كونه مخالفا ~~للعادة. # ثم قيل: لا تصلي في الزائد على العادة لاحتمال صيرورتها أهلا، وعدم ~~صيرورتها، فتبقى كما كانت. # وأما كون ما تراه الحامل استحاضة فلأنه لو جاز اجتماع الحيض والحمل لم ~~يكن الحيض دليلا على عدم الحمل، وقد جعله الشارع دليلا عليه، فعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: إن الله رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم رزقا للولد، رواه ~~ابن شاهين. وعن عائشة: الحامل لا تحيض. رواه الدارقطني. ومثل هذا لا يقال ~~بالرأي، فيحمل على أنهما قالا ذلك سماعا. # وقال مالك والشافعي في الجديد: ما تراه الحامل على ترتيب أدوارها حيض. # ومن الدليل لنا أنه لما نزل قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء} قالت الصحابة: فإن كانت آيسة أو صغيرة فنزلت {واللائي يئسن من المحيض ~~من نسائكم} الآية. فقالوا: إن كانت حاملا؟ فنزلت: {وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن}. ففيه تنبيه على أن الحامل لا تحيض، وأنها ليست من ذوات ~~الأقراء. # --- PageV01P150 ~~*** # ثم لا يشترط أبو يوسف عود الدم وتكراره لنقل العادة الأصلية إلى زيادة أو ~~نقصان، أو زمان آخر في الشهر الثاني، فلو كانت العادة في أول الشهر ستة ~~مثلا، ثم رأت تسعة دما أو بعكسه، أو رأته في غير حينه: قبل عادتها أو ~~بعدها: ينقل أبو يوسف العادة الأصلية إلى الحالة الثانية، وبقوله يفتى ~~تيسيرا للأمر عليهن، كالعادة الأصلية، وهي انتقال الطهر إلى الحيض بمرة ~~واحدة، فإن المراهقة إذا رأت الدم ثلاثة أيام يحكم بأنها حائض فكذا هذا. ~~وقال أبو حنيفة ومحمد: لا بد من التكرار لنقلها، إذ العادة مأخوذة من ~~المعاودة فلا تثبت بدون العود. # (أحكام المعذورين) ms0109 # (ومن لم يمض عليه وقت فرض إلا وبه حدث) أي حدثه الذي ابتلي به (من ~~استحاضة أو رعاف أو نحوهما) من انفلات ريح، أو استطلاق بطن، أو خروج دم من ~~جرح (يتوضأ لوقت كل فرض له) أي لأجل ذلك الحدث. # ولم يوجب مالك الوضوء عليهم بناء على ما تقدم من قوله بعدم انتقاضه ~~واكتفائه باستحباب الوضوء. # (ويصلي به) أي بذلك الوضوء (فيه) أي في ذلك الوقت (ما شاء فرضا ونفلا). # --- PageV01P151 ~~*** # وقال الشافعي: يتوضأ لكل صلاة فرض ويصلي من النوافل ما شاء تبعا لذلك ~~الفرض، لما روى البخاري من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: ~~جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ~~الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، ~~وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي». قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى ~~يجيء ذلك الوقت. ولما رواه ابن ماجه عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم ~~تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، وتصوم وتصلي». # وأجيب بأن اللام في «لكل صلاة» نحوها في قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس} أي وقت دلوكها أي زوالها. وإنما قلنا: ذلك، لأن المعهود في الشرع أن ~~الحدث خروج خارج أو خروج وقت كمضي مدة مسح الخفين، ولم يعهد فيه أن الفراغ ~~من الصلاة حدث بالنسبة إلى فرض آخر. # وفي «شرح الآثار»: أجمعوا على أنها إذا توضأت في وقت صلاة فلم تصل حتى ~~خرج الوقت فأرادت أن تصلي بذلك الوضوء: أنه ليس لها ذلك حتى تتوضأ وضوءا ~~جديدا. ورأيناها لو توضأت في وقت صلاة فصلت، ثم أرادت أن تطوع بذلك الوضوء ~~كان لها ذلك ما دامت في الوقت، فدل ما ذكرنا أن الذي ينقض طهرها هو خروج ~~الوقت، وأن وضوءها يوجبه الوقت لا الصلاة وإن ms0110 كان وجوبه بها. # --- PageV01P152 ~~*** # هذا، وقال ابن قدامة في «المغني»: روي في بعض ألفاظ حديث فاطمة بنت أبي ~~حبيش «وتوضئي لوقت كل صلاة» (ذكر سبط ابن الجوزي: أن أبا حنيفة روى: ~~المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة)، وفي «شرح مختصر الطحاوي» روى أبو حنيفة عن ~~هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت ~~أبي حبيش: «وتوضئي لوقت كل صلاة». # ولا شك أن هذا محكم بالنسبة إلى كل صلاة، لأنه لا يحتمل غيره، بخلاف ~~الأول، فإن لفظ الصلاة شاع استعمالها في لسان الشرع والعرف في وقتها. فمن ~~الأول قوله صلى الله عليه وسلم «إن للصلاة أولا وآخرا». الحديث، أي لوقتها. ~~وقوله: «أيما رجل أدركته الصلاة فليصل». ومن الثاني آتيك لصلاة الظهر أي في ~~وقتها، وهو ما لا يحصى كثرة. فوجب حمله على المحكم. وقد رجح أيضا بأنه ~~متروك الظاهر بالإجماع على أنه لم ترد حقيقة كل صلاة، لجواز النوافل مع ~~الفرض بوضوء واحد. # ثم ما في المتن بيان شرط بقاء الاستحاضة بعد ما ثبت حكمها. وأما شرط ~~ثبوته ابتداء، فأن يستوعب استمرار العذر وقت الصلاة كاملا، كالانقطاع ~~والانتهاء لا يثبت ما لم يستوعب الوقت كله. وفي «الكافي» لحافظ الدين ~~النسفي: وإنما تصير صاحبة عذر إذا لم تجد في وقت الصلاة زمانا تتوضأ وتصلي ~~فيه خاليا عن الحدث. وهذا هو المراد بالاستيعاب لا حقيقة، إذ قلما يستمر ~~العذر بحيث لا ينقطع في الوقت لحظة، فيؤدي إلى نفي تحققه إلا في الإمكان ~~العقلي. # وفي «السراج الوهاج»: رجل سال جرحه ولم يعلم أنه يستمر وقتا كاملا، فإنه ~~لا يصلي في أول الوقت بل ينتظر، فإن لم ينقطع توضأ قبل خروج الوقت. قال ابن ~~الهمام: فإن فعل فدخل وقت آخر وانقطع فيه أعاد الأولى لعدم الاستيعاب. # --- PageV01P153 ~~*** # (وينقضه) أي وينقض وضوء المعذور عند أبي حنيفة ومحمد (خروج الوقت) أي وقت ~~صلاة الفرض (كطلوع الشمس) فلو توضأ معذور لصلاة العيد بعد طلوعها، له أن ~~يصلي الظهر به عندهما، لأنها ليست بفرض ms0111 فصار كما لو توضأ لصلاة الضحى (لا ~~دخوله) أي لا ينقض وضوء المعذور دخول الوقت (كالزوال). وقال أبو يوسف: ~~ينقضه دخول الوقت وخروجه. وقال زفر: دخوله فقط. # ويجب أن يصلي جالسا بإيماء إن سال بالميلان، لأن ترك السجود أهون من ~~الصلاة مع الحدث، فإن لها وجودا حالة الاختيار على الدابة نفلا، ولا تجوز ~~مع الحدث حالة الاختيار أصلا. # ثم يجب على المستحاضة أن تغسل ثوبها من الدم لكل صلاة في قول محمد بن ~~مقاتل، وقال ابن سلمة: ليس عليها غسله، لأن أمر الثوب ليس آكد من البدن. ~~والأول أولى. # وقال أبو القاسم في المبطون إذا كان بحال لا يبسط تحته ثوب إلا نجسه من ~~ساعته: جاز أن يصلي على حالته. ولو كان به دماميل أو جدري فتوضأ، وبعضها ~~سائل ثم سال الذي لم يكن سائلا انتقض، لأن هذا حدث جديد، فصار كالمنخرين. ~~ولو كان في عينه رمد ويسيل دمعها يؤمر بالوضوء لكل وقت إذا غلب على ظنه أنه ~~صديد، والله تعالى أعلم. # (باب الأنجاس) # أي معرفة أنواع النجاسة وبيان كيفية الطهارة منها. وهو جمع نجس، وهو في ~~عرف الفقهاء بفتح الجيم عين النجاسة، وبكسرها: ما لا يكون طاهرا، كذا قيل. ~~والأظهر أنه الذي يصير نجسا حين لاقى نجسا. وفي اللغة يقال: نجس الشيء ~~بالكسر ينجس نجسا فهو نجس ونجس أيضا، قال تعالى: {إنما المشركون نجس} ~~والظاهر أن المراد به المعنى المصدري في الآية للمبالغة في النجاسة ~~الباطنية، لاشتمال قلوبهم على العقائد الردية. # --- PageV01P154 ~~*** # (يطهر الشيء) بدنا كان، أو ثوبا، أو مكانا، أو غير ذلك (عن نجس) بفتح ~~الجيم (مرئي) أي جرمه (بزوال عينه) لأن تنجس ذلك الشيء لاتصال النجاسة به، ~~فإزالتها ولو بغسلة واحدة تطهير له. وقال الفقيه أبو جعفر: يغسل بعد زوال ~~العين مرة أو مرتين، وقيل: ثلاثا، كذا في «الكافي». (وإن بقي أثر يشق ~~زواله) بأن يحتاج في إخراجه إلى نحو الصابون والأشنان. # (بالماء) متعلق ب يطهر، وهو أنسب، أو بزوال عينه وهو أقرب. # والأصل فيه ما جاء عن ms0112 أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالت: إن إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض، كيف تصنع؟ قال: ~~«تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه». أخرجه مالك والشيخان وأبو ~~داود والترمذي. وعن أم قيس بنت محصن أنها سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن دم الحيض يكون في الثوب؟ قال: «حكيه بضلع، واغسليه بماء وسدر ». ~~أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه. # (وبكل مائع) ذائب جار كماء الورد والخل (مزيل) احترز به عن نحو الدهن ~~واللبن والعصير مما ليس بمزيل. # وقال مالك والشافعي ومحمد وزفر: لا يطهر النجس إلا بالماء، لأن المائع ~~يتنجس بأول الملاقاة، والنجس لا يفيد الطهارة، لكن ترك هذا القياس في الماء ~~بالإجماع. ولعل سنده جعله تعالى الماء طهورا؟. # --- PageV01P155 ~~*** # ولهما: أن الماء مطهر لكونه مائعا مزيلا للنجاسة عن المحل، فكل ما يكون ~~كذلك فهو مطهر كالماء. و: ما روى البخاري من حديث عائشة أنها قالت: ما كان ~~لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه. فإذا أصابه شيء من دم قالت أي فعلت ~~بريقها فمصعته بظفرها». ويروى: فقصعته. والمصع بمهملتين: الإذهاب، والقصع ~~بمهملتين: الدلك. وفيه أنه إنما يتم الاستدلال لو ثبت أنها قد صلت به، و: ~~كان زائدا على قدر العفو، و: اطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم و: أقرها عليه. # وذكر التمرتاشي: أن الدم إذا غسل ببول ما يؤكل لحمه تزول نجاسة الدم ~~وتبقى نجاسة البول. وأما الماء المستعمل فيجوز به إزالة النجاسة الحقيقية ~~اتفاقا. # (وعن ما) أي ويطهر الشيء عن نجس (لم ير) أي لم يكن مرئيا (بغسله وعصره) ~~من غير ليه إلى أن ينقطع تقاطره (ثلاثا) أي ثلاث مرات، وهو قيد لهما. وعن ~~محمد أن العصر في المرة الثالثة كاف، وهو أرفق، والأول ظاهر الرواية. وقيل ~~عن أبي يوسف ومحمد أيضا: إنه يطهر إن ظن طهارته بالغسلات الثلاث بلا عصر، ~~والمدار على غلبة الظن لأنه دليل شرعي. وعند الشافعي رحمه الله تعالى: ~~المرة كافية. وإنما قدرت غلبة ms0113 الظن بالثلاث لأنها تحصل عند هذا العدد ~~غالبا. وقيل: بالسبع دفعا للوسوسة كما في الاستنجاء. # --- PageV01P156 ~~*** # (إن أمكن) أي عصره (وإلا) أي وإن لم يمكن عصره كالخشب والجلد المدبوغ ~~بالنجس (يغسل ويترك إلى عدم القطران) أي قطر الماء، وهو بفتح القاف والطاء، ~~في آخره نون، مصدر لقطر الماء، وهو بفتح الطاء يقطر بضمها. وفي بعض النسخ: ~~بمثناة فوقية مكان النون، جمع قطرة. وإنما يترك إلى ذلك لأنه يقوم مقام ~~العصر. (ثم) يغسل ويترك إلى عدم القطران (وثم) يغسل ويترك إلى عدم القطران، ~~وهذا عند أبي يوسف. وقال محمد: ما لم يمكن عصره لا يطهر. ويطهر عند أبي ~~يوسف ما لا ينعصر إذا تنجس بغسله وتجفيفه ثلاثا كالحنطة المتنجسة، والخزف، ~~والخشب الجديدين، والحصير، والسكين المموه بالماء النجس، واللحم المغلى به. # واعلم أن أصل مذهبنا في غير المرئية من النجاسة اعتبار غلبة الظن في ~~طهارة محلها، لا المرة الواحدة كما اعتبرها الشافعي، بناء على أن إزالتها ~~حكم شرعي، فيكتفى فيه بالمرة كالحكمي. # ولنا أن الحكمي عرف ثبوته بالشرع، وهو حكم بزواله بغسله مرة، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم توضأ مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به». ~~فحكم بزواله بمرة، والحقيقي عرف ثبوته بالحقيقة، فعرف زواله بها. وذا ~~بتكرار الغسل للاستخراج، ولا يقطع بزواله، فاعتبر غلبة الظن كما في أمر ~~القبلة. وتقدر غلبة الظن بالغسل ثلاثا لحصولها بها في الأغلب، فأقمنا السبب ~~الظاهر مقامها تيسيرا، ولأن حديث المستيقظ شرط الغسل ثلاثا عند توهم ~~النجاسة، فعند تحققها أولى. # (وعن المني) أي ويطهر الشيء ثوبا كان، أو بدنا، أو مكانا عنه سواء كان ~~مني رجل أو امرأة (بغسله) مطلقا (أو فرك يابسه). # --- PageV01P157 ~~*** # واعلم أن المني نجس عندنا وعند مالك، لكن عندنا يجب غسله أو فرك يابسه، ~~وعند مالك وزفر: لا يطهر إلا بالماء. # وعند الشافعي وهو المشهور من قول أحمد: أنه طاهر، لأنه أصل أولياء الله. ~~ولما روى الدارقطني والطبراني عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن المني ms0114 يصيب الثوب؟ فقال: «إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق، ~~وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة» والصحيح: أنه موقوف كما في ~~«البيهقي». وأخرج أحمد عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه. # ولنا: ما روى مسلم عن عائشة: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيصلي فيه بالفاء ، وفيه أيضا عن عبد الله بن شهاب الخولاني ~~قال: «كنت نازلا على عائشة أي ضيفا فاحتلمت في ثوبي فغمستهما في الماء، ~~فرأتني جارية لعائشة فأخبرتها، فبعثت إلي عائشة فقالت: ما حملك على ما صنعت ~~بثوبيك؟ فقلت: رأيت ما يرى النائم، قالت: هل رأيت بثوبيك شيئا؟ قلت: لا، ~~قالت: لو رأيت شيئا غسلته، لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يابسا بظفري». زاد الطحاوي: «ثم يصلي فيه ولا يغسله». # و: ما روى الدارقطني في «سننه» والبزار في «مسنده» عن عائشة قالت: كنت ~~أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابسا، وأغسله إذا ~~كان رطبا». وفي رواية: «فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء لفي ثوبه». وفي ~~«مسلم» عنها: أنه صلى الله عليه وسلم كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ~~ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه». # --- PageV01P158 ~~*** # و: ما رواه الدارقطني من حديث ثابت بن حماد، عن علي بن زيد، عن سعيد بن ~~المسيب، عن عمار بن ياسر قال: أتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ~~على بئر أدلو ماء في ركوة لي، فقال: «يا عمار ما تصنع»؟ قلت: يا رسول الله ~~بأبي وأمي: أغسل ثوبي من نخامة أصابته، فقال: «يا عمار إنما يغسل الثوب من ~~خمس: من الغائط، والبول، والقيء، والدم، والمني، يا عمار ما نخامتك ودموع ~~عينيك والماء الذي في ركوتك إلا سواء». وفي سنده ضعيف، وهو ثابت بن حماد، ~~لكن له متابع عند الطبراني، رواه في «الكبير» من حديث حماد بن سلمة عن ms0115 علي ~~بن زيد سندا ومتنا، فبطل جزم البيهقي ببطلان الحديث بسبب أنه لم يروه عن ~~علي بن زيد سوى ثابت، ودفع قوله في علي هذا إنه غير محتج به : بأن مسلما ~~روى له مقرونا بغيره. وقال العجلي: لا بأس به، وروى له الحاكم في ~~«المستدرك»، وقال الترمذي: صدوق. # و: ما رواه الطحاوي بسنده: # إلى معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ ~~قالت: نعم إذا لم يصبه أذى. # وإلى عمر أنه احتلم في السفر وقد كاد أن يصبح، فلم يجد في الركب ماء، ~~فركب حتى جاء الماء فجعل يغسل ما رأى من الاحتلام حتى أسفر، فقال له عمرو ~~بن العاص: أصبحت ومعنا ثياب فدع ثوبك، فقال عمر: بل أغسل ما رأيت، وأنضح ما ~~لم أره. # وإلى أبي هريرة قال في المني يصيب الثوب: إن رأيته فاغسل، وإلا فاغسل ~~الثوب كله. # وإلى جابر بن سمرة أنه سئل عن الرجل يصلي في الثوب الذي يجامع فيه أهله؟ ~~قال: صل فيه إلا أن ترى فيه شيئا فاغسله، ولا تنضحه فإن النضح لا يزيده إلا شرا. # --- PageV01P159 ~~*** # وإلى أنس بن مالك أنه سئل عن قطيفة أصابتها جنابة لا يدرى أين موضعها؟ ~~قال: اغسلها. # وروى ابن أبي شيبة: أن رجلا سأل عمر رضي الله عنه فقال: إني احتلمت على ~~طنفسة؟ فقال: إن كان رطبا فاغسله، وإن كان يابسا فاحككه، وإن خفي عليك ~~فارششه بالماء. والطنفسة: مثلثة الطاء والفاء، وبكسر الطاء وفتح الفاء ~~وبالعكس: واحدة الطنافس: للبسط والثياب والحصير من سعف عرضه ذراع. # وأجيب عن قولهم: إنه أصل أولياء الله تعالى بأنه أصل أعدائه، فينبغي أن ~~لا يكون طاهرا، فإذا تعارضا تساقطا، فلا يصلح الاستدلال في هذه الحال. على ~~أنه لا استبعاد في أن يتكون الطاهر من النجس كاللبن من الدم، بل إظهار ~~لكمال القدرة. # ثم إذا فرك المني حكم بالطهارة عند أبي يوسف ومحمد وهو الأصح، ms0116 وبتقليل ~~النجاسة وتخفيفيها في أظهر الروايتين عن أبي حنيفة، فلو أصابه ماء عاد نجسا ~~عند أبي حنيفة خلافا لهما، وفي «الخلاصة»: المختار أنه لا يعود نجسا. # ولهذه المسألة نظائر: الخف إذا أصابه نجس فدلك، والأرض إذا أصابها نجاسة ~~وذهب أثرها، والبئر إذ غار ماؤها وكانت نجسة، وجلد الميتة إذا دبغ بنحو ~~الشمس، بخلاف ما إذا دبغ بنحو القرظ محركة وهو ورق السلم. # ثم البدن مثل الثوب في الاكتفاء بالفرك في ظاهر الرواية، لأن البلوى فيه ~~أشد لانفصال الثوب عن المني دون البدن، فالتحق به دلالة. وروى الحسن عن أبي ~~حنيفة: أنه لا يجزىء فيه الفرك، وهو رواية عن أبي يوسف. # --- PageV01P160 ~~*** # (و) يطهر (الخف) وكذا النعل (عن نجس ذي جرم) سواء كان جرمه منه كالدم ~~والعذرة، أو من غيره كالبول الملتصق به تراب، وأيضا سواء جف ذو الجرم أو لم ~~يجف، وهو قول أبي يوسف وعليه الأكثر، وفي «النهاية»: وعليه الفتوى. وقال ~~أبو حنيفة: يشترط جفاف ذي الجرم في طهارة الخف (بالدلك بالأرض). # وقال محمد وزفر ومالك والشافعي: لا يطهر الخف من غير المني الجاف إلا ~~بالغسل كالنجاسة التي لا جرم لها. # ولأبي حنيفة وأبي يوسف ما رواه أبو داود، وابن حبان، وابن خزيمة، والحاكم ~~وقال: صحيح على شرط مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «إذا وطيء أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب». ولما رواه الطحاوي ~~وأبو داود عن أبي سعيد: «إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه ~~قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما». لكن أبا حنيفة يقول: إن الرطب لا يزول ~~بالدلك، فيشترط الجفاف. # (وعن غيره) أي غير ذي الجرم (بالغسل فقط) لأن أجزاء النجاسة تتشرب في ~~الخف فلا تخرج منه إلا بالغسل، بخلاف ذي الجرم، فإنه يجذب ما في الخف من ~~الأجزاء النجسة بجرمه إذا جف. # (و) يطهر (السيف) أي الصقيل (ونحوه) في الصقالة وعدم المسام، سواء كان ~~النجس رطبا أو يابسا (بالمسح) لأن الغسل يفسده، وفيه خلاف محمد. ولهما: أن ~~الصحابة ms0117 كانوا يقتلون الكفار بسيوفهم ثم يمسحونها ويصلون معها. وقيدنا ~~بالصقيل لأنه لو كان السيف غير صقيل أو كان الثوب صقيلا: لا يطهر إلا ~~بالغسل. # (و) يطهر (البساط) أي الكبير الذي لا يمكن عصره (بجري الماء عليه ليلة) ~~أي قدر ليلة أو يوم، لأن بذلك يظن زوال النجاسة منه. والتقدير بالليلة لقطع ~~الوسوسة. # --- PageV01P161 ~~*** # (و) تطهر (الأرض وما اتصل بها كالخص) بضم المعجمة وتشديد المهملة: البيت ~~من قصب وجريد ونحوهما (والكلأ) وهو بالهمزة مقصورا: العشب (باليبس وذهاب ~~الأثر) سواء كان ذلك بشمس أو ريح أو نار. قيد بالاتصال لأنه لو كان منفصلا ~~لا يطهر إلا بالغسل (للصلاة) متعلق ب: تطهر المقدر، أي تطهر في حق الصلاة ~~(لا) في حق (التيمم) اتفاقا. وعن أبي حنيفة: تطهر للتيمم أيضا. # أما الطهارة للصلاة فلما روى مالك في «الموطأ»، وأبو داود في «سننه»، ~~وابن خزيمة في «صحيحه» عن ابن عمر قال: كنت فتى شابا عزبا بكسر الزاي ~~أبيت في المسجد، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا ~~يرشون شيئا من ذلك. # وأما عدم الطهارة للتيمم، فلأن طهارة الأرض للتيمم ثبتت بالكتاب فلا ~~تتأدى بما ثبت بخبر الواحد، كما لا يتأدى مسح الرأس الثابت بالكتاب بمسح ~~الأذن الثابت كونها من الرأس بخبر الواحد، وكما لا تتأدى التوجه إلى البيت ~~الثابت بالكتاب بالتوجه إلى الحطيم الثابت كونه من البيت بخبر الواحد. # وقال مالك والشافعي وزفر: لا تطهر الأرض باليبس. # --- PageV01P162 ~~*** # ولنا: ما روي عن عائشة ومحمد بن الحنفية: ذكاة الأرض يبسها. وجعله في ~~«الهداية» مرفوعا، ولم أره. وعن أبي قلابة: جفوف الأرض طهورها. وجعل في ~~«المبسوط»قوله: أيما أرض جفت فقد ذكت، حديثا مرفوعا. و: ما في «سنن أبي ~~داود»باب طهور الأرض إذا يبست، وأسند عن ابن عمر قال: كنت أبيت في المسجد ~~في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت فتى شابا عزبا، وكانت الكلاب ~~تبول وتقبل وتدبر في المسجد، ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك. انتهى. فلولا ~~اعتبار أنها تطهر بالجفاف كان ذلك تبقية لها ms0118 بوصف النجاسة، مع العلم بأنهم ~~يقومون عليها في الصلاة البتة لصغر المسجد وكثرة المصلين. # (ويعفى ما دون ربع الثوب) وكذا حكم البدن. # (من نجس) بكسر الجيم أي ذي نجاسة (خف) وهو الصحيح من قول أبي حنيفة ~~ومحمد، خلافا لأبي يوسف حيث قال: المانع شبر في شبر، وهو رواية الحسن عن ~~أبي حنيفة، والمذهب هو الأول، لأن ما دون ربع الثوب ليس بفاحش، والمانع في ~~النجاسة الخفيفة هو الفاحش، ولقيام الربع مقام الكل في وجوب الصلاة في ثوب ~~ربعه طاهر، وفي وجوب مسح ربع الرأس في الوضوء، وفي لزوم الجزاء بحلق ربعه ~~وهو محرم، وفي انكشاف ربع العورة. # فقيل: مرادهم ربع أدنى ثوب تجوز الصلاة فيه كالإزار. وقيل: ربع جميع ~~الثوب أو البدن. قال في «المبسوط»: وهو الصحيح. وقيل: ربع الموضع الذي ~~أصابته النجاسة كالذيل والكم والدخريص معرب التيريز وكالرجل واليد والظهر ~~والبطن، قال صاحب «التحفة»: وهو الأصح. # --- PageV01P163 ~~*** # وسبب تخفيف النجاسة عند أبي حنيفة تعارض النصين في طهارته ونجاسته وترجح ~~النجاسة. وعندهما اختلاف العلماء المتقدمين من الصحابة والتابعين في طهارته ~~ونجاسته وترجح النجاسة. وسبب تغليظ النجاسة عنده عدم تعارض النصين، وعندهما ~~عدم اختلاف العلماء فيها. # وثمرة الخلاف تظهر في الروث والخثي والبعر، فعندهما نجاسة مخففة لاختلاف ~~العلماء فيها، وعنده مغلظة، لأن ما رواه البخاري من حديث ابن مسعود أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ألقى الروثة وقال: «إنها ركس»: لم يعارضه نص. ~~والركس: بكسر الراء: الرجس. والروث للفرس والبغل والحمار. والخثي بكسر ~~الخاء وسكون الثاء للبقر والجاموس. والبعر للبعير والشاة. # وإن مالكا يرى طهارتها، لأنها وقود أهل الحرمين، وبه يثبت التخفيف ~~عندهما، وهو الأظهر لعموم البلوى بامتلاء الطرق بها، بخلاف بول الحمار ~~وغيره مما لا يؤكل لحمه، فإن الأرض تنشفه. # وطهرها محمد آخرا وقال: لا يمنع الروث وإن فحش، لما رأى من بلوى الناس من ~~امتلاء الطرق والخانات بها لما دخل الري مع الخليفة. وقاس المشايخ على هذا ~~طين بخارى، لأن ممشى الناس والدواب فيها واحد، وعند ذلك روي رجوعه في ms0119 الخف ~~حتى قال: إذا أصابته عذرة يطهر بالدلك، وفي الروث لا يحتاج إليه عنده. # وأما قول النسائي: هو طعام الجن أي دوابهم فتفسير من حيث الشريعة لا من ~~حيث اللغة، لما روى مسلم والترمذي واللفظ له من حديث ابن مسعود قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد ~~إخوانكم من الجن». # (كبول فرس وما أكل) أي لحمه. وهذا مثال للنجس الخفيف عند أبي حنيفة وأبي ~~يوسف، وقال محمد: بول الفرس وما أكل لحمه طاهر. # --- PageV01P164 ~~*** # وقال مالك وأحمد: بول ما أكل وروثه طاهر، لحديث العرنيين من أنه عليه ~~الصلاة والسلام أمرهم بشرب أبوال الإبل وألبانها، وهو حديث متفق عليه. ولما ~~رواه البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا بأس ببول ما يؤكل ~~لحمه». وفي رواية جابر: «ما أكل لحمه فلا بأس ببوله». رواهما أحمد ~~والدارقطني. ولحم الفرس مأكول عند محمد. # ولأبي حنيفة وأبي يوسف قوله عليه الصلاة والسلام: «استنزهوا من البول فإن ~~عامة عذاب القبر منه». أخرجه الحاكم عن أبي هريرة وقال: على شرطهما، ورواه ~~الدارقطني عن أنس. # فيجوز عندهم شرب بول ما يؤكل لحمه للتداوي وغيره، ويجوز عند أبي يوسف ~~للتداوي. # ولا يجوز عند أبي حنيفة مطلقا. وأجيب عن إطلاق شربه عليه الصلاة والسلام ~~للعرنيين بأنه إما منسوخ، أو اطلع عليه الصلاة والسلام بالوحي أو المنام ~~على أن شفاءهم فيه. # (وخرء طير) بفتح الخاء وضمها وسكون الراء (لا يؤكل) أي لحمه. وهذا أيضا ~~مثال للنجس الخفيف عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد مغلظ. وقيل: طاهر، ~~وصححه السرخسي. فوجه الطهارة عدم الأمر بتنحية الطيور عن المساجد، وذلك ~~دليل على طهارة خرئها، ووجه التغليظ أنه لا تكثر إصابته للثياب، وقد تغير ~~بطبع الحيوان فصار كخرء الدجاجة والبط. ووجه التخفيف عموم البلوى به ~~والضرورة. # (وأما خرء طير يؤكل) أي لحمه (فطاهر)، وبه قال مالك، لأن في التوقي عنه حرجا. # ونجسه الشافعي لإحالة الطبع إياه إلى نتن وفساد. # --- PageV01P165 ~~*** # ولنا أن عبد الله بن ms0120 مسعود خرئت عليه حمامة فمسحه بإصبعه. وابن عمر زرق ~~عليه طائر فمسحه بحصاة وصلى ولم يغسله. ولأن إجماع الناس على ترك الحمامات ~~في المساجد مع القدرة على إخراجها إجماع منهم على طهارته، ولأنها تزرق من ~~الهواء، والحرج لاحق بسبب التوقي عن ذلك، فيسقط اعتبار نجاسته، بخلاف ~~الدجاجة والبط لإمكان التحامي عنه. # وفيه نظر، لاحتمال سقوط حكم القليل للضرورة، كما سقط حكم قدر الدرهم من ~~المغلظة وما دون الربع من المخففة مع بقاء وصف النجاسة، ولا ضرورة إلى حكم ~~الطهارة. # (إلا الدجاج) بفتح أوله ويثلث. وكذا البط الأهلي والأوز (فإنه غليظ) لأن ~~التوقي عنه لا حرج فيه (كسائر) أي كباقي (ما خرج من المخرجين) وهو خرء ~~الفرس، وخرء ما يؤكل لحمه، وبول ما لا يؤكل لحمه، وخرءه، وبول الآدمي، ~~وخرءه، ونجو الكلب، ورجيع السباع، ولعابها لتولده من لحمها، وما ينقض ~~الطهارة بخروجه من بدن الإنسان، فهذه الأشياء نجاستها غليظة اتفاقا. # أما عند أبي حنيفة فلورود النص في نجاستها من غير معارض، وهو قوله تعالى: ~~{ويحرم عليهم الخبائث}. والطباع السليمة تستخبث هذه الأشياء. والتحريم لا ~~لاحترامها آية نجاستها. وأما عندهما فلعدم مساغ الاجتهاد في طهارتها. # وأما خرء الفأر وبوله فمعفو عنه في الطعام والثوب لعدم إمكان التحامي ~~عنه، لأن الفأرة غالبا تخرج في الليالي وتدخل المضايق، بخلاف الماء فإن ~~حفظه ممكن، كذا في «شرح تحفة الملوك» للعيني. # وقال الشافعي وأحمد: يكفي في بول الطفل الذي لم يطعم ولم يشرب إلا اللبن ~~الرش بالماء، ويتعين في بول الصبية الغسل لورود النضح في بول الصبي دون ~~الصبية. # --- PageV01P166 ~~*** # وأجاب الطحاوي بأن النضح الوارد في بول الصبي المراد به الصب، لما روى ~~هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بصبي فبال عليه، فقال: «صبوا عليه الماء صبا». قال: فعلم منه أن حكم بول ~~الغلام الغسل، إلا أنه يجزىء فيه الصب، وحكم بول الجارية أيضا الغسل، إلا ~~أنه لا يكفي فيه الصب، لأن بول الغلام يكون في موضع واحد ms0121 لضيق مخرجه، وبول ~~الجارية يتفرق في مواضع لسعة مخرجها. # (والدم) أي وكالدم السائل، لا الباقي في عروق لحم المذبوح، لقوله تعالى: ~~{أو دما مسفوحا}. كذا لحم الميتة ذات الدم وإهابها قبل الدبغ، وليس دم ~~البراغيث بشيء، لأنه ليس بدم سائل، ولعدم إمكان الامتناع منه خصوصا في زمان ~~الصيف، لا سيما في حق من ليس له إلا ثوب واحد ينام فيه، كما كان لأصحاب ~~الصفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم # (والخمر) لقوله سبحانه وتعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس}. # قال ابن أمير الحاج في «شرح المنية»: لم أقف في كتب المذهب على ذكر ~~الزباد بطهارة ولا نجاسة، والظاهر طهارته كما ذكره غير واحد من متأخري ~~الشافعية، قال شيخنا، يعني ابن الهمام: وذاكرت بعض الإخوان من المغاربة في ~~الزباد فقلت: إنه يقال: إنه عرق حيوان محرم الأكل. فقال: ما يحيله الطبع ~~إلى صلاح كالطيبية يخرج من النجاسة كالمسك، انتهى. زاد البرجندي: فإنه وإن ~~كان دما فقد تغير فصار كرماد العذرة. # (ويعفى منه) أي من الغليظ (قدر الدرهم). # قال الشافعي وزفر: لا يعفى من النجاسة شيء، لأن النص الموجب لتطهير ~~النجاسة لم يفصل بين قليلها وكثيرها. وقال مالك: كل نجاسة سوى الدم لا يصلى ~~بشيء منها، لأنها يمكن الاحتراز عن جنسها. # --- PageV01P167 ~~*** # ولنا أن القليل من النجاسة لا يمكن التحرز عنه فكان عفوا. وقدرناه ~~بالدرهم أخذا من موضع الاستنجاء، قال النخعي: أرادوا أن يقولوا: قدر المقعد ~~فاستقبحوه، فقالوا: قدر الدرهم، لأنه لا يزيد على مساحة الدرهم. وعن محمد ~~الاعتبار بوزن الدرهم الكبير الذي قدره مثقال. وعنه الاعتبار بمساحة ~~الدرهم، وهو قدر عرض الكف. ووفق أبو جعفر بين الروايتين فقال: # (وهو مثقال في الكثيف) كالخرء (وقدر عرض الكف في الرقيق) كالبول والخمر، ~~وذلك لقول عمر رضي الله عنه: مثل ظفري هذا لا يمنع حتى يكون أكثر منه. ~~وظفره كان قريبا من كفنا. ذكره العيني، وهو غريب جدا. # (وبول انتضح) أي على البائل ونحوه (مثل رؤوس الإبر) وفي «شرح الكنز»: ~~وكذا إذا كان ms0122 مثل جانبها الآخر (ليس بشيء) لأنه لا يمكن الاحتراز منه. # (وماء) بهمزة في آخره (ورد على نجس) بالفتح (نجس) بالكسر، وبه قال مالك. # وقال الشافعي: ليس بنجس، لأمره صلى الله عليه وسلم بصب دلو من ماء على ~~بول الأعرابي الذي بال في المسجد. # ولنا ما أشار إليه المصنف بقوله: (كعكسه) وهو القياس على نجس ورد على ~~ماء، فإنه ينجس اتفاقا. وأجيب عن حديث الأعرابي بأنه محمول على أن الأرض ~~كانت رخوة، فينقل الماء بصبه فيها النجاسة إلى باطنها فيطهر ظاهرها. # (ورماد القذر) بفتح القاف والذال المعجمة: العذرة ونحوها (طاهر كحمار صار ~~ملحا) بوقوعه في مملحة. ونظيره في الشرع النطفة نجسة، وتصير علقة وهي نجسة، ~~وتصير مضغة فتطهر. والعصير طاهر. فيصير خمرا فينجس، فيصير خلا فيطهر، ~~فعرفنا أن استحالة العين تستتبع زوال الوصف المرتب عليها، لأنه استحال ~~بطبعه وصورته. وقال أبو يوسف: ليس بطاهر، لأن أجزاء ذلك النجس باقية من وجه. # --- PageV01P168 ~~*** # (ويصلى على ثوب) أي لا فيه (بطانته نجسة) أما إذا لم تكن البطانة مضربة ~~أو مخيطة على الظهارة فبالاتفاق، لأنه يكون كثوبين بسط الطاهر منهما على ~~النجس. وأما إذا كان أحدهما مخيطا على الآخر فعند محمد يجوز، لأن الاتصال ~~بينهما اتصال مجاورة لا اتصال تركيب، وعند أبي يوسف لا يجوز، لأن اتصالهما ~~اتصال تركيب، كما لو كانت النجاسة في حشو جبته أو بطانتها. # (وعلى طرف بساط طرف آخر منه) وفي بعض النسخ: طرفه الآخر (نجس) كبيرا كان ~~البساط أو صغيرا، لأنه بمنزلة الأرض، فيشترط فيه طهارة موضع الصلاة. فقيد ~~الطرف اتفاقي. وقيل: إذا كان البساط كبيرا بحيث لو رفع أحد طرفيه لا يتحرك ~~الطرف الآخر جاز وإلا فلا، والأول أصح. # ثم الأصح أن النافجة طاهرة بكل حال، سواء تكون من حيوان مذكى أو غير ~~مذكى، على ما ذكره الزيلعي في «شرح الكنز». # (وفي ثوب) عطف على قوله: على ثوب، أو على طرف بساط، أي ويصلى في ثوب (ظهر ~~فيه من نجس) بفتح الجيم (ندوة) بضم النون والدال وتشديد الواو، أي ms0123 رطوبة ~~قليلة بحيث (لا يقطر شيء) أي منه (إن عصر) وفيه اختلاف المشايخ. # (أو وضع) عطف على ظهر، أي ويصلى في ثوب وضع حال كونه (رطبا على ما) أي ~~على شيء (طين) بضم الطاء وتشديد الياء مكسورة، أي خلط (بطين فيه سرقين) ~~بكسر السين والقاف، أي عذرة (فيبس) عطف على طين. # (أو نسي) بصيغة المجهول، عطف أيضا على طين. و«أو» للتنويع، أي ويصلى أيضا ~~في ثوب نسي (محل النجاسة منه فغسل طرف منه). # --- PageV01P169 ~~*** # (كحنطة) أي مثل كدس حنطة ونحوها من شعير (بال عليها حمر) وكذا بقر أو بغل ~~(تدوسها فغسل بعضها أو ذهب) أي بعضها هبة، أو صدقة، أو سرقة، أو قسمة، أو ~~نحوها. وفي نسخة: أو وهب بصيغة المجهول (فإنها تطهر) لاحتمال أن يكون ما ~~أصابته النجاسة هو البعض المغسول، أو البعض الذاهب، أو الموهوب، فاعتبر هذا ~~الاحتمال لمكان الضرورة. # كذا قيده المصنف في «شرح الوقاية»، وتبعه بعض علمائنا. وتقييده هذا، وكذا ~~تقييده في المتن بالحمر التي تدوسها يدل على أنها لو تنجست الحنطة بغير ما ~~ذكره لا تطهر بهبة بعضها، ولا بالقسمة لانعدام الضرورة. لكن ذكر في ~~«الخلاصة»: أن الكدس إذا تنجس مطلقا فقسم بين الدهقان والعامل يحكم ~~بطهارته. لكن الظاهر أن غسل البعض أو هبته، وكذا ذهابه بالقسمة إنما يطهر ~~إذا لم يكن كل من القسمين أقل مما تنجس انتهى. فيمكن أن يكون قيد حمر ~~تدوسها وقع اتفاقا. وقوله للضرورة أي للجهالة ودفع الحرج في غسل الكل. # وفي «المحيط»: ولو غسل رجله ومشى على أرض نجسة فابتلت الأرض من بلل رجله ~~فإن لم يظهر أثر بلل الأرض في رجله وصلى جازت صلاته، وإن ظهر لا يجوز. ولو ~~مشى على أرض نجسة رطبة ورجله يابسة تتنجس. # (أحكام الاستنجاء) # (الاستنجاء) وهو مسح موضع النجو بنحو حجر، أو غسله. والنجو: ما يخرج من ~~البطن. ويجوز أن تكون السين فيها للطلب، أي طلب النجو ليزيله. # --- PageV01P170 ~~*** # (من كل حدث) أي لأجل خارج من أحد السبيلين كالبول والغائط وما يكون له ~~جرم (غير ms0124 النوم والريح) أي ونحوهما من الفصد، والإغماء، والجنون، والسكر، ~~مما ليس له جرم خارج من أحدهما كالريح، أو ليس مما خرج من أحد السبيلين ~~كالباقي، فإن الاستنجاء منها بدعة، فالاستثناء منقطع. # وفي «شرح الوقاية» فإن قلت: إن قيد الحدث بالخارج من أحد السبيلين ~~فاستثناء النوم مستدرك، وإن لم يقيد به فيسن الاستنجاء في الفصد ونحوه. ~~قلت: يقيد بالخارج من أحد السبيلين، واستثناء النوم غير مستدرك، لأنه إنما ~~ينقض لأن فيه مظنة الخروج من السبيلين. انتهى. # وحاصله: أن الاستثناء متصل، ونزل مظنة الخروج مقام تحققه. وإنهما إذا لم ~~يسن الاستنجاء فيهما فبالأولى غيرهما. ولا يخفى أن ذكر الريح مغن عن النوم، ~~لأنه مع تحقق خروجه من السبيلين إذا لم يكن داخلا في الحكم فما يكون في ~~مقام المظنة أولى، ففي الجملة ذكر النوم مستدرك، إلا أنه قد تسامح بتقديمه، ~~فالأظهر والأخصر أن يقال: من بول أو غائط. # (بنحو حجر) كخرقة ومدر (حتى ينقيه) من الإنقاء أو التنقية، أي ينظفه ~~ويجففه. والإسناد حقيقي أو مجازي (سنة) أي إذا كان أقل من قدر الدرهم. # لما روى البيهقي وقال: إنه أصح ما في الباب وأعلاه أي سندا عن مولى عمر ~~قال: كان عمر إذا بال قال: ناولني شيئا أستنجي به، فأناوله العود أو الحجر، ~~أو يأتي حائطا يتمسح به، أو يمس الأرض، (ولم يكن يغسله). والمراد بالحائط ~~الجدار، وهو محمول على جدار نفسه، إذ لا يجوز المسح بجدار غيره كالوقف ونحوه. # ولا يشترط التثليث عندنا. كما أشار إليه بقوله: حتى ينقيه، فإنه يحتمل ~~الزيادة والنقصان، وكذا الشفع والوتر. # --- PageV01P171 ~~*** # وقال مالك والشافعي وأحمد: يجب الاستنجاء بالماء أو بثلاثة أحجار، لما ~~روى أبو داود عن عروة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ~~ذهب أحدكم لحاجته فليستطب بثلاثة أحجار». وفي رواية: «إذا ذهب أحدكم إلى ~~الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار، فليستطب بها فإنها تجزىء عنه». رواهما أبو ~~داود والنسائي. وصحح الدارقطني إسناده. ولقول سلمان: نهانا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن ms0125 نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو ~~أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع، أو عظم». رواه مسلم. # ولنا ما روى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم الغائط أي أراد إتيانه فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ~~ولم أجد الثالث، فأتيته بروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: «هذا ركس». ~~أي رجس. ووجه الدلالة أنه لو وجب الثلاثة لطلب بعد رمي الروثة حجرا ثالثا. # وقال مالك والشافعي وأحمد: الاستنجاء واجب لما في «الصحيحين» عن ابن ~~عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما ~~يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستبرىء من البول وفي رواية: لا ~~يستنزه وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فأخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، فغرز ~~في كل قبر واحدة»، فقيل: لم فعلت هذا يا رسول الله؟ قال: «لعله أن يخفف ~~عنهما ما لم تيبسا». ولأن الطهارة بالماء من الأنجاس شرط جواز الصلاة فلا ~~بد منها، إلا أنه اكتفي بغيره في موضع الاستنجاء للضرورة والإجماع فلا يجوز تركه. # --- PageV01P172 ~~*** # ولنا ما روى أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والطحاوي عن أبي ~~هريرة وحسنه النووي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من استجمر ~~فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج». وقوله: «من استجمر» أي استنجى. ~~وقد قال مالك: الاستجمار الاستطابة بالأحجار. وهو في «الصحيحين» بدون هذه ~~الزيادة. # وأجاب البيهقي بأن المراد فليوتر بعد الثلاث، ورد بأن الأمر فيه ~~للاستحباب بالاتفاق، لقوله: «من فعل». وعنده الزيادة على الثلاث مع الإنقاء ~~بدعة، وبدونه واجبة كما ذكره بعض علمائنا. # لكن بقي الكلام في أصل المرام، فإن هذا الحديث يدل على أن الإيتار غير ~~واجب. والمدعى أن الاستنجاء نفسه واجب أو سنة. # وأما قول من قال: إن الإيتار يقع على الواحدة، فإذا لم يكن حرج في ترك ~~الإيتار لم يكن حرج في ترك الاستنجاء: ففيه نظر، فإن المنفي على هذا ~~التقدير ms0126 إنما هو الإيتار ممن استنجى، وذلك لا يتحقق إلا بنفي إيتار هو فوق ~~الواحدة، فإن بنفي الواحدة ينتفي الاستنجاء، فلا يصدق نفي الإيتار مع وجود ~~الاستنجاء، فلا يتم الدليل إلا بصرف النفي إلى كل ما ذكره، فيدخل فيه أصل ~~الاستنجاء ومجرد الإيتار فيه، والمعنى من فعل ما قلته كله فقد أحسن، ومن لا ~~فلا حرج. # (لا بعظم) لأنه يجرح وكذا الزجاج (وروث) لأنه نجس. ولما في «البخاري» من ~~حديث أبي هريرة في: بدء الخلق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «ابغني ~~أحجارا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة»، قلت: ما بال العظام ~~والروثة؟ قال: «هما من طعام الجن». فيه تغليب أي العظام طعام الجن، والروثة ~~علف دوابهم، فإن الله سبحانه يخلق في العظم ما كان فيه من اللحم، وكذا في ~~الروثة. # --- PageV01P173 ~~*** # وقد روى الترمذي مرفوعا: «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد ~~إخوانكم من الجن». وروى مسلم عن جابر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يتمسح بعظم أو بعر. وروى أبو داود عن ابن مسعود: لما قدم وفد الجن على ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إنه أمتك أن تستنجي بعظم أو ~~روثة أو حممة، فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقا، فنهانا رسول الله عن ذلك. # وروى الطحاوي عنه أنه قال: سألت الجن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~آخر ليلة لقيهم في بعض شعاب مكة الزاد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«كل عظم يقع في أيديكم قد ذكر اسم الله عليه أوفر ما يكون لحما، والبعر ~~علفا لدوابكم»، فقالوا: إن بني آدم ينجسونه علينا، فعند ذلك قال: «لا ~~تستنجوا بروث دابة ولا بعظم، إنه زاد إخوانكم الجن». # وبه يعلم حكم مطعوم الناس وبهائمهم، مع أن فيه إسرافا وإضاعة بلا ضرورة، ~~فيكون منهيا عنهما. # (ويمين) أي ولا يمين لما في «الكتب الستة» عن أبي قتادة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «إذا بال أحدكم فلا يمس ms0127 ذكره بيمينه، وإذا أتى ~~الخلأ فلا يتمسح بيمينه، وإذا شرب فلا يشرب نفسا واحدا». أي بل يشرب بنفسين ~~أو ثلاث من الفصل. ومعنى قوله: «لا يتمسح» لا يستنج بيمينه في البول ~~والغائط، فينبغي أن يأخذ الحجر بيمينه، ويمسك الذكر بيساره، ويحرك الذكر ~~دون الحجر. وروى أبو داود عن عائشة: كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اليمنى لطهوره، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى. وروي عن حفصة نحوه. # --- PageV01P174 ~~*** # (ثم غسله) أي غسل المحل بعد تنظيفه بنحو الحجر (أدب) أي مستحب لما روى ~~البزار في «مسنده»: عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء {فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين}. أي المبالغين في الطهارة والنظافة، ~~فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء. فهذا ~~وجه اختصاصهم. # وقيل: هو سنة في زماننا لما روى البيهقي في «سننه» وابن أبي شيبة في ~~«مصنفه» عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: من كان قبلكم كانوا يبعرون ~~بعرا، وأنتم تثلطون ثلطا، فأتبعوا الحجارة الماء. # ثم الغسل وحده أفضل من التنقية بالحجر ونحوه، لإزالة النجاسة بالكلية، ~~ولما في «الصحيحين» عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل ~~الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء. وفي ~~«سنن أبي داود»: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة، فاستنجى، ثم مسح يده ~~على الأرض، ثم آتيه بإناء آخر فيتوضأ. # ومما يدل على مواظبته عليه الصلاة والسلام الموجبة لكونه سنة، ما رواه ~~ابن ماجه عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من غائط ~~قط إلا مس ماء. # (وإن جاوز المخرج أكثر من درهم) أي من النجاسة. وروي «أكثر» بالنصب، أي ~~جاوز الحدث المذكور حال كون ذلك الحدث المجاوز أكثر من درهم، أو مجاوزة ~~أكثر من درهم (فواجب) أي غسل ms0128 المجاوز، لأن ما على المخرج إنما اكتفي منه ~~بغير الغسل للضرورة، ولا ضرورة في المجاوز. # --- PageV01P175 ~~*** # وعبارة «الكنز»: ويجب إن جاوز النجس المخرج، ويعتبر القدر المانع وراء ~~موضع الاستنجاء. أما لو جاوز المخرج قدر الدرهم فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: ~~لا يجب غسله، وعند محمد: يجب غسله ولو قل، بناء على أن المخرج كالظاهر وهو ~~قول محمد، وكالباطن وهو قولهما. # (فيغسله ببطون الأصابع) أي من يده اليسرى، ولا يقدر غسله بعدد، لأن ~~النجاسة مرئية، ويدل على إزالتها ذهاب ملامستها، إلا أنه يقدر لقطع الوسوسة ~~بالثلاث، وقيل: بالسبع. (بعد غسل اليد) لأنها آلة. # ويستحب الاستبراء من البول بتنحنح، أو مشي، أو مسح ذكر. ولا يبالغ فيه، ~~لأنه يورث الوسوسة الموجبة للشبهة، فقد ورد عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه ~~وسلم «استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه». رواه الحاكم في ~~«مستدركه» والدارقطني في «سننه» واللفظ له. وعن ابن عباس عنه صلى الله عليه ~~وسلم «إن عامة عذاب القبر من البول، فتنزهوا منه». رواه الحاكم والدارقطني ~~والطبراني. # (مرخيا مخرجه بمبالغة) أي إرخاء بصفة المبالغة إلا حال الصوم (ثم يغسل ~~اليد) أي ثانيا دفعا للرائحة الكريهة، ولو مسحها بتراب أو رماد ثم غسلها ~~فهو أفضل. # (وكره) أي كراهة تحريم (استقبال القبلة واستدبارها في الخلاء) بالمد: ~~مكان التغوط والبول. # وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يكره ذلك في البناء لم روى أبو داود ~~والحاكم وقال: على شرط البخاري، عن مروان قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته ~~وجلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن قد نهي عن هذا؟ قال: إنما نهي عن ~~ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. # --- PageV01P176 ~~*** # ولنا ما في «الكتب الستة»: عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ~~ولكن شرقوا أو غربوا». والمعنى: توجهوا إلى جانب الشرق أو الغرب. ولا يلزم ~~منه جواز استقبال الشمس والقمر، فتدبر. قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا ms0129 ~~مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله عز وجل. # وعن أبي حنيفة لا يكره الاستدبار لما روى الترمذي عن ابن عمر قال: ارتقيت ~~على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل الشام مستدبر ~~الكعبة. وفي رواية «الشيخين» عنه: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام. # قلنا: يحتمل أن يكون لعذر وضرورة كما في حديث السباطة، بدليل أحاديث أخر ~~منها قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما أنا لكم مثل الوالد لولده أعلمكم، ~~إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها». رواه ابن ماجه ~~والدارمي. # ولو أقعدت المرأة ولدها للبول نحو القبلة يكره، ولو مد مكلف رجله نحو ~~القبلة أو نحو كتب فقه يكره، والله تعالى أعلم. # ومما يكره أيضا التكلم لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يخرج الرجلان ~~يضربان الغائط كاشفين عن عورتيهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك». رواه ~~أبو داود. وروى أيضا عن ابن عمر: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه. # --- PageV01P177 ~~*** # ومما يكره استقبال الشمس والقمر احتراما لهما، وقد ورد أنهما يلعنان ~~عليه، كذا في «المدخل». وكذا استقبال مهب الريح لئلا يصيبه رشاش بوله، وكذا ~~التخلي في الطريق، ومجتمع الناس، وتحت شجر يستظل به، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم «اتقوا اللاعينين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: «الذي ~~يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم». رواه مسلم. وقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل». رواه ~~أبو داود وابن ماجه. # ومن الآداب: تقديم الاستعاذة، لقوله عليه الصلاة والصلام: «إن هذه الحشوش ~~محتضرة، فإذا جاء أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث». رواه ~~أبو داود وابن ماجه. «كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل الخلاء يقولها». ~~متفق عليه. # ومنها: تقديم الرجل اليسرى في الدخول فيه، واليمنى في الخروج منه تكريما ~~لها اعتبارا لها باليد. # ومنها: أن يقول بعد ms0130 خروجه منه: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني». ~~هكذا رواه ابن ماجه عنه صلى الله عليه وسلم وروى هو وأبو داود والترمذي: ~~«غفرانك». وفي رواية: كان يقول: «الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأبقى ~~علي ما ينفعني». # ومنها: أن يبعد في البراز، لأنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد البراز ~~انطلق حتى لا يراه أحد. # ومنها: أن يبول في مكان لين، لأنه عليه الصلاة والسلام أراد ذات يوم أن ~~يبول فأتى ومشى في أصل جدار فبال ثم قال: «إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد ~~لبوله موضعا». # ومنها: أن لا يرفع ثوبه قائما، «لأنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد ~~حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض». # --- PageV01P178 ~~*** # ومنها: أن لا يبول في موضع طهره، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يبولن ~~أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه أو يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه». # ومنها: أن لا يبول في جحر، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبال في جحر. ~~رواها أبو داود. وقيل: لأنه مساكن الجن. # ومنها: أن ينضح فرجه بالماء، لقول زيد بن حارثة عنه عليه الصلاة والسلام: ~~«إن جبرائيل أتاه أول ما أوحي إليه يعلمه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من ~~الوضوء أخذ غرفة من الماء فنضح بها فرجه». رواه أحمد والدارقطني. # ومنها: أن لا يبول قائما، لقول عمر: رآني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ~~أبول قائما فقال: «يا عمر لا تبل قائما». قال: فما بلت قائما بعد. رواه ~~الترمذي وابن ماجه. وأما بوله عليه الصلاة والسلام في السباطة قائما فقد ~~كان لعذر، لقول عائشة رضي الله عنها: من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يبول قائما فلا تصدقوه. رواه أحمد والترمذي والنسائي. # وقد ضبطه بعض العلماء ضبطا جيدا فقال: يجوز الاستنجاء بكل جامد طاهر منق ~~قلاع للأثر، غير مؤذ، ليس بذي حرمة ولا سرف، ولا يتعلق به حق للغير. انتهى. # ويستفاد منه كما صرح به بعض الحنفية والشافعية: أنه يكره الاستنجاء ~~بالورق المجرد، ms0131 وجوز به إذا كان فيه علم المنطق إذا لم يكن فيه ذكر الله ~~وذكر رسوله، وكذا الشعر المذموم الخالي عن ذكرهما. # ولا يجوز بذهب أو فضة ونحوهما لإضاعة المال. ولا بثوب حرير وغيره لما فيه ~~من الإسراف، ولا في وعاء من ذهب أو فضة، فإن استعمالهما حرام مطلقا. # --- PageV01P179 ~~*** # هذا، وقد ذكر ابن عطية في تفسير قوله تعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} ~~ذهب أبي بن كعب، وابن عباس، والحسن، ومجاهد وغيرهم إلى أن المراد: إلى ~~طعامه إذا صار رجيعا، ليتأمل حيث تصير عاقبة الدنيا ولذاتها؟ وعلى أي شيء ~~يتفانى أهلها في حالاتها؟ وهذا نظير ما روي عن ابن عمر: إن الإنسان إذا ~~أحدث فإن ملكا يأخذ بناصيته عند فراغه، فيرد بصره إلى نجوه موقفا له ~~ومعجبا، فينفع ذلك من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. # والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. # كتاب الصلاة # وهي أم العبادات، وأساس الطاعات، وماحية الذنوب، وناهية السيئات. وقدم ~~عليها كتاب الطهارة التي هي من شرائطها، لكونها مفتاح الصلاة، ومصباح ~~الصلاة. ومسائلها الكثيرة من المهمات. # ثم هي في اللغة: الدعاء، ومنه قوله تعالى: {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم}. ~~وقوله عليه الصلاة السلام: «وصلت عليكم الملائكة». وقوله: «إذا دعي أحدكم ~~إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصل»، أي: فليدع ~~لصاحبه بالخير والبركة. # وفي الشرع: الأفعال المعلومة المعهودة من الشرائط والأركان المعدودة. # وكان فرض الصلوات الخمس ليلة المعراج وهي: ليلة السبت لسبع عشرة خلت من ~~رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا من مكة إلى السماء. ومن يرى أن المعراج ~~من بيت المقدس، وأنه مع الإسراء في ليلة واحدة، فليلة الإسراء قبل الهجرة ~~بسنة لسبع عشرة من شهر ربيع الأول، وبه جزم النووي في «شرح مسلم»، قال ابن ~~الأثير: إنه الصحيح. أو لاثنتي عشرة من شهر ربيع الأول على حسب اختلافهم، ~~هذا هو المشهور. # --- PageV01P180 ~~*** # وعن الزهري: أن الإسراء، وفرض الصلوات الخمس، كان بعد البعث بخمس سنين. ~~وفي سير «الروضة» للنووي: أنه كان ms0132 في رجب. وكانت الصلاة قبل الإسراء ~~صلاتين: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. قال تعالى: {وسبح بحمد ربك ~~بالعشي والإبكار}. # ثم العبادة نوعان: موقتة كالصلاة، وغير موقتة كالزكاة، قال تعالى: {إن ~~الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} أي فرضا موقتا. # (وقت الصبح) أي صلاته، وبدأ به، لأنه لا خلاف في أوله وآخره، أو لأنه أول ~~النهار الشرعي، أو لأنه كان مفروضا من قبل. وبدأ محمد رحمه الله في «الأصل» ~~بوقت الظهر، لأن جبرائيل في بيان الأوقات بدأ به. # (من الفجر المعترض) أي الذاهب (في الأفق) عرضا، ويسمى صادقا. واحترز به ~~عن الفجر المستطيل الذي يبدأ كذنب الذئب، ثم يعقبه الظلام، ولهذا يسمى ~~كاذبا، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا ~~الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق». هكذا في الترمذي، وفي ~~«الصحيحين»: «لا يغرنكم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، إنما الفجر المستطير ~~في الأفق». وروى أبو داود في «سننه» عن بلال: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال له: «لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر»، ومد يده. وسكت عنه أبو داود. # --- PageV01P181 ~~*** # ثم يمتد الوقت منه (إلى الطلوع) أي إلى طلوع الشمس إجماعا، ولقوله تعالى: ~~{فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس}، ولما في مسلم أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال: «وقت صلاة الفجر: ما لم يطلع قرن الشمس الأول، ووقت صلاة الظهر: إذا ~~زالت الشمس عن بطن السماء، ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر: ما لم تصفر ~~الشمس ويسقط قرنها الأول، ووقت صلاة المغرب: إذا غابت الشمس، ما لم يسقط ~~الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل». # وفي رواية أخرى لمسلم: «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ~~ما لم يحضر العصر. ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم ~~يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من ~~طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها ~~تطلع بين قرني الشيطان». ms0133 # ولما روى أبو داود، والطحاوي، والترمذي وقال: حسن صحيح، والحاكم وقال: ~~صحيح الإسناد، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «أمني جبرائيل عند البيت مرتين، فصلى الظهر في الأولى حين كان الفيء ~~مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وجبت ~~الشمس أي سقطت وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر ~~حين بزغ الفجر أي طلع وحرم الطعام على الصائم. وصلى المرة الثانية الظهر ~~حين كان ظل (كل) شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل ~~شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث ~~الليل، ثم صلى الفجر حين أسفرت الأرض أي أضاءت ثم التفت إلي جبرائيل، ~~فقال: هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين». # --- PageV01P182 ~~*** # (والظهر) أي وقت صلاته (من الزوال) أي زوال الشمس عن وسط السماء، مبدأ ~~(إلى) مبدء (بلوغ ظل كل شيء مثليه) أي قائم على مكان مستوي السطح (سوى فيء ~~الزوال) وهو الظل الذي يكون للأشياء وقت زوال الشمس. # (وفي رواية) رواها الحسن عن أبي حنيفة: إلى بلوغ ظل كل شيء (مثله) سوى ~~فيء الزوال، وهي قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد وزفر، وهو الأظهر لبيان ~~جبرائيل أول وقت كل صلاة بفعله وآخره غير المغرب كذلك، ثم قوله: «الوقت ~~فيما بين هذين الوقتين» في رواية ابن عباس، و: «ما بين هذين وقت كله» في ~~رواية جابر. # وعن أبي يوسف: خالفت أبا حنيفة في وقت العصر، فقلت: أوله إذا زاد الظل ~~على قامة، اعتمادا على الآثار التي جاءت، وهو إشارة إلى ما ذكرنا. وفي ~~رواية رواها أسد بن عمرو، عن أبي حنيفة، واختاره الطحاوي: إذا صار ظل كل ~~شيء مثله، خرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه. # لهم: إمامة جبرائيل للنبي صلى الله عليه وسلم على ما رواه ابن عباس، ~~وجابر بن ms0134 عبد الله، وأبو مسعود الأنصاري، وأبو هريرة، وعمرو بن حزم، وأبو ~~سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وابن عمر رضي الله عنهم. # فأما حديث ابن عباس، فقد تقدم. # --- PageV01P183 ~~*** # وأما جابر، فقال: جاء جبرائيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~حين مالت الشمس، فقال: قم يا محمد فصل الظهر حين مالت الشمس، ثم مكث حتى ~~إذا كان فيء الرجل مثله، جاءه للعصر، فقال: قم يا محمد فصل العصر، ثم مكث ~~حتى غابت الشمس، ثم جاءه، فقال: قم فصل المغرب، فصلاها حين غابت الشمس ~~سواء، ثم مكث حتى غاب الشفق، ثم جاءه، فقال: قم فصل العشاء، فقام فصلاها، ~~ثم جاءه حين سطع الفجر بالصبح، فقال: قم يا محمد فصل الصبح، ثم جاء حين كان ~~فيء الرجل مثله، فقال: قم يا محمد فصل، فصلى الظهر، ثم جاءه حين كان فيء ~~الرجل مثليه، فقال: قم يا محمد فصل، فصلى العصر، ثم جاءه المغرب حين غابت ~~الشمس وقتا واحدا لم يزل عنه، فقال: قم يا محمد صل، فصلى المغرب، ثم جاءه ~~للعشاء حين ذهب ثلث الليل، فقال: قم يا محمد فصل، فصلى العشاء، ثم جاءه ~~للصبح حين أسفر جدا، فقال: قم يا محمد فصل، فصلى الصبح، ثم قال: «ما بين ~~هذين وقت كله». قال الترمذي: قال محمد بن إسماعيل يعني البخاري : حديث ~~جابر أصح شيء في المواقيت. # وأما أبو مسعود الأنصاري، فقال نحوا من قول جابر، وزاد ذكر عدد ركعات ~~الصلاة. رواه إسحاق بن راهويه في «مسنده» والبيهقي نحوه. # وأما أبو هريرة، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذا جبرائيل ~~جاء يعلمكم دينكم، فصلى الصبح حين طلع الفجر...»، ولفظه قريب مما تقدم. ~~رواه الطحاوي والنسائي. # وأما عمرو بن حزم، فقال: «جاء جبرائيل فصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وصلى بالناس حين زالت الشمس الظهر»، كما تقدم. # --- PageV01P184 ~~*** # وأما أنس، فقال: إن جبرائيل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة حين زالت ~~الشمس، فأمره أن يؤذن للناس بالصلاة حين فرضت عليهم، فقام جبرائيل أمام ms0135 ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقام الناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: فصلى أربع ركعات لا يجهر فيها بقراءة، فأتم الناس برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأتم بجبرائيل عليه السلام. فذكر ~~عدم الجهر في الظهر والعصر، والجهر في أوليي المغرب والعشاء، وفي الفجر، ~~وعدمه في الثالثة والأخريين. رواه الدارقطني مسندا، وأبو داود مرسلا، وهو الأصح. # ولأبي حنيفة ما في «الصحيحين»: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثلكم ~~ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجيرا، فقال: من يعمل لي من غدوة إلى ~~نصف النهار على قيراط فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى ~~صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى ~~غروب الشمس على قيراطين، فأنتم هم. فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: كنا ~~أكثر عملا، وأقل عطاء. قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فذلك ~~فضلي أعطيه من أشاء». ومن المعلوم أنه لا يكون النصارى أكثر عملا، إلا إذا ~~كان وقت العصر من صيرورة ظل كل شيء مثليه. # فإن قيل: من الزوال إلى صيرورة ظل كل شيء مثله أكثر من وقت صيرورة ظل كل ~~شيء مثله إلى آخر النهار، فيتحقق كون النصارى أكثر عملا على هذا التقدير. ~~أجيب بأن التفاوت بين هذين الوقتين لا يعرفه إلا الحساب، والمراد من الحديث ~~تفاوت يظهر لكل أحد من الأمة. وإذا تعارضت الآثار لا ينقضي الوقت بالشك، أو ~~ينقضي ولا يدخل (الثاني) بالشك على القولين. قال أبو يوسف: هذا استدلال ~~حسن، لكن النص الذي روينا فوق هذا. # --- PageV01P185 ~~*** # وفي «المحيط»: ومعرفة الزوال بأن تغرز خشبة مستوية في أرض مستوية قبل ~~الزوال، فما دام الظل ينقص لم تزل الشمس، فإذا لم يظهر له زيادة ولا نقص، ~~فهو وقت الظهيرة أي الاستواء فإذا أخذ الظل في الزيادة، فقد زالت الشمس، ~~فخط على رأس الزيادة خطا، فيكون من الخط إلى العود فيء الزوال، فإذا صار ~~الظل من ms0136 الخط مثلين أو مثلا على الخلاف، فهو وقت (العصر). هذا، ووقت ~~الجمعة: وقت الظهر. وعند مالك: لا يخرج إلى المغرب، وعند الحنابلة: يجوز ~~قبل الزوال. # (والعصر) أي ووقت صلاة العصر (منه) أي من آخر وقت الظهر على الروايتين ~~(إلى الغروب) أي غيبوبة الشمس كلها. وقال الحسن بن زياد: إلى الاصفرار، لما ~~روى مسلم من حديث عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وقت ~~العصر ما لم تصفر الشمس». # ولنا: ما في «الكتب الستة» من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك ~~العصر». وأجيب عن حديث عبد الله بن عمر: بأنه محمول على وقت الاختيار. # هذا، وفي «شرح الآثار» للطحاوي: مذهب أصحابنا: أن الوسطى هي صلاة العصر. ~~قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم، وسميت على هذا وسطى، لأنها بين ~~نهاريتين وبين ليليتين. وروى الترمذي وقال: صحيح الإسناد، عن عبد الله بن ~~مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة الوسطى: صلاة العصر» ~~وعن مالك، وهو نص الشافعي في «الأم»: أنها الصبح، وهو قول عمر، ومعاذ، ~~وجابر، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، والربيع بن أنس. «وفي كشف المغطى عن الصلاة ~~الوسطى» للحافظ الدمياطي: أن فيها سبعة عشر قولا. # قلت: وإذا صح الحديث، فلا معنى للاختلاف أصلا. # --- PageV01P186 ~~*** # ثم الإمام مالك شرك بين الظهر والعصر إذا صار ظل كل شيء مثله بقدر أربع ~~ركعات، حتى لو صليت الظهر والعصر من يومين في ذلك الوقت، كانت أداء عنده، ~~لما تقدم من إمامة جبرائيل الظهر والعصر من يومين في ذلك الوقت. وظاهرها ~~يدل على التشريك. # قلنا: معناه صلى الظهر حين قرب الظل من مثله بدليل ما روينا من قوله صلى ~~الله عليه وسلم «ووقت الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء، ما لم يحضر ~~العصر». وما في الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم «إن للصلاة أولا وآخرا، ~~وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وآخرها ms0137 حين يدخل وقت العصر، وأول وقت ~~صلاة العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول وقت ~~المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الشفق، وإن أول وقت العشاء ~~حين يغيب الشفق». وكذا شرك ما بين العشاءين بقدر أحدهما فيما قبل مغيب الشفق. # (والمغرب) أي وقت صلاة المغرب (منه) أي من الغروب، لما روى أبو داود، ~~والترمذي وقال: حسن صحيح، عن سلمة بن الأكوع: أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يصلي المغرب إذ غربت الشمس وتوارت بالحجاب. وهو ممتد. # (إلى غيبة الشفق): وهو: البياض الذي يعقب الحمرة عند أبي حنيفة، وأحمد، ~~والمزني، وطائفة من الفقهاء وأهل اللغة، وعن أحمد: أنه في السفر # الحمرة، وفي الحضر البياض، لقوله عليه الصلاة والسلام: «وآخر وقت المغرب ~~إذا اسود الأفق». أبو داود من حديث أبي مسعود الأنصاري، وفيه: «ويصلي ~~العشاء حين يسود الأفق»، وهو مروي عن أبي بكر، ومعاذ بن جبل، وعائشة، ~~ورواية عن ابن عباس، وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، واختاره ثعلب. # --- PageV01P187 ~~*** # وأما ما روى الدارقطني عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق، وجبت الصلاة» فقال النووي: ليس بثابت، وما ~~رواه موقوف على ابن عمر. ذكره مالك في «الموطأ». # هذا، وفي رواية عن مالك والشافعي: أن وقت المغرب مقدار ما يتوضأ ويصلي ~~خمس ركعات، لأن جبرائيل أم في المغرب في يومين في وقت واحد. # وقال أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور الفقهاء، وأهل ~~اللغة: (هو الحمرة) وهو رواية أسد بن عمرو، عن أبي حنيفة (وبه يفتى) لما ~~روى مسلم من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وقت المغرب ما ~~لم يسقط ثور الشفق». وهو بالمثلثة المفتوحة: ثوران حمرته. ورواه أبو داود: ~~«فور الشفق»، وهو بقية حمرته، وسمي فورا لفورانه وسطوعه، وصحفه بعضهم فقال: ~~نور الشفق، بالنون، ولو صحت الرواية، لكان له وجه حكاه المنذري في ~~«الحواشي». وقال الخطابي: «فور الشفق»: فورانه. والحديث حجة ms0138 على مالك ~~والشافعي في تقديره بستر ووضوء، وأذانين، وخمس ركعات. # وروى الدارقطني في «سننه» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «الشفق الحمرة»، لكن قال البيهقي: روي هذا عن عمر، ~~وعلي، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأبي هريرة، وعليه إطباق ~~أهل اللسان، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء. انتهى. # وقد نقل رجوع الإمام إلى هذا القول، لما ثبت عنده من حمل عامة الصحابة ~~الشفق على الحمرة. واعلم أن قول أبي حنيفة أولا وافقه زفر، لأنه من أثر ~~النهار، وهو قول أبي بكر الصديق، وأنس بن مالك، ومعاذ بن جبل، وعائشة، ~~وأبي، وابن الزبير، ورواية عن ابن عباس، وبه قال عمر بن عبد العزيز رضي ~~الله تعالى عنهم، واختاره المبرد وثعلب اللغويان، وهو الأحوط في جانب ~~العشاء. # --- PageV01P188 ~~*** # (والعشاء) أي وقت صلاة العشاء الآخرة (منه) أي من غروب الشفق (والوتر) أي ~~وقته (بعده) أي بعد العشاء (إلى الفجر لهما) أي للعشاء والوتر، ويحتمل ~~الظرف، أعني بعد أن يكون خبرا عن الوتر، كما أن الجار والمجرور أعني منه ~~خبر عن العشاء، فيكون المذكور قول أبي يوسف ومحمد: أن وقت الوتر بعد وقت ~~العشاء، ويحتمل أن يكون الوتر معطوفا على العشاء مشاركا له في الخبر، ويكون ~~الظرف أعني بعده في محل النصب على الحال، فيكون المذكور قول أبي حنيفة: ~~أن وقت الوتر والعشاء واحد، لأن الوتر فرض عنده، والوقت إذا جمع بين فرضين ~~كان لهما كقضاء وأداء اجتمعا وإنما امتنع تقديم الوتر على العشاء عند ~~التذكر لوجوب الترتيب. # ولهما: ما روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه بسند حسن عن خارجة بن حذافة ~~قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الله أمدكم بصلاة ~~هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع ~~الفجر»، وفي رواية الطحاوي: «إن الله زادكم صلاة». وروى أحمد في «المسند» ~~عن معاذ: سمعت رسول الله صلى ms0139 الله عليه وسلم يقول: «زادني ربي صلاة وهي ~~الوتر، فوقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر». # --- PageV01P189 ~~*** # وقد صنف الشيخ علم الدين السخاوي المقرىء، تلميذ الشاطبي جزأ ساق فيه ~~الأحاديث التي دلت على فرضية الوتر، ثم قال: فلا يرتاب ذو فهم بعد هذا أنها ~~ألحقت بالصلوات الخمس في المحافظة عليها، والجواب عن حديث الأعرابي ظاهر، ~~فإنه كان قبل وجوب الوتر. وفي قوله: «زادكم» إشارة إلى أنها متأخرة عن ~~الصلوات الخمس. وأما الجواب عن فعله صلى الله عليه وسلم إياه على الراحلة، ~~وكذا ابن عمر، فقد روى الطحاوي عنه: أنه كان يصلي على راحلته، ويوتر ~~بالأرض. ويزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل (الوتر)، وما روي ~~عنه ما يخالف ذلك كان قبل تأكده ووجوبه، أو محمول على عذر به في ركوبه. # وثمرة الخلاف تظهر فيمن صلى الوتر قبل العشاء ناسيا، أو صلاهما مرتبتين، ~~ثم ظهر فساد العشاء دون الوتر، فعند أبي حنيفة تعاد العشاء وحدها، لأن ~~الترتيب يسقط بمثل هذا العذر، وعندهما يعاد الوتر أيضا، لأنه تبع للعشاء، ~~فلا يصح قبلها. # هذا، وفي الطحاوي: وأن ابن جريج قال لأبي هريرة: «ما إفراط صلاة العشاء؟ ~~قال: طلوع الفجر الصادق». وفيه أيضا أنه يظهر من مجموع الأحاديث أن آخر وقت ~~العشاء حين يطلع الفجر، وذلك أن في حديث ابن عباس، وأبي موسى، والخدري: ~~«أنه صلى الله عليه وسلم أخرها إلى ثلث الليل». وفي حديث أبي هريرة وأنس: ~~«أنه أخرها حتى انتصف الليل». وفي حديث ابن عمر: «أنه أخرها حتى ذهب ثلثا ~~الليل»، وفي حديث عائشة: «أنه أعتم بها حتى ذهب عامة الليل». # --- PageV01P190 ~~*** # فثبت أن الليل كله وقت لها، ويؤيده كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي ~~الله تعالى عنهما: «وصل العشاء أي الليل شئت ولا تغفلها». وعن ابن عباس: ~~«لا تفوت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى». وفي مسلم عن قتادة: «والتفريط أن يؤخر ~~صلاة حتى يدخل وقت الأخرى، يدل على بقاء الأولى إلى أن يدخل وقت الأخرى، ~~ووقت الأخرى بطلوع الفجر ms0140 الثاني. وخص من ذلك كون آخر صلاة الصبح بطلوع ~~الشمس، للأحاديث الصحيحة الصريحة المؤيدة بالإجماع. # ولا يجمع عندنا بين ظهر وعصر، ولا بين مغرب وعشاء بسفر أو مطر زمانا إلا ~~في عرفة ومزدلفة. وجمع الشافعي ومالك بينهما فيهما مطلقا، لما روى الطحاوي ~~عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الصلاتين في ~~السفر. وعن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل أخبره: «أنهم خرجوا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عام تبوك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين ~~الظهر والعصر، والمغرب والعشاء». وعن عبد الله بن عمر: «أنه كان إذا جد به ~~السير جمع بين المغرب والعشاء بعدما يغيب الشفق، ويقول: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بينهما». # --- PageV01P191 ~~*** # ولنا ما رويناه في عدم التشريك، ومنع دلالة المروي على الجمع بينهما ~~زمانا، بل كان فعلا لقول ابن مسعود: «والذي لا إله غيره ما صلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صلاة قط إلا لوقتها إلا صلاتين: جمع بين الظهر والعصر ~~بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع »، متفق عليه. وقول نافع: «أن ابن عمر جد ~~به السير فراح روحة لم ينزل إلا للظهر أو العصر، وأخر المغرب حتى صرخ به ~~سالم: الصلاة، فصمت ابن عمر حتى كان عند غيبوبة الشفق نزل، فجمع بينهما ~~وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هكذا إذا جد به السير». وفي ~~رواية: «حتى إذا كاد آخر الشفق نزل، فصلى المغرب، وغاب الشفق فصلى العشاء، ~~وقال: هكذا كنا نفعل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جد بنا السير». # فهذه الروايات صريحة بأن صلاته كانت قبل أن يغيب الشفق، فتحمل رواية ~~غيبوبته على القرب منها، توفيقا بينهما. فإن قيل: روى أبو الطفيل عن معاذ ~~بن جبل: «أنه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ ~~الشمس، أخر الظهر حتى يجمعها مع العصر، فيصليهما جميعا. وإذا ارتحل بعد ms0141 زيغ ~~الشمس، صلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب، أخر ~~المغرب حتى يصليها مع العشاء. وإذا ارتحل بعد المغرب، عجل العشاء فصلاها مع ~~المغرب». رواه أحمد وغيره. قلنا: قال أبو داود: وليس في تقديم الوقت حديث ~~قائم. وقال الحاكم: حديث أبي الطفيل موضوع، ولذا لم يذكر الطحاوي هذه ~~الرواية عن أبي الطفيل. وأما الجمع في عرفة والمزدلفة، فثابت على خلاف ~~القياس، فلا يلحق غيره به. # (الأوقات المستحبة) # --- PageV01P192 ~~*** # (ويستحب للفجر البداءة مسفرا) يقال: أسفر الصبح إذا أضاء، ومنه قوله ~~تعالى: {والصبح إذا أسفر}. وأسفر بالصلاة، أي صلاها في وقت الإسفار. قال ~~الطحاوي: ويستحب البداءة مغلسا، والختم مسفرا، واختاره بعض الشافعية. وقال ~~مالك والشافعي، وهو أقوى الروايات عن أحمد: يستحب التعجيل لما في ~~«الصحيحين» من حديث عائشة قالت: «إنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليصلي الصبح، فينصرف النساء متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس »، لكنه ~~معارض بقول ابن مسعود: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا ~~لميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ~~ميقاتها»، مع أنه كان بعد طلوع الفجر، لما في البخاري: «والفجر حين بزغ ~~الفجر». وفي مسلم: «قبل ميقاتها بغلس». # فعلم أن المراد قبل ميقاتها الذي اعتاد الأداء فيه، لأنه غلس بها يومئذ ~~ليمتد وقت الوقوف، وترجح روايته على حكايتها، لأن الحال أكشف له منها، أو ~~يحمل حكاية التغليس على ما قبل الإسفار جدا، أو على تغليس المسجد. وقد أخرج ~~الطحاوي بسند صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على شيء ما اجتمعوا على التنوير، وقال: ولا يصح أن ~~يجتمعوا على خلاف ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. # ولنا ما روى أصحاب السنن الأربعة عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر». قال الترمذي: حسن صحيح. # --- PageV01P193 ~~*** # فإن قيل: المراد بالإسفار بالفجر تبين طلوعه، أجيب بما قال ms0142 ابن دقيق ~~العيد: وهو أن الحمل على هذا المعنى يأباه، أو يبعده ما في «صحيح ابن ~~حبان»: «كلما أصبحتم بالصبح فهو أعظم للأجر». وما أخرجه النسائي بسند صحيح: ~~«ما أسفرتم بالفجر، فإنه أعظم للأجر». وما في «مسانيد ابن أبي شيبة، ~~وإسحاق، وأبي داود»: «يا بلال نور بصلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم ~~من الإسفار». ولأنه ما لم يتبين، لا يحكم بجواز الصلاة، فضلا عن إصابة ~~الأجر المفاد بقوله: «فإنه أعظم للأجر». # ثم الإسفار الذي يستحب بداية الفجر فيه أن يبتدىء الصلاة (بحيث يمكنه ~~ترتيل أربعين آية) أي سوى الفاتحة، والظاهر أن المراد بالأربعين أنه في ~~مجموع الركعتين، لا في كل واحدة منهما، فالأولى أن يقال: بحيث يقدر على ~~الصلاة بقراءة مسنونة (ثم الإعادة) أي ويمكنه إعادة الصلاة بقراءتها ~~المستحبة قبل طلوع الشمس (إن ظهر فساد وضوئه) أي في آخر أجزاء صلاته. # --- PageV01P194 ~~*** # (ويستحب تأخير ظهر الصيف) أي إبراده في شدة الحر، وهو متفق عليه. لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم» رواه ~~البخاري، والطحاوي بمعناه من طرق. ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا اشتد ~~الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» رواه الشيخان. ولما في ~~الطحاوي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «أنه رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يعجل في الظهر في الشتاء، ويؤخرها في الصيف». وعن أنس نحوه. وروى ~~البخاري من حديث خالد بن دينار قال: «صلى بنا أميرنا الجمعة، ثم قال لأنس: ~~كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر؟ قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة». ~~ورواه النسائي عن أنس لفظه: «إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد ~~عجل بالصلاة». # وأما حديث: «أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت عفو الله»، فإنما يعرف ~~بيعقوب بن الوليد، وقد كذبه أحمد بن حنبل، وسائر الحفاظ. قال البيهقي في ~~«المعرفة»: وإنما يروي عن أبي جعفر محمد بن علي من قوله، ms0143 ولئن صح، فليس على ~~عمومه لما سبق من إبراد الظهر المجمع عليه، وإسفار الفجر المصرح لديه، ~~وبظاهر الدلالة على المدعى، لعدم استلزامه التقصير، لقوله تعالى: {ويسئلونك ~~ماذا ينفقون قل العفو} أي الفضل، أي ما يتفضل عنكم. # والمعنى: أن الصلاة في آخر الوقت لها فضل كثير، والحق أن يقال: المراد ~~بأول الوقت: الوقت المختار، فإن الأول الحقيقي كاد أن لا يلحقه كل أحد. ثم ~~ظاهر التقسيم أن أول الوقت يمتد إلى نصفه، لكن جاء في رواية: «وأوسطه رحمة ~~الله»، فيكون الأول إلى ثلثه. # --- PageV01P195 ~~*** # (وتأخير العصر) سواء كان في الصيف أو الشتاء (ما لم تتغير) أي الشمس، وهو ~~تغير قرصها عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، بحال لا تحار فيها ~~الأعين، وهو مروي عن الشعبي، لا تغير ضوئها كما قاله الحاكم الشهيد، وهو ~~مروي عن محمد. # وقال مالك والشافعي: تقديمه أفضل لقول أنس: «إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يصلي العصر، فيذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة». قال ~~الزهري: والعوالي على ميلين من المدينة وثلاثة، وأحسبه قال: وأربع. ولحكاية ~~رافع بن خديج: «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، ثم ~~ننحر الجزور، فتقسم عشرة قسم، ثم نطبخ، فنأكل لحما نضيجا قبل أن تغرب ~~الشمس». رواهما الشيخان والطحاوي. # ولنا ما رواه الترمذي عن أم سلمة أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أشد تعجيلا للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلا للعصر منه». ولما رواه ~~أبو داود أنه: «عليه الصلاة والسلام كان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء ~~نقية». ورواه الدارقطني عن رافع بن خديج مثله. وأما ما روياه فكان أحيانا، ~~وهو جائز اتفاقا. # (و) تأخير (العشاء إلى ثلث الليل) وفي «مختصر القدوري»: إلى ما قبل ثلثه. # وجه الأول: ما رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «لولا أن أشق على أمتي، لأخرت العشاء إلى ثلث ~~الليل أو نصفه». و«أو» تحتمل الشك أو التنويع، فالثلث في الصيف، ms0144 والنصف في ~~الشتاء، ويؤيد ما روى البخاري عن أنس: «أخر النبي صلى الله عليه وسلم ~~العشاء إلى نصف الليل، ثم قال: قد صلى الناس وناموا، أما إنكم في صلاة ما ~~انتظرتموها». # --- PageV01P196 ~~*** # ووجه الثاني: ما روى البخاري من حديث عائشة قالت: «كانوا يصلون العتمة ~~أي العشاء فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل». وما روى الترمذي ~~والنسائي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل». والظاهر أن الغاية غير ~~داخلة. وفي حديث ابن عباس: «أنه عليه الصلاة والسلام أخر العشاء حتى ذهب من ~~الليل ما شاء الله، فقال عمر: يا رسول الله، نام النساء والولدان، فخرج ~~فقال: لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم أن يصلوا العشاء في هذه الساعة». رواه ~~الشيخان. # وقيل: يستحب تعجيل العشاء في الصيف لئلا يتقلل الجماعة، أو لأن الليل ~~قصير. ثم تأخير العشاء إلى ما بعد نصف الليل مكروه، ويكره النوم قبلها ~~والحديث بعدها، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنهما، إلا حديثا في خير ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا سمر بعد الصلاة يعني العشاء الأخيرة إلا ~~لأحد رجلين: مصل أو مسافر». وفي رواية: أو «عروس»، رواه الإمام أحمد. ولقول ~~عمر: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمر عند أبي بكر الليلة في أمر ~~المسلمين وأنا معه». رواه الترمذي وحسنه. # وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تزال أمتي بخير ~~ما عجلوا المغرب وأخروا العشاء»، فغير معروف بهذا اللفظ، نعم روى أبو داود ~~عن أبي أيوب مرفوعا قال: «لا تزال أمتي بخير أو قال على الفطرة ما لم ~~يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم». # --- PageV01P197 ~~*** # (و) تأخير (الوتر إلى آخره) أي إلى آخر الليل (لمن يثق بالانتباه) لما ~~روى مسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من خاف أن ~~لا يقوم آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل، فليوتر آخره، ~~فإن صلاة آخر الليل مشهودة، ms0145 وذلك أفضل». ولقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا». رواه الشيخان. وفي رواية لمسلم عن جابر ~~مرفوعا: «أيكم خاف أن لا يقوم آخر الليل، فليوتر ثم ليرقد». # (و) يستحب (تعجيل ظهر الشتاء) لما روينا في الإبراد (و) تعجيل (المغرب) ~~أي مغرب الصحو، سواء كان في الشتاء أو في الصيف، لصلاة جبرائيل إياها في ~~أول وقتها في اليومين، ولما روى أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، ~~عن مرثد بن عبد الله قال: قدم علينا أبو أيوب غازيا، وعقبة بن عامر يومئذ ~~على مصر، فأخر المغرب، فقام إليه أبو أيوب فقال: ما هذه الصلاة يا عقبة؟ ~~قال: شغلنا، قال: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال ~~أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم». وفي ~~رواية أحمد: «إلى اشتباك النجوم». وأما ما في «الهداية» لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا المغرب، وأخروا العشاء»، فغير معروف ~~بهذا اللفظ. # --- PageV01P198 ~~*** # (ويوم غيم يعجل العصر) لأن في تأخيرها توهم وقوعها في الوقت المكروه ~~(والعشاء) لأن في تأخيرها تقليل الجماعة على اعتبار المطر (ويؤخر غيرهما) ~~أي في يوم الغيم. أما في الفجر، فلأنه لو عجل فيه لأدى إلى تقليل الجماعة ~~بسبب الظلمة، ولا يأمن من وقوعها قبل وقتها، وأما في الظهر والمغرب، فلئلا ~~تقعا قبل وقتهما. وروى الحسن عن أبي حنيفة استحباب تأخير كل صلاة في يوم ~~الغيم، لأن في التأخير ترددا بين القضاء والأداء، وفي التعجيل ترددا بين ~~الصحة والفساد، فيكون التأخير أولى لتيقن براءة ذمته. # (الأوقات المكروهة) # (ولا يجوز) أي ولا تصح (صلاة) أي فرض، أو واجب، وأما لو صلى التطوع في ~~هذه الأوقات فيجوز، ويكره على ما ذكره الإسبيجابي في «شرح الطحاوي»، ويحتمل ~~أن يراد مطلق الصلاة، فرضا كانت أو نفلا، بناء على ما روي من أن النفل في ~~هذه الأوقات لا يجوز. والمعنى: لا يجوز الشروع في صلاة، وعدم جواز الشروع ~~في الصلاة لا ينافي لزومها ms0146 بعد الشروع فيها، كما يقال: لا يجوز البيع ~~الفاسد، ولو باع وقبض المبيع، ثبت الملك. وإنما قلنا ذلك لما ذكر شمس ~~الأئمة لزوم قضائه بلا خلاف، وذكر التمرتاشي لزومه عند أبي حنيفة وأبي يوسف. # --- PageV01P199 ~~*** # وقيل: يكره النفل فيها تحريما، وهو مفسر عند أبي حنيفة وأبي يوسف بما كان ~~إلى الحرام أقرب، وعند محمد بالحرام. وإنما كره تحريما لما عرف أن النهي ~~إذا كان ظني الثبوت ولم يصرف عن مقتضاه أفاد كراهة التحريم، وإذا كان قطعي ~~الثبوت أفاد التحريم، فالتحريم في مقابلة الفرض في الرتبة، وكراهة التحريم ~~في رتبة الواجب، والتنزيه في رتبة المندوب، والنهي الوارد من النوع الأول، ~~فكان الثابت به كراهة التحريم، فلو شرع في النفل في أحدهما صح شروعه، حتى ~~يجب قضاؤه إذا قطعه خلافا لزفر، ويجب قطعه وقضاؤه في وقت غير مكروه في ظاهر ~~الرواية، ولو أتمه خرج عن عهدة ما لزمه بذلك الشروع. # (وسجدة تلاوة) أي إذا تليت قبل الأوقات المذكورة، لأن التي تليت فيها ~~تجوز من غير كراهة، لكن الأفضل تأخيرها، ليؤديها في الوقت المستحب لها، ~~لأنها لا تفوت بتأخيرها (وصلاة جنازة) أي إذا حضرت قبل ذلك، لأن التي حضرت ~~فيه تجوز، لأنها وجبت ناقصة، فتؤدى كما وجبت، إذ الوجوب بالحضور وهو أفضل، ~~والتأخير مكروه لقوله عليه الصلاة والسلام: «ثلاث لا يؤخرن، وذكر منها: ~~الجنازة إذا حضرت». # (عند طلوعها) أي مع طلوع الشمس (وقيامها) أي حال استوائها (وغروبها) وقال ~~مالك: لا يصلى على الجنازة بعد الإسفار والاصفرار حتى تطلع الشمس أو تغرب، ~~إلا أن يخشى عليها التغير. وقال الشافعي: لا يكره الصلاة عليها في أوقات ~~النهي، إلا أن يتعمد تأخيرها إلى ذلك بغير سبب. # --- PageV01P200 ~~*** # لنا ما روى الجماعة إلا البخاري من حديث عقبة بن عامر الجهني قال: «ثلاث ~~ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن ~~موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، ~~وحين تضيف للغروب حتى تغرب». قال الترمذي: قبر الموتى ms0147 هنا محمول على الصلاة ~~عليها، وكذلك روي، عن ابن المبارك. وروى ابن دقيق العيد في «الإمام» عن ~~عقبة بن عامر قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي على موتانا ~~عند طلوع الشمس. # (إلا عصر يومه) هذا استثناء من عدم جواز الصلاة وقت الغروب، فإن عصر ~~اليوم يجوز في وقت الغروب من غير كراهة في أدائها، وإنما الكراهة في ~~تأخيرها، والفرق بين عصر اليوم حيث يجوز عند الغروب وفجر اليوم حيث لا ~~يجوز عند الطلوع أن سبب الصلاة جزء من وقتها ملاق لأدائها، وآخر وقت العصر ~~وهو وقت التغير ناقص، لأنه وقت كراهة، وإذا شرع فيه، فقد وجبت ناقصة، فلا ~~تفسد بطروء الغروب الذي هو وقت الفساد للملائمة بينهما في النقصان. وأما ~~الفجر فإن جميع وقتها كامل، فإذا شرع فيها، فقد وجبت كاملة، فتفسد بطروء ~~الطلوع الذي هو وقت الفساد لعدم الملائمة بينهما. # فإن قيل: روى الجماعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ~~ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر». أجيب بأن التعارض لما ~~وقع بين هذا الحديث، وبين النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، رجعنا إلى ~~القياس كما هو حكم التعارض، فرجحنا حكم هذا الحديث في صلاة العصر، وحكم ~~النهي في صلاة الفجر. وذهب الطحاوي إلى عدم جواز عصر يومه كالفجر، لئلا ~~يلزم العمل ببعض الحديث وترك بعضه، مع أن النقص قارن العصر ابتداء، والفجر بقاء. # --- PageV01P201 ~~*** # وروي عن أبي يوسف جواز الفجر أيضا إذا أمسك عن تكميلها عند طلوع الشمس، ~~وهو فيها، وكملها بعد طلوعها، لأنه لم يتحر بها طلوعها، وامتثل الأمر ~~بالإمساك عنها، وتأخرها حتى تبرز، ولم يوجد التشبه الحقيقي بعبادها. وذلك ~~لما روى الطحاوي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم «لا تحروا بصلاتكم ~~عند طلوع الشمس ولا غروبها، وإذا بدأ حاجب الشمس، فأخروا الصلاة حتى تبرز، ~~وإذا غاب حاجب الشمس، ms0148 فأخروا الصلاة حتى تغيب». # أقول: ومما يؤيد أصل المذهب ظاهر حديث الحاكم: «من صلى ركعة من الصبح، ثم ~~طلعت الشمس، فليصل الصبح»، أي قضاء وإلا لقال: «فليتمه». وأما صحة السجدة ~~والجنازة فيها، فلأنهما أديتا كما وجبتا ناقصتين، لأنهما إنما وجبتا لإظهار ~~مخالفة الكفار بالانقياد، ولقضاء حق الميت المسلم بالدعاء له، وكل منهما ~~يتحقق مع النقصان. # وجوز مالك والشافعي الفرائض كلها فيها، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من ~~نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»، متفق عليه. وأنه عام في الأوقات ~~كلها، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل ~~أن تغرب الشمس فليتم صلاته. وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع ~~الشمس فليتم صلاته». رواه البخاري. واعتبارا بعصر يومه. # ولنا ما روينا من حديث عقبة، وما في مسلم: «ووقت صلاة الصبح من طلوع ~~الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين ~~قرني الشيطان». وما في «الموطأ» والنسائي من قوله عليه الصلاة والسلام: «إن ~~الشمس تطلع بين قرني الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، ~~فإذا زالت فارقها، وإذا دنت للغروب قارنها، وإذا غربت فارقها»، ونهى عن ~~الصلاة في تلك الساعات. # --- PageV01P202 ~~*** # ويكره عندنا وعند مالك فيها صلاة ذات سبب، كركعتي الوضوء وتحية المسجد، ~~والطواف، والمنذورات، والسنن الرواتب ولو في مكة. وجوزها الشافعي لقول ~~بلال: ما جددت طهارة إلا صليت ما قدر لي، ولإطلاق قوله عليه الصلاة ~~والسلام: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليحيه بركعتين». ولقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة ~~شاء، من ليل أو نهار». رواه أصحاب السنن الأربعة. # ولنا ما رويناه، وهو نص، فيقيد به المبيح المطلق، وجوز الصلاة أبو يوسف ~~ومعه الشافعي في الأصح عند استواء الشمس يوم الجمعة، لما في حديث عقبة: ~~«إلا يوم الجمعة»، ولما في حديث أبي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن الصلاة في نصف النهار حتى تزول ms0149 الشمس إلا يوم الجمعة». رواه ~~الشافعي في «مسنده». وكره أبو حنيفة ومحمد الصلاة فيه لإطلاق حديث عقبة. ~~وهذه الزيادة غريبة فيه، فلا تقيد بها، وهو محرم، فيقدم على حديث أبي هريرة ~~المبيح. # (وتكره) أي الصلاة، وسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة، إلا الفائتة لصاحب ~~الترتيب (إذا خرج) أي صعد (الإمام) المنبر (للخطبة) أي خطبة الجمعة، أو ~~العيدين، أو الحج، أو الكسوف، أو الاستسقاء، للإخلال باستماع الخطبة ~~والإعراض عنها، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، ~~والإمام يخطب، فقد لغوت». كما رواه الشيخان. فإن كان الأمر بالمعروف مع ~~كونه فرضا، صار حراما في هذا الوقت، فما بالك بالنفل. # --- PageV01P203 ~~*** # فإن قيل: روى الجماعة عن جابر بن عبد الله: «أن رجلا جاء يوم الجمعة ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: «أصليت يا فلان؟، قال: لا، قال: فصل ~~ركعتين، وتجوز فيهما»، أي اختصر. وأجيب عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنصت له حتى فرغ من صلاته، لما روى الدارقطني من حديث أنس قال: «دخل رجل ~~المسجد»، فذكر الحديث. وفيه: «وأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فرغ ~~من صلاته»، ولأن ذلك كان قبل الشروع في الخطبة. # وقد بوب النسائي في «سننه الكبرى»: باب الصلاة قبل الخطبة، ثم أخرج عن ~~جابر قال: «جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على ~~المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له عليه الصلاة والسلام: «أركعت ~~ركعتين»؟ قال: لا، قال: «قم فاركعهما». وكذا يكره بعد الفراغ من خطبة ~~الجمعة إلى الشروع في الصلاة عند أبي حنيفة، خلافا لهما. # (ويكره النفل فقط) أي دون الفوائت، وسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة (بعد ~~الصبح) أي بعد طلوعه (إلا سنته وبعد أداء العصر إلى أداء المغرب). أما بعد ~~الصبح، فلما روى أحمد، وأبو داود، والترمذي، والدارقطني، من حديث يسار ~~مولى ابن عمر ، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة ~~بعد الصبح إلا ركعتين». ورواه الطبراني. وفي طريق آخر له: «بعد طلوع الفجر ~~إلا ms0150 ركعتي الفجر»، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا ~~صلاة بعد الفجر إلا سجدتين». رواه أبو داود. ولقول حفصة: «كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين»، رواه مسلم. # --- PageV01P204 ~~*** # قيل: وحكمة هذا النهي أن يصير الوقت كالمشغول بفرضه وما يتبعه، ولهذا كره ~~الكلام بين سنته وفرضه، إلا إذا كان كلام خير، فيظهر النهي في حق النفل، ~~وكل ما وجب بسبب عن المكلف كالمنذور، وقضاء النفل الذي شرع فيه ثم أفسده، ~~وركعتي الطواف. وروي: «أن عمر رضي الله عنه طاف بالبيت سبعا بعد الفجر ولم ~~يصل حتى خرج إلى ذي طوى، فصلى ركعتي الطواف بعد ما ارتفعت الشمس». # وأما كراهتها بعد أداء العصر، فلما روى الجماعة عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: «شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد ~~العصر حتى تغيب الشمس». ولقول علي رضي الله عنه: «كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يصلي دبر كل صلاة إلا الفجر والعصر». وتقول عائشة: «إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يصلي الصلاة إلا أتبعها ركعتين، غير العصر والغداة، ~~فإنه كان يعجل الركعتين قبلهما»، رواهما الطحاوي. # وساق في خصوص العصر روايات بطرق مختلفة، ثم قال: فقد جاءت الآثار عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم متواترة بالنهي عن الصلاة بعد العصر، وعمل بذلك ~~أصحابه من بعده، فلا ينبغي لأحد أن يخالف ذلك. ثم أسند إلى أبي سعيد الخدري ~~أنه قال: «أمرني عمر ابن الخطاب أن أضرب من كان يصلي بعد العصر الركعتين ~~بالدرة ». «وأن خالد بن الوليد كان يضرب الناس على الصلاة بعد العصر كعمر». ~~«وأن طاوسا سأل ابن عباس عن الركعتين بعد العصر، فنهاه وقال: {وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} ». # --- PageV01P205 ~~*** # ثم روى عن عائشة من طرق: «كان النبي صلى الله عليه وسلم ms0151 لا يدع الركعتين ~~عندي بعد العصر». (وفي رواية: «والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الركعتين عندي بعد العصر) قط»، ولفظ الصحيحين: «ما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين»، وفي لفظ للبخاري، عنها: ~~«والذي ذهب به، ما تركهما حتى لقي الله، وما لقي الله تعالى حتى ثقل عن ~~الصلاة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما، ولا يصليهما في المسجد ~~مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحب ما يخفف عنهم». # وأجاب بأن معاوية بن أبي سفيان لما أرسل إليها ليسألها عنهما، قالت: «لا ~~أدري سلوا أم سلمة». وبأن ابن عباس، وعبد الرحمن بن أزهر، والمسور بن مخرمة ~~لما أرسلوا كريبا يسألها عنهما قالت: «سل أم سلمة»، وبأنها قالت: «ليس عندي ~~صلاهما، ولكن أم سلمة حدثتني: أنه صلاهما عندها». فهذا يعارض ما قبله، فلا ~~يصح الاحتجاج به على عدم كراهتهما، كيف وقد كشفت هي مع أم سلمة عن حقيقة ~~أمرهما. أما هي فروى مسلم عن أبي سلمة: «أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما بعد العصر، فقالت: كان يصليهما ~~قبل العصر، ثم شغل عنهما، أو نسيهما، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما. وكان ~~إذا صلى صلاة أثبتها»، يعني داوم عليها. # --- PageV01P206 ~~*** # وروى أبو داود عن ذكوان مولى عائشة عنها: «أنها حدثته أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر، وينهى عنهما، ويواصل وينهى عن الوصال ~~». وأما أم سلمة فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنهما، ثم ~~رأيته يصليهما، فقيل له في ذلك فقال: «إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام ~~من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان». رواه ~~الشيخان والطحاوي، وفي لفظ له عنها أنها قالت: صلاهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عندي لم أره صلاهما قبل ولا بعد، فقلت يا رسول الله: ما سجدتان ~~رأيتك صليتهما بعد العصر، ما صليتهما قبل ولا بعد؟ فقال: «هما ms0152 سجدتان كنت ~~أصليهما بعد الظهر، فقدم علي قلائص من الصدقة، فنسيتهما حتى صليت العصر، ثم ~~ذكرتهما، فكرهت أن أصليهما في المسجد والناس يروني فصليتهما عندك»، وفي ~~رواية: قلت: يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: «لا». فعلم من هذا كله ~~أن قضاءهما، ثم استمرار فعلهما كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم فلا يحل ~~لأحد التشبه به مع نهيه عنهما، كما في سائر خصائصه. # وأما كراهتهما بعد الغروب قبل صلاة المغرب، فلما فيه من تأخير صلاة ~~المغرب. وعن الشافعية في الركعتين قبل المغرب وجهان: أشهرهما أنها لا ~~تستحب. وأصحهما: أنها تستحب، لما في «صحيح مسلم» عن مختار بن فلفل قال: ~~سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر، فقال: كان عمر يضرب الأيدي على ~~الصلاة بعد العصر، وكنا نصلي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ~~بعد غروب الشمس قبل المغرب، فقلت له: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصليهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا ولم ينهنا. # --- PageV01P207 ~~*** # ولما في البخاري أنه عليه الصلاة والسلام قال: «صلوا قبل صلاة المغرب». ~~ثم قال في الثالثة: «لمن شاء». خشية أن يتخذها الناس سنة، ولقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «بين كل أذانين صلاة». ثم قال في الثالثة: «لمن شاء». ~~ولقول أنس: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~يبتدرون السواري، فيركعون ركعتين (قبل المغرب)، حتى إن الرجل الغريب ليدخل ~~المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما. رواهما الشيخان. وفي ~~لفظ للبخاري: «حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك، يصلون ركعتين ~~قبل المغرب». وفيه أيضا عن مرثد بن عبد الله قال: أتيت عقبة بن عامر، فقلت: ~~ألا أعجبك من أبي تميم، ركع ركعتين قبل صلاة المغرب، فقال عقبة: إنا كنا ~~نفعله على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل. # ولنا ما في أبي داود، عن طاوس قال: «سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب. ~~فقال: ما ms0153 رأيت أحدا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما، ورخص في ~~الركعتين بعد العصر». وسكت عنه أبو داود والمنذري في «مختصره»، وهذا تصحيح ~~عندهما. وفي «سنن الدارقطني» ثم البيهقي: عن حيان بن عبيد الله العدوي: ~~حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«إن عند كل أذانين ركعتين، ما خلا المغرب». ورواه البزار في «مسنده» وقال: ~~لا نعلم رواه عن ابن بريدة إلا حيان بن عبيد الله، وهو رجل مشهور من أهل ~~البصرة، لا بأس به. # --- PageV01P208 ~~*** # وفي الطبراني عن جابر قال: «سألنا نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ~~رأيتن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الركعتين قبل المغرب؟ فقلن: لا، ~~غير أن أم سلمة قالت: صلاهما (عندي) مرة، فسألته ما هذه الصلاة؟ فقال: نسيت ~~الركعتين من قبل العصر فصليتهما الآن». وفي «آثار محمد بن الحسن»: أخبرنا ~~أبو حنيفة: حدثنا حماد بن سليمان: أنه سأل إبراهيم النخعي عن الصلاة قبل ~~المغرب؟ قال: فنهى عنها وقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ~~وعمر رضي الله عنهما لم يكونوا يصلونهما». # لكن لا يخفى أن هذا القدر لا يتم به، إذ عدم روايتهما لا يدل على ~~كراهتهما، كيف وقد جاء الأمر بهما، واستثناء المغرب مقدوح في صحته. فقد حكم ~~الفلاس على حيان بن عبيد الله بالكذب، وهو مقدم على قول البزار: لا بأس به. ~~كيف، وقد روى ابن المبارك، عن كهمس في هذا الحديث قال: «وكان ابن بريدة ~~يصلي قبل المغرب ركعتين». وروى حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد ~~الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صلوا قبل المغرب ~~ركعتين...» الحديث، رواه البخاري. # هذا، ويكره عندنا وعند الشافعي لمصلي ليل نام عن حزبه، أن يأتي به ما بين ~~طلوع الفجر وصلاته، وما بعدها إلى طلوع الشمس، لما تقدم. وأجازه مالك لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، ms0154 فقرأه فيما بين صلاة ~~الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل». قلنا: حقيقة اللفظ لا يدل عليه. # --- PageV01P209 ~~*** # (ومن هو أهل فرض في آخر وقته) بأن بلغ، أو أسلم آخر الوقت، أو طهرت لأكثر ~~الحيض أو النفاس، وقد بقي قدر التحريمة، أو طهرت لأقل من أكثره، وقد بقي ~~قدر التحريمة والغسل، (يقضيه) أي يقضي ذلك الفرض (فقط) أي لا يقضي غيره ~~فيه، لأن آخر الوقت هو المعتبر في السببية عند عدم الأداء في أول الوقت، ~~فمن كان أهلا فيه وجب عليه فرض ذلك الوقت، ومن لم يكن أهلا فيه سقط عنه. ~~وقال الشافعي وأحمد: إن كان ذلك الفرض صبحا، أو ظهرا، أو مغربا، يقضي ذلك ~~الفرض فقط، وإن كان عصرا أو عشاء، يقضي مع العصر الظهر، ومع العشاء المغرب. # وهذا بناء على أن وقت العصر والظهر واحد عندهما، وكذا المغرب والعشاء، ~~إلا أن المكلف أمر بالتفريق بينهما في الأداء، ألا ترى كيف قدمت العصر إلى ~~وقت الظهر في عرفة، وأخرت المغرب إلى وقت العشاء في المزدلفة، والتقديم ~~والتأخير عمدا لا يجوز، فعلم أن وقتهما واحد، وعندنا متعدد، قال الله ~~تعالى:{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}. وقد بينت السنة ~~المشهورة أوائل الأوقات وأواخرها. ومقتضاه أن تكون المكتوبات مع أوقاتها ~~خمسا لا ثلاثا، فيختص كل وقت بحكم، وسيأتي تمامه في محله. # (لا من حاضت) أي لا تقضي فرضا من حاضت، وكذا من نفست (فيه) أي في آخر ~~الوقت، مع تمكنها من الأداء في أول الوقت بقدر ما يسع الفرض، ولم تصل حتى ~~طرأ الحيض، لما قدمنا. # وأوجبه الشافعي، إذ الوجوب بالخطاب، وهو متوجه إلى المكلف من أول الوقت، ~~ولهذا يقع أداء إذا صلى فيه، ولو كان بآخره لوقع نفلا، فإذا ثبت الوجوب، لم ~~يبطل باعتراض الحيض، كما لو اعترض بعد الوقت. والله سبحانه وتعالى أعلم. # باب الأذان # --- PageV01P210 ~~*** # هو في اللغة: الإعلام. قال الله تعالى: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس} ~~الآية. وفي الشرع: الإعلام بدخول وقت الصلاة، بألفاظ مخصوصة معلومة. ms0155 وسبب ~~مشروعيته في السنة الأولى من الهجرة، وقيل: في السنة الثانية منها، لما روى ~~ابن سعد بسنده: عن نافع بن جبير، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب: أنهم ~~قالوا: «كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر ~~بالأذان، ينادي منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة جامعة، فتجتمع ~~الناس، فلما صرفت القبلة أمر بالأذان». ووجه الدلالة أن القبلة صرفت إلى ~~الكعبة في السنة الثانية. # وفي مسلم من حديث ابن عمر قال: «كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون ~~فيتحينون الصلاة، أي يقدرون حينها ليأتوا فيها إليها، وليس ينادي بها أحد، ~~فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال ~~بعضهم: قرنا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال قم فنادي بالصلاة». # قال القاضي عياض في «شرح مسلم»: ظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان ~~الشرعي، بل إخبار بحضور وقتها. قال النووي في شرحه: وهذا الذي قال محتمل أو ~~متعين، فقد صح عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه في «سنن أبي داود» وغيرها: ~~أنه رأى الأذان في المنام، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ~~بما رأى، فقال: «قم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن (به، فإنه أندى صوتا ~~منك، فقام مع بلال، فجعل يلقيه عليه ويؤذن)، فسمع عمر ذلك وهو في بيته ~~فجاء يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل ما أري...» الحديث. # --- PageV01P211 ~~*** # وهذا ظاهر في أنه كان في مجلس آخر، فيكون الواقع أولا الإعلام، ثم رأى ~~عبد الله بن زيد الأذان، فشرعه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، إما بوحي ~~له، وإما باجتهاده على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له، وليس عملا بمجرد ~~المنام، هذا مما لا شك فيه بين الأنام. انتهى. # والحاصل: أن الأذان ثابت بالكتاب، والسنة. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا}. # وأما السنة، ms0156 فما سبق من حديث عبد الله بن زيد، وهو رواية أبي داود، وابن ~~ماجه، والترمذي، وقال: حسن صحيح، إلا أنه لم يرو كلمات الأذان والإقامة، ~~وأبو داود روى بلا ترجيع في الأذان، وبالإفراد في الإقامة، وابن ماجه لم ~~يذكر فيه لفظ الإقامة، ورواه ابن حبان في «صحيحه» بتمامه. وقال الحاكم: لم ~~يخرجاه في الصحيحين لاختلاف الناقلين في أسانيده، ولكن تداوله بالقبول ~~فقهاء الإسلام، والعلماء الأعلام. # ثم التكبير في أول الأذان أربع عند الجمهور، لما روي من أذان الملك في ~~المنام، وموافقة رأيه عليه الصلاة والسلام. وقال مالك وأبو يوسف: إنه مرتان ~~لما في «صحيح مسلم»: «أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أبا محذورة الأذان: ~~الله أكبر الله أكبر مرتين»، قلنا: ورواه أبو داود، والنسائي، وذكر التكبير ~~في أوله أربعا، وإسناده صحيح، فيعمل بالزيادة باعتبار الأصل، وقبول زيادة الثقة. # --- PageV01P212 ~~*** # (سنة للفرائض) خبر مبتدأ مقدر وهو «هو»، ويجوز تنوين باب، على أنه خبر ~~هذا، ووقفه بالسكون أيضا، فيكون الأذان مبتدأ خبره سنة للفرائض، أي العينية ~~(فقط) أي لا للواجبات، كالعيدين، والوتر، ولا لفرض الكفاية، وهو الجنازة، ~~ولا للسنن كالتراويح. والإقامة تابعة للأذان. وقد روى مسلم عن جابر بن ~~سمرة: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيدين غير مرة ولا مرتين ~~بغير أذان ولا إقامة». وعن عائشة: «خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فبعث مناديا ب: الصلاة جامعة». رواه مسلم. # وفي الصحيحين: الأذان للجمعة، (من) حديث السائب بن يزيد، فهو بيان لقوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة}، ويعم المصلي ~~ولو كان منفردا، أداء أو قضاء، سفرا أو حضرا، بلا مشي وكلام فيهما، ولو كان ~~رد سلام لشبهة اتصال كلماتهما، واتحاد مكانهما. # وقيل: الأذان واجب لقول محمد: لو أن أهل البلدة أجمعوا على ترك الأذان ~~لقاتلتهم، ولو ترك واحد لضربته وحبسته. وأجيب بأن هذا لا يدل على الوجوب، ~~لأنه قال أيضا: لو ترك أهل بلدة سنة لقاتلتهم عليها، ولو تركها واحد ms0157 ~~لضربته. وبأن السنة إذا كانت من الشعائر يقاتل عليها، والأذان من الشعائر. ~~ومما يدل على أن الأذان ليس بواجب: أنه عليه الصلاة والسلام علم الأعرابي ~~الصلاة وما تتوقف عليه، ولم يذكر له الأذان. (في وقتها) أي أوقات الفرائض، ~~سواء كان وقتها لأدائها أو لقضائها. # --- PageV01P213 ~~*** # (ويعاد) أي الأذان (لو أذن قبله) أي قبل وقت الأداء لعدم الاعتداد بما ~~قبله. وقال مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو يوسف: يجوز الأذان للفجر وحده قبل ~~وقته في النصف الأخير من الليل، لما في الصحيحين عن ابن عمر: «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ~~ابن أم مكتوم». # ولنا ما روى مسلم من حديث عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان، ويخففهما». وما أخرجه الطحاوي والبيهقي ~~عن عبد الكريم الجزري، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة بنت عمر: «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا أذن المؤذن بالفجر، قام فصلى ركعتي الفجر، ثم ~~خرج إلى المسجد، فحرم الطعام، وكان لا يؤذن حتى يصبح». وعبد الكريم الجزري ~~قال فيه ابن معين، وابن المديني: ثبت، ثقة. وقال الثوري: ما رأيت مثله. # وروى أبو داود عن موسى بن إسماعيل، وداود بن شبيب قال: أخبرنا حماد، عن ~~أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قالا: «إن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام»، زاد موسى: ~~«فرجع فنادى». وروى البيهقي عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~له: «ما حملك على ذلك؟ قال: استيقظت وأنا وسنان، فظننت أن الفجر قد طلع، ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادي على نفسه: ألا إن العبد قد نام». # --- PageV01P214 ~~*** # وروى الدارقطني عن أبي يوسف القاضي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ~~أنس: «أن بلالا أذن قبل الفجر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصعد ~~فينادي: إن العبد قد نام، ففعل، وقال: ms0158 ليت بلالا لم تلده أمه، وابتل من نضح ~~دم جبينه». وفي رواية قال: «إن العبد قد نام» مرتين. لكن قال أبو داود: ~~ورواه الدراوردي: عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان لعمر مؤذن ~~يقال له: مسعود»، فذكر نحوه. قال: هذا أصح من ذاك. قلت: ولا يبعد تعدد ~~القضية. # وقد روى أبو داود أنه عليه الصلاة والسلام قال لبلال: «لا تؤذن حتى ~~يستبين لك الفجر هكذا»، ومد يده عرضا. وأعله البيهقي بالانقطاع، وهو غير ~~مضر عندنا، ويعضده ما رواه الطحاوي عن أبي ذر: أنه عليه الصلاة والسلام قال ~~لبلال: «إنك تؤذن إذا كان الفجر ساطعا، وليس ذلك الصبح، إنما الصبح هكذا ~~معترضا». وروى أبو داود بإسناد كل رجاله ثقات: أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~«يا بلال لا تؤذن حتى يطلع الفجر». وقال الطحاوي: حديث: «إن بلالا يؤذن ~~بليل»، على أن الأذان كان منه على ظن طلوع الفجر، ولم يصب في طلوعه». قال: ~~لما روينا عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لا يغرنكم أذان بلال، فإن ~~في بصره سوأ». # ولما روينا عن عائشة أنه عليه الصلاة والسلام قال: «بلال ينادي بليل، ~~فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم. # قالت: ولم يكن بينهما إلا مقدار ما ينزل هذا ويصعد هذا». قال: فلما كان ~~بين أذانيهما من القرب ما ذكرنا، ثبت أنهما كانا يقصدان طلوع الفجر، لكن ~~بلال يخطئه، وابن أم مكتوم يصيبه، لأنه لم يكن يؤذن حتى يقول له الجماعة: أصبحت. # --- PageV01P215 ~~*** # وفي «الإمام» لابن دقيق العيد: والتعارض بينهما لا يتحقق إلا بتقدير أن ~~يكون قوله: «إن بلالا يؤذن بليل» في سائر العام، وليس كذلك، وإنما كان ذلك ~~في رمضان، يعني بدليل قوله: «كلوا واشربوا». # والأظهر أن يقال: إن أذان بلال حينئذ كان للإعلام بوقت السحور والتهجد ~~ونحوهما، سواء كان بألفاظ الأذان أو بغيرها، على أنه إنما يتم الاستدلال به ~~لو اكتفى بالأذان الأول، ولم يقع ذلك أصلا. ثم رأيت البخاري ومسلما ~~والطحاوي أخرجوا عن ابن مسعود: أن النبي ms0159 صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنعن ~~أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن أو قال: ينادي بليل، ليرجع قائمكم، ~~وينتبه نائمكم» وذلك لأن الصحابة كانوا فرقتين: فرقة يتهجدون في النصف ~~الأول من الليل، وفرقة في النصف الأخير منه، وكان الفاصل أذان بلال، وإنما ~~كانت الصلاة بأذان ابن أم مكتوم. # ومما يدل على أن الأذان لم يكن مرتين ما رواه الأوزاعي، عن الزهري، عن ~~عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سكت المؤذن ~~بالأذان الأول من صلاة الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين، وأرادت بالأذان ~~الأول احترازا من الإقامة. # (ويترسل) أي يتمهل (فيه) أي في الأذان، بأن يفصل بين كل جملتين منه بسكتة ~~يسع فيه الإجابة. لما روى الترمذي والحاكم في «مستدركه». عن جابر: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر، ~~واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، ~~والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته». وروى الطبراني في «سننه» عن سويد بن غفلة ~~قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا ~~أن نترسل الأذان، ونحدر الإقامة. # --- PageV01P216 ~~*** # (مستقبلا) لما روينا من استقبال الملك بهما (وأصبعاه في أذنيه) لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «إذا أذنت فاجعل أصبعيك في أذنيك، فإنه أرفع لصوتك» ~~رواه الطبراني. ولما روى الحاكم في «المستدرك» عن سعد القرظ أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن يجعل أصبعيه في أذنيه، وقال: «إنه أرفع ~~لصوتك»، وسعد القرظ مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء، وسمي بذلك ~~لأنه كان يتجر في القرظ محركة، وهو: ورق السلم يدبغ به فربح فيه، فلزمه ~~فأضيف إليه: وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة مؤذنين غير سعد، ~~وهم: بلال، وابن أم مكتوم وأبو محذورة، وهو مؤذنه بمكة. # وأما قول صاحب «الهداية»: وإن لم يفعل، يعني جعل أصبعيه في أذنيه فحسن، ~~لأنها ليست بسنة أصلية، ففيه نظر، لما تقدم ms0160 من الأحاديث الصحيحة، مع لفظ الأمر. # (ولا يلحن) من باب التفعيل، أي لا يتغنى فيها، بأن نقص من الحروف، أو من ~~كيفياتها، وهي الحركات والسكنات، أو زاد في شيء منهما. وأما مجرد تحسين ~~الصوت فهو حسن. # روي أن رجلا جاء إلى ابن عمر فقال: إني أحبك في الله، فقال: إني أبغضك في ~~الله، قال: لم؟ قال: بلغني أنك تغني في أذانك. وفي «الخلاصة»: ولا بأس ~~بالتحسين من غير تغن، فإن تغنى بلحن أو مد، أو ما أشبه ذلك يكره، وكذا لو ~~قرأ القرآن. قال شمس الأئمة الحلواني: هذا في الأذكار، أي الوارد في ~~الأذان، وكذا في غيره من الأذكار. قال: فأما قوله: حي على الصلاة، حي على ~~الفلاح، فلا بأس بإدخال مد ونحوه فيه. انتهى. # وفيه بحث لا يخفى، ويستحب المبالغة في رفع الصوت المؤذن به، لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له ~~يوم القيامة». رواه البخاري. # --- PageV01P217 ~~*** # (ولا يرجع) بتشديد الجيم وكسرها بأن يقول الشهادتين بصوت خفي، ثم يقولهما ~~بصوت عال. وقال مالك والشافعي، وهو رواية عن أحمد: يرجع، لما روى أبو داود ~~عن أبي محذورة، قال: «قلت يا رسول الله: علمني سنة الأذان قال: تقول الله ~~أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، ~~أشهد أن محمدا رسول الله، وتخفض بهما صوتك، ثم ترفع صوتك بهما». # ولنا: أن حديث عبد الله بن زيد أصل الأذان، ولا ترجيع فيه. وقال أحمد بن ~~حنبل: وهو آخر الأمرين، قيل له: إن أذان أبي محذورة بعد فتح مكة، قال: أليس ~~قد رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأقر بلالا على أذان عبد الله ~~بن زيد. # وروى الطبراني في «الأوسط» عن إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي ~~محذورة قال: سمعت جدي عبد الملك بن أبي محذورة يقول: سمعت أبي أبا محذورة ~~يقول: ألقي على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان حرفا حرفا، ms0161 الله أكبر، ~~الله أكبر... إلى آخره، ولم يذكر فيه ترجيعا. وأما ما قيل: إن بلالا رجع، ~~فلم يصح، وعدم الترجيع في أذان غير أبي محذورة دليل على عدم كونه من أجزاء ~~الأذان، أو أنه من خصائصه لأمر قام به من عدم رفع صوته أولا، أو على نسخه، ~~ودوامه عليه للتبرك به، فإذا تعارضا تساقطا، وترجح رواية عدمه. # --- PageV01P218 ~~*** # (ويحول) أي يدير (وجهه) أي لا قدميه ولا صدره (في الحيعلتين) أي عند ~~قوله: حي على الصلاة وحي على الفلاح (يمنة ويسرة) بفتح أولهما بأن يقول: حي ~~على الصلاة مرتين في اليمين، وحي على الفلاح في اليسار مرتين، لما روى ~~الدارقطني في «أفراده» من حديث سويد بن غفلة عن بلال قال: أمرنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا أذنا أو أقمنا أن لا نزيل أقدامنا عن مواضعها. ولما ~~روى الجماعة من حديث أبي جحيفة: أنه رأى بلالا يؤذن قال: فجعلت أتتبع فاه ~~ههنا وههنا بالأذان، يقول يمينا وشمالا: حي على الصلاة، حي على الفلاح. # ولما في «مسند الإمام إسحاق بن راهويه»: أخبرنا أبو معاوية: حدثنا ~~الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، جاء عبد الله بن زيد ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيت رجلا نزل من ~~السماء فقام على جذم حائط، فاستقبل القبلة وقال: الله أكبر، الله أكبر، ~~أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين، ثم قال عن ~~يمينه: حي على الصلاة مرتين، ثم قال عن يساره: حي على الفلاح مرتين، ثم ~~استقبل القبلة، فقال: ألله أكبر، ألله أكبر، لا إله إلا الله، ثم قعد قعدة، ~~ثم قام فاستقبل القبلة، ففعل ذلك، وقال: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. # (وإن لم يتم الإعلام) أي بتحويل وجهه مع الثبات في محله (يستدير) أي ~~لتمام الإعلام (في المئذنة) بكسر الميم وسكون الهمزة، ويبدل موضع الأذان من ~~المنارة وغيرها، ولم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم منارة. ms0162 فقد روى أبو ~~داود من حديث عروة بن الزبير عن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من ~~أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يأتي بسحر يجلس عليه، فينظر إلى الفجر، ~~فإذا رآه أذن. # --- PageV01P219 ~~*** # (والإقامة مثله) أي مثل الأذان في كونه سنة الفرائض، وفي عدد كلماته وفي ~~ترتيبها، لما روى الترمذي عن عبد الله بن زيد أنه قال: كان أذان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شفعا شفعا، في الأذان والإقامة. ولما روى الترمذي وقال: ~~حسن صحيح، عن أبي محذورة قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان ~~تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، وإنما قال: تسع عشرة كلمة لأجل ~~الترجيع، وقد سبق الكلام عليه. # وروى الطحاوي والبيهقي في «الخلافيات» عن أبي العميس قال: سمعت عبد الله ~~بن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري يحدث عن أبيه عن جده: أنه رأى الأذان ~~يعني في المنام مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى، قال: فأتيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبرته، فقال علمهن بلالا، قال: فتقدمت فأمرني أن أقيم فأقمت. ~~وعن مالك: أن الإقامة فرض، وعلى من تركها الإعادة، وهو قول الأوزاعي وعطاء ~~ومجاهد وابن أبي ليلى وأهل الظاهر، لأنه عليه الصلاة والسلام أمر الأعرابي ~~بها كما أمره بالتكبير والاستقبال. # (لكن يحدر) بضم الدال وبالكسر أي يسرع (فيها) أي في كلمات الإقامة من غير ~~سكتة بينها لما روينا، (ويزاد) على ألفاظ الأذان: (قد قامت الصلاة مرتين) ~~لحديث أبي محذورة السابق. # --- PageV01P220 ~~*** # (و) يزاد (في الأذان بعد الفلاح في الفجر: الصلاة خير من النوم مرتين)، ~~لما روى أبو داود في «سننه» في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة ~~الأذان قال: فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من ~~النوم. ولما في «معجم الطبراني» عن عائشة قالت: جاء بلال إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يؤذنه بصلاة الصبح، فوجده نائما فقال: الصلاة خير من النوم. ~~فأقرت في أذان الصبح، وفي رواية: فقال النبي صلى الله عليه وسلم ms0163 «ما أحسن ~~هذا يا بلال، اجعله في أذانك»، وزاد في أخرى: «إذا أذنت للصبح»، فجعل بلال ~~يقولها إذا أذن للصبح. # ثم اعلم أن الشافعي شفع معنا في الإقامة «قد قامت الصلاة» وحدها، وأفرد ~~البواقي، لما في البخاري وأبي داود والطحاوي: أمر بلالا أن يشفع الأذان، ~~ويوتر الإقامة إلا الإقامة. # وأفردها مالك كلها لما في الدارقطني عن عبد الملك بن أبي محذورة أنه سمع ~~أباه يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يشفع الأذان ويوتر ~~الإقامة.، وعن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: كان الأذان على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى، والإقامة فرادى. وهكذا رواه ~~أبو داود والنسائي والطحاوي عن ابن عمر، غير أنه قال في الأذان: مرتين ~~مرتين، وفي الإقامة: مرة مرة. # --- PageV01P221 ~~*** # ولنا ما في «مصنف ابن أبي شيبة» قال: حدثنا وكيع: حدثنا الأعمش، عن عمرو ~~بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم «أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رجلا قام وعليه بردان أخضران، فقام على ~~حائط، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى». وهؤلاء كلهم رجال الصحيحين. وقال ~~الطحاوي: «فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة فيما بينهما». وزاد في سنن أبي ~~داود: «فاستقبل القبلة». # والجواب عن الأمر بإيتارها: لأنها من باب الاختصار في بعض الأحوال تعليما ~~للجواز، لا يستمر سنة، بدليل ما روى الطحاوي وابن الجوزي: أن بلالا كان ~~يثني الإقامة إلى أن مات، وبأن إبراهيم النخعي قال: كانت الإقامة مثل ~~الأذان حتى كان هؤلاء الملوك، فجعلوها واحدة واحدة للسرعة إذا خرجوا يعني ~~بني أمية . # (ولا يتكلم) بصيغة المجهول (فيهما) أي في الأذان والإقامة لأنه ذكر معظم ~~كالخطبة. # وفي «الخلاصة»: رجل سلم على المؤذن في أذانه، أو عطس وحمد الله وسمعه ~~المؤذن، أو سلم على المصلي، أو على قارىء القرآن، أو على الإمام وقت ~~الخطبة. فعن أبي ms0164 حنيفة: يرد السلام ويشمت في نفسه. وعن محمد: يرد بعد ~~الفراغ. وعن أبي يوسف: لا يرد في نفسه ولا بعد الفراغ، وهو الصحيح، يعني ~~عدم لزومه فلا تنافي. واتفقوا على أن المتغوط لا يلزمه الرد قبل الفراغ ~~ولا بعده. انتهى. # --- PageV01P222 ~~*** # ولا يخفى أن الأفضل أنه يرده بعده، لحديث ورد بذلك. ويستحب إجابة المؤذن ~~باللسان، فيمسك عن التلاوة، وغيرها، في المسجد وغيره، ويقول السامع مثل ~~المؤذن في التكبير والشهادتين، ويحوقل في الحيعلتين، لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا سمع المؤذن قال مثل ما قال، وإذا قال: حي على الصلاة، حي ~~على الفلاح، قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». رواه مسلم. ~~وإذا قال: الصلاة خير من النوم في أذان الفجر قال: «صدقت وبررت، وبالحق ~~نطقت»، لورود الخبر هكذا. # ثم دعا بعد الفراغ بالوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى ~~علي صلاة، صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة ~~في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل ~~الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة». رواه مسلم. ولقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت ~~محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي ~~يوم القيامة». رواه البخاري. # --- PageV01P223 ~~*** # ولقوله عليه الصلاة والسلام: «من قال حين يسمع الأذان: وأنا أشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، ~~وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، غفر له ذنوبه». رواه ~~مسلم وغيره. ولما حكى ابن عمر: أن رجلا قال: يا رسول الله إن المؤذنين ~~يفضلوننا فقال عليه الصلاة والسلام: «قل ما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعطه». ~~رواه أبو داود والنسائي. وأجاب الأذان الأول إن تكرر وإن كان في غير مسجده، ~~لأنه حيث سمعه ms0165 ندب له أن يجيبه لتحقق السبب في حقه، فصار كتعدده في مسجده. # (والتثويب) وهو الإعلام بالصلاة بين الأذان والإقامة بحسب ما تعارفه أهل ~~كل بلد من لفظه (حسن) في كل صلاة لتواني الناس في الأمور الدينية. وقال ~~أصحابنا المتقدمون: إنه مكروه في غير الفجر، لما روى الترمذي وابن ماجه من ~~حديث ابن أبي ليلى عن بلال قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ~~أثوب في شيء من الصلاة إلا في الفجر. # قال أصحابنا: هو أن يقول بين الأذان والإقامة: حي على الصلاة، حي على ~~الفلاح مرتين: وقال غيرهم: هو أن يقول في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم ~~مرتين، ولما روي أن عليا رضي الله عنه رأى مؤذنا يثوب في العشاء، قال: ~~أخرجوا هذا المبتدع من المسجد. وكذا كرهه مالك والشافعي مطلقا. # (ويجلس) أي يمكث (بينهما) أي بين الأذان والإقامة لما سبق من الحديث، ~~(إلا في المغرب) فلا يجلس بين أذانها وإقامتها عند أبي حنيفة لاستلزامه ~~تأخير المغرب، وقالا: يجلس جلسة خفيفة كما في سائر الصلوات. وهذا أوفق ~~لإطلاق الحديث. # --- PageV01P224 ~~*** # ويستحب أن يكون المؤذن صالحا لقوله عليه الصلاة والسلام: «ليؤذن لكم ~~خياركم، وليؤمكم أقرؤكم». رواه أبو داود وابن ماجه. وأن يكون عالما ~~بالأوقات لقوله عليه الصلاة والسلام: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ~~أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين». رواه أبو داود. # (ويؤذن للفائتة ويقيم) لما روى أبو داود عن عمران بن حصين: «أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان في مسير له فناموا عن صلاة الفجر، فاستيقظوا بحر ~~الشمس، فارتفعوا قليلا حتى استقلت الشمس، ثم أمر مؤذنا فأذن، فصلى ركعتين ~~قبل الفجر، ثم صلى الفجر بإقامته وفق عادته». وفي رواية لأبي داود عن أبي ~~هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم ~~فيه الغفلة»، وأمر بلالا فأذن وأقام فصلى. # --- PageV01P225 ~~*** # وفي رواية البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري قال: «سرنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة فقال القوم: لو عرست أي نزلت بنا يا ms0166 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: أخاف أن تناموا عن الصلاة، فقال بلال: أنا أوقظكم، ~~فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه فنام فاستيقظ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال أين ما قلت؟. ~~قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط، قال: إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها ~~عليكم حين شاء، يا بلال قم فأذن بالناس للصلاة، فتوضأ فلما ارتفعت الشمس ~~وابيضت، قام فصلى». وفي سياق مسلم: «ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ركعتين ثم صلى الغداة، فصنع كما يصنع كل يوم». وفيه: «ليس ~~في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى». # (وكذا) أي يؤذن ويقيم (لأولى الفوائت) لما سبق (ولكل من البواقي يأتي ~~بهما) أي بالأذان والإقامة، ليكون القضاء على وفق الأداء (أو) يأتي (بها) ~~أي بالإقامة (وحدها) لأن الأذان للاستحضار وهم حضور، ولقول ابن مسعود: «إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فاته يوم الخندق أربع صلوات، حتى ذهب ما شاء الله ~~من الليل، فأمر بلالا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم ~~أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء». رواه الترمذي. # --- PageV01P226 ~~*** # (وكره إقامة المحدث) لأن الإقامة لم تشرع إلا متصلة بصلاة من يقيم (لا ~~أذانه) أي لا يكره أذان المحدث لأنه ذكر يستحب فيه الطهارة، فلا يكره ~~بدونها كقراءة القرآن، وقيل يكره، لما روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يؤذن إلا متوضىء». (ولم تعد) أي الإقامة ~~لأن تكريرها غير مشروع. # (وكرها) أي الأذان والإقامة (من الجنب، ولا تعاد هي) أي الإقامة من الجنب ~~لما سبق (بل يعاد) أي استحبابا (هو) أي الأذان لأن تكريره في الشرع معتبر ~~في الجمعة، فإن الأذان الأول شرع في زمان عثمان، ولأن الأذان لإعلام ~~الغائبين، فتكريره مفيد لاحتمال عدم سماع البعض. # (كأذان المرأة) أي كما كره أذان المرأة واستحب إعادته، أما كراهة أذانها، ms0167 ~~فلأنها منهية عن رفع صوتها، وأما استحباب إعادته فليقع على الوجه المسنون. ~~وسن الشافعي الإقامة للنساء اعتبارا لهن بالرجال. # قلت: روي عن أنس وابن عمر: كراهتهما لهن. # (والمجنون) عطف على الجنب، أي وكرها من المجنون، وكان حقه أن يقول: «ومن ~~المجنون» لئلا يتوهم عطفه على المرأة. (والسكران) لعدم الوثوق بقولهما ~~ولفقد تميزهما، فيتعين إعادة أذانهما وإقامتهما، وكذا يعاد أذان الصبي الذي ~~لا يعقل كما صرح به قاضيخان. # --- PageV01P227 ~~*** # (وكره تركهما) أي الأذان والإقامة جميعا (في السفر) لما روى الجماعة عن ~~مالك بن الحويرث قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وصاحب لي وفي ~~رواية: وابن عم لي، وفي رواية : وكنا متقاربين في القراءة ، فلما أردنا ~~الانصراف قال لنا: إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما». أي ليؤذن وليقم أحدكما ~~وليؤمكما أكبركما أي سنا أو رتبة ، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا كان ~~الرجل بأرض قفر فحانت الصلاة، فليتوضأ، فإن لم يجد فليتيمم، فإن أقام صلى ~~معه ملكان، وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه». رواه ~~عبد الرزاق. # ولقول علي: المسافر بالخيار، إن شاء أذن وأقام، وإن شاء أقام ولم يؤذن. # وأما قول صاحب «الهداية» لقوله: عليه الصلاة والسلام لابني أبي مليكة: ~~«إذا سافرتما أذنا وأقيما»، فقوله: لابني أبي مليكة، غلط، والصواب: مالك بن ~~الحويرث وابن عم له، كما تقدم. والله تعالى أعلم. # وفي «الظهيرية»: لو ترك في السفر الأذان وحده لم يكره، ولو ترك الإقامة ~~وحدها كره، لأن الأذان لإعلام الغائبين، والرفقة حاضرون، والإقامة لإعلام ~~افتتاح الصلاة، وهم محتاجون إلى ذلك. # --- PageV01P228 ~~*** # (و) في (جماعة المسجد) أي: وكذا كره تركهما في مسجد جماعة، وكذا ترك واحد ~~منهما لأن كل واحد منهما سنة مؤكدة فيها، (لا في بيته) أي لا يكره تركهما ~~لمصل في بيته (في مصر) أي إذا فعلا في مسجد محلته، لأنهم لما نصبوا مؤذنا، ~~صار فعله كفعلهم حكما، كما يشير إليه ابن مسعود حين صلى بعلقمة والأسود في ~~داره بلا أذان ولا إقامة، حيث قال: أذان الحي ms0168 يكفينا، رواه الأثرم، حكاه ~~سبط ابن الجوزي وغيره.(وفي رواية: إقامة المصر تكفينا). # وفي رواية: «أن الأسود وعلقمة كانا مع عبد الله في الدار فقال عبد الله: ~~أصلى هؤلاء؟ قالوا: نعم، قال: فصلى بهم بغير أذان ولا إقامة». رواهما ~~الطبراني. # ولا يكره عندنا إقامة غير المؤذن برضاه، وبه قال مالك وكرهها الشافعي. ~~أما لو لم يحضر فلا يكره اتفاقا. له ما رواه أبو داود والطحاوي عن زياد بن ~~الحارث الصدائي واللفظ للطحاوي، قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلما كان أذان الصبح، أمرني فأذنت، ثم قام إلى الصلاة، فجاء بلال ليقيم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم». # ولنا ما روياه أيضا عن عبد الله بن زيد واللفظ له أيضا قال: «أتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته كيف رأيت الأذان فقال: ألقه على بلال ~~فإنه أندى صوتا منك، فلما أذن بلال ندم عبد الله، فأمره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يقيم». ولفظ أبي داود: «أنا رأيته وإني كنت أريده، قال: فأقم ~~أنت». وأجيب بأنه إنما أراد به تطييب قلبه لفوات إرادته، أو تعليما للجواز. # --- PageV01P229 ~~*** # قلنا: وإنما منع بلالا منها لعدم رضاء الصدائي بإقامة غيره، لما في أبي ~~داود من قوله: «فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق ~~إلى الفجر فيقول: لا، حتى إذا طلع الفجر أي أسفر نزل فتبرز...» الحديث. ~~ولأن الكراهة ليست لعين الذكرين بدليل عدمها عند غيبته، بل للوحشة بين ~~الذاكرين، فتنتفي بانتفائها. نعم، الأفضل أن يكون المؤذن هو المقيم. # (ويقوم الإمام) والقوم (عند) قول المقيم (حي على الصلاة) لأنه أمر ~~بالإقبال عليها، فيستحب المسارعة إليها. (ويشرع) أي الإمام والقوم معه ~~(عند) قول المقيم (قد قامت الصلاة) في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند الفراغ من ~~الإقامة في قول أبي يوسف. # والمعنى: إذا فرغ المؤذن من قوله: قد قامت الصلاة، شرع الإمام. في ~~«الخلاصة»: هذا هو الأصح، وقيل: معناه أنه شرع فيها قبل ms0169 تمام هذا القول. ~~وفي «المحيط»: قال الإمام الحلواني: هذا هو الصحيح. وذكر في «الخزانة»: أنه ~~لو لم يشرع حتى فرغ من الأقامة فلا بأس به. والكلام في الاستحباب لا في ~~الجواز. انتهى. # والجمهور على قول أبي يوسف ليدرك المؤذن أول صلاة الإمام، وعليه عمل أهل ~~الحرمين، والله تعالى أعلم. # وعند مالك والشافعي: يؤخر الشروع إلى الفراغ من الإقامة واستواء الصفوف، ~~لقول النعمان بن بشير: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا إذا ~~قمنا إلى الصلاة، فإذا استوينا كبر». ولقول أنس: «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول عن يمينه: اعتدلوا، سووا صفوفكم، وعن يساره: اعتدلوا، سووا ~~صفوفكم». رواهما أبو داود. # --- PageV01P230 ~~*** # هذا، ويكره للمؤذن أخذ الأجرة لما روي عن عثمان بن أبي العاص قال: «يا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم واقتد ~~بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا». رواه أبو داود بسند حسن. ~~ولأنه أجرة على الطاعة وهي غير جائزة، وكذا أخذ الأجرة على الحج وتعليم ~~القرآن والفقه، ولكن المتأخرين جوزوا على التعليم والإمامة في زماننا لحاجة ~~الناس وظهور التواني في الأمور الدينية، وعليه الفتوى. والله تعالى أعلم. # باب شروط الصلاة # أي ما يتوقف صحة الصلاة على تحققها، ولم تكن داخلة في حقيقتها المسماة ~~بأركانها (طهر بدن المصلي) أي منها، أو أحدها، أو هي، والربط بعد العطف، ~~ويجوز أن يكون الباب هنا أيضا بالتنوين، أو بالوقف كما مر، وإنما لم يذكر ~~الوقت فيها لأنه ليس بشرط للصلاة نفسها، وإنما هو شرط لصحة أدائها دون ~~قضائها. وذكر التحريمة في باب صفة الصلاة لكونها متصلة بأركانها، وإن كانت ~~شرطا عندنا خلافا للشافعي ومحمد من أصحابنا. # (من حدث) أي مطلقا لقوله تعالى {إذا قمتم إلى الصلاة} الآية، ولقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لا وضوء له». رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه ~~والحاكم عن أبي هريرة. ولقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة ~~أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». رواه الشيخان وأبو ms0170 داود والترمذي عن أبي هريرة. # --- PageV01P231 ~~*** # (وخبث) أي مانع من الصلاة (وثوبه) عطف على بدن المصلي (ومكانه) أي لقوله ~~تعالى: {وثيابك فطهر} وإذا وجب تطهير ثياب المصلي، وجب تطهير بدنه ومكانه، ~~لأنهما ألزم له من ثوبه لعدم وجود الصلاة بدونهما بخلافه، وذلك أن الصلاة ~~مناجاة الرب في مقام القرب، فيجب أن يكون المصلي على أحسن الأحوال في ~~طهارته وطهارة ما يتصل به، فمتى ما وجب تطهير ثيابه مع تصور انفكاكه عنها، ~~فلأن يجب عليه تطهيرهما مع أنهما لا ينفكان عنها أولى. وقيل: هو أمر ~~بتقصيرها، ومخالفة العرب في تطويلهم الثياب، وجرهم الذيول، وذلك لا يؤمن ~~معه إصابة النجاسة. # وفي «المحيط»: ولو صلى على مكان طاهر إلا أنه إذا سجد تقع ثيابه على أرض ~~نجسة، جازت صلاته. # وفي «الأصل»: إذا كانت في موضع قدمي المصلي منعت جواز الصلاة، وإن كانت ~~تحت قدم واحد أكثر من قدر الدرهم، الأصح: أنها تمنع، وإن جازت الصلاة مع ~~رفعها، ولا يجعل كأنها لم توضع عليها. ألا ترى أنه لو سجد على مكان نجس ~~تفسد وإن أعاده على طاهر خلافا لأبي يوسف، وقيل: لا يمنع بناء على إمكان ~~القيام في الصلاة بأحدهما، وأما إن كانت النجاسة في موضع يديه أو ركبتيه ~~فلا تمنع، وإن كانت في موضع سجوده تمنع (عندهما، وعن أبي حنيفة روايتان: ~~المنع وعدمه، وهو بناء على رواية الاكتفاء في السجود بالأنف)، وهو أقل من ~~قدر الدرهم. # وفي «عمدة الفتاوى»: أن موضع الركبتين إذا كان نجسا لا يجوز الصلاة، وكذا ~~في موضع اليدين، وهو اختيار أبي الليث وتصحيحه في «العيون»، لتحقق التلبس ~~بالنجاسة عند وضعهما عليها. والحكم بجواز الصلاة بدون وضعهما ينكره أبو ~~الليث لأنا أمرنا بالسجود على سبعة أعضاء. # --- PageV01P232 ~~*** # (وستر عورته) عطف على «طهر بدن المصلي»، وذلك للإجماع على افتراضه في ~~الصلاة لما نقله غير واحد من أئمة النقل، ومخالفة بعض متأخري المالكية ~~كالقاضي إسماعيل بعد تقرر الإجماع لا يجوز، ويحتمل أن يكون سند الإجماع ~~قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله تعالى صلاة ms0171 حائض إلا بخمار». رواه ~~أبو داود والترمذي، وحسنه الحاكم وصححه. والمراد بالحائض: البالغة، أو من ~~شأنها الحيض لتعم المراهقة. # واستدل في «الهداية» وغيرها بقوله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} أي ~~ما يواري عورتكم عند كل صلاة، لأن أخذ الزينة نفسها وهي عرض محال فأريد ~~محلها وهو الثوب ، ولا يجب أخذ الزينة لعين المسجد فدل أنه للصلاة، لكن ~~كنى عن الصلاة بالمسجد. فالأول من إطلاق اسم الحال على المحل، والثاني عكسه. # فإن قيل: روي عن ابن عباس: أنها نزلت في شأن الطائفين عراة لا في حق ~~الصلاة، أجيب: بأن العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعند كل مسجد عام، ~~فلا يختص بالمسجد الحرام، وفيه بحث إذ الستر في الطواف واجب عندنا حتى لو ~~طاف عريانا أثم وحكم بسقوطه، وفي الصلاة فرض حتى لا تصح بدونه. ولا يمكن أن ~~يرادا من الآية لاستلزامها الجمع بين المعنى الحقيقي والمجازي معا، لأنها ~~إن كانت قطعية الدلالة فموجبها الافتراض، وإن كانت ظنية فالوجوب فقط. ومنهم ~~من أخذ منها قطعية الثبوت، ومن حديث: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» ~~قطعية الدلالة، فيثبت الفرض بالمجموع، والله تعالى أعلم. # --- PageV01P233 ~~*** # وفي «الخلاصة»: لو صلى في قميص واحد محلول الجيب: إن كان بحال يقع بصره ~~على عورته لا تجوز صلاته، وكذا لو كان بحال يقع بصر غيره عليه من غير تكلف. ~~كذا ذكره هشام عن محمد. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: إن عورة الشخص ليست بعورة ~~في حقه. قلت: وهذا ضعيف جدا للإجماع على بطلان من صلى صلاة في بيت وحده أو ~~في ظلمة من غير ستر عورة إذا لم يكن عن عذر. # (واستقبال القبلة) أي حال الأمن والقدرة لقوله تعالى: {فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} أي إلى جانبه عينا أو جهة. ~~قال بعض العارفين: قبلة البشر الكعبة، وقبلة أهل السماء البيت المعمور، ~~وقبلة الكروبيين الكرسي، وقبلة حملة العرش العرش، ومطلوب الكل وجه الله ~~تعالى، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {فأينما تولوا فثم ms0172 وجه الله}. # واتفق العلماء على أنه عليه الصلاة والسلام صلى بالمدينة إلى بيت المقدس، ~~ثم تحول إلى الكعبة. والصحيح أنه صلى إليه سبعة عشر شهرا، واختلفوا كيف ~~كانت صلاته قبل ذلك، فعن ابن عباس: فرض الله تعالى الصلاة ليلة الإسراء إلى ~~بيت المقدس ركعتين ركعتين، والمغرب ثلاثا، فكان عليه الصلاة والسلام يصلي ~~إلى الكعبة، ووجه إلى بيت المقدس، ثم زيد في الصلاة بالمدينة حين صرف إلى ~~الكعبة ركعتان إلا المغرب. وعن ابن جريج: «أول ما صلى عليه الصلاة والسلام ~~إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس يعني قبل الهجرة فصلت الأنصار قبل ~~قدومه بثلاث نحو بيت المقدس، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد قدومه ستة ~~عشر شهرا». # --- PageV01P234 ~~*** # وروى أبو داود: «أن يهوديا خاصم أبا العالية في القبلة، فقال أبو ~~العالية: إن موسى كان يصلي عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام، فكانت الكعبة ~~قبلته، وكانت الصخرة بين يديه، فقال اليهودي: بيني وبينك مسجد صالح، قال ~~أبو العالية: فأنا صليت في مسجد صالح وقبلته إلى الكعبة. وأخبر أبو العالية ~~أنه صلى في مسجد ذي القرنين وقبلته إلى الكعبة». # (والنية) لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} ~~والإخلاص لا يكون إلا بالنية، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال ~~بالنيات». روي في الكتب الستة ب: «إنما»، وفي صحيح ابن حبان بدونها، وروي ~~بإفراد النية وحدها ، وبإفراد العمل وحده، وبإفراد كليهما، وكلها صحاح، وقد ~~بسطنا الكلام عليه في «المرقاة شرح المشكاة». # ومن شروط الصلاة: الوقت، وقد تقدم. # (وعورة الرجل) مبتدأ خبره (من تحت سرته إلى تحت ركبتيه) لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل من السرة من ~~العورة». رواه الدارقطني من حديث أبي أيوب، وروى عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، ~~عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مروا صبيانكم بالصلاة في ~~سبع سنين، واضربوهم عليها في عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع، وإذا زوج ~~أحدكم أمته عبده أو أجيره، فلا ينظر إلى ما دون ms0173 السرة وفوق الركبة، فإن ما ~~تحت السرة إلى الركبة من العورة». ورواه أحمد ولفظه: «ما أسفل من سرته إلى ~~ركبتيه من عورته». وقيل: ابتداء العورة من السرة لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «السرة من العورة». رواه البيهقي في «الخلافيات». وأخرج الشافعي: ~~«الركبة من العورة» لما روينا. # --- PageV01P235 ~~*** # ولنا ما في سنن الدارقطني عن علي رضي الله عنه: أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال: «الركبة من العورة» وقصر مالك العورة على السوأتين وهما: القبل والدبر ~~لظاهر قول أنس: «لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر صلينا عندهما ~~صلاة الغداة بغلس، وركب النبي صلى الله عليه وسلم وركب أبو طلحة وأنا ~~رديفه، فأجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر، ثم انحسر الإزار ~~عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ النبي صلى الله عليه وسلم. والقصة في ~~«الصحيحين». ولقول عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في ~~بيته كاشفا عن فخذه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال، ~~فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسوى عليه ثيابه» الحديث. # قلنا يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم غطى فخذه بسرعة لما انكشف. وترديد ~~الراوي في الحديث الثاني بين فخذه وساقه يمنع تمام الاستدلال به. وعلى ~~التنزل يحمل الكشف على جانبها دون جانبهما، أو على طرف فخذه وهو الركبة ~~والساق، كما يشير إليه شك الراوي. ومما يؤيد الجمهور قوله عليه الصلاة ~~والسلام: «الفخذ عورة». رواه الترمذي عن ابن عباس وغيره. وقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت». رواه أبو داود وابن ~~ماجه والحاكم في «مستدركه» عن علي كرم الله وجهه. # --- PageV01P236 ~~*** # (والأمة) أي وعورة الأمة ولو كانت مدبرة، أو أم ولد، أو مكاتبة. (هذا) أي ~~ما ذكر: من تحت (السرة إلى تحت) الركبة (مع ظهرها وبطنها) لأن النظر إليهما ~~سبب للفتنة بها، وما عدا ذلك منها فليس بعورة ms0174 فيها، لما في «آثار محمد بن ~~الحسن»: أخبرنا أبو حنيفة: عن حماد بن سليمان، عن إبراهيم النخعي: «أن عمر ~~بن الخطاب كان يضرب الإماء أن يتقنعن، ويقول: لا تشبهن بالحرائر». وفي ~~«مصنف عبد الرزاق»: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس: «أن عمر ضرب أمة لآل ~~أنس رآها متقنعة، فقال: اكشفي رأسك لا تتشبهي بالحرائر». وأصله قوله تعالى: ~~{يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ~~ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين}. # (والحرة) أي وعورة الحرة (بدنها) أي جميع أعضائها لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «المرأة عورة». رواه الترمذي وصححه، وفي رواية النسائي: «الحرة». # (إلا الوجه والكف والقدم) لقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها} أي إلا ما جرت به العادة على ظهورها للأجانب من الوجه والكف والقدم، ~~إذ من ضرورة إبداء الزينة إبداء مواضعها، والكحل زينة الوجه، والخاتم زينة ~~الكف، ولأن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها. ومن الحاجة إلى ~~كشف وجهها خصوصا: الشهادة والمحاكمة، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور ~~قدميها خصوصا الفقيرات. وعن أبي حنيفة: أن القدم عورة، وبه قال الشافعي لما ~~روي: «أن أم سلمة قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أتصلي المرأة في درع ~~وخمار وليس لها إزار؟ قال: إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها». # --- PageV01P237 ~~*** # (وكشف ربع العضو) أي أي عضو كان (يمنع) أي صحة (الصلاة) ولا تفسد الصلاة ~~عندنا بانكشاف القليل من العورة في زمن كثير، وهو ما يؤدى فيه ركن كعكسه: ~~وهو أن ينكشف منها كثير في زمن يسير، كما لو هبت الريح فكشفت عورته، فتدارك ~~سترها في الحال. وأفسدها مالك والشافعي، لأن الستر شرط صحة الصلاة مطلقا ~~ولم يوجد. ولنا اعتبارها بالوفاقية، بجامع الضرورة. # (والساق) أي ساق الحرة (عضو) أي كامل (وحده) وهو من عورتها فيمنع انكشاف ~~ربعه الصحة (كالفخذ) أي من الرجل والمرأة، والركبة من الفخذ، وقيل: عضو منفرد. # (والذكر) عطف على الفخذ دون الساق لقوله بعد هذا والأنثيين بالجر ~~(منفردا) احترز به ms0175 عن قول بعضهم: أن الذكر مع الأنثيين عضو واحد ~~(والأنثيين) أي منفردين كما في الدية. وأذنها عورة بانفرادها، وأما ثديها ~~فإن كان مرتفعا تبع صدرها، وإن كان منكسرا صار أصلا بنفسه. وكل من الأليتين ~~عضو على حدة، والدبر ثالثهما في الصحيح. # وبهذا تبين أنه لا فرق بين العورة الغليظة وهي: القبل والدبر، وبين ~~العورة الخفيفة وهي: غيرهما من موضع العورة في حق الانكشاف المانع وغير ~~المانع في صحة الصلاة وفسادها، وهذا أيضا على الصحيح. # وذكر الكرخي: أنه يعتبر في الغليظة قدر الدرهم، وفي الخفيفة الربع، كما ~~في نوعي النجاسة. وهو ليس بقوي، لأنه قصد به التغليظ في العورة الغليظة، ~~وهو في الحقيقة تخفيف، لأنه اعتبر في الدبر قدر الدرهم، والدبر لا يكون ~~أكثر من قدر الدرهم. فهذا يقتضي جواز الصلاة وإن كان كل الدبر مكشوفا، وهو ~~تناقض، فافهم. # --- PageV01P238 ~~*** # ثم الساتر الرقيق الذي لا يمنع رؤية العورة لا يكفي لجواز الصلاة لعدم ~~الستر الواجب عليه. وإذا صلى في ثوب واحد محلول الجيب، اختلف فيه: ففي ~~«نوادر ابن شجاع» أشار إلى أنه يجوز، وسوى بين كثيف اللحية وخفيفها، فإنه ~~ذكر عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه لو نظر إلى عورته لا تفسد صلاته وهو ~~الصحيح. وفي «الواقعات»: وذلك لأن العورة إنما تعتبر عورة في حق غيره دون ~~نفسه. انتهى. لكن يشكل بمسألة إذا صلى في مفازة أو بيت مظلم من غير ستر، ~~فإنه لا يجوز اتفاقا إذا كان على الستر قادرا. # (وشعر) بالجر أي وكشعر (نزل) أي من رأس المرأة في المختار من الروايتين. ~~وفي «المحيط»: الأصح أنه عورة وإلا جاز النظر إلى صدغ الأجنبية، أو طرف ~~ناصيتها، وهذا يؤدي إلى الفتنة، وإنما لا يجب غسله على النساء في الجنابة ~~على الصحيح لأن في غسله حرجا. انتهى. # اعترض عليه بأنه لا ملازمة بين كون العضو غير عورة وجواز النظر إليه، إذ ~~حل النظر منوط بعدم خشية الشهوة مع انتفاء العورة، ولذا حرم النظر إلى ~~وجهها، ووجه الأمرد، إذا شك في الشهوة مع ms0176 انعدام العورة، وهذا وجه الرواية ~~النافية. # ثم العورة تنقسم إلى غليظة وخفيفة، فالغليظة: القبل والدبر، والخفيفة: ما ~~عدا ذلك، ويترتب على ما ذكر مراتب احتساب هنالك. # (وعادم مزيل النجس) أي الخبث عدما حقيقيا أو حكميا، كما إذا كان معه ماء، ~~لكن يخاف العطش. (صلى معه) للضرورة (ولم يعد) وإن كان الوقت باقيا، لأنه ~~فعل ما في وسعه. # --- PageV01P239 ~~*** # (ولم تجز) أي الصلاة حال كون المصلي (عاريا وربع ثوبه طاهر) لأن نجاسة ~~ربع الثوب تقوم مقام نجاسة كله حال عدم الاضطرار، فيقوم طهارة ربعه مقام ~~طهارة كله حال الاضطرار (وفي أقل) أي وفي ثوب أقل من ربعه طاهر، وكذا في ~~نجاسة الكل عند أبي حنيفة وأبي يوسف (الأفضل) أن يصلي (معه) لحصول الركوع ~~والسجود وستر العورة، ولأن فرض الستر عام لا يختص بالصلاة، وفرض الطهارة ~~مختص بها. ويجوز أن يصلي عريانا قاعدا يومىء، ويجوز أن يصلي عريانا يركع ~~ويسجد، وهذا دونها في الفضل. # (وعادم الثوب) أي ما يستر عورته من حشيش وغيره، كتلطيخ بدنه من طين ونحوه ~~(يجوز صلاته قائما) يركع ويسجد (ويندب قاعدا) مادا رجليه، واضعا يديه بين ~~فخذيه، لأنه أستر (مومئا) بالركوع والسجود لأن في القيام ترك الستر من كل ~~وجه، وفي القعود إتيان به، وبالركوع والسجود من وجه. # وأوجب القيام زفر كمالك والشافعي، لأن في القيام ترك الستر، وهو غير ~~مخاطب به، وفي الإيماء ترك فروض وهو مخاطب بها. ولنا ما روي عن أنس: «أن ~~بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبوا في سفينة فانكسرت بهم، ~~فخرجوا من البحر عراة، فصلوا قعودا بإيماء». قال سبط ابن الجوزي: رواه ~~الخلال. وعن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: «العاري يصلي قاعدا بالإيماء». ~~وعن عطاء وعكرمة وقتادة: مثله. وقال قتادة: إذا خرج ناس من البحر عراة ~~فأمهم أحدهم، صلوا قاعدين، وكان إمامهم معهم في الصف يومئون إيماء. وعن علي ~~رضي الله عنه: «أنه سئل عن صلاة العريان، فقال: إن كان حيث يراه الناس صلى ~~جالسا، وإذا كان حيث لا يراه ms0177 الناس صلى قائما». رواه عبد الرزاق في ~~«مصنفه». وهو تفصيل حسن من أبي الحسن. # --- PageV01P240 ~~*** # (وقبلة خائف الاستقبال) من عدو، أو سبع، أو غرق بأن كان على خشبة في ~~البحر، فقبلة مبتدأ خبره (جهة قدرته) لتحقق عجزه عن التوجه إلى قبلته. وكذا ~~المريض الذي لا قدرة له على الاستقبال، ولا يجد من يوجهه إلى القبلة. وكذا ~~العاجز عن النزول عن دابة سائرة لخوف، أو لمرض أو لطين وردغة، أو لنفورها، ~~وعدم وقوفها، أو لعجزه عن ركوبها بعد نزوله عنها. # وقبلة من بمكة إصابة عين الكعبة للمكي المشاهد لها، لأنه الأصل، ولا حرج ~~فيه. وقيل: يجب عليه إصابة عينها وإن كان بينه وبينها حائل لإمكان إدراكه. ~~والأصح: أنه كالغائب، للزوم الحرج في إلزام حقيقة المسامتة في كل بقعة يصلي ~~فيها، لأن أدنى انحراف من القريب يخرجه عنها، كما هو مشاهد في المشاهد. ~~وأغرب العيني في قوله: وفرض عين الكعبة للمكي بالإجماع، حتى لو صلى المكي ~~في بيته ينبغي أن يصلي بحيث لو أزيلت الجدران يقع استقباله على شطر الكعبة. ~~انتهى. ولا يخفى بين قوله: فرض، وبين قوله: ينبغي. # هذا، وقد ذكر ابن الهمام: أن في النظم: الكعبة قبلة من بالمسجد، والمسجد ~~قبلة من بمكة، ومكة قبلة الحرم، والحرم قبلة العالم. قال المصنف يعني صاحب ~~«الهداية» في «التجنيس»: هذا يشير إلى أن من كان بمعاينتها، فالشرط إصابة ~~عينها. ومن لم يكن يعاينها، فالشرط إصابة جهتها. وهو المختار. انتهى كلام ~~صاحب «الهداية»، والله الهادي في البداية والنهاية. # --- PageV01P241 ~~*** # وأما النائي عنها فيكفي إصابة جهتها، ولا يشترط نية عينها عند عامة ~~المشايخ وهو الصحيح. وقال الجرجاني: عين الكعبة، لأن النص لم يفصل بين مكة ~~وغيرها في افتراض عينها، وبه قال الشافعي. . وأجيب بأن التكليف على حسب ~~الوسع: وهو في حق من ليس بمكة الجهة. لما روى ابن ماجه والترمذي، وقال: حسن ~~صحيح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما بين المشرق ~~والمغرب قبلة». # (وإن عدم) أي لم يجد مريد الصلاة (من ms0178 يعلم القبلة) وهو يجهلها بانطماس ~~الأعلام، وتراكم الظلام، وتضام الغمام (تحرى) أي صلى إلى جهة اجتهاده لأنها ~~قبلته حيث يسع قدرته، لقوله تعالى {فأينما تولوا فثم وجه الله} أي قبلته ~~كما ارتضاه. فإن الآية نزلت في الصلاة حال الاشتباه. ولما روي من طرق ضعيفة ~~قد يحسن الحديث بتعددها: «أن بعض الصحابة تحروا القبلة في ليلة مظلمة، ~~وصلوا وخطوا خطوطا، فلما أصبحوا وجدوها لغير القبلة، فلم يأمرهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالإعادة». ولما روى ابن ماجه والترمذي من حديث عامر بن ~~ربيعة، عن أبيه، قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر»، زاد ~~الترمذي: «في ليلة مظلمة، فتغيمت السماء وأشكلت القبلة، فصلينا، فلما طلعت ~~الشمس إذا نحن صلينا لغير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنزلت {فأينما تولوا فثم وجه الله}». # --- PageV01P242 ~~*** # (ولم يعد مخطىء تحرى) القبلة وصلى، ثم تبين خطؤه، لأنه أتى بالواجب في ~~حقه: وهو الصلاة إلى جهة تحريه. وأوجب مالك إعادته في الوقت، والشافعي ~~مطلقا. (بل) يعيد (مصيب لم يتحر) بأن شك في القبلة، وصلى من غير تحر، ثم ~~تبين أنه أصاب، وهذا إذا تبين أنه أصاب وهو في الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد، ~~خلافا لأبي يوسف. وأما إذا تبين أنه أصاب بعد الفراغ، فصلاته جائزة ~~بالاتفاق لحصول المقصود. وفي «الظهيرية»: الأعمى إذا صلى ركعة فأخطأ ~~القبلة، فجاء رجل وسواه يمضي في صلاته ولا يقتدي ذلك الرجل به. قال: وعندي ~~هذا محمول على ما إذا لم يجد من يسأله. # (وإن تحول رأيه) أي رأي المتحري حال كونه (مصليا استدار) لأن تبدل ~~الاجتهاد بمنزلة النسخ، لما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، قال: ~~بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، ~~وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة». ورواه مسلم من رواية أنس ~~وقال فيه: «فمر رجل من بني سلمة وهم ms0179 ركوع في صلاة الفجر، وقد صلوا ركعة ~~فنادى: ألا إن القبلة حولت، فمالوا كما هم نحو الكعبة، واستحسنه النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # --- PageV01P243 ~~*** # قال ابن الجوزي: في السنة الثانية حولت القبلة يعني من الهجرة قال: ~~وقال محمد بن حبيب الهاشمي: «حولت يعني القبلة الظهر يوم الثلاثاء، النصف ~~من شعبان: زار رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بشر بن البراء بن المعرور ~~في بني سلمة، فتغدى هو وأصحابه، وحانت الظهر، فصلى بأصحابه في مسجد ~~القبلتين ركعتين من الظهر إلى الشام، ثم أمر أن يستقبل القبلة وهو راكع في ~~الركعة الثانية، فاستدار إلى الكعبة ودارت الصفوف خلفه، ثم أتم الصلاة، ~~فسمي مسجد القبلتين لهذا. # (ولا يضر جهله) أي المقتدي (جهة إمامه) يعني: أن من صلى في ليلة مظلمة مع ~~إمامه، وتوجه كل منهما بالتحري إلى جهة، وكان المأموم جاهلا جهة إمامه، لا ~~تبطل صلاته، لأنه توجه إلى ما هو القبلة في حقه، وهو جهة تحريه. وصار كما ~~لو صلى داخل الكعبة إلى غير جهة إمامه، ولم يعلم مخالفة جهة إمامه، لعدم ~~اعتقاده بأن إمامه على الخطأ في توجهه (إذا علم أنه ليس خلفه). # (بل) يضر (تقدمه) على إمامه لترك فرض مقامه، كما إذا صلى داخل الكعبة مع ~~إمامه. (أو علم مخالفته) جهة إمامه لاعتقاده أن إمامه، على الخطأ، «فعلم» ~~مصدر مرفوع بالعطف على تقدمه. # (ويقصد) أي المصلي بقلبه (صلاته) سواء صلى منفردا أو إماما أو مقتديا ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». رواه الشيخان وغيرهما، ~~يجمع على صحته، فقد رواه سبع مئة رجل من أصحاب يحيى بن سعيد، فهو مشهور ~~بالنسبة إلى آخره، غريب بالنسبة إلى أوله، وليس متواترا لفقد الشرط في ~~بدئه، ولأن بالنية تتميز العبادات عن العادات. # --- PageV01P244 ~~*** # وعن محمد: أن من توضأ يريد به صلاة الوقت، وغربت عنه النية عند الشروع ~~جازت صلاته. وفي «الرقيات»: من خرج من منزله يريد الصلاة التي كان القوم ~~فيها، فلما انتهى إلى القوم كبر ولم تحضره النية، فهو داخل مع القوم، لأن ms0180 ~~النية وجدت فتبقى حكما حتى يأتي المبطل ولم يوجد. انتهى. # ولا يخفى أن هذا كله مبني على أن النية من شروط الصلاة، ولا يشترط فيها ~~الاتصال بخلاف الأركان، وفي هذا توسعة ورفق بأهل الإيمان والله المستعان. # (و) يقصد (اقتداءه) بالإمام (إن اقتدى) لأنه يلزم الفساد من جهته، فلا بد ~~له من التزامه في نيته، ولو نوى الاقتداء بزيد فإذا عمرو لا يجوز، لأنه ~~اقتدى بغائب، ولو نوى الاقتداء ظانا أنه زيد فإذا هو عمرو، يجوز. # (متصلا) ذلك القصد (بالتحريمة) أي بتكبيرة الافتتاح من غير فصل بينهما ~~بعمل يمنع الاتصال كالكلام، والأكل، والشرب، ونحوها، ولا يجوز الصلاة بنية ~~متأخرة عن التكبيرة، لئلا يخلو أول جزء من القيام عن النية فلا يكون عبادة، ~~فلا يكون الباقي أيضا عبادة، لأنه مبني عليه، وهذا هو الصواب وهو ظاهر ~~الرواية. وقال الكرخي: يصح ما دام في الثناء، وقيل: يصح إذا تقدمت على ~~الركوع، وهذا أيضا مبني على أن تكبيرة التحريمة شرط، ولا ترتيب بين ~~الشرائط. وإنما لا بد (من) وجود كلها قبل أركان الصلاة. فإذا وجدت النية ~~قبل الركوع فقد قارنت بعض القيام وحصل المرام. # (ومع اللفظ) أي والقصد مع التلفظ بما يدل عليه (أفضل) منه بلا تلفظ، لأن ~~اللسان ترجمان الجنان، وهذا بدعة حسنة استحسنها المشايخ للتقوية، أو لدفع ~~الوسوسة، ولا عبرة بالنطق باللسان وحده، حتى لو نطق بظهر ونوى عصرا، يكون عصرا. # --- PageV01P245 ~~*** # وأما التكبير، فلا بد منه للشروع في الصلاة، إلا على قول أبي بكر الأصم، ~~وإسماعيل بن علية، فإنهما يقولان: يصير شارعا بمجرد النية، والأذكار عندهما ~~كالتكبير والقراءة زينة الصلاة، وليست من الواجبات. وشرط الشافعي المقارنة ~~بينهما. وفي كيفيتهما لأصحابه وجهان: إما النية بالقلب مع ابتداء التكبير ~~باللسان والفراغ منهما معا، وإما القران العرفي بحيث يعد مستحضرا للصلاة ~~غير غافل عنها، وهو اختيار إمام الحرمين، والغزالي ، وقريب من مذهب ~~أصحابنا. # (ويكفي لغير الفرض والواجب) سواء كان نفلا، أو سنة مؤكدة، (نية مطلق ~~الصلاة) لأن تعيين النوافل والسنن بوقوعها في أوقاتها، فلا يفتقر ms0181 إلى تعيين ~~(وشرط لهما) أي للفرض والواجب (التعيين) لأن الفروض والواجبات كثيرة، فلا ~~بد من تعيين ما يراد أداؤه في النية (لا العدد) أي لا يشترط للفرض والواجب ~~نية عدد الركعات، لأن قصد التعيين مغن عنه، ولو نوى الظهر ثلاثا، أو الفجر ~~أربعا جاز. وكذا لا يشترط نية الكعبة، لا عينها ولا جهتها، لأن القيام لما ~~تعين للصلاة بالنية، تعين الاستقبال للصلاة ضرورة، ولأن الاستقبال شرط، ~~والشرط لا يحتاج إلى نية كما تقدم، والله سبحانه وتعالى أعلم. # باب صفة الصلاة # الوصف والصفة مصدران كالوعد والعدة، والهاء عوض عن الواو، والمتكلمون ~~فرقوا بينهما فقالوا: الوصف يقوم بالواصف، والصفة تقوم بالموصوف. والمراد ~~بالصفة ههنا: الهيئة الحاصلة للصلاة بأركانها وعوارضها. # --- PageV01P246 ~~*** # (فرضها) أي ما لا بد منه فيها: (التحريمة) أي تكبيرة الافتتاح. وسميت ~~تحريمة: لأن بها تحرم أمور كانت مباحة قبلها، بخلاف سائر التكبيرات بعدها، ~~والتحريم: جعل الشيء محرما، والهاء لتحقيق الاسمية. وهي شرط عندنا، وركن ~~عند مالك، والشافعي، وأحمد، واختاره الطحاوي لقوله عليه الصلاة والسلام في ~~حديث طويل أخرجه مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي: «أن هذه الصلاة لا يصلح ~~فيها شيء من كلام الناس، إنما هي: التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن». ~~ولأنه يشترط لها، ما يشترط للصلاة: من استقبال القبلة، والطهارة، وستر ~~العورة. # ولنا قوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى} والكل لا يعطف على جزئه بالفاء، ~~وأجيب عن الحديث: بأن المراد منه أن الصلاة من جنس التسبيح، والتكبير، ~~وقراءة القرآن، لا بيان فرائض الصلاة، وإلا لكان التسبيح فرضا، وبأنا لا ~~نسلم اشتراط الطهارة، واستقبال القبلة، وستر العورة للتحريمة، حتى لو أحرم ~~حاملا للنجاسة، أو منحرفا عن القبلة، أو مكشوف العورة، وأزال ذلك عند ~~الفراغ من التحريمة جاز. ولو سلم اشتراط ذلك للتحريمة، فليس ذلك لنفسها، ~~وإنما هو لأجل ما يتصل بها من الأركان. ولهذا شرط لصحتها القيام عند ~~القدرة. # وثمرة الخلاف تظهر في جواز بناء النفل على تحريمة الفرض، فعندنا يجوز، ~~لأن شرط الفرض يصلح شرطا للنفل كسائر الشروط. وعندهم لا يجوز، لأنها ms0182 ركن ~~الفرض، وركن الفرض وجزؤه لا يقع جزأ من النفل. # --- PageV01P247 ~~*** # ثم مثبت فرضيتها، شرطا كانت أو ركنا، قوله تعالى: {وربك فكبر} وقد جاء في ~~التفسير: أنه أريد به تكبيرة الافتتاح، ولأن الأمر للإيجاب، وما ورائها ليس ~~بفرض، فتعين هذا التكبير، لئلا يؤدي إلى تعطيل النص. وقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». رواه ~~أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن علي كرم الله وجهه، وحسنه النووي. # (والقيام) يعني في غير السنن، والنوافل لقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} ~~أي ساكتين، أو داعين، أو خاشعين، أو مخلصين، أو طائعين. والمراد في الصلاة ~~لعدم وجوبه في غيرها، ولما روى البخاري، وأحمد والأربعة من حديث عمران بن ~~حصين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «صل قائما، فإن لم تستطع ~~فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك». # (وقراءة آية) طويلة كانت، أو قصيرة لقوله تعالى: {فاقرؤا ما تيسر من ~~القرآن} فإنها نزلت في الصلاة بدليل سياق الآية، ولقوله عليه الصلاة ~~والسلام للمسيء صلاته: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» وما دون الآية غير ~~مراد بالإجماع، فتبقى الآية. # (في كل من ركعتي الفرض) أي: أي ركعتين كانتا منه. وقال مالك: في أكثره. ~~وقال زفر: في ركعة واحدة، وبه قال الحسن البصري. # --- PageV01P248 ~~*** # ولنا أن الأمر لا يقتضي التكرار، والركعة الثانية كالأولى في عدم سقوطها ~~في السفر، فتثبت القراءة فيها بطريق الدلالة. وقال الشافعي: يجب قراءة ~~الفاتحة في كل ركعات الفرض، والنفل بناء على أن كل ركعة صلاة على حدة عنده، ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب». وسيأتي عنه ~~الجواب. إلا أن الأفضل أن يقرأ فيما بعد الأوليين، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم داوم على ذلك. كذا ذكره صاحب «الهداية» وفيه: أنه يلزم من المداومة ~~والمواظبة الوجوب، خصوصا وفي الصحيحين عن أبي قتادة: «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقرأ في الأخريين بأم الكتاب». لكن روى أبو داود: «أن ابن ~~عباس سئل: أكان رسول الله صلى الله ms0183 عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: ~~لا». وروى الطحاوي عنه أيضا: أنه قيل له: «إن ناسا يقرؤون في الظهر والعصر، ~~فقال: لو كان لي عليهم سبيل لقلعت ألسنتهم، إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كانت قراءته لنا قراءة، وسكوته لنا سكوتا». # قال الطحاوي: وقد روي عنه خلاف ذلك، كما حدثنا صالح بن عبد الرحمن ~~الأنصاري: حدثنا سعيد بن منصور: حدثنا هشيم: أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن ~~عباس قال: «حفظت السنة، غير أني لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ في الظهر والعصر، أم لا»؟ فهذا يدل على أنه ما تحقق عنده قراءة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعند غيره تحقق، كما هو مقرر في محله، ومن حفظ حجة ~~على من لم يحفظ. # مع أنه قد روي عن ابن عباس من رأيه ما يدل على خلاف ذلك، كما رواه ~~الطحاوي بسنده عنه أنه قال: «اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب في الظهر ~~والعصر». وفي رواية له عنه: «لا تصل صلاة إلا قرأت فيها، ولو بفاتحة ~~الكتاب». كذا حققه الطحاوي وتبعه بعض المخرجين. # --- PageV01P249 ~~*** # والظاهر أن جزمه بناء على غلبة الظن، وتردده بناء على عدم تحققه عنده، ~~إنما هو في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر، وهو لا ينافي ما تقدم. ~~والله سبحانه أعلم. # (وفي كل من ركعات الوتر والنفل) أما النفل، فلأن كل شفع منه صلاة على ~~حدة، فصار كركعتي الصبح، ولهذا لا يؤثر فساد شفع منه فيما قبله. وأما الوتر ~~فلإلحاقه بالنفل احتياطا، لأن دليل وجوبه ليس بقطعي. (والمكتفي بها) أي ~~بالآية (مسيء) أي آثم لتركه الواجب: وهو قراءة الفاتحة. (وعندهما) وهو ~~رواية عن أبي حنيفة: فرض القراءة (آية طويلة أو ثلاث قصار) لأنه لا يعد ~~قارئا في العرف بدون ما ذكر. # (والركوع) عطف على التحريمة (والسجود) لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~اركعوا واسجدوا} فأركان الصلاة شرعت في كتاب الله متفرقة، وعرف الترتيب ~~بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {لتبين للناس ما ms0184 نزل ~~إليهم}. والظاهر: أن السجود الثاني فرض عملي، لأنه لم يثبت بدليل قطعي، ~~وقيل: تثبت فرضيته بالإجماع، حتى تفسد الصلاة بترك واحدة منهما. # ثم تكرار السجود دون الركوع أمر تعبدي. وقيل: الأولى لامتثال أمر المولى، ~~والثانية لرغم إبليس حيث لم يسجد استكبارا. وقيل: الأولى للأمر، والثانية ~~للشكر. وقيل: الأولى للإيمان، والثانية لبقاء الإيمان. وقيل: الأولى إشارة ~~إلى خلق الإنسان ابتداء، والثانية لبقاء الأمان. وقيل: الأولى إشارة إلى ~~خلق الإنسان ابتداء، والثانية إيماء إلى حالته انتهاء. كما يشير إليه قوله ~~تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى}. # --- PageV01P250 ~~*** # وإنما يكون السجود (بالجبهة والأنف) أي معا خلافا لبعضهم (وبه) أي بالجمع ~~بينهما (يفتى) فلو سجد على الجبهة وحدها، أو على الأنف وحده من غير عذر، لا ~~يكون آتيا بالفرض. وهو قول أبي يوسف، ومحمد، ورواية أسد عن أبي حنيفة. ~~والمشهور عنه: إن اقتصر على أحدهما جاز، كما في «الهداية». وقيل: الاقتصار ~~على الجبهة من غير عذر جائز بالاتفاق، كما في شرحي «المجمع» و«الكنز». # ولا يقام السجود على الذقن، والخد مقام السجود على الجبهة والأنف. وأما ~~وضع القدم على الأرض في الصلاة حالة السجدة ففرض، كما في «الخلاصة». ولو ~~وضع أحدهما دون الآخر تجوز صلاته، كما لو قام على قدم واحد، كما في ~~«التجريد». وقيل: ووضع القدم بوضع أصابعه، وإن وضع أصبعا واحدة. وقيل: وضع ~~القدم ليس بفرض، بل هو سنة. ويفترض وضع اليدين والركبتين في السجود على ~~الصحيح لقوله عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، ~~واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين». متفق عليه. # وقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا سجد، سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، ~~وركبتاه، وقدماه» رواه أصحاب «السنن الأربعة»، ورواه البزار في «مسنده» ~~بلفظ: «أمر العبد أن يسجد على سبعة آراب». وكذا الطحاوي بلفظ «السنن» وزاد: ~~«أيها لم يضعه فقد انتقص». وقيل: يسن وضع اليدين والركبتين لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «مثل الذي يصلي وشعره معقوص، كمثل الذي يصلي وهو مكتوف»، ~~فالتمثيل يدل على نفي الكمال دون نفي ms0185 الجواز، ولأن ماهية السجدة حاصلة بوضع ~~الوجه والقدمين على الأرض، فكان وضع اليدين والركبتين متمما ومكملا، لا ~~داخلا في الماهية. # --- PageV01P251 ~~*** # فإن قيل: روى مسلم من حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر ولا الثياب أي لا أضمهما : ~~الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين»، والمعدود فيه ثمانية أعظم ~~لا سبعة. فالجواب أن الجبهة والأنف عضو واحد، لأن الجبهة هي العظم الذي منه ~~الأنف. وروى الترمذي وقال: حسن صحيح، عن أبي حميد: «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض». ولو سجد على كور عمامته وطرف ~~ثوبه جاز، خلافا للشافعي. # ولنا حديث أنس قال: «كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، ~~فإن لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه». رواه ~~الشيخان وقال البخاري في «صحيحه»: قال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة ~~والقلنسوة»، كذا ذكره علماؤنا. وليس نصا في المدعى كما لا يخفى، إذ الشافعي ~~يمنع جواز السجدة على ملبوس المصلي لا مطلق الثوب إذا فرش وصلي عليه، مع ~~الاحتياج إلى تقريره عليه الصلاة والسلام أيضا على فرض ثبوته وتقديره. # (والقعدة الأخيرة قدر التشهد) أي مقدار ما يسع فيه قراءته إلى: «عبده ~~ورسوله»، لا بقدر إيقاع لفظ السلام، كما قال مالك، فإن السلام فرض عنده ~~فيقدر محله وهو القعود بقدره. وزعم بعض مشايخنا أن القدر المفروض من القعدة ~~ما يأتي فيه بكلمتي الشهادة. # ثم القعدة الأخيرة فرض لا ركن خلافا للشافعي، وإنما كانت فرضا لقوله ~~تعالى: {أقيموا الصلاة}، وقد التحق فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله بها ~~بيانا، وهو لم يفعلها قط بدون القعدة الأخيرة. والمواظبة من غير ترك دليل ~~الفرضية، وإذا وقع بيانا للفرض على الصلاة المجملة، كان متعلقها فرضا ~~بالضرورة إلا ما خرج بدليله. # --- PageV01P252 ~~*** # وقد روى أحمد وأبو داود والطحاوي عن ابن مسعود: «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخذ بيده وعلمه التشهد». ms0186 وفي آخر الحديث: «إذا قلت هذا أو قضيت هذا ~~فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد»، فعلق عليه ~~الصلاة والسلام تمام الصلاة بالقعود مع القراءة، وبالقعود بدونها. لأن معنى ~~قوله: «إذا قلت هذا»: أي التشهد في القعود، لأن قول التشهد بدون القعود غير ~~معتبر. وقوله: «أو قضيت هذا»: أي نفس القعود. ف «أو» للتنويع، لا لشك ~~الراوي. # فإن قيل: لا يلزم من تعليق التمام بالقعود كونه فرضا، لجواز أن يكون ~~واجبا، فإن الواجب أيضا متمم. أجيب بأن قراءة التشهد من الواجبات، ولم يعلق ~~التمام بها. فعلم أن المراد تمام الفرائض. هذا، وحديث ابن مسعود من غير هذه ~~الزيادة متفق عليه. وقال النووي: اتفق الحفاظ على أنها مدرجة، ليست من كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأنها من كلام ابن مسعود. جاء ذلك صريحا ~~بإدراجها، وقد أوضح ذلك الدارقطني والبيهقي وغيرهما. قلت: على الفرض ~~والتسليم، فمثل هذا لا يعرف إلا سماعا، فهو في حكم المرفوع إجماعا. # (والخروج) أي من الصلاة (بصنعه) أي بفعل المصلي ما ينافيها، وهذا عند أبي ~~حنيفة على تخريج البردعي، لأن للصلاة تحريما وتحليلا. فلا يخرج منها إلا ~~بالصنع كالحج. وأما على تخريج الكرخي فليس بفرض وهو الصحيح، لأنه ثبت بدليل ~~ظني: وهو ما روي عن عبد الله بن عمر مرفوعا: «إذا قعد الإمام في آخر صلاته ~~ثم أحدث قبل أن يتشهد (فقد تمت) صلاته». وفي رواية: «قبل أن يسلم». وفي ~~رواية: «قبل أن يتكلم» رواه أبو داود والترمذي والبيهقي. وقال الشافعي: ~~الخروج من الصلاة بلفظ السلام فرض لقوله عليه الصلاة والسلام: «تحريمها ~~التكبير وتحليلها التسليم». # --- PageV01P253 ~~*** # قلنا الحديث ظني وإنما يفيد الوجوب عندنا، وإنما فرض التكبير بدليل آخر، ~~فتدبر. بل التحقيق أن لفظ التكبير في التحريمة واجب، والشروع بذكر الله ~~فرض، كما تقدم، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (واجبات الصلاة) # (وواجبها: قراءة الفاتحة) وقال مالك، والشافعي، وأحمد: هي ركن لما في ~~الكتب الستة عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله ms0187 عليه وسلم «لا ~~صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». ورواه الدارقطني عن زياد بن أيوب بلفظ: ~~«لا تجزىء صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وفي «صحيح مسلم»: «من صلى صلاة ~~لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا»، أي: ناقصة. وإذا أطلق النقصان، ~~فالأصل صدقه على النقصان في الماهية إلا أن يقوم الدليل على أنه في ~~الأوصاف. # ولنا ما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة قال: «دخل رجل المسجد فصلى ~~والنبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم جاء فسلم، فرد عليه السلام، وقال: ~~ارجع فصل فإنك لم تصل، ففعل ذلك ثلاث مرات فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن ~~غير هذا فعلمني فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من ~~القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى ~~تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اجعل ذلك في صلاتك كلها». # وأجيب عن حديث عبادة: بأن المراد به نفي الفضيلة نحو: «لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد». رواه الدارقطني بحديث ضعيف عن جابر، عن أبي هريرة، ~~والحاكم في «مستدركه»، وسكت عنه. وقال ابن حزم: وهو صحيح عن علي. وأما ~~الجواب عن رواية زياد بن أيوب: فبأنها شاذة، إذ رواية غيره: «لا صلاة لمن ~~لم يقرأ»، وكأن زيادا زاد في المبنى وروى بالمعنى. # --- PageV01P254 ~~*** # (وضم سورة أو ثلاث آيات) لمواظبته عليه الصلاة والسلام عليه، ولما روى ~~أبو داود، وابن حبان عن أبي سعيد قال: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما ~~تيسر». ولفظ ابن حبان: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد». رواه جماعة: منهم ~~الحاكم وقال: حديث صحيح، وفي رواية لمسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن ~~فصاعدا». وفي رواية للترمذي، وابن ماجه: «لا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة ~~في فريضة أو غيرها». # ولقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وآيتين من ~~القرآن». أي طويلتين، رواه ms0188 الطبراني. ولقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ~~تجزىء المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعدا». رواه ابن عدي. ولقول ~~أبي سعيد: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر». رواه أبو داود. ولقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وشيء ~~معها من القرآن». رواه أبو نعيم الحافظ. وبهذا استدل لأحد قولي مالك على ~~فرضية الضم. وقال مالك في رواية، والشافعي: ضم السورة سنة. # (ورعاية الترتيب) بين القيام، والقراءة، والركوع، والسجود، واجب. وقال ~~زفر: فرض، لأن الصلاة كانت مجملة، ولم يقع البيان من النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلا كذلك. وأما الترتيب بين التحريمة، والقعدة الأخيرة ففرض اتفاقا. ~~وفي «المحيط»: القيام والركوع والقعدة لا يقضى بعد فواته لأنه لم يشرع قربة ~~بانفراده. والقراءة والسجدة الصلبية وسجدة التلاوة تقضى ما دام في الصلاة، ~~لأنها شرعت قربة بانفرادها. انتهى. # --- PageV01P255 ~~*** # ولا يخفى أن قضاء القراءة لم يتصور في الصبح وكذا في الوتر والنوافل. ~~وقيل: يجب الترتيب في فعل مكرر في ركعة، كالسجدة حتى لو ترك الثانية وقام ~~إلى الركعة الأخرى لا تفسد صلاته. وأما تقديم القيام على الركوع، والركوع ~~على السجود، فإنه فرض. لأن الصلاة لا توجد بدون ذلك. كذا في «مواهب الرحمن» ~~وغيره. وفيه نظر لأنهم قالوا: يجب سجود السهو بتقديم ركن، وأوردوا نظيره: ~~الركوع قبل القراءة. وسجدة السهو لا تجب إلا بترك الواجب، فعلم أن الترتيب ~~بين الركوع والقراءة واجب. # (والقعدة الأولى) واجبة على الصحيح لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليها، ~~وسجوده للسهو لما تركها وقام ساهيا. وقال الطحاوي والكرخي: هي سنة. ~~(والتشهد) أي جنسه الشامل للأول والثاني، وفي بعض النسخ: والتشهدان بلفظة ~~التثنية، لقوله عليه الصلاة والسلام لابن مسعود: «قل: التحيات» من غير ~~تفرقة بين الأول والثاني، وإذا وجب التشهد الأول وجبت قعدته. وقال مالك ~~والشافعي: هما سنتان، وقال أحمد: فرضان ويجبران بالسجود. ثم اعلم أن صاحب ~~«الهداية» عد في هذا الباب: قراءة التشهد في القعدة الأخيرة من الواجبات، ~~وسكت عن قراءة الأولى، وذكر في باب السجود أن ms0189 قراءته في القعدة الأولى ~~واجبة. فقول المصنف في شرح «الوقاية» وفي «الهداية»: إن قراءة التشهد في ~~القعدة الأولى سنة، غير مستقيم. # (ولفظ السلام) أي الخروج من الصلاة بلفظ السلام واجب، وقال مالك: ~~التسليمة الأولى فرض. وقال الشافعي وأحمد: التسليمتان فريضتان. وقال سفيان ~~الثوري والأوزاعي: سنتان. # --- PageV01P256 ~~*** # لنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه الأعرابي حين علمه الصلاة، ~~ولو كان فرضا لعلمه. وقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا قضى الإمام الصلاة ~~وقعد، فأحدث قبل أن يتكلم فقد تمت صلاته، ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة». ~~رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث ليس إسناده بالقوي وقد اضطربوا فيه. ~~رواه الطحاوي عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا قضى الإمام ~~الصلاة وقعد، فأحدث هو، أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يسلم الإمام، فقد ~~تمت صلاته، فلا يعود فيها». وفي لفظ: «إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته ~~وقضى تشهده ثم أحدث فقد تمت صلاته، فلا يعود لها». وفي لفظ: «من أخر السجود ~~فقد تمت صلاته إذا هو أحدث»، ونحوه عن علي والحسن وابن المسيب (وعطاء ~~وإبراهيم النخعي. # وأما حديث: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم») ~~فيفيد الوجوب وقد قلنا به. ولا يلحق التحليل بالتكبير لثبوته بدليل آخر ~~قطعي، كما تقدم والله تعالى أعلم. # (وقنوت الوتر وتكبيرات العيدين) ولهذا يجب سجود السهو بتركها، كذا ذكره ~~الشارح ولم يظهر دليل وجوبهما، ولعله المواظبة عليهما من غير تركهما. # (وتعيين) الركعتين (الأوليين للقراءة) لأنه عليه الصلاة والسلام واظب على ~~القراءة فيهما دون غيرهما، ولما روي: «أن عمر ترك القراءة في ركعة من صلاة ~~المغرب، فقضاها في الركعة الثالثة، وأن عثمان ترك القراءة في الأوليين من ~~صلاة العشاء، فقضاها في الأخريين وجهر». كذا ذكره في «المبسوط». # --- PageV01P257 ~~*** # (وتعديل الأركان) أي تسوية الجوارح في الركوع والسجود حتى تطمئن، وهذا ~~على تخريج الكرخي، لأن التعديل شرع لتكميل الأركان فيجب كقراءة الفاتحة. ~~وعلى تخريج الجرجاني: هو سنة كتعديل القومة والجلسة، وبه قال بعض المالكية. ~~ويؤيد ms0190 الأول مواظبته عليه الصلاة والسلام (فعلا وقولا، وقد نزل الله ~~الأحكام في كتابه مجملا، فبينه عليه الصلاة والسلام) مفصلا، وقد ثبت عنه ~~صلى الله عليه وسلم : «صلوا كما رأيتموني أصلي» وقد ركع، واطمأن وأتم ~~القومة والقعدة. فيكون إما واجبا، وإما فرضا، كالقعدة الأخيرة المحتج بها ~~بالمواظبة بل أولى لما سيأتي من الأحاديث الواردة. # وقال أبو يوسف، وهو قول مالك والشافعي وأحمد: تعديل الركوع والسجود ~~والقيام عنهما والجلوس بين السجدتين فرض، لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء ~~صلاته: «ارجع فصل فإنك لم تصل». رواه الشيخان، والترمذي، وأبو داود وغيرهم. # --- PageV01P258 ~~*** # ولهما أن الله تعالى أمر بالركوع: وهو الانحناء، وبالسجود: وهو وضع ~~الجبهة على الأرض، فتتعلق الفرضية بهما. وقد روى أبو داود والترمذي ~~والنسائي في آخر حديث المسيء صلاته: «فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما ~~انتقصت من هذا فإنما انتقصت من صلاتك». فوصفها بالنقصان عند فقد التعديل، ~~ولو كانت باطلة لوصفها بالزوال والذهاب. وأيضا لو كان التعديل فرضا، لما ~~أقره عليه الصلاة والسلام إلى آخر الصلاة، ولأمره بالإعادة على الفور لأن ~~المضي على الفاسد عبث، وإنما أمره بالإعادة جبرا للنقصان، وزجرا له عن ~~العادة الذميمة، وبهذا نقول. فعن السرخسي: من ترك الاعتدال تلزمه الإعادة. ~~ومن المشايخ من قال: يلزمه، ويكون الفرض هو الثاني. ولا إشكال في وجوب ~~الإعادة إذ هو الحكم في كل صلاة أديت مع الكراهة التحريمية، ويكون جابرا ~~للأول لأن الفرض لا يتكرر. وجعله الثاني يقتضي عدم سقوطه بالأول، وهو لازم ~~من ترك الركن لا الواجب. # وقال بعض المحققين: وينبغي أن تكون القومة والجلسة واجبتين للمواظبة، ~~ولعله كذلك عندهما ويدل عليه إيجاب سجود السهو فيه كما ذكر في «فتاوي ~~قاضيخان» في فصل ما يوجب السهو، قال: المصلي إذا ركع ولم يرفع رأسه من ~~الركوع حتى خر ساجدا ساهيا، تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد وعليه ~~السهو. ويحمل قول أبي يوسف: أنها فرائض، على الفرائض العملية وهي الواجبة، ~~فيرتفع الخلاف. انتهى. إلا أن الحمل بعيد، لحكمه عند فوتها بعدم الصحة، ms0191 ~~عمدا كان أو سهوا وحكمهما بصحتها ناقصة في الأول، مجبورة بسجود السهو في ~~الثاني. # --- PageV01P259 ~~*** # ثم اعلم أن المراد من حديث المسيء صلاته ما ورد في «الصحيحين» عن أبي ~~هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي دخل المسجد، فصلى ثم جاء ~~فسلم عليه، فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل». حتى فعل ذلك ثلاث مرار فقال ~~الرجل: «والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني، فقال: إذا قمت إلى ~~الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ~~ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسا، ~~ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك». # زاد أبو داود: «وما انتقصت من هذا، فقد انتقصت من صلاتك»، وفي الترمذي: ~~فقال الرجل في آخر ذلك: «فأرني وعلمني، فإنما أنا بشر أصيب وأخطىء، فقال: ~~أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد فأقم أيضا، فإن كان ~~معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله، ثم اركع فاطمئن راكعا، ثم ~~اعتدل قائما، ثم اسجد فاعتدل ساجدا، ثم اجلس فاطمئن جالسا، ثم قم، فإذا ~~فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئا فقد انتقصت من صلاتك». # وفي النسائي: «فدخل رجل فصلى ركعتين ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد كان يرمقه في صلاته فرد عليه السلام، ثم قال ارجع فصل حتى كان عند ~~الثالثة أو الرابعة، فقال: والذي أنزل عليك الكتاب لقد جهدت، فأرني وعلمني، ~~قال: إذا أردت أن تصلي فتوضأ، فأحسن وضوءك ثم استقبل القبلة، فكبر ثم اقرأ، ~~ثم اركع»، وساقه بمعنى رواية أبي داود. # --- PageV01P260 ~~*** # هذا، وفي «السنن الأربعة» من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تجزىء صلاة ~~لا يقيم الرجل فيها ظهره في الركوع والسجود». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ~~وفي ابن ماجه عن عبد الله بن بدر أن عبد الرحمن بن علي حدثه: «أنه أتاه علي ~~بن شيبان وحدثه: أنه خرج ms0192 وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~فصلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمح بمؤخر عينه إلى رجل لا يقيم ~~صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف قال: يا معشر المسلمين إنه لا صلاة لمن ~~لم يقم صلبه في الركوع والسجود». # وفي البخاري عن حذيفة: «أنه رأى رجلا لا يتم ركوعا ولا سجودا، فلما انصرف ~~عن صلاته دعاه حذيفة فقال له: منذ كم صليت هذه الصلاة؟ قال: صليتها منذ كذا ~~وكذا، فقال حذيفة: ما صليت بعد صلاة وأحسبه قال: ولو مت، مت على غير سنة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا إنما يقال سماعا لا رأيا. # (والجهر والإخفاء) أي يجبان على الإمام (فيما يجهر ويخفي) فيجهر القراءة ~~في صلاة الفجر وأوليي العشائين، ولو كانت الصلاة قضاء، لقضية ليلة التعريس ~~في الأصح. وجهر المنفرد أفضل، وكذا يجب الجهر في الجمعة والعيدين لورود ~~النقل المستفيض به. ويجب الإسرار في غيرها من الصلاة في الركعات، لما روى ~~أبو داود في مراسيله عن الحسن، قال: «سن رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ~~شرع أن يجهر بالقراءة في الفجر بالركعتين كلتيهما ويقرأ في الركعتين ~~الأوليين في صلاة الظهر بأم القرآن وسورة في كل ركعة سرا في نفسه، ويقرأ في ~~الركعتين الأخريين من صلاة الظهر بأم القرآن في كل ركعة سرا في نفسه، ويفعل ~~في العصر مثل ما يفعل في الظهر. # --- PageV01P261 ~~*** # ويجهر الإمام بالقراءة في الأوليين من صلاة المغرب، ويقرأ في كل ركعة ~~منهما بأم القرآن وسورة، ويقرأ في الركعة الآخرة من صلاة المغرب بأم القرآن ~~سرا في نفسه، ثم يجهر بالقراءة في الركعتين الأوليين من صلاة العشاء بأم ~~القرآن وسورة، ويقرأ في الركعتين الأخريين في نفسه بأم القرآن، وينصت من ~~وراء الإمام ويستمع لما يجهر به الإمام، لا يقرأ معه أحد، ويتشهد سرا في ~~نفسه في الصلاة حين يجلس الإمام والناس خلفه في الركعتين». # وقد ورد في مواقيت الصلاة من حديث أنس ما معناه: «أنه صلى الله عليه وسلم ~~أسر ms0193 في الظهر والعصر، والثالثة من المغرب، والأخريين من العشاء، وجهر في ~~الفجر وأوليي المغرب والعشاء. وقيل: إن الجهر والإخفاء فيما يجهر به ويسر ~~سنتان، لأنهما ليسا بمقصودين، وإنما المقصود القراءة. ويجب الإسرار في نفل ~~النهار لقول مجاهد: «صلاة النهار عجماء»، وخير المنفرد فيما يجهر به كنفل ~~الليل، فإن شاء جهر، وهو أفضل من المخافتة تشبها بالجماعة، وإن شاء خافت ~~لعدم من يسمعه. # (سنن الصلاة) # (وسن غيرها) أي غير المذكورات من الفرائض والواجبات، وفي بعض النسخ: ~~غيرهما، أي غير نوع الفرائض والواجبات، (أو ندب) أي استحب مما سيذكر في صفة ~~الصلاة إجمالا ونبين تفصيلا. # (فإذا أراد الشروع) في الصلاة (كبر) تكبيرة الافتتاح قائما، فلو كبر ~~قاعدا ثم قام لا يكون شارعا، ولو جاء والإمام راكع فحنى ظهره وكبر: إن كان ~~إلى القيام أقرب جاز، وإلا فلا، ولو أدرك الإمام راكعا فكبر قائما يريد ~~تكبيرة الركوع جاز، لأن إرادته لغت، فبقي تكبيره حالة القيام للتحريمة، كذا ~~في «المحيط». # --- PageV01P262 ~~*** # (بلا مد الهمزة والباء) لأن مد الهمزة في الجلالة وفي أكبر استفهام مفسد ~~للصلاة، وعمده كفر، وأما مد الباء فيصير اللفظ به أكبار جمع كبر بفتح فسكون ~~وهو الطبل. وقيل: اسم الشيطان فيفسدها، وعمده كفر. وقيل: لا يفسدها، لأنه ~~إشباع، وهو لغة قوم. وأما مد الألف في آخر الجلالة فلا يضر للصلاة، إلا أنه ~~لا يجوز زيادة على قدر ألف في الوصل وعلى ثلاث ألفات في الوقف، وجزم الهاء خطأ. # (ماسا) أي واصلا (بإبهاميه شحمتي أذنيه) ليتيقن محاذاة يديه لأذنيه، فإن ~~محاذاتهما سنة عندنا، وهو رواية عن أحمد، لما روى مسلم من حديث وائل بن ~~حجر: «أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، ~~ووضعهما حيال أذنيه، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما ~~أراد أن يركع، أخرج يده من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: سمع ~~الله لمن حمده رفع يديه، فلما سجد، سجد بين كفيه». # وروى الطحاوي والدارقطني وإسحاق بن راهويه ms0194 من حديث يزيد بن أبي زياد، عن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا صلى رفع يديه حتى كان إبهاماه حذاء أذنيه». زاد الدارقطني ~~فيه: «ثم لم يعد». وروى هو في «سننه»، والحاكم في «مستدركه»، عن أنس قال: ~~«رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر فحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم ركع حتى ~~استقر كل مفصل منه، وانحط بالتكبير حتى سبقت يداه ركبتيه». قال الحاكم: ~~إسناده صحيح على شرط الشيخين، ولا أعلم له علة، ولم يخرجاه. وروى الدارقطني ~~بطريق آخر (عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح ~~الصلاة كبر، ثم رفع يديه حتى) يحاذي إبهاميه أذنيه، ثم يقول: سبحانك اللهم ~~وبحمدك...» إلخ، وقال: رجال إسناده كلهم ثقات. # --- PageV01P263 ~~*** # وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله صلى الله عليه وسلم «لا ترفع الأيدي إلا ~~في سبع مواطن: تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة القنوت، وتكبيرات العيدين، وذكر ~~الأربع في الحج»، فغير معروف رفعه، فإنما ثبت وقفه على النخعي من قوله، ~~كذلك رواه الطحاوي عن سليمان ابن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف، عن أبي ~~حنيفة، عن طلحة بن مصرف، عن إبراهيم النخعي، قال: «ترفع الأيدي في سبع ~~مواطن: في افتتاح الصلاة، وفي التكبير للقنوت في الوتر، وفي العيدين، وعند ~~استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة، وبجمع وعرفات، وعند المقامين، ثم عند ~~الجمرتين». # والمرفوع من ذلك ما رواه الشافعي و(الطحاوي) والبزار في آخرين. وهذا لفظ ~~البزار عن المحاربي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس وعن ~~نافع، عن ابن عمر، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ترفع الأيدي في ~~سبع مواطن: عند افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين ~~والجمرتين». وقال مالك والشافعي، وهو رواية عن أحمد: يرفع يديه حذو منكبيه، ~~لما روى الجماعة عن عبد الله بن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع ms0195 رأسه من ~~الركوع». # --- PageV01P264 ~~*** # قلنا: لا معارضة بين المحاذاتين لما في أبي داود عن وائل (بن حجر): «أنه ~~أبصر النبي صلى الله عليه وسلم حين قام إلى الصلاة رفع يديه حتى كانتا ~~بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه». والذي نص على محاذاة الإبهامين ~~بالشحمتين وفق في التحقيق بين الروايتين فتعين اعتباره، إذ محاذاة الشحمتين ~~بالإبهامين تسوغ حكاية محاذاة اليدين بالمنكبين والأذنين، لأن طرف الكف مع ~~الرسغ يحاذي المنكب أو يقاربه، والكف نفسه يحاذي الأذن، واليد تطلق على ~~الكف إلى أعلاها. ولئن سلمنا، فجاز أنه رفع إلى الأذنين تارة، وإلى ~~المنكبين أخرى، فيكون إلى الأذنين من سنن الهدى أو الزوائد، لما روينا في ~~»الشفاء» من قوله صلى الله عليه وسلم «إذا قمتم إلى الصلاة، فارفعوا ~~أيديكم، ولا تخالف آذانكم». ولا دليل على نسخ الأدنى للأعلى. # قال ابن المنذر: لم يختلف أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. انتهى. وقد روى البخاري عن أنس: «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه..» الحديث. وعن علي: ~~«أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع ~~يديه...» الحديث. رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. وعن مالك بن ~~الحويرث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر رفع يديه...» ~~الحديث. رواه مسلم، وأصله في البخاري. # ثم يسن نشر الأصابع عند الرفع بلا ضم ولا تفريج والأولى خروجها عن كميه، ~~ثم قال أبو يوسف: يرفع يديه مقارنا للتكبير، وهو اختيار بعض المشايخ. وقال ~~أبو حنيفة ومحمد: يرفع يديه ثم يكبر لأن في الرفع نفي الكبرياء عن غيره ~~تعالى بطريق الإشارة، وفي التكبير إثبات الكبرياء له تعالى على سبيل ~~العبادة. والنفي مقدم على الإثبات كما في كلمة الشهادتين. وفي «الهداية»: ~~وهو الأصح. # --- PageV01P265 ~~*** # (والمرأة ترفع يديها حذاء منكبيها) لأنه أستر لها. # (ويجوز) الشروع في الصلاة (بكل ما دل على تعظيم) وتبجيل من تسبيح وتهليل، ~~لأن التكبير في اللغة: التعظيم، ms0196 قال تعالى: {وربك فكبر} أي فعظم، وقال: ~~{فلما رأينه أكبرنه} أي عظمنه، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وفي «المحيط»: ~~وروي عن أبي حنيفة: أنه كره الافتتاح إلا ب:الله أكبر، والأصح أنه لا يكره، ~~ذكره الشارح. قلت: الأصح أنه بدونه يكره لأن مواظبة النبي صلى الله عليه ~~وسلم تفيد الوجوب، مع الخلاف في صحة الشروع بغيره. ثم رأيت «الذخيرة» صرح ~~بأنه يكره بغير التكبير. وعند أبي يوسف: لا يصح الشروع في الصلاة لمن يحسن ~~التكبير إلا ب:الله أكبر، أو: الله الأكبر، أو: الله الكبير، أو: الله كبير. # وعند الشافعي: لا يجوز إلا بالأولين. وعند مالك وأحمد: لا يجوز إلا ~~بالأول، لأنه المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مبين لما في الكتاب ~~من التكبير المبهم. وللشافعي: أن: الله الأكبر أبلغ من الله أكبر، لأن ~~تعريف الخبر يفيد حصره في المبتدأ. ولأبي يوسف: أن أفعل التفضيل إذا لم يكن ~~في أصله مشاركة كما في صفات الله سبحانه، لا يكون بمعنى التفضيل نحو: {وهو ~~أهون عليه} فيكون أكبر في حقه تعالى بمعنى كبير، ولأبي حنيفة: قوله تعالى: ~~{وذكر اسم ربه فصلى} فإنه بإطلاقه يدل على جواز الشروع في الصلاة بكل ذكر ~~على سبيل التعظيم: ك:الله أجل، والرحمن أكبر، و:الله أعظم، فإن هذه الألفاظ ~~موضوعة لتعظيم الله عز وجل فكانت تكبيرا وإن لم يتلفظ به. # فالثابت بالنص ذكر الله على سبيل التعظيم، ولفظ التكبير ثبت بالخبر فيجب ~~العمل، حتى يكره افتتاح الصلاة بغيره لمن يحسنه بناء على تصحيح صاحب ~~«التحفة»، وهو أولى من تصحيح السرخسي: عدمها بغيره. # --- PageV01P266 ~~*** # ولو قال عند الشروع: الله، كان شارعا في الصلاة عند أبي حنيفة خلافا لأبي ~~يوسف ومحمد، حتى يذكر الخبر: إما بلفظ التكبير عند أبي يوسف، أو بنحو: أجل، ~~وأعظم، وكريم، ورحيم عند محمد. وعند أبي حنيفة: يكتفى بالخبر، أو المبتدأ ~~المقدر فقوله: الله، أي هو الله، أو أنت الله، أو الله ربنا، أو حسبنا. # وإذا كبر المأموم مقارنا لتكبير الإمام، يصير مدركا فضيلة تكبيرة ~~الافتتاح، وعندهما ms0197 إذا أدرك الإمام في الثناء. وقال بعضهم: إذا أدرك الإمام ~~في الركعة الأولى يصير مدركا فضيلة تكبيرة الافتتاح. # (لا مشوب) أي لا مخلوط (بدعاء) فلا يصح الافتتاح باللهم اغفر لي ونحوه، ~~لأنه قصد السؤال به دون التعظيم، ولو قال: اللهم، قيل: يجزيه وهو الأصح، ~~كذا في «المحيط»، لأن معناه: يا الله، والميم المشددة خلف عن حرف النداء. ~~وقيل: لا يجزيه، لأن معناه يا الله أمنا بخير، فيكون مشوبا بالدعاء. (ولو) ~~كان ما دل على التعظيم (بالفارسية) وهذا عند أبي حنيفة، لإطلاق قوله تعالى: ~~{وذكر اسم ربه فصلى} ولأن من آمن بلغة غير عربية، أو لبى في الحج، أو سمى ~~عند الذبح بها يجزيه، لحصول المقصود فكذا هذا. وقال أبو يوسف ومحمد: لا ~~يكون شارعا بغير العربية إذا كان يحسن العربية، لأن اللغة العربية لها من ~~المزية ما ليس لغيرها، وعلى هذاالخلاف الخطبة والقنوت والتشهد، لا الأذان، ~~فإنه يعتبر فيه التعارف. # (لا القراءة بها) أي لا يجزىء القراءة في الصلاة بالفارسية (إلا بعذر) ~~بأن كان لا يحسن العربية، بشرط أن لا يخل بالمعنى عما يستفاد من المبنى. ~~(وبه يفتى) وهو قولهما وقول أبي حنيفة الذي رجع إليه، كما ذكر أبو بكر ~~الرازي. # --- PageV01P267 ~~*** # وجه قوله الأول: قوله تعالى: {وإنه لفي زبر الأولين}، وقوله تعالى: {إن ~~هذا لفي الصحف الأولى} ولم يكن فيها هذا النظم بل معناه. # ووجه قولهما: أن المأمور به قراءة القرآن وهو اسم لهذا النظم العربي ~~الدال على المعنى المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا نقلا متواترا. وقال ~~الله تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا}، وقال: {قرآنا عربيا غير ذي عوج}، ~~{ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته}. على أنه يحتمل أن يكون ~~الضمير في: «إنه» للنبي صلى الله عليه وسلم ويشهد لذلك قوله تعالى عقيب ~~ذلك: {أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} الآية. # وفي «الخانية»: الخطأ في الإعراب إن لم يغير المعنى لا يفسد، لأن الخطأ ~~في الإعراب مما لم يمكن الاحتراز عنه فيعذر. وإن غير المعنى ms0198 تغييرا فاحشا ~~نحو {وعصى آدم ربه} بنصب آدم ورفع ربه، فإن كان مخطئا فسدت صلاته في قول ~~المتقدمين. واختلف فيها قول المتأخرين، وما قاله المتقدمون أحوط، وما قال ~~المتأخرون أوسع. # ولو أبدل كلمة مكان كلمة وهما في القرآن ومعناهما متقارب، كما لو أبدل ~~مكان «الظالمين»: الفاسقين، لا تفسد صلاته سواء أعاد وأصلح، أو لا عند أبي ~~حنيفة ومحمد، وعن أبي يوسف: أنها تفسد. ولو أبدل الضاد بالظاء فسدت صلاته ~~عند الكرخي، والحاكم الشهيد، وأبي مطيع البلخي، ومحمد بن مقاتل الرازي. وعن ~~محمد ابن سلمة: لا تفسد، لأن الناس قل منهم من يفرق بينهما. هذا وجهر ~~الإمام بالتكبير للإعلام بالإحرام. # --- PageV01P268 ~~*** # (ويضع يمينه على شماله) لما روى مسلم في رفع اليدين: «ثم وضع يده اليمنى ~~على اليسرى...» الحديث. وفي وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة أحاديث ~~في الصحيحين وفي غيرهما، وهو حجة على الإمام مالك في اختيار إرساله. فمنها: ~~ما رواه أبو داود عن ابن مسعود: «أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى، ~~فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على اليسرى». وعن قبيصة بن ~~هلب، عن أبيه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمنا فيأخذ شماله ~~بيمينه». رواه الترمذي وحسنه، وقال أبو يوسف: «يقبض باليمنى رسغ اليسرى». ~~وقال محمد: يضع الرسغ وسط الكف. وفي «المفيد»: يأخذ الرسغ بالخنصر ~~والإبهام، ويضع الباقي، وهو المختار. # وقال شمس الأئمة السرخسي: استحسن كثير من مشايخنا الجمع بين الوضع ~~والأخذ، وذلك بأن يضع باطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى، ويحلق بالخنصر ~~والإبهام على الرسغ. # (تحت سرته) وهو رواية عن أحمد لقول علي كرم الله وجهه: «إن من السنة وضع ~~الأكف على الأكف تحت السرة». رواه أحمد وأبو داود والدارقطني والبيهقي. ~~والصحابي إذا قال: السنة، يحمل على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأما قول ~~صاحب «الهداية»: لقوله صلى الله عليه وسلم «إن من السنة وضع اليمين على ~~الشمال تحت السرة»، فلا يعرف مرفوعا. # --- PageV01P269 ~~*** # وقال الشافعي: على صدره. وهو رواية أيضا ms0199 عن أحمد لما روى ابن خزيمة في ~~«صحيحه»، من حديث وائل بن حجر قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره». ولقوله تعالى {فصل لربك وانحر} أي ~~ضع يدك على نحرك، وهذا التفسير مأثور عن علي كرم الله وجهه. وأجيب بأن ~~مدلول الآية طلب عين النحر، وهو غير طلب الوضع على الصدر على أن وضعهما على ~~الصدر، ليس هو حقيقة وضعهما على النحر، فصار الثابت هو وضع اليمين على ~~اليسرى. وكونه تحت السرة أو على الصدر لم يثبت فيه حديث يوجب العمل به، ~~فيحال على المعهود من وضعهما حال قصد التعظيم في القيام، والمعهود في ~~الشاهد منه ما قلناه. # (والمرأة تضع على صدرها) اتفاقا لأن مبنى حالها على الستر. (في كل قيام) ~~أي حقيقي أو حكمي كما إذا صلى قاعدا (فيه ذكر مسنون) أي مشروع في الجملة، ~~وقال محمد: في حالة القراءة فقط. فيرسل عنده حالة الثناء والقنوت وصلاة ~~الجنازة، ويضع عندهما. وفي «الإحياء»: إذا فرغ من التكبير يرسلهما إرسالا ~~رقيقا خفيفا، ويستأنف وضع اليمنى على الشمال بعد الإرسال. قال: وفي بعض ~~الروايات: كان صلى الله عليه وسلم إذا كبر أرسل يديه، وإذا أراد أن يقرأ ~~وضع اليمنى على اليسرى. قال: فإن صح، فهو أولى مما ذكرناه. قلت: وبذلك ~~يراعى في الجملة مذهب مالك. والحديث رواه الطبراني من حديث معاذ بإسناد ~~ضعيف، قاله العراقي. # (ويرسل) (كان الأولى: فيرسل) (في قومة الركوع) إجماعا، إذ ليس في قومته ~~ذكر، وإنما الذكر في حال الانتقال من الركوع إلى القومة، ومنها إلى السجود ~~وذلك لعدم امتدادها في أصل وضعها، ولو ورد في بعض الروايات إطالتها وقراءة ~~الأدعية فيها. # --- PageV01P270 ~~*** # (وبين تكبيرات العيدين) اتفاقا، خلافا للشافعي، لأن بينها يسن الذكر ~~عنده. (ثم يثني) أي بعد التحريمة يأتي بالثناء إماما كان أو مقتديا أو ~~منفردا لقوله تعالى: {وسبح بحمد ربك حين تقوم}، ولقوله صلى الله عليه وسلم ~~«إذا قمتم إلى الصلاة فارفعوا أيديكم، ولا تخالف آذانكم، ثم قولوا: الله ms0200 ~~أكبر، سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وإن لم ~~تزيدوا على التكبير أجزأكم». رواه الطبراني. # ورواه الدارقطني في «سننه» بإسناد رجاله ثقات عن أنس قال: «كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة كبر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه ~~شحمتي أذنيه»، ثم قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا ~~إله غيرك». وتقول عائشة: «كان صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: ~~سبحانك اللهم...» إلخ. ورواه الجماعة. وقال مالك: إذا كبر شرع في القراءة، ~~ولا يشتغل بالثناء والتعوذ والتسمية، لما ورد: «أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يستفتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين». # --- PageV01P271 ~~*** # ومن أدرك الإمام في الركوع: يكبر للافتتاح، ويترك الثناء ويكبر ويركع، ~~لئلا تفوته الركعة. أو في السجود أو القعود: يكبر للافتتاح ويأتي بالثناء. ~~أو بعد ما اشتغل بالقراءة: قيل: لا يأتي به بل يستمع، وقيل: يأتي في حال ~~سكتاته. وينبغي أن يأتي به في السرية، ويترك في الجهرية. وفي معنى السرية: ~~إذا لم يسمع صوت الإمام في الجهرية. وأما قوله: «وجل ثناؤك» فلم يذكر في ~~المشاهير فلا يأتي به في الفرائض. (ولا يوجه) أي لا يقول: وجهت وجهي، إلى ~~آخره وحده، كما اختاره الشافعي ولا يجمع بينهما كما قال أبو يوسف ، واختاره ~~الطحاوي، إلا أنه قال: المصلي بالخيار إن شاء قال التوجيه بعد الثناء وإن ~~شاء قاله قبل الثناء، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف. والثانية أقوى لحديث ~~ورد به، ولموافقة المذهب ثم مراعاة غيره. # والأظهر أن يأتي بالتسبيح تارة، وبالتوجيه أخرى، لعدم ورود الجمع بينهما ~~ثم الأولى أن يخص الأول بالفرائض، والثاني بالنوافل جمعا بين الأدلة ~~واختيارات الأئمة. # ويؤيده ما رواه النسائي من أنه صلى الله عليه وسلم «كان إذا قام يصلي ~~تطوعا قال: الله أكبر، وجهت وجهي» فيكون مفسرا لما في غيره من الأحاديث ~~المطلقة. # هذا وقد روى مسلم من حديث علي رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا قام إلى ms0201 الصلاة كبر ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين». # --- PageV01P272 ~~*** # وفي رواية: «وأنا أول المسلمين». وفي «الظهيرية» عن أبي يوسف: روايتان، ~~في رواية يقول: «وأنا من المسلمين». وفي رواية يقول: «وأنا أول المسلمين» ~~يعني على الحكاية. لأنه صلى الله عليه وسلم أول مسلمي هذه الأمة، وأول ~~المسلمين مطلق، وكون روحه أول ما خلق الله، ولأنه أول من قال: بلى في جواب ~~قوله تعالى: {ألست بربكم}. # وأما القول بالتوجيه قبل تكبيرة الافتتاح، فليس له توجيه وجيه، سواء يكون ~~قبل النية أو بعدها. # (ويتعوذ) أي في أول الصلاة فقط اتفاقا، بأن يقول: أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم، وهو ظاهر الرواية ومختار شمس الأئمة، وجمهور أرباب القراءة، ويؤيده ~~ما جاء في الكتاب والسنة بلفظ: أعوذ، دون أستعيذ، كما اختاره صاحب ~~«الهداية». # وهو مستحب عند عامة السلف وعليه جمهور الخلف وانفرد عطاء والثوري بوجوبه ~~لقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله}. ولقول أبي سعيد الخدري: «إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم ~~وبحمدك... إلخ، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثا، ثم يقول: الله أكبر كبيرا ~~ثلاثا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ~~ونفخه ونفثه، ثم يقرأ» . رواه أبو داود والترمذي. قال الترمذي: هذا أشهر ~~حديث في هذا الباب، وقد تكلم في إسناده. وقال المنذري: وثقه غير واحد، ~~وتكلم فيه غير واحد. # (للقراءة) أي لأجل القراءة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد وعليه الجمهور، ~~لقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن} أي أردت قراءته (لا للثناء) كما هو قول ~~أبي يوسف. ووجهه: أنه ذكر بعد الثناء من جنسه، فيكون تبعا له. وفي ~~«الخلاصة»: قول أبي يوسف أصح. وفيه: أنه مخالف لظاهر القرآن فلا ينبغي أن ~~يكون صحيحا فكيف بالأصح. # --- PageV01P273 ~~*** # (فيقوله المسبوق) عندهما: إذا قام إلى قضاء ما فاته، لأنه يقرأ حينئذ. ~~وعند ms0202 أبي يوسف: لا يقوله لأنه لا يأتي بالثناء حينئذ (ويؤخره) الإمام ~~عندهما (عن تكبيرات العيدين) لتأخير القراءة عنها، وعند أبي يوسف: يقدمه ~~عليها لتقدم الثناء عليها. (ويسمي) أول الصلاة فقط في رواية عن أبي حنيفة، ~~لأنها شرعت مفتاحا للقراءة كالتعوذ، ولقول ابن عباس: «كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم»، رواه الترمذي. وفي رواية ~~أخرى: وهي قولهما «أول كل ركعة». لأن التسمية لافتتاح القراءة وكل ركعة ~~أصل في القراءة، فتبتدأ بالبسملة. # وفي «المحيط»: قيل: التسمية أي في أوائل السورة ليست عندنا من القرآن، ~~لاختلاف العلماء والأخبار فيها، يعني المستلزم عدم تواترها. وإنما يستفتح ~~في أوائل السورة تبركا، وقد اختلف الصدر الأول فيها اختلافا ظاهرا. والقرآن ~~لا يثبت إلا بالإجماع، حتى ادعى أبو بكر الباقلاني وغيره، خطأ الشافعي في ~~جعله البسملة من القرآن، معتمدين على أنه لا يجوز إثباته إلا بالتواتر، ولا ~~تواتر ههنا، فيجب القطع بنفي كونها منه، وهو وجه رواية النفي، وبه قال مالك ~~وطائفة من الحنفية وبعض أصحاب أحمد مدعين أنه مذهبه، أو رواية عنه. # قلت: ينبغي أن لا يقطع بكونها من القرآن، ولا بنفيها منه كما لا يخفى، إذ ~~لا دليل (قطعي) على أحد الشقين. وأما قول الشافعي: مذهب ابن كثير وعاصم ~~والكسائي من القراء ووافقهم حمزة في أنها من الفاتحة خاصة. ولم يعتقدها ~~الباقون من الفاتحة ولا غيرها، وقالون منهم ففيه بحث، إذ الموجود في كتب ~~القراءة أن القراء كلهم يبتدؤن الفاتحة بالبسملة، واختلف فيما بين ~~السورتين. وليس في كتبهم تعرض باعتقادهم أنهم يعدونها من القرآن أم لا، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # --- PageV01P274 ~~*** # وروى الجصاص عن محمد: أنها آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور، وليست ~~من الفاتحة، ولا من كل سورة. وهذا القول أعدل وأصح، ولهذا كتبت بخط الوحي، ~~أي ما ثبت أنه وحي، ليدل على كونها من القرآن، وكتبت بخط على حدة أي ~~بتطويل سين أو بقلم متين ليدل على كونها ليست من تلك السورة. وقد روى أبو ~~داود عن ms0203 الصحابة رضي الله عنهم: «كنا لا نعرف انقضاء السورة حتى نزل: بسم ~~الله الرحمن الرحيم». # وعند مالك: لا يستحب الثناء ولا التعوذ ولا التسمية في بدء الصلاة. وقال ~~الشافعي: التسمية جزء من الفاتحة، ومن كل سورة، على اختلاف أنها آية أو ~~بعضها، ويؤيد كونها آية قول (أم) سلمة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~بسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة في الصلاة وعدها آية». ذكره النووي في ~~«الخلاصة»، والحاكم في «المستدرك»، وقول نعيم المجمر: «صليت خلف أبي هريرة ~~فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. ثم قرأ بأم القرآن، فلما سلم قال: والذي نفسي ~~بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه ابن حبان وابن ~~خزيمة في «صحيحيهما». # وقال مالك: يبتدأ بالحمدلة لقوله صلى الله عليه وسلم «قال الله تعالى: ~~قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. فإذا قال: الحمد لله رب ~~العالمين، قال: حمدني عبدي...» الحديث. رواه مسلم. ولقول عائشة: «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب ~~العالمين». ولقول أنس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي ~~الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين». رواه الشيخان. # --- PageV01P275 ~~*** # والجواب: أن هذا أول ما كان يسمع منه، وهو لا ينافي قراءة الثناء والتعوذ ~~والبسملة سرا كما لا يخفى. نعم، في هذا حجة على الشافعي في جهره بالبسملة، ~~إلا أنه استدل في جهرها بما روى الدارقطني في «سننه» عن محمد بن المتوكل بن ~~أبي السري قال: «صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها: ~~الصبح والمغرب، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل الفاتحة وبعدها، ~~(وسمعت المعتمر) يقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن ~~أقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # وعن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «صليت خلف النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبي ms0204 بكر وعمر، فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم». وعن ~~سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «كان صلى الله عليه وسلم يجهر في الصلاة ~~ببسم الله الرحمن الرحيم». وعن علاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: ~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أم الناس، جهر ببسم الله الرحمن ~~الرحيم». # والجواب عما رواه الدارقطني عن محمد بن أبي السري، عن المعتمر بن سليمان، ~~عن أبيه، عن الحسن، عن أنس، أنه معارض بما رواه ابن خزيمة في «مختصره»، ~~والطبراني في «معجمه»، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، عن أنس: ~~«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم في ~~الصلاة». زاد ابن خزيمة: «وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الصلاة». # --- PageV01P276 ~~*** # وعن حديث ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب أنه هو، وكذا الخلال ضعف شيخه عمر ~~بن الحسن الشيباني، وكذا ضعف جعفر بن محمد بن مروان شيخ عمر، ونسب شيخ جعفر ~~وهو أبو طاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ~~إلى الوضع، وأبوه عيسى كان وضاعا أيضا، ذكره الحافظ أبو محمد الرامهرمزي. # وعن حديث ابن عباس المخرج من سبعة طرق أنه ضعيف من جميع طرقه بينها ~~الزيلعي في تخريجه، ومعارض لما روى الطحاوي، وابن عبد البر، عن ابن عباس: ~~«أن الجهر بالبسملة قراءة الأعراب». وعنه أيضا: «لم يجهر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالبسملة حتى مات». وحكي عن الدارقطني: أنه لما ورد مصر سأله بعض ~~أهلها أن يصنف شيئا في الجهر بالبسملة، فصنف فيه جزأ، فاقسم عليه بعض ~~المالكية أن يخبره بالصحيح منها، فقال: لم يصح بالجهر بالبسملة حديث. وقد ~~تجرد أبو بكر الخطيب لجمع أحاديث الجهر فأزرى على علمه، بتغطية ما ظن أنه ~~لا ينكشف، وقد بينا عللها وخللها قاله صاحب «التنقيح». # وعن حديث أبي هريرة: أن الخطيب أخرجه عن أبي أويس، واسمه عبد الله بن ~~أنيس قال: أخبرني العلاء بن ms0205 عبد الرحمن... وساق الحديث. ورواه الدارقطني، ~~وابن عدي وقالا فيه: «قرأ» عوض «جهر»، وكأنه رواه بالمعنى، ولو ثبت هذا عن ~~ابن أنيس فهو غير محتج به لأنه لا يحتج بما انفرد به، فكيف إذا انفرد بما ~~خالفه فيه من هو أوثق منه مع أنه متكلم فيه. فوثقه الدارقطني وأبو زرعة، ~~وروى له مسلم في «صحيحه»، وضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم. # --- PageV01P277 ~~*** # وعن حديث نعيم المجمر: أنه معلول، فإن ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم ~~من بين أصحاب أبي هريرة، وأنه حدث عن أبي هريرة: «أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان يجهر بالبسملة في الصلاة». وقد أعرض عن ذكرها في حديث أبي هريرة صاحب ~~الصحيح. ولم يذكرها واحد منهما مع شدة حرص البخاري على معارضة الإمام أبي ~~حنيفة بالأحاديث مهما أمكنه، بدليل ما أشحن به صحيحه. # ثم إنا بعد ذلك كله نحمل أحاديث الجهر على أحد أمرين: إما أن يكون جهر ~~بها لتعليم الإتيان بها، أو جهر جهرا يسيرا يسمعه من قرب منه. # فإن المأموم إذا قرب من الإمام، أو حاذاه يسمع ما يخافته، ولا يسمى ذلك ~~جهرا، كما ورد أنه كان يصلي بهم الظهر فيسمعهم الآية والآيتين بعد الفاتحة ~~أحيانا، أو يكون قبل الأمر بترك الجهر كما قدمنا عن سعيد بن جبير. # (لا بين الفاتحة والسورة) وقال محمد: يسمي بينهما في السرية لا في ~~الجهرية، لأنه إن خافت البسملة بينهما يكون سكتة ظاهرة في وسط القراءة، وإن ~~جهر بها يكون جمعا بين مخافتة البسملة أولا، والجهر بها ثانيا. أقول: ~~والأظهر أن يقرأها سرا ولو في الجهرية لأنها للفصل بين السورتين، ولا مانع ~~من السكتة في وسط القراءة كما سيأتي في قوله آمين سرا. # (ويسرهن) أي الثناء والتعوذ والتسمية، لما روى محمد في «الآثار» عن أبي ~~حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعي أنه قال: أربع يخفيهن الإمام: التعوذ، ~~وبسم الله الرحمن الرحيم، وسبحانك اللهم وبحمدك، وآمين. وقال ابن عبد البر: ~~روي عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه من وجوه ms0206 ليست بالقائمة أنه قال: «يخفي ~~الإمام أربعا: التعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وسبحانك اللهم وبحمدك، ~~وآمين». انتهى. # --- PageV01P278 ~~*** # وفي رواية أحمد وأبي داود والدارقطني عن أبي وائل أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: «آمين وخفض بها صوته». وفي البسملة وآمين خلاف الشافعي. وقال بالإسرار ~~بالتسمية مع الفاتحة الثوري وأحمد وأبو عبيد. وروي ذلك عن عمر وعلي وابن ~~مسعود وعمار وابن الزبير رضي الله عنهم. وعن سعيد بن جبير أنه قال: «كان ~~المشركون يحضرون المسجد وإذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: هذا ~~محمد يذكر رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب فأمر أن يخافت ببسم الله ~~الرحمن الرحيم، ونزلت: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} رواه أبو داود. وفي ~~رواية: «فخفض النبي صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم». فهذا يدل ~~على نسخ الجهر بها. قال الترمذي الحكيم: فبقي ذلك إلى يومنا هذا وإن زالت ~~العلة، كما بقي الرمل في الطواف، والمخافتة في صلاة النهار وإن زالت العلة. انتهى. # فمعنى الآية: ولا تجهر ببعض قراءتك وهي البسملة ولا تخافت بغيرها. وهو ~~معنى غريب في الآية. والمشهور فيها: لا تجهر بقراءتك في النهار، ولا تخافت ~~بها في الليل، أو لا تبالغ في الجهر بها حال التهجد، ولا تخافت بها وابتغ ~~بين ذلك سبيلا. # ومن الأدلة على إسرار البسملة: قول أنس «صليت خلف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلم أسمع أحدا منهم ~~يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم». وفي لفظ مسلم: «فكانوا يستفتحون القراءة ~~بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ~~ولا في آخرها». وفي رواية لمسلم: «فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله ~~الرحمن الرحيم». ورواه النسائي والدارقطني في «سننهما»، وأحمد في «مسنده»، ~~وابن حبان في «صحيحه». وقالوا: «فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن ~~الرحيم». وزاد ابن حبان: «ويجهرون بالحمد لله رب العالمين». # --- PageV01P279 ~~*** # وفي مسند أبي يعلى الموصلي: «فكانوا يفتتحون القراءة فيما يجهر به بالحمد ~~لله رب ms0207 العالمين». وفي «آثار الطحاوي»، «ومعجم الطبراني»، «وحلية أبي ~~نعيم»، و«مختصر ابن خزيمة»: «فكانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم». ورجال ~~هذه الروايات كلهم ثقات مخرج لهم في «الصحيحين». # ومنها قول ابن عبد الله بن مغفل: «وسمعني أبي وأنا اقرأ ببسم الله الرحمن ~~الرحيم أي جهرا فقال: أي بني، إياك والحدث، قال: ولم أر أحدا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه الحدث في الإسلام يعني منه ~~فإني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر وعثمان فلم ~~أسمع أحدا منهم يقولها، فلا تقلها أنت، وإذا صليت فقل: الحمد لله رب ~~العالمين». رواه الطحاوي وابن ماجه والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن. ~~والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم: ~~أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين رضي الله ~~عنهم، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، والثوري، والحسن، والأوزاعي، والشعبي، ~~والنخعي. # هذا، وقد قال الشافعي: البسملة من الفاتحة قولا واحدا، وكذا من غيرها على ~~الصحيح. وعندنا: هي آية أنزلت للفصل بين السور، ليست من الفاتحة، ولا من كل ~~سورة. لما روي عن ابن عباس: «أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل ~~السورة حتى نزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم». رواه أبو داود والحاكم في ~~«مستدركه». # --- PageV01P280 ~~*** # (ثم يقرأ الفاتحة) أي وجوبا (ويؤمن) أي يقول آمين حال كونه منفردا أو ~~إماما، استحبابا (سرا كالمأموم) أي كما يؤمن المأموم سرا كما سبق. وإنما ~~يؤمن المصلي لما روى الشيخان عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، ~~فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه». ولفظ «أحدكم» يندرج فيه ~~الإمام والمنفرد والمأموم. # ولما روى مالك، والجماعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ~~ما تقدم من ذنبه». قال النووي ms0208 في «شرح مسلم»: والصحيح الصواب أن المراد: ~~الموافقة في وقت التأمين، أي لا في الكيفية من خلو الرياء والسمعة، كما قال ~~به ابن حبان. ولا يبعد أن يراد به الأعم والله تعالى أعلم. وقيل الملائكة: ~~هم الحفظة، وقيل غيرهم، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: «فوافق ~~قوله قول أهل السماء». وفي رواية: قالت الملائكة في السماء ، ولا منع من الجمع. # وفي آمين لغتان: المد، وهو الأشهر، ومنه قول بعضهم: ويرحم الله عبدا قال ~~آمينا. أو القصر، ومنه قول الشاطبي: # * أمين وأمنا للأمين بسرها ** وإن عثرت فهو الأمون تحملا # وهو اسم فعل ومعناه: استجب، عند أكثر أهل العلم. وقيل معناه: كذلك فليكن. ~~وقال الترمذي: معناه لا تخيب رجاءنا. قال الجوهري: وهو مبني على الفتح ~~كأين، وتشديد الميم خطأ، قيل: تفسد الصلاة، وقيل: لا تفسدها، لأن نظير لفظه ~~موجود في القرآن، وهو قوله تعالى: {ولا آمين البيت الحرام} وقد حكى ~~القشيري: التشديد عن الحسن، وجعفر الصادق، فيكون من أم إذا قصد. فالتقدير: ~~دعوناك قاصدين، فلا تردنا خائبين. # --- PageV01P281 ~~*** # واستدل الشافعي في جهر آمين، بما في سنن أبي داود والترمذي عن سفيان، عن ~~سلمة بن كهيل، عن حجر بن العنبس، عن وائل بن حجر، واللفظ لأبي داود قال: ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ: {ولا الضالين}، قال: آمين ورفع ~~بها صوته». ولفظ الترمذي: «ومد بها صوته»، وقال حديث حسن. قلنا رواه شعبة ~~عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن العنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، وقال فيه: ~~«وخفض بها صوته». إلا أن أبا زرعة والبخاري جعلا حديث سفيان أصح من حديث ~~شعبة. والبيهقي روى عنه موافقة لسفيان: «يرفع الصوت بها». # لكن روى الطحاوي في «آثاره» عن أبي وائل قال: «كان عمر وعلي لا يجهران ~~ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا بالتعوذ، ولا بآمين». وروى عبد الرزاق في ~~«مصنفه»: أخبرنا معمر، عن حماد، عن إبراهيم النخعي قال: «أربع يخفيهن ~~الإمام: التعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، واللهم ربنا لك الحمد، وآمين». ms0209 ~~ثم قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: «خمس يخفيهن الإمام... ~~فذكرها وزاد: سبحانك اللهم وبحمدك». فهذا يدل على أن الجهر بها في بعض ~~الأحيان كان للتعليم فعلا كما ورد: وكان يسمعنا الآية أحيانا، لا ليكون سنة ~~مستمرة، وإلا لما تركه عمر وعلي ولما ساغ لإبراهيم النخعي الحكم بخلافه من عنده. # --- PageV01P282 ~~*** # (ثم يكبر للركوع خافضا) أي حال كونه منحطا، بأن يكون ابتداء التكبير عند ~~انحطاطه، وهذا موافق لما في «الجامع الصغير» حيث قال: ويكبر مع الانحطاط. ~~وقيل: يكبر قائما، ثم يركع. وعن محمد: ما يدل عليه، وهو: وإذا أراد أن يركع ~~يكبر. وروى النسائي، والترمذي وقال: حسن صحيح، عن عبد الله بن مسعود قال: ~~«كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر في كل خفض، ورفع، وقيام، وقعود، وأبو ~~بكر وعمر». وقوله في كل خفض: أي عند إرادة كل خفض إلى آخره. قال الترمذي: ~~حديث ابن مسعود حسن صحيح، والعمل عليه عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وغيرهم رضي الله عنهم، ومن بعدهم من التابعين، ~~وعليه عامة العلماء. # (ويعتمد بيديه على ركبتيه) أي: ناصبا ساقيه. وأما انحناؤهما شبه القوس، ~~كما يفعله بعض الناس فمكروه. وإنما يضع على ركبتيه لما في الصحيحين، عن ~~مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: «صليت إلى جنب أبي فطبقت بين كفي، ثم وضعتهما ~~بين فخذي، فنهاني أبي، وقال: كنا نفعله فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع أيدينا ~~على الركب (إلا في السجود)». # (مفرجا أصابعه) ليكون أمكن من أخذهما. ولما روى الطبراني في «معجمه» عن ~~أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا بني إذا ركعت فضع يديك على ~~ركبتيك، وفرج بين أصابعك، وارفع يديك عن جنبيك». # قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والتابعين، ومن بعدهم، ولا اختلاف بينهم في ذلك إلا ما روي عن ~~ابن مسعود، وبعض أصحابه: أنهم كانوا يطبقون، والتطبيق منسوخ عند أهل العلم. ~~قال سعد ms0210 بن أبي وقاص: «كنا نفعل ذلك، فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع الأكف». ~~وحديث سعد هذا متفق عليه. # --- PageV01P283 ~~*** # (باسطا ظهره) لما روى ابن ماجه في «سننه»، عن راشد قال: سمعت وابصة ابن ~~معبد يقول: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، وكان إذا ركع سوى ~~ظهره حتى لو صب عليه الماء لاستقر». (غير رافع ولا منكس) بتشديد الكاف ~~المكسورة (رأسه) بالنصب على أنه مفعول تنازع فيه الفعلان. وذلك لما روى ~~مسلم عن عائشة، في حديث طويل: «وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن ~~بين ذلك». وإشخاص الرأس: رفعه. وتصويبه: خفضه. # (ويسبح ثلاثا) يقول كل مرة: سبحان ربي العظيم. وفي رواية: وبحمده. ولو ~~رفع الإمام رأسه قبل أن يتم المأموم ثلاثا، يتم في رواية، ويتابع في أخرى، ~~وهو الصحيح. وقيل: إن تسبيحه، وتسبيح السجود، وتكبيرهما واجبات. # (وهو) أي التسبيح ثلاثا (أدناه) أي أدنى الكمال. لما روى أبو داود، ~~والترمذي، وابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم ~~وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، وذلك أدناه»، ولما ~~روى الترمذي مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ركع أحدكم فقال في ~~ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فقد تم ركوعه وذلك أدناه، وإذا سجد ~~فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، فقد تم سجوده وذلك أدناه». # ولما في «السنن الأربعة» من قول حذيفة: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى». ~~ولقول عقبة بن عامر الجهني: «لما نزلت {فسبح باسم ربك العظيم}، قال لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت {سبح اسم ربك ~~الأعلى} # --- PageV01P284 ~~*** # قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في سجودكم». رواه أبو ~~داود، وابن ماجه، والطحاوي، وجعله ناسخا للأذكار التي كانت تقال فيهما قبل ms0211 ~~نزولهما. وهي: ما رواه هو وغيره عن علي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول وهو راكع: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وأنت ربي خشع لك ~~سمعي وبصري، ومخي وعظمي لله رب العالمين». وزاد في رواية: «وما استقلت به ~~قدمي لله رب العالمين ويقول في سجوده: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك ~~أسلمت، أنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله ~~أحسن الخالقين». وفي رواية أخرى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«نهيت أن أقرأ وأنا راكع أو ساجد، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما ~~السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم». # وعن عائشة قالت: «فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فظننت أنه أتى ~~جاريته ، فالتمسته بيدي، فوقعت يدي على صدر قدميه وهو ساجد يقول: اللهم إني ~~أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك ~~أنت كما أثنيت على نفسك». وليس النسخ في قول الطحاوي بمعنى أنه لا يجوز ~~غيره، بل المراد أنه أفضل، وإن جمع بينهما فهو أكمل. # --- PageV01P285 ~~*** # (ثم يسمع) بتشديد الميم المكسورة أي يقول المصلي: سمع الله لمن حمده، ~~بهاء الكناية أو السكتة والاستراحة. ومعنى سمع: أجاب لأن الإجابة مسببة عن ~~السماع، واللام في لمن للمنفعة. وقيل: زائدة أي قبل حمد من حمده، على أنه ~~خبر مبنى، ودعاء معنى. (رافعا رأسه) أي لا حالة قيامه، ويقول: ربنا لك ~~الحمد خافضا (ويكتفي به) أي بالتسميع وحده (الإمام و) يكتفي عند أبي حنيفة ~~(بالتحميد المؤتم) لاكتفاء القوم بالتحميد اتفاقا، وبه قال مالك. وقال أبو ~~يوسف ومحمد: يجمع الإمام بين التسميع والتحميد. واختاره الطحاوي، وهو رواية ~~عن أبي حنيفة. وهو الأصح من مذهب الشافعي لما روى البخاري عن أبي هريرة ~~قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال: «سمع الله لمن حمده، قال: ~~اللهم ربنا لك الحمد». وقد يجاب بأنه محمول على حال انفراده، أو لبيان ~~جوازه، ومع الاحتمال ms0212 لا يصلح للاستدلال. # --- PageV01P286 ~~*** # ولأبي حنيفة ما رواه الجماعة إلا ابن ماجه، من حديث أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ~~ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه». ~~وفي رواية لأبي داود وابن ماجه والنسائي والطحاوي أنه قال صلى الله عليه ~~وسلم «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، يسمع ~~الله لكم». ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم قسم بين ما يقول الإمام ~~والمأموم، والقسمة تنافي الشركة. فإن قيل: قد وقعت القسمة في قوله صلى الله ~~عليه وسلم «إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، فقولوا: ~~آمين». مع أن الإمام يشارك المأموم في قوله آمين، فالجواب أن الشركة بين ~~الإمام والمأموم في قول آمين ثبتت بما روى النسائي من حديث أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين} فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول آمين، وإن الإمام يقول آمين». ~~ويقول: ربنا ولك الحمد، أو: اللهم ربنا لك الحمد وقد ورد الأثر بهما. # (ويجمع المنفرد بينهما) أي بين التسميع والتحميد عند أبي يوسف ومحمد، وفي ~~رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهو الأصح. كذا في «الهداية»، لأنه إمام نفسه ~~فيسمع، وليس معه أحد يأتم به، فيحمد. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن ~~المنفرد يكتفي بالتحميد. قال في «المبسوط»: هو الأصح، لأن التسميع حث على ~~التحميد، وليس معه أحد يحثه عليه. # --- PageV01P287 ~~*** # (ويقوم مستويا) ويطمئن. ولا يسن رفع اليدين في حالة الركوع وقيامه عندنا، ~~خلافا للشافعي فيهما لقول علي كرم الله وجهه: «كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ~~ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع ~~يديه في شيء وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك». رواه أصحاب ~~السنن، ms0213 والطحاوي، وكذا البخاري في كتابه في رفع اليدين. # ولقول ابن عمر: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة، ~~رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، وحين يرفع ~~رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في سجوده». كذا في لفظ البخاري. ولفظ مسلم: ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للصلاة، رفع يديه حتى يكونا حذو ~~منكبيه، ثم كبر، وإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل ~~مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود». ولفظ الطحاوي: قال: «رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما ~~منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع، ولا يرفع بين السجدتين». # ولقول مالك بن الحويرث: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر ~~رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، ~~وإذا رفع رأسه من الركوع، (فقال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك) ». رواه ~~الشيخان والطحاوي واللفظ لمسلم. ولقول وائل بن حجر: «رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين يكبر للصلاة، وحين يركع، وحين يرفع رأسه من الركوع، جعل ~~يديه حذاء أذنيه». رواه الطحاوي، وأخرجه مسلم بمعناه، وحكاه أبو هريرة، ~~وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك وغيرهم عنه صلى الله عليه وسلم وقد جاءت ~~عدة من الآثار بمعنى هذه الأخبار. # --- PageV01P288 ~~*** # ولنا ما روى الطحاوي عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~«أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود». وأخرج أبو داود والترمذي ~~عن وكيع بسنده إلى عبد الله (بن مسعود قال:) «ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فصلى، ولم يرفع يديه إلا أول مرة. وفي لفظ: فكان يرفع ~~يديه أول مرة ثم لا يعود. وكان هو لا يرفع يديه في شيء من الصلاة إلا في ~~الافتتاح». وما رواه عن البراء بن عازب ms0214 قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا كبر لافتتاح الصلاة، رفع يديه حتى يكون إبهاماه قريبا من شحمتي أذنيه، ~~ثم لا يعود». وأخرجه أبو داود عن شريك، عن يزيد بن أبي زياد، وساقه بسنده ~~ومعناه وفيه من الآثار. ما رواه الطحاوي ثم البيهقي من حديث الحسن بن عياش ~~بسنده إلى الأسود قال: «رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا ~~يعود. وقال: ورأيت إبراهيم والشعبي يفعلان ذلك». # قال الطحاوي: والحديث صحيح، فإن مداره على الحسن بن عياش، وهو ثقة حجة، ~~ذكر ذلك يحيى بن معين وغيره. أفترى عمر بن الخطاب خفي عليه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يرفع في الركوع والسجود، وعلم ذلك من دونه، ومن هو معه ~~يراه يفعل غير ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، ثم لا ينكر ذلك ~~عليه؟ وهذا عندنا محال. وفعل عمر هذا، وترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إياه على ذلك، دليل صحيح أن هذا هو الحق الذي لا ينبغي لأحد خلافه. انتهى. # --- PageV01P289 ~~*** # وما رواه أيضا عن أبي بكر النهشلي: حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه: «أن ~~عليا كان يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يرفع بعده». وهو أثر صحيح. ورواه ~~الدارقطني من حديث النهشلي وجعل وقفه على علي صوابا، ورفعه وهما. فتركه ~~الرفع فيما روى هؤلاء يدل على انتساخه. وما رواه عن مجاهد: قال: «صليت خلف ~~ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة». فتركه بعد ~~رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، لا يكون إلا بعد ما ثبت عنده ~~انتساخ ما رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. # فظهر بما روينا من الطرفين: ثبوت كل من الأمرين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم اختلف أصحابه في بقائه وعدمه. فآثرنا قول ابن مسعود ومن وافقه، لما ~~قد علم أنه كان في الصلاة أقوال مباحة، وأفعال جائزة من جنس هذا الرفع، وقد ~~علم نسخها. فلا ms0215 بد أن يكون هو مشمولا به، كما روي عن ابن الزبير ما يدل ~~عليه. كيف لا وقد ثبت ما يعارضه ثبوتا لا مرد له بخلاف عدمه، فإنه لا يتطرق ~~إليه احتمال عدم الشرعية، لأنه ليس من جنس ما عهد فيه ذلك، بل من جنس ~~السكوت الذي هو طريق ما أجمع على طلبه في الصلاة أعني الخشوع . # --- PageV01P290 ~~*** # وعن إبراهيم: أنه ذكر عنده وائل بن حجر: «أنه رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يرفع يديه عند الركوع وعند السجود، فقال: أعرابي لم يصل مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم صلاة أرى قبلها قط، أفهو أعلم من عبد الله بن مسعود ~~وأصحابه؟ حفظ، ولم يحفظوا». وفي رواية: وقد حدثني من لا أحصي عن عبد الله: ~~«أنه رفع يديه في بدء الصلاة فقط»، وحكاه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعبد ~~الله عالم بشرائع الإسلام، وحدود الأحكام، متفقد لأحوال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ملازم له في إقامته وأسفاره في جميع الأيام، وقد صلى معه ما لا ~~يحصى، فيكون الأخذ به عند التعارض أولى من إفراد مقابله من القول بسنية كل ~~من الأمرين، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ومما يؤيد ما اختاره علماؤنا ما روى الطبراني بسنده إلى ابن أبي ليلى عن ~~الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترفع ~~الأيدي إلا في سبع مواطن: حين يفتتح الصلاة، وحين يدخل المسجد الحرام فينظر ~~إلى البيت، وحين يقوم إلى الصفا، وحين يقوم على المروة، وحين يقوم مع الناس ~~عشية عرفة، وبجمع والمقامين حين يرمي الجمرة». ومما استدل لنا حديث جابر بن ~~سمرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما لي أراكم ~~رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس ؟ اسكنوا في الصلاة». رواه مسلم، ويفيد ~~النسخ. وحمله البخاري على آخر الصلاة عند التسليم. قلنا: العبرة لعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب. إلا أن آخر الصلاة لا يقال له في الصلاة. # --- PageV01P291 ~~*** # (ثم يكبر ويسجد) مطمئنا (فيضع ركبتيه ثم يديه) ms0216 لما روى أصحاب «السنن» من ~~حديث وائل قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل ~~يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه». وقال مالك بالعكس لقوله صلى الله ~~عليه وسلم «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ~~ركبتيه». رواه أبو داود، والنسائي. قال أبو سليمان الخطابي: حديث وائل أثبت ~~من هذا، وقيل إنه منسوخ. # (ضاما أصابعه) ليصير متوجها إلى القبلة، كذا ذكره الشارح. وفيه أنه لا ~~تلازم بين الضم والتوجه. # (ثم يضع وجهه بين كفيه) لما روى مسلم من حديث وائل: «أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما سجد وضع وجهه بين كفيه». لكنه يعارض ما في البخاري من ~~حديث أبي حميد: «أنه صلى الله عليه وسلم لما سجد وضع كفيه حذو منكبيه». وفي ~~معناه: في أبي داود والترمذي. ويقدم عليه حديث مسلم، لأن فليح بن سليمان ~~الواقع في مسند البخاري وإن ترجح تثبيته، لكن قد تكلم فيه: فضعفه ابن معين، ~~وأبو داود، والنسائي وغيرهم. ولما في «مسند إسحاق بن راهويه»، قال: أخبرنا ~~الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: «رمقت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلما سجد وضع يديه حذو أذنيه». ولما في الطحاوي عن حفص بن ~~غياث، عن الحجاج، عن أبي إسحاق قال: «سألت البراء بن عازب أين كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يضع جبهته (إذا صلى؟) قال: بين كفيه». # قال بعض المحققين: ولو قال قائل: إن السنة أن يفعل أيهما تيسر جمعا ~~للمرويات، بناء على أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا أحيانا، إلا ~~أن بين الكفين أولى، لأن فيه من تخليص المجافاة المسنونة ما ليس في الآخر، ~~لكان حسنا. # --- PageV01P292 ~~*** # (مبديا) بالياء أي مظهرا (ضبعيه) بفتح وسكون أي وسط عضده لقول ميمونة: ~~«كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد جافى، حتى يرى من خلفه وضح إبطيه»، ~~أي بياضهما. وفي رواية «الصحيحين»: «فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه». ms0217 ~~ولما في «الصحيحين» من حديث عبد الله بن مالك بن بحينة قال: «كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه». وقوله يجنح بجيم ~~مفتوحة ونون مكسورة مشددة من الجناح بالفتح أي: يجافي أو يباعد بين جنبيه ~~كما يشير إليه. قوله: (مجافيا) أي مباعدا (بطنه عن فخذيه) لقول ميمونة: «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد جافى حتى لو شاءت بهيمة أن تمر بين ~~يديه لمرت». رواه مسلم. # ولما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن سفيان الثوري، عن آدم بن علي البكري ~~قال: «رآني عمر وأنا أصلي، لا أتجافى عن الأرض بذراعي فقال: يا ابن أخي، لا ~~تنبسط بسط السبع وادعم على راحتيك، وأبد ضبعيك # ». ورواه ابن حبان والحاكم وصححاه مرفوعا: «لا تنبسط بسط السبع وادعم على ~~راحتيك». ولقوله صلى الله عليه وسلم «اعتدلوا في السجود، لا يبسط أحدكم ~~ذراعيه انبساط الكلب». متفق عليه. ولقوله صلى الله عليه وسلم «لا تنبسط بسط ~~السبع، وادعم على راحتيك وأبد ضبعيك، فإنك إذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك». ~~رواه ابن حبان والحاكم وصححاه. # وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله صلى الله عليه وسلم «أبد ضبعيك»، فلم ~~يعرف مرفوعا. نعم ثبت أنه صلى الله عليه وسلم «كان إذا صلى فرج بين يديه ~~حتى يبدو بياض إبطيه». حديث متفق عليه. وقوله ادعم بتشديد الدال المهملة، ~~وكسر العين المهملة أي: اتكىء. # --- PageV01P293 ~~*** # (موجها أصابع رجليه نحو القبلة) لما روى البخاري من حديث أبي حميد ~~الساعدي قال: «كنت أحفظكم لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته إذا ~~كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره أي ~~أماله فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير ~~مفترش ولا ناصب، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة». وأما قول صاحب ~~«الهداية» لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا سجد المؤمن، سجد كل عضو منه، ~~فليوجه من أعضائه القبلة ما استطاع»، فليس بمعروف. # (ويسبح ms0218 ثلاثا) ولو زاد على الثلاثة، وختم بفرد لكان أحب، إلا أن الإمام ~~لا يزيد بحيث يمل القوم . # (ويجوز) السجود (على كل شيء) أي من الجمادات والنباتات، دون الحيوانات ~~إلا للضرورة. (يجد) المصلي (حجمه وتستقر جبهته عليه) عطف تفسيري: وهو أن ~~يكون بحيث لو بالغ في تسفيل رأسه لم ينزل. فلو سجد على الأرز والذرة ~~والجاورس لا يجوز، لأن الجبهة لا تستقر عليه. ولو سجد على الحنطة أو الشعير ~~جاز، لأن الجبهة تستقر عليه، كذا في «المحيط». # وسئل الفقيه عبد الكريم الجرجاني عن من وضع جبهته على الكف للسجدة فقال: ~~لا يجوز. وقال غيره من أصحابنا: يجوز، وهو الأصح، كذا في «الظهيرية». ولا ~~بد أن تكون الكف موضوعة على الأرض، وإلا فلا يجوز اتفاقا. والأصح: أنه إذا ~~سجد على فخذيه أو ركبتيه بعذر جاز، كذا في «شرح المنية». ولو سجد على كميه ~~أو ذيله أو كور عمامته يكره. وفي مذهب الشافعي: لا يصح، لقوله صلى الله ~~عليه وسلم «مكن جبهتك من الأرض حتى تجد حجمها». وهذا مانع منه. وثوبه تابع ~~له، فلا يصح السجود عليه. # --- PageV01P294 ~~*** # وفي «الحلية» عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسجد على ~~كور عمامته». ورواه الطبراني في «معجمه الأوسط» عن ابن أبي أوفى قال: «رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على كور العمامة». ورواه ابن عدي في ~~«الكامل» عن أنس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسجد على كور العمامة». ~~وهكذا روى الحافظ أبو القاسم تمام بن محمد الرازي في «فوائده» عن ابن عمر، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي «سنن البيهقي» عن هشام، عن الحسن قال: ~~«كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد ~~الرجل منهم على عمامته». وذكر البخاري في «صحيحه» تعليقا فقال: «وقال ~~الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة # ، ويداه في كمه». # وفي الثوب ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ابن عباس: «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صلى ms0219 في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها». ورواه أحمد، ~~وأبو يعلى الموصلي في آخرين. وفي الكتب الستة عن أنس قال: «كنا نصلي مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه ~~من الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه». ولفظ البخاري: «كنا نصلي مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود». # --- PageV01P295 ~~*** # وهذا ظاهر في الملبوس، وإرادة غيره خلافه، فلا يصار إليه، على أن الحائل ~~(المنفصل) ليس بمانع منه اتفاقا. ولم يزد ما نحن فيه إلا اتصاله به، ونمنع ~~تأثيره في الفساد لو تجرد عن الآثار، فكيف وفيه ما أوردناه وإن تكلم في ~~بعضها، كفى ما بقي منها. وعلى فرض ضعف كلها، كانت حسنة لتعدد طرقها ~~وكثرتها. وقول الحسن: كان القوم... إلخ، يقوي ظن صحة المرفوعات، إذ ليس ~~معنى الضعيف: الباطل في نفس الأمر، بل ما لم يثبت بالشروط المعتبرة عند أهل ~~الحديث، مع تجويز صحته في حد ذاته، فيجوز أن تقوم قرينة تحقق ذلك. # ثم لا يكره السجود على جلد ونسج وقطن وكتان ونحو ذلك. وكرهه مالك لأنه ~~صلى الله عليه وسلم كان يطلب الخمرة إذا أراد الصلاة ليسجد عليها. ولنا ما ~~روي أنه صلى الله عليه وسلم سجد على فروة مدبوغة، وعلى بساط، وعلى حصير. ~~ويجل منصبه عن فعل المكروه. # (و) يجوز السجود (على ظهر من يصلي صلاته) أي مع الإمام (في الزحام) ~~لضرورة ضيق المقام. وعند الشافعي، والحسن بن زياد: لا يجوز. وإن كان موضع ~~السجود أرفع من موضع القدمين بأن كانت الأرض هبوطا: إن كان التفاوت مقدار ~~لبنة أو لبنتين: يجوز. وإن كان أكثر: لا يجوز. أراد به المنصوبة لا ~~المفروشة، كذا في «الظهيرية». وعدم الجواز محمول على غير الضرورة. # --- PageV01P296 ~~*** # (والمرأة تخفض) حال السجود (وتلزق بطنها) من الإلزاق أي تلصقه (بفخذيها) ~~لأن ذلك أستر لها. (ويرفع) المصلي (رأسه) عن السجدة (مكبرا) للإعلام ~~بالانتقال (ويجلس مطمئنا) ولو لم يستو جالسا وسجد: أجزأه عند أبي ms0220 حنيفة ~~ومحمد، بناء على أن الاستواء في الجلسة سنة عندهما. والمعتمد في المذهب أنه ~~واجب. وفي «الهداية»: الأصح أنه إن كان إلى السجود أقرب لا يجوز، لأنه يعد ~~ساجدا، أي فلا يتحقق تعدد السجود. وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز لأنه يعد ~~جالسا. وقالوا: وليس بين السجدتين ولا بعد الرفع من الركوع ذكر مسنون. وما ~~ورد فيهما محمول على التهجد. # (ويكبر ويسجد مطمئنا ويكبر) أي للنهوض (ويرفع رأسه، ثم يديه، ثم ركبتيه)، ~~لما تقدم من حديث أبي داود. # (ويقوم) على صدور قدميه، معتمدا بيديه على ركبتيه (بلا اعتماد) بيديه ~~(على الأرض) لقول ابن عمر: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتمد ~~الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة». رواه أبو داود وفي رواية: «أن يجلس ~~الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده». وفي أخرى: أن يصلي الرجل وهو معتمد ~~على يده. وقد أخذ بظاهره الإمام مالك في الإرسال موضع الوضع. وقال الطحاوي: ~~ولا بأس بالاعتماد على الأرض. وقال الشافعي: يجلس جلسة خفيفة. لما روى ~~البخاري عن مالك بن الحويرث: «أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في ~~وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا». # --- PageV01P297 ~~*** # ولنا ما رواه الترمذي عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~ينهض في الصلاة على صدور قدميه». قال الترمذي: حديث أبي هريرة هذا عليه ~~العمل عند أهل العلم. وروى ابن أبي شيبة، عن النعمان بن أبي عياش قال: ~~«أدركت غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع أحدهم رأسه ~~من السجدة الثانية في الركعة الأولى والثالثة، نهض كما هو ولم يجلس». وروى ~~أيضا عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن الزبير رضي الله عنهم: «أنهم كانوا ~~ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم». وأما ما رواه مالك بن الحويرث: فكان ~~حال كبره صلى الله عليه وسلم أو فعله أحيانا لبيان الجواز. وفي «الظهيرية»: ~~قال شمس الأئمة الحلواني: الخلاف إنما هو في الأفضلية، حتى لو فعل كما ms0221 هو ~~مذهبنا، لا بأس به عند الشافعي، ولو فعل كما هو مذهبه لا بأس به عندنا. # (والركعة الثانية كالأولى) أي في جميع أحوالها، وأقوالها (لكن لا ثناء) ~~فيها لأنه شرع أول الصلاة (ولا تعوذ) لأنه شرع أول القراءة. وإنما يعاد إذا ~~فصل بفعل، أو قول أجنبي عنها. (ولا رفع يد فيها) أي في أول الركعة الثانية، ~~بل ولا في غير حالة التحريمة. لما روى محمد في «موطئه»: عن ابن أبان، عن ~~إبراهيم النخعي: أنه قال: «لا ترفع يديك في شيء من الصلاة بعد التكبيرة ~~الأولى». وروى مسلم في «صحيحه» عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة قال: «خرج ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها ~~أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة». وشمس: بضم المعجمة وسكون الميم ، جمع ~~شموس بفتحها وضم الميم أي: صعب. كذا ذكر بعض الشراح. # --- PageV01P298 ~~*** # واعترض البخاري في كتابه «رفع اليدين»: بأن هذا الرفع كان في التشهد، لأن ~~عبد الله بن القبطية قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: «كنا إذا صلينا خلف ~~النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم، السلام عليكم، وأشار بيده ~~إلى الجانبين. فقال: ما بال هؤلاء يومئون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس. ~~إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من عن يمينه، ومن ~~عن شماله». # (وإذا أتمها) أي الركعة الثانية (افترش رجله اليسرى وجلس عليها ناصبا ~~يمناه موجها أصابعه نحو القبلة) لما روى النسائي، عن ابن عمر أنه قال: «من ~~سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى، ويستقبل بأصابعها القبلة، ويجلس على ~~اليسرى». ورواه البخاري من غير ذكر استقبال القبلة بالأصابع. وروى مسلم عن ~~عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير إلى أن ~~قالت: وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان ~~وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع. وكان يختم الصلاة بالتسليم». # --- PageV01P299 ~~*** # (واضعا يديه على فخذيه) لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن ms0222 القبطية ~~السابق: «إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه». وينبغي أن يكون أطراف ~~الأصابع على حرف الركبة لا مباعدة عنه. (موجها أصابعه) أي مفرقة (نحو ~~القبلة مبسوطة) أي لا مقبوضة. وفي «الظهيرية»: ومتى أخذ في التشهد فانتهى ~~إلى قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، هل يشير بالسبابة من يده اليمنى؟ اختلف ~~المشايخ فيه، ثم كيف يصنع عند الإشارة؟ حكي عن الفقيه أبي جعفر أنه قال: ~~يعقد الخنصر والبنصر، ويحلق الوسطى مع الإبهام ويشير بسبابته. وفي ~~«المنية»: يكره الإشارة. # قلت: وهو مخالف للرواية والدراية كما ذكر الإمام ابن الهمام، فعن ابن عمر ~~رضي الله عنهما: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد في التشهد وضع ~~يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ~~ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة». وفي رواية: «كان إذا جلس في الصلاة وضع ~~يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه من يده اليمنى التي تلي الإبهام يدعو بها، ~~ويده اليسرى على ركبته باسطا يده عليها». وعن ابن الزبير: «كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده ~~اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه ~~الوسطى ويلقم كفه اليسرى ركبته». رواهما مسلم. وقد ذكر أبو يوسف في ~~«الأمالي»: أنه يعقد الخنصر والبنصر ويحلق الوسطى والإبهام ويشير بالسبابة. ~~وذكر محمد في «موطئه»: «أنه صلى الله عليه وسلم كان يشير ونحن نصنع بصنعه». ~~قال: وهو قول أبي حنيفة. # --- PageV01P300 ~~*** # قلت: وهو قول سائر الأئمة فيكون عليه إجماع الأمة. فلا اعتداد بخلاف بعض ~~المشايخ المتأخرين من غير نسبة ولا بيان علة، كما أوضحته في رسالة مستقلة. ~~وأما قول صاحب «الهداية»: ووضع يديه على فخذيه وبسط أصابعه وتشهد، يروى ذلك ~~في حديث وائل فغير معروف عنه. بل روي عنه: «وضع يده اليمنى على فخذه ~~اليمنى، ثم عقد الخنصر والبنصر، ثم حلق الوسطى بالإبهام وأشار بالسبابة». ~~رواه البيهقي وابن ماجه بإسناد صحيح، قاله النووي. # (والمرأة تجلس على أليتها ms0223 اليسرى مخرجة رجليها من الجانب الأيمن) لأنه ~~أستر لها. # (ويتشهد) المصلي (كابن مسعود) وهو ما رواه الجماعة واللفظ لمسلم قال: ~~«علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد، كفي بين كفيه، كما يعلمني ~~السورة من القرآن فقال: إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله ~~والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين فإذا قالها أصابت كل عبد الله صالح في ~~السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله». وقال ~~الترمذي: أصح حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد حديث ابن مسعود ~~والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين. # --- PageV01P301 ~~*** # والتحيات، جمع التحية أي: أنواع الثناء والمدحة. والصلوات: جمع الصلاة ~~المعروفة، أو بمعنى الدعوات المألوفة. والطيبات: الكلمات الدالة على تسبيح ~~الذات وتقديس الصفات. قال أبو سليمان الخطابي عن أنس بن مالك في تفسير ~~التحيات: «إنها أسماء الله، وهي السلام، المؤمن، المهيمن، الحي، القيوم، ~~العزيز، الأحد، الصمد». قال: التحيات لله بهذه الأسماء، وهي الطيبات لا ~~يحيى بها غيره. والصلوات الأدعية. وعن بعض المشايخ: التحيات: العبادات ~~القولية، والصلوات: العبادات البدنية، والطيبات: العبادات المالية، يعني أن ~~جميع العبادات لا يستحقها غير الله سبحانه وتعالى. # واختار مالك تشهد عمر لما ذكره في «الموطأ»: أن عمر كان يقول على المنبر ~~للناس: «قولوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات لله، الصلوات لله، ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله». # قلنا: يرجح تشهد ابن مسعود لما روى الطحاوي عن ابن عمر: «أن أبا بكر رضي ~~الله عنه علمه الناس على المنبر». واختار الشافعي تشهد ابن عباس. لما رواه ~~الجماعة غير البخاري عن سعيد بن جبير وطاوس، عن ابن عباس قال: «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان ~~يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ~~ورحمة ms0224 الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.. إلخ». معرف ~~السلام في رواية مسلم وأبي داود وابن ماجه، ومنكره في رواية الترمذي ~~والنسائي. واتفقوا على إخفائه لقول ابن مسعود: «من السنة أن يخفي التشهد»، ~~رواه أبو داود، والترمذي. # --- PageV01P302 ~~*** # (ولا يزيد عليه) لما روى أحمد في «مسنده» من حديث ابن مسعود: «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم علمه التشهد، فكان يقول إذا جلس في وسط الصلاة وفي ~~آخرها على وركه اليسرى: التحيات لله، إلى قوله... عبده ورسوله». قال: «ثم ~~إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده. وإن كان في آخرها دعا بعد ~~تشهده بما شاء أن يدعو، ثم يسلم». # (ويقرأ فيما بعد الأوليين) من المغربين والعصرين (الفاتحة فقط سرا) لما ~~قدمنا في الجهر والمخافتة، ولما روى الشيخان عن أبي قتادة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم «كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة ~~الكتاب وسورتين، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب. ويسمعنا الآية أحيانا ويطيل ~~في الركعة الأولى ما لا يطيل في الثانية، وهكذا في الصبح». ولقول جابر: ~~«سنة القراءة في الصلاة: أن يقرأ في الأوليين بأم القرآن وسورة، وفي ~~الأخريين بأم القرآن». رواه الطبراني. وقيل: يجب قراءتها، وهي رواية الحسن، ~~عن أبي حنيفة، حتى يلزمه بتركها سجود السهو. وكأن وجهه المواظبة عليها، ~~ولأن القيام في الأخريين مقصود في نفسه فيكره إخلاؤه عن القراءة. ولا سيما ~~في مذهب الشافعي ومن تبعه: لا يصح بدون قراءة الفاتحة. # (وإن سبح أو سكت جاز) أي صحت صلاته، لما روى ابن أبي شيبة، عن شريك، عن ~~أبي إسحاق السبيعي، عن علي وابن مسعود أنهما قالا: «اقرأ في الأوليين، وسبح ~~في الأخريين». ومثل هذا لا يقال بالرأي، فهو في حكم المرفوع. ثم التسبيح ~~ليس بفرض إجماعا، فإذا سكت جاز. # --- PageV01P303 ~~*** # (ثم يقعد كالأولى) مفترشا رجله اليسرى وجالسا عليها، وناصبا رجله اليمنى، ~~وموجها أصابعه نحو القبلة، وواضعا يديه على فخذيه. وعند مالك التورك أفضل ~~في القعدتين، ووافقه الشافعي في الأخيرة، لما في الكتب الستة ms0225 سوى «صحيح ~~مسلم» من حديث أبي حميد الساعدي: «كنت أحفظكم لصلاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى أن قال: فإذا جلس في الركعتين، جلس على رجله اليسرى ونصب ~~اليمنى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة، أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركا، ~~ثم سلم». وفي لفظ البخاري: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ~~ونصب الأخرى وقعد على مقعدته». # (وبعد التشهد) الأخير (يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم # وهي سنة عندنا ويسيء تاركها، وليست بواجبة، وعليه الجمهور خلافا للشافعي، ~~لأن كل من روى التشهد عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكرها فيه. وقد قال ~~ابن مسعود وجابر وابن عباس: «يعلمنا التشهد، كما يعلمنا السورة». كذا ذكره ~~الشارح. وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ~~الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بعد ما ~~شاء». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث صحيح. # وفي رواية البيهقي والحاكم: «إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدا وآل ~~محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». # --- PageV01P304 ~~*** # وسئل محمد بن الحسن عن كيفية الصلاة فقال: «اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك ~~على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. إنك حميد ~~مجيد». وهذا أصح ألفاظ الصلاة، وقد أخرجه أصحاب الكتب الستة. # قال الكرخي: والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم خارج الصلاة واجبة مرة ~~في العمر على الإنسان. قلت: لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما} وهو أعم من أن يكون خارج الصلاة أو داخلها. وقال الطحاوي: ~~يجب عند سماع اسمه في كل مرة، وهو الصحيح. كذا في «المحيط»، ويتداخل في ~~المسجد والمجلس. وقال القاضي عياض: وقد شذ الشافعي فقال: من لم ms0226 يصل عليه ~~فصلاته فاسدة، ولا سلف له في هذا القول، ولا سنة يتبعها. وشنع عليه فيه ~~جماعة منهم الطبراني والقشيري، وخالفه من أهل مذهبه الخطابي وقال: لا أعلم ~~له فيها قدوة. # وما روي عنه عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يصل علي»، ضعفه أهل ~~الحديث كلهم: وعلى فرض صحته فمعناه: كاملة، أو: لمن لم يصل علي في عمره. ~~وكذا ما جاء في حديث (أبي مسعود) عنه صلى الله عليه وسلم «من صلى صلاة لم ~~يصل علي فيها وعلى أهل بيتي لم يقبل الله منه»، وهذا ضعف بجابر الجعفي، مع ~~أنه قد اختلف عليه في رفعه ووقفه. # --- PageV01P305 ~~*** # (ويدعو) بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (بما لا يسأل من الناس) ~~لما مر من قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: «إن هذه الصلاة لا يصلح ~~فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن». أي ~~ونحوها من سائر الأدعية والأذكار فلو قال: اللهم ارزقني من بقلها وقثائها ~~وفومها، جاز. ولو قال: أعطني بقلا وقثاء وفوما، فسدت صلاته إن لم يقعد قدر ~~التشهد، وإن قعد تمت وخرج به من الصلاة. وعند الشافعي يجوز أن يدعو بما شاء مطلقا. # والأولى أن يدعو بالأدعية المأثورة منها قوله صلى الله عليه وسلم «إذا ~~فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب ~~القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة شر المسيح الدجال». ومنها قول ~~عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في الصلاة يقول: اللهم إني أعوذ ~~بك من المأثم والمغرم ». متفق عليه. ومنها قول أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه: قلت: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ~~ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، ~~وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم». متفق عليه. # --- PageV01P306 ~~*** # ومنها قول علي: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر، ~~ثم قال: وجهت وجهي، ms0227 إلى أن قال: ثم يكون آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: ~~اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت ~~أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت». رواه مسلم. ومنها ~~قول معاذ: «أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأحبك يا ~~معاذ، فقلت: وأنا أحبك يا رسول الله. قال: فلا تدع أن تقول في كل صلاة: رب ~~أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». رواه أبو داود والنسائي. # والحاصل: أنه يدعو عندنا وعند مالك بما يستحيل طلبه من الناس خاصة، كسؤال ~~الرحمة والمغفرة والعافية، والتعوذ من الفتنة والمحنة. وأطلقه الشافعي، ~~وكذا مالك في رواية لقوله صلى الله عليه وسلم «ثم ليتخير أحدكم من الدعاء ~~أعجبه إليه فيدعو به». رواه الترمذي وابن ماجه في حديث التشهد. قلنا: ~~يعارضه حديث: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس». وما لا ~~يستحيل سؤاله منهم فهو كلامهم ويقدم عليه لأنه مانع، وذلك مبيح. # (ثم يسلم عن يمينه بنية من ثمة من البشر والملك) وتنقطع التحريمة بتسليمة ~~واحدة. فقيل الثانية: سنة، والأصح أنها واجبة. (ثم عن يساره كذلك) أي بنية ~~من هناك. لأن المصلي لما اشتغل بالمناجاة فكان كالغائب عمن معه فيسلم عليه ~~عند فراغه. وقال مالك: يسلم الإمام والمنفرد بتسليمة واحدة تلقاء وجهه يميل ~~إلى الشق الأيمن. وهو مروي عن ابن عمر وعائشة. # --- PageV01P307 ~~*** # ولنا ما روى أصحاب «السنن الأربعة» عن ابن مسعود، وصححه الترمذي: «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله ~~حتى يرى بياض خده الأيمن. وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض ~~خده الأيسر». # (والمؤتم ينوي إمامه في جانبه) أي يمينا كان أو يسارا (وفيهما إن حاذاه) ~~لأن المحاذي ذو حظ من الجانبين. وهو قول محمد ورواية عن أبي حنيفة. واقتصر ~~أبو يوسف على نيته في التسليمة الأولى فقط. # (والمنفرد) ينوي (الملك فقط) لأنه ليس معه غيره. وقيل: الإمام ms0228 لا ينوي ~~مطلقا لأنه يشير إليهم ويجهر بهما وهو فوق النية. ثم يسلم المأموم مع إمامه ~~ويحرم معه عند أبي حنيفة تحقيقا للمتابعة. وقالا: يسلم معه ويحرم بعد ~~إمامه. ولا دلالة في قوله صلى الله عليه وسلم «إذا كبر فكبروا» والخلاف في ~~الجواز. وعن أبي حنيفة: يسلم المأموم بعد إمامه ويحرم معه. ووجه الفرق أن ~~الإحرام: شروع في العبادة: والسلام خروج عنها. ويستحب المبادرة في الأول ~~دون الثاني. # فصل (فيما يجهر به الإمام) # --- PageV01P308 ~~*** # (يجهر الإمام) وجوبا (في الجمعة والعيدين) أي في صلاتهما. لما رواه ~~الجماعة إلا البخاري من حديث النعمان بن بشير: «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة ب: {سبح اسم ربك الأعلى} و{هل أتاك ~~حديث الغاشية}». وقال النووي: أجمع المسلمون على كونها ركعتين يجهر فيها. ~~(والفجر) لما روى أبو داود عن ابن عامر: «كنت أقود برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ناقة في السفر، فقال: ألا أعلمك خير سورتين قرئتا، فعلمني: {قل ~~أعوذ برب الفلق} و{قل أعوذ برب الناس}. قال: فلم يرني سررت بهما جدا فلما ~~نزل لصلاة الصبح صلى بهما». # (وأوليي العشاءين) لما روى البخاري عن جبير بن مطعم قال: «سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قرأ بالمغرب ب: «الطور» أي بسورة الطور كلها أو ~~بعضها». ولما روي أيضا عن البراء قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ ب: {التين والزيتون} في العشاء، فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه». وهذا ~~كله مجمع عليه. وتظاهرت به الأحاديث الصحيحة. # --- PageV01P309 ~~*** # (أداء) قيد لما قبلها من الصلوات الثلاث (وقضاء) لما روى مالك في ~~«الموطأ» عن زيد بن أسلم قال: «عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ~~بطريق مكة، فذكر نومهم وقيامهم وصلاتهم. وأنه صلى الله عليه وسلم قال: «يا ~~أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء ردها. فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو ~~نسيها، ثم فزع عليها فليصلها كما كان يصليها في وقتها». وروى محمد بن الحسن ~~في كتابه «الآثار» ms0229 عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعي قال: «عرس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من يحرسنا الليلة؟ فقال رجل شاب من ~~الأنصار: أنا يا رسول الله أحرسكم فحرسهم، حتى إذا كانوا في الصبح غلبته ~~عينه فما استيقظوا إلا بحر الشمس، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ ~~وتوضأ أصحابه. وأمر المؤذن فأذن، وصلى ركعتين، ثم أقيمت الصلاة فصلى الفجر ~~بأصحابه، وجهر فيها بالقراءة كما كان يصلي بها في وقتها». وروى مسلم عن أبي ~~قتادة في قصة نومهم من صلاة الفجر قال: «ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم صلى الغدوة، فصنع كما كان يصنع كل يوم». # --- PageV01P310 ~~*** # (لا غير) أي لا يجهر الإمام في الظهر والعصر وثالثة المغرب وأخريي ~~العشاء. لما روى البخاري من حديث معمر قال: «قلنا لخباب بن الأرت: هل كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بم ~~كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضطراب لحيته». وتقدم أنه كان يسمعنا الآية ~~والآيتين أحيانا. وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن مجاهد وأبي عبيدة: أنهما ~~قالا: «صلاة النهار عجماء». أي: لا قراءة مسموعة فيها. قال صاحب «الهداية» ~~ويخفيها الإمام في الظهر والعصر وإن كان بعرفة، لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«صلاة النهار عجماء». واختلف في رفعه ووقفه على ابن عباس. # قال النووي: عن أبي هريرة رفعه «من جهر بالقراءة في صلاة النهار فارموه ~~بالبعر». ويقول: «إن صلاة النهار عجماء». ثم قال: إنه باطل لا أصل له. لكن ~~روى ابن شاهين عن أبي هريرة قال: «إذا رأيتم من يجهر بالصلاة في صلاة ~~النهار فارموه بالبعر». وذكر ابن أبي شيبة، عن يحيى بن أبي كثير: «قالوا: ~~يا رسول الله إن ههنا قوما يجهرون بالقراءة في النهار فقال: ارموهم ~~بالبعر». وروي عن عمر رضي الله عنه: أن رجلا جهر بالقراءة نهارا فدعاه ~~فقال: «إن صلاة النهار لا يجهر فيها بالقراءة فأسر قراءتك». رواه ابن أبي ~~شيبة. وقال صاحب «الهداية»: وفي ms0230 عرفة خلاف مالك، وهذا غير معروف عند ~~أصحابه. # --- PageV01P311 ~~*** # (والمنفرد خير إن أدى) أي ما يجهر الإمام فيه لا فيما يخافت فيه أيضا، ~~كما يوهم إطلاق المتن. وإنما يسر لأنه غير محتاج إلى إسماع غيره، بخلاف ~~الإمام. ومع هذا الجهر أفضل ليكون على هيئة الجماعة. (وخافت حتما) أي وجوبا ~~(إن قضى) ما يجهر الإمام. وفي «الهداية»: هو الصحيح: لأن الجهر يختص إما ~~بالجماعة حتما، أو بالمنفرد في الوقت تخييرا، ولم يوجد أحدهما. واختار شمس ~~الأئمة، وفخر الإسلام، وجماعة من المتأخرين: أن حكم المنفرد إن قضى كحكمه ~~إن أدى في التخيير وأفضلية الجهر، لأن القضاء يكون على وفق الأداء. قال ~~قاضيخان: وهو الصحيح. وقال صاحب «الذخيرة»: وهو الأصح. وأجيب عن استدلال ~~صاحب «الهداية»: بمنع الحصر لجواز أن يكون للجهر تخيير بسبب آخر، وهو ~~موافقة الأداء. # (وأدنى الجهر) عند أبي جعفر الهندواني وأبي بكر محمد بن الفضل (إسماع ~~غيره) أي إسماعه مغايرا واحدا وهو الذي يكون بقربه فرضا، ليصح قوله: أدنى، ~~فأقصى الجهر ما يتجاوزه. (وأدنى المخافتة إسماع نفسه) أي فقط عندهما أيضا. ~~وعلى هذا يكون أقصى المخافتة إسماع غيره. فرجع حاصله إلى أدنى الجهر. ولهذا ~~لم يذكر في «الهداية» لفظ أدنى في الموضعين، ولا يبعد أن يقال: المراد ~~بأدناهما: أدنى ما يطلق عليهما، ولا مفهوم له في جانب المخافتة. # (هو الصحيح) لأن حركة اللسان بدون الصوت، لا تسمى قراءة لا لغة ولا عرفا. ~~وقال الكرخي: أدنى الجهر أن يسمع نفسه، وأدنى المخافتة أن يصحح الحروف، لأن ~~القراءة فعل اللسان، وذلك بإقامة الحروف لا بالسماع لأنه فعل الأذن. وفيه ~~أن الحرف صوت يعتمد على مخرج محقق أو مقدر، فلا يتحقق بدون السمع، وغيره ~~يكون خاطرا وخيالا. # --- PageV01P312 ~~*** # (وكذا) الخلاف (في كل ما يتعلق بالنطق كالطلاق والعتاق والاستثناء ~~وغيرها) كالشرط في الطلاق والعتاق، والتسمية للذبيحة، والتلاوة للسجدة، ~~والإيجاب والقبول في البيع والنكاح وأمثالها. # (وسنة القراءة في السفر عجلة) أي حال كونه ذا عجلة (الفاتحة مع أي سورة ~~شاء) لما روى البخاري عن البراء عن النبي ms0231 صلى الله عليه وسلم «كان في سفر ~~فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين ب: التين والزيتون». # (وآمنا) أي وحال كونه ذا أمن غير مستعجل (نحو البروج) مع الفاتحة لإمكان ~~مراعاة السنة بذلك مع التخفيف. (وفي الحضر) عطف على في السفر (استحسنوا) أي ~~استحب العلماء في غير الضرورة (طوال المفصل في الفجر والظهر)، وألحق الظهر ~~بالفجر لمساواته إياه في سعة الوقت. وقال في «الأصل»: أو دونه، لما روي عن ~~عمر أنه كتب إلى أبي موسى «أن اقرأ في الظهر بأوساط المفصل». ولأن وقت ~~الظهر وإن كان متسعا، إلا أنه وقت اشتغال الناس في مهماتهم بخلاف الصبح، ~~ويسمى مفصلا لكثرة فصوله وهو السبع السابع. # --- PageV01P313 ~~*** # (وأوساطه في العصر والعشاء، وقصاره في المغرب) لما روى عبد الرزاق في ~~«مصنفه» عن سفيان الثوري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن، وغيره قال: ~~«كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل». وفي ~~العشاء بأوساط المفصل، وفي الصبح بطوال المفصل، والعصر كالعشاء في استحباب ~~التأخير فيلحق بها في التقدير. وروى مسلم من حديث جابر بن سمرة: «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر ب: «قاف» وكانت صلاته تخفيفا». وروى ~~أيضا من حديث أبي برزة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~الفجر ما بين الستين إلى المئة». ولفظ ابن حبان: «بالستين إلى المئة». # وروى النسائي عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة قال: «ما رأيت أشبه صلاة ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان. قال سليمان: كان يطيل الركعتين ~~الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار ~~المفصل، ويقرأ في العشاء وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل. قال ~~النووي: إسناده حسن. # (ومن الحجرات طوال إلى البروج) قاله الحلواني وغيره من أصحابنا. (وقيل: ~~من سورة القتال)، وقيل: من القاف، وقيل: من الجاثية، وقيل: من الفتح. (ثم ~~أوساط إلى {لم يكن} ثم قصار إلى الآخر) أي آخر القرآن. (وفي الضرورة) ms0232 يقرأ ~~(بقدر الحال) من العجلة والإقامة. إذ قد روي: «أنه عليه الصلاة والسلام قرأ ~~المعوذتين في الفجر». # --- PageV01P314 ~~*** # (وكره) عندنا وعند مالك (تعيين سورة) أي غير الفاتحة (لصلاة) من الصلوات. ~~واستحب الشافعي قراءة سورة «السجدة» و«هل أتى» في الفجر كل جمعة، و«سبح اسم ~~ربك الأعلى» و«الغاشية» في صلاة الجمعة. وقيد الطحاوي والإسبيجابي الكراهة ~~فيما إذا اعتقد أن الصلاة لا تجوز بغيرها. وأما إذا لم يعتقد ذلك ولازمها ~~لسهولتها عليه، أو تبركا بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم إياها كقراءة: ~~سورة «سبح اسم» و«قل يا أيها الكافرون» و«الإخلاص» في الوتر. وقراءة ~~«الكافرون» و«الإخلاص» في سنة الفجر والمغرب، وركعتي الإحرام، وصلاة الطواف ~~على ما ورد. وقراءة «السجدة»، و«هل أتى» في بعض الأحيان في فجر الجمعة، فلا ~~يكره بل يكون حسنا. فتركه مطلقا غير مستحسن، وإنما شرط أن يقرأ غيره أحيانا ~~لئلا يظن الجاهل أن غيره لا يجزىء. # (وينصت المؤتم) ولا يقرأ سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية لقوله تعالى: ~~{وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا}. روى البيهقي عن أحمد بن حنبل أنه ~~قال: «أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة». وروى البيهقي عن مجاهد قال: ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة، فسمع قراءة فتى من ~~الأنصار فنزل». وروى الدارقطني عن أبي هريرة: «نزلت في رفع الأصوات وهم خلف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذا روى ابن أبي شيبة في «المصنف»، ومحمد ~~بن الحسن في «الموطأ»، والطحاوي في «معاني الآثار» . وروى أبو داود في ~~«سننه» من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل ~~الإمام ليؤتم به». وفيه: «وإذا قرأ فأنصتوا»، وكذا رواه النسائي. وروى مسلم ~~في غير صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري: «إذا كبر الإمام فكبروا وإذا قرأ ~~فأنصتوا». # --- PageV01P315 ~~*** # وفي «الأصل»: القراءة خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها هل يكره؟ اختلف ~~فيه المشايخ: فبعضهم قالوا: لا يكره، أي عند الأئمة الثلاثة.وإليه مال ~~الإمام أبو حفص. وبعض مشايخنا قالوا: على قول محمد ms0233 لا يكره. وعند أبي حنيفة ~~وأبي يوسف يكره، كذا في «الخلاصة». فوجه عدم الكراهة الاحتياط لعموم الآية ~~والأحاديث المطلقة واختلاف الأئمة. حتى قال الشافعي ببطلان صلاة المقتدي إن ~~لم يقرأ الفاتحة مطلقا. وقال مالك: بوجوب القراءة عليه في السرية. فدل على ~~أن المراد بالقراءة: قراءة الفاتحة. وبه يبطل قول من قال: إن القراءة عند ~~عدة من الصحابة تفسد الصلاة. والمعتمد أن منع المقتدي عن القراءة مأثور عن ~~ثمانين نفرا من أكابر الصحابة، لكن القول بالفساد فاسد. ومحمول على ما عدا ~~الفاتحة، أو على الجهر المشوش للإمام وغيره. # ووجه الكراهة ما روى محمد في «موطئه» عن سعد بن أبي وقاص قال: وددت أن ~~الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة. ورواه عبد الرزاق في «مصنفه». إلا أنه ~~قال: «في فيه حجر». وفيه أنه يمكن حمله على الجهرية، بل يتعين لأن مذهب ~~محمد جوازه في السرية. وروى محمد أيضا عن نافع، عن ابن عمر «أنه كان إذا ~~سئل: هل يقرأ أحد مع الإمام؟ قال: إذا صلى أحدكم مع الإمام فحسبه قراءة ~~الإمام»، وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام. وروى سفيان الثوري، وشعبة، ~~وإسرائيل بن يونس، وشريك، وأبو الأحوص، وسفيان بن عيينة، وجرير بن عبد ~~الحميد، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم (مرسلا): «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة». ورواه أحمد ~~في «مسنده» عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا. # --- PageV01P316 ~~*** # والحاصل: أن المذهب عندنا اكتفاؤه بقراءة إمامه وكراهة قراءته. أما ~~الاكتفاء فلقوله صلى الله عليه وسلم «من كان له إمام، فقراءة الإمام له ~~قراءة». رواه ابن ماجه في «سننه» إلا أن في سنده جابرا الجعفي، وقد روي عن ~~أبي حنيفة أنه قال: ما رأيت أكذب من جابر الجعفي. ورواه محمد بن الحسن في ~~«موطئه»: أخبرنا أبو حنيفة: حدثنا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة، عن عبد ~~الله بن شداد، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى خلف ms0234 ~~الإمام، فإن قراءة الإمام له قراءة». # وروى الدارقطني عن أبي حنيفة، مقرونا بالحسن بن عمارة بالإسناد المذكور. ~~قال: لم يسنده غير أبي حنيفة والحسن. انتهى. وهو غير صحيح، قال أحمد بن ~~منيع في «مسنده»: أخبرنا إسحاق الأزرق: حدثنا سفيان وشريك عن موسى بن أبي ~~عائشة، عن عبد الله بن شداد عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة». قال: وحدثنا عبد بن حميد: حدثنا ~~أبو نعيم: حدثنا الحسن بن صالح، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم والإسناد الأول صحيح على شرط الشيخين، والثاني على شرط مسلم. # --- PageV01P317 ~~*** # وأخرجه ابن عدي عن أبي حنيفة في ترجمته، وذكر فيه قصة، وبها أخرجه الحاكم ~~قال: حدثنا أبو محمد بن أبي بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي: حدثنا عبد الصمد ~~بن الفضل البلخي: حدثنا مكي بن إبراهيم، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي ~~عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن جابر بن عبد الله: «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صلى ورجل خلفه يقرأ. فجعل رجل من أصحاب النبي ينهاه عن ~~القراءة في الصلاة، فلما انصرف أقبل عليه الرجل وقال: أتنهاني عن القراءة ~~خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعا حتى ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم من صلى خلف الإمام فإن قراءة الإمام له ~~قراءة». وفي رواية لأبي حنيفة: «أن رجلا قرأ خلف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الظهر أو العصر، وأومأ إليه رجل فنهاه، فلما انصرف قال: ~~أتنهاني؟...» الحديث. # قال بعض المحققين: ويفيد أن أصل الحديث هذا، غير أن جابرا روى محل الحكم ~~فقط تارة، والمجموع أخرى، ويتضمن رد القراءة خلف الإمام، لأنه خرج تأييدا ~~لنهي الصحابي عنها مطلقا في السرية والجهرية، خصوصا في رواية أبي حنيفة أن ~~القصة كانت في الظهر أو العصر لإباحة فعلها وتركها، فيعارض ما روي في بعض ~~روايات حديث: «ما ms0235 لي أنازع القرآن» إلى أن قال: «إن لا بد، فالفاتحة». وكذا ~~ما رواه أبو داود والترمذي عن عبادة بن الصامت قال: كنا خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت ~~عليه القراءة، فلما فرغ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم»؟ قلنا: نعم يا رسول ~~الله. قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». ~~ويقدم لتقدم المنع على الإطلاق عند التعارض، ولقوة السند. فإن حديث: «من ~~كان له إمام» أصح. انتهى. # --- PageV01P318 ~~*** # ولا يخفى أن دعوى تضمنه رد القراءة خلف الإمام، ومعارضته لما روي، غير ~~تامة، لأنها في حيز المنع. وعلى فرض تسليمها يقال: إنما نهاه عنها لجهره ~~بالقراءة، بدليل سماعه لقراءته، وقوله صلى الله عليه وسلم «مالي أنازع ~~القرآن». ولا تثبت المعارضة مع إمكان التوفيق، فيحمل النهي عن الجهر بها، ~~لاستلزامه المنازعة المذكورة في الحديث. والأمر بها على السرية، بدليل قول ~~أبي هريرة في حديث «قسمت الصلاة»: اقرأ بها في نفسك». فلا يتم بهذا القدر ~~المنع عن القراءة خلف الإمام مطلقا، وإنما يفيد المنع عنها مقيدا. # وأما الكراهة فلظاهر قول سعد بن أبي وقاص: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام ~~في فيه جمرة. رواه محمد بن الحسن، عن داود بن قيس الفراء المدني قال: ~~«أخبرني بعض ولد سعد عنه». ورواه عبد الرزاق في «مصنفه»، إلا أنه قال: «في ~~فيه حجر». وقول عمر: «ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجرا». رواه محمد بن ~~الحسن، عن داود بن قيس، عن ابن عجلان، عن عمر رضي الله عنه. ورواه عبد ~~الرزاق أيضا. وقول علي رضي الله عنه: «من قرأ خلف الإمام، فقد أخطأ ~~الفطرة». رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق في «مصنفيهما» عنه. ولكن يخص منه ~~ما رواه الطحاوي، عن علي رضي الله عنه: «أنه كان يأمر، أو يحب أن يقرأ خلف ~~الإمام في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي ~~الأخريين بفاتحة الكتاب». # --- PageV01P319 ~~*** # وأخرج أيضا عن ms0236 حماد بن سلمة، عن أبي حمزة قال: «قلت لابن عباس: أقرأ ~~والإمام بين يدي؟ فقال: لا». وكذا عن عبد الله بن مقسم: «أنه سأل عبد الله ~~أبن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم فقالوا: لا تقرأ ~~خلف الإمام في شيء من الصلاة. وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن جابر قال: ~~«لا تقرأ خلف الإمام إن جهر، ولا إن خافت». وفي «موطأ محمد بن الحسن»، عن ~~ابن مسعود: نحوه. # فهذه الأخبار الصريحة، المعضودة بالآثار الصحيحة، تقتضي إخراج المقتدي ~~على طريقة الشافعي مطلقا، وعلى طريقتنا أيضا من عموم الآية والحديث، لأنه ~~خص منهما مدرك الإمام في الركوع إجماعا. # والمسبوق يقضي فائتته بعد فراغ الإمام، لأنه منفرد فيما سبق، فيأتي ~~بالقراءة ولو كان قرأ مع الإمام، بخلاف ما لو قنت معه، فإنه لا يقنت فيما ~~يقضي. ولو أدرك الإمام في ثالثة المغرب قضى الأوليين بجلستين، يجلس على رأس ~~كل ركعة، لأن ما صلى مع الإمام أول صلاته وهو ركعة. ويتشهد لموافقة الإمام، ~~فإذا صلى ركعة أخرى تشهد، ثم يصلي أخرى ويتشهد أيضا، لأنها آخر صلاته. ~~(وكذا) ينصت (في الخطبة) حاضرها سواء كان قريبا، أو بعيدا. # ((إلا إذا قرأ) الخطيب: {يا أيها الذين آمنوا (صلوا عليه} فيصلي السامع سرا(. # أما إنصات السامع لها، فلأن استماعها فرض لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا ~~قلت لصاحبك، والإمام يخطب يوم الجمعة: أنصت، فقد لغوت». رواه مالك، وأحمد، ~~والشيخان، وغيرهما. وأما إنصات البعيد فللاحتياط في إقامة فرض الإنصات. ~~وقال بعضهم: الأفضل للبعيد أن يشتغل بقراءة القرآن. # (فصل في صلاة الجماعة) # --- PageV01P320 ~~*** # (والجماعة) في الصلاة الفريضة (سنة مؤكدة). زاد في «المحيط»: وشريعة ~~ماضية، لا يرخص لأحد تركها إلا لعذر، حتى لو تركها أهل مصر يؤمرون بها. فإن ~~ائتمروا وإلا تحل مقاتلتهم، لأنها من شعائر الإسلام، وخصائص هذا الدين، ~~فالسبيل إظهارها والزجر عن تركها. وقال مكحول الشامي: السنة سنتان: سنة ~~أخذها هدى، وتركها ضلالة، وهي ما كانت من أعلام الإسلام وشعائره. وسنة ~~أخذها فضيلة، وتركها ms0237 لا إلى حرج، كصلاة الليل. # ويؤيده قول ابن مسعود: «من سره أن يلقى الله غدا مسلما، فليحافظ على ~~هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن ~~الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة ~~نبيكم. ولو تركتم سنة نبيكم، لضللتم، (وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم ~~يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة حسنة، ويرفعه بها ~~درجة، ويحط بها عنه سيئة). ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق، معلوم ~~النفاق. ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف». رواه ~~مسلم، وأبو داود، والنسائي موقوفا. ورفعه صاحب «الهداية»، وهو وهم منه. # ومما يؤكد كونها سنة ما ورد في الأحاديث في فضيلة ثواب الجماعة على الفذ، ~~كقوله صلى الله عليه وسلم «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة ~~وعشرين جزأ». رواه الشيخان. وفي رواية: «درجة». وفي أخرى: «ضعفا». وكقوله ~~صلى الله عليه وسلم «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده. وصلاة الرجل ~~مع الرجلين أزكى من صلاته مع رجل، وما زاد، فهو أحب إلى الله تعالى». رواه ~~أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي بن كعب. # --- PageV01P321 ~~*** # وقيل: إنها واجبة، واختاره جماعة من المشايخ. ففي «الغاية»: قال عامة ~~مشايخنا: إن الجماعة واجبة. وفي «التحفة»: ذكر محمد في غير رواية الأصول: ~~أن الجماعة واجبة. وقد سماها بعض أصحابنا سنة مؤكدة، وهما في المعنى سواء. ~~وكأنه أراد بالسنة المؤكدة كونها قريبة من الفرض. ومما يدل عليه: قوله صلى ~~الله عليه وسلم «لقد هممت أن آمر بالمؤذن فيؤذن، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ~~ثم أنطلق برجال معهم حزم الحطب إلى قوم يتخلفون عن الصلاة، فأحرق عليهم ~~بيوتهم بالنار». رواه الشيخان. وليس المراد ترك الصلاة رأسا، بدليل قوله في ~~رواية أخرى: «ثم آتي قوما يصلون في بيوتهم ليست بهم علة، فأحرق عليهم». # وبهذا استدل من قال بأنها فرض عين، وهو أحمد، وداود، ms0238 وعطاء بن أبي رباح، ~~وأبو ثور. وبقوله صلى الله عليه وسلم «من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له ~~إلا من عذر». رواه ابن ماجه، والحاكم، وقال: على شرطهما. ولقوله صلى الله ~~عليه وسلم «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد». رواه أبو داود، وصححه عبد الحق. # قلنا: هم ولم يفعل، فكان تهديدا لإظهار الشعائر، لا لكونها فرضا. ومعنى ~~لا صلاة له: أي كاملة. كما قال: «لا صلاة للعبد الآبق، ولا للمرأة الناشزة ». # --- PageV01P322 ~~*** # وقيل: إنها فرض كفاية. وهو قول الكرخي، والطحاوي، وأكثر أصحاب الشافعي ~~لعين ما استدل به لفرض العين. إلا أن المقصود من الافتراض إظهار الشعائر، ~~وهو يحصل بفعل البعض، وهو ضعيف. إذ لا شك في أنها كانت تقام على عهده صلى ~~الله عليه وسلم في مسجده، ومع ذلك قال في المتخلفين ما قال، وهم بتحريقهم، ~~ولم يصدر عنه مثله فيمن يتخلف عن فروض الكفاية. وفي «القنية»: تارك الجماعة ~~من غير عذر، يجب تعزيره ويأثم الجيران بالسكوت عنه. وفي «الغاية»: العذر: ~~لحوق الحرج في حضورها. قال شمس الأئمة: والوحل عذر. # قال نجم الأئمة: رجل يشتغل بتكرار الفقه ليلا ونهارا ولا يحضر الجماعة، ~~لا يعذر ولا تقبل شهادته. وقال أيضا: رجل اشتغل بتكرار اللغة، فتفوته ~~الجماعة، لا يعذر بخلاف تكرار الفقه. قيل: جوابه الأول فيمن واظب ترك ~~الجماعة تهاونا. والثاني فيمن لا يواظب على تركها. وفي «المحيط»: أقل ~~الجماعة اثنان، وهو أن يكون واحد مع الإمام لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«الاثنان فما فوقهما جماعة». بخلاف الجمعة لما سيأتي في بابها. وكذا إن ~~كانت معه امرأة أو صبي يعقل، كانت جماعة لأنهما من أهل الصلاة. # --- PageV01P323 ~~*** # (والأولى بالإمامة: الأعلم بالسنة) أي بالأحكام الشرعية العملية المتعلقة ~~بالصلاة: من شروطها، وأركانها، وسننها، وآدابها، إذا كان يحسن من القراءة ~~ما تجوز به الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم «يؤم القوم أقدمهم هجرة، فإن ~~كانوا في الهجرة سواء، فأفقههم في الدين، فإن كانوا في الفقه سواء، فأقرؤهم ~~للقرآن، ولا يؤم الرجل في سلطانه». الحديث رواه ms0239 الحاكم، وسكت عنه إلا أنه ~~معلول بالحجاج بن أرطأة من رواية، ولقوله صلى الله عليه وسلم «مروا أبا بكر ~~رضي الله عنه فليصل بالناس». مع ما روى البخاري من حديث أنس: «أن الذين ~~جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار: ~~أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد». فهؤلاء أكثر قراءة ~~منه رضي الله عنه. وحتى قال صلى الله عليه وسلم «أقرؤكم أبي»، لكن لما كان ~~الصديق مشتركا مع غيره في ضبط القراءة وحسن أدائها، قدم عليهم. # فدل على أنه إذا تعارض الأقرأ والأعلم، يقدم الأعلم. لا سيما وقد كان مع ~~هذا أورع، وأسن، وأسبق، فكان بها أولى، وأحق. ويدل على كونه أعلم قول أبي ~~سعيد: «كان أبو بكر رضي الله عنه أعلمنا». وهذا آخر الأمر من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيكون هو المعول. والله تعالى أعلم. إلا أن قصد الإشارة إلى ~~الاستخلاف ربما تكون مخصصة على أنها واقعة حال، وهي لا عموم لها. ومن ثم ~~اختار جمع من المشايخ قول أبي يوسف. # --- PageV01P324 ~~*** # (ثم الأقرأ) أي الأكثر حفظا أو الأحسن ضبطا (ثم الأورع)، والفرق بين ~~الورع والتقوى: أن الورع: اجتناب الشبهات. والتقوى: اجتناب المحرمات. (ثم ~~الأسن) أي أكبر سنا، أو الأسبق في الإسلام، ثم الأحسن خلقا، ثم الأشرف ~~نسبا، ثم الأصبح وجها، ثم الأحسن صوتا، ثم الأنقى ثوبا، ثم يقرع بينهم، أو ~~يخير القوم، أي خيارهم. وورد: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا: رجل ~~أم قوما وهم له كارهون...»، الحديث. رواه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله ~~عنه. وفي «الخلاصة»: رجل أم قوما وهم له كارهون». إذا كانت الكراهة لفساد ~~فيه، أو لأنهم أحق بالإمامة، يكره له ذلك. وإن كان هو أحق بالإمامة، لا يكره. # وقال أبو يوسف: أولى الناس بالإمامة الأقرأ. لما رواه الجماعة إلا ~~البخاري، واللفظ لمسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، ms0240 فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم ~~بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء ~~فأقدمهم سنا. ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته ~~إلا بإذنه». وفي رواية: «سلما» مكان: «سنا». وفي رواية: «إسلاما» مكان: ~~«سلما». رواه الحاكم وقال عوض: «فأعلمهم بالسنة»: «فأفقههم فقها»، و«إن ~~كانوا في الفقه سواء، فأكبرهم سنا». وهي لفظة غريبة وإسنادها صحيح. وروى ~~مسلم: «وليؤمكما أكبركما» . وروى أبو داود عن أبي قلابة، عن مالك بن ~~الحويرث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له، أو لصاحب له: «إذا حضرت ~~الصلاة فأذنا، ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما». # --- PageV01P325 ~~*** # وأجيب: بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه. واعترض: بأن قوله: فإن ~~كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، تقتضي تقديم الأقرأ مطلقا. وأجيب: ~~بأنه إذا كان الأقرأ لكتاب الله أعلم بأحكامه، كان معنى الحديث: يؤم القوم ~~أعلمهم بأحكام كتاب الله، فإن كانوا في ذلك سواء، فأعلمهم بالسنة: أي ~~بالأحكام الثابتة بها. # فيتحصل أن القارىء المفسر مقدم على المحدث. ثم لما كانت الهجرة بعد الفتح ~~منسوخة لقوله صلى الله عليه وسلم «لا هجرة بعد الفتح» أي بعد فتح مكة، كما ~~رواه البخاري، أقمنا الورع مقامها لقوله صلى الله عليه وسلم «المهاجر من ~~هجر ما حرم الله ورسوله». رواه البخاري وغيره. # والحاصل أنه إنما قدم الأقرأ في الحديث، لأنهم كانوا يتعلمون القرآن في ~~ذلك الوقت بأحكامه، كما روي عن عمر: «حفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة». ~~فالأقرأ منهم يكون أعلم. وأما في زماننا فقد يكون الرجل ماهرا بالقراءة، ~~ولا حظ له في معرفة الأحكام، فالأعلم بالسنة أولى إلا أن يطعن عليه في ~~دينه، لأن الناس لا يرغبون في الاقتداء به. وقد ورد عن ابن عمر مرفوعا: ~~«اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم». رواه البيهقي ~~بسند ضعيف. وفي رواية: «إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم علماؤكم، فإنهم ~~وفدكم فيما بينكم وبين ربكم». رواه الطبراني. وفي رواية الحاكم: «فليؤمكم ~~خياركم». وسكت ms0241 عنه. # وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله صلى الله عليه وسلم «من صلى خلف عالم ~~تقي، فكأنما صلى خلف نبي». فغير معروف. # --- PageV01P326 ~~*** # (فإن أم عبد أو أعرابي) وهو: من سكن في البادية عربيا كان أو عجميا، (أو ~~فاسق أو أعمى) كان حقه أن يقدم أو يؤخر. وقال مالك: لا تصح إمامة الفاسق. ~~(أو مبتدع) أي صاحب بدعة وهي: ما أحدث على خلاف الحق المتلقى عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من علم، أو عمل أو حال، أو صفة بنوع استحسان، وطريق ~~شبهة، وجعل دينا قيما، وصراطا مستقيما . (أو ولد زنا كره) وجاز. # أما كراهة إمامة العبد والأعرابي وولد الزنا، فلأن الغالب عليهم الجهل. ~~والفاسق والمبتدع في إمامتهما تعظيمهما، وقد أمرنا بإهانتهما. والأعمى ~~لجهله باستقبال القبلة، وتعسر تمكنه من التوقي عن النجاسة كما ينبغي، حتى ~~لو لم يكن غيره من البصراء أفضل منه، كان هو الأولى. لأنه صلى الله عليه ~~وسلم استخلف ابن أم مكتوم على المدينة حين خرج إلى غزوة تبوك، وهو يومئذ ~~كان ضريرا. وقد نزل في حقه: {عبس وتولى * أن جاءه الأعمى}. # وأما الجواز فلما أخرجه الدارقطني عن مكحول، عن أبي هريرة: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر، ~~وجاهدوا مع كل بر وفاجر». وفي رواية لأبي داود عن مكحول، عن أبي هريرة ~~مرفوعا: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا، والصلاة واجبة ~~عليكم خلف كل مسلم برا كان أو فاجرا، وإن عمل الكبائر». والحديث منقطع، ولم ~~يدرك مكحول أبا هريرة، لكنه حجة عندنا. وفي رواية: «سيليكم من بعدي ولاة: ~~البر ببره، والفاجر بفجوره، فاسمعوا له، وأطيعوه فيما وافق الحق، وصلوا ~~وراءهم. فإن أحسنوا، فلكم ولهم، وإن أساؤا فلكم وعليهم». # --- PageV01P327 ~~*** # ثم صاحب الهوى: إن كان هواه يكفره، لا تجوز الصلاة خلفه. وإن كان لا ~~يكفره يجوز، ويكره. كذا في «المحيط». وروى محمد عن أبي حنيفة، وأبي يوسف: ~~أن الصلاة خلف أهل الأهواء لا تجوز. ms0242 ووجد بخط شمس الأئمة الحلواني: أنه ~~يمنع عن الصلاة خلف من يخوض في علم الكلام، ويناظر صاحب الأهواء. وكأنه ~~بناه على ما روي عن أبي يوسف أنه قال: لا يجوز الاقتداء بالمتكلم وإن تكلم ~~بحق. قال الهندواني: يجوز أن يكون مراده من يناظر في دقائق علم الكلام. ~~وبناه في «المجتبى» على ما نقل عن أبي حنيفة حين رأى ابنه حمادا يناظر في ~~علم الكلام، فنهاه فقال: رأيتك تناظر في الكلام وتنهاني فقال: كنا نناظر ~~وكأن على رؤسنا الطير مخافة أن يزل صاحبه، وأنتم تناظرون وتريدون زلة ~~صاحبكم. ومن أراد زلة صاحبه ، فقد أراد أن يكفر، فهو قد كفر قبل صاحبه. ~~فهذا هو الخوض المنهي عنه. وهذا المتكلم لا يجوز الاقتداء به. # (كجماعة النساء وحدهن) أي كما كره جماعة النساء بالإمام منهن، لأن ~~اجتماعهن قلما يخلو عن فتنة بهن. ولما روي عنه صلى الله عليه وسلم «بيوتهن ~~خير لهن لو يعلمن»، وبه قال مالك خلافا للشافعي. # --- PageV01P328 ~~*** # (فإن فعلن) أي صلين جماعة (تقف الإمام) أي إمامهن (وسطهن) بسكون السين ~~وتفتح في صفهن، ولا تتقدم عليهن. ويجوز تذكير يقف، بناء على لفظ الإمام، ~~فإنه مصدر بمعنى المفعول، أي المقتدى به، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، ~~فاندفع قول الشارح: وهو بالمثناة الفوقية في أوله، لأن فاعله الإمام، وهو ~~مؤنث حقيقي. وقد روى عبد الرزاق، والدارقطني عن ربطة الحنفية: «أن عائشة ~~رضي الله عنها أمتهن، وقامت بينهن في صلاة مكتوبة». ولفظ الدارقطني ~~والبيهقي: «فقامت بينهن وسطا». قال النووي في «الخلاصة»: إسناده صحيح. وروى ~~عبد الرزاق، والدارقطني، وصححه النووي، عن حجيرة بنت حصين قالت: «أمتنا أم ~~سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا». قال في «شرح المجمع»: فعلتا كذلك حين ~~كانت جماعتهن مستحبة، ثم نسخ الاستحباب. # أقول: الأظهر أن الكراهة محمولة على ظهورهن وخروجهن، والجواز على تسترهن ~~في بيوتهن. # (وكحضور الشابة) أي وكما كره حضور الشابة (كل جماعة) لخوف الفتنة ~~(والعجوز) أي وكحضور العجوز (الظهر والعصر) بخلاف الفجر والمغرب والعشاء ~~والعيدين، فإنه لا بأس عند أبي حنيفة بحضور ms0243 العجوز لها. وعندهما: لا بأس ~~بحضور العجوز للصلوات كلها لعدم الرغبة فيها. ولأبي حنيفة أن قوة الشهوة ~~توقع في الفتنة، غير أن الفساق في الفجر والعشاء نائمون، وفي المغرب ~~بالطعام مشغولون، وفي العيدين لسعة الجبانة عن النساء معتزلون، وكان هذا في ~~زمانه رضي الله عنه، وأما في زماننا فكثر انتشار الفساق وقت المغرب ~~والعشاء. # --- PageV01P329 ~~*** # والمختار: منع العجوز عن حضور الجماعة في جميع الأوقات فضلا عن الشابة. ~~لما روى البخاري عن يحيى بن سعيد، عن عمرة ، عن عائشة رضي الله عنها أنها ~~قالت: «لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء، لمنعهن كما ~~منعت نساء بني إسرائيل. قلت لعمرة: أومنعن؟ قالت: نعم». وتقول عائشة ترفعه: ~~«أيها الناس، انهوا نساءكم عن لبس الزينة والتبختر في المساجد، فإن بني ~~إسرائيل لم يلعنوا حتى لبس نساؤهم الزينة، وتبخترن في المساجد». رواه ابن ~~عبد البر في «التمهيد». # (ويقتدي المتوضىء) بالهمزة وقد يبدل (بالمتيمم) عند أبي حنيفة وأبي يوسف ~~خلافا لمحمد، لأن المتوضىء أقوى حالا. وبناء الأقوى على الأضعف لا يجوز. ~~ولهما ما روى أبو داود، والحاكم وقال: على شرط الشيخين، عن عمرو بن العاص ~~قال: «احتلمت في ليلة باردة وأنا في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن ~~أهلك. فتيممت وصليت بأصحابي الصبح، ثم أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فضحك، ولم يقل شيئا». وفي البخاري: «وأم ابن عباس وهو متيمم». # (و) يقتدي (الغاسل بالماسح) لأن المسح كالغسل سواء كان على جبيرة أو خف ~~(والقائم بالقاعد) الذي يركع ويسجد، وبه قال مالك والشافعي. وقال محمد، ~~وأحمد، وإسحاق: لا يقتدي القائم بالقاعد وهو القياس، لأن اقتداء القائم ~~بالقاعد اقتداء كامل الحال بناقصها. ولما في «الصحيحين» عن عائشة رضي الله ~~عنها: «اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليه ناس من أصحابه ~~يعودونه، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا، فصلوا بصلاته قياما ~~فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا. فلما انصرف قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، ~~فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، ms0244 وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا». # --- PageV01P330 ~~*** # ولنا أن هذا منسوخ بآخر فعله صلى الله عليه وسلم وإنما يؤخذ بالآخر ~~فالآخر من فعله عند التعارض، وهو ما في «الصحيحين» من حديث عائشة «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر في مرضه الذي توفي فيه أبا بكر رضي الله عنه أن ~~يصلي بالناس. فلما دخل أبو بكر رضي الله عنه في الصلاة وجد صلى الله عليه ~~وسلم في نفسه خفة، فخرج يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض. فجاء صلى ~~الله عليه وسلم فجلس عن يسار أبي بكر رضي الله عنه. فكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يصلي بالناس جالسا ، وأبو بكر قائما. يقتدي أبو بكر الصديق بصلاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر». # وليس معنى هذا الحديث أن أبا بكر كان إماما للناس، لأن الصلاة لا تصح ~~بالإمامين، ولكن معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان الإمام، ولهذا وقف ~~على يسار أبي بكر، وأبو بكر كان يبلغ الناس. فسر ذلك الرواية الأخيرة في ~~الصحيح وهي: «وأبو بكر يسمع الناس التكبير»، أي تكبير النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإذا كان الأمر كذلك فقوله: «فلما دخل أبو بكر في الصلاة» معناه: أراد ~~دخوله، أو قاربه. وإلا فلزم قطع الصلاة بعد شروعها، أو الانتقال بالنية كما ~~قال به الشافعي. لكن يشكل بقول ابن عباس: «لما مرض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خرج، وأبو بكر يصلي بالناس، فقرأ من حيث انتهى إليه أبو بكر رضي الله ~~عنه». رواه ابن ماجه وغيره. فيحمل على الخصوصية، وأنه ليس التقدم على ~~الإمام بسائغ إلا في حقه صلى الله عليه وسلم # --- PageV01P331 ~~*** # وذكر البيهقي في «المعرفة»: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم ~~السبت أو الأحد في مرض موته جالسا، والناس خلفه، وهي آخر صلاة صلاها إماما. ~~وصلى خلف أبي بكر الركعة الثانية صبح يوم الاثنين مأموما، ثم أتم لنفسه». ~~وفي «السنن الكبرى»: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «صلى رسول الله ms0245 صلى الله ~~عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعدا». قال الشافعي وغيره: ~~إن صحت هذه الرواية، كان ذلك مرتين: مرة صلى النبي صلى الله عليه وسلم وراء ~~أبي بكر، ومرة صلى أبو بكر وراءه. # والحاصل: أن الناس اختلفوا فيما إذا صلى الإمام جالسا. فقالت طائفة: ~~يصلون قعودا اقتداء به. واحتجوا بحديث عائشة رضي الله عنها، وأنس: «وإذا ~~صلى جالسا، فصلوا جلوسا أجمعون»، وقد فعله أربعة من الصحابة: جابر بن عبد ~~الله، وأبو هريرة، وأسيد بن حضير، وقيس بن فهد. # وقال أكثر أهل العلم: يصلون قياما، ولا يتابعونه في الجلوس، وبه قال أبو ~~حنيفة والشافعي ومن تابعهما. وقالوا بنسخ ذلك الحديث بما قدمنا. وقال محمد: ~~بعدم جواز اقتداء القائم بالقاعد، وادعى أن ذلك من خصائصه، وهو الأحوط. # (و) يقتدي (الموميء) من أومأ مهموزا وقد تبدل (بالمومي) لاستواء حالهما. ~~ويستثنى من ذلك: إذا كان الإمام مضطجعا، والمؤتم قائما أو قاعدا، لقوة حال ~~القائم والقاعد على المضطجع. لأن القعود مقصود كالقيام، بدليل وجوبه عند ~~القدرة عليه. # (و) يقتدي (المتنفل بالمفترض) لما روى أصحاب السنن الأربعة عن أبي ذر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون ~~الصلاة؟» قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فماذا تأمرني؟ قال: «صل ~~الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فصل فإنها لك نافلة». # --- PageV01P332 ~~*** # (لا) يقتدي رجل (بامرأة أو صبي). أما المرأة: فلما روى عبد الرزاق في ~~«مصنفه» عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن ابن ~~مسعود قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعا، فكانت المرأة ~~تلبس القالبين فتقوم عليهما، فتواعد خليلها، فألقي عليهن الحيض. فكان ابن ~~مسعود يقول: أخروهن من حيث أخرهن الله، قيل: فما القالبان؟ قال: أرجل من ~~خشب يتخذها النساء يتشرفن الرجال في المساجد. وفي «الغاية»: كان شيخنا ~~الصدر سليمان يرويه: «الخمر أم الخبائث، والنساء حبائل الشيطان، فأخروهن من ~~حيث أخرهن الله». ويعزوه إلى «مسند رزين». قال القاضي أبو ms0246 زيد: حيث اسم ~~مكان، ولا مكان يجب على الرجل تأخيرها عنه إلا مكان الصلاة، فلا يجوز ~~الاقتداء بها. # وأما إمامة الصبي فقال بعضهم: يجوز اقتداء البالغ بالصبي في التراويح ~~والنوافل المطلقة، لأن كلا منهما نفل في ذاته. واللزوم بعارض الشروع لا ~~يخرجه عن أصل وضعه. والمختار: عدم الجواز. لأن نفل البالغ مضمون ويجب قضاؤه ~~بإفساده، ونفل الصبي غير مضمون، لا يجب قضاؤه بإفساده، فكان نفل البالغ ~~أقوى من نفل الصبي. ولو اقتدى صبي بصبي جاز لأن الصلاة متحدة. # (وطاهر) أي ولا يقتدي طاهر، والمراد به: من لا عذر له (بمعذور) أي بمن له ~~عذر من سلس البول ونحوه، لأن المعذور يصلي مع الحدث حقيقة، وإنما جعل حدثه ~~في حكم العدم للحاجة إلى الأداء، فكان أضعف حالا من الطاهر. وكذا لو زال ~~عذر المعذور في أثناء الصلاة لا يبني عليها، لأنها بناء القوي على الضعيف. ~~وفي المسألة خلاف الشافعي وزفر. ولو اقتدى معذور بمعذور: إن اتحد عذرهما ~~جاز، وإن اختلف لا يجوز. # --- PageV01P333 ~~*** # (و) لا (قارىء بأمي) وهو: من لا يحسن آية، لقوة حال القارىء. وكذا أمي ~~بأخرس، لقدرة الأمي على التحريمة، بخلافه. واللفظ فوق الإيماء. (ولابس بعار ~~وغير موم بموم) بحذف الهمزة تخفيفا كما في اطف سراجك، وإنما لا يجوز ~~اقتداؤهما، لقوة حالهما على حال العاري والمومي. # (ولا مفترض بمتنفل) وبه قال مالك، وأحمد. وأجاز الشافعي اقتداءه به، لما ~~في الصحيحين من حديث جابر: «أن معاذا كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة». ولفظ البخاري: ~~«فيصلي بهم الصلاة المكتوبة». ولنا ما في «الصحيحين» من حديث أنس رضي الله ~~عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا ~~تختلفوا عليه». # ولو جاز اقتداء المفترض بالمتنفل لما شرع صلاة الخوف مع المنافي، بل كان ~~الإمام يصلي بكل طائفة صلاة كاملة. وأجيب عن حديث معاذ: بأن النية أمر لا ~~يطلع عليه أحد إلا بإخبار الناوي. فجاز أن ms0247 معاذا كان يصلي مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم بنية النفل، ليتعلم منه سنة الصلاة ويتبرك بالصلاة خلفه، ثم ~~يأتي قومه فيصلي بهم الفرض. ومع وجود الاحتمال لا يتم الاستدلال. ومن ~~المعلوم أن حمل فعل الصحابي على الوجه المتفق عليه، أولى من حمله على ~~المختلف عليه. # --- PageV01P334 ~~*** # وروى أحمد في «مسنده»: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إما أن تصلي ~~معي، وإما أن تخفف عن قومك». ومعناه: إما أن تصلي الفرض معي، ولا تصلي بهم، ~~وإما أن لا تصلي معي الفرض حتى لا ينتظروك. قال ابن تيمية في «المنتقى» ~~وهو من أكابر الحنابلة : فيه دلالة على منع اقتداء المفترض بالمتنفل، لأنه ~~يدل على أنه متى صلى معه امتنعت إمامته أي للتقسيم الحاصر ، وبالإجماع لا ~~تمتنع إمامته لصلاته النفل معه، فعلم أن الذي كان يصليه معاذ مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم نفل. # (ومفترض) عطف على متنفل أي ولا يقتدي مفترض بمفترض (فرضا آخر) لأن ~~الاقتداء: شركة في التحريمة المقرونة بالنية، وموافقة في الأفعال البدنية. ~~ولما روى أصحاب «السنن» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «الأئمة ضمناء، والمؤذنون أمناء. اللهم أرشد الأئمة، واغفر ~~للمؤذنين». قال صاحب «الغريبين»: معنى الضمان: الحفظ والرعاية. فمعنى ~~الحديث والله تعالى أعلم أن الإمام حافظ، ومراع لصلاة من اقتدى به صحة ~~وفسادا. وتوضيحه: أنه يسري فساد صلاة الإمام إلى صلاة المأموم عندنا. وجعله ~~مالك والشافعي تبعا له في صورة الموافقة، لا في الفساد والصحة، لقوله صلى ~~الله عليه وسلم «إنما جعل الإمام ليؤتم به». أي: ليوافق في أفعاله ويتابعه ~~فيها. وفيما عدا ذلك، صلاة كل منهما في الصحة والفساد مضافة إلى اجتماع ~~شرائطها وأركانها، وعدم اجتماعهما. # --- PageV01P335 ~~*** # ولنا: ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم «الإمام ضامن». رواه أبو داود، ~~والترمذي. وإنما يكون ضامنا إذا تضمنت صلاته صلاة المقتدي، لتصح بصحتها، ~~وتفسد بفسادها. فيكون اتحاد الصلاتين شرطا في صحة الاقتداء، إلا ما فيه ~~بناء الأخف على الأقوى، كاقتداء المتنفل بالمفترض على ms0248 ما لا يخفى. وصريح ما ~~رواه عبد الرزاق في «مصنفه»: «أن عليا رضي الله عنه صلى بالناس وهو جنب، أو ~~على غير وضوء، فأعاد وأمرهم أن يعيدوا. وأن عمر رضي الله عنه صلى بالناس ~~وهو جنب، فأعاد ولم يعد الناس. فقال له علي: قد كان ينبغي لمن يصلي معك أن ~~يعيد، فرجعوا إلى قول علي رضي الله عنه. # قال القاسم: وقال ابن مسعود: مثل قول علي. وقد روى البيهقي والدارقطني عن ~~سعيد بن المسيب: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس وهو جنب، ~~فأعاد، وأعادوا». والحديث مرسل، والراوي عن سعيد: أبو جابر البياضي: ضعيف. # ويفسد اقتداء مسبوق بغيره مطلقا. أعني سواء كان مثله أو لاحقا أو إماما. ~~وكذا بعكسه، بأن يقتدي الغير به، لأنه في حكم المقتدي من وجه، وفيه خلاف ~~الشافعي. وأجاز الشافعي القضاء خلف الأداء مع الكراهة. # هذا، ولو اقتدى بالإمام في المسجد عن بعد يصح إذا لم يشتبه عليه حال ~~إمامه، لأن المسجد مع تباعد أطرافه كبقعة واحدة. ولو كان على سطح داره بجنب ~~المسجد لا يصح، لاختلاف المكان، إلا إذا كان على رأس الحائط. وفي ~~«الخلاصة»: ولو كان على دكان خارج المسجد متصلا بالمسجد يجوز الاقتداء، لكن ~~بشرط اتصال الصفوف، لأن باتصال الصفوف يصير كبقعة واحدة. فلو كان على ~~الطريق واحد لا يثبت الاتصال، ولو كان ثلاث يثبت، لأن الثلاث جمع صحيح. ولو ~~كان اثنان: قال محمد: حكمهما حكم الواحد. وقال أبو يوسف: حكمهما حكم ~~الثلاث. والله تعالى أعلم. # --- PageV01P336 ~~*** # (والإمام لا يطيلها) أي الصلاة بإطالة القراءة ونحوها. لما في «الصحيحين» ~~من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم للناس ~~فليخفف، فإن فيهم الضعيف، والسقيم، والكبير. وإذا صلى لنفسه فليطول ما ~~شاء». وفي لفظ لمسلم: «الصغير، والكبير، والضعيف، والمريض، وذا الحاجة». ~~ولقول أبي مسعود الأنصاري: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة مما يطيل بنا فلان. قال: فما رأيت ms0249 ~~النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبا من يومئذ. فقال: يا أيها الناس ~~إن منكم منفرين، من صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم الكبير، والضعيف، وذا ~~الحاجة». رواه الشيخان، وفي لفظ البخاري: «والمريض». ولقول عثمان بن أبي ~~العاص: «آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أممت قوما فأخف ~~بهم الصلاة». وفي لفظ: «أم قومك. فمن أم قوما فليخفف، فإن فيهم الكبير، وإن ~~فيهم الضعيف، وإن فيهم المريض، وإن فيهم ذا الحاجة. وإذا صلى أحدكم وحده ~~فليصل كيف شاء». رواه مسلم. # ولقصة معاذ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتريد أن تكون فتانا يا ~~معاذ؟ إذا أممت بالناس، فاقرأ ب: {الشمس وضحاها}، و{سبح اسم ربك الأعلى}، ~~و{اقرأ باسم ربك} و{الليل إذا يغشى}. رواه الشيخان. وفي لفظ لمسلم: «فافتتح ~~سورة البقرة، فانحرف رجل فسلم، ثم صلى وحده، وانصرف...» الحديث. وفي لفظ ~~لأبي داود: «يا معاذ: لا تكن فتانا، فإنه يصلي وراءك الكبير، والضعيف، وذا ~~الحاجة، والمسافر». # --- PageV01P337 ~~*** # (ولا) يطيل (قراءة) الركعة (الأولى) على قراءة الركعة الثانية (إلا في) ~~صلاة (الفجر) لأنها في وقت غفلة، فتطال الركعة الأولى ليدركها من أبطأ في ~~حضور الجماعة. ولا اعتبار في الزيادة والنقصان بما دون ثلاث آيات، لعدم ~~إمكان الاحتراز عنه، وهذا عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وأما عند محمد: فيستحب ~~تطويل الركعة الأولى من الصلوات كلها. لما في «الصحيحين» من حديث أبي ~~قتادة، واللفظ للبخاري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في ~~الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة ~~الكتاب. ويطول في الركعة الأولى، ما لا يطول في الثانية. وهكذا في العصر، ~~وهكذا في الصبح. وأجيب بأن الحديث محمول على الإطالة بالثناء والتعوذ. ثم ~~هذا في الفرائض، وأما في النوافل، فإطالة الثانية غير مكروهة. # (ويقوم المؤتم الواحد) بالغا كان أو صبيا (على يمينه) أي يستحب أن يقف عن ~~يمين الإمام، مساويا له عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وواضعا أصابع رجله بإزاء ~~عقب الإمام عند محمد، ms0250 لما روى الجماعة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس ~~قال: «بت عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من ~~الليل. فقمت عن يساره، وأخذني بيميني، فأدارني من ورائه، فأقامني عن يمينه، ~~فصليت معه». وفي رواية: «فجعلني عن يمينه». وفي أخرى: «وأخذ برأسي من ~~ورائي». وفي رواية: بيدي أو عضدي. «وفيه دلالة على أن أقل الجماعة في غير ~~الجمعة واحد. ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم «الاثنان جماعة فما فوقهما». ~~رواه ابن ماجه. # --- PageV01P338 ~~*** # (و) يقوم المؤتم (الزائد) على الواحد (خلفه) أي خلف الإمام لما روى ~~الجماعة إلا ابن ماجه عن مالك بن أنس، عن إسحاق بن أبي عبد الله بن طلحة، ~~عن أنس بن مالك: «أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام ~~صنعته، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصلي لكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد ~~اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصففت ~~أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا. فصلى لنا ركعتين. واليتيم هو: ضميرة ~~بن سعد الحميري مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم له ولأبيه صحبة». # وعن أبي يوسف: يقوم الإمام بين الاثنين، لما روى مسلم عن ابن مسعود: «أنه ~~صلى بعلقمة والأسود ، فقام بينهما». قلنا: الأثر دليل الإباحة، والخبر دليل ~~الأفضلية، لقول جابر: «قام النبي صلى الله عليه وسلم فقمت عن يساره فأخذ ~~بيدي، فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، فقام عن يسار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بأيدينا جميعا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه»، ~~مختصر من حديث طويل في آخر مسلم. هذا، ولو صح مرفوعا، ما روي عن ابن مسعود ~~وأبي يوسف، فمحمول على بيان الجواز، أو على عذر كضيق المكان. # --- PageV01P339 ~~*** # (ويصف الرجال) على قدر مراتبهم (ثم الصبيان ثم الخنثى) وفي نسخة الخناثى ~~بفتح أوله جمع خنثى بالضم، كالحبالى: جمع حبلى. (ثم النساء) لما روى مسلم ~~عن عبد الله بن مسعود قال: قال ms0251 رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليلني منكم ~~أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». وفي رواية ~~«ثلاثا». والأحلام جمع حلم وهو: ما يراه النائم: كنى به هنا عن البلوغ، ~~لأنه سببه. والنهى بضم النون: جمع نهية بضمها، وهو العقل. سمي به لأنه ينهى ~~عن المناهي، ويعقل صاحبه عن ارتكابها. ولقول أبي مالك الأشعري: «إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلى فأقام الرجال يلونه، وأقام الصبيان خلف ذلك، وأقام ~~النساء خلف ذلك». رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه». «وفي مسند الحارث بن أبي ~~أسامة»: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصفهم في الصلاة، فيجعل الرجال ~~قدام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان». # (فإن حاذته) أنثى عاقلة مشتهاة: في الحال أو في الماضي، لتدخل العجوز، ~~أجنبية منه كانت، أو قريبة له، أو زوجته، بكلها أو ببعضها، بأن كان أحدهما ~~على الدكان والآخر على الأرض، وحاذى عضوا منها (في صلاة مطلقة) ذات ركوع ~~وسجود، أو بدلهما: وهو الإيماء (مشتركة تحريمة وأداء فسدت صلاته). # اعلم أن المدرك وهو الذي أتى بالصلاة جميعها مع الإمام بان تحريمته على ~~تحريمة الإمام، وأداؤه على أدائه. واللاحق وهو الذي فاته من آخر الصلاة ~~بسبب نوم أو سبق حدث بان تحريمته على تحريمة الإمام حقيقة، وأداءه فيما ~~يقضي على أدائه تقديرا، لأنه التزم متابعته في أول الصلاة بالتحريمة. # --- PageV01P340 ~~*** # ولهذا لا يقرأ فيما يقضيه، ولا يسجد بسهو فيه، وتبطل صلاته بتبدل اجتهاده ~~في القبلة. والمسبوق وهو الذي فاته الإمام أول الصلاة بان تحريمته على ~~تحريمته، وليس بانيا أداء ما يقضيه على أدائه، بل هو منفرد فيه، ولهذا يقرأ ~~فيه، ويسجد للسهو، ولا تبطل صلاته بتبدل اجتهاده في القبلة. # وفي «المحيط»: رجل وامرأة قاما يقضيان ما سبقا به، فتحاذيا لم تفسد ~~صلاته، لأنهما لم يشتركا في صلاة واحدة، لأن المسبوق فيما يقضي منفرد. وإن ~~أدركا أول الصلاة، وناما أو أحدثا، ثم قاما يقضيان ما سبقا به، فتحاذيا ~~فسدت صلاته، لأنهما لاحقان. واللاحق بمنزلة المصلي خلف الإمام. # وإنما ms0252 تفسد صلاة الرجل بالمحاذاة دون صلاة المرأة، لتركه التقدم الذي أمر ~~به فيما رويناه عن ابن مسعود وهو: «أخروهن من حيث أخرهن الله». لأنه ~~المخاطب بها دونها. ولما في حديث أنس السابق من أنه صف هو واليتيم وراء ~~النبي صلى الله عليه وسلم والعجوز من ورائهما. ولولا أن المحاذاة مفسدة، ما ~~تأخرت العجوز عنهما، لأن الانفراد خلف الصف مكروه. وهذا وجه الاستحسان، ~~وفيه بحث ظاهر إذ الظاهر أن انفرادها لبيان الأفضل، وحينئذ لا يكون مكروها ~~في حقها فتأمل. # وأما عند مالك والشافعي فلم تفسد صلاته أيضا، وهو القياس اعتبارا ~~بصلاتها، حيث لا تفسد لأن المحاذاة تقوم بهما. ولو كانت علة الفساد وهي ~~قائمة بهما لكان الحكم وهو الفساد ثابتا في حقهما، إذ الاستواء في ~~العلة، يقتضي الاستواء في المعلول. ولما لم تفسد صلاتها، دل أنها ليست ~~بمفسدة لصلاته. # وأما محاذاة الأمرد فصرح الكل بعدم إفسادها إلا من شذ. ولا متمسك له في ~~الرواية، لما صرحوا به، ولا في الدراية لتصريحهم بأن الفساد في المرأة غير ~~معلول بعروض شهوة، بل هو لترك فرض المقام. وليس هذا في الصبي. # --- PageV01P341 ~~*** # (إن نوى إمامتها) إذا ائتمت محاذية، لأنه يلزمه الفساد من جهتها، فلا بد ~~له من التزامه. كالمقتدي لا بد له من نية الاقتداء لما لزمه الفساد من جهة ~~إمامه. (وإلا فصلاتها) وإن لم ينو الإمام إمامتها، لا تفسد صلاته، بل تفسد ~~صلاتها، لأنها لم يصح اقتداؤها، فلم تكن قراءة الإمام قراءة لها، فتبقى ~~صلاتها بلا قراءة. ولم يشترط زفر نية إمامتها مطلقا. # ويشترط في المحاذاة: أن لا يكون بينهما حائل، ولا فرجة. وأدنى الحائل في ~~الطول: مثل مؤخرة الرحل أو مقدمته، لأنه أدنى أحوال الصلاة: القعود، فقدرنا ~~الحائل به، وهو قدر ذراع بغلظ أصبع. وأدنى الفرجة: ما يقوم فيه شخص. # وفي «النوازل»: قوم صلوا على ظهر ظلة في المسجد، وقدامهم وتحتهم النساء: ~~لا تجزيهم صلاتهم، لأنه تخلل بينهم وبين الإمام صف النساء، فمنع اقتداءهم. ~~وإن كان بحذائهم من تحتهم نساء أجزأهم، لأنه ليس ms0253 بينهم وبين الإمام نساء، ~~وبينهم وبينهن حائل وهو ارتفاع المكان فلا تتحقق المحاذة، كما لو كان ~~بينهما حائط. وفي «الغاية»: ويشترط أن تكون جهتهما واحدة. ولا يتصور اختلاف ~~جهتهما إلا في ليلة مظلمة، أو الكعبة أي داخلها، أو حولها. ويشترط أن تكون ~~المحاذاة في ركن كامل. # وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله صلى الله عليه وسلم «أخروهن من حيث أخرهن ~~الله». فغير معروف رفعه. وأغرب منه أنه جعله من المشاهير، وهذا خلاف ما ~~عليه الجماهير. # --- PageV01P342 ~~*** # والحاصل: أنه لا يصح رفعه، لكنه ثبت عن ابن مسعود وقفه. رواه الطبراني: ~~حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، ~~عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: «كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون ~~جميعا، وكانت المرأة إذا كان لها الخليل تلبس القالبين، تطاول بهما ~~لخليلها، فألقى الله عليهن الحيض. وكان ابن مسعود يقول: أخروهن كما أخرهن ~~الله. قلنا لإبراهيم: ما القالبان ؟ قال: قبقابا من خشب». وإسحاق بن ~~إبراهيم هذا: هو الوبري، وأبو معمر: عبد الله بن سخبرة الأزدي. وقد قال تقي ~~الدين بن دقيق العيد: إنه حديث صحيح. والحديث مع كونه موقوفا لا دلالة له ~~فيه إلا على الاستحباب، فأخروهن عن الرجال كتأخر الأطفال وفق ما ثبت في ~~الأحاديث المرفوعة. وعلى تسليم أن الأمر للوجوب بناء على أنه في حكم ~~المرفوع، فلا دلالة فيه على إبطال الصلاة حال المحاذاة. . # فصل (فيمن سبقه الحدث في الصلاة) # (مصل سبقه الحدث) أي حصل منه بدون اختياره ويسمى الحدث السماوي (توضأ) ~~بلا توقف (وأتم) تلك الصلاة ثانيا. # وفيه إشارة إلى أن المراد بالحدث: الموجب للوضوء، دون الغسل، إذ لا يصح ~~البناء فيه كما سيأتي. (ولو بعد التشهد) أي قبل خروجه من الصلاة. وقال مالك ~~والشافعي: يستأنف الصلاة لأن الحدث ينافيها، والانحراف من الصلاة اللازم من ~~الذهاب إلى الوضوء عن القبلة غالبا يفسدها. فصار كالحدث العمد. # --- PageV01P343 ~~*** # ولنا: ما روى ابن ماجه، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ~~صلى الله عليه ms0254 وسلم «من أصابه قيء أو قلس أو مذي فلينصرف وليتوضأ ثم ليبن ~~على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم». وروى ابن أبي شيبة: نحوه، موقوفا على ~~جماعة من الصحابة: منهم الصديق، والفاروق، والمرتضى، وابن مسعود، وغيرهم ~~رضي الله عنهم. والقلس: خروج شيء بسبب جشاء أو سعلة. # فإن قيل: قال الدارقطني: يروونه عن ابن أبي مليكة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مرسلا، وهو الصحيح. أجيب بأن المرسل حجة عندنا، وعند الجمهور، كما ~~تقرر في موضعه من الأصول. وقياس الحدث السماوي على الحدث العمدي لا يصح، ~~لأن الأول فيه بلوى، فجعل المكلف به معذورا، بخلاف الثاني. # وأما جواز بناء من سبقه الحدث بعد التشهد أو القعود قدر التشهد، فعند أبي ~~حنيفة. ووجهه: أن خروج المصلي بصنعه فرض عنده، فحصول هذا العارض (في هذه ~~الحالة كحصوله في وسط الصلاة. وأما عندهما فبالقعود قدر التشهد تمت صلاته)، ~~فحصول هذا العارض حينئذ كحصوله بعد السلام. # (والاستئناف أفضل) لأن فيه تحرزا عن شبهة الخلاف، لا واجب كما قال مالك ~~والشافعي، وهو القياس، لوجود المنافي لشرط الصلاة، وهو الطهارة. ووجود ~~المشروط بدون الشرط محال، ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم «إذا فسا أحدكم ~~في الصلاة، فلينصرف فليتوضأ، وليعد صلاته». رواه أبو داود والترمذي ~~والنسائي. وقوله: «إذا رعف أحدكم في صلاته فليغسل عنه الدم، ثم ليعد وضوءه، ~~وليستقبل صلاته». رواه الطبراني وغيره. # --- PageV01P344 ~~*** # وأجيب: بأن في سند كل منهما ضعفا. وروى أبو داود وابن ماجه، عن هشام بن ~~عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «إذا صلى أحدكم فأحدث فليأخذ بأنفه ثم لينصرف». وروى الدارقطني أيضا ~~عن عاصم بن حمزة، والحارث، عن علي كرم الله وجهه قال: «إذا أم الرجل القوم ~~فوجد في بطنه ورما، أو رعافا، أو قاء، فليضع ثوبه على أنفه، وليأخذ بيده ~~رجلا من القوم فليقدمه». الحديث ضعيف أيضا. وتقدم أن الحارث كذاب، وعاصم ~~فيه بعض شيء. وروى الدارقطني أيضا مرفوعا: وضع اليد على الأنف حين ms0255 الانصراف ~~فقط. وهو ضعيف أيضا. # والحاصل: أنه لم يصح في هذا الباب شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما ~~قول صاحب «الهداية»: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم فقاء أو ~~رعف، فليضع يده على فمه، وليقدم من لم يسبق بشيء». فقوله: «من لم يسبق ~~بشيء» غير معروف في كتب الحديث. لكن ذكر أصحابنا: أن الأولى للإمام أن يقدم ~~مدركا، لأنه أقدر على إتمام صلاته. وذكر القاضي أبو العباس عن إمام الحرمين ~~في «النهاية»، وعن الغزالي في «البسيط»: أن حديث: «من قاء أو رعف أو أمذى ~~في صلاته، فلينصرف وليتوضأ، وليبن على صلاته ما لم يتكلم». في كتب الصحاح. ~~وهو وهم منهما، وعذرهما أنهما لا معرفة بالحديث لهما، لأنهما ليسا من أهل ~~هذا الشأن. والله المستعان. # --- PageV01P345 ~~*** # (والإمام) أي حينئذ (يستخلف) لما روى الشيخان عن سهل بن سعد: «أن أبا بكر ~~رضي الله عنه صلى بالناس لغيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إصلاحه بين ~~الطائفتين من الأنصار، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء الصلاة، ~~فتقدم وتأخر أبو بكر، وائتموا برسول الله صلى الله عليه وسلم في بقية ~~الصلاة». كذا ذكره الشارح، وفيه نظر. ولعله أراد أنه دليل للاستخلاف في ~~الجملة، وإن كان هذا مختصا به صلى الله عليه وسلم لما تقدم. وروى البيهقي ~~وغيره: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما طعنه أبو لؤلؤة وهو في الصلاة ~~استخلف عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه»، «واستخلف علي رضي الله عنه حين ~~رعف». وأجمع الصحابة على صحة الاستخلاف. # (كيفية الاستخلاف إذا نابه شيء في الصلاة) # وكيفية استخلافه ما بينه بقوله: (يجر آخر إلى مكانه)، ويتأخر محدودبا ~~واضعا يده في أنفه يوهم أنه قد رعف، لينقطع عنه الظنون، ويرتفع عنه ما يوجب ~~الحياء المانع من البناء. ولا يستخلف بالكلام، فلو تكلم بطلت صلاتهم. وفي ~~«معراج الدراية»: اتفقت الروايات على أن الخليفة لا يصير إماما ما لم ينو ~~الإمامة. # --- PageV01P346 ~~*** # (ثم يتوضأ ويتم الصلاة ثمة) حيث ms0256 توضأ إن أمكن تقليلا للمشي (أو يعود) إلى ~~مكان صلاته لتصير الصلاة مؤداة في مكان واحد. (كالمنفرد) كما أن المنفرد ~~الذي سبقه الحدث يتم الصلاة في مكان وضوئه أو يعود إلى مكان الصلاة، والعود ~~أحمد، وبه قال الكرخي، وقيل: الأداء حيث الوضوء أفضل. وفي «نوادر ابن ~~سماعة»: أن العود يفسد، لأنه مشي بلا حاجة، وإنما يتخير الإمام الذي سبقه ~~الحدث بين أن يتم حيث توضأ أو يعود. (إن فرغ إمامه) وهو الخليفة (وإلا) أي ~~وإن لم يفرغ إمامه (عاد) وأتم خلف خليفته. (وكذا المقتدي) إن فرغ إمامه، ~~يتم حيث توضأ، أو يعود، وإن لم يفرغ إمامه، فعليه أن يعود. # ولو صلى كل من الإمام الأول والمقتدي في موضعه، فسدت. لأن الاقتداء واجب ~~عليه، وقد بنى في موضع لا يصح اقتداؤه فيه. ولا يجوز انفراد المقتدي، لأن ~~الانفراد في موضع الاقتداء مفسد للصلاة. # وفي «شرح الطحاوي»: يشتغل أولا بقضاء ما سبقه الإمام به في حالة اشتغاله ~~بالوضوء بغير قراءة، ثم يقضي آخر صلاته. ولو تابع الإمام جاز، ويقضي ما ~~فاته مع الإمام بعد تسليمه، لأن ترتيب أفعال الصلاة واجب عندنا، وليس بشرط ~~خلافا لزفر ومالك والشافعي. ولنا: أن المسبوق يبدأ بما أدرك ويؤخر ما فاته، ~~وفيه ترك الترتيب، لأن الذي فاته هو الأول، ولو كان ركنا لما جاز له تركه ~~لعذر الجماعة. # --- PageV01P347 ~~*** # (ولو جن المصلي أو أغمي عليه أو احتلم) بأن نام نوما لا ينقض الوضوء، ~~فاحتلم، أو تفكر، أو مس بشهوة فأمنى (أو قهقه) عمدا كان أو سهوا (أو أحدث ~~عمدا) في أثناء الصلاة قبل قعوده قدر التشهد (أو أصابه بول كثير) أي مانع ~~من الصلاة (أو شج فسال الدم، أو ظن أنه أحدث) بأن خرج شيء من أنفه، فظن أنه ~~رعف (فخرج من المسجد أو جاوز الصفوف خارجه) أي خارج المسجد، سواء كان في ~~الصحراء، أو غيرها. ولو تقدم قدامه فاتخذ سترة، فإن لم يكن سترة، فمقدار ~~الصفوف خلفه، وإن كان منفردا، فموضع سجوده من كل جانب، ثم ظهر ms0257 طهره (فسدت ~~صلاته) . # (ولو لم يخرج) من المسجد (أو لم يجاوز) الصفوف (بنى.) وعن محمد: لا يبني. # (وبعد التشهد) أي بعد قعوده قدر التشهد (إن عمل) الإمام (ما ينافيها) ~~كحدث عمد، وإن كان بعد حدث سماوي، وكقهقهة وإن بطل بها وضوؤه، (تمت) صلاة ~~الإمام (وتفسد صلاة المسبوق). # أما تمام صلاة الإمام، فلأنه تعذر البناء لوجود القاطع. ولا إعادة عليه، ~~لأنه لم يبق عليه شيء من أركان الصلاة. # وأما فساد صلاة المسبوق، فعند أبي حنيفة. وقالا: لا تفسد، لأن صلاة ~~الإمام لم تفسد، وصلاة المقتدي مبنية عليها. وله: أن القهقهة مفسدة للجزء ~~الذي لاقته من صلاة الإمام، فتفسد مثله من صلاة المأموم، إلا أن الإمام لا ~~يحتاج إلى البناء، والمسبوق يحتاج إليه، لبقاء الفرائض. وفساد ذلك الجزء ~~يمنعه من بناء ما بقي عليه، لأن المبني على الفاسد فاسد، فيلزمه الاستئناف. ~~بخلاف السلام لأنه محلل لا مفسد، ولهذا لا يفوت به شرط الصلاة وهو الطهارة ~~فإذا صادف جزأ لم يفسده، فلم يؤثر ذلك في حكم المسبوق، ولكنه يقطعه في أوانه. # --- PageV01P348 ~~*** # ثم اعلم أنه لو سبق المصلي حدث بعد قراءة التشهد قبل السلام، توضأ وسلم، ~~لأن السلام واجب فيأتي به ليخرج منها على الوجه المشروع. وإن تعمده، أو ما ~~ينافيها من كلام ونحوه بعد التشهد، جازت صلاته عندنا ناقصة، فيجب إعادتها. ~~أما نقصها ووجوب إعادتها، فلتركه واجبا لا يمكن استدراكه وحده. وأما جوازها ~~فلإتيانه بفرائضها. والأصل ما قدمنا من قوله صلى الله عليه وسلم «إذا قضى ~~الإمام الصلاة وقعد، فأحدث قبل أن يتكلم، فقد تمت صلاته، ومن كان خلفه ممن ~~أتم الصلاة». رواه أبو داود والترمذي. # وما في «الحلية» لأبي نعيم عن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا فرغ من التشهد، أقبل علينا بوجهه وقال: من أحدث حدثا بعدما ~~يفرغ من التشهد، فقد تمت صلاته». وما في «مصنف ابن أبي شيبة» عن علي رضي ~~الله عنه قال: «إذا جلس الإمام في الرابعة، ثم أحدث فقد تمت صلاته. فليقم ms0258 ~~حيث شاء». وزيد في رواية: «قدر التشهد». عن عطاء: «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا قعد في آخر صلاته قدر التشهد، أقبل على الناس بوجهه. وذلك ~~قبل أن ينزل التسليم». رواه البيهقي. # (وإن وجد) بصيغة المجهول (هنا) أي بعد التشهد (رؤية المتيمم الماء) مع ~~قدرته على استعماله (ونحوه) وهو باقي الفروع الملقبة باثني عشرية. # --- PageV01P349 ~~*** # وهي: 1 انقضاء مدة المسح. 2 ونزع الخفين بعمل قليل. 3 وسقوط الجبيرة ~~عن برء. 4 وتعلم أمي قدر فرض القراءة، بأن تذكر بعد نسيان، أو حفظ بمجرد ~~السماع، لأن التعلم على خلاف هاتين الصورتين عمل كثير. 5 ووجود عار ما ~~يستر عورته، ولو عارية. 6 وقدرة موم على الركوع والسجود. 7 وتذكر مصل ~~فائتة عليه، أو على إمامه وفي الوقت سعة، ويكون كل صاحب ترتيب. 8 واستخلاف ~~أمي، 9 وطلوع الشمس في الفجر. 10 أو دخول وقت العصر في الجمعة. 11 وخروج ~~وقت المعذور أعني المستحاضة ومن بمعناها. # (فسدت) الصلاة في هذه الصور وما في معناها، بأن يصلي في ثوب نجس فيجد ما ~~يغسله به (عند أبي حنيفة لفرضية الخروج بصنعه) أي صنع المصلي عنده ولم ~~يوجد. لأن الصلاة ذات تحريم وتحليل، فلا يخرج منها إلا بالصنع كالحج (لا ~~عندهما) لعدم فرضية الخروج بالصنع عندهما، وهو الأظهر لحديث ابن مسعود: ~~«إذا قلت هذا، أو فعلت هذا، فقد تمت صلاتك». ولإطلاق ما أسلفناه، ولدلالته ~~لأنها إذا لم تفسد مع تعمده، فأولى أن لا تفسد عند عدمه. # وقال الكرخي: لا خلاف بين أصحابنا أن الخروج من الصلاة بفعل المصلي ليس ~~بفرض، ولا نص فيه عن أبي حنيفة، وإنما أخذه أبو سعيد البردعي من قوله بفساد ~~الصلاة في هذه المسائل، فقال: إن الصلاة لا تفسد إلا بترك فرض، ولم يبق في ~~هذه الصور إلا الخروج بالصنع. قال الكرخي: هذا غلط لأنه لو كان فرضا، لاختص ~~بما هو قربة وهو السلام ولما لم يختص، علمنا أنه ليس بفرض. وقال: إنما ~~قال أبو حنيفة ببطلان الصلاة في هذه ms0259 المسائل، لأن ما يغير الصلاة في ~~أثنائها يغيرها في آخرها، كنية الإقامة واقتداء المسافر بالمقيم، كيف وقد ~~بقي عليه واجب وهو: السلام، وهو آخرها داخلا فيها. # --- PageV01P350 ~~*** # فصل فيما يفسد الصلاة وما يكره فيها # (يفسدها الكلام) أي ولو كان كلمة من كلام الناس (مطلقا) أي عمدا كان، أو ~~جهلا، أو خطأ، أو نسيانا، أو سهوا. يسيرا كان الكلام، أو كثيرا. نائما كان ~~المصلي، أو يقظانا. وصورة الكلام خطأ: بأن قصد القراءة أو التسبيح، فجرى ~~على لسانه كلام الناس. والكلام نسيانا: بأن قصد كلام الناس ناسيا أنه في ~~الصلاة. وقال مالك: لا يفسدها الكلام ناسيا، ولا الكلام عمدا لإصلاح الصلاة ~~إذا لم يتنبه إمامه إلا به. وقال الشافعي: لا يفسدها كلام الناسي والمخطىء ~~إلا إذا طال. ويعرف الطول بالعرف. وكذا الجاهل بتحريمه والمكره لقوله صلى ~~الله عليه وسلم «إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه». ~~رواه ابن ماجه، (وابن حبان)، والحاكم. وقال: صحيح على شرطهما. والمراد وضع ~~الحكم إذ هما يوجدان حسا والخلف في خبره محال. والحكم نوعان: حكم الدنيا: ~~وهو الفساد، وحكم العقبى: وهو الإثم. ومسمى الحكم يشملهما، فيتناولهما. # --- PageV01P351 ~~*** # ولنا: ما رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: «بينما أنا أصلي ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت له: يرحمك ~~الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ ~~فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. فلما رأيتهم يصمتونني. سكت، فلما صلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم دعاني. فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا ~~بعده أحسن تعليما منه. فوالله ما ضربني ولا شتمني، ثم قال: «إن هذه الصلاة ~~لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي وفي رواية: إنما هو التسبيح، ~~والتكبير، وقراءة القرآن». وفي لفظ الطبراني في «معجمه»: «إن صلاتنا لا يحل ~~فيها شيء من كلام الناس». وما لا يصلح ولا يحل في صلاة فمباشرته تفسدها. ~~ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم «الكلام ينقض الصلاة، ولا ms0260 ينقض الوضوء». ~~رواه الدارقطني. # فإن قيل: الكلام الواقع من معاوية عمد، ومطلوبكم الكلام مطلقا يفسد ~~الصلاة . أجيب: بأن العبرة لعموم اللفظ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم «إن ~~هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس». لا لخصوص سببه وهو الكلام ~~العمد لأن الذي يستدل به على الحكم هو اللفظ لا السبب. وحديث ذي اليدين ~~منسوخ بما روينا. ألا ترى أن حديث ذي اليدين وقع فيه كلام كثير عمدا. وأما ~~حديث: «(ن الله تعالى وضع». فالإجماع على أن رفع الإثم مراد، فلا يراد غيره ~~وإلا لزم تعميمه. وفي «المحيط»: «لو عطس، أو تجشأ فحصل منه كلام أي لغويا ~~لا تفسد لتعذر الاحتراز عنه. وأما قوله صلى الله عليه وسلم «أف، ألم تعدني ~~أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟» فواقعة حال لا عموم لها. # --- PageV01P352 ~~*** # فيجوز كونها قبل تحريم الكلام في الصلاة فلا يعارضها قوله صلى الله عليه ~~وسلم «إن صلاتنا هذه» الحديث. وقوله: «فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام». ~~ونحوه من الأحاديث. كذا ذكره بعض علمائنا. وفيه بحث إذ جملة كلامه مضمون ~~كلام الله سبحانه ومبناه على معناه وهو: قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم} فهذا دعاؤه ومناجاته طبق الآيات القرآنية، والواردات الفرقانية. ~~وقد جاء أف في القرآن، فليست من الكلمات الأجنبية. # (و) يفسدها (السلام) أي للصلاة إذ السلام على إنسان مفسد، عمدا كان أو ~~خطأ، نص عليه في «المحيط»، وقاضيخان. وفي «الخلاصة»: لو أراد السلام على ~~إنسان فقال: السلام، فتنبه وسكت فسدت صلاته. (عمدا) قيد به لأن السلام سهوا ~~غير مفسد، وذلك أن السلام ذكر مشتمل على خطاب، فاعتبر في حالة العمد بكونه ~~خطابا للناس، فأفسد الصلاة، وفي غير حالة العمد بكونه ذكرا، فجعل عفوا. ~~وتوضيحه: أن السلام من أذكار الصلاة، إذ المتشهد يسلم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعلى عباد الله الصالحين، وهو من أسمائه تعالى، وإنما أخذ حكم ~~الكلام بكاف الخطاب، وإنما يتحقق معنى الخطاب فيه عند القصد، فاعتبرناه ~~ذكرا عند النسيان، وكلاما عند التعمد عملا ms0261 بالشبهين. وقيل: إن كان على ظن ~~أن الصلاة تامة فغير مفسد، وإن كان ناسيا للصلاة فمفسد. # (ورده) أي رد السلام بلسانه عمدا كان، أو سهوا، لأن رد السلام سواء قال: ~~عليك السلام، أو السلام عليك ليس من الأذكار، بل هو كلام وخطاب، والكلام ~~مفسد عمدا كان أو سهوا. # --- PageV01P353 ~~*** # وفي «الظهيرية»: ولو سلم إنسان على مصل، فأشار إلى رد السلام برأسه (أو ~~بيده)، أو بأصبعه لا تفسد صلاته. ولو طلب إنسان من المصلي شيئا، فأومأ ~~برأسه، أو بيده ب:لا أو ب:نعم، لا تفسد صلاته. ومثل ذلك في «خلاصة ~~الفتاوى»، وكذا في «شرح الكنز» عن «الغاية». وذكر صاحب «المجمع» رد السلام ~~باليد في مفسدات الصلاة. وفي «الخلاصة»: أن في الرد بالرأس أو اليد تفسد ~~صلاته. وفي «مواهب الرحمن»: أن رد السلام بيده مكروه في الصلاة. # (و) يفسدها (الأنين ونحوه مما له صوت) كالتأوه (والتأفيف والنفخ المسموع، ~~إلا إذا كان مريضا لا يملك نفسه عن الأنين والتأوه)، لأن أنينه حينئذ ~~كالعطاس والجشاء إذا حصل بهما حروف. # (و) يفسدها (البكاء بصوت إلا لأمر الآخرة) هذا قيد في هذه المسألة والتي قبلها. # والحاصل: أن نحو الأنين والبكاء بصوت: إن كان لغير أمر الآخرة بأن كان ~~لوجع أو مصيبة تفسد الصلاة، لأن فيه إظهار التأسف والجزع، فصار كأنه قال: ~~أعينوني. وإن كان لأمر الآخرة بأن كان لخوف أو رجاء لا تفسد، لأنه كالدعاء ~~والثناء. روى أبو داود عن مطرف، عن أبيه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يصلي وفي صوته أزيز كأزيز الرحى من البكاء». وفي البخاري: قال عبد ~~الله بن شداد: «سمعت نشيج عمر رضي الله عنه وأنا في آخر الصفوف يقرأ: {إنما ~~أشكو بثي وحزني إلى ا} ». يقال نشج الباكي نشيجا إذا غص بالبكاء في حلقه من ~~غير انتحاب، أي بنفس شديد. # --- PageV01P354 ~~*** # (و) يفسدها (تنحنح) حصل به حروف (إلا بعذر) بأن كان مضطرا إليه لعدم ~~إمكان الاحتراز عنه حينئذ. ولو تنحنح المصلي لتحسين صوته لا تفسد صلاته، ~~قاله خواهر زاده. (و) يفسدها (تشميت ms0262 عاطس) بأن قال له: يرحمك الله، لأنه ~~يقع في خطاب الناس، فصار ككلامهم. وقد سبق الحديث الدال عليه صريحا. # (و) يفسدها (جواب الكلام) سواء كان خبرا أو غيره (ولو) كان الجواب ~~(بالذكر) نحو أن يقول: الحمد لله، جوابا لمن أخبره بما يسره. # أو: لا حول ولا قوة إلا بالله، جوابا لمن أخبره بما يسؤه. أو: سبحان ~~الله، جوابا لمن أخبره بما يتعجب منه. أو: إنا لله وإنا إليه راجعون، جوابا ~~لمن أخبره بموت أحد، ولا إله إلا الله جوابا لمن قال له: هل مع الله إله ~~آخر؟ وفي المسألة خلاف أبي يوسف رحمه الله. وأما إن لم يرد جوابه، وأراد به ~~إعلامه أنه في الصلاة لم تفسد بالإجماع. # (و) يفسدها (الفتح) أي فتح المصلي على قارىء مصل أو غيره (إلا لإمامه) ~~لأن الفتح على غير إمامه تعليم من غير ضرورة، فكان ككلام الناس. وفي ~~«المحيط»: ولو فتح على غير إمامه تفسد إلا إذا عنى به التلاوة دون التعليم. ~~وفي «منية المصلي»: وإن فتح على إمامه بعد ما قرأ مقدار ما يجوز به الصلاة، ~~أو بعد ما تحول إلى آية أخرى تفسد، والصحيح أنها لا تفسد. ولو أخذ منه ~~الإمام قيل: تفسد صلاته، والصحيح عدمه. # --- PageV01P355 ~~*** # وفي «الأصل» و«الجامع الصغير»: إذا فتح المأموم على إمامه تجوز الصلاة ~~مطلقا، لأن الفتح عمل يسير وتلاوة خفيفة. ثم إذا فتح المأموم على إمامه ~~ينوي الفتح. وقال بعض المشايخ: القراءة. والصحيح الأول، لأن الفتح مرخص ~~فيه، وقراءة المأموم منهي عنها. وينبغي للمقتدي أن لا يعجل بالفتح، وللإمام ~~أن لا يلجئهم إليه، بل إن قرأ قدر الفرض يركع، وإن لم يقرأه، ينتقل إلى آية أخرى. # ولو قبل الإمام من فاتح غير داخل معه في الصلاة، تبطل صلاة الكل. وإنما ~~جاز الفتح على إمامه لقول ابن عمر: «إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة ~~فقرأ فيها فلبس عليه، فلما انصرف قال لأبي: أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: فما ~~منعك؟». رواه أبو داود. ولقول علي كرم الله وجهه: ms0263 «إذا استطعمك الإمام ~~فأطعمه، وهو مليم». أي مستحق للملامة حيث أحوجه إلى الفتح. # (و) يفسدها (القراءة من مصحف) وقال أبو يوسف ومحمد: يكره قراءة المصلي من ~~المصحف ولا تفسد صلاته. لأن القراءة عبادة، والنظر في المصحف عبادة أخرى ~~انضمت إليها، لكن يكره لأنه فعل أهل الكتاب. وله أن حمله وتقليب أوراقه ~~والنظر فيه عمل كثير، فعلى هذا لو كان موضوعا بين يديه على شيء، ولم يحمله ~~ولم يقلبه لا تفسد. أو لأنها تلقن منه، فصار كما إذا تلقنها من معلم، وهذا ~~يوجب التسوية بين المحمول وغيره فتفسد بكل حال، وهو الصحيح. فيجوز صلاة من ~~يحفظ القرآن إذا قرأ من مصحف من غير حمل. # --- PageV01P356 ~~*** # (و) يفسدها (السجود على نجس) أي يابس، وقال أبو يوسف: إن أعاده على طاهر، ~~لا تفسد صلاته، كما لو ترك السجدة الثانية من الركعة الأولى وأعادها آخر ~~الصلاة. ولهما: أن السجدة جزء من الصلاة، فتفسد الصلاة بفسادها. وإنما لم ~~تفسد الصلاة بتأخير السجدة، لأن الترتيب في أفعال الصلاة ليس بفرض عندنا، ~~خلافا لمالك والشافعي وزفر رحمهم الله. وفي «الظهيرية»: ولو سجد على مكان ~~نجس أي سهوا ثم أعاد على مكان طاهر جازت صلاته، وإن تعمد فسدت. # (و) يفسدها (الدعاء بما يسأل من الناس) نحو: اللهم زوجني فلانة، اللهم ~~أعطني ألف دينار. وهذا إن كان قبل ما قعد قدر التشهد، وإن كان بعده تمت ~~صلاته، وخرج به منها. وقال الشافعي ومالك في رواية: لا تفسد. # (و) يفسدها (الأكل والشرب) لأن كل واحد منهما عمل كثير عرفا. ولا فرق في ~~ذلك بين العمد والسهو، وإن كان بينهما فرق في الصوم، لأن حالة الصلاة مذكرة ~~لأنها على هيئة تخالف العادة، وحالة الصوم غير مذكرة لأنها على هيئة توافق ~~العادة، ولأن زمن الصوم يطول فيكثر النسيان، بخلاف زمن الصلاة. # وفي «المحيط»: ولو ابتلع شيئا بين أسنانه لا تفسد صلاته إن كان (أقل من) ~~قدر حمصة، لأنه ليس بعمل كثير، ولعسر الاحتراز عنه ولصيرورته كريق فمه في ~~عدم الإفساد لها، والصوم. ولو ms0264 أكل سمسمة من خارج فسدت صلاته، لأنه عمل ~~كثير. وعن أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله: لا تفسد. ولو كان في فمه عين ~~سكرة فذابت ودخلت حلقه فسدت، ولو وجد حلاوتها على إثر ابتلاعها لا تفسد. # --- PageV01P357 ~~*** # (و) يفسدها (العمل الكثير: أي ما يحتاج إلى اليدين) عادة، وإن فعل بيد ~~واحدة كالتعمم، والتقمص، والتسرول، والرمي عن القوس، وما يحتاج ليد واحدة ~~قليل، وإن فعل بيدين كحل السراويل ولبس القلنسوة ونزعها ونزع اللجام (أو) ~~ما (يستكثره المصلي) أي يعده كثيرا. وهذا أقرب الأقوال إلى دأب أبي حنيفة، ~~فإن من دأبه أن يفوض مثل هذا إلى رأي المصلي. # (أو) ما (يظن الناظر) من بعيد (أن عامله غير مصل) روى ذلك البلخي عن ~~أصحابنا. وفي «المحيط»: وهو الأحسن. قيل: وعليه العامة. وقيل: الثلاث ~~المتواليات في ركن كثير، وما دونه قليل. فلو حك ثلاثا في ركن، يرفع يده في ~~كل مرة فسدت صلاته. و«أو» في كلام المصنف للتنويع لا للشك والتخيير. # (فصل في مكروهات الصلاة) # (وكره كل هيئة فيها ترك خشوع) لقوله تعالى: {والذين هم في صلاتهم ~~خاشعون}، ولقوله صلى الله عليه وسلم «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» رواه ~~الحاكم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه. فيكره العبث بالثوب، أو ~~بالجسد، أو بالشعر، كتشبيك الأصابع وفرقعتها أي وغمزها أو مدها حتى تصوت. ~~لقوله صلى الله عليه وسلم «لا تفرقع أصابعك، وأنت في الصلاة». رواه ابن ~~ماجه عن الحارث، عن علي رضي الله عنه، لكنه معلول بالحارث. وأما قول صاحب ~~«الهداية»: لقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله كره لكم ثلاثا». ذكر منها: ~~«العبث في الصلاة». فغير معروف، نعم روى إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن ~~دينار مرفوعا: «إن الله كره لكم: العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، ~~والضحك في المقابر». أخرجه أبو عثمان عمرو بن بحر في كتاب «البيان ~~والتبيين». لكن قال الذهبي: هو من منكرات إسماعيل بن عياش. # --- PageV01P358 ~~*** # (و) يكره (التخصر) أي وضع اليد على الخاصرة. وقيل: التوكؤ على المخصرة ~~وهي: ms0265 العصا. وقيل: أن لا يتم الركوع والسجود. وذلك لقول أبي هريرة: «نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل مختصرا». وفي لفظ: «نهى عن ~~الاختصار في الصلاة». أخرجه الجماعة سوى ابن ماجه. وزاد ابن أبي شيبة في ~~«مصنفه»: قال ابن سيرين: «وهو أن يضع الرجل يده على خاصرته». وفي رواية: ~~«الاختصار راحة أهل النار». وأخرج أبو داود عن زياد بن صبيح الحنفي قال: ~~«صليت إلى جنب ابن عمر رضي الله عنهما، فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى ~~قال: هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه». # ويكره الالتفات بالعنق بحيث لا يتحول الصدر، حتى لو تحول بطلت. لقول ~~عائشة رضي الله عنها: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل ~~في الصلاة، فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». رواه البخاري. ~~ولقول أنس رضي الله عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «إياك ~~والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان ولا بد، ففي ~~التطوع لا في الفريضة». رواه الترمذي وصححه. ولقوله صلى الله عليه وسلم ~~«إياكم والالتفات في الصلاة، فإن أحدكم يناجي ربه ما دام في الصلاة». رواه ~~الطبراني. ولقوله صلى الله عليه وسلم «لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في ~~صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه». رواه أبو داود والنسائي. وفي ~~الباب أحاديث في الصحيحين وغيرهما. # ولو لم يلتفت بعنقه، ولحظ بمؤخر عينه، لا يكره، «لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يلحظ في الصلاة يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره». رواه ~~الترمذي والنسائي وغيرهما عن ابن عباس. # --- PageV01P359 ~~*** # وروى أبو داود عن سهل بن الحنظلية قال: «ثوب بالصلاة يعني الصبح فجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو ينظر إلى الشعب. قال: وكان أرسل ~~فارسا إلى الشعب من أجل الحرس». قال النووي: إسناده صحيح. وأما قول صاحب ~~«الهداية»: لأنه صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ أصحابه في صلاته ms0266 بمؤق عينه. ~~فغير معروف. # ويكره التمطي وهو التمدد والتثاؤب فإن غلبه التثاؤب وضع كمه، أو ظاهر ~~يده على فيه لقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، ~~فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، ولا يقول: هاه، هاه، فإن ذلك من ~~الشيطان يضحك منه». وفي رواية: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك يده على فمه، فإن ~~الشيطان يدخل في فيه». ويكره تغميض العينين في الصلاة، ورفعهما إلى السماء ~~لقوله صلى الله عليه وسلم «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في ~~الصلاة، لينتهين أو لتخطفن أبصارهم». ويكره الشروع فيها مع مدافعة الخبث، ~~فإن شغله قطع الصلاة. وإن مضى عليه أجزأته وأساء. ويكره التروح بالكم، ~~وتفسد بالمروحة على الصحيح. # --- PageV01P360 ~~*** # ويكره الإقعاء وهو عند الطحاوي: أن يقعد على أليتيه، وينصب فخذيه، ويضم ~~ركبتيه إلى صدره، ويضع يديه على الأرض. وعند الكرخي: أن ينصب قدميه، ويقعد ~~على عقبيه، ويضع يديه على الأرض. والأول أصح تفسيرا، لأنه يشبه إقعاء ~~الكلب. لقول أبي هريرة: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة كنقرة ~~الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب». رواه أحمد في ~~«مسنده». ولقول عائشة: «كان تعني النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن عقبة ~~الشيطان، وأن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع». رواه البخاري، وعقبة ~~الشيطان: الإقعاء. ولقول أنس: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم «إذا رفعت ~~رأسك من السجود، فلا تقع كما يقعي الكلب، ضع أليتيك بين قدميك، والزق ظهر ~~قدميك بالأرض». رواه ابن ماجه. # ويكره التربع بلا عذر، لأن فيه ترك سنة القعود فيها. وأما خارجها، فليس ~~بمكروه لأن جل قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كان التربع، وكذا ~~عمر رضي الله عنه. ويكره التراوح بين القدمين في الصلاة إلا بعذر. وكذا ~~التمايل على يمناه مرة، وعلى يسراه أخرى. ويكره أن يصلي وفي فيه دراهم ~~ونحوها، وإن كان لا يمنعه عن القراءة. # --- PageV01P361 ~~*** # (و) كره (قلب الحصى) أي تسويته (ليسجد) عليه (إلا مرة) لما في البخاري من ~~حديث معيقيب: ms0267 «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب ~~حيث يسجد: إن كنت فاعلا فواحدة». ولقول جابر بن عبد الله: «سألت النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن كل شيء، حتى سألته عن مسح الحصى فقال: واحدة، ولأن تمسك ~~عنها خير لك من مئة ناقة، كلها سود الحدق» ولقول أبي ذر: «سألت النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى سألته عن مسح الحصى فقال: واحدة، أو دع» رواه أحمد في ~~«مسنده»، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة في «مصنفيهما». ولقوله صلى الله عليه ~~وسلم «لا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه». رواه أصحاب «السنن». # (و) كره (مسح جبهته من التراب فيها) أي في الصلاة. وأما بعد الفراغ منها، ~~فلا يكره، بل يستحب كتمانا للعبادة، أو خوفا من الرياء والسمعة. (و) كره ~~(السجود على كور عمامته) أي دورها. وكذا ما في معناها من كل جزء ثوب متصل ~~بالمصلي كالذيل والكم، لما روى مسلم من حديث أنس، قال: «كنا نصلي مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته ~~من الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه». ولما روى الحافظ أبو القاسم تمام في ~~«فوائده»: عن ابن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسجد على كور ~~العمامة». وهو إما محمول على الضرورة، وإما على بيان الجواز، لأنه صلى الله ~~عليه وسلم لا يلازم على فعل المكروه. وروى ابن أبي شيبة، عن ابن عباس رضي ~~الله عنه: ««أنه صلى في ثوب واحد، يتقي بفضوله حر الأرض وبردها». # --- PageV01P362 ~~*** # (و) كره (افتراش ذراعيه) لما في «الصحيحين» من حديث عائشة رضي الله عنها: ~~«وكان عليه الصلاة والسلام ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وعن ~~عقبة الشيطان». والعقبة: بضم فسكون أن يفترش قدميه ويجلس بأليتيه على ~~عقبيه. ولقول أبي ذر: «نهاني خليلي عن ثلاث: أن أنقر نقر الديك، وأن أقعي ~~إقعاء الكلب، وأن أفترش افتراش السبع». رواه أبو داود. وروى الإمام أبو ~~حنيفة في «مسنده» عن أبي هريرة رضي ms0268 الله عنه قال: «نهاني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن ثلاث: عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، ~~والتفات كالتفات الثعلب». وقد روى البيهقي: النهي عن الإقعاء، عن جماعة من ~~الصحابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم # (و) كره (عقص شعره) وهو أن يشد ضفيرته حول رأسه، كما يفعله النساء، أو ~~يجمع شعره، فيعقده في مؤخر رأسه. وإنما كره لما روى مسلم عن كريب مولى ابن ~~عباس: «أن ابن عباس رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه. ~~قال: فجعل يحله، فلما انصرف، أقبل على ابن عباس وقال: ما لك ورأسي؟ فقال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو ~~مكتوف». وفي «شرح مسلم»: قال العلماء: والحكمة في النهي عنه، أن الشعر يسجد ~~معه، ولهذا مثله بالذي يصلي وهو مكتوف. ولقول علي رضي الله عنه: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «لا تعقص شعرك في الصلاة، فإنه كفل الشيطان ». ~~رواه عبد الرزاق. وعن أبي رافع قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ~~الرجل ورأسه معقوص»، رواه أحمد وابن ماجه. وفي الباب أحاديث في «الصحيحين» ~~وغيرهما. # --- PageV01P363 ~~*** # (و) كره (سدل الثوب) وهو أن يرسله من غير أن يضم جانبه. (و) كره (كفه) أي ~~تشميره لما روى أبو داود عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«أمرت أن أسجد». وفي رواية: «أمر نبيكم أن يسجد على سبعة أعظم، ولا يكف ~~شعرا ولا ثوبا». # ومن المكروهات تغطية أنفه وفمه، لقول أبي هريرة: «أنه نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن السدل، وأن يغطي الرجل فاه». رواه أبو داود، والحاكم ~~وصححه. وأخرجه الترمذي مقتصرا على الفصل الأول. وأخرج ابن ماجه الفصل ~~الثاني. وكان من عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه، فنهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك في الصلاة، إلا أن يعرض للمصلي تثاؤب فيغطي فمه ~~عند ذلك، للحديث الذي جاء فيه. # ويكره الشروع فيها بحضرة ms0269 طعام يميل طبعه إليه، لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان». رواه مسلم. وأما ما في ~~أبي داود: «ولا تؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره». فمحمول على تأخيرها عن وقتها ~~لصريح قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، ~~فابدؤا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ عنه». رواه الشيخان، وفي رواية: «إذا قدم ~~العشاء فابدؤا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم». # وكذا تكره مع مدافعة الأخبثين لما قدمنا، ولقوله صلى الله عليه وسلم «لا ~~يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حاقن حتى يتخفف». رواه أبو ~~داود. ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد أحدكم الغائط، وأقيمت الصلاة ~~فليبدأ به». رواه ابن ماجه، وفي رواية «الموطأ»، والنسائي: «إذا أراد أحدكم ~~الغائط، فليبدأ قبل الصلاة». # --- PageV01P364 ~~*** # ويكره سبق المأموم للإمام لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تبادروني ~~بالركوع والسجود» (عن معاوية) رواه أبو داود، (والجماعة) من حديث أبي هريرة ~~مرفوعا: «أما يخشى، أو ألا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه والإمام ساجد، أن يحول ~~الله رأسه رأس حمار، أو صورته صورة حمار». ثم هذا فيما وجدت المشاركة مع ~~الإمام. وأما إذا لم توجد أصلا تفسد صلاته، كما ذكره العيني في «شرح ~~التحفة». # (و) كره (تخصيص الإمام بمكان) بأن يكون وحده على مكان مرتفع، والقوم ~~تحته. وقدر بقامة الرجل، وقيل: بذراع، وقيل: بما يقع به الامتياز. وذلك لما ~~روى أبو داود: «أن عمار بن ياسر أم الناس بالمدائن، وهو على مكان مرتفع ~~والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة رضي الله عنه إليه، وأخذ بيده فاتبعه عمار ~~حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: إذا أم الرجل القوم، فلا يقم في مكان أرفع من ~~مكانهم؟ قال عمار: ولذلك اتبعتك حين أخذت بيدي». وفي ظاهر الرواية: يكره ~~عكسه أيضا. وروى الطحاوي: عدم الكراهة. # وإنما قال: تخصيص الإمام، لأنه لو كان مع الإمام بعض القوم، ms0270 لا يكره على ~~الصحيح. وكذا يكره أن يكون الإمام وحده قائما في المحراب، لأن ذلك يشبه فعل ~~أهل الكتاب حيث يخصون إمامهم بمكان على حدة. (لا إن قام في المسجد وسجد في ~~الطاق) أي المحراب، فإنه لا يكره، لفوت التشبه بأهل الكتاب. # --- PageV01P365 ~~*** # (و) كره (القيام خلف صف وجد فيه فرجة) قال أحمد، والنخعي، والحسن بن ~~صالح: لا تصح الصلاة. واختاره ابن المنذر، لما روى أبو داود، والترمذي ~~وحسنه عن وابصة بن معبد: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف ~~الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة». واستدل الجمهور بقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأبي بكرة حين كبر وحده ثم التحق بالصف: «زادك الله حرصا ولا ~~تعد»، ولم يأمره بالإعادة. وقالوا: والأمر بالإعادة في الحديث الآخر أمر ~~ندب، فكرهت الصلاة. # (وصورة حيوان في ثوبه ومسجده) بفتح الجيم أي في موضع سجوده (وجهته) أي أو ~~في جهاته الست. (غير خلف وتحت) مبنيان على الضم لقطعهما عن الإضافة كقوله ~~تعالى: {لله الأمر من قبل ومن بعد} أي خلفه أو تحته، لأن الكراهة لعلة ~~التشبه بعبادة الصورة، وذلك في غير ما لو كانت خلفه أو تحته. وقيد ~~بالحيوان، لأن صورة الجماد والشجر في الثوب والمسجد لا يكره، وفي «الجامع»: ~~إن كانت الصورة في موضع القيام والجلوس لا يكره، لأنه استهانة بها. وكذلك ~~الصورة على الوسادة، إن كانت قائمة يكره لأنه تعظيم لها، وإن كانت مفروشة ~~لا يكره. # (لا إن صغرت) صورة الحيوان (جدا) بحيث لا تبدو للناظر على بعد إلا بعد ~~تأمل ما. وكان على خاتم أبي هريرة ذبابتان. وعلى خاتم دانيال عليه السلام ~~صورة أسد ولبؤة وبينهما صبي يلحسانه. كلما نظر إليهما أغر ورقت عيناه، وذلك ~~أن بخت نصر قيل له: يولد مولود يكون هلاكك على يده، فجعل يقتل من يولد. ~~فلما ولدت دانيال أمه ألقته في غيضة رجاء أن يسلم، فقيض الله له أسدا يحفظه ~~، ولبؤة ترضعه وهما يلحسانه. فأراد بهذا النقش أن يحفظ منة الله عليه. # --- PageV01P366 ~~*** # وكان لابن ms0271 عباس كانون محفوف بصور صغار. # (أو محي رأسها) لأن الحيوان الصغير والممحو الرأس، لم يعبدا من دون الله. ~~والكراهة بعلة العبادة. وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها «أنها اتخذت ~~على سهوة لها ستر فيه تماثيل فهتكه النبي صلى الله عليه وسلم قالت: فاتخذت ~~منه نمرقتين فكانتا في البيت يجلس عليهما». زاد أحمد: «فلقد رأيته متكئأ ~~على إحداهما وفيها صورة». وروى النسائي، وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه: أنه قال: «استأذن جبرائيل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادخل. ~~فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ إما أن تقطع رأسها أو تجعل بساطا ~~يوطأ، فإنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه تصاوير». وفي لفظ ابن حبان: ~~«إن كنت لا بد فاعلا فاقطع رؤوسها، أو اقطعها وسائد». أي اجعلها بساطا. # والسهوة: بالضم كالصفة تكون بين البيوت. والنمرقة: وسادة صغيرة، ومنه ~~قوله تعالى: {ونمارق مصفوفة}. والوسائد جمع وسادة وهو ما يتوسد به كالمخدة. ~~ولحديث جبرائيل عليه السلام: «إنا لا ندخل بيتا فيه كلب أو صورة». فالمراد ~~بالملائكة في هذا الحديث ملائكة الوحي، أو ملائكة الرحمة. وأما الحفظة فلا ~~يفارقون إلا عند الخلاء وخلوة الرجل بأهله. # (و) كرهت الصلاة (في ثياب البذلة) بكسر الموحدة، أي ما يمتهن من الثياب. ~~ويسمى ثوب الخدمة، وقيل: ما يلبس في البيت ولا يذهب به إلى الكبراء. ويستحب ~~للرجل أن يصلي في ثلاثة أثواب: قميص، وإزار، وعمامة. والمرأة أن تصلي في ~~قميص وخمار ومقنعة. # (و) كره للمصلي (حسر رأسه) أي كشفه لما في ذلك من ترك الوقار (إلا تذللا) ~~لما فيه من الخشوع والانكسار. # --- PageV01P367 ~~*** # (و) كره (عد ما يقرأ) من الآيات والسور والتسبيحات بالأصابع أو بسبحة ~~يمسكها بيده، لأن ذلك ليس من عمل الصلاة. وأما عده بقلبه، أو بضم أنامله في ~~موضعها فلا يكره. ولو عد بلسانه تفسد اتفاقا. أما عد التسبيح خارج الصلاة ~~فلا يكره بل يستحب. لما ورد: «أنه عليه الصلاة والسلام كان يعقد بالأنامل». ~~ولما ورد من التسبيح ونحوه ثلاثا وثلاثين، ms0272 وهو لا يمكن بدون العد، إما ~~باليد أو بالسبحة ونحوها من النواة والحصى كما ورد عن بعض الصحابيات. وقد ~~قال الجنيد: السبحة سوط الشيطان. وقيل: هو بدعة لقول بعض السلف: نذنب ولا ~~نحصي، ونسبح ونحصي # (و) كره (غلق باب المسجد) في غير أوان الصلاة، لأنه يشبه منع الصلاة وهو ~~حرام. قال تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت ~~أو صلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار». وقيل: لا بأس في زماننا صيانة لما ~~في المسجد من الأمتعة. # (و) كره كراهة التحريم (الوطىء) أي الجماع (والحدث) أي ما يخرج من ~~السبيلين عمدا من البول والغائط والمني والمذي، كذا قاله الشارح. والأظهر ~~أن يقال: ما يجعله متنجسا، ليشمل القيء والدم ونحوهما، وليخرج الريح والنوم ~~وأمثالهما. (فوقه) لأن علو المسجد له حكمه. ولهذا صح الاقتداء منه بمن في ~~المسجد، ولم يبطل الاعتكاف بالصعود إليه. وفي معنى السطح، فوق جدار المسجد. # --- PageV01P368 ~~*** # (لا) يكرهان (فوق بيت فيه مسجد) أي موضع أعد للصلاة، لأنه لا يأخذ حكم ~~المسجد. ولهذا لا يصح الاعتكاف فيه إلا للنساء. والتقييد بالفوق للمشاكلة، ~~وإلا فهما لا يكرهان في البيت الذي فيه مسجد، فكيف فوقه. بل الظاهر أنهما ~~لا يكرهان في مسجد البيت أيضا، فإنه ليس بمسجد حتى جاز بيعه. فلم يكن له ~~حرمة المسجد كما في «الكافي». وفي «الخلاصة»: يندب لكل مسلم أن يتخذ مسجدا ~~في بيته يصلي فيه النوافل والسنن، لكن ليس له حكم المسجد. # (تطور بناء المسجد الحرام) # (ولا تزيينه) أي ولا يكره تزيين المسجد ونقشه بالجص والساج وماء الذهب. ~~وقيل: يكره، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن من أشراط الساعة أن تزين ~~المساجد». قلنا: محمل الكراهة: التكلف بدقائق النقوش، خصوصا في جانب ~~المحراب للافتخار والكبرياء والسمعة والرياء. أو التزيين مع ترك الصلاة، ~~بدليل آخر الحديث: «قلوبهم خاوية من الإيمان». وتمام أحكامه مذكورة في باب ~~المسجد من «قاضيخان». ms0273 # وقيل: يستحب لتزيين عثمان رضي الله عنه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وذلك أنه عليه الصلاة والسلام بنى مسجدا باللبن، وسقفه بالجريد، وجعل عمده ~~خشب النخل ، وجعل له ثلاثة أبواب: بابا في مؤخره، وبابا يقال له: باب ~~الرحمة، وبابا يدخل منه. فلما كان أيام عمر رضي الله عنه، زاد فيه وبناه ~~على بنائه الأول، ثم غيره عثمان رضي الله عنه، وزاد فيه كثيرا وبنى جدره ~~بالحجارة المنقوشة والفضة، وجعل عمده حجارة منقوشة. ثم لما كان وليد بن عبد ~~الملك، وكان عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبله، وسعه ببيوت نسائه صلى ~~الله عليه وسلم ثم بناه المهدي سنة ستين ومئة، ثم زاد فيه المأمون، وأتقن ~~بناءه سنة ثنتين ومئتين. قال السهيلي: وهو على حاله إلى الآن. # --- PageV01P369 ~~*** # (ولا) تكره (صلاته إلى ظهر من لا يصلي) وإن كان يتحدث، لما روى ابن أبي ~~شيبة في «مصنفه»: عن وكيع، عن هشام بن الغازي، عن نافع أنه قال: «كان ابن ~~عمر إذا لم يجد سبيلا إلى سارية من سواري المسجد قال لي: ولني ظهرك». # وأما ما روى البزار عن علي رضي الله عنه: «أنه عليه الصلاة والسلام رأى ~~رجلا يصلي إلى رجل، فأمره أن يعيد الصلاة». فواقعة حال لا تستلزم كون وجهه ~~إلى ظهره لجواز كونه مستقبله، فأمره بالإعادة لدفع الكراهة. قال البخاري في ~~«صحيحه»: «كره عثمان رضي الله عنه استقبال الرجل في الصلاة. قال: وهذا إذا ~~اشتغل به. فإن لم يشتغل به، فقد قال زيد بن ثابت: «ما باليت أن الرجل لا ~~يقطع صلاة الرجل». # وأما حديث النهي عن الصلاة خلف النائم والمتحدث، فرواه أبو داود. إلا أن ~~النووي قال: اتفقوا على ضعفه. قلت: وقد رواه ابن ماجه، عن أبي أمامة، ~~ولفظه: «نهى أن يصلي خلف المتحدث والنائم». ولا يبعد أن يترقى به عن الضعف ~~إلى الحسن. ووجه الكراهة ظاهر أيضا لشغل الخاطر، خصوصا خلف المتحدث ~~(والنائم)، وكذا لا يكره إذا كان متوجها إلى شمع، أو سراج موقد، لأنهم لا ~~يعبدونها ms0274 كذلك، بل إذا كانت مضرمة. وقيل: يكره. كما لو كان بين يديه كانون ~~فيه جمرة أو نار موقدة. # --- PageV01P370 ~~*** # (و) لا يكره (قتل الحية والعقرب فيها) أي في الصلاة، لما روى أصحاب ~~«السنن الأربعة»، وقال الترمذي: حسن صحيح. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب». وفي ~~«المبسوط»: الأظهر أن لا يفصل في قتلهما بين الفعل الكثير والقليل، لأنه ~~رخصة كالمشي والتوضىء في سبق الحدث. قالوا: وينبغي أن لا يقتل الحية ~~البيضاء التي تمشي مستوية، لأنها من الجان. وقال الطحاوي: لا بأس بقتل ~~الكل، لأنه عليه الصلاة والسلام عاهد الجن أن لا يدخلوا بيوت أمته ولا ~~يظهروا أنفسهم، فإن نقضوا عهدهم، فلا حرمة لهم. والأولى في غير الصلاة أن ~~ينذر الحية ويقول: ارجعي بإذن الله، أو خلي طريق المسلمين، فإن أبت قتلها. # (ويأثم) المار (بالمرور أمام المصلي) أي قدامه وبين يديه. لما في ~~«الصحيحين» عن أبي النضر، عن بشر بن سعيد: «أن زيد بن خالد الجهني أرسله ~~إلى أبي جهيم يسأله: ماذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المار ~~بين يدي المصلي؟ فقال أبو جهيم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو يعلم ~~المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم؟ لكان أن يقف أربعين، خيرا له من ~~أن يمر بين يديه». قال أبو نضر: لا أدري قال أربعين يوما، أو شهرا، أو ~~سنة». وفي رواية البزار في «مسنده»: «لكان أن يقوم أربعين خريفا، خيرا له ~~من أن يمر بين يديه». # (في مسجد صغير) في «شرح الوقاية»: إعلم أن الصلاة إن كانت في مسجد صغير، ~~(فالمرور أمام المصلي) حيث كان، يوجب الإثم، لأن المسجد الصغير مكان واحد، ~~فأمام المصلي حيث كان، في حكم موضع سجوده. # --- PageV01P371 ~~*** # (وأما في غيره) سواء كان مسجدا كبيرا أو صحراء (ففيما) أي فيأثم بأن يمر ~~فيما (ينتهي إليه بصره) أي بصر المصلي حال كونه (ناظرا في مسجده) أي موضع ~~سجوده. وبه قال فخر الإسلام ms0275 تبعا لبعض المشايخ، ومختار شمس الأئمة، وشيخ ~~الإسلام، وقاضيخان: أن الموضع الذي يكره المرور منه بين يدي المصلي، موضع ~~سجوده. ولا يكره ما وراءه، وهو الأظهر، لأن ذلك القدر موضع صلاته دون ما ~~وراءه. وفي تحريم ما وراءه تضييق على المارة، وبه قالت الأئمة. # (وحاذى الأعضاء الأعضاء إن صلى على دكان) ومر الآخر أمامه تحت الدكان، ~~لأنه إذا لم يحاذ بأن كان ارتفاع الدكان بقدر قامة المار يعتبر ذلك سترة. ~~وهذا الذي ذكره من اشتراط المحاذاة، إنما هو على ما قال فخر الإسلام، لا ~~على ما اختاره شمس الأئمة، وبعض الأعلام. # ثم هذا كله (إن لم يكن للمصلي سترة) أي خشب، وأقلها أن يكون (بمقدار ذراع ~~وغلظ أصبع) لما روى مسلم عن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : «إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل، فلا يضرك من مر بين ~~يديك». وفي لفظ (له) وللترمذي: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل ~~فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك». وروى صاحب السنن: أن آخرة الرحل: ذراع ~~فما فوقها. # --- PageV01P372 ~~*** # ولقوله عليه الصلاة والسلام: «ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسهم». رواه ~~البخاري في «تاريخه الكبير». ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم ~~فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن عصا، فليخط ~~خطا، ثم لا يضره ما مر أمامه». رواه أبو داود، وابن ماجه. قال النووي: قال ~~الحفاظ: هو ضعيف، لكن قال البيهقي: ولا بأس بالعمل بهذا الحديث في هذا ~~الحكم إن شاء الله سبحانه، وهذا الذي اختاره المختار، انتهى. # ويؤيده: أن في الباب أحاديث صحاحا بألفاظ مختلفة المبنى، متفقة المعنى. ~~وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم في ~~الصحراء فليجعل بين يديه سترة». فقوله: في الصحراء، غير معروف. # (تغرز) لتبدو للناظر (حذو أحد حاجبيه) الأيمن أو الأيسر. لما روى أبو ~~داود بسند ضعيف: عن المقداد بن الأسود قال: «ما رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms0276 يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو ~~الأيسر، ولا يصمد إليه صمدا». أي لا يقابله مستويا، بل يميل عنه. (بقربه) ~~لما روى أبو داود والنسائي بإسناد صحيح، عن سهل بن أبي حثمة: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، لا يقطع الشيطان ~~عليه صلاته». # (ويكفي سترة الإمام) أي تجزي عن سترة المأموم. لما في «الصحيحين» عن أبي ~~جحيفة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم بالبطحاء وبين يديه عنزة، ~~والمرأة والحمار يمرون من ورائها، ولم يأمر من صلى خلفه باتخاذ سترة». ~~والعنزة: عصا صغيرة. وأما قول صاحب «الهداية»: لأنه عليه الصلاة والسلام ~~صلى ببطحاء مكة، ولم يكن للقوم سترة. فغير معروف بهذا اللفظ. # --- PageV01P373 ~~*** # (وجاز تركها) أي ترك السترة إذا عدم الداعي إليها. وذلك (عند عدم المرور) ~~أي عدم ظنه (وعدم الطريق). لما روى أبو داود من حديث فضل بن عباس قال: ~~«أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في بادية ومعه العباس، فصلى في ~~صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى ذلك». # (ويدرأ) أي يدفع الرجل المار بين يديه (بالتسبيح) أي يقول: سبحان الله ~~(والإشارة) بيده أو كمه (إن عدم سترة، أو مر بينه وبينها) لما في ~~«الصحيحين» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «من نابه شيء في صلاته فليسبح، ~~فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء». # وروى ابن ماجه عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد الله أو ~~عمر بن أبي سلمة فقال بيده أي أشار بها فرجع، فمرت زينب بنت أم سلمة ~~(فقال) بيده، فمضت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هن أغلب ». ~~ولقوله صلى الله عليه وسلم «إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحدا يمر بين ~~يديه، وليدرأ ما استطاع، فإن أبى، فليقاتله فإنما ms0277 هو شيطان». أي يبالغ في ~~دفعه. ولقوله صلى الله عليه وسلم «لا تصلوا إلا إلى سترة، ولا يدع المصلي ~~أحدا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله، فإن معه القرين». رواه مسلم. # وأما المرأة فلا تدرأ بالتسبيح بل بالتصفيق، فإن في صوتها فتنة. وكيفية ~~تصفيقها: أن تضرب بظهور أصابعها اليمنى على صفحة الكف اليسرى. # --- PageV01P374 ~~*** # واعلم أنه لا تفسد الصلاة في مرور شيء في موضع سجوده، لقوله صلى الله ~~عليه وسلم «لا يقطع الصلاة مرور شيء». وروي: «وادرؤوا ما استطعتم، فإنما هو ~~شيطان». رواه أبو داود. وأخرجه الدارقطني، عن سالم بن عبد الله عن أبيه: ~~«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه، وعمر رضي الله ~~عنه، قالوا: لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرؤوا ما استطعتم». ووقفه مالك على ~~عبد الله بن سالم، والبخاري صححه عن الزهري. ولقول عائشة: «كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة». رواه ~~الشيخان. وفي لفظ مسلم عن عروة، عن عائشة أنها قالت: «ما يقطع الصلاة؟ قال: ~~قلنا: المرأة والحمار. فقالت: إن المرأة لدابة سوء؟ ولقد رأيتني بين يدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم معترضة كاعتراض الجنازة وهو يصلي». # فصل في الوتر والنوافل # --- PageV01P375 ~~*** # (الوتر ثلاث ركعات وجب بسلام) أما وجوبه، فعند أبي حنيفة في آخر أقواله. ~~وفي «المحيط»: وهو الصحيح. وفي «الخانية»: وهو الأصح. وعن أبي حنيفة أنه ~~فرض، أي عملي فلا تنافي. وهو رواية حماد بن زيد وبها أخذ زفر. وعنه: أنه ~~سنة. فيحتمل أنه أراد ثبوته بالسنة، أو سنة مؤكدة تقرب إلى الوجوب، وهو قول ~~أبي يوسف ومحمد وأكثر أهل العلم، لقوله عليه الصلاة والسلام للأعرابي: «خمس ~~صلوات كتبهن الله عليك، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع». ولما في ~~«الصحيحين» عن ابن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر على البعير». ~~وأجيب: بأن حديث الأعرابي كان قبل وجوب الوتر. قال الطحاوي: ويعارض حديث ~~(الوتر على البعير حديث) حنظلة بن أبي ms0278 سفيان، عن نافع، عن ابن عمر: «أنه ~~كان يصلي على راحلته، ويوتر بالأرض، ويزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ~~ذلك». وروى مسلم من حديث أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«أوتروا قبل أن تصبحوا». وفي لفظ له عن ابن عمر مرفوعا: «بادروا الصبح ~~بالوتر». والأمر للوجوب. وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام: «الوتر حق على ~~كل مسلم». رواه أبو داود، وقال الحاكم: هو على شرط الشيخين. وفي ~~«الصحيحين»: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا». # --- PageV01P376 ~~*** # وأما كونه بسلام بعد الثلاث، فلما في «الصحيحين» عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على ~~إحدى عشرة ركعة. يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن (ثم يصلي أربعا، فلا ~~تسأل عن حسنهن وطولهن)، ثم يصلي ثلاثا». ولو كان صلى الله عليه وسلم يفصل ~~في الوتر بين الثلاث بسلام لقالت: ثم يصلي ثنتين وواحدة. وروى النسائي ~~والحاكم وقال: على شرط البخاري ومسلم، عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يسلم في الركعتين الأوليين من الوتر». وروى الطحاوي عن ~~عقبة بن مسلم قال: «سألت عبد الله بن عمر عن الوتر فقال: أتعرف وتر النهار؟ ~~قلت: نعم، صلاة المغرب. قال: صدقت وأحسنت». وحكى الحسن البصري إجماع ~~المسلمين على الثلاث. كما رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن عمر، عن ~~الحسن قال: «أجمع المسلمون على أن الوتر (ثلاث) لا يسلم إلا في آخرهن». # وأما ما روي عن ابن عمر: «أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة ~~الليل فقال: مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح، فصل ركعة توتر لك ما صليت». وفي ~~رواية: «فأوتر بواحدة». قال الطحاوي: معناه: صل ركعة مع ثنتين قبلها. ولنا: ~~ما في الطحاوي أيضا من رواية سعد بن هشام، عن عائشة: «كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يسلم في ركعتي الوتر»، ومن رواية عمرة بنت عبد الرحمن، عن ~~عائشة: «أن النبي ms0279 صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث: يقرأ في أول ركعة: ~~{سبح اسم ربك}، وفي الثانية: {قل يا أيها الكافرون}، وفي الثالثة: {قل هو ~~الله} والمعوذتين». فوافقت عمرة سعدا. وزاد عليها: «إن كان بسلام واحد». ~~وهكذا فيه عن ابن عباس وعمران بن حصين، إلا أنهما لم يذكرا المعوذتين. # --- PageV01P377 ~~*** # وروى الدارقطني وغيره بأسانيد ضعيفة يصير مجموعها حسنا، عن ابن مسعود ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وتر الليل ثلاث كوتر النهار: صلاة ~~المغرب». وروى ابن عبد البر، عن أبي سعيد: «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن البتيراء أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها». وذكره عبد الحق في ~~«أحكامه»، وذكر أن في سنده ضعفا، لكن يعضده ما روى محمد بن الحسن في ~~«موطئه»، عن يعقوب بن إبراهيم: أخبرنا (حصين بن) إبراهيم، عن ابن مسعود أنه ~~قال: «ما أجزأت ركعة قط». وروى الحاكم في «المستدرك» عن حبيب المعلم قال: ~~«قيل للحسن: إن ابن عمر رضي الله عنهما كان يسلم في الركعتين من الوتر. ~~فقال: كان عمر أفقه منه، وكان ينهض في الثانية بالتكبير، أي لا بنية ~~مجددة». # وعن عائشة: «أنه عليه الصلاة والسلام كان يوتر بثلاث لا يفصل بينها». ~~رواه النسائي وأحمد. ولفظ أحمد: «كان لا يسلم في ركعتي الوتر». قال النووي: ~~إسناده حسن. قال: ورواه البيهقي في «السنن الكبير» بإسناد صحيح. # وأما ما رواه أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه»: أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال: «ثلاث هن علي فرائض، وهي لكم تطوع: الوتر، والنحر، وصلاة ~~الضحى»، فمعارض بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم «إن الله أمركم بصلاة هي خير ~~لكم من حمر النعم: وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر». ~~رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث خارجة بن حذافة. قال الحاكم: ~~صحيح ولم يخرجاه لتفرد التابعي عن الصحابي. وقول الترمذي: غريب لا ينافي ~~الصحة لما عرفت. ولذا يقول هو مرارا: حسن صحيح غريب. # --- PageV01P378 ~~*** # ورواه إسحاق بن راهويه في «مسنده» من حديث عمرو ms0280 بن العاص، وعقبة بن عامر، ~~ولفظه: «إن الله زادكم صلاة، هي لكم خير من حمر النعم: الوتر، وهي لكم فيما ~~بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر». # وروى الدارقطني، عن ابن عباس: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم مستبشرا ~~فقال: إن الله زادكم صلاة وهي الوتر». وزاد عن ابن عمر قال: «خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم محمرا وجهه يجر رداءه، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى ~~عليه، ثم قال: يا أيها الناس، إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم: وهي الوتر». ~~وقوله صلى الله عليه وسلم «الوتر حق واجب، فمن أحب أن يوتر بخمس فليوتر، ~~ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليوتر». رواه أبو ~~داود وابن ماجه والنسائي. والحديث في الجملة يدل على وجوب الوتر، فلا ~~ينافيه انعقاد الإجماع على عدم وجوب الخمس. وتجويز بعض الإيتار بواحدة. وفي ~~رواية لأبي داود: «الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا». # وأما ما أخرجه الحاكم، والبيهقي بسند صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير لكم من حمر النعم، ألا وهي ~~الركعات قبل صلاة الفجر». فالمراد بها الوتر لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» لا كما توهمه بعض أئمتنا من حملها على سنة الفجر. # --- PageV01P379 ~~*** # (وقبل ركوع الثالثة يكبر) أي استحبابا (رافعا يديه) أي حذاء أذنيه، لأن ~~الحالة قد اختلفت (ثم يقنت فيه) أي في الوتر وجوبا. لما روى الدارقطني عن ~~سويد بن غفلة قال: «سمعت أبا بكر وعمر وعليا رضي الله عنهم يقولون: قنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الوتر، وكانوا يفعلون ذلك». والمواظبة ~~دليل الوجوب، إلا أن يقوم دليل على عدمه. وقال بعض المحققين: ولم نقف بعد ~~على دليل نقلي في رفع اليدين والتكبير، ولا على ما يقتضي وجوب القنوت. # وأما (قول صاحب «الهداية»: لقوله عليه الصلاة والسلام للحسن حين علمه ~~دعاء القنوت:) «اجعل هذا في وترك». فلم يوجد فيه لفظ الأمر. وعلى تقدير ms0281 ~~وجوده لا يدل على الوجوب، لعدم بلوغ الحسن حينئذ، فإذا لم يجب على المأمور، ~~لا يجب على غيره. وكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ترفع الأيدي إلا في ~~سبع مواطن» لم يعد الوتر منها في الحديث. # (أبدا) يعني دائما في رمضان وغيره. وهو قول أحمد . وقال الشافعي وهو ~~رواية عن مالك، وأحمد: يقنت في الوتر بعد الركوع في النصف الأخير من رمضان ~~فقط. لما روى الحاكم وقال على شرط الشيخين عن الحسن بن علي رضي الله ~~عنهما قال: «علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم في وتري إذا رفعت الرأس، ~~ولم يبق إلا السجود: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني ~~فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى ~~عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت وتعاليت». وفي رواية ~~زيادة: «ونستغفرك اللهم ونتوب إليك، وصل اللهم على النبي وآله وسلم». # --- PageV01P380 ~~*** # وروى أبو داود عن الحسن: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمع الناس على ~~أبي بن كعب، فكان يصلي بهم عشرين ليلة من الشهر يعني رمضان ولا يقنت بهم ~~إلا في النصف الثاني، فإذا كان العشر الأواخر تخلف فصلى في بيته». إلا أنه ~~منقطع لعدم إدراك الحسن عمر. وهو فعل صحابي، وكلاهما ليس بحجة عنده. وروى ~~ابن عدي في «الكامل» عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت ~~في النصف من رمضان إلى آخره». إلا أن البيهقي قال: هذا حديث لا يصح إسناده. # ولنا: على كون القنوت قبل الركوع ما روى النسائي، وابن ماجه، عن أبي بن ~~كعب: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت قبل الركوع». وزاد النسائي ~~في «سننه الكبرى» «فإذا فرغ قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، ويطيل في ~~آخرهن». وزاد الطبراني في «الأوسط» عن ابن عمر: «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يوتر بثلاث ركعات، ويجعل القنوت قبل الركوع». وروى ابن أبي شيبة ~~في «مصنفه» والدارقطني في «سننه»، ms0282 عن ابن مسعود: «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قنت في الوتر قبل الركوع» وله طريق آخر عن الخطيب البغدادي. وأخرجه ~~ابن الجوزي في «التحقيق» من جهة وسكت عنه. # --- PageV01P381 ~~*** # وروى أبو نعيم في «الحلية» عن ابن عباس قال: «أوتر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بثلاث، وقنت فيها قبل الركوع». وأما ما روى أنس: «أنه عليه الصلاة ~~والسلام قنت بعد الركوع فكان شهرا فقط. وفي «الصحيحين» عن أنس: أنه عليه ~~الصلاة والسلام قنت شهرا يدعو على قوم من العرب، ثم تركه». بدليل ما في ~~«الصحيحين» عن عاصم الأحول: «سألت أنسا عن القنوت في الصلاة؟ قال: نعم. ~~فقلت: أكان قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله. قلت: فإن فلانا أخبرني عنك أنك ~~قلت بعده. قال: كذب، إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع ~~شهرا». وهذا يصلح مفسرا لما روى أصحاب «السنن» عنه: «أنه صلى الله عليه ~~وسلم قنت بعده». ومما يحققه: ما رواه ابن أبي شيبة بسنده إلى علقمة: «أن ~~ابن مسعود، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقنتون في الوتر قبل ~~الركوع». # وأما دليلنا على كون القنوت في جميع السنة: ما روى أصحاب «السنن الأربعة» ~~عن علي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: «اللهم ~~إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء ~~عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». كذا ذكره الشارح. وليس بصريح في المدعى على ~~ما لا يخفى. فالأولى أن يؤخذ من عموم الأحاديث الواردة في أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان يقنت. ثم رأيت في شرح «تحفة الملوك»: أنه قال في «جامع الأصول» ~~عن علي مرفوعا: «كان يقول في وتره». فكان هذا الحديث وجه القائل بما تقدم، ~~والله أعلم. # وأما تقييده بالنصف الأخير من رمضان فغير صحيح. أو كان حينئذ قنوتا خاصا ~~زيادة على القنوت المتعارف: بأن يدعو لقوم أو على قوم. # --- PageV01P382 ~~*** # ثم القنوت الذي اختاره علماؤنا: «اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ~~ونتوكل عليك، ms0283 ونثني عليك الخير، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، ~~اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك. ونخشى ~~عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق». وملحق: بكسر الحاء على معنى لاحق، ويجوز ~~فتحها. وفي رواية «الخير كله» و«إن عذابك الجد» ومعنى نحفد: نسرع أو نقصد. ~~واستحسن بعض علمائنا أن يضم معه قنوت الحسن. ولو لم يحسن القنوت، قال أبو ~~الليث: يقول اللهم اغفر لي ثلاث مرات. # أقول: الأولى أن يقول: اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات. وأما ~~قول محمد: ليس في القنوت دعاء مؤقت أي معين ، فمحمول على غير قوله: «اللهم ~~إنا نستعينك» وقوله: «اللهم اهدنا»، أو محمول على أنه غير معين وجوبا. وفي ~~«المحيط»: المنفرد إن شاء جهر بالقنوت، وإن شاء خافت، والإمام يجهر عند ~~محمد، لأن له شبهة # بالقرآن لاختلاف الصحابة في أنه من القرآن. ولا يجهر عند أبي يوسف، وهو ~~الصحيح، لأنه دعاء حقيقة، والسبيل في الأدعية المخافتة. # (دون غيره) أي ولا يقنت في غير الوتر، ولا يقنت في الصبح وهو قول أحمد، ~~وقال مالك والشافعي: يقنت فيه. ولنا: ما روى النسائي وابن ماجه والترمذي ~~وقال: حسن صحيح، عن أبي مالك الأشجعي، سعد بن طارق قال: قلت لأبي: إنك صليت ~~خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ~~بالكوفة نحوا من خمس سنين، أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: أي بني بدعة». أي ~~في غير النوازل. لما روى ابن حبان عن أبي هريرة بسند صحيح قال: «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم، أو على قوم». # --- PageV01P383 ~~*** # وروى محمد في «الآثار»: عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود بن ~~يزيد: «أنه صحب عمر بن الخطاب سنتين في السفر والحضر، فلم يره قانتا في ~~الفجر حتى فارقه». قال إبراهيم: وأهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن علي رضي ~~الله عنه قنت يدعو على معاوية (حين حاربه). # وأهل الشام أخذوا القنوت عن معاوية ms0284 يدعو على علي (حين حاربه). وفي ~~«الغاية»: وإن نزل بالمسلمين نازلة قنت الإمام في صلاة الجهر. وهو قول ~~الثوري وأحمد، لما في مسلم، وأبي داود، والترمذي، وأحمد، والنسائي من ضم ~~المغرب إلى الصبح في القنوت. وقال جمهور أهل الحديث: القنوت عند النوازل ~~مشروع في الصلاة كلها. # (ويقرأ في كل ركعة منه) أي من الوتر (الفاتحة وسورة) لما روى أصحاب ~~«السنن الأربعة»، والحاكم وقال: على شرط الشيخين، عن عائشة رضي الله عنها: ~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بفاتحة ~~الكتاب و{سبح اسم ربك الأعلى}، وفي الثانية: {قل يا أيها الكافرون}، وفي ~~الثالثة ب {قل هو ا أحد} والمعوذتين». ولعله باعتبار تعدد الوتر. ولذا جاء ~~في بعض الروايات بدون ذكر المعوذتين. # (ويتبع) المؤتم (القانت بعد ركوع الوتر) لأنه مجتهد فيه (لا القانت في ~~الفجر) لأن القنوت في الفجر منسوخ عند عدم النوازل. (بل يسكت) المؤتم قائما ~~في الأظهر ليتابع الإمام فيما يجب متابعته فيه. وقيل: يطيل الركوع إلى أن ~~يفرغ الإمام من القنوت. وقيل: يقعد. وقيل: يسجد إلى أن يدركه فيه، تحقيقا ~~لمخالفته. وقال أبو يوسف: يقنت المؤتم في الفجر تبعا لإمامه لالتزامه ~~متابعته بالاقتداء به، فلا يتركه فيما يحتمل أن يكون مشروعا. والقنوت مجتهد ~~فيه، فصار كالاقتداء في العيدين بمن يكبر على خلاف رأيه ما لم يجاوز أقاويل ~~الصحابة. # --- PageV01P384 ~~*** # واعلم أن قنوت الفجر منسوخ عندنا. وأبقاه مالك، والشافعي لحديث أنس: «ما ~~زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا». رواه ~~عبد الرزاق في «مصنفه». ولقول أبي هريرة: «لأنا أقربكم صلاة برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعدما يقول: سمع ~~الله لمن حمده. فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار». رواه البخاري. وقال الحازمي ~~في كتابه «الناسخ والمنسوخ»: ذهب إلى نسخه أكثر الصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم من علماء الأمصار إلى يومنا، وروي ذلك عن الخلفاء الأربعة. وذكر جمعا ~~كثيرا من الصحابة والتابعين والفقهاء والمجتهدين. # ومما ms0285 يؤيده ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، والبزار في «مسنده»، ~~والطبراني، والطحاوي في «آثاره» كلهم من حديث شريك القاضي، عن أبي حمزة ~~ميمون القصاب، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله: قال: «لم يقنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الصبح إلا شهرا ثم تركه. لم يقنت قبله ولا بعده». ~~وفي لفظ الطحاوي: «قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على عصية ~~وذكوان، فلما ظهر عليهم، ترك القنوت». تابعه أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم ~~فقال في حديثه: «لم يقنت في الفجر قط». # --- PageV01P385 ~~*** # وتضعف ابن حنبل، وابن معين، وأبي حاتم: أبا حمزة القصاب، بسبب أنه كان ~~كثير الوهم، فلا يكون حديثه رافعا لحكم ثابت بالقوي، مدفوع: بأن مسلما روى ~~في «صحيحه»: عن محمد بن المثنى العنزي وابن بشار قالا: حدثنا أمية بن خالد: ~~حدثنا شعبة، عن أبي حمزة القصاب، عن ابن عباس، قال: «كنت ألعب مع الصبيان، ~~فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف باب. قال: فجاء فحطأني حطأة ~~وقال: اذهب وادع لي معاوية، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: اذهب ~~فادع لي معاوية قال: فجئت فقلت: هو يأكل. فقال: لا أشبع الله بطنه» فيكون ~~توثيقا من مسلم له. يقال: حطأه فلان: بالهمزة ضرب ظهره بيده مبسوطة. # ورواه محمد بن جابر اليمامي عن حماد، عن إبراهيم وقال في حديثه: «ما قنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الصلوات إلا في الوتر، كان إذا ~~حارب يقنت في الصلوات كلها، يدعو على المشركين». ورواه أبو حنيفة ، عن ~~حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يقنت في الفجر قط إلا شهرا واحدا، لم ير قبل ذلك ولا بعده، وإنما قنت في ~~ذلك الشهر يدعو على ناس من المشركين». ولهذا لم يكن أنس يقنت في الصبح كما ~~رواه الطبراني بسنده من حديث غالب بن فرقد الطحان قال: «كنت عند أنس بن ~~مالك شهرين، فلم ms0286 يقنت في صلاة الغداة». # --- PageV01P386 ~~*** # وما رواه البخاري ومسلم عن أبي سلمة، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع رأسه من الركعة الثانية قال: اللهم أنج ~~الوليد بن الوليد، (اللهم أنج) سلمة بن هشام». وفي آخره: «ثم بلغنا أنه ترك ~~ذلك لما نزلت: {ليس لك من الأمر شيء} » الآية. وما رواه ابن حبان، عن ~~إبراهيم، عن سعد، عن الزهري، عن سعيد وابن سلمة، عن أبي هريرة قال: «كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقنت في صلاة الصبح، إلا أن يدعو لقوم، أو ~~على قوم». وما رواه الخطيب في كتابه في القنوت بسنده عن أنس: «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو على قوم». # قال صاحب «التنقيح»: وسند هذين الحديثين صحيح، وهما نص في أنه مختص ~~بالنازلة. وما أخرجه ابن عدي في «الكامل»، عن بشر بن حرب، عن ابن عمر: أنه ~~ذكر القنوت فقال: «والله إنه لبدعة، ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غير شهر واحد». إلا أنه أعله بتضعيف النسائي وابن معين بشرا. ثم قال: هو ~~عندي لا بأس به، ولا أعرف له حديثا منكرا. وما أخرجه ابن ماجه، والنسائي، ~~والترمذي وقال: حسن صحيح عن أبي مالك الأشجعي، سعد بن طارق بن أشيم ، عن ~~أبيه قال: «صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر ~~فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، (وصليت خلف عثمان فلم يقنت)، وصليت خلف ~~علي فلم يقنت، ثم قال: يا بني إنها بدعة». # قال البخاري: طارق بن أشيم له صحبة. وقد وثق ابن حنبل، وابن معين، ~~والعجلي: أبا مالك. وقد أخرج له مسلم في «صحيحه» حديثين. وما رواه ابن أبي ~~شيبة عن علي: «أنه لما قنت في الصبح أنكر الناس ذلك عليه، فقال: إنما ~~استنصرنا على عدونا». # --- PageV01P387 ~~*** # والحاصل أن قول أنس: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى ~~فارق الدنيا، محمول ms0287 على النوازل بصريح ما قدمنا عنه وعن غيره. وحديث أبي ~~هريرة نص في النوازل لقوله: «يدعو للمسلمين وعلى الكفار». وعليه يحمل قول ~~من قال به من الصحابة والتابعين. فلا يكون بالنسبة إلى النازلة منسوخا بل ~~مستمرا. وبه قال جماعة من أهل الحديث، إذ ليس في الأخبار ما يعارضه. # ثم الصحيح جواز اقتداء الحنفي بالشافعي وغيره إذا لم يتيقن بالمفسد. # (فصل في النوافل) # (وسن قبل الفجر وبعد الظهر والمغرب والعشاء ركعتان، وقبل الظهر والجمعة ~~وبعدها أربع بتسليمة) لقوله عليه الصلاة والسلام: «ركعتا الفجر أحب إلي من ~~الدنيا وما فيها». وفي لفظ: «خير من الدنيا وما فيها» رواه مسلم. ولقوله ~~صلى الله عليه وسلم «لا تتركوا ركعتي الفجر، فإن فيهما الرغائب »، رواه أبو ~~يعلى الموصلي. ولقوله صلى الله عليه وسلم «ولا تدعوهما وإن طردتكم الخيل». ~~رواه أبو داود. ولقول عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويدع، ~~ولكني لم أره ترك ركعتين قبل صلاة الفجر في سفر ولا في حضر، ولا صحة ولا ~~سقم»، رواه الطبراني. ولقولها: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين قبل الفجر». رواه الشيخان. ~~وفيه دلالة على أنها آكد السنن. وقيل: بفرضيتها. وقيل: بوجوبها. # --- PageV01P388 ~~*** # ولقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من عبد مسلم يصلي لله في كل يوم ثنتي ~~عشرة ركعة تطوعا من غير الفريضة، إلا بنى الله له بيتا في الجنة». رواه ~~مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد، وزاد الترمذي والنسائي: «أربعا قبل ~~الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين ~~قبل صلاة الغداة». قال الترمذي: حسن صحيح. ولقول عائشة رضي الله عنها: «كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في بيته قبل الظهر أربعا، ثم يخرج فيصلي ~~بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين». رواه مسلم. # وأما كونها بتسليمة فلما في «موطأ محمد بن الحسن» قال: حدثنا بكير بن ~~عامر البجلي، عن إبراهيم والشعبي، عن أبي أيوب الأنصاري: «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان ms0288 يصلي قبل الظهر أربعا إذا زالت الشمس. فسأله أبو أيوب ~~الأنصاري عن ذلك فقال: إن أبواب السماء تفتح في هذه الساعة، فأحب أن يصعد ~~لي في تلك الساعة خير. قلت: أفي كلهن قراءة؟ قال: نعم. قلت أيفصل بينهن ~~بسلام؟ قال: لا». وفي «سنن أبي داود»، وابن ماجه، و«شمائل الترمذي» عن أبي ~~أيوب نحوه. # وأما كونها قبل الجمعة كذلك، فلقول ابن عباس: «كان صلى الله عليه وسلم ~~يركع قبل الجمعة أربعا لا يفصل في شيء منهن ». رواه ابن ماجه من حديث مبشر ~~بن عبيد. ولقول علي: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم..» وذكر نحوه سواء، ~~وزاد: «ويجعل التسليم في آخرهن ركعة». رواه الطبراني. # --- PageV01P389 ~~*** # وأما كونها بعد الجمعة كذلك فلما رواه الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعا، ~~فإن عجل بك شيء، فصل ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت». ولما روى مسلم عن ~~أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان منكم مصليا بعد ~~الجمعة فليصل أربعا». ويسن عند أبي يوسف أن يصلي بعد الجمعة ست ركعات، لما ~~في أبي داود عن ابن عمر: «أنه إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين، ~~ثم تقدم فصلى أربعا، وإذا كان بالمدينة فصلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلى ~~ركعتين ولم يصل في المسجد. فقيل له، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يفعل ذلك». فقد أثبت ستا بعدها بمكة. # (وحبب) أي ندب (الأربع قبل العصر) لما روى أبو داود، والترمذي وقال: حديث ~~حسن. عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رحم الله امرأ صلى ~~قبل العصر أربعا». ويقول علي: «كان عليه الصلاة والسلام يصلي قبل العصر ~~ركعتين». رواه أبو داود. ورواه الترمذي، وأحمد وقالا: «أربعا». ولما رواه ~~الطبراني بسند حسن عن ابن عمرو: «من صلى قبل العصر أربعا حرمه الله على ~~النار». # --- PageV01P390 ~~*** # (وحبب قبل العشاء وبعده) لقوله عليه الصلاة والسلام: ms0289 «من صلى قبل العشاء ~~أربعا، كان كأنما تهجد من ليلته، ومن صلاهن بعد العشاء، كان كمثلهن من ليلة ~~القدر». رواه سعيد بن منصور في «سننه». وأخرجه النسائي من قول كعب، ~~والبيهقي من قول عائشة. والموقوف في هذا كالمرفوع، لأنه من قبيل تقدير ~~الثواب، وهو لا يدرك إلا سماعا. ولقول عائشة: ما صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم العشاء قط، فدخل علي إلا صلى بعدها أربع ركعات أو ستا». رواه أبو ~~داود. ولما روى البخاري عن ابن عباس قال : «بت عند خالتي ميمونة بنت الحارث ~~زوج النبي صلى الله عليه وسلم فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم ~~عاد إلى منزله، فصلى أربع ركعات، ثم قام فصلى خمس ركعات، ثم ركعتين، ثم خرج ~~إلى الصلاة». # وروى مسلم في «صحيحه» عن عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «بين كل أذانين صلاة» قالها ثلاثا، قال في الثالثة: «لمن ~~شاء». وفي رواية: قال في الرابعة: «لمن شاء». وخص من هذا المغرب لما روى ~~الدارقطني والبيهقي والبزار عن أبي بريدة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «عند كل أذانين صلاة، ما خلا صلاة المغرب». وهذا زيادة مقبولة، فدل ~~ذلك على عدم مشروعية الصلاة قبل المغرب. وذكر الطحاوي: أن السلف تركوا ~~الركعتين قبل المغرب. وروى أبو داود بإسنادين عن ابن عمر أنه قال: «ما رأيت ~~أحدا يصلي ركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره ~~النووي. # --- PageV01P391 ~~*** # ومما يندب ست بعد المغرب لقوله عليه الصلاة والسلام: «من صلى بعد المغرب ~~ست ركعات كتب من الأوابين، وتلى قوله تعالى: {إنه كان للأوابين غفورا}. ~~رواه ابن نصر عن محمد بن المنكدر مرسلا: «من صلى ما بين المغرب والعشاء، ~~فإنها صلاة الأوابين». ولقوله عليه الصلاة والسلام: «من صلى بعد المغرب ست ~~ركعات لم يتكلم فيما بينهن بسوء، عدلن بعبادة اثنتي عشر سنة». رواه ~~الترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة. وفي رواية لابن ماجه عن عائشة: ms0290 «من صلى ~~بين المغرب والعشاء عشرين ركعة، بنى الله له بيتا في الجنة». # وصرح جماعة من المشايخ باستحباب أربع بعد الظهر لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «من صلى أربعا قبل الظهر، وأربعا بعدها، حرمه الله على النار». ~~رواه أبو داود، (والترمذي)، والنسائي. ويستحب أيضا ركعتان لمن دخل المسجد ~~قبل أن يقعد لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس ~~حتى يركع ركعتين». رواه البيهقي، وغيره عن أبي هريرة. ويستحب ركعتان لمن ~~توضأ عقيب وضوئه لحديث بلال رضي الله عنه. # ويستحب صلاة الضحى، وهي أربع ركعات فصاعدا. لما روى مسلم من حديث معاذة: ~~«أنها سألت عائشة: كم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: ~~أربع ركعات، ويزيد ما شاء». # --- PageV01P392 ~~*** # فإن قيل: ما الجمع بين هذا الحديث وبين ما في الصحيحين عن عروة، عن عائشة ~~قالت: «ما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبحة الضحى قط وإني لأسبحها». ~~أجيب: بأنه يحتمل أنها أخبرت في النفي: عن رؤيتها ومشاهدتها، وفي الإثبات: ~~عن خبره عليه الصلاة والسلام، أو خبر غيره عنها. وأنها أنكرتها مواظبة ~~وإعلانا، أو أنها أنكرتها على ما هي مشهورة عند الناس ثماني ركعات. ومما ~~يدل على فضيلة صلاة الضحى حديث: أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، ~~وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ~~ويجزىء عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى». رواه مسلم. # ومنها حديث بريدة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «في الإنسان ~~ثلاث مئة وستون مفصلا. فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة. قالوا: ومن ~~يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: النخاعة في المسجد تدفنها، والشيء تنحيه عن ~~الطريق، فإن لم تجد فركعتا الضحى تجزئك». وحديث معاذ بن أنس الجهني قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة ~~الضحى حتى يسبح ms0291 ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرا غفر له خطاياه وإن كانت مثل ~~زبد البحر». رواهما أبو داود. ومنها حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «من حافظ على شفعة الضحى غفر له، وإن كانت مثل زبد البحر». ~~رواه أحمد، وغيره. ومنها حديث أبي سعيد: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها». رواه ~~الترمذي. # --- PageV01P393 ~~*** # (وكره مزيد النفل) أي زيادته (على أربع بتسليمة نهارا، وعلى ثمان ليلا) ~~لعدم ورود السنة بالزيادة فيهما، ولو جاز من غير كراهة، لفعل ولو مرة. وفي ~~«النهاية»: النافلة ليلا إلى ثمان جائزة، وفيما وراءه مكروهة في عامة ~~الروايات. قال فخر الإسلام في «الجامع الصغير»: وأصل ذلك حديث عائشة: «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة: ثلاث منها ~~الوتر، وركعتا الفجر أي سنته فيبقى التطوع ستة». وروي: «ثلاث عشرة»، فبقي ~~التطوع ثمانية. وفيه: أنه لا دلالة فيه على أن الثمانية بتسليمة، ولا على ~~أن الزيادة عليها مكروهة. وقد اعترض بأن الزهري روى عن عروة، عن عائشة: ~~«أنه عليه الصلاة والسلام كان يسلم من كل ركعتين منهن». # وفي «المبسوط» و«الخلاصة»: الأصح على أن الزيادة لا تكره لما فيها من وصل ~~العبادة. ثم رأيت السرخسي صحح عدم كراهة الزيادة عليها لما في البخاري عن ~~عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي ~~إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين» فيبقى العشرة نفلا. وروى الطحاوي ~~الاستدلال بكليهما لما رواه في دليلهما: من أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~يسلم بين كل اثنتين، ولأنه ليس في قولهما دلالة على أنه صلى الثمان أو ~~العشرة بتسليمة. # --- PageV01P394 ~~*** # (والأربع أفضل في الملوين) أي الليل والنهار، تثنية ملا بفتح الميم ~~والقصر. وهذا الذي ذكره عند أبي حنيفة. وعندهما: اثنان في الليل أفضل، ~~والأربع في النهار أفضل. وعند الشافعي: الأفضل فيهما الاثنتان. وعند أحمد: ~~لا بأس بالأربع في النهار، وهي بالليل مكروهة، ms0292 وقيل: غير جائزة، لما روى ~~أصحاب «السنن»، وصححه ابن حبان، وجوده أحمد عن ابن عمر: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى». ولأبي يوسف ومحمد ما في ~~«الصحيحين» عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الليل مثنى ~~مثنى». وليس فيه ذكر النهار. وقال النسائي: ذكره عندي خطأ. # ولأبي حنيفة ما في «الصحيحين» عن عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي بالليل أربعا، لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا، لا تسأل ~~عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا». وروى أبو يعلى في «مسنده» عن عمرة قالت: ~~«سمعت عائشة تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربع ركعات ~~لا يفصل بينهن بسلام». وقد تقدم حديث أبي أيوب في سنة الظهر نحوه. ولأنه ~~أدوم تحريمة، فيكون أكثر مشقة وأكبر فضيلة. ولهذا لو نذر أن يصلي أربعا ~~بتسليمة، فصلاها بتسليمتين، لم يوف بنذره. ولو نذر أن يصليها بتسليمتين، ~~فصلاها بتسليمة وفى بنذره، لأنه عمل بالأفضل. # --- PageV01P395 ~~*** # وأما ما أخرجه مسلم من حديث عائشة في حديث طويل قالت: «كنا نعد له سواكه ~~وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي تسع ~~ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله، ويحمده، ويدعوه، ثم ينهض ~~ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله، ويحمده ويدعوه، ثم ~~يسلم تسليما يسمعناه». وهو في غير مسلم: «كان يوتر بتسع ركعات». فاتفاق ~~الأئمة على القعود في كل شفع لما روينا دليل على انتساخه، أو أنه من خصائصه ~~صلى الله عليه وسلم # ثم طول القيام أفضل عندنا من كثرة السجود، وعكسه عند الشافعي لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء». ~~وقوله عليه الصلاة والسلام لثوبان: «عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله ~~سجدة، إلا رفعك بها درجة، وحط عنك بها خطيئة». وقوله عليه الصلاة والسلام ~~لربيعة بن كعب حين سأله مرافقته في الجنة: «فأعني ms0293 على نفسك بكثرة السجود». ~~(رواهما مسلم). # ولنا قوله عليه الصلاة والسلام كما في مسلم وغيره: «أفضل الصلاة طول ~~القنوت». أي القيام، ولأن القراءة تكثر بطول القيام، وبكثرة الركوع والسجود ~~يكثر التسبيح، والقراءة أفضل منه. ولأنهما ركنان، فكان اجتماع ركنين أولى ~~وأفضل من اجتماع ركن وسنة. وقال مالك: تتساوى فضيلتهما بناء على تساوي ~~الدليلين من الجانبين عنده. والأظهر أن السجود أفضل كيفية. والقيام أفضل ~~كمية. ولذا قيدهما عليه الصلاة والسلام في الحديثين السابقين بطول القنوت ~~وبكثرة السجود. وقد يقال: كثرة السجود مستلزمة لكثرة القيام، ولعله عليه ~~الصلاة والسلام أراد بكثرته كثرة الصلاة، وإنما عبر عنها بكثرة السجود، لأن ~~تمام الركعة به دون غيره. # (سجود الشكر) # --- PageV01P396 ~~*** # ثم سجدة الشكر عند سماع خبر مفرح غير مشروعة، فلا يتقرب بها وحدها عند ~~أبي حنيفة ومعه مالك، لأنها ركن دون ركعة، والتقرب بالركعة الواحدة منهي ~~عنه، فما دونها أولى، وصارت كالركوع. وما روي عن سجود النبي صلى الله عليه ~~وسلم شكرا إذا رأى مبتلى أو جاء خبر يسره، كان في مبدأ الإسلام، ثم نسخ ~~بالنهي عن البتيراء. # وقال أبو يوسف، ومحمد، ووافقهما الشافعي: هي قربة لقول سعد بن أبي وقاص: ~~«خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة نريد المدينة، فلما كنا ~~قريبا من عزور نزل، ثم رفع يديه فدعا الله ساعة ثم خر ساجدا، فمكث طويلا ثم ~~قام، فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدا، فمكث طويلا، ثم قام، فرفع يديه ساعة. ثم ~~خر ساجدا. قال: «إني سألت ربي وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدا ~~لربي، ثم رفعت رأسي فسألت وشفعت لأمتي، فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجدا ~~لربي، ثم رفعت رأسي فسألت وشفعت لأمتي، فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجدا ~~لربي». رواه أحمد، وأبو داود. # (لو أفسد نفلا لزمه قضاؤه) # (ولزم النفل بالشروع) أي في الصلاة ونحوها، حتى لو أفسده لزمه قضاؤه ~~لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم}، ولأنه عبادة شرع فيها. فلزم إتمامها ~~وقضاؤها عند إفسادها، كالحج والعمرة إجماعا لقوله تعالى: {وأتموا الحج ms0294 ~~والعمرة} خلافا للشافعي (ومالك) في غيرهما. # --- PageV01P397 ~~*** # (إلا بظن أنه) أي النفل من الصلاة والصوم دون الحج والعمرة (عليه) أي ~~لازم أو باق لديه. مثل أن يشرع في الظهر فيذكر أنه قد صلاه، لأنه شرع فيه ~~مسقطا له لا ملتزما. وعند زفر: يجب عليه القضاء قياسا على سائر النوافل، ~~كذا في الحصر. وأما في النفل فبالعكس. في «القنية» قال ظهير الدين ~~المرغيناني: شرع في السنة، ثم تذكر أنه أداها فقطعها، فعليه القضاء، وقال ~~صاحب «المحيط»: بخلافه، ولو شرع في النفل عند الغروب أو الطلوع، لزمه في ~~ظاهر الرواية. وروي عن أبي حنيفة أنه لا يلزمه اعتبارا بالشروع في الصوم في ~~الأيام المنهي عنه فيها. ووجهه: أنه يكون صائما بنفس الشروع، فيصير مرتكبا ~~للنهي فيجب إبطاله، ولا يكون مصليا حتى يسجد. ولهذا يحنث بالشروع لو حلف لا ~~يصوم، ولا يحنث بالشروع لو حلف لا يصلي حتى يتم ركعة. كذا ذكره الشارح. ~~وفيه بحث: إذ كونه صائما بنفس الشروع لا يظهر وجهه لا شرعا ولا عرفا. ~~والركعة الواحدة لا تصح عندنا، فكيف تكون صلاة. # ثم اعلم أن مالكا والشافعي قالا بعدم لزوم النفل بالشروع، لأن المتنفل ~~متبرع، ولا لزوم على المتبرع، قال تعالى: {ما على المحسنين من سبيل}. وقالت ~~عائشة: «دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: هل عندكم شيء، فقلنا: ~~لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يوما آخر، فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا ~~حيس، قال أرنيه، فلقد أصبحت صائما، فأكل». وفي لفظ: «فأكل وقال : قد كنت ~~أصبحت صائما»، رواه مسلم. فهذا يدل على عدم وجوب الإتمام، ولزوم القضاء ~~مرتب على وجوبه، فلا يجب واحد منهما. # --- PageV01P398 ~~*** # ولنا ما في «سنن أبي داود والترمذي والنسائي»، عن عروة، عن عائشة قالت: ~~«كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (فبدرتني) حفصة وكانت ابنة أبيها فقالت: يا رسول ~~الله إنا كنا صائمتين، فعرض طعام اشتهيناه فأكلنا منه. قال: اقضيا يوما آخر ~~مكانه». ورواه ms0295 الطبراني من طريق آخر عن أبي هريرة قال: «أهديت لعائشة وحفصة ~~هدية وهما صائمتان، فأكلتا منها، فذكرتا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: اقضيا يوما مكانه، ولا تعودا». وحمله على أنه أمر ندب خروج عن مقتضاه ~~بغير موجب يوجب، بل هو محفوف بما يوجب مقتضاه ويؤكده، وهو النهي عن (إبطال ~~الأعمال، ولورود) القياس على نفل الحج والعمرة. # (وقضي ركعتان) بصيغة المجهول وفي بعض النسخ: وقضى ركعتين بصيغة الفاعل ~~(لو نقض) أي أبطل النفل (في الشفع الأول أو في) الشفع (الثاني). وعن أبي ~~يوسف يقضي أربعا اعتبارا للشروع بالنذر. وعنه روايتان فيما إذا نوى ستا أو ~~ثمانيا، ثم أفسدها. في رواية: يقضي أربعا. وفي رواية: يقضي جميع ما نوى. ~~وفي «المنتقى» قول أبي يوسف فيما إذا أفسدها بما لا يوجب الخروج عن ~~التحريمة كترك القراءة. وأما إذا أفسدها بالكلام ونحوه، فلا يلزم عنده إلا ~~ركعتان. ولهما: أنه لم يوجد الشروع في الشفع الثاني لا حقيقة ولا حكما، لأن ~~كل شفع من النفل صلاة على حدة، ولا تعلق لأحد الشفعين بالآخر. # --- PageV01P399 ~~*** # (وترك القراءة في ركعتي الشفع) من النفل (يبطل التحريمة عند أبي حنيفة) ~~حتى لا يصح بناء الشفع الثاني على الشفع الأول. وأما ترك القراءة في ~~الركعة، فلا يبطل التحريمة عنده، لأن كل شفع من النفل صلاة على حدة، وفساد ~~الصلاة بترك القراءة في الركعة الواحدة مجتهد فيه، لأن عند الحسن البصري لا ~~تفسد، وبه قال زفر. فقلنا بالفساد في حق لزوم القضاء، وبقاء التحريمة في حق ~~لزوم الشفع الثاني احتياطا. # (وعند محمد) ترك القراءة (في ركعة) يبطل (التحريمة) لأنها تعقد لأفعال ~~الصلاة، والأفعال تفسد بترك القراءة في ركعة. (وعند أبي يوسف لا) تبطل ~~التحريمة بترك القراءة (أصلا) أي لا في ركعتين، ولا في ركعة، لأن القراءة ~~ركن زائد، بدليل وجود الصلاة بدونها في الجملة، كما في حق الأمي، والأخرس، ~~والمقتدي، فترك القراءة لا يبطل التحريمة. (بل يفسد الأداء)، لأنه لا صحة ~~للأداء بدون القراءة. وفساد الأداء ليس بأقوى من ms0296 تركه، فكما أن تركه لا ~~يفسد التحريمة، لا يفسدها فساده. كما لو أحرم وقام طويلا فسكت أو قعد ولم ~~يأت بشيء من الأفعال. # ثم اعلم أن ترك القراءة في النفل الرباعي، إما في بعض الشفع الأول وبعض ~~الثاني، أو في بعض الأول، وجميع الثاني، أو في بعض الثاني، وجميع الأول، أو ~~في جميع الأول والثاني، أو في جميع الأول فقط، (أو في بعض الأول فقط)، أو ~~في جميع الثاني فقط. أو في بعض الثاني فقط. فهذه ثمان مسائل متفرعة على ~~الأصول السابقة، أشار إلى تفريعها بقوله: # --- PageV01P400 ~~*** # (فيقضي أربعا عند أبي حنيفة فيما) أي في نفل مع (ترك) القراءة (في إحدى) ~~شفعه (الأول مع) تركها في جميع شفعه (الثاني أو بعضه) وأنكر أبو يوسف عن ~~أبي حنيفة قضاء الأربع إذا ترك القراءة في إحدى الأول وبعض الثاني، حين عرض ~~عليه (محمد) «الجامع الصغير»، وقال: رويت لك عن أبي حنيفة قضاء ركعتين. قال ~~محمد: بل رويت لي عنه قضاء أربع (ونسيت). واعتمد المشايخ على قول محمد، لأن ~~الأصل المذكور ساعده. # (وعند أبي يوسف) يقضي أربعا (في أربع مسائل يوجد الترك في شفعين) وهي: ~~ترك القراءة في جميع الشفعين، وفي بعض الأول وبعض الثاني، وفي جميع الأول ~~وبعض الثاني، وفي بعض الأول وجميع الثاني. (وفي الباقي) من الثمانية وهي ست ~~مسائل عند أبي حنيفة، وأربع مسائل عند أبي يوسف. يقضي (ركعتين، وعند محمد) ~~يقضي (ركعتين في الكل) ووجه الكل ظاهر من الأصول السابقة. (وإن لم يقعد في ~~الوسط) بأن صلى أربعا ولم يقعد في وسطها (أو نوى أربعا وأتم اثنين فلا شيء ~~عليه). أما في المسألة الأولى، فقياسا على الفرض، واتساعا في النفل. وقال ~~محمد وزفر بفساده، لأن كل ركعتين منه صلاة. والقعدة فرض في آخر كل صلاة ~~فتركها مفسد كالفجر. ولهما وهو الاستحسان : أن الأربع صلاة واحدة بسبب ~~أدائها بتحريمة واحدة، فكان القعود فرضا في آخرها كالظهر. وأما في الثانية، ~~فلأنه لم يشرع في الشفع الثاني، فلم يجب عليه. # --- PageV01P401 ~~*** # (ويتنفل راكبا موميا ms0297 خارج المصر) في كل موضع يقصر فيه المسافر (إلى غير ~~القبلة) أي كيفما توجهت به. لقول ابن عمر: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي على راحلته وهو متوجه إلى خيبر». رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي. وفي ~~رواية الدارقطني: «على حمار». ولقول جابر: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي النوافل على راحلته في كل وجه يومىء إيماء، ولكن يخفض للسجدتين عن ~~الركوع». رواه ابن حبان في «صحيحه». ولا يشترط السفر، وشرطه أحمد. وهو ~~رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف. وعن أبي يوسف، وهو مذهب الشافعي، وفي رواية ~~عن أحمد: يجوز التنفل في المصر أيضا على الدابة، لما روي: «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ركب الحمار في المدينة يعود سعد بن عبادة، وكان يصلي وهو ~~راكب». وفي «الصحيحين» عن عامر بن ربيعة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو على الراحلة يسبح يومىء برأسه قبل أي وجه توجه، لم يكن يصنع ذلك ~~في المكتوبة». # والسنن الرواتب نوافل، وعن أبي حنيفة: ينزل الراكب لسنة الفجر لأنها آكد. ~~وعنه: أنها واجبة. وإنما خص التنفل، لأن أداء الفريضة على الدابة لا يصح ~~إلا لعذر: بأن خاف زيادة المرض، أو سبعا، أو عدوا، أو كانت الدابة جموحا، ~~أو كان الطين والوحل بحال يغيب فيه وجهه. ثم هذا إذا كانت الدابة تسير ~~بنفسها. وإن كانت تسير بتسيير صاحبها، فالفريضة لا تجوز. كما لا يجوز ~~التطوع، ولا يجوز أيضا الوتر على الدابة، ولا المنذور، ولا قضاء النفل الذي ~~أفسد، ولا صلاة الجنازة، ولا السجدة التي تليت على الأرض. # --- PageV01P402 ~~*** # ثم لا فرق بين أن يكون في موضع جلوسه، أو في ركابيه نجاسة أو لا عند عامة ~~المشايخ للضرورة. وقال أبو حفص الكبير، ومحمد بن مقاتل: إذا كانت أكثر من ~~قدر الدرهم لا تجوز الصلاة، اعتبارا لها بالتي على الأرض. # (و) يتنفل (قاعدا) فعن أبي حنيفة إن شاء محتبيا، وإن شاء متربعا، وإن شاء ~~كالتشهد. وعن أبي يوسف: محتبيا، لأن عامة صلاة النبي صلى الله ms0298 عليه وسلم في ~~آخر عمره كانت بالاحتباء. كذا في «مواهب الرحمن» من غير عزو، ولم أره في ~~غيره. وعن محمد: متربعا، لأنه أعدل. وعن زفر وهو المختار كالتشهد، لأنه ~~القعود المعهود في الصلاة. # (مع قدرة قيامه)، لما روى الجماعة إلا مسلما عن عمران بن حصين قال: «سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل قاعدا، فقال: من صلى قائما فهو ~~أفضل، ومن صلى قاعدا، فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما، أو مضطجعا فله ~~نصف أجر القاعد». وروى مسلم عن ابن عمر مرفوعا: «صلاة الرجل قاعدا نصف صلاة ~~القائم». وهذا في صلاة النافلة، لأن صلاة الفرض لا يجوز فيه القعود مع ~~القدرة على القيام بالإجماع، ولأن ثواب القاعد في الفرض للعجز لا ينقص عن ~~ثواب القائم، لما روى البخاري عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا». # --- PageV01P403 ~~*** # (وكره) التنفل (قاعدا بقاء) بأن يحرم قائما، ثم يقعد. وقال أبو يوسف، ~~ومحمد: لا يجوز، لأن الشروع ملزم لأن يأتي على صفة شرع فيها، أو بأكمل ~~منها، فأشبه النذر قائما. ولأبي حنيفة: أن البقاء أسهل من الابتداء، وقد ~~جاز ترك القيام في ابتداء النفل، فيجوز في أثنائه. وفي «المحيط»: رجل صلى ~~التطوع قاعدا، وإذا أراد الركوع قام فركع، فالأفضل أن يقوم ويقرأ شيئا، ثم ~~يركع ليكون موافقا للسنة. وهي ما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~«ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسا، حتى ~~إذا كبر قرأ جالسا، فإذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية، قام ~~فقرأهن ثم يركع». ولو لم يقرأ واستوى قائما وركع أجزأه. وإن لم يستو قائما ~~وركع لم يجزه، لأن ذلك لا يكون ركوع قائم، ولا ركوع قاعد. # (وإن افتتح) النفل (راكبا ونزل) بعمل قليل بأن ثنى رجله فانحدر من الجانب ~~الآخر (بنى) في ظاهر الرواية عنهم. وعن أبي يوسف: ms0299 أنه يستقبل (وبعكسه) وهو ~~أن يفتتح النفل نازلا ثم يركب (فسد). ووجه الفرق: أن الأول أدى أكمل مما ~~وجب عليه، لأن تحريمته غير موجبة للركوع والسجود. والثاني أدى أنقص مما وجب ~~عليه، لأن تحريمته موجبة للركوع والسجود. وأجاز علماؤنا لمن نذر قربة في ~~مكان شريف أداءها فيما دونه شرفا. ولم يتعين ذلك المكان عنده، وعينه مالك ~~والشافعي وزفر لظاهر قوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم}، فيجب أن ~~يأتي بما نطق به. # هذا، وقول صاحب «الهداية»: قوله صلى الله عليه وسلم «لا يصلى بعد صلاة ~~مثلها». غير معروف مرفوعا. نعم رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» من ثلاث طرق ~~موقوفا على عمر. # ففي الطريق الأول: أنه قال: «لا يصلى بعد صلاة مثلها». # --- PageV01P404 ~~*** # وفي الطريق الثاني: «كان يكره أن يصلى خلف صلاة مثلها». # وفي الطريق الثالث: «كان يكره أن يصلى بعد المكتوبة مثلها». # ورواه أيضا موقوفا على ابن مسعود من طريق آخر بنحو كلام عمر. فقيل في ~~تفسيره: يعني ركعتين بقراءة، وركعتين بقراءة. وفسر أصحابنا بأنهم كانوا ~~يصلون الفريضة، ويصلون بعدها مرة أخرى. ويطلبون بذلك زيادة الأجر، فنهى عن ~~ذلك. ويؤيد هذا التفسير ما في «سنن أبي داود»: «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى أن يصلى صلاة في اليوم مرتين». # (فصل في صلاة التراويح) # (وسن التراويح) وقيل يستحب، ولم يذكرها محمد في ظاهر الرواية، وذكرها ~~غيره. وأجمعت الأمة على شرعيتها. ولا اعتداد بمخالفة (الخوارج) لأنهم أقبح ~~أهل البدعة، ومعارضون لأهل السنة. وقد أقامها النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبين عذره في تركها بما في «الصحيحين» عن عائشة: «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلى في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم ~~اجتمعوا من الليلة الثالثة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني ~~خشيت أن تفرض عليكم». وذلك في رمضان. زاد البخاري في كتاب الصوم: «فتوفي ~~رسول الله صلى الله ms0300 عليه وسلم والأمر على ذلك». # وعن زيد بن ثابت: «أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من ~~حصير، فصلى فيها ليالي حتى اجتمع عليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلة، فظنوا أنه ~~قد نام فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم فقال: ما زال بكم الذي رأيت من ~~صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها ~~الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة». متفق عليه. # --- PageV01P405 ~~*** # وعن أبي ذر قال: «صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم بنا شيئا ~~من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كان السادسة لم ~~يقم بنا، فلما كان الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل. قلت: يا رسول الله ~~لو نفلتنا قيام هذه الليلة فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب ~~له قيام ليلة. فلما كانت الرابعة لم يقم بنا. فلما كانت الثالثة، جمع أهله ~~ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قلت: وما الفلاح؟ قال: ~~السحور. ثم لم يقم بنا بقية الشهر». رواه أصحاب «السنن». # وعن أبي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرغب في قيام رمضان ~~من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ~~ما تقدم من ذنبه. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك. ثم ~~كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر رضي الله عنه»، وصدرا من خلافة عمر رضي ~~الله عنه. رواه مسلم. # والحاصل: أن الأصح فيها أنها سنة مؤكدة كما رواه الحسن عن أبي حنيفة. ~~والسنة فيه الجماعة لكن على وجه الكفاية. حتى لو امتنع أهل المسجد عن ~~إقامتها كانوا مسيئين. ولو أقامها البعض، فالمتخلف عن الجماعة تارك ~~الفضيلة، لأن أفراد الصحابة والتابعين يروى عنهم التخلف. # --- PageV01P406 ~~*** # فروى البخاري عن نافع، عن ابن عمر: «أنه كان لا يصلي خلف الإمام في شهر ~~رمضان. وروى أيضا ms0301 عن إبراهيم قال: كان المجتهدون يصلون في ناحية المسجد، ~~والإمام يصلي بالناس في رمضان». وروى أيضا عن عروة: «أنه كان يصلي مع الناس ~~في رمضان، ثم ينصرف إلى منزله فلا يقوم مع الناس». وروى البخاري وابن حبان ~~من حديث عبد الرحمن بن عبد القاري قال: «خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل ~~(لنفسه) فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارىء ~~واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب. ثم خرجت معه ليلة أخرى ~~والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هذه، والتي ~~ينامون عنها أفضل (من التي يقومون) يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله». # وروى البيهقي في «المعرفة» بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد قال: «كنا نقوم ~~زمن عمر بن الخطاب بعشرين ركعة والوتر». وعن يزيد بن رومان قال: «كان الناس ~~يقومون في زمن عمر بثلاث وعشرين ركعة». وكأنه مبني على ما رواه ابن أبي ~~شيبة في «مصنفه» والطبراني من حديث ابن عباس: «أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~يصلي في رمضان عشرين ركعة سوى الوتر». # --- PageV01P407 ~~*** # وأما ما في «الموطأ» عن السائب بن يزيد قال: «أمر عمر أبي بن كعب وتميما ~~الداري أن يقوما للناس في رمضان بإحدى عشر ركعة، فكان القارىء يقرأ ~~بالمئتين حتى كنا نعتمد على العصا من طول القيام، فما كنا ننصرف إلا بزوغ ~~الفجر». فكأنه بناء على ما روينا في الوتر: «من أنه صلى الله عليه وسلم قام ~~بهم في رمضان فصلى ثمان ركعات وأوتر، ثم انتظروه من القابلة، فلم يخرج ~~إليهم، فسألوه فقال: خشيت أن يكتب عليكم الوتر». أي مطلقا أو في رمضان. ~~وجمع بينهما بأن الأقل وقع أولا ثم استقر الأمر على العشرين. فإنه المتوارث ~~بناء على ما تقدم والله أعلم فصار إجماعا. لما روى البيهقي بإسناد صحيح: ~~«أنهم كانوا يقيمون على عهد عمر بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعلي رضي ms0302 الله ~~عنهم». وعند مالك: «ست وثلاثون». وجمع بين قوله وقول غيره: بأن عشرين كانت ~~أول الليل، وست عشر آخره، كما عليه عمل أهل المدينة. # ووقتها بعد صلاة العشاء (قبل الوتر أو بعده) إلى طلوع الفجر وهو الأصح، ~~لأنها تبع للعشاء دون الوتر. حتى لو ظهر أن العشاء صليت بلا طهارة، ~~والتراويح صليت بطهارة أعيدت التراويح مع العشاء. وقيل: بعد العشاء قبل ~~الوتر، وهو قول عامة المشايخ، كذا في «الهداية». وقيل: قبل العشاء وبعده، ~~لأنها قيام الليل وهو الأظهر. إلا أن تأخير الوتر أفضل لقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا». # --- PageV01P408 ~~*** # (على كل ترويحة) أي أربع ركعات. وقيل: خمس تسليمات (جلسة بقدرها) لتوارث ~~ذلك من السلف، وكذا قبل الوتر. هكذا روي عن أبي حنيفة: لأنها إنما سميت ~~بالترويحة للاستراحة. فيفعل ذلك تحقيقا لمعنى الاسم. ثم إن أهل مكة تطوف ~~سبعا بين كل ترويحتين، كما حكي عن مالك. وأهل المدينة يصلون فرادى أربعا ~~بدل ذلك. وأهل كل بلدة بالخيار: يسبحون، أو يهللون، أو ينتظرون سكوتا، أو ~~يصلون فرادى. # (وسن الختم) أي ختم القرآن على الأصح وهو قول الأكثر (مرة) في صلاة ~~التراويح. لأن شهر رمضان أنزل فيه القرآن. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعرضه فيه على جبرائيل كل سنة مرة، وفي السنة الأخيرة عرضه مرتين. وقال ~~بعضهم: يقرأ في كل ركعة ثلاثين آية لأن عمر أمر بذلك، فيقع الختم ثلاث ~~مرات، لأن كل عشر مخصوص بفضيلة على حدة، كما جاءت به السنة: «إنه شهر أوله ~~رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار». والذي عليه الأكثر ما رواه الحسن ~~عن أبي حنيفة: أنه يقرأ الإمام في كل ركعة عشر آيات ونحوها. قيل: وهو ~~الأحسن، لأن السنة فيها الختم مرة. وما أشار إليه أبو حنيفة بختم القرآن ~~فيها مرة، لأن عدد ركعاتها في جميع الشهر ست مئة، وعدد آي القرآن ستة آلاف ~~وشيء، فإذا قرأ في كل ركعة عشر آيات يحصل الختم فيها. وعن أبي حنيفة: أنه ~~كان ms0303 يختم إحدى وستين ختمة: في كل يوم ختمة، وفي كل ليلة ختمة، وفي كل ~~التراويح ختمة. # (ولا يترك) الختم (لكسل القوم) والأفضل تعديل القراءة، فإن خالف فلا بأس. # --- PageV01P409 ~~*** # والصحيح أن إقامتها بجماعة سنة على وجه الكفاية، لأنه تخلف عنها أفراد من ~~الصحابة والتابعين كابن عمر، وعروة، والقاسم، وإبراهيم، ونافع، وسالم. وعن ~~أبي يوسف: أنه إن أمكنه أداؤها في بيته مع مراعاة سنة القراءة وأشباهها ~~فليصلها في بيته، إلا أن يكون فقيها كبيرا يقتدى به، لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «صلوا في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». ~~وأجيب: بأن قيام رمضان مستثنى من ذلك لما تقدم من فعله عليه الصلاة ~~والسلام، وبيان العذر في تركه، وفعل الخلفاء الراشدين، حتى قال علي رضي ~~الله عنه: «نور الله قبر عمر رضي الله عنه كما نور مساجدنا». والمبتدعة ~~أنكروا أداءها بالجماعة في المسجد. فأداؤها بالجماعة جعل شعار السنة كأداء ~~الفرض بالجماعة شرع شعار الإسلام. # (ولا يوتر بجماعة خارج رمضان) أي يوتر الإمام بجماعة في رمضان فقط، وعليه ~~إجماع المسلمين. ولا يوتر بالجماعة خارجه لأنه نفل من وجه، والجماعة في ~~النفل في غير رمضان مكروه. وعن شمس الأئمة: إن التطوع بالجماعة إنما يكره ~~إذا كان على سبيل التداعي. أما لو اقتدى واحد بواحد، أو اثنان بواحد لا ~~يكره. وإن اقتدى ثلاثة بواحد اختلف فيه. وإن اقتدى أربعة بواحد كره اتفاقا. ~~ثم بعد عدم كراهة الجماعة في رمضان اختلفوا في الأفضل: فقال قاضيخان: ~~الصحيح أن الجماعة أفضل، لأنه لما جازت الجماعة كانت أفضل، لأن ثوابها أكمل. # --- PageV01P410 ~~*** # وقال أبو علي النسفي: إن علماءنا اختاروا أن يوتر في رمضان في منزله ولا ~~يوتر بجماعة، لأن الصحابة لم يجتمعوا على الوتر بجماعة في رمضان كاجتماعهم ~~على التراويح، لأن عمر رضي الله عنه كان يؤمهم فيه في رمضان، وأبي بن كعب ~~ما كان يؤمهم فيه. والجواب ما قدمناه في حديث ابن حبان: «أنه صلى الله عليه ~~وسلم صلى بهم وأوتر في رمضان، وبين العذر في تأخيره، وأن ms0304 الخلفاء الراشدين ~~فعلوه». وإن من تأخر عن الجماعة فيه وأحب أن يصلي آخر الليل، فإنه أفضل كما ~~قال عمر: «والتي ينامون عنها أفضل». وعلم قوله عليه الصلاة والسلام: ~~«اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا». فأخره لذلك، والجماعة فيه إذ ذاك متعذرة، ~~فلا يدل ذلك على أن الأفضل فيه ترك الجماعة لمن أحب أن يوتر أول الليل. كما ~~يفهم من إطلاق اختيارهم. # فصل في صلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء # (عند الكسوف) وهو تغير الشمس إلى السواد، والخسوف لغة فيه. قال المنذري: ~~روى حديث الكسوف تسعة عشر نفسا: بعضهم بالكاف، وبعضهم بالخاء، وبعضهم ~~باللفظين جميعا، أي فهما مترادفان. أو الكسوف مختص بالشمس، والخسوف أعم. ~~وقيل: يقال بالكاف للشمس، وبالخاء للقمر. وعليه اصطلاح الفقهاء ويؤيده قوله ~~تعالى: {فإذا برق البصر * وخسف القمر}. وأما ما في «صحيح مسلم» عن عروة: ~~«لا تقل: كسفت الشمس، ولكن قل: خسفت». فمحمول على رواية في لفظ الحديث. # --- PageV01P411 ~~*** # (يصلي إمام الجمعة بالناس) إلحاقا لها بها. وأجازها مالك والشافعي لغيره ~~كسائر الصلاة (ركعتين) بركوعين لا بأربع كما قال الشافعي ومالك. وهو ~~المختار من مذهب أحمد كما في الكتب الستة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~«خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المسجد، فقام ~~فكبر وصف الناس وراءه، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم ~~رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. (ثم قام فاقترأ قراءة ~~طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه ~~فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد). ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ~~ذلك. فاستكمل أربع ركعات بأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف. ثم قام ~~فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من ~~آيات الله تعالى لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا ~~إلى الصلاة». # ولنا ما روى البخاري من حديث أبي بكرة قال: «خسفت الشمس على عهد رسول ~~الله ms0305 صلى الله عليه وسلم فخرج يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد، وثاب الناس، ~~فصلى بهم ركعتين فانجلت الشمس» (ورواه النسائي: «فصلى بهم ركعتين كما ~~يصلون». ورواه ابن حبان: «فصلى بهم ركعتين، مثل صلاتكم».) وروى النسائي، ~~والترمذي في «الشمائل» والحاكم وصححه، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكد يركع، ثم ركع فلم يكد يرفع، ثم ~~رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم ~~يكد يرفع، ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك». # فصل في صلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء # --- PageV01P412 ~~*** # (عند الكسوف) وهو تغير الشمس إلى السواد، والخسوف لغة فيه. قال المنذري: ~~روى حديث الكسوف تسعة عشر نفسا: بعضهم بالكاف، وبعضهم بالخاء، وبعضهم ~~باللفظين جميعا، أي فهما مترادفان. أو الكسوف مختص بالشمس، والخسوف أعم. ~~وقيل: يقال بالكاف للشمس، وبالخاء للقمر. وعليه اصطلاح الفقهاء ويؤيده قوله ~~تعالى: {فإذا برق البصر * وخسف القمر}. وأما ما في «صحيح مسلم» عن عروة: ~~«لا تقل: كسفت الشمس، ولكن قل: خسفت». فمحمول على رواية في لفظ الحديث. # (يصلي إمام الجمعة بالناس) إلحاقا لها بها. وأجازها مالك والشافعي لغيره ~~كسائر الصلاة (ركعتين) بركوعين لا بأربع كما قال الشافعي ومالك. وهو ~~المختار من مذهب أحمد كما في الكتب الستة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~«خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المسجد، فقام ~~فكبر وصف الناس وراءه، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم ~~رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. (ثم قام فاقترأ قراءة ~~طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه ~~فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد). ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ~~ذلك. فاستكمل أربع ركعات بأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف. ثم قام ms0306 ~~فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من ~~آيات الله تعالى لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا ~~إلى الصلاة». # --- PageV01P413 ~~*** # ولنا ما روى البخاري من حديث أبي بكرة قال: «خسفت الشمس على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فخرج يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد، وثاب الناس، ~~فصلى بهم ركعتين فانجلت الشمس» (ورواه النسائي: «فصلى بهم ركعتين كما ~~يصلون». ورواه ابن حبان: «فصلى بهم ركعتين، مثل صلاتكم».) وروى النسائي، ~~والترمذي في «الشمائل» والحاكم وصححه، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكد يركع، ثم ركع فلم يكد يرفع، ثم ~~رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم ~~يكد يرفع، ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك». # وأجيب عن استدلالهم بحديث عائشة بأنه مؤول بما أول به ما روى مسلم عنها، ~~وعن جابر، عن ابن عباس: «أنه عليه الصلاة والسلام صلى ست ركعات بأربع ~~سجدات». وما روى أيضا عن ابن عباس وعلي: «أنه صلى ثمان ركعات بأربع سجدات». ~~وما روى: أبو داود، عن أبي بن كعب: «أنه عليه الصلاة والسلام صلى خمس ركعات ~~في كل ركعة سجدة». قال محمد: وتأويل ذلك أنه عليه الصلاة والسلام لما أطال ~~الركوع رفع الصفوف رؤوسهم ظنا منهم أنه عليه الصلاة والسلام رفع رأسه من ~~الركوع، فرفع من خلفهم، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم راكعا، ~~ركعوا فركع من خلفهم، فمن كان خلف ظن أنه عليه الصلاة والسلام صلى بأكثر من ~~ركوع . فروى على حسب ما عنده من الاشتباه. ويدل على هذا أنه عليه الصلاة ~~والسلام لم يصلها بالمدينة إلا مرة واحدة. # --- PageV01P414 ~~*** # (نفلا) أي سنة كما روي عن أبي حنيفة. وقال بعض المشايخ: إنها واجبة وهو ~~مختار صاحب «الأسرار»، كما ms0307 في «النهاية». وفيه إشعار بأنه لا يشترط فيها ~~الأذان والإقامة، وتؤدى في الوقت المستحب لا المكروه. # ولا يخطب عندنا فيها بلا خلاف كما في «التحفة»، و«المحيط»، و«الكافي»، ~~و«الهداية»، وشروحها. ولكن في «النظم»: يخطب بعد الصلاة بالاتفاق، ونحوه في ~~«الخلاصة» و«قاضيخان». # (مخفيا) أي قارئا سرا عند أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والليث بن سعد، ~~وجمهور الفقهاء. (مطولا قراءته فيهما) أي في الركعتين. وقال (أبو يوسف و) ~~محمد: يجهر بالقراءة فيهما. وهو اختيار الطحاوي، وقول أحمد، لما في ~~«الصحيحين» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «جهر النبي صلى الله عليه ~~وسلم في صلاة الكسوف». ولأبي حنيفة ما في «الصحيحين» عن ابن عباس قال: ~~«انخسفت الشمس، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه، فقام قياما ~~طويلا نحوا من سورة البقرة». ولو كانت قراءته صلى الله عليه وسلم فيها ~~مسموعة لذكرها ابن عباس ولم يقدرها. وروى أصحاب «السنن» وقال الترمذي: حسن ~~صحيح. عن سمرة بن جندب قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كسوف ~~لا نسمع له صوتا». # --- PageV01P415 ~~*** # (ثم يدعو حتى تنجلي الشمس) ولا يخطب. (وقال مالك: يذكر الناس من غير خطبة ~~مرتبة. وقال الشافعي: يخطب) خطبتين بعد الصلاة خلافا لحديث عائشة. ولنا: ~~أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة حيث قال: «فإذا رأيتموها فافزعوا إلى ~~الصلاة »، ولم يأمر بالخطبة. ولو كانت الخطبة مشروعة لبينها عليه الصلاة ~~والسلام. وخطبته عليه الصلاة والسلام إنما كانت لرد قول من قال: إن الشمس ~~كسفت لموت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: ثم يدعو يقتضي ~~تأخير الدعاء عن الصلاة، وهو السنة لما روى الترمذي في كتاب الدعوات، وحسنه ~~عن أبي أمامة قيل: «يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير، ~~ودبر الصلاة المكتوبة». # (وإن لم يحضر) إمام الجمعة (صلوا فرادى) تحرزا عن الفتنة، لأنها تقام ~~بجمع عظيم (كالخسوف) وهو نقصان ضوء القمر فإنهم يصلون عند حصوله فرادى وهو ~~قول مالك. # وقال الشافعي: يصلون فيه بجماعة. لنا: أن صلاته تكون ms0308 في وقت يحصل ~~بالتجميع فيه مشقة، ولأنه لم ينقل أنه عليه الصلاة والسلام جمع له. وكذا ~~يصلون فرادى عند حصول الضوء القوي بالليل، وعند انتشار الكواكب، وعند حصول ~~الظلمة القوية بالنهار، وعند حصول الريح الشديدة، والزلازل، والصواعق، ~~والثلج والمطر الدائمين، وعموم الأمراض، والخوف من العدو. # --- PageV01P416 ~~*** # (والاستسقاء دعاء واستغفار مستقبلا. وإن صلوا فرادى جاز). وهذا عند أبي ~~حنيفة لقوله تعالى: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم ~~مدرارا} ولما في «الصحيحين» من حديث أنس: «أن رجلا دخل المسجد في يوم ~~الجمعة ورسول الله قائم يخطب فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هلكت ~~الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا. قال: فرفع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يديه ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». وثبت أيضا أن عمر ~~استسقى ولم يصل. وقال مالك: يسن للاستسقاء ركعتان بخطبة كالجمعة. وقال ~~الشافعي: كالعيدين. وقال محمد: يجوز أن يصلي الإمام أو نائبه ركعتين كما في ~~الجمعة، ويقلب رداءه دون القوم. وهو اختيار الطحاوي، وأبو يوسف مع محمد في ~~رواية، ومع أبي حنيفة في أخرى. # لهم ما في الكتب الستة عن عبد الله بن زيد بن عاصم: «أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي بهم، فصلى بهم ركعتين، وحول رداءه ورفع ~~يديه فدعا، واستسقى، واستقبل القبلة». متفق عليه. زاد البخاري، وأبو داود: ~~«وجهر فيهما بالقراءة»، ولقول ابن عباس: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~متبذلا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى، فلم يخطب خطبتكم هذه. ولكن لم يزل ~~في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما يصلي في العيدين». رواه أصحاب ~~«السنن» وصححه الترمذي. # --- PageV01P417 ~~*** # قال بعض علمائنا: يخرج له الشيوخ والصبيان والضعفة ثلاثة أيام ولم ينقل ~~أكثر منها متواضعين متخاشعين في ثياب خلقة غسيلة، مشاة يقدمون الصدقة كل ~~يوم بعد التوبة إلى الله تعالى. لكن في مكة وبيت المقدس يجتمعون في المسجد، ~~ولا يخرجون إلى الصحراء. ثم لا يسن تكبير الزوائد عندنا وعند مالك في ~~الأصح. وقيل: يكبر، وهو قول الشافعي. ms0309 وجه الأصح قول أنس: «أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم استسقى، فخطب قبل الصلاة واستقبل القبلة وحول رداءه، ثم نزل ~~فصلى ركعتين لم يكبر فيهما إلا تكبيرة». رواه الطبراني. # ووجه التكبير ما رواه الحاكم والطبراني من حديث محمد بن عبد العزيز بن ~~عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن طلحة قال: «أرسلني مروان إلى ابن ~~عباس أسأله عن سنة الاستسقاء، فقال: سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين، ~~إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب رداءه فجعل يمينه على يساره، ~~ويساره على يمينه، وصلى ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ: {سبح اسم ~~ربك الأعلى} وقرأ في الثانية: {هل أتاك حديث الغاشية}، وكبر فيها خمس ~~تكبيرات». وأجيب بأنه ضعيف لا يعارض ما روى أنس. # وقد تردد أبو يوسف في سنية الصلاة وعدمها. واتفقا على جعل خطبته واحدة ~~بعد الركعتين لقول أبي هريرة: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ~~يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله وحول وجهه ~~نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على ~~الأيمن». رواه ابن ماجه. ورواه أحمد عن عبد الله بن زيد ولفظه: «فبدأ ~~بالصلاة قبل الخطبة، ثم استقبل القبلة فدعا، فلما أراد أن يدعو أقبل بوجهه ~~إلى القبلة وحول رداءه». # --- PageV01P418 ~~*** # ولقول عائشة رضي الله عنها: «شكى الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قحوط المطر. فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوما يخرجون فيه. ~~قالت عائشة: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس، فقعد ~~على المنبر وحمد الله عز وجل ثم قال. # إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن زمانه عنكم، وقد أمركم الله ~~سبحانه أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم. ثم قال: الحمد لله رب العالمين، ~~الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت ~~الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء. أنزل علينا الغيث، ms0310 واجعل ما أنزلت ~~لنا قوة وبلاغا إلى حين. ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض ~~إبطيه. ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل ~~على الناس ونزل فصلى ركعتين. فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن ~~الله. فلم يأت صلى الله عليه وسلم مسجده حتى سالت السيول. فلما رأى سرعتهم ~~إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه. فقال: أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني ~~عبد الله ورسوله». رواه أبو داود وقال: غريب وإسناده جيد. ورواه الحاكم في ~~«المستدرك» وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. # وترجح رواية تقديم الصلاة على الخطبة، لأنها عن مشاهدة بخلاف رواية ~~تأخيرها. وروي عنهما أنهما جعلا خطبتين بعد الصلاة إلحاقا لها بالخطبة ~~للجمعة. # --- PageV01P419 ~~*** # (ولا يقلب رداءه) أي لا يقلب الإمام رداءه عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. ~~والمروي كان تفاؤلا لقول جابر: «وحول رداءه ليتحول القحط». رواه الحاكم. ~~ولقول أنس: «وقلب رداءه لكي ينقلب القحط». رواه الطبراني. لأنه فعل لأمر لا ~~يرجع إلى معنى العبادة، كذا قال الشارح. وفيه: أن فعله عليه الصلاة والسلام ~~بقصد تحول القحط عين العبادة لتميزه عن فعل العادة. لكن قد يقال: إن هذا ~~خاص به، لأنه عرف بالوحي تغير حال السماء عند قلب الرداء. # وعند محمد: أن الإمام يقلب رداءه بعد مضي صدر من خطبته لما تقدم. وأما ~~الناس فلا يقلبون أرديتهم عندنا. وقال مالك والشافعي: يقلبون. قال عبد الله ~~بن زيد: «استسقى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خميصة سوداء، فأراد أن ~~يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قلبها على عاتقه». زاد أحمد: «وحول ~~الناس معه». قال الحاكم: على شرط مسلم. قالوا: ولم ينكره صلى الله عليه ~~وسلم عليهم، فكان تقريرا له. وأجيب: إنه إنما يتم أن لو علم به. وهو ممنوع ~~لما روينا أنه إنما حول بعد تحويل ظهره إليهم. # وينبغي أن يدعو الإمام بالدعوات المأثورة سرا أو جهرا والناس قعود ~~مستقبلي القبلة مؤمنين على دعائه بنحو: «اللهم ms0311 أغثنا (اللهم أغثنا)، اللهم ~~أغثنا سيبا نافعا، اللهم اسقنا غيثا مغيثا، هنيئا مريئا مريعا نافعا غير ~~ضار غدقا عاجلا غير رائث وآجل، مجللا سحا عاما طبقا دائما. اللهم اسقنا ~~الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم إن بالبلاد والعباد والخلق من اللأواء ~~والضنك ما لا نشكو إلا إليك. اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا ~~من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض. اللهم إنا نستغفرك إنك كنت ~~غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا». # --- PageV01P420 ~~*** # فإذا مطروا قالوا: مطرنا بفضل الله وبرحمته. وإذا زاد المطر حتى خيف منه ~~الضرر قالوا: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون ~~الأودية ومنابت الشجر». وهذا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة ~~الثانية حين قيل: «يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هلكت الأموال وانقطعت ~~السبل فادع الله يمسكها عنا». # (ولا يحضر ذمي) لأن خروجنا للدعاء وقد قال الله تعالى: {وما دعاء ~~الكافرين إلا في ضلال} أي ضياع وخسار. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يؤمر ~~أهل الذمة بالخروج ولا يمنعون منه ولا يمكنون من الخروج يوما وحدهم، لأن ~~الاستسقاء لطلب الرزق، والله سبحانه يرزق المؤمن والكافر، وهم لو خرجوا ~~يوما وحدهم وحصل في ذلك اليوم غيث لحصلت الفتنة. # والحاصل أنه قد يستجاب لهم في الشدة لقوله تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك ~~دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}. # فصل في إدراك الفريضة # --- PageV01P421 ~~*** # (من شرع في فرض) منفردا (فأقيمت) أي إقامة ذلك الفرض (إن لم يسجد للركعة ~~الأولى) سواء كان الفرض رباعيا أو ثلاثيا أو ثنائيا (أو سجد وهو في غير ~~رباعي) ثلاثيا أو ثنائيا حضريا كان الفرض أو سفريا (قطع) تلك الصلاة قائما ~~بتسليمة واحدة. وقيل: بتسليمتين. وهو الأصح لأن القعدة شرط للتحلل، وهذا ~~قطع وليس بتحلل. وقيل: يعود إلى القعدة ثم يسلم. وقال شمس الأئمة: القعود ~~حتم، لأن الخروج عن صلاة معتد بها لم يشرع إلا بقعود. وإذا قعد قيل: يعيد ~~التشهد. وقيل: لا. والقطع بالسلام ورد ms0312 في حديث معاذ حين أتى قومه فافتتح ~~(سورة البقرة)، فانحرف رجل فسلم، ثم صلى وحده. ثم هذا كله بناء على ما ~~اختاره فخر الإسلام من أن ما دون الركعة من الفرض ليس له حكم الصلاة بدليل: ~~أن من حلف لا يصلي لا يحنث بما دونها، فكان بمحل الرفض. # والقطع للإكمال جائز، وهو كهدم المسجد لتجديده. واختيار شمس الأئمة: أنه ~~أتم شفعا، لأنه وإن لم يكن صلاة فهو قربة فيحرم قطعها، فيتمها شفعا ويقتدي ~~ليكون جامعا بين فضيلتي النافلة وصلاة الجماعة. ومتى أمكن إدراك العبادتين ~~لا يصار إلى إبطال إحداهما، وعلى التقديرين قطع (واقتدى) أي بنية متجددة ~~إحرازا لفضيلة الجماعة التي هي من كمالها، لما روى أصحاب الكتب الستة عن ~~نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الجماعة أفضل ~~من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». وللبخاري من حديث أبي سعيد: «بخمس وعشرين ~~درجة». زاد أبو داود: «فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين ~~صلاة». ورواها ابن حبان، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين. قال الترمذي: ~~وعامة من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال: «خمسا وعشرين» إلا ابن ~~عمر: فإنه قال: «بسبع وعشرين». # --- PageV01P422 ~~*** # (وكذا) يقطع (فيه) أي في الرباعي لكن لا يقطع فيه (إلا بعد ضم) ركعة ~~(أخرى) صيانة لما فعله عن البطلان. فإن قيل: إذا أقيمت المغرب وقد سجد فيها ~~لم لا تضم ثانية لصيانة ما فعله عن البطلان ثم يقتدي؟ أجيب بأنه إذا ضم ~~ثانية كان آتيا بأكثر المغرب فيلزمه إتمامها، وإذا أتمها يكون في اقتدائه ~~متنفلا، وهو بالثلاث مكروه، وبالأربع مخالف للإمام. قيل: هذه مخالفة بعد ~~الفراغ، فلا يضر كالمقيم المقتدي بمسافر. أجيب بأن صلاة المقيم والمسافر ~~واحدة بالنظر إلى الأصل، ولا كذلك ما نحن فيه. ولو دخل مع الإمام في المغرب ~~بعدما صلاها، أتم أربعا لأن مخالفة الإمام أخف من التنفل بثلاث. قال أبو ~~يوسف، وهو الأحسن، ولو سلم مع الإمام تفسد صلاته، فيقضي أربعا لأنها لزمته ms0313 ~~بالاقتداء. وعن بشر: يسلم مع الإمام ولا شيء عليه. ولعل وجهه عدم التزامه ~~الرابعة حال الاقتداء. # واحترز بقوله: «في فرض» عمن شرع في نفل أو سنة، فإنه لا يقطع لأن قطعه ~~ليس لإكمال ما قطعه. ولو كان في سنة الظهر والجمعة فأقيمت أو خطب الإمام ~~يقطع على رأس الركعتين. وهو مروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف وإليه مال ~~السرخسي. وقيل: لا يسلم لأنها صلاة واحدة، والقطع هنا ليس للإكمال. والأول ~~أوجه لأنه يتمكن من قضائها بعد الفرض. ولا إبطال في التسليم على رأس ~~الركعتين. فلا يفوت فرض الاستماع والأداء على الوجه الأكمل بلا سبب. # --- PageV01P423 ~~*** # (وإن صلى ثالثا منه) أي من الرباعي بأن سجد لثالثة (يتمه ثم يقتدي ~~متنفلا)، لأن الفرض لا يتكرر في وقت واحد. ويؤيده ما في مسلم عن أبي ذر: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة ~~عن وقتها؟ قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فإنها ~~لك نافلة». وأداء الإمام فرضا والمأموم نفلا جائز بلا خلاف. # (إلا في العصر) أي في فرضه، لأن النفل بعده مكروه. وعن محمد: يتم قاعدا ~~فتنقلب صلاته نفلا، ثم يقتدي فيحصل له ثواب النفل والفرض في جماعة من غير ~~إبطال. وأما لو لم يسجد لثالثة الرباعي فيقطع. # والحاصل: أنه إذا أقيمت بعدما صلى ركعة من الفجر أو المغرب قطع وأتم، ~~لأنه لو أضاف إليها أخرى لفاتته الجماعة لوجود الفراغ حقيقة أو شبهة، وكذا ~~لو قام إلى الثانية قبل أن يقيدها بالسجدة، وإن قيد الثانية فيهما بسجدة ~~أتم. ولا يقتدي بالفجر لكراهة النفل بعده، وكذا في المغرب على ظاهر ~~الرواية، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا صليت في أهلك، ثم أدركت الصلاة ~~فصلها إلا الفجر والمغرب». رواه الدارقطني من حديث ابن عمر. قال عبد الحق: ~~تفرد برفعه سهل بن صالح الأنطاكي وكان ثقة، فلا يضره حينئذ وقف من وقفه، ~~لأن زيادة الثقة مقبولة. # ولو أدرك الإمام راكعا فكبر ووقف حتى رفع الإمام رأسه ms0314 لم يصر مدركا لتلك ~~الركعة، لأن الشرط هو المشاركة للإمام في أفعال الصلاة، ولم يوجد لا في ~~القيام ولا في الركوع، خلافا لزفر والشافعي. وأما لو أدركه في القيام ولم ~~يركع معه حتى رفع الإمام رأسه، ثم ركع المقتدي صار مدركا لتلك الركعة، لأنه ~~أدرك حقيقة القيام وذلك بالاتفاق. ولو ركع قبل الإمام فأدرك الإمام فيه صح، ~~لوجود المشاركة وكره للمخالفة، وقال زفر: لا يصح. # --- PageV01P424 ~~*** # (وكره خروج من لم يصل) فرضه (من مسجد أذن فيه) لما روى ابن ماجه في ~~«سننه» عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «من أدرك الأذان في المسجد، ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجوع، ~~فهو منافق». وأخرجه أبو داود في كتاب «المراسيل» عن سعيد بن المسيب: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا ~~منافق، إلا أحد أخرجته حاجة، وهو يريد الرجوع». وأخرجه ابن ماجه بلفظ: «من ~~أدرك الأذان في المسجد، ثم خرج لا يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو ~~منافق». وأخرجه الجماعة إلا البخاري عن أبي الشعثاء، وسليم بن الأسود قال: ~~«كنا مع أبي هريرة رضي الله عنه في المسجد، فخرج رجل حين أذن المؤذن للعصر ~~فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم». # (لا) يكره الخروج بعد الأذان (لمقيم جماعة أخرى) بأن يكون مؤذن مسجد آخر ~~أو إمامه وإذا غاب تتفرق لغيبته جماعته (ولا) يكره الخروج بعد الأذان (لمن ~~صلى الظهر والعشاء) لأنه أجاب الداعي بالفعل (إلا عند الإقامة) فإنه يكره ~~خروجه لاتهام الناس بأنه من الخوارج والروافض من أهل البدعة الذين لا يرون ~~الصلاة خلف أهل السنة (وفي غيرهما) أي غير الظهر والعشاء وهو الفجر والعصر ~~والمغرب (يخرج) أي يجوز له الخروج (وإن أقيمت) لأنه أجاب الداعي مع كراهة ~~التنفل بعد صلاة الفجر والعصر. وكره التنفل بالثلاث بعد المغرب كما قدمنا. # (ويترك سنة الفجر ويقتدي من لم يدركه) أي فرض الفجر (بجمع) ms0315 أي بجماعة (إن ~~أداها) أي سنة الفجر، لأن الفجر (بجمع) أي بجماعة (إن أداها) أي سنة الفجر ~~لأن ثواب الجماعة أعظم من ثواب السنة. ففي «صحيح مسلم»: «صلاة الجماعة أفضل ~~من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». # --- PageV01P425 ~~*** # (ومن أدرك ركعة منه) أي من فرض الفجر لو صلى سنته (صلاها) أي سنته أولا، ~~لأنه أمكن الجمع بين فضيلتي السنة والجماعة. لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة». رواه مسلم، وابن ماجه. لكن يصلي ~~السنة عند باب المسجد أو في موضع لا يصلي فيه أحد. وإن لم يمكن له ذلك ~~فيصلي خلف الصفوف ويبعد ما استطاع لنفي التهمة عن نفسه. روى الطحاوي عن أبي ~~الدرداء: «أنه كان يدخل المسجد والناس صفوف في صلاة الفجر فيصلي الركعتين ~~في ناحية المسجد، ثم يدخل مع القوم في الصلاة». وروى أيضا عن ابن مسعود: ~~نحوه. وقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «لا تدعوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل». وسكت عنه أبو داود ولم ~~يضعفه. وفي إسناده رجل مختلف في توثيقه ذكره النووي. ولو كان يدرك التشهد، ~~قال شمس الأئمة السرخسي: يدخل مع الإمام. قال: وكان الفقيه أبو جعفر يقول: ~~يصليها ثم يدخل مع الإمام عندهما، ولا يصليها عند محمد. وهو فرع اختلافهم ~~فيمن أدرك تشهد الجمعة وسيأتي، أو فرع اختلافهم في قضائها وعدمه. # (ولا يقضيها) أي سنة الفجر عندهما (إلا تبعا لفرضه) قبل الزوال بالاتفاق، ~~وبعده أيضا عند بعض مشايخ ما وراء النهر. وقال محمد: يقضيها وحدها أيضا قبل ~~الزوال لما روى مسلم من حديث أبي هريرة قال: «عرسنا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليأخذ كل ~~إنسان برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان. قال: ففعلنا، ثم دعا ~~بالماء فتوضأ، ثم صلى سجدتين، ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة أي فرض الفجر ~~قضاء». ولهما أن الأصل في السنة أن لا تقضى. ms0316 وقد ورد هذا الحديث بقضاء سنة ~~الفجر تبعا، فيبقى ما عدا ذلك على الأصل. # --- PageV01P426 ~~*** # وذكر في «الفتاوي الظهيرية»: لو افتتح ركعتي الفجر قبل صلاة الفجر، ~~وأفسدها ثم قضاها بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، قيل: يجوز، وفيه نظر. ~~والأصح أنه لا يجوز، لأنه إبطال للعمل. وقد قال الله تعالى: {ولا تبطلوا ~~أعمالكم}. وقد قال في «المنية»: ولو أفسد سنة الفجر لا يقضيها بعدما صلى ~~الفجر. قال الحلبي: لما مر من كراهة ما لزم بالشروع في الوقتين. قيل: ~~والأحسن أن يشرع في السنة، ثم يكبر من غير رفع بالفريضة ناويا لها، ويتم ~~الفرض مع الإمام فإذا سلم الإمام لم يسلم هو، ويقوم ويصلي السنة بلا نية ~~مجددة بل بالنية الأولى، فلا يكون مفسدا للعمل، بل يكون منتقلا من عمل إلى عمل. # قال في شرح «المنية»: ولا يلتفت إلى ما ذكر في «المحيط» عن بعض المشايخ ~~من أنه: إن خاف أن لا يدرك الفرض لو صلى السنة، فالأحسن أن يشرع في السنة ~~ويكبر لها ثم يكبر أخرى للفريضة، فيخرج من السنة ويصير شارعا في الفريضة ~~ولا يصير مفسدا، لعدم الفائدة في ذلك، لأنه وإن سلم أنه لا يصير مفسدا، لكن ~~كراهة قضائها بعد صلاة الفجر باقية. اللهم إلا أن يفعل ذلك ليقضيها بعد ~~ارتفاع الشمس، فهو غير ثابت بالسنة كما سبق فلا فائدة في هذا التكلف. # وأيضا إن ما وجب بالشروع ليس أقوى مما وجب بالنذر، ونص محمد: أن المنذور ~~لا يؤدى بعد الفجر قبل الطلوع. وأيضا شروع في العبادة بقصد الإفساد، فإن ~~قيل: ليؤديها مرة أخرى قلت: إبطال العمل قصدا منهي عنه، ودرء المفسدة مقدم ~~على جلب المصلحة. # وقال مالك والشافعي: يترك سنة الفجر ويقتدي، وإن لم يخف فوتها كالظهر. ~~قلنا: يمكن قضاؤها في وقت الظهر بعد الفرض بخلاف سنة الفجر كما قدمناه. # --- PageV01P427 ~~*** # (ويترك سنة الظهر في الحالين) أي حال إدراك ركعة من الظهر، وحال عدم ~~إدراكها (ويقتدي) لأنه يمكنه أداء سنة الظهر في وقته بعد أن يصلي مع ~~الجماعة (ثم ms0317 يقضيها) أي يؤدي سنة الظهر في وقته كما روي عن أبي حنيفة ~~وصاحبيه، وهو الصحيح. وقيل: لا يقضي لأنه عليه الصلاة والسلام إنما واظب ~~عليها قبل الظهر. # (قبل شفعه) أي الركعتين اللتين بعده، وهذا عند محمد. وعند أبي يوسف: ~~يقضيها بعد شفعه. وقيل: الخلاف بالعكس. ثم وجه تقديم الأربع على الشفع: أن ~~حقها التقديم على الظهر المتقدم، وتأخيرها عن الظهر لا يقتضي تأخيرها عن ~~شفعه. ووجه تقديم الشفع على الأربع: أنها فاتت عن محلها، فلا يفوت الشفع عن ~~محله وهو الاتصال بالفرض وهو المعتمد. لما رواه ابن ماجه عن عائشة رضي ~~الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الأربع قبل الظهر، ~~صلاها بعد الركعتين بعد الظهر». وما رواه صاحب «الهداية» من قوله صلى الله ~~عليه وسلم «من ترك الأربع قبل الظهر لم تنله شفاعتي». فغير معروف. # (وغيرهما) أي غير سنة الفجر والأربع قبل الظهر من السنن (لا يقضى) أي لا ~~يلزم قضاؤه (أصلا) أي لا وحده، ولا تبعا لفرضه، لأن لزوم القضاء مختص ~~بالفرض والواجب، وسنة الفجر لقوتها قريبة من الواجب ، وسنة الظهر إنما فات ~~محلها لا وقت فرضها. وقيل: يقضى غيرهما تبعا. لأن الشيء قد لا يثبت قصدا، ~~ويثبت تبعا، والقياس على سنة الفجر تبعا. # --- PageV01P428 ~~*** # ثم الأفضل في عامة السنن والنوافل المنزل، وهو مروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقد روى ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «اجعلوا من صلاتكم ~~في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا». متفق عليه. وعن جابر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من ~~صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا». رواه مسلم. وعن زيد بن ثابت: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن ~~أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». متفق عليه. وفي رواية مسلم: ~~«فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». ~~وعنه: «صلاة ms0318 في مسجدي هذا، أفضل من ألف صلاة في غيره، وأفضل منه ركعتان ~~يصليهما في زاوية بيته». ضعفه النووي وغيره. # فصل في قضاء الفوائت # اعلم أن الأداء: تسليم عين الواجب بالأمر، كفعل الصلاة في وقتها. ~~والقضاء: تسليم مثله به أي بالأمر ، فلا يقضى النفل لأنه غير مضمون عليه ~~بالترك. # (فرض الترتيب) أي وجب، وهو فرض عملي لا اعتقادي لأنه ثبت بدليل ظني (بين ~~الفروض الخمسة والوتر فائتا كلها أو بعضها) وقال أبو يوسف ومحمد: لا ترتيب ~~بين الفروض والوتر بناء على أن الوتر سنة عندهما، ولا ترتيب بين الفروض ~~والسنن عند الكل. وقال مالك: الترتيب في قضاء الفوائت واجب بالذكر، ساقط ~~بالنسيان في خمس وما دونها. وقال الشافعي: الترتيب في الفروض مستحب، لأن كل ~~فرض أصل فلا يتوقف جوازه على جواز غيره كالصيامات والزكوات، واختاره ابن ~~الهمام، وخالف المشايخ العظام. # --- PageV01P429 ~~*** # ولنا: ما في «الصحيحين» من حديث جابر: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~جعل يسب كفار قريش يوم الخندق وقال: يا رسول الله ما كدت أصلي الظهر حتى ~~كادت الشمس أن تغرب. وقال عليه الصلاة والسلام: والله ما صليتها. قال: ~~فنزلنا بطحان، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوضأنا، فصلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم العصر بعدما غربت الشمس، وصلينا بعدها المغرب». ولو كان ~~الترتيب مستحبا، لما أخر عليه الصلاة والسلام لأجله المغرب التي تأخيرها ~~مكروه. ولا سيما على القول بتضييق وقت المغرب كما هو أحد قولي الشافعي ~~ومذهب مالك. وروى أحمد والنسائي والترمذي عن ابن مسعود: «أنه عليه الصلاة ~~والسلام شغل عن أربع صلوات يوم الخندق يعني في يوم آخر من أيامه حتى ذهب ~~من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا فأذن له، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام ~~فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء». # والحاصل: أن الترتيب واجب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت. فلنا على ~~الأول صريح قوله عليه الصلاة والسلام: «من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع ~~الإمام فليتم صلاته، ms0319 فإذا فرغ من صلاته فليعد التي نسي ثم ليعد التي صلاها ~~مع الإمام». رواه الدارقطني، ثم البيهقي في «سننيهما» عن إسماعيل بن ~~إبراهيم الترجماني، عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله، عن نافع، ~~عن ابن عمر. ورواه مالك عن نافع، عن ابن عمر موقوفا. وصحح الدارقطني وأبو ~~زرعة وغيرهما وقفه. واختلفوا في نسبة الخطأ في رفعه: فمنهم من نسبه إلى ~~الجمحي، ومنهم من نسبه إلى الترجماني. ولا يخفى أن الرفع زيادة، وهو من ~~الثقة مقبولة، وهما ثقتان. قال ابن معين وأبو داود وأحمد في الترجماني: لا ~~بأس به. وكذا وثق ابن معين والنسائي الجمحي. # --- PageV01P430 ~~*** # فإن قلت: لا يقاوم مالكا. قلت: المختار في تعارض الوقف والرفع ليس كون ~~الاعتبار للأكثر ولا للأحفظ وإن كانت مذاهب، بل للرافع بعد كونه ثقة، وهذا ~~لأن الترجيح بذلك هو عند تعارض المرويين، ولا تعارض في ذلك لظهور أن الراوي ~~قد يقف الحديث، وقد يرفعه. على أن الحديث في حكم المرفوع ولو كان موقوفا، ~~لأن مثله لا يقال بالرأي. ويؤيده قول حبيب بن سباع، وكان من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب، ونسي ~~العصر فقال لأصحابه: هل رأيتموني صليت العصر؟. قالوا: لا يا رسول الله ما ~~صليتها، فأمر المؤذن فأذن، ثم أقام فصلى العصر و(نقض) الأولى ، ثم صلى ~~المغرب». رواه أحمد في «مسنده»، والطبراني في «معجمه» من طريق ابن لهيعة. # ولنا: على الثاني ما رواه أحمد والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود: ~~«أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق ~~حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم ~~أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء». # وفي حديث مالك بن الحويرث الذي أخرجه البخاري في الأذان: «وصلوا كما ~~رأيتموني أصلي». فهو استدلال بمجموع فعله المرتب، وأمره بالصلاة على الوجه ~~الذي فعل، فلزم الترتيب. وفي رواية النسائي من حديث ms0320 أبي سعيد الخدري قال: ~~«حبسنا يوم الخندق عن الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كفينا ذلك، فأنزل ~~الله {وكفى الله المؤمنين القتال} فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ~~بلالا فأقام، ثم صلى الظهر كما كان يصليها قبل ذلك، وهكذا قال في البواقي، ~~ثم قال: وذلك قبل أن نزل: {فرجالا أو ركبانا}. والظاهر أن التمسك به لا يتم ~~لأنه خبر الواحد فلا تثبت به الفرضية، وإنما يثبت به الوجوب. # --- PageV01P431 ~~*** # وأما كونه شرطا كما هو ظاهر المذهب، فغير ظاهر وإلا لما سقط بالنسيان ~~وضيق الوقت وكثرة الفوائت. وأما قول بعضهم وقع الحديث بيانا لمجمل الكتاب ~~وهو قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} فثبت لجواز الوقتية شرطا به، فمدفوع ~~بأنهم ما عملوا بخبر الفاتحة مثل ما عملوا بخبر الترتيب، حيث قالوا بفساد ~~الصلاة عند ترك الترتيب لا عند ترك الفاتحة، وكذا قالوا بفسادها لو صلى ~~بمسح الرأس أدنى من الربع، مع أنه ثبت بخبر الآحاد مبينا لما أجمل في ~~الكتاب. ولا يظهر فرق بين المسائل الثلاثة. # فالحاصل: أن مقتضى الدليل وجوب تقديم الفائتة دون فساد الوقتية لو لم ~~تقدم، فإن لم يفعل أثم لترك مقتضى خبر الواحد كترك الفاتحة سواء، لكن قال ~~بعض المحققين: هذا إحداث قول ثالث بين القول بالاستحباب والقول بالوجوب على ~~وجه يفسد الوقتية، وهو لا يجوز يعني في العرف والعادة وإلا فأي مانع من ~~الكتاب والسنة على هذه الإرادة مع أنه ليس فيه خلاف إجماع السلف، ولا اتفاق الخلف. # (إلا إذا ضاق الوقت) بحيث صار الباقي منه عند الشروع لا يسع الفائتة ~~والوقتية جميعا، ولو كان الباقي من الوقت يسع بعض الفوائت والوقتية، قضى ما ~~يسعه من الفوائت مع الوقتية، وهو الصحيح. ثم المعتبر عند محمد: الوقت ~~المستحب، وعندهما: أصل الوقت. فلو تذكر الظهر وقت العصر، وكان بحيث لو قدم ~~الظهر يقع العصر في الوقت المكروه، يسقط الترتيب عند محمد، ولا يسقط ~~عندهما. وإنما كان ضيق الوقت مسقطا للترتيب، لأن في اعتبار الترتيب مع ضيق ~~الوقت تفويت الوقتية. # --- PageV01P432 ~~*** # (أو نسي) ms0321 لأن الوقت إنما يصير للفائتة بالتذكر. والترتيب يسقط بعذر ~~العجز، كما يسقط بعذر النسيان، كفوت ثلاث من ثلاثة أيام كظهر وعصر ومغرب ~~نسي ترتيبها على الأصح. وفي «الصحيحين» عن أنس، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك. قال الله ~~تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} ». ولمسلم «من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها ~~أن يصليها إذا ذكرها». وقال الحسن: «من لا يعلم أن الترتيب فرض فهو ~~كالناسي». وبه أخذ كثير من المشايخ. وقال مالك في المشهور عنه: إنه لا يسقط ~~بهما. لإطلاق ما روينا. # (أو فاتت ست) أي ست صلوات من الفروض الخمسة لا الوتر، حديثة كانت أو ~~قديمة، لأن الاشتغال بالفوائت الكثيرة يؤدي إلى تفويت الوقتية كذا قيل ~~وفيه نظر ظاهر. والكثرة تحصل بالدخول في حد التكرار. والدخول في أول حد ~~التكرار يحصل بكون الفوائت ستا. فالمعتبر خروج وقت السادسة في ظاهر ~~الرواية. # واعتبر محمد في رواية عنه: دخول وقت السادسة لا فوتها، لأن الكثير من كل ~~شيء جنسه الاستغراقي، وكل الجنس في الصلوات الخمس كالشهر في الصوم، فالزائد ~~عليها في حكم التكرار. وأسقط مالك الترتيب بصيرورة الفوائت خمسا. وهو رواية ~~عن أبي حنيفة. لأن قوله عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاة». شامل ~~للقليل والكثير، ولكن خصصناه بما دون الكثير الذي يتكرر بوظيفة اليوم ~~والليلة تحرزا عن المشقة. # --- PageV01P433 ~~*** # وقال زفر: لا يسقط الترتيب بكثرة الفوائت إذا كان الوقت يسعها مع ~~الوقتية. وإن كانت الفوائت عشرا، أو أكثر ولو شهرا، لأن مراعاة الترتيب حكم ~~استفيد بخبر الواحد، وليس في العمل به ترك حكم الكتاب لاتساع الوقت للكل، ~~فجمع بينهما. أما إذا لم يسع الكل، فإن العمل بالخبر حينئذ يؤدي إلى ترك ~~العمل بالكتاب، فيقدم حكم الكتاب على حكم الخبر. وعند ابن أبي ليلى: لا ~~يسقط الترتيب إلى سنة. وعند بشر بن غياث: لا يسقط في جميع العمر لعدم الفصل ~~في دليل الوجوب. # ثم كما تسقط الست الترتيب في الأداء تسقط ms0322 في القضاء، لأن الفوائت لما ~~أسقطت الترتيب في غيرها فلأن تسقطه في نفسها أولى. ومتى سقط الترتيب لا ~~يعود في أصح الروايات، حتى لو ترك صلاة شهر وقضاها إلا صلاة، ثم صلى ~~الوقتية ذاكرا لها، جاز. وهو اختيار شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وقاضيخان، ~~وغيرهم. قال أبو حفص الكبير: وعليه الفتوى، لأن الساقط متلاش، فلا يحتمل ~~العود، كماء قليل نجس ورد عليه ماء جار حتى كثر، ثم عاد قليلا، فإنه لا ~~يعود نجسا. واختار الفقيه أبو جعفر: أن الترتيب يعود بعد سقوطه. وقال صاحب ~~«الهداية»: إنه الأظهر. # ويعتبر أن تكون الست من وقت الفوائت سواء كان كلها فوائت أو بعضها. وقيل: ~~يعتبر أن تكون الفوائت، نفسها ستا. # --- PageV01P434 ~~*** # هذا، ويلزم المرتد عقيب فرض أداه: صلاة كان أو حجا، وأسلم في الوقت، ~~إعادته ثانيا. وبه قال مالك خلافا للشافعي لقوله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن ~~دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} علق الإحباط بموته على كفره. ولم ~~يوجد شرط ما يعلق الإحباط به لإسلامه في وقتها، فلا يجب عليه إعادتها. ~~ولنا: قوله تعالى: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} وقوله: {ومن ~~يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} علق الإحباط بنفس الشرك والكفر، وقد وجد فنزل ~~المشروط. # والجواب عن الآية السابقة: أن المراد حبوط عمله في الدنيا والآخرة، وهو ~~لا يكون إلا بموته على الكفر. وأما صوم المغتاب وصلاة المرائي فلم يبطل ~~ثوابهما من الأصل ، ولكن حصل من الرياء والغيبة من الوبال ما ورد، لأنه ~~بالغيبة والسمعة لا يخرج عن أهلية الخطاب. بخلاف الكفر. # ولا يلزم المرتد بعد التوبة قضاء ما فاته من صلاة وصيام زمن الردة عندنا. ~~وبه قال مالك خلافا للشافعي. وأما الكافر الأصلي فلا يلزمه إجماعا لقوله ~~تعالى: {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف}. ويعذر من أسلم في دار الحرب بجهل ~~الشرائع من الأحكام الواجبة: كإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، ~~مدة جهله، خلافا للشافعي وأحمد وزفر. وأما في دار الإسلام، فلا يعذر بجهله ~~لأنها دار علم وإعلام وشيوع ms0323 أحكام، فلا يعذر في ترك تعلمه إجماعا. وكذا ~~دلائل وجود الصانع ظاهرة فلا يعذر أحد بجهله في عدم معرفته إجمالا. # فصل في سجود السهو # --- PageV01P435 ~~*** # (يجب بعد سلام واحد سجدتان وتشهد وسلام) أما كون سجود السهو واجبا فلأنه ~~(شرع) لجبر نقصان في عبادة، فصار كالدماء في الحج، وهو اختيار الكرخي. قال ~~القدوري: وهو الصحيح. ولهذا يرفع التشهد والسلام. وقال بعضهم: قيل: وهم ~~عامة أصحابنا هو سنة. وأخذوا ذلك من قول محمد: إن العود إلى سجود السهو لا ~~يرفع التشهد يعني القعدة ولو كان واجبا، لرفعها كما ترفعها السجدة ~~الصلبية وسجدة التلاوة. وأجيب بأن الشيء لا يرتفع بما هو دونه والقعدة ~~الأخيرة ركن، فلا ترفع بسجدة السهو التي هي غير ركن، بخلاف السجدة الصلبية ~~فإنها ركن، وبخلاف سجدة التلاوة فإنها أثر القراءة وهي ركن فتعطى حكمها. # وأما كون سجدة السهو بعد السلام، فلما في الكتب الستة عن عبد الله بن ~~مسعود قال: «صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر خمسا فقيل له: أزيد في ~~الصلاة؟ فقال: «وما ذاك؟ قيل: صليت خمسا، فسجد سجدتين بعدما سلم». وما ~~أخرجوه إلا الترمذي عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال ~~عبد الله بن مسعود: صلى النبي صلى الله عليه وسلم قال إبراهيم: فلا أدري ~~زاد أو نقص، فلما سلم قيل: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ ~~قالوا: صليت كذا وكذا، قال: فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم ~~سلم، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ~~ولكني إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في ~~صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين». انتهى بلفظ أبي داود ~~والبخاري. # --- PageV01P436 ~~*** # ولفظ مسلم: «فليتم عليه، ثم يسجد سجدتين» (بلا ذكر السلام. ولفظ ابن ~~ماجه: «ويسلم ويسجد سجدتين» بالواو، وفي لفظ لأبي داود: «من شك في صلاته ~~فليسجد سجدتين) بعد السلام» ولم يذكر النسائي: «فإذا شك أحدكم» إلى آخره. # فهذا تشريع ms0324 عام قولي له بعد السلام عن سهو الشك والتحري، كحديث ثوبان: ~~أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لكل سهو سجدتان بعد السلام». رواه أبو داود، ~~وابن ماجه عن إسماعيل بن عياش. قال أبو زرعة: لم يكن بالشام بعد الأوزاعي، ~~وسعيد بن عبد العزيز، أحفظ من إسماعيل بن عياش. وكحديث عبد الله بن جعفر: ~~«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من شك في صلاته، فليسجد سجدتين ~~بعدما يسلم» رواه أبو داود، والنسائي، وأحمد في «مسنده»، والبيهقي وقال: ~~هذا إسناد لا بأس به. # وما أخرجه البخاري، ومسلم، والطحاوي من طرق عن أبي هريرة قال: «صلى لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: ~~أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ إلى أن قال فأتم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين، وهو جالس بعد التسليم». وفي ~~رواية: «فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع ~~رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده، ثم رفع رأسه وكبر». # وقد عمل به من الصحابة: علي، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، ~~وعمار بن ياسر، وابن عباس، وابن الزبير رضي الله عنهم ، ومن التابعين: ~~الحسن، وإبراهيم النخعي، وابن أبي ليلى، والثوري رحمهم الله وأهل الكوفة، ~~ذكره الحازمي في كتابه «الناسخ والمنسوخ». # --- PageV01P437 ~~*** # وزاد الطحاوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنس بن مالك، وعمر بن عبد ~~العزيز. وقال مالك: سجود السهو في النقصان قبل السلام، وفي الزيادة بعد ~~السلام. وقال أحمد: السجود كله قبل السلام إلا في نقص ركعة تامة أو ركعتين. # وقال الشافعي: السجود كله قبل السلام لما في الكتب الستة والطحاوي عن عبد ~~الله بن بحينة واللفظ للبخاري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر، ~~فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس، وقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة، ~~وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم ms0325 سلم». وفي ~~طريق الطحاوي: «فلما قضى صلاته سجد سجدتين، كبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن ~~يسلم، وسجد الناس معه، مكان ما نسي من الجلوس». # وفي «الهداية»: الخلاف إنما هو في الأولوية. قلت: وهو ظاهر الرواية. ~~وقيل: الخلاف في الوجوب، وهو رواية «النوادر». وفي «المحيط»: لو سجد للسهو ~~قبل السلام لا يعيده، لأنه لو أعاده يتكرر، وهو خلاف الإجماع. وروي عن ~~أصحابنا أنه يعيده، لأنه أتى به في غير محله، كما لو سجد قبل القعدة. ~~وأجيب؛ بأن السجود قبل السلام مجتهد فيه بخلاف السجود قبل القعدة. # وأما كون السلام واحدا فاختيار فخر الإسلام، وقول محمد. وفي «المحيط»: ~~إنه الأصوب، لأن السلام الأول للتحليل، والثاني للتحية. وهذا السلام ~~للتحليل لا للتحية، فكان ضم الثاني إليه عبثا. وقيل: يسلم تلقاء الوجه، ~~وعليه الجمهور، وإليه أشار في «الأصل». ولأن الحاجة إليه ليفصل بين الأصل ~~والزيادة الملحقة، وهذا يحصل بتسليمة واحدة. وفي «الهداية»: الأصح أنه يسلم ~~تسليمتين، وهو اختيار شمس الأئمة، وصدر الإسلام الشهيد، وقول أبي يوسف، ~~ومحمد، حملا للسلام المذكور في الحديث على المعهود في الصلاة، وهو ~~تسليمتان. # --- PageV01P438 ~~*** # وأما التشهد والسلام بعد السجود، فلما أخرج أبو داود والنسائي عن أبي ~~عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ~~كنت في الصلاة فشككت في ثلاث أو أربع، وأكبر ظنك على أربع تشهدت، ثم سجدت ~~سجدتين وأنت جالس قبل أن تسلم، ثم تشهدت أيضا، ثم تسلم». واختار الكرخي، ~~وفخر الإسلام أن يأتي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وبالدعاء في ~~التشهد الذي بعد سجود السهو، لأن موضعهما آخر الصلاة، وهي لا تنتهي إلا بعد ~~سجود السهو. وفي «الهداية»: إنه الصحيح. # وقال الطحاوي: يأتي بهما في الذي قبله، والذي بعده وهو الأحوط، لأن كلا ~~منهما في آخر الصلاة. وقيل: يأتي بهما عند محمد في الذي بعده، وعندهما في ~~الذي قبله. لأن سلام من عليه السهو يخرجه من الصلاة عندهما، ولا يخرجه عند ~~محمد. وفي «الظهيرية»: والسهو بعد ms0326 الجمعة والعيدين والمكتوبة واحد. ومن ~~المشايخ من قال: لا يسجد للسهو في العيدين والجمعة لئلا يقع الناس في فتنة. # (فصل في موجبات سجود السهو) # --- PageV01P439 ~~*** # (لو قدم ركنا) عن محله (أو أخر) ركنا عن محله (أو كرر) ركنا (أو غير ~~واجبا أو تركه) أي الواجب ولو مرارا (ساهيا) هذا القيد راجع إلى كل واحد ~~مما تقدم (كركوع قبل القراءة) مثال لتقديم الركن على محله (وتأخير) القومة ~~(الثالثة بزيادة على التشهد) الأول بأن كرره أو صلى فيه على النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأن قال: اللهم صل على محمد. وقيل: لا، حتى يزيد وعلى آل محمد. ~~وقيل: ولو بحرف من الصلاة عليه، والأول أصح. وهذا مثال لتأخير الركن عن ~~محله. وكذا لو أخر سجدة صلبية، فتذكرها وهو في الركعة الثانية، فسجدها. ~~(والركوعين) مثال لتكرير الركن، وكذا لو زاد سجدة (والجهر فيما يخافت) وكذا ~~المخافتة فيما يجهر قدر ما يجوز به الصلاة هو الصحيح. وفي ظاهر الرواية: ~~وإن قل ما جهر به أو أسر. مثال لتغيير الواجب، وهذا بالنسبة إلى الإمام ~~(وترك القعود الأول) مثال لترك الواجب. # (ويؤل الكل) أي يرجع ما ذكر من تقديم الركن أو تأخيره، وتكريره، وتغيير ~~الواجب، وتركه (إلى ترك الواجب) لأن كل واحد من هذه المذكورات مشتمل عليه. ~~ولو ترك ثلاث تكبيرات من أثنائها لم يجب عليه السهو، وأوجبه مالك. لأنه ذكر ~~مقصود، والثلاث جمع صحيح فأشبه ترك الفاتحة في الركعة والقنوت عندنا. # --- PageV01P440 ~~*** # قلنا: إنه سنة، والمقصود منه الإعلام بالانتقال من ركن إلى ركن، فلم يجب ~~بالسهو عنه سجود، إذ وجوبه بترك الواجب. ولو شك في تكبيرة الافتتاح فأعادها ~~مع الثناء، ثم تذكر أنه كان كبر أو شك في ركوعه أو سجوده، فتفكر فيه أو في ~~غيره، وطال تفكره بحيث أشغله عن أداء ركن من الصلاة، يسجد استحسانا. وفي ~~القياس هو كالقصر في عدم لزوم السهو لعدم تمكن النقص فيها حين تذكر أنه ~~أداها (على وجهها. ومجرد التفكر لا يوجب السهو، كما لو شك في صلاة قبل هذه ms0327 ~~ثم تذكر أنه أداها) فإنه لا سهو عليه، وإن طال تفكره. ووجه الاستحسان أنه ~~إذا طال يتمكن فيها النقص بتأخير الركن عن محله. ولو شك الإمام أنه صلى ~~ركعة أو شفعا فلحظ من خلفه، ليفعل مثله من قيام أو قعود لا بأس به، لاندفاع ~~وهمه به، ولا سهو عليه لعدم موجبه. # وفي «المحيط»: ولو قعد فيما يقام، أو قام فيما يقعد، أو قدم السورة في ~~الأوليين على الفاتحة، أو تركها في الأوليين، أو في إحداهما، أو أخر ~~القراءة عن الأوليين، أو ترك القنوت، أو قراءة التشهد، أو تكبيرات العيدين، ~~أو زاد سجدة أو ركوعا، أو ترك تعديل الأركان، أو القومة التي بين الركوع ~~والسجود، أو سلم ساهيا، ولم يستتم أي صلاته لزمه سجدتا السهو، لأنه غير ~~واجبا، أو تركه، أو بدل فرضا. ولو قرأ الحمد لله في الأوليين مرتين أو قرأ ~~أكثرها، ثم عاد فيها ساهيا، يسجد لأنه أخر السورة عن موضعها، أي فيكون ~~تغيير واجب. ولو قرأ الحمد لله في الأخريين مرتين، لا يسجد. # --- PageV01P441 ~~*** # ولو قرأ الحمد لله في الأوليين، ثم السورة، ثم الحمد لله، لا يسجد. وصار ~~كأنه قرأ سورة طويلة. ولو قرأ بعض السورة، ثم تذكر أنه لم يقرأ الفاتحة، ~~يقرأ الفاتحة، ثم السورة، ويسجد. ولو قرأ بعض الفاتحة وترك أكثرها، سجد. ~~وإن ترك أقلها، لا يسجد. ولو قرأ في الأخريين الفاتحة والسورة، لا يسجد، ~~وهو الأصح. لأن قراءة الفاتحة وحدها في الأخريين سنة. ولو ترك بعض التشهد، ~~يسجد. ولو نسي التشهد الأخير، ثم ذكره قبل السلام فقرأه، فعن أبي يوسف ~~روايتان. ولو قرأ في ركوعه أو سجوده، يسجد. لأنهما ليسا محل القراءة، وقد ~~زاد فيهما شيئا من جنس الصلاة، والواجب أن لا يزاد فيها شيء ولا ينقص. ولو ~~قرأ في تشهده، إن بدأ بالقراءة، يسجد، وإن بدأ بالتشهد، لا يسجد. # وذكر أبو الليث في «العيون»: أنه لو تشهد في ركوعه أو سجوده أو قيامه، لا ~~يسجد. وذكر الناطفي في «أجناسه» عن محمد: أنه لو تشهد في ms0328 قيامه قبل قراءة ~~الفاتحة، لا يسجد، لأنه بمنزلة الثناء. وبعدها، يسجد. وهو الأصح. ولو تشهد ~~أي في القعدة (الأخيرة) مرتين، لا يسجد، لأنه قرأه في محله، كما لو قرأ ~~الفاتحة في الأخريين مرتين. ثم ليس القعود بعد سجود السهو فرضا، حتى لو قام ~~بعده لم يفسد صلاته، لأنه لم يرد فيما روينا آنفا إعادة قعود ولا تشهد. ~~وإنما ورد في رواية عمران بن الحصين فقط إعادة السلام. نعم روى الديلمي في ~~«مسند الفردوس» عن ابن مسعود وأبي هريرة مرفوعا: «سجدتا السهو بعد ~~التسليم»، وفيها تشهد وسلام. # (ولا يجب السجود بسهو المؤتم) لأنه إن سجد وحده خالف الإمام، وإن سجد معه ~~إمامه صار الأصل تبعا. ولو سلم المسبوق سهوا: إن كان مقارنا بسلام الإمام، ~~فلا سجود عليه لأنه حينئذ مقتد، وإن كان بعد سلامه، فعليه السجود لأنه ~~منفرد فيما يقضي بخلاف اللاحق، فإنه مقتد فيما يقضي فلا يسجد لسهوه فيه. # --- PageV01P442 ~~*** # (بل يجب) السجود على المؤتم (بسهو إمامه إن سجد) إمامه لأنه تبع لإمامه، ~~سواء كان السهو حالة الاقتداء أو قبلها، حتى لو اقتدى به بعدما سجد واحدة ~~من سجدتي السهو، يتابعه في الأخرى، ولا يقضي الأولى. # (والمسبوق يسجد مع إمامه) تبعا له ولا يسلم (ثم يقضي) ما فاته. وسبب أن ~~المسبوق يقضي بعد فراغ الإمام ما روى أحمد عن معاذ بن جبل قال: «كانوا ~~يأتون الصلاة وقد سبقهم ببعضها النبي صلى الله عليه وسلم فكان الرجل يشير ~~إلى الرجل إذا جاء كم صلى؟ فيقول أي يشير واحدة أو اثنتين، فيصليها ثم ~~يدخل مع القوم في صلاتهم. قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدا إلا ~~كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني. قال: فجاء وقد سبقه صلى الله عليه وسلم ~~ببعضها فثبت معه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، قام فقضى ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد سن لكم معاذ، فهكذا فاصنعوا». ~~وفي «المحيط»: وإن لم يسجد المسبوق مع الإمام للسهو، وجب عليه السجود آخر ms0329 ~~صلاته استحسانا. # (وإن لم يقعد) الإمام والمنفرد (أولا وهو إليه) أي إلى القعود (أقرب) بأن ~~لم يرفع ركبتيه عن الأرض، وقيل: بأن لم ينصب النصف الأول. (قعد وتشهد) لأن ~~ما قرب من الشيء له حكمه. وهذا رواية عن أبي يوسف، واستحسنها مشايخ بخارى. ~~وفي «قاضيخان» في رواية: إذا قام على ركبتيه لينهض يقعد وعليه السهو، يستوي ~~فيه القعدة الأولى والثانية، وعليه الاعتماد. وفي «شرح الكنز»: والأصح أنه ~~يقعد ما لم يستتم قائما. قلت: وهو ظاهر الرواية، ويؤيده الحديث الآتي. # --- PageV01P443 ~~*** # (ولا سهو عليه) أي في القعود قبل أن يستوي قائما في الأصح لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «إذا استتم أحدكم قائما فليصل وليسجد سجدتي السهو، وإن لم ~~يستتم قائما، فليجلس ولا سهو عليه». رواه الطحاوي وهو اختيار محمد بن ~~الفضل، ولأنه لما عاد إلى القعود عن قرب فكأنه لم يقم. وقيل: عليه السهو، ~~لأنه أخر واجبا وهو التشهد عن وقته. والجواب ما رويناه. # (وإلا) أي وإن لم يكن إلى القعود أقرب (قام) لأنه قائم معنى فكان كالقائم ~~حقيقة، ولو عاد فسدت صلاته على الصحيح، لأنه رفض فرضا بعد الشروع فيه لما ~~ليس بفرض. # (وسجد للسهو) لتركه القعود الأول لصريح قوله صلى الله عليه وسلم «إذا قام ~~الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائما يجلس، وإن استوى قائما فلا ~~يجلس ويسجد سجدتي السهو». رواه أبو داود. وأما ما روي: من أنه عليه الصلاة ~~والسلام قام من الثانية إلى الثالثة قبل أن يقعد، فسبحوا به فعاد، كان قبل ~~أن يستتم قائما. وما روي: أنه لم يعد ولكن سبح بهم فقاموا كان بعد أن استتم قائما. # (وإن لم يقعد) الإمام أو المنفرد (أخيرا) وقام لركعة أخرى (قعد) لإصلاح ~~صلاته (ما لم يسجد) لأنه بالسجود يتأكد خروجه عن صلاة الفرض (وسجد للسهو) ~~لأنه أخر فرضا وهو القعود عن محله (وإن سجد) سجدة تامة بأن وضع جبهته على ~~الأرض عند أبي يوسف، وبأن رفعها عن الأرض عند محمد. وفي «المحيط»: هو ~~المختار، وتظهر ثمرة الخلاف ms0330 فيما لو سبقه حدث في هذه السجدة، فإنه يبني ~~عند محمد لا عنده (تحول فرضه نفلا) عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبطلت صلاته ~~بالكلية عند محمد، بناء على أن صفة الفرضية إذا بطلت لا تبطل التحريمة وهو ~~قولهما، أو تبطل وهو قول محمد، وعلى أن ترك القعود على رأس الركعتين لا ~~يبطل التحريمة عندهما، ويبطل عند محمد. # --- PageV01P444 ~~*** # (وضم سادسة إن شاء) لأنه نفل لم يشرع فيه قصدا فلا يجب إتمامه، وندب الضم ~~ليصير نفله ستا، ولا سجود عليه في الأصح، لأن النقصان لفساد الفرضية لا ~~يجبر بالسجود (وإن قعد) الإمام أو المنفرد القعدة (الأخيرة ثم قام سهوا) ~~يظنها القعدة الأولى (عاد ما لم يسجد وسلم) لأن السلام، حالة القيام غير ~~مشروع (وإن سجد تم فرضه) لأنه لم يبق إلا السلام وتركه لا يفسد الصلاة لأنه ~~ليس بفرض. # (وضم سادسة) أي ندبا إن كان الفرض رباعيا لتصير الركعتان نفلا لما روى ~~ابن عبد البر في «التمهيد» من حديث أبي سعيد: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن البتيراء». وهي أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها. وقيل: لا يضم في ~~العصر سادسة للنهي عن التنفل بعدها. وأجيب بأن النهي عن التنفل بعد العصر ~~إنما هو عن التنفل المقصود. ثم لو قطعها ولم يضم سادسة لا شيء عليه، لأن ~~الشروع في الصلاة على ظن أنها عليه ليس بملزم عندنا. فإن قيل: لم قال في ~~المسألة السابقة: وضم سادسة إن شاء، وفي هذه المسألة لم يقل: إن شاء، مع أن ~~الركعتين في كل من المسألتين نفل إذا قطع لا يقضى؟ أجيب: بأن ضم السادسة في ~~هذه آكد منه في تلك، لأن الفرض في هذه لم يبطل، وجبر نقصانه بالسجود بعد ~~الركعتين، فلو قطعهما يلزم ترك السجود الجابر إن لم يعد له، وأداؤه على غير ~~الوجه المسنون إن أعاده، بخلاف تلك المسألة، فإنه لا جبر فيها لنقص الفرض ~~لبطلانه بالكلية، كذا في «شرح الوقاية». # وفي «الخانية»: لو قام الإمام بعد الأخيرة إلى الخامسة ساهيا، ms0331 لا يتابعه ~~المأموم، بل يمكث جالسا، فإن عاد الإمام سلم معه، وإن سجد سلم وحده ولا ~~ينتظره . # --- PageV01P445 ~~*** # (وسجد للسهو) استحسانا. والقياس أن لا يسجد لأنه صار إلى صلاة غير التي ~~سهى فيها. ومن سهى في صلاة لا يسجد في غيرها، ووجه الاستحسان أنه جبر ~~لنقصان النفل بالدخول فيه على غير الوجه المسنون عند أبي يوسف، إذ الواجب ~~أن يشرع في النفل بتحريمة مبتدأة له، ولم يوجد. ولنقصان الفرض بترك السلام ~~منه عند محمد. وقال أبو منصور الماتريدي: الأصح أن يجعل السجود جبرا للنقص ~~المتمكن في الإحرام، فيجبر به نقص الفرض والنفل جميعا. # (والركعتان نفل) محض (لا تنوبان عن سنة الظهر) لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يصلها إلا بتحريمة مبتدأة. وعن محمد: أنهما ينوبان عنها (ومن اقتدى ~~به فيهما) أي في الركعتين (صلاهما) فقط عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال ~~محمد: يصلي ستا لأنه المؤدى بهذه التحريمة. ولهما: أن الإمام لما استحكم ~~خروجه عن الفرض، صار كأنه دخل فيهما بتحريمة أخرى. # (وإن أفسد) الركعتين من اقتدى به فيهما (قضاهما) عند أبي حنيفة، وأبي ~~يوسف. وقال محمد: لا قضاء عليه، كما لو أفسدهما الإمام. ولهما: أن سبب سقوط ~~قضائهما، الشروع فيهما على ظن أنهما عليه، وهذا موجود في الإمام دون ~~المقتدي. # (وإن سجد للسهو) في شفع النفل (لا يبني) شفعا آخر عليه، لأنه إن أعاد ~~السجود آخر الصلاة فقد بطل ما فعله في وسطها، وإن لم يعده فقد أتى به في ~~غير محله. (وإن بنى صح) لبقاء التحريمة، وأعاد السجود لأنه في وسط الصلاة ~~غير معتد به. وقيل: لا يعيد لحصول جبر النقصان به. # --- PageV01P446 ~~*** # (فإن سلم من عليه السهو، فهو في الصلاة إن سجد) ولا يخرج من الصلاة ~~بسلامه (وإلا لا) أي وإن لم يسجد فليس هو في الصلاة بل خرج عنها بسلامه، ~~وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأن سلامه عندهما أخرجه عن الصلاة خروجا ~~موقوفا. ولا يخرجه عند محمد وزفر، فهو في الصلاة سواء سجد أو لم يسجد، ms0332 لأنه ~~لما وجب عليه السجود لجبر الصلاة، فلا بد من اعتبار إحرامها باقيا. ولهما ~~أن السلام محلل، والحاجة إلى أداء السجود مانعة عن التحليل، فإذا لم يكن ~~السجود، عمل السلام عمله. # وثمرة الخلاف تظهر في الاقتداء بمن سلم وعليه سجود سهو قبل أن يعود، ~~فعندهما: إن عاد، صح الاقتداء. وعنده: يصح الاقتداء ولو لم يعد. وفي انتقاض ~~طهارته بالقهقهة، فعندهما: إن عاد ينتقض، وإن لم يعد لم ينتقض. وعنده: ~~ينتقض إن عاد أو لم يعد. وفي تغير فرض المسافر بنية الإقامة، فعندهما: إن ~~عاد يتغير، وإن لم يعد لم يتغير. وعنده: يتغير عاد أو لم يعد. # (فصل في الشك في الصلاة) # (شك أول مرة أنه كم صلى؟) قال صاحب «الأجناس»: معناه أول ما سهى في عمره. ~~قال شمس الأئمة: معناه أن السهو ليس بعادة له. وقال فخر الإسلام: معناه أول ~~ما عرض له في (تلك) الصلاة (استأنف) لما روى ابن أبي شيبة، عن ابن عمر أنه ~~قال في الذي لا يدري صلى ثلاثا أو أربعا: «يعيد حتى يحفظ». وفي لفظ آخر ~~قال: «أما أنا فإذا لم أدر كم صليت؟ فإني أعيد». وروى نحوه عن سعيد بن ~~جبير، وابن الحنفية، وشريح. وروى عامر الشعبي، عن ابن عباس أنه قال: «إذا ~~شك الرجل في الصلاة استقبل الصلاة». وروى خواهر زاده وغيره في «المبسوط»: ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شك أحدكم في صلاته، أنه كم صلى؟ فليستقبل ~~الصلاة». واستغربه الزيلعي المخرج، وقد تبعهم صاحب «الهداية». # --- PageV01P447 ~~*** # (وإن كثر) شكه (أخذ بغالب ظنه) وعمل به، لما في «الصحيحين»، عن ابن ~~مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شك أحدكم فليتحر الصواب، ~~وليتم عليه ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين»، ولأنه يتحرج بالإعادة في كل مرة، ~~فيعمل بغالب ظنه دفعا للحرج. # (وإن لم يغلب) على ظنه شيء (فبالأقل) عمل وأخذ، لما روى (ابن ماجه و) ~~الترمذي وقال: حسن صحيح. عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «إذا ms0333 سهى أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أو ثنتين، ~~فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثا فليبن على ثنتين، فإذا لم ~~يدر ثلاثا صلى أو أربعا فليبن على ثلاث، ويسجد سجدتين قبل أن يسلم». # ولفظ ابن ماجه: «إذا سهى أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أو ثنتين؟ ~~فليجعلها واحدة، وإذا شك في ثنتين والثلاث فليجعلها ثنتين، وإذا شك في ~~الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثا، ثم ليتم ما بقي من صلاته حتى يكون الوهم في ~~الزيادة، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم». وكذا رواه الحاكم في «المستدرك»، ~~ولفظه: «فلم يدر أثلاثا صلى أو أربعا؟ فليتم فإن الزيادة خير من النقصان». ~~ولفظ أبي داود: «إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين». ولأن ~~في الإعادة حرجا. وقد انعدم الترجيح، فتعين الأخذ بالأقل. # --- PageV01P448 ~~*** # (لكن يقعد حيث توهمه آخر صلاته) لئلا تبطل صلاته بترك القعدة الأخيرة. ~~توضيحه: أن القعدة الأخيرة فرض، والاشتغال بالنفل قبل إكمال الفرض مفسد ~~للصلاة. ولو توهم المصلي أنه أتم صلاته فسلم بناء على توهمه، ثم علم أنه ~~صلى ركعتين فقط، أتمها في مكانه، وسجد للسهو لحديث ذي اليدين. ولأن سلامه ~~كان سهوا، فلم يخرج به من صلاته لكونه بمعنى الدعاء بخلاف ما لو ظن أنه ~~مسافر، أو أنه يصلي الجمعة، أو كان في العشاء فظن أنها التراويح، فسلم على ~~رأس الركعتين فإنه تفسد صلاته، لأنه عالم بالقدر الذي أدى، فسلامه (سلام ~~عمد، فقطع صلاته. فأما إذا كان عنده أن هذه القعدة هي الأخيرة، فسلامه ~~سلام) سهو، فلم تفسد صلاته. ولو شك أنه صلى أو لا، فإن كان في وقت الصلاة ~~فالظاهر أنه لم يصلها. وإن كان بعده فالظاهر أنه صلاها. ولو شك أنه ركع في ~~صلاته أو لا، فإن كان في الصلاة يأتي به، وإن لم يكن فيها فالظاهر أنه فعله. # فصل في سجود التلاوة # (تجب سجدة بين تكبيرتين) واحدة عند الوضع وأخرى عند الرفع. وبه قال ابن ~~مسعود، وإبراهيم، والحسن، وأبو قلابة، وابن ms0334 سيرين، وغيرهم. وهما سنتان كما ~~في الصلاة. وقيل: إنهما ركنان. # وقال مالك والشافعي وأحمد: تسن سجدة التلاوة لما في «الصحيحين» عن زيد بن ~~ثابت قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد. ولنا قوله ~~تعالى: {فما لهم لا يؤمنون وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون}. وما روى ~~مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قرأ ~~ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود ~~فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار». # --- PageV01P449 ~~*** # والأصل أن الحكيم إذا حكى عن غير الحكيم (كلاما) ولم يعقبه بالإنكار، دل ~~على أنه صواب. ففيه دليل على أن ابن آدم مأمور بالسجدة، والأمر للوجوب، مع ~~أن آي السجدة تفيده أيضا، فإنها ثلاثة أقسام: قسم فيه الأمر الصريح، وقسم ~~يتضمن حكاية استنكاف الكفرة حيث أمروا به، وقسم فيه حكاية فعل الأنبياء ~~بالسجود، وكل من الامتثال والاقتداء ومخالفة الكفرة واجب، إلا أن يدل دليل ~~في معين على عدم لزومه. لكن دلالتها فيه ظنية، فكان الثابت الوجوب لا الفرض. # أما عدم سجوده عليه الصلاة والسلام حالة قراءة زيد، فلا يدل على عدم ~~الوجوب لأن وجوبها ليس على الفور، أو لعل قراءة زيد كانت في وقت كراهة ~~الصلاة، فإن الأفضل تأخيرها ليؤديها في الوقت المستحب لأنها لا تفوت ~~بالتأخير، أو على غير وضوء، أو ليبين أنه غير واجب على الفور. وهذا الأخير ~~محمل ما روي في «الموطأ» عن هشام بن عروة، عن أبيه: «أن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد وسجدنا معه، ثم ~~قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال: على رسلكم، علمني رسولكم ~~صلى الله عليه وسلم أن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، فلم يسجد ومنعهم ~~أن يسجدوا». # (وأما ما ذكره صاحب «الهداية» من قوله عليه الصلاة والسلام: «السجدة) على ~~من سمعها، والسجدة على من تلاها»، فغير معروف رفعه. وإنما وقفه جماعة ms0335 على ~~علي، وابن عباس، وقد روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ابن عمر أنه قال: ~~«السجدة على من سمعها». وروي عن إبراهيم، ونافع، وابن جبير أنهم قالوا: «من ~~سمع السجدة فعليه أن يسجد». # --- PageV01P450 ~~*** # وأما دليل سنية التكبير فما روى أبو داود، عن ابن عمر قال: «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد ~~وسجدنا معه». وقيل: يكبر في الابتداء بلا خلاف، وفي الانتهاء يكبر على قول ~~محمد، ولا يكبر على قول أبي يوسف. ذكره في «الذخيرة». وعن أبي حنيفة وهو ~~رواية عن أبي يوسف لا يكبر عند الانحطاط لأن التكبير للانتقال من ركن إلى ~~ركن، ولم يوجد. وعنه: يكبر عنده لا في الانتهاء. ويؤيده الحديث الذي تقدم. ~~والله تعالى أعلم. # (بشروط الصلاة) سوى التحريمة اعتبارا بسجدة الصلاة خلافا لابن عمر في ~~الوضوء. قال البخاري: وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء، ولعل وجهه آية ~~الوضوء حيث قال الله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة}. والسجدة المنفردة لا ~~تسمى صلاة. ثم يفسدها ما يفسد الصلاة من الحدث والكلام، والقهقهة، ويلزم ~~إعادتها. وقيل: هذا قول محمد. ولا تفسد عند أبي يوسف بناء على اختلافهما في ~~أن السجدة تتم بالوضع أو الرفع، (بلا رفع يد) لأن هذا التكبير لمجرد ~~الانحطاط لا للتحريم، فلا يرفع اليدان فيه كسجدة الصلاة. ولأن التحريم شرع ~~لجمع الإجزاء المختلفة. # (و) بلا (تشهد) لعدم وروده. ولأن التشهد لم يشرع إلا لذات الركوع ~~والسجود، ولهذا لم يشرع في صلاة الجنازة. (و) بلا (سلام) وهو قول مالك. لأن ~~السلام لا يكون إلا عن تحريمة، وهي ليست بموجودة ههنا. وروى ابن أبي شيبة ~~عن الحسن، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير: «أنهم كانوا لا يسلمون ~~في السجدة». وإنما نفى المصنف هذه الأشياء لأن عند الشافعي: إذا لم يكن في ~~الصلاة رفع اليد مستحب، والتشهد واجب في قول وأما السلام فواجب عنده، ~~قيل: يستحب أن يقوم فيسجد. لما روي ذلك عن عائشة، ولأن الخرور الذي مدح ms0336 به ~~أولئك فيه، فيكون أفضل. # --- PageV01P451 ~~*** # (وفيها سبحة السجود) بضم السين أي تسبيح سجود الصلاة، لأن سجدة الصلاة ~~أفضل من سجدة التلاوة، فيقال فيها ما ورد فيها. قال أبو الليث: وبه نأخذ. ~~وقيل: يقال: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا. أو: سجد وجهي للذي خلقه، ~~وصوره، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته. ولا منع من الجمع مع جواز الكل. وعن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجود ~~القرآن بالليل في السجدة مرارا: سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله ~~وقوته». رواه أبو داود. # (على من تلى) أي يجب على من قرأ (آية من أربع عشرة) آية وهي (التي في آخر ~~الأعراف والرعد) أي في أثناء الرعد (والنحل وبني إسرائيل) أي الإسراء وهي ~~قريبة من آخرها (ومريم وأولى الحج) أي في أثنائهما. وقال الشافعي وأحمد، ~~وهو رواية عن مالك: وثانية الحج أيضا. لما أخرجه أبو داود، والترمذي، ~~والحاكم، عن عبد الله بن لهيعة من حديث عقبة بن عامر قال: قلت: «يا رسول ~~الله، أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال له: نعم، فمن لم ~~يسجدهما فلم يقرأهما». وأجيب بأن الترمذي قال: إن إسناده ليس بقوي. وعلى ~~تقدير صحته فالأولى سجدة تلاوة والثانية سجدة صلاة. ويؤيد ذلك اقتران ~~الثانية بالركوع. # ومذهبنا مروي عن ابن عباس وابن عمر فإنهما قالا: سجدة التلاوة في الحج هي ~~الأولى، والثانية سجدة الصلاة. وأما ما روى الحاكم عن عمر، وابن مسعود، ~~وعمار بن ياسر، وأبي موسى، وأبي داود، أنهم سجدوا في الحج سجدتين، فمحمول ~~على أنه اختيارهم أو رعاية للأحوط. # --- PageV01P452 ~~*** # (و) التي (في الفرقان و) التي (في النمل) عند قوله تعالى: {وما يعلنون} ~~على قراءة غير الكسائي. وعند قوله تعالى: {ألا يسجدوا} على قراءة الكسائي، ~~كذا ذكره الشارح الشمني. والصحيح أن محل السجدة على جميع القراءات عند ~~قوله: {وما يعلنون} بل الأصح أنه عند قوله: {رب العرش العظيم}. # (و) التي (في آلم السجدة و) التي (في ص) وهو ms0337 قول مالك، ورواية عن أحمد ~~ومحلها قبل {وخر راكعا وأناب} والصواب أنه عند قوله {وحسن مآب}. وقال ~~الشافعي وهو المشهور عن أحمد سجدة ص سجدة شكر، ليست من عزائم السجود، ~~فيسجد بها خارج الصلاة لا في الصلاة لما في البخاري عن ابن عباس قال: «ليست ~~ص من عزائم السجود، فيسجد بها خارج الصلاة لا في الصلاة، وقد رأيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يسجد فيها أي لها . # ولنا ما في البخاري عن العوام بن حوشب قال: «سألت مجاهدا عن سجدة ص فقال: ~~سألت ابن عباس من أين سجدت في ص؟ فقال: أوما تقرأ {ومن ذريته داود وسليمان} ~~{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} فكان داود، ممن أمر نبيكم أن يقتدى ~~به، فسجدها داود فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأما ما في أبي داود من حديث الخدري قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقرأ {ص}، فلما مر بالسجود نزل فسجد وسجدنا معه. وقرأها مرة أخرى فلما ~~بلغ السجدة تشزنا للسجود أي تهيأنا فلما رآنا قال: إنما هي (توبة نبي) ~~ولكني رأيتكم تشزنتم أراكم قد استعددتم للسجود فنزل وسجد وسجدنا معه». ~~فالجواب عنه أن غاية ما فيه بيان السبب في حق داود، والسبب في حقنا. وكونه ~~للشكر لا ينافي الوجوب. فكل الفرائض والواجبات إنما وجبت شكرا لتوالي النعم. # --- PageV01P453 ~~*** # وقد أخرج الإمام أحمد عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي سعيد الخدري ~~قال: «رأيت رؤيا، وإنا أكتب سورة {ص}، فلما بلغت السجدة رأيت الدواة، ~~والقلم، وكل شيء يحضرني ساجدا. قال: فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلم يزل يسجد لها». فأفاد هذا أن الأمر صار إلى المواظبة عليها كغيرها ~~من غير ترك، واستقر عليه بعد أن كان لا يعزم عليها. فظهر أن ما رواه إن تمت ~~دلالته كان قبل هذه القصة. وفي حديث الترمذي عن ابن عباس قال: «جاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيتني في الليلة البارحة ~~وأنا ms0338 نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت، (فسجدت) الشجرة بسجودي فسمعتها تقول: ~~اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، ~~وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. قال ابن عباس: فقرأ النبي صلى الله ~~عليه وسلم سجدة، ثم سجد فسمعته وهو يقول مثلما أخبر الرجل عن قول الشجرة». # (و) التي (في حم السجدة) عند قوله: {وهم لا يسأمون} لما روى عبد الرزاق ~~في «مصنفه»، عن ابن عباس: «أنه كان سجد عند قوله: {وهم لا يسأمون}». وفي ~~لفظه: «أنه رأى رجلا يسجد عند قوله: {إن كنتم إياه تعبدون} فقال: لقد ~~عجلت». وفيه تنبيه على أن السجدة في الآية الأخيرة أولى، لأن التأخير لا ~~يضر بخلاف التقديم كما لا يخفى. # (و) التي (في النجم و) التي (في انشقت و) التي (في اقرأ) أي في آخرها. ~~وقال مالك في رواية عنه: لا سجود في هذه الثلاث لما روى أبو داود عن ابن ~~عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى ~~المدينة». # --- PageV01P454 ~~*** # ولنا ما روى الجماعة إلا الترمذي عن أبي هريرة قال: «سجدنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في {إذا السماء انشقت} و{اقرأ باسم ربك}» وإسلام أبي ~~هريرة في السنة السابعة من الهجرة. وأجيب عن ذلك الحديث: بأن ابن عبد البر ~~قال: إنه منكر. وعبد الحق قال: إنه ليس بقوي. قلت: وعلى تقدير صحته فالمثبت ~~مقدم على النافي مع أنه معارض بما في «الصحيحين»: «أن أبا هريرة قرأ {إذا ~~السماء انشقت} فسجد، فقلت له: ما هذه السجدة؟ قال لو لم أر النبي صلى الله ~~عليه وسلم يسجدها لم أسجد، لا أزال أسجدها حتى ألقاه». # وأما ما روى ابن ماجه عن أبي الدرداء قال: «سجدت مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم إحدى عشرة سجدة ليس فيها شيء من المفصل: الأعراف، والرعد، والنحل، ~~وبنى إسرائيل، ومريم، والحج، والفرقان، والنمل، والسجدة، وص، وسجدة ~~الحواميم»، فضعيف. ولئن صح فليس بمراد فيه نفي السجدة ms0339 في المفصل، بل إن ~~الإحدى عشرة ليس فيها من المفصل، شيء وليس في هذا نزاع. وقد روى أبو داود ~~وابن ماجه عن عمرو بن العاص: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ خمس ~~عشرة سجدة في القرآن: ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان. إلا أنا نقول: ~~السجدة الثانية في الحج هي سجدة الصلاة. وعن ابن عباس: «أنه صلى الله عليه ~~وسلم سجد بالنجم ومعه المسلمون والمشركون والجن والإنس». رواه البخاري. وعن ~~أبي سعيد الخدري: «قرأ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر {ص} فلما بلغ ~~السجدة نزل فسجد، وسجد معه الناس». رواه أبو داود. # --- PageV01P455 ~~*** # (أو سمعها) سواء قصد السماع أو لم يقصد، لما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» ~~عن ابن عمر أنه قال: «السجدة على من سمعها». ولا بد في السامع أن يكون أهلا ~~لوجوب الصلاة، لأنها تجب على الجنب إذا سمع دون الحائض والنفساء. وفي ~~«المحيط»: ولو سمعها من كافر أو صبي عاقل أو حائض أو نفساء أو جنب أو محدث ~~وجبت. ولو سمعها من مجنون أو نائم لا يجب، لأن التلاوة صدرت عن غير معرفة ~~وتمييز. ولو قرأها سكران وجبت عليه، وعلى من سمعها منه، لأن عقله اعتبر ~~قائما زجرا له. # وشرط مالك ذكورة التالي، وتكليفه بسجود السامع لقوله عليه الصلاة والسلام ~~لتال عنده لم يسجد: «كنت إمامنا، لو سجدت لسجدنا معك». ولذا ينبغي أن لا ~~يرفع السامعون رؤوسهم قبل رفع التالي إذا سجدوا معه. والمرأة وغير المكلف ~~لا يصلح إماما. قلنا: المراد منه كنت حقيقا أن تسجد قبلنا، لا حقيقة ~~الإمامة. ألا ترى أن المتوضىء يسجد لتلاوة المحدث مع أنه لا يصلح إماما له ~~في الحال. # (وإذا تلى الإمام) أي قرأ آية السجدة (فمن سمعها ثم اقتدى به في ركعة) ~~أخرى بعد الركعة التي سمعها فيها (سجد بعد الصلاة) أي لا فيها، لأنه سمعها ~~قبل الاقتداء فلا تكون صلاتية في حقه، ولم يدرك ركعتها ليكون كأنه أداها. ~~فيأتي بها بعد الصلاة. وقال العتابي: لا ms0340 يسجد بعد الصلاة أيضا لأنها ~~صلاتية، فلا تؤدى خارجها. والأصح أنه يسجد بعدها. # --- PageV01P456 ~~*** # (كمصل) أي كما يسجد بعد الصلاة مصل (سمع) آية السجدة (ممن ليس معه) في ~~تلك الصلاة، سواء كان مصليا أو غير مصل لوجود السماع. وعدم كونها صلاتية، ~~لأن سماع قراءة غير الإمام ليس من أفعال الصلاة. ثم لو سجد في الصلاة لم ~~تجزئه تلك السجدة فيعيدها، لأن فعلها في الصلاة وقع ناقصا لكونه في غير ~~محله، لكن لا تفسد صلاته لأنها عبادة زيدت في الصلاة كزيادة سجدة تطوعا. ~~ولا تفسد بما هو من أفعالها، بل تفسد بما ينافيها. # وفي «النوادر»: تفسد صلاته لأنه اشتغل فيها بما ينبغي أن يفعل بعدها، أو ~~لأنه زاد في الصلاة قربة ليست منها، كما إذا انتقل إلى النفل. وقيل: الفساد ~~قول محمد، لأن السجدة الواحدة يتقرب بها إلى الله تعالى عنده، حتى كان سجود ~~الشكر قربة عنده. وعندهما: لا تفسد، لأنها ليست بقربة. ولهذا لو زاد ركوعا ~~أو قياما لا تبطل صلاته عند الكل، إذ كل واحد مما لا يتقرب به إلى الله ~~سبحانه وتعالى. # (ومن اقتدى به في تلك الركعة بعد سجود الإمام لا يسجد) في الصلاة ولا ~~بعدها، لأنه بإدراكه تلك الركعة صار مؤديا للسجدة. كمن أدرك الإمام في ركوع ~~ثالثة الوتر فإنه لا يقنت فيما يأتي بعد فراغ الإمام. # (وقبله) أي ومن اقتدى بالإمام قبل سجوده للتلاوة (يسجد معه وإن لم يسمع) ~~لأنه تابع له. # (وإن تلا المأموم)، فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (لا يسجد إلا سامع خارجي) ~~أي خارج عن تلك الصلاة فلا يسجد التالي ولا الإمام ولا باقي المأمومين. # --- PageV01P457 ~~*** # وقال محمد: يسجدون بعد الصلاة لتحقق السبب، وهو التلاوة والسماع مع ~~ارتفاع المانع وهو الصلاة. ولهما: أن المأموم محجور عليه في القراءة، فلا ~~توجب تلاوته السجدة، كما لا يوجبها تلاوة المجنون. فإن قيل: الجنب والحائض ~~ممنوعان عن القراءة ويجب السجدة بسماع قراءتهما. أجيب: بأن الجنب والحائض ~~منهيان عن القراءة لا محجوران عنها فتعتبر قراءتهما. كذا ذكره الشارح. # ولعل ms0341 الفرق بين المنهي والمحجور: أن فعل المحجور عنه غير معتبر فلا يحرم ~~ولا يكره، بخلاف المنهي عنه فإنه يعتبر إما حرمة وإما كراهة. لكن يشكل بأن ~~فعل المقتدي ليس كفعل المجنون، فإن قراءته إما مكروهة، أو جائزة، أو واجبة، ~~على خلاف في ذلك بين الأئمة. وعلى تقدير أن يكون حراما، فهو كالحائض لا ~~كالمجنون. ثم غاية ما في الباب أنه ممنوع عن القراءة خلف الإمام، لكن هذا ~~لا يمنع وجوب السجدة إذا حصلت التلاوة من الأهل كما لو تلا الجنب والحائض ~~والصبي والكافر. # والمقتدي أهل للتلاوة إذا كان أهلا قبل الصلاة، وهي تستدعي القراءة ~~فاستحال أن يكون منافيا لها، ولهذا كان أهلا لو كان إماما أو منفردا، ~~فاستحال أن لا يبقى أهلا بالشروع في الصلاة، وإنما لم يسجد في الصلاة لأنه ~~يؤدي إلى خلاف موضوع الإمامة أو التلاوة. وهذا لأنه لو سجدها التالي وتابعه ~~الإمام انقلب الإمام المتبوع تبعا، والتابع متبوعا، وإن لم يتابعه كان ~~مخالفا لإمامه. وأيا ما كان يلزم خلاف موضوعها. # --- PageV01P458 ~~*** # وإن سجدها الإمام وتابعه التالي، كان خلاف موضوع التلاوة، فإن التالي ~~إمام السامعين لقوله عليه الصلاة والسلام: «كنت إمامنا...» الحديث. أما ~~السامع الخارج عن تلك الصلاة فيسجد لأن حجر المأموم عن القراءة ثبت في حق ~~من معه في الصلاة فلا يعدوهم. ولو تلى المصلي آية السجدة في ركوعه، أو ~~سجوده، أو تشهده، لا سجود عليه لأنه محجور عن القراءة في هذه الأحوال. وقال ~~المرغيناني: عليه السجود، ويتأتى بالسجود أو بالركوع الذي تلا فيه. # (والصلاتية) أي سجدة التلاوة التي وجب أداؤها في الصلاة (لا تقضى خارجا) ~~عن الصلاة، لأنها وجبت بصفة الكمال، فلا تؤدى بغيرها، كذا علله الشارح. ~~وفيه: أن ما لا يدرك كله لا يترك كله. ثم رأيت تحقيق المرام في هذا المقام ~~هو: أنه أريد به النهي الضمني لا القصدي، إذ المصلي عند اشتغاله بسجدة ~~التلاوة مأمور بإتمام ركن هو فيه، أو بالانتقال إلى ركن آخر، فيكون منهيا ~~عن ضده أعني السجدة ضرورة، فتثبت كراهة السجدة ms0342 في المذهب المختار. فتكون ~~السجدة ناقصة، وقد وجبت عليه كاملة، فلم تتأد ناقصة وتعاد لتقرر سببها. # (والركوع) في الصلاة (بلا توقف) بين قراءة السجدة وبين الركوع بمقدار ~~ثلاث آيات كما روي عن أبي يوسف (ينوب عنها) أي عن سجدة التلاوة لما روي عن ~~ابن عمر أنه كان إذا تلا آية السجدة في الصلاة ركع، ولأن الركوع وضع ~~للتواضع وهو المقصود من السجدة. وأما الركوع في خارج الصلاة فليس بقربة فلا ~~ينوب عما هو قربة. وفي «المحيط»: ولو تلاها في الصلاة: إن شاء ركع لها، وإن ~~شاء سجد فقام فقرأ، لأن المقصود من السجدة إظهار الخشوع وذلك يحصل بالركوع، ~~كما يحصل بالسجود، فناب الركوع منابه. وعن أبي حنيفة: أن السجود أفضل لأن ~~الخشوع فيها أتم. # --- PageV01P459 ~~*** # ثم سجدة التلاوة تتأتى بالسجدة الصلبية لأنها توافقها من كل وجه. وينوي ~~بها في ركوعه أو بعدما استوى قائما أن يسجد لصلاته وتلاوته جميعا، ولو لم ~~ينو به لا تجزئه، نص عليه في «النوادر». وقيل: تجزئه بدون النية. وروى ~~الحسن عن أبي حنيفة: أن السجود الذي عقيب الركوع ينوب عن سجدة التلاوة دون ~~الركوع، لأن المجانسة بينهما أظهر. وقيل: الركوع ينوب عنها لأنه أقرب إلى ~~موضع التلاوة. وفي «الظهيرية»: لو تلا آية السجدة وركع لصلاته على الفور، ~~وسجد، سقطت سجدة التلاوة نوى السجدة أو لم ينوها، وكذا إذا قرأ بعدها آيتين ~~أو ثلاث آيات. وأجمعوا على أن سجدة التلاوة تتأدى بسجدة الصلاة، وإن لم ينو ~~للتلاوة. # واختلفوا في الركوع: فقال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده: لا بد للركوع ~~من النية، حتى ينوب عن سجدة التلاوة. ونص عليه محمد. وإن قرأ بعد السجدة ~~ثلاث آيات، وركع لسجدة التلاوة، ذكر شيخ الإسلام المذكور أنه ينقطع الفور. ~~قال شمس الأئمة الحلواني: إنه لا ينقطع ما لم يقرأ أكثر من ثلاث آيات. وفي ~~«النوادر»: ولو قرأ الإمام السجدة فسجد، فظن القوم أنه ركع: فبعضهم ركع، ~~وبعضهم ركع وسجد سجدة، وبعضهم ركع وسجد سجدتين. فمن ركع ولم يسجد يرفض ~~ركوعه ويسجد ms0343 للتلاوة. ومن ركع وسجد تجزئه عن التلاوة، ومن ركع وسجد سجدتين ~~فصلاته فاسدة، لأنه انفرد بركعة تامة. # قال في «المبسوط»: فإن أراد أن يركع بالسجدة بعينها فالقياس أن الركوع ~~والسجود في ذلك سواء، وبالقياس نأخذ، وفي الاستحسان لا يجزئه إلا السجدة. ~~واختلفوا في موضع هذا القياس والاستحسان: فمن أصحابنا من قال: مراده إذا ~~تلاها في غير الصلاة وركع، ففي القياس يجزئه. # --- PageV01P460 ~~*** # لأن الركوع والسجود يتقاربان، قال الله تعالى: {وخر راكعا وأناب}، أي ~~ساجدا والمقصود منهما الخضوع فينوب أحدهما عن الآخر كما في الصلاة. وفي ~~الاستحسان: الركوع خارج الصلاة ليس بقربة، فلا ينوب عما هو قربة بخلاف ~~الركوع في الصلاة. والأظهر أن مراده من هذا القياس والاستحسان التلاوة في ~~الصلاة إذا ركع عند موضع السجدة. # ففي الاستحسان: لا يجزئه لأن سجدة التلاوة نظير سجدة الصلاة، فكما أن ~~إحدى السجدتين في الصلاة لا تنوب عن الأخرى، والركوع لا ينوب عنها، فكذلك ~~لا ينوب عن سجدة التلاوة. وفي القياس: يجوز التقارب بين الركوع والسجود ~~فيما هو المقصود، فكل واحد منهما في الصلاة قربة. وأخذنا بالقياس لأنه أقوى ~~الوجهين . # والقياس والاستحسان في الحقيقة قياسان، وإنما يؤخذ بما يترجح بظهور أثره، ~~أو قوة في جانب صحته. انتهى. ثم إن قرأ بعدها مقدار ثلاث آيات، سجد لها ~~قصدا في الصلاة، لأنها صارت دينا عليه بفوات محل الأداء، فلا ينوب الركوع ~~عنها بخلاف ما إذا ركع عندها، فإنها ما صارت دينا لبقاء محلها، وبخلاف ما ~~إذا كانت قريبة من خاتمة السورة، فإنها لا تصير دينا بعد، حين لم يقرأ ~~بعدها ما يتم به القراءة. # (فإن كرر) التالي آية السجدة، سواء كان المكرر متحدا أو متعددا (في مجلس ~~واحد) كالمسجد مطلقا على المذهب، أو البيت الصغير، أو تلاها على دابة سائرة ~~وهو في الصلاة، أو في سفينة سائرة، وإن قام وقعد (أو صلاة) بأن قرأ في غير ~~الصلاة ثم أعادها في الصلاة من غير اختلاف المجلس. وفهم من تخصيص المعاد ~~بكونه في الصلاة أن الأول في غير الصلاة. ms0344 # --- PageV01P461 ~~*** # (يكفي سجدة) لأن المجلس متحد فتتداخل التلاوات. وفي «الخلاصة»: لا فرق ~~بينهما إذا أدى السجدة ثم كرر، أو كرر ثم أدى، لأن مبنى السجود في التلاوة ~~على التداخل، لأن القاريء قد يحتاج إلى تكرار الآية للحفظ والتعليم ~~والاعتبار والتفهم. فلو وجب عليه تكرير السجود لربما وقع في حرج، ويكون ~~سببا لترك التلاوة التي هي من أفضل أنواع العبادة. # والتداخل قد يكون في الأسباب، بأن ينوب واحد منها عما قبله وما بعده، وهو ~~أليق بالعبادة لأن تركها مع وجود سببها شنيع. وقد يكون في الأحكام، بأن ~~ينوب واحد منها عما قبله، وهو أليق بالعقوبة، لأنها شرعت للزجر وهو يحصل ~~بواحد. والكريم قد يعفو مع قيام سبب العقوبة. وخالف مالك والشافعي فعدداها، ~~لأن السبب قد تعدد فيعدد المسبب، لأن مبنى العبادات على التكثير لأنا خلقنا ~~لها بخلاف العقوبات، فإن مبناها على الدرء والدفع. # ولنا: ما سبق المؤيد بقوله تعالى {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، وقوله ~~سبحانه {يريد الله بكم} اليسر ولا يريد بكم العسر ، وقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه». رواه البخاري ~~وغيره. ولأن مبنى السجدة على التداخل بالنص فإنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يسمع من جبرائيل عليه السلام آية السجدة، ويقرأها على أصحابه، ولا يسجد إلا ~~مرة واحدة. مع أنه عليه السلام كان يكرر حديثه ثلاثا ليعقل، فكيف بالقرآن. ~~وبدلالة الإجماع فإن السامع إذا قرأها لم يجب عليه إلا واحدة، وقد تحقق في ~~حقه التلاوة والسماع، وكل واحد سبب على حدة، حتى يجب بالسماع وحده، ~~وبالتلاوة وحدها إذا كان التالي أصم. ولو كررها في الركعتين قال أبو يوسف: ~~كفته سجدة. وقال محمد: يسجد سجدتين. # --- PageV01P462 ~~*** # (ويعتبر في السامع مجلسه) حتى لو اتحد مجلس التالي وتكرر مجلس السامع، ~~تكرر الوجوب على السامع باتفاق المشايخ. ولو تعدد مجلس التالي واتحد مجلس ~~السامع، قيل: تكرر الوجوب على السامع ولو تعدد في «الكافي»: وهو الصحيح، ~~لأن التلاوة سبب والسماع شرط، والحكم يضاف إلى السبب دون الشرط. ms0345 وقيل: لا ~~يتكرر على السامع. في «الهداية»: هو الأصح، لأن مجلسه متحد والسماع سبب ~~لوجوب السجدة كالتلاوة. (وإسداء الثوب) أي جعل سداه على أخشاب بمجيء وذهاب ~~(والانتقال من غصن إلى غصن آخر تبديل) للمكان، لأن المكان تبدل حقيقة. ~~وقيل: يكفيه في الانتقال من غصن إلى غصن سجدة واحدة، لأن العبرة لأصل ~~الشجرة وهو واحد. # (ويكره) في الصلاة وغيرها (ترك آية السجدة وحدها) لأنه يشبه الاستنكاف عن ~~السجود، والإعراض عن طاعة المعبود (لا عكسه) أي لا يكره قراءة آية السجدة ~~وحدها، لأن في ذلك مبادرة إلى السجود. # (وندب ضم غيرها) من آية أو آيتين قبلها أو بعدها كيلا يؤدي إلى إيهام ~~تفضيل آية على آية. ولو قرأ آية السجدة إلا الحرف الذي في آخرها لا يسجد ، ~~ولو قرأ الحرف الذي يسجد فيه وحده لا يسجد إلا أن يقرأ أكثر آية السجدة ~~معه. (واستحسن إخفاؤها عن السامع) شفقة عليه إلا أن يكون متهيئا للسجود لديه. # فصل في صلاة المريض # --- PageV01P463 ~~*** # (إن تعذر) أي تعسر كما في «الخانية» (القيام) أي كله (لمرض حدث قبل ~~الصلاة أو فيها) أي في أثنائها، أو لخوف زيادة مرض أو بطئه أو دوران الرأس، ~~أو كان يجد بالقيام ألما شديدا (صلى قاعدا) كيف شاء (يركع ويسجد) لما روى ~~الجماعة إلا مسلما عن عمران بن حصين قال: «كانت لي بواسير، فسألت النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، وإن لم ~~تستطع فعلى الجنب». زاد النسائي: «فإن لم تستطع فمستلقيا، لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها». ولفظ البخاري: «بواسير» ولفظ غيره: «الناصور. # وإن لم يعجز عن كل القيام، قام بقدر ما يمكنه، فإذا عجز يقعد، لأن الطاعة ~~بحسب الطاقة، حتى لو لم يقدر إلا قدر التحريمة، لزمه أن يحرم قائما ثم ~~يقعد. وإن قدر على كل القيام متكئا، قال شمس الأئمة الحلواني: الصحيح أنه ~~يصلي قائما متكئا ولا يجزئه غير ذلك. وكذلك لو قدر أن يعتمد على عصا، أو ~~كان له خادم لو اتكأ ms0346 عليه قدر على القيام. # هذا، وفي كراهة اتكاء المتنفل على نحو عصا أو حائط بلا عذر روايتان عن ~~أبي حنيفة، وكرهاه بدونه وهو الأظهر. وأما لو كان بعذر فلا يكره إجماعا. # (وإن تعذرا) أي الركوع والسجود (مع القيام أومأ) بهمزة في آخره وقد يبدل ~~أي أشار برأسه قاعدا (إن قدر) على القعود لأنه وسعه (ولا معه) أي وإن تعذر ~~الركوع والسجود دون القيام (فهو) أي فالإيماء بالركوع والسجود قاعدا (أحب) ~~من الإيماء قائما لقرب القعود من الأرض. وقال الشافعي: يتعين القيام لأنه ~~ركن، فلا يسقط بالعجز عن ركن آخر من الركوع والسجود. وأجيب بأن ركنية ~~القيام والركوع، لأجل الوسيلة إلى السجود الذي هو نهاية التعظيم، وسقوط ~~الشيء يسقط وسيلته. # --- PageV01P464 ~~*** # (وجعل سجوده) بالإيماء (أخفض من ركوعه) به لأن نفس السجود أخفض من الركوع ~~فكذا الإيماء به. # (ولا يرفع شيئا ليسجد عليه) لما روى البزار في «مسنده»، والبيهقي عن ~~جابر، والطبراني في «معجمه» عن ابن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد ~~مريضا، فرآه يصلي على وسادة، فأخذها فرمى بها، فأخذ أي المريض عودا ليصلي ~~عليه، فأخذه فرمى به وقال: صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأوم إيماء، واجعل ~~سجودك أخفض من ركوعك». ولو رفع من يصلي بالإيماء شيئا ليسجد عليه، فإن خفض ~~رأسه أجزأه لوجود الإيماء، وإن لم يخفض لم يجزئه. وأما ما ذكره صاحب ~~«الهداية» من قوله عليه الصلاة والسلام: «إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد، ~~وإلا فاوم برأسك»، فغير معروف بهذا اللفظ. # (وإلا) أي وإن لم يقدر على القعود (فعلى جنبه) الأيمن (متوجها) إلى ~~القبلة (أو على ظهره كذا) أي متوجها إلى القبلة (بأن تكون رجلاه إليها لكن ~~تقامان يسيرا، لأن مدهما إلى القبلة مكروه، ويجعل تحت رأسه ما يرفعه ليصير ~~وجهه إلى القبلة) (وذا) أي الاستلقاء إلى الظهر (أولى) لأن إيماء الذي على ~~ظهره يكون إلى هواء الكعبة وهو قبلة، وإيماء الذي على جنبه إلى جهة قدميه. ~~وعن أبي حنيفة: أن صلاة المريض على الجنب مقدم ms0347 على صلاته على الظهر. لما ~~روينا من حديث (عمران) السابق ولقوله تعالى: {يذكرون الله قياما وقعودا ~~وعلى جنوبهم}، فهو بالاعتبار أولى كما لا يخفى. وبه قال مالك والشافعي. لا ~~يقال: الحديث لا ينهض حجة على العموم، فإنه خطاب له وكان مرضه البواسير، ~~وهو يمنع الاستلقاء، فلا يكون خطابه خطابا للأمة، فإنا نقول: العبرة لعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب. # --- PageV01P465 ~~*** # (والإيماء) معتبر (بالرأس) أي لا بغيره. وقال زفر وهو رواية عن أبي ~~يوسف، وبه قال مالك والشافعي : إن عجز عن الإيماء بالرأس يومىء بالحاجب، ~~فإن عجز فبالعين، وإن عجز فبالقلب. كما يومىء بالرأس إن عجز عن الركوع ~~والسجود. وأجيب بأن الأبدال لا تنصب بالرأي بل بالنص. ولو سلم، فالفرق أن ~~الرأس يتأدى به ركن بخلاف هذه الأشياء. # (فإن تعذر) الإيماء بالرأس (أخر) الصلاة ولا يسقط عنه. بل يقضيها إذا قدر ~~عليها، ولو كانت أكثر من صلاة يوم وليلة. إذا كان مفيقا، لأنه يفهم الخطاب ~~بخلاف المغمى عليه، (وهذا اختيار صاحب «الهداية». وقال قاضيخان: الأصح أنه ~~لا يقضي أكثر من يوم وليلة كالمغمى عليه.). هذا اختيار فخر الإسلام، وشيخ ~~الإسلام خواهر زاده. # وفي «المحيط»: وإذا عجز عن الإيماء، فإن مات من ذلك المرض لا شيء عليه، ~~ولا يلزمه فدية، وإن برىء وصح قيل: يلزمه القضاء وإن كثر كما في النوم. ~~والصحيح: أنه إن ترك صلاة يوم وليلة، قضى وإن أكثر من ذلك لا يقضي كما في ~~الإغماء. وأما استشهاد قاضيخان بما روي عن محمد فيمن قطعت يداه من المرفقين ~~ورجلاه من الساقين، أنه لا صلاة عليه، فمدفوع بأن العجز هنا متصل بالموت، ~~وكلامنا فيما إذا صح المريض بعد ذلك، حتى لو مات قبل القدرة على القضاء ~~لايجب عليه شيء، ولا يلزمه الإيصاء به كالمسافر والمريض إذا أفطرا في رمضان ~~وماتا قبل الإقامة والصحة. # هذا، وما ذكره صاحب «الهداية» من قوله صلى الله عليه وسلم «يصلي المريض ~~قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، وإن لم يستطع فعلى قفاه يومىء إيماء، فإن لم ~~يستطع فالله تعالى ms0348 أولى بقبول العذر منه»، غير معروف. # --- PageV01P466 ~~*** # (وموم صح في الصلاة) بأن قدر على الركوع والسجود (استأنف) لأن بناء ~~الأقوى على الأضعف غير جائز، وأجازه زفر. ولو قدر المضطجع في الصلاة على ~~القعود دون الركوع، استأنف الصلاة على المختار، لأن حالة القعود أولى. # (وقاعد يركع ويسجد صح) أي زال ألمه بأن قدر على القيام (فيها) أي في ~~أثناء الصلاة (بنى قائما). عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وقال محمد: يستأنف ~~الصلاة. وهي فرع اقتداء القائم بالقاعد وقد تقدم. # (صلى) فرضا (قاعدا في فلك: جار بلا عذر) من دوران الرأس، وعدم القدرة على ~~الخروج (صح) عند أبي حنيفة. وقالا: لا يصح إلا من عذر كغير الجاري. وهو ~~الأظهر، لما روى الدارقطني، والحاكم وقال: على شرط مسلم: «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سئل كيف أصلي في السفينة؟ فقال: صل قائما إلا أن تخاف ~~الغرق». قال الدارقطني: السائل جعفر بن أبي طالب لما هاجر إلى الحبشة. ولأن ~~القيام ركن، فلا يترك إلا بعذر محقق لا موهوم. ولأبي حنيفة أن الغالب في ~~الفلك الجاري دوران الرأس، والأمر الغالب كالمتحقق، لكن القيام أفضل، وأفضل ~~من القيام الخروج إلى الشط إن أمكن، لأنه للقلب أسكن. # (وفي المربوط لا) أي لا يصح قاعدا (إلا بعذر). في «شرح الكنز»: والمربوط ~~على الشط كالشط هو الصحيح. وكذا إذا كان قراره على الأرض. وإن كان مربوطا ~~في البحر وهو يضطرب اضطرابا شديدا فهو كالسائر، وإن كان يسيرا فكالواقف. ~~وفي «الإيضاح»: وإن كانت السفينة مربوطة يمكن الخروج منها لم تجز الصلاة ~~فيها، لأنها إذا لم تستقر على الأرض بمنزلة الدابة. وإن كانت غير مربوطة ~~جازت الصلاة فيها وإن كانت سائرة، لأن سيرها غير مضاف إليها بخلاف الدابة. # --- PageV01P467 ~~*** # (جن أو أغمي عليه) لمرض أو فزع من سبع أو آدمي ولم يفق (يوما وليلة قضى ~~ما فات) لما روي عن محمد في «الآثار»: عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم ~~النخعي، عن ابن عمر أنه قال في الذي يغمى عليه يوما وليلة، يقضي. وروى ms0349 ~~الدارقطني بسنده، عن ابن عمر: «أنه أغمي عليه ثلاثة أيام ولياليهن، فلم ~~يقض». وروى الدارقطني، عن يزيد، مولى عمار بن ياسر: «أن عمار بن ياسر أغمي ~~عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وأفاق نصف الليل فقضاهن». # وفي «المبسوط» عن علي رضي الله عنه: «أنه أغمي عليه في أربع صلوات ~~فقضاهن». وأسقط القضاء مالك والشافعي بالإغماء وقت صلاة واحدة، لأنه عجز ~~مانع عن فهم الخطاب فينافي الوجوب إذا استوعب وقت صلاة. كالجنون في رواية. ~~(وإن زاد ساعة) أو زمانا (لا) يقضي، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، لأنه ~~إذا قصر يعتبر بما يقصر عادة كالنوم، فلا يسقط القضاء، وإذا طال اعتبر بما ~~يطول عادة كالصبا فيسقط. وقال محمد: يقضي إلا أن يزيد على اليوم والليلة ~~وقت صلاة، لأن الكثرة بالدخول في حد التكرار وهو ست صلوات. # ولو زال عقله بخمر يلزمه القضاء وإن طال، ولو زال ببنج أو دواء فكذا عند ~~أبي حنيفة، لأن سقوط القضاء عرف بالأثر في آفة سماوية، ولا يقاس عليه ما ~~حصل بفعله. وعند محمد يسقط القضاء، لأن عقله زال بمباح ابتداء، فصار كما لو ~~زال بمرض. ثم يقضي فائتة المرض في زمن الصحة كاملة، لأن تحصيل الركن فرض ~~وإنما سقط عند الأداء للعذر. ويقضي فائتة الصحة في المرض بحسب القدرة ~~الباقية، ولو بالإيماء. إذ التكليف يعتمد الوسع، فيكلف فيه على القضاء كما ~~يكلف على الأداء. # فصل في صلاة المسافر # --- PageV01P468 ~~*** # السفر لغة: قطع المسافة. وليس كل قطع تتغير به الأحكام، فبين ما يتغير به ~~فقال: (المسافر) الشرعي الذي يلزمه القصر، ويباح له الفطر، ويجوز له المسح ~~ثلاثة أيام ولياليها على الخف، وسقط عنه الجمعة، والعيدان والأضحية (من ~~فارق بيوت بلده) أي البلد الذي هو فيها. وفارق القرية المتصلة بربضها على ~~الصحيح، لما روى مسلم وأبو داود عن أنس قال: «صليت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين». وروى ابن أبي ~~شيبة في «مصنفه» عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي: ms0350 «أن عليا رضي الله عنه ~~لما خرج من البصرة صلى الظهر أربعا ثم قال: لو جاوزنا هذا الخص قصرنا». ~~والخص بالضم: البيت من القصب، أو البيت يسقف بالخشب. ويعتبر مفارقة الجانب ~~الذي خرج منه، حتى لو فارق البيوت من جانب خرج منه، ومن جانب آخر بيوت لم ~~يفارقها قصر. # (قاصدا مسافة ثلاثة أيام ولياليها) الأيام للمشي، والليالي للاستراحة كذا ~~في «شرح الطحاوي»، أو بالعكس، أو بالبعض لأنه في معناه. قيد بقصد المسافة، ~~لأنه لو لم يقصد مسافة، بل سار لطلب الآبق أو غريم ونحوهما لا يقصر. وقيد ~~المسافة بثلاثة أيام، لأنها لو كانت أقل من ذلك لا يقصر. وهذه رواية ~~«الأصول». وروى ابن سماعة عن أبي يوسف، ومحمد: التقدير بيومين وأكثر ~~الثالث. وهو رواية الحسن، عن أبي حنيفة. وقال مالك وأحمد وهو قول للشافعي ~~: أربعة برد، والبريد أربعة فراسخ. وعن الشافعي قول آخر: أنه يوم وليلة، ~~وهو رواية عن مالك. وعنهما تقديره بثمانية وأربعين ميلا، وعن الشافعي ~~تقديره بستة وأربعين ميلا، وعن مالك بخمسة وأربعين ميلا. # --- PageV01P469 ~~*** # وجه هذه الأقوال حديث مجاهد: «سألت ابن عمر عن أدنى مدة السفر فقال: تعرف ~~السويداء؟ قلت: قد سمعت بها، قال: كنا إذا خرجنا إليها قصرنا». وهو موضع ~~بينه وبين المدينة ستة وأربعون ميلا. وقيل: ثمانية وأربعون. وقيل: عشرون ~~فرسخا. والميل ثلث الفرسخ. ولنا قوله صلى الله عليه وسلم «لا تسافر المرأة ~~فوق ثلاثة أيام ولياليها إلا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها». معناه ~~ثلاثة أيام. وكلمة «فوق» صلة مثل: {فاضربوا فوق الأعناق}. # وقد روى أحمد، والشيخان، وأبو داود، عن ابن عمر مرفوعا: «لا تسافر المرأة ~~ثلاثة أيام إلا مع ذي رحم محرم». وهي لا تمنع من الخروج لغير السفر بدون ~~المحرم. كذا ذكره بعضهم، وفيه: أنها تمنع بدون المحرم ولو لم يكن بهذه ~~المسافة لقوله صلى الله عليه وسلم «لا تسافر المرأة بريدا إلا ومعها محرم ~~يحرم عليها». رواه أبو داود، والحاكم في «مستدركه»، عن أبي هريرة. وفي ~~رواية لأحمد، والشيخين، عن ابن ms0351 عباس مرفوعا: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي ~~رحم محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم». # فأولى ما استدل به عليه قوله صلى الله عليه وسلم «يمسح المقيم يوما ~~وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها». فهو تنصيص على أن مدة السفر لا تنقص ~~عما يمكن استيفاء هذه الرخصة فيها، لذكر المسافر محلى بالألف واللام، ~~فاستغرق الجنس لعدم المعهود كما هو في المقيم كذلك. # --- PageV01P470 ~~*** # فاقتضى تمكن كل مسافر من مسح ثلاثة أيام ولياليها، ولا يتصور أن يمسح كل ~~مسافر ثلاثة أيام ولياليها إلا وأن يكون أقل مدة السفر ثلاثة أيام ~~ولياليها. إذ لو كان أقل من ذلك لخرج بعض المسافرين عن استيفاء هذه الرخصة. ~~والزيادة عليها منتفية إجماعا، فكان الاحتياج إلى إثبات أن الثلاثة أقل مدة ~~السفر. ولأن الرخصة كانت منتفية بيقين، فلا تثبت إلا بتيقن ما هو سفر شرعي، ~~وذا فيما عيناه إذ لم يقل أحد بأكثر منه. # لكن قد يقال: المراد بمسح المسافر ثلاثة أيام إذاكان سفره يستوعبها ~~فصاعدا، إلا أنه احتمال يخالفه الظاهر، فلا يصار إليه، فإن قيل: هذا إنما ~~يتم لو كان ثلاثة أيام ظرفا ليمسح، وهو ممنوع، بل هو ظرف للمسافر. أجيب ~~بأنه ظرف ليمسح، كما أن يوما وليلة ظرف له، لأن الكلام على نسق واحد. وأيضا ~~لا يفهم منه حينئذ مدة المسح للمسافر، ولا حكم المسافر الذي يسافر أقل من ~~الثلاثة. # واختار أكثر المشايخ تقدير أقل مدة السفر بالأميال، ثم اختلفوا فيه فقيل: ~~يقدر بثلاثة وستين ميلا، وقيل: يفتى بأربعة وخمسين ميلا. لأنها أوسط ~~الأعداد المذكورة. ذكره في «المحيط». # وقيل: بخمسة وأربعين ميلا. إما بناء على ما مر من حديث مجاهد، وإما لأن ~~كل من قدره بقدر فيها أعتقد أنه مسيرة ثلاثة أيام. # (بسير وسط) أي متوسط معتدل (وهو) في البر (ما سار الإبل والراجل) أي ~~الماشي، وذلك لأن أعجل السير سير البريد، وأبطأه سير العجلة، وخير الأمور ~~أوسطها. (وفي البحر ما سار الفلك) أي السفينة (إذا اعتدل الريح) بحيث لم ~~تكن عاصفة ولا هاوية. ms0352 قال الحاكم الشهيد في «جامعه الصغير»: الفتوى على ~~ذلك. وذكر في «العيون» عن أبي حنيفة: أنه يعتبر مسيرة ثلاثة أيام في البر، ~~وإن أسرع في السير وسارها في يومين أو أقل. (وما يليق بالجبل) إذا كان ~~السير فيه. # --- PageV01P471 ~~*** # (فيقصر) الفرض (الرباعي) وفرضه فيه ركعتان، وهو قول البغداديين من ~~المالكية. وقال الشافعي، وأحمد، وبه قال مالك في وجه: فرضه الأربع، ورخص له ~~القصر رخصة ترفيه، والإتمام أفضل كالصوم لقوله تعالى: ({فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة} ولما في مسلم عن يعلى بن أمية قال: «قلت لعمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه) {ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا} فقد أمن الناس فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته». # ولنا ما في «الصحيحين» عن عائشة قالت: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت ~~صلاة السفر وزيدت في الحضر». وفي لفظ البخاري: «فرضت الصلاة ركعتين، ثم ~~هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعا، وتركت صلاة السفر على الفريضة ~~الأولى». وفي «صحيح مسلم» عن ابن عباس قال: «فرض الله الصلاة على لسان ~~نبيكم في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة». أي مع كل ~~طائفة، وهذا رفع منه. وفي لفظ الطبراني: «افترض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ركعتين في السفر، كما افترض في الحضر أربعا». # وفي النسائي، وابن ماجه، عن ابن أبي ليلى عن عمر قال: «صلاة السفر ~~ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، ~~تمام غير قصر على لسان محمد». وفي البخاري عن ابن عمر: «صحبت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في السفر ولم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم ~~يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه ~~الله، وقد قال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} » وهو ~~معارض للمروي عن عثمان أنه كان ms0353 يتم. # --- PageV01P472 ~~*** # والتوفيق أن إتمامه المروي كان حين أقام بمنى أيام منى. ولا شك أنه حكم ~~منسحب على إقامة أيام منى، فشاع إطلاق أنه أتم في السفر. ثم كان ذلك منه ~~بعد مضي صدر من خلافته، لأنه تأهل بمكة، على ما رواه أحمد: «أنه صلى بمنى ~~أربع ركعات، فأنكر الناس عليه فقال: أيها الناس، إني تأهلت بمكة منذ قدمت، ~~وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تأهل في بلد فليصل صلاة ~~المقيم». # والحاصل أن القصر رخصة إسقاط، فهي رخصة مجازية، ولذا سماه في النص صدقة، ~~ورفع الجناح في الآية لدفع توهم النقصان في صلاتهم بسبب دوامهم على الإتمام ~~في الحضر، وذلك مظنة وهم النقصان، فدفع ذلك عنهم. # ثم لا قصر في السنن لأن القصر للتخفيف على المسافر، والتخفيف يحتاج إليه ~~في الفرائض لأنها لازمة. كذا في «المحيط». وروى البخاري من حديث حفص بن ~~عاصم قال: «سافر ابن عمر فقال: صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أره يسبح ~~في السفر وقد قال الله عز وجل: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}. ~~انتهى. ومعنى يسبح: يتطوع بالصلاة. وقيل: يأتي بالسنن إذا كان في المنزل، ~~ويتركها إذا كان في الارتحال». # فيقصر الفرض الرباعي (إلى أن يدخل بلده) الذي فارق بيوته وإن لم ينو ~~الإقامة، لأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام كانوا يسافرون ويعودون ~~إلى أوطانهم مقيمين من غير عزم جديد. وهذا إن أكمل في ذهابه ثلاثة أيام. ~~وأما إن لم يكملها، فيتم بمجرد رجوعه، لأنه نقض السفر قبل استحكامه. روى ~~عبد الرزاق في «مصنفه» قال علي بن ربيعة الأسدي: «خرجنا مع علي رضي الله ~~عنه ونحن ننظر إلى الكوفة فصلى ركعتين، ثم رجعنا فصلى ركعتين وهو ينظر إلى ~~القرية فقلنا له: ألا تصلي أربعا؟ فقال: لا حتى ندخلها». # --- PageV01P473 ~~*** # (أو ينوي إقامة نصف شهر ببلدة أو قرية واحدة) أي لا في مفازة من غير ~~ساكنيها، لأن الإقامة لا تعتبر إلا في موضع صالح لها، وغير البلدة والقرية ~~لا ms0354 يصلح للإقامة إلا لأهل الأخبية كما سيأتي. وهذا إذا سار ثلاثة أيام ~~فصاعدا، وأما إذا سار دونها فيتم إذا نوى إقامة نصف شهر ولو في المفازة. ~~وإنما قيد البلدة أو القرية بكونها واحدة، لأن نية الإقامة في بلدتين أو ~~قريتين أو بلدة وقرية لا تصح، فلا تصح نية الإقامة بمكة ومنى لفقد نية ~~الإقامة كملا إلا إذا نوى قبل الدخول الإقامة في أحدهما ليلا، وفي الآخر ~~نهارا، فحينئذ يصير مقيما بالدخول فيما نوى الإقامة فيه ليلا، لأن إقامة ~~المرء مضافة إلى بيته. # وقال مالك والشافعي: إذ نوى المسافر إقامة أربعة أيام يتم. وقال أحمد: ~~إذا نوى أكثر من إحدى وعشرين صلاة يتم. لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه ~~قال: «من أقام أربعا أتم». وعن سعيد بن المسيب: «من أجمع على إقامة أربع أتم». # --- PageV01P474 ~~*** # ولنا قول ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم: «إذا قدمت بلدة وأنت مسافر ~~وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى ~~تظعن فاقصرها». رواه الطحاوي. وما روى محمد بن الحسن في كتاب «الآثار»: ~~أخبرنا أبو حنيفة رحمه الله: حدثنا موسى بن مسلم، عن مجاهد، عن عبد الله بن ~~عمر قال: «إذا كنت مسافرا فوطنت نفسك على إقامة خمسة عشر يوما فأتمم ~~الصلاة، وإن كنت لا تدري فاقصر». وما روى محمد بن الحسن في «موطئه»: عن ابن ~~عباس أنه قال: إذا نوى إقامة خمسة عشر يوما أتم الصلاة»، وروى مثله عن سعيد ~~بن جبير، وسعيد بن المسيب. وما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن مجاهد: أن ~~ابن عمر كان إذا جمع على إقامة خمسة عشر يوما أتم الصلاة. وقال الترمذي في ~~كتابه: روي عن ابن عمر أنه قال: «من أقام خمسة عشر يوما أتم الصلاة». ~~والأثر في مثله كالخبر، لأنه لا مدخل للرأي في المقدرات الشرعية. # ويرد أثرهما ما في الكتب الستة عن أنس قال: «خرجنا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان ms0355 يصلي ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. ~~قيل: كم أقمتم بمكة؟ قال: أقمنا بها عشرا». فإن قيل: يحتمل أنهم كانوا ~~يعزمون على السفر كل يوم. # أجيب بأن هذا الحديث في حجة الوداع كما صرح به المنذري، فلا بد أنهم ~~قصدوا إقامة أكثر من أربعة أيام لأجل النسك، فإنه صلى الله عليه وسلم دخل ~~مكة يوم الأحد صبح رابعة من ذي الحجة، وبات بالمحصب ليلة الأربعاء بعد أيام ~~منى، وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة رضي الله عنها من التنعيم، ثم طاف صلى ~~الله عليه وسلم طواف الوداع سحرا قبل الصبح من يوم الأربعاء، وخرج صبيحته ~~وهو الرابع عشر فتمت له عشر ليال. # --- PageV01P475 ~~*** # نعم، يتأتى هذا الاحتمال في إقامته صلى الله عليه وسلم عام الفتح تسعة ~~عشر يوما فيما روى البخاري من حديث ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أقام بمكة تسعة عشر يوما يقصر الصلاة». وقد صرح في بعض الطرق: «أقام ~~بمكة عام الفتح». قال المنذري: حديث أنس يخبر عن مقامه صلى الله عليه وسلم ~~في حجة الوداع، وحديث ابن عباس يخبر عن مقامه في عام الفتح. وفي «الغاية»: ~~عن العلماء في مدة الإقامة للمسافر ثمانية عشر قولا. # (وبصحراء دارنا) عطف على «بلدة»، أي ويقصر إلى أن ينوي الإقامة بصحراء ~~دار الإسلام، (وهو خبائي) أي والحال أنه من أهل الخباء وهي بكسر الخاء: ~~الخيمة. والمراد أهل البادية كالأعراب والأتراك، لأن الصحراء موضع إقامتهم. ~~وقيل: لا يصح إقامتهم أبدا، لأن حالهم يخالف عزيمتهم. فإن إقامتهم للكلأ ~~فإذا لم يبق انزعجوا. وأجيب بأنهم مقيمون، لأن الإقامة للمرء أصل والسفر ~~عارض، فلا يبطل بالانتقال من مرعى إلى مرعى. # (لا بدار الحرب) عطف على قوله: بصحراء دارنا، فإنه جعل نية الإقامة في ~~صحراء دارنا غاية للقصر، وحكم الغاية مخالف لحكم المغيا، فيكون حكمه عدم ~~القصر. ثم قوله: لا بدار الحرب، نفي لذلك النفي، فيكون حكمه القصر. فالمعنى ~~يقصر الرباعي عسكر نوى إقامة نصف الشهر بدار الحرب، سواء كان محاصرا لهم أو ~~لم يكن. ms0356 # --- PageV01P476 ~~*** # (أو) بدار (أهل البغي) حال كون العسكر (محاصرا) للبغاة: وهم المسلمون ~~الذين خرجوا على الإمام، لأن العسكر في دار الحرب ودار البغاة متردد بين ~~الفرار والقرار، فتصير نية الإقامة فيه كنيتها في المفازة والجزيرة، فلا ~~يقطع قصر الصلاة. ولهذا قالوا من دخل بلدا لقضاء حاجة، ونوى إقامة خمسة عشر ~~يوما، لا يصير مقيما، لأنه إن قضى حاجته قبل ذلك خرج منها. فقد روى أبو ~~داود بإسناد قال النووي: إنه على شرط البخاري ومسلم عن جابر: «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة». # (كمن طال مكثه بلا نية) أي كما يقصر من طال مكثه في بلد أو قرية ولا نية ~~له. لما روى البيهقي في «المعرفة» بسند قال النووي: إنه على شرط الشيخين ~~أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «ارتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر ~~في غزاة، فكنا نقصر». ارتج بالمثناة والجيم من الارتجاج أي أغلق. وفيه: ~~«أنه كان مع غيره من الصحابة يفعلون ذلك». وروى في «المعرفة» عن المسور بن ~~مخرمة قال: «كنا مع سعد بن أبي وقاص في قرية من قرى الشام أربعين ليلة، ~~فكنا نصلي أربعا، وكان يصلي ركعتين». وعن أنس أيضا: «أن أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة». قال النووي: ~~رواه البيهقي بإسناد صحيح. # وعن أنس أيضا: «أنه أقام بالشام مع عبد الملك شهرين يصلي صلاة مسافر». ~~قال النووي: رواه البيهقي، بإسناد صحيح. وعن ابن عباس: «أقام النبي صلى ~~الله عليه وسلم أربعين يوما يصلي ركعتين». رواه البيهقي. وإسناده ضعيف. ~~وروى عبد الرزاق، عن الحسن قال: «كنا مع عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس ~~سنتين، فكان لا يجمع ولا يزيد على ركعتين. وروى أبو داود عن جابر قال: ~~«أقام صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة». # --- PageV01P477 ~~*** # ويعتبر التبع كالعبد والمرأة والجندي مسافرا ومقيما بنية المتبوع بشرط ~~علم التابع في الأصح، حتى لو لم يعلم بنية إقامته إلا بعد أيام فإن ms0357 صلاته ~~في تلك الأيام جائزة لتوقف الخطاب بالحكم على العلم به. وروي عن بعض ~~أصحابنا: أنه عليه الإعادة، إذ الحكم في التبع يثبت بشرط علم الأصل. # (فلو أتم) المسافر (وقعد) القعدة (الأولى تم فرضه وأساء) لتأخيره السلام ~~عن وقته، إن كان الإتمام قصدا لشبهة عدم قبول صدقة الله تعالى. (وما زاد ~~نفل) وصار كما لو صلى الفجر أربعا وقعد على رأس الركعتين (وإن لم يقعد بطل ~~فرضه) لتركه القعدة التي هي فرض. وهذا إذا لم ينو الإقامة في القومة ~~الثالثة، وأما إذا نواها فإنه يصير مقيما، وينقلب فرضه أربعا. وترك المقيم ~~القعدة الأولى لا يبطل فرضه، لأنها حينئذ واجبة، وقيل: سنة. # (مسافر أمه مقيم في الوقت يتم) لأن فرضه يصير أربعا تبعا لإمامه، حتى لا ~~يضره عدم جلوس إمامه على رأس الأوليين لالتزامه التبعية. لما روى مالك في ~~«الموطأ»: عن نافع، عن ابن عمر: «أنه كان يصلي وراء الإمام أربعا، فإذا صلى ~~بنفسه صلى ركعتين». # (وبعده) أي بعد الوقت (لا يؤمه) أي لا يؤم المقيم المسافر. (ولو أمه بطل ~~اقتداؤه) لأن فرض المسافر لا يتغير بعد الوقت لانفصال سببه وهو الوقت كما ~~لا يتغير بعده بنية إقامته، فلا يصح اقتداؤه به، لأنه يؤدي إلى اقتداء ~~المفترض بالمتنفل في حق القعدة، إن اقتدى به في الشفع الأول، وفي حق ~~القراءة إن اقتدى به في الشفع الثاني، إذ هي فيه نفل للمقيم. # --- PageV01P478 ~~*** # (وفي عكسه) وهو مقيم أمه مسافر (أتم المقيم) سواء أمه في وقتها أو فائتة، ~~لأن القعدة الأولى فرض في حق المسافر غير فرض في حق المقيم، واقتداء غير ~~المفترض بالمفترض جائز. وإذا سلم المسافر أتم المقيم منفردا لأنه التزم ~~الموافقة في الركعتين، فصار كالمسبوق في التزام بعض الصلاة مع الإمام وأداء ~~باقيها منفردا، فيقرأ. وقيل: لا يقرأ لأنه لاحق أدرك أول الصلاة. # (وقصر) الإمام (المسافر) أي وجوبا (قائلا ندبا) لدفع توهم أنه سهى: ~~(أتموا صلاتكم فإني مسافر) لما روى أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح، عن ~~عمران بن حصين قال: ms0358 «غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معه ~~الفتح، فأقام بمكة ثمان عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين يقول: يا أهل مكة: ~~صلوا أربعا فإنا سفر». بفتح فسكون، جمع سافر كصحب وصاحب أي مسافرون. ~~ورواه أبو داود، والطيالسي ولفظه: «ما سافرت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سفرا قط إلا صلى ركعتين حتى يرجع. وشهدت معه حنينا والطائف، فكان يصلي ~~ركعتين، ثم حججت معه واعتمرت فصلى ركعتين، ثم قال: يا أهل مكة: أتموا ~~صلاتكم فإنا قوم سفر». وهكذا أخبرنا عن أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما وقال: ~~«وقد حججت مع عثمان رضي الله عنه سبع سنين من إمارته، فكان لا يصلي إلا ~~ركعتين، ثم صلى بمنى أربعا». # --- PageV01P479 ~~*** # وخلاصة الكلام: أنه يستحب الإعلام بعد السلام للإتمام لاحتمال أن يكون ~~خلفه من لا يعرف حاله، ولا تيسر له الاجتماع به قبل ذهابه، فيحكم حينئذ ~~بفساد صلاة نفسه بناء على ظن إقامته، ثم إفسادها بسلامه على ركعتين. وهذا ~~محمل ما في «الفتاوى»: إذا اقتدى بإمام لا يدري أمسافر هو أم مقيم، لا يصح، ~~لأن العلم بحال الإمام شرط الأداء بجماعة، لا أنه شرط في الابتداء لما في ~~«المبسوط»: رجل صلى بقوم الظهر ركعتين في قرية وهم لا يدرون أمسافر هو أم ~~مقيم، فصلاتهم فاسدة، سواء كانوا مقيمين أو مسافرين، لأن الظاهر من حال من ~~في موضع الإقامة أنه مقيم، والبناء على الظاهر واجب حتى يتبين خلافه. فإن ~~سألوه فأخبرهم أنه مسافر جازت صلاتهم. # وإنما كان قول الإمام مستحبا لعدم تعينه معرفا صحة صلاته لهم، فإنه ينبغي ~~أن يتموا ثم يسألوه فتحصل المعرفة. ثم من غريب المقام: أن الإمام أبا حنيفة ~~صلى بقوم في المسجد الحرام، فلما انصرف قال: أتموا صلاتكم فإني مسافر. فقال ~~بعض المقتدين به من سفهاء مكة: نحن أعلم منك يا عراقي. (فقال أبو حنيفة: لو ~~كنت أعلم مني لما تكلمت خلال صلاتك). # --- PageV01P480 ~~*** # (ويبطل الوطن الأصلي) مفعول مقدم، وهي البلدة أو القرية التي ولد بها أو ~~تأهل فيها ms0359 أعني توطن بها بأن نوى كونه فيها إلى آخر عمره. فالمعنى جعل ~~نفسه من أهل تلك القرية، سواء تزوج فيها أم لا (مثله) ألا ترى أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة عد نفسه بمكة من المسافرين؟ وقال: «أتموا ~~صلاتكم فإني مسافر». فيبطله مثله، سواء كان بينهما مدة السفر أو لم يكن، ~~حتى لو عاد إلى الأول وبينهما مدة السفر، لا يصير مقيما إلا بنية الإقامة، ~~لأن الشيء يبطل بمثله كما يبطل بأقوى منه. فإن وطن الإقامة يبطل بالوطن ~~الأصلي. وهذا إذا لم يبق له في الوطن الأول أهل أي تعلق من زوج، أو ولد، ~~أو زراعة، أو نحوها. وأما إن كان له فيه أهل فإنه لا يبطل، وبأيهما دخل يتم ~~الصلاة من غير نية الإقامة . # (لا السفر) بالرفع أي لا يبطل الوطن الأصلي السفر. بل بمجرد دخول المسافر ~~إلى وطنه الأصلي يصير مقيما، ولا يفتقر إلى نية الإقامة. # (ووطن الإقامة) منصوب عطف على الوطن الأصلي أي ويبطل وطن الإقامة وهو ~~البلدة أو القرية التي ليس للمسافر فيها أهل ونوى أن يقيم فيها خمسة عشر ~~يوما فصاعدا (مثله) لأن الشيء يرتفض بمثله. (والسفر) لأنه ضد الإقامة فلا ~~تبقى معه، (و) الوطن (الأصلي) لأنه أقوى من وطن الإقامة. # (والسفر وضده لا يغيران الفائتة) عندنا وبه قال مالك. حتى لو قضى المسافر ~~حضرية قضاها أربعا، ولو قضى المقيم سفرية قضاها ثنتين، لأن القضاء على حسب ~~الأداء. وإنما يقضي المريض بالإيماء ما فاته في الصحة بالركوع والسجود لئلا ~~يلزم تكليف ما ليس في الوسع، ويقضي الصحيح بالركوع والسجود ما فاته في ~~المرض بالإيماء، لأن الرخصة للعجز، ولا تبقى بدونه. # --- PageV01P481 ~~*** # وقال الشافعي في الجديد: يقضيها أربعا، لأن القصر رخصة للمسافر وهو حال ~~قضائها لم يبق مسافرا، فلا يقصر. قلنا: الواجب على المسافر في الوقت ~~ركعتان، وبالفوات استقرتا في ذمته فلا يتغيران بالإقامة لوجوب القضاء ~~بالسبب الذي يجب الأداء به، فيحكيه كالعكس وهو عدم تغير فائتة الحضر إذا ~~قضيت في السفر اتفاقا لما ms0360 قدمنا. # ثم يعتبر في السفر والإقامة، وكذا في الحيض والطهر منه، والبلوغ ~~والإسلام، آخر الوقت، هو قدر التحريمة، وقد قررنا طرفا منه في باب الحيض ~~وتمامه في الأصول. ويباح السفر يوم الجمعة قبل الزوال وبعده. أما بعد ~~الزوال فظاهر، وأما قبله فلما روي عن ابن عباس أنه قال: «بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة فغدا ~~أصحابه وقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ألحقهم، فلما ~~صلى معه صلى الله عليه وسلم رآه فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك. فقال: ~~أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم. فقال: لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل ~~غدوتهم». أخرجه الترمذي. # (وسفر المعصية) كالإباق والنشوز وقطع الطريق (كغيره) أي كسفر الطاعة من ~~الحج والعمرة والتجارة. (في الرخص). # ومذهب مالك: أن العاصي لا يترخص. ومذهب الشافعي: أنه إن أنشأ السفر وهو ~~عاص لا يترخص قولا واحدا، وإن طرأ العصيان في سفره فوجهان. # --- PageV01P482 ~~*** # ولنا أن النصوص المقتضية للقصر والإفطار وغير ذلك من الرخص كقوله تعالى: ~~{فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} وقوله صلى الله عليه ~~وسلم «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها»، مطلقة لا تفرق بين سفر وسفر، وأن ~~نفس السفر مباح، وإنما المعصية فيما جاوره من عقوق، أو خروج على الإمام، أو ~~قطع طريق، والقبح المجاور لا يعدم المشروعية كالصلاة في الأرض المغصوبة، ~~والبيع وقت نداء الجمعة، والمسح على الخف المغصوب، وكثير من النظائر. # ثم من الغرائب: أن فقهاء ما وراء النهر اتفقوا في زمان عبد الله خان: على ~~أن السلطان في جميع مملكته حكمه حكم المقيم. وهذا خطأ فاحش، فإنه صلى الله ~~عليه وسلم بعد فتح مكة قصر الصلاة، وكذا الخلفاء الراشدين كعمر وعثمان، إلا ~~أن عثمان أتم في منى آخر حجه، وأنكر عليه واعتذر بأنه تزوج بمكة. وروى ~~حديثا عنه صلى الله عليه وسلم «أن من تزوج بموضع صار في حكم المقيمين به» ~~والله ms0361 أعلم بالصواب. # باب في صلاة الجمعة # وهي بضم الميم، وقرىء بإسكانها، وحكي فتحها، وسميت بذلك لاجتماع الناس ~~فيها ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أقام يوم الاثنين ~~والثلاثاء والأربعاء والخميس في بني عمرو بن عوف وأسس مسجدهم، ثم خرج من ~~عندهم فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن ~~الوادي دانوناء، فكانت أول جمعة صلاها صلى الله عليه وسلم بالمدينة. # --- PageV01P483 ~~*** # ثم هي فريضة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} لأن ~~المراد بالذكر الصلاة. وإن كان المراد به الخطبة التي هي شرط للصلاة، فيلزم ~~السعي إلى الصلاة التي هي المقصودة من باب أولى. # وأما السنة، فقوله صلى الله عليه وسلم «الجمعة حق واجب على كل مسلم في ~~جماعة إلا أربعة: مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض». رواه أبو داود. (وروى ~~البيهقي من طريق) البخاري عن تميم الداري: قال صلى الله عليه وسلم «الجمعة ~~واجبة إلا على صبي، أو مملوك، أو مسافر». ورواه الطبراني، وزاد فيه: ~~«المرأة والمريض». # وقوله صلى الله عليه وسلم وهو على أعواد منبر: «لينتهين أقوام عن ودعهم ~~الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين». رواه مسلم من ~~حديث أبي هريرة، وابن عمر. وروى أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على ~~قلبه». وفي رواية لأحمد: «من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة، طبع الله ~~على قلبه». وأما الإجماع: فلأن الأمة قد اجتمعت على فرضيتها، وإنما اختلفوا ~~في فرض الوقت بطريق الأصالة ما هو؟ على ما يجيء. # (فصل في شروط وجوب الجمعة) # --- PageV01P484 ~~*** # ثم لها شروط زائدة على شروط سائر الصلاة فمنها ما هو في المصلي، ومنها ما ~~هو في غيره. فأشار إلى الأول بقوله: (شرط لوجوب الجمعة) أي لفرضيتها ~~(الإقامة بمصر والصحة) لأن في وجوبها على المسافر والمقيم بقرية ms0362 والمريض ~~حرجا. وفي «الظهيرية»: ولا جمعة على الشيخ الكبير الذي ضعف وعجز عن السعي ~~كالمريض. (والحرية والذكورة) لأن العبد مشغول بالمولى، والمرأة بالزوج ~~بخلاف باقي الصلوات المفروضة، فإنها تؤدى في زمان يسير. (والبلوغ) لأنه شرط ~~لكل تكليف، وكذلك العقل. (وسلامة العين والرجل) فلا تجب على الأعمى سواء ~~وجد قائدا يوصله إلى الجامع أو لا. # وقال أبو يوسف ومحمد: إن وجد قائدا وجب عليه السعي وإلا فلا، لأن الأعمى ~~بواسطة القائد قادر. ولأبي حنيفة أنه عاجز بنفسه، فلا يعتبر قادرا بغيره. ~~ونظير الخلاف في الأعمى الخلاف في العاجز عن الوضوء أو عن التوجه إلى ~~القبلة إذا وجد من يعينه. ولا تجب أيضا الجمعة على مفلوج الرجل ولا ~~مقطوعها، ولا مقعد وإن وجد حاملا، لأنه عاجز عن أصل السعي، كذا أطلقوا. ~~وينبغي أن يكون فيه خلاف كالأعمى. روى أبو داود من حديث طارق بن شهاب: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجمعة حق على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: ~~عبدا مملوكا ، أو امرأة، أو صبيا، أو مريضا». قال أبو داود: وطارق رأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه. قلت: مراسيل الصحابة مقبولة بلا ~~شبهة، وإنما الخلاف في مراسيل غيرهم، مع أن الجمهور على كونها حجة أيضا. # --- PageV01P485 ~~*** # (وتقع) الجمعة (فرضا إن صلاها فاقدها) أي فاقد الشروط المذكورة، أو واحدة ~~منها وهي: الإقامة، والصحة، والحرية، والذكورة، وسلامة العين والرجل، لأن ~~اشتراط الشروط للتخفيف ورفع المشقة، فإن حضر فاقدها وصلى أجزأه عن فرض ~~الوقت كالمسافر إذا صام، والفقير إذا حج. # (شروط أداء الجمعة) # (وشرط لأدائها المصر) فلا تؤدى في المفازة والقرية لما روى البيهقي في ~~«المعرفة»، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة في «مصنفيهما»: عن علي أنه قال: «لا ~~جمعة، ولا تشريق أي تكبيره ولا صلاة فطر ولا أضحى، إلا في مصر جامع أو ~~مدينة عظيمة». الظاهر أن «أو» للشك. والحديث صححه ابن حزم، ورواه عبد ~~الرزاق من حديث عبد الرحمن السلمي عن علي قال: «لا جمعة، ولا تشريق، إلا في ~~مصر ms0363 جامع». ولأنه كان لمدينة النبي صلى الله عليه وسلم قرى كثيرة، ولم ينقل ~~أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإقامة الجمعة فيها. # وأما ما ذكره صاحب «الهداية» من قوله صلى الله عليه وسلم «لا جمعة، ولا ~~تشريق، ولا فطر، ولا أضحى إلا في مصر جامع». فرفعه غير معروف، كذا ذكره ~~مخرجه. لكن ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده في «مبسوطه» وقال: ذكره أبو يوسف ~~في «الأمالي» مسندا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم والله سبحانه أعلم. # وأجاز مالك والشافعي الجمعة في القرى لظاهر قوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر ~~الله} وقياسا على سائر الصلوات. # --- PageV01P486 ~~*** # ولنا: ما سبق عن علي، وكفى به قدوة وإماما. ولا يعارضه ما روي عن ابن ~~عباس قال: «إن أول جمعة جمعت (بعد جمعة) في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بجواثا» قرية في البحرين، إذ القرية تطلق على المصر في عرف الصدر ~~الأول، وهو لغة القرآن، قال الله تعالى: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على ~~رجل من القريتين عظيم} أي: مكة والطائف، ولا شك أن مكة مصر. # وفي «الصحاح»: أن جواثا حصن بالبحرين، فهي مصر إذ لا يخلو الحصن عن حاكم ~~وعالم، ولذا قال في «المبسوط»: وجواثا مصر في البحرين، ثم يجب أن يحمل قول ~~علي رضي الله عنه على كونه سماعا، لأن دليل الافتراض من كتاب الله يفيد ~~العموم في الأمكنة، فإقدامه على نفيها في بعض لا يكون إلا عن سماع، لأنه ~~خلاف القياس المنهي في مثله وفي الصلوات الباقيات أيضا. # والتحقيق أن قوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله} ليس على إطلاقه اتفاقا ~~بين الأئمة، إذ لا يجوز إقامتها في البراري إجماعا، ولا في كل قرية عندهما. ~~بل يشترط أن لا يظعن أهلها عنها صيفا ولا شتاء. فكان خصوص المكان مرادا ~~فيهما إجماعا، فقدرا القرية، وقدرنا المصر، وهو أولى لحديث علي رضي الله ~~عنه. وهو لو عورض بقول غيره، كان علي رضي الله عنه مقدما عليه، فكيف ولم ~~يتحقق له معارض؟ ولهذا لم ينقل عن ms0364 الصحابة أنهم حين فتحوا البلاد اشتغلوا ~~بنصب المنابر إلا في الأمصار دون القرى، ولو كان لنقل ولو آحادا. # (أو فناؤه) بكسر الفاء أي حوله المتصل به، مما يعد لمصالحه. # --- PageV01P487 ~~*** # وفي «المنتقى» عن أبي يوسف: لو خرج الإمام عن المصر مع أهله لحاجة مقدار ~~ميلين فحضرت الجمعة، جاز أن يصلي بهم الجمعة، وعليه الفتوى. لأن فناء المصر ~~بمنزلة المصر فيما كان من حوائج أهله. وأداء الجمعة أعد من حوائجهم. وتجوز ~~الجمعة بمنى أيام الموسم عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا كان الإمام أمير ~~الحجاز، أو كان الخليفة حاجا. وقال محمد: لا يجوز لأن منى قرية. ولهما أن ~~منى أيام الموسم تصير مصرا، وأما الجمعة بعرفات فلا تصح إجماعا، ولو وافق ~~الوقوف، لأنه صلى الله عليه وسلم وقف بها يوم الجمعة، ولم يصل بها الجمعة ~~بل الظهر والعصر جمعا. وكذا لا يصلي بمنى صلاة العيد اتفاقا لاشتغال الناس ~~بأعمال المناسك في ذلك اليوم. # (وما لا يسع أكبر مساجده أهله) الذي يجب عليهم الجمعة (مصر) روي ذلك عن ~~أبي يوسف. وفيه إشكال، حيث لم يصدق على المساجد الثلاثة، اللهم إلا أن ~~يقال: إنها مستثناة معلومة من الشريعة، أو يقال: هذا إذا كانت المساجد ~~متعددة، ولا تعدد في مكة والمدينة والقدس. وعنه: كل موضع له أمير وقاض ينفذ ~~الأحكام، ويقيم حدود الإسلام. قال في «الهداية»: وهو الظاهر أي من المذهب ~~وعليه أكثر الفقهاء، واختاره الكرخي. # وعن أبي حنيفة: كل بلد لها سكك، وأسواق، ووال لدفع المظالم، وعالم يرجع ~~إليه في الحوادث. قيل: هو الأصح. واختار الثلجي الأول لظهور التواني في ~~أحكام الشرع، لا سيما في إقامة الحدود. وقال محمد: هو كل موضع مصره الإمام ~~بإرسال نائب لإقامة الحدود والقصاص، حتى إذا عزله يلحق بالقرى. # --- PageV01P488 ~~*** # (وما اتصل به) أي بالمصر (معدا لمصالحه) أي لمصالح أهله: من ركض خيلهم، ~~ورميهم بسهم، ودفن موتاهم. (فناؤه) وقدره بعضهم بفرسخين، وبعضهم بميلين. ~~وفي «الخانية»: لا بد أن يكون الفناء متصلا بالمصر حتى لو كان بينه وبين ~~المصر فرجة من ms0365 المزارع والمراعي لا يكون فناء. # ولو أقيمت الجمعة في مصر في مواضع، ففي المذهب أربع روايات: # أولاها عن أبي حنيفة ومحمد وهي أصحها: الجواز سواء كان التعدد في موضعين ~~أو أكثر، لأن في عدم تعدد جوازها حرجا. والحرج مدفوع، فصارت كصلاة العيدين. ~~وبه قال محمد، وهو مختار السرخسي. # ثانيتها عن أبي حنيفة: لا يجوز في أكثر من موضع واحد، لأن الجمعة من ~~أعلام الدين، فلا يجوز تقليل جماعتها، وفي جوازها في مكانين تقليلها. # ثالثتها عن أبي حنيفة وصاحبيه: يجوز في موضعين لا غير نظرا إلى وجهي ~~الروايتين الأوليين. # رابعتها عن أبي يوسف: يجوز في موضعين إذا كان المصر كبيرا، أو حال بين ~~الخطبتين نهر كبغداد. # ثم من قال بعدم جواز التعدد قال: الجمعة هي السابقة. وفي «المحيط»: إن ~~وقعتا معا بطلتا. وفي «شرح المجمع»: وكذا لو جهلت السابقة، ثم الأصح أنه ~~يعتبر السبق بالشروع لا بالفراغ ولا بهما. # --- PageV01P489 ~~*** # وإذا وقع الشك في صحة أداء الجمعة لفقد بعض الشرائط، ينبغي أن يصلى بعد ~~الجمعة أربع ركعات احتياطا، ولو بالحرمين الشريفين، وينوي ظهر يومه، أو آخر ~~ظهر عليه وهو أحسن لأنه إن لم تجزىء الجمعة فعليه الظهر، وإن أجزأت كانت ~~الأربع عن ظهر عليه إن كان عليه، وإلا فيقع نفلا. والأحوط أن يقول: نويت ~~آخر ظهر أدركت وقته ولم أصله بعد. لأن ظهر يومه إنما يجب عليه بآخر الوقت ، ~~ولأنه يفيد الترتيب أيضا. والأصح أن يقرأ بالفاتحة والسورة في أربع احتياطا ~~لاحتمال أن يكون نفلا. وكذا من يقضي الصلوات احتياطا. # (والسلطان) أي وشرط لأداء الجمعة السلطان وهو الوالي الذي لا والي فوقه ~~(أو نائبه) وهو من أمره السلطان بإقامتها لظاهر قول الحسن البصري: أربع إلى ~~السلطان، وذكر منها الجمعة والعيدين. وحضوره وإذنه غير شرط عند مالك ~~والشافعي. وأما ما روي: «أن عليا جمع بالناس وعثمان محصور»، فواقعة حال. ~~فيجوز أن يكون بإذنه، وبه جزم في «الكافي»، وأن يكون بغير إذنه، فلا حجة ~~فيه لفريق. فيبقى قوله صلى الله عليه وسلم «من تركها ms0366 وله إمام جائر أو ~~عادل، فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره، ألا لا صلاة له». الحديث ~~رواه ابن ماجه وغيره. حيث شرط في لزومها الإمام كما يفيده قيد الجملة ~~الواقعة حالا مع ما عيناه من المعنى سالمين عن المعارض. # --- PageV01P490 ~~*** # (و) شرط لأدائها (وقت الظهر) ولو خرج وقته والإمام في الجمعة استقبل ~~الظهر ولا يبني عليها. وقال الشافعي وزفر: أتمها أربعا بناء على أن الجمعة ~~ظهر مقصر لمكان الخطبة بشرط أدائها في وقتها، وإذا خرج وهو فيها عادت ظهرا، ~~وعندنا الظهر غير الجمعة اسما وقدرا وشرطا، فلا يمكن بناء الظهر عليها. ~~وإنما شرط الوقت لما في البخاري عن أنس: «كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي الجمعة حين تميل الشمس». وفي مسلم عن سلمة بن الأكوع: «كنا نجمع مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس». الحديث. # وقال أحمد: تجوز الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة لما روى مسلم عن ~~سهل بن سعد الساعدي قال: «ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الاستدلال به نظر، إذ لا دلالة فيه إلا ~~على التبكير المرتب عليه ترك الغداء والقيلولة مبادرة إلى الجمعة. وأما ما ~~روى أحمد عن ابن مسعود: «أنه كان يصلي الجمعة ضحى ويقول: إنما عجلت بكم ~~خشية الحر عليكم». ففيه أن فعله رضي الله عنه لا يصلح أن يكون معارضا لفعله ~~صلى الله عليه وسلم # وامتد الوقت عند مالك من الزوال إلى المغرب، حتى لو افتتحها في وقت ~~العصر، يصح عنده. ولو خرج الوقت يتمها عنده جمعة، وهذا الخلاف مبني على أن ~~وقتي الظهر والعصر واحد عنده، كما تقدم والله تعالى أعلم. وفي «الظهيرية»: ~~إذا أراد أن يسافر يوم الجمعة، لا بأس به إذا خرج من عمران المصر قبل دخول ~~وقت الظهر. # --- PageV01P491 ~~*** # (و) شرط لأدائها (الخطبة) قبل الصلاة فلو صلاها بلا خطبة أو خطب بعد ~~الصلاة لم يجز. لأن إقامتها مقام الظهر على خلاف القياس، والشرع ms0367 ما جاء بها ~~إلا مقيدة بالخطبة، فإنه صلى الله عليه وسلم ما صلاها في عمره بدونها، نص ~~على ذلك غير واحد من الحفاظ، منهم البيهقي قال: «لم يصل النبي صلى الله ~~عليه وسلم الجمعة إلا بالخطبة». ولو جازت بدونها لفعلها مرة تعليما للجواز، ~~وما خطب إلا قبلها لأن الأذان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر، وعمر رضي الله عنهما كان حين يجلس الإمام على المنبر للخطبة، فيدل ~~ذلك على أن الصلاة بعدها. وقد قال صلى الله عليه وسلم «صلوا كما رأيتموني أصلي». # (نحو تسبيحة) لقصد الخطبة ولو قال: الحمد لله، لعطاس أو: سبحان الله، ~~لتعجب لا يجزىء اتفاقا. وأراد بنحو تسبيحة تهليلة وتكبيرة مع الكراهة. وقال ~~أبو يوسف ومحمد: لا بد من ذكر طويل يسمى خطبة عرفا، وهو أن يثني على الله ~~بما هو أهله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو للمسلمين للتوارث، ~~ولأن المأمور به مطلق الخطبة، فينصرف إلى المعهود المتعارف. قيل: وأقله قدر ~~التشهد، لأن الواجب خطبة. والتحميدة الفردة، والتسبيحة الفردة لا تسمى خطبة ~~في العادة. # ولأبي حنيفة إطلاق قوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله} من غير فصل بين ~~كونه ذكرا طويلا يسمى خطبة، أو ذكرا لا يسمى خطبة، فكان الشرط هو الذكر ~~الأعم بالقاطع، غير أن المأثور عنه صلى الله عليه وسلم اختيار أحد الفردين، ~~أعني الذكر المسمى بالخطبة، والمواظبة عليه، فكان واجبا أو سنة لا أنه ~~الشرط الذي لا يجزىء غيره، إذ لا يكون بيانا لعدم الإجمال في الذكر. وقد ~~علم وجوب تنزيل المشروعات على حسب أدلتها. # --- PageV01P492 ~~*** # وقال الإمام القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب «غريب الحديث» من غير سند: ~~روي عن عثمان: «أنه صعد المنبر فأرتج عليه أي أغلق عليه الكلام فقال: ~~الحمد لله، إن أول كل مركب صعب، وإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا ~~يعدان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل، ~~وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء الله ms0368 تعالى». انتهى. وفي رواية زاد: ~~«وأستغفر الله لي ولكم، فنزل وصلى بهم فلم ينكر عليه أحد منهم». فكان ~~إجماعا منهم إما على عدم اشتراطهما. وإما على كون نحو الحمد لله ونحوها ~~يسمى خطبة لغة، وإن لم يسم به عرفا. لكن قال ابن الهمام: ليس لهذه القصة ~~أصل، فإنها لم تعرف في كتب الحديث بل في كتب الفقه. وأنكر ابن العربي وغيره ~~هذا الأثر. # وإنما تبع صاحب «الهداية» ما ذكر في «المبسوط»، و«ملتقى البحار»، و«شرح ~~البخاري» لابن بطال، و«شرح مسلم» للخلاطي، وبعض المؤرخين، لكن المدار على ~~رواية المحدثين المخرجين. # ثم القيام فيها، وتلاوة آية من كتاب الله، وذكر موعظة بتنذير وتبشير ~~وبتقوى الله، والجلسة بين الخطبتين بقدر ثلاث آيات قصار. وقيل: بقدر ما يمس ~~مقعده المنبر. # والصلاة فيها على النبي صلى الله عليه وسلم سنة عندنا لإطلاق الذكر في ~~الآية، لا شرط كما قال مالك والشافعي. لأن الخطبة قائمة مقام شرط الصلاة ~~لقول عائشة: «إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبة، فيشترط لها ما يشترط للصلاة». ~~وللتوارث على اشتمالها على هذه الأشياء. وكذا ستر الخطيب عورته فيها سنة ~~عندنا، وبه قال مالك. وشرط عند الشافعي، لأنها بمنزلة الصلاة. # --- PageV01P493 ~~*** # (في الوقت) أي يشترط في الخطبة أن تكون بعد الزوال، حتى لو خطب قبل ~~الزوال وصلى بعده لا يجزىء لما روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: «كان ~~الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ~~حين يجلس الإمام». ومعلوم أن الأذان في الوقت، وبه يرد قول أحمد. وأما ما ~~رواه الدارقطني من أن: «أبا بكر وعمر كانا يخطبان قبل الزوال»، فضعيف. # (والجماعة) أي وشرط لأدائها الجماعة إجماعا على خلاف في عددها (أي ثلاثة ~~رجال سوى الإمام) عند أبي حنيفة ومحمد. وبالإمام عند أبي يوسف، لأن الاثنين ~~مع الإمام جمع. ولهما: أن الجماعة شرط على حدة، والإمام شرط آخر، فتعتبر ~~جمع سوى الإمام لقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله}، فهذا يقتضي مناديا ms0369 وذاكرا وهما المؤذن والإمام وساعيين لأن ~~قوله تعالى: {فاسعوا} لا يتناول ما دون المثنى، ثم ما دون الثلاث: ليس بجمع ~~متفق عليه، فإن أهل اللغة فصلوا بين التثنية والجمع، فالمثنى وإن كان فيه ~~معنى الاجتماع من وجه، فليس بجمع مطلقا، واشتراط الجماعة هنا ثابت مطلقا، ~~ثم يشترط في الثلاثة أن يكونوا بحيث يصلحون للإمامة في صلاة الجمعة، حتى إن ~~نصابها لا يتم بالنساء والصبيان، ويتم بالعبيد والمسافرين لصلاحهم للإمامة ~~فيها، كذا في «المبسوط». # --- PageV01P494 ~~*** # (وإن نفروا بعد سجوده) أي سجود الإمام سجدة واحدة (أتمها) أي أتم الإمام ~~الصلاة جمعة، خلافا لزفر. له: أن الجماعة شرط، فلا بد من دوامها كالوقت. ~~ولهم: أنها شرط الانعقاد فلا يشترط دوامها كالخطبة. لكن أبا حنيفة رحمه ~~الله تعالى يقول: لا يتم الانعقاد إلا بتمام الركعة، وتمامها بتقييدها ~~بالسجدة. وقالا: إذا نفروا عنه بعدما افتتح الصلاة صلى الجمعة. وذكره في ~~«الهداية»، وهو الأظهر. # (وقبله) أي وإن نفروا قبل سجوده (بدأ بالظهر) أما قبل التحريمة ~~فبالاتفاق، وأما بعدها فعند أبي حنيفة، خلافا لهما، والوجه ما قدمناه. وترك ~~مالك تحديد الجماعة، واكتفى بوجود من يقري بهم قرية من الذكور الأحرار ~~بموضع يمكن الثوي فيه من بناء متصل، أو أخصاص، مستوطنين على الأصح. وشرط ~~الشافعي وجود أربعين أحرارا مكلفين، مقيمين في موضع لا يرتحلون عنه صيفا ~~ولا شتاء إلا لحاجة، سامعين الخطبة، لقول جابر: «مضت السنة أن في كل ثلاثة ~~إماما، وفي كل أربعين فما فوقه جمعة، وأضحى، وفطرا». قلنا: هو ضعيف، حتى ~~قال البيهقي: لا يحتج بمثله. # (والإذن العام) أي وشرط لأدائها الإذن العام لأنها من شعائر الإسلام، ~~فيجب إقامتها على وجه الاشتهار بين الأنام، حتى لو أغلق الأمير باب قصره ~~وصلى بعسكره لم يجز، ولو فتح باب قصره وأذن بالدخول جازت مع الكراهة، كذا ~~ذكره الشمني. وفي «المبسوط»: إن الإذن العام هو أن تفتح أبواب الجامع، ~~ويؤذن للناس حتى لو اجتمعت جماعة في الجامع وأغلقوا الأبواب وجمعوا لم تجز. # --- PageV01P495 ~~*** # وكذا السلطان إذا أراد أن يصلي بحشمه في ms0370 قصره، فإن فتح بابه وأذن للناس ~~إذنا عاما جازت صلاته، شهدتها العامة أو لا، وإن لم يفتح بابه ولم يأذن لهم ~~بالدخول لا تجزئه، لأن اشتراط السلطان للتحرز عن تفويتها على الناس، وذا لا ~~يحصل إلا بالإذن العام. وكما يحتاج العامة إلى السلطان في إقامتها، ~~فالسلطان يحتاج إليهم: بأن يأذن لهم إذنا عاما، فبهذا يعتدل النظر من ~~الجانبين. # ثم الجمعة بدل عن الظهر عندنا، وقال مالك والشافعي وزفر: هي فريضة أصالة، ~~والظهر بدل عنها، لأنه مأمور بأداء الجمعة، معاقب بتركها، ومنهي عن أداء ~~الظهر، مأمور بالإعراض عنه ما لم يقع اليأس عن الجمعة. وهذا هو صورة الأصل ~~مع البدل، ولا يجوز أداء البدل مع القدرة على الأصل. # ولنا: أن فرض الوقت الظهر في هذا اليوم في حق الناس كافة كما في سائر ~~الأيام بالنص وهو قوله صلى الله عليه وسلم «أول وقت الظهر حين تزول ~~الشمس». مطلقا غير مقيد بيوم دون يوم. ودلالة الإجماع، فإن من فاتته الجمعة ~~يقضي الظهر إجماعا. والجمعة لا تقضى والظهر غيرها، فيجب أن لا يلزمه شيء. # --- PageV01P496 ~~*** # ولما أمر بالظهر علمنا أنه أصل عاد إليه الحكم، لأنه ينوي القضاء إذا أدى ~~الظهر بعد انقضاء الوقت إجماعا. فلو لم يكن أصل فرض الوقت في حقه الظهر، ~~لما نوى القضاء، ولأن الفرض في حق كل واحد ما يتمكن من أدائه بنفسه، وأداؤه ~~للتكليف يدور على الوسع والإمكان، فما قرب إلى الوسع فهو أحق أن يكون أصلا، ~~والظهر أقرب، لأنه يتمكن من أدائه بنفسه لأنه مبني على قدرة هي صفته، بخلاف ~~الجمعة فإنها تتوقف على شرائط لا تتم به وحده وهي الإمام والجماعة وغيرهما، ~~وذا ليس في وسعه، وإنما يحصل له ذلك اتفاقا. ولكن يجب إسقاط الظهر بالجمعة ~~إذا استجمعت شرائطها للأمر بالسعي إليها. وأبهم محمد تارة وقال: لا أدري ما ~~أصل فرض الوقت في هذا اليوم، ولكنه يسقط الفرض عنه بأداء الظهر أو الجمعة، ~~وعين الجمعة أحرى، ورخص إسقاطها بالظهر. # (وكره في المصر) أي دون القرية والمفازة ، لأنهم ms0371 ليس عليهم شهود الجمعة، ~~فكان هذااليوم في حقهم كسائر الأيام. كذا في «المبسوط». وهذا القدر لا يدل ~~على أكثر من كراهة التنزيه (ظهر المعذور وغيره) كمن فاتته الجمعة لمانع، ~~(بجماعة) سواء صلوا قبل الجمعة، أو بعدها. لأن في ذلك تقليل جماعة الجمعة. ~~والمعارضة (لا) على وجه المخالفة، خلافا لمالك والشافعي، حيث نظرا إلى ~~كونهم مخاطبين بالظهر دونها، وكون الجماعة سنة في الفرائض، ومذهبنا مروي عن ~~علي رضي الله عنه. # --- PageV01P497 ~~*** # (و) كره في المصر (ظهر غير المعذور قبل الجمعة) والمراد بالكراهة هنا ~~الحرمة، لأنه ترك الفرض القطعي باتفاقهم الذي هو أوكد من الظهر، فكيف لا ~~يكون مرتكبا محرما؟ غير أن الظهر تقع صحيحة، وإن كان مأمورا بالإعراض عنها. ~~وإنما لم يبطل ظهره عندنا لما مر من أن فرض الوقت هو الظهر وقد أتى به، ~~والجمعة بدل عنه، لتوقفها على شرائط لا تتم بالمصلي وحده. والتكليف يعتمد ~~على الوسع. وحكم مالك والشافعي وزفر ببطلانها بناء على تعيين الجمعة فرض ~~الوقت عندهم، فلا يصح ظهره لأن الجمعة هي الأصل المأمور بها، ولا يصح غير ~~الأصل مع القدرة عليه. # (وسعيه) أي وسعي من صلى الظهر (إلى الجمعة) بخطوتين، أو بانفصاله عن داره ~~وهو الأصح ، سواء كان معذورا أو غيره. وبعضهم اقتصروا على غير المعذور، ~~(والإمام فيها) أي في الجمعة وقت انفصاله عن مكانه والجملة حالية ~~(يبطلها) أي يبطل ظهره عند أبي حنيفة وإن لم يدركها لبعد المسافة. وهو ~~مختار مشايخ بلخ دون مشايخ العراق. والأول هو المعول، فإن أدرك الجمعة ~~وصلاها كانت فرضه وإلا أعاد الظهر. # وقيد بقوله: والإمام فيها، لأنه لو كان خروج المصلي مع فراغ الإمام لا ~~ينتقض ظهره اتفاقا. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يبطل ظهره إلا بالدخول مع ~~الإمام، ففي رواية بإتمامها، لأن السعي إلى الجمعة دون الظهر، والشيء لا ~~يبطل بما هو دونه. ولأبي حنيفة أن السعي إلى الجمعة من خصائصها فيأخذ حكمها. # وثمرة الخلاف تظهر فيمن سعى والإمام في الجمعة فحضر وقد فرغ الإمام، ~~وفيمن سعى إلى الجمعة ms0372 فخرج وقت الظهر قبل أن يدخل مع الإمام: فعند أبي ~~حنيفة رحمه الله يعيد الظهر، وعندهما لا يعيدها. # --- PageV01P498 ~~*** # (ومدركها) أي الجمعة (في التشهد، أو في سجود السهو يتمها) جمعة. وقال ~~محمد، وهو قول مالك والشافعي: إن أدرك أكثر الثانية: بأن أدرك الركوع أتمها ~~جمعة، وإن لم يدرك أكثرها أتمها ظهرا، لأنها جمعة نظرا إلى التحريمة، ظهر ~~نظرا إلى فوات بعض شروط الجمعة. فيصلي أربعا اعتبارا للظهر، ويقعد على رأس ~~الركعتين اعتبارا للجمعة، ويقرأ السورة في الأخريين لاحتمال النفلية بخلاف ~~مدرك العيد في التشهد، أو سجود السهو، فإنه يتمها عيدا بلا خلاف، إذ لا خلف له. # له: ما روى الدارقطني من حديث أبي هريرة: «من أدرك الركوع من الركعة ~~الأخيرة يوم الجمعة فليضف إليها أخرى، ومن لم يدرك الركوع من الركعة ~~الأخيرة فليصل الظهر أربعا». ولهما: ما في الكتب الستة من حديث أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها ~~تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». وفي ~~لفظ: «فاقضوا». وفيه: أن هذا مطلق، والحديث الأول مقيد. # ثم الجمعة لا تجب على من بعد عن المصر فرسخا. وأوجبها مالك عليه، ولا يجب ~~على من هو أبعد منه خلافا لمحمد كما في رواية عنه ، لتناول الأمر بالسعي ~~إياه. وعنه: ستة أميال، وهو رواية عن أبي يوسف. وعنه: بريد ويوجبها أبو ~~يوسف على من كان داخلا حد الإقامة الذي من فارقه يصير مسافرا، ومن وصل إليه ~~مقيما، وهو الأصح، لأن وجوبها مختص بأهل المصر، والخارج عن هذا الحد ليس من ~~أهله حقيقة ولا حكما. وشرط محمد لوجوبها سماع الأذان من أعلى مكان في ~~الجامع. وفي ظاهر الرواية: لا يجب على من كان خارج الربض. # --- PageV01P499 ~~*** # (وإذا أذن الأول) وهو الأذان على المنارة، الذي أحدث في زمان عثمان على ~~الزوراء وهي دار بسوق المدينة مرتفعة لما روى الجماعة إلا مسلما من حديث ~~السائب بن يزيد قال: «إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام ms0373 على ~~المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان في ~~خلافة عثمان وكثروا، أمر بالأذان الثالث، فأذن على الزوراء». زاد ابن ماجه: ~~«على دار في سوق يقال لها الزوراء، فثبت الأمر على ذلك». وسمي هذا الأذان ~~ثالثا باعتبار الشرعية، لأن الأول فيما بين يدي الإمام، والثاني إقامة ~~الصلاة. # (تركوا البيع) وما في معناه من الشغل المانع عن الحضور. وعامة العلماء ~~على أن البيع يحرم إلا أنه صحيح. وقال مالك وأحمد بن حنبل: إنه فاسد. # (وسعوا) لقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ~~الله وذروا البيع}، وفي قراءة شاذة: فامضوا، وهي تدل على أن السعي ليس ~~بمعنى الإسراع. وقال الطحاوي: إنما يجب السعي وترك البيع إذا أذن الأذان ~~الذي يكون والإمام على المنبر، لأنه الذي كان على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبي بكر وعمر، والأول أصح، واختاره شمس الأئمة لحصول الإعلام ~~به، ولأنه لو انتظر الأذان عند المنبر يفوته أداء السنة وسماع الخطبة، ~~وربما تفوته الجمعة إذا كان منزله بعيدا من الجامع. # (وإذا خرج الإمام) أي صعد المنبر (حرمت الصلاة) أي الشروع في النافلة، إذ ~~لو تذكر الفائتة وهو من أهل الترتيب يجب عليه أن يقضيها، ولو شرع في ~~التطوع ثم خرج الإمام سلم عن ركعتين، ولو شرع في السنة قبل الجمعة فشرع ~~الخطيب في الخطبة، فالأصح أنه يتم أربعا. # --- PageV01P500 ~~*** # (والكلام) أي كلام الناس (حتى يتم خطبته) لقوله صلى الله عليه وسلم «لا ~~تصلوا والإمام يخطب». رواه عبد الحق من حديث علي رضي الله عنه. ولقوله صلى ~~الله عليه وسلم «إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد ~~لغوت». رواه مسلم وأبو داود (وابن ماجه). ولما في «مصنف ابن أبي شيبة»، عن ~~علي، وابن عباس، وابن عمر: «أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج ~~الإمام». ولقول الزهري: «إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام». ورفعه غريب من ~~صاحب «الهداية»، بل قال البيهقي: رفعه خطأ فاحش. # وعن ابن ms0374 عباس: «يكره الكلام في أربع مواطن: يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم ~~الأضحى، وفي الاستسقاء، إذا صعد الإمام المنبر فلا يتكلم حتى ينزل». وهذا ~~عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس بالكلام إذا خرج الإمام قبل أن ~~يخطب، وإذا نزل قبل أن يصلي، لقول الزهري: خروجه يقطع الصلاة، وكلامه يقطع ~~الكلام. رواه مالك في «الموطأ». وروى في «الموطأ» أيضا عن ثعلبة بن أبي ~~مالك القرظي: «أنهم كانوا في زمن عمر يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، وإذا ~~خرج وجلس على المنبر، وأذن المؤذن، جلسوا يتحدثون حتى إذا سكت المؤذن، وقام ~~عمر، سكتوا فلم يتكلم أحد». واختلفا حالة جلوسه بين الخطبتين. فقال أبو ~~يوسف: يباح فيها الكلام، وخالفه محمد. # --- PageV02P001 ~~*** # (وإذا جلس الإمام على المنبر أذن ثانيا بين يديه) لما سبق من حديث ~~السائب. ولما رواه إسحاق بن راهويه في «مسنده» بلفظ: «كان النداء الذي ~~ذكره الله في القرآن يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر وعامة خلافة عثمان، فلما كثر ~~الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء». وإنما جعل الثالث لأن الإقامة تسمى ~~أذانا كما جاء في الحديث: «بين كل أذانين صلاة» (واستقبلوه مستمعين). في ~~«الظهيرية»: قال بعضهم: ما دام الخطيب في حمد الله وثنائه والمواعظ فعليهم ~~الاستماع، فإذا أخذ في مدح الظلمة والثناء عليهم فلا بأس بالكلام حينئذ. ~~وقال بعضهم: التباعد عن الخطيب أفضل، كيلا يسمع ما يقول الخطيب من مدح ~~الظلمة. ثم لا ينبغي أن يتخطى رقاب الناس بحيث يؤذيهم، إلا إذا كان قدامه فضاء. # وفي «المحيط»: ولا يشمتون عاطسا، ولا يردون سلاما، ولا يقرؤون قرآنا. وعن ~~أبي يوسف: يردون السلام، ويشمتون العاطس في أنفسهم. وإذا كان بعيدا من ~~الخطيب بحيث لا يسمع ، قيل: يقرأ في نفسه، وقيل: يسكت، قيل: هو الأصح. لأنه ~~مأمور بالاستماع، ولم يعجز عن الإنصات فلزمه. والأظهر أنه يقرأ ليحوز ~~الفضيلتين، وهو لا ينافي الإنصات المانع من الاستماع الذي وقع النهي عنه ~~بقوله: {فاستمعوا ms0375 له وأنصتوا}. وجوز الشافعي رد السلام بناء على أن الرد ~~واجب والاستماع عنده سنة، فلا يكون مانعا. وهو رواية عن أبي يوسف. قلنا: ~~ذاك إذا كان السلام مأذونا فيه شرعا، وليس كذلك في حال الخطبة، بل يصير به ~~آثما لشغله خاطر السامع عن الفرض. # --- PageV02P002 ~~*** # وأجاز أيضا للداخل تحية المسجد لقصة سليك الغطفاني. أخرجها الجماعة، عن ~~جابر بن عبد الله: أن رجلا جاء يوم الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يخطب، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: صل ركعتين، فتجوز فيهما». زاد ~~مسلم: وقال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، ~~وليتجوز فيهما». ولنا ما روينا عن علي، وما في ابن أبي شيبة عن الزهري قال ~~في الرجل يجيء يوم الجمعة، والإمام يخطب: «يجلس ولا يصلي». وما في «الكتب ~~الستة»، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قلت ~~لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوت». وهذا يفيد بطريق ~~الدلالة منع الصلاة، لأن الأمر بالمعروف، وهو أعلى من السنة وتحية المسجد، ~~فمنعه منهما أولى. # فإن قيل: العبارة مقدمة على الدلالة عند المعارضة، قلنا: إنها غير لازمة، ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنصت له حتى فرغ من صلاته، لما أخرجه ~~الدارقطني من حديث عبيد بن محمد العبدي: حدثنا معتمر، عن أبيه، عن قتادة، ~~عن أنس قال: «دخل رجل المسجد ورسول الله يخطب، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم قم فاركع ركعتين. وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته». ثم قال: وهم ~~عبيد في إسناده. ثم رواه، عن أحمد بن حنبل: حدثنا معتمر، عن أبيه قال: «جاء ~~رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: يا فلان أصليت؟ قال: لا، قال: قم ~~فصل، ثم انتظره حتى صلى». قال: وهذا المرسل هو الصواب . # --- PageV02P003 ~~*** # قلنا: المرسل حجة عندنا وعند الجمهور، فيجب اعتقاد مقتضاه علينا، ثم ~~إسناده بزيادة الثقة مقبولة، فمجرد زيادته لا يوجب الحكم بغلطه، وإلا لم ~~تقبل زيادة. وأما ما رواه مسلم فيه من ms0376 قوله: «إذا جاء أحدكم الجمعة...». ~~الحديث، لا ينفي كون المراد أن يركع مع سكوت الخطيب، لما ثبت في السنة من ~~ذلك، أو كان قبل تحريم الصلاة في حالة الخطبة. فتسلم تلك الدلالة عن ~~المعارض. # (ويخطب خطبتين، بينهما قعدة) مقدار ثلاث آيات في ظاهر الرواية (قائما) ~~لأنه المتوارث، ولقوله تعالى: {وتركوك قائما}. فعن ابن عمر: «كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يخطب خطبتين يقعد بينهما». وفي رواية: «يخطب قائما، ثم ~~يقعد، ثم يقوم كما يفعل الآن ». متفق عليه. # (طاهرا) لأنها ذكر يتقدم الصلاة، فيستحب فيها التطهير كالأذان. فلو خطب ~~قاعدا، أو على غير طهارة، جاز، إلا أنه يكره عندنا خلافا لمالك والشافعي ~~فيهما، إذ القعود والطهارة شرط عندهما، وكذا ستر العورة عند الشافعي. # (فإذا تمتا) أي الخطبتان (أقيم) أي للصلاة. وفي بعض النسخ: أقيمت أي ~~الصلاة (وصلى الإمام بالناس ركعتين) بذلك جرى العمل من حياته صلى الله عليه وسلم # قال أبو مطيع البلخي: لا يحل للرجل أن يعطي سؤال المسجد، فإنه روى الحسن: ~~«أنه ينادي مناد يوم القيامة: ليقم بغيض الله، فيقوم سؤال المسجد». والصحيح ~~أنه إذا كان لا يتخطى رقاب الناس، ولا يمر بين يدي المصلي، ولا يسأل ~~إلحافا، ويسأل لأمر لا بد له منه، فلا بأس بالسؤال والإعطاء. لما روى أبو ~~داود، عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هل ~~منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل، ~~فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن، فدفعتها إليه». # --- PageV02P004 ~~*** # قلت: ليس بصريح في المدعى، إذ يحتمل أن يكون السائل في طريق المسجد حال ~~الدخول أو الخروج، لوقوع عين السائل على كسرة ولده، وليس من المروءة حينئذ ~~منعه. وأما ما استدل به على جوازه بقوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} وأن عليا أعطى ~~خاتمه لسائل في الصلاة، فلا دلالة فيه على كونه في المسجد . هذا، وفي شرح ~~«المنية»: يحرم السؤال فيه، ms0377 ويكره الإعطاء للسائل فيه، وإلا فلو أعطى ~~مسكينا في المسجد، فلا يكره اتفاقا. # فصل في صلاة العيدين وتكبيرات التشريق # وكانت صلاة عيد الفطر في السنة الأولى من الهجرة. وسمي عيدا لأن لله ~~تعالى فيه عوائد الإحسان على عباده. والأصل فيهما ما رواه أبو داود وغيره ~~عن أنس قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ولهم يومان يلعبون ~~فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم ~~الأضحى، ويوم الفطر». # ثم صلاة العيد واجبة عندنا في الأصح، وهو رواية عن أبي حنيفة لا سنة ~~كما هو قول مالك والشافعي، وبه قال بعض أصحابنا. والأظهر أنها سنة مؤكدة: ~~أخذها هدى، وتركها ضلالة، لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم من غير ترك. # --- PageV02P005 ~~*** # وقال أحمد: فرض كفاية، وهو رواية عن أبي حنيفة. وقيل: صلاة العيد سنة، ~~لقول محمد في «الجامع الصغير»: عيدان اجتمعا في يوم واحد: الأول سنة، ~~والثاني فريضة، ولا يترك واحد منهما. ولقوله عليه الصلاة والسلام للأعرابي ~~حين قال له: «هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع». وأجيب عن الأول: بأن ~~محمدا سماها سنة، لأن وجوبها ثبت بالسنة. وعن الثاني: بأن الأعرابي من أهل ~~البادية، وهي لا تجب عليهم. ومما يدل على الوجوب قوله عز وجل: {ولتكبروا ~~الله على ما هداكم}، فقد فسر بصلاة العيد. وقد تواترت عنه صلى الله عليه ~~وسلم مواظبته لصلاة العيد. # (ندب يوم) عيد (الفطر أن يأكل) أي يطعم الإنسان شيئا حلوا قبل الغدو إلى ~~المصلى، لما روى البخاري عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترا». # وفي الترمذي، وابن ماجه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج ~~يوم الفطر حتى يأكل، وكان لا يأكل يوم النحر حتى يصلي». ولفظ ابن ماجه: ~~«حتى يرجع». ورواه أحمد، والدارقطني في «سننه» وزاد: «حتى يرجع فيأكل من ms0378 ~~أضحيته». # وعن بريدة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى ~~يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي». قال النووي: حديث حسن رواه الترمذي، ~~وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم بأسانيد صحيحة. # (ويستاك) أي ويبالغ في الاستياك (ويغتسل) لما روى ابن ماجه من حديث ~~الفاكه بن سعد: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر، ~~ويوم النحر، ويوم عرفة». (ويتطيب) لأنه يوم اجتماع، فيندب فيه ذلك كالجمعة. # --- PageV02P006 ~~*** # (ويلبس أحسن ثيابه) لما رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس: «أنه كان صلى ~~الله عليه وسلم يلبس في العيدين بردة حبرة». رواه ابن خزيمة، والبيهقي في ~~«سننه» من طريق الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد الأسلمي: أخبرني جعفر بن ~~محمد، عن أبيه، عن جده: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس بردة حبرة ~~في كل عيد». والحبرة كعنبة: نوع من برود اليمن. قال النووي وغيره: إسناده ~~ضعيف. وأخرجه في «المعرفة» عن الحجاح بن أرطاة، عن أبي جعفر، عن جابر بن ~~عبد الله قال: «كان للنبي صلى الله عليه وسلم برد أحمر يلبسه في الجمعة ~~والعيدين». ورواه الطبراني، عن أبي محمد علي بن الحسين، عن ابن عباس قال: ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس يوم العيد بردة حمراء». # والحلة الحمراء: عبارة عن ثوبين من اليمن، فيهما خطوط حمر وخضر، لا أنه ~~أحمر بحت، فليكن محمل البردة أحدهما. ورواه الطبراني عن سهل بن سعد قال: ~~«حيكت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة من أنمار صوف أبيض، فخرج صلى الله ~~عليه وسلم إلى المجلس وهي عليه، فضرب على فخذه فقال: «ألا يرون ما أحسن هذه ~~الحلة فقال له أعرابي: يا رسول الله اكسني هذه الحلة، وكان صلى الله عليه ~~وسلم إذا سئل شيئا، لم يقل قط: لا، فقال: نعم، فدعا بمقعدتين فلبسهما، ~~وأعطى للأعرابي الحلة، وأمر بمثلها تحاك له. فمات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهي في الحياكة». وفي لفظ: «فتوفي صلى الله عليه وسلم ms0379 وله جبة صوف في ~~الحياكة». # --- PageV02P007 ~~*** # (ويؤدي فطرته) أي صدقة فطره قبل الصلاة، لما في «الصحيحين» من حديث ابن ~~عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس ~~إلى الصلاة». (ولقول ابن عمر: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة ~~الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة). وكان هو يؤديها قبل ذلك باليوم ~~أو اليومين». رواه أبو داود. ولأن في التعجيل مسارعة إلى الخير، وتفريغ قلب ~~الفقير للصلاة. ولقوله صلى الله عليه وسلم «أغنوهم عن المسألة»، ولقوله ~~تعالى: {قد أفلح من تزكى} أي أعطى زكاة الفطر، {وذكر اسم ربه} بتكبير العيد ~~في الطريق {فصلى} صلاة العيد، على ما فسره بعضهم. # (ثم يخرج) ماشيا لما روي: «أن عليا لما قدم الكوفة، استخلف من يصلي ~~بالضعفة صلاة العيدين في الجامع، وخرج إلى الجبانة مع خمسين شيخا يمشي ~~ويمشون»، (إلى المصلى) أي مصلى العيد، جاهرا بالتكبير عند أبي يوسف ومحمد ~~كما في الأضحى، وهو رواية عن أبي حنيفة حكاها الطحاوي عن أستاذه ابن عمران ~~البغدادي عنه، ووجهها ظاهر قوله تعالى {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ~~ما هداكم}. وما رواه الدارقطني عن ابن عمر موقوفا: «أنه كان إذا غدا يوم ~~الفطر ويوم الأضحى، يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى، ثم يكبر حتى يأتي ~~الإمام». ومرفوعا: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم الفطر، ~~من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى». وقد وقفه، فلا يضر ضعف رفعه لجزمنا ~~بعدم ابتكار ذلك من عنده، لشدة حرصه على متابعة النبي واجتناب مخالفته صلى ~~الله عليه وسلم # --- PageV02P008 ~~*** # قال البيهقي: ووقفه هو الصحيح، وأما رفعه فضعيف. ولفظه: «أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس، وعبد الله، والعباس، ~~وعلي، وجعفر، والحسن، والحسين، وأسامة بن زيد، وزيد بن حارثة، وأيمن بن أم ~~أيمن، رافعا صوته بالتهليل والتكبير، فأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلى، ~~وإذا فرغ رجع على الحدادين حتى يأتي منزله». وفي رواية: «يكبر يوم ms0380 الفطر من ~~حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى». وكلاهما ضعيف. # وغير جاهر به عند أبي حنيفة في رواية المعلى عنه. ووجهها أن رفع الصوت ~~بالذكر خلاف الأولى، لمخالفة قوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ~~ودون الجهر من القول} ، وقوله صلى الله عليه وسلم «خير الذكر الخفي، وخير ~~الرزق ما يكفي». رواه أحمد، وابن حبان، والبيهقي، عن سعد، فيقتصر فيه على ~~مورد الشرع. # وقد ورد الجهر في الأضحى وهو قوله تعالى: {واذكروا الله في أيام ~~معدودات}، وقد جاء في التفسير: أن المراد التكبير في هذه الأيام، وليس ~~الفطر في معناه حتى يلحق به، لاختصاصه بركن من أركان الحج الذي شرع التكبير ~~فيه علما على أفعاله. وفعل ابن عمر معارض بما روي عن ابن عباس: «أنه سمع ~~الناس يكبرون، فقال لقائده: أكبر الإمام؟ قال: لا. فقال: أفجن الناس؟ ~~أدركنا مثل هذا اليوم مع النبي صلى الله عليه وسلم فما كان أحد يكبر قبل ~~الإمام». كذا ذكره بعض الشراح. وفيه: أن أثر ابن عباس محمول على إنكار ~~تكبير الناس قبل وقت خروج الإمام. # --- PageV02P009 ~~*** # (ولا يتنفل) أي وكره التنفل (قبل صلاته) سواء كان إماما أو مأموما (في ~~المصلى) بالاتفاق، وفي البيت عند عامة المشايخ. لقول ابن عباس: «إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خرج فصلى بهم العيد، لم يصل قبلها ولا بعدها». ~~متفق عليه. وكذا لا يتنفل بعد صلاته في المصلى عند الجمهور، ويتنفل في ~~البيت، لما روى ابن ماجه، من حديث أبي سعيد الخدري قال: «كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين». # (وشرط لها) أي لصلاة العيد (شروط الجمعة وجوبا وأداء) حتى الإذن العام ~~(إلا الخطبة) فإنها شرط لأداء الجمعة دون العيدين. ولهذا تكون الخطبة في ~~العيدين بعد الصلاة، لما في «الصحيحين»، من حديث ابن عمر قال: «كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم أبو بكر، وعمر، يصلون العيدين قبل الخطبة». ولقول ~~ابن عباس: «شهدت العيد مع رسول ms0381 الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، ~~وعثمان، فكلهم كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة». رواه الشيخان. وروى الإمام ~~الشافعي عن عبيد الله بن عبد الله عت«بة بن مسعود قال: «السنة أن يخطب في ~~العيدين خطبتين، يفصل بينهما بجلوس». قال النووي: ضعيف غير متصل، ولم يثبت ~~في تكرير الخطبة شيء، والمعتمد فيه القياس على الجمعة. ولو قدمت الخطبة، ~~جاز مع الإساءة، ولا تعاد بعد الصلاة. # --- PageV02P010 ~~*** # (ووقتها من ارتفاع الشمس) قدر رمح أو رمحين، للنهي عن الصلاة وقت الطلوع. ~~لما في سنن أبي داود، وابن ماجه، بإسناد صحيح على شرط مسلم كما قال النووي ~~عن يزيد بن خمير بضم الخاء المعجمة أنه قال: «خرج عبد الله بن بشر صاحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس في يوم عيد الفطر والأضحى، فأنكر ~~إبطاء الإمام، وقال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم قد فرغنا ساعتنا هذه. ~~وذلك حين التسبيح». والمراد به: التنفل. # وأما قول صاحب «الهداية»: من أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصلي ~~العيد، والشمس على قدر رمح أو رمحين». فغير معروف في كتب الحديث. وأغرب سبط ~~ابن الجوزي في قوله: إنه متفق عليه. # (إلى زوالها) لما روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه واللفظ له عن أبي ~~عمير بن أنس قال: «حدثني عمومتي أي أعمامي من الأنصار من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قالوا: أغمي علينا هلال شوال، فأصبحنا صياما، فجاء ركب ~~من آخر النهار، فشهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال ~~بالأمس. وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفطروا، وأن يخرجوا إلى ~~عيدهم من الغد. قال البيهقي: إسناده صحيح. ولو كانت صلاة العيد تؤدى بعد ~~الزوال، لما أخرها إلى الغد. # --- PageV02P011 ~~*** # والمراد بآخر النهار: ما بعد الزوال، لما صرح في بعض طرقه من رواية ~~الطحاوي، عن أبي عمير بن أنس بن مالك: «أخبرني عمومتي من الأنصار: أن ~~الهلال خفي على الناس في آخر ليلة من شهر رمضان في زمن رسول ms0382 الله صلى الله ~~عليه وسلم فأصبحوا صياما، فشهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~زوال الشمس أنهم رأوا الهلال الليلة الماضية، فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالفطر، فأفطروا تلك الساعة، وخرج بهم من الغد فصلى بهم صلاة العيد». # (ويكبر) في الركعة الأولى (ثلاثا) زوائد على تكبير الصلاة، رافعا يديه في ~~كل تكبيرة، وساكتا بين كل تكبيرتين مقدار ثلاث تسبيحات ، لأنها تقام بجمع ~~عظيم، فلو والى بين التكبيرتين حصل الاشتباه، وليس هذا التقدير بلازم كما ~~في «المبسوط»، لأن المقصود إزالة الاشتباه، وهو يختلف بكثرة الزحام. وقلته. # (بعد الثناء) لأنه شرع عقيب تكبيرة الافتتاح، فيقدم على تكبيرات الزوائد. ~~(ويكبر في الركعة الثانية) ثلاثا زوائد، رافعا يديه (بعد القراءة) فعندنا ~~التكبيرات الزوائد في كل ركعة ثلاث، والقراءة في الركعتين متوالية، هو قول ~~الثوري. # وقد روى أبو داود في «سننه»، وأحمد في «مسنده»، عن عبد الرحمن بن ثوبان، ~~عن أبيه، عن مكحول قال: «أخبرني أبو عائشة جليس لأبي هريرة أن سعيد بن ~~العاص سأل أبا موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان: كيف كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربعا تكبيره ~~على الجنائز. فقال حذيفة: صدق. فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبر في البصرة حيث ~~كنت عليهم واليا». وسكت عنه أبو داود، ثم المنذري في «مختصره»، وسكوتهما ~~تصحيح، أو تحسين منهما. # --- PageV02P012 ~~*** # وتضعيف ابن الجوزي له بعبد الرحمن بن ثوبان نقلا عن أحمد وابن معين، ~~معارض بقول صاحب «التنقيح» فيه: وثقه غير واحد. وقال ابن معين: لا بأس به، ~~ولكن في مسنده أبو عائشة، يقول ابن حزم فيه: مجهول. وقال ابن القطان: لا ~~يعرف حاله. قلنا: عرفه مكحول، فرواه عنه. # ويقويه ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه»: أخبرنا سفيان الثوري، عن أبي ~~إسحاق، عن علقمة، والأسود: «أن ابن مسعود كان يكبر في العيدين تسعا: أربعا ~~قبل القراءة، ثم يكبر فيركع. وفي الثانية يقرأ، فإذا فرغ، كبر أربعا، ثم ~~ركع». وأخبرنا معمر، عن أبي ms0383 إسحاق، عن علقمة والأسود قال: «كان ابن مسعود ~~جالسا وعنده حذيفة وأبو موسى الأشعري، فسألهم سعيد بن العاص عن التكبير في ~~صلاة العيد، فقال حذيفة: سل الأشعري، فقال الأشعري: سل عبد الله، فإنه ~~أقدمنا وأعلمنا. فسأله، فقال ابن مسعود: يكبر أربعا، ثم يقرأ، ثم يكبر ~~فيركع، ثم يقوم في الثانية فيقرأ، ثم يكبر أربعا بعد القراءة». # --- PageV02P013 ~~*** # وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه»: حدثنا هشيم: أخبرنا مجالد، عن الشعبي، عن ~~مسروق قال: «كان عبد الله بن مسعود يعلمنا التكبير في العيدين تسع تكبيرات: ~~خمس في الأولى، وأربع في الأخيرة، ويوالي بين القراءتين، وأن يخطب بعد ~~الصلاة على راحلته». والمراد بالخمس: تكبيرة الافتتاح، والركوع، وثلاث ~~زوائد. وبالأربع: ثلاث زوائد، وتكبيرة الركوع. وروى محمد بن الحسن في كتاب ~~«الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد بن سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن عبد ~~الله بن مسعود: «أنه كان قاعدا في مسجد الكوفة ومعه حذيفة بن اليمان، وأبو ~~موسى الأشعري فخرج عليهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو أمير الكوفة ~~يومئذ فقال: إن غدا عيدكم فكيف أصنع؟ فقالا: أخبره يا أبا عبد الرحمن، ~~فأمره أن يصلي بغير أذان ولا إقامة، وأن يكبر في الأولى خمسا، وفي الثانية ~~أربعا، وأن يوالي بين القراءتين». # وقد روي عن غير واحد من الصحابة نحو هذا، وهو أثر صحيح، قاله بحضرة جماعة ~~من الصحابة. ومثل هذا يحمل على الرفع، لأنه مثل نقل أعداد الركعات. وروى ~~ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم، أخبرنا خالد الحذاء، عن عبد الله بن الحارث قال: ~~«صلى ابن عباس يوم عيد، فكبر تسع تكبيرات: خمسا في الأولى، وأربعا في ~~الآخرة، ووالى بين القراءتين». ورواه عبد الرزاق وزاد فيه: «وفعل المغيرة ~~بن شعبة مثل ذلك». فعملنا بأثر ابن مسعود لسلامته عن الاضطراب، وموافقة جمع ~~من الصحابة له قولا وفعلا في هذا الباب، والله أعلم بالصواب. # وعند الشافعي وهو مروي عن أبي يوسف: التكبير في الأولى: سبع سوى تكبيرة ~~الإحرام والركوع. وعند مالك، وأحمد: بتكبيرة الإحرام والركوع، وفي الثانية: ms0384 ~~خمس سوى تكبيرة النهوض وتكبيرة الركوع. # --- PageV02P014 ~~*** # ولا موالاة بين القراءتين في الركعتين، لما روى أبو داود، وابن ماجه، من ~~حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمس في الثانية، والقراءة بعدهما ~~كلتيهما». زاد الدارقطني: «سوى تكبيرة الصلاة». والحديث من طريق عبد الله ~~بن عبد الرحمن الطائفي. قال ابن القطان في كتابه: الطائفي هذا ضعفه جماعة، ~~منهم ابن معين . وقال الترمذي في «العلل»: سألت البخاري عنه فقال: هو صحيح. ~~ولقول عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر في العيدين: في الأولى ~~بسبع تكبيرات، وفي الثانية: بخمس قبل القراءة، سوى تكبير الركوع». رواه أبو ~~داود، وابن ماجه، عن ابن لهيعة. # وقال الحاكم: تفرد به ابن لهيعة. وقد استشهد به مسلم في الموضعين. وأخرج ~~الترمذي، وابن ماجه، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، ~~عن جده عمرو: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين في الأولى: ~~سبعا قبل القراءة، وفي الآخرة: خمسا قبل القراءة». قال الترمذي: حديث حسن، ~~وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وقال في «علله»: سألت محمدا عن هذا الحديث، ~~فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح منه، وبه أقول. قال ابن القطان في كتابه: ~~وهذا ليس بصريح في التصحيح، فقوله: هو أصح شيء في الباب: يعني أشبه ما في ~~الباب وأقل ضعفا يعني عنده ، وقوله: وبه أقول، يحتمل أن يكون من كلام ~~الترمذي. ونحن وإن خرجنا عن ظاهر اللفظ، ولكن أوجبه أن كثير بن عبد الله متروك. # --- PageV02P015 ~~*** # قال أحمد بن حنبل: كثير بن عبد الله لا يساوي شيئا، وضرب على حديثه في ~~«المسند» ولم يحدث به. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال الشافعي: هو ~~ركن من أركان الكذب. وقال ابن دحية في «العلم المشهور»: وكم حسن الترمذي في ~~كتابه من أحاديث موضوعة، وأسانيد واهية، منها هذا الحديث. # وقال الإمام أحمد: ليس في تكبيرة العيدين عن ms0385 النبي صلى الله عليه وسلم ~~حديث صحيح، وإنما أخذ فيها بفعل أبي هريرة. وأشار به ما روى مالك في ~~«الموطأ»، عن نافع مولى ابن عمر قال: «شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، ~~فكبر في الركعة الأولى: سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة: خمسا قبل ~~القراءة». قال مالك: وهو الأمر عندنا. وفي «مصنف ابن أبي شيبة»: حدثنا ~~وكيع، عن ابن جريج، عن عطاء: «أن ابن عباس كبر في عيد ثلاث عشرة: سبعا في ~~الأولى، وستا في الآخرة بتكبيرة الركوع، كلهن قبل القراءة». فثبت بصحته عن ~~الصحابة، وجود أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت طرقه ضعيفة، ~~لما مر من أنه لا يلزم من ضعفها بطلان الحديث في نفسه، كيف وقد عمل به بعض ~~الصحابة، وهو أمر مخالف للقياس، إذ هو من قبيل المقادير. # ثم علماؤنا والشافعي يرفعون الأيدي في تكبيرات الزوائد، كتكبيرة الإحرام، ~~خلافا لمالك وهو رواية عن أبي يوسف اعتبارا بتكبير الركوع. قلنا: الرفع ~~لإعلام الأصم، وتكبيرة الركوع تؤدى في حال الانتقال، فلا حاجة إلى رفع ~~اليدين للإعلام، كذا قالوه. ولكن ينتقض بتكبيرات الجنازة، حيث قال جمهور ~~علمائنا: إنه لا رفع فيها. # --- PageV02P016 ~~*** # ولو فاتته الركعة الأولى من صلاة العيد، فإذا قام يقضيها يقرأ أولا، ثم ~~يكبر. وفي رواية «النوادر»: يكبر أولا، ثم (يقرأ). ولو أدرك الإمام في ~~الركوع، وخشي أن يرفع رأسه، يركع ويكبر في ركوعه عندهما، ما دام الإمام ~~راكعا لأنه قيام من وجه والتكبير واجب، والإتيان بالواجب في محله من وجه، ~~أولى من الإتيان بالسنة في محلها من كل وجه. فقيل: برفع الأيدي. وقيل: ~~بدونها، وهو الأظهر. # هذا، وما رواه صاحب «الهداية»، عن ابن عباس: أنه يكبر في الأولى للافتتاح ~~وخمسا بعدها، وفي الثانية يكبر خمسا، ثم يقرأ، غير معروف عنه. وإنما ذكره ~~ابن المنذر عن الزهري وغيره. وكذا ما رواه عنه: يكبر في الأولى للافتتاح ~~خمسا، وفي الثانية: أربعا، إنما ذكره ابن المنذر، عن الحسن البصري. وعند ~~أبي يوسف: لا يكبر بل يسبح، لأنه ms0386 محله حقيقة، ولو فاته أول الصلاة مع ~~الإمام كبر في الحال ولا يؤخر. # (ويصلي غدا بعذر) بأن غم الهلال، ثم شهد به بعد الزوال، لما سبق من ~~الحديث، أو شهد قبله بحيث لا يمكن اجتماع الناس فيه، أو بأن صليت، ثم ظهر ~~أنهم صلوها بعد الزوال. قيد: «بالغد وبالعذر»، لأنها لا تصلى بعد غد ولو ~~بعذر، (ولا غدا بغير عذر، لأن الأصل في العيد أنها لا تقضى كالجمعة، إلا ~~أنا تركناه في الغد بعذر) للحديث السابق، فيبقى ما وراء على الأصل. # (وإذا صلى الإمام لا يقضيها أحد) فاتته مع الإمام ولم يدركه، وبه قال ~~مالك، لأن لها شرائط لا قدرة للمنفرد على تحصيلها كالجمعة. وقال الشافعي: ~~يقضي استحبابا، لأنها صلاة مؤقتة كسائر الفرائض. # --- PageV02P017 ~~*** # (والأضحى كالفطر) فيما تقدم، لما نقل عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر ~~بن الخطاب قال: «صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ~~ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تام غير قصر». قال النووي: ورواه النسائي، ~~وابن ماجه، والبيهقي، وقال: لم يسمعه ابن أبي ليلى عن عمر رضي الله عنه، ~~وقال النووي: ووقع في رواية صحيحه للبيهقي، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن ~~عجرة عن عمر. فهو كالفطر إلا في بعض الأحكام نبه عليها بقوله. # (لكن ندب الإمساك) عن الأكل والشرب (إلى أن يصلي) لما تقدم من حديث ~~الترمذي، وابن ماجه: «أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يأكل يوم النحر حتى يرجع». # وفي رواية: «فيأكل من أضحيته». # وفي «المحيط»: يستحب تعجيل صلاة الأضحى، ليتمكن الناس التعجيل بالأضحية. # (ويكبر جهرا في الطريق) أي اتفاقا لما سبق من الحديث. ويستحب اختلاف ~~الطريق في صلاة العيد، لما رواه أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما: «أنه صلى الله عليه وسلم أخذ يوم العيد في طريق، ثم رجع في طريق». # (ويصلى ثلاثة أيام بعذر وغيره) ولا يصلى بعد ذلك، لأنها مؤقتة بوقت ~~الأضحية وهو ثلاثة أيام، لكنه يسيء بالتأخير من غير عذر لمخالفته المنقول. ~~فالعذر في ms0387 الأضحى لنفي الكراهة، وفي الفطر للجواز. # (ويعلم في خطبته) أي في خطبة الأضحى (تكبير التشريق والأضحية) لأن الخطبة ~~في الأضحى لتعليم أحكام وقته، وأحكام وقته، الأضحية وتكبير التشريق (وثم) ~~أي ويعلم في خطبة الفطر (أحكام الفطرة) لأنها أحكام ذلك الوقت. # --- PageV02P018 ~~*** # (لا اجتماع) عطف على الإمساك، أي لا يندب اجتماع الناس (يوم عرفة) في غير ~~عرفات (تشبها بالواقفين) بعرفات، لأن الوقوف عرف عبادة مختصة بعرفات، فلا ~~يكون عبادة بدونها. وعن أبي يوسف، ومحمد في غير رواية «الأصول»: أنه لا ~~يكره، لما روي عن ابن عباس أنه فعل ذلك بالبصرة . وأجيب بأن ما فعله ابن ~~عباس لعله كان استسقاء أو دعاء. # (ويجب قوله:) مرة، والزيادة مستحبة (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا ~~الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد) كذا في رواية جابر. قال النووي: ~~رواها الدارقطني بأسانيد ضعيفة. وفي رواية عن جابر موقوفا: «أنه كبر: الله ~~أكبر ثلاثا». وعن ابن عباس: مثله. ضعيف، ضعفه النووي. وأما قول صاحب ~~«الهداية»: إن هذا هو المأثور عن الخليل عليه الصلاة والسلام، فغير معروف، ~~وصرح بالوجوب، وهو اختيار فخر الإسلام، وصدر الإسلام، وأكثر الأعلام، لظاهر ~~قوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات}، ولأنه من الشعائر، فصار كصلاة ~~العيد، فمستحب رفع الصوت به. وقيل: التكبير سنة. واختاره التمرتاشي لمواظبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم # (من فجر يوم عرفة) لما روى محمد في «الآثار»، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن ~~إبراهيم، عن علي: «أنه كان يكبر بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من ~~آخر أيام التشريق، ويكبر بعد العصر». ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ~~شقيق عن علي رضي الله عنه. وعن أبي يوسف آخرا: من ظهر عرفة. وهو قول ابن ~~عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت. # --- PageV02P019 ~~*** # (عقيب كل فرض) من أيام التشريق (أدي) أو قضي فيها في تلك السنة (بجماعة ~~مستحبة) ويعتبر في كون التكبير عقيب الفرض، أن لا يتخلل بينه وبين الفرض ما ~~يقطع حرمة الصلاة، كالخروج من المسجد، والتكلم. # وقيد ms0388 «بالفرض» احترازا عن النفل، وعن الواجب كالوتر، والعيد، وركعتي ~~الطواف. وقيدنا الفرض بكونه من «أيام التشريق» وكونه أدي أو قضي فيها في ~~تلك السنة، لأن من فاتته صلاة من غير أيام التشريق فقضاها في أيامها، لا ~~يكبر، لأن القضاء على وفق الأداء. ومن فاتته صلاة من أيام التشريق، فقضاها ~~في غير أيامه، أو في أيامه في غير تلك السنة، لا يكبر، لأنه واجب فات عن ~~وقته، فلا يقضى كصلاة العيد. وقال: بجماعة، فلا يجب على المنفرد. وقيد ~~الجماعة بكونها «مستحبة»، لأن النساء إذا صلين بجماعة بإمامهن، لا يجب ~~التكبير عليهن. # (على المقيم) أي يجب على المقيم (بالمصر) ولا يجب على المسافر، ولا على ~~المقيم بالقرية. (ومقتدية) ويجب على امرأة مقتدية (برجل، وعلى مسافر مقتد ~~بمقيم) تبعا لإمامهما. وهذا كله عند أبي حنيفة، وهو مروي عن ابن مسعود، ~~وابن عمر رضي الله عنهم. وقالا: يجب التكبير على كل من يصلي المكتوبة، لأن ~~التكبير تبع للمكتوبة. لأبي حنيفة أن الجهر بالتكبير خلاف الأصل، والنص ~~الوارد فيه اجتمعت هذه الأمور فيه، فتراعى. # (إلى عصر العيد) غاية لقوله: من فجر عرفة، وهذا عند أبي حنيفة، لما روى ~~ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن الأسود قال: «كان عبد الله بن مسعود يكبر من ~~صلاة فجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، فيقول: الله أكبر، الله ~~أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». # (وقالا: إلى عصر آخر أيام التشريق) وهو قول الشافعي رجحه جماعة من ~~أصحابه وقول أحمد بن حنبل. # --- PageV02P020 ~~*** # (وبه يعمل) أي وعليه الفتوى، لأنه مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، ولأنه ~~أخذ بالأكثر، وهو أحوط في العبادات. وعن الشافعي وهو قول مالك : أن ابتداء ~~التكبير من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق. # (ولا يدعه المؤتم ولو تركه إمامه) لأن التكبير يؤدى لا في نفس الصلاة، ~~فلا يكون الإمام فيه حتما، بل مستحبا، كسجدة التلاوة، بخلاف ما لو ترك ~~الإمام سجود السهو، فإنه يتبعه المأموم في تركه، ms0389 لأنه يؤدى في حرمة الصلاة. ~~لكن ينبغي للمأموم أن ينتظر الإمام إلى أن يأتي بشيء يقطع التكبير، كالخروج ~~من المسجد والحدث العمد، والكلام المنافي، والله أعلم. # باب في الجنائز # وهو بفتح الجيم لا غير: جمع جنازة بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح. وقيل: ~~الفتح للميت، والكسر لسريره الذي يحمل عليه. وقيل: بالعكس. # (سن للمحتضر) بفتح الضاد: وهو من حضره الموت أو ملائكته. وعلامة ذلك ~~استرخاء قدميه، وانعواج أنفه، واسوداد ظفره، وانخساف صدغيه. (أن يوجه) أي ~~يجعل وجهه (إلى القبلة) لما روى الحاكم في «المستدرك» عن أبي قتادة: «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور فقالوا: ~~توفي وأوصى بثلثه لك، وأوصى أن يوجه إلى القبلة لما احتضر. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده». (على يمينه) ~~لأنه يوضع عليه في القبر فكذلك في هذا الوقت. # (واختير) عند بعض المشايخ (الاستلقاء) لأنه أسهل في شد اللحيين، وتغميض ~~العينين، وأمنع من تقوس أعضائه. قيل: وفي خروج الروح. ويرفع رأسه قليلا، ~~ليصير وجهه إلى القبلة دون السماء. # --- PageV02P021 ~~*** # (ويلقن الشهادة) لما روى الجماعة إلا البخاري، عن أبي سعيد قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «لقنوا أمواتكم: لا إله إلا الله». أي من قرب من ~~الموت. وزاد ابن شاهين، عن ابن عمر مرفوعا: «فإنه ليس مسلم يقولها عند ~~الموت إلا أنجته من النار». وكيفية التلقين: أن يقال عنده وهو يسمع، ولا ~~يؤمر بها، ولا يلح عليه، لأن الحال صعب لديه. فإذا أتى بها، ولم يتكلم ~~بعدها يمسك عنه، لأن المقصود أن يكون ختم كلامه بها. لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة». رواه أبو داود. ~~ولا يلقن بعد الموت على القبر. وقيل: يلقن. وقيل: (لا يؤمر به.) ولا ينهى عنه. # (فإذا مات تشد لحياه) بفتح اللام، تثنية لحي: وهو منبت اللحية من الإنسان ~~وغيره. (وتغمض عيناه) إزالة لشناعة منظره، وأمنا من دخول شيء من ms0390 الهوام في ~~جوفه من فمه، ولقوله صلى الله عليه وسلم «إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر، ~~فإن البصر يتبع الروح. وقولوا خيرا، فإن الملائكة تؤمن على ما قال أهل ~~البيت». رواه ابن ماجه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد. ولما روى مسلم من حديث ~~أم سلمة قالت: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق ~~بصره، فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله أي ~~فصاحوا فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما ~~تقولون. ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في ~~عقبه في الغابرين ». شق بصره، بفتح الشين ورفع البصر، وضبطه بعضهم بالنصب ~~معناه: شخص. ويقول مغمضه: باسم الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ويستحب تعجيل دفنه. # --- PageV02P022 ~~*** # (ويجمر) بصيغة المجهول مخففا أو مشددا أي يبخر (تخته) أي سريره. قيل: ~~ويوضع عليه طولا إلى القبلة. وقيل: عرضا، والأصح كما قال السرخسي: كيفما ~~تيسر لينصب عليه الماء، وكان أقرب إلى التنظيف (وكفنه) عند إرادة غسله، بأن ~~تدار المجمرة حوله، إزالة لما عسى أن يكون من الرائحة الكريهة. (وترا) مرة ~~أو ثلاثا أو خمسا أو سبعا، ولا يزاد على ذلك. روى أحمد، وابن حبان في ~~صحيحه، والحاكم وصححه، عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ~~أجمرتم الميت، فأجمروه وترا». وفي رواية: «فأجمروه ثلاثا». # (ويغسل) بالتخفيف والتشديد. وغسله فرض كفاية على الأحياء بالاتفاق، حتى ~~لو وجد ميت في الماء غسل، وإن كان تفسخ صب عليه الماء. # واختلفوا في سبب غسله: فقيل: حدث يحل بالميت، لاسترخاء مفاصله. فإن ~~الآدمي لا ينجس بالموت، كرامة له. وإنما لم يقتصر على أعضاء الوضوء، لأن في ~~الاقتصار عليها في الحياة نفيا للحرج فيما يتكرر كل يوم، والحدث بسبب الموت ~~لا يتكرر، فكان كالجنابة. وقال العراقيون: سببه النجاسة بالموت كسائر ~~الحيوانات، لأن شخصا لو حمل إنسانا ميتا وصلى لم تجز صلاته. ولو حمل محدثا، ~~فصلى جازت. وزوال نجاسته ms0391 بالغسل دون باقي الحيوانات، كرامة له، هذا هو ~~الأظهر، إلا أن حديث أبي هريرة: «سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس حيا ولا ~~ميتا». فإن صحت الرواية، وجب ترجيح أنه للحدث. # وتستر عورته لأن النظر إليها حرام كالحي، وهو ما تحت سرته إلى ركبته، كما ~~في الحي. وقيل: الغليظة. وفي «الهداية»: هو الصحيح تيسيرا. قلت: وهو ظاهر ~~الرواية. والأول رواية «النوادر»، وصححها في «النهاية»، واختاره الكرخي ~~لقوله صلى الله عليه وسلم لعلي: «لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت». ولذا لا يحل ~~للرجل غسل النساء، وبالعكس. # --- PageV02P023 ~~*** # (ويجرد) عن ثيابه وهو قول مالك، للاعتبار بحال حياته. وقد كان هذا ~~التجريد مشهورا فيما بين الصحابة بدليل ما روي أنهم قالوا: أنجرده كما نجرد ~~موتانا أم نغسله في ثيابه؟ فسمعوا هاتفا يقول: لا تجردوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وفي رواية: «اغسلوه في قميصه الذي مات فيه». ولأنه قد يتنجس ~~مما يخرج منه، وينجس الميت به، ويشيع بصب الماء عليه، بخلاف النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأنه لم يخرج منه إلا طيب. فقد قال علي: «طبت حيا وميتا». # ويوضأ أولا اعتبارا بحال الحياة، إلا أنه لا يقدم غسل يديه، بل يبدأ ~~بوجهه، بخلاف الجنب، لأنه يتطهر بهما. والميت يغسل بيد غيره. ولا يمسح رأسه ~~في رواية، والمختار: أن يمسح وينجى عند أبي حنيفة ومحمد، بعد ما يلف على ~~يده خرقة لحرمة المس كالنظر. وعند أبي يوسف: لا ينجى، لأن المسكة قد زالت، ~~فلو نجي ربما يزداد الاسترخاء، فتخرج نجاسة أخرى. فيكتفى بوصول الماء إليه. # ولهما: أن موضع استنجاء الميت لا يخلو عن نجاسة، فتزال كما في الحياة، ~~وكما لو كانت في موضع آخر من بدنه. # (بلا مضمضة واستنشاق) وهو قول مالك وأحمد، خلافا للشافعي قياسا على الحي. ~~ولنا: أن في إدخال الماء في أنفه وفمه وإخراجه منهما حرجا، فيتركان. # ولو ولد ميتا، روي عن أبي حنيفة ومحمد: أنه لا يغسل، لأن الغسل لأجل ~~الصلاة، وهو لا يصلى عليه. وعن أبي يوسف: يغسل، لأنه ms0392 يشبه الجزء من وجه، ~~والنفس من وجه، فيغسل اعتبارا بالنفس، ولا يصلى عليه اعتبارا بالجزء. وفي ~~«الخلاصة»: السقط الذي لم تتم أعضاؤه لا يصلى عليه، ولكن يغسل ويدفن في ~~خرقة، وكأنه اختار رواية أبي يوسف. # --- PageV02P024 ~~*** # (ولا قلم ظفر) أي وبلا قطعه. وعن (أبي حنيفة) وأبي يوسف: إذا كان الظفر ~~منكسرا، فلا بأس بأخذه. وكذا لا يقص شاربه ولا ينتف إبطه ونحو ذلك. # (ولا تسريح شعر) أي من رأسه ولحيته لما روى محمد بن الحسن في «آثاره»، عن ~~أبي حنيفة، وعبد الرزاق في «مصنفه»، عن سفيان الثوري كلاهما عن حماد، عن ~~إبراهيم: «أن عائشة رأت امرأة يكدون شعرها بمشط فقالت : علام تنصون ميتكم؟» ~~أي تمدون ناصيته. وتكدون وتنصون على زنة تبكون فأرادت عائشة أن الميت لا ~~يحتاج إلى تسريح الرأس. وعبرت بالأخذ بالناصية تنفيرا. # ومذهب الشافعي: قص ظفره وشاربه، وتسريح لحيته وشعره بمشط واسع. وكذا غسله ~~في قميص وبماء بارد اعتبارا له بالحي، واعتبارا بغسل النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قميصه، ولقول أم عطية في غسل بنت النبي صلى الله عليه وسلم «فضفرنا ~~شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها». ولأن المسخن يوجب انحلال ما في الباطن ~~فيكثر الخارج. # ولنا: أن في الماء الحار مبالغة في التنظيف كالسدر والحرض. وكون سخونته ~~توجب الانحلال داع لا مانع، لأن المقصود يتم به، إذ باستفراغ ما في الباطن ~~يحصل تمام النظافة، والأمان من تلويث الكفن عند تحريك الحاملين. وقد سبق أن ~~غسله صلى الله عليه وسلم في قميصه كان من خصائصه. ولا يلزم من تضفير الشعر ~~تسريحه كما لا يخفى. وجواب الباقي تقدم والله تعالى أعلم. # وفي «المحيط»: أن الصبي والصبية إذا لم يبلغا حد الشهوة فهما في الغسل ~~كالبالغ، وإن كانا لا يعقلان لا يوضآن عند الغسل. # --- PageV02P025 ~~*** # ولا تغسل الأمة سيدها لزوال ملكه عنها إلى الورثة، ولا المدبرة مولاها ~~لعتقها بموته، ولا أم الولد مولاها، وإن كانت تعتد منه، لأن عدتها لم تجب ~~قضاء لحقه. وعند زفر: تغسله. وتغسل المرأة زوجها اتفاقا، وإن كانت ms0393 محرمة أو ~~صائمة. ولا يغسل الرجل امرأته عندنا خلافا للثلاثة. # ثم يصب عليه ماء مغلي بسدر أو حرض إن وجد، وإلا فالماء الخالص المسخن ~~أولى. ويغسل رأسه ولحيته بالخطمي لأنه أبلغ في استخراج الوسخ. فإن لم يوجد ~~فبالصابون ونحوه لعمله عمله. # ويضجعه بعد ذلك على يساره فيغسل جانبه الأيمن حتى يصل الماء إلى ما يلي ~~التخت منه وهو الجانب الأيسر وهذه غسلة. ثم يضجعه على يمينه ويغسله كذلك ~~حتى ينقيه، ويرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت وهو الجانب الأيمن ~~وهذه ثانية. ثم يجلسه مسندا إليه، ويسند ظهره إلى ركبته ويمسح بطنه برفق ~~حتى لو بقي شيء يسيل، فلا تتلوث أكفانه. فإن خرج منه شيء، كفى غسل موضعه، ~~ولا يجب إعادة غسله. لأنه إنما عرف وجوبه بالنص مرة واحدة، مع قيام سبب ~~النجاسة. إذ الحدث وهو الموت أعم من أن يكون قبل خروج شيء أو بعده، فلا ~~يعاد، لأن الحاصل بعد إعادته هو الذي كان قبله، ثم يضجعه على جنبه الأيسر، ~~ويغسله بماء فيه كافور، وقد تمت الثلاث. ثم ينشفه بثوب أو خرقة كما في حالة ~~الحياة لئلا تبتل ثيابه. # (ويجعل الحنوط) بفتح الحاء المهملة، أخلاط من طيب مجتمع للميت خاصة. وفي ~~«المحيط»: لا بأس بسائر الطيب في الحنوط غير الزعفران والورس لأنهما ~~للزينة. وقيل: يجوز للنساء دون الرجال. # --- PageV02P026 ~~*** # (على رأسه ولحيته والكافور على مساجده) وهي مواضع السجود من بدن الإنسان، ~~جمع مسجد، بفتح الجيم لا غير. قال الإمام السرخسي: يعني بها جبهته، وأنفه، ~~ويديه، وركبتيه، وقدميه، لأن الطيب سنة وكرامة. والرأس ومواضع السجود أحق ~~بالكرامة، لأنه كان يسجد بهذه الأعضاء، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم «كان ~~آدم النبي عليه الصلاة والسلام رجلا أشعر طوالا كأنه نخلة سحوق، فلما حضره ~~الموت، نزلت الملائكة بحنوط وكفن من الجنة. فلما مات عليه الصلاة والسلام ~~غسلوه بالماء والسدر ثلاثا، وجعلوه في الثالثة كافورا، وكفنوه في وتر من ~~الثياب، وحفروا له لحدا، وصلوا عليه، وقالوا: هذه سنة ولد آدم من بعده». ms0394 # وفي رواية قالوا: «يا بني آدم هذه سنتكم من بعده، فكذلكم فافعلوا». رواه ~~الحاكم من طريقين سكت عن أحدهما، وصحح الآخر. ولقول أم عطية: «دخل علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته فقال: اغسلنها ثلاثا، أو ~~خمسا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا ~~أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني. فلما فرغنا آذناه. فألقى إلينا حقوه ~~أي إزاره فقال: أشعرنها إياه». أي اجعلنه شعارا لها. وفي رواية: «اغسلنها ~~وترا ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا ، وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها...» ~~الحديث. متفق عليه. # --- PageV02P027 ~~*** # وروى الحاكم في «المستدرك» بإسناد حسن، عن أبي وائل قال: «كان عند علي ~~رضي الله عنه مسك فأوصى أن يحنط به. وقال: هو فضل حنوط رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وروى ابن أبي شيبة أيضا عن أبي وائل، وروى عبد الرزاق في ~~«مصنفه» عن سلمان: «أنه استودع امرأته مسكا، فقال: إذا مت فطيبوني به، فإنه ~~يحضرني خلق من خلق الله، لا ينالون من الطعام والشراب، وإنما يجدون الريح». ~~وروى مسلم في الطيب عن (أبي سعيد) الخدري مرفوعا: «إن أطيب طيبكم المسك». ~~ولما في مصنف ابن أبي شيبة»، عن ابن مسعود أنه قال: «يوضع الكافور على ~~مواضع سجود الميت». # وروى عبد الرزاق، عن الحسن بن علي رضي الله عنه: «أنه لما غسل الأشعث بن ~~قيس، دعا بكافور فجعله على وجهه، وفي يديه ورأسه ورجليه ثم قال: أدرجوه ». ~~وليس في الغسل استعمال القطن في الروايات الظاهرة. وعن أبي حنيفة: أنه يجعل ~~القطن المحلول في منخريه وفمه. وقال بعضهم: في صماخه أيضا. وقال بعضهم: في ~~دبره أيضا، واستقبحه عامة العلماء كما في «الظهيرية». # ويكره أن يكون الغاسل جنبا أو حائضا، ويستحب غسل الميت، لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «من غسل ميتا (فكتم) عليه، غفر له أربعون كبيرة، ومن كفنه، ~~كساه الله من السندس والإستبرق، ومن حفر له قبرا حتى يكنه، فكأنما أسكنه ~~مسكنا حتى يبعث». # رواه البيهقي في «المعرفة»، والحاكم في ms0395 «المستدرك» وقال: على شرط مسلم. ~~ولقوله عليه الصلاة والسلام: «يا علي: اغسل الموتى، فإنه من غسل ميتا، غفر ~~له سبعون مغفرة، لو قسمت مغفرة منها على جميع الخلائق لوسعتهم. قلت: ما ~~يقول من يغسل ميتا؟ قال: غفرانك يا رحمن حتى يفرغ من الغسل». رواه أبو حفص ~~بن شاهين في كتاب الجنائز. # --- PageV02P028 ~~*** # (وسنة الكفن له) أي للرجل (إزار) وهو من القرن إلى القدم. (وقميص) وهو من ~~أصل العنق إلى القدم بلا دخريص، ولا جيب، ولا كمين. (ولفافة) وهو أيضا من ~~القرن إلى القدم. لما روى أبو داود من حديث عائشة: «كفن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه، وحلة نجرانية». قال أبو ~~عبيد الحلة: إزار ورداء، ولا تكون الحلة إلا من ثوبين، وروى محمد في ~~«الآثار» عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم رحمهم الله أنه عليه الصلاة ~~والسلام «كفن في حلة يمانية، وقميص». وقال جابر بن سمرة: «كفن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب: قميص، وإزار، ولفافة». رواه ابن عدي في ~~«الكامل». إلا أن النسائي لين رواية ناصح بن عبد الله الكوفي، وقال: إنه ~~ممن يكتب حديثه. وقال النخعي: «كفن النبي صلى الله عليه وسلم في حلة ~~يمانية، وقميص». رواه عبد الرزاق (في «مصنفه» عنه مرسلا، وهو حجة. ونحوه عن ~~الحسن البصري مرسلا. ورواه عبد الرزاق). وقال ابن عباس: «كفن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه، وحلة نجرانية». رواه ~~أبو داود. إلا أن في سنده: يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف. # (واستحسن) عند المتأخرين (العمامة) وهو بظاهره مخالف لقول عائشة: «كفن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيهن ~~قميص، ولا عمامة». متفق عليه. وسحول بفتح السين وبضمها: قرية باليمن. وقد ~~تظافرت الطرق في كون واحد منها قميصا، والحال في الصفة أكشف على الرجال من ~~النساء. كيف لا؟ وقد دفن ليلا، فيترجح الإثبات على النفي. ولا يبعد ms0396 أن يحمل ~~النفي على القميص الذي غسل فيه، والإثبات على الذي مات فيه. # --- PageV02P029 ~~*** # ثم البياض من القطن أفضل لما قدمنا، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «البسوا ~~من البياض، فإنه من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم». رواه أبو داود. ولا ~~بأس بالبرود والكتان للرجال. وجاز الحرير والمزعفر والمعصفر للنساء، ~~اعتبارا للكفن باللباس في الحياة. # والكفن من مال الميت مقدم على الدين والوصية والإرث. فإن لم يكن له مال، ~~فكفنه على من تجب نفقته عليه، وإلا فعلى بيت المال. وقال محمد: لا يجب على ~~الزوج كفن الزوجة ولو كانت فقيرة، لانقطاع الوصلة. وقال أبو يوسف: يجب على ~~الزوج تجهيزها، وإن تركت مالا. قيل: وعليه الفتوى، والأظهر أنه يجب عليه إن ~~كانت فقيرة. # (ويزاد) على القميص والإزار واللفافة (لها) أي للمرأة في كفن السنة ~~(خمار) فوق رأسها (وخرقة تربط بها فوق ثدييها) وعرضها ما بين الثدي إلى ~~السرة. وقيل: إلى الركبة. والأصل في كون كفنها خمسة قول ليلى بنت قانف ~~قالت: «كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أول ~~ما أعطانا الحقا، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب ~~الآخر. (قالت: ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس عند الباب معه كفنها، ~~يناولناها ثوبا ثوبا) » رواه أبو داود. # --- PageV02P030 ~~*** # وروى مالك في «الموطأ» من حديث أم عطية الأنصارية قالت: «دخل علينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته عليه الصلاة والسلام فقال: ~~اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن ~~في الآخرة كافورا، أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا، ~~آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه». قال مالك: يعني بحقوه: إزاره، ~~انتهى. ومعنى أشعرنها إياه: اجعلنه مما يلي شعر جسدها. وهذه البنت ~~المتوفاة: هي زينب زوجة أبي العاص بن الربيع على الصحيح. وهي أكبر بناته ~~صلى الله عليه وسلم وأم كلثوم كانت زوجة عثمان، وكانت وفاتها والنبي صلى ~~الله عليه وسلم غائب ببدر. # ثم طريق ms0397 تكفينها أن يجعل شعرها ضفيرتين على صدرها فوق القميص، ثم يجعل ~~الخمار تحت اللفافة، ثم تجعل الخرقة فوقها. # (وكفايته) أي كفاية الكفن (له) أي للرجل (إزار ولفافة) لأن أدنى ما يلبسه ~~الإنسان حال حياته، ويؤدي به الصلاة من غير كراهة: ثوبان. ولما روى عبد ~~الرزاق في «مصنفه»، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «قال أبو ~~بكر لثوبيه اللذين كان يمرض فيهما : اغسلوهما وكفنوني فيهما. فقالت عائشة: ~~ألا نشتري لك جديدا؟ فقال: لا، ألا إن الحي أحوج إلى الجديد من الميت». ~~وقال محمد بن الحسن في «الآثار»: بلغنا عن أبي بكر الصديق أنه قال: «اغسلوا ~~ثوبي هذين، وكفنوني فيهما». لكن في «صحيح البخاري»: أن أبا بكر قال: ~~«اغسلوا لي ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيها». # --- PageV02P031 ~~*** # (ويزاد لها) أي للمرأة في كفن الكفاية على الإزار واللفافة (الخمار) لأن ~~هذا المقدار أقل ما تلبسه المرأة حال حياتها وتصح صلاتها فيه من غير كراهة. ~~وأما ضرورة الكفن: فما يوجد، لما روى الجماعة إلا ابن ماجه عن خباب بن ~~الأرت قال: «هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نريد وجه الله تعالى، فوقع ~~أجرنا على الله، فمنا من مضى ولم يأخذ من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير قتل ~~يوم أحد، وترك نمرة ». فكنا إذا غطينا بها رأسه، بدت رجلاه، وإذا غطينا بها ~~رجليه، بدا رأسه. فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه، وأن ~~نجعل على رجليه شيئا من الإذخر ». وفيه أيضا دليل على أن ستر العورة وحدها ~~لا يكفي في الكفن كما هو مذهبنا. وفي «الخلاصة»: إن كان في المال كثرة وفي ~~الورثة قلة، فكفن السنة أولى، وإن كان على العكس، فكفن الكفاية أولى. قلت: ~~لعل المأخذ: صنيع أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والله ولي التوفيق. # (ويعقد) الكفن (إن خيف انتشاره) صيانة للميت عن انكشافه ويجمر الكفن، ~~وترا قبل أن يدرج فيه (لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله وتر يحب ~~الوتر». رواه أبو داود. ولما روينا ms0398 من قوله) صلى الله عليه وسلم «إذا ~~أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا». وفي البيهقي: «أجمروا كفن الميت ثلاثا». ~~ولقول أسماء عند موتها: «إذا أنا مت، فاغسلوني، وكفنوني، وأجمروا ثيابي، ~~وحنطوني، ولا تتبعوني بنار». رواه مالك في «الموطأ». وأما قول صاحب ~~«الهداية»: لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بإجمار أكفان بنته، فغير معروف. # (الصلاة على الميت) # (وصلاته) أي صلاة الناس عليه (فرض كفاية) إجماعا لظاهر قوله تعالى: {وصل عليهم} # --- PageV02P032 ~~*** # مع قوله صلى الله عليه وسلم «صلوا على صاحبكم» لكونه عليه دين لا وفاء ~~له. ولو كانت فرض عين لما تركها عليه الصلاة والسلام، لكن بشرط إسلام ~~الميت، فلا يجوز على كافر لقوله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ~~تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله} وبشرط طهارته، فلا يجوز (الصلاة) ~~عليه بلا غسل، أو تيمم. إلا إذا دفن بدون أحدهما، ولم يمكن إخراجه إلا ~~بالنبش، فإنه يصلى على قبره للضرورة، وبشرط أن يكون موضوعا أمام المصلي، ~~فلا يجوز على غائب، ولا على موضوع خلف المصلي لأنه كالإمام من وجه. # (وهي أن يكبر الله) للتحريمة (ويثني) بأن يحمد الله مطلقا وهو ظاهر ~~الرواية وقيل: بأن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك... إلخ. ولا يقرأ الفاتحة ~~(إلا بنية الثناء. وبه قال مالك. وأوجب الشافعي قراءة الفاتحة فيها) لكونها ~~صلاة من وجه. فيتناولها قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب». ولنا: قول ابن مسعود: «لم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من ~~القرآن في صلاة الجنازة». وفي «المحيط»: ركنها: التكبيرات، والقيام. وشرطها ~~على الخصوص: كونه مسلما، وكونه مغسولا. وسننها: التحميد، والثناء، والصلاة ~~على المصطفى عليه الصلاة والسلام، والدعاء. # (ثم يكبر ويصلي على النبي # صلى الله عليه وسلم # لما روى أبو داود والنسائي، والترمذي وقال: حسن صحيح. من حديث فضالة بن ~~عبيد قال: «سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو، ولم يحمد الله ~~تعالى، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عجل ms0399 هذا. ثم دعاه، فقال: إذا صلى أحدكم أي دعا فليبدأ بتمجيد ربه ~~تعالى، والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بعد ~~بما شاء». # --- PageV02P033 ~~*** # (ثم يكبر ويدعو) للميت. فقد روى أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من ~~حديث أبي هريرة قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة، فقال: ~~اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، وشاهدنا، ~~وغائبنا، اللهم من أحييته منا، فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا، فتوفه ~~على الإيمان». وفي رواية بتقديم شاهدنا وغائبنا على صغيرنا. وفي رواية ~~زيادة: «اللهم إن كان محسنا، فزد في إحسانه. وإن كان مسيئا، فتجاوز عن ~~سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده». # وروى مسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث عوف بن مالك قال: صلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على جنازة. فحفظت من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم ~~اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء ~~والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله ~~دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، ~~وعذه من عذاب القبر ، ومن عذاب النار، حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت». وفي ~~الصبي والمجنون يقول: اللهم اجعله لنا فرطا، واجعله لنا ذخرا، واجعله لنا ~~شافعا ومشفعا. وأصل الفرط: من يتقدم الواردة أي السيارة . ومنه قوله عليه ~~الصلاة والسلام: «أنا فرطكم على الحوض». # --- PageV02P034 ~~*** # (ثم يكبر ويسلم) تسليمتين ينوي فيهما ما ينوي في تسليمتي الصلاة، وينوي ~~الميت بدل الإمام. وظاهر الرواية: أنه ليس بعد التكبيرة الرابعة سوى ~~السلام. واختار بعضهم أن يقول {ربنا آتنا في الدنيا حسنة} الآية وبعضهم: أن ~~يقول {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا} الآية وبعضهم: «اللهم لا ~~تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله». وهو مختار الشافعي. # وفي «المحيط»: قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: من استهل بعد الولادة، ~~سمي، وغسل، وصلي عليه، وورث ويورث، فإن لم يستهل: لم يسم، ms0400 ولم يغسل، ولم ~~يرث، ولم يورث. لأن الاستهلال دلالة الحياة. وروى الترمذي، وابن ماجه: «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث ولا يورث ~~حتى يستهل». # وروى ابن عدي في «الكامل» عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول في السقط: «لا يصلى عليه حتى يستهل، فإذا استهل صلي عليه، وعقل، وورث. ~~وإن لم يستهل لم يصل عليه ولم يورث ولم يعقل». ونحوه عن جابر من طرق، ~~مرفوعا عند الترمذي والنسائي، وابن ماجه، والحاكم وصحح بعضها. # وموقوفا عند ابن أبي شيبة، عن شعث بن سوار، عن أبي الزبير، عن جابر قال: ~~«إذا استهل الصبي صلي عليه، وورث، وإذا لم يستهل لم يصل عليه، ولا يورث». ~~والاستهلال: ما يوجد منه مما يدل على الحياة من رفع صوت أو حركة عضو. ~~والمعتبر خروج أكثره حيا، وما دونه لا يعتبر. # وذهب أحمد إلى أن الطفل يصلى عليه إذا استكمل أربعة أشهر، وهو أحد قولي ~~الشافعي، لقوله عليه الصلاة والسلام: «السقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه ~~بالمغفرة والرحمة». رواه أصحاب «السنن». قلنا: هو محمول على ذي الروح بصريح ~~النهي عنه. # --- PageV02P035 ~~*** # ولو مات كافر وله قريب مسلم، غسله كالثوب النجس، ولفه في خرقة، وألقاه في ~~حفرة من غير مراعاة السنة في شيء من ذلك، لقول علي كرم الله وجهه لما مات ~~أبو طالب: «انطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: إن عمك الشيخ ~~الضال قد مات. قال: اذهب فوار أباك ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني، فذهبت ~~فواريته وجئته. فأمرني، فاغتسلت ودعا لي». رواه أبو داود، والنسائي، وكذا ~~أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار في مسانيدهم. # وروى الواقدي عن علي قال: «أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أبي ~~طالب، فبكى، ثم قال: اذهب فاغسله، وكفنه، وواره. فقال: ففعلت ثم أتيته. ~~فقال: اذهب فاغتسل. قال: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له ~~أياما، ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبرائيل عليه والسلام ms0401 بهذه الآية: ~~{ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى}. ~~الآية». # (هبة ثواب الأعمال للميت) # --- PageV02P036 ~~*** # وفي «الهداية»: مذهب أهل السنة والجماعة أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله ~~لغيره: صلاة. أو صوما، أو صدقة، أو غيرها. يعني قراءة قرآن، وأذكار، ~~وأدعية. وأصل ذلك ما روى الجماعة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى ~~بكبشين: أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمته». وروى الدارقطني: «أن رجلا سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان لي أبوان أبرهما حال حياتهما، فكيف ~~أبرهما بعد موتهما؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إن من البر بعد البر أن ~~تصلي لهما مع صلاتك، وتصوم لهما مع صيامك». وروى أيضا عن علي: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من مر على المقابر وقرأ: {قل هو الله أحد} عشر مرات، ~~ثم وهب أجرها للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات». وفي «الأذكار» للنووي: ~~أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه. # واختلفوا في وصول ثواب قراءة القرآن: والمشهور من مذهب الشافعي وجماعة: ~~أنه لا يصل. وذهب ابن حنبل، وجماعة من العلماء، وجماعة من أصحاب الشافعي: ~~إلى أنه يصل. فالمختار: أن يقول القارىء بعد فراغه: اللهم أوصل مثل ثواب ما ~~قرأته إلى فلان. وفي «الخلاصة»: رجل أجلس على قبر أخيه رجلا يقرأ القرآن: ~~يكره عند أبي حنيفة، ولا يكره عند محمد، ومشايخنا أخذوا بقول محمد. # (الخلاف في عدد تكبيرات الجنازة) # --- PageV02P037 ~~*** # ثم اعلم أنه إنما كان التكبير في الجنازة أربعا لما روى محمد في «الآثار» ~~عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: «أن الناس كانوا يصلون على الجنائز ~~خمسا، (وستا،) وأربعا حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم ثم كبروا كذلك في ~~ولاية أبي بكر، ثم ولي عمر ففعلوا ذلك. فقال لهم عمر: إنكم أصحاب محمد، متى ~~تختلفون يختلف الناس بعدكم والناس حديثو عهد بجهل، فأجمعوا على شيء يجمع ~~عليه من بعدكم. فأجمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظروا ~~إلى آخر جنازة كبر ms0402 عليها فيأخذوا به، ويرفضوا ما سواه، فوجدوا آخر جنازة ~~كبر عليها أربعا». # والانقطاع الذي بين إبراهيم وعمر لا يعتبر عندنا. وقد رواه أحمد من طريق ~~آخر موصولا قال: حدثنا وكيع: حدثنا سفيان، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل ~~قال: «جمع عمر الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة، فقال بعضهم: كبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم سبعا (وقال بعضهم: خمسا)، وقال بعضهم: أربعا. ~~فجمع عمر على أربع كأطول الصلاة. # وروى أبو نعيم الأصبهاني، عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يكبر على أهل بدر سبع تكبيرات، وعلى بني هاشم خمس تكبيرات. ثم كان آخر ~~صلاته أربع تكبيرات إلى أن خرج من الدنيا». وروى البيهقي والطبراني، عن ابن ~~عباس أنه قال: «آخر جنازة صلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر ~~عليها أربعا». قال البيهقي: روي هذا الحديث من وجوه، كلها ضعيفة. إلا أن ~~اجتماع أكثر الصحابة على الأربع، كالدليل على صحة ذلك. # --- PageV02P038 ~~*** # فلو كبر الإمام خمسا، ترك المأموم متابعته في الخامسة. خلافا لزفر وهو ~~رواية عن أبي يوسف لما روى مسلم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد ~~بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا، وإنه كبر على جنازة خمسا، فسألناه، فقال: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبرها». وقد روي أن عليا كبر خمسا. # قلنا: ثبت النسخ بما قررناه آنفا. والمروي عن زيد يحتمل أن يكون بناء على ~~قول علي من تكبيره على أهل بدر ستا، وعلى الصحابة خمسا، وعلى سائر المسلمين ~~أربعا. وروى الطحاوي، وابن أبي شيبة، ورواه (هوو) عبد الرزاق في ~~«مصنفيهما»، والبخاري في «تاريخه»: «أن عليا صلى على ابن حنيف، فكبر عليه ~~ستا، ثم التفت إلينا فقال: إنه بدري». وقد انقرضت الصحابة، فيكون التكبير ~~بعدهم أربعا لا غير، فمن زاد يكون مخالفا للإجماع المقرر، فلا يكون فصلا ~~مجتهدا فيه، بخلاف تكبيرات العيد. كذا ذكره بعض المحققين. # وفيه نظر: لأن النسخ بالإجماع مختلف فيه كما علم في موضعه فلا يخرج عن ~~كونه ms0403 فصلا مجتهدا فيه، مع احتمال أن إجماعهم كان على أن التكبير الأربع ~~يجزىء، لا على أن الزيادة لا تجوز، بدليل ما روي عن علي، وزيد رضي الله ~~عنهما. ولا يلزم من وقوع الأربع أخيرا، أن يكون ناسخا، لجواز أن يكون لبيان ~~أدنى ما يجزىء، إذ لو كان ناسخا، لما ساغ لهم بعده الزيادة. # ثم إذا كبر الإمام خمسا، ينتظر المأموم تسليم الإمام، ولا يسلم قبله في ~~المختار من الرواية عن أبي حنيفة ليصير متابعا له فيما وجبت المتابعة فيه، ~~إذ البقاء في حرمة الصلاة ليس بخطأ، إنما الخطأ المتابعة في التكبيرة ~~الخامسة. وعنه: أنه يسلم حين اشتغل إمامه بالخطأ لشرعية التحلل عقيبها بلا ~~فصل، وهذا بناء على تحقيق النسخ. # --- PageV02P039 ~~*** # ولو جاء رجل فوجد الإمام في صلاة الجنازة، لا يكبر عند أبي حنيفة ومحمد ~~حتى يكبر الإمام، فكبر معه. وقال أبو يوسف: يكبر، ولا ينتظر الإمام، كما لو ~~كان حاضرا في تلك التكبيرة، فإنه لا ينتظر التكبيرة الثانية اتفاقا لأنه ~~كالمدرك لسائر الصلاة. ولهما: أن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، لقول الصحابة: ~~أربع كأربع الظهر. ولذا لو ترك تكبيرة منها، فسدت صلاته. كما لو ترك ركعة ~~من الظهر، فلو لم ينتظر تكبيره، لكان قاضيا ما فاته قبل أداء ما أدرك معه، ~~وذا منسوخ لما سبق من حديث معاذ. # وثمرة الخلاف تظهر فيمن جاء بعد التكبيرة الرابعة وقبل السلام، فعندهما: ~~لا يدخل مع الإمام، وقد فاتته الصلاة. # وعنده: يدخل. والمسبوق في صلاة الجنازة يقضي ما فاته متواليا بغير دعاء، ~~وإذا رفعت الجنازة على الأعناق قطع. وقيل: لا يقطع إن كان الجنازة إلى ~~الأرض أقرب. # (ولا يرفع اليد إلا في التكبير الأول) وهو قول الثوري. وعن مالك ثلاث ~~روايات: الرفع في الجميع، والترك في الجميع، والرفع في الأول فقط. قال ~~الشافعي، وأحمد: يرفع في الجميع. ولنا: ما روى الترمذي عن أبي هريرة: «كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على الجنازة رفع يديه في أول تكبيرة، ~~ثم وضع يده اليمنى على ms0404 اليسرى». واختار كثير من مشايخ بلخ: الرفع في كل ~~تكبيرة، لما روى الدارقطني في «علله»، عن ابن عمر: «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا صلى على الجنازة، رفع يديه في كل تكبيرة، وإذا انصرف سلم». ~~لكن قال الدارقطني: والصواب أنه موقوف على ابن عمر. # --- PageV02P040 ~~*** # قلت: ويقوي ظاهر المذهب ما تقدم من حديث: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع ~~مواطن...»، الحديث. وقول ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة، ثم لا يعود. رواه الدارقطني، وسكت عنه. # (ويقوم الإمام بحذاء الصدر) من الرجل والمرأة في ظاهر الرواية، لقول أبي ~~غالب: «صليت خلف أنس على جنازة، فقام حيال صدره». رواه أحمد. وأما ما في ~~«الصحيحين»: «أنه عليه الصلاة والسلام صلى على امرأة ماتت في نفاسها، فقام ~~وسطها». فهو لا ينافي كونه الصدر، بل الصدر وسط باعتبار الأعضاء، إذ فوقه ~~يداه ورأسه، وتحته بطنه وفخذاه. ويحتمل أنه وقف كما قلنا، إلا أنه مال إلى ~~العورة في حقها، فظن الراوي ذلك لتقارب المحلين. # وروي عن أبي حنيفة: أنه يحاذي رأسه، ويحاذي وسطها. وبه قال الشافعي، لما ~~روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث نافع أبي غالب قال: «كنت في ~~سكة المربد، فمرت جنازة معها ناس كثير قالوا: جنازة عبد الله بن عمير ~~فتبعتها. فإذا أنا برجل عليه كساء رقيق، وعلى رأسه خرقة تقيه من الشمس. ~~فقلت: من هذا الدهقان؟ أي الرئيس . فقالوا: أنس بن مالك. فلما وضعت ~~الجنازة، فصلى عليها، وأنا خلفه لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه، ~~وكبر أربع تكبيرات لم يطل ، ولم يسرع، ثم ذهب يقعد فقالوا: يا أبا حمزة: ~~المرأة الأنصارية، فقربوها وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها، فصلى عليها ~~نحو صلاته على الرجل، ثم جلس. # --- PageV02P041 ~~*** # فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يصلي على الجنازة، يكبر أربعا، ويقوم عند رأس الرجل، وعجيزة المرأة؟ ~~قال: نعم. قال أبو غالب: ms0405 فسألت عن صنيع أنس في قيامه على المرأة عند ~~عجيزتها. فحدثوني: أنه إنما كان لأنه لم يكن النعوش، فكان الإمام يقوم حيال ~~عجيزتها يسترها من القوم». # ويؤيده لفظ الترمذي، وابن ماجه عن أبي غالب قال: «رأيت أنس بن مالك صلى ~~على جنازة فقام حيال رأسه، فجيء بجنازة أخرى. فقالوا: يا أبا حمزة: صل ~~عليها، فقام حيال وسط السرير». # وفي «المحيط»: لو اجتمع جنائز جاز أن يصلى عليها صلاة واحدة، بأن يجعل ~~الرجل بين يدي الإمام، والصبي وراءه، ثم الخنثى، ثم المرأة، ثم الصبية. ~~لأنهم يقفون حال الحياة في الجماعة هكذا. ولما روى ابن أبي شيبة عن علي رضي ~~الله عنه أنه قال: «إذا اجتمعت جنائز الرجال والنساء، جعل الرجال مما يلي ~~الإمام، والنساء مما يلي القبلة. وإذا اجتمع الحر والعبد، جعل الحر مما يلي ~~الإمام، والعبد مما يلي القبلة». وعن أبي هريرة: «أنه صلى على جنائز رجال ~~ونساء، فقدم النساء مما يلي القبلة، والرجال مما يلي الإمام». وعن عثمان ~~وابن عمر، وزيد بن ثابت، وواثلة بن الأسقع رضي الله عنهم نحوه. # وروى أبو داود، والنسائي، عن عمار بن أبي عمار قال: «شهدت جنازة أم كلثوم ~~وابنها. فجعل الغلام مما يلي الإمام، فأنكرت ذلك. وفي القوم ابن عباس، ~~وأبو سعيد، وأبو قتادة، وأبو هريرة فقالوا: هذه السنة». وقال النووي: ~~وسنده صحيح. وفي رواية البيهقي: «وكان في القوم الحسن، والحسين، وأبو ~~هريرة، وابن عمر، ونحو من ثمانين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وفي رواية: «أن الإمام كان ابن عمر، لأنه كان أخاه من أبيه». # --- PageV02P042 ~~*** # قيل: وإن كان حر ومملوك، فكيفما وضعا جاز كما في الوقوف بجماعة، إلا أن ~~الأفضل أن يجعل الحر مما يلي الإمام ، لما تقدم من حديث علي قال: «وإن شاء ~~جعلهما صفا واحدا طولا كما في حال الحياة». وفيه: أنه يفوته فضيلة سنة ~~الوقوف. وإذا وضع واحد خلف آخر، فإن جعل رأس الآخر أسفل من رأس الأول فحسن. ~~أي قياسا على النبي صلى الله عليه وسلم ms0406 وضجيعيه. وإن وضع رأس كل واحد عند ~~رأس الآخر فحسن، أي نظرا إلى عدم الفرق بين أهل الفضل وغيرهم. وعليه العمل ~~الآن في الحرمين الشريفين. لكن في «مواهب الرحمان»: أنه لو صلي على جنائز ~~مختلفة جملة، قدم الأفضل، فالأفضل إلى الإمام، والحر على العبد في المشهور. ~~ولو جمعوا في قبر واحد، يوضعون على عكس ذلك، فيقدم الأفضل فالأفضل إلى ~~القبلة في الرجلين، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد. # (والأحق بالإمامة) على الميت (السلطان) أي الخليفة إن حضر. وبه قال مالك، ~~لما روي: «أن الحسين بن علي قدم سعيد بن العاص لما مات الحسن رضي الله عنه ~~وقال: لولا السنة ما قدمتك». وكان سعيد واليا بالمدينة. (ثم القاضي) إن لم ~~يحضر السلطان، لأن له ولاية عامة. (ثم إمام الحي) لأنه اختاره إماما في ~~حياته. وفي «الأصل»: إمام الحي أولى. ومعناه إن لم يحضر السلطان، ولا من ~~يقوم مقامه. وقال أبو يوسف: الولي أولى كالنكاح وهو رواية عن أبي حنيفة ~~وبه قال الشافعي. ولنا: أن تعظيم هؤلاء واجب، وفي التقديم عليهم استخفاف ~~بهم. وفي البخاري: قال الحسن: أدركت الناس، وأحقهم بالصلاة على جنائزهم من ~~رضوه لفرائضهم. # --- PageV02P043 ~~*** # ولو أوصى أن يصلي عليه فلان وهو غير السلطان، والقاضي، وإمام الحي، ~~والولي فالوصية جائزة، ويؤمر فلان بالصلاة لأنها لقضاء حق الميت، فمن رضي ~~إمامته كان أحق بها. وقد أوصى عمر أن يصلي عليه صهيب، وأوصت أم سلمة أن ~~يصلي عليها سعيد بن زيد، أحد العشرة المبشرة ، وأوصى أبو بكر أن يصلي عليه ~~أبو بردة. وأوصت عائشة رضي الله عنها أن يصلي عليها أبو هريرة، وأوصى ابن ~~مسعود أن يصلي عليه الزبير. فلا يلتفت إلى ما في «المنتقى» من أن الوصية ~~باطلة. وقال الصدر الشهيد: وعليه الفتوى. # (ثم الولي كما في العصبات) فيقدم بنو الأعيان وهم الأخوة لأبوين على ~~بني العلات وهم الأخوة لأب ، ويقدم الابن على الأب. وذكر محمد في كتاب ~~الصلاة: أن الأب مقدم. فقيل: هو قول محمد فقط. وقيل: ms0407 قول الكل. وفي ~~«المحيط»: هو الأصح، لأن للأب فضيلة، ولها أثر في استحقاق الإمامة، ويؤيده ~~قوله عليه الصلاة والسلام في القسامة: «ليتكلم أكبركما». # (ويصح) الإذن بالصلاة عليها ممن له التقدم، لأن التقدم حقه، فيملك إبطاله ~~بتقديم الغير. (فإن صلى غيرهم) أي غير هؤلاء الذين ذكروا من السلطان، ~~والقاضي، وإمام الحي، والولي (يعيد الولي إن شاء) لأن الولاية في الحقيقة ~~له. وإذا كان للولي أن يعيد إذا صلى غيرهم، كان لمن يتقدم على الولي أن ~~يعيد أيضا. وهذا إذا لم يرض به، فلو تابعه وصلى معه فلا يعيد. وفي ~~«القنية»: ليس لمن صلى عليها أن يصلي مع الولي مرة أخرى. # --- PageV02P044 ~~*** # (ولا يصلي غيره) أي غير الولي (بعده) أي بعد صلاة الولي ولو صلى وحده، ~~وبه قال مالك. وفي «شرح الكنز»: وكذا بعد صلاة إمام الحي،وبعد كل من يتقدم ~~على الولي، لأن الفرض تأدى بالأولى، والتنفل بها غير مشروع. وأجازه الشافعي ~~لقول أبي هريرة: «إن رجلا أسود كان يقم المسجد. فسأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عنه فقالوا: مات. فقال: أفلا آذنتموني؟ دلوني على قبره. فأتى على ~~قبره، فصلى عليه». ولقول ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على ~~قبر منبوذ، فصفهم عليه، فكبر أربعا». رواهما الشيخان. # ولقول يزيد بن ثابت أخي زيد، وكان أكبر منه : «خرجنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر. فسأل عنه، فقالوا: فلانة، ~~فعرفها. فقال: ألا آذنتموني (بها)؟، قالوا: كنت قائلا صائما. قال: فلا ~~تفعلوا، لا أعرفن ما مات منكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن ~~صلاتي عليه رحمة. ثم أتى القبر، فصففنا خلفه، وكبر عليها أربعا». رواه ابن ~~حبان وصححه، والحاكم وسكت عنه. ولصلاة الصحابة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فوجا بعد فوج. # --- PageV02P045 ~~*** # قلنا: كان له حق التقدم في الصلاة لقوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم} وللولي حق الإعادة. أو كانت من خواصه صلى الله عليه وسلم ولقول ~~سعيد بن المسيب: «إن أم ms0408 سعد يعني ابن عبادة ماتت والنبي صلى الله عليه ~~وسلم غائب، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر». قال البيهقي: هو مرسل ~~صحيح. وقد روي موصولا عن ابن عباس، والمشهور هو المرسل. «ولصلاة النبي صلى ~~الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات». ~~رواه أبو داود. وكذلك صلاة الصحابة عليه أفواجا كانت من الخواص، وإلا لكان ~~يصلى على قبره إلى قيام الساعة. لأنه صلى الله عليه وسلم كما وضع، لما صح ~~«أن لحوم الأنبياء محرمة على الأرض». ولم يشتغل بها أحد من العلماء ~~والصلحاء الراغبين في التقرب إليه صلى الله عليه وسلم فكان دليلا ظاهرا على ~~عدم مشروعية التنفل بها. # (ومن لم يصل عليه فدفن) بعد غسله أو تيممه (صلي) على قبره إقامة للواجب ~~بقدر الإمكان (ما لم يظن تفسخه) على الصحيح لأنه يختلف باختلاف الزمان: حرا ~~أو بردا. والمكان: رخاوة وصلابة. وحال الميت: سمنا وهزالا. فيعتبر فيه أكبر ~~الرأي. ويروى عن أئمتنا: أنه يصلى عليه إلى ثلاثة أيام. # (ولم تجز) الصلاة على الجنازة حال كون المصلي (راكبا) من غير عذر. وكذا ~~إذا كان الميت على الدابة، أو على أيدي الرجال، لأن الميت بمنزلة الإمام، ~~ولذا يقدم، وكذا لا يجوز إذا كان المصلي قاعدا مع القدرة على القيام # --- PageV02P046 ~~*** # (وكرهت) الصلاة على الجنازة عندنا وعند مالك (في مسجد) غير معد لصلاة ~~الجنازة كراهة تحريم في رواية، وتنزيها في أخرى، واختارها بعض المحققين. ~~وقال الشافعي: لا يكره لما في مسلم، عن أبي سلمة، عن عائشة أنها قالت لما ~~توفي سعد بن أبي وقاص: «أدخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر ذلك عليها. ~~فقالت: والله لقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد: ~~سهيل وأخيه». # ولنا: ما أخرجه الطحاوي في «معاني الآثار»، عن أبي هريرة: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من صلى على جنازة في مسجد فلا شيء له». ورواه أبو ~~داود، وابن ماجه، عن أبي ذؤيب، عن صالح مولى التوأمة عن ms0409 أبي هريرة. ولفظ ~~ابن ماجه: «فليس له شيء». وفي رواية: «فلا شيء عليه». وفي رواية: «فلا أجر ~~له». ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» بلفظ: «فلا صلاة له» . قال ابن عبد ~~البر: رواية: «فلا أجر له» خطأ فاحش. والصحيح: «فلا شيء له». وصالح مولى ~~التوأمة مختلف في ضعفه. # قال الطحاوي: وهذا أولى من حديث عائشة، لأن حديثها إخبار عن فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حال الإباحة التي لم يتقدمها نهي، وحديث أبي ~~هريرة إخبار عن نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تقدمته الإباحة، ~~فصار حديث أبي هريرة أولى من حديث عائشة، لأنه ناسخ له. # وفي إنكار من أنكر ذلك على عائشة وهم يومئذ أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دليل على أنهم قد علموا في ذلك خلاف ما قد علمت، ولولا ذلك لما ~~أنكروا عليها. انتهى. ولأن صلاته عليه الصلاة والسلام على ابني بيضاء في ~~المسجد: سهيل وأخيه، واقعة حال، لا عموم لها، فتجوز أن تكون لضرورة كونه ~~معتكفا ونحوه، أو لبيان الجواز. # --- PageV02P047 ~~*** # وأما ما ثبت أنه صلي على أبي بكر وعمر في المسجد، ومعلوم أن عامة ~~المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم الإنكار دليل على ~~الجواز، كما ذكره الخطابي، فجوابه: أن صلاتهم عليهما في المسجد كانت لعارض ~~دفنهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والله سبحانه أعلم. # (ولو وضع الميت خارجه) أي خارج المسجد، وقام الإمام خارجه ومعه صف، ~~والباقي في المسجد (اختلف المشايخ) فقيل: لا يكره، لأنه ليس فيه احتمال ~~تلويث المسجد. وقيل يكره، لأن المسجد أعد لأداء المكتوبات، فلا يقام فيه ~~غيرها إلا لعذر. والأول أظهر، لأنه لا يكره النوافل وغيرها من أنواع ~~الطاعات وأصناف الدعاء. وأما المسجد الحرام فمستثنى، كما صرح به ابن الضياء ~~إذ هو موضوع لأداء المكتوبات، والجمعة، والعيدين وصلاة الكسوف والخسوف، ~~وصلاة الجنازة والاستسقاء، ولعله بهذا المعنى جمع في قوله تعالى: {إنما ~~يعمر مساجد الله} أو لكبره وسعة قدره، أو لتعظيم أمره، أو لاشتماله على ms0410 ~~جهات، كل جهة بمنزلة مسجد، أو لأنه قبلة المساجد كلها. # ولا يصلى عندنا وفي ظاهر مذهب مالك على غائب، وعضو علم موت صاحبه، إلا ~~أن يوجد أكثر بدنه أو نصفه مع رأسه. لا مطلقا كما قال الشافعي، معللا بأنها ~~دعاء ، فتجوز بلا قيد حضوره، ولا وجود أكثر بدنه. كيف وقد روى الشيخان، عن ~~أبي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي ~~مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات». # قلنا: كان ذلك من خصائصه، بدليل عدم صلاته على الغائبين من أصحابه مع شدة ~~حرصه على الصلاة عليهم لما روينا. وهذا الخلاف مبني في الحقيقة على منع ~~تعدد الصلاة عليها وعدمه. # --- PageV02P048 ~~*** # (وسن في حمل الجنازة أربعة) من الرجال، لما روى محمد في «الآثار»، عن أبي ~~حنيفة، عن منصور بن المعتمر، عن عبيد بن نسطاس، عن أبي عبيدة، عن أبيه، عبد ~~الله بن مسعود أنه قال: «من السنة حمل السرير بجوانبه الأربع». ورواه أبو ~~داود الطيالسي، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، عن شعبة، عن منصور ولفظهما: ~~«فليأخذ بجوانب السرير الأربع». ورواه ابن ماجه بلفظ: «من اتبع جنازة، ~~فليأخذ بجوانب السرير الأربع كلها، فإنه من السنة. فإن شاء فليتطوع، وإن ~~شاء فليدع». ولقول علي الأزدي: «رأيت ابن عمر في جنازة فحمل بجوانب السرير ~~الأربع». ولقول أبي هريرة: «(من حمل الجنازة بجوانبها الأربع، فقد قضى الذي ~~عليه». رواهما عبد الرزاق. وورد:) من «حمل الجنازة بجوانب السرير الأربع، ~~غفر له أربعون كبيرة». رواه ابن عساكر، عن واثلة. # ولا يسن ثلاثة كما قاله الشافعي بأن يضع الخشبتين المقدمتين على عاتقيه ~~ورأسه بينهما، ويحمل المؤخرتين رجلان. وهذا أفضل من التربيع في الأصح من ~~مذهبه، «لأن النبي صلى الله عليه وسلم حمل جنازة سعد بن معاذ من بيته بين ~~العمودين حتى خرج به من الدار ». قال النووي: ورواه الشافعي بسند ضعيف. ~~ورواه الواقدي وقال: والدار يكون ثلاثين ذراعا. «ولأن عمر حمل بين عمودي ~~سرير أسيد بن حضير حتى ms0411 وضعه بالبقيع، وصلى عليه». و«حسن بن حسن بن علي فعل ~~كذلك في سرير جابر بن عبد الله». رواهما الطبراني في مطولين. # --- PageV02P049 ~~*** # وروى البيهقي في «المعرفة» من طريق الشافعي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، ~~عن جده قال: «رأيت سعد بن أبي وقاص في جنازة عبد الرحمن بن عوف ، واضعا ~~السرير على كاهله، قائما بين العمودين المقدمين». ونحوه عن عثمان بن عفان، ~~وابن عمر في سرير رافع بن خديج، و«حمل أبو هريرة بين عمودي سرير سعد بن أبي ~~وقاص». و«حمل ابن الزبير بين عمودي سرير المسور بن مخرمة». قلنا: هذه ~~موقوفات، والمرفوع منها ضعيف. ثم هي وقائع أحوال، فاحتمل أن يكون للسنة، أو ~~لعارض اقتضى ذلك في خصوص تلك الأوقات. # (وأن تضع مقدمها الأيمن ثم مؤخرها) الأيمن (على يمينك) أتى بلفظ الخطاب ~~تبعا لأبي حنيفة فإنه خاطب أبا يوسف هكذا. (ثم كذا) تضع مقدمها الأيسر ثم ~~مؤخرها الأيسر (على يسارك) لما روى ابن ماجه من حديث أبي عبيدة بن عبد الله ~~بن مسعود، عن أبيه أنه قال: «إذا تبع أحدكم الجنازة، فليأخذ بجوانب السرير ~~الأربع، ثم ليتطوع بعد أي بالزيادة أو ليذر». أي ليترك # (ويسرعون بها) لقول النبي صلى الله عليه وسلم «أسرعوا بالجنازة، فإن تك ~~صالحة، فخير تقدمونها إليه، وإن تك غير ذلك، فشر تضعونه عن رقابكم». متفق عليه. # (بلا خبب) وهو ضرب من العدو. وقيل: هو كالرمل. ولو مشوا بالخبب كره، لقول ~~ابن مسعود: «سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المشي مع الجنازة فقال: ~~دون الخبب، إن يكن خيرا، تعجل إليه، وإن يكن غير ذلك، فبعدا لأهل النار، ~~والجنازة متبوعة، ولا تتبع. ليس منا # من تقدمها». وضعفه البخاري، ورواه أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن ~~راهويه، وأبو يعلى في مسانيدهم. وقد روى ابن ماجه: «الجنازة متبوعة، وليست ~~بتابعة، ليس معها من تقدمها». # --- PageV02P050 ~~*** # (والمشي خلفها أحب) وهو مذهب الأوزاعي. وقال الثوري وطائفة: هما سواء. ~~وقال مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل: قدامها أفضل. # لنا ما قدمنا، وقوله عليه الصلاة ms0412 والسلام: «لا تتبع الجنازة بصوت، ولا ~~نار، ولا تمش بين يديها». رواه أبو داود، وأحمد، وذكره الدارقطني وعلله بما ~~فيه من الاختلاف. وقول أبي أمامة: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشى ~~خلف جنازة ابنه إبراهيم حافيا». رواه الحاكم، وسكت عنه. وما في «الصحيحين» ~~من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى على جنازة، ~~فله قيراط، ومن تبعها حتى توضع في القبر، فله قيراطان». # وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر عن ابن طاوس، عن أبيه قال: «ما مشى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات إلا خلف الجنازة». وروى أيضا هو، ~~وابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن أبزى قال: «كنت في جنازة وأبو بكر وعمر ~~يمشيان أمامها، وعلي يمشي خلفها. # فقلت لعلي: أراك تمشي خلف الجنازة، وهذان يمشيان أمامها. قال علي: لقد ~~علمنا أن فضل المشي خلفها على المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على الفذ ~~لكنهما أحبا أن ييسرا على الناس». # --- PageV02P051 ~~*** # وعن أبي أمامة قال: «سأل أبو سعيد الخدري علي بن أبي طالب: المشي خلف ~~الجنازة أفضل، أم أمامها؟ فقال علي: والذي بعث محمدا بالحق، إن فضل الماشي ~~أمامها كفضل المكتوبة على التطوع. فقال له أبو سعيد: أبرأيك تقول، أم بشيء ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب، فقال: لا والله، بل سمعته غير ~~مرة ولا اثنين ولا ثلاثة حتى عد سبعا. فقال أبو سعيد، إني رأيت أبا بكر ~~وعمر يمشيان أمامها، فقال علي: يغفر الله لهما، لقد سمعا ذلك من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كما سمعته. إنهما والله لخير هذه الأمة، ولكنهما كرها ~~أن يجتمع الناس، ويتضايقوا، فأحبا أن يسهلا على الناس». رواه عبد الرزاق. ~~وأعله ابن عدي في «الكامل» بمطرح من رواته وقال ابن معين: الضعف على ~~حديثه بين. # وعن نافع قال: «خرج عبد الله بن عمر في جنازة وأنا معه فقلت: يا أبا ~~عبد الرحمن: كيف السنة في المشي مع الجنازة، أمامها أو خلفها؟ ms0413 فقال: ويحك ~~نافع، أما تراني أمشي خلفها؟». رواه الطبراني. ولأن المشي خلفها أوعظ، فإنه ~~ينظر إليها، ويتفكر في حال نفسه لديها، ويتذكر أنه من اللاحقين للسابقين، ~~ولأنه ربما يحتاج إلى التعاون في حملها. # وللشافعي، ومن وافقه ما في السنن الأربع، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، ~~عن سالم، عن أبيه: «أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشيان ~~أمام الجنازة». إلا أن عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: «كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم..»، فذكره مرسلا. وأسند الترمذي إلى ابن المبارك: ~~أن حديث الزهري هذا مرسلا، أصح من حديث ابن عيينة. ولأن أبا هريرة، وأبا ~~قتادة، وابن عمر، وأبا أسيد كانوا يمشون أمام الجنازة. ولأنهم شفعاء، ~~والشفيع يتقدم ليمهد المقصود. # --- PageV02P052 ~~*** # وقال مالك: تقدم على الركاب دون المشاة، لما في السنن الأربعة، عن ~~المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الراكب يسير خلف ~~الجنازة، والماشي أمامها، قريبا منها، عن يمينها أو عن يسارها». ويكره رفع ~~الصوت بالذكر مع الجنازة لأنه بدعة محدثة بعد النبي صلى الله عليه وسلم # (وكره الجلوس قبل وضعها) أي عن أعناق الرجال موافقة لهم، واستعدادا ~~لإعانتهم. فإذا وضعت على الأرض فلا بأس بالجلوس، ويحفر القبر نصف القامة، ~~أو إلى الصدر، وإن زيد كان حسنا، لأنه أبلغ في منع الرائحة، ودفع السباع. # (ويلحد القبر) أي يحفر حفرة في جانبه وهو السنة في الدفن إذا كانت ~~الأرض صلبة. ويكون في الجانب الذي يلي القبلة، فيوضع الميت فيه. ولا يشق: ~~وهو أن يحفر حفرة في وسط القبر، فيوضع فيه الميت، ويسمى الضرح. ولا بأس به ~~في الأرض الرخوة لما في السنن الأربع، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللحد لنا أي معشر أهل ~~المدينة ونحوهم والشق لغيرنا» أي لأهل مكة وأمثالهم. قال الترمذي: غريب من ~~هذا الوجه، وعبد الأعلى فيه مقال بالاضطراب. وعن جرير بن عبد الله البجلي ~~مرفوعا ms0414 نحوه سواء. رواه أحمد، وابن ماجه، وابن أبي شيبة وغيرهم. وفي رواية ~~لابن ماجه: «احفروا، ووسعوا، وأحسنوا». # --- PageV02P053 ~~*** # واختلفوا في عمقه. فقيل: قدر نصف القامة. وقيل: إلى الصدر، وإن زادوا ~~فحسن. ولما روى ابن ماجه من حديث أنس بن مالك قال: «لما توفي النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان بالمدينة رجل يلحد والآخر يضرح. فقالوا: نستخير ربنا، ~~ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه. فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. ومن حديث عائشة رضي الله عنها: «لما مات رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك وارتفعت ~~أصواتهم. فقال عمر: لا تصيحوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا ولا ~~ميتا، أو كلمة نحوها. فأرسلوا إلى الشاق واللاحد، فجاء اللاحد، فلحد لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم دفن». # ومن حديث ابن عباس قال: «لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح: أي يشق كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة ~~وزيد بن سهل يحفر لأهل المدينة، وكان يلحد، فدعا العباس رجلين. فقال ~~لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة، وللآخر: اذهب إلى أبي طلحة. اللهم خر لرسولك. ~~فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة. فجاء به، فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # --- PageV02P054 ~~*** # «فلما فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء، وضع على ~~سريره. وقد كان المسلمون اختلفوا في موضع دفنه. فقال قائل: ندفنه في مسجده. ~~وقال قائل: ندفنه مع أصحابه. فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض». فرفع فراش رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الذي توفي فيه، فحفر تحته، ثم دعي الناس لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يصلون عليه أرسالا: الرجال حتى إذا فرغ منهم، أدخل النساء، ~~حتى إذا فرغ من النساء، أدخل الصبيان. ولم يؤم الناس على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحد. فدفن صلى ms0415 الله عليه وسلم من وسط الليل ليلة الأربعاء. ~~ونزل في حفرته علي بن أبي طالب، والفضل بن العباس، وقثم أخوه، وشقران مولى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # (ويدخل) الميت (فيه) أي في اللحد (مما يلي القبلة) بأن توضع الجنازة على ~~جنب القبلة، ثم يحمل منه إلى اللحد. فيكون الآخذ له مستقبل القبلة حال ~~الأخذ. وبه قال كثير من أصحاب مالك لقول ابن عباس: «إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم دخل قبرا ليلا، فأسرج له بسراج، فأخذ الميت من قبل القبلة. وقال: رحمك ~~الله، إن كنت لأواها تاليا للقرآن. وكبر عليه أربعا». رواه الترمذي، وقال: ~~حديث حسن. وأنكر عليه، لأن مداره على الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس . ولم يذكر ~~سماعا. وضعف ابن معين من رواته منهال بن خليفة. إلا أن هذا يحط الحديث عن ~~درجة الصحة لا الحسن. ولما روى ابن أبي شيبة عن عمير بن سعيد: «أن عليا كبر ~~على يزيد بن المكفف أربعا، وأدخله من قبل القبلة». # --- PageV02P055 ~~*** # (وعن ابن الحنفية: «أنه ولي ابن عباس فكبر عليه أربعا وأدخله من قبل ~~القبلة»). وعن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي: «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أدخل من قبل القبلة، ولم يسل سلا، ورفع قبره حتى يعرف». رواه أبو ~~داود في «المراسيل». وعن أبي سعيد: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ~~من قبل القبلة، واستقبل استقبالا». رواه ابن ماجه في «سننه». وروى أبو ~~داود، عن ابن مسعود، وبريدة، وابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل ~~من قبل القبلة، ولم يسل سلا». # وقال الشافعي، وأحمد: يسل، بأن يوضع السرير في مؤخر القبر، حتى يكون رأس ~~الميت بإزاء موضع قدميه من القبر، ثم يدخل رأس الميت القبر، ويسل كذلك، أو ~~تكون رجلاه موضع رأسه، ثم يدخل رجلاه، ويسل كذلك. وقد قيل: بكل منهما. ~~والمروي للشافعي الأول. قال: أخبرنا الثقة، عن عمر بن العطاء، عن عكرمة، عن ~~ابن عباس قال: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ms0416 قبل رأسه. وروى عن عمران ~~بن موسى: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سل من قبل رأسه، وكذلك أبو بكر، وعمر». # وروى أبو عمر بن شاهين في «كتاب الجنائز»، عن أنس بن مالك قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «يدخل الميت من قبل رجليه، ويسل سلا». وروى ابن ~~أبي شيبة، عن ابن سيرين قال: «كنت مع أنس في جنازة، فأمر بالميت، فأدخل من ~~قبل رجليه. وعن ابن عمر: أنه أدخل ميتا من قبل رجليه. وروى أبو داود: «أن ~~الحارث أوصى أن يصلي عليه عبد الله بن زيد، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من ~~عند رجل القبر، وقال: هذا من السنة». # --- PageV02P056 ~~*** # (ويقول واضعه) في قبره (باسم الله) وبالله (وعلى ملة رسول الله) صلى الله ~~عليه وسلم لقول ابن عمر: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أدخل الميت ~~القبر قال: باسم الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه ابن ~~ماجه. وكذا الترمذي وزاد بعد «باسم الله»: «وبالله». وقال: حسن غريب من هذا ~~الوجه. ورواه أبو داود من طريق آخر بدون الزيادة. وكذا الحاكم ولفظه: «وإذا ~~وضعتم موتاكم في قبورهم فقولوا: باسم الله، وعلى ملة رسول الله». وقال: ~~حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ورواه ابن حبان في صحيحه. وأما قول ~~صاحب «الهداية»: وكذا قال عليه الصلاة والسلام حين وضع أبا دجانة، فهو غلط. ~~لأن أبا دجانة كان حيا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشهد يوم ~~اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق. ولعله اشتبه على الكاتب فصحف ذا البجادين ~~بأبي دجانة. ومع هذا لم يثبت أنه عليه الصلاة والسلام لقنه هذا الكلام، ~~وإنما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه، وهو ~~يقول: «أدليا إلي أخاكما فدلياه له، فلما هيأه لشقه، قال: اللهم إني أمسيت ~~راضيا عنه، فارض عنه» قال عبد الله بن مسعود: وقد شاهدت ذلك، يا ليتني كنت ~~صاحب الحفرة. ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر ms0417 في «الاستيعاب». والله الموفق ~~للصواب. # (ويوجه) أي يجعل وجهه فيه (إلى القبلة) على جنبه الأيمن لما روى أبو ~~داود، والنسائي، عن قتادة الليثي وكانت له صحبة «أن رجلا قال: يا رسول ~~الله ما الكبائر؟ قال: هي تسع، فذكر منها استحلال البيت الحرام، ثم قال: ~~قبلتكم أحياء وأمواتا». ورواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: قد احتج الشيخان ~~برواة هذا الحديث غير عبد الحميد بن سنان. # --- PageV02P057 ~~*** # (وتحل العقدة) لحصول الأمن مما عقدت لأجله (ويسوى) على اللحد (اللبن) وهو ~~الطوب النيء (والقصب) أو الإذخر. أما اللبن فلما في «صحيح مسلم»، عن عامر ~~بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه أنه قال في مرضه الذي مات فيه: «الحدوا لي ~~لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا، كما صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # وفي «شرح مسلم»: نقلوا أن عدد لبنات لحده عليه الصلاة والسلام تسع. وأما ~~القصب فلما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه»، عن الشعبي: «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم جعل على قبره طن من قصب». والطن بضم المهملة وتشديد النون: حزمة ~~القصب. وهو مرسل. وروى ابن سعد عن أبي إسحاق قال: «أوصى أبو ميسرة عمرو بن ~~شرحبيل الهمداني أن يجعل على لحده طن من قصب. وقال: إني رأيت المهاجرين ~~يستحبون ذلك. قال: فضموا أربعة هوادي بعضها إلى بعض وجعلوها لحدا». # (ويسجى قبرها) بثوب، لأن ابن عمر كان يغطي قبر المرأة و(لا) يسجى (قبره) ~~خلافا للشافعي، لأن عليا مر بقوم قد دفنوا ميتا وبسطوا على قبره الثوب ~~فجذابه، وقال: «إنما يصنع هذا بالنساء». # (وكره الآجر) وهو الطوب المطبوخ. (والخشب) لأنها لإحكام البناء، فلا ~~يكونان في بيت البلاء. لأن الآجر مسته النار والخشب معد لها. ولما روي عن ~~ابن عمرو بن العاص أنه قال: «لا تجعلوا في قبري خشبا ولا حجرا». ولما روى ~~ابن ماجه: «أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن تجصيص القبور». # --- PageV02P058 ~~*** # (ويهال التراب) أي يصب عليه للتوارث (ويسنم القبر) عندنا. لما روى ~~البخاري تعليقا، عن سفيان التمار: «أنه رأى قبر النبي صلى الله ms0418 عليه وسلم ~~مسنما». وروى ابن أبي شيبة عن سفيان التمار، قال: «دخلت بالبيت الذي فيه ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر، وعمر مسنمة». وروى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حماد، عن ~~إبراهيم قال: «أخبرني من رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر أبي بكر، ~~وعمر ناشزة من الأرض، عليها فلق من مدر أبيض». وروى ابن شاهين بسنده إلى ~~جابر قال: «سألت ثلاثة كلهم له في قبر النبي صلى الله عليه وسلم أب سألت ~~أبا جعفر محمد بن علي، وسألت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وسألت سالم بن عبد ~~الله. قلت: أخبروني عن قبور آبائكم في بيت عائشة، فكلهم قالوا: إنها ~~مسنمة». # ويكره التربيع عندنا. ويسن عند مالك والشافعي لما في «صحيح مسلم»، عن أبي ~~الهياج الأسدي قال: «قال لي علي: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته». ~~وعن أبي علي الهمداني قال: «كنا مع فضالة بن عبيد، فتوفي صاحب لنا، فأمر ~~فضالة بقبره فسوي. ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر ~~بتسويتها». زاد أبو داود: «برودس بأرض الروم. ثم قال: هي جزيرة في البحر. ~~قلنا: هو محمول على ما كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء العالي لما ~~رواه محمد بن الحسن في «الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا شيخ لنا ~~يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى عن تربيع القبور وتجصيصها». # --- PageV02P059 ~~*** # ولا يخرج الميت من القبر بعد إهالة التراب عليه، وإن قصرت المدة، إلا أن ~~تكون الأرض مغصوبة، وشاء صاحبها إخراجه، أو نسي في القبر متاع إنسان. ولذا ~~لم يحول كثير من الصحابة، وقد دفنوا بأرض الحرب. ولا بأس بنقله قبل تسوية ~~اللبن عليه نحو ميل أو ميلين، لأن المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا ~~المقدار. # قال صاحب «الهداية» في «التجنيس»: لا إثم في النقل من بلد ms0419 إلى بلد، لما ~~نقل: أن يعقوب عليه السلام مات بمصر، فنقل إلى الشام، وموسى عليه السلام ~~نقل تابوت يوسف عليه السلام بعدما أتى عليه زمان من مصر إلى الشام، ليكون ~~مع آبائه. انتهى. ولا يخفى أن هذا شرع من قبلنا، ولم يتوفر فيه شروط كونه ~~شرعا لنا، إلا أنه نقل: «أن سعد بن أبي وقاص مات في ضيعة على أربعة فراسخ ~~من المدينة، فحمل على أعناق الرجال إليها». # ويكره القعود على القبر، ووطئه، والنوم عنده، والبول، والتغوط عليه. وقال ~~مالك، والطحاوي: المراد بالجلوس على القبر المنهي عنه: الجلوس للحدث. ويحرم ~~البناء عليه للزينة، للإسراف وعدم المنفعة. # وينبغي أن يعلم القبر بعلامة لقول المطلب: «لما مات عثمان بن مظعون وأخرج ~~بجنازته، فدفن، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أن يأتيه بحجر، ولم ~~يستطع حمله، فقام إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسر عن ذراعيه، ثم ~~حملها فوضعها عند رأسه وقال: أتعلم به قبر أخي، وأدفن إليه من مات من ~~أهلي». رواه أبو داود. # --- PageV02P060 ~~*** # ولا بأس بدفن اثنين أو أكثر في قبر واحد عند الضرورة لقول هشام بن عامر: ~~«جاءت الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد. فقالوا: أصابنا قرح ~~وجهد، فكيف تأمرنا؟ قال: احفروا، وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في ~~القبر. فقيل: أيهم نقدم؟ قال: أكثرهم قرآنا. قال: وأصيب أبو عامر يومئذ بين ~~اثنين». رواه أبو داود. # ويكره الدفن ليلا بلا ضرورة لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تدفنوا ~~أمواتكم بالليل إلا أن تضطروا». رواه ابن ماجه. وروى مسلم: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خطب يوما، فذكر رجلا من أصحابه قبض، ودفن في كفن غير طائل، ~~وقبر ليلا. فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى ~~عليه، إلا أن يضطر رجل إلى ذلك. وقال صلى الله عليه وسلم «إذا كفن أحدكم ~~أخاه، فليحسن كفنه». # ولا يحفر قبر لدفن آخر إلا إذا بلي الأول، ولم يبق له عظم، إلا أن لا ~~يوجد بد منه، فيضم ms0420 عظام الأول، ويهال بينها وبين الميت بالتراب ونحوه. ~~ويكره الدفن في الأماكن التي تسمى فساقي. ويلقى الميت في البحر بعد غسله ~~وتكفينه والصلاة عليه إن بعد البر، وخيف من الضرر. وعن أحمد: يثقل ليرسب. ~~وعن الشافعية كذلك، إن كان قريبا من دار الحرب، وإلا شد بين لوحين، ليقذفه ~~البحر فيدفن. # --- PageV02P061 ~~*** # ويسن الدعاء عند القبور دائما، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الخروج إلى البقيع. ويقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله ~~بكم لاحقون، وأسأل الله لي ولكم العافية». ويجوز الجلوس للمصيبة ثلاثة ~~أيام، وهو خلاف الأولى. ويكره في المسجد. ويستحب التعزية للرجال والنساء ~~اللاتي لا يفتن لقوله عليه الصلاة والسلام: «من عزى مصابا فله مثل أجره». ~~رواه الترمذي، وابن ماجه، عن ابن مسعود. وقوله عليه الصلاة والسلام: «من ~~عزى ثكلى كسي بردا في الجنة». رواه الترمذي عن أبي برزة. ويكره اتخاذ ~~الضيافة من أهل الميت، لأنه شرع في السرور لا في ضده، وهي بدعة مستقبحة. # ويستحب للأقارب والجيران تهيئة طعام لهم يشبعهم يومهم وليلتهم لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد جاءهم ما يشغلهم». رواه ~~الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه. ويلح عليهم في الأكل، لأن الحزن يمنعهم من ~~ذلك فيضعفون هنالك. والله الموفق للصبر، والمعوض للأجر. # باب الشهيد # فعيل بمعنى مفعول لأنه مشهود له بالجنة بالنص، ولأن الملائكة يشهدون موته ~~إكراما له. أو بمعنى فاعل لأنه حي عند الله حاضر. قال الله تعالى: {ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} الآية. # --- PageV02P062 ~~*** # (مسلم طاهر) أي ليس بجنب ولا حائض ولا نفساء. لأن هؤلاء يغسلون عند أبي ~~حنيفة. وقال أبو يوسف، ومحمد: لا يغسلون، لأن ما وجب قبل الموت من غسل ~~الجنابة ونحوها، سقط بالموت لانتهاء التكليف به. ولأبي حنيفة وهو قول أحمد ~~ما روى ابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه» وقال: على شرط الشيخين، ~~عن الزبير قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وقد قتل ms0421 حنظلة بن ~~أبي عامر الثقفي : إن صاحبكم تغسله الملائكة. فسألوا صاحبته. فقالت: خرج ~~وهو جنب لما سمع الهائعة أي الصيحة المفزعة فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لذلك غسلته الملائكة». # وليس عند الحاكم: «فسألوا صاحبته» يعني زوجته وهي جميلة بنت أبي بن ~~سلول أخت عبد الله بن أبي بن سلول، وكانت قد بنى بها تلك الليلة. فرأت في ~~منامها كأن بابا من السماء فتح فدخل فأغلق دونه، فعرفت أنه مقتول. فلما ~~أصبحت، دعت بأربعة من قومها وأشهدتهم أنه دخل بها خشية أن يقع في ذلك نزاع. # ذكره الواقدي، وكذا ابن سعد في «الطبقات» في ترجمة حنظلة وزاد: وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين ~~السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة». قال أبو أسيد الساعدي: «فذهبنا ~~إليه فوجدناه يقطر من رأسه ماء، فرجعت فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(فذكرت أنه خرج وهو جنب) ». # فغسل الملائكة له، تعليم لنا بما نفعله بمثله. # فإن قيل: لو اشترط في الشهادة الطهارة لأمر عليه الصلاة والسلام بغسل ~~الحنظلة. أجيب: بأن الواجب هو الغسل كائنا من كان الغاسل، وقد حصل بفعل ~~الملائكة. # --- PageV02P063 ~~*** # (بالغ) لأن الصبي يغسل، وكذا المجنون، فكان حقه أن يقيد بقوله: عاقل أو ~~مكلف. وقال أبو يوسف، ومحمد: لا يغسلان. لأن عدم الغسل للكرامة، وهما أحق ~~بها. ولأبي حنيفة: أن السيف كفى عن الغسل في حق شهداء أحد، لكونه طهرة ~~لذنوبهم، ولا ذنب للصبي، فلا يلحق بهم. # (قتل ظلما) سواء قتله أهل الحرب، أو أهل البغي، أو قطاع الطريق، بأي سبب ~~كان، إذا كان موته مضافا إليهم. فلو نفروا دابته فرمته فمات، أو خرقوا ~~سفينته، ومات، كان شهيدا. ولو انفلتت دابة حربي فوطئت مسلما فمات، غسل لعدم ~~نسبة الفعل للحربي. ولو مشى مسلم على حسك وضعوه، أو وقع في خندق حفروه، ~~فمات، غسل، لأن فعله يقطع النسبة عنهم. قيد بقوله: ظلما لأنه لو قتل لقصاص، ~~أو رجم لزنا، أو قتل بسبع، ms0422 أو سيل، أو هدم، أو سقوط، يغسل. # (ولم يجب به) بنفس القتل (مال) حتى لو قتل الأب ابنه ظلما، أو صالح ~~القاتل عن المقتول عمدا بمال، لا يغسلان، وإن وجب المال فيهما، لأن وجوبه ~~ليس لنفس القتل، وإنما هو للأبوة في الأول، وللصلح في الثاني. وخرج به ~~المقتول خطأ، لأنه يجب المال بنفس القتل. ولو قتل ظلما بغير حديدة ليس له ~~حكم الشهيد عند أبي حنيفة، فيغسل. وله حكمه عندهما، فلا يغسل. بناء على أن ~~موجب هذا القتل: المال، وهو قول أبي حنيفة، أو: القصاص، وهو قولهما، وبه ~~قال مالك والشافعي. # (ولم يرتث) بتشديد المثلثة أي: لم يرتفق بشيء من مرافق الحياة، أو لم ~~يثبت له حكم من أحكامها كما سيأتي بيانه. # --- PageV02P064 ~~*** # ولا يختص الشهيد عندنا بمن مات في قتال الكفار بسببه، كما خصه مالك ~~والشافعي، اعتبارا بشهداء أحد بجامع كون القاتل كافرا. قلنا: أهل البغي ~~كأهل الحرب، لأن محاربتهم مأمور بها. قال الله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي ~~حتى تفيء إلى أمر الله} فهو في هذه المحاربة باذل نفسه لابتغاء مرضاة الله ~~تعالى كالمقتول في محاربة الكفار، وكذا قطاع الطريق، لأنه تعالى وصفهم ~~بكونهم محاربين الله ورسوله. # (فينزع عنه غير ثوبه) أي غير ثوب يختص بالميت كالفرو، والحشو، والقلنسوة، ~~والسلاح، والخف. (ويزاد) إن نقص ما عليه من الكفن (وينقص) إن زاد (ليتم ~~كفنه) لأن ذلك لا يزيل أثر الشهادة. ولما روى أبو داود، وابن ماجه، عن ابن ~~عباس قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى أحد أن ينزع عنهم ~~الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم». # (ولا يغسل) لما روى البخاري وأصحاب السنن الأربعة عن الليث بن سعد، عن ~~الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله: «أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد. وقال: أيهما أكثر ~~قرآنا فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد. فقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم ~~القيامة. وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم ms0423 يغسلهم». زاد البخاري والترمذي: ولم ~~يصل عليهم. # قال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال النسائي: لا أعلم أحدا تابع الليث من ~~أصحاب الزهري على هذا الإسناد، واختلف عليه فيه. انتهى. ولم يؤثر عند ~~البخاري والترمذي تفرد الليث بهذا الإسناد، بل احتج به البخاري، وصححه ~~الترمذي. # --- PageV02P065 ~~*** # (ويصلى عليه) وقال مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه: لا يصلى عليه ~~لما قدمناه. ولنا: ما روى البخاري من حديث عقبة بن عامر: «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خرج يوما، فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى ~~المنبر فقال: إني فرطكم أي على الحوض وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر ~~إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم ~~أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها». وروى أيضا: «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء ~~والأموات». # فثبت بهذا أن الشهيد يصلى عليه، لأنه آخر فعله في شهداء أحد. وروى الحاكم ~~وصححه، عن جابر قال: «فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة حين فاء الناس ~~من القتال أي رجعوا فقال رجل: أنا رأيته عند تلك الشجرة، فجاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نحوه فلما رآه، ورأى ما مثل به، شهق، وبكى. فقام رجل من ~~الأنصار فرمى عليه بثوب، ثم جيء بحمزة فصلى عليه. ثم جيء بالشهداء كلهم». ~~وفي «مسند أحمد»: حدثنا عفان بن مسلم: حدثنا (حماد بن) سلمة: حدثنا عطاء بن ~~السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم قال: «كان النساء ~~بأحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين. إلى أن قال: فوضع النبي صلى ~~الله عليه وسلم حمزة، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه، فصلى عليه ثم ~~رفع. وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة». ورواه عبد الرزاق عن ~~الشعبي مرسلا، ولم يذكر ابن مسعود. # --- PageV02P066 ~~*** # وفي «المستدرك»، و«سنن البيهقي»، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن ~~عباس رضي الله تعالى ms0424 عنهم قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة ~~يوم أحد فهيء للقبلة ثم كبر سبعا. ثم جمع إليه الشهداء حتى صلى عليه سبعين ~~صلاة». وزاد الطبراني: «ثم وقف عليهم حتى واراهم». وسكت الحاكم عنه. وفي ~~«مراسيل أبي داود»، عن عطاء بن أبي رباح: «أنه صلى الله عليه وسلم صلى على ~~قتلى أحد». أسنده الواقدي في «المغازي» قال: حدثني زيد بن عبد الله، عن ~~عطاء، عن ابن عباس، فذكره. # وأسند في «فتوح الشام» عن سيف مولى ربيعة بن قيس اليشكري قال: «كنت في ~~الجيش الذي وجهه أبو بكر الصديق مع عمرو بن العاص أيلة وفلسطين». فذكر ~~القصة بطولها وفيها: «أنه قتل من المسلمين مئة وثلاثون. وصلى عليهم عمرو بن ~~العاص ومن معه من المسلمين، وكانوا تسعة آلاف». # فإن قيل: حديث جابر على ما رواه البخاري والترمذي نص في عدم الصلاة على ~~الشهيد. فالجواب: أن رواية المثبت موافقة للأصول، فتقدم على رواية النافي ~~لمخالفتها لها، ولأن الصلاة واجبة علينا بيقين، فلا تسقط بظني معارض بمثله ~~أو أمثاله. وأما قول السهيلي: ولم يرو أنه صلى الله عليه وسلم صلى على شهيد ~~في شيء من مغازيه إلا هذه. فمعترض عليه بما ذكره النسائي: «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صلى على أعرابي في غزوة أخرى». # --- PageV02P067 ~~*** # (ويدفن بدمه) لما روينا، ولما في «سنن أبي داود»، عن جابر. قال: «رمي رجل ~~بسهم في صدره أو حلقه فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، ونحن مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ولما في «سنن النسائي»، عن عبد الله بن ثعلبة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «زملوهم بدمائهم، فإنه ليس كلم يكلم في سبيل ~~الله إلا يأتي يوم القيامة يدمى، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك». وفي ~~«مسند أحمد»، عن عبد الله بن ثعلبة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرف على ~~قتلى أحد. فقال: «إني شهيد على هؤلاء، زملوهم بكلومهم ودمائهم». # (وغسل من وجد قتيلا في مصر لا يعلم قاتله) سواء علم ms0425 أنه قتل بحديدة أو ~~بعصا كبيرة أو صغيرة. لأن الواجب فيه الدية والقسامة. وأما إذا علم القاتل، ~~فإن علم أن القتل بالحديدة، لا يغسل، لأنه شهيد. وإن علم أنه بالعصا ~~الكبيرة يغسل عند أبي حنيفة، خلافا لهما. وإن علم أنه بالعصا الصغيرة يغسل ~~اتفاقا. # (أو جرح) أي وكذا غسل من جرح (وارتث بأن نام أو أكل أو شرب أو عولج) ~~بدواء (أو آواه خيمة) وكذا شجرة أو بيتا ليمرض فيها (أو نقل من المعركة ~~حيا) لا لخوف أن يداس لأنه نال من الراحة، فلم يكن في معنى شهداء أحد. ~~«وأصاب سعد بن معاذ سهم يوم الخندق فحمل إلى المسجد، ثم مات بعد ذلك. فغسله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # --- PageV02P068 ~~*** # (أو بقي عاقلا وقت صلاة كامل) لأنه وجب عليه قضاؤها وهو حكم من أحكام ~~الدنيا في حق الأحياء، فنال رفقهم إذ التكليف منه لطف من الله سبحانه. (أو ~~أوصى بشيء) من أمور الدنيا أو الأخرى عند أبي يوسف خلافا لمحمد. قيل: ~~اختلافهما (في الأمور الدنيوية، وأما الأخروية، فلا يغسل اتفاقا، وقيل: ~~وأما الدنيوية فيغسل اتفاقا. وقيل: قول أبي يوسف) في الأمور الدنيوية. وقول ~~محمد في الأخروية. وفي «المحيط»: وهو الأظهر. لأن الوصية بأمور الدنيا من ~~أمور الأحياء. # (وصلي عليه) عطف على غسل. وفي «شرح الكنز»: هذا كله بعد انقضاء الحرب. ~~وأما قبله، فلا يكون مرتثا بشيء منه. ثم المرتث وإن غسل فله ثواب الشهداء ~~كالغريق، والحريق، والمبطون، والمطعون، والغريب، فإنهم يغسلون وهم شهداء، ~~على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترى أن عمر وعليا حملا إلى ~~بيتهما بعد الطعن وغسلا، وكانا شهيدين، وعثمان لم يرتث بل أجهز عليه في ~~مصرعه، فلم يغسل، فعرفنا بذلك أن الشهيد الذي لا يغسل من أجهز عليه في ~~مصرعه دون من حمل حيا ليمرض. # (وإن قتل لسعاية) في الأرض فسادا (أو لبغي) على الإمام العدل (أو قطع ~~طريق، غسل ولا يصلى عليه) للفرق بينه وبين الشهداء. وقيل: لا يغسل ولا يصلى ~~عليه إهانة ms0426 له، «لأن عليا رضي الله عنه لم يغسل أهل النهروان، ولم يصل ~~عليهم، فقيل: أكفار هم؟ فقال: لا ولكنهم إخواننا بغوا». إشارة إلى أن ترك ~~الغسل والصلاة عقوبة لهم، وليكون زجرا لغيرهم، وهو نظير ترك المصلوب على ~~خشبته عقوبة له، زجرا لغيره، كذا ذكره السرخسي. واستغربه الزيلعي المخرج ~~لأحاديث «الهداية». # --- PageV02P069 ~~*** # ثم هذا إذا قتل الباغي وقاطع الطريق حال المحاربة، وأما إذا قتلا بعد ~~ثبوت يد الإمام عليهما فإنهما يغسلان ويصلى عليهما، لأن قتل قاطع الطريق ~~حينئذ للحد أو القصاص، وقتل الباغي للسياسة وكسر الشوكة. وأما المقتول ~~بالعصبية فحكمه حكم الباغي، وكذا من قتل نفسه عند أبي يوسف. وقال محمد: ~~يصلى عليه لأن بغيه على نفسه، فكان كسائر الفساق. # ويغسل المقتول بحد أو قود ويصلى عليه بالاتفاق، لما في «مصنف ابن أبي ~~شيبة»: حدثنا أبو معاوية عن أبي حنيفة، عن علقمة بن مرثد، عن أبي بريدة، عن ~~أبيه: «لما رجم ماعز قالوا: يا رسول اللها، ما نصنع به؟ قال: اصنعوا به ما ~~تصنعون بموتاكم من الغسل والكفن والحنوط والصلاة عليه». ولأبي يوسف قول ~~جابر بن سمرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم ~~يصل عليه». رواه مسلم. ويجاب: بأن الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل ~~عليه، وينبغي أن يكون الإمام كذلك، وأما غيره فيصلي عليه لقوله صلى الله ~~عليه وسلم «صلوا على كل بر وفاجر»، لأن الوجوب اليقيني لا يسقط بالأمر ~~الظني. ومن قتل لظلمه يغسل ولا يصلى عليه، لأنه ساع بالفساد، كذا في ~~«المنتقى»، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. # باب صلاة الخوف # الأنسب أن يقال «فصل»، ولا يجعل بينه وبين صلاة المسافر فصل. # --- PageV02P070 ~~*** # وقد قال الله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} الآية، واستدل ~~بظاهرها الحسن البصري وأبو يوسف، والمزني من الشافعية. وأنكروا مشروعيتها ~~بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأن فيها أفعالا منافية للصلاة، فيقتصر فيها ~~على مورد الخطاب، وهو كون النبي صلى الله عليه وسلم إماما للأصحاب. ~~وللجمهور أن ms0427 إقامة الصحابة لها بعده صلى الله عليه وسلم دليل على تعميم ~~الحكم للأنام في سائر الأيام، وأن معنى الآية: كنت فيهم أنت أو من يقوم ~~مقامك كما في قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة}. # (إذا اشتد خوف العدو) سواء كان العدو آدميا أو غيره. والاشتداد مذكور في ~~«الهداية»، و«الكافي» وغيرهما. وفي «الكفاية»: أنه ليس بشرط عند عامة ~~مشايخنا خلافا للشافعي، ولا يبعد أن يراد باشتداده تحققه. ولذا لم تجز بلا ~~حضور عدو فلو، رأوا سوادا فصلوها على ظن أنه عدو، فإن تبين كما ظنوا، جازت ~~لوجود سبب الرخصة، وإن ظهر خلافه، لم تجز. # (جعل الإمام أمة) أي طائفة كقوله تعالى: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة ~~من الناس} (نحو العدو، وصلى بأخرى ركعة) لقوله تعالى: {فلتقم طائفة منهم ~~معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا} أي هذه الطائفة {فليكونوا} أي الطائفة ~~الأخرى: {من ورائكم}. (في الثنائي) سواء كان فجرا أو قصرا (وركعتين في ~~غيره) أي غير الثنائي (ومضت) مشت (هذه) أي التي صلت (إليه) أي إلى وجه العدو. # --- PageV02P071 ~~*** # (وجاءت تلك) أي التي كانت نحو العدو (وصلى بهم) لقوله تعالى: {ولتأت ~~طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} (ما بقي) وهو ركعة في الثنائي والمغرب، ~~وركعتان في غيره (وسلم) الإمام (وحده ومضت إليه) أي إلى العدو. وفي ~~«المحيط»: ولو كانت الطائفة الثانية حين سلم الإمام، قضوا ركعتين في ~~مكانهم، ثم انصرفوا، جاز، والأفضل ما ذكرنا. قلت: ويؤيد الأول اقتصاره ~~سبحانه في الآية على ما تقدم، وبعض الأحاديث الآتية، والله تعالى أعلم. # (وجاءت الأخرى) وهي الأولى (وأتمت بلا قراءة) لأنها لاحقة، واللاحق في ~~حكم المقتدي، ومضت إلى وجه العدو. (ثم) جاءت (الأخرى) وهي الثانية (وأتمت ~~بها) أي بقراءة، لأنها مسبوقة، والمسبوق في حكم المنفرد. # لنا على أن هذه كيفية صلاة الخوف: ما في الكتب الستة واللفظ للبخاري عن ~~ابن عمر قال: «غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل نجد فوازينا العدو، ~~فصاففناهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي لنا، فقامت طائفة ms0428 معه ~~تصلي وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه ~~وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاؤا فركع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد أي من ~~القوم وهم الطائفتان، فركع لنفسه ركعة، وسجد سجدتين». # --- PageV02P072 ~~*** # وفي لفظ آخر له عن ابن عمر: «فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان ~~الذين لم يصلوا ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ~~ينصرف الإمام وقد صلى ركعتين، فتقوم كل واحدة من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ~~ركعة واحدة بعد أن ينصرف الإمام». الحديث. وروى أبو داود عن مسلم بن ~~إبراهيم، عن عبد الصمد بن حبيب، عن أبيه أنهم غزوا مع عبد الرحمن بن سمرة ~~كابل فصلى بهم الخوف، وإن الطائفة التي صلى بهم ركعة ثم سلم مضوا إلى مقام ~~أصحابهم، وجاء هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم رجعوا إلى مقام أولئك وجاء ~~الآخرون، فصلوا لأنفسهم ركعة. # وروى أبو داود عن ابن مسعود: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ~~الخوف، فقاموا صفا خلفه، وصفا مستقبل العدو، فصلى بهم ركعة، ثم جاء الآخرون ~~فقاموا في مقامهم، واستقبل هؤلاء العدو فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~ركعة ثم سلم، فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا فقاموا ~~مقام أولئك مستقبل العدو، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم ~~ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبل العدو، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا ~~لأنفسهم ركعة ثم سلموا». ولا يخفى أن كلا من الأحاديث إنما يدل على بعض ~~المدعى، وقد روى تمام صورة الكتاب محمد بن الحسن في كتاب «الآثار» من رواية ~~أبي حنيفة موقوفا على ابن عباس، وهو كالمرفوع في هذا الباب. والله تعالى ~~أعلم بالصواب. # --- PageV02P073 ~~*** # ومذهب الشافعي: أنه يصلي بالطائفة الأولى شطرها في غير المغرب، فإذا قام ~~فارقته وأتمت هذه الطائفة صلاتها فرادى وذهبت إليه، وجاءت الطائفة الأخرى ~~فاقتدت به وصلت معه، فإذا جلس للتشهد قامت وأتمت ms0429 ما فاتها ولحقته في التشهد ~~وسلم بهم، لقول سهل بن أبي حثمة: «يقوم الإمام مستقبل القبلة، ويقوم طائفة ~~منهم معه، وطائفة من قبل العدو ووجوههم إلى العدو، فيركع بهم ركعة، ويركعون ~~لأنفسهم، ويسجدون لأنفسهم سجدتين في مكانهم، ثم يذهبون إلى مقام أولئك ~~ويجيء أولئك، فيركع بهم ركعة، ويسجد بهم سجدتين، فهي له ثنتان ولهم واحدة، ~~ثم يركعون ركعة، ويسجدون سجدتين». رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: ~~حديث حسن صحيح، لم يرفعه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد . ورفعه ~~شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، عن أبيه، عن صالح بن خوات، عن سهل ~~بن أبي حثمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم # ومذهب مالك: أن الإمام يسلم وحده بلا انتظارهم، وتتم هذه الطائفة بعده. ~~وحكاية ابن مسعود تشهد له. قال القرطبي في «شرح مسلم»: والفرق بين حديث ابن ~~عمر وحديث ابن مسعود: أن في حديث ابن عمر كان قضاؤهم في حالة واحدة، ويبقى ~~الإمام كالحارس وحده. وفي حديث ابن مسعود كان قضاؤهم متفرقا على صفة ~~صلاتهم. وقد تأول بعضهم حديث ابن عمر على ما في حديث ابن مسعود، وبه أخذ ~~أبو حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه غير أبي يوسف، وهو نص أشهب من أصحابنا ~~خلاف ما تأوله ابن حبيب. انتهى. # --- PageV02P074 ~~*** # وفي صلاة الخوف دلالة ظاهرة على كون الجماعة فريضة، وأن تعدد الجماعة ~~وإعادتها غير جائز، ولو بالضرورة، وأما تعليل أبي يوسف بأن الناس كانوا ~~يرغبون في الصلاة خلفه عليه الصلاة والسلام ما لا يرغبون في الصلاة خلف ~~غيره، فشرعت بصفة الذهاب والمجيء لينال كل فريق فضيلة خلفه، وقد ارتفع هذا ~~المعنى بعده، فكل طائفة يتمكنون من أداء الصلاة بإمام على حدة، فلا يجوز ~~لهم أداؤها بصفة الذهاب والمجيء، فمدفوع بأن الأصل عدم اختصاصه وقيام نائبه ~~وهو الإمام على أمته بعده، وقد أجمع الصحابة على ذلك، فلا ينبغي الخلاف ~~لما جرى هنالك. # وذكر شمس الأئمة السرخسي: أن مخالفة أبي يوسف إنما هي في صلاة الخوف بصفة ~~الذهاب والمجيء ms0430 كما ذكره، لأنه نقل موافقته لهما فيما إذا كان العدو في وجه ~~القبلة، وصورة ذلك: أن يجعل الإمام الناس صفين يفتح الصلاة بهم جميعا، فإذا ~~ركع الإمام ركعوا معه، وإذا سجد سجد معه الصف الأول، والصف الثاني قيام ~~يحرسونهم، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد الصف الثاني، والصف الأول قعود يحرسونهم، ~~فإذا رفعوا رؤوسهم سجد الإمام السجدة الثانية وسجد معه الصف الأول، والصف ~~الثاني قعود يحرسونهم، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد الصف الثاني، والصف الأول ~~قيام يحرسونهم، فإذا رفعوا رؤوسهم تأخر الصف الأول وتقدم الصف الثاني فصلى ~~بهم الركعة الثانية بهذه الصفة أيضا، فإذا قعدوا سلم وسلموا معه، وهذه صلاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان. # رواها أبو داود وغيره عن أبي عياش الزرقي وغيره. # --- PageV02P075 ~~*** # وقال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين خالد ~~بن الوليد فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غفلة لو كنا حملنا عليهم ~~وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت صلاة العصر ~~قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة والمشركون أمامه»، وهكذا ~~فعل أبو موسى. فعلى هذا لا يتم جوابنا عن قول أبي يوسف بأن أبا موسى صلاها ~~بأصبهان، وسعد بن أبي وقاص في حرب المجوس بطبرستان، ومعه الحسن بن علي ~~وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عمرو بن العاص، حتى يثبت أنهم صلوها على غير ~~هذه الصفة. # ثم حمل السلاح في الصلاة عند الخوف مستحب عندنا لا واجب، كما قال مالك ~~والشافعي، عملا بظاهر الأمر في قوله تعالى: {وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم}، ~~قلنا هو محمول على الندب، لأن حملها ليس من أعمالها فلا يجب فيها. # ثم اعلم أن صلاة الخوف على الصفة المذكورة، إنما يلزم إذا تنازع القوم في ~~الصلاة خلف الإمام، أما إذا لم يتنازعوا فالأفضل أن يصلي بإحدى الطائفتين ~~تمام الصلاة، ويصلي بالأخرى إمام آخر. # (وإن زاد الخوف) بأن لم يدعهم العدو يصلون نازلين بل يهاجمهم (صلوا) ~~حينئذ (ركبانا) لقوله تعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} ms0431 أي فإن زدتم في ~~الخوف، فصلوا حال كونكم قائمين أو راكبين (فرادى) لعدم اتحاد المكان، إلا ~~إذا كان الإمام والمأموم على دابة واحدة. وعن محمد: تجوز صلاتهم جماعة، وبه ~~قال مالك والشافعي، لأنه جوز لهم ما هو أشد من ذلك، وهو الانحراف والذهاب ~~والإياب. # --- PageV02P076 ~~*** # (بإيماء) في الركوع والسجود. (إلى أي جهة قدروا) إذا عجزوا عن الاستقبال، ~~لما روى البخاري في قوله تعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا}، عن نافع: أن ~~عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: «يتقدم الإمام وطائفة من ~~الناس، فصلى بهم الإمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو لم يصلوا، ~~وإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا... إلى أن قال: فإذا ~~كان خوف هو أشد من ذلك، صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي ~~القبلة، أو غير مستقبليها». قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله ذكر ذلك ~~إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # (ويفسدها القتال)، عندنا، خلافا للشافعي، وهو رواية عن مالك، لأن الأمر ~~بأخذ السلاح ليس إلا لجواز القتال، ويمكن دفعه بأنه قد يكون للترهيب، أو ~~للاحتياج إليه إذا تعدوا عن الحد الموجب لبطلان الصلاة، لكن يرد عليه جواز ~~قتل الحية في الصلاة وإن كان بعمل كثير على الظاهر. # (والمشي)، أراد به أنه إذا هرب من العدو ولم يمكنه الوقوف للصلاة، لا ~~يصلي ماشيا وإن ذهب الوقت، ولم يرد أن مطلق المشي مفسد، لأن صلاة الخوف ~~قلما توجد بدون المشي. # (والركوب)، لأنه عمل كثير، واعلم أن عند أهل السير أنه صلى الله عليه ~~وسلم صلى صلاة الخوف في أربعة مواضع: ذات الرقاع، وبطن نخل، وعسفان، وذي ~~قرد بفتحتين: موضع قرب المدينة السكينة ، والله سبحانه أعلم بالصواب. # --- PageV02P077 ~~*** # (ويفسدها القتال)، عندنا، خلافا للشافعي، وهو رواية عن مالك، لأن الأمر ~~بأخذ السلاح ليس إلا لجواز القتال، ويمكن دفعه بأنه قد يكون للترهيب، أو ~~للاحتياج إليه إذا تعدوا عن الحد الموجب لبطلان الصلاة، لكن يرد عليه جواز ~~قتل ms0432 الحية في الصلاة وإن كان بعمل كثير على الظاهر. # (والمشي)، أراد به أنه إذا هرب من العدو ولم يمكنه الوقوف للصلاة، لا ~~يصلي ماشيا وإن ذهب الوقت، ولم يرد أن مطلق المشي مفسد، لأن صلاة الخوف ~~قلما توجد بدون المشي. # (والركوب)، لأنه عمل كثير، واعلم أن عند أهل السير أنه صلى الله عليه ~~وسلم صلى صلاة الخوف في أربعة مواضع: ذات الرقاع، وبطن نخل، وعسفان، وذي ~~قرد بفتحتين: موضع قرب المدينة السكينة ، والله سبحانه أعلم بالصواب. # باب (الصلاة في الكعبة) # الأنسب: فصل. (صح في الكعبة الفرض والنفل) خلافا لمالك في الأول، ~~لاستدبار بعضها وأنه مبطل، بخلاف النفل فإنه جاز اتفاقا. # ولنا: قوله تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود}، فإن ~~الأمر بالتطهير للصلاة فيه، ظاهر في صحتها فيه مطلقا، ولأن شرط الجواز ~~استقبال جزء من الكعبة، لقوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} وقد وجد ~~الاستدبار غير مفسد لذاته، بل لتضمنه ترك الاستقبال الذي هو شرط الجواز، ~~كما إذا استدبر خارج البيت، على أنه لا فرق في الشرط بين الفرض والنفل. # --- PageV02P078 ~~*** # وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى في داخل البيت، كما في «الصحيحين» عن ~~نافع، عن ابن عمر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة ~~وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي فأغلقها عليه، ثم مكث فيها، قال ابن عمر: ~~فسألت بلالا حين خرج، ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جعل عمودين ~~عن يساره، وعمودا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، ثم صلى، وكان البيت يومئذ ~~على ستة أعمدة». # وفي رواية قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فنزل بفناء ~~الكعبة، فأرسل إلى عثمان بن طلحة، وأمر بالباب فأغلق، فلبثوا فيه مليا، ثم ~~فتح الباب، قال عبد الله: فبادرت الباب فتلقيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خارجا، وبلالا على أثره، فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: نعم، قلت: أين؟ قال: بين العمودين تلقاء ms0433 وجهه، ونسيت أن ~~أسأله كم صلى»؟ # فإن قيل: في «الصحيحين» أيضا عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~دخل الكعبة وفيها ست سواري، فقام عند سارية فدعا ولم يصل». وفي رواية عنه ~~قال: «أخبرني أسامة بن زيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت ~~دعا في نواحيه كلها ولم يصل فيه حتى خرج، فلما خرج ركع في قبل البيت ~~ركعتين، وقال: هذه القبلة». مختصر. أجيب: بأن حديث بلال مثبت، فقدم على ~~حديث ابن عباس لأنه ناف. # وقيل: دخلها ولم يصل، ثم دخلها من الغد وصلى، لما روى الدارقطني عن ابن ~~عمر قال: «دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت، ثم خرج وبلال خلفه، فقلت ~~لبلال: هل صلى؟ قال: لا، فلما كان من الغد دخل، فسألت بلالا هل صلى؟ قال: ~~نعم، صلى ركعتين». # --- PageV02P079 ~~*** # وقال ابن حبان في «صحيحه»: يحمل حديث بلال على يوم الفتح، وحديث ابن عباس ~~على حجة الوداع. واعترض عليه بما روى إسحاق بن راهويه في «مسنده»، ~~والطبراني في «معجمه» عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل ~~البيت في الحج، ودخل عام الفتح». # وفي أبي داود عن عبد الرحمن بن صفوان قال: «قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل الكعبة؟ قال: صلى ركعتين». وفي «صحيح ~~ابن حبان» من حديث عبد الله بن السائب قال: «حضرت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم الفتح وقد صلى في الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره، ثم افتتح ~~سورة المؤمنين، فلما بلغ ذكر موسى أو عيسى أخذته سعلة فركع». # قال النووي: وأما نفي أسامة فسببه: أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، ~~فاشتغلوا بالدعاء، ورأى أسامة النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، فاشتغل هو ~~أيضا في الدعاء في ناحية من نواحيه، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ~~فاشتغل هو أيضا في الدعاء في ناحية أخرى. وبلال قريب منه صلى الله عليه ~~وسلم فرآه لقربه، ولم يره أسامة لبعده ms0434 مع خفة الصلاة وإغلاق الباب واشتغاله ~~بالدعاء. وجاز له نفيها عملا بظنه، على أنه معارض بما في «مسند أحمد»، ~~و«صحيح ابن حبان» عن عمارة بن عمير، عن أبي الشعثاء عن ابن عمر: «أخبرني ~~أسامة بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة بين الساريتين ~~ومكث معه عمر، لم أسأله كم صلى». وهذا سند صحيح. # --- PageV02P080 ~~*** # والأولى الجمع بينهما بما رواه الدارقطني عن ابن عمر كما تقدم. وبما روى ~~هو والطبراني عن أبي حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ~~«دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فصلى بين الساريتين، ثم خرج فصلى ~~بين الباب والحجر ركعتين، ثم قال: هذه القبلة»، ثم دخل مرة أخرى فقام يدعو، ~~ثم خرج ولم يصل. قال البيهقي: فصلى مرة وترك مرة، إلا أن في ثبوت الحديثين ~~نظرا. والله ولي التوفيق، وبيده أزمة # التحقيق. # (ولو كان) المصلي (ظهره إلى ظهر إمامه) أو جنبه إلى جنبه، لأنه توجه إلى ~~القبلة غير متقدم على إمامه ولا معتقد بخطئه، لأن كل جانب قبلة بخلاف مسألة ~~التحري. (لا لمن ظهره إلى وجهه) أي وجه إمامه لأنه متقدم عليه. ولو كان ~~وجهه إلى وجه إمامه ولا حائل، جازت الصلاة مع الكراهة، لأنه شبه عبادة ~~الصورة. ولو قام الإمام في الكعبة وفتح الباب وقام المقتدون حولها، جاز، ~~وكان كقيامه في المحراب في باقي المساجد. # (وكره) مع الجواز النفل والفرض (فوقها) أما الجواز فلأن القبلة هي العرصة ~~والهواء إلى عنان السماء دون البناء، لأنه قد ينقل، ولأنها تجوز اتفاقا على ~~أبي قبيس ولا بناء بين يديه يساويه. وأما الكراهة فلما فيه من ترك التعظيم، ~~ولما روى الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى أن يصلى في سبع مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، ~~وفي الحمام، ومعاطن الإبل، وظهر بيت الله. ولم يشترط لصحة الصلاة فوقها ~~سترة بين يدي المصلي. ويشترطها الشافعي. # --- PageV02P081 ~~*** # (وإن اقتدوا حولها) بإمام خارجها (وبعضهم ms0435 أقرب إليها من إمامه صح إن لم ~~يكن) الأقرب (في جانبه) أي جانب إمامه، لأنه لا يعد متقدما على إمامه، وفسد ~~إن كان الأقرب في جانب إمامه، لأنه يعد متقدما عليه، لأن التقدم والتأخر ~~إنما يظهران عند اتحاد الجهة لأنهما من الأمور الإضافية، ولأنه في معنى من ~~ظهره إلى وجه إمامه، ولا يخفى أن التقدم على الإمام في المقام مكروه عند ~~الإمام مالك، فلينظر في الأدلة المتعلقة بما هنالك. والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # --- PageV02P082 ~~*** # كتاب الزكاة # قرن الزكاة بالصلاة اقتداء بكلام الله تعالى: {أقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة}، ولولاه لعقب الصوم بها، لأنهما عبادتان بدنيتان، ولذا قدم الصوم ~~على الحج لتوقف وجوبه على المال وغيره. # والحاصل: أن العبادة: إما بدنية كالصوم، (والصلاة)، وإما مالية كالزكاة، ~~وإما مركبة منهما كالحج، ولهذا تأخر وصار ركنا خامسا من أركان الإسلام التي ~~أصلها التصديق والإقرار بالشهادتين، ونزل فيه قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم ~~دينكم}. ثم تركيب هذا البناء يدل على النماء، يقال: زكا الزرع إذا نما، ~~وسميت بها، لأنها سبب نما بالعوض في الدنيا، والثواب في العقبى، قال تعالى: ~~{وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه}، أو على الطهارة، ومنه قوله تعالى: {وحنانا ~~من لدنا وزكاة}، أي طهارة، وفيها معنى التطهير، قال تعالى: {خذ من أموالهم ~~صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}، وسميت بها لأنها تطهر صاحبها من الذنوب، أو من ~~رذيلة البخل الذي هو من أكبر العيوب. وسميت صدقة لدلالتها على صدق العبد في ~~العبودية، وامتثاله لحق الربوبية. وقوله: {تزكيهم} أي تثني عليهم. # وفي الشرع: عبارة عن تمليك جزء من النصاب الحولي للفقير ومن بمعناه، ~~لأنها توصف بالوجوب. وقيل: هي اسم للقدر الذي يخرج للفقير، لقوله تعالى: ~~{وآتوا الزكاة}، ومعلوم أن متعلق الإيتاء وهو المال، لأن الإيتاء بدونه من ~~المحال. والله سبحانه وتعالى أعلم بالأحوال. # --- PageV02P083 ~~*** # هي فريضة لقوله تعالى: {وآتوا الزكاة}، وإجماع الأمة، والأحاديث الواردة: ~~منها ما رواه الترمذي، وصححه ابن حبان في «صحيحه»، والحاكم وقال: على شرط ~~مسلم، عن سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة يقول: ms0436 سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول في حجة الوداع: «اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، ~~وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم». # ومنها ما رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن ابن عمر مرفوعا: «بني ~~الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام ~~الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». # وكان فرضيتها في السنة التي فرض فيها الصوم، وهي السنة الثانية من ~~الهجرة. وقيل: قبل الهجرة إجمالا، وبعدها تفصيلا. وهذا أيضا يصلح أن يكون ~~وجها لتقديم كتاب الزكاة على الصوم. # وفي «المحيط»: قال أبو الحسن الكرخي: إنها تجب على الفور. وفي «المنتقى»: ~~إذا ترك حتى حال عليه حولان، فقد أساء وأثم. وعن محمد: إن لم يؤد الزكاة لم ~~تقبل شهادته. وذكر ابن شجاع عن أصحابنا: أنها على التراخي، وهكذا ذكر أبو ~~بكر الجصاص. # --- PageV02P084 ~~*** # وفي التحقيق: أن الأمر المطلق عن الوقت وهو الأمر الذي لم يتعلق أداء ~~المأمور به فيه بوقت محدود على وجه يفوت الأداء (بفوته)، كالأمر بالزكاة، ~~وصدقة الفطر، والعشر، والكفارات، وقضاء رمضان، والنذر المطلق ذهب أكثر ~~أصحابنا، وأصحاب الشافعي، وعامة المتكلمين: إلى أنه للتراخي، وذهب بعض ~~أصحابنا، منهم الشيخ أبو الحسن الكرخي، وبعض أصحاب الشافعي، منهم الشيخ أبو ~~بكر الصيرفي وأبو حامد: إلى أنه للفور، وكذا كل من قال بالتكرار يلزمه ~~الفور. ومعنى يجب على الفور: أنه يجب تعجيل الفعل في أول أوقات الإمكان. ~~ومعنى يجب على التراخي: أنه يجوز تأخيره عن أول أوقات الإمكان، لا أنه يجب ~~تأخيره عنه بحيث لو أتى به فيه لا يعتد به، لأنه ليس مذهبا لأحد. # (لا تجب) عبر بالوجوب، لأن بعض مقادير الزكاة ثابت بأخبار الآحاد، أو لأن ~~استعمال الوجوب في الفرض مجازا كثير (إلا على حر) احتراز عن القن، ~~والمدبر، وأم الولد والمكاتب. # (مكلف) فلا يجب على صبي ولا مجنون. وقال مالك، والشافعي، وأحمد: يجب في ~~مالهما، كنفقة الزوجة، والعشر، والخراج، وصدقة الفطر، لما روى عمرو بن ~~شعيب، عن أبيه، عن ms0437 جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: «من ~~ولي يتيما له مال، فليتجر فيه، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة». رواه الترمذي ~~مرفوعا، وموقوفا على عمر رضي الله عنه، والدارقطني من طرق لكنها ضعيفة. ~~وقيل: المراد بالصدقة: النفقة. ولما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما، من ~~قولهما بوجوبها في مال الصغير. وروى مالك في «الموطأ»، عن عبد الرحمن بن ~~القاسم، عن أبيه أنه قال: كنت وليتني عائشة أنا وخالي يتيمين في حجرها أي ~~تربيتها ، وكانت تخرج من أموالنا الزكاة. # --- PageV02P085 ~~*** # ولنا ما روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم وقال: على شرط مسلم، ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى ~~يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل». وفي «آثار محمد بن ~~الحسن» قال: أخبرنا أبو حنيفة: حدثنا ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن ~~مسعود قال: ليس في مال اليتيم زكاة. وليث: كان أحد العلماء العباد، لكن ~~اختلط في آخر عمره، ومعلوم أن أبا حنيفة لم يكن ليذهب فيأخذ عنه في حال ~~اختلاطه ويرويه، مع تشديد أمره في الرواية ما لم يشدده غيره، على ما عرف. ~~وروى البيهقي عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن مسعود قال: «من ولي مال ~~اليتيم فليحص عليه السنين، وإذا دفع إليه ماله، أخبره بما فيه من الزكاة، ~~فإن شاء زكى، وإن شاء ترك». وروي عن ابن عباس أيضا، إلا أنه تفرد بإسناده ~~ابن لهيعة. # والجواب عن الحديث الأول: أن أحمد بن حنبل حكم بعدم صحته، والترمذي بضعف ~~سنده. وعن قول عمر وعلي أنه معارض بقول ابن مسعود، وابن عباس . ولأن من ~~شروطها النية، وهي لا تتحق من الصبي والمجنون، ولا تعتبر نية الولي، لأن ~~العبادات الواجبة لا تتأدى بنية الغير. # (مسلم) لأنها عبادة، والكافر ليس بأهلها. وهذا في بعض النسخ ليس بموجود، ~~ولعل ذلك لأن قيد التكليف يغني عنه، بناء على أن الكافر غير مخاطب بالشرائع عندنا. # (مالك ملكا تاما) ms0438 أي رقبة ويدا، فلا يجب على المشتري في مال اشتراه قبل ~~القبض للتجارة، ولا على المولى في عبده للتجارة إذا أبق، ولا فيما بيد عبده ~~المأذون غير المديون، لأن يد المأذون يد أصالة لا يد نيابة. # --- PageV02P086 ~~*** # (لنصاب نام) ولو تقديرا، بأن يتمكن من استنمائه لكونه في يده أو يد ~~نائبه، (وهو) أي النمو: (إما بالثمنية) أي بكون المال ثمنا للأشياء كالذهب ~~والفضة، (أو السوم) أي الرعي، (أو نية التجارة) في العروض إذا اقترنت بعمل ~~من أعمالها، كالشراء والبيع والإجارة، (مع الحول) لأنه الممكن من النمو، ~~لاشتماله على الفصول الأربعة التي الغالب فيها تفاوت الأسعار. # وأما شرط النصاب، فله شواهد كثيرة منها: حديث الخدري قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون ~~خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». # وأما الحول فلما في الدارقطني عن ابن عمر من طرق مرفوعا: «ليس في مال ~~زكاة، حتى يحول عليه الحول». وصحح بعضهم وقفه على رفعه. # وكذا رواه أبو داود مرفوعا، ففي «سنن أبي داود»، عن عاصم بن حمزة، ~~والحارث الأعور، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا كانت ~~لك مئتا درهم، وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء يعني في ~~الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا، وإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها ~~الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك قال: لا أدري أعلي يقول: ~~فبحساب ذلك، أو رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وليس في مال زكاة حتى ~~يحول عليه الحول». ولا يقدح فيه ضعف الحارث من رواية، لمتابعة عاصم له، ~~فيجب قبول رفعه لتوثيق ابن المديني، وابن معين، والنسائي إياه. وقد قال ~~النووي: حديث صحيح أو حسن. # --- PageV02P087 ~~*** # (فاضل عن حاجته الأصلية) لأن المشغول بالحاجة الأصلية كالمعدوم في حق ~~الزكاة، فلا يجب في دور السكنى، وثياب البدن، وأثاث المنزل، ودواب الركوب، ~~وعبيد الخدمة، وسلاح الاستعمال، وكتب العلم لأهلها، وآلات المحترفين ~~لأصحابها. ms0439 # فلو كان له قدر نصاب، لكن يحتاج إلى أن يصرفه في هذه الأشياء فلا زكاة ~~فيه، كذا ذكر في بعض الشروح، نقله البرجندي. وفيه بحث، لأنه إن أراد أنه لا ~~يلزمه بعد الحول، فغير صحيح، وإن كان قبله فلا كلام فيه. # (وعن دين) حال أو مؤجل بأصالة أو كفالة (مطالب من عبد)، فلا يمنع الزكاة ~~دين هو نذر أو كفارة، أو وجوب حج، لأن العبد ليس له أن يطالب به، ويمنعها ~~دين هو عشر، أو خراج أو زكاة عند أبي حنيفة ومحمد. وفي «المحيط»: وصورته: ~~إذا حال الحول على النصاب فوجبت الزكاة فيه، لم يجب فيه في الحول الثاني، ~~أي لاشتغال بعض النصاب بدين الزكاة، ولو أتلف النصاب أي كله بعد الحول ~~الثاني حتى صارت الزكاة أي زكاة الحول الأول دينا في ذمته يمنع ذلك وجوب ~~الزكاة، أي للحول الثاني. وقال زفر: لا يمنع كلاهما. وقال أبو يوسف: وجوب ~~الزكاة يمنع، ودين الزكاة لا يمنع، لأن دين الزكاة لا مطالب له من جهة ~~العباد، كالنذر، والكفارة، وصدقة الفطر، والأضحية. وأما وجوب الزكاة فجزء ~~من النصاب صار مستحقا فانتقض به النصاب. # --- PageV02P088 ~~*** # ولهما أن هذا دين له مطالب من جهة العباد، لأن حق الأخذ كان للإمام في ~~الأموال الظاهرة والباطنة، لظاهر قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم}، ~~وعلى هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتان بعده، فلما ولي ~~عثمان وظهر تغير الناس كره أن يفتش العمال مستور أموال الناس، ففوض الأموال ~~الباطنة إلى أربابها نيابة عنه، خوفا عليهم من السعاة السوء، ولم يختلف ~~عليه الصحابة في ذلك، وهذا لا يسقط طلب الإمام أصلا، ومن ثم لو علم أن أهل ~~بلدة لا يودونها طالبهم بها. # وإنما شرط في وجوب الزكاة فراغ المال عن الدين، لأن المال مع الدين مشغول ~~بالحاجة الأصلية، وهو دفع الحبس عن المديون. والحاصل: أنا لا نوجب الزكاة ~~على مديون مستغرق ولو بكفالة نصابه. وبه قال مالك، وأوجبها الشافعي في ~~أظهر أقواله، لأن السبب مال نام، ولا ms0440 خلل في ملكه، لأن الدين يتعلق بالذمة ~~لا بالمال، ولذا ينفذ تصرفه فيه ببدل، وبغيره، ولا في النماء لأنه معد ~~للتجارة وضعا أو فعلا. # ولنا ما في «الموطأ» عن السائب بن يزيد، أن عثمان كان يقول: هذا شهر ~~زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه، حتى تخلص أموالكم، فتؤدون منها ~~الزكاة، ولأنه مشغول بحاجته الأصلية، وهي رفع المطالبة، والملازمة، والحبس ~~في الحال، والمؤاخذة في المآل. إذ الدين يحول بينه وبين الجنة، وأي حاجة ~~أعظم من هذه، فاعتبر معدوما، كالماء المستحق للعطش، وثياب البذلة، وعبيد ~~الخدمة. ولأن المديون فقير، ولهذا يحل له الصدقة مع تمكنه من ماله، والصدقة ~~لا تحل لغني ولا تجب إلا على غني. # --- PageV02P089 ~~*** # (فلا يجب على مكاتب) وإن زاد ما بيده على مال كتابته، لأنه مالك لما في ~~يده من المال يدا لا رقبة، لأن كونه رقا ينافي أن يملك من كل وجه. (ولا بعد ~~الوصول) إلى المال (لأيام) أي لأجل أيام (كان) إلى المال (ضمارا) فيها، بأن ~~كان المال عينه قائمة، ولا يقدر المالك على الوصول إليه، لأن المال حينئذ ~~مملوك رقبة لا يدا، لعدم القدرة عليه. # (كمفقود) هذا وما عطف عليه مثال للمال الضمار، والمفقود يتناول الآبق إذا ~~كان عبدا للتجارة، والمال الساقط في البحر، والمدفون في البرية. وأما ~~المدفون في البيت فليس بضمار، لأنه يمكن الوصول إليه، وفي المدفون في أرض ~~الرجل أو كرمه، اختلف مشايخ بخارى، فقيل: يجب لإمكان حفر جميع الأرض، وقيل: ~~لا يجب لأن في حفرها حرجا. # (ومجحود) سواء كان دينا أو غصبا، واحترز به عن المقر به سواء كان المقر ~~غنيا أو فقيرا (لا حجة عليه)، بل أقام رب المال البينة بعد سنين على ~~الإقرار به. وإنما قيد به لأن المجحود الذي عليه بينة، أو علم القاضي به، ~~يجب الزكاة فيه للأيام الماضية، لإمكان الوصول إلى المال إن كان الخصم ~~موسرا، وإلى تحصيله إن كان معسرا. وقال بعضهم: إنه لا زكاة عليه سواء كان ~~له بينة أو لم يكن، إذ ليس ms0441 كل شاهدديقبل، ولا كل قاض يعدل، وفي المجاثاة ~~بين يديه ذل في الخصومة، فكان له أن لا يذل نفسه. # --- PageV02P090 ~~*** # (ومأخوذ مصادرة)، لما روى مالك في «موطئه»: أن عمر بن عبد العزيز كتب في ~~مال قبضه بعض الولاة ظلما، فأمر برده إلى أهله، ويؤخذ زكاته لما مضى من ~~السنين، ثم أعقب بعد ذلك بكتاب، لا تؤخذ منه إلا زكاة واحدة، فإنه كان ~~ضمارا. ولما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن عبد الرحمن بن سليمان، عن عمرو ~~بن ميمون قال: أخذ الوليد بن عبد الملك مال رجل من أهل الكوفة يقال له أبو ~~عائشة عشرين ألفا، فألقاها في بيت المال، فلما ولي عمر بن عبد العزيز، ~~أتاه ولده فرفعوا مظلمتهم إليه، فكتب إلى ميمون: أن ادفعوا إليهم أموالهم، ~~وخذوا زكاة عامهم، فإنه لولا أنه كان مالا ضمارا أخذنا منه زكاة ما مضى. ~~وهذا مذهب الحسن البصري، وبه قال مالك، خلافا للشافعي وزفر، لأن وجوب ~~الزكاة باعتبار الملك دون اليد، ألا ترى أن ابن السبيل يلزمه الزكاة لما ~~مضى إذا وصلت يده إلى ماله لقيام ملكه فيه، وكذلك في المغصوب، فإن بالغصب ~~ونحوه ينعدم يد المالك عنه دون ملكه. # ولنا ما ذكره سبط بن الجوزي في «آثار الإنصاف» عن عثمان، وابن عمر: لا ~~زكاة في مال الضمار. وأما عزو صاحب «الهداية» إلى علي فليس بمعروف، ولأن ~~وجوب الزكاة باعتبار معنى النماء، وقد اشتد على المالك طريق تحصيل النماء ~~فيه، فانعدم ما لأجله كان نصاب الزكاة، بخلاف ابن السبيل فإن النماء يحصل ~~له بيد نائبه كما يحصل بيده. # --- PageV02P091 ~~*** # (وشرط) لأدائها وصيرورة المؤدى زكاة (النية) في الزكاة لأنها عبادة (وقت ~~الأداء) أي المستحق، لأن الأصل في النية أن تقترن بالعبادة، (أو العزل) أي ~~عزل المقدار الواجب من المال، لأن الزكاة عبادة، فلا تتأدى بلا إخلاص، قال ~~الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}، ولا إخلاص بلا ~~نية، وقد صح حديث: «إنما الأعمال بالنيات». والأصل اقتران النية بالأداء ~~كما في الصلاة إلا ms0442 أن الدفع يتفرق ظاهرا، فاكتفي بوجود النية عند العزل ~~تيسيرا على المؤدي، كجواز تقديمها في الصوم للعجز عن اقترانها بأول الصبح. # (إلا أن يتصدق بالكل) فلا يشترط النية استحسانا، لأن النصاب محل الوجوب، ~~وقد حصل بجميعه للفقير، فحصل له القدر الواجب، إذ الغرض من النية التعيين، ~~ولا حاجة هنا إلى التعيين. والحاصل: أن التصدق بكل المال بلا نية زكاة ~~يسقطها، لأن الواجب جزء (من) النصاب، فإذا أدى الكل فقد أدى الواجب ضرورة. ~~بقي أن النية شرط، ولم يوجد. وأجيب بأن الواجب نية أصل العبادة ليمتاز عن ~~العادة، وقد وجدت إذ الكلام فيما إذا تصدق على الفقير، والصدقة ما يراد بها ~~رضا الله تعالى تعالى عنه، ونية الفرض إنما تشترط لتحصيل التعيين، وذا عند ~~عدم التعيين، والواجب متعين في هذا النصاب، فلا حاجة إلى التعيين، وصار كما ~~إذا نوى في رمضان الصوم مطلقا، فإنه يقع عن الفرض وإن لم يعينه لتعينه. # --- PageV02P092 ~~*** # ولو تصدق ببعض النصاب، سقط زكاة ذلك البعض عند محمد، لأن الوجوب شائع في ~~الكل، فسقط منها بحصة ما تصدق به، لأن البعض معتبر بالكل، ولهذا لو هلك ~~البعض يهلك بما فيه، كما لو هلك الكل. وعند أبي يوسف لا تسقط لجواز أن يكون ~~الباقي هو المحل للوجوب. ولو كان له دين على فقير فأبرأه منه، سقط زكاته، ~~نوى أو لم ينو، ولو أبرأه عن بعضه ففي سقوط زكاة ذلك البعض ما تقدم من ~~الخلاف. ولو نوى (بما أبرأ منه الأداء) عن الباقي، أو عن دين آخر لا يجزيه. ~~ولو كان له دين على غني فوهبه له بعد وجوب الزكاة، قيل: يضمن القدر الواجب، ~~وقيل: لا يضمن. # (زكاة الماشية) # (ويجب في كل خمس من الإبل) عرابا كانت أو بخاتا . والبخت: بالضم الإبل ~~الخراسانية، على ما في «القاموس»، (شاة) فيجب في خمس شاة، وفي عشر شاتان، ~~وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه. وقد بدأ محمد رحمه الله في ~~تفصيل أموال الزكاة بالسوائم اقتداء بكتب رسول الله صلى الله ms0443 عليه وسلم ~~فإنها مبتدأة كلها بزكاة الإبل، ولأن قاعدة هذا الأمر كان في حق العرب، وهم ~~كانوا أرباب المواشي بحسب الأغلب، فقدم لهذا السبب. # (ثم في خمس وعشرين) من الإبل (بنت مخاض) أي ذات سنة، وسميت بذلك لأن أمها ~~في الغالب تصير ذات مخاض بأخرى، أي حاملا، فإن المخاض وجع الولادة. # (وفي ست وثلاثين بنت لبون): وهي التي طعنت في الثالثة، وسميت بذلك لأن ~~أمها في الغالب تكون ذات لبن من أخرى. # (وفي ست وأربعين حقة): وهي التي دخلت في الرابعة، وسميت بها لأنها استحقت ~~الحمل والركوب. # --- PageV02P093 ~~*** # (وفي إحدى وستين جذعة): بفتحات، وهي التي طعنت في الخامسة، وسميت بذلك ~~لمعنى في أسنان الإبل يعرفها أهلها، وهي أكبر سن يؤخذ في الزكاة. وفوق ~~الجذعة الثني، وفوقه السديس، وفوقه البازل، ولا يؤخذ منها شيء في الزكاة. # (وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان، إلى مئة وعشرين)، ~~والعفو بين الواجبين من خمس إلى خمس وعشرين أربع، ومنها إلى وجوب بنت لبون ~~عشرة، ومنها إلى حقة تسعة، ومنها اإلى جذعة أربع عشرة، ومنها إلى بنتي لبون ~~كذلك، ومنها إلى واجب آخر وهو الشاة بعد الاستئناف على ما يذكر: ثلاث ~~وثلاثون. # والأصل فيه كتاب أبي بكر الصديق، الذي رواه البخاري في «صحيحه»، وفرقه في ~~ثلاثة أبواب متوالية، عن ثمامة: أن أنسا حدثه: أن أبا بكر كتب هذا الكتاب ~~لما وجهه إلى البحرين: # بسم الله الرحمن الرحيم # --- PageV02P094 ~~*** # هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، ~~والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين فليعطها على وجهها، ومن ~~سئل فوقها فلا يعطه: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم، من كل ~~خمس ذود شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، ~~وإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستا ~~وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس ~~وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ms0444 ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا ~~بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومئة ففيها حقتان طروقتا الفحل، فإذا زادت على ~~عشرين ومئة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا ~~أربع من الإبل فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسا من الإبل ~~ففيها شاة. # وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة، فإذا ~~زادت على عشرين ومئة إلى مئتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مئتين إلى ثلاث ~~مئة ففيها ثلاث شياة، فإذا زادت على ثلاث مئة ففي كل مئة شاة، فإذا كانت ~~سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها. # --- PageV02P095 ~~*** # ثم ذكر البخاري في الباب الثاني عن ثمامة، فقال: «من بلغت عنده من الإبل ~~صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل ~~معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما. ومن بلغت عنده صدقة الحقة، ~~وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق ~~عشرين درهما أو شاتين. ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا بنت لبون، ~~فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطي شاتين أو عشرين درهما. ومن بلغت صدقته بنت ~~لبون، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويعطيه المصدق عشرين درهما، أو ~~شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون ليست عنده، وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه ~~بنت مخاض، ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين». # وفي الباب الثالث، عن ثمامة: أن أنسا حدثه، وساق الحديث، وفيه: «لا يخرج ~~في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق ». ورواه أبو ~~داود حديثا واحدا، وزاد فيه: «ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما ~~بالسوية». وكتاب عمر بن الخطاب الذي رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه ~~على وفاق ما تقدم. وزادوا فيه: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع ~~مخافة الصدقة». # --- PageV02P096 ~~*** # وكتاب عمرو بن حزم الذي رواه النسائي في الديات، وأبو داود ms0445 في «مراسيله»، ~~عن سليمان بن أرقم، عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، ~~عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب، فيه ~~الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم فقرأت على أهل اليمن، وهذه ~~نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال ~~قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان ، أما بعد: فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم ~~خمس الله، وما كتب الله عز وجل على المؤمنين من العشر في العقار. وما سقت ~~السماء، وكانت سيحا، أو كان بعلا، ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سقي ~~بالدالية والرشاء، ففيه نصف العشر. وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة، وساقه ~~كما تقدم. وفيه: وفي كل ثلاثين باقورة تبيع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة ~~بقرة. ثم ذكر صدقة الغنم، وفيه: وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، وما ~~زاد ففي كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون خمس أواق شيء، وفي كل أربعين ~~دينارا دينار. والصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته، إنما هي الزكاة تزكى ~~بها أنفسهم في فقراء المؤمنين، وفي سبيل الله. وفيه ذكر جمل من الديات ~~وغيرها. قال النسائي: وسليمان بن أرقم متروك. # --- PageV02P097 ~~*** # وقد رواه عبد الرزاق في «مصنفه»: أخبرنا معمر عن عبد الله بن أبي بكر. ~~ورواه ابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك»، كلها عن سليمان بن ~~داود، وحدثني الزهري به. قال الحاكم: إسناده صحيح، وهو من قواعد الإسلام. ~~وقال أحمد: كتاب عمرو بن حزم في الصدقات صحيح. قال ابن الجوزي يشير بالصحة ~~إلى هذه الرواية لا إلى غيرها : وقال بعض الحفاظ من المتأخرين في نسخة كتاب ~~عمرو بن حزم: تلقتها الأمة بالقبول، وهي متوارثة كنسخة عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده، وهي دائرة على سليمان بن أرقم، وسليمان بن داود، وكلاهما ضعيف. # لكن قال الشافعي في «الرسالة»: لم يقبلوه حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول ~~الله ms0446 صلى الله عليه وسلم وقال يعقوب بن سفيان الفسوي: لا أعلم في جميع ~~الكتب المنقولة أصح منه، فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين، ~~كانوا يرجعون إليه ويدعون آراءهم، وتضعيف سليمان بن داود الخولاني معارض ~~بأنه أثنى عليه جماعة منهم: أحمد، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وابن عدي، وعثمان ~~بن سعيد الدارمي. انتهى. # والحاصل: أنه إلى ههنا وقع الاتفاق بين الأئمة، واشتهرت كتب الصدقات عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # (ثم في كل خمس) من الإبل (شاة) كالأول عندنا، وهو رواية عن مالك. ففي خمس ~~شاة، وفي عشر ثنتان، وفي خمس عشرة ثلاثة شياه، وفي عشرين أربع شياه. # (وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وفي مئة وخمسين ثلاث حقاق)، وليس في هذا ~~الاستئناف بنت لبون لانعدام نصابه. # (ثم يستأنف) الفرض أيضا عندنا بعد كل خمسين وكل مئة، (كالأول) أي كأول ~~فرائض الإبل، وإنما لم يفسره بأول الاستئنافات، لأنه ليس فيه بنت لبون، ~~وهذه الاستئنافات فيها ذلك. # --- PageV02P098 ~~*** # (فيزاد في كل ست وأربعين إلى خمسين حقة) وبه قال سفيان الثوري. # واعلم أن هذه الزيادة باعتبار غاية ما فيه الحقة دون ابتدائه، لأن غاية ~~ما يجب فيه الحقة هنا خمسون، وفي الأول: ستون، وابتداؤه فيهما: ست وأربعون. ~~وقال الشافعي، وأحمد: إذا زادت على مئة وعشرين واحدة، ففيها ثلاث بنات لبون ~~لكونها ثلاث أربعينات، فإذا صارت مئة وثلاثين، ففيها حقة وبنتا لبون، ثم في ~~كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. وعن مالك قولان: أحدهما كمذهبنا، ~~والآخر كمذهب الشافعي. # لهم ما روى البخاري في «صحيحه»، عن ثمامة: أن أنسا حدثه: «أن أبا بكر كتب ~~له هذا الكتاب حين وجهه إلى البحرين، وفيه: فإذا زادت على عشرين ومئة ففي ~~كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة». # ولنا ما روى إسحاق بن راهويه في «مسنده»، والطحاوي في «المشكل»، وأبو ~~داود في «المراسيل»، عن حماد بن سلمة قال: قلت لقيس بن سعد: اكتب لي كتاب ~~أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فكتب لي ms0447 ورقة، ثم جاء يوما وأخبر أنه أخذه ~~من كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وأخبرني: «أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كتبه لجده عمرو بن حزم، في ذكر ما يخرج من فرائض الإبل فكان فيه: ~~فإذا كانت أكثر من عشرين ومئة، ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، ~~فما فضل أي زاد على مئة وعشرين فإنه يعاد إلى (أول) فريضة الإبل، فما كان ~~أقل من خمس وعشرين ففيه الغنم، في كل خمس ذود شاة». # --- PageV02P099 ~~*** # وروى الطحاوي عن خصيف، عن أبي عبيدة، وزياد بن أبي مريم، عن ابن مسعود ~~أنه قال: فإذا بلغت العشرين ومئة استقبلت الفريضة بالغنم، فإذا بلغت خمسا ~~وعشرين ففرائض الإبل. وروي عن إبراهيم النخعي نحوه. وروى ابن أبي شيبة، عن ~~يحيى بن سعيد، عن سفيان بن أبي إسحاق، عن عاصم بن حمزة، عن علي قال: «إذا ~~زادت الإبل على عشرين ومئة يستقبل بها الفريضة». # واعترض البيهقي على الأول بأنه موقوف ومنقطع بين أبي عبيدة وزياد، وبين ~~ابن مسعود، وقال: خصيف غير محتج به. والثاني معارض بأن شريكا رواه عن ابن ~~إسحاق، عن عاصم، عن علي قال: «إذا زادت الإبل على عشرين ومئة (ففي كل خمسين ~~حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون». موافقا لحديث أنس الذي) لم تختلف فيه ~~الروايات، فكان المصير إليه أولى. والجواب أن التنصيص في هذه الرواية على ~~عود الفريضة، لا ينفيه ما نقول به، إذ الواجب في الأربعين هو الواجب في ست ~~وثلاثين، والواجب في الخمسين هو الواجب في ست وأربعين، ولا يتعرض هذا ~~الحديث لنفي الواجب عما دونه، فنوجبه بما رويناه. # --- PageV02P100 ~~*** # وأما ما زاد أبو دواد من طريق ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن ابن ~~شهاب، قال: «هذه نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه في ~~الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب». قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد ~~الله بن عمر، فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز ms0448 عن عبيد ~~الله بن عبد الله بن عمر، وسالم بن عبد الله بن عمر، فذكر الحديث وقال: ~~فإذا كانت إحدى وعشرين ومئة، ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعا وعشرين ~~ومئة، فإذا كانت ثلاثين ومئة ففيها بنتا لبون وحقة حتى تبلغ تسعا وثلاثين ~~ومئة، فإذا كانت أربعين ومئة ففيها حقتان وبنت لبون حتى تبلغ تسعا وأربعين ~~ومئة، فإذا كانت خمسين ومئة، (ففيها ثلاث حقاق حتى تبلغ تسعا وخمسين ومئة، ~~فإذا كانت ستين ومئة) ففيها أربعة بنات لبون...» الحديث. وهذا مرسل كما ~~أشار إليه الترمذي. فالجواب أن هذه الزيادة لم تعرف إلا من طريق أبي داود ~~ولم يعمل بها واحد من العلماء. # ثم الواجب في الإبل الإناث، ولا تجزي الذكور إلا بطريق القيمة. # (وفي ثلاثين) أي ويجب في ثلاثين (بقرا) أو جاموسا أو مختلطا إذا كانت ~~سائمة للنسل أو الدر (تبيع): وهو ما طعن في السنة الثانية، وسمي به لأنه ~~حينئذ يتبع أمه (أو تبيعة): وهي أنثاه، وإنما خير بين الذكور والإناث، لأن ~~الأنوثة في البقر والغنم لا تعد فضلا، بخلاف الإبل. # --- PageV02P101 ~~*** # (وفي أربعين مسن): وهو ما دخل في السنة الثالثة. (أو مسنة)، لما روى ~~أصحاب «السنن الأربعة» من حديث مسروق، عن معاذ بن جبل: «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن، أمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرا تبيعا أو ~~تبيعة، ومن كل أربعين مسنة». قال الترمذي: حديث حسن، وقد رواه بعضهم مرسلا، ~~ولم يذكر معاذا، وهذا أصح. ورواه ابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في ~~«مستدركه»، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال أبو عمر في ~~«الاستدراك»: ولا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر ما في حديث ~~معاذ، وأنه النصاب المجمع عليه فيها. # قلت: وهذا قول علي، وأبي سعيد الخدري، والأصل فيه ما في كتاب عمرو بن ~~حزم: «وفي كل ثلاثين باقورة تبيع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة». وقد ~~روى أبو داود في «مراسيله» عن معمر قال: أعطاني سماك بن الفضل كتابا ms0449 من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقوقس، فإذا فيه: «وفي البقر مثل ما في ~~الإبل». وأخرج أيضا عن معمر، عن الزهري قال: في خمس من البقر شاة، وفي عشر ~~شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بقرة ~~إلى خمس وتسعين، وفيها بقرتان إلى عشرين ومئة، فإذا زادت على عشرين ومئة، ~~ففي كل أربعين بقرة مسنة. وزعم قوم أن هذا قول عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد ~~الله الأنصاري. # --- PageV02P102 ~~*** # (وفيما زاد على أربعين يحسب) أي يعطى بحسابه (إلى ستين)، في رواية ~~«الأصل» عن أبي حنيفة: فيجب ربع عشر المسنة في الواحدة الزائدة على ~~الأربعين، ونصف عشرها في الثنتين. وهكذا، لأن المال سبب الوجوب، ونصب ~~النصاب بالرأي لا يجوز، وكذا إخلاؤه عن الواجب بعد تحقق سببه، ولأن العفو ~~فيما بين الثلاثين إلى الأربعين ثبت بنص، بخلاف القياس، ولا نص ههنا، وروى ~~الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ خمسين، ففيها مسنة ~~وربع مسنة أو ثلث تبيع وهو القياس، لأن مبنى نصاب البقر على أن يكون بين كل ~~عقدين وقص، وفي كل عقد واجب، فأوقاص البقر تسع تسع كما قبل الأربعين، وبعد ~~الستين، فكذا هنا. وروى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة وقال في «المحيط» ~~و«البدائع»: وهو أوفق الروايات، وهو قولهما المختار كما في «جوامع الفقيه». # --- PageV02P103 ~~*** # وقول مالك، والشافعي، وأحمد: «أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين، لما ~~في «الصحيحين» عن معاذ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ~~وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة». وروى الدارقطني، ~~والبيهقي، والبزار من حديث بقية عن المسعودي، عن الحكم، عن طاوس، عن ابن ~~عباس قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن، فأمره أن ~~يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة». قالوا: ~~فالأوقاص؟ قال: ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بشيء، وسأسأله ~~إذا قدمت، ms0450 فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله، فقال: «ليس ~~فيها شيء». قال المسعودي: والأوقاص: ما بين الثلاثين إالى الأربعين، وما ~~بين الأربعين إلى الستين. وقال البزار: لا أعلم أحدا أسند عن ابن عباس إلا ~~بقية عن المسعودي، وقد رواه الحفاظ عن الحكم عن طاوس مرسلا. # --- PageV02P104 ~~*** # وأجيب عن الحديث الأول: بأنه ساكت عن الأوقاص، ليس فيه تعرض لها. وعن ~~الحديث الثاني: بأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي قبل قدوم معاذ من اليمن، ~~لما روى مالك في «الموطأ» عن حميد بن قيس، عن طاوس: «أن معاذا أخذ من كل ~~ثلاثين بقرة تبيعا، ومن كل أربعين بقرة مسنة، وأتي بما دون ذلك، فأبى أن ~~يأخذ منه شيئا، وقال: لم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ألقاه ~~وأسأله، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم معاذ». لكنه منقطع، إذ ~~لم يدرك طاوس معاذا، ومعارض بما رواه أبو يعلى الموصلي في «مسنده» عن صهيب: ~~أن معاذا لما قدم من اليمن سجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «يا ~~معاذ، ما هذا؟ قال: إني لما قدمت اليمن، وجدت اليهود والنصارى يسجدون ~~لعظمائهم، وقالوا: هذا تحية الأنبياء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«كذبوا على أنبيائهم، ولو كنت أمرت أحدا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة ~~أن تسجد لزوجها». # --- PageV02P105 ~~*** # إذ ظاهره أنه رجع من اليمن قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو إذا ~~كان إرساله إلى اليمن مرة واحدة فلا إشكال، على أنه يحتمل أنه وقع السؤال ~~قبل الاجتماع وتغير الأحوال، ويؤيده ما في «معجم الطبراني» من طريق ابن ~~وهب، عن حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سلمة بن أسامة، عن يحيى بن ~~الحكم، أن معاذا قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق أهل اليمن، ~~فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ومن ~~الستين تبيعتين، ومن السبعين مسنة وتبيعتين، ومن الثمانين مسنتين، ومن ~~العشرين ms0451 والمئة ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة. قال: وأمرني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئا، إلا أن يبلغ مسنة أو جذعا، وقال: ~~إن الأوقاص لا فريضة فيها». انتهى. إلا أن سلمة بن أسامة، ويحيى بن الحكم ~~غير مشهورين، ولم يذكرهما ابن أبي حاتم في كتابه. # وروى الدارقطني في كتابه «المؤتلف والمختلف»: «أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عهد إلى عماله على اليمن في البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي كل ~~أربعين مسنة، وليس في الأوقاص شيء». وقد يجاب بأنه لم يعهد به أولا، ولكنه ~~أعلمه به ثانيا. # (ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة) لما روينا، ففي ستين تبيعان، ~~وفي سبعين تبيع ومسنة، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي مئة ~~تبيعان ومسنة، وفي مئة وعشر تبيع ومسنتان، وفي مئة وعشرين ثلاث مسنات أو ~~أربعة أتبعة، لما رويناه في «معجم الطبراني»، فيتغير الفرض هكذا في كل ~~عشرة، لأن ما دونها وقص. # --- PageV02P106 ~~*** # (وفي أربعين) أي يجب في أربعين (ضأنا أو معزا) إذا كانت سائمة للدر ~~والنسل (شاة) لأن الذي في كتبه عليه الصلاة والسلام لفظ الغنم، وهو شامل لهما. # (وفي مئة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مئتين وواحدة ثلاث شياه، وفي أربع مئة ~~أربع، ثم في كل مئة شاة) ثبت ذلك بكتبه صلى الله عليه وسلم وكتب أبي بكر ~~وعمر رضي الله عنهما. ففي كتاب الصديق لأنس: «وفي صدقة الغنم في سائمتها ~~إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة، فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين ~~شاتان، فما زادت على مئتين إلى ثلاث مئة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ~~ثلاث مئة ففي كل مئة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة ~~فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها». انتهى. ويؤخذ الثني في زكاتها، وهو ما ~~عمره سنة ودخل في الثانية. وأما الجذع من الضأن الذي مضى عليه أكثر السنة، ~~فلا يجزي عند أبي حنيفة، على ظاهر الرواية. # قال ms0452 في «الهداية»: لقول علي رضي الله عنه موقوفا ومرفوعا: لا يؤخذ في ~~الزكاة إلا الثني فصاعدا. إلا أنه غريب غير معروف عند المحدثين. وأجاز ~~صاحباه في الزكاة كما في الأضحية اتفاقا، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ~~تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن». رواه مسلم. ~~ولما في «سنن أبي داود، وابن ماجه» في الضحايا، عن عاصم بن كليب، عن أبيه ~~قال: «كنا مع رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له مجاشع ~~من بني سليم، فعزت الغنم، فأمر مناديا ينادي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «إن الجذع يوفى مما يوفي منه الثني». # --- PageV02P107 ~~*** # وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما حقنا الجذعة ~~والثني»، فغير معروف، وجواز الجذع في الزكاة رواية أيضا عن أبي حنيفة لما ~~في «سنن أبي داود»، و«النسائي»، و«مسند أحمد» عن مسعر قال: جاءني رجلان ~~مرتدفان فقالا: إنا رسولا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا إليك لتؤتينا ~~صدقة غنمك، قلت: وما هي؟ قالا: شاة، قال: فعمدت إلى شاة ممتلئة مخاضا ~~وشحما، فأخرجتها إليهما، فقالا: هذه شافع، وقد نهانا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن نأخذ شافعا. والشافع: التي في بطنها ولدها قلت: فأي شيء ~~تأخذان؟ قالا: عناقا: جذعة أو ثنية، فأخرجت إليهما عناقا فتناولاها. # وفي «الموطأ» من حديث سفيان بن عبد الله: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~بعثه مصدقا، وكان يعد على الناس السخل، فقالوا: أتعد علينا السخل ولا تأخذ ~~منه شيئا؟ فلما قدم على عمر ذكر ذلك له، فقال عمر: نعم، تعد عليهم السخلة، ~~يحملها الراعي، ولا تأخذها، ولا تأخذ الأكولة، ولا الربي، ولا الماخض، ولا ~~فحل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء الغنم وخياره. وقال ~~النووي: سنده صحيح. والغذاء بغين مكسورة وذال معجمة ممدودة : وهو الرديء. ~~وفي «الصحاح»: الغذي: السخلة، والجمع غذاء، مثل فصل وفصال. # (زكاة الفرس) # (وفي كل فرس) أي: ويجب في كل فرس (من الإناث) الصرفة (أو ms0453 المختلطة) من ~~الذكور والإناث للنسل، لا للحمل والركوب والتجارة (دينار أو ربع عشر ~~قيمتها) حال كونها (نصابا). وهذا عند أبي حنيفة، وتبعه زفر. # --- PageV02P108 ~~*** # وقيل : الخيار في الأفراس المتساوية قيمة كأفراس العرب، وأما المتفاوتة ~~قيمة، فالزكاة باعتبار القيمة. والصحيح عدم اعتبار النصاب فيها عنده. وقيل: ~~إنه ثلاثة. وقيل: خمسة، وقيل: اثنان، ذكر وأنثى، ولا يؤخذ من عينها إلا ~~برضاء صاحبها بخلاف (سائر) المواشي، تمسكا بما في «سنن الدارقطني»، ثم ~~البيهقي عن الليث بن حماد الإصطخري: حدثنا أبو يوسف، عن غورك بن الخضرم أبي ~~عبد الله، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «في الخيل السائمة: في كل فرس دينار، وليس في الرابطة شيء». قال ~~الدارقطني: تفرد به غورك، وهو ضعيف جدا، ومن دونه ضعفاء. وقال البيهقي: ولو ~~كان هذا الحديث صحيحا عند أبي يوسف لم يخالفه، ولم يقل ابن شهاب: لا أعلم ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن صدقة الخيل. # قلت: مخالفة أبي يوسف لم تدل على عدم صحة الحديث، لاحتمال وجود معارضة ~~الأقوى كما لا يخفى، ونفي علم الزهري لا يكون حجة على من حفظ وأثبت، مع أنه ~~معارض بما روى هو عن حماد، عن إبراهيم أنه قال: في الخيل السائمة التي يطلب ~~نسلها إن شئت في كل فرس دينار أو عشرة دراهم، وإن شئت في القيمة فيكون في ~~كل مئتي درهم خمسة دراهم في كل فرس ذكرا أو أنثى. وبما رواه عبد الرزاق، عن ~~ابن جريج: أخبرني ابن أبي حسين: أن ابن شهاب أخبره: أن عثمان كان يصدق ~~الخيل، وأن السائب بن يزيد أخبره: أنه كان يأتي عمر بن الخطاب بصدقة ~~الخيل». قال الإسبيجابي: جعل الطحاوي الاختيار إلى المصدق أي آخذ الصدقة ~~من العمال وليس كذلك، إنما هو إلى صاحب المال. # --- PageV02P109 ~~*** # وفي الإناث الخالص والذكور الصرف: روايتان عن أبي حنيفة، والراجح في ~~الإناث الوجوب، لإمكان التناسل بالفحل المستعار، وفي الذكور عدمه، لأن ~~لحمها غير مأكول عنده. # وعند أبي ms0454 يوسف ومحمد: لا شيء في الخيل منفردة كانت أو مختلطة، كالحمر ~~والبغال المتفق على عدم الوجوب فيهما، واختاره الطحاوي. وفي «الينابيع»: ~~وعليه الفتوى، وكذا قاله قاضيخان، وصاحب الأسرار»، لكن رجح شمس الأئمة، ~~وصاحب «التحفة» قول أبي حنيفة، إلا أن قولهما عليه عامة العلماء، وهو قول ~~مالك والشافعي، لما في الكتب الستة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة». زاد مسلم: «إلا ~~صدقة الفطر». وأجيب عنه بأن المراد به فرس الغازي. # وفي «سنن أبي داود والترمذي»، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «قد عفوت لكم عن صدقة الخيل، والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة». قال ~~الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هو عندي صحيح. # وأخرج البيهقي، عن بقية: حدثني أبو معاذ، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم «عفوت لكم عن صدقة الجبهة، ~~والكسعة، والنخة». والجبهة: الخيل. والنخة: بالفتح والضم الرقيق. ~~والكسعة: الحمير. وأخرجه أبو داود، عن كثير بن زياد، عن الحسن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مرسلا، وهو حجة عندنا، وعند الجمهور. # --- PageV02P110 ~~*** # ولأبي حنيفة ما في «الصحيحين»، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له ~~أجر فرجل ربطها في سبيل الله، وهي لذلك الرجل أجر، ورجل ربطها تغنيا وتعففا ~~ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر، ورجل ربطها فخرا ونواء ~~أي معاداة فهي على ذلك وزر. فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمير، ~~فقال: ما أنزل علي فيها إلا هذه الآية الفاذة أي المفردة الجامعة : {فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} ». انتهى. وحق الله ~~في رقابها الزكاة. وأما قول صاحب «الهداية»: ولا شيء في البغال والحمير ~~لقوله صلى الله عليه وسلم «لم ينزل علي فيهما شيء»، فوهم، ms0455 لأن هذا اللفظ ~~ورد في الحمير خاصة. # وروى عبد الرزاق في «مصنفه»، عن ابن جريج عن عمرو بن دينار: أن جبير بن ~~يعلى: أخبره أنه سمع يعلى بن أمية يقول: «ابتاع عبد الرحمن أخو يعلى بن ~~أمية من رجل من أهل اليمن فرسا أنثى بمئة قلوص، فقدم البائع على عمر فقال: ~~غصبني يعلى وأخوه فرسا لي، فكتب إلى يعلى أن الحق بي، فأتاه فأخبره الخبر، ~~فقال عمر: إن الخيل لتبلغ عندكم هذا، ما علمنا أن فرسا يبلغ هذا، فنأخذ من ~~كل أربعين من الغنم شاة، ولا نأخذ من الخيل شيئا، خذ من كل فرس دينارا». # قال ابن عبد البر: وروى الدارقطني حديثا صحيحا، عن جويرية، عن مالك، عن ~~الزهري: «أن السائب بن يزيد أخبره قال: رأيت أبي يقوم الخيل، ثم يدفع ~~صدقتها أي ربع عشر قيمتها ». # --- PageV02P111 ~~*** # (ولا يجب) زكاة الماشية (إلا في السائمة أي المكتفية بالرعي) المباح. ~~والرعي: بكسر الراء: الكلأ، وفتحها المصدر. (في أكثر الحول) لأن اسم السوم ~~لا يزول بالعلف اليسير لعدم إمكان الاحتراز عنه، ولا بد أن يكون السوم للدر ~~والنسل، حتى لو كان للحمل والركوب لم يكن فيها زكاة، ولو كان للبيع ~~والتجارة كان فيها زكاة التجارة، وهي ربع عشر قيمتها. # (ولا في الصغار، إلا تبعا للكبار) في انعقاد النصاب لا في تأدية الزكاة، ~~والمراد بالصغار: الفصلان جمع فصيل: وهو ولد الناقة قبل أن يصير ابن مخاض. ~~والحملان جمع حمل بالتحريك: وهو ولد الشاة في السنة الأولى. والعجاجيل جمع ~~عجل: وهو من أولاد البقر حين تضعه أمه إلى شهر، والأنثى عجلة، لأن المقادير ~~لا يدخلها القياس، فإذا امتنع إيجاب ما ورد به النص، امتنع أصلا، والنص ورد ~~بالشاة والبقر والناقة لا مطلقا، بل ذات السن المعين من الثنية، والتبيع، ~~وبنت المخاض مثلا، ولم يوجد فتعذر الإيجاب. # وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله آخرا وبه أخذ محمد. وقال أبو يوسف: يجب ~~فيها واحد منها، وهو رواية عن أبي حنيفة ثانيا نظرا للفقراء ورب المال. # وصورة المسألة: إذا ms0456 كان له خمس وعشرون من النوق، أو ثلاثون من البقر، أو ~~أربعون من الغنم، فلما مضى عليها عشرة أشهر مثلا، ولدت أولادا، وهلكت ~~الأمهات ثم كمل الحول على الأولاد، فهل يجب على الأولاد شيء؟ على الخلاف ~~المذكور عن أبي حنيفة أولا: أنه يجب فيها ما يجب في المسنات، وهو قول زفر ~~ومذهب مالك، لأن قوله صلى الله عليه وسلم «في خمس وعشرين بنت مخاض» يشمل ~~الصغار والكبار، ولتناول اسم الإبل والبقر والغنم الصغير والكبير كتناولهما ~~الذكر والأنثى. # --- PageV02P112 ~~*** # (ولا فيما يعمل) أي ما أعد للعمل، كإثارة الأرض، وحمل الأثقال. وقال ~~مالك: يجب فيه الزكاة لإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم «ليس فيما دون خمس ~~ذود من الإبل صدقة». ولنا ما روى أبو داود والدارقطني من حديث علي رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «هاتوا ربع العشر: من كل أربعين درهما ~~درهم» إلى أن قال: «وليس في العوامل شيء». وفي رواية: «صدقة». قال أبو ~~الحسن القطان: سنده صحيح. وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ليس في ~~المثيرة صدقة». # (والواجب الوسط) من السن الذي وجب، فلو وجب بنت لبون لا يأخذ العامل خيار ~~بنت اللبون، ولا رديئها، بل يأخذ الوسط لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين ~~بعثه إلى اليمن: «إياك وكرائم أموالهم». رواه الجماعة. ولأن في أخذ الوسط ~~نظرا للفقراء، ولرب المال. # (فإن لم يوجد) الوسط من السن الواجب (يأخذ العامل الأدنى) وصفا أو سنا ~~(مع الفضل)، ويجبر على ذلك لأنه إعطاء بالقيمة لا بيع. # (و) يأخذ العامل (الأعلى) وصفا أو سنا (ويرد الفضل) ولا يجبر على ذلك، ~~لأنه شراء. # في «الكافي»: أن الخيار إلى المالك في الصورتين، لأن الشارع اعتبر ~~التيسير على أرباب الأموال، وذا إنما هو بالخيار إلى المالك. # (نصاب الذهب والفضة) # --- PageV02P113 ~~*** # (ونصاب الذهب عشرون مثقالا، والفضة مئتا درهم) لما في «الصحيحين» من حديث ~~أبي سعيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة». ~~والأوقية: أربعون درهما. ولحديث علي المتقدم ms0457 في اشتراط الحول. ولما قدمناه ~~في كتاب عمرو بن حزم: «وفي كل أربعين دينارا دينار». ولما رواه ابن ماجه عن ~~ابن عمر وعائشة، «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين دينارا ~~نصف دينار، ومن الأربعين دينارا (دينارا) ». ولقوله صلى الله عليه وسلم ~~«هاتوا ربع العشور في كل أربعين درهما، وليس عليكم شيء حتى يتم مئتا درهم، ~~فإذا كانت مئتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك». . # (كل عشرة منها) أي من الدراهم (سبعة مثاقيل) ويسمى وزن سبعة فيكون كل ~~درهم نصف مثقال، وخمسا فيكون الدرهم أربعة عشر قيراطا. والقيراط: خمس ~~شعيرات. قيل: أصله أن الدراهم قبل عهد عمر كانت مختلفة، فمنها ما كان عشرين ~~قيراطا، وبعضها عشرة قراريط، وبعضها اثني عشر قيراطا، فأمر بضرب ثلاثة ~~دراهم متساوية، فكان كل درهم أربعة عشر قيراطا، وهو وزن سبعة، وجمع الناس ~~على ذلك. وقيل: لما أراد عمر أن يستوفي الخراج بالأكبر، فالتمسوا منه ~~التخفيف، فجمع حساب زمانه ليتوسطوا وليتوفقوا بين الدراهم كلها، واستخرجوا ~~وزن السبعة، (واستقر) الأمر عليه. # --- PageV02P114 ~~*** # وقال أبو عبيد: كانت الدراهم قبل الإسلام كبارا وصغارا، فلما جاء الإسلام ~~وأرادوا ضرب الدراهم، وكانوا يزكونها من النوعين فنظروا إلى الدرهم ~~الكبير إذا هو ثمانية دوانيق، وإلى الدرهم الصغير فإذا هو أربعة دوانيق، ~~فوضعوا زيادة الكبير على نقصان الصغير فجعلوهما درهمين سواء، كل واحد ستة ~~دوانيق، ثم اعتبروها بالمثاقيل، ولم يزل المثقال في آباد الدهر محدودا لا ~~يزيد ولا ينقص، فوجدوا عشرة من هذه الدراهم التي واحدها ستة دوانيق وزن ~~سبعة مثاقيل سواء، فاجتمع فيه أن العشرة منها وزن سبعة مثاقيل، وأنه عدل ~~بين الكبار والصغار، وأنه موافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الصدقة، فمضت سنة الدراهم على هذا، فاجتمعت عليه الأئمة، انتهى. # وفي «صحاح الجوهري»: الدانق: سدس درهم. والقيراط: نصف دانق. وقال ابن ~~الأثير: القيراط: جزأ من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد. وأهل ~~الشام يجعلونه جزءا من أربعة وعشرين، والياء فيه ms0458 بدل من الراء، فإن أصله ~~قراط مضعفا، كما أن أصل دينار دنار، والجمع فيهما قراريط، ودنانير. وفي ~~«شرح الوقاية»: المثقال: عشرون قيراطا، والدرهم: أربعة عشر قيراطا، ~~والقيراط: خمس شعيرات. # --- PageV02P115 ~~*** # وفي «الغاية»: دراهم مصر أربعة وستون حبة، وهو أكبر من درهم الزكاة ، ~~فالنصاب منه مئة وثمانون درهما وحبتان. وفي «القنية»: المعتبر في الزكاة ~~وزن عشرة دنانير بوزن مكة، ينقص عما عندنا بثلثي دينار، فلو بلغت الدنانير ~~بوزن بلدتنا ثمانية عشر وثلثي دينار، يجب فيها الزكاة. وفي ديات «الخلاصة»: ~~أن كل عشرة من مثاقيل مكة تسعة من مثاقيل غيرها. وفي «الفتاوى المنصورية»: ~~يعتبر في كل زمن عادة أهله، فيعتبر دراهم ودنانير كل بلدة بوزنها وإن كان ~~وزنها في البلاد متفاوتا. # قال بعض المحققين: وهذا يقتضي أن النصاب ينعقد من الصغار، وهو الحق، ~~لأنهم لم يختلفوا في تفاوت الدراهم صغرا وكبرا في زمان النبي صلى الله عليه ~~وسلم فبالضرورة تكون الأوقية مختلفة أيضا بالصغر والكبر. وقد أوجب النبي ~~صلى الله عليه وسلم في خمس آواق الزكاة مطلقا من غير تقييد بصنف، فإذا صدق ~~على الصغيرة خمس آواق يجب الزكاة فيها بالنص. # ويؤيده ما نقل أبو عبيد: أنهم كانوا يزكون من النوعين، ومن هذا والله ~~تعالى أعلم ذهب بعضهم إلى أن المعتبر في حق كل أهل بلد دراهمهم. ذكره ~~قاضيخان، قال: إلا أني أقول: ينبغي أن يقيد بما إذا كانت دراهمهم لا تنقص ~~عن أقل ما كان وزنا في زمنه صلى الله عليه وسلم وهي ما تكون العشرة وزن ~~خمسة، لأنها أقل ما قدر النصاب بمئتين منها. ثم قال: فإن لم يكن لهم إلا ~~دراهم كبيرة كوزن سبعة، فالاحتياط على هذا أن تزكى، وإن كانت أقل من مئتين ~~إذا بلغ ذلك لأقل قدر النصاب، وهو وزن خمس. # --- PageV02P116 ~~*** # (معمولا أو تبرا) سواء كان المعمول سكة أو حليا أو آنية. وقال مالك: ~~الحلي المباح الاستعمال للنساء والرجال لا زكاة فيه. وهو أظهر القولين عن ~~الشافعي، والرواية التي اختارها أصحاب أحمد عنه. ورواه مالك في «الموطأ» عن ms0459 ~~عائشة وابن عمر، ورواه الدارقطني عن أسماء وأنس. ولما روي عن جابر، أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: «ليس في الحلي زكاة». ولقول ابن عمر: «لا زكاة في ~~الحلي». رواه عبد الرزاق. وقول أنس: «ليس في الحلي زكاة». رواه الدارقطني. # قلنا: قال البيهقي في «المعرفة»: وما يروى عن عافية بن أيوب، عن الليث، ~~عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا: «ليس في الحلي زكاة»، فباطل لا أصل له، ~~إنما يروى عن جابر من قوله، وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعا كان ~~داخلا فيما يعيب به المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين. # ولنا عموم قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله} الآية. وعموم قوله صلى الله عليه وسلم «في الرقة ربع العشر». رواه ~~البخاري. وهو بكسر الراء وتخفيف القاف. والورق: الفضة المضروبة، حذفت الواو ~~منه وعوض عنه الهاء كالعدة في الوعد. وما رواه أبو داود والنسائي من حديث ~~عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين ~~زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله تعالى بهما يوم القيامة ~~سوارين من نار؟ قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقالت: هما لله ولرسوله». قال ابن القطان: إسناده صحيح. وقال ابن المنذر في ~~«مختصره»: إسناده لا مقال فيه، ثم بينه رجلا رجلا. # --- PageV02P117 ~~*** # ورواه الترمذي عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: «أتت ~~امرأتان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أيديهما سواران من ذهب، فقال ~~لهما: أتؤديان زكاة هذا؟ قالتا: لا، قال: «أتحبان أن يسوركما الله سوارين ~~من نار»؟ قالتا: لا، قال: فأديا زكاته. قال الترمذي: ورواه المثنى بن صباح، ~~عن عمرو بن شعيب نحو هذا. وابن لهيعة والمثنى يضعفان في الحديث. ولا يصح في ~~هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء. # قال المنذري: لعل الترمذي قصد الطريقين اللذين ms0460 ذكرهما، وإلا فطريق أبي ~~داود لا مقال فيه. وقال ابن القطان بعد تصحيحه لحديث أبي داود: إنما ضعف ~~الترمذي هذا الحديث، لأن عنده فيه ضعيفين: ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح. ~~وفي أبي داود أيضا عن عتاب بن بشير، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة ~~قالت: «كنت ألبس أوضاحا من ذهب، فقلت : يا رسول الله، أكنز هو؟ فقال: ما ~~يبلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز». وأخرجه الحاكم عن محمد بن مهاجر، عن ~~ثابت، وقال: صحيح على شرط البخاري، ولفظه: «إذا أديت زكاته فليس بكنز». ~~والأوضاح: جمع وضح، وهو الحلي. # --- PageV02P118 ~~*** # ومن الآثار ما في «مصنف ابن أبي شيبة»: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى: ~~أن مر من قبلك من نساء المؤمنين أن يزكين حليهن ولا تجعلن الزيادة والهدية ~~بينهن تعارضا». وفيه أيضا: حدثنا وكيع، عن جرير بن حازم، عن عمرو بن شعيب، ~~عن عبد الله بن عمر: أنه كان يأمر نساءه أن يزكين حليهن». وفيه أيضا عن ~~عطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شداد أنهم قالوا: «في الحلي ~~الزكاة». زاد ابن شداد: «حتى في الخاتم». وأخرج عن عطاء، وإبراهيم النخعي ~~أيضا أنهم قالوا: «مضت السنة أن في الحلي الذهب والفضة زكاة». وما في «مصنف ~~عبد الرزاق» عن ابن مسعود قال: «في الحلي زكاة». # وروى أبو داود، والحاكم وقال: على شرط الشيخين عن عائشة قالت: «دخلت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا؟ ~~قلت: صنعتهن أتزين لك بهن، قال: أفتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا، قال: حسبك من ~~النار». والفتخات بفاء ومثناة فوقية ومعجمة مفتوحة : خواتم كبار. فالمعنى: ~~أفتؤدين زكاتهن مع انضمامهن إلى غيرهن مما تجب فيه الزكاة؟ # (فيجب ربع العشر) وهو نصف مثقال في نصاب الذهب وخمسة دراهم في نصاب الورق ~~(وفي كل خمس) بضم الخاء المعجمة (زاد على النصاب) أي نصاب النقدين، وهو ~~أربعة دنانير في الذهب، وأربعون درهما في الورق. (بحسابه) عند أبي حنيفة ~~وما دونه ms0461 عفو. # --- PageV02P119 ~~*** # وقالا: يجب في كل ما زاد على النصاب بحسابه، لحديث علي المتقدم في اشتراط ~~الحول. ولما روى البخاري من حديث أنس: وفي الرقة ربع العشر». ولما في «سنن ~~أبي داود» عن زهير، عن عاصم بن حمزة والحارث، عن علي قال زهير: أحسبه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هاتوا ربع العشر: في كل أربعين درهما درهم، ~~وليس عليكم شيء حتى يتم مئتي درهم، فإذا كانت مئتي درهم ففيها خمسة دراهم، ~~فما زاد على حساب ذلك...» الحديث. ورواه الدارقطني مجزوما به ليس فيه ~~أحسبه، وصحح ابن القطان إسناده. ولما في «مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة»، ~~عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: «في كل مئتي درهم خمسة دراهم، ~~فما زاد فبحساب ذلك». وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا عن عمر بن عبد العزيز وابن ~~سيرين وإبراهيم النخعي. # ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى ما روى النسائي وابن حبان والحاكم وغيرهم في ~~كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم: «في كل خمس أواق من الورق ~~خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون خمس أواق من ~~الورق شيء». # وفي «أحكام عبد الحق»: روى أبو أويس عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن ~~عمرو بن حزم ، عن أبيهما، عن جدهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب ~~هذا الكتاب لعمرو بن حزم حين أمره على اليمن، وفيه: «والرقة ليس فيها صدقة ~~حتى تبلغ مئتي درهم، (فإذا بلغت مئتي درهم) ففيها خمسة دراهم، وفي كل ~~أربعين درهما درهم، وليس فيما دون الأربعين صدقة». ولم يعزه عبد الحق ~~لكتاب، وكثيرا ما يفعل ذلك في «أحكامه». # --- PageV02P120 ~~*** # وما في «سنن الدارقطني» من طريق أبي إسحاق، عن المنهال بن الجراح، عن ~~حبيب بن نجيح، عن عبادة بن نسي، عن معاذ: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمره حين وجهه إلى اليمن: أن لا تأخذ من الكسور شيئا، إذا كانت من الورق ~~مئتي درهم فخذ ms0462 منها خمسة دراهم، ولا تأخذ مما زاد شيئا حتى تبلغ أربعين ~~درهما، وإذا بلغت أربعين فخذ منها درهما». لكنه ضعيف بالمنهال، والله تعالى ~~أعلم بالحال. # وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب «الأموال» عن أنس قال: «ولاني عمر ~~بن الخطاب الصدقات فأمرني أن آخذ من كل عشرين دينارا نصف دينار، وما زاد ~~فبلغ (أربعة دنانير ففيه درهم. وأن آخذ من مئتي درهم خمسة دراهم، فما زاد ~~فبلغ) أربعين درهما ففيه درهم. # (ويعتبر الغالب)، فإن غلب الذهب على الغش وجب زكاة الذهب، وإن غلب الفضة ~~على الغش وجب زكاتها (وإن غلب الغش) على الذهب والفضة (يقوم) ويخرج من ~~قيمته إن نوى به التجارة، وإن لم ينو فإن كان الجيد يتخلص ويبلغ نصابا وحده ~~أو بالضم إلى غيره، زكاه، لأن عين النقدين لا يشترط فيها نية التجارة. وإن ~~لم يتخلص منه شيء فلا شيء عليه، لأنها هلكت فيه، إذ لم ينتفع بها حالا ولا ~~مآلا فبقيت العبرة للغش وهو عروض، فيعتبر فيه نية التجارة. ولو ساوى الذهب ~~أو الفضة الغش قيل: يجب الزكاة احتياطا، وقيل: لا يجب، وهو الأظهر، لعدم ~~الغلبة المشروطة للوجوب. وقيل: يجب درهمان ونصف نظرا إلى وجهي الوجوب وعدمه ~~وهو الظاهر. # --- PageV02P121 ~~*** # (لا في غير ما مر) أي لا تجب الزكاة في غير ما مر من السوائم والذهب ~~والفضة، وهو العروض (إلا بنية التجارة عند تملكها بغير الإرث إذا بلغ ~~قيمتها نصابا من أحدهما) أي من الذهب والفضة، أنث الضمير في «قيمتها» ~~و«تملكها» نظرا إلى معنى «غير» وهي العروض . وفي بعض النسخ «قيمته» ~~و«تملكه» بتذكير الضمير نظرا إلى لفظ غير. (أنفع للفقير) أي حال كون أحدهما ~~أنفع له، لأن في ذلك احتياطا له. # وقال أبو يوسف: إن كان ثمنها من النقود قومت بما اشتريت به، وإن كان من ~~غيرها قومت بالنقد الغالب، وقال محمد: يقوم بالنقد الغالب كالمغصوب ~~والمستهلك. # قيد «النية» بعد التملك، لأن النية لا تعتبر إلا إذا اقترنت بالعمل، كنية ~~السفر لا تعتبر إلا إذا اقترنت بالسفر. ms0463 فلو اشترى جارية ونوى بها التجارة، ~~كانت للتجارة لاقتران النية بالعمل. وإن نوى بها الخدمة، كانت للخدمة، فإن ~~نوى بها بعد ذلك التجارة، لم تكن للتجارة حتى يبيعها أو يؤجرها، فحينئذ ~~ينعقد الحول على ثمنها. # وقيد «التملك» بغير الإرث، لأن التملك بالإرث جبري لا اختياري، فلا يمكن ~~اشتراط نية التجارة عنده. فلو تملكه بالإرث لا تجب الزكاة، نوى التملك أو ~~لم ينو. وقال محمد: إذا قارنت نية التجارة الهبة، أو الوصية، أو النكاح، أو ~~الخلع، أو الصلح عن القود أي القصاص لا تصير تلك العين للتجارة، لأن ~~النية لم تقارن عملها. ونقل الإسبيجابي عن القاضي الشهيد: أن هذا قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف، وأن قول محمد: إنها تكون للتجارة. # --- PageV02P122 ~~*** # ثم اعلم أن العروض بالضم جمع عرض بفتحتين: حطام الدنيا على ما في ~~«المغرب والصحاح»، والعرض بسكون الراء: المتاع، وكل شيء فهو عرض سوى ~~الدراهم والدنانير، كذا في «الصحاح». وقال أبو عبيد: العروض: الأمتعة التي ~~لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا يكون حيوانا ولا عقارا. فعلى هذا جعلها هنا جمع ~~عرض بالسكون أولى، لأنه في بيان حكم الأموال التي هي غير النقدين ~~والحيوانات، كذا في «النهاية». # والأصل في ذلك ما في «سنن أبي داود» عن جعفر بن سعد: حدثني حبيب بن ~~سليمان، عن أبيه، عن سمرة بن جندب: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع». وسكت عليه، فهو حسن، وقرره غيره أيضا. # وأما قول صاحب «الهداية»: الزكاة واجبة في عروض التجارة كائنة ما كانت ~~إذا بلغت قيمتها نصابا من الورق أو الذهب، لقوله صلى الله عليه وسلم فيها: ~~«يقومها فيؤدي من كل مئتي درهم خمسة دراهم». فغير معروف بهذا اللفظ. وفي ~~«المستدرك» عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «في ~~الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقتها، ومن ~~دفع دراهم أو دنانير أو تبرا، أو فضة، لا يعدها لغريم ولا ينفقها في سبيل ms0464 ~~الله، فهو كنز يكوى به يوم القيامة». ورواه أحمد والدارقطني. قال النووي: ~~هو بالباء والزاي: الثياب التي هي أمتعة البزاز، وقد صحفه بعضهم بالراء، ~~وضم الباء، وهو غلط. # (دفع القيمة) # --- PageV02P123 ~~*** # (ويجوز دفع القيم في الزكاة والفطر والكفارة والعشر) وكذا الخراج ~~(والنذر) وقال مالك، وأحمد، والشافعي: لا يجوز لأنها قربة تعلقت بمحل، فلا ~~تؤدى بغيره، كالهدايا والضحايا، ولقوله صلى الله عليه وسلم «في أربعين شاة شاة». # وإنه بيان لإجمال الكتاب، فتعلق حق الفقير بعين الشاة، وفي جواز دفع ~~القيمة بالتعليل إبطال حقه من العين المنصوص عليها، فلا يجوز. # ولنا ما روى البخاري معلقا وتعليقه صحيح عن طاوس أن معاذا قال لأهل ~~اليمن: ائتوني بعرض: ثياب: خميص، أو لبيس في الصدقة أي الزكاة مكان ~~الشعير والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والخميص: ثياب خز أو صوف معلمة كانوا يلبسونها، والمشهور بخميس، قال أبو ~~عبيدة: هو ما طوله خمسة أذرع. واللبيس: الملبوس. # وما رواه ابن أبي شيبة عن (الصنابحي): أبصر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ناقة حسنة في إبل الصدقة، فقال: «ما هذه؟» قال صاحب الصدقة: إني ارتجعتها ~~ببعيرين من حواشي الإبل، قال: «نعم إذن». # وما رواه البخاري من حديث ثمامة: أن أنسا حدثه أن أبا بكر كتب (له) ~~الفريضة التي أمر الله تعالى ورسوله: «من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة ~~وليس عنده جذعة وعنده حقة، فإنه تقبل منه الحقة....» الحديث. ولأن أداء ~~البعير عن خمس من الإبل بدلا عن الشاة جائز باتفاق مع أنه غير منصوص، وذلك ~~بطريق القيمة، وإنما لم تجز القيمة في الضحايا والهدايا، لأن القربة فيهما ~~إراقة الدم، وهي غير معقولة المعنى، وفي المتنازع فيه سد حاجة الفقير، وهو معقول. # --- PageV02P124 ~~*** # (والهلاك بعد الحول يسقط) من الزكاة (بحصته) أي بحصة الهالك، فإن هلك ~~جميع النصاب سقط زكاته، وإن هلك بعضه سقط ما يخصه. وقال مالك والشافعي ~~وأحمد في رواية: لا يسقط. ومبنى الخلاف: على أن الوجوب في الذمة، وهو ~~قولهم، أو في المال وهو ms0465 قولنا. # ولنا قوله تعالى: {وفي أموالهم حق}، وقوله صلى الله عليه وسلم «في أربعين ~~شاة شاة، وفيما سقت السماء العشر». فأما الاستهلاك فلا يسقط اتفاقا لوجود ~~التعدي. ولو هلك النصاب بعد طلب الساعي لا يسقط عند العراقيين، وهو اختيار ~~الكرخي، لأنه نوع من التعدي، ويسقط عند مشايخ ما وراء النهر، وقيل: وهو ~~الصحيح، كما لو هلك النصاب بعد طلب واحد من الفقراء. # (والزكاة في النصاب لا العفو): وهو ما بين النصابين، وهذا عند أبي حنيفة ~~وأبي يوسف. وقال محمد وزفر: في مجموع النصاب والعفو، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم في كتاب الصدقة في الإبل: «فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ~~ففيها بنت مخاض، وفي الغنم إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة ففيها شاة». ~~ولهما قوله صلى الله عليه وسلم «في الإبل في خمس شاة، وفي عشر شاتان، وفي ~~خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي الغنم فإذا زادت على ثلاث ~~مئة، ففي كل مئة شاة». وهذا ظاهر في أن الزكاة في النصاب فقط، فإذا ملك ~~خمسا وثلاثين من الإبل، فالواجب وهو بنت مخاض ، إنما هو في خمس وعشرين، لا ~~في المجموع، حتى لو هلك عشرة بعد الحول، فالواجب على حاله. وعند محمد وزفر ~~رحمهما الله: يسقط بقدره. # --- PageV02P125 ~~*** # (فيجب بنت مخاض إن هلك بعد الحول خمسة عشر من أربعين) من الإبل عند أبي ~~حنيفة فإن عنده يصرف الهلاك بعد العفو إلى النصاب الأخير، ثم إلى الذي يليه ~~إلى أن ينتهي فيصرف أربعة إلى العفو، ثم أحد عشر إلى النصاب الذي يلي ~~العفو، وهو ما بين خمسة وعشرين إلى ستة وثلاثين، فيجب بنت مخاض. # وأما عند أبي يوسف فبعد صرف الهلاك إلى العفو يصرف إلى النصب شائعا، فإذا ~~صرف أربعة إلى العفو، يصرف أحد عشر إلى مجموع ستة وثلاثين وكان فيها بنت ~~لبون وهلك عشرة وبقي خمسة وعشرون فالواجب خمسة وعشرون جزأ من ستة وثلاثين ~~جزأ من بنت لبون، أعني ثلثي بنت لبون وربع تسعها. # وأما عند محمد فيجب ms0466 نصف وثمن بنت لبون، لأنه يصرف الهلاك إلى مجموع العفو ~~والنصاب، وقد كان الواجب في الأربعين بنت لبون، وبقي بعد الهلاك خمسة ~~وعشرون، وهي نصف وثمن الأربعين. # (ويضم المستفاد وسط الحول إلى نصاب من جنسه) سواء كان المستفاد بسبب من ~~ذلك النصاب، بأن اشترى في أثناء الحول (بذلك النصاب) شيئا فاستفاد فيه، أو ~~لم يكن: بأن كان معه نصاب، فوهب له شيء، أو ورث في أثناء الحول شيئا من ~~جنسه، أو حصله من كسبه. # وقال مالك والشافعي: إن كان المستفاد بسبب من النصاب ضم، وإن لم يكن بسبب ~~منه لا يضم، لأن المستفاد أصل في حق الملك، فيكون أصلا في حق الواجب فيه. # ولنا أن المجانسة هي العلة في ضم المستفاد بسبب النصاب، كالأولاد ~~والأرباح الحاصلة عنه في أثناء الحول، وهي موجودة في المستفاد الذي ليس ~~بسبب النصاب. # --- PageV02P126 ~~*** # وشرط مالك والشافعي للمستفاد فيه مضي حول تام لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول»، وقوله صلى الله عليه وسلم «من ~~استفاد مالا، فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول». رواهما الترمذي. قالا: ~~وذلك بخلاف الأولاد والأرباح، لأنها متولدة من الأصل نفسه، فينسحب حكمه ~~عليها، وما نحن فيه ليس كذلك. وللشافعي في «الخلافيات»: أن ثمن السائمة ~~قائم مقام عين هي محل الزكاة، حتى لو هلكت سقطت زكاتها، وقد زكاها في هذا ~~الحول، فلو ضم الثمن لزم الثنى، وهو منفي لقوله صلى الله عليه وسلم «لا ثنى ~~في الصدقة». # ولنا في المستفاد من الجنس قوله صلى الله عليه وسلم «إن في السنة شهرا ~~تؤدون فيه زكاة أموالكم، فما حدث بعد ذلك فلا زكاة فيه حتى يجيء رأس ~~الشهر». رواه الترمذي. فهذا يقتضي أنه يجب الزكاة في الحادث عند مجيء رأس ~~السنة. وما رواه ليس بثابت، ولئن ثبت فليس فيه ما ينافي مذهبنا، لأنا نقول: ~~لا يجب الزكاة في مال حتى يحول عليه الحول إما أصالة أو تبعا، كما في ~~الأولاد والأرباح. # (ويضم الذهب إلى الفضة) وبالعكس، لاتحادهما ms0467 في الثمنية. وبه قال مالك، ~~خلافا للشافعي، لأنهما جنسان مختلفان حقيقة وحكما، أما حقيقة فظاهر، وأما ~~حكما فلجواز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، فلا يضم كالسوائم المختلفة الجنس. ~~ولنا ما روي عن بكير بن عبد الله بن الأشج: «مضت السنة من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ضم الذهب إلى الفضة، والفضة إلى الذهب في إخراج ~~الزكاة»، ذكره في «الأسرار» و«المبسوط». # --- PageV02P127 ~~*** # (والعروض إليهما) أي أحدهما، وذلك بالاتفاق (بالقيمة) قيد للمسألتين ~~(لإتمام النصاب)، أي لأجل إتمامه. وقال أبو يوسف ومحمد: يضم الذهب إلى ~~الفضة بالأجزاء، لأن المعتبر في النقدين القدر لا القيمة. ولأبي حنيفة: أن ~~الضم للمجانسة، وهي تتحقق باعتبار القيمة. وثمرة الخلاف تظهر فيمن له مئة ~~درهم وخمسة مثاقيل قيمتها مئة درهم، فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يزكى، ~~وعندهما لا يزكى. # (ونقصانه) أي نقصان مقدار النصاب (في الحول هدر) أي ساقط غير مانع من ~~الزكاة، لأن في اعتبار كمال النصاب في جميع الحول حرجا، فاعتبر وجود النصاب ~~في أول الحول للانعقاد، وفي آخره للوجوب، كاليمين يشترط فيها الملك حالة ~~الانعقاد وحالة نزول الجزاء، وفيما بين ذلك لا يشترط. # قيدنا النقصان بكونه في المقدار، لأن نقصان الصفة كذهاب السوم عن الماشية ~~في أكثر الحول، مانع من الزكاة باتفاق. وشرط مالك والشافعي كمال النصاب في ~~كل الحول في السائمة والنقدين، وفي آخره فقط في العروض، وهو قول زفر في ~~السوائم والنقدين. # (وجاز تقديمها) أي الزكاة (لحول وأكثر) وبه قال الشافعي (ولنصب لذي نصاب) ~~خلافا لزفر، فإن قدمها لحول وكان النصاب كاملا عند تمام الحول وقعت (عنه)، ~~وإن لم يكن كاملا عند تمامه فإن كانت في يد الساعي ردها، وإن كانت هالكة لم ~~يضمنها. # وقال مالك: لا يجوز إخراج الزكاة قبل وجوبها، لما في «موطئه» عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول». ولأن الأداء إسقاط ~~قبل الوجوب فصار كأداء الظهر قبل الزوال. # --- PageV02P128 ~~*** # ولنا ما روى أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث جحية عن علي: ms0468 «أن العباس ~~سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل زكاته قبل أن يحول الحول، مسارعة ~~إلى الخير، فأذن له في ذلك». ولنا أيضا: «أن العباس سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك». رواه ابن ماجه. وفي ~~رواية للترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «إنا قد أخذنا زكاة ~~العباس عام الأول للعام». # فإن قيل: قال البيهقي: اختلف في هذا الحديث، والأصح أنه مرسل، أجيب بأن ~~المرسل حجة عندنا، وعند الجمهور. # ولا تجب الزكاة عندنا في نصاب سائمة صحت الخلطة فيه باتحاد المسرح ~~والمشرع، والمرعى والراعي، والفحل، والمحلب. وأوجبها مالك والشافعي لقوله ~~صلى الله عليه وسلم «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع». ولقوله صلى ~~الله عليه وسلم «ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية». وفي ~~عدم الوجوب تفريق المجتمع. # ولنا قوله صلى الله عليه وسلم «لا يجمع بين متفرق»، وفي الوجوب الجمع بين ~~الملكين المتفرقين. والمراد من الجمع والتفريق ليس إلا في الملك لا في ~~المكان. ألا ترى أن النصاب المتفرق في الأمكنة والملك لواحد يؤخذ منه ~~الزكاة. ومن ملك ثمانين شاة ليس للساعي أن يجعلها نصابين، فيأخذ منها شاتين ~~كأنها لاثنين. # --- PageV02P129 ~~*** # ونحن نقول بالتراجع بين الخليطين، فإن مئة وإحدى وعشرين من الغنم إذا ~~كانت لرجلين: لأحدهما أربعون، وللآخر ثمانون، فحال الحول، فجاء المصدق وأخذ ~~من عرضهما شاتين، يرجع صاحب الكثير على صاحب القليل بثلثي شاة، ثم في الحول ~~الثاني إنما يجب شاة في نصيب صاحب الكثير خاصة، لأن نصاب الآخر قد انتقص، ~~فإذا أخذ المصدق شاة، رجع صاحب القليل على صاحب الكثير بثلث شاة، فهذا معنى ~~التراجع. # ولا يؤخذ عندنا كرها من سائمة، كما لا يؤخذ من الأموال الباطنة جبرا، ولا ~~من تركة بلا وصية. وجوز مالك والشافعي رحمهما الله للمصدق أخذها جبرا، إذ ~~(حق) الأخذ للإمام، قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة}، وصار كصاحب الدين إذا ~~ظفر من مال غريمه بجنس حقه. وعندنا ms0469 يؤمر بها ليؤديها اختيارا، لأنها عبادة، ~~وشرط أدائها الاختيار الدال عليه صريح الإيتاء في قوله تعالى: {وآتوا ~~الزكاة}، وفي النص السابق أيضا دلالة عليه بتسمية المأخوذ صدقة، أي زكاة، ~~ونية القربة نية لها، فإذا أوصى دل على الاختيار، ومحل الوصية الثلث، فيؤخذ ~~من الثلث لا من أصل التركة. # (فصل في أحكام العاشر) # (وينصب العاشر) من عشر القوم إذا أخذ عشر أموالهم، فهو تسمية الشيء ~~باعتبار بعض أحواله، وهو أخذه العشر من الحربي دون المسلم والذمي (على ~~الطريق) أي طريق المسافرين. # (فيأخذ) من نصبه الإمام لأخذ الصدقات، ولأمن الناس به من اللصوص (من ~~المسلم ربع العشر) لأنه زكاة بعينها (ومن الذمي ضعفه) إظهارا للذل عليه، ~~وسيأتي أنه من الحربي العشر لزيادة تغليظ عليه. # --- PageV02P130 ~~*** # والأصل فيه ما في «معجم الطبراني» عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال: «فرض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أموال المسلمين في كل أربعين درهما درهم، ~~(وفي أموال أهل الذمة: في عشرين درهما درهم)، وفي أموال من لا ذمة له: في ~~كل عشرة دراهم درهم». وقال: لم يسند هذا الحديث إلا محمد بن العلاء، تفرد ~~به. وقد رواه أيوب،وسلمة بن علقمة، ويزيد بن إبراهيم، وجرير بن حازم، وحبيب ~~بن الشهيد، والهيثم الصيرفي، وجماعة عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك: أن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرض، وذكر الحديث. # وروى محمد بن الحسن في كتاب «الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة عن أبي صخرة ~~المحاربي، عن زياد بن حدير قال: «بعثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عين ~~التمر مصدقا، فأمرني أن آخذ من المسلمين من أموالهم إذا اختلفوا بها ~~للتجارة ربع العشر، ومن أموال أهل الذمة نصف العشر، ومن أموال أهل الحرب ~~العشر». وبهذا السند رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب «الأموال». # وروى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن الهيثم، عن أنس بن سيرين قال: ~~بعثني أنس بن مالك على الأيلة، فأخرج إلي كتابا من عمر بن الخطاب: «خذ من ms0470 ~~المسلمين: من كل أربعين درهما درهم، ومن أهل الذمة: من كل عشرين درهما ~~درهم، وممن لا ذمة له: من كل عشرة دراهم درهم». رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ~~عن هشام ابن حسام، عن أنس بن سيرين. # --- PageV02P131 ~~*** # (وصدقا) أي المسلم والذمي (مع اليمين إن أنكرا الحول) بعد على المال، ~~والحال إنه لم يكن معهما مال حال عليه الحول من جنس المال الذي أنكر حوله، ~~وإنما قيدنا به لأنه لو كان معهما ذلك المال أخذ العاشر منهما، لأن الحول ~~ليس بشرط في المستفاد المجانس. # (أو) أنكرا (الفراغ من الدين) بأن قال المسلم أو الذمي: علي دين من جهة ~~العباد مستغرق، أي يفضل عنه دون النصاب. أما المسلم فلأنه منكر للوجوب، ~~والقول قول المنكر مع يمينه. وأما الذمي فلأن ما يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من ~~المسلم، فيراعى فيه جميع ما يراعى في المسلم. # (أو ادعيا أداءه إلى عاشر آخر يعلم وجوده) قيد به لظهور كذبهما إذا لم ~~يعلم وجود عاشر آخر في تلك السنة. # (أو إلى فقير) عطف على «إلى عاشر» أي أو ادعيا الأداء إلى فقير بالمصر ~~(في غير السوائم) وحلفا لأن كلا منهما ادعى وضع الأمانة موضعها، فيصدقان. ~~وإنما يحلفان لأنهما منكران ثبوت الحق عليهما معنى، وإن كانا مدعيين صورة. ~~قيدنا بالمصر لأنهما لو ادعيا الأداء بعد الخروج من المصر لا تقبل. وقيد ~~«بغير السوائم» لأن حق الأخذ في السوائم للإمام كالجزية، فلا يصدقان. ~~وصدقهما مالك والشافعي لأنهما أوصلا الحق إلى مستحقه. # ثم قيل: عندنا الزكاة هو الأول، والثاني سياسة مالية زجرا لغيره عن ~~الإقدام عما ليس له، وقيل: هو الثاني، والأول ينقلب نفلا. # --- PageV02P132 ~~*** # (ومن الحربي) أي ويأخذ من الحربي (العشر، إن لم يعلم ما يأخذون منا، وإن ~~علم أخذ مثله، إن كان) ما يأخذونه (بعضا) من المال، وإن كان مأخوذهم كله ~~أخذ منهم، خلا ما يوصلهم إلى مأمنهم،وقيل: يؤخذ منه الكل مجازاة وزجرا لهم ~~عن مثله. قلنا: ذلك بعد التأمين غدر وهو حرام لنهيه صلى الله عليه وسلم ~~عنه، ms0471 فصار كما لو قتلوا من دخل إليهم بأمان، فإنا لا نفعل كذلك (لذلك) (ولم ~~يؤخذ منه) أي من الحربي (إن لم يأخذوا منا)، لأنا أحق بمكارم الأخلاق منهم. # (وعشر خمر الذمي) بأن يأخذ العاشر نصف عشر قيمتها كما يؤخذ من الحربي عشر ~~قيمته (لا خنزيره) وكذا خنزير الحربي. وقال زفر: يعشران لاستوائهما في ~~المالية عند أهل الذمة. وقال أبو يوسف: إن مر بهما جملة عشرا كأنه جعل ~~الخنزير تبعا للخمر، وإن مر بأحدهما عشر الخمر دون الخنزير، لأن الخمر لها ~~مالية في الجملة باعتبار التخليل. # ولأبي حنيفة: أن القيمة في ذوات القيم لها حكم العين، والخنزير من ذوات ~~القيم، والقيمة في ذوات الأمثال ليس لها حكم العين، والخمر من ذوات ~~الأمثال. وفي «الغاية»: تعرف قيمة الخمر بقول فاسقين تابا، أو ذميين أسلما. ~~وفي «الكافي»: تعرف بالرجوع إلى أهل الذمة. وعن الكرخي: أن جلود الميتة ~~حكمها حكم الخمر. # --- PageV02P133 ~~*** # (ولا أمانة) بأن كان في يد المار المسلم أو الكتابي وديعة أو مضاربة، ~~لأنه ليس بمالك ولا نائب عنه في أداء الزكاة، أو ضعفها. ولو كان في مال ~~المضاربة ربح يبلغ نصيب المار منه نصابا عشر نصيبه. وفي «المحيط»: من مر ~~بأقل من مئتي درهم لم يأخذ العاشر منه شيئا، مسلما كان أو ذميا، أو حربيا، ~~علم أن له مالا آخر في منزله أو لم يعلم، لأن حق الأخذ للعاشر باعتبار ~~الحماية، لأن الأموال في البراري محمية بحماية الإمام، وقدر ما صار محميا ~~بحمايته، لا زكاة فيه، وما في بيته لم يدخل في الحماية، ولكن يلزمه الزكاة ~~بينه وبين ربه. # (وعشر الحربي ثانيا قبل الحول جائيا من داره) لأن الأمان الأول انتهى ~~برجوعه إلى دار الحرب، وقد مر بأمان جديد فيؤخذ منه. # قيد «بقبل الحول» لأنه إذا مر ثانيا بعد تمام الحول عشر، سواء كان جائيا ~~من داره أو ذاهبا من دارنا، لأن الأخذ الأول للأمان السابق وبعد الحول يجدد ~~الأمان، لأن الحربي لا يمكن من المقام في دارنا إلا حولا واحدا. وقيد ms0472 بكونه ~~«جائيا» من داره، لأنه إذا مر قبل تمام الحول ذاهبا من دارنا لم يعشر. # (فصل في زكاة المعادن) # (وخمس معدن ذهب). كان ينبغي أن يفصل (بفصل) عما قبله. والمعدن: المال ~~المخلوق في الأرض. (أو نحوه) أي نحو ذهب من فضة أو رصاص أو حديد أو نحاس. # وقال الشافعي وأحمد: لا شيء في المعدن لما في الكتب الستة عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، ~~والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». # والعجماء: البهيمة. والجبار: الهدر. # --- PageV02P134 ~~*** # وأجيب بأن معنى الحديث عندنا: أن من استأجر رجلا لحفر معدن فانهار عليه ~~فهو هدر، لا أن من استخرج معدنا فهو له، لما روى البيهقي عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «في الركاز الخمس، قيل: وما الركاز يا ~~رسول الله؟ قال: الذهب والفضة الذي خلق الله تعالى في الأرض يوم خلقت». ~~ولأن المعادن كانت في أيادي الكفار، فإن الأرض كانت في أيديهم والمعادن جزء ~~منها، لأن من اشترى (أرضا) فوجد فيها معدنا يكون له، ثم صارت الأرض في ~~أيدينا فتكون تلك المعادن غنيمة، وفي الغنيمة الخمس. # ثم اعلم أن المال المستخرج من الأرض يقال له: كنز، ومعدن، وركاز. والكنز: ~~اسم لما دفنه بنو آدم؛ والمعدن: اسم لما خلقه الله في الأرض يوم خلقها؛ ~~والركاز: اسم لهما جميعا، لأنه يصدق على كل منهما أنه مركوز في الأرض وإن ~~اختلف الراكز. # (وجد في أرض خراج أو عشر) وكذا إذا وجد في صحراء ليست خراجية، ولا عشرية. ~~والتقييد لإفادة الحق ليس له تعلق بالأرض، أو للاحتراز عن الدار. # والحاصل: أنه يؤخذ الخمس من المعدن مطلقا لا ربع العشر من النقد فقط إن ~~بلغ نصابا كما قاله مالك والشافعي، لما روى أبو حاتم من حديث عبد الله بن ~~نافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«في الركاز العشور». # قلنا: ابن نافع متروك كما قال النسائي، فلم يفد ms0473 مطلوبا. ولما في «الموطأ» ~~عن ربيعة بن (أبي) عبد الرحمن، عن غير واحد من علمائهم: «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أقطع لبلال بن الحارث المزني معادن بالقبلية. وهي ناحية بالفرع، ~~فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم. # --- PageV02P135 ~~*** # قلنا: حديث منقطع، ومع اتصاله من رواية الدراوردي ليس فيه: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر بذلك، وإنما قال: يؤخذ منه إلى اليوم، فيجوز أن يكون ~~ذلك اجتهادا من أهل الولايات. وحجتنا الكتاب والسنة، أما الكتاب فظاهر قوله ~~تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} ولا شك في صدق الغنيمة ~~على هذا المال لما سبق من المقال. وأما السنة فالحديثان المتقدمان، وأخرج ~~الحاكم في «المستدرك» عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن ~~عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كنز وجده رجل: «إن كنت وجدته في ~~قرية غير مسكونة، أو في غير سبيل ميتاء، ففيه وفي الركاز الخمس». ورواه ~~الشافعي عن سفيان، عن داود بن شابور، ويعقوب بن عطاء، عن عمرويه. # وفي «الإمام» عن الشعبي: «أن رجلا وجد ركازا فأتى به عليا، فأخذ منه ~~الخمس، وأعطى بقيته للذي وجده، فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فأعجبه». ~~والمرسل حجة عندنا وعند الجمهور، فهذا دليل قوله: # (وباقيه) وهو أربعة أخماسه (للواجد إن لم تملك الأرض) سواء كان الواجد ~~حرا، أو عبدا، مسلما، أو ذميا، لأن للغانمين يدا باطنة، وللواجد يدا ظاهرة ~~وباطنة فكانت أقوى، فكان لها أربعة أخماس. ولو كان الواجد حربيا مستأمنا ~~أخذ منه الكل، لأن الحربي لا حظ له في الغنيمة أصلا، بخلاف الكتابي فإن له ~~حظا فيها بطريق الرضخ: وهو إعطاء شيء أقل من سهم. # --- PageV02P136 ~~*** # (وإلا) أي وإن كانت الأرض مملوكة (فلمالكها) أي فباقيه لمالكها، لأنه ~~صاحب اليد ظاهرا وباطنا. (ولا شيء فيه) أي في المعدن (إن وجد في داره)، ~~وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: فيه الخمس كالكنز. ولأبي حنيفة: أن ~~المعدن جزء من الدار خلقة، ولا ms0474 مؤنة للسلطان بالعشر أو الخراج في جزء من ~~أجزاء الدار، والكنز مال أودع فيها ليس خلقة. # (وفي أرضه روايتان) عن أبي حنيفة، ففي رواية «الأصل»: لا شيء فيه، لأن كل ~~جزء من أجزاء أرضه لا خمس فيه، فكذا هذا الجزء. وفي رواية «الجامع الصغير»: ~~فيه الخمس، لأن أرضه ليست خالية عن المؤن بخلاف الدار، فإنها خالية عنها، ~~ولهذا وجب العشر أو الخراج في الأرض دون الدار، فكذا هذه للمؤنة. # وأما عندهما: فيجب فيها الخمس أيضا رواية واحدة، لإطلاق قوله عليه الصلاة ~~والسلام: «وفي الركاز الخمس»، ودعوى تخصيصه بالدار موقوفة على إيراد دليله، ~~وكونها خصت من حكمي العشر والخراج بالإجماع، لا يستلزم أن تكون مخصوصة من ~~كل حكم إلا بدليل في كل حكم. # (ولا شيء في لؤلؤ) ومرجان (وعنبر) وكل مستخرج من البحر ولو كان ذهبا أو ~~فضة. وقال أبو يوسف آخرا وهو قول أبي حنيفة أولا : فيه الخمس، لما روى عبد ~~الرزاق وابن أبي شيبة في «مصنفيهما» عن معمر عن سماك بن الفضل: «أن عمر بن ~~عبد العزيز أخذ من العنبر الخمس». وهو قول الحسن البصري وابن شهاب الزهري. ~~رواه أبو عبيد. # --- PageV02P137 ~~*** # ولهما ما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال: «ليس العنبر بركاز، إنما هو ~~شيء دسره البحر أي دفعه» . ولفظ ابن أبي شيبة عنه: «ليس في العنبر زكاة، ~~إنما هو شيء دسره البحر». ولفظ أبي عبيد عنه: أنه قال: «ليس في العنبر ~~خمس». وعن جابر نحوه. فهذا أولى بالاعتبار من قول من دونهما ممن ذكرنا من ~~التابعين. ولأن قعر البحر لا يد عليه، فلا يكون المأخوذ منه غنيمة، فلا ~~يكون فيه خمس. # وفي «المحيط»: قيل: اللؤلؤ مطر الربيع يقع في الصدف فيصير لؤلؤا. وقيل: ~~الصدف حيوان يخلق فيه اللؤلؤ. ولا شيء في الماء، ولا فيما يؤخذ من الحيوان ~~كظبي المسك. وأما العنبر فعند محمد حشيش في البحر يبتلعه الحوت، فإذا استقر ~~في جوفه لفظه لمرارته، وقيل: خثي دابة في البحر. وقيل: زبد البحر، فإن ~~الأمواج إذا تلاطمت هاج ms0475 بها الزبد، فلا تزال بها الريح حتى يمكث ما صفا ~~فينعقد عنبرا، فيقذفه الماء إلى الساحل، ويذهب ما لا ينتفع به من الزبد جفاء. # (ولا في فيروزج) وياقوت وكل حجر نفيس (وجد في جبل) أو مفازة. والحال أنه ~~ليس بكنز لأنه من أجزاء الأرض، فلا شيء فيه كالملح والنورة، ولقوله صلى ~~الله عليه وسلم «لا زكاة في الحجر». رواه ابن عدي من طريقين ضعيفين. # (وكنز) وهو مال موضوع في الأرض (فيه سمة الإسلام) أي علامته ككلمة ~~الشهادة ونحوها. وهذه الجملة صفة «كنز»، وهو مبتدأ خبره (كاللقطة) وسيأتي ~~حكمها إن شاء الله تعالى. وذلك لأنه من وضع المسلمين، ومال المسلم لا يغنم، ~~فيجب تعريفها على ما عرف في موضعه. # --- PageV02P138 ~~*** # (وما): أي كنز (فيه سمة الكفر) كنقش صنم، أو اسم ملك معروف بالكفر، (خمس) ~~اتفاقا على كل حال، ذهبا كان أو رصاصا أو زئبقا، كبيرا كان الواجد أو ~~صغيرا، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو ذميا، لأن كل من سمينا له فيها حق ~~سهما أو رضخا، ولقوله عليه الصلاة والسلام : «وفي الركاز الخمس»، والركاز ~~يتناول الكنز لما فيه من معنى الركز وهو الإثبات، إما مخلوقا وهو المعدن، ~~أو موضوعا وهو الكنز، على ما يفهم من «المغرب»، وكثير من كتب اللغة. # (وباقيه) وهو أربعة أخماس (للواجد) أي مطلقا كما تقدم (إن لم تملك الأرض) ~~لأنه من دفن الكفار وقد وقع أصله في أيدي الغانمين، إلا أنهم هلكوا قبل ~~تمام الإحراز منهم، فصار المستخرج أولا محرزا له فكان أحق به، ووجب الخمس ~~لأن ابتداء أخذه كان جهادا، وإن لم يكن إحراز هذا المحرز جهادا. # (وإلا) وإن كانت مملوكة (فللمختط له) أي المالك أول الفتح، ثم لورثته من ~~بعده إن عرفوا لانتقاله إليهم. وقال أبو يوسف: للواجد، لأن الاستحقاق بتمام ~~الحيازة وهو (من) الواجد، ولأن هذا المال لم يدخل تحت قسمة الغنائم لعدم ~~المقابلة، فبقي مباحا فيكون لمن سبقت يده إليه. ولهما أن يد المختط له. ~~سبقت إليه على الخصوص، فملكت ما في الباطن، ms0476 وإن كانت على الظاهر، وإن لم ~~يعرف المختط له، قال شمس الأئمة السرخسي: يصرف إلى أقصى مالك يعرف في ~~الإسلام لا يعرف غيره، أو لورثته لقيامهم مقام صاحب الخطة في هذه البقعة. # --- PageV02P139 ~~*** # وقال أبو اليسر: يوضع في بيت المال. ولو لم يعلم: هل الكنز جاهلي أو ~~إسلامي؟ فظاهر المذهب يجعل جاهليا، لأنه الغالب والأصل. وقيل: يجعل إسلاميا ~~في زماننا لتقادم العهد، إذ الظاهر أنه لم يبق شيء مما وضعه أهل الحرب. ~~وأما مع اختلاط دراهم الكفار مع دراهم المسلمين، كالمشخص المستعمل في ~~زماننا في بعض بلاد الإسلام، فلا ينبغي أن يكون خلاف في جعله إسلاميا. # (وركاز صحراء (دار) الحرب) معدنا كان أو كنزا، متاعا كان أو غيره (كله ~~لمستأمن وجده) ولا خمس فيه، لأنه ليس بغنيمة، لأن الغنيمة ما أخذ على طريق ~~القهر والجبر، وهذا أخذ على طريق التلصص. (وإن وجده) أي المستأمن من الركاز ~~(في دار منها) أي من دار الحرب (رده على مالكها) أي مالك تلك الدار تحرزا ~~عن الغدر. # (وإن وجد) أي المستأمن (ركاز متاعهم) ما يتمتع به أهل الحرب من ثياب ~~وغيرها (في أرض) أي من أراضي دار الحرب (لم تملك، خمس، وباقيه له) أي ~~للواجد. # قال الشارح: ظاهر هذا أن المستأمن إذا وجد متاع أهل الحرب في أرضهم ركازا ~~أخذ منه خمسه، والباقي له، والحال أنه ليس كذلك، لأن ما يجده المستأمن ~~ركازا في أرض الحرب لا خمس فيه، متاعا كان أو غيره. وعبارة «الهداية»: متاع ~~وجد ركازا فهو للذي وجده، وفيه الخمس، معناه وجد في أرض لا مالك لها، لأنه ~~غنيمة بمنزلة الذهب والفضة. انتهى. # --- PageV02P140 ~~*** # وفي «العناية»: إنما ذكر صاحب «الهداية» هذه المسألة لبيان أن وجوب الخمس ~~لا فرق فيه بين كون الركاز من النقدين أو من غيرهما. انتهى. وعلى هذا فيمكن ~~تقرير كلام المصنف بأن قوله «وجد» مبني للمفعول أو الفاعل، وفاعله ضمير ~~الواجد لا المستأمن. وقوله في أرض لم تملك: يعني من دار الإسلام، ويكون هذا ~~بيانا لحكم الركاز من الأمتعة في ms0477 دار الإسلام. وقوله فيما سبق: «وكنز فيه ~~سمة الكفر»: بيان لحكم الركاز من النقدين فيها. # ومصرف الخمس عندنا، وهو قول مالك، مصرف الغنيمة لكونه منها، لا مصرف ~~الزكاة كما قاله الشافعي بناء على إيجابه الزكاة في معدن النقدين دون الخمس. # (وفي عسل أرض عشرية) قيد بالعشرية لأن الأرض الخراجية لا شيء في عسلها ~~اتفاقا. وقال مالك والشافعي: لا عشر في العسل مطلقا، لأنه متولد من حيوان ~~فأشبه الإبريسم. # ولنا ما رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي عن سليمان بن موسى عن أبي سيارة ~~المتعي قال: قلت: «يا رسول الله إن لي نحلا، قال: «أد العشور». قلت: يا ~~رسول الله احمها لي، فحماها لي. قال البيهقي: هذا أصح ما روي في وجوب العشر ~~فيه. وهو منقطع، لأن سليمان لم يدرك أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم # وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كتب إلى أهل اليمن أن يؤخذ من أهل العسل العشور. وليس فيه علة إلا عبد الله ~~بن محرر، قال ابن حبان: كان من خيار عباد الله إلا أنه كان يكذب ولا يعلم، ~~ويقلب الأخبار ولا يفهم. وحاصله أنه كان يغلط كثيرا. # --- PageV02P141 ~~*** # وروى ابن ماجه: حدثنا محمد بن يحيى، عن نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن ~~أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو: «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من العسل العشر». # وقال الشافعي: أخبرنا أنس بن عياض، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب ~~الدوسي، عن منير بن عبد الله، عن سعد بن أبي ذباب الدوسي قال: «أتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأسلمت، وقلت: يا رسول، اجعل لقومي ما أسلموا عليه، ~~ففعل، واستعملني عليهم أبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم واستعملني عمر ~~بعد أبي بكر، فلما قدم على قومه قال: يا قوم أدوا زكاة العسل، فإنه لا خير ~~في مال لا تؤدى زكاته. قالوا: كم ms0478 ترى؟ قلت: العشر، فأخذت منهم العشر، فأتيت ~~به عمر رضي الله عنه، فباعه وجعله في صدقات المسلمين». # وما في «سنن أبي داود» من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: «جاء ~~هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نحل له وكان ~~سأله أن يحمي له واديا يقال له: سلبة، فحماه له». ولا شك أن هذا القدر يفيد ~~الوجوب فيه، وإن أخذ سعد لم يكن رأيا منه ولا تطوعا منه فإنه قال: «أدوا ~~زكاة العسل». والزكاة: اسم للواجب، فيحتمل كونه سمعه من النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكونه رأيا منه، وحمله على السماع أولى بقرينة نفي الخيرية عن ~~مال لا تؤدى زكاته. # --- PageV02P142 ~~*** # ويدل عليه أيضا الحديث المرسل الذي لا شبهة في ثبوته، وفيه الأمر منه صلى ~~الله عليه وسلم بأداء العشور. والمرسل بانفراده حجة على ما أقمنا عليه ~~الدليل، وبتقدير أن لا يحتج به بانفراده، فتعدد طرق الضعيف ضعفا بغير فسق ~~الراوي يفيد حجيته، إذ يغلب على الظن إجادة كثير الغلط في خصوص هذا المتن، ~~وهنا كذلك، وهو المرسل المذكور، فثبتت الحجية اختيارا منهم ورجوعا، وإلا ~~فإلزما وجبرا. # هذا، ويعتبر أبو يوسف في رواية نصاب العسل بعشر قرب، كل قربة خمسون منا، ~~لما روى الطبراني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: «أن بني سيارة بطن من ~~فهم كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نحل كان لهم العشر: ~~من كل عشر قرب قربة، وكان يحمي واديين لهم، فلما كان عمر استعمل على ما ~~هناك سفيان بن عبد الله الثقفي، فأبوا أن يؤدوا إليه شيئا، قالوا: إنما كنا ~~نؤديه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب سفيان إلى عمر، فكتب إليه ~~عمر: إنما النحل ذباب غيث يسوقه الله رزقا إلى من يشاء، فإن أدوا إليك ما ~~كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحم لهم أوديتهم، وإلا فخل ~~بينه وبين الناس. فأدوا إليه ما كانوا يؤدون إلى ms0479 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (فحمى لهم أوديتهم) ». وروى أبو عبيد القاسم بن سلام بإسناده: «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤخذ في زمانه من (العسل من كل عشر قرب ~~قربة من) أوسطها». # --- PageV02P143 ~~*** # وروى الترمذي عن (ابن) عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في العسل ~~في كل عشرة أزق زق»، إلا أنه قال: في إسناده مقال. ورواه الطبراني عن ابن ~~عمر أيضا، ولفظه: قال: «في العسل العشر، في كل عشر قرب قربة، وليس فيما دون ~~ذلك شيء». فلا يخفى أن الأحاديث السابقة كلها لم تدل على نصاب إلا الأخير، ~~وهو شاذ تفرد به. # (أو جبل) أي أو في عسل جبلي. وقال أبو يوسف: لا شيء في العسل الجبلي، ~~لانعدام السبب: وهو الأرض النامية. وأجيب بأن المقصود الخارج وهو موجود. ~~(وثمره) عطف على عسل، والضمير للجبل. # (فصل في زكاة الخضراوات) # (وما خرج من الأرض) العشرية، ولو كانت وقفا أو لصبي أو لمجنون (وإن قل) ~~متصل بكل واحد من العسل والثمر وما خرج من الأرض (عشر) هذا مبتدأ، «وفي عسل ~~أرض»: خبره (إن سقاه سيح): وهو الماء الجاري على الأرض (أو مطر). # وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجب العشر فيما لا يبقى، وقدر البقاء بسنة من ~~غير معالجة كثيرة، ولا فيما دون خمسة أوسق، كل وسق ستون صاعا بصاع النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما روى الترمذي عن معاذ: أنه كتب إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يسأله عن الخضراوات وهي البقول، فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس ~~فيها شيء». قال بعض الشراح: قوله عليه الصلاة والسلام: «ليس في الخضروات ~~صدقة». روي بألفاظ متعددة عن عدة من الصحابة منهم: علي، ومعاذ، وطلحة بن ~~عبيد الله، وأنس بن مالك ، ومحمد بن عبد الله بن جحش، وعائشة، رضي الله ~~عنهم، بأسانيد مضعفة ومرسلة. # --- PageV02P144 ~~*** # قال البيهقي: وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا، ومعها قول بعض الصحابة. ثم ~~أخرج عن عمر أنه قال: «ليس في الخضراوات صدقة». ولأن العقل يجزم باستحالة ~~الغلط على ms0480 جملة الأسانيد، كيف وفيها مرسل صحيح، رواه الدارقطني عن موسى بن ~~طلحة بن عبيد الله: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يؤخذ من ~~الخضراوات صدقة»، وهو حجة عندنا وعند الجمهور. # وأما قول الترمذي: لم يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، ~~فإنما هو باعتبار كل فرد فرد، فلا ينفي صحة الإحاديث بجملتها، كالتواتر ~~المعنوي، فينبغي حمله على صدقة يأخذها العاشر، وبه يقول أبو حنيفة. ولما في ~~الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس ~~فيما دون خمسة أوسق صدقة». وفي لفظ لمسلم: «ليس في حب ولا تمر صدقة حتى ~~يبلغ خمسة أوسق». وفي رواية: «ولا ثمر» بالمثلثة. وفي لفظ لأبي داود: «ليس ~~فيما دون خمسة أوسق صدقة». وروى أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الوسق ستون صاعا». # ولنا عموم قوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من ~~الأرض}، وما روى البخاري وأصحاب السنن من حديث ابن عمر قال: قال # رسول الله صلى الله عليه وسلم «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا ~~العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر». والعثري: بالعين المهملة والمثلثة ~~المفتوحتين وبالراء. قال الخطابي: هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي. # والمراد بالنضح: هنا السواني، لما في رواية البخاري: «وفيما سقي ~~بالسانية». # --- PageV02P145 ~~*** # ورواه أبو داود بلفظ: «فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بقلا ~~العشر، وفيما سقي بالسواني والنضح نصف العشر». ورواه مسلم بلفظ: «فيما سقت ~~السماء والغيم، وفيما سقي بالسانية نصف العشر». وفي نسخة: «فيما سقت ~~الأنهار والغيم». ومن الأثر قول عمر بن عبد العزيز: «فيما أنبتت الأرض من ~~قليل أو كثير العشر». ونحوه عن مجاهد وإبراهيم النخعي، وزاد إبراهيم: «حتى ~~في كل عشرة دستجات دستجة». # هذا، وحديث: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» محمول على زكاة التجارة. ~~وقيمة الوسق كانت يومئذ أربعين درهما، ولذا لم يقل: ليس فيما دون خمسة أوسق عشر. ms0481 # ثم وقت وجوب العشر حين ظهور الثمرة عند أبي حنيفة، وحين الإدراك عند أبي ~~يوسف، وحين الحصول في الحظيرة عند محمد. وثمرة الخلاف تظهر في وجوب الضمان ~~بالإتلاف. # ويعتبر لإيجاب العشر أو نصفه أكثر المدة في السقي بسيح أو آلة، لأن الأقل ~~تابع للأكثر ومغلوب. فلو سقيت نصفه بآلة ونصفه بغيرها، قيل: يجب ثلاثة ~~أرباع العشر. # (إلا في نحو حطب) هذا استثناء من قوله: «وما خرج من الأرض». والمعنى: أن ~~نحو الحطب مما لا يقصد به استغلال الأرض غالبا فلا عشر فيه، وذلك كالقصب ~~الفارسي، والعشب، وكالحب الذي لا يصلح للزراعة مثل بذر البطيخ، والقثاء، ~~وكالتبن، والسعف، والصمغ، والقطران # مما يخرج من الشجر والنخل وليس بثمرة، ولو استغل أرضه بشيء من ذلك وجب ~~فيه العشر. # (ونصف عشر إن سقي بغرب) أي دلو عظيم (أو دالية) أي دولاب تديره البقر. ~~وقال أبو يوسف ومحمد: لا بد أن يكون المسقي بغرب أو دالية مما يبقى سنة ~~ويكون خمسة أوسق، كما تقدم. # --- PageV02P146 ~~*** # (بلا رفع مؤن الزرع) يعني لا يحسب رب المال أجرة العمال، ونفقة البقر، ~~وكري النهر، وغير ذلك مما يحتاج إليه في الزرع فيرفعها، ثم يخرج من الباقي ~~العشر أو نصفه لإطلاق ما تلونا من الآية، وعموم ما روينا من الحديث. ولأنه ~~عليه الصلاة والسلام حكم بتفاوت الواجب لتفاوت المؤن، فلا معنى لرفعها. # وفي «الخلاصة»: لو جعل السلطان العشر لصاحب الأرض، لا يجوز، ولو جعل ~~الخراج له جاز عند أبي يوسف، وعليه الفتوى إذا كان من أهل الخراج. وقال ~~محمد: لا يجوز. # (وماء السماء والعين والبئر عشري) لأن هذه المياه لم تدخل تحت ولاية أحد. ~~وفي «الكافي»: إنما يكون ماء العين والبئر عشريا إذا كانتا في أرض عشرية، ~~فإذا كانتا في أرض خراجية فهما خراجيتان # . # (وماء أنهار حفرها العجم) أي ملوك الجاهلية قبل ظهور الإسلام، مثلا ~~«يزدجرد» و«مرورود» (خراجي، وكذا الأنهار الأربعة): وهي جيحون نهر ترمذ، ~~وسيحون نهر الترك، وهو نهر خجند، ودجلة: نهر بغداد، والفرات: نهر الكوفة. ~~(عند أبي يوسف) خراجية ms0482 (لا عند محمد) لأنها لا تدخل تحت يد فصارت كالبحار. ~~ولأبي يوسف: أنها (من اتخذ)عليها القناطر من السفن فهو يد عليها. # (وأرض العرب) قال أبو عبيدة: وهي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في ~~الطول، وما بين أرض بئرين إلى منقطع السماوة في العرض. وهي: تهامة، ~~والحجاز، ومكة، واليمن، والطائف، والعمان، والبحرين. وفي البخاري: قال ~~يعقوب بن محمد: «سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب، فقال: مكة، ~~والمدينة، واليمامة، واليمن». وفي «شرح الوافي»: هي: أرض الحجاز، وتهامة، ~~واليمن، ومكة، والطائف، والبريه. # --- PageV02P147 ~~*** # (وما أسلم أهله وأقر في أيديهم، أو فتح عنوة) أي قهرا (وقسم بين جيشنا،) ~~والبصرة عشرية) أما أرض العرب فلأن الخراج بمنزلة الفيء، فلا يثبت في أرض ~~العرب، كما لا تثبت الجزية في رقابهم، لأن العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام. # وفي «المحيط»: وكان القياس في أرض مكة أن تكون خراجية، لأنها فتحت عنوة، ~~لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوظف عليها. وأما ما أسلم أهله أو فتح ~~عنوة، فلأن الحاجة فيهما إلى ابتداء التوظيف على المسلم، والعشر أليق به، ~~لما فيه من معنى العبادة، ولهذا يشترط فيه النية، ويصرف مصارف الصدقات. # وأما البصرة، فلأن القياس فيها أن تكون خراجية كما في أرض العراق، إلا أن ~~الصحابة وضعوا عليها العشر، ذكر ذلك أبو عمر ابن عبد البر وغيره. # (والسواد) أي سواد العراق، وسمي بذلك لخضرة أشجاره وكثرة زروعه، وهو ~~مملوك عندنا لأهله. وعند الشافعي: هو وقف على المسلمين، وأهله مستأجرون. ~~وحده طولا: ما بين العذيب إلى عقبة حلوان اسم بلدة ، وعرضا: من العلث: ~~وهي أرض موقوفة على العلوية ، وقيل: من الثغلبية إلى عبادان: وهي حصن صغير ~~على شاطىء البحر. # (وما فتح عنوة وأقر أهله عليه أو صالحهم خراجية) لأن الحاجة إلى ابتداء ~~التوظيف على الكافر، والخراج أليق به من العشر، ولما روى أبو عبيد القاسم ~~بن سلام في كتاب «الأموال» عن إبراهيم التيمي قال: لما افتتح المسلمون ~~السواد قالوا لعمر: «اقسمه بيننا، فأبى وقال: ms0483 ما لمن جاء بعدكم من ~~المسلمين؟ قال: فأقر أهل السواد في أرضهم، وضرب على رؤوسهم الجزية، وعلى ~~أرضهم الخراج». # --- PageV02P148 ~~*** # والشام خراجية، وكذا مصر، لما روى ابن سعد في «الطبقات» في ترجمة عمرو ~~ابن العاص عن مشيخة من أهل مصر أي مشايخ منهم أن عمرو بن العاص افتتح مصر ~~عنوة، واستباح ما فيها، وعزل منه غنائم المسلمين، ثم صالحهم بعد ذلك على ~~الجزية في رقابهم، ووضع الخراج على أراضيهم. # (وموات أحيي يعتبر بقربه) فإن كان إلى الخراجية أقرب فهو خراجي، وإن كان ~~إلى العشرية أقرب فهو عشري، وهذا عند أبي يوسف، لأن ما قرب من الشيء له ~~حكمه، كفناء الدار له حكمها. وقال محمد: إن أحيي الموات ببئر حفرت،أو بعين ~~استخرجت، أو بالأنهار التي لا يملكها أحد، فهي عشرية. وإن أحيي بالأنهار ~~التي حفرها العجم فخراجية، وهذا في حق المسلم. وأما الكافر فيجب عليه ~~الخراج مطلقا. # وعندنا لا عشر في خارج أرض الخراج، كما لا خراج في خارج أرض العشر. # وأوجبه مالك والشافعي، لأنهما جنسان مختلفان، فإن الخراج دراهم، والعشر ~~بعض الخارج، والسبب أيضا مختلف، فسبب الخراج الأرض النامية، ولذا يجب بدون ~~وجود الخارج، وسبب العشر الخارج، فإنه لا وجوب حيث لا خارج، فإذا اختلفا لم ~~يتنافيا. # ولنا ما رواه أبو حنيفة عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن ~~مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يجمع على مسلم عشر وخراج ~~في أرض». ولإجماع الصحابة، إذ قد فتح السواد لم ينقل عنهم جمعهما على مالك. # (والخراج إما خراج مقاسمة): بأن يضع الإمام على الأرض جزأ شائعا من ~~الخارج منها (كما يوضع ربع أو نحوه ونصف الخارج غاية الطاقة)، لأن الأنصاف ~~عين الإنصاف، وقد عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على نصف ما يخرج منها. # --- PageV02P149 ~~*** # (وإما موظف: كما وضع عمر على السواد لكل جريب يبلغه الماء صاع من بر أو ~~شعير ودرهم) أي مع كل منهما، فقوله: «صاع» مبتدأ خبره «لكل»، والجملة في ~~محل ms0484 نصب على أنه مفعول «وضع». وفي بعض النسخ «صاعا» بالنصب، ولا وجه له ~~برفع «درهم». # والجريب: ستون ذراعا في ستين ذراعا بذراع الملك كسرى، وهو يزيد على ذراع ~~العامة بقبضة، كذا في «المحيط». والصاع: القفيز الهاشمي، وهو أربعة أمنان، ~~والمن: مئتان وستون درهما. وقال المصنف: في كتب الفقه: ذراع الكرباس: سبع ~~قبضات، وذراع المساحة: سبع قبضات وأصبع قائم. وعند أهل الحساب: الذراع: ~~أربع وعشرون أصبعا، والأصبع: ست شعيرات مضمومة بطون بعضها لبعض. # (ولجريب الرطبة خمسة دراهم، ولجريب الكرم والنخل متصلة) بأن لا يكون قطعة ~~من الأرض خالية منه (ضعفه)، أي ضعف جريب الرطبة: وهو عشرة دراهم، هكذا ذكر ~~توظيف عمر في كتب الفقه. # وروى ابن أبي شيبة عن قتادة، عن أبي مجلز قال: بعث عمر رضي الله عنه ~~عثمان بن حنيف على مساحة الأرض، فوضع عثمان: على الجريب من الكرم عشرة ~~دراهم، (وعلى جريب النخل ثمانية دراهم)، وعلى جريب القصب ستة دراهم يعني ~~الرطبة ، وعلى جريب البر أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين. انتهى. وفي ~~«المحيط»: وإن كانت الأشجار متفرقة فلا شيء فيها، لأنها تابعة للأرض بدليل ~~أنها تدخل في البيع، من غير ذكر، فوظيفة الأرض وظيفة الأشجار. # --- PageV02P150 ~~*** # (ولما سواه) نحو الزعفران (ما تطيقه) الأرض: بأن ينظر ما يبلغ غلتها، فإن ~~بلغت قدر غلة الزراعة، يؤخذ منها خراج الزرع، أو غلة الرطبة فخراج الرطبة. ~~ولو لم تطق الأرض ما وظف عليها نقصه الإمام، ولو أطاقت الزيادة، ففي ~~«المحيط»: أجمعوا على أنه لا يجوز الزيادة على وظيفة الأرض التي وظفها عمر ~~كسواد العراق، ولا على ما وظفه إمام آخر في أرض مثل ما وظفه عمر. ويجوز في ~~غيرهما عند محمد وهو رواية عن أبي يوسف. ولا يجوز عند أبي يوسف، وهو رواية ~~عن أبي حنيفة. # (ولا خراج لو انقطع الماء عن أرض أو غلب عليها) وكذا لو منعه إنسان من ~~زرعها ابتداء ولم يبق من السنة ما يمكن أن تزرع الأرض فيه، لأن التمكن من ~~الزراعة في كل الحول شرط الخراج. ms0485 # (أو أصاب الزرع آفة) وبقي، لأن الأصل في الوجوب هو الخارج، فإذا وجد تعلق ~~به، وسقط خلفه، وهو التمكن، وإذا تعلق به سقط بهلاكه كالعشر، ويؤخذ إذا سلم ~~الخارج، وسقط إذا هلك. # (ويجب) الخراج (إن عطلها مالكها) لأن التقصير من جهته (ويبقى) الخراج (إن ~~أسلم المالك، أو شراها) أي الأرض الخراجية (مسلم) لأن الخراج فيه معنى ~~المؤنة ومعنى العقوبة، فاعتبر مؤنة حالة البقاء، فبقي على المسلم، وعقوبة ~~حالة الابتداء، فلم يبتدأ به المسلم. # ولما روى البيهقي من حديث طارق بن شهاب قال: أسلمت امرأة من أهل نهر ~~الملك أي كسرى فكتب عمر بن الخطاب: «إن اختارت أرضها وأدت ما على أرضها ~~فخلوا بينها وبين أرضها، وإلا فخلوا بين المسلمين وبين أرضيهم ». وروى ~~أيضا: أن فرقدا السلمي قال لعمر بن الخطاب: «إني اشتريت أرضا من أراضي ~~السواد. فقال عمر: أنت فيها مثل صاحبها». # --- PageV02P151 ~~*** # قال صاحب «الهداية»: وليس على المجوسي في داره شيء، لأن عمر جعل المساكن ~~عفوا، فغير معروف عند المحدثين. وإنما روى أبو عبيد تعليقا: أن عمر جعل ~~الخراج على الأرضين التي تغل من ذوات الحب والثمار والتي تصلح للغلة من ~~النامي والعاقر، وعطل من ذلك المساكن والدور التي هي منازلهم، ولم يجعل ~~عليهم فيها شيئا. # (إن اشترى الكافر) أي الذمي غير التغلبي (عشرية مسلم وضع الخراج) عند أبي ~~حنيفة، لأنه أليق بحال الكافر، إذ العشر مشتمل على معنى العبادة، والكافر ~~ليس بأهل لها، فإذا خلا العشر عن معناها لم يكن عشرا، وإخلاء الأرض عن ~~الواجب ممتنع ، فتعين الخراج. ووضع العشر مضاعفا عند أبي يوسف، لأن تضعيف ~~ما يؤخذ من المسلم على الذمي ثابت في الشرع، كما إذا مر على العاشر. فعلم ~~أن ما يؤخذ من المسلم إذا ثبت أخذه من الذمي يضعف عليه ويصرف مصارف الخراج ~~اعتبارا بالتغلبي. ووضع العشر عند محمد لأن المؤنة عنده لا تتغير. قيدنا ~~بغير التغلبي، لأن التغلبي يؤخذ منه العشر مضاعفا إلا عند محمد. # ولا يؤخذ خراج آخر، أو عشر، أو زكاة أخذه بغاة: ms0486 وهم قوم من المسلمين ~~خرجوا عن طاعة الإمام العادل بحيث يستحلون قتل غير العادل وماله بتأويل ~~القرآن، ودانوا ذلك، وقالوا: من أذنب صغيرة أو كبيرة فقد كفر وحل قتله إلا ~~أن يتوب، وتمسكوا بظاهر قوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيها}، فإذا ظهر هؤلاء على بلدة فيها أهل العدل فأخذوا الخراج وصدقة ~~السوائم، ثم ظهر عليهم الإمام، لا يأخذ منهم شيئا ثانيا، لأنه لم يحمهم، ~~والجباية بالحماية. # --- PageV02P152 ~~*** # وأفتوا بأن يعيدوا الزكاة دون الخراج، وهو اختيار أبي بكر الأعمش، لأنهم ~~مصارف الخراج لكونهم مقاتلة، حتى إذا ظهر عدو ذبوه عن دار الإسلام. وأما ~~الصدقات فمصرفها الفقراء وهم لا يصرفونها إليهم. وقيل: إذا نوى بالدفع ~~التصدق عليهم يسقط، وهو المحكي عن الفقيه أبي جعفر، وكذا الدفع إلى كل ~~جائر، لأنهم بما عليهم من التبعات فقراء. والإفتاء بالإعادة أحوط، بناء على ~~أن علم من يأخذ لما يأخذ شرط، وهذا يقتضي التعميم في الإعادة للأموال ~~الباطنة والظاهرة سوى الخراج. وقد لا يبنى على ذلك، بل على أن المقصود من ~~شرعية الزكاة سد خلة المحتاج وذلك يفوت بالدفع إلى هؤلاء. # وقال الحاكم الشهيد: هذا يعني السقوط في صدقات الأموال الظاهرة. وأما إذا ~~صادره ظالم، فنوى عند الدفع أداء الزكاة إليه فعلى قول طائفة يجوز، والصحيح ~~أنه لا يجوز، لأنه ليس لظالم ولاية أخذ زكاة الأموال الباطنة . والله تعالى أعلم. # فصل في مصرف الزكاة # والأصل فيه قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ~~والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل}، فذكر ~~تعالى ثمانية أصناف، وقد سقط منها «المؤلفة قلوبهم»، لما روى ابن أبي شيبة ~~عن عامر الشعبي أنه قال: «إنما كانت المؤلفة على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلما ولي أبو بكر انقطعت. # قال الشيخ عبد العزيز: سقوطهم تقرير لما كان زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من حيث المعنى، لأن الدفع إليهم في ذلك الوقت كان لإعزاز الإسلام ~~لكثرة أهل الكفر، والإعزاز بعد ذلك ms0487 في عدم الدفع لكثرة أهل الإسلام. انتهى. # --- PageV02P153 ~~*** # وتردد في سقوطهم مالك والشافعي. والصحيح بقاء حكمهم إن احتيج إليهم. وهم ~~كانوا ثلاثة أقسام: قسم كفار كان صلى الله عليه وسلم يعطيهم ليتألفهم على ~~الإسلام، وقسم كان يعطيهم لدفع شرهم، وقسم أسلموا وفيهم ضعف في الإسلام ~~فكان يتألفهم ليثبتوا. # لا يقال كيف يجوز صرف الصدقات إلى الكفار، لأنا نقول بإعطاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم إياهم على أنهم كانوا مخصوصين في زمنه صلى الله عليه وسلم ~~من قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «خذها من أغنياءهم وردها في فقرائهم». # ثم روى الطبري في «تفسيره» في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} الآية، ~~بإسناده عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: المؤلفة من بني أمية: أبو سفيان بن ~~حرب، ومن بني مخزوم: الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن يربوع، ومن بني جمح: ~~صفوان بن أمية، ومن بني عامر بن لؤي: سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ~~ومن بني أسد بن عبد العزى: حكيم بن حزام، ومن بني هاشم: أبو سفيان بن ~~الحارث بن عبد المطلب، ومن بني فزارة: عيينة بن حصن، ومن بني تميم: الأقرع ~~بن الحابس، ومن بني النصر: مالك بن عوف، ومن بني سليم: العباس بن مرداس، ~~ومن بني ثقيف: العلاء بن حارثة، أعطى النبي صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم ~~مئة ناقة إلا عبد الرحمن بن يربوع وحويطب بن عبد العزى، فإنه أعطى كل رجل ~~منهم خمسين. # --- PageV02P154 ~~*** # وأسند أيضا: «قال عمر بن الخطاب حين جاءه عيينة بن حصن: {الحق من ربكم ~~فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، يعني ليس اليوم مؤلفة». وقيل: «جاء عيينة ~~والأقرع إلى أبي بكر الصديق يطلبان أرضا، فكتب لهما الخط، فمرا بعمر فمزقه ~~وقال: هذا شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيكموه ليتألفكم به على ~~الإسلام، والآن قد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتم على الإسلام وإلا ~~فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا: الخليفة أنت أم عمر؟ ~~فقال: هو إن ms0488 شاء. ووافقه ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك مع ما يتبادر منه من ~~كونه سببا لإثارة النائرة، أو ارتداد بعض المسلمين. فلولا اتفاق عقائدهم ~~على حقيته، وأن مفسدة مخالفته أكثر من المفسدة المتوقعة لبادروا إلى ~~إنكاره. # ثم اختلف كلام القوم في وجه سقوطهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~ثبوته بالكتاب إلى حين وفاته عليه الصلاة والسلام: فمنهم من ارتكب جواز نسخ ~~الكتاب بالإجماع، بناء على أنه حجة قطعية كالكتاب، وليس بالصحيح من المذهب. ~~ومنهم من قال: هو من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته، كانتهاء صوم رمضان ~~بانتهائه. واعترض بأن الحكم في البقاء لا يحتاج إلى علة، كما في الرق، ~~والرمل والاضطباع في الطواف. والجواب: أن الشارع حكم ببقائه ثمة بعد زوال ~~السبب لحق العبد في الرق، والذل بقاء في ضمنه، ولحكمة لائحة في الأخيرين ~~ولا ذل فيهما، ولا يحكم ههنا ببقائه بعد زوال السبب، فلو أعطوا منها بعده ~~لزم ذل الإسلام وإنه لا يجوز، فكان من قبيل انتهاء الشيء بانتهاء علته، فلا ~~جرم أجمع الصحابة على قطعه، إذ لا نسخ بعده عليه الصلاة والسلام. # --- PageV02P155 ~~*** # (مصرف الزكاة) وكذا العشر، وما أخذ العاشر من تجار المسلمين (الفقير: أي ~~من له ما دون النصاب) وفي «الهداية» وغيرها: الفقير من له أدنى شيء. # وكان المصنف أخذ ما فسر به الفقير، من قولهم بجواز دفع الزكاة إلى من ~~يملك دون النصاب، وقد صرح به في «الخلاصة»، وأيضا ما في «الهداية» وغيرها ~~مبهم يحتاج إلى هذا التبيين. وفي معناه من له قدر نصاب غير نام وهو مستغرق ~~في الحاجة. # وفي «المحيط»: لا يحل للفقير أن يأخذ من مال غني لا يزكي بغير علمه، ~~فإن أخذ كان للغني أن يسترد إن كان قائما، ويضمن إن كان هالكا، لأن الحق ~~ليس لهذا الفقير بعينه. ولو كان الفقير مكتسبا قويا تحل له الصدقة، ولا يحل ~~له السؤال. # (والمسكين: أي من لا شيء له) فيكون أسوأ حالا من الفقير، وهو قول عامة ~~السلف. وعن أبي حنيفة وهو قول ms0489 الشافعي أن الفقير أسوء حالا من المسكين، ~~لقوله تعالى: أما السفينة فكانت لمساكين، ووجه الأول قوله تعالى: {فإطعام ~~ستين مسكينا}، فإنه لا فاقة أحوج من الحاجة إلى الطعام، ويؤيده قوله تعالى: ~~{أو مسكينا ذا متربة} وذكر المساكين في الآية الأولى جاز أن يكون للترحم، ~~أو يقال: لام {لمساكين} للاختصاص لا للملك، فإنها أي السفينة كانت للعمل، ~~وهم كانوا خدمة السفينة. # وقيل: إنها كانت عارية عندهم، ثم عن أبي يوسف أنهما صنف واحد إذ يعبر عن ~~كل بالآخر. وقال أبو حنيفة: صنفان، وهو الصحيح كما قال فخر الإسلام، لأن ~~عطف أحدهما على الآخر يقتضي المغايرة بينهما، فلو قال: ثلث مالي لفلان ~~وللفقراء والمساكين، على قول أبي يوسف لفلان نصفه، وعلى قول أبي حنيفة ثلثه. # --- PageV02P156 ~~*** # (وعامل الصدقة) وهو من يبعثه الإمام لجبايتها (فيعطى بقدر عمله) أي ما ~~يكفيه وأعوانه ذهابا وإيابا، لأنه فرغ نفسه لعمل من أمور المسلمين فيستحق ~~الكفاية، كالمقاتلة والقضاة. وليس ما يأخذه أجرة، لأنها لا تكون إلا على ~~عمل معلوم، ومدة معينة، ولا صدقة، لأنه يأخذ وإن كان غنيا. ويحل به العمالة ~~بالإجماع، لكن فيه شبهة الصدقة، فلم يجز أخذها للعامل الهاشمي صيانة لقرابة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوساخ الناس، وهذا عندنا خلافا للشافعي. # وفي «شرح الكنز»: لو استغرقت كفاية العامل الزكاة لا يزاد على نصفها، لأن ~~الأنصاف غاية الإنصاف، ولو حملت الزكاة إلى الإمام لم يستحق هو شيئا إذا ~~كان غنيا. # (والمكاتب فيعان على فك رقبته) غنيا كان مولاه أو فقيرا، بشرط أن لا يكون ~~المكاتب مكاتب المزكي ولا مكاتب الهاشمي، لما روى الطبري في «تفسيره» عن ~~الحسن البصري، والزهري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: {وفي ~~الرقاب} هم المكاتبون، ولأن التمليك لا بد منه في الزكاة، ولا يتصور من ~~القن وقال مالك: يبتاع رقبة فيعتق، فيكون الولاء على مذهبه لجماعة المسلمين ~~دون المعتق. # (ومديون لا يملك نصابا فاضلا عن دينه) أو يملكه، ولكنه عند الناس، ولا ~~يتمكن من أخذه منهم كما مر ms0490 في مال الضمار. وتوضيحه: أن مقدار الدين من ماله ~~مستحق لحاجته الأصلية فجعل كالمعدوم، وما وراء ذلك لا يبلغ مئتي درهم فلا ~~يؤثر في حرمان الصدقة. فقال الشافعي: الغارم أيضا من تحمل غرامة لإصلاح ذات ~~البين وإطفاء العداوة بين القبيلتين. # --- PageV02P157 ~~*** # (وفي سبيل الله: أي منقطع الغزاة) أي فقيرهم المنقطع بهم (عند أبي يوسف) ~~لأنه المفهوم من إطلاق هذا اللفظ، فينصرف إليه لا غير. يؤيده ما في البخاري ~~أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إن خالدا احتبس أدراعه في سبيل الله»، ولا ~~شك أن الدرع للغزو لا للحج. # (ومنقطع الحاج عند محمد) يعني كذلك، لأنه في معناه، وكأنه أراد بالحاج ما ~~يعم الحج الأكبر والأصغر: وهو العمرة، لما روى أبو داود في «سننه» عن أم ~~معقل قالت: يا رسول الله إن علي حجة ولأبي معقل بكرا، قال أبو معقل: جعلته ~~في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعطها فلتحج عليه، فإنه ~~في سبيل الله، فأعطاها البكر». ولما في البخاري عن أبي لاس الخزاعي أنه ~~قال: «حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج». # وروى الحاكم في «المستدرك» من طريق أحمد بن حنبل وقال: صحيح على شرط ~~مسلم عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: أرسل مروان إلى أم ~~معقل يسألها عن هذا الحديث، فحدثت أن زوجها جعل بكرا في سبيل الله، وأنها ~~أرادت العمرة فسألت زوجها البكر، فأبى عليها، فذكرت ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأمره أن يعطيها فقال: «إن الحج والعمرة لمن سبيل الله». # وفي البخاري عن ابن عباس أنه قال : يعتق الرجل من زكاة ماله ويعطي في ~~الحج. والشاهد في الفقرة الثانية، أما الأولى فليس بالمذهب، وكأنه مختار ~~ابن عباس. وقد منع علماؤنا والشافعي شراء قريبه بالزكاة ليعتق لأجلها، لأن ~~الإعتاق إسقاط لا تمليك، ولا بد منه فيها. وجوزه مالك لإطلاق الرقاب. قلنا: ~~المراد به المعاونة على أداء بدل الكتابة لما قدمنا. # --- PageV02P158 ~~*** # هذا، ولا يدفع الزكاة إلى أغنياء الغزاة ms0491 والحجاج كما يفهم من قيد ~~الانقطاع. وجوز مالك والشافعي دفعها إلى أغنياء الغزاة لما في «سنن أبي ~~داود» و«ابن ماجه» عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها، ورجل اشتراها بماله، أو ~~غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق بها عليه فأهداها لغني». # ولنا ما في أبي داود والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ». رواه ~~الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إلا أن الاستثناء في ~~الحديث الأول يمنع من الاحتجاج بعموم الثاني، لاستلزامه التعارض بينهما، ~~وهو خلاف الأصل كما عرف في محله. # (وابن السبيل: أي من له مال لا معه) بأن كان ماله في بلد آخر. وفي معناه: ~~من يكون في البلد الذي هو فيه ولكنه غائب عن ماله، لأن الحاجة هي المعتبرة ~~وقد وجدت، لكونه فقيرا يدا وإن كان غنيا ظاهرا، فيأخذ من الصدقة بقدر ~~حاجته. ولا يجوز له أن يأخذ أكثر منها، والأولى أن يستقرض إن قدر، ولا ~~يلزمه ذلك لاحتمال عجزه عن الأداء. ولو فضل في يده شيء من الصدقة عند قدرته ~~على ماله لا يلزم أن يتصدق به كالفقير إذا استغنى، والمكاتب إذا عجز، لأنها ~~وقعت في مصرفها عند الأخذ. # --- PageV02P159 ~~*** # (فيصرف إلى الكل) أي كل الأصناف المذكورة (أو البعض) ولو كان شخصا واحدا ~~منهم، روى ذلك الطبري في «تفسيره» عن ابن عباس، وعمر، وحذيفة، وسعيد بن ~~جبير، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي وأبي العالية، وميمون بن مهران، ~~فلفظ ابن عباس: «في أي صنف وضعته أجزأك». ولفظ عمر: «أيما صنف أعطيت من هذا ~~أجزأ عنك». ولفظ حذيفة: «إذا وضعتها في صنف واحد أجزأك». # قيل: ولم يرو عن غيرهم ما يخالفهم قولا ولا فعلا، ولم يرو عن غيرهم من ~~الصحابة خلاف ذلك فيكون إجماعا. وهو قول مالك وأحمد، ولقوله صلى الله عليه ms0492 ~~وسلم لمعاذ: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم: تؤخذ من ~~أغنيائهم فترد في فقرائهم». ولأنه صلى الله عليه وسلم أمر لسلمة بن صخر ~~البياضي بصدقة قومه. # ولما روى القاسم بن سلام: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه مال بعد ذلك، ~~فجعل محله في صنف واحد، وهم المؤلفة قلوبهم: الأقرع بن حابس، وعيينة بن ~~حصن، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخيل، قسم فيهم ذهيبة بعث بها معاذ من اليمن، ~~وإنما يؤخذ من أهل اليمن الصدقة، ثم أتاه مال آخر فجعله في صنف واحد وهم ~~الغارمون، فقال لقبيصة بن المخارق حين أتاه وقد تحمل حمالة : «يا قبيصة ~~أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها». # وأوجب الشافعي أن يقسم على ثلاثة من كل صنف منهم، لأن الإضافة بحرف اللام ~~إن لم توجب حقيقة الملك فلا أقل من أن توجب الاستحقاق، ولهذا لو أوصى بثلث ~~ماله لهؤلاء الأصناف لم يجز حرمان بعضهم، وقد ذكر كل صنف بلفظ الجمع، فوجب ~~أن يصرف اإلى ثلاثة من كل صنف وإن كان محلى باللام، لأن الجنس هنا لا يمكن ~~فيه الاستغراق فتبقى الجمعية على حالها. # --- PageV02P160 ~~*** # ولنا: أن حقيقة اللام للاختصاص الذي هو المعنى الكلي الثابت في ضمن ~~الخصوصيات من الملك والاستحقاق، وقد يكون مجردا، فحاصل التركيب: إضافة ~~الصدقات العام الشامل لكل صدقة متصدق إلى الأصناف العام كل منها الشامل ~~لكل فرد فرد، بمعنى أنهم أجمعين أخص بها كلها، وهذا لا يقتضي أن تكون كل ~~صدقة منقسمة على أفراد كل صنف، بل يقتضي أن الصدقات كلها للجميع أعم من أن ~~تكون كل صدقة صدقة لكل فرد فرد إن أمكن، أو كل صدقة جزئية لطائفة، أو ~~لواحد، ومما يدل على صحة ما قلنا الأحاديث التي قدمنا. # (تمليكا) لأن الإيتاء في قوله: {وآتوا الزكاة} يقتضي التمليك، فلو بنى ~~مسجدا، أو قنطرة ، أو سقاية، أو أحج إنسانا، أو كفن ميتا لا يجزئه، لانعدام ~~التمليك. # وفي «الخانية»: لو أطعم يتيما، أو كساه من زكاته بالتسليم إليه جاز إن ~~كان مراهقا أو ms0493 يعقل القبض، وإن كان صغيرا لا يجوز، كما لو وضعها على مكان ~~فأخذها فقير. وفي «المحيط»: ولو قضى بها دين حي بأمره جاز، ويكون القابض ~~كالوكيل بالقبض عنه. # (لا إلى من بينهما ولاد) أي لا يصرف المزكي زكاته إلى من بينه وبينه ~~موالدة: فلا يصرف إلى أصل من أصوله وإن علا، ذكرا كان كالأب والجد أو أنثى ~~كالأم والجدة، ولا إلى فرع من فروعه وهم: الابن والبنت وأولادهم وإن سفل، ~~ذكرا كان أو أنثى، لأن المنافع في الأملاك بينهما متصلة عادة باعتبار ~~الجزئية والبعضية، ولهذا لا تقبل الشهادة فيما بينهم، فلا يتحقق التمليك ~~على الكمال. # (أو زوجية) فلا يدفع الرجل زكاته إلى امرأته باتفاق. ولا تدفع المرأة ~~زكاتها إلى زوجها عند أبي حنيفة للاشتراك بينهما في المنافع عادة. # --- PageV02P161 ~~*** # وقال أبو يوسف ومحمد: تدفع، لما روى الجماعة إلا أبا داود عن زينب امرأة ~~عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن، قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك ~~رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة، ~~فأته فاسأله، فإن كان ذلك يجزىء عني دفعتها إليك، وإلا صرفتها إلى غيركم؟ ~~قالت: فقال عبد الله: بل ائتيه أنت. قالت: انطلقت فإذا امرأة من الأنصار ~~جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتها حاجتي، قالت: وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد ألقي عليه المهابة، قالت: فخرج علينا بلال فقلنا له: ~~أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزىء ~~الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن. ~~قالت: فدخل بلال فسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من هما؟ قال: ~~امرأة من الأنصار وزينب، قال: أي الزيانب»؟ فقال: امرأة عبد الله بن مسعود، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لهما أجران: أجر القرابة، وأجر ~~الصدقة». # --- PageV02P162 ~~*** # وأجيب عنه بأنها كانت صدقة تطوع . قلنا: الحديث ms0494 محمول على التطوع، بدليل ~~ما رواه البزار في «مسنده» عن أبي سعيد قال: خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في أضحى أو فطر، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة، ثم مر على ~~النساء فقال لهن: «تصدقن». فلما انصرف وصار إلى منزله، جاءته زينب امرأة ~~عبد الله بن مسعود فاستأذنت عليه فأذن لها، فقالت: يا نبي اللها إنك اليوم ~~أمرتنا بالصدقة وعندي حلي لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه هو ~~وولده أحق من أتصدق به عليهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صدق ابن ~~مسعود، زوجك وولدك احق من تصدقت به عليهم». # وما رواه الطحاوي أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني امرأة ذات ~~صنعة أبيع منها، وليس لزوجي ولا ولدي شيء فشغلوني فلا أتصدق، فهل لي فيهم ~~أجر؟ فقال صلى الله عليه وسلم «لك في ذلك أجران: أجر الصدقة، وأجر الصلة». ~~ومعلوم أن الصدقة الواجبة لا تدفع إلى الولد بالاتفاق. # (ولا إلى مملوكه) أي مملوك نفسه، سواء كان قنا، أو مدبرا أو أم ولد، لأن ~~كسبهم للسيد، أو مكاتبا # ، لأن للسيد حقا في كسبه، فلا يتم التمليك. # (ولا) إلى (عبد أعتق بعضه) وهذا عند أبي حنيفة، لأن عنده معتق البعض تجب ~~عليه السعاية في البعض الذي لم يعتق، فلا يدفع مولاه الزكاة إليه، كما لا ~~يدفعها إلى مكاتبه. وأما عندهما إذا أعتق بعض عبده عتق جميعه، فيدفع مولاه ~~الزكاة إليه، لأنه حينئذ ليس بمملوكه. # --- PageV02P163 ~~*** # (ولا إلى غني) لما رواه أبو داود، والنسائي والترمذي وحسنه، عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الصدقة لا تحل لغني، ولا لذي ~~مرة سوي أي صحيح البدن ». والمرة: بكسر الميم وتشديد الراء: القوة، ومنه ~~قوله تعالى: {ذو مرة}. # وفي «المحيط»: إن الغنى ثلاثة أنواع: غنى يوجب الزكاة وهو ملك نصاب حولي ~~نام، وغنى يحرم الصدقة أي أخذها ويوجب صدقة الفطر والأضحية: وهو ملك ما ~~يبلغ قيمة نصاب من الأموال الفاضلة عن حاجته الأصلية، ms0495 وغنى يحرم السؤال دون ~~الصدقة: وهو أن يكون له قوت يومه وما يستر عورته. انتهى. وكذا من قدر على ~~تحصيل قوت يومه بكسبه وهو المراد بقوله: «ذي مرة سوي». # والحاصل: أنه يحرم سؤال من له قوت يومه، وله ما يقيه من حره وبرده، لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي (يوم القيامة) ~~ليس في وجهه مزعة لحم ». متفق عليه. وقوله عليه الصلاة والسلام: «من سأل ~~الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش، أو خدوش، أو ~~كدوح »، قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: «خمسون درهما أو قيمتها من ~~الذهب». رواه أصحاب السنن. وفي رواية: «وما الغنى الذي لا تنبغي معه ~~المسألة؟ قال: «قدر ما يغديه ويعشيه». وفي رواية: «أن يكون له شبع يوم ~~وليلة». # وأما ما أخذه من غير مسألة فلا يحرم، لقول عمر: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، فقال: خذه فتموله وتصدق ~~به، فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه ~~نفسك»، متفق عليه. وقيل: لا تحل الزكاة لصحيح البدن لما تقدم، والله تعالى أعلم. # --- PageV02P164 ~~*** # (ولا إلى مملوكه) أي مملوك الغني، لأن كسبه لمولاه، ويستثنى من ذلك ~~المكاتب على ما قدمناه. وفي «الذخيرة»: لو كان عبد الغني زمنا لا يجد شيئا ~~ولم يكن في عيال مولاه، أو كان غائبا مولاه، يجوز الدفع إليه. # (ولا إلى طفله) أي طفل الغني، سواء كان ذكرا أو أنثى، في عيال الأب أو ~~ليس في عياله، لأنه يعد غنيا بمال أبيه. واحترز بالطفل عن الولد الكبير إذا ~~كان فقيرا، فإنه يجوز الدفع إليه وإن كان أبوه ينفق عليه، لأنه لا يعد غنيا ~~بغنى أبيه. # (ولا إلى بني هاشم) وهم: بنو الحارث، والعباس ابنا عبد المطلب جد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبنو علي، وجعفر، وعقيل أولاد أبي طالب عم النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، لا بنو أبي لهب، لأن حرمة الصدقة ms0496 أولا في الآباء إكراما ~~لهم، ثم سرت إلى الأبناء، ولا إكرام لأبي لهب. # وفي «المحيط»: ويجوز صرف صدقات الأوقاف والتطوعات إليهم أي إلى بني هاشم ~~إذا سموا في الوقف. روي ذلك عن أبي يوسف، ومحمد في «النوادر». وإنما لا ~~تدفع الزكاة إليهم لأن الفرض مطهر فيتدنس المؤدى، كالماء المستعمل، فنزه ~~الهاشمي عنه كرامة له، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «نحن أهل البيت لا تحل ~~لنا الصدقات». رواه البخاري. وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن هذه الصدقات ~~إنما هي أوساخ الناس، لا تحل لمحمد ولا آل محمد». رواه مسلم. وفيه قصة ~~طويلة، رواه الطبراني، وفي آخرها: فقال لهما: «إنه لا يحل لكم أهل البيت من ~~الصدقات شيء، إنما هي غسالة الأيدي، وإن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم». # --- PageV02P165 ~~*** # وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله عليه الصلاة والسلام: «يا بني هاشم، إن ~~الله حرم عليكم غسالة أيدي الناس، وأوساخهم، وعوضكم منها بخمس الخمس». فغير ~~معروف بهذا اللفظ. قال الطحاوي: وعن أبي حنيفة أن الصدقات كلها جائزة على ~~بني هاشم، والحرمة كانت في عهده عليه الصلاة والسلام، لوصول خمس الخمس ~~إليهم، فلما سقط ذلك بموته صلى الله عليه وسلم حلت لهم الصدقة، قال: وبه ~~نأخذ. وعن أبي حنيفة رحمه الله جواز دفع الهاشمي زكاته للهاشمي. # (و) لا (إلى مواليهم) أي معتقي بني هاشم، لما روى أبو داود، والترمذي ~~والنسائي عن ابن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي ~~رافع: اصحبني، فإنك تصيب منها، قال: حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأسأله، فأتاه فسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مولى القوم من ~~أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة». وفي رواية الجماعة، وصححه الترمذي: «إن ~~الصدقة لا تحل لنا، وإن مولى القوم من أنفسهم». # (و) لا (إلى ذمي) لما في الكتب الستة من حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعث معاذا ms0497 إلى اليمن فقال: «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فادعهم ~~إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم ~~أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم ~~أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، ~~فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائممموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس ~~بينها وبين اللها حجاب». # --- PageV02P166 ~~*** # فإن قيل: هذا لا يمنع جواز الصرف إلى غير المسلمين، قلنا: لما كان مأمورا ~~بالصرف اإلى فقرائنا، فلو صرف إلى غيرهم لكان تاركا الأمر، فلا يجوز. ~~وأجازه زفر لعموم قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم}، وعموم آية المصارف، ~~والتقييد زيادة، وهو نسخ معنوي على ما عرف، ولهذا جاز صرف سائر الصدقات ~~إليهم إلا في رواية عن أبي يوسف بخلاف الحربي المستأمن، حيث لا يجوز دفعها ~~إليه لقوله سبحانه: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين}... ~~الآية، قلنا: حيث خص منها الحربي بما تلونا، جاز تخصيص الذمي منها بما ~~روينا، وإن سلم أنه من الآحاد، كيف وقد خرج منها أصول المزكي وفروعه ~~وزوجته. # (وجاز غيرها) أي غير الزكاة من سائر الصدقات (إليه) أي إلى الذمي، سواء ~~كان تطوعا أو واجبا، كالكفارة وصدقة الفطر، والنذر. # وقال أبو يوسف: لا يجوز صرف الواجب إلى الذمي، كما لا يجوز صرف الزكاة إليه. # ولهما ما روى ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مرسلا قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «لا تصدقوا إلا على أهل دينكم، فأنزل الله تعالى: {ليس عليك ~~هداهم} إلى قوله {وما تنفقوا من خير يوف إليكم} فقال صلى الله عليه وسلم ~~«تصدقوا على أهل الأديان كلها»، وهو بإطلاقه يتناول الزكاة، لكن خرجت منه ~~بحديث معاذ. ولقائل أن يقول: آية الصدقة هي آية الزكاة وقد خصت، وآية ~~المبرة والحديث، محمولان على التطوع، وهذه صدقة واجبة فكانت أنسب بالزكاة. ~~ثم ms0498 لا يبنى منها نحو مسجد، ولا يكفن بها ميت، فإن التمليك شرط. # --- PageV02P167 ~~*** # (وإن دفع) الزكاة (إلى من ظنه مصرفا) لها (فظهر أنه عبده) أو مكاتبه ~~(يعيدها) أي يعطي الزكاة مرة أخرى، لانعدام التمليك أو تمامه. # (وإن ظهر موانع أخر لا) أي لا يعطي الزكاة مرة أخرى. وقال أبو يوسف: ~~يعيدها، لأنه ظهر خطؤه بيقين مع إمكان الوقوف على الصواب، فصار كما لو توضأ ~~بماء، أو صلى في ثوب ثم تبين أنه نجس. # ولهما ما روى البخاري من حديث معن بن يزيد قال: بايعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنا وأبي وجدي، وخطب علي فأنكحني وخاصمت إليه، وكان أبي يزيد ~~أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته ~~بها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن». وهو وإن كان واقعة حال، ~~فيجوز فيه كون تلك الصدقة كانت نفلا، لكن عموم لفظ «ما في» قوله عليه ~~الصلاة والسلام: «لك ما نويت» يفيد المطلوب، ويؤيده ما في الصحيحين عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة، ~~فخرج بصدقته فوضعها في يد غني»... الحديث. # --- PageV02P168 ~~*** # وقيد بمن ظنه مصرفا، لأنه لو دفع بغير اجتهاد، أو باجتهاد وبدون ظن، أو ~~بظن أنه ليس بمصرف، ثم تبين المانع لا يجزئه. ولو دفع إلى من يظن أنه ليس ~~بمصرف ثم تبين أنه مصرف يجزئه، وذلك لأن الواجب عليه الصرف إلى من هو مصرف ~~عنده وقد فعله، فيجوز، كما إذا صلى إلى جهة بالتحري ثم تبين خطؤه. وهذا لأن ~~الوقوف على هذه الأشياء بالاجتهاد دون القطع، وقد لا يعرف الإنسان ذلك من ~~نفسه، فضلا عن غيره والتكليف بحسب الوسع، بخلاف التحري في الثياب والأواني، ~~فإنه يوقف على الطهارة والنجاسة فيهما. وعن أبي حنيفة أنه لا يجزيه في غير ~~الغني، والظاهر هو الأول، ووجه الفرق على هذه الرواية أن الغني مصرف ms0499 في ~~الجملة كما في العامل. # (وندب دفع ما يغنيه) أي يغني الفقير (عن السؤال يوما) لأن في ذلك صيانة ~~له عن ذل السؤال، ولقوله: «اغنوهم عن المسألة في هذا اليوم». # (وكره دفع النصاب إلى فقير غير مديون) وقال زفر: لا يجوز، لأن الغنى حال ~~العطاء حكم حال الأداء، وحكم الشيء معه، فصار كما لو دفع إلى غني. ولنا أن ~~الأداء يلاقي الفقير، لأن المدفوع إليه حال التمليك فقير، وإنما يصير غنيا ~~بعد تمام التمليك، فيتأخر الغنى عن التمليك، وإنما كره لوجود الانتفاع به ~~حال الغنى، والأصل حصول الانتفاع به حال الفقر، لأن المقصود سد خلة الفقير، ~~وكماله في حصوله حالا ومآلا. # وههنا حصل حالا وكره لأنه لم يحصل مآلا. وعن أبي يوسف أنه لم يجزئه أكثر ~~من نصاب. # قيد بغير المديون لأن المديون لا بأس به بأن يعطى قدر وفاء دينه وزيادة ~~دون النصاب، وكذا إذا كان الفقير له عيال لا بأس به بأن يعطى قدر ما لو فرق ~~عليهم حصل كل واحد منهم دون النصاب. # --- PageV02P169 ~~*** # (و) كره (نقلها) أي نقل الزكاة (إلى بلد آخر) غير البلد الذي فيه المال، ~~لأن فيه إضاعة حق فقراء بلده، وهذا إذا كان مسافة قصر الصلاة. وبه قال ~~مالك، ومنعه الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «فأعلمهم أن ~~الله تعالى افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على ~~فقرائهم». # ولنا أن المصرف مطلق الفقراء لقوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} ولا ~~ذكر للمكان فيه، فالتقييد به يكون نسخا، وحديث معاذ حجة لنا، لأنه صلى الله ~~عليه وسلم قال ذلك لأهل اليمن، وهي بلاد شتى، على أن مراده صلى الله عليه ~~وسلم أنه لا طمع له في الصدقة، بل هي مصروفة إلى فقراء المسلمين، كما هي ~~مأخوذة من أغنيائهم. وإنما يكره نقله لظاهر ما روينا، ولرعاية حق الجوار، ~~والمعتبر في الزكاة فقراء مكان المال، لأنه محل الوجوب، ولذا يسقط بهلاكه. # والأفضل صرفها إلى إخوته، ثم أعمامه، ثم أخواله، ثم ذوي أرحامه، ثم ms0500 ~~جيرانه، (ثم أهل سكنه)، ثم أهل محلته، ثم أهل مصره. # وفي «المحيط»: وعند محمد يعتبر في زكاة المال حيث المال، لا حيث المزكي، ~~لأن الواجب في المال لا في الذمة. وفي صدقة الفطر إن كان يؤدي عن نفسه حيث ~~هو، وإن كان يؤدي عن ولده وعبده فعند أبي يوسف يؤدي حيث العبد، وعند محمد ~~حيث المولى وهو الأصح، لأن الواجب في ذمة المولى، حتى لو هلك العبد لم يسقط عنه. # --- PageV02P170 ~~*** # (لا) يكره (نقلها إلى قريبه) لما فيه من الصلة مع الصدقة (أو) إلى قوم ~~(أحوج من أهل بلده) لما فيه من زيادة دفع الحاجة، ولما قدمنا من قول معاذ ~~لأهل اليمن: «ائتوني بعرض ثياب خميس أو لبيس مكان الذرة والشعير أهون عليكم ~~وخير لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة». إلا أنه يجب حمله على ~~أن من بالمدينة كانوا أحوج، أو على ما فضل من فقراء اليمن. وكذا لا يكره ~~النقل إلى أهل بلد أورع من أهل بلده، أو أنفع للمسلمين منهم، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم بالصواب. # فصل صدقة الفطر # وسبب شرعيتها ما في «سنن أبي داود» «وابن ماجه» عن ابن عباس: «فرض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة ~~للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهو ~~صدقة من الصدقات». رواه الدارقطني وقال: ليس في روايته مجروح. # وكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها في السنة التي فرض فيها رمضان قبل ~~أن تفرض زكاة المال، وكان يخطب قبل الفطر بيومين يأمر بإخراجها أي في ~~الجملة سواء يقع وقت الوجوب أو قبله. # (الفطرة من بر) أي حنطة (وما يتخذ منه) كدقيقه وسويقه (ومن زبيب نصف صاع) ~~وقال أبو يوسف ومحمد: صاع، وهو رواية عن أبي حنيفة وعليه الفتوى، لأن ~~الزبيب يقارب التمر من حيث المقصود وهو التفكه، ولما ورد في الصحيحين من ~~حديث أبي سعيد الخدري: «أو صاعا من زبيب». # --- PageV02P171 ~~*** # (ومن تمر أو شعير) وما يتخذ ms0501 منه (صاع) لما في الصحيحين وغيرهما عن ابن ~~عمر وغيره: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على ~~الناس (صاعا من تمر أو) صاعا من شعير...» الحديث. ولما رواه أبو داود عن ~~أبي سعيد قال: «كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاع تمر، أو ~~شعير، أو أقط، أو زبيب، أو صاعا من دقيق». # وقال مالك والشافعي وأحمد: يجب من البر صاع كغيره لما روى الحاكم وصححه ~~عن نافع عن ابن عمر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا ~~من تمر، أو صاعا من بر على كل حر، أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين». # ولظاهر ما رواه الستة من حديث أبي سعيد الخدري: «كنا نخرج إذا كان فينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير وكبير، حر أو مملوك، ~~صاعا من طعام أو صاعا من أقط أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب، فلم نزل ~~نخرج حتى قدم معاوية حاجا أو معتمرا، فكلم الناس على المنبر، فكان فيما كلم ~~به الناس أن قال: إني أرى أن مدين من سمراء الشام يعدل صاعا من تمر، فأخذ ~~الناس بذلك». قال أبو سعيد: «أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه». # --- PageV02P172 ~~*** # وجه الاستدلال بلفظ «طعام»، فإنه عند الإطلاق يتبادر منه البر، وأيضا فقد ~~عطف عليه هنا الشعير والتمر وغيرهما، فلم يبق مراده منه إلا الحنطة. ويعضده ~~ما رواه الحاكم: «صاعا من حنطة». وقوله: «لا أخرج إلا ما كنت أخرجه في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، فقال له رجل ~~من القوم: أو مدين من قمح. فقال: لا تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل ~~بها». رواه الحاكم عن عياض بن عبد الله وصححه. وأخرج عن ابن عمر: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من بر... ~~الحديث، وصححه عن ms0502 أبي هريرة نحوه مرفوعا. # وأجيب عن حديث أبي سعيد بأنه ليس بحجة علينا، لأنه أخبر بفعل نفسه، قال: ~~«كنا نخرج»، وفعله عليه الصلاة والسلام ليس بموجب، ففعل الصحابي أولى بأن ~~لا يكون موجبا. والعجب من الشافعي أنه لا يرى تقليد الصحابي واجبا، فكيف ~~قلد أبا سعيد في هذه المسألة. كذا ذكره العيني. # ولنا ما في الصحيحين من حديث نافع عن ابن عمر قال: «فرض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، فعدل الناس به ~~مدين من حنطة». وما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن جريج، عن ابن شهاب، ~~عن عبد الله بن ثعلبة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس قبل ~~الفطر بيوم أو يومين فقال: «أدوا صاعا من بر، أو قمح بين اثنين، أو صاعا من ~~تمر، أو شعير عن كل حر وعبد، صغير وكبير». وكذا رواه أبو داود. وروي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب قبل يوم العيد بيومين فقال: «إن صدقة ~~الفطر مدان من بر لكل إنسان، أو صاع مما سواه من الطعام». رواه الدارقطني . # --- PageV02P173 ~~*** # وما في «سنن أبي داود» و«النسائي» عن حميد الطويل، عن الحسن عن ابن عباس: ~~أنه خطب في آخر رمضان على منبر البصرة فقال: «أخرجوا صدقة صومكم، فكأن ~~الناس لم يعلموا فقال: «من ههنا من أهل المدينة، قوموا إلى إخوانكم فعلموهم ~~فإنهم لم يعلموا، فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصدقة صاعا من ~~تمر، أو شعير، أو نصف صاع قمح»... الحديث، ورواته ثقات مشهورون، لكن فيه ~~إرسالا: فإن الحسن لم يسمع من ابن عباس على ما قيل. # وما في «سنن الترمذي» عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعث مناديا ينادي في فجاج: «ألا إن صدقة الفطر واجبة ~~على كل مسلم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير، مدان من قمح، أو صاع ~~مما سواه من الطعام». وقال: ms0503 حسن غريب. ورواه الدارقطني عن علي بن صالح، عن ~~ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمر صائحا فصاح: «أن صدقة الفطر حق واجب على كل مسلم، مدان من قمح، أو ~~صاع من شعير أو تمر». # وما في الطحاوي: حدثنا المزني: حدثنا الشافعي، عن يحيى بن حبان، عن الليث ~~بن سعد، عن عقيل بن خالد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب عن ~~سعيد بن المسيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر مدين من ~~حنطة. قال في «التنقيح»: إسناده صحيح كالشمس، وكونه مرسلا لا يضر، فإنه ~~مرسل سعيد، ومراسيله حجة أي اتفاقا . # --- PageV02P174 ~~*** # وما في «مسند أحمد» من طريق ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن محمد بن ~~عبدالرحمن بن نوفل، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قال: «كنا ~~نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مدين من قمح، بالمد ~~الذي يقتاتون به. وحديث ابن لهيعة صالح للمتابعة، لا سيما وهو من رواية ~~إمام عنه، وهو ابن المبارك. # ثم هو مذهب جماعة من الصحابة منهم: الخلفاء الراشدون، ففي «مصنف عبد ~~الرزاق» عن أبي بكر: أنه أخرج زكاة الفطر مدين من حنطة. وفي «سنن أبي داود» ~~و«النسائي» عن ابن عمر: كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صاعا من شعير، أو تمر، أو سلت، أو زبيب ، فلما كان عمر ~~وكثرت الحنطة، جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء. # وفي الطحاوي عن عمر أنه قال لنافع: «إنما زكاتك على سيدك: أن يؤدي عنك ~~عند كل فطر صاعا من تمر، أو شعير، أو نصف صاع من بر». وعن عثمان أيضا أنه ~~قال في خطبته: «أدوا زكاة الفطر، مدين من حنطة». وعن علي أنه قال: «على من ~~جرت عليه نفقتك نصف صاع من بر، أو صاع من شعير، أو تمر». # وفي «مصنف عبد الرزاق» ms0504 نحوه عن ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله، ~~وفيه أيضا عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: «زكاة ~~الفطر عن كل حر وعبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، فقير أو غني صاع من تمر ~~أو نصف صاع من قمح. قال معمر: بلغني أن الزهري كان يرفعه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفيه أيضا عن مجاهد: كل شيء سوى الحنطة ففيه صاع. # --- PageV02P175 ~~*** # وروى الطحاوي عن جماعة كثيرة وقال: ما علمنا أحدا من الصحابة والتابعين ~~روى عنه خلاف ذلك، وكان إخراج أبي سعيد ظاهرا، فلم يحترز عنه. والجواب عن ~~حديثه: أنا لا نسلم أن الطعام في العرف يعبر به عن الحنطة، بل يطلق على كل ~~مأكول، وههنا أريد به أشياء ليست الحنطة منها، بدليل ما في «مختصر صحيح ابن ~~خزيمة» عن ابن عمر قال: «لم تكن الصدقة على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا التمر، والزبيب، والشعير، ولم تكن الحنطة. # وما في البخاري عن أبي سعيد نفسه: كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم الفطر صاعا من طعام، وكان طعامنا يومئذ الشعير، والزبيب، ~~والأقط، والتمر». فلو كانت الحنطة من طعامهم الذي يخرج منه لبادر إلى ذكره ~~قبل الكل، لكونه صريحا في خلاف معاوية. وعلى هذا يلزم أن يكون المراد من ~~الطعام في الحديث الأول الأعم، لا الحنطة بخصوصها، فيكون الأقط وما بعده ~~فيه من عطف الخاص على العام، بدليل هذا الصريح عنه، ويلزم أن يكون المراد ~~بقوله: «لا أزال أخرجه» إلى آخره، لا أزال أخرج الصاع، أي كنا إنما نخرج ~~مما ذكرت صاعا، وحين كثر هذا القوت الآخر فإنما أخرج منه ذلك القدر. # وحاصله في التحقيق: أنه لم يرد ذلك التقويم، بل إن الواجب صاع، غير أنه ~~اتفق أن ما منه الإخراج في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان غير الحنطة، ~~وإنه لو وقع الإخراج منها لأخرج صاعا. وعن أحاديث غيره وزيادة الحاكم بأنها ~~ضعيفة كما بين ms0505 في محله، ولئن سلمنا التكافؤ في السمعيات كان ثبوت الزيادة ~~على مدين منتفيا، إذ لا يحكم بالوجوب مع الشك. # --- PageV02P176 ~~*** # ثم الصاع ثمانية أرطال عراقية عند أبي حنيفة ومحمد. وعن أحمد ما يدل ~~عليه، وهو اختيار بعض الصحابة. وقدره أبو يوسف بخمسة وثلث، كما قال مالك ~~والشافعي، لما روى البيهقي عن الحسن بن الوليد القرشي وهو ثقة قال: قدم ~~علينا أبو يوسف من الحج فقال: إني أريد أن أفتح عليكم بابا من العلم أهمني، ~~ففحصت عنه، فقدمت المدينة، فسألت عن الصاع فقالوا: صاعنا هذا صاع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قلت لهم: ما حجتكم في ذلك؟ فقالوا: نأتيك بالحجة غدا، ~~فلما أصبحت أتاني نحو من خمسين شيخا من أبناء المهاجرين والأنصار، مع كل ~~رجل منهم الصاع تحت ردائه، كل رجل منهم يخبر عن أبيه وأهل بيته أن هذا صاع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظرت فإذا هي سواء، قال: فعيرته فإذا هي ~~خمسة أرطال وثلث بنقصان يسير. قال فرأيت أمرا قويا فتركت قول أبي حنيفة في ~~الصاع فأخذت بقول أهل المدينة، هذا هو المشهور عنه. # وروي أن مالكا ناظره، واحتج عليه بالصيعان التي جاء بها أولئك الرهط، ~~فرجع أبو يوسف إلى قوله. وأخرج الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال: قدمت المدينة ~~فأخرج إلي من أثق به صاعا وقال: هذا صاع النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته ~~خمسة أرطال وثلث رطل. قال الطحاوي: وسمعت عن ابن أبي عمران يقول: يقال: إن ~~الذي أخرجه إلى أبي يوسف هو مالك، وسمعت أبا حازم يذكر عن مالك أنه قال: هو ~~تحري عبد الملك لصاع عمر. # --- PageV02P177 ~~*** # ولأبي حنيفة ومحمد ما روى النسائي عن موسى الجهني قال: أتى مجاهد بقدح ~~حزرته ثمانية أرطال أي خمنته وقدرته فقال: «حدثتني عائشة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بمثل هذا. وما روى أحمد وأبو داود عن أنس ~~قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بماء يكون رطلين، ويغتسل بالصاع، ~~يعني مع الوضوء في ضمنه. ms0506 وما روى الدارقطني في «سننه» عن أنس وعائشة: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد برطلين، ويغتسل بالصاع ~~ثمانية أرطال. # d # قلت: وأجمعوا على أن الصاع أربعة أمداد. وما روى ابن أبي شيبة عن يحيى بن ~~آدم قال: «سمعت حسن بن صالح يقول: صاع عمر ثمانية أرطال». قال شريك: «أكثر ~~من سبعة أرطال، وأقل من ثمانية». # وقيل: أبو يوسف وجد الصاع خمسة أرطال وثلثا برطل المدينة، وأبو حنيفة ~~يقول: الصاع ثمانية أرطال بالبغدادي: وهي تعدل خمسة أرطال وثلثا بالمدني، ~~لأن الرطل المدني ثلاثون إستارا، والبغدادي عشرون إستارا، والإستار بكسر ~~الهمزة : ستة دراهم ونصف، (وقيل:) وهو الأشبه، لأن محمدا لم يذكر في ~~المسألة خلاف أبي يوسف، ولو كان لذكره على المعتاد، وهو أعرف بمذهبه. # وحاصله أن النزاع لفظي، والحق أنه تحقيقي يحتاج إلى أمر توفيقي. # --- PageV02P178 ~~*** # وأما قول صاحب «الهداية»: والصاع عند أبي حنيفة ومحمد ثمانية أرطال ~~بالعراقي. وقال أبو يوسف: خمسة أرطال وثلث رطل، وهو قول الشافعي، لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «صاعنا أصغر الصيعان»، فليس بمعروف. نعم روى ابن حبان ~~عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل ~~له: «يا رسول الله صاعنا أصغر الصيعان، ومدنا أكبر الأمداد»، فقال عليه ~~الصلاة والسلام: «اللهم بارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في قليلنا وكثيرنا، ~~واجعل لنا مع البركة بركتين». قال ابن حبان: وفي تركه عليه الصلاة والسلام ~~الإنكار عليهم حيث قالوا: «صاعنا أصغر الصيعان»، بيان واضح أن صاع المدينة ~~أصغر الصيعان. # (وجاز منوان برا) لأنهما عدل نصف صاع من بر وزنا، والوزن هو المعتبر في ~~الصاع فيما روى أبو يوسف عن أبي حنيفة، لأن اختلاف العلماء في مقدار الصاع ~~أرطالا دليل على اعتبار الوزن، وعن محمد المعتبر الكيل، لأن الآثار جاءت ~~بلفظ الصاع وهو اسم الكيل المخصوص، والمن: أربعون إستارا. # (شروط وجوب الفطرة) # --- PageV02P179 ~~*** # (وتجب) الفطرة. وفي البخاري: وقال أبو العالية وعطاء وابن سيرين: تفترض ~~(على حر) لا عبد ، ليتحقق التمليك، فإن العبد لا ms0507 يملك لو ملك، فكيف يملك؟ ~~(مسلم) ليكون له قربة وثواب عبادة لا تصح إلا بنية، والكافر ليس له ذلك. ~~(له نصاب الزكاة) من أي مال كان لا ما دونه، لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم ~~«لا صدقة إلا عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن ~~تعول». رواه أحمد عن أبي هريرة. والمعنى: إلا عن غنى، فكلمة «ظهر» مقحمة، ~~والغنى الشرعي: نصاب فاضل عن حوائجه الأصلية. (وإن لم ينم) لأن الفطرة إنما ~~وجبت بقدرة ممكنة، والنمو إنما هو شرط فيما وجب بقدرة ميسرة، كالزكاة. # وقال مالك والشافعي: تجب الفطرة على من يملك ما زاد على قوت يومه لنفسه ~~وعياله، لقوله عليه الصلاة والسلام: «أدوا صاعا من قمح، أو صاعا من بر شك ~~حماد عن كل اثنين، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو مملوك، غني أو فقير. ~~أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما يعطي». رواه أحمد. # قلنا: وقد ضعف بالنعمان بن راشد، ولو صح لم يقاوم ما رويناه في الصحة، مع ~~أن ما لا ينضبط كثرة من الروايات المشتملة على التقسيم المذكور ليس فيها ~~الفقير، فكانت تلك رواية شاذة، فلا تقبل، لا سيما وهي مخالفة للقياس، لأن ~~من يجب عليه شيء لا يجوز له أخذه، ولحديث: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى». # --- PageV02P180 ~~*** # (وبه) أي بهذا النصاب (تحرم الصدقة) أي أخذها (وتجب الأضحية ونفقة ~~القريب) أي يتعلق الوجوب بوجوده (لنفسه) متعلق ب: يجب الأول، أي تجب الفطرة ~~على الحر لأجل نفسه غنيا (وطفله فقيرا) لأن الأصل في الوجوب رأسه وهو يمونه ~~مونا كاملا ويلي عليه ولاية تامة، فكذلك ما كان في معناه من أولاده الصغار ~~الفقراء (وخادمه ملكا) احترز به عن خادمه بإجارة أو إخدام. # (ولو مدبر أو أم ولد) لأن الولاية والمؤن لا ينعدمان بالتدبير ~~والاستيلاد، وإنما تختل بهما المالية من حيث إنهما لا يباعان (أو كافرا). # وقال مالك والشافعي وأحمد: لا فطرة لأجل العبد الكافر، لما في الصحيحين ~~من طريق ms0508 مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض ~~زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كل حر أو ~~عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين. # قلنا: قال الشيخ في «الإمام»: وقد اشتهرت هذه اللفظة أعني: قوله صلى الله ~~عليه وسلم «من المسلمين» من رواية مالك، وقد رواه غير واحد عن نافع، فلم ~~يقولوا فيه «من المسلمين»، منهم: الليث بن سعد، وعبيد الله بن عمر، ~~وحديثهما في «صحيح مسلم»، وأيوب السختياني وحديثه في «الصحيحين»، كلهم رووه ~~عن نافع، عن ابن عمر فلم يقولوا فيه: من المسلمين، ومشى على تفرده بها ~~جماعة، ولكنه ليس بصحيح، فإنه قد تابعه سبعة من الثقات منهم: عمر بن نافع، ~~والضحاك بن عثمان، ويونس بن يزيد. # --- PageV02P181 ~~*** # فحديث عمر رواه البخاري في «صحيحه» عنه، عن أبيه نافع، عن ابن عمر قال: ~~«فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من ~~شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر ~~بها أن تؤدى قبل الصلاة». # وحديث الضحاك رواه مسلم عن نافع، عن ابن عمر قال: فرض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين: حر أو عبد، رجل أو ~~امرأة، صغير أو كبير، صاعا من تمر، أو صاعا من شعير. # وحديث يونس رواه الطحاوي في «مشكله» عنه: أن نافعا أخبر قال: قال عبد ~~الله بن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس زكاة الفطر من ~~رمضان صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على كل ذكر أو أنثى، حر أو عبد من ~~المسلمين. # ولنا إطلاق ما روى الدارقطني ثم البيهقي من حديث قاسم بن عبد الله بن ~~عامر ابن زرارة بسنده، عن نافع، عن ابن عمر قال: أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد، ممن تمونون. قال ~~الدارقطني: رفعه القاسم. هذا، وهو ms0509 ليس بالقوي، والصواب أنه موقوف. وروى ~~أيضا من حديث علي بن موسى، عن أبيه، عن جده، عن آبائه: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمر بنحوه. # --- PageV02P182 ~~*** # وروى البيهقي عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: ~~فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه، وزاد: صاعا من شعير، أو صاعا من ~~تمر، أو صاعا من زبيب عن كل إنسان. وصريح ما أخرجه الدارقطني في «سننه» عن ~~سلام الطويل، عن زيد العمي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «أدوا صدقة الفطر عن كل صغير وكبير، ذكر أو أنثى، يهودي أو ~~نصراني، حر أو مملوك، نصف صاع من بر، أو صاعا من تمر أو شعير». ثم قال: لم ~~يسنده غير سلام الطويل، وهو متروك. # وما أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن عباس قال: يخرج زكاة الفطر عن كل ~~مملوك له وإن كان يهوديا أو نصرانيا. وما رواه الطحاوي في «المشكل» عن ابن ~~المبارك، عن ابن لهيعة، عن عبيد الله بن جعفر، عن الأعرج، عن أبي هريرة ~~قال: كان يخرج الرجل زكاة الفطر عن كل إنسان يعوله: من صغير وكبير، حر أو ~~عبد، ولو كان نصرانيا، مدين من قمح، أو صاعا من تمر. والتقييد بقوله: «من ~~المسلمين»، لا يعارض المطلق عندنا، لما عرف من عدم حمل المطلق على المقيد ~~في الأسباب، لأنه لا تزاحم فيها فيمكن العمل بهما، فيكون كل من المطلق ~~والمقيد سببا، بخلاف ما إذا وردا في حكم واحد. # (لا لزوجته) لقصور الوقاية والمؤنة، لأنه لا يلي عليها في غير حقوق ~~الزوجية، ولا يمونها في غير الرواتب كالمداواة، ولأن عليها الإخراج عن ~~عبيدها، ونفسها أقرب إليها منهم، ومن وجب عليه عن غيره لا يجب على غيره ~~عنه. وأوجبها مالك والشافعي، لأنه يمونها وله عليها ملك كملك المولى على أم ~~ولده، ولهذا لو أدى عنها بغير إذنها، جاز. # --- PageV02P183 ~~*** # قلنا: وجوب النفقة عليه ليس باعتبار الملك، بل في مقابلة ms0510 احتباسها بحقه، ~~على أن ملك النكاح ليس بملك حقيقي بل هو ضروري لشرعية الطلاق، بخلاف أم ~~الولد لاجتماع الولاية والمؤنة على الكمال، وجواز الدفع عنها بغير أمرها ~~رواية عن أبي يوسف: فلنا أن نمنع، ولئن سلم فإنما أجزى عنها استحسانا لثبوت ~~الإذن عادة، والقياس أنه لا يجوز كالزكاة. # (وولده الكبير) وإن لزمه نفقته، لانعدام الولاية. وأوجبها مالك والشافعي ~~لأنه يمونه. (وطفله الغني) لعدم المؤن (بل من ماله) أي من مال الطفل، لأنها ~~أجريت مجرى المؤنة فأشبه النفقة، وهذا عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وقال محمد ~~وزفر: تجب صدقة فطر طفل الغني على أبيه، لأنها عبادة وهو ليس من أهل ~~وجوبها، فحينئذ لو أدى من ماله ضمن كالزكاة. # (ومكاتبه) لعدم الولاية الكاملة، ولا يجب على المكاتب أيضا لنفسه لأنه ~~فقير، (وعبده للتجارة) لأنه يجب عليه الزكاة بسببه، فلو وجبت الفطرة فيه ~~لأدى إلى الثنى في الزكاة: أي التكرار، وقال صلى الله عليه وسلم «لا ثنى في ~~الصدقة». # (وعبد له أبق) بصيغة الماضي أو الفاعل لعدم الولاية، وكذا إذا أسر، أو ~~غصب، أو جحد (إلا بعد عوده) لوجود الولاية والمؤن. # --- PageV02P184 ~~*** # (وعبد مشترك) بين اثنين لقصور الولاية والمؤنة في حق كل واحد منهما. ~~وأوجبها مالك والشافعي في العبيد الثلاثة كلها لإطلاق النصوص المتقدمة، ~~ولأن صدقة الفطر مؤنة الرأس لا تعلق لها بالمالية كالنفقة، ألا ترى أنها ~~تجب عن الولد الحر ولا مالية فيه، وزكاة المال تجب بسبب المال النامي، ~~فكانا حقين مختلفين يجبان بسببين مختلفين: أحدهما في الذمة: وهي الفطرة، ~~حتى لا تسقط بعروض الفقر بعد الوجوب، والآخر في المال: وهو بعض النصاب حتى ~~تسقط بهلاك المال، فلم يكن بينهما تدافع كالأجرة والزكاة والنفقة. ولنا ما ~~قدمناه، ولأن الشرع بنى هذه الصدقة على المؤنة فقال: «أدوا عمن تمونون»، ~~وهذا العبد معد للتجارة لا للمؤنة والنفقة. # (وكذا العبيد) حال كونها (مشتركة) عند أبي حنيفة (خلافا لهما) في المشهور ~~عنهما، فإنهما قالا: يجب على كل واحد من الشريكين فطرة ما يخصه من الرؤوس ~~دون الأشقاص، ms0511 حتى لو كان بين رجلين ثلاثة أعبد أو خمسة، يجب على كل واحد ~~منهما صدقة عبد أو عبدين، وهذا بناء على صحة قسمة الرقيق جبرا عندهما وعدم ~~صحة قسمتها عنده، فلم يملك كل واحد منهما ما يسمى عبدا. وقيل: لا تجب ~~الفطرة في العبيد المشتركة باتفاق، لأن النصيب لا يجتمع قبل القسمة، فلم ~~يتم رقبة لواحد. # (وتجب) الفطرة (بطلوع فجر) يوم (الفطر) فمن مات قبله، أو أسلم بعده، أو ~~ولد، لا يجب لأجله، ومن أسلم، أو استغنى، أو ولد له، أو ملك عبدا قبله ~~فعليه الصدقة. # --- PageV02P185 ~~*** # وقال الشافعي: تجب بغروب الشمس من اليوم الأخير من رمضان، وعنه أنها تجب ~~بطلوع الفجر. وعن مالك وأحمد أيضا روايتان. ومبنى الخلاف على أن قول ابن ~~عمر في الحديث السابق: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من ~~رمضان». المراد به الفطر المعتاد في سائر الشهر، فيكون الوجوب بالغروب، أو ~~الفطر الذي ليس بمعتاد فيه، فيكون الوجوب بطلوع الفجر. لنا أنه لو كان ~~المراد الفطر المعتاد في سائر الشهر لوجب ثلاثون فطرة. # ثم يستحب إخراجها بعد طلوع الفجر قبل صلاة العيد، لما روى الحاكم في ~~«علوم الحديث» من حديث ابن عمر قال: «كان يأمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن نخرج صدقة الفطر قبل الصلاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقسمها قبل أن ينصرف إلى المصلى ويقول: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم». ~~ورواه أبو داود عن ابن عمر، ولفظه: «أمرنا عليه الصلاة والسلام بزكاة الفطر ~~أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة». # (وجاز تقديمها) على يوم الفطر مطلقا، وهو اختيار صاحب «الهداية». وقال ~~خلف بن أيوب: يجوز في رمضان ولا يجوز قبله، وهو اختيار الإمام أبي بكر محمد ~~ابن الفضل، وهو الصحيح وعليه الفتوى، كذا في «الظهيرية». وقيل: يجوز في ~~العشر الأواخر لا قبله، وعند الحسن بن زياد لا يجوز تعجيلها أصلا، كذا في ~~«الكافي». # --- PageV02P186 ~~*** # (ولا تسقط إن أخر) عن يوم الفطر في الأصح وإن افتقر، لأنها قربة ms0512 مالية، ~~فلا تسقط بعد الوجوب إلا بالأداء، كالزكاة. وعن الحسن أنها تسقط بمضي يوم ~~الفطر، لأنها قربة اختصت بيوم العيد فتسقط بمضيه، كالأضحية. قلنا: لا تسقط ~~بل ينتقل الوجوب إلى التصدق بالقيمة، وهذا لأن القربة بإراقة الدم غير ~~معقولة المعنى، وإنما عرفت شرعا في أيام مخصوصة، ووجه القربة في التصدق ~~معقول: وهو سد خلة المحتاج، فلا يتقدر وقت الأداء فيه بوقت دون وقت، ~~كالزكاة. # ولو فرق شخص صدقة فطره على مسكينين لم يجزئه نظرا لظاهر: «أغنوهم». وقال ~~الكرخي: يجزئه، وهو الصحيح لوجود الدفع إلى المصرف. ولو دفع جماعة إلى ~~مسكين واحد جاز على الصحيح، لأنه بالنسبة إلى كل معط مصرف. والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # كتاب الصوم # كانت فرضيته بعدما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر، في شعبان، على رأس ~~ثمانية عشر شهرا من الهجرة. وسببه الشهر، لأنه يضاف إليه ويتكرر بتكرره، ~~وكل يوم سبب لوجوب صومه، حتى إذا بلغ الصبي في أثناء الشهر يلزمه ما بقي لا ~~ما مضى، لأن الصيام يتفرق في الأيام تفرق الصلوات في اليوم والليلة. # وهو لغة: الإمساك مطلقا. # --- PageV02P187 ~~*** # وشرعا: إمساك خاص (هو ترك الأكل والشرب والوطىء من الصبح اإلى المغرب) أي ~~إلى الغروب لقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} (مع النية) لتتميز ~~العبادة عن العادة، ولا بد من قيد «من أهله» ليخرج الحائض والنفساء. ~~والمعتبر أول طلوع عند الصبح عند جمهور العلماء، وقيل: استنارته، وهو مروي ~~عن عثمان، وحذيفة، وابن عباس، وطلق بن علي، وعطاء بن أبي رباح، والأعمش. ~~قال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ ~~البيوت. قال شمس الأئمة «الحلواني»: الأول أحوط، والثاني أرفق أي أوسع ~~وللضعفاء أوفق. # (ويصح أداء رمضان) وهو فرض عين على كل مسلم عاقل بالغ أداؤه، لقوله ~~تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، (وقضاؤه) لقوله تعالى: {فمن كان منكم ~~مريضا} الآية، وعلى فرضيته انعقد الإجماع، ولهذا يكفر جاحده. قال تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم ms0513 ~~تتقون * أياما معدودات}، ثم بينها بقوله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} ~~الآية. روى الطبراني عن قتادة (ودغفل) بن حنظلة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «كان على النصارى صوم رمضان، وكان عليهم ملك فمرض، فقالوا: لئن ~~شفاه الله لنزيدن عشرا، ثم كان عليهم ملك بعده فتوجع، فقالوا: لئن شفاه ~~الله لنزيدن ثمانية أيام، ثم كان بعد ذلك ملك فقالوا: نتم هذه الأيام، ~~ونجعل صومنا في الربيع، فصار خمسين يوما». # --- PageV02P188 ~~*** # وكذا صوم الكفارات فرض لقوله تعالى في كفارتي القتل والظهار: {فمن لم يجد ~~فصيام شهرين متتابعين}، وفي كفارة اليمين: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ~~ذلك كفارة أيمانكم}، ولقوله عليه الصلاة والسلام للذي واقع امرأته في ~~رمضان: «صم شهرين متتابعين». وكذا فرض المنذور في الأظهر لقوله تعالى: ~~{وليوفوا نذورهم}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «أوف بنذرك». وقيل: ~~إنه واجب. # وشرط لوجوب أداء رمضان: الصحة والإقامة لما تلونا. وشرط صحته: الطهارة من ~~الحيض والنفاس لما تقدم في بابه لا الطهارة من الجنابة، لقوله تعالى: ~~{فالآن باشروهن} الآية. # (بنية) متجددة لكل يوم، لأنه عبادة على حدة. وقال مالك في المشهور عنه، ~~وهو رواية عن أحمد: يكفي نية واحدة لجميع الشهر في أول ليلة منه، لأن صوم ~~الشهر عبادة واحدة، فتصح بنية واحدة، كصحة اعتكاف شهر بنية واحدة. قلنا: إن ~~صوم كل يوم عبادة على حدة، لتخلل ليلة غير صالحة للصوم بين كل يومين بخلاف ~~اعتكاف شهر، فإن جميع أوقاته صالحة له، ثم لو نوى عند الغروب لا يصح، فلا ~~بد أن تقع في ليلة. # --- PageV02P189 ~~*** # وجاز وقوعها (قبل نصف النهار الشرعي)، وهو من الفجر إلى الغروب. وقيد ~~«النهار» بالشرعي لدفع توهم أن المراد النهار اللغوي، وهو من طلوع الشمس ~~إلى غروبها. وذلك لأنه لا بد من وجود النية في أكثر وقت الأداء لقيامه مقام ~~الكمال، ونصفه من طلوع الفجر إلى وقت الضحوة الكبرى، فتشترط النية قبلها ~~لتتحقق في الأكثر، وهذا على الأصح. وقيل: قيام الزوال. وقال مالك، والشافعي ~~وأحمد: يجب ms0514 تعيين صوم الحاضر من الليل، إلا أن مالكا يشترط تبييت النية من ~~الليل في كل صوم: فرضا ونفلا. # وقال الشافعي، وأحمد: في غير النفل، لما في السنن الأربعة من حديث ابن ~~عمر، عن أخته حفصة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له». # هكذا لفظ أبي داود والترمذي، ولفظ ابن ماجه: «لا صيام لمن لم يفرض الصيام ~~من الليل»، وجمع النسائي بينهما، قال أبو داود: ورواه الليث، وإسحاق بن ~~حازم عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن الزهري مثله . ووقفه على ~~حفصة معمر، والزبير، وابن عيينة، ويونس الأيلي، عن الزهري. ورواه الترمذي ~~عن يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن (أبي بكر) وقال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعا ~~إلا من هذا الوجه. وقد روى نافع عن ابن عمر قوله، وهو أصح. # وقال النسائي: الصواب عندنا أنه موقوف، ولم يرو مالك في «الموطأ» إلا من ~~كلام ابن عمر، وعائشة، وحفصة، وعلى تقدير ثبوته محمول على نفي الكمال، ولأن ~~أول أجزائه مفتقر إلى النية، لأنه قربة كسائره، فإذا خلا عنها بطل ذلك ~~الجزء، فبطل الباقي ضرورة، لأنه لا يتجزأ. # --- PageV02P190 ~~*** # ولنا ما في السنن الأربعة عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال قال الحسن في حديثه: يعني رمضان ~~فقال: أتشهد أن لا إله إلاالله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ ~~قال: نعم، قال: يا بلال أذن في الناس، فليصوموا». وأما قول صاحب «الهداية»: ~~لقوله عليه الصلاة والسلام بعدما شهد الأعرابي برؤية الهلال: «إلا من أكل ~~فلا يأكل بقية يومه، ومن لم يأكل فليصم». فغير معروف. نعم، ورد في الصحيحين ~~عن سلمة بن الأكوع: أنه صلى الله عليه وسلم أمر رجلا من أسلم: «أذن في ~~الناس أن من أكل فليصم بقية يومه». أي فليمسك، كما في رواية : ومن لم يكن ~~أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء». # وفيه ms0515 دليل على أنه كان أمر إيجاب قبل نسخه برمضان، إذ لا يؤمر من أكل ~~بإمساك بقية اليوم إلا في يوم مفروض الصوم، بخلاف قضاء رمضان إذا أفطر فيه، ~~فعلم أن من تعين عليه صوم يوم ولم ينوه ليلا أنه يجزئه نهارا. وهذا بناء ~~على أنه كان واجبا، لما في الصحيحين عن عائشة قالت: «كان يوم عاشوراء يوما ~~تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما ~~قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء ~~تركه». قال الطحاوي: فيه دليل على أن من تعين عليه صوم يوم يعني كصوم ~~رمضان، والنذر المعين ولم ينوه ليلا، تجزئه النية نهارا. # --- PageV02P191 ~~*** # ولأن الأصل في النية مقارنتها للأداء، وإنما جاز التقدم للضرورة، ~~والضرورة موجودة في حق يوم الشك، وفي حق المجنون، والمغمى عليه إذا أفاق ~~نهارا، وفي حق المسافر إذا قدم نهارا، ولا تندفع هذه الضرورة إلا بجواز ~~النية المتأخرة، فثبت أن الافتراض لا يمنع اعتبار النية مجزأة من النهار ~~شرعا، ويلزمه عدم الحكم بفساد الجزء الذي لم يقرن بها في أول النهار عن ~~الشارع، بل اعتباره موقوفا إلى أن يظهر الحال من وجودها بعده أم لا، فإذا ~~وجدت ظهر اعتباره عبادة لا أنه انقلب صحيحا بعد الحكم بالفساد. فبطل ذلك ~~المعنى الذي عيناه لقيام ما رويناه دليلا على اعتباره شرعا، وحمل مرويهما ~~على نفي الكمال كما في أمثاله من نحو: «لا وضوء لمن لم يسم الله»، «ولا ~~صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، أو على تقديم النية على الليل، فإنه لو ~~نوى قبل غروب الشمس أن يصوم غدا لا يصح، وإنما يصح إذا نوى بعد الغروب. أو ~~معناه لم ينو أنه صوم من الليل، ثم نوى الصوم من وقت النية على أنه عام خص ~~منه النفل، والعام متى خص منه شيء، صح تخصيصه بالقياس، فتحمله على صوم ~~القضاء، والنذر المطلق، والكفارات. # ثم لا فرق فيما ذكرنا من جواز النية قبل نصف النهار، بين المسافر ms0516 ~~والمقيم، والصحيح والسقيم، لأنه لا تفصيل في ذلك من (الدليل). وقال زفر: لا ~~يجوز الصوم للمسافر والمريض إلا بنية من الليل، لأن الأداء غير مستحق ~~عليهما وقت السفر والمرض، فصار كالقضاء. # --- PageV02P192 ~~*** # (ويصح أداء رمضان بنية نفل (أو بنية) مطلق) بالإضافة أي مطلق الصوم، وفي ~~بعض النسخ بنية مطلقة بالوصف فلا بد من تقييدها للصوم، وهو رواية عن ~~أحمد.وقال مالك، والشافعي: لا يصح أداء رمضان إلا بنية على التعيين كما في ~~الصلاة، ولنا في جواز النية المطلقة أن شهر رمضان متعين للفرض، ولا يسع ~~غيره، والإطلاق في المتعين تعيين، كمن نادى زيدا، المنفرد في الدار ب: يا ~~إنسان، فإن فيه تعينا له، وأما في نية النفل فلأن وصفه بالنفل خطأ فيبطل، ~~ويبقى الإطلاق، وهو تعيين. # (وبنية واجب آخر، إلا في سفر أو مرض) فإن المسافر والمريض إذا نويا في ~~رمضان واجبا آخر يقع عن ذلك الواجب، وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ~~ومحمد: يقع عن رمضان، لأن الرخصة لأجل المشقة، فإذا تحمل المعذور التحق ~~بغيره، ولأبي حنيفة: أنهما شغلا الوقت بالأهم، لمؤاخذتهما بذلك الواجب في ~~الحال، حتى لو مات فيها يأثم، وتأخر مؤاخذتهما برمضان إلى إدراك عدة من ~~أيام أخر، حتى لو مات قبل إدراك العدة، ليس عليه شيء. # (وكذا) أي مثل رمضان فيما تقدم (النفل، والنذر المعين إلا في الأخير) وهو ~~الواجب الآخر، والفرق بين رمضان والنذر المعين: أن رمضان متعين بتعيين ~~الشارع، وله إبطال صلاحية ما نواه (بالتعيين لغير رمضان من الصيام، وأما ~~النذر المعين فمتعين بتعيين) الناذر، وله إبطال صلاحيته لما له وهو النفل، ~~لا لما عليه وهو الواجب الآخر. # --- PageV02P193 ~~*** # (وشرط للقضاء والكفارة والنذر المطلق أن يبيت النية) من الليل (ويعين)، ~~لأن هذه الأشياء ليس لها وقت معين، فيجب تعيينها من الابتداء، وكذا النفل ~~عند مالك، لإطلاق ما روينا من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صيام لمن لم ~~يفرضه من الليل». ولنا ما في مسلم، عن عائشة قالت رضي الله عنها: دخل علي ~~النبي صلى الله عليه ms0517 وسلم ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، فقال: ~~إني إذا صائم»، وأجاز الشافعي في قول نيته بعد الزوال أيضا، فيصير صائما من ~~حين نوى، إذ هو متجزىء عنده لكونه مبنيا على النشاط، ولعله ينشط بعد ~~الزوال، ولكن الصحيح اشتراط حصول شروط الصوم من أول النهار. # (والنفل يوم الشك): وهو ما استوى فيه طرف العلم والجهل، وذا بأن غم هلال ~~رمضان في اليوم التاسع والعشرين، فيقع الشك في اليوم الثلاثين أنه من شعبان ~~أو رمضان، نظرا إلى قوله صلى الله عليه وسلم «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا»، ~~وحبس إبهامه في المرة الثالثة. # وقوله: «هكذا وهكذا وهكذا»، (أفضل لمن وافق صوما يعتاده)، كذا لمن صام ~~ثلاثة أيام أو أكثر من آخر شعبان، وأراد تكميل شعبان (وللخواص) كالقاضي، ~~والمفتي من العلماء. # (ويفطر غيرهم بعد نصف النهار) الشرعي نفيا لتهمة ارتكاب المنهي عنه. وقال ~~أحمد، وجماعة: إذا كان بالسماء غيم فليس بيوم شك موصوف بالمنهي عنه، ويجب ~~صومه عن رمضان. وقال مالك: هو يوم الشك، ويجوز صومه إذا لم يقصد به استقبال ~~رمضان، أو وافق صوما كان يصومه، ولا يجوز أن يصومه على أنه من رمضان على ~~طريق الاحتياط. وقال الشافعي: يكره التطوع إذا انتصف شعبان، لما روى أبو ~~داود، والنسائي: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا». لكن قال أحمد: إنه غير محفوظ. # --- PageV02P194 ~~*** # ولما روى أبو داود والنسائي عن حذيفة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى ~~تروا الهلال أو تكملوا العدة». وما في أبي داود والترمذي عن ابن عباس ~~مرفوعا: «لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم ~~وبينه سحاب فكملوا العدة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا». وصححه ~~الترمذي. وما في البخاري: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى ~~تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له». وفي رواية له: «صوموا لرؤيته، وأفطروا ~~لرؤيته». وما في السنن الأربعة عن صلة بن زفر قال: كنا عند عمار في اليوم ms0518 ~~الذي شك فيه، فأتى بشاة مصلية فتنحى بعض القوم، فقال عمار: «من صام هذا ~~اليوم فقد عصى أبا القاسم». # وما رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» من قول ابن عباس: «من صام اليوم الذي ~~شك فيه، فقد عصى الله ورسوله». وما رواه البزار من حديث أبي هريرة: «نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ستة أيام من السنة: يوم الأضحى، ويوم الفطر، ~~وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه من رمضان. وأما قول صاحب «الهداية»: ~~للحديث المرفوع، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «من صام يوم الشك فقد عصى ~~أبا القاسم»، فرفعه غير معروف، وإنما هو من قول عمار كما تقدم، والله ~~سبحانه أعلم. # --- PageV02P195 ~~*** # ولنا ما في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر، أنه عليه الصلاة والسلام قال ~~لرجل: «هل صمت من سرر شعبان؟» قال: لا، قال: «وإذا أفطرت فصم يوما مكانه». ~~وسرر الشهر بفتح السين وكسرها : آخره، كذا قال جمهور أهل لغة الحديث: وسمي ~~بذلك لاسترار القمر فيه واختفائه، ذكره المنذري. وربما كان ليلة وربما كان ~~ليلتين، وقد استدل به الإمام أحمد على وجوب صوم يوم الشك. # وعندنا هذا يفيد استحبابه لا وجوبه، لأنه معارض بنهي التقدم بصيام يوم أو ~~يومين، فيحمل على كون التقدم بصوم رمضان جمعا بين الأدلة وهو واجب ما أمكن، ~~ويصير حديث السرر للاستحباب، ولأن المعنى الذي يعقل فيه هو أن يختم شعبان ~~بالعبادة، كما يستحب ذلك في كل شهر. فهو بيان أن هذا الأمر وهو صوم الشهر ~~بعبادة الصوم لا يختص بشهر شعبان، كما قد يتوهم بسبب اتصال الصوم الواجب به. # وفي الكتب الستة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ~~تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوما فيصومه». وفي لفظ ~~أبي داود: «إلا أن يكون صوما يصومه رجل فليصم ذلك الصوم ». # وفي «المحيط»: الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين مكروه، ولا يكره بثلاثة ~~لهذا الحديث، يعني إذا لم يكن قصده الاستقبال، والله تعالى أعلم بالحال. # --- PageV02P196 ~~*** # وأما حديث ms0519 عمار، وابن عباس فموقوف، فلا يعارض حديث السرر، والأولى حمله ~~على إرادة صومه عن رمضان، وكأنه فهم من التنحي قصد ذلك، فلا تعارض حينئذ ~~أصلا. وعلى هذا التقدير لا يكره صوم واجب آخر في يوم الشك، كما قال مالك ~~والشافعي: لأن المنهي عنه صوم رمضان. وهو غير بعيد من كلام «الكافي» وشارحي ~~«الهداية»، حيث ذكروا أن المراد من التقدم التقدم بصوم رمضان، قالوا: ~~ومقتضاه أن لا يكره واجب آخر أصلا، وإنما كره لصورة النهي في حديث العصيان، ~~وحقيقة هذا الكلام على وجه يصح أن يكون معناه أن يترك صومه عن واجب آخر ~~تورعا. هذا ملخص كلام بعض أهل التحقيق والله ولي التوفيق. # وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يصام اليوم ~~الذي يشك فيه أنه من رمضان، إلا تطوعا»، فغير معروف. # (وكره) الصوم تنزيها (إن نوى) يوم الشك (واجبا) سواء كان ذلك الواجب ~~رمضان أو غيره، لكن كراهة رمضان أشد من كراهة غيره، فإن ظهر أن ذلك رمضان ~~صح لوجود أصل النية، وإن ظهر أنه من شعبان فإن كان نوى رمضان يكون تطوعا ، ~~وإن أفطر لا قضاء عليه، لأنه ظان، وإن كان نوى واجبا غير رمضان، قيل: يكره ~~تطوعا لأنه منهي عنه فلا يتأدى به الواجب، وقيل: يجزئه عن الذي نواه وهو الأصح. # (ولا صوم إن) ردد في أصل الصوم بأن (نوى: إن كان الغد من رمضان فأنا ~~صائم، وإلا) أي وإن لم يكن الغد من رمضان (فلا،) أي فلست بصائم، وإنما لا ~~يكون بهذه النية صائما لعدم الجزم فيها. # --- PageV02P197 ~~*** # (وكره إن ردد) في وصف الصوم بأن ردد (بين صوم رمضان وغيره) سواء كان ذلك ~~الغير واجبا أو نفلا مثل أن يقول: إن كان الغد من رمضان فأنا صائم عنه، وإن ~~كان من شعبان فأنا صائم عن قضاء، أو أنا صائم تطوعا. وإنما كره ذلك للترديد ~~بين مكروهين في المسألة الأولى، وبين مكروه وغير مكروه في الثانية. # (فإن كان الغد من رمضان يقع عنه) لوجود الجزم في أصل ms0520 النية، وإن لم يوجد ~~في وصفها (وإلا) أي وإن لم يكن الغد من رمضان (فنفل) أي فصومه نفل. أما إذا ~~ردد بين رمضان وواجب، فلأن الجزم بالوصف شرط في واجب غير رمضان ولم يوجد، ~~فلم يقع عنه، ومطلق النية موجود وهو كاف في النفل ، فوقع عنه. وأما إذا ~~ردد بين رمضان ونفل، فلأن الغد لما لم يكن من رمضان لغا ذكر رمضان وبقي ~~مطلق النية، وهو كاف في النفل، ولو أفسد هذا النفل لا يلزمه قضاؤه، لأنه لم ~~يشرع فيه ملتزما، وإنما شرع فيه مسقطا. وأما من جهل كونه رمضان، فنوى صوما ~~غيره، فإنه يقع عن رمضان اتفاقا، لوجود السبب وتعينه له. # (ومن رأى هلال صوم أو فطر وحده) أي منفردا (يصوم وإن رد قوله.) أي لم ~~يقبل القاضي شهادته، أما هلال رمضان فلأنه شهد الشهر، وقال تعالى: {فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه} وأما هلال الفطر فللاحتياط، ولأن الناس لم يفطروا في ~~هذا اليوم، وقد روى أبو داود، والترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون». # --- PageV02P198 ~~*** # (وإن أفطر) من رأى وحده هلال الصوم أو الفطر (يقضي) استدراكا لما فاته ~~(ولا كفارة عليه) في الصحيح، لأن الكفارة تندرىء بالشبهة وقد وجدت، أما (في ~~هلال الصوم) في حق من ردت شهادته، فلأنه صار مكذبا شرعا، وفي حق من لم ترد ~~شهادته: بأن رأى ولم يشهد، أو بأن أفطر قبل أن يرد وفيه خلاف، لأن هذا ~~اليوم لم يصمه الناس، وأما في هلال الفطر فلأنه يوم عيد عنده، ولو أكمل ~~ثلاثين يوما لا يفطر إلا مع الإمام للاحتياط، ولو أفطر لا كفارة عليه ~~اعتبارا للحقيقة التي عنده. # (وقبل خبر عدل ولو قنا، أو امرأة للصوم) فقط (مع غيم) يمنع الرؤية، أو ~~دخان، أو غبار كذلك. وشرط مالك، والشافعي في أحد قوليه: عدلين، لأنه شهادة ~~يشترط فيها العدد. ولنا أن هذا خبر ديني فتشترط فيه العدالة دون العدد ~~والحرية والذكورة، كرواية الأخبار، ولهذا لم ms0521 يشترط فيه لفظ الشهادة، كما ~~نبه عليه بقوله «خبر عدل». وقيد «بالعدل» لأن الفاسق لا يقبل خبره في ~~الديانات التي يمكن تلقيها من العدول، ويقبل فيما لا يمكن، كالإخبار بنجاسة ~~الماء وطهارته، وقول الطحاوي: عدلا كان أو غيره، أراد بغير العدل المستور، ~~وهو من لم يعرف بعدالة ولا فسق. # وفي «المحيط»: ينبغي أن يفسر الرائي جهة الرؤية، فإن احتمل انفراده برؤية ~~تقبل وإلا فلا. وفي «الخانية»: تقبل شهادة الواحد على الواحد، وشهادة ~~المحدود في قذف بعد التوبة. يعني في هذه المسألة على ظاهر الرواية، وعن أبي ~~حنيفة لا تقبل، لأنها شهادة من وجه. # --- PageV02P199 ~~*** # (وشرط مع غيم للفطر نصاب الشهادة،) وهو رجلان، أو رجل وامرأتان (ولفظها، ~~والعدالة)، والحرية وعدم الحد في قذف لأنها شهادة بما فيه نفع للعباد وهو ~~الفطر، فكانت كشهادة سائر حقوقهم (لا الدعوى) أي لا يشترط في هذه (الشهادة) ~~الدعوى، لما فيها من حق الله تعالى، كما لا تشترط في الشهادة بعتق الأمة، ~~وطلاق الحرة. # (وبلا غيم) ونحوه شرط (جمع عظيم فيهما) أي في الصوم والفطر، لأن انفراد ~~الجمع القليل بالرؤية يوجب ظن غلطهم، فيوجب التوقف فيه حتى يكون جمعا ~~كثيرا، بخلاف ما إذا كان بالسماء غيم، فإنه قد ينشق الغيم فيتفق لبعض الناس ~~النظر إلى الهلال دون الباقين. والجمع العظيم: قيل: أهل محلة، وعن أبي ~~يوسف: خمسون رجلا كالقسامة، وعن محمد: أنه قدر ما يحصل للإمام العلم ~~بخبرهم، بأن يتواتر الخبر من كل جانب، والاكتفاء باثنين رواية عن أبي ~~حنيفة. والأصح تفويضه إلى رأي الإمام لتفاوت الناس صدقا. # (وبعد صوم ثلاثين بقول عدلين) متعلق بصوم (حل الفطر) عامل في «بعد» أي، ~~وحل بعد صوم ثلاثين بقول عدلين الفطر، لأنه يثبت بشهادة عدلين (وبقول عدل ~~لا) أي لا يحل الفطر، لأنه لا يثبت بشهادة الواحد، فلا يفطرون احتياطا. ~~وأجاز محمد للناس الفطر بعد ثلاثين يوما بقول عدل واحد، كثبوته بشهادة عدلين. # --- PageV02P200 ~~*** # (والأضحى كالفطر) أي وحكم هلال الأضحى كحكم هلال الفطر، فيثبت بمثل ما ~~يثبت به، لأنه تعلق به ms0522 حق العباد وهو التوسع بلحوم الأضحى. ولو رأى الهلال ~~نهارا، فهو لليلة الآتية، لأنه يحتمل أن يكون من الماضية، أو من الآتية ~~فيجعل من الآتية وهو قول أبي حنيفة، ومحمد، ومذهب مالك، والشافعي، وأحمد، ~~والليث، والأوزاعي، وقال به من الصحابة عمر، وابن مسعود، وأنس بن مالك. روى ~~عبد الرزاق في « مصنفه»، عن معمر، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: كتب إلينا ~~عمر أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا، فلا تفطروا حتى ~~يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس أي بليلة . ولقوله صلى الله عليه وسلم ~~«صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»، فوجب سبق الرؤية على الصوم والفطر. ~~والمفهوم المتبادر منه الرؤية عند عشية آخر كل شهر عند الصحابة والتابعين ~~ومن بعدهم. # وروي عن عمر، وهو قول علي، وعائشة، ومذهب الثوري، وأبي يوسف: إن رئي قبل ~~الزوال فللماضية في الصوم والفطر، لأن الشيء يأخذ حكم ما قرب منه، ولأن ~~الظاهر أنه لا يرى قبل الزوال إلا (وهو) لليلتين. # وقال الحسن بن زياد: إن غاب بعد الشفق فللماضية، وإن غاب قبله فللراهنة. # وإذا ثبت الهلال في مصر لزم الصوم سائر الناس، فيلزم أهل المشرق برؤية ~~أهل المغرب في ظاهر المذهب، واختاره أكثر المشايخ، لعموم الخطاب في قوله ~~صلى الله عليه وسلم «صوموا» معلقا بمطلق الرؤية في قوله: «لرؤيته»، وبرؤية ~~قوم يصدق اسم الرؤية، وما يتعلق به من عموم الحكم فيجب العموم احتياطا، هذا ~~بناء على عدم الاعتبار باختلاف المطالع. # --- PageV02P201 ~~*** # والأشبه من حيث الدليل هو الاعتبار باختلافها كما في دخول وقت الصلاة، ~~لأن السبب شهود الشهر، فإذا انعقد بالرؤية في حق قوم، لا يلزم أن ينعقد في ~~حق غيرهم مع اختلاف المطالع، كما لو زالت الشمس، أو غربت على قوم دون ~~آخرين، يجب الظهر أو المغرب على الأولين دون أولئك لعدم انعقاد السبب في حقهم. # واختار صاحب «التجريد» وغيره من المشايخ اعتبار اختلاف المطالع لما روى ~~الجماعة إلا البخاري من حديث كريب، أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، ~~قال: فقدمت الشام، وقضيت ms0523 حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت ~~الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، قال: ~~متى رأيتم الهلال؟ قلت: ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورأوه ~~الناس فصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنا رأينا ليلة السبت، فلا نزال نصوم ~~حتى نكمل ثلاثين، أو نراه أي الهلال فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية ~~وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم # شك أحد رواته في نكتفي، بالنون أو بالتاء، ولا شك أن هذا أولى لأنه نص، ~~وذلك يحتمل أن يكون المراد: أمر أهل كل مطلع بالصوم إذا رأوه. هكذا قال بعض ~~المحققين، وأجيب بأنه جاز أن يكون مذهب ابن عباس أنه من باب الشهادة، فلذا ~~لم يقبل قول كريب وحده، ويكون قوله: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعني باعتبار قوله: «فإن غم عليكم فأكملوا». # فصل فيما يفسد الصوم وفيما لا يفسده # (من جامع) حيا من الآدميين، (أو جومع في أحد السبيلين) سواء وجد منه ~~إنزال أو لم يوجد. # --- PageV02P202 ~~*** # (أو أكل أو شرب غذاء) بكسر الغين وبالذال المعجمتين وبالمد ما يتغذى به ~~من الطعام والشراب. # (أو دواء): وهو ما يتداوى به (عمدا) أي متعمدا في نهار رمضان. (قضى) ~~استدراكا لما فاته (وكفر) لكمال الجناية. ولما في الصحيحين عن أبي هريرة، ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم ~~شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا. ولما رواه الدارقطني عن أبي معشر، عن ~~محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، أن رجلا أكل في رمضان، فأمره النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يعتق... الحديث، إلا أنه أعله بأبي معشر. # قلنا: يعضده ما مر في الصحيحين عنه. وقال الشافعي، وأحمد: لا كفارة على ~~من أكل أو شرب عمدا لأن الكفارة وردت في الجماع على خلاف القياس، فلا يلحق ~~به غيره. وحديث أبي هريرة هذا محمول على الإفطار بالجماع، لأنه رواه نحو ~~عشرين عن الزهري بلفظ: «وقع على ms0524 امرأته في رمضان». # ولنا أن الكفارة تعلقت بالجماع لكونه جناية إفطار في رمضان على وجه ~~الكمال وهو التعمد، وهذا المعنى موجود في الأكل والشرب عمدا، وما روى ~~الدارقطني من حديث أبي هريرة، أن رجلا أكل في رمضان، فأمره النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينا. # --- PageV02P203 ~~*** # (كالمظاهر) أي ككفارة المظاهر على الترتيب دون التخيير، لقوله صلى الله ~~عليه وسلم «من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر». رواه الدارقطني بمعناه ~~وقد تقدم. وهو قول الشافعي، وأظهر الروايتين عن مالك، وأحمد، لما روى ~~الجماعة عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~هلكت يا رسول الله، قال: «وما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا ~~صائم، قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم ~~شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا، ~~قال: «اجلس»، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، فقال: «تصدق ~~بهذا»، قال: على أفقر منا؟ فما بين لابتيها يريد الحرتين أهل بيت أحوج ~~إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وفي رواية أنيابه ~~ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك». يعني والكفارة تبقى في ذمته إلى وقت الإيسار. # والعرق: بفتحتين: المكتل، وهو الزنبيل العظيم الذي يسع ثلاثين صاعا. وفي ~~رواية: «وقعت على امرأتي وأنا صائم». وفي أخرى: «وطئت امرأتي في رمضان ~~نهارا». وفي رواية أبي داود، قال صلى الله عليه وسلم «صم يوما مكانه». وأما ~~قول صاحب «الهداية» في آخر الحديث: «يجزئك ولا يجزىء أحدا بعدك»، فغير معروف. # --- PageV02P204 ~~*** # (وهي) أي الكفارة في الصوم (بإفساد أداء رمضان لا غير) أي لا بإفساد ~~قضائه، ولا بإفساد أداء غيره، لأنها لهتك حرمة رمضان، بخلاف الكفارة في ~~الحج فإنها لهتك حرمة العبادة، ولذلك تجب في الحج الفرض وغيره. وكفت عندنا ~~كفارة واحدة عن وطآت في أيام لم يتخلل بينها تكفير، ولو كانت في رمضانين ~~على ms0525 الصحيح، وقيل: في رمضان واحد. وأما إن تخلل التكفير، فلا يكفي كفارة ~~واحدة في ظاهر الرواية، لأن التداخل قبل الأداء لا بعده كما في الحدود. ~~وأوجب مالك والشافعي لكل يوم كفارة، لأن السبب تكرر، فيتكرر حكمه كما لو ~~حنث في يمينين. وهذا لأن معنى العبادة راجح فيها حتى يتأتى بما هو عبادة، ~~والتداخل في العقوبات المحضة. # ولنا أنها شرعت لمعنى الزجر، وأنه حاصل بالأول، فلا يفيده الثاني، لأنه ~~تحصيل الحاصل. وهذا مبني على الدرء بالشبهة، والاقتصار في الحدود على حد ~~واحد إنما كان باعتبار شبهة عدم الفائدة لحصول الانزجار بالأول منها فكذا ~~هنا، بخلاف اليمين، لأنها شرعت جبرا لهتك حرمة الاسم عندنا والهتك متعدد، ~~بخلاف الكفارة هنا، لأنها للزجر لا للجبر. # وتجب الكفارة على المطاوعة عندنا، ونفاها مالك والشافعي عنها. وفي قول ~~للشافعي يجب عليها، ويتحملها الزوج عنها. وله قول ثالث كمذهبنا. وتسقط ~~الكفارة اتفاقا لو طرأ في يوم الإفساد حيض، أو نفاس، أو مرض مبيح للفطر، ~~لأن الكفارة إنما تجب بالإفطار في صوم مستحق، واستحقاقه في يوم واحد لا ~~يتجزأ ثبوتا وسقوطا، فبعروض المرض والحيض في آخره تمكنت شبهة انتفاء ~~الاستحقاق في أوله. # --- PageV02P205 ~~*** # (وقضى فقط) أي من غير كفارة (إن أفطر خطأ) بأن كان ذاكرا للصوم غير ~~قاصد للفطر . كما لو تمضمض فدخل الماء في حلقه وإن لم يبالغ، وبه قال مالك، ~~وشرط الشافعي وجود المبالغة للإفطار على الأصح، لأنه حصل من غير قصده في ~~إقامة فعل وهو سنة فكان معذورا كالناسي، بخلاف ما إذا زاد على السنة ~~بالمبالغة، لأنه حينئذ لا يكون مقيما قربة. وعن ابن أبي ليلى: أنه إذا توضأ ~~للمكتوبة لا يفسد صومه، وإن توضأ للنافلة يفسد، لأنه مضطر إلى الأول دون ~~الثاني. # (أو مكرها) وبه قال مالك، وعند الشافعي: لا يقضي فيهما لقوله تعالى: ~~{وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به}، وقوله صلى الله عليه وسلم «رفع عن أمتي: ~~الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه». رواه الطبراني عن ثوبان، والبيهقي عن ~~ابن عمر بلفظ: «وضع». ولنا أن ms0526 المفطر وصل إلى جوفه فيفسد صومه، وهو القياس ~~في الناسي، إلا أنا تركناه لما سيأتي، وصار كما إذا أكره على أن يأكل بيده، ~~وأجيب عن الآية والحديث بأن المراد بهما نفي الإثم في الآية، ورفع الإثم ~~ووضعه في الحديث. # (أو يظن) بصيغة المضارع أي أفطر ظانا، وفي نسخة صحيحة: بصيغة الجار ~~والمجرور، أي أفطر بظن (أنه) أي وقت الأكل (ليل) ثم تبين أنه نهار، وهذا ~~شامل للمسألتين: # إحداهما أن يأكل وهو يظن أن الفجر لم يطلع، وكان قد طلع. # --- PageV02P206 ~~*** # وثانيهما: أن يأكل وهو يظن أن الشمس غربت، وكانت لم تغرب، فيجب عليه ~~الإمساك بقية يومه قضاء لحق الوقت وحرمته، لأن إفطاره أولا حق مضمون ~~بالمثل، ولا يجب الكفارة لأن الجناية قاصرة، ولقول أسماء: أفطرنا يوما في ~~رمضان في غيم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس، قال: ~~أسامة قلت لهشام: أمروا بالقضاء؟ قال: وبد من ذلك؟ رواه أبو داود. # (أو وصل) من غير الفم (دواء إلى جوفه أو دماغه) بأن داوى آمة: وهي الشجة ~~التي تبلغ أم الدماغ (من غير المسام) قيد به لأنه لو وصل إلى جوفه من ~~المسام لا يقضي، كما لو اغتسل بالماء البارد ووجد برده في كبده، وكما لو ~~ادهن فوجد أثر الدهن في بوله، أو اكتحل فوجد طعم الكحل في حلقه، أو لونه في بزاقه. # وصورة وصول الدواء من غير الفم إلى الجوف: أن يتداوى بحقنة، أو سعوط: وهو ~~الصب في الأنف، أو يداوي جائفة: وهي الجراحة التي تكون في الجوف، أو تقطر ~~امرأة دواء في قبلها وهو الصحيح، أو يقطر رجل في إحليله فيصل إلى المثانة ~~عند أبي يوسف خلافا لأبي حنيفة، ولو دخل الماء باطنه بالاستنجاء يقضي، ولو ~~أقطر في أذنه دهنا قضى، ولو أقطر ماء لا يقضي، ولو استنشق الماء فوصل إلى ~~دماغه قضى. # --- PageV02P207 ~~*** # وإنما قلنا: إن الوصول إلى الجوف والدماغ من غير الفم والمسام موجب ~~للقضاء وحده، لوجود معنى الفطر وهو صلاح البدن وعدم صورته. وفي «الهداية»: ms0527 ~~ومن احتقن، أو استعط، أو أقطر في أذنه أفطر لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«الفطر مما يدخل»، رواه البيهقي في «سننه الكبرى» عن ابن عباس أنه ذكر عنده ~~الوضوء من الطعام، فقال: الوضوء مما خرج وليس مما دخل، وأما الفطر فمما ~~دخل. وروي عن علي من قوله، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يثبت. # (أو ابتلع حصاة) وكذا ما في معناها مما لا يتغذى به، ولا يتداوى كالحديد ~~لوجود صورة الفطر وهو الإدخال من الفم إلى الجوف دون معناه، ولو مضغ لقمة ~~ناسيا فتذكر فابتلعها، قال أبو الليث: إن ابتلعها بعد إخراجها فلا كفارة ~~عليه لأنها شيء تعافه النفس، وإن ابتلعها قبل إخراجها فعليه الكفارة. # (أو تقيأ ملأ فيه) أما القضاء فلما روى أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ذرعه القيء أي سبقه ~~وغلبه وهو صائم فليس عليه القضاء، ومن استقاء عمدا فليقض». وقال ~~الدارقطني: رواته كلهم ثقات. وأما عدم الكفارة فلعدم صورة الفطر. قيد «بملأ ~~الفم»، لأنه لو تقيأ دونه لا يقضي عند أبي يوسف لعدم الخروج حكما، ويقضي ~~عند محمد، وهو الظاهر لإطلاق الحديث السابق، (لا إن غلبه) أي لا يقضي إن ~~غلب القيء ولو أنه ملأ الفم. # --- PageV02P208 ~~*** # (أو أفطر ناسيا) أي لا يقضي إن أفطر ناسيا بأكل أو شرب أو جماع، وهو قول ~~الشافعي. وقال مالك: عليه القضاء دون الكفارة. وقال الأوزاعي، والليث: يجب ~~القضاء في الجماع دون الأكل والشرب. وقال أحمد: يجب القضاء والكفارة في ~~الجماع، ولا شيء في الأكل والشرب. لنا ما رواه الشيخان وغيرهما من قوله صلى ~~الله عليه وسلم «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله ~~وسقاه». # وما روى ابن حبان، وابن خزيمة في «صحيحيهما» والحاكم وقال: صحيح على شرط ~~مسلم، من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أفطر في ~~رمضان ناسيا فلا قضاء عليه، ولا كفارة». وروى ابن حبان في ms0528 «صحيحه»، ~~والدارقطني في «سننه»: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إني ~~كنت صائما فأكلت وشربت ناسيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتم صومك ~~فإن الله أطعمك وسقاك». وزاد الدارقطني في لفظه: «ولا قضاء عليك»، وفي لفظ ~~(له): «إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا، فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ~~فلا قضاء عليه». وقال: إسناده صحيح. # وإذا ثبت هذا في الأكل والشرب ثبت في الوقاع دلالة، للاستواء بين الكل في ~~قيام الصوم بالكف عن الأكل مع أنه دونهما في المناقضة. والنسيان يغلب في ~~الصوم لأنه ليس له حالة مذكرة أنه فيه، بخلاف الصلاة فإن لها هيئة مذكرة ~~أنه فيها، فلا يغلب النسيان فيها فلا تلحق به، فيبقى على خلاف القياس، ولا ~~فرق بين الفرض والنفل، لأن النص لم يفصل. # --- PageV02P209 ~~*** # وعن سفيان أنه إذا أكل أو شرب ناسيا لم يفطر، وإن جامع ناسيا أفطر. ووجهه ~~أن الجماع ليس في معناهما، لأن زمان الصوم زمان الأكل والشرب عادة، (فقد) ~~يبتلى فيه المرء بالنسيان جريا على مقتضى العادة، وليس وقت الجماع عادة، ~~فقل أن يبتلى فيه، فافترقا. وجوابه ما قدمناه. ولو أكل عامدا بعد أكله ~~ناسيا لا كفارة عليه وإن علم ببقاء الصوم في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، ~~وعنه أنه تجب، وبه قالا، لأنه اشتباه بلا شبهة، وهذا لأن ظنه مدفوع لقوله ~~صلى الله عليه وسلم «تم على صومك» فلا يبقى شبهة، ووجه الظاهر عنه قيام ~~الشبهة الحكمية نظرا إلى القياس، ولا تنتفي هذه الشبهة بالعلم، لأن خبر ~~الواحد لا يوجب العلم إنما يوجب العمل، فلا تنتفي به الشبهة. # --- PageV02P210 ~~*** # (أو احتلم) لما روى الترمذي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة والقيء أي الغالب ~~والاحتلام». وفي سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف. ورواه البزار في ~~«مسنده» عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاثة لا ~~يفطرن الصائم: القيء، والحجامة، ms0529 والاحتلام». ثم قال: وهذا من أحسنها ~~إسنادا، وأصحها إلا أن عبد العزيز لم يكن بالحافظ. ورواه الطبراني عن ~~ثوبان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث. وقال: لا يروى هذا ~~الحديث عن ثوبان إلا بهذا الإسناد، وقد تفرد به ابن وهب، فقد ظهر أن هذا ~~الحديث يجب أن يرتقي إلى درجة الحسن لتعدد طرقه، وضعف إسناده إنما هو من ~~قبل الحفظ لا العدالة، (فالتضافر دليل الإجادة في خصوصه). ومما يؤيده رواية ~~أبي داود: «لا يفطر من قاء، ولا من احتلم، ولا من احتجم». لقول ابن عباس: ~~احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم. رواه البخاري. # وقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة والمواصلة ولم ~~يحرمهما إبقاء على أصحابه. رواهما أبو داود، وقال أحمد: يفطر الحاجم ~~والمحجوم، لقوله صلى الله عليه وسلم «أفطر الحاجم والمحجوم»، حين أتى على ~~رجل يحتجم في رمضان. رواه أصحاب السنن وغيرهم، وهو منسوخ بما روينا. وقد ~~بسطنا الكلام عليه في «المرقاة شرح المشكاة». # --- PageV02P211 ~~*** # فلو ظن الصائم أن الحجامة مفطرة فتعمد الفطر بعدها قضى وكفر، لأن الظن ما ~~استند إلى دليل شرعي، إلا إذا أفتاه به فقيه يراها مفطرة، كالحنابلة، وبعض ~~أهل الحديث، فحينئذ لا كفارة عليه، لأن الواجب على العامي الأخذ بفتوى ~~المفتي، فتصير الفتوى شبهة في حقه وإن كانت خطأ في نفسها، أو سمع الحديث ~~ولم يعرف تأويله على المذهب ، لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكون ~~أدنى درجة من قول المفتي، وقول المفتي صلح عذرا، فقول الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أولى. # وعن أبي يوسف إنها تجب، لأن العامي إذا سمع حديثا فليس له أن يأخذ ~~بظاهره، لجواز أن يكون مصروفا عن ظاهره، أو منسوخا، وتجب الكفارة إن عرف ~~تأويله لانتفاء الشبهة، وتأويله أنه صلى الله عليه وسلم مر بهما وهما ~~يغتابان آخر فقال صلى الله عليه وسلم ذلك، أي ذهب ms0530 ثواب صومهما بالغيبة. ~~ويدل عليه أنه عليه الصلاة والسلام سوى بين الحاجم والمحجوم، ولا خلاف أنه ~~لا يفسد صوم الحاجم. # لا يقال: إن الأوزاعي خالفه فتورث الشبهة، كخلاف مالك في النسيان، لأن ~~خلافه إنما اعتبر لموافقة القياس، وخلاف الأوزاعي مخالف للقياس فلا يورث ~~شبهة، أو إنه منسوخ لما في البخاري، عن ابن عباس: «أنه صلى الله عليه وسلم ~~احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم». # --- PageV02P212 ~~*** # وفي الدارقطني عن أنس قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم، أن جعفر بن أبي ~~طالب احتجم وهو صائم، فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أفطر ~~هذان»، ثم رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم. وكان ~~أنس يحتجم وهو صائم. قال: كل رواته ثقات، ولا أعلم له علة. وفي النسائي عن ~~أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في القبلة، ورخص في ~~الحجامة. وفيه أيضا عن أبي هريرة أنه قال: يقال: أفطر الحاجم والمحجوم، ~~وأما أنا فلو احتجمت ما باليت. # وكذا لا يقضي إن أصبح جنبا، لاستلزام جواز المباشرة إلى الفجر وقوع الغسل ~~بعده ضرورة، لقوله تعالى: {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}، ولما في ~~سنن أبي داود عن عائشة، وأم سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما ~~قالتا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا في رمضان من جماع غير ~~احتلام، ثم يصوم. # وفيه عن عائشة، أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف على ~~الباب: يا رسول الله، إني أصبح جنبا، وأنا أريد الصيام، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «وأنا أصبح جنبا، وأنا أريد الصيام، وأغتسل وأصوم...» ~~الحديث. # (أو نظر فأنزل) لأنه لم يوجد منه صورة الجماع ولا معناه وهو الإنزال عن ~~شهوة بالمباشرة، فصار كما إذا تفكر فأمنى، ولو استمنى بكفه، المختار أنه ~~يجب القضاء. # --- PageV02P213 ~~*** # وهل يجوز هذا الفعل لغير الصائم؟ قالوا: ms0531 إن قصد قضاء الشهوة لا يجوز، ~~لقوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}، قال: ابن ~~جريج سألت عطاء فقال: سمعت بقوم يحشرون وأيديهم حبالى، فأظن أنهم هؤلاء. ~~انتهى. وإن أراد تسكين ما به من الشهوة لا بأس به. انتهى. كذا في «الكافي». # (أو دخل غبار أو دخان أو ذباب) أو طعم الأدوية (حلقة) لأنه لا يمكن ~~الاحتراز عن هذه الأشياء، بخلاف الثلج والمطر على الأصح لإمكان الاحتراز ~~عنه بضم الفم، ولو دخل من دموعه أو عرقه قطرة أو قطرتان لا يفطر، ولو دخله ~~أكثر يفطر. # (ولو وطىء بهيمة، أو ميتة، أو في غير فرج،) كالتفخيذ (أو قبل أو لمس، إن ~~أنزل قضى) وكذا المرأة تقضي إن أنزلت لوجود الجماع معنى. (ولا كفارة) ~~لنقصان الجناية، أما في وطىء البهيمة، والميتة فلانعدام المحل المشتهى، ~~وأما في الباقي فلانعدام صورة الجماع. # --- PageV02P214 ~~*** # (ولا يفسد) صومه (بأكل ما في أسنانه) أي فيما بينها (إذا كان أقل من حمصة ~~إلا إذا أخرج من فيه ثم أكل). وقال زفر: يفسد، لأن الفم له حكم الظاهر، ~~ولهذا لا يفسد الصوم بالمضمضة. وأجيب بأن القليل يبقى عادة بين الأسنان ~~فيكون تابعا للريق، بخلاف الكثير. ثم قال أبو يوسف: لا كفارة في قدر ~~الحمصة، لأن الطبع يعافه. وقال زفر: فيه الكفارة لأنه طعام (ولا بأكل ~~سمسمة) لم تكن بين أسنانه (مضغا) لأنها تتلاشى في فمه وتلتزق بين أسنانه، ~~فلا يصل شيء منها إلى جوفه، قيد «بالمضغ» لأنه لو ابتلعها صحيحة تفسد صومه، ~~واختلفوا في الكفارة، والأصح وجوبها لوجود العلم بوصول ما يؤكل عادة إلى حلقه. # ولو جمع ريقه وابتلعه لا يفطر ويكره. ولو أخرجه ثم ابتلعه يفطر ولا كفارة ~~عليه، كما لو ابتلع ريق غيره. وكذا لو ابتلع المخاط الذي نزل من رأسه في ~~فيه، والبزاق الذي ترطبت شفتاه منه عند الكلام ونحوه. وفي «المحيط»: ولو ~~خرج الدم من بين أسنانه ودخل حلقه إن ms0532 كانت الغلبة للبزاق لا يفطر، وإن كانت ~~للدم أو كانا سواء أفطر، لأن له حكم الخروج كما في الوضوء. # (وعود القيء يفسد) ويوجب القضاء عند أبي يوسف (إن كثر) بأن كان ملء الفم ~~لأنه خارج، ولهذا ينتقض به الوضوء، وقد دخل فيفسد الصوم، وخالفه محمد فلم ~~يفسد عنده وهو الصحيح، لأنه لم توجد صورة الفطر وهو الابتلاع، وكذا معناه، ~~لأنه لا يتغذى به. # --- PageV02P215 ~~*** # (وعند محمد) يفسد (إن أعيد) سواء كان قليلا أو كثيرا لوجود الصنع منه في ~~الإدخال. وفي «المواهب»: إن أعاده فسد اتفاقا لوجود الإدخال بعد الخروج ~~فتتحقق صورة الفطر، وقد تقدم أن أبا يوسف يشترط للفساد في تعمد القيء ~~امتلاء الفم، واكتفى محمد بالتعمد، فلو ذرعه أقل من ملئه فعاد لم يفسد ~~اتفاقا، لأنه غير خارج ولا صنع له في الإدخال، ولو استقاء دون ملئه وأعاده، ~~فعن أبي يوسف الفساد لكثرة الصنع، وعدمه لعدم الخروج حكما. # (وكره الذوق) أي ذوق الصائم مطعوما لما فيه من تعريض الصوم للإفساد، ~~لاحتمال أن يدخل في حلقه ولا يفطر لعدم المفطر صورة ومعنى. قالوا: وهذا في ~~حق الفرض، وأما في حق التطوع فلا يكره، لأن الإفطار فيه لعذر مباح باتفاق، ~~وبغير عذر في رواية. وقال بعضهم: إن كان الزوج سيء الخلق لا بأس للمرأة أن ~~تذوق المرقة بلسانها، ويكره للصائم أن يذوق العسل والدهن ليعرف الجيد من ~~الرديء عند الشراء، كذا في قاضيخان، وفي «المحيط»: لا بأس به كي لا يغبن ~~فيه، وهو مروي عن الحسن البصري. # --- PageV02P216 ~~*** # (ومضغ شيء) علكا كان أو غيره، (إلا طعام صبي ضرورة) كما إذا لم يكتف ولد ~~المرأة بلبنها، ولم تجد مفطرا يمضغ له طعاما، (ولا طعاما لا يحتاج إلى ~~مضغ،) لأن الضرورة تبيح المحظور فأولى أن تبيح المكروه، ولأنه يجوز لها ~~الفطر لحاجته فجواز المضغ أولى. وقيل: يكره مضغ العلك لأن فيه تهمة ~~الإفطار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فلا يقفن مواقف التهم». وقال علي كرم الله وجهه: ms0533 «إياك وما يسبق إلى ~~القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل سامع نكير يطيق أن يوسعه ~~عذير». إلا أنه لا يفطر لأنه لا يصل إلى الجوف عينه، وإنما يصل إليه طعمه، ~~ولا يكره للمرأة إذا لم تكن صائمة، لقيامه مقام السواك في حقها. ويكره ~~للرجل إذا لم يكن من علة، لما فيه من التشبه بالنساء. # (والقبلة) والمس والمباشرة في ظاهر الرواية كره (إن خاف) على نفسه ~~الجماع، أو الإنزال، قيد به لأنه لو لم يخف فلا بأس بها. وقال محمد: تكره ~~القبلة مطلقا، لأنها لا تخلو عن الفتنة، يعني إذا كانت على طريق الشهوة. ~~ولهما ما في الصحيحين من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل ~~ويباشر (أي) باللمس وهو صائم. وفي رواية: «وكان أملككم لإربه ». وروى ~~الدارقطني عن أبي سعيد الخدري بإسناد جيد، أنه صلى الله عليه وسلم رخص في ~~القبلة والحجامة وروى أبو داود بإسناد جيد عن أبي هريرة، أنه صلى الله عليه ~~وسلم سأله رجل عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فنهاه، فإذا الذي رخص ~~له شيخ، والذي نهاه شاب. # --- PageV02P217 ~~*** # (لا السواك) أي لا يكره للصائم استعمال السواك سواء كان رطبا أو مبلولا ~~قبل الزوال أو بعده، وهو قول مالك، وقال الشافعي: يكره بعد الزوال لأن فيه ~~إزالة الخلوف المحمود بقوله صلى الله عليه وسلم «لخلوف فم الصائم أطيب عند ~~الله من ريح المسك». # ولنا إطلاق ما روى ابن ماجه والدارقطني من حديث عائشة رضي الله عنها ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من خير خصال الصائم السواك». ~~وعموم قوله صلى الله عليه وسلم «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند ~~كل صلاة». إذ يدخل في عموم كل صلاة، الظهر والعصر، للصائم والمفطر. وفي ~~رواية النسائي، وصححها الحاكم، وعلقها البخاري عند كل وضوء، فيعم عند وضوء ~~هذه الصلاة، وعموم قوله صلى الله عليه وسلم «صلاة بسواك أفضل عند الله من ~~سبعين صلاة بغير سواك». رواه أحمد. # والخلوف: بضم الخاء المعجمة ms0534 على الصحيح: تغير رائحة الفم من خلو المعدة، ~~وذلك لا يزول بالسواك، ولأنه لتطهير الفم وحال الصوم به أحق، ولأنه أثر ~~العبادة واللائق به الإخفاء صيانة للطاعة عن الرياء. وقد روى أبو داود ~~والترمذي عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه ~~قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم ما لا أعد ولا ~~أحصي. وكره مالك وأبو يوسف الرطب والمبلول منه، لأنه تعريض للصوم على ~~الإفساد بسبب دخول الرطوبة. # --- PageV02P218 ~~*** # ولنا إطلاق ما روينا، ويشهد له ما رواه البيهقي عن إبراهيم بن عبد الرحمن ~~الخوارزمي قال: سألت عاصما الأحول: أيستاك الصائم بالسواك الرطب؟ قال: نعم، ~~أتراه أشد رطوبة من الماء. قلت: أول النهار وآخره؟ قال: نعم. قلت: عمن رحمك ~~الله؟ قال: عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: تفرد به إبراهيم ~~الخوارزمي. وقد حدث عن عاصم بالمناكير فلا يحتج به. # قيل: وتكره المضمضة في الصوم لغير الوضوء. وأما الاستنشاق والاغتسال أو ~~التلفف بثوب مبتل للتبرد فمكروه عند أبي حنيفة لما في ذلك من إظهار التضجر ~~في إقامة العبادة، ولا يكره عند أبي يوسف، وبه يفتى، لأنه صلى الله عليه ~~وسلم صب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أي من الحر ، رواه أبو داود. ~~وكان ابن عمر يبل الثوب، ويلفه عليه وهو صائم. ولأن في هذه الأشياء عونا ~~على العبادة، ودفعا للتضجر الطبيعي وفق العادة. # (ولا الكحل) بفتح الكاف أي الاكتحال، وبضمها أي ولا يكره استعماله ~~للصائم، لما روى ابن ماجه من حديث عائشة، أنه صلى الله عليه وسلم اكتحل وهو ~~صائم. وكذا رواه أبو داود والدارقطني. ولأن أنسا كان يكتحل وهو صائم. متفق عليه. # --- PageV02P219 ~~*** # ويستحب السحور ، لما رواه الجماعة إلا أبا داود عن أنس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «تسحروا فإن في السحور بركة». وروى أبو داود عن ~~العرباض بن سارية قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور في ~~رمضان فقال: ms0535 «هلم إلى الغداء المبارك». وفي «سنن أبي داود» عن عمرو بن ~~العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن فصل ما بين صيامنا وصيام ~~أهل الكتاب أكلة السحر». قال «العيني»: رواه الجماعة إلا البخاري وابن ~~ماجه. ويروى السحور بفتح السين اسم ما يؤكل وقت السحر، وهو السدس الأخير ~~من الليل. # ويستحب تأخيره لما في «معجم الطبراني»، عن أبي الدرداء مرفوعا: «ثلاث من ~~أخلاق المرسلين: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال». ~~ولما رواه أبو داود، أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا تزال أمتي بخير ~~ما أخروا السحور، وعجلوا الفطر». ورواه أحمد. وفي الصحيحين عن سهل بن سعد، ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». وعن ~~أنس: «أنه صلى الله عليه وسلم كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن ~~رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء». رواه أحمد، وأبو ~~داود، والترمذي. # (الايام التي يستحب صومها) # --- PageV02P220 ~~*** # ويستحب صيام الأيام البيض لما في «سنن أبي داود، وابن ماجه» عن ابن ملحان ~~القيسي، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم ~~البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة قال: وقال: «هو كصوم الدهر». وفي ~~الترمذي والنسائي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أبا ~~ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة». ~~وفي النسائي عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطر ~~أيام البيض لا في سفر، ولا في حضر. # ويستحب صوم يوم الاثنين والخميس، لقوله صلى الله عليه وسلم «تعرض الأعمال ~~يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». رواه الترمذي، وأبو ~~داود. وعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم الاثنين والخميس، ~~فقيل: يا رسول الله: إنك تصوم يوم الاثنين والخميس، فقال: «إن يوم الاثنين ~~والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم، ms0536 إلا مهتجرين، يقول: دعهما حتى يصطلحا». ~~رواه ابن ماجه. ولقول حفصة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة ~~أيام من الشهر: الاثنين والخميس والجمعة. # --- PageV02P221 ~~*** # ويستحب صوم يوم عاشوراء مع يوم قبله أو بعده، لقول ابن عباس: ما رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم ~~عاشوراء ، وهذا الشهر يعني شهر رمضان . رواه الشيخان. ولقوله: قدم النبي ~~صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ ~~قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، ~~فقال: أنا أحق بموسى منكم فصامه، وأمر بصيامه. رواه البخاري. ولقوله حين ~~صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول ~~الله إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى، فقال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن ~~التاسع». رواه مسلم. # ولا يكره عندنا، وعند الشافعي إتباع عيد الفطر بست من شوال، لقوله صلى ~~الله عليه وسلم «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر». رواه ~~مسلم وأبو داود. وكرهه مالك، وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف، لاشتماله ~~على التشبه بأهل الكتاب في الزيادة على الفروض، والتشبه بهم منهي عنه، ~~وعامة المتأخرين لم يروا به بأسا. واختلفوا فيما بينهم، فقيل: الأفضل وصلها ~~بيوم الفطر لظاهر قوله: «ثم أتبعه ستا»، وقيل: تفريقها. # (الايام التي يحرم ويكره صوفها) # --- PageV02P222 ~~*** # ويحرم صوم يوم العيدين لما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام ~~يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى. رواه مالك في «الموطأ»، وأبو داود في ~~«السنن». وكذا يحرم صوم أيام التشريق، لما ورد من أن أيام منى أيام أكل ~~وشرب وبعال أي جماع . ويستحب صوم يوم عرفة لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«صيام يوم عرفة، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي ~~بعده». رواه مسلم، وهذا لغير الحجاج لما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~صوم يوم عرفة بعرفة. رواه أبو ms0537 داود وابن ماجه. # ولا تصوم المرأة تطوعا إلا بإذن زوجها لقوله صلى الله عليه وسلم «لا تصوم ~~المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، غير رمضان». رواه أبو داود. # وكره إفراد يوم الجمعة بالصوم عند أبي يوسف، لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«لا تختصوا ليلة الجمعة (بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة) ~~بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم». رواه مسلم، وقوله ~~صلى الله عليه وسلم «لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله بيوم أو ~~بعده». رواه أبو داود، وكذا يكره إفراد يوم السبت بالصوم لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا ~~لحاء عنبة، أو عود شجرة فليمضغه». رواه أحمد، وأصحاب السنن إلا النسائي، ~~وكذا يوم النيروز والمهرجان لأن فيه تعظيم أيام نهينا عن تعظيمها إلا أن ~~يوافق ذلك عادته في الصوم لفوات علة الكراهة. # --- PageV02P223 ~~*** # ويكره صوم الصمت: وهو أن يصوم ولا يتكلم، يعني يلتزم عدم الكلام، بل ~~يتكلم بخير وبحاجته، وكذا يكره صوم الوصال ولو يومين لقول ابن عمر: نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقال: إنك تواصل يا رسول الله، ~~قال: «إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى». رواه أبو داود. وفي رواية قال: ~~«إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني». وصوم الدهر لأنه يضعفه أو يصير طبعا ~~له، ومبنى العبادة على خلاف العادة. # ولا تصوم المرأة نفلا إلا بإذن زوجها وله أن يفطرها. # وأفضل الصيام صيام داود عليه الصلاة والسلام لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام ~~نصفه ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يفطر يوما ويصوم يوما». رواه أبو داود وغيره. # (وشيخ فان) سمي به لقربه إلى الفناء، أو لأنه فنيت قوته، وهذا معنى قوله: ~~(عجز عن الصوم، أفطر وأطعم) على سبيل الوجوب، وهو قول أحمد، وأظهر قولي ~~الشافعي، ورواية عن مالك. # --- PageV02P224 ~~*** # (لكل يوم مسكينا كالفطرة، ويقضي إن قدر) ms0538 على الصيام بعد الإطعام، لأن شرط ~~خلفية الإطعام لصومه استمرار عجزه ولم يوجد، وقال مالك في المشهور عنه: لا ~~يجب عليه الإطعام، وهو قول الشافعي القديم، ومختار الطحاوي، لأنه عاجز عن ~~الصوم، ولما لم يزل عادة منع الوجوب، وترك غير الواجب لا يوجب الضمان، ~~فأشبه المريض إذا مات قبل البرء. وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: لما ~~نزلت هذه الآية: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين}، كان من أراد أن ~~يفطر ويفتدي فعل، حتى نزلت هذه الآية: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ~~فنسختها. # ولنا ما روى الجماعة عن عطاء، أنه سمع ابن عباس يقرأ: {وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين}. وفي رواية: «يطوقونه»، فقال: إنها ليست بمنسوخة، ~~بل هي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان كل يوم ~~مسكينا. وهو مروي عن علي وابن عمر وغيرهما من الصحابة، ولم يرو عن أحد منهم ~~خلاف ذلك، فكان إجماعا. وأيضا لو كان خلاف لكان قول ابن عباس: ليست ~~بمنسوخة، مقدما لأنه مما لا يقال بالرأي، بل عن سماع، لأنه مخالف لظاهر ~~القرآن، لأنه مثبت في نظم كتاب الله، فجعله منفيا بتقدير حرف النفي لا يقدم ~~عليه إلا بسماع البتة. وكثيرا ما يضمر حرف «لا» في الكلام، قال الله تعالى: ~~{يبين الله لكم أن تضلوا}، {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم}، {تالله ~~تفتؤا تذكر يوسف} أي لا تفتؤا، يعني لا تنفك ولا تزال. ورواية الأفقه أولى. # --- PageV02P225 ~~*** # وفي «المحيط»: والأعذار التي تبيح الإفطار ستة: السفر، والمرض، والحبل، ~~والإرضاع، والعطش الشديد أو الجوع الذي يخاف منه الهلاك، أو المرض، وعجز ~~الشيخ الفاني عن الصوم، فلو وجب عليه قضاء شيء من رمضان فلم يقضه حتى صار ~~شيخا فانيا جازت له الفدية. # وكذا لو نذر صوم الأبد فضعف عن الصوم لاشتغاله بالمعيشة، له أن يفطر ~~ويطعم لأنه استيقن أنه لا يقدر على قضائه، وإن لم يقدر على الإطعام لعسرته ~~يستغفر الله ويستقيله. # (وحامل أو مرضع خافت على نفسها أو ولدها) لقوله: «إن الله ms0539 وضع عن المسافر ~~الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم». ولا كفارة على من أفطرت في ~~رمضان خوفا على نفسها من أن تمرض من الخدمة، أمة كانت أو منكوحة، لعدم قصد ~~هتك حرمة الشهر. # (ومريض خاف زيادة مرضه) أو تأخره بأن غلب على ظنه ذلك، أو أخبر به طبيب ~~حاذق عدل عند أبي حنيفة، وقالا: المبيح له هو عجزه عن القيام في الصلاة، ~~لأن فرض الصوم لا يسقط إلا بالأداء، أو بما هو عذر شرعي. والشرع اعتبر ~~العجز عن القيام في الصلاة عذرا فتتعلق إباحة الإفطار به. وله أن قوله ~~سبحانه: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} يقتضي تعليق ~~الفطر بمجرد المرض أو السفر، إلا أن المرض لما كان متنوعا يزداد بعضه ~~بالصوم وينتقص بعضه به، بنينا الحكم على ازدياده دون أصله بخلاف السفر، لأن ~~مظنة المشقة بكل حال، فأدير الحكم فيه على أصل السفر. # --- PageV02P226 ~~*** # (والمسافر) الذي فارق بيوت المصر قبل الفجر (أفطروا) خبر عن «الحامل» وما ~~عطف عليه (وقضوا بلا فدية) إذا أفطروا، ولا كفارة عليهم، لأنهم أفطروا ~~بعذر، وهو مروي عن علي وابن عباس، وعن الشافعي ومالك كمذهبنا. # (وصوم سفر لا يضر أحب) من الفطر، وبه قال مالك والشافعي، وقال أحمد ~~والأوزاعي: الفطر أحب مطلقا لقوله صلى الله عليه وسلم «ليس من البر الصيام ~~في السفر». ولنا أن الصوم هو العزيمة في حق الكل لقوله تعالى: {فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه}، ثم قال: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~للرخصة، والأفضل هو الأخذ بالعزيمة، ويؤيده أيضا إطلاق قوله تعالى: {وأن ~~تصوموا خير لكم}، وأيضا رمضان أفضل الوقتين، فالأداء فيه أفضل مع ما فيه من ~~المبادرة إلى الطاعة، وفي التأخير تعرض لحدوث الآفة. # وفي «مسلم» من حديث أبي سعيد الخدري قال: «كنا نغزو مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على ~~المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة ms0540 فصام، فإن ذلك حسن، ~~ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن». ومعنى لا يجد: لا يغضب ولا ينكر. ~~وفي الصحيحين وأبي داود عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بعض غزواته في حر شديد حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة ~~الحر، ما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة. ~~فعلم أنه اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما قوله صلى الله عليه ~~وسلم «ليس من البر الصيام في السفر»، فقاله في مسافر ضره الصوم. # --- PageV02P227 ~~*** # (وإن صح) المريض، (أو أقام،) المسافر، (ثم مات) المريض (فدى وارثه ما ~~فات) أي جميعه (إن عاش) أي المريض أو المسافر (بعده) أي بعد المرض أو السفر ~~(بقدره) أي بقدر ما فات (وإلا) أي وإن لم يعش المريض بعد المرض، والمسافر ~~بعد السفر بقدر ما فاته بل عاش أقل منه (فبقدرهما) أي فيفدي وارثه بقدر ~~الصحة والإقامة، لأنه عجز عن الأداء في آخر عمره فصار كالشيخ الفاني، فألحق ~~به دلالة لا قياسا. # قال الطحاوي: هذا قول محمد، وأما قولهما: فيلزمه قضاء الكل وإن صح يوما ~~واحدا، وهذا ليس بصحيح، وإنما الخلاف في النذر فلو ماتا على حالهما لا شيء ~~عليهما لقوله تعالى: {فعدة من أيام أخر}، ولم يدركاها فلم يلزمهما القضاء، ~~ولأنهما لما عذرا في الأداء، فأولى أن يعذرا في القضاء، وإن عاشا قضيا بعد ~~الصحة والإقامة بلا شرط الولاء، فله الخيار إن شاء فرق، وإن شاء تابع، ~~لإطلاق النص، ولقول ابن عباس: أبهموا ما أبهمه الله تعالى. وإن لم يقضيا ~~حتى مرضا لزمهما الإيصاء بالفدية عنهما، فإن جاء رمضان الثاني قدمه على ~~القضاء لأنه وقت الأداء ثم قضى الأول ولا يجب عليه فدية بالتأخير عندنا، ~~وأوجبها مالك والشافعي، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال في رجل مرض في ~~رمضان فأفطر ثم صح فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر: «يصوم الذي أدركه، ثم يصوم ~~الذي أدرك فيه ms0541 ويطعم عن كل يوم مسكينا». # --- PageV02P228 ~~*** # ولنا إطلاق قوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} من غير قيد، فكان وجوب القضاء ~~على التراخي، فلا يلزمه بالتراخي شيء، غير أنه تارك الأولى: وهو المسارعة ~~إلى إدراك الطاعة، وما روياه غير ثابت إذ في سنده إبراهيم بن نافع، وقد قال ~~أبو حاتم الرازي: إنه كان يكذب، وفيه من اتهم بالوضع. # (وشرط) في لزوم فدية الوارث (الإيصاء) أي إيصاء الميت بأن تؤدى عنه ~~الفديه، حتى لو لم يوص لم يلزم الوارث الفدية عنه. وقال مالك والشافعي: ~~يلزم الوارث الفدية عنه ولو لم يوص الميت، كديون العباد. وأجيب بأن الفدية ~~عبادة تؤدى عن الميت، فلا بد فيها من اختياره وذلك بإيصائه، وحق العبد يجب ~~وصوله إلى مستحقه بأي طريق كان، ولو لم يوص الميت بالفدية وتبرع به الولي ~~قال محمد: يجزىء إن شاء الله تعالى. # (ونفذ) أي الإيصاء (من الثلث) لا من الكل كما قال مالك والشافعي، لأنه ~~تبرع ابتداء وواجب انتهاء. وفي «الخانية»: يجوز في الفدية إباحة أكلتان ~~مشبعتان، ولا يجوز ذلك في صدقة الفطر، وكذا الحكم في الكفارة المالية، ~~والحج، والصدقة المنذورة. # (وفدية كل صلاة كصوم يوم،) استحسانا، وقيل: صلاة يوم كصوم يوم. # --- PageV02P229 ~~*** # (وعبادة غيره لا يجزيه) ولا يجزىء صوم الولي عمن عليه صوم أو صلاة، وهو ~~مروي عن عائشة، وبه قال مالك، وأحمد. وقال الشافعي في أصح القولين عنه: ~~يجزيه، لما في «الصحيحين» عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان ~~على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟» قال: نعم، قال: «فدين الله أحق». وفي رواية: ~~أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ ~~قال: «أرأيت إن كان على أمك دين فقضيته أكان يجزىء ذلك عنها؟» قالت: نعم، ~~قال: «صومي عن أمك». وفيهما عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«من مات وعليه صيام يوم صام عنه وليه». # قلنا: ms0542 الاتفاق على صرف الأول عن ظاهره، فإنه لا يصح في الصلاة الدين ~~إجماعا. وقد أخرج النسائي عن ابن عباس وهو راوي الحديث الأول في «سننه ~~الكبرى» أنه قال: «لا يصوم أحدكم عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، ولكن يطعم ~~عنه مكان كل يوم (مدا) من حنطة». وفتوى الراوي على خلاف مرويه بمنزلة رواية ~~الناسخ. # --- PageV02P230 ~~*** # وأخرج عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن عمر أنه قال: لا يصلين أحدكم عن أحد، ~~ولا يصومن أحد عن أحد، ولكن إن كنت فاعلا تصدقت عنه، أو أهديت. وأخرج ~~الترمذي عن أشعث بن سوار، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن نافع، عن ~~ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجل مات وعليه صيام، ~~«فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا». وقال: لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، ~~والصحيح عن ابن عمر موقوف، قوله وروى ابن ماجه بإسناد حسن، كما قاله ~~القرطبي عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه ~~صوم شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا». # وقال مالك: ولم أسمع عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين بالمدينة أن ~~أحدا منهم أمر أحدا أن يصوم عن أحد، ولا يصلي عن أحد، وهذا يؤيد النسخ وأنه ~~الأمر الذي استقر الشرع عليه آخرا، ولأن الولي لا يصوم عنه حال الحياة، ~~فكذا بعد الموت كالصلاة. # (ويلزم النفل بالشروع) فيجب قضاؤه إن أفسده، وقال مالك: إن أفطر بعذر ~~كمرض أو شدة جوع أو إكراه أو سهو أو خطأ، فلا يجب قضاؤه، وإلا يجب. وقال ~~الشافعي وأحمد لا يجب قضاؤه، وله الخروج عن صومه بغير عذر، لما روى أحمد ~~وأبو داود والترمذي من حديث أم هانىء، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر». # --- PageV02P231 ~~*** # ولنا حديث عائشة في رواية النسائي والترمذي ومالك في «الموطأ» عن عائشة ~~أنها قالت: «أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين، فأهدي إلينا طعام فأفطرنا ms0543 ~~عليه، فدخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدرتني حفصة وكانت ابنة ~~أبيها فسألته عن ذلك، فقال: «اقضيا يوما مكانه». وهو قول أبي بكر، وعمر، ~~وعلي وابن عباس رضي الله عنهم وغيرهم، ولأن صوم النفل عمل فيجب صيانته عن ~~الإبطال لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} وصيانته عن الإبطال بالمضي فيه. # وإذا وجب المضي فيه وجب قضاؤه، (إلا في الأيام المنهية) عن صومها (: أي ~~يوم الفطر، والأضحى مع ثلاث بعده): وهي أيام التشريق، وقال أبو يوسف ومحمد: ~~إن شرع في نفل فيها، ثم أفسده كما هو واجب عليه فعليه القضاء، لأن الشروع ~~ملزم كالنذور، ولأبي حنيفة أن صيام هذه الأيام منهي عنه، فلا يجب إتمامه بل ~~يجب إفساده، ووجوب القضاء مبني على وجوب الإتمام. # (وصح النذر) بالصوم (فيها) أي في الأيام المنهية، لأن النذر التزام فلا ~~يكون معصية، وإنما المعصية في الفعل (لكن أفطر) احترازا عن المعصية (وقضى) ~~إسقاطا لما أوجب على نفسه. # (وإن صام صح) لأنه أدى ما التزمه. روى مسلم من حديث زياد بن جبير. قال: ~~جاء رجل إلى ابن عمر فقال: إني نذرت أن أصوم يوما فوافق يوم الأضحى أو ~~الفطر فقال: أمر الله بوفاء النذر، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~صيام هذا اليوم، والمعنى أنه يمكن قضاؤه، فيخرج به عن عهدة الأمر والنهي. # --- PageV02P232 ~~*** # والحاصل أن نذر الأيام المذكورة يصح عندنا في المختار، وجعله زفر لغوا، ~~وبه قال مالك والشافعي، وهو رواية عن ابن المبارك عن أبي حنيفة، لأن هذا ~~نذر بمعصية، لما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: «نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن صيامين: صيام يوم الأضحى، وصيام يوم الفطر». وفي لفظ لهما: ~~سمعته يقول: «لا يصح الصيام في يومين: يوم الأضحى، ويوم الفطر من رمضان». ~~ولما في «معجم الطبراني» عن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أرسل أيام منى صائحا يصيح: أن لا يصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب ~~وبعال». والبعال: وقاع النساء. # وفي «سنن ms0544 الدراقطني» عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى: ألا إن الذكاة في ~~الحلق واللبة، ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق، وأيام منى أيام أكل وشرب وبعال. ~~وفي «السنن الثلاثة» عن عائشة، عنه عليه الصلاة والسلام : «لا نذر في ~~معصية، وكفارته كفارة يمين». وفي النسائي عن عمران بن حصين مرفوعا يقول: ~~«النذر نذران، فمن كان نذر في طاعة الله، فذلك لله، ففيه الوفاء، ومن كان ~~نذر في معصية اللها، فذلك للشيطان، فلا وفاء له، ويكفره ما يكفر اليمين». # --- PageV02P233 ~~*** # ولنا أن هذا نذر بصوم مشروع، لأن الدليل الدال على مشروعيته وهو كونه ~~كفا للنفس، التي هي عدو الله، عن شهواتها لا يفصل بين يوم ويوم، فكان من ~~حيث حقيقته حسنا مشروعا، والنذر بما هو مشروع جائز، وما روي من النهي فإنما ~~هو لغيره، وهو ترك إجابة دعوة الله تعالى، لأن الناس أضياف الله تعالى في ~~هذه الأيام، وإذا كان النهي لغيره لا يمنع صحته من حيث ذاته، فيجب الفطر، ~~لئلا يصير معرضا عن ضيافة الكريم، ويجب القضاء باعتبار ذاته القويم، ويجزئه ~~إن صام فيها لأنه أداه كما التزمه، فإن ما وجب ناقصا يجوز أن يؤدى ناقصا مع ~~ارتكاب الحرمة الحاصلة من الإعراض. # ثم اعلم أنه يلزم الوفاء بنذر ما من جنسه واجب مقصود وليس بواجب، فهذه ~~ثلاث شروط لا يصح النذر بدونها إلا إذا قام الدليل على خلافه، فيلزم ~~بالعتق، والاعتكاف، وبنذر الحج ماشيا، ولا يلزم الوضوء وسجدة التلاوة ~~بالنذر، ولا عيادة المريض إذ ليس من جنسه واجب، وإيجاب العبد معتبر بإيجاب ~~الرب، إذ له الاتباع لا الابتداع. # ثم إن كان النذر مطلقا وفى به لقوله تعالى: {وليوفوا نذورهم}، ولقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله، ~~فلا يعصه». رواه البخاري. والإجماع على وجوب الإيفاء به، وبه استدل ~~القائلون بافتراضه. وكذا إذا كان معلقا بشرط يريد كونه، ك: إن شفى الله ms0545 ~~مريضي فعلي كذا، وفى به، وبشرط لا يريد كونه، ك: إن شفى الله عدوي، ووجد ~~الشرط يلزمه الوفاء به في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، لإطلاق الآية ~~والحديث. # --- PageV02P234 ~~*** # وأجاز محمد الاكتفاء بالكفارة، وقال: إن شاء فعل المنذور، وإن شاء أتى ~~بكفارة اليمين، وهو رواية «النوادر»، وهو المروي عن أبي حنيفة آخرا، وبهذا ~~كان يفتي إسماعيل الزاهد، ومشايخ بخارى، وهو اختيار شمس الأئمة، ووجهه ما ~~في «صحيح مسلم» من حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«كفارة النذر كفارة اليمين»، ولو نذر صوما في زمان شديد الحر، وعجز عنه، ~~قضاه في زمان البرد. # (ويفطر) المتنفل (بعذر ضيافة) أو غيرها (ثم يقضي) لا يجوز الفطر لمتطوع ~~بلا عذر في ظاهر الرواية، ورواية «المنتقى»: أنه يباح بلا عذر، وهو رواية ~~عن أبي يوسف لما روى مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: دخل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: «هل عندكم من شيء؟» (فقلنا): لا، ~~فقال: «إني إذا صائم»، ثم أتى يوما آخر، فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس، ~~فقال: «هاتيه»، وفي نسخة: «أرينيه، فلقد أصبحت صائما» فأكل، زاد النسائي: ~~«ولكن أصوم يوما مكانه». وصحح عبد الحق هذه الزيادة. والحيس: تمر يخلط بسمن وأقط. # --- PageV02P235 ~~*** # ودليل ظاهر الرواية ما روي عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إذا دعي ~~أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصل». رواه ~~أبو داود. والصلاة: الدعاء كما قاله هشام. قال القرطبي: قد ثبت هذا عنه صلى ~~الله عليه وسلم ولو كان الفطر جائزا، كان الأفضل الفطر لإجابة الدعوة التي ~~هي السنة. انتهى. وفيه بحث لا يخفى، والضيافة عذر في الأظهر لما روى أبو ~~داود والطيالسي في «مسنده» من حديث أبي سعيد الخدري قال: صنع رجل من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، فلما أتى بطعام تنحى رجل منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«ما لك؟» ms0546 قال: إني صائم، فقال صلى الله عليه وسلم «تكلف أخوك وصنع لك ~~طعاما، ودعاك، ثم تقول: إني صائم، كل وصم يوما مكانه». # وروى الدارقطني من حديث جابر قال: إن الرجل الذي صنع: أبو سعيد الخدري. ~~وقيل: لا يكون عذرا، وقيل: عذر قبل الزوال، لا بعده إلا إذا كان في عدم ~~الفطر عقوق لأحد أبويه، فإنه يفطر، وكذا إن كان يتأذى صاحب الضيافة بذلك يفطر. # --- PageV02P236 ~~*** # (ويمسك بقية يومه) وجوبا وهو الصحيح، وقيل: ندبا (مسافر قدم) سواء كان ~~قدومه بعدما أفطر، أو قبله، بعد وقت النية، وأما إذا كان قبل الفطر في وقت ~~النية فلزمه النية والصوم، لزوال المرخص في وقت النية، لكن لو أفطر لا ~~كفارة عليه، لقيام شبهة المبيح (وحائض) أو نفساء (طهرت) نهارا (وصبي بلغ، ~~وكافر أسلم) وإنما يمسك هؤلاء بقية يومهم قضاء لحق الوقت بالتشبه (ولا يقضي ~~هذان) أي الصبي والكافر، وإن كان البلوغ والإسلام في وقت النية ونويا الصوم ~~وأكلا، لأن القضاء يستدعي سبق الوجوب ولا وجوب عليهما لعدم أهليتهما، وإنما ~~يجب قضاء الصلاة إذا بلغ الصبي، أو أسلم الكافر في بعض وقتها، لأن السبب ~~فيها الجزء المتصل بالأداء، وقد وجدت الأهلية فيه. والسبب في الصوم الجزء ~~الأول من اليوم والأهلية منعدمة عنده. # وكذا يمسك بقية يومه المريض إذا برأ، والمجنون إذا أفاق. وأما المفطر خطأ ~~أو عمدا أو أفطر يوم الشك، ثم ظهر أنه من رمضان، فإنه يجب التشبه اتفاقا في ~~هذه الصور، بخلاف الأمثلة المتقدمة فإنه قيل: يستحب، لقول أبي حنيفة رحمه ~~الله تعالى في الحائض تطهر نهارا: لا يحسن أن تأكل والناس صيام، وهو قول ~~مالك والشافعي، لأن الصوم لا يلزمها أول النهار لا ظاهرا ولا باطنا، فلا ~~يلزمها الإمساك في آخر النهار، وهذا لأن الإمساك يدل على حقيقة الصوم، فلا ~~يخاطب به من لم يكن عليه خطاب الأصل، وقيل: يجب وهو الصحيح، لما ثبت من ~~أمره صلى الله عليه وسلم بالإمساك فيمن أكل في يوم عاشوراء حين كان واجبا. # --- PageV02P237 ~~*** # (ويتم مقيم سافر) ترجيحا ms0547 لجانب الإقامة ولوقوع الالتزام وحصول سبب ~~الوجوب، (ولو أفطر لا كفارة عليه) لقيام شبهة المبيح. # (وجنون كل الشهر يسقط) وجوبه، وفي نسخة: مسقط، وإغماء كل الشهر لا يسقط ~~وجوبه، والفرق أن الجنون يمتد شهرا عادة، فيتحقق الحرج في وجوبه، والإغماء ~~لا يمتد عادة، ولا حرج في وجوبه (لا البعض) بالجر أي لا يسقط جنون بعض ~~الشهر وجوب صوم الشهر، سواء كان الجنون أصليا بأن بلغ مجنونا، أو عارضيا ~~بأن بلغ مفيقا ثم جن لوجود سبب وجوب الشهر كله وهو شهود بعض الشهر، إذ لو ~~كان السبب شهود جميع الشهر لوقع صوم رمضان في شوال. # وعن محمد أن المجنون الأصلي كالصبي، واختاره بعض المتأخرين. # (وإن أغمي أياما قضاها) لأن الإغماء مرض فيكون عذرا في التأخير لا في ~~الإسقاط (إلا يوما) الظاهر أنه (نواه) وإنما حملنا كلامه على هذا، لأن ~~عبارة «الوقاية»: إلا يوما حدث الإغماء فيه، أو في ليلته. وفي «شرحها»: لأن ~~الظاهر أنه نوى صوم ذلك اليوم، وهذا إذا لم يذكر أنه نوى أم لا، وأما إذا ~~علم أنه نوى فلا شك في الصحة، وإن علم أنه لم ينو فلا شك في عدمها. # فصل (في الاعتكاف) # الاعتكاف سنة مؤكدة، وقال «القدوري»: مستحب. والحق أنه ينقسم إلى واجب: ~~وهو النذر، وإلى سنة مؤكدة: وهو العشر الأخير من رمضان، وإلى مستحب: وهو ما ~~عدا ذلك. روى الجماعة إلا ابن ماجه من حديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، ثم اعتكف ~~أزواجه بعده. # --- PageV02P238 ~~*** # (وهو) في اللغة: الإقامة على الشيء، وحبس النفس عليه، ومنه قوله تعالى: ~~{ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون}. # وفي الشرع: (لبث صائم) بفتح اللام وسكون الموحدة أي مكثه (في مسجد ~~جماعة) وهو الذي له مؤذن وإمام، ويصلى فيه الصلوات الخمس، أو بعضها بجماعة. ~~وعن أبي حنيفة: لا بد أن يصلى فيه الصلوات الخمس بجماعة، وهو قول أحمد. وعن ~~أبي يوسف ومحمد: يصح الإعتكاف في كل مسجد، وهو قول ms0548 مالك والشافعي لإطلاق ~~قوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد}. # ولأبي حنيفة قول علي: «لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة». رواه ابن أبي شيبة، ~~وعبد الرزاق في «مصنفيهما». وقول ابن عباس: «إن أبغض الأمور إلى الله تعالى ~~البدع، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور». رواه البيهقي في ~~«سننه». وروى الطبراني في «معجمه» عن إبراهيم النخعي، أن حذيفة قال لابن ~~مسعود: «ألا تعجب من قوم بين دارك ودار أبي موسى، يزعمون أنهم معتكفون؟ ~~قال: لعلهم أصابوا وأخطأت، أو حفظوا ونسيت، قال: أما أنا فقد علمت أنه لا ~~اعتكاف إلا في مسجد جماعة». انتهى. # وأفضل الاعتكاف ما كان في المسجد الحرام، ثم ما كان في مسجده عليه الصلاة ~~والسلام، ثم ما كان في المسجد الأقصى، ثم ما كان أهله أكثر من الجوامع. # --- PageV02P239 ~~*** # (بنيته) أي بقصد الاعتكاف، فإنها المميزة بين العادة والعبادة، فالصوم ~~شرط عندنا وعند مالك وقال الشافعي وأحمد: ليس بشرط، لما في الصحيحين عن ابن ~~عمر أنه قال: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف في المسجد الحرام ليلة، فقال ~~عليه الصلاة والسلام: «أوف بنذرك». وفي «سنن الدارقطني» عن عبد الله بن ~~عمر، أن عمر رضي الله عنه: نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد ~~الحرام، فلما كان الإسلام سأل عنه عليه الصلاة والسلام فقال: «أوف بنذرك»، ~~فاعتكف عمر ليلة. # ولنا ما روى أبو داود من حديث عائشة أنها قالت: مضت السنة على المعتكف أن ~~لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة ~~إلا لما لا بد منه أي من البول والغائط ، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف ~~إلا في مسجد جامع. وأيضا لم يرو أنه عليه الصلاة والسلام اعتكف بلا صيام، ~~والمواظبة من أدلة الوجوب. # --- PageV02P240 ~~*** # فإن قيل في «الصحيحين» أنه عليه الصلاة والسلام اعتكف العشر الأول من ~~شوال، أجيب بأنه ليس فيه دلالة على أنه كان صائما أو مفطرا، وأما حديث ~~اعتكاف عمر، فرواه أبو داود والنسائي والدارقطني بلفظ: أن عمر ms0549 رضي الله عنه ~~جعل على نفسه أن يعتكف في الجاهلية ليلة، أو يوما، عند الكعبة فسأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: «اعتكف وصم». ولفظ النسائي والدارقطني: فأمره أن ~~يعتكف ويصوم. وروى الدارقطني والبيهقي عن سويد بن عبد العزيز، عن سفيان بن ~~حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مرفوعا: «لا اعتكاف إلا بالصوم». وقد ~~روي عن عطاء موقوفا، وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن عائشة وابن عباس: «من ~~اعتكف فعليه الصوم». وروى البيهقي من قول ابن عمر: «المعتكف يصوم». # وأما ما رواه الحاكم وصححه عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه»، فمعارض بما قدمناه، ~~فيجعل مرجع الضمير في قوله إلا أن يجعله للاعتكاف، فيكون دليل اشتراط ~~الصوم في الاعتكاف المنذور دون النفل، هذا والجمع بين قوله: ليلة أو يوما: ~~أن المراد الليلة مع يومها أو اليوم مع ليلته. # --- PageV02P241 ~~*** # ثم اعلم أن الصوم شرط لصحة الاعتكاف الواجب رواية واحدة، ولصحة التطوع في ~~رواية الحسن عن أبي حنيفة، وبه قال مالك. وأما في رواية «الأصل» وهو قول ~~محمد، بل قيل: إنه ظاهر الرواية عن العلماء الثلاثة: فليس بشرط، لأن مبنى ~~النفل على المساهلة، ثم اعتكاف العشر الأخير سنة مؤكدة على الكفاية، ~~للإجماع على عدم ملامة بعض أهل بلد لم يأتوا به إذا أتى به بعض منهم. ومما ~~يدل على أنها مؤكدة ما روى ابن ماجه عن أبي بن كعب: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عاما، فلما كان العام المقبل ~~اعتكف عشرين يوما. وما روي: أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأوسط، ~~فلما فرغ أتاه جبرائيل عليه السلام وقال: إن الذي تطلب أمامك يعني ليلة ~~القدر فاعتكف العشر الأواخر. وعن هذا ذهب الأكثر إلى أنها في العشر الآخر ~~من رمضان. # وقد ورد في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوها في العشر ~~الأواخر، والتمسوها في كل وتر». والجمهور على ms0550 أنها ليلة السابع والعشرين. ~~والله سبحانه أعلم. # --- PageV02P242 ~~*** # وفي «المحيط»: قال أبو حنيفة: ليلة القدر في رمضان تتقدم وتتأخر، وقال ~~أبو يوسف ومحمد: هي ليلة متعينة في النصف الأخير من رمضان، فلو قال ~~لامرأته: أنت طالق ليلة القدر، فإن كان عاميا تطلق ليلة السابع والعشرين من ~~رمضان من تلك السنة، لأن العوام يعرفونها ليلة القدر، وإن كان فقيها يعرف ~~الخلاف: فإن حلف قبل رمضان تطلق بمضيه أي عندهم جميعا ، وإن حلف في النصف ~~الأخير لا تطلق عندهما حتى يجيء وقت حلفه من النصف الأخير من رمضان القابل، ~~ولا تطلق عند أبي حنيفة حتى يمضي رمضان القابل، وعليه الفتوى. انتهى. # لهما ما روى أبو داود من حديث ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث ~~وعشرين، ثم سكت». ولأبي حنيفة ما رواه أبو داود عن ابن عمر قال: سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر، قال: «هي في كل ~~رمضان». # (وأقله يوم) في الواجب، وفي النفل على رواية الحسن وشرط أبو يوسف أكثر ~~النهار، وأما على قول رواية «الأصل»، وقول محمد ومذهب الشافعي: فأقله ساعة ~~ولو من الليل، وبه يفتى، لأنه متبرع فكان تقدير زمانه إليه، والساعة: في ~~عرف الفقهاء جزء من الزمان، لا جزء من أربعة وعشرين من يوم وليلة كما يقوله ~~المنجمون. # --- PageV02P243 ~~*** # (فيقضي من قطعه) أي الاعتكاف (فيه) أي في ذلك اليوم (ولا يخرج) المعتكف ~~(منه) أي من المسجد (إلا لحاجة الإنسان) وهي البول والغائط ولا يمكث في ~~منزله بعد فراغه من طهوره، لأن الثابت بالضرورة مقدر بقدرها، لما في الكتب ~~الستة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف لا يدخل ~~البيت إلا لحاجة الإنسان. # (أو الجمعة) لأنها من أهم الحوائج (بعد الزوال) لأن الخطاب بالوجوب يتوجه ~~حينئذ، وهذا لمن قرب منزله وكان بحيث إذا خرج بعد الزوال وصلى السنة لا ~~تفوته الجمعة. # (ومن بعد منزله ms0551 فوقتا) أي فيخرج وقتا (يدركها، ويصلي السنن) أربعا قبلها. ~~(ولا يفسد) اعتكافه (بمكثه في الجامع أكثر منه) أي مما ذكر، لأنه موضع ~~اعتكاف، إلا أنه التزم الاعتكاف في مسجد فالأولى أن لا يفعل شيئا من ~~اعتكافه في غيره إلا من ضرورة، والخروج للجمعة فيه خلاف مالك والشافعي، ~~فلهما أن الخروج ضد اللبث فيفسده إلا فيما تحقق الضرورة فيه، ويمكنه أن ~~يعتكف في الجامع فلا ضرورة له في الخروج. # ولنا أنه مأمور بالخروج للجمعة فصار مستثنى عن نذره كالخروج للحاجة، بل ~~أولى لأنها حاجة دينية. وقولهما يمكنه الاعتكاف في الجامع مدفوع بأن ~~الاعتكاف في سائر المساجد مشروع لقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون ~~في المساجد} ، وإذا صح الشروع وقد مست الضرورة أطلق له الخروج، ولو أقام ~~فيه أكثر من ذلك لا يفسد اعتكافه، لأن المفسد له الخروج من المسجد لا المكث فيه. # --- PageV02P244 ~~*** # (وإن خرج ساعة بلا عذر فسد) اعتكافه عند أبي حنيفة، وهو القياس لوجود ~~المنافي، وقالا: لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم، لأن في القليل ضرورة، ~~ولا ضرورة في الكثير، وفيه أن لا ضرورة في مطلق القليل فتأمل في صحة ~~التعليل. ولو خرج لإنجاء غريق، أو حريق، أو لأداء شهادة، أو لنفير عام، أو ~~لجنازة، أو لعيادة فسد اعتكافه فيقضيه. ولو خرج لانهدام المسجد، أو تفرق ~~أهله بحيث بطلت الجماعة عنه، أو لإخراج ظالم له كرها أو لخوف على نفسه أو ~~ماله من المكابرين لا يفسد، فيصح أن يبني عليه. # (ويأكل) المعتكف (ويشرب وينام) لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له ~~مأوى إلا المسجد ، أي وهو معتكف، ولأنه يمكن قضاء هذه الحاجات فيه، فلا ~~ضرورة إلى الخروج. # (ويبيع ويشتري فيه) أي في المسجد، لأنه قد يحتاج إلى ذلك (بلا إحضار مبيع ~~فيه) لأن المسجد محرز عن حقوق العباد. وفي «الذخيرة»: هذا فيما لا بد منه، ~~وأما البيع والشراء للتجارة فيكره، لأن المعتكف منقطع إلى الله تعالى فلا ~~يشتغل بالدنيا. # --- PageV02P245 ~~*** # (لا غيره) أي لا يفعل غير المعتكف ms0552 شيئا من هذه الأمور في المسجد، لما روى ~~الترمذي والحاكم وقال: على شرط مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأيتموه يبيع ويشتري في المسجد، فقولوا له: ~~«لا أربح الله تجارتك، ومن رأيتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا له: لا رد ~~الله عليك». ولقوله عليه الصلاة والسلام: «جنبوا مساجدنا، صبيانكم، ~~ومجانينكم، وبيعكم، وشراءكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسل ~~سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع». رواه ابن ماجه في ~~«سننه»، والطبراني في «معجمه». ويكره استطراق المسجد إلا لعذر، فينبغي أن ~~ينوي الاعتكاف ساعة. # (ولا يصمت) أي لا يدوم على الصمت تعبدا به لأنه ليس في شريعتنا بل في ~~شريعة غيرنا كما يشير إليه قوله تعالى: {فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن ~~أكلم اليوم إنسيا}، ولما روى أبو داود عن علي رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل». ~~وأسند أبو حنيفة عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم ~~الوصال، وعن صوم الصمت. # فيلازم لتلاوة الحديث والعلم وتدريسه، وسير النبي صلى الله عليه وسلم ~~وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأخبار الصالحين، وكتابة أصول الدين. # (ولا يتكلم إلا بخير) لأنه في عبادة، فلا يخلطها بغيرها، ولإطلاق قوله ~~عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ~~ليصمت». رواه أحمد والشيخان وغيرهم. # --- PageV02P246 ~~*** # (ويبطله الوطىء) سواء أنزل أو لم ينزل، لقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد}. (ولو ليلا) لأن الليل محل الاعتكاف كالنهار، (أو ~~ناسيا) لأن حالة الاعتكاف مذكرة كالصلاة فلا يعذر المعتكف بالنسيان، بخلاف ~~حالة الصوم، على أن الوطىء في المسجد حرام، وكذا الخروج والتوقف عنه لغير ~~ضرورة. وقال الشافعي: لا يفسده وطىء الناسي، وهو رواية ابن سماعة عن ~~أصحابنا. # (ووطؤه في غير فرج أو قبلة أو لمس إن أنزل) لأن هذه الأشياء مع الإنزال ~~في معنى الجماع (وإلا) أي وإن لم ms0553 ينزل (فلا،) يبطل اعتكافه لانعدام معنى ~~الجماع، وهو أظهر أقوال الشافعي، وأبطله مالك لظاهر الآية. ولنا اعتباره ~~بالصوم، ومجاز الآية وهو الجماع مراد فبطل أن تكون الحقيقة مرادة. # (وإن حرم) كل من هذه الأشياء عليه، لأنه من دواعي الوطىء، والوطىء محظور ~~الاعتكاف فيحرم دواعيه، كما في الظهار والاستبراء والإحرام، وإنما لم تحرم ~~دواعي الوطىء في الصوم لأنه يكثر وجوده، فيؤدي منعها فيه إلى الحرج، وأما ~~الإنزال من إدامة نظر أو فكر فلم يفسد عندنا وعند الشافعي، وقال مالك: ~~تبطله لأن الإنزال لشهوة الفكر كالوقاع. ولنا أن الإنزال منهما بمنزلة ~~الإنزال في الاحتلام. # --- PageV02P247 ~~*** # (والمرأة تعتكف في بيتها) أي في الموضع الذي أعدته للصلاة فيه، حتى لو لم ~~يكن في بيتها موضع معد للصلاة أو كان، واعتكفت في موضع غيره من بيتها، لا ~~اعتكاف لها. ولو اعتكفت في مسجد جماعة جاز، ولكن مسجد بيتها أفضل من مسجد ~~حيها، ومسجد حيها أفضل من مسجد جماعة غيره. وقال مالك والشافعي في القول ~~الجديد: لا يجوز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وألحقوها بالرجال لإطلاق: ~~«لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة». # ولنا أن مسجد بيتها أصون لها وأحرز لفضيلة الصلاة، قال صلى الله عليه ~~وسلم «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاة المرأة في صحن دارها، وصلاتها في ~~صحن دارها أفضل من صلاتها في المسجد»، فإذا أعطى لبيتها حكم المسجد في حق ~~الصلاة، فكذا في حق الاعتكاف بمكان الصلاة. # (ولو نذر اعتكاف أيام لزمه) اعتكافها (بلياليها)، وكذا إذا نذر اعتكاف ~~ليالي، لزمه اعتكافها بأيامها، لأن ذكر الأيام بلفظ الجمع يدخل فيه ~~لياليها، كما أن ذكر الليالي يدخل فيه أيامها، قال تعالى: {ثلاثة أيام إلا ~~رمزا}، وقال: {ثلاث ليال سويا} والقضية واحدة، وبه قال مالك وأخرج الشافعي ~~الليالي، لأن اسم الأيام لا يتناول الليالي، وإنما دخلت الليالي المتخللة ~~في نذر الشهر للضرورة، فيقدر بقدرها. # --- PageV02P248 ~~*** # (ولاء) أي متتابعة (وإن لم يشترط) الولاء في ظاهر الرواية، وبه قال مالك، ~~وأطلقه الشافعي عند عدم التصريح به، وهو رواية عن أبي ms0554 حنيفة، وبها قال زفر. ~~ولو نذر صوم أيام لا يلزمه ولاء، إلا أن يشترط والفرق بينهما: أن الليالي ~~قابلة للاعتكاف غير قابلة للصوم، فيلزم الاعتكاف على التتابع حتى ينص على ~~التفريق، ويلزمه الصوم على التفريق حتى ينص على التتابع. # (وفي يومين) أي ولزمه في نذر اعتكاف يومين (يومان بليلتيهما، وصح نية ~~النهار خاصة) في المسألتين لأنه نوى حقيقة كلامه، ولو نذر اعتكاف شهر، ~~وقال: أردت النهار خاصة، لا يصدق، لأن الشهر اسم لمقدر يشمل الأيام ~~والليالي، والله تعالى أعلم بالصواب. # كتاب الحج # بفتح الحاء وبكسر، وهو لغة: القصد إلى معظم. # وشرعا: زيارة مكان مخصوص ، بفعل مخصوص. وسببه البيت، لأنه يضاف إليه. وفي ~~البخاري: عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم: أن النبي صلى الله عليه وسلم حج ~~بعدما هاجر حجة واحدة، وهي حجة الوداع، وهذا مما لا نزاع فيه بالإجماع. ~~وقال أبو إسحاق: وبمكة أخرى، يعني بحسب علمه به . وفي جزء الوزير بن ~~الجراح: عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ~~قال: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر، وحجة ~~قرن معها عمرة. انتهى. # --- PageV02P249 ~~*** # وأخرجه الدارقطني في «السنن»، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ~~جابر مثله سواء. انتهى. وعن ابن عباس: أنه عليه الصلاة والسلام حج قبل أن ~~يهاجر ثلاث حجج. أخرجه ابن ماجه والحاكم. وهو مبني على وفود الأنصار بمنى ~~بعد الحج، وهذا لا يقتضي نفي الحج قبل ذلك. وقد أخرج الحاكم بسند صحيح: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل أن يهاجر حججا لا يعلم عددها. وقال ابن ~~الأثير: كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر، يعني إلا أن يمنع منه مانع، فكانت ~~حجة الفريضة بعدما هاجر سنة عشر. وحج أبو بكر في السنة التي قبلها سنة تسع، ~~وفيها فرض الحج، وأما سنة ثمان وهي عام الفتح في رمضان فحج بالناس فيها ~~عتاب بن أسيد. وهو الذي ولاه النبي صلى الله ms0555 عليه وسلم أميرا بمكة بعد الفتح. # (فرض) فرضية محكمة بالإجماع، والكتاب، والسنة. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا}، وكلمة: «على» للإيجاب، وقد نزل في سنة تسع، وليس في: {وأتموا الحج ~~والعمرة لله} النازل في سنة ست دلالة على الإيجاب من غير شروع. وقيل: فرض ~~الحج سنة ست أيضا. # وأما السنة: فقد وردت منها أخبار كثيرة: منها حديث: «بني الإسلام على ~~خمس...» الحديث. متفق عليه، ومنها: «حجوا، فإن الحج يغسل الذنوب كما يغسل ~~الماء الدرن». رواه الطبراني في «الأوسط»، ومنها: «من مات ولم يحج فليمت إن ~~شاء يهوديا أو نصرانيا». رواه ابن عدي من حديث أبي هريرة، والترمذي نحوه من ~~حديث علي. # --- PageV02P250 ~~*** # (على كل حر) خرج به العبد وإن أذن له مولاه (مسلم) خرج به الكافر (مكلف) ~~خرج به الصبي والمجنون، لقوله صلى الله عليه وسلم «أيما صبي حج ثم بلغ ~~الحنث، فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر، فعليه أن يحج حجة ~~أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق، فعليه أن يحج حجة أخرى». رواه الحاكم في ~~«مستدركه»، وقال: على شرط الشيخين. # والمراد بالأعرابي: الذي لم يهاجر ولم يسلم، فإن مشركي العرب كانوا يحجون ~~فنفى إجزاء ذلك الحج عن الواجب بعد الإسلام، كذا ذكره ابن الهمام. وقال ~~البغوي: ولم يكن يقبل الإسلام بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~بالهجرة، ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة بقوله صلى الله عليه وسلم «لا هجرة بعد ~~الفتح». هذا، والحنث: الإثم، ولم يبلغوا الحنث: أي لم يبلغوه فيكتب عليهم، ~~وأخرج أبو داود في «مراسيله»، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «أيما صبي حج به أهله فمات أجزأ عنه، فإن أدرك فعليه ~~الحج، وأيما عبد حج به أهله فمات أجزأ عنه، فإن أعتق فعليه الحج». وأخرجه ~~ابن أبي شيبة في «مصنفه»: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ~~ابن عباس قال: احفظوا عني، ولا تقولوا: ms0556 قال ابن عباس: أيما عبد حج... إلى ~~آخره. وانعقد على شرط الحرية الإجماع. # --- PageV02P251 ~~*** # (صحيح) خرج به المريض، والمقعد، والمفلوج، والزمن الذي لا يستطيع الثبوت ~~على الراحلة، ومقطوع الرجلين عند أبي حنيفة في المشهور عنه، وهو رواية عن ~~أبي يوسف ومحمد، لأن الاستطاعة معدومة عند عدم الصحة، فلا يجب عليهم ~~الإحجاج إذا ملكوا الزاد والراحلة، ولا الإيصاء به في المرض، إذا لم يسبقهم ~~الوجوب، لأنه بدل الحج بالبدن، وإذا لم يجب المبدل لا يجب البدل. # وفي ظاهر الرواية عنهما: يجب الحج على هؤلاء إذا ملكوا الزاد، والراحلة، ~~ومؤنة من يرفعهم ويضعهم ويقودهم إلى المناسك، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ~~رحمه الله. ويلزمهم الإيصاء به إن لم يحجوا بأنفسهم، ولو حجوا عنهم وهم ~~آيسون من الأداء بالبدن ثم صحوا، وجب عليهم الأداء بأنفسهم، وظهرت نفلية ~~الأول لأنه خلف ضروري، فيسقط اعتباره بالقدرة على الأصل. فلهما حديث ~~الخثعمية: إن فريضة الحج أدركت أبي وهو شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة، ~~أفترى أن أحج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيت عنه أكان يجزىء ~~عنه؟» قالت: نعم. # وله قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}، قيل: ~~الإيجاب به، والعجز لازم مع هذه الأمور، والاستطاعة بالبدن هي الأصل، ~~وملاءمة القائد والخادم وحصول المقصود له من الرفقة غير معلوم، والعجز ثابت ~~للحال فلا يثبت الوجوب بالشك، إلا أن هذا قد يدفع بأن هذه العبادة يجزىء ~~فيها النيابة عند العجز لا مطلقا، توسطا بين المالية المحضة والبدنية ~~المحضة لتوسطها بينهما، والوجوب دائر مع فائدته فيثبت عند قدرة المال، ~~ليظهر أثره في الإحجاج والإيصاء. # --- PageV02P252 ~~*** # وفي «التجنيس» لصاحب «الهداية»: وجب عليه الحج، فحج من عامه، فمات في ~~الطريق، لا يجب عليه الإيصاء بالحج، لأنه لم يؤخر بعد الإيجاب. وفي ~~«الغاية»: المحبوس والخائف من السلطان كالمريض لوجود المانع. انتهى. وكذا ~~حكم السلطان إذا خيف على ملكه أو ملك غيره. # (بصير،) فلا يفترض على الأعمى الفاقد من يقوده أن يحج بنفسه باتفاق، ~~ولا أن ms0557 يحج غيره عند أبي حنيفة. وقالا: عليه أن يحج غيره، ولا على الأعمى ~~الواجد من يقوده عند أبي حنيفة رحمه الله، وعنهما روايتان: الوجوب وعدمه، ~~والفرق لهما بين الجمعة والحج على رواية عدم وجوب الحج أن وجود القائد إلى ~~الجمعة غالب وإلى الحج نادر. # (له زاد) أي نفقة متوسطة ذاهبا وآيبا، (وراحلة) وهو شق محمل لذي رفاهية ~~وضعيف بنية، أو رأس زاملة لذي قوة وجلد، لا عقبة، لعدم القدرة في جميع ~~السفر حينئذ، وهذا في حق غير أهل مكة ومن حولها ما دون مسافة القصر، وأما ~~هم فليس من شرط الوجوب عليهم الراحلة لعدم المشقة في حقهم، فأشبه السعي إلى ~~الجمعة. والفقير الآفاقي إذا وصل إلى ميقات فهو كالمكي. والمعتمد أن يشترط ~~الزاد في حق المكي إن قدر على المشي، وإلا فهو كالآفاقي. روى الحاكم في ~~«المستدرك» وقال: على شرط الشيخين عن أنس في قوله تعالى: {ولله على الناس ~~حج البيت من استطاع إليه سبيلا}، قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: «الزاد ~~والراحلة». # وقال مالك: من كانت عادته المشي من غير حاجة راحلة لزمه الحج إذا وجد ~~الزاد، ومن كانت عادته المشي والمسألة لزمه الحج وإن عدم الزاد في الحج، ~~وفي معنى المسألة الصنعة. # --- PageV02P253 ~~*** # (فضلا) بضم الضاد أي زاد الزاد والراحلة (عما لا بد منه) من مسكنه، ~~وخادمه، وفرسه، وسلاحه، وثيابه، وأثاثه، وآلات حرفته، وعبيد خدمته ومرمة ~~مسكنه، وقضاء دينه، وأصدقة نسائه ولو مؤجلة. وقيل: لا تشترط، كذا في ~~«السراج»، والظاهر أنه لا يشترط (في المؤجلة) دون المعجلة. # (وعن نفقة عياله) أي من تلزمه نفقته من الزوجة والأولاد الصغار والبنات ~~البالغة، والخدم لأن حق العبد لفقره مقدم، على حق الله سبحانه لغناه (إلى ~~حين عوده) أي رجوعه إلى وطنه. # (مع أمن الطريق) وقت خروج أهل بلده وإن كان مخيفا في غيره بغلبة ~~السلامة فيه، برا كان الطريق أو بحرا على المفتى به. وهو قول أبي الليث، ~~لأن العبرة للغالب، وقد سئل الكرخي عمن لا يحج خوفا من القرامطة في ms0558 ~~البادية، فقال: ما سلمت البادية من الآفات، أي لا تخلو عنها كقلة الماء، ~~وشدة الحر، وهيجان السموم، وكثرة السرقة والغلاء. وما أفتى به أبو بكر ~~الرازي من سقوط الحج عن أهل بغداد، وقول أبي بكر الإسكاف: لا أقول الحج ~~فريضة في زماننا، قاله سنة ست وعشرين وثلاث مئة، وقول الثلجي: ليس على أهل ~~خراسان حج منذ كذا وكذا سنة، كان وقت غلبة النهب والخوف في الطريق. # هذا، وذكر ابن شجاع عن أبي حنيفة أن أمن الطريق شرط الوجوب، وهكذا ذكره ~~الكرخي وأبو حفص الكبير، لأن الحج لا يتأتى بدونه إلا بمشقة، فصار كالزاد ~~والراحلة، وقال بعض أصحابنا: إنه شرط الأداء، لأنه عليه الصلاة والسلام لما ~~فسر الاستطاعة لم يذكر أمن الطريق منها. # وثمرة الخلاف تظهر في وجوب الإيصاء بالحج على من أدركه الموت والطريق غير ~~آمن ولم يكن حج، فمن جعل أمن الطريق شرطا للأداء أوجب عليه الإيصاء، ومن ~~جعله شرطا للوجوب لم يوجبه. # --- PageV02P254 ~~*** # (و) مع (الزوج) المكلف (أو المحرم) وهو من حرم عليه نكاحها على التأبيد: ~~وهو رضاعا أو مصاهرة، بشرط أن يكون تقيا، لا فاسقا ولا مجوسيا (للمرأة) ولو عجوزا. # وهل ذلك شرط للوجوب، وهو الأظهر، أو للأداء؟ فيه ما مر في أمن الطريق من ~~الخلاف، وثمرته تظهر في وجوب الوصية إذا أدركها الموت وليس لها محرم ولا ~~زوج، وفي وجوب نفقة المحرم وراحلته عليه إذا أبى أن يحج معها إلا بهما، وفي ~~وجوب التزوج عليها إذا لم تجد محرما، فمن قال: إن الزوج والمحرم شرط أداء ~~قال: بوجوب ذلك، ومن قال: إنه شرط وجوب، لم يقل بوجوبه. وهذا كله إذا وجد ~~الشرط عند تأهب أهل بلده، إذ به يصير قادرا على الحج، فلو ملك مالا قبله ~~وأنفقه حيث شاء، جاز ولا يجب عليه الحج، لأنه لا يلزمه التأهب في الحال. # (إن كان بينها وبين مكة مسيرة سفر) وهي ثلاثة أيام بلياليها، ويباح فيما ~~دونها. ومذهب مالك: إذا وجدت المرأة صحبة مأمونة لزمها الحج، لأنه سفر ~~مفروض كالهجرة. ms0559 ومذهب الشافعي إذا وجدت نسوة ثقات فعليها أن تحج معهن. # --- PageV02P255 ~~*** # ولنا ما في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ~~تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم. وفي لفظ: «مسيرة ثلاث ليال». ~~وفي لفظ: «مسيرة ثلاثة أيام». وما رواه الدارقطني في «سننه،» والبزار في ~~«مسنده»، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحج ~~المرأة إلا ومعها محرم»، فقال رجل: يا نبي الله إني اكتتبت في غزوة كذا، ~~وامرأتي حاجة، قال: «ارجع وحج معها». وفي «سنن الدارقطني» من حديث أبي ~~أمامة الباهلي مرفوعا: «لا تسافر امرأة ثلاثة أيام أو تحج إلا ومعها ~~زوجها». وفي رواية لمسلم وأبي داود: أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لا يحل ~~لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا، إلا ~~ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو محرم منها». # --- PageV02P256 ~~*** # وروي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف كراهة خروجها مسيرة يوم بلا محرم، لما في ~~الصحيحين عن سعد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة مرفوعا: «لا يحل لامرأة تؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي رحم محرم عليها». ~~(وفي لفظ لمسلم: «مسيرة ليلة»، وفي آخر له: «يوم»). وفي لفظ لأبي داود: ~~«بريدا»، وهو عن ابن حبان في «صحيحه»، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، ~~وللطبراني في «معجمه»: ثلاثة أميال، فقيل له: إن الناس يقولون: ثلاثة أيام، ~~فقال: وهموا. قال المنذري: («في حواشيه»): ليس في هذه (الروايات) تباين، ~~فإنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قالها في مواطن مختلفة بحسب الأسئلة، ~~ويحتمل أن يكون ذلك كله تمثيلا لأقل الأعداد، فاليوم الواحد أول العدد ~~وأقله، والاثنان أول الكثير وأقله، والثلاث أول الجمع وأقله، فكأنه أشار ~~إلى أن مثل هذا في قلة الزمن لا يحل لها فيه السفر مع غير محرم، فكيف بما ~~زاد؟ انتهى. # ويشترط في المرأة أيضا أن لا تكون معتدة، ثم إذا وجدت المرأة محرما، ليس ~~للزوج ms0560 منعها من الحج الفرض، لأن حق الزوج لا يظهر في الفرائض كالصلاة ~~والصوم، وجوز مالك والشافعي أن يمنعها الزوج من الحج كالحج المنذور، لأن في ~~خروجها تفويت حقه، وحق العبد مقدم على حق الله تعالى بإذنه. ولنا ما قدمنا، ~~وأما المنذور فلأن وجوبه بسبب من جهتها، فلا يظهر الوجوب في حقه، فكان نفلا ~~بالنسبة إليه. # --- PageV02P257 ~~*** # (في العمر مرة) لما روى أبو داود، وابن ماجه، والحاكم وقال: صحيح ~~الإسناد، عن ابن عباس، أن الأقرع بن حابس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله، الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: «لا بل مرة واحدة، ~~فمن زاد فهو تطوع». ولقول أبي هريرة: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «يا أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل: أكل عام يا ~~رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو ~~قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم»، ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان ~~قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما ~~استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه». رواه مسلم. # فقوله: «لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم»، يستلزم نفي وجوب التكرار من ~~وجهين: لإفادة «لو» هنا امتناع «نعم»، فيلزمه ثبوت نقيضه وهو «لا»، ~~والتصريح بنفي الاستطاعة أيضا، ولقول ابن عباس: خطبنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج»، فقام الأقرع بن ~~حابس فقال: في كل عام يا رسول الله؟ قال: «لو قلتها لوجبت ولم تستطيعوا أن ~~تعملوا بها، الحج مرة، فمن زاد فتطوع». رواه أحمد في «مسنده»، والدارقطني ~~في «سننه». # ولأن سببه البيت، وإنه لا يتعدد، فلا يتكرر الوجوب، فاندفع قول الشافعية: ~~أن الحج فرض كفاية في كل سنة. # --- PageV02P258 ~~*** PageV02P259 ### | CHECK [شرح النقاية- ج2] # شرح الوقاية # (على الفور) وهو قول أبي يوسف، ومذهب مالك، وأصح الروايتين عن أبي حنيفة. ~~وقال محمد، وهو رواية عن أبي يوسف وقول الشافعي: إنه على ms0561 التراخي، إلا أن ~~يظن فواته إن أخره، لأن الحج وقته العمر نظرا إلى ظاهر الحال في بقاء ~~الإنسان، فكان كالصلاة في وقتها، فيجوز تأخيره إلى آخر العمر كما يجوز ~~تأخيرها إلى آخر وقتها، إلا أن جواز تأخيره مشروط عند محمد بأن لا يفوت، ~~حتى لو مات ولم يحج أثم، وعليه الإجماع. ولأبي يوسف أن الحج في وقت معين من ~~السنة، والموت فيها ليس بنادر فيتضيق عليه الاحتياط لا لانقطاع التوسع ~~بالكلية، فلو حج في العام الثاني كان مؤديا باتفاقهما، ولو مات قبل العام ~~الثاني كان آثما باتفاقهما. # وثمرة الخلاف بينهما إنما تظهر في حق تفسيق المؤخر ورد شهادته عند من ~~يقول بالفور، وعدم ذلك عند من يقول بالتراخي. وفي «السراج الوهاج»: أن ~~الخلاف فيما إذا كان غالب ظنه السلامة، وأما إذا كان غالب ظنه الموت بسبب ~~مرض أو هرم، فإنه يتضيق عليه بالوجوب إجماعا، فلو مات يأثم بتركه عن ذلك ~~الوقت. ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم «من أراد الحج فليتعجل، فإنه يمرض ~~المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة». رواه أحمد، وابن ماجه، والبيهقي. # --- PageV03P001 ~~*** # وأما ما استدل به الشافعي ومن تبعه من القول بالتراخي، أن الحج فرض في ~~سنة خمس أو ست أو تسع، وحج عليه الصلاة والسلام في سنة عشر، ولو كان على ~~الفور لم يؤخر، فأجيب عنه بأنه صلى الله عليه وسلم قد علم بالوحي أنه يعيش ~~إلى أن يؤديه ويعلم الناس مناسكهم تكميلا للتبليغ، فكان آمنا من فواته، أو ~~لأنه كان لعذر من نزول الآية بعد فوات الوقت، أو لخوف من المشركين على أهل ~~المدينة، أو لغير ذلك من أمر النبي صلى الله عليه وسلم واختلاط المشركين ~~بالمؤمنين ونحوها من جواز الحج النفل للضرورة كما قلنا. # ومما يدل على أنه فرض سنة خمس، ما رواه أحمد في «مسنده» من طريق محمد ابن ~~إسحاق: حدثني محمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب، عن ابن عباس قال: بعثت بنو ~~سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى ms0562 الله عليه وسلم فذكر له ~~فرائض الإسلام: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، بعد أن ذكر التوحيد. قال: ~~وقد رواه شريك بن أبي نمر عن كريب فقال فيه: بعثت بنو سعد ضماما في رجب سنة ~~خمس. ومما يؤيد وجه الفورية حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري: «من كسر أو عرج ~~فقد حل، وعليه الحج من قابل». وهذا بناء على أن لفظ «قابل» متعارف في السنة ~~الآتية التي تلي هذه السنة. # والحاصل: أن حقيقة دليل وجوب الفور هو الاحتياط، فلا يدفعه أن مقتضى ~~الأمر المطلق جواز التأخير بشرط عدم التفويت. # --- PageV03P002 ~~*** # (ولو أحرم صبي فبلغ، أو عبد فعتق) فمضى الصبي أو العبد (لم يؤد فرضه) لأن ~~إحرامه انعقد للنفل فلا يسقط به الفرض. فإن قيل: الإحرام، شرط في الحج، ~~والوضوء، شرط في الصلاة، فكان ينبغي أن يجوز أداء فرض الحج بإحرام قبل ~~البلوغ، كما يجوز أداء فرض الصلاة بوضوء قبله، فالجواب أن الإحرام إنما ~~يتحقق بنية الحج، وبها يصير شارعا في أفعاله من غير تجديد نية له، بخلاف ~~الوضوء، فإنه يتحقق قبل الشروع في الصلاة، وقد يجاب بأن الإحرام شرط يشبه ~~الركن من حيث إمكان اتصال الأداء به، فاعتبرنا شبه الركن فيما نحن فيه ~~احتياطا للعبادة. # (ولو جدد الصبي) بعد البلوغ (إحرامه للفرض) قبل مضي وقت الوقوف بعرفة ~~(صح،) إحرامه (لا للعبد)، أي لا يصح تجديد إحرامه له بعد العتق. والفرق أن ~~إحرام الصبي غير لازم لعدم أهليته، ولذا لو أحصر الصبي وتحلل لا دم عليه ~~ولا قضاء، وكذا لا جزاء عليه لارتكاب المحظورات كما صرح به ابن الهمام، ~~فيمكنه الخروج عن الإحرام بالشروع في غيره، وإحرام العبد لازم فلا يمكنه ~~الخروج إلا بالإتمام. وفي «المبسوط»: ولو أحرم صبي وهو يعقل، أو أحرم عنه ~~أبوه صار محرما، يعني فينبغي أن يجرده ويلبسه إزارا ورداء. # (فروض الحج) # (وفرضه) أي فرض الحج، وهو ما لا بد منه شرطا أو ركنا (الإحرام) بإجماع ~~الأمة، ولأن كل عبادة لها تحليل فلها إحرام كالصلاة، وهو عندنا شرط الأداء ~~لا ركن، ms0563 كما قال مالك والشافعي، لأنه يدوم إلى الحلق، ولا ينتقل عنه إلى ~~غيره، ويجامع كل ركن في الجملة، ولو كان ركنا، لما كان كذلك. # --- PageV03P003 ~~*** # (والوقوف بعرفة) أي الحضور بها ولو ساعة من زوال عرفة إلى طلوع فجر ~~النحر، بشرط تقدم الإحرام. # (وطواف الزيارة) أي أكثره مقرونا بالنية، وفرضيتهما بإجماع الأمة، وهما ~~ركنان اتفاقا، لقوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات}، وقوله: {ثم أفيضوا من ~~حيث أفاض الناس}، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة». # رواه أحمد، والأربعة. أي معظم أركانه الذي لا يفوت بعد وجوده وقوفها، ~~ولقوله صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة، فمن وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار ~~فقد تم حجه». روى بمعناه أبو داود وغيره، وصححه الترمذي، ولقول عائشة: حاضت ~~صفية بنت حيي بعدما أفاضت فقال صلى الله عليه وسلم «أحابستنا هي؟» قالوا: ~~يا رسول الله، إنها أفاضت، وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «فلا إذا». رواه الشيخان، ولقوله تعالى: {وليطوفوا ~~بالبيت العتيق} فإنه مفسر بطواف الإفاضة، ويدل عليه ما قبله من قوله: {ثم ~~ليقضوا تفثهم}. # (واجبات الحج) # --- PageV03P004 ~~*** # (وواجبه وقوف جمع) أي مزدلفة ولو ساعة من بعد فجر النحر إلى ما قبل ~~طلوع الشمس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا ~~حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه». ~~رواه أصحاب السنن، والطحاوي من حديث عروة بن مضرس، علق به تمام الحج. وبهذا ~~ثبت الوجوب لا الركنية، لأنه خبر الواحد، ولأنه صلى الله عليه وسلم قدم ~~ضعفة أهله بليل، كما في الصحيحين عن عائشة قالت: كانت سودة امرأة ضخمة ~~ثبطة، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفيض من جمع بليل فأذن ~~لها، قالت عائشة: فليتني كنت استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~استأذنت سودة، وكانت عائشة لا تفيض إلا مع الإمام. # وعن ابن عباس قال: «أنا ممن قدم رسول الله صلى الله ms0564 عليه وسلم ليلة ~~مزدلفة في ضعفه أهله من جمع بليل». ولو كان الوقوف بمزدلفة بعد الفجر ركنا، ~~لما جاز تركه كالوقوف بعرفة، فاندفع به قول الليث بن سعد: أن الوقوف به ركن ~~لقوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام}، ولأن ~~المأمور به في الآية الذكر، وهو ليس بركن بالإجماع، فلا شيء على من تركه ~~بعذر لما قدمنا. # وقال الشافعي: الوقوف بجمع سنة، وله في المبيت به قولان: الوجوب والسنية، ~~وهو مذهبنا. وأما ما ذكره العيني في «شرح تحفة الملوك » # من أن الوقوف بمزدلفة ركن عند الشافعي وتبع فيه «الهداية» فغير صحيح، ~~بل وهم صريح. # --- PageV03P005 ~~*** # وسمي جمعا لاجتماع آدم مع حواء فيه. وسمي مزدلفة لأن آدم ازدلف فيه من ~~حواء، أي دنا منها بعد بعده عنها، أو لاقتراب الناس إلى منى، أو لأن ~~الواقفين فيه يزدلفون إلى الله تعالى: أي يتقربون إليه. # (والسعي بين الصفا والمروة)، وقال مالك، والشافعي: وهو ركن لقوله تعالى: ~~{إن الصفا والمروة من شعائر الله}، وما كان من الشعائر كان ركنا، ولقوله ~~صلى الله عليه وسلم «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا»، رواه ابن أبي شيبة. ~~وروى الدارقطني بإسناد صحيح: «أن نسوة من بني عبد الدار اللاتي أدركن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قلن: دخلنا دار أبي حسين، فرأينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو من ورائهم، ~~وهو يسعى حتى نرى ركبتيه من شدة السعي، وهو يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم ~~السعي». # والجواب عن الآية بأن المزدلفة من الشعائر، ولذا سمي بالمشعر الحرام، مع ~~أن الوقوف بها وكذا المبيت فيها ليس بركن اتفاقا، على أن قوله تعالى: {فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما} ينفي الركنية والوجوب جميعا، إلا أنا تركنا الظاهر ~~في الإيجاب للإجماع، وأما ورود النص بنفي الحرج لأن الصحابة كانوا يحترزون ~~عن الطواف بهما لمكان الصنمين: «إساف»، و«نائلة» حيث كانا عليهما في ~~الجاهلية. وروي عن أنس، وابن عباس، وابن الزبير أنهم ms0565 عملوا بظاهر الآية ولم ~~يوجبوا بترك السعي شيئا، وقالوا: بأنه تطوع، وعن الحديث بأنه آحاد، فلا: ~~يثبت به الفرضية، وإنما يثبت به الوجوب، وقد قلنا به. # --- PageV03P006 ~~*** # (ورمي الجمار) لقول عبد الرحمن بن معاذ التيمي: «خطبنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ونحن بمنى، ففتحنا أسماعنا، حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في ~~منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار، فوضع أصبعيه السبابتين ثم ~~قال: بحصى الخذف». رواه أبو داود. # (وطواف الصدر) بفتحتين وهو طواف الوداع (للآفاقي) من الحاج دون ~~المعتمر، لما في الصحيحين من حديث ابن عباس قال: «أمر الناس أن يكون آخر ~~عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض». أي سقط، وفي لفظ لمسلم، ~~وأحمد قال: «كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت». وقال مالك ~~والشافعي: هو سنة. # قيد بالآفاقي، لأن المكي ومن في حكمه ممن هو دون الميقات لا يجب عليه ~~طواف الصدر بالاتفاق. ولو نوى الآفاقي الاستيطان قبل النفر الأول صار من ~~أهل مكة، ولو نواها بعده لزمه طواف الصدر. # (والحلق) وكان حقه أن يقدم على طواف الصدر، والمراد به هو، أو ما يقوم ~~مقامه: من تقصير وإمرار موسى، وإنما يجب لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به، ~~ودعائه للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين واحدة، ولما روي عن أنس: «أنه صلى الله ~~عليه وسلم أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر وقال ~~للحلاق: خذ وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر ، ثم جعل يعطيه الناس». ~~رواه مسلم، وأبو داود، وأحمد. ويتعين التقصير للمرأة لقوله صلى الله عليه ~~وسلم «ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير». رواه أبو داود. # --- PageV03P007 ~~*** # (وغيرها) أي غير هذه المذكورات من الفرائض والواجبات (سنن) مؤكدة كالرمل ~~في الطواف، والهرولة في السعي، والمبيت بمنى لياليها، لما روي: «أنه صلى ~~الله عليه وسلم بات بها». رواه أبو داود (وآداب) مستحبة كما سيأتي. والأصل ~~في ذلك كله فعله صلى الله ms0566 عليه وسلم مع قوله: «خذوا عني مناسككم»، ولا يخفى ~~أن قوله: «وغيرها سنن وآداب»، إن أريد أن كل ما هو غير المفروض والواجبات ~~مطلقا، فسنن وآداب، فليس بمفيد، وإن أريد أن كل ما هو غير هذه الفرائض ~~الثلاثة وهذه الواجبات الخمسة سنن وآداب، فممنوع بأن كثيرا من الواجبات غير ~~مذكور هنا: منها الإحرام من الميقات، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«لا تجاوزوا الوقت إلا بإحرام»، رواه ابن أبي شيبة، والطبراني من حديث ابن ~~عباس. وروى الشافعي في «مسنده» عن أبي الشعثاء: «أنه رأى ابن عباس يرد من ~~جاوز الميقات غير محرم». وروى إسحاق بن راهويه في «مسنده»: أخبرنا فضيل بن ~~عياض، عن ليث بن أبي سليم، عن عطاء، عن ابن عباس: «إذا جاوز الوقت فلم يحرم ~~حتى دخل مكة، رجع إلى الوقت فأحرم، فإن خشي إن رجع إلى الوقت فإنه يحرم أي ~~في الطريق ويهريق لذلك دما». # ومنها مد الوقوف بعرفة من الزوال إلى الغروب، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما دفع بعد الغروب، وقد قال: «خذوا عني مناسككم»، وقال في خطبته: ~~«أما بعد، فإن أهل الشرك كانوا يدفعون من هذا الموضع، إذا كانت الشمس على ~~رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب». رواهما ~~الحاكم. # --- PageV03P008 ~~*** # وكذا الرمي، والحلق، وطواف الزيارة في أيام النحر، وتقديم الرمي على ~~الحلق ونحر القارن، والمتمتع بين الرمي والحلق من الواجبات عند أبي حنيفة. # وقالا: إنها سنة لما رواه الطحاوي عن علي رضي الله عنه قال: «أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله، إني أفضت قبل أن أحلق ~~قال: احلق ولا حرج، قال: وجاءه آخر فقال: يا رسول اللها إني ذبحت قبل أن ~~أرمي، قال: ارم ولا حرج». وما رواه عن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سئل عمن يحلق قبل أن يذبح، أو ذبح قبل أن يحلق، فقال: لا حرج». ~~وفي لفظ آخر: «أنه قيل له يوم النحر وهو ms0567 بمنى في النحر والحلق والرمي ~~والتقديم والتأخير، فقال: لا حرج». وفي لفظ آخر: أنه قال: «ما سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عمن قدم شيئا قبل شيء إلا قال: لا حرج». ~~وروي عن جابر بن عبد الله بمعناه. # --- PageV03P009 ~~*** # ولأبي حنيفة أن ابن عمر كان يرى في تأخير النسك دما. وعن ابن عباس: فيمن ~~أخر نسكا عن نسك أو قدم نسكا على نسك أن عليه دما. والمرفوع محمول على ~~النسيان كما روي مشروحا عن علي كرم الله وجهه: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سأله رجل في حجته فقال: إني رميت، وأفضت، ونسيت ولم أحلق، قال: فاحلق ~~ولا حرج»، ثم جاءه رجل آخر فقال: رميت وأفضت ونسيت أن أنحر، قال: «فانحر ~~ولا حرج». وعن عبد الله بن عمر أنه قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في حجة الوداع للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت ~~قبل أن أرمي، قال: «ارم ولا حرج»، قال: فما سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج». # فدل ما روينا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أسقط الحرج عنهم في ~~ذلك للنسيان أو الجهل، لا أنه أباح لهم ذلك حتى يصير فعله مباحا في العمل، ~~كيف وابن عباس أحد رواة نفي الحرج يوجب بالتقديم والتأخير دما، فكان معنى ~~ذلك عنده، على أن الذي فعلوه في حجة النبي صلى الله عليه وسلم للجهل منهم ~~بالحكم فيه كيف هو فعذرهم، إذ كان ابتداء الخطاب بالمناسك على التمام ~~والترتيب، وكان ممن لم يبلغهم الخطاب، لا يلزمهم على ما هو الأصل في ابتداء ~~الشرع: أنه لا يجب إلا بعد السماع، هذا خلاصة ما ذكره الطحاوي والدبوسي. # --- PageV03P010 ~~*** # وكذا الحلق في الحرم واجب (عند أبي حنيفة ومحمد، وسنة) عند أبي يوسف، ~~وكذا الاستقامة في الطواف: وهي أن يشرع على أيمن ما يلي الباب. وكذا ~~الطهارة له من الحدثين وستر العورة واجبان عندنا ms0568 لا شرائط كما قال مالك ~~والشافعي، ولا خلاف في ركنية طواف الزيارة، وعدم تمام الحج بدونه، وعدم ~~جبره بشيء دون فعله، وإنما الخلاف في شروطه وكيفيته، فقال علماؤنا: طواف ~~المحدث والجنب يقع به التحلل عن الحج، وكذا بدون الستر، وبالمنكوس ~~والمعكوس. وعندهما لا يقع به التحلل ويكون كمن لم يطف. # وجملة الجواب عندنا: أن من طاف وترك واحدا مما ذكرنا أنه يجب عليه ~~الإعادة، وإن لم يعد حتى خرج إلى أهله يجبر نقص الجناية بالبدنة، ونقص ~~البواقي بالشاة. # ولهما أن الطهارة شرط هذه العبادة قياسا على الصلاة، ولقوله صلى الله ~~عليه وسلم «الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم لا يتكلم ~~إلا بخير»، رواه الترمذي. أي صلاة حكما، لأنه صلى الله عليه وسلم بعث ~~لتعليم الأحكام، ولأنه استثنى، فعلم أن المستثنى منه أيضا حكم، فثبت أن ~~الطهارة شرط هذا الركن، بخلاف سائر أركان الحج، وأنه مشبه بالصلاة في هذا الحكم. # ولعلمائنا قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق}، وأنه في اللغة عبارة عن ~~الدوران حول البيت، فمن شرط للخروج عن عهدة هذا الأمر غير هذا الفعل، من ~~طهارة فقد زاد على النص وذلك بمنزلة النسخ، فلا يجوز بخبر الواحد، ولا ~~بالقياس. # --- PageV03P011 ~~*** # فإن قيل: فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بطهارة كان بيانا ~~للأمر في حق الطهارة، إذ النص كان مجملا في حق الطهارة، وهذا الفعل ثبت عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بتواتر. قلنا: إنما يقال: إنه بيان، إذا كان ~~النص يحتمله بوجه، والأمر بالطواف لا يحتمل الطهارة، فيصير زيادة لا محالة، ~~والزيادة قد تكون لتعلق أصل الجواز به، وقد تكون لتعلق الكمال به، فلا ~~يتعلق به أصل الجواز بالاحتمال، بل يبقى معه ظاهر النص كما كان، ولأن الأصل ~~في (النصوص الظاهرة أنها لا تتوقف) على البيان، وما يوجد من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يكون بيانا للكامل منه في حق العمل (وفي حق العلم، أما في ~~حق العلم، فالطهارة ليست بشرط كسائر أركان الحج، وفي ms0569 حق العمل) فالطهارة ~~شرط له كالصلاة. # فعلى هذا أمر الطواف، أصله بقدر ما تدل عليه الآية واجب علما وعملا، وما ~~زيد بالسنة مما لا يمكن إضافته إلى الآية واجب عملا لا علما، إما لأن الخبر ~~خبر واحد، فلا ينسخ به الفرض الثابت بالكتاب، فيحمل عليه، حتى لا يكون ~~نسخا، أو لأن النسخ لا يصار إليه ما أمكن حمل فعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على بيان الأكمل به بواجب من قبله لا بالكتاب، فيحمل عليه حتى لا يكون ~~نسخا. وستجيء سننه وآدابه. # (وأشهره شوال وذو القعدة) بفتح القاف وتكسر (وعشر ذي الحجة) بكسر ~~الحاء أي عشرة أيام منها، فإنه إذا حذف التمييز جاز التذكير، وهو قول ~~العبادلة. وعن أبي يوسف: عشر ليال وتسعة أيام. وقال مالك: وذو الحجة بتمامه ~~لقوله تعالى: {أشهر معلومات}، أي وقته، والشهر يقع على الكامل حقيقة، وعلى ~~غيره مجازا من باب إطلاق الكل وإرادة البعض. # --- PageV03P012 ~~*** # ولنا ما أخرجه الحاكم وقال: على شرط الشيخين، وعلقه البخاري عن ابن عمر ~~في قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات}، قال: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي ~~الحجة، وتفسير الصحابي في حكم الرفع. وبهذا يتم الاستدلال. وأخرج ~~الدارقطني، وابن أبي شيبة عن ابن عباس وابن الزبير وابن مسعود نحوه. وفائدة ~~توقيت الحج تظهر في أن شيئا من أفعال الحج لا يجزىء إلا فيه، لا في أن ~~أفعال الحج تجزىء في أي وقت كان منه، فلو أحرم بالحج في رمضان وسعى بعد ~~أكثر طواف القدوم في شوال أجزأه ذلك عن السعي الواجب، وإن سعى في رمضان لا يجزئه. # (وكره) أي كراهة تحريم (إحرامه له) أي الحج (قبلها) أي قبل أشهر الحج، ~~لئلا يقع في محظور من محظوراته، فلو أمن من وقوع محظور لا يكره على ما في ~~«المحيط». ولو أحرم صح، لأن الإحرام شرط، فيجوز إيقاعه قبل وقت المشروط، ~~وفيه خلاف مالك والشافعي لأنه ركن عندهما، كما تقدم. ولو أحرم يوم النحر ~~بالحج للقابل لم يكره عند أبي حنيفة ومحمد، كما في «الذخيرة». ms0570 ومن فوائد ~~التأقيت: أن لو ملك الزاد والراحلة قبل الأشهر فاستهلكهما لم يجب الحج، كما ~~في «المحيط». # --- PageV03P013 ~~*** # ولنا ما أخرجه الحاكم وقال: على شرط الشيخين، وعلقه البخاري عن ابن عمر ~~في قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات}، قال: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي ~~الحجة، وتفسير الصحابي في حكم الرفع. وبهذا يتم الاستدلال. وأخرج ~~الدارقطني، وابن أبي شيبة عن ابن عباس وابن الزبير وابن مسعود نحوه. وفائدة ~~توقيت الحج تظهر في أن شيئا من أفعال الحج لا يجزىء إلا فيه، لا في أن ~~أفعال الحج تجزىء في أي وقت كان منه، فلو أحرم بالحج في رمضان وسعى بعد ~~أكثر طواف القدوم في شوال أجزأه ذلك عن السعي الواجب، وإن سعى في رمضان لا يجزئه. # (وكره) أي كراهة تحريم (إحرامه له) أي الحج (قبلها) أي قبل أشهر الحج، ~~لئلا يقع في محظور من محظوراته، فلو أمن من وقوع محظور لا يكره على ما في ~~«المحيط». ولو أحرم صح، لأن الإحرام شرط، فيجوز إيقاعه قبل وقت المشروط، ~~وفيه خلاف مالك والشافعي لأنه ركن عندهما، كما تقدم. ولو أحرم يوم النحر ~~بالحج للقابل لم يكره عند أبي حنيفة ومحمد، كما في «الذخيرة». ومن فوائد ~~التأقيت: أن لو ملك الزاد والراحلة قبل الأشهر فاستهلكهما لم يجب الحج، كما ~~في «المحيط». # (أحكام العمرة) # (والعمرة سنة) مؤكدة لمن استطاع. وقيل: واجبة، وعن بعض أصحابنا أنه فرض ~~كفاية كما في «الكافي». ومذهب مالك أنها سنة. وقال الشافعي في قوله الجديد ~~: إنها فرض عين لقرانها بالحج في قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله}، ~~ولما روى الحاكم وقال: على شرط الشيخين عن أبي رزين العقيلي: «أنه قال: ~~يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، أي ~~الارتحال فقال: احجج عن أبيك واعتمر». # --- PageV03P014 ~~*** # ولنا ما روى الترمذي وقال: حسن صحيح عن جابر بن عبد الله قال: «سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة؟ قال: لا، وأن تعتمروا هو ~~أفضل». وقد روى ابن جريج، ms0571 عن محمد بن المنكدر، عن جابر موقوفا، وروى عبد ~~الباقي بن قانع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحج ~~جهاد، والعمرة تطوع». وروى ابن ماجه عن طلحة بن عبيد الله، أنه سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الحج جهاد والعمرة تطوع». وأخرج ابن أبي ~~شيبة من حديث أبي أسامة، عن سعيد بن أبي عروبة، وعن أبي معشر، عن إبراهيم ~~قال: قال ابن مسعود: «الحج فريضة، والعمرة تطوع»، وكفى بعبد الله قدوة. # وأجيب عن الآية: بأن (قرانها في الذكر) لا يقتضي المساواة في الحكم، ولو ~~سلم فقرانها بالحج في الآية إنما هو في الإتمام، وذلك إنما يكون بعد ~~الشروع. وعن حديث أبي رزين: بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمره ~~بأن يحج ويعتمر عن أبيه، وحجه واعتماره عن أبيه ليس بواجب، مع أن قول أبي ~~رزين: «لا يستطيع الحج ولا العمرة» يقتضي عدم وجوبهما على أبيه، فيكون ~~الأمر في حديثه للاستحباب. # --- PageV03P015 ~~*** # وأما ما روى الحاكم، والدارقطني عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت». فقال الحاكم: ~~الصحيح عن زيد بن ثابت من قوله. انتهى. وفيه إسماعيل بن مسلم المكي: ضعفوه. ~~قال البخاري: منكر الحديث. وقال أحمد: حرقنا حديثه. وأما ما رواه البيهقي ~~عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين موقوفا، وهو الصحيح. وعن ابن عمر: «ليس ~~أحد من خلق الله تعالى إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان، على من استطاع إلى ذلك ~~سبيلا». وعن ابن عباس: «الحج والعمرة فريضتان على الناس كلهم إلا أهل مكة ~~فإن عمرتهم طوافهم، فليخرجوا إلى التنعيم ثم ليدخلوها...» الحديث. رواه ~~الحاكم، وقال: على شرط مسلم. فكل مذهب صحابي معارض بمثله أو بأعلى منه. # ثم اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر بعد الهجرة أربع عمر، ~~كلهن في ذي القعدة، إلا التي مع حجته. وعن ابن حزم: «حج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واعتمر ms0572 قبل النبوة وبعدها قبل الهجرة حججا وعمرا، لا نعرف ~~أعدادها». # (وهي) أي العمرة (طواف،) وهو ركن بإجماع الأمة (وسعي) واجب عندنا. وكذا ~~الحلق أو التقصير في الصحيح. وقيل: إنه شرط للخروج منها. ويشترط فيها ~~الإحرام كما في الحج. # (وجازت) مرة أو أكثر (في كل السنة،) لأنها غير مؤقتة (وكرهت يوم عرفة، ~~وأربعة بعدها): وهي يوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، لما روي عن عائشة أنها ~~كانت تكره العمرة في الأيام الخمسة. # --- PageV03P016 ~~*** # ولأن الله تعالى سمى هذه الأيام أيام الحج، فيقتضي أن تكون متعينة للحج، ~~فلا يجوز الاشتغال فيها بغيره. ولكن مع هذه الكراهة، لو نواها في هذه ~~الأيام صح، ويبقى محرما بها، فإن أهل بالعمرة في هذه الأيام رفضها، وإن مضى ~~عليها صح ولزمه دم في الوجهين: من الرفض، وعدمه. أما في الرفض فظاهر، وأما ~~في عدمه فلجمعه بينهما إما في الإحرام أو في الأفعال الباقية. # وقال ابن دقيق العيد في «الإمام»: روى إسماعيل بن عياش، عن إبراهيم بن ~~نافع، عن طاوس قال: قال الحبر يعني ابن عباس : «خمسة أيام: يوم عرفة، (و) ~~يوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، اعتمر قبلها وبعدها ما شئت». وفيه دليل ~~على أن العمرة المفردة لأهل مكة في أشهر الحج غير مكروهة، وإنما الممنوع في ~~حقهم القران والتمتع، كما سيجيء. # (مواقيت الإحرام) # (وميقات المدني) الميقات: الوقت المعين، استعير للمكان المعين، كعكسه في ~~قوله تعالى: {هنالك ابتلي المؤمنون}، أي مكان إحرامه ومن وافقه في مرامه، ~~(ذو الحليفة) بالحاء والفاء مصغرا بينه وبين مكة عشرة مراحل، أو تسع، ~~وبينه وبين المدينة ستة أميال أو أقل، وهو أبعد المواقيت من مكة. # (والعراقي) وسائر أهل الشرق (ذات عرق) بكسر العين المهملة وسكون الراء ~~بينه وبين مكة ثلاثة أيام ولياليها، ويقال له العقيق. # (والشامي جحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة ويقال لها رابغ. وهو على ~~نحو ثلاثة مراحل من مكة على طريق المدينة. # (والنجدي قرن) بفتح القاف وسكون الراء وهو جبل مشرف على عرفات، بينه ~~وبين مكة نحو مرحلتين. # --- PageV03P017 ~~*** # (واليمني يلملم) بفتح ms0573 التحتية واللامين وهو من جبال تهامة على مرحلتين ~~من مكة. وروى الشيخان من حديث ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ~~ولأهل اليمن يلملم: هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج ~~والعمرة أي مكانهما ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة». ~~أي أنشأوا إحرامهم منها للحج، وأما للعمرة فلا بد لهم من الخروج إلى الحل ~~من أرض الحرم. وروي: هن لهم، والمشهور الأول، ووجهه أنه على حذف مضاف، ~~والتقدير: هن لأهلهن. # وروى البخاري عن ابن عمر قال: «لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا ~~أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا وهي جور ~~عن طريقنا أي مائل وإنا إذا أردنا قرنا شق علينا، قال: انظروا حذوها من ~~طريقكم، فحد لهم ذات عرق». والمصران: هما البصرة والكوفة. وقد ثبت في «صحيح ~~مسلم» عن أبي الزبير عن جابر قال: سمعت، أحسبه رفع الحديث إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «مهل أهل المدينة.... إلى أن قال: ومهل العراق من ~~ذات عرق». إلا أن الراوي شك في رفعه في هذه المرة، ورواه مرة أخرى بلا شك ~~على ما في ابن ماجه. ولفظ ابن عمر: «ومهل أهل الشرق ذات عرق». إلا أن في ~~سنده إبراهيم بن يزيد الجوزي لا يحتج بحديثه. # --- PageV03P018 ~~*** # وفي «سنن أبي داود» عن عائشة: «أنه صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ~~ذات عرق». وفيها أيضا عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس ~~قال: «وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق». قال البيهقي: ~~تفرد به يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن علي، وقال ابن القطان: أخاف أن يكون ~~منقطعا، فإن محمدا فيما عهد يروي عن أبيه، عن جده. وفي «مسند البزار» عن ~~مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج، عن عطاء، ms0574 عن ابن عباس: «وقت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأهل (المشرق) ذات عرق». # وقال الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم: أخبرني ابن جريج: أخبرني عطاء: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فذكره مرسلا بتمامه. وفيه: «لأهل المشرق ~~ذات عرق». قال ابن جريج: قلت لعطاء: «إنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يوقت ذات عرق»، وإنه لم يكن أهل مشرق يومئذ، فقال: كذلك سمعنا أنه ~~صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق ذات عرق». قلت: ولعله ما بلغ عمر رضي ~~الله عنه، فيكون من جملة موافقاته له صلى الله عليه وسلم # ولو سلك في البر والبحر بين ميقاتين، اجتهد وأحرم إذا حاذى واحدا منهما، ~~وإحرامه من أبعدهما أولى. ولو لم يحرم المدني، ومن بمعناه، من ذي الحليفة، ~~وأحرم من الجحفة، لا شيء عليه وكره وفاقا. وعن أبي حنيفة يلزمه دم، وبه قال ~~الشافعي. لكن الظاهر هو الأول، لما روي في الحديث من قوله عليه الصلاة ~~والسلام: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن». فمن جاوز إلى الميقات ~~الثاني صار ميقاتا له. # --- PageV03P019 ~~*** # (وحرم تأخير الإحرام عنها) أي عن هذه المواقيت وعن ما حذاها (لمن قصد ~~دخول مكة) أو الحرم، سواء قصد الحج أو العمرة أو لم يقصد أحدهما، فإن دخل ~~بلا إحرام فعليه حجة أو عمرة لوجوب الإحرام منها لأحد النسكين، ولزم الدم ~~بالتأخير، واحترز به عمن قصد موضعا دون الحرم، كبستان بني عامر ونحوه، سواء ~~نوى الإقامة فيه خمسة عشر يوما أو لم ينو فإنه (يجوز له) مجاوزة الميقات ~~بغير إحرام، ويصير كأهل ذلك الموضع. ومذهب مالك: يجوز مجاوزة الميقات بغير ~~إحرام للذي يكثر ترداده إلى مكة كأهلها والمقيمين بها، الذين يخرجون ~~للمعاش، دون أهل الآفاق الذين إنما يقصدونها لحاجة أو تجارة. # ومذهب الشافعي على طريقين: أحدهما يحكي القطع بالاستحباب فيمن يقصد مكة ~~لحاجة أو تجارة أو رسالة، وأصحهما يحكي قولين: أحدهما لزوم الإحرام، والآخر ~~استحبابه وهو أظهرهما. لهما ما روى مسلم والنسائي من حديث جابر: «أن ms0575 النبي ~~صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء، بغير إحرام». # --- PageV03P020 ~~*** # ولنا ما قدمنا، وما روى ابن أبي شيبة، عن عبد السلام بن حرب، عن خصيف، عن ~~سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجاوزوا ~~الميقات إلا بالإحرام». وهو لكونه منطوقا أولى من أخذ الشافعي بمفهوم قوله ~~صلى الله عليه وسلم ممن أراد الحج والعمرة. ودخوله صلى الله عليه وسلم عام ~~الفتح بغير إحرام حكم مخصوص له ولأصحابه بذلك الوقت، ولذا قال صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك اليوم: «إنها أي مكة لا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد ~~بعدي، وإنما حلت لي ساعة من نهار، ثم عادت حراما». يعني في الدخول بغير ~~إحرام للإجماع على حل الدخول بعده صلى الله عليه وسلم للقتال مع الإحرام. # (لا التقديم) أي لا يحرم تقديم الإحرام على هذه المواقيت، بل هو أفضل إذا ~~كان في أشهر الحج، وأما فيما قبله فمكروه، لما روى الحاكم من حديث عبد الله ~~بن سلمة المرادي قال: «سئل علي رضي الله عنه عن قوله تعالى: {وأتموا الحج ~~والعمرة لله}، أي من الإتمام بمعنى الإكمال، قال: أن تحرم من دويرة أهلك». ~~وقال: صحيح على شرط الشيخين. وقد روي أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا، ونظر ~~فيه. ولكن يشهد له قوله صلى الله عليه وسلم «من أهل بحجة أو عمرة من المسجد ~~الأقصى إلى المسجد الحرام، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ووجبت له ~~الجنة». رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. ولأنه أكثر تعظيما وأوفر مشقة، ~~والأجر على قدر المشقة. ولذا كانوا يستحبون الإحرام بهما من الأماكن ~~القاصية، فروي عن ابن عمر أنه أحرم من بيت المقدس، وعمران بن حصين من ~~البصرة، وابن مسعود من القادسية، وابن عباس من الشام. # --- PageV03P021 ~~*** # وأما قول صاحب «الهداية»: إن الرواية عن ابن مسعود كعلي في تفسير قوله ~~تعالى، فغير معروف، وإنما رواه البيهقي عنه، قال: «أتموا الحج والعمرة لله». # وعن أبي حنيفة: ms0576 أن تقديم الإحرام على الميقات لا يكون أفضل إلا لمن أمن ~~على نفسه الوقوع في محظور الإحرام. وكره مالك تقديم الإحرام على الميقات، ~~اعتبارا له بتقديمه على أشهر الحج. والجواب ما قدمناه في شبه الإحرام ~~بالركن. # (وحل لأهل داخلها) أي داخل المواقيت، وكذا لمن هو منزله في نفس الميقات ~~(دخول مكة غير محرم) لأن دخولهم إليها يكثر، وفي إيجاب الإحرام عليهم كل ~~مرة حرج. ولقول ابن عباس: «إن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للحطابين أن ~~يدخلوا مكة بغير إحرام. والظاهر أنهم لا يجاوزون الميقات، فدل أن كل من هو ~~داخل الميقات له أن يدخل مكة بغير إحرام. وقد خرج ابن عمر من مكة يريد ~~المدينة، فلما انتهى إلى قديد بلغته فتنة المدينة فرجع إلى مكة ودخلها بغير إحرام. # وهذا إذا لم يقصد الداخل منهم الحج والعمرة، وأما إذا قصد أحدهما فموضع ~~إحرامه. (وميقاته الحل) الذي بين الميقات والحرم، إلا أنه يجوز الإحرام من ~~دويرة أهله، بل هو أفضل، وما بين الميقات والحرم مكان واحد حده الحرم ~~كالميقات في حق الآفاقي، وحد الحرم من جانب المدينة نحو أربعة أميال ينتهي ~~إلى التنعيم، ومن جانب العراق ثمانية إلى المنقطع، ومن جانب عرفات سبعة، ~~ومما يلي اليمن سبعة إلى أضاة، ومن جدة عشرة تنتهي إلى حديبية وهي دون جدة. ~~ويعرف الحرم بأن مسيل الحل إذا جرى إليه وقف دونه. كذا ذكره ابن الحاجب. # --- PageV03P022 ~~*** # (ولمن بمكة) وما حولها من الحرم (للحج الحرم) لما روى مسلم من حديث جابر ~~قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا ~~إلى منى، قال: فأحرمنا من الأبطح». # (وللعمرة الحل) لما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «يا ~~رسول الله، اعتمرتم ولم أعتمر فقال: يا عبد الرحمن اذهب بأختك فأعمرها من ~~التنعيم، فأحقبها على راحلة، فاعتمرت». ومعنى أحقبها: احتملها. ولما في ~~«صحيح مسلم» عن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~نذكر إلا الحج حتى جئنا ms0577 سرف فطمثت، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: والله لوددت أني لم أكن خرجت العام، ~~فقال: ما لك لعلك نفست؟ قلت: نعم، قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، ~~افعلي كما يفعله الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. # --- PageV03P023 ~~*** # قالت: فلما قدمت مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اجعلوها ~~عمرة، فأحل الناس إلا من كان معه الهدي، قالت: وكانت الهدي مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومع أبي بكر، وعمر وذوي اليسارة، ثم أهلوا حين راحوا، فلما ~~كان يوم النحر طهرت، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضت، قالت: ~~فأتينا بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقال: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن نسائه البقرة، فلما كانت ليلة الحصبة، قلت: يا رسول الله يرجع الناس ~~بحجة وعمرة، وأرجع بحجة، فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفني على جمله، ~~قالت: فإني لأذكر وأنا جارية حديثة السن أنعس فيصيب وجهي مؤخرة الرحل، حتى ~~جئنا إلى التنعيم، فأهللت منها بعمرة جزاء بعمرة الناس التي اعتمروا». # وفي قولها: «يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة» دليل واضح على أن الناس: ~~إما كانوا قارنين، أو متمتعين، لا مفردين كما عليه المحققون من المجتهدين. ~~ولأن أداء الحج في عرفة وهي (في) الحل فيكون إحرام المكي بالحج من الحرم، ~~ليتحقق له نوع من السفر (بتبدل المكان، وأداء العمرة في الحرم، فيكون إحرام ~~المكي بالعمرة من الحل ليتحقق له نوع من السفر). # (سنن وآداب الحج) # --- PageV03P024 ~~*** # (ومن شاء إحرامه بالحج توضأ) استحبابا (وغسله أحب) بل سنة، لما في «سنن ~~الترمذي» وحسنه عن خارجة بن زيد، عن أبيه زيد بن ثابت، أنه رأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل، وفي رواية الدارقطني: «اغتسل ~~لإحرامه»، والمراد بهذا الغسل تحصيل النظافة وإزالة الرائحة لا قصد ~~الطهارة، حتى تؤمر به الحائض والنفساء، لما روى ابن عباس أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن النفساء والحائض تغتسل وتحرم، ms0578 وتقضي المناسك كلها غير أن لا ~~تطوف بالبيت». رواه أبو داود والترمذي # وفي «معجم الطبراني» عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج ~~إلى مكة اغتسل حين يريد أن يحرم أي بحج أو عمرة . ولما روى الحاكم وقال: ~~صحيح الإسناد من حديث ابن عباس قال: اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم لبس ثيابه أي الإزار والرداء ، فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قصد ~~على بعيره، فلما استوى به على البيداء أحرم أي جدد إحرامه . فإن الصحيح ~~أنه صلى الله عليه وسلم عقب صلاته بالإحرام، أو المعنى: رفع صوته بما يدل ~~على الإحرام، وهو التلبية. # --- PageV03P025 ~~*** # ثم هذا الغسل للتنظيف حتى تؤمر به الحائض والنفساء والصبي، ولا يقوم ~~التيمم لهم مقامه. ويستحب له قبل الغسل كمال التنظيف: من قص الأظفار، ونتف ~~الإبط، وحلق العانة، وقص الشارب، وجماع زوجته إن تيسر، لأنه يحصل به ارتفاق ~~له أو لها فيما بعد ذلك. وقد أسند أبو حنيفة عن إبراهيم بن المنتشر، عن ~~أبيه، عن عائشة قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يطوف في ~~نسائه، ثم يصبح محرما. وفي رواية: «طيبت، فطاف، ثم أصبح» بصيغة الماضي. # (ولبس رداء وإزارا طاهرين) أبيضين، لحديث: «خير ثيابكم البيض». رواه ابن ~~ماجه. ولأنهما بمنزلة الكفن، ولذا يستحب أن يكونا جديدين أو غسيلين. وفي ~~البخاري عن كريب، عن ابن عباس قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من ~~المدينة بعدما ترجل وادهن، ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه، فلم ينه عن شيء ~~من الأردية، والأزر تلبس، إلا المزعفرة التي تردع على الجلد، فأصبح بذي ~~الحليفة، ركب راحلته حتى استوى على البيداء، وأهل هو وأصحابه وقلد بدنته... ~~الحديث. # (وتطيب) بأي طيب كان، وكره محمد مما يبقى عينه بعد الإحرام، وهو قول ~~مالك، لما في «الصحيحين» من حديث يعلى بن أمية قال: أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم رجل متضمخ وعليه جبة فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم ~~بعمرة في جبة ms0579 بعدما تضمخ بطيب؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «أما ~~الطيب الذي لك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما ~~تصنع في حجتك». ولأنه يصير منتفعا بعد الإحرام بعين الطيب، وهو ممنوع منه. # --- PageV03P026 ~~*** # ولنا ما في «الصحيحين» عن عائشة أنها قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم. وروي عن عائشة قالت: كنت أطيب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأطيب ما أقدر عليه قبل أن يحرم. وفي رواية مالك في ~~«الموطأ»، والبخاري، وأبي داود، عن عائشة قالت: كنت أطيب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولإحلاله قبل أن يطوف بالبيت. وفي لفظ ~~لهما: كأني أنظر إلى وبيص (الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~محرم. وفي لفظ لمسلم: كأني أنظر إلى وبيص) المسك في مفرق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يلبي. والوبيص: بصاد مهملة البريق. # والجواب عن حديث يعلى: أنه محمول على أنه كان من زعفران، تدل عليه رواية ~~مسلم: وهو مزعفر لحيته ورأسه، وقد نهي الرجل عن الزعفران. ورواية الطحاوي ~~لحديث يعلى بن أمية: «اخلع عنك هذه الجبة، واغسل هذا الزعفران، واصنع في ~~عمرتك ما كنت صانعا في حجتك». أو أنه منسوخ، لأنه كان في عام الجعرانة وهو ~~سنة ثمان، وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر. # وكونه منتفعا به بعد الإحرام لا يضر، لقول عائشة: كنا نخرج مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت ~~إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا. رواه ~~أبو داود. ورئي ابن عباس محرما وعلى رأسه مثل الرب من الغالية. وقال مسلم ~~بن صبيح: رأيت ابن الزبير محرما، وعلى رأسه وفي لحيته من الطيب ما لو كان ~~لرجل أعدمته رأس ماله. قال المنذري: وعليه أكثر الصحابة رضي الله عنهم. # --- PageV03P027 ~~*** # ويستحب أن يتدهن أيضا، لما روي عن عائشة قالت: كان صلى ms0580 الله عليه وسلم ~~إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم يرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته بعد ~~ذلك. رواه مسلم. # (وصلى شفعا) أي ركعتين عند إحرامه، لما روى أبو داود من حديث ابن عباس: ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ~~ركعتيه، أوجب في مجلسه فأهل حين فرغ من ركعتين. # وأما ما ذكره في «الهداية» عن جابر: أنه صلى الله عليه وسلم صلى بذي ~~الحليفة ركعتين عند إحرامه، فالمعروف في حديث جابر: أنه صلى بذي الحليفة في ~~المسجد من غير ذكر ركعتين. # وأما ما روى مسلم من حديث ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يركع بذي الحليفة ركعتين، فإذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة، ~~أهل بهؤلاء الكلمات أي جدد إهلاله بكلمات التلبية فلا يعارض ما قبله. # ويستحب أن يقرأ فيهما (ب: {قل يا أيها) الكافرون}، وسورة الإخلاص. وفي ~~رواية أبي داود عن أنس: أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ثم ركب راحلته، ~~فلما علا جبل البيداء أهل. # (أحكام المفرد) # (وقال المفرد): وهو الذي يريد إحرام الحج فقط، (اللهم إني أريد الحج ~~فيسره لي وتقبله مني،) فيطلب تيسيره، لأن أداءه في أزمنة متفرقة، وأمكنة ~~متباينة، فلا يخلو عن المشقة عادة، ويطلب تقبله، لأن المدار على حصوله ~~والاقتداء بالخليل وإسماعيل عليهما السلام في قولهما: {ربنا تقبل منا}. # --- PageV03P028 ~~*** # (ثم لبى، ينوي بها) أي بالتلبية (الحج) لأنه عبادة، فلا يتأتى إلا ~~بالنية. والأولى أن يقرأ الدعاء بعد الصلاة، ثم يقول: نويت الحج، وأحرمت به ~~لله تعالى، ثم يلبي. # وفي «سنن أبي داود» من حديث أبي إسحاق، عن خصيف، عن سعيد بن جبير قال: ~~قلت لعبد الله بن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في إهلاله حين أوجب، فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة، فمن هنالك اختلفوا. خرج رسول الله صلى ~~الله عليه ms0581 وسلم حاجا، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه، أوجب في ~~مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه، ثم ~~ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك منه ذلك أقوام، وذلك أن الناس كانوا ~~يأتون أرسالا فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل، فقالوا: إنما أهل حين استقلت ~~به ناقته، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما علا على شرف البيداء، ~~أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهل حين علا على شرف البيداء، وأيم ~~الله، لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف ~~البيداء. ورواه الحاكم أيضا، وقال: صحيح على شرط مسلم. # --- PageV03P029 ~~*** # (وهي:) أي التلبية المسنونة (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك،) أي ~~أجبت لك إجابة بعد إجابة (إن الحمد) بكسر الهمزة عند محمد والكسائي والفراء ~~على الاستئناف لزيادة الثناء، وبفتحها عند أبي حنيفة وآخرين على التعليل. ~~قال الخطابي: الفتح رواية العامة. وأما ما في «المحيط» من أن الكسر أصوب ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم كسرها فغير صحيح (والنعمة لك والملك) أي لك ~~(ولا شريك لك) أي في الملك ولا في غيره. # وفي الكتب الستة عن ابن عمر: أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«لبيك اللهم لبيك، إلى آخره. وقد أجمع المسلمون على أن التلبية بالحج هكذا. ~~وروى الحاكم وقال: صحيح الإسناد عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم عليه ~~السلام من بناء البيت قال: يا رب قد فرغت، فقال: أذن في الناس بالحج، قال: ~~يا رب وما يبلغ صوتي، قال: أذن، وعلي البلاغ، قال: يا رب كيف أقول؟ قال: قل ~~يا أيها الناس، كتب عليكم الحج، حج البيت العتيق، فسمع من بين السماء ~~والأرض، ألا ترى أنهم يجيبون من أقصى الأرض. # قلت: ولعله المراد بقوله تعالى: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت}، إلى أن ~~قال: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}، ~~الآية . # --- PageV03P030 ~~*** # (ولا ينقص ms0582 منها) أي من التلبية المأثورة بالروايات المشهورة. وأما قول ~~صاحب «الهداية»: لأنه هو المنقول باتفاق الرواة فلا ينقص منه، فمنقوض بما ~~روى البخاري في «صحيحه» عن عائشة قالت: إني لأعلم كيف كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يلبي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد ~~والنعمة لك وليس فيه: والملك لا شريك لك. # (وإن زاد) عليها (جاز). وقال القدوري في «شرحه»: إن زاد عليها استحب. ~~والأظهر أن يقال: إن الزيادة مستحبة إن كانت مروية عن الصحابة، وجازت إن ~~كانت بخلافها، لقول نافع: وكان ابن عمر يزيد في تلبيته: لبيك، لبيك وسعديك، ~~والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل. رواه مسلم والأربعة. وروى مسلم ~~هذه الزيادة عن عمر أيضا: ولبيك إله الخلق لبيك. رواه النسائي وابن ماجه ~~وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة. وروي عن ابن مسعود زيادة: لبيك عدد ~~التراب. رواه إسحاق بن راهويه في «مسنده». وروى الربيع عن الشافعي: إن زاد ~~عليها كره. # وإذا فرغ من تلبيته سأل الله مغفرته ورضوانه واستعتقه من النار. رواه ~~الطبراني عن خزيمة بن ثابت الأنصاري فيقول: اللهم إني أسألك مغفرتك ورضاك ~~عني في دار القرار، وأن تعتقني من النار. أو يقول: اللهم إني أسألك رضاك ~~والجنة، وأعوذ بك من النار. فللدارقطني عن خزيمة أيضا بلفظ: أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا فرغ من التلبية، سأل رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار. # --- PageV03P031 ~~*** # ويستحب رفع الصوت بالتلبية، لقوله صلى الله عليه وسلم «جاءني جبرائيل ~~فقال: يا محمد، مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعائر ~~الحج». رواه ابن ماجه. وروي عن القاسم بن محمد بن أبي بكر أنه قال: كان ~~يستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التلبية. رواه أبو داود ~~والدارقطني. # (فصار محرما) أي بالجمع بين النية والتلبية. وينعقد الإحرام بمجرد النية، ~~ويسن بهما عند مالك والشافعي، وهو رواية عن أبي يوسف قياسا على الصوم. # ولنا أن التلبية ذكر يقوم مقام تكبير التحريمة في الصلاة، ولذا شرط في ms0583 ~~أولهما، وسن عند الانتقالات فيهما. وقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ~~{فمن فرض فيهن الحج}، قال: فرض الحج الإهلال. وقال ابن عمر: التلبية. # (محظورات الإحرام) # (فيتقي الرفث والفسوق والجدال)، لقوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ~~ولا فسوق ولا جدال في الحج}، وهذا نهي في صيغة النفي، وهو آكد. والرفث: ~~الجماع، لقوله سبحانه: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم}، أو ذكر ~~الجماع ودواعيه بحضرة النساء. وروي أن ابن عباس أنشد شعره: # * وهن يمشين بنا هميسا ** إن يصدق الطير ننك لميسا # --- PageV03P032 ~~*** # فقيل له: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ذكر الجماع بحضرة النساء. ~~وقيل: الفحش من الكلام. وقيل: ذكر الجماع، ولو في غيبة النساء. والفسوق: هو ~~الخروج عن حدود الشريعة، وهو في حالة الإحرام أشد وأقبح، لأنها حالة ~~الإقبال على الطاعات وهجران المباحات، فصار كلبس الحرير في الصلاة، ~~والتطريب في القراءة، ونظيره الظلم في الأشهر الحرم في قوله تعالى: {فلا ~~تظلموا فيهن أنفسكم}. وقيل: هو السباب، والتنابز بالألقاب. والجدال: ~~المجادلة، وهي المخاصمة مع الرفيق، أو الخادم، أو المكاري من غير ضرورة ~~تلجئه إليه، وإلا فمن تمام الحج ضرب الجمال، وقد ورد أن الصديق ضرب جماله ~~لتقصيره في الطريق. # ويجوز نكاح المحرم وإنكاحه عندنا خلافا لمالك والشافعي. لهما قوله صلى ~~الله عليه وسلم «لا ينكح المحرم ولا ينكح». رواه عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه. ولنا ما روي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة ~~وهو محرم. وهكذا روي عن عائشة، واختلفت الروايات في حديث أبي رافع: ففي ~~بعضها: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حلال، وفي بعضها: تزوجها ~~وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا السفير فيما بينهما. وتبين بهذا ~~الحديث أن المراد من حديث عثمان الوطىء دون العقد، فإنه للوطىء حقيقة، وإن ~~كان مستعارا للعقد مجازا. وفي كتاب النكاح لهذا مزيد التحقيق والله ولي ~~التوفيق. # (وقتل صيد البر) وهو ما كان توالده ومثواه في البر، دون صيد البحر: وهو ms0584 ~~ما يكون كلاهما في البحر. وأصل ذلك قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه ~~متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} أي محرمين. # --- PageV03P033 ~~*** # (والإشارة إليه، والدلالة عليه) والفرق بينهما: أن الإشارة لما يكون ~~بالحضرة، والدلالة لما يكون بالغيبة، والنوعان ممنوعان لما في الكتب الستة ~~من حديث أبي قتادة: أنهم كانوا في مسير لهم، بعضهم محرم وبعضهم ليس بمحرم، ~~قال: فرأيت حمار وحش فركبت فرسي، وأخذت الرمح واستعنت بهم، فأبوا أن ~~يعينوني، فاختلست سوطا من بعضهم وشددت على الحمار فأصبته، فأكلوا منه ~~فأشفقوا وفي نسخة: واستبقوا قال: فسئل عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟» قالوا: لا، قال: ~~«فكلوا ما بقي من لحمها». # وفي لفظ (لمسلم): «هل أشرتم؟ هل أعنتم؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا». وفي ~~رواية قال: «هل معكم من لحمه شيء»؟ قالوا: معنا رجله، فأخذها وأكلها. وفي ~~رواية: قالوا: نعم، فرفعنا له الذراع، فدعا بها وأكل منها. أخرجه البخاري. # (والتطيب) والتدهن، والخضب بالحناء، وشم الرياحين والثمار الطيبة، لما ~~روى الترمذي، وابن ماجه من حديث ابن عمر قال: قام رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: من الحاج أي الكامل ؟ فقال: «الشعث التفل». والشعث: ~~المنتشر شعر الرأس. والتفل: التارك الطيب. وقال الشافعي: يجوز له الخضاب ~~بالحناء، لأنه ليس بطيب. ولنا أنه صلى الله عليه وسلم نهى المعتدة عن الكحل ~~والخضاب والحناء. وقال: «الحناء طيب». رواه النسائي. # (وقلم الظفر) لأنه من قضاء التفث: أي إزالته. والتفث: الوسخ، وقد قال ~~تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم}، أي بعد التحلل الأول. # (وستر الوجه والرأس) # --- PageV03P034 ~~*** # لقوله صلى الله عليه وسلم «(إحرام الرجل في رأسه و) إحرام المرأة في ~~وجهها». رواه الدارقطني، والبيهقي في «سننهما». وروي عن عائشة أنها قالت: ~~كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا ~~حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها، فإذا جاوزونا كشفنا. رواه أبو داود، ~~وأحمد وغيرهما. # واقتصر الشافعي، وأحمد في الرجل على ms0585 ستر الرأس. وروي عن مالك جواز تغطية ~~الوجه وعدمه. للشافعي ما رواه هو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي ~~وقص : «خمروا وجهه، ولا تخمروا رأسه»، أي في حال تكفينه لكونه محرما، ~~والوقص: كسر العنق، والتخمير: التغطية. # ولنا ما في «صحيح مسلم»، والنسائي، وابن ماجه عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس: أن رجلا وقصته راحلته وهو محرم فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه ~~ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا». ورواه الباقون ولم يذكروا فيه ~~الوجه. وفي الجملة أفاد: أن للإحرام أثرا في عدم تغطية الوجه، وإن كان ~~أصحابنا قالوا: لو مات المحرم يصنع به ما يصنع بالحلال: من تغطية الرأس ~~والوجه، بدليل آخر ذكره ابن الهمام. وقال بعض الأعلام: يشكل بهذا الحديث ~~الصحيح تجويز مشايخنا تخمير وجه الميت محرما ورأسه، لحديث ليس في قوة هذا، ~~أو لا يتم الاستدلال به على عدم جواز تغطية المحرم وجهه. # --- PageV03P035 ~~*** # وروي عن ابن عمر: ما فوق الذقن من الرأس فلا تخمروه. وعن ابن عباس أنه ~~كان لا يجعل للمحرم أن يخمر وجهه. وما روي بخلاف هذا، حكايات فعل، وأنه ~~يباح حال العذر فيحمل عليه. ولو حمل المحرم على رأسه عدلا أو طبقا أو ~~إجانة، لا يكون مغطيا رأسه عادة، ولو حمل ثيابا كان مغطيا. # (وغسل رأسه ولحيته بالخطمي): وهو بكسر الخاء المعجمة نبت يغسل به ~~الرأس. أما عند أبي حنيفة فلأنه طيب، وأما عندهما فلأنه يقتل هوام الرأس ~~واللحية، ويلين الشعر. وثمرة الخلاف تظهر فيما يجب بسببه: فعند أبي حنيفة ~~دم، وعندهما صدقة. وقيد «بالخطمي» لأن غسلهما بالأشنان والصابون ونحوهما ~~جائز اتفاقا. وأجاز الشافعي بالخطمي أيضا خلافا لمالك. # (وقصها) أي قص لحيته، لأنه في معنى الحلق (وحلق رأسه) لقوله تعالى: {ولا ~~تحلقوا رؤوسكم} الآية. وفي معناه التقصير، وشعر بدنه ولو بنتف أو غيره من ~~إزالته. # (ولبس مخيط) على الوجه المعتاد، فلو ارتدى بقميص أو اتزر بسروال ms0586 لا شيء ~~عليه، (وعمامة) بالكسر وفي معناه الطاقية، وخفين إلا إذا لم يجد نعلين، ~~فإنه يلبس الخفين بعد أن يقطعهما أسفل من الكعبين أعني المفصلين الذين في ~~وسط القدمين عند معقد الشراك . # --- PageV03P036 ~~*** # (والمصبوغ بطيب) أي (بشيء) له رائحة مستلذة من زعفران، أو ورس، أو عصفر، ~~وهو قول الثوري. وأصل ذلك ما في الكتب الستة من حديث ابن عمر: أن رجلا قال: ~~يا رسول الله ما تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ قال: «لا تلبسوا ~~القمص، ولا السراويلات، ولا العمائم ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أن يكون ~~أحد ليس له نعلان، فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا ~~شيئا مسه زعفران ولا ورس». # وقال مالك والشافعي: لا بأس بلبس المعصفر، لما روى مالك في «الموطأ» عن ~~أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تلبس المعصفر وهي محرمة. # ولنا ما روى مالك في «الموطأ» من حديث نافع أن عمر بن الخطاب أنكر على ~~طلحة لبس المعصفر حالة الإحرام. ومن المعلوم أن الرجال والنساء في اجتناب ~~الطيب سواء، وإنما يختلفان في لبس المخيط، وتغطية الرأس، فإن المرأة تغطيه ~~دون الرجل # قال ابن الهمام: في «الموطأ»: «أن عمر رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا ~~مصبوغا، وهو محرم فقال: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين، إنما هو (مدر)، فقال عمر: أيها الرهط إنكم أئمة يقتدي الناس بكم، ~~فلو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس ~~الثياب المصبغة في الإحرام، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئا من هذه الثياب ~~المصبغة». فإن صح كونه بمحضر من الصحابة أفاد منع المتنازع فيه، ثم يخرج ~~منه الأزرق ونحوه بالإجماع على جوازه، ويبقى المتنازع فيه في مقام المنع. # --- PageV03P037 ~~*** # (إلا بعد زواله) أي زوال الطيب بالغسل، لأن النهي للطيب لا للون، بدليل ~~أن المحرم يجوز له لبس المصبوغ بمغرة: وهو طين أحمر، لأنه لا رائحة له. ~~وقيل: إلا أن يكون الثوب المصبوغ مغسولا لا ينفض أي لا يفوح وقيل: ms0587 لا ~~يتناثر، والتفسيران مرويان عن محمد. والأصل في الاستثناء ما روى الطحاوي عن ~~ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تلبسوا ثوبا مسه ورس أو ~~زعفران إلا أن يكون غسيلا». وما رواه ابن أبي شيبة، والبزار، وأبو يعلى ~~الموصلي في «مسانيدهم» عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~بأس أن يحرم الرجل في ثوب مصبوغ بزعفران، وقد غسل وليس له نفض ولا ردغ». ~~قال ابن دريد: والردغ: ما يبل القدم من المطر أو غيره. # وأما النساء المحرمات فقد أباح لهن النبي صلى الله عليه وسلم لبس ~~السراويل والقمص، كما رواه أبو داود. # (مباحات الإحرام) # --- PageV03P038 ~~*** # (لا الاستحمام) أي لا يجب أن يتقي المحرم استعمال الماء الحار ودخول ~~الحمام، لما في الصحيحين من حديث عبد الله بن حنين: أن عبد الله بن عباس ~~والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء وهو بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد، ~~جبل بين مكة والمدينة وعنده بلد ينسب إليه على ما في «النهاية» فقال ابن ~~عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسله، فأرسله ابن عباس إلى أبي ~~أيوب الأنصاري فوجده يغتسل بين القرنين، وهو مستتر بثوب، قال: فسلمت عليه، ~~فقال: من هذا؟ قلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك عبد الله بن عباس ~~أسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم؟ قال: فوضع ~~أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه أي خفضه حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصب ~~عليه : اصبب، فصب على رأسه، ثم حرك أبو أيوب رأسه بيديه: فأقبل بهما وأدبر، ~~ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل. # وفي البخاري: قال ابن عباس: يدخل المحرم الحمام. وفي «مسند الشافعي» في ~~كتاب الحج الأكبر: أن ابن عباس دخل الحمام بالجحفة فقال: ما يعبأ الله من ~~أوساخنا شيئا. ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن عكرمة، عن ابن عباس نحوه. ~~«وفي مسند الشافعي» عن يعلى بن أمية أنه قال: بينما ms0588 عمر بن الخطاب يغتسل ~~إلى بعير وأنا أستر عليه بثوب، قال عمر: يا يعلى اصبب على رأسي، فقلت: أمير ~~المؤمنين أعلم، فقال عمر: والله ما يزيد الماء الشعر إلا شعثا فسمى الله، ~~ثم أفاض على رأسه. وأصل القصة عند مالك في «الموطأ»، والشافعي في «مسنده»، ~~وأبي بكر بن أبي شيبة في «مصنفه». # --- PageV03P039 ~~*** # وفي «سنن البيهقي» عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: المحرم ~~يشم الريحان، ويدخل الحمام. # وقال ابن الهمام: إنما كره مالك أن يغيب رأسه في الماء لتوهم التغطية، ~~وقتل القمل، فإن فعل أطعم. # (و) لا (الاستظلال ببيت) من حجر أو مدر أو صوف أو وبر (أو محمل) بفتح ~~الميم الأولى وكسر الثانية، وبكسر الأولى وفتح الثانية لما في حديث جابر ~~الطويل: فأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فسار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة ضربت له بنمرة، فنزلها حتى إذا زاغت الشمس ~~أمر بالقصواء فرحلت له. وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن عبد الله بن عامر قال: ~~خرجت مع عمر فكان يطرح النطع على الشجرة فيستظل به يعني وهو محرم وفيه ~~أيضا عن عقبة بن صهبان قال: رأيت عثمان بالأبطح وأن فسطاطه مضروبة، وسيفه ~~معلق بالشجرة. # وأما ما رواه البيهقي عن عامر بن ربيعة قال: رأيت عثمان بن عفان بالعرج ~~وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان، فمحمول على أنه كان بعذر ~~أو بفصل بين الوجه والقطيفة، وهذا هو الوجه فتنبه. وقد استدل بعض علمائنا ~~في هذا المقام بما رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أم الحصين قالت: حججنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيته في جمرة العقبة، وانصرف ~~وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود راحلته، والآخر رافع ثوبه على ~~رأس النبي صلى الله عليه وسلم يظلله عن الشمس. وفيه أنه لا دلالة فيه صريح ~~على أنه كان في حال الإحرام. # --- PageV03P040 ~~*** # (و) لا (شد الهميان) بكسر الهاء ما توضع فيه الدراهم ms0589 والدنانير سواء ~~تحت الإزار كما هو العادة أو فوقه، لأنه لم يرد حفظ الإزار به، كما ذكره ~~ابن الهمام. (في خصره) بفتح أوله أي على وسطه لقول عائشة: أوثق عليك ~~نفقتك بما شئت، حين سئلت عنه. وكره مالك شده بما فيه من نفقة غيره، لعدم ~~الضرورة. # ولنا أنه ليس في معنى لبس المخيط فاستوت فيه الحالتان. فإن قلت: لو لم ~~يكن الشد لبسا لما كره شد الإزار بحبل ونحوه، مع أنه مكروه إجماعا. قلت: ~~ثبتت كراهته بالحديث، وهو: أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا شد فوق إزاره ~~حبلا فقال: «ألق ذلك الحبل». كذا في شرح «المجمع». # (وأكثر التلبية) أي جهرا، لقوله صلى الله عليه وسلم «أتاني جبرائيل عليه ~~السلام فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو قال: ~~بالتلبية . متفق عليه. ولما روى أبو بكر الصديق: أنه صلى الله عليه وسلم ~~سئل: أي الحج أفضل؟ قال: «العج والثج». رواه الترمذي. والعج: رفع الصوت ~~بالتلبية. والثج: إسالة دم الهدي. # (متى صلى) المكتوبة وغيرها في ظاهر الرواية (أو علا شرفا) أي مكانا عاليا ~~(أو هبط واديا) أي نزل مكانا سفليا (أو لقي ركبانا) وهو اسم جمع، أو جمع ~~راكب، وتخصيص الركب اتفاقي إذ لو لقي مشاة لكان الأمر كذلك. # --- PageV03P041 ~~*** # (أو أسحر) أي دخل في السحر: وهو سدس آخر الليل، لما روى ابن أبي شيبة عن ~~خيثمة قال: كان السلف يستحبون التلبية في ستة مواضع: في دبر الصلاة، وإذا ~~استقل الرجل راحلته، وإذا صعد شرفا، وإذا هبط واديا، وإذا لقي بعضهم بعضا، ~~وبالأسحار. وروى البيهقي عن ابن عمر: أنه كان يلبي راكبا، ونازلا، ومضطجعا. ~~وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان يلبي إذا لقي ركبا، أو صعد أكمة، أو هبط ~~واديا، وفي أدبار المكتوبة، وآخر الليل. كذا في «الإمام وفي «الإمام» عن ~~جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي إذا لقي ركبا، أو صعد ~~أكمة، أو هبط (واديا، وفي) أدبار المكتوبة وآخر الليل. # قال ابن الهمام: ولو ms0590 رد السلام حال التلبية جاز، ولكن يكره لغيره السلام ~~عليه في تلك الحالة. # (أفعال الحج) # (وإذا دخل مكة) سميت بها لأنها تمك الذنوب أي تذهبها وتسمى ببكة لأنها ~~تبك أعناق الجبابرة، ومنه قوله سبحانه: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ~~مباركا وهدى للعالمين} أي قبلة لهم. # --- PageV03P042 ~~*** # ويستحب أن يدخلها من كدآء بفتح الكاف والمد وهي الثنية التي بأعلى مكة ~~على درب المعلى وطريق الأبطح بجنب الحجون، وهي مقبرة أهل مكة. ويخرج من كدا ~~بالضم والقصر وهي الثنية التي بأسفل مكة على درب اليمن، لما في مسلم وغيره ~~من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى مكة دخل من ~~أعلاها، وخرج من أسفلها. قيل: لأن أعلاها هو موضع دعا فيه إبراهيم عليه ~~السلام بقوله كما في التنزيل: {رب اجعل هذا البلد آمنا} إلى أن قال {فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوي إليهم}، الآية. قيل في السر في ذلك: أن نسبة باب البيت ~~إلى البيت كنسبة وجه الإنسان إلى الإنسان. # والأدب أن يقصد الإنسان من جهة وجهه، فكذا تقصد الكعبة من جهة بابها. ~~قيل: وإن لم يكن في طريقه ينبغي أن يميل إليها في الحج والعمرة. وقيل: في ~~العمرة يدخل من أسفل مكة. ثم لا فرق بين الدخول ليلا أو نهارا لما روى ~~النسائي: أنه عليه الصلاة والسلام دخل مكة ليلا في عمرته، ونهارا في حجته. ~~وقيل: نهارا أفضل، وإنما كره ابن عمر الدخول بالليل للخوف من السراق. # (بدأ) بعد حفظ أثقاله ليكون حاضر القلب مقام إقباله (بالمسجد) لما في ~~الصحيحين من حديث عائشة: إن أول شيء بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين قدم مكة: أن توضأ، ثم طاف بالبيت. # ويستحب أن يدخل المسجد من باب السلام، لأنه صلى الله عليه وسلم دخل منه. ~~ويقدم في دخوله رجله اليمنى، ويقول: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام ~~على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك. # --- PageV03P043 ~~*** # (وحين رأى البيت كبر،) الله، واستحضر في قلبه ms0591 عظمة تلك البقعة (وهلل) ~~تجديدا للتوحيد (ودعا) لأن الدعاء عند رؤيته مستجاب. وروى الشافعي عن سعيد ~~بن جبير، عن ابن جريج: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت، رفع ~~يديه وقال: «اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد من ~~شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتعظيما وتكريما وبرا». وعن عطاء أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا لقي البيت يقول: «أعوذ برب البيت من الكفر ~~والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر». ذكره ابن الهمام. # واستحسن أن يقول عند دخول المسجد: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وإليك ~~يرجع السلام، حينا ربنا بالسلام، وأدخلنا دارك دار السلام، تباركت ربنا ~~وتعاليت، يا ذا الجلال والإكرام، لما روى البيهقي بسنده إلى سعيد بن المسيب ~~أنه قال: سمعت عن عمر كلمة، ما بقي أحد من الناس سمعها غيري، سمعته يقول: ~~إذا رأى البيت: اللهم أنت السلام، إلى آخره. # ثم اعلم أن أول ما يبدأ به داخل المسجد الحرام الطواف محرما أو غير محرم ~~دون الصلاة، إلا أن يكون عليه فائتة أو خوف فوت الوقتية، أو الوتر، أو سنة ~~راتبة، أو فوت الجماعة، فتقدم الصلاة في هذه الصور على الطواف، فإن لم يكن ~~محرما فطوافه تحية لقولهم: تحية هذا المسجد الطواف. وليس معناه أن من لم ~~يطف لا يصلي تحية المسجد كما فهم بعض العوام. فقد روى عروة عن عائشة أن أول ~~شيء بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة أن توضأ، ثم طاف ~~بالبيت... الحديث، رواه الشيخان. # --- PageV03P044 ~~*** # (ثم استقبل الحجر) الأسود لما روي من: «أن الحجر يمين الله في الأرض ~~يصافح بها عباده». رواه الخطيب، وابن عساكر عن جابر. وفي رواية: «الحجر ~~يمين الله، فمن مسحه فقد بايع الله». ولما في مسلم عن جابر قال: لما قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم مكة، بدأ بالحجر فاستلمه، ثم مضى على يمينه فرمل ~~ثلاثا، ومشى أربعا. وعن ابن عمر قال: استقبل النبي صلى الله عليه وسلم ~~الحجر، ثم ms0592 وضع شفتيه عليه فبكى طويلا، ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه يبكي، فقال: «يا عمر ههنا تسكب العبرات». رواه ابن ماجه، قال ~~الحاكم: صحيح الإسناد. وهذا الاستقبال مع الاستلام أو نحوه في ابتداء ~~الطواف سنة مؤكدة، ومستحبة في أول كل شوط عندنا لا واجب كما قيل. # (وكبر) فيقول: باسم الله والله أكبر، لما روى أحمد، والبخاري عن ابن ~~عباس: أنه صلى الله عليه وسلم طاف على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه ~~بشيء في يده، وكبر. # (وهلل، ورفع يديه) عند التكبير لافتتاح الطواف حذاء منكبيه أو أذنيه ~~مستقبل القبلة بباطن كفيه. (كالصلاة) أي ناويا به، لأن الطواف كالصلاة على ~~ما ورد. # --- PageV03P045 ~~*** # (واستلمه) أي لمسه باليد. والقبلة من غير صوت. وقيل: وضع كفيه على الحجر ~~وقبله، أو مسحه بالكف وقبله (إن قدر غير مؤذ لأحد) لأن ترك الأذى واجب، ~~والاستلام سنة، ولما روى أحمد والبيهقي عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال له: «يا عمر، إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت ~~خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله، وكبر وهلل». وكذا رواه الشافعي، وإسحاق بن ~~راهويه، والطحاوي. # وهل يستحب السجود على الحجر عقيب التقبيل؟ قال قوام الدين الكاكي: عندنا ~~الأولى أن لا يسجد لعدم الرواية في المشاهير، لكن نقل عز الدين بن جماعة في ~~«مناسكه» السجود عن أصحابنا. ويؤيده ما روي عن ابن عباس: أنه كان يقبله ~~ويسجد عليه بجبهته، وقال: رأيت عمر رضي الله عنه قبله، ثم سجد عليه، ثم ~~قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ففعلته. رواه ابن المنذر ~~والحاكم وصححه. # --- PageV03P046 ~~*** # وأما التقبيل فسنة مؤكدة، لما في البخاري عن عمر: أنه سئل عن استلام ~~الحجر فقال: رأيته صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله. وروى النسائي عن ابن ~~عمر: أن عمر قبله ثلاثا. ولما في الكتب الستة عن عمر بن الخطاب: أنه جاء ~~إلى الحجر فقبله، وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني ms0593 رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما قبلتك. ورواه الحاكم وزاد فيه: ~~فقال علي: يا أمير المؤمنين يضر وينفع، ولو علمت تأويل ذلك من كتاب الله ~~لعلمت أنه كما أقول، قال الله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم} الآية، فلما ~~أقروا أنه الرب عز وجل، وأنهم العبيد، كتب ميثاقهم في رق أي في جلد رقيق ~~وألقمه في الحجر، وأنه يبعث يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان، ويشهد لمن ~~وافاه بالموافة، فهو أمين الله في هذا الكتاب، فقال له عمر: لا أبقاني الله ~~بأرض لست فيها يا أبا الحسن. وفي رواية: أعوذ بالله من أن أعيش في قوم لست ~~منهم. وقال الحاكم: ليس هذا الحديث على شرط الشيخين، فإنهما لم يحتجا بأبي ~~هارون العبدي. # --- PageV03P047 ~~*** # وقال ابن الهمام: ومن غرائب المتون ما في «مصنف ابن أبي شيبة» في آخر ~~مسند أبي بكر عن رجل رأى النبي صلى الله عليه وسلم وقف عند الحجر فقال: إني ~~لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ثم قبله، ثم حج أبو بكر فوقف عنده فقال: ~~إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. فإن صح، يحكم ببطلان حديث الحاكم لبعد أن يصدر ~~عن علي كرم الله وجهه قوله: «بل يضر وينفع»، بعدما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم «لا يضر ولا ينفع»، لأنه صورة معارضة. # لا جرم أن الذهبي قال عن العبدي: إنه ساقط. وعمر إنما قال ذلك أو النبي ~~صلى الله عليه وسلم إزالة لوهم الجاهلية من اعتقاد الحجارة التي هي ~~الأصنام. قال البرماوي: وما ورد مما يقتضي النفع والضر ما جعل الله في ~~الحجر من الخير والشر، فليس لذات الحجر. # (وإلا) أي وإن لم يقدر على استلام الحجر، أو قدر عليه لكن يؤدي إلى ~~الضرر. (يمس شيئا في يده) من نحو عصا وغيره (وقبله) لما روى الجماعة إلا ~~الترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف ms0594 في حجة الوداع على ~~بعير يستلم الركن بمحجن معه وهو، بكسر الميم وفتح الجيم: عود معوج الرأس . # قيل: إنما طاف عليه الصلاة والسلام وهو راكب لبيان الجواز، والأصح أنه ~~ليراه الناس ويأخذوا عنه، وقد جاء ذلك في «صحيح مسلم» من حديث جابر. # --- PageV03P048 ~~*** # وقيل: كراهية أن يصرف الناس عنه، لما في مسلم عن عائشة قالت: طاف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن، ~~كراهية أن يصرف عنه الناس. ورد هذا القيل باحتمال عود الضمير على الركن، ~~ويدفع بأن مآله إلى ذلك القيل. وقال ابن الهمام: أي لو طاف ماشيا لانصرف ~~الناس عنه، لأن كل من رام الوصول إليه لسؤال، أو لرؤية لاقتداء لا يقدر، ~~لكثرة الخلق حوله، فينصرف من غير تحصيل حاجة. # وقيل: كان به شكاية أي وجع لما روى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة عن ~~حماد: أنه سعى بين الصفا والمروة، مع عكرمة فجعل حماد يصعد على الصفا ~~والمروة وعكرمة لا يصعد (ويصعد حماد المروة، ولا يصعده عكرمة)، فقال حماد: ~~يا أبا عبد الله ألا تصعد الصفا والمروة؟ فقال: هكذا كان طواف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال حماد: فلقيت سعيد بن جبير، فذكرت له ذلك، فقال: ~~إنما طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وهو شاك يستلم الركن ~~بمحجن، فطاف بالصفا والمروة على راحلته، فمن أجل ذلك لم يصعد. # قلت: وهذا القول أظهر لأن المشي في الطواف والسعي واجبان، فلا يتركان إلا ~~لعذر ظاهر. # ثم ههنا إشكال حديثي وهو: أن الثابت بلا شبهة أنه صلى الله عليه وسلم رمل ~~في حجة الوداع، وهذا ينافي طوافه راكبا، والجواب: أن في الحج للآفاقي ~~أطوفة، والركوب كان في طواف الزيارة يوم النحر، ومشيه كان في طواف القدوم. # هذا، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يمس ~~من الأركان إلا اليمانيين. # (وإن عجز) عن الاستلام (استقبله) قائما بحياله، رافعا يديه حذاء منكبيه ~~أو أذنيه، جاعلا بطنهما ms0595 نحوه، مشيرا بهما إليه. # --- PageV03P049 ~~*** # (وكبر وهلل) ويقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله (وحمد الله ~~وصلى على النبي # صلى الله عليه وسلم # ويقول: اللهم إني أسألك إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا ~~لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم # (وطاف) أي المفرد بالحج (طواف القدوم) ويسمى طواف التحية، (ويسن هذا) ~~الطواف (للآفاقي) أي غير المكي، وإلا فسن لأهل المواقيت وداخليها أيضا. ~~وأما المعتمر فليس عليه طواف القدوم، فيطوف طواف العمرة. وأما القارن فيطوف ~~أولا طواف العمرة، ثم طواف القدوم. # وأول وقته دخول مكة، وآخره وقوفه بعرفة، وأوجب مالك طواف القدوم وجوب ~~السنن لا الفرائض، يعني أنه يجب بتركه الدم على الآفاقي إذا تركه والوقت ~~متسع، كذا في «الجوهرة»، لقوله صلى الله عليه وسلم «من أتى البيت فليحيه ~~بالطواف». # ولنا أن الله تعالى أمر بالطواف، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، وقد ~~تعين طواف الزيارة بالإجماع، والحديث غريب جدا، وعلى تقدير صحته ففي لفظ ~~التحية دلالة على السنية، والسنية تنافي وجوب الدم. والله سبحانه أعلم. # (آخذا) حال استقباله الحجر (عن يمينه) أي يمين الطائف لا يمين الحجر، ~~فقوله: (مما يلي الباب) أي باب الكعبة تأكيد لقوله: عن يمينه، فيصير ~~البيت في الطواف عن يساره ليكون الباب في أول طوافه، لقوله تعالى: {وأتوا ~~البيوت من أبوابها}، أو لأن القلب في الجانب الأيسر. وفي مسلم والنسائي عن ~~جابر: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة بدأ بالحجر، فاستلمه، ثم مضى ~~على يمينه، فرمل ثلاثا ومشى أربعا. # --- PageV03P050 ~~*** # (وراء الحطيم) ويسمى حظيرة إسماعيل، وهو البقعة التي تحت الميزاب، عليها ~~حاجز على هيئة نصف دائرة، بينها وبين البيت فرجة. سمي بالحطيم لأنه حطم من ~~البيت أي كسر وبالحجر لأنه حجر منه أي منع . وإنما يطاف وراء الحطيم ~~لأنه من البيت، والمأمور هو الطواف به لا فيه، قال تعالى: {وليطوفوا بالبيت ~~العتيق}. # وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الحجر، أمن البيت هو؟ قال: «نعم»، قلت: ms0596 فما بالهم لم يدخلوه ~~في البيت؟ قال: «إن قومك يعني قريش قصرت بهم النفقة أي المال حال ~~العمارة»، قلت: فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: «فعل ذلك قومك أي بنو شيبة من ~~قريش ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهدهم بكفر، ~~وأخاف أن تنكر قلوبهم، لنظرت أن ألصق الحجر بالبيت، وأن ألزق بابه بالأرض». انتهى. # وليس الحطيم كله من البيت على الصحيح، بل مقدار ستة أذرع منه، لحديث ~~عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ستة أذرع من الحجر من البيت، وما زاد ~~ليس من البيت». رواه مسلم. # ولو طاف من الفرجة التي بين الحطيم والبيت، لا تجزئه في تحقق الكمال، ولا ~~بد من إعادة الطواف كله ليتحققه، وإن أعاد الحطيم وحده أجزأه بأن يأخذ على ~~يمينه خارج الحجر حتى ينتهي إلى آخره، ثم يدخل الحجر من الفرجة، ويخرج من ~~الجانب الآخر، أو لا يدخل الحجر وهو أفضل بأن يرجع ويبتدىء من أول الحجر، ~~هكذا يفعل سبع مرات، ويقضي صفته من الرمل وغيره. # ولو لم يعد صح طوافه، ووجب عليه الدم. # --- PageV03P051 ~~*** # وفي «سنن أبي داود»: أن عائشة قالت: كنت أحب أن أدخل البيت وأصلي فيه، ~~فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدي فأدخلني الحجر فقال: صلي في الحجر ~~إذا أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة منه، فإن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة ~~فأخرجوه من البيت. وفي «المستدرك» عن ابن عباس قال: الحجر من البيت، لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت من ورائه. قال تعالى: {وليطوفوا ~~بالبيت العتيق}، ثم وإن ثبت بهذا الخبر وغيره أنه من البيت، لكن لم تجز ~~الصلاة باستقباله وحده، لأن فرضية الاستقبال ثبتت بنص الكتاب، فلم يكتف بما ~~ثبت بالآحاد أخذا بالاحتياط. # (سبعة أشواط) من الحجر الأسود إليه نفسه شوط واحد (يرمل) بضم الميم أي ~~يسرع، ويقارب الخطوتين، ويحرك في مشيه الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين ~~(في الثلاث الأول) بضم الهمزة وتخفيف الواو جمع الأولى مؤنث، الأول ضد ~~الأخر. وذلك ms0597 لما روى مسلم عن ابن عمر قال: رمل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الحجر إلى الحجر ثلاثا، ومشى أربعا. # --- PageV03P052 ~~*** # ولما في الصحيحين عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا طاف بالبيت ~~الطواف الأول خب ثلاثا، ومشى أربعا، وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين ~~الصفا والمروة. وفي حديث جابر الطويل: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن ~~فرمل ثلاثا، ومشى أربعا. وفي لفظ عنه: قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثا. وقد ثبت في مسلم عن ابن ~~عباس: إنما سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورمل بالبيت ليري المشركين ~~قوته. انتهى. وفي رواية: فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ~~الأشواط الثلاث، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا ~~بالأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. متفق عليه. # وسبب الرمل إظهار الجلادة للمشركين في عمرة القضاء، لقولهم: يقدم غدا قوم ~~قد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم ~~أجلد من كذا وكذا. ثم بقي الحكم بعد زوال سببه كالاخفاء في صلاة الظهر ~~والعصر الذي كان تشويشا. وفي رواية البخاري عن عمر أنه رضي الله عنه قال: ~~والله أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم استلمك ما استلمتك، ثم قال: ما لنا وللرمل، إنا كنا رأينا به ~~المشركين وقد أهلكهم الله تعالى، ثم قال: شيء صنعه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلا نحب أن نتركه. # --- PageV03P053 ~~*** # وفي «سنن أبي داود، وابن ماجه»، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر ~~يقول: فيم الرمل وكشف المناكب وقد أعز الله عز وجل الإسلام ونفى الكفر، ومع ~~ذلك فلا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. ~~ولعل الحكمة في بقائه تذكر ذلك الحال والجهد على الانتقال بعون الله الملك ~~المتعال. # ولو زحمه الناس في الرمل وقف قائما ms0598 إلى أن يجد فرجة، لأنه من سنة الطواف ~~ولا بد له، بخلاف استلام الحجر حيث لا يتوقف فيه عند الازدحام، لأن الإشارة ~~إليه بدل له. وفي «شرح الطحاوي»: يمشي حتى يجد وهو الأظهر، لأن وقوفه مخالف ~~للسنة، فما لا يدرك كله لا يترك كله. # (مضطبعا) أي جاعلا رداءه تحت إبطه اليمنى ملقيا طرفه على كتفه اليسرى، ~~لما روى أبو داود والمنذري وقال: حديث حسن عن ابن عباس: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم ~~تحت إباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى. وقد نقل ذلك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه طاف مضطبعا وعليه برد. رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه أبو ~~داود وقال: ببرد له أخضر. # وينبغي أن يكون الاضطباع قبل الشروع في الطواف بقليل. ذكره ابن الهمام، ~~يعني لا اضطباع من أول الإحرام كما يفعله العوام، ولا في السعي، كما صرح به ~~في «البدائع». وكذا في «العناية شرح الهداية»، ثم الاضطباع سنة في جميع ~~أشواط الطواف، كما ذكره ابن الضياء، «فمضطبعا» حال من فاعل طاف، لا من ضمير ~~يرمل كما هو المتبادر من المتن. ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الطواف ~~قراءة، بل الذكر، وهو متوارث عن السلف، والمجمع عليه، فكان أولى. ذكره ابن ~~الهمام. # --- PageV03P054 ~~*** # وقد يقال: إنه صلى الله عليه وسلم لم يقرأ فيه لئلا يتوهم أن القراءة فيه ~~فرض أو واجب كما في الصلاة خصوصا في مذهبنا، حيث أجازوا الطواف للمحدث ~~والجنب فلا بأس بقراءته في نفسه، كما في «الكافي». # ويكره رفع صوته به وبغيره من الأذكار. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه دعا بين الركنين بقوله: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار} ». رواه أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن ~~أبي شيبة عن عبد الله ابن السائب مرفوعا. وكذلك يقول بين الركن والحجر كما ~~رواه ابن أبي شيبة عنه. وكذا يقول في الطواف، أي سائر أماكنه، كما رواه ~~الحاكم ms0599 عنه أيضا. # وفي رواية ابن أبي شيبة موقوفا من قول ابن عمر: أن يقول أيضا بين الركن ~~والمقام. وروى الحاكم مرفوعا عن ابن عباس، وابن أبي شيبة من قوله، أن يقول ~~في الطواف: اللهم وفي رواية رب قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف ~~على كل غايبة لي بخير. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يقول في ~~الطواف: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير. # وروى ابن ماجه عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من ~~طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا ب: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، محيت عنه عشر ~~سيئات، وكتبت له عشر حسنات ورفعت له عشر درجات». # --- PageV03P055 ~~*** # (وكلما مر بالحجر) الأسود (فعل ما ذكر) من الاستلام، لأن أشواط الطواف ~~كركعات الصلاة، وكما يفتح كل ركعة بالتكبير، يفتح كل شوط بالاستلام، وهذا ~~من جهة المعقول. وأما من طريق المنقول: فقد ورد في «مسند أحمد»، والبخاري ~~وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير كلما أتى على الركن أشار ~~إليه بشيء في يده وكبر. # قال ابن الهمام: لم يذكر صاحب «الهداية» ولا كثير رفع اليدين في كل تكبير ~~يستقبل به في كل مبدأ شوط، فإن لاحظنا ما رواه من قوله عليه الصلاة ~~والسلام: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن» ينبغي أن ترفع في كل تكبير ~~للعموم في استلام الحجر، وإن لاحظنا عدم صحة هذا اللفظ فيه وعدم تحسينه، بل ~~القياس المتقدم، لم يفد ذلك، إذ لا رفع مع ما به الافتتاح فيها إلالا ~~الأول. واعتقادي أن هذا هو الصواب، ولم أر عنه صلى الله عليه وسلم خلافه. ~~انتهى. والأظهر أن يرفع تارة ولا يرفع أخرى، عملا بالوجهين (وفق الدليلين). # (واستلام الركن اليماني) بتخفيف الياء على الصحيح، لأنه نسبة إلى اليمن ~~فأبدل إحدى يائي النسبة ألفا، فلو ms0600 قيل بالتشديد لزم الجمع بين البدل ~~والمبدل منه، ومن شددها قال الألف فيها زائدة. ذكره الكرماني في «شرح ~~البخاري». (حسن) من غير تقبيل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف لما رواه مسلم ~~وأبو داود عن ابن عمر أنه قال: ما تركت استلام هذين الركنين: الركن ~~اليماني، والحجر الأسود، منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما. # --- PageV03P056 ~~*** # وقال محمد: السنة أن يفعل فيه كما يفعل بالحجر الأسود. كذا ذكره الشارح. ~~وقال صاحب «المواهب»: حسن في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة. وقالا: هو سنة، ~~ومما يدل على قول محمد ما روى ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل ~~الركن اليماني ويضع يده عليه. رواه الدارقطني. وعن ابن عباس أنه صلى الله ~~عليه وسلم إذا استلم الركن اليماني قبله. رواه البخاري في «تاريخه». # وأما الركن العراقي والشامي فلا يستلمان في المذاهب الأربعة، لما روى ~~الجماعة إلا الترمذي عن ابن عمر قال: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين. وفي لفظ لمسلم: كان لا يستلم إلا ~~الحجر والركن اليماني. وعن ابن عباس قال: لم أر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يستلم غير الركنين اليمانيين، ولأن الركن العراقي والشامي ليسا بركنين ~~حقيقة، وإنما هما من وسط البيت، لأن بعض الحطيم من البيت اتفاقا. # (وختم الطواف باستلام الحجر) ليكون ختامه مسك، والإيماء إلى قوله تعالى: ~~{كما بدأكم تعودون} (ثم صلى شفعا، يجب) عندنا وعند مالك (بعد كل طواف) فرضا ~~أو نفلا، وقول شذوذ منا ينبغي أن يكون واجبا عقيب الطواف الواجب (لا ~~غير)، ليس بشيء لإطلاق الأدلة (منها الآية الآتية، ومنها ما روى البخاري عن ~~الزهري:) فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطف قط أسبوعا إلا صلى ركعتين. ~~ومنها قول ابن عمر: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أسبوع ركعتين. ~~رواه أبو القاسم تمام بن محمد الرازي في «فوائده». # --- PageV03P057 ~~*** # ومنها قول الحسن البصري: مضت السنة أن مع كل أسبوع ركعتين، لا يجزىء ms0601 ~~عنهما تطوع ولا فريضة. رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه». وأما قول صاحب ~~«الهداية»: لنا قوله صلى الله عليه وسلم «وليصل الطائف لكل أسبوع ركعتين»، ~~فلم يعرف هذا الحديث كما قال ابن الهمام وغيره. # (عند المقام) أي مقام إبراهيم عليه السلام: وهو الحجر الذي عليه أثر ~~قدميه لقوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} في قراءة الجمهور بكسر ~~الخاء، والأمر للوجوب، وقد واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم من غير ترك ~~أصلا. وقال السدي وقتادة: أمروا أن يصلوا عند المقام، (أي) ركعتي الطواف. # وروى أحمد ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى المقام قرأ: ~~{واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}، فصلى ركعتين وقرأ فاتحة الكتاب، و{قل يا ~~أيها الكافرون} و{قل هو الله أحد}، ثم عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج إلى ~~الصفا. وروى الترمذي من حديث أنس أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله لو ~~صلينا خلف المقام يعني ركعتي الطواف فأنزل اللها تعالى: {واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى}، فعلى صيغة الأمر ظاهر، وكذا على صيغة الخبر، فتدبر. وعن ابن ~~عمر رضي الله عنهما: إذا أراد أن يركع خلف المقام جعل بينه وبين المقام صفا ~~أو صفين، أو رجلا أو رجلين. رواه عبد الرزاق. # --- PageV03P058 ~~*** # (أو غيره من المسجد) إن لم تيسر له الصلاة عند المقام. والحاصل: أن أفضل ~~الأماكن لأداء صلاة الطواف خلف المقام، وهو ما يصدق عليه ذلك عادة وعرفا، ~~ثم في الكعبة، ثم في الحجر تحت الميزاب، ثم كلما قرب من البيت، ثم سائر ~~المسجد، ثم الحرم، ثم جاز في غيره. # ولا يكره الطواف في الأوقات التي تكره فيها الصلاة، بخلاف صلاة الطواف ~~فإنها مكروهة فيها عندنا لما روى الطحاوي عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: ~~طاف عمر بالبيت بعد الصبح فلم يركع، فلما صار بذي طوى، وطلعت الشمس صلى ~~ركعتين. فلو جمع بين الأطوفة في الأوقات المكروهة يصلي بعد الجميع ركعتين ~~لكل طواف لما روي أن عائشة طافت ثلاثة أسابيع، ثم صلت ms0602 لكل أسبوع ركعتين. ~~ويستوي فيه أن ينصرف عن وتر أو شفع اتفاقا. # وأما في غير الأوقات المكروهة فلا يكره أبو يوسف وصل الأسابيع في الطواف ~~إذا صلى عن وتر، كثلاثة أو خمسة أو سبعة. وفيها أثر عائشة: لا بأس بذلك إذا ~~انصرف عن وتر. وكرهه أبو حنيفة ومحمد، سواء انصرف عن وتر أو شفع لقوله صلى ~~الله عليه وسلم «من طاف حول البيت أسبوعا فليصل ركعتين». وأما أثر عائشة ~~فمعارض بقول غيرها من الصحابة. # وفي «النوازل»: يقرأ في الركعة الأولى ب: {قل يا أيها الكافرون}، وفي ~~الثانية ب: {}قل هو الله أحد، ويدعو بعد فراغه من الصلاة. والمأثور دعاء ~~آدم عليه السلام: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي ~~فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي. اللهم إني أسألك إيمانا ~~يباشر قلبي، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضاء ~~بما قسمت لي. # --- PageV03P059 ~~*** # ويستحب أن يأتي زمزم فيشرب منها ويتضلع، ويقول: اللهم إني أسألك رزقا ~~واسعا، وعلما نافعا، وشفاء من كل داء. ثم يأتي الملتزم ويتشبث به ويضع صدره ~~وبطنه وخده عليه، ويضع يديه فوق رأسه مبسوطتين على الجدار قائمتين. وقيل ~~عليه العمل: يلزم الملتزم قبل الركعتين، ثم يصليهما، ثم يأتي زمزم. # (ثم) أي بعد ذلك إذا أراد السعي (عاد واستلم الحجر) لما في حديث جابر أنه ~~صلى الله عليه وسلم فعل ذلك (وخرج) من أي باب شاء، وإنما خرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم من باب الصفا لأنه أقرب إليه (وصعد الصفا) بكسر العين أي ~~رقيها بقدر ما يرى الكعبة. # (واستقبل القبلة) قائما (وكبر) ثلاثا من غير رفع يد (وهلل) وقال: لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت ~~، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، (وحده، صدق) وعده، ~~ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا ~~إياه، مخلصين له الدين ms0603 ولو كره الكافرون. # (وصلى على النبي # صلى الله عليه وسلم # --- PageV03P060 ~~*** # في أول دعائه وآخره (ورفع يديه) حذو منكبيه جاعلا باطنهما إلى السماء، ~~لما روى أبو داود في «سننه» عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما». والاستغفار: أن تشير ~~بأصبع واحدة. والابتهال: أن تمد يديك جميعا. وروى إسحاق بن راهويه وابن ~~ماجه من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سلوا الله ~~ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم». # (ودعا بما شاء) ومن المأثور: اللهم إنك قلت: ادعوني أستجب لكم، وإنك لا ~~تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني ~~وأنا مسلم. رواه مالك عن ابن عمر موقوفا. (ثم مشى) على هينته نازلا (نحو ~~المروة) داعيا: اللهم اجعله حجا مبرورا، وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا، ~~وتجارة لن تبور يا عزيز يا غفور. وأمثال ذلك من الأدعية والأذكار. # (ساعيا) أي مسرعا (بين الميلين الأخضرين) قائلا: رب اغفر وارحم وتجاوز ~~عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم. رواه (ابن أبي شيبة من قول) ابن مسعود ~~موقوفا. وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت ~~قدماه رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعد مشى. رواه أبو داود. (وصعد فيها) أي ~~في المروة (وفعل ما فعل على الصفا) من الاستقبال، والتكبير، والتهليل ~~والدعاء، وهذا شوط من السعي. # --- PageV03P061 ~~*** # (ثم سعى) أي مشى متوجها (إلى الصفا) وهو شوط آخر (فصار اثنين) ذهابه إلى ~~المروة واحد، وعوده إلى الصفا آخر (يفعل هكذا سبعا) أي ابتداءها من الصفا ~~وختمها بالمروة. # وقال الطحاوي، وبعض الشافعية: الذهاب من الصفا إلى المروة ومنها إلى ~~الصفا، مجموع ذلك شوط، كما أن الشوط في الطواف من الحجر إلى الحجر. ويرده ~~قول جابر: فلما كان آخر طوافه على المروة، لأن مقتضى قولهم: أن يكون آخر ~~طوافه على الصفا. والفرق بين السعي والطواف: أن السعي يتم بالمروة فيكون ~~الرجوع ms0604 تكرارا، والطواف لا يتم إلا بالوصول إلى الحجر. والأصل في ذلك حديث ~~جابر الطويل، من قوله: ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما ولى إلى الصفا قرأ: ~~{إن الصفا والمروة من شعائر الله} فبدأ بما بدأ الله به. # وفي أبي داود: «نبدأ». وفي النسائي، والدارقطني: «ابدؤوا» بصيغة الأمر ، ~~فبدأ بالصفا فرقي عليها حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره. ~~وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب ~~وحده»، ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا ~~انصبت قدماه في بطن الوادي رمل، حتى إذا كان آخر الطواف على المروة ففعل ~~على المروة كما فعل على الصفا، قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق ~~الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة...» ~~الحديث. # --- PageV03P062 ~~*** # وفي رواية لمسلم، وأبي داود عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ ~~من طوافه أتى الصفا، فعلا عليها حتى رأى البيت ورفع يده، فجعل يحمد الله ~~تعالى ويدعو ما شاء أن يدعو. ويستحب إذا فرغ من السعي أن يدخل المسجد فيصلي ~~ركعتين، فإنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين في قيل حاشية المطاف حذو ~~الركن الأسود، وقيل: فيما يلي باب العمرة، ذكره ابن الهمام. # (ثم سكن بمكة محرما) من غير تحلل، لأنه محرم بالحج فلا يتحلل منه حتى ~~يأتي بأفعاله. # وقال ابن عباس: له أن يتحلل ويفسخ الحج إلى عمرة لما روينا. وأجيب بأن ~~ذلك كان مختصا بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما في مسلم وغيره عن أبي ~~ذر أنه قال: (المتعة كانت) لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة. ولا ~~يعارضه حديث سراقة حيث قال: ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: «للأبد». لأن ~~المراد «ألعامنا» فعل العمرة في أشهر الحج أم للأبد؟ لا أن المراد فسخ الحج ~~إلى العمرة، ms0605 وذلك لأن سبب الأمر بالفسخ ما كان إلا تقريرا لشرع العمرة في ~~أشهر الحج ما لم يكن مانع سوق الهدي، وذلك أنه كان مستعظما عندهم، حتى ~~كانوا يعدونها في أشهر الحج من أفجر الفجور، فكسر سورة ما استحكم في نفوسهم ~~من الجاهلية من إنكاره، بحملهم على فعله بأنفسهم. # --- PageV03P063 ~~*** # (وطاف نفلا ما شاء) لأنه يشبه الصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم «الطواف ~~بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فيه فلا ينطق ~~إلا بخير». رواه ابن حبان في «صحيحه». ورواية الترمذي والنسائي: «الطواف ~~حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا ~~بخير». وأما التنفل بالسعي فغير مشروع، والرمل والاضطباع إنما يسنان في كل ~~طواف بعده سعي. ثم طواف النفل أفضل للغريب من صلاة التطوع. # (وخطب الإمام سابع ذي الحجة خطبة) واحدة لا جلوس فيها، بعد صلاة الظهر ~~(وعلم) الناس فيها المناسك، والخروج إلى منى وعرفة، والصلاة فيها، والوقوف، ~~والإفاضة (ثم) خطب في اليوم (التاسع) بعرفات خطبتين كالجمعة (ثم) خطب (في ~~حادي عشر بمنى) خطبة واحدة بعد صلاة الظهر لا يجلس فيها كخطبته يوم السابع، ~~وعلم فيها المناسك المحتاج إليها في كل خطبة. # (ويخرج) أي الحاج ملبيا (غداة التروية إلى منى) لقول جابر في الحديث ~~الطويل: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فصلى بمنى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم ~~مكث قليلا حتى طلعت الشمس فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى ~~عرفة... الحديث. # --- PageV03P064 ~~*** # ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك لأن إبراهيم عليه ~~السلام رأى في المنام ليلة هذا اليوم قائلا يقول: إن الله يأمرك بذبح ابنك، ~~فلما أصبح روى أي فكر أن ما رآه من الله فيأتمره، أو لا فيتركه، فسمي يوم ~~التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله تعالى فسمي يوم عرفة، ثم ~~رأى مثل ذلك في الليلة الثالثة فهم ms0606 بنحر ولده فسمي يوم النحر. # وقال ابن الأنباري: سمي يوم التروية لأن الناس يروون (فيه إبلهم) ويحملون ~~الماء (لأجلهم)، وسمي يوم عرفة لأن جبرائيل عليه السلام علم إبراهيم فيه ~~المناسك، فقال: عرفت. وقيل: لأن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض وقع ~~بالهند، ووقعت امرأته حواء بالسند، وفي رواية: بجدة، فلم يلتقيا إلا عشية ~~عرفة، فسمي يوم عرفة، لمعرفة كل منهما الآخر. وقيل: سمي منى بذلك لأن جبريل ~~لما أراد أن يفارق آدم قال له: ماذا تتمنى؟ فقال آدم: الجنة. # (ومكث) بعد وصوله إلى منى (إلى فجر عرفة) وصلى الصبح، ومكث بعد الفجر إلى ~~طلوع الشمس على ثبير، لما روينا من حديث جابر. (ثم) دفع (منها) أي من منى ~~(إلى عرفات) لما قدمنا، ولما روى ابن عمر: أنه صلى الله عليه وسلم غدا من ~~منى حين طلع الصبح في صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة... الحديث. رواه أحمد ~~وأبو داود. # ويستحب أن يسير إلى عرفة على طريق ضب لا على طريق المأزمين، وينزل في ~~عرفة مع الناس حيث شاء، ويكره أن ينزل في موضع وحده، وقرب الجبل أفضل إن لم ~~يكن هناك مزاحمة ومنكر. # --- PageV03P065 ~~*** # (وكلها) أي جميع أجزاء عرفة (موقف) ولذا سميت عرفات (إلا بطن عرنة) لما ~~روى الطبراني والحاكم وقال: على شرط مسلم من حديث ابن عباس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «عرفة كلها موقف، وادفعوا عن بطن عرنة. والمزدلفة ~~كلها موقف، وادفعوا عن بطن محسر». زاد ابن ماجه: «وكل منى منحر إلا ما وراء ~~العقبة». ورواه أحمد عن جبير بن مطعم وزاد: «وكل فجاج منى منحر، وفي كل ~~أيام التشريق ذبح» # (وإذا زالت الشمس خطب الإمام) في مسجد نمرة بعد الزوال قبل الصلاة ~~خطبتين، يبتدىء فيهما إذا فرغ المؤذن من الأذان بين يديه، ويجلس بينهما، ~~(كالجمعة) ويعلمهم الوقوف بعرفة، ومزدلفة وباقي المناسك، لحديث جابر: ~~«فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له ~~بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت ms0607 الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن ~~الوادي فخطب الناس إلى أن قال: ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى ~~العصر، ولم يصل بينهما شيئا... الحديث. رواه مسلم. وهذا معنى قوله (وجمع ~~بين الظهر والعصر) زمانيا لما روينا (بأذان وإقامتين) يؤذن ويقيم للظهر، ثم ~~يقيم للعصر، وعليه الإجماع. # (وشرط) لهذا الجمع (الجماعة) في الصلاتين مع الخطيب (والإحرام) بالحج ~~(فيهما، فلا يجوز العصر لفاقد أحدهما) واقتصرا على الشرط الثاني: وهو ~~الإحرام كمالك والشافعي. # --- PageV03P066 ~~*** # (ثم ذهب إلى الموقف بغسل سن) لما ذكرنا في باب الغسل، ويقف الإمام بقرب ~~الجبل عند الصخرات السود الكبار التي أسفل الجبل الذي بوسط عرفات، يقال له: ~~إلال على وزن هلال، ويقال له أيضا: جبل الرحمة، بحيث يكون الجبل قبالته ~~بيمين إذا استقبل القبلة، والبناء المربع عن يساره بقليل. فقيل: هو موقف ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مستقبل القبلة، ويدعو الناس بما أحبوا ~~مستقبلين للقبلة، لا كما يفعله العوام من استقبال الإمام. وترفع الأيدي ~~بسطا على رواحلهم وهو أفضل من الوقوف قائما، لما في حديث جابر: ثم ركب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل ~~المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت ~~الصفرة قليلا حتى غاب القرص. رواه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه. # وقد ورد: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: ~~«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير». رواه مالك، والترمذي، وأحمد وغيرهم. وعن ابن عباس: رأيت النبي عليه ~~الصلاة والسلام يدعو بعرفة، ويداه إلى صدره كالمستطعم المسكين. رواه ~~البيهقي في «سننه». # --- PageV03P067 ~~*** # وأما ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس السلمي: أن ~~أباه أخبره عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة ~~بالمغفرة، فأجيب : أني قد غفرت لهم ما خلا المظالم فإني آخذ للمظلوم منه، ~~قال: ms0608 «أي رب، إن شئت أعطيت المظلوم الجنة وغفرت للظالم، فلم يجبه عشية ~~عرفة، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب إلى ما سأل، فضحك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو قال تبسم، فقال أبو بكر وعمر: بأبي أنت وأمي، إن ~~هذه الساعة ما كنت تضحك فيها، فما الذي أضحكك أضحك الله سنك قال: إن عدو ~~الله إبليس لما علم أن الله سبحانه قد استجاب دعائي، وغفر لأمتي، أخذ ~~التراب فجعل يحثوه على رأسه ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه». # فقد قال البخاري: كنانة بن عباس عن أبيه لا يصح. وقال ابن حبان: كنانة بن ~~عباس بن مرداس السلمي يروي عن أبيه وروى عنه ابنه منكر الحديث جدا، ولا ~~أدري أن التخليط منه أو من أبيه، ومن أيهما كان. فهو ساقط الاحتجاج. انتهى. ~~وقد بسطت هذه المسألة في رسالة مستقلة. # وفي «المحيط»: والليالي كلها تابعة للأيام المستقبلة لا للأيام الماضية ~~إلا في الحج، فإنها في حكم الأيام الماضية، فليلة عرفة تابعة ليوم التروية، ~~وليلة النحر تابعة ليوم عرفة، ولهذا يصح الوقوف فيها. # --- PageV03P068 ~~*** # وأما قول صاحب «الهداية»: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خير المواقف ~~ما استقبل به القبلة» فغير معروف بهذا اللفظ، نعم ورد: «خير المجالس ما ~~استقبلت به القبلة» كما ذكره النووي في «التبيان»، إلا أنه من غير عزو ~~لأحد، لكن أخرجه أبو يعلى، وابن عدي، والطبراني في «الأوسط» وفي سنده ~~متروك بلفظ: «أكرم المجالس ما استقبلت به القبلة». وأورده الحاكم في ~~«صحيحه» من حديث طويل. وقال إنه صحيح. ورواه العقيلي عن ابن عباس مرفوعا ~~بلفظ: «إن لكل شيء شرفا، وإن شرف المجالس ما استقبلت به القبلة». وفي ~~الجملة لهذا الحديث أصل ثابت، فقول ابن حبان موضوع، مدفوع. # (ويكفي) في الوقوف (حضور ساعة) بشرط تقدم إحرام (من زوال) يوم (عرفة) ~~لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقف إلا بعدما جمع بين الظهر والعصر بعد ~~الزوال، وجوز أحمد الوقوف من أول يوم عرفة (إلى فجر يوم النحر) وقد ms0609 روى ~~أصحاب السنن الأربعة، والحاكم وقال: صحيح الإسناد على شرط كافة أئمة ~~الحديث عن عروة بن مضرس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من شهد ~~صلاتنا هذه أي صلاة الصبح بمزدلفة ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ~~ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه وقضى تفثه ». # --- PageV03P069 ~~*** # فإن قيل: الطواف والوقوف ركنا الحج، فما الفرق بينهما، حيث لم تشترط ~~النية في الوقوف، وشرطت في الطواف، حتى لو طاف هاربا من عدو، أو طالبا ~~لغريم لا يجزئه؟ أجيب بأن النية عند الإحرام تضمنت جميع ما يفعل فيه، ~~والوقوف يفعل فيه من كل وجه فاكتفي فيه بتلك النية، والطواف يفعل فيه من ~~وجه دون وجه لأنه يفعل بعد التحلل الأول، فاشترط فيه أصل النية دون تعيينها ~~عملا بالشبهين. # (ولو كان نائما أو مارا أو مغمى عليه أو أهل) أي أحرم (عنه رفيقه) بأمره ~~أو بغير أمره، وهو قول أبي حنيفة. وقالا: لا بد أن يكون بأمره (أو جهل أنها ~~عرفة) وهذا من كمال توسعة الله على عباده. ولم يفرض علماؤنا والشافعي وقوف ~~جزء من الليل، وفرضه مالك لقوله: «من فاته الوقوف بليل فقد فاته الحج». # ولنا قوله صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة، فمن وقف بعرفة ساعة من ليل أو ~~نهار، فقد تم حجه». وكلمة «أو» للتخيير والتنويع، ويلبي بعرفة ساعة فساعة. ~~وقال مالك: يقطع التلبية كما يقف بعرفة. ولنا ما روي عن الفضل: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما زال يلبي حتى أتى جمرة العقبة. # --- PageV03P070 ~~*** # (وإذا غربت) الشمس (أتى مزدلفة) على طريق المأزمين بين العلمين دون طريق ~~ضب، وذلك لحديث علي أنه صلى الله عليه وسلم دفع حين غابت الشمس. رواه أبو ~~داود وغيره. والأفضل أن يمشي على هينته، وإذا وجد فرجة أسرع لما روى ~~البخاري من حديث ابن عباس أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، ~~فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا، وضربا للإبل، فأشار بسوطه ~~إليهم، وقال: «أيها الناس، ms0610 عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع أي ~~الإسراع ». # (وكلها) أي جميع أجزاء المزدلفة (موقف) أي مبيت، لأن التبييت بمزدلفة ~~ليلة النحر سنة. (إلا وادي محسر) لما تقدم من حديث ابن عباس: «المزدلفة ~~كلها موقف، وادفعوا عن بطن محسر». رواه البخاري. والأفضل أن ينزل بقرب قزح، ~~لأنه موقف النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعروف بالمشعر الحرام، لما روي ~~أنه صلى الله عليه وسلم لما أصبح وقف على قزح. رواه أبو داود. وقزح: اسم ~~جبل بالمزدلفة. ولا ينزل على الطريق كيلا يتضرر، ولا يضر بالمارة. # --- PageV03P071 ~~*** # (وصلى العشاءين) أي المغرب والعشاء (في وقت العشاء بأذان) واحد اتفاقا ~~(وإقامة) واحدة عندنا، إلا إذا فصل بينهما: بصلاة كان أو بغيرها. وقال زفر: ~~بإقامتين مطلقا. واختاره الطحاوي، وهو قول مالك والشافعي، لما في الصحيحين ~~عن أسامة بن زيد قال: دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا ~~كان بالشعب نزل فبال فتوضأ ولم يسبغ الوضوء، قلت: الصلاة يا رسول الله، قال ~~صلى الله عليه وسلم «الصلاة أمامك» أي مكانا أو زمانا فركب فلما جاء ~~المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل ~~إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة فصلاها ولم يصل بينهما شيئا. وفي ~~رواية: فلما جاء المزدلفة فصلى بها والمغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ~~ولم يسبح بينهما شيئا... الحديث. # وفي البخاري عن ابن عمر قال: جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين المغرب ~~والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة ولم يسبح بينهما، ولا على إثر واحدة ~~منهما. ولنا ما في مسلم وأبي داود عن سعيد بن جبير قال: أفضنا مع ابن عمر ~~فلما بلغنا جمعا صلى بنا المغرب ثلاثا، والعشاء ركعتين بإقامة واحدة، فلما ~~انصرف قال ابن عمر: هكذا صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا ~~المكان. وجعل بعض الرواة مكان ابن عمر ابن عباس. كما أخرجه أبو الشيخ ~~الأصبهاني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء ms0611 ~~بإقامة واحدة. # --- PageV03P072 ~~*** # وفي «سنن أبي داود» عن أشعث بن سليم عن أبيه قال: أقبلت مع ابن عمر من ~~عرفات إلى المزدلفة، فلم يكن يفتر عن التكبير والتهليل حتى أتينا المزدلفة، ~~فأذن وأقام أو أمر إنسانا فأذن وأقام، فصلى بنا المغرب ثلاث ركعات، ثم ~~التفت إلينا فقال: الصلاة، فصلى بنا العشاء. # وفي الطحاوي، و«مصنف ابن أبي شيبة» عن أبي أيوب الأنصاري: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جمع بين صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واحد ~~وإقامة واحدة. وقد رواه البخاري ومسلم عنه وليس فيه ذكر الإقامة. وفي رواية ~~عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم أذن للمغرب بجمع فأقام، ثم صلى العشاء ~~بالإقامة الأولى. قال ابن حزم: رواه مسلم. قال بعض المحققين: فقد علمت ما ~~في هذا من التعارض، فإن لم يرجح ما اتفق الشيخان على ما انفرد به مسلم وأبو ~~داود حتى تساقطا، كان الرجوع إلى الأصل يقتضي تعدد الإقامة بتعدد الصلاة ~~كما في قضاء الفوائت، بل أولى لأن الصلاة الثانية ههنا وقتية، فإذا أقيم ~~للأولى المتأخرة عن وقتها المعهود كانت الحاضرة أولى أن يقام لها بعدها، ~~كما في الجمع بعرفة. # ثم الأفضل أن يصليهما مع الإمام بجماعة، ولو صلاهما وحده أو مع غيره ~~أجزأه. وفي «شرح مسلم»: مذهب أبي حنيفة وجماعة أنه جمع بسبب النسك، فيجوز ~~لأهل مكة وغيرهم. والصحيح من مذهب الشافعي أنه جمع بسبب السير، فلا يجوز ~~إلا لمسافر مسافة القصر، وقال بعض أصحابه كما قال أبو حنيفة. # --- PageV03P073 ~~*** # (وإذا أدى المغرب) في عرفات أو في الطريق (أعاد ما لم يطلع الفجر) حتى لو ~~طلع الفجر قبل الإعادة عاد إلى الجواز اتفاقا، فهو فساد موقوف، وذلك لأن ~~الفجر إذا طلع فات وقت الجمع، وبه قال الثوري. وقال أبو يوسف: يجزئه المغرب ~~مع الإساءة، لأنه أداها في وقتها المعهود، وبه قال مالك والشافعي. # ولنا ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم لأسامة : «الصلاة أمامك»، فإن معناه ~~زمانها أو مكانها أمامك، لا نفس الصلاة، لأنها حركات توجد من فعل ms0612 المصلي ~~فلا تتصف بالقبلية قبل وجودها، فإن كان المراد به المكان، فقد ظهر اختصاص ~~هذه الصلاة بالمكان، وهو المزدلفة، فلا يجوز في غيرها، وإن كان به المراد ~~الزمان، فظهر أن وقت المغرب في وقت الحج لا يدخل بغروب الشمس، وأداء الصلاة ~~قبل وقتها لا يجوز. إلا أن خبر الواحد يوجب العمل لا العلم، فأمر بالإعادة ~~ما بقي الوقت ليصير جامعا بين الصلاتين بالمزدلفة، إذ التأخير إنما وجب ~~ليمكنه الجمع بينهما بالمزدلفة، وبعد طلوع الفجر لا يمكنه الجمع فسقطت ~~الإعادة. # ولأنا لو أمرنا بالإعادة بعد ذهاب الوقت لحكمنا بفساد ما أدي وهو من باب ~~العلم، وخبر الواحد لا يوجب العلم. فأما وجوب الإعادة في الوقت فمن باب ~~العمل والأخذ بالاحتياط فيعيد، كذا حققه بعض علمائنا لكن في ترديده نظر ~~ظاهر إذ تحقق كل من وقت العشاء ووصول المزدلفة شرط لهذا الجمع، فلا يجوز ~~لفاقد أحدهما. # (ثم صلى الفجر بغلس) لما في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: ما رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب، ~~والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها. # --- PageV03P074 ~~*** # يعني بعد الفجر قبل ميقاتها المعتاد، ولا يعني أنه صلاهما قبل الفجر، لما ~~في البخاري: وصلى الفجر حين بزغ أي طلع . # (ثم وقف) وكبر، وهلل، ولبى، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم (ودعا) ~~لحاجته ما شاء، لما في حديث جابر الطويل: فصلى الفجر حين تبين له الصبح ~~بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه، ~~وكبره، وهلله، ووحده، ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع ~~الشمس... الحديث. رواه مسلم. # وجملة ذلك في «سنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه» عن علي رضي الله عنه ~~قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال: «عرفة كلها موقف»، ثم ~~أفاض حين غربت الشمس وأردف أسامة بن زيد، وجعل يشير بيده على هينة والناس ~~يضربون الإبل يمينا وشمالا، يلتفت إليهم ويقول: «أيها الناس عليكم ~~بالسكينة»، ثم أتى ms0613 جمعا فصلى بهم الصلاتين جميعا، فلما أصبح أتى قزح فوقف. # وفي «المستدرك» عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فإن أهل الشرك ~~والأوثان كانوا يدفعون من هذا الموضع إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها ~~عمائم الرجال (على رؤوسها، وإنا ندفع قبل أن تغيب، وكانوا يدفعون من المشعر ~~الحرام إذا كانت الشمس) منبسطة». ورواه الشافعي وقال: «وإنا لا ندفع من ~~عرفة حتى تغرب الشمس، وندفع من مزدلفة قبل أن تطلع الشمس، هدينا مخالف لهدي ~~أهل الأوثان والشرك». # --- PageV03P075 ~~*** # (وإذا أسفر) أي صار في وقت الإسفار. وأما ما وقع في بعض نسخ القدوري ~~«وإذا طلعت» فخطأ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفع قبل أن تطلع الشمس كما ~~في حديث جابر، (أتى منى) أي توجه إليها. ولو دفع بليل لعذر به: من ضعف، أو ~~كبر، أو مرض جاز، ولا شيء عليه لما روى ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم أذن ~~لضعفة الناس أن يدفعوا بليل. رواه أحمد: فإذا بلغ بطن محسر أسرع إن كان ~~ماشيا، وحرك دابته إن كان راكبا قدر رمية، ويقول: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ~~ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك. # (ورمى جمرة العقبة من بطن الوادي سبعا) أي سبع حصيات (خذفا) وهو بالخاء ~~المعجمة الرمي برؤوس الأصابع. يقال: الحذف بالعصا، والخذف بالحصى، الأول ~~بالحاء المهملة، والثاني بالمعجمة. # وكيفيته: أن يضع الحصيات على ظفر إبهامه اليمنى ويستعين بالمسبحة. وقيل: ~~يأخذ بطرفي إبهامه ومسبحته، قال ابن الهمام: وهو الأصح، لأنه الأيسر ~~والمعتاد في الأكثر. هذا، وقد ورد عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود أنه ~~رمى جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، قال: فقيل له: ~~إن ناسا يرمونها من فوقها، فقال: هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت ~~عليه سورة البقرة. # --- PageV03P076 ~~*** # (وكبر بكل) أي مع كل حصاة لحديث جابر: ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام ~~فاستقبل القبلة، ودعا، وكبر، ms0614 وهلل، ووحد، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع ~~قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا أي ناقته ثم سلك الطريق ~~الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة ~~فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي ثم ~~انصرف إلى المنحر. رواه مسلم. # وفي «سنن أبي داود» عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت: رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل ~~حصاة، ورجل من خلفه يستره فسألت عن الرجل، فقالوا: الفضل بن عباس، وازدحم ~~الناس، فقال صلى الله عليه وسلم «يا أيها الناس، لا يقتل بعضكم بعضا، وإذا ~~رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف». قيل: هو مقدار الحمصة. أو النواة، أو ~~مقدار الأنملة. # --- PageV03P077 ~~*** # ولو رمى بأكبر من حصى الخذف، أو رمى من أعلى العقبة لا من بطن الوادي جاز ~~لحصول المقصود وكان تاركا للأفضل. ومقدار الرمي استحبابا أن يكون بين ~~الرامي وبين موضع السقوط خمسة أذرع، فلو، وقعت الحصاة قريبا من الجمرة جاز، ~~ولو وقعت بعيدا لا. وقدر القريب ثلاثة أذرع، والبعيد ما فوقها. ولو رمى ~~بحصاة أخذها من عند الجمرة أجزأه، لأن الرمي لا يغير صفة الحجر وأساء، لأن ~~ما عندها حصى من لم يقبل حجه، لما روى الدارقطني والحاكم وصححه عن أبي ~~سعيد الخدري قال: قلت: يا رسول الله هذه الجمار التي ترمى بها كل عام فنحسب ~~أنها تنقص، فقال: «إنه ما يقبل منها رفع، ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال» . # وروى أحمد في «مسنده» والحاكم في «صحيحه» عن ابن عباس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم غداة جمع: «القط لي»، فلقطت له حصيات له من حصى الخذف، ~~فلما وضعتهن في يده قال: «نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما ~~هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين». # ويجوز الرمي بجنس الأرض من مدر ونحوه، لأن المقصود فعل الرمي، وذلك يحصل ~~بالمدر ms0615 كما يحصل بالحجر، بخلاف ما إذا رمى بالذهب والفضة لأنه يسمى نثارا ~~لا رميا. ويختص الرمي بالحجر عند مالك والشافعي اتباعا للمنقول المتوارث ~~بالأثر. # ولا يقف عند جمرة العقبة للدعاء لما روي عن ابن عمر: أنه كان يرمي جمرة ~~العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، وينصرف ويقول: هكذا رأيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يفعله. رواه البخاري. # --- PageV03P078 ~~*** # (وقطع تلبيته) عندنا وعند الشافعي (بأولها) أي بأول حصاة رماها لما في ~~الصحيحين من حديث ابن عباس: أن أسامة كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من ~~عرفة إلى المزدلفة، والفضل كان ردفه من مزدلفة إلى منى، وكلاهما قال: فلم ~~يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة. ولما في الكتب ~~الستة عن الفضل بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى ~~رمى جمرة العقبة. وفي ابن ماجه: فلما رماها قطع التلبية. # وفي «آثار الطحاوي» بسنده قال: لبى عبد الله وهو متوجه إلى عرفات فقال ~~أناس: من هذا الأعرابي؟ فالتفت إلى عبد الله فقال: ضل الناس أم نسوا؟ والله ~~ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى الجمرة، إلا أن يخلط ذلك ~~بتهليل أو تكبير. وفي رواية للطحاوي عن ابن عباس قال: ولم يسمع الناس يلبون ~~عشية عرفة، قال: أيها الناس، أنسيتم، والذي نفسي بيده، لقد رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة. # --- PageV03P079 ~~*** # وقطع مالك التلبية بالرجوع من عرفات، لأن عمر وعليا وعائشة قطعوا التلبية ~~حين أفاضوا من عرفة. ولا يقف بعد رمي هذه الجمرة لما في البخاري عن الزهري ~~قال: سمعت سالما يحدث عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رمى ~~الجمرة رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم ينحدر أمامها فيقف مستقبل ~~القبلة رافعا يديه يدعو. وكان يطيل الوقوف، ويأتي الجمرة الثانية فيرميها ~~بسبع حصيات يكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف ~~مستقبل البيت ms0616 رافعا يديه يدعو، ثم يأتي الجمرة عند العقبة فيرميها بسبع ~~حصيات يكبر كلما رماها بحصاة، ثم ينصرف ولا يقف عندها. # ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر الثاني عندنا، وهو قول مالك. وأجازه ~~الشافعي لقول ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا ~~ليلا. رواه ابن أبي شيبة في «مسنده»، والطبراني في «معجمه»، ورواه ~~الدارقطني بسند ضعيف من حديث ابن عمر وزاد فيه: وأية ساعة شاؤوا من النهار. # ولنا ما في السنن الأربعة عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقدم ضعفاء أهله بغلس، ويأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع ~~الشمس. وفي «مسند البزار» عن الفضل بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمر ضعفة بني هاشم أن يرتحلوا من جمع بليل ويقول: «أبيني، لا ترموا الجمرة ~~حتى تطلع الشمس». # وفي الطحاوي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر نساءه ~~وثقله أي خدمه صبيحة جمع: أن أفيضوا من أو # --- PageV03P080 ~~*** # ل الفجر بسواد ولا ترموا الجمرة إلا مصبحين. فأثبتنا الجواز بهذا، ~~والفضيلة لما قبله. وما رواه على الليلة الثانية والثالثة فمخصوص بالدعاء. # وفي «مبسوط» شيخ الإسلام: أن ما بعد طلوع الفجر من يوم النحر وقت الجواز ~~مع الإساءة، وما بعد طلوع الشمس إلى الزوال وقت مسنون، وما بعد الزوال إلى ~~الغروب وقت الجواز بلا إساءة، والليل وقت الجواز مع الإساءة. # (ثم ذبح إن شاء) لأن المفرد لا يجب عليه دم، بل يستحب له. وفي حديث جابر: ~~فنحر صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بدنة، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر أي ~~ما بقي من جملة المئة وأشركه في هديه. وقال ابن حبان: والحكمة في أنه صلى ~~الله عليه وسلم نحر ثلاثا وستين بدنة أنه كان له يومئذ ثلاث وستون سنة، ~~فنحر لكل سنة بدنة. وروى ابن ماجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح ~~بقرة عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع. وروى النسائي عن ms0617 عائشة قالت: ذبح ~~عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حجنا بقرة. # (ثم قصر) بأن أخذ من رؤوس شعر رأسه مقدار أنملة، رجلا كان أو امرأة ~~(وحلقه) أي الرجل (أفضل) لتقديمه في الآية {محلقين رؤوسكم ومقصرين}، ولما ~~في الصحيحين من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله ~~المحلقين»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «رحم الله المحلقين»، ~~قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «رحم الله المحلقين»، قالوا: ~~والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «والمقصرين». ولفظ البخاري فلما كان الرابعة ~~قال: «والمقصرين». # --- PageV03P081 ~~*** # وأما قول صاحب «الهداية»: ثم يذبح إن أحب، ثم يحلق أو يقصر لما روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «نسكنا هذا أن نرمي، ثم نذبح، ~~ثم نحلق» فغير معروف. # (وحل له) ما كان محظورا منه (إلا النساء) لما في الصحيحين من حديث عائشة ~~قالت: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن ~~يطوف بالبيت بطيب فيه مسك». والرمي غير محلل من الإحرام عندنا في المشهور، ~~ومحلل عند مالك والشافعي رحمهما الله تعالى وفي غير المشهور عندنا، لما في ~~أبي داود وابن ماجه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا ~~رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء». # وفي «مسند أحمد» عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عشية ~~يوم النحر: «إن هذا يوم رخص لكم إذا رميتم الجمرة أن تحلوا من كل ما حرمتم ~~عنه إلا من النساء». ولقول ابن الزبير: من سنة الحج إذا رمى الجمرة الكبرى ~~حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت. رواه الحاكم في ~~«المستدرك» وقال: على شرط الشيخين . وقول الصحابي: «من السنة» (له) حكم ~~الرفع. ولقول ابن عباس: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، ~~فقال رجل: يا أبا العباس والطيب؟ قال: أما أنا فإني رأيت رسول الله صلى ms0618 ~~الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك. أفطيب هو أم لا؟ رواه ابن ماجه، ~~والنسائي. # --- PageV03P082 ~~*** # ولنا ما في الطحاوي والدارقطني من حديث الحجاج بن أرطأة عن أبي بكر بن ~~عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«إذا رميتم وحلقتم وذبحتم، فقد حل لكم كل شيء إلا النساء». وفي الطحاوي ~~والدارقطني من حديث الحجاج: «وقد حل لكم الثياب والطيب». ثم قال الدارقطني ~~لم يروه غير الحجاج. # وقد نص على ما ذكرنا من حصول التحليل بالرمي عندنا أيضا في كتاب المناسك ~~من «شرح المبسوط» للشيخ المعروف بخواهر زاده. وفي «شرح الجامع الصغير» ~~لقاضي خان بقوله: وبعد الرمي قبل الحلق حل له كل شيء إلا النساء والطيب. ~~وعن أبي يوسف أنه يحل له الطيب أيضا. وروى ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير». رواه أبو داود، ~~وأحمد، وغيرهما. # (ثم طاف للزيارة) وهذا الطواف ركن (يوما من أيام النحر) لقوله تعالى ~~{ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا ~~منها وأطعموا البائس الفقير * ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا ~~بالبيت العتيق} فعطف الطواف على الذبح المؤقت بأيام النحر فيتوقت هو أيضا ~~بها (سبعة) أربعة فرض، وثلاثة واجب (بلا رمي ولا سعي إن كان سعى قبل) أي ~~قبل ذلك بأن كان سعى عقيب طواف القدوم. # --- PageV03P083 ~~*** # (وأول وقته) أي وقت طواف الزيارة (بعد فجر يوم النحر) لأن ما قبله من ~~الليل وقت الوقوف بعرفة، والطواف مرتب عليه (وهو) أي طواف الزيارة (فيه) أي ~~في أول أيام النحر (أفضل) لما في مسلم عن ابن عمر: أنه صلى الله عليه وسلم ~~أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. قال نافع: وكان ابن عمر (يفعل ذلك). # وأما قول صاحب «الهداية». وأفضل هذه الأيام أولها، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم «أفضلها أولها» فغير معروف. وفي حديث جابر الطويل: ثم ركب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأفاض ms0619 إلى البيت فصلى الظهر بمكة. قال بعضهم: ولا ~~شك أن أحد الخبرين وهم. وحيث لا بد من صلاة الظهر في أحد المكانين ففي ~~المسجد الحرام أولى لثبوت مضاعفة الفرائض فيه، والأولى أن يدفع الوهم ويجمع ~~بأنه عليه الصلاة والسلام كان يفيض كل يوم من أيام النحر كما روي، ~~فالاختلاف مبني على تعدده. # (وحل له النساء) بإجماع الأمة كذا ذكره الشارح. لكن محله إذا قدم السعي ~~إذ لا يحل الجماع بل ولا عقد النكاح قبل السعي عند الشافعي، ثم حلهن بالحلق ~~السابق (أو الرمي) بناء على خلاف في ذلك، لا بالطواف إلا أنه أخر عمله في ~~حق النساء لصاحب العذر. # --- PageV03P084 ~~*** # (فإن أخر) الطواف (عنها) أي عن أيام النحر (كره) تحريما، لأنه مؤقت بأيام ~~النحر (ويجب دم) عند أبي حنيفة كما لو أخر رمي الجمار عن وقته، وعندهما لا ~~يجب شيء، لأنه صلى الله عليه وسلم ما سئل عن شيء من أعمال يوم النحر قدم ~~ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج». وأجيب بأن معناه: لا إثم، ولا يلزمه من ~~عدمه عدم الكفارة. # (وبعد زوال ثاني يوم النحر رمى الجمار الثلاث، يبدأ بما يلي المسجد) أي ~~من مسجد الخيف (ثم بما يليه) المسمى بالجمرة الوسطى. # (ثم بالعقبة سبعا وكبر بكل) أي مع كل حصاة يرميها، ووقف بعد كل من ~~الأولين في الموضع الذي يقف فيه الناس، وحمد الله، وأثنى عليه، وهلل وكبر ~~(ودعا) واستغفر لأبويه وأقاربه ومعارفه لما روى البخاري من حديث سالم بن ~~عبد الله، عن أبيه: أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على إثر ~~كل حصاة، ثم يتقدم فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة قياما طويلا، فيدعو ويرفع ~~يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك فيأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل ~~القبلة قياما طويلا، فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن ~~الوادي ولا يقف عندها، ويقول هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل. # --- PageV03P085 ~~*** # وفي رواية لأبي داود عن عائشة أنها قالت: أفاض صلى الله عليه وسلم ms0620 من ~~يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق ويرمي ~~الجمار إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند ~~الأولى والثانية فيطيل القيام، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها. رواه أبو داود. # (ثم غدا) يفعل (كذلك، ثم بعده كذلك) يفعل (إن مكث) قيد بذلك لأنه مخير ~~بين النفر في اليوم الثالث، أو الرابع لقوله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى} (وهو) أي المكث إلى زوال اليوم ~~الرابع (أحب) لتكثر العبادة وتزيد الطاعة، ولما روى أبو داود، وابن ماجه، ~~وابن حبان، والحاكم وقال: على شرط مسلم عن عائشة قالت: أفاض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من آخر يوم حين صلى الظهر أي في اليوم الرابع من أيام ~~منى . وروى الحاكم عن أبي هريرة مرفوعا: «اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له ~~الحاج». وقال: صحيح على شرط مسلم. # (ويسقط) الرمي عنه (بنفره قبل طلوع) فجر (اليوم الرابع) وعن أبي حنيفة، ~~وهو قول الشافعي: ليس له النفر بعد غروب الشمس من اليوم الثالث، لأن النفر ~~في اليوم لا في الليل لقوله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه}، ولو ~~رمى في اليوم الرابع قبل الزوال، صح عند أبي حنيفة مع الكراهة، لأنه خالف ~~السنة، وقالا: لا يصح اعتبارا باليوم الثاني والثالث، وعليه الجمهور من ~~السلف والخلف. # --- PageV03P086 ~~*** # ولأبي حنيفة قول ابن عباس: إذا انتفخ النهار من يوم النفر، فقد حل الرمي، ~~والصدر. والانتفاخ: الارتفاع. لكن في سنده طلحة بن عمرو: ضعفه البيهقي، على ~~أنه إن صح ليس بنص في المدعى كما لا يخفى. وفي قاضيخان: قال أبو حنيفة ~~ومحمد: الرمي كله راكبا أفضل. انتهى. لأنه روي ركوبه صلى الله عليه وسلم ~~فيه كله. وفي «الظهيرية»: يستحب المشي إلى الجمار، وإن ركب إليها فلا بأس ~~به. والمشي أفضل. فكأنه حمل فعل النبي صلى الله عليه وسلم على عذر تقدم في ~~الطواف والسعي. # ثم ترتيب الرمي كما ms0621 ذكرنا، والمبيت بمنى في ليالي الرمي سنتان عندنا، لا ~~واجبان كما قال مالك والشافعي. لهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رتب الرمي ~~وبات بمنى في لياليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «خذوا عني ~~مناسككم». وروى ابن أبي شيبة عن عمر: أنه كان ينهى أن يبيت أحد من وراء ~~العقبة، وكان يأمرهم أن يدخلوا منى. وعن ابن عباس نحوه، وعن ابن عمر: أنه ~~كره أن ينام أحد أيام منى بمكة. # ولنا أن ابن عباس استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيتوتة بمكة ~~في ليالي الرمي للسقاية، فأذن له في ذلك. ولو كان واجبا لما رخص له تركها ~~للسقاية، كذا قالوه. وفيه أن ترك الواجب بعذر مسقط للدم اتفاقا، وقد سبق ~~الإذن للضعفة في ترك الوقوف بمزدلفة، على أنه يحتمل الخصوصية لأهل السقاية، ~~فافهم. والله تعالى أعلم. # --- PageV03P087 ~~*** # وكره تقديم الثقل وهو بفتحتين: متاع المسافر وحشمه زمن الإقامة بمنى ~~للرمي، لما في «مصنف ابن أبي شيبة» عن عمارة: قال عمر: من قدم ثقله من منى ~~ليلة النفر فلا حج له. وعن ابن شرحبيل، عن عمر قال: من قدم ثقله قبل النفر ~~فلا حج له. أي لا كمال لحجه، لأنه يشتغل به قلبه، وربما يمنعه عن إتمام الرمي. # (وإذا نفر) من منى (إلى مكة نزل بالمحصب) بتشديد الصاد المهملة المفتوحة ~~ويقال له: الأبطح، والبطحاء، والخيف، والبطحا، وهو ما بين الجبل الذي عنده ~~المقبرة والجبل الذي يقابل مصعدا في الجانب الأيسر وأنت ذاهب إلى منى ~~مرتفعا عن بطن الوادي، وليست المقبرة من المحصب. # --- PageV03P088 ~~*** # وسن أن يصلي فيه الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ويهجع هجعة، ثم يدخل ~~مكة، لما في البخاري عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ~~والعصر، والمغرب، والعشاء، ورقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به ~~أي طواف الوداع . قال شمس الأئمة في «مبسوطه»: وكان ابن عباس يقول: ليس ~~النزول فيه سنة (ولكنه موضع نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم إتفاقا، وبه ~~قال الشافعي. ms0622 الأصح عندنا أنه سنة، وأنه عليه الصلاة والسلام نزله قصدا. له ~~ما في الكتب الستة من حديث عائشة قالت: إنما نزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المحصب ليكون أسمح لخروجه، وليس بسنة) فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله. ~~وفي مسلم عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لم يأمرني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكن جئت ~~فضربت قبته، فجاء فنزل. قال أبو بكر: وكان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم # --- PageV03P089 ~~*** # ولنا ما في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونحن بمنى: «نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر». وذلك ~~أن قريشا وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب: أن لا ينكحوهم ولا ~~يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني بذلك المحصب ~~. وفي مسلم من حديث نافع عن ابن عمر: أنه كان يرى التحصيب سنة، وكان يصلي ~~الظهر يوم النفر بالمحصب. قال نافع: قد حصب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والخلفاء بعده. والأظهر أن يقال: إنه سنة كفاية، لأن ذلك الموضع لا يسع ~~الحاج جميعهم، وينبغي لأمراء الحاج أن ينزلوا فيه، وكذا غيرهم، ولو ساعة ~~إظهارا للطاعة. # (ثم طاف للصدر) عن البيت، وهو طواف الوداع، ويستحب أن يجعله آخر طوافه ~~(سبعة بلا رمل وسعي) وهو واجب على الآفاقي عندنا، وعند الشافعي في الأصح ~~عنه. وقال مالك: هو سنة، لأنه بمنزلة طواف القدوم. ولنا ما في الصحيحين عن ~~طاوس، عن ابن عباس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف ~~على المرأة الحائض. وفي لفظ لمسلم قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت ~~الطواف». وفي الترمذي والنسائي عن ابن عمر قال: من حج فليكن آخر عهده ~~بالبيت إلا الحيض رخص لهن رسول الله صلى ms0623 الله عليه وسلم ورواه الشافعي في ~~«مسنده» وزاد فيه: وإن آخر النسك الطواف بالبيت. # --- PageV03P090 ~~*** # (ثم شرب من زمزم) مستقبلا متضلعا، ويستقي بيده إن قدر، لما في حديث جابر: ~~فأتى يعني النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم ~~فقال: «انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت ~~معكم، فناولوه دلوا». ولقول ابن عباس: جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~زمزم فنزعنا له دلوا فشرب، ثم مج فيها، ثم أفرغناها في زمزم، ثم قال: ~~«ولولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي». رواه أحمد في («مسنده» والطبراني في) ~~«معجمه». # وذكر ابن سعد في «الطبقات» بسنده عن عطاء، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلما أفاض نزع لنفسه بالدلو يعني من زمزم لم ينزع معه أحد، فشرب منها. ~~وعنه: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه ~~طعام طعمة وشفاء سقم. وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت بقية حضرموت، ~~كرجل الجراد (من الهوام) يصبح يتدفق (ويمسي) لا بلال فيها». رواه الطبراني ~~في «الكبير» ورواته ثقات. وعنه: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ماء زمزم لما ~~شرب له: إن شربته لتستشفي شفاك الله، وإن شربته ليشبعك أشبعك الله، وإن ~~شربته ليقطع ظمأ قطعه الله، وهي هزمة جبرائيل، وسقيا الله إسماعيل». رواه ~~الدارقطني وسكت عنه. وكذا رواه الحاكم مرفوعا. وكان ابن عباس إذا شرب ماء ~~زمزم قال: اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء. رواه ~~الحاكم في «مستدركه» موقوفا. # --- PageV03P091 ~~*** # (وقبل العتبة) المرتفعة عن الأرض تعظيما للكعبة (ووضع وجهه) الشامل ~~بجبهته وخديه وصدره (على الملتزم) وهو ما بين الحجر الأسود والباب. فقد روى ~~البيهقي عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يلزق وجهه، وصدره بالملتزم. والمثنى بن الصباح ~~(ضعيف، لكن هذا من باب الترغيب. ورواه أبو داود أيضا من جهة المثنى بن ~~الصباح) عن ms0624 عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده بأطول من هذا. # (ويتشبث) أي يتعلق (بالأستار) والتصق بالجدار (ودعا مجتهدا) في الاعتذار ~~(ويبكي) ويكثر الاستغفار، ويتعوذ بالملك الجبار العزيز الغفار، لما في «سنن ~~أبي داود» عن عمرو بن شعيب، عن أبيه قال: طفت مع عبد الله فلما جئنا دبر ~~الكعبة قلت: ألا نتعوذ؟ قال: تعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، ~~وقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا، وبسطهما بسطا، ~~ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. ورواه ابن ماجه ~~وقال فيه: عن أبيه، عن جده. قال المنذري: فيكون شعيب وأبو محمد قد طافا مع ~~عبد الله، وهو مضعف بالمثنى بن الصباح. # --- PageV03P092 ~~*** # وكذلك رواه عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب قال: طاف جدي ~~محمد بن عبد الله بن عمرو، مع أبيه عبد الله بن عمرو، فلما كان سابعها قال ~~محمد لعبد الله: ألا نتعوذ إلى آخره. وهذا أصح إسنادا من الأول. وأما تعيين ~~محل الملتزم ففي «شعب الإيمان» للبيهقي عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ما بين الركن والباب ملتزم». وأخرج ابن عدي في «الكامل» عن عكرمة، عن ~~ابن عباس مرفوعا ووقفه عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن عباس. والملتزم من ~~الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء، نقل ذلك عن ابن عباس قال: فوالله ما دعوت ~~قط إلا أجابني. # (ويرجع القهقرى) أي الرجوع إلى الوراء. وقيل: ينصرف ويمشي ويلتفت إلى ~~البيت كالمتحزن على فراقه (حتى يخرج من المسجد) أي من أسفله، قيل: من باب ~~العمرة، وقيل: من باب المروة وهو المشهور بل المأثور. وفي «النوازل»: يقول ~~إذا رجع: تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم ~~الأحزاب وحده، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا ~~الله، اللهم فكما هديتنا لذلك فتقبله منا ولا تجعله آخر العهد بنا، وارزقنا ~~العود إليه حتى ترضى عنا برحمتك يا أرحم الراحمين. # (أحكام خاصة بالمرأة) # --- PageV03P093 ~~*** # (والمرأة كالرجل ms0625 إلا أنها لا تكشف رأسها) لأنه عورة (بل) تكشف (وجهها) ~~لما روى الدارقطني والبيهقي والطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «ليس على المرأة إحرام إلا في وجهها وكفيها». قال ~~الدارقطني: الصواب وقفه على ابن عمر. قال ابن الهمام: وقول الصحابي حجة ~~عندنا إذا لم يخالف، خصوصا فيما لم يدرك. انتهى. لكن يشكل ما في الفروع أن ~~للمرأة أن تلبس القفازين. # (ولو سدلت) أي أرسلت، وفي نسخة: أسدلت (شيئا) أي أرخته (عليه) أي على ~~وجهها (مجافيا) أي مبعدا (عنه) أي عن وجهها (جاز) ذلك السدل، لما روى أبو ~~داود، وابن ماجه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان ركبان يمرون بنا ~~ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا ~~جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. # (ولا تلبي جهرا) لأن صوتها عورة وقد يؤدي إلى فتنة (ولا تسعى بين ~~الميلين) وكذا لا ترمل في الطواف، لئلا ينكشف شيء من بدنها (ولا تحلق) ~~رأسها، لأن حلقه مثلة بها كحلق الرجل لحيته، ولقول علي كرم الله وجهه: نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها. رواه الترمذي ~~والنسائي. (بل تقصر) لقوله صلى الله عليه وسلم «ليس على النساء الحلق، إنما ~~على النساء التقصير». رواه أبو داود من حديث ابن عباس. # --- PageV03P094 ~~*** # (وتلبس المخيط) والخف تحرزا عن الكشف، ولا تقرب الحجر الأسود في الزحام ~~تحرزا عن مماسة الرجال. (وحيضها) وكذا نفاسها (لا يمنع) شيئا من أفعال الحج ~~(إلا الطواف) لما روى البخاري في حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لعائشة حين حاضت بسرف: «تنسكي المناسك كلها غير أن لا تطوفي ولا تصلي ~~حتى تطهري» . وسرف بكسر الراء : موضع قرب مكة فويق التنعيم. ولما في ~~الصحيحين عن عائشة قالت: خرجنا لا نرى إلا الحج فلما كنا بسرف حضت، فدخل ~~علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال: «ما لك أنفست»؟ قلت: ~~نعم، قال: «إن هذا ms0626 أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج غير أن ~~لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». # (من فاته الوقوف بعرفة) # (وفائت الحج) وهو الذي فاته الوقوف بعرفة حتى يطلع الفجر (طاف) وقطع ~~التلبية عند استلام الحجر كالعمرة، لأنه يتحلل بأفعالها (وسعى وتحلل) إن ~~حلق أو قصر. (وقضى) بإحرام جديد (من قابل) ولا دم عليه عندنا. # --- PageV03P095 ~~*** # وقال مالك والشافعي: عليه هدي، لما في «الموطأ» عن سليمان بن يسار: «أن ~~ابن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب رضي الله عنه ينحر هديه فقال: يا ~~أمير المؤمنين، أخطأنا العدة كنا نرى أن هذااليوم يوم عرفة، فقال عمر: اذهب ~~إلى مكة فطف أنت ومن معك، وانحروا هديا إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصروا ~~وارجعوا إن شئتم، فإن جاء عام قابل فحجوا أي قضاء واهدوا . أي قياسا على ~~المحصر. {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم}. # ولنا ما روى الدارقطني من حديث ابن عباس وابن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من وقف بعرفة بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد ~~فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل». ولم يذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم الهدي، ولو كان واجبا لذكره. وما روي عن عمر محمول عندنا على ~~الاستحباب. # ثم عند أبي حنيفة ومحمد أصل إحرامه باق ويتحلل بأفعال العمرة. وعند أبي ~~يوسف ينقلب إحرامه للعمرة، لأن أفعال العمرة بإحرام غيرها غير متصور. ولهما ~~أن قلب إحرام الحج للعمرة غير ممكن. ولو كان فائت الحج قارنا طاف طوافين ~~وسعى سعيين إن فاته الحج قبل أن يؤدي العمرة، وإلا فهو كالمفرد. # --- PageV03P096 ~~*** # هذا، وقال في «الهداية»: ومن قلد بدنة تطوعا، أو نذرا، أو جزاء صيد، أو ~~شيئا من الأشياء وتوجه معها يريد الحج فقد أحرم، لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«من قلد بدنة فقد أحرم». وفيه أن هذا اللفظ رفعه غير معروف. ورواه ابن أبي ~~شيبة عن ابن عمر من قوله: من قلد بدنة فقد ms0627 أحرم». وعن ابن عباس أيضا من ~~قوله: من قلد وأحلل أو أشعر فقد أحرم. نعم روى الطحاوي بسنده عن جابر بن ~~عبد الله قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد فقد قميصه ~~من جيبه حتى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم (أو) تشعر على كذا ~~وكذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي». وكان يبعث ببدنه ~~وأقام بالمدينة. # والحديث ضعيف باتفاق المحققين، ومعارض لما صح عند المحدثين، فروى الشيخان ~~عن عائشة أنها قالت: (أنا) فتلت قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم فبعث ~~بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحل الله له ~~حتى نحر الهدي. ذكرته ردا على ابن عباس في قوله: من أهدى هديا حرم عليه ما ~~يحرم على الحاج حتى ينحر هديه. والله أعلم. # فصل (في القران) # --- PageV03P097 ~~*** # القران أفضل مطلقا، أي مما عداه وهو الإفراد والتمتع. وقال مالك والشافعي ~~في قول لهما: الإفراد أفضل مطلقا. وقال أحمد: التمتع أفضل مطلقا، وهو قول ~~مالك، لما في «الصحيحين» عن ابن عمر قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، ~~وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج فتمتع الناس ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى ~~فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال ~~للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه، ومن ~~لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل، ثم ليهل ~~بالحج». وفيهما عن ابن عمر أيضا قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يلبي بالحج ولبينا معه، فلما قدم أمر من لم يكن معه الهدي أن يجعلوها ms0628 عمرة. # --- PageV03P098 ~~*** # وفيهما أيضا عن ابن عباس قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر ~~الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرا يقولون: أذا برأ الدبر، وعفا الأثر، ~~وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك ~~عندهم، فقالوا: يا رسول الله: أي الحل؟ قال: «الحل كله». وفيهما أيضا عن ~~عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج، ~~فلما قدمنا تطوفنا بالبيت، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن ~~ساق الهدي أن يحل، فحل من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن فأحللن. # وفي مسلم عن سعيد قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ بالحج ~~صراخا، حتى إذا طفنا بالبيت قال: اجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي، قال: ~~فجعلناها عمرة، فلما كان يوم التروية خرجنا بالحج، فانطلقنا إلى منى. وفي ~~«الصحيحين» من حديث أبي موسى الأشعري قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أرض قومي، فلما حضر الحج حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحججت، ~~فقدمت عليه وهو نازل بالأبطح، فقال: «بما أهللت يا عبد الله بن قيس؟» قال: ~~قلت: لبيك (بحج كحج) رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحسنت»، ثم قال: ~~«هل سقت هديا؟» فقلت: ما فعلت، قال: «اذهب فطف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ~~ثم احلل»، فانطلقت ففعلت ما أمرني وأتيت امرأة من قومي فغسلت رأسي بالخطمي ~~وفلته، ثم أهلت بالحج يوم التروية. # --- PageV03P099 ~~*** # ولمالك والشافعي ما في «الصحيحين» عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أفرد بالحج. انتهى بلفظ مسلم بطوله والبخاري. وفيهما عن ابن عمر قال: ~~أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا. وفي لفظ: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا. وفي مسلم عن جابر قال: أقبلنا ~~مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا. وفيهما ms0629 من حديث جابر ~~قال: أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج خالصا لا يخالطه شيء. ~~فقدمنا مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة وطفنا وسعينا، ثم أمرنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن نحل، وقال: «لولا هديي لحللت»، ثم قام سراقة بن مالك ~~فقال: يا رسول الله أرأيت متعتنا هذه، لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال صلى الله ~~عليه وسلم «بل للأبد». # قال «البرماوي»: قوله: «لولا هديي لحللت» هذا معلل بقوله تعالى: {ولا ~~تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}، وفسخ الحج إلى العمرة يقتضي التحليل ~~بالحلق بعد الفراغ من العمرة، ولو تحلل لحصل الحلق قبل بلوغ الهدي محله ~~وهو منى يوم النحر. انتهى. والمعنى: بلوغ هدي الحج، ومحله أرض الحرم ~~مطلقا، وإنما ذكر منى، لأنه أفضل أماكنه في هدي (الحج، كما أن المروة أفضل ~~أماكن هدي) العمرة. فتأمل. ثم قوله: «أرأيت متعتنا هذه» أي إتيان العمرة في ~~أشهر الحج حتى صار تمتعا لا فسخ الحج إلى العمرة، لأنه ليس للأبد بل خاص ~~لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عند الجمهور خلافا لأحمد. # --- PageV03P100 ~~*** # ولنا ما في «الصحيحين» من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة يقول: «لبيك حجة وعمرة». ~~وفيهما واللفظ لمسلم عن بكر بن عبد الله المزني، عن أنس قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا. قال بكر: فحدثه بذلك ~~ابن عمر قال: لبى بالحج وحده، فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس: ما ~~تعدوننا إلا صبيانا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لبيك عمرة ~~وحجا». وفيهما أيضا: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لبيك عمرة ~~وحجا». وفيهما عن أنس أيضا قال: اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم أربع عمر ~~كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من ~~العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة من حيث قسم غنائم ms0630 حنين في ذي ~~القعدة، وعمرة مع حجته أي مقرونة . # وفيهما عن سعيد بن المسيب قال: اختلف علي وعثمان وهما بعسفان في المتعة، ~~فقال له علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال له عثمان: دعنا منك، فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا. هذا لفظ ~~البخاري. ولفظ مسلم: اجتمع علي وعثمان بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة، ~~فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه، ~~فقال عثمان: دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى علي ذلك أهل ~~بهما جميعا. # --- PageV03P101 ~~*** # وفي «سنن النسائي» عن مروان بن الحكم: كنت جالسا عند عثمان فسمع عليا ~~يلبي بحج وعمرة فقال: ألم تكن تنهى عن هذا؟ (فقال:) بلى، ولكني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا، فلم أدع فعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لقولك. وفي البخاري عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول وهو بالعتيق : «أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في ~~هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة». زاد في لفظ: يعني ذا الحليفة. وفي ~~الطحاوي عن أم سلمة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أهلوا يا آل ~~محمد بعمرة وحجة». # وفي ابن ماجه عن ابن عباس قال: أخبرني أبو طلحة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جمع بين الحجة والعمرة. وفي أبي داود عن مجاهد قال: سئل ابن عمر: ~~كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مرتين، فقالت عائشة: لقد علم ~~ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتمر ثلاثا سوى التي (قرنها) ~~بحجة الوداع. وفي رواية لأبي داود والنسائي عن علي كرم الله وجهه قال: أتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «كيف أهللت؟» قلت: بإهلالك، فقال: «إني سقت ~~الهدي وقرنت». # --- PageV03P102 ~~*** # ولنا أيضا ظاهر قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله}، فإن إتمامهما أن ~~يحرم بهما ms0631 من دويرة أهله. كذا فسره الصحابة، وهو القران. وروى أحمد، ~~والنسائي، وابن ماجه عن صبي بن معبد التغلبي قال: كنت رجلا نصرانيا فأسلمت، ~~فأتيت رجلا من عشيرتي يقال له: هذيم بن ثرملة فقلت: يا هناه، إني حريص على ~~الجهاد، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي، فكيف لي بأن أجمع بينهما؟ ~~فقال: اجمعهما واذبح ما تيسر من الهدي، فأهللت بهما، فلما أتيت العذيب ~~لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما معا، فقال أحدهما للآخر: ~~ما هذا بأفقه من بعيره. وفي رواية: لهذا أضل من بعير أهله قال: فكأنما ~~حمل علي بكلمتهما جبل، فقدمت على عمر بن الخطاب فأخبرته، فأقبل عليهما ~~فلامهما، وأقبل علي وقال: هديت سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم # --- PageV03P103 ~~*** # ورواه أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الصبي بن معبد ~~قال: اقبلت من الجزيرة حاجا قارنا، فمررت بسليمان بن ربيعة وزيد بن صوحان ~~وهما منيخان بالعذيب، فسمعاني أقول: لبيك بعمرة وحجة معا، فقال أحدهما: هذا ~~أفضل من بعيره، وقال الآخر: هذا أضل من كذا وكذا. فمضيت حتى إذا قضيت نسكي ~~مررت بأمير المؤمنين عمر، فساقه إلى أن قال فيه: قال يعني عمر : فصنعت ~~ماذا؟ قال: مضيت فطفت طوافا لعمرتي، وسعيت سعيا لعمرتي، ثم عدت ففعلت مثل ~~ذلك لحجي، ثم بقيت حراما ما أقمنا أصنع كما يصنع الحاج حتى قضيت آخر نسكي، ~~قال: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ولأن في القران جمعا بين ~~العبادتين، فكان كالصوم مع الاعتكاف، والجهاد في سبيل الله مع صلاة الليل. # وفي «شرح مسلم»: اختلفت روايات الصحابة في صفة حجه صلى الله عليه وسلم في ~~حجة الوداع: هل كان قارنا، أو مفردا، أو متمتعا؟ وطريق الجمع أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان أولا مفردا ثم صار قارنا، فمن روى الإفراد روى أول الأمر، ~~ومن روى القران اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي وهو ~~الارتفاق أي الانتفاع الأخروي بأداء النسكين في سفر واحد. انتهى. # وقد ms0632 وضع ابن حزم كتابا في أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا في حجة ~~الوداع، وتأول باقي الأحاديث. # --- PageV03P104 ~~*** # وفي «المبسوط»: وأهل الحديث جمعوا رواة نسك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فكانوا ثلاثين نفرا: عشرة منهم يروون أنه كان قارنا، وعشرة أنه كان مفردا، ~~وعشرة أنه كان متمتعا فنوفق بين هذه الروايات فنقول: لبى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أولا بالعمرة فسمعه بعض الناس، ثم رواه. ثم لبى بعد ذلك ~~بالحج فظنوا أنه كان متمتعا فنقلوا كما وقع عندهم. ثم لبى بعد ذلك بالحج ~~فسمعه قوم آخرون، فظنوا أنه مفرد بالحج. ثم لبى بهما فسمعه قوم آخرون، ~~فعلموا أنه قارن. فكل نقل ما وقع عنده. والله أعلم. وأما قول صاحب ~~«الهداية» خلافا للشافعي لقوله عليه الصلاة والسلام: «القران رخصة» فغير ~~معروف. نعم، أخرجه الدارقطني عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ~~في عمرتها التي اعتمرتها: «إنما أجرك في عمرتك على قدر نصبك». # (وهو) أي القران لغة: الجمع، مصدر قرن (بين) الشيئين نحو كتب كتابا. ~~وشرعا: (أن يهل) أي يحرم (بحج وعمرة من ميقات) من المواقيت، ولم يرد به ~~الاحتراز عن أن يهل بعمرة وحج قبل الميقات أو بعده، فإن الآفاقي إذا أهل ~~بهما قبل الميقات أو بعده ولو بمكة يكون قارنا لكنه مسيء، وإنما أراد به ~~بيان أن القارن لا يكون إلا آفاقيا ولو تقديرا، وكذا لم يرد بقوله (معا) ~~الاحتراز، وإنما أراد به بيان الأولى والأصل، حتى لو أحرم بعمرة من ~~الميقات، ثم أحرم بحجة قبل أن يطوف أربعة أشواط من العمرة، أو أحرم من ~~الميقات بحجة، ثم أحرم بعمرة قبل أن يطوف كان قارنا، وهو قول الشافعي لفعله ~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. # --- PageV03P105 ~~*** # (ويقول) عقيب صلاة سنة الإحرام: (اللهم إني أريد الحج والعمرة) وفي نسخة ~~بتقديم العمرة وهو أولى لسبق فعلها (إلى آخره) أي فيسرهما لي وتقبلهما مني. ~~(وطاف للعمرة سبعة أشواط) مضطبعا فيها (يرمل للثلاثة الأول) ويصلي بعد ~~الطواف ركعتيه (ويسعى) ms0633 بين الصفا والمروة، ويهرول بين الميلين. # ومن شرائط صحة القران أن يطوف للعمرة كله أو أكثره في أشهر الحج. لا ~~يتحلل القارن بعد عمرته. فلو طاف وقصر كان جناية على إحرام الحج وإحرام ~~العمرة، فيجب عليه دمان، لأن تحلل القارن من العمرة إنما هو يوم النحر. # (ثم يحج كما مر) في المفرد فيبدأ بطواف القدوم بلا رمل واضطباع إلا إذا ~~أراد تقديم سعي الحج على وقته الأصلي وهو كونه بعد طواف الفرض. وإنما يقدم ~~القارن أفعال العمرة على أفعال الحج، لأن الله تعالى ذكره في قوله: {فمن ~~تمتع بالعمرة إلى الحج} بعد حرف الغاية المقتضي (لانتهاء) ما قبله بما ~~بعده. فإن قيل: الآية في التمتع، أجيب بأن القران بمعناه، فألحق به في ~~مقتضاه، لأن كلا منهما ترفق بأداء النسكين في سفر واحد. # --- PageV03P106 ~~*** # وقال مالك والشافعي وأحمد: يطوف القارن طوافا واحدا عن عمرته وقدوم حجه، ~~ويسعى سعيا واحدا عن عمرته وحجه، لما في حالصحيحينخ عن نافع عن ابن عمر: ~~أنه أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم ~~قتال وإنا نخاف أن يصدوك، فقال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، إذا ~~أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، ثم ~~خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء وقال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد، أشهدكم ~~أني قد أوجبت حجا مع عمرتي، وأهدى هديا اشتراه بقديد: وهو مصغر موضع بين ~~مكة والمدينة، ولم ينحر ولم يحلل من شيء حرم منه، ولم يحلق ولم يقصر حتى ~~كان يوم النحر، فنحر وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. ~~فقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم # ولقوله صلى الله عليه وسلم «هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده هدي ~~(فليحل) الحل كله، وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة». رواه مسلم، ~~وأبو داود، والنسائي. ولقوله صلى الله عليه وسلم «من أحرم بالحج والعمرة ~~أجزأه ms0634 طواف واحد، وسعي واحد». رواه الترمذي وقال: حسن غريب. ولقول ابن ~~عباس: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا ~~طوافا واحدا لعمرتهم وحجهم. رواه ابن ماجه. # --- PageV03P107 ~~*** # ولنا ما رواه النسائي في «السنن الكبرى» من حديث حماد بن عبدالرحمن ~~الأنصاري، عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية قال: طفت مع أبي وقد جمع بين الحج ~~والعمرة، فطاف طوافين وسعى سعيين، وحدثني أن عليا فعل كذلك، وحدثه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. فإن حماد بن عبد الرحمن هذا ضعفه الأزدي. ~~أجيب بأن ابن حبان وثقه، فلا ينزل حديثه عن الحسن. وما أخرجه الدارقطني عن ~~عمران بن حصين: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف طوافين، وسعى سعيين. # وما في «مصنف ابن أبي شيبة» عن زياد بن مالك أن عليا وابن مسعود قالا في ~~القارن: يطوف طوافين، ويسعى سعيين. وما روى محمد بن الحسن في «الآثار» عن ~~أبي حنيفة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن أبي نصر السلمي، عن ~~علي بن أبي طالب قال: إذا أهللت بالحج والعمرة فطف لهما طوافين، واسع لهما ~~سعيين بين الصفا والمروة، قال منصور: فلقيت مجاهدا وهو يفتي بطواف واحد لمن ~~قرن فحدثته بهذا الحديث فقال: لو كنت سمعته لم أفت إلا بطوافين، وأما بعد ~~فلا أفتي إلا بهما. انتهى. وبه قال ابن مسعود، والشعبي، والنخعي، وجابر بن ~~زيد، وعبد الرحمن بن الأسود، والثوري، والحسن بن صالح. # وأما ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم «دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة». فمعناه أن العمرة لا بأس بها في أشهر الحج كما قال الترمذي، ~~فمعنى التداخل المذكور في الحديث: الوقت، أي دخل وقت العمرة في وقت الحج ~~على معنى أنهما يؤديان في وقت واحد، وأيضا لا تداخل في العبادات، وإنما ~~التداخل فيما يندرىء بالشبهات. # --- PageV03P108 ~~*** # (وذبح) وجوبا (للقران بعد رمي يوم النحر) قبل الحلق في الحرم وأيام ~~النحر. ويسن أن يذبح بمنى شاة أو سبع بعير، أو بقرة ms0635 لقوله تعالى: {فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي}، (والهدي ما يهدى) إلى الحرم من شاة ~~أو بقرة أو بعير، ولما في «الصحيحين» من حديث جابر (قال): حججنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة. ونمنع ~~نحن ومالك ذبحه قبل يوم النحر لكونه دم شكر عندنا، فيختص بيوم النحر ~~كالأضحية. وأجازه الشافعي بناء على كونه دم جبر عنده. # (وإن عجز القارن) عن الهدي بأن لا يكون في ملكه عن كفافه قدر ما يشتري به ~~الدم ولا هو في ملكه (صام ثلاثة أيام) يستحب تواليها (و) أن يكون (آخرها ~~يوم عرفة) بأن يصوم السابع والثامن والتاسع، وهذا بيان الأفضل، لأنه غاية ~~ما يمكن في التأخير لاحتمال القدرة على الأصل وهو الهدي، ويجوز أن يصومها ~~قبل السابع إذا كان قد أحرم بالعمرة، ويكون في أشهر الحج وينوي من الليل. ~~وعند الشافعي لا يجوز أن يصومها حتى يحرم بالحج، وأما قبل إحرام العمرة، ~~فلا يجوز بالإجماع. # --- PageV03P109 ~~*** # (وسبعة بعد حجه) أي فراغ أعماله (أين شاء) ولو بمكة من غير نية الإقامة ~~لقوله تعالى: {وسبعة إذا رجعتم}، أي من منى إلى مكة. والصحيح من مذهب ~~الشافعي أن المراد الرجوع إلى الأهل. وعن مالك قولان. وقال ابن الهمام: أي ~~إذا فرغتم من أعمال الحج، فإن الفراغ سبب الرجوع، ففيه ذكر المسبب وإرادة ~~السبب. والدليل على إرادة المجاز أن الإجماع على أنه لو استمر على السياحة، ~~وجب عليه صومها بهذا النص، ولا يتحقق في حقه سوى الرجوع عن الأعمال، فعلم ~~أن المراد الرجوع عنها، سواء قصد وطنه أو لا. ثم لو قدر القارن (على) الهدي ~~بعد صوم الثلاثة قبل التحلل وجب عليه الذبح، ولو قدر عليه بعد التحلل لا ~~يجب عليه الذبح. # (فإن فاتت الثلاثة) بأن جاء يوم النحر ولم يصمها بتمامها (تعين الدم) ولم ~~يجزئه الصوم، لأنه جعل خلفا عن الدم على خلاف القياس، فيراعى ما ورد فيه، ~~وهو الوقوع قبل يوم النحر. # وأجاز الشافعي صومها بعد ms0636 أيام التشريق، لأنه صوم مؤقت فيقضى. وأجازه مالك ~~فيها غير يوم النحر لقوله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} وهذا وقته، ~~لأن طواف الزيارة يتأدى فيها، ولقول عائشة وابن عمر : لم يرخص في أيام ~~التشريق أن يصوم إلا من لم يجد الهدي. رواه البخاري. وفيه عن ابن عمر أنه ~~قال: الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هديا ولم ~~يصم، صام أيام منى. # --- PageV03P110 ~~*** # ولنا إطلاق النهي المشهور عن الصيام في هذه الأيام، وقول عمر لمن قال: ~~إني تمتعت بالعمرة إلى الحج: اذبح شاة، قال: ما معي شيء؟ قال: سل أقاربك، ~~قال: ما ههنا أحد منهم، فقال: يا مغيث أعطه قيمة شاة. ذكره في «المبسوط». ~~ولو لم يقدر على الهدي تحلل، وعليه دمان: دم للقران، ودم لتحلله قبل الذبح. ~~هكذا قالوا، وفيه بحث، إذ الترتيب واجب عن من يقول به، وهو يسقط بالعذر. ~~ولو لم يدخل القارن مكة ووقف بعرفة بعد الزوال، فعليه دم جبر لرفض العمرة، ~~سواء نوى رفضها أم لا، وعليه قضاؤها، وبطل عنه دم القران، لأنه لما ارتفعت ~~العمرة لم يوفق بأداء النسكين، فصار كالمفرد لا دم عليه. # (فصل في التمتع) # (والتمتع أفضل من الإفراد) لأن فيه جمعا بين العبادتين، ودما للنسك كما ~~في القران، فيكون أفضل من الإفراد. وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~المحرمين بالحج أن يتحللوا عنه ويجعلوه عمرة إشارة إلى أن التمتع أفضل من ~~الإفراد. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن الإفراد أفضل من التمتع، لأن المتمتع ~~وقع سفره للعمرة، بدليل أنه بعد الفراغ منها يصير كالمكي في حق الإحرام، ~~والحج فرض والعمرة سنة، والسفر (الواقع) للفرض أعلى من السفر للسنة. ~~والظاهر أن الإفراد إنما يكون أفضل من التمتع، إذا أتى بعمرة مفردة بعده، ~~وإلا فلا شبهة أن العبادتين أفضل من عبادة واحدة، ولذا قال محمد: حجة ~~كوفية، وعمرة كوفية أفضل عندي من القران. # (وهو) أي التمتع لغة: الانتفاع، مأخوذ من المتاع. # --- PageV03P111 ~~*** # وشرعا: (أن يحرم) الآفاقي ليكون على ms0637 الوجه المسنون (بعمرة من الميقات) ~~وجوبا، أو من مكان قبله وهو أفضل أو بعده، ويجب عليه حينئذ دم (في أشهر ~~الحج) أو يحرم بعمرة قبل الأشهر ، ويطوف لها في الأشهر أربعة أشواط أو أكثر ~~(ويطوف، ويسعى، ويحلق أو يقصر) إن لم يكن ساق هديا وقد حل من إحرامه، أو ~~يبقى على إحرامه حتى يحرم بالحج يوم التروية، ويتحلل من الإحرامين بالحلق ~~يوم النحر. # (ويقطع التلبية في أول طوافه) باستلام الحجر الأسود، ونحوه من أنواع ~~شروعه، لا عند مشاهدته للبيت كما قال مالك، وهو مروي عن عمر رضي الله عنه. ~~ولنا ما رواه أبو داود، وصححه الترمذي من (حديث عطاء عن) ابن عباس: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر. # (ثم أحرم بالحج يوم التروية) من الحرم لأنه صار مكيا، وميقات المكي في ~~الحج الحرم (وقبله) عندنا وعند مالك (أفضل) لما فيه من المسارعة إلى ~~الطاعة. وقال أصحاب الشافعي في غير واجد الهدي: إن المستحب له أن يحرم ~~بالحج قبل السادس، والأفضل لسائق الهدي أن يحرم بالحج يوم التروية قبل ~~الزوال، لما روى جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توجهتم إلى منى ~~رائحين فأهلوا بالحج». وذلك يكون يوم التروية قبل الزوال. # --- PageV03P112 ~~*** # (وحج كالمفرد) ورمل في طواف الزيارة، لأنه أول طواف في حجه وسعى بعده ~~نفلا ورمل وسعى. ولو أحرم بالحج وطاف (نفلا ورمل وسعى) قبل رواحه إلى منى ~~لا يرمل في طواف الزيارة ولا يسعى بعده (وذبح) لما ذكرنا في القران، بل هو ~~النص في القرآن. # (وإن عجز) عن الهدي (صام كالقارن) كمية وكيفية من غير فرق بينهما، إلا ~~أنه إن صام الثلاثة بعد إحرام العمرة ولو قبل الطواف لها جاز. ولم يجز مالك ~~والشافعي صومها قبل أن يحرم بالحج لظاهر قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ~~ثلاثة أيام في الحج}، ومن صام قبل أن يحرم بالحج لا يكون صومه في الحج. # ولنا أنه أداه بعد انعقاد سببه، وهو الإحرام بالعمرة، ms0638 لأن تحقق سبب الهدي ~~إنما هو بإدخال العمرة على الحج في أشهره، لا بشروعه في الحج، فيجوز الصوم ~~بعد انعقاد السبب، كجواز التكفير بعد جرح الصيد قبل موته. والمراد بالحج ~~المذكور في النص وقته، لأن نفسه لا يصلح ظرفا، لأنه عبارة عن الأفعال، ~~والفعل لا يصلح أن يكون ظرفا للفعل. ولو صام ثلاثة من شوال ثم اعتمر لم يجز ~~عن الثلاثة اتفاقا، لأن سبب وجوب هذا الصوم التمتع لأنه بدل عن الهدي، وهو ~~في هذه الحالة غير متمتع لا حقيقة ولا حكما، فلا يجوز أداؤه قبل وجود سببه. # --- PageV03P113 ~~*** # (فإن أحرم) المتمتع (بسوق الهدي) بأن قلد بدنة نفل، أو نذر، أو جزاء صيد، ~~أو جناية كانت عليه في السنة الماضية وتوجه معها يريد الحج. والأظهر أن لفظ ~~«بسوق» بالموحدة أي مصاحبا بسوق الهدي متلبسا به، ويحتمل أن يكون بالمثناة ~~التحتية أي حال كونه يسوق الهدي، والسوق أفضل من القود إلا أن لا يساق ~~فيقوده. # والتقليد وهو جعل مزادة: أي قطعة من أدم، أو نعل، أو لحاء شجرة في عنقه ~~أفضل من التجليل لقوله تعالى: {ولا الهدي ولا القلائد}، والجمع بينهما حسن. ~~وأما الإشعار وهو أن يطعن بالرمح في أسفل سنام البدنة من يسارها أو يمينها ~~حتى يخرج الدم، ثم يلطخ به سنامها فقيل: مكروه، وقيل: مسنون، لقول ابن ~~عباس: صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقة وفي ~~لفظ: ببدنة فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها، وقلدها نعلين. ~~الحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري. # (وهو) أي إحرام المتمتع بسوق الهدي (أفضل) منه بغير سوق، لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أهدى مئة من الإبل. والجملة حالية معترضة بين الشرط وجوابه ~~وهو قوله: (لا يتحلل) أي يبقى على إحرامه للعمرة حتى يتحلل من حجه وإن حلق ~~لم يتحلل من إحرامه، ولزمه دم، وهو قول أحمد. وقال مالك والشافعي: إذا طاف ~~وسعى وحلق، حل من عمرته قياسا على من لم يسق الهدي. # --- PageV03P114 ~~*** # ولنا ما في «الصحيحين» من حديث ms0639 ابن عمر قال: تمتع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهدي من ذي ~~الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج ~~فتمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من ~~أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مكة قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحلل من شيء حرم منه حتى يقضي ~~حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل». # (ثم يحرم) ثانيا (بالحج كما مر) في المتمتع الذي لا يسوق الهدي. # (فصل في أحكام المكي ومن بمعناه) # (والمكي) ومن بمعناه من أهل داخل الميقات وإن كان مسيرة سفر. وقد اختلف ~~العلماء في حاضري المسجد الحرام، فقال مالك: هم أهل مكة خاصة. وقال ~~الشافعي: هم أهل مكة ومن يكون منزله من مكة على مسيرة لا يجوز فيها قصر ~~الصلاة (يفرد فقط) ولا يتمتع ولا يقرن، لما صح عن عمر: ليس لأهل مكة تمتع ~~ولا قران. ومع هذا، فمن تمتع منهم أو قرن صح وكان مسيئا وعليه دم جبر ~~لإساءته، ومن حكم هذا الدم أن لا يقوم الصوم مقامه حال العسرة. # --- PageV03P115 ~~*** # وقال الشافعي: يتمتع المكي ويقرن، لأن قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى ~~الحج فما استيسر من الهدي} يشمل المكي كما يشمل غيره. ولنا أن هذه الآية ~~مخصوصة بغير المكي ومن بمعناه، لأن الإشارة فيها للتمتع المفهوم. من قوله ~~تعالى: {فمن تمتع بالعمرة} وليست للهدي والصوم كما قال به الشافعي، وإلا ~~لقيل «ذلك على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام»، لأن الهدي وبدله أعني ~~الصوم واجب على المتمتع، والواجب يستعمل فيه «على» لا «اللام». # ولو خرج المكي إلى الكوفة مثلا فقرن صح، لأن عمرته وحجته ميقاتيتان، وصار ~~بمنزلة الآفاقي، ولزمه دم شكر. ولو تمتع لا يصح، لأنه إذا تحلل بالعمرة صار ~~من أهل مكة، فيصير الحج من وطنه ms0640 ولا يكون بناء على سفر سابق. فعلم أن عدم ~~الإلمام شرط لصحة التمتع، فينتفي بانتفائه. ويؤيده ما روى الطحاوي عن سعيد ~~ابن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والنخعي: أن المتمتع إذا رجع إلى أهله ~~بعد العمرة بطل تمتعه. وكذا حكاه الرازي في «أحكام القرآن»، وهو قول مالك ~~والشافعي أيضا. # --- PageV03P116 ~~*** # وفي «الأسرار»: والمكي يعتمر في أشهر الحج ولا يكره له، ولكن (لا) يدرك ~~فضيلة التمتع، لأن الإلمام يقطع متعته كما يقطع متعة الآفاقي إذا رجع بين ~~النسكين إلى أهله. انتهى. وهذا صريح في أن المكي لو اقتصر على عمرة مفردة ~~في أشهر الحج ولم يحج في تلك السنة لا تكون مكروهة بلا خلاف، ومن ادعى خلاف ~~ذلك كابن الهمام فقد أبطلناه في غير هذا المقام، وبينا أنه غير موافق ~~للرواية ولا للدراية. ومن الأدلة على ذلك ما روى البيهقي عن معاذة العدوية، ~~عن عائشة قالت: العمرة في السنة كلها إلا أربعة أيام: يوم عرفة، ويوم ~~النحر، ويومان بعد ذلك. وروى الإمام الأعظم رحمه الله بإسناده عن عائشة ~~قالت: لا بأس بالعمرة في أي شهر شئت ما خلا خمسة أيام: يوم عرفة، ويوم ~~النحر، وأيام التشريق. # ثم الآفاقي إذا أتى بعمرة في أشهر الحج وتحلل منها، ثم عاد إلى وطنه، ثم ~~حج في عامه بطل تمتعه إن لم يكن ساق معه هديا، فلا يلزمه دم، لأنه ألم ~~بأهله فيما بين النسكين إلماما صحيحا، وبذلك يبطل التمتع، كذا روي عن عمر ~~وابنه وابن عباس. وقد ذكرنا من تبعهم من التابعين، وهذا لأن حد التمتع ليس ~~بصادق عليه حيث أنشأ لكل نسك سفرا من أهله، والمتمتع من يترفق بأداء ~~النسكين في سفر واحد. وإن ساق الهدي، أو أخر الحلق، أو ترك أربعة أشواط من ~~الطواف لم يبطل تمتعه عندنا، خلافا لمالك والشافعي ومحمد، لأنه لم يجمع بين ~~النسكين في سفر واحد (لانتهاء) سفره الأول بإلمامه بأهله. # --- PageV03P117 ~~*** # ولأبي حنيفة وأبي يوسف: أن إلمامه بأهله ليس بإلمام صحيح لبقاء إحرامه، ~~لأن سوق الهدي يمنعه من التحلل، والعود ms0641 ليحلق في الحرم وليأتي بالطواف واجب ~~عليه، فجرى وجود هذا السفر مجرى عدمه لعدم استحكامه، فكأنه لم يزل بمكة إلى ~~أن حج. وإن أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج وطاف أقل السبعة، ثم أتمها في ~~الأشهر وحج، يكون متمتعا عندنا، وهو قول مالك، لأن الإحرام بالعمرة وإن حصل ~~قبل الأشهر لكنه شرط عندنا، وإنما يعتبر أداء الأركان في أشهره، وأكثر ~~أفعال العمرة باقية مؤداة في أشهره، وللأكثر حكم الكل، فكان جامعا بين ~~العبادتين، فكان متمتعا. # ونفاه الشافعي بناء على أن الإحرام ركن عنده. وعلماؤنا والشافعي أبطلوا ~~التمتع إن طاف الأكثر قبل الأشهر، وأجازه مالك، لأن تمام العمرة بالتحلل ~~منها، وهو واقع في أشهره، فيكون جامعا بين النسكين باعتبار تمام العمرة. # قلنا: إنه ليس بجامع بينهما في الأشهر لا حقيقة وهو ظاهر ، ولا حكما، ~~لأن الأكثر قد وجد في غير الأشهر، وللأكثر حكم الكل. # ويمضي المحرم فيما أفسد من حج أو عمرة بخلاف الصلاة والصوم، لأنه لا ~~يمكنه الخروج عن عهدة الإحرام إلا بالأفعال، فإن كان متمتعا سقط دم المتعة، ~~لأنه لم يوفق بأداء النسكين الصحيحين في سفر واحد. ولو أحرم شخص بنسكين ~~كحجتين أو عمرتين لزماه عندنا، وألزم محمد وزفر بنسك واحد كمالك والشافعي، ~~لأن الإهلال للشروع في الأداء، وأداؤهما معا غير ممكن، ثم ارتفاض أحد ~~الإحرامين يتأخر إلى زمن التوجه للأداء عند أبي حنيفة في ظاهر الرواية، ~~وإلى زمن الشروع في أحد النسكين في رواية. ويحكم أبو يوسف بالارتفاض عقيب ~~الإحرام بهما بلا مهلة. # --- PageV03P118 ~~*** # ولو أحرم بحجة أخرى يوم النحر قبل الحلق لزمته الحجة اتفاقا، وعليه دم ~~عند أبي حنيفة، قصر لأجل الخروج من الإحرام الأول أو لا، احتراما للإحرام ~~الثاني، وخصا لزوم الدم بالتقصير، وهذا بناء على ما قدمنا في أول الكتاب من ~~وجوب التحلل في أيام النحر عنده، وعدمه عندهما. # ولو أحرم بعمرة بعد الفراغ من الأولى قبل التقصير لزمه دم لإحرامه قبل ~~الوقت، لأن وقته بعد الحلق عن الأولى، لأن الجمع بين إحرامي الحج أو إحرامي ~~العمرة ms0642 بدعة. ولم يذكر محمد دما في الجمع بين الحجتين في «الجامع الصغير»، ~~وذكره في الجمع بين العمرتين، وأوجبه في مناسك «المبسوط»، فجعل بعض المشايخ ~~فيه روايتين، وذكر بعضهم أنه لا فرق بينهما. وسكوته في «الجامع» ليس نفيا ~~بعد وجود الموجب، لأن الموجب له في العمرتين وهو عدم المشروعية ثابت في ~~الحجتين. # فصل في الجنايات # الجناية: فعل محرم، والمراد هنا خاص منه، وهو ما يكون حرمته بسبب الإحرام ~~أو الحرم. ثم المحرم إذا جنى عمدا بلا عذر، يجب الجزاء والإثم، فلا بد من ~~التوبة، وإن جنى بغير عمد أو بعذر، فعليه الجزاء دون الإثم. # وأما الواجبات فكلها إن تركها لعذر لا شيء عليه، كما في «البدائع»، ويجب ~~الجزاء عندنا وهو قول مالك على الناسي لإحرامه، وكذا على الجاهل بالحرمة، ~~إذ الإحرام حالة مذكرة، فلم يكن النسيان ولا الجهل في دار الإسلام عذرا. ~~ونفاه الشافعي عنهما لأنهما معذوران، إلا إذا قتلا صيدا فإنه يجب الجزاء ~~على الأظهر. # --- PageV03P119 ~~*** # ثم الكفارات كلها واجبة على التراخي، فلا يأثم بالتأخير عن وقت الإمكان، ~~ويكون مؤديا لا قاضيا في أي وقت (أدى، وإنما يتضيق عليه الوجوب في آخر عمره ~~في وقت) يغلب على ظنه أنه لو لم يؤده لفات، فإنه إن لم يؤد فيه حتى مات ~~أثم، ويجب عليه الوصية بالأداء، ولو لم يوص لم يجب في التركة ولا على ~~الورثة، ولو تبرع عنه الورثة جاز، ولا يصومون عنه. والأفضل تعجيل الكفارات ~~والمبادرة إلى الخيرات، فإن في التأخير آفات. # ثم الجنايات قسمان: موجب للدم، وموجب للصدقة، فأشار إلى الأول بقوله: (إن ~~طيب محرم) مكلف، ذكرا كان أو أنثى (عضوا كاملا) كالرأس والفخذ والساق. وقال ~~الفقيه أبو جعفر: يعتبر كثرة الطيب في نفسه، ككفين من ماء الورد، وكف من ~~الغالية، وما استكثره الناس من المسك. # وفي «المحيط»: وإلى كل قول أشار محمد، والصحيح إن كان الطيب قليلا ~~فالعبرة بالعضو لا بالطيب، وإن كان الطيب كثيرا فالعبرة بالطيب لا بالعضو. ~~ولو طيب في مجلس واحد جميع أعضائه، فعليه دم ms0643 واحد لاتحاد المجلس، وإن كان ~~في مجالس، فلكل طيب دم على حدة، كفر للأولى أو لا عندهما. وقال محمد: عليه ~~كفارة واحدة ما لم يكفر للأولى. # ولو كان الطيب في أكثر من عضو يجمع، فإن بلغ عضوا فعليه دم. ولو شم طيبا، ~~أو دخل بيتا مجمرا فعلق بثوبه رائحة فلا شيء عليه، ويكره له شمه قصدا. كما ~~روي عن عمر (وجابر): كان ابن عباس لا يرى به بأسا. وسئل عثمان عن المحرم ~~يدخل البستان قال: نعم، ويشم الريحان. وأوجب مالك والشافعي الدم عليه. # --- PageV03P120 ~~*** # ولو أكل الزعفران وحده فعليه دم إن كان كثيرا، وهو بحيث يلتزق به أكثر ~~فمه، وإلا فصدقة عند أبي حنيفة. وعندهما لا شيء عليه، لأن الزعفران يستعمل ~~في الأطعمة فالتحق بها. ولأبي حنيفة أنه طيب حقيقة، ولا تسقط هذه الحقيقة ~~إلا لضرورة التبعية للطعام، بأن كان في طعام مسته النار أو لم تمسه. ولو ~~طيب ربع عضو يلزمه صدقة في ظاهر الرواية، وقيل: (يلزمه) دم اعتبارا بالحلق. # وفي «الهداية»: فإن خضب رأسه بحناء فعليه دم لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«الحناء طيب». أخرجه النسائي، والطبراني، والبيهقي، ولفظه عن خولة بنت حكيم ~~عن أمها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطيبي وأنت محرمة، ولا ~~تمسي الحناء فإنه طيب». # (أو ادهن) بتشديد الدال أي تدهن بدهن فيه طيب، كدهن البنفسج والورد ~~والياسمين والبان، لزمه دم إجماعا. وفي «المحيط»: لو ادهن بشحم أو سمن، فلا ~~شيء عليه إجماعا، لأنه ليس بطيب أصلا. ولو دهن شقاق رجليه بزيت أو داوى به ~~جراحة، فلا شيء عليه (إجماعا)، لأن الزيت طيب من وجه، وليس بطيب حقيقة، ~~فإذا استعمل على وجه التطيب لزمه الدم، ولو استعمل لإصلاح البدن لا يلزمه ~~شيء، توفيرا على الشبهين حقهما. # (أو لبس مخيطا) ولو متعددا في مجلس واحد: بقميص وقلنسوة، وعمامة، وقباء ~~وسراويل، لأن جنس الجناية واحد والمقصود واحد، وهو الاستمتاع بلبس المخيط ~~كحلق رأسه كله، فصارت كجناية واحدة. # --- PageV03P121 ~~*** # (أو ستر رأسه) أي غطاه (يوما كاملا) ms0644 أو ليلة كاملة، وهو ظرف للفعلين، لأن ~~الارتفاق الكامل في اللبس وستر الرأس يدفع الحر والبرد، وذلك بيوم كامل. ~~قال أبو يوسف وهو قول أبي حنيفة أولا: أكثر اليوم كاليوم. # وفي «المحيط»: ولو غطى ربع رأسه يوما أو أكثر، فعليه دم، وفي الأقل صدقة ~~عندنا، لا دم كما قال مالك والشافعي، واحتجا بأنه محظور الإحرام وقد ~~ارتكبه، فيجب عليه الدم بنفسه لا بامتداده كسائر محظورات الإحرام. # وفي «شرح الطحاوي»: ولو لبس المحرم المخيط أياما ولم ينزعه ليلا ونهارا، ~~فعليه دم واحد، فإن ذبح ثم استمر على اللبس يوما كاملا فعليه دم آخر، لأن ~~الدوام كالابتداء. ولو اضطر المحرم إلى ثوب واحد فلبس ثوبين: فإن لبسهما ~~على موضع الضرورة لم يجب إلا دم واحد على سبيل التخيير، كمن اضطر إلى لبس ~~قميص، فلبس قميصين أو قميصا وجبة. وإن لبس أحدهما على موضع الضرورة والآخر ~~على غيره، كمن اضطر إلى لبس قلنسوة، فلبس قلنسوة وقميصا، فعليه دم (محتم) ~~للبسه ما لا يحتاج إليه. ويخير بين الدم، والإطعام، والصيام للبسه ما يحتاج إليه. # ولو كان يلبس المخيط بالنهار وينزعه بالليل للنوم من غير أن يعزم على ~~تركه، فعليه دم واحد بالإجماع. وإن نزعه على عزم الترك ثم لبسه، فإن كفر ~~للأولى، فعليه كفارة بالإجماع، وإلا فعليه كفارتان عندهما، وقال محمد: ~~كفارة واحدة، كذا في «السراج» . # --- PageV03P122 ~~*** # وقال ابن الهمام: لا فرق في لزوم الدم إذا أحدث اللبس بعد الإحرام، أو ~~أحرم وهو لابس فدام يوما أو ليلة عليه، بخلاف انتفاعه بعد الإحرام بالطيب ~~السابق للنص فيه، ولولاه لأوجبنا فيه أيضا، ولا في كونه مختارا في اللبس أو ~~مكرها عليه أو نائما، فغطى إنسان رأسه ليلة أو وجهه حتى يجب الجزاء على ~~النائم، لأن الارتفاق حصل له، وعدم الاختيار أسقط الإثم عنه لا الموجب. انتهى. # ولا بأس للمحرم أن يغطي فاه وأذنيه، ويكره أن يغطي أنفه. ولو غطى ما ~~استرسل من شعر لحيته لا بأس به، كذا في «السراج». ويجوز وضع القباء على ~~منكبيه إذا ms0645 لم يدخل يديه من كميه ولا دم عليه، وألزمه زفر كمالك والشافعي ~~بالدم، لأنه ارتفق بلبس القباء ارتفاقا كاملا وهو مخيط لأنه قد لبس هكذا. ~~ولنا أنه استعمله استعمال الرداء المطلق للمحرم لا المخيط، ألا ترى أنه ~~يحتاج إلى التكلف في حفظه، والمخيط ملبوس لا يتكلف في حفظه، فلم يكن لابسا ~~للمخيط، فلم يجب عليه شيء. # --- PageV03P123 ~~*** # وفي «المبسوط»: ويتوشح المحرم بالثياب ولا يعقد على عنقه، لأنه إذا عقده ~~لا يحتاج في حفظه على نفسه إلى تكلف، فكان في معنى المخيط. وكذلك قالوا: ~~إذا اتزر لا ينبغي له أن يعقد إزاره على نفسه بحبل أو غيره، فقد روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد شد فوق إزاره حبلا فقال: «ألق ذلك ~~الحبل، ويلك». وكذلك يكره أن يخلل رداءه بخلال، لأنه لا يحتاج إلى تكلف في ~~حفظه على نفسه، ولكنه مع هذا لو فعل، لا شيء عليه، لأن المحظور عليه ~~الاستمتاع بلبس المخيط ولم يوجد ذلك، ولعل الحكمة في نفي الاحتياج إلى ~~التكلف في حفظه على نفسه ليكون مذكرا له حال إحرامه، ولا يصير غافلا عن ~~مرامه وكمال مقامه. # هذا، ويجب الدم عندنا على لابس السراويل بلا فتق وإن لم يجد غيره، ونفاه ~~الشافعي، لأن الستر فرض عليه، ولا يسقط هذا الفرض بالإحرام، والفتق غير ~~واجب لاستلزامه الضرر بتنقيص المال. وهذا بخلاف الخفين حيث يجب قطعهما أسفل ~~من الكعبين إذا لبسهما، لأن اللبس ثمة غير واجب، وإنما يلبسه لدفع الأذى، ~~فوجب القطع للتمكن من الانتفاع على الوجه المباح، وههنا الستر فرض، فكان ~~مضطرا إلى اللبس فلم يجب فتقه. ولنا أن تأثير الإحرام في حرمة لبس المخيط، ~~وتأثير العذر في الإطلاق، أما في إسقاط الحرمة فلا، فينزل اللبس للعذر ~~منزلة الحلق لدفع الأذى. # --- PageV03P124 ~~*** # (أو حلق ربع رأسه) أو لحيته طوعا أو كرها، لأنه حصل له ارتفاق كامل، لأن ~~من الناس من يحلق بعض رأسه، من يحلق بعض لحيته. ولو كان مكرها لا يرجع على ~~المكره بشيء، لأن الدم في مقابلة ms0646 ما حصل له من الراحة، وصار كالغرور في ~~العقر: وهو بالضم: دية الفرج المغصوب، وصداق المرأة . وصورته: أن يغر رجلا ~~فيقول له: أزوج لك هذه فهي حرة، فيتزوجها ويدخل بها، ثم استحق مستحق بأنها ~~أمته، فإن المولى يأخذ من الزوج العقر، ولا يرجع به الزوج على الغار، لأنه ~~قد حصلت له اللذة بمقابلة العقر وهي الوطء، كذا في «السراج». # وقال زفر: يرجع به عليه، لأنه هو الذي أوقعه في هذه العهدة، وألزمه هذه ~~(الغرامة). ولا شيء عليه عند الشافعي بناء على أصله: أن الإكراه يخرج ~~المكره من أن يكون مؤاخذا بحكم الفعل، والنوم عنده أبلغ من الإكراه، لأن ~~الإكراه يفسد قصده. وبالنوم ينعدم القصد أصلا. وعندنا سبب النوم والإكراه ~~ينفي عنه الإثم، ولكن لا ينفي حكم الفعل إذا تقرر سببه، والسبب هنا أنه نال ~~من الراحة والزينة بإزالة التفث عن بدنه فيلزمه الدم، وفي «الجامع الصغير»: ~~عن أبي حنيفة أنه يجب الدم بحلق الأكثر. انتهى. وهو رواية عن أبي يوسف، وهو ~~(الأظهر). وذكر شمس الأئمة وقاضى خان: أن على قولهما في حلق الجميع الدم. ~~وفي الأقل منه الطعام. # ثم يجب عندنا صدقة بثلاث شعرات لعدم كمال الارتفاق. ويجب دم عند الشافعي ~~اعتبارا بنبات الحرم. وإذا حلق محرم رأس محرم عند جواز التحلل يوم النحر لم ~~يكن عليهما شيء، كذا في «السراج»، والظاهر أنه كذلك عند جواز التحلل في ~~العمرة. # --- PageV03P125 ~~*** # (أو عضوا كاملا) بأن حلق صدره، أو ساقه، أو رقبته، أو عانته، أو إحدى ~~إبطيه، أو شعر موضع حجامته في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب ~~في حلق المحاجم الصدقة، لأنه صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، ولو كان ~~حلق المحاجم يوجب الدم لما باشره صلى الله عليه وسلم (أجيب بأنه يحتمل بأنه ~~عليه الصلاة والسلام احتجم في موضع لا شعر فيه، أو احتجم لعذر لأنه عليه ~~الصلاة والسلام لا يفعل ما يوجب الدم). كما لا يفعل ما يوجب الدم لا يفعل ~~ما يوجب الصدقة. # وفي «المحيط»: لو ms0647 حلق إبطيه فعليه دم واحد، لأنهما جنايتان من جنس واحد، ~~فليكتفى بجزاء واحد. وعلماؤنا ألزموا بأخذ شارب ونحوه حكومة عدل، وتفسيرها: ~~أن ينظر إلى هذا المأخوذ كم يكون من ربع اللحية فيجب عليه من الطعام ~~بحسابه، ويجب دم عليه عند مالك اعتبارا منه بما يميط الأذى من حلق العانة، ~~وموضع الحجامة، ونتف الإبط والأنف، وأوجب في شعرة أو شعرات إطعام حفنة بيد واحدة. # (أو قص أظفار يد أو رجل) للارتفاق الكامل (أو الكل في مجلس) لأنها ~~محظورات من نوع واحد فيتداخل، كإيلاجين في جماع واحد لا يلزم بها إلا مهر ~~واحد. وعند مالك والشافعي يجب أربعة دماء بناء على عدم التداخل عندهما. قيد ~~«بمجلس» لأنه لو قص أظفار كل يد في مجلس، وجب لكل يد دم عند أبي حنيفة وأبي ~~يوسف. وللجميع دم عند محمد، لأن الجنايات من جنس واحد، وهو القص، في حرمة ~~واحدة، وهي الارتفاق، فصارت كجناية واحدة، إلا إذا كفر للأول قبل قص ~~الثاني، فيلزمه دم للثاني. # --- PageV03P126 ~~*** # ولهما أن هذه جنايات متعددة حقيقة، لكنها في المعنى متحدة، وهو حصول ~~الارتفاق من جانب القص، وهو شيء واحد. فعند اتحاد المجلس جعلنا الكل جناية ~~واحدة. وعلى هذا الاختلاف لو جامع مرة بعد أخرى امرأة واحدة، أو نسوة، ألحق ~~محمد خمسة متفرقة فيهما بمجتمعة في محل واحد وألزم دما. وأوجبا عن كل ظفر ~~صدقة إلا أن يبلغ ذلك دما، فحينئذ ينقص منه ما شاء. وعن محمد: في كل ظفر ~~خمس الدم. ولا شيء بأخذ الظفر المنكسر وقطعه اتفاقا، لأنه لا ينمو بعد ~~الانكسار، فأشبه اليابس من شجر الحرم. # (أو طاف للفرض) جميعه أو أكثره (محدثا) بناء على أن الطهارة في الطواف عن ~~الحدث الأكبر والأصغر واجبة عندنا. وقال مالك والشافعي: لا يعتد بذلك ~~الطواف بناء على أن الطهارة فيه عنهما شرط عنده كما في الصلاة لما روى ~~الترمذي من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الطواف ~~بالبيت صلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم لا ms0648 يتكلم إلا بخير». # --- PageV03P127 ~~*** # وقال ابن الهمام: ووجه الاستدلال أنه شبيه في الحكم، بدليل الاستثناء من ~~الحكم فكأنه قال: هو مثل الصلاة في حكمها إلا في جواز الكلام، فيصير ما سوى ~~الكلام داخلا في الصدر، ومنه اشتراط الطهارة. وأما المشي فقد علم إخراجه ~~قبل التشبيه، فإن الطواف نفس المشي، فحيث قال صلاة فقد قال المشي الخاص ~~كالصلاة، فوجه الشبه ما سوى المشي. وخص الانحراف أيضا بالإجماع، وباتفاق ~~رواة مناسكه صلى الله عليه وسلم أنه جعل البيت عن يساره حين طاف. والجواب ~~على تسليم أن التشبيه في الحكم أنه خبر واحد، لو لم (يكن) يلزم نسخه لإطلاق ~~الكتاب لثبت به الوجوب لا الافتراض، لاستلزامه الإكفار بجحد مقتضاه، وليس ~~ذلك لازم مقتضاه، بل لازمه التفسيق به، على أنا نمنع أن التشبيه في الحكم ~~لجواز أن يكون في الثواب. # وقوله: «إلا أنكم....» إلى آخره، منقطع، كلام مستأنف بيان لإباحة الكلام ~~فيه، ولو كان التشبيه في الحكم لكان مقتضاه وجوب طهارة الثوب والبدن فيه، ~~لكن صرحوا بعدم وجوبه. ففي «البدائع»: أنها ليست بشرط بالإجماع، فلا يفترض ~~تحصيلها ولا يجب، لكنه سنة، حتى لو طاف وعلى ثوبه نجاسة أكثر من قدر ~~الدرهم، لا يلزمه شيء لكنه يكره. انتهى. وهو غاية التحقيق والله ولي ~~التوفيق. # ولنا قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} من غير قيد بالطهارة. وفي ~~«الإمام»: روى أحمد بن حنبل، عن محمد بن جعفر، عن شعبة قال: سألت حمادا ~~ومنصورا عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يريا به بأسا. # --- PageV03P128 ~~*** # (أو غيره) أي غير طواف الفرض، سواء كان طواف قدوم، أو صدر، أو تطوع ~~(جنبا) لأن نقص الجنابة في غير الفرص كنقض الحدث في طواف الفرض. (أو أفاض ~~قبل الإمام) نهارا، لأنه لو أفاض قبل الإمام ليلا لا شيء عليه، ولو أفاض ~~الإمام نهارا لزمه الدم، لأن رواة نسك رسول الله صلى الله عليه وسلم متفقون ~~على أنه صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفات بعد غروب الشمس وقال: «خذوا عني ~~مناسككم». # وأما قول صاحب ms0649 «الهداية»: لقوله صلى الله عليه وسلم «فادفعوا بعد غروب ~~الشمس» فليس بمعروف. ولو عاد إلى عرفة بعد غروب الشمس، لا يسقط عنه الدم في ~~ظاهر الرواية، لأن المتروك سنة الدفع مع الإمام، ولم يستدرك. وذكر ابن ~~شجاع، عن أبي حنيفة أنه يسقط. قال القدوري: وهو الصحيح، والجمهور على أن ~~الأول هو الأصح. ولو عاد قبل الغروب، قيل: يسقط لأنه تدارك المتروك في ~~وقته، وقيل: لا يسقط لأنه لم يتدارك الجزء الفائت من الوقوف، وهو الأظهر، ~~لأن الاستدامة واجب، فيفوت بفوت البعض. # (أو ترك واجبا) بأن ترك الوقوف بالمزدلفة من غير عذر، أو طواف الصدر لغير ~~حائض، أو السعي للحج أو العمرة، أو رمي يوم (أو أكثره) أي أكثر واجب، بأن ~~ترك أربعة أشواط من طواف الصدر، أو من السعي، أو ترك أربع حصيات في اليوم ~~الأول، أو إحدى عشرة حصاة في يوم من الأيام الأخر. والترك يتحقق بغروب ~~الشمس من آخر أيام الرمي. ولو ترك رمي الجمار في الأيام كلها يلزمه دم ~~واحد، كما لو حلق جميع بدنه في مجلس واحد. # --- PageV03P129 ~~*** # (أو قدم نسكا) أي عملا من أعمال الحج (على) نسك (آخر) مما يكون من حقه ~~وجوب تقديمه، بأن حلق قبل الرمي، أو نحر القارن أو المتمتع قبل الرمي، أو ~~حلق قبل الذبح (أو أخر طواف الفرض) أو الحلق أو الذبح لمن يجب عليه، (عن ~~أيام النحر) أو أخر رمي اليوم الأول (إلى الثاني، أو رمي اليوم الثاني إلى) ~~الثالث، أو الثالث إلى الرابع، وهذا كله عند أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد وهو قول الشافعي : لا شيء عليه في تقديم نسك أو ~~تأخيره لما في «الصحيحين» من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سئل عن الذبح، والرمي، والحلق، والتقديم والتأخير، فقال: «لا حرج». # ولأبي حنيفة ما روى ابن أبي شيبة والطحاوي من حديث ابن عباس أنه قال: من ~~قدم شيئا في حجه أو أخره، فليهرق لذلك دما. وقال الطحاوي: فهذا ابن عباس ~~أحد من روى عن ms0650 النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما سئل يومئذ عن شيء قدم أو ~~أخر من أمر الحج إلا قال: «لا حرج». فليس عنده معنى ذلك على الإباحة في ~~تقديم ما قدموا، ولا في تأخير ما أخروا مما ذكرنا أن فيه الدم، ولكن معنى ~~ذلك عنده على أن الذين فعلوه كان على الجهل بالحكم فيه كيف هو، فعذرهم ~~وأمرهم في المستأنف أن يتعلموا مناسكهم. # --- PageV03P130 ~~*** # وتحقيق المقام ما ذكره ابن الهمام أن لهما ما في «الصحيحين» أنه صلى الله ~~عليه وسلم وقف في حجة الوداع فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، قال: ~~«اذبح ولا حرج»، وقال آخر: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. قال: ~~«ارم ولا حرج»، فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال: «افعل ولا حرج». ~~والجواب أن نفي الحرج يتحقق بنفي الإثم والفساد، فيحمل عليه دون نفي ~~الجزاء. فإن في قول القائل: «لم أشعر ففعلت» (ما) يفيد أنه ظهر له بعد فعله ~~أنه ممنوع من ذلك، فلذا قدم اعتذاره على سؤاله، وإلا لم يسأل، أو لم يعتذر. # ولكن قد يقال يحتمل أن الذي ظهر له مخالفة ترتيبه لترتيب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فظن أن ذلك الترتيب متعين، فقدم ذلك الاعتذار وسأل عما ~~يلزمه به، فبين صلى الله عليه وسلم بالجواب عدم تعينه عليه بنفي الحرج، وأن ~~ذلك الترتيب مسنون لا واجب. والحق أنه يحتمل أن يكون ذلك، وأن يكون الذي ~~ظهر له كان هو الواقع إلا أنه صلى الله عليه وسلم عذرهم بالجهل فأمرهم أن ~~يتعلموا مناسكهم. وإنما عذرهم بالجهل لأن الحال كان إذ ذاك في ابتدائه. ~~وإذا احتمل كلا منهما، فالاحتياط اعتبار التعيين، إذ الأخذ به واجب في مقام ~~اضطراب فيتم الوجه لأبي حنيفة. # (أو ترك أقله) أي أقل طواف الفرض، بأن ترك ثلاثة أشواط، أو شوطين أو ~~شوطا، إلا أن النقصان بترك الأقل نقصان يسير فأشبه النقصان بالحدث (فعليه ~~دم) هذا جواب قوله: «إن طيب محرم عضوا» وما ms0651 عطف عليه، وكذا إن طاف للعمرة ~~بغير طهارة. # --- PageV03P131 ~~*** # (وبترك أكثره) أي أكثر طواف الفرض في الحج وهو أربعة أشواط (بقي محرما) ~~أي في حق النساء (حتى يطوف) أي إلى أن يطوف بذلك الإحرام، لأن ترك أكثر ~~الطواف كترك كله، وترك كل هذا الطواف لا يجبر بالدم. # (وإن طافه) كله أو أكثره (جنبا) أو حائضا أو نفساء (فبدنة) تجب عليه، أو ~~فعليه بدنة، كما روى ابن عباس. وهي عندنا بعير أو بقرة، لأن الجنابة أغلظ ~~من الحدث، فيجب جبر نقصانها بالبدنة إظهارا للتفاوت في الجناية، وللأكثر ~~حكم الكل. ثم قيل: يجب الإعادة في الحدث الأصغر والأكبر. والأصح كما في ~~«الهداية» أن يؤمر من بمكة بإعادته في الحدث استحبابا، وفي الجنابة وجوبا. ~~وإنما كان ذلك أصح لأن النقص في الحدث يسير، وفي الجنابة كثير، فينبغي أن ~~يتفاوت بينهما في حكم الإعادة للجبر. # فإن أعاده وقد طاف محدثا فلا دم عليه، سواء أعاد في أيام النحر أو بعدها. ~~وإن أعاده وقد طافه جنبا (إن كان أيام النحر فلا دم عليه، و) إن كان بعدها ~~فعليه دم للتأخير عند أبي حنيفة وسقطت البدنة بالاتفاق. وإن رجع إلى أهله ~~في الحدث فالمستحب بعث الشاة لا الإعادة، لأنه أنفع للفقراء، وفي نقصانه ~~خفة، وفي الجنابة عليه أن يعود إلى مكة بإحرام جديد إن جاوز الوقت، فلو لم ~~يعد وبعث هديا أجزأه. # --- PageV03P132 ~~*** # (وإن فعل أقل مما ذكر) بأن طيب أقل من عضو، أو لبس مخيطا، أو ستر رأسه ~~أقل من يوم، أو حلق أقل من ربع رأسه، أو حلق بعض عضو غيره، أو قصر أقل من ~~خمسة أظفار، أو قص خمسة متفرقة. وتقدم أن محمدا أوجب الدم في هذه الصورة، ~~كما لو قص الخمسة في يد واحدة. # (أو طاف غير الفرض) أي فرض الحج (محدثا) سواء كان طواف الصدر، أو القدوم، ~~أو التطوع، أو طواف العمرة. ويلزم دم لو طافها جنبا، لأنه نقص كثير، ثم كل ~~منها دون طواف الزيارة فيكتفى بالشاة. وهذا كله على رواية القدوري، ms0652 ~~واختارها صاحب «الهداية» ومن تبعه. وفي «شرح الطحاوي»: إذا طاف (طواف) ~~اللقاء محدثا أو جنبا فإنه يعيد، وإن لم يعد فلا شيء عليه. وفي «مبسوط» شيخ ~~الإسلام: ليس لطواف التحية محدثا أو جنبا شيء، لأنه لو تركه أصلا لم يكن ~~عليه شيء، فكذا إذا تركه من وجه. قلنا: لا يلزم من عدم لزوم شيء بتركه ~~لكونه سنة أن لا يلزم شيء بترك الطهارة فيها، لأنها واجبة في الطواف على ~~الأصح، فبتركها يرتكب محظورا، فيلزمه الجزاء. # (أو ترك القليل من الواجب) بأن ترك ثلاثة أشواط أو أقل من طواف الصدر، أو ~~من السعي، أو ترك أقل من جمرة العقبة في يوم النحر، لأنها فيه نسك كامل، أو ~~ترك أقل الجمار الثلاث في يوم بعد يوم النحر، لأن الكل نسك واحد فيه فكان ~~المتروك أقل. # --- PageV03P133 ~~*** # (أو حلق رأس غيره) بأمره، أو بغير أمره، أو أخذ شاربه، أو قلم أظفاره، ~~سواء كان ذلك الغير حلالا أو محرما. ولعله مأخوذ من عموم قوله تعالى: {ولا ~~تحلقوا رؤوسكم} حيث يشمل معنى: لا يحلق بعضكم رأس بعض، كقوله تعالى {ولا ~~تقتلوا أنفسكم}. # ولو كان الحالق حلالا، والمحلوق محرما، فعلى الحالق الصدقة لأنه أزال ما ~~استحق الأمن، كنبات الحرم، وعلى المحلوق الدم. وقيل: ليس على الحالق الحلال ~~شيء. ولا شيء عند الشافعي على الحالق المحرم إذا حلق شخصا، محرما كان أو ~~حلالا، لان المحرم ممنوع عن إزالة ما ينمو من بدن نفسه لما فيه من معنى ~~الراحة والزينة، ولا يحصل شيء من ذلك بحلقه رأس غيره، فلا يلزمه به شيء. ~~ويجب عليه دم عندنا وبه قال مالك على ما في «مواهب الرحمن». # (تصدق) جواب قوله: «وإن فعل أقل مما ذكر» وما عطف عليه (بنصف صاع # ) من بر، أو بصاع من تمر أو شعير. # واعلم أن كل موضع يجب فيه الصدقة المطلقة في الحج، أو العمرة فهي هذه، ~~إلا ما يجب بقتل جرادة أو قملة أو إزالة الشعث، ففيها يطعم شيئا يسيرا، وقد ~~ورد: «تمرة خير من جرادة»، ms0653 وإن تارك (ثلاثة) أشواط من طواف الصدر أو السعي، ~~وتارك أقل جمرة العقبة في يوم النحر أو أقل الجمار الثلاث في يوم بعده، يجب ~~عليه لكل شوط أو رمية صدقة، إلا أن يصير مجموع الصدقات بمنزلة دم فينقص منه ~~ما شاء إن شاء. # --- PageV03P134 ~~*** # (وإن طيب عضوا) كاملا، أو قص أظفاره، أو لبس المخيط قدر يوم (أو حلق ~~بعذر، ذبح شاة في الحرم) فيه إشارة إلى أن الواجب عليه الذبح في الحرم لا ~~غير، فلو سرقت بعد الذبح أو هلكت بآفة بعده لا يجب عليه شيء. (أو تصدق) في ~~أي موضع شاء (بثلاثة أصوع طعام) بإضافة أصوع، وهو بفتح الهمزة وضم الصاد ~~وسكون الواو، جمع صاع (على ستة مساكين) كل مسكين نصف صاع من بر، أو دقيق. ~~ويستحب أن يتصدق على مساكين الحرم. # (أو صام) ولو كان موسرا، لكن بتبييت النية وتعيينها (ثلاثة أيام) في أي ~~موضع شاء ولو متفرقة، لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}، وكلمة «أو» للتخيير، وفسرها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ففي «صحيح البخاري» من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب ~~بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «لعلك آذاك هوامك»، قال: ~~نعم يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «احلق رأسك، وصم ~~ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة». # --- PageV03P135 ~~*** # وفي الكتب الستة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بكعب بن عجرة ~~بالحديبية وهو يوقد تحت قدر والقمل يتهافت على وجهه فقال: «أيؤذيك هوامك ~~هذه»؟ قال: نعم، قال: «فاحلق رأسك وأطعم فرقا بين ستة مساكين، أو صم ثلاثة ~~أيام، أو انسك نسيكة». وفي الصحيحين عن عبد الله بن مغفل قال: حدثني كعب بن ~~عجرة أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرما فقمل رأسه ولحيته، ~~فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فدعا الحلاق فحلق رأسه، ثم ms0654 ~~قال له: «هل عندك نسك؟» قال: ما أقدر عليه، فأمره أن يصوم ثلاثة أيام، أو ~~يطعم ستة مساكين، لكل مسكينين صاع، فأنزل الله فيه خاصة: {فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه} ثم كانت للمسلمين عامة. # وفي لفظ لمسلم: فقال النبي صلى الله عليه وسلم «احلق ثم اذبح شاة نسكا، ~~أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين». وفي رواية: ~~«لكل مسكين نصف صاع». وفي لفظ له: فقال لي: «هل عندك فرق تقسمه بين ستة ~~مساكين، والفرق: ثلاثة آصع أو انسك شاة، أو صم ثلاثة أيام؟» فقلت: اختر ~~لي يا رسول الله، قال: «أطعم ستة مساكين». وفي لفظ عن الحسن: أنه قال له: ~~«فكيف صنعت؟» قال: ذبحت شاة. فإن قيل: الآية والحديث لا يدلان على الفدية ~~في الطيب واللبس وقص الأظفار، فبم أثبتم الفدية فيها؟ أجيب : بالقياس على ~~الحلق الثابت بالآية والحديث لوجود الجامع بينهما وهو العذر. # --- PageV03P136 ~~*** # وإنما قلنا: إن الذبح يختص بالحرم، والإطعام والصيام لا يختصان به، ~~لأنهما عبادة في كل مكان وزمان، والذبح لم يعرف شرعا عبادة وقربة إلا في ~~زمان أو مكان، وهذا الذبح لا يختص بزمان فتعين اختصاصه بالمكان. ثم الإباحة ~~في الإطعام يجزئه عند أبي يوسف اعتبارا بكفارة اليمين، بجامع أنهما كفارة، ~~ولأن الحديث ورد بلفظ الإطعام، والإباحة مجزئة في كل ما ورد بلفظ الإطعام. ~~وخالفه محمد وشرط التمليك كالزكاة، بجامع أنهما صدقة، ونص الكتاب ورد بها، ~~فيحمل الإطعام الوارد في الحديث على وجه التمليك، لأن الحديث ورد مورد ~~تفسير للآية. # (ووطؤه) أي جماعه بغيبوبة الحشفة عامدا أو ناسيا، طائعا أو مكرها، في ~~القبل أو الدبر (قبل وقوف عرفة) أي قبل وقوفه بعرفات في زمانه (أفسد حجه) ~~بالإجماع، لأن الجماع أقوى محظورات الإحرام. # (ومضى في حجه) لإجماع الصحابة على ذلك (وذبح) شاة أو شارك في سبع بقرة أو ~~جزور. وقال الشافعي: يجب بدنة اعتبارا بالجماع بعد الوقوف، بل أولى، لأن ~~الجماع قبله في مطلق الإحرام، بخلافه بعده. وأجيب ms0655 بأنه لما وجب القضاء في ~~الجماع قبل الوقوف خف معنى الجناية، فتجب الشاة. وقد روى البيهقي عن يزيد ~~بن نعيم الأسلمي التابعي: أن رجلا جامع امرأته وهما محرمان، فسألا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما: «اقضيا نسككما، واهديا هديا». واسم ~~الهدي يتناول الشاة كما يتناول البدنة، وفي البدنة أكمل، والواجب انصراف ~~المطلق إلى الكامل في الماهية لا إلى الأكمل، وماهية الهدي كاملة في الشاة. # --- PageV03P137 ~~*** # وروى أبو داود مرسلا: أن رجلا من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل ~~الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اقضيا حجكما واهديا هديا». وروى ابن ~~وهب بسند فيه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب: أن رجلا من جذام... الحديث، ~~وفيه: «إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فأحرما وتفرقا إلى ~~أن قال: واهديا ». وضعف بابن لهيعة. وروي بالزيادة عن عدة من الصحابة، فابن ~~أبي شيبة أسنده إلى من سأل مجاهدا عن المحرم يواقع امرأته، فقال: كان ذلك ~~على عهد عمر، فقال: يقضيان حجهما، ثم يرجعان حلالا، فإذا كان من قابل حجا ~~وأهديا، وتفرقا من المكان الذي أصابها فيه. # وقال مالك في «الموطأ»: (إنه بلغه) أن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، ~~وأبا هريرة سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج، فقالوا: ينفذان لوجههما ~~حتى يقضيا حجهما. ثم عليهما حج من قابل والهدي، إلا أن عليا قال: فإذا أهلا ~~بالحج من قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما. والدارقطني أسنده عن ابن عمر، وابن ~~عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي شيبة عن علي أيضا قال: على كل ~~واحد منهما بدنة، فإذا حجا من قابل تفرقا من المكان الذي أصابها فيه. # --- PageV03P138 ~~*** # (وقضى) بإجماع (ولم يتفرقا في القضاء) وهو مروي عن الحسن وعطاء إلا إذا ~~خشيا المواقعة فيستحب أن يتفرقا في الإحرام. والمراد بالفرقة: أن يأخذ كل ~~منهما طريقا غير طريق الآخر. وقال مالك: يجب افتراقهما في الإحرام عن ~~الموضع الذي وطئها فيه، وبه قال الشافعي في القديم: وجوبا، وفي الجديد: ms0656 ~~استحبابا، ومن حين الخروج من موضع الإقامة في قول مالك لما رواه في ~~«الموطأ» عن علي كرم الله وجهه، ومن حين الإحرام في قول آخر، وبه قال زفر، ~~لأن الافتراق نسك بقول الصحابة، وأداء النسك بعد الإحرام. # ولنا أن الافتراق ليس بنسك في الأداء، فلا يؤمر به في القضاء. فإن قيل: ~~روي عن عمر، وعلي، وابن عباس أنهم قالوا: يفترقان، أجيب: بأن قولهم محمول ~~على الندب لما قدمناه من الدليل. # (وبعده) أي بعد وقوف عرفة قبل الحلق (تجب بدنة) ولا يفسد حجه، سواء جامع ~~عامدا أو ناسيا. وفي «الوجيز»: وإنما تجب بدنة إذا جامع عامدا، أما إذا ~~جامع ناسيا فعليه شاة، كذا في «السراج». وقال الشافعي وهو أظهر القولين في ~~مذهب مالك : يفسد إذا جامع قبل الرمي اعتبارا بما لو جامع قبل الوقوف، لأن ~~كلا منهما قبل التحلل. # --- PageV03P139 ~~*** # ولنا على عدم الفساد ما في «السنن الأربعة» وقال الترمذي: حسن صحيح عن ~~عروة بن مضرس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من شهد صلاتنا هذه ~~أي صلاة الصبح بالمزدلفة ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا ~~أو نهارا فقد تم حجه، وقضى تفثه». وفي رواية: «من أدرك معنا هذه الصلاة، ~~وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه، وقضى تفثه». وحقيقة التمام ~~غير مرادة لبقاء طواف الزيارة وهو ركن، فيكون المراد به الأمن من الفساد. ~~وعلى وجوب البدنة ما روي عن ابن عباس أنه سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى ~~قبل أن يفيض، فأمره أن ينحر بدنة. رواه مالك في «الموطأ» عن أبي زبير ~~المكي، عن عطاء، عنه. # وأسنده ابن أبي شيبة (عن عطاء) قال: سئل ابن عباس عن رجل قضى المناسك ~~كلها غير أنه لم يزر البيت حتى وقع على امرأته، قال: عليه بدنة. ولو كان ~~الواطىء قارنا عليه بدنة لحجه، وشاة لعمرته، وليس عليه دم القران لفساد أحد ~~النسكين. ولو جامع مرة ثانية فعلى كل واحد شاة مع بدنة، لأنه وقع ms0657 في حرمة ~~مهتوكة فصادف إحراما ناقصا فيجب الدم. # --- PageV03P140 ~~*** # (وبعد الحلق) قبل الطواف (شاة) أو سبع بدنة، لأن الجناية خفت لوجود الحل ~~في حق غير النساء. ولو جامع بعد طواف الزيارة وقبل الحلق فعليه شاة، لوجود ~~الجماع في الإحرام، كذا في «الهداية» وشروح القدوري. وقيل: يجب بدنة، ~~لإطلاق ظاهر الرواية لزوم البدنة بالجماع بعد الوقوف، من غير تفصيل بين ~~كونه قبل الحلق أو بعده. وفي مذهب الشافعي: لو كان ناسيا أو مكرها أو نائمة ~~لا يفسد حجه، ولا يلزمه شيء. ويلزم عندنا دم بقبلة، أو لمس بشهوة وإن لم ~~ينزل، على رواية «الأصل». # وفي «الجامع الصغير» يقول: إذا مس بشهوة فأمنى. وللشافعي قول إذا اتصل به ~~الإنزال يفسد الإحرام على قياس الصيام، فإنه يفسد بالتقبيل عنده إذا اتصل ~~به الإنزال، ولكنا نقول: فساد الإحرام حكمه متعلق بالجماع فإنه بارتكاب ~~سائر المحظورات لا يفسد، وما تعلق بمعنى الجماع من العقوبة لا يتعلق ~~بالجماع فيما دون الفرج كالحد. وللشافعي قول: أنه لا يلزمه شيء إذا لم ~~ينزل، قياسا على الصوم، فإنه لا يلزمه شيء إذا لم ينزل بالتقبيل فكذا في ~~الحج. ولكنا نقول: الجماع فيما دون الفرج من جملة الرفث فكان منهيا عنه ~~بسبب الإحرام، وبالإقدام عليه يصير مرتكبا محظور إحرامه فيلزمه الدم. # ولو طاف مكشوف العورة، أو معكوسا بأن يتوجه من عند الحجر الأسود إلى جهة ~~الركن اليماني، أو راكبا بلا عذر يجب عليه دم، لأن كل واحد منهما واجب ~~فيحصل النقص بتركه فيلزمه الدم. وجعلها الشافعي شروطا فألغاه بدونها، ولم ~~يوجب بالطواف راكبا شيئا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبا، ولم ~~ينقل عذر. # --- PageV03P141 ~~*** # ولنا أن فعل الدابة وإن أضيف إلى الراكب معنى لكنه متخلف عنه صورة، ~~فيتمكن النقصان فيه باعتبار فوات الصورة، فيجبر بالدم، وما رواه كان لعذر، ~~ففي «صحيح مسلم» عن جابر قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع على راحلته بالبيت يستلم الحجر بمحجنه وبين الصفا والمروة ليراه ~~الناس ويشرف ويسألوه، فإن الناس ms0658 غشوه. وفي «الصحيحين» عن أم سلمة قالت: ~~شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي، فقال: «طوفي من وراء ~~الناس وأنت راكبة». فمورد النص فيه معلل بالمرض، وقصد السؤال. والله تعالى ~~أعلم بحقيقة الأحوال. # (وإن قتل محرم صيدا) أي حيوانا مأكولا أو غير مأكول ذا قوائم، فخرج به ~~مثل الحية والعقرب، وسائر الهوام، متوحشا في أصل الخلقة، فدخل الحمام ~~المستأنس، وخرج الإبل المستوحش، وكان توالده وتعيشه في البر، فخرج به صيد ~~البحر: وهو ما يكون توالده ومثواه في الماء، لأن التوالد هو الأصل، ~~والكينونة بعد ذلك عارض فاعتبر الأصل. فالبحري حلال للحلال والمحرم، والبري ~~حرام على المحرم إلا ما استثناه النبي صلى الله عليه وسلم والأصل فيه قوله ~~تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ~~ما دمتم حرما} أي محرمين، والمباح والمملوك فيه سواء، لأن الصيد عام. # --- PageV03P142 ~~*** # (أو دل عليه) بالإشارة أو غيرها في قتله عمدا أو سهوا، لأنه ضمان، فأشبه ~~غرامات الأموال من حيث أن الضمان يدور مع الإتلاف غير مقيد بالعمد، ~~والتقييد في الآية به لأن موردها في المتعمد، أو للتنبيه على أن الخاطىء ~~بالأولى، كذا قيل، وبعده لا يخفى، أو لأجل وعيد ليذوق وبال أمره، والناسي ~~لا يستحق الوعيد. قال الزهري: ورد الكتاب بالعمد، ووردت السنة بالخطأ، ~~فيستوي في ذلك العامد والناسي لإحرامه، وكذا الخاطىء. # (قاتله) المحرم أو الحلال بشروط منها: أن لا يكون القاتل عالما بمكان ~~الصيد، لأنه إذا كان عالما به يكون قتله بعلمه لا بالدلالة، وعلى هذا لو ~~أعار المحرم قوسا لرمي صيد، فعليه جزاء إن لم يكن مع المستعير قوس، وإن كان ~~فلا شيء عليه. ومنها: أن يصدقه في الدلالة، حتى لو كذبه ولم يتبع الصيد حتى ~~دله عليه آخر فصدقه وقتله، فالجزاء على الدال الثاني، ولو لم يصدق الأول ~~ولم يكذبه بأن (أخبره) فلم يره حتى دله آخر فطلبه وقتله، كان على كل منهما ~~جزاء كما على القاتل. ومنها: أن يبقى الدال محرما إلى ms0659 قتل الصيد، فإن دل ثم ~~حل فقتله المدلول، فلا جزاء عليه لكنه أثم. # (يجب جزاؤه: أي ما قومه عدلان في مقتله) أي مكان قتله إن كان له فيه ~~قيمة، بأن كان يباع ويشترى في ذلك الموضع (أو (في) أقرب مكان منه) إن لم ~~يكن له في مكان قتله قيمة، وذلك لأن القيمة تختلف باختلاف الأماكن فيعتبر ~~مكان قتله أو ما قرب منه. # --- PageV03P143 ~~*** # أما وجوب الجزاء بالقتل فمجمع عليه، وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ~~يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك ~~صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله ~~عزيز ذو انتقام}. وأما وجوبه بالدلالة فقال الطحاوي: ولم يرو عن أحد من ~~الصحابة خلاف ذلك. # (فيشتري) أي القاتل (به) أي بما قومه عدلان إن بلغت (هديا) مجزيا في ~~الأضحية من جذع الضأن أو ثني المعز، وهذا شرط عند أبي حنيفة حتى لو لم يبلغ ~~قيمة الصيد إلا قيمة حمل أو عناق يتصدق بها، ولا يذبح بطريق الهدي عنده، ~~لأن مطلق الهدي ينصرف إليه، كما في هدي المتعة والقران، فإنه ينصرف إلى ما ~~يجزىء في الأضحية. ولم يشترط محمد ما يجزىء فيها لعموم قوله تعالى: {من ~~النعم} فإنه صادق على الكبير والصغير، ولأن الصحابة أوجبوا عناقا وجفرة. ~~والعناق: الأنثى من أولاد المعز، والجدي: الذكر، وهما دون الجذع. والجفر: ~~ما يبلغ أربعة أشهر، والجفرة: أنثى. وروي عن أبي يوسف الاشتراط وعدمه. # --- PageV03P144 ~~*** # (يذبح بمكة) أي في أرض الحرم. ويخرج عن العهدة بمجرد ذبحه (فيها، حتى) لو ~~أتلف، (أو تصرف فيه)، أو سرق بعد الذبح لا يجب عليه شيء، فلا يلزم أن يتصدق ~~بقيمة لحمه عندنا، ولو بعد التمكن من التصدق به لسقوط التصدق بفوات محله. ~~وأوجبه مالك والشافعي لتقصيره، وكذا حكم دم الجبر. وهذا الخلاف كالخلاف في ~~هلاك المال بعد التمكن من أداء ms0660 الزكاة، يسقط عندنا خلافا لهما. # ولو ذبح في غير أرض الحرم لا يخرج عن العهدة إلا إذا تصدق على كل مسكين ~~من اللحم بما يساوي قيمة نصف صاع من بر، وكان فيه وفاء بما قومه عدلان، وإن ~~لم يف يوفى. وإنما لا يجوز ذبحه إلا في الحرم لقوله تعالى: {هديا بالغ ~~الكعبة}، فلو ذبح شيئا من الدماء الواجبة في الحج والعمرة خارج الحرم لم ~~يسقط عنه وعليه ذبح آخر في الحرم، وذلك لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤسكم حتى ~~يبلغ الهدي محله}. ويجوز أن يتصدق بلحم الهدي على مسكين واحد، أو مساكين، ~~ومساكين الحرم أفضل. # (أو طعاما يتصدق) به في أي موضع شاء، لأن الصدقة قربة غير مؤقتة بالمكان ~~(كالفطرة) بأن يعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير، لا أقل ~~من ذلك ولا أزيد. وفي «السراج»: يجوز أن يتصدق بالكل على مسكين واحد. وفي ~~«اللباب»: ولا يجوز أن يطعم لمسكين واحد أقل من نصف صاع إلا أن يفصل، أو ~~يكون الواجب أقل منه، فيعطيه مسكينا واحدا. # --- PageV03P145 ~~*** # (أو صام) في أي موضع شاء (عن) طعام (كل مسكين يوما) بأن يقوم المقتول ~~طعاما ثم يصوم مكان طعام كل مسكين يوما، فالقاتل بالخيار ولو موسرا بين ~~الهدي والإطعام والصيام. # وإن لم يبلغ الهدي فهو بالخيار بين الطعام والصيام (وما فضل عنه) أي عن ~~طعام مسكين بأن بقي أقل من نصف صاع من بر، أو كانت قيمة المقتول أقل من ~~ذلك، بأن قتل عصفورا (تصدق به) على مسكين واحد (أو صام يوما) كاملا لأن صوم ~~بعض اليوم غير مشروع. # ثم اعلم أن كون القتل الخطأ كالعمد قول عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن ~~أبي وقاص، وبه أخذ علماؤنا. وقال ابن عباس: ليس على المحرم في قتل خطأ جزاء ~~لظاهر الآية، وتقدم الجواب عنه. # ثم كون العائد كالمبتدىء قول عطاء، وإبراهيم، وسعيد بن جبير، والحسن، وبه ~~قلنا، وعليه عامة العلماء. وعن ابن عباس وشريح أنه لا يجب الجزاء على ms0661 ~~العائد، وهو قول داود، ولكن يقال له: اذهب فينتقم الله منك، لظاهر قوله ~~تعالى: {ومن عاد فينتقم الله منه}. ولنا أن ضمان الإتلاف لا يختلف ~~بالابتداء والعود إليه، بل جناية العائد أظهر، والمراد بالآية ومن عاد (من) ~~بعد العلم بالحرمة كما في آية الربا: {فمن عاد فأولئك أصحاب النار} أي ومن ~~عاد (إلى المباشرة بعد) العلم بالحرمة، لا أن يكون المراد به العود إلى ~~القتل بعد القتل. # --- PageV03P146 ~~*** # ثم لزوم الجزاء بالدلالة استحسان عندنا، وفي القياس لا جزاء، وبه أخذ ~~مالك والشافعي، لأن الجزاء واجب بقتل الصيد بالنص. قال الله تعالى: {ومن ~~قتله منكم متعمدا} الآية، والدلالة ليست في معنى القتل، ولهذا يجب جزاء صيد ~~الحرم على القاتل الحلال، ولا يجب على الدال (إذا كان حلالا بالاتفاق، ولأن ~~حرمة الصيد في حق المحرم ليس بأقوى من حرمة مال المسلم ونفسه)، ولا يضمن ~~الدال على مال المسلم ولا على نفسه شيئا بسبب الدلالة، فكذلك ههنا، إلا أنا ~~تركنا القياس باتفاق الصحابة، فإن رجلا سأل عمر فقال: إني أشرت إلى ظبي ~~وأنا محرم فقتله صاحبي، فقال عمر لعبد الرحمن: ماذا ترى (عليه) ؟ فقال: أرى ~~عليه شاة، فقال عمر: وأنا أرى عليه ذلك. وإن عليا وابن عباس سئلا عن محرم ~~دل على بيض نعامة فأخذه المدلول عليه فشواه، فقالا: على الدال جزاؤه. وكذلك ~~روي عن عثمان. # --- PageV03P147 ~~*** # والقياس يترك بقول الفقهاء من الصحابة، وما نقل منهم في هذا كالمنقول عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لا يظن بهم أنهم قالوه جزافا، والقياس لا ~~يشهد لقولهم حتى نقول قالوا ذلك قياسا، فلم يبق إلا السماع، ثم ثبت ~~باتفاقهم أن الدلالة على الصيد من محظورات الإحرام، وذلك ثابت بالنص عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال لأصحاب أبي قتادة في صيد أخذه أبو ~~قتادة وكانوا محرمين: «هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه، أو أشار إليه؟» ~~قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقي». فجعل الإشارة كالإعانة، فعرفنا عنه أنه من ~~محظورات الإحرام وذلك يوجب ms0662 الجزاء، وبه فارق صيد الحرم الدلالة على مال ~~المسلم ونفسه. # ثم الخيار للقاتل عندنا على ما قدمنا ككفارة اليمين والفدية لعذر. وجعله ~~محمد للعدلين كمالك والشافعي لقوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} الآية، ~~وأوجبوا إن حكما بالهدي نظير صيد من الحيوان الأهلي صورة، كالشاة فجعلوها ~~نظيرا للظبي والضبع، والعناق نظيرا للأرنب، والجفرة نظيرا لليربوع، والجمل ~~نظيرا للنعامة، والبقرة نظيرا لحمار الوحش وبقره أيضا، وإن لم يحكما بالهدي ~~وحكما بالطعام أو الصيام، أو لم يكن له نظير من الأهلي، فكما أطلق أبو ~~حنيفة وأبو يوسف من لزوم قيمته. # والحاصل أن يقوم الصيد بالنظير فيما له نظير، وأما ما ليس له نظير كعصفور ~~وحمام فعليه قيمته إجماعا، لأنه تعالى أوجب المثل بقيد كونه من النعم. ~~وحقيقة المثل المماثل صورة ومعنى، والنظير كذلك، فلا يعدل عنه إلا عند عدمه. # --- PageV03P148 ~~*** # ولأبي حنيفة وأبي يوسف لو اعتبر المثل من حيث الصورة لما احتيج إلى ~~العدلين، لأنه لا يخفى على أحد، ولما احتيج إلى تحكيم جديد في كل مقتول، ~~ولكن يؤيدهم أن الصحابة أوجبت المثل من حيث الصورة، ففي «الموطأ»: أخبرنا ~~أبو الزبير عن جابر: أن عمر قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنزة، وفي ~~الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة. وروى الشافعي حديثا: أن عمر، وعثمان، ~~وعليا، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ومعاوية قالوا: في النعامة يقتلها المحرم ~~بدنة من الإبل. وفيه ضعف، ولكن أخرجه البيهقي عن ابن عباس قال: في حمامة ~~الحرم شاة، وفي البيضتين: درهم، وفي النعامة: جزور، وفي البقرة: بقرة، وفي ~~الحمار: بقرة. # وفي «سنن أبي داود» عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الضبع، أصيد هي؟ قال: «نعم، يجعل فيه كبش». # --- PageV03P149 ~~*** # والحاصل أنهم ينظرون إلى النظير إن كان الصيد مما له نظير من حيث الخلقة، ~~سواء كانت قيمة نظيره مثل قيمته أو أقل، أو أكثر، ولا ينظرون إلى القيمة. ~~وعندهما لا يجوز النظير إلا أن تكون قيمته مساوية لقيمة المقتول، وحملا ما ~~ورد عن ms0663 الصحابة على مثل هذا. وقالا: إيجاب الصحابة لهذه النظائر لا باعتبار ~~أعيانها بل باعتبار القيمة، إلا أنهم كانوا أرباب المواشي فكان ذلك أيسر ~~عليهم من النقود. وهو نظير ما قال علي كرم الله وجهه: في ولد المغرور يفك ~~الغلام بالغلام، والجارية بالجارية». والمراد القيمة. ثم الجزاء واجب على ~~التخيير المذكور لأن حقيقة «أو» في الآية لأحد الشيئين بلا ترتيب، فلا يعدل ~~عنه. وحملها زفر على الترتيب، فأوجب الهدي أولا، ثم الإطعام، ثم الصيام، ~~لأن الترتيب هو الملائم لحال الجاني إذ في التخيير نوع تخفيف وهو لا يستحق، ~~وكلمة «أو» لا تنفي الترتيب كما في آية قطاع الطريق. والله ولي التوفيق. # --- PageV03P150 ~~*** # (وإن نقصه) أي إن نقص المحرم الصيد، بأن جرحه أو قطع عضوه، أو جذ شعره، ~~أو نتف ريشه، ولو لم يخرجه عن حيز الامتناع (يجب) من قيمته (ما نقص منه) ~~اعتبارا للجزء بالكل كما في حقوق العباد، وهذا إذا برأ الصيد وبقي فيه أثر ~~الجناية. وأما إذا لم يبق فيه أثرها، فلا ضمان عليه لزوال الموجب. وقال أبو ~~يوسف: يلزمه الصدقة للألم، ولو مات الصيد بعدما جرحه ضمن كله، لأن جرحه سبب ~~ظاهر لموته، (فيحال) به عليه، ولو غاب الصيد ولم يعلم به موته أو برؤه، ضمن ~~نقصانه فقط في القياس، لأن ضمان جميعه مشكوك فيه. وفي الاستحسان يلزمه جميع ~~القيمة احتياطا، كمن أخرج صيدا من الحرم ثم أرسله ولا يعلم أدخل الحرم أو ~~لا، يجب قيمته. # (وإن أخرجه عن حيز الامتناع) بأن نتف ريشه كله أو قطع قوائمه (أو كسر ~~البيض فقيمته) كاملة تجب عليه. أما إذا أخرجه عن حيز الامتناع وهو ~~بالطيران، أو بالعدو، أو بدخول الجحر، فلأنه فوت عليه الأمن بتفويت آلة ~~الامتناع، فيغرم جزاءه. وأما إذا كسر بيضه، فلأنه أصل الصيد، فيأخذ حكمه، ~~فعليه قيمة البيض لا قيمة مآل البيض وهو الصيد، وهو مروي عن علي وابن عباس. ~~وقد روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن سفيان الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن ~~ابن عباس أنه قال: ms0664 في بيض النعام يصيبه المحرم ثمنه. # --- PageV03P151 ~~*** # ولو كسر بيضة، فخرج منها فرخ ميت يجب قيمة الفرخ الحي، لأن الظاهر أنه ~~مات بسبب كسر البيضة، ولا شيء عليه في البيض. وقيل: إنما ضمنه إذا علم أنه ~~كان حيا، ومات بسبب الكسر، وأما إن علم أنه كان ميتا، فلا شيء عليه، وإن لم ~~يعلم فالقياس أن لا يجب الجزاء، لأنه لم يعلم حياة الفرخ قبل الكسر. وفي ~~الاستحسان يجب، لأن البيض معد ليخرج منه فرخ حي، والتمسك بالأصل واجب حتى ~~يظهر خلافه. # (وكذا إن ذبح الحلال صيد الحرم) لزمه قيمته ويهدي بها، أو يطعم، ولا ~~يجزئه الصوم. وقال زفر: يجزئه. (أو حلبه) لأن لبن الصيد جزؤه، فأخذ حكم ~~كله. ولو فعل المحرم ذلك لزمه في القياس قيمتان، لوجود الجناية على الإحرام ~~وعلى الحرم، وهو المذهب، وبه قال مالك. وفي الاستحسان قيمة واحدة، لأن حرمة ~~الإحرام أقوى من حرمة الحرم لحصولها في الأماكن كلها، واعتبار الأقوى ~~متعين، فتدخل الجناية على الحرم في الجناية على الإحرام، وبه قال الشافعي. # والحاصل أن صيد الحرم حرام على المحرم والحلال إلا ما استثناه الشارع. ~~فلو قتل محرم صيدا، فعليه جزاء واحد، وليس عليه لأجل الحرم شيء للتداخل، ~~كما لو قتله حلال فعليه جزاء واحد لأجل الحرم، ثم يتعين قيمة صيد الحرم ~~عندنا فيتصدق بها، ولا يجوز الصوم عنه، وأجازه زفر كمالك والشافعي. # --- PageV03P152 ~~*** # (أو قطع) حلال أو محرم (حشيشه) أي حشيش الحرم (أو شجره) لأنه أزال عنه ~~الأمن الذي كان يستحقه، بسبب كونه منسوبا إلى الحرم على الكمال. وذلك بأن ~~نبت بنفسه ولا يكون من جنس ما ينبته الناس، فلو أنبته الناس سواء كان من ~~جنس ما أنبتوه أو لا، (يحل قطعه، لأنه منسوب إلى مالك، وكذا لو) نبت بنفسه، ~~وهو مما ينبته الناس بأن نبت بذر وقع فيه منهم فلا شيء فيه. # (إلا مملوكا) للقاطع، قيدنا به لأنه لو (قطعه) غير مالكه لزمه قيمتان: ~~قيمة بحق الشارع، وقيمة بحق المالك. ولهذا قالوا: لو نبت في ملك رجل ms0665 أم ~~غيلان فقطعها إنسان عليه قيمتها لمالكه، وعليه قيمتها لحق الشرع، بمنزلة ما ~~لو قتل صيدا مملوكا في الحرم. (أو منبتا) بضم الميم وفتح الموحدة سواء ~~كان ما ينبته الناس أو مما ينبت بنفسه، لأن نحوه غير مضاف إلى الحرم بل إلى ~~المنبت (أو جافا) بتشديد الفاء أي يابسا، لأنه ليس بنام فكان حطبا. # (ولا يرعى الحشيش) أي حشيش الحرم، وجوز أبو يوسف كمالك والشافعي رعيه ~~لدفع الحرج عن الزائرين والمقيمين. # (ولا يقطع شيئا منه إلا الإذخر # --- PageV03P153 ~~*** # بالذال والخاء المعجمتين نبت معروف. روى أصحاب الكتب الستة من حديث أبي ~~هريرة قال: «لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة، قام فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: إن الله حبس عن مكة الفيل بالفاء، وفي رواية: القتل ~~(أو الفيل، على الشك) وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من ~~نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها أي لا يقطع ولا ينفر ~~صيدها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد أي معرف فقال العباس: ~~إلا الإذخر، فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال صلى الله عليه وسلم إلا الإذخر» . ~~وفي رواية للبخاري: «إلا الإذخر إلا الإذخر». مكررا. # والخلا بالقصر الحشيش الرطب، واختلاؤه: قطعه. وقوله: «لا تحل ساقطتها: ~~أي ما سقط فيها بغفلة المالك، وهي اللقطة فقيل: ليس لواجد لقطة مكة غير ~~التعريف، ولا يملكها أبدا، ولا يتصدق بها إلا أن يظفر بصاحبها بخلاف لقطة ~~سائر البقاع، وهو أظهر قولي الشافعي. والأكثرون على أنه لا فرق بين لقطة ~~الحرم والحل. وقالوا معنى: «إلا لمنشد» أنه يعرفها كما في سائر البقاع حولا ~~كاملا، حتى لا يتوهم (أنه) إذا نادى عليها وقت الموسم، فلم يظفر بمالكها، ~~جاز تملكها. وقوله: «لقبورنا وبيوتنا» لأنه يسد به فرج اللحد المتخلل بين ~~اللبنات، ويسقف به البيت فوق الخشب. # --- PageV03P154 ~~*** # فإن قلت: ليس في كلام العباس ما استثني إلا الإذخر منه، فما المستثنى ~~البيت منه؟ قلت: مثله ليس مستثنى، بل هو تلقين بالاستثناء، كأنه قال: قل يا ms0666 ~~رسول الله: لا يختلى خلاها إلا الإذخر. والواقع في لفظه صلى الله عليه وسلم ~~ظاهر أنه استثناء من كلامه السابق، كذا أفاده الكرماني في «شرح البخاري». ~~وروي أن ابن عمر قطع دوحة كانت في موضع الطواف تؤذي الطائفين وتصدق ~~بقيمتها. # والحاصل أن كل شجر أنبته الناس وهو من جنس ما ينبتونه كالزرع، وما أنبته ~~الناس وليس مما ينبتونه عادة كالأراك، وما نبت بنفسه وهو من جنس ما ~~ينبتونه، فهذا يحل قطعه ولا جزاء فيه، لأن الناس يزرعون ويحصدون في الحرم ~~من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير منكر، ولا ~~زجر زاجر. وكل ما نبت بنفسه وهو من جنس ما لا ينبتونه كأم غيلان، فهذا ~~محظور القطع على المحرم والحلال، مملوكا أو غير مملوك، إلا اليابس، ~~والإذخر، وذلك لأن حرمة أشجار الحرم كحرمة صيده، فإن صيده يأوي إلى أشجاره ~~ويستظل بظلها، ويتخذ أوكارا على أغصانها. # فكما تجب القيمة في صيد الحرم على من أتلفه، فكذلك تجب(القيمة) على من ~~قطعه. ويجوز للمحرم أن يقطع شجر الحل وحشيشه، رطبا ويابسا. ثم مجمل ما احتج ~~به أبو حنيفة ومحمد على تحريم رعي حشيش الحرم قوله صلى الله عليه وسلم «لا ~~يختلى خلاها ». وفي رعي الدواب ارتكاب المنهي عنه، لأن مشافر الدواب ~~كالمناجل. # --- PageV03P155 ~~*** # ولهم أن الذين يدخلون الحرم للحج والعمرة يكونون على الدواب لا يمكنهم ~~منعها من رعيها، إذ في ذلك من الحرج ما لا يخفى، حتى قال ابن أبي ليلى: لا ~~بأس بأن يحتش ويرعى لأجل الضرورة والبلوى، فإنه يشق على الناس حمل العلف ~~للدواب من خارج الحرم. # ولقائل أن يقول: احتياج أهل مكة إلى حشيش الحرم لدوابهم فوق احتياجهم ~~الإذخر لعدم انفكاكها عنهم، وأمرهم برعيها خارج الحرم في غاية المشقة، إذ ~~أقرب حل الحرم جهة التنعيم، وهي نحو أربعة أميال، والجهات الأخر: سبعة ~~وثمانية وعشرة، كما فصلناها عند ذكر المواقيت. ولو حرم رعيه لخرج بها ~~الرعاء كل يوم مانعين لها إلى إحدى الجهات في زمن، ثم ms0667 عادوا في مثله، وقد ~~لا يبقى من النهار وقت ترعى فيه الدواب إلى أن تشبع، على أن أصل جعل الحرم ~~إنما كان ليأمن أهله على أنفسهم وأموالهم، فلو لم يجز لهم رعي حشيشه ~~لتخطفوا كغيرهم، قال الله تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا يتخطف ~~الناس من حولهم}، ذكره في معرض الامتنان عليهم، حيث كانت العرب حول مكة ~~يغزو بعضهم بعضا ويتغارون ويتناهبون، وأهل مكة قارون آمنون فيها لا يغزون ~~ولا يغار عليهم مع قلتهم. # --- PageV03P156 ~~*** # بل وفي قوله صلى الله عليه وسلم «لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها»، ~~وسكوته عن نفي الرعي إشارة إلى جوازه، إذ معنى لا يعضد ولا يختلى: لا يقطع، ~~ولو كان الرعي مثله لبينه، ولا مساواة بينهما ليلحق به دلالة، إذ القطع فعل ~~من يفعل، والرعي فعل العجماء وهو جبار وعليه عمل الناس. وليس في النص دلالة ~~على نفي الرعي ليلزم من اعتبار البلوى معارضته بخلاف الاحتشاش الذي قال به ~~ابن أبي ليلى. هذا، ويجوز أخذ كمأة الحرم، لأنها ليست من نبات الأرض، بل هي ~~مودعة فيها. وكذلك لا بأس بإخراج حجارة الحرم عندنا، وقد نقل عن ابن عباس ~~وابن عمر أنهما كرها ذلك، وبه قال الشافعي. قال شمس الأئمة السرخسي: ولسنا ~~نأخذ بهذه العادة الجارية الظاهرة فيما بين الناس بإخراج القذور ونحوها من الحرم. # (وبقتل قملة) أي من بدنه، فإنه لو قتل قملة من الأرض أو من غيره، لا شيء ~~عليه، وكذا لو قتل محرم قمل غيره لا شيء عليه. ولو قال محرم لحلال: ارفع ~~عني هذه القملة، أو أمره بقتلها، أو أشار إليها فقتلها، فعلى الآمر الجزاء، ~~والدلالة فيها موجبة كما في الصيد. # --- PageV03P157 ~~*** # (أو) قتل (جرادة صدقة وإن قلت) ككف من الطعام وكسرة من خبز. أما القملة ~~فلأنها متولدة من بدنه، فيكون قتلها من قضاء التفث، وفي إزالتها ارتفاق، ~~والقملتان والثلاث كالواحد. ولو قتل قملا كثيرا وهو ما زاد على الثلاث ~~بالغا ما بلغ أطعم نصف صاع من بر. وإلقاؤها على الأرض كقتلها. ولو ms0668 وضع ~~ثوبه في الشمس ليقتل قملة فماتت فعليه الجزاء. ولو وضع ثوبه في الشمس ولم ~~يقصد قتل القمل لا شيء عليه، كما لو غسل ثوبه فمات القمل. # وأما الجرادة فلأنها من صيد البر، لما روى مالك في «الموطأ» من حديث يحيى ~~ابن سعيد: أن رجلا سأل عمر عن جرادة قتلها وهو محرم، فقال عمر لكعب: تعال ~~حتى تحكم، فقال كعب: درهم، فقال عمر: إنك لتجد الدراهم، لتمرة خير من ~~جرادة. وعليه كثير من العلماء، لكن يشكل عليه ما ورد في «سنن أبي داود ~~والترمذي» عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة ~~أو عمرة فاستقبلنا رجل من جراد بكسر الراء، أي قطعة عظيمة منه فجعلنا ~~نضربه بسياطنا وقسينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلوه، فإنه من ~~صيد البحر». # وعلى هذا لا يكون فيه شيء أصلا. وتبع عمر أصحاب المذاهب، كذا ذكره ابن ~~الهمام، وسكت عن تحقيق المرام. # --- PageV03P158 ~~*** # وفي «حياة الحيوان» للعلامة الدميري: أن الجراد نوعان: بري وبحري، لما ~~روى ابن ماجه عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على جراد فقال: ~~«اللهم أهلك كباره، وأفسد صغاره، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا ~~وأرزاقنا فإنك سميع الدعاء»، فقال رجل: يا رسول الله كيف تدعو على جند من ~~أجناد الله بقطع دابره؟ قال: «الجراد نثره الحوت مفي البحر» أي عطسته . ~~والمراد أن الجراد من صيد البحر يحل للمحرم صيده. وبه قال أبو سعيد الخدري، ~~فإنه قال: لا جزاء فيه. وحكاه ابن المنذر عن كعب الأحبار، وعروة بن الزبير، ~~فإنهم قالوا: هو من صيد البحر لا جزاء فيه. # واحتج لهم بحديث أبي المهزم عن أبي هريرة قال: أصبنا ضربا من الجراد، ~~فكان رجل يضرب بسوط وهو محرم، فقيل: إن هذا لا يصلح، فذكر للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «إنما هو من صيد البحر». رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. ~~واتفقوا على تضعيفه بضعف أبي المهزم، ثم قال: والصحيح أنه بري، لأن المحرم ~~يجب ms0669 عليه الجزاء إذا أتلفه عندنا، وبه قال عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن ~~عباس، وعطاء. قال العبدي: وهو قول أهل العلم كافة إلا أبا سعيد الخدري. ~~فقيل: حديث أبي داود والترمذي منسوخ أو غير ثابت، أو مؤول بأنه مثل صيد ~~البحر من حيث عدم الاحتياج إلى ذبح مثله. # --- PageV03P159 ~~*** # (ولا شيء بقتل غراب) في الحرم والإحرام، وهو الغراب الأبقع الذي يأكل ~~الجيف دون ما يأكل الزرع. والأبقع: ما خالط بياضه لون آخر (وحدأة) دويبة ~~على وزن عنبة (وعقرب وحية وفأرة) سواء كانت أهلية أو وحشية (وكلب عقور) وهو ~~المعروف عند الناس. وبه قال الأوزاعي، وألحقوا به الذئب. # قال ابن الهمام: اسم الكلب يتناول السباع بأسرها، يدل عليه أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال داعيا على عتبة بن أبي لهب: «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، ~~فافترسه سبع أي أسد ». وقيل: الكلب العقور: يقال لكل عاقر حتى اللص ~~المقاتل. وقيل: المراد به الذئب، وقيل: الأسد. وعن أبي حنيفة أن العقور ~~وغير العقور والمستأنس والمتوحش سواء في عدم لزوم الجزاء، لأن المعتبر في ~~ذلك الجنس لا الوصف، إلا أن الكلب الأهلي إذا لم يكن مؤذيا لا يحل قتله، ~~لأن الأمر بقتل الكلاب قد نسخ فيقيد القتل بوجود الإيذاء. # --- PageV03P160 ~~*** # روى مسلم والبخاري من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، ~~والكلب العقور». وفي لفظ لمسلم: «الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب ~~العقور، والحديا وهي تصغير الحدأة ». وفيهما أيضا عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «خمس من الدواب ليس على محرم في قتلهن جناح: ~~العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب، والحدأة». وفي «سنن أبي داود» عن ~~أبي سعيد الخدري: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يقتله المحرم، قال: ~~«يقتل المحرم: الحية، والعقرب، والفويسقة، والكلب العقور، والحدأة، والسبع ~~العادي، ويرمي الغراب ولا يقتله». والمراد به غير الأبقع: وهو الذي يأكل ~~الزرع، وإنما يرميه لينفيه عن الزرع. وقال الشافعي وأحمد ms0670 والثوري: المراد ~~بالكلب العقور: كل عاقر، أي جارح مفترس غالبا، كالأسد، والنمر، والذئب، ~~والفهد. # (وبعوض) أي بق، ومفرده بعوضة (وبرغوث) بضمتين (وقراد) بضم أوله لأنها ~~مؤذية بطبعها وليست بصيد ولا متولدة من البدن، وكذا النملة، مؤذية أو لا، ~~لا شيء في قتلها إلا أن النمل الذي لا يؤذي لا يقتل (وسلحفاة) بضم ففتح ~~فسكون: حيوان معروف، وليس بصيد لأنه يؤخذ من غير حيلة، ولأنها من الحشرات ~~فأشبهت الخنافس والوزغات (وسبع صائل) أي مستطيل، أو واثب من الصولة: وهي ~~الحملة. وقال زفر: يجب فيه القيمة، لأن عصمته لا تزول بصولته، ولهذا لو صال ~~جمل على رجل فقتله يجب فيه القيمة. # --- PageV03P161 ~~*** # ولنا ما روى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سئل ما يقتل المحرم، فقال: «العقرب، والفويسقة وهي الفأرة تصغير ~~الفاسقة ، والغراب، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي». والفرق بين ~~السبع الصائل، والجمل الصائل: أن السبع الصائل أذن مالكه وهو الله تعالى ~~في قتله. والجمل الصائل لم يأذن مالكه وهو العبد في قتله. # قال ابن الهمام: وطولب بالفرق بينه وبين العبد إذا صال بالسيف على إنسان ~~فقتله المصول عليه لا يضمنه، مع أنه لا إذن له أيضا من مالكه. وأجيب بأن ~~العبد مضمون في الأصل حقا لنفسه بالآدمية لا للمولى، لأنه مكلف كسائر ~~المكلفين، ألا ترى أنه لو ارتد أو قتل يقتل. وإذا كان ضمان نفسه في الأصل ~~له سقط بمبيح جاء من قبله وهو المحاربة ومالية المولى فيه وإن كانت ~~متقومة مضمونة له، فهي تبع بضمان النفس، فيسقط التبع في ضمن سقوط الأصل. انتهى. # --- PageV03P162 ~~*** # وفي «مواهب الرحمن»: نوجب نحن ومالك الجزاء بقتل السباع في ظاهر الرواية، ~~إذ كلها صيود. وعن أبي يوسف أن الأسد كالكلب العقور، وكذا الذئب. وفي ~~«البدائع» تصريح بحل قتل الأسد، والفهد، والنمر. أقول: ويمكن الجمع بالحمل ~~على العادي وغيره. ولم يوجب الشافعي في السباع مطلقا، لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما استثنى الخمس، لأن من طبعها الأذى، فكل ما يكون من ms0671 طبعه ~~الأذى فهو بمنزلة الخمس مستثنى من نص التحريم. فصار كأن الله تعالى قال: لا ~~تقتلوا غير المؤذي من الصيود. وأجيب بأن ما سوى الخمس في معنى الإيذاء دون ~~الخمس، لأن الخمس من طبعها البداية بالأذى، وما سواها لا يؤذي إلا أن يؤذى، ~~فلم يكن في معنى المنصوص ليلحق به. # ثم لا يتجاوز جزاء غير المأكول شاة، وأوجب زفر قيمته بالغة ما بلغت ~~اعتبارا بمأكول اللحم، فإن الواجب لحق الله تعالى معتبر بالواجب لحق ~~العباد، وهناك لا فرق بين مأكول اللحم وغيره، فههنا لا فرق بينهما أيضا، ~~فإما أن يقال تجب القيمة بالغة ما بلغت في الموضعين جميعا، أو لا يجاوز ~~بالقيمة شاة في الموضعين. وحجتنا في ذلك: أن فيما لا يؤكل لحمه وجوب الجزاء ~~باعتبار معنى الصيدية فقط، لا باعتبار عينه فإنه غير مأكول، وباعتبار معنى ~~الصيدية يكون مرتكبا محظور إحرامه، فلا يلزمه أكثر من شاة كسائر محظورات ~~الإحرام. # --- PageV03P163 ~~*** # وأما في مأكول اللحم فوجوب الجزاء باعتبار عينه، لأنه (مفسد) للحمه بفعله ~~فتجب قيمته بالغة ما بلغت، وكذلك في حقوق العباد، ووجوب الضمان ليس باعتبار ~~الملك بل العين، فيقدر (بقدر) قيمة العين، ثم زيادة القيمة في الفهد والنمر ~~والأسد لمعنى تفاخر الملوك بها، لا لمعنى في الصيدية، وذلك غير معتبر في ~~(حق) المحرم، فلهذا لا يلزمه أكثر من شاة إن كان مفردا بالحج أو العمرة، ~~وإن كان قارنا لا يجاوز ما وجب عليه شاتين. # (وله ذبح الحيوان الأهلي) إجماعا، وهو الشاة، والبقرة، والبعير، ~~والدجاجة، والبط، والأوز الذي يكون في المساكن والحياض ولا يطير، لأن ذلك ~~ليس بصيد لعدم التوحش. والحمام صيد ولو كان مستأنسا أو مسرولا، لأنه متوحش ~~بأصل الخلقة، والاستئناس عارض، فلم يعتبر، كالبعير إذ ند لا يأخذ حكم الصيد ~~في حق الحرمة على المحرم. ويجب الجزاء بقتل خنزير، وقرد، وفيل. ونفاه زفر، ~~لأنها مما يمسك في البيوت فهي مستأنسة، فكانت في حكم الأهلي. ولنا أنها ~~مستوحشة بطبعها، ممتنعة بقوائمها وأنيابها حسب طاقتها، فكانت صيدا ~~فتناولتها الآية، والاستئناس العارض ms0672 لا يصيرها في حكم الأهلي، كالظبي ~~المستأنس. # --- PageV03P164 ~~*** # (وأكل ما صاده حلال وذبحه) بفتح الموحدة، عطف على صاده أي وللمحرم أن ~~يأكل ما فعل الحلال فيه مجموع الاصطياد والذبح. سواء صاده لأجل حلال أو ~~لأجل محرم، فلو صاده حلال فذبح له محرم أو عكسه، فهو ميتة. وهذا الحكم إذا ~~صاده حلال (بلا دلالة محرم وأمره) وقال مالك والشافعي: إذا صاد حلال صيدا ~~لأجل محرم، لا يحل للمحرم أكله، لما روى أبو داود، والترمذي، والنسائي من ~~حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «صيد ~~البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم». والخطاب للمحرمين، كذا ذكره ~~الشارح. # وقال ابن الهمام: الحديث على ما في «السنن الثلاثة» عن جابر: «لحم الصيد ~~حلال (لكم) ما لم تصيدوه أو يصاد لكم»، هكذا بالألف في «يصاد». قلت: العطف ~~بحسب المعنى، والتقدير: أو ما لا يصاد لكم. # ولنا ما روى مسلم من حديث معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان عن أبيه قال: كنا ~~مع طلحة بن عبيد الله، ونحن حرم، فأهدي إليه طير، وطلحة راقد، فمنا من أكل، ~~ومنا من تورع، فلما انتبه أخبر، فوافق من أكله وقال: أكلناه مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # لكن قد يقال: إنه ليس فيه نص على أن الصيد كان لأجل المحرمين، فلا يتم ~~الاستدلال. وفي «الموطأ» من حديث هشام بن عروة، عن أبيه: أن الزبير بن ~~العوام كان يتزود صفيف الظباء في الإحرام. والصفيف بمعجمتين بينهما مثناة ~~من تحت ما يصف من اللحم على اللفم لينشوي. وهو أيضا غير تمام، إذ لا دلالة ~~فيه على كون الاصطياد له وقع بعد إحرامه. # --- PageV03P165 ~~*** # قال ابن الهمام: وفي «مسند أبي حنيفة»: عن هشام بن عروة (عن أبيه)، عن ~~جده الزبير بن العوام قال: كنا نحمل الصيد صفيفا، وكنا نتزوده ونأكله ونحن ~~محرمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واختصره مالك. # وحاصله: نقل وقائع أحوال فيه لا عموم لها، فيجوز كون ما كانوا يحملون ms0673 من ~~لحوم الصيد للتزود ومما لم يصد لأجل المحرمين، بل هو الظاهر، لأنهم يتزودون ~~من الحضر ظاهرا، والإحرام بعد الخروج من الميقات، فالأولى بالاستدلال على ~~أصل المطلوب حديث أبي قتادة على وجه المعارضة على ما في «الصحيحين»، فإنهم ~~لما سألوه صلى الله عليه وسلم لم يجب بحله لهم حتى سألهم عن موانع الحل، ~~أكانت موجودة أم لا؟ فقال صلى الله عليه وسلم «أمنكم أحد أمره أن يحمل ~~عليها أو أشار إليها؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا إذا». فلو كان من الموانع أن ~~يصاد لهم لنظم في سلك ما يسأل عنه منها في التفحص عن الموانع، فيجب ما يحكم ~~عند خلوه عنها. وهذا المعنى كالصريح في نفي كون الاصطياد لهم مانعا، فيعارض ~~حديث جابر ويقدم عليه لقوة ثبوته، إذ هو في «الصحيحين» وغيرهما من الكتب ~~الستة بخلاف ذلك. انتهى. # وأجاب الطحاوي عن حديث جابر: بأن معناه: أو يصاد لكم بأمركم ، توفيقا بين ~~الحديثين: فإن الغالب في عمل الإنسان لغيره أن يكون بطلب منه، فليكن محمله ~~هذا دفعا للمعارضة، وبأن اللام للملك # ، والمعنى أن يصاد ويجعل له، فيكون تمليك عين الصيد من المحرم وهو ممتنع ~~أن يتملكه، فيأكل من لحمه. # --- PageV03P166 ~~*** # هذا، وفي «آثار محمد بن الحسن»: أخبرنا أبو حنيفة، عن محمد بن المنكدر، ~~عن عثمان بن محمد، عن طلحة بن عبيد الله قال: تذاكرنا لحم الصيد يأكله ~~المحرم والنبي صلى الله عليه وسلم نائم، فارتفعت أصواتنا فاستيقظ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: «فبم تنازعون؟» قلنا: في لحم الصيد يأكله المحرم، ~~فأمرنا بأكله. # وفي «آثار الطحاوي» عن عمير بن سلمة (الضمري) قال: بينما نحن نسير مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض أفناء الروحاء وهو محرم، إذا حمار معقور ~~فيه سهم قد مات، فقال صلى الله عليه وسلم «دعوه فيوشك صاحبه أن يأتيه». ~~فجاء رجل من بهز وهو الذي عقر الحمار فقال: يا رسول الله، هذه رميتي ~~فشأنكم به، فأمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يقسمه بين الرفاق، وهم ms0674 ~~محرمون. # وفي «سنن أبي داود»: أن الحارث بن نوفل وكان خليفة عثمان على الطائف ~~صنع لعثمان طعاما فيه من: الحجل، واليعاقيب، ولحم الوحش، فبعث إلى علي ~~فجاءه الرسول وهو يخبط لأباعر له، فجاءه وهو ينفض الخبط عن يديه، فقالوا ~~له: كل، فقال: أطعموه قوما حلالا فأنا محرم، ثم قال علي: أنشد من كان ههنا ~~من أشجع: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إليه رجل حمار وحش ~~وهو محرم فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم. ورواه الطحاوي في «شرح الآثار» ولم ~~يقل: أنشد من كان ههنا...إلى آخره، وإنما قال: فقال علي: {أحل لكم صيد ~~البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما}. # --- PageV03P167 ~~*** # قال الطحاوي وقد خالف عليا في ذلك عمر، وأبو هريرة، وعائشة، وطلحة بن ~~عبيد الله. ثم أخرج عن علي بن المبارك: حدثنا يحيى بن أبي سلمة، عن أبي ~~هريرة: أن رجلا من أهل الشام استفتاه في لحم الصيد وهو محرم، فأمره بأكله، ~~قال: فلقيت عمر فأخبرته بمسألة الرجل، فقال: بم أفتيته؟ قلت: بأكله، قال: ~~والذي نفسي بيده لو أفتيته بغير ذلك لعلوتك بالدرة، إنما نهيت أن تصطاده. ~~وأخرج عبد الله بن شماس عن عائشة قالت في لحم الصيد يصيده الحلال ثم يهديه ~~للمحرم : ما أرى به بأسا. # قال: وأما الآية فمعناها: وحرم عليكم قتل صيد البر، بدليل قوله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ولم يقل: لا تأكلوا. ~~انتهى. وقد قدر المضاف، والأظهر أن الصيد في الآية الأولى بمعنى الاصطياد، ~~وفي الثانية بمعنى الصيد، لتفيد الآيتان الحكمين المحرمين على المحرمين، ~~وهما الاصطياد وقتل الصيد، فإنهما متغايران. وأكل المحرم المضطر ميتة أولى ~~من أكل الصيد يصيده، هو عند أبي حنيفة، وهو رواية عن أبي يوسف، وفي أخرى: ~~بعكسه، ويلزمه الجزاء. وقال زفر: يتناول من الميتة لا غير. # --- PageV03P168 ~~*** # (ومن دخل الحرم بصيد أرسله) فيه، لأنه بدخول الحرم صار من صيده، فلا يجوز ~~التعرض (له) كما إذا دخل بنفسه. وفي المسألة خلاف ms0675 مالك والشافعي: فلو أدخل ~~الحجل واليعاقيب الحرم أحياء، يثبت الأمن فيها، فلا يحل تناول شيء منها، ~~وهو مروي عن عائشة، وابن عمر، والحسين بن علي. فلو ذبحها قبل أن يدخلها ~~الحرم، فلا بأس بتناولها في الحرم، لأنه إنما أدخل اللحم في الحرم، واللحم ~~ليس بصيد، وأكل القاتل المحرم من الصيد بعد أداء الجزاء، يوجب قيمة ما أكل ~~عند أبي حنيفة، ونفيا وجوبها، لأن صيد الحرم كالميتة، وتناولها لا يوجب إلا ~~الاستغفار، وصار كأكله قبل أداء الجزاء، وكغير القاتل في عدم لزومه بالأكل ~~منه محرما كان أو حلالا، وكأكل حلال صيد الحرم في عدم لزومه بالأكل منه. # (ورد بيعه) أي بيع الحلال صيدا أدخله في الحرم (إن بقي) الصيد في يد ~~المشتري، سواء بيع في الحرم أو الحل بعد ما أدخله في الحرم (وإلا) أي وإن ~~لم يبق الصيد (جزى) البائع، لأن البيع فاسد لاشتماله على التعرض للصيد، ~~فيجب رده وإرسال الصيد إن كان باقيا، وقيمته إن كان فانيا (كبيع المحرم ~~صيدا) من محرم أو حلال، حيث يرد البيع إن كان الصيد قائما، وتلزمه القيمة ~~إن كان فانيا، لأن البيع فاسد لاشتماله على تعرض المحرم للصيد. # --- PageV03P169 ~~*** # (لا صيدا) أي لا يرسل المحرم صيدا (معه، إذا أحرم) وهذا إذا كان الصيد في ~~قفصه أو رحله، أما إذا كان في يده فإنه يرسله اتفاقا، لأن الواجب عليه ترك ~~التعرض له، وليس في تركه في القفص تعرض له. غاية الأمر أنه على ملكه ولا ~~معتبر ببقاء الملك، بل ولا يزول ملكه بالإرسال، حتى لو أرسله وأخذه إنسان ~~يسترده إذا تحلل من إحرامه. وقيل: إذا كان القفص في يده لزمه إرساله، لكن ~~على وجه لا يضيع ملكه: بأن يخليه في بيته، وإن لم يرسله حتى مات في يده ~~لزمه جزاؤه. # وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن أبي بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، ~~عن عبد الله بن الحارث قال: كنا نحج ونترك عند أهلنا شيئا من الصيد ما ~~نرسلها. وروي أيضا عن ms0676 عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن مجاهد: أن عليا رأى مع ~~بعض أصحابه داجنا من الصيد وهم محرمون، فلم يأمرهم بإرساله. والداجن بكسر ~~الجيم : الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم. وقال الشافعي: بلزوم إرساله، ~~لأنه متعرض للصيد بإمساكه في ملكه، وذا حرم بسبب الإحرام، فيلزمه إرساله ~~كما كان في يده. # ولنا ما قدمنا، وأن ذلك جرت به العادة الغاشية من لدن الصحابة. ومن بعدهم ~~إلى الآن، يحرمون وفي بيوتهم حمام في أبراج، وعندهم دواجن وطيور لا ~~يطلقونها، وهي من إحدى الحجج، فدلت على أن استبقاءها في الملك محفوظة بغير ~~اليد ليس هو التعرض الممتنع. ولم يأمره مالك بإرساله من يده أيضا، كما لو ~~كان في بيته وقفصه. # --- PageV03P170 ~~*** # (ومن أرسل صيدا) كائنا (في يد محرم) ففيه تفصيل: (إن أخذه) أي صاده ذلك ~~المحرم حال كونه (حلالا ضمن) مرسله عند أبي حنيفة كالمرسل من قفصه وهو ~~القياس، ونفيا الضمان عنه كالصيد بعد الإحرام وهو استحسان، لأنه محسن بأمره ~~بالمعروف، {وما على المحسنين من سبيل} وهذا نظير اختلافهم فيمن أتلف معازف ~~غيره من الملاهي: كالمزمار والبربط، فعنده يضمن قيمته لغير لهو، وعندهما لا ~~يضمن. فلهما أنه يجب عليه إرساله، فإذا فعله غيره حسبة لم يضمن، لأنه أمر ~~بالمعروف ونهي عن المنكر، كمن أراق خمر مسلم. # وله أنه أتلف ملكه بإرساله فيضمنه، وهذا لأن الصيد قبل إحرامه كان ملكا ~~له متقوما، ولم يبطل تقومه بإحرامه، حتى لو أرسل، ثم وجده بعد الإحرام في ~~يد شخص كان له أن يأخذه منه، فالمرسل أتلف عليه ملكا متقوما له فيضمنه، ~~بخلاف إراقة الخمر لأنه ليس بمتقوم، والواجب عليه رفع يده، ولو رفعه بنفسه ~~لرفعه على وجه لا يفوت ملكه بعد ما يحل من إحرامه، فإذا فوت المرسل ملكه ~~فقد زاد عليه ما بحقه فيضمنه. وقيد: «بأنه أخذه حال كونه حلالا» لأنه لو ~~أخذه حال كونه محرما لا يضمن مرسله باتفاق، لأن المحرم لا يملكه. # (وإن قتل محرم صيد محرم) فكل يجزي، لأن الآخذ متعرض للصيد بأخذه، ms0677 والقاتل ~~متعرض له بقتله (ورجع آخذه) بما ضمن إذا كفر بالمال (على قاتله) وإن كفر ~~بالصوم فلا. وقال زفر: لا يرجع، لأنه في مقابلة صنعه. ولنا أن القاتل قرر ~~بقتله ما كان على شرف الزوال، لأن الآخذ كان متمكنا من الإرسال فيضمن، ~~كشهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا، حيث يرجع الزوج بما ضمنه من نصف المهر عليهم. # --- PageV03P171 ~~*** # (وما به دم) واحد (على المفرد) بالحج أو العمرة (فعلى القارن دمان) دم ~~لحجته، ودم لعمرته، لأنه متلبس بإحرامين وقد جنى عليهما، وكذا ما يقوم مقام ~~الدم من الصدقة والصوم (إلا بجواز الوقت) بكسر الجيم أي بمجاوزة الميقات ~~المكاني (غير محرم بهما) فإن القارن يلزمه دم واحد عندنا، لأن المستحق عليه ~~عند الميقات إحرام واحد، وقد فوته. ولهذا لو أحرم من الميقات بالعمرة ثم ~~أحرم داخل الميقات بالحج لا يجب عليه شيء، لكن لو أحرم بالحج من الحل ~~وبالعمرة من الحرم أو بهما من الحرم، فعليه دمان. وهذا كله إذا مضى على ~~إحرامه ذلك ولم يعد، أما إذا عاد إلى الميقات قبل الطواف وجدد التلبية ~~والإحرام، سقط عنه الدم خلافا لزفر. # وكذا بقطع شجر الحرم، وترك الوقوف بمزدلفة، والإفاضة قبل الإمام من عرفة، ~~والحلق قبل الرمي، والحلق قبل الذبح، وتأخير الحلق عن أيام النحر، وتأخير ~~الذبح عنها، وترك الجمار، وترك أحد السعيين، وترك طواف الصدر، عليه دم واحد ~~في جميع هذه الصور، لأنها لا تتعلق بإحراميه. وكذا لو نذر حجة أو عمرة ~~ماشيا فقرن وركب فعليه دم واحد. وكذا لو طاف للزيارة جنبا أو على غير وضوء ~~أو للعمرة كذلك، فعليه جزاء واحد، وإن طاف لهما كذلك، فعليه جزاآن. # --- PageV03P172 ~~*** # (ويثنى جزاء صيد قتله محرمان) لأن كل واحد منهما جنى على الصيد جناية ~~تفوق الدلالة، وهو أعم من أن يكون صيد الحرم أو الحل. ولو كانوا عشرة فعلى ~~كل واحد منهم جزاء كامل. (واتحد) الجزاء (لو قتل صيد الحرم حلالان) لأن ~~الواجب فيه بدل المحل لا جزاء الفعل، ولهذا لا يتأدى بالصوم. فلا يتعدد ms0678 ~~الجزاء إلا بتعدد المحل، ولا تعدد هنا. ولو قتل محرم صيودا على قصد التحلل. ~~بالأول يكفيه جزاء واحد عندنا، وألزمه مالك والشافعي عن كل صيد جزاء. # (باع المحرم صيدا أو شراه بطل) لأن في بيعه وشرائه تعرضا له، ولأن المحرم ~~لا يملك الصيد لا بالشراء، ولا بالهبة، ولا بالإرث، ولا بالوصية، فإن قبضه ~~بعد الشراء دخل في ضمانه، فإن هلك في يده لزمه الجزاء لحق الله تعالى، ~~والقيمة لمالكه. وكذا لو وهب محرم صيدا من محرم فهلك عنده، فعليه جزاآن، ~~لحق الله، وضمان لصاحبه، لفساد الهبة. ولو رده المشتري على البائع فعليه ~~جزاء واحد حقا لله تعالى، لتعديته بالتسليم. # (ولو ذبحه) أي المحرم الصيد (حرم) على الذابح وعلى غيره، لقوله تعالى: ~~{وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} كذا علله الشارح، والأظهر أنه لكونه ~~كالميتة أو كذبح المجوسي، وكذا ما ذبحه الحلال من صيد الحرم. # --- PageV03P173 ~~*** # (ولو أكل) المحرم الذابح من الصيد (غرم قيمة ما أكل) عند أبي حنيفة. ~~وقالا: لا شيء عليه إلا الاستغفار. وهذا الخلاف إذا أكل بعد الجزاء، وأما ~~إذا أكل قبله فيدخل قيمة ما أكل في الجزاء اتفاقا (لا محرم) أي لا يغرم ~~قيمة ما أكل من لحم الصيد محرم (لم يذبح) باتفاقهم. ولو اضطر محرم إلى أكل ~~الميتة فقتل صيدا، فعليه الجزاء، لأن الإذن للمضطر بحلق الرأس مقيد ~~بالكفارة، فكذا هذا. ولو اضطر المحرم إلى أكل الميتة (وقتل الصيد، يأكل ~~الميتة ولا) يقتل الصيد. ولو وجد المحرم المضطر صيدا ومال مسلم، يأكل ~~الصيد، لأن حرمته لحق الله تعالى وحده. # (ولدت ظبية أخرجت من الحرم) ولم يؤد جزاؤها (وماتا) أي الظبية وولدها في ~~الحل، وكذا إن لم يعلم عودهما إلى الحرم (غرمهما) المخرج، سواء كان حلالا ~~أو حراما، لأن الصيد بعد الإخراج من الحرم مستحق الرد إلى مأمنه، وهو ~~الحرم، فسرى إلى الولد كالرق والحرية. # (وإن أدى جزاءها) أي أعطى جزاء الظبية (ثم ولدت) ثم مات (لم يجزه) أي لم ~~يعط جزاء ولدها، لأنه صيد حل لانعدام ms0679 أثر الإخراج في الظبية بالتكفير عنها، ~~حتى لو أنشأ القتل لم يضمن، ولو باعها بعد ما أخرجها من الحرم جاز، لأنها ~~مملوكة له، ووجوب الإرسال لا ينافي الملك كما لو أخذها وأدخلها الحرم، إلا ~~أنه يكره، لأن ابتداء الفعل وقع معصية، وكذا لو ذبحها يحل أكلها لأنها في الحل. # --- PageV03P174 ~~*** # ويجوز صيد المدينة المشرفة عندنا، ونفاه مالك والشافعي. لهما قوله صلى ~~الله عليه وسلم «إن إبراهيم عليه السلام حرم مكة، وأنا أحرم ما بين ~~لابتيها» يعني المدينة، وقال: «من رأيتموه يصطاد في المدينة فخذوا ثيابه». ~~وحجتنا في ذلك ما روي في «الشمائل»: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى ~~بعض الصبيان في المدينة طائرا، فطار من يده فجعل يتأسف في ذلك، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أبا عمير ما فعل النغير اسم طائر ». وقد ~~بسطت الكلام على هذا المرام في «المرقاة شرح المشكاة». # ثم علماؤنا والشافعي فضلوا مكة على المدينة، ومالك عكس القضية لقوله صلى ~~الله عليه وسلم «اللهم بارك لنا في ثمرنا، (وبارك لنا في مدينتنا)، وبارك ~~لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا. اللهم إن إبراهيم عبدك، وخليلك، ونبيك، ~~وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة، ~~ومثله معه». رواه مسلم. # ولنا حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على الحزورة، فقال: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى ~~الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت». رواه الترمذي وابن ماجه. وحديث ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: «ما أطيبك من بلد، وأحبك ~~إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك». رواه الترمذي، وقال: حديث ~~حسن صحيح غريب إسنادا. وأما دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بمثل دعاء ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإنما كان في الرزق من الثمرات، ولا ريب في ~~أكثرية ثمرات المدينة، وليس هذا بسبب لأفضليتها. # --- PageV03P175 ~~*** # فصل (في الإحصار) # وهو لغة: المنع مطلقا. ms0680 # وشرعا: منع أو عذر شرعي عن الوقوف والطواف معا في الحج، وعن الطواف لا ~~غير في العمرة. # (إن أحصر المحرم بعدو) مسلم أو كافر (أو مرض) أو سبع، أو حبس ولو من غير ~~سلطان أو كسر، أو بموت محرم أو زوج أو بعدة طلاق، أو هلاك نفقة، أو راحلة ~~وعجز عن مشي، أو ضلالة الطريق، أو منع زوج في حج النفل إن أحرمت بغير إذنه. ~~وقال مالك والشافعي: لا إحصار إلا بالعدو، لأن آية الإحصار هي قوله تعالى: ~~{فإن أحضرتم فما استيسر من الهدي} نزلت في حق النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه وكانوا محصورين بالعدو (بدليل) قوله: {فإذا أمنتم}. وفي «الموطأ» ~~عن عبد الله بن عمر أنه قال: من حبس دون البيت بمرض فإنه لا يحل حتى يطوف ~~بالبيت وبين الصفا والمروة. # ولنا أن الإحصار إنما يقال لغة في المرض خاصا كما قال بعضهم، أو فيه وفي ~~غيره عاما. والأول ليس بالإجماع، فتعين الثاني. والعبرة لعموم اللفظ لا ~~لخصوص السبب. وإن الحجاج بن عمرو الأنصاري يقول: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «من كسر أو جرح فقد حل وعليه الحج من قابل». قال عكرمة: فسألت ~~ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق. رواه أصحاب السنن والدارمي، وقال ~~الترمذي: حديث حسن، وزاد في رواية لأبي داود: أو مرض. # --- PageV03P176 ~~*** # وروى الطحاوي من حديث عبد الرحمن بن يزيد قال: أهل رجل بعمرة يقال له : ~~عمير بن سعيد فلدغ، فبينا هو صريع في الطريق إذ طلع عليه ركب فيهم ابن ~~مسعود فسألوه، فقال: ابعثوا بالهدي، واجعلوا بينكم وبينه يوم أمار بفتح ~~الهمزة، أي وقته فإذا كان ذلك فليحلل، ثم عليه عمرة بعد ذلك. وبه عن ~~إبراهيم، عن علقمة قال: لدغ صاحب لنا وهو محرم بعمرة فذكرناه لابن مسعود ~~فقال: يبعث (بهدي) ويواعد أصحابه موعدا، فإذا نحر عنه (حل). وفي الصحيحين ~~عن عائشة: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير فقال لها: ~~لعلك أردت الحج فقالت: والله ما (أجدني) ms0681 إلا وجعة، فقال لها: حجي واشترطي ~~وقولي: اللهم: محلي (حيث) حبستني. وفي البخاري: قال عطاء: الإحصار من كل ~~شيء يحبسه. # (بعث المفرد) بالحج أو العمرة (دما) أو قيمته ليشترى به ويذبح. وأدنى ما ~~يجزىء فيه شاة كالأضحية لقوله تعالى: {فما استيسر من الهدي}، ولو بعث دمين ~~يحل بأولهما، والثاني تطوع (والقارن دمين) لأنه محرم بالحج والعمرة، فلا ~~يتحلل إلا بعد الذبح عنهما. ولو لم يبين أيهما للحج وأيهما بالعمرة لم يضره. # (وعين يوما يذبح فيه) لأن التحلل موقوف على الذبح لقوله تعالى: {ولا ~~تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} أي حتى يذبح في الحرم، فلا بد من علم ~~زمانه حتى يقع التحلل بعد، حتى لو ظن المحصر أن الهدي قد ذبح في الوقت الذي ~~عينه ففعل شيئا من محظورات الإحرام، ثم ظهر عدم الذبح إذ ذاك، لزمه موجب ~~الجناية، وكذا لو ذبح في الحل على ظن أنه الحرم. # --- PageV03P177 ~~*** # (ولو قبل يوم النحر)، وقالا: لا يجوز ذبح دم الإحصار بالحج إلا في يوم ~~(من أيام) النحر، وهو قول مالك لأنه دم تحلل عن الحج، فصار كالحلق فيه. ~~ولأبي حنيفة قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} وهو مطلق في ~~الزمان، ولأنه دم كفارة للتحلل قبل أوانه كدم الإحصار بالعمرة، ولهذا لا ~~يباح التناول منه، ودم الكفارة لا يختص بالزمان. # (وفي حل لا) أي ولو ذبح دم الإحصار في أرض الحل لا يجزىء، لقوله تعالى: ~~{ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}، والمراد به الحرم لقوله تعالى: ~~{ثم محلها إلى البيت العتيق} ، ولما قدمنا عن ابن مسعود في الملدوغ: يبعث ~~بهدي ويواعد أصحابه موعدا. وقال مالك والشافعي: محله حيث يحل ذبحه، وهو ~~مكان أحصر فيه، لحديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا ~~فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم ~~أي صالحهم على أن يعتمره العام القابل ولا يحمل سلاحا ولا يقيم فيها إلا ~~ما أحبوا، فاعتمر العام المقبل (فدخلها) كما كان ms0682 صالحهم، فلما أقام بها ~~ثلاثا أمروه أن يخرج، فخرج. رواه البخاري في الشهادات. # وأجيب بأن الحديبية (نصفها من الحرم) ونصفها من الحل، ومضارب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كانت في الحل، ومصلاه في الحرم، وإنما سبق ببعث الهدايا ~~إلى جانب الحرم منها ونحرت في الحرم. وقد قال الواقدي: الحديبية طرف للحرم ~~على تسعة أميال من البيت. وعن الزهري أنه صلى الله عليه وسلم نحر هديه ~~بالحرم. والله سبحانه أعلم. # --- PageV03P178 ~~*** # (وبذبحه) أي بذبح الذي به بعث المحصر (يحل) أي يحل له أن يحل من إحرامه ~~بفعل أدنى ما يحظره الإحرام، (إذ لا يخرج من الإحرام) بمجرد الذبح، إلا أنه ~~لا حلق عليه ولا تقصير، وإن حلق فحسن، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو ~~يوسف: عليه الحلق، وإن لم يحلق فلا شيء عليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه أحصروا بالحديبية فأمرهم بعد بلوغ الهدايا محلها أن يحلقوا وحلق ~~صلى الله عليه وسلم ولحديث المسور ومروان: أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا...» إلى أن قال: فخرج فنحر بدنة ودعا ~~حلاقا فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، (حتى كاد ~~بعضهم يقتل بعضا غما... الحديث). # ولهما أن الحلق عرف قربة إذا كان مرتبا على أفعال النسك، ولم يوجد أفعاله ~~ههنا، وأمره صلى الله عليه وسلم بالحلق ليعرف المشركون عزمهم على الانصراف، ~~فلا يشتغلون بأمر الحرب، ويحصل الأمن من كيد المشركين. # --- PageV03P179 ~~*** # فإن قيل: كيف يقولان بجواز التحلل للمحصر قبل الحلق مع صريح النهي بقوله ~~تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}، والآية نزلت في حق ~~المحصر، وحيث كان منهيا عن الحلق قبل الغاية كان مأمورا به بعدها، لأن حكم ~~ما بعدها يخالف حكم ما قبلها؟ أجيب بأن الله نهى المحصر عنه حتى يبلغ الهدي ~~محله بهذه الآية، فذاك دليل الإباحة بعد بلوغه محله لا دليل الوجوب كما في ~~سائر المحظورات، مع أن الحلق واجب عليه للإحلال، والدم أقيم مقامه فيستغنى ~~به عنه، ms0683 وفعله صلى الله عليه وسلم وأمره بالحلق إنما كان لأنهم كانوا ~~يمتنعون عن التحلل طمعا في دخول مكة (يرون) التحلل بالحلق، فقطع بالأمر به ~~أطماعهم، تسليما لأمر الله، وانقيادا لحكمه، حتى جاء الله بالنصر والفتح. # هذا، ولا نرى نحن الصوم للمحصر بدل دم الإحصار مجزيا، خلافا لأبي يوسف في ~~رواية، وهو أظهر أقوال الشافعي، فيقوم الدم ويتصدق به، وعند عجزه يصوم عن ~~كل صاع يوما ويتحلل به بمنزلة الهدي في جزاء الصيد، وهذا قول عطاء. وفي ~~«أمالي أبي يوسف»: هذا أحب إلي. وفي قول للشافعي: إذا عجز عن الهدي يصوم ~~مكانه عشرة أيام، عل قياس هدي المتعة. قلنا: هذا كله قياس المنصوص على ~~المنصوص، وإنه لا يجوز، بل المرجع في كل موضع إلى ما وقع التنصيص عليه، ولا ~~يجوز العدول عنه إلى غيره. # --- PageV03P180 ~~*** # (و) يجب (عليه) أي على المحصر (إن حل من حج حج) للزومه بالشروع (وعمرة) ~~لأنه في معنى فائت الحج، فإذا لم يأت بها قضاها، وهو قول ابن مسعود وابن ~~عمر وابن عباس، وهذا إذا لم يقض الحج (من عامه ذلك، وأما إذا قضاه فيه، فلا ~~تجب عليه العمرة، لأنه حينئذ لا يكون بمنزلة فائت الحج). (و) إن حل (من ~~عمرة) فعليه (عمرة) لقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عمرة ~~الحديبية التي أحصروا فيها، وكانت تسمى عمرة القضاء. وقال مالك والشافعي: ~~لا يلزمه القضاء، لأنه صلى الله عليه وسلم تحلل بالحديبية، ولم يأمر ~~بالقضاء. (و) إن حل (من قران) فعليه (حج وعمرتان) لأنه صح شروعه في الحج ~~والعمرة، فيلزمه بالتحلل قضاؤهما وعمرة أخرى، لتركه التحلل بأفعال العمرة. # (وإذا زال إحصاره) بعد أن بعث الهدي، أو ما يشترى به (وأمكنه إدراك الهدي ~~والحج) معا (توجه) حتما للحج لزوال العجز عن الأداء قبل حصول المقصود ~~بالحلق، وصنع بالهدي ما شاء، لأنه عينه لجهة واستغنى عنها. # (وإلا) أي وإن لم يمكنه إدراك الهدي والحج، بأن لم يمكنه إدراك واحد ~~منهما، أو أمكنه إدراك الهدي دون الحج، أو الحج دون ms0684 الهدي، (فله أن يحل) ~~بذبح الهدي المبعوث، أما إذا لم يمكنه إدراك واحد منهما، أو أمكنه إدراك ~~الهدي دون الحج فلعجزه عن الحج. # --- PageV03P181 ~~*** # وإذا أمكنه إدراك الحج دون الهدي فلأنه لو لم يتحلل يضيع هديه، وحرمة ~~المال كحرمة النفس، حتى أباح الشرع القتل دونه فيتحلل، كما إذا خاف على ~~نفسه، لكن الأفضل أن لا يتحلل لفوات شيء قليل من المال وإدراك عظيم من ~~الأعمال، وهذا قول أبي حنيفة وهو استحسان، والقياس قول زفر، وهو رواية ~~الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز التحلل لزوال العجز. # (ومنعه عن ركني الحج) أي الطواف والوقوف (بمكة) أي ولو فيها (إحصار) ~~لعجزه عن أداء ركن من أركان الحج. (و) منعه (عن أحدهما) أي عن الطواف أو عن ~~الوقوف (لا) أي لا يكون إحصارا. أما منعه عن الطواف وحده، فلأن الحج يتم ~~بالوقوف، وهو باق على إحرامه إلى أن يطوف، وأما منعه عن الوقوف وحده، فلأنه ~~يتحلل بالطواف كفائت الحج، ولا حاجة إلى تحلله بالهدي. # (فصل في أحكام الحج عن الغير) # (ومن عجز) أي عن حج الفرض، فإن حج النفل لا يشترط فيه العجز، إذ باب ~~النفل واسع (فأحج) غيره، سواء كان ذلك لغير ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا ~~مأذونا، حج عن نفسه أو لم يحج (صح) لكن يكره إحجاج الأنثى حرة أو أمة عن ~~الذكر، وكذا العبد كراهة تنزيه. وأما من لم يحج عن نفسه، فمكروه كراهة تحريم. # --- PageV03P182 ~~*** # (ويقع عنه) أي عن العاجز الحج، لما في «الكتب الستة»: أبو داود عن ~~عبدالله بن عباس، والباقون عن أخيه الفضل: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول ~~الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستوي ~~على ظهر البعير، قال: «حجي عنه». وذلك في حجة الوداع، ولم يسألها صلى الله ~~عليه وسلم هل حجت عن نفسها أم لم تحج، ولا هل هي حرة أو أمة. وفي «السنن ~~الأربعة» عن أبي رزين العقيلي قال: يا رسول الله إن أبي شيخ ms0685 كبير لا يستطيع ~~الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: «احجج عن أبيك واعتمر». قال الترمذي: حديث ~~حسن صحيح. # وفي «معجم الطبراني» بسنده إلى سودة أم المؤمنين: أن رجلا قال: يا رسول ~~الله، إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، أفأحج عنه؟ فقال صلى الله عليه وسلم ~~«أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان يجزىء عنه؟» قال: نعم، قال: «فحج عنه». # وإذا حج المأمور فأصل الحج يقع عن الآمر في ظاهر المذهب. وعن محمد يقع عن ~~المأمور، وللآمر ثواب النفقة، لأن الحج عبادة بدنية، والمال شرط لوجوبها، ~~فلا تجزىء فيها النيابة، كالصلاة والصيام، ويسقط عن الآمر الفرض بالإجماع، ~~لأن الانفاق أقيم مقام الأفعال في حق سقوطها، كالشيخ الفاني حيث أقيم ~~الإطعام في حقه مقام الصيام. ولا يسقط به عن المأمور فرض الحج بالإجماع، ~~لأن النية وقعت عن الآمر، سواء أداه على الموافقة أو المخالفة، وسواء كان ~~عليه حج أو لا. # --- PageV03P183 ~~*** # وأما حج النفل فيقع عن المأمور اتفاقا، وللآمر الثواب بأن يصير المأمور ~~جاعلا ثواب فعله للآمر، وهذا جائز عند أهل السنة، وهو أن يجعل الإنسان ثواب ~~عمله لغيره، صلاة كان أو صوما أو صدقة أو غيرها، كقراءة القرآن والطواف ~~والعتاق والأذكار ونحوها، لحديث عائشة وأبي هريرة، رواهما ابن ماجه بسنده ~~عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين ~~عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوأين، يذبح أحدهما عن أمته ممن شهد لله ~~بالتوحيد، وشهد له بالبلاغ، ويذبح الآخر عن محمد وآل محمد. وفي رواية ~~الحاكم: فقرب أحدهما فقال: «باسم الله، اللهم منك ولك، اللهم هذا عن محمد ~~وأهل بيته»، ثم قرب الآخر فقال: «باسم الله، اللهم هذا منك ولك، اللهم هذا ~~عمن وحدك من أمتي». # ولحديث جابر رواه أبو داود وقال: ذبح النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ~~كبشين أقرنين أملحين موجوأين، فلما وجههما قال: «{إني وجهت وجهي} الآية ، ~~اللهم منك ولك عن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر»، ثم ذبح. ولحديث أبي ~~رافع رواه ms0686 أحمد وإسحاق والطبراني من حديث شريك قال: ضحى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بكبشين أملحين موجوأين أي خصيين وقال: أحدهما عمن شهد لله ~~بالتوحيد، وله بالبلاغ، والآخر عنه وعن أهل بيته. ولحديث حذيفة رواه ~~الحاكم، ولحديث أبي طلحة وأنس، رواهما ابن أبي شيبة في «مسنده» بمعنى ما تقدم. # --- PageV03P184 ~~*** # وقالت المعتزلة: ليس له ذلك، ولا يصل إليه ولا ينعقد. وقال مالك ~~والشافعي: يجوز ذلك في الصدقة والعبادة المالية كالحج. ولنا ما تقدم وما ~~روي: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان لي أبوان أبرهما حال ~~حياتهما، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال صلى الله عليه وسلم «إن من البر ~~بعد الموت أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صومك». رواه الدارقطني. ~~وعن علي رضي الله عنه مرفوعا: من مر على المقابر وقرأ: قل هو الله أحد، ~~إحدى عشر مرة ثم وهب أجرها للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات». رواه ~~الدارقطني. وعن معقل بن يسار مرفوعا: «اقرؤوا على موتاكم يس». رواه أبو ~~داود. والأصل الحقيقة مع أنه لا محظور على أنها تقرأ على المحتصر لإشرافه ~~على الموت. # (إن دام عجزه إلى موته) فلو أحج عن نفسه وهو محبوس أو مريض، إن مات به ~~أجزأه الحج، وإن تخلص منه بطل إجزاؤه عنه فرضا، فيبقى نفلا. وذلك لأن الحج ~~فرض في العمر مرة فيعتبر استمرار العجز فيما بقي منه. # (ونوى عنه) وحده على التعيين. حتى لو نوى الحج عن الآمرين على التعيين ~~ضمن النفقة لكل منهما وكان الحج له. ولو نواه عن واحد منهما غير معين ولم ~~يعين أحدهما قبل طواف القدوم والوقوف ضمن النفقة، وإن عين أحدهما جاز ~~استحسانا عند أبي حنيفة ومحمد، كما لو أهل الحج عن أبويه ثم عينه لأحدهما، ~~وذلك لأن الإبهام واقع في الإحرام وليس بمقصود، وإنما المقصود الأفعال، ~~والتعيين في الانتهاء بمنزلة التعيين في الابتداء. ألا ترى أنه لو أحرم ولا ~~ينوي حجة ولا عمرة بعينها كان له أن يعين في الانتهاء ms0687 ويجعل ذلك كتعيينه في ~~الابتداء. # --- PageV03P185 ~~*** # وعند أبي يوسف وقع الحج عن المأمور وضمن النفقة لأنه مأمور بتعيين الحج، ~~فإذا لم يعين فقد خالف فيضمن النفقة. ولو نواه ساكتا عن المحجوج عنه، لا نص ~~فيه، وينبغي أن يصح التعيين باتفاقهم لعدم المخالفة. وهذا كله بطريق ~~النيابة. وأما الاستئجار فلا يجوز عندنا، وإذا لم يجز بقي أمره بالحج فيكون ~~له نفقة مثله في ماله، وليست بعوض،ولكن يستحق كفايته لأنه فرغ نفسه لعمل ~~ينتفع به فيستحق الكفاية في ماله، كالقاضي والعامل. # ولو حج عن أبيه أو أمه حجة الإسلام من غير وصية أجزأه إن شاء الله تعالى، ~~لما روينا من حديث الخثعمية وغيرها. وإنما قيد محمد الجواب بالاستثناء بعد ~~ما صح الحديث فيه، لأن خبر الواحد لا يوجب العلم اليقيني. فإن قيل: فقد ~~أطلق الجواب في كثير من الأحكام الثابتة بخبر الواحد. قلنا: لأن خبر الواحد ~~موجب للعمل، فما طريقه العمل أطلق الجواب فيه. فأما سقوط حجة الإسلام عن ~~الميت بأداء الورثة فطريقه العلم، فإنه أمر بينه وبين الله، فلهذا قيد ~~الجواب بالاستثناء. # ثم من شرائط جواز الإحجاج: أن يحج بمال المحجوج عنه، فإن تبرع الحاج عنه ~~بمال نفسه لم يجز، فينفق على نفسه بالمعروف في الطعام، والشراب، والكسوة في ~~الطريق، وثوبي إحرامه، وما فضل رده إلى الورثة أو الوصي، إلا أن يوصي الميت ~~له به. وليس له أن يدعو أحدا إلى طعامه، ولا يتصدق به، ولا يقرضه، ولا يصرف ~~الدنانير بالدراهم إلا لحاجة تدعو إلى ذلك، ولا يشتري منه ماء لوضوئه، ولا ~~يدخل الحمام، ولا يشتري منها دهنا للسراج، ولا ما يدهن به أو يتداوى به، ~~ولا يعطي منها أجرة الحلاق أو الحجام إلا أن يأذن له الميت أو الوارث، ولا ~~ينفق على من يخدمه إلا إذا كان ممن لا يخدم نفسه. # --- PageV03P186 ~~*** # وفي «فتاوى قاضيخان»: له أن يدخل الحمام بالمتعارف من الزمان، ويعطي أجرة ~~الحارس من مال الآمر، وله أن يخلط دراهم النفقة مع الرفقة، ويودع المال، ~~وله أن يشتري دابة يركبها، ms0688 ومحملا وقربة، وأدوات وسائر الآلات. انتهى. وإذا ~~تعجل إلى مكة من رمضان فنفقته من مال نفسه إلى عشر ذي الحجة. # ويحج عن الموصي بالحج راكبا من بلده لقيامه مقامه إن كفت نفقته لذلك، ~~وإلا فمن حيث يبلغه، وهذا استحسان . وفي القياس تبطل هذه الوصية لعجز الوصي ~~عن تنفيذ ما أمر به وهو الحج من منزله، كما لو أوصى بعتق نسمة بألف وكان ~~ثلث المال دونها. ووجه الاستحسان أن المقصود من الحج ابتغاء مرضاة الله. ~~ونيل الثواب، فيكون بمنزلة الوصية بالصدقة، وهي تنفذ بحسب الإمكان. # (ودم الإحصار على الآمر) إن كان حيا وفي ماله من ثلثه، أو كله إن كان ~~ميتا، لأنه الذي ورطه فيه، ثم يجب عليه من قابل بمال نفسه، لأنه لم يتم ~~الأفعال بسبب الإحصار، وإنما يقع ما هو مسمى الحج عنه ولم يتحقق. ولو فاته ~~الحج لا يضمن النفقة لعدم المخالفة، فهو كالمحصر وعليه الحج من قابل بمال ~~نفسه. وقال أبو يوسف: على المأمور، لأنه للتحلل وصار كدم القران. وأجيب بأن ~~دم الإحصار مؤنة بمنزلة نفقة الرجوع. # --- PageV03P187 ~~*** # (ودم القران) ودم الجناية (على الحاج) أما دم الجناية فلأن المأمور هو ~~الجاني، وأما دم القران فلأنه وجب شكرا للجمع بين النسكين، والمأمور هو ~~المختص بهذه النعمة. قالوا: وهذه تشهد لصحة المروي عن محمد من أن الحج يقع ~~عن المأمور، والمراد قران أمره واحد به أو أمره اثنان: أحدهما بالحج والآخر ~~بالعمرة وأذنا له في القران. أما لو أمره اثنان أحدهما بالحج والآخر ~~بالعمرة ولم يأذنا له بالقران وقرن كان مخالفا، إذ المأمور بالإفراد مخالف ~~بالقران وإن نواه للآمر عند أبي حنيفة، كالتمتع للآمر بالإفراد. وإنما يصير ~~مخالفا لأنه مأمور بأن يحج عنه من الميقات، والمتمتع يحج من جوف مكة فكان ~~هذا غير ما أمره به. # وقالا: هو موافق، وهذا استحسان لأنه أتى بالمأمور وزاد عليه ما يجانسه ~~فلا يصير به مخالفا، كالوكيل بالبيع إذا باع بأكثر مما سمي له من جنسه. ~~ويوضحه أن القران أفضل من الإفراد، فهو بالقران ms0689 زاد خيرا فلا يكون مخالفا. ~~وأبو حنيفة يقول: هو مأمور بإنفاق المال في سفر مجرد للحج، وسفره هذا ما ~~انفرد للحج، بل للحج والعمرة جميعا فكان مخالفا، كما لو تمتع. ولأن العمرة ~~التي زادها لا تقع عن الآمر، لأنه لم يأمره بها فلا ولاية عليه للحاج في ~~أداء النسك عنه إلا بقدر ما أمره. ألا ترى أنه لو لم يأمره بشيء لم يجز ~~أداؤه عنه، فكذا إذا لم يأمره بالعمرة. وإذا لم تكن عمرته عن الآمر صار ~~كأنه نوى العمرة عن نفسه وهناك يصير مخالفا فكذا هنا. # --- PageV03P188 ~~*** # (وضمن النفقة) وعليه القضاء في مال نفسه (إن جامع قبل وقوفه) لأن المأمور ~~به هو الحج الصحيح، والجماع قبل الوقوف يفسد الحج. أما لو جامع بعد الوقوف ~~فلا يفسد حجه ولا يضمن النفقة، ولزمه الدم لأنه دم جناية، ودم الجناية على ~~المأمور بالحج. # (وإن مات) المأمور بالحج عن الميت (في الطريق) أو سرقت نفقته (يحج من ~~منزل آمره) وهو الميت عند أبي حنيفة (بثلث ما بقي) من مال الميت على تقدير ~~أن يكون الحج عنه بوصية منه (لا من حيث مات) أو سرقت نفقته كما قالا، وهو ~~قول مالك والشافعي. وهذا مبني على اختلافهم فيمن حج بنفسه ومات في الطريق، ~~فإنه يوصي بأن يحج عنه من منزله عند أبي حنيفة، وعندهما وهو الاستحسان من ~~موضع مات فيه، لأن سفره لم يبطل بموته، لقوله تعالى: {ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله}، ولقوله صلى ~~الله عليه وسلم «من خرج حاجا فمات كتب الله له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ~~ومن خرج معتمرا فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا في ~~سبيل الله فمات، كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة». رواه الطبراني في ~~«معجمه»، وأبو يعلى الموصلي في «مسنده». # --- PageV03P189 ~~*** # وروى تمام في «فوائده» عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«من مات في طريق مكة لم يعرضه الله ms0690 تعالى، ولم يحاسب». وروى الدارقطني عنها ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من مات في هذا الوجه من حاج أو ~~معتمر لم يعرض له، ولم يحاسب، وقيل له: ادخل الجنة». وأما ما في «الهداية» ~~من قوله صلى الله عليه وسلم «من مات في طريق مكة، كتب الله له حجة مبرورة ~~في كل سنة»، فغير معروف. # ولأبي حنيفة أن الموجود من السفر بطل في حق أحكام الدنيا، لما روى مسلم ~~وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله أي ثوابه إلا من ثلاث: صدقة ~~جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». # وحاصله: أن المراد بالانقطاع في أحكام الدنيا وبعدم الانقطاع في أحكام ~~العقبى، والأول هو الذي يوجبه هنا، كمن صام إلى نصف النهار في رمضان، ثم ~~حضره الموت، يجب أن يوصي بفدية ذلك اليوم، وإن كان ثواب إمساك ذلك القدر ~~باقيا، كذا ذكره ابن الهمام. وفي كون الوصية واجبة بفدية ذلك اليوم نظر ~~ظاهر لا يخفى على الأعلام. وقد صرح صاحب «الهداية» في «التجنيس» أن من وجب ~~عليه الحج فحج من عامه فمات في الطريق، لا يجب عليه الإيصاء، لأنه لم يؤخر ~~بعد الإيجاب. # --- PageV03P190 ~~*** # ولو نوى الصرورة بالصاد المهملة: وهو الذي لم يحج حجة الإسلام (الحج) ~~نفلا أو عن غيره صح عما نوى عندنا لا عن فرضه كما قال مالك والشافعي. لهما ~~على الأول أن بنية النفل تبقى مطلق نية الحج، وبمطلق النية يتأدى الفرض، ~~ويدل عليه أن نية النفل لغو لأنه عبارة عن الزيادة، ولا يتصور قبل الأصل، ~~وإذا لغت نية النفل تبقى مطلق نية الحج، وبمطلق النية يتأدى الفرض، ويدل ~~عليه أن نية النفل نوع سفه (منه) قبل أداء حجة الإسلام، والسفيه يستحق ~~الحج، فجعلت نية النفل لغوا تحقيقا لمعنى الحجة، فبقي مطلق النية. ويجوز أن ~~تتأدى حجة الإسلام بغير نية، كما في المغمى عليه إذا أحرم عنه أصحابه، ~~فبنية ms0691 النفل أولى. وعلى الثاني ما روى الدارقطني عن ابن عباس: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سمع رجلا يلبي عن شبرمة فقال له: «من شبرمة؟ قال: أخ لي، ~~قال: هل حججت؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة». # --- PageV03P191 ~~*** # ولنا على الأول أن وقت أداء الفرض في الحج يسع أداء النفل فلا يتأدى ~~الفرض فيه بنية النفل، كالصلاة، بخلاف الصوم عندنا فإن وقت أدائه لا يسع ~~أداء النفل. وعلى الثاني ما روينا من حديث الخثعمية وغيرها أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لها: «حجي عنه». وقال لأبي رزين العقيلي: «احجج عن أبيك ~~واعتمر»، ولم يستفسرهما أنهما حجا عن أنفسهما أو لا. وحديث الدارقطني معارض ~~بما رواه هو أيضا عن الحسن بن عمارة عن ابن عباس قال: سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم رجلا يلبي عن نبيشة فقال: «أيها الملبي عن نبيشة، هل حججت؟ قال: ~~لا، قال: فهذه عن نبيشة، واحجج عن نفسك». إلا أنه قال: هذا وهم من الحسن عن ~~ابن عباس، ثم قال: وقد رجع الحسن بن عمارة عن ذلك، وحدث به على الصواب ~~موافقا لرواية غيره، ثم قال: وعلى كل حال فالحسن بن عمارة متروك. وقوله صلى ~~الله عليه وسلم «حج عن نفسك ثم عن شبرمة» أمر باستئناف حج آخر لنفسه نظرا ~~له، وقد كان قبل نسخ جواز فسخ الإحرام، لا دال على وقوع الحج عن نفسه كما ~~هو مذهبهما. # ومن الفروع: لو أوصى أن يحج عنه فلان، فعند محمد يحج عنه غيره إلا أن ~~يكون قد صرح بأن لا يحج غيره. ولو أوصى بأن يحج عنه بثلث ماله، وثلث المال ~~يبلغ حججا كثيرة، فالوصي بالخيار إن شاء أحج عنه في كل سنة حجة واحدة، وإن ~~شاء أحج عنه مقدار ما يبلغ في سنة واحدة، والتعجيل أفضل. وإن اجتمع الورثة ~~على أن يحج واحد منهم عنه جاز. # --- PageV03P192 ~~*** # (ولا يجوز للهدي) وهو ما ينقل للذبح من الحل إلى الحرم (إلا جائز ~~التضحية) وهو الثني فصاعدا من ms0692 الغنم والبقر والإبل. والجذع من الضأن فقط، ~~لأن الجذع من الإبل: وهو ابن أربع سنين، ومن البقر: ابن سنة غير جائز، ~~لقوله صلى الله عليه وسلم «ضحوا بالثنايا إلا أن يعسر عليكم، فاذبحوا الجذع ~~من الضأن». والهدايا كالضحايا، لأن كلا منهما قربة متعلقة بالإراقة، فيكون ~~في الجواز كذلك، فلا بد من السلامة من العيوب المذكورة في باب الأضحية. ~~والثني بالكسر من الإبل: ما له خمس سنين وطعن في السادسة، ومن البقر: ما ~~له سنتان وطعن في الثالثة، ومن الغنم ما له سنة وطعن في الثانية. والجذع ~~بفتح الجيم والذال المعجمة : ما أتى عليه أكثر السنة، وإنما يجوز إذا كان ~~عظيما. وتفسيره أنه لو خلط بالثنايا اشتبه على الناظر أنه منها. # (وأكل) استحبابا (من هدي تطوع ومتعة وقران) لما في حديث جابر: ثم أمر من ~~كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر، فأكلا أي النبي صلى الله عليه وسلم والولي ~~من لحمها، وشربا من مرقها، ولأنها دماء نسك كالأضحية (فقط) أي لا يجوز أن ~~يأكل من غير هذه الهدايا، لأنها دماء كفارات. # --- PageV03P193 ~~*** # (وخصا) أي هدي المتعة والقران (بيوم النحر) أي بأيامه، لقوله تعالى: ~~{فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم ~~وليطوفوا بالبيت العتيق}، وقضاء التفث والطواف مختصان بيوم النحر، فيكون ~~الأكل كذلك، ولأنهما دما نسك فيختصان بيوم النحر كالأضحية. والمراد ~~بالاختصاص من حيث الوجوب على قول أبي حنيفة، وإلا لو ذبح بعد أيام النحر ~~أجزأ إلا أنه تارك للواجب، وقبلها لا يجزىء بالإجماع. وعلى قولهما كذلك في ~~القبلي، وكونه فيها هو السنة السنية. # (لا غيرهما) أي لا يختص هدي غير المتعة والقران بيوم النحر، بل يجوز فيه ~~وفي غيره. أما هدي الكفارة فلأنه وجب لجبر النقصان فكان التعجيل به أولى. ~~وأما هدي التطوع فلأن القربة فيه باعتبار أنه هدي، وذلك يتحقق بالبلوغ إلى ~~الحرم ولا يتوقف على يوم النحر، لكن الأفضل ذبحه فيه، لأن معنى القربة في ~~إراقة الدم فيه أظهر، وهذا هو الذي في «الأصل». وذكر القدوري أن ms0693 دم التطوع ~~يختص بأيام النحر، كدم المتعة والقران لأنه نسك مثله. # (والكل) أي وخص ذبح كل هدي تطوعا أو غيره (بالحرم) لقوله تعالى: {هديا ~~بالغ الكعبة} في جزاء الصيد، فكان أصلا في كل دم وجب كفارة، وقوله تعالى في ~~دم الإحصار: {حتى يبلغ الهدي محله} مع قوله تعالى في الهدايا مطلقا: {ثم ~~محلها إلى البيت العتيق}. (وتصدق بجله) أي لبس الهدي (وخطامه) بالكسر ما ~~يجعل في أنف البعير ونحوه. # --- PageV03P194 ~~*** # (ولا يعطي أجر الجزار منه) لما روى الجماعة إلا الترمذي عن علي رضي الله ~~عنه قال: أمرني رضي الله عنه أن أقوم على بدنة وأقسم جلودها وجلالها، ~~وأمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئا، وقال: «نحن نعطيه من عندنا». ولو تصدق ~~بلحمه على فقير غير الحرم جاز، لأن الصدقة على كل فقير قربة مقصودة، ~~ولإطلاق قوله تعالى: {وأطعموا البائس الفقير} خلافا لمالك والشافعي، لأن ~~الذبح شرع في الحرم توسعة على فقرائه، فلا يتصدق على غيرهم بأن يحمل إلى ~~خارج الحرم، فيتصدق على فقرائه. # (ولا يركب) الهدي، لأنه جعله خالصا لله تعالى، فلا ينبغي أن يصرف منها ~~شيئا لمنفعة نفسه (إلا ضرورة) وبه قال مالك، لما روى مسلم من حديث ابن جريج ~~قال: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يسأل عن ركوب الهدي ~~فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت ~~إليها حتى تجد ظهرا». وأجاز الشافعي ركوبها مطلقا لقوله تعالى: {لكم فيها ~~منافع إلى أجل مسمى}، ولقوله صلى الله عليه وسلم للذي رآه يسوق بدنة: ~~«اركبها ويلك، أو قال: ويحك ». # ولنا ما قدمنا من قوله تعالى: {ومن يعظم شعائر الله} والبدن منها، قال ~~تعالى: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله} وليس ركوبها من التعظيم في شيء. ~~وقد روي أن الرجل كان أجهد نفسه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بركوبها ~~إما مترحما له بقوله: «ويحك»، أو متوعدا بقوله: «ويلك»، لئلا يفضي عدم ~~ركوبه إلى هلاكه. ولو نقص الهدي بالركوب، أو حمله متاعا عليه ms0694 للضرورة ضمن ~~بنقصانه ويتصدق به على الفقراء. # --- PageV03P195 ~~*** # (ولا يحلب) لأن اللبن جزء الهدي، فلا ينتفع به هو ولا الأغنياء. ولو ~~انتفع به أو دفعه إلى غني ضمنه لوجود التعدي. (وما عطب) بكسر الطاء أي ~~هلك من الهدي في الطريق أو قرب من العطب حتى خيف عليه الموت، أو امتنع عليه ~~السير (أو تعيب بفاحش) وهو ما يمنع إجزاء الأضحية، كذهاب ثلث الأذن، أو ~~العين، أو الذنب (ففي الواجب أبدله) لأنه في الذمة ولا يتأدى بالمعيب، ~~(والمعيب له) لأنه لم يخرج بتعينه لتلك الجهة عن ملكه، وقد امتنع صرفه فيها ~~فله صرفه في غيرها: من بيعو أو تصدق بلحمها. وفي التطوع: نحره وصبغ نعله ~~بدمه وضرب به صفحة سنامه لما روى أصحاب «السنن الأربعة» من حديث ناجية بن ~~جندب الأسلمي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه هديا وقال: «إن عطب ~~فانحره ثم اصبغ نعله في دمه، ثم خل بينه وبين الناس». قال الترمذي: حديث ~~حسن صحيح. # والمراد بالنعل: القلادة وفائدة ذلك إعلام الناس أنه هدي فيأكل منه ~~الفقراء دون الأغنياء، وليس عليه غيرها، لقوله صلى الله عليه وسلم «من أهدى ~~بدنة تطوعا فعطبت فليس عليه بدل، وإن كانت نذرا فعليه البدل». ذكره الشيخ ~~في «الإمام» وسكت عنه. ولا يأكل هو أيضا ولا رفقاؤه منها ولو كانوا فقراء، ~~لما في مسلم وابن ماجه عن ابن عباس: أن ذؤيبا الخزاعي حدثه: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يبعث بالبدن # معه ثم يقول: «إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتا فانحرها ثم اغمس نعلها في ~~دمها، ثم اضرب به صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك». وفي رواية ~~لمسلم: وبعث معه بست عشرة بدنة. # --- PageV03P196 ~~*** # ولما أسنده الواقدي في أول غزوة الحديبية: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما أراد الخروج... فذكر القصة بطولها، وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استعمل على هديه ناجية بن جندب وأمره أن يتقدمه بها، وقال: وكانت سبعين ~~بدنة، وفيها قال ناجية: ms0695 عطب معي بعير من الهدي فجئت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالأبواء فأخبرته، فقال: «انحرها واصبغ قلائدها من دمها، ولا ~~تأكل أنت ولا أحد من رفقتك منها شيئا، وخل بينها وبين الناس». # ولما في «مسند أحمد بن حنبل» عن عمرو بن خارجة الثمالي قال: بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم معي بهدي وقال: «(إذا عطب منها شيء فانحره، ثم اضرب ~~نعله في دمه، ثم اضرب به صفحته)، ولا تأكل أنت ولا أهل رفقتك، وخل بينه ~~وبين الناس» أي الفقراء دون الأغنياء . وهذا لأن الإذن يتناوله معلقا بشرط ~~بلوغه محله، فينبغي أن لا يحل قبل ذلك أصلا، إلا أن التصدق على الفقراء ~~أفضل من أن يتركه جزرا للسباع، إذ فيه نوع تقرب، والتقرب هو مقصود الرب ~~المعبود، وهو الغفور الودود. # --- PageV03P197 ~~*** # (وإن شهدوا بالوقوف قبل وقته) أي قبل يوم الوقوف: بأن شهدوا أنهم وقفوا ~~يوم التروية (قبلت) شهادتهم، وعلى أهل عرفة إعادة الوقوف، لأن التدارك ممكن ~~إذا ظهر خطؤهم. وصورة هذه المسألة مشكلة لأن هذه الشهادة لا تكون إلا بأن ~~الهلال لم ير ليلة الثلاثين من ذي القعدة، بل رئي بعدها وكان ذو القعدة ~~تاما، ومثل هذه الشهادة لا تقبل لاحتمال كون ذي القعدة تسعة وعشرين. ~~فصورتها بحيث لا (يتأتى) إشكال فيها: أن الناس وقفوا ثم علموا بعد الوقوف ~~أنهم غلطوا في الحساب وكان الوقوف يوم التروية، فإن هذا المعنى (وهو الغلط ~~في الحساب ) قبل الوقت بحيث يمكن التدارك، فالإمام يأمر الناس بالوقوف، فإن ~~علم ذلك في وقت لا يمكن تداركه فينبغي أن يقال قد تم حج الناس. # هذا خلاصة كلام المصنف في «شرح الوقاية»، فتكون الشهادة على هذا بمعنى ~~العلم، لكن حمل العبارة المذكورة على هذا المعنى تكلف (ظاهر)، وأيضا الغلط ~~في الحساب من الجمع العظيم في غاية الاستبعاد. فلو قيل: إنه علم ذلك بأن ~~رجع شهود رؤية الهلال أو أقروا أنهم شهدوا زورا لم يبعد. # ويحتمل أن تكون السماء متغيمة في أفق مكة في أول ذي الحجة، وشهد شاهدان ms0696 ~~أنهما رأيا الهلال وحكم بشهادتهما، ثم جاءت جماعة كثيرة من موضع آخر كانت ~~السماء مصحية بذلك الموضع، فأخبروا أنهم لم يروا الهلال، (وحكم بشهادتهما) ~~مع اجتهادهم في طلبه والتفحص عن موضعه، ومثل هذه الشهادة وإن كانت على ~~النفي لكن النفي الذي يمكن أن يحيط به علم الشاهد يقبل. # --- PageV03P198 ~~*** # ومثل هذا قد جعله المصنف في كتاب الشهادة مما يظهر فيه كذب الشاهد، ~~ويحتمل أن يشهدوا بأن ذا القعدة غرته يوم الأحد مثلا، فكان الناس على أن ~~الغرة يوم الاثنين، فغرة ذي الحجة في زعم الناس يوم الأربعاء، وفي زعم ~~الذين يشهدون يوم الثلاثاء، فلا يكون شهادة على النفي كما لا يخفى. ولمكان ~~المناقشة في ذلك ذكر صاحب «الهداية»: أنهم قالوا: ينبغي للحاكم أن لا يسمع ~~هذه الشهادة، ويقول: قد تم حج الناس، انصرفوا، لأنه ليس فيها إلا إيقاع ~~الفتنة. # (لا بعده) بأن شهدوا أنهم وقفوا يوم النحر، فإن شهادتهم لا تقبل ويجزىء ~~أهل عرفة حجتهم، والقياس أن لا تجزئهم كما لو شهدوا بالوقوف قبله. والفرق ~~أن التدارك فيما إذا شهدوا بالوقوف قبل وقته ممكن وبعده غير ممكن، وفي ~~الأمر بالإعادة حرج، وأيضا العبادة قبل وقتها لا تصح أصلا وبعده تصح في ~~الجملة. # ولو شهدوا يوم التروية أنه يوم عرفة: فإن أمكن وقوف الإمام مع أكثر الناس ~~قبلت شهادتهم، وكذلك إن أمكن وقوفه معهم ليلا أو نهارا، وإن لم يمكن لا ~~تقبل شهادتهم ويقفون من الغد استحسانا. والشهود كالناس حتى لو لم يقفوا مع ~~الناس ووقفوا بما رأوا، فاتهم الحج وعليهم قضاء الحج من قابل والإهلال ~~بعمرة، وذلك لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «صومكم يوم تصومون، ~~وفطركم يوم تفطرون، وعرفتكم يوم تعرفون، وأضحاكم يوم تضحون» أي وقت الوقوف ~~بعرفة عند الله هو اليوم الذي يقف فيه الناس عن اجتهاد ورأي أنه يوم عرفة. # --- PageV03P199 ~~*** # (نذر حجا مشيا مشى) من بيته لأنه هو المراد بالعرف، وقيل: من الميقات ولا ~~يركب (حتى يطوف) طواف (الفرض) وهذه رواية «الجامع الصغير». وفي «المبسوط»: ~~أنه مخير. ms0697 وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن مشيه مكروه. ووجه رواية ~~«الجامع» أنه (التزم) على صفة الكمال، لأن المشي أشق على البدن فيلزمه ~~الإيفاء، وصار كالناذر صوما متتابعا. فإن قيل: فقد كره أبو حنيفة الحج ~~ماشيا، فكيف يكون صفة كمال؟ قلنا: إنما كرهه إذا كان مظنة سوء خلق الفاعل ~~له، كأن يكون صائما مع المشي، أو ممن لا يطيق المشي، فيكون سببا للإثم من ~~مجادلة الرفيق، والخصومة في الطريق وإلا فلا شك أن المشي أفضل في نفسه، ~~لأنه أقرب إلى التواضع، وأدل على التذلل لربه. # وعن ابن عباس أنه قال لما كف بصره: ما أسفت على شيء إلا على أن لم أحج ~~ماشيا، فإن الله تعالى قدم المشاة فقال تعالى: {يأتوك رجالا وعلى كل ضامر} # وعنه صلى الله عليه وسلم «من حج ماشيا كتب له بكل خطوة حسنة من حسنات ~~الحرم، قيل: ما حسنات الحرم؟ كل حسنة بسبع مئة». # لا يقال: لا نظير للمشي في الواجبات، ومن شرط صحة النذر أن يكون من جنس ~~المنذور واجبا، على ما ذكر في كتاب الصوم، لأنا نقول: بل له نظير وهو مشي ~~المكي الذي لم يجد راحلة وهو قادر على المشي، فإنه يجب عليه أن يحج ماشيا ~~ولو ركب أكثر المسافة أراق دما لإدخال النقص فيما التزمه، ولو ركب أقلها ~~وجب عليه من الدم بحسابه. رزقنا الله التوفيق للوقوف بالتحقيق على ما في ~~بابه والله سبحانه وتعالى أعلم . # --- PageV03P200 ~~*** # كتاب النكاح # هو في اللغة: حقيقة في الوطء، مجاز في العقد (لأنه يتوصل به إلى الوطء، ~~وقيل: مشترك بينهما). وفي الشرع: حقيقة في العقد الموضوع لملك المتعة، فخرج ~~العقد الموضوع لملك الرقبة، وإن كان يثبت به ملك المتعة ضمنا، كالبيع ~~والهبة، ولهذا يصح البيع والهبة في محل لا يحل الاستمتاع به. # وادعى الشافعي أن النكاح في الشريعة يتناول العقد فقط، وليس كذلك، قال ~~الله تعالى: {حتى إذا بلغوا النكاح} أي: الاحتلام، فإن المحتلم يرى في ~~منامه صورة الوطء، وقال الله تعالى: {الزاني لا ينكح إلا ms0698 زانية} والمراد ~~الوطء، وقال الله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ~~أي يطأها، لما في «الصحيح»: «حتى تذوقي عسيلته». والمراد به الجماع ~~بالإجماع خلافا لابن المسيب. والعقد مستفاد من قوله: {زوجا غيره} وفي ~~الموضع الذي حمل على العقد إنما هو لدليل اقترن به من ذكر العقد، أو خطاب ~~الأولياء كما في قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم}، أو لاشتراط إذن ~~الأهل، كما في قوله تعالى: {فانكحوهن بإذن أهلهن} # . # ثم هو سنة حال الاعتدال في أصح الأقوال، لقوله صلى الله عليه وسلم «أربع ~~من سنن المرسلين: الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح». رواه الترمذي وقال: ~~حسن غريب، وقوله صلى الله عليه وسلم «النكاح سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس ~~مني». أي من أتباعي في اتباعي. وقيل: فرض كفاية لقوله تعالى: {فانكحوا ما ~~طاب لكم}. # --- PageV03P201 ~~*** # وتعليق الحكم بالعام لا ينفي كونه على الكفاية، لأن الوجوب في الكفاية ~~على الكل، ولقوله صلى الله عليه وسلم «تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم ~~الأمم». رواه عبد الرزاق، عن سعيد بن أبي هلال مرسلا. وقوله صلى الله عليه ~~وسلم لعكاف بن وداعة الهلالي: «ألك زوجة يا عكاف»؟ قال: لا، قال: «ولا ~~جارية»؟ قال: لا، قال: «وأنت صحيح موسر» قال: نعم، والحمد لله، قال: «فأنت ~~إذا من إخوان الشياطين إما أن تكون من رهبان النصاري، فأنت منهم، وإما أن ~~تكون منا، فاصنع كما نصنع، وإن من سنتنا النكاح، شراركم عزابكم، وأراذل ~~موتاكم عزابكم، ويحك يا عكاف، تزوج». فقال: يارسول الله، لا أتزوج حتى ~~تزوجني من شئت قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قد زوجتك على اسم ~~الله والبركة كريمة بنت كلثوم الحميري». رواه أبو يعلى في «مسنده»، من طريق بقية. # وقيل: واجب على الكفاية، لما أن الثابت بخبر الواحد الظن، والآية لم تسق ~~إلا لبيان العدد المحلل. وعند أصحاب الظواهر: إنه فرض عين على القادر على ~~الوطء، تمسكا بظاهر الآية والحديث. # والأصح أنه يجب عند التوقان، ويكره حال الخوف من الجور والعدوان، فهو ms0699 ~~أفضل من التخلي للعبادة عندنا، وعكسه مالك والشافعي لقوله تعالى: {وسيدا ~~وحصورا}، فقد مدح يحيى عليه السلام بأنه كان حصورا، والحصور: الذي لا يأتي ~~النساء مع القدرة على الإتيان. # --- PageV03P202 ~~*** # وحجتنا التمسك بحال النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه حيث اشتغل بالتزوج ~~حتى انتهى العدد المشروع المباح له، والاستدلال بحال رسولنا أولى من ~~الاستدلال بحال يحيى، مع أنه كان في شريعتهم العزلة أفضل من العشرة، وفي ~~شريعتنا العشرة أفضل من العزلة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا رهبانية في ~~الإسلام». # هذا، ويستحب مباشرة عقد النكاح في المسجد، وكونه في الجمعة، لما في سنن ~~الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعلنوا هذا ~~النكاح واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف». أي خارجه. وفي الترمذي ~~والنسائي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فصل ما بين الحلال والحرام الدف ~~والصوت». قال الفقهاء: المراد بالدف ما لا جلاجل له. # (ينعقد) أي يرتبط عقد النكاح (بإيجاب) وهو ما يقال أولا (وقبول) وهو ما ~~يقال ثانيا (لفظهما) أي صيغة الإيجاب والقبول كلاهما (ماض ك: زوجت) أو ~~أنكحت (وتزوجت) أو نكحت، أو قبلت، أو رضيت. وإنما اختير لفظ الماضي ~~للإنشاء، لأنه أدل على الوجود والتحقق، حيث أفاد دخول المعنى في الثبوت ~~والوقوع قبل الإخبار. # (أو) لفظهما (أمر وماض) أي وضع أحدهما للإخبار والآخر للإنشاء (ك: زوجني) ~~أو زوج ابنتك (فقال) الآخر: (زوجت). وفي «فتاوى قاضيخان»: ولفظ الأمر في ~~النكاح إيجاب، وكذا في الطلاق إذا قالت: طلقني على ألف، فطلقها كان تاما. # (وإن لم يعلما) أي العاقدان (معناه) أي معنى لفظ ما عقد به من التزوج ونحوه. # --- PageV03P203 ~~*** # (وقولهما): أي: وينعقد بقول العاقدين: (داد وصلى الله عليه وسلم يرفت) ~~بضم الراء (بلا ميم) أي ولو بلا ميم (بعد دادي وصلى الله عليه وسلم يرفتي ~~كبيع وشراء) أي وكما في عقدهما بلفظ الماضي. والفرق بين بعني كذا بكذا، ~~فقال: بعت، لا ينعقد البيع، وبين زوجني فقال: زوجتك حيث ينعقد النكاح، مع ~~أن الأمر ليس فيهما بإيجاب، ms0700 وإنما هو توكيل، وكلا من: زوجت وبعت إيجاب ~~وقبول، أن الواحد يتولى طرفي عقد النكاح ولا يتولى طرفي عقد البيع، لأن ~~الوكيل في النكاح سفير محض، وفي البيع أصيل في الحقوق، ولهذا ترجع الحقوق ~~في النكاح إلى الموكل، وفي البيع إلى الوكيل. (لا بقولهما عند الشهود): أي ~~الشاهدين: (ما زن وشوييم). # (ويصح) عقد النكاح (بلفظ نكاح) أو تزوج (وتزويج) أو إنكاح إجماعا، لأنها ~~صريحة، واقتصر الشافعي في جوازه عليهما. # (وما) أي بلفظ (وضع لتمليك العين) كلها (حالا) كالتمليك، والهبة، ~~والصدقة، والبيع، والشراء، لأنها سبب لملك المتعة في محل يقبلها بواسطة ملك ~~الرقبة، فيكون من إطلاق السبب وإرادة المسبب لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«ملكتكها بما معك من القرآن»، ولقوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها ~~للنبي}، ولأن رجلا وهب ابنته لعبيد الله بن الحق بشهادة شاهدين، فأجازه علي ~~رضي الله عنه. # قيد الوضع بتمليك العين، لأن النكاح لا ينعقد بلفظ الإجارة، ولا بلفظ ~~الإعارة على الصحيح. وقيد بالحال، لأن النكاح لا ينعقد بلفظ الوصية، لأنها ~~لتمليك العين بعد الموت لا في الحال. # --- PageV03P204 ~~*** # (وشرط سماع كل منهما) أي من العاقدين لفظ الآخر ، لأن عدم سماع أحدهما ~~لفظ الآخر بمنزلة غيبته (وحضور حرين، أو حر وحرتين) وبه قال مالك خلافا ~~للشافعي، لأن عنده شهادة النساء في غير المال وتوابعه لا تقبل، وسيأتي بيان ~~ذلك في الشهادة إن شاء الله تعالى. قال في المبسوط: واعتمادنا حديث عمر رضي ~~الله عنه، حيث أجاز شهادة رجل وامرأتين في النكاح والفرقة. # (مكلفين مسلمين) لأن الشهادة ولاية لنفوذ قول الشاهد على غيره، ولا ولاية ~~للعبد والصبي والمجنون على غيره، ولا للكافر على المسلم. # وقال أهل المدينة: يجوز النكاح بغير شهود إذا أعلنوا، لأن ابن عمر زوج ~~ولم يحضر شاهدين، وزوج الحسن بن علي وابن الزبير وما معهما أحد. كذا قال ~~ابن المنذر. # ولنا ما روى الترمذي من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة». ولم يرفعه غير عبد ms0701 الأعلى في ~~التفسير، ووقفه في الطلاق. وروي أيضا عنه أنه قال: «لا نكاح إلا ببينة». ~~وروى الدارقطني أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا نكاح إلا بشهود»، وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ~~ذلك فهو باطل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له». رواه ابن حبان ~~وقال: لا يصح في ذكر شاهدين غير هذا الحديث. # --- PageV03P205 ~~*** # (سامعين معا لفظهما) أي لفظ العاقدين معا، فلا ينعقد (بحضور أصمين، ولا ~~بحضور سامعين متفرقين: بأن عقدا بحضور واحد ثم بعد غيبته عقدا بحضور آخر، ~~وبأن عقد) بحضورهما فسمع أحدهما كلام العاقدين ولم يسمعه الآخر، فأعاد ~~العقد، فسمعه الآخر ولم يسمعه الأول، أو بأن عقدا بحضورهما فسمع أحدهما ~~كلام الزوج والآخر كلام المرأة، ثم أعادا فسمع كلام المرأة الذي كان سمع ~~كلام الزوج، وسمع كلام الزوج الذي كان سمع كلام المرأة. # ووجه المنع في هذه الصورة أنهما عقدان لم يحضر كل واحد منهما شاهدان، ~~وقيل: يصح بحضرة الأصمين وأغرب من زاد: النائمين والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «لا نكاح إلا بشهود»، ولأن السماع هو المقصود من الحضور، ولو سمعا ~~كلام العاقدين ولم يعرفا تفسيره، قيل: يصح، والظاهر خلافه. # (وصح) النكاح (عند فاسقين) ولو كانا محدودين في قذف، غير تائبين، لأن ~~الفاسق من أهل الولاية القاصرة بلا خلاف، لأن له أن يزوج نفسه، وعبده، ~~وأمته، فيكون من أهل تحمل الشهادة، وإن لم يكن من أهل أدائها، لأن كلا من ~~التحمل والولاية القاصرة لا إلزام فيه. # (ولا يظهر) أثر شهادتهما الدال عليها فحوى الكلام (عند الدعوى) لأن أداء ~~الفاسق مردود، والنكاح موقوف على تحمل الشهادة لا على قبولها، فصار العقد ~~بحضور الفاسقين كالعقد بحضور الأصمين، حيث يصح ولا تفيد شهادتهما عند ~~الدعوى، ولم يجز الشافعي شهادة فاسقين لما قدمنا من قوله صلى الله عليه ~~وسلم «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، ولا شهادة الأعميين في الأصح عنه. # --- PageV03P206 ~~*** # ولنا في انعقاده بشهادة الفاسقين أصل ms0702 وهو: أن كل ما يصلح أن يكون قابلا ~~للعقد بنفسه ينعقد النكاح بشهادته، وكل من يصلح أن يكون وليا في النكاح ~~يصلح أن يكون شاهدا فيه. وهذا الحديث إن صح مقيدا بالعدالة، فالآخر وهو ~~قوله: «لا نكاح إلا بشهود» وهو الذي ذكره عند قوله: «مكلفين مسلمين» مطلق ~~عنها، ونحن نعمل بالمطلق والمقيد جميعا، مع أنه ذكر العدالة في موضع ~~الإثبات فتقتضي عدالة ما، وذلك من حيث الاعتقاد، وفي الحقيقة إن المسألة ~~مبنية على أن الفاسق من أهل الشهادة عندنا، وإنما لم تقبل شهادته لتمكن ~~تهمة الكذب، وفي الحضور والسماع لا تتمكن هذه التهمة، فكان بمنزلة العدل. # وعنده الفاسق ليس من أهل الشهادة أصلا لنقصان حاله بسبب الفسق. قلنا: ~~الفسق لا يخرجه من أن يكون أهلا للإمامة والسلطنة، فإن الأئمة بعد الخلفاء ~~الراشدين قل ما خلوا عن الفسق ، فالقول بخروجه من أن يكون إماما بفسق ما، ~~يؤدي إلى فساد عظيم، ومن ضرورة كونه أهلا للإمامة كونه أهلا للقضاء، لأن ~~تقلد القضاء يكون من الإمام، ومن ضرورة كونه أهلا للقضاء أن يكون أهلا ~~للشهادة. # --- PageV03P207 ~~*** # (وصح عند ابنيهما) بأن وقعت الفرقة بين رجل وامرأة، ثم تزوجا بحضور ~~ابنيهما، وبه قال الشافعي في الأصح. (أو) ابني (أحدهما) أي ابني الزوج، أو ~~ابني الزوجة. قال أبو المكارم: وعطفه على الضمير المجرور بلا إعادة الجار ~~مبني على مذهب الكوفيين، وقد ارتكب المصنف ذلك في تصانيفه. قلت: وهو كذلك ~~عند جماعة من البصريين، وهو المذهب المختار عند علماء العربية وعامة القراء ~~كما حقق في قوله تعالى: {تساءلون به والأرحام} بالخفض على قراءة حمزة. ~~وقيل: التقدير: أو عند ابني أحد العاقدين، بحذف المضاف. وأما جعل الضمير ~~راجعا إلى الابنين وإرادة أن النكاح يصح عند أحد الابنين وشاهد آخر، فتكلف، ~~بل وتعسف مخالف لصريح كلام المصنف في «شرح الوقاية». # (ولا تقبل للقريب) لأجل التهمة، فإذا عقدا بحضور ابني الزوج، فإن كان هو ~~المدعي لم تقبل شهادتهما له، وإن كانت الزوجة المدعية قبلت شهادتهما لها، ~~وإذا عقدا بحضور ابني الزوجة، ms0703 فإن كانت المدعية لم تقبل شهادتهما لها، وإن ~~كان المدعي قبلت شهادتهما. وإذا عقدا بحضور ابنيهما الشقيقين لا تقبل، سواء ~~كان المدعي هو أو هي. وصح في بعض النسخ: كنكاح مسلم ذمية عند ذميين. # --- PageV03P208 ~~*** # (وصح عند ذميين) كنكاح مسلم ذمية (ولا تقبل) شهادتهما عند الدعوى (على ~~المسلم) لعدم صحة شهادة الذمي على مسلم، وتقبل على الذمية. وقال محمد وزفر: ~~لا يصح العقد، لأنه نكاح لا يصح إلا بشهود، ولا يصح بشهادة الكافرين كالعقد ~~بين مسلمين، بخلاف أنكحة الكفار، فإنها تنعقد بغير شهود، ولأنها شهادة ~~الكافر على الزوج المسلم بلزوم المهر، وأجيب بمنع ذلك، وإنما هي شهادة ~~الكافر على المرأة الكافرة بتمليك المتعة، لأن الشهادة شرط في النكاح لأجل ~~ملك المتعة لا لأجل ملك المال، لأن ملك المال لا يشترط فيه الشهادة. # (والوكيل شاهد إن حضر موكله) لأنه أمكن جعل الموكل مباشرا للعقد، وكل من ~~أمكن جعله مباشرا لشيء يجعل مباشرا له حكما، كالزوج يجعل واطئا بالخلوة ~~الصحيحة، وكالجاهل بالأحكام في دار الإسلام عالما، لتمكنه من التعلم، فإذا ~~وكل رجل رجلا أن يزوجه، أو وكلت امرأة رجلا أن يزوجها، فعقد الوكيل، بحضرة ~~رجل أو امرأتين، إن كان الموكل حاضرا صح العقد، لأنه يمكن جعله مباشرا له، ~~فيجعل مباشرا له، ويجعل الوكيل شاهدا، وإن كان الموكل غائبا لا يصح العقد ~~لعدم صحة جعله مباشرا. # (كالولي إن حضرت المولية) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر اللام، وتشديد ~~التحتية، اسم مفعول من: ولي. (بالغة) أي حال كونها بالغة، والأولى أن يقول: ~~مكلفة، فإن للمجنونة البالغة حكم الصبية عند تزويجه لها بحضرة رجل أو ~~امرأتين، حيث ينتقل العقد إليها، ويصير الولي كشاهد. # --- PageV03P209 ~~*** # (وحرم) في حق التزوج (أصله) أي أصل المتزوج، وهي أمه، وجدته لأمه أو ~~لأبيه وإن علت، إن كان ذكرا، وأبوها وجدها لأبيها، أو أمها وإن علا، إن ~~كانت أنثى. (وفرعه) أي بنته وبنت ولده، أعم من الذكر والأنثى وإن سفل، ~~وابنها وابن ولدها وإن سفل، وابن بنتها وإن سفلت. # (وفرع أصله القريب، وصلبية أصله ms0704 البعيد) الأصل القريب: الأب والأم، ~~وفرعه: الإخوة والأخوات وأولادهم وإن سفلوا، والأصل البعيد: الأجداد ~~والجدات، وصلبيته: العمة وإن علت، والخالة وإن علت، يعني من عمة أبيه ~~وخالته، فيحل بنات الأعمام، والعمات، والأخوال والخالات. والأصل في حرمة ~~ذلك قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم ~~وبنات الأخ وبنات الأخت}، والجدات أمهات، وبنات الأولاد بنات، إذ الأم ~~الأصل، والبنت الفرع، فكأنه قال: أصولكم وفروعكم، فيكون من المجاز المرسل، ~~أو على قول من يقول: إن اللفظ الواحد يجوز أن يراد به الحقيقة والمجاز في ~~محلين مختلفين، أو نقول: ثبتت حرمة الجدات وبنات الأولاد بالإجماع. # والأخوات أصناف ثلاثة: الأخت لأبوين، ولأب، ولأم. والعمات والخالات تشمل ~~أخوات الأب والأم لأبوين، ولأب ولأم، وبنات الأخ وبنات الأخت يعم بنات الأخ ~~والأخت لأبوين، ولأب، ولأم. # (وأم زوجته) سواء دخل بزوجته أو لا، وسواء كانت الأم القربى أو البعدى ~~وهي الجدة، لإطلاق قوله تعالى: {وأمهات نسائكم}. # --- PageV03P210 ~~*** # (وبنتها) أي بنت زوجته، حال كون زوجته (موطوءة) وهو شرط إجماعا، سواء ~~كانت البنت في حجره: بأن كانت مع أمها في بيته، وهو شرط عند علي، وإليه ذهب ~~داود، وحكي عن مالك، أو لم تكن في حجره لقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح ~~عليكم}. والدخول كناية على الجماع، وذكر الحجر خرج مخرج العادة، أو للتشنيع ~~عليهم لا لتعلق الحكم به نحو: {أضعافا مضاعفة} في قوله تعالى: {لا تأكلوا ~~الربا أضعافا مضاعفة}، ثم في تحريم البنت على الرجل بعد الخلوة الصحيحة ~~بأمها من غير الوطء اختلاف، فقيل: يثبت، وهو قول أبي يوسف، وهو الأظهر، ~~وعليه الأكثر، وقيل: لا يثبت، وهو قول محمد. # ثم اعلم أن حرمة أم المرأة والربيبة تثبت بنفس العقد في قول عمر، وابن ~~عباس، ورجع إليه ابن مسعود حين ناظره عمر، وبه أخذ أئمتنا، وفي قول علي ~~وزيد بن ثابت لا يثبت إلا بالدخول بالبنت، وبه أخذ محمد بن شجاع وبشر ~~المريسي، وهو أحد قولي الشافعي، ms0705 ويستدلون بقوله تعالى: {وأمهات نسائكم} ~~الآية، إذ الأصل أن الشيء إذا عطف على شيء في حكم، وذكر في المعطوف شرط، ~~فذا ينصرف إليهما، (فكذا هنا، ذكر أم المرأة ثم عطف عليها الربائب، ثم شرط ~~الدخول، فانصرف إليهما). # قال في «المبسوط»: ولكنا نستدل بحديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من تزوج امرأة حرمت أمها، دخل بها أو لم يدخل، وحرمت عليه ~~ابنتها إن دخل بها». وكان ابن عباس يقول: أم المرأة مبهمة فأبهموا ما أبهم ~~الله فبين أن الشرط المذكور، وهو الدخول، ينصرف إلى الربائب دون الأمهات. # --- PageV03P211 ~~*** # واختلف الصحابة في أن الحجر هل ينصب شرطا لهذه الحرمة أو لا؟ فكان علي ~~يقول: الحجر شرط لقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي ~~دخلتم بهن}، ولما روي أنه عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ربيبة بنت ~~أم سلمة فقال: «لو لم تكن ربيبتي في حجري ما كانت تحل لي، أرضعتني وأباها ~~ثويبة». فأما عمر وابن مسعود فإنهما كانا يقولان: الحجر ليس بشرط، وبه أخذ ~~علماؤنا، للحديث الذي رويناه، وإنما ذكر الحجر في الآية على وجه العادة لا ~~على وجه الشرط، كما في قوله تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} ألا ترى ~~أنه تعالى قال: {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم}، شرط للحل عدم ~~الدخول، فذلك دليل على أنه بعد ما دخل بالأم لا تحل له البنت قط، سواء كانت ~~في حجره أو لم تكن. # (وزوجة أصله) أي أبيه وجده، وإن بعد، سواء كان من قبل أبيه أو من قبل ~~أمه، وكذا موطوءته، أما الموطوءة فلقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ~~من النساء}. وأما المعقود عليها عقدا صحيحا، فللإجماع، ولإقامة ما يفضي إلى ~~الوطىء مقام الوطىء. # --- PageV03P212 ~~*** # (و) زوجة (فرعه) وهي زوجة ابنه وإن سفل، لقوله تعالى: {وحلائل أبنائكم ~~الذين من أصلابكم} وذكر الأصلاب لإخراج ابن التبني، فإن حليلته لا تحرم، ~~وكذا يحرم الجمع بين الأختين نكاحا وكذا فراشا حتى لا يجمع ms0706 بين الأختين ~~وطئا بملك اليمين لإطلاق قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين}، فإنه في ~~موضع رفع، عطفا على المحرمات، وهو قول علي وابن مسعود وعمار بن ياسر، فإنه ~~قال: ما حرم الله من الحرائر شيئا إلا وحرم من الإماء مثله، إلا رجل يجمعهن ~~يريد به الزيادة على الأربع. # وكان عثمان يقول: أحلتهما آية وحرمتهما آية. يريد بآية التحليل قوله ~~تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم}، وبآية التحريم قوله: {وأن تجمعوا بين ~~الأختين}. وكان يتوقف في ذلك. قلنا: عند التعارض يترجح جانب الحرمة لقوله ~~صلى الله عليه وسلم «وما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام». # (وكل هذه رضاعا) أي وحرم جميع المذكورات إذا كن من الرضاع. وفي «شرح ~~الوقاية»: وهذا يشمل عدة أقسام: كبنت الأخت مثلا، تشمل البنت الرضاعية ~~للأخت النسبية، والبنت النسبية للأخت الرضاعية، والبنت الرضاعية للأخت ~~الرضاعية انتهى. # وأصل ذلك قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة}، ~~وما في «الصحيحين» عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أريد على ابنة ~~حمزة فقال: «إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة، وإنه يحرم من ~~الرضاعة ما يحرم من النسب». # --- PageV03P213 ~~*** # (و) حرم (فرع مزنيته) سواء كان الفرع من زناه أو من غيره، فالزنا عندنا ~~يوجب حرمة المصاهرة، حتى لو زنى بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها، وحرمت ~~الموطوءة على أصوله وفروعه. وعند الشافعي لا يوجبها، وعن مالك روايتان، ~~المشهورة كمذهبنا. واحتج في «المبسوط» للشافعي بقوله صلى الله عليه وسلم ~~«الحرام لا يحرم الحلال». كذا رواه ابن عباس. وروى أبو هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سئل عمن يبتغي من امرأة فجورا ثم تزوج ابنتها؟ فقال: «لا ~~بأس، لا يحرم الحرام الحلال». # ولنا عموم قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء}، وقد بينا ~~أن النكاح للوطىء حقيقة، فتكون الآية نصا في تحريم موطوءة الأب على الابن، ~~فالتقييد بكون الوطىء حقيقة في الحلال زيادة، ولا تثبت هذه الزيادة بخبر ~~الواحد ولا بالقياس ، والدليل عليه أن موطوءة الأب بالملك ms0707 حرام على الابن ~~بهذه الآية، فدل على أن المراد بالنكاح الوطىء لا العقد. # --- PageV03P214 ~~*** # وما ذهبنا إليه هو قول عمر، وابن مسعود، وابن عباس، في الأصح، وعمران بن ~~حصين، وجابر، وأبي وعائشة، وجمهور التابعين: كالحسن البصري، والنخعي، ~~والأوزاعي، وطاوس، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، ~~وحماد، والثوري، وإسحاق بن راهويه. والحديث غير مجري على ظاهره، فإن كثيرا ~~من الحرام يحرم الحلال، كما إذا وقعت قطرة من خمر في ماء، وكالوطىء ~~بالشبهة، ووطىء الأمة المشتركة، ووطىء الأب جارية الابن، فإن هذا كله حرام ~~حرم الحلال. هذا لو صح الحديث، لكن حديث ابن عباس مضعف برواية عثمان ~~ابنعبدالرحمن الوقاصي، لطعن يحيى بن معين فيه بالكذب، ولقول البخاري، ~~والنسائي، وأبي داود فيه: ليس بشيء. وذكره عبد الحق عن ابن عمر ثم قال: في ~~إسناده إسحاق ابن أبي فروة، وهو متروك. # وقد احتج بعض أصحابنا بما روي: «أن رجلا قال: يا رسول الله إني زنيت ~~بامرأة في الجاهلية، أفأنكح ابنتها؟ قال: لا أرى ذلك، ولا يصلح أن تنكح ~~امرأة تطلع من ابنتها على ما تطلع عليه منها». وهو مرسل ومنقطع، وفي سنده ~~أبو بكر بن عبدالرحمن بن أم حكيم. وبما روي من طريق ابن وهب، عن أبي أيوب، ~~عن ابن جريج: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي تزوج امرأة فيغمز ~~ولا يزيد على ذلك: «لا يتزوج ابنتها». وهو مرسل ومنقطع، إلا أن هذا لا يقدح ~~عندنا إذا كانت الرجال ثقات. # --- PageV03P215 ~~*** # ثم كما تثبت حرمة المصاهرة بالوطىء،تثبت بالمس والتقبيل عن شهوة عندنا، ~~سواء كان في الملك أو في غيره، وهذا معنى قوله: (و) فرع (ممسوسته) (و) فرع ~~(ماسته) سواء كان المس عمدا أو سهوا، أو خطأ أو كرها، وسواء كان بحائل، ~~ووجد حرارة البدن، أو بلا حائل، لأنه استمتاع، فكان كالوطىء. وقال مالك: ~~القبلة واللمس يقومان مقام الوطىء، وخالف الشافعي أيضا في ذلك حتى لو قبل ~~أمته ثم أراد أن يتزوج ابنتها يجوز عنده، وكذا لو تزوج امرأة وقبلها بشهوة ~~ثم ms0708 ماتت، يجوز له أن يتزوج ابنتها عنده. # (و) فرع (منظور إلى فرجها الداخل)، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كانت # متكئة (بشهوة) متعلق باللمس والنظر على طريق التنازع. وقال الشافعي: لا ~~تثبت الحرمة بالنظر، ومذهب مالك أن النظر للذة محتمل لثبوت الحرمة كالقبلة، ~~ولعدمه كالتفكر. # ولنا ما رواه في «الغاية السمعانية» عن النبي صلى الله عليه وسلم «من نظر ~~إلى فرج امرأة بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها». وعن عمر أنه جرد جارية ونظر ~~إليها، ثم استوهبها منه بعض بنيه فقال: إنها لا تحل لك. وعن عبد الله بن ~~عمر أنه قال: إذا جامع الرجل المرأة أو قبلها أو لمسها بشهوة، أو نظر إلى ~~فرجها بشهوة، حرمت على أبيه وابنه، وحرمت عليه أمها وابنتها. وعن مسروق أنه ~~قال: بيعوا جاريتي هذه، أما أني لم أصب منها إلا ما يحرمها على ولدي من ~~المس والقبلة. # ولأن المس والتقبيل سبب يتوصل به إلى الوطىء، فإنه من دواعيه ومقدماته، ~~والحرمة تبنى على الاحتياط، فيقام سبب الوطىء مقامه. # --- PageV03P216 ~~*** # ولو نظر إلى فرجها من وراء زجاج، أو من وراء ماء بأن كانت في الماء، تثبت ~~المصاهرة، ولو نظر فرجها في المرآة لا تثبت، لأنه عكس فرجها لا حقيقته، ولو ~~نظرت المرأة إلى ذكر الرجل فهو مثل نظر الرجل إلى فرج المرأة. # وحد الشهوة أن يشتهي بقلبه، ويتلذذ به، ويميل أن يواقعها، ولا يشترط تحرك ~~الآلة ولا انتشارها، وهو الأصح عند بعضهم، وقيل: يشترطان. وفي «الخلاصة»: ~~وعليه الفتوى. ويعتبر في الشهوة أن تكون عند اللمس والنظر، حتى لو وجد بغير ~~شهوة ثم اشتهى بعد الترك، لا تتعلق به الحرمة. ويشترط أن لا ينزل عند اللمس ~~والنظر، حتى لو أنزل لا يثبت حرمة المصاهرة وعليه الفتوى، لأن اللمس والنظر ~~حينئذ ليسا بمفضيين إلى الوطىء، وما أثبتنا حرمة المصاهرة إلا لإفضائها إلى ~~الوطىء. # (و) حرم (أصلهن) أي أصل مزنيته، وممسوسته، وماسته، ومنظور إلى فرجها. # (وما دون تسع سنين ليست بمشتهاة) وعليه الفتوى، وأما بنت التسع وأكثر، ~~فقد تكون مشتهاة وقد ms0709 لا تكون ، وهذا يختلف بعظم الجثة وصغرها كما في «شرح ~~الوقاية». وفي «شرح الكنز»: بنت تسع مشتهاة من غير تفصيل، وبنت خمس وما ~~دونها غير مشتهاة من غير تفصيل، وبنت ست وسبع وثمان إن كانت عبلة ضخمة كانت ~~مشتهاة، وإلا فلا. ولو كبرت المرأة حتى خرجت عن حد الاشتهاء توجب الحرمة، ~~لأنها دخلت تحت حكم الاشتهاء، فلا تخرج بالكبر، ولا كذلك الصغيرة. # --- PageV03P217 ~~*** # (ويحرم) بكسر الراء المشددة، أي ويمنع منع تحريم (نكاح امرأة) أي عقد أحد ~~عليها (وعدتها) من طلاق رجعي أو بائن، أو عتق، إذا كانت أم ولد (نكاح ~~امرأة) أي عقدها، وهو مفعول يحرم، وجملة (أيتهما فرضت ذكرا لم تحل له ~~الأخرى) صفة المرأتين (ووطأها) بالنصب عطف على مفعول يحرم، أي: ويحرم نكاح ~~امرأة وعدتها أيضا وطء امرأة (ملكا) أي من جهة الملك، إذا كانتا أيتهما ~~فرضت ذكرا لم تحل له الأخرى، فلا يجوز الجمع بين الأختين كما وقع في النص، ~~وعليه الإجماع. # وأما ما في «الهداية» من قوله صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يجمعن ماءه في رحم أختين». فغير معروف، نعم روى الضحاك بن ~~فيروز الديلمي عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، إني أسلمت وتحتي أختان قال: ~~«طلق أيتهما شئت». أخرجه أبو داود، وعند الترمذي: «اختر أيتهما شئت»، وقال: ~~هذا حديث حسن، وذكر البيهقي في إسناده عن أبي داود أنه حديث صحيح. وأخرجه ~~ابن حبان في «صحيحه». # ولا يجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها، أو بنت أختها. أو بنت أخيها، ~~وقال عثمان البتي وداود الظاهري: يجوز الجمع بين غير الأختين من المحارم، ~~لقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم}. # --- PageV03P218 ~~*** # ولنا ما روى مسلم مفرقا، وأبو داود والترمذي والنسائي مجموعا من حديث أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تنكح المرأة على عمتها، ~~ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت ~~أختها، ولا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى». كرر النفي ms0710 من ~~الجانبين لتأكيد الحكم، ولدفع توهم جواز تزوج العمة على بنت أخيها، والخالة ~~على بنت أختها، لفضيلة العمة والخالة، كما يجوز تزوج الحرة على الأمة دون العكس. # والمراد بالكبرى: العمة والخالة، وبالصغرى: بنت الأخ وبنت الأخت، والآية ~~مخصوصة من عمومها ببنته وعمته من الرضاع، وبالمشركة، فيجوز تخصيصها بخبر ~~الواحد والقياس، والمعتدة كالمنكوحة، بدليل ثبوت النفقة، والسكنى، والنسب ~~بالفراش، والمنع من الخروج. # قيد بقوله: أيتهما فرضت ذكرا لم تحل له الأخرى، لأنه لو فرضت إحداهما ~~ذكرا لم تحل له الأخرى، ولو فرضت الأخرى ذكرا حلت له الأخرى، مثل المرأة ~~وبنت زوجها، أو امرأة أبيها، جاز الجمع بينهما. وقال زفر، وابن أبي ليلى، ~~والحسن البصري: لا يجوز، لأن الامتناع ثبت من وجه، فالأحوط الحرمة، ~~وللجمهور قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} وأن عبد الله بن جعفر جمع ~~بين زينب بنت علي وزوجته النهشلية، ولم ينكر عليه. ذكره البخاري تعليقا، ~~وأسنده ابن أبي شيبة والدارقطني، وكذا ابن عباس جمع بين امرأة ورجل وبنته ~~من غيرها. # ولا يجوز نكاح أخت معتدته من الطلاق البائن عندنا كالطلاق الرجعي، وحكم ~~مالك والشافعي بجوازه، لأنه نكاح يرتفع بينهما علائقه، فيجوز له نكاح أختها ~~كما بعد انقضاء العدة. # --- PageV03P219 ~~*** # ولنا: هذه معتدة على الإطلاق، فليس له أن يتزوج بأختها كالعدة من طلاق ~~رجعي، ومذهبنا قول علي، وابن مسعود، وابن عباس ذكره سليمان بن يسار عنهم، ~~وبه قال سعيد بن المسيب، وعبيدة السلماني، ومجاهد، والثوري والنخعي، وروي ~~مذهبهما عن زيد بن ثابت، إلا أن أبا يوسف ذكر في «الأمالي» رجوع زيد عن هذا ~~القول، وذكر الطحاوي قول زيد الأخير أنه ليس له أن يتزوجها، وحكى أن مروان ~~شاور الصحابة في هذا، فاتفقوا على التفريق بينهما، وخالفهم زيد، ثم رجع إلى ~~قولهم. وقال عبيدة: ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء ~~كاجتماعهم على تحريم نكاح الأخت في عدة الأخت، والمحافظة على أربع قبل الظهر. # (وكذا وطؤها) بالرفع، أي: ويحرم وطء امرأة (ملكا) أي من جهة الملك ms0711 ~~(وطأها) بالنصب، أي وطأ امرأة أخرى (نكاحا وملكا) يتميزان، أي من جهتهما، ~~إذا كانت بحيث لو فرضت أيتهما ذكرا لم تحل له الأخرى، (لا نكاحها) بالنصب ~~عطفا على وطئها، أي لا يحرم وطء امرأة ملكا العقد على امرأة أخرى أيتهما ~~فرضت ذكرا لم يحل له الأخرى، لأن العقد ليس بوطىء، وإنما يصير وطئا عند ~~ثبوت حكمه، وهو حل الوطىء، وحكم الشيء يعقبه. # (فإن نكحها) أي عقد عليها (لا يطأ واحدة) من الموطوءة بالملك والمعقود ~~عليها (حتى يحرم الأخرى)، أما المنكوحة فبطلاقها وانقضاء عدتها، وأما ~~المملوكة فبعتقها أو بعتق بعضها، أو بتمليك جميعها أو بعضها، أو بتزويجها، ~~أو بكتابتها، لأنه إن وطىء المعقود عليها من غير تحريم المملوكة، كان جامعا ~~بين الموطوءتين حقيقة، وإن وطىء المملوكة من غير تحريم المعقود عليها، كان ~~جامعا بين موطوءة حقيقة وبين موطوءة حكما، (وهي المعقود عليها). # --- PageV03P220 ~~*** # (وصح نكاح الكتابية) ولو كانت أمة، وفي الأمة خلاف سيأتي. والكتابية: ~~كافرة تعتقد كتابا سماويا كصحف إبراهيم أو غيرها، وإنما صح نكاحها لقوله ~~تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} عطف على الطيبات في ~~قوله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات}. # وفي «المبسوط»: قال محمد بن الحسن: بلغنا عن حذيفة بن اليمان أنه تزوج ~~يهودية. ولو تزوج كتابية على مسلمة جاز وقسم بينهما على السواء. # وكان ابن عمر لا يجوز نكاح الكتابية ويقول: هي مشركة، وقد قال تعالى: ~~{ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}. وكان يقول: معنى الآية الثانية: واللاتي ~~أسلمن من أهل الكتاب # ولسنا نأخذ بهذا، فإن الله عطف المشركين على أهل الكتاب، فدل أن اسم ~~المشرك لا يتناول الكتابي مطلقا، ولو حملنا الآية الثانية على ما قال ابن ~~عمر لم يكن لتخصيص الكتابية بالذكر معنى، فإن غير الكتابية إذا أسلمت يحل ~~نكاحها. # وقد جاء عن كعب بن مالك أنه تزوج يهودية ، وخطب المغيرة بن شعبة بنت ~~النعمان بن المنذر، وكانت تنصرت فأبت وقالت: أي رغبة لشيخ أعور في عجوز ~~عمياء؟ ولكن أردت أن تفتخر بنكاحي فتقول: تزوجت بنت ms0712 النعمان بن المنذر ~~فقال: صدقت، وكانت بعد ذلك تدخل عليه فيكرمها ويسألها عن حالها فقالت: # *فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ** إذا نحن فيهم سوقة نتنصف* # *فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ** تقلب تارات بنا وتصرف* # وقولها: نتنصف أي: نستخدم، والمنصف: الخادم. # --- PageV03P221 ~~*** # ولما كان الأمر على ما قرر ذهب عامة المفسرين إلى تفسيرالمحصنات ~~بالعفائف، والعفة ليست بشرط أيضا، وإنما قيد للعادة، ولئن كانت شرطا ~~فانتفاؤه لا يدل على عدم الجواز لما عرفت، فثبت الجواز بالنصوص المطلقة، ~~وقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء}. وقوله صلى الله عليه وسلم ~~«تناكحو...»، وغير ذلك. # (و) صح نكاح (الأمة) (مسلمة كانت أو كتابية) (مع طول الحرة) أي مع القدرة ~~على نكاح الحرة، بأن يكون له مهرها ونفقتها، لكن بشرط أن لا يكون تحته حرة، ~~فإنه لا يجوز حينئذ إجماعا. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز تزوج الأمة ~~الكتابية مطلقا، ولا تزوج الأمة المسلمة إذا وجد طول الحرة، لقوله تعالى: ~~{ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من ~~فتياتكم المؤمنات} أي: فليتزوج، والمراد بالمحصنات هنا: الحرائر. # ولنا النصوص المطلقة، نحو قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء}، ~~وقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم}، وأما الآية السابقة فقد نقلنا عن ~~ابن عباس أن المراد حال وجود نكاح الحرة، وبه نقول، وهو معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم «لا تنكح الأمة على الحرة». كذا في «الهداية». وروى البيهقي عن ~~الحسن: رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تنكح الأمة على الحرة. قال: ~~هذا مرسل إلا أنه في معنى الكتاب، وهو قول جماعة من الصحابة. # --- PageV03P222 ~~*** # وأما قول صاحب «الهداية»: ويجوز تزوج الحرة عليها لقوله صلى الله عليه ~~وسلم «تنكح الحرة على الأمة»، فرفعه وهم، وإنما هو موقوف على علي، كما رواه ~~الدارقطني عنه بلفظ: إذا تزوجت الحرة على الأمة قسم لها يومين وللأمة يوما. ~~لأن الأمة لا ينبغي لها أن تزوج على الحرة. ثم قوله سبحانه: {ذلك لمن خشي ~~العنت ms0713 منكم}.فيد عدم جواز نكاح الأمة مطلقا حين لا ضرورة من خشية العنت ~~وهو: الخوف على نفسه من الزنا. # (و) صح نكاح (المحرم و) نكاح (المحرمة) بالحج أو العمرة، وهو مذهب ~~الثوري. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يصح نكاح المحرم زوجا كان أو وليا، ~~ولا نكاح المحرمة، لما روى الجماعة إلا البخاري من حديث نبيه بن وهب: أن ~~عمر بن عبيد الله أرسله إلى أبان بن عثمان بن عفان يسأل، وأبان يومئذ أمير ~~الحج، وهما محرمان: إني أردت أن أنكح طلحة بن عمر ابنة شيبة بن جبير؟ فقال ~~أبان: سمعت أبي عثمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ينكح ~~المحرم ولا ينكح». زاد مسلم وأبو داود في رواية: «ولا يخطب»، وزاد ابن ~~حبان: «ولا يخطب عليه»، وهما محمولان على الكراهة اتفاقا، فليكن ما قبلها ~~كذلك، ولما في «الموطأ» عن داود بن الحصين أن أبا غطفان المري أخبره أن ~~أباه طريفا تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر نكاحه. # --- PageV03P223 ~~*** # ولنا إطلاق قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} وصريح ما في الكتب الستة ~~من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم. زاد ~~البخاري: وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف. وهو ظرف للبناء والموت، وهو من ~~أعجب التواريخ. وأما ما رواه يزيد بن الأصم أنه تزوجها وهو حلال، لم يقو ~~قوة هذا، فإنه مما اتفق عليه الستة، وحديث يزيد لم يخرجه البخاري ولا ~~النسائي ، وأيضا لا يقاوم يزيد بابن عباس حفظا وإتقانا، لا سيما وميمونة ~~خالته، فهو أعرف بخالته، لما روى الطحاوي عن عمرو بن دينار: حدثني ابن ~~شهاب، عن يزيد بن الأصم: (أنه صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهما حلالان، ~~قال: فقلت للزهري: وما يدري ابن الأصم؟) إنه أعرابي بوال على عقبيه، أتجعله ~~مثل ابن عباس؟. # وما روي عن أبي رافع أنه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال، وبنى بها ~~وهو حلال، وكنت أنا رسولا بينهما، لم يخرج في واحد من الصحيحين ms0714 وإن روي في ~~«صحيح ابن حبان»، فلم يبلغ ذلك في درجة الصحة، ولذا لم يقل فيه الترمذي ~~سوى: حديث حسن، قال: ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد عن مطر. # قال بعض المحققين: والحاصل أنه قام ركن المعارضة بين حديث ابن عباس ~~وحديثي يزيد وأبان، وحديث ابن عباس أقوى منهما سندا، فإن رجحنا باعتباره ~~كان الترجيح معنا، ويعضده ما رواه الطحاوي عن أبي عوانة، عن مغيرة، عن أبي ~~الضحى، عن مسروق، عن عائشة، قالت: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ~~نسائه وهو محرم. قال: ونقلة هذا الحديث كلهم ثقات يحتج بروايتهم، ورواه ~~البزار في «مسنده» عن مسروق، عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة ~~وهو محرم، واحتجم وهو محرم. # --- PageV03P224 ~~*** # وإن رجحنا بقوة ضبط الرواة وفقههم، فإن الرواة عن عثمان وغيره، ليسوا كمن ~~روى عن ابن عباس ذلك، فقها وضبطا، كسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، ~~وعكرمة، وجابر بن زيد. وإن تركناه تساقطا للتعارض وصرنا إلى القياس، فهو ~~معنا، لأنه عقد كسائر العقود التي يتلفظ بها من شراء أمة للتسري وغيره، ولا ~~يمتنع شيء من العقود بسبب الإحرام، ولو حرم لكان غايته أن ينزل منزلة ~~الوطىء وأثره في إفساد الحج، لا في بطلان العقد نفسه # وإن وفقنا لدفع التعارض يحمل لفظ التزوج في حديث ابن الأصم على البناء ~~بها مجازا، لعلاقة السببية العادية ، ويحمل قوله صلى الله عليه وسلم «لا ~~ينكح المحرم» إما، على نهي التحريم، والنكاح:الوطىء والمراد بالجملة ~~الثانية: التمكين من الوطىء، والتذكير باعتبار الشخص، أي لا تمكن المحرمة ~~زوجها منه أو على الكراهة جمعا بين الأدلة، وذلك لأن المحرم في شغل عن ~~مباشرة عقد النكاح، لأنه يشغل القلب عن الإحسان في العبادة، لما فيه من ~~خطبة، ومراودات، ودعوة، واجتماعات، ويتضمن تنبيه النفس لطلب الجماع، وهذا ~~محمل قوله: «ولا يخطب» إجماعا. وقال في «الكافي»: والأوجه أن يقال: الحديث ~~(يروى) بالنهي مجزوما، وهو اختيار الخطابي، والنهي يكون للتنزيه وإن روي ~~منفيا فالنفي يجيء بمعنى النهي. # (و) صح نكاح ms0715 (حبلى من زنا) وقال أبو يوسف وزفر: لا يصح، وهو قول مالك ~~والشافعي وأحمد، لأن الحبل من الزنا محترم، حتى لا يجوز إسقاطه، فيمنع صحة ~~النكاح، كما يمنع الحبل من غيره اتفاقا. # --- PageV03P225 ~~*** # ولنا قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} وإنما يمتنع تزوج الحبلى من ~~غير الزنا لحرمة صاحب الماء، ولا حرمة للزاني والخلاف فيما إذا كان الناكح ~~غير الزاني، وفيما إذا لم يكن الحمل ثابت النسب من غير الناكح، فإنه إذا ~~كان الزاني هو الناكح يصح النكاح إجماعا، (وإذا كان الحبل ثابت النسب من ~~غير الناكح لا يصح النكاح إجماعا). # (ولا توطأ) أي ولا يطؤها الزوج (حتى تضع) كيلا يسقي ماؤه زرع غيره، ولا ~~يلزم من حرمة الواطىء لعارض الحبل فساد النكاح، كما لا يلزم ذلك من حرمته ~~لعارض الحيض والنفاس. ثم المذكور في «الهداية»: أن حرمة الوطىء لأجل أن ~~يسقي ماؤه زرع غيره، ويفهم منه أن الناكح لو كان هو الزاني يجوز الوطء، ~~وذكر في «الملتقط»: أنه لا يجب النفقة للحبلى من الزنى ما لم تضع الحمل، ~~لأنه لا يحل له الاستمتاع بها عند من يجيز النكاح، سواء كان الحبل منه أو ~~لا، وإطلاق كلام المتن يشعر ذلك. ذكره البرجندي. والظاهر أن قوله: «سواء» ~~تعميم لقوله: لا يجب النفقة، لا لقوله: لا يحل له الاستمتاع، فيوافق عبارة ~~«الهداية» الموافقة للقياس على ما سبق من الرواية. # وفي «واقعات الناطفي»: رجل تزوج امرأة، فجاءت بسقط استبان خلقه، إن جاءت ~~به لأقل من أربعة أشهر لم يجز النكاح، لأن خلق الولد إنما يستبين في أربعة ~~أشهر، فتعين أن الولد من الأول. # --- PageV03P226 ~~*** # ثم ليس الزنا ووطىء المولى مانعا من تزويج الجارية، أما الزنا، فلعدم ~~حرمة ماء الزاني، وأما المولى فلأنها ليست بفراش لمولاها، فإنها لو جاءت ~~بولد لا يثبت نسبه بغير دعوة، إلا أنه يستحب أن يستبرئها صيانة لمائه، ومنع ~~زفر جواز تزوجها حتى تحيض ثلاث حيض، بناء على أصله وهو: وجوب العدة للتزوج ~~بعد كل وطىء ولو من زنا. وقال محمد: ms0716 لا أحب أن يطأها قبل الاستبراء، يعني ~~إذا زوجها المولى قبله، لأنه لو تحقق الحمل يحرم الوطىء، تفاديا عن سقي زرع ~~غيره، فإذا احتمل وجب التنزه احتياطا، كما لو كان مكان النكاح الشراء. # (و) صح نكاح (من ضمت) في عقد النكاح (إلى محرمة) بتشديد الراء المفتوحة، ~~بأن ضمت إلى محرمة، أو وثنية، أو ذات زوج، أو معتدة الغير، ويبطل نكاح ~~الأخرى، لأن بطلان نكاح المحرمة لا يقتضي بطلان نكاح المضمومة معها في ~~العقد، والفرق بين هذا وبين الجمع بين حر وعبد في البيع، حيث يبطل البيع ~~فيهما، أن قبول العقد فيما لا يجوز، شرط في صحة العقد فيما يجوز، وهو شرط ~~فاسد، والبيع يبطل بالشروط الفاسدة، والنكاح لا يبطل بها. وعن النخعي: ~~النكاح يهدم الشرط، والشرط يهدم البيع. # ثم المسمى بكماله للتي صح نكاحها عند أبي حنيفة. وقالا: يقسم على مهر ~~مثلهما فما أصاب التي صح نكاحها لزمه، وما أصاب الأخرى سقط عنه. وفي ~~«الزيادات»: ولو دخل بالتي لا تحل له يلزمه مهر مثلها، ولا حد عليه مع ~~العلم بالحرمة عند أبي حنيفة. # (نكاح الشغار) # --- PageV03P227 ~~*** # ويصح عندنا نكاح الشغار بكسر الشين ، وهو: أن يقول الرجل للرجل: أزوجك ~~أختي على أن تزوجني أختك، على أن يكون مهر كل واحد منهما نكاح الأخرى، أو ~~قالا ذلك في ابنتيهما أو أميهما، ولكل واحدة منهما مهر مثلها. وأبطله مالك ~~والشافعي لنهيه صلى الله عليه وسلم عن نكاح الشغار، كما رواه أحمد وأصحاب ~~الكتب الستة، والنهي يقتضي فساد المنهي. # ولنا أن النكاح لا يبطل بالشرط الفاسد، واستدلالهما بالنهي غير صحيح، لأن ~~النهي للخلو عن المهر، هكذا قال ابن عمر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن تزوج المرأة بالمرأة من غير مهر لكل واحدة منهما. وهذا لأن الشغار هو ~~الخلو في اللغة، يقال: بلدة شاغرة: إذا كانت خالية من السلطان، وإنما أراد ~~به أن تخلو المرأة بالنكاح عن المهر، وبه نقول. # (لا نكاح) أي لا يصح للرجل نكاح (أمته) لأن ملك المتعة ثابت له ms0717 قبل ~~التزوج، فيؤدي إلى إثبات الثابت، إلا إذا كان هناك شبهة الحرية، فيرتفع ~~بهذه القضية. # (و) لا نكاح (مالكته) لأن النكاح ما شرع إلا مثمرا ثمرات مشتركة بين ~~المتناكحين، ولهذا كان لها أن تطالب بالوطىء، كما له أن يطالبها يالتمكين، ~~والمملوكية تنافي المالكية، فيمتنع حينئذ وقوع ثمرة النكاح على الشركة، ولو ~~نكح العبد بنت مولاه جاز، لأنها لا ملك لها في مال أبيها. # (ولا) نكاح (كافرة غير كتابية) ولا وطؤها بملك اليمين، سواء كانت مجوسية، ~~أو وثنية أو صابئة، إن كان الصابىء من لا كتاب له، بل يعبد الكواكب أو ~~الملائكة، كما قيل عن أبي يوسف ومحمد، لا إن كان نصرانيا يقرأ بالزبور ~~ويعظم الكواكب كتعظيمنا القبلة كما قيل عن أبي حنيفة. # --- PageV03P228 ~~*** # أما المجوسية، فلما روى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في «مصنفيهما» من حديث ~~قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب ~~إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم قبل منه، ومن لم يسلم ضربت عليه ~~الجزية، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم. قال ابن القطان: هو مرسل، ومع ~~إرساله فيه قيس بن مسلم، وهو ابن الربيع، وقد اختلف فيه، وهو ممن ساء حفظه ~~بالقضاء. # ورواه ابن سعد في «الطبقات» من طريق ليس فيها قيس، عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى مجوس هجر. # .. إلى أن قال: «لا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل دبائحهم». وسيأتي ما فيه من ~~الكلام في باب الجزية إن شاء الملك العلام. # وقال داود الظاهري وأبو ثور: يجوز تزوج المجوسية، لأن المجوس كان لهم ~~كتاب، فواقع ملكهم أخته ولم ينكر عليه، فرفع كتابهم ونسوه وأجيب بأن العبرة ~~للحال كالوثني من ولد إسمعيل عليه الصلاة والسلام لا يعتبر ذلك فيه الآن. ~~وأما الوثنية فلقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}، والمشركة لا ~~تتناول الكتابية لاختصاصها باسم آخر، ألا ترى أن الله سبحانه عطف المشركين ~~على أهل الكتاب بقوله: {لم ms0718 يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} ~~والعطف يقتضي المغايرة. # وقال سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار: يجوز وطىء المشركة ~~بملك اليمين، لورود الأثر بجواز وطىء سبايا العرب. وأجيب بأن ما ورد من ~~وطىء سبايا العرب محمول على الوطىء بعد الإسلام، أو هو منسوخ بما تلونا. # --- PageV03P229 ~~*** # (ولا) يصح نكاح (أخرى للحر في عدة رابعة) سواء كانت عدة طلاق رجعي أو ~~بائن، كيلا يصير جامعا بين خمس حكما. (و) نكاح أخرى (للعبد في عدة ثانية) ~~لئلا يصير جامعا بين ثلاثة حكما، لأن المعتدة وإن كانت مبانة بينونة غليظة، ~~نكاحها باق من وجه لبقاء النفقة، والسكنى، والمنع من الخروج، واعتبار ~~الفراش، ولذا يثبت نسب ولدها إذا جاءت به لأقل من سنتين، فصار كما لو تزوج ~~الحر أخرى والرابعة في ملك نكاحه، أو تزوج العبد أخرى والثانية في ملك نكاحه. # (ولا يصح) نكاح (أمة) سواء كانت مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة (على حرة أو ~~في عدتها) أي عدة الحرة، سواء كانت عدة عن طلاق رجعي، وهو قولهما، أو عن ~~بائن، وهو قول أبي حنيفة. # لهما وهو قول ابن أبي ليلى : أن الحرام إدخال الأمة على الحرة، وهو إنما ~~يتحقق إذا كان ملكه باقيا عليها، وهذه مبانة فلا يكون متزوجا عليها، كما لو ~~تزوج أمة في عدة حرة من نكاح فاسد، أو وطىء بشبهة، ولهذا لو حلف لا يتزوج ~~عليها، فأبانها وتزوج في عدتها، لا يحنث. # ولأبي حنيفة: أن ملك المعتدة عن طلاق بائن باق من وجه، فالاحتياط المنع، ~~كنكاح المرأة في عدة أختها، أو في عدة رابعة. # وقال الشافعي: يجوز للعبد أن يتزوج الأمة على الحرة. وقال مالك: يجوز ~~تزوج الأمة على الحرة إذا رضيت الحرة. # --- PageV03P230 ~~*** # ولنا ما روى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في «مصنفيهما» عن الحسن قال: نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح الأمة على الحرة. وقال علي رضي الله ~~عنه: لا تنكح الأمة على الحرة. ونحوه عن ابن مسعود، رواهما ابن أبي شيبة. ~~وقال ms0719 جابر بن عبد الله: لا تنكح الأمة على الحرة، وتنكح الحرة على الأمة. ~~رواه عبد الرزاق في «مصنفه» فهذه آثار ثابتة عن الصحابة تقوي الحديث المرسل ~~(لو لم نقل) بحجيته، فوجب قبوله. ثم علماؤنا والشافعي قصروا العبد على تزوج ~~ثنتين. وقال مالك: له أن يتزوج أربعا. ومذهبنا مروي عن عمر رضي الله عنه ~~قال: لا يتزوج العبد أكثر من ثنتين. # (ولا) يصح نكاح (حامل ثبت نسب حملها) بأن كانت مسبية، أو مهاجرة ذات حمل ~~من حربي، روى ذلك محمد عن أبي حنيفة، واعتمده الكرخي لحرمة صاحب الماء بسبب ~~ثبوت النسب منه. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن المسبية، أو المهاجرة إذا ~~كانت حاملا من حربي يجوز تزوجها، ولا توطأ حتى تضع. واعتمد الطحاوي هذه ~~الرواية. # (حكم نكاح المتعة) # (ولا) يصح نكاح (المتعة) وصورته: أن يقال بحضرة الشهود لامرأة خالية عن ~~الموانع: متعيني نفسك، أو: أتمتع بك كذا بكذا، ويذكر مدة من الزمان، وقدرا ~~من المال، فتقول: متعتك نفسي. ولا بد من لفظ التمتع فيه، فرقا بينه وبين ~~الموقت لما روى مسلم من حديث إياس بن سلمة بن الأكوع قال: رخص رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في المتعة ثلاثا، ثم نهى عنها. قال البيهقي: ~~وعام أوطاس، وعام الفتح واحد، لأنه بعد الفتح بيسير. انتهى. وأوطاس يصرف ~~ولا يصرف: واد من ديار هوازن بالطائف، فيه قسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غنائم حنين. # --- PageV03P231 ~~*** # وفي كتاب «الناسخ والمنسوخ» للحازمي: قد كانت المتعة مباحة في صدر ~~الإسلام، وإنما أباحها النبي صلى الله عليه وسلم للسبب الذي ذكره ابن ~~مسعود، كما في الصحيحين عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت عبد الله بن مسعود ~~يقول: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا نساء فقلنا: ألا ~~نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن تنكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ ~~عبد الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ا لكم ولا تعتدوا ~~إن ms0720 ا لا يحب المعتدين}، وقراءة عبد الله الآية دل على أنه كان يعتقد ~~الإباحة مستمرة كابن عباس، إلا أنه رجع بقول سعيد بن جبير كما سيأتي. # وأما ابن مسعود فلعله رجع بعد ذلك أو استمر، لأنه لم يبلغه النهي بالنص، ~~أو للسبب الذي ذكره ابن عباس، كما روى الترمذي عن ابن عباس، قال: إنما كانت ~~المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج ~~المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شيئه، أي طبخه ~~ونحوه، حتى إذا نزلت الآية: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} قال ابن ~~عباس: كل فرج سواهما حرام، أي سوى الأزواج والسراري. # قال الحازمي: ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أباحها لهم وهم في ~~بيوتهم وأوطانهم، ولذلك نهاهم عنها غير مرة، وأباحها لهم في أوقات مختلفة ~~بحسب الضرورات، حتى حرمها عليهم في آخر سنيه، وذلك في حجة الوداع، فكان ~~تحريم تأبيد لا خلاف فيه بين الأئمة وفقهاء الأمصار، إلا طائفة من الشيعة، ~~ويحكى عن ابن جريج. # --- PageV03P232 ~~*** # وأما ما يحكى عن ابن عباس فيها، فإنه كان يتأول إباحتها للمضطر إليها ~~لطول الغربة وقلة اليسار والجدة، ثم توقف وأمسك عن الفتوى بها، ثم أسند ~~الحازمي من طريق الخطابي إلى سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: لقد سارت ~~بفتياك الركبان وقالت فيها شعرا قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا: # *قد قلت للشيخ لما طال مجلسه ** يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس # *هل لك في رخصة الأطراف آنسة ** تكون مثواك حين مصدر الناس # المصدر بفتح الدال، أي: مرجعهم، والرخصة بالفتح: الناعمة، وصاح: مرخم ~~صاحب. فقال: سبحان الله والله ما بهذا أفتيت، وإنما هي كالميتة والدم ولحم ~~الخنزير، إلا للمضطر. قال الخطابي: فهذا يبين لك أنه سلك فيه مذهب القياس، ~~وشبهه بالمضطر إلى الطعام الذي به قوام النفس، وبعدمه يكون التلف، وإنما ~~هذا من باب غلبة الشهوة، وقد تحسم مادتها بالصوم والعلاج، فليس أحدهما في ~~حكم الضرورة كالآخر، ms0721 وهو قياس مع الفارق، فتدبر. # أقول: وهذا كله ليس فيه صريح الرجوع لابن عباس عن قوله، ومما يدل على ~~بطلان المتعة مطلقا ما في «صحيح مسلم»: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرمها ~~يوم الفتح، وفيه وفي البخاري: أنه صلى الله عليه وسلم حرمها يوم خيبر، ~~والتوفيق أنها نسخت مرتين. # قيل: ثلاثة أشياء نسخت مرتين: المتعة، ولحوم الحمر الأهلية، والتوجه إلى ~~بيت المقدس في الصلاة. # --- PageV03P233 ~~*** # وفي «صحيح مسلم»: «يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من ~~النساء، وقد حرم الله ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل ~~سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا.» وفيه أيضا: أن عليا سمع ابن عباس ~~يلين في المتعة، فقال: مهلا يا ابن عباس، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية. # وأما قول صاحب «الهداية»: قال مالك: هو جائز، لأنه كان مباحا فيبقى إلى ~~أن يظهر ناسخه ، قلنا: ثبت النسخ بإجماع الصحابة، وابن عباس صح رجوعه إلى ~~قولهم: فتقرر الإجماع. فما نقله عن مالك ليس مذهبه. وقوله: ثبت النسخ ~~بإجماع الصحابة، فيه أن النسخ لا يثبت بالإجماع، وقد ثبت نسخ نكاح المتعة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير نزاع ولا عبرة بمخالفة الشيعة من ~~أهل الابتداع. # (حكم النكاح الموقت) # (ولا) يصح نكاح (الموقت) وهو نكاح إلى مدة معينة طويلة أو قصيرة، وهو ~~مختار شمس الأئمة، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا ذكر مدة لا يعيش مثلهما ~~إليها صح النكاح، وهذا مختار صاحب «المختلف». وقال زفر: يصح النكاح، ويبطل ~~التوقيت، لأن معنى النكاح إسقاط حرمة البضع، والإسقاط لا يبطل بالشروط ~~الفاسدة، فصار كما لو تزوجها بشرط أن يطلقها بعد شهر. # ولنا أن نكاح الموقت في معنى نكاح المتعة، (فلا يصح، كما لا يصح نكاح) ~~المتعة، إذ العبرة للمعاني، ألا ترى أنه إذا قال: جعلتك وكيلا بعد موتي، ~~فإنه يكون وصيا، ولو قال: جعلتك وصيا في حياتي يكون وكيلا، وكذا الحوالة ms0722 ~~بشرط بقاء الدين على الأصيل كفالة، والكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة. ~~ويؤيد هذا ما روي عن عمر أنه قال: لا أرى برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا رجمته. # --- PageV03P234 ~~*** # وأما إذا تزوج بشرط أن يطلق بعد شهر، فقد اشترط القاطع للنكاح بعد شهر، ~~وذلك يدل على انعقاد النكاح مؤبدا، ولو تزوجها على أن يقعد معها في النهار ~~دون الليل أو بالعكس، أو تزوجها ناويا أن يقعد معها مدة ولم يتلفظ بذلك في ~~صلب العقد فالنكاح صحيح. # فصل في الأولياء والأكفاء # (نفذ نكاح حرة مكلفة) سواء كانت ثيبا أو بكراا وسواء زوجت نفسها أو غيرها ~~(ولو من غير كفء بلا ولي) أي: ملابسا بغير ولي. وهذا على ظاهر الرواية عن ~~أبي حنيفة، ورواية رجوعهما إليه على ما في «مبسوطي» شمس الأئمة وشيخ ~~الإسلام المعروف بخواهر زاده. # وكان أبو يوسف أولا يقول: إن النكاح لا ينعقد إذا كان لها ولي، ثم رجع ~~وقال: إن كان الزوج كفؤا انعقد، وإلا لم ينعقد، ثم رجع وقال: ينعقد سواء ~~كان الزوج كفؤا أو لم يكن. وعند محمد ينعقد موقوفا على إجازة الولي. سواء ~~كان الزوج كفؤا أو لم يكن. # --- PageV03P235 ~~*** # وقال مالك: ينعقد إذا كانت خسيسة، وقال الشافعي وأحمد: لا ينعقد النكاح ~~بعبارة النساء، لما روى أبو داود والترمذي وابن ماجه، عن ابن جريج، عن ~~سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، ~~فنكاحها باطل، فإن دخل بها فالمهر بما استحل من فرجها أي: لازم فإن ~~اشتجروا أي: اختلفوا فالسلطان ولي من لا ولي له». قال الترمذي: حديث حسن، ~~وقال: قد تكلم فيه بعض أهل الحديث من جهة أن ابن جريج قال: ثم لقيت الزهري ~~فسألته عنه فأنكره فضعفوا الحديث من أجل هذا. وقال ابن عدي في «الكامل» في ~~ترجمة سليمان: ثم قال: قال،ابن جريج (فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث، ~~فلم يعرفه)، فقلت له: إن سليمان حدثنا ms0723 به عنك فأثنى عليه خيرا وقال: أخشى ~~أن يكون وهم علي. # وفي السنن أيضا عن ابن أبي بردة، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لا نكاح إلا بولي». قال الترمذي: هذا حديث فيه اختلاف، وذكر وجوه ~~الاختلاف. # وفي «سنن الدارقطني»: عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم «لا تزوج المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي ~~تزوج نفسها». ورواه الأوزاعي عن ابن سيرين، عن أبي هريرة موقوفا، وهو أشبه. ~~وفي «سننه» أيضا عن ابن مسعود مرفوعا: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل». إلا ~~أن في سند الأول بكر بن بكار، وفي الثاني عبد الله بن محرر، وهما ضعيفان. # --- PageV03P236 ~~*** # ولنا قوله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} حيث أسند النكاح إليها، وقوله ~~تعالى: {أن ينكحن أزواجهن}، وقوله تعالى: {فلا جناح عليهن فيما فعلن في ~~أنفسهن} وما رواه الجماعة إلا البخاري من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، ~~وإذنها صماتها بالضم أو سكوتها». كما في رواية، والأيم، بتشديد التحتية ~~المكسورة: المرأة الثيب التي لا زوج لها، وهي بالغة عاقلة. # ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم قدمها على الولي بقوله: «أحق ~~بنفسها». # وأما استدلال الشافعي بقوله: {فلا تعضلوهن أن ينكحن} حيث قال: هذه الآية ~~أبين آية في كتاب الله تدل على أن النكاح لا يجوز بغير ولي، لأنه نهى الولي ~~عن المنع، وإنما يتحقق المنع منه إذا كان الممنوع في يده، وهو الإنكاح، ~~فمدفوع بأن المراد بالعضل: المنع حسا بأن يحبسها في بيت، ويمنعها من أن ~~تتزوج، إذ معناها الحقيقي النهي عن منعهن من مباشرة النكاح. # (وله) أي للولي (الاعتراض هنا) أي فيما لو زوجت نفسها من غير كفوء، بأن ~~يطلب من القاضي التفريق بينهما للحوق العار له بمصاهرة غير الكفء، وليس هذا ~~التفريق طلاقا، بل هو فسخ لأصل النكاح، ولهذا لا يجب عليه شيء إذا لم يدخل، ~~ولو ms0724 سكت الولي لا يكون ذلك رضا، ولو خاصم لنفقتها أو لقبض مهرها كان ذلك ~~رضا، ولو ولدت منه، فليس للولي حق الفسخ، لئلا يضيع الولد. # --- PageV03P237 ~~*** # (وروي بطلانه) أي بطلان نكاحها إذا زوجت نفسها (بلا كفؤ) روى ذلك الحسن ~~عن أبي حنيفة، وفي «الخانية»: هذا أصح وأحوط والمختار للفتوى في زماننا، إذ ~~ليس كل ولي يحسن المرافعة إلى القاضي، ولا كل قاض يعدل، ولذا قيل: الوقوف ~~على باب القاضي في هذا الزمان ذل، فسد هذا الباب أولى. # والمطلقة ثلاثا لو زوجت نفسها من غير كفؤ ودخل بها، ثم طلقها لا تحل ~~للزوج الأول على ما هو المختار من رواية الحسن. # (ولا يجبر ولي بالغة ولو كانت بكرا) وله أن يجبر غير البالغة ولو كانت ~~ثيبا، وقال مالك، والشافعي، وأحمد: وهو قول ابن أبي ليلى: يجبر الأب والجد ~~البكر البالغة، لأنها جاهلة بأمر النكاح في الجملة، كالبكر الصغيرة. # فمدار إجبار الولي عندنا على الصغر، كانت بكرا أو ثيبا، وعندهم على ~~البكارة، كانت صغيرة أو كبيرة. ومعنى الإجبار: أن ينفذ عقد وليها عليها وإن ~~أبت أو ردت. واحتجا بما في «صحيح مسلم»: «الثيب أحق بنفسهما من وليها، ~~والبكر يستأمرها أبوها في نفسها». باعتبار أنه خص الثيب بأنها أحق، فأفاد ~~أن البكر ليست أحق بنفسها منه، فاستفيد ذلك بالمفهوم. # ولنا ما روينا من قوله صلى الله عليه وسلم «والبكر تستأذن في نفسها، ~~وإذنها صماتها». وما روى أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي من حديث ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما: أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ~~حديث صحيح، فإنه مخرج لرجاله في «الصحيحين». # --- PageV03P238 ~~*** # وما في النسائي عن عبد الله بن يزيد، عن خنساء قالت: أنكحني أبي وأنا ~~كارهة، وأنا بكر، فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تنكحها ~~وهي كارهة». ولكن ذكر البخاري أنها كانت ثيبا قال ابن القطان: وتزوجت خنساء ~~بمن هويت، وهو أبو ms0725 لبابة بن عبد المنذر، صرح به في «سنن ابن ماجه». # وفي «سنن الدارقطني» عن جابر أن رجلا زوج ابنته وهي بكر من غير أمرها ~~فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ففرق بينهما. وعن ابن عمر رضي الله تعالى ~~عنهما أن رجلا زوج ابنته بكرا، فكرهت ذلك، فرد النبي صلى الله عليه وسلم ~~نكاحها. وفي رواية قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتزع النساء من ~~أزواجهن ثيبا وأبكارا بعد أن يزوجهن الآباء إذا كرهن ذلك. وصحح الدارقطني ~~إرسال الحديث الأول ووصل الثاني. # وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رد نكاح بكر وثيب أنكحهما ~~أبوهما، وهما كارهتان إلا أن الدارقطني جعله مرسل عكرمة. وفي «سنن النسائي» ~~و«مسند أحمد» عن عائشة قالت: جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: يا رسول الله إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته قال: فجعل ~~الأمر إليها، فقالت: أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى ~~الآباء من الأمر شيء. # وهذا يفيد بعمومه أن ليس له المباشرة حقا ثابتا، بل الاستحباب، وفيه دليل ~~من جهة تقريره صلى الله عليه وسلم قولها ذلك أيضا، وهو حديث حجة، وحمله على ~~أن ذلك لعدم الكفاءة خلاف الأصل، مع أن العرب إنما يعتبرون الكفاءة بالنسب، ~~والزوج كان ابن عمها # --- PageV03P239 ~~*** # (وصمتها) أي صمت البكر (وضحكها وبكاؤها بلا صوت: إذن، ومعه) أي مع الصوت ~~(رد) لأنه إذا خرج الدمع من عينها من غير صوت البكاء لم يكن ردا، بل هو ~~تحزن على مفارقة بيت أبويها (حين استئذانه) أي وقت استئذان الولي البكر (أو ~~بلوغ الخبر) لها مع رسول الولي، أو مع فضولي. # أما كون الصمت من البكر إذنا، فلما في الكتب الستة من حديث أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر أي يطلب (أمرها) ~~صريحا ولا تنكح البكر حتى تستأذن»، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: ~~«أن تسكت». # وأما الضحك فلأنه يحتمل الرد والرضاء، ms0726 فلا يثبت واحد منهما للمعارضة، ~~فيبقى مجرد السكوت وهو الرضاء، أو لأن الضحك أدل على الرضاء بالتصرف من ~~السكوت، لكن بلا استهزاء لما سمعت، والضحك (الذي يكون) بطريق الاستهزاء ~~معروف بين الناس. # وأما البكاء، فعن أبي يوسف فيه روايتان: في رواية يكون رضا، لأن البكاء ~~قد يكون عن سرور، وقد يكون عن حزن، فلا يثبت واحد منهما للمعارضة، ويبقى ~~مجرد السكوت وهو رضى، وفي رواية: لا يكون رضى، وهو قول محمد، لأن البكاء ~~غالبا يكون عن حزن. # والمختار أنه إن كان مع الصياح يكون دليلا على الرد، وإن كان مع السكوت ~~يكون دليلا على الرضا. # (بشرط تسمية الزوج) على وجه يحصل لها به معرفة. لتظهر رغبتها فيه أو عنه. ~~(لا المهر) أي لا يشترط تسمية المهر لها، لأن للنكاح صحة بدونه. # (ولو استأذن) البكر (غير ولي أقرب) بأن كان الأب كافرا، أو عبدا، أو ~~استأذنها ولي غيره أولى منه، كالأخ مع الأب (فرضاها بالقول) لاحتمال أن ~~سكوتها لقلة المبالاة بكلامه، لا لرضاها به. # --- PageV03P240 ~~*** # (كالثيب) سواء استأذنها ولي أقرب أو غيره، فإن رضاها بالقول حقيقة بأن ~~تقول: رضيت، وحكما بأن تمكن من نفسها، أو تطلب مهرها أو نفقتها، لما روينا ~~عن أبي هريرة في الكتب الستة ولا يعارضه ما روى الجماعة إلا البخاري عن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الأيم أحق بنفسها، والبكر ~~تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها». لأن الاستئمار إنما لم يكن مقتضيا للنطق ~~في حق البكر لقوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: «وإذنها صماتها»، ~~وأما ما في «الهداية» من قوله صلى الله عليه وسلم «الثيب تشاور»، فغير معروف. # (والزائل بكارتها بزنا) لم يتكرر، ولا أقيم عليها به الحد، وأما إذا تكرر ~~منها الزنا، أو أقيم عليها بسبب الحد، ليس لها حكم البكر اتفاقا. (أو غير ~~جماع) كوثبة، أو حيضة بدفعة، أو جراحة، أو تعنيس وهو: طول مكث من غير تزوج. ~~فالزائل مبتدأ، بكارتها مرفوع به على الفاعلية، وخبر المبتدأ. # (كالبكر) يعني أن ms0727 من زالت بكارتها بزنا، أو بغير مجامعة حكمها حكم البكر ~~في أن سكوتها عند استئذانها إذن، أما من زالت بكارتها بغير الجماع فلأنها ~~بكر حقيقة، لأن ما يصيبها من الجماع أول مصيب لها، إذ البكارة عبارة عن أول ~~الشيء، ومنه يقال لأول النهار: بكرة، وأول الثمار: باكورة. # وأما من زالت بكارتها بزنا، فالمذكور هنا قول أبي حنيفة، وقالا: وهو قول ~~الشافعي في الجديد، وأحمد في رواية لا يكون سكوتها إذنا لأنها ليست ببكر ~~(حقيقة)، لأن ما يصيبها ليس بأول مصيب لها. # --- PageV03P241 ~~*** # ولأبي حنيفة أن الشارع جعل سكوتها رضا لا للبكارة بل لعلة الحياء، فإن ~~عائشة لما أخبرت أنها تستحي قال: «سكوتها رضاها». وعلة الحياء هنا موجودة، ~~بل مع الزيادة. وبعض مشايخنا يقولون في هذين الفصلين: يكتفى بسكوتها أيضا، ~~لأنها بكر شرعا، ألا ترى أنها تدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم «البكر ~~بالبكر جلد مئة»، ولكن هذا ضعيف، فإن هذا موجود في الموطوءة بشبهة ونكاح ~~فاسد، ولا يكتفى بسكوتها اتفاقا، فعلم أن المعتبر هنا بقاء صفة الحياء، لأن ~~الشرع أظهر ذلك الفعل عليها حين ألزم المهر والعدة، وأثبت النسب، بخلاف ~~هذه، إذ لم يعلق به شيئا من الأحكام، بل أمرها بالستر على نفسها بقوله صلى ~~الله عليه وسلم «من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله». # (وقولها) أي قول البكر عند مخاصمة الزوج: (رددت) عند الاستئذان، أو عندما ~~بلغني الخبر بالتزويج (أولى من قوله) أي قول الزوج: (سكت) ولم تردي. # وقال زفر: قوله أولى، لأنه يدعي الأصل، لأن السكوت أصل والرد عارض. # ولنا أن الزوج يدعي تملك بضعها وهي تدفعه، فتكون منكرة في المعنى، والقول ~~قول المنكر، كما لو ادعى أصل العقد وأنكرت هي، وهذا لأن العبرة للمعاني لا ~~للصور والمباني، فإن المودع إذا قال: رددت الوديعة (وأنكر صاحب الوديعة)، ~~كان القول قوله، لأنه ينكر الضمان من حيث المعنى. # --- PageV03P242 ~~*** # (وتقبل بينته) أي بينة الزوج (على سكوتها) وتقدم على بينتها أنها ردت، ~~لأن بينته تثبت اللزوم، والمثبت مقدم على النافي، ms0728 كما هو مقرر في الأصول ~~(ولا تحلف هي إن لم يقم) الزوج البينة على سكوتها. وعندهما تحلف، وهو قول ~~مالك، والشافعي، وأحمد، وفي «عيون المذاهب»: وبه يفتى، وفي «فتاوى ~~قاضيخان»: إن الفتوى على قولهما في النكاح. # (وللولي) أبا كان أو جدا (أو غيرهما) (إنكاح الصغير والصغيرة ولو) كانت ~~(ثيبا) وقال الشافعي: إن كانت الصغيرة ثيبا، لا يجوز لأحد أن يزوجها، لأن ~~الثيب تشاور، ولا يعتبر إذنها قبل البلوغ، فيجب الانتظار. وإن كانت بكرا ~~جاز للأب والجد أن يزوجها، ولا يجوز ذلك لغيرهما، بناء على أن علة الولاية ~~عنده البكارة، وعندنا عدم العقل، أو نقصانه، لأنه المؤثر في الولاية على ~~مالها، وعلى نفس الغلام وماله، وعلى المجنونة باتفاق. # واحتج الشافعي بقوله صلى الله عليه وسلم «لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر»، ~~واليتيمة: الصغيرة التي لا أب لها، وبأن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان ~~بن مظعون من ابن عمر، فردها صلى الله عليه وسلم وقال: «إنها يتيمة، وإنها ~~لا تنكح حتى تستأمر». # وأجيب عن الحديث بأن المراد اليتيمة البالغة، قال تعالى: {وآتوا اليتامى ~~أموالهم} والمراد البالغين، والدليل عليه أنه مد إلى غاية الاستئمار، وإنما ~~تستأمر البالغة دون الصغيرة. وتأويل حديث قدامة أنها بلغت فخيرها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها، ألا ترى أنه روي عن ابن عمر أنه قال: ~~واللها لقد انتزعت عني بعد أن ملكتها. # --- PageV03P243 ~~*** # هذا، وعين مالك الأب وحده للصغير والبكر، واحتج بأن الولاية على الحرة ~~إنما تثبت لحاجته، ولا حاجة به قبل البلوغ لعدم الشهوة، إلا أن ولاية الأب ~~ثبتت نصا على خلاف القياس، فبقي ما سواه على الأصل. # ولنا قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتمى} الآية، معناه: في نكاح ~~اليتامى، وإنما يتحقق هذا الكلام إذا جاز نكاح اليتيمة، وقد نقل عن عائشة ~~في تأويل الآية أنها أنزلت في يتيمة تكون في حجر وليها، يرغب في مالها ~~وجمالها، ولا يقسط في صداقها، فنهوا عن نكاحهن حتى يبلغوا بهن أعلى سنتهن ~~في الصداق. وقالت في ms0729 تأويل قوله تعالى: {في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ~~ما كتب لهن}: إنما نزلت في يتيمة تكون في حجر وليها، ولا يرغب في نكاحها ~~لدمامتها، ولا يزوجها من غيره لئلا يشاركه في مالها، فأنزل الله هذه الآية، ~~فأمر الأولياء بتزوج اليتامى أو بتزويجهن من غيرهم، وذلك دليل جواز تزويج ~~اليتيمة، وقد زوج # رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة عمه حمزة من عمر بن أبي سلمة، وهي ~~صغيرة، وقال: «لها الخيار إذا بلغت»، وقد روي عن علي موقوفا ومرفوعا: ~~«الإنكاح إلى العصبات». والآثار في ذلك مشهورة عن عمر، وعلي، وابن مسعود، ~~وابن عمر، وأبي هريرة. # (ثم إن زوجهما) أي الصغير والصغيرة (الأب أو الجد لزم) لأنهما كاملا ~~الرأي والشفقة، فيلزم عقدهما على الصغيرين، كما إذا باشراه برضاهما بعد ~~البلوغ. # --- PageV03P244 ~~*** # (وفي غيرهما) أي غير الأب والجد من الأولياء، ولو كان إماما أو قاضيا، ~~وعند مالك والشافعي وأحمد في غير الأب (فسخ الصغيران حين بلغا) إن أرادا ~~(أو) حين (علما بالنكاح بعده) أي بعد البلوغ، لأن العقد صدر ممن هو قاصر ~~الرأي كالأم، أو الشفقة كالقاضي، فيثبت لهما الخيار إذا ملكا أنفسهما، ~~كالأمة المزوجة إذا أعتقت وعلمت بالزواج. # ولو فسخ النكاح بخيار البلوغ، فإن كان قبل الدخول فلا شيء للمرأة، وإن ~~كان بعده فلها المهر كاملا، ولا يكون طلاقا، لأنه يصح من الأنثى ولا طلاق ~~إليها. ثم هذا عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف في الأول، وهو قول ~~ابن عمر وأبي هريرة، وقال أبو يوسف آخرا: لا خيار لهما، وهو قول عروة بن ~~الزبير، فإذا زوجها غير الأب والجد لزم النكاح كما لو زوجها الأب والجد. # والجواب ما قدمنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما زوج أمامة بنت حمزة ~~قال: «لها الخيار إذا بلغت». # (وسكوت البكر رضا هنا) أي فيما إذا بلغت وقد علمت بالنكاح، وفيما إذا ~~علمت بالنكاح بعد البلوغ، كما أن سكوتها رضا إذا استأذنها وهي بكر بالغة ~~عند تزويجها. # (ولا يمتد خيارها) أي خيار فسخ ms0730 البكر (إلى آخر المجلس) بل يبطل بمجرد ~~السكوت (وإن جهلت به) أي بأن لها الخيار بالبلوغ، أو بأنه لا يمتد إلى آخر ~~المجلس إذ جهلها ليس بعذر، لأن الدار دار العلم، وهي متفرغة للتعلم، وجهلها ~~لأصل النكاح عذر، لأن المولى ينفرد به. # (بخلاف المعتقة) بعد التزويج، فإن خيارها يمتد إلى آخر المجلس، ويبطل ~~بقيامها، لأن خيارها ثبت بإعتاق المولى، وتعذر بالجهل، لأنها لا تتفرغ ~~لتعلم الأحكام، لشغلها بخدمة المولى. # --- PageV03P245 ~~*** # (وخيار الغلام) أي الصغير قبل البلوغ (والثيب) سواء كانت ثيبا عند ~~التزويج أو عند البلوغ (لا يبطل بلا رضا صريح) بأن يقول: رضيت، (أو دلالة) ~~بأن يفعل ما يدل على الرضا من قبلة، أو لمس، أو إعطاء الغلام المهر، أو ~~قبول الثيب، ومطالبتها بالمهر أو النفقة. # (ولا يبطل بقيامهما عن المجلس) لما قدمنا. والحاصل: أنها إذا بلغت ثيبا، ~~فوقت خيارها العمر، لأن سببه عدم الرضا، فيبقى إلى أن يوجد ما يدل على ~~الرضا بالنكاح، وكذا الغلام. # (وشرط القضاء لفسخ من بلغ) من صغير أو صغيرة زوجهما غير الأب والجد، ~~واختارا عند البلوغ فسخ النكاح، لأن السبب مختلف فيه بين العلماء، فمنهم من ~~أبى، ومنهم من رأى، ولأن سبب فسخهما النكاح وهو ترك الولي النظر، بحكم عدم ~~الشفقة لا يوقف على حقيقته، فكان ضعيفا في نفسه، فيتوقف على القضاء، ~~كالرجوع في الهبة، بخلاف خيار المخيرة، فإن سببه تخيير الزوج. # (لا من عتقت) أي لا يشترط في فسخ نكاح الأمة المزوجة إذا عتقت وبلغها ~~الخبر واختارت فسخ النكاح، قضاء القاضي، لأن سبب فسخها زيادة الملك، وهو ~~مقطوع به، لأن الزوج كان يملك مراجعتها في قرءين، ويملك عليها تطليقتين، ~~وتنقضي عدتها في حيضتين، وقد زاد ذلك بالعتق، ويتوارثان بموت أحدهما قبل ~~فسخ القاضي، لأن أصل العقد صحيح، والملك الثابت به قد انتهى بالموت . # --- PageV03P246 ~~*** # (والولي العصبة) أي بنفسه، وهو: كل ذكر يتصل بلا توسط أنثى. (على ~~ترتيبهم) أي في الإرث، والحجب. فالأقرب يحجب الأبعد. وتقدم عصبة النسب، ~~وأولاهم الابن ثم ابن ابنه، وإن سفل، ثم ms0731 الأب، ثم الجد، وهو أب الأب، ثم ~~الأخ لأبوين، ثم لأب، ثم بنو الإخوة كذلك، ثم الأعمام كذلك، ثم بنوهم كذلك، ~~ثم أعمام الأب كذلك. # وفي شرح الطحاوي: أولى الأولياء الأب والجد وإن علا، ثم الأخ لأب وأم، ثم ~~الأخ لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ثم ابن الأخ لأب، وكذلك أولادهم على هذا ~~الترتيب، ثم العم لأب وأم، ثم العم لأب، وكذلك أولادهما، ثم عم الأب لأب ~~وأم، ثم عم الأب لأب، وكذلك أولادهما، ثم عم الجد لأب وأم، ثم عم الجد لأب، ~~وكذلك أولادهما. # والجد مقدم على الأخ في التزويج عند أبي حنيفة، وسوى صاحباه بينهما فيه، ~~وفي «المبسوط»: الأصح أن الجد مقدم في قولهم جميعا، لأن شفقته فوق شفقة ~~الأخ، ولهذا لا يثبت لهما الخيار في عقد الجد، كالأب، بخلاف الأخ. # ويزوج المجنونة ابنها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنه عصبتها، ألا ترى ~~أن الأب معه يستحق السدس بالفرضية وقال محمد: يزوجها أبوها، لأن ولاية الأب ~~تعم المال والنفس، ولا يثبت للابن إلا ولاية في المال، وإن لم يكن واحد من ~~هؤلاء، فمولى العتاقة، الرجل والمرأة فيه سواء. # (بشرط حرية وتكليف) لأن العبد، والصبي، والمجنون لا ولاية لهم على ~~أنفسهم، فكذا على غيرهم. # --- PageV03P247 ~~*** # (وإسلام في ولد مسلم) ذكرا كان أو أنثى، لأن الكافر لا ولاية له على ~~المسلم (لأنها تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى، ولا يجوز أن ينفذ قول ~~الكافر على المسلم) لقوله تعالى: {ولن يجعل اا للكافرين على المؤمنين ~~سبيلا}، فإن هذا يقتضي نفي السبيل من كل وجه، لأن النكرة في موضع النفي ~~تعم، لكن السبيل ثابت حقيقة، فيراد به نفي السبيل حكما، كقبول الشهادة، ~~والولاية، والقضاء، والوراثة، وأيضا يشترط في ولي ولد الكافر أن يكون كافرا ~~لقوله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض}، ولهذا تقبل شهادة الكافر ~~على مثله ويتوارثان. # (ثم) أي إذا لم يوجد للصغير ولي عصبة فالولي في التزويج (الأم) عند أبي ~~حنيفة، خلافا لهما لحديث: «الإنكاح إلى العصبات»، وحجة ms0732 أبي حنيفة حديث ابن ~~مسعود في إجازته في تزويج امرأته ابنتها، وأن الأصح أن ابنتها لم تكن من ~~عبد الله، وإنما جوز نكاحها لولاية الأمومة. # (ثم ذو الرحم) وهو هنا كل قريب ليس بعصبة ولا أم. # (الأقرب فالأقرب) فتقدم البنت، ثم بنت الابن، ثم بنت البنت، ثم بنت ابن ~~الابن، ثم الأخت لأب وأم، ثم لأب، ثم أولاد الأم: ذكورهم وإناثهم سواء، ثم ~~أولادهن، ثم الأعمام، ثم العمات، ثم الأخوال، ثم الخالات، ثم بنات الأعمام. ~~والجد الفاسد أولى من الأخت عند أبي حنيفة، وقيل تقدم الأخت لأب وأم على ~~الأم، لأنها تكون في بعض الأحوال عصبة. # (ثم مولى الموالاة) على روايتهما عن أبي حنيفة، وهو من والى غيره على أنه ~~إن جنى، فأرشه عليه، وإن مات، فميراثه له، لأنه مؤخر في الإرث عن ذوي ~~الأرحام، فكذا في ولاية النكاح. # --- PageV03P248 ~~*** # (ثم قاض في منشوره) أي في المكتوب الذي له من السلطان بالولاية (ذلك) أي ~~تزويج الصغار، لما رويناه من قوله صلى الله عليه وسلم «السلطان ولي من لا ~~ولي له». # (والأبعد يزوج بغيبة الأقرب) وهو مقدم على القاضي عندنا، خلافا لمالك ~~والشافعي، وهو رواية عن بعض أصحابنا، ولا يبطل عقده بمجيء الأقرب، بل تبطل ~~ولايته، لأن الأقرب لعدم الانتفاع به لأجل غيبته كالمعدوم، فيتعين من ~~يخلفه، وإذا حصل المقصود بمن يخلفه لا يبطل بعد حصوله، كفاقد الماء إذا ~~تيمم وصلى ثم وجد الماء، لا تبطل صلاته. # والغيبة التي يزوج الأبعد فيها هي: (ما) أي مدة (لم ينتظر الكفء الخاطب ~~خبره) أي خبر الأقرب، وهذا مختار شمس الأئمة السرخسي، ومحمد بن الفضل، ~~والإسبيجابي، وصاحب «الهداية»، لأن الولاية نظرية، ولا نظر في ولاية الأقرب ~~على وجه يفوت بفواته الكفء. # (وعند البعض) من المتأخرين كالقاضي أبي علي النسفي، وصدر الإسلام ~~البزدوي، وهو قول محمد بن مقاتل، وسفيان الثوري، وعليه فتوى الصدر الشهيد ~~والولوالجي. وقال في «الكافي»: وعليه الفتوى. ((أدنى) مدة السفر) وهي ثلاثة ~~أيام ولياليها، واختار القدوري، ومحمد بن سلمة الغيبة المنقطعة، بأن يكون ms0733 ~~في بلد لا تصل إليه القافلة في السنة إلا مرة. وفي «الواقعات»: أن أكثر ~~المشايخ اختاروا قدر الشهر، وهو مروي عن أبي يوسف ومحمد لا يجهل مكانه، ~~كما روي عن زفر وبعض مشايخنا. # --- PageV03P249 ~~*** # ثم من العلماء من قال: لا يجوز عقد الولييين المتساويين إلا مجتمعين، ~~والعمل عندنا على أن أيهما عقد جاز، فإن زوجها كل منهما، فالصحة للسابق، ~~فإن لم يعلم، أو وقعا معا، بطل لعدم الأولوية بالتصحيح، وليس الوصي بولي في ~~التزويج عندنا، وقال ابن أبي ليلى: له ولاية التزويج لقيامه مقام الأب، ألا ~~ترى أنه قام مقامه في التصرف في المال فكذا في التصرف في النفس. ولكنا ~~نستدل بما روينا من أن: «الإنكاح إلى العصبات». # (الكفاءة في النكاح) # (وتعتبر) للمرأة على الرجل (الكفاءة) أي المساواة (في النكاح) أي في ~~ابتدائه، حتى لو زالت الكفاءة بعد العقد لا يفسخ النكاح لأجلها، كالمبيع ~~إذا تعيب عند المشتري. # وإنما تعتبر الكفاءة لما روى أحمد، والنسائي عن عائشة أنها قالت: جاءت ~~فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبي زوجني ابن ~~أخيه ليرفع بي من خسيسته فجعل الأمر إليها، فقالت: إني قد أجزت ما صنع أبي، ~~ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء. وروى الترمذي في ~~«جامعه» وكذا الحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال له: «يا علي، ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت أي حضرت، وفي ~~رواية: آنت، أي حانت والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤا». بصيغة ~~الغيبة أو الخطاب، والله تعالى أعلم بالصواب. # --- PageV03P250 ~~*** # (نسبا) أي من جهة النسب، لأن التفاخر يقع بذلك السبب، وروى محمد في كتاب ~~«الآثار» عن أبي حنيفة، عن رجل، عن عمر بن الخطاب أنه قال: لأمنعن فروج ~~ذوات الأحساب، إلا من الأكفاء. والأحساب: جمع حسب: بفتحتين، وهو: ما يعده ~~الإنسان من مفاخر آبائه. ولقوله صلى الله عليه وسلم «لا تنكحوا النساء إلا ~~الأكفاء، ولا يزوجهن إلا الأولياء، ولا ms0734 مهر دون عشرة دراهم». رواه ابن أبي ~~حاتم عن جابر، وحسنه البغوي. # وقوله صلى الله عليه وسلم «تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء»، روي من حديث ~~عائشة وعمر من طرق عديدة، فوجب ارتفاعه إلى الحجية بالحسن، لحصول الظن بصحة ~~المعنى وثبوته، وإن كانت كلها ضعيفة، كما ذكره الزيلعي في كتاب «الإسعاف ~~بأحاديث الكشاف» في سورة النساء. # وقال مالك: لا تعتبر الكفاءة إلا في الدين لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي، وإنما الفضل بالتقوى». ~~وقال تعالى: {إن أكرمكم عند اا أتقاكم}. # قلنا: المراد به في حكم العقبى، وكلامنا في حكم الدنيا وأما قول الكرخي: ~~الأصح عندي أن لا تعتبر الكفاءة في النكاح، لأنها غير معتبرة فيما هو أهم ~~منه، وهو الدماء، فلأن لا تعتبر في النكاح أولى، فمدفوع بما قدمناه من ~~الأحاديث الدالة على اعتبار الأكفاء في النكاح دون الدماء. # --- PageV03P251 ~~*** # (فقريش) وهم أولاد النضر بن كنانة (بعضهم كفؤ لبعض) لأنه صلى الله عليه ~~وسلم زوج ابنته رقية من عثمان، ولما ماتت زوجه أختها أم كلثوم، ولذا قيل ~~له: ذو النورين، وعثمان قرشي أموي لا هاشمي. وزوج علي ابنته (أم كلثوم بنت ~~فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر) وهو عدوي لا هاشمي، لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد ~~مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر ~~بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. # وعمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن زراح ~~ابن عدي بن كعب. # وعثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. # (والعرب) من غير قريش (بعضهم كفؤ لبعض) ويستثنى من ذلك بنو باهلة بن قيس ~~بن سعد بن عيلان بالعين المهملة وأنهم ليسوا بأكفاء ms0735 لمن عداهم من العرب ~~لخستهم عند العرب، وباهلة في الأصل اسم امرأة من همدان، نسب ولدها إليها، ~~وهم معروفون بالخساسة، قيل: كانوا يأكلون بقية الطعام مرة ثانية، وكانوا ~~يأخذون عظام الميتة يطبخونها ويأخذون دسوماتها، ولذا قيل: # *ولا ينفع الأصل من هاشم ** إذا كانت النفس من باهلة # وقيل أيضا: # *إذا قيل للكلب: يا باهلي ** عوى الكلب من شوم هذا النسب # ثم اعلم أن القرشيين من جمعها أب هو النضر بن كنانة فمن دونه، ومن لم ~~ينتسب إلا إلى أب فوقه فهو عربي غير قرشي، وإنما سميت أولاد النضر قريشا ~~تشبيها بدابة في البحر تدعى قريشا تأكل كل دوابه، لأنه من أعظم دواب البحر ~~عزة وفخرا ونسبا. # --- PageV03P252 ~~*** # ثم طبقات العرب ست، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمارة، ~~والعمارة تجمع البطون، فالبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، فخزيمة ~~شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. وقال ~~صدر الإسلام في «مبسوطه»: والموالي وهم العجم ليسوا بأكفاء للعرب، وسموا ~~موالي لأنهم نصروا العرب على قتال الكفار من أهل الحرب، والناصر يسمى مولى، ~~قال الله تعالى: {وأن الكافرين لا مولى لهم}، وإنما كانوا أفضل من العجم ~~لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم # والحاصل: أنه ليس عربي كفؤا لقرشية، ولا عجمي كفؤا لعربية، لما رواه ~~الحاكم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «العرب ~~أكفاء، بعضهم لبعض، قبيلة بقبيلة ورجل برجل، والموالي بعضهم أكفاء لبعض، ~~قبيلة بقبيلة، ورجل برجل إلا حائك أو حجام»، لكن في سنده مجهول، ورواه أبو ~~يعلى، وابن حبان، وابن عدي في «الكامل» بسند فيه عمران بن أبي الفضل، وقد ~~ضعفه ابن معين والنسائي، وقال ابن حبان: إنه يروي الموضوعات عن الثقات. ~~وروى الدارقطني عن ابن عمر مرفوعا: «الناس أكفاء، قبيلة لقبيلة، وعربي ~~لعربي، ومولى لمولى، إلا حائكا أو حجاما»، لكن في سنده محمد بن الفضل، وهو ~~مطعون فيه، وبقية بن الوليد يرمى بالتدليس إذا عنعن الحديث. # وروى البزار في «مسنده» من طريق ms0736 خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «العرب بعضهم أكفاء لبعض، والموالي بعضهم ~~أكفاء لبعض»، وسكت عنه، وقال عبد الحق: إن ابن معدان لا يسمع عن معاذ. # --- PageV03P253 ~~*** # وقال بعض المحققين: وبالجملة فللحديث أصل، فإذا ثبت اعتبار الكفاءة بما ~~قدمناه، يمكن ثبوت تفصيلها أيضا بالنظر إلى عرف الناس فيما يحقرونه ويعيرون ~~به، فيستأنس بالحديث الضعيف في ذلك، خصوصا وبعض طرقه كحديث بقية ليس من ~~الضعيف بذلك، فقد كان شعبة معظما لبقية، وناهيك باحتياط شعبة، وأيضا تعدد ~~طرق الحديث يرفعه إلى الحسن. # (وفي العجم) عطف على مقدر فيما سبق، أي: وتعتبر الكفاءة في نكاح العرب ~~نسبا وفي نكاح العجم (إسلاما) لأن به تفاخرهم لا بالنسب، وظاهر المتن يدل ~~على أن الكفاءة من حيث الإسلام تعتبر في العجم، ولا تعتبر في العرب، وعبارة ~~بعض الكتب تدل على أنها معتبرة في العرب أيضا، فلعل مراده أن في العجم لا ~~يعتبر النسب لأنهم ضيعوا أنسابهم، وكذا الكلام في باقي الصفات الآتية. ذكره ~~البرجندي. والعبارة الأخيرة هي الصحيحة لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين ~~حتى يؤمنوا}. # ولعله لم يذكر الإسلام في العرب، لأن الكلام في شروط نكاح المسلمين، ~~وإنما التفاوت بين العرب والعجم: أن العرب يعتبرون النسب على ما سبق من وفق ~~الحسب، والعجم يعتبر فيهم مراتب الإسلام في تحقيق المرام. # والحاصل: أن العرب يكتفى فيهم وجود أصل الإسلام من غير مراتبه المذكورة، ~~بخلاف الأعجام، فإنها معتبرة في (إحكام) الأحكام، ويدل عليه تزوجه عليه ~~الصلاة والسلام بنت أبي بكر، وتزويج بنتيه عثمان، وفاطمة عليا، وتزوج عمر ~~أم كلثوم بنت علي (من فاطمة رضي الله عنهم). # (فذو أبوين) أي من العجم (في الإسلام كفؤ لذي آباء فيه) لوجود المساواة ~~بينهما، لأن أصل النسب بالأب، وتمامه بالجد، فلا تعتبر الزيادة، كما لا ~~تعتبر في تعريف الشهود. # --- PageV03P254 ~~*** # (لا ذو أب) أي ليس من له أب في الإسلام (كفؤا لهما) أي لمن له أبوان فيه، ~~ذكره الشارح. والصواب: لذي أبوين ولذي آباء في ms0737 الإسلام، لعدم المساواة. ~~وقال أبو يوسف: هو كفوء، وهذا كما قال في تعريف الشهود: إنه يتم بذكر الأب. ~~قيل: كان أبو يوسف إنما قال ذلك في موضع لا يعد كفر الجد عيبا بعد أن كان ~~الأب مسلما، وهما قالاه في موضع يعد عيبا، والدليل على ذلك أنهم قالوا ~~جميعا: إن كفر الأب والجد ليس عيبا في حق العرب، لأنهم لا يعيرون بذلك. ~~ذكره ابن الهمام، وهو مؤيد لما قدمناه من الكلام. # (ولا مسلم بنفسه له) أي وليس مسلم بنفسه كفؤا لذي أب في الإسلام، لعدم ~~المساواة بينهما. # (وحرية، وهي كالإسلام) فيما ذكرناه من أن ذا أبوين في الحرية كفؤ لذي ~~آباء فيها، وليس ذو أب فيها كفؤا لذي أبوين، خلافا لأبي يوسف، ولا حر بنفسه ~~كفؤا لحر بأبيه. # (وديانة) أي تقوى، لأنها من أعلى المفاخر، لأن المرأة تعير بفسق زوجها ما ~~لا تعير بضعة نسبه. # (فليس فاسق) وإن لم يكن معلنا (كفؤا لبنت صالح) هذا قول أبي حنيفة وأبي ~~يوسف، وكذا أحد أعوان الظلمة لا يكون كفؤا لامرأة من أهل البيوتات، إلا أن ~~يكون مهيبا في الناس. وعن أبي يوسف: إذا لم يعلن الفاسق بفسقه يكون كفؤا ~~لبنت الصالح، وهو قريب من قول محمد: أن الفاسق كفؤ لبنت الصالح، إلا إذا ~~كان مستخفا به، كأن يخرج سكران، ويلعب به الصبيان. # وفي «المحيط»: الفتوى على قول محمد، لأن التقوى من أمور الآخرة، ولا يفوت ~~النكاح بفواتها. # هذا، وقال بعض المشايخ: العجمي العالم كفؤ لبنت العربي الجاهل. # --- PageV03P255 ~~*** # (ومالا) بأن يملك من المهر ما تعارفوا تعجيله، لأنه بدل البضع، وبأن يكسب ~~نفقة كل يوم وما يحتاج إليه من الكسوة، لأن بذلك يتم الازدواج، وهو صحيح ~~على ما في «المجتبى». وقيل: يعتبر أن يكون عند العقد مالكا لنفقة شهر، ~~وقيل: لنفقة ستة أشهر. # (فالعاجز عن المهر المعجل والنفقة غير كفؤ للفقيرة) قال المصنف: وإنما ~~قال: للفقيرة، لدفع من توهم أنه يكون كفؤا لها، ويلزم من كونه غير كفؤ ~~للفقيرة أن يكون غير كفؤ للغنية ms0738 بالطريق الأولى، وأما الصغيرة التي لا تطيق ~~الوطىء، فالعاجز عن النفقه كفؤ لها، لأنها لا نفقة لها، وكذا لو كان يجد ~~نفقتها ولا يجد نفقة نفسه يكون كفؤا لها. # (والقادر عليهما كفؤ للغنية) ولو كانت ذات أموال عظيمة، لأن مصالح النكاح ~~تنتظم بهما. # (وحرفة) أي صناعة (فحائك، أو حجام، أو كناس أو دباغم، ليس كفؤا لعطار ~~ونحوه) من بزاز، أو صراف. وهذا قول محمد ورواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف، ~~لأن الناس يفتخرون بشرف الصناعة، ويعيرون بخسيسها. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف ~~عدم اعتبار الحرفة، لأنها ليست بلازمة، لأن التحول من خسيسها إلى شريفها ~~ممكن. وفيه: أن التعيير باق ولو بعد التغيير. # وفي «المحيط»: أخس الناس في الأكفاء أربعة: الحائك، والحجام، والدباغ، ~~والكناس، فالحائك كفؤ للحجام، وبعكسه، والدباغ والكناس متكافئان، والخامس ~~أخس منهم وهو الذي يخدم الظلمة، وإن كان من أعلم الناس وأشرفهم، لأنهم ~~يأكلون أموال الناس وهو يعينهم. # --- PageV03P256 ~~*** # (وإن نكحت المرأة) كفؤا (بأقل من مهرها) أي من مهر مثلها، بمقدار لا ~~يتغابن فيه (فللولي) أي للعصبة لا لغيره (الاعتراض) وإن لم يكن محرما كابن ~~العم عند أبي حنيفة (حتى يتم) الزوج (مهر مثلها، أو يفرق) بين نفسه وبينها، ~~بأن يطلقها عند القاضي، لأنه مجتهد فيه، وكل من الخصمين يتشبث بدليل، فلا ~~تقطع الخصومة إلا بفصل من له ولاية عليهما. # وتوضيحه: أن هذا النكاح ينعقد صحيحا في ظاهر الرواية، وتبقى أحكامه من ~~إرث وطلاق إلا أن يفرق القاضي بينهما، والفرقة به لا تكون طلاقا، بل فسخا، ~~فإن كانت قبل الدخول، فلا مهر لها، وإن كانت بعده أو مات أحدهما، فلها ~~المسمى. # وقالا: ليس للولي الاعتراض، لأنها تصرفت في حقها، لا في حق الولي، فصارت ~~كما لو نكحت بمهر المثل ثم وهبت للزوج شيئا منه، وقول محمد هنا يتصور على ~~قوله الذي رجع إليه وهو: أن المرأة تنكح نفسها بغير ولي، وعلى قوله الآخر ~~بأن تصور المسألة في امرأة أكرهت هي ووليها على النكاح بأقل من مهر المثل، ~~ثم زال الإكراه، ms0739 وهي راضية ولم يرض الولي، وفي امرأة أذن لها الولي بالنكاح ~~ولم يقدر لها مهر المثل، فتزوجت بأقل منه. # ثم قيل: له الاعتراض عند أبي حنيفة ما لم تلد، وقيل: مطلقا ولو ولدت، إلى ~~أن ترضى به ولو دلالة كقبض المهر أو النفقة. ورضى بعض الأولياء كرضى الكل ~~عندنا، ولا يجيزه أبو يوسف بمن لم يرض منهم كمالك والشافعي، وهو قول زفر. # (نكاح الفضولي) # --- PageV03P257 ~~*** # (ووقف نكاح الفضولي) وهو هنا من أوجب النكاح أو قبل عن غيره بغير إذنه، ~~لأنه عقد صدر من أهله، وهو عاقل بالغ مضافا إلى محله، وهي أنثى من بنات ~~آدم، ليست بمحرم، ولا معتدة، ولا مشركة، ولا زائدة على العدد المنصوص، فيصح ~~ويوقف (على الإجازة) ممن عقد عنه، لئلا يلحقه الضرر، فإذا أجازه استند إلى ~~أول العقد وصار كأنه أذن في العقد. # روى أبو داود عن عروة، عن أم حبيبة أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات ~~بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم وأمهرها عنه أربعة ~~آلاف درهم، وبعثها مع شرحبيل، فقبل صلى الله عليه وسلم # (ويتولى) عندنا ومالك (طرفي النكاح) وهما الإيجاب والقبول (واحد غير ~~فضولي) سواء كان ذلك الواحد: # وليا من الجانبين، كمن زوج ابن ابنه بنت ابنه الآخر بقوله: زوجت فلانا من فلانة. # أو وكيلا من الجانبين، كمن وكله رجل بالتزويج ووكلته امرأة به أيضا، فزوج ~~أحدهما بالآخر. # أو وكيلا من جانب ووليا من جانب، كمن وكله رجل بأن يزوجه ابنته فزوجه بها. # أو أصيلا من جانب ووكيلا من جانب، كمن وكلته امرأة بأن يزوجها من نفسه ~~فزوجها. # أو أصيلا من جانب ووليا من جانب، كمن زوج بنت عمه الصغيرة من نفسه. # وإذا تولى طرفيه، فقوله: زوجت، يتضمن الشطرين، فلا يحتاج إلى القبول. ~~وقال زفر والشافعي: لا يتولى واحد طرفي عقد النكاح، كما لا يتولى طرفي عقد البيع. # --- PageV03P258 ~~*** # ولنا أن العاقد في النكاح سفير ومعبر، ولهذا لا ترجع حقوق النكاح إليه، ~~والواحد يصلح معبرا عن الجانبين، ولذا لا يستغني ms0740 عن إضافة العقد إليه، ~~والعاقد في البيع أصيل، ولذا ترجع حقوق البيع إليه حتى استغنى عن إضافة ~~العقد إليه، والواحد لا يصلح أن يكون أصيلا من الجانبين، لتباين الحقوق ~~المفضية إلى أحكام متضادة، بأن يكون مطالبا ومطالبا، ومسلما ومسلما، ~~ومخاصما ومخاصما. # ومن أدلتنا قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} أي في نكاح ~~اليتامى، فهو دليل على أن للولي أن يزوج وليته من نفسه، وكذا قوله تعالى: ~~{وترغبون أن تنكحوهن} دليل لذلك، وفي الحديث: أن شرط علي رضي الله عنه أتوه ~~بشيخ مع جارية، فسأله عن قصتها؟ فقال: إنها ابنة عمي، وإني خشيت أنها إذا ~~بلغت ترغب عني فتزوجتها. فقال: خذ بيد امرأتك. # وقد روى البخاري أن عبد الرحمن بن عوف قال لأم حكيم ابنة قارظ أتجعلين ~~أمرك إلي؟ قالت: نعم، قال: تزوجتك. فعقده بلفظ واحد. # وروى أبو داود عن عقبة بن عامر أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «أترضى ~~أن أزوجك فلانة»؟ قال: نعم، وقال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانا»؟ قالت: ~~نعم، فزوج أحدهما صاحبه، وكان ممن شهد الحديبية. # قيد بغير الفضولي لأن الفضولي لا يتولى طرفي النكاح عند أبي حنيفة ومحمد، ~~سواء كان فضوليا من الجانبين، أو فضوليا من جانب، وأصيلا، أو وليا، أو ~~وكيلا من جانب، وأما إذا كان العقد بفضوليين، فجائز عندنا، ويكون موقوفا ~~كما مر، بخلاف عقد الفضولي الواحد ولو بلفظين، على ما ذكره بعض المحققين. # --- PageV03P259 ~~*** # وكذا التزوج بغائبة لم يقبل عنها أحد، غير صحيح لأن النكاح عقد معاوضة ~~محتمل للفسخ، فكلام الواحد فيه يكون شطر العقد، وشطره لا يتوقف على ما وراء ~~المجلس كما في البيع، بخلاف الطلاق والإعتاق بكذا، فإنه لا يحتمل الفسخ بعد ~~وقوعه أصلا. # وقال أبو يوسف في قوله الأخير: يتولى الفضولي طرفي النكاح ويكون موقوفا. ~~ولو قالت امرأة لرجل: زوجني، أو قالت: زوجني من رجل، فزوجها من نفسه، ~~فالنكاح باطل عند أبي حنيفة ومحمد، لأنه فضولي من جانبها، لأنه صار بالخطاب ~~معرفة، فلا يدخل تحت النكرة. # والحاصل: أنه ms0741 يجوز النكاح عندنا وعند مالك بفضولي وأصيل موقوفا على إجازة ~~من له تنفيذه، وأبطله الشافعي بناء على أصله: أن العقود لا تتوقف على ~~الإجازة. وعندنا تتوقف، وهي مسألة معروفة وقد ذكرت في أول البيوع. والله ~~تعالى أعلم. # فصل في المهر وأحكامه # (أقل المهر) عندنا (عشرة دراهم) أي وزنها من فضة مضروبة، أو تبرها، أو ما ~~يساوي وزن عشرة دراهم من نقد أو متاع. قال محمد في «الأصل»: بلغنا أن أقل ~~المهر عشرة دراهم، عن علي وعبد الله بن عمر، وعامر وإبراهيم. # وقال مالك في «الموطأ»: لا أرى أن تنكح المرأة بأقل من ربع دينار، وهو ~~نصاب السرقة عنده. # وقال الشافعي وأحمد: كل ما جاز أن يكون ثمنا جاز أن يكون مهرا. # --- PageV03P260 ~~*** # لنا ما روى الدارقطني والبيهقي في «السنن الكبرى» من طرق إلا أنها ضعيفة ~~عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا مهر أقل من عشرة دراهم». ~~وما روى الدارقطني ثم البيهقي في «سننهما» عن داود الأودي، عن الشعبي، عن ~~علي قال: لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم، ولا يكون المهر أقل من عشرة ~~دراهم. إلا أن ابن حبان ضعف الأودي، وأخرجه الدارقطني عن جويبر، عن الضحاك، ~~عن النزال بن سبرة، عن علي. فذكره. وجويبر ضعيف. ورواه أيضا من طريق آخر عن ~~الضحاك ولكن في سنده محمد ابن مروان أبو جعفر، قال الذهبي: لا يكاد يعرف. انتهى. # ولا يخفى أن تعدد الطرق يرقى إلى مرتبة الحسن، وهو كاف في الحجية. # وأما ما في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: «التمس ولو خاتما من ~~حديد». وما في الترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز نكاح امرأة على نعلين. # وما في «سنن أبي داود» عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من أعطى في ~~صداق امرأة ملأ كفيه سويقا أو تمرا، فقد استحل» أي البضع، لكن في سنده ~~إسحاق بن جابر بن جبريل، قال عبد الحق: ms0742 لا يعول على ما أسنده، وقال الذهبي: ~~إنه لا يعرف، وضعفه الأزدي. # فالكل محمول على المعجل، لأن العادة عندهم كانت تعجيل بعض المهر قبل ~~الدخول، حتى نقل عن ابن عباس، وابن عمر، والزهري، وقتادة: أنه لا يدخل بها ~~حتى يقدم لها شيئا، تمسكا بمنع النبي صلى الله عليه وسلم عليا عن الدخول ~~على فاطمة حتى يعطيها شيئا، فقال: يا رسول الله، ليس لي شيء فقال: «أعطها ~~درعك»، فأعطاها درعه، ثم دخل بها. ومعلوم أن الصداق كان أربع مئة درهم فضة . # --- PageV03P261 ~~*** # لكن المختار الجواز قبله، لما في «سنن أبي داود» عن عائشة قالت: أمرني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئا. ~~فيحمل المنع المذكور على الندب، أي يندب تقديم شيء إدخالا للمسرة عليها، ~~تألفا لقلبها. # وإذا كان ذلك معهودا، وجب حمل ما خالف ما روينا عليه، جمعا بين الأحاديث ~~وكذا يحمل أمره بالتماس خاتم من حديد، على أنه تقديم شيء تألفا، ألا ترى ~~أنه أمر ذلك الرجل بالتماس ما في اليد والصداق يمكن إثباته في الذمة، ~~فعرفنا أن المراد ما يعجل لها باليد، ولما عجز قال: «قم فعلمها عشرين آية. ~~وهي امرأتك». رواه أبو داود. وهو محمل رواية: «زوجتكها بما معك من القرآن». ~~فإنه لا ينافيه، وبه تجتمع الرواية. (هكذا أجاب بعض المحققين). والله تعالى ~~أعلم بحقيقة الحالات. # (فتجب العشرة) استحسانا (إن سمى دونها) أي أقل منها عينا أو قيمة، كثوب ~~يساوي خمسة، إن دخل بها أو مات عنها، وأما إن طلقها قبل الدخول، فلها خمسة. ~~وقال زفر: يجب مهر المثل إن دخل بها، والمتعة إن طلقها قبله، وهو القياس، ~~لأن المسمى لما لم يصح صداقا شرعا صار النكاح كالخالي عن التسمية، وفي ~~الخالي عنها يجب مهر المثل، أو بمنزلة ما لو سمى خمرا أو خنزيرا. # وأجيب بأن وجوب العشرة في تسمية دونها لحق الشرع، وقد وجد ما يدل على رضا ~~المرأة بها، وهو رضاها بدونها، بخلاف الخالي عن التسمية. # (وإن سمى غيره) ms0743 أي غير دون عشرة دراهم، وهو عشرة دراهم أو أكثر منها. # (فالمسمى) واجب، أي فيجب المسمى (عند موت أحدهما) لأن النكاح يعقد للأبد، ~~وبموت أحدهما تقرر ذلك. # --- PageV03P262 ~~*** # (أو عند خلوة صحت) قال ابن المنذر: هو قول عمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وعبد ~~الله بن عمر، وجابر، ومعاذ، وقول الشافعي في القديم، وقال في الجديد وهو ~~قول مالك : يجب على الزوج إذا طلق بعد الخلوة من غير وطىء نصف المسمى، ~~لقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن}. # .. الآية. # ولنا قوله تعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض}، وحقيقة الإفضاء ~~الدخول في الفضاء، وهو المكان الخالي، والمس ليس بوطىء حقيقة، وإنما حملاه ~~على الوطىء لأنه سببه، فأطلق اسم السبب على المسبب، وحملناه على الخلوة، ~~لأنه لا يمس امرأة عادة إلا في الخلوة الصحيحة، فكان إطلاق اسم الملزوم على ~~اللازم، والمسبب على السبب، إذ الخلوة الصحيحة سبب المس ظاهرا. # وما ذكرنا أولى لتأيده بالنص، وبما روى مالك في «الموطأ» عن يحيى بن ~~سعيد، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قضى في المرأة إذا تزوجها ~~الرجل، أنه إذا أرخيت الستور، فقد وجب الصداق. وبقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«من كشف خمار امرأته، أو نظر إليها، وجب الصداق، دخل بها أو لم يدخل». رواه ~~الدارقطني والشيخ أبو بكر الرازي في «أحكامه»، وبالإجماع فقد حكى الطحاوي ~~إجماع الصحابة في هذه المسألة. # --- PageV03P263 ~~*** # (وهي) أي الخلوة الصحيحة (أن لا يوجد مانع وطىء حسا أو شرعا أو طبعا) ~~لأنها قائمة مقام الوطىء، فلا بد من عدم المانع منه. (كمرض يمنعه) أي ~~الوطىء بأن يكون الرجل مريضا، أو تكون المرأة مريضة مرضا يضر بالزوج إذا ~~وطئها. وهذا نظير المانع الحسي (وصوم رمضان) لأن الوطىء فيه موجب للقضاء ~~والكفارة. وقيد به، لأن صوم التطوع، والنذر، والقضاء، والكفارة لا يمنع صحة ~~الخلوة على الصحيح. # (وصلاة فرض) لأن إفسادها موجب للقضاء في الدنيا، والعقاب في العقبى. وقيد ~~بالفرض، لأن النافلة والواجبة لا تمنع صحة الخلوة. (وإحرام) بحج فرض، أو ~~نفل، ms0744 أو بعمرة، لأن إفساد الإحرام موجب للمضي فيه، وللقضاء، والدم. وهذه ~~الثلاثة نظير المانع الشرعي. # (وحيض ونفاس) نظيران للمانع الطبعي، وفيهما أيضا المانع الشرعي. ولو خلا ~~بها، ومعهما أعمى، أو نائم، أو صبي يعقل، لا تكون خلوة. لأن الأعمى يحس، ~~والنائم يستيقظ ويتناوم. ولو كان معهما صغير لا يعقل، أو مجنون، أو مغمى ~~عليه، فهي خلوة. وقيل: الجنون والإغماء يمنعان. أي لحصول الحياء، أو ~~لاحتمال إفاقتهما في الأثناء. وفي «جوامع الفقه»: جاريتها تمنع صحة الخلوة، ~~وجاريته ليست بمانعة، أي لعدم حيائه منها، وكذا حكم الكلب. # وروى هشام عن محمد: إن خلا بها في بستان ليس عليه باب، لم تصح الخلوة. ~~ولو خلا بها في السطح، إن كان عليه حجاب فهو خلوة. ولو خلا بها في قبة، ~~وأرخى الستر بينه وبين من في البيت، فهو خلوة. ولو ردت أمها الباب، ولم ~~تغلقه، وهما في خان، والناس قعود في ساحته، إن كانوا مترصدين لهما في ~~النظر، لا تصح الخلوة وإلا تصح. # --- PageV03P264 ~~*** # وفي «الذخيرة»: أن أصحابنا أقاموا الخلوة الصحيحة مقام الوطىء في تأكيد ~~جميع المسمى، ومهر المثل إن لم يكن مسمى، وفي ثبوت النسب، وفي وجوب العدة ~~والنفقة والسكنى فيها، وفي حرمة نكاح أختها، ونكاح رابعة ما دامت العدة، ~~وفي حرمة نكاح الأمة على الحرة، وفي العدة عن طلاق بائن، وفي مراعاة وقت ~~الطلاق في حقها. ولم يقيموها مقام الوطىء في الإحصان، وفي حرمة البنات، حتى ~~لا تحرم البنت على رجل عقد على أمها وخلا بها، وفي الإحلال للزوج الأول، ~~وفي الرجعة، حتى لا يصير مراجعا بالخلوة، وفي الميراث، حتى لو مات في عدة ~~الخلوة لا ترث منه. ولو أوقع الطلاق في عدة الخلوة، فقيل: لا يقع. وقيل: ~~يقع، وهو الصواب. لأن الأحكام لما اختلفت في هذا الباب، وجب القول بالوقوع ~~احتياطا. # (بخلاف الجب) وهو قطع الذكر والأنثيين، فإنه ليس بمانع من صحة الخلوة عند ~~أبي حنيفة (و) بخلاف (العنة) وهو كون الرجل لا يقدر على الجماع، أو على ~~جماع البكر، أو على ms0745 جماع امرأة معينة. (و) بخلاف (الخصاء) وهو قطع ~~الأنثيين. وقال أبو يوسف ومحمد: الجب مانع كالمرض. ولأبي حنيفة إن تزوج ~~المجبوب للاستمتاع لا للإيلاج، وقد سلمت نفسها لذلك، فيستحق كل البدل ~~هنالك. وإليه أشار عمر رضي الله عنه بقوله: ما دونهن إذا جاء العجز من قبلكم. # (ونصفه) أي ويجب نصف المسمى (بطلاق قبلها) أي قبل الخلوة الصحيحة، لأنها ~~بمنزلة الوطىء، وقد قال الله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون} أي المطلقات، بأن لا يأخذن ~~شيئا {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} # --- PageV03P265 ~~*** # أي الزوج، بأن يعطي الجميع. ولم يجوز علماؤنا والشافعي عفو ولي الصغيرة ~~أو المجنونة إسقاطا، وأجازه مالك. # وهذا راجع إلى الاختلاف في تفسير: {الذي بيده عقدة النكاح}: فعنده هو ~~الأب، وجمهور المفسرين قالوا: الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، لأنه إن ~~شاء أمسكها ، وإن شاء فارقها. ومعنى العفو تكملة الصداق بها، ويؤيده قوله ~~تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم}. # ثم لا متعة للمطلقة قبل الدخول وجوبا ولا استحبابا، على ما ذكره القدوري ~~في «مختصره» من أن المتعة مستحبة لكل مطلقة إلا لمطلقة واحدة، وهي التي ~~طلقها قبل الدخول وقد سمى لها مهرا. وفي بعض النسخ: ولم يسم لها مهرا. ومن ~~حكم باستحبابها كصاحب «المبسوط»، و«المحيط»، و«المختلف» أرادوا أنه الإحسان ~~إلى من عجزت عن التكسب، وذا مندوب. # (وإن لم يسم) المهر حال العقد، أو نفاه (فالمتعة) واجبة.أو فيجب المتعة ~~إذا حصلت الفرقة من قبل الزوج (قبلها) أي قبل الخلوة الصحيحة، وبه قال ~~الشافعي، لقوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو ~~تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن} فقد أوجب الله المتعة في نكاح ليس فيه فرض، وقد ~~وقع الطلاق قبل المس. # وقال مالك: هي مستحبة لقوله تعالى عقيب الأمر: {حقا على المحسنين} وهم ~~المتطوعون. فيكون صارفا للأمر المذكور إلى الندب. قلنا: لا نسلم قصر المحسن ~~على المتطوع، بل هو أعم منه، ومن القائم بالواجبات أيضا، فلا ينافي الوجوب، ms0746 ~~فلا يكون صارفا للأمر عنه مع ما انضم إليه من لفظ «على» و«حقا». # --- PageV03P266 ~~*** # والمتعة: درع وخمار وملحفة. وهذا التقدير مروي عن عائشة، ورواه البيهقي ~~عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي. وقال مالك ~~في «الموطأ»: ليس للمتعة حد معروف. وقال أحمد: أعلى المتعة خادم أي مملوك ~~وأدناها كسوة يجوز لها أن تصلي فيها. قال الكرخي: ويعتبر في المتعة ~~المستحبة حال الرجل، وفي الواجبات حال الزوجة. لأنها قائمة مقام مهر المثل، ~~وفيه يعتبر حاله، فكذا في خلفه. # وفي «الهداية»: الصحيح أنه يعتبر حال الزوج عملا بالنص، وهو قوله تعالى: ~~{على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} وهو اختيار أبي بكر الرازي. وفي ~~«البدائع» قيل: يعتبر حالهما كالنفقة. # قيدنا وجوب المتعة بحصول الفرقة من جهة الزوج، لأن الفرقة إذا حصلت من ~~جهة المرأة كردتها، وتقبيلها ابن الزوج بشهوة، ورضاعها زوجته الصغيرة، ~~وخيارها الفسخ بالبلوغ والإعتاق ، لا يوجب المتعة. # (و) يجب (مهر المثل بعدها) أي بعد الخلوة الصحيحة، لأنه يجب هنا بعد ~~الوطىء وهي بمنزلته. والأصح من قولي الشافعي (ومالك:) إنه يجب مهر المثل ~~بالوطىء إن لم يسم في العقد مهرا، وكذا بعد موت أحدهما. ونفاه مالك ~~والشافعي، لأن المهر خالص حقها فيتمكن من نفيه ابتداء، كما يتمكن من نفيه ~~انتهاء. ولأن عمر وعليا وزيدا قالوا في المفوضة: حسبها. # --- PageV03P267 ~~*** # ولنا ما روى أصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: حسن صحيح، من حديث علقمة ~~قال: سئل ابن مسعود عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا، ولم يدخل بها ~~حتى مات فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها، لا وكس ولا شطط. أي لا نقص ~~ولا زيادة. وفي رواية لها الصداق كاملا، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام ~~معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت ~~واشق امرأة منا مثل ما قضيت، ففرح بها ابن مسعود. # وفي رواية: فاختلفوا إليه شهرا، أو قال مرات، فقال: أقول فيها: إن لها ~~صداقا كصداق نسائها لا وكس ولا شطط، ms0747 وإن لها الميراث، وعليها العدة، فإن يك ~~صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. ~~فقام ناس من أشجع فيهم الجراح وابن سنان فقالوا: يا ابن مسعود نشهد أن نبي ~~الله قضى فينا في بروع بنت واشق، وزوجها هلال بن مرة الأشجعي كما قضيت. ~~قال: ففرح بها عبد الله فرحا شديدا حين وافق قضاؤه قضاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # (وصح النكاح بلا ذكر مهر) بأن عقدا النكاح ساكتين عن المهر لقوله تعالى: ~~{فانكحوا ما طاب لكم}، وهو لغة لا ينبىء إلا عن الانضمام والازدواج، فيتم ~~بالمتناكحين، فلو شرطنا التسمية فيه لزدنا على النص. (ومع نفيه) بأن عقداه ~~على أن لا مهر لقوله تعالى: {ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ~~أو تفرضوا لهن فريضة} حيث حكم بصحة الطلاق مع عدم التسمية، وصحة الطلاق ~~يستدعي صحة النكاح. وهو لا ينافي كون المهر يجب شرعا لقوله تعالى: {وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا}. ووافقنا الشافعي في المسألتين، وخالفنا مالك ~~في الثانية. # --- PageV03P268 ~~*** # (وبشيء غير مال متقوم) كأن تزوج مسلم مسلمة على ميتة، أو دم، أو على خمر، ~~أو على خنزير، لأنهما سميا ما لم يصح تسميته، فكان كما لو لم يسميا شيئا. ~~(وبمجهول جنسه) كأن تزوج على دابة، أو على ثوب، أو على دار، لأنه لما سمى ~~مجهولا لا يصح عوضا، كان حكمه كما لو لم يسم شيئا، وذلك لأن الثياب أجناس ~~مختلفة لاختلاف أصولها من القطن والكتان والإبريسم، وكذا الدابة لأنها تقع ~~على الخيل، والبغال، والحمير، ونحوها. # (ويجب مهر المثل) في هذه الصور كلها (كما مر) في قوله: وإن لم يسم بعد ~~الخلوة (أو صفته) عطف على جنسه أي بمجهول صفته دون جنسه. كأن تزوجها على ~~عبد، أو فرس، أو ثوب هروي، أو مكيل، أو موزون، غير الدراهم والدنانير مما ~~علم جنسه دون صفته. # (فالوسط) واجب، أو فيجب الوسط من ذلك المسمى، لأن فيه عدلا للرجل ~~والمرأة، (أو قيمته) أي قيمة الوسط ms0748 وتجبر المرأة على قبول أيهما دفع الزوج، ~~لأن الوسط أصل تسميته، وهو لا يعرف إلا بالقيمة، فصارت أصلا إيفاء. ولو ~~بالغ في وصف الثوب، يجب الوسط أو قيمته في ظاهر الرواية، لأن الثياب ليست ~~من ذوات الأمثال. (ولو كان) النكاح (بخدمة الزوج العبد) بأن تزوج عبد امرأة ~~بإذن مولاه على خدمته مدة معينة (تجب هي) أي الخدمة، لأنه لما خدمها بإذن ~~مولاه، صار كأنه خدم مولاه. # --- PageV03P269 ~~*** # قيد بالخدمة، لأنه لو تزوج على تعليم القرآن، يجب مهر المثل، لأنه سمى ما ~~لا يصلح صداقا لكونه عبادة، فصار كما لو سمى تعليم الإيمان، أو الصلاة، أو ~~الصوم. وقيد بالعبد، لأن الحر إذا تزوج على خدمته مدة معينة، يجب مهر المثل ~~عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقيمة الخدمة عند محمد. وعند مالك، والشافعي: يجب ~~ما سمى لها من التعليم والخدمة، واحتجا بقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«زوجتكها بما معك من القرآن». # وأجيب بأن الباء للسببية لا للبدلية. وفي شرط رعي غنمها روايتان عندنا: ~~فعلى رواية «الأصل»، و«الجامع» لا يجوز، وعلى رواية ابن سماعة: يجوز. ويجعل ~~أبو يوسف رحمه الله إعتاقها على أن يتزوج بها صداقها، كأن يقول: أعتقتك ~~على أن تزوجيني نفسك فقبلت، صح العتق، وهي بالخيار في تزوجه، ولا تجبر عليه ~~وإن التزمته، لعدم وجوبه بالالتزام. فإن تزوجته ولم يسم لها مهرا، قال أبو ~~يوسف: عتقها صداقها. لما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل ~~عتقها صداقها. ولأنها لو أبت نكاحه، يجب عليها قيمة نفسها، فإذا تزوجته سلم ~~لها قيمتها، فكان بدلا عن بضعها. # وأبو حنيفة ومحمد أوجبا لها مهر مثلها، لعدم إمكان جعل رقبتها مهرا، ~~لأنها إن جعلت قبل العتق فهي أمته، وليس له تزوجها، فيستحيل كون رقبتها ~~مهرا لها، وإن جعلت مهرا بعد العتق فهي حرة، ورقبة الحرة لا تصلح مهرا. ~~والنص قد ألصق ابتغاء النكاح بالمال بقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~أن تبتغوا بأموالكم}. # --- PageV03P270 ~~*** # وأما قضية صفية فلا تلزم، لأنه عليه الصلاة والسلام كان مخصوصا ms0749 بالنكاح ~~بلا مهر لقوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن ~~يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ~~ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج} وألزمناها قيمتها إن امتنعت من تزوجه، ~~فتسعى له فيها، وهي حرة في حالة السعاية بالإجماع. ولم يلزمها زفر بها. # (ولو كان) النكاح (بهذا العبد) الأبيض (أو هذا العبد) الحبشي، بأن تزوجها ~~على أحدهما، وأحدهما أوكس من الآخر، أو تزوجها على ألف، أو على ألفين. ~~(فمهر المثل) يجب (إن كان) مهر المثل (بينهما) بأن كان أقل من الأعز وأكثر ~~من الأخس. (ويجب الأخس لو) كان مهر المثل (دونه) أي الأخس. (و) يجب (الأعز ~~لو كان) مهر المثل (فوقه) وهذا كله عند أبي حنيفة. # وقالا: يجب الأقل في الأحوال الثلاث، لأن الأقل متيقن والفضل مشكوك فيه، ~~فيجب الأخذ بالمتقين، كما في الخلع، والإعتاق، والطلاق على ألف أو ألفين. # ولأبي حنيفة: أن الواجب بالأصالة في باب النكاح مهر المثل لأنه الأعدل إذ ~~المسمى قد يكون أكثر من قيمة البضع وقد يكون أقل منها، وإنما يعدل عنه إذا ~~صحت التسمية، وهنا لم تصح لجهالة المسمى. والخلع، والإعتاق، والطلاق على ~~مال ليس لواحد منها موجب أصلي يصار إليه، فيتعين الأخذ بالمتيقن. # --- PageV03P271 ~~*** # (وإن طلق قبل الوطىء، فنصف الأخس) باتفاقهم سواء كان مهر المثل دون ~~الأخس، أو فوق الأعز، أو بينهما، لأن المتعة قبل الدخول كمهر المثل بعده، ~~ونصف الأخس يزيد على المتعة عادة، فيجب نصفه. (وإن نكح بألف) وشرط لها مع ~~المسمى شيئا ينفعها كان تزوجها بألف (على أن لا يخرجها) من البلد، أو على ~~أن لا يتزوج عليها، أو على أن يهدي لها هدية. # (أو) نكح بأقل، على تقدير، كالإقامة مثلا، وبأكثر على مقابله من الإخراج، ~~كان تزوجها (بألف إن أقام بها وبألفين إن أخرج) أو بألف إن لم يكن له ~~امرأة، وبألفين إن كانت حرة، أو بألف إن كانت مولاة الأصل، وبألفين إن كانت ~~حرة، صح النكاح، وإن كان ms0750 شرط عدم التزوج، وعدم المسافرة فاسدا، لكونه منعا ~~من الأمر المشروع، لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة. # (فإن وفى) بالشرط في المسألة الأولى (وأقام) في المسألة الثانية (فألف) ~~لرضاها بذلك (وإلا) أي وإن لم يف بالشرط في المسألة الأولى، ولم يقم بها في ~~المسألة الثانية (فمهر المثل) أما في المسألة الأولى فباتفاق، لأنه سمى ما ~~لها نفع فيه وقد نفاه، فيجب مهر المثل لعدم رضاها إلا به. وأما في المسألة ~~الثانية فعند أبي حنيفة يجب مهر المثل (لا يزاد على ألفين) لأنها رضيت بهما ~~(ولا ينقص عن ألف) لأنه رضي به. وعندهما الشرطان معا جائزان. # --- PageV03P272 ~~*** # فلها الأقل إن أقام بها، والأكثر إن أخرجها، لأن كلا من الإقامة والإخراج ~~مقصود عرفا، واختلافهما كاختلاف النوع. فصار كما لو تزوجها على ألف إن كانت ~~قبيحة، وعلى ألفين إن كانت جميلة، وكما إذا اشترى أحد الشيئين على أن يأخذ ~~أيهما شاء، وعين ثمن كل واحد منهما على التفاوت. ولأبي حنيفة أن الشرط ~~الأول صحيح باتفاق، فتعلق العقد به، وصحت التسمية التي معه، والشرط الثاني ~~غير صحيح، لأن الجهالة نشأت منه، والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، ومهر ~~المثل هو الأصل فوجب الرجوع إليه. # (وإن نكح بهذين العبدين وأحدهما حر) جملة حالية (فلها العبد فقط إن ساوى ~~عشرة) وإن لم يساو عشرة فلها كمال العشرة، وهذا عند أبي حنيفة، لأن الإشارة ~~معتبرة عنده، فصار كأنه قال: تزوجتك على هذا الحر، وعلى هذا العبد. وقال ~~أبو يوسف: لها العبد وقيمة الحر لو كان عبدا، لأنهما لو ظهرا حرين وجبت ~~قيمتهما عنده، فكذا إذا ظهر أحدهما حرا. وقال محمد: لها العبد، وتمام مهر ~~المثل إن نقصت عنه قيمة العبد. لأنهما لو كانا حرين يجب مهر المثل عنده، ~~فكذا إذا كان أحدهما حرا. ولأبي حنيفة لأن العبد يصلح مهرا لكونه مالا، ~~فيجب، ووجوب المسمى المساوي عشرة يمنع وجوب شيء آخر. # (وإن شرط البكارة ووجدت ثيبا لزم الكل) لأن البكارة لا تصير مستحقة ~~بالنكاح. # --- PageV03P273 ~~*** # (وفي النكاح الفاسد) كتزوج الأختين معا، ms0751 والتزوج بغير شهود، وتزوج الأخت ~~في عدة الأخت، وتزوج المعتدة من الغير، وتزوج الخامسة في عدة الرابعة، ~~وتزوج الأمة على الحرة (إن لم يطأ لا يجب شيء) سواء خلا بها، أو لم يخل، ~~حتى إذا فرق القاضي بينهما قبل الدخول، فلا مهر لها، وكذا بعد الخلوة، لأن ~~وجوب المال في النكاح الفاسد ليس للعقد، لعدم صحته. ولهذا كان لكل من ~~الزوجين فسخه قبل الدخول بغير محضر من الآخر، كما في البيع الفاسد قبل ~~القبض ولا حد للخلوة، لوجود الحرمة المانعة من صحتها، وإنما هو لاستيفاء ~~منافع البضع. # (وإن وطىء يثبت النسب) أي نسب الولد، لأنه يحتاط في ثبوته إحياء للولد من ~~الضياع. فعند محمد (من وقت الوطىء) بشرط أن يكون بينه وبين وقت الوضع ستة ~~أشهر. قال أبو الليث: وعليه الفتوى. وعندهما: من وقت النكاح كما في النكاح ~~الصحيح، وتثبت العدة تحرزا عن اشتباه النسب من وقت التفريق، لأنها وجبت ~~لشبهة النكاح، ورفعها بالتفريق. # وقال زفر: من آخر وطىء وطئها، (و) يثبت (مهر المثل لا يزاد على المسمى) ~~لأنها أسقطت حقها في الزيادة لرضاها بدونها. وقال زفر: يثبت مهر المثل، وإن ~~زاد على المسمى، كالبيع الفاسد يجب فيه القيمة (وإن زادت على الثمن)، ولو ~~لم يكن المهر المسمى، أو كان مجهولا، يجب مهر المثل بالغا ما بلغ باتفاق، ~~إلحاقا لشبهة النكاح بحقيقته. # --- PageV03P274 ~~*** # (ويعتبر مهر مثلها من قوم أبيها) كأخواتها لأبيها، وعماتها وبناتهن لقول ~~ابن مسعود: لها مهر مثل نسائها. ولأن مهر المثل قيمة البضع، وقيمة الشيء ~~يعرف بجنسه، وجنس الإنسان قوم أبيها، وفي بعض النسخ: ومهر مثلها مهر مثلها ~~من قوم أبيها، ، أي مهر مثلها في الشرع هو مهر مماثلتها من قوم أبيها. ~~(سنا) أي عمرا وقت التزوج (وجمالا) أي حسنا (ومالا وعقلا) أي كثرة وقلة ~~(ودينا) أي ديانة (وبلدا وعصرا) أي مكانا وزمانا (وبكارة وثيابة) وأدبا ~~وخلقا، لأن المهر باعتبار هذه الأوصاف يزيد وينقص. # (فإن لم يوجد) مثلها في تلك الأوصاف (منهم) أي من قوم أبيها (فمن ~~الأجانب) يعتبر ms0752 مهر مثلها في تلك الأوصاف (لا الأم) أي لا يعتبر في مهر ~~مثلها مثلها من جهة أمها (وقومها إن لم تكن) أمها (من قوم أبيها) بأن تكون ~~بنت عم أبيها، لأن أولاد الخلفاء من الإماء يشرفون بشرف آبائهم دون ~~أمهاتهم. # وفي «المنتقى»: يشترط أن يكون المخبر بمهر المثل رجلين، أو رجلا ~~وامرأتين، ويشترط لفظ الشهادة، فإن لم يوجد على ذلك شهود عدول، فالقول قول ~~الزوج مع يمينه، وهو قول ابن أبي ليلى. ويستثني أبو يوسف ما يستنكر جدا في ~~العرف والعادة، وإن اختلفا في التسمية، بأن قال أحدهما: سمينا في هذا العقد ~~مهرا وأنكر الآخر، كان القول للمنكر بالإجماع. وإن اختلف ورثتهما في قدر ~~المهر، فالقول لورثة الزوج عند أبي حنيفة، ولا يحكم بمهر المثل لسقوط ~~اعتباره بعد موتهما عنده. ويستثني أبو يوسف ما يستنكر، كما في حال حياتهما. # --- PageV03P275 ~~*** # وجعل محمد اختلاف ورثتهما فيه كاختلافهما في حال الحياة، فقال: القول ~~لورثة المرأة إلى مهر مثلها، والقول لورثة الزوج في الفضل، كما في حال ~~الحياة. وإن اختلف ورثتهما في أصل تسميته، فادعى ورثة الزوج أن الزوج سمى ~~لها، وأنكرها ورثة الزوجة، فالقضاء بشيء منتف عند أبي حنيفة. وأوجبا مهر ~~مثلها في تركته، وهو القياس، لأن مهر المثل وجب بنفس العقد، فكما لا يسقط ~~المسمى بعد موتهما، فكذلك مهر المثل. ألا ترى أن بعد موت أحدهما لا يسقط ~~مهر المثل، وورثة الميت يقومون مقامه في ذلك، فكذلك بعد موتهما. # واستحسن أبو حنيفة فقال: لا يقضى بشيء واستدل في «الكتاب» يعني «الأصل» ~~فقال: أرأيت لو ادعى ورثة علي رضي الله عنه على ورثة عمر رضي الله عنه مهر ~~أم كلثوم، أكنت أقضي فيه بشيء؟ وهذا إشارة إلى أنه إنما يقول بهذا بعد ~~تقادم العهد، لأنه يختلف باختلاف الأوقات، فإذا تقادم العهد، وانقرض أهل ~~ذلك العصر، يتعذر وقوف القاضي على مقدار مهر المثل. وعلى هذا الطريق، إذا ~~لم يكن العهد متقادما يقضي بمهر مثلها. والطريق الآخر، أن المستحق بالنكاح ~~ثلاثة أشياء: المسمى وهو الأقوى. ms0753 والنفقة وهي الأضعف. ومهر المثل وهو ~~المتوسط. # فالمسمى لقوته لا يسقط بموتهما، وموت أحدهما. والنفقة لضعفها تسقط بموت ~~أحدهما. ومهر المثل يتردد (بين ذلك، فيسقط بموتهما، ولا يسقط بموت أحدهما، ~~لأن ما تردد) بين أصلين، يوفر حظه عليهما، ألا ترى أن الصحابة رضي الله ~~عنهم اختلفوا أن مهر المثل هل يسقط بموت أحدهما؟ فيكون ذلك اتفاقا منهم أنه ~~يسقط بموتهما، والله تعالى أعلم. # --- PageV03P276 ~~*** # (وصح ضمان وليها مهرها ولو كانت صغيرة) وكذا ضمان وليه مهرها، لأن الولي ~~أهل للالتزام، وقد أضاف الضمان إلى ما يقبله وهو المهر فيصح. ثم للمرأة ~~أن تطالب الولي، أو الزوج إلا إذا كان صغيرا، فليس لها أن تطالب إلا بعد ~~بلوغه. وفي «شرح الوقاية»: وإنما قال: ولو صغيرة، لأنها إذا كانت صغيرة ~~فمطالب المهر ليس إلا وليها، فيتوهم أنه لا يجوز الضمان. لأنه باعتبار ~~الضمان يكون مطالبا، فيكون الشخص الواحد مطالبا ومطالبا، لكن لا اعتبار ~~لهذا التوهم، لأن حقوق العقد في النكاح راجعة إلى الأصل، والولي سفير ومعبر. # هذا، ولو زوج طفله الفقير، أو عبده، أو مكاتبه لا يلزمه المهر عندنا، ~~وألزم مالك، والشافعي به. # (والمعجل والمؤجل) أي المقدم والمؤخر من المهر (إن بينا) أي عينا (فذاك) ~~أي فما بيناه هو المعجل والمؤجل، سواء بينا تعجيل الجميع أو تأجيله مسقطا ~~أو غيره، أو تعجيل البعض، وتأجيل البعض. (وإلا) وإن لم يبينا (فالمتعارف) ~~فإن كانا في موضع يعجل فيه البعض، ويؤجل الباقي إلى الطلاق، أو الموت، ينظر ~~كم يكون المعجل لمثل هذه المرأة من مثل هذا المهر في متعارف ذلك القوم، ~~فيجعل ذلك معجلا، والباقي مؤجلا. # --- PageV03P277 ~~*** # (وقبل أخذ المعجل) الذي بيناه أو تبين بالعرف (لها منعه من الوطىء و) من ~~(السفر بها) حتى تقبضه ليتعين حقها في البدل، كما تعين حقه في المبدل. قيد ~~بالمعجل، لأنها لا تمنع نفسها قبل أخذ المؤجل، سواء كان جميع المهر وفيه ~~خلاف أبي يوسف أو بعضه، وسواء كانت المدة قصيرة أو طويلة، وسواء كان ~~التأجيل في العقد أو بعده. وفي «الخانية»: ms0754 ليس لها الامتناع بعد حلول الأجل ~~أيضا، لأن العقد لم يوجب لها حق الامتناع في المؤجل، فلا يثبت لها بعده. # (ولو) كان المنع (بعد وطىء) أو خلوة صحيحة (برضاها) وهو قول أبي حنيفة، ~~أو بغير رضاها: بأن تكون مكرهة، أو صبية، أو مجنونة، وهو قولهم جميعا. ~~وقالا: ليس لها منعه بعد الوطىء، أو الخلوة برضاها. وفي «الإيضاح»: إنه قول ~~أبي حنيفة أولا، (بلا سقوط النفقة) أي مع عدم سقوط نفقتها. والمعنى لا يسقط ~~بذلك المنع عن الزوج نفقتها، وهذا عند أبي حنيفة، لأن المنع بحق، حيث ليس ~~عن نشوز. وعندهما: لا نفقة لها. # قال فخر الإسلام في «شرح الجامع الصغير»: كان أبو القاسم الصفار يفتي في ~~المنع من الوطىء بقول أبي يوسف ومحمد بسقوط النفقة، وفي المنع من السفر ~~بقول أبي حنيفة بعدم سقوطها. قال: وهو حسن في الفتيا. (والسفر) هو بالرفع ~~معطوف على منعه، أي وقبل أخذ المعجل لها السفر (والخروج) من منزل الزوج ~~(للحاجة) وزيارة أهلها (بلا إذنه) لأن حق الحبس لحق الاستيفاء منها، وليس ~~له حق الاستيفاء منها قبل الإيفاء لها. # --- PageV03P278 ~~*** # (وبعد أخذه) أي المعجل (ينقلها) ويسافر بها حيث شاء، وكذلك إذا كان جميع ~~المهر مؤجلا لقوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} أي أسكنوهن مكان ~~بعض سكناكم بقدر سعتكم. ف: من للتبعيض، والوجد: القدرة والغنى. (وقيل: لا ~~يسافر بها) إلى غير بلدها الذي نكحها فيه (وبه يفتى). قال الفقيه أبو الليث ~~في «النوازل»: سئل أبو القاسم يعني الصفار عن امرأة يريد زوجها إخراجها ~~من البلد ولم يوف لها جميع مهرها قال أبو القاسم: لها أن لا تخرج من بلدها ~~إلى بلد آخر، سواء أوفاها المهر، أو لم يوفها لفساد الزمان. # قال أبو الليث: وبه نأخذ، فكيف لو أدرك أبو القاسم زماننا هذا؟ ثم قال: ~~وقيل لأبي القاسم: أليس يجوز أن يخرجها من المدينة إلى القرية، ومن القرية ~~إلى المدينة؟ قال: ذلك تبوئة وليس بسفر. وإخراجها من بلد إلى بلد سفر، وليس ~~بتبوئة. أي بمنزلة تحويل ms0755 من بيت إلى بيت. وفي «فصول الأسروشني»: قال ظهير ~~الدين المرغيناني: الأخذ بقول الله تعالى أولى، قال الله تعالى: {أسكنوهن ~~من حيث سكنتم}. انتهى. # وأجيب بأن قول الفقيه ليس منافيا لقوله تعالى، لأنه تعالى قال: {ولا ~~تضاروهن} وفي السفر بها بغير رضاها إضرار بها. وأفتى كثير من المشايخ بقول ~~أبي الليث. وقيل: يجوز مطلقا إن أوفاها المعجل والمؤجل أيضا، وكان مأمونا ~~عليها، وبه أفتى البعض، وهو أقرب إلى التحقيق، والله ولي التوفيق. # (حكم هدية الخطبة) # --- PageV03P279 ~~*** # (إن بعث إليها) أي امرأته شيئا (فقالت هو هدية، وقال: مهر) أو هو من ~~المهر (فالقول له) مع يمينه، لأن التمليك أستفيد منه، فكان أعرف بجهته، كما ~~لو أنكر التمليك أصلا، وكان الظاهر أنه يسعى في إسقاط ما في ذمته (إلا فيما ~~هيىء للأكل) كالخبز، والشوى، واللحم المطبوخ، والفواكه التي لا تبقى بخلاف ~~الحنطة، والعسل، والسمن، والجوز، واللوز، لأن الظاهر يكذبه، والقول قول من ~~يشهد له الظاهر. # وقال بعض المحققين: والذي يجب اعتباره في ديارنا، أن جميع ما ذكر من ~~الحنطة، والدقيق، والسكر، وباقيها يكون القول فيه قول المرأة، لأن المتعارف ~~في ذلك كله إرساله هدية، فالظاهر مع المرأة لا معه، ولا يكون القول له إلا ~~في نحو الثياب، والجارية. وقال الفقيه أبو الليث: المختار أن ذلك الشيء إن ~~كان مما لا يجب على الزوج، فالقول قوله، وإن كان مما يجب عليه بعد العقد ~~كالخمار والدرع فالقول قولها، لأن الظاهر يكذبه. # وفي «الذخيرة»: جهز بنته وزوجها، ثم زعم أن الذي دفعه إليها ماله وكان ~~على وجه العارية عندها، وقالت: هو ملكي جهزني به، أو قال الزوج ذلك بعد ~~موتها، فالقول قولهما دون الأب، لأن الظاهر شاهد بملك البنت، إذ العادة دفع ~~ذلك إليها بطريق الملك. وحكي عن علي السفدي: أن القول قول الأب، لأن ذلك ~~يستفاد من جهته . وذكر شمس الأئمة السرخسي في «السير الكبير» نحو ذلك. وقال ~~قاضيخان: إن كان الأب من الأشراف والكرام، لا يقبل قوله أنه عارية، وإن كان ~~ممن لا يجهز ms0756 البنات بمثل ذلك، قبل قوله. وقال الصدر الشهيد: المختار للفتوى ~~إن كان الأب يدفع جهازا لا عارية كما في ديارنا، فالقول قول الزوج، وإن كان ~~العرف مشتركا، فالقول قول الأب. # فصل في نكاح الرقيق والكافر # --- PageV03P280 ~~*** # (نكاح القن) وهو العبد الذي ليس فيه حرية بوجه، (و) نكاح (المكاتب ~~والمدبر والأمة وأم الولد بلا إذن السيد موقوف، إن أجاز) السيد (نفذ وإن رد ~~بطل)، وأجازه مالك بدون إذنه. # ولنا قوله تعالى: {ضرب ا مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} والنكاح شيء، ~~فلا يملكه العبد بنفسه. وما روى أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن من ~~حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيما عبد تزوج بغير إذن ~~مولاه فهو عاهر». أي زان (دل بإشارته أن العقد غير جائز، إذ لو جاز لم يكن ~~بالوطىء زانيا شرعا). ورواه الحاكم في «المستدرك» وقال: حديث صحيح الإسناد، ~~ولم يخرجاه. # (وإذا أذن) المولى بالتزويج لعبده فتزوج (بيع القن للمهر) وكذا المكاتب ~~إن عجز عن الكتابة، لأن المهر بسبب إذنه ظهر في حقه، وتعلق برقبة عبده، ~~وصار كدين استدانه العبد المأذون له في التجارة. ولو بيع القن مرة حيث لم ~~يفتده سيده، ولم يف ثمنه بالمهر، لم يبع ثانيا، بل يطالب بما بقي بعد ~~العتق. ولو بيع في النفقة مرة بيع فيها أخرى، لأن النفقة تجب ساعة فساعة، ~~فلم يقع البيع في جميعها بخلاف المهر. ولو مات العبد سقط المهر والنفقة، ~~لفوات محل الاستيفاء. # (ويسعى الآخران) أي المكاتب والمدبر، ولا يباعان فيه، لعدم احتمالهما ~~النقل من ملك إلى ملك حال قيام الكتابة والتدبير. فيستوفى من كسبهما لا من ~~أنفسهما. قيد بإذن المولى، لأن العبد، أو المدبر، أو المكاتب إن تزوج بغير ~~إذن المولى، ودخل ثم فرق المولى بينهما، لا يطالب واحد منهم بالمهر إلا بعد العتق. # --- PageV03P281 ~~*** # (والإذن) أي إذن المولى لعبده (بالنكاح) سواء عين المرأة، أو لم يعينها ~~(يعم جائزه وفاسده) عند أبي حنيفة، حتى يباع العبد في مهر النكاح الفاسد، ~~فيتوقف تزوجها ثانيا ms0757 صحيحا على الإجازة. # وقالا: يخص جائزه، وبه قال مالك والشافعي، فلا يباع في مهر الفاسد، بل ~~يطالب به بعد العتق، ولا يتوقف تزوجها ثانيا صحيحا على الإجازة، لأن ~~المقصود من نكاح العبد عفته، وذلك بالجائز دون الفاسد، لأنه لا يفيد الحل، ~~وصار كالتوكيل بالنكاح حيث يتناول الجائز دون الفاسد. ولأبي حنيفة أن الإذن ~~مطلق فيجري على إطلاقه، ولا يقيد بالصحيح، كالأذن بالبيع. والتوكيل بالنكاح ~~إنما يقيد بالجائز، بدلالة أن مطلوب الموكل ثبوت الحل. # (ومن زوج أمته) إذا كانت قنا، أو مدبرة، أو أم ولد (لا يجب عليه التبوئة) ~~مصدر بوأته منزلا أي أسكنته إياه: وهي أن يخلي المولى بين الأمة وبين ~~زوجها، بأن يدفعها إليه ولا يستخدمها. حتى لو كانت الأمة تذهب وتجيء وتخدم ~~مولاها، لا يكون ذلك تبوئة. وإنما لا يجب على المولى إذا زوج أمته تبوئتها، ~~لأن حقه أقوى من حق الزوج، وإن حقه في رقبة الأمة واستخدامها، وحق الزوج في ~~التمتع بها. وتبوئتها يبطل استخدامها، واستخدامها لا يبطل التمتع بها. (ولا ~~نفقة) على زوج الأمة المذكورة (إلا بها) أي بالتبوئة، لأن نفقته عليها جزاء ~~احتباسها، ولا يوجد احتباسها إلا بتبوئتها. # --- PageV03P282 ~~*** # (ويطأ الزوج إن ظفر) بها خالية من خدمة مولاها. وأما المكاتبة فلها ~~النفقة والسكنى، وإن لم يوجد التبوئة. والفرق بينها وبين الأمة والمدبرة ~~وأم الولد أن المولى لا يملك استخدام المكاتبة، فلا تحتاج إلى تبوئة ~~المولى، ويملك استخدامهن فيحتجن إليها. ولو خدمته بلا استخدامه مع التبوئة ~~لا تسقط نفقتها، وكذا لو استخدمها المولى نهارا، وأعادها إلى بيت الزوج ليلا. # (وله) أي للمولى (إنكاح عبده) الذي ليس بمكاتب صغيرا كان أو كبيرا (و) ~~إنكاح (أمته) كذلك (كرها) أي بلا رضاهما. وليس معناه أن يحملهما على النكاح ~~بضرب أو نحوه، بل أن ينفذ تزويجه عليهما بدون رضاهما، وهذا ظاهر الرواية. ~~وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: لا ينفذ تزويج المولى عبده إلا برضاه دون أمته، ~~وهو قول الشافعي، لأن ما يرد عليه التزويج وهو الاستمتاع مملوك للمولى من ~~الأمة دون ms0758 العبد، فكان المولى في تزويج العبد كالأجنبي من الأمة. # وتوضيحه: أن تزويجه بغير رضاه لا يفيد مقصود النكاح، لأن الطلاق بيد من ~~له الساق، فيطلقها من ساعته طلبا للفراق. ولنا أن تزويج المولى أمته ليس ~~لملكه بضعها، بل لملكه رقبتها، وذلك ثابت في العبد. ولا يجوز للمولى تزويج ~~المكاتب والمكاتبة بغير رضاهما، لأنهما التحقا بالأحرار في حق التصرفات. # (وخيرت أمة) سواء كانت مدبرة أو أم ولدد زوجها المولى برضاها أو بدونه. ~~(ومكاتبة عتقت) واحدة منهما سواء كانت تحت حر أو عبد. وقال الشافعي: لا ~~خيار للأمة إذا عتقت وزوجها حر، وبه قال مالك وأحمد. # --- PageV03P283 ~~*** # ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات في حرية زوج بريرة وعدمها، فما يدل على أنه ~~حر: ما روى الجماعة إلا مسلما من حديث إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ~~واللفظ للبخاري أنها قالت: يا رسول الله إني اشتريت بريرة لأعتقها أي ~~قصدت شراءها لذلك وإن أهلها يشترطون ولاءها أي لهم فقال: «أعتقيها، ~~فإنما الولاء لمن أعتق». قال: فاشترتها، فأعتقتها. قال: وخيرت، فاختارت ~~نفسها، وقالت: لو أعطيت كذا وكذا ما كنت معه، أي مع زوجها. قال الأسود: ~~وكان زوجها حرا (ورواه البخاري أيضا من حديث الحكم، عن إبراهيم. وفي آخره ~~قال الحكم: وكان زوجها حرا). وأخرج النسائي عن علقمة، والأسود أنهما سألا ~~عائشة عن زوج بريرة، فقالت: كان حرا يوم أعتقت. # ومما يدل على أنه كان عبدا: ما روى الجماعة إلا مسلما عن عكرمة، عن ابن ~~عباس: أن زوج بريرة كان عبدا أسود يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها ~~يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: «ألا ~~تعجب من شدة حب مغيث بريرة، ومن شدة بغض بريرة مغثيا»، فقال لها عليه ~~الصلاة السلام: «لو راجعتيه». قالت: يا رسول الله أتأمرني به؟ فقال عليه ~~الصلاة السلام: «إنما أنا شافع». قالت: لا حاجة لي فيه . وأما ما رواه مسلم ~~وأبو داود والنسائي عن عائشة أن بريرة خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~زوجها عبدا. ms0759 فليس فيه سوى أنه كان عبدا وهو محتمل لأنه كان عبدا قبل ~~العتق فلا يعارض صريح قولها: كان حرا يوم أعتقت. ورواية أبي داود: حين أعتقت. # --- PageV03P284 ~~*** # قال الطحاوي: وإذا اختلفت الآثار وجب التوفيق، فنقول: إنا وجدنا الحرية ~~تعقب الرق، ولا ينعكس، فيحمل على أنه كان حرا عندما خيرت، عبدا قبله. ولو ~~ثبت أنه عبد، لا ينفي الخيار لها تحت الحر، إذ لم يجيء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه إنما خيرها لكونه عبدا أي بل إنما خيرها لصيرورتها معتوقة ~~لقوله عليه الصلاة السلام لبريرة: «اذهبي فقد عتق معك بضعك» رواه ~~الدارقطني. # روى ابن سعد في «الطبقات» عن عامر الشعبي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لبريرة لما عتقت: «قد عتق بضعك معك، فاختاري». فهذا حكم مطلق فلا يقيد ~~بما إذا كان زوجها عبدا. ثم أسند الطحاوي عن ابن سيرين، والشعبي: تخير، حرا ~~كان زوجها أو عبدا. وعن طاوس أنه قال: للأمة الخيار إذا عتقت، وإن كانت تحت ~~قرشي. وعن مجاهد: تخير، وإن كانت تحت أمير المؤمنين. انتهى. ورواه ابن أبي ~~شيبة أيضا عنهم. # (وإن نكحت) أمة (بلا إذن) من مولاها (فعتقت نفذ) النكاح (بلا خيار لها) ~~لصدوره من أهله مضافا إلى محله، وتوقفه على إذن المولى قد زال بالعتق. وفي ~~«المحيط»: هذا إذا كانت أمة أو مدبرة. وإن كانت أم ولد، لا ينفذ النكاح، ~~لأن العدة وجبت عليها من المولى كما أعتقت، والعدة تمنع نفاذ النكاح. (وما ~~سمى) من المهر (فللسيد لو وطئت فعتقت) بعد الوطىء، لأن الزوج استوفى منافع ~~مملوكة للمولى، فيجب البدل. # (وإن عتقت أولا) أي قبل الوطىء (فلها) أي فما سمى للمرأة، لأن الزوج ~~استوفى منافع مملوكة للأمة، فيجب البدل لها. # (وزوج الأمة يعزل) # --- PageV03P285 ~~*** # أي يجوز أن يعزل عنها عند الوطىء (بإذن سيدها، و) زوج (الحرة) يعزل عنها ~~(بإذنها) وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعزل الزوج عن الأمة إلا بإذنها، لأن لها ~~حقا في قضاء الشهوة، والعزل يخل به. ولأبي حنيفة: أن العزل لخوف الولد ms0760 وهو ~~حق المولى، والحرة دون الأمة. ولو عزل فظهر حبل قالوا: إن لم يعد إلى ~~وطئها، أو عاد بعد البول جاز له نفيه، وإلا فلا. ولو عالجت نفسها لإسقاط ~~الحبل، جاز ما لم يستبن شيء من خلقه، وذلك ما لم يتم له مئة وعشرون يوما. # (وإن وطىء) الأب الحر المسلم (أمة ابنه فولدت فادعاه) الأب، وكانت في ملك ~~الابن من وقت الوطىء إلى حين الدعوة (ثبت نسبه، وهي أم ولده) لما روى أبو ~~داود، والترمذي وقال: حديث حسن عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه». وروى أبو ~~داود، وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلا أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي مالا ووالدا، وإن والدي يحتاج ~~إلى مالي، فقال: «أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من ~~كسب أولادكم». انتهى. وإذا كان للأب أن يأخذ من مال ابنه نفقته بلا رضاه ~~لصيانة نفسه، كان له أن ينقل ملك جارية ابنه إلى ملك نفسه لصيانة نسله. # --- PageV03P286 ~~*** # (ووجب قيمتها) والفرق بين هذا، وبين الطعام والكسوة حيث لا يجب قيمتهما ~~إذا استعملهما الأب للحاجة، أن الحاجة إلى الاستيلاد دون الحاجة إلى الطعام ~~والكسوة، فيملك الأب الطعام والكسوة من مال ابنه من غير قيمة، ولا يملك ~~الأمة إلا بقيمتها. ولا فرق بين كون الأب معسرا أو موسرا، لأن هذا ضمان ~~نقل، فلا يختلف بالإعسار والإيسار كالبيع، (لا مهرها) أي لا يجب مهرها ~~خلافا لزفر، لأن ملك الأب يثبت في الجارية قبل الوطىء حتى لا يكون الأب ~~زانيا، وحينئذ لم يقع وطىء الأب إلا في ملك نفسه. # (ولا يجب قيمة ولدها) لأن الأب لما ملك الجارية بالاستيلاد، كان الولد ~~حادثا على ملكه، فكان حر الأصل. أما إذا كان الأب عبدا أو كافرا لا تصح ~~دعوته، لأنه لا ولاية لكافر على مسلم ولا لعبد على حر. وكذا إذا ms0761 أخرجها ~~الولد بعد الوطىء من ملكه، ثم استردها لا تصح دعوة الأب، لأن ثبوت الملك ~~للأب بطريق الاستناد إلى وقت العلوق، فيستدعي ولاية التملك من وقت العلوق ~~إلى حين التملك. # (والجد) أب الأب (كالأب بعد موته) لقيامه حينئذ مقام الأب، وهذا إذا كان ~~العلوق بعد موت الأب، حتى لو أتت بولد لأقل من ستة أشهر من موت الأب، ~~فادعاه الجد لم تصح دعوته. (وإن نكحها) أي إن تزوج الأب أمة ابنه (صح) وقال ~~مالك والشافعي: لا يصح، لأن للأب شبهة في ملك ابنه بدليل سقوط الحد إذا زنى ~~بأمته، ولو ظن حرمتها، فيكون في معنى من تزوج أمة نفسه. # ولنا أن جارية الابن لا ملك للأب فيها ولا حق ملك، لأن ملك الابن فيها من ~~كل وجه بدليل حل وطئه، ونفاذ عتقه، فلا يملكها الأب من وجه، وإلا اجتمع ملك ~~شخصين في محل واحد في زمان واحد. وإذا لم يكن للأب فيها حق ملك، جاز له ~~تزوجها كجارية الأجنبي. # --- PageV03P287 ~~*** # (ولم تصر أم ولده) إذا أتت منه بولد خلافا لزفر، وكذا إذا استولدها بنكاح ~~فاسد. لأن انتقالها إلى ملك الأب لصيانة مائه، وقد صار مصونا بدونه. (ويجب ~~مهرها) لالتزامه بالنكاح (لا قيمتها) لعدم ملك الرقبة. # (والولد حر بقرابته) لأن الأمة ملك الابن، وولدها من أبيه أخوه، فيتبعها ~~في الملك ويعتق عليه. وجعل محمد ولد العبد المغرور حرا بالقيمة كولد الحر ~~المغرور، وهما حكما برقه. وجه محمد: أن السبب الموجب للحرية الغرور، ~~واشتراط الحرية فيها عند النكاح، وهذا يتحقق في الرقيق كما يتحقق في الحر، ~~وكما يحتاج الحر إلى حرية الولد، فالمملوك يحتاج إلى ذلك، بل حاجته أظهر ~~لأنه ربما يتطرق به إلى حرية نفسه. وأبو حنيفة وأبو يوسف قالا: هذا الولد ~~مخلوق من ماء رقيقين فيكون رقيقا، وهذا لأن الولد متفرع من الأصل، وإنما ~~يتفرع لصفة الأصل. وإذا كان الأصلان رقيقين، لا تثبت الحرية للولد من غير ~~عتق. وأما إذا كان الزوج حرا، فقد ثبت حرية الولد هناك باتفاق الصحابة ~~بخلاف ms0762 القياس. # (والطفل يتبع خير الأبوين دينا) لأن ذلك أنظر له، فيتبع الأب إذا أسلم ~~والأم إذا أسلمت. (وعند عدمهما) أي عدم الأبوين بأن وجد لقيطا (يتبع الدار) ~~لأن الظاهر أنه من أطفال أهلها. (والمجوسي شر من الكتابي) فالطفل منهما ~~يتبع الكتابي، لأن حل الذبيحة وجواز المناكحة من أحكام الإسلام، فيرجح بهما ~~كما يرجح بالإسلام. وإنما لم يقل والكتابي خير من المجوسي، لأنه لا خير في ~~الكتابي لكن شره أقل من شر المجوسي. # (نكاح الكفار) # --- PageV03P288 ~~*** # واعلم أن نكاح الكفار أبقاه علماؤنا والشافعي، وأبطله مالك في المشهور ~~عنه، لأن جوازه يفتقر إلى شروط هي معدومة في أنكحتهم، فيجب فسادها، وعنه ~~أنه إنما يجوز منه ما لو ابتدؤه بعد الإسلام صح، وإلا فلا. # ولنا قوله تعالى: {وامرأته حمالة الحطب} ولولا انعقاده لما أخبر بأنها ~~امرأته، وقوله صلى الله عليه وسلم «ولدت من نكاح لا من سفاح». ولولا صحته ~~لما افتخر به، فنكاحهم جائز عند أبي حنيفة مطلقا، وإن تزوجوا بمحارمهم، حتى ~~يحكم لها بالنفقة إذا طلبت، لأنا أمرنا أن نتركهم وما يدينون. واستثنى ~~صاحباه من الجواز المحرم والمعتدة، لأنهم تبع لنا في الأحكام، ولكن لا ~~نتعرض لهم إلا أن يسلموا أو يترافعوا إلينا لالتزامهم حكمنا حينئذ، إلا في ~~قول أبي يوسف الآخر، ذكره في كتاب الطلاق، أنه يفرق بينهما إذا علم به لما ~~روي أن عمر كتب إلى عماله: أن فرقوا بين المجوس وبين محارمهم، وامنعوهم من ~~الزمزمة إن أكلوا. والزمزمة بالكسر: الجماعة من الناس على ما في «الصحاح». # لكنا نقول هذا غير مشهور عنه، وإنما المشهور ما كتب به عمر بن عبد العزيز ~~إلى الحسن البصري: ما بال الخلفاء الراشدين تركوا أهل الذمة وما هم عليه من ~~نكاح المحارم واقتناء الخمور والخنازير؟ فكتب إليه: أنهم إنما بذلوا الجزية ~~ليتركوا وما يعتقدون، فإنما أنت متبع ولست بمبتدع، والسلام. # --- PageV03P289 ~~*** # (وإن أسلم المتزوجان بلا شهود أو في عدة كافر معتقدين ذلك أقرا عليه) أي ~~بقي صحيحا بعد إسلامهما، أو إسلامه لو كانت كتابية. وقال زفر: ms0763 نكاح أهل ~~الذمة بلا شهود، أو في عدة كافر فاسد. وقال أبو يوسف ومحمد: بلا شهود صحيح، ~~وفي عدة كافر فاسد. لزفر: أن أهل الذمة تبع لأهل الإسلام، وهم لا يجوزون ~~نكاحهم بغير شهود، وفي عدة غير، فكذا أهل الذمة، إلا أنه لا يتعرض لهم فيه ~~إلا أن يسلموا أو يترافعوا، فحينئذ يفرق القاضي بينهم لقوله تعالى: {وأن ~~احكم بينهم بما أنزل ا ولا تتبع أهواءهم}، ولأنهم بعقد الذمة صاروا أمناء ~~دارا، والتزموا أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات، فثبت في حقهم ما هو ~~ثابت في حقنا. # ألا ترى أن حرمة الربا ثابت في حقهم بهذا الطريق؟ فكذا حرمة النكاح بغير ~~شهود. ولكنا نعرض عنهم لمكان عقد الذمة، لا أنا نقرهم على ذلك، كما نتركهم ~~وعبادة الأوثان والاشتغال بالنيران على سبيل الإعراض، لا على سبيل التقرير ~~والحكم بصحة ما يفعلون. # ولا نعرض عنهم في عقد الربا، لأنه مستثنى من عقد الذمة. قال صلى الله ~~عليه وسلم «إلا من أربى فليس بيننا وبينه عهد». ويروى: «عقد». ولعله مقتبس ~~من قوله تعالى: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من ا ورسوله}. # --- PageV03P290 ~~*** # ولهما: أن النكاح في العدة حرام بالإجماع، بخلاف النكاح بغير شهود حيث ~~يجوز عند مالك بشرط الإعلان. مع أنهم لم يلتزموا أحكامنا بجميع اختلافاتها. ~~ولأبي حنيفة: أن عدة الكوافر لا يمكن إثباتها حقا للشرع، لأنهم غير مخاطبين ~~بالفروع، ولا حقا للزوج وهو كافر، لأنه لا يعتقد العدة. وفي «النهاية» عن ~~«المبسوط»: إن الاختلاف بينهم إذا وقعت المرافعة أو الإسلام، والعدة غير ~~منقضية، وأما بعد انقضاء العدة فلا يفرق باتفاق، أي لعدم تعلق حكم شرعي. # (وفرق متزوجان محرمان) بفتح الميم والراء كما تزوج مجوسي أمه أو ابنته ~~(ثم أسلما) أو أسلم أحدهما، لأن نكاح المحارم بين الكفار باطل عند أبي يوسف ~~ومحمد، وكذا عند أبي حنيفة على ما ذكره القدوري. ولو لم يسلم المحرمان ~~المتزوجان، لا يفرق بينهما عند أبي حنيفة ما لم يترافعا جميعا. لأنه لما ~~جاز في اعتقادهم، لا نتعرض لهم ms0764 ما داموا عليه، وبمرافعة أحدهما لا يحصل رضى ~~الآخر، فلم يتحقق شرط الالتزام في حقه، فلا يحكم عليه ولا على الرافع ~~لاستلزامه الحكم على غير من التزمه. وعند أبي يوسف: يفرق بينهما وجد ~~الترافع أو لا. وعند محمد: يفرق إن وجد الترافع، ولو من أحدهما، فإنه إذا ~~رفع أحدهما أمره فقد التزم حكم الإسلام، فيتعدى الآخر ضرورة الحكم على ~~الرافع، فيفرق بينهما كما لو أسلم أحدهما. # --- PageV03P291 ~~*** # (وفي إسلام زوج المجوسية) أو الوثنية (أو امرأة الكافر) في ديارنا، ~~مجوسيا كان أو وثنيا أو كتابيا (عرض الإسلام على الآخر، فإن أسلم فهي له) ~~ولا يتعرض لهما، لأن ابتداء النكاح صحيح، فلأن يبقى أولى (وإلا) أي وإن لم ~~يسلم سواء كان بالغا أو صبيا مميزا (فرق بينهما)، وقال الشافعي: لا يعرض ~~الإسلام وتبين المرأة في الحال إن كان الإسلام قبل الدخول، ويفرق بينهما ~~بعد ثلاث حيض إن كان بعده لتأكد الملك في الثاني دون الأول. # ولنا ما في «الموطأ» عن ابن شهاب: أن ابنة الوليد بن المغيرة كانت تحت ~~صفوان بن أمية، وأسلمت يوم الفتح وهرب زوجها صفوان، بن أمية من الإسلام، ~~فلم يفرق صلى الله عليه وسلم بينه وبين امرأته حتى أسلم صفوان واستقرت عنده ~~امرأته بذلك النكاح. # وذكر الطحاوي وأبو بكر بن العربي: أن عمر بن الخطاب فرق بين نصراني ~~ونصرانية أسلمت بإبائه عن الإسلام. ومن أدلتنا ما روي أن دهقانة نهر الملك ~~أسلمت، فأمر عمر أن يعرض الإسلام على زوجها، فإن أسلم وإلا فرق بينهما. وأن ~~دهقانا أسلم على عهد علي، فعرض الإسلام على امرأته فأبت، ففرق بينهما. ~~وإنما يفرق بينهما إذا أبت هي الإسلام لإصرارها على الخبث، والخبيثة لا ~~تصلح للطيب. # (وهو) أي تفريق القاضي بينهما (طلاق) بائن (إن أبى) الزوج، وليس بطلاق إن ~~أبت المرأة. وقال أبو يوسف: ليس بطلاق فيهما. وفائدة الخلاف: عدم انتقاص ~~عدد الطلاق بالفرقة عنده، وانتقاصه بها عندهما. (ولا مهر لها إن أبت) لوجود ~~الفرقة من قبلها، كالمطاوعة لابن زوجها. (إلا للموطوءة) فإن لها ms0765 المهر كله ~~لتأكده بالدخول. قيد بإبائها، لأن تفريق القاضي بإباء الزوج قبل الدخول ~~يوجب نصف المهر. # --- PageV03P292 ~~*** # (وفي دارهم) عطف على مقدر يتعلق بإسلام وهو في دارنا أي: وفي إسلام زوج ~~المجوسية، أو امرأة الكافر في دارهم. سواء بقي الزوجان فيها، أو خرج أحدهما ~~إلينا وبقي الآخر (تبين) المرأة سواء كانت مدخولا بها، أو غيرها (بمضي ثلاث ~~حيض قبل إسلام الآخر) إن كانت تحيض، وبمضي ثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض، لأن ~~الحكم بالفرقة لما كان منقطعا عمن في دار الحرب، أقيم شرط الفرقة وهو مضي ~~العدة مقامها. # (وتبين) الحربية من زوجها (بتباين الدارين) سواء سبي أحدهما أو لم يسب، ~~بل خرج إلينا مسلما، أو ذميا، أو مستأمنا، ثم أسلم، أو صار ذميا (لا السبي) ~~أي لا تبين بالسبي. وقال الشافعي وهو قول مالك : تبين به، ولا تبين بتباين ~~الدارين. فلو سبيا معا لم تبن عندنا، وتبين عنده. لأن زينب بنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هاجرت من مكة إلى المدينة، وخلفت زوجها أبا العاص كافرا ~~بمكة، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه بالنكاح الأول. # ولنا: أن مشركي مكة صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أن ~~من أتاه من أهل مكة رده إليهم، ومن أتى أهل مكة من أصحابه فهو لهم. وكتبوا ~~بذلك الكتاب وختموه. فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من ~~الكتاب، والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية فأقبل زوجها مسافر المخزومي، ~~وقيل: صيفي بن الراهب، وكان كافرا، فقال: يا محمد أردد علي امرأتي فإنك قد ~~شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد. # --- PageV03P293 ~~*** # فأنزل الله تعالى بيانا بأن هذا الشرط إنما يكون في الرجال دون النساء: ~~{يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم ~~بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ~~ولا تمسكوا ms0766 بعصم الكوافر} أي بعقد نكاحهن. فاستحلفها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فحلفت، فأعطى زوجها ما أنفق عليها من المهر، وتزوجها عمر. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن المهاجرة بأن يحلفها: بالله ما ~~خرجت من بغض زوج، بالله ما خرجت رغبة من أرض إلى أرض، بالله ما خرجت إلا ~~حبا لله ولرسوله. # فقوله سبحانه: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} يدل على أن تباين الدارين ~~يوجب الفرقة، وإن لم يوجد سبي، وكذا قوله تعالى: {ولا جناح عليكم أن ~~تنكحوهن} إذ لو لم يوجب التباين انقطاع النكاح، لم يجز للمسلمين أن ~~ينكحوهن، وكذا قوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} إذ لو لم يكن التباين ~~موجبا للفرقة، لزم التمسك بعقد نكاحهن حال كفرهن. # ثم المهاجرة تحل بل تنكح عندنا بلا لزوم عدة كالمسبية، فإنه يجب ~~استبراؤها ولا يلزمها العدة اتفاقا. وقالا وهو قول مالك والشافعي : لا يحل ~~نكاحها قبل انقضاء عدتها كالحامل، فإنه لا يصح نكاحها قبل الوضع عند ~~الجمهور، وعلى الأصح عند أبي حنيفة. # --- PageV03P294 ~~*** # لهم: أن نسيبة لما هاجرت، أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد. ~~وله: قوله تعالى: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن} فالله ~~أباح نكاح المهاجرة مطلقا، فتقييده بما بعد انقضاء العدة يكون زيادة. وأيضا ~~قال الله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} وفي إيجاب العدة تمسك بعصم ~~الكافر. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يصح نكاح الحامل من المهاجرات، ولكن ~~لا يقربها حتى تضع، لأنه لا حرمة لماء الحربي، فهو بمنزلة ماء الزاني، ~~والحبل من الزنا لا يمنع النكاح عنده، ولكن الأول أصح، لأن الحبل من الزنا ~~لا نسب له، وهذا النسب ثابت من الحربي. # (وارتداد كل منهما) أي من الزوجين (فسخ عاجل) عند أبي حنيفة وأبي يوسف. ~~وقال الشافعي: إن لم يدخل بها ففسخ عاجل، وإن دخل بها ففسخ آجل، يعني إن ~~عاد المرتد منهما إلى الإسلام في مدة عدة تلك المرأة لم ينفسخ، وإلا انفسخ. ~~وقال محمد: إن ms0767 كان الارتداد من المرأة فهو فسخ، وإن كان من الرجل فهو طلاق. ~~فمحمد مر على أصله في الإباء، وكذلك أبو يوسف، لأن الإباء عنده فسخ عاجل. ~~ووجه الفرق لأبي حنيفة: أن الردة منافية للنكاح لمنافاتها للعصمة، والطلاق ~~يستدعي قيام النكاح، فلا تكون الفرقة بالردة طلاقا. والإباء تفويت الإمساك ~~بالمعروف، فيجب التسريح بالإحسان، ولهذا تتوقف الفرقة بالإباء على القضاء، ~~ولا تتوقف الفرقة بالردة عليه. # --- PageV03P295 ~~*** # (ثم للموطوءة كل مهرها) سواء ارتد الزوج، أو هي، لأن الوطىء مؤكد للمهر ~~(ولغيرها) أي لغير الموطوءة (نصفه لو ارتد) الزوج، لأن الفرقة من قبله قبل ~~الدخول (ولا شيء لو ارتدت) الزوجة، لأن الفرقة من جهتها قبل الدخول. (وبقي ~~النكاح إن ارتدا معا فأسلما معا)، وقال زفر: لا يبقى، وهو القياس. لأن في ~~ردتهما ردة أحدهما، وهي منافية للنكاح. # ووجه الاستحسان: أنهما لم يختلفا في دين ولا في دار، فلا تقع الفرقة ~~بينهما، كما إذا أسلم الزوجان الكافران معا. وإنما تركنا القياس لاتفاق ~~الصحابة. فإن بني حنيفة ارتدوا بمنع الزكاة، فاستتابهم أبو بكر ولم يأمرهم ~~بتجديد الأنكحة بعد التوبة، ولا أحد من الصحابة سواه. ولا يقال لعل ~~الارتداد من بعضهم كان قبل بعضهم، ولم يستقل بذلك أيضا، لأن كل أمرين لا ~~يعرف التاريخ بينهما يجعل كأنهما وقعا معا. # (وفسد) النكاح (إن) ارتدا معا ثم (أسلم أحدهما قبل الآخر) لأن البقاء على ~~الردة كإنشائها. فإن كان ذلك قبل الدخول، فلا شيء للمرأة إن كان المسلم هو، ~~ولها نصف المهر إن كان المسلم هي. وإن كان بعد الدخول فلها المهر كاملا ~~سواء كان المسلم هي، أو هو. # ولا يصح أن ينكح مرتد مسلمة، ولا مرتدة، ولا كافرة أصلية. لأن النكاح ~~يعتمد الملة، ولا ملة للمرتد. فإنه ترك ما كان عليه وهو غير مقر على ما ~~اعتقده، وكذا حكم المرتدة. # --- PageV03P296 ~~*** # ولو أسلم حربي وتحته خمس نسوة أو أكثر ثم أسلمن معه، أو أختان، أو أم ~~وبنت بعقد واحد، بطل النكاح عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وإن كان بعقود ~~متفرقة بطل ms0768 نكاح الخامسة، والثانية من الأختين، وكذا الثانية من الأم ~~والبنت إن لم يكن دخل بها. وخيره محمد، كمالك، والشافعي، وزفر في تبقية أي ~~أربع شاء منهن، وإحدى الأختين شاء منهما، وإن كان العقد واحدا عين البنت ~~للإبقاء لصحة نكاحها وحرمة أمها بالعقد عليها، إلا أن يكون دخل بالأم ~~فحينئذ يفرق بينه وبينهما. لأن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشرة نسوة وأسلمن ~~معه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اختر منهن أربعا، وفارق سائرهن. وقيس ~~بن الحارث أسلم وتحته ثمان نسوة وأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يختار أربعا منهن. والضحاك بن فيروز الديلمي أسلم وتحته أختان، ~~فقال صلى الله عليه وسلم «اختر أيتهما شئت». # واستدل (أبو حنيفة) وأبو يوسف بقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} ~~والجمع بينهما نكاح حرام بهذا النص، وبنكاح الأولى ما حصل الجمع، (فوقع ~~صحيحا بحكم الإسلام، وبنكاح الثانية حصل الجمع إذ لا) سبب هنا سوى الجمع، ~~فتعين الفساد في نكاح من حصل الجمع بنكاحها، فإن نكاحها فاسد بحكم الإسلام ~~دون من لم يحصل بنكاحها الجمع. # وإن تزوجهما في عقد واحد، فالجمع حصل بهما، وليس إبطال نكاح إحداهما ~~بأولى من الأخرى، فيبطل نكاحهما. وكذلك في نكاح الخمس، الحرمة بسبب الجمع ~~بين ما زاد على الأربع، وإنما حصل ذلك بنكاح الخامسة، فصرف الفساد إليها ~~أولى. وإن وقع تزوجهن في عقد واحد، فالجمع حصل بهن جميعا. # --- PageV03P297 ~~*** # وأما الأحاديث التي رويت فقد قال مكحول: إن تلك الأحاديث كانت قبل نزول ~~الفرائض، يعني قبل نزول حرمة الجمع، فوقعت الأنكحة صحيحة مطلقا، ولما كانت ~~صحيحة في الأصل جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك مستثنى من تحريم الجمع. # (وكل الزوجات في القسم) بفتح القاف، أي المبيت عندهن للصحبة والمؤانسة لا ~~في المجامعة والمحبة (سواء) قيد بالزوجات، لأن السراري وأمهات الأولاد لا ~~حق لهن فيه. والاختيار في مقدار الدور للزوج، لأن المستحق لهن التسوية دون ~~طريقها، ولا فرق بين ذلك بين القديمة والجديدة، والثيب والبكر، والمسلمة ~~والكتابية، والصحيحة والمريضة، ms0769 والرتقاء والمجنونة التي لا يخاف منها، ~~والصغيرة التي يمكن وطؤها، والمحرمة، والمولى والمظاهر عنها. # قال الحاكم: والمجبوب والخصي والعنين في القسم سواء، وكذلك الغلام الذي ~~يحتلم وقد دخل بامرأته. (إلا المملوكة) مع الحرة بأن تزوجها ثم تزوج الحرة ~~(ولها نصف الحرة) سواء كانت قنا، أو مدبرة، أو مكاتبة، أو أم ولد، لما روى ~~عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في «مصنفيهما»، والدارقطني، والبيهقي في ~~«سننيهما»، عن علي أنه قال: إذا نكحت الحرة على الأمة فلهذه الثلثان، ولهذه الثلث. # --- PageV03P298 ~~*** # وقال مالك والشافعي وأحمد: إذا كانت الزوجة الجديدة ثيبا أقام عندها ~~ثلاثا، وإذا كانت بكرا أقام عندها سبعا، ثم يدور بالسوية بعد ذلك، لما في ~~مسلم، عن خالد، عن أبي قلابة عن أنس قال: إذا تزوج البكر على الثيب أقام ~~عندها سبعا، وإذا تزوج الثيب على المرأة أقام عندها ثلاثا. قال خالد: ولو ~~قلت رفعه لصدقت، ولكنه قال: السنة كذلك. ورواه ابن ماجه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «للثيب ثلاثا، وللبكر سبعا». وفي «صحيح مسلم»: عن أم ~~سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها أقام عندها ثلاثا، وقال ~~لها: «ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي». ~~ولأن القديمة قد ألفت صحبته، والجديدة لم تألف فيفضلها بزيادة الصحبة، ~~وللبكر زيادة نفرة عن الرجال، فيفضلها بسبع ليال. # ولنا إطلاق قوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ~~ذلك أدنى أن لا تعولوا} أي أن لا تجوروا، وقوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن ~~تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل} معناه لن تستطيعوا العدل ~~والتسوية في المحبة، فلا تميلوا في القسم. # وما روى أصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «من كان له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه ~~مائل». أي ساقط أو مفلوج. وما رواه أيضا عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل، ms0770 ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، ولا ~~تلمني فيما تملك ولا أملك». يعني القلب. وهذا مطلق كما ترى، ولأن القسم من ~~حقوق النكاح، وقد ثبت الاستواء في ذلك. والقديمة أولى بالتفضيل، لأن الوحشة ~~في جانبها أكثر حيث أدخل عليها من يغيظها. # --- PageV03P299 ~~*** # وفي «مختصر الطحاوي»: وإن كانت له زوجة واحدة حرة فطالبته بالواجب من ~~القسم من نفسه، كان عليه أن يقسم لها يوما وليلة، ثم يتصرف في أمور نفسه ~~ثلاثة أيام وثلاث ليالي (لأن له أن يتزوج عليها بثلاث حرائر). وإن كانت ~~زوجته هذه أمة والمسألة بحالها، كان لها من كل سبعة أيام ليلة، ومن كل سبع ~~ليال يوم، (لأن له أن يتزوج عليها بثلاث حرائر) فيكون لكل واحدة منهم من ~~القسم يومان وليلتان، ولها يوم وليلة. # روي أن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب وعنده كعب بن سور فقالت: يا أمير ~~المؤمنين إن زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه، فقال لها ~~عمر: نعم الرجل زوجك. فرددت كلامها أي كررت وعمر لا يزيدها على ذلك، فقال ~~كعب: يا أمير المؤمنين إنها تشكو زوجها في هجره فراشها، فقال له عمر: كما ~~فهمت إشارتها فاحكم بينهما، فأرسل إلى زوجها فجاء، فقال لها كعب: ما ~~تقولين؟ فقالت شعرا: # *يا أيها القاضي الحكيم أرشده ** ألهى خليلي عن فراشي مسجده # *زهده في مضجعي تعبده ** نهاره وليله ما يرقده* # *ولست في أمر النساء أحمده # فقال لزوجها ما تقول؟ فقال شعرا: # *زهدني في فرشها وفي الكلل ** أني امرء أذهلني ما قد نزل # * في سورة النمل وفي السبع الطول ** (وفي كتاب الله تخويف جلل) فقال له ~~كعب شعرا: # *إن لها عليك حقا يا رجل ** نصيبها في أربع لمن عقل* # *فأعطها ذاك ودع عنك العلل # فقال له عمر: من أين لك هذه؟ قال: لأن الله تعالى أباح للحر أربع زوجات، ~~فلكل واحدة يوم وليلة. فأعجب ذلك عمر، وجعله قاضي البصرة. والكلل بكسر ~~الكاف: جمع كلة بكسر وتشديد : وهي الستر الرقيق يخاط، كالبيت يتوقى فيه من ~~البق أي ms0771 البعوض. # --- PageV03P300 ~~*** # (ولا قسم في السفر) وهو مذهب مالك، لأن حقهن يسقط بالسفر، ولهذا كان له ~~أن لا يستصحب واحدة منهن. قيد بالسفر، لأن المرض منه أو منهن لا يسقط القسم ~~لما في السنن عن عائشة قالت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النساء ~~يعني في مرضه فاجتمعن، فقال: إني لا أستطيع أن أدور بينكن، فإن رأيتن أن ~~تأذن لي فأكون عند عائشة فعلتن» فأذن له. # (والقرعة أولى) تطييبا لقلوبهن وقال مالك والشافعي: واجبة، لما روى ~~الجماعة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا ~~أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها. # ولنا: أن القسم في الحضر لم يكن واجبا عليه صلى الله عليه وسلم فضلا عن ~~السفر، وإنما كان يقسم تفضلا عليهن وتطييبا لقلوبهن، لما في الصحيحين عن ~~ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة. قال ~~عطاء: هي صفية بنت حيي بن أخطب، ولقوله تعالى: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي ~~إليك من تشاء} وكان من يؤوي: عائشة، وأم سلمة، وزينب، وحفصة. ومن يرجي: ~~سودة، وجويرية، وأم حبيبة، وصفية، وميمونة. ذكره المنذري. # --- PageV03P301 ~~*** # (ويصح) للمرأة (ترك القسم) بأن تهب يومها لصاحبتها، لأن القسم حقها ولها ~~تركه، ولما في الصحيحين عن عائشة قالت: ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في ~~مسلاخها من سودة بنت زمعة، من امرأة فيها حدة، فلما كبرت قالت: يا رسول ~~الله قد جعلت يومي منك لعائشة. وكان صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومين: ~~يومها، ويوم سودة. وفي «سنن البيهقي» عن هشام بن عروة: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طلق سودة، فلما خرج إلى الصلاة أمسكت بثوبه وقالت: والله ~~مالي في الرجال من حاجة، ولكن أريد أن أحشر في أزواجك. قال: فراجعها، وجعل ~~يومها لعائشة. # (ويصح) للمرأة (الرجوع) فيم وهبت من قسمها، لأنها أسقطت حقا لم يجب بعد ~~فلا يكون ملزما، كالعارية يرجع فيها المعير متى شاء. ولو أقام رجل عند إحدى ms0772 ~~امرأتيه شهرا ولو في غير سفر ليس للأخرى مطالبته أن يقيم عندها شهرا. لأن ~~القسم لا يصير دينا في الذمة، ولكنه يأثم فيؤمر باستقبال العدل بينهما. ولو ~~عاد إلى الجور بعد نهي القاضي عزره. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. # كتاب الرضاع # بفتح الراء وبكسرها، وفعله كعلم، وفي لغة نجد كضرب. # --- PageV03P302 ~~*** # (يثبت بمصة) وهو مذهب جمهور العلماء، حكاه ابن المنذر عن علي، وابن ~~مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن، وابن المسيب، ومكحول، ~~والزهري، وقتادة، والحكم، وحماد، ومالك، والأوزاعي، (في حولين ونصف) فيكون ~~المجموع ثلاثين شهرا، وبه قال أبو حنيفة، وهو مختار صاحب «الهداية» لقوله ~~تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا}، وظاهر هذه الإضافة يقتضي أن يكون جميع ~~المذكور مدة لكل واحدة منهما، إلا أن الدليل قد قام على أن مدة الحبل لا ~~يكون أكثر من سنتين، فبقي مدة الفصال على ظاهره. وقال الله تعالى: {فإن ~~أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور} الآية، فاعتبر التراضي والتشاور في ~~الفصال بعد الحولين، وذلك دليل على جواز الإرضاع بعدهما. (فقط) قيد به لأن ~~الرضاع بعد الحولين ونصف لا يثبت به حرمة سواء فطم الصبي، أو لم يفطم عند ~~أبي حنيفة. # وقال زفر: في ثلاث سنين. وعند مالك: في سنتين وأيام. وقالت عائشة وداود: ~~يثبت به ولو بعد البلوغ. وقال أبو يوسف ومحمد: وبه يفتى، كما نص عليه في ~~«العيون»، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين، ومختار الطحاوي. ومذهب مالك ~~والشافعي: أن مدة الرضاع سنتان لظاهر قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} ولا زيادة بعد التمام والكمال، ~~وقوله تعالى: {وفصاله في عامين}، وقوله صلى الله عليه وسلم «لا رضاع بعد ~~الفصال». رواه عبد الرزاق عن علي مرفوعا وموقوفا. # --- PageV03P303 ~~*** # ورواه الطبراني بسنده عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ~~رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد حلم»، وقوله صلى الله عليه وسلم لا رضاع إلا ما ~~كان في الحولين» (رواه الدارقطني، ورواه ابن عدي في «الكامل» ولفظه: ~~«لايحرم ms0773 من الرضاع إلا ما كان في الحولين»)، ووافقه ابن أبي شيبة عن علي، ~~وابن مسعود، والدارقطني عن عمر قال: «لا رضاع إلا في حولين في الصغر». # وعامة أهل التفسير جعلوا الأجل المضروب للمدتين متوزعا عليهما. ويؤيده ما ~~روي أن رجلا تزوج امرأة فولدت لستة أشهر، فجيء بها إلى عثمان، فشاور في ~~رجمها، فقال ابن عباس: إن خاصمتكم بكتاب الله خصمتكم، قالوا: كيف؟ قال: إن ~~الله ليقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} وقال: {والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين}، وقال: {وفصاله في عامين} فحمله ستة أشهر وفصاله حولان، ~~فتركها عثمان. # (أمومة المرضعة) هذا فاعل يثبت (وأبوة زوج لبنها منه للرضيع) اللام ~~متعلقة ب:يثبت. وقيد الزوج بكون لبن المرضعة منه، لأن المرأة لو بانت من ~~رجل وهي ذات لبن منه، فتزوجت بآخر وأرضعت بذلك اللبن ولدا، لم يكن ولدا ~~للثاني من الرضاع، بل يكون ربيبة منه. حتى جاز لذلك الولد أن يتزوج بأولاد ~~الثاني من غيرها، كما في النسب. ولو فطم الصبي عن اللبن، واستغنى بالطعام ~~عنه، ثم أرضع في المدة فإنه يثبت به الحرمة في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة ~~لا يثبت، وقيل: لا يباح شربه. # --- PageV03P304 ~~*** # وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: لا يثبت الرضاع إلا بخمس رضعات، يكتفي الصبي ~~بكل واحدة منها، لما في «صحيح ابن حبان» عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تحرم المصة والمصتان، والإملاجة ~~والإملاجتان». والمصة فعل الرضيع، والإملاجة فعل المرضع وهو الإرضاع. ورواه ~~مسلم مفرقا في حديثين. وروى مسلم أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت: أنزل ~~في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخ من ذلك خمس، وصار إلى خمس رضعات، ~~فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك. # وروى مسلم أيضا من حديث أم الفضل بنت الحارث قالت: دخل أعرابي على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيتي فقال: يا رسول الله إني كانت لي امرأة ~~فتزوجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت الحدثى ms0774 رضعة أو رضعتين. ~~فقال رسول الله: «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان». # --- PageV03P305 ~~*** # ولنا إطلاق قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} ~~من غير تقييد بعدد، فاشتراطه فيه زيادة على النص، وهي لا تثبت بخبر الواحد. ~~وما في «الصحيحين» من حديث ابن عباس وعائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». فلفظ البخاري عن ابن عباس: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أريد على ابنة حمزة فقال: «إنها ابنة حمزة»، ~~فقال: «إنها ابنة لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، وإنه يحرم من ~~الرضاع ما يحرم من النسب». وروى الجماعة إلا ابن ماجه، عن عائشة رضي الله ~~تعالى عنها واللفظ لمسلم : «أن عمها من الرضاعة يسمى أفلح استأذن عليها ~~فحجبته، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: لا تحتجبي منه، ~~فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب». ولفظ الباقين: «ما يحرم من ~~الولادة». # وأما ما رواه الشافعي، فمدفوع بالكتاب كما تقدم، أو منسوخ بدليل ما روي ~~عن ابن عباس أنه سئل عن الرضاع، وقيل: إن الناس يقولون: لا تحرم الرضعة ولا ~~الرضعتان، فقال: كان ذلك، فأما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم. وقال ابن ~~مسعود: آل أمر الرضاع إلى أن قليله وكثيره يحرم. # (فيحرمان) أي المرأة التي أرضعت، والزوج الذي لبن الرضاع منه (مع قومهما) ~~وهو أصول المرأة التي أرضعت، وفروعها من ذلك الزوج أو غيره، وإخوتها، ~~وأخواتها، وإخوة أصولها وأخواتهم، وأصول الزوج، وفروعه من تلك المرأة أو ~~غيرها، وإخوته، وأخواته، وإخوة أصوله وأخواتهم (عليه) أي على الرضيع ~~(كالنسب) أي كما يحرم الأم والأب مع قومهما على الولد من النسب. # --- PageV03P306 ~~*** # (و) يحرم (فروعه) أي فروع الرضيع (والزوجان) أي زوجته إن كان ذكرا، ~~وزوجها إن كانت أنثى (عليهما) أي على أبيه وأمه من الرضاع. # (وتحل أخت أخيه) من الرضاع بأن يكون لرجل أخ من الرضاع له أخت من النسب، ~~فيحل لذلك الرجل أن يتزوج بتلك الأخت من النسب (كما في النسب) أي كما ms0775 تحل ~~أخت أخيه من النسب، بأن يكون لرجل أخ من أب له أخت من أم، فيحل لذلك الرجل ~~أن يتزوج بتلك الأخت من الأم. # (والاحتقان) مبتدأ، أي احتقان الرضيع (بلبن المرأة ولبن الرجل) نفسه إذا ~~شربه الرضيع (وما خلط بطعام) سواء طبخ أو لا، وسواء كان الطعام غالبا أو ~~مغلوبا (لا يحرم) خبر المبتدأ وما عطف عليه، أي لا تثبت الحرمة، أما ~~الاحتقان فلأنه ليس بغذاء، وفيه خلاف محمد لأنه يصل إلى الجوف، ولهذا يفسد ~~به الصوم. وأما لبن الرجل فلأنه ليس بلبن حقيقة. وأما المخلوط بالطعام، ~~فالمذكور هنا قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كان الخلط بغير الطبخ، وكان اللبن غالبا على ~~الطعام يحرم، كما إذا كان غالبا على الماء والدواء، لأن المغلوب مع الغالب ~~كالمعدوم. ولأبي حنيفة: أن المائع إذا خلط بغيره يصير تابعا له، لأن غير ~~المائع أشد استمساكا من المائع، فيصير المقصود وهو التغذي (بالطعام لا ~~باللبن. وقيل: لا تثبت به الحرمة عنده على كل حال، وإليه مال السرخسي، وهو ~~الأصح، لأن التغذي كان) بالطعام دون اللبن. # --- PageV03P307 ~~*** # (و) ما خلط (بغيره) أي بغير الطعام سواء كان ماء، أو دواء، أو لبن شاة أو ~~امرأة أخرى (تعتبر الغلبة) لأن المغلوب كالمعدوم مع الغالب. وحرم به مالك ~~والشافعي لأنه موجود فيه حقيقة، وفيه إشكال على قواعدنا أيضا من حيث إن مصة ~~واحدة تحرم، فأي فائدة في اعتبار الغالبية والمغلوبية. # (ويحرم الاستعاط) لأن به يصل اللبن إلى المعدة على وجه يحصل به الغذاء، ~~وهو مشتق من السعوط: وهو الدواء يصب في الأنف. (و) يحرم (لبن البكر) اتفاقا ~~(والميتة) وبه قال مالك، خلافا للشافعي. ولو ارتضع صبيان لبن بهيمة، لم يكن ~~ذلك رضاعا، لأن ثبوت الحرمة بطريق الكرامة، وذا مختص بلبن الآدمية. (وإن ~~أرضعت) امرأة رجل (ضرتها) حال كونها (رضيعة) بأن كان متزوجا صغيرة وكبيرة ~~فأرضعت الكبيرة الصغيرة (حرمتا) على الزوج لأنه يصير جامعا بين أم وبنتها ~~رضاعا، وهو حرام كالجمع بينهما نسبا. # (ولا مهر للكبيرة إن لم ms0776 توطأ) لأن الفرقة من قبلها قبل الدخول، إلا إذا ~~كانت الكبيرة مجنونة أو مكرهة أو نائمة فارتضعتها الصغيرة، كان لها نصف ~~المهر (وللرضيعة نصفه) لأن الفرقة قبل الدخول لا من قبلها. (ورجع الزوج به) ~~أي بنصف المهر الذي للصغيرة (على المرضعة) أي الكبيرة (إن قصدت الفساد) بأن ~~أرضعتها بلا حاجة عالمة بأنها منكوحة لزوجها، وأن إرضاعها مفسد لنكاحها. ~~ولو أخطأت أو أرادت الخير بأن خافت على الرضيع الهلاك من الجوع لم يرجع به ~~عليها. والقول في ذلك قولها إن لم يظهر منها تعمد الفساد، لأنه لا يعرف إلا ~~من جهتها. # ولو أرضعت امرأة الأب زوجة الابن حرمت عليه، لأنها تصير أخته لأبيه. ولو ~~أرضعت امرأة صغيرتين تحت رجل حرمتا عليه، ويرجع على المرأة إن تعمدت ~~الفساد. # --- PageV03P308 ~~*** # ويثبت الرضاع عندنا بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، وعند الشافعي يثبت ~~بشهادة أربع نسوة، وشهادة المرضعة إن لم تطلب أجرة. وعند مالك: يثبت برجل ~~وامرأة، وبامرأتين إن كان الرضاع فاشيا من قولهما قبل العقد، وإلا لم يثبت ~~على المشهور. وفي الواحدة فاشيا من قولها: له قولان. وفي انقراد أم أحد ~~الزوجين، أو أبيه له قولان. # ولو أقر رجل لامرأته، أو لأجنبية برضاع أم، بأن قال: هذه أختي، أو ابنتي، ~~أو أمي رضاعا، أو بنسب: بأن قال: هذه بنتي، أو أختي، أو أمي نسبا، ثم رجع ~~عن قوله ولو بعد عشر سنين أو أكثر فقال: أوهمت، أو أخطأت، أو نسيت وصدقته ~~المرأة صح رجوعه عندنا، وله أن يتزوجها إلا إذا ثبت عليه، بأن قال: هو حق ~~كما قلت، ثم تزوجها فإنه يفرق بينهما، وهذا استحسان. وفي القياس الجواب: في ~~الفصلين سواء، وبه قال مالك والشافعي، إذ الرجوع عن الإقرار باطل، والله ~~تعالى أعلم بالصواب. # كتاب الطلاق # اسم مصدر بمعنى التطليق كالسلام والكلام، ومنه قوله تعالى: {الطلاق ~~مرتان}، ومصدر من طلقت المرأة بالضم كالجمال من جمل، وبالفتح كالفساد من فسد. # وهو في اللغة: رفع القيد مطلقا. # وفي الشرع: رفع القيد الثابت شرعا بالنكاح. # قال صاحب «المحيط»: ms0777 المستعمل في المرأة لفظ التطليق، وفي غيرها لفظ ~~الإطلاق، ولهذا لو قال لامرأته: أنت مطلقة بتشديد اللام لا يحتاج إلى نية، ~~وبتخفيفها يحتاج إليها. وهو مملوك الزوج لقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} ~~ولقوله صلى الله عليه وسلم «الطلاق لمن أخذ بالساق» رواه ابن ماجه. ووصفه ~~أنه محظور نظرا إلى الأصل، ومباح نظرا إلى الحاجة. ولهذا قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «أبغض الحلال إلى الله الطلاق». # --- PageV03P309 ~~*** # (يقع) الطلاق (من مكلف) أي من كل زوج عاقل بالغ (فقط)، ولا يقع من المولى ~~والأب على امرأة عبده، وابنه، ولا من الصبي والمجنون، والمعتوه: وهو من كان ~~قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير، إلا أنه لا يضرب ولا يشتم ~~كالمجنون، وقيل: العاقل من يستقيم كلامه وأفعاله إلا نادرا، والمجنون ضده، ~~والمعتوه من يستوي ذلك منه. روى ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق في «مصنفيهما» ~~عن علي أنه قال: كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه. وروى ابن أبي شيبة عن ابن ~~عباس أنه قال: لا يجوز طلاق الصبي. وروى عبد الرزاق عن علي قال: لا يجوز ~~على الغلام طلاق حتى يحتلم. # وشمل قول المصنف: «من مكلف» الأخرس إذا أشار بالطلاق، لأن إشارته قائمة ~~مقام العبارة، ويعم المكره أيضا، وهو قول ابن عمر، والشعبي، والنخعي، ~~والزهري، وقتادة، وأبي قلابة، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، وشريح، لما روى ~~محمد بن الحسن بسنده، والعقيلي في كتابه من حديث الغازي بن جبلة، عن صفوان ~~بن عمران الطائي: أن رجلا كان نائما. فقامت امرأته فأخذت سكينا فجلست على ~~صدره فوضعت السكين على حلقه وقالت: لتطلقني أو لأذبحنك. فناشدها الله، فأبت ~~فطلقها ثلاثا. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال: «لا ~~قيلولة في الطلاق» أي لا إقالة. # ورواه أيضا عن صفوان الأصم الطائي، عن رجل من الصحابة: أن رجلا كان ~~نائما... الحديث. إلا أن أبا حاتم، والثوري جعل الغازي منكر الحديث في طلاق ~~المكره. قلنا: يتأيد بحديث حذيفة وابنه حين حلفهما المشركون، فقال صلى الله ~~عليه وسلم «نفي ms0778 لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم». فبين أن اليمين طوعا ~~وكرها سواء. # --- PageV03P310 ~~*** # فعلم أن لا تأثير للإكراه في نفي الحكم المتعلق بمجرد اللفظ عن اختيار ~~بخلاف البيع، لأن حكمه يتعلق باللفظ، أو ما يقوم مقامه مع الرضى، وهو منتف ~~بالإكراه. وروي أيضا عن عمر: أربع مبرمات مقفلات ليس فيهن رد يد: أي ~~النكاح، والطلاق، والعتاق، والصدقة. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يقع طلاق ~~المكره، وهو مروي عن عمر، وابنه، وعلي، وابن عباس، والزبير، وعمر بن عبد ~~العزيز، والحسن، والضحاك، وعطاء لما روى ابن حبان، وابن ماجه، والحاكم ~~وقال: على شرط الشيخين من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما أستكرهوا عليه». وأجيب بأن المراد ~~به إما حكم الدنيا، وإما حكم العقبى، والإجماع على أن المراد حكم الآخرة من ~~المؤاخذة، فلا يراد الآخر معه. # (ولو كان) المكلف (سكران) بخمر أو نبيذ بخلاف بنج وأفيون ودواء ولبن ~~الرماك وهي بالكسر: أنثى من الخيل، وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، ~~والشافعي، وكذا روي عن سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، والنخعي، وابن سيرين ~~، ومجاهد، والشعبي، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار. وروى ~~عنهم ابن أبي شيبة في «مصنفه». وقد أجاز عمر طلاق السكران بشهادة نسوة. ~~وأخرج ابن أبي شيبة عن عثمان: أنه كان لا يجيز طلاق السكران. وروي عن ابن ~~عباس، وبه قال القاسم بن محمد، وطاوس، وربيعة بن عبد الرحمن، والليث، وأبو ~~ثور، وإسحاق بن راهويه، وزفر، وهو مختار الكرخي، والطحاوي، ومحمد بن سلمة، ~~وهو أحد قولي الشافعي، ومختار المزني، وتوقف أحمد بن حنبل، فللمانعين لهم: ~~أن السكران ليس له قصد صحيح، فلا يقع طلاقه كالصبي والمجنون. # --- PageV03P311 ~~*** # ولنا: ما روى الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله». وقال: هذا ~~حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن عجلان، وهو ضعيف ذاهب الحديث. ~~ولا يخفى أن كونه ضعيفا عنده ms0779 لا يستلزم ضعفه عند غيره، بل يعتضد به. ولأن ~~السكران مكلف لقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ولهذا يجب عليه ~~القصاص، وحد القذف. # وطلاق المكلف واقع، والردة مبنية على الاعتقاد، فلم تصح من السكران لعدم ~~الاعتقاد منه. ولو أكره على شرب الخمر فقيل: لا يقع طلاقه، لأنه ليس ~~بمعصية، فصار كالإغماء. وقيل: يقع لأن السكر حصل بفعل محظور في الأصل، وهو ~~الأصح. وقال بعض المحققين: الأول حسن، وهو مختار فخر الإسلام وكثير من ~~مشايخنا، وهو قول مالك والشافعي. # (أو) كان (عبدا، لا من سيده) أي لا يقع الطلاق على العبد من سيده لما روى ~~ابن ماجه في «سننه» من طريق ابن لهيعة، والدارقطني من غيره. عن ابن عباس ~~قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله سيدي زوجني ~~بأمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~المنبر فقال: «يا أيها الناس، ما بال أحدكم يزوج عبده من أمته، ثم يريد أن ~~يفرق بينهما، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق». # --- PageV03P312 ~~*** # (و) الطلاق من (نائم) لأنه لا اختيار له أصلا فصار كالمجنون. وفي ~~«الخلاصة»: عن الإمام خواهر زاده: النائم إذا طلق امرأته في المنام فلما ~~استيقظ قال لامرأته: طلقتك في النوم لا يقع. أي لأنه إخبار لم يقصد به ~~الإنشاء. وكذا لو قال: أجزت ذلك الطلاق أي لعدم ثبوته في حقيقة الحال، ~~وإنما هو في عالم الخيال، بخلاف طلاق الفضولي. ولو قال: أوقعت ذلك الطلاق ~~يقع، أي بإيقاعه يقظة لا بطلاقه مناما. ولو قال: أوقعت ما تلفظت به حالة ~~النوم لا يقع، أي لعدم تلفظه حقيقة. # (وأحسنه) أي أحسن أنواع الطلاق (طلقة فقط) أي واحدة (في طهر لا وطء فيه) ~~أو في حمل استبان. قال محمد (في «الأصل»): بلغنا عن إبرهيم النخعي، عن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يستحبون أن لا يزيدوا في ~~الطلاق على واحدة حتى تنقضي العدة، وإن هذا أفضل عندهم من أن يطلق الرجل ~~ثلاثا، ms0780 عند كل طهر واحدة، ولأنه أبعد من الندامة حيث أبقى لنفسه مكنة ~~التدارك بالمراجعة في العدة، وبتجديد النكاح من غير تحلل بزوج آخر. # فإن قيل: كيف يكون الطلاق حسنا فضلا عن أن يكون أحسن، وقد روى أبو داود، ~~عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبغض الحلال إلى الله عز ~~وجل الطلاق»؟ أجيب: بأن الحسن في بعض أنواع الطلاق إنما هو بالنسبة إلى ~~البعض الآخر، وذلك لا ينافي كون الطلاق نفسه مبغضا. # --- PageV03P313 ~~*** # فإن قيل: هذا الحديث مشكل لأن كون الطلاق مبغضا إلى الله مناف لكونه ~~حلالا، إذ كونه مبعضا يقتضي رجحان تركه على فعله، بل يوجب وجوب تركه، وكونه ~~حلالا يقتضي مساواة تركه لفعله. أجيب: بأن المراد بالحلال هنا ليس ما استوى ~~فعله وتركه، بل ما ليس تركه بلازم، الشامل للمباح والواجب والمندوب ~~والمكروه. والأظهر أن يقال: الطلاق حلال في ذاته، وإنما يبغضه لما يترتب ~~عليه من انجراره إلى المعصية للزوجين، أو يقال: أبغض الحلال عند الحاجة ~~الطلاق من غيرضرورة. # (وحسنه وهو) المعروف بأنه (السني) فالأحسن أولى بأن يكون سنيا (طلقة) حال ~~كون الطلاق (لغير المدخول بها ولو في حيض) وقال زفر: يكره طلاقها في الحيض ~~كالمدخول بها. وعلماؤنا والشافعي لم يحصروا الطلاق السني في الطلقة ~~الواحدة، وحصره مالك فيها. ولذا قال: (و) حسنه حال كونه (للموطوءة تفريق ~~الثلاث) طلقات (في أطهار لا وطء فيها فيمن تحيض)، قيل: يؤخر الطلقة الأولى ~~إلى آخر الطهر كيلا تتضرر المرأة بتطويل العدة. وقيل: يطلقها عقيب الطهر ~~كيلا يبتلى بالإيقاع عقيب الوقاع. # (وأشهر) عطف على أطهار، أي وتفريق الثلاث في أشهر (في الصغيرة)، (و) كذا ~~في (الآيسة) لإقامة الشهر مقام الحيض في حكم عدتهما، (و) في (الحامل) لأنها ~~لا تحيض فكانت كالصغيرة والآيسة في حق إيقاع الطلاق ابتداء، وفي حق تفريقه. ~~(ولو بعد الوطء) فيهن، لأن كراهة طلاق ذوات الحيض في الطهر بعد الوطء لتوهم ~~الحبل واشتباه العدة، وهذا غير موجود هنا. وقال محمد وزفر: لا تطلق الحامل ~~للسنة إلا واحدة، ms0781 لأن الشهر في حقها ليس من فصول العدة، فصار كالممتد طهرها. # --- PageV03P314 ~~*** # (وبدعيه) أي بدعي الطلاق (واحدة في طهر وطئت فيه أو) في (حيض موطوءة) أي ~~مدخول بها. لأن المبيح للطلاق هو الحاجة إلى التخلص عن النكاح، فإن وجد ~~دليل الحاجة لا يكره ويكون سنيا، وإن لم يوجد دليلها كره ويكون بدعيا. ~~ورغبة الرجل في المرأة تقل بعد وطئها وفي حيضها، فإذا طلقها بعد الوطء، أو ~~في الحيض، لم يوجد دليل الحاجة إلى طلاقها، لاحتمال أن يكون ذلك لنفرته ~~عنها لا للحاجة للتخلص عن نكاحها. قيد بالموطوءة لأن غيرها يطلق للسنة في ~~حالة الحيض كما تقدم. # وحاصله: أنا مع مالك نجعل الطلاق الثلاث بلفظ واحد أو بألفاظ في طهر ~~واحد، وكذا الثنتين في طهر واحد أو بكلمة بدعيا، كطلاق الموطوءة حائضا، ~~فإنه بدعي اتفاقا لما روينا. وقال الشافعي: ليس في الجمع بكلمة ولا في ~~التفريق سنة، لأن الطلاق تصرف مشروع بدلالة وقوعه، وقيام دليل المشروعية ~~وهو أمر الله به ومتى كان مشروعا لا يكون ممنوعا للتنافي بينهما. وهذا لأن ~~أدنى درجات المشروع أن يكون مباحا في نفسه، وبين كونه مباحا ومحظورا ~~منافاة، بخلاف الطلاق في حالة الحيض لأنه مباح له في الأصل لكونه مأمورا به ~~مطلقا، والحرمة لعارض تطويل العدة عليها، وبخلاف ما لو طلقها في طهر جامعها ~~فيه لأنه يؤدي إلى تلبيس أمر العدة عليها، لأنها لا تدري أنها حامل فتعتد ~~بوضع الحمل، أو حائل فتعتد بالأقراء، وذلك منعدم إذا طلقها في طهر لم ~~يجامعها فيه، سواء أوقع الثلاث أو واحدة. وهذا معنى قولهم: هذا طلاق صادف ~~زمان الاجتناب مع زوال الارتياب. # --- PageV03P315 ~~*** # وحجتنا في ذلك قوله تعالى: {الطلاق مرتان} معناه دفعتان، لقولهم: أعطيته ~~مرتين، وضربته مرتين. والألف واللام للجنس، فيقتضي أن يكون كل الطلاق ~~المباح في دفعتين، ودفعة ثالثة في قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له}، أو ~~في قوله تعالى: {أو تسريح بإحسان} على حسب ما اختلف فيه أهل التفسير. وحديث ~~محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله صلى ms0782 الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ~~ثلاثا جميعا، فقام غضبان فقال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟» حتى ~~قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟. رواه النسائي والسرخسي. # واللعب بكتاب الله: ترك العمل به. فدل أن موقع الثلاث جملة مخالف للعمل ~~بما في كتاب الله، وأن المراد في قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} تفريق ~~الطلاق على عدد أقراء العدة، ألا ترى أنه خاطب الزوج بالأمر بإحصاء العدة، ~~وفائدة التفريق، فإنه تعالى قال: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} أي ~~يبدو له فيراجعها، وذلك عند التفريق لا عند الجمع. # وحديث عبادة بن الصامت أن أباه طلق امرأة له ألف تطليقة، فانطلق عبادة ~~فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بانت بثلاث في معصية الله، وبقي ~~تسع مئة وسبعة وتسعون عدوانا وظلما إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له». ~~أسنده عبد الرزاق. وفي «المبسوط»: وقد روي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن ~~عباس وابن عمر وأبي هريرة وعمران بن حصين: كراهية إيقاع الثلاث بألفاظ ~~مختلفة. وقال الكرخي: لا أعرف بين أهل العلم خلافا أن إيقاع الثلاث بألفاظ ~~جملة مكروه، إلا قول ابن سيرين، وقوله ليس بحجة. # --- PageV03P316 ~~*** # هذا، والطلاق البائن أيضا مكروه عندنا في ظاهر الرواية، لأنه لا يحتاج ~~إلى صفة البينونة في الخلاص، مع تفويت مكنة المراجعة من غير تزوج ثان تحصل ~~له أم لا فيوجب الندامة. ولا يكره الخلع في زمان الحيض، لأنه قد يحتاج فيه ~~إلى المفاداة، وقد قال تعالى: {ولا جناح عليهما فيما افتدت به}. # (وما فوقها) معطوف على قوله: واحدة، أي فوق الواحدة، سواء كانت ثنتين أو ~~ثلاثا، جملة أو مفرقا (بلا رجعة) وبلا تجديد تزوج، (بينه) أي بين ما فوق ~~الواحدة من الثنتين والثلاث (في طهر) ظرف لرجعة، لأنه صلى الله عليه وسلم ~~أمر ابن عمر بالتفريق، والإيقاع جملة يضاده، فيكون مفوتا للمأمور به، فيكون ~~بدعة. قيد بعدم الرجعة لأنها لو تخللت بين التطليقتين في طهر لا يكون ~~الطلاق بدعيا عند أبي ms0783 حنيفة، ويكون بدعيا عندهما. وقيدنا بعدم تجديد ~~التزوج، لأن التزوج لو تخلل بين التطليقتين لا يكون بدعيا باتفاق. # (ويرجع) استحبابا كما قال القدوري، ووجوبا في الأصح، عملا بحقيقة الأمر، ~~ودفعا للمعصية بالقدر الممكن، ودفعا للضرر عن المرأة بتطويل العدة (إن طلق ~~في الحيض فإذا طهرت طلق إن شاء) هكذا ذكره الطحاوي: أنه يطلقها في الطهر ~~الذي يلي الحيضة التي طلقها فيها. وذكر محمد في «الأصل»: أنها إذا طهرت من ~~حيضة أخرى يطلقها قبل الجماع إن شاء. # قال الكرخي: ما ذكره الطحاوي قول أبي حنيفة، وما في «الأصل» قولهما. # --- PageV03P317 ~~*** # وجه ما ذكره الطحاوي ما رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ~~ماجه، وأحمد، والطحاوي عن سالم، عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ~~ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مره فليراجعها، ثم ليطلقها إذا ~~طهرت، أو وهي حامل». قال الطحاوي: أكثر الروايات عن ابن عمر أنه صلى الله ~~عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر. # ووجه ما في «الأصل» ما في الكتب الستة، عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي ~~حائض، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مره فليراجعها ثم ~~ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل ~~أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله». أي في قوله: {فطلقوهن لعدتهن}. # وفي لفظ في «الصحيحين» قال: طلقت امرأتي وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مره فليراجعها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى ~~حيضتها التي طلقها فيها، فإن بدا له أن يطلقها طاهرا من حيضها قبل أن ~~يمسها، فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله». # --- PageV03P318 ~~*** # (وطلاق الحرة ثلاثة والأمة ثنتان، ولو) كان (زوجهما خلافهما) بأن كان زوج ~~الحرة عبدا، وزوج الأمة حرا، فعندنا يعتبر عدد الطلاق بالنساء، وهو قول ~~الثوري وأحمد وإسحاق، وهو مروي عن علي ابن مسعود. وعند مالك والشافعي ~~بالرجال لما روى مالك في «الموطأ»، والشافعي في «مسنده» عنه عن أبي الزناد، ~~عن سليمان ms0784 بن يسار، أن نفيعا مكاتبا كان لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو عبدا أي غير مكاتب كانت تحته امرأة حرة فطلقها ثنتين، ثم أراد أن ~~يراجعها، فأمره أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي عثمان بن عفان ~~فيسأله عن ذلك، فلقيه عند الدرج آخذا بيد زيد بن ثابت، فسألهما فابتدراه ~~جميعا فقالا: حرمت عليك، حرمت عليك. # وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن عثمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس أنهم ~~قالوا: الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء. وقد يؤول على تقدير ثبوته مرفوعا ~~أن إيقاعه بالرجال دون عدده. وأما ما ذكره صاحب «الهداية» من قوله صلى الله ~~عليه وسلم «الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء». فرفعه غير معروف. # ولنا إطلاق ما روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن عائشة قالت: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان». وفي ~~رواية: «قرآن». ورواه ابن ماجه من حديث ابن عمر، والحاكم من حديث ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا الدارقطني، وقال الترمذي: حديث غريب ~~والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم. ~~ووجه غرابته قوله: لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ولا نعرف له ~~في العلم غير هذا الحديث. # --- PageV03P319 ~~*** # قلنا: أخرج له ابن عدي في «الكامل» حديثا آخر رواه عن المقبري، عن أبي ~~هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات في كل ليلة من ~~آخر آل عمران. # فإن قيل: قد ضعفه ابن معين، وأبو حاتم، والبخاري. قلنا: قد وثقه ابن ~~حبان، وأخرج الحاكم حديثه هذا عن القاسم، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم «طلاق الأمة ثنتان ، وقرؤها حيضتان». ثم قال: مظاهر بن أسلم شيخ ~~من أهل البصرة لم يذكره أحد من متقدمي مشايخنا بجرح. فإذا الحديث صحيح، ولم ~~يخرجاه. ومما يصححه أيضا عمل العلماء على وفقه من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وغيرهم. # وفي «سنن الدارقطني»: قال ms0785 القاسم: عمل بها المسلمون، وهذا إجماع. وقال ~~مالك: شهرة الحديث بالمدينة تغني صحة سنده، كذا ذكره الزيلعي في «شرح ~~الكنز». فإن قيل: المراد بالحديث الأمة التي تحت العبد. أجيب عدة الأمة لا ~~تختلف بالحر والعبد؛ فالتقييد في حق الطلاق يوجب التقييد في حق العدة، ولم ~~يقل به أحد فكان باطلا. وأما ما روى الشافعي عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن ~~عبد الرحمن مولى أبي طلحة عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عيينة، عن ~~عمر قال: ينكح العبد امرأتين ويطلق تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين. فليس من ~~أدلتنا كما توهمه الشارح على ما لا يخفى. نعم، في قوله: وتعتد الأمة حيضتين ~~استدلال لنا. # وبيانه ما أفحم به عيسى بن أبان بن صدقة الشافعي فقال: أيها الفقيه إذا ~~ملك الحر على الأمة ثلاث تطليقات كيف يطلقها للسنة؟ فقال: يوقع عليها ~~واحدة، فإذا حاضت وطهرت أوقع أخرى، فلما أراد أن يقول: فإذا حاضت وطهرت، ~~قال: أمسك حسبك، فإن عدتها قد انقضت بالحيضتين، فلما تحير رجع فقال: ليس في ~~الجمع بدعة ولا في التفريق سنة. # --- PageV03P320 ~~*** # (وصريحه) أي صريح الطلاق (ما استعمل فيه دون غيره مثل: أنت طالق ومطلقة) ~~بتشديد اللام المفتوحة (وطلقتك) ولا يحتاج إلى نية الطلاق عن النكاح بإجماع ~~الفقهاء إلا داود. فلو نوى بشيء من ذلك الطلاق عن القيد لا يصدق قضاء، لأنه ~~خلاف الظاهر، ويصدق ديانة لاحتمال كلامه ذلك. # (وتقع به) أي بالصريح واحدة (رجعية أبدا) سواء لم ينو شيئا أو نوى واحدة ~~بائنة، أو أكثر. # أما وقوع الرجعة بالصريح فلقوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} فأثبت الرجعة بعد الطلاق الصريح. وأما عدم احتماله نية ~~الثنتين والثلاث، فلأنه صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر أن يراجع امرأته، ~~ولم يستفسره أنه نوى الثلاث أم لا، ولو كان الصريح يحتمل النية لاستفسره. # وقال مالك والشافعي وزفر: يحتمل الصريح النية لأنه أقوى من الكتابة، وهي ~~تحتملها فكذا هو، وهو قول أبي حنيفة الأول ، لأنه إذا صح نية الثلاث ms0786 في ~~قوله: أنت بائن، فلأن يصح في قوله: أنت طالق أولى. # ولنا أنه نوى ما لا يحتمله لفظه، فلا يعمل بنيته فتلغى، لأنه قصد باللفظ ~~تجيز ما علقه الشرع (بانقضاء العدة) عند وجوده بقوله تعالى: {إذا طلقتم ~~النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف}، والإجماع على ذلك، ~~فيرد عليه قصده لاستعجاله ما أخره الشرع. # --- PageV03P321 ~~*** # (وإن ذكر المصدر) بأن قال: أنت الطلاق، أو أنت طالق الطلاق، أو أنت طالق ~~طلاقا أو أنت طلاق، خلافا للطحاوي في هذه المسألة من حيث العدد (فثلاث) ~~للحرة (إن نواها وإلا) أي وإن لم ينو الثلاث سواء لم ينو شيئا أو نوى ثنتين ~~(فرجعية) أما وقوع الطلاق بالمصدر فلأنه يذكر بمعنى طالق أو ذو طلاق، كعدل ~~بمعنى عادل، أو ذو عدل، أو مبالغة كرجل عدل. # وأما صحة نية الثلاث للحرة دون الثنتين فلأن المصدر جنس يقع على الواحد ~~ويحتمل الكل، فإذا لم ينو شيئا حمل على المتيقن منه، وهو الواحد الحقيقي، ~~وإن نوى الثلاث صحت النية لأنها كل الطلاق، وهو واحد اعتباري، وإن نوى ~~الثنتين لا يصح، لأنه عدد ليس بواحد حقيقي ولا اعتباري إلا إذا كانت الزوجة ~~أمة، لأن الثنتين كل الطلاق في حقها كالثلاث في الحرة. ولا يبعد أن يعتبر ~~الثلاث، ويكون الثالث في حقها لغوا كما إذا قال لحرة: أنت طالق أربعا. # (وصح إضافة الطلاق إلى كلها) أي جملتها، كأنت طالق (وإلى ما) أي بعض منها ~~(يعبر به عن الكل كرأسك) هو بالرفع على الحكاية، أي كقوله: رأسك طالق (أو ~~رقبتك) وكذا عنقك (أو روحك) وكذا نفسك (أو وجهك أو فرجك) وكذا بدنك وجسدك، ~~لأن الطلاق يقع بإضافته إلى كلها، فكذلك يقع بإضافته إلى شيء يعبر به عنه. ~~أما الرأس فإنه يقال: أعتق فلان كذا رأسا أي ذاتا. وما دام رأسك سالما أي ~~ذاتك. وأما الرقبة والعنق فلقوله تعالى: {فتحرير رقبة} أي فتحرير مملوك، ~~وقوله تعالى: {فظلت أعناقهم لها خاضعين} وأريد به الذوات، ولو أريد بها ~~حقيقة العنق لقيل: خاضعة. وأما الروح ms0787 فلأنه يقال: هلكت روحه، ويراد به ~~نفسه. وأما البدن والجسد والنفس فظاهر. # --- PageV03P322 ~~*** # وأما الوجه فلقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه}، وقوله سبحانه: {ويبقى ~~وجه ربك} أي ذاته الكريمة. وأما الفرج، فلما يروى: لعن الله الفروج على ~~السروج، أي ذوات الفروج من النساء، كذا ذكره صاحب «الهداية»، وهو غير معروف ~~بهذا اللفظ. وقد روى أحمد عن ابن عباس: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذوات الفروج أن يركبن على السروج». # (و) صح إضافة الطلاق (إلى جزء) من المرأة (شائع كنصفك) أو ربعك، أو ثلثك، ~~أو جزء من ألف جزء منك، لأن المرأة لا تحتمل التجزىء في حكم الطلاق، وذكر ~~بعض ما لا يتجزأ كذكر كله (لا إلى اليد) أي لا يصح إضافة الطلاق إلى جزء ~~غير شائع لا يعبر به عن الكل كاليد. فإن قيل: اليد يعبر بها عن الكل قال ~~تعالى: {تبت يدا أبي لهب} أي نفسه {وذلك بما قدمت أيديكم} أي أنفسكم. أجيب ~~بأنه غير متعارف حتى لو كان متعارفا عند قوم هو أو أي عضو كان، يقع الطلاق. ~~(و) لا إلى (الرجل) وكذا الدبر. # (و) لا إلى (الظهر، و) لا إلى (البطن) في الأظهر فيهما وقال بعض المشايخ: ~~يصح إضافة الطلاق إليهما. وقال زفر وهو قول مالك والشافعي : يصح إضافته ~~إلى ذلك كله. وعلى هذا الخلاف العتاق والظهار والإيلاء والعفو عن القصاص. ~~لهم: أن الجزء المعين مستمتع به بعد النكاح، فتصح إضافة الطلاق إليه، ~~كالجزء الشائع، والجزء الذي يعبر به عن جميع البدن. ولنا: أنه إضافة الطلاق ~~إلى غير محله فلا يقع، كما لو (أضاف إلى البزاق أو الظفر. ولهذا لو أضاف ~~النكاح إلى اليد لا ينعقد، ولو أضافه إلى جزء) يعبر به عن الكل، ينعقد. # --- PageV03P323 ~~*** # (وبعض الطلقة طلقة) لأن ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله، صيانة لكلام ~~العاقل عن الإلغاء (واثنان في اثنين اثنان) سواء نوى الظرف أو الضرب. وقال ~~زفر والحسن بن زياد: إن نوى الضرب يقع ثلاثا لعرف الحساب، وهو قول مالك ms0788 ~~والشافعي. (وتصح نية «مع») ونية الواو، ويقع الثلاث دخل بها أو لم يدخل، ~~لأن كلمة «في» تأتي بمعنى مع كقوله تعالى: {فادخلي في عبادي}، قال بعض أهل ~~التأويل: أي مع عبادي، وقوله سبحانه: {ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة} ~~ولأن الظرف يقارن المظروف ويتصل به، كما أن المعطوف يقارن المعطوف عليه ~~ويتصل به، وفيه تشديد عليه فتصح نيته. # (وابتداء الغاية يدخل) في الطلاق والإقرار عند أبي حنيفة (لا انتهاؤها)، ~~وقال أبو يوسف ومحمد: يدخل ابتداؤها وانتهاؤها. وقال زفر: لا يدخل ابتداؤها ~~ولا انتهاؤها. (وما بين) إذا ذكر بعدها غاية (ك: من) في ابتداء الغاية. ~~قيدنا بما تقدم، لأنه لو قال: أنت طالق ما بين واحدة وثلاث يقع واحدة، يروى ~~ذلك عن أبي يوسف. # لزفر أنه لو قال: بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط، لا يدخل الحائطان ~~فكذا ههنا. ولهما: أن مثل هذا الكلام يراد به الكل، نحو: خذ من مالي من ~~درهم إلى مئة. ولأبي حنيفة: أنه يراد به الأكثر من الأقل، والأقل من ~~الأكثر. يعني أنه متجاوز عن الأقل، ولم يصل إلى الأكثر نحو: سني من ستين ~~إلى سبعين، أو ما بين ستين إلى سبعين. وروي أن أبا حنيفة رضي الله تعالى ~~عنه قال لزفر: كم سنك؟ فقال: سني ما بين ستين إلى سبعين. قال: فأنت إذا ابن ~~تسع فتحير. # --- PageV03P324 ~~*** # فلو قال: أنت طالق من واحدة إلى ثنتين، أو ما بين واحدة إلى ثنتين، يقع ~~واحدة عند أبي حنيفة، وثنتان عندهما، ولا يقع شيء عند زفر. ولو قال: من ~~واحدة، أو ما بين واحدة إلى ثلاث، يقع ثنتان عند أبي حنيفة وإن نوى واحدة ~~صدق ديانة لا قضاء وثلاث عندهما، وواحدة عند زفر. # (وأنت طالق في مكة) أو بمكة، أو في الدار، وإن لم يكن في مكة ولا الدار، ~~وكذا في الشمس والظل، وفي ثوب كذا، وكذا إذا قال: أنت طالق مريضة (تنجيز) ~~أي تطليق في الحال، لأن الطلاق لا اختصاص له بمكان أو ظرف أو وصف دون ms0789 آخر، ~~لأن المطلقة في مكان أو ظرف أو وصف مطلقة في غيره. ولو قال: أردت في دخولك ~~مكة مثلا، صدق ديانة لا قضاء. # ومعنى قولهم صدق ديانة: أنه لو استفتى المفتي يفتى على وفق ما نوى. ومعنى ~~قولهم: لا يصدق قضاء: أنه لو رفع إلى القاضي يحكم عليه بظاهر كلامه ولا ~~يعلتفت إلى ما نوى لمكان التهمة. # (وفي دخولك مكة) كما إذا دخلت مكة، وفي لبسك ثوبا كذا، أو في مرضك أو في ~~صلاتك (تعليق) فلا تطلق حتى يوجد ذلك الفعل. لأن كلمة «في» تدخل على الظرف، ~~والفعل هنا وهو الطلاق غير صالح للظرفية، فيحمل على المصاحبة كما في قوله ~~تعالى: {فادخلي في عبادي}، أو على معنى الشرط مجازا لمناسبة بينهما، وهي أن ~~الظرف سابق على المظروف، كما أن الشرط سابق على المشروط. ولو قال: أنت طالق ~~إلى الشتاء، أو إلى رأس الشهر، يقع في الحال عند أبي يوسف، وفي انتهاء ~~الشتاء أو الشهر عندهما. وإن نوى التنجيز يقع في الحال اتفاقا. # --- PageV03P325 ~~*** # (ويقع) الطلاق (عند الفجر في: أنت طالق غدا أو في غد) لأنه وصفها بالطلاق ~~بالغد، فيقع في أول جزء منه، وهو طلوع الفجر من اليوم الثاني، وهو قول ~~الشافعي. وقال مالك: يقع في الحال اعتبارا له بإضافته إلى المكان. قلنا: ~~اعتباره بالشرط أولى لكونه معدوما في الحال، ويوجد في المآل. # (ولا تصح) عند أبي حنيفة (نية العصر) مثلا (في الثاني فقط) وعندهما: لا ~~تصح في الثاني كما لا تصح في الأول، وهذا في القضاء. وأما في الديانة فتصح ~~نية العصر في المسألتين عند الجميع. ولأبي حنيفة أن غدا يقتضي الاستيعاب ~~نحو: لأصومن عمري ودهري، وسرت فرسخا وانتظرت يوما، فإذا نوى البعض كان ~~مجازا، فلا يصدق قضاء إذا كان فيه تخفيف له، وفي غد لا يقتضي الاستيعاب ~~نحو: لأصومن في عمري وفي دهري، وسرت في فرسخ، وانتظرت في يوم. وإنما وقع ~~الطلاق في الجزء الأول لضرورة عدم المزاحم، فإذا عين آخر النهار كان ~~التعيين القصدي أولى من الضروري. # وفي ms0790 «الأصل»: ولو قال: أنت طالق في رمضان، تطلق حين تغيب الشمس من آخر ~~يوم من شعبان، لأنه حينئذ يوجد الجزء الأول من رمضان. ولو نوى آخر رمضان، ~~فهو على الخلاف المتقدم. # (ويقع) الطلاق (الآن) أي في الحال (في: أنت طالق أمس) إن نكح فيه أو ~~قبله، لأنه أضاف الطلاق في الحال مستندا إلى أمس، وهو يملك الطلاق في ~~الحال، ولا يملك الاستناد إلى أمس، فيقع ما يملكه، ويلغو ما لا يملكه. (وإن ~~نكح بعده) أي بعد أمس (فلغو) لأنه أسند الطلاق إلى زمان لا يملك فيه ~~إيقاعه، فلا يقع. كما لو قال: أنت طالق قبل أن أتزوجك، أو قبل أن تولدي، أو ~~وأنا صبي، أو نائم. # --- PageV03P326 ~~*** # وفي «الجامع الكبير»: ولو قال: أنت طالق قبل أن أتزوجك إذا تزوجتك، أو ~~أنت طالق إذا تزوجتك قبل أن أتزوجك، يقع الطلاق عند وجود التزوج بالاتفاق. ~~ولو قال: إذا تزوجتك فأنت طالق قبل أن أتزوجك، لا يقع الطلاق عند أبي حنيفة ~~ومحمد، ويقع عند أبي يوسف، لأن الطلاق إذا أضيف إلى وقتين أحدهما يقبله ~~والآخر لا يقبله، (صح ما يقبله) وبطل ما لا يقبله. ولهما: أن ذكر الفاء رجح ~~جهة الشرطية، والمعلق بالشرط كالمنجز عند وجوده، فصار كأنه قال: عند التزوج ~~أنت طالق قبل أن أتزوجك، فلا يقع. # (ويقع) الطلاق (آخر العمر) أي في آخر عمر الزوج أو الزوجة بأن يبقى منه ~~ما لا يسع صيغة التطليق (في: أنت طالق إن لم أطلقك) لأنه جعل الشرط عدم ~~الطلاق، وهو لا يتحقق إلا باليأس من الحياة، ثم إن مات الزوج لها الميراث ~~إن كان مدخولا بها، رجعيا كان الطلاق أو بائنا، ولا ميراث لها إن كانت غير ~~مدخول بها. وهي مسألة الفار. وإن ماتت هي لا يرثها الزوج إن كان قبل الدخول ~~أو كان ثلاثا. # (ويقع) الطلاق (حالا في:) أنت طالق (متى لم أطلقك) أو متى ما لم أطلقك ~~(وسكت)، لأنه أضاف الطلاق إلى زمان خال عن التطليق، وقد وجد. وكذا يقع حالا ~~في: أنت ms0791 طالق ما لم أطلقك، لأن كلمة «ما» تكون للوقت كقوله تعالى حكاية عن ~~عيسى عليه السلام {ما دمت حيا} والشرط كقوله تعالى: {ما يفتح الله للناس من ~~رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} وهي هنا للوقت، لأن ~~التطليق لا بد له من الوقت. # --- PageV03P327 ~~*** # ولو قال: حين لم أطلقك أو زمان لم أطلقك، أو حيث لم أطلقك، ولا نية له ~~وسكت، يقع حالا. ولو قال: زمان لا أطلقك، أو حين لا أطلقك لم تطلق حتى يمضي ~~ستة أشهر. لأن كلمة «لم» لقلب المضارع إلى الماضي ونفيه، فإذا سكت وجد زمان ~~لم يطلقها فيه. وكلمة «حيث» اسم للمكان، وكم من مكان لم يطلقها فيه فوجد ~~الشرط. وكلمة «لا» للاستقبال، فلا تقع للحال. # وإنما قدرنا بستة أشهر لأنه أوسط استعمال الحين، لأنه استعمل في الساعة، ~~كقوله تعالى: {حين تمسون}، وفي ستة أشهر كقوله تعالى: {تؤتي أكلها كل حين}، ~~وفي أربعين سنة، كقوله تعالى: {حين من الدهر} فيما روي عن ابن عباس. ~~والزمان كالحين لأنهما في الاستعمال سواء. وإنما قال: وسكت، لأنه لو لم ~~يسكت بل قال: أنت طالق موصولا بقوله: أنت طالق متى لم أطلقك، فإنه لا يقع ~~بقوله: أنت طالق متى لم أطلق شيء، وإنما يقع بالموصول به وهو أنت طالق. # وقال زفر: يقع في هذه الصورة تطليقتان. وفيما لو قال: أنت طالق ثلاثا ما ~~لم أطلقك أنت طالق، يقع ثلاثا، لأنه أضاف الطلاق إلى زمان خال عنه، وقد وجد ~~زمان لطيف، وهو وقت قوله: أنت طالق قبل أن يفرغ منه. ولنا: وهو وجه ~~الاستحسان أن قوله أنت طالق هو زمان البر، وزمان البر لا يدخل في اليمين. ~~ويوضحه: أن البر مراد الحالف، ولا يتأتى له البر إلا بعد أن يجعل هذا القدر ~~مستثنى، وما لا يستطيع الامتناع عنه يجعل عفوا. وأصل المسألة فيما إذا قال: ~~إن ركبت هذه الدابة وهو راكبها، فأخذ في النزول في الحال، حيث لا يحنث ~~عندهم، ويحنث عند زفر. # --- PageV03P328 ~~*** # (وفي إذا) بأن ms0792 قال: أنت طالق إذا لم أطلقك، أو إذا ما لم أطلقك (ينوى) ~~بتشديد الواو المفتوحة، أي يسأل عن نيته ويعمل بما في طويته، فإن قال: نويت ~~الظرف وهو الوقت يقع الطلاق في الحال، وإن قال: نويت الشرط يقع في آخر ~~العمر، لأن لفظ «إذا» يحتملهما لاستعماله فيهما. (فإن لم ينو) شيئا (فك: ~~«إن» عند أبي حنيفة) لا يقع الطلاق إلا آخر العمر. وبه قال الشافعي، وفي ~~قول أحمد. وك: متى عند أبي يوسف ومحمد، فيقع الطلاق حين سكت، وبه قال مالك، ~~والشافعي في الأصح، وأحمد في رواية. لأن كلمة «إذا» لا تكون شرطا إلا في ~~الشعر كما هو مذهب البصريين من النحاة، ومنه قول القائل: # *واستغن ما أغناك ربك بالغنى ** وإذا تصبك خصاصة فتجمل # ولهذا لو قال: إذا شئت فأنت طالق، لا يخرج الأمر من يدها بالقيام عن ~~المجلس، كما لو قال: متى شئت، بخلاف إن شئت. ولأبي حنيفة أن «إذا» قد تكون ~~للشرط كما هو مذهب الكوفيين، فإذا كانت هنا للشرط لا تطلق المرأة في الحال، ~~وإن كانت للوقت تطلق فيه. فوقع الشك في الطلاق في الحال، فلا تطلق فيه. ~~وإنما لم يخرج الأمر من يدها بالقيام من المجلس في قوله: إذا شئت، لأن ~~الأمر صار في يدها بيقين، فلا يخرج بالشك. # --- PageV03P329 ~~*** # (واليوم للنهار) وهو من طلوع الشمس إلى الغروب، وهذا هو المعنى العرفي. ~~وأما الشرعي فهو من طلوع الصبح الصادق إلى غروب جرم الشمس، وكل منهما ~~حقيقي. ومعناه المجازي هو مطلق الوقت. (مع فعل ممتد)، وفي نسخة: يمتد. وهو ~~ما يقبل التوقيت (كأمرك بيدك يوم يقدم زيد) فإن الأمر باليد ممتد لقبوله ~~التوقيت. وفي «شرح الوقاية»: أن المراد بالامتداد امتداد يمكن أن يستوعب ~~النهار لا مطلق الامتداد، لأنهم جعلوا التكلم من قبيل غير الممتد، ولا شك ~~أن التكلم قد يمتد زمانا طويلا، لكن لا يمتد بحيث يستوعب النهار. # (وللوقت المطلق مع فعل لا يمتد، كأنت طالق يوم يقدم زيد) لأن اليوم يطلق ~~ويراد به النهار، كما في قوله ms0793 تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} ~~ويطلق ويراد به الوقت كما في قوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره} بدليل أن ~~من فر من الزحف ليلا أو نهارا يستحق الوعيد، وكما في قول الشاعر: # * # *فيوم علينا ويوم لنا # يراد مطلق الوقت، ومنه قوله تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} ~~فيحمل مع الفعل الممتد كالصوم والسير والركوب وتخيير المرأة على النهار، ~~ومع غير الممتد كالطلاق والعتاق على مطلق الوقت رعاية للمناسبة واستعمال ~~العرف. وهذا التفصيل إذا لم يكن له نية. أما لو قال في غير الممتد: شئت ~~النهار، فإنه يصدق قضاء، لأنه نوى حقيقة كلامه فيصدق وإن كان فيه تخفيف على نفسه. # --- PageV03P330 ~~*** # قيد باليوم لأن النهار لا يكون إلا للبياض خاصة، والليل لا يكون إلا ~~للسواد خاصة، سواء كان الفعل ممتدا أو غير ممتد. واختلفت عباراتهم فيما إذا ~~اعتبر الامتداد وعدمه: فمنهم من يعتبره في المضاف إليه اليوم، لأن المضاف ~~يحصل له التعريف والاختصاص من المضاف إليه، وهو مختار فخر الإسلام والصدر ~~الشهيد والعتابي حيث اعتبروه في الشرط. ومنهم من يعتبره في الجواب والجزاء، ~~لأنه هو العامل فيه. وفي «شرح الكنز»: والأوجه أن يعتبره الممتد منهما، ~~وعليه مسائلهم. # (وفي أنت طالق ثلاثا لغير المدخولة يقعن) وهو قول عمر وعلي وابن عباس ~~وأبي هريرة وجمهور العلماء. وقال الحسن البصري وعطاء وجابر بن زيد: تقع ~~واحدة، لأنها تبين بقوله: أنت طالق لا إلى عدة، فيصادفها قوله ثلاثا وهي ~~بائن فلا يقع به شيء، وصار كقوله أنت طالق وطالق وطالق. ولنا أن الثلاث صفة ~~للطلاق الذي أوقعه، والموصوف لا يوجد بدون صفته، فصار الكلام واحدا، وصار ~~كقوله: أوقعت عليك ثلاث تطليقات. # (وبالعطف) نحو: أنت طالق وطالق وطالق، أو بالتكرير من غير عطف نحو: أنت ~~طالق طالق طالق (تبين بالأول) وكانت الثنتان فيما لا يملك، وهو قول علي ~~وابن مسعود وزيد وإبراهيم. وقال ابن (أبي) ليلى: إذا كان في مجلس واحد يقع ~~ثلاث تطليقات، لأن المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة ويجعلها واحدا. ~~وقال مالك، والشافعي ms0794 في القديم، والأوزاعي، والليث بن سعد: تطلق ثلاثا. ~~وقال أحمد: إن ذكر بالواو تطلق ثلاثا وإلا تبين بالأول، لأن المذكور بحرف ~~الجمع كالمذكور بلفظ الجمع. ولهم: أن المجلس واحد وهو يجمع المتفرقات، فيقع ~~الثلاث. # --- PageV03P331 ~~*** # ولنا: أن الواو لمطلق العطف وليس في آخر الكلام ما يغير أوله من شرط أو ~~استثناء وكان كل واحد إيقاعا على حدة، فتبين بالأول، ولم تبق محلا للثاني ~~لأنها غير معتدة. # (كما) تبين بالأول (لو علق وقدم الشرط) بأن قال لغير المدخول بها: إن ~~دخلت الدار فأنت طالق واحدة وواحدة وواحدة، أو فأنت طالق طالق طالق، فإنه ~~يقع بدخولها طلقة واحدة، وهذا عند أبي حنيفة وهو وجه في مذهب الشافعي. وقال ~~أبو يوسف ومحمد ومالك وأحمد وربيعة والليث بن سعد وابن أبي ليلى والقاضي ~~أبو الطيب من أصحاب الشافعي : يقع الكل. # (ويقع الكل إن أخر الشرط) لأن آخر الكلام إذا كان فيه ما يغير أوله ~~كالشرط، توقف أول الكلام على آخره، ولم يكن فيه تعاقب في التعليق، فلا يكون ~~فيه تعاقب في الوقوع، وهذا إذا كان تكرار بدون عاطف أو كان العاطف الواو. # وأما إذا كان الفاء فقال الكرخي والطحاوي: أنه كالواو. ويقع مع تقديم ~~الشرط واحدة عند أبي حنيفة والكل عند أبي يوسف ومحمد. # وقال الفقيه أبو الليث في «مختلفه»: يقع واحدة بالاتفاق، لأن الفاء ~~للتعقيب وموجبه الترتيب، فيصادفها الثانية وهي أجنبية ، وهو الصحيح. ولو ~~كان العاطف «ثم» فإن كان الشرط مقدما ففي المدخول بها تعلقت الأولى، ووقعت ~~الثانية والثالثة، وفي غيرها تعلقت الأولى ووقعت الثانية ولغا الثالثة. وإن ~~كان الشرط مؤخرا وهي مدخول بها وقعت الأولى والثانية في الحال، وتعلقت ~~الثالثة. وإن كان غير مدخول بها وقعت الأولى في الحال ولغا ما سواها، وهذا ~~كله عند أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد: يتعلق الثلاث بالشرط، سواء ~~تقدم أو تأخر، وقد دخل بها أو لم يدخل. وعند وجود الشرط إن كانت مدخولة يقع ~~ثلاث وإلا واحدة. # --- PageV03P332 ~~*** # (وفي أنت طالق واحدة قبل واحدة ms0795 أو بعدها واحدة، يقع واحدة في غير ~~الموطوءة، وفي الموطوءة) أي المدخول بها (ثنتان) لبقاء المحلية فيها بعد ~~وقوع الأولى، بخلاف غير المدخول بها. (وفي قبلها) موطوءة كانت أو غير ~~موطوءة بأن قال: أنت طالق واحدة قبلها واحدة، (و) في (بعد) بأن قال: أنت ~~طالق واحدة بعد واحدة، (و) في (معها و) في (مع) بأن قال: أنت طالق واحدة ~~معها واحدة، أو أنت طالق واحدة مع واحدة يقع (اثنان) أما وقوع اثنين في ~~الموطوءة وغيرها بكلمة «مع» فلأنها موضوعة للقرن. # وأما وقوع واحدة في غير الموطوءة وثنتين في الموطوءة بكلمة «قبل» إذا ~~أضيفت إلى ظاهر، وبكلمة «بعد» إذا أضيفت إلى (ضمير، ووقوع ثنتين في ~~الموطوءة وفي غيرها بكلمة «قبل» إذا أضيفت إلى ضمير، وبكلمة «بعد» إذا ~~أضيفت إلى ظاهر،) فلأن كلمة «قبل» و«بعد» إذا أضيفتا إلى ضمير كانتا في ~~المعنى صفة لما بعدهما، وإذا أضيفتا إلى ظاهر كانتا في المعنى صفة لما ~~قبلهما. فإذا قال: أنت طالق واحدة قبل واحدة كانت القبلية صفة للواحدة ~~الأولى (فتبين بها)، وغير الموطوءة لم تبق محلا للثانية، بخلاف الموطوءة ~~فيقعان فيها. # وإذا قال: أنت طالق واحدة بعدها واحدة كانت البعدية صفة للواحدة الثانية، ~~فتبين غير الموطوءة بالأولى، ولم تصر محلا للثانية، بخلاف الموطوءة فيقعان ~~فيها. وإذا قال: أنت طالق واحدة قبلها واحدة كانت القبلية صفة للواحدة ~~الثانية، وليس في وسعه تقديمها على الأولى، وفي وسعه إيقاعها في الحال، ~~فيقع ما في وسعه، فيقع ثنتان. وإذا قال: أنت طالق واحدة بعد واحدة كانت ~~البعدية صفة للواحدة الأولى فيقتضي الكلام وقوعها بعد الثانية، وليس في ~~وسعه ذلك فيقعان جميعا. # --- PageV03P333 ~~*** # ومذهب مالك كمذهبنا، ومذهب الشافعي في «قبل» مع الضمير وجهان: أحدهما أنه ~~لا يقع شيء، والثاني أنه يقع واحدة، وفي الثلاث صور الأخر يقع واحدة. # (وإن أشار بالأصبع) أي ببطون الأصابع إلى عدد الطلاق (يعتبر عد المنشورة) ~~ولا يصدق قضاء في نية المضمومة (وإن أشار بظهورها) بأن جعل ظهر الأصابع إلى ~~المرأة وبطنها إلى نفسه (فالمضمومة) معتبرة ms0796 وإن كان في الأصل أن تقع ~~الإشارة بالمنشورة، هكذا ذكر شمس الأئمة في «شرح الكافي» عن بعض المتأخرين. # والمذكور في «الظهيرية» وسائر الكتب: أن المعتبر المنشورة مطلقا، حتى لو ~~قال: عنيت المضمومة لا يصدق قضاء. ومما يدل على اعتبار عدد المنشورة مطلقا ~~ما روى البخاري ومسلم من حديث جبلة بن سحيم أنه قال: سمعت ابن عمر يقول: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا» وخنس الإبهام في ~~الثالثة. ولولا اعتبار عدد المنشورة لكان الشهر إحدى وعشرين يوما لا تسعة ~~وعشرين يوما. # --- PageV03P334 ~~*** # (وإن وصف الطلاق بالشدة) بأن قال: أنت طالق بائن أو البتة، أو أشد ~~الطلاق، أو أكبره، أو أعظمه، أو أسوأه، أو أفحشه، أو أخبثه، أو طلاق ~~الشيطان، أو طلاق البدعة، أو ملء البيت (أو الطول أو العرض) أي بهما: بأن ~~قال: أنت طالق طلقة طويلة أو عريضة، (أو شبهه) أي الطلاق (بما يدل على هذا) ~~أي على ما ذكر من الشدة أو الطول أو العرض، بأن قال: أنت طالق كالجبل أو ~~كألف (فثلاث إن نواها) أي الثلاث (وإلا) أي وإن لم ينو شيئا أو نوى واحدة ~~أو ثنتين (فبائنة) واحدة، لأن وصف الطلاق بالشدة والطول والعرض وتشبيهه بما ~~يدل على ذلك إنما هو اعتبار أثره، وذلك بكونه بائنا . والبينونة نوعان: ~~خفيفة، وغليظة، فإذا نوى الغليظة صحت نيته، وإذا نوى الثنتين لا تصح ~~نيتهما، لأن البينونة جنس يحتمل الأقل والأكثر دون العدد، والثنتان عدد. # وقال مالك والشافعي وأحمد: إذا قال للمدخول بها: أنت طالق بائن يقع ~~رجعيا. لأن قوله: أنت طالق صريح وهو رجعي وقوله بائن تغيير له فيرد عليه. ~~ولنا: أنه وصف الطلاق بما يحتمله فلا يكون تغييرا له بل تبيينا. وقال أبو ~~يوسف ومحمد والشافعي وأحمد في أنت طالق كالجبل: يقع رجعية، لأنه يحتمل ~~التشبيه في الوحدة وفي العظم، وهو في الوحدة رجعية وفي العظم بائنة، فلا ~~تقع البينونة بالشك. # --- PageV03P335 ~~*** # ولأبي حنيفة أن التشبيه يقتضي زيادة، وذلك بالبينونة. ولو شبه الطلاق ~~بعدد ما لا عدد ms0797 له بأن قال: أنت طالق كعدد الشمس، وكعدد التراب فهي بائنة ~~في قول أبي حنيفة، لأن التشبيه يقتضي ضربا من الزيادة، ولا يمكن حمله على ~~الزيادة في العدد، فيحمل على الزيادة في الصفة. وقال أبو يوسف: رجعية، ~~واختاره إمام الحرمين من الشافعية، لأن التشبيه بالعدد فيما لا عدد له لغو ~~فيبقى قوله: أنت طالق، وبه يقع رجعية. وقال محمد والشافعي وأحمد: ثلاث، لأن ~~مثل هذا الكلام يراد به الكثرة. # (وكنايته) وهي لغة: ضد التصريح، والمراد بها عند الفقهاء هنا (ما يحتمله) ~~أي لفظ يحتمل الطلاق (وغيره) فيفتقر إلى نية في حالة الرضا وعدم مذاكرة ~~الطلاق. وكذا الكتابة المستبينة في لوح بمداد أو في رمل ونحوه يحتاج إلى ~~نية أو دلالة حال. واحترز بالمستبينة عن الكتابة في الماء والهواء والصخرة ~~الصماء ونحوها بلا مداد، فإنه لا يقع به شيء وإن نوى. فلو كتب رسالة على ~~رسم الكتابة بأن كتب: أما بعد، يا فلانة إذا بلغك كتابي هذا، فأنت طالق، ~~فإنه يقع به الطلاق، ولا يصدق قضاء في عدم النية، لدلالة الحال في الكل. # (فنحو: اخرجي، واذهبي، وقومي، يحتمل ردا) لسؤال المرأة الطلاق بأن يريد ~~تبعيدها عن نفسه، وجوابا لسؤالها الطلاق بأن يريد اخرجي لأني طلقتك، وكذا ~~البواقي (ونحو: خلية برية بائن، بتة، حرام، يصلح سبا) للمرأة بأن يراد خلية ~~من الخير، برية عن الطاعة أو عن المحامد، وبائن عن الرشد والدين، وبتة عن ~~الأخلاق الحسنة، لأن البين والبت بمعنى القطع، حرام في الصحبة أو العشرة، ~~ويصلح جوابا لسؤالها الطلاق: بأن يراد أنت خلية لأني طلقتك وكذا البواقي. # --- PageV03P336 ~~*** # (ونحو: اعتدي، واستبرئي رحمك، أنت واحدة، أنت حرة، اختاري، أمرك بيدك، ~~وسرحتك، وفارقتك، لا يحتملهما) أي الرد لسؤال المرأة، والسب لها، وإنما ~~يصلح جوابا لسؤالها ومعاني أخر. # (ففي الرضا) وهو أن لا يكون غضب ولا مذاكرة طلاق (يتوقف الكل على النية) ~~للاحتمال وعدم دلالة الحال (وفي الغضب) يتوقف القسمان (الأولان) على النية ~~لأن الأول لما احتمل الرد والثاني السب، وقع الشك في الجواب، فلا ms0798 تطلق إلا ~~بالنية. (وفي مذاكرة الطلاق) يتوقف (الأول فقط) أي ولا يتوقف الأخيران. # أما توقف الأول فلأنه لما احتمل الرد والجواب، والرد أدنى من الجواب لأن ~~الرد دفع والجواب رفع، حمل عند عدم النية على الرد. وأما عدم توقف الآخرين ~~فلأن الظاهر منهما عند مذاكرة الطلاق إرادته، فلا يتوقفان عندها على النية. ~~والقول قوله في تركها مع يمينه لأنها محتملة، فإن أنكر النية في مذاكرة ~~الطلاق لم يصدق قضاء فيما يصلح منها جوابا فقط، ولا يصلح سبا ولا ردا، أو ~~يصلح جوابا وسبا أيضا، وصدق فيما يصلح جوابا وردا. وإن أنكرها في حال الغضب ~~لم يصدق فيما يصلح جوابا فقط، ويصدق فيما عداه. # ولا يقع الطلاق بكنايتي التفويض وهما: اختاري نفسك، وأمرك بيدك، إلا ~~بإيقاعها بعد التفويض كما سيأتي في محله. وإنما ذكرا مع الكنايات ههنا ~~لاحتمالهما تخييرها في نفسها بالإقامة على النكاح وعدمه، واحتمالهما ~~تخييرها في غيره من نفقة أو كسوة. فإن اختارت نفسها وأنكر الزوج قصد ~~الطلاق، كان القول له مع يمينه، إلا إذا كان بعد مذاكرة الطلاق، أو في حال ~~الغضب، فاختارت نفسها فإنه لا يصدق قضاء. # --- PageV03P337 ~~*** # (فإن نوى الثلاث) بهذه الألفاظ من الكنايات كلها سوى ثلاثة ألفاظ تذكر ~~بعد ذلك بمنزلة الاستثناء، وسوى لفظ اختاري كما سيأتي (يقعن) الثلاث، ~~(وإلا) أي وإن لم ينو الثلاث: بأن لم ينو شيئا، أو نوى واحدة أو ثنتين ~~(فبائنة) أي فيقع واحدة بائنة. وقال مالك والشافعي وأحمد: يقع بها رجعي إن ~~لم ينو الثلاث. والمسألة مختلف فيها بين الصحابة، فقال عمر وابن مسعود: ~~الواقع بها رجعي. رواه عبد الرزاق في «مصنفه»، ومحمد بن الحسن في «آثاره». ~~وقال علي وزيد بن ثابت وعامة الصحابة: الواقع بها بائن. وإنما لا تصح نيته ~~اثنتين عندنا خلافا لزفر، لأن معنى التوحيد مراعى في ألفاظ الوحدان وذلك ~~بالفردية أو الجنسية، والمثنى بمعزل منهما. # (وفي اعتدي) وهو قوله صلى الله عليه وسلم لسودة حين أراد أن يطلقها: ~~اعتدي (واستبرئي رحمك) لأنه بمنزلة التفسير لما قبله (وأنت ms0799 واحدة) يقع ~~(رجعية) ولا فرق بين نصب الواحدة وعدمه، لأن العوام، بل بعض الفقهاء الكرام ~~لا يفرقون بين وجوه الإعراب. وقال بعض المشايخ: إن نصب الواحدة تقع رجعية ~~وإن لم ينو، لأنه نعت لمصدر محذوف، وإن رفعها لا يقع شيء وإن نوى، لأنه نعت ~~للمرأة، وإن سكن يحتاج إلى النية لاحتمال الأمرين. وقيل: يجوز الرفع لكونه ~~نعتا لطلقة، أي أنت تطليقة واحدة، ويجوز النصب لكونه نعتا لمصدر آخر، أي ~~أنت متكلمة كلمة واحدة، فعلى هذا لا فرق بين الخواص والعوام. # (ويقع) الطلاق البائن (بإسناد البينونة والحرمة إليه) بأن قال: أنا منك ~~بائن، أو قال: أنا منك حرام ونوى الطلاق، كما يقع بإسنادهما إلى المرأة (لا ~~الطلاق) أي لا يقع بإسناد الطلاق إليه شيء بأن قال: أنا منك طالق وإن نوى ~~الطلاق، وهو قول أحمد. وقال مالك والشافعي: يقع الطلاق إذا نواه. # --- PageV03P338 ~~*** # وحجتنا في ذلك ما روي أن امرأة قالت لزوجها: لو كان إلي ما إليك لرأيت ~~ماذا أصنع؟ فقال: جعلت إليك ما إلي، فقالت: طلقتك. فرفع ذلك إلى ابن عباس ~~فقال: خطأ الله نواها، هلا قالت: طلقت نفسي منك. ثم الطلاق واقع ب: لست ~~بامرأتي، أو: لست زوجك، إن نوى الطلاق عند أبي حنيفة خلافا لهما. # ويلحق الطلاق الصريح مثله: ك: أنت طالق أنت طالق، ويلحق البائن أيضا: ~~ك:أنت بائن أنت طالق، ويلحق البائن الصريح: ك: أنت طالق أنت بائن، ولا يلحق ~~بائنا مثله: ك: أنت بائن أنت حرام. وقد نظم بقوله: # *وكل طلاق بعد أخرى واقع ** سوى بائن مع مثله لا يعلق وهذا عندنا، وعند ~~الشافعي لا يلحق البائن الصريح كما لا يلحق البائن حتى لو قال لها بعد ~~الخلع: أنت بائن لا يقع اتفاقا. أما عندنا فلأن البائن لا يلحق البائن، ~~وأما عنده فلأن الخلع فسخ في أحد قوليه. ولأن الرجعي لا يلحق البائن عنده. ~~ولو قال لها بعد الخلع أو الطلاق على مال: أنت طالق يقع عندنا، وعنده لا ~~يقع. له: أن هذا تصرف لم يصادف في ms0800 محله فيلغو، وهذا لأن الطلاق شرع لإزالة ~~ملك النكاح، وقد زال بالخلع أو الطلاق على مال، فلا يقع الطلاق بعده كما ~~بعد انقضاء العدة. # --- PageV03P339 ~~*** # ولنا: قوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} يعني الخلع، ثم قال: ~~{فإن طلقها فلا تحل له من بعد} والفاء للوصل والتعقيب، فيكون هذا تنصيصا ~~على وقوع الطلقة الثالثة بعد الخلع. وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم «المختلعة يلحقها صريح الطلاق ما دامت في العدة». رواه أبو ~~يوسف في «الأمالي» بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال ابن مسعود، ~~وعمران بن الحصين، وأبو الدرداء، وسعيد ابن المسيب، وشريح، وطاوس، والزهري، ~~والنخعي، والحكم، وحماد، ومكحول، وعطاء، والثوري، والله تعالى أعلم. # فصل في تفويض الطلاق # (تفويض طلاقها إليها) بأن قال لها: طلقي نفسك (يتقيد بمجلس علمها) غائبة ~~كانت أو حاضرة، فتطلق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك، وإن قامت منه أو أخذت ~~في عمل آخر، خرج الأمر من يدها. وقال مالك في رواية، والشافعي في القديم: ~~لا يتقيد بالمجلس وقال أحمد: لا يتقيد الأمر باليد بالمجلس. # لنا: ما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن مسعود أنه قال: إذا ملكها ~~أمرها، فتفرقا قبل أن ينقضي شيء فلا أمر لها. وما روى أيضا عن جابر بن عبد ~~الله أنه قال: إذا خير الرجل امرأته، فلم تختر في مجلسها ذلك، فلا خيار ~~لها. وما روى أيضا هو وابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان ~~أنهما قالا: أيما رجل ملك امرأته أمرها وخيرها ثم افترقا من ذلك المجلس، ~~فليس لها خيار وأمرها إلى زوجها. وأسنده ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاص، وقد قال به عطاء ومجاهد والشعبي والنخعي والأوزاعي وسفيان. # --- PageV03P340 ~~*** # وقال محمد: بلغنا عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وجابر في الرجل يخير ~~امرأته: أن لها الخيار ما دامت في مجلسها ذلك، فإذا قامت من مجلسها فلا ~~خيار لها. وقال الزهري وقتادة وأبو عبيد بن نصر: يبقى ms0801 أمرها بيدها في ذلك ~~المجلس، وفي غيره. وحكى صاحب «المغني» هذا القول عن علي كرم الله وجهه. # قلنا: لم تستقر الرواية عن علي، إذ قد روي عنه كالجماعة، فكان ذلك إجماعا ~~من الصحابة. # قال البيهقي: وقد تعلق بعض من يجعل لها الخيار ولو قامت من المجلس بحديث ~~تخيير عائشة، وهو في الصحيحين: «إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن لا تعجلي ~~فيه حتى تستشيري أبويك». وهذا الاستدلال غير ظاهر، لأنه صلى الله عليه وسلم ~~لم يخيرها في إيقاع الطلاق بنفسها، وإنما خيرها على أنها إن اختارت نفسها ~~أحدث عليها الطلاق، لقوله تعالى: {فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا}. انتهى. # (إلا أن يقول: كلما شئت، أو متى شئت، أو إذا شئت) فإنه لا يتقيد بمجلس ~~علمها، لأن هذه الألفاظ عامة في الوقت، فصار كأنه قال: طلقي نفسك أي وقت ~~شئت، وفي كلما شئت لها أن توقع ثلاث طلقات متفرقات، وليس لها أن توقعها ~~جملة، لأن «كلما» تعم الأفعال والأزمان عموم الانفراد لا عموم الاجتماع، ~~إلا أن اليمين تنصرف إلى الملك القائم، فلا تملك الإيقاع بعد وقوع الثلاث ~~إذا رجعت إليه بعد زوج آخر. # ولو طلقت نفسها ثلاثا جملة لا يقع شيء عند أبي حنيفة، ويقع واحدة عندهما، ~~بناء على أن إيقاع الثلاث إيقاع للواحدة أم لا؟ ويؤيد قولهما رمي الحصيات ~~السبع جملة حيث يقع عن واحدة اتفاقا. # --- PageV03P341 ~~*** # (بخلاف إن شئت) فإنه يتقيد بمجلس علمها لعدم ما يدل على عموم الوقت. (ولا ~~يرجع) من فوض الطلاق إلى امرأته (عنه) لأن التفويض فيه معنى اليمين، فإنه ~~تعليق طلاق المرأة بتطليقها، واليمين تصرف لازم فلا يصح الرجوع عنها. # (وإلى غيرها) عطف على «إليها» # أي وتفويض طلاقها إلى غيرها، سواء كان ضرتها أو شخصا آخر (لا يتقيد) ~~بالمجلس، ، لأن ذلك توكيل بالطلاق وأمر بإيقاعه، والتوكيل والأمر لا ~~يقتضيان الفور كأمر الشارع، وكباقي الوكالات. (ويرجع) الزوج عنه متى شاء، ~~لأنه إنما استعان بغيره ليكون التصرف له لا عليه، فلو ألزمناه به لحقه الضرر. # (والمجلس إنما يختلف بالقيام) ms0802 دون القعود (أو الذهاب أو الشروع في قول) ~~كثير (أو عمل) كثير (لا يتعلق بما مضى) من التفويض، لأن ما ذكره دليل ~~الإعراض. # قيدنا القول والعمل بالكثير، لأنها لو سبحت، أو قرأت آية، أو أكلت شيئا ~~يسيرا، أو لبست ثيابها من غير قيام، لم يختلف مجلسها. وقيد القول والعمل ~~بعدم التعلق بالتفويض، لأنها لو دعت أباها للمشورة، أو شهودا للإشهاد، لم ~~يختلف مجلسها، لأن المشورة لتحري الصواب، والإشهاد للتحرز عن الجحود. # (وفلكها) أي السفينة التي هي فيها وقت علمها بالتفويض (كبيتها) لأن جريان ~~الفلك لا يضاف إلى راكبه، فثبت لها الخيار ما دامت في مجلسها كالبيت (وسير ~~دابتها كسيرها) لأن سير الدابة يضاف إلى راكبها، لأنها تسير باختياره، فلو ~~وقفت لم يبطل خيارها، ولو نزلت بطل، وكذا لو ركبت وكانت نازلة. # --- PageV03P342 ~~*** # (وفي: اختاري بنية التفويض) قيد به لأنها تحتمل الأمر باختيار كسوة أو ~~مأكل، فلا بد من نية التفويض (فقالت: اخترت) نفسي، أو: أنا اختار نفسي (لا ~~يقع إلا بائنة) وكان القياس أن لا يقع شيء وإن نوى الطلاق، لأنه لا يملك ~~الإيقاع بهذا اللفظ، فلا يملك التفويض به إلى غيره إلا أن هذا القياس ترك ~~باتفاق الصحابة على وقوع الطلاق وإن اختلفوا في صفته. # وقال الشافعي: يقع رجعي، وهو قول أحمد، لأنه أدنى ما يكون من الاختيار. ~~وقال مالك: يقع ثلاثا، لأن الثلاث أتم ما يكون من الاختيار. # ولنا: أن اختيارها لنفسها إنما يتحقق بزوال ملك الزوج عنها، وزواله إنما ~~هو بالبينونة، وهي لا تستلزم الثلاث، وليس في اللفظ ما يدل عليها، فلا تقع ~~وإن نواها، لأن الاختيار لا يتنوع، فبقي مجرد نية العدد وهي لا تصح، بخلاف ~~أنت بائن، لأن البينونة تتنوع. # وفي «جامع الترمذي»: اختلف أهل العلم في الخيار: فروي عن عمر وعبد الله ~~بن مسعود أنهما قالا: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة. وروي عنهما أيضا أنهما ~~قالا: واحدة يملك الرجعة، وإن اختارت زوجها فلا شيء. # وروي عن علي أنه قال: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن ms0803 اختارت زوجها ~~فواحدة يملك الرجعة. وقال زيد بن ثابت: إن اختارت زوجها فواحدة، وإن اختارت ~~نفسها فثلاث. انتهى. # ولنا على أنها إن اختارت زوجها لم يقع شيء وهو قول أكثر أهل العلم ما ~~روى البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: خيرنا النبي صلى الله عليه وسلم ~~فاخترنا الله ورسوله، فلم يعد ذلك شيئا. كذا ذكروه وفيه: أن ذلك كان تخييرا ~~لا تفويضا كما تقدم، والله تعالى أعلم. # --- PageV03P343 ~~*** # (وشرط ذكر النفس من أحدهما) متصلا أو منفصلا في المجلس. وقال مالك ~~والشافعي وأحمد: لا يشترط (أو قوله: اختاري اختيارة) أو تطليقة، أو ما يكون ~~كناية عن ذلك في أحد كلامهما (فتقول: اخترت) أو: أختار نفسي. والقياس في ~~قولها: أنا أختار نفسي عدم الوقوع كما قال الشافعي، لأنه وعد، كما لو قال: ~~طلقي نفسك، فقالت: أنا أطلق نفسي، حيث لا تطلق. # ووجه الاستحسان أن الكلام جعل جوابا بالسنة، وهي ما في الصحيحين عن عائشة ~~أنها قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم تخيير أزواجه بدأ بي ~~فقال: «إني ذاكر لك أمرا إلى أن قالت: فقلت: ففي هذا أستأمر أبوي، فإني ~~أريد الله ورسوله والدار الآخرة». ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثل الذي فعلت. وفي لفظ لمسلم: كلا، بل أختار الله ورسوله، واعتبره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جوابا. # وفي المعقول فإن المضارع قد يراد به الحال كما في قول الشاهد: أشهد، وقول ~~الكافر: أشهد أن لا إله إلا الله، فإنه يراد به التحقيق حتى صار به مسلما، ~~لأنه يخبر عن اعتقاده، فكذا هنا، «أنا أختار» حكاية عن اختيارها، بخلاف ~~قولها: أنا أطلق، لأنه لا يتصور أن تكون مطلقة في حال كونها حاكية. # (ولو كررها ثلاثا) بأن قال لها: اختاري اختاري اختاري (فاختارت إحداها) ~~بغير لفظ التطليق بأن قالت: اخترت الأولى، أو الوسطى، أو الأخيرة، أو اخترت ~~اختيارة، أو باختيارة، أو مرة، أو بمرة، أو دفعة، أو بواحدة (فثلاث). قيدنا ~~بغير لفظ التطليق، لأنها لو قالت: اخترت التطليقة ms0804 الأولى تطلق واحدة ~~باتفاق. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قالت: اخترت الأولى أو الوسطى أو الأخيرة ~~تطلق واحدة. وهو اختيار الطحاوي. # --- PageV03P344 ~~*** # (ولو قالت: طلقت نفسي، أو اخترت نفسي بتطليقة، فبائنة) كذا في «المبسوط»، ~~و«الجامع الكبير»، و«الزيادات»، و«جوامع الفقه»، وعامة نسخ «الجامع الصغير» ~~سوى «جامع صدر الإسلام»، فإن فيه ما في «الهداية»: أنه يقع طلقة رجعية ~~اعتبارا لما أتت به من صريح الطلاق. وفي «الفوائد الظهيرية»: هذا سهو وقع ~~من الكاتب، لأن المرأة تتصرف بحكم التفويض وهو عندنا تطليقة بائنة. وفي ~~«شرح الوقاية»: ذكر في «الهداية» أنه يقع واحدة يملك الرجعة، فقيل: هذا غلط ~~وقع من الكاتب، وقيل: فيه روايتان: إحداهما: أنه يقع واحدة رجعية، لأن ~~لفظها صريح، والأخرى: أنه بائنة، وهذا أصح. انتهى. # (ولو قال: أمرك بيدك بنية التفويض فطلقت نفسها) بأن قالت: طلقت نفسي ~~واحدة، أو اخترت نفسي بتطليقة (فبائنة) أي فيقع طلقة بائنة (وإن نوى) الزوج ~~(الثلاث) فقالت: اخترت نفسي بواحدة (يقعن) لأن الاختيار يصلح جوابا للأمر ~~باليد لكونه تمليكا كالتخيير، فصار كأنها قالت: اخترت نفسي بمرة واحدة ~~وبذلك يقع الثلاث. وقال مالك: يقع بالتفويض ثلاث. وقال الشافعي وأحمد: رجعية. # (وفي أمرك بيدك في تطلقية، أو اختاري تطليقة فاختارت) نفسها (فرجعية) ~~لأنها تتصرف بجعل الزوج، وهو إنما جعل لها تطليقة صريحة، والصريح يعقب ~~الرجعة. # (وفي: أمرك بيدك اليوم وغدا يدخل الليل) لأنه لم يتخلل بين الوقتين ~~المذكورين وقت من جنسهما لم يتناوله الأمر، فكان أمرا واحدا (وإن رد) الأمر ~~من المرأة (في اليوم لا يبقى بعده) أي في الغد، كما لا يبقى في آخر النهار ~~إذا قال لها: أمرك بيدك اليوم وردت في أوله. # --- PageV03P345 ~~*** # (وإن قال:) أمرك بيدك (اليوم وبعد غد يختلف الحكمان) السابقان فلا يدخل ~~الليل هنا، وإن رد الأمر في اليوم يبقى بعد الغد خلافا لزفر (وفي: طلقي ~~نفسك إن نوى ثلاثا) فطلقت ثلاثا: جملة أو متفرقا (يقعن وإلا) أي وإن لم ينو ~~ثلاثا بأن لم ينو شيئا، أو نوى واحدة أو ثنتين والمرأة ليس بأمة ms0805 (فرجعية) ~~أي فيقع طلقة رجعية (وفي: طلقي) نفسك (ثلاثا) فطلقت واحدة (يقع) واحدة، وهو ~~قول الشافعي وأحمد. وقال مالك: لا يقع شيء، لأنها أتت بغير ما فوض إليها. # ولنا: أنها ملكت إيقاع الثلاث فتملك إيقاع الواحدة، لأن من ملك شيئا ملك ~~أي جزء من أجزائه (لا في عكسه) أي لا يقع شيء في: طلقي نفسك واحدة، فطلقت ~~ثلاثا. وهذا عند أبي حنيفة، وهو رواية عن مالك، (وقول زفر. وقال أبو يوسف ~~ومحمد: يقع واحدة، وهو قول الشافعي وأحمد ورواية عن مالك)، لأنها أتت بما ~~تملكه وزيادة، فيقع ما تملكه وتلغى الزيادة. لأبي حنيفة: أنها مخالفة، ~~فكانت مبتدئة لا مجيبة، وذلك أنه فوض إليها واحدة، فأتت بغيرها وهو الثلاث. # (ولو أمر بالبائن أو الرجعي فعكست) بأن قالت: طلقت نفسي طلقة رجعية في ~~جواب: طلقي نفسك طلقة بائنة، أو قالت: طلقت نفسي طلقة بائنة في جواب: طلقي ~~نفسك طلقة رجعية (يقع ما أراد به) الزوج كذا في «الهداية». والمذكور في ~~«الخزانة»: أنه إذا عكست لم يقع أصلا. # --- PageV03P346 ~~*** # (والشرط في: أنت طالق إن شئت مشيئة منجزة) أي غير معلقة بشيء بأن تقول: ~~شئت، من غير أن تعلق (أو معلقة بما قد علم وجوده) نحو شئت إن مضى أمس، أو ~~إن كانت السماء فوقنا، لأن التعليق بما علم وجوده تنجيز. فقوله: الشرط ~~مبتدأ، ومشيئة خبره، ومعلقة عطف على منجزة، ومنجزة صفة لمشيئة (لا ما يعلم ~~وجوده بعد) ذلك كما لو قالت: شئت إن كان كذا، الأمر لم يجىء بعد، و(كما لو ~~قالت: شئت إن شئت، فقال: شئت) لأنه علق الطلاق بالمشيئة المرسلة، وهي أتت ~~بالمشيئة المعلقة فلم يوجد الشرط، فخرج الأمر من يدها لاشتغالها بما لا ~~يعنيها. # (وفي) أنت طالق (كلما شئت تطلق) المرأة نفسها (ثلاثا متفرقة) لا مجتمعة، ~~لأن كلمة كلما تفيد عموم الأفعال عموم انفراد لا عموم اجتماع، ولو طلقت ~~ثلاثا بكلمة واحدة لا يقع شيء عند أبي حنيفة، ويقع واحدة عند أبي يوسف ~~ومحمد، بناء على أن إيقاع الثلاث إيقاع للواحدة ms0806 كما قالا، أو ليس بإيقاع ~~لها كما قال. # (لا بعد التحليل) حتى لو قال: أنت طالق كلما شئت، فطلقت نفسها ثلاثا ~~متفرقة ثم عادت إليه بعد زوج آخر، ثم طلقت نفسها لم يقع شيء، لأن التعليق ~~ينصرف إلى الملك القائم، وهذا ملك جديد ليس في كلام الزوج ما يدل على ~~الإضافة إليه، وبهذا قال مالك والشافعي في قول. # ولو طلقت نفسها طلقة أو طلقتين ثم عادت إليه بعد زوج آخر فلها أن تطلق ~~بثلاث خلافا لمحمد، فإنه يقول: إنها لا تطلق إلا ما بقي، بناء على أن الزوج ~~يملك بهذا العقد عليها الثلاث وهو قولهما، أو ما بقي من النكاح الأول وهو ~~قول محمد. # --- PageV03P347 ~~*** # (وفي كيف شئت تقع بائنة أو ثلاث) وفي نسخة: أو ثلاثا (إن نوت ولم تخالفها ~~نيته) جملة حالية، بأن شاءت واحدة بائنة ونواها الزوج (أو لم يكن له نية، ~~أو شاءت ثلاثا ونواها الزوج)، أو لم يكن له نية، لوجود المطابقة بين ~~مشيئتها وإرادته إذا نوى. (وإلا) أي وإن لم يكن لها نية، أو كانت وخالفت ~~نيته نيتها، بأن نوت واحدة ونوى ثلاثا، أو نوت ثلاثا، ونوى واحدة (فرجعية) ~~أي فتطلق رجعية (وفي) طلقي (ما شئت من ثلاث) لها أن تطلق (ما دونها) واحدة ~~أو ثنتين، وليس لها أن تطلق ثلاثا وهذا عند أبي حنيفة، وهو قول الشافعي وأحمد. # وقال أبو يوسف ومحمد: لها أن تطلق ثلاثا، لأن «ما» محكمة في التعميم، ~~و«من» قد تكون للتبيين فتحمل عليه كطلق «من» نسائي من شئت، وكل من طعامي ما ~~شئت. ولأبي حنيفة: أن من للتبعيض كقوله تعالى: {خذ من أموالهم}، وللتبيين ~~كقوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} فتيقنا التبعيض، وشككنا في ~~التعميم، فلا يثبت بالشك، والله تعالى أعلم. # فصل في التعليق # (صحة شرط التعليق الملك) بأن يكون المعلق مالكا لما علقه في وقت التعليق، ~~كأن يقول في التعليق لمنكوحته: إن دخلت الدار فأنت طالق. (أو الإضافة إليه) ~~أي إلى الملك، بأن يعلق على نفس الملك نحو: إن ملكت ms0807 طلاقك فأنت طالق، أو ~~على سببه نحو: إن تزوجتك فأنت طالق. ثم التعليق قد يكون بصريح الشرط وهو ~~ظاهر، وقد يكون بمعناه ويشترط حينئذ أن تكون المرأة غير معينة نحو: المرأة ~~التي أتزوجها طالق، بخلاف هذه التي أتزوجها لأنها لما تعرفت بالإشارة لم ~~يراع فيها صفة التزوج، فبقي قوله: هذه طالق. # --- PageV03P348 ~~*** # وقال الشافعي: لا يصح التعليق المضاف إلى الملك. وقال (مالك) في المشهور ~~عنه: إذا لم يسم امرأة بعينها، أو قبيلة نحو قرشية، أو أرضا نحو مكية، أو ~~نحو هذا، بأن قال: كل امرأة، من غير زيادة وصف هنالك، فليس يلزمه ذلك لما ~~في «الموطأ» أن عبد الله بن مسعود كان يقول فيمن قال: كل امرأة أنكحها فهي ~~طالق، إذا لم يسم قبيلة أو امرأة بعينها فلا شيء عليه. قال مالك: وهذا أحسن ~~ما سمعت. انتهى. وهو قول ابن أبي ليلى، لما فيه من باب سد نعمة النكاح على نفسه. # وللشافعي ما روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن عامر الأحول، عن عمرو ~~ابن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا نذر ~~لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا ~~يملك». قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. ولقول ~~ابن عباس، فإنه سئل عمن يقول لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق، فتلا قوله ~~تعالى: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} وقال: شرع الله الطلاق بعد ~~النكاح، فلا طلاق قبله. واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم «لا طلاق قبل ~~النكاح، ولا عتق قبل ملك». رواه ابن ماجه بسنده. # ولنا ما رواه في «الموطأ»: أن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وعبد ~~الله بن مسعود، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وابن شهاب، وسليمان بن ~~يسار كانوا يقولون: إذا حلف الرجل بطلاق المرأة قبل أن ينكحها، ثم أثم أي ~~حنث إن ذلك لازم له إذا نكحها، أي قبل الحنث. # --- PageV03P349 ~~*** # وروى ابن أبي ms0808 شيبة في «مصنفه» عن سالم، والقاسم بن محمد، وعمر بن عبد ~~العزيز، والشعبي، والنخعي، والزهري، والأسود (وأبي بكر بن عبد الرحمن)، ~~وأبي بكر بن عمرو بن حزم، وعبد اللهبن عبد الرحمن، ومكحول الشامي في رجل ~~قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أو يوم أتزوجها فهي طالق، أو كل امرأة ~~أتزوجها فهي طالق. قالوا: هو كما قال. وفي لفظ: يجوز ذلك عليه أي يقع وقد ~~نقل مذهبنا (وهو قول عمر وابنه وابن مسعود) أيضا عن سعيد بن المسيب، ~~وعطاء، وحماد بن أبي سليمان (وشريح رحمهم الله). # وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر، عن الزهري أنه قال: في رجل قال: كل ~~امرأة أتزوجها فهي طالق، وكل أمة أشتريها فهي حرة: هو كما قال. فقال له ~~معمر: أو ليس قد جاء: «لا طلاق قبل النكاح، ولا عتق إلا بعد الملك»؟ قال: ~~إنما ذلك أن يقول الرجل: امرأة فلان طالق، وعبد فلان حر. # وأما ما في «سنن الدارقطني» عن أبي خالد الواسطي بسنده عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه سئل عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق ثلاثا، قال: «طلق ~~ما لا يملك». فحديث باطل. قال صاحب «التنقيح»: وأبو خالد هو عمرو بن خالد ~~وهو وضاع. وقال أحمد ويحيى: كذاب. وما في «سننه» عن علي بن قرين بسنده عن ~~أبي ثعلبة الخشني قال: قال عم لي: اعمل لي عملا حتى أزوجك ابنتي، فقلت: إن ~~تزوجتها فهي طالق ثلاثا، ثم بدا لي أن أتزوجها، فأتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسألته فقال لي: تزوجها، فإنه لا طلاق إلا بعد النكاح. قال فتزوجتها ~~فولدت لي سعدا وسعيدا. قال صاحب «التنقيح»: وهذا أيضا باطل، وعلي بن قرين ~~كذبه يحيى بن معين وغيره. وقال ابن عدي: يسرق الحديث. # --- PageV03P350 ~~*** # هذا وما صح من الأحاديث محمول على نفي التنجيز لأنه هو الطلاق، وأما ~~المعلق فليس بطلاق، بل له عرضية أن يصير طلاقا عند وجود الشرط. وهذا محمل ~~مأثور عن السلف كما قدمناه عن الزهري. وقد جمع أبو ms0809 بكر بن العربي الأحاديث ~~وقال: ليس لها أصل في الصحة، ولهذا ما عمل بها مالك، وربيعة، والأوزاعي. ~~فإن قيل: لا معنى لحمله على التنجيز لأنه ظاهر يعرفه كل أحد، فوجب حمله على ~~التعليق. قلنا: صار ظاهرا بعد اشتهار حكم الشرع لا قبله، فإنهم كانوا في ~~الجاهلية يطلقون قبل التزوج تنجيزا ويعدونه طلاقا إذا وجد النكاح، فنفاه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأحاديث. والله سبحانه أعلم. # (وألفاظه) أي ألفاظ التعليق المتداولة عند الفقهاء (إن، وإذا، وإذا ما، ~~ومتى، ومتى ما، وكل، وكلما) وهنا ألفاظ أخر للشرط لم يبحثوا عنها كثير بحث ~~وهي: من، وما، وكيفما، وأين، وغير ذلك. وعدوا كل واحد من ألفاظ التعليق ~~باعتبار أن الحكم يتعلق بالفعل الذي يلي مدخولها نحو: كل من دخلت منكن ~~الدار فهي طالق، فإنه لا تطلق غير التي تدخل. ثم متى تقدم الجزاء على الشرط ~~امتنع أن يرتبط بحرف الفاء، ومتى تأخر عنه وجب أن يرتبط به إذا كان واحدا ~~من سبع وهي: طلبية، واسمية ، وبجامد، وبما، ولن، وبقد، وبالتنفيس. فلو قال: ~~إن دخلت الدار أنت طالق، يتنجز عند محمد وإن نوى التعليق، وهو قول أكثر ~~أصحاب الشافعي لعدم ما به التعليق وهو الفاء. ولا يتنجز عند أبي يوسف، وهو ~~قول أحمد وبعض أصحاب الشافعي، لأن ذكر هذا الكلام لإرادة التعليق، والعبرة ~~بالمعاني دون الألفاظ والمباني. # --- PageV03P351 ~~*** # ولو قال: أنت طالق وإن دخلت الدار يتنجز اتفاقا، لأن معناه في كل حال، ~~وكذا لو قال: أنت طالق أن دخلت الدار بفتح الهمزة ، لأن أن للتعليل، ولا ~~يشترط وجود العلة. وإن قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق، ~~فدخلت تلك الدار، فالواقع واحدة عندنا، أي عند أبي حنيفة. وقالا: ثلاث، كما ~~قال مالك والشافعي، كما لو أخر الشرط فقال: أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت ~~الدار. ولو عطف بحرف الفاء فهو على الخلاف فيما ذكر الكرخي والطحاوي. وذكر ~~الفقيه أبو الليث أنه يقع واحدة بالاتفاق، لأن الفاء للتعقيب وهو الأصح. # (وزوال الملك لا يبطله) ms0810 أي لا يبطل التعليق إذا لم يوجد الشرط: بأن طلق ~~امرأته دون الثلاث وراجعها، ثم وجد الشرط فإنه ينزل الجزاء، بل ينحل اليمين ~~لوجود الشرط وإن لم يكن في الملك. فلو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم ~~طلقها واحدة وانقضت عدتها، ثم تزوجها فدخلت الدار طلقت لأن التعليق باق ~~لبقاء محله. # --- PageV03P352 ~~*** # (ففي غير «كلما») من ألفاظ التعليق (إن وجد الشرط مرة في الملك) المعلق ~~فيه ولو بعد عقد ثان فيه (ينحل) التعليق (إلى جزاء) لأن غير «كلما» من ~~ألفاظ التعليق لا يدل على التكرار، وقد وجد الشرط في الملك، فيقع الجزاء ~~المعلق عليه. (وإن وجد) الشرط مرة (في غير الملك) ينحل التعليق لوجود الشرط ~~(لا إلى جزاء) لعدم المحلية. قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه العلم على ~~أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار، ثم طلقها ثلاثا، ~~ثم نكحت غيره، ثم نكحها الحالف، ثم دخلت الدار لا يقع عليها طلاق. ولو ~~أبانها بدون الثلاث، ثم وجد الشرط انحلت اليمين حتى لو تزوجها بعد لا يقع ~~شيء. وإن لم يوجد الشرط في حال البينونة، ثم نكحها لم تنحل عند أبي حنيفة ~~ومالك وأحد أقوال الشافعي، وله قول: لا تعود الصفة بحال. واختاره المزني. انتهى. # (وفي «كلما» ينحل بعد الثلاث فلا يقع) الطلاق (إن نكحها بعد زوج آخر) ~~وقال زفر: يقع لأن «كلما» لعموم الأفعال قال تعالى: {كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا}. ولنا: أن التعليق والعموم باعتبار الملك الموجود، وقد زال ~~ذلك الملك فيبطل (إلا إذا دخلت) كلما (في التزوج) نحو: كلما أتزوجك فأنت ~~طالق، فإن الجزاء يقع إن نكحها بعد زوج آخر، لأن انعقاد هذا التعليق على ما ~~يملك عليها من الطلاق بالتزوج، وهو غير محصور. # (وإن اختلفا في وجود الشرط فالقول له) أي للزوج لأنه ينكر وقوع الطلاق، ~~وهي تدعيه، والقول قول المنكر. (إلا مع حجتها) لأنها أوضحت دعواها بالبينة. # --- PageV03P353 ~~*** # (وفي شرط لا يعلم إلا منها نحو: إن حضت فأنت طالق وفلانة) فقالت: حضت، ms0811 ~~وكذبها الزوج (صدقت في حقها فقط) أي ولم تصدق في حق فلانة (فيحكم بعد ثلاثة ~~أيام بالطلاق) أي بوقوعه (في أولها) أي أول الثلاثة. ومذهب الشافعي عند ~~انقضاء يوم وليلة، وفي وجه في مذهبه وهو قول أحمد: عند أول رؤية الدم. ~~والقياس أن لا تصدق لأنها تدعي حنث الزوج، وهو ينكره. # ووجه الاستحسان أنها مأمورة بإظهار ما عندها لقوله تعالى: {ولا يحل لهن ~~أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} ولو لم يكن قولها فيه مقبولا لم يكن ~~لأمرها به فائدة. وإنما لا تصدق في حق فلانة لأنها متهمة فيه، ولو صدقها ~~الزوج طلقت ضرتها أيضا لثبوت الحيض في حقها بتصديقه. ولما كان أقل الحيض ~~عندنا ثلاثة أيام، فإذا استمر الدم إليها عرف أنه حيض، فتطلق عندها طلاقا ~~مستندا إلى أوله. حتى لو كانت غير مدخول بها وتزوجت عند رؤية الدم، صح ~~نكاحها. # (وفي: إن حضت حيضة) فأنت طالق (يقع) الطلاق (إذا طهرت) لأن الحيضة اسم ~~للمرة من الحيض، ولا تحصل إلا بانتهائه وهو الطهر. ولو قال لحائض: إذا حضت ~~فأنت طالق لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض. # ولو قال لطاهر: إذا طهرت فأنت طالق لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر. لأن اليمين ~~يقتضي شرطا مستقبلا، وهذا قد مضى بعضه وبقي بعضه ، وما مضى لا يدخل تحت ~~اليمين فكذا ما بقي. (وفي: إن صمت يوما) فأنت طالق فصامت يقع الطلاق (إذا ~~غربت الشمس) لأن ذكر اليوم يدل على كمال الصوم، وذلك بغروب الشمس (بخلاف إن ~~صمت) فأنت طالق، فإنها تطلق بأول الشروع في الصوم لوجود ركن الصوم وعدم ما ~~يدل على كماله. # --- PageV03P354 ~~*** # (وإن علق طلقة بولادة ذكر وطلقتين بأنثى) بأن قال: إن ولدت ذكرا فأنت ~~طالق واحدة، وإن ولدت أنثى فثنتين (فولدتهما ولم يدر الأول) كأن كانت ~~الولادة ليلا (طلقت واحدة قضاء) لتيقنها (وثنتين تنزها) أي تباعدا عن ~~الحرمة واحتياطا حتى لو كانت عنده بتطليقة لا يتزوجها (وانقضت العدة ~~بالثاني) بيقين لأن الحامل تنقضي عدتها بوضع حملها، فإن ولدت الذكر ms0812 أولا ~~انقضت عدتها (بوضع الأنثى، وإن ولدت الأنثى أولا انقضت عدتها بوضع) الذكر. ~~وفي «الجامع»: لو قال: إن ولدت ولدا فأنت طالق، وإن كان الذي تلدينه غلاما ~~فأنت طالق ثنتين، فولدت غلاما يقع الثلاث لوجود الشرطين، لأن المطلق موجود ~~في ضمن المقيد، وهو قول مالك والشافعي. # (وإن علق) الطلاق (بشيئين يقع الطلاق إن وجد الثاني في الملك) سواء وجد ~~الأول فيه أو لا، حتى لو قال: إن كلمت أبا عمرو وأبا زيد فأنت طالق ثلاثا، ~~ثم طلقها، ثم انقضت عدتها، فكلمت أبا عمرو، ثم تزوجها فكلمت أبا زيد طلقت ~~ثلاثا. قيد بوجود الثاني في الملك، لأنه لو وجد في غيره لا يقع الطلاق ~~باتفاق. سواء وجد الأول في الملك، أو في غيره. # --- PageV03P355 ~~*** # وقال زفر: لا بد من وجود الأول في الملك أيضا اعتبارا بالثاني، إذ هما ~~لتوقف الطلاق عليهما كشيء واحد. ولو ذكر الجزاء بين شرطين بغير حرف الواو ~~والفاء، يجعل الشرط الأخير غاية لليمين. ولو ذكر الجزاء مؤخرا عن الشرطين، ~~يجعل الشرط الأول مع الجزاء جزاء للشرط الثاني على التقديم والتأخير إن صلح ~~لذلك بذكر الفاء أو إضماره في الشرط الأول في الذكر، كقوله تعالى: {فإذا ~~أحصن فإن آتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} فإن التقدير ~~والله تعالى أعلم إن أتين بفاحشة فإذا أحصن فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب ، ومعنى أحصن على قراءة الفتح : # أسلمن، وعلى قراءة الضم: زوجن. # ولو ذكر الجزاء مقدما على الشرطين، يجعل الشرط الأخير مقدما في التقدير، ~~ويكون شرطا لانعقاد اليمين، والشرط السابق شرط الحنث. فإذا قال: أنت طالق ~~إن دخلت الدار إن كلمت زيدا، فإذا كلمت زيدا ينعقد اليمين، ثم إذا دخلت ~~الدار يقع الطلاق. ونظيره في التقديم والتأخير قوله تعالى: {ولا ينفعكم ~~نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان ا يريد أن يغويكم}. # (والتنجيز) أي تنجيز الثلاث (يبطل التعليق) أي تعليق الثلاث (فلو علق) ~~بأن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا (ثم نجز الثلاث) بأن قال: ms0813 أنت طالق ~~ثلاثا قبل دخول الدار. (ثم عادت إليه بعد التحليل ثم وجد الشرط) بأن دخلت ~~الدار (لا يقع) الطلاق المعلق، وهو قول الشافعي الجديد ومالك وأحمد. وقال ~~زفر وهو قول الشافعي القديم : يقع. # --- PageV03P356 ~~*** # (وإن وصل: إن شاء الله بكلامه بطل) كلامه عند أبي حنيفة ومحمد، وبه قال ~~ابن أبي ليلى وإسحاق، وأبو عبيدة، وبعض أصحاب الشافعي. وقال مالك: لا يبطل ~~الطلاق والعتاق والصدقة، ويبطل اليمين والنذر. وقال أحمد: لا يبطل الطلاق خاصة. # لنا: أن موسى عليه السلام قال: {ستجدني إن شاء الله صابرا} ولم يصبر. وما ~~روى أصحاب السنن الأربعة من حديث أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا ~~حنث عليه». ولفظ أبي داود والنسائي: «فقد استثنى». قال الترمذي: حديث حسن. ~~وقد روي عن نافع وسالم عن ابن عمر موقوفا، ولا نعلم أحدا يرفعه (غير أيوب ~~السختياني. وقال إسماعيل بن إبراهيم: كان أحيانا يرفعه وأحيانا لا يرفعه). ~~انتهى. وهذا كله غير قادح في الرفع لما مر من نظائره غير مرة. # وروى ابن عدي في «الكامل» عن إسحاق بن أبي يحيى الكعبي بسنده عن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قال لامرأته أنت طالق إن شاء ~~الله، أو لغلامه أنت حر إن شاء الله، أو علي المشي إلى بيت الله إن شاء ~~الله، فلا شيء عليه». إلا أن الدارقطني وابن حبان ضعفا إسحاق. قيد بالوصل ~~لأنه لو فصل إن شاء الله عن كلامه لا يبطل كلامه. وأراد بالوصل ما يقابل ~~الفصل غير الضروري، فيشمل الفصل الضروري كالفصل لتنفس أو عطاس أو جشاء أو ~~ثقل لسان. # والعطف في قوله: أنت طالق (ثلاثا وثلاثا، أو في أنت حرة وحرة إن شاء ~~الله، فاصل عند أبي حنيفة، خلافا لهما حيث لم يعداه فاصلا كما في قوله: أنت ~~طالق) وعبدي حر إن شاء الله، لكون الكلام موصولا ظاهرا. # فصل في طلاق المريض ms0814 الفار # --- PageV03P357 ~~*** # (من غالب حاله الهلاك) مبتدأ (كمريض عجز عن إقامة مصالحه خارج البيت) ~~سواء عجز عن إقامتها داخل البيت أو لم يعجز (ومن بارز) في الحرب، عطف على ~~مريض (أو قدم ليقتل لقصاص أو رجم) ونحوهما (مريض) خبر المبتدأ (مرض الموت) ~~(احتراز عمن أبانها في مرضه ثم صح ثم مات) ولأن الغالب في هذه الأشياء ~~الهلاك. # (فلو أبان زوجته) أي الحرة المسلمة بأن طلقها طلقة بائنة أو ثلاثا (بغير ~~رضاها) قيد به لأنه لو أبانها بأمرها، أو بانت منه باختيارها نفسها بسبب ~~تفويض، أو جب؛ أو عنة، أو خيار بلوغ أو عتق لا ترث، لأنها رضيت بإبطال حقها ~~(ومات) في ذلك المرض، أو في تلك المبارزة، أو ذلك التقديم (ولو بغير ذلك ~~السبب) بأن مات في ذلك المرض بغيره، وفي تلك المبارزة بمرض، وفي ذلك ~~التقديم بغير القتل أو الرجم، لأن الموت قد اتصل به في مرضه الذي طلقها فيه ~~فيكون فارا. (وإنما قلنا في ذلك المرض احترازا عمن أبانها في مرضه، ثم صح ~~ثم مات فإنه لا يكون فارا)، خلافا لزفر. # (وهي في العدة) قيد به لأنه لو مات بعد العدة لا ترث. وقال ابن أبي ليلى، ~~وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد: ترث بعد العدة ما لم تتزوج ~~بآخر. وعن مالك والليث: وإن تزوجت بأزواج (ترث) وفي نسخة: ترثه. وهذا جواب ~~لو، وبه قال مالك كما في الطلاق الرجعي. وقال الشافعي في الجديد، وأبو ثور، ~~وابن المنذر: لا ترث، وهو القياس. لأن سبب الإرث وهو الزوجية قد ارتفع ~~قبل الموت، فصار كما لو طلقها قبل الدخول، أو في الصحة، ولهذا لو حلف أنه ~~لا زوجة له لا يحنث. # --- PageV03P358 ~~*** # ولنا أن الزوجية سبب إرثها، والزوج قصد إبطالها فيرد عليه قصده بتأخير ~~عمله إلى انقضاء العدة لبقاء بعض الأحكام، بخلاف ما إذا ماتت هي حيث لا ~~يرثها، لأنه رضي بذلك، وبخلاف ما إذا طلقها بسؤالها لأنها رضيت ببطلان ~~حقها، واستحسانا لاتفاق الصحابة، فقد روي أن عبد الرحمن بن ms0815 عوف لما بت طلاق ~~امرأته تماضر بنت الأصبغ بن زياد بن الحصين الكلبية في مرضه، ومات عبد ~~الرحمن وهي في العدة ورثها عثمان بمحضر من المهاجرين والأنصار وقال: ما ~~اتهمته، ولكن أردت السنة. # وروي عن عمر وعائشة وابن مسعود وابن عمر وأبي بن كعب رضي الله عنهم: أن ~~امرأة الفار ترث ما دامت في العدة. وعن إبراهيم: جاء عروة البارقي إلى شريح ~~من عند عمر بخمس خصال منها: ما إذا طلق المريض امرأته ثلاثا ورثته إذا مات ~~وهي في العدة. وعن الشعبي: أن أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزارية كانت ~~تحت عثمان بن عفان رضي الله عنه ففارقها بعدما حصر، فجاءت إلى علي بعدما ~~قتل وأخبرته بذلك، فقال: تركها حتى إذا أشرف على الموت فارقها، وورثها منه. ~~ويشكل هذا بقولهم: لو كان محصورا في حصن لا يكون فارا. # وعن عائشة: أن امرأة الفار ترث منه ما دامت في العدة. وعن أبي بن كعب: ~~أنها ترث ما لم تتزوج. وقال ابن سيرين: كانوا يقولون ولا يختلفون: من فر من ~~كتاب الله رد إليه. يعني هذا الحكم يرد عليه قصده. ولم ينقل عن صحابي ~~خلافه، وبه قال النخعي، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، وعروة، ~~وشريح، وطاوس، والثوري، وابن شبرمة، وحماد بن أبي سليمان، وبمثله يترك ~~القياس. وابن عوف لم ينكر التوريث حتى روي عن عثمان (أنه) عاده فقال: لو مت ~~ورثتها منك، فقال: أنا أعلم ذلك، ما طلقتها فرارا ولا ضرارا. # --- PageV03P359 ~~*** # وقال ابن أبي ليلى: إن عدتها في حق الميراث لا تنقضي حتى إن لها الميراث ~~ما لم تتزوج، فإذا تزوجت فهي التي رضيت بسقوط حقها، ولها ذلك كما لو سألته ~~في الابتداء. ولكنا نقول لما انقضت عدتها حل لها أن تتزوج، وذلك دليل حكمي ~~مناف للنكاح الأول، فلا يبقى معه النكاح حكما كما لو تزوجت. وعلماؤنا شرطوا ~~بقاء عدتها لإرثها منه، ونفاه مالك وورثها منه وإن تزوجت، لإطلاق: من فر من ~~كتاب الله رد إليه. قلنا: المرأة الواحدة لا ms0816 ترث من زوجين بحكم النكاح، وما ~~قال يؤدي إليه. # ويجعل أبو يوسف العدة بالأقراء، لأن النكاح قد انقطع بالطلاق قبل الموت، ~~فلزمها أن تعتد بثلاث حيض، وإبقاء النكاح في حق الإرث أمر حكمي، فلا يظهر ~~في حق تغيير العدة. وأبو حنيفة ومحمد قدراها بأبعد الأجلين، لأن نكاحها لها ~~إذا بقي في حق الإرث، فبقاؤه في حق العدة أولى لأنها أسرع ثبوتا منه، ولهذا ~~وجبت دونه في النكاح الفاسد. # (ومن هو في صف القتال أو حم) أي حصل له حمى لم يعجز معها من إقامة مصالحه ~~خارج البيت. فمن مبتدأ، وحم عطف على هو في صف القتال، وكذا قوله: (أو حبس ~~لقتل) في حد، أو قصاص، أو نزل في مسبعة وهي أرض كثيرة السبع أو في مخيف ~~من عدو، أو حصر في حصن أو دار (صحيح) خبر المبتدأ، والمراد به صحيح في حق ~~الطلاق حتى لو طلقها في حال من هذه الأحوال، ومات بذلك السبب وهي في العدة ~~لا ترث، لأنه لا يغلب في مثل هذا الهلاك. # --- PageV03P360 ~~*** # (ولو تصادقا) أي الزوج والمرأة (في مرضه على طلاقها ومضي عدتها) بأن ~~يقول: كنت طلقتك ثلاثا في صحتي، وانقضت عدتك وصدقته. (أو أبانها بأمرها ثم ~~أقر لها) بعد التصادق أو الإبانة (بدين أو أوصى) بوصية (فلها الأقل منه) أي ~~من كل واحد من الإقرار والوصية (ومن الإرث) وهذا عند أبي حنيفة في ~~المسألتين أعني التصديق والإبانة، وعند أبي يوسف ومحمد في البائنة. وقال ~~زفر: لها جميع ما أقر به أو أوصى في المسألتين، وإن تصادقا على الإبانة ~~ومضي العدة في زمان الصحة فأقر، أو أوصى لها بشيء فالحكم كما تقدم عند أبي ~~حنيفة، وحكما بصحتها كمالك والشافعي. # (وإن علق) الزوج (بينونتها بشرط ووجد) ذلك الشرط (في مرضه) سواء كان ~~التعليق في الصحة أو في المرض (ترث إن علق بفعله) سواء كان الفعل مما له ~~منه بد، أو مما لا بد منه، لأنه قصد إبطال حقها بالتعليق وبمباشرة الشرط في ~~المرض فيرد عليه. قيد بالبينونة، ms0817 لأنه لو علق الرجعي ورثت في الأحوال ~~الماضية كلها إذا مات في عدتها (أو بفعلها ولا بد لها منه) كالأكل والشرب ~~وكلام الأبوين وقضاء الدين واستقضائه، سواء كان التعليق في الصحة أو في ~~المرض، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. # وقال محمد وهو قول زفر : إذا كان التعليق في الصحة والشرط في المرض لا ~~ترث، لأنه لم يوجد من الزوج صنع بعد تعلق حقها بماله، وإنما المرأة أبطلت ~~حقها بإتيانها بذلك الفعل. ولهما: أن الزوج ألجأها إلى المباشرة، فينتقل ~~إليه الفعل كما في الإكراه. # --- PageV03P361 ~~*** # وفي مبسوط فخر الإسلام: الصحيح في هذه المسألة قول محمد. قيد الفعل بكونه ~~لا بد لها منه، لأنه لو كان لها منه بد لا ترث، سواء كان التعليق والشرط في ~~المرض، أو كان التعليق في الصحة والشرط في المرض، لأنها رضيت بالشرط فصار ~~كما لو طلقها بسؤالها (أو) علق (بغيرهما) أي بغير فعله وفعلها بأن علق ~~بينونتها بفعل أجنبي أو بمجيء وقت (وقد علق في المرض) قيد به، لأنه لو علق ~~في الصحة لا ترث. وقال زفر وأحمد والأوزاعي (والثوري): ترث، لأن المعلق ~~بالشرط كالمنجز عند وجوده، فكان تطليقا بعد تعلق حقها فيرد عليه لأنه ظلم. ~~ولنا: أن المعلق بالشرط كالمنجز عنده حكما لا قصدا، ولا ظلم إلا عن قصد، ~~فلا يرد تصرفه. والله أعلم. # فصل (في الرجعة) # (تصح الرجعة) بفتح الراء وبكسرها (في العدة) لقوله تعالى: {فإمساك ~~بمعروف}، ولأن الرجعة استدامة ملك النكاح، ولا ملك بعد انقضاء العدة. ~~والدليل على بقاء الملك مطلقا أنه يملك التصرفات كالظهار والإيلاء، وأنهما ~~يتوارثان، وأنه يحل وطؤها بعد الرجعة، وهي ليست بسبب لحل الوطىء مقصودا، ~~حتى لا يعتبر فيها مهر ولا رضاها، وهذا معنى قوله: (وإن أبت) أي المرأة ~~لقوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} أي زمان العدة، وعليه إجماع أهل ~~العلم (إذا لم تبن) لم تصر بائنة (خفيفة) وهي طلقة بائنة (أو غليظة) وهي ~~الثلاث في الحرة. والثنتان في الأمة (بنحو: راجعتك) وارتجعتك، ورجعتك، ~~ورددتك، وأمسكتك، ومسكتك، ms0818 أو راجعت امرأتي إن كانت غائبة، وهذا صريح ~~الرجعة. # --- PageV03P362 ~~*** # وأما كنايتها فنحو: أنت عندي كما كنت، وأنت امرأتي إذا نوى الرجعة ~~(وبوطئها) في فرجها أو دبرها، وعليه الفتوى. (ومسها بشهوة ونظره إلى فرجها) ~~الداخل (بشهوة) قيد بالفرج لأن النظر إلى دبرها ليس برجعة. وقال مالك ~~وإسحاق: إن أراد بالوطىء الرجعة فهو رجعة. وقال الشافعي وأبو ثور: لا تكون ~~الرجعة إلا بالقول. # ولنا: أنه بوطئها وبكل فعل يختص بالنكاح يكون مستديما لملك النكاح، كوطىء ~~البائع أمته إذا كان له الخيار. ولو لمست زوجها بشهوة، أو نظرت إلى فرجه ~~بشهوة وعلم الزوج بذلك وتركها، فهو رجعة. وإن كان ذلك اختلاسا منها لا ~~بتمكينه، فقال السرخسي وشيخ الإسلام: إنه رجعة عند أبي حنيفة ومحمد اعتبارا ~~بالمصاهرة، وليست برجعة عند أبي يوسف، لأن الرجعة إنما تكون من جانب الزوج. ~~ولو تزوجها في العدة فرجعة عند محمد، ولغو عند أبي حنيفة، وعن أبي يوسف ~~روايتان. قال أبو جعفر: وبقول محمد نأخذ. وفي «الينابيع»: وعليه الفتوى. # (وندب إشهاده على الرجعة) بأن يقول لاثنين من المسلمين: اشهدا أني راجعت ~~زوجتي، وبهذا قال مالك، والشافعي في الأصح، وأحمد في رواية. وقال القاضي ~~أبو بكر بن العلاء، وأهل الظاهر: يجب الإشهاد لقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي ~~عدل منكم} حيث أمر بالإشهاد، والأمر للوجوب. # ولنا: أن النصوص الواردة في الرجعة ليست مقيدة بإشهاد لقوله تعالى: {فإذا ~~بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف}، وقوله تعالى: {وبعولتهن ~~أحق بردهن}، وقوله تعالى: {فإمساك بمعروف} وقوله: {فلا جناح عليهما أن ~~يتراجعا}، وقوله صلى الله عليه وسلم «مر ابنك فليراجعها». وهو مروي عن ابن ~~مسعود وعمار بن ياسر. # --- PageV03P363 ~~*** # (و) ندب (إعلامها) أي إعلام الرجل المرأة (بها) أي بالرجعة، لأنها إذا لم ~~تعلم ربما تزوجت بآخر بعد انقضاء عدتها. قال الطحاوي في شرحه: والرجعة على ~~ضربين: سني وبدعي، فالسني أن يراجعها بالقول، ويشهد على رجعتها ويعلمها، ~~حتى لو راجعها بالقول ولم يشهد أو أشهد ولم يعلمها كان مخالفا للسنة. وقال ~~الحاكم الشهيد: وإذا كتمها الطلاق، ثم ms0819 راجعها وكتمها الرجعة، فهي امرأته، ~~غير أنه قد أساء فيما صنع. ولو راجعها ولم تعلم حتى انقضت عدتها وتزوجت ~~بآخر، فهي امرأته ويفرق بينها وبين الثاني سواء دخل بها، أو لم يدخل. # (و) ندب (أن لا يدخل عليها حتى يؤذنها) أي يعلمها بدخوله: بأن يخفق نعله ~~أو يتنحنح (إن لم يقصد رجعتها) لأنه قد يقع بصره على موضع يصير به مراجعا، ~~فيحتاج إلى طلاقها ثانيا فيطول عليها العدة، وتتضرر بامتداد المدة. # (ومعتدة الرجعي تتزين) لأن النكاح قائم إلى انقضاء العدة، ولهذا يجري ~~التوارث بينهما، وتطلق طلقة أخرى إذا قال: كل امرأة لي طالق. ولأن التزين ~~ربما كان حاملا له على الرجعة وهي مستحبة. (وله وطؤها) ويكون به مراجعا. ~~وقال الشافعي: ليس له ذلك. ولنا أن الزوجية قائمة لأنه تعالى سماه بعلا ~~بقوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} ولأنه يملك مراجعتها بالقول من ~~غير رضاها، والأجنبي لا يقدر على ذلك. (ولا يسافر بها حتى) يراجعها و(يشهد ~~على رجعتها) على سبيل الاستحباب، لأن بالإشهاد يتقرر ملك الزوج اتفاقا. # --- PageV03P364 ~~*** # وقال زفر: يجوز له أن يسافر بها، وإن لم يراجعها لأن النكاح بينهما قائم، ~~فصار كما لو لم يطلقها. ولنا: قوله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ~~يخرجن} الآية في الرجعي لقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن}، وقوله تعالى: {لا ~~تدري لعل ا يحدث بعد ذلك أمرا}. # (وصدقت في مضي عدتها إن أمكن) مضيها (وفي بقائها) واختلف في أقل مدة تصدق ~~فيها الحرة الحائض في انقضاء عدتها: فقال أبو حنيفة: ستون يوما، وقال أبو ~~يوسف ومحمد: تسعة وثلاثون يوما، وقال مالك: أربعون يوما، وقال الشافعي: ~~أكثر من اثنين وثلاثين يوما، وقالت الحنابلة: تسعة وعشرون يوما. وأما أقل ~~مدة تصدق فيها الأمة، فعند أبي حنيفة على تخريج محمد: أربعون يوما، وعلى ~~تخريج الحسن خمسة وثلاثون يوما، وعند أبي يوسف ومحمد: أحد وعشرون يوما. # (و) في (تكذيبها إخباره) أي وصدقت المرأة في تكذيبها إخبار الزوج بعد ~~العدة (بالرجعة في العدة) بأن قال بعد العدة: كنت راجعت فيها، ms0820 وكذبته. # ويجوز أن ينكح الرجل مبانته في العدة وبعدها لبقاء المحل، وإنما منع ~~الغير من نكاحها في العدة لاشتباه النسب ، وهو إنما يكون عند اختلاف ~~المياه، ولا اختلاف ههنا. # --- PageV03P365 ~~*** # (ولا تحل حرة) لمطلقها قبل الدخول بها أو بعده (بعد ثلاث، ولا أمة) ~~لمطلقها كذلك (بعد ثنتين حتى يطأها) ولو بغير إنزال، أو في حيض، أو صوم، أو ~~إحرام (بالغ أو مراهق) وهو القريب من البلوغ. وقيل: الذي تتحرك آلته ويشتهي ~~الجماع. وقال سعيد بن المسيب: لا يشترط الوطىء، لما في «سنن سعيد بن ~~منصور»، عن ابن المسيب قال: الناس يقولون حتى يجامعها، أما أنا أقول إذا ~~تزوجها نكاحا صحيحا فإنها تحل للأول. وقد تبعه طائفة من الخوارج واستغرب ~~هذا منه حتى قيل: لم يبلغه الحديث. كما استغرب من الحسن اشتراط الإنزال ~~نظرا إلى معنى العسيلة، وقولهما غير معتبر حتى لو قضى القاضي به لا ينفذ. # (بنكاح صحيح) لا بملك يمين ولا نكاح فاسد، لأن النكاح مشروط بالنص، فلا ~~يتناول وطىء المولى وهو مطلق، فلا يتناول الفاسد لأن المطلق يحمل على ~~الكامل. وقال الشافعي في القديم: الوطىء في النكاح الفاسد يحل. (وقال مالك ~~وأحمد في رواية: الوطىء في الحيض أو الإحرام لا يحل كالنكاح الفاسد). وحتى ~~(تمضي عدة طلاقه) أو عدة موته لقوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره} المراد الطلقة الثالثة، والثنتان في الأمة كالثلاث في ~~الحرة، إذ الرق منصف لحل المحل. # --- PageV03P366 ~~*** # والوطىء شرط عند الجمهور لما روى أصحاب الكتب الستة من حديث عائشة قالت: ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته، فتزوجت زوجا غيره ~~فدخل بها، ثم طلقها قبل أن يواقعها أتحل لزوجها الأول؟ قال: «لا حتى يذوق ~~الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول». وفي نسخة: «مثل ما ذاق الأول». وروى أحمد ~~في مسنده، عن مروان عن أبي عبد الملك المكي، عن عبد الله ابن أبي مليكة، عن ~~عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العسيلة الجماع». ورواه ms0821 ~~الدارقطني في سننه، لكن المكي مجهول. # وفي السنن إلا أبا داود عنها أيضا قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني وبت طلاقي، فتزوجت ~~بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم صلى الله ~~عليه وسلم وقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة»؟ قالت: نعم. قال: «لا حتى ~~تذوقي عسيلته ويذوق من عسيلتك». وفي لفظ للبخاري قال: كذبت والله يا رسول ~~الله، إني لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشز تريد أن ترجع إلى رفاعة. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإن كان ذلك لا تحلين له حتى يذوق من ~~عسيلتك». قال: وكان مع عبد الرحمن ابنان له من غيرها، فقال صلى الله عليه ~~وسلم «بنوك هؤلاء؟». قال: نعم. فقال لها: هذا، وأنت تزعمين ما تزعمين، ~~فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب». # --- PageV03P367 ~~*** # وقد ثبت شرط الدخول بإشارة النص، وهو أن يحمل النكاح على الوطىء حملا ~~للكلام على الإفادة دون الإعادة، إذ العقد استفيد من إطلاق اسم الزوج. وفي ~~«المبسوط»: المقصود منع الزوج من استكثار الطلاق، وذا لا يحصل بمجرد العقد، ~~بل بما فيه من المغايظة للزوج، ودخول الثاني مباح مبغض عند الزوج الأول، ~~كما أن الاستكثار من الطلاق مباح مبغض أي عند الله ليكون الجزاء بحسب العمل ~~أي {جزاء وفاقا}. # وفي «الأصل»: وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثا جميعا، فقد خالف السنة وهي ~~طالق ثلاثا، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، ويدخل بها. بلغنا ذلك عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وغيرهم، إن دخل ~~بها أو لم يدخل بها أي الزوج الأول فهو سواء. وعن «المشكلات»: من طلق ~~امرأته غير المدخول بها ثلاثا، فله أن يتزوجها بلا تحليل، وأما قوله تعالى: ~~{فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ففي حق المدخول بها. ~~انتهى. وهذه رواية مردودة بالغ ابن الهمام في تخطئة قائلها، بل قيل: ~~بتكفيره. # وذكر التمرتاشي عن ms0822 «فتاوى الوتري»: أن الشيخ الكبير الذي لا يقدر على ~~الجماع لو أولج بمساعدة اليد لا تحل. وفي «العيون» و«الفتاوى الصغرى»: لو ~~خافت أن يظهر أمرها على المحلل تهب لبعض من تثق به مالا يشتري به مراهقا ~~فيتزوجها به بشاهدين ويدخل بها، ثم يهب المشتري المملوك من المرأة فيبطل ~~النكاح، وترسل المملوك إلى بلد آخر وتبيعه، فلا يظهر أمرها بوطىء الزوج ~~الثاني. # --- PageV03P368 ~~*** # وذكر التمرتاشي أنها إن خافت أن لا يطلقها المحلل فقالت: زوجتك نفسي على ~~أن أمري بيدي أطلق نفسي كلما أردت، فقيل: جاز النكاح، وصار أمرها بيدها. ~~ولو كانت المرأة مفضاة لا تحل للأول بعد دخول الثاني إلا إذا حبلت، ليعلم ~~أن الوطىء كان في قبلها. ووطىء الذمي الذمية يحلها، وبه قال الشافعي وأحمد. ~~وقال مالك: لا يحلها بناء على فساد أنكحتهم عنده. # (والنكاح بشرط التحليل) بأن يقول هو تزوجتك على أن أحللك، أو تقول هي ~~تزوجتك على أن تحللني (يكره ويحل) بضم فكسر أي يثبت الحل. قيد بشرط ~~التحليل، لأنه لو لم يكن بشرط بل كان بنيته لا يكره. قال المرغيناني: ويثاب ~~على ذلك إذا كان قصده به الإصلاح. # وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف والليث وإسحاق وأبو عبيد: اشتراط ~~التحليل يفسد العقد، ولا تحل للأول. وقال محمد رحمه الله تعالى: لا يفسد ~~العقد، ولا تحل للأول. لهم: ما رواه الحاكم في «المستدرك» وصححه، من حديث ~~عمرو بن نافع، عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنه فسأله عن ~~رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوجها أخ له ليحلها وفي نسخة: ليحللها لأخيه هل ~~تحل للأول؟ قال: لا إن النكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # وما روى النسائي، وأحمد، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، أنه قال صلى الله ~~عليه وسلم «لعن الله المحلل والمحلل له». وما روى ابن ماجه من حديث ابن ~~عباس وعقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أخبركم ~~بالتيس المستعار؟ قالوا: ms0823 بلى يا رسول الله قال: «هو المحل ، وفي نسخة: ~~المحلل لعن الله المحلل والمحلل له». # --- PageV03P369 ~~*** # قال عبد الحق (في «الأحكام»: إسناده حسن، وروى أبو داود) والترمذي، وابن ~~ماجه، عن الحارث، عن علي قال: لعن رسول الله المحلل والمحلل له. ورواه ~~الترمذي والنسائي عن ابن مسعود من غير وجه. ورواه أحمد، والبزار وابن أبي ~~شيبة، وغيرهم عن أبي هريرة بنحوه سواء. # ولنا: أن شرط التحليل في النكاح شرط فاسد، والنكاح لا يفسد بالشروط ~~الفاسدة، إلا أن محمدا لم يثبت الحل للأول لأنه استعجل ما أخره الشرع فجوزي ~~بمنعه. فهذا الحديث يقتضي صحة النكاح والحل للزوج الأول والكراهة. والجواب ~~عن حديث الحاكم: أنه ليس بمرفوع فلا يعارض المرفوع. # (وإن قالت) المطلقة ثلاثا (حللت، والمدة تحتمل) بأن ذكرت لكل عدة ما ~~يمكن، وهو شهران عند أبي حنيفة رحمه الله، وتسعة وثلاثون يوما عندهما (وغلب ~~على ظنه صدقها حل له نكاحها) لأن النكاح إما أمر دنيوي، وقول الواحد فيه ~~مقبول كالوكالة، وإما أمر ديني وقول الواحد فيه مقبول كالإخبار بطهارة شيء، ~~ونجاسة الماء، ورواية الحديث. وسئل الصفار ونجم الدين النسفي عن امرأة سمعت ~~الطلاق الثلاث من الزوج، ولا يمتنع عنها هل يسعها قتله؟ قالا: يسعها عند ~~إرادة قربانها. وهكذا أفتى السيد أبو الشجاع. وقال: الإسبيجابي: لا يسعها. # (والزوج الثاني يهدم ما دون الثلاث) عند أبي حنيفة (وأبي يوسف) حتى لو ~~طلقها واحدة، وانقضت عدتها، وتزوجت بآخر وطلقها، وانقضت عدتها منه، ثم ~~تزوجها الأول يملك عليها ثلاثا إن كانت حرة، وثنتين إن كانت أمة. # --- PageV03P370 ~~*** # (خلافا لمحمد) فإن عنده لا يهدم، فيملكها الأول إذا عادت إليه بعد زوج ~~بما بقي من الثلاث. وبه قال مالك والشافعي وأحمد وزفر لما روى البيهقي في ~~«المعرفة» من طريق الشافعي، عن ابن عيينة (عن الزهري، عن حميد بن عبد ~~الرحمن بن عوف، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة،) وسليمان بن يسار أنهم ~~سمعوا أبا هريرة يقول: سألت عمر بن الخطاب عن رجل من أهل البحرين طلق ~~امرأته تطليقة أو ms0824 تطليقتين، ثم انقضت عدتها. فتزوجها غيره، ثم فارقها، ثم ~~تزوجها الأول. قال: هي عنده على ما بقي. وروى أيضا من حديث الحاكم ابن ~~عيينة، عن يزيد بن جابر، عن أبيه أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: هي على ما ~~بقي. ونقل مثله عن أبي بن كعب، وعمران بن حصين. # ولأبي حنيفة وأبي يوسف: ما روى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حماد ~~بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير قال: كنت جالسا عند (عبد الله ابن) عتبة بن ~~مسعود إذ جاءه أعرابي، فسأله عن رجل طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين، ثم ~~انقضت عدتها وتزوجت زوجا غيره فدخل بها، ثم مات عنها أو طلقها، ثم انقضت ~~عدتها فأراد الأول أن يتزوجها، على كم هي عنده؟ فالتفت إلى ابن عباس وقال: ~~ما تقول في هذا؟ فقال: يهدم الزوج الثاني الواحدة والثنتين والثلاث، واسأل ~~ابن عمر. قال: فلقيت ابن عمر فسألته، فقال مثل ما قال ابن عباس. قال بعض ~~المحققين: الظاهر ما قال محمد وباقي الأئمة. ولقد صدق قول صاحب «الأسرار»: ~~مسألة اختلف فيها كبار الصحابة (يعوز فقهها)، ويصعب الخروج عنها. # فصل (في الإيلاء) # (الإيلاء) في اللغة: اليمين، يقال: آلى يؤلي إيلاء، كأعطى يعطي إعطاء. # --- PageV03P371 ~~*** # وفي الشرع: (حلف) بما يوجب الكفارة أو الجزاء (يمنع وطىء الزوجة) مسلمة ~~كانت أو كتابية (أربعة أشهر) أو أكثر حال كونها (حرة)، وإن كانت تحت عبد ~~(وشهرين) حال كونها (أمة) كوالله لا أقربك أربعة أشهر، أو والله لا أقربك. ~~قيد بالزوجة لأن الشخص لا يكون موليا من أمته، لأن قوله تعالى: {للذين ~~يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} لا يتناول إلا الزوجات. ويصح الإيلاء من ~~المطلقة الرجعية لقيام الزوجية، ولقوله تعالى: {وبعولتهن}، والبعل: الزوج حقيقة. # وقال مالك والشافعي أزيد من أربعة أشهر. لنا: أن النص على أربعة أشهر ~~يمنع الزيادة عليها، كالنص على أربعة أشهر وعشر في عدة الوفاة، وعلى ثلاثة ~~في عدة الحياة. # وروى الواحدي في «أسباب النزول» بسنده عن عطاء، عن ابن عباس قال: ms0825 كان ~~إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، فوقت الله أربعة أشهر، ~~فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بمول. ثم قال سعيد بن المسيب: كان ~~الإيلاء ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يريد المرأة، ولا يحب أن يتزوجها ~~غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدا، فكان يتركها كذلك، لا أيما ولا ذات بعل، ~~فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر، ~~وأنزل: {للذين يؤلون من نسائهم} الآية. # وألفاظه صريح نحو: لا أقربك، لا أجامعك، لا أطؤك، لا أباضعك، لا أغتسل ~~منك من جنابة، فلو ادعى أنه لم يعن الجماع لم يصدق قضاء، وكناية يحتاج ~~إليها نحو: لا أمسك، لا آتيك، لا أغشاك، لا أجمع رأسي ورأسك، لا أضاجعك، لا ~~أقرب فراشك، ويصدق في عدم النية قضاء. # --- PageV03P372 ~~*** # (فإن قربها) أي وطئها الزوج في المدة، أي في أربعة أشهر في الحرة، وفي ~~شهرين في الأمة (حنث) لفوات البر (ويجب الكفارة في الحلف بالله) وهو قول ~~مالك، والشافعي في الجديد، وأحمد، لأن هذا النوع من الحلف موجب للكفارة عند الحنث. # (و) يجب (في غيره) أي في غير الحلف بالله وهو التعليق (الجزاء) لتحقق ~~موجبه (ويسقط الإيلاء) بإجماع العلماء لانحلال اليمين بالحنث. # (وإلا) أي وإن لم يقربها الزوج في المدة (بانت بواحدة) ولا تتوقف الفرقة ~~بينهما على تطليقه إياها، أو تفريق الحاكم بينهما عندنا. وقال مالك، ~~والشافعي، وأحمد يوقف حتى يطلق. والمسألة ذات خلاف بين الصحابة والتابعين. ~~قال البخاري في «صحيحه»: قال لي إسماعيل: حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر: ~~إذا مضت المدة يوقف حتى يطلق. ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق. قال ويذكر عن ~~عثمان، وعلي، وأبي الدرداء، وعائشة، واثني عشر رجلا من الصحابة. # وقال أبو عيسى الترمذي في «جامعه»: اختلف أهل العلم، فقيل: إذا مضت أربعة ~~أشهر يوقف فإما أن يفيء، وإما أن يطلق. وهو قول مالك والشافعي وأحمد ~~وإسحاق. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: إذا ms0826 ~~مضت أربعة أشهر، فهي تطليقة بائنة. انتهى. وفي «موطأ محمد بن الحسن»: بلغنا ~~عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، أنهم ~~قالوا: إذا آلى الرجل من امرأته، فمضت أربعة أشهر قبل أن يفيء، فقد بانت ~~بتطليقة، وهو خاطب من الخطاب. وكانوا لا يرون أن توقف بعدها أربعة أشهر. # --- PageV03P373 ~~*** # قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة ~~أشهر فإن فاؤا فإن ا غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن ا سميع عليم} الفيء: ~~الجماع في الأربعة الأشهر، وعزيمة الطلاق: انقضاء الأربعة الأشهر، فإذا مضت ~~بانت بتطليقة ولا توقف بعدها. وكان ابن عباس أعلم بتفسير القرآن من غيره. ~~انتهى كلام محمد. # ثم عندهم الفيء الذي يؤمر به الزوج بعد مضي المدة لقوله تعالى: {فإن ~~فاؤا} بحرف التعقيب، وعندنا الفيء في المدة لقراءة ابن مسعود: فإن فاؤا ~~فيهن، وقراءته لا تتخلف فيها عن سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والتقسيم في قوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق} دليل أيضا على أن الفيء في ~~المدة، وعزيمة الطلاق بعدها، كما في قوله تعالى: {فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف} والإمساك بالمعروف بالمراجعة في العدة، والتسريح بالإحسان ~~بتركها حتى يتبين بمضي العدة. # ثم عندهم لا يقع إلا بتفريق القاضي بينهما، أو بإيقاع الزوج الطلاق، لأن ~~الله تعالى قال: {فإن عزموا الطلاق فإن ا سميع عليم} وهو إشارة إلى أن ~~عزيمة الطلاق بما هو مسموع، وذلك بأحدهما. # --- PageV03P374 ~~*** # ولنا أنه تعالى ذكر عزيمة الطلاق بعد ذكر المدة، وهو إشارة إلى أن ترك ~~الفيء في المدة عزيمة الطلاق عند مضيها. وقد روي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «عزيمة الطلاق مضي أربعة أشهر». وقد أضافه إلى الزوج، ~~فدل أن الطلاق يتم به من غير حاجة إلى قضاء القاضي. ومعنى قوله تعالى: {فإن ~~ا سميع عليم} لإيلائه عليم بقصد إضراره. وما رواه عبد الرزاق في «مصنفه»: ~~حدثنا معمر عن عطاء الخراساني، عن أبي سلمة بن عبد ms0827 الرحمن أن عثمان بن عفان ~~وزيد بن ثابت كانا يقولان في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة ~~واحدة، وهي أحق بنفسها، وتعتد عدة المطلقة. قال: وأخبرنا معمر، عن قتادة: ~~أن عليا، وابن عباس قالوا: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة، وهي أحق بنفسها، ~~وتعتد عدة المطلقة. # وأخرج نحوه عن عطاء، وجابر بن زيد، وعكرمة، وابن المسيب، وأبي بكر بن عبد ~~الرحمن، ومكحول. وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ابن عباس وابن عمر قالا: ~~إذا آلى فلم يفء حتى إذا مضت أربعة أشهر، فهي تطليقة بائنة. # وأخرج نحوه ابن الحنفية، والشعبي، والنخعي، ومسروق، والحسن، وابن سيرين، ~~وقبيصة، وسالم، وأبي سلمة. # والحاصل: أن ما رويناه فهو عن الأكابر منهم والفقهاء فيهم، فيكون أرجح ~~وأولى ويسمع الكل لقوله صلى الله عليه وسلم «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم». # (وسقط الحلف المؤقت) بأربعة أشهر في الحرة، وبشهرين في الأمة، لأن اليمين ~~لا تبقى بعد مضي وقتها. (لا المؤبد) أي فلا يسقط الحلف المؤبد نحو: والله ~~لا أقربك، وإن لم يقل أبدا عند أبي حنيفة، خلافا لهما حيث قالا: لا بد من ~~ذكر الأبد، أو ما يقوم مقامه. وإنما لم يسقط لعدم ما يبطله من حنث أو مضي وقت. # --- PageV03P375 ~~*** # (فتبين بأخرى إن مضت مدة أخرى) وهي أربعة أشهر في الحرة، وشهران في الأمة ~~(بعد نكاح ثان) من الحالف (بلا فيء) أي بلا قربان (ثم أخرى) أي ثم تبين ~~بأخرى (كذلك) أي إن مضت المدتان (بعد) نكاح (ثالث) من الحالف بلا فيء (وبقي ~~الحلف بعد) وقوع طلقات (ثلاث) لبقاء اليمين. # وفي «شرح الوقاية»: هذا إن كان الحلف بغير طلاقها، وإن كان بطلاقها لا ~~يبقى الحلف لأن التنجيز يبطل التعليق، (لا الإيلاء) أي ولا يبقى الإيلاء، ~~لأنه بمنزلة تعليق الطلاق بمضي الزمان، فلا يبقى بعد استيفاء الملك كما لو ~~قال: كلما مضى أربعة أشهر فأنت طالق. # (فإن قربها) بعد زوج (كفر) لبقاء اليمين (ولا تبين بالإيلاء) لزواله، ~~فصار كما لو قال لأجنبية: والله لا أقربك، ثم ms0828 تزوجها فإنه لا يكون موليا، ~~وتجب الكفارة إذا قربها. احترز بقوله «بعد نكاح ثان» عن قول أبي سهل ~~البردعي قال: إن اليمين تنعقد بعد انقضاء أربعة أشهر قبل انقضاء عدتها، لأن ~~معنى الإيلاء على الأبد هو كلما مضى أربعة أشهر ما أقربك فيها فأنت طالق، ~~ولو قال ذلك لكان الحكم فيه ما بينا. والأصح ما ذكره المصنف، وهو قول ~~الكرخي لأن انعقاد اليمين ابتداء لاعتبار معنى الإضرار، وهو ليس بموجود في ~~المبانة ما لم يتزوجها. # --- PageV03P376 ~~*** # (ولو عجز عن الفيء بالوطىء) من وقت الإيلاء إلى مضي أربعة أشهر في الحرة ~~وشهرين في الأمة (لمرض أحدهما أو غيره) أي لغير المرض: بأن كانت رتقاء، أو ~~صغيرة، أو في مكان لا يعرفه، أو كان مجبوبا، أو عنينا، أو أسيرا في دار ~~الحرب، أو بينه وبينها مسيرة أربعة أشهر (ففيؤه أن يقول: فئت إليها) أو: ~~رجعت إليها، أو: راجعتها، أو: أبطلت إيلاءها. وسقط الإيلاء على المذهب ~~عندنا، ولكن لا يحنث إلا بالوطىء. # وقال سعيد بن جبير: لا يكون الفيء إلا بالجماع، وهو مروي عن أبي ثور، ~~ومختار الطحاوي، وبه قال مالك والشافعي. قيدنا العجز بكونه من وقت الإيلاء ~~إلى آخر المدة، لأنه لو آلى وهو قادر على الوطىء ثم عجز عنه، أو آلى وهو ~~عاجز عنه ثم زال عجزه في المدة، لم يصح فيئه باللسان، لأن الفيء حلف عن ~~الجماع فيشترط فيه العجز المستوعب للمدة. # (فإن قدر) على الجماع (قبل المدة) بعد فيئه باللسان (ففيؤه بالوطىء) لأنه ~~قدر على الأصل قبل حصول المقصود بحلفه، فصار كالمتيمم إذا رأى الماء وهو في ~~الصلاة. (وفي: وأنت علي حرام) يرجع إلى نيته (إن نوى الظهار أو الثلاث أو ~~الكذب فما نوى)، وقال محمد: إن نوى الظهار لا يكون مظاهرا لعدم ركن الظهار، ~~وهو تشبيه بالمحرمة على التأبيد. # ولنا: أن هذا اللفظ يحتمل الظهار لما فيه من معنى الحرمة فإذا نواه صحت ~~نيته. (وإن نوى التحريم فإيلاء) لأن تحريم الحلال يمين عندنا لقوله تعالى: ~~{يا أيها النبي لم ms0829 تحرم ما أحل اا لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم ~~قد فرض ا لكم تحلة أيمانكم}. # --- PageV03P377 ~~*** # (وإن نوى الطلاق، أو لم ينو شيئا فيه) أي في: أنت علي حرام، (وكذا في: كل ~~حل علي حرام (وفي حلال الله علي حرام، وفي: حلال المسلمين علي حرام) ~~فبائنة) أما إن نوى «بأنت علي حرام» الطلاق، فإن التحريم من ألفاظ ~~الكنايات، والواقع بها بائن. وأما إذا لم ينو شيئا فجعله المتقدمون إيلاء، ~~وهو مختار صاحب «مواهب الرحمان»، وصرفه المتأخرون إلى الطلاق البائن، وهو ~~مختار الفضل، والإسكاف، وأبي بكر بن أبي سعيد، والفقيه أبي جعفر الهندواني. ~~قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ، لأن العادة جرت أنهم يريدون بهذا اللفظ ~~الطلاق. والله أعلم. # فصل في الخلع # وهو بالضم لغة في الخلع بمعنى النزع، يقال: خلع نعله وثوبه. # وشرعا: أخذ المال بإزاء ملك النكاح بلفظ الخلع. فإن الطلاق على مال ليس ~~خلعا بل في حكمه من وقوع البينونة لا مطلقا، وإلا يجري فيه الخلاف في أنه ~~فسخ. وقيل: إزالة الزوجية ببذل بدل. (لا بأس بالخلع عند الحاجة) لقوله ~~تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود ا فلا جناح عليهما فيما افتدت به}، ~~والمراد بالخوف هنا العلم، لأن الخوف من لوازمه. وقيل: الظن، وهو الأظهر. ~~والخطاب للحكام أو لأهل الإسلام، وهذا الشرط خرج مخرج العادة لجواز الخلع بدونه. # --- PageV03P378 ~~*** # والمراد بالحدود: ما يلزم الزوجين من مواجب الزوجية، وسمى ما أعطت فداء ~~لأنها كالأسير في يده تخلص نفسها منه. والمعنى: لا جناح على الزوج فيما ~~أخذ، ولا على المرأة فيما أعطت، ولما في «صحيح البخاري» عن ابن عباس: أن ~~امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ثابت بن قيس ما ~~أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال صلى الله ~~عليه وسلم «أتردين عليه حديقته»؟ قالت: نعم. قال صلى الله عليه وسلم «اقبل ~~الحديقة وطلقها تطليقة». (وفي «مصنف ابن أبي شيبة» مكان: «اقبل الحديقة ~~وطلقها»: فأمره أن يأخذ منها حديقته) ولا ms0830 يزداد. # وقال بكر بن عبد الله المزني: الخلع غير جائز، لأن الآية السابقة منسوخة ~~بقوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا}. وأجيب: بأن شرط النسخ العلم بتأخر الناسخ، وتعذر الجمع ~~بينهما. ولم يوجدا، إذ يمكن الجمع بحمل عدم الأخذ على سوى الخلع وفقد ~~رضاها. وقد يقال: إن النهي متعلق بما إذا أراد الزوج استبدال غيرها مكانها، ~~والآية الأخرى مطلقة، فكيف تكون ناسخة؟ وقيدته الظاهرية بما إذا كرهته ~~وخافت أن لا يوفيها حقها وأن لا توفيه. ومنعته إذا أكرهها هو. وقال قوم: لا ~~يجوز إلا بإذن السلطان، روي ذلك عن ابن سيرين، وسعيد بن جبير، والحسن. ولعل ~~متمسكهم ظاهر قوله تعالى: {فإن خفتم} على أن الضمير للحكام. # --- PageV03P379 ~~*** # (بما يصح مهرا) أي بجنس ما صلح لا بمقداره (وهو طلاق بائن) عند جماهير ~~الأئمة من السلف والخلف. وقال أحمد وإسحاق بن راهويه والشافعي في القديم: ~~فرقة بغير طلاق. لما رواه الدارقطني عن ابن عباس: الخلع فرقة وليس بطلاق، ~~ولما روى عبد الرزاق في مصنفه من رواية طاوس، عن ابن عباس أنه قال: لو طلق ~~رجل امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، حل له أن ينكحها. ذكر الله الطلاق في ~~أول الآية وفي آخرها، والخلع بينهما بقوله: {الطلاق مرتان} إلى أن قال: ~~{فلا جناح عليهما فيما افتدت به} ثم قال: {فإن طلقها} يعني الثالثة المفاد ~~شرعيتها بقوله تعالى: {أو تسريح بإحسان} فيكون الافتداء غير طلاق، وإلا كان ~~أربعا، والثاني منتف. ولأن النكاح يحتمل الفسخ لأنه يفسخ بخيار العتق فكذا ~~بالتراضي بالخلع، كالبيع في الإقالة. # وعن الحنابلة: لا يقع بالخلع طلاق، بل هو فسخ بشرط عدم نية الطلاق لا ~~ينقص عدد الطلاق. وقال آخرون: يقع ويكون رجعيا، فإن راجعها رد البدل الذي ~~أخذه. (رواه عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: وكان ~~الزهري يقول ذلك.). # --- PageV03P380 ~~*** # ولنا: ما روى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في «مصنفيهما»، عن ابن جريج عن ~~داود بن أبي عاصم، عن ms0831 سعيد بن المسيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ~~الخلع تطليقة. وما روى الدارقطني والبيهقي في سننيهما، وابن عدي في ~~«الكامل» من حديث عباد بن كثير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم جعل الخلع تطليقة بائنة. لكن عباد بن كثير فيه كلام، ~~إلا أنه ينجبر بحديث ابن المسيب وإن كان مرسلا، فإن مرسله حجة إجماعا. وروى ~~مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جهمان مولى الأسلميين، عن أم بكرة ~~الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسد، فأتيا عثمان في ~~ذلك فقال: هي تطليقة. # وروى ابن أبي شيبة بسنده إلى ابن مسعود أنه قال: لا يكون طلقة بائنة إلا ~~في فدية أو إيلاء. وروى نحوه عن علي أيضا: فإذا قالت: اخلعني، أو قالت: ~~طلقني على ألف مثلا، ففعل ما قالت في المجلس، بانت منه. (ويجب عليها بدله) ~~بفتح الدال المهملة لا بسكون المعجمة أي ويجب على المختلعة عوض الخلع لأنه ~~واجب بالتزامها. # (وكره) للزوج (أخذه) أي البدل منها (إن نشز) هو وكرهها. # وقال مالك: لا يجوز لقوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} والقنطار: المال العظيم. ولنا: أن ~~النهي في الآية لمعنى في غيره، وهو زيادة الإيحاش، والنهي لمعنى في غيره لا ~~يعدم المشروعية، كالبيع وقت النداء يوم الجمعة، يجوز مع الكراهة. # --- PageV03P381 ~~*** # (والفضل) أي وكره للزوج أخذ الزائد على ما أعطاها (إن نشزت) هكذا قال ~~القدوري، وهو رواية «الأصل». وفي «الجامع الصغير»: أن الفضل يطيب له لإطلاق ~~قوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} ، ودليل «الأصل» وهو الصحيح ~~ما قدمنا. وما روى ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق في مصنفيهما، عن حفص، عن ابن ~~جريج، عن عطاء قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها، ~~فقال: «أتردين عليه حديقته التي أصدقك»؟ قالت: نعم وزيادة. قال: «أما ~~الزيادة فلا». وما أخرج الدارقطني في «سننه» عن حجاج، عن ابن ms0832 جريج قال: ~~أخبرني أبو الزبير: أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن ~~أبي ابن سلول، وكان أصدقها حديقة وكرهته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~«أتردين عليه حديقته التي أعطاك»؟ قالت: نعم وزيادة. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم «أما الزيادة فلا». # وأخرج أيضا عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يأخذ الرجل من ~~المختلعة أكثر مما أعطاها». وروى وكيع عن أبي حنيفة، عن عمار بن عمران ~~الهمداني، عن أبيه، عن علي أنه كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها. وذكر عبد ~~الرزاق عن علي: لا يأخذ منها فوق ما أعطاها. وذكر أيضا: أن الربيع بنت معوذ ~~بن عفراء: حدثته أنها اختلعت من زوجها بكل شيء تملكه، فخوصم في ذلك عثمان ~~رضي الله عنه فأجازه، وأمره أن يأخذ عقاص رأسها فما دونه. وروي أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه رفعت إليه امرأة نشزت على زوجها، فقال: اخلعها ولو من ~~قرطها. فكانت المسألة خلافية بين الصحابة رضي الله عنهم. # --- PageV03P382 ~~*** # (وإن طلق بمال) بأن قال: طلقتك بألف (أو على مال) بأن قال: أنت طالق على ~~ألف (وقع بائن إن قبلت) ولزمها المال. (و) إن طلق المسلم أو خالع (بخمر أو ~~خنزير) أو ميتة أو حر (لا يجب شيء للزوج) لأن المسمى لا يجب للإسلام، وغيره ~~لا يجب لعدم الالتزام (ووقع بائن في الخلع ورجعي في الطلاق) لأن الإيقاع ~~معلق بالقبول، وقد وجد. ولما بطل العوض كان العامل في الأول لفظ الخلع وهو ~~كناية، والواقع بها بائن. وفي الثاني لفظ الطلاق، وهو يعقب الرجعة. وقال ~~مالك وأحمد: رجعي. وقال زفر: ترد مهرها. وقال الشافعي: يجب مهر المثل ~~اعتبارا بالنكاح، ويقع طلاق بائن. # (وإن طلبت ثلاثا) بأن قالت: طلقني ثلاثا (بألف وطلقها واحدة) في المجلس ~~(فبائنة) فيقع بائنة (بثلث الألف) وقال مالك: بالألف. وقال أحمد: بغير شيء. ~~ولنا: أن الباء تصحب العوض، وهو ينقسم على المعوض، (وفي:) إن طلبت ثلاثا ~~(على ألف) فطلقها واحدة ms0833 يقع (رجعية بلا شيء عند أبي حنيفة) وبالألف عند ~~مالك، ويقع بائنة بثلث الألف عند أبي يوسف ومحمد والشافعي، (والخلع معاوضة ~~في حقها) لدفعها البدل فصار كالبيع (يصح رجوعها) إذا كان الإيجاب منها قبل ~~قبول الزوج، (و) يصح (شرط الخيار لها) عند أبي حنيفة في المسألتين. # (ويقتصر) الخلع من جانبها (على المجلس) أي مجلس المرأة عند أبي حنيفة ~~وأصحابه، فلا يتوقف إيجابها على ما وراءه لو كان غائبا. (ويمين في حقه) ~~لأنه يوقع الطلاق بشرط قبولها. (حتى انعكس الأحكام) فلا يصح رجوعه، ولا شرط ~~الخيار له، ولا يقتصر على المجلس من جانبه، فيتوقف إيجابه على ما وراء ~~المجلس لو كانت غائبة. # --- PageV03P383 ~~*** # وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد: شرط الخيار لها باطل كشرطه له، لأن ~~الخلع من جانبها شرط اليمين وهو الطلاق، وكما لا يصح الخيار في اليمين لا ~~يصح في شرطه. ولهذا لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار على أنك بالخيار ثلاثة ~~أيام، كان الخيار باطلا. # ولأبي حنيفة: أن الخلع من جانبها بمنزلة البيع، لأنه تمليك مال بعوض، ~~ولهذا لو قالت: اختلعت نفسي منك بكذا ثم رجعت أو قامت من المجلس قبل قبوله ~~بطل. ولو كان غائبا فبلغه فقبل كان باطلا. # (والعبد بمنزلتها) أي بمنزلة المختلعة، فيصح شرط الخيار له عند أبي حنيفة ~~فيما إذا أعتقه مولاه على مال، ويبطل عند أبي يوسف ومحمد لأن العتق يمين، ~~وقبول العبد المال شرط له، والخيار لا يصح في اليمين، فكذا في شرطها. ولأبي ~~حنيفة: أن ذلك من جانب العبد في معنى البيع، فيصح شرط الخيار له كالبيع. # (ويسقط الخلع) على مال معلوم (والمبارأة) وهو أن يبرىء كل منهما صاحبه. ~~وترك الهمزة منه خطأ كذا في «المغرب» (حقوق النكاح) الواجبة من الجانبين ~~(عنهما) فلا يسقط ما لم يتعلق بالنكاح، كثمن ما اشترت من الزوج، ويسقط ما ~~يتعلق به، كالمهر والنفقة الماضية. قيدنا به لأنه للمختلعة. والمبارأة: ~~النفقة والسكنى ما دامت في العدة، ولا يسقطان إلا بالذكر. وقال محمد: لا ~~يسقط الخلع والمبارأة ms0834 إلا ما سميا فقط كمالك والشافعي. # --- PageV03P384 ~~*** # وأما نفقة العدة فإن شرطت فيهما تسقط إجماعا، وإلا لا تسقط إجماعا. ولو ~~شرطا البراءة من نفقة الولد الصغير أعني مؤنة الرضاع فإن وقتا وقتا ~~كالسنة جاز وإلا فلا. ولو أبرأته عن النفقة والسكنى صحت البراءة عن النفقة، ~~ولم تصح عن السكنى لأن النفقة حقها، والسكنى حق الشرع، لقوله تعالى: {ولا ~~تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} فلو أبرأته عن ~~مؤنة السكنى صح: بأن التزمت أجرة مكانها أو سكنت ملكها. # ثم الإبراء عن النفقة إنما يصح في ضمن عقد الخلع تبعا للخلع إجماعا، حتى ~~لو أسقطت نفقتها بعد الخلع بإبراء الزوج عنها لا يصح لعدم استحقاقها إلا ~~يوما فيوما. (وإن خلع الأب صبيته بمالها لغا) ذلك الخلع (إلا في) حق (وقوع ~~الطلاق) يعني أنه يلغو في حق المال دون الطلاق، وهذا في أصح الروايتين، وهو ~~قول الشافعي وأحمد. وفي الرواية الأخرى يلغو في حق الطلاق أيضا، (وكذا) ~~يلغو الخلع في حق المال دون الطلاق (إن قبلت) شرط الزوج البدل عليها وهي ~~مميزة تعرف أن الخلع سالب والنكاح جالب. # (وعلى أنه ضامن) عطف على بمالها أي وإن خلع صغيرته على أنه ضامن لبدل ~~الخلع (فعليه المال) أي بذله (لا من مالها، والله سبحانه وتعالى أعلم ~~(بالصواب). # فصل (في الظهار) # (الظهار) في اللغة: مصدر ظاهر امرأته إذا قال لها: أنت علي كظهر أمي. # --- PageV03P385 ~~*** # وفي الشرع: (تشبيه) المسلم (ما يضاف إليه الطلاق من الزوجة) بأن يشبهها، ~~أو عضوا يعبر به عنها، أو جزءا شائعا منها (بما يحرم إليه النظر من عضو ~~محرمه) وهي المحرمة عليه مؤبدا بنسب، أو مصاهرة، أو رضاع. قيدنا بالمسلم ~~لأنه لا ظهار للذمي عندنا لظاهر قوله تعالى: {الذين يظاهرون منكم}، ولأن ~~الذمي ليس أهلا للكفارة. وقال الشافعي وأحمد: يصح ظهار الذمي، وأما ظهار ~~الصبي فلا يصح إجماعا. وقيد بما يضاف إليه الطلاق لأنه لو قال لامرأته: يدك ~~أو رجلك علي كظهر أمي لا يكون مظاهرا. وقيد بالزوجة لأنه لو ms0835 قال لأمته لا ~~يكون مظاهرا، لقوله تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم}. # وقال مالك والثوري: يصح ظهار الرجل من أمته، ومدبرته، وأم ولده، وهو قول ~~جمع كثير من الصحابة والتابعين. واعتبره سعيد بن المسيب، وعكرمة، وطاوس، ~~وقتادة والزهري في الموطوءة. وقيدنا بكون التحريم على التأبيد لأنه لو قال ~~لامرأته: أنت علي كظهر أختك لا يكون مظاهرا، لأن حرمة أخت امرأته ما دامت ~~امرأته في عصمته. # --- PageV03P386 ~~*** # (وهو) أي الظهار (يحرم وطأها ودواعيه) بشهوة كمس وقبلة بشهوة (حتى يكفر) ~~لما روى أبو داود من حديث خولة بنت ثعلبة قالت: ظاهر مني أوس بن الصامت، ~~فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه وهو يجادلني فيه ويقول: «اتقي ~~الله فإنما هو ابن عمك». فما برحت حتى أنزل الله تعالى: {قد سمع ا قول التي ~~تجادلك في زوجها} الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: «يعتق رقبة». قالت: لا ~~يجد. قال: «فيصوم شهرين متتابعين». قالت: إنه شيخ كبير لا يستطيع أن يصوم. ~~قال: يطعم ستين مسكينا. قالت: ليس عنده شيء يتصدق به. قال: «فإني أعينه ~~بعرق من تمر». قالت: يا رسول الله وأنا أعينه بعرق آخر. قال: «أحسنت، اذهبي ~~فأطعمي بهما عنه ستين مسكينا، وارجعي إلى ابن عمك». # قال أبو داود: والعرق: ستون صاعا. ثم روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه ~~قال: العرق: زنبيل يأخذ خمسة عشر صاعا. وقال أبو داود وغيره: العرق: مكتل ~~يسع ثلاثين صاعا. # --- PageV03P387 ~~*** # وعن الشافعي وأحمد: أن الدواعي لا تحرم لأن التحريم عرف بالآية، والتماس ~~فيها كناية عن الجماع. ولنا: أن التماس حقيقة في المس باليد. والحقيقة أحق ~~بأن تراد، والله تعالى أعلم بالمراد. فإن وقع منه وطىء أو دواعيه استغفر ~~ربه ولا يعود إليه حتى يكفر لما في السنن الأربعة عن ابن عباس أن رجلا ظاهر ~~امرأته، فوقع عليها قبل أن يكفر، فقال صلى الله عليه وسلم «ما حملك على ~~ذلك»؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر وفي لفظ: بياض ساقيها . قال: ~~«فاعتزلها حتى تكفر». وفي لفظ ابن ms0836 ماجه: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأمره أن لا يقربها حتى يكفر. قال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. وروى عن ~~سلمة بن صخر البياضي، عن النبي صلى الله عليه وسلم في المظاهر يواقع قبل أن ~~يكفر، قال: «كفارة واحدة». وقال: حديث حسن غريب. # (وفي: أنت علي كأمي) أو مثل أمي (صح نية الكرامة) لأن إرادتها بمثل هذا ~~الكلام شائع (و) صح نية (الظهار) لأن التشبيه بجميع الأم تشبيه بظهرها لكنه ~~ليس بصريح فيفتقر إلى النية . (و) صح نية (الطلاق) لأنه كناية، كما لو قال: ~~أنت علي حرام، ونوى به الطلاق يكون طلاقا بائنا. # (فإن لم ينو) شيئا (لغا) في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ووجه في مذهب ~~الشافعي. وكان ظهارا في قول محمد، ورواية عن أبي يوسف، ووجه في مذهب ~~الشافعي، وإيلاء في قول مالك، وأحمد، ورواية عن أبي يوسف. # --- PageV03P388 ~~*** # (وفي: أنت علي حرام كأمي) لزمه (ما نوى من ظهار) لما فيه من التشبيه ~~بالحرمة (أو طلاق) لأن أنت علي حرام من كناياته، فإذا نواه طلقت بائنا، ~~ويكون التشبيه بالحرمة للتأكيد دون الإكرام تصريح بالحرمة، كذا قالوا. وفيه ~~بحث إذ لا يبعد أن يراد بالحرام المحترم، فهو من محتملات كلامه، فيصدق ~~ديانة إذا ادعى نيتة. # (فإن لم ينو به) شيئا (فإيلاء عند أبي يوسف وظهار عند محمد) وفي «جامع ~~قاضيخان»: والأصح أنه ظهار عند الكل، لأن التحريم المؤكد بالتشبيه ظهار. ~~وكذا ذكره التمرتاشي أنه ظهار من غير خلاف. (وفي) قوله: (أنتن علي كظهر أمي ~~لنسائه يجب لكل كفارة) وهو قول الشافعي الجديد كما لو ظاهر مرارا، ولو في ~~مجلس واحد. # وقال مالك، وأحمد، وأبو ثور: يجب كفارة واحدة، ولا يبطل الظهار بطلاقها ~~ثلاثا، حتى لو عادت إليه بعد زوج آخر كان الظهار على حاله لا يقربها حتى ~~يكفر، وكذا بشرائها لو كانت أمة بعد ما ظاهر منها. # (وهي) أي الكفارة (تجب بالعود أي بالعزم على وطئها) وهو ظاهر مذهب مالك، ~~وجعله في «الموطأ» العزم على الوطىء والإمساك. (ومذهب ms0837 الشافعي أن يمسك عن ~~طلاقها عقيب الظهار في زمان يمكنه طلاقها فيه، وفي «الينابيع»:) إذا رضي أن ~~تكون محرمة ولا يعزم على وطئها، لا تجب الكفارة. ولو عزم ثم ترك العزم، لا ~~يجب أيضا. فعلم أن الكفارة لا تجب بمجرد الظهار، وهو قول أحمد والصحيح من ~~مذهب مالك. # (وهي عتق رقبة) صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو كافرة لا مرتدة. # وقال مالك، والشافعي، وأحمد: لا تجزىء الكافرة لأنه تحرير في تكفير، فكان ~~الإيمان من شرطه ككفارة القتل. # --- PageV03P389 ~~*** # ولنا: أن المنصوص عليه الرقبة، وهي اسم لذات مملوكة من كل وجه وقد وجدت، ~~وليس في النص ما يبين عن صفة الإيمان والكفر، والتقييد بصفة الإيمان يكون ~~زيادة ، والزيادة على النص نسخ، فلا يثبت بخبر الواحد ولا بالقياس. ثم قياس ~~المنصوص (على المنصوص) باطل عندنا لاستلزامه إعتقاد النقص فيما تولى الله ~~بيانه، وذلك لا يجوز. ولا يجوز دعوى التخصيص ههنا لأن التخصيص لما له عموم، ~~والمطلق غير العام. # (لا فائت) أي لا عتق فائت (جنس المنفعة) لأنه هالك معنى (كالأعمى ~~والمقطوع يداه أو رجلاه أو إبهاماه)، لفوات منفعة البطش لأن قوته بإبهاميه ~~(أو يد ورجل من جانب) (لفوات منفعة المشي منه لأنه متعذر عليه. قيد بالجانب ~~لأنه لو كان من جانبين لا يمنع لاختلال جنس المنفعة دون فواتها). # (و) لا (المجنون) المطبق (والمدبر) أي ولا عتق المدبر لأنه استحق الحرية ~~بوجه وقوله تعالى: {فتحرير رقبة} يقتضي الكمال، وإنشاء الحرية من كل وجه. ~~وكذا حكم أم الولد. # (و) لا عتق (المكاتب) حال كونه (أدى بعض بدله) لأن إعتاقه حينئذ ببدل، ~~وبه لا تتأدى الكفارة لأنها عبادة، فلا بد أن تكون خالصة، ومتى كان بعضه ~~بعوض لم يكن خالصا لأنه يكون تجارة، ولأن الصحابة اختلفوا في رقه بعد أدائه ~~بعض البدل، فكان علي رضي الله عنه يقول: يعتق بقدر ما أدى، وابن مسعود ~~يقول: إذا أدى قيمة نفسه يعتق. واختلافهم في رقه شبهة مانعة من جواز ~~التكفير به. # وقيد المكاتب بكونه أدى بعض بدله لأنه لو ms0838 لم يؤد شيئا جاز عتقه عن ~~الكفارة عندنا خلافا لزفر، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية. لأن الرقبة ~~اسم لذات مرقوقة عرفا، والمكاتب كذلك. قال صلى الله عليه وسلم «المكاتب عبد ~~ما بقي عليه من كتابته شيء». رواه أبو داود. # --- PageV03P390 ~~*** # (و) لا عتق (نصف عبد مشترك) عن كفارته (ثم) عتق (باقيه بعد ضمانه) وقال ~~أبو يوسف ومحمد: تجزئه إن كان موسرا (و) لا عتق (نصف عبده) عن كفارته (ثم) ~~عتق (باقيه بعد وطئها) لأن عتق باقي العبد وقع بعد المسيس، والمأمور به هو ~~العتق قبل المسيس، وهذا عند أبي حنيفة، لأن العتق يتجزأ. # وأما عند أبي يوسف ومحمد فيجوز لأن العتق لا يتجزأ عندهما، فإعتاق بعض ~~العبد إعتاق الكل. # (وإن عجز) المظاهر (عن العتق) بأن لم يملك رقبة ولا ثمنها وقت التكفير ~~وهو قول مالك. وقال أحمد: وقت الوجوب. وللشافعي ثلاثة أقوال: وقت التكفير، ~~ووقت الوجوب، وأغلظ الحالين # . # (صام شهرين ولاء) أي متتابعين لقوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين} (ليس فيهما) ولا بينهما (رمضان ولا الأيام المنهية) وهي: يوما ~~العيد وأيام التشريق، لأن رمضان لا يجوز فيه للصحيح المقيم صيام غيره ~~بالإجماع، وصيام يوم العيد وأيام التشريق منهي عنه. ولو صام شهرين بالأهلة ~~جاز، وإن كان كل شهر تسعة وعشرين يوما. وإن صام بغير الأهلة وأفطر لتمام ~~تسعة وخمسين يوما فعليه الاستقبال. # --- PageV03P391 ~~*** # وينقطع التتابع بالمرض عندنا، وعند الشافعي في الجديد. وقال مالك، وأحمد: ~~لا ينقطع كما لا ينقطع بالحيض في كفارة القتل والفطر. وأجيب بأن التتابع ~~شرط بالنص، والغالب أنها تحيض في كل شهر، فكان كالمستثنى. ولو صام شهرين ~~متتابعين ثم قدر على الإعتاق قبل غروب الشمس من آخر يوم يجب عليه العتق، ~~وهو قول المزني لقدرته على المبدل قبل فراغه من البدل، وصار صومه تطوعا. ~~وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يلزمه العتق، ولكن يستحب. وفي «خزانة ~~الأكمل»: لا يصوم من له خادم بخلاف المسكن. وقال مالك والشافعي: يصوم من له ~~خادم، واعتبره بالماء المعد للعطش. وفرق الرازي بينهما ms0839 في «أحكام القرآن» ~~بأن المأمور بإمساكه لعطشه، واستعماله محظور عليه بخلاف الخادم. ولو أعتق ~~أجنبي عن مظاهر لا يجزئه وإن كان بأمره لما فيه من إلزام الولاية. وقال أبو ~~يوسف، ومالك، والشافعي تجزئه إن كان بأمره. # (وإن أفطر) في الشهرين بأكل أو شرب أو جماع غيرها (استأنف) لفوات التتابع ~~المنصوص عليه (وكذا) استأنف (إن وطئها) أي التي ظاهر منها في الشهرين (ليلا ~~عمدا) عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يستأنف (أو يوما) وفي بعض ~~النسخ أو نهارا (مطلقا) أي عمدا أو سهوا. واعلم أن قيد العمد في وطىء التي ~~ظاهر منها ليلا وقع في هذا المختصر تبعا «للهداية»، وهو فيها قيد اتفافي لا ~~يحترز به عن شيء، لأن العمد والنسيان في الوطىء بالليل سواء. # --- PageV03P392 ~~*** # (وإن عجز) المظاهر عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى زواله (أطعم) هو أو ~~نائبه (ستين مسكينا) لقوله تعالى: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} (كلا) ~~أي يطعم كل مسكين (قدر الفطرة) نصف صاع من بر وهو مدان، أو صاعا من تمر أو ~~شعير (أو قيمته) لأن المعتبر دفع حاجة اليوم عن المساكين، فكان كصدقة ~~الفطر. وقال الشافعي: يطعم مدا من غالب قوت البلد من الحبوب. وقال مالك: ~~يطعم مدا بمد هشام، وهو مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم وقال أحمد: يجب ~~من البر مد، ومن التمر والشعير مدان. # (وإن غداهم) أي ستين مسكينا (وعشاهم) أي بأعيانهم (وأشبعهم) قليلا ما ~~أكلوا أو كثيرا. ولا بد من الإدام إن أطعمهم خبز الذرة أو الشعير بخلاف خبز ~~البر. (أو أعطى) كل واحد (من بر) وهو: رطلان: ربع الصاع، على قول أبي حنيفة ~~(ومنوي تمر أو شعير،أو) أعطى (واحدا شهرين جاز) وبه قال مالك. وقال ~~الشافعي: لا بد من التمليك في الكفارات. ولنا: أن المنصوص عليه الإطعام، ~~وحقيقة ذلك في التمكين، والمقصود به سد الخلة، وفي التمليك تمام ذلك، ~~فيتأدى الواجب بكل واحد منهما. أما بالتمليك فظاهر، وأما بالتمكين فلمراعاة ~~عبارة النص، والدليل عليه أنه شبهه ms0840 بطعام الأهل، فقال الله تعالى: {من أوسط ~~ما تطعمون أهليكم} وذلك يتأدى بالتمليك تارة، وبالتمكين أخرى. # هذا، ويجب تقديم الإطعام على المس لاحتمال أن يقدر قبله على ما هو واجب ~~قبله، ولا يستأنف الإطعام بالوطىء في خلاله لأن النص فيه مطلق غير مقيد بما ~~قبل التماس. # --- PageV03P393 ~~*** # (وفي يوم) أي ولو أعطى واحدا في يوم (قدر الشهرين لا) يجوز إلا عن يوم، ~~سواء أعطاه ذلك في يوم دفعة أو على دفعات، لأن الواجب عليه التفريق الخاص، ~~ولم يوجد، كالحاج إذا رمى الجمرة بسبع حصيات دفعة واحدة مجتمعة لا متفرقة ~~لا يجزئه إلا عن واحدة. لأن المعتبر سد الخلة، وقد اندفعت في ذلك اليوم بما ~~دفعه أولا، فالصرف إليه بعد ذلك يكون إطعام الطاعم فلا يجزئه. وقيل: إذا ~~أعطاه على دفعات يجزئه، لأن التمليك أقيم مقام الإطعام، والحاجة بطريق ~~التمليك ليس لها نهاية. فإذا فرق الدفعات في يوم جاز كما في الأيام. # وفي «شرح الوافي»: ما ورد في النص بلفظ الإطعام، فالإباحة فيه كافية، ~~ككفارة الظهار والإفطار في رمضان، واليمين، وجزاء الصيد، والفداء. وما ورد ~~فيه بلفظ الإيتاء والفداء فيشترط فيه التمليك، كالزكاة والصدقة، والفطر، ~~والعشر، والحلق عن الأذى في الإحرام، والله سبحانه أعلم بحقائق المرام. # فصل في اللعان # وهو لغة: مصدر لاعن يلاعن ملاعنة ولعانا. وأصل اللعن الطرد والإبعاد. ~~وشريعة: هو عندنا شهادات مؤكدات بالأيمان، مقرونة باللعن في جانب الرجل، ~~ومقرونة بذكر الغضب في جانب المرأة، قائمة مقام حد القذف في حقه، ومقام حد ~~الزنا في حقها. # وقال مالك والشافعي: إنه أيمان مؤكدة بالشهادة، واحتجا بقوله تعالى: ~~{فشهادة أحدهم أربع شهادات با}، فقوله: {با} محكم في اليمين، والشهادة ~~تحتمل اليمين، فإنه لو قال: أشهد، كان يمينا، فحملا المحتمل على المحكم. # --- PageV03P394 ~~*** # ولنا قوله صلى الله عليه وسلم «أربعة من النساء لا ملاعنة بينهم: ~~النصرانية تحت المسلم، واليهودية تحت المسلم، والمملوكة تحت الحر، والحرة ~~تحت المملوك». رواه ابن ماجه والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب. ووقفه ~~الأوزاعي وابن جريج على جد عمرو بن ms0841 شعيب. # وقال محمد بن الحسن: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ~~لعان بين أهل الكفر وأهل الإسلام، ولا بين العبد وامرأته». فهذا نص على ~~اشتراط أهلية الشهادة فيهما. وفي الآية إشارة إلى هذا فإنه تعالى قال: ~~{والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} استثنى أنفسهم عن ~~الشهداء فثبت أن الزوج شاهد لأن المستثنى يكون من جنس المستثنى منه، ثم نص ~~على شهادته فقال: {فشهادة أحدهم أربع شهادات با} فنص على الشهادة واليمين. # فقلنا: الركن هو الشهادة المؤكدة باليمين. ولأن الحاجة هنا إلى إيجاب ~~الحكم في الطرفين، والذي يصلح لإيجاب الحكم فيهما هو الشهادة دون اليمين، ~~إلا أنها مؤكدة باليمين لأنه يشهد لنفسه، والتأكيد باليمين لا تخرجه عن أن ~~يكون شهادة. فقرر الشارع الركن في جانبه باللعن لو كان كاذبا، وبالغضب في ~~جانبها لو كانت كاذبة. لأن الصادق أحدهما، والقاضي لا يعلم ذلك، فكان اللعن ~~في جانبه قائما مقام حد القذف، وفي جانبها صار الغضب قائما مقام حد الزنا. ~~وسمي الكل لعانا لشرع اللعن فيها ، كالصلاة تسمى ركوعا وسجودا لشرعيتهما ~~فيها أو للتغليب كالعمرين، والقمرين، واللعن من جانب الرجل وهو مقدم فيه. # --- PageV03P395 ~~*** # (من قذف) أي رمى (بالزنا) صريحا (زوجته) بأن قال لها: رأيتك تزنين، أو ~~أنت زانية، أو يا زانية (العفيفة) عن الزنا وهي التي لا تكون زانية ولا ~~متهمة بزنى كمن يكون لها ولد لا يكون له أب معروف. والحاصل: أنها تكون ممن ~~يحد قاذفها، فلو لم تكن ممن يحد قاذفها: بأن تزوجت بنكاح فاسد ودخل بها ~~فيه، أو زنت في عمرها، أو وطئت حراما بشبهة ولو مرة، ولا يجري اللعان ~~بينهما، لأنها في حقها مقام حد القذف، فلا بد أن تكون محصنة. # (وكل) من الزوجين (صلح شاهدا) أي مؤديا للشهادة على المسلم، فلا لعان من ~~مجنون ولا محدود في قذف لأنهما لا يصلحان لأداء الشهادة ولا لتحملها، ولا ~~من مملوك وصبي لأنهما لا يصلحان لأداء الشهادة وإن صلحا لحملها، ولا من ~~كافر ms0842 لأنه لا يصلح لأداء الشهادة على المسلم وإن صلح لأدائها على مثله ~~عندنا، لكن مع ذلك يوجب حد القذف، لأن القذف بالزنا لا ينفك عن موجبه، فإذا ~~خرج من أن يكون موجبا للعان لمعنى في القاذف كان موجبا للحد. # (أو نفى) الزوج (ولدها) الذي ولد في فراشه، أو الذي من غيره عن أبيه ~~المعروف، لأنه يصير بذلك قاذفا. ولهذا يحد من قال لأجنبي: لست لأبيك. ولا ~~إعتبار لاحتمال كونه من غيره لشبهة، كما لا يعتبر ذلك فيما لو نفاه أجنبي، ~~لأن الأصل في النسب النكاح الصحيح، والفاسد ملحق به. ونفيه عن الفراش ~~الصحيح قذف حتى يظهر الملحق به. وقال الشافعي لا يصير قاذفا بالنفي ما لم ~~يقل إنه من الزنا. # (وطالبت به) أي بموجب القذف لأنه حقها لدفع عار الزنا عنها كما في حد ~~القذف، إلا أن للولد أن يطالب في القذف لأنه حقه أيضا لاحتياجه إلى نفي ~~نسبه عمن ليس هو منه. # --- PageV03P396 ~~*** # (لاعن) خبر المبتدأ وهو من قذف، وإنما يلاعن لما روى البخاري، ومسلم، ~~ومالك في «الموطأ»، وأبو داود، وابن ماجه من حديث ابن شهاب عن سهل بن سعد ~~الساعدي، أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي، فقال له: يا عاصم أرأيت ~~رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ سل لي يا عاصم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها فلما رجع عاصم إلى أهله، جاء عويمر ~~فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله؟ فقال عاصم: كره رسول الله المسائل ~~التي سألته عنها وفي نسخة سألتها وعابها. فقال له عويمر: والله لا أنتهي ~~حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وسط ~~الناس، فقال يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه، ~~أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قد أنزل الله علي فيك وفي ~~صاحبتك ms0843 قرآنا، فاذهب فأت بها. قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن ~~أمسكتها، فطلقها عويمر ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين. # --- PageV03P397 ~~*** # وصفة اللعان ثابتة بالكتاب: (يبدأ الزوج) لأنه المدعي، والحجة تطلب منه ~~أولا (فيقول أربعا): أي أربع مرات (أشهد بالله) أي أقسم به (أني صادق) أو ~~لمن الصادقين (فيما رميتها به من الزنا) إن كان رماها بالزنا (أو) فيما ~~رميتها به من (نفي الولد) إن كان رماها بنفي الولد (وفي الخامسة لعنة الله ~~عليه إن كان كاذبا) أو من الكاذبين (فيما رميتها به من الزنا) أو نفي ~~الولد، ويشير إليها في كل مرة. # (ثم تقول) المرأة (أربعا: أشهد بالله أنه كاذب) أو من الكاذبين (فيما ~~رماني به) أي من الزنا إن كان رماها بالزنا، أو فيما رماني به من نفي الولد ~~إن كان رماها بنفي الولد (وفي الخامسة غضب الله عليها إن كان صادقا) أو من ~~الصادقين (فيما رماني به) من الزنا أو نفي الولد، وتشير إليه في كل مرة. ~~وإنما خصت المرأة بالغضب، لأن النساء يستعملن اللعن كثيرا فلا يبالين به ~~بخلاف الغضب. # --- PageV03P398 ~~*** # (ثم يفرق القاضي بينهما) ولو سألاه أن لا يفرق (فتبين بطلقة) وتستحق نفقة ~~العدة كالمعتدة من طلاق أو فسخ، والتفريق رواية عن أحمد. (وينفي) القاضي ~~(نسب الولد عنه) أي عن الزوج بأن يقول: قطعت نسب هذا الولد عنه وألزمته ~~بأمه، بعدما قال: فرقت بينكما. كذا روي عن أبي يوسف. فلو مات أحدهما قبل ~~التفريق ورثه الآخر، ولو ظاهر منها أو آلى أو طلقها صح لبقاء النكاح. وقال ~~زفر: تقع الفرقة بنفس تلاعنهما، وهو المشهور من مذهب مالك. ويروى عن أحمد، ~~وابن عباس لما روى الدارقطني في «سننه» بإسناد جيد من حديث ابن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا». ولقول علي ~~وعبد الله: مضت السنة ms0844 أن لا يجتمع المتلاعنان أبدا. رواه الدارقطني أيضا. # وقال الشافعي: تقع الفرقة بلعانه، لأنه لما شهد عليها بالزنا أربع مرات ~~وأكده باللعن، فالظاهر أنهما لا يأتلفان، فلم يكن في إبقاء النكاح فائدة، ~~كما إذا ارتد أحد الزوجين. وهو يخالف ظاهر الحديث: «المتلاعنان لا ~~يجتمعان»، فإن قبل لعانها لا يصدق عليهما المتلاعنان. على أنه يحتمل أن لا ~~تلاعن هي فترجم عنده، فلا تفريق ولا اجتماع. وأيضا في رواية: «المتلاعنان ~~إذا تفرقا لا يجتمعان». # --- PageV03P399 ~~*** # ولنا حديث سهل بن سعد الساعدي المتقدم، وقد رواه أبو داود وقال: فطلقها ~~ثلاث تطليقات، فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ما صنع عند رسول ~~الله سنة. قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضت السنة ~~بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لايجتمعان أبدا. ففي هذه الألفاظ كلها ~~دليل على أن الفرقة لم تقع باللعان، والله المستعان. وكذا ما في الصحيحين ~~من حديث ابن عمر أن رجلا لاعن امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ففرق عليه الصلاة والسلام بينهما وألحق الولد بأمه. وفي رواية: بالمرأة. # (ولم يرو أنه عليه الصلاة السلام فرق بينهما بعد لعان الرجل قبل لعان ~~المرأة.) وأما قول البيهقي في «المعرفة»: أن عويمر حين طلقها ثلاثا كان ~~جاهلا بأن اللعان فرقة، فصار كمن شرط الضمان في السلف، وهو يلزمه شرط أو لم ~~يشرط. فجوابه: أن هذا خلاف الظاهر، والله أعلم بالسرائر. # --- PageV03P400 ~~*** # (وإن أبى) الزوج (عن اللعان حبس) لامتناعه عن حق وجب عليه وهو قادر على ~~أدائه، فيحبس لإيفائه (حتى يلاعن) فيوفي ما عليه (أو يكذب نفسه) فيحد ~~لإقراره على نفسه بالتزام الحد. وقال مالك والشافعي وأحمد: إن أبى الزوج عن ~~اللعان يحد بناء على أن موجب القذف منه عندهم الحد، وعندنا اللعان، وإذا ~~لاعن الزوج وجب على المرأة أن تلاعن بالنص (وإن أبت حبست) لأنها امتنعت عن ~~إيفاء حق هي قادرة عليها، فتحبس لإيفائها كسائر الحقوق (حتى تلاعن) فتوفي ~~ما عليها (أو تصدقه) فيرتفع سبب ms0845 اللعان، وإذا صدقته نفى القاضي نسب ولدها، ~~ولم يحدها لأن تصديقها ليس إقرارا قصدا بصريح الزنا، فلا يعتبر في وجوب ~~الحد بل في درئه. وما وقع في بعض نسخ القدوري: أو تصدقه فتحد، غلط لأن الحد ~~لا يجب بالإقرار مرة، فكيف بالتصديق مرة وهو لا يجب بالتصديق أربع مرات. ~~وقال مالك والشافعي: لا تحبس المرأة، بل ترجم. # (وإن كان) الزوج لم يصلح شاهدا بأن كان (عبدا) وهي حرة (أو كافرا) وهي ~~مسلمة، وصورته: أن يكونا كافرين فتسلم الزوجة، ويقذفها قبل عرض الإسلام (أو ~~كان محدودا في قذف) وهي من أهل الشهادة (حد الزوج) لأنه لما تعذر اللعان من ~~جهته صير إلى الحد لما قدمنا من أنه لا ينفك عن موجبه، ولقوله تعالى: ~~{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} ~~(وإن صلح) الزوج شاهدا (وهي أمة أو كافرة) بأن تكون ذمية (أو محدودة في قذف ~~أو صبية أو مجنونة أو زانية فلا حد عليه) لعدم إحصانها كما لو قذفها أجنبي ~~(ولا لعان) لعدم أهليتها للشهادة. # --- PageV03P401 ~~*** # (والمتلاعنان لا يجتمعان أبدا) روى ذلك الدارقطني عن علي وابن مسعود وابن ~~عباس موقوفا، وأخرجه مرفوعا من حديث ابن عمر. (وإن أكذب) الزوج (نفسه) بعد ~~اللعان قبل التفريق أو بعده (حد) لإقراره بوجوب الحد عليه. قيدنا الإكذاب ~~بكونه بعد اللعان، لأنه لو كان قبله بعدما أبانها لا حد عليه ولا لعان، لأن ~~قذفه كان موجبا للعان، فلا ينقلب موجبا للحد، (ولأن المقصود من اللعان ~~التفريق، وذلك لا يتأتى بعد البينونة.) (وحل للزوج) بعد إكذاب نفسه ~~(نكاحها) عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف وزفر، وهو قول مالك والشافعي: ~~لا يحل لأنهما متلاعنان، وفي الحديث: «المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا». # (ولهما: أن اللعان شهادة، وهي تبطل بالرجوع). (وكذا) حل نكاحها (إن قذف) ~~الزوج (غيرها) بعد التلاعن (فحد أو زنت فحدت) لأن بقاء أهلية اللعان شرط ~~لبقاء حكمه من عدم اجتماعهما. وقوله: فحدت قيد اتفاقي، لأن زناهما من غير ~~حد يسقط به إحصانها، ms0846 بخلاف القذف فإنه لا يسقط به الإحصان حتى يحد القاذف. # (ولا لعان بقذف الأخرس ونفي الحمل) أما الأخرس فلأن اللعن يتعلق بالصريح ~~كحد القذف، ولا صريح للأخرس، فقذفه لا يعرى عن شبهة، والحدود تسقط بها. ~~وقال مالك، والشافعي، وأبو الخطاب من الحنابلة: يصح قذف الأخرس ويلاعن ~~بالإشارة كما يصح طلاقه وبيعه وسائر تصرفاته بالإشارة. ولنا: أنه لا بد أن ~~يأتي بلفظ الشهادة في اللعن حتى لو قال: أحلف مكان أشهد لا يجوز، وإشارته ~~لا تكون شهادة. ولا لعان أيضا لو كانت المرأة خرساء لأن قذف الأجنبي لها لا ~~يوجب الحد لاحتمال أنها تصدقه، ولأنها عاجزة عن الإتيان بلفظ الشهادة، وهو ~~شرط في اللعان. # --- PageV03P402 ~~*** # وأما عدم اللعان بنفي الحمل وهو قول أبي حنيفة آخرا وأحمد، والثوري، ~~والحسن البصري، والشعبي، وابن أبي ليلى فلعدم التيقن بقيام الحمل، لاحتمال ~~أن ما بها نفخ، فلم يكن قذفا. وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأبو ~~حنيفة أولا: إنه يلاعن إذا جاءت به لأقل من ست أشهر، لأنا تيقنا بقيام ~~الحمل عند نفيه له، فتحقق القذف. ثم لا يجب اللعان في الحال عندنا، وحكم ~~مالك والشافعي باللعان قبل الوضع، لأنه قذفها حقيقة بنفي الولد. قلنا: نفيه ~~(لا يكون بدونه ولا يعلم به، فلعله ريح أو ماء أو انتفاخ. وقيل: يوجبه أبو ~~يوسف في الولادة، ذكره الطحاوي)، لقصة عويمر. # (وب: زنيت، و: هذا الحمل منه) أي من الزنا (تلاعنا) في الحال لوجود القذف ~~بذكر صريح الزنا (ولم ينتف الحمل) أي نسبه باللعان قبل الوضع. وقال مالك ~~والشافعي: ينتفي الحمل لأنه عليه الصلاة والسلام نفى الولد عن هلال، وكان ~~قذفها حاملا..ولنا: قول ابن الجوزي: إن أحمد، وابن جرير أنكرا لعان هلال ~~بالحمل، وقالا: إنما لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي أمرهما باللعان ~~) لما جاء وشهد بالزنا، ولو كان اللعان بالحمل، لكان الحمل منفيا من الزوج ~~غير لاحق به، أشبهه أو لم يشبهه. وقد قال صلى الله عليه وسلم «إن جاءت به ~~أحيمر» وفي نسخة أحمر حمش ms0847 الساقين أي دقيقهما فهو لهلال، وإن جاءت به ~~أسود جعدا فهو لشريك»، فجاءت به على النعت المكروه. # (ومن نفى الولد زمان التهنئة، أو زمان شراء آلة الولادة) وهو ما يحتاج ~~إليه لأجلها عادة، فإنهما كزمان الولادة. قيل: إنه مقصور على ثلاثة أيام، ~~وقيل: على يوم أو يومين، وقيل: على سبعة (صح) نفيه (وبعده لا يصح) نفيه ~~(ولاعن فيهما) لوجود القذف. # --- PageV03P403 ~~*** # وقال أبو يوسف ومحمد: يصح نفيه في مدة النفاس، وكان القياس أن لا يصح ~~نفيه إلا على فور الولادة، وبه أخذ الشافعي، ولكنهما استحسنا جواز تأخره ~~مدة يقع فيها التأمل، لأن النفي يحتاج إليه، كيلا يقع في نفي ولده، أو ~~استلحاق غير ولده، وكلاهما حرام. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~نزلت آية الملاعنة: «أيما امرأة، أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله ~~في شيء، ولن يدخلها الجنة. وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله ~~منه يوم القيامة وفضحه الله على رؤوس الأولين والآخرين». رواه أبو داود، ~~والنسائي. # ثم في كل موضع لزمه الولد، لا يكون له نفيه بعد ذلك عند الأئمة الأربعة ~~وأصحابهم، (وإن نفى أول التوأمين) وهما الولدان بين ولادتهما أقل من ستة ~~أشهر (وأقر بالآخر حد) لأنه أكذب نفسه بدعوى الثاني، لأنهما خلقا من ماء ~~واحد (وفي عكسه) وهو ما إذا أقر بالأول ونفى الثاني (لاعن) لأنه قذف بنفي ~~الثاني (ويثبت نسبهما) أي التوأمين (فيهما) أي في المسألتين لاعترافه ~~بأحدهما، وهما من ماء واحد، والله تعالى أعلم. # فصل في العنين # وهو لغة: من لا يريد النساء. والأنثى عنينة، وهي لا تشتهي الرجل، فعيل ~~بمعنى مفعول، كجريح بمعنى مجروح، والاسم منه العنة. # --- PageV03P404 ~~*** # شرعا: عندنا من لا يصل إلى النساء مع وجود الآلة، أو يصل إلى الثيب دون ~~البكر، أو إلى بعض النساء دون بعض، وذلك لمرض به، أو لضعف في خلقته، أو ~~لكبر في سنه، أو لسحر سحر به، فيكون عنينا به في حق من لا يصل إليها لفوات ~~المقصود في ms0848 حقها، كذا ذكره قاضيخان. وسواء يقوم ذكره، أو لم يقم. وعند ~~مالك: العنين من لا يتأتى بذكره الجماع لصغره. وفي «المحيط»: إذا كانت آلته ~~قصيرة لا يمكنه إدخالها داخل الفرج، لا حق لها في المطالبة بالتفريق. # (إن أقر) الزوج (أنه لم يطأ) امرأته بعدما دخل عليها (أجله الحاكم) بعد ~~طلبها. حتى لو وجدته عنينا ولم تطالب مدة، لم يبطل حقها، لأن عدم المطالبة ~~ربما يكون للتجربة والامتحان لا للرضا. ولأنها ربما لا تقدر على الخصومة في ~~كل زمان. ويعتبر طلبها إن كانت حرة، وطلب سيدها إن كانت أمة. وقال زفر: ~~الطلب للأمة، (سنة قمرية) ابتداؤها من وقت الخصومة وهو ظاهر الرواية. وروى ~~الحسن عن أبي حنيفة شمسية، وهو اختيار السرخسي وقاضيخان احتياطا، والأول هو ~~الصحيح. # (ورمضان وأيام حيضها منها) أي من السنة لأن السنة، لا تخلو عنها (لا مدة ~~مرض أحدهما) لأن السنة قد تخلو عن المرض، وعلى هذا فتوى المشايخ. وروى ابن ~~أبي شيبة في «مصنفه» عن هشيم، عن محمد بن سالم، عن الشعبي أن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه كتب إلى شريح أن يؤجل العنين سنة من يوم يرفع إليه، فإن ~~استطاعها أقامها، وإلا فخيرها: فإن شاءت أقامت، وإن شاءت فارقت. وروى أيضا ~~عن علي وابن مسعود والمغيرة بن شعبة: أن العنين يؤجل سنة بألفاظ مختلفة. # --- PageV03P405 ~~*** # أما الرواية عن عمر، فأسندها عبد الرزاق، وابن أبي شيبة عن سعيد بن ~~المسيب قال: قضى عمر في العنين أن يؤجل سنة. قال معمر: وبلغني أن التأجيل ~~من يوم تخاصمه. وزاد ابن أبي شيبة وقال: فإن أصابها، وإلا فرقوا بينهما، ~~ولها الصداق كاملا. وأسندها محمد بن الحسن في «آثاره»: أخبرنا أبو حنيفة: ~~حدثنا إسماعيل بن مسلم المكي، عن الحسن، عن عمر: أن امرأة أتت فأخبرته أن ~~زوجها لا يصل إليها، فأجله حولا، فلما انقضى ولم يصل إليها، فخيرها فاختارت ~~نفسها، ففرق بينهما عمر، وجعلها تطليقة بائنة. # وأما الرواية عن علي، فأسندها ابن أبي شيبة عن الضحاك، عن علي قال: يؤجل ~~العنين ms0849 سنة، فإن وصل إليها وإلا فرق بينهما. وأسندها عبد الرزاق عن يحيى، ~~(عن علي) قال: يؤجل العنين سنة، فإن أصابها، وإلا فهي أحق بنفسها. وأما ~~الرواية عن ابن مسعود، فأسندها ابن أبي شيبة عن حصين بن قبيصة، عن عبد الله ~~بن مسعود قال: يؤجل العنين سنة فإن جامعها، وإلا فرق بينهما. وأسند عن ~~المغيرة بنحوه. # وإنما أجلوه سنة، لأن المرض غالبا يكون لغلبة البرودة، أو الحرارة، أو ~~الرطوبة، أو اليبوسة، وفصول السنة مشتملة على هذه الأربعة، فعسى أن يوافق ~~فصل منها طبعه، فيزول ما به من العارض باعتدال الطبع. # --- PageV03P406 ~~*** # فمتى مضت السنة ولم يزل، فالظاهر أنه قد استحكم، وأن حقها قد فات، فيفرق ~~بينهما، وهذا معنى قوله: (فإن لم يصل) الزوج المرأة (فيها) أي في السنة ~~(فرق) الحاكم (بينهما إن طلبته) أي التفريق لأنه خالص حقها، فلا بد من ~~طلبها حتى لو لم تطالبه بعد مضي السنة التي أجلها الحاكم لطلبها، لا يبطل ~~حقها من التفريق لما قدمنا. ولو تزوجها بعد تفريق القاضي لم يكن لها خيار ~~لرضاها بحاله، ولو تزوج امرأة أخرى عالمة بحاله، ففي «الأصل»: لا خيار لها، ~~وعليه الفتوى لعلمها بالعيب، وبه قال أحمد، والشافعي في القديم. # والحاصل: أن الزوج إن وصل إليها ولو مرة بقي النكاح، وإلا فالتفريق ~~بينهما للحاكم.ي رواية الحسن عن أبي حنيفة بطلبها لو كانت حرة. وظاهر ~~الرواية عنه: أن التفريق لها، وبه قالا، لأن الشرع خيرها عند تمام الحول ~~لدفع الضرر عنها، فلا يحتاج إلى تفريق القاضي كما إذا خيرها الزوج. وأما ~~إذا كانت أمة فالتفريق للمولى عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: للأمة، لأن ~~الوطىء حقها. وعن محمد: قولان. # (فتبين بطلقة) وهو قول مالك، وقال الشافعي وأحمد: بفسخ، لأنها فرقة من ~~جهتها. قلنا: بل هي فرقة من جهته، لأن فعل القاضي مضاف إليه لنيابته منابه ~~لامتناعه عن الإمساك بالمعروف. # (ولها كل المهر إن خلا بها) ونصفه إن لم يخل بها. وقال الشافعي: لا يجب ~~شيء من المهر ولا المتعة. لأنه فسخ ms0850 عنده (وتجب العدة) وبه قال مالك ~~والشافعي وأحمد، واستشكل المزني مذهب الشافعي فقال: كيف يجب عليها العدة ~~ولم يصبها، والخلوة ليست كالدخول عنده. ولأصحابه أجوبة عن ذلك تطلب مما هنالك. # --- PageV03P407 ~~*** # (وإن اختلفا) في الوصول إليها قبل التأجيل (وكانت ثيبا) حين تزوجها (أو ~~بكرا فنظرت النساء) إليها بعد الاختلاف (وقلن: ثيب) ويكفي قول الواحدة ، ~~والاثنتان أحوط (حلف) أما في المسألة الأولى: فلأن المرأة تدعي استحقاق ~~الفرقة عليه، وهو أنكرها ولأنه متمسك بالأصل وهو السلامة فيكون القول ~~قوله مع يمينه. وأما في الثانية: فلأن الثيابة وإن ثبتت بقول النساء، ليس ~~من ضرورة ثبوتها وصول الرجل إلى المرأة لاحتمال زوال بكارتها بشيء آخر، فيحلف # (فإن حلف) في المسألتين (بطل حقها وإن نكل) في المسألتين (أو قلن: بكر) ~~فيما إذا كانت بكرا (أجل السنة) وقالوا: ويعرف أنها بكر بأن يدفع في فرجها ~~أصغر بيضة، فإن دخلت بلا عنف فهي ثيب وإلا فبكر. وقيل: إن أمكنها أن تبول ~~على الجدار، فبكر وإلا فثيب. وقيل: تكسر البيضة وتصب في فرجها، فإن دخل ما ~~فيها فثيب وإلا فبكر. # (ولو أجل ثم اختلفا) في الوصول إليها (فالتقسيم هنا كما مر) فإن كانت ~~ثيبا أو بكرا وقالت النساء: ثيب، حلف (وبطل حقها) وهو التفريق هنا (بحلفه ~~حيث) أي في موضع (بطل حقها) وهو التأجيل، (فيه) وفي نسخة: ثم، أي فيما إذا ~~كان الاختلاف قبل التأجيل، (كما لو اختارته) أي كما يبطل حق الزوجة لو ~~اختارت زوجها (وخيرت) الزوجة (هنا) أي فيما إذا كان الاختلاف بعد ~~التأجيل،(حيث أجل) الزوج (ثمة) أي فيما إذا كان الاختلاف قبل التأجيل. # --- PageV03P408 ~~*** # والحاصل: أنها إذا كانت ثيبا، فالقول قوله ابتداء وانتهاء مع يمينه، فإن ~~نكل في الابتداء لا يؤجل السنة، وإن نكل في الانتهاء تخير المرأة. وإن كانت ~~بكرا بقول النساء يؤجل في الابتداء، وتخير في الانتهاء. (والخصي) سواء كان ~~مسلولا: وهو الذي سلت خصيتاه، أو موجوءا: وهو الذي قطعت خصيتاه، كذا قال ~~الشارح. وفي «القاموس»: وجأ: دق عروق خصييه بين حجرين من غير إخراجهما، ms0851 أو ~~هو: رضهما حتى تنفضخا، أي تنكسرا. # (كالعنين فيه) أي التأجيل لأن الوطىء منه متوقع (وفي المجبوب) أي مقطوع ~~الذكر (فرق حالا بطلبها) إذ لا فائدة في التأجيل، لأن الوطىء منه غير متوقع. # (ولا يتخير أحدهما) أي أحد الزوجين (بعيب الآخر) سوى ما تقدم. فلا يفسخ ~~النكاح عندنا بجنون وجذام وبرص به أو بها، وقرن ورتق بها. والقرن بسكون ~~الراء : غدة غليظة، أو لحمة مرتفعة، أو عظم يمنع سلوك الذكر. والرتق ~~بفتحتين : مصدر قولك: امرأة رتقاء: لا يمكن جماعها لارتياق ذلك الموضع أي ~~لانسداده ليس لها خرق إلا المبال. # وأجازه الزهري، وشريح، وأبو ثور بجميع العيوب كالبيع. وأجازه مالك ~~والشافعي وأحمد لكل من الزوجين بكل من العيوب الخمسة، ولا شيء لها قبل ~~الدخول، ولها مهر المثل بعده، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من ~~بني بياضة فوجد بكشحها بياضا فقال: «الحقي بأهلك». وعن عمر أنه أثبت الخيار ~~للزوج بهذه العيوب. # --- PageV03P409 ~~*** # ولأن المقصود من النكاح قضاء الشهوة طبعا، وثبوت النسب شرعا، وهذه العيوب ~~تخل به حسا أو طبعا بخلاف العمى، والشلل، والبخر، والذفر. وأجازه محمد ~~للمرأة بالجنون، والجذام، والبرص لدفع الضرر عنها كما في الجب والعنة، ~~بخلاف جانبه لقدرته على دفع الضرر عنه بالطلاق. ولقول علي: إذا تزوج امرأة ~~فوجد بها قرنا، أو برصا، أو جذاما أو جنونا، فالنكاح جائز لازم له، إن شاء ~~طلق، وإن شاء أمسك. وقول ابن مسعود: لا ترد المرأة من عيوب. ونفاه أبو ~~حنيفة وأبو يوسف، وهو قول عطاء، والنخعي وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، ~~والثوري، وابن أبي ليلى. # فإن تأثير وجود العيب في تفويت تمام الرضا إنما يوجب الرد في عقد يشترط ~~فيه الرضا، ولزوم النكاح لا يتوقف على تمام الرضا. ألا ترى أنه لو تزوج ~~امرأة بشرط أنها بكر شابة جميلة فوجدها ثيبا عجوزا شوهاء صماء عمياء بكماء، ~~لها شق مائل، وأنف هائل، ولعاب سائل، وعقل زائل، أو مريضة بالدق والسل مما ~~لا برء منه عند الأطباء، فإنه يجوز بلا شك لأحد ms0852 من العلماء، وأنه لا يثبت ~~له الخيار وإن فقد رضاه، وعليه الإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والله ~~المستعان. # والحديث لم يصح لأنه من رواية جميل بن زيد وهو متروك عن زيد بن كعب بن ~~عجرة، وهو مجهول لا يعلم لكعب بن عجرة ولد اسمه زيد، ولو سلم جاز أن يكون ~~ذلك طلاقا، فإن لفظ: الحقي بأهلك من كنايات الطلاق. وقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، ظاهره غير مراد بالاتفاق على ~~إباحة القرب منه، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل مع مجذوم ~~ثقة بالله وتوكلا عليه. # فصل في العدة # وهي في اللغة: الإحصاء، ويطلق أيضا على المعدود. # وفي الشرع: تربص يلزم المرأة عند زوال النكاح أو شبهته. # --- PageV03P410 ~~*** # (وسبب وجوبها عندنا نكاح) متأكد بالتسليم، أو ما يقوم مقامه من خلوة أو موت. # (العدة) مبتدأ، ولام (للحرة) متعلق به (تحيض) نعت لها أو حال عنها ~~(للطلاق) أي لأجل الطلاق عن دخول أو خلوة، (و) لأجل (الفسخ) لخيار بلوغ، أو ~~عتق، ولملك أحد الزوجين، ولتقبيل ابن الزوج بشهوة، ولارتداد أحدهما، ولعدم ~~الكفاءة، لأنه في معنى الفرقة بالطلاق في وجوب تعرف براءة الرحم (ثلاث حيض) ~~خبر المبتدأ (كوامل) قيد به لأنه لو طلقها وهي حائض لا يحتسب بذلك الحيض، ~~ولو بقي من الحيضة الثالثة شيء لم تنقض عدتها، وذلك لأن الحيضة الواحدة لا ~~تتجزى. وما وجد قبل الطلاق لا يحتسب منها فلا يحتسب ما بقي ضرورة. وبه قال ~~ابن عباس، وشريح، وإبراهيم النخعي. # وقال مالك والشافعي: ثلاثة أطهار، وهو مروي عن عائشة، وابن عمر، وزيد بن ~~ثابت، لقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن}، وقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء}. وقد علم أن تأنيث العدد يقتضي تذكير المعدود، والطهر ~~هو المذكر لا الحيض، فلو أراد به الحيض لقال: ثلاث قروء. # ولنا أن الاستبراء بحيضة، كما رواه أحمد وأبو داود في سبايا أوطاس،وأصل ~~العدة للاستبراء، فيكون بالحيض. وروى ابن ماجه عن عائشة قالت: أمرت بريرة ~~أن تعتد بثلاث حيض. ومذهبنا ms0853 قول الخلفاء الأربعة، والعبادلة، وأبي بن كعب، ~~ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وأبي موسى الأشعري، ومعبد ~~الجهني، # --- PageV03P411 ~~*** # وعبد الله بن قيس، وطائفة من التابعين: كسعيد بن المسيب، وابن جبير، ~~وعطاء، وطاوس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والحسن، ومقاتل، وشريك، ~~والثوري، والأوزاعي، وابن شبرمة، والسدي، وكذا: الأصمعي، والكسائي، ~~والفراء، والأخفش. ورواه الطحاوي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، فتعارضت ~~الرواية عنهما. # قال أحمد بن حنبل: كنت أقول الأطهار، ثم وقفت لقول الأكابر، وفي نسخة: ~~وقفت والله ولي التوفيق بقول أهل التحقيق. # وعن أبي عبيدة وابن السكيت: أن القرء يصح للحيض والطهر ولا ينتظمهما ~~جملة، لأن المشترك لا عموم له، والحمل على الحيض أولى عندنا لما رويناه في ~~عدة الأمة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «وقرؤها حيضتان»، ولم يقل: ~~طهران، ولا خلاف أن عدة الأمة نصف عدة الحرة، لأن أثر الرق في التنصيف لا ~~في تغيير أصل العدة، ولقوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر}، فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار، والنقل ~~إلى البدل إنما يكون عند عدم الأصل، كقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا}، فهو تنصيص على أن المراد بالقرء الحيض، ولأن الغرض في العدة ~~استبراء الرحم، والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام دون الطهر، ولذا كان ~~استبراء الأمة بالحيض إجماعا. # وأما الاستدلال بقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} فلا يصح، لأنه بناء على أن ~~اللام بمعنى «في»، وهو غير معهود في الاستعمال، ويستلزم تقدم العدة على ~~الطلاق، أو مقارنته له لاقتضائه وقوعه في وقت العدة. وقراءة: «لقبل عدتهن» ~~في «صحيح مسلم» تنفيه إذ أفادت أن اللام فيه مفيدة معنى استقبال عدتهن، ~~وهذا استعمال محقق من العربية، يقال في التاريخ بإجماع أهل العربية: خرج ~~لثلاث بقين ونحوه. # --- PageV03P412 ~~*** # وأما التمسك بتأنيث العدد في الآية الأخرى فليس بشيء، لأن الشيء إذا كان ~~له اسمان مذكر كالبر، ومؤنث كالحنطة، ولا تأنيث حقيقي، يؤنث عدده إذا أضيف ~~إلى اللفظ المذكر، ويذكر إذا أضيف إلى ms0854 اللفظ المؤنث. # (كأم ولد) أي كما تعتد بثلاث حيض كوامل أم ولد (مات مولاها أو أعتقها) ~~وهي ممن تحيض وليست حاملا، ولا تحت زوج، ولا في عدة زوج، لأنها لو كانت تحت ~~زوج أو في عدة زوج، لم يلزمها من المولى عدة. # (وموطوءة) أي وكموطوءة (بشبهة) كما لو زفت إليه امرأة فوطئها وهو لا ~~يعرفها (أو نكاح فاسد) كالمؤقت، والنكاح بغير شهود، ونكاح الأخت في عدة ~~أختها، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة (في الموت والفرقة) أي لأن الوطىء ~~بشبهة كالنكاح الفاسد، والنكاح الفاسد كالصحيح ولا نفقة لها، لأن العدة هنا ~~لتعرف براءة الرحم لا لقضاء حق النكاح، والحيض هو المعرف ولو في الموت. # وقال الشافعي: عدة أم الولد من مولاها حيضة واحدة وإن كانت لا تحيض ~~(فشهر. وقال مالك: عدتها حيضة واحدة، وإن كانت لا تحيض) فثلاثة أشهر، وهو ~~قول أحمد بن حنبل، لما روى مالك في «الموطأ»: عن نافع، عن ابن عمر: أنه ~~قال: عدة أم الولد إذا هلك عنها سيدها حيضة. ولأنها وجبت لتعرف براءة ~~الرحم، فصارت كالاستبراء. # ولنا ما روى محمد بن الحسن في «الأصل»: عن علي، وابن مسعود، وإبراهيم ~~النخعي أنهم قالوا: عدة أم الولد ثلاث حيض. وكذلك روى الحاكم عن علي، وابن ~~مسعود، وعطاء. وروى أيضا أن عمرو بن العاص أمر أم ولد أعتقت أن تعتد بثلاث ~~حيض، وكتب إلى عمر بذلك، فكتب عمر إليه بحسن رأيه. # --- PageV03P413 ~~*** # (ولمن لا تحيض) أي، والعدة من طلاق أو فسخ لحرة لا تحيض (لصغر أو كبر أو ~~بلغت بالسن ولم تحض: ثلاثة أشهر) أما التي لا تحيض لكبر فلقوله تعالى: ~~{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر}، ومعنى ~~{إن ارتبتم}: إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم أمرهن. وأما التي لا تحيض لصغر ~~والتي بلغت بالسن ولم تحض، فلقوله تعالى: {واللائي لم يحضن} أي فعدتهن ~~ثلاثة أشهر، فحذف لدلالة ما تقدم عليه، والنص يتناول الصغيرة. وعلماؤنا ~~والشافعي أمروا ممتدة الطهر بالأقراء لا بالتربص لسنة. وقال مالك: تربص ms0855 بعد ~~الطلاق تسعة أشهر ثم تعتد بعدها بثلاثة أشهر، لأن تسعة أشهر هو المدة ~~المعتادة لظهور الحبل، فإذا مضت تحققت براءة الرحم، فتعتد بثلاثة أشهر ~~لصيرورتها في معنى من لا تحيض. # ولنا أن الاعتداد بالأشهر مختص بالصغيرة والآيسة، وهذه لم يحكم بإياسها ~~فتكون حائضا باستصحاب الحال، فلا تعتد بالأشهر. وعلماؤنا والشافعي أمروا ~~الأمة الآيسة بشهر ونصف، لإمكان تنصيف عدتها بالنسبة إلى الأشهر، فجرينا ~~فيها على الأصل لا بثلاثة أشهر كما قال مالك، واحتج بإطلاق ما تلونا من ~~قوله تعالى: {فعدتهن ثلاثة أشهر} # . # (وللموت) أي وعدة الحرة لأجل موت زوجها وهي ليست بحامل (أربعة أشهر وعشر) ~~من حين الوفاة لا العلم بها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو كتابية، ~~تحت مسلم قبل الدخول أو بعده، حرا كان الزوج أو عبدا، حاضت أو لم تحض، ~~لقوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا}، ولقوله صلى الله عليه وسلم «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ~~أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على أزواجها أربعة أشهر وعشرا». والمعتبر ~~عشرة أيام وعشرة ليال من الشهر الخامس عندنا. # --- PageV03P414 ~~*** # وفي «المبسوط»: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول: عدة الحرة ~~لموت زوجها أربعة أشهر وعشر ليال وتسعة أيام، حتى يجوز لها أن تتزوج في ~~اليوم العاشر، لأن العشر في الآية مؤنث لحذف التاء، فيتناول الليالي، ويدخل ~~ما في خلالها من الأيام ضرورة وهي تسعة. وأجيب بأن ذكر أحد العددين من ~~الأيام والليالي بعبارة الجمع يقتضي دخول مثله مما بإزائه من العدد الآخر، ~~وقد سبق نظير هذا في الاعتكاف. # (و) العدة (لأمة تحيض) للطلاق والفسخ، سواء كانت قنا، أو مدبرة، أو أم ~~ولد، أو مكاتبة، أو معتقة البعض على قول أبي حنيفة (حيضتان) لما روى أبو ~~داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان». ولأن الرق منصف لقوله تعالى: ~~{فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}. # لكن ms0856 الحيضة لما لم يدر نصفها لاختلافها بالكثرة والقلة والوقت، جعل عدة ~~الأمة حيضتين، ولأن الحيضة لا تتجزىء كالطلقة، فكملت، فصارت حيضتين. وقد ~~روى البيهقي، عن الشافعي، عن رجل من ثقيف أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: لو ~~استطعت لجعلتها حيضة ونصفا، فقال رجل: فاجعلها شهرا ونصفا، فسكت عمر. قلت: ~~وهذا من كمال حلمه مع جمال علمه. # (ولمن) أي ولأمة (لم تحض، أو مات عنها زوجها نصف ما للحرة) فالتي لم تحض ~~لصغر أو كبر أو بلوغ بالسن شهر ونصف، وللتي مات عنها زوجها شهران وخمسة ~~أيام، لأن كلا من الثلاثة الأشهر والأربعة الأشهر وعشرة أيام قابل للتنصيف. # --- PageV03P415 ~~*** # (و) العدة (للحامل الحرة والأمة وإن مات عنها زوجها) وفي بعض النسخ: وإن ~~مات عنها صبي، يعني بأن ولدت بعد موته لأقل من ستة أشهر (وضع حملها) وإن لم ~~يلحق به لعدم مائه، لأن قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ~~. لا فصل فيه بين الحرة والأمة، ولا بين المطلقة والمفسوخة، والمتوفى عنها ~~زوجها والموطوءة بشبهة، ولا بين الحمل الثابت النسب وغيره. وقال أبو يوسف ~~وزفر: الحامل التي مات عنها الصبي المذكور أربعة أشهر وعشر. وهو رواية عن ~~أبي حنيفة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأنه ليس بثابت النسب منه، لكونه ~~صبيا لم يوجد منه المني، الحال أنها ولدت لأقل من ستة أشهر. # وعن علي وابن عباس: تعتد المتوفى عنها بأبعد الأجلين، فتعتد بأربعة أشهر ~~وعشر، فيها ثلاث حيض، لأن قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن} يوجب العدة بوضع الحمل، وقوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} يوجب الأشهر فيجمع بينهما ~~احتياطا. # ودليل عامة العلماء ما روى مالك في «الموطأ»: أن عبد الله بن عباس وأبا ~~سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف اختلفا في المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال، ~~فقال أبو سلمة: إذا وضعت ما في بطنها فقد حلت. وقال ابن عباس: آخر الأجلين. ~~فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي يعني أبا سلمة ms0857 فأرسلوا كريبا مولى ابن ~~عباس إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم يسألها عن ذلك، فجاءهم ~~فأخبرهم أنها قالت: ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قد حللت فانكحي من شئت». وفي رواية ~~للبخاري: فمكثت قريبا من عشر ليالل # --- PageV03P416 ~~*** # وروى الشيخان: أن عمر بن عبد الله بن أرقم دخل على سبيعة بنت الحارث ~~الأسلمية فسألها حديثه، فأخبرته أنها كانت تحت سعيد بن خولة وهو من بني ~~عامر ابن لؤي، وكان ممن شهد بدرا فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم ~~تلبث أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما فرغت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل ~~عليها أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد الدار فقال لها: مالي أراك ~~متجملة، لعلك ترجين النكاح، والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر ~~وعشر، قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت ~~حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي. قال ابن شهاب: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين ~~وضعت وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر، وهو قول عمر وابنه. # وفي البخاري أيضا في تفسير سورة الطلاق، وأواخر البقرة: أن ابن مسعود ~~قال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة؟ لنزلت سورة النساء ~~القصرى بعد الطولى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ورواه أبو داود، ~~والنسائي، وابن ماجه. بلفظ: من شاء لاعنته، لأنزلت سورة النساء القصرى بعد ~~الأربعة أشهر وعشرا. وأخرجه البزار عنه بلفظ: من شاء حالفته إن: {وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}. نزلت بعد آية المتوفى، فإذا وضعت المتوفى ~~عنها حملها فقد حلت. # --- PageV03P417 ~~*** # وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه من حديث المثنى بن الصباح، ~~والطبري، وابن أبي حاتم عن ابن لهيعة، والطبري وحده عن عبد الكريم ابن أبي ~~المخارق (كلهم) عن أبي بن ms0858 كعب قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم {وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} للمطلقة ثلاثا أو المتوفى عنها؟ قال: «هي ~~للمطلقة ثلاثا والمتوفى عنها». إلا أن المثنى متروك، والآخران ضعيفان، لكن ~~يقويه ما أسنده عبد الرزاق وابن أبي شيبة في «مصنفيهما» عن الزبير بن ~~العوام: أنه كانت تحته أم كلثوم، وكان فيه شدة على النساء فكرهته، فسألته ~~أن يطلقها وهي حامل، فأبى، فلما ضربها الطلق ألحت عليه في تطليقة، فطلقها ~~واحدة، وهو يتوضأ، ثم خرج، فأدركه إنسان فأخبره أنها وضعت، فقال: خدعتني ~~خدعها الله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: «سبقك كتاب ~~الله فيها، خطبها». فقال: لا ترجع إلي أبدا. # (و) العدة (لمن حبلت بعد موت) زوجها (الصبي) بأن ولدت لستة أشهر فصاعدا ~~من موته، وهذا عند الجمهور، وقيل: أن تلد لأكثر من سنتين (عدة الموت) أربعة ~~أشهر وعشر للحرة، وشهران وخمسة أيام للأمة، لأنها ليست حاملا وقت موته، فلا ~~تدخل في قوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}، (ولا نسب) ثابت (في ~~وجهيه) أي وجهي حبل امرأة الصبي، وهما: حبلها قبل موته، وحبلها بعده، لأن ~~النسب يعتمد الماء، ولا ماء للصبي. # (و) العدة (لامرأة الفار) وهو الذي طلق في مرض موته ونحوه (للبائن) بثلاث ~~حيض أو بواحدة (أبعد الأجلين) من عدة الوفاة وعدة الطلاق، بأن تتربص أربعة ~~أشهر وعشرا من وقت الموت، فيها ثلاث حيض من وقت الطلاق. وقال أبو يوسف: ~~تعتد بثلاثة أقراء، لا أبعد الأجلين، وهو قول مالك والشافعي، لأن العدة ~~وجبت في حياته، فتكون بالأقراء. # --- PageV03P418 ~~*** # ولنا أن فيما قلناه احتياطا، فكان أولى: (وللرجعي) عطف على البائن (ما ~~للموت)، لأن النكاح قائم من كل وجه، وقد انقطع بالموت، فتدخل في عموم قوله ~~تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا}. # (ولمن) أي والعدة لأمة (أعتقت في عدة رجعي، كعدة حرة) فتعتد بثلاث حيض، ~~أو بثلاثة أشهر من وقت الطلاق، لأن النكاح لم يزل عنها بالرجعة، وقد كمل ~~ملك الزوج ms0859 عليها بالعتق، والطلاق في ملك كامل يوجب عدة الحرائر (وفي عدة ~~بائن أو موت كأمة) لأن النكاح زال بالبينونة أو الموت، فلم يكمل ملك الزوج ~~بالعتق، فلم يقع الطلاق في ملك كامل، فلا تنتقل عدتها إلى عدة الحرائر. # وقال مالك: لا ينتقل ما يختلف بالرق والحرية، ويكون المعتبر فيه حال تقرر ~~الوجوب، كالحدود وهو أحد قولي الشافعي. # (وآيسة) مبتدأ، أي منقطعة دم الحيض في سن الإياس وهو: خمسة وخمسون سنة، ~~وعليه الفتوى (رأت الدم) على عادتها أو حبلت من زوج آخر (بعد عدة الأشهر) ~~أي بعد فراغها (تستأنف) خبر المبتدأ، أي تبتدىء عدة أخرى (بالحيض) بكسر ~~ففتح، ويفسد نكاحها إن كانت تزوجت، لأنه تبين أنها من ذوات الأقراء، وهذا ~~هو الصحيح. وفي «النوازل»: إذا تزوجت الآيسة بعد تمام اعتدادها بالأشهر ثم ~~رأت الدم، فالأصح أن نكاحها جائز، قضى القاضي بجوازه أو لم يقض، وتكون ~~عدتها في المستقبل بالحيض، (كما تستأنف بالشهور) أي اتفاقا (من حاضت) من ~~عدتها (حيضة) أو حيضتين (ثم أيست) أي بالسن، تحرزا عن الجمع بين الأصل ~~والبدل. # --- PageV03P419 ~~*** # (وعلى معتدة) من طلاق أو غيره (وطئت بشبهة) كما لو تزوجها وهو لا يعلم ~~أنها معتدة الغير، أو وجدها على فراشها وقال النساء: إنها زوجتك (عدة أخرى) ~~وأما إذا علم أنها امرأة الغير، أو معتدته، فلا تجب العدة، حتى لا يحرم على ~~الزوج وطئها وبه يفتى كما في «الذخيرة» (وتداخلتا) أي العدتان، فتحتسب ~~بالدم الذي تراه في العدة الأخرى من العدتين. # (فإذا تمت الأولى انقضى بعض الثانية) حتى لو كان الوطىء بشبهة بعد حيضة ~~من العدة، لزمها ثلاث حيض أخر، لتكون الحيضة الثالثة تكملة للعدة الثانية، ~~ولو كانت العدة من وفاة فوطئت بشبهة تعتد بالأشهر، وتحتسب بما تراه من ~~الحيض فيها من العدة الثانية تحقيقا للتداخل بقدر الإمكان، وهو قول معاذ بن جبل. # وقال مالك والشافعي وأحمد: إن كانت العدتان من شخص واحد تداخلتا إذا ~~اتفقتا بأن لم يكن إحبال، وكانت من ذوات الأشهر أو الأقراء، وإن اختلفتا ~~بأن كانت ms0860 إحداهما بالحمل، ففي تداخلهما وجهان، وإن كانت العدتان من شخصين ~~لم تتداخلا، لأن العدتين حقان مقصودان لآدميين، فلا تتداخلان، كالديتين، ~~والحدين، والمهرين. # ولنا أن المقصود التعرف عن فراغ الرحم، وقد حصل بالواحدة فتتداخلان، وإن ~~العدة مجرد أجل، والآجال إذا اجتمعت تنقضي بمدة واحدة، كرجل عليه ديون إلى ~~أجل، فإذا مضى حلت كلها، وإنما قلنا إنها أجل لقوله تعالى: {وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن}، وقوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن}، وقوله ~~تعالى: {حتى يبلغ الكتاب أجله} وسماه تربصا وهو الانتظار، وهو يكون بسبب ~~الأجل كالانتظار في المطالبة بالدين إلى انقضاء الأجل. # --- PageV03P420 ~~*** # (وعدة النكاح الفاسد عقيب تفريقه، أو عزمه ترك الوطىء) بأن يقول: تركتك، ~~أو خليت سبيلك، أو ما يقوم مقام ذلك، لا بمجرد العزم أو بعدم المجيء إليها. ~~وقال زفر: من آخر الوطآت، وبه أخذ أبو القاسم الصفار (وتنقضي العدة وإن ~~جهلت) المرأة ذلك، بأن لم تعلم وقوع الطلاق أو الموت حتى مضت المدة، لأن ~~العدة أجل وهو لا يشترط العلم بانقضائه. # (وإن نكح معتدته من بائن) بما دون الثلاث (وطلق قبل الوطء، وجب مهر تام ~~وعدة مستقبلة) عند أبي حنيفة وأبي يوسف وهو رواية عن أحمد. وقال زفر: يجب ~~نصف المهر أو المتعة ولا عدة عليها. وقال محمد: نصف المهر أو المتعة وعليها ~~تمام العدة الأولى، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد. # (ولا عدة) عند أبي حنيفة (على ذمية طلقها ذمي) لا يعتقد العدة، أو مات ~~عنها. وعنه: أنها لا توطأ إلا بعد حيضة. وعنه: أنها لا تزوج إلا بعد حيضة. # وقال أبو يوسف ومحمد: تعتد لأن في العدة حق الزوج وإن كان فيها حق الشرع، ~~ولهذا يجب على الصغيرة والكتابية مخاطبة بحقوق العباد. # ولأبي حنيفة: أن الذمية غير مخاطبة بالفروع، فلا يجب العدة عليها لحق ~~الشرع وزوجها غير معتقد للعدة، فلا يجب عليها لحق الزوج. وأما لو اعتقدها ~~وجب عليها العدة اتفاقا. # (ولا) على (حربية) منكوحة (خرجت إلينا مسلمة) أو ذمية ثم أسلمت، أو خرجت ~~مستأمنة ثم أسلمت، ms0861 أو صارت ذمية (إلا الحامل) لأن في بطنها ولدا ثابت النسب. # وقال أبو يوسف ومحمد: عليها العدة لأنها فرقة بعد الدخول في دار الإسلام ~~بسبب التباين، فيجب العدة كما لو وقعت بسبب آخر نحو: الموت ومطاوعة ابن الزوج. # ولأبي حنيفة أن قوله تعالى: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن} مطلق، وأن العدة ~~فيها حق العبد، والحربي ملحق بالجماد، حتى صار محلا للتملك، فلا حرمة ~~لفراشه. # --- PageV03P421 ~~*** # (تحد) بكسر الحاء وضمها، ومصدره الحداد، والأفصح أنه من الإحداد، أي ~~وتظهر الحزن (معتدة البائن) بثلاث أو خلع، إن كانت حرة، وباثنين أو خلع إن ~~كانت أمة. # وقال مالك والشافعي: لا تحد معتدة البائن، لأن الحداد وجب إظهارا للتأسف ~~على فوت زوج وفي بعهدها إلى مماته، والمبانة قد أوحشها بالإبانة فلا تأسف لموته. # ولنا أنه وجب إظهارا للتأسف على فوت نعمة النكاح الذي هو سبب لصونها ~~وكفاية لمؤنها، والإبانة فيها ذلك الفوت، ولأنه من أسباب رغبة الرجال فيها ~~وهي ممنوعة منهم ما دامت معتدة. ولما أسنده الطحاوي في «آثاره»: عن إبراهيم ~~النخعي أنه قال: المطلقة، والمختلعة، والمتوفى عنها زوجها، والملاعنة: لا ~~تختضب، ولا تتطيب، ولا تلبس ثوبا مصبوغا، ولا يخرجن من بيوتهن. وهو ممن ~~أدرك عصر الصحابة وزاحمهم في الفتوى، فيجوز تقليده. # (و) تحد معتدة (الموت: كبيرة، عاقلة، مسلمة) فلا حداد على صغيرة، ولا ~~كافرة، ولا مجنونة. # وقال مالك والشافعي: عليهن الحداد، لأنه لموت الزوج، فيعم النساء كالعدة. # ولنا أنه عبادة، فلا يجب إلا على المخاطبين بهذا، ولذا قال صلى الله عليه ~~وسلم «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر...» الحديث، حيث شرط الإيمان ~~بخلاف العدة، فإن فيها حق الزوجية. # (بترك الزينة) أي الحلي والحرير، (و) بترك (لبس المزعفر والمعصفر) إلا أن ~~يكون خلقا # لا يحصل به الزينة. وإن لم يكن لها إلا ثوب مصبوغ فلا بأس بأن تلبسه من ~~غير أن تقصد الزينة بلبسه، لأنها لا تجد بدا من ستر عورتها. وإذا لم تجد ~~سواه فمقصودها الستر لا الزينة، والأعمال بالنية. # --- PageV03P422 ~~*** # (و) بترك (الدهن) بالأدهان ms0862 الطيبة باتفاق، وبالزيت والسيرج الخالصين ~~خلافا لمالك وأحمد، (و) بترك (الحناء والطيب والكحل إلا بعذر) من حكة، أو ~~مرض، أو قمل. ولا تمتشط بمشط أسنانه ضيقة، لأنه لتحسين الشعر وتزيينه، ~~بخلاف الواسعة. وقال مالك والشافعي وأحمد: تمتشط به. # ودليل وجوب الحداد على المتوفى عنها زوجها ما رواه الجماعة إلا الترمذي ~~عن حفصة، عن أم عطية قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يحل ~~لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج ~~أربعة أشهر وعشرا، ولاتلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب وهو ضرب من البرد ولا ~~تكتحل ولا تمس طيبا، إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار». والقسط: ضرب من ~~الطيب، وقيل: العود. والأظفار: جنس من الطيب لا واحد له من لفظه، كذا في ~~«النهاية». وفي لفظ للبخاري ومسلم: وقد رخص للمرأة في طهرها إذا اغتسلت من ~~حيضها في نبذة من قسط أو أظفار. وزاد مسلم من حديث حفصة: «إلا على زوجها، ~~فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا». # وروى أبو داود من حديث أم حكيم بنت أسيد، عن أمها، عن مولاة لها، عن أم ~~سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في عدتي من وفاة أبي ~~سلمة: «لا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء، فإنه خضاب». # قلت: فبأي شيء أمتشط يا رسول الله، قال: «بالسدر تغلفين به رأسك». وفي ~~الصحيحين من حديث أم سلمة قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها ~~أفنكحلها؟ فقال صلى الله عليه وسلم «لا» مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: ~~«لا» ثم قال صلى الله عليه وسلم «إنما هي أربعة أشهر وعشر». # --- PageV03P423 ~~*** # (لا) تحد (معتدة عتق و) معتدة (نكاح فاسد) لأن الحداد لإظهار التأسف على ~~فوات نعمة النكاح، ولم يفتها ذلك، ولأن زوال الرق نعمة، فلا يليق به ~~التأسف، بل المناسب له الشكر لما زال عنها من أثر الرق، والنكاح الفاسد ms0863 ~~معصية، فيلزمها الشكر على فوته لا التأسف. # (ولا تخطب معتدة) مطلقا، لقوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ ~~الكتاب أجله}، (إلا تعريضا) في المتوفى عنها لقوله تعالى: {ولا جناح عليكم ~~فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم ا أنكم ستذكرونهن ~~ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا}، فقوله: {لا تواعدوهن ~~سرا} معناه: لا يأخذ عليها عهدا أو ميثاقا أن لا تتزوج غيره. أسنده ابن أبي ~~شيبة عن الشعبي، ونقله أبو بكر الرازي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد. ~~وقال عبد الرزاق: حدثنا مجاهد عن أبيه، عن ابن عباس في قوله تعالى: {ولكن ~~لا تواعدوهن سرا} قال: يقول: إنك من حاجتي. وأما ما في «الهداية:» قال عليه ~~الصلاة والسلام: «السر النكاح»، فغير معروف رفعه. # وأما المطلقة فلا يجوز التعريض فيها: أما الرجعية فلقيام الزوجية، وأما ~~البائن فلإفضائه إلى العداوة في مطلقها. والأظهر في مذهب الشافعي: أنه يجوز ~~التعريض في البائن إلحاقا لها بالمتوفى عنها. # وصفة التعريض ما روى البخاري في كتاب النكاح: عن ابن عباس في قوله تعالى: ~~{ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} قال: يقول: إني أريد ~~التزويج، ولوددت أنه تيسر لي امرأة صالحة. وعن القاسم أنه يقول: إنك علي ~~كريمة، وإني فيك لراغب، وإن الله تعالى لسائق إليك خيرا، أو نحو هذا. انتهى. # --- PageV03P424 ~~*** # (ولا تخرج معتدة الرجعي والبائن من بيتها أصلا) أي لا ليلا ولا نهارا، ~~لقوله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} ~~قال النخعي: هي نفس الخروج، وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله. وقال ابن مسعود: ~~هي الزنا، فتخرج لإقامة الحد، وبه أخذ أبو يوسف. وقال ابن عباس: أن تكون ~~بذية اللسان على أحماء زوجها، فتخرج من مسكن الزوج. ثم هذا في الحرة، وأما ~~في الأمة فتخرج لرعاية حق المولى في الخدمة، إلا أن يبوءها منزلا ويترك ~~استخدامها تفضلا. # (وتخرج معتدة الموت في الملوين) أي في الليل والنهار (وتبيت) أكثر الليل ms0864 ~~(في منزلها) لأن نفقتها عليها، فتحتاج إلى الخروج للكسب بالنهار وبعض ~~الليل، بخلاف المعتدة عن طلاق، فإن نفقتها على زوجها، حتى لو اختلعت نفسها ~~على نفقتها، كان لها الخروج نهارا في رواية لضرورة معاشها. وفي رواية: لا ~~تخرج لأنها أسقطت حقها برضاها. وفي «جامع قاضيخان»: أنه الصحيح، كما لو ~~اختلعت على أن لا سكنى حيث تسقط مؤنة السكنى، ويلزمها أن تكتري بيت الزوج، ~~وبه كان يفتي الصدر الشهيد. وعن علي، وابن عباس، وجابر، وعائشة: تعتد ~~المتوفى عنها حيث شاءت، وهو قول الحسن وعطاء. # (وتعتد) المعتدة (في منزلها) الذي يضاف إليها بالسكنى (وقت الفرقة ~~والموت) حتى لو طلقها وهي زائرة وجب عليها أن تعود إلى منزلها فتعتد فيه، ~~(إلا أن تخرج) بأن كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها وأخرجها الورثة من ~~نصيبهم (أو خافت تلف مالها، أو الانهدام، أو لم تجد كراء البيت) لأن الواجب ~~يتقيد بالاقتدار مع هذه الأعذار، وقد قال الله تعالى: {فاتقوا ا ما ~~استطعتم}. # --- PageV03P425 ~~*** # وإنما تعتد في منزلها لما روى مالك في «الموطأ»، وأحمد، وأبو داود، ~~والنسائي، وابن ماجه، والطحاوي، والترمذي وقال: حسن صحيح : أن فريعة بنت ~~مالك أخت أبي سعيد الخدري لما قتل زوجها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم ~~يترك لي مسكنا يملكه، ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«نعم»، قالت: فانصرفت حتى إذا كنت بالحجرة أو بالمسجد ناداني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو أمرني فنوديت له، فقال: «كيف قلت؟» قالت: فرددت عليه ~~القصة التي ذكرت له من شأن زوجي. قال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب ~~أجله». قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا. قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي ~~فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه. # ثم تعيين المنزل الذي تنتقل إليه عند الضرورة إلى الزوج في الطلاق وأجرته ~~عليه، وإلى المرأة في الوفاة وأجرته عليها. وإذا سكنت منزلا آخر لا تخرج ~~منه ms0865 إلا لعذر، لأن الانتقال عن الأول لا يكون إلا عن عذر، فكذا عن الثاني. ~~ولا تخرج إلى صحن دار فيها منازل، لأنه بمنزلة السكة، ولهذا لو أخرج السارق ~~المتاع إليه يقطع. # (ولا بد من سترة بينهما) إن كان سكناها في منزل الزوج (في البائن) بثلاث ~~أو بخلع حذرا من الخلوة بالأجنبية (وإن ضاق المنزل عليهما) أي على المعتدة ~~ومطلقها (فالأولى خروجه) لا خروجها، لقوله تعالى: {ولا يخرجن} وكذا الحكم ~~مع فسقه، لأن مكثها في منزل الزوج واجب، ومكثه فيه غير واجب ، ولو خرجت هي ~~بعد إبائه جاز، لأن ذلك عذر لها. # (وحسن أن يجعل بينهما امرأة قادرة على الحيلولة) بأن تكون ثقة تحول ~~بينهما، لحصول المكث في منزل الزوج حينئذ من غير ضرر يلحقها منه، فلا يحتاج ~~إلى خروج أحدهما. # --- PageV03P426 ~~*** # (ولو أبانها، أو مات عنها في سفر) سواء كان في مفازة أو مصر (وليس بينها ~~وبين مصرها) أي محلها الذي خرجت منه (مسيرة سفر، رجعت إلى مصرها) سواء كان ~~بينها وبين مقصدها مسيرة سفر أو لم يكن، كان معها محرم أو لا، وكانت في مصر ~~أو في مفازة. أما رجوع التي لم يكن بينها وبين مقصدها مسيرة سفر، فعلى سبيل ~~الأولوية، لتكون عدتها في منزلها، وأما رجوع التي بينها وبين مقصدها مسيرة ~~سفر فعلى سبيل الوجوب، لأن رجوعها ليس فيه إنشاء سفر، ولأنها تصير بالرجوع ~~مقيمة، وبالمضي مسافرة. # قيد بالإبانة أو الموت، لأنه لو طلقها رجعيا لم تفارقه، لأن الزوجية ~~قائمة بينهما (وإن كانت تلك) أي مسيرة السفر (من كل جانب) من جانبي مصرها ~~ومقصدها (فإن كانت في مفازة خيرت) بين الرجوع والمضي للضرورة، سواء كان ~~معها ولي أو لا، لأن ما يخاف عليها في ذلك المكان أعظم مما يخاف عليها في ~~الخروج منه. وقال السرخسي: تختار أقربهما. (والعود أحمد) لتعتد في منزلها. # (وإن كانت في مصر تعتد ثمة) أي في المصر عند أبي حنيفة، سواء كان معها ~~محرم أو لا (ثم تخرج بمحرم) وقال أبو يوسف ومحمد: وهو قول ms0866 أبي حنيفة رحمه ~~الله أولا: إن كان معها محرم، فلها أن لا تعتد ثمة، وتخرج مع محرمها. # ولو طلق ذو الخيمة من أهل البادية امرأته وأراد الانتقال بها إلى مكان ~~آخر للماء والكلاء لمواشيه، لا ينقلها لوجوب القرار عليها في موضع طلقت ~~فيه، إلا أن يلحقها بعدمه ضرر بين بتركه، فينقلها حينئذ دفعا له، قال الله ~~تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «لا ضرر ولا ضرار». # فصل (في الحضانة) # --- PageV03P427 ~~*** # (الحضانة) وهي تربية الولد الصغير (للأم) بإجماع أهل العلم. وبما روى أبو ~~داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو: أن امرأة ~~قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له ~~حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني. فقال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «أنت أحق به ما لم تنكحي». وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن سعيد بن ~~المسيب: أن عمر طلق أم عاصم، ثم أتى عليها وفي حجرها عاصم، وأراد أن يأخذه ~~منها، فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام، فانطلقا إلى أبي بكر، فقال له أبو ~~بكر: مسحها وحجرها وريحها خير له منك، حتى يشب الصبي فيختار لنفسه. # وفيه: عن القاسم بن محمد: أن عمر بن الخطاب طلق جميلة بنت عاصم بن ثابت، ~~فتزوجت فجاء عمر فأخذ ابنه، فأدركته الشموس امرأة عاصم الأنصارية وهي أم ~~جميلة فأخذته فترافعا إلى أبي بكر، فقال لعمر: خل بينها وبين ابنها، ~~فأخذته. # (بلا جبرها) إذا أبت سواء (طلقت أو لا) إلا أن لا يكون له إلا هي، أو لا ~~يقبل غيرها، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية. وقال مالك في رواية، ~~وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح: تجبر. واختاره أبو الليث، والهندواني من ~~أصحابنا، لأن ذلك حق الولد، لقوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن} ~~والمراد به الأمر، وهو للوجوب. # ولنا قوله تعالى: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} وإذا اختلفا فقد ms0867 تعاسرا ~~(ثم أمها) أي ثم لأم الأم، بأن ماتت الأم، أو تزوجت بغير ذي رحم محرم، أو ~~لم تكن أهلا للحضانة (وإن علت). وعن أحمد: أن أم الأب أحق من أم الأم. ~~وإنما كانت أم الأم أحق من أم الأب لما قدمنا من قضية عمر مع جدة ولده. # --- PageV03P428 ~~*** # (ثم أم أبيه) أي ثم لأم الأب وإن علت. وقال زفر: الأخت لأب وأم أولى، ~~والخالة (للأم) أحق من أم الأب (ثم أخته) أي أخت الولد (لأب وأم، ثم لأم، ~~ثم لأب) وبه قال المزني وابن شريح من الشافعية. وقال زفر: يشترك الأخت لأم ~~مع الأخت لأبوين لاستوائهما فيما هو الأصل في الباب، وهو الأم. والأصح من ~~مذهب الشافعي أن الأخت لأب أحق من الأخت لأم، وبه قال أحمد اعتبارا بقوة ~~الميراث. # ولنا أن الاعتبار بالأحق بالحضانة وهي الأم أولى، وجهة الأبوة تصلح ~~للترجيح، فكانت مرجحة، (ثم خالته) أي خالة الولد (كذلك) أي تقدم التي للأب ~~والأم على التي للأم، والتي للأم على التي للأب، هكذا ذكر في كتاب النكاح ~~في الأصل. # وفي كتاب الطلاق: تقدم الخالة على الأخت للأب، لأن الخالة بمنزلة الأم، ~~لما روى البخاري في حديث عمرة القضاء : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الخالة بمنزلة الأم» ووجه الرواية الأخرى أن الاعتبار بقرب القرابة، ~~والأخت أقرب من الخالة بمنزلة، لأنها ولد الأب، والخالة ولد الجد. ولقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «الخالة والدة». رواه الطبراني في «معجمه»، وأبو داود ~~في «سننه» عن علي بلفظ: «الخالة أم». # --- PageV03P429 ~~*** # وفي «مسند إسحاق بن راهويه» عن علي قال: لما خرجنا من مكة أتتنا بنت حمزة ~~تنادي: يا عم يا عم، فتناولتها بيدها، فدفعتها إلى فاطمة، فقلت: دونك بنت ~~عمك، فلما قدمنا المدينة اختصمنا فيها أنا وجعفر وزيد بن حارثة، فقال جعفر: ~~بنت عمي وخالتها عندي يعني أسماء بنت عميس. وقال زيد: بنت أخي أي في ~~المؤاخاة. وقلت: أنا أخذتها وهي بنت عمي. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «أما أنت يا جعفر: أشبهت ms0868 خلقي وخلقي، وأما أنت يا علي فمني وأنا منك، ~~وأما أنت يا زيد فأخونا ومولانا، والجارية عند خالتها، فإن الخالة والدة». ~~قلت يا رسول الله: ألا تتزوجها قال: «ابنة أخي من الرضاعة». انتهى. وكان ~~ذلك في عمرة القضاء. # وروى ابن المبارك في كتاب «البر والصلة» بسنده عن الزهري قال: بلغنا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العم أب إذا لم يكن دونه أب، والخالة ~~والدة إذا لم تكن دونها أم». والحديث يدل على أن لها في الجملة حقا هنالك، ~~ولا نزاع في ذلك. وقال مالك والشافعي: تقدم الخالة من الأب على الخالة من ~~الأم كما قالا في الأخت. # (ثم عمته كذلك) لأب وأم، ثم لأم، ثم لأب. وفي «المحيط»: وأما بنات ~~الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، فبمعزل عن حق الحضانة، لأن قرابتهن لم ~~تتأكد بالمحرمية. وفي «البدائع»: لا حق للرجال من قبل الأم (بشرط حريتهن) ~~لأن غير الحرة مشغولة بخدمة المولى، فلا تتفرغ للولد، فإن كان الصغير في ~~الرق، فحضانته لمولاه، ولا يفرق بينه وبين أمه، وإن كان حرا فحضانته ~~لأقربائه الأحرار. # --- PageV03P430 ~~*** # (فلا حق لأمة ولا أم ولد) ولا لمدبرة ولا لمكاتبة في ولدها قبل الكتابة. ~~وأما ولدها زمن الكتابة فداخل في كتابتها تبعا لها. (والذمية) كتابية كانت ~~أو مجوسية في ولد المسلم (كالمسلمة) لأن الشفقة لا تختلف باختلاف الدين ~~(حتى يعقل) الصغير (دينا) أو يخاف عليه أن يألف الكفر، فإنه ينزع منها. ~~وقال الشافعي وأحمد: لا حضانة للذمية، وهو رواية عن مالك. # (وبنكاح غير محرم) من الصغير من لها الحضانة (سقط حقها) من الحضانة لحصول ~~الضرر للصغير، فإن زوج الأم ينظر إليه شزرا، وينفق عليه نزرا، ويتبرم ~~بمكانه ضررا، فلا نظر في الدفع إليها خطرا. قال ابن المنذر: أجمع على هذا ~~أهل العلم إلا الحسن. وهو رواية عن محمد، واحتجا بأنه صلى الله عليه وسلم ~~دفع بنت حمزة إلى خالتها وكانت متزوجة بجعفر، وهو غير محرم منها، وإذا لم ~~يمنع ذلك الاستحقاق ابتداء فالأولى أن لا يمنعه بقاء. ms0869 وللجمهور قوله صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: «أنت أحق به ما لم تنكحي». # (وبمحرم لا) أي بنكاح محرم لا يسقط حقها من الحضانة (كأم نكحت عمه) أي عم ~~الصغير (وجدة) نكحت (جده) وخالة نكحت عمه أو أخاه من أبيه، وعمة نكحت خاله ~~أو أخاه من أمه، لانتفاء الضرر حينئذ عن الصغير (ويعود الحق) من الحضانة ~~(بزوال نكاح سقط به) حق الحضانة لزوال المانع مع قيام السبب، كالناشزة تسقط ~~نفقتها بالنشوز، وإذا زال بعودها إلى منزل الزوج عادت، وبه قال الشافعي ~~وأحمد ومالك في رواية. # --- PageV03P431 ~~*** # (ثم) الحضانة (للعصبات) بعد النساء (على ترتيبهم) في الإرث، يقدم الأب، ~~ثم الجد وإن علا، ثم الأخ لأب وأم، ثم لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ثم لأب ~~وإن سفل، ثم العم لأب وأم، ثم لأب وإن علا، ثم ابن العم لأب وأم، ثم لأب ~~وإن سفل، ثم مولى العتاقة، (لكن لا تدفع صبية إلى عصبة غير محرم، كمولى ~~العتاقة، وابن العم) تحرزا عن الفتنة. # وإذا لم يكن له عصبة يدفع إلى الأخ لأم، ثم إلى ولده، ثم العم لأم، ثم ~~إلى الخال لأبوين، ثم لأب، ثم لأم، لأن لهؤلاء ولاية عند أبي حنيفة رحمه الله. # ثم التدبير في ذلك إلى القاضي يدفعه إلى ثقة تحضنه حتى يستغني. # (ولا) إلى (فاسق ماجن) وهو من لا يبالي قولا ولا فعلا، لأنه غير مأمون ~~عليها، ولا إلى غير مأمونة أيضا من النساء. وفي «المبسوط»: لو اجتمعت إخوة ~~أو أعمام في درجة، فأولاهم أكثرهم صلاحا وورعا، فإن استووا فأكبرهم سنا ~~(ولا يخير طفل) غلاما كان أو جارية. وقال الشافعي: يخير في سبع أو ثمان. # --- PageV03P432 ~~*** # وقال أحمد: في سبع، لما روى أصحاب «السنن الأربعة»: من حديث هلال بن ~~أسامة، عن أبي ميمونة سليم ويقال: سلمان مولى من أهل المدينة، رجل صدق، ~~قال: بينما أنا جالس مع أبي هريرة جاءته امرأة فارسية معها ابن لها، وقد ~~طلقها زوجها، فقالت: يا أبا هريرة ورطنت بالفارسية أي: تكلمت بلسان أهل ~~الفرس ms0870 من العجم زوجي يريد أن يذهب بابني فقال أبو هريرة: استهما عليه أي ~~اقترعا ورطن لها بذلك. فجاء زوجها، فقال: من يحاقني بتشديد القاف، أي ~~ينازعني في ولدي فقال أبو هريرة: اللهم إني لا أقول هذا إلا أني سمعت ~~امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده، فقالت يا ~~رسول الله: إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد ~~نفعني. فقال صلى الله عليه وسلم «استهما عليه»، فقال زوجها: من يحاقني في ~~ولدي، فقال صلى الله عليه وسلم «هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت». ~~فأخذ بيد أمه، فانطلقت به. وعنبة مفردة الأعناب. # وروى أبو داود في الطلاق، والنسائي في الفرائض من حديث عبد الحميد بن ~~جعفر، عن أبيه، عن جده رافع بن سنان: أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فجاء ~~بابن لهما صغير لم يبلغ، فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم الأب ههنا، والأم ~~ههنا ثم خيره، وقال: «اللهم اهده»، فذهب إلى أبيه. # --- PageV03P433 ~~*** # ولنا ما روى مالك في «الموطأ» من حديث يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد ~~قال: كانت عند عمر امرأة من الأنصار فولدت له عاصما، ثم فارقها عمر، فركب ~~عمر يوما إلى قباء، فوجد ابنه يلعب بفناء المسجد، فأخذه بعضده فوضعه بين ~~يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه، فأقبلا حتى أتيا أبا ~~بكر، فقال عمر: ابني، وقالت المرأة: ابني. فقال أبو بكر: خل بينه وبينها، ~~فما راجعه عمر الكلام. ورواه البيهقي وزاد: ثم قال أبو بكر: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «لا توله والدة عن ولدها»، وفي نسخة: «على ~~ولدها». وقوله: «لا توله» بضم ففتح فتشديد لام مفتوحة: أي لا تخير. ولأنه ~~طفل غير رشيد ولا عارف بمصلحته، فلا يعتمد اختياره كسائر تصرفاته. # وأجيب عن حديث حميد بأنه وفق ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم لاختيار ~~الأنظر له، فلا يقاس عليه غيره. وعن حديث أبي هريرة بأنه صلى الله عليه ~~وسلم ms0871 أمرهما بالاستهام: وهو متروك بالإجماع، فكذا التخيير، بدليل قول ~~الصديق لعمر فتدبر. وبأن قولها: «إن زوجي»، يدل على أنها كانت غير مطلقة، ~~وبأن قولها: قد سقاني من بئر أبي عنبة يدل على أنه كان بالغا، لأنها بئر ~~بالقرب من المدينة لا يتأتى الاستقاء منها إلا للبالغ، وهو ينفرد بالسكنى، ~~فيكون عند أيهما أراد. والحاصل: أنه حكاية حال فلا يحتج بها. # --- PageV03P434 ~~*** # (والأم والجدة أحق به) أي بالصبي (حتى يأكل ويشرب، ويلبس، ويستنجي وحده) ~~وقدر الخصاف ذلك بسبع سنين، اعتبارا للغالب وعليه الفتوى. وعند مالك الأم ~~أحق بالغلام حتى يحتلم. وعند الشافعي يخير الولد في سبع أو ثمان، فإذا ~~اختار الغلام أمه كان عندها بالليل، وعند الأب بالنهار. وأما البنت فتكون ~~عند من اختارته ليلا ونهارا. وقال أحمد وإسحاق: يخير الولد في سبع، فإذا ~~اختار أحدهما وسلم إليه، ثم اختار الآخر فله ذلك ورد إليه، فإن عاد فاختار ~~الأول أعيد إليه هكذا. # وأما المعتوه فلا يخير ويكون عند الأم، لأنها أشفق عليه، وإنما كان للأب ~~أن يأخذ عاقلا متميزا لأنه يحتاج إلى التخلق بأخلاق الرجال وآدابهم في ~~الأحوال، والأب أقدر على ذلك من الأم والجدة، ولو امتنع الأب عن أخذه أجبر، ~~لأن نفقته عليه. # (وبالبنت) عطف على «به» أي والأم والجدة أحق بالبنت (حتى تحيض) لأنها قبل ~~الحيض تحتاج إلى معرفة آداب النساء من الغزل، والطبخ، والغسل. والأم والجدة ~~أقدر على ذلك، وبعد الحيض تحتاج إلى الصيانة، والأب أقدر عليها، وإلى ~~التزويج وهو إلى الأب دونهما. # (وعن محمد) في «نوادر هشام»: (حتى تشتهى) وبنت إحدى عشر سنة تشتهى في ~~قولهم جميعا. وقال أبو الليث: بنت تسع سنين، وعليه الفتوى. وقال مالك: الأم ~~أحق بالبنت حتى تنكح ويدخل بها الزوج وإن حاضت. # (وهو) أي قول محمد (المعتبر لفساد الزمان) على ما في «غياث المفتي» ~~(وغيرهما) أي غير الأم والجدة من الأخوات، والخالات، والعمات أحق بالبنت ~~(حتى تشتهى) وفي «الجامع الصغير»: حتى تستغني كما في الصبي، والأول هو ~~الصحيح. # --- PageV03P435 ~~*** # (ولا تسافر مطلقة) انقضت عدتها ms0872 (بولدها) لما في ذلك من الإضرار بالأب ~~(إلا إلى وطنها الذي نكحها فيه) لأنه التزم المقام فيه عرفا وشرعا. لما روى ~~ابن أبي شيبة وأبو يعلى الموصلي في «مسنده»: أن عثمان صلى بمنى أربعا ثم ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من تأهل في بلدة فهو من أهلها، ~~يصلي صلاة المقيم، وإني تأهلت منذ قدمت مكة» (وهذا) السفر بالولد (للأم ~~فقط) فليس لغيرها أن تسافر به إلا بإذن أبيه، ولا له أن يسافر به في مدة ~~الحضانة لغيره، لأن في ذلك ضررا بالحاضنة وإبطالا لحقها. وقال مالك ~~والشافعي وأحمد: للأب ذلك. # فصل في ثبوت النسب # (أقل مدة الحمل ستة أشهر) باتفاق العلماء، ولأن الولد ينفخ فيه الروح عند ~~مضي أربعة أشهر، ويتم خلقه بعد ذلك في شهرين، لحديث ابن مسعود في الأربعين. ~~وقد روي أن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر. ولما قدمنا أن رجلا تزوج ~~امرأة فولدت لستة أشهر، فهم عثمان أن يرجمها، فقال ابن عباس: أما إنها لو ~~خاصمتكم بكتاب الله لخصمتكم، قال الله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} ~~في الأحقاف، وقال الله تعالى: {وفصاله في عامين} فإذا ذهب للفصال عامان لم ~~يبق للحمل إلا ستة أشهر، فدرأ عثمان الحد، وأثبت النسب من الزوج. وهكذا روي ~~عن علي. فإقدام عثمان على إقامة الحد يدل على أنه لا يكون أقل من ستة أشهر. # --- PageV03P436 ~~*** # (وأكثرها) أي أكثر مدة الحمل (سنتان) وهو قول الثوري، والضحاك بن مزاحم، ~~وأحمد في رواية، لما روى الدارقطني والبيهقي في سننيهما من حديث عائشة: ~~أنها قالت: ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين، قدر ما يتحول ظل عمود ~~المغزل، وهو محمول على السماع، لأن مثله لا يدرك بالرأي. وهذه العبارة مثل ~~في القلة، لأن ظل عمود المغزل حال الدوران أسرع زوالا من سائر الأظلال. ~~وقال عباد بن العوام: أكثر مدة الحمل خمس سنين. وقال الزهري: ست سنين. وقال ~~ربيعة: سبع سنين. وقال أبو عبيد: ليس لأقصاه حد. وقال مالك والشافعي وأحمد ~~في المشهور ms0873 عنهما: أربع سنين، لأن الضحاك ولدته أمه لأربع سنين بعدما نبتت ~~ثنيتاه وهو يضحك، فسمي ضحاكا. # ولما روى الدارقطني والبيهقي عن الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس: ~~أي حديث عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل ~~المغزل، فقال: سبحان الله من يقول هذا، هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان ~~امرأة صدق، (وزوجها رجل صدق) حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة: كل بطن في ~~أربع سنين. # وأخرج الدارقطني عن هاشم بن يحيى المجاشعي قال: بينما مالك يوما جالس إذ ~~جاءه رجل ، فقال: يا أبا يحيى ادع الله لامرأة حبلى منذ أربع سنين، قد ~~أصبحت في كرب شديد. فغضب مالك وأطبق المصحف، ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم ~~إلا أنا أنبياء، ثم قرأ، ثم دعا وقال: اللهم إن كان في بطن هذه المرأة ريح ~~فأخرجه عنها الساعة، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بغلام، فإنك تمحو ما ~~تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، ثم رفع مالك يده ورفع الناس أيديهم، وجاء رجل ~~إلى الرجل فقال: أدرك امرأتك، فذهب الرجل، فما حط مالك يده حتى طلع الرجل ~~من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه ما ~~قطعت سراره. وجعد قطط: أي شديد الجعودة. # --- PageV03P437 ~~*** # وأجيب بأن الأحكام تبنى على العادة الظاهرة، وبقاء الولد في البطن أكثر ~~من سنتين إن ثبت في غاية الندرة، فلا يبنى عليه حكم، مع أنه حكاية حال فيها ~~احتمال أن يكون الولد منها، أو من غيرها، أو كان في بطنها ريح قبل حملها ~~ونحو ذلك، فإن الضحاك ونحوه ما كانوا يعرفون ذلك من أنفسهم، وكذلك غيرهم، ~~لأن ما في الرحم لا يعلمه إلا الله. وأما دعاء مالك فيما هو مفروغ عنه منهي ~~عنه، وكان ظهور الغلام من الأمور الاتفاقية في المقام أو أنه من الكرامات ~~وخوارق العادات، والله تعالى أعلم بحقائق الأمور والحالات. # (فيثبت نسب ولد معتدة الرجعي، وإن جاءت به لأكثر من سنتين) من وقت ms0874 ~~الطلاق، أما إن جاءت به لأقل من ستة أشهر، فلأنه كان موجودا وقت الطلاق، ~~فكان من علوق قبله، وتبين بالوضع لانقضاء عدتها به بوضع الحمل. وأما إن ~~جاءت به لأكثر من ستة أشهر وأقل من سنتين، فلوجود العلوق في النكاح أو في ~~العدة، وتبين من زوجها، لانقضاء عدتها بوضع الحمل. وأما إن جاءت به لأكثر ~~من سنتين، فلأن العلوق بعد الطلاق، فيحمل على أنه راجعها، إذ الظاهر من حال ~~المسلم أنه لا يزني. # فإن قيل: لانتفاء الزنا وجه غير هذا، وهو أن تكون تزوجت بآخر بعد انقضاء ~~عدتها، فيكون الولد منه. # أجيب بأن البقاء أسهل من الابتداء، فكان الحمل على أن زوجها راجعها أولى ~~من الحمل على أنها تزوجت بآخر. انتهى. # وفيه أنه مع احتمال كون الولد من غيره، فكيف يحكم بثبوت نسبه، ولعل هذا ~~احتمال في ثبوت النسب خوفا من تضييع الولد. # --- PageV03P438 ~~*** # (ما لم تقر بمضي العدة) في مدة تحتمل. وأما لو أقرت بمضيها ثم جاءت لستة ~~أشهر أو أكثر من وقت الإقرار لم يثبت نسبه، لاحتمال حدوث الحبل بنكاح جديد، ~~بخلاف ما لو جاءت به لأقل من ستة أشهر، حيث ثبت نسبه لظهور كذبها (فتثبت ~~الرجعة) إن جاءت به لأكثر من سنتين، لأن العلوق بعد الطلاق، والظاهر أنه ~~منه لانتفاء الزنا عن المسلم، فيصير بالوطء مراجعا. (ولأقل منهما) أي من ~~السنتين (لا) أي لا تثبت الرجعة لاحتمال العلوق قبل الطلاق واحتماله بعده، ~~فلا يصير مراجعا بالشك. # (ومبتوتة) بالجر عطف على المعتدة، أي ويثبت نسب ولد مبتوتة (ولدته لأقل ~~منهما) أي من سنتين من وقت الطلاق، لأنه يحتمل الوجود عند الطلاق، فيحمل ~~عليه احتيالا في ثبوت النسب (لالالتمامهما) لثبوت الحمل بعد الطلاق، ووطء ~~المبتوتة حرام (إلا بدعوة) لأنه التزمه. ثم في رواية: يشترط تصديق المرأة. ~~وفي رواية: لا يشترط (ويحمل على وطئها بشبهة في العدة) واعترض بأن الزوج ~~إذا وطء بشبهة معتدته من طلاق ثلاث، أو على مال، فأتت بولد لا يثبت نسبه ~~وإن ادعاه. نص على ذلك في ms0875 كتاب الحدود. # --- PageV03P439 ~~*** # (إذا جحد) الرجل (ولادة زوجته تثبت) الولادة (بشهادة امرأة) وأما النسب ~~فيثبت بالفراش، حتى لو نفاه يلاعن. وإذا جحد ولادة معتدة، فثبوتها بشهادة ~~رجلين، أو رجل وامرأتين، أو بوجود حبل ظاهر، أو اعترافه بالحبل، أو تصديق ~~الورثة عند أبي حنيفة. وقالا: لا يكتفى بشهادة حرة مسلمة ثقة، كتعيين الولد ~~بالحرة الثقة اتفاقا. وأما الطلاق المعلق بالولادة فلا يقع بشهادة امرأة ~~واحدة على الولادة عند أبي حنيفة إذا لم يكن حبل ظاهر. وعندهما: يقع ~~بشهادتهما، لأن الطلاق حكم متعلق بالولادة، وشهادة المرأة حجة في إثبات ~~الولادة، لقول حذيفة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة. ~~رواه الدارقطني. # ولقول الزهري: مضت السنة أنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن ~~من ولادة النساء وعيوبهن. وتجوز شهادة القابلة وحدها في الاستهلال، ~~وامرأتان فيما سوى ذلك. رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة. فكذا فيما يتعلق ~~بالولادة. ولعل هذا الحكم مقتبس من عموم قوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ~~ما خلق ا في أرحامهن إن كن يؤمن با واليوم الآخر} فإنه إن لم تقبل شهادتهن، ~~يكون إظهارهن عبثا في حقهن. # ولأبي حنيفة: أنها ادعت الحنث، فلا يثبت إلا بحجة، وشهادة النساء ضرورية ~~في حق الولادة، فلا يظهر في حق الطلاق، لأنه ليس من ضروريات الولادة، إذ ~~الطلاق ينفك عنها في الجملة وإن صار من لوازمها هنا. # ثم إقرار الزوج بالحبل كاف لوقوع الطلاق المعلق على الولادة من غير ~~الشهادة إذا قالت: ولدت وصدقها الزوج، وعندهما يشترط شهادة القابلة.،لأنه ~~حكم متعلق بالولادة، فلا يثبت عند المنازعة بلا حجة، وشهادتها حجة فيها. ~~لما روينا. وله أن الإقرار بالحبل إقرار بما يفضي إليه وهو الولادة. # فصل في النفقة والكسوة والسكنى # --- PageV03P440 ~~*** # وأسباب النفقة ثلاثة: الزوجية، والقرابة، والملك. # (تجب النفقة والكسوة والسكنى على الزوج) بالإجماع، وبالكتاب، وهو قوله ~~تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته}، وقوله سبحانه وتعالى: {وعلى المولود له ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف} أي على من يولد له وهو الوالد، وقوله تعالى: ~~{أسكنوهن ms0876 من حيث سكنتم من وجدكم}. وبالسنة وهو قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حجة الوداع في حديث جابر الطويل على ما رواه مسلم وأبو داود: ~~«استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان أي أسراء لكم اتخذتموهن بأمانة الله، ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا، وأن لا ~~يأذن في بيوتكم أحدا تكرهونه، فإذا فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، وإن ~~لهن عليكم نفقتهن وكسوتهن بالمعروف». (ولو كان) الزوج (صغيرا لا يقدر على ~~الوطء) خلافا لمالك. # ولنا أن العجز من قبله، فكان كالمجبوب، (للعرس) متعلق بتجب، وهو متناول ~~لمن منعت نفسها قبل الدخول حتى تقبض المعجل وهو قولهم، أو بعده وهو قول أبي ~~حنيفة (مسلمة) كانت (أو كافرة) أي ذمية، لإطلاق النصوص، غنية أو فقيرة ~~(كبيرة أو صغيرة توطأ) أي قابلة لأن توطأ وإن لم تزف إليه في ظاهر الرواية، ~~وعليه الفتوى. وأما غيرهما ممن لا قدرة له على وطئها، فلا نفقة لها سواء ~~كانت في منزل الزوج أو لم تكن. # وقال الشافعي وهو الأصح في مذهبه: لها النفقة وإن كانت في المهد لإطلاق ~~النصوص. # ولنا: أن النفقة لاحتباس مستحق بعقد النكاح ينتفع به الزوج في الجماع ~~ودواعيه، والصغيرة لا تصلح لذلك، حتى لو كانت مشتهاة يمكن جماعها فيما دون ~~الفرج، وجبت نفقتها. # --- PageV03P441 ~~*** # (بقدر حالهما) أي حال الزوج والمرأة. وهذا اختيار الخصاف، وعليه الفتوى، ~~وهو قول أحمد (فتجب في الموسرين نفقة اليسار) أي الغنى والسعة، (و) في ~~(المعسرين نفقة الإعسار) أي الفقر والقناعة (وفي الموسر والمعسرة وعكسه) ~~وهو المعسر والموسرة (بين الحالين) أي دون نفقة اليسار وفوق نفقة الإعسار ~~بلا إسراف ولا تقتير، إذ خير الأمور أوسطها. قال الله تعالى: {والذين إذا ~~أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}. # ثم كما تفرض لها قدر الكفاية من الطعام، فكذلك من الإدام، لأن الخبز لا ~~يتناول عادة إلا مأدوما. وجاء في تأويل قوله تعالى: {من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم} أن أعلى ما يطعم الرجل أهله الخبز واللحم، ms0877 وأوسطه الخبز والزيت، ~~وأدناه الخبز واللبن. وأما الدهن فلا يستغنى عنه خصوصا في ديار الحر، فهو ~~من أصل الحوائج كالخبز. وقال الشافعي: بقدر حال الزوج، وهو اختيار الكرخي. # وفي «الذخيرة» و«المبسوط»: أنه ظاهر الرواية، لقوله تعالى: {وعلى الموسع ~~قدره وعلى المقتر قدره}، وقوله سبحانه: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه ~~رزقه فلينفق مما آتاه اا لا يكلف اا نفسا إلا ما آتاها سيجعل اا بعد عسر ~~يسرا}، ولأنها لما زوجت نفسها من معسر فقد رضيت بنفقة المعسرين. # وقال مالك: بقدر حال المرأة، لما روى الجماعة إلا الترمذي من حديث عائشة: ~~أن هندا بنت عتبة قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل ~~شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». # --- PageV03P442 ~~*** # ولنا أن الكتاب يقتضي أنها بقدر حال الزوج. وحديث هند يقتضي أنها بقدر ~~حال المرأة، فقلنا: إنها بقدر حالهما عملا بالدليلين. لكن قد يقال: إن ~~الحديث ليس فيه دلالة على إعسار الزوج وإيسار المرأة، بل على إيساره ~~و(بخله) عليها بحسب اقتداره. # هذا، وتجب النفقة أيضا (ولو) كانت هي (في بيت أبيها) ولم يطلب الزوج ~~انتقالها إلى منزله، لإطلاق النصوص. وعن أبي يوسف : وهو اختيار القدوري ~~وبعض المتأخرين من علماء بلخ : أنها لا تستحق النفقة حتى تزف إلى منزل ~~الزوج، وكأنهم بنوا أمرها على العرف. # (أو مرضت في بيت الزوج) بأن زفت إليه صحيحة فمرضت في بيته. والقياس: أن ~~لا نفقة لها إذا كان ذلك المرض مانعا من الجماع. ووجه الاستحسان : أنه ~~يستأنس بها ويتمتع بمسها، ومانع المرض عارض، فأشبه الحيض. وفي قوله: في ~~«بيت الزوج» إيماء إلى أنها لو مرضت ثم سلمت نفسها، لا تجب النفقة، لأن ~~التسليم لم يصح، وهو مروي عن أبي يوسف، قالوا: وهو حسن. # (لا) تجب النفقة (لناشزة خرجت من بيته) الذي تسكن معه فيه، أو منعت من ~~الدخول إلى منزلها الذي يسكن ms0878 معها فيه بغير حق. أما إن خرجت لأنه لم يعطها ~~المهر المعجل أو لأنه ساكن في مغصوب، أو منعته من الدخول إلى منزلها الذي ~~يسكن معها فيه لاحتياجها إليه، وكانت سألته أن يحولها إلى منزله، أو يكتري ~~لها منزلا آخر ولم يفعل: لم تكن ناشزة. وإنما اعتبر في الناشزة عدم الإقامة ~~في المنزل، لأن الظاهر أنه يقدر على وطء المقيمة، لأن البكر لا توطأ إلا كرها. # --- PageV03P443 ~~*** # والدليل على وجوب النفقة وإن كان مطلقا، لكن خرجت الناشزة بدلالة النص. ~~وهو قوله تعالى: {واهجروهن في المضاجع} حيث أمر بمنع حقها من الصحبة التي ~~هي مشتركة بينهما، فأولى بمنع النفقة التي هي مختصة لها. ومن اللطائف أنه ~~قيل لشريح: هل للناشزة نفقة؟ فقال: نعم، فقيل: كم؟، فقال: جراب من تراب. # (و) لا (محبوسة بدين) عليها، سواء كانت تقدر على قضائه أو لا (ولا مريضة ~~لم تزف) إلى الزوج لعدم الاحتباس والاستمتاع. وفي «الذخيرة»: ولو مرضت في ~~منزلها فلها النفقة، لأنها غير مانعة نفسها من الزوج بغير حق، ويمكن الجمع ~~بين الروايتين بأن تحمل الثانية على مرض غير مانع من الجماع. (و) لا ~~(مغصوبة كرها) وعليه الفتوى. وكذا لا نفقة لامرأة معتدة لوطء وقع بشبهة، ~~لاحتباسها عنه لمانع من جهتها. # (و) لا (حاجة) أي لا تجب على الزوج نفقة امرأته الحاجة مع غيره إن كان ~~محرما لها (لا معه) وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، خلافا لأبي يوسف: حيث لها ~~عنده نفقة الحضر (ولو كانت) حاجة (معه فلها نفقة الحضر) اتفاقا، بأن يعتبر ~~قيمة الطعام فيه، (لا) نفقة (السفر) لأن زيادة القيمة في السفر يسقط بما ~~حصل لها من المنفعة به (ولا الكراء) لأن المستحق هو النفقة وليس الكراء منها. # وقال الشافعي: إن حجت بغير إذن زوجها فرضا أو نفلا فلا نفقة لها، وبإذنه ~~إن ذهب معها فلها النفقة، وكذا إن لم يذهب في أظهر القولين. وقال أحمد: إن ~~أحرمت من الميقات فلها النفقة، وقيل: لا. # --- PageV03P444 ~~*** # (وعليه موسرا) إذا كانت امرأته حرة (نفقة خادم واحد ms0879 لها فقط) عند أبي ~~حنيفة، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد. وقال أبو يوسف: نفقة خادمين: أحدهما ~~لداخل البيت، والآخر لخارجه. ثم الخادم إن كان مملوكا لها استحق النفقة ~~عندهم، وإن كانت حرة ومملوكة لغيرها اختلف فيه. ولا يبلغ نفقة خادمها ~~نفقتها. حتى قالوا: يفرض لخادمها أدنى ما يفرض لها على الزوج المعسر. # وفي «الذخيرة»: إن لم يكن لها خادم فليس عليه نفقته، وهو ظاهر الرواية، ~~وقول أحمد، وأكثر أصحاب الشافعي. وفي «نوازل أبي الليث»: أن المرأة إذا ~~كانت تقدر على خدمة نفسها تجبر عليها. وفي «فتاوى أهل سمرقند»: أنها إذا ~~كانت من ذوي الأقدار، ولها خدم كثير، تجب عليه نفقة خادمين. # (لا معسرا) أي ليس عليه نفقة خادمها إذا كان معسرا، وهو رواية الحسن عن ~~أبي حنيفة. وقوله: (في الأصح): احترز به عن قول محمد: إنه تجب عليه نفقة ~~خادمها إذا لم تكتف بخدمة نفسها، كما لو كان موسرا. ووجه الأول: أن استعمال ~~الخادم لزيادة التنعم # ، فيعتبر في حال اليسار دون الإعسار، ولأن المعسر يلزمه أدنى الكفاية، ~~والمرأة قد تكتفي بخدمة نفسها كذا قرر الشراح. وفيه: أن رواية محمد محمولة ~~على ما إذا لم تكتف بخدمة نفسها، ورواية غيره محمولة على ما إذا كانت تكتفي ~~بخدمة نفسها، فلا تعارض. # (ولا يفرق بينهما لعجزه عنها) أي عن النفقة الراتبة والكسوة (وتؤمر) ~~المرأة (بالاستدانة عليه) أي على الزوج، بأن تأخذ الطعام على أن تقضي ثمنه ~~من مال الزوج. وفائدة هذا الأمر مع فرض القاضي لها النفقة أن يمكنها أن ~~تحيل رب الدين على الزوج، وأن ترجع بالدين على تركته إن مات، وهذا عندنا، ~~وهو قول عطاء بن يسار، والحسن البصري، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ~~وحماد بن سليمان، والظاهرية. # --- PageV03P445 ~~*** # وأجاز التفريق مالك والشافعي وأحمد إذا طلبته، لقوله تعالى: {فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان} والإمساك بالمعروف أن يوفيها حقها من المهر ~~والنفقة، فإذا عجز عن ذلك تعين التسريح، إذ المستحق عليه أحد الأمرين، فإذا ~~تعذر أحدهما تعين الآخر. ألا ترى أنه إذا عجز ms0880 عن الوصول إليها بسبب الجب أو ~~العنة، يفرق بينهما لفوات الإمساك بالمعروف بل أولى، لأن حاجتها إلى النفقة ~~أظهر من حاجتها إلى قضاء الشهوة، وهذا كنفقة العبد والأمة فإنها مستحقة ~~عليه بالملك، فإذا تعذرت أجبره القاضي على إزالة الملك بالبيع. وقيل لسعيد ~~بن المسيب: أتفرق بين العاجز عن النفقة وبين امرأته، فقال: نعم، فقيل له: ~~إنه سنة، فقال: نعم. والسنة إذا أطلقت يفهم منها سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم مذهب مالك: يفرق بينهما بالطلاق. ومذهب الشافعي وأحمد: يفرق بفسخ. # ولنا قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}. وهو مطلق في كل ~~معسر بحق، وقوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ~~إن يكونوا فقراء يغنهم ا من فضله} حيث جعل الفقر غير مانع من النكاح ~~ابتداء، فلأن يكون غير مانع منه بقاء أولى، وقوله سبحانه: {لا يكلف ا نفسا ~~إلا ما آتاها سيجعل ا بعد عسر يسرا} حيث دل على أن من لم يقدر على النفقة ~~لم يكلفها، فلا يفرق لعجزه عنها، ولأن في التفريق إبطال ملك الزوج، وفي ~~الأمر بالاستدانة تأخير حقها وهو أهون له، فكان أولى وأحسن. # وفي «شرح المختار»: المعسرة إذا كان زوجها معسرا ولها ابن من غير موسر، ~~أو أخ موسر، فنفقتها على زوجها، ويؤمر الابن أو الأخ بالإنفاق عليها، ويرجع ~~به على الزوج إذا أيسر، ويحبس الابن أو الأخ إذا امتنع، لأن هذا من ~~المعروف. # --- PageV03P446 ~~*** # وفي «شرح الوقاية»: وأصحابنا لما شاهدوا ضرورة الناس إلى التفريق، لأن ~~دفع الحاجة الدائمة لا يتيسر بالاستدانة والظاهر أنها لا تجد من يقرضها ~~وغنى الزوج في المال أمر متوهم استحسنوا أن ينصب القاضي نائبا شافعي ~~المذهب يفرق بينهما. انتهى. # ثم العجز عن النفقة إنما يظهر في حق الزوج الحاضر، وأما الغائب غيبة ~~منقطعة إذا لم يخلف نفقة ورفعت أمرها إلى حاكم شرعي وفرق بينهما، فقال ~~مشايخ سمرقند: جاز تفريقه، لأنه قضى في فصلين مجتهد فيهما: أحدهما: التفريق ~~بالعجز عن النفقة، والآخر: القضاء على الغائب. ms0881 وقال صاحب «الذخيرة»: الصحيح ~~أنه لا يصح قضاؤه، لأن العجز لا يعرف في حال الغيبة، لجواز أن يكون قادرا، ~~فإذا رفع هذا القضاء إلى قاض آخر فأمضاه، فالصحيح أنه لا ينفذ، لأن هذا ~~القضاء ليس في فصل مجتهد فيه إذ العجز لم يثبت. انتهى. والمشهور في مذهب ~~الشافعي: أنه لا يفرق بين المرأة وبين زوجها الغائب، ولو غاب عنها مدة ~~طويلة ولم يترك لها نفقة، وإنما ينسب هذا إلى الحنابلة. والله سبحانه أعلم. # (ومن فرضت) النفقة (لعساره فأيسر تمم) وفي بعض النسخ: أتم (نفقة يساره إن ~~طلبت) المرأة، ومن فرضت ليساره فأعسر، فعليه نفقة عساره، لأن القضاء ~~بالنفقة كان باعتبار حالهما، وقد تبدلت حاله، فتبدلت بتبدلها. (وتسقط) نفقة ~~الزوجة (في مدة مضت) لم ينفق عليها الزوج فيها، سواء كان غائبا أو حاضرا ~~وامتنع من الإنفاق (إلا إذا سبق فرض قاض، أو رضيا بشيء) بأن اتفقت مع الزوج ~~على مقدار، (فتجب لما مضى) من هاتين المسألتين (ما داما حيين، فإن مات ~~أحدهما، أو طلقها) الزوج (قبل قبض) النفقة، وبعد فرض القاضي، أو التراضي ~~على شيء (سقط المفروض) وكذا ما تراضيا عليه، لأن الصلة لا تتم إلا بالقبض. ~~وعندهما: لا يسقط، لأن الأعواض لا تسقط قبل القبض. # --- PageV03P447 ~~*** # (إلا إذا استدانت بأمر القاضي) فإنه لا يسقط. ذكر ذلك الحاكم الشهيد في ~~«مختصره»، وذكر الخصاف: أنه يسقط. والصحيح الأول، لأن استدانتها بأمر ~~القاضي بمنزلة استدانة الزوج بنفسه، وهو لا يسقط بموت أحدهما فكذا هذه. ~~وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: تصير النفقة الماضية دينا بلا قضاء ~~وتراض كالمهر. # ولنا أنها صلة بقدر الكفاية جزاء على الاحتباس، كرزق القاضي في بيت ~~المال، فلا بد من التسليم كالهبة، أو التأكيد بقضاء أو تراض، بخلاف المهر ~~فإنه مطلق. # (ولا تسترد) نفقة أو كسوة (معجلة مدة، مات أحدهما) أو كلاهما (قبلها) أي ~~قبل مضي المدة، سواء كانت تلك النفقة قائمة، أو هالكة، أو مستهلكة. وقال ~~محمد والشافعي وأحمد: يحتسب لها بنفقة ما مضى، وترد ما بقي من النفقة ms0882 إن ~~كانت قائمة وقيمتها إن كانت مستهلكة، ولا ترد إن كانت هالكة بالاتفاق، ~~لأنها أخذت مالا لمقصود الزوج، ولم يحصل له، فكان له أن يسترده، كما لو عجل ~~لها نفقة ليتزوجها، فماتت قبل ذلك. كذا في «الذخيرة». # --- PageV03P448 ~~*** # (ونفقة عرس القن) أي العبد الذي لا حرية فيه بوجه (عليه) أي على القن إذا ~~تزوج بإذن مولاه (يباع فيها مرة بعد أخرى) حتى لو اجتمع عليه نفقة بعدما ~~بيع مرة، بيع ثانيا وكذا ثالثا، إلى ما لا يتناهى، إلا أن يفديه مولاه ~~لأنها دين في ذمته، وقد ظهر وجوبه في حق المولى فيتعلق برقبته، كدين ~~التجارة في العبد المأذون. ولما كان حقها في النفقة لا في عين الرقبة كان ~~للسيد أن يفديه، ولو مات العبد سقطت النفقة، وكذا المهر، لفوات محل ~~الاستيفاء، كالعبد الجاني، وكذا لو قتل في الصحيح. قيد بالقن، لأن المدبر، ~~وولد أم الولد لا يباع، بل يسعى وكذا المكاتب ما لم يعجز. وقيدنا بإذن ~~المولى، لأنه إذا تزوج بغير إذنه لا يباع فيها. وقال الشافعي: لا يباع القن ~~في نفقة عرسه، ويثبت لها الخيار في الفرقة. وقال أحمد: لا يباع، ونفقتها ~~على سيده، وفي رواية: في كسبه. # (وفي دين غيرها) أي غير النفقة كالمهر (يباع) القن (مرة واحدة) إذا عجز ~~عن أدائه ولم يفده مولاه. والفرق أن دين النفقة يتجدد في كل زمان، فيكون ~~دينا آخر حادثا بعد البيع، ولا كذلك سائر الديون. وقد تقدم: أن الأمة ~~والمدبرة وأم الولد لا تجب لها النفقة على زوجها إلا بالتبوئة. وأما ~~المكاتبة فهي في يد نفسها، وليس لمولاها أن يستخدمها، فكانت كالحرة في ~~استحقاق النفقة على الزوج إذا لم تحبس نفسها منه ظالمة. # (وتجب سكناها) أي سكنى المرأة على الزوج (في بيت) بالملك، أو الإجارة، أو ~~الإعارة، أو بالوقف عليه، (ليس فيه أحد من أهله) ساكن معها (ولو) كان (ولده ~~من غيرها) لأن السكنى حقها، فلا يشترك معها غيرها، كالنفقة (إلا برضاها) ~~لأن لها إسقاط حقها. # --- PageV03P449 ~~*** # (وبيت مفرد من دار له) ms0883 أي لذلك البيت (غلق) ومرافق (كفاها) لحصول مقصودها ~~(وله منع والديها وولدها من غيره من الدخول عليها) لأن البيت له، فله المنع ~~من الدخول فيه (لا من النظر) أي ليس له منعهم من النظر (إليها و) لا من ~~(كلامها متى شاؤا) حذرا من قطيعة الرحم بما لا ضرر عليه فيه. # (وقيل: لا يمنع) الرجل امرأته (من الخروج إلى الوالدين ولا) يمنع والديها ~~(من دخولهما عليها، كل جمعة، وفي محرم غيرهما) أي غير الوالدين لا يمنع من ~~دخوله عليها (كل سنة وهو الصحيح) احترز به عن قول محمد بن مقاتل الرازي: لا ~~يمنع المحرم كل شهر. وعلى هذا خروجها لزيارة عمتها أو خالتها. وعن الحسن: ~~لا يمنعها عن زيارة الأقارب في كل شهرين أو ثلاثة، ولا يمنع محارمها من ~~الدخول عليها كل جمعة. # (وتفرض نفقة عرس الغائب و) نفقة (طفله و) نفقة (أبويه في مال له) أي ~~للغائب (من جنس حقهم) بأن يكون ذلك المال طعاما أو دراهم، أو دنانير، أو ~~ثيابا من جنس ما يكسى به، لأن نفقتهم واجبة بدون القضاء، فكان القضاء إعانة ~~لهم، لا إيجابا مبتدأ، إذ القضاء على الغائب ممتنع (فقط) أي ولا يفرض نفقة ~~غير من ذكر من المحارم، لأن نفقتهم لا تجب إلا بالقضاء للاختلاف فيها، إذ ~~عند الشافعي: لا تجب النفقة لغيرهم، ولا تفرض نفقة من ذكر أيضا إذا كان ~~المال من غير جنس حقهم، بأن كان عروضا، لأنه يحتاج إلى القضاء بالقيمة، أو ~~إلى البيع، وذلك لا يجوز على الغائب. # --- PageV03P450 ~~*** # (عند مودع) هذه صفة ثالثة لمال، أو حال ثانية. والظرف الأول وهو «له» صفة ~~لمال. (أو مضارب، أو مديون إن أقر به) أي بالمال (وبالنكاح) وبطفله وأبويه. ~~قيد به لأن أحدا منهم لو أنكر المال أو النكاح، فأقامت المرأة البينة على ~~ذلك، لا يفرض لها القاضي، لأن بينتها لا تقبل، لأن أحدا منهم ليس خصما عن ~~الغائب في إثبات الزوجية، ولا المرأة خصما في إثبات حقوق الغائب في ماله. ~~وإذا ثبت في حقه ms0884 تعدى إلى الغائب (أو علم) عطف على أقر، أي أو إن علم ~~(القاضي ذلك) أي المال، والنكاح، والنسب، لأن علمه حجة يجوز القضاء به في ~~محل ولايته. # (ويحلفها) أي القاضي المرأة (أنه) أي الزوج (لم يعطها النفقة ويكفلها) أي ~~ويأخذ منها كفيلا أيضا، لاحتمال أنها استوفت النفقة، أو طلقها الزوج وانقضت عدتها. # (لا بإقامة بينة) على النكاح، ولا إن لم يخلف مالا، فأقامت بينة، أي لا ~~يفرض القاضي للمرأة النفقة إذا أنكر المودع، أو المضارب، أو المديون ~~النكاح، فأقامت البينة عليه، أو أنكر المال، فأقامت البينة عليه (ليفرض ~~عليه) أي على الغائب (ويأمرها بالاستدانة) عليه. وهو قول أبي حنيفة وأبي ~~يوسف، الآخر وقول محمد. والأصح قبوله البينة، وهو قولهما الأول، وبه قال زفر. # --- PageV03P451 ~~*** # (ولا يقضي بالنكاح) لأن في ذلك قضاء على الغائب (وقال زفر: يقضي بالنفقة ~~لا بالنكاح، وعمل القضاة اليوم على هذا) الذي قال زفر: (للحاجة) والرفق ~~بالناس. ولا تحتاج المرأة على قول زفر إلى إقامة البينة أنه لم يترك لها ~~نفقة (ولمطلقة الرجعي، والبائن، والمفرقة بلا معصية، كخيار العتق والبلوغ ~~والتفريق لعدم الكفاءة) أو بإسلام المرأة وإباء الزوج، أو باللعان، أو ~~بالإيلاء، أو بالعنة، أو بالجب (النفقة والسكنى)، وقال مالك والشافعي وأحمد ~~في المشهور: لا نفقة للمطلقة ثلاثا أو على عوض إلا إذا كانت حاملا ~~فبالإجماع لقوله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن}. # ثم دليلهم ما روى الجماعة إلا البخاري من حديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس ~~قالت: طلقني زوجي ثلاثا، فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم. وعند النسائي ~~فيه من حديث سعيد ابن يزيد الأحمسي: حدثنا الشعبي به: إنما النفقة والسكنى ~~للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة. وفي مسلم: أن أبا عمرو بن حفص بن ~~المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس ~~بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها ms0885 الحارث بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة ~~بنفقة فسخطتها، فقالا: لا والله ليس لك نفقة إلا أن تكوني حاملا، فأتت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له قولهما، فقال: «لا نفقة لك». وزاد أبو ~~داود: «إلا أن تكوني حاملا». # --- PageV03P452 ~~*** # ولنا إطلاق قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم}، وما روى مسلم ~~من حديث أبي إسحاق قال: حدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «لا سكنى لها ولا نفقة». فأخذ الأسود كفا من حصى وفي ~~نسخة: حصباء فحصبه به وقال: ويلك تحدث بمثل هذا. قال عمر: لا نترك كتاب ~~الله ولا سنة نبينا بقول امرأة، لا ندري أحفظت أم نسيت، لها السكنى ~~والنفقة، قال الله تعالى: {ولا تخرجوهن من بيوتهن} الآية. فقد أخبر أن سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لها النفقة والسكنى، ولا ريب في أن قول ~~الصحابي: «من السنة كذا» رفع، فكيف إذا كان قائله عمر. # وقد صرح البيهقي والدارقطني بزيادة قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «للمطلقة ثلاثا النفقة والسكنى». وقال إبراهيم كان عمر إذا ذكر ~~عنده حديث فاطمة قال: ما كنا نغير في ديننا بشهادة امرأة. فهذا شاهد على ~~أنه كان الدين المعروف المشهور عندهم وجوب النفقة والسكنى. فنزل حديثها من ~~ذلك بمنزلة الشاذ. والثقة إذا شذ لا يقبل ما شذ فيه. ويصرح بهذا ما في مسلم ~~من قول مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا ~~الناس عليها، والناس إذ ذاك هم الصحابة. # --- PageV03P453 ~~*** # وروى مسلم أيضا من حديث عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها ~~قالت في فاطمة: لا خير أن لها في ذكر هذا، تعني قوله: لا سكنى لك ولا نفقة. ~~وفي لفظ للبخاري: قالت: ما لفاطمة ألا تتقي الله، تعني في قولها: لا سكنى ~~لك ولا نفقة. وعنها: أنها قالت لفاطمة: إنما أخرجك هذا للسان، يعني أنها ~~إنما استطالت على أحمائها، وكثر الشر بينهم، فأخرجها ms0886 عليه الصلاة والسلام ~~لذلك. ويقوي ثبوته عن عائشة احتجاج ابن المسيب به، وهو معاصر لها، وأعظم ~~متتبع لأقوال من عاصره من الصحابة حفظا ودراية على ما في أبي داود من حديث ~~ميمون بن مهران قال: قدمت المدينة فدفعت إلى سعيد بن المسيب، فقلت: فاطمة ~~بنت قيس طلقت، فخرجت من بيتها؟ فقال: تلك امرأة فتنت الناس، كانت لسنة، ~~فوضعت على يد ابن أم مكتوم. # وهذا هو المناسب لمنصبه، فإنه لم يكن لينسب إلى صحابية ذلك من عند نفسه. ~~وفي الحديث: أن سليمان بن يسار قال: خروج فاطمة إنما كان من سوء الخلق. ~~وممن رده زوجها أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان إذا ~~ذكرت فاطمة شيئا من ذلك، يعني من انتقالها في عدتها، رماها بما في يده. ~~رواه عبد الله بن صالح من حديث الليث بن سعد بسنده. فهذا لم يكن إلا لعلمه ~~بأنه غلط منها، أو لعلمه بخصوص سببه من اللسن أو ضيق المكان. # وممن رده: زيد بن ثابت، ومروان بن الحكم. ومن التابعين: ابن المسيب، ~~وشريح، والشعبي، والحسن، والأسود بن يزيد، وممن بعدهم: الثوري وأحمد بن ~~حنبل وخلق كثير من بعدهم. # --- PageV03P454 ~~*** # وقال الطحاوي: إن الله تعالى لما بين بقوله: {يأيها النبي إذا طلقتم ~~النساء} الآية، أن للمطلقة السكنى، ونهاها عن الخروج، ونهى الزوج عن ~~إخراجها، من غير تفرقة بين المطلقة للسنة التي لا رجعة عليها، وبين التي ~~عليها الرجعة. وجاءت فاطمة وروت التفرقة بينهما على خلاف ما روي عن عمر، ~~وما جاء به الكتاب صح احتجاج عمر وبطل حديثها. # فإن قيل: المراد بالآية المطلقة رجعيا لقوله تعالى في آخرها: {فإذا بلغن ~~أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} وهو حكم الرجعة دون البائن. أجيب ~~بأن صدر الآية عام وآخرها خاص ببعض ما تناوله الصدر، وذلك لا يبطل عمومه. ~~ونظير ذلك قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} فإنه عام في ~~البائن والرجعي ولم يبطل عمومه بآخر الآية الخاص بالرجعي، وهو قوله تعالى: ~~{وبعولتهن أحق بردهن ms0887 في ذلك}، # (لا لمعتدة الموت) أي لا نفقة لها، لأن احتباسها لحق الشرع لا لحق الزوج، ~~فإن التربص منها عبادة، ولهذا لا يراعى فيها التعرف عن براءة الرحم بالحيض ~~مع إمكانه. وعن الشافعي في وجوب السكنى قولان: أحدهما: عدم الوجوب، وهو ~~اختيار المزني. وثانيهما: الوجوب، وهو قول مالك. (والمفرقة) أي ولا نفقة ~~للمفرقة بينها وبين زوجها (بمعصية) منها (كالردة، وتقبيل ابن الزوج) بأن ~~قبلته بالشهوة في عصمة أبيه، أو عدته من الرجعي، لأنها حبست نفسها بغير حق، ~~فصارت كالناشزة، بل أشد منها لإزالتها النكاح بالكلية، بخلاف المفرقة بغير ~~معصية، كخيار العتق والبلوغ، وعدم الكفاءة، لأنها حبست نفسها بالحق، وذلك ~~لا يسقط النفقة، كما إذا منعت نفسها لاستيفاء مهرها. # --- PageV03P455 ~~*** # (وردة معتدة الثلاث تسقط النفقة لا تمكينها) أي لا يسقط النفقة تمكين ~~معتدة الثلاث (ابنه) أي ابن الزوج، لأنه لا أثر حينئذ للردة. إلا أن ~~المرتدة تحبس لتتوب، ولا نفقة للمحبوسة، بخلاف الممكنة ابن زوجها. # (ونفقة الطفل) حال كونه (فقيرا على أبيه) لأنه تعالى أوجب نفقة النساء ~~على الرجال لأجل أولادهن، لقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف} لأن ترتب الحكم على الوصف يشعر بالعلية، فلأن تجب نفقة الأولاد ~~أولى. والمولود له هو الأب، ولأنه تعالى أوجب على الأب نفقة طفله من اللبن ~~وغيره وقت الرضاع بقوله: {فإن إرضعن لكم فآتوهن أجورهن}، فيجب بعده بجامع ~~الفقر والعجز. # ونفقة الإرضاع على الأب لا يشاركه فيها أحد، فكذا نفقة الأولاد الصغار، ~~وكذا يجب عليه نفقة طفل ابنه فقيرين (لا يشاركه) أي الأب في نفقة طفله ~~(أحد) من الأم ونحوها (كنفقة) أي كما لا يشاركه أحد في نفقة (أبويه وعرسه) ~~وعن أبي حنيفة أن نفقة الطفل على الأب والأم أثلاثا بحسب ميراثهما. قيد ~~بالأب لأن الجد والأم يشاركهما غيرهما، لأن نفقة الطفل عليهما على قدر ~~ميراثهما في ظاهر الرواية. وبه قال أحمد. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها على ~~الجد وحده، وهو قول الشافعي. # (وليس على أمه إرضاعه) قضاء، لأنه من النفقة وهي على ms0888 الأب. قيدنا بالقضاء ~~لأن عليها إرضاعه ديانة، كخدمة البيت من الكنس، والطبخ، والخبز (إلا إذا ~~تعينت) بأن لم يوجد غيرها، أو وجد ولم يقبله الطفل، أو كان الأب معسرا، ~~فإنها تجبر على إرضاعه صيانة للولد عن الضياع. وأوجب مالك على الأم إرضاع ~~ولدها بلا أجرة إذا كانت تحته، أو طلقت رجعية ولا مانع، كأن تكون عالية القدر. # --- PageV03P456 ~~*** # ولنا أن الإرضاع كالنفقة، ونفقة الصغير على الأب دون الأم، فكذا الإرضاع، ~~وربما لا تقدر عليه لعذر بها، فلو أجبرت تضررت، وقد قال الله تعالى: {لا ~~تضار والدة بولدها} أي بإلزامها الإرضاع مع كراهتها. كذا قرروه، والظاهر أن ~~الأعذار تمنع الإجبار من غير خلاف للإضرار. # (ويستأجر الأب من يرضعه عندها) إن أرادت ذلك، لأن لها الحضانة (ولو ~~استأجرها) أي الأب الأم حال كونها (منكوحة له أو معتدة من رجعي لترضعه لم ~~يجز) لأن الإرضاع مستحق عليها ديانة بقوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين} واستئجار الشخص لأمر مستحق عليه لا يجوز. وأجازه الشافعي، لأنها ~~كالأجنبية بالنسبة إلى هذه الأعمال، ولذا لو امتنعت عنه لم تجبر عليه، فيصح ~~إجارتها نفسها، كما يصح لإرضاع ولد له من غيرها. # (وفي) استئجار الأم (المبتوتة) المعتدة (روايتان) الجواز، لأن النكاح قد ~~زال فالتحقت بالأجانب، وعدمه وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة، لأن العدة من ~~أحكام النكاح، ولهذا يجب لها النفقة والسكنى، ولا يجوز للزوج أن يدفع ~~الزكاة إليها، ولا أن يشهد لها. # (ولإرضاعه) عطف على لترضعه، أي ولو استأجرها (بعد العدة) لإرضاع ابنه ~~منها، أو لابنه من غيرها وهي في نكاحه (صح)، لأن الإرضاع ليس بمستحق عليها ~~(وهي) أي الأم بعد العدة (أحق من الأجنبية) لأنها عليه أشفق، ولبنها له ~~أوفق، وهي به أرفق، فكانت أحق (إلا أن تطلب) الأم (زيادة أجر) على الأجنبية ~~دفعا للضرر عن الأب، أو تكون الأجنبية ترضعه بغير أجر والأم بأجر، لقوله ~~تعالى: {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده}. قالوا: مضارة الأب ~~إلزامه الزيادة على أجرة الأجنبية، وقد قال الله تعالى: {وإن ms0889 تعاسرتم ~~فسترضع له أخرى}. # --- PageV03P457 ~~*** # (ونفقة البنت بالغة) ليس لها زوج (والابن) بالغا (زمنا) إذا كانا فقيرين، ~~وكذا إذا كان أعمى، أو ذاهب العقل فقيرا، أو طالب علم لا يهتدي إلى الكسب، ~~أو من ذوي البيوت وأبناء الكرام، أو لا يجد من يستأجر، فهو عاجز. قال ~~الحلواني: ورأيت في موضع أن هذا إن كان بهم رشد (على الأب خاصة) لأنه لا ~~يشاركه أحد في مؤنة رضاعهما صغيرين، فكذا في نفقتهما كبيرين (وبه يفتى)، ~~ومختار الخصاف وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة: أنها تجب أثلاثا: ثلثان على ~~الأب وثلث على الأم. # (وعلى الموسر يسار الفطرة) وهو أن يملك نصابا من أي مال كان، فاضلا عن ~~حاجته الأصلية، لأنه المعتبر لوجوب المواساة في الشرع ولو كان كسوبا، وهذا ~~عند أبي يوسف. وعند محمد: تقدير اليسار هنا بأن يفضل عن نفقته ونفقة عياله ~~شهرا إن لم يكن من أهل الحرف، وعن نفقته ونفقة عياله كل يوم إن كان من ~~أهلها، حتى لو اكتسب درهما كل يوم وكفاه بعضه يجب صرف باقيه إلى قريبه. قال ~~صاحب «التحفة»: قول محمد أرفق. # وجعل في «الهداية» الفتوى على قول أبي يوسف. وعند الشافعي بأن يفضل عن ~~قوته وقوت عياله ما يصرف إلى قريبه. # (نفقة أصوله الفقراء) من أبويه، وأجداده، وجداته من الطرفين وإن علوا، ~~(بالسوية بين الابن والبنت) في ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة: ~~أنها بالتفاوت على الذكر مثل حظ الأنثيين على قياس الميراث، ونفقة ذوي ~~الأرحام، وبه قال الشافعي وأحمد. والأول أصح لأن استحقاق الأبوين النفقة ~~باعتبار حق الملك لهما في مال الولد، لقوله عليه الصلاة والسلام: «أنت ~~ومالك لأبيك». وهو في الذكر والأنثى سواء، ولهذا ثبت لهما هذا الاستحقاق مع ~~اختلاف الملة وإن انعدم التوارث بسبب اختلاف الملة. # --- PageV03P458 ~~*** # (ويعتبر فيها) أي في نفقة الأصول. وفي بعض النسخ: «فيه»، أي في هذا النوع ~~من النفقة (القرب والجزئية) لا الإرث، ولهذا يجب مع اختلاف الدين. # (ففي من له بنت وابن ابن) كلها (على البنت) للعلتين، (وفي ms0890 ولد بنت وأخ ~~على ولدها) قال الحلواني: لو كان الأب قادرا على الكسب لا يجبر الابن على ~~نفقته، لأنه غني باعتبار كسبه. وقال السرخسي: قيل: وهو ظاهر الرواية إذا ~~كان الابن قادرا على الكسب، لا تجب نفقته على الأب. وإذا كان الأب قادرا ~~على الكسب تجب نفقته على الابن، لأن معنى الأذى في الكد والتعب أكثر منه في ~~التأفيف المنهي عنه في حق الأبوين حيث قال الله تعالى: {فلا تقل لهما أف}. ~~وأما الأجداد والجدات فإنهم كالآباء والأمهات، ولأنهم تسببوا لإحيائه، ~~فاستوجبوا عليه الإحياء، كالأبوين. وإنما شرط الفقر لأنهم لو كانوا موسرين ~~لا يجب نفقتهم عليه، إذ الأصل أن نفقة الإنسان في ماله. # (و) على الموسر (نفقة كل ذي رحم محرم صغير) فقير أو كبير عاجز عن الكسب ~~(أو بالغة فقيرة) حتى يكون نفقة الصغيرة على الأم والجد أثلاثا، ونفقة الأخ ~~المعسر على أخواته المتفرقات الموسرات أخماسا، لأن في قوله تعالى: {وعلى ~~الوارث مثل ذلك} إشعارا باعتبار المقدار، ولأن الغرم بالغنم. وشرطت ~~المحرمية لقراءة ابن مسعود: «وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك» فقيد ~~المطلق به، إذ قراءته لا تنزل عن رواية، ومن يكون محتاجا من الوارثين يجعل ~~في حكم المعدوم (أو ذكر زمن، أو أعمى: على قدر الإرث). # --- PageV03P459 ~~*** # وعند الشافعي لا يجب غير نفقة الولاد، فلا تجب النفقة لغير الوالدين ~~والمولودين، لأن استحقاق الصلة عنده باعتبار الولاد دون القرابة، حتى لا ~~يعتق أحد على أحد إلا الوالدان والمولودون عنده. وجعل قرابة الإخوة كقرابة ~~بني الأعمام، وحمل قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} على نفي المضارة دون ~~النفقة. وهو مروي عن ابن عباس. وقيل: المراد بالوارث وارث الأب، وهو الصبي ~~نفسه. والمعنى: أنه مات أبوه وورثه، وجبت أجرة رضاعه في ماله إن كان له ~~مال، وإن لم يكن له مال أجبرت الأم على إرضاعه. وقيل: المراد به الباقي من ~~الأبوين من قوله صلى الله عليه وسلم «واجعله الوارث منا». # وأجيب بأن الإشارة بذلك للبعيد، وهو هنا وجوب الرزق والكسوة على ms0891 الأب. ~~ونفي المضارة لا يختص بالوارث، بل يجب على غيره أيضا، فلا تحمل الآية عليه، ~~بدليل قول عمر وزيد، فإنهما قالا: {وعلى الوارث مثل ذلك} من النفقة. # ثم اعلم أن مالكا قصر النفقة على الصلبي، أي قريب الولاد بلا واسطة، حتى ~~لا يجب عنده نفقة جد ولا جدة، ولا ولد ولد، بل يجب على الأب نفقة ولده ~~المحصور (الفقير) على قدر حاله حتى يحتلم، عاقلا غير زمن بما يمنع التكسب. ~~وعلى الولد كبيرا كان أو صغيرا، ذكرا كان أو أنثى: نفقة أبويه الفقيرين، ~~صحيحين كانا أو زمنين، مسلمين أو كافرين، لأن إنفاقه على من يثبت بينه وبين ~~جزئية بلا واسطة، كأنه إنفاق على نفسه، فيجب بخلاف غيره. # وقال ابن أبي ليلى: تجب النفقة على كل وارث محرما كان أو غير محرم. ~~واستدل بظاهر قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك}. # --- PageV03P460 ~~*** # ولنا ما قدمنا من قراءة ابن مسعود: «وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ~~ذلك» فقيد المطلق به، ولأنه الذي يحرم قطعه. ومنع النفقة مع يسار المنفق ~~يؤدي إلى قطيعة الرحم، وهي من الملاعن، قال الله تعالى: {أولئك الذين لعنهم ~~ا} وقد ورد: «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه ~~الله». رواه مسلم عن عائشة. # وشرط الصغر أو الفقر أو الزمانة لتحقق العجز، فإن هذه الأمور أمارة ~~الحاجة. وروى الطبراني بإسناد حسن من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «اليد العليا أفضل من اليد السفلى، وابدأ بمن ~~تعول: أمك، وأباك، وأختك وأخاك، وأدناك فأدناك». وهو في «الصحيحين» وغيرهما ~~بنحوه من حديث حكيم بن حزام . وروى الطبراني في «الأوسط» من حديث جابر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أنفق المرء على نفسه، وأهله، وولده، ~~وذي رحمه وقرابته، فهو له صدقة». # (ويعتبر) في نفقة ذي الرحم المحرم (أهلية الإرث لا حقيقته) لأن حقيقة ~~الإرث لا تعلم إلا بعد الموت، وحينئذ تسقط النفقة، (فنفقة من له خال وابن ~~عم على الخال) ms0892 لأنه ذو رحم محرم، يمكن أن يرث ممن له النفقة بناء على توريث ~~ذوي الأرحام، بأن يموت ابن العم قبله. وإن استويا في المحرمية والأهلية ~~للإرث ترجح من كان وارثا في الحال، فلو كان له عم وخال، أو عم وعمة، تجب ~~النفقة على العم، لاستوائهما في المحرمية، وترجح العم بكونه وارثا في الحال ~~بالنسبة إلى العمة والخال. # --- PageV03P461 ~~*** # (ولا نفقة) تجب (مع الاختلاف دينا إلا للزوجة والأصول) الأبوين، ~~والأجداد، والجدات (والفروع) الولد وولد الولد. أما الزوجة فلأن نفقتها ~~لاحتباسها بحق مقصود بعقد النكاح، وذلك يعتمد صحة العقد دون اتحاد الملة. ~~وأما الأصول والفروع فلأن نفقتهم باعتبار الجزئية، وجزء المرء في معنى ~~نفسه، وكما لا يمنع نفقة نفسه بكفره، لا يمنع نفقة جزئه إلا أنهم إذا كانوا ~~حربيين لا تجب نفقتهم على المسلم وإن كانوا مستأمنين، لأنا نهينا عن برهم، ~~لقوله تعالى: {إنما ينهاكم ا عن الذين قاتلوكم في الدين} الآية. # وكان القياس في حق الوالدين والولد أن لا يثبت استحقاق النفقة مع اختلاف ~~الملة، لأن استحقاقها بطريق الصلة كنفقة الأقارب، ولكنهم استحسنوا وأوجبوا ~~على الولد المسلم نفقة أبويه الذميين، لقوله تعالى: {وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا} وليس من المصاحبة بالمعروف أن يتقلب في نعم الله تعالى ويدعهما ~~يموتان جوعا وعريا. والأجداد والجدات من قبل الأب والأم بمنزلة الأبوين في ~~ذلك، لأن استحقاقهم باعتبار الولاد، وبمنزلة استحقاق الأبوين. # (ولا) نفقة تجب (مع الفقر) وفي بعض النسخ: ولا على الفقير (إلا لها) أي ~~الزوجة. (وللفروع) الصغار. وقيل: إذا كان فقيرا زمنا أو أعمى، تجب نفقة ~~أولاده في بيت المال كنفقته. (ولا) نفقة تجب (للغني إلا لها) أي للزوجة، ~~لأن نفقتها جزاء احتباسها، وهو موجود في «الغنية». # --- PageV03P462 ~~*** # (وباع الأب) عند أبي حنيفة لنفقته بقدر حاجته (عرض ابنه) الكبير الغائب، ~~لأنه إذا كان حاضرا لايبيع الأب عرضه اتفاقا، وإذا كان صغيرا يبيعه اتفاقا. ~~والمراد بالعرض هنا ما ينقل (لا عقاره) أي لا يبيع الأب عقار ابنه (لنفقته) ~~متعلق ب: باع. والقياس أن لا يبيع العرض أيضا ms0893 إذا كان الابن كبيرا، وهو قول ~~أبي يوسف ومحمد، لأن ولاية الأب زالت ببلوغ الابن رشيدا، إلا فيما يبيعه ~~تحصينا له، فللوصي وللأب بيع عروض الابن الغائب تحصينا لماله، وبيعه هنا ~~ليس للتحصين، بل لنفسه وليس له هذه الولاية. ألا ترى أن النفقة لا تكون ~~أوجب من سائر الديون. وليس لأب بيع شيء من متاع ولده في دين له عليه، ولا ~~يقضي القاضي بذلك أيضا، لأن فيه قضاء على الغائب، فكذا في النفقة واستحقاق ~~الأم النفقة، كاستحقاق الأب، وهي لا تبيع عروض الولد في نفقتها فكذا هو. # ولأبي حنيفة وهو وجه الاستحسان أن للوالد أن يتملك مال ابنه عند ~~الضرورة، ونفقة نفسه منها. ولأن ولاية التصرف وإن زالت بالبلوغ عن عقل، ~~فولاية الحفظ ثابتة، لأن ولاية الحفظ تثبت لمن لا يثبت له ولاية التصرف، ~~كالوصي في حق الوارث الكبير الغائب له ولاية الحفظ وبيع العروض، فالأب بذلك ~~أحق لأنه أشفق، وبيع العروض من الحفظ لأنه يخشى عليه من التوى، وحفظ الثمن ~~أيسر وأيمن، وبعد البيع يصير الثمن من جنس حقه، فله أن يأخذ منه قدر ~~النفقة. وإنما لا يبيع العقار لأنه معد للانتفاع به مع بقائه، ويحصل مقصود ~~الأب من النفقة باستغلاله، فلا يجوز له بيعه إلا بكمال الولاية، وهو عند ~~صغر الولد أو جنونه. # --- PageV03P463 ~~*** # (لا لدين) أي لا يبيع الأب عرض ابنه لأجل دين (له) أي للأب (عليه) أي على ~~الابن (سواها) أي سوى نفقة الأب، إذ لا ضرورة في ذلك (ولا الأم تبيع ماله) ~~أي مال الابن مطلقا (لنفقتها) لأن تملك مال الابن مخصوص بالأب، لقوله صلى ~~الله عليه وسلم «أنت ومالك لأبيك». وفي «الذخيرة»: أن في الأقضية جواز بيع ~~الأبوين عرض ابنهما. وهكذا ذكر القدوري في شرحه، بل ينبغي أن تكون هي ~~بالجواز أولى لضعفها وكمال حاجتها، ولقوله صلى الله عليه وسلم «أمك، ثم ~~أمك، ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب». # (وضمن) قضاء لا ديانة (مودع الابن لو أنفقها) أي الوديعة (على أبويه بلا ~~أمر قاض) لتصرفه في ms0894 مال غيره بدون إذنه، بخلاف ما إذا أمره القاضي لعموم ~~ولايته. وإذا ضمن لا يرجع على القابض، لأنه ملك بالضمان، فظهر أنه كان ~~متبرعا. وإنما قلنا: إنه لا يضمن ديانة، حتى كان له أن يحلف بعد موت المودع ~~أنه لا حق لورثته قبله، لأنه لم يرد بذلك غيرالإصلاح. وفي «النوادر»: إذا ~~لم يكن في مكان يمكن استطلاع رأي القاضي لا يضمن استحسانا، وقد قالوا في ~~رجلين كانا في سفر فأغمي على أحدهما، فأنفق رفيقه عليه من ماله، أو مات ~~فجهزه صاحبه من ماله، لم يضمن استحسانا. (لا الأبوان) أي لا يضمن الأبوان ~~(لو أنفقا ماله) وديعة (عندهما) لأن نفقتهما واجبة على الابن بدون القضاء، ~~فاستوفيا حقهما. # --- PageV03P464 ~~*** # (وإذا قضي بنفقة غير العرس) وهم: الولد والوالدان، وذوو الأرحام (ومضت ~~مدة سقطت) وبه قال الشافعي وأحمد، لأن نفقة هؤلاء لكفاية الحاجة، فتسقط ~~بحصولها، (إلا أن يأذن القاضي) لمن له النفقة (بالاستدانة) على الغائب ~~واستدان عليه، لأن للقاضي ولاية عامة، فصار إذنه كإذن الغائب. ولو ضاعت ~~نفقة معجلة أو كسوة لذوي الأرحام، يفرض لهم مرة بعد أخرى، لتحقق حاجتهم، ~~ولو ضاعت نفقة أو كسوة للزوجة لا تفرض لها نفقة أخرى، لعدم اعتبار الحاجة ~~في حقها، ولهذا تجب النفقة لها مع غناها، وبعكس هذا لو بقيت النفقة ~~المفروضة في مدة بعد المدة، تفرض للزوجات ولا تفرض لذوي الأرحام. ولو عجل ~~نفقة مدة ثم مات أحدهما قبل المدة، يسترد في الزوجات عند محمد دون الأقارب. # (ونفقة المملوك) ذكرا كان أو أنثى، مدبرا أو أم ولد، لا مكاتبا لالتحاقه ~~بالأحرار (على سيده) للإجماع، ولقوله صلى الله عليه وسلم «هم إخوانكم، ~~جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه ~~مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم». رواه الشيخان، ~~وزاد أبو داود: «من لم يلائمكم منهم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله». ولأن ~~نفعه له، والغرم بالغنم. # --- PageV03P465 ~~*** # (فإن أبى) السيد عن الإنفاق عليه (كسب) المملوك (وأنفق) على نفسه، نظرا ~~له ببقاء نفسه، ولسيده ms0895 ببقاء ملكه، (وإن عجز عنه) أي عن الكسب: بأن كان ~~صغيرا، أو زمنا، أو أعمى، أو جارية لا يؤجر مثلها. (أمر ببيعه) إن كان قنا، ~~لأن المملوك من أهل الاستحقاق، وفي بيعه إيفاء حقه بدون إبطال حق المولى، ~~لقيام ثمنه خلفا عنه، بخلاف المدبر وأم الولد، حيث يجبر على الإنفاق عليهما ~~إذا عجزا عن الكسب، لأنهما عاجزان ولا يقبلان النقل من ملكه، ومنفعتهما له ~~فيجبر على نفقتهما، وبخلاف سائر الحيوانات حيث لا يجبر على بيعها، ولا على ~~الإنفاق عليها، لأنها ليست من أهل الاستحقاق. والمقضي له لا بد أن يكون من ~~أهله، ولكنه يفتى فيما بينه وبين الله تعالى بأن ينفق عليها أو يبيعها، ~~ويكون آثما معاقبا في جهنم بحبسها عن البيع مع عدم الإنفاق عليها. # ففي الحديث: «امرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت، لا هي أطلقتها ~~فتأكل من خشاش الأرض، ولا هي أطعمتها». وعن أبي يوسف: أنه يجبر، وهو قول ~~مالك والشافعي. وغاية ما فيه أن يتصور فيه دعوى حسبة، فيجبره القاضي لترك ~~الواجد . # ويقويه ما في حديث يعلى بن مرة الثقفي على ما رواه البغوي: بينا نحن نسير ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ مررنا ببعير يسنى عليه، فلما رآه البعير ~~جرجر أي صوت ووضع جرانه وهو بكسر الجيم: مقدم عنقه فوقف عليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: «أين صاحب هذا البعير»؟ فجاء فقال: «بعنيه» فقال: لا ~~بل أهبه لك يا رسول الله، فقال: «لا، بعنيه» قال: لا بل نهبه لك يا رسول ~~الله، وإنه لأهل بيت ما لهم معيشة غيره، فقال: «أما إذ ذكرت هذا من أمره، ~~فإنه شكى كثرة العمل، وقلة العلف، فأحسنوا إليه». # --- PageV03P466 ~~*** # وأما غير الحيوان، كالعقار، والزرع، والشجر، فيكره له أن لا ينفق عليها ~~حتى تفسد، للنهي عن تضييع المال. ولو كان عبد بين رجلين يجبران على نفقته. ~~وفي الدابة لا يجبران، فلو طلب أحدهما من القاضي أن يأمره بالنفقة عليها ~~حتى لا يكون متطوعا، فالقاضي يقول للآبي: إما أن ms0896 تبيع نصيبك من الدابة، أو ~~تنفق عليها رعاية لجانب الشريك، هكذا ذكره الخصاف. وفي «المحيط»: يجبر ~~صاحبه، لأنه لو لم يجبر لتضرر الشريك. ولو امتنع المولى من الإنفاق على ~~عبده، فتناول من مال سيده، فله ذلك إن كان عاجزا عن الكسب، أو قادرا عليه ~~ونهاه عنه، وإلا فليس له ذلك. ولو أعتق عبدا زمنا أو صغيرا سقطت نفقته، ~~ويجب في بيت المال، لأنه ليس بينهما محرمية، والله تعالى أعلم. # كتاب العتاق # هو بفتح العين، العتق والحرية وكذا العتاقة. # وفي الشرع: قوة حكمية يصير بها المرء أهلا للشهادة والولاية، وإثبات هذه ~~القوة يسمى إعتاقا، فلا يتجزى كالعتق والرق، لقوله صلى الله عليه وسلم «من ~~أعتق شقصا له في عبد، فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له ~~مال قوم عليه فاستسعى العبد به غير مشقوق عليه». رواه الستة في كتبهم. وهذا ~~عند أبي يوسف ومحمد. # وعند أبي حنيفة: هو إزالة الملك عن المملوك، فيتجزىء عنده، وكذا الكتابة ~~والتدبير، فإنهما يتجزيان عنده، لأنهما من فروعه. وذلك لظاهر قوله صلى الله ~~عليه وسلم «من أعتق شركا له في عبد، وكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم العبد ~~عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما ~~عتق». رواه الستة من حديث ابن عمر. # --- PageV03P467 ~~*** # وقول البخاري: قال أيوب: لا أدري أشيء قاله نافع أو شيء في الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يعني قوله: «وإلا فقد عتق منه ما عتق»، لا يضر إذ ~~الظاهر، بل الواجب أنه منه، إذ لا يجوز إدراج مثل هذه عن غير نص قاطع في ~~إفادة أنه ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن في الحديث علة ~~قادحة، كما أجاب عنه بعض المحققين. # وهو مندوب إليه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {وما أدراك ما العقبة فك رقبة} إلى قوله: ~~{أولئك أصحاب الميمنة}. # وأما السنة: فما في الكتب الستة عن أبي هريرة قال: قال ms0897 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «أيما امرء مسلم أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل عضو منها ~~عضوا من أعضائه من النار، حتى الفرج بالفرج». وروى الترمذي وقال: صحيح ~~غريب عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرء مسلم أعتق ~~امرأ مسلما، استنقذ الله بكل عضو منه عضوا من النار»، وفي لفظ: «من أعتق ~~رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار، حتى الفرج ~~بالفرج». # وروى الترمذي وقال: صحيح غريب عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «أيما امرء مسلم أعتق امرأ مسلما كان فكاكه من النار، يجزىء كل ~~عضو منها عضوا منه، وأيما امرء مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من ~~النار، يجزىء كل عضو منهما عضوا منه». وفي لفظ لأبي داود وابن ماجه: عن كعب ~~بن مرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلما، ~~كان فكاكه من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، كانت فكاكها من ~~النار». وفي قوله صلى الله عليه وسلم «أعتق الله بكل عضو» إيماء إلى ما ذهب ~~إليه أبو حنيفة من أن العتق يتجزىء. # وأما الإجماع: فإنه ليس لأحد في استحبابه النزاع. # --- PageV03P468 ~~*** # (وهو) أي الإعتاق (يصح من حر) لأن المملوك لا ملك له، والعتق لا يقع إلا ~~في الملك (مكلف) أي عاقل بالغ ولو كافرا لأن العتق تبرع، وليس واحد من ~~الصبي والمجنون بأهل له. ولهذا لو قال البالغ: أعتقت وأنا صبي، أو قال ~~المفيق من جنونه: أعتقت وأنا مجنون، لم يقع عتق، لإسناده إلى حالة منافية. ~~وكذا لو قال الصبي: إذا بلغت، أو المجنون: إذا أفقت فعبدي حر، لأنه ليس ~~بأهل لقول ملزم، وإنما لم يقل في ملكه كما قال غيره، لأن عتق ملك الغير ~~موقوف على إجازة المالك. ومراده ما يصح، سواء كان نافذا أو موقوفا، ثم مال ~~العبد وقت العتق لمولاه عند الجمهور. وقال الحسن، وعطاء، والنخعي، ومالك، ~~وأهل المدينة: للعبد. # (بصريح لفظه) ms0898 وهو لفظ يدل على العتق بالوضع، (بلا نية، كأنت حر، أو معتق، ~~أو عتيق، أو أعتقتك، أو محرر، أو حررتك) لأن هذه الألفاظ موضوعة للإعتاق ~~شرعا وعرفا، فلا يفتقر إلى نية. ولو قال: أردت الكذب، أو أنه حر من العمل ~~صدق ديانة لأنه محتمل كلامه لا قضاء، لأنه خلاف الظاهر. (أو هذا مولاي) ~~(أو هذه مولاتي) لأنه وصف لولاية العتاقة السفلى، فيعتق من غير نية، لأن ~~المولى لا يكون هنا بمعنى الموالي في الدين، لأنه مجاز لا دليل عليه، ولا ~~بمعنى الناصر، لأن المالك لا يستنصر بمملوكه، ولا بمعنى ابن العم، لأن ~~الكلام في العبد المعروف النسب، ولا بمعنى المعتق، لأن إضافته إليه في ~~العبودية ينافي ذلك ، فالتحق بالصريح، فلم يحتج إلى النية. ولو قال: عنيت ~~به الموالي في الدين، أو الكذب، يصدق ديانة للاحتمال، لا قضاء لمخالفة ~~الظاهر. # --- PageV03P469 ~~*** # (أو يا مولاي) وإن لم ينو به العتق، لأن نداءه بهذا الوصف يقتضي ثبوته. ~~وإثباته من جهته ممكن، فيثبت تصديقا له، وكذا لو قال: يا عتيق، أو يا حر، ~~إلا إن كان اسمه وناداه به، لأن مراده حينئذ الذات دون الوصف، حتى لو ناداه ~~بلفظ آخر بمعناه عتق. # مثل أن يكون اسمه حرا فيقول: يا عتيق أو بالعكس، إذ الأعلام لا تتغير ~~فيعتبر إخبارا عن الوصف. وشرط زفر النية في «يا مولاي» ونحوه. وبه قال مالك ~~والشافعي، لأن هذا اللفظ في موضع النداء يراد به الإكرام لا التحقيق، ~~كقوله: يا سيدي، يا مالكي، وأنا عبدك ونحو ذلك، فإنه لا يعتق بلا نية، فكذا ~~إذا قال: يا مولاي. # ولنا أن الكلام محمول على حقيقته ما أمكن، وحقيقة قوله: يا مولاي أن يكون ~~له عليه ولاء، وقد تعين المعتق لذلك، فالتحق بالصريح، بخلاف نحو: يا سيدي، ~~فإنه ليس فيه ذكر ما يختص بإعتاقه إياه، فكان إكراما محضا. # (ورأسك حر ونحوه مما عبر به عن البدن) كالوجه، والرأس، والرقبة. وأما ~~الفرج فيختص بالأمة لقوله صلى الله عليه وسلم «لعن الله الفروج على ~~السروج»، لأن ms0899 التحرير يقع في جملة الأعضاء، فلا بد من الإضافة إليها، أو ~~إلى ما يعبر به عنها، حتى لو أضافه إلى غير ذلك، كاليد والرجل لا يقع ~~عندنا، خلافا لمالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول زفر. وقد مرت المسألة في ~~الطلاق. # (وبكنايته) عطف على «بصريح لفظه». وكناية العتق لفظ غير موضوع له يحتمله ~~وغيره (إن نوى) الإعتاق، قيد به، لأن أحد المحتملين لا يتعين إلا بالنية ~~إزاحة للاشتباه والاحتمال، (ك: لا ملك لي عليك، ولا سبيل) لي عليك أو إليك ~~(ولا رق) لي عليك، (وخرجت عن ملكي، وخليت سبيلك) لأن كلا من هذه الأشياء ~~يكون بالبيع، وبالكتابة، وبالعتق، والمحتمل لا يتعين فيه جهة بلا نية، فلا ~~يعتق بدونها. # --- PageV03P470 ~~*** # (ولأمته) وكذا لعبده (قد أطلقتك) لأنه بمنزلة: خليت سبيلك (وب: هذا ابني) ~~عطف على «بصريح لفظه» أو على قوله: بكنايته، كما صرح به المصنف في «شرح ~~الوقاية». وإنما ذكر حرف الباء لئلا يتوهم أنه عطف على أمثلة الكناية كما ~~صرح به فيلزم حينئذ أنه كناية وليس كذلك، لأنه لو كان كناية لاحتاج إلى ~~النية، وهو غير محتاج إليها (للأصغر) سنا من مالكه (والأكبر) سنا منه. # أما الأصغر إذا كان يولد مثله لمثله ولم يكن ثابت النسب من غيره، فلأنه ~~ثبت نسبه منه، فيعتق عليه وإن لم ينو، وإذا كان لا يولد مثله لمثله، أو كان ~~ثابت النسب من غيره، فلأن الحرية لازمة للبنوة إلا أن تكون الأم أمة الغير. ~~والإقرار بالشيء إقرار بلوازمه، فيكون هذا مجازا عن الحرية فيعتق وإن لم ~~ينو، لأن المجاز متعين. وأما الأكبر فالمذكور قول أبي حنيفة، وأما عندهما: ~~فلا يعتق لأنه محال، فيرد كما لو قال: أعتقتك قبل أن أخلق، أو قبل أن تخلق. # ولأبي حنيفة: أنه صحيح بمجازه، فيصار إليه وإن كان مستحيلا بحقيقته، كمن ~~حلف لا يأكل من هذه النخلة، فإنه ينصرف إلى ما يخرج منها. والإعتاق قبل ~~الخلق إعتاق قبل الملك، فيستحيل بالكلية. وعلى هذا الخلاف لو قال للأصغر: ~~هذا أبي، أو هذه أمي. وفي «الذخيرة»: ms0900 لو قال لغلامه: هذا عمي، أو هذا خالي ~~يعتق، ولو قال: هذا أخي لا يعتق في ظاهر الرواية، لأن اسم الأخ يطلق على ~~الأخ في الدين، قال الله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}، وعلى الأخ في ~~القبيلة قال الله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا}، وكذا لا يعتق ب:هذه بنتي ~~في الأظهر. ولو قال: هذا ابني من الزنا يعتق، ولا يثبت نسبه لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «الولد للفراش وللعاهر الحجر». # --- PageV03P471 ~~*** # (لا) يعتق (ب: يا ابني و: يا أخي) على ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي ~~حنيفة: أنه يعتق، والظاهر الأول، لأن المقصود بالنداء استحضار المنادى، فإن ~~كان بوصف لا يمكن إثباته من جهة المنادي نحو: يا ابني كان لمجرد الإعلام ~~دون تحقيق الوصف لتعذره، لأنه لا يمكن إثبات البنوة بالنداء، سواء خلق من ~~مائه أو من ماء غيره، للقطع بأنه إذا خلق من مائه لا تثبت الابنية إلا بذلك ~~التخلق من ذلك الماء، لا باللفظ وإن كان بوصف يمكن إثباته من جهته نحو: يا ~~حر، كان لإثبات ذلك الوصف. # (ولا سلطان) عطف على يا ابني، أي ولا بلا سلطان (لي عليك) عندنا وإن نوى ~~بها العتق، لأن السلطان عبارة عن اليد، وقد يبقى الملك دون اليد. كما في ~~المكاتب، بخلاف قوله: لا سبيل لي عليك، لأن نفيه مطلقا بانتفاء الملك. ~~وتوضيحه أن السلطان عبارة عن اليد وهو ينتفي بالكتابة، والرهن والإجارة، ~~فلا يفيد نفيه نفي الملك، فلا يعتق، وإن نوى بخلاف: لا سبيل لي عليك، لأن ~~للمولى سبيلا على مملوكه وإن خرج من يده بالكتابة، لأنه يطالب ببدلها، حتى ~~لو انتفى عنه ذلك بالبراءة عتق، فيفيد نفي السبيل ونفي الملك وذلك بالعتق ~~أو بغيره، فإذا نواه صح وعتق. # قال أبو بكر الرازي: خرج الشيخ أبو الحسن الكرخي من الدنيا والفرق بين ~~السبيل والسلطان مشكل عليه، وقد عرفته. وقال بعض مشايخنا: يعتق إن نواه كما ~~قال مالك والشافعي وأحمد، (لأن المثل يستعمل للمشاركة في بعض المعاني عرفا، ~~فلا يتعين للحرية إلا بالنية). # (ولفظ ms0901 الطلاق) أي ولا يعتق بلفظ الطلاق صريحه (و) لا (كنايته) ولو (مع ~~نية العتق) وهو قول مالك ورواية عن أحمد. وقال الشافعي: يعتق بهما، وبه قال ~~أحمد في رواية، لأن النكاح فيه معنى الرق. وقد ورد مرفوعا: «النكاح رق»، ~~فيستعار أحدهما للآخر. ولأنه يستباح بكل واحد منهما الوطء في محله. # --- PageV03P472 ~~*** # ولنا: أنه نوى ما لا يحتمله لفظه، فهو كما لو قال لها: كلي واشربي ونوى ~~العتق. (وأنت) أي ولا ب: أنت (مثل الحر) لأن لفظ المثل يستعمل للمشاركة في ~~بعض المعاني وللمشاركة في كلها، فوقع الشك في الحرية، فلا يعتق. وقيل: إذا ~~نوى العتق يعتق، كما لو قال لامرأته: أنت مثل امرأة فلان، وقد كان فلان آلى ~~منها، فإنه يكون موليا. (بخلاف ما أنت إلا حر) حيث يعتق، لأن الاستثناء من ~~النفي إثبات على وجه التأكيد، فكان في هذا إثبات الحرية بأبلغ وجه. # (ومن ملك ذا رحم محرم) أي ذا قرابة (منه) بسبب الرحم. ومحرم صفة ذا، وجره ~~للجوار، كذا في «شرح الوقاية». ولا فرق في هذا بين كون المالك صبيا أو ~~مجنونا، أو كون المملوك صغيرا أو كبيرا، مسلما أو كافرا في دار الإسلام، ~~لإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام: «من ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه». رواه ~~النسائي عن ضمرة بن ربيعة الرملي، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، ~~عن عمر مرفوعا، وضعفه بسبب انفراد ضمرة به عن سفيان. وصححه عبد الحق وقال: ~~ضمرة ثقة، وإذا أسند الحديث ثقة لا يضر انفراده، ولا إرسال من أرسله، ولا ~~وقف من وقفه. وصوب ابن القطان كلامه. # --- PageV03P473 ~~*** # قيد بالرحم لأن المحرم بلا رحم كابنه من الرضاع لا يعتق عليه اتفاقا، ~~وكذا المحرم بطريق المصاهرة كأم الزوجة وبنتها الربيبة. وقيد بالمحرم لأن ~~الرحم بلا محرم كابن عمه لا يعتق اتفاقا. وقال الشافعي: لا يعتق غير قرابة ~~الولاد لأن العتق على الملك ثبت في قرابة الولاد على خلاف القياس لمكان ~~الجزئية، فلا يلحق بها ما هو أنزل منها. وقال مالك: يعتق ms0902 قرابة الولاد ~~والإخوة والأخوات، لأن العتق على المالك من أقوى صلات المملوك، فيختص هذا ~~بأقرب القرابات وهي الولادة والأخوة. وقال الأوزاعي: يعتق كل ذي رحم ولو لم ~~يكن محرما. # وبمذهبنا قال أحمد، والحسن البصري، وجابر بن زيد، وعطاء، والشعبي والزهري ~~وحماد، والحكم، والثوري، والنخعي، والليث. وروي عن عمر وابن مسعود ولا يعرف ~~لهما مخالف في الصحابة. والدليل: قوله عليه الصلاة والسلام: «من ملك ذا رحم ~~محرم منه فهو حر». رواه أحمد، وأبو داود، الترمذي، وابن ماجه، والحاكم في ~~«مستدركه» عن سمرة. وفي «النهاية» لابن الأثير: وبه قال أكثر أهل العلم من ~~الصحابة والتابعين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد. # (أو أعتق) عطف على ملك (لوجه الله تعالى أو للشيطان أو للصنم) لأن العتق ~~صدر من أهله في محله، فيعتبر وتلغو تسمية جهته، (أو) أعتق حال كونه (مكرها ~~أو سكران) في الأصح لوجود ركن العتق من الأهل في المحل، كما في الطلاق. ~~وخالفنا في المكره مالك والشافعي وأحمد. # --- PageV03P474 ~~*** # (أو أضاف عتقه إلى ملك) نحو إن ملكت عبدا فهو حر وبه قال مالك. وخالفنا ~~فيه الشافعي وقد بينا ذلك في كتاب الطلاق. (أو) إلى (شرط) نحو: إن قدم فلان ~~فأنت حر (ووجد) ذلك الشرط (عتق) أي عليه، ليكون في الخبر ضمير عائد على ~~المبتدأ الذي هو: «من ملك» وإنما عتق في التعليق إذا وجد الشرط، لأن العتق ~~إسقاط، فيجري فيه التعليق، وهذا لا خلاف فيه. # (كعبد) أي كعتق عبد (لحربي خرج إلينا مسلما) لما روى أبو داود في الجهاد، ~~والترمذي في المناقب وقال: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من ~~حديث ربعي بن خراش بكسر المهملة والمعجمة عن علي قال: خرج عبدان إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية قبل الصلح، فقال مواليهم: يا محمد، ~~والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربا من الرق، فقال ناس: ~~صدقوا يا رسول الله، ردهم إليهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ~~«ما أراكم تنتهون يا معشر ms0903 قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على ~~هذا». وأبى أن يردهم وقال: «هم عتقاء الله سبحانه وتعالى». # وروى عبد الرزاق في «مصنفه» في الجهاد عن معمر، عن عاصم بن سليمان، عن ~~أبي عثمان النهدي، عن أبي بكرة: أنه خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو محاصر أهل الطائف بثلاثة وعشرين عبدا، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فهم الذين يقال لهم: العتقاء. وأبو بكرة اسمه: نفيع، كني بأبي بكرة ~~لأنه نزل بكرة النهار، وقيل: لأنه نزل ببكرة. # --- PageV03P475 ~~*** # (والحمل يتبع أمه) ولا ينعكس حكمه (في الملك) وهو تمكن الشخص من التصرف ~~فيه، (و) في (الرق) وهو الذي جعله الله تعالى جزاء الاستنكاف عن طاعة الحق، ~~(وفي العتق و) في (فروعه) أي فروع العتق وهي: الكتابة، وأمومية الولد، ~~والتدبير، لأن الحمل وإن كان مخلوقا من ماء أمه وأبيه، لقوله تعالى: {من ~~ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب} إلا أن كون هذه أمه يقيني في الجملة، ~~دون كون هذا أباه. ومن هنا لما سمع عبد الله بن سلام قوله تعالى: {الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} قال: «لمعرفتي بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم أشد من معرفتي بابني. قال عمر: كيف ذلك، فقال: أشهد أنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حق من الله تعالى، وقد نعته في كتابنا، ولا أدري ~~ما تصنع النساء، فقال عمر: وفقك الله فقد صدقت». # ولهذا المعنى يثبت نسب ولد الزنا والملاعنة من أمه دون أبيه، فكان ماء ~~الأم أولى بالاعتبار. ومذهب الشافعي أن المدبرة إذا ولدت من نكاح أو زنا لا ~~يصير ولدها مدبرا، وإن الحامل إذا دبرت صار ولدها مدبرا. وعن أحمد وجابر بن ~~زيد، وعطاء: لا يتبعها ولدها في التدبير، حتى لا يعتق بموت سيدها. واعتبروه ~~بالتعليق بدخول الدار، وللجمهور القياس على تبعيته لأم الولد. # (إلا أن ولد الأمة من مولاها حر) لأنه مخلوق من مائه فيعتق عليه، ولا ~~يعارضها ماء الأمة، لأن ماءها مملوك له، بخلاف أمة الغير، ms0904 لأن ماءها مملوك ~~لسيدها، فتحققت المعارضة فرجحنا جانبها بما تقدم. والزوج قد رضي برق ولدها ~~حيث أقدم على نكاح الأمة بعلمه به، بخلاف ولد المغرور، لأن الوالد لم يرض ~~به. ولو تزوج هاشمي أمة فأتت بولد فهو رقيق تبعا لأمه، هاشمي تبعا لأبيه، ~~لأن النسب للتعريف، وحال الرجال مكشوفة دون النساء. # --- PageV03P476 ~~*** # فصل في عتق البعض وغيره # (إن أعتق) مولى (بعض عبده) سواء عين ذلك البعض بأن قال: ربعك حر، أو ~~أبهمه بأن قال: بعضك حر (صح) عند أبي حنيفة، ولزم المولى تفسير المبهم ~~بأنه: نصفه، أو ثلثه، أو نحوه (وسعى) العبد لمولاه (فيما بقي) لأن مالية ~~بعضه احتبست عنده، فيسعى لفك رقبته. والاستسعاء: أن يؤاجره ويأخذ قيمة ما ~~بقي من أجرته، (وهو كالمكاتب) في أنه لا يجوز بيعه ولا هبته. ويخرج إلى ~~العتق بسعايته، إلا أنه (بلا رد إلى الرق لو عجز). # (وقالا:) إن أعتق بعض عبده (عتق كله) ولا يستسعيه، وهو قول مالك، ~~والشافعي، وأحمد، وقتادة، والثوري، والشعبي. وعلى هذا الخلاف تدبير البعض، ~~لأنه نوع من الإعتاق. # لهم أن موجب الإعتاق إزالة الرق، وهو لا يتجزأ باتفاق، وكذا إزالته فصار ~~كالطلاق، والاستيلاد، والعفو عن القصاص. # ولأبي حنيفة وهو قول الحسن البصري، والمروي عن علي: أن موجب الإعتاق ~~إزالة الملك، والملك يتجزأ ثبوتا كشراء نصف عبد، وزوالا كبيعه. وأما نفس ~~الإعتاق فلا يتجزأ بالاتفاق. # (ولو أعتق شريك حظه) أي نصيبه (أعتق الآخر) حظه إن شاء لقيام ملكه (أو ~~استسعاه) أي العبد، لاحتباس ماليته عنده أو دبره، لأن التدبير نوع عتق، أو ~~كاتبه، لأن الكتابة استسعاء. (أو ضمن المعتق) حال كونه موسرا (قيمة حظه) أي ~~حظ الآخر يوم العتق، لأنه جنى على نصيبه بما منعه من التصرف فيه، بما عدا ~~الإعتاق وتوابعه (لا معسرا) أي لا يضمن المعتق حال كونه معسرا، بل إن شاء ~~الآخر أعتق لبقاء ملكه، وإن شاء استسعى لاحتباس ماليته عند العبد، وله ولاء ~~نصيبه لوجود عتقه من جهته. ويعتبر اليسار يوم الإعتاق، وهو: أن يملك قيمة ~~نصيب ms0905 الآخر خارجا عن المشغول بحاجته الأصلية. # --- PageV03P477 ~~*** # (والولاء لهما) أي للمعتق وللآخر (إن أعتق) الآخر (أو استسعى) لصدور ~~العتق من جهتهما (وللمعتق) وحده (إن ضمنه) الآخر لصدور العتق كله من جهته، ~~لأنه ملك نصيب الآخر بأداء ضمانه (ورجع) المعتق (به) أي بما ضمنه (على ~~العبد) لقيامه بأداء الضمان مقام الآخر، وقد كان للآخر الاستسعاء (وقالا: ~~له) أي للآخر (ضمانه) أي تضمين المعتق حال كونه (غنيا) (من غير رجوع على ~~العبد) (والسعاية) حال كونه (فقيرا فقط) (أي وليس له السعاية حال كونه ~~غنيا) (والولاء للمعتق في الوجهين) لحصول عتق العبد كله من جهته. # ومبنى هذا الخلاف على أصلين: # أحدهما: أن الحرية تثبت في الكل بعتق بعضه عندهما، ولا تثبت عنده وقد ~~بيناه فيما قدمنا. # وثانيهما: أن يسار المعتق لا يمنع السعاية عند أبي حنيفة، ويمنعها ~~عندهما، لما روى أصحاب الكتب الستة من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، ~~عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «من أعتق شقصا له في عبد، فخلاصه في ماله إن كان له مال، ~~فإن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه». ووجه الدلالة أنه قسم، ~~والقسمة تنافي الشركة في الإعتاق. # ولأبي حنيفة: أن مالية نصيبه احتبست عند العبد، فله أن يضمنه، غير أن ~~العبد فقير فيسعى. # (ومن ملك ابنه مع) مالك (آخر) بشراء، أو هبة، أو صدقة، أو وصية، أو إرث. ~~وصورته: أن تموت امرأة ولها عبد، وهو ابن زوجها ويرثها أخوها وزوجها (عتق ~~حصته) أي زال ملكه عنها (ولم يضمن) لشريكه سواء علم الشريك أنه ابنه أو لم ~~يعلم، لأن هذا ضمان إفساد في ظاهر الرواية، فيدار الحكم على سببه. # --- PageV03P478 ~~*** # (وقالا: ضمن) الأب حال كونه (غنيا) وسعى الابن حال كونه فقيرا (إلا في ~~الإرث) فإن الأب لا يضمن باتفاقهم (وإن قال لعبديه) في صحته: (أحدكما حر، ~~فخرج واحد) منهما (ودخل ثالث فأعاد) أي كرره وقال: أحدكما حر (ومات) المولى ~~(بلا بيان) ms0906 لمراده (عتق ممن ثبت) وأعيد عليه القول (ثلاثة أرباعه، ومن كل ~~من غيره) وهو الذي خرج والذي دخل (نصفه) لأن الإيجاب الأول دائر بين الخارج ~~والثابت، فيتنصف بينهما، والإيجاب الثاني دائر بين الثابت والداخل، فيتنصف ~~بينهما، لكن النصف الذي أصاب الثابت شائع فيه، فما أصاب النصف الذي عتق ~~بالإيجاب الأول لغا، وما أصاب النصف الفارغ وهو الربع بقي، فيعتق ثلاثة ~~أرباعه ونصف كل من الداخل والخارج. # (وعند محمد عتق ربع من دخل) لأن الإيجاب الثاني لما أوجب عتق الربع من ~~الثابت أوجبه من الداخل، لأنه متنصف بينهما. # وأجيب بأن في الثابت مانعا من عتق النصف بالإيجاب الثاني، ولا مانع في ~~الداخل. # والحاصل: أن الثابت يعتق منه ثلاثة أرباعه باتفاق، والخارج يعتق منه نصفه ~~باتفاق ، والداخل يعتق منه نصفه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وربعه عند محمد. # (وإن قال) ذلك (في مرضه) ومات بلا بيان (ولم يجز وارث) ولا مال سوى ~~العبيد الثلاثة وقيمتهم متساوية (جعل كل عبد سبعة) من الأسهم متساوية عند ~~أبي حنيفة وأبي يوسف، كسهام العتق عندهما ليصير المجموع أحدا وعشرين، ~~فيستقيم الثلث والثلثان لأن العتق في المرض وصية وهي من الثلث (وعتق ممن ~~ثبت ثلاثة) أسهم (ومن كل من غيره سهمان، وعند محمد جعل كل) من العبد (ستة) ~~كسهام العتق عنده، ليصير المجموع ثمانية عشر فيستقيم الثلث والثلثان (وعتق ~~ممن خرج سهمان، وممن ثبت ثلاثة، وممن دخل سهم وسعى كل) من الثابت وغيره في ~~كل من مسألتي الصحة والمرض (في الباقي) منه باتفاق. # --- PageV03P479 ~~*** # ولو أعتق عبيده الثلاثة في مرض موته وليس له مال غيرهم عتق من كل منهم ~~ثلثه، وسعى في ثلثيه من قيمته للورثة إذا لم يجيزوه، لأنهم لما اشتركوا في ~~سببه بإيقاعه عليهم، لم يجز حرمان بعضهم، بل يوزع بينهم بالسوية ولا يقرع ~~بينهم عندنا كما قال مالك والشافعي. واحتجا بحديث عمران بن حصين: «أن رجلا ~~أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعاهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فجزأهم ms0907 أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة». ~~رواه الجماعة إلا البخاري. وهذا الحديث صحيح لكن علماءنا لم يقبلوه ~~لانقطاعه باطنا. وقد علم أن ما صح سنده جاز أن يضعف بعلة قادحة. ومن العلل: ~~مخالفة الكتاب والسنة المشهورة، وكذا مخالفة العادة القاضية بخلافه. # قالوا: فهذا الحديث يخالف نص القرآن بتحريم الميسر، فإنه من جنسه، لأن ~~حاصله تعليق الملك أو الاستحقاق بالحظر، والقرعة من هذا القبيل، لأنها توجب ~~استحقاق العتق إن ظهر كذا، وعدمه إن ظهر كذا. وأما قضاء العادة بخلافه، ~~فإنها قاضية بنفي أن واحدا يملك ستة أعبد ولا يملك غيرهم من درهم، ولا ثوب، ~~ولا فلس، ولا دابة، ولا دار يسكنها، ولا شيء قليل ولا كثير. # فوجب رد هذه الرواية لهذه العلة الباطنة، ولذا أجمع على عدم الإقراع عند ~~تعارض البينتين ليعمل بأحدهما، وعلى عدمه أيضا عند الخبرين. ونحن لا ننفي ~~شرعية القرعة في الجملة، بل نثبتها شرعا لتطييب الفؤاد، ودفع الضغائن ~~والأحقاد، ودفع التنازع المنجر إلى الفساد فيما بين العباد. # كما أقرع صلى الله عليه وسلم بين نسائه ليسافر بمن خرجت قرعتها نفيا ~~لاتهام تخصيص بعضهن على بعض. # --- PageV03P480 ~~*** # والحاصل: أنها إنما تستعمل في المواضع التي يجوز تركها فيها، فإما أن ~~يتعرف بها الاستحقاق بعد اشتراكهم في سببه (فأولى منه ظاهر التوزيع، لأن ~~القرعة قد تؤدي إلى حرمان المستحق بالكلية) فإن العتق إذا كان شائعا فيهم، ~~يقع في كل منهم منه شيء، فإذا جمع الكل في واحد فقد حرم الآخر بعض حقه. هذا ~~زبدة كلام بعض المحققين، والله تعالى أعلم بحقائق اليقين. # (والوطء والموت بيان في طلاق مبهم) كما إذا قال الرجل لامرأتيه: إذا جاء ~~غد فإحداكما طالق، فوطء إحداهما أو ماتت، ثم جاء الغد، فإن غير الموطؤة ~~وغير الميتة تتعين للطلاق. أما كون الوطء بيانا في الطلاق المبهم، فلما ~~سيأتي. وأما كون الموت بيانا فيه، فلأن الميتة لم تبق بالموت محلا للطلاق، ~~فتتعين الأخرى له. # (كبيع) أي كما يكون البيان ببيع صحيح، أو فاسد مع القبض، أو بشرط ms0908 الخيار ~~(وموت، وتدبير، واستيلاد، وهبة، وصدقة مسلمتين) أي مقبوضتين (في عتق مبهم) ~~حتى لو قال لأمتيه: إحداكما حرة، أو قال: إذا جاء غد فإحداكما حرة، ثم حصل ~~في إحداهما واحد من هذه الأشياء، فإن التي لم يحصل فيها ذلك تتعين للعتق. ~~أما الموت فلأنه أخرج محله عن أن يكون محلا للعتق، فتتعين الأخرى له. وأما ~~البيع وباقي التصرفات فلأن نفاذها يستلزم قيام ملك اليمين، فصار كما لو صرح ~~بأنها المملوكة (دون وطء فيه) أي ليس الوطء في العتق المبهم بيانا، وهذا ~~عند أبي حنيفة، وبه قال أحمد. # وقال أبو يوسف ومحمد: يكون بيانا في العتق المبهم، كالطلاق، وبه قال ~~الشافعي ومالك في رواية. # --- PageV03P481 ~~*** # (والشهادة) على أحد (بالعتق المبهم) أي بأنه أعتق أحد عبديه أو أمتيه في ~~صحته (باطلة) أي مردودة وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: مقبولة، ~~وبه قال مالك والشافعي وأحمد. قيد بالعتق المبهم، لأن الشهادة بالعتق ~~المعين مقبولة باتفاق. وقيدنا المبهم بكونه في الصحة، لأنه لو شهد أنه أعتق ~~أحد عبديه في مرض موته يقبل استحسانا، لأن العتق في مرض الموت وصية، ولأن ~~عتق المبهم في المرض يشيع فيهما بالموت حتى يعتق من كل واحد منهما نصفه، ~~فيكون كل واحد خصما (لا الطلاق المبهم) أي لا يبطل الشهادة على رجل بأنه ~~طلق إحدى نسائه، بل يجبر على تعيين إحداهن باتفاق. والله أعلم. # فصل في الحلف بالعتق وبه على مال # (ويعتق ب:إن دخلت الدار) ونحوه (فكل عبد لي يومئذ حر، من) تعين هو (له ~~حين دخل) الدار ولو ليلا سواء (ملكه وقت الحلف أو لا) كما تطلق: ب:إن دخلت ~~الدار، فكل امرأة لي حينئذ طالق، من هي امرأته حين دخل الدار، سواء كانت ~~امرأته وقت الحلف أو لا. وهو قول مالك ورواية عن أحمد في العتق دون الطلاق، ~~لأن الشرع متشوف للعتق، ولذا حرض عليه دون الطلاق، فإنه مبغوض له. # ولنا أن المعتبر قيام الملك وقت الدخول، لأن معنى «يومئذ» يوم إذ دخلت ~~الدار، فحذف منه (الفعل ms0909 وعوض منه) التنوين. (وبلا يومئذ) بأن قال: إن دخلت ~~الدار فكل عبد لي أو أملكه حر، يعتق (من) هو (له وقت حلفه فقط) أي، ولا ~~يعتق من هو له بعد الحلف، لأن قوله: أملكه للحال، وكذا كل مملوك لي، لأن ~~اللام للاختصاص، وهو مملوك له في الحال. وإلا لكان هو وغيره سواء، فيكون ~~الجزاء عتق من هو في ملكه في الحال، إلا أنه لما دخل الشرط عليه تأخر إلى ~~وجود الشرط. # --- PageV03P482 ~~*** # (لا الحمل) أي لا يعتق حمل الأمة الذكر (بكل مملوك لي ذكر حر) سواء ولد ~~لستة أشهر من وقت القول أو لأقل منها. قيد بالذكر لأن المالك لو لم يذكره ~~تعتق الأم، فيعتق الولد تبعا لها (ومن أعتق) بصيغة المفعول (على مال) مثل ~~أن يقول سيد لعبده: أنت حر على ألف (أو) أعتق (به) أي بمال، مثل أن يقول: ~~أنت حر بألف (فقبل) العبد (عتق) ولزمه المال، لأن هذا معاوضة، فيثبت حكمها ~~بالقبول للحال، كما في البيع والنكاح (والمال دين عليه) يصح به الكفالة، ~~لأنه يسعى فيه وهو حر، بخلاف بدل الكتابة، حيث لا تصح به الكفالة، لأنه ~~يسعى فيه وهو عبد والمولى لا يستوجب على عبده دينا. # (والمعلق عتقه بالأداء) بأن قال له سيده: إن أديت إلي كذا، فأنت حر ~~(مأذون) له في التجارة، لأنه لا يتمكن من الأداء إلا بالاكتساب، وهو: إما ~~بالشحذ أو بالتجارة، ويمتنع أن يراد الشحاذة والتكدي للخساسة، فيتعين ~~التجارة للنفاسة (إن أدى عتق) لوجود الشرط. # (لا مكاتب) أي ليس المعلق عتقه بالأداء مكاتبا، ولهذا لو مات وترك وفاء، ~~كان المال لمولاه ولا يؤدى عنه. ولو مات المولى فالعبد رقيق يورث عنه مع ما ~~في يده من أكسابه. ولو كانت أمة فولدت ثم أدت لم يعتق ولدها. ولو حط المال ~~أو أبرأ المولى لم يعتق. ولو كان مكاتبا لكان الحكم على العكس. واعلم أنه ~~لا يقتصر في قوله «إذا أديت» على المجلس، لأن «إذا» تستعمل للوقت بمنزلة ~~«متى» ويقتصر عليه في قوله: إن أديت، ms0910 في ظاهر الرواية. # (وفي أنت حر بعد موتي بألف) أو على ألف (إن قبل) العبد (بعد موته) أي موت ~~مولاه (وأعتقه الوارث) أو الوصي، أو القاضي (عتق وإلا لا) أي وإن لم يقبل ~~العبد بعد موت مولاه، بل قبل قبله، أو قبل بعده ولم يعتقه الوارث، ولا ~~الوصي، ولا القاضي: لم يعتق. # --- PageV03P483 ~~*** # (وإن حرره) مولاه (على خدمته) أي على أن يخدمه (سنة) مثل أن يقول: أنت حر ~~على أن تخدمني سنة، فقبل (عتق) لأن هذا عتق على عوض، والعتق على عوض يقع ~~بالقبول قبل الأداء (ويخدمه سنة) قيده بعلى، لأنه لو قال: إن خدمتني سنة، ~~لا يعتق إلا بعد خدمة سنة، حتى لو خدمه أقل منها أو أعطاه مالا عن خدمته لا ~~يعتق. وكذا لو قال: إن خدمتني وأولادي سنة، فمات بعض أولاده لا يعتق. ~~والفرق أن كلمة «إن» للتعليق، و«على» للمعاوضة. # (فإن مات) مولاه، أو مات هو (قبلها) أي قبل الخدمة (يجب قيمته) عند أبي ~~حنيفة وأبي يوسف (وعند محمد:) يجب (قيمة خدمته). # فصل في التدبير والاستيلاد # (من أعتق) بصيغة المجهول، و«من» نكرة موصوفة مبتدأ (بعد موته) أي موت ~~سيده (مطلقا) كإن قال له: أنت حر بعد موتي (أو) مقيدا (إلى مدة غلب موته) ~~أي موت سيده (قبلها) كإن مت إلى مئة سنة، فأنت حر، ومثل المولى لا يعيش ~~إليها غالبا (مدبر) خبر المبتدأ (لا يباع ولا يوهب) ولا يخرج عن ملك مولاه ~~إلا إلى الحرية. وبه قال مالك. # وقال الشافعي وأحمد وداود: يباع عند الحاجة، وكذا يوهب ويتصدق به. لما ~~رواه الشيخان من حديث عمرو بن دينار عن جابر: أن رجلا من الأنصار أعتق ~~غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «من يشتريه مني؟»، فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمان مئة درهم، فدفعها ~~إليه. وأخرجه النسائي وقال فيه: وكان محتاجا، كان عليه دين، فباعه النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقال: «اقض بها دينك». ولحديث جابر هذا ألفاظ كثيرة. ms0911 ~~وروى أبو حنيفة بسنده: أن النبي صلى الله عليه وسلم باع المدبر. # --- PageV03P484 ~~*** # ولنا أن قوله تعالى: {أوفوا بالعقود}، وما روى الدارقطني من حديث عبيدة ~~ابن حسان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو حر من ثلث المال». وقد رواه حماد بن ~~زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر من قوله، وهو الصحيح لثقة حماد وضعف عبيدة. # والحاصل: أنه ضعف رفعه وصحح وقفه، فعلى تقدير الرفع لا إشكال، وعلى تقدير ~~الوقف فقول الصحابي حينئذ لا يعارضه النص البتة، لأنه واقعة حال لا عموم ~~لها، وإنما يعارضه أن لو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يباع المدبر. ~~فإن قلنا بوجوب تقليده فظاهر، وأما عند عدم تقليده يجب أن يحمل على السماع، ~~لأن منع بيعه مع بقاء الرق على خلاف القياس، فيحمل على السماع، فبطل ما ~~قيل: حديث ابن عمر لا يصلح لمعارضة حديث جابر. وأما قول صاحب «الهداية» أن ~~الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «المدبر: لا يباع، ولا يوهب، ولا ~~يورث وهو حر من الثلث»، فقوله: «ولا يورث» غير معروف. # وأجيب عن حديث جابر بجوابين: # أحدهما: أنه حكاية فعل، فلا عموم له، فيكون محمولا على المدبر المقيد، ~~وهو يجوز بيعه عندنا، إلا إن بينوا أنه كان مدبرا مطلقا، وهم لا يقدرون على ~~ذلك. وكونه لم يكن له مال غيره ليس بعلة لجواز بيعه، لأن المذهب عندنا: أنه ~~يسعى في قيمته، لما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن زياد الأعرج عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في رجل أعتق عبده عند الموت وترك دينا، وليس له مال قال: ~~«يستسعى في قيمته». ثم روى عن علي نحوه سواء. والمرسل يشده هذا الموقوف ~~ويعضده. # --- PageV03P485 ~~*** # وثانيهما: أنه محمول على بيع الخدمة والمنفعة دون الرقبة. لما روى ~~الدارقطني عن عبد الغفار بن القاسم عن أبي جعفر قال: ذكر عنده أن عطاء ~~وطاوسا يقولان عن جابر في الذي أعتقه ms0912 مولاه في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان أعتقه عن دبر، فأمره أن يبيع ويقضي دينه، فباعه بثمان مئة درهم. ~~قال أبو جعفر: سمعت الحديث من جابر إنما أذن في بيع خدمته. انتهى. قال ~~الدارقطني: وأبو جعفر هذا وإن كان من الثقات إلا أن حديثه مرسل. والجواب ~~عليه: أن المرسل حجة عند الجمهور، وهو كفاية في بيان المعنى اتفاقا كما لا يخفى. # فإن قيل: عبد الغفار يرمى بالكذب وكان من غلاة الشيعة. أجيب بأن ابن ~~القطان قال في كتابه: إنه مرسل صحيح، لأنه من رواية عبد الملك بن أبي ~~سليمان العرزمي عن أبي جعفر وهو ثقة. # (و) المدبر (يستخدم ويستأجر والمدبرة) زيادة على ذلك (توطأ) وقال الزهري ~~ومالك في رواية: لا توطأ. وقال الأوزاعي: إن كان لا يطأها قبل التدبير لا ~~يطأها بعده (وتنكح) لأن ملك المولى ثابت له، وبه تستفاد هذه التصرفات من ~~غير إبطال حق العبد. وولد المدبرة مدبر، على ذلك نقل إجماع الصحابة كذا في ~~«الهداية». # (وإن مات سيده) عتق (من ثلث ماله) أي مال سيده من التركة يوم موته فإن ~~كان الثلث مساويا لقيمته أو أزيد منها، عتق المدبر كله. وإن كان أنقص منها ~~عتق منه بحسابه، أي بقدر ثلث التركة مجانا (وسعى فيما زاد) أي على ما انعتق ~~منه، وهو ما بقي من قيمته مدبرا. أما عتق المدبر من الثلث فلحديث ابن عمر ~~السابق. وأما سعيه فيما زاد على ما عتق منه، فلأن المدبر كالموصى إليه، وهو ~~لا يسلم له شيء إلا إذا سلم للورثة ضعفه. # --- PageV03P486 ~~*** # (وإن استغرق المدبر دينه) أي دين مولاه (ففي كله) أي في جميع قيمته يسعى، ~~لأن الدين مقدم على التبرع، ولا يمكن نقض العتق حقيقة، فيجب نقضه معنى برد ~~قيمته فيسعى في قيمته (وإن قال: إن مت في مرضي هذا) أو في سفري هذا، أو في ~~هذا الشهر، أو في هذه السنة، أو إلى عشر سنين (صح بيعه) وما يوجب انتقاله ~~عن ملك مولاه قبل وجود الشرط، لأن ms0913 الموت على تلك الحالة لما لم يكن كائنا ~~لا محالة، لم ينعقد السبب للحال، فبقي كسائر التعليقات، (وإن وجد الشرط) ~~وهو موت المولى على الوصف الذي ذكره لانعقاد السبب مآلا (عتق) من الثلث ~~(كالمدبر) اتفاقا. # (وأمة ولدت من سيدها) مبتدأ موصوف (فادعى) سيدها ولدها (أو من زوج ~~فملكها) زوجها (أم ولده) خبر المبتدأ، وأم الولد يصدق لغة على الزوجة ~~وغيرها ممن لها ولد. وعرفا يختص بالأمة التي يثبت نسب ولدها من مولاها. ~~وقال مالك والشافعي: لا تصير الأمة أم ولد إذا ملكها زوجها بعد ما ولدت منه ~~برق (وحكمها) عند الجمهور (كالمدبرة) فيما سبق. # وقال بشر المريسي وداود الأصفهاني: يجوز بيعها ولا تعتق بموت مولاها، لما ~~روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث جابر: «بعنا أمهات الأولاد على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا عن ذلك ~~فانتهينا». وقال ربيعة بتعجيل عتقها، لما روى ابن ماجه والحاكم في ~~«مستدركه» وسكت عنه من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: ذكرت أم إبراهيم عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أعتقها ولدها». وقال ابن القطان في ~~كتابه: وقد روي بإسناد جيد عن ابن عباس قال: لما ولدت مارية إبراهيم، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعتقها ولدها». # --- PageV03P487 ~~*** # واستدل الجمهور بما روى أبو داود من حديث سلامة بنت معقل امرأة من خارجة ~~قيس غيلان قالت: قدم بي عمي في الجاهلية فباعني من الحباب بن عمرو، فولدت ~~له عبد الرحمن، ثم هلك فقالت امرأته: والله الآن تباعين في دينه، فأتيت # رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «من ولي الحباب؟» فقيل: أخوه أبو اليسر كعب بن عمرو، فبعث إليه ~~فقال: «أعتقوها فإذا سمعتم برقيق قدم علي، فأتوني أعوضكم». قالت: فأعتقوني، ~~فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رقيق، فعوضهم غلاما. وبما روى مالك ~~في «الموطأ» عن عمر أنه قال: «أيما وليدة ولدت من سيدها فإنه ms0914 لا يبيعها، ~~ولا يهبها، ويستمتع بها ما عاش، فإذا مات فهي حرة». # وبما رواه ابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته». ورواه الحاكم وقال: صحيح ~~الإسناد ولم يخرجاه. وفي رواية أبي يعلى الموصلي: «أيما أمة ولدت من سيدها، ~~فإنها حرة إذا مات، إلا أن يعتقها قبل موته». وروى الدارقطني عن ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع أمهات ~~الأولاد وقال: «لا يبعن، ولا يوهبن، ولا يورثن، يستمتع بها سيدها ما دام ~~حيا، فإذا مات فهي حرة». # وأجابوا عن حديث أم إبراهيم بأن ظاهره تنجيز الحرية، وهو خلاف الإجماع، ~~فيثبت به حق الحرية إعمالا للحديث بقدر الإمكان. قال الخطابي: وقد ثبت أن # رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما ~~تركناه صدقة». # --- PageV03P488 ~~*** # ولو جاز بيع أم الولد لبيعت مارية وصار ثمنها صدقة. انتهى. وعن حديث جابر ~~بأنه يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر ببيعهم إياها، ولا ~~يكون حجة إلا إذا علم به وأقرهم عليه، ويحتمل أن يكون ذلك أول الأمر، ثم ~~نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلم به أبو بكر لقصر مدة ~~خلافته، واشتغاله بأمور المسلمين من حرب مسيلمة وأهل الردة، ثم نهى عنه عمر ~~لما بلغه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه. كما قيل في حديث جابر في ~~المتعة الذي رواه «مسلم»: كنا نستمتع بالقبضة من التمرة والدقيق الأيام على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى نهانا عنه عمر. # ومما يدل على انعقاد الإجماع على عدم بيعهن في أيام عمر ما رواه عبد ~~الرزاق في «مصنفه»: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني ~~قال: سمعت عليا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، ثم ~~رأيت بعد أن يبعن. قال: فقلت ms0915 له: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك ~~وحدك في الفرقة، قال: فضحك علي كرم الله وجهه. # (إلا أنها) أي أم الولد (تعتق عند موته) أي موت سيدها (من كل ماله ولم ~~تسع لدينه) لما قدمنا من إطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «أعتقها ~~ولدها»، وقوله: «فإنها حرة بعد موته» (ولا يثبت نسب الولد) من سيدها ~~المعترف بوطئها (إلا بدعوة) بكسر الدال على ما هو المشهور، أي بدعوى أن ~~ولدها منه. وبه قال الثوري، والشعبي، والحسن البصري. وقال مالك والشافعي ~~وأحمد: يثبت نسبه إذا أقر بوطئها وإن عزل عنها، إلا أن يدعي أنه استبرأها ~~بعد الوطء بحيضة، لأنه لما ثبت النسب بعقد النكاح فلأن يثبت بالوطء وهو ~~أكثر إفضاء أولى. # --- PageV03P489 ~~*** # ولنا ما روى الطحاوي عن ابن عباس : أنه كان يأتي جارية، فحملت فقال: ليس ~~مني، إني أتيتها إتيانا لا أريد به الولد يعني كان يعزل عنها وعن زيد بن ~~ثابت: أنه كان يطأ جارية فارسية ويعزل عنها، فجاءت بولد، فأعتق الولد ~~وجلدها. وعنه: أنه قال لها: ممن حملت؟ قالت: منك، قال: كذبت ما وصل إليك ما ~~يكون منه الحمل، ولم يلتزمه زيد مع اعترافه بوطئها. # (ثم) إن جاءت بولد بعد الاعتراف بالأول يثبت نسبه (بلا دعوة) لأنه لما ~~ادعى الأول تعين الولد مقصودا فيها، فصارت فراشا له، كالمقصود عليها ~~بالنكاح، ولهذا لو أعتقها، أو مات عنها، يلزمها العدة (لكن ينتفي الولد ~~بالنفي) أي بمجرد نفيه بلا لعان، لأن فراشها ليس بقوي، ولهذا يملك المولى ~~نقله بالتزويج، بخلاف المنكوحة حيث لا ينتفي ولدها إلا باللعان لتأكد ~~فراشها، ولذا لا يملك الزوج نقلها بالتزويج. وفي «المبسوط»: إنما يملك ~~السيد نفيه إذا لم يقض القاضي، أو لم يتطاول الزمان، لأن قضاء القاضي ملزم، ~~وتطاول الزمان دليل الاعتراف. # واعلم أن هذا كله في القضاء، وأما في الديانة فإن كان وطئها وحصنها، أي ~~حفظها عما يوجب ريبة الزنا ولم يعزل عنها لزمه أن يعترف به ويدعيه، لأن ~~الظاهر أن الولد منه. ms0916 وإن عزل عنها أو لم يحصنها جاز له أن ينفيه، لأن هذا ~~الظاهر عارضه ظاهر آخر. # وعن أبي يوسف: لو وطئها ولم يستبرئها بعد ذلك، فجاءت بولد، فعليه أن ~~يدعيه، سواء عزل عنها أو لم يعزل، حصنها أو لم يحصن، تحسينا للظن بها، ~~وحملا لأمرها على الصلاح ما لم يتبين خلافه. # --- PageV03P490 ~~*** # وعن محمد: لا ينبغي أن يدعي ولدها إذا لم يعلم أنه منه، ولكنه ينبغى أن ~~يعتق الولد ويستمتع بها، ويعتقها بعد موته، لأن استلحاق ما ليس منه حرام ~~شرعا، فيحتاط من الجانبين. وقد ذكر صاحب «الإيضاح» هاتين الروايتين بلفظ ~~الاستحباب، فقال: قال أبو يوسف: أحب إلي أن يدعيه. وقال زفر: أحب إلي أن ~~يعتق الولد. قلت: وهذا هو الأحوط في هذا الباب، والله أعلم بالصواب. # ولو ادعى ولد أمة مشتركة، ثبت نسبه منه، وصارت كلها أم ولد له، ولزمه نصف ~~قيمته لشريكه يوم العلوق، موسرا كان أو معسرا، ويضمن نصف عقرها، لوقوع ~~الوطء في نصيب شريكه في غير الملك، إذ الملك يثبت حكما للاستيلاد في نصيبه ~~فيعقب، ولا يضمن قيمة الولد، لأنه علق (حر الأصل)، إذ النسب يثبت مستندا ~~إلى وقت العلوق، والضمان وجب حين العلوق، فيحدث الولد حر الأصل على ملكه ~~ولم يعلق شيء منه على ملك شريكه. # وإن ادعيا معا ثبت نسبه منهما، وصارت أم ولدهما، وتقاصا في عقرها لعدم ~~الفائدة في أخذ كل منهما ثم رده إلى الآخر، إلا أن يكون نصيب أحدهما أكثر، ~~فيأخذ الزائد. وورث الولد من كل منهما إرث ابن مؤاخذة لهما بزعمهما، وورثا ~~منه إرث أب واحد، لأن أباه إنما هو أحدهما، لكنه غير معلوم، فوزع ميراث ~~الأب عليهما. # ولو مات أحدهما كان ميراثه للباقي منهما، ولا يعتبر عندنا قول القائف في ~~إلحاقه بأحدهما. # --- PageV03P491 ~~*** # واعتبره مالك والشافعي ومنعا ثبوت النسب من اثنين، لأن ثبوت نسب مولود من ~~الولد بكونه مخلوقا من مائه، ونحن نتيقن أنه غير مخلوق من ماء رجلين، لأن ~~كل واحد منهما أصل للولد، كالأم بمنزلة البيض للفرخ، والحب للحنطة، ms0917 فكما لا ~~يتصور فرخ واحد من بيضتين، وسنبلة واحدة من حبتين، فكذلك لا يتصور ولد واحد ~~ماءين، وهذا لأن وصول الماءين إلى الرحم في وقت واحد لا يتصور، وإذا وصل ~~ماء أحدهما إليه ينسد فمه، فلا يخلط إليه الثاني. # فإذا تعذر القضاء بالنسب منهما جميعا، يرجع إلى قول القائف. لما روت ~~عائشة دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم مسرورا فقال: «يا ~~عائشة ألم تري أن مجزرا المدلجي دخل وعندي أسامة بن زيد، فرأى أسامة وزيدا ~~وعليهما قطيفة وقد غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: هذه أقدام بعضها من ~~بعض». أخرجه الستة في كتبهم. قال أبو داود: وكان أسامة أسود، وكان زيد ~~أبيض. وروى عبد الرزاق بسنده: أن رجلين اختصما في ولد، فدعا عمر القافة، ~~وافتدى في ذلك ببصيرة القافة وألحقه بأحد الرجلين. # --- PageV03P492 ~~*** # ولنا ما رواه البيهقي عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن عمر: في رجلين ~~وطئا جارية في طهر واحد، فجاءت بغلام فرفعا إلى عمر، فدعا له بثلاثة من ~~القافة، فاجتمعوا على أنه أخذ الشبه منهما جميعا، وكان عمر قائفا، فقال: قد ~~كانت الكلبة يتردد عليها الأسود، والأصفر، والأغر، فتؤدي إلى كل كلب شبهه، ~~ولم أكن أرى هذا في الناس، حتى رأيت هذا، فجعله عمر لهما يرثهما ويرثانه، ~~وهو للباقي منهما. وروى الطحاوي في «آثاره» عن سماك مولى لآل مخزوم قال: ~~وقع رجلان على جارية في طهر واحد، فعلقت الجارية، فلم يدر من أيهما هو، ~~فأتيا عليا رضي الله عنه، فقال: هو بينكما يرثكما وترثانه، وهو للباقي ~~منكما. ورواه عبد الرزاق: أخبرنا سفيان الثوري، عن قابوس بن أبي ظبيان عن ~~علي نحوه. # فصل في الولاء # وهو بفتح الواو والمد مشتق من الولاية وهو المقاربة. # وفي الشرع: عبارة عن عصبة متراخية عن عصوبة النسب، يرث بها المعتق، ويلي ~~أمر النكاح، والصلاة عليه، وهو نوعان: ولاء عتاقة، ويسمى ولاء نعمة، قال ~~الله تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم ا عليه} (أي بالإسلام {وأنعمت عليه} أي ~~بالعتق وهو زيد بن ms0918 حارثة. وولاء الموالاة، قال الله تعالى: {والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم}، سنذكر بيان مولى الموالاة. وإنما ذكر المصنف ولاء ~~العتاقة فقط، لأنه أكثر وأقوى فقال: # (من عتق) أي حصل له عتق وخلاص من رق (بإعتاق، أو بفرع له) أي الإعتاق، ~~كالكتابة والتدبير والاستيلاد (أو بملك قريبه إياه، فولاؤه لسيده) ذكرا كان ~~أو أنثى، مفردا أو غيره. # --- PageV03P493 ~~*** # (وإن شرط عدمه) أي نفى ولاية لسيده. لما روى أصحاب الكتب الستة من حديث ~~عائشة: أنها لما اشترت بريرة اشترط أهلها أن يكون ولاؤها لهم، فسألت عائشة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق» وهو ~~بعمومه يتناول جميع أفراده. # وما رواه الشافعي في «مسنده» عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف القاضي ~~يعقوب بن إبراهيم عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب». وله طرق ~~أخر، منها: ما رواه الطبراني عن عبد الله بن أبي أوفى. ومنها: ما رواه ~~الحاكم في «مستدركه»، والبيهقي عن ابن عمر. وفي رواية أحمد والطبراني عن ~~ابن عباس: «الولاء لمن أعتق»، وفي رواية الشيخين، والثلاثة عن عائشة: ~~«الولاء لمن أعطى الورق، وولي النعمة». # (ومن أعتق أمة زوجها قن) فولدت لأقل من نصف حول من وقت الإعتاق، أو لأكثر ~~منه (فله) أي للمعتق (ولاء الولد) لأن أباه قن لا ولاء له، وقد دخل هو مع ~~الأم في عتقها لاتصاله بها حين العتق أو بعده، فيتبعها في الولاء إلا أن ~~ولاءها لا ينتقل في الأقل من نصف الحول أبدا، لأنا تيقنا بوجود الولد وقت ~~العتق، فلا ينتقل ولاؤه عن مولى الأم. # (فإن أعتق) القن بعد الأم (جر) القن (ولاء ابنه إلى قومه) أي مواليه (إن ~~كان بين إعتاق الأم وولادتها أكثر من نصف حول) لأنه وقت الإعتاق لم يتيقن ~~به، فلم يعتق قصدا بل تبعا، بخلاف الأول. وهذا إذا لم تكن معتدة، لأنها لو ~~كانت معتدة وولدت لأكثر من ستة أشهر ms0919 من وقت العتق، ولأقل من سنتين من وقت ~~الفراق، لا ينتقل ولاؤه، لأنه كان موجودا عند عتق الأم، ولهذا ثبت نسبه. # --- PageV03P494 ~~*** # فقد روى مالك في «الموطأ» عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أن الزبير بن ~~العوام اشترى عبدا فأعتقه وللعبد بنون من امرأة حرة، فقال الزبير: هم ~~موالي، وقال موالي أمهم: هم موالينا، فاختصموا إلى عثمان بن عفان، فقضى ~~للزبير بولائهم. وهذا لأن الولاء لحمة كلحمة النسب، وهو إلى الآباء. وكما ~~أن النسب يكون للأم عند الضرورة ثم ينتقل عنها إلى الأب كولد الملاعنة ينسب ~~إلى أمه، ثم إذا أكذب الأب نفسه انتقل عنها إلى أبيه، فكذلك الولاء يكون ~~لموالي الأم عند الضرورة، ثم ينتقل عنهم عند زوالها إلى موالي الأب. # (والمعتق عصبة) بنفسه يأخذ ما بقي من أصحاب الفروض إن وجدوا، وجميع المال ~~إذا فقدوا، لأنه أحيا العبد بالإعتاق، فأشبه إحياء الأب بالولادة. (قدم) ~~العصبة (النسبية عليه) وهم: من لا فرض له، ولا يدخل في نسبته إلى الميت ~~أنثى (وهو) أي المعتق قدم (على ذي الرحم) وفي بعض النسخ: ذي الرحم المحرم، ~~وهو من خطأ الناسخ. وإنما قدم المعتق على ذي الرحم لما روى النسائي وابن ~~ماجه من حديث # عبد الله بن شداد، عن ابنه حمزة بن عبد المطلب قال: مات مولى لي وترك ~~ابنة له، فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله بيني وبين ابنته، فجعل لي ~~النصف ولها النصف. # --- PageV03P495 ~~*** # وفي «مسند الدارمي» عن الحسن: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~برجل، فقال: إني اشتريت هذا فأعتقه، فما ترى فيه؟ قال: «هو أخوك ومولاك ~~(قال: ما ترى في صحبته؟ قال:) إن شكرك فهو خير له وشر لك، وإن كفرك فهو شر ~~له وخير لك»، قال: فما ترى في ماله؟ قال: «إن مات ولم يدع وارثا فتملك ~~ماله». وفي رواية عبد الرزاق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لم ~~يكن له عصبة فهو لك». وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر، عن قتادة: ms0920 أن ~~زيد بن ثابت كان يورث الموالي دون ذوي الأرحام. وعمر وابن مسعود كانا ~~يورثان ذوي الأرحام دون الموالي. # (فإن مات السيد ثم المعتق، فولاؤه) أي إرثه (لأقرب عصبة سيده على ~~الترتيب) الذي يذكر في الفرائض، لقول عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، ~~وزيد بن ثابت، وأبي مسعود الأنصاري، وأسامة بن زيد: الولاء للكبر. وبه أخذ ~~علماؤنا. وكان شريح يقول: الولاء بمنزلة الملك. وفي نسخة بزيادة: المال. ~~وفائدة هذا الاختلاف أن ميراث المعتق (بالولاء بعد المعتق) يكون لابن ~~المعتق دون بنته عندنا. وعند شريح بين الابن والبنت، للذكر مثل حظ ~~الأنثيين. # وهذا معنى قول الصحابة: الولاء للكبر، أي للقرب. وتفسيره: أن رجلا لو ~~أعتق عبدا ثم مات وترك ابنين، ثم مات أحدهما وترك ابنا، ثم مات، فميراثه ~~لابن المعتق لصلبه دون ابن ابنه، لأن ابن المعتق لصلبه أقرب إليه من ابن ~~ابنه، ولهذا كان أحق بميراثه، فكذلك بالإرث لولائه. # --- PageV03P496 ~~*** # (ولا ولاء للنساء إلا ما أعتقن) كما في الحديث في «شرح الوقاية» عبارة ~~هذا الحديث: «ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن، أو ~~كاتبن أو كاتب من كاتبن، أو دبرن أو دبر من دبرن، أو جر ولاء معتقهن». أو ~~معتق معتقهن. انتهى. وهذا ليس بموجود في كتب الحديث، وإنما فيها ما روى ~~البيهقي عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت: أنهم كانوا يجعلون الولاء للكبر ~~من العصبة ولا يورثون النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن. وما ~~روى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه قال: «لا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن ~~أو أعتق من أعتقن. وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: «لا يرث النساء من ~~الولاء إلا ما أعتقن أو كاتبن». وروي نحوه عن ابن سيرين، وابن المسيب، ~~وعطاء، والنخعي. # والحاصل: أن هذا الحديث لا يثبت رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكن ~~قال في «المبسوط»: والحديث وإن كان شاذا، فقد تأكد بما اشتهر من أقاويل ~~الكبار من الصحابة ms0921 والتابعين رضي الله عنهم. وزبدة كلامه أنه في حكم ~~المرفوع ومقامه، إذ لا يتصور مثله من الرأي وأحكامه. # ولو مات المعتق ولم يترك إلا ابنة المعتق، فلا شيء لها في ظاهر الرواية ~~وتوضع تركته في بيت المال. وأفتى بعض المشايخ بدفع المال إليها لا بطريق ~~الإرث، بل لأنها أقرب الناس إلى الميت، فكانت أولى من بيت المال، وليس في ~~زماننا بيت المال منتظما بحسن الحال. # ولو أسلم رجل على يد رجل ووالاه أو والى غيره على: أنه يرثه إذا مات ~~ويعقل عنه إذا جنى، صح هذا الولاء عندنا، ويعقل عنه إذا جنى جناية موجبها ~~المال، ويرثه إن لم يكن له وارث. # ونفاه مالك والشافعي لأن الإرث متعلق بالقرابة، أو الزوجية بالنص، أو ~~بالعتق بالحديث ولم يوجد واحد منها. # --- PageV03P497 ~~*** # ولنا قوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} أي نصيبهم من ~~الميراث . والمراد به الموالاة. وما في «السنن الأربعة» عن تميم الداري ~~قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما السنة في الرجل يسلم على يد رجل ~~من المسلمين؟ قال: «هو أولى الناس بمحياه ومماته». ورواه الحاكم في ~~«المستدرك» وقال: على شرط مسلم. وما روى ابن أبي شيبة في الديات: أن رجلا ~~أتى عمر فقال: إن رجلا أسلم على يدي، فمات وترك ألف درهم، فخرجت منها فقال: ~~أرأيت لو جنى جناية على من يكون؟ قال: علي، قال: فميراثه لك. يعني الغنم ~~بالغرم. وما في «المبسوط» من حديث زياد عن علي: أن رجلا من أهل الأرض أي ~~البادية أتاه يواليه فأبى علي ذلك، فأتى ابن عباس فوالاه. ومن حديث مسروق ~~أن رجلا من أهل الأرض والى ابن عم له وأسلم على يديه فمات وترك مالا، فسأل ~~ابن مسعود عن ميراثه، فقال: هو لمولاه، ويؤخر مولى الموالاة في الميراث عن ~~ذوي الرحم، يعني لو كان له عمة أو خالة أو غيرهما من ذوي الأرحام، يكون ~~أولى منه، لأن الموالاة عقدهما (ولا يلزم غيرهما)، وذووا الأرحام ورثته بنص ~~الكتاب. # كتاب المكاتب # (الكتابة) وكذا المكاتبة ms0922 والكتاب مصدر كاتبه. # --- PageV03P498 ~~*** # وشرعا: (إعتاق المملوك يدا حالا) أي تصرفا في الحال (ورقبة مآلا) أي ~~باعتبار المآل. ولذا قيل: المكاتب طار من ذل العبودية ولم ينزل بساحة ~~الحرية. ومنه قوله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ~~إن علمتم فيهم خيرا}، والأمر للندب عند عامة العلماء. وعن الحسن: ليس ذاك ~~بعزم، إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب. وعن عمر: هي عزمة من عزمات الله. ~~وقوله: {خيرا} أي قدرة على إيفاء ما تعاقدا عليه. وقيل: تكسبا وأمانة. ~~وقيل: صلاحا وديانة. وبني على صيغة المفاعلة، لأن الرجل يقول لمملوكه: ~~كاتبتك على ألف درهم. ومعناه: كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت ~~بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك. أو كتبت عليك الوفاء بالمال، وكتبت ~~علي العتق في المآل. # واختلف الصحابة رضي الله عنهم في وقت عتق المكاتب، فكان ابن عباس يقول: ~~كما أخذ الصحيفة من مولاه يعتق. يعني بنفس العقد، لأن الصحيفة عند ذلك ~~تكتب، فكأنه جعل الكتابة واردة على الرقبة، كالعتق بجعل يعتق بالقبول وهو ~~غريم للمولى (فيما عليه من بدل الكتابة. وكان ابن مسعود يقول: إذا أدى قيمة ~~نفسه عتق وهو غريم للمولى) في الفضل فكأنه اعتبر وصول قدر مالية الرقبة إلى ~~المولى، ليندفع به الضرر عنه. وكان علي يقول: يعتق بقدر ما أدى، فكأنه ~~اعتبر البعض بالكل، وهو بناء على قوله: يعتق الرجل من عبده ما شاء. وكان ~~عثمان، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة يقولون: هو عبد ما بقي عليه درهم. # وبه أخذ جمهور الفقهاء وقالوا: لا يعتق ما لم يؤد جميع البدل. والأصل فيه ~~ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من كاتب عبده على مئة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو رقيق». رواه ~~أصحاب «السنن الأربعة» بألفاظ متقاربة. والأوقية: أربعون درهما. # --- PageV03P499 ~~*** # (فإن كاتب) السيد (قنه ولو) كان القن (صغيرا يعقل) أي العقد، لأن الكتابة ~~لا بد فيها من القبول، ومن لا ms0923 يعقل العقد ليس بأهل له (بمال حال) أي معجل، ~~مثل: كاتبتك بمئة حالة، (أو) بمال (منجم) أي مقسط، مثل: كاتبتك بمئة تؤدي ~~بها كل شهر كذا، (أو) بمال (مؤجل) مثل، كاتبتك بمئة تؤديها بعد شهر (أو ~~قال: جعلت عليك ألفا تؤديها نجوما) متفرقة: (أولها كذا، وآخرها كذا، فإن ~~أديته فأنت حر، وإن عجزت فقن، وقبل العبد، صح) العقد. هذا جواب الشرط ~~الأول. وقيد بالقبول، لأن هذا إلزام، فلا بد من التزامه وهو بالقبول. ~~والقياس عدم الصحة، لأن للسيد أن يضرب على عبده ما شاء من المال فيما شاء ~~من المدة. وقوله بعد ذلك: «إن أديته فأنت حر» تعليق للعتق بأداء المال، وهو ~~لا يوجب الكتابة. ووجه الاستحسان: أن العبرة للمعاني دون الألفاظ والمباني، ~~وقد أتى بمعنى الكتابة وتفسيرها هنا فتنعقد. # وقال مالك والشافعي: لا يجوز كتابة الصغير ولا الكتابة الحالة. أما ~~الأول: فلأن الصغير ليس بأهل للتصرف، وهذا بناء على ما ذهب إليه من أن ~~الإذن للصبي في التجارة لا يجوز. وأما الثاني: فلأنه عاجز عن تسليم معقود ~~عليه، لأنه مملوك لا يقدر على شيء، وفي زمان قليل لا يمكنه التحصيل. # ولنا إطلاق قوله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم} فإنه ~~يتناول المعجل والمؤجل، والكبير والصغير الذي يتأتى منه طلب الكتابة. ولأن ~~البدل في الكتابة معقود به، كالثمن في البيع. والقدرة على تسليم الثمن ليس ~~بشرط لصحة العقد ولإمكان فرضه المال والتصدق عليه في الحال. # --- PageV03P500 ~~*** # (وخرج) القن إذا صحت كتابته (من يده) أي يد سيده. ليتفرغ لتحصيل البدل، ~~ولهذا ليس له منعه من الخروج والسفر وإن شرط ذلك في كتابته (دون ملكه) أي ~~لم يخرج من ملك سيده لما روينا. ولأنها عقد المعاوضة، والمبادلة ومبناها ~~على المعادلة، ولهذا إذا عجز عن أداء بدل الكتابة يصير قنا. # ولا يجب على السيد حط شيء من البدل عنه، وهو قول مالك. وأوجبه الشافعي، ~~والأصح عنه: أنه يكفي ما يقع عليه الاسم، لظاهر قوله تعالى: {وآتوهم من مال ~~ا الذي آتاكم} إذ مطلق ms0924 الأمر للوجوب، وهو قول عثمان رضي الله تعالى عنه. # ولنا: أنه عقد معاوضة فيعتبر بسائر المعاوضات، حيث يكون العقد موجبا ~~للبدل لا لإسقاطه، إذ الشيء لا يتضمن ضده والأمر في الآية للندب دون الحتم، ~~فإنه معطوف على الأمر المذكور في قوله تعالى: {فكاتبوهم} وذا ندب، فكذا ~~هذا، لأن حكم المعطوف حكم المعطوف عليه. وذكر الكلبي أن المراد دفع الصدقة ~~إلى المكاتبين، فيكون خطابا للناس بصرف الصدقة إليهم، ليستعينوا بذلك على ~~أداء بدل المكاتبة، كما قال الله تعالى في بيان صرف الصدقات: {وفي الرقاب} ~~أي في فكها. والمراد: المكاتبون، والدليل عليه أنه قال: {من مال ا} والمضاف ~~إلى الله مطلق الصدقة. # --- PageV04P001 ~~*** # (وعتق) المكاتب (مجانا) أي بلا عوض (إن أعتق) لأنه ما التزم البدل إلا ~~ليحصل له العتق، وقد حصل. (وغرم السيد العقر) بالضم: دية الفرج المغصوب، ~~وصداق المرأة كذا في «القاموس». وقال بعض الشراح: أي قدر ما تستأجر به ~~المرأة على الزنا لو كان الاستئجار حلالا (إن وطىء مكاتبته) لاختصاص ~~المكاتب بمنافعه وأكسابه (والأرش) أي وغرم المولى أيضا أرشه، أي ديته (إن ~~جنى) السيد (عليها، أو على ولدها، أو مالها) أي إن تعدى على مالها ضمنه، ~~لأنه بعقد الكتابة صار كالأجنبي منها، ومنفعة بضعها ملحقة بجزئها، فيجب ~~عليه العقر بوطئها، وينتفي الحد للشبهة. # (وصحت) الكتابة (على حيوان ذكر جنسه فقط) أي ولم يذكر نوعه، ولا وصفه، ~~كعبد أو جارية، لأن الكتابة مبنية على المساهلة، فلا تفسد بيسير من ~~الجهالة، كالنكاح، وصارت كجهالة الأجل في الكتابة (ويؤدي الوسط) من ذلك ~~الحيوان (أو قيمته) والخيار للعبد. # (وفسدت) الكتابة (على قيمته) أي قيمة القن، لأنها مجهولة القدر لاختلافها ~~باختلاف المقومين، ومجهولة الجنس لأنها تعتبر بجنس الثمن، وهو النقدان، ولم ~~يتعين واحد منهما، فكانت جهالة فاحشة، فصارت كما إذا كاتبه على ثوب أو دابة ~~(وعلى خمر، أو) على (خنزير من المسلم) لأن واحدا منهما ليس بمتقوم في حق ~~المسلم، فلا يصير مستحقا له بالتسمية. وتسمية ما ليس بمتقوم فيما يحتاج إلى ~~تسمية البدل، توجب فساد ms0925 العقد كالبيع، بخلاف النكاح حيث لا يفسد بتسمية ~~أحدهما، لأنه لا يحتاج لصحته إلى تسمية البدل، حتى يجوز بلا تسميته. # --- PageV04P002 ~~*** # (وصح للمكاتب البيع والشراء) لأن تحصيل المال بهما غالبا (والسفر) لأنهما ~~قد لا ينفعان في الحضر وإن شرط عليه المولى عدمه استحسانا، لأنه شرط مخالف ~~لما اقتضاه العقد من مالكيته يدا (وإنكاح أمته) لاكتسابه مهرها وسقوط ~~نفقتها عنه، بخلاف تزويج المكاتبة نفسها، لأن ملك المولى قائم فيها يمنعها ~~من الاستيلاد والاستقلال، ولأن فيه تعييبها، وقد تعجز فيكون في ذلك ضرر على ~~المولى (وكتابة قنه) استحسانا لأنها من الاكتساب، فيملكها كالبيع، بخلاف ~~الإعتاق على المال، فإنه إثبات الحرية للحال، وهو لا يقدر على ذلك. وبه قال ~~مالك خلافا لزفر والشافعي، وهو القياس، لأنها تؤول إلى العتق، وهو ليس من ~~أهله، كالإعتاق على مال. # (وله) أي للمكاتب (ولاؤه) أي ولاء قنه الذي كاتبه (إن أدى) ذلك القن ~~كتابته (بعد عتقه) لأن الولاء لمن أعتق، وهو أهل للولاء عند عتق قنه ~~بالأداء، وملكه فيه تام، فيثبت له (ولسيده) أي لسيد المكاتب ولاؤه (إن أدى ~~قبله) أي قبل عتق المكاتب، لأنه لما تعذر جعل المكاتب معتقا لعدم أهليته ~~للإعتاق، خلفه فيه أقرب الناس إليه وهو مولاه، كالعبد المأذون إذا اشترى ~~شيئا لا يملك، لعدم أهليته، ويخلفه فيه مولاه (لا تزوجه) لا يصح للمكاتب أن ~~يتزوج بغير إذن مولاه، لأنه ليس من الاكتساب، لما فيه من شغل ذمته بالمهر ~~والنفقة، ولأنه مملوكه رقبة (ولا هبته ولو بعوض) لأنها تبرع ابتداء، وهو لا يملكه. # --- PageV04P003 ~~*** # (ولا تصدقه) لأنه تبرع محض (إلا بيسير) لأن ذلك من ضرورات التجارة، إذ لا ~~يجد بدا من ضيافة وإعارة ليجتمع عليه التجارة. ومن ملك شيئا، ملك ما هو من ~~توابعه وضرورته، (و) لا (تكفله) بمال أو نفس، (و) لا (إقراضه) لأنهما تبرع ~~محض، وليسا من ضرورات التجارة ولا من الاكتساب، (و) لا (إعتاق عبده) ولو ~~بمال، لأنه إسقاط الملك عن العبد بدين في ذمته وهو مفلس، فليس من باب ~~الاكتساب، ولأنه فوق ms0926 الكتابة. والشيء يتضمن ما دونه لا ما فوقه ولا مثله ~~(و) لا (بيع نفس عبد منه) لأنه عتق بمال (و) لا (إنكاحه) أي تزويج عبده، ~~لأنه تعييب له ونقص لماله بلزوم المهر والنفقة. # (والأب والوصي في رقيق الصغير كالمكاتب) في هذه التصرفات، فيملكان تزويج ~~أمته وكتابة عبده، لأن في ذلك نظرا له، ولا نظر في سواهما والولاية نظرية. ~~ولأنهما يملكان الاكتساب للصغير كما يملكه المكاتب، وهذا من الاكتساب (وإذا ~~عجز) المكاتب (عن أداء نجم إن كان له وجه سيصل إليه) منه شيء، بأن كان له ~~دين يقبضه، أو مال يقدم عليه (لا يعجزه الحاكم) بطلب مولاه (ويمهله إلى ~~ثلاثة أيام) لأن السنة في الكتابة التأجيل والتيسير، والثلاث هي ضربت ~~لإيلاء الأعذار، كإمهال الخصم للدفع، والمديون للقضاء، ولا يزاد عليها. # --- PageV04P004 ~~*** # (وإلا) أي وإن لم يكن له وجه سيصل (عجزه) الحاكم في الحال (وفسخها بطلب ~~سيده أو) فسخها (سيده برضاه) أي رضا المكاتب، لأن الكتابة تقبل الفسخ بلا ~~عذر بالتراضي، فمع العذر أولى. وقيل: يعجزه مولاه بدون رضاه، لتحقق العجز ~~وتوهم التحصيل. وقال أبو يوسف: لا يعجزه حتى يتوالى عليه نجمان، لأنه عقد ~~إرفاق، حتى كان أحسنه مؤجله. وحالة الوجوب بعد حلول نجم، فلا بد من إمهال ~~مدة استيسارا، وأولى المدة ما اتفق عليه العاقدان. ولقول علي رضي الله عنه: ~~إذا تتابع على المكاتب نجمان، فلم يؤد نجومه عاد في الرق. رواه ابن أبي ~~شيبة في «مصنفه» والبيهقي في «سننه» (وعاد رقه) أي أحكامه كما كانت، لأن ~~الكتابة قد انفسخت (وما في يده لسيده) لأنه ظهر أنه كسب عبده. # (فإن مات) المكاتب عن وفاء لم تفسخ كتابته، لأنها عقد معاوضة لا يفسخ ~~بموت أحد المتعاقدين، وهو المولى، فلا تفسخ بموت الآخر (وقضى البدل) أي بدل ~~الكتابة (من ماله، وحكم بموته حرا) لأن البدل بموته انتقل إلى تركته كسائر ~~الديون، فإذا أدى منها صار كأدائه بنفسه قبل الموت (والإرث منه) أي وحكم ~~بإرث ورثته منه ما بقي من ماله (وعتق بنيه) أي وحكم ms0927 بعتق أولاده حال كونهم ~~(ولدوا في كتابته أو) حال كونهم (شراهم أو) حال كونه (كوتب هو وابنه، ~~صغيرا) لأن هؤلاء يتبعونهم في الكتابة، فيتبعونه في عتقها، (أو) حال كونه ~~كوتب هو وابنه (كبيرا بمرة) أي بكتابة واحدة، لأنهما صارا باتحاد الكتابة ~~كشخص واحد، فإذا حكم بعتق أحدهما في وقت، حكم بعتق الآخر فيه. # --- PageV04P005 ~~*** # والحاصل: لا تبطل الكتابة عندنا بموت المكاتب قبل أداء البدل. وهو قول ~~علي وابن مسعود، خلافا لمالك والشافعي. وهو قول زيد بن ثابت، وعائشة، وابن ~~عمر. أخرج البيهقي عن الشعبي قال: كان زيد بن ثابت يقول: المكاتب عبد ما ~~بقي عليه درهم، لا يرث ولا يورث. وكان علي يقول: إذا مات المكاتب وترك ~~مالا، قسم ما ترك على ما أدى وعلى ما بقي، فما أصاب ما أدى فلورثته، وما ~~أصاب ما بقي فلمواليه. وكان عبد الله يقول: يؤدي إلى مواليه ما بقي من ~~مكاتبته، ولورثته ما بقي. وروى ابن يونس في «تاريخ مصر» بسنده إلى قابوس بن ~~أبي المخارق قال: كنت عند محمد بن أبي بكر وهو على مصر وال لعلي بن أبي ~~طالب، فكتب إلى علي في مكاتب مات وترك مالا، فكتب إليه علي: خذ منه بقية ~~مكاتبته فادفعها إلى مواليه، وما بقي فلعصبته. # (وطاب) ما أدى المكاتب (لسيده) الذي ليس بمصرف للصدقة (إن أدى إليه من ~~صدقة) تصدق بها عليه (فعجز) لأن الملك قد تبدل، وتبدل الملك كتبدل العين. ~~أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بريرة حيث قال في اللحم ~~الذي تصدق به عليها: «هو لها صدقة ولنا هدية»، وصار كالفقير يموت عن صدقة ~~أخذها، حيث تطيب لوارثه الغني، وكالفقير إذا استغنى حيث يطيب له ما أخذه من ~~الزكاة حالة الفقر، وكابن السبيل إذا أخذ الصدقة ثم وصل إلى ماله ومعه شيء ~~منها، حيث يطيب له، لأن المحرم على الغني هو الأخذ، وهو ليس بموجود ممن أخذ ~~حالة الحاجة ثم استغنى. ولو أباح الفقير للغني أو الهاشمي عين ما أخذه من ms0928 ~~الزكاة لا يطيب له، لأن الملك لم يتبدل. # --- PageV04P006 ~~*** # (ولا تنفسخ) الكتابة (بموت السيد) لأنها حق العبد، فلا تبطل بموت سيده ~~كالتدبير، وأمومية الولد، وأجل الدين إذا مات الطالب (وأدى) المكاتب (البدل ~~إلى ورثته على نجومه) لأن النجوم أجل الكتابة، وهو حق المطلوب، فلا يبطل ~~بموت الطالب، كأجل الدين بخلاف موت المطلوب، لأن ذمته خربت وانتقل الدين ~~إلى تركته وهو عين. وهذا إذا كاتبه وهو صحيح، وأما إذا كاتبه وهو مريض فلا ~~يصح تأجيله إلا من الثلث. # (وإن أعتقه) أي المكاتب (بعضهم) أي بعض الورثة (لا يصح) لأنه لم يملكه، ~~إذ لم يقبل النقل من ملك إلى ملك، ولا عتق بدون الملك (وإن أعتقوه عتق ~~مجانا) والقياس: أن لا يعتق، لأنهم لم يملكوه، ولهذا لا يكون للإناث منهم ~~الولاء فيه، ولو ملكوه لكان الولاء لهن. ووجه الاستحسان: أن هذا إبراء عن ~~بدل الكتابة، لأنه حقهم، وقد جرى فيه الإرث، أو إقرار بالاستيفاء منه، ~~فتبرأ ذمته فيعتق، كما لو أبرأه المولى عن بدل الكتابة كله. ويشترط أن ~~يعتقوه في مجلس واحد، حتى لو أعتقه بعضهم في مجلس وبعضهم في مجلس آخر لم ~~يعتق على الصحيح. # كتاب الأيمان # اليمين في اللغة: القوة، ومنه قوله تعالى: {لأخذنا منه باليمين}، ~~والجارحة، ومنه قوله تعالى: {وأصحاب اليمين}، والحلف، ومنه قوله تعالى: ~~{إنهم لا أيمان لهم}. # وفي الشريعة: تقوية الخبر بذكر الله، أو بالتعليق. وسببها: قصد الحالف ~~إظهار صدقه في قلب السامع، أو حمل نفسه على الفعل أو الترك. وشرطها: كون ~~الحالف مكلفا. وركنها: اللفظ الذي ينعقد به اليمين. وحكمها: البر حال بقاء ~~اليمين، والكفارة عند فوات البر. وهي نوعان: يمين بالله، ويمين بغيره. # --- PageV04P007 ~~*** # فالأولى مشروعة بالكتاب، وهو قوله تعالى حكاية: {وتاا لأكيدن أصنامكم} ~~و{تاا لقد آثرك ا علينا}. وبالسنة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «والله ~~لأغزون قريشا»، وبالإجماع. # وكذا بغير «الله» مشروعة: وهي تعليق الجزاء بالشرط، نحو: إن دخلت الدار ~~فأنت طالق أو فأنت حر وما أشبه ذلك، لأنه التزم حكما بالشرط وله ولاية ~~إلزامه. وهو ms0929 ليس بيمين وصفا وإنما سمي يمينا في عرف الفقهاء لحصول ما هو ~~المقصود باليمين بالله، من الحمل على الشرط أو المنع عنه، فكان يمينا. حتى ~~لو حلف أن لا يحلف فعلق بالطلاق ونحوه يحنث. والحلف بغير الله مكروه لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «من حلف بغير الله فقد أشرك». رواه أحمد والترمذي ~~والحاكم في «مستدركه» عن ابن عمر. # (هي) أي اليمين التي اعتبرها الشارع ورتب عليها الأحكام (ثلاث:) وإلا ~~فمطلق اليمين أكثر من الثلاث، كاليمين على الفعل الماضي صادقا. والمراد ~~بترتب الأحكام عليها ترتب المؤاخذة على الغموس، وعدمها على اللغو، والكفارة ~~على المنعقدة. # (فحلفه) مبتدأ (على فعل) أراد به المصدر أعم من أن يكون قائما بالعقلاء ~~أو بغيرهم، نحو: والله لقد هبت الريح (أو ترك) أي عدم فعل (ماض). وفي ~~«الإيضاح» و«التحفة»: أن اليمين الغموس يكون على الحال أيضا، نحو: والله ما ~~لهذا علي دين، وهو يعلم خلافه. والتحقيق أنه داخل في ماض حكما. # --- PageV04P008 ~~*** # (كاذبا عمدا) حالان من الضمير في حلفه (غموس) خبر المبتدأ. وسميت هذه ~~اليمين غموسا لانغماس صاحبها في الإثم، ثم في النار (يأثم به) أي بهذا ~~الحلف، لما روى البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل ~~النفس، واليمين الغموس». وروى ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي أمامة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع ~~بها مال امرء مسلم حرم الله عليه الجنة، وأدخله الله النار». # ورواه الشيخان من حديث ابن مسعود بلفظ: «لقي الله وهو عليه غضبان». وروى ~~أبو داود من حديث عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ~~حلف على يمين مصبورة كاذبا فليتبوأ بوجهه مقعده من النار». والمصبورة: ~~اللازم من جهة الحكم، ذكره الخطابي. وفي «الصحاح»: تبوأت منزلا، أي نزلت. ~~وأما ما في «الهداية» من قوله عليه الصلاة والسلام: «من حلف كاذبا أدخله ~~الله النار» ms0930 فغير معروف. # (وظانا) عطف على كاذبا، أي حلفه على فعل أو ترك ماض حال كونه ظانا (أنه ~~حق، وهو ضده) أي غير حق (لغو) روي هذا عن ابن عباس وعن زرارة بن أبي أوفى. ~~وفي «المعرفة» للبيهقي: نحوه عن عائشة قالت: هو حلف الرجل على علمه، ثم لا ~~يجده على ذلك. وفي «مصنف عبد الرزاق» نحوه عن مجاهد قال: هو أن الرجل يحلف ~~على الشيء يرى أنه كذلك، وليس كذلك. وهو أيضا قول مالك. (يرجى عفوه) كذا ~~قال محمد، وعبارته: فهذه يمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها. # فإن قيل: ما معنى تعليق نفي المؤاخذة بالرجاء. وعدم المؤاخذة باللغو ~~منصوص عليه لقوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} ؟. # --- PageV04P009 ~~*** # أجيب بأن المنصوص عليه عدم المؤاخذة بما هو لغو في نفس الأمر، والمعلق ~~بالرجاء عدم المؤاخذة بما هو لغو على هذا التفسير، لأنه قيل في تفسير اللغو ~~أقوال أخر. فروى البخاري في «صحيحه» عن هشام بن عروة عن عائشة في قوله ~~تعالى: {لا يؤاخذكم ا باللغو في أيمانكم} قالت: هو قول الرجل: لا والله، ~~وبلى والله. وهو رواية عن أبي حنيفة وقول محمد والشافعي. وروي عن الشافعي ~~أنه فسر اللغو بالخالي عن القصد، سواء كان في الماضي أو الآتي، بأن قصد ~~التسبيح، فجرى على لسانه اليمين. # وحكى محمد عن أبي حنيفة أن اللغو ما يجري بين الناس من قولهم: لا والله، ~~وبلى والله. لما روى أبو داود عن عطاء قال: قالت عائشة: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «هو كلام الرجل في بيته: ك:لا والله: وبلى والله». ~~وتأويله عندنا فيما يكون خبرا عن الماضي، فإن اللغو ما يكون خاليا عن ~~الفائدة. والخبر الماضي خال عن فائدة اليمين التي هي الحظر أو الإيجاب، ~~فكان لغوا. فأما الخبر في المستقبل فإن عدم القصد لا يعدم فائدة اليمين. ~~وقد ورد الشرع بأن الهزل والجد في اليمين سواء. وقال الشعبي ومسروق: اليمين ~~اللغو أن يحلف على (معصية فيتركها لاغيا بيمينه. وعن سعيد ms0931 بن جبير: هو ~~الرجل يحلف على) الحرام بأن يحرم على نفسه ما أحل الله له من قول أو عمل، ~~فلا يؤاخذ اللها بتركه. وعن النخعي والحسن: أن الرجل يحلف على الشيء ثم ينسى. # (وعلى) فعل أو ترك (آت) أي مستقبل (منعقدة) وإعادة «على» لطول الفصل. ~~وهذا أولى مما قال في «شرح الوقاية». ولو قال: وآت بلا لفظ «على» ليكون ~~عطفا على ماض، لكان أولى كما لا يخفى. # --- PageV04P010 ~~*** # (وكفر فيه) أي في الحلف على آت (فقط) أي ولم يكفر في الغموس (إن حنث) لأن ~~الكفارة لرفع الذنب الحاصل بالحنث، وذنبه حصل بأصل يمينه، فيجب عليه التوبة ~~والاستغفار. وقال الشافعي: يكفر في الغموس أيضا وهو قول الزهري، لقوله ~~تعالى: {لا يؤاخذكم ا باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} ~~والغموس مكسوبة بالقلب. # ولنا قوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين} حيث رتبت الكفارة على المعقودة والغموس غير معقودة. ومذهبنا قول ~~ابن مسعود، وابن عباس، وابن المسيب، والحسن البصري، والأوزاعي، والثوري، ~~والليث، وأبي عبيد، ومالك، وأحمد. وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» بإسناد ~~جيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل قال فيه: «خمس ليس لهن ~~كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، ونهب مؤمن، والفرار من الزحف، ~~ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق». ويؤكده قول ابن مسعود: كنا نعد ~~اليمين الغموس من الأيمان التي لا كفارة فيها. # (ولو سهوا) وفي معناه النسيان، بل أولى (أو كرها) بخلاف النائم، فإنه لا ~~يصح يمينه كما في «المجمع» (حلف أو حنث) خلافا لمالك والشافعي وأحمد في ~~الحلف بطريق السهو أو الإكراه. وخلافا للشافعي في أصح القولين، ولأحمد في ~~رواية في الحنث بطريق السهو أو الإكراه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع ~~عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». # ولنا أن الشرط هو الفعل وقد وجد. والفعل الحقيقي لا يصير معدوما بالنسيان ~~والإكراه، ولقوله عليه الصلاة والسلام حين حلف المشركون صفوان وابنه: «نفي ~~لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم»، ms0932 فبين أن اليمين طوعا وكرها سواء. # --- PageV04P011 ~~*** # وقوله: «رفع» محمول على رفع الإثم، وهو لا يقتضي عدم الكفارة كما حقق في ~~فعل الخطأ والنسيان في الصلاة، ومحظورات الإحرام. ويتصور النسيان في الحلف ~~بأن حلف أن لا يحلف، فنسي فحلف. وأما السهو فمعناه الخطأ، كأن يريد أن ~~يقول: اسقني الماء، فيقول: والله لا أشرب الماء. وأما ما في «الهداية» من ~~قوله عليه الصلاة والسلام: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، ~~واليمين» فغير معروف. وإنما المعروف ما رواه أصحاب «السنن الأربعة» من حديث ~~أبي هريرة، وحسنه الترمذي وصححه الحاكم بلفظ: «النكاح والطلاق والرجعة». ~~وقد رواه ابن عدي فقال: «الطلاق والنكاح والعتاق». # (والقسم بالله) أي ثابت بهذا اللفظ الشريف (أو باسم من أسمائه) المنيفة ~~(كالرحمن، والرحيم، والحق) والخالق، والذي لا إله إلا هو رب السماوات ~~والأرض ورب العالمين، سواء تعارف الناس الحلف به أو لم يتعارفوا (أو بصفة ~~يحلف بها) عرفا (من صفاته: كعزة الله، وجلاله وكبريائه، وعظمته، وقدرته) ~~المراد بالاسم هنا اللفظ الدال على الذات مع صفة، وبالصفة اللفظ الدال على ~~الصفة دون الذات. # (لا بغير الله) أي لا يصح القسم بغير الله (كالنبي، والقرآن، والكعبة) ~~لحديث ابن عمر المتفق عليه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن ~~الله تعالى نهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت». وأما ما في «الهداية» من قوله عليه الصلاة والسلام: «من كان منكم ~~حالفا فليحلف بالله أو ليذر» فغير معروف بهذا اللفظ. ولعل نهيه مأخوذ من ~~قوله تعالى: {فلا تجعلوا أندادا}، وقد ورد: «من حلف فليحلف برب الكعبة». ~~رواه أحمد والبيهقي. # --- PageV04P012 ~~*** # (ولا بصفة لا يحلف بها عرفا كرحمته، وعلمه، ورضائه، وغضبه، وسخطه، ~~وعذابه) وهو اختيار مشايخ ما وراء النهر، وهو الأصح. لأن مبنى الأيمان على ~~عرف أهل الزمان. والحلف بها غير متعارف، ولأن الرحمة قد يراد بها أثرها وهو ~~الجنة، قال الله تعالى: {ففي رحمة ا هم فيها خالدون}. والغضب والسخط يراد ~~بهما النار، فيكون حالفا بغير الله. # وقال ms0933 مالك: لا ينعقد اليمين بصفات الفعل، وبه قال أحمد في رواية، لأن ~~اليمين ينعقد لحرمة اسم الله تعالى، ومع الاشتراك لا حرمة له. وفي ~~«المبسوط»: قال مشايخنا العراقيون: الحلف بصفات الذات كالقدرة، والعظمة، ~~والعزة، والجلال، والكبرياء يمين، والحلف بصفات الفعل كالرحمة، والسخط، ~~والغضب، والرضاء لا يكون يمينا. وقالوا: صفة الذات: ما يجوز أن يوصف بها ~~ولا يجوز أن يوصف بضدها، كالقدرة. وصفة الفعل: ما يجوز أن يوصف بها وبضدها ~~كالرضا، فإنه تعالى يرضى بالإيمان ولا يرضى بالكفر. انتهى. واتفقوا على أنه ~~لا يحلف بعلمه، إما لأنه غير متعارف، وإما لأن العلم يذكر بمعنى المعلوم. # وفي «المحيط»: لو قال: يعلم الله أنه فعل كذا ولم يفعله يكفر، لأنه وصف ~~الله تعالى بالعلم بوجود شيء قبل وجوده، فصار كما لو وصفه بالجهل. والأصح: ~~أنه لا يكفر، لأنه قصد بهذا الكلام إثبات صدقه في خبره لا وصف الله به. ~~ويجوز أن يحلف بجميع أسمائه وإن لم يتعارف الناس بها على الصحيح، لأن ~~اليمين باسم الله ثبت بقوله عليه الصلاة والسلام: «من كان حالفا فليحلف ~~بالله»، والحلف بسائر أسمائه حلف بالله. وما ثبت بالنص أو بدلالته لا يراعى ~~فيه العرف. وقال بعضهم: كل اسم لا يسمى به غير الله، كالرحمن فهو يمين، وما ~~يسمى به غير الله كالحكيم، والعليم، والقادر، والرحيم، فإن أراد به يمينا ~~فهو يمين، وإن لم يرد به يمينا لا يكون يمينا. # --- PageV04P013 ~~*** # (وقوله) مبتدأ (لعمر الله) أي لبقائه، وهو بفتح العين أذ لا يستعمل في ~~القسم بضمها، وهو مبتدأ خبره محذوف تقديره: قسمي أو يميني. قال الله تعالى: ~~{لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون}، (وايم الله) وهو عند الفراء جمع يمين، ~~فأصله أيمن سقطت نونه وهمزته في الوصل للتخفيف. وعند سيبويه: كلمة اشتقت من ~~اليمين، ساكنة الأول فاجتلبت الهمزة للنطق به. وقيل: أيم صلة أي زائدة، ~~والمعنى والله، وهو حلف متعارف بها. فقد قال صلى الله عليه وسلم حين طعن ~~الناس في إمارة أسامة بن زيد: «إن كنتم تطعنون في إمارته فقد ms0934 كنتم تطعنون ~~في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقا بالإمارة». رواه البخاري. # (وعهد الله وميثاقه) وكذا ذمته وأمانته. والواو في هذه الألفاظ للقسم، ~~فما بعدها مجرور بها. وقال الشافعي: لا يكون هذا النوع يمينا إلا بالنية. ~~ولنا أن العهد غلب استعماله في اليمين، والميثاق، والذمة. والأمانة بمعناه، ~~ويدل عليه قوله تعالى: {وأوفوا بعهد ا إذا عاهدتم} ثم قال: {ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها}. لكن قد ورد: «من حلف بالأمانة فليس منا». رواه أبو ~~داود عن بريدة. # (وأقسم، وأحلف، وأشهد، وإن لم يقل: بالله) الواو في هذا وما بعده للعطف ~~لا للقسم، لأن الحالف يقول: أقسم لأفعلن. وقال زفر والشافعي: لا يكون يمينا ~~إلا إذا قال: بالله، نوى اليمين أو لم ينوه. (وعلي نذر) وقال مالك: لا يكون ~~يمينا إلا إذا قال: بالله، ونوى اليمين. # ولنا ما في السنن من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«من نذر نذرا لم يسمه، فكفارته كفارة يمين». وأما ما في «الهداية» من قوله ~~عليه الصلاة والسلام: «من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى» فغير معروف. # --- PageV04P014 ~~*** # (أو) علي (يمين أو) علي (عهد وإن لم يضف إلى الله) لأن معناه علي موجب ~~يمين وموجب عهد (وإن فعل كذا فهو كافر) وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: ~~لا يكون يمينا، لأنه علق بالفعل ما هو معصية، فصار كما لو قال: إن فعلت كذا ~~فأنا زان. # ولنا أن تعليق الكفر بفعل، تحريم لذلك الفعل، وتحريم الحلال يمين كما ~~سيأتي. والفرق بين هو كافر وبين هو زان أنه لا يكون زانيا عند الله بمجرد ~~قوله: هو زان، ويكون كافرا بقوله: هو كافر. فقول القائل: إن فعل كذا فهو ~~كافر يمين. # (وإن لم يكفر) سواء (علقه بماض أو آت) روي ذلك عن أبي يوسف. وقال محمد بن ~~مقاتل: يكفر إذا علقه بماض، لأنه علق الكفر بموجود، والتعليق بالموجود ~~تنجيز، فصار كما لو قال ابتداء: هو كافر. والصحيح أنه إذا كان عالما أنه ms0935 ~~يمين لا يكفر فيهما، وإن كان جاهلا أو عنده أنه يكفر في الماضي أو بمباشرة ~~الشرط في المستقبل يكفر فيهما، لأنه لما أقدم على الفعل وعنده أنه يكفر، ~~فقد رضي بالكفر. وكذا لو قال: إن فعل كذا فهو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، ~~أو بريء من الله، أو من النبي، أو من الإسلام، أو من القرآن، أو من القبلة، ~~أو الكعبة، كان يمينا عندنا، ونفاه مالك والشافعي لما تقدم. # ولنا ما روي عن ابن عباس أنه قال: من حلف بالتهود والتنصر فهو يمين. وأما ~~ما في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: «من حلف على يمين بملة غير ~~الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال». فالظاهر أنه خرج مخرج الغالب، فإن ~~الغالب ممن يحلف بمثل هذه الأيمان أن يكون من أهل الجهل لا يعرف منه إلا ~~لزوم الكفر على تقدير الحنث، لا من أهل العلم والخبر، فإن تم هذا وإلا فهي ~~شاهد لمن أطلق القول بكفره. # --- PageV04P015 ~~*** # (وسوكند ميخورم بخداي) أي أقسم بالله بلسان الفارسي، وكذا الحكم بسائر ~~ألسنة العجم (قسم) هذا خبر المبتدأ الذي هو قوله: لعمر الله وما عطف عليه ~~(وحقا) أي قوله: حقا (وحق الله وحرمته وسوكند خورم بخداي) أي بصيغة ~~الاستقبال (يابطلاق زن) يعني سوكند خورم بطلاق زن (وإن فعله) أي كذا (فعليه ~~غضبه) أي غضب الله (أو سخطه، أو لعنته) أو حرم الله عليه الجنة أو عذبه ~~بالنار (أو أنا زان، أو سارق، أو شارب خمر، أو آكل ربا) أي لا يكون قسما. ~~أما حقا فلأنه يراد به تحقيق الوعيد، وأما حق الله فلأنه يراد به واحد ~~الحقوق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: «هل تدري ما حق الله على ~~عباده». # وأما الغضب والسخط واللعنة، فلأنه يراد بها آثارها وهي النار، ولأنه دعاء ~~على نفسه، قال الله تعالى: {ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير}. ولأن واحدا ~~من هذه الأمور لم يتعارف الحلف به. وقيد بحق الله لأنه لو قال: والحق يكون ~~قسما، لأنه من أسمائه سبحانه. وأما قوله: ms0936 أنا زان ونحوه فلعدم استلزام وجود ~~الشرط وجود ما فعله جزاء من الزنا ونحوه، لتوقفه على فعل مستأنف. # (وحروف القسم: الواو، والباء، والتاء) كقوله: والله، وبالله، وتالله. لأن ~~كل ذلك معهود في الأيمان ومذكور في القرآن ، قال الله تعالى: {وا ربنا ما ~~كنا مشركين}، {يحلفون با ما قالوا}، {تا تفتؤ تذكر يوسف}. وأصل هذه الحروف ~~الباء، ولذا تدخل على الظاهر والمضمر نحو بالله، وبه. ويجوز إظهار الفعل ~~معها نحو: حلفت بالله، وأقسم بالله. والواو ملحقة بها، ولهذا لا تدخل على ~~المضمر، ولا يجوز إظهار الفعل معها. والتاء ملحقة بالواو وتدخل على لفظة ~~«الله» خاصة. ورواية ترب الكعبة شاذة. # --- PageV04P016 ~~*** # (وقد تضمر) حروف القسم (ك:الله لأفعلن) وفي نسخة: لا أفعله. وينصب الاسم ~~حينئذ على إسقاط الخافض واتصال فعل الحلف به كقوله تعالى: {واختار موسى ~~قومه} وهو أكثر استعمالا، أو يخفض على إضمار الخافض وبقاء أثره، وهو قليل ~~شاذ. وحكي الرفع أيضا نحو: الله لأفعلن على إضمار المبتدأ أو خبره وهو ~~الأولى، لأن الاسم الكريم أعرف المعارف، فهو أولى بكونه مبتدأ، والتقدير: ~~الله قسمي، أو قسمي اللها لأفعلن. ولو قال: واللها والرحمن يكون يمينين، ~~إلا أن يريد تكرار الأول في ظاهر الرواية، وعليه أكثر المشايخ. # وروى الحسن عن أبي حنيفة يكون يمينا واحدا وبه أخذ مشايخ سمرقند. ولو ~~قال: والله والله فهو يمينان كذا ذكروه، وفيه أنه أولى بأن يصلح ثانيه ~~للتأكيد مما قبله. ولو قال: والله ووالله فيمين واحد استحسانا. ولو قال: ~~والله لا أكلمك والله لا أكلمك فيمينان. وروى الحسن إن نوى بالثاني الخبر ~~عن الأول صدق ديانة. # هذا، وإن وصل إن شاء الله بحلفه بر، لما روينا في الطلاق من قوله عليه ~~الصلاة والسلام: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فقد استثنى». رواه أبو ~~داود والنسائي والحاكم في «مستدركه» عن ابن عمر. وكذا إذا نذر وقال: إن شاء ~~اللها متصلا لا يلزمه شيء. # قال محمد: بلغنا ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر، وكذا قال موسى ~~عليه ms0937 السلام: {ستجدني إن شاء الله صابرا} ولم يصبر، ولم يعد مخلفا لوعده. ~~والاتصال شرط عمل الاستثناء في الإبطال، فلو انقطع بتنفس أو سعال ونحوه لا ~~يضر. وعن ابن عباس أنه كان يجوز الاستثناء المنفصل إلى ستة أشهر، وقيل: إلى ~~سنة لقوله تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت} أي: إذا نسيت الاستثناء موصولا ~~فاستثن بمفصول. # --- PageV04P017 ~~*** # وروي أن محمد بن إسحاق صاحب «المغازي» كان عند المنصور، فكان يقرأ عنده ~~المغازي وأبو حنيفة كان حاضرا، فأراد أن يغري الخليفة عليه، فقال: إن هذا ~~الشيخ يخالف جدك في الاستثناء المنفصل، فقال: أبلغ من قدرك أن تخالف جدي؟ ~~فقال: إن هذا يريد أن يفسد عليك ملكك، لأنه لو جاز الاستثناء المنفصل، ~~فبارك الله لك في عهودك إذا، فإن الناس يبايعونك ويحلفون، ثم يخرجون ~~ويستثنون، ثم يخالفون ولايخشون، فقال: نعم ما قلت، وغضب على محمد بن إسحاق ~~وأخرجه من عنده. # وأما تأويل قوله تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت} أي إذا لم تذكر إن شاء الله ~~في أول كلامك فاذكره في آخره موصولا به. كذا ذكره بعضهم. وعندي أنه خاص بما ~~بين العبد وربه في نحو قوله: {إني فاعل ذلك غدا} ولم يستثن نسيانا، فمتى ~~جاء في ذكره ينبغي أن يستثنى ولو في آخر عمره مرة. وقيل: المعنى اذكر ربك ~~إذا نسيت غيره ولو نفسك، فإن كمال الذكر هو الفناء والاستغراق في نحو شهود ~~المذكور المعبر عنه بكمال الحضور. # (كفارة اليمين) # (وكفارته) أي كفارة القسم واحد من ثلاثة. ويتعين بفعل العبد أحدها (عتق ~~رقبة) أي عبد أو أمة (أو إطعام عشرة مساكين كما هي في الظهار) الظاهر أنه ~~قيد للأخير، ويحتمل أن يكون لهما. وفي نسخة: كما هما في الظهار، أي كالعتق ~~والإطعام في كفارة الظهار. وقد تقدم أنه يطعم كل مسكين نصف صاع من بر، أو ~~صاعا من غيره. (أو كسوتهم لكل) من العشرة (ثوب يستر عامة بدنه) قميص أو ~~إزار ورداء، أو قباء أو كساء على الصحيح. وفي «المحيط»: وهو ظاهر الرواية. ~~وفي «المبسوط»: أدنى الكسوة ms0938 ما يجوز فيه الصلاة، وهو مروي عن محمد رحمه الله. # --- PageV04P018 ~~*** # (فلم تجز السراويل) أي فقط، وإلا فهو جائز مع انضمام الرداء اتفاقا. وعن ~~محمد: لا يجوز السراويل للمرأة، لأن المعتبر رد العري بقدر ما تجوز به ~~الصلاة. والسراويل تجوز فيه الصلاة للرجل دون المرأة. وقال مالك والليث: ~~أدناها للرجل ثوب، وللمرأة ثوبان: درع وخمار. والمراد بالدرع القميص. وقال ~~الشافعي: ما يطلق عليه اسم الكسوة: كالسراويل، والإزار والمقنعة، ~~والطيلسان. وعن ابن عمر لا يجزىء أقل من ثلاثة أثواب: قميص، وإزار، ورداء. ~~وعن أبي موسى الأشعري: ثوبان. وذلك لقوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} ففي الآية بدأ ~~بالإطعام لأنه أهون على الأنام، فيكون ترقيا في الكلام. وعكس الفقهاء إيماء ~~إلى بيان الأفضل، فتأمل. # (فإن عجز عنها) أي عن العتق والإطعام والكسوة. وفي نسخة: فإن عدمها (وقت ~~الأداء) وعند الشافعي: وقت الوجوب (صام ثلاثة أيام ولاء) أي متتابعات. وقال ~~مالك والشافعي في قول واحد في رواية: يخير بين التتابع وعدمه، لإطلاق قوله ~~تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام}. # ولنا قراءة ابن مسعود: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» وهي كالخبر المشهور، ~~فإنه إنما يقرأ سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت قراءته ~~كالرواية المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم فصحت الزيادة والتقييد بها. # ولم تجز الكفارة (بلا حنث) أي لم تجزىء قبل الحنث، سواء كانت بالمال أو ~~بالصوم. # وقال مالك وأحمد: تجزىء. وقال الشافعي: إن كانت بالمال تجزىء، وإن كانت ~~بالصوم لا تجزىء، (وفي وجه تجزىء). # --- PageV04P019 ~~*** # وكان ابن عمر وسليمان وأبو الدرداء يكفرون قبل الحنث، وكذلك الحسن وابن ~~سيرين. رواه ابن أبي شيبة. وذلك لما روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن ~~يمينه وليأت الذي هو خير»، وكلمة الفاء للتعقيب. وما روى أبو داود بسند ~~صحيح من حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي صلى ms0939 الله عليه وسلم أنه قال: «يا ~~عبد الرحمن إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك ثم ائت ~~الذي هو خير»،. وكلمة «ثم» للتراخي. # ولنا أن الكفارة لستر الجناية ولا جناية قبل الحنث، لأن عقد اليمين بدون ~~الحنث ليس بذنب إجماعا، لأنه أمر مشروع، فإن في عقد اليمين تعظيم اسم الله ~~تعالى، والمشروع لا يوصف بالذنب، وإنما الذنب في هتك حرمة اسم الله تعالى ~~بالحنث، فاستحال التكفير قبل الحنث كالطهارة قبل الحدث، فلا يصح كفارة ~~اليمين قبل الحنث، كما لا يصح كفارة القتل قبل الجرح. # وأجيب عما رووا بأنه يقتضي وجوب تقديم الكفارة على الحنث، ولا قائل به. ~~وبأن الحديث الأول معارض برواية مسلم له أيضا بلفظ: «فليأت الذي هو خير ~~وليكفر عن يمينه». وروي في الصحيحين فيهما بالتقديم والتأخير من حديث أبي ~~هريرة، وعبد الرحمن بن سمرة، وعدي بن حاتم. وبأن الفاء الجزائية تفيد تعقيب ~~ما قبلها في الجملة، كما حقق في قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم} والواو تدل على الجمعية، فلا دلالة على تقديم أحد الجزأين ~~على الآخر، كما في: ادخل السوق فاشتر لحما وفاكهة، فإن المقصود تعقيب دخول ~~السوق لكل من الأمرين. # --- PageV04P020 ~~*** # وأما الحديث الثاني فمعارض بما أخرجه الإمام أبو محمد قاسم بن ثابت بن ~~حزم السرقسطي في كتاب «غريب الحديث» عن أبي حازم عن أبي هريرة: أن رجلا ~~أعتم عنده أي أمسى فسأل صبيته أمهم الطعام، فقالت: حتى يجيء أبوكم، فنام ~~الصبية، فجاء أبوهم فقال: أشهيت الصبية؟، فقالت: لا، كنت أنتظر مجيئك، فحلف ~~أن لا يطعم، ثم قال بعد ذلك: أيقظيهم وجيئي بالطعام، فسمى الله وأكل، ثم ~~غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي صنع، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأته ثم ليكفر عن ~~يمينه». قال السرقسطي: أشهيت الصبية: أي أطعمتهم شهوتهم. و«ثم» قد تجيء ~~للتشريك في الحكم ولا تقتضي الترتيب، كما في قوله عز وجل: {وبدأ ms0940 خلق ~~الإنسان من طين ثم جعل نسله}...الآية، كذا في «القاموس». # فإن قيل: تعليلكم وتأويلكم مردودان لمخالفتهما النص، وهو قوله تعالى: ~~{ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته} الآية، والفاء للوصل والتعقيب، ~~فيقتضي جواز التكفير بعد اليمين متصلا بها، وكذا قوله: {ذلك كفارة أيمانكم ~~إذا حلفتم}، رتبها على الحلف لا على الحنث. # قلنا: الحنث مضمر في النص، بدلالة ما قلنا في قوله تعالى: {فمن كان منكم ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر}، ويدل عليه قراءة ابن مسعود: «إذا ~~حلفتم وحنثتم». # (ومن حلف على معصية كعدم الكلام مع أبويه) أو أحدهما (حنث) أي ينبغي أن ~~يحنث في الحال (وكفر) في الحال بالصوم والمال، لما روينا من الحديث، فإن ~~ظاهره يقتضي وجوب الحنث إذا لم يكن المحلوف عليه معصية، وكان الحنث خيرا من ~~البر، فأولى أن يجب عليه الحنث إذا كان معصية. # --- PageV04P021 ~~*** # والحاصل: أنه يجب البر في الحلف على فعل الفرض وترك المعصية، ويجب الحنث ~~في عكسه، لقوله صلى الله عليه وسلم «من حلف أن يطيع الله فليطعه، ومن حلف ~~أن يعصيه فلا يعصه» ويرجح البر في الحلف على فعل المباح، لقوله: {واحفظوا ~~أيمانكم} أي عن الحنث. ويرجح الحنث في الحلف على ترك فعل القربة لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا ~~منها، إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير». رواه الشيخان، وفي لفظ: «أتيت ~~الذي هو خير وكفرت عن يميني». ولعل معنى: «كفرت عن يميني» في اللفظ الأول: ~~نويت التكفير عن يميني، أو قدم للاهتمام. والله تعالى أعلم بحقيقة المرام. # ثم اليمين في الحديث بمعنى المقسم عليه، فذكر الكل وأريد البعض. وقيل: ~~ذكر اسم الحال وأريد المحل، لأن المحلوف عليه محل اليمين. # (ولا كفارة في حلف كافر وإن حنث مسلما) وقال الشافعي: يلزمه الكفارة ~~بالمال دون الصوم إذا حنث كافرا، لأنه أهل لليمين، ولهذا يستحلف في الدعاوى ~~والخصومات. # ولنا قوله تعالى: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم} ولأنه ليس بأهل ms0941 ~~لليمين، لأن المقصود منها البر تعظيما لاسم الله تعالى، والكافر ليس من ~~أهله، لأنه هتك حرمة اسم الله تعالى بإصراره على الكفر، والتعظيم مع الهتك ~~لا يجتمعان. # (ومن حرم) على نفسه (ملكه) من طعام، أو ثوب، أو أمة، أو غير ذلك (لا يحرم ~~عليه) لأن ذلك قلب المشروع، ولا قدرة له عليه (وإن استباحه) أي عامله ~~معاملة المباح، بأن أكل الطعام، أو لبس الثوب، أو وطء الأمة (كفر) كفارة ~~يمين. وكذا لو قال: طعام فلان، أو ثوبه، أو أمته علي حرام، فهو يمين، لأن ~~ظاهره الإنشاء، إلا أن يريد به الإخبار عن الحرمة. # --- PageV04P022 ~~*** # وقال مالك والشافعي: لا كفارة عليه، لأنه ليس بيمين إلا في حق الجواري، ~~والنساء في معناهن، فيقتصر على مورده في لزوم الكفارة، لأن تحريم الحلال ~~قلب المشروع، واليمين عقد مشروع، فلا ينعقد بلفظ هو قلب المشروع كقلبه، وهو ~~تحليل الحرام، ولأن ذا ليس إلى العبد، فإن المحلل والمحرم هو الله سبحانه، فيلغو. # ولنا قوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات ~~أزواجك وا غفور رحيم قد فرض ا لكم تحلة أيمانكم} وسبب نزول هذه الآية ما في ~~البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب عند زينب بنت جحش عسلا، ~~فعلمت به عائشة فتواصت هي وحفصة أية، وفي رواية: أيتنا، دخل عليها النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح المغافير، أكلت مغافير؟ فدخل ~~على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: «لا بل شربت عسلا عند زينب ولن أعود». ~~وفيه أيضا عن عائشة أن التي سقته العسل حفصة، وأن التي تواصت هي وإياها ~~سودة والمغافير: بالغين المعجمة، جمع مغفور بضم الميم والفاء: صمغ بعض ~~الشجر يحل بالماء وله رائحة كريهة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره ~~أن يوجد منه الروايح، فصدق عليه الصلاة والسلام القائلة له ذلك من أزواجه، ~~وحرم العسل على نفسه. # --- PageV04P023 ~~*** # وقال الخطابي: والأكثر على أن الآية إنما نزلت في تحريم مارية القبطية ~~حين حرمها ms0942 على نفسه. وذلك أنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ~~بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي علي وقد حرمت مارية ~~على نفسي، فأخبرت به عائشة، وكانتا متصادقتين. وقيل: خلا بها في يوم حفصة ~~فأرضاها بذلك واستكتمها، فلم تكتم، فطلقها واعتزل نساءه إلى شهر ومكث تسعا ~~وعشرين ليلة في بيت مارية. انتهى. والأول أولى بالاعتبار، لأنه رواية صاحب ~~القضية، وصاحب البيت أدرى بما فيه، فالتمسك به ظاهر، وكذا بالثاني لأن ~~العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن التحريم المضاف إلى الجواري لما ~~ثبت يمينا بهذه الآية، فكذا التحريم المضاف إلى سائر المباحات دلالة. فإن ~~قيل: روي أنه قال: «والله لا أذوقه» فلذلك سمي تحريما ولزمته التحلة. # أجيب بأنه لم يذكر في الآية ولا في الحديث الصحيح، فلا يجوز أن يحكم به، ~~ويقيد به حكم النص. # فصل في الحلف في الفعل أو الترك من الدخول والخروج وغيرهما # (من حلف لا يدخل بيتا) وهو ما أعد للبيتوتة (يحنث بدخول صفة) لأنها تبنى ~~للبيتوتة فيها في بعض الأوقات، فصارت كالبيت الصيفي. قال شمس الأئمة: إلا ~~أن ينوي بيتا غير الصفة، فيصدق ديانة، لأنه خص العام بنيته. (لا الكعبة) أي ~~لا يحنث بدخول الكعبة (أو مسجد، أو بيعة) وهي معبد النصارى (أو كنيسة) وهي ~~معبد اليهود (أو دهليز) بكسر الدال: وهو ما بين الباب والدار (أو ظلة باب ~~دار) وهي الساباط الذي يكون على باب الدار، لأن واحدا من هذه الأشياء لم ~~يبن للبيتوتة، فلا يكون بيتا. # --- PageV04P024 ~~*** # (كما) أي مثل ما لا يحنث (في: لا يدخل دارا) وكذا بيتا، بل أولى (فدخل ~~دارا خربة) لأن الدار وإن كانت اسما للعرصة أدير عليها الحائط، إلا أن ~~البناء كالصفة فيها. ولذا يقال: دار عامرة، ودار غامرة. والصفة في المنكر ~~من كل وجه معتبرة، ليحصل بها تمييزه، فتعلقت اليمين بدار موصوفة لصفة، فلا ~~يحنث بعد زوال تلك الصفة. # (وفي:) لا يدخل (هذه الدار، يحنث إن دخلها منهدمة صحراء، أو بعدما بنيت ms0943 ~~أخرى) لأن الدار هنا معينة والصفة في المعين إذا لم تكن باعثة على اليمين ~~غير معتبرة، لعدم الاحتياج إليها وتعين الموصوف بدونها، فتعلقت اليمين بذات ~~الدار دون صفتها. # (أو وقف) عطف على دخلها، أي ويحنث إن وقف (على سطحها) لأن سطح الدار ~~منها، ولذا لا يجوز الوقوف للحائض والجنب على سطح المسجد، وبه قال بعض ~~الشافعية. # (وقيل: في عرفنا) أي في عرف العجم (لا يحنث كما) أي مثل ما لا يحنث (لو ~~جعلت) الدار التي حلف على دخولها (مسجدا، أو بستانا، أو بيتا) أو نهرا، لأن ~~اسمها تبدل، وتبدل الاسم كتبدل العين، فبقاء الاسم دليل بقاء المسمى، ~~وزواله دليل زواله. # (أو دخلها) أي الدار (بعد هدم الحمام) الذي جعلته الدار، سواء بقي صحراء ~~أو جعل دارا أخرى، لأنه بالانهدام لم يعد له اسم الدار، وعوده له ببنائه ~~دارا أخرى منزل منزلة اسم آخر، نظرا إلى تبدل السبب. # --- PageV04P025 ~~*** # (و: كهذا البيت) أي وكما لا يحنث إذا حلف لا يدخل هذا البيت (ودخله) حال ~~كونه (منهدما صحراء) لزوال اسم البيت عنه، فإنه لا يبات فيه حينئذ، ولو ~~بقيت الحيطان دون السقف يحنث، لأنه يبات فيه (أو) دخله (بعدما بني بيتا ~~آخر) لأن اسم البيت لما عاد إليه بعد زواله عنه بالانهدام، صار بمنزلة اسم ~~آخر، (أو) لا يدخل (هذه الدار) أو هذا البيت (فوقف في طاق الباب) للمحلوف ~~عليه أو عتبة له وكان الباب بحيث (لو أغلق كان) ذلك الواقف (خارجا) عن ~~الدار أو البيت، فإنه لا يحنث، لأن غلق باب الدار أو البيت لإحراز ما ~~فيهما، فما كان داخلا عنه فهو فيهما، وما لا فلا. # وفي «الكافي شرح الوافي»: لو حلف لا يدخل بيت فلان ولا نية له، فدخل في ~~صحن داره لم يحنث حتى يدخل البيت. قال: وهذا في عرفهم، أي المتقدمين، وأما ~~في عرفنا فالدار والبيت واحد، فيحنث إن دخل صحن الدار، وعليه الفتوى. # (أو: لا يسكنها) أي الدار (وهو ساكنها، أو: لا يلبسه) أي الثوب (وهو ~~لابسه، أو: ms0944 لا يركبه) أي المركوب (وهو راكبه فأخذ) أي فشرع فورا (في ~~النقلة) عن الدار (ونزع) الثوب (ونزل) عن الدابة (بلا مكث) لا يحنث. وقال ~~زفر: يحنث لوجود الشرط، وهو تحققه بعد فراغ حلفه من السكنى واللبس والركوب ~~وإن قل. # ولنا أن اليمين تعقد للبر، فيستثنى منها زمان تحققه بعد فراغ حلفه من ~~السكنى، لأن مواضع الضرورة مستثناة عن قواعد الشرع. وهذا لأن البر مأمور ~~به، والحنث منهي عنه لقوله تعالى: {واحفظوا أيمانكم}. والظاهر أن يقصد ~~المأمور به. قيد بقوله: بلا مكث، لأنه لو مكث ساعة على حاله حنث، وبه قال ~~مالك والشافعي وأحمد. # --- PageV04P026 ~~*** # (أو: لا يدخل) هذه الدار وهو فيها (فقعد فيها) ولو أياما لا يحنث (إلا أن ~~يخرج ثم يدخل) استحسانا، لأن الدخول مما لا يمتد، فإنه الانتقال من خارج ~~إلى داخل، فلا يكون لدوامه حكم الابتداء. والدليل عليه قوله تعالى: {فلا ~~تقعد بعد الذكرى} أي لا تمكث قاعدا. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تتبع ~~النظرة النظرة، فإن الأولى لك والثانية عليك»، بخلاف السكنى، واللبس، ~~والركوب، والقعود، والقيام والنظر ونحو ذلك مما يمتد، فإنه يكون لدوامه حكم ~~الابتداء. والقياس أن يحنث، وهو قول الشافعي، لأن للدوام حكم الابتداء، حتى ~~لو نوى بالدخول الدوام صحت نيته، ولو لم يكن له حكم الابتداء لما صحت. # (وفي: لا يسكن هذه الدار) أو المحلة، أو هذا البيت (لا بد) عند أبي حنيفة ~~(من خروجه بأهله ومتاعه أجمع، حتى يحنث بوتد بقي) وبه قال أحمد. وقال ~~مشايخنا: لا يحنث ببقاء نحو الوتد والمكنسة، لأنه لا يعد به ساكنا. وعند ~~أبي يوسف: لا بد من خروجه بأهله وأكثر متاعه وعليه الفتوى. كذا في «المحيط» ~~و«الفوائد الظهيرية»، لأن نقل الكل قد يتعذر، وببقاء الأقل لا يعد ساكنا. ~~وعند محمد: لا بد من خروجه بأهله ومتاعه الذي يقوم به ضروراته، لأن بقاء ما ~~وراء ذلك ليس بسكنى. وفي «شرح المجمع»: واستحسنه المشايخ وعليه الفتوى، وهو ~~أصح ما يفتى به من التصحيحين كما ذكره الطرابلسي. # وقال أبو الليث: ms0945 إن سلم داره بإجارة أو رد المستأجر إلى المؤجر لا يحنث، ~~سواء اتخذ دارا في موضع آخر أو لم يتخذ، لأنه لم يبق ساكنا. ولو كان في طلب ~~مسكن آخر وترك الأمتعة فيها أياما لا يحنث في الصحيح، لأن طلب المنزل من ~~عمل النقلة، فصارت مدة الطلب مستثناة بحكم العرف إذا لم يفرط في الطلب. وبه ~~قال مالك والشافعي وأحمد. # --- PageV04P027 ~~*** # وفي لا يدخل دار زيد ولا نية له حنث بالدخول (في المستأجرة والمستعارة ~~عندنا كالمملوكة. وخصه مالك والشافعي بالدخول) في المملوكة أو لا. وفي لا ~~يدخل دار فلان وله دار يسكنها ودار غلة، فدخل دار الغلة لا يحنث. وفي لا ~~يدخل دار فلانة فدخل دارها وزوجها يسكنها لا يحنث، لأن الدار تنسب إلى ~~الساكن. ذكره الزيلعي. # وشرط أبو يوسف للحنث إضافتها إليه وقت الحلف، كوقت الشرط، لأن أفهام ~~الناس تقع على ما في ملكه يوم اليمين والحنث جميعا في العادة. # واكتفيا لحنثه بدخوله دارا يملكها بعد اليمين، لأنه عقد بيمينه على دار ~~غير مشار إليها فلا يختص بالموجودة في الحال كما في قوله: لا أكلم عبد ~~فلان، أو لا آكل طعامه، أو لا ألبس ثوبه. وأما ما ذكر من العادة فغير ~~مستمرة، بل هي مشتركة. # (بخلاف المصر والقرية) فإنه لو حلف لا يسكن هذا المصر فخرج منه وترك أهله ~~ومتاعه فيه لا يحنث فيما روي عن أبي يوسف. ونقله أبو الليث في «أماليه»، ~~لأنه لا يعد ساكنا فيها، لأن الرجل قد يكون ساكنا في مصر وله في مصر آخر ~~أهل ومتاع. والقرية قيل بمنزلة الدار، وقيل بمنزلة المصر، وهو المختار. ~~(وحنث في لا يخرج لو حمل وأخرج بأمره) لأن فعل المأمور يضاف إلى الآمر، ~~فصار كما إذا ركب دابة فخرجت (لا) يحنث (إن أخرج بلا أمره) سواء كان ~~(مكرها) أي غير راض (أو راضيا) لأنه لم يوجد منه خروج لا حقيقة وهو ظاهر ~~ولا حكما، لأنه لم يأمر به. وبه قال الشافعي في الأصح وأحمد في رواية. # --- PageV04P028 ~~*** # (ومثله) أي ومثل ms0946 «لا يخرج» (لا يدخل أقساما) بفتح همزة، جمع قسم بكسر ~~أوله وهي ثلاثة بأمره وبلا أمره مكرها أو راضيا (وحكما) وهو الحنث في الأول ~~وعدمه في الآخرين. (ولا) يحنث (في لا يخرج إلا إلى جنازة، إن خرج إليها) ~~وفي نسخة: فخرج يريدها (ثم أتى إلى أمر آخر) لأن الخروج هو الانفصال من ~~الباطن إلى الظاهر وهو موجود بالنسبة إلى الجنازة دون الأمر الآخر، فإن ~~الموجود في حقه الإتيان، وهو الوصول، وهو ليس بخروج، والدوام على الخروج ~~ليس بخروج أيضا لعدم امتداده. # (وحنث في لا يخرج إلى مكة، فخرج يريدها) وجاوز عمران مصره (ورجع) لتحقق ~~الشرط وهو الخروج إلى مكة، وإنما قيدنا بمجاوزة العمران، لأنه لو رجع قبل ~~مجاوزتها لا يحنث، لأن الخروج (إلى مكة سفر، وهو لا يتحقق إلا بمجاوزة ~~العمران، وذلك لأن الخروج) انفصال عن الداخل إلى الخارج. وإذا انفصل عن ~~وطنه قاصدا مكة فقد خرج إليها. قال الله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرا ~~إلى ا ورسوله} الآية، والمراد بها من مات قبل وصوله إليه (لا) يحنت (في) ~~حلفه (لا يأتيها) أي مكة (حتى يدخلها) لأن الإتيان هو الوصول قال الله ~~تعالى: {فأتياه فقولا إنا رسولا ربك}. # (وذهابه كخروجه) فإذا حلف لا يذهب إلى مكة، فخرج يريدها حنث (في الأصح) ~~وهو قول محمد بن سلمة. وقال نصر بن يحيى: هو كإتيانه، فلا يحنث حتى يدخلها ~~لقوله تعالى: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له}، ووجه الأول قوله تعالى: ~~{إنما يريد اا ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} ليزيله. وإذا كان الإذهاب بمعنى ~~الإزالة، كان الذهاب بمعنى الزوال. وهذا الاختلاف إذا لم يكن له في الذهاب ~~نية، فإن نوى الخروج أو الإتيان فعلى ما نوى، لأنه محتمل كلامه. # --- PageV04P029 ~~*** # (وفي: ليأتين مكة ولم يأتها) ومضى عليه مدة (لا يحنث إلا في آخر حياته) ~~لأن شرط الحنث فوت الإتيان، وهو لا يتحقق إلا في آخر جزء الحياة، لأن البر ~~مرجو ما دام حيا. # (وحنث في: ليأتينه غدا إن استطاع) إتيانه (إن لم ms0947 يأته بلا مانع كمرض أو ~~سلطان) لأن الاستطاعة في العرف سلامة الأسباب، والآلات، وارتفاع الموانع ~~الحسية، فينصرف اللفظ إليها عند الإطلاق، ومن ذلك قوله تعالى: {وعلى الناس ~~حج البيت من استطاع إليه سبيلا} وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بملك الزاد ~~والراحلة. وقوله سبحانه: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} وفسرها النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالرمي. # (ودين نية الحقيقة) أي صدق ديانة إن قال: نويت حقيقة الاستطاعة، وهي ~~القدرة الحقيقية التي يحدثها الله تعالى للعبد حال قصد اكتسابه الفعل، بعد ~~سلامة الأسباب والآلات، ولا تكون إلا مقارنة للفعل. قال الله تعالى: {ولن ~~تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء}، {فما أسطعاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له ~~نقبا} وإنما صدق ديانة لأنه نوى محتمل كلامه لا قضاء، لأنه نوى خلاف ~~الظاهر. وفي رواية صدق قضاء أيضا لأنه نوى حقيقة كلامه، وهذا بناء على أنه ~~إذا نوى حقيقة كلامه والظاهر لا يخالفه، يصدق ديانة وقضاء، وإن كان يخالفها ~~ففي تصديقه قضاء روايتان. # (وشرط للبر في: لا تخرج) امرأته (إلا بإذنه، لكل خروج إذن) حتى لو خرجت ~~بإذنه مرة، ثم خرجت مرة أخرى بلا إذنه يحنث، لأنه استثني من المحلوف عليه ~~خروجا ملصوقا بالإذن، فكل خروج لا يكون كذلك فهو داخل في اليمين. # --- PageV04P030 ~~*** # والحيلة في ذلك أن يقول لها: كلما أردت الخروج فقد أذنت لك. ولو قال: ~~أردت إلا بإذني مرة صدق ديانة، لأنه نوى محتمل كلامه، لا قضاء لأن فيه ~~تخفيفا عليه (لا في) لا تخرج (إلا أن آذن) أي لا يشترط لكل خروج إذن في: لا ~~تخرج إلا إن أذن، حتى لو خرجت بإذنه مرة، ثم خرجت مرة أخرى بلا إذنه لا ~~يحنث، لأن: «إلا أن» بمعنى حتى فيما يتوقت، قال الله تعالى: {إلا أن يحاط ~~بكم}، أي حتى يحاط بكم. # ألا ترى أنه لا يستقيم إظهار المصدر هنا، بخلاف إلا بإذني، فإنه يستقيم ~~أن يقول: إلا خروجا بإذني، فعرفنا أنه (صفة المستثنى. وهنا لو قال: إلا ~~خروجا إن أذن لك، كان ms0948 كلاما مختلا، فعرفنا أنه) بمعنى التوقيت، فإن قيل: ~~يشكل هذا بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن ~~يؤذن لكم} فإن الإذن لا بد منه في الدخول إلى بيت النبي في كل مرة. # وأجيب بأن ذلك ثبت بآخر الآية وهو قوله تعالى: {إن ذلكم كان يؤذي النبي} ~~والإيذاء موجود في كل مرة، أو بدليل آخر من الأصول، وهو أن الدخول في ملك ~~الغير بغير إذنه حرام. ولو قال: أردت إلا أن آذن كل مرة صدق ديانة وقضاء، ~~لأن في ذلك تشديدا عليه. # (وللحنث) عطف على للبر، أي وشرط للحنث (في: إن خرجت وإن ضربت) فأنت طالق ~~(لمريدة خروج) في الأولى (أو ضرب عبد) في الثانية (فعلهما) أي فعل الخروج ~~وفعل الضرب (فورا) أي في الحال، وهو في أصل اللغة مصدر فارت القدر إذا غلت، ~~استعيرت للسرعة والحالة التي لا لبث فيها، حتى لو جلست ثم خرجت أو تركت ضرب ~~العبد، ثم ضربته لم يحنث، لأن مراد المتكلم الخروج والضرب في تلك الحالة، ~~فيتقيد بها. والاعتبار بالعرف. # (وفي إن تغديت) عطف على في إن خرجت. أي وشرط للحنث في: إن تغديت، من غير ~~أن يقول: معك أو معه، فعبدي حر (بعد) قول القائل (تعال تغد معي، تغديه معه) فورا. # --- PageV04P031 ~~*** # وقال زفر ومالك والشافعي: لا يشترط، لأنه عقد يمينه على مطلق الغداء. ~~ولنا أنه عقد كلامه على غداء معين وهو الغداء المدعو إليه الذي بين يديه، ~~لأن كلامه خرج مخرج الجواب. والغداء في السؤال معين وكذا في جوابه. وقد ~~تفرد بإظهار هذه اليمين الفورية أبو حنيفة. وكان الناس يقولون: اليمين على ~~نوعين: مطلقة، ومؤقتة بوقت، فاستنبط أبو حنيفة من العرف هذه، وهي مطلقة ~~لفظا مؤقتة معنى. وقيل: إنما أخذها من حديث جابر بن عبد الله وابنه حين ~~دعيا إلى نصرة إنسان، فحلفا أن لا ينصراه، ثم نصراه بعد ذلك ولم يحنثا. # (وكفى) في الحنث (مطلق التعدي إن ضم اليوم) بأن قال: إن تغديت اليوم ~~فعبدي حر بعد قول ms0949 القائل: تعال تغد معي، لأنه لما زاد على الجواب كان ~~مبتدئا لا مجيبا حذرا عن إلغاء الزيادة، فإن قيل: إن موسى عليه السلام زاد ~~في الجواب حين سئل عن العصا ولم يجعل مبتدئا بل جعل مجيبا. أجيب بأن السؤال ~~في الآية لما كان ب:«ما» وهي تقع للسؤال عن الذات، والسؤال عن الصفات، جمع ~~بينهما عليه الصلاة والسلام في الجواب ليكون مجيبا على كل تقدير. # (ومركب) العبد (المأذون ليس لمولاه في حق الحلف) فلا يحنث من حلف لا يركب ~~مركب فلان، وهو سيد له عبيد، فركب الحالف مركب عبده المأذون. # --- PageV04P032 ~~*** # (إلا إذا لم يكن عليه دين مستغرق) لرقبته وكسبه، بأن لم يكن عليه دين ~~أصلا، أو كان دين لا يستغرق (ونواه) أي والحال أنه قد نوى الحالف مركب ~~المأذون، فإنه يحنث حينئذ وهذا عند أبي حنيفة، لأن الملك عنده للعبد إذا ~~كان عليه دين مستغرق فلا يدخل في يمينه نواه أو لا، وللمولى إذا لم يكن ~~عليه دين مستغرق لكنه يضاف إلى العبد، فيدخل إن نواه. وقال أبو يوسف: يحنث ~~في الوجوه كلها إذا نواه، لأن الملك عنده للمولى إلا أن الإضافة إليه قد ~~اختلت لإضافته إلى العبد عرفا، فلا يدخل إلا بالنية. وقال محمد: يحنث في ~~الوجوه كلها وإن لم ينو، لأن العبد وما في يده لمولاه. وبه قال مالك ~~والشافعي وأحمد. # قيد بالمأذون لأن مركب المكاتب ليس مركبا لمولاه بالاتفاق. # (ويقيد الأكل) في: لا آكل (من هذه النخلة) ولها ثمر (بثمرها) فيحنث ~~بطلعها وبسرها ورطبها ودبسها الذي يسيل منه، وبه قال الشافعي وأحمد. وأما ~~لو لم يكن للنخلة ثمر، فيتقيد الأكل بثمنها، إذ النخلة لا تؤكل، فتعذر ~~العمل بالحقيقة، فيصير إلى المجاز، لكن شرط أن لا يتغير بصنعة حادثة، فلهذا ~~لا يحنث بخلها والدبس المطبوخ منها، لأن ذا مضاف إلى فعل حادث، فلم يبق ~~منسوبا إلى الشجر، فلم يصح أن يدخل في المجاز. # والكرم في معنى النخلة، فيحنث بعنبه، وعصيره، وزبيبه، دون دبسه المطبوخ منه. # (وهذا البر) أي ويقيد ms0950 الأكل من هذا البر (بأكله قضما) وهو الأكل بأطراف ~~الأسنان، فلا يحنث بأكل خبزه ولا سويقه، وهذا عند أبي حنيفة، وبه قال مالك ~~والشافعي. وقال أبو يوسف: يحنث بخبزه لا بسويقه. وقال محمد: يحنث بهما. ~~وأما القضم فيحنث به عند الكل إلا أحمد. وفي «الفوائد الظهيرية»: إن هذا ~~الخلاف إذا لم يكن له نية، فأما إذا نوى فيمينه على ما نوى باتفاق، لأنه ~~نوى حقيقة كلامه أو محتمله. # --- PageV04P033 ~~*** # (وهذا الدقيق) أي ويقيد الأكل من هذا الدقيق (بأكل خبزه) وعصيدته، لأن ~~عين الدقيق غير مأكول، فانصرف يمينه إلى ما يتخذ منه، وبه قال مالك وأحمد ~~(فلا يحنث لو استفه كما هو) لأن الحقيقة مهجورة في الاستعمال عادة، فسقط ~~اعتبارها. وقيل: يحنث لأنه أكل الدقيق حقيقة. والصحيح: أنه لا يحنث إلا إن ~~نواه، فإنه يحنث به لا بخبزه. # (وأكل الشواء) هو بالرفع عطف على الأكل. أي ويقيد أكل الشواء (باللحم) ~~لأنه المتبادر دون البيض المشوي، أو الباذنجان، أو الجوز، وهو قول أحمد، ~~إلا أن ينوي كل مشوي، فتصح نيته لأن فيه تشديدا عليه (والطبخ) عطف على ~~الشواء، أي ويقيد أكل الطبخ (بما طبخ من اللحم) لأنه المفهوم في العرف، ولا ~~بد أن يطبخ بالماء، لأن المقلي اليابس لا يسمى طبيخا، (ولو أكل الخبز ~~بالمرقة التي طبخ فيها اللحم يحنث، لأنها تسمى طبيخا) وفيها أجزاء اللحم. # (والرأس) أي ويقيد أكل الرأس (برأس يكبس في التنانير) أي يدخل فيها ~~(ويباع) ذلك الرأس المتعارف (في مصره) أي في بلده من الإبل والبقر والغنم. ~~وكان أبو حنيفة أولا يقول: إذا حلف لا يأكل رأسا يحنث برأس الغنم والإبل ~~والبقر، ثم رجع وقال: يحنث برأس البقر والغنم خاصة. وقالا يحنث برأس الغنم ~~خاصة، وهذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان. كان العرف في زمانه ~~أولا في الثلاثة، ثم في البقر والغنم، وفي زمانهما في الغنم خاصة. # وفي زماننا يفتى بحسب العادة كما ذكره المصنف، لأن كل رأس ليس بمراد ~~للقطع بعدم إرادة رأس نحو الجراد والعصفور، ms0951 فوجب الرجوع إلى العرف لأنه ~~الأصل في مسائل الأيمان. وعند الشافعي يمينه على ما يباع منفردا عن بدنه ~~ولحمه. وعند مالك وأحمد على رأس كل حيوان من الغنم والصيد والطير والحيتان. ~~وهذا إذا لم ينو نوعا، فإن نوى فيمينه على ما نوى بالإجماع، وعلى هذا ~~الخلاف الشواء. # --- PageV04P034 ~~*** # (والشحم) أي ويقيد أكل الشحم (بشحم البطن) حتى لو أكل شحم الظهر، وهو ~~الذي خالطه لحمه لم يحنث وهذا عند أبي حنيفة. وهو قول مالك والشافعي في ~~الأصح. وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث بشحم الظهر أيضا، وهو وجه في مذهب ~~الشافعي، ورواية عن أحمد. وكذا الخلاف في الشحم المختلط بالعظم، والشحم على ~~ظاهر الأمعاء. ويؤيد قول صاحبيه أن الله تعالى استثنى شحم الظهور من الشحم ~~حيث قال: {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو ~~الحوايا أو ما اختلط بعظم} وحقيقة الاستثناء أن يكون المستثنى من جنس ~~المستثنى منه. # (والخبز) أي ويقيد أكل الخبز (بخبز البر والشعير) لأنه هو المعتاد في ~~غالب البلاد. وقال مالك والشافعي: يحنث بأي خبز كان (لا خبز الأرز) بفتح ~~الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي على أشهر لغاته، وفيه لغات أخر خمس. أي لا ~~يقيد أكل الخبز بخبز الأرز ولا بخبز الذرة (ببلد لا يعتاد) فيه، أما لو كان ~~ببلد يعتاد خبز الأرز كطبرستان أو خبز الذرة (كزبيد، يحنث به. وكذا لو كان ~~من أهل بلد لا يعتادون أكل خبز الشعير، لا يحنث ولو اعتادوا أكل خبز الذرة ~~والدخن) كأهل الحجاز واليمن يحنث بأكله. (والفاكهة) أي ويقيد أكل الفاكهة ~~(بالتفاح، والمشمش، والبطيخ) والخوخ، والتين، والسفرجل، والكمثرى ونحو ذلك ~~(لا العنب) أي لم يقيد أكل الفاكهة بالعنب (والرمان والرطب والقثاء ~~والخيار). # --- PageV04P035 ~~*** # وقال أبو يوسف ومحمد: العنب والرمان والرطب فاكهة، وبه قال مالك والشافعي ~~وأحمد. والأصل أن الفاكهة اسم لما يتفكه به قبل الطعام أو بعده، زيادة على ~~الغذاء الأصلي. وهذا المعنى موجود في التفاح وأخواته، فيحنث بها، وغير ~~موجود في القثاء والخيار لأنهما من البقول، وأما العنب ms0952 والرمان والرطب فهم ~~يقولون: معنى التفكه موجود فيها، فإنها من أعز الفواكه، والتنعم بها فوق ~~التنعم بغيرها. وأبو حنيفة يقول: إن العنب والرطب يؤكلان للغذاء حتى يكتفى ~~بهما في بعض المواضع. والرمان قد يستعمل للدواء فنقصت الثلاثة في معنى ~~التفكه وهو التنعم. قال الله تعالى: {انقلبوا فكهين} أي متنعمين، فلا ~~يتناولها مطلق اسمه. # ألا ترى أن يابس هذه الأشياء ليس من الفواكه، فالزبيب والتمر من الأقوات، ~~وحب الرمان من التوابل. والفاكهة لا يختلف رطبها ويابسها في معنى التفكه، ~~ولذا قال شمس الأئمة: البطيخ ليس بفاكهة، لأن ما لا يكون يابسه فاكهة فرطبه ~~كذلك، كالتين والمشمش والخوخ. وأيضا أنه سبحانه عطفها على الفاكهة في آية ~~وعطف عليها الفاكهة في أخرى، والعطف يقتضي المغايرة. قال الله تعالى: ~~{فيهما فاكهة ونخل ورمان}، وقال الله تعالى: {وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا ~~وحدائق غلبا وفاكهة وأبا} وهذا إذا لم يكن له نية، فإن نوى فيمينه على ما ~~نوى بالإجماع. وفي «المحيط»: العبرة للعرف فما يؤكل عادة على سبيل التفكه، ~~ويعد فاكهة في العرف يدخل في اليمين، وما لا فلا. # --- PageV04P036 ~~*** # (والشرب) بالرفع عطف على الأكل، أي ويقيد الشرب إذا حلف لا يشرب (من نهر) ~~كدجلة (بالكرع منه) وهو تناول الماء بالفم من موضعه كما تتناول الدابة، ~~(فلا يحنث لو شرب منه بإناء) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: يحنث به كالكرع. ~~وهذه المسألة مبنية على أن الأولى اعتبار الحقيقة المستعملة وهو قول أبي ~~حنيفة رحمه الله، أو عموم المجاز المتعارف، وهو قولهما. # (بخلاف الحلف) لا يشرب (من مائه) حيث يحنث بالشرب منه بإناء أو بغيره ~~اتفاقا، لأنه بعد الاغتراف منسوب إلى ذلك النهر وهو الشرط. ونظير المسألتين ~~ما لو حلف لا يشرب من هذا الكوز، فصب الماء الذي فيه في كوز آخر وشرب منه ~~حيث لا يحنث باتفاق. ولو قال: من ماء هذا الكوز يحنث باتفاق. # (وتحليف الوالي) بالرفع عطف على الأكل، أي ويقيد تحليف الوالي (رجلا ~~ليعلمه بكل داعر) بدال مهملة، أي مفسد فاجر (أتى) إلى البلد ms0953 (بحال ولايته) ~~متعلق ب:يقيد، وإنما يتقيد الحلف بذلك لأن غرض المستحلف دفع شر الداعر ~~وغيره بالضرب ونحوه، فلا يفيد إعلامه بعد زوال ولايته، لعدم قدرته على ذلك. ~~وعن أبي يوسف: أنه لا يقيد بحال ولايته. وإعلامه بعد عزله مفيد أيضا ~~لاحتمال أن يتولى بعد ذلك، فيؤدب الداعر، أو أنه يسعى في تأديبه عند من له ~~الولاية، وبه قال الشافعي في قول واحمد في روايه. # --- PageV04P037 ~~*** # (والضرب) أي ويقيد الضرب. (والكسوة، والكلام، والدخول عليه بالحياة) أي ~~بحياة المحلوف عليه، حتى لو فعل به هذه الأشياء بعد موته لم يحنث الحالف، ~~لأن هذه الأشياء لا تتحقق في الميت من الحالف، لأن الضرب هو الفعل المؤلم، ~~ولا يتحقق في الميت الإيلام. والمراد بالكلام الإفهام وأنه يختص بالحي من ~~الأنام، وبالكسوة عند الإطلاق التمليك، ولا تمليك من الميت. وإن نوى به ~~الستر صح، لأنه محتمل كلامه، فلو كفنه حنث. وبالدخول الزيارة عرفا في موضع ~~يجلس فيه للزيارة والتعظيم، حتى لو لم يقصده بالدخول بأن دخل على غيره أو ~~لحاجة أخرى لا يكون دخولا عليه. # فإن قيل: روى البخاري من حديث أبي طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~بدر أمر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر ~~خبيث مخث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر ~~اليوم الثالث أمر براحلته، فشد عليها رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه، وقالوا: ~~ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي، فجعل يناديهم ~~بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، أيسركم أنكم ~~أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ~~ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول ~~منهم». والطوي: بفتح المهملة وكسر الواو وتشديد الياء: البئر المطوية ~~بالحجارة. والركي: على وزنه: البئر. # أجيب ms0954 بأن عائشة تقول: إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما ~~أنتم بأسمع منهم» ما أنتم بأعلم منهم مستدلة بقوله تعالى: {إنك لا تسمع ~~الموتى} {وما أنت بمسمع من في القبور} # --- PageV04P038 ~~*** # ولو سلم فذلك من خصوصيات رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قتادة: أحياهم ~~الله تعالى حتى أسمعهم قوله توبيخا وتحسيرا وتنديما، كذا ذكره بعضهم. ~~والأظهر أنهم يسمعون، لكنهم على الرد ما يقدرون، ولذا سن في مقبرة المسلمين ~~التسليم عليهم والقراءة لديهم، لكن مبنى العرف على سماع من (يكون حيا) شأنه ~~الاستطاعة على رد الكلام. قال الشارح: فإن قيل: الميت يزار، قلنا: لا بل ~~قبره. قال عليه الصلاة والسلام: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». # ولو دخل عليه وهو نائم لا يكون زائرا، فههنا أولى. ولا يخفى أنه ورد: «من ~~زارني ميتا فكأنما زارني حيا». والتحقيق: أن الزيارة للقبور ظاهرا ~~ولأصحابها باطنا لما سبق من السلام والكلام. وأما قوله: لو دخل عليه وهو ~~نائم لا يكون زائرا، فمحمول على العرف وإلا فلا شك أنه قصد الزيارة وحصل له ~~أجرها. ففي الأثر المشهور: «خير الزيارة فقد المزور». # (لا الغسل) أي لا يقيد الغسل بالحياة في حلفه لا يغسل، وكذا الحمل والمس ~~لا يتقيد بحال حياته لتحقق الكل في حال حياته ومماته. ولو حلف ليضربنه ~~بالسوط حتى يموت أو حتى يقتله يراد به (أشد الضرب، لأنه المراد في العرف، ~~وليضربنه بالسيف حتى يموت أو يقتله) الحقيقة وهو الموت. والله سبحانه أعلم. # (والقريب) أي ويقيد القريب (بما دون الشهر في) حلفه (ليقضين دينه إلى ~~قريب، والشهر بعيد) ولم يقدرهما الشافعي وأحمد بشيء لوقوعهما على القليل ~~والكثير، وإنما حكما بحنثه إذا مات قبل أن يقضيه مع التمكن. ولعلهما أخذا ~~من قوله تعالى: {إلى أجل قريب}. # ولنا أن كلا منهما أمر إضافي فيعتبر فيهما العرف، وهو بما قلنا، إلا إذا ~~كانت له نية فيحمل عليه (وما اصطبغ به) بصيغة المفعول، أي غمس فيه كالخل، ~~والزيت، والمرق (فإدام) يحنث به إذا حلف لا ms0955 يأكل بإدام. # --- PageV04P039 ~~*** # (وكذا الملح لا الشواء) قال ابن الأنباري: الإدام ما يطيب الخبز ويصلحه ~~ويلتذ به الآكل، وهو يعم المائع وغيره. وأما الصبغ فمختص بالمائع وهو ما ~~يغمس فيه الخبز ويلوث به. وفي «النهاية»: وحاصل ذلك على ثلاثة أوجه: فالخل، ~~والزيت، واللبن، والعسل، والزبد وأمثالها مما يصبغ به إدام بالإجماع. ~~والبطيخ، والعنب، والتمر وأمثالها مما يؤكل وحده غالبا ليس بإدام باتفاق. ~~واختلفوا في الجبن، والبيض، واللحم، فجعلها محمد إداما، وهو رواية عن أبي ~~يوسف. وأبو حنيفة رحمه الله غير إدام، وهو رواية عن أبي يوسف أيضا. # ولمحمد أنها تؤكل مع الخبز غالبا، فكانت تبعا له، ولأبي حنيفة أن حقيقة ~~التبعية بالاختلاط، وعدم الأكل وحده. ووافق محمدا مالك والشافعي واختاره ~~أبو الليث، لأن الإدام مشتق من الموادمة وهي الموافقة. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمغيرة حين خطب امرأة: «انظر إليها، ~~فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»، أي يوافق. فما يؤكل مع الخبز غالبا فهو موافق ~~له، فيكون إداما. ويؤيده ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «سيد الإدام ~~في الدنيا والآخرة اللحم» وقال: «سيد إدامكم اللحم»، رواه ابن ماجه. والجوز ~~واللوز والبقل وسائر الفواكه ليس مما يؤكل مع الخبز، فليس إداما، إلا إذا ~~تعارف أهل بلد أكلها تبعا للخبز، كأكل أهل الحجاز الكراث مع الخبز، وأهل ~~مصر البصل معه، وهذا إذا لم تكن له نية وأما إذا كانت، فعلى ما نوى ~~بالإجماع. # --- PageV04P040 ~~*** # (ولا يحنث في) حلفه (لا يأكل من هذا البسر فأكله رطبا، أو) لا يأكل (من ~~هذا الرطب، أو اللبن فأكله) أي أكل ذلك الرطب حال كونه (تمرا، أو) أكل ذلك ~~اللبن حال كونه (شيرازا) وهو اللبن الخاثر إذا استخرج ماؤه، لأن صفة ~~البسرية والرطبية واللبنية داعية إلى اليمين، فتقيد بها، لأن الأصل أن كل ~~ما دل على صفة، إن كانت داعية إلى اليمين تعتبر في المعرف والمنكر، وإن ~~كانت غير داعية تعتبر في المنكر دون المعرف، (أو) لا يأكل (بسرا فأكل رطبا) ~~(أو لا يأكل رطبا فأكل بسرا) ms0956 لأنه لم يأكل المحلوف عليه. # (أو) لا يأكل (لحما فأكل سمكا) لأنه خلاف العرف، إلا أن ينويه، وكذا كل ~~ما يعيش في الماء، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد. والقياس أن يحنث، وهو قول ~~مالك ورواية عن أحمد، لأن الله تعالى قال: {لحما طريا} والمراد به لحم ~~السمك إجماعا. وقد استدل الثوري أيضا بالآية لمن استفتاه فيمن حلف لا يأكل ~~لحما، فأكل سمكا، فجاء إلى أبي حنيفة رحمه الله فأخبره فقال: ارجع إليه ~~فسأله فيمن حلف لا يجلس على بساط، فجلس على الأرض فسأله فقال: لا يحنث، ~~فقال: أليس الله تعالى قال: {وا جعل لكم الأرض بساطا} فقال سفيان: كأنك ~~السائل الذي سألني أمس، قال: نعم، فقال: سفيان: لا يحنث في هذا ولا في ~~الأول، فرجع عن ذلك القول، فظهر أن تمسك أبي حنيفة إنما هو بالعرف. # --- PageV04P041 ~~*** # ((أو) لا يأكل (لحما) أو) لا يأكل (شحما فأكل ألية) لأنها نوع ثالث، ~~فإنها لا تستعمل استعمال اللحوم ولا استعمال الشحوم، وبه قال بعض أصحاب ~~الشافعي. وقال بعضهم: هي لحم، وبعضهم: هي شحم، وهو قول أحمد. وفي «المحيط»: ~~حلف لا يأكل لحم الشاة، فأكل لحم العنز، وهو الأنثى من المعز، لا يحنث. ~~وقال أبو الليث: يحنث سواء كان الحالف مصريا أو قرويا، وعليه الفتوى. ~~انتهى. وفيه نظر لا يخفى. (ولا) يحنث (في لا يشتري رطبا، فاشترى كباسة بسر) ~~بكسر الكاف: عنقود النخل، أي عذقه (فيها رطب) لأن ما اشتراه غير ما حلف ~~عليه والقليل تبع للكثير. # (وحنث) عند أبي حنيفة رحمه الله (لو حلف لا يأكل رطبا أو) لا يأكل (بسرا، ~~أو لا) يأكل (رطبا ولا بسرا، فأكل مذنبا) بكسر النون. وقال أبو يوسف وهو ~~قول الإصطخري: لا يحنث إذا حلف لا يأكل رطبا فأكل بسرا مذنبا، أو حلف لا ~~يأكل بسرا فأكل رطبا مذنبا، لأن الرطب المذنب لا يسمى بسرا عرفا، والبسر ~~المذنب لا يسمى رطبا عرفا وهو المعتبر في الأيمان، ولأن المغلوب في مقابلة ~~الغالب كالمعدوم. # ولأبي حنيفة وهو قول الشافعي وأحمد: ms0957 إن أكل الرطب المذنب أو البسر المذنب ~~فهو آكل بسر أو رطب، فيحنث به وإن كان قليلا. ولهذا لو ميزه فأكله لا يحنث ~~إجماعا. وجعل صاحب «الهداية» قول محمد مع أبي يوسف وفي أكثر الكتب أنه مع ~~أبي حنيفة. وقيل: روي عن محمد الحنث وعدمه. والرطب المذنب ما يكون في ذنبه ~~قليل بسر، والبسر المذنب عكسه. # --- PageV04P042 ~~*** # (أو لا يأكل لحما) عطف على: لا يأكل رطبا، أي وحنث لو حلف لا يأكل لحما ~~(فأكل كبدا) أو طحالا (أو كرشا) والأصح في مذهب الشافعي أنه لا يحنث، وبه ~~قال أحمد، لأن لهذه الأشياء أسماء تخصها، فلا تكون لحما عرفا. ولنا أنها ~~لحم حقيقة، فإن نموها من الدم، وتستعمل استعمال اللحم. وفي «المحيط»: هذا ~~في عرف أهل الكوفة، وفي عرفنا لا يحنث، لأنها لا تعد لحما، ولا تستعمل ~~استعمال اللحوم. # (أو) أكل (لحم خنزير، أو) لحم (إنسان) حنث وبه قال مالك وأحمد والشافعي ~~في وجه، لأنه لحم حقيقة وإن كانت حراما كالمغصوب. واليمين ينعقد على الحرام ~~منعا وحملا، وإن وجب الحنث في الحمل، بخلاف النذر بالمعصية، لقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «لا نذر في معصية الله». ونقل الزاهدي عن العتابي: أنه ~~لا يحنث، لأن أكله ليس بمتعارف، ومبنى الأيمان على العرف. وقال: هو الصحيح. ~~وفي «الكافي»: وعليه الفتوى. وما قيل: من أن العرف العملي لا يقيد اللفظ، ~~فغير صحيح. # ولو أكل لحم الألية قيل: يحنث، وبه قال الشافعي وأحمد، وقيل: لا يحنث، ~~وبه قال مالك. ولو أكل الرأس والأكارع يحنث، وبه قال الشافعي في الأصح ~~وأحمد في رواية. ولو أكل القلب يحنث، وبه قال الشافعي في وجه، والله تعالى أعلم. # (والغداء) أي وأكل الغداء (الأكل من طلوع الفجر إلى الظهر، والعشاء) أي ~~وأكل العشاء الأكل (منه) أي من الظهر (إلى نصف الليل، والسحور) الأكل (منه) ~~أي من نصف الليل (إلى الفجر) وإنما قدرنا مضافا لما في «المغرب» من أن ~~الغداء: اسم لطعام الغدوة، والعشاء بالفتح والمد: اسم لطعام العشي، فلا يصح ms0958 ~~تفسيره بالأكل إلا إذا كان بمعنى المأكول. وأما السحور فإن كان بضم السين ~~فهو اسم للأكل في ذلك الوقت، فلا يحتاج إلى تقدير مضاف، وإن كان بفتحها فهو ~~اسم لما يؤكل، فيحتاج إليه. # --- PageV04P043 ~~*** # وأما العشاء بكسر العين فيراد به ما بعد الظهر، لما في الصحيحين من رواية ~~أبي هريرة: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشاء، وفسرت ~~بأنها الظهر في بعض الروايات. وفي «شرح الطحاوي» للإسبيجابي: وقت الغداء من ~~طلوع الشمس إلى وقت الزوال، ووقت العشاء منه إلى أن يمضي أكثر الليل، ووقت ~~السحور من مضي أكثره إلى طلوع الفجر، ثم قال: هذا في عرفهم، وأما في عرفنا: ~~فوقت العشاء من بعد العصر. انتهى. ولا يبعد أن يحمل يمين كل أحد على ما عرف ~~من عادته، إذ قد يختلف العرف فيما بين أهل بلدته. ولو أكل اللقمتين أو أكثر ~~لا يحنث، حتى يأكل أكثر من نصف الشبع، وبه قال الشافعي. # (وفي: إن لبست، أو أكلت، أو شربت، ونوى عينا) أي ثوبا معينا، أو طعاما ~~معينا، أو شرابا معينا (لم يصدق أصلا) أي لا قضاء ولا ديانة. وقال الشافعي: ~~يصدق ديانة وهو رواية عن أبي يوسف، ومختار الخصاف. (ولو ضم ثوبا) في إن ~~لبست (أو طعاما) في إن أكلت (أو شرابا) في إن شربت (دين) أي صدق ديانة، لأن ~~النكرة في حيز الشرط تعم، فتصح نية التخصيص، ولا يصدق قضاء لأنه نوى خلاف ~~الظاهر، وهو العموم، وفيه تخفيف عليه. # --- PageV04P044 ~~*** # (وتصور البر شرط صحة الحلف) عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول مالك، ووجه في ~~مذهب الشافعي (خلافا لأبي يوسف) وهو وجه في مذهب الشافعي، لأن محل اليمين ~~خبر في المستقبل قدر الحالف أو عجز. ولأبي حنيفة محل اليمين المعقودة خبر ~~فيه رجاء الصدق، لأنها تعقد للحظر أو الإيجاب، أو لإظهار معنى الصدق، وذلك ~~لا يتحقق فيما ليس فيه رجاء الصدق (فمن حلف لأشربن ماء هذا الكوز اليوم، ~~ولا ماء فيه) سواء علم أن فيه ماء أو لم يعلم ms0959 (أو كان) عطف على لا ماء، أي ~~أو حلف لأشربن ماء هذا الكوز اليوم وكان فيه ماء (فصب في يومه لا يحنث) عند ~~أبي حنيفة ومحمد، لاستحالة البر أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن البر في ~~المؤقت يجب أن يكون في آخر الوقت، وهو مستحيل فيه. ويحنث عند أبي يوسف في ~~آخر جزء من أجزاء ذلك اليوم، حتى يجب عليه الكفارة إذا مضى ذلك اليوم. # (وإن أطلق عن الوقت) بأن قال: لأشربن ماء هذا الكوز بدون ذكراليوم (فكذا ~~في الأول) أي لا يحنث فيما إذا لم يكن في الكوز ماء عند أبي حنيفة ومحمد ~~رحمهما الله، لأن اليمين لم ينعقد لاستحالة البر للحال، ويحنث عند أبي يوسف ~~(دون الثاني) وهو ما إذا كان في الكوز ماء فصب، فإنه يحنث فيه باتفاق. أما ~~عند أبي يوسف فظاهر، وأما عندهما فلأن البر يجب عليه، كما فرغ من اليمين ~~فإذا صب بعد ذلك فقد فات البر، فيحنث حينئذ، كما لو مات الحالف والماء باق. # --- PageV04P045 ~~*** # (وفي) الحلف على ممكن غير واقع بحسب العادة (نحو ليصعدن السماء، أو ~~ليقلبن هذا الحجر ذهبا، أو ليقتلن فلانا عالما بموته) لأنه حينئذ يراد قتله ~~بعد إحياء الله تعالى، وهو ممكن غير واقع (انعقد) يمينه (لتصور البر) في ~~الجملة، فإن الصعود إلى السماء ممكن، لأن الملائكة يصعدون، وكذا صعد بعض ~~الأنبياء، وكذا يحول الحجر ذهبا بتحويل الله تعالى، وكذا قتل فلان الذي علم ~~بموته بأن يعيد الله تعالى فيه الحياة (وحنث) عقيبها إن كانت اليمين مطلقة، ~~وإن كانت مؤقتة فعند مضي ذلك الوقت (للعجز) الثابت عادة، كما إذا مات ~~الحالف، وهو وجه في مذهب الشافعي، لأنه مستحيل عادة، فأشبه المستحيل حقيقة. # (وإن لم يعلم) بموته (فلا) ينعقد يمينه، لأنه حينئذ يراد به قتله مع تلك ~~الحياة. ولما كان ميتا كان قتله مع تلك الحياة ممتنعا. وقال زفر: لا ينعقد ~~اليمين في المسألتين إلحاقا للمستحيل عادة بالمستحيل حقيقة، للعجز عن تحقيق ~~البر في الصورتين. (ومد شعرها) أي المرأة (وخنقها، وعصها ms0960 كضربها) يحنث به ~~إذا حلف لا يضربها، لأن الضرب اسم لفعل مؤلم وقد حصل، وبه قال أحمد. وقال ~~الشافعي: لا يحنث. وقال مالك: يحنث به، وبما يؤلم قلبها: من سب أو شتم. ~~وقيل: هذا مقيد بحال الغضب، بخلاف حال الملاعبة، لأن ذلك حينئذ ممازحة. # (وقطن) مبتدأ (ملكه بعد) قوله: (إن لبست من غزلك فهدي) أي فهو صدقة على ~~فقراء مكة (فغزلته ونسج ولبس هدي) خبر مبتدأ، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه ~~الله، وهو قول الشافعي. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون هديا إلا إذا غزلته ~~من قطن في ملكه يوم الحلف. # --- PageV04P046 ~~*** # (وخاتم ذهب حلي) بفتح وسكون: ما يلبس للزينة، وجمعه حلي بضم فكسر فتشديد ~~ياء. فحنث بلبسه إذا حلف لا يلبس حليا، لأنه لا يستعمل إلا للتزين، ولذا لا ~~يحل للرجل، فكان كاملا في معنى الحلي، فدخل تحت اسمه (لا خاتم فضة) أي ليس ~~خاتم الفضة بحلي، لأنه يستعمل لغير التزين، ولهذا حل للرجال، فلم يكن كاملا ~~في معنى الحلي، فلم يدخل في مطلق اسمه. وفي «جامع قاضيخان»: قال مشايخنا ~~إذا كان خاتم الفضة مصنوعا على هيئة خاتم الرجال، بأن لم يكن فيه فص، حتى ~~لو كان فيه فص حنث. انتهى. ولعله مقيد بفص فيه زينة، وإلا فقد ثبت في شمائل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خاتمه له فص. # (وعندهما) وكذا عند مالك والشافعي وأحمد (عقد لؤلؤ) وياقوت، وزبرجد، ~~وزمرد وبلخش (لم يرصع) أي لم يركب بذهب وفضة (حلي) يحنث بلبسه إذا حلف لا ~~يلبس حليا (وبه يفتى) لأن التحلي به على الانفراد معتاد، ولقوله تعالى: ~~{وتستخرجون منه حلية تلبسونها}. وإنما يستخرج من البحر اللؤلؤ. وقال أبو ~~حنيفة: لا يحنث، لأن العادة لم تجر بالتحلي باللؤلؤ ونحوه إلا مرصعا، ~~والمعتبر في اليمين العرف لا الحقيقة. ولعل هذا اختلاف عصر وزمان لا حجة ~~وبرهان، فكان في زمانه لا يتحلى به إلا مرصعا، وفي زمانهما تعورف التحلي ~~بالساذج منه كالمرصع، ولهذا كان المفتى به قولهما. # --- PageV04P047 ~~*** # (ومن حلف لا ينام على ms0961 هذا الفراش، فنام على قرام) بكسر القاف: ستر فيه ~~رقم ونقش (فوقه) أي فوق الفراش (حنث) لأن القرام تبع للفراش، فيعد بنومه ~~عليه نائما على الفراش (لا) يحنث (من جعل فوقه) أي فوق الفراش (فراشا آخر) ~~لأنه لا يعد نائما على الفراش الأسفل. وقال أبو يوسف: يحنث، وبه قال ~~الشافعي، لأنه نائم عليهما حقيقة وعرفا. وصار كمن حلف لا يكلم فلانا فسلم ~~على جمع هو فيهم. # ولنا أن مثل الشيء لا يكون تبعا له، فانقطعت النسبة عن الفراش الأول، ~~فكان نائما على الثاني، وصار كمن فرش ثوبا على فراش حرير، فقعد عليه حيث لا ~~يحرم عليه، ويؤيده أيضا قوله: (أو حلف) أي ولا يحنث من حلف (لا يجلس على ~~الأرض فجلس على بساط أو حصير) فوقها، لأنه لا يسمى جالسا على الأرض عادة ~~(ولو حال بينه وبينها لباسه حنث) لأن لباسه تبع له، فلا يعتبر حائلا (كمن ~~حلف لا يجلس على هذا السرير، فجلس على بساط فوقه) فإنه يحنث، لأنه يعد ~~جالسا على السرير عادة (بخلاف جلوسه على سرير آخر فوقه) فإنه لا يحنث، لأنه ~~لا يعد جالسا على السرير الأسفل (ولا يفعله يقع على الأبد) أي آخر عمره، ~~لأنه نفى الفعل مطلقا، فيقتضي عدمه في جميع العمر، ضرورة عموم النفي، إذ ~~وجوده في جزء منه ينافي العدم في جميعه. # (ويفعله) يقع (على فعله مرة) واحدة، لأن الفعل يقتضي مصدرا منكرا، ~~والنكرة في النفي تعم، وفي الإثبات تخص. والواحد هو المتيقن لعدم اقتضائه ~~التكرار. # --- PageV04P048 ~~*** # وإنما يحنث بوقوع اليأس عن الفعل، وذا بهلاك الفاعل أو محل الفعل (وب:علي ~~المشي إلى بيت الله، أو إلى الكعبة) أو إلى مكة، وقول الشارح: أو بمكة ليس ~~في محله: ولعله بكة فتصحفت على النساخ (يجب حج أو عمرة مشيا) وبه قال مالك ~~وأحمد والشافعي في قول. والقياس أن لا يجب عليه شيء لأنه التزم المشي وهو ~~ليس بقربة مقصودة، والنذر بما ليس بقربة مقصودة غير لازم. ووجه الاستحسان ~~أن هذه العبارة كناية عن إيجاب الإحرام ms0962 شرعا، فصار كما لو قال: علي الإحرام ~~بحجة أو عمرة ماشيا. # (ويجب دم إن ركب) لما روى الحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد عن ~~الحسن، عن عمران بن حصين قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ~~إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة، وقال: «إن من المثلة أن ينذر الرجل أن ~~يحج ماشيا، فمن نذر أن يحج ماشيا فليهد هديا. وروى أحمد في «مسنده» عن ~~عكرمة عن ابن عباس: أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، فسأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: «إن الله عز وجل غني عن نذر أختك لتركب وتلهد بدنة». ~~وقد سبق تحقيق هذا البحث في كتاب الحج. # (ولا شيء ب:علي الخروج أو) علي (الذهاب) أو السفر، أو المضي، أو السير ~~(إلى بيت الله) باتفاق أئمتنا، لأن التزام الإحرام بهذه الألفاظ غير ~~متعارف. وقال الشافعي وأحمد، وهو رواية أشهب عن مالك: يلزمه الحج والعمرة ~~كما في: علي المشي إلى مكة، (أو المشي) أي ولا شيء ب:علي المشي (إلى الحرام ~~أو) إلى (المسجد الحرام) عند أبي حنيفة، لأن التزام الإحرام غير متعارف ~~بهذا الكلام. وقال أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد: يلزمه الحج ~~والعمرة، لأن الحرم والمسجد الحرام شامل للبيت، فكان ذكره كذكره. # --- PageV04P049 ~~*** # (أو) إلى (الصفا والمروة) أو بقعة أخرى من الحرم كالمزدلفة، وعرفات ومنى ~~باتفاق أئمتنا. وبه قال مالك لما تقدم. وقال الشافعي وأحمد وأصبغ من ~~المالكية: يلزمه المشي إليها بحج أو عمرة. ولو نذر المشي إلى مسجد النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو إلى المسجد الأقصى لا شيء عليه، وهو قول الشافعي في ~~«الأم». وقال مالك وأحمد: ينعقد نذره، وهو قول الشافعي، لقوله صلى الله ~~عليه وسلم «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، والمسجد ~~الأقصى، ومسجدي هذا». ولنا أنهما لا يقصدان بالنسك، فأشبها سائر المساجد. ~~والمقصود من الحديث تخصيص القربة وفضيلتها في هذه المساجد. # (ولا يعتق) عند أبي حنيفة وأبي يوسف (عبد قيل له) أي قال السيد له: ms0963 (إن ~~لم أحج العام فأنت حر) ثم قال السيد: حججت، وأنكر العبد وأتى بشاهدين ~~(فشهدا بنحره) أي بأن السيد نحر أضحية (بكوفة) وقال محمد: يعتق، لأن هذه ~~شهادة قامت على أمر معلوم وهو التضحية، ومن ضرورته انتفاء الحج، فيتحقق ~~الشرط. ولهما: أن هذه شهادة على النفي، فلا تقبل، كما شهدا أنه لم يحج. # (وحنث بصوم ساعة) ثم أفطر (في: لا يصوم) لوجود الشرط وهو الإمساك عن ~~المفطرات مع النية على قصد التقرب، فإذا أصبح صائما فقد وجد ذلك. ولذا ~~يقال: صام فلان ساعة ثم أفطر. ووجود الإفطار بعد ذلك لا يرفع الحنث ~~المتقرر. # --- PageV04P050 ~~*** # وفي «شرح الوقاية»: فإن قلت: الصوم الشرعي: هو صوم اليوم، واللفظ إذا كان ~~له معنى لغوي ومعنى شرعي يحمل على المعنى الشرعي. قلت: الشرع قد أطلقه على ~~ما دون اليوم في قوله تعالى: {أتمو الصيام إلى الليل}. انتهى. ولا يخفى أن ~~الصيام الشرعي لكونه مغيا إلى الليل لا يتم بدون اليوم. (لا) أي لا يحنث ~~(لو ضم يوما أو صوما) أي بأن حلف لا يصوم يوما، أو لا يصوم صوما (حتى يتم ~~يوما) لأنه في الأول ذكر اليوم وهو صريح في تقدير المدة، وفي الثاني أكد ~~الصوم، ينصرف إلى الكامل، وهو الصوم المعتبر شرعا، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. # (و) حنث (بركعة في: لا يصلي) واختلف المشايخ فقال بعضهم: يحنث بالسجدة، ~~وقال بعضهم: برفع الرأس منها (لا بما دونها). والقياس أن يحنث بالافتتاح ~~اعتبارا بالشروع في الصوم. ووجه الاستحسان أن الصلاة عبارة عن: القيام، ~~والقراءة، والركوع، والسجود، فما لم يتحقق كلها لم يسم صلاة، ألا ترى أنه ~~لا يقال: صلى ركوعا ولا سجودا، وإنما يقال: صلى ركعة. (ولو ضم صلاة) بأن ~~حلف لا يصلي صلاة (فبشفع) يحنث (لا بأقل) لأنه أكد الصلاة، فتنصرف إلى ~~الكاملة، وأقلها عندنا ركعتان للنهي عن البتيراء. وقال الشافعي في قول، ~~وأحمد في رواية: يحنث بركعة، لأن الركعة الواحدة صلاة عندهما، وقالا أيضا: ~~يحنث بالشروع، لأنه يسمى مصليا. # --- PageV04P051 ~~*** # (و) حنث (بولد ميت في: ms0964 إن ولدت فأنت كذا) لأن الولد الميت ولد حقيقة ~~وعرفا وشرعا، ولهذا تنقضي به العدة، ويكون الدم الذي بعده نفاسا، وتصير ~~الأمة به أم ولد (وعتق الحي) عند أبي حنيفة (في: إن ولدت فهو حر إن ولدت ~~ميتا ثم حيا) وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعتق، لأن الشرط قد تحقق بولادة ~~الميت، فتنحل اليمين لا إلى جزاء، لأن الميت ليس بمحل للحرية وهي الجزاء. ~~ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه لما جعل الحرية وصفا للمولود، تقيد اليمين ~~بولادة الحي، نظرا إلى هذا الوصف، إذ الميت لا يقبله. وأن الحياة تثبت فيه ~~مقتضى، صونا لكلام العاقل عن اللغو، ألا ترى أنه لو قال: إن ولدت ولدا ميتا ~~فهو حر كان لغوا. # (وفي ليقضين دينه اليوم) كلمة «في» متعلقة بالفعل المتأخر، وهو قوله ~~الآتي: «بر» (وقضاه زيوفا أو نبهرجة) الزيوف: ما زيفه بيت المال، ولكنه ~~يروج فيما بين التجار. والنبهرجة: ما يبهرجه التجار. والمسامح منهم يتجوزه، ~~والمستقضي منهم لا يتجوزه لغش فيه. # (أو) قضاه (مستحقة) للغير (أو باعه) أي المديون الدائن (به) بدينه (شيئا ~~وقبضه) أي الدائن ذلك الشيء (بر) في يمينه، لأن الزيوف والنبهرجة دراهم ~~حقيقة، إلا أنها معيبة، والعيب لا يعدم الجنسية، ولهذا لو تجوز بهما صار ~~مستوفيا، وكذا لو تجوز بهما في رأس مال السلم وبدل الصرف يجوز، ولولا أنهما ~~من جنس حقه لما جاز، ولأن قبض الدراهم المستحقة صحيح، حتى لو أجازه المستحق ~~في الصرف والسلم بعد الافتراق جاز، ولأن قضاء الدين طريقه المقاصة، وقد ~~تحققت بمجرد البيع. وهذا لأن الديون تقضى بأمثالها. وقال الشافعي: يبر في ~~النبهرجة والزيوف، ولا يبر في البيع. # وقال مالك: لا يبر فيهما، ويبر في البيع إن كان بقيمة حقه، ويحنث إن كان ~~بأقل منها. # --- PageV04P052 ~~*** # (ولو كان) الذي قضاه بأن ظهر المدفوع (ستوقة) بفتح السين، أردأ من ~~النبهرجة (أو رصاصا) بضم أوله (أو وهب له) أي وهب الدائن الدين للمديون ~~(لا) يبر، لأن الستوقة والرصاص ليسا من جنس الدراهم، ولهذا لو تجوز بهما لم ms0965 ~~يجز إلا برضا الآخر بطريق الاستبدال. ولو تجوز بهما في الصرف والسلم. لا ~~يجوز لحرمة الاستبدال فيهما، حتى لو افترقا يبطل العقد والتجوز لغو، لأن ~~القضاء فعل المديون، والهبة إسقاط من رب الدين، فلا قضاء. # (وفي: لا يقبض دينه درهما دون درهم، حنث بقبض كله متفرقا) لوجود شرط ~~الحنث، وهو قبض الكل بوصف التفرقة، لأنه أضاف القبض إلى دين معرف بالإضافة ~~إليه، فيتناول كله (لا ببعضه) أي لا يحنث بقبض بعض دينه (دون باقيه) حتى ~~يقبضه، لعدم وجود الشرط، وهو قبض الكل بوصف التفرقة إذا لم يقبض باقيه، ~~ووجود الشرط إذا قبض باقيه، فإذا قبض بعضه في أول النهار وبعضه في آخره حنث ~~لوجود الشرط (أو كله) أي ولا يقبض كله (بوزنين) أو أكثر (لم يتخللهما) عمل ~~(إلا عمل الوزن)، وقال زفر: يحنث في هذه الصورة لوجود التفريق حقيقة. # ولنا أن هذا لا يعد تفريقا في العادة، فصار كمن حلف لا يلبس هذا الثوب، ~~وهو عليه، فنزعه في الحال، ولأنه قد يتعذر وزن الكل دفعة واحدة، فيصير هذا ~~القدر مستثنى من اليمين. # (ولا) يحنث (في إن كان لي إلا مئة) أو غير مئة، أو سوى مئة (فكذا) أي ~~فعبده حر مثلا (ولم يملك إلا خمسين) أو ما هو دون المئة، لأن المقصود من ~~هذا اليمين في العرف نفي ما زاد على المئة، فلا يحنث بملكها أو بملك بعضها. ~~(ولا) يحنث (في لا يشم ريحانا إن شم وردا أو ياسمينا) لأن الريحان اسم لما ~~تكون لساقه رائحة طيبة، والورد لما تكون لورقه رائحة طيبة لا لساقه، ~~والياسمين ليست لساقه رائحة طيبة كذا في «المبسوط». # --- PageV04P053 ~~*** # وقيل: «لا يحنث بشم الورد والياسمين لأنهما من جملة الأشجار. والريحان ~~اسم لما ليس له شجر، ألا ترى أن الله تعالى قال: {والنجم والشجر يسجدان} ~~إلى قوله: {والحب ذو العصف والريحان} فقد جعل الريحان غيره، فعرفنا أن ما ~~له شجر ليس بريحان وإن كان له رائحة طيبة. (وكذا في العرف لا يطلق اسم ~~الريحان على الورد والياسمين، ms0966 وإنما يطلق على ما نبت من بذر وله رائحة طيبة ~~مما لا شجر له). # (والبنفسج) بفتح الباء (والورد) محمولان (على الورق) لا على دهنهما، حتى ~~لو حلف لا يشتري بنفسجا أو وردا ولا نية له فاشترى ورقهما يحنث، ولو اشترى ~~دهنهما لا يحنث للعرف. وقيل: يختص الحنث بشراء دهنه، والياسمين كالورد لا ~~يتناول الدهن، لأن دهنه لا يسمى ياسمينا بل زنبقا. # فصل في حلف القول # (حنث في: لا يكلمه إن كلمه نائما) وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية ~~(بشرط إيقاظه) أي بتكليمه، لأن النائم كالغائب، فإذا لم ينتبه كان بمنزلة ~~من ناداه من بعيد، بحيث لا يسمع صوته فلا يحنث، وإذا انتبه علمنا أنه أسمعه ~~صوته، فيكون مكلما له، فإن ناداه نائما بحيث يسمع لو كان منتبها لا يحنث في ~~الأظهر. وقيل: هو على الخلاف، فعند أبي حنيفة يحنث لأنه يجعل النائم ~~كالمنتبه، وعندهما لا يحنث. # ولو كتب إليه كتابا، أو أرسل إليه رسولا لا يحنث، وبه قال الشافعي في ~~الجديد واختاره المزني، لأنه لا يسمى كلاما في العرف. وقال مالك وأحمد ~~والشافعي في القديم: يحنث، لأن الله تعالى استثنى الرسالة من الكلام فقال: ~~{وما كان لبشر أن يكلمه ا إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا} ~~والاستثناء إخراج من الجنس. وأجيب بأن مبنى الأيمان على العرف. والآية جاز ~~أن يكون الاستثناء فيها منقطعا. # --- PageV04P054 ~~*** # ولو ناداه المحلوف عليه فقال: لبيك، يحنث. ولو سلم في الصلاة والمحلوف ~~عليه معه فيها، قيل: إن كان المحلوف عليه على يمينه لا يحنث، وإن كان على ~~يساره يحنث، لأن الأولى واقعة في الصلاة، بخلاف الثانية. وقيل: لا يحنث في ~~المسألتين وهو الصحيح، لأنه من أفعال الصلاة وليس بكلام عرفا. وإن كان ~~الحالف مقتديا فعلى هذا التفصيل عندهما. وعند محمد يحنث، سواء كان على ~~يمينه أو يساره، بناء على أنه يخرج بسلام الإمام عنده، وبه قال مالك. ~~والأظهر عند الشافعي أنه يحنث بالسلام في الصلاة على أي حال كان إلا أن لا ~~ينويه. ms0967 ولو قرع المحلوف عليه الباب فقال (الحالف): من هذا، يحنث. ولو فتح ~~عليه في الصلاة لا يحنث، وخارجها يحنث، كذا أطلقوه. والظاهر أنه يقيد بما ~~إذا نوى الفتح دون القراءة. # (و) حنث (في لا يكلمه إلا بإذنه، إن أذن ولم يعلم به فكلمه) وهو قول مالك ~~وأحمد ووجه في مذهب الشافعي ، لأن الإذن من الأذان وهو: الإعلام لغة، قال ~~الله تعالى: {وأذان من ا ورسوله} أي إعلام. أو من الوقوع في الإذن، وكل ذلك ~~لا يتحقق إلا بعد العلم. وقال أبو يوسف في رواية: لا يحنث، وهو الأظهر من ~~مذهب الشافعي، لأن غرضه أن لا يكلمه إلا برضاه فرضي ولم يعلم الحالف، فكلمه ~~لا يحنث، فكذا هذا. وأجيب بأن الرضا من أعمال القلب فيتم به، ولا كذلك الإذن. # (و) حنث (في: لا يكلم صاحب هذا الثوب، فباعه وكلمه) لأن الإنسان لا يعادي ~~لمعنى في ثوبه، فتعلقت اليمين به. وصار كما لو قال: لا أكلم هذا وأشار إلى ~~صاحب الثوب، كذا قاله الشارح. وفيه أن الإنسان قد يعادي لمعنى في ثوبه، بأن ~~لبس مغصوبا أو حريرا أو نحو ذلك، إلا أنه يحنث، لأنه ببيعه لا يخرج عن كونه ~~صاحب الثوب في الجملة، على أن مبنى الأيمان على عرف الأزمان. # --- PageV04P055 ~~*** # (و) حنث (في: لا يكلم هذا الشاب فكلمه) وقد صار (شيخا) أو كهلا، لأن ~~الوصف المذكور ليس بداع إلى اليمين، ولا يصلح مانعا من الكلام، فيلغو ~~ويتعلق اليمين بالذات. # (و) حنث (في هذا حر إن بعته) مشيرا إلى عبده، فعتق ببيعه بيعا فاسدا، أو ~~موقوفا، أو بالخيار لنفسه، وبه قال مالك والشافعي في وجه، لوجود شرط العتق ~~الذي هو البيع. وقال أحمد: لا يعتق. وأما إن باعه بيعا لازما أو باطلا لم ~~يعتق. أما في البات فلأنه كما تم البيع زال الملك، (والجزاء لا ينزل في غير ~~الملك)، وأما في الباطل فلعدم الشرط وهو البيع، إذ الباطل ليس ببيع. (أو) ~~هذا حر إن (اشتريته، إن عقد) شرءاه (بالخيار) لنفسه، وبه قال أحمد ms0968 والشافعي ~~في وجه. وقال مالك: لا يعتق وهو وجه في مذهب الشافعي. # (و) حنث (في إن لم أبعه فكذا، فأعتق أو دبر) لأن الشرط قد تحقق وهو عدم ~~البيع لفوات محله، كما لو مات الحالف أو العبد، ولا خلاف فيه على الصحيح. ~~(و) حنث (بفعل وكيله في حلف النكاح، والطلاق، والخلع، والعتق، والكتابة، ~~والصلح عن دم عمد، والهبة، والصدقة، والقرض، والاستقراض، والإيداع، ~~والاستيداع، والاستعارة، والإعارة، والذبح، وضرب العبد، وقضاء الدين وقبضه، ~~والبناء، والخياطة، والكسوة، والحمل) لأن ما كان من هذه الأشياء حكميا أي ~~غير حسي، كان الوكيل فيه سفيرا ومعبرا، ولذا لا يستغنى عن إضافتها إلى ~~الموكل، ولو باشره بغير إذنه لا ينفذ عليه، فصارت مباشرة الوكيل كمباشرته. # --- PageV04P056 ~~*** # وما كان منها حسيا كذبح الشاة وضرب العبد، فإن المالك له ولاية ذلك ~~ومنفعته راجعة إليه، فيجعل مباشرا، إذ لا حقوق لهذا الفعل ترجع إلى ~~المأمور. ولو قال الحالف في الحكمي: نويت أن لا أفعل ذلك بنفسي صدق ديانة، ~~لأنه نوى محتمل كلامه، لا قضاء، لأنه نوى خلاف الظاهر وهو العموم. ولو قاله ~~الحالف في الحسي صدق ديانة وقضاء، لأن النسبة إلى الأمر باعتبار السبب ~~مجاز، فإذا نوى الفعل بنفسه فقد نوى حقيقة كلامه. # (لا في البيع) أي لا يحنث بفعل وكيله في حلف البيع (والشراء، والإجارة، ~~والاستئجار، والصلح عن مال، والخصومة، والقسمة، وضرب الولد) لأن الفعل لم ~~يوجد من الموكل حقيقة وهو ظاهر ولا حكما، ولهذا لم ترجع الحقوق إليه، بل ~~إلى الوكيل. فلو قال: نويت أن آمر به غيري حنث بالتوكيل أيضا، لأنه شدد على ~~نفسه. ولو كان مثل الحالف لا يباشر هذه الأشياء يحنث بالأمر، لأن اليمين ~~يتقيد بالعرف وبمقصود الحالف. والفرق بين ضرب العبد وضرب الولد أن الضرب ~~فعل حسي لا يحكم بنقله عن الوكيل إلى الموكل إلا إذا صح التوكيل. وصحة ~~التوكيل تكون في الأموال، فيصح في العبد دون الولد، ألا ترى أن من حلف لا ~~يضرب رجلا حرا، فأمر به فضرب لا يحنث، لأنه لا يملك ms0969 ضربه، فلا يصح أمره، ~~إلا أن يكون الآمر قاضيا أو واليا، لأنهما يملكان ضرب الأحرار حدا أو ~~تعزيرا. # --- PageV04P057 ~~*** # (ولا) يحنث (في) حلفه (لا يتكلم فقرأ القرآن، أو سبح، أو هلل، أو كبر في ~~صلاته) اتفاقا (أو خارجها) وهو اختيار شيخ الإسلام خواهر زاده وقول أحمد، ~~لأنه لا يعد متكلما في العرف بل قارئا. والقرآن كلام الله تعالى، قال الله ~~تعالى: {حتى يسمع كلام ا} أو مسبحا أو مهللا، أو مكبرا. ولا في الشرع، ~~لقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن ~~لا يتكلم في الصلاة». متفق عليه. واختار القدوري: أنه إذا قرأ في الصلاة لا ~~يحنث، وإذا قرأ خارجها يحنث. وقال الشافعي: لا يحنث بقراءة القرآن في ~~الصلاة وخارجها، ويحنث بالتسبيح، والتهليل، والتكبير في الصلاة وخارجها. # (ويوم أكلمه) محمول (على الملوين) أي الليل والنهار لما تقدم في كتاب ~~الطلاق من أن اليوم إذا قرن بغير ممتد يراد به مطلق الوقت، ومنه قوله ~~تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره} (وصح نية النهار) ديانة وقضاء، لأنه نوى ~~الحقيقة المستعملة. وعند أبي يوسف: لا يصح قضاء، لأنه نوى التخصيص في ~~كلامه، وفيه تخفيف عليه. (وليلة أكلمه على الليل) خاصة، لأن الليل ضد ~~النهار، قال الله تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} والنهار مختص ~~بزمان الضوء، فيكون الليل مختصا بزمان الظلمة. (وإلا أن للغاية كحتى) لأن ~~حقيقة «إلا» للاستثناء وهو متعذر فيها هنا مع أن لعدم مجانسة ما بعدها لما ~~قبلها، وبين الاستثناء والغاية مناسبة من حيث إن ما بعدهما مخالف لما ~~قبلهما. # --- PageV04P058 ~~*** # (ففي إن كلمته إلا أن يقدم زيد أو حتى) يقدم زيد (حنث إن كلمه قبل قدومه) ~~لا إن كلمه بعد قدومه، لأن اليمين باقية قبل الغاية ومنتهية بعدها (وفي لا ~~يكلم عبده) أي عبد فلان أو عبد نفسه (أو امرأته أو صديقه) بخلاف قوله: زوجة ~~فلان أو صديقه كما في «المبسوط»، (أو لا يدخل داره) أو لا يأكل طعامه، أو ~~لا يلبس ثوبه، ms0970 أو لا يركب دابته (إن زالت إضافته) ببيع العبد والدار ~~ونحوهما، وبطلاق المرأة، وعداوة الصديق (وكلمه، لا يحنث في العبد) ونحوه ~~مما هو مشتمل على إضافة ملك، كالدار في لا يدخل داره، والطعام في لا يأكل طعامه. # (أشار إليه بهذا أولا) لأن شرط الحنث كلامه لعبد مملوك لمن أضيف إليه ولم ~~يوجد. أما إذا لم يعين العبد بإشارته أو غيرها فظاهر وهو وفاقا، وأما إذا ~~عينه فلأن العبد لسقوط منزلته لا يعادى لذاته، بل لمن أضيف إليه، فتكون ~~الإضافة فيه معتبرة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد وزفر: يحنث في ~~المعين، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأن الإشارة لقطعها شركة الأغيار ~~أبلغ من الإضافة، فاعتبرت ولغت الإضافة، وانعقدت اليمين على ذات العبد. ~~(وفي غيره) أي وفي غير العبد مما هو مشتمل على إضافة نسبة كامرأته وصديقه ~~(إن أشار بهذا) أو بهذه أو عين (حنث) لأن الحر يهجر لذاته (وإلا) أي لم يشر ~~ولم يعين (فلا) أي فلا يحنث، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يحنث. # (وحين وزمان بلا نية نصف سنة) سواء (نكر) بأن قال: لا أكلمه حينا أو ~~زمانا (أو عرف) بأن قال: لا أكلمه الحين أو الزمان، وبه قال أحمد. وقال ~~مالك: سنة. وقال الشافعي: أدنى مدة، وهو ساعة، لأنه المتيقن. # --- PageV04P059 ~~*** # ولنا أن الحين يطلق على الساعة، قال الله تعالى: {فسبحان ا حين تمسون ~~وحين تصبحون} (وبه أخذ الشافعي). وعلى أربعين سنة، قال الله تعالى: {هل أتى ~~على الإنسان حين من الدهر} والمراد بالإنسان آدم، وبالحين أربعون سنة، وهي ~~مدة كونه ملقى بين مكة والطائف، حال كونه من طين إلى أن تنفخ فيه الروح، ~~وفسره بعضهم بسنة، وبه أخذ مالك. # وعلى ستة أشهر. قال الله تعالى: {تؤتي أكلها كل حين} قال سعيد بن جبير، ~~وقتادة، والحسن، وهو رواية عن ابن عباس: هي النخلة تمكث من الأطلاع إلى ~~الأصرام ستة أشهر، فحملناه عليه لأنه الوسط، فإن خير الأمور أوسطها، ~~والزمان بمعناه. # (ومعها) أي ومع النية ms0971 (ما نوى) منكرا أو معرفا، لأنه نوى محتمل كلامه. ~~(والدهر لم يدر) عند أبي حنيفة، أي تتوقف فيه حال كونه (منكرا) قال: لا ~~أدري ماهو في حكم التقدير، لأن الدهر مخالف للحين والزمن، إذ معرفه يقع على ~~الأبد، بخلاف الحين والزمان، فلم يلحق بهما قياسا. والعرف لم يعرف استمراره ~~لاختلاف في الاستعمال، قال الله تعالى: {وما يهلكنا إلا الدهر}، وقال صلى ~~الله عليه وسلم «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر» أي خالقه فكان مجملا، ~~والتوقف في المجمل علامة كمال العلم. وعندهما: يحمل المنكر على ستة أشهر. ~~وعند مالك: على سنة. وعند الشافعي: على أدنى مدة. # --- PageV04P060 ~~*** # (وللأبد) أي جميع العمر (معرفا) باتفاق إذا لم يقترن بنية، لأنه تعالى ~~قال: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} فقد جعل الحين جزءا من الدهر، ~~فيبعد أن يسوى بينهما في التقدير. (وأيام منكرة ثلاثة) لأنها أقل الجمع ~~المنكر. ولو حلف لا يتزوج نساء، ولا يشتري عبيدا يقع على الثلاثة بلا خلاف. ~~(وأيام كثيرة، والأيام، والشهور) والسنون، والجمع، والدهور، والأزمنة ~~(عشرة) عند أبي حنيفة. وعندهما: أيام كثيرة والأيام كلاهما سبعة، والشهور ~~ستة، والسنون وغيرها للأبد. # (وفي أول عبد أشتريه حر، إن اشترى عبدا عتق) وهو ظاهر (وإن اشترى عبدين) ~~معا (ثم آخر، فلا أصلا) أي فلا يعتق واحد منهما، لأن الأول اسم لمفرد سابق، ~~وهو موجود في المسألة الأولى دون الثانية (فإن ضم) كلمة (وحده) بأن قال: ~~أول عبد اشتريه وحده فهو حر، فاشترى عبدين معا ثم آخر وحده (عتق الثالث) ~~لأن معنى وحده منفرد، والثالث متصف بهذه الصفة وهي الانفراد في الشراء. ~~(وفي آخر عبد) أشتريه فهو حر (إن اشترى عبدا ومات) المشتري (لم يعتق) العبد ~~لأنه ليس بآخر عبد، فإن الآخر لا بد له من سابق ولا سابق لهذا. # --- PageV04P061 ~~*** # (فإن اشترى عبدا ثم آخر، ثم مات) المشتري (عتق الآخر) لاتصافه بالآخرية، ~~لأن له سابقا. وهذا الحكم ظاهر، وإنما ذكره ليبني عليه قوله: (يوم شرى) ~~يعني أن عتقه يكون من يوم الشراء، لاستناد ms0972 العتق إليه (من كل ماله) إن كان ~~الشراء في الصحة، وهذا عند أبي حنيفة. (وعندهما:) عتق (يوم مات من ثلثه) ~~سواء كان الشراء في الصحة أو في المرض، لأن الآخرية وهي الشرط تثبت بعدم ~~شراء غيره بعده. وهذا يتحقق عند موت السيد فيفتقر العتق على زمان موته. ~~ولأبي حنيفة أن الآخرية تثبت للثاني كما اشتراه، إلا أن هذه الصفة يعرض ~~عليها الزوال، لاحتمال شراء غيره بعده، فإذا مات ولم يوجد من يبطلها، تبين ~~أنه كان آخرا منذ اشتراه، فيعتق من ذلك الوقت. # (ولا يصير الزوج فارا) عند أبي حنيفة، فلا ترث منه (لو علق الثلاث به) أي ~~بالآخر بأن قال: آخر امرأة أتزوجها فهي طالق ثلاثا، فتزوج امرأة، ثم أخرى ~~في صحته ثم مات، لأن طلاقها عنده يستند إلى وقت تزوجها، ثم إن كان دخل بها ~~فلها مهر للدخول بشبهة، ونصف مهر للطلاق قبل الدخول، وعدتها بالحيض، ولا ~~حداد عليها (خلافا لهما) فإن عندهما يكون الزوج فارا، فترث منه، لأنها تطلق ~~في آخر حياته، ولها مهر واحد، وتعتد بأبعد الأجلين من عدة الطلاق والوفاة، ~~ولو كان الطلاق رجعيا تعتد بعدة الوفاة، وعليها الحداد. # --- PageV04P062 ~~*** # (وبكل عبد بشرني بكذا فهو حر) الباء في ب:كل تتعلق بقوله: (عتق أول ~~ثلاثة) مثله، وكان الأظهر أن يقول: أول جماعة (بشروه) أي من عبيده ~~(متفرقين) لأن البشارة اسم لخبر سار صدق، ليس للمبشر به علم، سمي بذلك لأن ~~بشرة الوجه تتغير به، وتقيدت بالسار من العرف (والكل) عطف على الأول أي ~~وعتق الكل (إن بشروه معا) لتحقق البشارة منهم، قال الله تعالى: {وبشروه ~~بغلام عليم} فنسبها إلى جماعة، ولو كان التعليق على الإخبار مكان البشارة ~~بأن قال: كل من أخبرني، والباقي بحاله عتق الكل. # وذلك لما روي أنه صلى الله عليه وسلم مر بابن مسعود وهو يقرأ القرآن ~~فقال: «من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل، فليقرأ بقراءة ابن أم ~~عبد» فابتدر إليه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بالبشارة، فسبق أبو بكر، ~~فكان ms0973 ابن مسعود يقول: متى ذكره: بشرني أبو بكر وأخبرني عمر. # (وسقط بشراء أبيه لكفارته هي) أي كفارته، وهي فاعل سقط، فكان الأولى أن ~~يقول: ويسقط بشراء إبيه كفارة ابنه، وكذا حكم كل ذي رحم محرم منه. وقال ~~زفر، ومالك، والشافعي، وأحمد: لا تسقط وهو القياس، وهو قول أبي حنيفة أولا، ~~فصاحباه معه في قوله الآخر. ووجهه أن الشارع جعل شراء القريب إعتاقا، لما ~~روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه»، وذلك لأنه ~~صلى الله عليه وسلم أخبر أن الابن قادر على إعتاق الأب، فيكون قادرا تصديقا ~~له عليه الصلاة والسلام فيما أخبر. # --- PageV04P063 ~~*** # ولا يقدر على إعتاقه قبل الشراء، لعدم الملك ولا بعده، لأنه يعتق به ~~عليه، فيكون نفس الشراء إعتاقا، فإذا نوى بالشراء الكفارة يصير إعتاقا ~~عنها، فيصح ويجزيه، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يشترط غير الشراء، فإذا ~~اشترى أباه بنية الكفارة كانت النية مقارنة لعلة العتق، فيعتق عنها. # (لا) أي لا تسقط (بشراء عبد حلف بعتقه) إذا نوى بالشراء كفارته، لأن ~~النية لم تقترن بعلة العتق، وهي اليمين. (ولا) بشراء (مستولدة بنكاح) حال ~~كونه (علق عتقها عن كفارته بشرائها) بأن قال لأمة غيره التي استولدها ~~بنكاحه: إن اشتريتك فأنت حرة عن كفارة يميني، ثم اشتراها، فإنها تعتق لوجود ~~الشرط، ولا يجزئه عن الكفارة، لأن حريتها مستحقة بالاستيلاد، فلا تضاف إلى ~~اليمين من كل وجه (وتعتق ب: إن تسريت أمة فهي حرة، من تسراها وهي ملكه يوم ~~حلف) وبه قال مالك والشافعي وأحمد. ويثبت التسري عندنا بالتحصين، وهو منعها ~~من الخروج، وتبوئتها ليلا مع الوطء، وهو وجه في مذهب الشافعي، وفي وجه ثان ~~بالوطء مع الإنزال والتحصين، وفي وجه ثالث بالوطء وحده، وبه قال أحمد. وقال ~~أبو يوسف: يشترط مع الوطء طلب الولد، حتى لو وطء وعزل عنها لا تكون سرية عنده. # (لا من شراها) بعد قوله: إن تسريت أمة فهي حرة، ms0974 (فتسراها)، وبه قال مالك ~~والشافعي وأحمد. وقال زفر: تعتق لأن التسري لا يصح إلا في الملك فذكر ~~التسري كذكره. (وعتق بكل مملوك لي حر أمهات أولاده ومدبروه وعبيده) لأنه ~~تملكهم رقبة ويدا (لا مكاتبوه) أي لا يعتق بكل مملوك لي حر مكاتبوه (إلا ~~بنيتهم) لأن ملك المولى فيهم ناقص، لخروجه عن ملكه يدا، فلا يدخلون في مطلق ~~المملوك وهو الكامل إلا بالنية. # --- PageV04P064 ~~*** # (و) عتق (بهذا حر أو هذا وهذا) بالواو (لعبيده ثالثهم) في الحال (وخير في ~~الأوليين كالطلاق) بأن قال لنسائه: هذه طالق أو هذه وهذه، حيث تطلق الثالثة ~~ويخير في الأوليين، لأن الكلام لإيجاب الإعتاق في أحد الأوليين، وتشريك ~~الثالث فيما سيق له الكلام، فصار بمنزلة أحدهما حر. وهذا، فالمعطوف عليه هو ~~المأخوذ من صدر الكلام لأحد المذكورين بالتعيين. # (ولام دخل على فعل) أي تعلق بفعل (يقع عن غيره) أي غير فاعله، بأن كان ~~مما يجري فيه النيابة والتوكيل، وهو كل فعل يملك بالعقد (كبيع، وشراء، ~~وإجارة، وخياطة، وصياغة) وفي نسخة بالموحدة، وفي أخرى بالنون والعين ~~المهملة (وبناء اقتضى) ذلك اللام (أمره) أي توكيله بالفعل (ليخصه به) لأن ~~اللام للاختصاص، وأقوى وجوهه الملك، فإذا دخلت على الفعل أوجبت ملكه، وذا ~~بأن يفعله بأمره ليقع ذلك الفعل له (فلم يحنث في: إن بعت لك ثوبا، إن باعه ~~بلا أمره) من المخاطب سواء (ملكه) المخاطب (أو لا) لأن تقدير الكلام: إن ~~بعت ثوبا بأمرك، ولم يوجد الأمر. # (وإن دخل على عين أو) على (فعل لا يقع عن غيره) وهو كل فعل لا يملك ~~بالعقد (كأكل، وشرب، ودخول وضرب الولد، اقتضى) دخول اللام (ملكه) ذلك العين ~~لا أمره بالفعل (فحنث في: إن بعت ثوبا لك، إن باع ثوبه بلا أمره) من ~~المخاطب وكذا حنث في: إن أكلت لك طعاما وأكل طعامه بلا أمره، سواء علم به ~~أو لا، لأن اللام لما دخلت على العين أوجبت ملكه، ولما دخلت على الفعل الذي ~~لا يقع عن غيره أوجبت أيضا ملك العين، لأن هذا الفعل ms0975 لما كان مما لا يملك ~~بالعقد، وجب صرف اللام فيه إلى ما يملك بالعقد، وهو العين، وقيد الضرب ~~بالولد لأن ضرب العبد يحتمل النيابة والوكالة، فصار نظير الإجارة دون الأكل ~~والشرب. # --- PageV04P065 ~~*** # (وفي كل عرس لي فكذا، بعد قول عرسه: نكحت علي، طلقت هي) أي عرسه، يعني أن ~~من قالت امرأته: تزوجت علي، فقال: كل امرأة لي طالق تطلق امرأته. وعن أبي ~~يوسف أنها لا تطلق، لأن كلامه خرج جوابا لكلامها، فيتقيد به، وكلامها كان ~~في تزويج غيرها، ولأنه قصد إرضاءها وذلك بطلاق غيرها، فيتقيد به. وفي «جامع ~~السرخسي»: قول أبي يوسف أصح عندي. # ووجه الظاهر، وهو قول مالك والشافعي وأحمد أن العمل بالعموم واجب ما ~~أمكن، وقد أمكن ههنا فيعمل به، وذلك أنه زاد على الجواب، إذ جوابه أن يقول: ~~إن فعلت فهي طالق، فكان ذلك مبتدئا. وجاز أن يكون فائدتها إيحاش المرأة ~~وإغضابها وإلحاق الغيظ بها، حين اعترضت عليه فيما أحله الشرع له. (وصح نية ~~غيرها ديانة) لأنه نوى محتمل كلامه، لا قضاء لأنه نوى تخصيص العام وهو خلاف ~~الظاهر. والله تعالى أعلم بحقائق الظواهر والضمائر. # كتاب البيع # اعلم أن المقصود من بيان كتاب البيع بيان الحلال الذي هو بيع شرعا، ~~والحرام الذي هو الربا، ونحوه من العقود الفاسدة. ولهذا قيل لمحمد رحمه ~~الله تعالى: ألا تصنف شيئا في الزهد؟ فقال: قد صنفت كتاب البيع. # ومراده: بينت فيه ما يحل وما يحرم. وليس الزهد إلا اجتناب الحرام، ~~والرغبة في الحلال، كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم حيث ذكر الرجل ~~يطيل السفر، أشعث أغبر يقول: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، ~~وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ # --- PageV04P066 ~~*** # ثم (هو) في اللغة مشترك بين إخراج الشيء عن الملك بمال، وبين ضده، وهو ~~إدخال الشيء في الملك بمال. ومن هذا القبيل حديث: «لا يبع أحدكم على بيع ~~أخيه»، أي: لا يشتري على شرائه. كذا في «الصحاح». ولا يبعد أن يكون البيع ~~في الحديث على بابه. وهو يتعدى ms0976 إلى المفعول الثاني بنفسه، وبحرف الجر نحو: ~~بعت هذا فلانا، وبعته منه. # وكذا لفظ الشراء مشترك بين فعل المشتري وفعل البائع، ومنه قوله تعالى: ~~{وشروه بثمن بخس}، أي: باعوه. وهذا إذا كان الضمير للإخوة، وأما إذا كان ~~للسيارة، فالشراء على بابه. وكذا قوله تعالى: {ولبئس ما شروا به أنفسهم}، ~~أي: باعوا حظها أو اشتروه. # وأما قوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة} فعلى حقيقته، وكذا قوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ~~والعذاب بالمغفرة}، أي: استبدلوه واختاروه عليه. # وفي الشرع: (مبادلة مال بمال) أي على وجه التمليك (بتراض) لقوله تعالى: ~~{إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم}. # وهو عقد مشروع بقوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} ؛ وبالسنة وهي ~~كثيرة شهيرة؛ وبإجماع الأمة على جوازه، وأنه أحد أسباب الملك، وبأنه صلى ~~الله عليه وسلم بعث والناس يتبايعون فأقرهم عليه حتى قال: «يا معشر التجار ~~إن بيعكم هذا يحضره اللغو والكذب، فشوبوه بالصدقة». وقد باع واشترى بمباشرة ~~وتوكيل. # --- PageV04P067 ~~*** # وقد صح عند أرباب السير أن النبي صلى الله عليه وسلم اتجر لخديجة، لكن ~~قبل البعثة بخمسة عشر سنة، فإنه بعث على رأس الأربعين، وخرج تاجرا إلى ~~الشام لخديجة لما بلغ خمسا وعشرين سنة، قبل أن يتزوجها بشهرين وخمسة وعشرين ~~يوما. وكان أبو بكر تاجرا في البز، وعمر في الطعام، وعثمان في البز والتمر، ~~وعباس في العطر. ومن هنا قال أصحابنا: أفضل الكسب بعد الجهاد التجارة، ثم ~~الزراعة، ثم الصناعة. وعندي أن أفضلها الكتابة. # (وينعقد) البيع (بإيجاب) أي: إثبات؛ والمراد به ما يذكر أولا من كلام ~~المتعاقدين، لأنه يثبت خيار القبول للآخر. (وقبول) وهو ما يذكر آخرا من ~~كلامهما، أو ما يقوم مقامه من قبض المبيع، كما لو قال: بعتك هذا بدرهم، ~~فقبضه المشتري ولم يقل شيئا. # والمعنى أنه ينعقد بمجموع الإيجاب والقبول، ولا بد أن يكون أحدهما يدل ~~على الإيجاب ك:أعطيتك، و: جعلت لك هذا بكذا، والآخر على القبول ك:أخذت، ~~و:رضيت، و: أجزت. # ويشترط سماع المتعاقدين كلامهما ms0977 (وبلفظي ماض) # ك: بعت، و:اشتريت. وإنما شرط الماضي فيهما لأن البيع إنشاء تصرف، ~~والإنشاء يعرف بالشرع، لأن الواضع لم يضع له لفظا خاصا؛ والشرع يستعمل فيه ~~اللفظ الذي وضع للإخبار عن الماضي، لأنه يستدعي سبق المخبر عنه ليكون ~~الكلام صحيحا، فكان الماضي أدل من غيره على تحقق الوجود، فكان أشبه ~~بالإنشاء المحصل للوجود. # (وبتعاط) أي: وينعقد أيضا بمعاطاة وهي ههنا إعطاء البائع المبيع للمشتري ~~على وجه البيع والتمليك، وإعطاء المشتري الثمن للبائع كذلك، بلا إيجاب وقبول. # --- PageV04P068 ~~*** # (مطلقا)، أي: سواء كان المبيع خسيسا، وهو: ما تكون قيمته دون نصاب ~~السرقة، أو نفيسا وهو: ما تكون قيمته مثل نصابها أو أكثر، وبه قال ~~الخراسانيون. وقال الكرخي والعراقيون: ينعقد به في الخسيس للعادة دون ~~النفيس لعدمها. وأجيب: بأن جواز أصل البيع إنما هو باعتبار الرضا من ~~الجانبين، إلا أن الرضا لما كان باطنيا، أقيم الإيجاب والقبول مقامه ~~لدلالتهما عليه، والتعاطي أدل عليه منهما، لأنهما قد يوجدان بغير رضاهما أو ~~أحدهما. # ومذهب الشافعي وأحمد: أن البيع لا ينعقد بالتعاطي، لأن الأفعال لا دلالة ~~لها بالوضع على مقاصد الناس. لكن قد يقال: إن في القرائن من الفوائد ما تدل ~~على المقاصد. # وقال مالك: ينعقد بكل ما يعده الناس بيعا، لأن المقصود المبادلة بالرضا، ~~فمتى حصلت ثبت حكم البيع، ولأن الشارع لم يثبت عنه اشتراط اللفظ، فوجب ~~الرجوع إلى العرف المعروف الذي هو التعاطي مطلقا. # واختلف في التعاطي بأحد الجانبين مع بيان الثمن، والأظهر جوازه لتعارف ~~الناس عليه، وكذا بدون بيان الثمن إذا كان معلوما. قال الطرابلسي: وهو ~~الصحيح. وقد أشار محمد في «الجامع الصغير» إلى أن تسليم المبيع يكفي. # (وإذا أوجب واحد) من المتعاقدين البيع (قبل الآخر)، واحدا كان الآخر أو ~~متعددا، (كل المبيع بكل الثمن أو ترك)، وليس للعاقد إن كان واحدا، ولا ~~لواحد إن كان العاقد متعددا، أن يقبل في بعض المبيع ببعض الثمن لتفرق ~~الصفقة عليه، فإن رضاء الموجب ببيع ذلك البعض وحده غير معلوم، والرضا ببيع ~~المجموع ليس رضا ببيع بعضه ms0978 وحده، إذ قد يضم الرديء إلى الجيد ويبيعهما ~~جميعا معا، فيفوت غرضه. # --- PageV04P069 ~~*** # (إلا إذا بين) الموجب (ثمن كل) مما قبل الآخر وما ترك، لأن ذلك دليل على ~~رضاه بالتفريق، ولأن الإيجاب حينئذ في معنى إيجابات متعددة. أما إذا كرر في ~~البيان لفظ البيع، بأن قال: بعتك هذين بألف: بعت هذا بخمس مئة، وبعت هذا ~~بخمس مئة، فباتفاق. وأما إذا لم يكرر بأن قال: بعتك هذين بألف: كل واحد ~~بخمس مئة، فعند أبي يوسف ومحمد جاز، خلافا لأبي حنيفة. والمختار قولهما. ~~وكذا جاز إذا رضي الآخر في المجلس إن كان المبيع مما ينقسم الثمن عليه ~~بالأجزاء، كعبد واحد، أو مكيل، أو موزون. # (وما لم يقبل) الآخر (بطل الإيجاب، إن رجع الموجب)، مشتريا كان أو بائعا، ~~(أو) إن (قام أحدهما) أي أحد العاقدين عن المجلس. أما إن رجع الموجب، فلأن ~~الإيجاب لما لم يفد حكم البيع بدون القبول، كان للموجب أن يرجع قبله لخلو ~~رجوعه عن إبطال حق غيره، فإذا رجع بطل إيجابه. وأما إن قام أحد العاقدين عن ~~المجلس، فلأن القيام دليل الرجوع، ولهما ذلك قبل القبول، لأنه لو لم يثبت ~~الخيار، يلزمه حكم العقد من غير رضاه، وهذا يسمى خيار القبول. # (وإذا وجدا) أي الإيجاب والقبول في البيع الصحيح (لزم) ولا خيار لواحد من ~~العاقدين. وبه قال مالك، وهو رواية عن أحمد، ومختار النخعي والثوري. قال ~~شارح: وقال الشافعي: لا يلزم، بل لأحدهما الخيار ما دام المجلس، وبه قال أحمد. # --- PageV04P070 ~~*** # لنا ما روى مالك من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يستوفيه». ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم ~~عبر عن المنع من البيع باستيفاء المبيع، فإذا استوفى جاز البيع، سواء ~~استوفى في المجلس أو بعده. والبيع لا يجوز إلا بعد ثبوت الملك. وقوله عليه ~~الصلاة السلام لحبان بن منقذ وكان يغبن في البيع : «إذا ابتعت فقل: لا ~~خلابة، ولي الخيار ثلاثة أيام». والخلابة بكسر الخاء المعجمة: الخداعة. ~~فإنه يدل ms0979 على لزوم البيع بالإيجاب والقبول؛ ولأن في إثبات الخيار لأحد ~~المتبايعين إبطال حق الآخر، وهو غير جائز لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~ضرر ولا ضرار»، ولأن البيع عقد معاوضة، فيلزم بالإيجاب والقبول كالنكاح. # وأما ما رواه أصحاب الكتب الستة واللفظ للشيخين عن نافع، عن عبد الله ~~ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البيعان كل واحد منهما بالخيار ~~على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار (أو يكون بيعهما بيع خيار)». وفي ~~لفظ لهما: «إذا تبايع المتبايعان بالبيع، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ~~ما لم يتفرقا»، أو قال: «يكون بيعهما على الخيار، فإذا كان بيعهما على خيار ~~فقد وجب». # --- PageV04P071 ~~*** # فقال محمد بن الحسن وهو منقول عن إبراهيم النخعي : مؤول بأن المراد ~~بالخيار فيه خيار القبول. فإن أحدهما إذا أوجب كان لكل منهما قبل القبول ~~الخيار، ما داما في المجلس ولم يأخذ أحدهما في عمل آخر. وفي لفظ الحديث ~~إشارة إليه، فإنهما متبايعان حالة البيع حقيقة. وعلى هذا، فالتفرق بالأقوال ~~لا بالأبدان، كما في قوله تعالى: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته}. فإن ~~الزوج إذا طلق امرأته على مال تحصل الفرقة بقبولها. وقال أبو يوسف: مؤول ~~بأن المراد بالتفرق فيه التفرق بالأبدان بعد الإيجاب قبل القبول. انتهى. # والمراد بقوله: «إلا بيع الخيار» (أي: إلا المتبايعين بيع الخيار، أو) ~~إلا إذا تبايعا بيع الخيار. والمعنى أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فيقول: ~~اخترت، فيكون هذا إلزاما للبيع، ويسقط خيارهما، وإن كان المجلس قائما. # وحمل بعضهم الخيار على خيار الشرط، وهو بعيد لرواية الترمذي: «البيعان ~~بالخيار ما لم يتفرقا أو يختار». وفي لفظ: «أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر»، ~~بدل «أو يختار». وكان ابن عمر إذا اشترى شيئا وأحب أن يكون له، فارق صاحبه ~~فمشى قليلا، ثم رجع، فحمل على التفرق بالأبدان. ويدل عليه زيادة أبي داود ~~والترمذي: «ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله»، أي: خشية أن يفسخ العقد. # --- PageV04P072 ~~*** # ولنا إطلاق قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ms0980 أوفوا بالعقود}، وهذا عقد ~~قبل التخيير، وقوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون ~~تجارة عن تراض منكم} ، وبعد الإيجاب والقبول تصدق تجارة عن تراض، غير ~~متوقفة على التخيير. فقد أباح الله تعالى أكل المشتري قبل التخيير. وقوله ~~تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} أمر بالتوثق بالشهادة لئلا يقع التجاحد في ~~البيع، فلو ثبت الخيار وعدم اللزوم قبله، لزم إبطال هذه النصوص. # قال بعض المحققين: ولا مخلص له من هذا إلا أن يمنع لزوم العقد قبل الخيار ~~ويقول: إنما يعرف لزومه شرعا، وقد اعتبر فيه اختيار التراضي بعد الإيجاب ~~والقبول بالأحاديث التي رويناها. ثم قال: ولا مخلص لنا إلا بتسليم إمكان ~~اعتبار الخيار في لزوم العقد، وادعاء أنه غير لازم من الحديث المذكور بناء ~~على أن حقيقة المتبايعين المتشاغلان بأمر البيع، لا من تم البيع بينهما ~~وانقضى، لأنه مجاز. والمتشاغلان يعني المتساومين، يصدق عليهما عند إيجاب ~~أحدهما قبل قبول الآخر، فيكون ذلك هو المراد، وهذا هو خيار القبول. # (ويعرف المبيع بالإشارة) (إليه، أي): إذا كان محسوسا، (لا بذكر القدر ~~والوصف)، أي: لا حاجة بذكرهما حينئذ. والمعنى: يشترط لصحة البيع معرفة ~~المبيع بما ينفي جهالته، قطعا للمنازعة. فإن كان حاضرا يكتفى بالإشارة، لأن ~~بها كفاية في التعريف، فإذا قال: بعتك هذه الصبرة من الحنطة، أو هذه الثياب ~~وهي مجهولة العدد بهذه الدراهم، وهي مرئية له فقبل، جاز البيع ولزم، لأن ~~الباقي جهالة القدر، وهي لا تضر لعدم منعها من التسليم والتسلم. # --- PageV04P073 ~~*** # (إلا في السلم) فإن المبيع فيه لا بد من معرفة قدره ووصفه، على ما يجيء ~~في بابه، إن شاء الله سبحانه. # وحاصله # أن المبيع إذا كان غائبا، فإن كان مما يعرف بالأنموذج: كالكيلي من ~~الحبوب، والوزني من السمن والعسل، والعددي المتقارب: كالجوز واللوز، فرؤية ~~بعضه كرؤية كله. وإن لم يعرف به كالثياب والدواب، فلا بد من ذكر جميع ~~أوصافه، قطعا للمنازعة. وله خيار الرؤية، ويشترط معرفة قدر الثمن ووصفه لو ~~كان في الذمة، إذا اختلف نقد البلد، قطعا للمنازعة، لا ms0981 معرفة قدر الثمن ~~المشار إليه ووصفه، إذ الإشارة أبلغ أسباب التعريف. # ونفينا تعيين النقدين المضروبين في البيع، فيجوز للمشتري دفع غير المعين ~~في العقد عندنا. وعينه زفر، ومالك، والشافعي بالتعيين في عقود المعاوضة ~~وفسوخها كما يتعين في الهبة، والشركة، والوكالة، والغصب، والصدقة. # (و) يعرف (الثمن بأحدهما) أي بالإشارة أو بذكر القدر والصفة. فيعرف ~~بالإشارة إن كان معينا بها، وبذكر القدر والصفة إن لم يكن. # (ويصح البيع بثمن حال) وهو الأصل (ومؤجل بأجل معلوم) لإطلاق قوله تعالى: ~~{وأحل الله البيع}، ولما في البخاري عن عائشة من أنه صلى الله عليه وسلم ~~اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا له من حديد. وفي لفظ للصحيحين: ~~طعاما بنسيئة. ولقوله عليه الصلاة والسلام (في السلم): «من أسلف في تمر، ~~فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم، إلى أجل معلوم». وعلى ذلك انعقد الإجماع. # --- PageV04P074 ~~*** # (ولا يضر الجزاف) بتثليث الجيم، والضم أشهر، وهو البيع بالحدس، أو بالظن ~~بلا كيل ولا وزن، وهو فارسي معرب كزاف بالكاف العجمية (إلا في) بيع (الجنس ~~بالجنس) لما روى الجماعة إلا البخاري من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، ~~والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، ~~يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد». ولأن ~~الجهالة في الجزاف غير مانعة من التسليم، فلا يضر كجهالة القيمة، بأن اشترى ~~شيئا بدرهم ولم يدر قيمته. وإنما امتنع الجزاف في الجنس بالجنس لما فيه من ~~احتمال الربا، واحتماله ملحق بحقيقته احتياطا. وفي «الذخيرة»: أن هذا ~~الاستثناء إذا كان شيئا يدخل تحت الكيل وأدناه نصف صاع ، وأما إذا كان ~~قليلا لا يدخل تحته، فيجوز بيعه بجنسه جزافا. # (ومطلق الثمن) وهو الذي لم يقيد في صلب العقد، أو في المجلس بوصف، ولا ~~بنقد بلد نحو عشرة دراهم (يحمل على الأروج) أي أغلب ما يتعامل به في كل ~~البلد سواء استوت مالية النقود، أو اختلفت، لأن ما ms0982 غلب التعامل به معلوم ~~بالعرف، والمعلوم بالعرف كالمعلوم بالنص. (فإن استوى رواج النقود فسد) ~~البيع (إن اختلفت ماليتها) لأن مثل هذه الجهالة يفضي إلى المنازعة. وأما لو ~~استوت المالية والرواج جاز البيع. # --- PageV04P075 ~~*** # (وإن بيع ذو أفراد كل واحد) منها (بكذا) درهما، (فإن لم تتفاوت) تلك ~~الأفراد بأن بيعت صبرة: كل قفيز بدرهم، أو بيع ثوب: كل ذراع بدرهم (صح) ~~البيع (في واحد) عند أبي حنيفة، وفي الكل عند أبي يوسف ومحمد، وبه يفتى. ~~وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأن المبيع معلوم بالإشارة فلا يحتاج إلى ~~معرفة قدره، وما فيه من الجهالة لا يضر لأن رفعها بيدهما بأن يكيلا الصبرة ~~في المجلس. # ولأبي حنيفة أن الثمن مجهول لأن جملة الأفراد غير معلومة، فيكون ما ~~بإزائها من الثمن مجهولا إلا أن الأقل وهو الواحد معلوم، فيصح البيع فيه ~~ويفسد فيما عداه، إلا أن ترتفع الجهالة بتسمية جميع الأفراد، أو بالكيل في ~~المجلس. # (وإلا) أي وإن تفاوتت الأفراد في القيمة كما لو باع غنما كل شاة بدرهم ~~(فلا) يصح البيع (أصلا)، # أي لا في جملة الأفراد ، ولا في واحد منها، وهذا عند أبي حنيفة. وأما ~~عندهما فيصح في الكل، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، والوجه ما مر إلا أن ~~الأفراد هنا متفاوتة، فلا يجوز البيع في واحد منها عند أبي حنيفة بخلاف ~~الصبرة. # (وإن باع صبرة) أي كومة طعام بلا كيل ولا وزن (على أنها مئة صاع بمئة) ~~درهم، (فإن نقص) المبيع عن المئة (أخذ المشتري) الموجود (بالحصة) لأن الكيل ~~ذو جزء، والثمن ينقسم على أجزاء المبيع، (أو فسخ) البيع لأن الصفقة لما ~~تفرقت عليه لم يتم رضاؤه بالموجود، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. (وإن زاد) ~~على المئة (فللبائع) ما زاد، لأنه باق على ملكه، فإن البيع وقع على قدر ~~معين، وما يكون كذلك لا يتناول غيره. # --- PageV04P076 ~~*** # (وفي المذروع) بأن باع ثوبا على أنه عشرة أذرع بعشرة، فوجد المشتري الثوب ~~أقل من ذلك، (أخذ) المشتري (الأقل بكل الثمن أو ترك) لأن الذراع وصف ms0983 ~~للمذروع، والثمن لا ينقسم على الأوصاف، فكان كل الثمن مقابلا بكل العين، ~~غير أنه ثبت الخيار للمشتري، لأنه فاته وصف مرغوب فيه، وقع عليه العقد. ~~(والأكثر له) أي للمشتري، ولا خيار للبائع، لأن الزائد هنا صفة، فكان هذا ~~بمنزلة ما إذا باع بشرط أنه معيب، فإذا هو سليم. # (وإن قال): # بعتك هذا الثوب على أنه عشرة أذرع (كل ذراع بدرهم) فوجده المشتري أقل أو ~~أكثر (فبالحصة)، # أي فيأخذ الكل بالحصة (فيهما) أي في الزيادة والنقصان، وله الترك، لأن ~~الذراع وإن كان وصفا، إلا أنه يصلح أن يكون أصلا لأنه ينتفع به بانفراده، ~~فإذا سمي له ثمن صار أصلا، وإنما كان الخيار للمشتري لتفرق الصفقة عليه في ~~النقصان، ولزيادة الثمن في الزيادة. وعن الشافعي في القديم قولان: أحدهما: ~~يصح العقد وله الخيار كمذهبنا، والآخر: لا يصح. # (وصح بيع البر في سنبله) وهو قول مالك وأحمد والشافعي في القديم، وقال في ~~الجديد: لا يصح، لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، وهذا منه، لأنه ~~لا يدري قدر الحب. وأجيب بأن ذلك محمول على نحو بيع الطير في الهواء، ~~والسمك في الماء. وفي «المبسوط»: أو على بيعه في السنبل قبل أن يشتد. # (و) صح بيع (الباقلاء) بكسر القاف وتشديد اللام مقصورا، وبتخفيفها ممدودا ~~(ونحوه) مما له قشران كالسمسم، والأرز، والحمص الأخضر وسائر الحبوب ~~المغلفة، والجوز واللوز والفستق والبندق (في قشره الأول)، وفي نسخة: في ~~قشره الخارج، وإنما قال: الأول، لأن فيه خلافا للشافعي، أما في قشره الثاني ~~فيجوز إجماعا. # --- PageV04P077 ~~*** # والمنصوص عن الشافعي في بيع الباقلاء الأخضر أنه لا يجوز. وقال مالك ~~وأحمد وكثير من أصحاب الشافعي: يجوز، وكذا الجوز واللوز الرطبان، وأما ~~اليابس منهما فيجوز بلا خلاف. # لنا ما روى الجماعة إلا البخاري عن نافع عن ابن عمر «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن ~~العاهة، نهى البائع والمشتري». يقال: زهى النخل يزهو إذا بدت فيه الحمرة أو ~~الصفرة. وما ms0984 في «الصحيحين» عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ~~الثمار حتى يبدو صلاحها، وعن بيع النخل حتى يزهو، قيل: ما يزهو؟ قال: ~~«يحمار أو يصفار». # وفي زكاة البخاري، عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر ~~حتى يبدو صلاحها، وكان إذا سئل عن صلاحها قال: «حتى تذهب عاهتها». وما روى ~~أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى ~~يشتد. قال الترمذي: حديث حسن غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث حماد بن ~~سلمة. ورواه ابن حبان، في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه»، وقال: صحيح على ~~شرط مسلم. وفي رواية: عن بيع الحب حتى يفرك. وقال البيهقي: إن كان بكسر ~~الراء بإسناد الإفراك إلى الحب، وهو الأشبه، وافق قوله: حتى يشتد، وإن كان ~~بفتح الراء على ما لم يسم فاعله، خالفه واقتضى تنقيته عن السنبل حتى يجوز بيعه. # ووجه الدلالة أن حكم ما بعد الغاية يخالف حكم ما قبلها، فظاهر الحديث ~~يقتضي الجواز عند وجود الغاية. وعند الشافعي لا يجوز حتى يخرج البر من ~~سنبله والباقلاء من قشره الأول. # --- PageV04P078 ~~*** # قلنا: إنه مال منتفع به، لأنه يدخر في سنبله قال الله تعالى: {فما حصدتم ~~فذروه في سنبله} فيجوز بيعه فيه، وبيع نحو الباقلاء في القشر كالشعير في ~~سنبله. فإن قيل: يجوز بيع النخل قبل الزهو عندكم، ومقتضى ما استدللتم به من ~~الحديث أنه لا يجوز أجيب بأنه محمول على بيع التمر على النخل بشرط الترك ~~إلى أن يحمر أو يصفر بدليل قوله صلى الله عليه وسلم «أرأيت لو أذهب الله ~~الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه» ؟ إذ الإذهاب إنما يتوهم إذا اشتراه قبل ~~الإدراك بشرط الترك. أو محمول على السلم، يعني لا يجوز السلم فيه حتى يوجد ~~بين الناس بدليل قوله صلى الله عليه وسلم «إذا منع الله الثمر، فبم يستحل ~~أحدكم مال ms0985 أخيه »؟ فيكون دليلا لنا على اشتراط وجود المسلم فيه من حين ~~العقد إلى حين الحلول. # (و) صح (بيع ثمرة لم يبد صلاحها) وقال مالك، والشافعي، وأحمد، وشمس ~~الأئمة السرخسي، وخواهر زاده من أصحابنا: لا يجوز. والحيلة في جوازه أن ~~يباع مع الشجرة فيكون تبعا لها، والأصح الجواز عندنا لأنه منتفع به في ~~المال، فصار كبيع الطفل والجحش. (أو قد بدا) صلاحها، وهذا بلا خلاف بين ~~العلماء، وإنما الخلاف في تفسير بدو صلاحها، فعندنا على ما في «المبسوط»: ~~هو أن يؤمن العاهة والفساد، وعلى ما في «الخلاصة» عن «التجريد»: أن يكون ~~منتفعا به. وعند الشافعي: هو ظهور النضج ومبادىء الحلاوة. # (و) إذا صح بيع الثمرة (يجب) على المشتري (قطعها) في الحال ليتفرغ ملك ~~البائع عن ملكه، كبيع الشجرة دون الثمر، وهذا إذا اشتراها مطلقا، أو بشرط القطع. # (وشرط تركها) أي الثمرة (على الشجر) وترك الزرع في الأرض (يفسد البيع). # --- PageV04P079 ~~*** # أما إذا لم يبد صلاحها، أو بدا ولم يتناه عظمها، فباتفاق. وأما إذا تناهى ~~عظمها فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يفسد، لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وهو شغل ~~ملك الغير، أو لأنه مشتمل على منهي عنه، وهو صفقة في صفقة، لأنه إجارة في ~~بيع إن كان للمنفعة حصة من الثمن، وإعارة في بيع إن لم تكن لها. وقال محمد: ~~لا يفسد استحسانا. وهو قول مالك والشافعي وأحمد ومختار الطحاوي لتعامل ~~الناس به من غير نكير. # وفي «الأسرار»: الفتوى على قول محمد. وفي «التحفة»: الفتوى على قولهما، ~~لأن التعامل لم يكن بشرط الترك، وإن كان بالإذن بالترك من غير شرط. انتهى. ~~وفي «الذخيرة»: قال أبو الليث: المخلص في طريق الإذن (أن يأذن) للمشتري في ~~الترك على أنه متى رجع عن الإذن كان مأذونا له في الترك بإذن جديد. # واحتج لنا بعض المحققين بما روينا من قوله عليه الصلاة والسلام: «من ~~اشترى نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع». فجعله للمشتري ~~بالشرط يدل على جواز بيعه مطلقا، لأنه لم يقيد دخوله في ms0986 البيع عند اشتراط ~~المبتاع بكونه بدا صلاحه. واعترض عليه بأن النزاع في جواز بيعه مستقلا لا ~~تبعا، لأنه لا خلاف فيه. واحتج أيضا بما في «موطأ مالك» عن عمرة بنت عبد ~~الرحمن قالت: ابتاع رجل ثمر حائط في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فعالجه ~~وقام عليه حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع به أو يقيله، فحلف ~~لا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك. ~~فقال: «تألى أن لا يفعل خيرا»، فسمع بذلك رب الحائط فأتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: هو له. ولولا صحة البيع لم تترتب الإقالة عليه. # --- PageV04P080 ~~*** # وأما النهي المذكور فهم قد تركوا ظاهره، فإنهم جوزوا البيع قبل أن يبدو ~~صلاحها بشرط القطع. وهذه معارضة صريحة لمنطوقه، فقد اتفقنا على أنه متروك ~~الظاهر. # هذا، وإذا رضي البائع ببقائها يطيب الفضل في الثمرة للمشتري، لأنه حصل له ~~بطريق مباح، وإن لم يرض وتركها المشتري، تصدق بما زاد من ذات الثمرة، لحصول ~~الزيادة بمعنى من الشجر بلا إذن المالك، فلا يطيب له. # وتعرف الزيادة بالتقويم يوم البيع والتقويم يوم الإدراك، فالزيادة تفاوت ~~بينهما. وإن تركها بعدما تناهى عظمها، لم يتصدق بشيء، لأنها زادت جودة ~~بتغير الطعم واللون، وذا من أثر الشمس والقمر لا ذاتا. # (كاستثناء قدر) كما يفسد البيع باستثناء مقدار (معلوم) من الثمر، مقطوعة ~~أو غير مقطوعة، لأنه ربما لا يبقى شيء بعد المستثنى، فيخلو العقد عن ~~الفائدة، بخلاف ما إذا استثنى نخلا معينا، لأن الباقي معلوم بالمشاهدة. وفي ~~«المواهب»: لو باع الثمرة واستثنى منها أرطالا معلومة صح البيع في ظاهر ~~الرواية، لأن الأصل أن ما جاز إفراده بالعقد جاز استثناؤه من العقد، كما لو ~~استثنى جزءا مشاعا، وما لا يجوز إفراده بالعقد لا يصح استثناؤه منه، كما لو ~~استثنى عضوا من الشاة ونحوها. وقيل: يفسد، وهو رواية الحسن، واختارها ~~الطحاوي لجهالة ما بقي من بعد الاستثناء. # فصل # (في خيار الشرط) # --- PageV04P081 ~~*** # (صح) بالإجماع (خيار الشرط)، والقياس أن لا ms0987 يصح، لما فيه من الغرر، ~~ولظاهر نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع وشرط، إلا أن النص ورد به، وهو ما ~~رواه ابن ماجه في «سننه»: أن حبان بن منقذ بن عمرو كان رجلا قد أصابته آمة ~~في رأسه فكسرت لسانه، وكان لا يدع على ذلك التجارة، فكان لا يزال يغبن، ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال: «إذا أنت بايعت فقل: لا ~~خلابة، ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال، فإذا رضيت فأمسكها، ~~وإن سخطت فارددها على صاحبها». وحبان بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ومنقذ ~~بالمعجمة، والخلابة بكسر المعجمة: الخداعة. # (لكل منهما) أي لكل من البائع والمشتري، (ولهما) أي معا، ولغيرهما ~~بإذنهما. وأفسد زفر العقد بالخيار لغير العاقد، وهو القياس. # (ثلاثة أيام أو أقل) بالنصب فيهما على الظرفية. # وقال سفيان الثوري، وابن شبرمة: يجوز الخيار للمشتري لا للبائع، لأنه ثبت ~~على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النص وهو المشتري، لما أخرجه الحاكم وسكت ~~عنه، عن ابن عمر قال: كان حبان بن منقذ رجلا ضعيفا، وكان قد سفع في رأسه ~~مأمومة أي ضرب فجعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيار ثلاثة أيام ~~فيما اشتراه، وكان قد ثقل لسانه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بع ~~أي اشتر فقل: لا خلابة»، وكنت أسمعه يقول: لا خدابة لا خدابة. يعني بإبدال ~~اللام دالا، لثقل لسانه، وبتكراره لإظهار بيانه. وكان يشتري الشيء ويجيء به ~~إلى أهله فيقولون له: إن هذا غال، فيقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد خيرني في بيعي. أي: شرائي. # --- PageV04P082 ~~*** # وأجيب بأن خيار الشرط إنما جاز لحاجة الناس إليه لدفع الغبن بالتأمل ~~والتفكر، وذلك يستوي فيه البائع والمشتري، على أن لفظ ابن ماجه: «إذا ~~بايعت»، وهو يشتمل البيع والشراء. بل رواه البخاري في «تاريخه الأوسط»: ~~«إذا بعت فقل: لا خلابة». والأصل كونه على بابه، وإن جاز البيع بمعنى ~~الشراء كما تقدم. # (لا أكثر) أي لا يصح خيار الشرط أكثر من ثلاثة أيام، ms0988 وهذا عند أبي حنيفة، ~~وهو قول زفر والشافعي. وقال مالك: مدة الخيار ما يمكن اختيار المبيع في ~~مثله، ويختلف باختلاف الأشياء، فإن كان المبيع مما لا يبقى أكثر من يوم ~~كالفاكهة لم يجز فيه أن يشترط أكثر من يوم، وإن كان فيه صفة لا يمكن الوقوف ~~عليها في ثلاثة أيام، يجوز أن يشترط فيه أكثر من ثلاثة أيام، لأنه شرع ~~للحاجة إلى التأمل، وهي تندفع بذلك. # وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد: يصح أكثر من ثلاثة أيام إذا كان مدة معلومة، ~~كالتأجيل في الثمن، سواء طالت أو قصرت، ولحديث ابن عمر أنه أجاز الخيار إلى ~~شهرين. ولأبي حنيفة: أن شرط الخيار يثبت بالحديث على خلاف القياس، فلا يزاد ~~على المدة المذكورة فيه، وذلك أن التقدير الشرعي إما أن يمنع النقصان ~~والزيادة كما في الحدود، أو يمنع أحدهما كأقل الحيض وأكثره، وهو ههنا لا ~~يمنع النقصان بالإجماع، فيمنع الزيادة، وإلا لم يكن له فائدة. ولأنه صلى ~~الله عليه وسلم ضرب الثلاثة لمن كان في غاية ضعف المعرفة، ولم يزد عليها. # --- PageV04P083 ~~*** # (إلا أنه) أي البيع بشرط الخيار إذا كان أكثر من ثلاثة أيام (يجوز إن ~~أجازه) من له الخيار (في الثلاثة) وقال الشافعي وزفر: لا يجوز، لأن البيع ~~انعقد فاسدا لفساد الشرط الثابت فيه، فلا ينقلب صحيحا بإسقاطه، كما لو باع ~~درهما بدرهمين، ثم أسقط الدرهم الزائد، وكما لو نكح امرأة وتحته أربعة ~~نسوة، ثم طلق الرابعة. ولأبي حنيفة: أنه بإجازته في الثلاثة أسقط المفسد ~~قبل تقرره، فصار كما لو باع جذعا في سقف ثم نزعه وسلمه. وفي «المحيط»: شرط ~~الخيار أبدا، أو مطلقا، أو مؤقتا بوقت مجهول فاسد خلافا لمالك وأحمد. # (وكذا) يجوز البيع (إن شرط أنه) أي المشتري (إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة) ~~أيام (أو أكثر فلا بيع) بينهما. أما إلى ثلاثة، فعند علمائنا الثلاثة، وأما ~~إلى أكثر من الثلاثة، فعند محمد فقط، لكن إن نقد في الثلاثة صح عند ~~الثلاثة. والقياس أن لا يجوز البيع بهذا الشرط، وهو قول ms0989 زفر ومالك والشافعي ~~وأحمد، لأنه بيع شرط فيه إقالة فاسدة لتعلقها بشرط وهو عدم نقد الثمن في ~~ثلاثة أيام، فلا يجوز كالبيع بشرط إقالة صحيحة بل أولى. # ولنا أنه في معنى خيار الشرط في الحاجة والمقصود، لأنه يتخير في الثلاثة ~~بين الفسخ والإمضاء، وشرط الخيار جوز لهذا المقصود. وفي «المجتبى»: ولو قال ~~بعد البيع: جعلتك بالخيار ثلاثة أيام، صح بالإجماع. ولو زاد على الثلاثة أو ~~أطلق، فسد البيع عند أبي حنيفة وزفر والشافعي، كالشرط الفاسد إذا لحق ~~بالبيع الصحيح. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز كما في شرط الخيار. # (ولا يخرج مبيع عن ملك بائعه مع خياره) أي مع أن الخيار لبائعه، لأنه ~~باشتراطه الخيار له لم يتم رضاه، ولا يخرج المبيع عن ملك مالكه إلا بعد ~~تمام رضاه. ولهذا ينفذ عتق البائع ويملك التصرف فيه دون المشتري، وإن قبضه ~~بإذن البائع. # --- PageV04P084 ~~*** # وفي مذهب الشافعي ثلاثة أوجه: أحدها كمذهبنا، وهو قول مالك. وثانيها: أن ~~الملك ينتقل بنفس العقد، وهو قول أحمد. وثالثها: أنه موقوف، فإن أمضى البيع ~~تبين أن الملك قد انتقل بنفس العقد، وإن فسخ تبين أنه لم ينتقل. # فإذا عرفت ذلك (فهلكه) أي فهلاك المبيع (في يد المشتري) في مدة خيار ~~البائع يوجب ضمانة (بالقيمة)، لأن البائع ما رضي بقبضة إلا بجهة العقد، ~~والمقبوض بجهة العقد يكون مضمونا بالقيمة (كالمقبوض على سوم الشراء) إذا لم ~~يكن مثليا وهلك في يد المشتري، لأن الأصل هو الضمان بالقيمة، وإنما يعدل ~~عنه عند تمام البيع، ولم يوجد. وهذا قول مالك، والوجه المشهور في مذهب ~~الشافعي. وفي وجه آخر يضمنه بالثمن، وهو قياس قول أحمد. # قيد بالهلاك لأنه لو تعيب في يد المشتري، كان البائع بالخيار، إن شاء ~~ألزم البيع، وإن شاء فسخه، وضمن المشتري النقصان، لأنه مضمون عليه بجميع ~~أجزائه كالمغصوب. ولو تعيب في يد البائع، فإن تعيب (بفعله ينتقض البيع ~~بقدره، وتسقط حصته من الثمن، وإن تعيب) لا بفعله، فالمشتري إن شاء أخذ ~~بجميع الثمن، وإن شاء فسخ كما في البيع ms0990 المطلق عن خيار الشرط. وقيد الهلاك ~~بكونه في يد المشتري، لأنه لو كان في يد البائع انفسخ البيع بلا شيء كالبيع ~~المطلق. # --- PageV04P085 ~~*** # (ويخرج) المبيع عن ملك بائعه (مع خيار المشتري) لأن البيع من جهة بائعه ~~لازم، إذ الخيار شرع نظرا لمن هو له، فيعمل في حقه دون الآخر. وفي مذهب ~~الشافعي هنا أيضا ثلاثة أوجه كما فيما إذا كان الخيار للبائع على ما تقدم. ~~(فهلكه في يده) أي فضمان هلك المبيع في يد المشتري (بالثمن كتعيبه) أي ~~كضمان تعيب المبيع في يد المشتري بعيب لا يرتفع في مدة الخيار، فإنه ~~بالثمن، سواء تعيب بفعله أو بفعل غيره أو بآفة سماوية. وقال زفر والشافعي ~~في قول: ضمانه بالقيمة كما لو كان الخيار للبائع. قيدنا العيب بكونه لا ~~يرتفع في مدة الخيار، لأنه لو كان يرتفع فيها كان على خياره، فإن ارتفع ~~فيها فله الفسخ بعد ارتفاعه. وإن لم يرتفع لزم العقد لتعذر الرد. # (لكن لا يملكه المشتري) عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يملكه، وهو ~~قول مالك وأحمد والشافعي، لأنه لو لم يملكه لكان خارجا من ملك البائع لا ~~إلى مالك، ولم يعرف هذا بالشرع. # ولأبي حنيفة أن الثمن لم يخرج عن ملك المشتري، لأن الخيار يعمل في حق من ~~هو له، فلو دخل المبيع في ملكه لدخل بلا عوض، ولاجتمع في ملكه العوض وعوضه، ~~ولم يعرف هذا في الشرع. وعرف فيه الخروج عن ملك شخص لا إلى مالك في صور ~~منها: ما إذا اشترى متولي أمر الكعبة عبدا لخدمتها، فإنه يخرج عن ملك مالكه ~~ولا يدخل في ملك أحد، ومنها: مال التركة إذا استغرقه الدين، فإنه يخرج عن ~~ملك الميت ولا يدخل في ملك الورثة، (ولا الغرماء)، ومنها الوقف على ما ~~سيجيء إن شاء الله تعالى. # --- PageV04P086 ~~*** # (فلا تثبت أحكام الملك) للمشتري إذا كان الخيار له عند أبي حنيفة لعدم ~~ملكه (كعتق قريبه) بأن اشترى قريبه بالخيار، فإنه لا يعتق في مدته عند أبي ~~حنيفة، ويعتق عندهما. (ونحوه) أي ونحو ms0991 القريب في العتق بالشراء، وهو العبد ~~الذي كان مشتريه بشرط الخيار قال: إن ملكت عبدا فهو حر، فإنه لا يعتق في ~~مدة الخيار عند أبي حنيفة، ويعتق عندهما. وإنما قلنا أن مشتريه قال: إن ~~ملكت، لأنه لو قال: إن اشتريت، يعتق في المدة باتفاق، أما عندهما فلوجود ~~الملك، وأما عند أبي حنيفة فلأن المعلق بالشرط كالمطلق عند وجود ذلك الشرط، ~~وهو لو أطلق العتق بعد شرائه بالخيار، يعتق. # (والفسخ) أي فسخ من له خيار الشرط بالقول، سواء كان بائعا أو مشتريا أو ~~أجنبيا، (لا يعمل) عند أبي حنيفة ومحمد (إلا أن يعلم صاحبه) أي صاحب ~~الفاسخ، وهو العاقد الذي لا خيار له (في المدة) أي مدة الخيار، سواء كان ~~غائبا أو حاضرا. وقال أبو يوسف: يعمل وإن لم يعلم صاحبه، وهو قول مالك ~~والشافعي وأحمد، لأن من له الخيار مسلط على الفسخ من جهة من لا خيار له، ~~فلا يتوقف فسخه على علمه كالإجازة، وصار كالوكيل بالبيع فتصرف فيما وكل، ~~وإن لم يعلم موكله. # ولهما: أن من لا خيار له قد يلحقه الضرر إذا فسخ بغير علمه من له الخيار، ~~فإن الخيار إذا كان للبائع ومضت المدة يظن المشتري أن البيع تم بناء على ~~الظاهر، فيتصرف في المبيع، ثم يظهر أنه ملك لغيره، فيلحقه الضمان بالهلاك. ~~وإذا كان للمشتري، فالبائع لا يطلب لسلعته مشتريا بناء على أن البيع تم ~~بمضي المدة، فإذا أخبره المشتري بعد ذلك أنه كان فسخ العقد تضرر. وقال ~~الكرخي : وعلى هذا الخلاف خيار الرؤية، بخلاف خيار العيب، فإنه لا يصح فسخه ~~بدون علم صاحبه باتفاق. # --- PageV04P087 ~~*** # (بخلاف الإجازة) فإنها تعمل وإن لم يعلم صاحب المجيز، لأنه لا ضرر فيها ~~عليه إذ العقد لازم من طرفه. قيدنا الفسخ بكونه بالقول لأنه لو كان بالفعل ~~بأن أعتق أو وطىء أو باع، فإن العقد ينفسخ وإن لم يعلم صاحبه، لأن فسخه ~~حينئذ حكمي، وهو لا يشترط فيه العلم كعزل الوكيل. وقيد علم صاحبه بكونه في ~~المدة، لأنه لو كان بعدها، ms0992 بأن فسخ حال غيبته، ومضت المدة قبل علمه، تم العقد. # ثم اعلم أنه يثبت الخيار لكل من العاقد والمشروط له من غير العاقدين، فإن ~~أجاز أحدهما البيع وفسخ الآخر، يعتبر الأسبق منهما، ردا كان أو إجازة، لأن ~~السابق إن كان ردا انفسخ العقد، والمفسوخ لا يجاز، وإن كان إجازة انبرم، ~~وبعد انبرامه لا ينفرد أحد العاقدين بفسخه، فإن وجدا معا، فالفسخ أحق على ~~الأصح. وقيل: تصرف العاقد أحق. # (ويسقط الخيار بمضي المدة) لأنه لا يثبت إلا فيها، فيكون مقدرا بمضيها. ~~(وما) أي وبفعل ما (يدل على الرضى كالركوب) في الدابة إذا كان له منه بد، ~~أما ركوبها لينظر إلى سيرها فلا يبطل خياره، لأنه لا بد له منه للامتحان. ~~(والوطىء) أي كالوطىء في الأمة، لأنه لا يحل في غير الملك. (وشراء أحد ~~الثوبين أو أحد الثلاثة، على أن يعين) المشتري (أحدا) أي واحدا، ويشاء في ~~ثلاثة أيام. (صح) ويسمى هذا خيار التعيين. وقال زفر والشافعي رحمهما الله: ~~لا يصح. # (لا في الأكثر) أي لا يصح شراء أحد أكثر من ثلاثة على أن يعين واحدا، لأن ~~الحاجة تندفع بالثلاثة لاشتمالها على الجيد والرديء والوسط. # --- PageV04P088 ~~*** # (وشراء عبدين) وكذا بيعهما (بالخيار في أحدهما، صح إن فصل) البائع (الثمن ~~وعين محل الخيار) لأن المبيع معلوم، والثمن معلوم. قيد بالعبدين، لأن شراء ~~الكيلي والوزني، أو العبد الواحد على أنه بالخيار في نصفه جائز، سواء فصل ~~الثمن أو لم يفصل، لأن النصف من الشيء الواحد لا يتفاوت. # (وفسد البيع في الأوجه الباقية) وهي ما إذا لم يفصل الثمن ولم يعين محل ~~الخيار، أو فصل ولم يعين، أو عين ولم يفصل، لجهالة الثمن والمبيع في الأول، ~~وجهالة المبيع في الثاني، وجهالة الثمن في الثالث. # (وعبد مشري) كمرمي اسم مفعول من الشراء. وفي نسخة: مشترى. (بشرط كتبه) أي ~~بشرط أنه كاتب (ولم يوجد) الشرط، (أخذ) المشتري ذلك العبد (بثمنه أو ترك) ~~وهو قول الشافعي، لأن الكتابة وصف مرغوب فيه، فيستحق بالشرط، ويثبت بفواته ~~الخيار للمشتري، لأنه لم يرض ms0993 بالعبد دونه، ويكتفى بأدنى ما يطلق عليه اسم ~~الكاتب لوجود الشرط. نص عليه محمد في «الزيادات»، وهو قول الشافعي. # (ويورث خيار التعيين و) خيار (العيب) أي يثبت كل منهما ابتداء لوارث: هو ~~له لاستحقاقه المطالبة بعده. (لا الشرط) أي لا يورث خيار الشرط، (و) لا ~~خيار (الرؤية). # --- PageV04P089 ~~*** # وقال مالك والشافعي: يورث خيار الشرط، لأنه حق في المبيع فيجري فيه الإرث ~~كخيار العيب وخيار التعيين. ولنا: أن خيار الإنسان لا ينتقل إلى غيره بل ~~ينقطع بموته، وإنما يورث ما يحتمل الانتقال، وأما خيار العيب فإن المورث ~~استحق المبيع سليما فكذا وارثه. وخيار التعيين فإنه يثبت للوارث ابتداء في ~~ضمن اختلاط ملكه بملك البائع. وتوضيحه أن الثابت بالشرط لا يورث ويسقط، ~~ولكنه ورث المبيع مجهولا مختلطا بملك الغير، فيثبت له خيار التعيين ابتداء، ~~كمن اختلط ماله بمال رجل يثبت له خيار التعيين. # فصل # (في خيار الرؤية) # (صح شراء ما لم يره) سواء ذكر وصفه أو لم يذكر، كمن اشترى زيتا في زق، أو ~~برا في عدل، أو درة في حقة، أو ثوبا في كم واتفقا على أنه موجود في ملكه ~~ولم ير المشتري شيئا من ذلك. (ولمشتريه خياره) أي خيار ما لم يره. وفي ~~نسخة: الخيار. (عندها) أي عند الرؤية (إلى أن يوجد مبطله) أي مبطل خيار ~~الرؤية، وهو ما يدل على الرضا. وقال الشافعي: لا يصح شراء ما لم يره إن لم ~~يكن جنسه معلوما للمشتري، وإن كان معلوما يجوز على قوله القديم، ولا يجوز ~~على قوله الجديد. واختار كثير من الشافعية الجواز منهم القفال. وعن مالك ~~الجواز وعدمه. وقال بعض أصحابه: لا يصح بلا ذكر صفة ولا تقدم رؤية. # لهما في عدم الجواز: نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الغرر. والغرر ما ~~يكون مستور العاقبة، وهو موجود فيما لم يره، ونهيه عليه الصلاة والسلام عن ~~بيع ما ليس عند الإنسان. والمراد ما ليس بحاضر مرئي للمشتري، لإجماعنا على ~~أن المشتري إن كان رآه، فالعقد جائز وإن لم يكن حاضرا عند ms0994 العقد. # --- PageV04P090 ~~*** # ولنا العمومات المجوزة للبيع مثل قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم ~~الربا} وما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» والدارقطني والبيهقي في «سننيهما» ~~مرسلا: حدثنا إسماعيل بن (عياش، عن) أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن ~~مكحول رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «من اشترى شيئا لم يره، فله ~~الخيار إذا رآه، إن شاء أخذ، وإن شاء ترك». قال الدارقطني: أبو بكر بن أبي ~~مريم ضعيف. # وأجيب: بأن تضعيف ابن أبي مريم لجهالة عدالته، لا ينافي علم غير المضعف ~~بها. وقد رواه أيضا الحسن البصري، وسلمة بن المحبق عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وروى الدارقطني مسندا عن داهر بن نوح، عن عمر بن إبراهيم بن خالد ~~الكردي، عن وهب اليشكري، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من اشترى شيئا لم يره، فهو بالخيار إذا رآه». # قال الكردي: وأخبرني الفضيل بن عياض، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. قال عمر وأخبرني القاسم بن ~~الحكم، عن أبي حنيفة (عن الهيثم)، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بمثله. لكن قال الدارقطني: وعمر بن إبراهيم هذا يضع ~~الأحاديث، ولم يروه غيره، أي مسندا، وإنما يعرف هذا عن ابن سيرين من قوله. ~~وقال ابن القطان في كتابه: والراوي عن الكردي داهر بن نوح، وهو لا يعرف، ~~ولعل الجناية منه. # --- PageV04P091 ~~*** # هذا، وتأويل النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان: بيع ما ليس في ملكه، بدليل ~~قصة الحديث. قال حكيم بن حزام: فقلت يا رسول الله يأتيني الرجل يطلب مني ~~بيعة ليست عندي، فأبيعها منه، ثم أدخل السوق فأستجيدها، فأشتري بها، ~~فأسلمها إليه. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تبع ما ليس عندك». والنهي عن ~~بيع الغرر ينصرف إلى ما لا يكون معلوم العين: كالطير في الهواء، والسمك في الماء. # إذا عرف هذا فيخير المشتري فقط (وإن) كان (رضي قبلها) ms0995 «إن» هذه وصلية أي: ~~وللمشتري أن يرد المبيع عند الرؤية وإن رضي قبل الرؤية، بأن قال بعد تمام ~~العقد: رضيت بذلك المبيع على أي وصف كان، لأن هذا الخيار تعلق ثبوته ~~بالرؤية فكان عدما قبلها، (فلا يصح إسقاطه قبلها). ثم لا رواية في الرد قبل ~~الرؤية، واختلف فيه المشايخ فقيل: لا يملكه المشتري كالإجازة، وقيل: يملكه، ~~وهو ظاهر مذهب أصحابنا. # (لا لبائعه) أي لا خيار لبائع ما لم يره. وكان أبو حنيفة أولا يقول: (له ~~الخيار) قياسا على المشتري، ثم رجع إلى أنه لا خيار له. لما روى الطحاوي ~~والبيهقي عن علقمة بن أبي وقاص: أن طلحة اشترى من عثمان مالا، فقيل لعثمان: ~~إنك قد غبنت فقال عثمان: لي الخيار لأني بعت ما لم أره. قال طلحة: لي ~~الخيار لأني اشتريت ما لم أره. فحكما بينهما جبير بن مطعم، فقضى أن الخيار ~~لطلحة، ولا خيار لعثمان، (وكان ذلك بمحضر من الصحابة)، فقد اتفقوا على جواز ~~الشراء. # --- PageV04P092 ~~*** # (ويبطله) أي ويبطل خيار الرؤية (و) يبطل (خيار الشرط) أيضا (تعيبه) أي ~~المبيع بتعد أو غيره عند المشتري دفعا للضرر عن البائع، لأنه خرج عن ملكه ~~سليما، فلا يعود إليه معيبا. (وتصرف) من المشتري، وهو بالرفع عطف على تعيبه ~~(يوجب) ذلك التصرف (حقا لغيره كالبيع بلا خيار) والإعتاق والتدبير والرهن ~~والإجارة (قبل الرؤية وبعدها) أما قبل الرؤية، فلتعذر الفسخ في هذه ~~التصرفات لوقوعها صحيحة لابتناء صحتها على قيام الملك، وقد وجد، وبعد صحتها ~~لا يمكن رفعها، وأما بعد الرؤية لأنها دليل على الرضا. # (وما) أي وتصرف من المشتري، وهو مبتدأ صفته (لا يوجبه) أي لا يوجب حقا ~~لغير المشتري (كالبيع بخيار ومساومة) بعدها، أي كمساومة لسلعة، وهو عرض ~~المبيع للبيع (وهبة بلا تسليم يبطل) خيار الرؤية خبر المبتدأ (بعدها) أي ~~بعد الرؤية لوجود ما يدل على الرضا، (فقط) أي ولا يبطل خيار الرؤية قبلها، ~~لإنها لا تزيد على صريح الرضا، وهو لا يبطل خيار الرؤية قبلها. # إلا أنه إذا تعلق به حق الغير، صار ms0996 ذلك الحق مانعا من الفسخ، ولاحق هنا. # ويبطل خيار الرؤية أيضا قبض المبيع بعد الرؤية، لأنه يدل على الرضا، لأنه ~~مؤكد لحكم العقد فشابه البيع. ثم اعلم أن قوله: كالبيع بلا خيار، يعني ~~للبائع، سواء كان بلا خيار أصلا، أو بخيار للمشتري أو لغيره، لأن البيع ~~حينئذ من جانبه بات لازم. وإن قوله: كالبيع بخيار، يعني للبائع، لأن البيع ~~من جانبه حينئذ غير بات، وإن قوله في المسألة الأولى الرؤية، وبعدها منصوب ~~(يبطله، كما إن قوله في مقابلها: بعدها فقط منصوب) يبطل. # --- PageV04P093 ~~*** # (ويعتبر رؤية المقصود) لأنه بها يحصل العلم بالمبيع، ولا يشترط رؤية ~~غيره، ولا يكتفى بها وحدها حتى لو رأى سائر أعضائه دون ما هو المقصود، كان ~~باقيا على خياره (كوجه الأمة) والعبد، وإنما كان المقصود في الرقيق وجهه، ~~لأن سائر الأعضاء فيه تبع لوجهه، لأن القيمة فيه تتفاوت بتفاوته مع التساوي ~~في سائر الأعضاء. # (والدابة) أي، ووجهها (وكفلها) هذا هو الصحيح. وقال محمد: يكفي رؤية ~~الوجه اعتبارا بالرقيق. وقال بعض المشايخ، وهو مذهب الشافعي: لا بد: من ~~رؤية الوجه والكفل والقوائم، وأما فيما يطعم من السمن والعسل ونحوهما فلا ~~بد من الذوق، لأن العلم بما هو المقصود لا يحصل إلا به. # (وموضع علم) الثوب (المعلم) لأن ماليته تتفاوت بحسبه (وظاهر غيره) أي غير ~~المعلم لأن برؤية ظاهره يعلم حال البقية، إذ لا تتفاوت أطراف الثوب الواحد ~~إلا يسيرا، وذا غير معتبر. وأطلق المصنف، وهو مقيد بما إذا كان مطويا. وفي ~~«المحيط»: قيل: هذا في عرفهم، أما في عرفنا فما لم ير الباطن لا يسقط ~~خياره. وعند الشافعي لا بد من نشره ورؤية كله في قول، وهو قول زفر لأنه ليس ~~بمثلي، فلا يعرف كله بدون ذلك. # (وبيوت) في الدار (مقصودة) هذا قول زفر وهو الأصح، لأن بيوتها تختلف ~~بالشتوية والصيفية، والعلوية والسفلية. وعامة الروايات على أنه يكفي رؤية ~~صحن الدار دون بيوتها، وكذا رؤية خارجها، وهو مبني على عادة أهل الكوفة في ~~ذلك الزمان. فإن دورهم كانت على ms0997 نمط واحد لا تختلف إلا بالكبر والصغر، ~~وبكونها جديدة أو عتيقة، وذلك يظهر برؤية خارجها، وأما اليوم فلا بد من ~~النظر إلى داخلها لتفاوت بيوتها ومرافقها. وفي «المحيط»: وبعضهم شرط رؤية ~~الكل، وهو الأظهر كما قال الشافعي. # --- PageV04P094 ~~*** # (و) يعتبر (نظر وكيله بالشراء أو القبض لا نظر رسوله) أما نظر وكيله ~~بالشراء فباتفاق، وأما نظر وكيله بالقبض فعند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ~~ومحمد: الوكيل بالقبض والرسول سواء، وللمشتري أن يرده إذا رآه. (و) يعتبر ~~(جس الأعمى) فيما يعرف بالجس كشاة اللحم (وشمه) فيما يعرف بالشم كالمسك ~~وماء الورد (وذوقه) فيما يعرف بالذوق. (و) يعتبر (وصف العقار) للأعمى ~~(عنده) أي عند العقار. # (ومن رأى شيئا ثم شرى) ما رآه بعد مدة (فله الخيار إن تغير) المشترى، لأن ~~تلك الرؤية لم تقع معلمة بأوصافه، فصار كأنه لم يره. قيد بتغيره لأنه لو لم ~~يتغير لم يكن له الخيار، لأن العلم بأوصافه حاصل له بالرؤية السابقة، وقد ~~رضي به ما دام على تلك الصفة. # (والقول للبائع) مع يمينه (في عدم تغيره) إن اختلفا في تغيره وكانت المدة ~~قريبة يعلم أنه لا يتغير في مثلها، لأن الأصل بقاء ما كان على حاله، فلا ~~يصدق المشتري في دعوى التغير إلا ببينة، إلا إذا بعدت المدة بأن رأى أمة ~~شابة، ثم اشتراها بعد عشرين سنة، لأن الظاهر يشهد له (و) القول (للمشتري) ~~مع يمينه (في عدم رؤيته) إن اختلفا فيها لأنها أمر حادث، والمشتري ينكره، ~~فيكون القول له. ولو اشترى شيئا مغيبا في الأرض، كالجزر والفجل والبصل ~~والثوم وأصول الزعفران وما أشبه ذلك، يجوز، وبه قال مالك وأحمد، وله الخيار ~~إذا رأى جميعه. ورؤية بعضه لا تبطل خياره عند أبي حنيفة، لأن هذه الأشياء ~~تتفاوت بالصغر والكبر، والجودة والرداءة. وقال أبو يوسف ومحمد: رؤية بعض ~~أحد هذه الأشياء كرؤية كله، لأن بعض الواحد منها يستدل به في العادة على ~~جميعه، فصارت كالمكيل والموزون والعددي المتقارب. # فصل # --- PageV04P095 ~~*** # (في خيار العيب) # (ولمشتر) خبر مقدم (وجد بمشريه) أي بمشتراه ms0998 (عيبا نقص) بفتح القاف ~~المشددة (ثمنه عند التجار) يعني وقبضه غير عالم بالعيب (رده) مبتدأ الخبر ~~المقدم (أو أخذه) بصيغة المصدر، أي أخذ المشتري (بثمنه (كله)) قيد النقص ~~بكونه عند التجار، لأن المرجع في معرفة ذلك إليهم. وفي «الذخيرة»: كل شيء ~~إذا رجع إلى أهل صنعته يعدونه عيبا، فهو عيب وإن لم يوجب نقصا في العين ولا ~~في منافعها، لأنه عندهم يوجب نقص ثمنه. نظيره الظفر الأسود إن كان ينقص ~~الثمن، فهو عيب كما في الأتراك. وإن كان لا ينقصه، فليس بعيب كما في الحبش. ~~وإنما كان للمشتري الخيار بالعيب، لأن مطلق العقد يقتضي السلامة، فعند ~~فواتها يتخير المشتري كي لا يتضرر بلزوم ما لا يرضى به. وإنما لم يكن له أن ~~يأخذه ويأخذ النقصان لتضرر البائع، لأنه ما رضي بزوال المبيع عن ملكه إلا ~~بكل الثمن. # --- PageV04P096 ~~*** # وفي «البخاري»: ويذكر عن العداء بن خالد قال: كتب لي النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «هذا ما اشترى محمد رسول الله من العداء بن خالد، بيع المسلم المسلم، ~~لا داء ولا خبثة ولا غائله، ثم قال البخاري: وقال قتادة: الغائلة: الزنا ~~والسرقة والإباق. وروى ابن شاهين في «المعجم» عن أبيه قال: حدثنا عبد ~~العزيز بن معاوية القرشي قال: حدثنا عباد بن ليث قال: حدثنا عبد الحميد بن ~~وهب قال: قال لي العداء بن خالد بن هوذة: ألا أقرأ لك كتابا كتبه لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ؟: «هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا أو أمة، لا داء ولا غائلة ولا خبثة، بيع ~~المسلم المسلم». ففي هذا الحديث أن المشتري العداء، وفي الأول أنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وصحح في «المغرب» أن المشتري كان العداء. # --- PageV04P097 ~~*** # وتعليق البخاري إنما يكون صحيحا إذا لم يكن بصيغة التمريض ك: يذكر، بل ~~بنحو قوله: وقال قتادة. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «بيع المسلم المسلم» ~~دليل على أن بيع المسلم المسلم ما كان سليما. ويدل ms0999 عليه قضاؤه بالرد فيه ~~على ما في «سنن أبي داود» من حديث عائشة رضي الله عنها: أن رجلا ابتاع ~~غلاما فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فرده، فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي فقال ~~عليه الصلاة والسلام: «الخراج بالضمان». وفسر الخطابي الداء بما يكون في ~~الرقيق من الأدواء التي يرد بها، كالجنون والجذام ونحوهما. والخبثة: ما كان ~~خبيث الأصل مثل أن يسبى من له عهد. يقال: هذا سبي خبثة إذا كان ممن يحرم ~~سبيه، وهذا سبي طيبة بوزن حبرة ضده. ومعنى الغائلة: ما يغتال حقك من ~~حيلة، وما يدلس عليك في المبيع من عيب. وتفسير الداء يوافق تفسير أبي يوسف ~~(له. وأما أبو حنيفة، ففسره فيما رواه الحسن عنه بالمرض في الجوف والكبد ~~والرية. وفسر أبو يوسف) الغائلة بما يكون من قبيل الأفعال كالإباق والسرقة، ~~وهو قول الزمخشري الغائلة: الخصلة التي تغول المال، أي تهلكه من إباق ~~وغيره. والخبثة هو الاستحقاق، وقيل: هو الجنون. # --- PageV04P098 ~~*** # (والإباق والبول في الفراش وسرقة صغير يعقل) أي يميز (عيب) لأن هذه ~~الأشياء توجب نقصان القيمة عند التجار، كالسعال القديم لدلالته على داء ~~مستحكم، كالشعر والماء في العين لأنه يضعف البصر. وقيد الصغير بالعقل، لأن ~~الذي لا يعقل لا يكون ذلك عيبا منه. وقيد السرقة بالصغير تبعا «للوقاية»، ~~وهو قيد في الجميع. ولو قال: والسرقة من صغير يعقل لكان أولى. وقد تكلف بأن ~~اللام في الإباق والبول للعهد، أي إباق الصغير وبوله. ويقدر بخمس سنين. # ثم الإباق عيب باتفاق إن خرج الآبق من البلد إلى غير مولاه، سواء أبق من ~~المولى أو ممن كان عنده بإجارة أو إعارة أو وديعة أو غصب، وهو يعرف منزله ~~ويقوى على الرجوع إليه. وإن لم يخرج من البلد اختلف المشايخ، والأشبه أن ~~يقال: إن كانت البلدة كبيرة، كمصر وسمرقند يكون عيبا، وإن كانت صغيرة بحيث ~~لا يخفى عليه أهلها وبيوتها، لا يكون عيبا كالحرمين الشريفين. ولا ms1000 فرق في ~~السرقة بين أن يكون من المولى أو من غيره، إلا إذا سرق من المولى شيئا ~~يؤكل، فإن التقصير من المولى حيث أحوجه إلى ذلك، إلا إذا سرقه لبيعه أو ~~ليعطي غيره، ولو سرق نحو الفلس والفلسين، لا يكون عيبا. # (و) من (بالغ عيب آخر) حتى لو سرق عند البائع قبل بلوغه ثم سرق عند ~~المشتري بعد بلوغه، لا يرد بهذا العيب، (ولو سرق عند كل منهما قبل بلوغه، ~~أو سرق عند كل منهما بعد بلوغه يرد به)، ولو اشتري بشرط البراءة، لأن سبب ~~هذه الأشياء يختلف باختلاف الصغر والكبر، واختلاف الأسباب دليل اختلاف ~~المسببات. فالبول في الفراش في الصغر لضعف المثانة، وفي الكبر لافة في ~~القوة الماسكة. والإباق في الصغر لحب اللعب. والسرقة فيه لقلة المبالاة، ~~وهما في الكبر لخبث في الطباع، فرارا من عمل الخدمة في الإباق، ورغبة في ~~المال في السرقة. # --- PageV04P099 ~~*** # (وجنون الصغير) عند البائع ولو ساعة، وقيل: أكثر من يوم وليلة، وقيل: ~~المطبق دون غيره (عيب أبدا) هكذا قال محمد. ومعناه عند جمهور المشايخ سواء ~~وجد عند المشتري في حال الصغر أو الكبر، لأن الثاني عين الأول، فإن السبب ~~متحد وهو آفة في الدماغ. وقيل معناه سواء وجد عند المشتري أو لم يوجد، وإلى ~~هذا مال الحلواني وشيخ الإسلام خواهر زاده، وهو رواية «المنتقى»، وظاهر ~~مذهب مالك والشافعي وأحمد. وقال جمهور المشايخ، وهو الصحيح والمذكور في ~~«الأصل» و«الجامع الكبير»: لا يرد بالجنون عند البائع حتى يعاود عند ~~المشتري، لأن الآفة التي هي سببه قد لا تتمكن فتزول، وقد تتمكن فلا تزول. ~~ولأن الله تعالى قادر على إزالة تلك الآفة كسائر الآفات، فلم يكن من ضرورة ~~وجودها مرة وجودها دائما. وجنون الكبير أيضا عيب، ويشترط معاودته في يد ~~المشتري عند الجمهور. # (والبخر) بفتح الموحدة والمعجمة: نتن رائحة الفم (والذفر) بالمعجمة ~~والمهملة والفاء رائحة مؤذية تحت الإبط (والزنا) أي فعله (والتولد منه عيب ~~فيها) أي في الأمة، لأن ذلك يخل بالمقصود منها والبخر والذفر يخل بالقرب ~~للخدمة، ms1001 والزنا بالاستفراش، والتولد من الزنا يخل بطلب الولد (لا فيه) أي ~~ليست هذه الأشياء عيبا في العبد، لأن الغالب طلب استخدامه من العبد إلا إذا ~~كان البخر والذفر فاحشا، أو يكون الزنا عادة له بأن يقع منه أكثر من مرتين، ~~لأن ذلك يخل بالاستخدام، لأنه يترك حاجة مولاه ويذهب في متابعة هواه. # --- PageV04P100 ~~*** # (والكفر عيب فيهما) أي في الأمة والعبد، لأن طبع المسلم ينفر عن صحبة ~~الكافر للعداوة الدينية. ولو اشتراه على أنه كافر، فإذا هو مسلم فلا خيار ~~له، لأن الإسلام زوال عيب الكفر، فصار كما لو اشتراه معيبا فإذا هو سليم، ~~فإنه لا خيار بالإجماع. وقال الشافعي وأحمد: له الخيار، لأنه وجده على خلاف ~~ما شرطه، وربما يتعلق له بهذا الشرط غرض مثل أن يستخدمه في محقرات الأمور، ~~ولا يستجيز من نفسه أن يستخدم المسلم فيها. # (والتزوج عيب فيهما) أما في الأمة، فلفوات غرض الاستمتاع، وأما في العبد، ~~فلوجوب المهر والنفقة عليه. (والحبل عيب في الأمة) لأنه ينقص ماليتها لا في ~~البهيمة لأنه يزيدها (والاستحاضة) عيب (وارتفاع حيض بنت سبع عشرة سنة) أي ~~عدمه وانقطاعه (عيب) قيد بسبع عشرة، لأنه أقصى زمن البلوغ عند أبي حنيفة. ~~أما كون الاستحاضة عيبا، فلأنها لداء في عروق المرأة. وقد أشار إلى ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لفاطمة بنت أبي حبيش حين سألته وكانت ~~تستحاض: «إن ذلك عرق، وليس بالحيضة». وأما عدم الحيض في البالغة فلداء في ~~باطنها، إذ العادة الأصلية في النساء اللاتي جبلن على السلامة أن يحضن في ~~أوانه (ويطهرن في أوانه)، فإذا كان بخلافه كان لداء في الباطن وإنما يعرف ~~هذا بقول الأمة، لا طريق لمعرفة ذلك إلا هذا. # --- PageV04P101 ~~*** # (وإن ظهر) للمشتري (عيب قديم) أي كان عند البائع (بعدما مات) المبيع (أو) ~~بعدما (أعتقه) المشتري غير عالم بالعيب عتقا (مجانا) أي ليس على مال، (أو) ~~بعدما (دبره أو استولد رجع بالنقصان) لأنه استحق المبيع بوصف السلامة، فصار ~~كما لو تعيب عنده. أما الموت، فلأن الملك ينتهي به ms1002 والامتناع حكمي لا ~~بفعله. وأما الإعتاق، فالقياس فيه أن لا يرجع وهو قول زفر، (لأن امتناع ~~الرد فيه بفعله، ووجه الرجوع وهو الاستحسان، وقول الشافعي وأحمد: أن ~~الإعتاق إنهاء الملك، لأن الآدمي لم يخلق محلا للملك، وإنما يثبت فيه على ~~خلاف الأصل مؤقتا بالإعتاق. والشيء يتقرر بانتهائه، فيصير الملك كأنه باق ~~والرد متعذر، ولهذا يثبت الولاء بالعتق وهو من آثار الملك، فبقاؤه كبقاء ~~الملك). # قيدنا العتق بكونه قبل (العلم) بالعيب، لأنه لو كان بعده لا يرجع ~~بالنقصان، لأن إقدامه على الإعتاق يدل على رضاه بالعيب. وقيده بكونه مجانا ~~لأنه لو كان على مال لم يرجع. وأما التدبير والاستيلاد فلأنهما بمنزلة ~~الإعتاق. وطريق معرفة النقصان: أن يقوم وبه عيب ويقوم بلا عيب، فإن كان ~~تفاوت ما بين القيمتين العشر، رجع بعشر الثمن، وعلى هذا. # --- PageV04P102 ~~*** # (لا بعدما أعتق) أي لا يرجع المشتري بالنقصان إن ظهر عيب قديم في المبيع ~~بعدما أعتق (على مال) أو بعدما (كاتبه أو) بعدما (قتله، (أو بعدما أكل ~~بعضه؛) أو) بعدما (أكل كله، أو) بعدما (لبس) الثوب (فتخرق)، أما الإعتاق ~~على مال فلأنه أزال ملكه عنه بعوض، فصار كالبيع وهو فيه لا يرجع، فكذا هذا. ~~وعن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف والشافعي وأحمد أنه (يرجع، لأنه) إنهاء ~~للملك وإن كان بعوض، فكان كالعتق مجانا، ولهذا ثبت فيه الولاء والكتابة ~~كالإعتاق على مال لحصول العوض فيها. وأما القتل فالمذكور ظاهر الرواية، وعن ~~أبي يوسف ومحمد معه في رواية «الينابيع»: أنه يرجع، وبه قال الشافعي وأحمد، ~~لأن المقتول مات بأجله، فكأنه مات حتف أنفه، ولأن قتل المولى لا يتعلق به ~~حكم دنيوي من قصاص أو دية، فصار كالموت حتف الأنف، وإنما يتعلق به حكم ~~أخروي من استحقاق العقاب إذا كان بغير حق. # ووجه الظاهر أن القتل فعل مضمون، إذ لو باشره في ملك غيره ضمن، لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «ليس في الإسلام دم مفرج» أي مهدر. وإنما سقط ضمانه ~~عن المولى لأجل أنه ملكه، فكان ذلك السقوط في معنى ms1003 عوض سلم له، وصار كأنه ~~باعه به بخلاف الإعتاق، فإنه لا يوجب الضمان لا محالة، كإعتاق المعسر عبدا ~~مشتركا. وأما أكل الكل، ولبس الثوب فالمذكور هنا قول أبي حنيفة. والقياس أن ~~يرجع بالنقصان، وهو قولهما ومذهب الشافعي وأحمد، وبه أخذ الطحاوي. # --- PageV04P103 ~~*** # وفي «الخلاصة»: وعليه الفتوى، لأنه فعل بالطعام والثوب ما يقصد بشرائهما ~~ويعتاد فيهما، فأشبه الإعتاق بخلاف القتل والإحراق ونحوهما من الاستهلاك، ~~فإنه ليس غرضا معتادا من الشراء. ووجه قول أبي حنيفة وهو الاستحسان أن ~~الرد تعذر بفعل مضمون، فأشبه البيع والقتل. وإنما سقط عنه الضمان لأجل أنه ~~ملك. وأما أكل بعض الطعام فالمذكور قول أبي حنيفة، وهو أنه لا يرجع بنقصان ~~ما أكل وما بقي اعتبارا بالكل، ولا يرد الباقي لأن الطعام كشيء واحد فلا ~~يرد بعضه بالعيب دون البعض، كما لو باع البعض. # وعندهما يرجع بالنقصان في الكل، وليس له أن يرد الباقي، لأن أكل الكل لا ~~يمنع الرجوع عندهما، فالبعض أولى والطعام كشيء واحد، فلا يرد بعضه بالعيب. ~~وفي «شرح الطحاوي»: أن الرجوع بنقص الكل قول أبي يوسف، والرد والرجوع قول ~~محمد. وفي «قاضيخان»: وعليه الفتوى، ولو باع بعض الطعام منعنا الرجوع بنقص ~~الباقي منه، كالزائل عن ملكه، فإنه لا يرجع بنقصه. وأجازه زفر لما قدمناه ~~في بيع نصف العبد. وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: يرد الباقي من الطعام ~~ويرجع بنقصان عيب ما باعه اعتبارا للنقص بالكل، وبهذه الرواية يفتى، ~~واختارها الفقيه أبو جعفر، والفقيه أبو الليث لأن التبعيض لا يضره. # --- PageV04P104 ~~*** # (وبعدما حدث) عطف على ما بعدما مات، أي وإن ظهر عيب قديم بعدما حدث (عيب) ~~عند المشتري، كما لو ظهر عيب بالثوب بعدما قطعه (رجع) المشتري (به) ، أي ~~بالنقصان لأن في رده إضرارا بالبائع، فإنه خرج عن ملكه سليما ويعود إليه ~~معيبا (إلا أن يأخذه البائع كذلك) أي معيبا، فإن المشتري لا يرجع بالنقصان، ~~لأن البائع رضي بالضرر، بل يتخير المشتري بين أن يأخذه ولا يرجع بشيء، وبين ~~أن يرده (ما لم يختلط بملك المشتري). ms1004 # وقيد به، لأنه إن اختلط بملك المشتري كما لو قطع الثوب وخاط فاختلط ~~بخيطه، أو صبغه أحمر أو أصفر أو أسود وهو قولهما، لأن السواد عندهما زيادة، ~~وعند أبي حنيفة نقصان، فاختلط بصبغة. أو لت السويق بسمن فاختلط بسمنه، ثم ~~ظهر عيب، فإن بائعه لا يأخذه بل يرجع مشتريه بنقصانه، إذ الفسخ في الأصل ~~بدون الزيادة لا يمكن، لأنها لا تنفك عنه، ومع الزيادة لا يمكن لأن العقد ~~لم يرد عليها، والفسخ لا يرد إلا على ما ورد عليه العقد. # والفرق بين ما اختلط بملك المشتري، وبين ما لم يختلط: أن امتناع الرد ~~فيما لم يختلط لحق البائع فيقدر على إسقاطه، بخلاف ما اختلط فإنه لحق الله، ~~وهو شبهة الربا. # (فلا يرجع) المشتري (إن باع) بعد حدوث العيب عنده (قبله)، أي قبل ~~الاختلاط بملكه، لأنه صار حابسا له بالبيع، لأن الرد غير ممتنع بأن رضي ~~البائع به (لا بعده) أي ويرجع المشتري إن باع بعد الاختلاط بملكه، لأنه غير ~~حابس للمبيع بالبيع لامتناع الرد قبله بالاختلاط. # --- PageV04P105 ~~*** # ثم اعلم أن الزيادة في المبيع على نوعين: متصلة ومنفصلة. والمتصلة نوعان: ~~متولدة كالسمن والجمال، وهي لا تمنع الرد بالعيب في ظاهر الرواية، لأن فسخ ~~العقد فيها ممكن، لأنها تبع محض باعتبار التولد والاتصال. ومتصلة غير ~~متولدة كالصبغ، وهي تمنع الرد بالعيب اتفاقا. والمنفصلة نوعان: متولدة ~~كالولد والثمر، وهي تمنع الرد بالعيب، إذ لا سبيل إلى فسخها قصدا، لأن ~~العقد لم يرد عليها، ولا تبعا لانقطاع التبعية بالانفصال. وغير متولدة من ~~المبيع كالكسب، وهي لا تمنع الرد بالعيب، بل يفسخ العقد في الأصل ويسلم ~~الكسب للمشتري لأنه متولد من المنافع، وهي غير مبيعة بحال. # (و) إن ظهر عيب قديم (بعد كسر الجوز) ونحوه من اللوز والفستق والبندق ~~والبيض (والبطيخ) والقثاء والخيار (رجع) المشتري (بالنقصان في المنتفع به) ~~ولم يرده إلا برضاء البائع، لأن الكسر عيب حدث عنده. وقال مالك وأحمد في ~~رواية: لا يرده، ولا يرجع بالنقصان لأنه ليس من البائع تلبيس، فإنه لا ms1005 يعلم ~~ما في باطنه. وأما لو ظهر العيب قبل الكسر فلا يرجع بالنقصان، لأنه دليل ~~الرضى بالعيب. (و) رجع (بالكل) أي كل الثمن (في غيره) أي في غير المنتفع ~~به، كالقرع إذا وجده مرا، لأنه ليس بمال فكان البيع فيه باطلا. وهذا كله ~~إذا وجد الكل فاسدا. # --- PageV04P106 ~~*** # وأما إذا وجد البعض فاسدا، فإن كان قليلا صح البيع استحسانا، لأن الكثير ~~من الجوز لا يخلو عن قليل فاسد، فصار كالتراب في الحنطة، وفي القياس يفسد، ~~لأن الثمن لم يفصل. والقليل ما لا يخلو عنه الجوز والبيض عادة كالواحد ~~والاثنين أو الثلاثة في المئة، وإن كان الفاسد كثيرا لا يصح في الكل ويرجع ~~بكل الثمن عند أبي حنيفة لجمعه في العقد بين ما له قيمة وما لا قيمة له، ~~فصار كالجمع بين حر وعبد. وعندهما يصح العقد فيما إذا كان صحيحا. وقيل: ~~يفسد العقد في الكل إجماعا، لأن الثمن لم يفصل، فيكون بيعا بالحصة ابتداء. # (وإذا ادعى) المشتري (الإباق)، أو السرقة، أو البول في الفراش مما لا ~~يعلم إلا بالتجربة والاختبار، وأنكر البائع أن هذا العيب وجد عند المشتري ~~(أثبت) المشتري أولا أنه أبق عنده حتى ينتصب البائع خصما له (بالبينة) ~~متعلق ب: أثبت (أو نكول البائع عن الحلف على العلم) أي على أنه ما يعلم أنه ~~أبق عند المشتري، لأن هذا تحليف على فعل غير الحالف وهو العبد، فلا يكون ~~على البت. وهذا أعني تحليف المشتري للبائع قول أبي يوسف ومحمد، لأن ~~المشتري ادعى عليه ما لو أقر به لزمه، فإذا أنكر، له أن يحلفه رجاء النكول ~~كما في سائر الدعاوى. # واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة رحمه الله، فقال بعضهم: يحلف عنده ~~أيضا. وقال بعضهم: لا يحلف وهو الصحيح، لأن الحلف إنما يترتب على دعوى ~~صحيحة. ولا تصح الدعوى إلا من خصم، ولا يصير المشتري خصما إلا بعد قيام ~~العيب عنده، (ولم يثبت عنده). # --- PageV04P107 ~~*** # (ثم برهن) المشتري أيضا (على أنه أبق عند البائع) لاحتمال أنه حدث عند ~~المشتري، فلا يستحق ms1006 الرد على البائع (أو حلفه) أي المشتري البائع (أنه باعه ~~وسلمه) إليه (وما أبق قط أو ما له حق الرد بهذه الدعوى) ولا يحلفه بالله ما ~~أبق عندك قط، لاحتمال أنه أي باعه وقد كان أبق عند غيره، وبه يرد المشتري ~~عليه. (ولا ثمن على المشتري) أي لا يجبر المشتري على دفع الثمن (إذا ادعى ~~العيب) لاحتمال أن يكون صادقا في دعواه، فلو قضى عليه بدفع الثمن ربما ظهر ~~العيب فاسترد الثمن من البائع وانتقض القضاء. (حتى يتبين عدمه) أي عدم ~~العيب: بأن يحلف البائع أن هذا العيب لم يكن فيه. # (ومداواة المعيب وركوبه) يعني إذا داوى المشتري المعيب بعد العلم بالعيب ~~أو ركبه (في حاجته)، أو تصرف فيه بما يدل على الرضا، كالعرض على البيع، ~~والإجارة، واللبس، والسكنى، والرهن، والكتابة، والاستخدام مرة ثانية (يكون) ~~ذلك (رضا) ولا خلاف فيه لأحد. ثم عند الشافعي يبطل خيار الرد بتأخيره من ~~غير عذر. وعندنا لا يبطل ما لم يوجد منه تصرف يدل على استبقاء الملك. (لا ~~لرده) أي ليس ركوب المشتري المعيب رضا به إذا كان لرده على بائعه (أو سقيه ~~أو شراء علفه) حال كون المشتري (ولا بد له منه) أي من الركوب، إما لصعوبة ~~انقياد المعيب، أو لعجز المشتري عن المشي: بأن كان مريضا أو شيخا كبيرا. ~~وهو قيد في السقي، وفي شراء العلف، لأن الركوب للرد لا يكون رضا كيف كان ~~لكونه سببا للرد. # --- PageV04P108 ~~*** # (ولو اشترى عبدين صفقة ووجد بأحدهما عيبا رده خاصة إن قبضهما). وقال زفر ~~والشافعي في قول: ليس له أن يرد المعيب وحده، لأن فيه تفريق الصفقة، وهو لا ~~يخلو عن تضرر البائع برد المعيب وحده، لأن العادة جرت بضم الجيد إلى ~~الرديء. ولنا أنه تفريق بعد تمام الصفقة لأنها تمت بالقبض، لأن خيار العيب ~~لا يمنع تمامها فيكون الفسخ بعد القبض في ملك المشتري من كل وجه، فيقتصر ~~الرد على ما فيه علة وهو المعيب. # وإنما وضع المسألة في عبدين، لكونهما مما ينتفع بأحدهما دون ms1007 الآخر. فلو ~~اشترى شيئين لا ينتفع بأحدهما دون الآخر كنعلين أو خفين فوجد في أحدهما ~~عيبا بعد قبضهما، فإنه يردهما أو يمسكهما باتفاق، لأنهما في الصورة شيآن، ~~وفي المعنى والمنفعة شيء واحد، والمعتبر هو المعنى دون الصورة والمبنى. ولو ~~قال المشتري فيما يمكن إفراد أحدهما بالانتفاع عن الآخر: أنا أمسك المعيب ~~وآخذ النقصان، ليس له ذلك، لأنه لما رضي بالمعيب فات حقه في وصف السلامة، ~~فلم يكن له المطالبة بالنقصان. # (وإلا) وإن لم يقبضهما بل قبض أحدهما وظهر أن به أو بالآخر عيبا (أخذهما ~~أو ردهما)، وليس له أن يأخذ السليم ويرد المعيب، لأن في ذلك تفريق الصفقة ~~قبل تمامها، لأن تمامها بقبضهما لكونه مفيدا لملك التصرف فيهما، ومؤكدا ~~لملك رقبتهما (كما في الكيلي والوزني) أي كان كما إن من شرى ما يكال، أو ما ~~يوزن من نوع واحد، فوجد ببعضه عيبا، فإنه يرده كله أو يأخذه كله، وليس له ~~أن يأخذ السليم ويرد المعيب سواء كان قبل القبض أو بعده. # --- PageV04P109 ~~*** # (وإن قبض) الكيلي أو الوزني (ولو استحق البعض) منه (لم يرد الباقي) لأن ~~الشركة فيهما ليست بعيب، إذ التبعيض فيهما لا يضر، والاستحقاق لا يمنع تمام ~~الصفقة، لأن العقد حق العاقد وتمامه برضاه وقد وجد، لا برضى المالك. قدم ~~القبض على استحقاق البعض لأن البعض لو استحق قبل القبض، كان للمشتري أن يرد ~~الباقي لتفرق الصفقة عليه قبل تمامها (بخلاف الثوب) فإن مشتريه إذا قبضه ~~واستحق منه بعضه، له خيار الرد في الباقي، لأن الشركة فيه عيب عرفا وقد ~~كانت وقت البيع قبل ظهور الاستحقاق. # (وصح) البيع (إن برىء) فيه البائع (من كل عيب) أي إن باع بشرط البراءة من ~~كل عيب، وليس للمشتري أن يرده بعيب (وإن لم يعدها) أي العيوب، والأصح في ~~مذهب الشافعي. ويروى عن مالك: أنه لا يبرأ في غير الحيوان، ويبرأ في ~~الحيوان مما لا يعلمه، دون ما يعلمه لما روي: أن ابن عمر باع عبدا من زيد ~~بن ثابت بشرط البراءة فوجد به ms1008 عيبا، فأراد رده فلم يقبله ابن عمر، فترافعا ~~إلى عثمان، فقال عثمان لابن عمر: أتحلف أنك لم تعلم بهذا العيب؟ فقال: لا. ~~فرده عليه. # والفرق بين ما لا يعلمه وما يعلمه، وبين الحيوان وغيره: أن كتمان ما ~~يعلمه تلبيس، بخلاف ما لا يعلمه، وإن الحيوان قل ما ينفك عن عيب خفي أو ~~ظاهر، فيحتاج البائع فيه إلى شرط البراءة من كل عيب ليثق بلزوم العقد، ~~بخلاف غير الحيوان. وقال أحمد في رواية، وهو قول الشافعي: لا يبرأ البائع ~~عن العيب، فإن خيار العيب ثابت بالشرع، فلا ينتفي بالشرط كسائر مقتضيات العقد. # --- PageV04P110 ~~*** # ولنا: أن الإبراء إسقاط، ولهذا جاز بلا قبول، كالطلاق والعتاق والجهالة ~~في الإسقاط لا تفضي إلى المنازعة، فلا تكون مفسدة. ويدخل في البراءة من كل ~~عيب العيب الموجود عند العقد، والحادث بعد العقد قبل القبض في ظاهر الرواية ~~عن أبي يوسف رحمه الله، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله أيضا. وقال محمد: لا ~~يدخل الحادث، وبه قال أبو يوسف رحمه الله أيضا، وزفر ومالك والشافعي، لأن ~~البراءة تتناول الثابت فتنصرف إلى الموجود عند العقد. # هذا، والمصراة، وهي الناقة أو الشاة يحقن اللبن في ضرعها أياما ليرى أنها ~~كثيرة اللبن، إذا بيعت، لا ترد عندنا. وردها مالك والشافعي مع لبنها إن كان ~~باقيا، أو مع صاع من تمر لفقده، لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: لا تلقوا الركبان لبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا ~~تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك ~~فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من ~~تمر»، متفق عليه. # وفي رواية لمسلم وأبي داود: «من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، ~~فإن ردها رد معها صاعا من طعام أي تمر لا سمراء ». وفي رواية لأبي داود: ~~«من اشترى غنما مصراة احتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطهما ففي حلبتها ~~صاع من تمر». فجعلاها عيبا وأثبتا له الخيار ms1009 إذا تبين بعد الحلب خلاف ما ~~تحلبه، تمسكا بهذا الحديث. # واحتج لنا بعض مشايخنا بقوله عليه الصلاة السلام: «البيعان بالخيار ما لم ~~يتفرقا». وقال بعضهم: التصرية ليست بعيب، وليس للمشتري ولاية الرد بسببها ~~من غير شرط لأن البيع يقتضي سلامة المبيع، وبقلة اللبن لا تفوت صفة ~~السلامة، واللبن ثمرة وبعدمها لا تنعدم السلامة، فبقلتها أولى. # --- PageV04P111 ~~*** # قال: وإنما ترك أصحابنا العمل بحديث أبي هريرة هنا لمخالفته الكتاب، وهو ~~قوله تعالى: {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}، والسنة المشهورة الموجبة ~~لإيجاب القيمة عند تعذر المثل صورة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق ~~شقصا له في عبد، قوم عليه نصيب شريكه إن كان موسرا» الحديث، ولمخالفته ~~الإجماع المنعقد على وجوب المثل والقيمة عند فوات العين وتعذر الرد. قال: ~~ولا بدع في رد حديثه عند مخالفة الأصول، فإنه قريب من المتواتر أنه لما روى ~~الوضوء مما مسته النار، قال له ابن عباس رضي الله عنهما: إنا نتوضأ بالماء ~~السخين، أنتوضأ منه؟ ولما روى: من أصبح جنبا فلا صوم له. قالت عائشة: نحن ~~أعلم بذلك منه. وكذلك رد عليه علي رضي الله عنه. # وشرط عيسى بن أبان فقه الراوي لتقديم الخبر على القياس، واختاره أبو زيد ~~الدبوسي، وخرج عليه حديث المصراة، وتابعه أكثر المتأخرين. # ونفاه الكرخي ومن تابعه من أصحابنا وقبلوا خبر كل عدل ضابط وقدموه على ~~القياس، ومنعوا أيضا أن أبا هريرة لم يكن فقيها، وقالوا: بل كان فقيها وكان ~~يفتي في زمن الصحابة، وما كان يفتي في زمانهم إلا فقيه مجتهد، مع أنه كان ~~من المتبحرين من علية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال إسحاق ~~الحنظلي ثبت عندنا في الأحكام ثلاثة آلاف من الأحاديث: روى أبو هريرة منها ~~ألفا وخمس مئة. وقال البخاري: روى عنه سبع مئة نفر من أولاد المهاجرين ~~والأنصار. وقد روى جماعة من الصحابة عنه، فلا وجه لرد حديثه بالقياس؛ وهذا ~~غاية التحقيق والله ولي التوفيق. # --- PageV04P112 ~~*** # والمختار فيه: الرجوع بالنقص على رواية شرح الطحاوي، يعني أنه ms1010 لما امتنع ~~الرد بسبب الزيادة المنفصلة منها يرجع بحصة النقصان من الثمن، ولا يرجع على ~~رواية «الأسرار»، لأن اجتماع اللبن في الضرع وجمعه لا يكون عيبا، ولأنه ~~مغتر بكبر ضرعها لا بقول البائع. ووجه المختار: أن الموجود من التصرية غرور ~~منه للمتشري بالفعل، حيث تزداد رغبته في شرائها، فاغتراره بواسطة هذا الفعل ~~كاغتراره بقول البائع: إنها حلوب غزيرة اللبن. وإنما صح البيع بناء على أن ~~شرط كونها حلوبا لا يفسد البيع، لأنه شرط وصف مرغوب فيه، وهو رواية ~~الطحاوي، والله سبحانه أعلم. # فصل # (في البيع الصحيح، والباطل، والفاسد، والمكروه) # (بطل بيع ما ليس بمال) سواء كان ثمنا أو مثمنا لانعدام ركن البيع، وهو ~~مبادلة المال بالمال (كالدم والميتة) والتراب (والحر وأتباعه) من أم الولد ~~والمكاتب الذي لم يرض، فإن الذي رضي يجوز بيعه على أظهر الروايتين عن أبي ~~حنيفة ومعه الشافعي والمدبرالمطلق، فإن المقيد يجوز بيعه عندنا. وعند ~~مالك والشافعي وأحمد: يجوز بيع المطلق أيضا. # (و) بطل (بيع مال غير متقوم) في حق الإسلام (كالخمر والخنزير بالثمن) وهو ~~الدراهم والدنانير حالا أو مؤجلا، لأن الدراهم والدنانير غير مقصودة، وإنما ~~هي وسائل. فإذا كانت عوضا لغير المتقوم كان غير المتقوم هو المقصود، وفي ~~ذلك إعزاز له، وقد أمر الشارع بإهانته. وكذا إذا باعهما بما ثبت في الذمة ~~من مكيل أو موزون. وأما لو باعهما بالعرض، فالبيع فاسد لعدم تعينهما ~~مبيعين، وسيأتي. # --- PageV04P113 ~~*** # والفرق بين الباطل والفاسد: أن الباطل هو الذي لا يكون صحيحا بأصله (وذلك ~~لفوات ركنه، فلا يفيد الملك أصلا)، والفاسد هو الذي يكون صحيحا بأصله لا ~~بوصفه، فيفيد الملك بالقيمة عند القبض. وفي «الإيضاح»: لو نفي العوض وقال: ~~بعتك هذا بغير ثمن، يبطل، ولو قال: بعتك هذا، وسكت عن الثمن، يفسد، لأن ~~البيع يقتضي المعاوضة، فعند السكوت يحمل على قيمته، فصار كأنه قال: بعته ~~بقيمته، وهي مجهولة فيفسد. # (و) بطل (بيع قن ضم إلى حر و) بيع (ذكية) أي مذبوحة شرعية (ضمت إلى ميتة) ~~حتف أنفها. وأما التي خنقت أو ms1011 جرحت في غير موضع الذبح كما هو عادة بعض ~~الكفار، وذبائح المجوس فمال، إلا أنها غير متقومة كالخمر والخنزير (وإن سمى ~~ثمن كل) وهذا عند أبي حنيفة، وقول الشافعي، ورواية عن أحمد. وقال أبو يوسف ~~ومحمد رحمهما الله: إن سمى ثمن كل واحد منهما جاز في القن والذكية، وإلا ~~فلا. وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية. ومتروك التسمية عامدا ~~كالميتة عندنا، لأن حرمته منصوص عليها، فلا يجوز العقد فيما ضم إليه، ولا ~~ينفذ بيعه بالقضاء. # --- PageV04P114 ~~*** # (وصح) البيع (في قن ضم إلى مدبر) أو أم ولد أو مكاتب. وقال زفر: لا يصح. ~~(أو) ضم (إلى قن) شخص (غيره) أي غير البائع (بحصته) أي حصة القن من الثمن. ~~وعند زفر: لا يصح. (كملك) أي كما صح بيع ملك (ضم إلى وقف) وقيل: لا يصح في ~~الملك، وهو عند مالك، والشافعي في قول، وأحمد في رواية، لأن الوقف محرر عن ~~الملك والتمليك، فصاركقن ضم إلى حر. وفي «نوادر الفقيه أبي الليث»: والأصح ~~أن البيع يجوز في الملك لأن الوقف مال، ولهذا ينتفع به انتفاع الأموال، ~~وإنما لا يباع لأجل حق تعلق به، وذلك لا يوجب فساد العقد فيما ضم إليه، ~~كالمدبر ونحوه، بخلاف المسجد، حيث يبطل العقد فيما ضم إليه لأنه ليس بمال، ~~ولهذا لا ينتفع به انتفاع الأموال، فصار كالحر. # (وفسد بيع العرض بالخمر) ونحوها مما هو مال غير متقوم (وعكسه) وهو بيع ~~الخمر ونحوها بالعرض. في «شرح الوقاية»: أي البيع فاسد في العرض حتى يجب ~~قيمته عند القبض، ويملك هو بالقبض، لكن البيع في الخمر باطل حتى لا يملك ~~عين الخمر. # (ولا يجوز بيع المباحات قبل أن تملك) لأنها وقت البيع غير مملوكة للبائع. ~~(و) لا بيع (ما لا قدرة على تسليمه إلا بحيلة) كسمك لم يصد، أو صيد وأرسل، ~~وهو لا يعود، فلو قبضه البائع وسلمه قالوا: ينبغي أن يكون على الروايتين في ~~تسليم الآبق بعد بيعه، بناء على أنه باطل أو فاسد. # --- PageV04P115 ~~*** # (أو) إلا (بضرر) كجذع في ms1012 سقف، وذراع من ثوب يضره القطع، سواء ذكر موضع ~~القطع أو لم يذكر. ولو قطع البائع الجذع، أو قطع الثوب وسلم قبل الفسخ عاد ~~صحيحا لزوال المانع من الصحة. وقيد القدرة على تسليمه بالحيلة، لأنها لو ~~كانت بغير ذلك: كما لو صاد السمك وألقاه في حظيرة صغيرة، بحيث يمكن أخذه ~~منها بلا حيلة، جاز البيع لأنه مقدور التسليم، وكذا لو اجتمع فيه بنفسه وسد ~~المدخل جاز، وإلا فلا. # (ولا) بيع (ما فيه غرر كحمل) أي جنين (في بطن، ولؤلؤ في صدف، ولبن في ~~ضرع) لما روى ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع. وما روى الشافعي بسنده عن ~~ابن عباس أنه كان ينهى عن بيع اللبن في ضرع الغنم، والصوف على ظهرها. # قال البيهقي: وروي مرفوعا، والصحيح أنه موقوف. ولقول ابن عباس: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن تباع ثمرة حتى تطعم، ولا يباع صوف على ظهر غنم، ~~ولا لبن في ضرع. رواه الطبراني والدارقطني مرفوعا، وأبو داود موقوفا عليه. ~~قيل: لا تباع أصواف الغنم على ظهورها، ولا ألبانها في ضروعها. # وفي «شرح الوقاية»: ذكروا للبن في الضرع علتين: أحدهما: أنه لا يعلم لبن، ~~أو دم، أو ريح، وهذا يقتضي بطلان البيع، لأنه مشكوك الوجود فلا يكون مالا. ~~والأخرى: أن اللبن يوجد شيئا فشيئا فيختلط ملك المشتري بملك البائع. # --- PageV04P116 ~~*** # هذا، ولا يجوز بيع النتاج أيضا، وهو أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في ~~بطنها وهو حبل الحبلة، لما في «مصنف عبد الرزاق» عن ابن عمر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع المضامين، والملاقيح، وحبل الحبلة، قال: ~~والمضامين ما في أصلاب الإبل. والملاقيح: ما في بطونها. وحبل الحبلة: ولد ~~ولد هذه الناقة. وفي «الموطأ»: أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أنه ~~قال: لا ربا في الحيوان، وإنما نهى في الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين، ~~والملاقيح، وحبل الحبلة. فالمضامين: ما ms1013 في بطون إناث الإبل. والملاقيح: ما ~~في ظهور الجمال. وفي الصحيحين عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن بيع حبل الحبلة. وكان بيعا يبتاعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور ~~إلى أن (تنتج الناقة، ثم) تنتج التي في بطنها. # --- PageV04P117 ~~*** # (و) لا بيع (ما تفضي جهالته إلى المنازعة) كصوف على ظهر الغنم، لأنه يفضي ~~إلى التنازع في موضع القطع. وكل بيع يفضي إلى التنازع، فهو فاسد. (ولا) ~~يجوز بيع (المزابنة) وهو من إضافة الأعم إلى أخصه، ويسميها بعض المتأخرين ~~إضافة بيانية (وهي بيع تمر مجذوذ) أي مقطوع (بمثله على النخل خرصا) أي ~~تقديرا وحزرا، (و) لا (المحاقلة) وهي بيع الحنطة في سنبلها بمثل كيلها، لما ~~روى مسلم عن زيد بن أبي أنيسة قال: حدثنا أبو الوليد المكي وهو جالس عند ~~عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة. والمحاقلة: أن يباع الحقل بكيل من الطعام ~~معلوم. والحقل: هو الزرع إذا تشعب قبل أن يغلظ سوقه. والمزابنة: أن يباع ~~النخل بأوساق من التمر. والمخابرة: أن يزرع الأرض على الثلث، أو الربع، ~~وأشباه ذلك. قال زيد: قلت لعطاء بن أبي رباح: أسمعت جابر بن عبد الله يذكر ~~هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم. # --- PageV04P118 ~~*** # وقال الشافعي: يجوز بيع المزابنة فيما دون خمسة أوسق، لما في الصحيحين عن ~~داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق شك داود ~~قال: دون خمسة أو في خمسة. وروى مسلم عن سهل بن أبي حثمة: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: «ذلك الربا تلك المزابنة»، ~~إلا أنه رخص في بيع العرية: النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها ~~كيلا. وفي لفظ: رخص في العرية: أن يؤخذ بمثل خرصها تمرا، يأكل أهلها رطبا. ~~ورواه الطحاوي أيضا ms1014 بطرق مختلفة، وقال: وقد جاءت هذه الآثار عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وتواترت الرخصة في بيع العرايا، فقبلها أهل العلم ~~جميعا، ولم يختلفوا في صحة مجيئها ولكنهم تنازعوا في تأويلها. انتهى. # والشافعي ذهب إلى ظاهره من الاستناد، وعنه في الخمسة أوسق قولان: أحدهما ~~الجواز، وهو منقول المزني عنه، وهو الأظهر. والآخر عدمه، وهو مختار المزني ~~ومذهب أحمد، لأن النهي عن المزابنة محقق، والرخصة في خمسة أوسق مشكوك فيها. # --- PageV04P119 ~~*** # ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: «التمر بالتمر مثلا بمثل»، وما على النخل ~~ثمر، فلا يجوز بيعه بالتمر إلا كذلك. وأما العرية التي فيها الرخصة فهي ~~العطية دون البيع، وبه قال مالك. وتفسيرها أن يهب الرجل ثمرة نخلة من ~~بستانه لإنسان ثم يشق عليه الدخول في بستانه كل يوم، ولا يرضى بالخلف في ~~الوعد، والرجوع في الهبة، فيعطيه مكان ذلك تمرا مجذوذا بالخرص ليدفع ضرره ~~عن نفسه. وهذا جائز عندنا، لأن الموهوب لا يصير ملكا للموهوب له ما دام ~~متصلا بملك الواهب، فما يعطيه من التمر لا يكون عوضا بل هبة مبتدأة، وإنما ~~سمي بيعا مجازا لأنه في صورته. ثم ذلك المروي اتفق أنه كان أقل من خمسة ~~أوسق أو خمسة أوسق، فظن الراوي أن الرخصة مقصورة على ذلك القدر. # وقال قوم: العرايا: أن يكون له النخلة أو النخلتان في وسط النخل الكثير ~~لرجل آخر، وكان أهل المدينة يخرجون وقت الثمار إلى حوائطهم بأهليهم، فيضر ~~ممر صاحب النخلة صاحب النخل الكثير، فرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يعطي صاحب النخلة خرص ماله من ذلك تمرا لينصرف عنه ويخلص التمر كله له. ~~وهذا مروي عن مالك، والتأويل الأول قول أبي حنيفة رحمه الله. قال الطحاوي، ~~وهو أنسب وأولى مما قال مالك، لأن العرية إنما هي العطية. # --- PageV04P120 ~~*** # (و) لا بيع (الملامسة، و) لا بيع (إلقاء الحجر، و) لا بيع (المنابذة) لأن ~~في كل واحد من هذه البياعات تعليق الملك بالخطر، وفيه معنى القمار. وقد كان ~~في الجاهلية يتساوم الرجلان السلعة ms1015 فإذا لمسها المشتري، أو نبذها إليه ~~البائع، أو وضع المشتري عليها حصاة لزم البيع. فالأول الملامسة، والثاني ~~المنابذة، والثالث إلقاء الحجر. روى مسلم والبخاري من حديث أبي سعيد ~~الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة، والمنابذة في ~~البيع. والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقبله ~~إلا بذلك. والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه، ~~ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض. # --- PageV04P121 ~~*** # (ولا) بيع (المراعي) أي الكلأ النابت في أرض غير مملوكة، أو في أرض ~~البائع بدون تسبب منه. أما لو تسبب بأن سقى الأرض، أو هيأها للإنبات، جاز ~~له بيع كلائها لأنه ملكه، حتى لو احتشه إنسان بغير إذنه كان له استرداده. ~~وقال بعضهم: لا يجوز بيعه لأنه ليس بملكه، لأن الشركة فيه ثابتة بالنص، فلا ~~تنقطع بدون الحيازة. وتهيئة الأرض للإنبات ليست بحيازة، وكونه نابتا في ~~أرضه لا يقطع شركتهم عنه، ولا يصيره مملوكا له، فلم يستفد المشتري بهذا ~~العقد شيئا لم يكن له، فيبطل. والنص قوله عليه الصلاة والسلام: «المسلمون ~~شركاء في ثلاثة: في الماء، والكلأ، والنار». رواه أحمد وأبو داود. والمراد ~~بالماء الذي في الأنهار والآبار لا ما أخذ وجعل في إناء فإنه محرز يجوز ~~بيعه. وبالكلأ ما نبت في أرض غير مملوكة، وما نبت في أرض مملوكة بلا إنبات ~~رب الأرض، لأن رب الأرض لا يكون محرزا له بكونه في أرضه. ومعنى إثبات ~~الشركة في النار الانتفاع بضوئها، والاستدفاء بها، وتجفيف الثياب بها. أما ~~إذا أراد أن يأخذ الجمر، فليس له ذلك إلا بإذن صاحبها. ذكره القدوري. # (ولا إجارتها) أي ولا يجوز إجارة المراعي التي هي الكلأ، لأن إجارتها تقع ~~على استهلاك عين غير مملوكة، وتلك الإجارة غير جائزة كما استأجر بقرة ليشرب ~~لبنها لا يصح، لأن محل الإجارة المنافع لا الأعيان. فالإجارة على استهلاك ~~عين مباحة أولى. والحيلة في إجارة المراعي في الأرض المملوكة: أن يستأجر ~~موضعها من الأرض ليضرب فيه فسطاطا، ms1016 أو ليجعله حظيرة لغنمه، فتصح الإجارة، ~~ويبيح له صاحب المرعى الانتفاع بالمرعى فيحصل مقصودها. # --- PageV04P122 ~~*** # (ولا) بيع (النحلة إلا مع الكوارات) بضم الكاف وتشديد الواو ، وفي ~~الصحاح كوارات النحل: عسلها في الشمع. أما عدم جواز بيع النحل وحده فعند ~~أبي حنيفة رحمه الله، وأبي يوسف رحمه الله. وقال محمد ومالك والشافعي ~~وأحمد: يجوز بيعه وحده إذا كان مجموعا، لأنه حيوان ينتفع به ويتمول، فيصح ~~بيعه وإن لم يؤكل كالبغل والحمار. ولهما: أنه من الهوام، فلا يصح بيعه ~~كالزنبور. وفي «الذخيرة»: الفتوى على قول محمد. # (ولا) بيع (أجزاء آدمي) لكرامته، فلا يجوز بيع شعر الإنسان لأنه جزؤه، ~~ولا بيع لبن المرأة ولو في قدح، حرة كانت أو أمة، ولا يضمن متلفه. وقال ~~الشافعي: يجوز حرة كانت أو أمة ويضمن متلفه، لأنه مشروب طاهر كلبن الشاة. ~~وقال أبو يوسف: إن كانت أمة يجوز، وإن كان حرة لا يجوز اعتبارا للبن بأصله ~~لكونه متولدا منه. # ولهما أنه جزء الآدمي بدلالة أن الشرع أثبت به حرمة الرضاع بمعنى ~~البعضية، والآدمي بكل أجزائه مكرم مصون عن الابتذال والامتهان بالبيع إلا ~~فيما حل فيه الرق، والرق لا يحل اللبن، لأنه ضعف حكمي، فيختص بمحل القوة ~~التي هي ضده، وهو الحي، ولا حياة في اللبن لأنه جماد. وليس حله على ~~الإطلاق، بل باعتبار حاجة الطفل لأنه لا يتعدى بغيره حتى لو استغنى عنه، لم ~~يبح شربه. حتى لا يجوز صبه في عين رمدة عند بعض أصحابنا. # --- PageV04P123 ~~*** # (ولا) بيع (أجزاء الخنزير) لنجاسة عينه، فلا يصح بيع شيء منه إهانة له ~~كالخمر (إلا شعره) لينتفع به للخرز للضرورة. (ولا) بيع (جلد الميتة قبل ~~دبغه) لحرمة الانتفاع به لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تنتفعوا من الميتة ~~بإهاب» وهو اسم لغير المدبوغ، وأما بعد الدبغ فيباع وينتفع به لطهارته، لما ~~في «صحيح مسلم» عن ابن عباس قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه ~~فانتفعتم به». فقالوا: إنها ميتة. فقال: ms1017 «إنما حرم أكلها». # (ولا) بيع (دود القز) بتشديد الزاي، لأنه من الهوام كالزنبور والحية ~~والعقرب، (ولا) بيع (بيضه) لأنه غير منتفع به باعتبار ذاته بل باعتبار ~~غيره، وذلك معدوم في الحال، وفي وجوده خطر في المآل. (خلافا لهما) قال ~~محمد: يجوز بيع دود القز وبيضه، وهو قول (مالك) والشافعي وأحمد، واختيار ~~الصدر الشهيد، وعليه الفتوى اعتبارا بالعادة. وقال أبو يوسف: يجوز بيع دود ~~القز إن ظهر فيه القز تبعا له وإلا لا، واضطرب قوله في بيض الدود. # (ولا) بيع (العلو بعد سقوطه) بأن كان علو لرجل وسفل لآخر، فسقطا أو سقط ~~العلو وبقي السفل فباع صاحب العلو موضع العلو لأن هذا البيع لم يصادف ~~المحل، لأن محل البيع المال، والثابت لصاحب العلو بعدالانهدام حق التعلي، ~~وحق التعلي ليس بمال لأنه يتعلق بهواء الساحة، وهو ليس بمال. قيد ببعد ~~السقوط لأن بيع العلو قبل السقوط جاز باعتبار البناء القائم. # --- PageV04P124 ~~*** # (ولا) بيع (شخض على أنه أمة وهو عبد) ولا على أنه عبد وهو أمة، والقياس ~~أن يجوز، وهو قول زفر، لأن هذا اختلاف وصف الذكورة والأنوثة، واختلاف الوصف ~~يوجب الخيار للمشتري دون الفساد، فصار كما لو اشترى كبشا فإذا هو نعجة أو ~~بالعكس. أو عبدا على أنه خباز فإذا هو كاتب أو بالعكس. ولنا: أن تفاوت ~~الأغراض بين النوعين ملحق باختلاف الجنسين، لأن المقصود من البيع حصول ~~الانتفاع بالمبيع على غرض المشتري، فإذا لم يحصل غرضه ولا أكثره فكأنه لم ~~يحصل أصلا. وهذا إذا كان الوصف متفاحشا، إذ قلة التفاوت لا تفسد البيع، كما ~~إذا اشترى كبشا فظهر نعجة، فإن المقصود من الكل الأكل، لكنهما مختلفان وصفا ~~فقل التفاوت. # (وشراء ما باع) أي ولا يجوز شراء البائع لنفسه أو لغيره من المشتري، أو ~~من وكيله، أو من وارثه ما باع بثمن حال أو مؤجل بنفسه أو بوكيله (بأقل مما ~~باع قبل نقد ثمنه الأول) إن كان المبيع لم ينقص ذاته، واتحد الثمنان جنسا. ~~وقال الشافعي: يجوز، لأن الملك تم بقبض المبيع، فصار ms1018 شراء البائع بأقل ~~كشراء غيره به، وكشرائه بمثل الثمن الأول أو بأكثر منه. # ولنا: ما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر والثوري عن أبي إسحاق ~~السبيعي، عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة فسألتها امرأة فقالت: يا ~~أم المؤمنين، كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمان مئة إلى العطاء، ~~ثم ابتعتها منه بست مئة، فنقدته الست مئة وكتبت عليه ثمان مئة. فقالت ~~عائشة: بئس ما اشتريت، وبئس ما اشترى. أخبري زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب. فقالت المرأة لعائشة: أرأيت إن ~~أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل؟ فقالت عائشة: {فمن جاءه موعظة من ربه ~~فانتهى فله ما سلف}. # --- PageV04P125 ~~*** # فهذا الوعيد الشديد دل على فساد هذا العقد. وإلحاق هذا الوعيد بهذا الصنع ~~الأكيد لا يهتدي إليه العقل، فدل ذلك على أنها قالته سماعا. # وقال ابن الجوزي: قالوا: العالية امرأة مجهولة لا يقبل خبرها. قلنا: بل ~~هي معروفة جليلة القدر ذكرها ابن سعد في «الطبقات». فقال: إن العالية بنت ~~أنفع بن شراحيل امرأة أبي إسحاق السبيعي سمعت من عائشة. وجعل في «مسند أبي ~~حنيفة»: البائع إلى العطاء زيد بن أرقم، والمشتري بست مئة المرأة. وهو في ~~«سنن أبي داود» عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«إذا تبايعتم (بالعينة)، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم ~~الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». وروى أحمد بن ~~حنبل في كتاب «الزهد» بإسناد قال ابن القطان: رجاله ثقات عن ابن عمر قال: ~~أتى علينا زمان وما يرى أحدنا أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم، ثم ~~أصبح الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم. سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «إذا ضن الناس أي بخلوا بالدينار والدرهم، وتبايعوا ~~بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أدخل الله، ~~عليهم ذلا لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم». # والعينة بالكسر: ms1019 بيع السلعة بثمن مؤجل ثم شراؤها بأنقص منه حالا، ولأن ~~الثمن لا يدخل في ضمان البائع قبل قبضه، فإذا عاد إليه المبيع بالصفة التي ~~خرج بها عن ملكه فصار بعض الثمن قصاصا ببعضه وبقي فضل بلا عوض، فكان ذلك ~~ربح ما لم يضمن، وهو حرام بالنص. # --- PageV04P126 ~~*** # قيد الشراء بكونه بأقل مما باع، لأنه لو كان بمثله أو أكثر منه جاز، لأن ~~الفضل في الأكثر يحصل للمشتري والمبيع داخل في ضمانه. وقيد بكونه قبل نقد ~~الثمن، لأنه لو كان بعده جاز. وقيدنا بكون الشراء من المشتري منه أو من ~~وارثه، لأن المشتري لو باعه من رجل أو وهبه لرجل أو أوصى به لرجل، ثم ~~اشتراه البائع الأول من ذلك الرجل جاز، لأن اختلاف سبب الملك كاختلاف ~~العين. وقيدنا بكون المبيع لم ينقص، لأنه لو تعيب في يد المشتري، فباعه من ~~البائع بأقل من الثمن جاز، لأن ما نقص من الثمن بمقابلة العيب الحادث، فكان ~~البائع مشتريا ما باع بمثل الثمن الأول معنى. # وقيدنا النقصان بكونه في الذات، لأنه لو كان في القيمة: بأن تغير سعره لم ~~يجز شراؤه بأقل مما باع، لأن تغير السعر غير معتبر في حق الأحكام كما في حق ~~الغاصب. وقيدنا باتحاد الثمنين جنسا، لأنه لو اشتراه بجنس آخر غير جنس ~~الثمن الأول جاز وإن كان الثمن الثاني أقل، لأن الربح لا يظهر عند اختلاف ~~الجنس، والدينار جنس الدرهم هنا وفي الشفعة خلافا لزفر. # وشراء من لا تصح شهادته للبائع وهو ولده ووالده وزوجته ومكاتبه فهو كشراء ~~البائع بنفسه. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز غير العبد والمكاتب لتباين ~~الأملاك ، بخلاف العبد، لأن كسبه لمالكه، وبخلاف المكاتب لأن للسيد في كسبه ~~حق الملك، فكان تصرفه كتصرفه. ولأبي حنيفة أن شراء هؤلاء كشراء البائع ~~بنفسه لاتصال منافع الأملاك بينهم، وهو نظير الخلاف في الوكيل بالبيع إذا ~~عقد مع هؤلاء. وشراء الموكل بأقل مما باع وكيله لا يجوز، لأن وكيله لما باع ~~بإذنه صار كأنه باع بنفسه، ثم اشترى بأقل، وشراء ms1020 الوكيل بأقل. مما باع ~~لنفسه أو لغيره بأمره قبل نقد الثمن لا يجوز. # --- PageV04P127 ~~*** # أما شراؤه لنفسه، فلأن الوكيل بالبيع أصيل في الحقوق، فكل هذا شراء ~~للبائع من وجه، والثابت من وجه كالثابت من كل وجه في باب الحرمات. وأما ~~شراؤه لغيره بأمره، فلأن شراء المأمور واقع له من حيث الحقوق، فكان هذا ~~شراء ما باع لنفسه من وجه. وشراء البائع من وارث المشتري بأقل مما اشتراه ~~المورث لا يجوز لقيام الوارث مقام المورث، بخلاف شراء وارث البائع بأقل مما ~~باع مورثه، فإنه يجوز. # (ولا) يجوز (شراء ما باع مع شيء) متعلق بشراء (لم يبعه) صفة لشيء ~~(بثمنه الأول) متعلق بشراء وكذا (فيما باع) يعني أن من باع أمة بخمس مئة ~~مثلا، وقبضها المشتري ثم اشتراها منه وأمة أخرى معها قبل نقد الثمن بخمس ~~مئة، فإن الشراء في التي لم يبعها منه صحيح، لأنه لم يفسد فيها، وفي الأخرى ~~وهي التي باعها منه باطل، لأنه لا بد أن يجعل بعض الثمن بمقابلة التي لم ~~يبعها منه، فيكون مشتريا للأخرى بأقل مما باع ضرورة. # (وزيت) أي ولا يجوز شراء زيت ونحوه (على أن يوزن) الزيت (بظرفه ويطرح ~~للظرف) كل مرة (كذا رطلا) إلا أن يكون ذلك وزنه. لأن هذا شرط مخالف لما ~~يقتضيه العقد، لأنه يقتضي أن يطرح عنه مقدار وزن الظرف، أي مقدار كان، فإذا ~~شرط أن يطرح عنه مقدار معين، وكان ذلك الظرف أنقص من ذلك المقدار أو أكثر ~~منه، كان ذلك الشرط مخالفا لمقتضى العقد، ولأحد العاقدين فيه نفع، لأن ذلك ~~المقدار إن كان أكثر من وزن الظرف، فللمشتري فيه نفع، وإن كان أقل من وزنه، ~~فللبائع فيه نفع. (بخلاف شرط طرح وزن الظرف) فإن الشراء يجوز، لأنه شرط ~~يوافق مقتضى العقد، لأنه يقتضي طرح وزن الظرف، وما يوافق مقتضى العقد يؤكده ~~ولا يفسده. # --- PageV04P128 ~~*** # (والبيع) أي ولا يجوز البيع (بشرط لا يقتضيه العقد) احترز به عما يقتضيه، ~~كشرط الملك للمشتري في المبيع، وشرط تسليم المبيع، وشرط حبس المبيع ~~لاستيفاء ms1021 الثمن، وشرط انتفاع المشتري بالمبيع، لأن هذا كله يثبت بمطلق ~~العقد، فلا يزيده الشرط إلا تأكيدا (وفيه نفع لأحدهما) جملة حالية أما ~~البائع: فكما لو باع شيئا بشرط أن يقرضه المشتري درهما، أو يهدي إليه هدية، ~~أو باع دارا على أن يسكنها شهرا. # وأما المشتري: فكما لو اشترى ثوبا على أن يقطعه البائع ويخيطه قباء أو قميصا. # (أو) فيه نفع (لمبيع يستحق) أي يكون أهلا للاستحقاق على غيره بأن يكون ~~آدميا، كبيع عبد بشرط أن لا يبيعه المشتري، لأن العبد يعجبه أن لا تتناوله ~~الأيدي. واحترز بهذا عما لو اشترى دابة، أو ثوبا. بشرط أن لا يبيعه المشتري ~~فإن الشرط باطل، والبيع صحيح في ظاهر المذهب. وعن أبي يوسف: أن البيع فاسد. # وجه الظاهر: أنه لا مطالب لهذا الشرط، فكان لغوا، ولا بد من تقييد الشرط ~~بكونه لا يلائم العقد احترازا عما يلائمه كالبيع بشرط أن يعطي المشتري ~~بالثمن رهنا أو كفيلا، فإن البيع لا يفسد. ولا بد أيضا من تقييد ما لا ~~يلائم العقد بأن الشرع لم يرد بجوازه، فإن ما ورد بجوازه لا يفسد، كالبيع ~~بشرط الخيار أو الأجل، وكذا ما تعارف الناس عليه كشراء نعل على أن يحذوه، ~~أو يشركه البائع، فإن البيع لا يفسد استحسانا للتعامل، وهو حجة يترك بها ~~القياس. وإنما لا يجوز البيع بشرط لا يقتضيه العقد لنهيه عليه الصلاة ~~والسلام عن بيع وشرط. إلا أن ما ذكرناه من الشروط الجائزة مستثنى من هذا ~~النهي، فبقي ما عداه داخلا تحته، ولأن الثمن مقابل بجميع المبيع، والشرط ~~زيادة لا يقابلها شيء من العوض. فأشبه الربا، ولأنه ذريعة إلى وقوع النزاع، ~~فيعرى معه العقد عن مقصوده. # --- PageV04P129 ~~*** # روى الطبراني في «معجمه الأوسط» عن عبد الله بن أيوب المقري، عن محمد بن ~~سليمان الذهلي، عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة ~~وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة عن رجل باع بيعا وشرط شرطا. ~~فقال: البيع باطل والشرط باطل. ثم أتيت ابن ms1022 أبي ليلى فسألته فقال: البيع ~~جائز، والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فسألته فقال: البيع جائز والشرط ~~جائز. فقلت: سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة. ~~فأتيت أبا حنيفة فأخبرته. فقال: ما أدري ما قالا: حدثني عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع وشرط. البيع ~~باطل، والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته. فقال: ما أدري ما قالا: ~~حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: أمرني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن اشتري بريرة فأعتقها. البيع جائز، والشرط باطل. ثم أتيت ~~ابن شبرمة فأخبرته. فقال: لا أدري ما قالا: حدثني مسعر بن كدام، عن محارب ~~بن دثار، عن جابر قال: بعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة وشرط لي ~~حملانها إلى المدينة. البيع جائز، والشرط جائز. # (ولا) يجوز بيع الرقيق (بشرط الإعتاق) وقال مالك: يجوز. وهو رواية الحسن ~~عن أبي حنيفة، وقول للشافعي، وأصح الروايتين عن أحمد. (وإلى أجل) عطف على ~~شرط، أي لا يجوز البيع بثمن غير معين إلى أجل (جهل) كالحصاد، والدياس، ~~وقدوم الحاج، لأن هذه الأشياء تتقدم وتتأخر لكونها من أفعال العباد تثبت ~~بحسب ما يبدو لهم، فكان التأجيل بها يفضي إلى المنازعة. والآجال شرعت ~~بالأوقات، قال الله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس} # --- PageV04P130 ~~*** # . (قيدنا بالثمن غير المعين، لأن تأجيل المبيع المعين يفسد البيع سواء ~~كان الأجل مجهولا أو معلوما، وكذا تأجيل الثمن) المعين لأنه مبيع، وكذا ~~تأجيل العقد لكونه خلاف موجب العقد وهو التأبيد. ولو باع مطلقا ثم أجل ~~الثمن إلى هذه الأوقات صح لأن هذا تأجيل الدين والجهالة في الدين محتملة، ~~بخلاف ما إذا اشترط في أصل العقد، لأن العقد لا يحتمل فيه الجهالة. # (وصح) البيع (إن أسقط) الأجل المجهول (قبل الحلول) كما لو أسقط الأجل إلى ~~الحصاد من هو حقه، وهو المشتري قبل أن يأخذ الناس في الحصاد. وقال زفر ~~والشافعي: لا يصح ms1023 لأنه انعقد فاسدا فلا ينقلب جائزا. ولنا إن المفسد فيما ~~نحن فيه خارج عن صلب العقد، وقد سقط قبل تقرره فينقلب العقد جائزا، وهو قول ~~مشايخ العراق. وقال غيرهم: إن العقد انعقد موقوفا، وبالإسقاط تبين أنه كان ~~جائزا، وهو الصحيح، لأن فساد العقد باعتبار إفضائه إلى المنازعة، وقبل مجيء ~~الأجل لا منازعة. # (وإن قبض المشتري المبيع بيعا فاسدا) وكان قبضه (برضا بائعه صريحا) أي ~~رضا صريحا كاقبضه أو خذه أو تسلمه، وهذا قبل الافتراق أو بعده (أو دلالة) ~~قبل الافتراق (كقبضه) بحضرة البائع (في مجلس عقده وكل من عوضيه) أي البيع ~~(مال) جملة حالية (ملكه) أي المشتري المبيع ملكا خبيثا بالقيمة. وقال ~~مالك والشافعي وأحمد: لا يملكه لأن البيع الفاسد محظور لكونه منهيا عنه، ~~والنهي يقتضي التحريم، والملك نعمة لكونه ذريعة إلى قضاء المآرب ووسيلة إلى ~~درك المطالب، والنعمة لا تناط بالمحظور لاشتراط الملاءمة بين المناط ~~والمناط به. # --- PageV04P131 ~~*** # ولنا: إن ملزوم الملك وهو البيع تحقق، فيتحقق الملك لأن البيع الفاسد بيع ~~حقيقة لصدور ركنه وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي من أهله، فإن أهل الشيء ~~من يكون قادرا عليه لتندفع به حاجته، مضافا إلى محل قابل لحكمه إذ الكلام ~~فيه، فيترتب حكمه وهو الملك، ونعمة الملك ما انيطت بالمحظور بل بالبيع، وهو ~~غير محظور، إنما المحظور ما يتصل به من الشرط الفاسد ونحوه كما في البيع ~~وقت النداء، فإن النهي ورد فيه لمعنى غير البيع، وهو الاشتغال عن السعي ~~بسبب البيع. # (والاشتغال عن السعي غير البيع)، وإنما شرط أن يكون كل من عوضيه مالا ~~ليثبت ركن البيع، وهو مبادلة المال بالمال. ويشترط أيضا أن لا يكون للبائع ~~خيار الشرط، لأن شرط الخيار يمنع الملك في البيع الجائز، ففي الفاسد أولى. ~~وإنما لم يحل وطىء الجارية، ولا أكل الطعام لأن في كل منهما إعراضا عما هو ~~واجب عليه، وهو الرد. # (ولزمه) أي المشتري (مثله حقيقة) أي صورة (أو معنى) وهو قيمته يوم القبض، ~~لأنه به يدخل في ضمانه. وعند محمد: يوم التلف، ms1024 لأنه به يتقرر عليه. وإنما ~~لزم المشتري مثله لأنه مضمون بالقبض كالغصب، والمثل صورة ومعنى لا يكون إلا ~~فيما هو من ذوات الأمثال، وهو أعدل من المثل معنى، فلا يصار إليه مع إمكان الأول. # (فإن كان الفساد) لجهالة الأجل أو (بشرط زائد) فيه نفع لأحد العاقدين، ~~وكانت العين باقية (فلمن له الشرط) وهو المنتفع به (فسخه) بحضرة صاحبه لأن ~~منفعة الشرط لما كانت عائدة إليه، كان الفسخ له دون الآخر، لأن في فسخ ~~الآخر إبطال حق من له منفعة الشرط، وهو تصحيح العقد بإبطال ذلك الشرط، وهذا ~~عند محمد. وقالا: لكل واحد من المتعاقدين الفسخ لأنه حق الشرع، فانتفى ~~اللزوم عن العقد. # --- PageV04P132 ~~*** # (وإلا) أي وإن لم يكن الفساد لشرط زائد بل كان في صلب العقد: بأن كان في ~~أحد العوضين كما لو باع درهمين بدرهم أو ثوبا بخمر (فلكل منهما) أي من ~~العاقدين فسخه بعد القبض، لأن إعدام الفساد واجب حقا للشرع، وقبل القبض لكن ~~بمحضر من الآخر، لأن البيع الفاسد قبل القبض لما لم يفد الملك كان فسخه ~~أمتناعا عن القبض، وإنما توقف على حضور الآخر لأنه إلزام موجب الفسخ، فلا ~~يلزمه إلا بعلمه. # (فإن خرج) المبيع بيعا فاسدا (من ملك المشتري) ببيع صحيح، أو بهبة ~~وتسليم، أو بعتق (أو بنى) المشتري (فيه) أو غرس، أو اتخذه مسجدا (فلا فسخ) ~~لأن المشتري ملك المبيع بالقبض فينفذ تصرفه فيه، وينقطع حق البائع من ~~الاسترداد، سواء كان تصرفا لا يحتمل النقض كالإعتاق، أو يحتمله كالبيع، لأن ~~بهذه التصرفات تعلق حق العبد، وبالبيع الفاسد تعلق حق الشرع وهو الفسخ، ~~فيغلب حق العبد لحاجته على حق الشرع لغناه. # قيد الخروج بكونه من الملك، لأن المشتري لو أجر المبيع، أو أنكحه لم ~~ينقطع حق الفسخ، لأن النكاح لا يمنع فسخ البيع، فيفسخ وترد الأمة على ~~البائع، والنكاح على حاله. والإجارة تفسخ بالأعذار، ودفع الفساد عذر. وقال ~~مالك والشافعي وأحمد: لا ينقطع حق الفسخ بشيء من ذلك. وقال أبو يوسف ومحمد: ~~لا ينقطع بالبناء والغرس ms1025 بل ينقض ويرد المبيع على صاحبه. # --- PageV04P133 ~~*** # (وطاب للبائع ربح ثمنه) أي ثمن المبيع بيعا فاسدا إذا كان دراهم أو ~~دنانير (بعد التقابض) متعلق بربح (ولا للمشتري) أي ولا يطيب للمشتري (ربح ~~مبيعه) أي مبيع البيع الفاسد بعدالتقابض (فيتصدق) المشتري (به) أي بربحه، ~~حتى لو اشترى أمة شراء فاسدا بألف درهم وتقابضا وربح كل واحد منهما فيما ~~قبض، طاب للبائع ما ربح في الثمن، ولم يطب للمشتري ما ربح في الأمة. والفرق ~~أن الأمة مما يتعين، فيتعلق العقد بعينها فيتمكن الخبث في ربحها فيتصدق به، ~~والدراهم والدنانير لا تتعينان في العقود، فلا يتعلق العقد بعينها، فلا ~~يتمكن الخبث في ربحهما. # هذا، والبيع الباطل لا يفيد الملك بالقبض ولو كان بإذن من المالك، ولا ~~ملك التصرف، لأنه (يبنى على الملك، والملك) يبنى على العقد الصحيح أو القبض ~~في العقد الفاسد. ثم المقبوض في البيع الباطل أمانة عند أبي حنيفة، لأن ~~العقد باطل، والباطل غير معتبر والقبض بإذن المالك، فيكون أمانة. وقالا: ~~إنه مضمون بالقيمة لو كان قيميا، وبالمثل لو كان مثليا إذا هلك عند ~~المشتري، كالمقبوض في البيع الفاسد، والمقبوض على سوم الشراء. هذا وإذا ~~اشترى مكيلا كالتمر، أو موزونا كالسمن كيلا ووزنا حرم عليه بيعه وأكله، أو ~~شيء منه حتى يكيله أو يزنه. # --- PageV04P134 ~~*** # وأصله أن الأموال ثلاثة أنواع: مقدرات، كالمكيلات والموزونات، والعدديات ~~المتقاربة، والمذروعات؛ فإن اشترى شيئا منها مشارا إليها مجازفة صح التصرف ~~فيه بعد القبض، لأنه معلوم بالإشارة، وإن اشترى شيئا منها بشرط كيل أو وزن ~~أو ذرع أو عد، فإن لم يقبض بطل التصرف فيه، وبعد القبض لم يجز التصرف في ~~المكيل والموزون، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري ~~فيه صاعان: صاع البائع، وصاع المشتري، فيكون لصاحبه الزيادة، وعليه ~~النقصان. رواه البزار عن أبي هريرة. # والنهي عن البيع يقتضي الفساد إذا كان لمعنى في البيع، وقد وجد إذ البيع ~~يتناول ما يجوز به الكيل والوزن، وهو مجهول، فربما يزيد أو ينقص، فما لم ~~يكل ms1026 لنفسه أو يزن لا يمتاز المبيع عن غيره، فكان المبيع مجهولا فيفسد ~~البيع. ولأن أصل القبض شرط جواز التصرف في المبيع، فكان تمام القبض شرطا ~~أيضا. والكيل والوزن فيما بيع كيلا ووزنا من تمام القبض، لأن القدر المقصود ~~عليه فيما بيع كيلا ووزنا حتى يلزمه رد الزيادة إن زاد، ونقص الثمن بحصته ~~إن نقص. والقبض غير معتبر لتوهم الزيادة والنقصان. # ولا معتبر بكيل البائع قبل البيع وإن كان يحضره المشتري، لأن الشرط صاع ~~البائع والمشتري، ولم يوجد. ولو كاله البائع (بعد البيع) بحضرة المشتري، ~~قيل: لا يكفي لظاهر ما روينا. والصحيح أنه يكفي، وعليه الجمهور، إذ الغرض ~~منه إعلام المبيع وافرازه، وذا حاصل بالكيل مرة. والحديث محمول على بيع ~~العين مما كان مكيلا مكايلة بعدما اشتراه فإنه يحتاج إلى كيلين والعددي ~~المتقارب كالجوز والبيض، كالموزون في أظهر الروايتين عن أبي حنيفة. وقالا: ~~هو كالمذروع، وهو رواية عنه إذ لا يجري الربا بين المعدودين كما لا يجري ~~بين المذروعين. # --- PageV04P135 ~~*** # (وكره) (وهو رواية) عندنا وعند الشافعي (النجش) بفتح النون والجيم ويسكن ~~وهو أن يزيد في الثمن ولا يريد الشراء بل يرغب غيره. (و) كره (السوم) أي ~~سوم الشخص السلعة وهو طلبها بالثمن (على سوم غيره إذا رضيا) أي رب السلعة ~~والذي سام أولا (بثمن) قيد به لأنهما لو لم يرضيا بثمن فلا بأس به، لأنه ~~بيع من يزيد. (و) كره (تلقي الجلب) أي المجلوب وهو ما يجاء به من بلد إلى ~~بلد للتجارة (المضر بأهل البلد) قيد بأهل البلد لأن الذي لا يضر بهم لا بأس ~~به إلا إذا لبس السعر على الجالبين. # (و) كره بيع (الحاضر للبادي زمان القحط) وهو أن يجلب البادي السلعة ~~فيأخذها الحاضر ليبيعها له بعد وقت بأعلى من السعر الموجود وقت الجلب. ~~وقيل: هو أن يجيء البادي بالطعام إلى المصر فلا يتركه السمسار الحاضر يبيعه ~~(بنفسه، بل يتوكل عليه ويبيعه)، ويغلي على الناس السعر. وإنما نهي عنه لأنه ~~لو تركه يبيعه بنفسه لربما رخص السعر. وقيل: هو ms1027 أن يكون أهل البلد في قحط ~~وهو يبيع من أهل البدو طمعا في الثمن الغالي، وعلى هذا فاللام بمعنى من. # روى الشيخان من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تلقي ~~الركبان، وأن يبيع حاضر لباد، وأن تسأل المرأة طلاق أختها، وعن النجش، ~~والتصرية، وأن يستام الرجل على سوم أخيه. ورويا أيضا عن طاوس، عن ابن عباس ~~قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر ~~لباد. قال: قلت لابن عباس: ما قوله حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارا. # (و) كره (البيع وقت النداء) للجمعة، لقوله تعالى: {وذروا البيع} # --- PageV04P136 ~~*** # ، ولأن فيه إخلالا بالواجب وهو السعي إذا قعدا للبيع أو وقفا له. قيل: ~~ولو تبايعا وهما يمشيان، لا بأس به، وهذا مشكل فإن الله تعالى قد نهى عن ~~البيع مطلقا. ثم المعتبر هو النداء الأول إذا وقع بعد الزوال على المختار. ~~وإنما كره البيع في جميع هذه الصور ولم يفسد خلافا لمالك، لأن النهي عنها ~~لمعنى مجاور للبيع لا في صلبه، ولا في شرط صحته. والنهي الوارد لمعنى مجاور ~~لا يقتضي الفساد، بل يقتضي الكراهة. # (و) كره تحريما (تفريق صغير) أي غير بالغ (عن ذي رحم محرم منه) سواء كان ~~صغيرا أو كبيرا، ببيع وغيره، لما روى الترمذي في البيوع وفي السير، وقال: ~~حسن غريب عن أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «من فرق بين والدة وولدها، فرق اللها بينه وبين أحبته يوم القيامة». # ورواه أحمد في «مسنده» بزيادة قصة فيه ولفظه: عن أبي عبد الرحمن الحبلي ~~قال: كنا في البحر وعلينا عبد الله بن قيس الفزاري، ومعنا أبو أيوب ~~الأنصاري، فمر بصاحب المقاسم وقد أقام السبي، فإذا امرأة تبكي فقال: ما شأن ~~هذه؟ قالوا: فرقوا بينها وبين ولدها، فانطلق أبو أيوب فأتى بولدها حتى وضعه ~~في يدها، (فانطلق صاحب المقاسم إلى عبد الله بن قيس فأخبره)، فأرسل إليه ~~عبد الله بن قيس فقال: ما ms1028 حملك على ما صنعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «من فرق...». الحديث. # --- PageV04P137 ~~*** # وفي «المعرفة» للبيهقي بسنده، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، أن أبا ~~أسيد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسبي من البحرين فنظر عليه الصلاة ~~والسلام إلى امرأة منهن تبكي فقال: «ما شأنك؟» قالت: باع ابني، فقال عليه ~~الصلاة والسلام لأبي أسيد: «أبعت ابنها»؟ قال: نعم. قال: «فيمن»؟ قال: في ~~بني عبس. فقال عليه الصلاة والسلام: «اركب بنفسك فأت به». # وروى الدارقطني في «سننه» عن أبي موسى قال: لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من فرق بين الوالدة وولدها، وبين الأخ وأخيه. وروى ابن ماجه والترمذي ~~وقال: حديث حسن غريب ، عن علي ابن أبي طالب، قال: وهب لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غلامين أخوين، فبعت أحدهما، فقال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «يا علي ما فعل غلاماك؟». فأخبرته، فقال: «رده رده». وفي «سنن ~~الدارقطني» «والمستدرك» عن علي قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، ~~فأمرني ببيع أخوين فبعتهما وفرقت بينهما، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبرته، فقال: «أدركهما فارتجعهما وبعهما جميعا، ولا تفرق بينهما». قال ~~الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ولأن الصغير يستأنس بالصغير ~~وبالكبير، والكبير يشفق على الصغير ويقوم بحوائجه للشفقة الثابتة من قرب ~~القرابة، ففي التفريق بينهما إيحاش الصغير وترك الترحم عليه، وهو منهي عنه. # --- PageV04P138 ~~*** # ثم المنع من التفريق معلل بالصغر والقرابة المحرمة للنكاح، فلا يدخل فيه ~~الكبيران، لأن كل واحد منهما يقوم بحوائجه ولا يستأنس بالآخر عادة، بل ربما ~~يتأذى به. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين مارية وسيرين، وكانتا ~~أمتين أختين كبيرتين. وسيرين بالسين المهملة على ما ذكره ابن الهمام. ولا ~~محرم غير قريب كامرأة الأب، ولا قريب غير محرم كابن العم، ولا الزوجان وإن ~~كانا صغيرين لعدم هذه القرابة. ولو اجتمع مع الصغير عدد من أقاربه، لا يفرق ~~بينه وبين أحد سواء اختلفت ms1029 جهة القرابة كالعم والخال، أو اتحدت كخالين عند ~~أبي يوسف، لأنه يستوحش بفراق الكل. وقيل: لو اتحدت الجهة يترك واحد ويفرق ~~بينه وبين الباقي إن شاء. أما لو اجتمع مع أبويه، فلا يفرق بينه وبين واحد ~~منهما، لأنه لا يستغنى بأحدهما عن الآخر. # وفي «شرح الوافي»: مسبية معها صبي ادعت أنه ابنها، لا يثبت نسبه منها ~~لأنها تحمل النسب على الغير، ولا يفرق لأن قول الواحد مقبول في الديانات ~~خصوصا فيما يبنى على الاحتياط. # وإذا وقع تفريق بين صغير وذي رحم محرم منه ببيع، نفذ في الكل عند أبي ~~حنيفة ومحمد، وهو قول للشافعي. وعن أبي يوسف: لا يجوز في قرابة الولاد ~~لقوتها، ويجوز في قرابة غيرها لضعفها، وهو الأصح في مذهب الشافعي. وقال ~~مالك: لا يجوز في الأم فقط، وعن أبي يوسف أيضا، وهو قول أحمد: لا يجوز في ~~الكل، لأن الأمر بالرد في الحديث السابق لا يكون إلا في البيع الفاسد، وهو ~~قول الحسن بن زياد. وذكر الطحاوي قول محمد مع أبي يوسف. وذكره الكرخي مع ~~أبي حنيفة رحمه الله. # --- PageV04P139 ~~*** # ولأبي حنيفة رحمه الله: أن ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى محله فينفذ، ~~والنهي عن بيع أحدهما لمعنى مجاور للبيع غير متصل به، وهو الإضرار بالصغير، ~~فلا يفسد العقد كالنهي عن السوم على سوم غيره. # (لا بيع من يزيد) أي لا يكره، لما روى أصحاب «السنن الأربعة»، عن أنس بن ~~مالك: أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: «أما ~~في بيتك شيء»؟ قال: بلى، حلس أي كساء نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب أي قدح ~~نشرب فيه الماء. قال: «ائتني بهما»، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: «من يشتري هذين؟» فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال: ~~«من يزيد على درهم» مرتين أو ثلاثا قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما ~~إياه فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري. وقال: «اشتر بأحدهما طعاما فانبذه ~~إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فائتني به»، فأتاه به فشد ms1030 فيه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عودا بيده ثم قال: «اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر ~~يوما». فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ~~ثوبا وببعضها طعاما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا خير لك من أن ~~تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة». # قال الزيلعي في «شرح الكنز»: ومن مشايخ بخارى من جعل بيع الوفاء، كبيع ~~المكره، منهم الإمام ظهير الدين، والصدر الشهيد حسام الدين، والصدر السعيد ~~تاج الإسلام. وصورته: أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذه العين بدين لك، ~~على أني متى قضيت الدين فهو لي. فجعلوه فاسدا باعتبار شرط الفسخ عند القدرة ~~على إيفاء الدين، فيفيد الملك عند اتصال القبض وينقض بيع المشتري كبيع ~~المكره، لأن الفساد باعتبار عدم الرضا فكان حكمه كحكم بيع المكره في جميع ~~ما ذكرنا. # --- PageV04P140 ~~*** # ومنهم من جعله رهنا، منهم: السيد الإمام أبو شجاع، وعلي السغدي، والإمام ~~القاضي الحسن الماتريدي. قالوا: لما شرط عليه أخذه عند قضاء الدين كان ~~بمعنى الرهن، لأنه هو الذي يؤخذ عند قضاء الدين، والعبرة في العقود للمعاني ~~دون الألفاظ، حتى جعلت الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، وبالعكس كفالة، ~~والاستصناع عند ضرب الأجل سلما، فإذا كان رهنا لا يملكه ولا ينتفع به. وأي ~~شيء أكل من زوائده يضمن ويسترده عند قضاء الدين. ولو استأجره البائع، لا ~~تلزمه أجرته، كالراهن إذا استأجر المرهون وانتفع به وسقط الدين بهلاكه، ~~فيثبت به جميع أحكام الرهن. ومن مشايخ سمرقند من جعله بيعا جائزا مفيدا بعض ~~أحكامه، منهم الإمام نجم الدين النسفي، فقال: اتفق مشايخنا في هذا الزمان ~~فجعلوه بيعا جائزا مفيدا لبعض الأحكام وهو الانتفاع به دون البعض، وهو ~~البيع لحاجة الناس إليه ولتعاملهم فيه، والقواعد قد تترك بالتعامل. وجوز ~~الاستصناع لذلك، وقال صاحب «النهاية»: وعليه الفتوى. # ومن المشايخ من جعله باطلا واعتبره بالهازل. وقال في «الكافي»: والصحيح ~~أن العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنا، ثم ينظر إن كانا ~~اشترطا ms1031 الفسخ في البيع، فسد البيع وإن لم يذكرا ذلك في البيع، وتلفظا بلفظ ~~البيع بشرط الوفاء أو بالبيع الجائز. وعندهما: هذا البيع عبارة عن بيع غير ~~لازم فكذلك. وإن ذكرا البيع من غير شرط ثم ذكرا الشرط على وجه الميعاد جاز ~~البيع، ويلزمه الوفاء بالميعاد، لأن المواعيد قد تكون لازمة. # --- PageV04P141 ~~*** # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العدة دين». فيجعل هذا الميعاد لازما ~~لحاجة الناس إليه. وقال جلال الدين في «حواشي الهداية»: وصورته أن يقول ~~البائع للمشتري: بعت منك هذه العين بألف درهم على أني لو دفعت إليك ثمنك ~~تدفع العين إلي. ثم قال: ويسمى هذا بيع الوفاء، وهذا البيع موجود في المصر ~~يتعامل به ويسمونه بيع الأمانة. والله تعالى أعلم. # فصل الإقالة # (الإقالة) مندوبة لما في «سنن أبي داود وابن ماجه»، عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أقال مسلما بيعته، أقال اللها عثرته». ~~زاد ابن ماجه: «يوم القيامة». وفي رواية البيهقي: «من أقال نادما». وهي تصح ~~بايجاب ك: أقلتك، وقبول في المجلس من الآخر، وبتعاط أيضا. (فسخ في حق ~~المتعاقدين) عند أبي حنيفة إلا أن لا يمكن جعلها فسخا (فتبطل) الإقالة (بعد ~~ولادة المبيعة) بعد القبض، لأن الزيادة المنفصلة تمنع الفسخ بخلاف المتصلة ~~عند أبي حنيفة رحمه الله (وبيع) جديد (في حق الثالث) إن وجد كالشفيع، (فيجب بها) # أي بالإقالة (الشفعة) للشفيع الذي سلم الشفعة في البيع لأنه ثالث، وكذا ~~الاستبراء في إقالة الأمة. # وقال أبو يوسف، والشافعي في القديم، ومالك: بيع في حق الكل بعد القبض ~~(إلا إذا تعذر جعلها بيعا، بأن كانت قبل القبض في المنقول، أو كانت بعد ~~هلاك أحد العوضين في المقايضة، فيجعلها أبو يوسف) فسخا إلا إذا تعذر جعلها ~~فسخا بأن تقايلا قبل القبض في المنقول على خلاف الجنس أو المقدار، فتبطل ~~الإقالة، لأن بيع المنقول قبل القبض لا يجوز، والفسخ يكون بالثمن الأول وقد ~~سميا ثمنا آخر، فتبطل الإقالة ويبقى البيع الأول على حاله. # --- PageV04P142 ~~*** # وقال محمد والشافعي ms1032 في الجديد، وزفر: فسخ في حق الكل إن كانت بالثمن ~~الأول أو بأقل، إلا إذا تعذر جعلها فسخا (بأن تقايلا بعد القبض بالثمن ~~الأول بعد الزيادة المنفصلة، أو تقايلا بعد القبض بخلاف جنس الثمن الأول، ~~فيجعل بيعا إلا إذا تعذر جعلها بيعا بأن تقايلا قبل القبض في المنقول على ~~خلاف الجنس أو المقدار)، فتبطل الإقالة ويبقى البيع على حاله. # (وصحت) الإقالة (بمثل الثمن الأول) جنسا وقدرا (وإن شرط غير جنسه) كما لو ~~كان الثمن دراهم وأقال على دنانير، لأن غير جنس الثمن ليس ثابتا في المفسوخ ~~ورفع ما ليس ثابتا محال، فيكون تسمية غير جنس الثمن في الإقالة شرطا فاسدا، ~~والإقالة لا تبطل بالشروط الفاسدة، (أو) إن شرط (أكثر منه) أي من الثمن لأن ~~الزيادة يتعذر الفسخ عليها، لأنها لم تكن ثابتة في المفسوخ، فيكون تسميتها ~~شرطا فاسدا فيلغو. وهذا يؤيد قول أبي حنيفة ومحمد: أن الإقالة فسخ، إذ لو ~~كانت بيعا لبطلت بالشرط الفاسد كالبيع. # --- PageV04P143 ~~*** # (وكذا) تصح الإقالة بمثل الثمن الأول وإن شرط (الأقل)، فلو تقايلا بخمس ~~مئة والمبيع بحاله لم يتعيب وكان الثمن ألفا صحت الإقالة بألف، لأنه لا ~~يمكن تصحيحهما بخمس مئة فيبطل ذكر الخمس مئة، وتبقى الإقالة، فيجب على ~~البائع رد الألف على المشتري (إلا إذا تعيب) المبيع: بأن حدث به عيب عند ~~المشتري، فإن الإقالة تصح بالأقل حينئذ ويكون المحطوط من الثمن بإزاء ~~العيب، وهذا كله عند أبي حنيفة. وأما عندهما، ففي أكثر من الثمن يكون بيعا، ~~لأن البيع أصل عند أبي يوسف وكان جعلها بيعا ممكنا، وبالزيادة ظهر قصد ~~البيع فيجعل بيعا عند محمد، وكذا في أقل من الثمن يكون بيعا عند أبي يوسف ~~لأنه الأصل عنده، وفسخا بالثمن الأول عند محمد لأنه سكوت عن بعض الثمن ~~الأول، وهو لو أقال وسكت عن الثمن الأول يكون فسخا، فهذا أحق. # (ولم يمنعها) أي الإقالة (هلاك الثمن بل) يمنعها (هلاك المبيع) لأن ~~الإقالة رفع البيع، ورفعه يستدعي قيامه، وقيامه بالمبيع دون الثمن. ولهذا ~~لو هلك المبيع ms1033 قبل القبض يبطل البيع، ولو هلك الثمن قبله لا يبطل. (وهلاك ~~بعضه) أي المبيع (يمنع) من الإقالة (بقدره) اعتبارا للجزء بالكل، فتجوز ~~الإقالة في الباقي، ويمتنع في الهالك. ولو باع بشرط الإقالة، إذا رد البائع ~~الثمن عند أكثر المشايخ له حكم الرهن، فلا يباح للمشتري أن ينتفع به بدون ~~إذن البائع، ويسقط الدين بهلاكه. وعند بعض المشايخ: هو باطل لأنه تلاعب. # --- PageV04P144 ~~*** # وقال نجم الدين النسفي : اتفق مشايخنا في هذا الزمان على جوازه لحاجة ~~الناس إليه وتعاملهم به، والقواعد قد تترك بالتعامل كما في الاستصناع. وفي ~~«النهاية»: وعليه الفتوى. وفي «الخانية»: الصحيح أن العقد إن كان بلفظ ~~البيع لا يكون رهنا، ثم ينظر فإن ذكر الشرط فيه يفسد، وإن ذكر قبله أو بعده ~~على وجه المواعدة يصح العقد، ويلزم الوفاء بالعهد لحاجة الناس. # فصل # (في التولية والمرابحة) # (التولية) لغة: جعل الشيء واليا لغيره. # وشرعا: (أن يشترط) البائع (في البيع أنه بما شرى) أي بقدره وجنسه لا ~~بنفسه، لأن نفس ما شرى به صار ملكا للبائع الأول، فلا يمكن البيع به إلا إذ ~~صار ملكا للمشتري. ولو قال: «بما قام عليه» بدل قوله: «بما شرى»، لكان ~~أولى، لأن الصبغ والقصارة ونحوهما يضم إلى الثمن الأول (والمرابحة به) أي ~~بما شرى، فهي أن يشترط البائع في البيع أنه بما شرى (مع فضل) وأما إذا كان ~~بأقل من الثمن فوضيعة. وهما بيعان جائزان لتعامل الناس بهما من غير نكير، ~~ولما روى عبد الرزاق في «مصنفه»، عن معمر، عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن، عن ~~سعيد بن المسيب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التولية، والإقالة، ~~والشركة سواء لا بأس به». وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه»، عن الحسن وابن ~~سيرين وطاوس أنهم قالوا: التولية بيع. # --- PageV04P145 ~~*** # وفي البخاري عن عائشة أن أبا بكر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: خذ بأبي ~~أنت وأمي (يا رسول الله) إحدى راحلتي هاتين. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «بالثمن». وفي «سيرة ابن إسحاق»: فلما قرب ms1034 أبو بكر رضي الله عنه ~~الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم أفضلهما، ثم قال: اركب ~~فداك أبي وأمي يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا ~~أركب بعيرا ليس لي». فقال: هي لك يا رسول الله. قال: «لا، ولكن بالثمن الذي ~~ابتعتها به». قال: كذا وكذا، قال: «أخذتها بذلك». قال: هي لك يا رسول الله، ~~فركبا وانطلقا. # وفي «طبقات ابن سعد»: وكان أبو بكر قد اشتراهما من نعم بني قشير بثمان ~~مئة درهم، فأخذ إحداهما وهي القصوى. ولأن شرائط الجواز متحققة فيهما، وقد ~~مست الحاجة إليهما، لأن غير الفطن في الشراء يحتاج إلى أن يعتمد على فعل ~~الماهر فيه، فيشتري عنه بمثل ما اشترى وبزيادة ربح، لئلا يغبن بأكثر مما لو ~~لم يعتمد على فعله، ولهذا كان مبناهما على الأمانة والاحتراز عن التهمة ~~والخيانة، إذ لو لم يبنيا على ذلك فات المقصود. # --- PageV04P146 ~~*** # (وشرطهما) أي المرابحة والتولية، وكذا الوضيعة (شراؤه) أي شراء البائع ~~المبيع (بمثلي) أي كيلي، أو وزني، أو عددي متقارب، (وله) أي للبائع (ضم ~~أجرة القصارة والحمل ونحوهما) أي نحو القصارة مما زاد في عين المبيع، ونحو ~~الحمل مما زاد في قيمته، لأن ما زاد في عين الشيء أو في قيمته ملحق به. ~~وإنما كان الحمل مما يزيد في قيمة المبيع، لأن القيمة تختلف باختلاف المكان ~~فيضم أجر الفتل والطراز والصبغ والغسل والخياطة ونحوها. والأصل أن ما جرى ~~عرف التجار على إلحاقه برأس المال يلحق به، وما لا فلا. وأما أجرة الدلال ~~فلا تضم اتفاقا، وتضم نفقة المبيع وكسوته لا نفقة المشتري على نفسه في سفره ~~من وقت شرائه للمبيع. وقيد بالأجرة لأنه لو فعل القصارة أو الحمل أو نحوهما ~~بيده لا يضم. # (ويقول: قام علي بكذا) ولا يقول: شريت بكذا، تحرزا عن الكذب، إذ المشترى ~~به ما ذكر ثمنا في العقد. ((فإن ظهر خيانته في المرابحة)) بإقرار البائع أو ~~بالبينة أو بنكوله عن اليمين وقد ادعاها المشتري (أخذه) أي المبيع (بثمنه) ms1035 ~~كله (أو رده) بالفسخ. # (و) إن ظهر له خيانة (في التولية حط) قدر الخيانة من الثمن ولا يفسخ، هذا ~~عند أبي حنيفة، (وعند أبي يوسف حط فيهما) أي في المرابحة والتولية، وهو قول ~~الشافعي في «المختصر» وأحمد (وعند محمد) وهو قول للشافعي (خير فيهما) بين ~~الأخذ بكل الثمن والفسخ. ولو اشترى بألف مؤجلة، وباع بربح مئة، أو باع ~~تولية بلا بيان، خير المشتري بين أخذه بكل الثمن وبين رده اتفاقا. # --- PageV04P147 ~~*** # وفي «المحيط»: من اشترى شيئا وصار مغبونا غبنا فاحشا، له أن يرده على ~~البائع بحكم الغبن. وقال القاضي أبو علي النسفي: فيه روايتان عن أصحابنا ~~ويفتى برواية الرد رفقا بالناس. وكان صدر الإسلام أبو اليسر يفتي بأن ~~البائع إن قال للمشتري: قيمة متاعي كذا، أو قال: متاعي يساوي كذا، فاشترى ~~بناء على ذلك فظهر بخلافه، له الرد بحكم التغرير. وإن لم يقل ذلك، فليس له ~~الرد. وبعضهم لا يفتون بالرد بكل حال. والصحيح أن يفتى بالرد إذا وجد ~~التغرير، وبدونه لا يفتى. والله تعالى أعلم. # فصل في الربا # (الربا) لغة: الفضل والزيادة. يقال هذا يربو على هذا، أي يفضل، ومنه قوله ~~تعالى: {وما ءاتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله}، ~~وسمي المكان المرتفع ربوة لفضله على سائر البقاع. # وشرعا: (فضل خال عن عوض) أي لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال (شرط لأحد ~~المتعاقدين في المعاوضة). # في «شرح الوقاية»: أي فضل أحد المتجانسين على الآخر بالمعيار الشرعي، أي ~~الكيل والوزن. ففضل قفيزي شعير على قفيز بر لا يكون ربا، وكذا فضل عشرة ~~أذرع من الثوب الهروي على خمسة أذرع منه لا يكون ربا. وقال: خال عن عوض، ~~ليحترز عن بيع كر بر وكر شعير بكري بر وكري شعير، فإن للثاني فضلا عن الأول ~~، لكنه غير خال عن العوض بصرف الجنس إلى خلاف الجنس. وقال: شرط لأحد ~~المتعاقدين، لأنه لو شرط لغيرهما لا يكون ربا. وقال: في المعاوضة، لأن ~~الفضل الخالي عن العوض الذي في الهبة ليس ms1036 بربا. انتهى. # --- PageV04P148 ~~*** # وفي «جمع العلوم»: الربا شرعا: عبارة عن عقد فاسد وإن لم يكن فيه زيادة، ~~لأن بيع الدرهم بالدرهم نساء ربا وإن لم يتحقق فيه الزيادة. أقول: ولا يبعد ~~عد النساء زيادة مجازا. # ثم ثبوت حرمة الربا بالكتاب نحو قوله تعالى: {لا تأكلوا الربا}. وبالسنة ~~نحو ما رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعن آكل الربا ومؤكله وشاهده وكاتبه. وبإجماع الأمة. قال الإسبيجابي: ~~اتفقوا على أنه إذا أنكر ربا النساء يكفر، واختلفوا في ربا الفضل، فإن ابن ~~عباس لا يرى الربا إلا في النسيئة. وعنه أنه رجع إلى قول غيره. # والحاصل: # أن الأصل في حرمة الربا قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا}، ~~ومعناه اللغوي: الذي هو مطلق الفضل. والزيادة ليست مرادا بالإجماع، فكان ~~النص مجملا وقد ورد بيانه بقوله عليه السلام: «الذهب بالذهب، والفضة ~~بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا ~~بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإن اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا ~~كان يدا بيد». رواه الستة من حديث عبادة بن الصامت إلا البخاري. وأخرجه ~~مسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء، وزاد بعد ~~قوله: «يدا بيد»: «فمن زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء». ~~والتقدير في هذه الرواية: بيعوا مثلا بمثل. # --- PageV04P149 ~~*** # وروى محمد بن الحسن في أول بيوع «الأصل» قال: حدثنا أبو حنيفة عن عطية ~~العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد، والفضل ربا، والفضة بالفضة. مثلا بمثل، ~~يدا بيد، والفضل ربا»، وهكذا إلى آخر الأشياء الستة. فالتقدير بيعها مثلا ~~بمثل، أو يباع مثلا بمثل، وهو خبر بمعنى الأمر بل آكد منه تحقيقا لمعنى البيع. # وفي رواية لأبي داود عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها، والبر بالبر ~~مدي ms1037 بمدي، (والشعير بالشعير مدي بمدي)، والتمر بالتمر مدي بمدي، والملح ~~بالملح مدي بمدي، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، ~~والفضة أكثرهما يدا بيد، وأما نسيئة فلا، ولا بأس ببيع البر بالشعير، ~~والشعير أكثرهما يدا بيد، وأما نسيئة فلا». وفي «القاموس»: المدي: بضم ~~مكيال الشام ومصر، وهو غير المد، جمعه أمداء. # وبرواية الطحاوي عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا ~~الذهب بالذهب ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، (ولا ~~التمر بالتمر)، ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء، عينا بعين، ولكن بيعوا ~~الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، والتمر ~~بالملح، والملح بالتمر، يدا بيد كيف شئتم». وقد اتفق القائسون أن الحكم ليس ~~مقصورا على الأشياء الستة بل النص معلل بالاتفاق خلافا لداود الظاهري نافي ~~القياس، وعثمان البتي. لكن اختلفوا في العلة، فقال علماؤنا: # --- PageV04P150 ~~*** # (وعلته) أي علة وجوب المساواة وحرمة الفضل، أو علة كون المال ربويا ~~(القدر: أي الكيل أو الوزن مع الجنس) فلا ربا فيما لا يدخل تحت كيل أو وزن، ~~كالحفنة من القمح، والذرة من الذهب، ولا في مكيل أو موزون مع خلاف جنسه، ~~وبه قال أحمد في رواية. # وقال مالك: علته الاقتيات والإدخار مع الجنس، لأنه صلى الله عليه وسلم خص ~~بالذكر كل مقتات ومدخر. وقال الشافعي في القديم: علته الطعم مع الكيل أو ~~الوزن؛ وفي الجديد: علته الطعم في الأشياء الأربعة، والثمنية في الذهب ~~والفضة، والجنسية شرط لا تعمل العلة بدونه، وبه قال مالك وأحمد في رواية، ~~لما روى مسلم من حديث معمر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الطعام بالطعام مثلا بمثل». # وفي رواية «لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل»، وفي رواية: «إلا ~~سواء بسواء». ونصبهما على الحال. ووجه الدلالة: أن الطعام مشتق من الطعم ~~ومتى ترتب الحكم على اسم مشتق كان مأخذ الاشتقاق علة له. والطعم بالفتح: ما ~~يؤديه الذوق من حلاوة ومرارة وما بينهما. وبالضم: الطعام. # ولنا ms1038 ما روينا عن أبي سعيد الخدري وغيره قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة» إلى أن قال: «مثلا بمثل...» ~~الحديث. ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم أوجب المماثلة في الجنس ~~الواحد تتميما للفائدة في حق العاقدين، إذ لو كان أحد العوضين أقل من الآخر ~~لكانت الفائدة تامة لأحد العاقدين دون الآخر. والمماثلة باعتبار الصورة ~~القدر، وباعتبار المعنى الجنس. # --- PageV04P151 ~~*** # وروى الشيخان عن سعيد بن المسيب أن أبا سعيد الخدري وأبا هريرة حدثاه: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سواد بن غزية وأمره على خيبر. فقدم عليه ~~بتمر جنيب يعني طيب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكل تمر خيبر ~~هكذا»؟ قال: لا والله يا رسول الله إنا نشتري الصاع بالصاعين، والصاعين ~~بالثلاثة من الجمع. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تفعل، ولكن بع هذا، واشتر ~~بثمنه من هذا، وكذلك الميزان» . انتهى. والجمع: تمر رديء مخلوط. # وفي رواية لهما: قال أبو سعيد: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتمر برني. فقال: «من أين هذا»؟ قال: كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين ~~بصاع. فقال: «أوه عين الربا. لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ~~ببيع آخر، ثم اشتر به. ووجه الدلالة أنه اشترط في الجنس المماثلة، وهي لا ~~تتحقق إلا بالكيل (أو الوزن)، ثم (قاس عليه الميزان، أي ما يدخل تحت الوزن. ~~لكن) قال البيهقي: الأشبه أن قوله: «وكذلك الميزان» من قول أبي سعيد. انتهى. # والظاهر أنه مرفوع لما في الصحيحين: «لا تفعل بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع ~~بالدراهم جنيبا». وقال: «في الميزان مثل ذلك». فإن ضمير «قال» إما إليه صلى ~~الله عليه وسلم، فهو ظاهر، وإما إلى أبي سعيد، فيفد أنه نقل في الميزان ~~مثلما نقل في المكيال. والله تعالى أعلم بالأحوال. وفي «الكفاية»: اختلاف ~~الجنس يعرف باختلاف الاسم والمقصود. فالحنطة والشعير جنسان عندنا وعند ~~الشافعي لكونهما مختلفين اسما ومعنى. وعند مالك جنس واحد. # --- PageV04P152 ~~*** # (والبر والشعير والتمر ms1039 والملح كيلي) وإن ترك الناس الكيل فيه (والذهب ~~والفضة وزني) وإن ترك الناس الوزن فيه (وغيرها) أي غير المذكورات. وفي نسخة ~~أخرى: وغيرهما، أي غير ما ذكرناه من كيلي ووزني (على العرف) يبنى عملا ~~بالأدنى عند عدم الأقوى. وعن أبي يوسف: أن العرف يعتبر فيهما أيضا، لأن ~~النص فيهما إنما كان لأنه العادة في ذلك الوقت، فكانت العادة هي المنظور ~~إليها، وقد تبدلت، فلو باع حنطة بجنسها متساويا وزنا، أو ذهبا بجنسه ~~متساويا كيلا لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وإن تعارفوا ذلك، لتوهم الفضل ~~على ما هو المعيار فيه، كما لو باعه مجازفة. # (فإن وجد الوصفان) أي القدر والجنس (حرم الفضل والنساء) بوجود علة ~~حرمتهما، فلا يجوز بيع الجص بمثله متفاضلا لوجود الكيل مع الجنس، ولا بيع ~~الحديد بمثله متفاضلا لوجود الوزن مع الجنس (فإن عدما) أي فقد الوصفان ~~(حلا) أي الفضل والنساء لعدم علة حرمتهما مع أن الأصل الإباحة. # (وإن وجد أحدهما) أي أحد الوصفين بأن وجد القدر دون الجنس كالحنطة ~~بالشعير، أو الجنس دون القدر كثوب هروي بجنسه، وحيوان بجنسه، (حرم النساء ~~فقط) أي دون الفضل. فحرمة ربا الفضل بالوصفين، وحرمة ربا النساء بأحدهما. ~~وقال مالك: لا يجوز بيع حيوان باثنين من جنسه يقصد بهما أمر واحد من ذبح ~~وغيره. وقال الشافعي: ما عدا الذهب والفضة والمأكول والمشروب لا يحرم فيه ~~شيء من جهة الربا. ولنا: ما روى أحمد في «مسنده» عن جابر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «في الحيوان اثنان بواحد لا بأس به يدا بيد، ولا يصلح ~~نساء». وفي رواية: «لا خير فيه نساء». # --- PageV04P153 ~~*** # (ولا يجوز) بيع (الكيلي بمثله إلا متساويا كيلا) وإن تعارفوا فيه الوزن، ~~(و) لا (الوزني) بمثله (إلا متساويا وزنا # ) وإن تعارفوا فيه الكيل، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم في حديث عبادة: «مثلا بمثل، سواء بسواء». ووجه الدلالة: أنه صلى الله ~~عليه وسلم شرط في جواز بيع المكيل بجنسه، والموزون بجنسه المساواة بما ~~اعتبر ms1040 فيه من القدر، وحصول المساواة بغير ذلك لا تعرف بها المساواة في ذلك، ~~فلا يجوز، كما لو باع مجازفة. ويكفي التعيين في بيع المال الربوي بمثله، ~~ولا يشترط التقابض قبل التفرق عندنا، وشرطه مالك والشافعي كالصرف لما روينا ~~من قوله: «يدا بيد». والمراد به القبض، وإنما كنى عنه بها لأنها آلته. ~~ولأنه المراد في النقدين، فكذا في غيرهما. ولأنه إذا لم يقبض في المجلس ~~يتعاقب القبض، وللنقد مزية على غيره، فتتحقق شبهة الربا، وهي مانعة ~~كالحقيقة، كما في الحال والمؤجل. # --- PageV04P154 ~~*** # ولنا أنه باع عينا بعين فلا يشترط فيهما التقابض، كما لو باع ثوبا بثوب ~~أو بثوبين وافترقا لا عن قبض. وهذا لأن المطلوب من العقد التمكن من التصرف، ~~وذا يترتب على التعيين. غير أنه في النقود لا يتحقق إلا بالتقابض. فاشتراطه ~~في الصرف للتعيين لا لنفسه، وغير النقود يتعين بالتعيين، فلا حاجة إلى ~~التقابض. والمراد من قوله صلى الله عليه وسلم: «يدا بيد»، عينا بعين، إذ ~~اليد آلة التعيين فلم يكن حمله على القبض أولى، بل حمله على هذا أحق، لما ~~في رواية عبادة بن الصامت «عينا بعين». وتعاقب القبض لا يعتبر (تفاوتا) في ~~المالية عرفا بخلاف الحال والمؤجل، لكن ما في «الصحيحين» عن عمر رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، ~~والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء...» الحديث، يرجح حمله على القبض؟ كيف ومعنى ~~هاء: خذ، وهو من أسماء الأفعال، ومنه قوله تعالى: {هاؤم اقرؤا كتابيه}، كذا ~~حققه بعض المتأخرين. # (والجيد والرديء سواء) لإطلاق الحديث، ولحديث: «جيدها ورديئها سواء»، لأن ~~الجودة لا يجوز الاعتياض عنها لأن بيع قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة رديئة ~~ودرهم لا يجوز بالإجماع. وما لا يجوز الاعتياض عنه بالبيع، لا يكون مالا ~~متقوما كالخمر. # --- PageV04P155 ~~*** # (وجاز بيع حفنة) من كيلي (بحفنتين) وتفاحة بتفاحتين، وبيضة ببيضتين، ~~وجوزة بجوزتين، وتمرة بتمرتين، لانعدام علة الربا بانعدام جزئها وهو القدر، ~~إذ المراد بالمماثلة القدر بالنص، ولا تقدير في الشرع بحفنة ms1041 ولا حفنتين. ~~ولذا يضمن الحفنة والحفنتان بالقيمة عندنا، كما لو باع ما دون نصف صاع بما ~~دون نصف صاع جاز، لأنه لا تقدير في الشرع بما دون نصف الصاع. بخلاف ما دون ~~نصف صاع بنصف صاع أو أكثر، فإنه لا يجوز إلا مثلا بمثل لوجود القدر من أحد ~~الجانبين، لوقوع التقدير بنصف الصاع في الشرع، كما في صدقة الفطر. وعند ~~مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز ذلك إلا في رواية عن مالك، ورواية عن أحمد، ~~وروى المعلى عن محمد أنه كره التمرة بالتمرتين، وقال: كل شيء حرم في ~~الكثير، فالقليل منه حرام. وإلى هذه الرواية مال بعض المحققين. # (و) جاز (فلس بفلسين بأعيانهما) أي الفلس والفلسين بأن كان كل من الفلس ~~والفلسين معينا، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال مالك والشافعي في ~~الأصح. وعند محمد وأحمد: لا يجوز، كبيع درهم بدرهمين. قيد بأعيانهما، ~~لأنهما لو كانا أو أحدهما بغير عينه لم يجز بالاتفاق. أما إن كانا بغير ~~أعيانهما فلأنه بيع الكالىء بالكالىء، أعني النسيئة بالنسيئة، وهو منهي ~~عنه، وأما إن كان أحدهما بغير عينه فلأن الجنس بانفراده يحرم النساء. # --- PageV04P156 ~~*** # (و) جاز (اللحم بالحيوان) من غير جنسه، ومن جنسه أيضا عند أبي حنيفة وأبي ~~يوسف والمزني من أصحاب الشافعي. وقال محمد: لا يجوز إذا كان من جنسه إلا ~~إذا كان اللحم أكثر مما في الحيوان، ليكون اللحم مقابلا باللحم والزائد ~~مقابلا بالسقط، لأنه لو لم يكن كذلك لتحقق الربا من حيث زيادة السقط، أو من ~~حيث زيادة اللحم، وصار كبيع دهن السمسم بالسمسم، فإنه لا يجوز إلا بطريق ~~الاعتبار. # وقال مالك والشافعي (وأحمد): لا يجوز بجنسه أصلا، لا بطريق الاعتبار ولا ~~بغيره، ومذهب مالك وأحمد أنه يجوز بغير جنسه، والأصح في مذهب الشافعي أنه ~~لا يجوز بغير جنسه، لعموم النهي فيما روى مالك في «الموطأ»، وأبو داود في ~~«المراسيل» عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ~~اللحم بالحيوان، وهو مع قوله صلى الله ms1042 عليه وسلم في الحديث الآخر: «إذا ~~اختلفت الأنواع، فبيعوا كيف شئتم» دليل مالك وأحمد. # ولأبي حنيفة أنه بيع موزون بغير موزون فيصح كيفما كان، كما لو باع الثوب ~~بالقطن، وهذا لأن الحيوان ليس بموزون بل هو عددي متفاوت. والمراد بالنهي في ~~حديث ابن المسيب ما إذا كان أحدهما نسيئة، لما في «السنن الأربعة» عن سمرة ~~بن جندب: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. ~~قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرج عن الحجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير، عن ~~جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحيوان اثنين ~~بواحد لا يصح نساء ولا بأس به يدا بيد». وقال: حديث حسن. # --- PageV04P157 ~~*** # (و) جاز (الدقيق بجنسه) والنخالة بجنسها (كيلا) ونص الشافعي في القديم ~~والجديد: أنه لا يجوز بيع الدقيق بالدقيق (كيلا). وحكى البويطي والمزني عن ~~الشافعي جوازه، وهو مذهب أحمد. وقيد بالكيل لأن بيع الدقيق بالدقيق وزنا لا ~~يجوز، لأن الدقيق كيلي، ولهذا لا يجوز بيع الحنطة بالدقيق وزنا، ولو كان ~~وزنيا لجاز. # (و) جاز (الرطب بالرطب) اتفاقا (و) كذا التمر بالتمر والرطب (بالتمر) ~~وعكسه مثلا بمثل وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز بيع ~~الرطب بالتمر، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لما روى مالك في «الموطأ» عن ~~عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن زيد بن أبي عياش، عن سعد بن أبي ~~وقاص أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن شرى التمر ~~بالرطب، فقال صلى الله عليه وسلم: «أينقص الرطب إذ يبس»؟ قالوا: نعم. فنهاه ~~عن ذلك. ومن طريق مالك رواه أصحاب «السنن الأربعة»، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. # --- PageV04P158 ~~*** # فأفسد صلى الله عليه وسلم البيع، وأشار إلى أن العلة النقصان عند الجفاف، ~~وبه تبين أن شرط جواز العقد المماثلة في أعدل الأحوال، وهو ما بعد الجفاف ~~وذا لا يعرف بالمساواة كيلا في الحال، لأن قفيز الرطب ربما يصير نصف قفيز ~~عند الجفاف. وكان ms1043 ذلك كبيع الدقيق بالحنطة حيث لا يجوز للتفاوت بعد الطحن. ~~ولأبي حنيفة قوله صلى الله عليه وسلم حين أهدي له رطب: «أكل تمر خيبر ~~هكذا»؟ فسمى الرطب تمرا، كذا قيل. وهو إنما يتم في الجملة إذا كان المهدي ~~رطبا، وليس كذلك بل كان تمرا، لما في «الصحيحين» أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري، فاستعمله على خيبر. فقدم بتمر جنيب، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: «أكل تمر خيبر هكذا»؟ فقال: لا... الحديث. # وله أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت: «والتمر ~~بالتمر مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا ~~اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم» وذلك إن الرطب إن كان تمرا جاز البيع ~~بأول الحديث، وهو قوله: «التمر بالتمر»، وإن كان غير تمر فبآخره وهو قوله: ~~«إذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم». # --- PageV04P159 ~~*** # وهذا حسن في باب المناظرة لدفع الخصم، كما قال أبو حنيفة حين دخل بغداد، ~~وكانوا أشداء عليه لمخالفته الخبر، فسألوه فأجاب بما تقدم فأورد عليه ~~الحديث السابق، فقال: هذا الحديث دائر على زيد ابن أبي عياش، فهو ممن لا ~~يقبل حديثه. وقد أجيب بأنه على تقدير صحة السند فالمراد منه النسيئة، لما ~~في «سنن أبي داود» عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن يزيد: أن أبا عياش ~~أخبره أنه سمع سعد بن أبي وقاص يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~بيع الرطب بالتمر نسيئة. وكذا رواه الطحاوي. وإذا صحت الزيادة يجب قبولها ~~على المختار عند المحدثين، وإن كان الأكثر لم يروها لكن قد رد ترديده بين ~~كونه تمرا أو لا، بأن ههنا قسما ثالثا، وهو كونه من الجنس، ولا يجوز بيعه ~~بالآخر، كالحنطة المقلية بغير المقلية لعدم تسوية الكيل بينهما، فكذا الرطب ~~بالتمر لا يسويهما الكيل، وإنما يسوى في حال اعتدال البدلين وهو أن يجف. # وأبو حنيفة يمنعه ويعتبر التساوي حال العقد، وعروض النقص بعد ذلك لا ~~يمنع. لكن ms1044 فيه أن التعليل في معرض النص غير مقبول. وأما ما ذكره الشارح بأن ~~التفاوت بين الرطب والتمر بأصل الخلقة فيكون ساقط الاعتبار، كالتفاوت بين ~~الجيد والرديء، ففي غاية من السقوط. # (و) جاز (العنب بالزبيب) عند أبي حنيفة خلافا لمن تقدم، والوجه ما بيناه ~~في الرطب والتمر من الجانبين. وقيل: لا يجوز اتفاقا كالحنطة المقلية بغير ~~المقلية. # --- PageV04P160 ~~*** # (و) جاز (البر) حال كونه (رطبا) أي غير يابس، (أو) حال كونه (مبلولا ~~بمثله أو باليابس المنقع) فيجوز البر الرطب بمثله وباليابس، والبر المبلول ~~بمثله وباليابس. (و) جاز (التمر) المنقع (والزبيب المنقع) اسم مفعول من ~~أنقعه في الخابية إذا ألقاه فيها ليبتل ويخرج منه الحلاوة، واسم الشراب: ~~نقيع (بالمنقع منهما) أي بمثله وباليابس «فمن» هنا بمعنى الباء، أي جاز بيع ~~التمر المنقع بمثله وباليابس، والزبيب المنقع بمثله وباليابس (متساويا) ~~وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنهما يعتبران التساوي في الحال، إذ ~~التساوي شرط صحة العقد، فيشترط عند العقد لا بعده، إلا أن أبا يوسف ترك هذا ~~الأصل في بيع الرطب بالتمر لحديث سعد، ففي الباقي على أصله. وقال محمد: لا ~~يجوز بشيء من ذلك، لأنه يعتبر المماثلة في أعدل الأحوال، وهو حال اليبس، ~~ولم يوجد في هذه الصورة. # (و) جاز (لحم حيوان بلحم حيوان آخر) ولو غير جنسه (متفاضلا وكذا اللبن) ~~أي جاز لبن حيوان بلبن حيوان آخر من غير جنسه متفاضلا. وعن الشافعي: إن ~~اللحمين واللبنين جنس واحد لاتحاد المقصود منهما، وهو التغذي والتقوي. ~~وظاهر مذهبه وهو اختيار المزني: أن اللحوم أجناس مختلفة كمذهبنا، وكذا ~~الأصح من مذهبه في الألبان أنها أجناس مختلفة، لأن أصولها مختلفة الأجناس، ~~حتى لا يضم بعضها إلى بعض في الزكاة، ومختلفة الأسماء باعتبار الإضافة ~~كدقيق البر مع دقيق الشعير، ومختلفة المقصود فإن بعض الناس يرغب في بعض ~~اللحوم والألبان دون البعض، وقد ينفعه البعض ويضره البعض. # وقال مالك: اللحوم ثلاثة: الطيور، والدواب أهليتها ووحشيتها، والبحريات. ~~وبه قال أحمد في إحدى الروايات. وعنه روايتان أخريان كقولي الشافعي. # --- PageV04P161 ~~*** # قيد الحيوان ms1045 بكونه من غير الجنس، لأنه لو كان من الجنس كلحم البقر بلحم ~~الجاموس، ولبن البقر بلبن الجاموس لم يجز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، ~~لأنهما جنس واحد، ولهذا يضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة، وكذا لحم المعز ~~والضأن ولبنهما، ولحم العراب والبخت ولبنهما، بخلاف شعر المعز وصوف الغنم، ~~فإنهما جنسان لاختلاف الصورة والمقصود. # (وكذا) جاز (خل الدقل) وهو نوع من التمر رديء (بخل العنب) متفاضلان ~~لاختلاف أصليهما. وإنما خص خل الدقل بالذكر مع أن الحكم في خل كل تمر مع خل ~~العنب واحد، لأنهم كانوا يجعلون الخل من الدقل. (و) جاز (شحم البطن بالألية ~~أو باللحم) وكذا عكسه متفاضلا سواء كانت من أجناس أو من جنس واحد من ~~الحيوان، لأنهما أجناس مختلفة لاختلاف الأسامي والصور والمقاصد كالشعر ~~والصوف. # (و) جاز (الخبز بالبر والدقيق) متفاضلان لأن الخبز عددي، وهو قول محمد أو ~~وزني وهو قول أبي يوسف، والبر كيلي بالنص وكذا الدقيق لأنه جزؤه، فلم ~~يجمعهما القدر من كل وجه. وعن أبي حنيفة: أنه لا يجوز، وبه قال الشافعي ~~وأحمد، لأن في الخبز أجزاء الدقيق، وذلك يورث شبهة المجانسة. والفتوى على ~~الجواز. # (وإن كان أحدهما) أي جاز إن لم يكن أحد البدلين الذين هما الخبز والبر أو ~~الخبز والدقيق نسيئة، وإن كان أحدهما (نسيئة) أما إن كان البر هو النسيئة، ~~فالجواز باتفاق لإمكان ضبطه. وإن كان الخبز هو النسيئة، فعند أبي يوسف إذا ~~ذكر وزنا معلوما. ونوعا معلوما، وعليه الفتوى لحاجة الناس إليه. # --- PageV04P162 ~~*** # (لا البر) أي لا يجوز البر (بالدقيق أو بالسويق) أي بدقيق البر أو سويقه ~~متفاضلا أو متساويا. أما متفاضلا، فلأن كل واحد من الدقيق والسويق بر من ~~وجه وإن اختص باسم، لأن كل واحد منهما من أجزاء البر، لأن الطحن لم يعمل ~~إلا تفريق الأجزاء، والمجتمع لا يصير بالتفريق جنسا آخر. وأما متساويا، ~~فلأن المعيار فيه الكيل، وهو غير مستو بينهما وبين البر لاكتنازهما وتخلخل ~~البر؛ ويجوز عند مالك وأحمد في رواية بيع البر بالدقيق وبالسويق كيلا ووزنا. # (ولا ms1046 الدقيق بالسويق) أي دقيق البر بسويقه (متفاضلا أو متساويا) وهذا عند ~~أبي حنيفة لبقاء المجانسة من وجه، إذ السويق أجزاء حنطة مقلية، والدقيق ~~أجزاء حنطة غير مقلية. # وبيع الحنطة المقلية بغير المقلية لا يجوز بحال، فكذا بيع الدقيق ~~بالسويق. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز الدقيق بالسويق كيفما كان، لأنهما ~~جنسان مختلفان لاختلاف اسميهما والمقصود منهما، لأن أحدهما يصلح لما لا ~~يصلح له الآخر. فإن الدقيق يصلح للخبز والعصيد ونحوهما، ولا يصلح لشيء من ~~ذلك السويق، بل يلت بالسمن أو العسل ويؤكل. # (ولا يجوز السمسم بالحل) بفتح الحاء المهملة وهو دهن السمسم المسمى ~~بالشيرج (إلا أن يكون الحل أكثر مما) أي من حل أو من الذي (في السمسم) ~~ليكون قدر الحل بمثله والزائد بالثفل ، وكذا بيع الزيتون بزيته، والجوز ~~بدهنه، واللبن بسمنه، والسمن بزبده، والعنب بعصيره على ما في «الهداية» ~~وغيره. وعند مالك والشافعي وأحمد لا يجوز أصلا. # --- PageV04P163 ~~*** # (ويستقرض الخبز وزنا لا عددا) وهذا عند أبي يوسف في «الكافي»، وعليه ~~الفتوى، لأنه موزون فيعلم بالوزن لا بالعدد لتفاوت آحاده قدرا فلا يتحقق ~~التساوي. وعند أبي حنيفة لا يجوز مطلقا وإن وزنا، فهو متفاوت بتفاوت الخبز ~~والخباز والتنور والتقدم والتأخر. والاستقراض إنما يصح في المثلي لأن من ~~شرطه القدرة على أداء مثل المستقرض، وقد فات شرط صحته فلا يصح. وأجاز محمد ~~بالعدد أيضا للتعامل، والقياس يترك بالتعامل كما في الاستصناع. # وفي مذهب الشافعي وجهان في استقراض الخبز: أحدهما كقول أبي حنيفة، وهو ~~الأصح. والثاني الجواز وزنا وعددا، وبه قال أحمد وهو اختيار ابن الصباغ ~~لحاجة الناس إليه. # (لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب) # (ولا ربا بين السيد وعبده) لأن العبد وما في يده لسيده، هذا إذا لم يكن ~~مأذونا مديونا. وكذا لا ربا بين السيد وأم ولده، ولا بين المدبر وسيده، لأن ~~كسب كل واحد منهما لسيده بخلاف المكاتب، لأنه صار كالحر يدا وتصرفا. # (و) لا ربا (بين مسلم وحربي في داره) أي دار الحرب. # وقال أبو يوسف ومالك والشافعي ms1047 وأحمد: يقع بينهما الربا لإطلاق النصوص ~~الواردة. ولأبي حنيفة ومحمد: إن مال أهل الحرب مباح في دارهم، فكان المرابي ~~آخذا بالربا مالا مباحا بلا غدر فيصح. # والمراد بالنصوص: الربا في مال محظور، ومال الحربي في دار الحرب غير ~~محظور بخلاف المستأمن منهم، لأن ماله صار محظورا بقدر الأمان. وما رواه ~~مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ربا بين المسلم والحربي في ~~دار الحرب». ذكره محمد بن الحسن. # --- PageV04P164 ~~*** # وأسند البيهقي في «المعرفة» في كتاب السير عن الشافعي قال: قال أبو يوسف: ~~إنما قال أبو حنيفة هذا، لأن بعض المشيخة حدثنا عن مكحول عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «لا ربا بين أهل الحرب». وأظنه قال: «وأهل ~~الإسلام». قال الشافعي: وهذا حديث ليس له ثبات، ولا حجة فيه. وقال في ~~«المبسوط»: هذا مرسل، ومكحول ثقة، والمرسل من مثله مقبول، والله تعالى أعلم. # فصل في بيع المنقول # (ولا يجوز بيع مشترى منقول قبل قبضه) لأن فيه غررا، وهو انفساخ العقد ~~بهلاكه. قيد بالمنقول لأن بيع العقار يجوز قبل قبضه، لأنه لا يتوهم انفساخ ~~العقد فيه بالهلاك وهو مقدور التسليم. وقال محمد وزفر والشافعي: لا يجوز ~~أيضا، لأنه مبيع لم يقبض، فلا يصح بيعه كالمنقول. وقال أحمد: لا يجوز بيعه ~~قبل القبض إن كان مكيلا، أو موزونا، أو معدودا، وإلا جاز. وقال مالك: تجوز ~~جميع التصرفات إن كان غير طعام ، لأنه صلى الله عليه وسلم قال في الطعام: ~~«يدا بيد». وقبل القبض لا يتأتى ذلك. ولما روى هو عن نافع، عن ابن عمر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى ~~يستوفيه». # ولنا ما روى أبو داود، وابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه» وصححه ~~عن عبد الله بن عمر قال: ابتعت زيتا في السوق أي اشتريته فلما استوجبته ~~لقيني رجل، فأعطاني فيه ربحا حسنا، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من ~~خلفي بذراعي فالتفت، فإذا هو زيد بن ثابت ms1048 فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى ~~تحوزه إلى رحلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث ~~تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. # --- PageV04P165 ~~*** # وعن حكيم بن حزام قال قلت: يا رسول الله إني رجل أبتاع هذه السلع ~~وأبيعها، فما يحل لي منهما وما يحرم؟ قال: «لا تبيعن شيئا حتى تقبضه». رواه ~~الطحاوي عن حكيم بن حزام قال: قلت: أشتري طعاما فأربح فيه قبل أن أقبضه، ~~فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لا تبعه حتى تقبضه». وفي ~~«الصحيحين» عن ابن عباس: الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم هو الطعام ~~قبل أن يقبض، قال: ولا أحسب كل شيء إلا مثله. انتهى. # والتخصيص على الشيء لا ينفي الحكم عما عداه. قيد بالبيع، لأن المشتري لو ~~وهبه، أو تصدق به، أو أقرضه قبل قبضه يصح على الأصح، وهو قول محمد خلافا ~~لأبي يوسف. وقيد بالمشتري لأن بيع المهر، أو الميراث، أو بدل الخلع، أو بدل ~~العتق قبل القبض جائز اتفاقا، لأن العقد لا ينفسخ بهلاكه. # (وصح التصرف) أي تصرف البائع (في الثمن قبله)، أي قبل قبضه (وصح الحط ~~عنه)، أي عن الثمن بأن نقص منه. (و) صح (المزيد فيه) أي الذي زيد في الثمن ~~على أن المزيد اسم مفعول، أو الزيادة فيه على أنه مصدر ميمي سواء كان ذلك ~~من المشتري أو من أجنبي، وسواء كان من جنس المزيد أو من غير جنسه (إن بقي ~~المبيع) هذا شرط لصحة الزيادة. والمراد ببقاء المبيع: بقاؤه محلا للمقابلة ~~في حق المشتري حقيقة، بأن لم يبعه المشتري ولم يتصدق به ولم يهبه، أو وهبه ~~ولم يسلم، حتى لو باعه أو تصدق به أو وهبه وسلم: لا تصح الزيادة. وعن محمد ~~تصح لبقاء المبيع، كذا في «المحيط». # --- PageV04P166 ~~*** # (و) صح المزيد (في المبيع) عطف على فيه. أي وصح المزيد في المبيع سواء ~~بقي المبيع أو هلك، ويكون لذلك المزيد حصة من الثمن، حتى لو هلك قبل قبضه ~~سقط لحصته شيء من الثمن، ms1049 والأصل أن الزيادة والنقصان يلحقان بأصل العقد ~~عندنا، فيصير العقد كأنه ورد على ذلك القدر. وعند زفر والشافعي: لا يلحقان ~~به بل يكونان هبة مبتدأة. قيد زيادة الثمن ببقاء المبيع، لأن الزيادة تغيير ~~العقد من وصف مشروع إلى وصف مشروع، فيستدعي قيام العقد، وقيامه بقيام ~~المعقود عليه. # (لكن الشفيع يأخذ) العقار الذي حط من ثمنه والذي زيد فيه (بالأقل) فيأخذ ~~بما بقي في الحط وبدون الزيادة في المزيد، لأن حق الشفيع تعلق بالعقد ~~الأول، ولا يملك العاقدان التصرف فيه بما يرجع إلى إضراره، فلم تظهر ~~الزيادة في حقه وظهر الحط فيه. # (وصح تأجيل كل دين) وسواء ثبت في الذمة بعقد أو باستهلاك، حتى لو باع ~~شيئا بثمن حال ثم أجله أجلا معلوما صار مؤجلا، لأن الحلول حق البائع فله ~~إسقاطه بتأجيله تيسيرا على من عليه الثمن، ولأنه يملك إسقاط المطالبة مطلقا ~~بالإبراء، فلأن يملك إسقاطها مدة معينة بالتأجيل أولى. ولو أجله إلى أجل ~~مجهول، فإن كانت الجهالة فاحشة كهبوب الريح لا يصح، وإن كانت متعارفة ~~كالحمل والدياس يصح كما في الكفالة # (إلا القرض) وهو ما ثبت في الذمة باستقراض، فإنه لا يصح تأجيله حتى لو ~~أجله مدة معلومة عند الإقراض أوبعده لا يثبت الأجل وله المطالبة في الحال. ~~وقال مالك: يصح تأجيل القرض كسائر الديون. وقال الشافعي: لا يجوز تأجيل غير ~~القرض كالقرض. # --- PageV04P167 ~~*** # ولنا: أن القرض إعارة وتبرع ابتداءء ولهذا يصح بلفظ الإعارة، ومعاوضة ~~انتهاء حتى يلزمه رد مثله. فعلى اعتبار الابتداء لا يلزم التأجيل فيه ~~كالإعارة، فإن المعير وإن وقت الإعارة، له أن يستردها من ساعته، إذ لا جبر ~~في التبرع. وعلى اعتبار الانتهاء لا يصح التأجيل فيه لأنه مبادلة الدارهم ~~بمثلها نسيئة، وهو حرام. # (باب الحقوق) # (ويدخل البناء والمفاتيح) المتصل أغلاقها به (والعلو والكنيف في بيع ~~الدار) لأن العرصة أصل في الدار لقرار البناء عليها. وإنما دخل البناء وما ~~اتصل به في بيع الدار بطريق التبعية لاتصاله بالعرصة اتصال قرار. فما لا ~~يكون متصلا بالبناء لا يدخل في ms1050 بيع الدار إلا إذا جرى العرف أن البائع ~~يسامح به، فإنه يدخل بلا ذكر، فيدخل العلو بلا ذكر لاتصاله بالبناء، ولا ~~يدخل المفتاح في القياس لأنه غير متصل بالبناء، فصار كثوب موضوع في الدار، ~~ويدخل في الاستحسان، إذ العادة أن البائع لا يمنعه عن المشترى بل يسلمه مع ~~الدار إليه. # ولا يدخل الباب الموضوع ولا القفل ومفتاحه، ويدخل السلم المتصل بالبناء، ~~ولو كان من خشب، ولا يدخل غير المتصل إلا في عرف أهل مصر فإنه يدخل، ذكره ~~الزيلعي. ويدخل الحجر الأسفل من الرحى، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، ويدخل ~~الحجر الأعلى منها استحسانا، وهو الأظهر في مذهب الشافعي. # (لا الظلة) أي لا تدخل الظلة في بيع الدار وهي: السدة التي فوق الباب على ~~ما في «المغرب»، أو الساباط الذي يكون أحد طرفيه على الدار والطرف الآخر ~~على دار أخرى أو على أسطوانات في السكة على ما في «جامع قاضيخان». # --- PageV04P168 ~~*** # (إلا بذكر كل حق هو لها) أي للدار، (أو: بمرافقها) أي بذكر مرافقها، وهي ~~حقوقها ومنافعها، (أو بكل قليل) أي بذكر كل قليل (وكثير هو فيها أو منها) ~~وهذا عند أبي حنيفة، وعندهما تدخل الظلة إن كان مفتحها في الدار لأنها ~~حينئذ من توابع الدار، فصارت كالكنيف والعلو. ولأبي حنيفة: أن الظلة تابعة ~~للدار من حيث إن قرار أحد طرفيها على بناء الدار، وليست بتابعة، لها من حيث ~~إن قرار طرفها الآخر على غير بنائها، فلا تدخل بلا ذكر الحقوق وتدخل بذكرها ~~عملا بالشبهين. # (و) يدخل (الشجر) في بيع الأرض بلا ذكره صغيرا كان أو كبيرا مما يثمر أو ~~مما لا يثمر (لا الزرع) أي لا يدخل الزرع (في بيع الأرض) بلا ذكره، والفرق ~~بينهما: أن اتصال الشجر بالأرض للقرار فكان كالبناء، واتصال الزرع بها لا ~~للقرار فكان كالمتاع. وإنما دخل الجنين في بيع أمه من غير ذكر، مع أن ~~اتصاله ليس للقرار، لأنه جزء منها. # --- PageV04P169 ~~*** # (ولا) يدخل (الثمر) وهو بالمثلثة (في بيع الشجر) إلا بشرطه سواء كان لذلك ~~الثمر قيمة ms1051 وقت البيع أو لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم: «من باع عبدا ~~وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع. ومن باع نخلا مؤبرا، فالثمرة ~~للبائع إلا أن يشترط المبتاع». رواه أصحاب الكتب الستة. ولأن اتصال الثمر ~~بأصله وإن كان اتصال قرار كاتصال الشجر بالأرض، إلا أن قطع الثمر له غاية ~~معلومة، فصار في حكم المقطوع. ويقال للبائع: اقطع الثمر وسلم الشجر. وكذا ~~إذا بيعت الأرض وبها زرع، يؤمر البائع بالحصاد والتسليم. وقال مالك ~~والشافعي وأحمد: يترك الثمر حتى يظهر صلاحه، ويترك الزرع حتى يستحصد، لأن ~~الواجب هو التسليم المعتاد، ولم تجر العادة بقطع الثمر قبل بدو صلاحه، ولا ~~حصاد الزرع قبل استحصاده، وصار كما لو مضت مدة الإجارة وفي الأرض زرع لم يدرك. # (ولا) يدخل (العلو في بيع بيت) فوقه بيت (إلا بشرطه) لا تبعا ولا بذكر ما ~~ذكر، لأن البيت اسم لمسقف له دهليز ويصلح للبيتوتة فيه، والشيء لا يكون ~~تبعا لمثله ولا من حقوقه ومرافقه. # (ولا) في (بيع منزل) فوقه بيت تبعا (إلا بذكر ما ذكر) من الحقوق ~~والمرافق، لأن المنزل اسم لما يشتمل على: بيوت وصحن مسقف ومطبخ. والدار اسم ~~لما يشتمل على: بيوت ومنازل وصحن غير مسقف، فكانت الدار أعم منها لاشتمالها ~~عليها، فاستتبعت العلو وإن لم يذكر الحقوق، لأنها اسم لكل ما أدير عليه ~~الحائط، والعلو مما أدير عليه الحائط فيدخل. # --- PageV04P170 ~~*** # والبيت اسم لما يبات فيه والعلو مثله بلا تفاوت، والشيء لا يستتبع مثله، ~~وليس من أجزائه وتوابعه ليدخل بذكر التوابع، والمنزل دون الدار وفوق البيت، ~~فله منزلة بين المنزلتين. فتوفر على الشبهين حظهما ، فيدخل العلو فيه تبعا ~~بذكر التوابع عملا بشبهه بالدار، ولا يدخل بدونه عملا بشبهه بالبيت. # وفي شرح «الوافي» قالوا: هذا على عرف أهل الكوفة، وأما على عرفنا، فيدخل ~~العلو في الكل، سواء باع باسم البيت أو المنزل أو الدار. # (كالطريق) أي كما لا يدخل الطريق في بيع ما له طريق (والشرب) في بيع ما ~~له شرب (والمسيل) في بيع ms1052 ما له مسيل إلا بذكر الحقوق أو الموافق، لأن كل ~~واحد منهما تبع للمبيع من حيث إنه خارج عن حدوده ويقصد للانتفاع به فيه، ~~وأصل من حيث إنه يتصور بدون المبيع. فكان تبعا من وجه دون وجه، فلا يدخل ~~إلا بذكر ما ذكر عملا بالشبهين. # (وتدخل) هذه الثلاثة في الإجارة من غير ما ذكر، لأن الإجارة لم تشرع إلا ~~للانتفاع، وهو لا يتحقق فيما له طريق أو شرب أو مسيل إلا بطريقه أو شربه أو ~~مسيله. بخلاف البيع، فإنه شرع لملك الرقبة والانتفاع من ثمراته. # (ويؤخذ الولد) الذي ولدته الأمة عند المشتري لا بالاستيلاد (إن استحقت ~~أمه ببينة، وإن) استحقت بأن (أقر) المشتري (بها) لمدعيها (لا) أي لا يؤخذ ~~الولد، بل تؤخذ أمه وحدها. ويدخل في البيع ملبوس الغلام والجارية لو كان ~~خسيسا، للعرف، ولا يدخل لو كان نفيسا إلا بالشرط لعدم العرف. # (بيع الفضولي) # --- PageV04P171 ~~*** # (ولمالك باع غيره) بالرفع فاعل باع (ملكه) بالنصب على أنه مفعول باع أي ~~ملك المالك. والمعنى: إذا باع شخص ملك غيره انعقد بيعه، وبه قال مالك، وهو ~~بيع الفضولي، ولمالكه (فسخه) أي فسخ البيع، وهو مبتدأ خبره الظرف المقدم. # (وله) أي للمالك (إجازته إن بقي العاقدان) والمقعود له وهو المالك ~~(والمبيع وكذا إن بقي الثمن) حال كونه (عرضا) لأنه مبيع من وجه. وقال ~~الشافعي في الجديد، وأحمد في رواية: لا ينعقد لأنه أضاف ذلك المبيع إلى محل ~~لا ولاية له عليه، لأنها تكون بالملك المطلق للتصرفات، أو بإذن المالك الذي ~~له ولاية التصرف، ولم يوجد واحد منهما فيلغو. # والتصرف الشرعي كما يتوقف على الأهل والمحل، يتوقف على الولاية الشرعية، ~~فإذا فاتت لا ينعقد. ولأن بيع الآبق لا ينعقد مع كونه مملوكا لعدم القدرة ~~على تسليمه، فما لا يملكه البائع أولى. ولنا ما روي عن عروة وغيره: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى عروة البارقي دينارا ليشتري به شاة ~~للأضحية، فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينار، وجاء بشاة ودينار إلى النبي ~~صلى الله عليه ms1053 وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «بارك الله لك في صفقة ~~يمينك». ووجه الدلالة: أن عروة باع الشاة الثانية من غير إذن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وقد أجازه عليه الصلاة والسلام. # --- PageV04P172 ~~*** # وروى الطبراني في «معجمه» والترمذي في «جامعه» مثل هذا عن حكيم بن حزام: ~~إلا أن حكيما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ليشتري به أضحية، ~~فاشترى أضحية، بدينار فباعها بدينارين، ثم اشترى أضحية بدينار (وجاءه ~~بدينار) وأضحية، فتصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدينار ودعا له ~~بالبركة. ولأن هذا تصرف صدر من أهله، لأنه عاقل بالغ، مضافا إلى محله لأنه ~~مال متقوم، ولا ضرر في انعقاده على المالك، لأنه مخير، فإن رأى فيه مصلحة ~~أجازه وإلا فسخه، فينعقد ويتوقف نفوذه على إجازة المالك، بل فيه نفع له حيث ~~سقط عنه مؤنة طلب المشتري وقرار الثمن. # وفيه نفع العاقد من حيث صيانة كلامه عن الإلغاء، وفيه نفع المشتري. فتثبت ~~القدرة الشرعية تحصيلا لهذه الوجوه على أن الإذن ثابت دلالة، لأن كل عاقل ~~راض بتحصيل التصرف النافع له. وكذا كل ما له مجيز حالة وقوعه من العقود ~~والفسوخ والنكاح والطلاق، فهو على الخلاف، وإن لم يكن له مجيز حالة العقد ~~لا يتوقف ويقع. وإنما شرط بقاء العاقدين والمعقود عليه وله، لأن الإجازة ~~تصرف في العقد فيفتقر إلى قيامه، وقيامه بقيام هذه الأشياء. # وخص المصنف بيع الفضولي بالحكم، لأن شراءه لا يتوقف على الإجازة، بل إن ~~وجد نفاذا على الفضولي نفذ عليه، وإن لم يجد نفاذا عليه بأن كان محجورا ~~عليه يتوقف. وقال الشافعي في القديم: يتوقف كالبيع، وبه قال مالك وأحمد في ~~رواية. ولنا: أن الثمن في الشراء لازم لذمة المشتري بالتزامه فينفذ. بخلاف ~~البيع، فإن قيامه بالمبيع وهو ملك لغيره، ويتضرر بلزوم العقد فيه، فيتوقف ~~على رضاه. ولم يفرق بينهما صاحب «المواهب» حيث قال: ويجوز تصرف الفضولي من ~~الإيجاب والقبول عندنا. # --- PageV04P173 ~~*** # (وهو) أي الثمن إذا أجاز المالك البيع (ملك للمجيز) وهو المالك (وأمانة ~~عند بائعه) وهو الفضولي ms1054 لأنه حينئذ بمنزلة الوكيل، لأن الإجازة اللاحقة ~~بمنزلة الوكالة السابقة. (وله) أي للبائع الفضولي، (فسخه) أي البيع (قبل ~~الإجازة) دفعا للحقوق عن نفسه، بخلاف الفضولي في النكاح، فإنه ليس له الفسخ ~~قبل الإجازة، لأن الحقوق لا ترجع إليه، لأنه سفير محض، فإذا حصل منه العقد ~~انتهى أمره فصار كأجنبي. # (وجاز إعتاق المشتري من الغاصب) إن أجيز بيع الغاصب (لا بيعه) أي لا يجوز ~~بيع المشتري من الغاصب (إن أجيز بيع الغاصب) يعني من اشترى عبدا من الغاصب ~~فأعتقه ثم أجاز المولى ذلك الشراء جاز العتق، وإن باعه المشتري فأجاز ~~المولى الشراء الأول لم يجز الشراء الثاني، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ~~رحمهما الله. # وقال محمد وزفر، وهو رواية عن أبي يوسف رحمهم الله: لا يجوز العتق أيضا، ~~وهو القياس وقول مالك والشافعي. وهذه ثانية المسألتين اللتين جرت المحاورة ~~فيهما بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله. # --- PageV04P174 ~~*** # وقال أبو يوسف لمحمد: رويت لك إن العتق باطل عند أبي حنيفة رحمه الله، ~~وقال محمد: رويت لي أن العتق جائز عنده. وحاصل الخلاف راجع إلى أن إعتاق ~~المشتري من الغاصب موقوف عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله على أن ينفذ ~~الشراء بإجازة المالك، وباطل عند محمد رحمه الله، لأن الإعتاق لا يصح إلا ~~في الملك الكامل للمعتق لما روى أبو داود، والترمذي في الطلاق وقال: حديث ~~حسن صحيح عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا ~~طلاق له فيما لا يملك». ولأبي حنيفة رحمه الله وهو وجه الاستحسان: أن ملك ~~المشتري من الغاصب ثبت موقوفا بتصرف مطلق موضوع لإفادة الملك، فيتوقف ~~الإعتاق بتوقفه، وإذا نفذ نفذ بحقوقه. # فصل (في السلم) # (يصح السلم) ؛ وهو لغة: السلف. # وشرعا: # اسم لعقد يوجب الملك في الثمن عاجلا، وفي المثمن آجلا. # وهو مشروع على خلاف القياس لكونه بيع معدوم، ولكنه جائز بالكتاب لما روى ~~الحاكم ms1055 في «المستدرك» في تفسير سورة البقرة وقال: صحيح على شرط الشيخين ~~عن ابن عباس أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله ~~تعالى في الكتاب، وأذن فيه. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} الآية. # --- PageV04P175 ~~*** # ورواه الشافعي في «مسنده» بالسند، وهو ما أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن ~~أبي المنهال، عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ~~والناس يسلفون في التمر السنة والسنتين والثلاث. فقال صلى الله عليه وسلم: ~~«من أسلف في تمر، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم». وما ~~أخرجه البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: إنا كنا لنسلف على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما في الحنطة، ~~والشعير، والتمر، والزبيب. وبالإجماع فإن الأمة أجمعت على جواز السلم لحاجة ~~الناس وضرورتهم إليه. # وإنما يصح السلم (فيما يعلم قدره، ووصفه) بكيل أو وزن، أو ذراع، أو عد، ~~بخلاف ما لا يعلم قدره ووصفه بكيل، حيث لا يصح السلم فيه، لحديث ابن عباس. ~~ولأن ما لا يعلم قدره ووصفه مجهول جهالة تفضي إلى المنازعة، فلا يصح السلم ~~فيه، وذلك (كالمكيل) نحو البر والشعير وسائر الحبوب وغيرها. ولو أسلم في ~~الحنطة وزنا اختلف فيه، والفتوى على جوازه لتعامل الناس. # (والموزون) نحو الدهن (مثمنا) قيد به لأن الموزون الثمن، وهو الدارهم ~~والدنانير، لا يكون مسلما فيه، لأنه ثمن. والمسلم فيه مبيع فلا يكون ثمنا. ~~فعلماؤنا والشافعي حصروا جواز الموزون بالمثمن منه، وعممه مالك لظاهر قوله ~~عليه الصلاة والسلام: «ووزن معلوم»، ولأنه يمكن ضبط النقدين بالصفة، فيجوز ~~السلم فيها. # ولنا: أنهما خلقا أثمانا، والمسلم فيه مبيع، والنص مقيد به، لأنه نهى عن ~~بيع ما ليس عند الإنسان. # --- PageV04P176 ~~*** # ولو أسلم في الثمن بأن أسلم حنطة أو عروضا في أحد النقدين يكون باطلا عند ~~ابن أبان، وبيعا صحيحا بثمن مؤجل عند أبي بكر الأعمش حملا لكلام العاقلين ~~على ms1056 الصحة، وهو إنهما قصدا مبادلة الحنطة بالدراهم. وقول ابن أبان أصح، لأن ~~المعقود عليه هو المسلم فيه. وهذا الخلاف إذا اسلم غير شيء من النقدين في ~~أحدهما، وأما إذا أسلم أحدهما في الآخر، فإنه لا يجوز بالإجماع، لأن القدر ~~بانفراده يحرم النساء. # (والمذروع) أي وكالمذروع (كالثوب مبينا طوله وعرضه ورقعته) أي رقته ~~وغلظه، لأن مقدار المالية في الثياب يعلم بذكر هذه الأشياء، والتفاوت ~~بغيرها يسير فلا يضر، لأنه لا يفضي إلى المنازعة المانعة من التسليم ~~والتسلم، وهذا في غير الحرير. وأما في الحرير، فلا بد فيه من ذكر الوزن ~~أيضا، لأن قيمة الثوب منه يختلف باختلاف وزنه. وفي «المجتبى»: والقياس أنه ~~لا يجوز السلم في المذروعات لتعذر ثبوتها في الذمة، ولهذا لا يضمن بالمثل ~~في الاستهلاك كالجواهر، لكن ترك ذلك بإجماع الفقهاء. وفي «الخلاصة»: ولو ~~أطلق ذكر الذراع فله ذراع وسط. # --- PageV04P177 ~~*** # (والمعدود) أي وكالمعدود (متقاربا) وهو ما لا يتفاوت آحاده في القيمة ~~ويضمن بالمثل كالجوز والبيض، لأنهما معلوما القدر بالعدد، والتفاوت بين ~~آحادهما بالصغر والكبر ساقط الاعتبار فيما بين الناس. قيد بالمتقارب لأن ~~المتفاوت كالبطيخ والرمان والسفرجل لا يصح فيه السلم عددا لتفاوت آحاده في ~~القيمة (فيصح) السلم (في السمك) أي في الصغار واختلف في الكبار (المليح) أي ~~الذي قدد وملح، وإنما يصح السلم فيه بالوزن لا بالعدد، لتفاوت آحاده بالكبر ~~والصغر. قيد بالمليح لأن الطري لا يصح السلم فيه في غير حينه، لأنه منقطع ~~من أيدي الناس حتى لو كان في حينه جاز السلم فيه. وقيل: لا فرق بين الطري ~~والمليح. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لا يصح فيهما. # (لا في الحيوان) أي لا يصح السلم في الحيوان، وهو قول الثوري والأوزاعي، ~~وقال الشافعي وأحمد: يصح، وهو قول مالك إلا في الخلفات وهي: الحوامل من ~~النوق فإنها مجهولة لما روى أبو داود في («سننه»، وأحمد بن حنبل) في ~~«مسنده»، والبزار في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه»، وقال: صحيح على شرط ~~مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ms1057 صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز ~~جيشا فنفدت الإبل. فأمره أن يأخذ من قلائص الصدقة، فكان يأخذ البعير ~~بالبعيرين إلى إبل الصدقة. # --- PageV04P178 ~~*** # و«من» ههنا بمعنى «على» كما في رواية، نحو قوله تعالى: {ونصرناه من القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا}، ولأنه مبيع معلوم الصفة، فيجوز السلم فيه، كالثياب؛ ~~واعترض بما رواه ابن حبان في «صحيحه»، وعبد الرزاق في «مصنفه» من حديث ابن ~~عباس، وأصحاب السنن الأربعة من حديث سمرة بن جندب: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وأجيب بأنه محمول على أن يكون ~~النساء في الحيوان من الطرفين. # وأما ما في «آثار الطحاوي» بسنده إلى أبي رافع أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم استسلف من رجل بكرا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا ~~رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا جملا ~~خيارا رباعيا فقال: «أعطه إياه إن خيار الناس أحسنهم قضاء». فمحمول على القرض. # ولنا: ما أخرجه الحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد والدارقطني في ~~«سننه» عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السلف في ~~الحيوان. وما رواه محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة رحمه الله، عن حماد بن ~~أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي قال: دفع عبد الله بن مسعود إلى زيد بن ~~خويلدة البكري مالا مضاربة، فأسلم زيد إلى عتريس بن عرقوب الشيباني في ~~قلائص، فلما حلت أخذ بعضا وبقي بعض. فأعسر، عتريس وبلغه أن المال لعبد ~~الله، فأتاه يسترفقه، (فقال عبدالله: افعل زيد؟ قال: نعم)، فأرسل عبد الله ~~إلى زيد وقال: اردد ما أخذت وخذ رأس مالك، ولا تسلمن مالنا في شيء من ~~الحيوان. # --- PageV04P179 ~~*** # ولأن الحيوان يتفاوت آحاده تفاوتا فاحشا. فإنك ترى عبدين أو أمتين متفقين ~~في الأوصاف المشروطة، ومع ذلك، باختلاف الصباحة، والملاحة، والفصاحة، ~~والكياسة، وحسن السيرة، والصورة، يساوي أحدهما ألفا والآخر ألوفا. قال ~~(الشاعر): # *ألا رب فرد يعدل الألف زائدا ** وألف تراهم لا يساوون واحدا ms1058 # فلا يجوز السلم فيه كالجواهر، بخلاف الثياب، فإنها بصنع العبد، وهي إنما ~~تصنع بآلة، فإذا اتحدت الآلة والصانع لم يبق إلا التفاوت اليسير، وهو لا ~~يضر. وحديث عبد الله بن عمرو السابق، قال ابن القطان في كتابه: إنه ضعيف ~~مضطرب الإسناد. وبينه، فلا يحتج به. # ولا يصح السلم في اللحم عند أبي حنيفة، ولو منزوع العظم، على الأصح في ~~الروايتين عنه. ويصح عندهما كمالك والشافعي مطلقا، إن بين جنسه ونوعه، ~~وسنه، وصفته، وموضعه، وقدره، كشاة خصي ثني سمين من الجنب، كذا رطل بكذا، ~~يصح. كما يصح في الألية، والشحم، والسمك وزنا، وبه يفتى. # (وأطرافه) أي ولا يصح السلم في أطراف الحيوان، كالرؤوس، والأكارع، وهي ~~جمع كراع: وهو ما دون الركبة في الدواب، وبه قال الشافعي في الأظهر، لأنها ~~عددية متفاوتة. قيل: هذا قول أبي حنيفة، وأما عندهما فيجوز كما في اللحم، ~~وقيل: لا يجوز باتفاق. # (وجلوده) أي ولا يصح السلم في الجلود عددا غير مبين الطول والعرض والصفة. ~~إذ التفاوت بين رأس ورأس، وكراع وكراع معتبر فيما بين الناس، ويماكسون ~~لأجله. ولو أسلم في الرؤوس والأكارع وزنا اختلفوا فيه. وقال مالك والشافعي ~~وأحمد رحمهم الله في رواية: يجوز السلم في الجلود، والرؤوس والأكارع عددا ~~ووزنا، لأنها معلومة القدر والصفة بالذكر، ولأن الجلود في معنى الثياب ~~لأنها يتخذ منها الفرو والخفاف. # --- PageV04P180 ~~*** # قيدنا بالعدد غير المبين الطول والعرض والصفة، لأن السلم فيها وزنا، ~~يجوز، وكذا عددا إذا بين طولها وعرضها. # (والجواهر) أي ولا يجوز السلم في الجواهر لأنها عددية متفاوتة لتفاوت ~~آحادها في المالية بالصغر والتدوير، بخلاف اللآلي الصغار التي تباع وزنا، ~~فإنها يصح السلم فيها لأنها تعلم بالوزن. # (ولا بصاع) أي ولا يصح السلم بمكيال (ولا ذراع معينين لم يدر قدره)، # لأن القدرة على التسليم وقت وجوبه شرط، وهي لا تتحقق إلا ببقاء ما عينه ~~من المكيال والذراع إلى وقت التسليم، وبقاؤه غير معلوم لاحتمال أنه يضيع ~~فيقع النزاع، وإنما جاز البيع بهما لأن السلم يتأخر فيه التسليم، فيكون ~~الضياع محتملا ms1059 بخلاف البيع. # (شروط السلم) # (وشروطه) أي السلم. وفي بعض النسخ: وشرطه (بيان جنسه) أي جنس المسلم فيه ~~(كبر) أو شعير. (و) بيان (نوعه كسقية) بفتح فكسر فتشديد التحتية، أي حنطة ~~مسقية سيحا. (و) بيان (صفته كجيد، و) بيان (قدره) ككذا كيلا بمكيال معروف، ~~أو كذا وزنا بميزان معروف، لأن المسلم فيه قد يختلف بالجنس والنوع والصفة ~~والقدر، فلا بد من بيان هذه الأشياء لقطع المنازعة. # (و) بيان (أجله) فلا يجوز السلم في حال ولا مؤجل بأجل مجهول. وقال ~~الشافعي: يجوز السلم في الحال، وبه قال عطاء وأبو ثور، واختاره ابن المنذر، ~~لأنه مبادلة مال بمال فلا يكون الأجل فيه شرطا كالبيع. ولنا: ما مر من قوله ~~عليه الصلاة والسلام: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى ~~أجل معلوم». (وأقله) أي أقل الأجل في السلم (شهر) كذا روي عن محمد، وهو ~~الأصح، وعليه الفتوى. # --- PageV04P181 ~~*** # (و) من شروط السلم بيان (قدر رأس المال في) رأس المال (الكيلي، و) في رأس ~~المال (الوزني، و) في رأس المال (العددي). ولو قال: وقدر رأس المال ~~الكيلي... إلى آخره لكان أولى. ثم ما ذكره إن كان رأس المال عند العقد غير ~~مشار إليه فباتفاق، وإن كان مشارا إليه، فعند أبي حنيفة رحمه الله خلافا ~~لهما. حتى لو قال: أسلمت إليك هذه الدراهم في كر بر، ولم يبين وزن الدراهم. ~~أو قال: أسلمت إليك هذا البر في من زعفران ولم يبين قدر البر، لا يصح عنده، ~~ويصح عندهما. وأما رأس المال الذراعي إذا كان مشارا إليه عند العقد، لا ~~يشترط بيان قدره باتفاق. # (و) من شروطه بيان (مكان إيفاء مسلم) أي مسلم فيه (لحمله مؤنة) وهذا عند ~~أبي حنيفة رحمه الله، ووجه في مذهب الشافعي. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما ~~الله: لا يشترط مكان الإيفاء، ولكن إن شرطا مكانا صح، وإن لم يشترط يتعين ~~مكان العقد، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله أولا، والأصح في مذهب الشافعي، ~~لأن التسليم وجب بالعقد، فيتعين له ms1060 مكان العقد كما في البيع. # ولأبي حنيفة رحمه الله: إن تعين مكان العقد إما بالتعيين صريحا أو بضرورة ~~وجوب التسليم في الحال، ولم يوجد واحد منهما بخلاف البيع، فإنه واجب ~~التسليم في الحال، فيتعين له موضع بالعقد. وقيد المسلم فيه بأن يكون لحمله ~~مؤنة، لأنه لو لم يكن كذلك، كالمسك والزعفران، والكافور القليلة لا يحتاج ~~فيه إلى بيان الإيفاء عندهم، لأن قيمته لا تختلف باختلاف المكان. # --- PageV04P182 ~~*** # (وقبص رأس المال) أي مال السلم (قبل الافتراق) أي افتراق العاقدين ~~بالأبدان (شرط بقائه) خبر لمبتدأ مقدم، أي شرط بقاء السلم صحيحا، وبه قال ~~الشافعي. ولهذا صح السلم مع تأخير التسليم إلى آخر المجلس. ولو مكثا إلى ~~الليل، أو سارا فرسخا، أو نام أحدهما. وجوز مالك تأخيره اليوم واليومين ~~والثلاث بشرط. وقيل: لا يجوز، فإن أخر أكثر بغير شرط فقولان. ولا فرق بين ~~كون رأس المال مما لا يتعين كالنقود، أو مما يتعين كالعروض. أما إن كان مما ~~لا يتعين فلئلا يفترقا عن دين بدين، وهو بيع الكالىء بالكالىء، أي النسيئة ~~بالنسيئة، لما رواه ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، والبزار في «مسانيدهم» ~~من حديث موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ولفظ البزار قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~بيع الغرر، وعن بيع الكالىء بالكالىء، وعن بيع عاجل بآجل». # فالغرر: أن تبيع ما ليس عندك. والكالىء بالكالىء: دين بدين. والعاجل ~~بالآجل: أن يكون له عليك ألف درهم مؤجلة، فيتعجل عنها بخمس مئة. وأما إن ~~كان من العروض، فلأن السلم أخذ عاجل بآجل، والمسلم فيه آجل، فوجب أن يكون ~~رأس المال عاجلا، ليكون حكمه على وفق اسمه. ولو أبى المسلم إليه قبض رأس ~~المال أجبر عليه. # ومن شروط السلم: وجود المسلم فيه من وقت العقد إلى وقت التسليم، حتى لو ~~كان موجودا حال العقد، معدوما وقت التسليم لا يجوز بالإجماع. ولو كان ~~معدوما حال العقد موجودا وقت التسليم، أو معدوما بينهما ms1061 لا يجوز عندنا، وهو ~~قول الأوزاعي. والمعتبر وجوده في السوق الذي يباع فيه في ذلك المصر. وقال ~~مالك والشافعي: يشترط وجوده حال حلوله فقط. # --- PageV04P183 ~~*** # ولنا: ما رواه أبو داود وابن ماجه واللفظ له عن أبي إسحاق، عن النجراني ~~قلت لعبد الله بن عمر: أسلم في نخل قبل أن يطلع؟ قال: لا. قلت: لم؟ قال: إن ~~رجلا أسلم في حديقة نخل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يطلع ~~النخل، فلم يطلع النخل شيئا ذلك العام، فقال المشتري: أؤخرك حتى يطلع. فقال ~~البائع: إنما بعتك النخل هذه السنة. فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال للبائع: أخذ من نخلك شيئا»؟ قال: لا. قال: «بم تستحل ماله؟ اردد ~~عليه ما أخذت منه، ولا تسلموا في نخل حتى يبدو صلاحه». وفيه مجهول كما علمت. # وما في البخاري عن أبي البختري قال: سألت ابن عمر عن السلم في النخل، ~~فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يصلح، وعن بيع ~~الورق نسأ بناجز. وسألت ابن عباس عن السلم في النخل، قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يؤكل منه. # فقد ثبت عن هذين الصحابيين الكبيرين في العلم والتتبع أنهما فهما من نهيه ~~عن بيع النخل حتى يصلح، بيع السلم، فقد دل الحديث على اشتراط وجوده عند ~~العقد، والاتفاق على اشتراطه عند المحل. # (فلو كان) رأس المال (دينا وعينا) من جنس واحد: بأن أسلم مئة درهم نقدا، ~~ومئة درهم دينا على المسلم إليه في الكر (بطل) السلم (في حصة الدين) لأنه ~~دين بدين، وصح في حصة النقد لوجود قبض رأس المال في المجلس. وقال زفر: يشيع ~~الفساد ويبطل العقد في حصة العين أيضا، لأن هذا الفساد في صلب العقد. (ولا ~~يجوز) أي لا يصح (التصرف في رأس المال) قبل قبضه، (و) لا التصرف في (المسلم ~~فيه قبل قبضه) باستبدال، أو تولية، أو شركة، أو إقالة بخلاف ارتهان أو حوالة. # --- PageV04P184 ~~*** # أما في ms1062 رأس المال، فلأن قبضه في المجلس حق الله تعالى، وفي التصرف فيه ~~قبل قبضه تعرض لتفويت ذلك. وأما في المسلم فيه، فلما أخرجه أبو داود، وابن ~~ماجه والترمذي في «علله الكبير» وقال: لا أعرفه إلا من هذا الوجه، وهو حسن ~~عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسلم في شيء، فلا ~~يصرفه إلى غيره». وما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر، عن قتادة، عن ابن ~~عمر أنه قال: إذا أسلفت في شيء، فلا تأخذ إلا رأس مالك أو الذي أسلفت فيه. # ولو أسلم في رطب فأخذ مثله تمرا، أو بالعكس، صح عند أبي حنيفة رحمه الله، ~~نظرا إلى التساوي في الحال، ولم يصح عندهما نظرا إلى التفاوت في المآل. ولو ~~أخذ دقيقا، أو سويقا، أو مقليا عن بر، أو أخذ دقيقا عن سويق أو بالعكس لا ~~يصح لاختلاف الجنس فكان استبدالا. وإن تقايلا عقد السلم منعنا رب السلم ~~شراء شيء من المسلم إليه برأس المال استحسانا. ولم يمنعه زفر قياسا، لأنه ~~لما بطل السلم بقي رأس المال دينا في ذمته، فيصح الاستبدال به كسائر ~~الديون. # ولنا قوله صلى الله عليه وسلم: «من أسلم في شيء، فلا يصرفه إلى غيره». ~~رواه أبو داود، والترمذي وحسنه. ورواه الدارقطني عن إبراهيم بن سعيد ~~الجوهري، ولفظه: «فلا يأخذ إلا ما أسلم فيه، أو رأس ماله». # (فصل في الاستصناع) # --- PageV04P185 ~~*** # (والاستصناع) استفعال من الصنع، وهو العمل من نحو خف وطست. وصورته: أن ~~يقول لخفاف: اخرز لي خفا من أديمك يوافق رجلي، ويريه رجله بكذا (بأجل) يضرب ~~مثله للسلم (سلم) فيعتبر فيه شروط السلم سواء (تعاملوا فيه) كالخفاف (أو ~~لا) كالثياب. وقال أبو يوسف ومحمد: هو فيما تعاملوا فيه استصناع، لأنه ~~بلفظه فيحمل عليه، ويكون ذلك الأجل للاستعجال لا للاستمهال، بخلاف ما لم ~~يتعاملوا فيه لأنه استصناع فاسد، فيحمل على السلم الصحيح. # ولأبي حنيفة: أن الاستصناع يحتمل السلم، فكان حمله عليه أولى، لأن جوازه ~~بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وجواز الاستصناع بالتعامل. ms1063 وقيدنا الأجل ~~بكونه يضرب مثله للسلم، لأنه لو قال: على أن يفرغه غدا، أو بعد غد لا يكون ~~سلما، لأن ذكر المدة حينئذ للفراغ من العمل للمطالبة. وقال زفر والشافعي: ~~لا يصح الاستصناع، وهو القياس، لأنه لا يمكن تجويزه إجارة، لأنه استئجار ~~على العمل في ملك الآخر إذ الأديم ملك الصانع. ولا بيعا لأنه بيع ما ليس ~~عنده، ولا سلما لفقد شرائطه، ولكن جوزناه استحسانا بالتعامل الراجع إلى ~~الإجماع العملي من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم بلا نكير، ~~والتعامل بهذه الصفة أصل مندرج في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تجتمع ~~أمتي على ضلالة». # (و) الاستصناع (بلا أجل فيما يتعامل) الناس (فيه بيع) لا عدة. وكان ~~الحاكم الشهيد يقول: الاستصناع مواعدة، وإنما ينعقد بالتعاطي إذا جاء به ~~الصانع مفروغا منه، ولهذا ثبت الخيار لكل منهما. والصحيح عند الجمهور أنه ~~بيع، لأن محمدا سماه شراء، وذكر فيه القياس والاستحسان، وفصل بين ما فيه ~~تعامل وبين ما لا تعامل فيه. والمواعدة تجوز قياسا واستحسانا في الكل. قيل: ~~وحكم الحاكم أحكم، والله سبحانه وتعالى أعلم. # --- PageV04P186 ~~*** # لكن الصحيح أنه بيع (فيجبر الصانع على العمل) ولو كان مواعدة لما أجبر ~~(ولا يرجع الآمر) عنه، ولو كان مواعدة لكان له الرجوع. # (والمبيع) في الاستصناع هو (العين لا عمله) أي عمل الصانع. وقال أبو سعيد ~~البردعي: عمله، نظرا إلى أن الاستصناع مشتق من الصنع وهو العمل. وقد أشار ~~المصنف إلى ما يدل من الفروع على أن المبيع في الاستصناع العين بقوله: # (فلو جاء بما صنعه غيره) قبل العقد أو بعده، (أو) بما صنعه (هو قبل ~~العقد) الظرف متعلق ب: «صنعه» المقدر (فأخذ) الآمر العين (صح) ولو كان ~~المعقود عليه عمله لم يصح وبقوله: (ولا يتعين له) أي للآمر (بلا اختياره) ~~إذ الذي يدخله خيار الرؤية بيع العين لا بيع العمل (فصح) للصانع (بيعه قبل ~~رؤية الآمر) أي المستصنع لعدم تعينه حينئذ، لأن تعينه باختيار الآمر، ~~واختيار الآمر بعد رؤيته. ولا يثبت للمستصنع خيار الرؤية ms1064 إذا جاء به الصانع ~~على الصفة المشروطة عند أبي حنيفة خلافا لهما. # مسائل شتى # --- PageV04P187 ~~*** # (وصح بيع الكلب) ولو كان عقورا (والسباع علمت أو لا) وشرط (شمس) الأئمة ~~لجواز بيع الكلب ونحوه أن يكون معلما أو قابلا للتعليم. وقال الشافعي: لا ~~يصح بيع الكلب مطلقا، لأنه نجس العين كالخنزير، وكذا عندنا في رواية، وهو ~~قول أحمد وبعض أصحاب مالك، والمشهور من مذهبه الجواز. وأما اقتناء الكلب ~~لصيد أو لحفظ الزرع أو المواشي أو البيوت فجائزة بالإجماع. لهم: ما روى ~~البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الأنصاري: «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن». ولنا: ما روى أبو ~~حنيفة في «مسنده» عن الهيثم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رخص رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ثمن كلب الصيد. # (والذمي في) أحكام (البيع كالمسلم) لأنه مكلف بموجب المعاملات، فما جاز ~~للمسلم من البياعات جاز له، وما لا فلا، كالربا (إلا في الخمر والخنزير ~~فهما) في عقد الذمي (كالخل والشاة في عقدنا) فيكون الخمر عندهم مثليا ~~والخنزير قيميا، لما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن سفيان الثوري، عن ~~إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفي، عن سويد بن غفلة قال: بلغ عمر بن الخطاب أن ~~عماله يأخذون الجزية من الخمر، فناشدهم ثلاثا. فقال له بلال: إنهم ليفعلون ~~ذلك. قال: فلا تفعلوا، ولوهم بيعها، فإن اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها ~~وأكلوا أثمانها. # ورواه أبو عبيد في «كتاب الأموال»، وقال: كانوا يأخذون من أهل الذمة ~~الخمر والخنزير في جزية رؤوسهم، وخراج أراضيهم بقيمتها، ثم يتولى المسلمون ~~بيعها. فهذا الذي أنكره بلال ونهى عنه عمر. ورخص لهم أن يأخذوا ذلك من ~~أثمانها إذا كان أهل الذمة المتولين بيعها، لأنها مال لهم وليس بمال ~~للمسلمين. انتهى. # --- PageV04P188 ~~*** # وسويد بن غفلة، بفتح المعجمة والفاء: أبو أمية الجعفي، ولد عام الفيل، ~~قدم المدينة حين دفنوا النبي صلى الله عليه وسلم، سمع من أبي بكر وعمر. # (ودرهم نثر فوقع في ثوب رجل فهو له) ms1065 أي الدرهم للرجل (إن أعده) أي أعد ~~الرجل الثوب (له) أي لوقوع الدرهم، (أو) إن (كفه) أي جمع الرجل الثوب بعد ~~وقوع الدرهم فيه، لأن الحكم لا يضاف إلى السبب الصالح إلا بالقصد، وقد وجد ~~ما يدل عليه وهو إعداد الثوب أو جمعه. (وإلا) أي وإن لم يعد الرجل الثوب ~~ولم يجمعه على الدرهم (فللآخذ) أي فالدرهم لآخذه لأنه مباح سبقت يده. # (واعتبر) أنت، أو هو بصيغة المجهول الماضي (به) أي بهذا الذي قلناه في ~~الدرهم الذي نثر (سائر المباحات) فلو أفرخ طير أو باض في أرض رجل، إن كانت ~~أرضه مهيأة لذلك فهو له، وإلا فلآخذه، بخلاف ما لو عسل النحل في أرضه، فإنه ~~يملك عسله وإن لم يعد أرضه، لأن العسل مما يحصل من الأرض فيكون تبعا لها ~~كالشجر النابت فيها والتراب المجتمع بجريان الماء فيها، ولهذا يجب في العسل ~~العشر إذا أخذ من الأرض العشرية. # (فصل في الصرف) # (الصرف) لغة: النقل والرد، قال الله تعالى: {ثم انصرفوا صرف الله ~~قلوبهم}، وسمي به لأنه يحتاج فيه إلى نقل بدليه من يد إلى يد. # --- PageV04P189 ~~*** # وشرعا: (بيع الثمن) أي المخلوق للثمنية وهو الذهب والفضة مطلقا (بالثمن ~~جنسا بجنس) كذهب بذهب، أو فضة بفضة، فيشترط فيه التساوي وزنا، وإن اختلفا ~~جودة وصياغة لما تقدم من إهدار الشارع اعتبار الجودة عند المقابلة بالجنس. ~~(أو) جنسا (بغير جنس) كذهب بفضة أو فضة بذهب، فلا يشترط فيه التساوي وزنا ~~بل جاز فيه التفاضل لقوله عليه الصلاة والسلام : «فإذا اختلفت هذه الأصناف، ~~فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد». # (ويشترط) في الصرف سواء كان بالجنس أو بغيره (التقابض) من الطرفين باليد ~~لا بالتخلية (قبل الافتراق) بالأبدان بإجماع العلماء، ولما روى مالك في ~~«الموطأ» عن عمر أنه قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا ~~تبيعوا الورق بالذهب أحدهما غائب والآخر حاضر، وإن استنظرك أن يلج بيته فلا ~~تنظره إلا يدا بيد، هات وهات، إني أخشى عليكما الربا. # --- PageV04P190 ~~*** # (وإن وقع) التقابض (في البعض صح) العقد ms1066 (فيه) أي في ذلك البعض، وبطل في ~~الباقي (في إناء فضة) أي حال كون ذلك البعض في إناء الفضة. يعني أن من باع ~~إناء فضة وقبض بعض ثمنه ثم افترقا، بطل البيع فيما لم يقبض ثمنه وصح فيما ~~قبض، (وصار) الإناء (مشتركا) بينهما لأن هذا العقد صرف كله، والتقابض في ~~المجلس شرط في الصرف، وقد وجد في البعض دون البعض، فيصح فيما وجد فيه، ~~ويبطل فيما لم يوجد، وهذا الفساد طارىء لأنه لعارض الافتراق لا عن قبض، فلا ~~يتعدى إلى ما لم يوجد فيه. قيد البعض بكونه في إناء، لأنه لو كان في نقرة ~~لم يكن الحكم لزوم اشتراكهما، لأن النقرة تتبعض بلا ضرر بخلاف الإناء. وليس ~~الصحة في بعض الإناء الذي نقد ثمنه، والبطلان في بعضه الذي لم ينقد ثمنه من ~~تفريق الصفقة، لأن هذا تفريق من جهة الشرع باشتراط القبض، فصار كهلاك أحد ~~العبدين. # (وكذا) يصح العقد (في السيف المحلى) إذا بيع ووزن حليته مثلا خمسون بمئة، ~~ونقد المشتري خمسين (إن خلصت الحلية بلا ضرر ويصرف القبض إلى ثمنها) أي ثمن ~~الحلية وإن لم يبين أنه ثمنها، لأن قبض حصة الحلية واجب في المجلس لحق ~~الشرع، وقبض حصة السيف غير واجب فيه، والتسليم مطلق. فيجعل المنقود من حصة ~~الحلية، لأن الظاهر من حال المسلم العاقل أن يؤدي الواجب ولا يخل به. # وكذا لو قال: خذ هذه الخمسين من ثمنهما، لأن المثنى قد يعبر به عن الواحد ~~كما في قوله تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} والمراد أحدهما، لأنهما ~~يخرجان من المالح لا من العذب. وفي قوله تعالى: {نسيا حوتهما} والناسي صاحب ~~موسى بدليل {فإني نسيت الحوت} # --- PageV04P191 ~~*** # ، وفي قوله تعالى: {قد أجيبت دعوتكما} والداعي كان موسى عليه السلام. وفي ~~قوله عليه الصلاة والسلام لمالك ابن الحويرث وابن عم له: «إذا سافرتما...» ~~أي إذا كنتما في سفر، (وفي رواية: «إذا سافرتم) فأذنا وأقيما». والمراد ~~أحدهما، فيحمل ما نحن فيه على ذلك نظرا إلى ظاهر حال المسلم هنالك. بخلاف ~~ما لو صرح ms1067 وقال: خذها من ثمن السيف، فإن الظاهر حينئذ عارضه التصريح ~~بخلافه. # (وإن) افترقا و(لم يقبض شيء) والحال أن الحلية تتخلص بلا ضرر (بطل) العقد ~~(فيها) أي في الحلية، لأن العقد فيها صرف، وقد فات شرطه وهو القبض في ~~المجلس. قيد البطلان بكونه في الحلية، لأن العقد حينئذ يصح في السيف لأنه ~~مقدور على تسليمه، ويمكن إفراده بالبيع لكونه يتخلص بلا ضرر، كالطوق ~~والأمة. فأما إذا بيعت أمة مع طوق بنقد ونسيئة، فسد العقد فيهما عند أبي ~~حنيفة، وفي الطوق عندهما. (وإن لم تخلص) الحلية إلا بضرر، والحال أنه لم ~~يقبض شيء (بطل) العقد (أصلا) أي في الحلية وفي السيف. أما في الحلية، فلفقد ~~شرط الصرف وهو القبض في المجلس، وأما في السيف فلتعذر تسليمه بدون الضرر. # ولو باع درهمين ودينارا بدرهم ودينارين جاز بأن يصرف كل جنس بخلاف جنسه ~~تصحيحا للعقد، كما لو باع كر بر وكر شعير بكري بر وكري شعير. وأفسده ~~الشافعي وزفر. # ولو باع ما غالبه فضة أو ذهب بخالصه لم يجز إلا متساويا وزنا، لأن العبرة ~~للغالب، فكان كل منهما له حكم خالصه، ولهذا لا يستقرض إلا وزنا. ولو باع ما ~~غالبه غش بآخر من جنسه متفاضلا جاز، ويكون الغش في كل واحد منهما متقابلا ~~بالخالص الذي في مقابله، لكن بشرط التقابض قبل الافتراق لوجود الفضة أو ~~الذهب في الكل من الجانبين مع عدم التخلص إلا بضرر. # --- PageV04P192 ~~*** # ولو باعه بخالصة من فضة، أو ذهب لا يجوز إلا أن يكون الخالص أكثر مما في ~~غالب الغش منه، كبيع الزيتون بالزيت، والشيرج بالسمسم. ويجوز التبايع ~~والاستقراض برائج المغشوش وزنا إن كان رواجه به، أو عدا إن راج به، أو بهما ~~إن راج بهما، لأن المعتبر فيما لا نص فيه العادة، والله تعالى أعلم. # كتاب الشفعة # (هي) لغة: الضم، ومنه الشفع في الصلاة لضم ركعة إلى أخرى. والشفع هو ضد ~~الوتر. والشفيع لانضمام رأيه إلى رأي المشفوع له في الطلب، وشفاعة المذنبين ~~لأنها تضمهم إلى الفائزين. # وشرعا: (تملك العقار ms1068 على مشتريه جبرا بمثل ثمنه) الذي اشتراه به، لما في ~~«صحيح مسلم» عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشفعة في كل ~~شرك: (في أرض، أو) ربع، أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ ~~أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه». # (وتثبت) الشفعة (بقدر رؤوس الشفعاء) عندنا (لا) بقدر (الملك) كما قال ~~مالك والشافعي في الجديد، وأحمد في رواية. فلو كانت دار بين ثلاثة: لأحدهم ~~نصفها، والآخر ثلثها، والآخر سدسها، فباع صاحب النصف نصيبه وطلب الشريكان ~~الشفعة، فإن القاضي يقضي بها نصفين عندنا لكل واحد نصف، وأثلاثا عندهم: ~~لصاحب الثلث ثلثان، ولصاحب السدس ثلث. لأن الشفعة من حقوق الملك لكونها ~~لتكميل المنفعة، فيقدر بقدره، كالربح، والغلة، والولد، والثمرة. # --- PageV04P193 ~~*** # ولنا: إن التساوي في سبب الاستحقاق يوجب التساوي في الاستحقاق ، والشركاء ~~متساوون في سبب الشفعة، ولهذا لو انفرد واحد منهم أخذ الكل وإن قل نصيبه، ~~فيستوون في الاستحقاق، كما لو استوت الأنصباء والربح ونحوه متولدات من ~~الملك فيستحق بقدره، (للخليط) متعلق ب: «تثبت» (في نفس المبيع) متعلق ~~بالخليط وهو الشريك الذي لم يقاسم، ولو كان ذميا لمساواة المسلم في سببها، ~~وهو أمر دنيوي وهما فيه سواء. (ثم للخليط) أي الشريك (في حق المبيع كالشرب) ~~بكسر المعجمة وهو النصيب في الماء، ومنه قوله تعالى: {لها شرب ولكم شرب ~~يوم معلوم}. # (والطريق) أي وكالممر (خاصين) حال (كشرب نهر لا تجري فيه السفن) بضمتين ~~جمع سفينة (وطريق لا ينفذ) وقيل: مفوض إلى المجتهد في كل عصر. # (ثم لجار ملاصق) و(بابه في سكة أخرى) قيد به لأنه لو كان بابه في سكة ~~الدار لكان خليطا في حق المبيع. والحاصل أنها له وإن كان بابه في سكة أخرى، ~~أو للجار المقابل في السكة الغير النافذة. فعندنا الشفعة لكل واحد من هذه ~~الثلاثة على هذا الترتيب، وهو قول سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك كما ~~ذكر الترمذي في «جامعه». وقال مالك والشافعي وأحمد: لا شفعة للجار لما روى ~~البخاري ms1069 عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله قال: قضى رسول الله بالشفعة في ~~كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة. وفي رواية ~~«الشفعة فيما لم يقسم» إلى آخره. وفي لفظ له: إنما جعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود... الحديث. ولأن الشفعة ~~تثبت على خلاف القياس لما فيها من تملك مال الغير بغير رضاه، فيقتصر على ~~مورد النص، وهو ما لم يقسم. # --- PageV04P194 ~~*** # ولنا: ما في البخاري عن أبي رافع أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«الجار أحق بسقبه». وما روى أبو داود في البيوع، والترمذي في الأحكام وقال: ~~حسن صحيح، والنسائي في الشروط (عن قتادة) عن الحسن، عن سمرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «جار الدار أحق بدار الجار أو الأرض». ورواه أحمد في ~~«مسنده»، والطبراني في «معجمه»، وابن أبي شيبة في «مصنفه»، وفي بعض ~~ألفاظهم: «الجار أحق بشفعة الدار». وفي رواية لأبي داود في «سننه» عن جابر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها ~~وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا». فإن قيل: المراد بما رويتم الجار ~~الذي يكون شريكا، لما أخرجه البخاري عن عمرو بن الشريد قال: وقفت على سعد ~~بن أبي وقاص، فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي، إذ جاء أبو ~~رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا سعد ابتع مني بيتي في ~~دارك. فقال سعد: والله ما أبتاعهما. فقال المسور: والله لتبتاعنهما. فقال ~~سعد: والله لا أزيدك على آربعة الآف منجمة أو مقطعة. قال أبو رافع: لقد ~~أعطيت بها خمس مئة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «الجار أحق بسقبه» ما أعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا أعطى بها خمس مئة ~~دينار، فأعطاها إياه. # --- PageV04P195 ~~*** # أجيب بأن هذا معارض بما أخرجه النسائي وابن ماجه عن عمرو بن الشريد، عن ~~أبيه أن رجلا قال: يا ms1070 رسول الله: أرضي ليس فيها لأحد شرك ولا قسم إلا ~~الجوار، فقال: «الجار أحق بصقبه». وفي غريب الحديث: الصقب بفتحتين: ما قرب ~~من الدار، والسين لغة في الصاد. وأجيب عن حديث جابر: بأن تخصيص ما لم يقسم ~~بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، وقوله: «إذا وقعت الحدود وصرفت ~~الطرق فلا شفعة»، من كلام الراوي، فلا يكون حجة في عدم استحقاق الشفعة ~~للجار مع ما روينا من مرفوع الأخبار. ولو سلم أنه من كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم فمعناه: لا شفعة بسبب القسمة دفعا لتوهم أن القسمة تثبت بها ~~الشفعة كالبيع، لما فيها من معنى التمليك من كل واحد من الشريكين للآخر. # وفي «معاني الآثار»: إن قيل: لم أوجبت الشفعة على هذا الترتيب ولم تجعلها ~~لهم جميعا إذا حضروا وطلبوا؟ قيل: لأن الشريك في المبيع خليط فيه وفي ~~الطريق، فمعه من أسباب الشفعة مثلما مع الشريك في الطريق، وسبب آخر ليس مع ~~الشريك في الطريق، فكان أولى منه ومع الشريك في الطريق شركة فيها وملازقة ~~للمبيع، ومع الجار ملازقة للمبيع فقط، فكان الشريك في الطريق أولى من ~~الجار. وفي «شرح مختصر القدوري»: ولو سلم الشريك في المبيع الشفعة وجبت ~~للشريك في الطريق، فإن سلمها وجبت للجار. # --- PageV04P196 ~~*** # (ويطلبها) أي ويطلب الشفيع الشفعة لأنها حق ضعيف يبطل بالإعراض، فلا بد ~~فيه من الطلب بما يفهم منه طلب الشفعة، ولو كان ماضيا في الأصح ك:طلبت ~~الشفعة إذا طلبها، أو: أنا طالبها، وهو اختيار الفقيه أبي جعفر، والفقيه ~~أبي الليث، والشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل، لأن الاعتبار للمعنى. ~~وقال بعضهم: يقول: أطلب الشفعة وآخذها، ولا يقول: طلبتها وأخذتها. فإن قال ~~ذلك بطلت شفعته لأن ذلك كذب محض. قلنا: يذكر للحال عرفا كبعت واشتريت. # (في مجلس علمه بالبيع) ليعلم بذلك عدم إعراضه عنه، وهذا عند أبي حنيفة ~~إذا أخبره رجلان، أو رجل وامرأتان، أو عدل. وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما ~~الله إذا أخبره واحد، حرا كان أو عبدا، وصبيا كان أو ms1071 امرأة. وهي نظير ~~اختلافهم في عزل الوكيل. وقوله: في مجلس علمه بالبيع رواية هشام عن محمد ~~أنه يشترط الطلب في مجلس العلم، إن طلب فيه صح، وإن قام عنه قبله بطلت، وبه ~~أخذ الكرخي. وفي ظاهر الرواية: كما علم بالبيع من غير مهلة، واختارها ~~العامة، سواء كان عنده أحد أو لم يكن، لقوله عليه الصلاة والسلام «الشفعة ~~كحل العقال». رواه ابن ماجه في «سننه» عن ابن عمر. # (وهو) أي طلب الشفيع في مجلس علمه (طلب مواثبة) سمي به للدلالة على غاية ~~التعجيل، حتى كأن الشفيع ليثب ويطلب. روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن شريح ~~أنه قال: إنما الشفعة لمن واثبها. # (ثم يشهد) الشفيع (على طلبه). # --- PageV04P197 ~~*** # قال قاضيخان: إذا صدر منه طلب المواثبة يحتاج إلى طلب الإشهاد. (وإنما ~~سمى الثاني طلب الإشهاد) لأن الإشهاد شرط، بل ليمكنه إثبات الطلب عند إنكار ~~الخصم. وكيفية هذا الطلب: أن ينهض من مجلس علمه، ويشهد على طلبه، (عند ~~العقار) لتعلق الحق به. (أو) عند (ذي يد من بائع) بأن كان لم يسلم العقار ~~إلى المشتري، لأن له حينئذ يدا فكان خصما. (أو) عند (المشتري) ولم يكن ذا ~~يد، لأن الملك له. ويقول الشفيع: إن فلانا اشترى هذه الدار وأنا شفيعها ~~وكنت طلبت الشفعة، وأنا الآن أطلبها فاشهدوا على ذلك. # (فإن أخر) الشفيع (أحدهما) أي أحد هذين الطلبين (بطلت) الشفعة. أما الطلب ~~الأول فلأن مجرد السكوت فيه ساعة دليل الإعراض، ودليل الشيء كصريحه. وأما ~~الطلب الثاني فلأن مدته مقدرة بالتمكن منه نفيا للضرر عن المشتري. # (ثم يطلب) الشفيع (عند القاضي) ويسمى طلب الخصومة، وبتأخيره لا يبطل طلب ~~الشفعة عند أبي حنيفة رحمه الله، وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله. وفي ~~«الهداية»، «والكافي»: وعليه الفتوى. (وبتأخيره شهرا) من غير عذر مرض أو ~~حبس. وفي نسخة: وتأخيره شهرا (تبطل عند محمد) وهو قول زفر، واختيار الكرخي ~~(وبه) أي بقول محمد (يفتى) اليوم. والمعنى: أن تصحيح صاحب «الذخيرة» ~~والمفتي قاضيخان في «جامعه الصغير» أصح من تصحيح غيرهما. # --- PageV04P198 ~~*** # (فإذا ms1072 طلب) الشفيع عند القاضي (سأل القاضي الخصم) عن ملك الشفيع ما يشفع ~~به، فإن أنكر الخصم أنه ملكه كلف القاضي الشفيع بإقامة البينة على أنه ~~ملكه. وقال زفر وهو رواية عن أبي يوسف لا يكلف على ذلك، لأن اليد دليل ~~الملك. فإن عجز الشفيع عن إقامة البينة استحلف القاضي الخصم عند أبي يوسف ~~أنه ما يعلم أن الشفيع مالك لما يطلب به الشفعة، (وعند محمد استحلفه على ~~البتات، فيحلف بالله ما الشفيع بمالك لما يطلب به الشفعة). # (فإن أقر) الخصم (بملك) الشفيع (ما يشفع به أو نكل) الخصم (عن الحلف على ~~العلم) على أحد (القولين) (بأنه) أي الشفيع (مالكه) أي مالك لما يشفع، به ~~(أو برهن الشفيع) على ملكه (لما شفع، ثبت ملكه لما) يشفع به وحينئذ (سأله) ~~أي القاضي الخصم (عن الشراء) فإن أنكر، أمر القاضي الشفيع بإقامة البينة، ~~فإن عجز الشفيع عن البينة استحلف الخصم إن كان المشتري: بالله ما اشتريت ~~هذه الدار، وإن كان البائع: بالله مابعت هذه الدار (فإن أقر) الخصم (به) أي ~~بالشراء (أو نكل عن الحلف أو برهن الشفيع) على الشراء (قضى) القاضي (له) أي ~~للشفيع (بها) أي بالشفعة لثبوتها. # --- PageV04P199 ~~*** # وينبغي للقاضي قبل سؤال الخصم أن يسأل الشفيع عن موضع الدار من مصرها، ~~ومحلتها، وحدودها، لأنه ادعى حقا فيها، فصار كما لو ادعى ملك رقبتها. فإذا ~~بين (سأله هل قبض المشتري الدار أم لا؟ لأنه إذا لم يقبضها لا تصح دعواه ~~على المشتري حتى يحضر البائع، فإذا بين) سأله عن سبب شفعته، وحدود ما يشفع ~~به. لأن الناس يختلفون فيه، فلعل دعواه سبب غير صالح، أو لعله محجوب بغيره. ~~فإذا بين سببا صالحا وأنه غير محجوب بغيره سأله متى علم؟ وكيف صنع حين علم؟ ~~لأن الشفعة تبطل بطول الزمان، وبالإعراض وبما يدل عليه، فإذا بين سأله عن ~~طلبه الإشهاد كيف كان؟ وعند من أشهد؟ وهل كان الذي أشهد عنده أقرب من غيره؟ ~~فإذا بين ولم يخل بشيء من الشروط، تمت دعواه، فيسأل الخصم حينئذ ms1073 كما مر. # (فلزمه) أي إذا قضى القاضي بالشفعة لزم الشفيع (إحضار الثمن) من غير مهلة ~~(ويحبس) المشتري (الدار له) أي لأجل الثمن حتى يدفعه الشفيع إليه (ولا ~~يسمع) القاضي (البينة على بائع) لم يسلم العقار إلى المشتري (حتى يحضر ~~المشتري فيفسخ) القاضي البيع (بحضوره ويقضي بالشفعة) لأن الملك للمشتري ~~واليد للبائع والقاضي يقضي بهما للشفيع، فلا بد من حضورهما. # قيد بالبائع، لأن المشتري الذي سلم البائع إليه العقار إذا خاصمه الشفيع ~~لا يشترط في سماع البينة عليه حضور البائع، لأن حكم العقد في حق البائع قد ~~انتهى بالتسليم إلى المشتري، فصار البائع كأجنبي آخر. وقيدنا البائع بكونه ~~لم يسلم العقار إلى المشتري، لأن الذي سلمه إليه لا يسمع القاضي البينة ~~عليه أصلا، ولا يكون خصما للشفيع. وفي قوله: «فيفسخ بحضوره» إشارة إلى علة ~~أخرى، وهي أن البيع إذا كان ينفسخ في حق المشتري، فلا بد من حضوره ليقضي ~~بالفسخ عليه. # --- PageV04P200 ~~*** # (والعهدة) أي ويقضي بعهدة الحقوق فيما أخذ الشفيع بمخاصمة البائع (على ~~البائع) فعليه التسليم وضمان الثمن عند الدرك. وقال الشافعي: العهدة على ~~المشتري سواء أخذها من يد البائع أو المشتري، لأن حقوق العقد عنده ترجع إلى ~~المالك. # (وللشفيع) إذا قضى القاضي له بالشفعة ولم يكن رأى المبيع (خيار الرؤية، ~~و) له إذا وجد به عيبا خيار (العيب) فيرد إن شاء (وإن شرط المشتري) للبائع ~~(البراءة منه) من العيب، لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء. ألا ترى أنه ~~مبادلة مال بمال؟ فيثبت للشفيع فيه خيار الرؤية والعيب كما في الشراء، ولا ~~يسقط ما له من خيار الرؤية برؤية المشتري، ولا ما له من خيار العيب بشرط ~~المشتري للبائع البراءة منه، لأنه لا يملك إسقاط حق الشفيع. # (والقول للمشتري) أي إذا اختلف مع الشفيع (في الثمن) لأن الشفيع يدعي ~~استحقاق العقار عليه عند نقد الأقل وهو ينكر، والقول قول المنكر مع يمينه ~~(وبينة الشفيع) إذا أقام كل منهما بينة على صحة قوله (أحق من بينته) أي ~~المشتري وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما ms1074 الله. وقال أبو يوسف رحمه الله: ~~بينة المشتري، أحق، لأنها أكثر إثباتا، فصارت كبينة البائع إذا اختلف مع ~~المشتري في قدر الثمن. ولهما: أنه لا تنافي بين البينتين في حق الشفيع ~~لاحتمال أنه اشترى مرة بالأقل ومرة بالأكثر، وللشفيع أن يأخذ بأيهما شاء. # --- PageV04P201 ~~*** # (ولو ادعى المشتري ثمنا، و) ادعى (بائعه) ثمنا (أقل منه أخذ) الشفيع ~~العقار (بقوله) أي بقول البائع (قبل القبض) أي قبل قبض البائع الثمن، لأن ~~الثمن إن كان كما قال البائع فظاهر، وإن كان كما قال المشتري فقد حط البائع ~~من الثمن، والحط عن المشتري حط عن الشفيع. قيد ما ادعاه البائع بكونه أقل ~~مما قال المشتري، لأنه لو كان أكثر تحالفا وترادا، وأيهما نكل ظهر أن الثمن ~~ما يقوله الآخر، فيأخذها الشفيع بذلك لأن النكول بمنزلة الإقرار مما يدعيه ~~صاحبه، وإن حلفا فسخ القاضي العقد بينهما وأخذها الشفيع بما قال البائع، ~~لأن فسخ البيع لا يوجب بطلان حق الشفيع، كما لو رد عليه بعيب بقضاء قاض. # (و) أخذ الشفيع العقار (بقول المشتري بعده) أي بعد قبض البائع الثمن، (و) ~~أخذ الشفيع (في حط بعض الثمن) سواء كان الحط قبل أخذ الشفيع أو بعده (أو في ~~زيادته) أي زيادة المشتري الثمن (بأقلهما) متعلق ب «أخذ». وإنما أخذ فيهما ~~بالأقل، لأن الحط من الثمن والزيادة فيه يلتحقان عندنا بأصل العقد، إلا أن ~~الزيادة لا تظهر في حق الشفيع لتضرره بها، وتظهر في حق المشتري لولايته على نفسه. # (و) أخذ الشفيع (في حط الكل بالكل) لأن حط الكل لا يلتحق بأصل العقد، إذ ~~لو التحق به لكان هبة أو بيعا بلا ثمن وهو فاسد، ولا شفعة فيهما. (و) أخذ ~~الشفيع (في الشراء بثمن مثلي) كيلي، أو وزني، أو عددي متقارب (بمثله) الباء ~~الأولى متعلقة بالشراء، والثانية ب: «أخذ» المقدر. # --- PageV04P202 ~~*** # (و) أخذ الشفيع (في) الشراء (بثمن غيره) أي غير المثلي (بقيمة الثمن) لأن ~~الشرع جعل للشفيع ولاية التملك على المشتري بمثل ما يملك به. والمثل نوعان: ~~كامل: وهو صورة ومعنى، ms1075 وقاصر: وهو المثل معنى. والمثلي من النوع الأول، ~~وغيره من النوع الثاني، فيراعى في أخذ الشفعة ذلك كما في الاتلاف. # (ففي) شراء (عقار بعقار أخذ كل) من العقارين بالشفعة (بقيمة الآخر) لأن ~~كلا منهما ثمن للآخر وهو من ذوات القيمة. # (وفي ثمن) أي وأخذ الشفيع في بيع عقار بثمن (مؤجل بحال) كل من الجارين ~~متعلق ب: «أخذ» المقدر (أو طلب) الشفعة عطف على أخذ المقدر (في الحال) ~~بتخفيف اللام بمعنى الوقت (وأخذ بعد الأجل) الذي وقع العقد عليه حتى لو لم ~~يطلب (في الحال بطلت) شفعته، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف ~~أخيرا. (و) أخذ الشفيع (في بناء المشترى وغرسه بالثمن وقيمتهما) أي البناء ~~والغرس (مقلوعين أو كلف المشتري قلعهما) وعند أبي يوسف رحمه الله: لا يكلفه ~~ولكنه إن شاء أخذ بالثمن وقيمة البناء والغرس مقلوعين، وإن شاء ترك. # (وليست) الشفعة (إلا في بيع) أي بسبب بيع (أو في هبة بعوض) أي مصاحبة ~~بعوض فلا شفعة في دار تزوج الرجل عليها، أو خالع المرأة بها، أو استأجر بها ~~دارا أو غيرها، أو صالح بها عن دم عمد، أو أعتق عليها عبدا. وقال الشافعي: ~~يجب فيها الشفعة لأن كلا منها عقد معاوضة فثبتت الشفعة في العقار المملوك ~~بسببه كالبيع. ولنا: أنها تملكات بسبب لا يثبت فيها خيار الشرط، فلا يجب ~~فيها الشفعة، كالملك بالهبة المحضة، والوصية، والميراث. # --- PageV04P203 ~~*** # (ولا في شجر) عطف على ما قبله بالمعنى، أي ولا شفعة في نكاح، ولا خلع إلى ~~أخر العقود التي ليست ببيع ولا هبة بعوض (ولا في ثمر) بالمثلثة (بيعا) أي ~~الشجر والثمر (قصدا) أي بدون أرض، فإنهما لو بيعا معها كان فيهما الشفعة ~~تبعا لها. وكذا لا شفعة في بناء بيع قصدا، وفيه الشفعة لو بيع مع الأرض، ~~لأن هذه الأشياء نقلية، ولا شفعة في نقلي لأن الشفعة إنما وجبت في العقار، ~~لدفع ضرر سوء الجوار على الدوام. والملك في النقلي لا يدوم مثل دوامه في ~~العقار كما أشار إليه قوله صلى ms1076 الله تعالى عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك ~~من جار السوء في دار المقامة». فإن جار البادية يتحول. # (ولا) شفعة (في البيع) بسبب البيع (بخيار) للبائع، لأن خياره يمنع خروج ~~المبيع عن ملكه (إلا بعد سقوطه) أي سقوط الخيار بأن أسقط البائع، لأن ~~المانع من خروج المبيع عن ملكه قد زال، فصار البيع كأنه وقع لازما من ~~الأصل. قيدنا الخيار بكونه للبائع كما هو الظاهر من البيع بخيار، لأن خيار ~~المشتري يوجب الشفعة. أما عند أبي يوسف ومحمد فلأن المشتري صار مالكا. أما ~~عند أبي حنيفة رحمه الله فيخرج المبيع عن ملك البائع، وحق الشفعة. يعتمد ~~انقطاع حق البائع لا ثبوت الملك للمشتري، حتى لو أقر البائع بالبيع وأنكر ~~المشتري تجب الشفعة. # (ولا) شفعة (في البيع) أي في عقار البيع (الفاسد) أما قبل قبض المبيع، ~~فلعدم زوال الملك عنه. وأما بعد قبضه، فلاحتماله للفسخ، لأن كل واحد من ~~المتعاقدين بسبيل من فسخه، إذ فسخه حق الشرع، وفي إثبات الشفعة إسقاط حق ~~فسخه، وفي إسقاط حق فسخه تقرير فساده (إلا بعد سقوط فسخه) فإن باعه المشتري ~~من آخر فإن فيه الشفعة، لأن امتناع حق الشفعة إنما كان لثبوت حق الفسخ وقد ~~سقط، فصار كما لو كان في البيع خيار البائع فأسقطه. # --- PageV04P204 ~~*** # (ولا) شفعة (في رد) أي بسبب رد عقار (بخيار) سواء كان خيار رؤية أو شرط ~~أو عيب (إلا) في رد بسبب (خيار عيب بلا قضاء) لأن الشفعة ثبتت فيه خلافا ~~لزفر (ولا) شفعة (لمن باع) سواء كان وكيلا أو أصيلا، لأن أخذه بالشفعة سعي ~~في نقض ما تم به، وهو الملك للمشتري، وسعي الإنسان في نقض ما تم به مردود. # (أو بيع له) أي ولا شفعة لمن بيع لأجله وهو الموكل بالبيع، لأن تمام ~~البيع له، إذ لولا توكيله لما جاز ذلك البيع. # (أو ضمن الدرك) أي ولا شفعة لمن ضمن عن البائع ما يلحقه في ذلك البيع، ~~لأن في ضمانه تقريرا للبيع فكان كالبائع. (بل) الشفعة (لمن) أي الشفيع ms1077 (شرى ~~أو اشتري له) وأجاز، لأن الشفعة تبطل بإظهار الشفيع الرغبة عن المشفوع، ولا ~~تبطل بإظهار الرغبة فيه. وفي الشراء إظهار الرغبة فيه، فلا يكون إبطالا ~~للشفعة. وفي البيع إظهار الرغبة عنه، فيكون إبطالا لها. وفائدة ذلك أنه لو ~~كان المشتري أو الموكل بالشراء شريكا في الدار ولها شريك آخر، فلكل منهما ~~الشفعة. ولو كان هو شريكا وللدار جار، فلا شفعة للجار. # (مبطلات الشفعة) # (ويبطلها) أي الشفعة (تسليمها بعد البيع) لأن الشفيع أسقط حقه بعد تقرر ~~سببه (لا قبله) أي لا يبطل الشفعة تسليمها قبل البيع، لأنه أسقطها قبل وجود ~~سببها إن كان سببها البيع، وقبل وجود شرطه إن كان سببها اتصال الأملاك، ~~والبيع شرطه، وهو الصحيح. (و) يبطلها (الصلح) أي صلح الشفيع عن شفعة على ~~عوض (مع بطلانه) أي بطلان الصلح، لأنه أسقطها باختياره فيرد العوض لأنه ~~أخذه بغير استحقاق، لأن المال لا يستحق إلا بمقابلة ملك، وحق الشفعة ليس ~~بملك بل حق تملك، فلا يصح الاعتياض عنه. # --- PageV04P205 ~~*** # (و) يبطلها (موت الشفيع) بعد البيع قبل القضاء بالشفعة، ولا ينتقل حق ~~الأخذ بالشفعة إلى وارثه. وقال مالك والشافعي: ينتقل لأنه حق ثبت لإزالة ~~الضرر عن المال فكان موروثا. ولنا: أن حق الشفعة حق تملك وهو وصف قائم ~~بالشفيع، فلا ينتقل إلى وارثه بعد موته. # قيدنا ب:قبل القضاء بالشفعة، لأن موت الشفيع لو كان بعد القضاء قبل نقد ~~الثمن وقبض المبيع لا يبطل شفعته والبيع لازم لوارثه (لا المشتري) أي لا ~~يبطل الشفعة موت المشتري، لأن المستحق باق، وبموت المستحق عليه لم يتغير ~~الاستحقاق، بخلاف موت المستحق وهو الشفيع، لأن السبب الذي يأخذ به وهو ملكه ~~زال بموته، والثابت للوارث جوار أو شركة حادثة بعد البيع فلا تستحق به ~~الشفعة. # (و) يبطلها (بيع) الشفيع (ما يشفع به) بلا خيار للبائع (قبل القضاء) له ~~بالشفعة، لأن الاستحقاق بالجوار أو بالشركة، وقد زال قبل التملك. قيدنا ~~بعدم خيار البائع، لأن الشفيع لو باع ما يشفع به على أنه بالخيار لا تبطل ~~شفعته، لأن ms1078 ملكه لم يزل فوجد سبب الشفعة وهو الاتصال بملكه. # (وشفع) أي أخذ الشفيع بالشفعة (حصة أحد المشترين) من بائع واحد، لأن هذا ~~الأخذ ليس فيه ضرر التفريق لقيام الشفيع مقام المأخوذ حصته. والصحيح أن لا ~~فرق بين قبل القبض وبعده. (لا أحد الباعة) أي ولا يأخذ الشفيع حصة أحد ~~البائعين من مشتر واحد، بل إما أن يأخذ المشفوع كله أو يترك كله، لأن في ~~أخذ حصة أحد الباعة إضرارا بالمشتري بتفريق الصفقة عليه. # (فإن سلم)، أي إذا أخبر بأن المشتري زيد فسلم (شراء زيد فظهر شراء غيره، ~~أو) بلغه أن الثمن ألف فسلم (الشراء بألف فظهر) أنه (بأقل أو بمثلي)، قيمته ~~ألف أو أكثر (لا تسقط) الشفعة. # --- PageV04P206 ~~*** # أما إذا ظهر أن المشتري غير زيد فلتفاوت الناس في الجوار والشركة، وأما ~~إذا ظهر أن الثمن أقل أو أنه مثلي فلأن تسليمه في كثرة الثمن لا يدل على ~~تسليمه في قلته، وتسليمه في أحد الجنسين لا يكون تسليما في الآخر إذ ربما ~~يتعذر عليه ما سلم فيه ويسهل عليه الآخر. # (لا إن ظهر) أن الشراء (بقيمي قيمته ألف أو أكثر) فإن شفعته تسقط، لأنه ~~إنما يأخذ القيمي بقيمة دراهم أو دنانير. ولو بلغه أن المشتري زيد فظهر أنه ~~زيد وعمرو فله أن يأخذ نصيب عمرو، لأن التسليم لم يوجد في حقه. ولو باعها ~~إلا ذراعا من جانب الشفيع بطول الحد الذي يليه امتنعت الشفعة لانقطاع ~~الجوار، وهذه حيلة لإسقاط الشفعة. # وإن ابتاع سهما منها ثم ابتاع بقيتها تجب الشفعة في السهم الأول فقط، لأن ~~الشفيع جار إلا أن المشتري في الثاني شريك، لأنه حين اشترى الباقي كان ~~شريكا بشراء الجزء الأول، واستحقاق الشفيع الجزء الأول لا يبطل شفعة ~~المشتري في الجزء الثاني قبل الخصومة، لكونه في ملكه بعد فيتقدم على ~~الجوار. وإن ابتاعها بثمن غال ثم دفع ثوبا عن الثمن يؤخذ بالثمن لا بالثوب، ~~لأنه عقد آخر والثمن هو العوض عن الدار. وهذه حيلة لتقليل الرغبة في ~~الشفعة، وهي تعم الجوار والشركة، ms1079 والله تعالى أعلم. # كتاب القسمة # --- PageV04P207 ~~*** # (هي) لغة: اسم للاقتسام. وشرعا: (تعيين الحق الشائع). وجوازها بالكتاب ~~والسنة وإجماع الأمة. أما الكتاب تلويحا فقوله تعالى: {نحن قسمنا بينهم}، ~~وتصريحا قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} الآية. ولا ~~يعلم الخمس من الأربعة أخماس إلا بالقسمة، وقوله سبحانه {ونبئهم أن الماء ~~قسمة بينهم} الآية، {ولها شرب ولكم شرب يوم معلوم}، والمناوبة في الشرب ~~قسمة فيه. # وأما السنة فإنه صلى الله عليه وسلم قسم غنائم خيبر بخيبر، وغنائم أوطاس ~~بأوطاس، وغنائم بني المصطلق بمياههم. وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ~~عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله أن امرأة سعد بن الربيع ~~قالت: يا رسول الله، إن سعدا هلك وترك ابنتين وأخاه، فعمد أخوه بقبض ما ترك ~~سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ادعي إلي أخاه». فجاء، فقال: «ادفع إلى ابنتيه الثلثين، وإلى امرأته ~~الثمن، ولك ما بقي». وأما الإجماع فلتوارث الأمة القسمة من غير نكير أحد من ~~الأئمة. # ثم سببها طلب أحد الشركاء الانتفاع بنصيبه بالخصوص على الخلوص، ويشتمل ~~على الإفراز والمبادلة في المثليات والقيميات، لأن ما يجتمع لأحدهما بعضه ~~كان له، وبعضه كان لصاحبه فهو يأخذه عوضا عما بقي من حقه في نصيب صاحبه ~~فكان مبادلة وإفرازا. # (وغلب) على المبادلة (فيها الإفراز) أي تميز عين حقه (في المثلي) وهو ~~الكيلي، والوزني، والعددي المتقارب، لعدم التفاوت بين أبعاض كل من هذه ~~الأمور، لأن ما يأخذه الشريك مثل حقه صورة ومعنى، فأمكن أن يجعل عين حقه ~~كما في القرض وقضاء الدين. # --- PageV04P208 ~~*** # (و) غلب فيها (المبادلة في غير المثلي) وهو الثياب، والحيوان، والعقار ~~لوجود التفاوت بين أبعاضها، فلا يمكن أن يجعل كأنه أخذ عين حقه (فيأخذ كل) ~~من الشركاء (حصته بغيبة صاحبه) يعني شريكه. وفي بعض النسخ: بغيبة الآخر ~~(ثمة) أي في المثلي، وهو بفتح المثلثة: اسم إشارة للمكان. ولو كانت القسمة ~~فيه مبادلة لم يؤخذ لعدم العلم برضا صاحبه، ms1080 لأن رضا العاقدين شرط للمبادلة، ~~(لا هنا) أي لا يأخذ أحد من الشركاء في غير المثلي حصته بغيبة صاحبه. ولو ~~كانت القسمة فيه إفرازا لكان له ذلك. # (وندب نصب قاسم) بين الناس (يرزق من بيت المال ليقسم بينهم بلا أجر) لأن ~~منفعتها تعود إلى العامة، فيكون كفايته من بيت المال، كنفقة القضاة ~~والمقاتلة والمفتين (وإن نصب) قاسم (بأجر) على المتقاسمين (صح) لأن النفع ~~لهم، والأول أوفق للناس وأبعد عن التهمة، (وهو) أي الأجر إذا نصب قاسم بأجر ~~(عدد الرؤوس) عند أبي حنيفة رحمه الله، وعلى قدر الأنصباء عند أبي يوسف ~~ومحمد والشافعي رحمهم الله، وهو رواية أبي حنيفة رحمه الله، لأنه مؤنة ~~للملك فيقدر بقدره كأجرة الكيال، والوزان، وحفر البئر المشتركة، ونفقة ~~المملوك المشترك. وهذا لأن منفعة نصيب صاحب الكثير أكثر من منفعة صاحب ~~القليل، والغرم بالغنم. # --- PageV04P209 ~~*** # ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الأجر مقابل للتميز، وأنه لا يتفاوت. وربما ~~يصعب الحساب بالنظر إلى القليل وقد ينعكس الأمر، فيتعذر اعتباره فيتعلق ~~الحكم بأصل التميز. وأجرة حفر البئر بمقابلة نقل التراب ونفقة المملوك ~~لابقاء الملك، وحاجة صاحب الكثير إلى ذلك أكثر من حاجة صاحب القليل. وأما ~~أجرة الكيال، والوزان، فقال بعض المشايخ: هو على الخلاف إن كان الكيل ~~والوزن للقسمة، لأن الكيال والوزان بمنزلة القاسم، وإن لم تكن لها بأن ~~اشتريا مكيلا، أو موزونا مجازفة أثلاثا، أو أرباعا، وأمرا إنسانا بكيله ~~ليصير الكل معلوم القدر، فالأجر بقدر الأنصباء، لأن الأجر في الكيل والوزن ~~للعمل وهو لصاحب الكثير أكثر. # (ويجب كونه) أي القاسم (عدلا) دينا أمينا (عالما بها) أي بالقسمة، لأنه ~~يعتمد على قوله، وذا بالعدالة والأمانة، ولا بد من قدرته على القسمة وهي ~~بالعلم بها. # (ولا يعين) قاسم (واحد) إذا كان الأجر على المتقاسمين، لأنه يتحكم ~~بالزيادة على أجر مثله فيتضرر به الناس. (ولا يشترك القسام) لئلا يتواضعوا ~~على مغالاة الأجر فيحصل الإضرار بالناس، بخلاف ما إذا (لم) يشتركوا، فإن كل ~~قاسم يسارع حينئذ إلى الأجر اليسير حذرا من الفوت فيرخص الأجر. ms1081 # (وقسم بطلب أحدهم) جبرا على الآبي (إن انتفع كل) منهم (بحصته) لأن في ~~القسمة تكميل المنفعة فكانت حقا لازما فيما يقبلها بعد طلب أحدهم. (و) قسم ~~(بطلب ذي الكثير فقط إن لم ينتفع الآخر) أي ذو القليل (لقلة حصته) كذا ذكر ~~الخصاف. ووجهه: أن صاحب الكثير منتفع بنصيبه فاعتبر طلبه، وصاحب القليل غير ~~منتفع بنصيبه فلم يعتبر طلبه. # --- PageV04P210 ~~*** # وتوضيحه أن الأول يطلب من القاضي أن يخصه بالانتفاع بملكه، ويمنع غيره من ~~الانتفاع بملكه، وهذا طلب انصاف لا تعنت، فعلى القاضي أن يجيبه إلى ذلك. ~~ولا يعتبر تضرر الآخر، لأنه يريد أن ينتفع بملك شريكه، وله أن يمنع غيره من ~~الانتفاع بملكه. وأما الثاني فمتعنت في طلب القسمة، والقاضي يجيب المتعنت ~~بالرد. وتعذر الانتفاع بنصيبه لقلته لا لمعنى من جانب صاحب الكثير. ثم ~~العكس والإطلاق روايتان، والأصح الأول كما في «المبسوط» وغيره. # (ولا يقسم) المشترك فيه بين المشتركين (إلا بطلبهم) كلهم (إن تضرر كل) أي ~~كل واحد منهم (للقلة) أي لقلة حصته، لأن الجبر على القسمة لتكميل المنفعة، ~~وفي هذه القسمة تفويتها. وإنما جازت بطلبهم لأن الحق لهم وهم أعرف لشأنهم. # وفي «شرح الكنز»: لكن القاضي لا يباشر ذلك وإن طلبوا منه، لأن القاضي لا ~~يشتغل بما لا فائدة فيه، ولا سيما إذا كان فيه ضرر أو إضاعة مال، لأن ذلك ~~حرام ، ولا يمنعهم من ذلك لأن القاضي لا يمنع من أقدم على إتلاف ماله. # (ولا) يقسم (الجنسان) من العروض، (و) لا (الرقيق)، (و) لا (الجواهر)، (و) ~~لا (الحمام) وفي معناه البئر والرحى (إلا برضاهم) أما الجنسان فلأنه لا ~~اختلاط بينهما، فلا تقع القسمة فيهما تميزا بل معاوضة، وسبيلها التراضي دون ~~جبر القاضي. وأما الرقيق فقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي رحمهم الله: ~~يقسم لاتحاد الجنس وكون التفاوت في القيمة، وهو لا يمنع صحة القسمة كما في ~~الإبل والغنم، ولذا يقسم الرقيق في الغنيمة بين الغانمين كسائر الأموال. # --- PageV04P211 ~~*** # ولأبي حنيفة: أن التفاوت في الرقيق أظهر منه في الأجناس المختلفة، فإنها ~~قد ms1082 تتفاوت في المالية، والرقيق يتفاوت تفاوتا فاحشا. ثم قسمة الجبر لا تجري ~~في الأجناس المختلفة فكذا في الرقيق، وهذا لأن حق الغانمين في المالية دون ~~العين، حتى كان للإمام بيعها وقسمة ثمنها بينهم، فكان المعتبر إيصال مقدار ~~من المالية إلى كل واحد. # وأما شركة الملك فحق الشركاء في العين والمالية، وللإمام حق التمييز ~~بالقسمة على طريق المعادلة وليس له ولاية المعاوضة. فإذا تعذر اعتبار ~~المعادلة هنا بطريق التمييز لا يثبت للقاضي ولاية الإجبار على القسمة. وأما ~~الجواهر فلأن جهالة الجواهر أفحش من جهالة الرقيق. وأما الحمام ونحوها من ~~البئر والرحى والحائط بين دارين، فلأن القسمة لتكميل المنفعة، وإذا لم يبق ~~كل نصيب منتفعا به بعد القسمة انتفاعا مقصودا، لا يتحقق معنى القسمة، فلا ~~يقسم القاضي. بخلاف التراضي لالتزامهم الضرر. # (ودور) سواء كانت في مصر أو مصرين، وهو مبتدأ (مشتركة) بفتح الراء صفته ~~(أو دار وضيعة، أو دار وحانوت) عطف، والخبر (قسم كل) أي كل واحدة (وحدها) ~~ولم يجمع نصيب أحدهم في أحدها. أما الدار والضيعة، والدار والحانوت ~~فبالاتفاق لاختلاف الجنس. وأما الدور فما ذكر قول أبي حنيفة رحمه الله. ~~وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: تقسم الدور بعضها في بعض إذا كانت في مصر ~~واحد، وكانت القسمة خيرا لهم. # (وصحت) قسمة الدور المشتركة وما ذكر معها (بالتراضي) على جمع نصيب أحد ~~الشركاء في أحدها، لأن في القسمة معنى المبادلة فتصح بالتراضي كسائر ~~المعاوضات. (إلا عند صغر أحدهم) فلا يصح إلا بأمر القاضي، لأن تصرف الصغير ~~لا ينفذ ولا ولاية لهم عليه. # --- PageV04P212 ~~*** # (وقسم نقلي) أي منقول (يدعون إرثه بينهم) لأن في القسمة نظرا لاحتياجه ~~إلى الحفظ، ولأنه مضمون على من وقع في يده. (و) قسم (عقار) في أيديهم ~~(يدعون شراءه) في ظاهر الرواية، (أو ملكه مطلقا) بأن لم يذكروا كيفية ~~انتقاله إليهم في الأصح، لأن القضاء بالقسمة فيه يقتصر عليهم ولا يتعدى إلى ~~غيرهم إذا لم يقروا أن أصل الملك لغيرهم، (فإن ادعوا إرثه) أي العقار الذي ~~في أيديهم (عن زيد) ms1083 مثلا بأن ذكروا مورثهم (لا) أي لا يقسم العقار الذي ~~ادعوا إرثه (حتى يبرهنوا) أي يقيموا البينة (على موته وعدد ورثته) وهذا عند ~~أبي حنيفة رحمه الله. # وقالا: يقسم القاضي العقار بينهم بأقرارهم ويكتب ذلك في صك القسمة، لأنه ~~في أيديهم، واليد دليل الملك وقد أخبروا بالإرث من أبيهم. والأصل في إخبار ~~المسلم الصدق، ولا منازع لهم فيما أخبروا، فيثبت المخبر به. فإذا سألوا ~~القاضي أن يقسم بينهم ملكهم فعليه أن يجيبهم إلى ذلك، تمكينا لكل واحد منهم ~~من الانتفاع بنصيبه، كما في المنقول الموروث، والعقار المشترى. والبينة ~~إنما تكون على المنكر، ولا منكر هنا ولا منازع لهم، فلا يفيد البينة. ولكن ~~يذكر القاضي في كتاب القسمة أنها وقعت منه باعترافهم ليتذكر بالنظر فيه أن ~~حكم القسمة مقتصر عليهم غير متعد إلى غيرهم، حتى لا يكون ذلك قضاء على شريك ~~آخر لهم، ولا على مالك لها. # ولأبي حنيفة رحمه الله أن الميت يصير مقضيا عليه بقسمة القاضي، وقولهم ~~ليس بحجة عليه فلا بد من إقامة البينة ليثبت بها القضاء على الميت، ويصير ~~بعضهم مدعيا والبعض الآخر خصما له عن الميت. # --- PageV04P213 ~~*** # (ولا) يقسم العقار (إن برهنوا أنه معهم) أي في أيديهم (حتى يبرهنوا أنه ~~لهم) أي ملكهم، لاحتمال أن يكون في أيديهم وهو ملك لغيرهم. # (ولا) يقسم العقار بإقرار الحاضرين (إن كان) جميعه أو (شيء منه مع الوارث ~~الطفل، أو) مع (الغائب) لأن في هذه القسمة قضاء على الغائب، أو الصغير ~~بإخراج شيء مما في يده من غير خصم حاضر عنه. ولا فرق في هذا الفصل بين ~~إقامة البينة وعدمها في الصحيح. ولو كان الحاضر كبيرا وصغيرا نصب القاضي عن ~~الصغير وصيا وقسم إذا أقيمت البينة، لأن للقاضي ولاية نصب الوصي عن الصغير، ~~ووصي الصغير قائم مقامه، فكأن الصغير بالغ حاضر. # وكيفية القسمة أن يصور القاسم ما يقسمه على القرطاس ليمكنه حفظه، ويعدله ~~أي يسويه على السهام بأن ينظر إلى أقل السهام فيجزئه عليه، حتى إن كان ~~الأقل ثلثا جعله أثلاثا، ms1084 وإن كان سدسا جعله أسداسا. ويذرعه ليعرف قدره، ~~ويقوم البناء، إذ ربما يحتاج إليه، ويقرر كل نصيب بطريقه وشربه، حتى لا ~~يكون لنصيب أحدهم تعلق بنصيب الآخر. ويلقب الأنصباء بالأول، والذي يليه ~~بالثاني، والذي يليه بالثالث وعلى هذا. ثم يكتب أسامي الشركاء في بطاقات ~~ويطوي كل بطاقة ويجعلها في قطعة من طين، ثم يدلكها بين كفيه حتى تصير ~~مستديرة كالبندقة، ثم يقرع، فمن خرج اسمه أولا فله السهم الأول، ومن خرج ~~اسمه ثانيا فله السهم الثاني. # (ولا يدخل) القاسم (الدراهم) التي ليست من الشركة (في القسمة) لأن القسمة ~~من حقوق الشركة ولا شركة في الدراهم ، لأن الجنسين المشتركين لا يقسمان ~~فكيف بغير المشتركين (إلا برضاهم) لما في القسمة من معنى المبادلة، فيجوز ~~دخول الدراهم فيها بالتراضي دون جبر القاضي. # --- PageV04P214 ~~*** # وصورته: دار بين جماعة أرادوا قسمتها وفي أحد الجانبين فضل بناء وأراد ~~بعض الشركاء أن يكون عوض البناء دراهم، وأراد الآخر أن يكون عوضه من الأرض ~~فإنه يجعل عوضه منها. ولا يكلف الذي يقع البناء في نصيبه أن يرد بأدائه ~~دراهم إلا إذا تعذر فحينئذ له ذلك، لطلبهم القسمة منهم وعدم إمكانها بدون ~~الدراهم. واختار محمد قسمة السفل والعلو المجردين بالقيمة، وبه يفتى، يعني ~~يقوم كل واحد على حدة ويقسم بالقيمة، لأنهما صارا كالجنسين فلا يمكن ~~التعديل إلا بالقيمة. # وفي رواية عن أبي حنيفة رحمه الله: أنه يجعل السفل ضعف العلو لما شاهد من ~~عادة أهل الكوفة في تفضيل السفل على العلو. وسوى أبو يوسف رحمه الله ~~بينهما، فجعل ذراعا من السفل بذراع من العلو، لما رأى في بغداد من التسوية ~~بينهما في منفعة السكنى. قلنا: بعض البلدان يكون قيمة العلو فيها أكثر من ~~قيمة السفل كما بمكة وبمصر، وفي بعضها يكون بالعكس كما في الكوفة. وفي كل ~~موضع يكثر فيه الندى يختار العلو على السفل، وفي كل موضع يشتد البرد ويكثر ~~الريح يختار السفل على العلو، وربما يختلف باختلاف الأوقات فلا يمكن اعتبار ~~المعادلة إلا بالقيمة. # (وإن وقع) في القسمة ms1085 (مسيل قسم) بكسر فسكون، أي نصيب (أو طريقه في قسم ~~آخر) لم يشترط في القسمة (صرف عنه إن أمكن) صرفه لإمكان تحقق معنى القسمة، ~~وهو قطع الشركة وتكميل المنفعة من غير المضرة (وإلا) أي وأن لم يمكن صرفه ~~عنه (فسخت) القسمة، واستؤنفت على وجه يمكن لكل واحد أن يجعل لنفسه مسيلا ~~وطريقا، لأنها وقعت مختلة لبقاء الاختلاط وعدم حصول المقصود بها. # --- PageV04P215 ~~*** # (وإن أقر) أحدهم (بالاستيفاء) أي بأن استوفى حصته (ثم ادعى أن بعض حصته ~~وقع في يد صاحبه غلطا صدق) في دعواه لكن (بالحجة) لأن القسمة بعد تمامها ~~عقد لازم، فمدعي الغلط فيها يدعى لنفسه حق فسخها بعد ما ظهر سبب لزومها، ~~فلا يقبل قوله إلا بالبينة. فإن لم يكن له بينة يستحلف الشركاء لأنهم لو ~~أقروا بذلك لزمهم، فإذا أنكروا حلفوا عليه رجاء النكول منهم. فمن حلف منهم ~~لم يكن عليه سبيل، ومن نكل جمع بين نصيبه ونصيب المدعي وقسم ذلك بينهما على ~~قدر نصيبهما، لأن الناكل كالمقر، وإقرار المقر حجة عليه دون غيره. # (وشهادة القاسمين) الذين توليا القسمة على أحد المقسوم عليهم أنه استوفى ~~نصيبه (حجة) أي مقبولة، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا تقبل، ~~وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف أولا. وسواء في ذلك قاسما القاضي وغيرهما. # (وفسخت) القسمة (إن استحق بعض مشاع في الكل) أي كل الأنصباء، لأنها لو ~~بقيت لتضرر المستحق بتفرق ملكه في الأنصباء (لا بعض) أي لا تفسخ القسمة إن ~~استحق بعض شائع (من حصة أحدهما بل يرجع) بقسمته في نصيب شريكه، وهذا عند ~~أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: تفسخ القسمة. وذكر أبو سليمان قول محمد مع أبي ~~يوسف، وذكره أبو حفص مع أبي حنيفة، وهو الأصح. وأما استحقاق بعض معين فلا ~~خلاف في عدم الفسخ. # (أحكام المهايأة) # (وصحت المهايأة) أي قسمة المنافع، وهي مفاعلة بإبدال المهمزة ألفا من ~~التهيئة أو التهيؤ. كأن أحدهما يهيء الدار مثلا لانتفاع صاحبه. أو يتهيأ ~~للانتفاع بها إذا فرغ صاحبه. وهي جائزة لما روي ms1086 أنه عليه الصلاة والسلام ~~قسم في غزوة بدر كل بعير بين ثلاثة نفر، وكانوا يتناوبون في الركوب. # --- PageV04P216 ~~*** # والتهايؤ على وجوه: تهايؤ (في سكنى هذا بعضا من دار، وهذا بعضا) منها. ~~وهو جائز بالاتفاق، لأن القسمة على هذا الوجه جائزة فكذا التهايؤ عليه. (و) ~~تهايؤ في (خدمة عبد هذا يوما، وهذا يوما، كسكنى بيت صغير) هذا يوما، وهذا يوما. # وهو جائز بالاتفاق أيضا، لأن التهايؤ قد يكون من حيث الزمان، وقد يكون من ~~حيث المكان والأول متعين هنا. # (و) تهايؤ في (عبدين هذا) أي هذا السيد له (هذا العبد، والآخر) أي والسيد ~~الآخر له العبد (الآخر) وهو جائز عند أبي يوسف ومحمد، لأن القسمة على هذا ~~الوجه (جائزة) جبرا من القاضي وبالتراضي، فكذا المهايأة. وقيل: لا تصح عند ~~أبي حنيفة وهو مروي عنه، لأن الرقيق لا يجري فيه جبر القاضي على القسمة ~~عنده. والأصح أنها تصح عنده من القاضي، لأن منافع الرقيق من حيث الخدمة، ~~فلا تتفاوت، بخلاف أعيان الرقيق فإنها تتفاوت تفاوتا فاحشا. ولو طلب أحدهما ~~القسمة، والآخر المهايأة يقسم. # واعلم أن التهايؤ قد يكون في الدار الواحدة والدارين، وفي العبد الواحد ~~والعبدين، وفي الدابة الواحدة وفي الدابتين، من حيث المنفعة، أو من حيث ~~الاستغلال. فإن كان في غلة دار أو دارين، أو خدمة عبد أو عبدين، أو سكنى ~~دار أو دارين يصح اتفاقا. وإن كان في غلة عبد أو غلة بغل لا يصح اتقافا. ~~وإن كان في غلة عبدين، أو غلة بغلين، أو ركوب بغل أو بغلين، لا يصح عند أبي ~~حنيفة خلافا لهما. قال أبو المكارم: فهذه اثنتا عشرة مسألة في ست منها تصح ~~المهايأة اتفاقا، وفي اثنتين لا تصح اتفاقا ، وفي الأربعة خلاف. انتهى. # --- PageV04P217 ~~*** # وكذا لا تصح المهايأة في ثمر شجر، أو لبن غنم على أن يأخذ كل واحد منهم ~~طائفة يستثمرها، أو طائفة يرعاها وينتفع بألبانها، لأنها تختص بالمنافع دون ~~الأعيان. فالضرورة تتحقق في المنافع، لأنه لا يمكن قسمتها بعد وجودها لسرعة ~~فنائها وانقضائها. وهذه أعيان ms1087 باقية يمكن قسمتها فلم تتحقق الضرورة. # والحيلة أن يبيع حصته من الآخر ثم يشتري كلها بعد مضي نوبته، أو ينتفع ~~باللبن بوزن معلوم استقراضا لنصيب صاحبه. نعم هو قرض المشاع، لكنه جائز، ~~والله أعلم. # كتاب الهبة # (هي) لغة: مصدر محذوف الأول معوض عنه هاء التأنيث، وأصله وهب، كالعدة ~~والوعد. ومعناها: إيصال ما ينفع، مالا كان أو غيره. قال الله تعالى: {وهب ~~لنا من لدنك رحمة}، {فهب لي من لدنك وليا} # . # وشرعا: (تمليك عين) فخرج الإعارة والإجارة لأنها تمليك منفعة (بلا عوض) ~~فخرج البيع لأنه تمليك عين بعوض. # ودليل مشروعيتها قوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا} أباح الأكل بالوصف الحميد. وما روى البخاري في «صحيحه» من حديث أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ~~ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت». وذراع اليد معروف، والكراع بالضم: مستدق ~~الساق من البقر والغنم. وما روى مالك في «الموطأ» مرسلا عن عطاء بن عبد ~~الله الخراساني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصافحوا يذهب ~~الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء». والغل بالكسر: الغش والحسد والحقد. ~~والشحناء: العداوة. # --- PageV04P218 ~~*** # (وتصح) الهبة (ب: وهبت ونحلت ونحوهما) من: أعطيتك، وأطعمتك هذا الطعام، ~~وأعمرتك هذا الشيء، وجعلته لك عمرى. وذلك لأن النحل والعطية يستعملان في ~~التمليك بغير عوض. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكل ولدك نحلته مثل ~~هذا»؟ قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فارجعه». رواه الستة ~~عن النعمان بن بشير. وروى الجماعة إلا البخاري: «من أعمر رجلا عمرى فهي له ~~ولعقبه». فقد قطع قوله حقه فيها: «وهي لمن أعمر ولعقبه». # (وتتم بالقبض في مجلسها ولو بلا إذن) استحسانا، (و) بالقبض (بعده) أي بعد ~~مجلسها (بإذن). وقال مالك: يثبت الملك قبل القبض بمجرد الإيجاب والقبول، ~~وبه قال أبو ثور والشافعي في القديم، وعلى هذا الخلاف الصدقة. # ولنا، وهو قول الشافعي في الجديد وأكثر الفقهاء: ما روى مالك في ms1088 «الموطأ» ~~في كتاب القضاء عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: إن أبا بكر كان ~~نحلها جذاذ عشرين وسقا بالعالية، فلما حضرته الوفاة قال: ما من الناس أحد ~~أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقرا منك، وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين ~~وسقا فلو كنت حزتيه كان لك فإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك ~~وأختاك فاقتسموه على كتاب الله. وفي رواية: يا بنية إني كنت نحلتك نحلا من ~~خيبر، وإني أخاف أن أكون آثرتك على ولدي فإن لم تكوني حزتيه فرديه على ~~ولدي. فقالت: لو كانت لي خيبر بجذاذها لرددتها. # --- PageV04P219 ~~*** # والجذاذ بضم الجيم وبكسرها وبمعجمتين: ما قطع من الشيء. وما روى عبد ~~الرزاق في «مصنفه» عن عمر بن الخطاب أنه قال: لا نحل إلا لمن حازه فقبضه. ~~وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: أيما رجل نحل من قد بلغ الحوز فلم يدفعه ~~إليه فتلك النجلة باطلة. وأما ما في «الهداية»: لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«لا تجوز الهبة إلا مقبوضة» فغير معروف. # (ولا تصح) الهبة (في مشاع يقسم) أي يحتمل القسمة، سواء وهبه من شريكه أو ~~من غيره. قيد به لأن المشاع الذي لا يحتمل القسمة، تصح هبته. ثم كل شيء ~~يضره التبعيض ويوجب نقصانا في ماليته لا يحتمل القسمة كعبد واحد، ودابة ~~واحدة، والبيت الصغير، والحمام الصغير، وما ليس كذلك يحتملها. # وقال مالك والشافعي وأحمد: تصح هبة المشاع سواء احتمل القسمة أو لا، ~~لقوله تعالى: {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح}، ~~فإنه يقتضي بعمومه أن الصداق إذا كان عينا يتنصف بالطلاق قبل الدخول، ويندب ~~كل واحد من الزوجين إلى ترك الكل للآخر، وذلك هبة المشاع. ولما في «صحيح ~~البخاري» من أن وفد هوازن لما جاءوا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يرد عليهم ما غنمه منهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كان لي ~~ولبني عبد المطلب فهو لكم». وهذه هبة مشاع. # --- PageV04P220 ~~*** # وأجيب عن ms1089 الآية: بأن العفو حقيقة في الدين دون العين، وإسقاط الدين جائز، ~~مشاعا كان أو غير مشاع، لأنه غير محتاج إلى القبض. وفي العين كل واحد منهما ~~مندوب إلى العفو عندنا، ولكن بأن يهب نصيبه لصاحبه بعد القسمة، وليس في ~~الآية ما يمنع ذلك. وعن حديث وفد هوازن: بأن ذلك كان بعد القسمة. واعتمادنا ~~في المسألة على إجماع الخلفاء الراشدين، فقد روينا عن أبي بكر ما مر آنفا. ~~وعن عمر أنه قال: ما بال أحدكم يتصدق على ولده بصدقة لا يحوزها ولا يقسمها، ~~يقول: إن أنا مت كان له، وإن مات هو رجعت إلي. وايم الله لا يتصدق منكم رجل ~~على ولده بصدقة لم يحزها ولم يقسمها ثم مات إلا صارت إرثا لورثته. وهكذا ~~نقل عن عثمان، وعن علي: من وهب ثلث كذا، أو ربع كذا، لا يجوز حتى تقاسم. # (فإن قسم) الكل قبل التسليم (وسلم) أي الجزء الموهوب (صح) عقد الهبة، لأن ~~تمام الهبة بالقبض وعنده لا شيوع، والمؤثر هو الشيوع عند القبض لا عند ~~العقد، حتى لو وهب الكل وسلم النصف لا يجوز. ولو وهب النصف (ثم النصف) ~~الآخر وسلم الكل جاز. # (وكذا) أي وكهبة المشاع في عدم الصحة (هبة لبن في ضرع، و) هبة (نحوه) من ~~صوف على ظهر غنم، وزرع أو نخل في أرض، وتمر في نخل، فإنها لا تصح لأنها ~~متصلة بملك الواهب اتصال خلقة فكانت بمنزلة المشاع الذي يحتمل القسمة، فلا ~~تتم الهبة فيها بدون الإفراز والحيازة، فإن فصلت عن ملك الواهب وقبضها ~~الموهوب له تصح، لأن امتناع الجواز لاتصال الموهوب بملك الواهب مع إمكان ~~فصله منه، وقد زال ذلك الاتصال. # --- PageV04P221 ~~*** # (ولا) تصح هبة (دقيق في بر وإن طحن) البر (وسلم) الدقيق، ولا دهن في ~~سمسم، ولا سمن في لبن وإن استخرج وسلم، لأن الموهوب معدوم وهو ليس بمحل ~~للملك، بخلاف المشاع الذي يحتمل القسمة، لأنه محل للتمليك، وبخلاف اللبن في ~~الضرع ونحوه، لأنه بمنزلة المشاع، وامتناع الجواز فيه ليس لكونه معدوما بل ~~لاتصاله بملك ms1090 الواهب. # وخلاصة الفرق بين المسألتين: أن اللبن ونحوه موجود بصورته عند العقد ~~بخلاف الدقيق، فإنه إنما يوجد بالطحن وكذا السمن والخل. # ولا تصح هبة الدين لغير المديون لعدم تصور القبض إلا إذا أمره بقبضه له ~~وكالة، ثم بقبضه لنفسه، فحينئذ تصح لوجود القبض. وتتوقف هبة الدين للمديون ~~على قبوله، فإن قبله امتنع الرجوع فيه، لأنه سقط عنه. وإن قال: لا أقبلها، ~~فالدين عليه بحاله. وأما الإبراء فيتم من غير قبوله، ولكن للمديون أن يرد ~~قبل موته. وعن زفر: إنه سوى بينهما، وقال: تتم الهبة والإبراء قبل القبول. ~~ولو قال: إن أديت نصفه فلك نصفه، أو أنت بريء من النصف الباقي، كان الإبراء باطلا. # (وهبة ما) مبتدأ مضاف إلى «ما»، أي: شيء أو الشيء الذي (مع الموهوب له) ~~صفة «ما» أو صلتها (تامة) خبر المبتدأ، يعني: أن هبة الوديعة للمودع، ~~والعارية للمستعير، والمغصوب للغاصب غير محتاجة إلى قبض جديد، لأن الموهوب ~~حينئذ في يد الموهوب له حقيقة، فلا يحتاج إلى قبض آخر (كهبة الأب) أي كما ~~أن هبة الأب (لطفله) تامة بالعقد، ولا تحتاج إلى قبض جديد. # --- PageV04P222 ~~*** # ولا فرق بين ما في يده أو يد مودعه، لأن يد المودع كيد المودع بخلاف ما ~~إذا كان مرهونا أو مغصوبا. وكذا هبة الأم لطفلها إذا كان في عيالها والأب ~~ميت (ولا وصي له)، لأن قبض الأم بمنزلة قبض الأب لو كان حيا، وكذا كل من ~~يعوله كالعم والأخ، لأن هذا محض نفع للطفل، ولأنه لما كان له تأديبه ~~وتسليمه في حرفة، كان له التصرف النافع فينفرد بتمليكه، ويملكه بمجرد الهبة ~~إذا كان في يده كما في الأب. # (وقبضه) مبتدأ، أي قبض الطفل ما وهب له (عاقلا) أي مميزا، حال (وقبض من ~~يربيه) قريبا كان أو أجنبيا (وهو معه) أي والحال أن الطفل في حجر من يربيه، ~~(و) قبض (الزوج) ما وهب لزوجته الصغيرة (بعد الزفاف) بكسر الزاي، وهو ~~الذهاب بها إلى بيت الزوج (معتبر) هذا خبر المبتدأ الذي هو قبضه وما عطف ~~عليه. ms1091 وقد وهم من قال: إن قبضه مجرور عطفا على هبة الأب. # (في هبة الأجنبي) متعلق بمعتبر (لها) أي للمرأة. وفي نسخة: له، أي للطفل، ~~وهو أظهر. وفي بعض النسخ لم يقع فيها معتبر، فيكون قبضه حينئذ مجرورا ~~بالعطف على هبة الأب، وفي هبة الأجنبي في محل النصب على الحال من قبض. وقال ~~الشافعي: لا يصح قبض الصغير لنفسه وإن كان عاقلا وهو القياس، لأنه لا يعتبر ~~بعقله قبل البلوغ، لأن الولاية عليه لا تزول عنه قبله. # ولنا، وهو وجه الاستحسان: أن عدم اعتبار عقله قبل البلوغ للنظر له، ودفع ~~الضرر عنه، وذلك فيما كان مترددا بين النفع والضرر. وأما النفع المحض ~~فيعتبر عقله فيه ويلحق بالبالغ كما في كسبه للمباحات. وأما قبض من يربي ~~الطفل إذا وهب له أجنبي، فلأن له عليه ولاية معتبرة. ألا ترى أنه لا يتمكن ~~أجنبي آخر من نزعه منه، فيملك ما يتمحض نفعا في حقه. # --- PageV04P223 ~~*** # وأما قبض الزوج بعد الزفاف ما وهب أجنبي لزوجته الصغيرة، فلأنه حينئذ له ~~عليها ولاية لكونه يعولها، ولأنها لما زفت إليه أقام الأب الزوج مقام نفسه ~~في حفظها وحفظ مالها، وقبض الهبة من باب الحفظ. ولكن لا تنعدم ولاية الأب ~~بهذا، حتى لو قبض لها صح أيضا لقيام ولايته. # (وصح هبة اثنين دارا لواحد) أي لشخص واحد، فاللام متعلقة بهبة. وإنما تصح ~~لأنهما سلماها جملة، (وهو قبضها جملة)، ولا شيوع في ذلك. (وعكسه) وهو هبة ~~واحد دارا لاثنين (لا) أي لا تصح، وهذا عند أبي حنيفة وزفر. وقال أبو يوسف ~~ومحمد: تصح (كتصدق عشرة) أي كما لا يصح لواحد أن يتصدق بعشرة (على غنيين، ~~وصح) له التصدق بها (على فقيرين) وهبتها لهما، وهذا عند أبي حنيفة في رواية ~~«الجامع الصغير». وعندهما: تصح على غنيين أيضا. ويأمر أبو يوسف بقسمة ما ~~وهبه لابنه وبنته أنصافا لا أثلاثا كما أمر به محمد، لأن تخصيص أحدهما بهبة ~~شيء مكروه، والعدل التسوية. # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن وهب لأحد ولديه ms1092 دون الآخر: «لا ~~تشهدني على جور». والعدل عند أبي يوسف أن يجعل لكل واحد مثل الآخر، وعند ~~محمد أن يجعل الثلثين للابن والثلث للبنت، لأن الشرع جعل ميراثهما كذلك ~~فكان هو العدل. وله: إن العدل هو التسوية لغة، والإنصاف من النصف فيصار ~~إليه. ولو قال: جميع مالي أو ما أملكه لفلان، كان هذا هبة له. # (الرجوع عن الهبة) # --- PageV04P224 ~~*** # (ويصح) لمن وهب هبة لأجنبي (الرجوع عنها بتراض أو حكم قاض) لكن بكراهة. ~~وقال مالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه: لا يصح الرجوع في الهبة إلا ~~للوالد فيما وهب لولده. لهم: ما روى أصحاب السنن الأربعة وقال الترمذي: ~~حديث حسن عن ابن عباس وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل ~~لرجل أن يعطي عطية (أو يهب هبة) فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي لولده. ~~ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل، فإذا شبع قاء ثم عاد ~~في قيئه». وما رواه الجماعة إلا الترمذي من حديث أبي هريرة، وابن عباس، ~~وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العائد في هبته كالعائد في ~~قيئه». وعنه أيضا: «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه». ولأنها عقد تمليك ~~فيلزم كالبيع. وإنما ثبت حق الرجوع للوالد، لأن إخراجه عن ملكه لم يتم، لأن ~~الولد من كسب الوالد. # ولنا: ما روى ابن ماجه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها»، أي لم يعوض عنها. وأخرجه الدارقطني ~~في «سننه»، وابن أبي شيبة في «مصنفه»، ورواه الحاكم في «مستدركه» من حديث ~~ابن عمر قال: صحيح على شرط الشيخين. ورواه الطبراني في «معجمه» من حديث ابن ~~عباس، ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وهب هبة فهو أحق بهبته ~~ما لم يثب منها، فإن رجع في هبته فهو كالذي يقيء ثم يأكل قيئه». وما روى ~~عبد الرزاق في «مصنفه» عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: قال عمر: من ms1093 ~~وهب هبة لذي رحم، فليس له أن يرجع فيها. ومن وهب لغير ذي رحم، فله أن يرجع ~~فيها إلا أن يثاب منها. # --- PageV04P225 ~~*** # وأجيب عما رووه بأن المراد نفي الاستبداد بالرجوع، أي لا ينفرد أحد ~~بالرجوع في هبته من غير قاض، ولا تراض إلا الوالد إذ احتاج إلى ذلك، فإنه ~~ينفرد بالأخذ لحاجته. ويسمى ذلك رجوعا باعتبار الظاهر وإن لم يكن رجوعا في ~~الحكم. أو المراد: لا يحل له الرجوع ديانة ومروءة لا أنه لا يحل له قضاء ~~وحكومة، كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر ~~أن يبيت شبعان، وجاره إلى جنبه طاويا»، أي لا يليق ذلك ديانة ومروءة وإن ~~كان جائزا قضاء وحكومة. # ولأن التشبيه بالكلب لاستقباح الرجوع واستقذاره لا لحرمته. ويؤيد ذلك ما ~~روى البخاري: أن عمر لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراء فرس حمل ~~عليه في سبيل الله، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تبتعه ولا تعد في صدقتك، ~~فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئة»، فكما لم يكن التشبيه بالكلب ~~موجبا لحرمة ابتياع ما تصدق به ، لم يكن التشبيه بالكلب موجبا لحرمة الرجوع ~~في الهبة. وشرطنا في صحة الرجوع تراضيهما أو حكم القاضي، لأنه لو استردها ~~بغير ذلك كان غاصبا، حتى لو هلكت في يده يضمن قيمتها للموهوب له. # --- PageV04P226 ~~*** # (ويمنعه) أي الرجوع في الهبة سبعة أشياء أحدها: (زيادة) في نفس الموهوب ~~(متصلة) كالغرس والبناء في الأرض الموهوبة، والسمن المورث زيادة في قيمة ~~الموهوب، إذ لا وجه للرجوع بدون الزيادة لعدم الانفصال ولا معها، لأن ~~الرجوع إنما يصح للموهوب، والزيادة ليست بموهوبة. قيد بالزيادة، لأن ~~النقصان لا يمنع. وقيدها بالمتصلة، لأن المنفصلة لا تمنع، كما لو كانت ~~الهبة أمة فولدت عند الموهوب له من زوج أو فجور، لأن الرجوع في الأصل دون ~~الزيادة ممكن. وقيدنا بكونها في نفس الموهوب، لأنها لو كانت في قيمته ~~كقراءة أو كتابة ونحوهما لا تمنع، لأنها حينئذ لرغبة الناس فيه، إذ العين ~~بحالها. # (و) ثانيها: ms1094 (موت أحدهما) أي الواهب والموهوب له. أما موت الموهوب له، ~~فلأن الملك قد انتقل إلى وارثه، فكأنه انتقل في حال حياته. وأما موت الواهب ~~فلأن وارثه لم يهب، والرجوع إنما هو للواهب. # (و) ثالثها: (عوض أضيف إليها) أي إلى الهبة. ولا بد أن يذكر لفظا يعلم ~~الواهب منه أن ذلك عوض هبته، كأن يقول: هذا عوض هبتك، أو جزاؤها، أو بدلها، ~~أو في مقابلتها. (ولو) كان العوض (من أجنبي) لأنه لإسقاط حق الرجوع في ~~الشرع فيصح من الأجنبي، كبدل الخلع. وأما لو لم يضف العوض إلى الهبة: بأن ~~وهب للواهب شيئا (ولم يقل هذا عوض هبتك أو نحوه) كان ذلك هبة مبتدأة لا ~~تعويضا، فكان لكل واحد منهما الرجوع. # --- PageV04P227 ~~*** # وفي «المبسوط»: وهذا سواء كان العوض قليلا، أو كثيرا، من جنس الهبة، أو ~~من غير جنسها. ويشترط في العوض شرائط الهبة من القبض، والإفراز، وأن يكون ~~من غير مال الهبة، خلافا لزفر إذ ملك الموهوب له تم في الهبة بالقبض فالتحق ~~بسائر أمواله. ولنا: أن الواهب ما قصد بهبته تحصيل ذلك البعض منها، لأنه ~~كان سالما له، بل قصد إلى عوض آخر. وإن حقه من الرجوع كان ثابتا في الكل، ~~فإذا وصل إليه بعضه لا يسقط حقه في الباقي. # (و) رابعها: (خروجها) أي الهبة (من ملك الموهوب له) ببيع أو هبة أو وقف، ~~لأن تبدل الملك كتبدل العين، وقد تبدل الملك بتجدد السبب. # (و) خامسها: (الزوجية وقت الهبة) لأن هبة أحد الزوجين للآخر تحقق ما ~~بينهما من الألفة والمودة، فكان المقصود منها الصلة وقد (حصل). # قيد بوقت الهبة، لأنه لو تزوجها بعدما وهب لها كان له الرجوع، ولو تزوجها ~~بعدما وهبت له ، كان لها الرجوع. ولو وهب لزوجته أو وهبت له ثم أبانها، ~~فليس له ولا لها الرجوع. # (و) سادسها: (القرابة المحرمية) لما روى الدارقطني والبيهقي في «سننهما»، ~~والحاكم في «مستدركه» . وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه عن ~~عبد الله بن جعفر، (عن عبد الله) بن المبارك، عن حماد ms1095 بن سلمة، عن قتادة عن ~~الحسن، عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كانت الهبة لذي رحم ~~محرم لم يرجع فيها». وقال الإمام: رواة هذا الحديث كلهم ثقات. ولأن المقصود ~~منها مع القريب المحرم صلة الرحم وقد حصل، وفي الرجوع قطعها فلا يرجع. # (و) سابعها: (هلاك الموهوب) لأن الرجوع في شيء يستدعي قيام المرجوع فيه، ~~وهلاكه ينافيه. ولو ادعى الموهوب له هلاكه صدق بلا حلف، لأنه منكر لوجوب ~~الرد عليه، فأشبه المودع. # (وضابطها): # --- PageV04P228 ~~*** # أي ضابط الأمور السبعة التي تمنع الرجوع (حروف: دمع خزقه) فالدال: ~~الزيادة. والميم: موت الواهب، أو الموهوب له. والعين: العوض. والخاء: ~~الخروج عن ملك الموهوب له. الزاي: الزوجية. والقاف: القرابة. والهاء هلاك ~~الموهوب. # (وهو) أي الرجوع في الهبة سواء كان بالقضاء أو بالتراضي (فسخ من الأصل) ~~فيعود الملك القديم ولا يشترط فيه قبض الواهب: ويصح في الشائع. (لا هبة) أي ~~ليس الرجوع بهبة مبتدأة (للواهب) كما قال زفر، إذا كان الرجوع بتراضيهما. ~~(وهي) أي الهبة (بشرط العوض هبة ابتداء، فيشترط قبصها. وتبطل بالشيوع) ~~كالهبة بلا عوض (وبيع انتهاء فترد بالعيب والرؤية وتثبت الشفعة) كالبيع ~~المحض. وقال زفر: بيع ابتداء وانتهاء. وفي «جامع المحبوبي»: هذا إذا ذكر ~~بكلمة «على»، أما لو ذكر بحرف الباء بأن قال: وهبتك هذا الثوب بألف درهم ~~وقبله الآخر، يكون بيعا ابتداء وانتهاء بلا خلاف. # (وإن استثنى) الواهب (الحمل ثم وهبها) أي الأمة، بأن قال: هذه الأمة إلا ~~حملها هبة لك (صحت) الهبة فيهما وبطل الاستثناء، وعند أحمد وأبي ثور: تصح ~~الهبة في الأمة دون الولد ولا يبطل الاستثناء، لأنه تبرع بالأم دون الولد، ~~فأشبه العتق واستثناء الولد المنفصل. وأجيب بأن الحمل كالجزء، فلا يصح ~~الهبة في الأم بدونه، بخلاف الولد المنفصل. وما ذكر من العتق ممنوع عندنا. ~~(وإن دبره) أي الحمل (ثم وهبها) أي الأمة (لا) أي لا تصح الهبة. # (أحكام العمرى) # --- PageV04P229 ~~*** # (وصحت العمرى: وهي جعل داره له) أي الآخر (مدة عمره) أي عمر الآخر (بشرط ~~أن ترد) الدار (إذا ms1096 مات) ذلك الآخر. وصورتها أن يقول: أعمرتك داري هذه، أو ~~هي لك عمري ما عشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، فإذا مت فهي رد علي (وبطل ~~الشرط) وهو رد الدار إذا مات المعمر. وبهذا قال الشافعي في الجديد، وأحمد، ~~وهو قول ابن عباس وابن عمر، وروي عن علي وشريح ومجاهد وطاوس والثوري. # وقال مالك، والليث، والشافعي في القديم : العمرى تمليك المنافع دون ~~العين، فيكون للمعمر السكنى، فإذا مات ردت إلى المعمر لأنها عارية مؤقتة. ~~وإن قال: له ولعقبه، كانت سكناها لهم، فإذا انقرضوا عادت إلى المعمر لأن ~~هذا تمليك مؤقت، وتمليك العين لا يتأقت، ولما في «صحيح مسلم» عن جابر قال: ~~إنما العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ~~ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها. قال معمر: كان ~~الزهري يفتي به. وعن ابن الأعرابي: لم يختلف العرب في العمرى والرقبى على ~~أنها ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له. # --- PageV04P230 ~~*** # ولنا: ما روى الشيخان عن أبي سلمة، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يقول: العمرى لمن وهبت له». وفيهما عن أبي هريرة مرفوعا: «العمرى ~~جائزة». وما روى مسلم عن أبي الزبير، عن جابر قال: أعمرت امرأة بالمدينة ~~حائطا لها ابنا لها. ثم توفي، وتوفيت بعده وترك ولدا وله إخوة بنون ~~للمعمرة، فقال ولد المعمرة: رجع الحائط إلينا. وقال بنو المعمر: بل كان ~~لأبينا حياته وموته. فاختصموا إلى طارق مولى عثمان. فدعا جابرا، فشهد أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارق. ثم كتب ~~إلى عبد الملك فأخبره بذلك، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابر. ~~فأمضى طارق ذلك الحائط لبني المعمر حتى اليوم. وما في «صحيح مسلم» أيضا عن ~~جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسكوا عليكم أموالكم ولا ~~تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فإنها للذي أعمرها حيا وميتا ولعقبه». # --- PageV04P231 ~~*** # وما في «سنن أبي داود» عن عروة، عن ms1097 جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من أعمر عمرى، فهي له ولعقبه يرثها من يرثه من عقبه». وفيها أيضا عن ~~طارق المكي، عن جابر قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة من ~~الأنصار أعطاها ابنها حديقة من نخل فماتت، فقال ابنها: إنما أعطيتها ~~حياتها، وله اخوة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي لها حياتها وموتها». ~~قال: كنت تصدقت بها عليها، قال: «ذلك أبعد لك». قال ابن القطان: (يقال): ~~إسناده كلهم ثقات. وطارق المكي هو قاضي مكة مولى عثمان بن عفان، وهو ثقة. ~~قال أبو زرعة: ورواه أحمد بسند كل رجاله ثقات، وهو: حدثنا روح: حدثنا سفيان ~~الثوري، عن حميد بن قيس، عن محمد بن إبراهيم، عن جابر: أن رجلا من الأنصار ~~أعطى أمه حديقة من نخل حياتها، فماتت، وله إخوة، فقالوا: نحن فيه شرع سواء، ~~فأبى، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمها بينهم ميراثا. ~~وأما قول ابن الأعرابي: إنها عند العرب تمليك المنافع، فلا يضر لأن الشارع ~~نقلها إلى تمليك الرقبة. # (أحكام الرقبى) # --- PageV04P232 ~~*** # (ولا تصح الرقبى) عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول مالك (وهي) أن يقول شخص ~~لآخر: أرقبتك هذه الدار ، أو هي لك رقبى، أو هي لك حياتك على أني (إن مت ~~قبلك فهي لك) وإن مت قبلي فهي لي. وسميت بذلك لأن كل واحد يرقب موت صاحبه. ~~وقال أبو يوسف: يصح، وهو قول الشافعي وأحمد، لأنها تشتمل على شرط رد الدار ~~بعد الموت، فيكون بمنزلة العمرى. ولما في «سنن أبي داود» عن جابر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة ~~لأهلها». وفيها عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~أعمر شيئا فهو لمعمره حياته ومماته، ولا ترقبوا. فمن أرقب شيئا، فهو ~~سبيله». وفي «سنن النسائي» عن ابن عباس مرفوعا: «من أعمر عمرى فهي لمن ~~أعمرها جائزة، ومن أرقب رقبى فهو لمن أرقبها جائزة». وفيها، وفي ابن ماجه ms1098 ~~عن ابن عمر مرفوعا: «لا عمرى ولا رقبى، فمن أعمر شيئا أو أرقبه، فهو له ~~حياته ومماته». # ولنا: أنه تعليق التمليك بالخطر وهي موت المملك، وذلك باطل. وإذا لم يصح ~~عند أبي حنيفة ومحمد يكون عارية، لأن هذا العقد يتضمن إطلاق الانتفاع. وقد ~~حكم الإتقاني شارح «الهداية» بصحة قول أبي يوسف لما روينا من الأخبار. # --- PageV04P233 ~~*** # (والصدقة لا تصح إلا بالقبض) لأنها تبرع كالهبة، (ولا) تصح (في شائع ~~يقسم) لما مر في الهبة (ولا عود فيها) لأن المقصود بها الثواب، وقد حصل، ~~بخلاف الهبة، فلا رجوع في الهبة لفقير استحسانا. (وفي القياس يرجع لأنه ~~ملكه بطريق الهبة، وفي أسباب الملك الغني والفقير سواء، كالبيع وغيره. ووجه ~~الاستحسان: أن) المقصود بها الثواب دون العوض، إذ لو كان قصده العوض لاختار ~~للهبة من يكون أقدر على آدائه. ولما اختار الفقير مع عجزه عن آدائه، فعرفنا ~~أن مقصوده الثواب وقد ناله. ولو تصدق على غني لا يعود استحسانا. والقياس أن ~~يعود، وبه قال بعض أصحابنا، لأن الصدقة في حق الغني هبة، لأنها إنما يقصد ~~منها العوض دون الثواب، كما أن الهبة في حق الفقير صدقة، لأنها إنما يقصد ~~منها الثواب دون العوض. ووجه الاستحسان: أن لفظ الصدقة مما يدل على أنه لم ~~يقصد العوض، ومراعاة لفظه أولى من مراعاة حال التملك. # ثم التصدق على الغني قد يكون قربة استحق بها الثواب، لكونه غنيا يملك ~~نصابا وله عيال كثيرة، والناس يتصدقون على مثل هذا لنيل الثواب. ألا ترى أن ~~عند اشتباه الحال يتأدى الواجب من الزكاة بالتصدق عليه، ولا رجوع فيه ~~بالاتفاق، فكذلك عند العلم بحاله لا يثبت له حق الرجوع عليه. ثم الصدقة ~~فيما يقسم، وكذا الهبة على غنيين باطلة عند أبي حنيفة. وقالا: جائزة. وكذا ~~الصدقة على فقيرين باطلة في رواية «الأصل» عن أبي حنيفة. وفي رواية «الجامع ~~الصغير»: إذا تصدق على محتاجين بعشرة دراهم، أو وهبها لهم جاز. قيل: وهو ~~الصحيح. ولو تصدق بها على غنيين أو وهبها، لم يجز. وقال أبو ms1099 يوسف ومحمد: ~~يجوز كله، والله أعلم بالصواب. # كتاب الإجارة # --- PageV04P234 ~~*** # (هي): لغة: اسم للأجر من أجر يأجر بكسر الجيم وضمها وهو العوض. قال ~~الله تعالى: {لو شئت لاتخذت عليه أجرا}، وسمي الثواب أجرا لأنه سبحانه عوض ~~العبد به. # وشرعا: (بيع نفع معلوم) غير حرام كالغناء والنوح، ولا عبادة كالأذان ~~وقراءة القرآن (بعوض، كذا) أي معلوم (دين) كالنقود والمكيل والموزون (أو ~~عين) كالثياب والدواب. ويشترط كون العوض معلوما، لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «من استأجر أجيرا فليعلمه أجره». رواه محمد بن الحسن في «الآثار» ~~عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وفي رواية عبد الرزاق له: «فليسم له أجره». وفي لفظ: ~~«فليبين». ولأن الجهالة في المعقود عليه وبدله تفضي إلى المنازعة، كجهالة ~~المثمن والثمن في البيع. # وهي جائزة بالإجماع. وبقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن}، وقوله ~~تعالى: {على أن تأجرني ثماني حجج}. وبما روى الشيخان من حديث ابن عباس: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره. ومن حديث عائشة في ~~الهجرة قالت: استأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل ~~هاديا خريتا وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور ~~بعد ثلاث ليال.. الحديث. والخريت بكسر المعجمة وتشديد الراء وتحتية ساكنة ~~فمثناة: الماهر بالهداية. ومن حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». رواه البخاري وابن ماجه. # --- PageV04P235 ~~*** # ومحل عقد الإجارة عندنا المنافع، وهو قول مالك وأحمد وأكثر أصحاب ~~الشافعي. وقال بعض أصحابه: العين، لأنها الموجودة، والعقد يضاف إليها. # ولنا أن المعقود عليه هو المستوفى بالعقد، وذلك المنافع لا الأعيان، ~~وإضافة العقد إلى العين لأنها محل المنفعة. وعند مالك وهو مذهب الشافعي ~~وأحمد يجعل المنافع المعدومة موجودة حكما ضرورة تصحيح العقد. ومن فروع كون ~~المنافع كالأعيان عند مالك والشافعي، وعدمه عندنا: أنه لو آجر ما استأجره ~~بأكثر مما استأجر يتصدق بالفضل عندنا ms1100 إن اتحد الجنس في الأجرتين، لأنه ربح ~~ما لم يضمن فيملكه خبيثا فيؤمر بالتصدق به. وعندهما يطيب له، لأنه لما قبض ~~العين دخلت المنفعة في ملكه، فيملك بدلها بالغا ما بلغ. # (ويعلم النفع بذكر المدة) أي بيانها (وإن طالت) على المذهب، لأن المدة ~~إذا كانت معلومة كان قدر المنفعة معلوما إذا كانت المنفعة لا تتفاوت، ~~كالدور للسكنى، والأراضي للزراعة (لكن في الوقف) الذي لم يشترط الواقف مدة ~~الإجارة (لا تصح) المدة الطويلة عند مشايخ بلخ، كيلا يدعي المستأجر الملك ~~والمدة الطويلة (فوق ثلاث سنين) وهو المختار. وقيل: تصح ولكن يرفع إلى ~~الحاكم حتى يبطلها، وبه يفتي الفقيه أبو الليث. والحيلة في تصحيح أكثر من ~~ثلاث سنين أن ترفع إلى حاكم يصححها. وإما لو شرط الواقف مدة اتبع شرطه طالت ~~المدة أو قصرت. # (وبذكر العمل) أي ويعلم النفع بذكر العمل تارة (كصبغ ثوب) أحمر أو أصفر، ~~أو خياطة قباء أو نحوه، أو حمل قدر معلوم مسافة معلومة، إذا بين الثوب، ~~ولون الصبغ وقدره، وجنس الخياطة، والمحمول، إذ بذلك تصير المنفعة معلومة. # --- PageV04P236 ~~*** # (وبإشارة) تارة (كنقل هذا) الطعام (إلى ثمة) أي ذلك المقام، لأنه إذا رأى ~~ما ينقله وعلم الموضع الذي ينقل إليه، كانت المنفعة معلومة فيصح العقد. # (فصل متى تجب الأجرة) # (ولا تجب الأجرة) أي لا تملك (بالعقد) سواء كانت عينا أو دينا، كذا ذكر ~~محمد في: «الجامع». وذكر في الإجارة: إن كانت عينا لا تملك بالعقد، وإن ~~كانت دينا تملك به، وتكون بمنزلة الدين المؤجل. وعامة المشايخ على ما في ~~«الجامع». وقال الشافعي وأحمد: تملك بنفس العقد، ويجب تسليمها عند تسليم ~~الدار والدابة إلى المستأجر (بل) تملك الأجرة (بتعجيلها) أي بتقديمها ~~ودفعها إليه، (أو بشرطه) أي بشرط تعجيلها في العقد (أو باستيفاء النفع) ~~تحقيقا للتسوية، (أو التمكن منه) أي من استيفاء النفع إقامة للتمكن من ~~الشيء مقام ذلك الشيء. # (فتجب) الأجرة (لدار قبضت ولم يسكنها) لأن تسليم عين المنفعة لما لم ~~يمكن، أقيم تسليم محلها مقامها، إذ التمكن من الانتفاع يثبت ms1101 به. # (وتسقط) الأجرة (بالغصب) من المستأجر (بقدر (فوت) تمكنه) حتى إن فات ~~تمكنه في جميع المدة سقطت جميع الأجرة، وإن فات في بعضها سقط بحسابه، لأن ~~تسليم المحل إنما أقيم مقام تسليم المنفعة للتمكن من الانتفاع، فإذا فات ~~التمكن فات التسليم وانفسخ العقد بقدر ذلك الفوات وسقط من الأجرة بقدره، ~~ذكره صاحب «الهداية». # --- PageV04P237 ~~*** # وذكر الفضلي والقاضي فخر الدين في «الفتاوى»: أن الإجارة لا تنفسخ، ولكن ~~تسقط الأجرة ما دامت في يد الغاصب، وكذا إذا غرقت الأرض قبل زرعها. وإن ~~اصطلمته آفة سماوية لزمه الأجر تاما في رواية محمد، لأنه زرعها. وقيل: ~~يلزمه أجر ما مضى من المدة فقط. وبه يفتى إن لم يتمكن من زرع مثله في الضرر ~~ثانيا. ذكره قاضيخان، وبه قال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده. # (وللمؤجر طلب الأجرة للدار والأرض لكل يوم) لأنه منفعة مقصودة، إلا أن ~~يبين وقت الاستحقاق في العقد فيكون بمنزلة التأجيل، (و) له طلب الأجر ~~(للدابة لكل مرحلة) لأنها سير مقصود، (و) (له) طلب الأجر (للقصارة والخياطة ~~إذا تمت) لأن العمل في البعض غير منتفع به فلا يستوجب به أجرا. وقال أبو ~~حنيفة أولا وهو قول زفر: لا يجب شيء من الأجرة إلا بعد استيفاء جميع ~~المنفعة، سواء كان العقد على المدة، كما في إجارة الدار والأرض، أو على قطع ~~المسافة، كما في كري الدابة إلى مكة، أو على العمل، كما في القصارة ~~والخياطة والصباغة. # --- PageV04P238 ~~*** # وإن كانت حصة ما استوفي من العمل معلومة، سواء عمل في غير بيت المستأجر، ~~أو في بيته على ما في «التجريد»، و«الهداية»، ويطلبه القصار والخياط بعد ~~الفراغ لو عمل في بيته. ثم رجع وقال: إن وقعت الإجارة على المدة، أو على ~~قطع المسافة يجب إيفاء الأجر بحصة ما استوفي من المنافع إذا كان لما استوفي ~~حصة معلومة من الأجر، ففي الدار يجب الإيفاء يوما فيوما، وفي قطع المسافة ~~مرحلة فمرحلة. وفي الإجارة التي تنعقد على العمل ويبقى للعامل أثر في ~~العين لا يجب إيفاء الأجر إلا بعد إيفاء ms1102 العمل كله، ويستحق (حصة) ما خاط ~~لو عمل في بيت المستأجر على ما هو المشهور، كما في «المبسوط» وغيره، فإنه ~~حينئذ كالدار والدابة. # (و) للمؤجر طلب الأجر (للخبز) بالضم ويجوز فتحه (بعد إخراجه من التنور) ~~لأن تمامه بذلك (فإذا احترق) الخبز (بعدما أخرج) من التنور من غير فعله ~~(فله الأجر) لوجود تمام العمل. (و) إذا احترق (قبله) أي قبل إخراجه من ~~التنور (لا) أي لا أجر له لعدم وجود تمام العمل. وفي «النهاية»: إن روايات ~~الكتب من «المبسوط»، و«الذخيرة»، و«المغني»، و«الجامع» لفخر الإسلام، ~~و«قاضيخان»، والتمرتاشي، و«الفوائد الظهيرية»: أن العامل في بيت المستأجر ~~يستحق الأجر بقدر عمله، حتى لو سرق الثوب فله من الأجر بقدر عمله، لأن كل ~~جزء من العمل يصير مسلما إلى صاحب الثوب بالفراغ منه. وفي «الهداية»: أنه ~~لا يستحق الأجر إلا بالتمام. # --- PageV04P239 ~~*** # (ولا غرم فيهما) أي في حالتي الاحتراق بعد الإخراج وقبله على الأجير، ~~لأنه لم توجد منه جناية، وهذا عند أبي حنيفة. وعندهما: على الأجير الغرم، ~~لأنه أجير مشترك، والعين في يده مضمونة عندهما. هكذا حكى القدوري الخلاف في ~~شرحه. وفي «شرح الوافي»: ولا ضمان عليه بالهلاك عند الكل: أما عند أبي ~~حنيفة فلأنه لم يهلك من عمله، وأما عندهما فلأنه هلك بعد التسليم. # (و) للمؤجر طلب الأجر (للطبخ) للوليمة (بعد الغرف) أي إخراج المرقة من ~~القدر إلى القصاع. قيدنا «بالوليمة»، لأنه لو استأجره لطبخ قدر خاص بعينه ~~لا يكون الغرف عليه، وكذا في المحيط والإيضاح. والأصل في ذلك العرف. # (و) للمؤجر طلب الأجر (لضرب اللبن) بكسر الموحدة (بعد إقامته) أي تسويته ~~عند أبي حنيفة، وبعد تشريجه أي جعل بعضه على بعض عندهما، لأن تشريجه من ~~تمام عمله إذ لا يؤمن الفساد قبله، ولأنه هو الذي يتولاه عادة، والمعتاد ~~كالمشروط. ولأبي حنيفة أن العمل قد تم بالإقامة، والتشريج عمل زائد، كالنقل ~~إلى موضع العمارة. وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا فسد بمطر ونحوه بعدما أقامه: ~~فعنده يجب الأجر، وعندهما لا يجب إلا إذا كان شرجه. # (ويحبس العين ms1103 للأجر من خلط ملكه بها) أي بالعين (كالصباغ) ومن له أثر ~~فيها، كالقصار، لأن المعقود عليه وصف قائم في الثوب، فله حق الحبس لاستيفاء ~~بدله، كما في البيع. # --- PageV04P240 ~~*** # (فإن حبس فضاع فلا غرم) عند أبي حنيفة، لأنه غير متعد في الحبس، وقد كانت ~~العين أمانة في يده قبل الحبس (فبقيت) أمانة بعده (ولا أجر له) لهلاك ~~المعقود عليه قبل التسليم. وعند أبي يوسف ومحمد كانت مضمونة قبل الحبس فكذا ~~بعده، لكنه بالخيار إن شاء ضمنه قيمته غير معمول ولا أجر له، لأن العمل لم ~~يصر مسلما إليه، وإن شاء ضمن قيمته معمولا وله الأجر، لأن المبيع صار مسلما ~~إليه تقديرا بوصول قيمته إليه، فصار كما لو صار مسلما إليه حقيقة. # (بخلاف الجمال) بالجيم أو المهملة وكل صانع ليس لعمله أثر في العين ~~(ولمن) أي لأجير (أطلق له العمل أن يستعمل غيره) لأن المستحق عمل في ذمته، ~~فله إيفاؤه بنفسه وبغيره، فصار كإيفاء الدين (فإن قيد بيده) بأن قال له: ~~على أن تعمل بيدك، أو بنفسك (لا) أي لا يستعمل غيره، لأن المعقود عليه عمل ~~بعينه فيستحق عليه، كالمنفعة في محل بعينه. # (ضوابط الإجارة الجائزة) # (ولأجير المجيء بعياله) الضمير للمستأجر، و«الباء» متعلقة بمجيء وهو ~~مجرور بإضافة أجير إليه، واللام متعلقة بمحذوف خبر مقدم. وقوله: (إن مات ~~بعضهم وجاء بمن بقي) شرط معترض بين الخبر والمبتدأ وهو (أجره بحسابه) ~~والجملة جواب الشرط، يعني من استأجر رجلا ليذهب إلى البصرة ويجيء بعياله ~~وهم معلومون فذهب فوجد بعضهم قد ماتوا، فجاء بمن بقي، فله أجره بحسابه، ~~لأن الأجر مقابل بجملتهم، وقد أوفى الأجير بعض المعقود عليه فيستحق من ~~العوض بقدره. # --- PageV04P241 ~~*** # (وحامل كتاب) مبتدأ مضاف (أو زاد إلى زيد بأجر) الجاران متعلقان ب: ~~«حامل» (إن رده) أي الكتاب، أو الزاد (لموته) أي لأجل موت زيد (لا شيء له) ~~جواب الشرط، والشرط وجوابه خبر المبتدأ. والمعنى: أن من استأجر رجلا ليذهب ~~بطعام إلى فلان بالبصرة، فذهب إليها فوجده ميتا، أو لم يجده، أو وجده ولم ~~يدفع ms1104 إليه شيئا بل رد به، فلا أجر له. وعند زفر له الأجر، لأنه بمقابلة ~~الحمل للبصرة وقد وفى به وجنى برده، فلا يسقط بجنايته حقه من أجرته. ولهم ~~أن المعقود عليه هنا هو نقل الطعام إلى البصرة، وقد نقضه برده. # ومن استأجر رجلا ليذهب بكتابه إلى فلان بالبصرة ويجيء بجوابه، فذهب فوجده ~~ميتا فرد الكتاب فلا أجر له، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: له ~~أجر الذهاب، وهو قول مالك والشافعي. وذكر الفقيه أبو الليث قول أبي يوسف مع ~~قول محمد. لمحمد أنه أوفى بعض المعقود عليه دون البعض، فيستحق الأجر بقدر ~~ما أوفى. ولهما أن الأجر مقابل بنقل الكتاب إذ هو أمر مقصود بين الناس، أو ~~وسيلة إلى المقصود وهو العلم بما فيه فإذا رده فقد نقضه فيسقط الأجر. ~~وأما لو وجده غائبا فترك الكتاب هناك ليوصل إليه، فله أجر الذهاب إجماعا، ~~لأنه أتى بما في وسعه. وفي «المحيط»: وكذا لو استأجر رسولا ليبلغ رسالته ~~إلى فلان ببغداد، فلم يجد فلانا وعاد، فله الأجر لقطع المسافة، لأنه الذي ~~في وسعه لا الإسماع. # --- PageV04P242 ~~*** # (وصح استئجار دار أو دكان) أو حانوت (بلا ذكر ما يعمل) المستأجر (فيه) ~~والقياس أن لا يصح، لأن المقصود من الدار والدكان الانتفاع، وهو قد يكون ~~بالسكنى وقد يكون بوضع الأمتعة، فينبغي أن لا يجوز ما لم يبين ما يعمل ~~فيها، كالأراضي للزراعة، والثياب للبس. ووجه الاستحسان أن العمل المتعارف ~~فيها السكنى، والمتعارف كالمشروط، فينصرف العقد إلى السكنى، بخلاف الأرض ~~والثياب فإنهما يختلفان باختلاف المزروع واللابس. # (وله) أي للمستأجر في السكنى فيها (كل عمل) للإطلاق، ككسر الحطب، وغسل ~~الثياب، لأن السكنى لا تتم (إلا) بذلك فتكون من توابعها. وفي «المبسوط» ~~و«الذخيرة»: إنما يكون له ربط الدواب إذا كان فيها موضع معد لذلك، وأما إذا ~~لم يكن فليس له ذلك. (سوى موهن البناء) نحو الحدادة، والقصارة، والطحن ~~بالدابة دون اليد، لأن فيه ضررا ظاهرا فيتقيد العقد بما وراءه دلالة. # والحاصل: أن كل عمل يفسد البناء أو ms1105 يوهنه فذلك لا يصير مستحقا له بمطلق ~~العقد إلا أن يشترط، وما لا يوهن فهو مستحق بمطلق العقد. # --- PageV04P243 ~~*** # (لا استئجار أرض) أي لا يصح استئجار أرض (حتى يسمي ما يزرع) فيها، لأنها ~~تستأجر للزراعة وغيرها، وما يزرع فيها متفاوت في الضرر، فلا بد من التعيين ~~لئلا تقع المنازعة، (أو) يسمي (ما يعمه) أي يعم ما يزرع في الأرض، بأن يذكر ~~أنه يزرع ما يشاء فيها، لأنه إذا سمى ما يعمه ارتفعت الجهالة المفضية إلى ~~المنازعة (و) حتى (تكون الأرض خالية عن الزراعة) لأنها لو كانت مشغولة بها ~~لم يكن المعقود عليه مقدور الاستيفاء منها. (فإن استأجرها) أي الأرض ~~(للبناء، أو الغرس صح) لأن ذلك منفعة تقصد من الأرض، فكان كاستئجارها ~~للزراعة. # (وإذا انقضت المدة) أي مدة الإجارة (سلمها) أي يلزم المستأجر أن يسلم ~~الأرض إلى مالكها ((فارغة) من البناء والغرس بأن يجبر على قلعه، لأن تقدير ~~المدة في الإجارة يقتضي التفريغ عند انقضائها، وليس للبناء والغرس مدة ~~معلومة ينتهيان إليها، فيكون كاشتراط القلع عند انقضاء المدة عرفا ودلالة، ~~بخلاف ما لو انقضت مدة الإجارة وفي الأرض زرع لم يدرك حيث يترك بأجر المثل ~~في يده إلى أن يستحصده، لأن لبلوغ الزرع غاية معلومة فكان في التأخير بأجر ~~المثل مراعاة للحقين. # --- PageV04P244 ~~*** # (إلا أن يغرم المؤجر قيمته) أي قيمة البناء أو الغرس (مقلوعا) لأن في ذلك ~~نظرا لهما (ويتملكه) هو بالنصب عطف على يغرم (بلا رضا المستأجر إن نقص) ~~الأرض القلع، لأن فيه دفع الضرر عن المؤجر (وإلا) أي وإن لم ينقص القلع ~~الأرض (فبرضاه) أي فيتملكه المؤجر برضا المتسأجر (أو يرضى) عطف على يغرم، ~~أي أو إلا أن يرضى المؤجر (بتركه) أي ترك البناء أو الغرس، لأن الحق لرب ~~الأرض فإذا رضي باستمرار البناء أو الغرس بأجر أو بغير أجر كان له ذلك ~~(فيكون البناء أو الغرس لهذا) أي المستأجر (والأرض لهذا) وهو المؤجر، وهو واضح. # (والرطبة) بفتح فسكون القضب، وهي بالفارسية إسفست (كالشجرة) أي حكمها، ~~لأنها لا يعلم لانتهائها غاية ms1106 (وضمن) المستأجر (الحصة بالزيادة على حمل) ~~بالكسر (ذكر) من عقد الإجارة، يعني استأجر دابة ليحمل عليها مقدارا معينا ~~من نوع معين، فحمل أكثر مما سمى فعطبت، ضمن ما زاد (إن أطاقت) دابة مثلها ~~ذلك الحمل، لأنها عطبت بما هو مأذون فيه، وبما هو ليس بمأذون فيه فانقسم ~~عليهما. # --- PageV04P245 ~~*** # (و) ضمن (كل القيمة إن لم تطق) دابة مثلها ذلك، لعدم الإذن فيه، أصلا ~~لخروجه عن العادة. قيد بكون الإجارة على حمل، لأنها لو كانت على ركوب شخص ~~معين فأردفه آخر فعطبت الدابة ضمن نصف قيمتها، سواء كان أخف أو أثقل، لأن ~~تلف الدابة من الركوب لا ينشأ من الثقل، إذ رب ثقيل يحسن الركوب فلا يضر ~~ثقله بالدابة، وخفيف لا يحسنه فيضر بها، ولأن الآدمي لا يوزن فاعتبر فيه ~~العدد. وهذا إذا كانت الدابة تطيق حمل اثنين، حتى لو كانت لا تطيق ذلك ضمن ~~كل قيمتها. # وإن قيد الدابة براكب، والثوب بلبس لابس معين، فخالف إلى غيره ضمن القيمة ~~إن أتلف، لتفاوت الناس في الركوب واللبس. ومثله كل ما يختلف باختلاف ~~المستعمل. ولا يعتبر التعين فيما لا يختلف بالمستعمل، فلو شرط سكنى واحد ~~بعينه في الدار، جاز للمستأجر أن يسكن غيره فيها. والتلف برد الدابة بأن ~~يجذب لجامها إلى نفسه لتقف ولا تجري، أو الضرب بلا إذن صريح، يوجب الضمان ~~عند أبي حنيفة، كهلاك الدابة المستعارة، والعبد المستأجر بالضرب. وهما ~~قيداه بغير المعتاد، كمالك والشافعي. # وصح استئجار الجمل ليحمل عليه محملا وراكبين إلى مكة المشرفة مثلا. ~~ويتعين المحمل المعتاد في عرف البلاد، ويستحب مشاهدة الجمال المحمل، لأنه ~~أبعد عن الجهالة، وبه قال مالك. وشرط الشافعي المشاهدة، وهو القياس، لأنه ~~مجهول فيؤدي إلى المنازعة. # ولنا: وهو الاستحسان، أن المقصود هو الراكب وهو معلوم، والمحمل تابع، وما ~~فيه من الجهالة تزول بالصرف إلى المعتاد، وكذا إذا لم ير الفراش وما يتعلق ~~به. وصح لزاد معلوم إلى مكان معلوم، ويجوز عوض ما نقص منه، خلافا لبعض ~~أصحاب الشافعي. # --- PageV04P246 ~~*** # فصل (فيما يفسد الإجارة) # (يفسدها) أي ms1107 الإجارة (شروط تفسد البيع) وهي الشروط التي لا يقتضيها العقد ~~الذي وقعت فيه، لأن الإجارة في المنافع بمنزلة البيع في الأعيان، ولذا تقال وتفسخ. # والشروط التي لا يقتضيها البيع تفسده، فكذا الشروط التي لا تقتضيها ~~الإجارة تفسدها. وذلك كاشتراط (مرمة) الدار، وإدخال جذع في سقفها. وتفسد ~~أيضا بجهالة المعقود عليه، كما لو استأجر أرضا ولم يذكر أنه يزرعها، أو أي ~~شيء يزرعها، وكذا بجهالة المدة فيما تعلم المنفعة بها، كالدور لاستلزامها ~~جهالة قدر المنفعة، وكذا بجهالة الأجر لأنه كالثمن في البيع، وكذا بجعله من ~~جنس منفعة المستأجر، كاستئجار دار للسكنى بسكنى دار أخرى، ولبس ثوب بلبس ~~آخر. وعند الشافعي يجوز، لأن المنافع كالأعيان عنده، ومبادلة العين بالعين ~~بجنسه أو بخلاف جنسه صحيحة عند المساومة. # ولنا ما حكي أن ابن سماعة كتب إلى محمد وقال: لم لا يجوز إجارة سكنى دار ~~بسكنى دار؟ فكتب محمد في جوابه: إنك أطلت الفكرة، (وأصابتك الحيرة) وجالست ~~الجبائي وكانت منك زلة. أما علمت أن إجارة سكنى دار بسكنى دار كبيع القوهي ~~بالقوهي نسيئة؟ بيانه أن المعقود عليه ما يحدث من المنفعة وذا غير موجود في ~~الحال، فإذا اتحد الجنس كان كمبادلة شيء بجنسه نسيئة، والجنس بانفراده يحرم ~~النساء عندنا، بخلاف ما إذا اختلف الجنس، لأن النساء في الجنس المختلف ليس ~~بحرام، كما لو أسلم قوهيا في مروي. # --- PageV04P247 ~~*** # فإن قيل: عند اختلاف النوع؟ إن لم يفسد لهذا المعنى يفسد لمعنى آخر، وهو ~~أن بيع الدين بالدين حرام للنهي عن الكالىء بالكالىء. قيل: الذي تصحبه ~~الباء هو المعقود عليه، وأقيم المحل مقام المنفعة وهي عين، فيصير الآخر ~~بمنزلة الثمن، فلا يكون غير العين بغير العين، بل يكون عينا بدين، فذلك جائز. # (فيجب أجر المثل لا يزاد على المسمى) وقال مالك وزفر والشافعي وأحمد: في ~~الإجارة الفاسدة يجب أجر المثل بالغا ما بلغ إلا إذا لم يسم الأجر أو جهل ~~كله، كتسمية ثوب ما، أو بعضه كتسمية مئة درهم، أو ثوب ما فحينئذ يجب الأجر ~~بالغا ما بلغ. ms1108 ولو استأجر حمارا إلى مكة ولم يسم ما يحمله عليه، فحمل الحمل ~~المعتاد وبلغها، وجب المسمى لا أجر المثل كما قال زفر. # (وصح إجارة دار كل شهر بكذا، بلا بيان المدة في) شهر (واحد) لتعذر العمل ~~بالعموم (فقط) أي ولا يصح في غير الشهر إلا أن يسمي جملة معلومة من الشهور، ~~فيصح فيها للعلم بالمدة، وبه قال الشافعي في «الإملاء» وأحمد، واختاره ~~الإصطخري. وإذا (تم) الشهر كان لكل واحد منهما فسخ، الإجارة لانتهاء العقد ~~الصحيح من غير محضر صاحبه على قول أبي يوسف، وبمحضره على قول أبي حنيفة ~~ومحمد. وقيل: لا تفسخ إلا بمحضر صاحبه بالاتفاق. وقال الشافعي في الأصح ~~الإجارة باطلة، لأن المدة مجهولة. وقال مالك: الإجارة صحيحة، وكلما مضى شهر ~~استحق الأجر، لأن المنافع مقدرة بتقدير الأجر فلا يحتاج إلى ذكر المدة. # --- PageV04P248 ~~*** # (و) صحت أيضا (في كل شهر يسكن في أوله) ولم يكن للمؤجر أن يخرجه إلى أن ~~ينقضي إلا بعذر، وبه قال أحمد، لأنه بهذا (القدر) من السكنى صار معلوما ~~فيتم العقد فيه فكان كالبيع بالمعاطاة. والمراد بأول الشهر أوله عرفا، وهو ~~الليلة الأولى من الشهر ويومها، وهو ظاهر الرواية، وبه يفتى. # (وإن سمى أول المدة فذاك) أي فما سمى أولها (وإلا) أي وإن لم يسم أول ~~المدة (فوقت العقد) هو أولها، لأن الأوقات لما تساوت بالنسبة إلى ذلك العقد ~~تعين الزمان الذي يعقبه، (فإن كان) العقد (حين يهل) أي يبصر الهلال بصيغة ~~المجهول، والمراد اليوم الأول من الشهر (اعتبر الأهلة) في شهور السنة كلها، ~~لأنها هي الأصل في الشهور. قال تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت ~~للناس}، (وإلا) أي وإن لم يكن العقد حين يهل بأن كان في أثناء الشهر ~~(فالأيام) أي فالمعتبر في شهور السنة كلها الأيام، وهذا عند أبي حنيفة، وهو ~~رواية عن أبي يوسف، وقول للشافعي ، ورواية عن أحمد. # وعن محمد وهو رواية عن أبي يوسف وقول للشافعي ورواية عن أحمد، الشهر ~~الأول بالأيام ويكمل من الشهر الأخير والباقي بالأهلة، لأن الأصل ms1109 في اعتبار ~~الشهور الأهلة، والأيام يصار إليها ضرورة، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة ~~والسلام: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان»، ~~والضرورة في الأول من الشهور، فيكمل من أيام الشهر الأخير ويعتبر فيما ~~بينهما بالأصل. # --- PageV04P249 ~~*** # ولأبي حنيفة أنه لما وجب تتميم الأول بالأيام قبل ابتداء الثاني، وجب ~~تتميمه من الثاني لأنه متصل به، فابتدىء الثاني بالأيام ضرورة، وهكذا إلى ~~آخر المدة (كالعدة) أي كما يعتبر في العدة إذا كانت بالشهور: الأهلة إذا ~~كان ابتداء العدة حين يهل الهلال، والأيام إذا كان ابتداؤها في أثناء الشهر. # (و) صح (إجارة الحمام والحجام) أما الحمام فلتعارف الناس، وقد روى الحاكم ~~في «مستدركه» عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند ~~الله حسن». وما فيها من الجهالة ساقط لمكان الضرورة. وأما الحجام فمنع أحمد ~~إجارته، لما أخرجه مسلم عن رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «كسب الحجام خبيث». # ولنا ما روى الشيخان عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم ~~وأعطى الحجام أجره. زاد البخاري في لفظ: ولو كان حراما لم يعطه. وفي لفظ: ~~لو علم كراهته لم يعطه. ولمسلم: ولو كان سحتا لم يعطه. وذلك أنه كما لا يحل ~~لأحد أكل الحرام لا يحل له دفعه إلى غيره ليأكله. وكره كسبه عثمان وأبو ~~هريرة والحسن والنخعي لما روينا، (ولما) في «مسند» أحمد: أن محيصة سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام له، فنهاه، فلم يزل يكلمه حتى قال: ~~«اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك». # --- PageV04P250 ~~*** # (و) صح إجارة (الظئر) أي المرضع (بأجر معين) والقياس أنه لا يصح كإجارة ~~البقرة أو الشاة لشرب لبنها، وإجارة البستان ليأكل ثمره، إلا أنها صحت ~~لقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} والمراد بعد الطلاق، ولأن ذلك ~~كان قبل النبي صلى الله عليه وسلم فأقرهم عليه. ولإجماع الأمة على ذلك، ~~(وبطعامها وكسوتها) ولها الوسط، وهذا عند أبي حنيفة ومالك وأحمد. # وقال أبو يوسف ms1110 ومحمد: لا يجوز. وبه قال الشافعي، لجهالة الأجرة. # (وللزوج) أي زوج الظئر (وطؤها) وهو قول الشافعي وأحمد. وقال مالك: ليس له ~~ذلك إلا برضاء المستأجر، لأنه قد ينقص اللبن، وقد يقطعها بالحبل. ولنا أن ~~الوطىء حق الزوج قبل عقد الإجارة، فلا يتمكن المستأجر من إسقاطه، ولا يسقط ~~لأمر مشكوك فيه. (لا في بيت المستأجر) أي ليس لزوج الظئر وطؤها في بيت ~~المستأجر، لأن بيته حقه، فليس للزوج فعل ذلك فيه إلا بإذنه. # (وله) أي لزوج الظئر سواء كان ممن يشينه أن تكون امرأته ظئرا أو لا (في ~~نكاح ظاهر) أي معلوم من غير إقرار (فسخها) أي فسخ الإجارة (إن لم يأذن) أي ~~الزوج (لها) أي للظئر في الإجارة، لأن الإرضاع ينقص من جمالها وفي ذلك ~~إضرار به، فله أن يمنعها منه كما يمنعها من التطوعات، (لا إن أقرت) الظئر ~~(بنكاحه) لأن عقد الإجارة قد لزمها، وقولها غير مقبول في حق المستأجر. # (ولأهل الصبي) أي أوليائه (فسخها) أي الإجارة (إن مرضت) الظئر (أو حبلت) ~~لأن لبن المريض والحامل يضر الصغير. # --- PageV04P251 ~~*** # (وعليها) أي الظئر (غسل الصبي و) غسل (ثيابه) من البول والغائط ونحوهما ~~(وإصلاح طعامه ودهنه) بالفتح للعرف، على أن الظئر هي التي تتولى ذلك فصار ~~كالمشروط. والأصل أن الإجارة إذا وقعت على عمل فما كان من توابع ذلك العمل ~~ولم يشترط في الإجارة على الأجير، فالمرجع فيه (للعرف). (وعلى أبيه) أي أب ~~الصبي (الأجر) أي أجر الظئر (وثمنها) أي ثمن ثيابه وطعامه وما يغسل وما ~~يدهن به، لأنها من نفقته (فإن أرضعته) أي الصبي (بلبن شاة أو غذته) بتشديد ~~المعجمة أي ربته (بطعام ومضت المدة) أي مدة الإجارة (فلا أجر لها) وبه قال ~~مالك والشافعي وأحمد. # (حكم الإجارة على العبادات) # (ولا تصح) الإجارة (للعبادات) في «شرح الوافي» والمذهب عندنا أن كل طاعة ~~يختص بها المسلم، فالاستئجار عليها باطل (كالأذان)، والحج (والإمامة وتعليم ~~القرأن)، وتعليم الفقه، وهو نص أحمد، وقول عطاء، والضحاك، والزهري، والحسن، ~~وابن سيرين، وطاوس، والنخعي، والشعبي. # --- PageV04P252 ~~*** # وقال مالك، والشافعي، ms1111 وأحمد في رواية: تصح في كل ما لا يتعين على الأجير ~~فعله، كالاستئجار لبناء المسجد، حتى لو تعين الإفتاء أو الإمامة على واحد ~~لا تصح إجارته، لأنه عليه الصلاة والسلام زوج رجلا بما معه من القرآن. وإذا ~~جاز تعليم القرآن عوضا في باب النكاح، جاز في باب الإجارة. ولأن أبا سعيد ~~الخدري رقى بفاتحة الكتاب وأخذ قطيعا من الغنم، واقتسمه هو وأصحابه بأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحق ما ~~أخذتم عليه أجرا كتاب الله». ولأنه يجوز أخذ الرزق (عليه) من بيت المال، ~~فيجوز الأجر عليه فإنه بمعناه، ولأنه قد يحتاج إلى الاستنابة في الحج عمن ~~وجب عليه وعجز عن فعله ولا يوجد متبرع به. # ولنا ما روى أحمد وإسحاق بن راهويه، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق من حديث ~~عبد الرحمن بن شبل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرؤا ~~القرآن ولا تأكلوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تستكثروا به». ~~وما روى أبو داود وابن ماجه عن عبادة بن الصامت قال: علمت ناسا من أهل ~~الصفة القرآن وأهدى إلي رجل منهم قوسا. فقلت: ليست بمال، وأرمي بها في سبيل ~~الله. فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «إن أردت أن يطوقك ~~الله طوقا من نار فاقبلها». وفي رواية: فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله؟ ~~فقال: «جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها». # --- PageV04P253 ~~*** # وروى أصحاب «السنن الأربعة» بطرق مختلفة، فلفظ أبي داود والنسائي عن ~~عثمان ابن أبي العاص قال : قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، قال: أنت ~~إمامهم، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا». وروى الترمذي في «جامعه» ~~مسندا إلى الحسن، عن عثمان بن أبي العاص قال: إن آخر ما عهد إلي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا». # وحديث التزويج ليس فيه تصريح بأن التعليم صداق، فلعله زوجها إياه بغير ~~صداق إكراما له كما زوج ms1112 أبا طلحة أم سليم على إسلامه. فإن النكاح يصح بدون ~~ذكر المهر، ومع ذلك يجب مهر المثل وتكون: «الباء» مكان «اللام»، أي «لما» ~~معك من القرآن، أو لعل المرأة وهبتها له باعتبار ذلك. # ومعنى قوله: «أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» الجعالة في الرقية، لأن ~~ذلك في سياق جزاء الرقية، ودائرة الجعالة أوسع من دائرة الإجارة. ولهذا ~~تجوز مع جهالة العمل والمدة دون الإجارة، أو أن المأخوذ منه قطيع الغنم كان ~~كافرا غير مستأمن فجاز أخذ ماله. أو أن حق الضيف واجب ولم يضيفوهم. أو أن ~~الرقية ليست بقراءة محضة، فجاز أخذ الأجرة عليها. # وأما الرزق من بيت المال فيجوز لمن يتعدى نفعه، لأن بيت المال من مصالح ~~المسلمين فجرى مجرى الوقف عليهم، بخلاف الأجرة. وأما الاستنابة عن الحج ~~فللآمر ثواب الإنفاق، وبه يسقط الفرض عنه فيكون أجرة للخدمة، أو لقطع ~~المسافة. وعلى تقدير أن الأفعال تقع عن الآمر لا تكون إجارة على الحج، بل ~~إنفاقا عن النائب. # --- PageV04P254 ~~*** # (ويفتى اليوم بصحتها) أي الإجارة على الأذان والإمامة وتعليم القرآن، لأن ~~المتقدمين إنما منعوا منها لرغبة الناس في زمانهم في فعلها احتسابا، وفي ~~مجازاة فاعلها بالإحسان بلا شرط. وفي هذا الزمان قد زال المعنيان، ففي عدم ~~صحة الإجارة عليها تضييعها، ولا يبعد أن يختلف الحكم باختلاف الأزمنة، ألا ~~ترى أن النساء كن يخرجن إلى الجماعات في زمنه عليه الصلاة والسلام وأبي بكر ~~حتى منعهن عمر عن ذلك. # وفي: «الهداية»: وبعض مشايخنا استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن ~~اليوم، وعليه الفتوى. وفي «النهاية»: يفتى بجواز الاستئجار على تعليم الفقه ~~أيضا في زماننا. وفي «المجمع»: وقيل: يفتى بجوازه، أي الاستئجار على ~~التعليم والإمامة والفقه. وفي «الذخيرة» و«الروضة»: عن بعض أصحابنا يجوز في ~~زماننا للإمام، والمؤذن، والمعلم أخذ الأجرة. # فصل (في حكم الإجارة على المعاصي) # (ولا) تصح الإجارة (للمعاصي، كالغناء) لقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «(إن) الغناء ينبت النفاق في القلب». رواه أبو داود. وكذا سائر ~~الملاهي، كالمزمار، والطبل لغير الغزو، لما في ms1113 «سنن أبي داود» عن نافع قال: ~~سمع ابن عمر مزمارا فوضع أصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق، وقال لي: يا نافع ~~هل تسمع شيئا؟ قال: قلت: لا. قال: فرفع أصبعيه من أذنيه وقال: كنت مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا، فصنع مثل هذا. . # --- PageV04P255 ~~*** # (والنوح) لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود، ~~وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية». رواه البخاري. وفيه أيضا عن أبي موسى: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برىء من الصالقة، والحالقة، والشاقة. ~~الصالقة: التي ترفع صوتها بالبكاء والنوح. والحالقة: التي تحلق رأسها في ~~المصيبة. والشاقة. التي تشق ثوبها في تلك الحالة. وذلك لأن عقد الإجارة ~~يستحق به تسليم المقعود عليه شرعا، فلا تستحق على أخذ ما يكون به عاصيا، ~~لئلا تصير المعصية مضافة إلى الشريعة. # (ولا) تصح الإجارة (لعسب التيس) وهو نزوه على الإناث، لما روى البخاري ~~وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن عسب التيس. وفي «مسند» أحمد: نهى عن ثمن عسب الفحل. # (ولا) تصح (إجارة المشاع إلا من الشريك) على الأصح عند أبي حنيفة، وهو ~~قول زفر وأحمد، سواء كان مما يقسم، كالأرض، أو لا، كالعبد. وقال أبو يوسف ~~ومحمد ومالك والشافعي: يجوز من غير الشريك أيضا إن بين نصيبه، وإلا فلا تصح ~~على الصحيح، ويتهايآن فيه، ويجبران على ذلك، لأن هذا عقد معاوضة فيجوز في ~~المشاع، كالبيع. وفي «المغني»: والفتوى اليوم على قولهما في إجارة المشاع، ~~والحيلة في جوازها على قول الكل: أن يرفع العقد إلى قاض يحكم به. # --- PageV04P256 ~~*** # (ولا إجارة الرحى ببعض دقيقه) أي دقيق ذلك المستأجر على طحنه، فإن طحن ~~فالدقيق لرب المطحون، وللطاحن أجر المثل. (و) لا إجارة (نحوها) من ~~الإجارات، كإجارة الحمال لحمل الطعام بقفيز منه، فإنها لا تجوز، فإن حمله ~~فله أجر مثله لا يجاوز القفيز. أما فساد الإجارة فلما روى الدارقطني ~~والبيهقي في «سننهما»، وأبو يعلى الموصلي في «مسنده» عن أبي سعيد ms1114 الخدري ~~قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل، وعن قفيز الطحان. وفي ~~«الهداية»: هو أن يستأجر ثورا ليطحن له طحنة بقفيز من دقيقها. وأما وجوب ~~أجر المثل، فلأنه سلم (له) المعقود عليه. وأما أنه لا يجاوز (بالأجر) ~~المسمى، فلأن الإجارة لما فسدت وجب الأقل من المسمى من أجر المثل لرضاه بحط ~~الزيادة. # (فصل في حكم الجمع بين الوقت والعمل في الإجارة) # (ولا) يصح (الجمع) في الإجارة (بين الوقت والعمل) بدون حرف الظرف، كما لو ~~استأجر رجلا ليخبز له عشرة أقفزة اليوم بدرهم، وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: ~~يصح، لأن المعقود عليه العمل، وذكر الوقت للاستعجال لا لتعليق الحق، به، ~~حتى لو فرغ منه في نصف النهار كان الأجر له كاملا، ولو لم يفرغه في اليوم ~~كان عليه عمله إلى الغد. # --- PageV04P257 ~~*** # ولأبي حنيفة أن ذكر الوقت دليل كون المنفعة معقودا عليها، وذكر العمل ~~دليل كونه معقودا عليه. ونفع المستأجر في الثاني ونفع الأجير في الأول ولا ~~ترجيح لأحدهما على الآخر، لأن كل واحد منها يقع معقودا عليه في باب ~~الإجارة، فصار المعقود عليه مجهولا جهالة تفضي إلى المنازعة: بأن يقول ~~المستأجر إذا فرغ الأجير من العمل في أثناء النهار: منافعك في بقية المدة ~~حقي باعتبار تسمية الوقت، وأنا أستعملك. ويقول الأجير إذا لم يفرغ من العمل ~~عند مضي اليوم: قد انتهى العقد بانتهاء المدة؛ والجهالة المفضية إلى ~~المنازعة مفسدة. # وإنما قلنا: بدون حرف الظرف، لأنه روي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا قال: ~~«في اليوم» تصح الإجارة، لأن «في» للظرف لا للمدة، فكان المعقود عليه ~~العمل، بخلاف اليوم فإنه للمدة، وقد سبق نظيره في الطلاق. # (حكم إجارة بيته للمعصية) # وإجارة مسلم بيته ليباع فيه خمر أو نفسه لحملها، مكروه عند أبي حنيفة، ~~وفاسد عندهما. لأن الحمل سبب للمعصية فكانت معصية، والعقد على المعصية لا ~~يصح، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر منهم: حاملها. وله أن ~~العقد واقع على الفعل، وأنه معلوم فيصح العقد فيه، ms1115 والمعصية والحرام هو ~~الشرب والبيع، وهو منفصل عما وقع عليه العقد فلم يوجد الفساد فيه، بل ~~الكراهة، لأن اللعن متعلق به لمعنى جاوره، كالبيع وقت النداء، والله أعلم. # فصل (ضمان الأجير) # --- PageV04P258 ~~*** # (الأجير المشترك): وهو من لا يجب عليه أن يختص بواحد من الناس (لا يستحق ~~الأجر إلا بالعمل)، كخياطة هذا الثوب، أو صبغه لأن المعقود عليه حقيقة ~~العمل أو أثره (وله أن يعمل للعامة،) أي لكل أحد، لأن منافعه غير مستحقة ~~لواحد (كالقصار ونحوه) وذلك لأن المعقود عليه إذا كان هو العمل أو الوصف ~~الذي يحدث في العين بعمله، لا يمتنع عليه أن (ينقل) مثل ذلك العمل لغيره، ~~لأن ما استحقه أولا في حكم الدين في ذمته، ولهذا سمي مشتركا، لأن له أن ~~يعمل لمن شاء، ولم تصر منافعه مستحقة لواحد. # (ولا يضمن ما هلك في يده) من غير تعد منه، (وإن) كان (شرط عليه الضمان). ~~والمعنى: أن المتاع في يده أمانة عند أبي حنيفة، لحصول القبض بإذنه لمنفعة ~~وهي إقامة العمل فيها له، فلا تكون مضمونة عليه، كالمودع. وبه أخذ زفر، ~~والحسن بن زياد، وأحمد وإسحاق والمزني والشافعي في قول، وهو القياس، سواء ~~هلك بأمر يمكن التحرز عنه، كالسرقة والغصب، أو بأمر لا يمكن التحرز عنه، ~~كالحريق الغالب، والغارة الغالبة، والمكابرة. وقال أبو يوسف ومحمد: إنه ~~مضمون عليه إن هلك بأمر يمكن التحرز عنه، لأن عليا رضي الله تعالى عنه كان ~~يضمن الصاغة والصناع، وقال: لا يصلح للناس إلا ذلك. رواه البيهقي من طريق ~~الشافعي، وحكاه في «الهداية» عن عمر أيضا. واختار المتأخرون من أصحابنا ~~الصلح عن النصف بكل حال، وأفتوا به عملا بأقوال الصحابة والفقهاء بقدر ~~الإمكان، كذا في «جامع الفصولين» وغيره. # --- PageV04P259 ~~*** # (بل) يضمن ما تلف (بعمله) كتخريق الثوب من دق القصار، وفساد المحمول من ~~زلق الحامل، أو من انقطاع الحبل الذي يشد به المكاري الحمل، أو غرق السفينة ~~وأمتعتها من مد الملاح أو معالجته، لأن ذلك من جناية يده، وبه قال مالك، ~~وأحمد، والشافعي في قول. وروي ms1116 عن عمر، وعلي، وعبيد الله بن عتبة، وشريح، ~~والحسن، والحاكم. وقال زفر والشافعي في قول: لا يضمن. وروي عن عطاء وطاوس: ~~لو غرقت من ريح، أو موج، أو صدم جبل وتلف ما فيها، لا يضمن عند أبي حنيفة، ~~ويضمنه عند صاحبيه بناء على ضمان الأجير المشترك وعدمه. # (إلا الآدمي) فإن الأجير لا يضمن إذا غرق في السفينة من مد الملاح لها، ~~أو سقط من الدابة بسوق المكاري، أو عطب بحجامة الحجام أو فصده، لأن الآدمي ~~لا يضمن بالعقد بل بالجناية (إن لم يتجاوز) الأجير في علمه فيه الموضع ~~(المعتاد) قيد به لأن كلا من الحجام والفصاد يضمن الآدمي إذا تجاوز في عمله ~~الموضع المعتاد. # فصل (في أحكام الأجير الخاص) # (والأجير الخاص يستحق) الأجرة (بتسليم نفسه مدته) أي مدة العقد (وإن لم ~~يعمل) أو عمل ونقص العمل (كالأجير) شهرا للخدمة، أو (لرعي الغنم) وقد يسمى ~~أجيرا وحدا لأنه لا يمكنه في تلك المدة أن يعمل لغير المستأجر، لأن العقد ~~ورد على منافعه، وذكر العمل لصرف المنفعة المستحقة إلى تلك الجهة. وفي ~~«الذخيرة»: لو استأجره يوما ليعمل في الصحراء فمطرت السماء بعدما خرج ~~الأجير إلى الصحراء لا أجر له، لأن تسليم النفس في ذلك العمل لم يوجد لمكان ~~العذر، وبه كان يفتي المرغيناني. # --- PageV04P260 ~~*** # (ولا يضمن) أي الأجير الخاص (ما هلك في يده) بالإجماع، (أو بعمله) ~~المعتاد، وهو قول مالك، وأحمد، وظاهر مذهب الشافعي. (وإن ردد الأجر بترديد ~~العمل) بأن ردد بين نوعي عمل، أو بين دارين، أو بين مسافتين، أو حملتين على ~~دابة، كأن قال: إن خطت هذا الثوب فارسيا فبدرهم، وإن خطته روميا فبدرهمين؛ ~~أو إن صبغته بعصفر فبدرهم، وإن صبغته بزعفران فبدرهمين؛ أو قال: إن سكنت ~~هذه الدار شهرا فبخمسة، وإن سكنت الأخرى فبعشرة، أو قال: إن سرت على هذه ~~الدابة إلى الكوفة فبكذا، أو إلى البصرة فبكذا، أو قال: إن حملت عليها إلى ~~كذا قنطارا من حديد فبكذا، أو من قطن فبكذا (يجب أجر ما عمل) وكذا إن ردد ms1117 ~~بين ثلاثة. وإن ردد بين أربعة لم يصح. والأصل في ذلك البيع. # وقال مالك، والشافعي والثوري وأبو ثور: لا يصح العقد ويجب أجر المثل إذا ~~عمل وهو القياس، لأنه عقد معاوضة لم يتعين فيه العوض ولا المعوض فلم يصح، ~~كما لو قال: بعتك هذا بدرهم، أو هذا بدرهمين. ووجه الاستحسان أن الإجارة ~~يجب الأجر فيها بالعمل، وعند العمل ما يلزمه من البدل معلوم، فلا تبقى ~~جهالته لا في المعقود عليه ولا في بدله، بخلاف البيع فإن الثمن فيه يجب ~~بنفس العقد ، فإذا لم يكن معلوما في العقد يفسد. # --- PageV04P261 ~~*** # (وإن ردد) الأجر (في عمله اليوم أو غدا) كأن قال: إن خطته اليوم فبدرهم، ~~وإن خطته غدا فبنصف درهم. فقال أبو حنيفة: الشرط الأول جائز، والثاني فاسد ~~(فله) أي للأجير (ما سمى إن عمل اليوم) لصحة شرطه (وأجر مثله إن عمل غدا) ~~لفساد شرطه (فلا يتجاوز المسمى) لتراضيهما عليه. وقال أبو يوسف ومحمد: ~~الشرطان جائزان، فله ما سمى في عمل اليوم إن عمل فيه، وما سمى له في عمل ~~الغد إن عمله في الغد. وقال زفر: الشرطان فاسدان، وله أجر المثل في عمل ~~اليوم إن عمله في اليوم، وفي عمل الغد إن عمله في الغد، وهو قول مالك، ~~والشافعي، وأحمد، والثوري، وأبي ثور، وإسحاق، وهو القياس. # (ولا يسافر بعبد مستأجر) من مولاه (للخدمة إلا بشرطه) أي السفر في العقد، ~~أو رضا فيما بعده، لأن خدمة السفر تشتمل على زيادة مشقة فلا يشتملها إطلاق ~~الخدمة، ولهذا جعل السفر عذرا في فسخ الإجارة فلا بد من اشتراطه، كإسكان ~~الحداد والقصار في الدار. # ولو سافر به فهلك ضمنه لمولاه لأنه صار غاصبا، ولو رده إلى مولاه سالما ~~لا أجر له عندنا، خلافا لمالك والشافعي وأحمد، لأن الأجر والضمان عندنا لا ~~يجتمعان. ثم الخدمة من السحر إلى أن ينام الناس بعد العشاء عملا بالعرف فيهما. # فصل (في فسخ الإجارة) # (تفسخ) الإجارة (بعيب) حدث أو ظهر (أخل بالنفع، كدبر الدابة) ومرض العبد ~~للخدمة، لأن المعقود عليه في ms1118 باب الإجارة هو المنافع، وهي توجد شيئا فشيئا، ~~فما وجد من العيب يكون حادثا قبل القبض بالنسبة إلى المنافع الآتية، فيوجب ~~الخيار، كما إذا حدث في المبيع قبل القبض. # --- PageV04P262 ~~*** # (فلو انتفع) المستأجر (بالمعيب، أو أزيل العيب سقط خياره) لأنه بالانتفاع ~~رضي بالعيب، فيلزمه جميع البدل كما في المبيع. أما إذا لم يكن مخلا، به كما ~~لو سقط حائط من الدار لا يخل بالسكنى لم يكن للمستأجر الفسخ، ويفهم منه أن ~~العيب المفوت لنفس المنفعة تنفسخ به الإجارة من باب أولى، كخراب الدار، وبه ~~كان يفتي شمس الأئمة السرخسي، وشيخ الإسلام خواهر زاده. # وقال بعض الأصحاب: تنفسخ إجارة الدار بمجرد الخراب، وهو قول مالك ~~والشافعي وأحمد، لأن المعقود عليه وهو المنافع المخصوصة فات قبل القبض ~~فصار (كفوت) المبيع قبل القبض، وكموت العبد المستأجر، والأول أصح، لأن ~~المنافع فاتت على وجه يتصور عودها، فأشبه إباق (العبد) قبل القبض. وقد روى ~~هشام، عن محمد: أنه لو استأجر بيتا فانهدم فبناه المؤجر وأراد المستأجر أن ~~يسكنه في بقية المدة، فليس له أن يمنعه من ذلك. وكذا ليس للمستأجر أن يمتنع ~~منه، وهذا صريح في أنها لا تنفسخ بمجرد الخراب. وأما إذا انهدمت المستأجرة ~~فإنه يجوز له أن يفسخ الإجارة ويخرج منها وإن كان المؤجر غائبا، فإن بناها ~~قبل الفسخ فكما تقدم. # (و) تفسخ الإجارة (بخيار الشرط، و) خيار (الرؤية) خلافا للشافعي فيهما. ~~(و) تفسخ (الإجارة بالعذر: وهو) أي العذر (لزوم ضرر لم يستحق بالعقد، كسكون ~~وجع ضرس استؤجر) شخص (لقلعه ولحوق دين) للمؤجر (لا يقضى) ذلك الدين (إلا ~~بثمن ما آجر) من دار أو دكان (وسفر مستأجر عبد) استأجره (للخدمة مطلقا) أي ~~غير مقيدة بمكان (أو في المصر) لأن خدمة السفر أشق، فلا تنتظمها الخدمة ~~المطلقة فضلا عن المقيدة بالمصر، وفي منع المستأجر من السفر ضرر لم يستحق ~~بالعقد. # --- PageV04P263 ~~*** # (وإفلاس مستأجر دكان ليتجر فيه و) إفلاس (خياط) يشتري الثياب ويخيطها ~~ليبيعها (استأجر عبدا ليخيط) له فترك ذلك الخياط (عمله) لأجل إفلاسه. # (وبداء) بالمد، أي ms1119 ظهور رأي (مكتري الدابة) سافر عليها (من سفره) أي بدل ~~سفره، «فمن» بمعنى بدل كما في قوله تعالى: {أرضيتم بالحيوة الدنيا من ~~الآخرة}، متعلقة ببداء، وإنما كان هذا عذرا لأن المستأجر ربما كان يسافر ~~للحج فذهب وقته، أو لطلب غريمه فحضر، أو للتجارة فافتقر (بخلاف بداء ~~المكاري) من سفره، فإنه ليس بعذر لإمكان أن يبعث الدواب مع أجيره، (و) ~~بخلاف (ترك خياطة مستأجر عبد ليخيط ليعمل) ذلك المستأجر (في الصرف) أي في ~~صرف النقود، واللام الثانية متعلقة «بترك»، وإنما لم يكن هذا عذرا لإمكان ~~أن يخيط الغلام في ناحية. # (و) بخلاف (بيع) المؤجر (ما آجره) فإنه ليس بعذر لإمكان استيفاء المستأجر ~~المنافع، والعين على ملك المشتري كما يستوفيها، والعين على ملك البائع في ~~ظاهر الرواية لعدم منافاته لحقه. وقيل: يفسخه كالإجارة، وإنما الخيار ~~للمشتري: إن شاء فسخ البيع، وإن شاء صبر إلى انقضاء الإجارة وأخذ المبيع، ~~وإن أجاز المستأجر البيع تبطل إجارته فيما بقي من المدة، لسقوط حقه في ضمن ~~إجازته عقدا ليس له، بخلاف إجازته الإجارة، لأن العقد وقع له لوقوعه على ~~ملكه. وأما لو آجر ما آجره في مدة المستأجر فسخ عقده إن شاء، لاستحقاقه ~~المنفعة دونه، أو (أجاز) واستحق الأجر، لأن عقده صار كعقد الفضولي لصيرورته ~~أجنبيا عن المنفعة في مدة المستأجر. # --- PageV04P264 ~~*** PageV04P265 ### | CHECK [شرح النقاية- ج3] # شرح الوقاية # وقال الشافعي: لا تفسخ الإجارة بالعذر، لأن المنافع عنده بمنزلة الأعيان، ~~فكانت الإجارة كالبيع، وهو يفسخ بالعيب لا بالعذر، فكذا الإجارة، وبه قال ~~مالك، وأحمد وأبو ثور. # ولنا أن العذر في الإجارة، كالعيب في المبيع قبل القبض، لأن المعقود ~~عليه وهي المنافع لا تصير مقبوضة إلا بالاستيفاء، والبيع يفسخ بالعيب ~~الحاصل قبل القبض، فتنفسخ الإجارة بالعذر. والجامع بينهما عجز العاقد عن ~~المضي في موجب العقد، إلا بضرر زائد لم يستحق بالعقد. # وفي «الجامع الصغير»: وكل ما ذكرنا أنه عذر فإن الإجارة فيه تنتقض، وهذا ~~يشير إلى أنه لا يحتاج فيه إلى قضاء القاضي، لأنه بمنزلة العيب في المبيع ~~قبل القبض، ms1120 فينفرد العاقد بالفسخ. وفي «الزيادات»: أن الأمر يرفع إلى ~~الحاكم ليفسخ الإجارة، لأنه فصل مجتهد فيه فيتوقف على قضاء القاضي، كالرجوع ~~في الهبة. قال شمس الأئمة: وهو الأصح. ومنهم من قال: إذا كان العذر ظاهرا ~~انفسخت، وإلا يفسخها القاضي. قال «قاضيخان» و«المحبوبي»: وهو الأصح، والعذر ~~الظاهر مثل الاستئجار لقلع الضرس فيسكن الوجع، أو لطبخ الوليمة فتخالع ~~المرأة. # --- PageV05P001 ~~*** # (وتنفسخ) الإجارة (بموت أحد العاقدين إن عقدها لنفسه) وبه قال الثوري ~~والليث. وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق: لا تنفسخ، ويقوم وارثه ~~مقامه، سواء مات أحدهما أو كلاهما، لأن المنافع عندهم كالأعيان، والعقد على ~~العين لا يبطل بموت أحد العاقدين، فكذا العقد على المنافع. وعندنا عقد ~~الإجارة ينعقد ساعة فساعة بحسب حدوث المنفعة، فإذا مات المؤجر بطلت، لأن ~~المستحق بالعقد المنافع التي تحدث على ملكه وقد فات ذلك بموته، لأن الدار ~~تنتقل إلى وارثه ومنفعتها تحدث على ملكه، وإذا مات المستأجر لو بقي العقد ~~بعد موته لبقي على أن يخلفه الوارث فيه، فتكون المنفعة المجردة موروثة، وهي ~~لا تورث. # (فإن عقدها) أحد العاقدين الإجارة (لغيره فلا) تنفسخ الإجارة بموته ~~لبقاء المستحق (والمستحق) حتى لو مات المعقود له بطلت لما ذكرنا (كالوكيل) ~~يعقدها لموكله (والوصي) يعقدها لمحجوره (ومتولي الوقف) يعقدها للوقف. ولو ~~مات أحد المستأجرين أو المؤجرين بطلت الإجارة في نصيبه، وبقيت في نصيب ~~الآخر في ظاهر الرواية. وقال زفر وهو رواية عن أبي حنيفة : تبطل في نصيب ~~الحي أيضا، لأنها إجارة المشاع. # ولنا أن عدم الشيوع شرط صحة العقد في الابتداء لا في الانتهاء. فلو مات ~~المكاري في بعض الطريق فللمستأجر أن يركب إلى المكان الذي جعله غاية السير، ~~حتى لو ماتت الدابة لم يضمنها لوقوع الركوب بحكم الإجارة، ولو استقبل ~~المكاري في الطريق لصوص لم يمكنه دفعهم، وعلم أنه إن لم يطرح الحمل أخذوا ~~الدابة والحمل فطرح الحمل، وفر بدابته لم يضمن، لأنه لا يعد مقصرا في مثل ~~هذه الحالة، كما لا يضمن الراعي لو ذبح ما خاف موته، في المختار ms1121 للفتوى. # --- PageV05P002 ~~*** # (فلو قال) المالك (لغاصب داره: فرغها وإلا) أي وإن لم تفرغها (فأجرتها كل ~~شهر كذا، فسكت ولم يفرغ يجب المسمى) لأن قوله و: «إلا فأجرتها كل شهر كذا» ~~إيجاب معلق على عدم التفريغ، والإجارة يصح تعليقها بالشرط، وسكوت الغاصب مع ~~عدم تفريغه رضاء بذلك الإيجاب وقبول له. # (وصح الإجارة، وفسخها، والمزارعة، والمساقاة، والوكالة، والكفالة، ~~والمضاربة، والقضاء، والإمارة، والإيصاء، والوصية، والطلاق، والعتاق، ~~والوقف، مضافة إلى) زمان (مستقبل). # أما الإجارة فلأنها تمليك المنافع، وهي تحدث ساعة فساعة، فتكون مضافة. ~~وأما فسخها فمعتبر بها. وأما المزارعة والمساقاة فكل منهما إجارة. وأما ~~الوكالة والمضاربة فلأنهما من باب الإطلاق، كالعتق والوقف، والطلاق. وأما ~~الكفالة (فإنها) التزام المال ابتداء فيجوز إضافتها وتعليقها بالشرط، ~~كالنذر. # وأما القضاء فلأنه من باب الإمارة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~أمر زيد بن حارثة في غزوة مؤتة: «إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله ~~بن رواحة». وأما الإيصاء والوصية فلأن الإيصاء توكيل بالتصرف بعد الموت، ~~والوصية تمليك بعده. # (لا البيع) أي لا تصح إضافة البيع إلى زمان مستقبل. (وإجازته) عند ~~الفضولي (وفسخه والقسمة، والشركة، والهبة، والنكاح، والرجعة، والصلح عن ~~مال، وإبراء الدين) لأن هذه العشرة تمليكات للحال، فلا تضاف إلى الاستقبال. # --- PageV05P003 ~~*** # هذا، ولا يضمن الأجير لحفظ الخان والسوق ما سرق منهما في الصحيح، لأنه ~~يحرس الأبواب. أما الأموال فمحفوظة بالبيوت، وهي في يد ملاكها، وهو قول ~~الفقيه أبي جعفر، وأبي بكر البلخي. وقال غيرهما من المشايخ في حارس السوق: ~~يضمن، لأنه بمنزلة الأجير المشترك. ويضمن الخاتن بقطع الحشفة مع الجلد نصف ~~الدية إن مات، لأنه مات من سريان جرح مأذون فيه، وهو قطع الجلدة، وغير ~~مأذون، وهو قطع الحشفة. وإن لم يمت ضمن كل الدية، لقطعه ما لم يؤذن له. وإن ~~قطع بعضها ولم يمت فعليه حكومة عدل. ولو شرط عليه، وعلى الفصاد، والحجام ~~العمل السالم دون الساري لا يصح الشرط. ويلزم الحمال إدخال الحمل إلى ~~البيت، لأنه من تمام العمل ولا يلزمه الصعود (به) ms1122 إلى السطح ونحوه إلا ~~بالشرط في العقد، لكونه أمرا زائدا. # ويلزم مؤجر الدار فعل ما يخل تركه بالسكنى، كالعمارة، وإصلاح الميزاب، ~~وغلق الباب، وستر السطح والسلم، ويلزمه إخراج ما في المخرج وهو موضع قضاء ~~الحاجة ولو كان امتلاؤه من المستأجر، لأنها من جملة منافع السكنى، فإن أبى ~~لا يجبر على إخراجه، لأن الإنسان لا يجبر على أن يجعل ملكه فيما لا ينتفع ~~به، ويجوز لساكنها الخروج منها حينئذ لإخلاله بالانتفاع بها، ولو أخرجه هو ~~يكون متبرعا، ولا يحسب له من الأجر إن فعله بغير إذن المالك، وهذا إذا لم ~~ير هذه العيوب وقت الإجارة، فإن رآها حينئذ فلا خيار له لرضاه بالعيب. # --- PageV05P004 ~~*** # ولا يضمن دلال دفع المتاع إلى من يشتريه لينظره، فذهب به من بين يديه ولم ~~يظفر به، للإذن له عادة بالدفع لمن يريد الشرى، ولم يقصر في الحفظ حيث لا ~~يلتهي عنه بغيره، وكذا لا يضمن إذا سرق ثمن المتاع منه. وإن عين المستأجر ~~له مكان القبر ليحفر فيه فحفر في غيره لم يستحق عليه شيئا، لعدم إتيانه بما ~~أمر به، وإن لم (يكن) يذكر مكانه، ولا وصفه انصرف إطلاقه إلى مقبرة محلته، ~~والمعتاد من صفته إلى العمق والوسع، واستحق الأجر إن فعل كذلك، لأن المطلق ~~ينصرف إلى المتعارف الأعم. والله تعالى أعلم. # --- PageV05P005 ~~*** # كتاب العارية # (هي) لغة: بالتشديد، وتخفف منسوبة إلى العار، لأن طلبها عار وعيب، على ~~أن أصل العار العرر. # وشرعا: (تمليك نفع بلا عوض) فخرج تمليك العين، كالبيع والهبة، وتمليك ~~النفع بعوض، كالإجارة. وقال الكرخي: هي إباحة الانتفاع، لا تمليك المنفعة، ~~وهو قول الشافعي وأحمد، لأن المستعير لا يملك الإجارة من غيره، ومن ملك ~~شيئا ملك تمليكه من غيره بعوض. # ولنا أن المستعير إنما لا يملك الإجارة لما فيها من الضرر بالمعير، لأنه ~~ملك المستعير المنافع على وجه يتمكن من الاسترداد متى شاء، فلو ملك ~~المستعير الإجارة لم يتمكن المعير من ذلك. # (فصل في مشروعية العارية) # وهي مشروعة بالكتاب: وهو قوله تعالى: {ويمنعون الماعون}، فإنه سبحانه ms1123 ~~وتعالى ذم على منع الماعون الذي هو عدم إعارته، فتكون إعارته محمودة. ~~وبالسنة: وهي ما روى البخاري عن أنس قال: كان فزع بالمدينة فاستعار النبي ~~فرسا من أبي طلحة يقال له المندوب فركبه فلما رجع قال: «ما رأينا من شيء، ~~وإن وجدناه لبحرا» أي الفرس سريعا كجريان البحر . وبالإجماع: فإن الأمة ~~أجمعت على جوازها، وإنما اختلفوا في كونها مستحبة وهو قول الأكثر، أو واجبة ~~وهو قول البعض. # (فصل في الألفاظ التي تجوز بها العارية) # --- PageV05P006 ~~*** # (وتصح ب: أعرتك) لأنه صريحها (ومنحتك) ثوبي هذا، لأن أصل المنح: أن يعطي ~~الرجل آخر ناقة أو شاة ليشرب لبنها، ثم يردها إذا فرغ، فروعي فيه أصل ~~الوضع، وحمل على العارية إذا لم يرد به الهبة. (وأطعمتك أرضي) لأن الإطعام ~~إذا أضيف إلى ما يطعم كالأرض يراد به أكل غلتها، إطلاقا لاسم المحل على ~~الحال. (وحملتك على دابتي هذه) لأنه يقال في العرف: حمل فلان فلانا على ~~دابته إذا أعاره إياها، وإذا وهبه إياها، فإذا نوى أحدهما صحت نيته، وإذا ~~لم ينو حمل على الأدنى، لئلا يلزم الأعلى بالشك. # (وأخدمتك عبدي) لأن هذا إذن في استخدامه، وهي عارية. (وداري لك سكنى) أي ~~من جهة السكنى. فداري: مبتدأ، ولك: خبره، وسكنى (تمييز) عن النسبة إلى ~~المخاطب، لأن قوله: «لك» يحتمل أن يكون له رقبتها، وأن يكون له منفعتها. ~~وقوله: سكنى محكم في المنفعة، فهو معين للثاني بحكم التفسير فيكون عارية. ~~(وعمري سكنى) أي داري لك عمري سكنى، يقال: أعمره الدار: أي قال له: هي لك ~~مدة عمرك ، والعمرى: اسم منه، فيصير معناه: جعلت سكناها لك مدة عمرك. # (ويرجع المعير متى شاء) سواء كانت العارية مطلقة أو مؤقتة، لأن المنافع ~~تحدث شيئا فشيئا، وثبوت الملك فيها بحسب حدوثها، فالرجوع بالنسبة إلى ~~المنافع التي لم تحدث، فيكون امتناعا عن تمليكها، وله ولاية ذلك. # (حكم ضمان العارية) # --- PageV05P007 ~~*** # (ولا تضمن بلا تعد إن هلكت) وبه قال مالك والثوري والأوزاعي، وروي عن ~~علي، وابن مسعود، والحسن، والنخعي، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، ms1124 وشريح. ~~وقال الشافعي رحمه الله: إن هلكت من الاستعمال المعتاد لا يضمن، وإن هلكت ~~من غيره يضمن. # وحاصل الخلاف أن العارية أمانة مطلقا عندنا لا وقت استعمالها فقط كما ~~قاله الشافعي رحمه الله؛ وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء، وإسحاق، ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك». ~~رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. وقوله عليه الصلاة والسلام: «على اليد ~~ما أخذت حتى تؤديه». رواه ابن أبي شيبة. ولما روى أبو داود والنسائي عن ~~صفوان بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه درعا يوم حنين، ~~فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: «بل عارية مضمونة». # ولنا ما روى أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن عن أبي أمامة قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا ~~وصية لوارث» إلى أن قال: «العارية مؤداة، والمنحة مردودة». وما في «مصنف ~~عبد الرزاق» عن عمر بن الخطاب قال: العارية بمنزلة الوديعة، لا ضمان فيها ~~إلا أن يتعدى. وعن علي: ليس على صاحب العارية ضمان. # --- PageV05P008 ~~*** # الحديثان اللذان رووهما أولا إنما يقتضيان وجوب رد العين ولا كلام فيه، ~~وإنما الكلام في وجوب ضمان القيمة بعد هلاكها، وما رووه من حديث صفوان ~~معارض بما روى أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه» وسكت عليه وابن ~~حبان، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان بن ~~أمية دروعا وسلاحا في غزوة حنين، فقال: يا رسول الله أعارية مؤداة؟ قال: ~~«نعم عارية مؤداة». # ويجاب عنه بأنه عليه الصلاة والسلام أخذ دروع صفوان بغير رضاه، ولذا قال: ~~«أغصبا يا محمد»، لأنه صلى الله عليه وسلم كان محتاجا إلى السلاح، فكان ~~الأخذ له حلالا ولكن بشرط الضمان، كأخذ طعام الغير في حال المخمصة. وقيل: ~~المراد ضمان الرد بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أتتك رسلي فأعطهم ~~ثلاثين بعيرا وثلاثين درعا، قال: فقلت: يا رسول الله. أعارية مضمونة، أو ~~عارية مؤداة؟ ms1125 قال: «بل مؤداة». رواه أبو داود، والنسائي، وابن حبان في ~~«صحيحه». وقيل: كان هذا منه عليه الصلاة والسلام اشتراطا للضمان على نفسه. # وعندنا المستعير لا يضمن بالشرط ، ولكن صفوان كان يومئذ حربيا، ويجوز بين ~~المسلم والحربي من الشرائط ما لا يجوز بين المسلمين. وقيل: المستعير وإن ~~كان لا يضمن لكن يضمن بالشرط، كالمودع، على ما ذكره في «المنتقى». وقيل: ~~إنما (قال) ذلك تطييبا لقلب صفوان على ما روي: أنه هلك بعض تلك الدروع، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: «إن شئت غرمناها لك، فقال: لا فإنما (أنا) اليوم ~~أرغب في الإسلام مما كنت يومئذ». ولو كان الضمان واجبا لأمره بالاستيفاء أو ~~الإبراء. # (فصل في حكم إجارة وإعارة العارية) # --- PageV05P009 ~~*** # (ولا تؤجر) العارية لأنها غير لازمة في الأصل، والإجارة لازمة، وأجازها ~~مالك. وكذا لا ترهن العارية اتفاقا، لأن الرهن لازم وهي غير لازمة (فإن ~~آجرها) المستعير (فعطبت ضمنه) أي المستعير (المعير) لأنه صار غاصبا بتعديه، ~~(ولا يرجع المستعير) على أحد، لأنه ظهر أنه آجر ملك نفسه، (أو) ضمن المعير ~~(المستأجر) لأنه قبض ملكه بغير إذنه فكان كالمستأجر من الغاصب. # (ويرجع) المستأجر (على مؤجره إن لم يعلم أنه عارية) لكونه مغرورا من جهة ~~مؤجره دفعا لضرر الغرور عن نفسه. وأما إذا علم أنه عارية فلم يرجع، لأن ~~المؤجر حينئذ لم يكن منه غرور، فصار كالمستأجر من الغاصب إذا كان عالما ~~بالغصب. # (ويعار) من العارية (ما اختلف استعماله) باختلاف المستعمل. كركوب الدابة ~~ولبس الثوب (أو لا) أي لم يختلف، كالحمل على الدابة، والاستخدام، والسكنى ~~(إن لم يعين) المعير (منتفعا) وبه قال مالك والشافعي رحمهما الله في وجه، ~~لأن العارية تمليك المنافع وقد صدرت مطلقة، وللمالك أن يملك غيره. والأصح ~~في مذهب الشافعي، وهو قول أحمد، أنها لا تعار بناء على أن الإعارة إباحة ~~المنافع، والمباح له ليس له أن يبيح لغيره. # --- PageV05P010 ~~*** # (و) يعار من العارية (ما لا يختلف) استعماله (إن عين) المعير منتفعا، لأن ~~التقييد بالمنتفع فيما لا يختلف استعماله لا يفيد لعدم التفاوت، بخلاف ms1126 ما ~~يختلف استعماله، لأن المعير رضي بذلك المعين دون غيره (وكذا المؤجر): بفتح ~~الجيم: أي حكمه حكم المعار، إن لم يعين المؤجر المنتفع، فللمستأجر أن ~~يعيره، سواء اختلف استعماله أو لا، وإن عين لا يعير إلا ما لا يختلف ~~استعماله، لأن الإجارة تمليك المنافع كالإعارة، إلا أن الإجارة بعوض، ~~والإعارة بلا عوض. # (فمن استعار دابة، أو استأجرها مطلقا) أي من غير تعيين انتفاع أو منتفع ~~((له أن) يحمل ويعير) للحمل (ويركب) بفتح الياء والكاف (ويركب) بضم ~~الياء وكسر الكاف عملا بالإطلاق (وأيا فعل) من الحمل والركوب والإركاب ~~(تعين) في الصحيح، فليس له أن يفعل غيره. (وضمن بغيره) إن عطبت، لأن ما وقع ~~أولا تعين مرادا بالعقد، فصار كأنه منصوص عليه. # --- PageV05P011 ~~*** # (وإن أطلق) المعير (الانتفاع في الوقت) متعلق ب: «أطلق»، (و) في (النوع) ~~والقدر (انتفع) المستعير (ما شاء) من أنواع الانتفاع (أي وقت شاء) عملا ~~بالإطلاق. (وإن قيد) المعير الانتفاع بوقت كيوم أو جمعة أو مكان، كطريق مكة ~~أو نوع منفعة أو بهما (ضمن) المستعير (بالخلاف إلى شر) عملا بالتقييد (فقط) ~~أي ولا يضمن بالخلاف إلى خير ولا إلى مساو، لأن الإذن بالشيء إذن بما ~~يساويه وبما هو خير منه، كمن استعار دابة ليحمل عليها قفيزا من هذه الحنطة، ~~فحملها قفيزا من حنطة أخرى، أو حمل مثل ذلك شعيرا، وهذا استحسان. ويضمن ~~قياسا، لأنه مخالف، فإن عند اختلاف الجنس لا تعتبر المنفعة والمضرة. ألا ~~ترى أن الوكيل بالبيع بألف درهم إذا باع بألف دينار لم ينفذ بيعه. ووجه ~~الاستحسان أنه لا فائدة للمالك في تعيين الحنطة، فإن مقصوده دفع زيادة ~~الضرر عن دابته، ومثل كيل الحنطة من الشعير يكون أخف على الدابة. # (وكذا تقييد الإجارة بنوع أو قدر)، أو وقت، أو مكان فإن وافق المستأجر، ~~أو خالف إلى مثل، أو إلى خير لا يضمن، وإن خالف إلى شر يضمن. واختلفوا في ~~إيداع المستعير، فقال جماعة منهم الكرخي: ليس له ذلك، مستدلين بمسألة ~~الجامع: وهي أن المستعير إذا بعث العارية إلى صاحبها ms1127 على يد أجنبي فهلكت في ~~يده يضمن المستعير (العارية)، وليس ذلك منه إلا إيداعا. قال الباقلاني: ~~وهذا القول أصح لأن، الإيداع تصرف في ملك الغير وهو العين بغير إذنه ~~قصدا، بخلاف الإعارة فإنها تصرف في المنفعة قصدا، وتسليم العين من ضروراته ~~فافترقا. # --- PageV05P012 ~~*** # وأكثرهم على أن له ذلك، منهم: مشايخ العراق، وأبو الليث، وأبو بكر محمد ~~بن الفضل، وبرهان الأئمة، لأن الإيداع دون الإعارة، لأن العين وديعة عند ~~المستعير في العارية، فإذا ملك الأعلى فأولى أن يملك الأدنى. قال ظهير ~~الدين المرغيناني: وعليه الفتوى. ومسألة الجامع محمولة على ما إذا كانت ~~العارية مؤقتة فمضت مدتها ثم بعثها مع الأجنبي، لأنه بإمساكها بعد مضي ~~المدة يصير متعديا حتى إذا هلكت في يده يضمن، فكذا إذا تركها في يد أجنبي. # (وردها) مبتدأ أي رد المستعير الدابة (إلى إصطبل مالكها)، أي مربط ~~الدابة (أو مع عبده) أي عبد المستعير (أو أجيره مسانهة أو مشاهرة أو مع ~~أجير ربها)، أي رب الدابة (أو) مع (عبده) سواء كان (يقوم على دابة أو لا) ~~يقوم عليها (تسليم) خبر المبتدأ. والقياس أن يضمن المستعير إذا رد الدابة ~~إلى إصطبل مالكها فهلكت، أو رد العبد المستعار إلى دار مالكه فتلف، وهو قول ~~الشافعي وأحمد، لأن الواجب عليه الرد إلى المالك أو نائبه ولم يوجد فيضمن، ~~كما في الوديعة، والمغصوب، والمرهون، فإنه لا يبرأ فيها إلا بالتسليم إلى ~~المالك دون الرد إلى داره اتفاقا. . # ووجه الاستحسان أنه أتى بالتسليم المتعارف، لأن رد العواري إلى دور ~~ملاكها متعارف، كآلة البيت، والناس يحفظون دوابهم في مرابطها، وهو لو سلمها ~~إلى مالكها لردها إلى إصطبلها. وقيل: هذا في زمانهم، وأما في زماننا فلا ~~يبرأ إلا بالتسليم إلى يد صاحبها. وأما عبد المستعير أو أجيره مسانهة أو ~~مشاهرة فلأنه من عيال المستعير، وله ردها بيد من في عياله، كما للمودع، لأن ~~حفظ الوديعة بهم. # --- PageV05P013 ~~*** # وأما الأجير بالمياومة فلا يعد من العيال. وأما أجير رب الدابة أو عبده ~~فقياس قول الشافعي رحمه الله أنه يضمن، ms1128 كما في الوديعة. ووجه مذهبنا وهو ~~قول أحمد أن مالك الدابة راض به عادة، والأصل أن مؤنة الرد على من وقع ~~القبض له، لأن «الخراج بالضمان» والرد واجب. ولقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«على اليد ما أخذت حتى تؤديه». فإذا ثبت هذا تتضح هذه المسائل. # (كرد مستعار غير نفيس) كفأس وغربال ونحوهما (إلى دار مالكه) فإنه يكون ~~تسليما لمالكه اتفاقا، لأن الدار في يد مالكها فكان الرد إليها ردا إليه. ~~وأما النفيس كالمصحف والجوهر، فلا يسلم في العادة إلا إلى يد مالكه، (بخلاف ~~رد الوديعة، والمغصوب إلى دار مالكها) فإنه لا يكون تسليما له. أما الوديعة ~~فلأن المالك رضي بحفظ المودع دون غيره، وأما المغصوب فلأن الغاصب متعد ~~بإثبات يده في المغصوب وإزالة يد مالكه، فلا بد له من إزالة يده وإثبات يد ~~مالكه، وذلك بحقيقة التسليم إلى مالكه. # (وعارية النقدين، والمكيل، والموزون، والمعدود) المتقارب إذا أطلقت ~~الإعارة (قرض) وتسميتها عارية مجاز، لأن الإعارة تمليك المنافع، ولا يمكن ~~الانتفاع بهذه الأشياء إلا باستهلاك عينها فاقتضى (إعارتها) تمليكها، وذلك ~~بالهبة أو القرض، والقرض أدناهما فيثبت. وأما لو استعار دراهم ليعاير بها ~~ميزانا، أو ليزين بها دكانا فإن ذلك إعارة لا قرض، وتكون له المنفعة ~~المسماة. # (وصح إعارة الأرض للبناء، والغرس) لأن كلا منهما (له) منفعة معلومة تملك ~~بالإجارة فتملك بالإعارة، بل أولى لأنها تبرع. # --- PageV05P014 ~~*** # (وله) أي للمعير (أن يرجع عنها) بعد أن يبني المستعير أو يغرس، لأن عقد ~~الإعارة غير لازم (ويكلف) (المعير) المستعير (قلعهما) أي البناء والغرس، ~~لأنه شغل أرضه بهما. (وضمن) المعير للمستعير (ما نقص) البناء والغرس ~~(بالقلع) بأن يقوم قائما غير مقلوع، لأن القلع غير مستحق قبل الوقت. ذكره ~~في «شرح الكنز». والمعنى بكم (تشترى) بشرط قيامهما إلى المدة المضروبة. وفي ~~«القدوري»: إذا كانت قيمتهما وقت مضي المدة المضروبة عشرة دنانير مثلا، ~~وحين قلعهما ثمانية، يرجع بدينارين. وفي «المبسوط» يتملكهما به، إلا أن ~~يرفعهما المستعير ولا يضمنه قيمتهما، فله ذلك لأنه ملكه. # (إن وقتها) المعير (ورجع قبله). # وقال زفر: ms1129 لا يضمن، لأن التوقيت، والإطلاق فيها سواء، لبطلان التأجيل في ~~العواري. ولنا أن المعير بالتوقيت غار للمستعير، لأنه نص على ترك الأرض في ~~يده وقرار بنائه وغرسه فيها المدة التي سماها، وللمغرور أن يدفع الضرر عن ~~نفسه بالرجوع على الغار. # (وكره) للمعير إن كان وقتها (الرجوع) عن الإعارة (قبله) أي قبل الوقت ~~الذي وقتها به. لأن فيه خلف الوعد. قيد الضمان بالمؤقتة، لأن المعير لا ~~يضمن للمستعير شيئا من البناء أو الغرس إن لم يوقت، لأن المستعير حينئذ ~~مغتر لا مغرور، لأنه اعتمد الإطلاق في العقد. وقال مالك: ليس له الرجوع متى ~~شاء، لأنه غير متعد فيه، فلا يكون لصاحب الأرض أن يأخذها ما لم يفرغها ~~المستعير. # قلنا: الأرض على ملك صاحبها والعارية لا يتعلق بها لزوم. وقال ابن أبي ~~ليلى: البناء للمعير، ويضمن قيمته مبنيا لصاحبه، لأن دفع الضرر من الجانبين ~~واجب، وإنما يندفع بهذا. # --- PageV05P015 ~~*** # قلنا: صاحب الأرض لم يرض (بالتزام) قيمة البناء، ففي إلزامه ضرر عليه، ~~فلا يصار إليه بدون تحقق الضرورة ولا ضرورة ههنا، لأن دفع البناء وتمييز ~~ملك أحدهما عن الآخر ممكن. # (ولو أعار) أرضا (للزرع لا يأخذ) المعير الأرض (حتى يحصد) الزرع (وقت أو ~~لا) لأن للزرع نهاية معلومة فيترك إليها بأجر المثل مراعاة للحقين، فكان ~~أولى من القلع. (وأجرة رد المستعار، والمستأجر، والمغصوب على المستعير، ~~والمؤجر، والغاصب) لما تقدم. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه ~~المرجع والمآب. # كتاب الوديعة # (هي) لغة: فعيلة بمعنى المفعولة، مشتقة من الودع وهو الترك، وقد جاء في ~~الحديث: «لينتهين قوم عن ودعهم الجماعات» أي عن تركها، وقرىء قوله تعالى: ~~«ما ودعك ربك وما قلى»، بتخفيف الدال، أي ما تركك وما أبغضك. # وشرعا: (أمانة تركت للحفظ) مالا كان أو غيره، بشرط أن يكون قابلا لإثبات ~~اليد ليمكن حفظه، حتى لو ودع الآبق أو المال الساقط في البحر لم تصح. وكون ~~المودع مكلفا، لوجوب الحفظ عليه. # (مشروعية الوديعة) # وشرعية الإيداع بقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها}، وأداء ms1130 الأمانة لا يكون إلا بعدها. ولأن قبول الوديعة من باب ~~الإعانة، وهي مندوبة، لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى}. وقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه». # --- PageV05P016 ~~*** # (وضمانها كالعارية) فلا يضمن إن هلكت من غير تعد، لما روى ابن ماجه في ~~«سننه» عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من أودع وديعة فلا ضمان عليه». وقال مالك رحمه الله: «إذا سرقت ~~الوديعة من عند المودع ولم يسرق له معها مال، يضمن للتهمة. قلنا: هو متبرع ~~في حفظها لصاحبها، والتبرع لا يوجب ضمانا على المتبرع، لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «ليس على المستودع غير المغل ضمان». والمغل: الخائن، والإغلال: ~~الخيانة. # (وله) أي للمودع (حفظها) أي الوديعة (بنفسه وبمن في عياله) من زوجته، ~~وولده، ووالديه، وأجيره الخاص الذي استأجره مشاهرة، أو مسانهة. والعبرة في ~~هذا الباب للمساكنة لا للنفقة. (وإن نهي) عن حفظها بهم. وقال الشافعي رحمه ~~الله: ليس للمودع أن يدفعها إلى من في عياله، لأن مالكها رضي بحفظه لا بحفظ غيره. # ولنا أن الواجب عليه أن يحفظها حفظ مال نفسه، وهو يحفظه بعياله، لأن ~~المودع لا يمكنه ملازمة بيته لحفظ الوديعة، ولا استصحابها معه في خروجه، ~~فلم يكن له بد من حفظها بمن في عياله. وفي «الذخيرة»: الدفع إلى من في ~~العيال إنما يجوز إذا كان أمينا، ولو دفعها المودع إلى أمين من أمنائه ليس ~~في عياله يجوز، وعليه الفتوى. # --- PageV05P017 ~~*** # (و) للمودع (السفر بها) أي بالوديعة وإن كان لها حمل (و) مؤنة (عند عدم ~~النهي) من صاحب الوديعة (و) عدم (الخوف) بأن كان الطريق أمينا لا يقصد فيه ~~أحد بسوء غالبا، ولو قصده يمكنه دفعه بنفسه أو برفقته. وقال أبو يوسف رحمه ~~الله: له السفر بها إن كانت المسافة قصيرة، وإن كانت طويلة فليس له ذلك ~~فيما له حمل ومؤنة. وقال محمد رحمه الله: ليس له السفر بها فيما له حمل ~~ومؤنة، إذ الظاهر من حال صاحبها ms1131 أنه لا يرضى بها، وصار كالوكيل بالبيع ليس ~~له السفر بالمبيع، وإن سافر به ضمن. # وقال الشافعي رحمه الله: ليس له ذلك مطلقا، لأن المتعارف هو الحفظ في ~~الأمصار دون المفازات والأسفار. وقال مالك رحمه الله: ليس له ذلك إذا قدر ~~أن يردها على صاحبها، أو وكيله، أو الحاكم، أو أمينه. ولأبي حنيفة رحمه ~~الله أنه أمره بالحفظ من غير تقييد فلا يتقيد بمكان دون مكان، كما لا يتقيد ~~بزمان دون زمان. قيد «بعدم النهي وعدم الخوف»، لأن المودع ليس له السفر ~~بالوديعة إذا نهاه ربها عنه بلا خلاف بين العلماء. # (ولو حفظ) المودع (بغيرهم) أي بغير نفسه وعياله (ضمن) لأن المالك رضي ~~بيده لا بيد غيره، والأيدي تختلف بالأمانة (إلا إذا خاف) المودع على ~~الوديعة (الحرق) بأن وقع حريق في داره (أو) خاف عليها (الغرق) بأن كان في ~~السفينة وهبت الريح (فوضعها عند جاره) في خوف الحرق (أو في فلك آخر) في خوف ~~الغرق فإنه لا يضمن، لأن فعله هذا تعين للحفظ فصار مأذونا له دلالة. # --- PageV05P018 ~~*** # وفي «النهاية»: عن محمد: أن المودع إذا دفع الوديعة إلى وكيله وليس في ~~عياله، أو دفع إلى أمين من أمنائه ممن يثق به في ماله وليس في عياله، لا ~~يضمن، لأنه حفظها مثل ما يحفظ ماله، ولا يجب عليه أكثر من ذلك. ثم قال: ~~وعليه الفتوى. وعزاه إلى التمرتاشي، وهو إلى الحلواني، ثم قال: وعن هذا لم ~~يشترط في «التحفة» الحفظ بالعيال، بل قال: ويلزم المودع إذا قبل الوديعة ~~حفظها على الوجه الذي يحفظ ماله. # (فإن حبسها) أي المودع الوديعة (بعد طلب ربها) حال كون المودع (قادرا ~~على التسليم، أو جحدها) مع ربها، سواء أقر بها بعد الجحود أو لا. قيدنا ~~الجحود بكونه مع رب الوديعة، لأنه لو كان مع غيره بأن قال له أجنبي: أعندك ~~وديعة لفلان؟ فقال: ليس لفلان عندي وديعة، لا يضمن، خلافا لزفر، وهو يقول: ~~الجحود سبب الضمان، سواء كان عند المالك أو غيره، كالإتلاف حقيقة. ولنا أن ~~الجحود ms1132 عند الأجنبي من باب الحفظ، لأنه يقطع طمع الطامعين عنها، وبه قال ~~مالك، والشافعي، وأحمد. # (أو خلط) المودع الوديعة (بماله حتى لا يتميز) كالحنطة بالحنطة، أو تعسر ~~تميزه، كالحنطة بالشعير، وكخلط المائع بغير جنسه: مثل خلط الزيت بالشيرج. ~~وأسند الخلط إلى المودع، لأنها لو اختلطت بماله بغير فعله كان شريكا ~~لصاحبها بالاتفاق، وسيذكر المصنف هذا. وقيد الخلط بعدم التميز، لأنه لو ~~خلطها وكان يتيسر تميزها، كما لو خلط الدراهم البيض بالسود، والدراهم ~~بالدنانير، والجوز باللوز، لم ينقطع حق المالك بالاتفاق، لتمكنه من الوصول ~~إلى عين ملكه بالإخراج. # --- PageV05P019 ~~*** # (أو تعدى فلبس) الثوب المودع (أو ركب) الدابة المودعة (أو حفظ الوديعة في ~~دار أمر به) أي بالحفظ (في غيرها، أو جهلها) بتشديد الهاء الأولى أي لم ~~يبين أنها وديعة (عند الموت ضمن) مثلها لو مثلية، وقيمتها لو قيمية. هذا ~~جواب الشرط الذي هو: «فإن حبسها» وما عطف عليه، وخيراه بين المشاركة ~~والتضمين. # (وإن أزال) المودع (التعدي) بأن ترك لبس ثوب الوديعة، أو ركوب دابتها ~~(زال ضمانه). وقال الشافعي: لا يزول، وبه قال مالك في رواية، وأحمد، (وإن ~~اختلطت) الوديعة بمال المودع (بلا فعله) كما لو انشق الكيس في صندوقه ~~فاختلطت بدراهمه (اشتركا) بقدر ملكهما، ولا يضمن المودع لعدم الصنع منه. ~~وهذه شركة أملاك حتى لو هلك بعضها هلك من مالهما، ويقسم الباقي بينهما على ~~قدر ما كان لكل منهما. # (ولا يدفع) المودع (إلى أحد المودعين قسطه) من الوديعة (بغيبة الآخر) ولو ~~دفعه بغيبته يضمن، وهذا عند أبي حنيفة، وهو مروي عن علي رضي الله عنه، وفيه ~~حكاية (وهي): أن رجلين دخلا حماما وأودعا عند الحمامي ألفا، فخرج أحدهما ~~وطلبها منه وأعطاه إياها وذهب، ثم خرج الآخر فطالبه بها، فتحير الحمامي، ~~فذهب إلى أبي حنيفة رحمه الله تعالى فقال له أبو حنيفة رحمه الله تعالى: قل ~~له: كلاكما أودعتماني، فلا أعطيك حتى يحضر صاحبك، فانقطع الرجل وترك ~~الحمامي. # وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي رحمهم الله تعالى: يدفع إليه قسطه ~~ولا يضمن، سواء ms1133 كان من ذوات الأمثال، أو من ذوات القيم عند بعض المشايخ، ~~والصحيح أن الاختلاف فيما هو من ذوات الأمثال، وفيما عداه، كالثياب والدواب ~~والعبيد ليس للحاضر أن يأخذ نصيبه بالاتفاق. # --- PageV05P020 ~~*** # (ولأحد المودعين دفعها إلى آخر فيما لا يقسم) كالعبد والثوب والحيوان، ~~لأن المالك رضي بيد كل منهما على كلها، لأنه أودعهما مع علمه بأنهما لا ~~يجتمعان الليل والنهار على حفظها (ودفع نصفها فيما يقسم) لأن المالك لما ~~أودعهما مع علمه أنهما لا يقدران على ترك اشتغالهما ولا يجتمعان في مكان ~~واحد للحفظ، كان راضيا لقسمتها، وحفظ كل واحد منهما للنصف دلالة. والثابت ~~بالدلالة كالثابت بالنص. # (وضمن دافع الكل) إلى الآخر عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقالا: لا ~~يضمن دافع الكل إلى الآخر فيما يحتمل القسمة، كما لا يضمن فيما لا يحتملها، ~~لأن المالك رضي بأمانتهما. (لا قابضه) أي لا يضمن عند أبي حنيفة رحمه الله ~~تعالى قابض الكل لتعديه بالقبض، لأنه مودع المودع، ومودع المودع لا يضمن عنده. # (ولا اعتبار للنهي) أي لنهي رب الوديعة المودع (عن الدفع إلى من لا بد ~~له) للمودع (من حفظه) كأن قال: لا تدفعها إلى امرأتك، أو أحد من عيالك، فإن ~~هذا الشرط مفيد، إذ قد يأمن الإنسان الرجل على ماله ولا يأتمن عليه عياله، ~~إلا أنه إنما يلزم مراعاته بحسب الإمكان، فإذا لم يكن الحفظ بدونه صار ~~النهي عن الدفع إليه كالنهي عن حفظه، فكان مناقضا لأصله فيبطل، فلا يضمن ~~إذا هلكت، استحسانا. ويضمن في القياس، لأنه استحفظ (من استحفظ) منه، ويؤيد ~~وجه القياس قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} والمراد النساء، فإذا ~~كان هو منهيا عن دفع مال نفسه إلى امرأته، فما ظنك في مال غيره ووجه ~~الاستحسان ما تقدم، والله أعلم. # --- PageV05P021 ~~*** # (ولا) للنهي (عن الحفظ في بيت من دار) لأن البيتين في دار واحدة قلما ~~يختلفان في الحرز، فصار الشرط غير مفيد فلا يعتبر، كما لو قال: احفظها ~~بيمينك دون يسارك، أو: في هذه الصندوق في هذا البيت فحفظها في ms1134 صندوق آخر ~~(إلا أن يكون به) أي بذلك البيت الذي نهى عنه (خلل ظاهر) فإن النهي معتبر ~~حينئذ، وكذا إذا نهاه عن الحفظ في دار أخرى اعتبر النهي، حتى لو خالف ضمن. # (ولو أودع المودع) الوديعة عند من ليس في عياله (فهلكت ضمن) المالك ~~(الأول) عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعندهما ضمن أيهما شاء، كما قال ~~مالك والشافعي. (ولو أودع الغاصب) المغصوب فهلك (ضمن) المالك (أيهما شاء) ~~باتفاقهم. ثم مودع الغاصب إن لم يعلم أنه غاصب يرجع إلى الغاصب قولا واحدا، ~~وإن علم فكذا في الظاهر. وحكى أبو اليسر أنه لا يرجع، وإليه أشار شمس ~~الأئمة. # ثم اعلم أن الإيداع يكون بالإيجاب والقبول تارة: كأودعتك هذا المال، وقول ~~الآخر: قبلت، وبالدلالة أخرى، كوضع المتاع عند الغير وهو ساكت، لأنه يعد ~~قبولا عرفا. ولو وضعه عند جماعة يتعين له حافظا آخرهم قياما وانصرافا. ولا ~~ضمان على من دفع ما عنده من الأمانة إلى سلطان جائر هدده على دفعه إليه ~~بقطع يده، أو ضربه خمسين سوطا، لعدم قدرته على دفعه، فلم يكن مقصرا في ~~حفظه، والله سبحانه أعلم. # كتاب الغصب # (هو) لغة: أخذ الشيء ظلما، أو قهرا، مالا كان أو غيره. وقد سمي المغصوب ~~غصبا تسمية للمفعول بالمصدر. # --- PageV05P022 ~~*** # وشرعا: (أخذ مال متقوم محترم علنا بلا إذن مالكه، يزيل يده) أي على وجه ~~يزيل ذلك الأخذ يد مالك المال عن المال، حتى كان استخدام العبد بغير إذن ~~مالكه، ولبس الثوب، والحمل على الدابة، غصبا بالاتفاق، لقصر يد المالك عنها ~~وإثبات يده عليها، دون الجلوس على بساط غيره وفراشه بلا نقل عن محله. # فخرج بالأخذ ما صار مع المغصوب بغير صنع الغاصب، كما لو غصب دابة فتبعتها ~~أخرى، فإنه لا يضمنها. وبالمال نحو الميتة والحر، وبالمتقوم الخمر. ~~وبالاحترام مال الحربي، وبالعلن السرقة، وبعدم إذن المالك الوديعة، ~~والعارية، والمستأجر، والموهوب ونحوها. وقوله: «يزيل يده» للاحتراز عن أخذ ~~العقار لعدم تحقق إزالة اليد فيه، لأنها إنما تكون بالنقل والتحويل. ولأن ~~الغصب عندنا إزالة اليد المحقة ms1135 عن العين بإثبات اليد المبطلة، أو قصرها ~~ومنعها عنه. وعند مالك والشافعي: إثبات اليد المبطلة من غير شرط إزالة ~~المحقة. # وفائدة الخلاف تظهر في زوائد المغصوب، كالولد، وثمرة البستان، والسمن، ~~والجمال، فإنها غير مغصوبة عندنا فلا تكون مضمونة، سواء كانت متصلة أو ~~منفصلة إلا بالتعدي عليها بالإتلاف، أو المنع بعد طلب المالك. وأما بدونهما ~~فلا تكون مضمونة لعدم إزالتها وقصر يده عنها، لانعدام ثبوتها عليها، ~~ومغصوبة عنده فتكون مضمونة لإثبات اليد المبطلة. # --- PageV05P023 ~~*** # (فلا غصب في العقار) لما تقدم من أن الغصب فيما ينقل (حتى لو هلك) العقار ~~بآفة سماوية، أو انهدم بناء الدار بسيل (في يده) أي يد آخذه قهرا من مالكه ~~(لا يضمن) وهذا عند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله تعالى. وقال محمد: في ~~العقار الغصب، ويضمن بالهلاك في يد آخذه قهرا عن مالكه، وهو قول أبي يوسف ~~أولا، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، لأنه أثبت يده على وجه تضمن تفويت يد ~~المالك عنه، فانعقد ذلك سببا للضمان، كما في المنقول. # ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أن الغصب إزالة اليد المحقة بإثبات اليد ~~المبطلة، لأن الواجب ضمان جبر فيعتمد التفويت، وإزالة يد المالك إنما تكون ~~بالنقل والتحويل، وذا لا يتصور في العقار، وإنما يتصور فيه منع المالك عنه، ~~ومنع المالك تصرف فيه لا في المحل. وصار كما لو بعد المالك عن مواشيه حتى ~~تلفت بذلك. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «من غصب شبرا من أرض طوقه الله تعالى يوم ~~القيامة من سبع أرضين»، فلا يدل على أنه يتحقق فيه الغصب الموجب للضمان، ~~كإطلاق لفظ البيع على بيع الحر في حديث: «من باع حرا». قال ابن الأثير: ~~طوقه من سبع أرضين: أي يخسف الله به الأرض فتصير البقعة المغصوبة منها في ~~عنقه كالطوق. ويؤيده أنه في رواية للبخاري: «خسف به إلى سبع أرضين». وفي ~~«مسند ابن أبي شيبة»: «من غصب شبرا من أرض جاءته إسطاما في عنقه». ~~والإسطام: كالحلق من الحديد. وقيل: هو أن يطوق حملها يوم القيامة، ms1136 أي ~~يكلفه، فيكون من طوق التكليف لا من طوق التقليد. # --- PageV05P024 ~~*** # هذا، والحديث المذكور هو حجتنا في ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم بين جزاء ~~غاصب العقار الوعيد في العقبى ولم يذكر الضمان في الدنيا، فذلك دليل على أن ~~المذكور جميع جزائه، ولو كان الضمان واجبا لكان الأولى أن يبينه، لأن ~~الحاجة إليه أمس. # (وما نقص) العقار (بفعله) أو بسكناه في الدار وزرعه في الأرض (يضمن) ~~عندهم جميعا، لأن هذا إتلاف، والعقار يضمن بالإتلاف اتفاقا، كما إذا نقل ~~ترابه، لأنه فعل في العين. وجاز أن لا يضمن بالغصب، ويضمن بالإتلاف كالحر. # (واستخدام العبد) والحمل على الدابة (غصب، لا جلوسه) أي ليس جلوس الجالس ~~(على البساط) الذي لغيره غصبا له، لأنه بجلوسه عليه لم يفعل فيه شيئا يكون ~~به مزيلا ليد مالكه، وبسط البساط فعل مالكه. فتبقى يده فيه ما بقي أثر ~~فعله، بخلاف استخدام العبد، والحمل على الدابة، فإنه بالتصرف فيهما أثبت ~~يده عليهما، وذلك موجب لقصر يد مالكهما عنهما. # (حكم الغصب) # (وحكمه) أي الغصب (الإثم لمن علم) أن ذلك الفعل غصب وأقدم عليه بإجماع ~~الأمة (ورد العين) في مكان غصبه حال كونها (قائمة، والغرم) حال كونها ~~(هالكة) لمن علم. ولمن لا يعلم: بأن ظن أن المأخوذ ماله، أو اشترى عينا ~~فاستحقت، لأن هذا حق العبد، وهو لا يتوقف على العلم والقصد بالإجماع. أما ~~رد العين، فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لأحد أن يأخذ متاع أخيه ~~لاعبا، أو جادا، فإن أخذه فليرده إليه». ولقوله صلى الله عليه وسلم: «على ~~اليد ما أخذت حتى تؤديه». وأما غرمه، فلأنه يقوم مقام عينه عند العجز عنها، ~~فإن نقص ضمن اعتبارا للجزء بالكل. # --- PageV05P025 ~~*** # (ويجب) على الغاصب إذا عجز عن رد العين المغصوبة بهلاكها في يده بفعله أو ~~بفعل غيره (المثل في المثلي، كالمكيل، والموزون، والعددي المتقارب) لقوله ~~تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}. وقال زفر: ~~عليه ضمان قيمته. # (فإن انقطع المثل) عن أيدي الناس بانتهائه، كالرطب ونحوه، (فقيمته) تجب ms1137 ~~(يوم يختصمان) عند أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى وبعض أصحاب الشافعي. ~~وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: يوم الغصب. وقال محمد: يوم الانقطاع. وبه ~~قال أحمد وبعض أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى (وفي غير المثلي) تجب (قيمته ~~يوم الغصب، كالعددي المتفاوت) والثياب والدواب. # (فإن ادعى) الغاصب (الهلاك حبس) لأن الهلاك لعارض، والأصل عدمه (حتى يعلم ~~أنه) أي المغصوب (لو بقي لظهر ثم قضي عليه بالبدل) لأن الحق متعلق بالعين، ~~وللناس أغراض في الأعيان فلا يقبل قول الغاصب في هلاكها حتى يحصل به غلبة ~~ظن: إما بإقامة بينة، وإما مضي مدة. ومدة ذلك موكولة إلى رأي القاضي، فإذا ~~علم الهلاك سقط رد عينه، ولزم رد بدله. وهذه المسألة تدل على أن الموجب ~~الأصلي رد العين. # (والقول فيه) أي في البدل (للغاصب) مع يمينه (إن لم يقم) المالك (حجة على ~~الزيادة) لأن المالك يدعي الزيادة في القيمة على الغاصب بلا حجة، وهو ~~ينكرها، والقول قول المنكر مع يمينه. ولو أقام الغاصب البينة لا تقبل لأنها ~~تنفي الزيادة، والبينة على النفي لا تقبل. # --- PageV05P026 ~~*** # (فإن ظهر) المغصوب (وقيمته أكثر) مما ضمن الغاصب (وقد ضمن) الغاصب ~~(بقوله) أي بقول نفسه مع يمينه (أخذه المالك ورد بدله) لأن رضاه بهذا القدر ~~لم يتم، لأنه كان ادعى الزيادة، وإنما أخذ دونها لعدم البينة له عليها. (أو ~~أمضى الضمان) وكذا لو ظهر المغصوب، وقيمته مثل ما ضمنه الغاصب، أو دونه على ~~الأصح. وقال الكرخي: لا خيار للمالك في المثل والدون، لأنه توفر عليه بدل ~~ملكه بكماله. # (وإن) ظهر المغصوب، وقيمته أكثر مما ضمن الغاصب، وقد (ضمن) الغاصب (لا ~~بقوله) بل بقول المالك، أو ببينة أقامها، أو بنكول الغاصب عن اليمين (فهو ~~للغاصب) ولا خيار للمالك، لأنه رضي بالمبادلة فيه بهذا القدر حيث ادعاه ولم ~~يدع زيادة عليه، وبه قال مالك. وعند الشافعي وأحمد له الخيار لعدم زوال ~~ملكه عندهما عنه، ولقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ms1138 منكم} فالله تعالى جعل أكل مال ~~الغير قسمين: قسم بالباطل، وقسم بالتجارة عن تراض. وهذا ليس بتجارة عن ~~تراض، فيكون أكلا بالباطل. والمعنى فيه أن الغصب عدوان محض، لأنه ليس فيه ~~شبهة الإباحة بوجه ما، فلا يكون موجبا للملك. # --- PageV05P027 ~~*** # ولنا أن المالك ملك بدل المغصوب بكماله، رقبة ويدا، فوجب أن يزول ملكه عن ~~المبدل إلى ملك من وجب عليه البدل، إذا كان المبدل محلا للنقل من ملك إلى ~~ملك، دفعا للضرر عنه وتحقيقا للعدل، كما في سائر المبادلات. وأما الآية ~~ففيها بيان أن الأكل بالتجارة عن تراض جائز، لا أن يكون الجواز مقصورا ~~عليه. ثم معنى التجارة مندرج هنا من وجه، فإن المالك هنا متمكن من أن يصبر ~~حتى تظهر العين فيأخذها، فحين طالبه بالقيمة مع علمه أن من شرطه انعدام ~~ملكه في العين، فقد صار راضيا بذلك. لأن من طلب شيئا لا يتوصل إليه إلا ~~بشرط، كان راضيا بالشرط كما يكون راضيا بمطلوبه. # (وإن آجر) الغاصب العبد (المغصوب، أو) آجر الأمين العبد (الأمانة، أو ربح ~~الغاصب) أو الأمين (بالتصرف فيهما) أي في المغصوب والأمانة: بأن اشترى ~~الغاصب أو المودع بألف الغصب أو الوديعة أمة، فباعها بألفين (تصدق) المؤجر ~~بالأجرة، والرابح بالربح عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، خلافا ~~لأبي يوسف رحمه الله تعالى. # --- PageV05P028 ~~*** # (إلا أن يكونا) أي المغصوب والأمانة اللذين ربح الغاصب والأمين بالتصرف ~~فيهما (دراهم أو دنانير لم يشر) المتصرف (إليهما) عند التصرف فيهما، سواء ~~أشار إلى غيرهما، أو لم يشر إلى شيء ، (أو أشار) إليهما (ونقد غيرهما) فإنه ~~يطيب له الربح، لأن الدراهم والدنانير لا تتعينان بالإشارة. والإشارة إذا ~~كانت لا تفيد التعيين يستوي وجودها وعدمها، بخلاف ما لو أشار إليهما ونقد ~~منهما، لأن الإشارة تتأكد بالنقد من المشار إليه فيتحقق الخبث، (و) بخلاف ~~ما لو كان عرضا ونحوه، لأن العقد يتعلق بعينه، حتى لو هلك قبل القبض يبطل ~~البيع فيتحقق الخبث. # وقال فخر الإسلام: قال مشايخنا: لا يطيب بكل حال أن يتناول من المشترى ~~قبل ms1139 أن يضمن، وبعد الضمان لا يطيب الربح بكل حال، وهو المختار لإطلاق ~~الجواب في «الجامعين»، ومضاربة «المبسوط» بقوله: يتصدق بجميع الربح. # وحاصله أنه متى استفاد بالحرام ملكا من طريق الحقيقة وهي فيما يتعين ، ~~أو الشبهة وهي فيما لا يتعين يثبت الخبث، ولا يثبت في الدراهم إذا استفاد ~~بها الربح إلا الشبهة، لأنه إذا أشار إليها لم يتعين إلا في حكم جواز العقد ~~لمعرفة القدر والنقد، وإذا نقد منها استفاد به سلامة المشترى. وإذا أشار ~~فيما لا يتعين ولم ينقد استفاد بالإشارة جواز العقد لمعرفة القدر والنقد. ~~وإذا نقد ولم يشر استفاد سلامة المشترى، فأما أن تصير عينها عوضا فلا، فثبت ~~أنه لا يثبت إلا الشبهة، وقد استوت الوجوه في الشبهة فاستوت في الخبث. # --- PageV05P029 ~~*** # (وإن غصب وغير) المغصوب (فزال اسمه) أي اسم المغصوب (وأعظم منافعه ضمنه) ~~الغاصب (وملكه بلا حل) للانتفاع به (قبل أداء بدله، كذبح شاة وطبخها) أي ~~كمن غصب شاة فذبحها وطبخها، أو حنطة فطحنها أو زرعها (أو جعل صفر) أي وكجعل ~~نحاس (إناء) وحديد سيفا. وقال مالك والشافعي: لا ينقطع حق المالك، وبه قال ~~أحمد وأبو يوسف رحمهما الله تعالى في رواية. # وفي «غاية البيان»: أستقبح أن يجيء رجل (معدم) إلى كر حنطة لإنسان ~~فيطحنه، ثم يهبه لابن له صغير ولا يكون لرب الطعام على الدقيق سبيل. قال: ~~وأخالف أبا حنيفة رحمه الله تعالى في هذا، وأجعله بالخيار إن شاء ضمنه مثل ~~حنطته ودفع إليه الدقيق، وإن شاء أخذ ذلك الدقيق ولم يضمنه شيئا. وكذلك إن ~~وهبه الغاصب، أو باعه، أو تصدق به، فإن ذلك باطل، ولرب الطعام أن يأخذه ~~بعينه، وكذلك لو غصب لحما فشواه أو طبخه. # قيد «بتغيير الغاصب للمغصوب» لأنه لو تغير بنفسه كأن صار العنب زبيبا، ~~فإن المالك بالخيار إن شاء أخذه وإن شاء ضمن الغاصب. وقيد «بزوال الاسم» ~~لأن من غصب شاة وذبحها لم يزل اسم الشاة عنها إذ يقال: شاة مذبوحة ~~فمالكها بالخيار: إن شاء ضمن الغاصب قيمتها وسلمها له، وإن شاء ms1140 ضمنه ~~نقصانها، لأن ذبحها استهلاك من وجه دون وجه، فيتخير المالك. وقيد «ب: أعظم ~~المنافع» لأنه لو لم يكن الزائل أعظمها، كخرق الثوب فاحشا أو يسيرا، فإن ~~ضمان المغصوب لا يتعين، كما سيذكره المصنف. # --- PageV05P030 ~~*** # ثم القياس وهو قول زفر، ورواية أبي الليث عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى ~~أن للغاصب الانتفاع بهذا المغصوب قبل أداء بدله، لأن ملكه حدث بكسبه، ~~والملك مبيح للتصرف، ولهذا لو وهبه أو باعه صح. # ووجه الاستحسان ما روى أبو داود رحمه الله تعالى في «سننه» في أول البيوع ~~عن عاصم بن كليب، عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في جنازة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ~~القبر يوصي الحافر: أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه، فلما رجع استقبله ~~داعي امرأة فجاء، فجيء بالطعام فوضع يده، ثم وضع القوم أيديهم فأكلوا ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يلوك لقمة في فيه. ثم قال: «إني أجد لحم شاة أخذت ~~بغير إذن أهلها. فقالت المرأة: يا رسول الله، إني أرسلت إلى البقيع، ليشترى ~~لي شاة فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن يرسلها إلي بثمنها فلم ~~يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها. # فقال صلى الله عليه وسلم: «أطعميه الأسارى». # فأفاد هذا الأمر بالتصدق زوال ملك المالك وحرمة الانتفاع للغاصب قبل ~~الإرضاء، ولأن في إباحة الانتفاع قبل إرضاء المالك فتحا لباب الغصب، فيحرم ~~حسما لمادة الفساد، والله رؤوف بالعباد. # ونفاذ بيعه وهبته مع الحرمة لقيام الملك بجهة محظورة، كما في ملك الفاسد. ~~ولو أدى الغاصب المالك البدل أبيح له التناول، لأن حق المالك صار موفى ~~بالبدل فتحقق بينهما مبادلة بالتراضي، وكذا لو أبرأه، لأن حقه يسقط ~~بالبراءة، وكذا لو ضمنه المالك أو الحاكم لوجود الرضاء منه، لأن الحاكم لا ~~يضمنه إلا بعد طلبه فكان راضيا به. # --- PageV05P031 ~~*** # (بخلاف الحجرين) الذهب والفضة، فإن جعلهما إناء، أو دنانير، أو دراهم لا ~~يزيل ملك مالكهما ms1141 عنهما (فهما للمالك بلا شيء) للغاصب عند أبي حنيفة، ~~ومالك، والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى. وقال أبو يوسف ومحمد: يملكهما ~~الغاصب وعليه مثلهما. # (ولو خرق) الغاصب (ثوبا) خرقا فاحشا: بأن نقص ربع قيمته، أو أبطل عامة ~~منفعته (وفوت بعض عينه، أو بعض نفعه، طرحه المالك عليه) أي على الغاصب ~~(وأخذ قيمته) لأنه استهلكه من وجه، (أو أخذه) المالك (وضمن) الغاصب ~~(نقصانه) لأنه لم يخرج عن أن يكون صالحا لما كان صالحا له، وإنما تمكن ~~النقصان في قيمته فيضمن الغاصب ذلك النقصان. (وفي الخرق اليسير) وهو ما لا ~~يفوت به شيء من المنفعة، وإنما يحصل به نقصان في المالية بسبب الجودة (ضمن) ~~الغاصب (ما نقص) الثوب، وكان الثوب لمالكه، لأن العين قائم من وجه، وإنما ~~دخله عيب. # (ومن بنى في أرض غيره، أو غرس) فيها (أمر بالقلع والرد) أي بقلع البناء ~~والغرس، ورد الأرض، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس لعرق ظالم حق». رواه ~~أبو داود، والترمذي، والنسائي رحمهم الله تعالى، وصححه في «المغرب» بتنوين ~~عرق: لذي عرق ظالم، وهو الذي يغرس في الأرض غرسا على وجه الاغتصاب، ووصف ~~العرق بالظلم الذي هو صفة صاحبه مجاز. قال الأكمل: وقد روي بالإضافة: أي ~~ليس لعرق غاصبه ثبوت، بل يؤمر بقلعه. وفي «الصحاح»: العرق الظالم: أن يجيء ~~الرجل إلى أرض قد أحياها غيره فيغرس فيها، أو يزرع ليستوجب به الأرض. # --- PageV05P032 ~~*** # (وللمالك أن يضمن قيمة) البناء أو الغرس فيضمن قيمة (بناء أو شجر أمر ~~بقلعه) أي قيمة مستحق للقلع. لأن حقه في المقلوع: بأن يعتبر قيمة الأرض ~~بدون الشجر أو البناء عشرة دنانير مثلا، ومع الشجر. أو البناء المستحق قلعه ~~خمسة عشرة، فيضمن له خمسة دنانير (إن نقصت) الأرض (به) أي بالقلع أو النقص. ~~لأن في ذلك نظرا للجانبين ودفعا للضرر عنهما، فيملكه صاحبها عليه بقيمته، ~~أو يأمره برفعه. ولا شيء له بنقص أرضه لرضاه به. وإن لم تنقص به يخير صاحب ~~الشجر بين قلعه ودفعه إليه مما ذكرنا من قيمته. ولو جلس على ms1142 ثوب غيره فقام ~~غير عالم بجلوسه عليه فانشق منه، ضمن له نصف نقصه في ظاهر الرواية. وقيل: ~~كله، كما لو شقه بجذبه من يد مالكه. # (وإن حمر) غاصب الثوب، أو صفره، أو لت غاصب السويق بسمن (ضمنه) مالك ~~الثوب قيمة ثوب (أبيض) ومالك السويق مثل السويق، وسلم الثوب المصبوغ ~~والسويق الملتوت للغاصب (أو أخذه وغرم ما زاد الصبغ) والسمن. وقال الشافعي ~~وأحمد: لمالك الثوب أن يملكه ويأمر الغاصب بإزالة الصبغ بالغسل بالقدر ~~الممكن، ويضمنه نقصان الثوب إن انتقص بذلك، لأنه متعد في الصبغ، والتمييز ~~ممكن، بخلاف السمن في السويق لتعذر التمييز. # --- PageV05P033 ~~*** # ولنا أن الصبغ مال متقوم، كالثوب. وغصب الغاصب لا يسقط حرمة ماله، فيجب ~~صيانة مالهما ما أمكن، وذا بإيصال معنى مال أحدهما إليه وإبقاء حق الآخر في ~~عين ماله كما قلنا. والجواب في اللت كالجواب في الصبغ، إلا أن السويق ~~والسمن من ذوات الأمثال، والثوب والصبغ من ذوات القيم. ولو كان الثوب ينقص ~~بالحمرة: كأن كانت قيمته بدونها ثلاثين درهما، فصارت بها عشرين، فعن محمد ~~ينظر إلى ثوب تزيد فيه الحمرة، فإن كانت الزيادة خمسة يأخذ رب الثوب ثوبه ~~وخمسة دراهم من الغاصب، لأن صاحب الثوب استوجب عليه نقصان قيمة ثوبه عشرة ~~دراهم، واستوجب عليه الغاصب قيمة صبغه خمسة، فالخمسة قصاص، ويرجع عليه بما ~~بقي، وهي خمسة. # (وإن سود) الغاصب الثوب (ضمنه) المالك قيمة ثوب (أبيض، أو أخذه، ولا شيء ~~للغاصب) في مقابلة الصباغة عند أبي حنيفة، وعندهما التسويد كالتحمير. وهذا ~~الخلاف مبني على أن السواد عنده نقصان، وعندهما زيادة. وقيل: هذا اختلاف ~~زمان، فأبو حنيفة أجاب على ما شاهد في عصره من عادة بني أمية، وهي عدم لبس ~~السواد، وهما أجابا على ما شاهدا في عصرهما من عادة بني العباس، وهي لبس ~~السواد. وقيل إن كان المغصوب ثوبا ينقص السواد من قيمته، فالجواب ما قاله ~~أبو حنيفة، وإن كان يزيد السواد في قيمته فالجواب ما قالا. وهذا تفصيل حسن ~~لا ينبغي العدول عنه. # --- PageV05P034 ~~*** # (وإن باع) الغاصب (أو أعتق ms1143 ثم ضمن) القيمة (نفذ البيع لا العتق) وبه قال ~~أحمد في رواية، لأن الملك الناقص لا يكفي لثبوت العتق، ويكفي لنفاذ البيع. ~~وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية : لا ينفذ بيعه، ولأن عتقه كتصرفات ~~الفضولي، وإعتاق المشتري من غاصب عبدا نافذ عند أبي حنيفة وأبي يوسف بإجازة ~~المالك بيع الغاصب، هكذا يرويه محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة كما ذكره ~~قاضيخان في شرحه. # وقال أبو سليمان: وكذا سمعنا من أبي يوسف رواية عن أبي حنيفة رحمه الله ~~تعالى: أنه لا ينفذ عتقه. ووجه الاستحسان أن هذا بيع فضولي، فيكون موقوفا، ~~فبإجازته ينفذ من حين العتق، فينفذ إعتاقه لمصادفة ملكه. وكذا بتضمينه ~~قيمته في رواية. وخالفنا زفر وأبطل محمد إعتاق المشتري كمالك والشافعي، وهو ~~القياس، لأن هذا عتق ترتب على عتق توقف نفوذه لحق المالك، فلا ينفذ بنفوذ ~~العقد، كما لو حرره الغاصب وضمنه. # (وزوائد الغصب) أي المغصوب حال كونها (متصلة) كالسمن والجمال (أو منفصلة) ~~كالولد وثمر البستان أمانة في يد الغاصب (لا تضمن إن هلكت، إلا بالتعدي) أي ~~بتعدي الغاصب: بإتلافه، أو بذبحه، أو أكله، أو بيعه وتسليمه (أو المنع) أي ~~منع الغاصب (بعد الطلب) أي طلب المالك، وبه قال مالك. وقال الشافعي وأحمد: ~~زوائد المغصوب مضمونة. # --- PageV05P035 ~~*** # (وخمر المسلم) مبتدأ (وخنزيره) عطف، سواء كان المتلف مسلما أو ذميا لا ~~يضمنان، لأنهما ليسا بمتقومين في حق المسلم. قيد «بالمسلم» لأن خمر الذمي ~~أو خنزيره يضمن، وهو قول مالك، سواء كان المتلف ذميا أو مسلما إلا أن ~~المسلم لا يضمن الخمر بمثلها، لأنه لا يملك تمليكها، بل بقيمتها. وقال ~~الشافعي وأحمد : لا يضمن خمر الذمي ولا خنزيره سواء كان المتلف مسلما أو ذميا. # (ومنافع الغصب) أي المغصوب، عطف آخر (لا تضمن) خبر المبتدأ، والمعنى لا ~~تكون منافعه مضمونة عندنا، سواء كان استوفاها بالسكنى والركوب مثلا، أو ~~عطلها: بأن أمسكها مدة ولم يستعملها ثم ردها. وحكم الشافعي بضمانها، وكذلك ~~مالك أيضا، وصوبه ابن الحاجب. # وقال ابن القاسم: لا تضمن إن عطلها، وإن ms1144 استغل أو استعمل تضمن على ~~المشهور عنه، وروي إلا في العبيد والدواب، وروي لا تضمن مطلقا. وحجتنا في ~~ذلك حديث عمر وعلي رضي الله عنهما، فإنهما حكما في ولد المغرور أنه حر ~~بالقيمة، وأوجبا على المغرور رد الجارية مع عقرها، ولم يوجبا قيمة الخدمة، ~~مع علمهما أن المغرور كان يستخدمها، ومع طلب المدعي لجميع حقه، فلو كان ذلك ~~واجبا لما حل السكوت في بيانه، وبيان العقر منهما لا يكون بيانا لقيمة ~~الخدمة، لأن المستوفى بالوطىء في حكم جزء من العين ولهذا يتقوم عند الشبهة ~~بخلاف المنفعة. # والمعنى فيه: أن المنفعة ليست بمال متقوم فلا يضمن بالإتلاف، كالخمر ~~والميتة. وإذا كان المغصوب وقفا، أو مال يتيم، أو معدا للاستغلال، يضمن في ~~اختيار المتأخرين؛ قالوه صونا لحقوق الضعفاء والمساكين عن أطماع الجائرين، ~~ولا بدع في اختلاف الأحكام باختلاف أحوال الأنام. # --- PageV05P036 ~~*** # (بخلاف السكر) بفتحتين وهو النيء: هو ماء الرطب إذا اشتد، (و) بخلاف ~~(المنصف) وهو ما إذا ذهب نصفه بالطبخ من ماء العنب، (و) بخلاف (المعزف) ~~بكسر الميم وفتح الزاي وهو آلة اللهو، كالطنبور والمزمار، فإنها تضمن ~~بالإتلاف عند أبي حنيفة، ويجوز بيعها. وقالا: لا تضمن، ولا يجوز بيعها، وهو ~~قول مالك وأحمد. وعند الشافعي فيه تفصيل. ثم قيل: الخلاف في الدف والطبل ~~اللذين يضربان للهو. وأما طبل الغزاة والدف الذي يباح ضربه للعرس فإنهما ~~يضمنان بالإتلاف بلا خلاف. # لهما أن هذه الأشياء معدة للمعصية فبطل تقومها كالخمر، وأن إتلافها أمر ~~الشارع به، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده»، ~~وإنكارها باليد إتلافها، وهو لو أتلفها بأمر أولي الأمر لا يضمن فبأمر ~~الشارع أولى. ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه أتلف مالا ينتفع به من وجه ~~سوى اللهو، ولا تبطل قيمته لأجل اللهو، كالأمة المغنية. # (فتجب قيمته) أي قيمة كل واحد من السكر، والمنصف، والمعزف (لا للهو) كما ~~في الجارية المغنية، والكبش النطوح، والحمامة الطيارة، والديك المقاتل، ~~فإنه تجب قيمتها غير صالحة لهذه الأمور. وفي «الجامع الصغير» لصدر الإسلام: ms1145 ~~الفتوى في عدم الضمان على قولهما، لكثرة الفساد بين الناس، # حتى ذكر الصدر الشهيد أن البيت يهدم على من اعتاد الفسق وأنواع الفساد، ~~وأنه لا بأس بالهجوم على بيت المفسدين، وبإراقة العصير قبل أن يشتد على من ~~اعتاد الفسق. # --- PageV05P037 ~~*** # (ومن حل قيد عبد) لغيره (أو فتح قفص طائر) لغيره فذهب ذلك العبد، أو ~~الطائر عقيب ذلك الفعل (لا يضمن) عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال الشافعي ~~في قول، وقال في قول آخر يضمن، وهو قول مالك وأحمد. وعن محمد يضمن في ~~الطائر، سواء طار من فوره (أو) مكث ساعة ثم طار، لأن الطائر مجبول على ~~النفار. ولهما أنه توسط فعل فاعل مختار، وهو العبد والطائر. قيدنا: ~~بالذهاب عقيب الفتح لأنه لو مكث ساعة ثم ذهب، لا يضمن عندنا وعند الشافعي، ~~خلافا لمحمد في رواية، ولمالك وأحمد. # (ومن سعى) برجل إلى سلطان (بغير حق أو قال مع حاكم) صفته أنه (يغرم) على ~~سبيل الاحتمال (إنه وجد مالا) هذه الجملة مقول قال، والضمير المنصوب في ~~«إنه» عائد إلى المقول عنه المفهوم من الكلام (فغرمه) أي غرم ذلك الحاكم ~~المقول عنه (يضمن) ذلك الساعي والقائل زجرا له، وهذا عند محمد، وعليه ~~الفتوى. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يضمن، لأنه توسط فعل فاعل مختار، وهو ~~السلطان والحاكم. والله تعالى أعلم. # كتاب الرهن # (هو) لغة: حبس الشيء، أي شيء كان، بأي سبب كان. قال الله تعالى: {كل نفس ~~بما كسبت رهينة}. # وشرعا: (حبس مال متقوم بحق يمكن أخذه منه) أي استيفاء الحق من المرهون ~~(كالدين) فإنه يمكن أخذه من المرهون: بأن يباع، بخلاف العين، لأن الصورة ~~مطلوبة فيها ولا يمكن تحصيلها من شيء آخر. # (مشروعية الرهن) # --- PageV05P038 ~~*** # والأصل في مشروعية الرهن قوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا ~~فرهان مقبوضة} قراءة الجمهور بكسر الراء: جمع رهن بفتحها ، كعباد جمع عبد. ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «فرهن» بضم الراء والهاء على أنه جمع رهن، كسقف ~~في جمع سقف، أو جمع رهان، وهو جمع ms1146 رهن. وهذا أمر بصيغة الخبر معطوف على ~~قوله: «فاكتبوه»، أو على قوله: {وأشهدوا إذا تبايعتم}، وأدنى ما يثبت بصيغة ~~الأمر الجواز. # وما أخرجه الشيخان عن الأسود، عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~اشترى من يهودي طعاما إلى أجل، ورهنه درعا له من حديد. وما أخرجه الترمذي ~~وقال: حديث حسن صحيح والنسائي وابن ماجه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قبض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن درعه مرهون عند رجل يهودي على ثلاثين ~~صاعا من شعير، أخذه لعياله. وما رواه أبو داود وقال: هو عندنا صحيح أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: «لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونا، والظهر ~~يركب بنفقته إذا كان مرهونا، (و) على الذي يحلب ويركب النفقة». وإجماع ~~الأمة فإنهم من لدن زمنه صلى الله عليه وسلم إلى الآن يرهنون ويرتهنون من ~~غير منكر، ولا مخالف. # --- PageV05P039 ~~*** # ثم الرهن جائز في السفر والحضر. وحكى صاحب «الكشاف» عن مجاهد والضحاك ~~أنهما لم يجوزاه إلا في السفر، أخذا بظاهر الآية. ولنا ما أخرجه البخاري في ~~البيوع عن قتادة عن أنس أنه قال: ولقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~درعا له بالمدينة عند يهودي، وأخذ منه شعيرا لأهله. ولأن كل عقد جاز في ~~السفر جاز في الحضر، أصله البيع، وإنما خص السفر في الآية بالذكر، لأن ~~الغالب أن الإنسان لا يتمكن فيه من الكتابة والإشهاد فيستوثق بالرهن، بخلاف الحضر. # (وينعقد) أي الرهن (بإيجاب وقبول) لأنه عقد فلا بد فيه منهما كغيره من ~~العقود، وعليه عامة المشايخ. وقيل: الركن مجرد الإيجاب، والقبول شرط. وأما ~~القبض فقال بعض أصحابنا شرط الجواز. والجمهور على أنه شرط اللزوم، ولذا ~~قال: (ويلزم) أي ويتم عقد الرهن بالقبض، وهو معنى قوله: (إن سلم) المرهون ~~إلى المرتهن، فالضمير في «يلزم» عائد إلى الرهن بمعنى العقد المخصوص، وفي ~~«سلم» عائد إليه بمعنى المرهون، هذا إن كان بصيغة المجهول، وإن كان بصيغة ~~الفاعل فالضمير فيه للراهن. # وقال مالك: يلزم الرهن بنفس العقد، كالبيع. ولنا ms1147 أنه تعالى وصف الرهن ~~بأنها مقبوضة، والنكرة إذا وصفت عمت. فتقتضي الآية أن كل رهن مشروع هو بهذه ~~الصفة، ولأن المصدر إذا ذكر بحرف الفاء في موضع الجزاء يراد به الأمر، ~~كقوله تعالى: {فضرب الرقاب} فكان هذا الأمر بهذه الصفة، فينتفي جوازه ~~بدونها. (محوزا) أي مقسوما، واحترز به عن رهن مشاع، فإنه لا يجوز عندنا، ~~خلافا لمالك والشافعي، وسيأتي. # --- PageV05P040 ~~*** # (مفرغا) عن الراهن ومتاعه، واحترز به عن المشغول بأحدهما، فلو رهن دارا ~~وسلمها وهو أو متاعه فيها لا يلزم عقد الرهن، حتى يسلمها ثانيا بعد خروجه ~~أو متاعه عنها (مميزا) أي غير متصل بغيره اتصال خلقة، واحترز به عن رهن ~~الثمر على الشجر دون الشجر، لأن المرهون إذا اتصل بغير المرهون اتصال خلقة ~~صار كالمشاع. # (والتخلية) مبتدأ، أي تخلية الراهن بين المرهون والمرتهن في الرهن، برفع ~~الموانع عن القبض (تسليم) للمرهون، لأن القبض في الرهن بحكم عقد مشروع ~~فيكفي فيه التخلية (كما في) قبض (البيع) في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف ~~وأحمد أن التسليم في المنقول لا يكون إلا بالنقل. # (وضمن) المرتهن الرهن (بأقل من قيمته ومن الدين) «من» فيهما لبيان الأقل، ~~ولو قال: «بالأقل من قيمته ومن الدين» لكان أفضل، فتأمل فإنه موضع الزلل. ~~(فلو هلك وهما سواء ، سقط دينه) لأنه صار مستوفيا له حكما. # (وإن كانت قيمته أكثر) من الدين (فالفضل) على الدين (أمانة، وفي) ما لو ~~كان قيمته (أقل) من الدين (سقط من دينه بقدره) لأن الاستيفاء بقدر المالية ~~(ورجع المرتهن بالفضل) وعند الشافعي وأحمد الرهن كله أمانة في يد المرتهن ~~لا يسقط شيء من الدين بهلاكه، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه ~~الدارقطني: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه». # --- PageV05P041 ~~*** # ورواه ابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه» وصححه. وأخرجه أبو داود ~~في «مراسيله» عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وقوله: ~~«وله غنمه وعليه غرمه» من كلام سعيد (لعله عن) الزهري. وقال: هذا هو ~~الصحيح. ويؤيده ms1148 ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن المسيب أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغلق الرهن ممن رهنه». # وادعى الزهري أن معنى: «لا يغلق الرهن» بالمعجمة لا يصير الرهن مضمونا ~~بالدين. ومعنى: «له غنمه» للراهن الزائد، ومعنى «عليه غرمه» أي على الراهن ~~هلاكه. وعند مالك: إن تلف بأمر ظاهر كموت وحريق أمانة، وإلا لا، وكذا إن ~~كان الرهن من الأموال الظاهرة، كالحيوان والعقار، يكون أمانة، لعدم التهمة ~~عند دعوى الهلاك غالبا. # وإن كان من الأموال الباطنة، كالنقدين والحلي والعروض، يكون مضمونا بتمام ~~قيمته للتهمة. # وقال زفر: الرهن مضمون بقيمته أي بتمامها مطلقا. فلو رهن ثوبا قيمته ~~عشرة بعشرة فهلك عند المرتهن، سقط دينه، وإن كانت قيمة الثوب خمسة، رجع ~~المرتهن على الراهن بخمسة، وإن كان قيمته خمسة عشر، فالفضل أمانة عندنا، ~~وعند زفر يرجع الراهن على المرتهن بخمسة. # له ما روى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في مصنفيهما عن علي أنه قال: الراهن ~~والمرتهن يترادان الفضل بينهما في الرهن. وما روى البيهقي عن علي: إذا كان ~~الرهن أفضل من القرض، أو كان القرض أفضل من الرهن ثم هلك، يردان الفضل. # --- PageV05P042 ~~*** # ولنا ما أخرج البيهقي عن عمر أنه قال في الرجل يرتهن الرهن ويضيع: إن ~~كان أقل مما فيه رد عليه تمام حقه، وإن كان أكثر فهو أمين. وما روى ابن أبي ~~شيبة عن محمد بن الحنفية عن علي أنه قال: إذا كان الرهن أكثر مما رهن به ~~فهلك، فهو بما فيه، لأنه أمين في الفضل وإذا كان أقل مما رهن به فهلك، رد ~~الراهن الفضل. # وما روي أيضا عن عمر أنه قال: إذا كان الرهن أكثر مما رهن به فهو أمين في ~~الفضل، وإذا كان أقل رد عليه. وما روي أيضا عن محمد بن الحنفية عن علي قال: ~~إذا كان أقل رد الفضل، وإن كان أكثر فهو بما فيه. وما روى أبو داود في ~~«مراسيله»، وابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ابن المبارك عن مصعب بن ms1149 ثابت قال: ~~سمعت عطاء يحدث أن رجلا رهن رجلا فرسا فنفق في يده، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للمرتهن: «ذهب حقك». ولا يجوز أن يقال: ذهب حقك في الحبس، ~~لأن هذا مما لا يشكل. # --- PageV05P043 ~~*** # وفي «مراسيله» أيضا عن علي بن سهل الرملي: حدثنا الوليد : حدثنا ~~الأوزاعي، عن عطاء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرهن بما فيه». قال ~~ابن القطان: مرسل صحيح. وما في آثار الطحاوي بسند صحيح عن أبي الزناد ~~قال: أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى أقوالهم، منهم: سعيد بن المسيب، ~~وعروة بن الزبير، والقاسم ابن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن ~~زيد، وعبيد الله، في مشيخة سواهم من نظرائهم أهل فقه (وصلاح وفضل يذكر ~~بالجمع من أقاويلهم في كتابه على هذه الصفة أنهم) قالوا: الرهن بما فيه إذا ~~هلك وعميت قيمته. ويرفع ذلك منهم الثقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(قالوا: الرهن بما فيه)، ولم يفهم أحد من قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~يغلق الرهن» نفي الضمان على المرتهن. وذكر الكرخي عن السلف، كطاوس وإبراهيم ~~وغيرهما أنهم اتفقوا أن المراد به: لا يحبس الرهن عند المرتهن احتباسا لا ~~يمكن فكاكه: بأن يصير مملوكا للمرتهن. # وأجيب عما رووه أن المراد بالتراد الذي أخذ به زفر التراد حالة البيع، أي ~~إذا باع المرتهن الرهن يرد ما زاد على الدين، فإن كان الدين زائدا يرد ~~الراهن. وعن أبي يوسف أن معنى الحديث الذي رواه الدارقطني: أن الفضل في ~~قيمة الرهن لربه، ولا يكون مضمونا ولا يغلق، وإن كان فيه نقصان رجع المرتهن ~~بالفضل. # --- PageV05P044 ~~*** # وأما معنى «لا يغلق الرهن» فقال ابن الأثير: يقال غلق الرهن يغلق غلوقا، ~~إذا بقي في يد المرتهن لا يقدر راهنه على تخليصه. ومعنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا يغلق الرهن بما فيه» أنه لا يستحقه المرتهن إذا لم يستفكه صاحبه، ~~وكان هذا من فعل الجاهلية أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ~~ملك المرتهن ms1150 الرهن، فأبطله الشرع. ذكره الزهري. # (ويحفظ) المرتهن الرهن (كالوديعة) فيحفظه بنفسه، وزوجته، وولده، وخادمه ~~على ما تقدم (وإن تعدى) المرتهن على الرهن (ضمن) جميع قيمته (كالغصب) فعليه ~~رد ما زاد على الدين، لأن الزيادة على قدر الدين أمانة في يده، والأمانات ~~تضمن بالتعدي. # (ولا يصح فيهما) أي الرهن والوديعة (رهن، وإجارة، وإعارة، وإيداع) أما ~~الإجارة والإعارة فلأن كلا من المرتهن والمودع ليس له الانتفاع بالرهن ~~والوديعة، فليس له تسليط غيره على ذلك. وأما الرهن والوديعة فلأن كلا من ~~الراهن والمودع رضي بيد المرتهن والمودع دون غيره. # (و) لا يصح (في المؤجر الأول) وهو الرهن، لأن المستأجر لا يملك عين ~~المؤجر، فلا يملك تسليط غيره بالاستيفاء منه. (و) لا يصح (في المعار ~~الأولان) وهما الرهن والإجارة، لأنهما لازمان، والإعارة غير لازمة، بل ~~للمعير أن يرجع فيها متى شاء. (ولا يبطل الرهن لو فعل) المرتهن شيئا من هذه ~~الأمور الأربعة التي ذكر أنها لا تصح في الرهن والوديعة، لأنها تصرف من ~~المرتهن والرهن لا يبطل بتصرفه (لكن يضمن) الرهن (كما مر) لحصول التعدي فيه ~~من المرتهن. # --- PageV05P045 ~~*** # (وجعل الخاتم في الخنصر) اليمنى أو اليسرى (تعد) لأنه يستعمل كذلك عادة، ~~والمرتهن غير مأذون له في الاستعمال ولو كان متضمنا للحفظ. إذ هو مأذون ~~بمجرد الحفظ (و) جعل الخاتم (في أصبع أخرى) غير الخنصر (حفظ) من الرجل، ~~لأنه لا يلبس كذلك عادة، فكان ذلك من الحفظ دون الاستعمال. والمراد بعدم ~~الضمان فيما يعد حفظا لا استعمالا أن لا يضمن ضمان الغصب، لا أن لا يضمن ~~أصلا، لأن الرهن مضمون بالدين فيسقط بهلاكه الأقل من قيمته ومن الدين. # ولو قال المشتري للبائع: أمسك هذا الثوب حتى أوفيك الثمن، يكون رهنا ~~عندنا، ك: أمسكه بدينك، أو أمسكه بمالك، لأن هذا كلام يؤدي معنى الرهن، وهو ~~الحبس الدائم إلى وقت الفكاك، والعبرة في العقود للمعاني وإن اختلفت ~~المباني. وجعله أبو يوسف وزفر أمانة، كمالك والشافعي. لأن قوله: «أمسك» ~~يحتمل الرهن والإيداع، والإيداع أقل الأمرين فيحمل عليه، بخلاف: أمسك ms1151 بدينك ~~لتعين جهة الرهن حيث قابله الدين. # (وإذا طلب) المرتهن من الراهن (دينه أمر) المرتهن (بإحضار رهنه) أولا، ~~لأن قبض الرهن استيفاء. فلو أمر الراهن بقضاء الدين قبل إحضار المرتهن ~~الرهن ربما هلك الرهن بعد ذلك، أو كان هالكا قبل ذلك، فيصير المرتهن ~~مستوفيا دينه مرتين. # --- PageV05P046 ~~*** # (إلا إذا) كان الرهن (وضع عند عدل) وغاب ذلك العدل ولم يدر أين هو، أو ~~كان العدل أودع الرهن عند من في عياله وغاب العدل، وطلب المرتهن دينه، ~~والذي عنده الرهن يقول: أودعني فلان ولا أدري لمن هو؟ فإن الراهن حينئذ ~~يجبر على قضاء الدين ولا يكلف المرتهن بإحضار الرهن، ولا يؤخر قضاء الدين ~~إلى إحضاره، ولا يتراخى قبض الدين بسببه، (فيسلم) الراهن المرتهن، بعد ~~إحضار المرتهن الرهن (كل دينه) لتعين حقه، كما تعين حق الراهن بإحضار ~~الرهن، تحقيقا للتسوية، (ثم) يسلم المرتهن للراهن (رهنه) كما في المبيع ~~والثمن، فإن البائع يحضر المبيع، ثم المشتري يسلم الثمن أولا، وكذا يؤمر ~~المرتهن بإحضار الرهن أولا. # (إن طلب) دينه (في غير بلد العقد، إن لم يكن للرهن مؤنة حمل) لأن الأمكنة ~~فيما لا مؤنة فيه سواء، وأما إذا كان له مؤنة لم يكلف المرتهن إحضار الرهن، ~~لأن عين الرهن أمانة عنده، فلا يكون عليه الرد، بل يكون عليه التسليم بمعنى ~~التخلية، وليس النقل من بلد إلى بلد آخر من التسليم في شيء، فصار ساقطا عنه ~~بحكم العقد، فلا يصير عذرا في تأخير الدين، ولكن يحلف المرتهن بالله ما هلك ~~الرهن إن طلب الراهن الحلف، لأنه غائب فيحتمل الهلاك فيبطل الدين، فإذا حلف ~~أعطاه دينه، ولا يلزم المرتهن تمكين الراهن من بيع الرهن لإيفاء الدين من ~~ثمنه، لأن حكم الرهن الحبس الدائم إلى أن يقضيه دينه. # --- PageV05P047 ~~*** # (وعليه) أي على المرتهن (مؤن حفظه) أي حفظ الرهن، كأجرة البيت الذي فيه ~~الرهن، في ظاهر الرواية، وكذا أجرة حافظ، لأن الإمساك حقه، والحفظ واجب ~~عليه، فيكون عليه مؤنته (وعلى الراهن مؤن تبقيته) بضم الميم (وفتح الهمزة) ~~جمع مؤنة وذلك سواء ms1152 كان في الرهن فضل أو لم يكن، لأن الرهن باق على ملكه ~~فيكون ما يبقيه عليه، لأنه مؤنة ملكه كما في الوديعة، وهذا كنفقة مأكله، ~~ومشربه، وكسوة الرقيق، وأجرة راعيه، وسقي البستان، وكري النهر، وتلقيح ~~نخيله وجداذه، (وأمثال) ذلك حتى تجهيزه بعد الموت ودفنه. # (و) أما (جعل الآبق) لراده، (و) ثمن (مداواة الجرح) ومعالجة المرض، وفداء ~~أرش جناية الرهن، فهو (منقسم على المضمون والأمانة) فما هو حصة المضمون ~~فعلى المرتهن، وما هو حصة الأمانة فعلى الراهن، ونمنع نحن ومالك تصرف ~~الراهن في الرهن ولو كان بلا ضرر يحصل فيه، كسكنى الدار، وركوب الدابة، إلا ~~بإذن المرتهن، كما لا يجوز للمرتهن أن ينتفع به بدون إذنه اتفاقا. # وأجاز الشافعي انتفاع الراهن بالرهن إن لم يضر بالمرتهن. ولو أكل المرتهن ~~نماءه، كاللبن، والثمر، والولد بإذن من الراهن لم يسقط شيء من دين المرتهن، ~~لأنه أتلفه بإذن مالكه، ويرجع بحصة النماء إن هلك الأصل عنده، فيقسم الدين ~~على قيمة النماء الذي أكله، وعلى قيمة الأصل، فما أصاب النماء منه أخذه ~~المرتهن من الراهن، لأنه تلف على ملك الراهن بفعل المرتهن، والفعل حصل ~~بتسليط من قبله فصار كأنه أخذه وأتلفه، فكان مضمونا عليه، فيكون للمرتهن ~~حصة من الدين. والله تعالى أعلم. # فصل (في رهن المشاع) # --- PageV05P048 ~~*** # (لا يصح رهن مشاع) سواء كان فيما يقسم أو فيما لا يقسم، وسواء رهنه ~~الراهن من شريكه أو غيره وسلمه كله إليه، وعند مالك والشافعي صحيح. (و) لا ~~يصح رهن (تمر على نخل دونه) أي دون النخل. (و) لا رهن (زرع أرض، أو) رهن ~~(نخلها) أي نخل الأرض (دونها) أي دون الأرض، لأن المرهون متصل بما ليس ~~بمرهون اتصال خلقة، فكان بمنزلة المشاع. وكذا لا يجوز رهن أرض دون نخلها، ~~أو دون زرعها، ولا رهن نخل دون ثمره، إذ لا يمكن قبض المرهون وحده فصار ~~كالمشاع. # (و) لا يصح رهن (الحر وفروعه) أي المدبر، وأم الولد، والمكاتب، لأن موجب ~~الرهن ثبوت يد الاستيفاء، وهو لا يتصور من هذه الأعيان ms1153 لقيام (المانع). ~~(ولا) يصح الرهن (بالأمانات) كالودائع، والعواري، ومال المضاربة، ومال ~~الشركة، لأن موجب الرهن ثبوت يد الاستيفاء للمرتهن وحق صاحب الأمانة في ~~العين مقصور عليه، واستيفاء العين في عين أخرى غير ممكن. # وحاصله أن الرهن لا بد فيه من الضمان، ليقع مضمونا ويتحقق استيفاء الدين ~~منه، ولا ضمان في الأمانات. (و) لا (المبيع في يد البائع) لأنه ليس بمضمون ~~بمثل ولا بقيمة، لكن يسقط بهلاكه الثمن الذي هو حق البائع، ويسمى هذا ~~مضمونا بغيره. (و) لا (القصاص) سواء كان في نفس أو فيما دونها، لتعذر ~~الاستيفاء من الرهن. # --- PageV05P049 ~~*** # (وصح) الرهن (بعين مضمونة) عند الهلاك (بالمثل)، إن كانت مثلية (أو ~~بالقيمة) إن كانت قيمية، ويسمى هذا مضمونا بنفسه، وذلك كالمغصوب، والمهر، ~~وبدل الخلع، والصلح عن دم العمد، لأن واحدا من هذه الأشياء إن كان باقيا ~~وجب تسليمه، وإن كان هالكا وجب مثله أو قيمته، فكان الرهن بها رهنا بما هو ~~مضمون، فيصح عندنا وعند مالك. ولم يجزه الشافعي إلا بدين لازم لعدم إمكان ~~استيفاء العين من المرهون. # (و) صح الرهن (بالدين ولو موعودا: بأن رهن) رهنا (ليقرضه كذا فهلكه) ~~بالرفع مبتدأ، أي فهلاك الرهن، وصفته (في يد المرتهن) قبل أن يقرضه (عليه) ~~خبره، أي على المرتهن (بما وعد) به إن كان مساويا لقيمة الرهن أو أقل، وأما ~~إذا كان أكثر فلا يكون مضمونا بالدين بل بالقيمة. # وصورته أن يقول: رهنتك هذا لتقرضني ألف درهم، فقبض الواعد الرهن وهلك في ~~يده قبل أن يقرضه ألفا، فإنه يهلك مضمونا على المرتهن، حتى يجب عليه تسليم ~~الألف إلى الراهن بعد هلاكه، لأن الموعود جعل هنا كالموجود باعتبار الحاجة، ~~فكان حاصلا بعد القرض حكما، إذ الظاهر أن الخلف لا يجري في الوعد، فكان ~~مفضيا إلى الوجود غالبا، بخلاف الرهن بالدرك: وهو أن يأخذ المشتري من ~~البائع رهنا بالثمن خوفا من استحقاق المبيع، فإنه باطل، إذ الظاهر أن ~~البائع يبيع مال نفسه. # --- PageV05P050 ~~*** # (و) صح الرهن (برأس مال السلم، وثمن الصرف، والمسلم فيه) خلافا لزفر (فإن ms1154 ~~هلك) الرهن المذكور (في المجلس) أي مجلس العقد (فقد أخذ) أي تم العقد، وأخذ ~~المرتهن الرهن المذكور، يعني فصار المرتهن مستوفيا حقه بهلاك الرهن عنده، ~~وتم الصرف، والسلم، لوجود القبض حكما (وإن افترقا) أي المتعاقدان في الصرف ~~والسلم (قبل نقد) أي نقد رأس المال وثمن الصرف. (و) قبل (هلك) أي (هلاك) ~~الرهن برأس المال وثمن الصرف (بطلا) أي السلم والصرف، لفوات القبض حقيقة ~~وحكما. أما الرهن بالمسلم فيه فلا يبطل إن افترقا قبل النقد والهلاك. # (ويتم الرهن بقبض عدل شرط) في عقد الرهن (وضعه) أي وضع الرهن (عنده) أي ~~العدل. وقال زفر وابن أبي ليلى: لا يتم (ولا أخذ لأحدهما) أي الراهن ~~والمرتهن (منه) أي من العدل لتعلق حق الراهن في الحفظ بيده وتعلق حق ~~المرتهن. به استيفاء ولا يملك أحدهما لإبطال حق الآخر (وهلكه) أي هلاك ~~الرهن (معه) أي العدل (هلك رهن) فيهلك في ضمان المرتهن، لأن يد العادل في ~~حق المالية يد المرتهن، والمالية هي المضمونة. # --- PageV05P051 ~~*** # (فإن وكل) الراهن (العدل) أو المرتهن (أو غيره ببيعه) أي المرهون عند ~~حلول الدين (صح) التوكيل، لأنه وكله ببيع ماله، والرهن شرع وثيقة لجانب ~~الاستيفاء، وبالتوكيل يصير جانب الاستيفاء أوثق، فكان التوكيل بالجواز أحق ~~(فإن شرط) الوكالة (في) عقد (الرهن) فليس للراهن أن يعزل الوكيل، وإن عزله ~~(لم ينعزل بالعزل) سواء كان الوكيل العدل أو المرتهن أو غيرهما، لأنه لما ~~شرط في ضمان العقد صار وصفا من أوصافه فيلزم كأصله، لأن حكم التبع لا يفارق الأصل. # (و) لم ينعزل (بموت أحد) راهنا كان أو مرتهنا، لأن التوكيل متى صار لازما ~~تبعا للرهن يبقى ببقائه، ولا يبطل الأصل بموتها فيبقى التبع في ضمنه (إلا ~~بموت الوكيل) والرهن على حاله، فإن التوكيل الواقع في عقد الرهن ببيع ~~المرهون يبطل، ولا يقوم وارث الوكيل ولا وصيه مقامه، لأن الموكل رضي برأي ~~الوكيل لا برأي غيره. ويبيع الوكيل ولو بغيبة ورثة الراهن للإيفاء كما في ~~حال حياة الراهن بغير محضر منه، فإن لم يكن للراهن وصي ms1155 أمر القاضي ببيعه ~~وإيفاء الدين من ثمنه نظرا للجانبين. # --- PageV05P052 ~~*** # (وإذا حل الأجل والراهن أو وارثه غائب) وأبى الوكيل الذي وكله الراهن ~~بالبيع في عقد الرهن أن يبيعه (أجبر الوكيل على البيع) للزوم التوكيل، سواء ~~شرطاه في عقد الرهن أو بعده. وكيفية الإجبار أن يحبسه القاضي أياما لبيعه، ~~ولا يفسد البيع بهذا الإجبار، لأنه إجبار لحق فكان ك: لا إجبار، فإن لج بعد ~~الحبس فالقاضي يبيع عليه (كوكيل بالخصومة غاب موكله) وطلب المدعي الخصومة ~~(وأباها) الوكيل، فإنه يجبر على الخصومة، لأن المدعي إنما خلى سبيل الخصم ~~اعتمادا على وكيله، وفي عدم مخاصمته إبطال حقه. والجامع أن في امتناع ~~الوكيل في كل من المسألتين تفويت الحق على صاحبه. # (وإذا باع العدل) الرهن (فالثمن) وإن كان غير مقبوض (رهن) لأن الرهن لما ~~خرج عن الرهنية بصيرورته للمشتري، انتقلت الرهنية إلى ثمنه (فهلكه) أي ثمن ~~الرهن (كهلكه) أي الرهن في سقوط الدين به، لقيامه مقامه. # ويصح رهن الذهب والفضة وكذا المكيل والموزون، لأنهما محل الاستيفاء فيكون ~~محلا للرهن بالثمن، فإن رهنت بجنسها هلكت بمثلها من الدين وزنا، والجودة ~~ساقطة عند أبي حنيفة إذا تفاوتا فيها، إذ لا عبرة بجودة في الأموال الربوية ~~عند المقابلة في جنسها، فيصير مستوفيا لحقه باعتبار الوزن دون الجودة. # وهما اعتبراها فيضمن القيمة من خلاف جنسه ويكون رهنا مكانه، لأنه لو صار ~~مستوفيا لتضرر. # --- PageV05P053 ~~*** # فلو رهن قلب فضة وزنه عشرة، وقيمته ثمانية بعشرة فهلك، فهو بالعشرة عند ~~أبي حنيفة، اعتبارا للوزن، وبه وفاء الدين. وضمنا المرتهن قيمته ذهبا ~~وجعلاها رهنا مكانه، لأنه لو صار مستوفيا كل الدين باعتبار الوزن لبطل حق ~~المرتهن في الجودة فيتضرر به، ولو صار مستوفيا من دينه ثمانية اعتبارا ~~للقيمة (لصار) مستوفيا ثمانية بعشرة من حيث الوزن فيكون ربا. فلهذه الضرورة ~~صرفا إلى التضمين من خلاف جنسه، وقالا: ينقض الاستيفاء وجعل كأنه لم يهلك، ~~ولأنه كما يجب مراعاة حقه في الوزن، يجب مراعاة حقه في الجودة مهما أمكن. # فصل (في التصرف بالرهن والجناية عليه) # (وقف بيع ms1156 الراهن) أي لزوم بيعه (رهنه) بغير إذن المرتهن على إجازته، إذ ~~المرتهن على إجازته، إذ لا يجوز بيع أحد العاقدين بلا إذن صاحبه: أما ~~المرتهن فلعدم ملكه، وأما الراهن فلتعلق حق المرتهن بماليته (فإن أجاز ~~مرتهنه) البيع (أو قضى) الراهن (دينه نفذ) البيع، لأن المقتضي لنفاذه موجود ~~وهو التصرف الصادر عن الأهل في المحل، وعدم نفاذه إنما هو لتعلق حق المرتهن ~~بالرهن لاستيفاء دينه، وقد زال ذلك بإجازته أو أخذه دينه. # (و) إذا نفذ البيع بإجازة المرتهن (صار ثمنه رهنا) وإن لم يشترط ذلك على ~~الصحيح (وإن لم يجز) المرتهن بيع الرهن (وفسخ، لا ينفسخ) البيع (في ~~(الأصح)) بل يبقى موقوفا حتى لو افتكه الراهن كان للمشتري سبيل عليه، فإذا ~~لم ينفسخ (و) بقي موقوفا (صبر المشتري إلى فك الرهن) ليسلم له المبيع، لأن ~~المنافع على شرف الزوال (أو رفع) الأمر (إلى القاضي ليفسخ) البيع بحكم ~~العجز عن التسليم، لأن ولاية الفسخ إلى القاضي. # --- PageV05P054 ~~*** # (وصح) أي نفذ (عتاقه) أي إعتاق الراهن موسرا كان أو معسرا، (وتدبيره) ~~رهنه (واستيلاده رهنه) وهو قول الشافعي. وعنه لا ينفذ العتق مطلقا، لأنه ~~تصرف لا في حق المرتهن بالإبطال، فكان مردودا كالبيع. وأما تدبير الراهن ~~العبد المرهون فيصح بالاتفاق. وإذا صح التدبير والاستيلاد خرج المدبر وأم ~~الولد عن الرهنية لبطلان المحلية، لأن استيفاء الدين لا يصح منهما (فإن ~~فعلها) أي الراهن العتق، والتدبير، والاستيلاد حال كونه (غنيا، ففي دينه) ~~أي دين المرتهن حال كونه (حالا، أخذ) المرتهن (الدين) لا قيمة الرهن، إذ لا ~~فائدة في أخذه القيمة مع حلول الدين، لأنها من جنس الدين استيفاء له. # (وفي) دينه (المؤجل) أخذ المرتهن (قيمته) أي قيمة الرهن (رهنا) مكانه ~~(إلى محل أجله) أي الدين، لأن تصرف الراهن وإن صادف ملكه إلا أنه تعدى إلى ~~حق المرتهن، فيجب ضمانه ويكون رهنا مكانه دفعا للضرر عن المرتهن، فإذا حل ~~الدين اقتضى المرتهن بحقه إن كان من جنس دينه، لأن الغريم له أن يستوفي ~~دينه من مال غريمه إن ظفر ms1157 به وهو من جنس حقه، ورد الفضل لانتهاء حكم الرهن ~~بالاستيفاء. # (وإن فعلها) حال كونه (معسرا، ففي العتق، سعى العبد في أقل من قيمته ومن ~~الدين) وقضى به الدين إن كان حالا، ووضعه رهنا عنده إن كان مؤجلا، فإذا حل ~~الدين قضى به (ورجع) العبد بما أدى (على سيده) حال كونه غنيا، لأنه سعى في ~~دين على سيده بإلزام الشرع له فكان مضطرا في قضائه. ومن قضى دين غيره وهو ~~مضطر في قضائه يرجع عليه بما قضى عنه. # --- PageV05P055 ~~*** # (وفي أختيه) أي أختي العتق، وهما مسألتا التدبير والاستيلاد عليه (سعى) ~~المدبر والمستولدة إذا كان المولى معسرا (في كل الدين) لأن كسبهما مملوك ~~للمولى فكان قادرا على أداء الدين به، وهو لو كان قادرا على أداء الدين ~~بمال آخر أمر بقضائه منه، فكذا إذا كان قادرا عليه بكسبهما. بخلاف المعتق ~~حيث يسعى في الأقل من الدين ومن القيمة، لأن كسبه خالص حقه فلا يجبر على أن ~~يقضي به دين سيده، ولكن لما سلمت له مالية رقبته، وهي مشغولة بحق المرتهن، ~~لزمه السعاية في قدرها (ولا رجوع) من المدبر والمستولدة بما يؤديان قبل ~~العتق على المولى بعد يساره، لأنهما يؤديان من كسبهما وهو ملك المولى، ~~بخلاف (المعتق) حيث يرجع لأنه يؤدي من ملك نفسه. # (وإتلافه) أي الراهن (رهنه) بأن استهلكه (كإعتاقه) أي الراهن العبد ~~المرهون حال كونه (غنيا) فإن كان الدين حالا أخذ منه، وإن كان مؤجلا أخذ ~~قيمة الرهن، وجعلت رهنا مكانه إلى حلول أجله، لأن الراهن أبطل حق المرتهن ~~من الوثيقة، ولا يمكن استدراك حقه إلا بجعل قيمة الرهن رهنا مكانه. # (وأجنبي) مبتدأ صفته (أتلفه) أي الرهن، والخبر (ضمنه) أي الأجنبي ~~(مرتهنه) قدر قيمته يوم الإتلاف (وكان رهنا معه) أي عند المرتهن، لأنه أحق ~~بعين الرهن حال قيامه، فكذا بما قام مقامه حال هلاكه. # --- PageV05P056 ~~*** # (ورهن) مبتدأ، صفته (أعاره مرتهنه راهنه) وقبضه الراهن (أو) أعاره ~~(أحدهما) أي الراهن أو المرتهن (بإذن صاحبه) إنسانا (آخر) وقبضه ذلك الآخر ~~(سقط ضمانه) خبر المبتدأ، (و) ms1158 كذا (لكل منهما) أي الراهن والمرتهن إذا أعار ~~أحدهما الرهن إنسانا آخر (أن يرده رهنا) كما كان، لأن لكل منهما فيه حقا ~~محترما. # (وإن مات الراهن قبل رده) أي الرهن إلى المرتهن (فالمرتهن أحق) بالرهن ~~(من) باقي (غرمائه) لأن عقد الرهن باق في غير حكم الضمان حال الإعارة، ~~وكونه غير مضمون على المرتهن حال الإعارة لا يدل على أنه غير مرهون في تلك ~~الحالة، فإن ولد الرهن مرهون وهو غير مضمون. # (ومرتهن) مبتدأ، صفته جملة (أذن) له (باستعمال رهنه)، وجملة (إن هلك) أي ~~الرهن (قبل عمله أو بعده ضمن) خبر المبتدأ. أما قبل العمل فلبقاء يد ~~المرتهن قيبقى ضمانه. وأما بعد العمل فلارتفاع يد العارية فيعود ضمانه، ~~وصار كالمرتهن الخالص عن الإذن بالاستعمال. (و) إن هلك (حال عمله لا) يضمن، ~~لثبوت يد العارية بالاستعمال، وهي مخالفة ليد الضمان. # --- PageV05P057 ~~*** # (وصح استعارة شيء ليرهن) لأن المالك رضي بتعلق دين المستعير بماله، وهو ~~يملك ذلك، كما يملك تعلقه بذمته بالكفالة، ولأن الرهن للاستيفاء، وللمالك ~~أن يأذن للمستعير في إيفاء دينه. (فإن أطلق) المعير (أو قيد) بقدر، أو جنس، ~~أو مرتهن، أو بلد (يجري) الرهن (عليه) أي على الإطلاق في المطلق، وعلى ~~التقييد في المقيد، ففي الإطلاق للمستعير أن يرهن بالقليل والكثير بأي جنس ~~كان، لأن الإطلاق واجب الاعتبار خصوصا في الإعارة، لأن الجهالة فيها لا ~~تفضي إلى المنازعة. # وفي التقييد «بالقدر» ليس للمستعير أن يرهن بأكثر مما سمى، إذ ربما لا ~~يرضى المعير إلا بأن يكون ملكه محبوسا بما يتيسر قضاؤه عليه، أو على ~~المستعير دون ما يتعسر عليهما، ولا بأقل مما سمى، إذ ربما يكون غرض المعير ~~أن يصير المرتهن عند الهلاك مستوفيا للأكثر، ليرجع هو على المستعير بذلك. ~~وفي الأقل مما سمى يفوت ذلك الغرض فيكون مخالفا فيضمن، إلا إذا عين له أكثر ~~من القيمة فرهنه بأقل وهو مثل القيمة فإنه لا يضمن، لأنه خالف إلى خير، لأن ~~أداء الأقل أيسر من أداء الأكثر، وغرضه من الرجوع عليه بالكثير حاصل، لأنه ms1159 ~~لا يرجع إلا بقدر القيمة، لأن الاستيفاء لم يقع إلا به. # وفي التقييد «بالجنس» ليس للمستعير أن يرهن بجنس غيره، إذ قد يتيسر على ~~المعير أداء جنس دون جنس، وكذا لو سمى له أن يرهن من رجل بعينه ليس له أن ~~يرهن من غيره، لأن الناس متفاوتون في الحفظ وأداء الأمانة. وكذا لو قال: ~~ارهنه بالكوفة؛ ليس له أن يرهنه بالبصرة. لأن الإنسان قد يرضى بأن يكون ~~ماله في بلد دون بلد، لأن الأماكن تتفاوت في الحفظ. # --- PageV05P058 ~~*** # (فإن خالف) المستعير (وهلك) الرهن (ضمن) المستعير (القيمة) أي قيمة ~~الرهن، لأنه تصرف في ملك غيره على وجه لم يأذن له فيه، فصار غاصبا. وإذا ~~ضمن المستعير القيمة تم عقد الرهن بينه وبين المرتهن، لأن المستعير ملكه ~~بأداء الضمان، فتبين أنه كان رهن ملك نفسه، وإن شاء المعير ضمن المرتهن فلا ~~يتم عقد الرهن بين الراهن والمرتهن، فيرجع المرتهن على الراهن بما ضمن ~~وبالدين. أما بالدين فظاهر ، وأما بما ضمن فلأن الراهن ورطه في ذلك، وصار ~~كما لو مات العبد المرهون ثم استحق وضمن المستحق المرتهن. # (وإن وافق) المستعير المعير، بأن رهن المستعار فيما سمى المعير (وهلك) ~~الرهن عند المرتهن (فقدر دين) أي فعلى المستعير مقدار دين (أوفاه منه) أي ~~من المستعار، فإن كانت قيمة الرهن مثل الدين أو أكثر فقد استوفى المرتهن ~~منه كل الدين، فيضمن المستعير للمعير مثل الدين في الصورتين، لأن المستعير ~~قضى دينه من مال المعير. ومن قضى دينه من مال غيره ضمن له قدر دينه، ولا ~~يضمن المستعير القيمة، لأنه ليس بمتعد. وإن كانت قيمة الرهن أقل من الدين ~~ذهب من الدين بقدر قيمة الرهن، وعلى الراهن للمرتهن بقية دينه، وعليه ~~للمعير قيمة الرهن لأنه قضى قدرها من الدين بمال المعير، وكذا إن أصاب ~~الرهن عيب نقص قيمته، ذهب من الدين بحسابه، ووجب على الراهن مثله للمعير. # --- PageV05P059 ~~*** # (ولا يمتنع المرتهن إذا قضى المعير دينه وفك رهنه) أي المعير، لأن المعير ~~محتاج إلى ذلك لتخليص ملكه (ورجع) المعير (على ms1160 الراهن) بما أدى، لأنه قضى ~~دين الراهن مضطرا فلا يكون متبرعا. قيد «بالمعير» لأن الأجنبي إذا قضى ~~الدين فللمرتهن أن يمتنع، لأنه متبرع لأنه لا يسعى في تخليص ملكه. # (ولو هلك) المستعار (مع الراهن) أي عنده (قبل رهنه أو بعد فكه لا يضمن) ~~الراهن، لأنه لم يصر به قاضيا لدينه ولا لشيء منه بهذا الهلاك، وقضاء الدين ~~أو شيء منه بهلاك الرهن المستعار هو الموجب لضمانه. # (وجناية الراهن على الرهن مضمونة) لأن الرهن تعلق به حق المرتهن، وتعلق ~~حق غير المالك بالمال يجعل المالك كالأجنبي، ألا ترى أن تعلق حق الورثة ~~بمال المريض يمنع نفوذ تصرفه فيما زاد على الثلث. ثم المرتهن إن كان دينه ~~حالا يأخذ الضمان بدينه إن كان من جنس حقه، وإن كان دينه مؤجلا يحبسه ~~بالدين، فإذا حل أخذه بدينه إن كان من جنس حقه، وإلا حبسه حتى يستوفي دينه. # (وجناية المرتهن) على الرهن (تسقط من دينه بقدرها) لأن جناية المرتهن على ~~الرهن مضمونة، لأن الرهن ملك مالكه، وقد تعدى عليه المرتهن فيضمنه مالكه، ~~فيسقط من دينه قدر قيمة الجناية بحكم عقد الرهن، وما زاد عليه يضمن ~~بالإتلاف، كالمودع إذا أتلف الوديعة. # --- PageV05P060 ~~*** # (وجناية الرهن عليهما) أي على الراهن والمرتهن، إذا كانت موجبة للمال: ~~بأن كانت خطأ في النفس، أو فيما دونها، (و) جنايته (على مالهما هدر). ~~وقالا: جناية الرهن على المرتهن معتبرة، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد. ~~قيدنا «الجناية» بكونها موجبة للمال، لأن الجناية الموجبة للقصاص يستحق بها ~~دمه، والمولى من دم مملوكه كأجنبي، إذ لم يدخل في ملكه إلا من حيث المالية. # وأما جناية الراهن على مال المرتهن فلا تعتبر بالاتفاق إن كانت قيمته ~~والدين سواء، إذ لا فائدة في اعتبارها، لأنه لا يتملك بها العبد لاستيفائها ~~بالدين، وتملكه بها هو الفائدة، وإن كانت قيمته أكثر من الدين فعن أبي ~~حنيفة أنها تعتبر بقدر الأمانة، لأن ذلك الفضل ليس في ضمانه، وعنه أنها لا ~~تعتبر، لأن الفضل وإن لم يكن مضمونا فحكم الرهن فيه ثابت ms1161 وهو الحبس بالدين ~~فصار بمنزلة المضمون. وأما جناية الرهن على ابن الراهن أو ابن المرتهن ~~فمعتبرة على الصحيح، حتى يدفع بها أو يفدي. # (ونماء الرهن) كولده، ولبنه، وصوفه، وثمرته للراهن، لأنه متولد من ملكه، ~~وهو (رهن) مع أصله، لأنه تبع له، بخلاف الغلة والكسب لأنه لا يكون رهنا ~~معه، وعند أحمد يكون رهنا معه وعند مالك الولد فقط، وعند الشافعي لا في ~~الكل (لكن) إن هلك النماء في يد المرتهن (يهلك بلا شيء) فلا يسقط به شيء من ~~الدين، لأنه تبع لأصله، والأتباع لا قسط لها مما يقابل أصلها، لأنها لا ~~تدخل تحت العقد على سبيل القصد، لأن اللفظ لا يتناولها. # --- PageV05P061 ~~*** # (وإن هلك الأصل وبقي هو) أي النماء (فك بقسطه) من الدين، لأن النماء يصير ~~مقصودا بالانفكاك، والتبع (يقابله) قسط مما يقابل أصله مقصودا (يقسم الدين ~~على قيمته) أي قيمة النماء (يوم الفك) لأنه بالفك صار مقصودا (على قيمة ~~الأصل يوم القبض) لأن الرهن إنما يصير مضمونا بالقبض، فيعتبر قيمته وقت ~~اعتباره، كما يعتبر قيمة النماء وقت اعتباره (وتسقط حصة الأصل من الدين) ~~لأنها تقابل الأصل. ولو أذن الراهن (للمرتهن) في أكل زوائد الرهن بأن قال: ~~(مهما) زاد فكله، فأكله فلا ضمان عليه، ولا يسقط شيء من الدين، لأنه أتلفه ~~بإذن الراهن وإباحته، والإباحة يجوز تعليقها بالشرط بخلاف التمليك. # (وتبديل الرهن) بأن رهن عبدا يساوي ألفا بألف، ثم أعطى عبدا آخر قيمته ~~ألف مكان الأول (والزيادة فيه) أي في الرهن: بأن رهن ثوبا بعشرة قيمته ~~عشرة، ثم زاد الراهن ثوبا آخر ليكون رهنا مع الأول بتلك العشرة (يصح، و) ~~الزيادة (في الدين) بأن رهن عبدا بألف، ثم حدث للمرتهن على الراهن دين آخر ~~بشراء، أو استقراض فجعلا الرهن بالدين القديم رهنا به، وبالحادث (لا) أي لا ~~يصح، بل يكون كل الرهن بالدين السابق فقط. أما التبديل فجائز اتفاقا. # وأما الزيادة فتجوز في الرهن عند أبي حنيفة وصاحبيه، ولا تجوز في الدين ~~عند أبي حنيفة ومحمد وهو القياس، ويجوز عند أبي ms1162 يوسف في الدين أيضا. ثم إذا ~~صحت الزيادة في الرهن وتسمى هذه الزيادة قصدية بقسم الدين على قيمة الأول ~~يوم قبضه، وعلى قيمة الزيادة يوم قبضها، لأن كل واحد منهما له دخل في ضمان ~~المرتهن يوم قبضه فكان هو المعتبر. # --- PageV05P062 ~~*** # (ولو هلك االرهن) # في يد المرتهن (بعد الإبراء) أي إبراء المرتهن الراهن من الدين، أو بعدما ~~وهب المرتهن للراهن الدين من غير منع المرتهن الرهن بعد الإبراء (أو الهبة) ~~(هلك بلا شيء) على المرتهن استحسانا. وقال زفر: يضمن المرتهن قيمته للراهن، ~~وهو القياس. وأما لو منعه المرتهن بعد الإبراء والهبة ثم تلف في يده، فيضمن ~~قيمته اتفاقا، لأنه بالمنع صار غاصبا. # (لا بعد القبض) أي لا يهلك الرهن بلا شيء لو هلك في يد المرتهن بعد ~~استيفاء الدين من الراهن، أو من المتبرع عنه، بل يهلك بالدين، ويجب على ~~المرتهن رد ما قبض من الدين إلى من قبض منه وهو الراهن أو المتبرع، (أو) ~~هلك بعد (الصلح) أي صلح المرتهن الراهن بالدين على عين، أو هلك بعد اشترائه ~~منه عينا، لأن هذا استيفاء، (أو) هلك (بعد الحوالة) بعد أن أحال الراهن ~~المرتهن على غيره، بل يهلك بالدين، لأن الحوالة لا تسقط الدين. # (فيرد) المرتهن (ما قبض) في ذلك كله ويهلك الرهن بالدين (ويبطل الحوالة، ~~وكذلك لو تصادقا على أن لا دين له ثم هلك الرهن هلك بالدين) وقيل: الصواب ~~أنه لا يهلك مضمونا، والله سبحانه أعلم. # كتاب الكفالة # (هي) لغة: مطلق الضم، قال الله تعالى: {وكفلها زكريا} # أي ضمها إلى نفسه ليربيها، وقال عليه الصلاة والسلام: «أنا وكافل اليتيم ~~كهاتين». وفي رواية: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وأشار بأصبعيه. # رواه مسلم، والنسائي، والترمذي عن سهل بن سعد الساعدي. # --- PageV05P063 ~~*** # وشرعا: (ضم ذمة) الكفيل (إلى ذمة) المكفول (في المطالبة، لا) كما قال بعض ~~المشايخ وهو مذهب الشافعي : إنها ضم ذمة إلى ذمة (في الدين) بأن يثبت ~~الدين في ذمة الكفيل ولا يسقط عن ذمة المكفول، لأن التزام المطالبة يبتني ~~على التزام ms1163 أصل الدين، فيثبت الدين في ذمة الكفيل مع بقائه في ذمة المكفول، ~~ولا يستوفى إلا من أحدهما، كالغاصب، وغاصب الغاصب، فإن كل واحد منهما ضامن ~~القيمة، وحق المالك في قيمة واحدة، واختياره تضمين أحدهما يوجب براءة ~~الآخر. وقال مالك: الأصيل يبرأ عن الدين بالكفالة كما في الحوالة. # (وهو) أي كون الكفالة ليست ضم ذمة إلى ذمة في الدين (الأصح) لأن جعل ~~الدين الواحد في حكم دينين قلب للحقيقة، فلا يصار إليه إلا عند الضرورة، ~~ولا ضرورة هنا، لأن التوثيق يحصل بتعدد المطالب. # ثم ركن الكفالة: الإيجاب والقبول عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف ~~آخرا ومالك وأحمد، وهو قول الشافعي: يتم بالكفيل، وجد القبول أم لا. ~~واختلف على قول أبي يوسف، فقيل: تصح من الكفيل موقوفة على إجازة الطالب، ~~وقيل: نافذة، وللمطالب حق الرد. # وحكمها ثبوت المطالبة على الكفيل مع الأصيل عند عامة الفقهاء. وعن مالك ~~وأبي ثور لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون. وقال ابن أبي ليلى، ~~وابن شبرمة، وداود، وأبو ثور: ينتقل الحق إلى ذمة الكفيل فلا يطالب الأصيل ~~أصلا، كما في الحوالة. # وشرعية الكفالة ثابتة بالكتاب، قال الله تعالى حكاية عمن قبلنا لا في ~~معرض الإنكار : {ولمن جاء به جمل بعير وأنا به زعيم} # --- PageV05P064 ~~*** # أي كفيل، وهي لغة أهل المدينة. وبالسنة: وهي ما روى أبو داود والترمذي من ~~حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العارية مؤادة، والمنحة ~~مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم». وبالإجماع فإن الإمة اتفقت على جواز ~~الضمان، وإنما اختلفوا في فروع فيه. # (وهي: إما) كفالة (بالنفس) وإن تعددت الكفلاء بها، وهي جائزة لإطلاق قوله ~~صلى الله عليه وسلم: «الزعيم غارم»، فإنه يفيد مشروعية الكفالة بنوعيها. # (وتنعقد) الكفالة بالنفس (ب: كفلت) أو تكفلت (بنفسه،) أو بدنه أو جسده ~~(وبما صح إضافة الطلاق) والعتاق (إليه) وهو ما عبر به عن البدن حقيقة ~~لغوية، كالنفس، والجسد، أو عرفية، كالروح والرأس والوجه والرقبة على ما مر ~~في الطلاق. وتنعقد بجزء شائع، كنصفه، أو ms1164 ثلثه، وجزئه، وجزء منه، لأن النفس ~~الواحدة في حق الكفالة بها لا تتجزأ، إذ المستحق بكفالتها إحضارها، وإحضار ~~جزئها الشائع دون كلها لا يمكن، فصار ذكره كذكر كلها، بخلاف اليد والرجل، ~~لأنه لا يعبر بهما عن البدن، ولهذا لا يقع الطلاق والعتاق بهما. # وقال الشافعي: تنعقد الكفالة أيضا بجزء لا يمكن فصله، كالقلب والكبد، وبه ~~قال أحمد في رواية. وقال مالك: بكل عضو من البدن، فلو قال: كفلت بعينه، ~~كانت كفالة بالنفس عنده، وهو وجه في مذهب الشافعي وأحمد. # --- PageV05P065 ~~*** # (وكذا) تنعقد كفالة النفس (ب: ضمنته)، لأنه موجب عقد الكفالة، إذ بها ~~يصير الكفيل ضامنا للتسليم، والعقد ينعقد بموجبه، كالبيع ينعقد بلفظ ~~التمليك (أو: هو علي)، لأن كلمة «علي» للالتزام، فكأنه قال: أنا ملتزم ~~تسليمه (أو:) هو (إلي،) لأن «إلي» ههنا بمعنى علي، قال صلى الله عليه وسلم: ~~«من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإلينا». رواه الشيخان في الفرائض من ~~حديث أبي هريرة. ولا يبعد أن يكون تقدير الحديث: فإلينا مرجعه (أو: أنا به ~~زعيم) لما تقدم (أو: قبيل) لأنه بمعنى الكفيل، وسمي الصك قبالة لأنه يحفظ ~~الحق كالكفيل. ولا تنعقد الكفالة ب: أنا ضامن لمعرفته، لأن موجب الكفالة ~~التزام التسليم وهو ضمن المعرفة لا التسليم، فصار كالتزامه دلالته عليه. # (ولا جبر عليها) أي لا إلزام للحاكم على الكفالة بالنفس (في حد، و) لا في ~~(قصاص) بأن يكون المكفول به نفس من عليه حد أو قصاص، وهذا عند أبي حنيفة، ~~وأحمد، والشافعي في قول. وقال أبو يوسف ومحمد: يجبر عليها في حد القذف، وفي ~~حد القصاص، وهو قول مالك والشافعي في المشهور. لأن الكفالة بالنفس مشروعة، ~~وتسليم النفس واجب على الأصيل في دعوى الحد والقصاص، فصحت الكفالة بها ~~فيهما، كما في دعوى المال، بخلاف الحدود الخالصة لله تعالى، لأن الكفالة ~~شرعت وثيقة لنا،كيلا يفوت حقنا والله تعالى غني عن ذلك، وبخلاف نفس الحد أو ~~القصاص، لأنه لا يمكن استيفاؤه من الكفيل. # --- PageV05P066 ~~*** # ولأبي حنيفة أن الكفالة للاستيثاق، ومبنى الحد والقصاص على ms1165 الدرء، فلا ~~يجبر المطلوب على الكفيل فيهما بخلاف سائر الحقوق، فإنها لا تسقط بالشبهات ~~فيليق الاستيثاق بها. قيد «بالجبر» لأن المطلوب بحد أو قصاص لو سمح بالكفيل ~~للطالب من غير جبر عليه صح. وقيد «بالحد والقصاص» لأن التعزير يصح فيه ~~الجبر على إعطاء الكفيل بالنفس، لأنه محض حق العبد، ولهذا يثبت بالشبهة، ~~وبالشهادة على الشهادة، ويحلف فيه كالأموال. # وعن المرغيناني: ليس الجبر هنا الحبس، ولكن أمره بالملازمة، وليست ~~الملازمة المنع من الذهاب، ولكن أن يذهب الطالب مع المطلوب فيدور معه أينما ~~دار كيلا يتغيب، فإذا انتهى إلى باب الدار وأراد الدخول يستأذنه الطالب في ~~الدخول، فإن أذن له يدخل معه ويسكن معه حيث يسكن. وإن لم يأذن له يحبسه ~~الطالب في باب داره، ويمنعه من الدخول كيلا يتغيب بالخروج من موضع آخر. # (ويلزمه) أي الكفيل بالنفس (إحضار المكفول به مطلقا)، وهو الذي لم يتعين ~~وقت إحضاره إذا طلب المكفول له إحضاره، رعاية لما التزمه (أو) إحضار ~~المكفول به (في وقت عين) إحضاره (إن طلب المكفول له) إحضاره فيه. هذا قيد ~~في المسألتين. # والحاصل أن المكفول به الذي لم يعين وقت إحضاره يلزم الكفيل إحضاره في أي ~~وقت طلب المكفول (له) إحضاره، (كالدين الذي لم يؤجل). وإن المكفول به الذي ~~بين وقت إحضاره، يلزم إحضاره إن طلب المكفول له في ذلك الوقت أو بعده، ~~كالدين المؤجل إذا طلب صاحبه عند حلول الأجل، أو بعده. ولا يلزم الكفيل ~~إحضاره إن طلبه المكفول له قبل الوقت الذي عينه لأنه لم يلتزم ذلك، لكن لو ~~سلمه له بطلبه أو بدونه قبل الوقت الذي عينه برىء، لأن الأجل حق الكفيل ~~فيملك إسقاطه. # --- PageV05P067 ~~*** # (فإن لم يحضره) أي الكفيل، المكفول به في مسألتي الإطلاق والتعيين (حبسه ~~الحاكم) لأنه امتنع عن إيفاء ما وجب عليه بالتزامه فصار ظالما. لكن لا ~~يحبسه أول مرة، لأن الحبس عقوبة ظلم ولم يظهر ظلمه، إذ لعله ما درى بماذا ~~يدعى عليه، فيمهل حتى يظهر مطله. ولو غاب المكفول به ولم يعلم الكفيل ms1166 مكانه ~~لا يطالب به إن صدقه المطالب، لأنه عاجز فصار كالمديون إذا ثبت إعساره. وفي ~~«الإيضاح»: هذا يعني حبس الحاكم الكفيل إن لم يحضر المكفول به، إذا لم يظهر ~~عجزه، أما إذا ظهر فلا معنى للحبس، إلا أنه لا يحال بينه وبين الكفيل ~~فيلازمه ويطالبه، ولا يحول بينه وبين أشغاله، كالمفلس إذا أخرجه القاضي من الحبس. # (وبرىء) الكفيل من الكفالة بالنفس (بموت من كفل به) لأن الكفيل تبع ~~للمكفول في سقوط ما عليه، والذي على المكفول (هنا) حضوره، وقد سقط عنه ~~بموته فيسقط إحضاره عن كفيله، وبهذا قال أحمد، وهو وجه في مذهب الشافعي، ~~والوجه الآخر وهو الأصح في مذهبه : أن الكفيل يطالب بإحضاره ما لم يدفن ~~إذا أراد المكفول له إقامة الشهادة على صورته. وهل يطالب بما عليه؟ فيه ~~وجهان: أصحهما لا يطالب، وبه قال أصحابنا، وأحمد والشعبي، وشريح، وحماد. ~~وقال مالك، والليث: يلزمه ما عليه، وبه قال ابن شريح من أصحاب الشافعي. # --- PageV05P068 ~~*** # (و) برىء الكفيل أيضا من الكفالة (بتسليمه) أي تسليم الكفيل من كفل به ~~إلى المفكول له، وتسليم من يقوم مقام الكفيل وهو وكيله ، ومن هو سفير عنه ~~وهو رسوله كتسليم الكفيل، لأن فعلهما كفعله (حيث يمكنه) أي في مكان يمكن ~~المكفول له (مخاصمته) أي مخاصمة المكفول به، لأنه أتى بما التزمه، وهو ~~تسليم المكفول به في مكان يحصل فيه المقصود، ولا حاجة إلى إبقاء الكفالة، ~~لأنه لا يلزم تسليمه ألا مرة واحدة. # أما لو سلمه في برية أو سواد لم يبرأ، لأنه لا يقدر على المخاصمة فيها ~~لعدم الحاكم. ولو سلمه في السجن وقد حبسه غير الطالب لا يبرأ الكفيل. وقال ~~مالك: (يبرأ. وقال) أحمد: إن كان في سجن القاضي الذي يرفع الحكم إليه يبرأ ~~وإلا فلا. ولو سلمه في مصر آخر غير الذي عينه في الكفالة برىء عند أبي ~~حنيفة وبعض أصحاب أحمد، ولم يبرأ عند أبي يوسف ومحمد، وبه قال مالك ~~والشافعي وأحمد. # ثم التسليم يكون بالتخلية بينه وبين الطالب وذلك برفع الموانع. وبقوله ms1167 ~~له: سلمت إليك بحكم الكفالة، حتى لو لم يقل ذلك لم يبرأ، لأن التسليم قد ~~يكون بغير حكم الكفالة، فلا بد من أن يقول ذلك إلا إذا سلمه بعد الطلب، ~~لدلالة الطلب على أن التسليم بحكم الكفالة. ولو سلم الكفيل المكفول به إلى ~~الطالب فأبى أن يقبله، يجبر على القبول، ويترك قابضا بالتخلية، كالغاصب إذا ~~رد المغصوب أو قيمته، والمديون إذا قضى الدين. # --- PageV05P069 ~~*** # (و) برىء أيضا من الكفالة (بتسليمه) أي المكفول به (نفسه) إلى المكفول له ~~(هنا) أي حيث يمكن المكفول له مخاصمة المكفول به لحصول المقصود. ولا بد أن ~~يقول عند تسليم نفسه: سلمت إليك بحكم الكفالة، لما قدمنا (وإن شرط تسليمه ~~عند القاضي) «إن» للوصل بالمسألتين السابقتين. وإنما برىء بالتسليم عند غير ~~القاضي مع شرط التسليم عنده، لأن المقصود هو التسليم على وجه يتمكن المكفول ~~له من إحضاره إلى مجلس الحكم وقد وجد. وقيل: لا يبرأ في زماننا إذا شرط ~~تسليمه في مجلس القاضي فسلم في غيره مما يمكن مخاصمته فيه، كالسوق، وهو قول ~~زفر، وبه يفتى، لأن أكثر الناس في زماننا يعينون المطلوب على الامتناع من ~~الحضور إلى مجلس القاضي للعناد وغلبة الفساد، فكان التقييد بمجلس القاضي مفيدا. # (وإن مات المكفول له) لم تبطل الكفالة (فلوصيه أو وارثه مطالبته به) أي ~~مطالبة الكفيل بالمكفول به، لأن وصيه قائم مقامه في استيفاء حقوقه، ووارثه ~~خليفته فيها، بخلاف الكفيل بالنفس حيث تبطل الكفالة بموته، لأن التسليم منه ~~لا يمكن، ووارثه ووصيه لا يقومان مقامه إلا فيما له، والكفالة عليه. # (وإن كفل بنفسه على أنه) أي الكفيل (إن لم يواف به) أي بالمكفول بنفسه ~~إلى الطالب (غدا فعليه المال) الذي على المكفول (صح) هذا العقد بما اشتمل ~~عليه من كفالتي النفس والمال. وقال مالك والشافعي: لا يصح (فإن لم يسلم) ~~الكفيل المكفول بنفسه إلى الطالب (غدا) مع قدرته (ضمن) الكفيل (المال) ~~لوجود الشرط، (ولم يبرأ من كفالته بالنفس) إذ لا منافاة بين الكفالتين، ~~ولهذا لو كفل بهما جميعا صحت، وقد ms1168 صحت الكفالة بالنفس فلا يبرأ منها إلا ~~بالموافاة بها ولم توجد. # --- PageV05P070 ~~*** # (وإن مات) أو جن (المكفول عنه) اللام للعهد، والمعهود هو المكفول بنفسه ~~الذي شرط كفيله أنه إن لم يواف به غدا فعليه ما عليه من المال، (ضمن) ~~الكفيل (المال) لتحقق الشرط، وبرىء من الكفالة بالنفس لموت المكفول بنفسه. # (وإما بالمال،) عطف على «إما بالنفس» (فتصح) الكفالة (وإن جهل المكفول به ~~إذا صح دينه) قيد به احترازا عن بدل الكتابة، لأنه ليس بدين صحيح، لأن ~~الدين الصحيح لا يسقط إلا بالأخذ أو الإبراء، وبدل الكتابة يسقط بغيرهما: ~~وهو عجز المكاتب، أو لثبوته في ذمة المكاتب مع المنافي، لأنه عندما بقي ~~عليه درهم والمولى لا يستوجب على عبده دينا إلا أنه لحاجته إلى العتق يثبت ~~الدين، فكان ثابتا في حقه لا في حق صحة الكفالة. وقال الشافعي في الجديد ~~والثوري، والليث، وابن أبي ليلى،وابن المنذر: لا يصح ضمان المجهول، لأن ~~الضمان التزام مال فلا يصح إذا كان المال مجهولا، كالثمن في البيع. # ولنا قوله تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم}، وحمل البعير ~~يختلف باختلاف البعير (نحو: كفلت بما لك عليه) وهو لا يعلم كم له عليه (أو ~~بما يدرك في هذا البيع) وهو لا يعلم ما يدركه فيه، وهذه كفالة الدرك وهي ~~جائزة بالإجماع. والدرك: التبعة، يسكن ويحرك. # --- PageV05P071 ~~*** # (أو علق الكفالة) عطف على «جهل المكفول به»، أي وتصح الكفالة بالمال إن ~~علقها الكفيل (بشرط ملائم نحو: ما بايعت فلانا) فعلي ثمنه (أو ما ذاب) أي ~~وجب وثبت، مستعار من ذاب الشحم (لك عليه) أي على فلان فعلي (أو ما غصبك) ~~فلان فعلي. قيد «بفلان» إشارة إلى أن المكفول عنه يجب أن يكون معلوما، لأن ~~جهالته تمنع صحة الكفالة نحو: ما غصبك أحد فعلي. وقيد الشرط «بالملائم» لأن ~~غيره لا يصح تعليق الكفالة به، وفسروا الشرط الملائم بما يكون شرطا لوجوب ~~الحق: كإن استحق المبيع، أو شرطا لإمكان الاستيفاء: كإن قدم زيد، وهو مكفول ~~عنه، أو شرطا لتعذر الاستيفاء: ms1169 كإن غاب عن البلد. # (وإن علق) الكفيل الكفالة (بمجرد الشرط) أي بشرط غير ملائم (فلا) أي فلا ~~تصح الكفالة ولا يجب المال، ذكره قاضيخان وغيره (ك:إن هبت الريح) أو: إن ~~جاء المطر، أو: إن دخل زيد الدار. ولو جعل الأجل في الكفالة إلى هبوب الريح ~~ونحوه، ولا يصح التأجيل، وتصح الكفالة ويجب المال حالا. وعند الشافعي وأحمد ~~لا تصح الكفالة. ثم مذهب الشافعي: أن تعليق الكفالة بالشرط لا يصح مطلقا، ~~لأنه تعليق المال بالخطر. # --- PageV05P072 ~~*** # ولنا الإجماع على صحة الكفالة بالدرك، وهي مضافة إلى سبب الوجوب ~~بالاستحقاق، وقوله تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} حيث علق ~~الكفالة بشرط مجيء الصواع، وشريعة من قبلنا إذا قص الله علينا بلا إنكار ~~شريعة لنا. ثم الكفالة بالنفس كالكفالة بالمال في جواز تعليقها بشرط ملائم، ~~وعدم جوازه بشرط غير ملائم، وجواز تأجليها إلى أجل معلوم وبمجهول جهالة ~~يسيرة، كالتأجيل إلى العطاء، وإلى قدوم الحاج، لا إلى هبوب الريح ونحوه، ~~فإن أجل إليه بطل الأجل دون الكفالة، ولزم تسليم النفس في (الحال). # (وإن كفل بما لك عليه ضمن ما قامت به بينة) لأن الثابت بالبينة كالثابت ~~بالعيان (وإن لم تقم) بينة (فالقول للكفيل) في قدر ما أقر به، لأنه منكر ~~للزيادة، والقول قول المنكر مع يمينه (ولو أقر) الأصيل بأكثر مما أقر ~~الكفيل (صدق الأصيل في الزيادة على نفسه) لأن له ولاية عليها (فقط) أي لا ~~يصدق على الكفيل، إذ لا ولاية له عليه. # (فإذا طالب الدائن أحدهما) أي الأصيل أو الكفيل (فله) أي للدائن (مطالبة ~~الآخر) لأن الكفالة كما مر ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة، وذلك يقتضي قيام ~~المطالبة الأولى لا البراءة عنها، إلا إذا شرط البراءة عنها، فإن الكفالة ~~حينئذ تكون حوالة اعتبارا للمعنى، كما أن الحوالة بشرط أن لا يبرأ بها ~~المحيل تكون كفالة. # --- PageV05P073 ~~*** # (وتصح) الكفالة (بأمر الأصيل وبلا أمره) لأنها تصرف من الكفيل في نفسه ~~بالتزام أن يطالبه الدائن، ولا ضرر على الأصيل في ذلك، فإن أمر الأصيل ms1170 ~~الكفيل بالكفالة، رجع الكفيل بالكفالة عليه بعد أدائه بما ضمنه، سواء أدى ~~بما ضمنه أو أدى خلافه، حتى لو كفل بألف جياد وأدى ألفا زيوفا برضاء الطالب ~~رجع بالجياد، ولو كفل بألف زيوفا وأدى جيادا يرجع بالزيوف. أما رجوعه على ~~الآمر فلأنه أدى دينه بأمره فيرجع به عليه، وأما بما ضمنه فلأن رجوعه بحكم ~~الكفالة، فكان بما دخل تحتها. (وإن لوزم) الكفيل بالمال من جهة الدائن ~~(لازم) الكفيل (أصيله،) حتى يخلصه (وإن حبس) الكفيل (حبسه) أي حبس الكفيل ~~أصيله، لأن ما لحقه إنما هو من جهته فيعامله بمثله. # (وإبراؤه) أي إبراء الدائن الأصيل (وتأجيله) أي تأخير الدين عن الأصيل ~~(يسري) أي إلى الكفيل، لأن الكفيل ليس عليه إلا المطالبة، وهي تبع للدين ~~فتسقط بسقوطه وتتأخر بتأخره (لا عكسه) أي ليس إبراء الكفيل أو تأجيله عنه ~~يسري إلى الاصيل، لأن ما على الكفيل فرع لما على الأصيل، وسقوط الفرع ~~وتأجيله لا يوجب سقوط الأصل أو تأجيله. # --- PageV05P074 ~~*** # (فإن صالح الكفيل) الدائن (عن ألف على مئة برىء) الأصيل، لأن الكفيل أضاف ~~الصلح إلى الألف التي على الأصيل، فبرىء الأصيل وبرىء الكفيل أيضا، لأن ~~براءة الأصيل توجب براءة الكفيل (ورجع) الكفيل على الأصيل (بها) أي بالمئة ~~إن كفل بأمره، لأنها القدر الذي أوفاه. (و) إن صالح الكفيل عن ألف (على جنس ~~آخر) رجع على الأصيل (بالألف) لأن الصلح بجنس آخر مبادلة بالدين، فيملك ~~الكفيل الدين فيرجع بكله على الأصيل. وقال مالك والشافعي وأحمد: يرجع ~~بالأقل من الدين ومن قيمة ما دفع، (و) إن صالح الكفيل الدائن (عن موجب ~~الكفالة لا يبرأ الأصيل) لأن هذا إبراء الكفيل وحده، لأن موجب الكفالة ليس ~~إلا مطالبة الكفيل. # (ولا يصح تعليق البراءة عنها) أي عن الكفالة (بشرط) لأن في الإبراء عنها ~~معنى التمليك، فلا يقبل التعليق (كسائر البراآت، ولا) تصح (الكفالة بالحدود ~~والقصاص) لأن الكفالة إنما تصح بما تجري النيابة في إيفائه، والنيابة لا ~~تجري في العقوبات، لأن الغرض من شرعها زجر المفسدين عن الفساد، وهو لا ~~يتحقق ms1171 إذا أقيم على غير الجاني. (و) لا تصح الكفالة (بالمبيع) عن البائع، ~~لأنه قبل القبض مضمون بغيره، وهو الثمن، ألا ترى أنه لو هلك لا يجب على ~~البائع شيء بل يفسخ البيع، والمضمون بغيره مضمون بوجه دون وجه، فلا تصح ~~الكفالة به للشك (بخلاف الثمن) فإنه تصح الكفالة به عن المشتري، لأنه دين ~~كسائر الديون. # --- PageV05P075 ~~*** # (و) لا تصح الكفالة (بالمرهون) لأنه مضمون بغيره، وهو الدين، يسقط به إذا ~~هلك (والأمانات) لأنها غير مضمونة أصلا (كالوديعة، والعارية، والمستأجر، ~~ومال المضاربة، والشركة) وعند أبي يوسف ومحمد العين في يد الأجير المشترك ~~مضمونة، فتصح الكفالة بها عندهما (و) لا (بالحمل على دابة مستأجرة للحمل) ~~معينة، و(لا) بخدمة (عبد كذا) أي مستأجر للخدمة معين، لأن الكفيل عاجز عن ~~تسليم العبد والدابة، لكونهما ملك غيره. قيدهما «بالتعيين» إذ لو كانا غير ~~معينين صحت الكفالة فيهما، لأن المستحق حينئذ الحمل على دابة، وخدمة عبد، ~~ويقدر الكفيل على إيفاء ذلك:بأن يحمل على دابة نفسه، ويخدم بعبد نفسه. # (و) لا تصح الكفالة (عن ميت مفلس) أي لم يترك مالا ولا كفيلا عنه وعليه ~~دين، سواء كان الكفيل أجنبيا أو وارثا، وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف، ~~ومحمد، ومالك، والشافعي وأحمد: تصح، لأنه عليه الصلاة والسلام أتي بجنازة ~~أنصاري، فقال: «هل على صاحبكم دين؟» فقالوا: نعم، درهمان، أو ديناران. ~~فقال: «صلوا على صاحبكم». فقال أبو قتادة: هو علي وفي رواية: «هما علي يا ~~رسول الله، فصلى عليه». ولو لم تصح الكفالة لما صلى عليه بعدها. ولأنها ~~كفالة بدين واجب فتصح كما لو كانت في حياته، ولأن الدين لا يسقط إلا ~~بالإيفاء أو الإبراء، أو انفساخ سبب الوجوب، وبالموت لم يتحقق شيء من ذلك، ~~ولهذا يؤاخذ به في الآخرة، ولا يبرأ كفيله في حياته بموته. ولو تبرع إنسان ~~بقضائه صح. # --- PageV05P076 ~~*** # ولأبي حنيفة أن الكفالة عن الميت المفلس كفالة بدين ساقط، والكفالة بدين ~~ساقط باطلة، لأن صحة الكفالة تقتضي قيام الدين في حق أحكام الدنيا ليتحقق ~~معنى الكفالة، التي هي ms1172 ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة، وإنما لم يبرأ ~~بموته كفيله في حياته، لأنه كان خلفه في الاستيفاء منه، فجعل الدين باقيا ~~في حقه، كما لو كان للميت مال. وصح التبرع بقضائه، لأن صحة تمليك المال لا ~~يتعلق بوجود الدين، والحديث يحتمل أن يكون إقرارا بكفالة سابقة، فإن لفظ ~~الإقرار والإنشاء في الكفالة سواء، ولا عموم لحكاية الفعل، ويحتمل أن يكون ~~وعدا لا كفالة، وكان امتناعه عليه الصلاة والسلام من الصلاة عليه ليظهر ~~طريق قضاء ما عليه، فلما ظهر بالوعد، صلى عليه. # (ولا) تصح الكفالة سواء كانت بالنفس أو بالمال (بلا قبول الطالب في ~~المجلس) أي مجلس العقد، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: تصح. ~~واختلف المشايخ على قوله، فقيل: عنده تصح بوصف التوقف، حتى إن رضي به ~~الطالب بعد القيام من المجلس نفذ، وإن لم يرض به بطل. وقيل: بوصف النفاذ، ~~ورضى الطالب ليس بشرط عنده، وهو الأصح. # إلا أن للطالب حق الرد (إلا) في مسألة واحدة، وهي (إذا كفل) وارث (عن ~~مورثه في مرضه) بأن قال مريض لوارثه: تكفل عني بما علي من الدين لغرمائي، ~~فتكفل عنه (مع غيبة غرمائه) وكان القياس على قولهما أن لا تصح الكفالة في ~~هذه المسألة أيضا، لأن الطالب غير حاضر، ولأن الصحيح لو قال هذا لوارثه ~~فضمنه، لم يصح، فكذا المريض. # --- PageV05P077 ~~*** # ووجه الاستحسان أن هذا إنما يصح بطريق الوصية من المريض لوارثه أن يقضي ~~دينه، لا بطريق الكفالة عنه، ولهذا صح وإن لم يسم المريض الدين ولا رب ~~الدين، لأن الجهالة لا تمنع صحة الوصية. وقالوا: إنما تصح إذا كان له مال. ~~ولو قال المريض لأجنبي: تكفل عني بما علي من الدين،. فتكفل عنه، اختلف ~~المشايخ: فقيل: لا تصح، وقيل: تصح. # (و) لا تصح الكفالة (بمال الكتابة) وهو قول أكثر أهل العلم، وعن أحمد في ~~رواية تصح (والعهدة) بالجر أي ولا تصح الكفالة بالعهدة. وصورتها: أن ~~يشتري عبدا فيضمن له آخر عهدته. وإنما لم يصح ذلك لأن العهدة اسم يقع ms1173 على ~~الصك القديم، وهو ملك البائع ولا يلزمه تسليمه، فإن ضمن الكفيل بتسليمه إلى ~~المشتري فقد ضمن ما لا يقدر عليه، ويقع على العقد، وعلى حقوقه، وعلى الدرك، ~~وعلى خيار الشرط، فبطلت كفالته للجهالة، بخلاف الدرك، فإن كفالته صحيحة ~~بالإجماع، لأنه عبارة عن ضمان الثمن عند استحقاق المبيع، وهو أمر، معلوم ~~مقدور التسليم (والخلاص) أي ولا تصح الكفالة بالخلاص، وهذا عند أبي حنيفة. ~~وعندهما تصح. # وهذا الخلاف مبني على تفسيره: فعندهما: هو تخليص البائع إن قدر عليه، ورد ~~ثمنه إن لم يقدر، وهذا ضمان الدرك في المعنى. وعنده: تخليص المبيع عن ~~المستحق، وتسليمه إلى المشتري، والكفيل لا يقدر على ذلك، لأن المستحق لا ~~يمكنه منه. ولو كفل بتخليص المبيع أو رد الثمن صح، لأنه كفل بما يمكنه ~~الوفاء، وهو تسليم المبيع إن أجاز المستحق، ورد الثمن إن لم يجز. # --- PageV05P078 ~~*** # (ولا) يصح (ضمان المضارب الثمن) أي ثمن سلعة المضاربة لرب المال، (و) لا ~~ضمان (الوكيل بالبيع) الثمن (لموكله) لأن الضمان التزام المطالبة، وهي ~~للوكيل والمضارب، لأنها من حقوق البيع، وهما عاقدان له، وحقوق البيع لا ~~ترجع إلا على العاقد، فلو صح ضمان الثمن منهما، لكان كل منهما ضامنا لنفسه، ~~وأنه لا يجوز. # (و) لا يصح ضمان (أحد البائعين حصة صاحبه من ثمن عبد) مثلا (باعاه بصفقة) ~~لأنه بضمانها شائعا يصير ضامنا لنفسه، إذ ما من جزء يؤديه المشتري إلا وهو ~~مشترك بينهما، وضمان الإنسان لنفسه باطل، وبضمانها معينا يصير قاسما للدين ~~قبل قبضه، حيث ميز نصيب صاحبه عن نصيبه. وقسمة الدين قبل قبضه باطلة، لأن ~~القسمة إقرار وحيازة: بأن يصير حق كل واحد منهما في حيز على حدة، ولا يتصور ~~هذا إلا في حسي، والدين ليس بحسي. قيد بصفقة، لأنهما لو باعاه بصفقتين: بأن ~~سمى كل واحد منهما لنفسه ثمنا، ثم ضمن أحدهما للأخر، صح ضمانه، إذ لا شركة ~~بينهما، لأن نصيب كل واحد منهما ممتاز عن نصيب الآخر. # (وصح كفالة الخراج) أي ضمانه كما في نسخة. والمراد به الخراج الموظف، ms1174 كما ~~في بعض شروح «الهداية»، لأنه دين لازم يحبس به، ويلازم لأجله، ويمنع وجوب ~~الزكاة، ويطالب به أشد المطالبة، فكان كسائر الديون، بخلاف الزكاة حيث لا ~~يصح ضمانها وإن كانت دينا مطالبا به، لأن الواجب فيها فعل هو عبادة، والمال ~~محل لإقامتها، ولهذا لا تستوفى من تركة من هي عليه بلا وصية، كما تستوفى ~~سائر الديون. # (و) صح كفالة (النوائب) جمع نائبة، وهي ما ينوب الإنسان ويطالب به: إما بحق: # --- PageV05P079 ~~*** # كأجرة الحارس المشترك، وكري النهر المشترك، وما وظفه الإمام عند الحاجة ~~إلى تجهيز جيش لقتال المشركين، أو إلى فداء أسارى المسلمين في وقت خلو بيت ~~المال، وهذا النوع تصح الكفالة به بالاتفاق، لأنه مال مضمون. # وإما بغير حق: كالجبايات التي تؤخذ على غير ما ذكرنا، وهذه لا تصح ~~الكفالة بها عند صدر الإسلام البزدوي، وفي مذهب مالك والشافعي وأحمد، لأن ~~الكفالة التزام المطالبة بما على الأصيل شرعا، ولا شيء من هذه على الأصيل ~~كذلك. وتصح عند فخر الإسلام علي البزدوي، وشمس الأئمة وقاضيخان، لأنها في ~~حق المطالبة فوق سائر الديون، والعبرة في باب الكفالة للمطالبة، لأنها شرعت ~~لالتزامها، ولهذا قالوا: من قام بتوزيع هذه النوائب على المسلمين بالقسط ~~يؤجر وإن كان الأخذ ظلما. وقالوا: إن من قضى نائبة غيره بأمره رجع عليه وإن ~~لم يشترط الرجوع، كمن قضى دين غيره بأمره. وقال المصنف: والفتوى على الصحة ~~كما في الديون الصحيحة. وقال الطرابلسي: المذهب عدم صحتها. # (و) صح كفالة (القسمة) وهي حصة الواحد من النوائب (وإن كانت بغير حق) قيد ~~للمسألتين، وإنما صح ضمانها لأن كل واحد مطالب بنفسه محبوس به. وقيل: ~~المراد بها النائبة الموظفة في كل شهر، أو نحوه، وبالنوائب ما ينوب من غير ~~توظيف بل يلحق أحيانا، ويحتمل أن يقع ويحتمل أن لا يقع. # --- PageV05P080 ~~*** # (ومال) مبتدأ (لا يجب على عبد حتى يعتق) صفته، والخبر (حال على من كفل به ~~مطلقا) أي من غير تسمية حلول ولا تأجيل. أما لو كفل بذلك المال مؤجلا تأجل ~~في حقه، لأنه التزم ms1175 المطالبة به مؤجلا فيلزمه كذلك. وقيد «بعدم الوجوب على ~~العبد حتى يعتق» لأنه محل الاشتباه، بخلاف المال الذي يجب على العبد في ~~الحال، كدين الاستهلاك عيانا، ودين لزم بالتجارة بإذن المولى، فإن كفالة ~~الكفيل به مطلقا تصح، ويكون على الكفيل به مطلقا في الحال بلا شبهة (وبطل ~~دعوى ضامن الدرك) أن الدار المبيعة ملكه، لأن كفالته بالدرك وهو رد الثمن ~~عند استحقاق المبيع تسليم للمبيع وتصديق بأنه ملك البائع، فدعواه بعد ذلك ~~أن المبيع ملكه سعي في نقض ما تم من جهته فلا تسمع، ولهذا لو كان شفيعا ~~تبطل بضمان الدرك في البيع شفعته. # (و) بطل دعوى (شاهد) على البيع أن المبيع ملكه، وقد كان ذلك الشاهد (كتب: ~~شهد بذلك على صك كتب فيه: باع ملكه) أو كتب فيه: باعه وهو يملكه، أو باعه ~~بيعا باتا نافدا، لأن في شهادته بذلك اعترافا بأن الملك للبائع، ودعواه ~~المبيع بعد ذلك نقض له (بخلاف) دعوى (شاهد) أن المبيع ملكه، وقد كان (كتب) ~~على صك كتب فيه: باع فلان ملكه (شهد على إقرار العاقدين) فإن دعواه: أن ~~المبيع ملكه لا تبطل، لأن هذه الشهادة ليس فيها اعتراف من الشاهد بالملك ~~للبائع، إذ البيع قد يوجد من غير المالك. # --- PageV05P081 ~~*** # ولو أمر المكفول عنه كفيله أن يعين عليه ثوبا ففعل، يكون الثوب للكفيل ~~والربح عليه. وتفسير المسألة: أن المكفول عنه أمر الكفيل ببيع العينة، وهو ~~مكروه لما فيه الإعراض عن مبرة الإقراض، وقد قيل: إياك والعينة فإنها ~~لعينة. وهو مخترع أكلة الربا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم ~~بالعينة، واتبعتم أذناب البقر ذللتم، وظهر عليكم عدوكم». والمراد باتباع ~~أذناب البقر: الاشتغال بالزراعة والإقبال عليها. وبالعينة: أن يأتي المحتاج ~~إلى رجل يستقرض منه عشرة دراهم مثلا، فلا يرغب الرجل في الإقراض طمعا في ~~إصابة الفضل الذي لا يناله بالقرض، فيقول له: أبيعك هذا الثوب وقيمته عشرة ~~باثني عشر إلى أجل لتبيعه في السوق بعشرة، فيحصل ربح لي درهمين. سمي عينة ~~لأن المقرض أعرض عن ms1176 القرض إلى بيع العين. # فإذا ثبت هذا فنقول الشراء يقع للكفيل، لأنه لم يصر وكيلا عنه بالشراء، ~~لأنه لم يقل: تعين لي ثوبا وإنما قال: تعين علي، وهي كلمة ضمان لا كلمة ~~توكيل. ومعنى الضمان هنا أن يقول المديون للضامن: اشتر لي ثوبا لتبيعه في ~~السوق فتقضي بثمنه الدين، فإن أمكنك أن تبيعه بمثل (ما ابتعته) فبها ونعمت، ~~وإن لم يكن كذلك إلا بخسران فذاك علي، غير أن هذا الضمان باطل، لأنه إنما ~~يصح بما هو مضمون على غيره، وخسران درهمين غير مضمون على أحد فبطل ضمانه، ~~كمن يقول لآخر؛ بايع في هذا السوق، على أن كل خسران يصيبك فأنا ضامن له، ~~والله تعالى أعلم بالصواب. # كتاب الحوالة # (هي) لغة: اسم من الإحالة، وأصل تركيبها يدل على الزوال والنقل، ومنه ~~التحويل: وهو نقل الشيء من محل إلى محل. قال الله تعالى: {لا يبغون عنها حولا} # . # --- PageV05P082 ~~*** # وشرعا: (إثبات دين على آخر مع عدم) ذلك (الدين) أي مع نفي بقائه (على ~~المحيل بعده) أي بعد ذلك الإثبات. وقيل: الحوالة نقل الدين من ذمة إلى ذمة، ~~وهو الأظهر الأخصر. والأصل فيها الإجماع، وقوله صلى الله عليه وسلم: «مطل ~~الغني ظلم، ومن أحيل على مليء أي ثقة غني فليحل أي فليقبل الحوالة» . ~~رواه أحمد، وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة. ورواه الشيخان بلفظ: وإذا ~~أتبع أحدكم على مليء فليتبع». ورواه أحمد عن ابن عمر أيضا، ولفظه: «مطل ~~الغني ظلم، وإذا أحلت على مليء فاتبعه». وهذا الأمر للندب عند أكثر أهل ~~العلم، وعند أحمد للوجوب. # (فهي) أي الحوالة (بشرط عدم براءته) أي براءة المحيل (كفالة،) لأن ذلك ~~معنى الكفالة. والعبرة للمعاني دون المباني، فله أن يطالب المحيل (وهذه) أي ~~الكفالة (بشرط براءة الأصيل حوالة) لأن ذلك معنى الحوالة، فليس له أن يطالب ~~الأصيل. # (وتصح) الحوالة (بلا دين للمحتال على المحيل) فإن قيل: كيف يصح هذا ~~والحوالة لا بد فيها من الدين، لأنه مأخوذ في تعريفها، ولا يكون دين المحيل ~~على المحال عليه، لأن الحوالة ms1177 توجد بدونه، كالحوالة بدراهم وديعة للمحيل ~~عند المحال عليه فيكون دين المحال على المحيل؟ أجيب بأنه يصح أن يكون ~~المحتال وكيل رب الدين أو رسوله، ويجوز أن يكون في كلام المصنف مضاف مقدر، ~~أي «بلا ذكر دين». # --- PageV05P083 ~~*** # (و) تصح (به) أي بدين للمحتال على المحيل (بأن يكون المحتال رب الدين، أو ~~بذكر دين للمحتال على المحيل). وفي «الينابيع»: ويشترط في المحال به أن ~~يكون دينا، (وأن يكون) لازما، فلا تصح ببدل الكتابة وما يجري مجراه، لأنه ~~دين تسمية لا حقيقة. وأما وجوب الدين على المحيل قبل الحوالة فليس بشرط ~~لصحة الحوالة. # (و) تصح الحوالة (برضاهما) أي المحتال والمحيل (ورضى المحتال عليه) سواء ~~كان عليه دين للمحيل أم لا. أما المحتال فلأن الدين حقه، والذمم متفاوتة، ~~فلا بد من رضاه. وأما المحتال عليه فلأن الدين يلزمه، فلا بد من التزامه. ~~والأصح في مذهب الشافعي أن لا حاجة إلى رضاه إذا كان المحال به دين المحيل، ~~وهو قول مالك وأحمد، لأن الحق للمحيل فله أن يستوفيه بنفسه وبغيره. # وأما المحيل وهو المديون فيشترط رضاه لصحة الحوالة على ما ذكره ~~القدوري، ولا يشترط لصحتها على ما في «الزيادات»، وإنما يشترط للرجوع عليه، ~~أو لسقوط دينه على المحتال عليه، لأن الحوالة فيها نفعه وهو سقوط ما عليه ~~من الدين، فصار كالمكفول عنه، حيث تصح الكفالة بلا رضاه. ووجه الأول وهو ~~قول مالك والشافعي أن للمحيل إيفاء الحق من حيث شاء، ولا يتعين عليه شيء ~~من الجهات، وفي صحة الحوالة بدون رضاه يتعين ذلك عليه قهرا. # --- PageV05P084 ~~*** # (فيبرأ المحيل من الدين) إذا تم عقد الحوالة عند عامة العلماء. وقال زفر: ~~لا يبرأ اعتبارا بالكفالة، إذ كل واحد منهما عقد توثق بحق المطالبة. ولنا ~~أن الأحكام الشرعية ثبتت على وفق المعاني اللغوية، ومعنى الحوالة في اللغة: ~~النقل. وهو يستدعي زوال المنقول عن المحل المنقول منه، فيكون معناها الشرعي ~~زوال الدين عن ذمة المحيل. وقيل: يبرأ المحيل من المطالبة دون الدين. # (إلا أن يتوى) على زنة يسعى أي ms1178 يهلك دين المحتال، فلا يبرأ المحيل ~~بتمام عقد الحوالة، وذلك (بموت المحتال عليه مفلسا) بأن لم يترك مالا، ولا ~~دينا على أحد، ولا كفيلا (أو حلفه) أي بيمين المحتال عليه حال كونه (منكر ~~الحوالة) حال كونه (لا بينة عليها) وفي نسخة: ولا بينة عليها للمحتال، ولا ~~للمحيل، لأن هلاك دين المحتال يتحقق بكل واحد من الموت والحلف المذكورين. # (وقالا:) أي أبو يوسف ومحمد: يتحقق التوى بموت المحتال عليه، وبحلفه، ~~المذكورين كما قال أبو حنيفة رحمه الله (وبأن فلسه القاضي) أي حكم بإفلاسه ~~قبل موته بعد ماحبسه، لأنه عجز عن الأخذ منه بتفليس الحاكم، وقطعه عن ~~ملازمته عندهما، فصار كعجزه عن الاستيفاء بالجحود، أو موته مفلسا. ولأبي ~~حنيفة أن الدين ثابت في نفسه، وتعذر الاستيفاء لا يوجب الرجوع، ألا ترى أنه ~~لو تعذر بغيبة المحتال عليه لا يرجع على المحيل ولأن المال غاد ورائح، فقد ~~يصبح المرء فقيرا ويمسي غنيا وبالعكس. # --- PageV05P085 ~~*** # وقال الشافعي : لا يرجع المحتال على المحيل وإن توي دين المحتال بموت أو ~~غيره، وهو قول أحمد، والليث، وأبي ثور، وابن المنذر. وعن أحمد إذا كان ~~المحال عليه مفلسا ولم يعلم الطالب ذلك، فله الرجوع إلا أن يرضى بعد العلم، ~~وبه قال مالك، لأن الإفلاس في المحال عليه عيب فكان له الرجوع، كما لو ~~اشترى سلعة فوجدها معيبة. # (وتصح) الحوالة (بلا شيء) للمحيل (على المحتال عليه) وهو إحدى صورتي ~~الحوالة المطلقة، والصورة الأخرى أن يكون للمحيل على المحتال عليه دين أو ~~له في يده عين، ولا يقيد الحوالة بشيء منهما (وبدراهم الوديعة) عطف على بلا ~~شيء (ويبرأ) المحتال عليه (بهلاكها) أي هلاك دراهم الوديعة، أو استحقاقها، ~~لأن الحوالة مقيدة بها، وهو لم يلتزم التسليم إلا منها، فلا يلزم التسليم ~~من غيرها (والمغصوبة) أي وبالدراهم التي غصبها المحال عليه من المحيل. # (ولم يبرأ) المحتال عليه (بهلاكها) أي المغصوبة، بل تبقى الحوالة متعلقة ~~بمثلها حقيقة أو معنى، لأن الحوالة إذا هلك (المحال) به المغصوب تتعلق ~~بمثله في المثلي، وبقيمته في القيمي، لأن ms1179 المغصوب إذا هلك يهلك إلى خلف، ~~وهو الضمان، فكان قائما معنى فلا تبطل الحوالة بهلاكها، فلا يبرأ المحال ~~عليه، بخلاف الوديعة، فإنها تهلك لا إلى خلف، لأنها أمانة، وبالحوالة لم ~~تخرج عن ذلك، وهلاك الأمانة لا يوجب الضمان. قيد عدم البراءة من المغصوبة ~~«بهلاكها» لأن المحال عليه يبرأ باستحقاقها، لأنها به وصلت إلى مالكها، ~~ووصول المغصوب إلى مالكه يوجب براءة غاصبه. # --- PageV05P086 ~~*** # (وبدين عليه) عطف على بدراهم (فلا يطالبه) أي المحتال عليه في هذه ~~الحوالات المقيدة (إلا المحتال) لا المحيل، لأن حق المحتال تعلق بتلك ~~الأمور، كالرهن، فلو ملك المحيل المطالبة لبطل حق المحتال، وهو لا يجوز ~~(وفي المطلقة للمحيل الطلب أيضا) أي كما أنه للمحتال، والظاهر في العبارة ~~تقديم كلمة «أيضا» ليكون بجنب ما يتعلق به (عين) المحيل. وإنما يكون له ~~الطلب لأن حق المحال لم يتعلق بدين ولا بعين، بل بذمة المحال عليه. (ولا ~~تبطل) الحوالة (بأخذ) المحيل (ما عليه) أي على المحتال عليه من الدين، أو ~~ما عنده من العين المودعة، أو المغصوبة، كما لا تبطل بهلاكه. # (حكم السفتجة) # (وتكره السفتجة) بضم مهملة، وسكون فاء، وفتح فوقانية، فجيم تعريب سفته: ~~أي شيء محكم. وفي الشرع: (وهي إقراض لسقوط خطر الطريق) وسمي بها هذا القرض ~~لإحكام أمره. وصورته: أن يدفع شخص دراهم أو دنانير قرضا ليدفعها إليه في ~~بلد آخر، ليستفيد المقرض بذلك الإقراض سقوط خطر الطريق. # وإنما كرهت لما روى الحارث بن أبي أسامة في «مسنده»: عن حفص بن حمزة، عن ~~سوار بن مصعب، عن عمارة الهمداني قال: سمعت عليا يقول: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «كل قرض جر منفعة فهو ربا». وروى ابن أبي شيبة عن أبي خالد ~~الأحمر عن حجاج عن عطاء قال: كانوا يكرهون كل قرض جر منفعة. # وفي «المبسوط»: وإن لم تكن المنفعة مشروطة ولم يكن عرف على ذلك فلا بأس ~~به، حتى لو قضاه أجود مما قبضه ولم يكن ذلك مشروطا ولا عرفا فلا بأس به، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # كتاب ms1180 الوكالة # --- PageV05P087 ~~*** # (هي) لغة بفتح الواو وكسرها : الحفظ، ومنه الوكيل في أسماء الله الحسنى ~~بمعنى الحافظ، كما قال الله تعالى: {حسبنا الله ونعم الوكيل}، ولذا قالوا: ~~إذا قال: وكلتك بمالي، أنه يملك به الحفظ فقط. وبمعنى الموكول إليه الأمر ~~فمعناها التفويض والاعتماد، ومنه التوكل، قال الله تعالى: {عليه توكلنا ~~وعلى ا فليتوكل المتوكلون}. # وشرعا: (تفويض التصرف) في البيع والشراء ونحوهما من إنسان (إلى غيره) ~~وإقامته فيه مقام نفسه. # (مشروعية الوكالة) # ومشروعيتها بالكتاب، وهو قوله تعالى حكاية: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه ~~إلى المدينة}، فإن ما قص الله تعالى علينا عن الأمم الماضية من الأحكام بلا ~~إنكار يكون حكما لنا. وبالسنة، وهي ما روى الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم ~~بعث مع حكيم بن حزام بدينار ليشتري له به أضحية، فاشتراها بدينار وباعها ~~بدينارين، فرجع واشترى أضحية بدينار وجاء بدينار إلى النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم، فتصدق به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ودعا له أن يبارك له ~~في تجارته. # وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد مثل هذا، وبعث أيضا مع عروة ~~البارقي بدينار ليشتري له أضحية أو شاة فاشترى شاتين، فباع إحداهما بدينار ~~فأتاه بشاة ودينار، فدعا له في بيعه، فكان لو اشترى ترابا لربح فيه. وقد ~~وكل صلى الله عليه وسلم بالتزويج عمرو ابن أبي سلمة، كما رواه أحمد، ~~والنسائي عن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث إليها وخطبها ~~قالت: ليس أحد من أوليائي شاهد، فقال صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد من ~~أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك. فقالت لابنها: يا عمر قم فزوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فزوجه. # --- PageV05P088 ~~*** # قال الحافظ: كان لعمر من العمر ثلاث سنين يوم تزوجها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ومات صلى الله عليه وسلم وله في العمر سبع سنين. وقد صح أن عليا ~~وكل عقيلا (بن أبي طالب) وبعدما أسن، عبد الله بن جعفر. فقد روى البيهقي عن ~~عبد الله بن جعفر قال: كان علي يكره ms1181 الخصومة، فكان إذا كانت له خصومة وكل ~~فيها عقيل بن أبي طالب، فلما كبر عقيل وكلنيه. وبالإجماع. # (وشرطه) أي عقد الوكالة أو التفويض المذكور (أن يملكه) أي التصرف ~~(الموكل) بأن يكون حرا بالغا أو مأذونا، (و) أن (يعقله) أي التصرف (الوكيل) ~~بأن يعرف أن الشراء جالب للمبيع وسالب للثمن، ويعرف الغبن اليسير من الفاحش ~~الكثير، (و) أن (يقصده) أي الوكيل: بأن يقصد بمباشرة السبب ثبوت حكمه، أو ~~الربح، حتى لو تصرف فيما وكل به من غير قصد أو بقصد الهزل لا يقع ذلك ~~التصرف للموكل. # (وصح توكيل الحر البالغ أو المأذون مثلهما) لأن الموكل مالك والوكيل أهل ~~له. والمراد بالمأذون: الصبي العاقل الذي أذن له الولي، والعبد العاقل الذي ~~أذن له المولى، (وصبيا) عطف على مثلهما (عاقلا) لما يملكه (وعبدا محجورين) ~~لأن الصبي العاقل ينفذ تصرفه بإذن وليه في ملك نفسه، فينفذ تصرفه في ملك ~~غيره بتوكيله. والعبد العاقل يملك التصرف على نفسه حتى صح طلاقه وإقراره ~~بالحدود، فيصح تصرفه في حق غيره بتوكيله. وقال الشافعي: لا يصح توكيل ~~الصبي، وله في العبد المحجور قولان. # --- PageV05P089 ~~*** # (وترجع الحقوق إلى موكلهما) لأنها لما تعذر رجوعها إليهما لإضرار الصبي ~~المبعد من المضار وإضرار سيد العبد رجعت إلى أقرب الناس إلى هذا التصرف وهو ~~الموكل، إلا أن الحقوق تلزم العبد المحجور بعد العتق، لأن المانع حق المولى ~~وقد زال بالعتق ولا يلزم الصبي بعد البلوغ، لأن المانع حقه، وحق الصبي لا ~~يبطل بالبلوغ (بكل ما يعقده بنفسه) الباء الأولى متعلقة «بتوكيل»، والثانية ~~«بيعقد» عطف على الأولى (وبالخصومة في كل حق) حدا كان أو قصاصا، أو غيرهما، ~~لأن الموكل يملك مباشرة ذلك بنفسه، فيملك تفويضه إلى غيره (وبإيفائه) أي ~~بإعطائه كل حق (واستيفائه) أي أخذ كل حق (إلا في حد) لقذف أو سرقة (وقصاص ~~بغيبة موكله) عن المجلس. قيد بها لأن التوكيل باستيفائهما في حضرة الموكل ~~جائز اتفاقا. # وقال مالك والشافعي وأحمد: يجوز التوكيل باستيفاء القصاص وحد القذف في ~~غيبة الموكل، لأنه حق العبد، ويجوز ms1182 استيفاؤه في حضوره، وكذا في غيبته. # ولنا أنهما يسقطان بالشبهة، وشبهة عفو الموكل الغائب ممكنة، إذ العفو ~~مندوب إليه، قال الله تعالى: {وأن تعفوا أقرب للتقوى}، والعبرة بعموم ~~اللفظ، وقال عز وجل: {فمن تصدق به فهو كفارة له} وحال الغائب غير معلوم ~~فلعله عفا والوكيل لا يشعر، بخلاف الحاضر فإن حاله بعدم العفو معلوم، وقد ~~يحتاج إلى التوكيل لعدم هدايته إلى الاستيفاء، أو لأن قلبه لا يحتمل ذلك، ~~بخلاف الاستيفاء في غيبة الشهود، لأن رجوعهم نادر، والأصل فيهم الصدق فلا ~~يكون احتمال رجوعهم في الغيبة شبهة. ويصح التوكيل بإثبات الحد والقصاص عند ~~أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: لا يصح التوكيل بإثبات حد الزنا، وحد شرب الخمر ~~اتفاقا. # --- PageV05P090 ~~*** # ويشترط في التوكيل بالخصومة عند أبي حنيفة رضى الخصم، إلا أن يكون الموكل ~~مريضا، أو غائبا مدة السفر، أو امرأة مخدرة. وقالا: لا يشترط رضى الخصم. ~~قيل: الخلاف في الصحة، والصحيح أنه في اللزوم. وفي «شرح الوافي»: أن ~~المتأخرين اختاروا الفتوى: أن القاضي إذا علم من الخصم التعنت في إباء ~~الوكيل لا يمكنه من ذلك، ويقبل التوكيل من الموكل. وإن علم من الموكل القصد ~~إلى إضرار الخصم بالتوكيل لا يقبل منه التوكيل إلا برضاء الخصم، وهو اختيار ~~شمس الأئمة السرخسي. # (وترجع الحقوق إلى الوكيل) في عقد لا يحتاج الوكيل فيه إلى ذكر الموكل، ~~فيرجع إلى الوكيل (في بيع وشراء، وإجارة، وصلح عن إقرار) إذ يكفي أن يقول ~~الوكيل: بعت، واشتريت، وآجرت، وصالحت. وقال مالك والشافعي وأحمد: ترجع ~~الحقوق إلى الموكل (فيسلم) الوكيل (المبيع) في الوكالة بالبيع (ويقبضه) في ~~الوكالة بالشراء. # (و) كذا يقبض الوكيل (ثمن مبيعه) في الوكالة بالبيع (وعليه) أي على ~~الوكيل بالشراء (ثمن مشريه) بالوكالة بالشراء (ويخاصم في الاستحقاق، و) في ~~(العيب، و) في (شفعة ما اشترى وهو في يده) قيد به لأن الوكيل بالشراء بعد ~~التسليم إلى موكله لا يفعل شيئا من ذلك إلا بأمر جديد، لانتهاء حكم الوكالة ~~بالتسليم. # (ويثبت الملك للموكل ابتداء) خلافة وبدلا عن الوكيل، باعتبار التوكيل ms1183 ~~السابق لا أصالة (فلا يعتق قريب وكيل بشرائه) بطريق الوكالة، لأن الوكيل لم ~~يملكه، وكذا لا يفسد نكاح منكوحته إذا اشتراها، لأنه لم يملكها. # --- PageV05P091 ~~*** # (وإلى الموكل) أي وترجع الحقوق إلى الموكل في كل عقد يحتاج الوكيل فيه ~~إلى ذكر الموكل، وذلك (في) عقد (نكاح، وخلع، وصلح عن إنكار أو دم عمد، وعتق ~~على مال، وكتابة، وتصدق، وهبة، وإعارة، وإيداع، ورهن، وإقراض) لأن الوكيل ~~في هذه العقود سفير محض، والسفير حاك قول غيره، ومن حكى قول غيره لا يلزمه ~~حكم ذلك القول، كمن حكى قذف غيره فإنه لا يكون قاذفا، ومن حكى كفر غيره، ~~فإنه لا يكون كافرا. # (فلا يطالب) بفتح اللام (وكيل الزوج بالمهر) الباء فيه وفيما بعده ~~متعلقة ب: يطالب (ولا) يطالب (وكيلها) أي وكيل المرأة بالنكاح (بتسليمهما، ~~ولا) وكيلها بالخلع (ببدل الخلع) لأن ذلك من حقوق النكاح والخلع، والحقوق ~~فيهما لا ترجع إلى الوكيل. (وللمشتري منع الثمن من موكل بائعه) لأنه أجنبي ~~من حقوق البيع. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يمنعه، لأن الحقوق ترجع في ~~البيع عندهم إلى الموكل (فإن دفع) المشتري (الثمن إليه) أي موكل بائعه (صح ~~ولم يطالب) بكسر اللام (الوكيل ثانيا) لأن نفس الثمن المقبوض حق الموكل ~~وقد وصل إليه، ولا فائدة في أخذه منه ثم دفعه إلى الوكيل ليدفعه إليه. # فصل (في الوكالة بالبيع والشراء) # --- PageV05P092 ~~*** # (لا يصح بيع الوكيل وشراؤه ممن ترد شهادته له) عند أبي حنيفة، وهو قول ~~الشافعي، ووجه في مذهب أحمد. وقال أبو يوسف ومحمد: يصح بيعه بمثل القيمة، ~~وبالغبن اليسير، لأنه في حكم المثل إلا من عبده ومكاتبه، لأن التوكيل مطلق ~~ولا تهمة، إذ الأملاك متباينة، والمنافع منقطعة، فصار البيع منهم كالبيع من ~~أجنبي، وصار الوكيل كالمضارب، بخلاف العبد، لأن ما في يده لمولاه، وبخلاف ~~المكاتب لأن لمولاه حقا في كسبه، وبخلاف الغبن الفاحش لأنه ليس في حكم المثل. # ولأبي حنيفة أن مواضع التهم مستثناة من الوكالة، والوكيل يتهم في العقد ~~مع هؤلاء، ولأن كل واحد منهم ومن الوكيل ينتفع ms1184 بمال الآخر عادة، فكان مال ~~كل واحد منهم ك: مال الوكيل، فصار الوكيل بائعا أو شاريا من نفسه، بخلاف ~~المضارب، فإنه كالمتصرف لنفسه. وعلى هذا الخلاف الإجارة والصرف والسلم ~~ونحوها. # ثم المراد من عدم جواز البيع لهؤلاء عند أبي حنيفة في مطلق الوكالة، حتى ~~لو قيد الوكالة بتعميم المشيئة جاز بيع الوكيل منهم اتفاقا، بخلاف البيع من ~~نفسه، أو من ابن صغير له حيث لا يجوز وإن قيد بتعميم المشيئة، لأنه يؤدي ~~إلى تضاد الأحكام: بأن يكون مخاصما في العيب ومخاصما (عنه). وفي «الذخيرة»: ~~ولو باع الوكيل من هؤلاء بأكثر من القيمة يجوز بلا خلاف. # (وصح بيع الوكيل) بالبيع إذا لم يقيد (بما قل أو كثر، والعرض) أي وبالعرض ~~(والنسيئة) أي وبالأجل، ولو كان آجلا غير متعارف، كخمسين سنة، وهذا عند أبي ~~حنيفة. وقالا: يصح بالغبن اليسير دون الفاحش، وبالدراهم والدنانير دون ~~العروض، وبالأجل المتعارف. وقال مالك والشافعي وأحمد: يصح بثمن المثل، ~~وبنقد البلد حالا، فإن كانت النقود مختلفة يعتبر الأغلب. # --- PageV05P093 ~~*** # (و) صح للوكيل (بيع نصف ما وكل ببيعه) مطلقا، أما إذا لم يكن في تفريقه ~~ضرر كالحنطة والشعير فباتفاق، وأما إذا كان في تفريقه ضرر كالعبد فعند أبي ~~حنيفة خلافا لهما، وهو قول الشافعي وأحمد. # (و) صح (أخذه) أي أخذ الوكيل (رهنا)، بالثمن (أو كفيلا بالثمن) فلا يضمن ~~(إن ضاع) الرهن (في يده أو توي) أي هلك (ما على الكفيل) لأن الهالك في يده ~~كالهالك في يد الموكل، ألا ترى أن الوكيل لو استوفى الثمن حقيقة وهلك في ~~يده يهلك على الموكل. # (ويقيد شراء الوكيل) بالشراء (بمثل القيمة وبزيادة يتغابن الناس فيها)، ~~فلا يلزم الموكل بما شراه وكيله بزيادة على القيمة لا يتغابن فيها، وهي ~~الزيادة الفاحشة (وهي) أي الزيادة التي يتغابن فيها (ما قوم به مقوم) أي ما ~~يدخل تحت تقويم المقومين عند اختلافهم. قال شيخ الإسلام في «جامعه»: وهذا ~~التحديد فيما لم يكن له قيمة معلومة في البلد، كالعبيد والدواب، فأما ما له ~~قيمة معلومة، كالخبز واللحم ms1185 فإن الوكيل إذا زاد لا ينفذ على الموكل وإن ~~كانت الزيادة كالفلس ونحوه، لأن ما يدخل تحت تقويم المقومين هو فيما يحتاج ~~فيه إلى تقويمهم، وهذا لا يحتاج. # --- PageV05P094 ~~*** # (ويتوقف شراء نصف ما وكل بشرائه) أي كله (على شراء الباقي) فإن شرى ~~الباقي لزم النصف، وإن لم يشتره لم يلزم (ولو رد مبيع على وكيل بعيب) متعلق ~~برد السابق (رده) الوكيل (على آمره إلا وكيل أقر بعيب يحدث مثله) في تلك ~~المدة، يعني أن من وكل رجلا ببيع شيء فباعه وسلمه وقبض الثمن أو لم يقبض، ~~فوجد المشتري به عيبا: إن كان لا يحدث مثله في تلك المدة، ورده بقضاء ~~ببينة، أو بنكول، أو بإقرار من الوكيل، فإن للوكيل أن يرده على الآمر، وإن ~~كان يحدث مثله ورده ببينة أو بإباء عن يمين فكذلك، وإن رده بإقرار لم يرده ~~على الآمر (ولزمه ذلك) المبيع، لأن الإقرار حجة قاصرة فتظهر في حق المقر ~~دون غيره، وهو غير مضطر إليه، إذ يمكنه السكوت والنكول. # (وإن باع) الوكيل (نساء) أي إلى أجل (وقال: قد أطلق الآمر) أو قال لم ~~يبين (فقال:) الأمر (أمرتك بنقد، صدق الآمر) لأن الأمر مستفاد من جهته، وقد ~~يكون مطلقا، وقد يكون مقيدا، ولا دلالة على أحدهما فكان القول قوله مع ~~اليمين، كما لو أنكر أصل الوكالة. # وعن مالك: إن كانت السلعة قائمة صدق الآمر. وقال أحمد: القول للآمر. (وفي ~~المضاربة) إذا قال رب المال: أمرتك بالنقد، وقال المضارب: أطلقت، أو لم ~~تبين شيئا، صدق (المضارب) لأن الأصل في المضاربة الإطلاق والعموم، والقول ~~قول المتمسك بالأصل. # --- PageV05P095 ~~*** # (ولا يصح تصرف أحد الوكيلين وحده) لأن الموكل راض برأيهما لا برأي ~~أحدهما. فإذا انفرد أحدهما بطل غرضه. وهذا إذا وكلهما بكلام واحد، حتى لو ~~وكلهما على التعاقب، جاز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف، لأنه رضي برأي كل واحد ~~منهما على الانفراد وقت توكيله، بخلاف الوصيين إذا أوصى كل واحد منهما ~~بكلام على حدة، حيث لا يجوز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف على الأصح، لأن حكم ms1186 ~~الوصية يثبت بالموت، فعنده صارا وصيين، وحكم الوكالة يثبت بالتوكيل، فإذا ~~كان كل واحد منهما بعقد، استوى كل منهما بالتصرف. # وفي «الذخيرة»: لو باع أحدهما والآخر حاضر يجوز، ولو كان الآخر غائبا ~~فأجاز لم يجز عند أبي حنيفة (إلا في خصومة ورد وديعة، وقضاء دين، وطلاق، ~~وعتق لم يعوضا) وقال زفر والشافعي وأحمد: لا يصح تصرف أحد الوكيلين وحده في ~~الخصومة. # قيد الوديعة «بالرد» لأن الوكيلين بقبض الوديعة لو قبض أحدهما بغير إذن ~~صاحبه يضمن، لأن الموكل شرط اجتماعهما على القبض ولم يوجد، فصار قابضا بغير ~~إذن المالك. فإن قيل: ينبغي أن يضمن النصف، لأنه مأمور بقبض النصف. أجيب ~~بأنه مأمور بقبض النصف مع صاحبه لا بدونه. وقيد الطلاق والعتق بأنهما «لم ~~يعوضا» لأنهما إذا كانا بعوض كالبيع. # --- PageV05P096 ~~*** # (ولا يصح بيع عبد أو مكاتب، أو ذمي، مال صغيره المسلم، و) لا (شراؤه) ~~بماله، لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، والعبد لا ولاية له، قال الله ~~تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء}، والكافر لا ولاية له ~~على المسلم، قال الله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}. ~~قيد الذمي لا للاحتراز عن الحربي، لأنه في هذا الحكم مثله، بل عن المرتد، ~~لأن ولايته على أولاده وأمواله موقوفة، فإن أسلم جعل كأنه لم يزل مسلما ~~فينفذ تصرفه، وإن مات أو قتل على ردته تبطل لتقرر جهة انقطاع الولاية. # (والأمر بشراء الطعام) يقع على الحنطة ودقيقها بناء على العرف والعادة. ~~وقيل: يقع (على البر في دراهم كثيرة)، وهي عشرة فما فوقها (وعلى الخبز في) ~~دراهم (قليلة)، وهي الثلاثة (وعلى الدقيق في) دراهم (متوسطة)، وهي ما بين ~~الكثيرة والقليلة (وفي متخذ الوليمة) يقع (على الخبز) وإن كثرت الدراهم. ~~والفارق في ذلك العرف وقرائن الأحوال. وقال بعض مشايخ ما وراء النهر: ~~الطعام في عرفنا ما يمكن أكله من غير إدام، كاللحم المطبوخ أو المشوي دون ~~الحنطة ودقيقها. قال الصدر الشهيد: وعليه الفتوى. # --- PageV05P097 ~~*** # (وصح الأمر بشراء حمار) وفرس، وبغل، وشاة، ms1187 وثوب هروي ونحوها، لأن الجنس ~~صار معلوما بالتسمية، وإنما الجهالة في الوصف، وهي يسيرة، وقد ثبت أنه عليه ~~الصلاة والسلام وكل بشراء شاة للأضحية. (و) الأمر بشراء (دار إن ذكر ثمنها ~~ومحلتهما) لأن الدار تختلف اختلافا فاحشا بحسب الأغراض، والمرافق، ~~والجيران، والمحال، والبلدان فيتعذر الامتثال، فإن سمي الثمن والمحلة صارت ~~معلومة عادة وبقيت الجهالة يسيرة. # (و) بشراء (شيء علم جنسه من وجه وذكر ثمن، أو عين) ذلك الشيء (نوعا) أي ~~من جهة النوع، فلو وكله بشراء عبد لا يصح، لأنه يشمل أنواعا ففحشت الجهالة. ~~فإن سمى الثمن أو عين النوع، كتركي وحبشي، صح التوكيل، (لا إن فحش) أي لا ~~تصح الوكالة بشراء شيء فحش (جهالة جنسه) وإن ذكر الثمن (كالرقيق والثوب ~~والدابة) لأن الثوب يتناول أجناسا شتى من الأطلس إلى الكساء. # والدابة في اللغة: اسم لما يدب، وفي العرف: للفرس، والحمار، والبغل. ~~والرقيق يشمل الذكر والأنثى، وهما من بني آدم جنسان مختلفان. وتسمية الثمن ~~لا تزيل هذه الجهالة، إذ يوجد بما سمى واحد من كل جنس، ولا يعرف مراد ~~الآمر، والأمر بما لا يقدر المأمور على الامتثال به باطل، إلا أن يفوض ~~الموكل الأمر إلى رأي الوكيل: بأن يقول له: اشتر لي بألف ثيابا، أو دواب، ~~أو أشياء، أو ما شئت، أو ما رأيت، أو أدنى شيء حضرك، أو ما يوجد، أو ما ~~يتفق، لأن في التعميم دلالة على التفويض إلى رأيه. # --- PageV05P098 ~~*** # (وصدق الوكيل) بشراء عبد بغير عينه (في: شريت عبدا للآمر فمات، وقال ~~الآمر:) شريته (لنفسك إن) كان (دفع الآمر الثمن) إلى الوكيل، لأنه حينئذ ~~أمين على الثمن، وقد ادعى الخروج عن عهدة الأمانة على الوجه الذي أمره به، ~~فكان القول قوله. ولا فرق بين العبد المعين وغير المعين، فتنكيره في المتن ~~وقع اتفاقا (وإلا) أي وإن لم يدفع الآمر الثمن إلى الوكيل (فالآمر) هو ~~المصدق، لأن الوكيل يدعي الثمن على الموكل، وهو منكر فيكون القول قوله. # والتقييد بالموت احتراز عما إذا كان العبد حيا، فإنه إن كان غير ms1188 معين ~~وكان الثمن منقودا فالقول للوكيل اتفاقا، لأنه أمين، وإن لم يكن منقودا ~~فكذلك عندهما ، لأنه يملك استيفاء الشراء فلا يتهم في الإخبار عنه. وعند ~~أبي حنيفة القول للموكل، وإن كان العبد معينا فالقول للوكيل إجماعا، سواء ~~كان الثمن منقودا أو لا. وفي «الذخيرة»: إن قول الأمين معتبر مع اليمين. # (وللوكيل حبس المبيع) الذي أمر بشرائه (من آمره لقبض ثمنه) إن دفع الوكيل ~~الثمن إلى بائعه (وإن لم يدفع) وعند زفر ليس له حق الحبس أصلا، لأن يده كيد ~~الموكل حكما (فإن هلك) في يد الوكيل (بعد الحبس سقط الثمن) عند أبي حنيفة ~~ومحمد، قلت قيمته أو كثرت، وهو ضمان المبيع إذا هلك في يد البائع. وعند زفر ~~يضمن ضمان الغصب، لأنه صار غاصبا بحبس ما ليس له حبسه، فيضمن جميع قيمته إن ~~كان قيميا. # --- PageV05P099 ~~*** # وعند أبي يوسف ضمان الرهن حتى إن كان فيه وفاء بالثمن يسقط الثمن، وإن لم ~~يكن فيه وفاء يرجع الوكيل بالفضل على الموكل، لأنه مضمون بالحبس للاستيفاء، ~~كالرهن. ولهما أن الوكيل مع الموكل كالبائع مع المشتري، وهلاك المبيع في يد ~~البائع يسقط الثمن، فكذا هذا. قيد الهلاك «ببعد الحبس» لأنه قبل الحبس تقرر ~~الثمن على الموكل. # (وليس للوكيل بشراء عين) أي معين (شراؤه لنفسه) حتى لو شرى لنفسه، (فهو ~~لموكله، سواء نوى عند العقد الشراء أو صرح به بأنه يشتري لنفسه). (فإن شرى) ~~الوكيل (بخلاف جنس ثمن سمي) أو بأكثر مما سمي (وقع) الشراء (له) أي للوكيل، ~~لأنه خالف أمر الآمر فنفذ عليه، إلا أن ينوي وقت الشراء للآمر، أو يضيفه ~~إلى مال الآمر. ولو وكل بشراء عشرة أرطال لحم بدرهم، فاشترى به عشرين رطلا ~~مما يباع منه عشرة بدرهم، فللموكل النصف بحصته عند أبي حنيفة، وألزما الكل ~~بالدرهم كمالك والشافعي، لما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عروة ~~البارقي دينارا ليشتري به أضحية أو شاة، فاشترى شاتين، فباع إحداهما، فأتاه ~~بشاة ودينار، فدعا له بالبركة في بيعه. # فصل (في أحكام التوكيل بالخصومة) ms1189 # (للوكيل بالخصومة) والتقاضي (القبض)، سواء كانت الخصومة في عين أو دين، ~~وهو وجه في مذهب الشافعي، لأن التوكيل بالشيء توكيل بإتمامه، وإتمام ~~الخصومة والتقاضي بالقبض. (ويفتى الآن بخلافه) وهو أن الوكيل بالخصومة ليس ~~له القبض. أفتى بذلك الصدر الشهيد وكثير من مشايخ بلخ، وهو قول زفر، ومالك، ~~والشافعي، وأحمد، لأن من يؤمن على الخصومة قد لا يؤمن على المال، لظهور ~~الخيانة في هذا الزمان. # --- PageV05P100 ~~*** # (وللوكيل بقبض الدين الخصومة) عند أبي حنيفة والشافعي (في قول، وأحمد) في ~~رواية. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون خصما، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، ~~والأصح من مذهب الشافعي، وظاهر الرواية عن أحمد. # (لا بقبض العين) فإن الوكيل بقبضها ليس له الخصومة اتفاقا (وتقصر يد ~~الوكيل) أي الذي وكل (بقبض العبد) ممن هو في يده، فالباء متعلقة بالوكيل ~~(ونقل المرأة) أي وتقصر يد الوكيل بنقل المرأة (إن أقام) الذي في يده العبد ~~(الحجة على البيع، و) أقامت المرأة الحجة على (الطلاق) بأن أقام الذي في ~~يده العبد بينة على أن الموكل باع العبد منه، وأقامت المرأة بينة على أن ~~الموكل طلقها، (بلا ثبوتهما)، أي: ولا يثبت البيع والطلاق. # (وصح إقرار الوكيل) أي الذي وكل (بالخصومة) على موكله، سواء كان وكيلا ~~للمدعي أو للمدعى عليه (عند القاضي)، متعلق بإقرار، (لا عند غيره) أي لا ~~يصح إقرار الوكيل بالخصومة عند غير القاضي، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال ~~أبو يوسف: يصح إقراره عند غير القاضي أيضا. وقال زفر والشافعي وأحمد وابن ~~أبي ليلى: لا يصح في الوجهين، وهو القياس، لأنه أتى بضد ما أمره به. # --- PageV05P101 ~~*** # (وللموكل عزل وكيله) عن الوكالة متى شاء، لأن الوكالة حقه وله أن يسقطه. ~~ولو قال الموكل لوكيله: كلما عزلتك فأنت وكيلي، لا يملك عزله، لأنه كلما ~~عزله تجددت الوكالة له. وقيل: ينعزل بقوله: كلما وكلتك فأنت معزول. وقيل: ~~يملك عزله بأن يقول: عزلتك عن جميع الوكالات، فينصرف ذلك إلى المعلق ~~والمنجز. والصحيح أن يقول إذا أراد عزله، وأن لا تنفذ الوكالة بعد ms1190 العزل: ~~رجعت عن المعلقة، وعزلتك عن المنجزة، لأن ما لا يكون لازما يصح الرجوع عنه، ~~والوكالة منه، فكل من الرجوع عن المعلقة والعزل عن المنجزة صحيح. # (ووقف) عزل الموكل وكيله (على علمه) فما دام لم يبلغه، هو على وكالته، ~~وتصرفه جائز. ويشترط في مبلغه عند أبي حنيفة إذا لم يكن رسول الموكل أن ~~يكون عدلا أو مستورين، بخلافهما حيث اكتفيا بواحد، وإن لم يكن عدلا، ~~كالرسول إليه، فإنه لا يشترط فيه العدالة اتفاقا. وقال الشافعي: في الأصح ~~ومالك في رواية، (وأحمد في رواية): لا يتوقف عزل الوكيل على علمه، لأن ~~الموكل بعزل الوكيل مسقط لحق نفسه، فصار كالطلاق والعتاق، فإنه يجوز بدون ~~علم المرأة والعبد. # ولنا أن في عزله بدون علمه إضرارا به، لأنه ربما يتصرف بناء على أنه وكيل ~~وينقد الثمن من مال الموكل، أو يسلم المبيع فيضمنه. ولو عزل الوكيل نفسه ~~بغير علم الموكل لا ينعزل، وعند الشافعي وأحمد ومالك في رواية: ينعزل. وعن ~~مالك إن كان في عزله ضرر على موكله لا ينعزل بدون علمه. # --- PageV05P102 ~~*** # (وتبطل الوكالة) التي ليست بلازمة (بموت أحدهما وجنونه مطبقا) بكسر ~~الباء أي مستوعبا، من أطبق الغيم السماء إذا استوعبها، (ولحاقه) أي وبلحاق ~~أحدهما (بدار الحرب مرتدا). قيد الجنون «بالإطباق» ليكون كالموت، لأن قليله ~~كالإغماء. وحد الجنون المطبق شهر عند أبي يوسف، لأنه يسقط به الصوم، وعنه ~~أكثر من يوم وليلة، لأنه تسقط به الصلوات الخمس. وعند محمد حول كامل وهو ~~الصحيح، لأن استمراره حولا مع اختلاف فصوله آية استحكامه، ولأن ما دون ~~الحول لا يمنع وجوب الزكاة فلا يكون في معنى الموت. # والمراد «بلحاقه مرتدا» إذا حكم الحاكم به، لأن لحاقه لا يثبت إلا بحكم ~~الحاكم، وحينئذ تبطل الوكالة باتفاقهم. وأما قبل الحكم فموقوفة عند أبي ~~حنيفة، لأن تصرفات المرتد عنده موقوفة فكذا وكالته. فإن أسلم نفذت، وإن قتل ~~أو لحق بدار الحرب بطلت، ونافدة عندهما، لأن تصرفاته نافذة فلا تبطل ~~الوكالة، إلا أن يموت أحدهما، أو يقتل على ردته، أو يحكم ms1191 بلحوقه. وقيدنا ~~الوكالة بالتي «ليست بلازمة» لأن اللازمة المشروطة في عقد الرهن لا تبطل ~~بهذه الأمور. # (وكذا) تبطل وكالة الوكيل (بعجز موكله) حال كونه (مكاتبا) بأن وكل مكاتب ~~وكيلا ثم عجز. (وحجره) أي وكذا تبطل وكالة الوكيل بالحجر على موكله حال ~~كونه (مأذونا) بأن وكل مأذون وكيلا، ثم حجر على ذلك المأذون وليه. وهذا في ~~الوكيل بالعقود، أو الخصومات. وأما الوكيل بقضاء الدين أو اقتضائه فلا ~~ينعزل بعجز المكاتب ولا بحجر المأذون. # --- PageV05P103 ~~*** # (وافتراق الشريكين) أي وكذا تبطل وكالة الوكيل بافتراق المتشاركين، إذا ~~وكلا أو أحدهما (وكيلا) فيما هو من شركتهما. (وإن لم يعلم به) أي بما ذكر ~~من العجز، والحجر، والافتراق (وكيلهم)، لأن بقاء الوكالة يعتمد قيام الآمر، ~~وقد بطل بعجز الموكل والحجر عليه والافتراق، فكان عزلا حكميا بهذه الأشياء ~~فلا يتوقف على العلم بها. # (وتصرف الموكل) بالجر أي وكذا تبطل الوكالة بتصرف الموكل (فيما وكل به) ~~تصرفا يعجز الوكيل عن الامتثال به: مثل أن يوكل ببيع عبد ثم يبيعه، أو ~~يدبره (أو يكاتبه) أو يعتقه بنفسه، وكما لو وكل وكيلا بطلاق امرأته فطلقها ~~الموكل ثلاثا أو واحدة وانقضت عدتها، بطلت الوكالة، لعجز الوكيل عن ~~الامتثال. ولو تزوجها الموكل بعد ذلك ليس للوكيل أن يطلقها، وإن كان للموكل ~~ذلك، لأن تطليقها حينئذ بسبب جديد وهو حاصل للموكل دون الوكيل. والله أعلم. # كتاب الشركة # (هي) لغة: الخلط، ويطلق على عقد الشركة وإن لم يوجد فيه اختلاط ~~(النصيبين)، لأن العقد سبب له. # وشرعا: (ضربان) أي نوعان: (شركة ملك: وهي أن يملك اثنان) أو أكثر (عينا) ~~بإرث، أو بشراء، أو باستيلاء، أو بهبة أو بصدقة، أو بوصية، أو باختلاط ~~مالهما بلا صنع من أحدهما، أو بصنع منه، خلطا يمتنع معه التمييز، كالبر مع ~~البر، أو بعسر كالبر مع الشعير. # (وكل) من الشريكين في هذه الشركة (كأجنبي في مال صاحبه) فلا يجوز له أن ~~يتصرف فيه إلا بإذنه، ويجوز له أن يبيع نصيب نفسه من شريكه، ومن غيره بغير ~~إذن شريكه، إلا في صورة ms1192 الخلط أو الاختلاط: فإنه لا يجوز إلا بإذن شريكه. # --- PageV05P104 ~~*** # (وشركة عقد، وركنها الإيجاب والقبول) بأن يقول أحدهما: شاركتك في كذا ~~وكذا، ويقول الآخر: قبلت. (وشرطها) أي شركة العقد (أن لا يعين لأحدهما ~~دراهم من الربح) لأن هذا التعيين قد يقطع الشركة: بأن لا يبقى بعد تلك ~~الدراهم ربح يشتركان فيه. قال ابن المنذر: ولا خلاف فيه لأحد. # (مشروعية الشركة) # ومشروعية الشركة بالكتاب، وهو قوله تعالى: {فهم شركاء في الثلث}، وقوله ~~سبحانه وتعالى: {وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض}، والخلطاء: ~~الشركاء. وبالسنة، وهو ما روى أبو داود في «سننه»، والحاكم في «مستدركه» ~~وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله ~~تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان خرجت من ~~بينهما»، أي تبرأت عنهما وعن المعاونة معهما. وبإجماع الأمة على جوازها. ~~وبالمعقول وهو: أنها طريق الفضل المشروع بقوله تعالى: {وابتغوا من فضل ~~الله}، أي من رزقه، وبالمعاملة مع خلقه. # (وهي) أي شركة العقد (أربعة أوجه:) # (شركة المفاوضة) # الأول: (مفاوضة) مشتقة من التفويض، إذ كل واحد منهما يفوض التصرف إلى ~~صاحبه على الإطلاق. (وهي شركة متساويين مالا) أي من جهة المال، والمراد مال ~~يصلح لرأس مال الشركة، كالدراهم والدنانير، بخلاف العروض والعقار والديون، ~~حيث لا يشترط (فيه) التساوي، ولا يعتبر التفاضل فيه. # --- PageV05P105 ~~*** # (وحرية) أي من جهة الحرية، فلا تنعقد المفاوضة بين حر وعبد، ولا بين ~~عبدين، لأن العبد لا يملك التصرف. ولو قال: «تصرفا» كما في بعض النسخ بدل ~~حرية، أو زاد (حلما) أي عقلا، كما في «الوقاية» لكان أحسن، لأن المفاوضة ~~لا تنعقد بين صغير وبالغ، ولا بين صغيرين. وإنما شرط الحرية والبلوغ، لأن ~~الصبي والعبد لا يملكان التكفل لكونه تبرعا ابتداء، وهو شرط في هذه الشركة. # (ودينا) أي من جهة الدين، وهو الملة. فلا تنعقد المفاوضة بين مسلم وكافر، ~~وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، خلافا لأبي يوسف. وتنعقد بين الكتابي والمجوسي، ~~لأن الكفر كله ملة واحدة عندنا. وقال مالك، ms1193 والشافعي، وأحمد: لا تجوز شركة ~~المفاوضة، وهو القياس، لأنها تضمنت الوكالة بمجهول الجنس، والكفالة بمجهول، ~~وكل بانفراده فاسد. # ووجه الاستحسان أن الناس تعاملوا بها من غير نكير، والقياس يترك بالتعامل ~~كالاستصناع، ودخول الحمام، لأن التعامل بلا نكير كالإجماع. # (وتتضمن) المفاوضة (الوكالة والكفالة) لتحقق الشركة في كل ما شراه ~~أحدهما، وتثبت المساواة بينهما في المطالبة بثمنه. (ومشترى كل) من شريكي ~~المفاوضة (لهما) لأن كل واحد منهما قائم مقام صاحبه في التصرف، فكان شراؤه ~~كشرائه (إلا طعام أهله) أي أهل كل، (وكسوتهم) أي كسوة أهل كل، فإنها تكون ~~له خاصة، وكذا استئجار كل ما يسكنه أو ما يركبه لحج أو غيره، وشراؤه إداما ~~ليأكله، أو أمة ليطأها، لأن كل واحد منهما عالم حين العقد بحاجة نفسه إلى ~~ذلك، ولا يقصد أنه شريكه، فكان مستثنى دلالة، والاستثناء الثابت بالدلالة ~~كالاستثناء الثابت بالمقالة. وحكم طعام كل وكسوتهم حكم طعام أهله وكسوتهم. # --- PageV05P106 ~~*** # (وكل دين لزم أحدهما بما تصح فيه الشركة، كالشراء ونحوه) من البيع ~~والاستئجار (ضمنه الآخر) لأنه كفيله. وأما ما لا تصح فيه الشركة، كالجناية، ~~والنكاح، ونفقة الزوجات والأقارب، والصلح عن دم عمد، ونحوها، فلا يضمنه ~~الآخر، لأن كل واحد منهما لم يلتزم إلا دين التجارة، وهذه الأشياء ليست من ~~التجارة. # (وإن ورث أحدهما أو وهب له) أو تصدق عليه (ما تصح فيه الشركة) كالدراهم ~~والدنانير والفلوس النافقة، (وقبض) ذلك، (صار) عقد المفاوضة (عنانا)، لأن ~~المساواة فيما يصلح لرأس مال الشركة ابتداء وبقاء شرط في المفاوضة، وقد ~~فاتت بقاء لعدم مشاركة الآخر له في الإرث والهبة، لأنه إنما يشاركه فيما ~~يحصل بسبب التجارة أو ما يشبهها، وليست المساواة شرطا في العنان، فانقلب ~~عقد المفاوضة إليها. # (وفي العروض والعقار) أي وفي إرث أحدهما للعروض والعقار أو هبتهما له ~~(بقي) العقد (مفاوضة) ولم ينقلب عنانا، لأن عدم المساواة فيهما لا يمنع ~~المفاوضة ابتداء فكذا بقاء. # (شركة العنان) # (و) الوجه الثاني من شركة العقد (عنان) بكسر أوله (وهي شركة في كل تجارة، ~~أو) في (نوع) من أنواع ms1194 التجارة. مأخوذ من: عن له كذا: أي عرض، لأنه عرض ~~لهما شيء فاشتركا فيه، كما ذكره ابن السكيت. أو من: عنان الفرس، إذ كل ~~منهما جعل عنان التصرف في بعض ماله إلى صاحبه، كما قاله الكسائي والأصمعي. ~~أو لأنه يجوز أن يتفاوتا في المال والربح كما يتفاوت العنان في يد الراكب ~~حالة الميل والإرخاء، كما في «المغرب» و«المبسوط». # --- PageV05P107 ~~*** # (وتصح) شركة العنان (ببعض ماله) أي مال أحد الشريكين (مع فضل مال أحدهما) ~~لأن الحاجة قد تمس إلى ذلك مع عدم اقتضاء لفظها المساواة في مال الشركة. ~~(و) تصح مع (تساوي ماليهما مع تفاوت الربح) بينهما، وعكسه: وهو تساوي الربح ~~بينهما مع تفاوت ماليهما، وبه قال أحمد. وقال زفر ومالك والشافعي: لا تصح. # (و) تصح مع (كون أحدهما) أي أحد المالين (دراهم، والآخر دنانير) وقال زفر ~~والشافعي: لا تصح. (و) تصح (بلا خلط) وبه قال مالك وأحمد، إلا أن مالكا شرط ~~أن تكون أيديهما عليه: بأن يجعلا في حانوت لهما، أو في يد وكيل لهما. وقال ~~زفر والشافعي: لا تصح، فإن الخلط عندهما مشروط. ومعنى قوله «بلا خلط»: أن ~~الخلط ليس بشرط. عندنا، لا أنه لا يجوز الخلط كما يوهم ظاهر العبارة. # (وكل) من شريكي العنان (مطالب بثمن مشريه) اسم مفعول من الشراء، كالمرمي ~~من الرمي (لا غير) أي لا غير مشريه، فلا يطالب بمشري الآخر، لأن هذه الشركة ~~لا تتضمن الكفالة. (ثم يرجع على شريكه بحصته) من الثمن (إن أداه من ماله) ~~أي من مال نفسه، لأنه وكيل بالشراء من جهة شريكه، والوكيل بالشراء إذا نقد ~~الثمن من مال نفسه يرجع على الموكل، أما لو كان الأداء من مال الشركة، فلم ~~يرجع على شريكه. # --- PageV05P108 ~~*** # (ولا تصحان) أي المفاوضة والعنان (إلا بالنقدين) من الذهب والفضة ~~المضروبين (والفلوس النافقة)، أي الرائجة، لأنها حينئذ أثمان، كالنقدين. ~~(والتبر) أي وبالتبر: وهو ذهب غير مضروب، (والنقرة) وهي فضة غير مضروبة (إن ~~تعامل الناس بهما) في ظاهر المذهب وهو الأصح، كما في «الهداية». بناء على ~~أنهما بمنزلة ms1195 العروض، فلا يصلحان لرأس مال الشركة ومال المضاربة. وقيل: ~~تجوز بهما الشركة مطلقا، لأنهما خلقا ثمنين، فتصح الشركة بهما تنزيلا ~~للتعامل بهما منزلة الضرب المخصوص. # (و) تصح المفاوضة والعنان (بالعرض بعد أن باع كل) من الشريكين (نصف عرضه ~~بنصف عرض الآخر) إن تساويا قيمة، وإن اختلفا: بأن تكون قيمة أحدهما ألفا، ~~وقيمة الآخر ألفين، يبيع صاحب الأقل ثلثي عرضه بثلث عرض الآخر، فيكون كل من ~~العرضين مشتركا بينهما أثلاثا. والقصد أن يصير العرض مشتركا بينهما أولا ~~شركة ملك، حتى لا يجوز لكل واحد منهما حينئذ أن يتصرف في ملك الآخر، ثم ~~يعقدان عقد الشركة مفاوضة أو عنانا، فيصير العرض رأس مال شركة المفاوضة ~~والعنان، ويجوز لكل واحد منهما حينئذ أن يتصرف في نصيب الآخر. # وهذه حيلة لمن أراد الشركة مفاوضة أو عنانا، وهذا هو المختار تبعا ~~للقدوري، وشيخ الإسلام، وصاحب «الذخيرة» والمزني من أصحاب الشافعي. # --- PageV05P109 ~~*** # وقال شمس الأئمة وصاحب «الهداية»: إنه لا يجوز عقد شركة، لما تقدم أن ~~العروض لا تصلح رأس مال الشركة لبقاء الجهالة في رأس المال، والربح عند ~~القسمة. ولا يخفى ضعفه لما تبين من زوال جهالتها. ثم التقييد بالنصف وقع ~~اتفاقا على ما قررنا. وقيل: لتصح المفاوضة، فإن شرطها التساوي، والأظهر أن ~~يبيع كل واحد منهما نصف ماله بنصف مال الآخر وإن تفاوتت قيمتهما، حتى يصير ~~المال بينهما نصفين. # (وهلاك مالها) مبتدأ، أي مال الشركة قبل أن يشتريا شيئا، وفي بعض النسخ: ~~«مالهما» أي مال الشريكين اللذين عقدا به الشركة، ويؤيده قوله: (أو مال ~~أحدهما قبل الشراء يفسدها) خبر المبتدأ، (وهو) أي هلاك مال أحدهما (على ~~صاحبه) إن هلك (قبل الخلط في يد أيهما هلك). أما إن هلك في يد صاحبه فظاهر، ~~وأما إن هلك في يد الآخر، فلأنه أمانة في يده، لأن كلا منهما أمين في رأس ~~مال صاحبه، (و) هلاك مال أحدهما (بعد الخلط عليهما) لأنه لا يتميز، فجعل من ~~مالهما. # (ولكل) من شريكي مفاوضة وعنان (أن يبضع) أي يعطي مال الشركة لمن يتجر ms1196 فيه ~~(بغير شيء)، لأن لكل أن يستعمل من يتجر من مال الشركة بأجر، فبغير شيء ~~أولى. (و) أن (يودع) أي يدفع مال الشركة وديعة، لأن للشريك أن يدفع مال ~~الشركة لمن يحفظه بأجر، فلأن يدفعه لمن يحفظه بلا أجر وهو المودع أولى. # (و) أن (يضارب) أي يدفع المال لمن يتجر فيه بجزء معلوم من الربح، لأن ~~المضارب يصير بالدفع إليه مودعا، وبالتصرف في المال وكيلا، وبالربح أجيرا. # --- PageV05P110 ~~*** # هذا، وللشريك أن يفعل في مال الشركة هذه الأشياء على الانفراد، فكذا على ~~الاجتماع، وهذه رواية «الأصل» وهو الأصح. (و) أن (يوكل) من يتصرف في مال ~~الشركة بالبيع والشراء، لأن ذلك من عادة التجار والشركة منعقدة، وهذا ~~استحسان. وفي القياس ليس له ذلك، لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه، وليس ~~للوكيل أن يوكل غيره، لأن الموكل إنما رضي رأيه دون رأي غيره. # (والمال) في كل من شركة المفاوضة والعنان (في يده) أي يد كل من الشريكين ~~(أمانة)، لأنه قبضه بإذن صاحبه لا على وجه المبادلة والوثيقة، فكان ~~كالوديعة، حتى لا يضمنه إلا بالتعدي، وبيع المال وضيعة وإن شرط الفضل في ~~الربح، لقول علي كرم الله وجهه: الربح على ما شرطا، والوضيعة على قدر ~~المالين. # (شركة الأعمال) # (و) الوجه الثالث من أوجه الشركة (شركة الصنائع و) تسمى شركة (التقبل:) ~~وشركة الأعمال (وهي: أن يشترك صانعان) متفقا الصنعة (كخياطين أو) مختلفاها ~~نحو (خياط وصباغ، ويتقبلا العمل بأجر بينهما صحت) هذه الشركة إن شرطا ~~المساواة في العمل، وفي المال المستفاد منه، وهو الأجرة. # (وإن شرطا العمل نصفين، والمال) المستفاد منه (أثلاثا) لجواز أن يكون ~~قيمة عمل أحدهما أكثر، وهذا استحسان، والقياس أن لا يجوز، وهو قول زفر، لأن ~~الضمان بقدر العمل، فالزيادة عليه ربح ما لم يضمن. وقال الشافعي: لا تصح ~~شركة الصنائع، وهو إحدى الروايتين عن زفر. وقال مالك وهو رواية عن زفر : ~~لا يجوز اشتراك مختلفي الصنعة، ولا اشتراك متفقيهما في مكانين. # --- PageV05P111 ~~*** # (ولزم كلا) من الشريكين (عمل قبله أحدهما) لأن كل واحد متقبل لنفسه ms1197 ~~أصالة، ولشريكه وكالة (ويطالب) أي كل (منهما) (الأجر) الذي لم يتقبل، (ويصح ~~الدفع) أي دفع الأجرة (إليه) أي إلى الآخر (والكسب بينهما) على ما شرطا ~~(وإن عمل أحدهما) أما الذي عمل فظاهر، وأما الذي لم يعمل فلأنه لما لزمه ~~العمل بالتقبل وكان ضامنا له، استحق الأجر بالضمان ولزم العمل. # (شركة الوجوه) # (و) الوجه الرابع من أوجه شركة العقد (شركة الوجوه: وهي أن يشتركا بلا ~~مال ليشتريا بوجوههما ويبيعا) وما ربحاه يكون بينهما، وسميت بها، لأنها ~~(إنما) يشتري بها من له وجه عند الناس، وهي جائزة عندنا باعتبار ما فيها من ~~الوكالة، فإن توكيل كل واحد منهما صاحبه بالشراء، على أن يكون المشترى ~~بينهما نصفين أو أثلاثا صحيح، فكذا الشرط الذي يتضمن هذه الوكالة. # (فتصح) شركة الوجوه (مفاوضة) إذا نصا على المفاوضة واجتمعت فيها شرائطها. ~~(ومطلقها عنان) لأن العنان معتاد بين الناس، والمطلق ينصرف إلى المعتاد ~~والمتعارف. # (وكل) منهما (وكيل للآخر) فيما يشتريه. قيل: لا حاجة إلى هذا، لأن هذه ~~الشركة إما مفاوضة، وإما عنان، وقد تبين أن كلا منهما في ذلك وكيل الآخر، ~~وإذا كانت مفاوضة كان كل منهما كفيلا للآخر أيضا. # (فإن شرطا مناصفة المشترى) بينهما (أو مثالثته، فالربح كذلك) أي يكون ~~بينهما مناصفة في صورة مناصفة المشترى، ومثالثة في صورة مثالثة المشترى. # --- PageV05P112 ~~*** # (وشرط الفضل) في الربح (باطل) أي إذا شرط أن تكون حصة ربح أحدهما زائدة ~~على قدر ملكه، فهذا الشرط باطل، فإن الربح يكون على قدر الملك في المشترى، ~~فكان الزائد عليه ربح ما لم يضمن، وهو غير جائز، وإنما جاز في العنان ذلك ~~باعتبار جواز زيادة العمل من أحدهما، وهذا الاعتبار إنما يجوز إذا كان ~~المال معلوما، كما في المضاربة والعنان، وهنا ليس كذلك. # (ما لا تصح فيه الشركة) # (ولا تصح الشركة في أخذ المباحات) كالاحتطاب، والاحتشاش، والاصطياد، ~~والاستقاء، واجتناء الثمار من الجبال والبوادي، وأخذ جواهر المعادن، وأخذ ~~الجص والملح من المواضع المباحة، والتقاط السنبلة ونحوها، لأن الشركة تتضمن ~~الوكالة، والوكيل يملكه بالأخذ بدون أمره، فلا ms1198 يصح نائبا عنه. # وقال مالك وأحمد: تصح لأنها شركة الأبدان، ولما روى أبو داود عن ابن ~~مسعود أنه قال: اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر، فلم أجىء أنا وعمار بشيء، ~~وجاء سعد بأسيرين، فأشرك بيننا النبي صلى الله عليه وسلم. والجواب أن ~~الغنائم مشتركة بين الغانمين، فلا يصح اختصاص أحد بسبب الشركة فيها، وتشريك ~~النبي صلى الله عليه وسلم بين ابن مسعود وصاحبيه في الأسيرين يحتمل أن يكون ~~بإزاء نصيبهم من الغنيمة، لا لعقد الشركة التي وقعت بينهم. وقيل: غنائم بدر ~~كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فله أن يدفعها إلى من شاء، فيحتمل أن ~~يكون دفع الأسيرين لهم لذلك. # --- PageV05P113 ~~*** # (فخصت) المباحات إذا لم تصح الشركة فيها (بمن أخذها) لوجود سبب الاستحقاق ~~منه، (ونصفت إن أخذاها) لاستوائهما في سبب الاستحقاق. (وللمعين) خبر مقدم ~~إن اشتركا في الاحتطاب منه على أن يقطع أحدهما ويجمع الآخر (وصاحب العدة) ~~إن اشتركا في الاستقاء على أن العمل من أحدهما، والدابة والراوية من الآخر. ~~(أجر المثل) المبتدأ (ولا يزاد على نصف القيمة عند أبي يوسف) لأنه رضي به ~~لرضاه بنصف المسمى، كما لا يزاد على المسمى في الإجارة الفاسدة (خلافا ~~لمحمد) فإنه قال: لا بد من أجر المثل، لأن المسمى مجهول والرضى بالمجهول ~~لغو، فيسقط، وقد استوفى منافعه بعقد فاسد فيكون له أجر مثله بالغا ما بلغ. # (والربح في) الشركة (الفاسدة على قدر المال) وإن شرط الفضل، لأن الربح ~~تبع للمال فيقدر بقدره. # (فيما تبطل به الشركة) # (وتبطل الشركة بالموت، والجنون، واللحاق بدار الحرب مرتدا) لأن الشركة ~~تقتضي الوكالة، وهي تبطل بكل من هذه الأمور، وإذا بطلت الوكالة بطلت الشركة ~~إذ لا بد لها منها، وسواء علم الشريك بموت صاحبه أو لا. # (تزكية أحد لشركاء عن بعضهم) # --- PageV05P114 ~~*** # (ولم يزك أحدهما مال الآخر بلا إذنه) لأن كل واحد منهما ليس بنائب عن ~~صاحبه في الزكاة بل في التجارة، وأداء الزكاة ليس منها. (فإن أذن كل) ~~لصاحبه بأن يؤدي الزكاة عنه (فأديا ولاء) أي على التوالي ms1199 (ضمن الثاني ~~للأول) عند أبي حنيفة، علم بأداء الأول أو لا. وعندهما إن علم بأداء صاحبه ~~ضمن وإلا لا، كذا أشار في كتاب الزكاة. وفي «الزيادات»: عندهما لا يضمن، ~~علم بأداء شريكه أم لا، وهو الصحيح عندهما، (وإن أديا معا ضمن كل قسط غيره) ~~علم أو لم يعلم عند أبي حنيفة. وعندهما لا يضمن إن لم يعلم. والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # كتاب المضاربة # (هي) لغة: مفاعلة من الضرب في الأرض بمعنى السير (فيها)، قال الله تعالى: ~~{وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} أي يسافرون للتجارة ونحوها، ~~سمي بها لأن العامل فيها يسير في الأرض غالبا لطلب الربح، ولأن المضارب ~~يستحق (الربح) لسعيه وعمله، فهو شريك في الربح، ورأس ماله الضرب في الأرض ~~والتصرف. وأهل المدينة يسمون هذا العقد مقارضة من القرض بمعنى القطع، فصاحب ~~المال قطع قدرا من ماله عن تصرفه، وجعل التصرف فيه إلى العامل بهذا العقد، ~~فسمي به. # وشرعا: (عقد شركة في الربح بمال من رجل وعمل من آخر). # (مشروعية المضاربة) # --- PageV05P115 ~~*** # وهي مشروعة بإطلاق الآية لأن سفر الإنسان للتجارة قد يكون بمال نفسه وقد ~~يكون بمال غيره. ولأن من الناس من هو صاحب مال ولا يهتدي إلى التصرف، ومنهم ~~من هو بالعكس، فشرعت المضاربة لانتظام مصالح الناس. وقد بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم والناس يتعاملون بها فأقرهم عليها. وبالسنة، وهي ما روى ابن ماجه ~~مرفوعا: «ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وخلط البر بالشعير، ~~للبيت لا للبيع». # ولعمل الصحابة. وهو ما روى مالك في «الموطأ»: أن عبد الله وعبيد الله ~~ابني عمر بن الخطاب خرجا إلى العراق، فأعطاهما أبو موسى الأشعري من مال ~~الله، على أن يبتاعا به متاعا ويبيعاه بالمدينة ويؤديا رأس المال لأمير ~~المؤمنين والربح لهما، فلما قدما المدينة ربحا، فقال عمر: أكل الجيش أسلفه ~~كما أسلفكما؟ فقالا: لا، فقال: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال ~~وربحه، فراجعه عبيد الله وقال: ما ينبغي هذا يا أمير المؤمنين، لو هلك ~~المال أو نقص ms1200 لضمناه، فقال لعمر بعض جلسائه: لو جعلته قراضا، فأخذ عمر ~~المال ونصف ربحه وأعطاهما النصف. # وفي «المبسوط» و«المعرفة» للبيهقي: أن عمر أعطى مال يتيم مضاربة، وكان ~~يعمل به في العراق. وأن عثمان أعطى مالا مقارضة. وأن ابن مسعود أعطى زيد بن ~~خليدة مالا مقارضة. وأن العباس كان إذا دفع مالا مضاربة اشترط على صاحبه أن ~~لا يسلك به بحرا، ولا ينزل به واديا، ولا يشتري به ذات كبد رطبة، فإن فعل ~~فهو ضامن، فرفع الشرط إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأجازه. # لكن ضعفه البيهقي بسنده. وفيه وفي الدارقطني بسند صحيح: أن حكيم بن حزام ~~صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا دفع مالا مضاربة شرط مثل هذا. # --- PageV05P116 ~~*** # وتنعقد المضاربة بقوله: دفعت هذا المال إليك مضاربة أو مقارضة أو معاملة، ~~لأنه صريحها. أو: خذه واعمل به على أن لك نصف الربح، لأنه بمعناه. # (حكم المضاربة) # (وهي إيداع أولا) أي قبل عمله، لأن المضارب (قبض) المال بإذن مالكه لا ~~على جهة المبادلة والوثيقة. وفي «شرح الطحاوي»: والحيلة في أن يصير المال ~~مضمونا على المضارب: أن يقرض جميع المال من المضارب إلا درهما واحدا، ~~ويسلمه إليه، ثم يعقد شركة عنان، على أن يكون رأس مال المقرض درهما، ورأس ~~مال المستقرض جميع ما استقرضه، على أن يعملا جميعا والربح بينهما، ثم يعمل ~~فيه بعد ذلك المستقرض خاصة، فإن هلك في يده فالقرض عليه، وإن ربح فالربح ~~بينهما. # (و) هي (توكيل عند عمله) لأنه يعمل لرب المال بأمره، ولهذا يرجع بما لحقه ~~من العهدة عليه كالوكيل. (و) هي (شركة) في الربح (إن ربح) لتحصله بالمال ~~والعمل. (و) هي (غصب إن خالف) المضارب لوجود التعدي منه على مال غيره، وبه ~~قال مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم. وعن علي والحسن والزهري أنه لا ~~ضمان على من شارك في الربح. # (و) هي (بضاعة إن شرط كل الربح للمالك) لأن المضارب لما لم يطلب لعمله ~~بدلا، وعمله لا يتقوم إلا بالتسمية، كان ms1201 وكيلا متبرعا، وهذا معنى البضاعة، ~~فكأنه (نص) عليها. # (و) هي (قرض إن شرط) كله (للمضارب) لأن المضارب لا يستحق الربح كله إذا ~~صار رأس المال ملكا له، لأن الربح فرع المال، فكان تمليك المال مقتضى هنا، ~~لكن لفظ المضاربة يقتضي رده، فكان قرضا لاشتماله على معنيين، ولأن القرض ~~أدنى من الهبة، فكان بالاعتبار أولى لكونه أقل ضررا. # --- PageV05P117 ~~*** # وقال مالك: هي في الصورتين مضاربة صحيحة، لأنه إذا (شرطا) لأحدهما كل ~~الربح فكأن الآخر وهب له نصيبه. وأجيب بأن الربح حال العقد معدوم، والهبة ~~لا تصح عند عدم الموهوب. وقال الشافعي وأحمد: إذا قال: خذه مضاربة والربح ~~لي أو لك، تفسد المضاربة، لأنها تقتضي أن يكون الربح بينهما، فإذا شرط ~~اختصاصه بأحدهما فسدت، كما لو شرط الربح كله في شركة العنان. وأجيب بأنه ~~لما ثبت حكم الإبضاع أو القرض انصرف العقد إليه وصار كأنه قال: خذه بضاعة ~~أو قرضا. # (و) هي (إجارة فاسدة إن فسدت) لأن الواجب له حينئذ في مقابلة عمله أجر ~~المثل، كالإجارة الفاسدة، (فلا ربح له) أي للمضارب (بل) له (أجر مثل عمله) ~~سواء (ربح أو لا) وبه قال الشافعي وأحمد في رواية، لأن الأجر يجب بتسليم ~~المنافع أو العمل، وقد وجد العمل فيجب له أجر المثل. وعن أبي يوسف لا أجر ~~له إذا لم يربح، وبه قال مالك في رواية وبعض أصحاب أحمد اعتبارا ~~بالمضاربة الصحيحة، فإنه إذا لم يربح فيها لا يستحق شيئا، والفاسد من ~~العقود يأخذ حكم صحيحه . # (ولا يزاد) في أجر العمل للمضارب (على ما شرط) من الربح عند أبي يوسف، ~~لأنه رضي به (خلافا لمحمد) فإنه قال: له أجر المثل ولو زاد على ما شرط. # (ولا يضمن المال فيها) أي في المضاربة الفاسدة بالهلاك (كما) لا يضمن ~~(في) المضاربة (الصحيحة). قال الطحاوي: هذا قول أبي حنيفة، خلافا لهما. ~~وقال أبو جعفر الهندواني: لا يضمن المال في المضاربة الفاسدة عند الكل. قال ~~الإسبيجابي: وهو الأصح، لأن المال في يد المضارب أمانة، سواء صحت المضاربة ~~أو ms1202 فسدت، لأن رب المال لما قصد أن يكون المال عنده مضاربة قصد أن يكون ~~أمينا، وله ولاية ذلك. # --- PageV05P118 ~~*** # (ولا تصح) المضاربة (إلا بمال تصح به الشركة) لأنها عقد شركة في الربح، ~~فلا تصح إلا بما تصح به الشركة. وقد مر ما تصح به الشركة في كتابها. (ولا) ~~تصح المضاربة إلا (بتسليمه) أي المال (إلى المضارب) لأن يده على المال يد ~~أمانة، فلا تتم المضاربة إلا بتسليمه، كالوديعة. # (وشيوع الربح) أي ولا تصح المضاربة إلا بشيوعه (بينهما) أي بين رب المال ~~والمضارب، لأن عدم شيوعه بينهما: بأن سميا منه لأحدهما دراهم أو دنانير، ~~يؤدي إلى قطع الشركة فيه، على تقدير أن لا يزاد على المسمى. # (وللمضارب في مطلقها) وهو غير مقيد بزمان أو مكان أو غيرهما (أن يبيع ~~بنقد ونسيئة) لأنها من صنع التجار. وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية : ~~لا يبيع بالنسيئة إلا بإذن رب المال، (إلا بأجل) هذا مستثنى من النسيئة، ~~(لم يعهد) أي عند التجار، لأنهم العمدة في هذا الباب. # (وأن يشتري و) أن (يوكل بهما) أي بالبيع والشراء، (و) أن (يسافر) وأن ~~(يبضع ولو لرب المال) المراد بالإبضاع هنا مجرد الاستعانة لا ما هو ~~المتعارف: من أن يكون المال للمبضع والعمل من الآخر. ولما صح استعانة ~~المضارب بالأجنبي فلأن يصح استعانته برب المال وهو أشفق عليه كان أولى. ~~(ولا تفسد هي) أي المضاربة (به) أي بإبضاع المضارب رب المال. وقال زفر: تفسد. # --- PageV05P119 ~~*** # (و) أن (يودع و) أن يرتهن و(يرهن و) (أن يؤجر و) أن يستأجر وأن (يحتال) ~~أي يقبل الحوالة (بالثمن على الأيسر والأعسر) لأن هذا كله من صنع التجار في ~~تجارتهم، والعقد مطلق، ولا يحصل المقصود منه وهو الربح إلا بالتجارة، ~~فيتناول ما هو من صنع التجار في تجارتهم. وعن أبي يوسف أنه لا يسافر به إلا ~~بإذن، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية : لأن فيه تعريض المال للهلاك بلا ضرورة. # (ولا يقرض) إلا بإذن، لأن الإقراض تبرع وليس من ضروريات التجارة فلا ~~يملكه المضارب. وإن ms1203 قيل له: اعمل برأيك. كما لا يملك الهبة والصدقة. (ولا ~~يستدين) لما في الاستدانة من شغل ذمة المالك (إلا بإذن المالك) لأن المنع ~~حق المالك وله تركه. (ولا يضارب) إلا بإذن المالك، أو ب: اعمل برأيك. (ولا ~~يخلطه) أي مال المضاربة (بماله إلا به) أي بإذن المالك . وفي نسخة: بإذنه، ~~أي صريحا (أو ب: اعمل برأيك) لأن شيئا من المضاربة والخلط لا تتوقف عليه ~~التجارة، فلا يدخل في مطلق المضاربة، ولكنه جهة تتميز فيدخل في العقد عند ~~وجود الدلالة على دخوله، وهو إذن رب المال، أو قوله: اعمل برأيك. # (فلو قيل) للمضارب (هذا) أي اعمل برأيك، فاشترى المضارب ثيابا (وقصر أو ~~حمل بماله تبرع) لأن هذا استدانة على رب المال، وهو لا يملكها بهذا المقال ~~(بخلاف ما إذا صبغ) بماله (أحمر) فإنه يصير شريكا بما زاد الصبغ، لأنه مال ~~قائم، فإذا بيع الثوب كان للمضارب حصة الصبغ، وكانت حصة الثوب الأبيض على ~~المضاربة. # --- PageV05P120 ~~*** # (ولا يجاوز) المضارب (بلدا وسلعة ووقتا وشخصا عينه المالك) وخص التصرف ~~به، وبه قال أحمد. وقال مالك والشافعي: إذا شرط المالك أن لا يشتري إلا من ~~رجل بعينه، أو سلعة بعينها، أو ما لا يعم وجوده، لا تصح المضاربة. وإنما ~~قيد «بلدا» لأنه لو عين سوقا لا يتقيد به، إلا إذا صرح بالنهي، بأن قال: لا ~~تعمل في غير هذا السوق، لأنه صرح بالحجر. (فإن جاوز) المضارب شيئا من ذلك ~~(ضمن) لأنه صار غاصبا بالمخالفة (وله ربحه) لأنه ملكه بالضمان. # (ولا يزوج) المضارب (عبدا أو أمة) من مال المضاربة، لأنه ليس من عمل ~~التجارة. وعن أبي يوسف أنه يزوج الأمة إذ يستفيد به المهر. # (ولا يشتري) المضارب (من يعتق على رب المال) لقرابة أو يمين. (ولو شرى) ~~من يعتق على رب المال (فللمضارب) أي فالمشترى للمضارب. (ولا) يشتري (من ~~يعتق عليه) أي على المضارب (إن كان ربح) في المال، وإن كان ربح المضارب. ~~(ولو فعل) شراء من يعتق عليه (ضمن) لأنه يصير مشتريا لنفسه فيضمن بالنقد من ms1204 ~~مال المضاربة. # (وإن لم يكن) في المال (ربح) بأن لم يكن في قيمة العبد المشترى زيادة على ~~رأس المال (صح) شراء المضارب من يعتق عليه للمضاربة، لأنه لا ملك له فيه. # --- PageV05P121 ~~*** # (ونفقة مضارب) مبتدأ مضاف (عمل في مصره) صفة (في ماله) خبر المبتدأ (وفي ~~سفره) عطف على «في مصره»، أي ونفقة مضارب عمل في سفر (طعامه وشرابه) دون ~~دوائه في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة: (أن) ثمن الدواء في مال ~~المضاربة، ولهذا كانت نفقة المرأة على الزوج، ودوائها في مالها. (وكسوته ~~وأجرة خادمه وغسل ثيابه وركوبه) بفتح الراء مركوبه ومعطوف على طعامه. ~~وطعامه وما عطف عليه بيان لنفقة المضارب في سفره (كراء وشراء) تمييزان ~~لنسبة الركوب إليه. # (وعلفه) أي علف ركوبه (في مالها) أي مال المضاربة، هذا خبر «ونفقة مضارب ~~في سفره» (بالمعروف) الشائع فيما بين التجار (وضمن الفضل) أي الزيادة على ~~المعروف. وقال الشافعي وأحمد: نفقته في السفر في مال نفسه. # (وما دون) مسافة (سفر) إن كان بحيث (يغدو إليه ولا يبيت بأهله، كالسفر) ~~فيكون نفقته إن عمل فيه في مال المضاربة، لأن خروجه لأجلها فصار محبوسا ~~لها، وإن كان بحيث يغدو إليه ويبيت بأهله، كالمصر، فيكون نفقته في مال ~~نفسه، لأن أهل المصر يتجرون في السوق ويبيتون في منازلهم. # (فإن ربح) المضارب (أخذ المالك) من الربح (ما أنفق) المضارب من رأس المال ~~حتى يتمه (ثم قسم الباقي) لأن رأس المال أصل، والربح مبني عليه، ولا يسلم ~~الفرع حتى يسلم الأصل، ولأن ما ذهب للنفقة هالك، والهلاك في المضاربة يصرف ~~إلى الربح. # --- PageV05P122 ~~*** # (وإن دفع المضارب) المال إلى غيره (مضاربة بلا إذن) من رب المال لم يضمن ~~عند الدفع بل (ضمن عند عمل الثاني)، ربح أو لم يربح، وهذا قول أبي يوسف ~~ومحمد وهو ظاهر الرواية. (وقيل:) لا يضمن عند عمل الثاني بل ضمن (عند ربحه) ~~وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة. وقال زفر: يضمن عند الدفع عمل أو لم يعمل، ~~وهو رواية عن أبي يوسف، وقول مالك، ms1205 والشافعي، وأحمد. # (وصح) عقد المضاربة (إن شرط لعبد المالك شيء) من الربح (ليعمل مع ~~المضارب) بأن شرط أن يكون ثلث الربح للمالك، وثلثه لعبده، وثلثه للمضارب. ~~ثم إذا صحت المضاربة يكون للمولى ما شرط للعبد إن لم يكن عليه دين، وإن كان ~~عليه دين فهو للغرماء. وإنما قال: «عبد المالك» مع أن الحكم في عبد المضارب ~~كذلك عند شرط العمل دفعا لما يتوهم أن يد العبد للمولى، فلم يحصل التخلية، ~~بخلاف شرط العمل على المالك، فإنه يمنع التخلية لبقاء يد المالك على المال ~~فيمنع صحة المضاربة. وإنما قال: «ليعمل» لأنه إذا لم يشترط عمل العبد ~~فالمشروط للعبد يكون للمولى مطلقا، لأن العبد لم يشترط العمل له وليس له ~~رأس المال، فيكون للمولى. ذكره في «الذخيرة». # --- PageV05P123 ~~*** # (وتبطل) المضاربة (بموت أحدهما) لأنه توكيل، وهو يبطل بموت الوكيل أو ~~الموكل (ولحاق المالك) بدار الحرب (مرتدا) لأنه موت حكما، ولذا يقسم ماله ~~بين ورثته، ويعتق مدبره وأم ولده. قيد «باللحاق» لأن مجرد الارتداد لا يبطل ~~تصرف المضارب عند أبي حنيفة، بل يوقفه على النفاذ بالإسلام،أو البطلان ~~بالموت أو القتل. وقيد اللحاق «بالمالك» لأن لحاق المضارب مرتدا لا يبطل ~~المضاربة عندهم، لأن تصرفات المرتد إنما تتوقف عند أبي حنيفة للتوقف في ~~أملاكه، ولا ملك للمضارب في مال المضاربة فبقيت المضاربة على حالها. # (ولا ينعزل) المضارب (إذا عزله) رب المال (حتى يعلم) المضارب (بعزله) ~~لأنه وكيل من عزله قبله. وعزل الوكيل قصدا يتوقف على علمه، لأنه نهي، ~~والأحكام المتعلقة بالأمر والنهي لا يؤثر فيها الأمر والنهي إلا بعد العلم، ~~ودليله أوامر الشرع ونواهيه، وهذا إذا كان العزل قصديا، فلو كان العزل ~~حكميا كالموت، فلا يشترط علم المضارب، كما في الوكالة. # (فلو علم) بعزله بعدما صار مال المضاربة عرضا (فله بيع عرضها) لأن حقه ~~ثبت في الربح، (وإنما يظهر بالقسمة، وقسمة الربح) على أن ينض رأس المال، أي ~~يتحول عينا بعد أن كان متاعا، كذا في «القاموس». # (ثم لا يتصرف في ثمنه) بأن يشتري به شيئا آخر ms1206 (ولا في نقد نض) بفتح ~~النون وتشديد المعجمة أي حصل (من جنس رأس ماله) لأن التصرف في العرض ببيعه ~~بعد العزل إنما كان لضرورة ظهور الربح، ولا ضرورة ههنا. (ويبدل) المضارب ~~بعد العزل (خلافه) خلاف جنس رأس المال (به) أي بجنس رأس المال، وبه قال ~~الشافعي وأحمد. # --- PageV05P124 ~~*** # (ولو افترقا) من المضاربة (وفي المال دين لزمه) أي المضارب (طلبه) أي طلب ~~الدين، (إن كان ربح) لأن المضارب كان كالأجير، وحصته من الربح كالأجرة وقد ~~سلمت له، فيجبر على إتمام العمل. (وإلا) أي وإن لم يكن ربح لا يلزمه طلب ~~الدين، لأنه وكيل محض، والوكيل متبرع، (والمتبرع) لا يجبر على إتمام ما ~~تبرع به. # لكن (يوكل) المضارب (المالك به) أي بطلب الدين، لأن حقوق العقد تتعلق ~~بالعاقد، وهو ههنا المضارب، فلم يكن لرب المال المطالبة بالديون التي فيما ~~عقده المضارب إلا بتوكيل من المضارب، فيؤمر المضارب بتوكيله كيلا يضيع حقه. # وقال مالك والشافعي وأحمد: يلزم المضارب طلب الدين، لأنه بعقد المضاربة ~~التزم رد رأس المال على صفته، فيلزمه أن ينضه كما لو كان في المال ربح، ~~وكذا سائر الوكلاء (بالبيع، وسائر المستبضعين لا يجبر أحدهما بعد العزل على ~~طلب الثمن إذا امتنع في تقاضيه، ولكن يجبر على أن يحيل رب المال بالثمن على ~~المشتري). # (والبياع) أي الدلال (والسمسار) بكسر السين الأولى المتوسط بين البائع ~~والمشتري، فارسي (معرب) (يجبران عليه) أي على طلب الثمن، لأنهما يعملان ~~بأجرة عادة، فكان ذلك بمنزلة الإجارة الصحيحة. (وما هلك) من مال المضاربة ~~(صرف إلى الربح أولا) لأن الربح تابع لرأس المال لتصور وجود رأس المال بدون ~~الربح، بخلاف العكس فينصرف الهالك إليه كما يصرف الهالك من مال الزكاة إلى ~~العفو دون النصاب، لأن العفو تبع للنصاب. # --- PageV05P125 ~~*** # (وإن قال المالك: عينت نوعا، صدق المضارب) مع يمينه (إن جحد) التعيين: ~~بأن قال: ما سميت لي تجارة بعينها، أو قال: عممت التجارة في الأنواع كلها. ~~وقال زفر: صدق رب المال، لأن الإذن مستفاد منه، كما في الوكالة. # ولنا أن الأصل ms1207 في المضاربة العموم دون الخصوص، وفي الوكالة الخصوص دون ~~العموم، والقول قول المتمسك بالأصل. # (وإن ادعى كل) من المالك والمضارب (نوعا صدق المالك) مع يمينه، لأنهما ~~اتفقا على الخصوص. # والإذن مستفاد من جهة المالك، واعتبار قول من يستفاد الإذن من جهته أحق ~~من غيره، والبينة بينة المضارب لاحتياجه إلى نفي الضمان، (وكذا) يصدق ~~المالك مع يمينه (إن قال:) رب المال (بضاعة أو وديعة، وقال:) ذو اليد ~~(مضاربة) لأنه ينكر دعوى الربح (أو) قال: (قرض) لأنه ينكر دعوى التمليك، ~~والله تعالى أعلم. . # كتاب المزارعة # (هي) لغة: مفاعلة من الزراعة، وهي إنبات، لقوله تعالى: {أأنتم تزرعونه} ~~ونسبتها إلى غيره سبحانه مجاز من إسناد الفعل إلى السبب، وهو الحراثة، وهي: ~~إثارة الأرض للزراعة، وما يستنبت بالبذر يسمى زرعا أيضا تسمية بالمصدر، ~~وإنما عبر عنها بالمفاعلة التي تقتضي الفعل من الجانبين لأن الإعانة على ~~الفعل من إعطاء البذر والآلة بمنزلة الفعل، كالمضاربة. # وتسمى المزارعة مخابرة أيضا، من الخبرة، وهي النصيب، أو من خيبر لأنها ~~أول ما دفعت إليهم. # --- PageV05P126 ~~*** # وشرعا: (عقد الزرع ببعض الخارج) منه. (ولا تصح عند أبي حنيفة رحمه الله) ~~فإن وقعت يجب على صاحب البذر أجر المثل للعامل ولرب الأرض، والغلة له لأنها ~~نماء ملكه. وإنما لا تصح عنده لما أخرجه مسلم، عن ثابت بن الضحاك: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة، وقال: «لا بأس ~~بها». وما رواه ابن أبي شيبة عن ثابت بن الحجاج، عن زيد بن ثابت قال: نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة، قلت: وما المخابرة؟ قال: أن ~~تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع. ولقول ابن عمر: كنا نخابر ولا نرى بذلك ~~بأسا، حتى زعم رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها، ~~فتركناها من أجل ذلك. # وعن عطاء عن جابر بن عبد الله: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~المخابرة، والمحاقلة، والمزابنة. قال عطاء: فسرها لنا جابر فقال: أما ~~المخابرة: فالأرض البيضاء يدفعها ms1208 الرجل إلى الرجل، فينفق فيها فيأخذ من ~~الثمر. والمحاقلة: بيع الزرع القائم بالحب كيلا. والمزابنة: بيع الرطب في ~~النخل بالتمر كيلا. رواهما مسلم. # --- PageV05P127 ~~*** # وفي «سنن أبي داود» أن رافع بن خديج قال: كنا نخابر على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فذكر أن بعض عمومته أتاه فقال: نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا، وطواعية الله ورسوله أنفع (لنا، و) قال: ~~قلنا وما ذاك؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له أرض ~~فليزرعها، أو ليزرعها أخاه، ولا يكاريها بثلث، ولا ربع، ولا بطعام مسمى». ~~ولأن المزارعة استئجار بأجر مجهول أو معدوم، وكل منهما مفسد، ولأنها ~~استئجار ببعض ما يخرج من العمل، فيكون في معنى قفيز الطحان: وهو أن يستأجر ~~رجلا ليطحن له كر حنطة بقفيز من دقيقها. # وأما ما أخذه النبي صلى الله عليه وسلم من أهل خيبر فإنما كان خراج ~~مقاسمة بطريق المن والصلح، وذلك جائز بدليل أنه عليه الصلاة والسلام لم ~~يبين لهم المدة، ولو كانت مزارعة لبينها، لأن المزارعة لا تجوز عند من ~~يجيزها إلا ببيان المدة. # وقال أبو بكر الرازي: ومما يدل على أن ما شرط عليهم من نصف الثمر والزرع ~~كان على وجه الجزية، أنه لم يرد في شيء من الأخبار أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخذ منهم الجزية إلى أن مات، ولا أبو بكر إلى أن مات، ولا عمر إلى أن ~~أجلاهم، ولو لم يكن ذلك جزية لأخذ منهم الجزية حين نزلت آية الجزية. # والحيلة عنده: أن يستأجر رب البذر (و) العامل بأجر معلوم إلى مدة معلومة، ~~فإذا مضت المدة يعطيه بعض الخارج عما وجب له من الأجر في ذمته، سواء حصل ~~الخارج أو لا، فيجوز ذلك برضاهما، كالدين إذا أعطى عنه خلاف جنسه. # --- PageV05P128 ~~*** # (وصحت) المزارعة (عندهما) لما أخرجه الجماعة إلا النسائي عن نافع، عن ابن ~~عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشرط ما يخرج منها: من ~~ثمر، ms1209 أو زرع. وفي لفظ: لما فتحت خيبر، سأل اليهود رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يقرهم فيها على أن يعملوا على نصف ما يخرج منها: من التمر، والزرع. ~~فقال عليه الصلاة والسلام: «نقركم فيها على ذلك ما شئنا». وفي لفظ لأبي ~~داود عن ابن عباس: فلما كان حين يصرم النخل بعث إليهم عبد الله بن رواحة ~~فحزر عليهم النخل وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص فقال: في ذه كذا ~~وكذا، قالوا: أكثرت علينا يا ابن رواحة، قال: فأنا إلي حزر النخل، وأعطيكم ~~نصف الذي قلت، قالوا: هذا الحق، وبه تقوم السماء والأرض، قد رضينا أن نأخذ ~~بالذي قلت. وفيه عن جابر: فخرصها أربعين ألف وسق، ولما خيرهم أخذوا التمر ~~وعليهم عشرون ألف وسق. # وعن عمرو بن دينار قال: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها، قال أي عمرو يعني يا عمرو إني أعطيهم ~~وأعينهم وأن أعلمهم يعني ابن عباس أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~ينه عنها، وإنما قال: لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه خرجا ~~معلوما. متفق عليه. وعن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت: يغفر الله ~~لرافع بن خديج، أنا والله أعلم بالحديث منه، أتاه رجلان قد اقتتلا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع». رواه ~~أبو داود. # --- PageV05P129 ~~*** # وأما ما فيه من قوله عليه الصلاة والسلام: «من لم يذر المخابرة فليؤذن ~~بحرب من الله ورسوله»، فمحمول على قول رافع: كنا أكثر أهل المدينة حقلا، ~~وكان أحدنا يكري أرضه فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أخرجت ذه، ولم ~~تخرج ذه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم. متفق عليه. # وقد قال أبو جعفر: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث ~~والربع. زارع علي، وسعد ابن مالك، وعبدالله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، ~~والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عمر، وابن سيرين. وعامل ms1210 عمر الناس على ~~أنه: إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا. ~~رواه البخاري. # ولأنها عقد شركة بين المال والعمل، فيجوز كما في المضاربة، والجامع ~~الحاجة، لأن صاحب الأرض قد لا يقدر على العمل، والقادر على العمل قد لا يجد ~~الأرض، فمست الحاجة إلى المزارعة لتنتظم مصلحتهما وتحصل منفعتهما من الريع، ~~كما أن من له مال قد لا يهتدي إلى التجارة، ومن يهتدي إلى التجارة قد لا ~~يكون له مال، فمست الحاجة إلى المضاربة. # (وبه) أي وبقولهما في المزارعة (يفتى) لحاجة الناس إليها، وتعامل الناس ~~بها، والقياس يترك بالتعامل كما في الاستصناع. وقد أجازها الخلفاء ~~الراشدون، وعمدة من الأنصار والمهاجرين. # وأما ما رواه من النص عن النهي فمؤول، فإنهم كانوا يشترطون فيها شيئا ~~معلوما من الخارج لرب الأرض وهو مفسد للعقد، كما لو دفع الغنم ونحوها إلى ~~من يرعاها ويخدمها بنصف الزوائد التي تحدث منها، فلذا نهوا عنها. # --- PageV05P130 ~~*** # ثم اعلم أن أبا حنيفة فرع مسائل المزارعة والمعاملة على أصولهما لما علم ~~أن الناس لا يأخذون بقوله فيهما، كذا في «الفصول العمادية». والأظهر أن صحة ~~المزارعة رواية عنه والمسائل متفرعة عليها إلا أنه اختار فسادها، وأخذ ~~أصحابه برواية صحتها (بشرط صلاحية الأرض للزرع) لأن المقصود هو الربح، وهو ~~لا يحصل بدونه (وأهلية العاقدين) وهما: رب الأرض، والمزارع: بأن يكون كل ~~واحد منهما حرا عاقلا بالغا أو عبدا أو صبيا مأذونين. وهذا الشرط لا اختصاص ~~له بهذا العقد، بل جميع العقود كذلك. # (وذكر المدة) لأن العقد يرد على منفعة رب الأرض إن كان البذر من جهة ~~العامل، وعلى منفعة العامل إن كان البذر من جهة رب الأرض، والمنفعة هنا لا ~~يعرف مقدارها إلا ببيان المدة، فكان معيارا للمنفعة. ويشترط في المدة: أن ~~لا تكون أقل مما يمكن فيه الزراعة، وأن لا تكون لا يعيش إلى مثلها أحدهما ~~غالبا، وهو المختار للفتوى، على ما في «الخزانة». وعند محمد بن سلمة لا ~~يشترط بيان المدة، ويقع ما لم يبين ms1211 فيه المدة على سنة واحدة، وبه أخذ ~~الفقيه أبو الليث. وفي «الفتاوى المنصورية»: الفتوى على ما قاله محمد بن سلمة. # --- PageV05P131 ~~*** # (ورب البذر) أي وذكره بتسميته لأنه المستأجر. (و) ذكر (جنسه) أي جنس ~~البذر ليصير الأجر معلوما، لأنه منه. (و) ذكر (قسط الآخر) وهو غير رب ~~البذر، لأنه أجرة عمله أو أرضه. (والتخلية) أي ويشترط التخلية (بين الأرض ~~والعامل) ليتمكن من العمل، فلو شرط عمل رب الأرض مع العامل لا يصح، لفوات ~~التخلية. (وشيوع الحب) الخارج بين العاقدين لتحقق المعنى المقصود من ~~المزارعة وهو الشركة، لأنها تنعقد إجارة في الابتداء وشركة في الانتهاء. # (فتفسد) المزارعة (إن شرط ما ينافيه) أي ينافي شيوع الحب الخارج (كرفع ~~البذر) أي رفع رب البذر من الخارج ثم قسمة الباقي. (أو) رفع (الخراج) من ~~الأرض الخراجية خراجا موظفا، (ثم قسمة الباقي) لجواز أن لا يخرج من الأرض ~~إلا القدر المرفوع. قيدنا بكون الخراج # «موظفا» لأنه لو كان مقاسمة كالربع أو الخمس لا تفسد المزارعة، كما لو ~~شرط رفع العشر وقسمة الباقي، لأن هذا الشرط لا يؤدي إلى قطع الشركة. # (وكذا) تفسد المزارعة (إن شرط التبن لغير رب البذر) ثم قسمة الحب، لأن ~~هذا الشرط يؤدي إلى قطع الشركة إذا لم يخرج إلا التبن، لأن استحقاق غير ~~صاحب البذر إنما هو بالشرط. # (وصح) عقد المزارعة إن شرط التبن (للآخر) أي لرب البذر، لأن ذلك حكم عقد ~~المزارعة (أو) إن (لم يتعرض) للتبن لاشتراطهما الشركة فيما هو المقصود وهو ~~الحب ، والتبن لصاحب البذر لا يحتاج في أخذه إلى شرط، لأنه نماء بذره. وقال ~~مشايخ بلخ: التبن بينهما، اعتبارا للتصرف فيما لم ينص عليه المتعاقدان، ~~ولأنه تبع للحب، والتبع يكون بشرط الأصل. # --- PageV05P132 ~~*** # (ولا تصح) المزارعة (إلا أن تكون الأرض والبذر لأحد) أي لواحد من ~~العاقدين (والبقر والعمل لآخر) لأن البقر آلة العمل، (أو) إلا أن (تكون ~~الأرض لواحد والباقي لآخر) لأن صاحب البذر حينئذ يكون مستأجرا للأرض بأجر ~~معلوم من الخارج فيجوز، كما (لو) استأجرها بدراهم في الذمة. (أو) ms1212 إلا أن ~~يكون (العمل له) أي لواحد (والباقي للآخر) لأن صاحب البذر حينئذ يكون ~~مستأجرا للعامل وحده بأجرة معلومة من الخارج، فيجوز. # (وإذا صحت) المزارعة (فالخارج على الشرط) لصحة الالتزام (ولا شيء للعامل ~~إن لم يخرج) شيء من الزرع، لأن الشركة إنما هي في الخارج فلا يستحق غيره، ~~بخلاف ما إذا فسدت، فإن الواجب حينئذ أجر المثل. # (ويجبر من أبى) أي امتنع (عن المضي) لأنها عقد إجارة، ويجبر عليه من أبى ~~عن المضي فيه (إلا رب البذر) لأنه لا يمكنه المضي في العقد إلا بضرر يلزمه، ~~وهو إلقاء بذره على الأرض، ولا يدري هل يخرج أم لا، فلا يجبر عليه، وصار ~~كمن استأجر أجيرا لهدم داره ثم امتنع، ولو امتنع الأجير أجبر على العمل، ~~لأن المزارعة تنعقد إجارة، والإجارة عقد لازم يفسخ بالعذر عندنا، وهو يتحقق ~~هنا (من جهة رب البذر لا) من جهة العامل. # (فإن أبى) رب البذر عن المضي في العقد، والبذر من قبله (بعد ما كرب ~~العامل) الأرض، أي قلبها للحرث (يجب) عليه ديانة (أن يسترضي) أي يسترضي ~~العامل: بأن يعطيه أجر مثل عمله، لأنه غره في ذلك. ولا يجب عليه قضاء، لأن ~~عمله إنما يتقوم بالعقد وقد قومه بجزء من الخارج، ولا خارج. # --- PageV05P133 ~~*** # (الآثار المترتبة على فساد الإجارة) # (وإن فسدت) المزارعة (فالخارج لرب البذر) لأنه نماء ملكه (وللآخر أجر ~~مثله) من عمل أو أرض (ولا يزاد على ما شرط) لأنه رضي بسقوط الزائد عليه، ~~وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: عليه أجر مثله بالغا ما بلغ. # (وتبطل) المزارعة (بموت أحدهما) أي أحد العاقدين إذا عقدها لنفسه، ~~اعتبارا بالإجارة، سواء كان قبل الشروع في العمل أو بعده، وهذا على إطلاقه ~~(هو القياس. و) في الاستحسان إذا مات أحدهما وكانت المدة ثلاث سنين مثلا، ~~وقد نبت الزرع في السنة الأولى، يبقى عقد الإجارة حتى يستحصد ذلك الزرع، ثم ~~يبطل في الباقي من السنتين، لأن في إبقاء العقد مراعاة للحقين فيعمل العامل ~~أو ورثته إلى أن يحصد ms1213 الزرع، ويقسم على ما شرطاه. # (وتفسخ بدين) لاحق لرب الأرض (محوج إلى بيعها) لأنها تفسخ بالأعذار، وهذا ~~عذر كما في الإجارة. ولا يطالبه العامل إذا كرب الأرض أو حفر النهر بشيء، ~~لأن المنافع إنما تقوم بالعقد، وهو إنما قوم بالخارج، وإذا لم يكن خارج لم ~~يجب شيء، وهذا إذا لم ينبت الزرع، وأما إذا نبت فلا تباع الأرض في الدين ~~حتى تستحصد، لأن في بيعها قبل ذلك إبطال حق المزارع، وفي تأخير بيعها حتى ~~يستحصد الزرع تأخير حق الغرماء، والتأخير أهون من الإبطال. # --- PageV05P134 ~~*** # (فإن مضت المدة) المشروطة في المزارعة (ولم يدرك الزرع فعلى العامل) ~~لصاحب الأرض (أجر مثل نصيبه من الأرض حتى يدرك) الزرع ويستحصد، فلا يجوز ~~لرب الأرض أن يأخذ الزرع بقلا، لما فيه من إضرار المزارع، فأما إذا أراد ~~المزارع أن يأخذه بقلا فلرب الأرض أن يفعله، ويكون بينهما أو يعطيه قيمة ~~نصيبه أو ينفق على الزرع ويرجع بما ينفقه في حصة المزارع، كذا في ~~«الهداية». # (ونفقة الزرع) من أجر السقي. ونحوه، وكذا مؤنة حفظه بعد انقضاء مدة ~~المزارعة (عليهما بالحصص) أي بقدر الحصص (كأجر الحصاد ونحوه) من الرفاع ~~والدياس والتذرية، لأن عقد المزارعة يوجب على العامل عملا يحتاج إليه إلى ~~انتهاء الزرع، وهذه الأشياء بعد انتهائه، وهو حينئذ مال مشترك بينهما، فيجب ~~عليهما على قدر ملكهما. # (فإن شرط) أجر الحصاد ونحوه (على العامل صح عند أبي يوسف رحمه الله، وبه ~~يفتى) وهذا اختيار مشايخ بلخ. قال شمس الأئمة: وهو الأصح في ديارنا، يعني ~~لتعامل الناس بها، كذا في «الهداية». # وفسد في ظاهر الرواية، وهو القياس، وهذا بخلاف ما إذا شرطا على رب الأرض، ~~فإنه مفسد بالاتفاق لعدم العرف، وكذا إذا شرطا الجذاذ على العامل، أو ~~الحصاد على غير العامل لا يجوز بالاتفاق لعدم التعامل. وعن نصير بن يحيى، ~~ومحمد بن سلمة (أن) هذا كله يكون على العامل، شرط عليه أم لا، بحكم العرف. ~~قال شمس الأئمة السرخسي: هذا هو الصحيح في ديارنا، كذا في «فتاوى قاضيخان»، ~~والله ms1214 أعلم. # --- PageV05P135 ~~*** # (وإن مات أحدهما) والثمر نيء أو مضت مدتها (والثمر نيء) وهو بكسر النون ~~وتحتية ساكنة بعدها همزة وقد يدغم، أي غير نضيج (يقوم العامل عليه أو ~~وارثه) إلى أن ينتهي الثمر، كما في المزارعة، يعني إذا كان الثمر غير مدرك، ~~فإن مات رب الأرض فللعامل أن يقوم عليه، كما كان قبله إلى أن يدرك الثمر، ~~ولو كره ورثة رب الأرض فيبقى العقد دفعا للضرر عنه. وإن مات العامل فلورثته ~~أن يقوموا عليه ولو كره رب الأرض ، إذ فيه النظر من الجانبين. # (ولا تفسخ) المساقاة (إلا بعذر) لأنها إجارة، والإجارة تفسخ بالعذر (وكون ~~العامل مريضا لا يقدر على العمل أو) كون العامل (سارقا يخاف منه على سعفه) ~~أي سعف رب الأصول (أو ثمره، عذر) خبر المبتدأ الذي هو «كون العامل». # (ودفع فضاء) مبتدأ مضاف، والفضاء بفاء معجمة أرض بيضاء غير مغروسة ~~(لغرسه) أي ليغرس كما في نسخة، والمعنى: ليغرس ذلك الآخر فيها شجرا. (ويكون ~~الأرض والشجر بينهما) أي بين رب الأرض والغارس نصفين، (لا يصح) لاشتراط ~~العامل الشركة فيما كان موجودا قبلها لا بعمله، وهو الأرض، فيفسد. # (فللعامل قيمة غرسه وأجر عمله) أي أجر مثل عمله فيما عمل، أما قيمة الغرس ~~لتعذر رده بعينه لاتصاله بالأرض، وقد غرسه برضاه، وأما أجر مثل عمله، لأنه ~~طلب عوضا عن عمله ولم يسلم له ذلك، فيجب أجر المثل. # --- PageV05P136 ~~*** # وأما ما ذكره الشارح تبعا للماتن في التعليل: من أنه في معنى قفيز الطحان ~~إذ هو استئجار ببعض ما يخرج عن عمله، وهو نصف الأشجار، فنوقش فيه بأن مطلق ~~المعاملة في معنى قفيز الطحان، وجوزت على خلاف القياس بالحديث، وهذا إذا ~~كان الغرس للعامل، فإن كان الغرس لرب الأرض فعليه أجر المثل فقط، وإنما ~~قال: «الأرض والشجر بينهما»، لأنه لو شرط أن يكون الشجر والثمر بينهما جاز. ~~ذكره في «فتاوى قاضيخان». والله تعالى أعلم. # كتاب إحياء الموات # (هي) أي الموات (أرض بلا نفع لانقطاع مائها) في أرض لا تزرع إلا بماء ~~الأنهار أو الآبار (ونحوه) ms1215 من غلبة الماء عليها، أو كونها سبخة، أو نازة، ~~أو تعذر زرعها لكثرة الشجر أو الحجر أو الرمل فيها. وسميت بذلك تشبيها لها ~~بالحيوان الميت في عدم الانتفاع به. # (ولا يعرف مالكها) عطف على «بلا نفع»، وفي بعض النسخ: «لا يعرف» بلا ~~«واو»، فهو صفة ثانية لأرض، أي غير مملوكة لمسلم ولا ذمي. وعدم معرفة ~~مالكها: إما بأن لا يكون لها مالك في الإسلام، وهو حقيقة الموات، وإما بأن ~~يكون لها مالك فيها ولا يعرف، فليس هذا بحقيقة الموات، وإنما حكمه حكم ~~الموات حيث يتصرف فيه الإمام كما يتصرف في الموات. # فلو ظهر المالك بعد ذلك أخذها وضمن له من زرعها إن نقصت بالزراعة، وإلا ~~فلا شيء عليه، وهو المختار للفتوى. # --- PageV05P137 ~~*** # (بعيدة عن العامر) وحد بعدها أن تكون بحيث (لا يسمع) فيها (صوت من أقصاه) ~~أي أقصى العامر ومنتهاه، وهذا عند أبي يوسف رحمه الله، لأن الظاهر أن ما ~~يكون قريبا من العامر لا ينقطع ارتفاق أهله عنه، فيدور الحكم بالإحياء على ~~البعد. وعند محمد يشترط في الموات انقطاع الارتفاق حقيقة، وإن كان الموات ~~قريبا من العامر. واعتمد شمس الأئمة السرخسي على قول أبي يوسف رحمه الله. # (من أحياه) أي عمره (ملكه) مسلما كان أو ذميا، لأنهما لا يختلفان في سبب ~~الملك (إن أذن له الإمام) في إحيائه حتى لو أحياه بغير إذن الإمام لا ~~يملكه، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: يملكه من أحياه، أذن له ~~الإمام أو لم يأذن، وبه قال مالك والشافعي رحمهما الله لما أخرجه الترمذي ~~وقال: حديث حسن صحيح عن جابر ابن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له». ولقوله عليه الصلاة والسلام: «من أعمر ~~أرضا ليست لأحد فهو أحق بها». رواه البخاري من حديث عائشة، ولفظ أبي يعلى ~~عنها: «من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق». وهكذا رواه أبو داود ~~والترمذي والنسائي من حديث سعيد بن زيد. # وفي رواية الطبراني عن فضالة ms1216 بن عبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، من أحيا أرضا مواتا فهي له». ~~ولأنه مال مباح سبقت يده إليه فيملكه، كما في الحطب والصيد. # --- PageV05P138 ~~*** # ولأبي حنيفة رحمه الله ما روى الطبراني من حديث معاذ: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «ليس للمرء إلا ما طابت نفس إمامه به». ولأن ما يتعلق به حق ~~جماعة المسلمين لا يختص به واحد دون واحد إلا بإذن الإمام، أصله الرزق من ~~بيت المال. والقياس على الحطب والصيد ليس بتام، لأن الإمام. لا يملك أن ~~يأمر واحدا دون واحد بالحطب والصيد، لكن الحديث فيه ضعيف، وعلى تقدير صحته ~~فإنه لا دلالة للأعم على الأخص. # ولو تركها بعد الإحياء وزرعها غيره، قيل: الثاني أحق بها، لأن الأول ملك ~~استغلالها دون رقبتها، والأصح أن الأول أحق بها، لأنه ملك رقبتها بالإحياء ~~فلا تخرج عن ملكه بتركها. # (ومن حجر أرضا) أي وضع حجرا أو شيئا للإعلام بأنه قصد إحياءها، مأخوذ من ~~الحجر بفتح الجيم، لأن الغالب أن يكون ذلك بالأحجار، أو بسكون الجيم بمعنى ~~المنع، (ولم يعمرها ثلاث حجج) بكسر الحاء أي سنين (دفعها الإمام إلى ~~غيره) لأن الدفع للأول إنما كان ليعمرها فتحصل المنفعة للمسلمين من العشر ~~والخراج، فإذا لم يعمرها يدفعها الإمام إلى غيره ليحصل ذلك، والتقدير بثلاث ~~حجج لما روى مسلم في كتاب الخراج عن الحسن بن عمارة، عن الزهري، عن سعيد بن ~~المسيب قال: قال عمر رضي الله عنه: من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس للمحتجر ~~حق بعد ثلاث سنين. # --- PageV05P139 ~~*** # وروى حميد بن زنجويه النسائي في كتاب «الأموال» عن عمرو بن شعيب أن النبي ~~صلى الله تعالى عليه وسلم أقطع أناسا من جهينة أرضا فعطلوها، فأخذها قوم ~~آخرون فأحيوها فخاصم فيها الأولون إلى عمر بن الخطاب، فقال: لو كانت قطيعة ~~مني أو من أبي بكر لم أرددها، ولكنها من رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم وقال: من كان له أرض فعطلها ثلاث ms1217 سنين لا يعمرها فعمرها غيره، فهو أحق بها. # (ومن حفر بئرا في موات بالإذن) من الإمام عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ~~وبغير الإذن أيضا عندهما (فله حريمها) أي ما حولها (للعطن) وهي التي ينزع ~~منها الماء باليد. (الناضح) وهي التي ينزع الماء منها بالبعير (أربعون ~~ذراعا من كل جانب في الأصح). # واحترز به عن قول بعضهم «أربعون ذراعا من الجوانب الأربعة من كل جانب ~~عشرة». وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان البئر للعطن فحريمها أربعون ذراعا، وإن ~~كان للناضح فستون ذراعا لما أخرجه ابن ماجه في «سننه» من حديث عبد الله بن ~~مغفل: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «من حفر بئرا فله أربعون ~~ذراعا عطنا لماشيته». # (وللعين خمس مئة كذلك) أي من كل جانب، على الأصح، وهو قول الزهري. وقيل: ~~خمس مئة من الجوانب الأربعة: من كل جانب مئة وخمسة وعشرون ذراعا. وفي بعض ~~نسخ القدوري: حريم العين ثلاث مئة ذراع، وعليها اعتمد الأقطع، وهو قول سعيد ~~بن المسيب. # --- PageV05P140 ~~*** # (وله منع غيره) أي غير حافر البئر أو العين من الحفر فيه، أي فيما ذكر من ~~حريم البئر وحريم العين. (فإن حفر) غيره (في منتهاه) أي منتهى حريم الأول ~~بإذن الإمام عنده، أو بلا إذن عندهما (فله) أي فللذي حفر المنتهى (الحريم) ~~من الحفر الذي حفر (ثلاث جوانب) دون الجانب الذي يلي ملك الأول لسبق ملكه ~~فيه. ولو ذهب ماء الأول إلى الثاني فلا شيء عليه، لأنه غير متعد في فعله، ~~فصار كمن بنى حانوتا بجنب حانوت غيره فكسد الأول بسببه. # (وللقناة) وهي مجرى الماء تحت الأرض (حريم بقدر ما يصلحها) ولم يقدر بشيء ~~يمكن ضبطه (ولا حريم للنهر) عند أبي حنيفة رحمه الله، لا في الأموات ولا في ~~غيره (إلا ببينة) أي حجة شرعية أو دلالة عرفية، كطين ملقى على مسناته، أو ~~شجر مغروس فيها له، وكونها أرفع من الأرض. وقال أبو يوسف ومحمد: له مسناة ~~يمشي عليها ويلقي عليها طينه، وبه قال مالك والشافعي. ms1218 # وفي «الجامع الصغير»: نهر لرجل إلى جنبه مسناة ولآخر خلف المسناة أرض، ~~وليس لأحدهما عليها غرس ولا طين ملقى لصاحب النهر وتنازعا، فهي لصاحب الأرض ~~عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقالا: لصاحب النهر حريم له يلقي طينه وغير ~~ذلك. وهذا يكشف الخلاف في هذه المسألة. # --- PageV05P141 ~~*** # هذا، وحريم الشجرة خمسة أذرع من كل جانب لما روى أبو داود عن أبي سعيد ~~الخدري قال: اختصم إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجلان في حريم نخلة، ~~فأمر بها فذرعت فوجدت سبعة أذرع وفي رواية: فوجدت خمسة أذرع فقضى بذلك. ~~وفي لفظ له: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حريم النخلة طول عسيبها. ~~ورواه الطحاوي في «آثاره» ولفظه: اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~في نخلة، فقطع منها جريدة، ثم ذرع بها النخلة، فإذا فيها خمسة أذرع، فجعلها ~~حريمها. وفي «مستدرك الحاكم» عن عبادة بن الصامت: أن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم قضى في النخلة: أن حريمها مبلغ جريدها. # فصل (في الشرب) # (الشرب) بكسر الشين المعجمة (هو نصيب الماء) أي نصيب من الماء، فالإضافة ~~بمعنى «من» نحو: خاتم حديد، وهذا معناه اللغوي. # وأما الشرعي: فهو الانتفاع بالماء سقيا للمزارع أو الدواب، ومنه قوله ~~تعالى: {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم}. وخصه المصنف بالنوع الأول ولذا قال: ~~(والشفة شرب بني آدم) بضم الشين (والبهائم) يقال هم أهل الشفة، أي: الذين ~~لهم حق الشرب بشفاههم. # (ولكل) أي ولكل واحد من بني آدم (حقها) أي حق الشفة (وحق سقي الدواب) أي ~~إذا كانت له دابة (إن لم يخف تخريب النهر) أما لو خيف تخريبه بالدواب ~~لكثرتها فلم يكن لهم حق سقيها، لأن أصل الحق له على الخصوص، وإنما أثبتناه ~~لغيره ضرورة، فلا معنى لإثباته على وجه يتضرر صاحبه، إذ به تبطل منفعته. # --- PageV05P142 ~~*** # (في كل ماء لم يحرز بإناء) سواء في ذلك الأنهار الكبار، والصغار، ~~والآبار. أما الأنهار العظام كدجلة، والفرات والنيل وسيحون وجيحون، فلأنها ~~ليس لأحد فيها يد على الخصوص. ms1219 وأما الأنهار المملوكة، والآبار، والحياض، ~~فلأنها لا توضع للإحراز، والمباح لا يملك إلا به، فصار الماء فيها كالصيد ~~إذا سكن في أرض إنسان حيث لا يملك إلا بأخذه. # (و) لكل أحد في الأنهار الكبار (حق الشرب) بكسر المعجمة بأن يحفر منها ~~نهرا إلى أرضه (ونصب الرحى) لأن الانتفاع بالأنهار كالانتفاع بالشمس ~~والقمر، لا يمنع منه على أي وجه كان، والأنهار العظام مباحة الأصل، لأن قهر ~~الماء يمنع قهر غيره. (إلا إذا أضر بالعامة) لأن دفع الضرر عنهم واجب، وذلك ~~بأن يكون ميل الماء إلى الأرض التي تسقى، أو إلى الرحى التي تنصب، وتكسر ~~حافة النهر، فتغرق الأراضي والقرى. # (أو خص النهر) بصيغة المجهول، أي اختص (بغيره) أي بغير من يريد أن ينصب ~~عليه رحى ويسقي منه أرضا (أي دخل في المقاسم) حين قسم الإمام، لأن الماء ~~متى دخل في المقاسم انقطعت الشركة في الشرب ونحوه عنه ممن لم يدخل في ~~قسمته، إذ لو بقيت لم يكن مختصا. # --- PageV05P143 ~~*** # والأصل في هذا الباب ما أخرجه ابن ماجه في «سننه» عن ابن عباس، والطبراني ~~في «معجمه» عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ~~«المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار». ورواه أبو داود، (وزاد) ~~ابن ماجه: «وثمنه حرام»، والمراد بالماء: ما ليس بمحرز، وبالكلأ: الحشيش ~~الذي ينبت بنفسه من غير أن يزرعه أحد أو يسقيه، وإن كان في أرض غيره، ~~وبالنار الاستضاءة والاصطلاء، أي الاستدفاء والإيقاد من لهبها في الصحراء ~~لا الجمر لأنه ملكه. والمراد بالشركة شركة إباحة لا شركة ملك. # وما روى أبو يوسف في «كتاب الخراج»: حدثنا المعلى بن كثير، عن مكحول أن ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «لا تمنعوا كلأ، ولا ماء ولا ~~نارا، فإنه متاع للمقوين، وقوت للمستضعفين». والمقوين: المسافرين، كذا قاله ~~ابن عباس ومجاهد والضحاك في قوله تعالى: {ومتاعا للمقوين}. # (وكري نهر لم يملك) أي حفره (من بيت المال) لأن ذلك لمصلحة عامة ~~المسلمين، وبيت المال الخراجي معد لمصالحهم (فإن ms1220 لم يكن فيه) أي في بيت ~~المال (شيء) يكفيه، ومن جملة بيت المال ما في أيدي الملوك، والوزراء، ~~والأمراء من آلات الذهب والفضة. وفي حلق نسائهم من الجواهر ونحوها (فعلى ~~العامة) كريه. يجبرهم الإمام على ذلك، لأن في تركه ضررا، وقلما ينفق العامة ~~على المصالح باختيارهم، إلا أن الإمام يخرج له من يطيقه، ويجعل مؤنته على ~~المياسير الذين لا يطيقونه بأنفسهم، كما في تجهيز الجيوش. # --- PageV05P144 ~~*** # (وكري نهر ملك على أهله) لأن منفعته لهم على الخصوص، فتكون مؤنته عليهم، ~~لأن الغرم بالغنم، ومن أبى أجبر. وقيل: لا يجبر إلا إذا كان مشتركا وأبى ~~أحد شركائه، وإلا فلا معنى للإجبار مع ترك حقهم بالاختيار، (من أعلاه) خبر ~~ثان لكري نهر ملك لبيان كيفية كريه، أي من أوله لأسفله. # (ومن جاوز) أي الكري (من أرضه) هكذا في النسخ بزيادة «من»، وزيادتها وإن ~~صحت بعد الشرط على قول أبي علي الفارسي إلا أن مجرورها يشترط أن يكون نكرة، ~~وهو هنا معرفة فكان حقه أن يقول: «ومن جاوز أرضه»، ولا يبعد أن يقال ~~بالتضمين، فالتقدير ومن تعدى من أرضه (برىء) من الكري، وهذا عند أبي حنيفة ~~والفتوى عليه، ذكره قاضيخان. # وقالا: هو عليهم جميعا، من أول النهر إلى آخره بحصص الشرك والأرضين. ~~وتوضيحه: أن الشركاء في النهر إذا كانوا عشرة، فعند أبي حنيفة مؤنة الكري ~~عليهم جميعا من أول النهر أعشارا إلى أن يجاوز أرض أحدهم، فحينئذ يكون مؤنة ~~الكري على الباقين اتساعا إلى أن يجاوز أرضا أخرى، ثم يكون على الباقين ~~أثمانا وعلى هذا النقصان إلى أخر النهر. # وعندهما المؤنة عليهم أعشارا من أول النهر إلى آخره، لأن كل واحد ينتفع ~~بالأسفل كما ينتفع بالأعلى لاحتياجه إلى تسييل ما فضل من الماء، فإنه إذا ~~سد ذلك فاض على أرضه فيفسد زرعه، فيتبين أن كل واحد منهم ينتفع بالنهر من ~~أوله إلى آخره، فإذا استووا في الغنم استووا في الغرم. # --- PageV05P145 ~~*** # (وصح دعوى الشرب بلا أرض) استحسانا، والقياس أن لا يصح (ولو اختصم قوم في ~~شرب ms1221 بينهم قسم بقدر أراضيهم) لأن المقصود من الشرب الانتفاع بسقي الأرض ~~فيتقدر بقدرها (ومنع الأعلى من سكر النهر) أي سده على الأسفل حتى يشرب حصته ~~(وإن لم يشرب) الأعلى (بدونه) أي بدون السكر، لما فيه من إبطال حق الأسفل ~~مدة السكر (إلا برضاهم) أي برضاء شركائهم على أن الأعلى يسكر النهر حتى ~~يشرب بحصته، أو على أن يسكر كل واحد منهم في نوبته، لأن الحق لهم وقد رضوا بتركه. # (و) منع (كل منهم) أي من الشركاء في النهر (من نصب رحى ونحوه، لا في ~~ملكه) وهو ما يكون بطن النهر وحافتاه له وللآخر التسييل، لأن ذلك تصرف في ~~ملك نفسه (بحيث لا يضر بالنهر) من كسر حافته (ولا بالماء) من تغيره عن سننه ~~الذي كان يجري عليه. (وعن التغيير) أي ومنع كل من الشركاء عن التغيير (مما ~~كان عليه قديما) لأن شر الأمور محدثاتها كما ورد. # (والشرب يورث، ويوصى بالانتفاع به، ولا يباع بلا أرض إلا عند مشايخ بلخ) ~~فإنهم أجازوا بيع الشرب، يوما أو يومين، لأن أهل بلخ تعاملوا على ذلك ~~لحاجتهم إليه. # (وكذا الإجارة والهبة والصدقة) أي، وكما لا يباع الشرب إلا تبعا للأرض لا ~~يؤجر، ولا يوهب، ولا يتصدق به إلا تبعا للأرض إما للجهالة، أو للغرور. أو ~~لأنه ليس بمال متقوم، أو لعدم الملك فيه للحال، أو لعدم إمكان تسليمه. # (ومن سقى) أرضه (من شرب غيره يضمن) لأنه أتلف شرب غيره باستعماله لأرضه، ~~وهذا اختيار فخر الإسلام رحمه الله تعالى. # --- PageV05P146 ~~*** # وقال الإمام المعروف بخواهر زاده: لا يضمن، لأنه ليس بمال متقوم. # (لا) أي: لا يضمن (من سقى أرضه) أو شجره (فنزت أرض جاره) أو سال من مائها ~~في أرض جاره فغرقت، لأنه بسبب غير متعد، لأن له أن يملأ أرضه ويسقيها، ~~والسبب إنما يضمن إذا تعدى، وفعله في أرضه ليس بتعد، كما لو أوقد نارا في ~~داره فأحرق دار جاره، فإنه إن أوقد مثل العادة لا يضمن، وإن أوقد بخلافها ~~يضمن، إلا أن من حفر بئرا ms1222 في أرضه لا يضمن، ما عطب منها، ومن حفر بئرا في ~~الطريق يضمن. # قالوا: وهذا إذا سقى أرضه سقيا معتادا: بأن سقاها قدر ما يتحمله عادة. ~~وأما إذا سقاها سقيا لا تتحمله فإنه يضمن. وكان الشيخ الإمام إسماعيل يقول: ~~إنما لا يضمن بالسقي المعتاد إذا كان محقا فيه، بأن سقى أرضه في نوبته ~~مقدار حصته، وأما إذا سقاها في غير نوبته، أو فى نوبته زيادة على حقه ~~وحصته، فإنه يضمن لوجود التعدي في السبب، والله تعالى أعلم. # كتاب الوقف # (هو) لغة: الحبس، ويقال للموقوف تسمية للمفعول بالمصدر. ويجمع على أوقاف ~~كوقت وأوقات . ولا يقال أوقفه إلا في لغة رديئة. # وشرعا: (حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة، كالعارية) وهذا عند ~~أبي حنيفة (وعندهما: هو حبس) للعين (على ملك الله تعالى) وقيل: الفتوى على ~~قولهما. # --- PageV05P147 ~~*** # (فلا يزول ملك المالك عند أبي حنيفة رحمه الله) قيل: أصل هذا أن الوقف لا ~~يجوز عنده، وهو المذكور في الأصل. وقيل: (يجوز) عنده ولا يلزم بمنزلة ~~العارية فيورث ويرجع عنه ويباع (إلا أن يحكم به حاكم) ولاه الإمام، فإنه ~~حينئذ يزول ملك الواقف عنه لقضائه في أمر مجتهد فيه. وصورة الحكم أن يسلم ~~الواقف وقفه إلى المتولي، ثم يريد أن يرجع بعلة عدم اللزوم، فيختصمان إلى ~~القاضي فيقضي باللزوم. # (وإلا في مسجد بني وأفرز بطريقه) أي ميز به عن غيره بتعينه (وأذن للناس ~~بالصلاة فيه) أي إذنا عاما (وصلى فيه واحد) فإنه أيضا يزول ملكه عنه، لأنه ~~جعله خالصا لله تعالى. وشرط الإفراز، لأنه لا يخلص لله إلا به، والإذن ~~بالصلاة لأن التسليم لا بد منه عند أبي حنيفة ومحمد، وهو في المسجد بذلك، ~~لأنه في كل شيء بحسبه. واكتفى بصلاة الواحد، لأن فعل الجميع متعذر فاشترط ~~الأقل، ولأن المسجد موضع السجود، ويحصل بفعل الواحد. # (وعند محمد تسليمه) أي الوقف (إلى المتولي وقبضه) أي قبض المتولي (شرط) ~~في زوال ملك الواقف عنه، لأنه تقرب إلى الله تعالى بماله فيتوقف جوازه على ~~التسليم، كالصدقة بالعين. # (وعند ms1223 أبي يوسف يزول) ملك الواقف (بنفس القول) وهو قول الشافعي وأكثر أهل ~~العلم، لأنه إسقاط للملك، كالإعتاق. وبقول أبي يوسف ومحمد أن ملك الواقف ~~يزول لا إلى مالك، بل يرجع إلى مالك الأملاك وخالق الأفلاك، وبه قال عامة ~~الفقهاء، وهو الأصح من مذهب الشافعي وأحمد. وللشافعي قول، وهو رواية عن ~~أحمد: أنه ينتقل إلى ملك الموقوف عليه إن كان أهلا للملك لامتناع السائبة. ~~وقال مالك: لا يزول الوقف عن ملك الواقف، لكن لا يباع ولا يورث ولا يوهب، ~~وهو قول آخر للشافعي. # --- PageV05P148 ~~*** # والأصل في جوازه ما رواه محمد بن الحسن في «الآثار»، وأصحاب (الكتب) ~~الستة في سننهم، عن نافع، عن ابن عمر قال: أصاب عمر بخيبر أرضا فأتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم (يستأمره فيها)، فقال: (يا رسول الله) إني أصبت أرضا ~~بخيبر لم أصب مالا قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: «إن شئت حبست أصلها ~~وتصدقت بها». (قال): فتصدق بها عمر، أنه لا يباع أصلها، ولا (يوهب): في ~~الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، (وابن السبيل)، والضيف. لا جناح ~~على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم منه صديقا غير متمول فيه. وفي ~~لفظ: «غير متأثل مالا». وفي بعض طرق البخاري: فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : «تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق من ثمره» ~~فتصدق به عمر. # وفي «الإسعاف»: ما حدث به الخصاف عن محمد بن عمر الواقدي قال: قتل مخيريق ~~على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوصى ~~إن أصيب فأمواله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبضها عليه الصلاة ~~والسلام وتصدق بها، وهي سبعة حوائط بالمدينة (الأعراف وقيل): الأعواف ~~والصافية، والدلال، والميثب، وبرقة، وحسناء، ومشربة أم إبراهيم، سميت بها ~~لنزول أم إبراهيم فيها. # وما حدث عنه أيضا: أن أبا بكر وعثمان وعليا وجمعا من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأزواجه حبسوا على نحو ما حبس عمر رضي الله عنه، فكان هذا ~~إجماعا فعليا ms1224 منهم على صحته ولزومه. # --- PageV05P149 ~~*** # قال في «المبسوط»: وقد استبعد محمد قول أبي حنيفة في «الكتاب»، وسماه ~~تحكما على الناس من غير حجة، فقال: ما أخذ الناس بقول أبي حنيفة وأصحابه ~~إلا بتركهم التحكم على الناس. فإذا كانوا هم الذين يتحكمون على الناس بغير ~~أثر ولا قياس ولم يقلدوا هذه الأشياء فكيف يقلدون؟، ولو جاز التقليد لكان ~~من مضى قبل أبي حنيفة مثل الحسن البصري، وإبراهيم النخعي أحرى أن يقلدوا. ~~ولم يحمد على ما قاله. وقيل: بسبب ذلك انقطع خاطره فلم يتمكن من تفريع ~~مسائل الوقف حتى خاض في الصكوك، واستكثر أصحابه (من بعده من تفريع) مسائل ~~الوقف كالخصاف وهلال، والله تعالى أعلم بالحال. # ولأبي حنيفة ما أخرجه الدارقطني في «سننه» في الفرائض عن عكرمة، عن ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حبس في فرائض الله». وفي ~~نسخة: «عن فرائض الله» أي لا مال يحبس بعد موت المالك عن القسمة بين ورثته. ~~ورواه ابن أبي شيبة عن علي موقوفا. وقال ابن أبي شيبة في «مصنفه»: عن شريح ~~أنه قد جاء محمد صلى الله عليه وسلم ببيع الحبس. # إذا عرفت ذلك (فصح عنده) أي عند أبي يوسف (وقف المشاع) # وبه قال مالك والشافعي، لأن القسمة من تمام القبض، والقبض ليس عنده بشرط ~~فكذا تتمته. ولم يصح عند محمد، لأن أصل القبض عنده شرط، فكذا ما يتم به. ~~وهذا الخلاف فيما يحتمل القسمة، وأما ما لا يحتملها، كالحمام فإن وقفه يجوز ~~مع الشيوع، كالهبة والصدقة، إلا في المسجد والمقبرة، فإنه لا يتم مع الشيوع ~~مطلقا بالاتفاق، لأن بقاء الشركة فيهما يمنع الخلوص لله تعالى. # وفي «الذخيرة» مشايخ بلخ أخذوا بقول أبي يوسف في وقف المشاع، ومشايخ ~~بخارى أخذوا بقول محمد. # --- PageV05P150 ~~*** # (و) صح عند أبي يوسف (جعل الغلة) أي غلة الوقف كلها أو بعضها لنفسه، لأن ~~المقصود من الوقف القربة، وفي صرف الغلة إلى نفسه ذلك. فقد ورد: «أن نفقة ~~المرء على نفسه صدقة» ، ولا يصح على قياس قول ms1225 محمد رحمه الله تعالى، وهو ~~قول مالك والشافعي، واختاره هلال. # وفي «فتاوى قاضيخان»: ذكر الصدر الشهيد أن الفتوى على قول أبي يوسف ~~ترغيبا للناس في الوقف. انتهى. وهو قول أحمد، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ~~والزهري، وابن شريح من أصحاب الشافعي، وبه أخذ مشايخ بلخ. ويؤيده أنه إذا ~~بنى خانا، أو سقاية، أو جعل أرضه مقبرة وشرط أن ينزل في الخان أو يشرب من ~~السقاية أو يدفن في المقبرة، فإنه جائز اتفاقا. # (و) صح عن الواقف جعل (الولاية) على الوقف (لنفسه) باتفاقهما، لأن شرط ~~الواقف معتبر فيراعى كالنص، إلا أنه عند محمد يسلمه ثم يكون له الولاية، ~~لأن التسليم شرط عنده، ولو لم يشترط الواقف الولاية لأحد فهي له عند أبي ~~يوسف. وقال محمد: لا تكون له بل للقاضي، لأنه لما ترك الشرط في ابتداء ~~الوقف خرج الأمر من يده وصار أجنبيا. ولأبي يوسف: أن المتولي إنما يستفيد ~~الولاية من جهته بشرطه، ويستحيل أن لا يكون له ولاية، وغيره يستفيد الولاية ~~منه، ولأنه أقرب الناس إلى الوقف، فيكون أولى بولايته، كمن اتخذ مسجدا فإنه ~~أولى بعمارته. # ولو شرط الولاية لنفسه وكان غير مأمون على الوقف، فللقاضي أن ينتزعه من ~~يده نظرا للفقراء، كما له أن يخرج الوصي نظرا للضعفاء. # --- PageV05P151 ~~*** # (و) صح عند أبي يوسف (شرطه) أي شرط الواقف (أن يستبدل به) أي بالوقف ~~(أرضا أخرى إذا شاء) ويكون وقفا مكانه. والقياس أن لا يصح الوقف ولا الشرط، ~~وهو قول الشافعي وأحمد، لأنه شرط مناف لمقتضى الوقف فكان إبطالا له. ووجه ~~الاستحسان: أن فيه تحويل الوقف إلى ما يكون خيرا منه أو مثله، فكان تقريرا ~~للوقف لا إبطالا له، واختاره الخصاف وهلال. # ولو باعه بغبن فاحش لا يصح في قول أبي يوسف وهلال. وعند محمد وأهل ~~البصرة، وهو وجه عن أحمد: أن الشرط باطل، والوقف جائز، لأن هذا شرط يمنع من ~~زوال الملك قربة إلى الله تعالى، ويتم الوقف بدونه فكان فاسدا، كما لو شرط ~~أن يصلي في المسجد قوم دون ms1226 قوم، فإن الشرط باطل، ووقف المسجد صحيح. وأما ~~إذا لم يشرطه الواقف، لا يملكه إلا القاضي العالم العامل إذا رآه مصلحة ~~لئلا يتطرق إلى أوقاف المسلمين جور قضاة (السوء، كما هو الغالب على قضاة) ~~زماننا. # وفي «شرح الوقاية»: لا منافاة بين صحة الوقف وبين الاستبدال عند أبي ~~يوسف، فإنه يجوز الاستبدال في الوقف من غير شرط إذا ضعف عن الريع. ونحن لا ~~نفتي به فقد شاهدنا في الاستبدال من الفساد ما لا يعد ولا يحصى. # (و) صح عند أبي يوسف (ترك ذكر مصرف موبد) بأن ذكر جهة تنقطع، وبه قال ~~مالك والشافعي في قول وأحمد . في رواية، (فإذا انقطع صرف إلى الفقراء) وبه ~~قال مالك وأحمد في رواية، والشافعي في قول. وله قول آخر: يصرف إلى أقارب ~~الواقف المحتاجين، وهو رواية عن أحمد. وعن أحمد: يوضع في بيت المال. # --- PageV05P152 ~~*** # وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يصح الوقف حتى يذكر مصرفا مؤبدا. وقيل: التأبيد ~~شرط بالاتفاق، إلا أن أبا يوسف لا يشترط ذكر التأبيد لأن لفظة الوقف ~~والصدقة منبئة عنه، ومحمد يشترط لأن الوقف صدقة بالمنفعة أو بالغلة، وذلك ~~قد يكون مؤقتا وقد يكون مؤبدا، فمطلقه لا ينصرف إلى المؤبد. وفي «المحيط»: ~~لو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة، أو محررة، أو محبوسة ولم يذكر التأبيد صح ~~الوقف عند الكل. # (وصح عند محمد وقف منقول فيه تعامل كالمصحف ونحوه) من كتب العلم وغيرها، ~~كالفأس، والقدوم، والمنشار، والقدر، والجنازة وثيابها وما يحتاج إليه من ~~الأواني في غسل الموتى والكراع والسلاح (وعليه الفتوى) وهو قول عامة ~~المشايخ، ومنهم شمس الأئمة السرخسي. # وأما وقف السلاح والكراع فيجوز اتفاقا لما في زكاة «الصحيحين» عن أبي ~~هريرة قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب على الصدقة فمنع ~~ابن جميل وخالد والعباس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ينقم ابن ~~جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله تعالى، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا ~~فقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله تعالى، وأما العباس عم ms1227 رسول الله فهي ~~عليه ومثلها».. ثم قال: «أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه»؟. والمراد ~~بالكراع: الخيل، ويدخل في حكمه الإبل، (لأن العرب) تجاهد عليها وتحمل عليها ~~السلاح. # وروي أنه اجتمع في خلافة عمر ثلاث مئة فرس مكتوب على أفخاذها حبس في سبيل ~~الله. وعند أبي حنيفة لا يصح، وعند أبي يوسف (يصح) تبعا للعقار، كالبقر ~~والعبيد الأكرة فيه، وسائر آلة الحراثة، وفي الكراع والسلاح. # --- PageV05P153 ~~*** # لأبي حنيفة: أن شرط صحة الوقف التأبيد، ولا تأبيد في المنقول. ولأبي ~~يوسف: أن النص ورد في الكراع والسلاح فيقتصر عليه. ولمحمد: أن القياس قد ~~يترك بالتعامل كما في الاستصناع، لأن التعامل أقوى من القياس، فإنه بمنزلة ~~الإجماع. # وأكثر فقهاء الأمصار على قول محمد. وفي «القنية» عن «المحيط البرهاني»: ~~وقف مئة دينار على مرضى الصوفية يصح، ويدفع الذهب إلى إنسان مضاربة ~~ليستغلها ويصرف الربح. # (ولا يملك الوقف) إذا صح لانحباسه، وإن كان على أولاد الواقف، لأن ~~الموقوف عليه لا حق له في العين بل في الغلة (ولا يتملك) لقوله عليه الصلاة ~~والسلام لعمر: «تصدق بأصلها، لا يباع ولا يوهب» . وكذا لا يرهن لعدم إمكان ~~استيفاء الدين منه، ولا يعار لعدم جواز تمليك منفعة مجانا (لكن يجوز قسمة ~~المشاع) بين الملاك (عند أبي يوسف) ومالك والشافعي وأحمد إذا طلب الشريك ~~القسمة. وقال أبو حنيفة: لا تجوز القسمة ويتهايئون. قيدنا بالملاك إذ لا ~~يجوز قسمة الوقف بين مصارفه باتفاق الأصحاب. # (ويبدأ من ارتفاع الوقف بعمارته إن وقف على الفقراء) شرط الواقف أو لم ~~يشرط، لأن قصد الواقف صرف الغلة على التأبيد، ولا يتأتى ذلك إلا بعمارة ~~الوقف، والفقراء ليس لهم شيء حتى يعمروا به. وأقرب أموالهم غلة الوقف، ~~فيعمر منها. # (وإن وقف على معين وآجره للفقراء فهي) أي العمارة (في ماله) أي مال ذلك ~~المعين لأنه يمكن مطالبته، وتكون العمارة بقدر ما يبقى الموقوف على الصفة ~~التي وقف عليها. # --- PageV05P154 ~~*** # (فإن امتنع) المعين (أو كان فقيرا آجره) أي الوقف (الحاكم) لذلك المعين ~~أو لغيره بقدر عمارة الوقف على ms1228 الصفة التي وقفها الواقف، ولا يزاد على ذلك ~~إلا برضا ذلك المعين. وكذا إن كان وقفا على الفقراء لا يزيد على ذلك في ~~الأصح. (وعمره بأجرته ثم رده الحاكم إلى مصرفه) لأن في ذلك رعاية لحق ~~الواقف وحق الموقوف عليه. ولا يجبر الممتنع على العمارة لما فيها من إتلاف ماله. # (ونقضه) بكسر النون، أي منقوضه (يصرف إلى عمارته) إن احتاج (أو يدخر لوقت ~~الحاجة إليها) (أي إلى العمارة)، وفي بعض النسخ: إليه أي إلى النقض (وإن ~~تعذر صرفه) أي النقض (إليها) أي إلى العمارة (بيع) النقض (وصرف ثمنه إليها) ~~إقامة للبدل مقام المبدل. # (ولا يقسم) النقض ولا ثمنه (بين مصارفه) أي مصارف الوقف، وهم المستحقون ~~له، لأنه جزء من العين ولا حق للموقوف عليهم فيها، وإنما حقهم في المنفعة، ~~والعين حق الله تعالى فلا يصرف إليهم. ولذا لا يباع بعض الوقف لعمارة باقيه ~~في الأصح، لخروجه بكل أجزائه عن قابلية الملك. # وقيل: يجوز لعود الثمن القائم مقام ما بيع إليه. ولا يعيد أبو يوسف ~~المسجد ملكا لبانيه أو وارثه بخراب ما حوله والاستغناء عنه، لأنه إسقاط ~~منه، فلا يعود إلى ملكه، وخالفه محمد وحكم بعوده إلى بانيه أو إلى وارثه، ~~لأنه عينه لنوع قربة وقد انقطعت، وصار كحصير المسجد إذا استغني عنه، إلا أن ~~أبا يوسف يقول في الحصير أنه ينقل إلى مسجد آخر على الصحيح من مذهبه، أو ~~يبيعها القيم لأجل المسجد. # --- PageV05P155 ~~*** # ويجوز توسعة المسجد من الطريق عند ضيقه وسعة الطريق، وكذا عكسه، لأن كلا ~~منهما للمسلمين. وكذا توسعته من وقفه عند الحاجة بإذن القاضي، ومن ملك ~~الغير أيضا بقيمته، ولو كرها عند الحاجة إليها، بأن يضيق على الناس دفعا ~~للضرر العام، ويجبر الخاص بالقيمة. وهذا وإذا شرط الواقف لإجارته مدة لا ~~يزاد عليها، وإلا فالمختار أن لا يزيد في الدور على سنة وفي الأراضي على ~~ثلاث سنين. # ولا يؤجر إلا بأجر المثل، ولا ينقض الإجارة إن زادت الأجرة في المدة ~~بكثرة الرغبة، بخلاف غلو السعر. ولا يؤجره الموقوف ms1229 عليه إلا بولاية له ~~عليه، أو نيابة من المتولي أو القاضي. ولا تفسخ الإجارة بموت المؤجر، ~~متوليا كان أو قاضيا. وضمن منافعه بالغصب في المختار، وكذا (منافع) مال ~~الأطفال والمعد للاستغلال، وهي اختيار المتأخرين دفعا للمفسدين عن ضرر ~~المستضعفين. # وتجوز الشهادة بالتسامع والشهرة، لإثبات أصل الوقف المتقادم في الأصح، ~~كما لا يسمع شرطه وجهته بالتسامع في الصحيح. # كتاب الكراهية # بتخفيف الياء، أي المكروهات، وهي أعم من أن تكون كراهة تحريم أو تنزيه، ~~وقد يذكر فيها المباح لدفع توهم كونه مكروها، ويذكر الغرض لتعلم أن تركه ~~حرام. ولقبه القدوري بالحظر والإباحة. ولقبه بعضهم بكتاب الزهد والورع. # (ما كره) أي كل مكروه تحريما (حرام عند محمد، ولم يتلفظ به) أي بالحرام، ~~بل عدل عنه إلى لفظ المكروه (لعدم القاطع) الدال على حرمته، فهو يسمي ما ~~ثبت حرمته بدليل قطعي حراما، وما ثبت بدليل غير قطعي من خبر آحاد أو قول ~~صحابي، أو غير ذلك، مكروها. فنسبة المكروه إلى الحرام كنسبة الواجب إلى ~~الفرض، وهذا في كراهة التحريم، أما كراهة التنزيه فهي في مقابلة السنة. # --- PageV05P156 ~~*** # (وعندهما) أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف ما كره ليس بحرام، بل (إلى الحرام ~~أقرب) وهذه في المكروه التحريمي، وأما التنزيهي فإلى الحل أقرب اتفاقا. # (الأكل فرض) وكذا الشرب لقوله تعالى: {كلوا واشربوا} # بشرط أن يكون حلالا لقوله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} # . (إن دفع) الأكل (به هلاكه) حتى لو جوع نفسه رياضة حتى مات، أو امتنع عن ~~أكل الميتة حال المخمصة حتى مات، مات عاصيا. # (ومأجور عليه) أي أجر الواجب أو السنة بالزيادة على قدر الرمق وما دون ~~الشبع (إن مكنه من صلاته قائما، و) إن مكنه (من صومه) فرضا. (ومباح إلى ~~الشبع ليزيد قوته) في التصرفات الدنيوية. # وأما الزيادة لقوة الطاعة والعبادة فمستحب. وقد أغرب العيني في «شرح تحفة ~~الملوك» حيث قال: ومباح، وهو أدنى الشبع بنية أن يتقوى به على العبادة. ~~قال: وهذا القسم لا أجر فيه ولا وزر، ولكن يحاسب فيه حسابا يسيرا، ms1230 ولو كان ~~من حل لقوله تعالى: {ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم} . # (وحرام فوقه) أي فوق الشبع لضرره وإسرافه الممنوع. لقوله تعالى: {ولا ~~تسرفوا} ولما في «شعب الإيمان» عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أراد أن يشتري غلاما فألقى بين يديه تمرا فأكل الغلام فأكثر. فقال عليه ~~الصلاة والسلام: «إن كثرة الأكل شؤم»، فأمر برده. ولقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة». رواه ~~ابن ماجه. # --- PageV05P157 ~~*** # (إلا لقصد قوة صوم الغد) بأن يأكل أول الليل أو آخره زيادة على الشبع (أو ~~لئلا يستحي ضيفه) فيمتنع عن الأكل لأجله. قيل: وكذا لا يجوز الأكل فوق ~~الشبع تطييبا لخاطر مضيفه. ثم التنوع بأنواع الفاكهة مباح، لقوله تعالى: ~~{كلوا من طيبات ما رزقناكم} أي مستلذاته، وترك المداومة عليه أفضل له، ~~لظاهر قوله تعالى: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها}. # وقد أغرب صاحب «تحفة الملوك» وشارحه العيني في هذا المحل مسائل لا تطابق ~~ما ذكروه من دلائل. منها قوله: والجمع بين أنواع الأطعمة حرام. لأن ذلك ~~إسراف وهو حرام، لقوله تعالى: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}، ومنها ~~قوله: وكذا وضع الخبز على المائدة أضعاف ما يحتاج إليه الآكلون، فإنه إسراف ~~فيكون حراما، ومنها قوله: وكذا رفع الخبز على الخوان حرام. لما روي عن ~~قتادة عن أنس قال: ما علمت النبي صلى الله عليه وسلم أكل في سكرجة قط ولا ~~خبز له مرقق، ولا أكل على خوان. ومنها قوله: وكذا وضع الخبز تحت القصعة ~~ليستقيم حرام، لأن في ذلك استخفافا وقد أمرنا بتكريمه، وكذا مسح الأصابع ~~والسكين بالخبز، ووضع المملحة عليه، وأكل وجهه خاصة. # ولا يخفى غرابته، لأن أمثال ذلك خلاف الأولى، وغايته أن يكون كراهة ~~تنزيه، وأما كونه محرما أو كراهة تحريم فلا دلالة فيه فيما ذكره، فتأمل ~~فإنه موضع زلل. # --- PageV05P158 ~~*** # (وحل) عند أبي حنيفة (استعمال المفضض) أي المرصع بالفضة وكذا المضبب، وهو ~~المشدود بها حال كون المستعمل (متقيا) أي مجتنبا (موضع الفضة) فيتقي ms1231 في ~~الشرب موضع الفم، وقيل: وموضع اليد في الأخذ، ويتقي في السرير والسرج ~~والكرسي موضع الجلوس. وكذا إذا جعل ذلك في نصل السيف أو السكين أو قبضتهما ~~ولم يضع يده في موضع الذهب والفضة. وكذا المفضض من اللجام والركاب. وكذا ~~الثوب فيه كتابة بذهب أو فضة لا يكره عند أبي حنيفة لأن موضع التضبيب تابع ~~لغيره، فلا يكره. وصار كالجبة المكفوفة بالحرير، والثوب المعلم بالحرير، ~~والفص المسمر بمسمار الذهب، والعمامة المعلمة بالذهب. # وقال أبو يوسف: يكره ذلك، لأن من استعمل إناء كان مستعملا لكل جزء منه، ~~فيكره المضبب مع اتقاء موضع الفضة، كما يكره مع استعمال موضعها. وقول محمد ~~يروى مع أبي (حنيفة ويروى مع أبي) يوسف، وعلى هذا الخلاف إذا جعل ذلك في ~~السقف أو في المسجد، أو جعل حلقة المرآة من الذهب أو الفضة، أو جعل المصحف ~~مذهبا أو مفضضا. وهذا كله إذا كان يخلص منه شيء. وأما الذي لا يخلص منه شيء ~~كالمموه فلا بأس به إجماعا لأنه مستهلك فلا عبرة ببقاء لونه. # --- PageV05P159 ~~*** # (والأحجار) أي وحل استعمال الأحجار الثمينة للإباحة العامة في قوله ~~تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا}. وقوله تعالى: {قل من حرم زينة ~~الله التي أخرج لعباده} لا الذهب، أي لا يحل استعمال الحلي الذهب والفضة ~~للرجال، لما أخرجه الجماعة إلا البخاري من حديث عبد الله بن جبير أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التختم بالذهب. وأخرج الترمذي (والنسائي) ~~عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حرم لباس ~~الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم». # (إلا خاتم) بالجر على البدل (ومنطقة # وحلية سيف منها) أي من الفضة. أما الخاتم فلما أخرجه الجماعة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من فضة له فص حبشي ونقش فيه: محمد رسول ~~الله. وفي لفظ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إلى بعض ~~الأعاجم فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا بخاتم. ms1232 فاتخذ خاتما من فضة ونقش ~~فيه محمد رسول الله، فكان في يده حتى قبض، وفي يد أبي بكر حتى قبض، وفي يد ~~عمر حتى قبض، وفي يد عثمان حتى سقط منه في بئر أريس فأمر بها فنزعت فلم ~~يقدر عليه. # والعبرة للحلقة، لأن قوام الخاتم بها دون الفص. ويجعل الرجل في لبسه الفص ~~إلى باطن الكف، بخلاف المرأة لأنه للتزيين في حقها. ويستحب للقاضي والسلطان ~~ونحوهما ممن يحتاج إلى الختم، والأفضل لغيرهم تركه. وأما المنطقة فلما في ~~«عيون الأثر» لأبي الفتح اليعمري، ويقال له: ابن سيد الناس: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان له منطقة من أديم مبشور أي مشقور ثلث حلقها وإبزيمها ~~وطرفها فضة. والإبزيم: الذي في رأس المنطقة ونحوها. # --- PageV05P160 ~~*** # وأما السيف فلما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أنس قال: كانت ~~قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة. (وفي لفظ للنسائي: كان نعل ~~سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة، وقبيعة سيفه، وما بين ذلك حلق من ~~فضة. وفي لفظ: كان حلية سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة). # وأخرج الطبراني في «معجمه» عن مرزوق الصقيل، أنه صقل سيف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذا الفقار، وكانت له قبيعة من فضة وحلق من فضة. والقبيعة ~~بقاف فموحدة ثم تحتية ثم مهملة على وزن سفينة: ما على طرف مقبض السيف من ~~فضة أو حديد. # وأخرج عبد الرزاق في «مصنفه» عن جعفر بن محمد قال: رأيت سيف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قائمته من فضة، ونعله من فضة، وبين ذلك حلق من فضة، وهو ~~عند هؤلاء يعني بني العباس. # وأخرج البيهقي عن عثمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر أنه تقلد سيف عمر ~~يوم قتل عثمان فكان محلى. قلت: كم كانت حليته؟ قال: أربع مئة (درهم). # قيدنا الذهب والفضة بالحلي، لأنه لا يحل للرجال ولا للنساء استعمال آنية ~~الذهب والفضة بالأكل والشرب وغيرها، كاستعمال الملعقة من أحدهما، والاكتحال ~~بميل ms1233 أو من مكحلة من أحدهما، والادهان بدهن في إناء من أحدهما لعموم النهي. ~~وفي رواية أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذي يشرب في آنية ~~الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». رواه الشيخان. ومعنى يجرجر: يردد، وفي ~~رواية مسلم: «من شرب في إناء من ذهب أو فضة». وفي أخرى له: «إن الذي يأكل ~~أو يشرب في آنية الفضة والذهب». # --- PageV05P161 ~~*** # وفي الكتب الستة من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: استسقى حذيفة، ~~فسقاه مجوسي في إناء فضة فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ~~ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». # وكذا يحرم كل استعمال كالأكل بملعقة الفضة، والاكتحال بميلها، واتخاذ ~~المكحلة والمرآة، والدواة من الفضة، وما أشبه ذلك من الاستعمال. وروي عن ~~علي رضي الله عنه (أنه قال): صنعت طعاما فدعوته عليه الصلاة والسلام، فجاء ~~فرأى في البيت تصاوير، فرجع. رواه ابن ماجه. لأن إجابة الدعوة سنة، ورؤية ~~المنكر بدعة. # (و) حل (مسمار ذهب في الخاتم) أي في ثقب فصه، لأنه تابع (له)، فصار ~~كالعلم في الثوب. وجوز محمد شد السن التي يخاف سقوطها بالذهب كالفضة، ~~وكاتخاذ الأنف من الذهب. وعنهما: الجواز وعدمه. # أما الجواز فلما في «السنن» سوى ابن ماجه عن عبد الرحمن بن طرفة: أن جده ~~عرفجة بن سعد أصيب أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه، فأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفا من ذهب. وفي «معجم الطبراني» بسنده ~~إلى هشام بن عروة، عن عبد الله بن عمرو: أن أباه سقطت ثنيته، فأمره النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يشدها بذهب. وفي «معجم الصحابة» لابن قانع بسنده إلى ~~هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن (أبي) سلول قال: ~~اندقت ثنيتي يوم أحد، فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن اتخذ ثنية من ذهب. # --- PageV05P162 ~~*** # وأما ms1234 عدمه عنهما، فلأن الأصل فيهما التحريم، والإباحة للضرورة، وقد ~~اندفعت بالفضة، وهي الأدنى فبقي الذهب على التحريم، والضرورة لم تندفع في ~~الأنف دونه حيث أنتن. كذا ذكره بعض الشراح، وفيه أن نصه صلى الله عليه وسلم ~~ابتداء باتخاذ الثنية من ذهب يأبى عن ذلك، فالمعتمد أن يقال مهما تندفع ~~الضرورة بالفضة، فلا يجوز بالذهب اعتبارا للأخف، حيث جوزوا خاتم الفضة دون ~~خاتم الذهب، والله أعلم. # (ولا يتختم) أي ولا يجوز للرجل والمرأة أن يتختم (بحديد وصفر) أي نحاس ~~أصفر، لما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ~~قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من حديد فقال: «ما ~~لي أرى عليك حلية أهل النار»؟ ثم جاء وعليه خاتم من شبه فقال: «ما لي أجد ~~منك ريح الأصنام»؟ فقال: يا رسول الله من أي شيء أتخذه؟ قال: «اتخذه من ورق ~~ولا تتمه مثقالا». زاد الترمذي: قبل التعليم، ثم جاءه وعليه خاتم من ذهب ~~فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة»؟ وقال: «صفر» عوض «شبه». انتهى. ~~والشبه بحركة وبكسر: النحاس الأصفر. # (وحجر) كاليشب المشهور باليشم ويقال له: البلور. # واعلم أنه وقع في «الجامع الصغير»: ولا يتختم إلا بالفضة. قال شمس الأئمة ~~السرخسي في «شرحه»: ولظاهر هذا اللفظ، يعني بطريق الحصر، كره بعض مشايخنا ~~التختم باليشب، والأصح أنه لا بأس بذلك، وأن مراده كراهة التختم بالذهب ~~والحديد على ما ورد به الأثر. وأما اليشب ونحوه فلا بأس بالتختم به ~~كالعقيق، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم تختم بالعقيق. # --- PageV05P163 ~~*** # ثم اللبس من الحلال فرض أيضا لقوله سبحانه: {خذوا زينتكم عند كل مسجد}، ~~لأنه لا يقدر على أداء الصلاة إلا بستر العورة، ولأنه يجب عليه ستر عورته ~~عن غيره، ولأن خلقته لا تحتمل الحر والبرد، فيحتاج إلى ذلك بالكسوة، فصار ~~نظير الطعام والشراب. ويستحب ستر غير العورة، لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». رواه الترمذي. # (ولا ms1235 يلبس الرجل حريرا إلا قدر أربعة أصابع) عرضا، فإنه حلال لما أخرجه ~~مسلم عن قتادة، عن الشعبي، عن سويد بن غفلة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~خطب بالجابية فقال: نهى نبي الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا ~~موضع أصبعين، أو ثلاث، أو أربع. (ولما في «الصحيحين» عن ابن عمر بن الخطاب ~~رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال: يا رسول الله فلو اشتريت هذه فلبستها ~~يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة»... الحديث. # وقد روي عن ثلاثة عشر من الصحابة منهم علي بن أبي طالب بأسانيد متصلة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبا فجعله في ~~شماله ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم». وعن أبي موسى ~~الأشعري أنه عليه الصلاة والسلام أحل الذهب والفضة والحرير للإناث من أمته ~~وحرم على ذكورها. رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه). ولما في «صحيح مسلم» ~~عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر أنها أخرجت إلي جبة طيالسة كسروانية ~~لها لبنة ديباج وفرجاها مكفوفان بالديباج. فقالت: كانت هذه عند عائشة رضي ~~الله عنها فلما قبضت أخذتها وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها. فنحن ~~نغسلها للمرضى يستشفى بها. # --- PageV05P164 ~~*** # (ولفظ البخاري في كتاب «المفرد في الأدب»: فأخرجت له أسماء جبة من طيالسة ~~عليها لبنة شبر من ديباج، وإن فرجيها مكفوفان به، فقالت: هذه جبة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يلبسها للوفد والجمعة. وروى عمر أنه عليه الصلاة ~~والسلام نهى عن لبوس الحرير، قال: «إلا هكذا» ورفع لنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم السبابة والوسطى وضمهما. رواه أحمد والشيخان. وفي معنى العلم: ~~الحرير المنسوج بالذهب. ويحرم لبنة الحرير والديباج، وهي قطعة منهما تعلم ~~في جيب القميص والجبة). # وروى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم أن عمر بن ~~الخطاب ms1236 بعث جيشا ففتح الله عليهم وأصابوا غنائم كثيرة، فلما أقبلوا وبلغ ~~عمر أنهم قد دنوا، خرج بالناس ليستقبلهم، فلما بلغهم خروج عمر بالناس لبسوا ~~ما معهم من الحرير والديباج، فلما رآهم عمر غضب فأعرض عنهم، (ثم قال: ألقوا ~~ثياب أهل النار)، فلما رأوا غضب عمر ألقوها ثم أقبلوا يعتذرون، فقالوا: ~~إنما لبسنا لنريك ما أفاء الله علينا. قال: فسرني ذلك عن عمر، ثم رخص في ~~العلم الأصبع والأصبعين والثلاث والأربع. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة. # وكذا الثوب المنسوج بالذهب، لا يكره إذا كان قدر عرض أربع (أصابع)، ولعل ~~الحكمة في جواز هذا القدر القليل من اللبس والاستعمال، ليعلم العبد به ما ~~أعد الله له في الآخرة من لدنه، فيرغب فيما يكون سببا لتحصيله. والتكة من ~~الحرير والقب منه لا يحل للرجل، لأنه استعمال تام. # --- PageV05P165 ~~*** # ويستحب لبس الثياب الجميلة للتجمل والتزين وإظهار نعمة الله تعالى لقوله ~~تعالى: {قل من حرم زينة الله} الآية. ولقوله تعالى: {قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يواري سوآتكم وريشا} وهو لباس الزينة. ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إن ~~الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». رواه الترمذي. وقد روي أن أبا حنيفة ~~ارتدى برداء قيمته أربع مئة دينار. وأما إذا لبس الزينة للتفاخر وإظهار ~~التكاثر، فهو حرام ليس فيه كلام. # (ويتوسده) أي يجوز أن يجعل الحرير وسادة أي مخدة (ويفرشه) ويستر به بابه ~~عند أبي حنيفة، وقالا: يكره للعمومات، ولأنه من زي المترفهين، وهيئة ~~المتنعمين من الكفار والفجار، وقد ذمهم الله تعالى بقوله: {أذهبتم طيباتكم ~~في حيوتكم الدنيا واستمتعتم بها}، وبقولهما قال مالك والشافعي، وهو الصحيح ~~لما في «صحيح البخاري» عن ابن أبي ليلى عن حذيفة قال: نهانا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس ~~الحرير والديباج، وأن نجلس عليهما. # ولأبي حنيفة: ما أخرجه ابن سعد في «الطبقات» في ترجمة ابن عباس، عن راشد ~~مولى لبني عامر قال: رأيت على فراش ابن عباس مرفقة حرير. ms1237 وما أخرجه عن مؤذن ~~بني وداعة قال: دخلت على ابن عباس وهو متكيء على مرفقة حرير، وسعيد بن جبير ~~عند رجليه وهو يقول: انظر كيف تحدث عني فإنك حفظت عني كثيرا. # --- PageV05P166 ~~*** # (ويلبس) الرجل (ماسداه) بضم أوله وهو طوله (إبريسم) بكسر الهمزة والراء ~~وفتح السين المهملة الحرير (ولحمته) بضم لامه أي عرضه (غيره) أي غير ~~إبريسم، من قطن وكتان وصوف. ويستوي فيه الحرب وغيره لما روى عبد الرزاق في ~~«مصنفه» عن وهب بن كيسان أنه قال: رأيت ستة من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يلبسون الخز: سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، ~~وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأنس بن مالك. والخز: هو المسدى بالحرير. ولما في ~~«سنن أبي داود» عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إنما نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير. # فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به، ولأن الثوب إنما يصير ثوبا ~~بالنسج وهو يتم باللحمة، فكانت هي المعتبرة دون السدى. وقال أبو يوسف: لا ~~أرى بأسا بحشو القز، لأن الثوب ملبوس والحشو غير ملبوس. # (و) يلبس (عكسه) وهو ما لحمته إبريسم وسداه غيره (في حرب فقط) أي ولا ~~يلبس في غيرها. وأما الخالص فلا يلبس في الحرب عند أبي حنيفة، ويلبس ~~عندهما، وهو قول مالك والشافعي، لأنه أرفع للسلاح وأهيب للعدو. ولأبي ~~حنيفة: أن النصوص الناهية عن لبسه لم تفصل بين حال وحال، ورفع السلاح ~~والهيبة يحصلان بالمخلوط الذي لحمته حرير. # وأما ما في «كامل ابن عدي» عن الحكم بن عمير، وكان من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في لباس الحرير عند ~~القتال. فقد أعله عبد الحق بعيسى من رواته، وقال: إنه ضعيف عندهم، بل ~~متروك. وفي «طبقات ابن سعد» بسنده إلى الحسن قال: كان المسلمون يلبسون ~~الحرير في الحرب. انتهى. وهو على تقدير صحته قابل للتأويل كما لا يخفى. # --- PageV05P167 ~~*** # (وكره إلباس الصبي ذهبا أو ms1238 حريرا) لأن الصبي يمنع مما لا يجوز له في ~~الشرع إذا كبر ليألف ذلك. ألا ترى أنه إنما نمنعه من شرب الخمر ونأخذه ~~بالصوم والصلاة؟ خلافا لمالك والشافعي لعدم كونه مخاطبا. # (تحديد عورة المرأة والرجل) # (وينظر الرجل من الرجل و) تنظر (المرأة من المرأة و) من (الرجل) الأجنبي ~~إذا أمنت الشهوة (سوى ما بين السرة إلى الركبة) أما نظر الرجل من الرجل ~~فيما عداهما، فلأن السرة ليست بعورة. لما روى أحمد في «مسنده»، وابن حبان ~~في «صحيحه»، والبيهقي في «سننه» عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: كنت ~~أمشي مع الحسن بن علي في بعض طرق المدينة فلقينا أبا هريرة فقال للحسن: ~~اكشف لي عن بطنك جعلت فداك حتى أقبل حيث رأيت رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم يقبل قال: فكشف عن بطنه فقبل سرته، ولو كانت من العورة لما ~~كشفها الحسن ولا قبلها أبو هريرة. # وما تحت السرة إلى الركبة عورة، لما مر في شروط الصلاة. # وأما نظر المرأة فلوجود المجانسة بين المرأتين، وانعدام الشهوة غالبا من ~~الطرفين كما في نظر الرجل (من الرجل) إذا لم يكن أمرد صبيحا. ولا ينظر إليه ~~بعين الشهوة وأما نظرها من الرجل فلأن الرجل يعمل في شغله متجردا غالبا، ~~فلو لم يجز لها النظر (إليه) لضاق الأمر على الناس. وفي كتاب الخنثى من ~~«الأصل»: إن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي بمنزلة نظر الرجل إلى محارمه، ~~فلا يجوز لها أن تنظر إلى البطن والظهر لأن النظر إلى خلاف الجنس أغلظ. ~~وعلى الرواية الأولى يجوز وهو الأصح. # --- PageV05P168 ~~*** # ولو نظرت المرأة إلى ما يجوز لها النظر منه وفي قلبها شهوة، أو فى أكثر ~~رأيها أنها تشتهي، أو شكت في ذلك استحب لها أن تغض بصرها، بخلاف الرجل إذا ~~نظر من المرأة إلى ما يجوز له النظر منها وهو الوجه والكف، فإنه يغض بصره ~~حتما مع خوف الشهوة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «كتب الله على ابن آدم ~~نصيبه من الزنا، يدرك ذلك لا محالة، ms1239 فالعينان زناهما النظر»... الحديث. ~~رواه مسلم. # (ومن محرمه) أي وينظر الرجل من محرمه، وهي من لا يجوز المناكحة بينه ~~وبينها على التأبيد بنسب أو سبب، من رضاع أو مصاهرة بنكاح أو سفاح. (ومن ~~أمة غيره) قنا كانت أو مدبرة أو مكاتبة أو أم ولد (إلى ما وراء الظهر ~~والبطن والفخذ) أي ما عدا هذه الأشياء. أما المحرم فلقوله تعالى: {ولا ~~يبدين زينتهن إلا لبعولتهن}...الآية. والمراد والله تعالى أعلم مواضع ~~زينتهن، وما عدا البطن والفخذ مواضع الزينة. وقد قال علي وابن عباس: الزينة ~~هي الكحل والخاتم. رواه الطبراني والبيهقي. فالمراد بها موضعهما وهو الوجه ~~والكف. وفي رواية عنه: إلا ما ظهر منها قال: الوجه والكفان، وهذا عن عائشة. # وأما أمة غيره فلأن الأمة تخرج لحوائج مولاها، وتخدم أضيافه وهي في ثياب ~~مهنتها، فصار حالها خارج البيت في حق الأجانب كحال المرأة داخله في حق ~~محارم الأقارب، فلا يحل النظر إلى بطنها وفرجها، خلافا لما يقوله محمد بن ~~مقاتل: أنه يباح ما دون السرة إلى الركبة، وحجته قول ابن عباس: من أراد أن ~~يشتري جارية فلينظر إليها إلا موضع المئزر، ولتعامل أهل الحرمين. # --- PageV05P169 ~~*** # وأما الخلوة بها والسفر بها فقيل: يباح كما في المحارم، وإليه مال شمس ~~الأئمة السرخسي، لأن المولى قد يحتاج أن يبعثها في حاجته إلى بلدة أخرى ولا ~~تجد محرما ليسافر معها. وقيل: لا يباح لعدم الضرورة، وإليه مال الحاكم ~~الشهيد لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون ~~ناكحا أو ذا رحم». رواه مسلم. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يخلون رجل ~~بامرأة فإن الشيطان ثالثهما». رواه ابن حبان في «صحيحه». # وقد ذكر أبو بكر الرازي في «أحكام القرآن» عن ابن مسعود ومجاهد والحسن ~~وابن سيرين وسعيد بن المسيب أنهم تأولوا: قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانهن} ~~على الإماء. قلت: ويؤيده الإجماع عليه في قوله: {إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم}. # (و) ينظر (الرجل من الأجنبية و) من (السيدة إلى الوجه والكفين) لأنها ~~محتاجة إلى ms1240 إبداء ذلك لحاجتهما إلى الإشهاد وإلى الأخذ والإعطاء، ومواضع ~~الضرورة مستثناة من قواعد الشرع. والقدم كالوجه في رواية الحسن كما ذكره ~~الطحاوي، لأنها تحتاج إلى إبداء قدمها إذا مشت حافية أو منتعلة، وقد لا تجد ~~خفا في (كل) وقت. وأما ما ذكره في «الهداية» عن علي: من نظر إلى محاسن ~~امرأة أجنبية عن شهوة صب الله في عينيه الآنك يوم القيامة». فالمعروف من ~~هذا الحديث: «من استمع إلى حديث قوم وهم كارهون صب في أذنيه الآنك يوم ~~القيامة». وهو حديث صحيح رواه البخاري. # (وشرط) في (حل) النظر (الأمن عن الشهوة) فإن من لم يأمن لم يحل النظر ~~احترازا عن الوقوع في الحرام (إلا عند الضرورة كالقضاء والشهادة) أي أدائها ~~لضرورة إحياء حقوق الناس. وقيدنا بأدائها لأن النظر لتحملها لا يباح مع ~~الشهوة على الأصح، لأنه يوجد من لا يشتهي فلا ضرورة. # --- PageV05P170 ~~*** # (و) إلا عند (إرادة النكاح) لإطلاق ما أخرجه النسائي والترمذي وقال: ~~حديث حسن، عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». أي أن تدوم المودة بينكما. ~~وقد روي من طرق. وأخرج مسلم عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: خطب رجل امرأة ~~من الأنصار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اذهب فانظر إليها، فإن ~~في عين الأنصار شيئا». ولأن المقصود إقامة السنة لا قضاء الشهوة. # (و) إلا عند (الشراء) أي شراء الأمة، لأنه في معنى إرادة النكاح. (و) إلا ~~عند (المداواة) بقدر الحاجات. # (وينظر) الرجل الطبيب (إلى موضع المرض بقدر الضرورة) وصار كنظر الخافضة ~~والختان إلى موضع الخفض والختان، ويجوز للرجل النظر إلى موضع الاحتقان من ~~الرجل عند الضرورة، لأنه مداواة. (والخصي ونحوه) من المجبوب والمخنث ~~(كالفحل) الخالص في حكم النظر لأنهم ذكور حقيقة، ولقول عائشة: الخصاء مثلة ~~فلا يبيح ما كان حراما قبله. ذكره في «المبسوط». وقيل: هو أشد الناس جماعا، ~~فإنه لا تفتر آلته بالإنزال، وكذا المجبوب لأنه قد يسحق (فينزل). وإن ms1241 كان ~~مجبوبا قد جف ماؤه، فقد رخص بعض مشايخنا في حقه الاختلاط بالنساء لوقوع ~~الأمن من الفتنة. وقد قال تعالى: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} ~~فقيل: هو المجبوب الذي جف ماؤه، والأصح أنه لا يحل له ذلك لعموم النصوص. # --- PageV05P171 ~~*** # وكذا المخنث في الرديء من الأفعال، لأنه كغيره من الرجال، بل هو من ~~الفساق فينحى عن النساء. فأما إذا كان في أعضائه لين، وفي لسانه تكسر ولا ~~يشتهي النساء، ولا يكون مخنثا في الرديء من الأفعال، فقد رخص بعض مشايخنا ~~في ترك مثله مع النساء، وهو أحد تأويلي قوله تعالى: {أو التابعين} # . وقيل: المراد الأبله الذي لا يدري ما يصنع بالنساء وإنما همته بطنه. # والأصح أن نقول: إنه من المتشابه، وقوله: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} ~~محكم فنأخذ بالمحكم ونقول: كل من كان من الرجال لا يحل لها أن تبدي موضع ~~الزينة الباطنة بين يديه، ولا يحل له أن ينظر إليها إلا أن يكون صغيرا، ~~فحينئد لا بأس به، لقوله تعالى: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء} كذا ذكره بعض علمائنا. # والأظهر أنه ليس من المتشابه ولو اختلف في معناه، فإن مآل الكل إلى ~~اشتراط عدم الشهوة، كما هو منصوص عليه في قوله سبحانه: {غير أولي الإربة من ~~الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء}، ولا يبعد أن يكون ~~الموصول نعتا للرجال والأطفال، والله تعالى أعلم بالأحوال. # --- PageV05P172 ~~*** # (وإلى) أي ينظر الرجل ولو بشهوة إلى (كل أعضاء من يحل بينهما الوطء) وهي ~~زوجته وأمته، لأن ما فوق النظر من المسيس والغشيان يباح له، فالنظر أولى، ~~ولقوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين}، ولما في «السنن الأربعة» عن بهز بن حكيم، عن ~~أبيه، عن جده معاوية بن حيدة قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها ~~وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك». قال: قلت: يا ~~رسول الله، أرأيت لو كان القوم ms1242 بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينها ~~أحد فلا ترينها». قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: ~~«فالله أحق أن يستحيى منه الناس». وحسنه الترمذي. ورواه الحاكم وصحح ~~إسناده. # وفي «معجم الطبراني» بسنده إلى سعد بن مسعود الكندي، قال: أتى عثمان بن ~~مظعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أستحي أن ~~يرى أهلي عورتي. قال: «ولم وقد جعلكم الله لهم وجعلهم الله لكم»؟ قال: أكره ~~ذلك. قال: «فإنهن يرينه مني وأراه منهن». قال: أنت يا رسول الله؟ قال: ~~«أنا». قال: فمن بعدك إذا يا رسول الله؟ فلما أدبر عثمان قال صلى الله عليه ~~وسلم: «إن ابن مظعون لحيي ستير». # وأما حديث عائشة: أنه ما رأى مني ولا رأيته منه يعني الفرج ، كما رواه ~~الترمذي في «الشمائل»، فلعله من خصائصها. وكان ابن عمر يقول: الأولى أن ~~ينظر ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة. وروى ابن عدي عن ابن عباس مرفوعا: ~~«أنه يورث العمى». وضعف. وأما قول صاحب «الهداية»: لأن ذلك يعني النظر إلى ~~العورة يورث النسيان لورود الأثر، فغير معروف. # --- PageV05P173 ~~*** # (وما حل نظره حل مسه) لتحقق الحاجة إلى ذلك في المخالطة مع قلة الشهوة في ~~المحارم، وهذا في غير نظر المرأة من الأجنبي، ونظر الرجل من الأجنبية، حتى ~~لا يجوز للرجل مس وجه الأجنبية ولا كفيها، ويجوز له مس ما ينظر من محارمه، ~~إلا إذا خاف عليها أو على نفسه الشهوة، فإنه حينئذ لا يمسها ولا ينظر ~~إليها، ولا يخلو بها. ولا بأس بالمسافرة بها، فإن احتاجت إلى الإركاب ~~والإنزال ولم يمكنها الركوب بنفسها، فلا بأس بأن يمس من وراء ثيابها، ويأخذ ~~ظهرها وبطنها دون ما تحتهما إن أمن الشهوة، وإن خافها عليها، أو على نفسه، ~~أو ظن أو شك أجتنب ذلك بجهده. # وأما عبد المرأة فكالأجنبي عندنا، وجعل مالك والشافعي نظره إليها ، كنظر ~~الرجل إلى ذات محارمه، لقوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانهن}، ولا يجوز أن ~~يحمل على الإماء، ms1243 لأنهن دخلن في قوله: {أو نسائهن}. # قلنا: المراد بالنص الإماء للتأكيد (والمبالغة)، لما في «مصنف ابن أبي ~~شيبة» عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا تغرنكم الآية، إنما عني به الإماء ولم ~~يعن به العبيد. وعن الحسن أنه كره أن يدخل المملوك على مولاته بغير إذنها. # ولا يكره الرتيمة: وهي خيط يربط في الأصبع أو الخاتم، ليتذكر به الحاجة، ~~لأنه من عادات العرب، قال الشاعر: # *إذا لم تكن حاجاتنا في نفوسكم ** فليس بمغن عنك عقد الرتائم # وقد روى أبو يعلى الموصلي، عن سالم بن عبد الأعلى، عن نافع، عن ابن عمر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أشفق من الحاجة أن ينساها ربط في ~~أصبعه خيطا ليذكرها. إلا أن في سنده ضعفا. # --- PageV05P174 ~~*** # ويجوز أن يعزل عن امرأته بإذنها، وعن أمته بدونه. أما الأول فلما في «سنن ~~ابن ماجه» عن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يعزل عن ~~الحرة إلا بإذنها. وأما الثاني فلما في «صحيح مسلم» عن جابر قال: جاء رجل ~~من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي جارية أطوف ~~عليها، وأنا أكره أن تحمل فقال: «اعزل إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها». ~~فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حملت. قال: «قد أخبرتك أنها ~~سيأتيها ما قدر لها». # والأولى أن (لا) ينظر كل منهما إلى عورة صاحبه، وكان ابن عمر يقول: ~~الأولى أن ينظر إلى فرج امرأته حال الوقوع، ليكون أبلغ في تحصيل اللذة. ~~قلت: والطبائع مختلفة. # (وإذا حدث ملك أمة) بشراء، أو هبة، أو إرث، أو وصية، أو غيرها (ولو بكرا) ~~أو صغيرة (أو مشتراة ممن لا يطؤها) بأن اشتراها من محرمها، أو من امرأة، أو ~~من مال صبي (حرم وطؤها ودواعيه) من اللمس وغيره (حتى تستبرىء بحيضة بعد ~~القبض فيمن تحيض، وبشهر في ذات شهر) لآيس أو صغيرة (وبوضع الحمل في الحامل) ~~لما أخرجه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ms1244 عن أبي سعيد الخدري ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ~~ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة». وفي لفظ لأبي داود: «ولا يحل لامرىء يؤمن ~~بالله واليوم الآخر (أن) يسقي ماءه زرع غيره، ولا يحل لامرىء يؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها». # --- PageV05P175 ~~*** # وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن علي قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن توطأ الحامل حتى تضع، أو (الحائل) حتى تستبرىء بحيضة. وحرم دواعي الوطء ~~(كما) في الظهار لأنها قد تفضي إليه، وما يفضي إلى الحرام حرام، بحديث ~~الراعي حول الحمى. وإنما حل الدواعي في الحيض والصوم، لأن الوطء حرم في ~~الحيض لمعنى الأذى، وذلك لا يوجد في الدواعي، ولأن الصوم قد يمتد إلى شهر ~~فيؤدي إلى الحرج، كذا قالوه. والأولى أن يقال: إنه استفيد من الأحاديث ~~الواردة فيهما. # (ورخص حيلة إسقاطه) أي الاستبراء (إن علم عدم وطء بائعها في هذا الطهر) ~~اعلم أن أبا يوسف رخص الحيلة وخالفه محمد وكرهه، لأن الفرار من الأحكام ~~الشرعية ليس من أخلاق المؤمنين، فيكره له اكتساب سبب الفرار. ولأبي يوسف: ~~أن هذا منع عن وجوب الاستبراء ورفع لثبوته، فلا تكره الحيلة في إسقاطه كما ~~لا يكره في إسقاط الربا. وأخذ المشايخ بقول أبي يوسف إن علم المشتري عدم ~~وطء البائع لها في ذلك الطهر، وبقول محمد إن علم وطء البائع لها فيه. # وعن أبي يوسف: أنه إذا تيقن بفراغ رحمها من ماء البائع فليس عليه ~~استبراء. قلنا: إن هذه حكمة الاستبراء، والحكم يتعلق بالعلة لا بالحكمة، ~~لبطونها، تيسيرا للعامة. # (وهي) أي الحيلة (إن لم تكن تحته حرة أن ينكحها) أي يتزوجها قبل الشراء ~~(ثم يشتريها) كذا في «الهداية». وشرط بعضهم أن يقبضها قبل الشراء، وقيل: ~~يتزوجها ويطؤها ثم يشتريها. # --- PageV05P176 ~~*** # (وإن كانت) تحته حرة (أن ينكحها) أي يزوجها البائع قبل الشراء أو المشتري ~~قبل القبض (لآخر) يثق به أو يشترط أن يكون أمرها بيده ms1245 (ثم يشتري) المشتري ~~إن كان الإنكاح قبل الشراء (أو يقبض) المشتري إن كان بعد الشراء قبل القبض ~~(ثم يطلق) ذلك الزوج أو من أمرها بيده. ومن الحيلة: أن يشتريها ويقبضها ~~فيكاتبها ثم يفسخ العقد برضاها، لأن بعقد الكتابة حرمت عليه، ثم بعجزها ~~صارت كالمطلقة قبل الدخول، وهذا سهل الوصول. # (ومن فعل بشهوة إحدى دواعي الوطء) وهي القبلة، واللمس، والنظر إلى الفرج ~~(بأمتيه) حال كونهما (لا يجتمعان نكاحا، حرم عليه وطؤهما بدواعيه حتى يحرم ~~إحداهما) بتمليك كلها أو بعضها، أو بإنكاحها نكاحا صحيحا أو إعتاقها كلها ~~أو بعضها، لأن الجمع بين الأختين المملوكتين لا يجوز وطأ، لإطلاق قوله ~~تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} لأن المراد به الجمع بينهما وطأ وعقدا، ~~لأنه معطوف على المحرمات وطأ وعقدا، ولا يعارض هذا قوله تعالى: {إلا ما ~~ملكت أيمانكم}، لأن الترجيح للمحرم، ولأنه استثناء من المحصنات من النساء، ~~والمراد بها: المسبيات. # وكذا لا يجوز الجمع بينهما في الدواعي، لأن النص مطلق فيتناولها، أو لأن ~~الداعي إلى الوطء بمنزلته في التحريم، ويستحب لمن أراد بيع أمته الموطوءة ~~أن يستبرئها لاحتمال أن يكون علقت منه، ولا يستبرئها المشتري فيثبت النسب، ~~وأوجبه مالك صونا لمائه. # --- PageV05P177 ~~*** # (وكره) للرجل (تقبيل الرجل) في فمه أو شيء منه (وعناقه في إزار واحد) ولو ~~بلا شهوة عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: لا بأس بذلك عند عدم الشهوة، ~~لما أخرجه الحاكم في «المستدرك» وقال: إسناده صحيح لا غبار عليه، من حديث ~~ابن عمر قال: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب إلى بلاد ~~الحبشة، فلما قدم منها اعتنقه النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بين عينيه، ~~فصار كالمصافحة. وتقبيل يد العالم (العامل)، والسلطان العادل للتبرك. # أما المصافحة فلقوله عليه الصلاة والسلام: «إن المؤمن إذا لقي المؤمن ~~فسلم عليه، وأخذ بيده تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر». رواه ~~الطبراني في «معجمه الأوسط». وقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من مسلمين ~~يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا». رواه أبو ms1246 داود والترمذي. ~~وأما قول صاحب «الهداية» عنه عليه الصلاة والسلام: «من صافح أخاه المسلم ~~وحرك يده تناثرت ذنوبه». فقوله: «حرك يده» غير معروف. # وأما التقبيل فلقول ابن عمر كنا في سرية من سرايا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فدنونا من النبي صلى الله عليه وسلم فقبلنا يده. رواه أبو داود ~~والترمذي. ولقول صفوان بن عسال: إن قوما من اليهود قبلوا يد النبي صلى الله ~~عليه وسلم ورجله. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وأما ما قيل من أن ~~حديث جعفر محمول على ما قبل التحريم، فغير ظاهر، بل ينبغي أن يخص جواز ~~المعانقة بالقادم من السفر، والله تعالى أعلم. # وروى الطحاوي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن المكاعمة، (وعن المكامعة). # --- PageV05P178 ~~*** # وفي «الجامع الصغير»: ويكره أن يقبل فم الرجل أو يده أو شيئا منه أو ~~يعانقه. وذكر الطحاوي: أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا بأس ~~بالتقبيل والمعانقة. وقالوا الخلاف فيما إذا لم يكن عليهما غير الإزار، ~~وأما إذا كان عليهما قميص أو جبة فلا بأس بالإجماع، وهو الذي اختاره الشيخ ~~أبو منصور الماتريدي. # ثم لا بأس بتقبيل يد العالم والسلطان العادل على سبيل التبرك، وكذا تقبيل ~~يد الأبوين والشيخ والرجل (الصالح). وما يفعله الجهال من تقبيل يد نفسه إذا ~~لقي غيره فمكروه، وما يفعلون من تقبيل الأرض بين يدي السلطان والمشايخ ~~فحرام، والفاعل الراضي به آثم، لأنه يشبه عبادة الأوثان. # وذكر الصدر الشهيد: أنه لا يكفر بهذا السجود، لأنه يريد به التحية، ففهم ~~منه أنه لو سجد للتعظيم كفر كما صرح به السرخسي. ولهما ما روى ابن أبي شيبة ~~وعبد الرزاق في «مصنفيهما» من حديث عامر الحجري قال: سمعت أبا ركانة وفي ~~نسخة صحيحة: أبا ريحانة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم واسمه سمعون ~~بالمهملة أو المعجمة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن ~~مكامعة أو مكاعمة المرأة المرأة ليس بينهما شيء، وعن (مكامعة أو) مكاعمة ~~الرجل الرجل ليس بينهما شيء. قال أبو ms1247 عبيد القاسم بن سلام: والمكاعمة: أن ~~يلثم الرجل فاه صاحبه. (والمكامعة أن يضاجع الرجل صاحبه) في ثوب واحد. # وفي «سنن» الترمذي عن أنس قال: (قال) رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى ~~أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: «لا»، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: «لا»، ~~قال: فيأخذه بيده ويصافحه؟ قال: «نعم». ويمكن الجمع بأن نهي التقبيل محمول ~~على تقبيل الفم، ونهى العناق على غير القادم أو على ما كان بإزار واحد. # --- PageV05P179 ~~*** # أما الانحناء للسلطان أو غيره فمكروه، ويحرم تقبيل الأرض بين يدي العالم ~~والشيخ أو السلطان للتحية، وأما السجود فحرام، واختلف في كونه كفرا. # (وكره بيع العذرة خالصة وصح) بيعها (مخلوطة) بمنزلة زيت خالطه نجاسة (و) ~~جاز (الانتفاع بهذه) أي بالمخلوطة، لأن العادة لم تجر بالانتفاع بخالص ~~العذرة وجرت بالمخلوطة. وفي «شرح الكنز»: والصحيح عن أبي حنيفة أن الانتفاع ~~بالعذرة الخالصة جائز. (و) صح (بيع السرقين) لأنه ينتفع به ويدخر لوقت ~~الحاجة، فإنه يلقى في الأرض لاستكثار الزرع. # (و) جاز (خصاء البهائم) لأنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوءين، أي ~~خصيين، ولأن لحمها يطيب به. (لا الآدمي) أي ولا يجوز خصاء الآدمي لأنه ~~تمثيل به وهو حرام. # (و) جاز (إنزاء الحمير على الخيل) لأن النبي صلى الله عليه وسلم ركب ~~البغلة، وهي من إنزاء الحمير على الخيل، ولو كان هذا الفعل حراما لما ~~ركبها، لما في ركوبها من فتح بابه كذا ذكروه. وفيه بحث، إذ لا يلزم من ~~ركوبها جواز الإنزاء، فقد روى أبو داود والنسائي عن علي قال: أهديت لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بغلة فركبها فقلت: لو حملنا الحمير على الخيل ~~فكانت لنا مثل هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يفعل ذلك ~~الذين لا يعلمون». ولعل علماءنا حملوه على كراهة التنزيه وجوزوه. # --- PageV05P180 ~~*** # (و) جاز (سفر الأمة وأم الولد بلا محرم) لأن الأجانب مع الإماء فيما يرجع ~~إلى النظر والمس بمنزلة المحارم، فكما يجوز للحرة أن تسافر مع المحرم، فكذا ~~يجوز للأمة أن تسافر مع ms1248 الأجنبي، وأم الولد أمة لقيام الملك فيها، وإن ~~امتنع بيعها، وكذا المكاتبة لأنها مملوكة رقبة، وقد تقدم اختلاف المشايخ في ~~اختيارهم. وفي «النهاية» معزيا إلى شيخ الإسلام: هذا في زمانهم لغلبة أهل ~~الصلاح، وأما في زماننا فلا، لغلبة أهل الفساد. # ((وصح) بيع العصير من متخذه خمرا) لعموم قوله تعالى: {وأحل الله البيع}، ~~ولأن المعصية لا تقام بعينه باقيا على حاله، بل بعد تغيره وصيرورته أمرا ~~آخر ممتازا عن العصير بالاسم والخاصة، بخلاف بيع السلاح في أيام الفتنة، ~~فإن المعصية تقام بعينه. كذا ذكروه. # وينبغي أن يكون مكروها لكونه سببا لتحصيل المعصية، ولقوله تعالى: ~~{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ولذا منعه ~~مالك والشافعي. # ويحرم على المسلم أخذ دينه من ثمن خمر باعها مسلم لا ذمي، لأن بيع المسلم ~~الخمر باطل، إذ لا قيمة للخمر في حق المسلمين، فلم ينعقد البيع، وإذا لم ~~ينعقد لم يجب الثمن فلم يملكه، ولا يحل لرب الدين أخذه. وأما بيع الذمي ~~الخمر فصحيح، لأنها مال في حقه فيملك الثمن فيصح أخذه. # (وكره استخدام الخصي) لأن في استخدامه حثا على هذا الصنع الحرام. (و) كره ~~(إقراض بقال شيئا يأخذ منه ما شاء) لأنه إذا ملكه الدرهم فقد أقرضه إياه، ~~وقد شرط أن يأخذ منه ما يريد حالا (حالا)، وله في ذلك نفع، فيصير في معنى ~~القرض الذي جر نفعا، وهو منهي عنه. وإن أودعه إياه ثم أخذ منه ما شاء مفرقا ~~لا يكره. # --- PageV05P181 ~~*** # (و) كره (اللعب بالنرد) إجماعا (والشطرنج) وفيه خلاف يأتي. (و) كره ~~(الغناء) وهي الممدودة بمعنى التغني بالأنغام الموسيقية ونحوها، (وكل لهو) ~~أي لعب مشغل عن الفرض. # أما النرد، فلما أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود عن سليمان بن بريدة عن أبيه ~~بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لعب بالنردشير فكأنما ~~صبغ يده في لحم خنزير (ودمه)». وليس فيه ذكر الشطرنج الذي ذكره في ~~«الهداية». وروى مالك وأحمد وابن ماجه بلفظ: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ~~ورسوله». ms1249 وأما الشطرنج، فلما أخرجه العقيلي في «ضعفائه» عن أبي هريرة قال: ~~مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: «ما هذه ~~الكوبة؟ ألم أنه عنها؟ لعن الله من يلعب بها». والكوبة: النرد. ولما رواه ~~ابن حبان في «ضعفائه» عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إن لله عز وجل في كل يوم ثلاث مئة وستين نظرة لا ينظر فيها إلى صاحب ~~الشاه». يعني الشطرنج. # وأما الغناء فلقوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} وفسر ~~بالمغنين، وقد كتبت في هذه المسألة رسالة مستقلة. # واستعمال الملاهي محرمة بالاتفاق، وطبل الغزاة والدف في العرس مستثناة ~~للإذن فيهما شرعا. وسئل أبو يوسف: أيكره الدف في غير العرس تضربه المرأة ~~للصبي في غير فسق؟ قال: لا، فأما الذي يجيء منه الفاحشة كالغناء فإني أكره. # وأما اللهو فلما أخرجه الحاكم في «المستدرك» وقال: حديث صحيح على شرط ~~مسلم ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل شيء من لهو ~~الدنيا باطل إلا ثلاثة: انتضالك بقوسك، وتأديبك فرسك، وملاعبتك أهلك، فإنهن ~~من الحق». وفيه دلالة على أن الشطرنج لعب باطل كما يدل عليه صيغة الحصر في ~~لهو الحق. # --- PageV05P182 ~~*** # وأباح الشافعي اللعب بالشطرنج إذا لم يكن قمار، ولا إخلال بشيء من ~~الواجبات، إذ فيه تشحيذ الخواطر وتزكية الأفهام. قال سهل بن محمد الصعلوكي ~~رئيس أصحاب الشافعي: إذا سلمت اليد من الخسران، والصلاة من النسيان، ~~واللسان من الهذيان، فهو أدب بين الخلان، ولو أكثر منه ردت شهادته. وفي ~~«المجتبى»: قول الشافعي رواية عن أبي يوسف. # ولنا: أنه لهو يصد عن ذكر الله وعن الصلاة غالبا، فيكون حراما كالخمر ~~والميسر، ولأن فيه معنى النرد والأربعة عشر، ثم إن قامر به تسقط عدالته، ~~وإن لم يقامر به وكان متأولا ولم يصده ذلك عن الصلاة لا تسقط. ولم ير أبو ~~حنيفة بالسلام عليهم بأسا لشغلهم عما هم فيه، وكرهاه تحقيرا لهم. ويؤيدهما ~~ما روي أن عليا رضي الله عنه مر ms1250 بقوم يلعبون بالشطرنج فلم يسلم عليهم فقيل ~~له (في) ذلك، قال: كيف أسلم على قوم يعكفون على أصنام لهم؟ ذكره العيني. # (و) كره من سيد (جعل الغل في عنق عبده) لأنه عقوبة أهل النار فيكره ~~كالإحراق بها (بخلاف التقييد) لأنه سنة المسلمين في السفهاء، فلا يكره في ~~العبد تحرزا عن إباقه. (و) كره كراهة تحريم (احتكار قوت البشر والبهائم) ~~كالحنطة والشعير والتبن (في بلد يضر بأهله) لما أخرجه مسلم عن معمر بن عبد ~~الله العدوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحتكر إلا خاطىء» أي مذنب. # وأخرج ابن ماجه في «سننه»، وأبو يعلى الموصلي في «مسنده» عن عمر بن ~~الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجالب مرزوق والمحتكر ~~ملعون». أما لو لم يضر بهم بأن كان المصر كبيرا لا يكره، لأنه حابس لملكه ~~من غير إضرار غيره. وقال أبو يوسف: كل ما أضر بالعامة فهو احتكار ولو كان ~~ثيابا (أو دنانير) أو دراهم. # --- PageV05P183 ~~*** # ثم إذا قصرت المدة لا يكون حبس القوت احتكارا لعدم الضرر، بخلاف ما إذا ~~طالت لتحققه. وحد المدة الطويلة أربعون يوما لما أخرجه أحمد وابن أبي شيبة ~~والبزار والحاكم في «المستدرك» عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برىء من الله وبرىء الله منه. ~~وأيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله». وقيل: المدة ~~المضروبة للمعاقبة في الدنيا، بأن أمره القاضي ببيع (ما فضل عن قوته وقوت ~~أهله سنة، فإن لم يفعل يعزر، ويبيع القاضي بنفسه عنهم،) هو الصحيح. وأما ~~الإثم فيحصل وإن قصرت. # (لا غلة أرضه) أي لا يكره احتكار الشخص غلة أرضه. ينبغي أن يقيد بما لم ~~يزد على نفقة سنة. (و) لا (مجلوبة من بلد آخر) وهذا عند أبي حنيفة. وقال ~~أبو يوسف: يكره أن يحبس ما جلبه من بلد آخر لإطلاق ما روينا. # (و) كره (تسعير الحاكم) لما أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي ms1251 وقال: ~~حديث حسن صحيح من حديث أنس قال: قال الناس: يا رسول الله، غلا السعر فسعر ~~لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعر القابض الباسط ~~الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة من دم ولا ~~مال». ولأن الثمن حق الملاك، فلا ينبغي للإمام أن يتعرض (عليهم في) حقهم. # --- PageV05P184 ~~*** # (إلا إذا تعدى الأرباب) أي أرباب السلع (عن القيمة) تعديا (فاحشا) بأن ~~باعوا بضعف القيمة وعجز السلطان عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، فإنه ~~يسعر لما فيه من رفع الضرر (العام) ولكن بمشورة أهل الرأي. ثم إذا سعر ~~الحاكم وباع رجل بأكثر مما سعر به جاز عند أبي حنيفة مطلقا، لأنه لا يرى ~~الحجر على الحر، وفي إبطال بيعه نوع حجر عليه. وعندهما يجوز إذا لم يكن ~~التسعير على قوم بعينهم، لأنه لا يكون حجرا بل فتوى، فإنهما لا يريان الحجر ~~على (قوم) مجهولين. # ومن باع بما سعره الإمام صح، لأنه غير مكره على البيع، كذا في «الهداية». ~~وفي «المحيط» و«شرح المختار»: أن البائع إذا كان يخاف إذا نقض (أن يضربه ~~الإمام) لا يحل للمشتري ذلك، لأنه في معنى المكره. والحيلة أن يقول المشتري ~~له: بعني بما تحب، فبأي شيء باعه يحل. # ولو خاف الإمام على أهل مصر الهلاك أخذ الطعام من المحتكرين وفرقه، فإذا ~~وجدوا (سعة) ردوا مثله، وليس هذا من الحجر بل من دفع الضرر كما في حال ~~المخمصة. وكذا يحرم تلقي الجلب في بلد يضر بأهله، لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «لا تتلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد». رواه الشيخان، وفي لفظ ~~لمسلم: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشتراه، فأتى سيده السوق فهو بالخيار». # (وقبل قول فرد كيفما كان) أي عدلا كان أو فاسقا، مسلما كان أو كافرا، حرا ~~كان أو عبدا، ذكرا كان أو أنثى (في المعاملات) كالوكالات والمضاربات والإذن ~~في التجارات، لأنه يكثر وجودها بين الناس، والعدل عزيز الوجود، فلو شرط ~~فيها أمر زائد لأدى إلى الحرج. # --- PageV05P185 ~~*** # (فإن قال ms1252 كافر: شربت اللحم من مسلم أو كتابي حل أكله و) إن قال: (من ~~مجوسي حرم) بخلاف ما إذا قال: هذا حلال أو حرام، فإنه لا يقبل قوله. # (وشرط العدل في الديانات كالخبر عن نجاسة الماء) وعن حل الطعام وحرمته، ~~لأنه لا يكثر وقوعها كثرة وقوع المعاملات، فيشترط فيها الإسلام والعدالة. ~~ففي المخبر العدل بنجاسة الماء لا يتوضأ به لعدم التهمة، وفي الكافر يتوضأ ~~به للتهمة. (وفي الفاسق والمستور تحرى) فإن كان أكبر رأيه أنه صادق تيمم ~~ولم يتوضأ به لترجح جانب الصدق بالتحري، والأحوط أن يريق الماء ثم يتيمم. ~~وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب يتوضأ به و(لا) يتيمم لترجح جانب الكذب ~~بالتحري. # ولو أخبرها ثقة أن زوجها الغائب مات أو طلقها ثلاثا، أو أخبرها غير ثقة ~~ومعه كتاب بطلاقها ولم تدر أنه منه، إلا أنها تحرت فترجح عندها صدقه، جاز ~~الاعتداد والتزوج. ولو أخبرها أن أصل نكاحها كان فاسدا، أو زوجها كان أخاها ~~من الرضاع لم يسعها أن تتزوج بقوله، وإن كان ثقة، لأن في هذا الفصل أخبرها ~~بخبر مستنكر وقد ألزمها الحكم بخلافه، وفي الأول أخبرها بخبر محتمل، وهو ~~أمر بينها وبين ربها، فلها أن تعتمد ذلك الخبر وتتزوج. # ويقبل قول الصبي والقن في الهدية والإذن له في التجارة، لأن الهدايا تبعث ~~على يد هؤلاء عادة، فلو لم يقبل قولهم لأدى إلى الحرج. والعبد يحتاج في ~~الأسواق والأمصار البعيدة ولا يمكنه استحضار الشهود إلى تلك المواضع، فلو ~~لم يقبل قوله في الإذن لتحرج الناس في المعاملة مع العبيد. # (مسائل شتى) # --- PageV05P186 ~~*** # ومما ينبغي أن يلحق بهذا الكتاب مسائل شتى مما يناسب هذا الباب. فقد قال ~~علماؤنا: لا بأس بتعشير المصحف ونقطه وشكله في زماننا. وأصل الرواية أنه ~~يكره التعشير والنقط في المصحف لقول ابن مسعود: جردوا القرآن، ولا تلحقوا ~~به (ما) ليس منه. رواه ابن أبي شيبة. وله معنيان: أحدهما: جردوه في التلاوة ~~ولا تخلطوا به غيره، وثانيهما جردوه في الخط من التعشير والنقط. # وفي زماننا لا بد لغالب ms1253 الناس من الدلالة، فبالتعشير تحفظ الآي، وبالنقط ~~يحفظ التصحيف، وبالشكل يحفظ الإعراب، فيكون بدعا مستحسنة، وقد صح عن ابن ~~مسعود: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. ويجوز تحليته لما فيها من ~~تعظيمه، وكذا نقش المسجد وتزيينه بماء الذهب ونحوه، لكن لا من غلة وقفه حتى ~~لو فعل منها ضمن. ثم هو قربة في الأصح لما فيه من تعظيم بيت الله، ولظاهر ~~قوله تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله}. وقيل: مكروه لأنه من ~~الأمور المبتدعة. # ويكره في المسجد عمل الدنيا كخياطة وكتابة بأجرة (لما) ورد: أن المساجد ~~إنما بنيت للصلاة، إلا لضرورة بأن لم يجد مكانا غيره، وكان قوته من صنعته. ~~ولا يكره عندنا دخول الذمي المسجد الحرام، وكرهه الشافعي لقوله تعالى: ~~{إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}، ولأن الكافر ~~لا يخلو عن جنابة. # وأجيب بأنه محمول على منعهم أن يدخلوه طائفين عراة، أو مستولين، وعلى أهل ~~الإسلام مستعلين، وبأن النجاسة محمولة على خبث عقائدهم ، وكرهه مالك في كل ~~مسجد اعتبارا بالمسجد الحرام لعموم العلة وهي النجاسة. # --- PageV05P187 ~~*** # ولنا: ما في «سنن أبي داود» عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف لما قدموا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا ~~عليه أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا، ولا خير في دين ليس فيه ركوع». ~~والتجبية بالجيم والموحدة وضع اليدين على الركبتين. وفي «مراسيله» عن الحسن ~~أن وفد ثقيف أتوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم فضرب لهم قبة في مؤخر ~~المسجد لينظروا صلاة المسلمين، فقيل له: يا رسول الله أتنزلهم في المسجد ~~وهم مشركون؟ قال: «إن الأرض لا تتنجس بابن آدم». # ويحرم بيع أراضي مكة عند أبي حنيفة خلافا لهما، ولا يحرم بيع أبنيتها ~~اتفاقا، لأن البناء ملك لمن بناه، ألا ترى أنه لو بنى في المستأجر، أو في ~~الوقف صار البناء له وجاز ms1254 له بيعه؟. # ولا يكره عيادة الذمي لقوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم ~~في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم} ولما في «صحيح البخاري» عن أنس ~~قال: كان غلام يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى ~~الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: «أسلم» فنظر إلى أبيه وهو ~~عنده فقال: أطع أبا القاسم. فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ~~«الحمد لله الذي أنقذه بي من النار». واختلفوا في عيادة الفاسق والمبتدع، ~~والأصح أنه لا بأس بهذا لأنه مسلم. # --- PageV05P188 ~~*** # قيل: ويحرم قوله في الدعاء: أسألك بمعقد العز من عرشك، وقد روي بتقديم ~~القاف على العين، فلا يجوز اتفاقا لاستحالة معناه على الله سبحانه وتعالى. ~~وروي بعكسه، فكذا يحرم، لأنه يوهم تعلق العز بالعرش، والعرش حادث وما يتعلق ~~به يكون حادثا، والله سبحانه متعال عن تعلق عزه بالحوادث، فإن عزه قديم ~~كذاته وسائر صفاته. وعن أبي يوسف: أنه لا بأس به، وبه أخذ الفقيه أبو الليث. # قيل: ويحرم أن يقول في دعائه: بحق فلان، نبيا كان أو وليا، أو بحق البيت ~~أو المشعر الحرام، لأنه لا حق للخلق على الله، لكن قد يقال: إنه لا حق لهم ~~وجوبا من أصله، لكن الله سبحانه جعل لهم حقا من فضله، أو يراد بالحق الحرمة ~~والعظمة، فيكون من باب الوسيلة، وقد قال الله تعالى: {وابتغوا إليه ~~الوسيلة} وقد عد من آداب الدعاء: التوسل بالأنبياء والأولياء على ما في ~~«الحصن الحصين»: وجاء في رواية: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ~~ممشاي إليك، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا». الحديث. # ولا يكره قبول هدية طعام العبد التاجر لما روي من طرق في قصة إسلام سلمان ~~أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قبل هديته وأكل منها، بخلاف هدية ~~النقدين والثياب على يده لعدم ورود نص وعرف بذلك، فبقي على أصل القياس في المنع. # وكره أن يجعل الراية في عنق العبد وهي: طوق من حديد ms1255 مسمر بمسمار عظيم ~~يمنعه من أن يحرك رأسه، وهو معتاد بين الظلمة لأنه عقوبة أهل النار فيكره، ~~كالإحراق بها، وحل قيده لأنه سنة المسلمين في السفهاء وأهل الدعارة، فلا ~~يكره في العبد تحرزا عن إباقه وصيانة لماله. # --- PageV05P189 ~~*** # وحلت الحقنة للتداوي لما في السنن الأربعة عن أسامة بن شريك قال: أتيت ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم ~~قعدت، فجاء الأعراب من ههنا ومن ههنا فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: ~~«تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء إلا الهرم». ولفظ أحمد في ~~«مسنده»: «فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء إلا الموت». قالوا: يا ~~رسول الله فما أفضل ما أعطي العبد؟ قال: «خلق حسن». # ولا يجوز استعمال المحرم في الحقنة وغيرها كالخمر ونحوها، لأن التداوي ~~بالمحرم حرام. ثم التداوي بالحلال جائز لا واجب، فمن ترك المعالجة فمات لم ~~يمت عاصيا لأنه ليس في ترك المعالجة إهلاك النفس، إذ ربما يصح من غير ~~معالجة وربما لا تنفعه المعالجة. # (ويجب على من رأى منكرا أن ينهى عنه، لو قدر عليه، ولو لم يفعل مثل، ~~لأنه) يجب عليه ترك المنكر والنهي عنه، فإذا ترك أحدهما لا يسقط عنه الآخر. ~~وينهى الإمام من أظهر الفسق في داره، فإن لم يكف، حبسه أو ضربه سياطا أو ~~أزعجه منها ردعا له وزجرا عن ارتكاب الفواحش. # ويحرم على المغني والنائحة أخذ المال المشروط على الغناء والنوح، لأنه ~~أجر على معصية بخلاف غير المشروط فإنه تبرع، لكنه يكره لأنه وسيلة إلى فعله. # ولا بأس بدخول الحمام للرجل والمرأة إذا اتزر وغض البصر لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «إنها ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا يقال لها ~~الحمامات، فلا يدخلنها الرجال إلا بالأزر، وامنعوها النساء إلا مريضة أو ~~نفساء». رواه أبو داود وغيره. وكره غمز الأعضاء في الحمام، لأنه فعل ~~المترفهين إلا لتعب ونحوه من الأوجاع، فإن فيه منفعة وتخفيفا. # --- PageV05P190 ~~*** # وكره الجلوس على القبور لقوله عليه الصلاة والسلام: ms1256 «لا تجلسوا على ~~القبور ولا تصلوا إليها». وقوله: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى ~~تخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر». # ويكره الإشارة إلى الهلال عند رؤيته لأنه من عادة الجاهلية كانوا يفعلونه ~~تعظيما له، أما إذا أشار إليه ليريه صاحبه فلا (بأس به). # ولا بأس بإسقاط حمل لم يستبن شيء من خلقه لأنه مضغة بعد، ولا حكم لها، ~~إلا أنه مكروه بغير ضرورة. ويقطع حمل ميت اعترض في بطن حامل، خيف عليها ~~الموت منه، إذا لم يخرج إلا به، لأنه ليس للميت حرمة بالنسبة إلى الحي. ~~وأما إذا اعترض الولد في (بطن) الحامل وقت الولادة وخيف على الحامل، ولم ~~يمكن إخراج الولد إلا بقطعه، بأن تدخل القابلة يدها إلى داخل الفرج فتقطعه ~~بآلة ونحوها، فلا يقطع لأن موتها موهوم، فبأمر موهوم لا يجوز إتلاف آدمي حي ~~محقق. ويشق من الجانب الأيسر بطن من ماتت فاضطرب الولد فيه وعلمت حياته، ~~ولو بغلبة الظن لما قدمنا، وقد فعل أبو حنيفة ذلك وعاش الولد. # وكذا يشق بطن من ابتلع درة غيره ومات مفلسا، لأن حق صاحب الدرة مقدم على ~~احترام بطن من مات جانيا، وقيل: لا يشق لإمكان الوصول إليه بعد تفسخه، ودفع ~~بأنه يلزم تأخير حقه وقد لا يعيش إليه. ولو دفنت الحامل وقد أتى على الولد ~~سبعة أشهر وكان يتحرك في بطنها، فرؤيت في المنام أنها تقول: ولدت، لا يشق ~~لأن الظاهر موته، ذكره العيني. # ولا بأس بثقب أذن الصغيرة لأنه للزينة فصار كالختان. ويجوز الحجامة ~~والفصادة عند الحاجة، وربما يجب لما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، ~~والفصادة مثلها، ولأنهما للتداوي وهو مأذون فيه شرعا. # --- PageV05P191 ~~*** # ويجب على كل مكلف تعلم ما يحتاج إليه لإقامة الفرائض والواجبات، ولمعرفة ~~العقد الصحيح من غيره في المعاملات والحلال من الحرام من المأكولات ~~والمشروبات لقوله عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ~~ومسلمة، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب». ~~رواه ابن ms1257 ماجه. وقوله: «تعلموا الفرائض والقرآن، وعلموا الناس فإني مقبوض». ~~رواه الترمذي. ويكره تعلمه للمباهاة والممارة وطلب المال والجاه لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري السفهاء، أو ~~يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار». رواه الترمذي وابن ماجه. ~~ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه ~~إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة». يعني ريحها. ~~رواه أبو داود. وقد ورد أن ريحها يشم من قدر خمس مئة عام. # ويجب على العالم التعليم إلى حد التفهيم لقوله عليه الصلاة والسلام: «من ~~سئل عن علم علمه ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من النار». رواه الترمذي. ~~وإنما يلزمه التفهيم لأنه لا يوجد بدونه التعليم. ويستحب تعلم علم يكون ~~وسيلة إلى معرفة الكتاب والسنة، ويباح علم لا يضر ولا ينفع كالتواريخ ~~والأشعار والأنساب، ويحرم علم السحر والمنطق والكلام والهيئة والنجوم إلا ~~قدر ما يعرف به الوقت والقبلة. # --- PageV05P192 ~~*** # ويجب الكسب من الحلال بقدر كفاية نفسه وعياله وقضاء دينه، لقوله تعالى: ~~{أنفقوا من طيبات ما كسبتم} أي بالتجارة، {ومما أخرجنا لكم من الأرض} أي ~~بالزراعة. ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أطيب ما أكلتم من ~~كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم». رواه ابن ماجه. ولقوله صلى الله عليه وسلم: ~~«طلب كسب الحلال فريضة بعد الفريضة». رواه البيهقي في «شعب الإيمان». ~~ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد ~~بعد الكبائر التي نهى الله عنها: أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء». ~~رواه أبو داود. # ويستحب الزيارة لمواساة الفقراء ومجاراة الأقرباء فإنه أفضل من التخلي ~~للعبادات لكون منفعته متعدية ولقوله عليه الصلاة والسلام: «الساعي على ~~الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يقوم الليل ويصوم ~~النهار». رواه ابن ماجه. وفي رواية له: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي ~~القرابة اثنتان: صلة وصدقة». # ويباح للتجمل والتنعم حين يبني البنيان، وينقش الحيطان، ms1258 ويشتري السراري ~~والغلمان لقوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق} ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للرجل ~~الصالح». ويكره التفاخر والتكاثر ولو كان من حل لقوله تعالى: {ألهاكم ~~التكاثر حتى زرتم المقابر} ولقوله عليه الصلاة والسلام: «التجار يحشرون ~~فجارا إلا من اتقى وبر وصدق». رواه الترمذي وغيره، وقال: حديث حسن صحيح. # --- PageV05P193 ~~*** # وأفضل الكسب: الجهاد لما ورد في فضله من الكتاب والسنة، ولأن فيه إعلاء ~~كلمة الله تعالى قصدا والكسب فضلا، ثم التجارة لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~«التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين». رواه ~~الترمذي والدارقطني وابن ماجه. ثم الزراعة لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما ~~من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير، أو إنسان أو بهيمة، إلا ~~كان له به صدقة». رواه البخاري. # ومنهم من فضل الزراعة على التجارة لأنها أعم نفعا، وعندي: أن الكتابة ~~أفضل منهما لاشتمالها على العلم والنفع المتعدي والصدقة الجارية، ثم ~~الصناعة لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل ~~من عمل يديه، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يديه». رواه البخاري. # ويلزم العاجز عن الكسب سؤاله من الناس، فإنه كسب مثله، فإن عجز عن السؤال ~~واشتد جوعه وجب على من علم به أن يطعمه أو يدل عليه من يطعمه لما روينا من ~~قوله عليه الصلاة والسلام: «وأيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائع، فقد برئت ~~منهم ذمة الله». أخرجه أحمد وغيره عن ابن عمر مرفوعا. # ويكره إعطاء السائل في المسجد إلا إذا لم يتخط رقاب الناس ولم يمش بين ~~يدي المصلين، في القول المختار، فقد روي أنهم كانوا يسألون في المساجد على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى روي أن عليا تصدق بخاتمه في الصلاة ~~فمدحه الله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون}. وأما إذا تخطى رقابهم أو تعدى إمامهم، ~~فمكروه لأنه أعانه ms1259 على أذى الناس حتى قيل: هذا فلس (لا) يكفره سبعون فلسا. # --- PageV05P194 ~~*** # ثم اعلم أنه يحرم التسبيح والتكبير والصلاة على النبي عليه الصلاة ~~والسلام عند عمل محرم كما، إذا سبح أو كبر أو هلل أو صلى على النبي صلى ~~الله عليه وسلم في مجلس الفسق واللهو، فهو حرام يأثم فيه، وكذلك التاجر إذا ~~فتح متاعه لمشتريه وسبح وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وأراد بذلك ~~إعلام المشتري جودة متاعه، وكذلك الفقاعي يقول عند فتح كوز الفقاع: لا إله ~~إلا الله، أو يقول: صلى الله على النبي أو نحو ذلك، لأنه يأخذ (به) ثمنا ~~ويرغب المشتري هنالك. كذا في «شرح تحفة الملوك» للعيني. ومن هنا يفهم أن ~~بالأولى يحرم ذكر الله أو النبي مع الرباب كما هو شأن الأعراب، أو مع ~~الزمارة كما هو شعار السيارة من شحاذ أهل اليمن في السوق وأبواب أرباب ~~التجارة. # ثم قال: ويجب منع الصوفية الذين يدعون الوجد والمحبة عن رفع الصوت وتمزيق ~~الثياب عند سماع الغناء، مع أن ذلك حرام عند سماع القرآن، فكيف عند سماع ~~الغناء الذي هو حرام؟ خصوصا في هذا الزمان الذي اشتهر فيه الفسق، وظهرت فيه ~~أنواع البدع، واشتهرت فيه طائفة تحلوا بحلية العلماء وتزيوا بزي الصلحاء، ~~والحال أن قلوبهم ممتلئة من الشهوات الكاسدة، والأهواء الفاسدة. فالعجب ~~منهم أنهم يدعون محبة الله ويخالفون سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيصفقون ~~بأيديهم، ويضربون بأرجلهم، ويصعقون بأفواههم، ويظهرون (ما ليس في قلوبهم، ~~ويتحركون) بحركات مختلفة في أبدانهم، والأزباد تنزل من أشداقهم، حتى (إن) ~~الجهال والحمقى من العامة يعتقدونهم ويلازمونهم (ويقصدونهم)، ويعطونهم ~~وينسبون أنفسهم إليهم، وينفقون (عليهم)، أعاذنا الله من شرهم وشر ما لديهم. # --- PageV05P195 ~~*** # ولا يحل قبول هدية أمراء الجور وسائر الظلمة، إلا إذا علم أن أكثر مالهم ~~حلال بأن كان صاحب تجارة أو زراعة، فلا بأس به لأن أموال الناس لا تخلو عن ~~قليل حرام فالمعتبر الغالب، وكذا طعامهم. وهذا بالنسبة إلى الأغنياء، وأما ~~الفقراء، فلهم أن يأخذوا من أموال الأمراء، لأن غالب ms1260 أموالهم (من) بيت ~~المال، ومصرفه الفقراء. وهذا طريق الفتوى، والأحوط امتناعه للتقوى. وفي ~~«تحفة الملوك»: رجل يتردد إلى الظلمة ليدفع شرهم عنه، فإن كان مفتيا أو ~~مقتدى به لا يحل له ذلك، لأن دفع شرهم عنه ممكن بغير التردد، ولأن فيه ~~إهانة للعلم وأهله، وإن كان غير مقتدى به فلا بأس بتردده إليهم ليدفع شرهم عنه. # وأما إذا تردد لأجل أن يصيب منهم، فلا يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«إن أناسا من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرؤون القرآن، ويقولون: نأتي ~~الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا، ولا يكون ذلك، كما لا يجتنى من ~~القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا ». رواه ابن ماجه. ~~والقتاد بفتح القاف والتاء ثالث الحروف: ضرب من العضاه وهي جمع عضة: وهي ~~شجرة من شجر الشوك ليس فيه غير الشوك. # وكان ابن عباس وابن عمر يقبلان هدية المختار، وكان أبو ذر وأبو الدرداء ~~لا يجوزان ذلك حتى روي أن أميرا أهدى إلى أبي ذر مئة دينار فقال: هل أهدى ~~لكل مسلم مثل هذا؟ فقيل: لا، فردها وقال: {كلا إنها لظى نزاعة للشوى} # ولا يبعد أن يحمل أخذ ابني عباس وعمر على نية تفريقه على الفقراء، وإنهم ~~(يعلمون أنهم) لو لم يأخذوه لأعطى الأغنياء أو لم يعط لأحد شيئا من ~~الأشياء. فلأخذهم وجه، وإن كان الامتناع عن أخذهم أوجه، لأنه أبعد من ~~الريبة وأشد على الظالم في مقام الإهانة. # (أمور الفطرة) # --- PageV05P196 ~~*** # ويسن قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، فإنها من ~~الفطرة وسنن الخليل عليه الصلاة والسلام الوارد فيها قوله تعالى: {وإذا ~~ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن}، وقد فعلها نبينا صلى الله عليه وسلم ~~وأمر بها. وفي حديث: «قص (الشارب وتقليم) الظفر، ونتف الإبط، وحلق العانة ~~يوم الخميس، والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة». رواه الديلمي عن علي. # قال الطحاوي في «شرح الآثار»: وقص الشارب حسن، وهو أن يأخذ منه حتى ينتقص ~~عن الطرف الأعلى من الشفة العليا. وأجاز بعضهم حلقه لقوله عليه الصلاة ms1261 ~~والسلام: «أحفوا الشارب وأعفوا اللحى». وفسر الإحفاء بالاستئصال، ودفع بأنه ~~ورد: «قصوا الشارب واعفوا اللحى» كما رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~وهو تفسير للإحفاء. ولأنه عليه الصلاة والسلام لم يحفظ عنه أنه حلق شاربه، ~~بل قد ورد: «قصوا الشوارب مع الشفاه». رواه الطبراني عن الحكم بن عمرو. ~~وحسن ترك قصه مع بقاء أظفاره في الجهاد ليكون أهيب في عين العدو، والأظفار ~~سلاح عند الاحتياج به. # وسن الختان للرجال وهو من الفطرة، وعد مكرمة للنساء لحصول الكرامة لهن به ~~عند أزواجهن، وقدر وقته بسبع سنين، وهو مختار أبي الليث، أو تسع أو عشر. ~~وقيل: بما يطابق المراد بالبلوع. ويترك لو ولد شبيها بالمختون، أو أسلم ~~كبيرا وخيف عليه منه. وإن تركه أهل بلد قوتلوا عليه لأنه من شعائر الإسلام ~~فصار كالأذان. # --- PageV05P197 ~~*** # وتجوز المسابقة بالخيل والبغال والحمير والإبل والأقدام، والرمي بالنبل. ~~والأصل فيه، حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا سبق إلا ~~في خف أو نصل أو حافر». رواه أحمد والأربعة، والمراد بالخف: الإبل، ~~وبالنصل: الرمي، وبالحافر: الفرس والبغل والحمار. قال الخطابي: الرواية ~~الصحيحة بفتح الموحدة وهو ما يجعل من المال رهنا على المسابقة، وبالسكون ~~مصدر سبقته أسبقه. وعن أبي هريرة أيضا قال: كانت المسابقة بين أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الخيل والركاب والأرجل. # وحل الجعل من أحد الجانبين بأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك كذا، ~~وإن سبقتك فلا شيء لي. أو من شخص ثالث لأسبقهما بأن يقول: من سبق منكما ~~دفعت إليه دينارا. وحرم من الجانبين لأنه يصير قمارا إلا أن يوجد محلل ~~بينهما، ويكون فرسه كفؤا لفرسيهما. ويشترط أنه إن سبقهما أخذ منهما الجعل، ~~وإن سبقاه لا شيء لهما عليه لخروجه حينئذ عن القمار. ويلحق بالمسابقة بجعل ~~طالبان اختلفا في مسألة ورجعا إلى الشيخ ليفصل بينهما فيها، لأنه لما جاز ~~في الأفراس لمعنى يرجع إلى الجهاد يجوز هنا للحث على الاجتهاد في طلب ~~العلم، لأن الدين كما يقوم بالجهاد ms1262 يقوم بالعلم والاجتهاد. # ثم رمي السهم له فضائل كثيرة لقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة} ورد تفسيرها عنه عليه الصلاة والسلام: «ألا إن القوة الرمي ثلاث ~~مرات». وقد ورد: «إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في ~~صنعته الخير، والرامي به، والممد به ». رواه ابن ماجه. وفي رواية له: «من ~~رمى بسهم فبلغ سهمه العدو، أصاب أو أخطأ، فيعدل رقبة». وفي رواية له أيضا: ~~«من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصى». # --- PageV05P198 ~~*** # وأما الجوز الذي يلعب به الصبيان يوم العيد فيؤكل، لأن ابن عمر كان يشتري ~~الجوز للصبيان وهم يلعبون به ثم يأكله معهم. كذا ذكره العيني، ثم قال: إذا ~~لم يقامروا. انتهى. وهذا صورة ليس فيه قمار متعارف كما لا يخفى، وإلا فلا ~~يحل له من البالغين، فكيف من الصبيان مع كون أكثرهم غير مالكين؟ وكذا حكم ~~البيض الذي يلعبون به في العيد وغيره. # وتضرب الدابة على النفار دون العثار، لأن العثار يكون من سوء إمساك ~~الراكب اللجام، والنفار من سوء (خلق) الدابة فتؤدب عليه. ولما في «كامل ابن ~~عدي» عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اضربوا الدواب على ~~النفار، ولا تضربوها على العثار». وركض الدابة ونخسها كما يفعله الدلالون ~~مكروه، وكذا إذا كان بطريق اللهو، لأنه تعذيب الحيوان بلا غرض صحيح. بخلاف ~~الفرار من العدو والكرار عليه. # ويستحب القيلولة في شدة الحر لأنه وقت انتشار الشياطين، وقد ورد: «قيلوا ~~فإن الشيطان لا يقيل». # ويحرم لبس الأحمر والمعصفر لما في «سنن أبي داود والترمذي» عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص قال: مر رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلم يرد عليه. # وفي «سنن أبي داود» عنه أيضا قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعلي ثوب مصبوغ بعصفر موردا فقال: «ما هذا»؟ فعرفت ما كره، فانطلقت ~~فأحرقته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما صنعت»؟ قلت: أحرقته. قال: ~~«أفلا كسوته بعض أهلك؟ فإنه لا بأس ms1263 به للنساء». # --- PageV05P199 ~~*** # وفي «صحيح مسلم» عنه أيضا قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ~~ثوبين معصفرين فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها ». وفي رواية: قلت: ~~أغسلهما؟ قال: «بل أحرقهما» وهذا مبالغة في النهي لما تقدم. وروى أبو داود ~~والترمذي عن علي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن لبس المعصفر. وأما لبس ~~الأخضر فمستحب لقول أبي رمثة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ~~ثوبان أخضران. أخرجه أبو داود والترمذي، وللنسائي: وعليه بردان أخضران. ~~وندب لبس البياض (أو السواد) لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن أحسن ما زرتم ~~الله به في قبوركم ومساجدكم البياض». رواه ابن ماجه. # وفي رواية للترمذي والنسائي: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنها أطهر ~~وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم». وأما لبس السواد فجائز لقول سعد بن أبي وقاص: ~~رأيت رجلا على بغلة بيضاء على رأسه عمامة سوداء، وقال: كسانيها عليه الصلاة ~~والسلام. رواه أبو داود. وقال عمرو بن أمية: كأني أنظر الساعة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء، وقد أرخى طرفها بين ~~كتفيه. أخرجه النسائي وابن ماجه. وقد دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة ~~يوم الفتح وهو متعمم بعمامة سوداء. رواه الترمذي في «شمائله». # ولا ينبغي أن يظاهر بين جبتين أو أكثر في الشتاء إذا اكتفى بدون ذلك، ~~لأنه يغيظ المحتاجين وطريق المتجبرين (من المتكبرين)، وندب إرسال ذنب ~~العمامة بين الكتفين قدر شبر، وقيل: إلى وسط الظهر، وقيل: إلى موضع الجلوس. # --- PageV05P200 ~~*** # والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالعمائم فإنها سيماء ~~الملائكة، وأرخوها خلف ظهوركم». رواه البيهقي في «شعب الإيمان». وقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس». رواه ~~الترمذي. وقول ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتم سدل ~~عمامته بين كتفيه. رواه الترمذي وقال: حسن غريب. وعن عبد الرحمن بن عوف: ~~عممني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسدلها بين يدي ومن خلفي. رواه أبو داود. # ويكره الترجيع بقراءة القرآن ms1264 واستماعه، لأنه تشبه بفعل الفسقة. وقيل: لا ~~بأس به إذا لم يخرج الحرف عن حده، والمد عن قدر مده لما ورد: «زينوا القرآن ~~بأصواتكم». رواه أحمد وجماعة، وصححه الحاكم عن البراء، وزاد الحاكم في ~~رواية عنه: «فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا». وفي رواية: «زينوا أصواتكم ~~بالقرآن». # وكره رفع الصوت عند قراءة القرآن وعند الجنازة وحين الزحف على العدو وحين ~~الوعظ، لأنه يذهب الهيبة والخشوع. ويحرم قيام التالي للقرآن، وكذا الراوي ~~للحديث، للداخل عليه، لأن فيه نوع إهانة له بإعراضه عنه وإقباله على من ليس ~~له عليه حق، إلا لأستاذه الذي علمه أو لأبيه، لما لهما عليه من حق الإكرام ~~وزيادة الاحترام. # والقراءة عند القبور مكروهة عند أبي حنيفة، وتجوز عند محمد لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «اقرؤا يس على موتاكم». رواه أبو داود. # --- PageV05P201 ~~*** # وتحرم الغيبة والنميمة والكذب إلا للخديعة في الحرب لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «الحرب خدعة»، والصلح بين اثنين، ولإرضاء أهله لأنه من باب إصلاح ~~ذات البين. قال الله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو ~~معروف أو إصلاح بين الناس} وورد: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ويقول ~~خيرا وينمي خيرا». قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب ~~إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، (وحديث الرجل امرأته) وحديث ~~المرأة زوجها. رواه مسلم. ولدفع الظالم عن ظلمه لأنه نهي عن المنكر، وأخذ ~~على يد الظالم. # ويكره التعريض بالكذب لأنه كذب في الظاهر إلا عند الضرورة ك:أكلت يعني ~~أمس جوابا لمن دعاه إلى الأكل لأنه صادق في قصده. # ولا غيبة لفاسق معلن ولا لغير معين، ولا لظالم يؤذي الناس بقوله أو فعله، ~~ولا يأثم الساعي به إلى السلطان ليزجره بل يثاب عليه، لأنه من باب النهي عن ~~المنكر، والمنع عن الظلم. # والحاصل: أن الكلام إما مستحب كالأذكار، وإماحرام كالكذب والغيبة ~~والنميمة، وإما مباح كضروريات الإنسان من قوله: قم واقعد ونحو ذلك. وأما ما ~~لا يعنيه فتركه مستحب لقوله عليه ms1265 الصلاة والسلام: «إن من حسن (إسلام) المرء ~~تركه ما لا يعينه». # --- PageV05P202 ~~*** # واختلف هل يكتب المباح: فقيل: لا أصلا لقول ابن عباس: إن الملائكة لا ~~تكتب إلا ما كان فيه أجر أو وزر. وقيل: يكتب ذلك لظاهر قوله تعالى: {ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} فقيل: يكتب ذلك عليه ثم ينسخ متى قوبل ~~عليه باللوح المحفوظ كل اثنين وخميس، فما كان فيه جزاء خير أو شر ثبت، وما ~~لم يكن كذلك محي لقوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} ~~ولقوله: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}. وقيل: يكتب وينسخ يوم القيامة، ~~لأنه يوم الحساب والجزاء إما بالثواب أو بالعقاب. والله أعلم بالصواب. # وينبغي لحافظ القرآن أن يختمه في ثلاثة أيام أو في أسبوع أو في شهر أو في ~~أربعين يوما، فإن نسيان القرآن من الكبائر. # ويتقدم الشاب العالم على الشيخ العابد الجاهل لقوله تعالى: {قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وقوله: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات} وقوله عليه الصلاة والسلام: «فضل العالم على العابد ~~كفضلي على أدناكم». رواه الترمذي عن أبي أمامة. وقوله: «فضل حملة القرآن ~~على من لم يحمله كفضل الخالق على المخلوق». رواه الديلمي عن ابن عباس. # ويسن السلام، وجوابه فرض كفاية لقوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها} وثواب هذه السنة أفضل من الفرض الذي هو جوابه، لأنها ~~سبب له، ولدلالته على التواضع لقوله عليه الصلاة والسلام: «البادىء بالسلام ~~بريء من الكبر». كذا في «شعب الإيمان». # --- PageV05P203 ~~*** # ولا يسلم وقت الخطبة والتلاوة لئلا يخل بالاستماع، وكون القاضي في ~~المحكمة حال كونه يحكم هيبة واحتشاما، وبهذا جرى الرسم. ويجب الرد إلا على ~~القاضي والخطيب لأن وجوبه على من يسن السلام عليه، وكذا لا يجب على من جلس ~~يفقه تلامذته أو يقرئهم القرآن، لأنه جلس للتعليم لا لرد التسليم. ويسلم ~~الراكب على الراجل لقوله عليه الصلاة والسلام: «يسلم الراكب على الماشي، ~~والماشي على القاعد، والقليل على الكثير». ms1266 متفق عليه. ويسلم الرجل على ~~المرأة لأنه عليه الصلاة والسلام مر على نسوة فسلم عليهن. رواه الأمام أحمد. # ويجيب الذمي إذا سلم بقوله: وعليك، لما في «الصحيحين» عن ابن عمر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول ~~أحدهم: السام عليك، فقولوا: وعليك». ولا يبدؤه بالسلام لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «لا تبدؤا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق ~~فاضطروه إلى أضيقه». رواه مسلم. # ويجب كفاية تشميت العاطس الحامد ب: يرحمك الله، لأحاديث وردت بذلك، وإن ~~تكرر منه في مجلس يستحب إلى الثلاث، ولو زاد يقول: عافاك الله، لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لمن زاد: «الرجل مزكوم». ويجيب هو بقوله: «يهدينا ~~الله ويهديكم ويصلح بالكم» أو: «يغفر الله لنا ولكم» على ما ورد في الخبر. # كتاب الأشربة # --- PageV05P204 ~~*** # هي جمع الشراب وهو لغة: ما يشرب. وهنا ما يشرب ويسكر (حرم الخمر) لقوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من ~~عمل الشيطان} الآية. ولإجماع الأمة، ولصحيح الأخبار وهي كثيرة منها ما في ~~«الصحيحين» عن أنس بن مالك قال: كنت ساقي القوم، يوم حرمت الخمر في بيت أبي ~~طلحة وما شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي، فقال لي أبو ~~طلحة، اخرج فانظر، فخرجت فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فجرت ~~في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها فخرجت فأهرقتها. # وفي «صحيح مسلم» عن عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر ~~فقال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صديق من ثقيف أو من دوس فلقيه يوم ~~الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ~~فلان، أما علمت أن الله حرمها»؟ فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها. ~~فقال (له رسول الله صلى الله عليه وسلم ): «يا فلان، بماذا أمرته»؟ قال: ~~أمرته أن يبيعها. فقال: «إن الذي حرم شربها حرم بيعها». فأمر بها ms1267 فأهرقت في ~~البطحاء. # (وهي): أي الخمر هو (النيء) بكسر النون في أوله وبهمزة في آخره وقد يدغم ~~(من ماء عنب غلا واشتد وقذف بالزبد، وإن قلت) الخمر وإن كانت قطرة. فإن ~~حرمتها غير معللة بالسكر ولا موقوفة عليه. وبعض المعتزلة أنكر حرمة عينها، ~~وزعم أن السكر حرام إذ به يحصل وقوع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله. ~~وذلك باطل مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة، فكان كفرا منهم. وهذا لأن ~~الله تعالى سماها رجسا، وهو اسم للحرام النجس عينا بلا شبهة. # --- PageV05P205 ~~*** # ولم يشترط أبو يوسف ومحمد القذف بالزبد، وهو قول مالك والشافعي وهو ~~الأظهر، لأن اللذة المطربة والقوة المسكرة تحصل بالاشتداد، وهو المؤثر في ~~إيقاع العداوة والصد عن ذكر الله. والقذف بالزبد صفاء لا تأثير له في السكر. # ولأبي حنيفة: أن الغليان بداية الشدة وقذف الزبد كمالها، إذ به يتميز ~~الصافي عن الكدر. وأحكام الخمر قطعية كالحد وإكفار المستحل وحرمة البيع، ~~فيناط بالكمال. وقيل: يؤخذ في حرمة الشرب بمجرد الاشتداد احتياطا، فينبغي ~~أن يؤخذ في الحد والتكفير بقذف الزبد احتياطا. # (كالطلاء) أي كما حرم الطلاء (وهو) بكسر الأول (ماء عنب طبخ فذهب أقل من ~~ثلثيه) كذا في «الهداية». وفي «المحيط»: الطلاء: اسم للمثلث وهو ماء عنب ~~طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وصار مسكرا. وفي «الصحاح» مثل (ما في) ~~«المحيط» لكن من غير ذكر الإسكار. ويدخل في تفسير المصنف (المنصف) وهو ما ~~طبخ من ماء العنب حتى ذهب نصفه إلا أن يقال: مراد المصنف: ما ذهب أقل من ~~ثلثيه وأكثر من نصفه فلا يدخل. لكن المراد لا يدفع الإيراد. # ثم كل ذلك عندنا حرام إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، وإن لم يقذف فهو على ~~الخلاف لأنه رقيق ملذ مطرب يدعو قليله إلى كثيره، فيحرم شربه دفعا للفساد ~~المتعلق به كالخمر. وأما الباذق فاسم لذاهب ما دون النصف، فأظهر الروايتين ~~عن أبي حنيفة أنه بمنزلة المنصف في حكم البيع والحد، وعنه في رواية أخرى ~~أنه ألحق ذلك بالخمر في أنه لا يجوز ms1268 بيعه كذا في «المبسوط». # (وغلظا) أي الخمر والطلاء (نجاسة) أي من جهة النجاسة. # (وحرم نقيع التمر أي السكر) بفتحتين (ونقيع الزبيب نيئين) تثنية النيء. ~~(إذا غلا) كل واحد منهما (واشتد). # --- PageV05P206 ~~*** # وعند أبي حنيفة: وإذا قذف بالزبد. وقال شريك بن عبد الله: السكر حلال ~~لقوله تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} ذكره ~~في موضع المنة وهي لا تتحقق بالمحرم، فأوجب إباحته. # ولنا: إجماع الصحابة على حرمة ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«الخمر من هاتين الشجرتين». والنص محمول على ما قبل التحريم فيكون منسوخا، ~~وهو مذهب الشعبي والنخعي. وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن إبراهيم قال: قال عبد ~~الله: السكر خمر. وفيه عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه سئل عن السكر فقال: الخمر. # وقيل: السكر: نبيذ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ~~ثلثاه، ثم ترك حتى اشتد. وهو حلال عند أبي حنيفة إلى حد السكر، ويحتج بهذه ~~الآية، ويحمل السكر المذكور في الآية على هذا. وعن الشيخ أبي منصور ~~الماتريدي: معناه : تتخذون من الحلال الخالص ما هو حرام كقوله تعالى: {قل ~~أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا}. وأما نقيع ~~الزبيب فحرام عندنا خلافا للأوزاعي. # (وحرمة الخمر أقوى) لأنها قطعية (فيكفر مستحلها فقط) أي ولا يكفر مستحل ~~واحد من الثلاثة الأخر، لأن حرمتها اجتهادية، ويحد شاربها ولو قطرة، ولا ~~يحد شارب واحد من الثلاثة الأخر حتى يسكر. # (وحل المثلث العنبي) وهو ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه. (مشتدا) ~~لأنه لغلظه لا يحصل بشرب قليله الفساد، ولا يدعو قليله إلى كثيره بخلاف الخمر. # --- PageV05P207 ~~*** # قال البخاري: ورأى عمر وأبو عبيدة ومعاذ شرب الطلاء على الثلث. وروى ~~النسائي شربه عن أبي موسى. وقال أبو داود: وسألت أحمد عن شرب الطلاء إذا ~~ذهب ثلثاه وبقي ثلثه فقال: لا بأس به. قلت: إنهم يقولون: إنه يسكر قال: لو ~~كان يسكر لما أحله عمر. # وفي «المبسوط» عن داود بن (أبي ms1269 هند) قال: قلت لسعيد بن المسيب: الطلاء ~~الذي كان يأمر عمر باتخاذه الناس ويسقيهم منه كيف كان؟ قال: يطبخ العصير ~~حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. وقال الأوزاعي: المنصف والباذق مباح، وهو قول ~~بعض أصحاب الظواهر وبعض المعتزلة. # (و) حل (نبيذ التمر والزبيب مطبوخا أدنى طبخة) بأن طبخ حتى نضج (وإن ~~اشتد، إذا شرب ما لم يسكر بلا نية لهو وطرب) بل بنية تقوي، لما روينا أن ~~رجلا شرب نبيذا من قربة عمر فسكر، فضربه الحد، فقال: إنما شربت من قربتك ~~فقال له عمر: إنما جلدناك لسكرك. وأن رجلا شرب من إداوة علي نبيذا بصفين ~~فسكر، فضربه الحد ثمانين. ولما في «آثار محمد بن الحسن»: أخبرنا أبو حنيفة، ~~عن سليمان الشيباني، عن ابن زياد أنه أفطر عند عبد الله بن عمر، فسقاه ~~شرابا فكأنه أخذ منه، فلما أصبح غدا إليه فقال: ما هذا الشراب؟ ما كدت ~~أهتدي إلى منزلي. فقال ابن عمر: ما زدناك على عجوة وزبيب. # --- PageV05P208 ~~*** # ولقول علي رضي الله عنه: طاف النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة ~~أسبوعا، ثم استند إلى حائط من حيطان مكة، فقال: «هل من شربة»؟ فأتي بقعب من ~~نبيذ، فذاقه فقطب ورده إليه. فقام رجل من آل حاطب فقال: يا رسول الله، هذا ~~شراب أهل مكة، قال: فصب عليه الماء ثم شرب ثم قال: «حرمت الخمر بعينها ~~والسكر من كل». رواه العقيلي عن محمد بن الفرات، وأعله به. ورواه أيضا عن ~~عبد الرحمن بن بشر الغطفاني عن علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الأشربة عام حجة الوداع فقال: «حرم الله الخمر بعينها والسكر من كل ~~شراب». ثم قال: وعبد الرحمن هذا مجهول في الرواية والنسب وإنما يروي عن ابن ~~عباس من قوله. ورواه النسائي موقوفا عليه من طرق. # (و) حل (الخليطان) وهو أن يجمع التمر والزبيب، أو الرطب والبسر ويطبخ ~~أدنى طبخة ويترك إلى أن يغلي ويشتد. فإن قيل: أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: ~~نهى رسول الله صلى ms1270 الله عليه وسلم عن الزبيب والتمر، والبسر والتمر، وقال: ~~«نبيذ كل واحد منهما على حدته». أجيب: بأنه محمول على شدة العيش توسعة على ~~الناس. روى هذا محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم قال: ~~لا بأس بنبيذ خليط التمر والزبيب، وإنما كره لشدة العيش في الزمن الأول، ~~كما كره السمن واللحم، وكما كره الإقران. وأما إذا وسع الله على المسلمين ~~فلا بأس به. # --- PageV05P209 ~~*** # وحرمه مالك والشافعي لما قدمنا، ولما في الكتب الستة عن جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن ينبذ الزبيب والتمر جميعا، ونهى أن ينبذ ~~البسر والرطب جميعا. وفيها أيضا سوى الترمذي عن عبد الله بن أبي قتادة، عن ~~أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خليط الزبيب والتمر، وعن خليط ~~البسر والتمر، وعن خليط الزهو والتمر، وقال: «انتبذوا كل واحد على حدة». ~~وعن مسلم عن (أبي سعيد) الخدري قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~نخلط بسرا بتمر، أو زبيبا بتمر، أو زبيبا ببسر وقال: «من شرب منكم النبيذ، ~~فليشربه زبيبا فردا، أو تمرا فردا، أو بسرا فردا». # ولنا ما قدمنا، (وما) في «كامل» ابن عدي عن أم سليم وأبي طلحة أنهما كانا ~~يشربان نبيذ الزبيب والبسر يخلطانه، فقيل له: يا أبا طلحة، إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا قال: إنما نهى عن العوز في ذلك الزمان كما ~~نهى عن الإقران. وفي «سنن أبي داود» عن صفية بنت عطية قالت: دخلت مع نسوة ~~من عبد القيس على عائشة فسألناها عن التمر والزبيب. فقالت: كنت آخذ قبضة من ~~(تمر وقبضته من) زبيب، فألقيه في إناء فأمرسه، ثم أسقيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # (و) (حل) (نبيذ العسل والتين والبر والشعير والذرة) وسائر الحبوب (وإن لم ~~يطبخ بلا نية لهو وطرب) بل للتقوي لما روى مسلم وغيره أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنب» وفي لفظ (لمسلم): ~~«الكرمة والنخلة». ms1271 والمراد بيان الحكم، لأن الخمر حقيقة في ماء العنب. # --- PageV05P210 ~~*** # ولم يشترط في نبيذ العسل وما عطف عليه الطبخ، لأن قليله لا يدعو إلى ~~كثيره. ثم حل ذلك (في) قول أبي حنيفة وأبي يوسف، فلا يحد شاربه وإن سكر منه ~~ولا يقع طلاقه كالنائم وذاهب العقل بالبنج وبلبن الرماك، وهو بكسر، جمع ~~رمكة وهي الفرس الأنثى. وقال محمد، وهو قول مالك والشافعي: كل ما أسكر ~~كثيره حرم قليله من أي نوع كان. ويحد السكران منه ويقع طلاقه، كما في سائر ~~الأشربة المحرمة. والفتوى في زماننا على قول محمد حتى يحد من سكر من ~~الأنبذة المتخذة من الحبوب والعسل والتين واللبن، لأن الفساق يجتمعون عليها ~~ويقصدون اللهو بشربها والسكر بها، ولما في «صحيح مسلم» من قوله عليه الصلاة ~~والسلام: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام». وفيه وفي «مسند أحمد» و«صحيح ابن ~~حبان»: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». # ولما في مسلم عن جابر: أن رجلا قدم من اليمن فسأل النبي عليه الصلاة ~~والسلام عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المزر فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أو مسكر هو»؟قال: نعم. قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~): «كل مسكر حرام، إن على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينه ~~الخبال ». وفي «الصحيحين» عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن البتع وهو نبيد العسل فقال: «كل شراب أسكر فهو حرام». وفي «سنن أبي ~~داود» و«ابن ماجه» و«الترمذي» عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن من الحنطة خمرا، وإن من الشعير خمرا، ومن الزبيب خمرا، ~~ومن العسل خمرا». وفي «سنن النسائي وابن ماجه» من حديث عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أسكر كثيره فقليله ~~حرام». وهكذا رواه الدارقطني عن علي مرفوعا. # --- PageV05P211 ~~*** # وفي «سنن أبي داود والترمذي» عن عائشة أنها سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: كل مسكر حرام، وما أسكر ms1272 الفرق منه فملء الكف منه حرام». وفي لفظ ~~الترمذي: «الحسوة منه حرام». ولما ذكر لابن المبارك حديث ابن مسعود رضي ~~الله عنه في كل مسكر، وهي الشربة التي أسكرتك قال: حديث باطل. وفي ~~«المبسوط»: ولأن المثلث بعدما اشتد خمر، لأن الخمر إنما سمي بهذا الاسم ~~لمخامرته العقل، وذلك موجود في سائر الأشربة المسكرة، وقد سماه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خمرا. # ولو سماه أحد من أهل اللغة خمرا لكان يستدل بقوله على إثبات هذا الاسم، ~~فإذا سماه صاحب الشرع وهو أفصح العرب أولى. وأبو حنيفة وأبو يوسف أوجبا ~~الحد بالسكر من الأشربة المذكورة في الصحيح عنهما، لما روينا عن عمر وعلي، ~~ولقطع مادة مفاسد لازمة للسكر منها. # (و) حل (خل الخمر ولو بعلاج) من إلقاء خل أو ملح فيها ليصير خلا، لإطلاق ~~ما أخرجه الجماعة إلا البخاري من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم: «نعم الإدام الخل» وقال مالك والشافعي: لا يحل تخليل ~~الخمر ولا أكل الحاصل منه لما أخرجه مسلم قال: سئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الخمر: أتتخذ خلا؟ قال: «لا». وأخرج أيضا عن أنس أن أبا طلحة سأل ~~النبي عليه الصلاة والسلام عن أيتام ورثوا خمرا. قال: «أهرقها». قال: أفلا ~~نجعلها خلا؟ قال: «لا». ولأن الصحابة أهرقوها حين نزلت آية التحريم، ولو ~~جاز التخليل لنبه عليه الصلاة والسلام عليه كما نبه أهل الشاة الميتة على ~~دباغ إهابها. # --- PageV05P212 ~~*** # وفي «مسند أحمد» عن ابن عمر قال: أمرني صلى الله عليه وسلم أن آتيه ~~بمدية، (قال) فأتيته بها، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق ~~الخمر، فشق ما كان من ذلك الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر أصحابه أن يمضوا ~~معي ويعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته ~~ففعلت، فلم أترك في أسواقها زقا إلا شققته. وأجاب الطحاوي بأن ذلك محمول ~~على التغليظ والتشديد بدليل أنه ورد في بعض طرقه الأمر بكسر الدنان فيما ~~روى الدارقطني والطبراني (في ms1273 «معجمه»). وبدليل ما روى أحمد في «مسنده» عن ~~ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم شق زقاق الخمر بيده في أسواق المدينة. # وهذا صريح في التغليظ، لأن فيه إتلاف مال الغير، إذ قد كان يمكن إراقة ~~الدنان والزقاق وتطهيرها، ولكن قصد بإتلافها التشديد ليكون أبلغ في الردع. ~~قلت: ويؤيده ما رواه البيهقي كما تقدم عن أحمد وفيه: فقال الناس: إن في هذه ~~الزقاق منفعة يا رسول الله. قال: «أجل، ولكن إنما أفعل ذلك غضبا لله لما ~~فيه من سخطه». وفي «مسند أبي يعلى الموصلي» عن جابر بن عبد الله قال: كان ~~رجل يحمل الخمر من خيبر إلى المدينة فيبيعها من المسلمين. فحمل منها بمال ~~فقدم فلقيه رجل من المسلمين فقال: إن الخمر قد حرمت فوضعها حيث انتهى على ~~تل، وسجاها بأكسية، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~بلغني أن الخمر قد حرمت. قال: «أجل». قال: فهل لي أن أردها على من ابتعتها ~~منه؟ قال: «لا» قال: أفأهديها إلى من يكافئني منها؟ قال: «لا» قال: فإن ~~فيها (مالا) ليتامى في حجري. قال: «إذا أتانا مال البحرين فأتنا نعوض ~~أيتامك من مالهم»، ثم نادى بالمدينة، فقال رجل: يا رسول الله الأوعية ينتفع ~~بها. قال:«فحلوا أوكيتها»، فانصبت حتى استقرت في بطن الوادي. # --- PageV05P213 ~~*** # ومن أدلتنا: ما في «سنن الدارقطني» عن فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد، عن ~~عمرة، عن أم سلمة أنها قالت: كان لنا شاة نحتلبها ففقدها النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «ما فعلت شاتكم»؟ قالوا: ماتت. قال: «أفلا انتفعتم ~~بإهابها»؟ فقلنا: إنها ميتة فقال صلى الله عليه وسلم: «إن دباغها يحل، كما ~~يحل خل الخمر». إلا أنه قال: تفرد به فرج بن فضالة (عن يحيى) وهو ضعيف يروي ~~عن يحيى بن سعيد أحاديث عدة لا يتابع عليها. وفي «المعرفة» للبيهقي عن ~~المغيرة بن زياد، عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «خير خلكم خل خمركم». ثم قال: تفرد ms1274 به المغيرة عن أبي الزبير وليس ~~بالقوي. قال: وإن صح فهو محمول على ما إذا تخلل بنفسه وكذا أيضا حديث فرج ~~بن فضالة. قلت: ولا يخفى بعد هذا الحمل. # وفي «المبسوط»: حجتنا ما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال: «أيما إهاب ~~دبغ فقد طهر، كالخمر تخلل فتحل». ولا يقال: قد روي: «كالخمر تخلل» أي تخلل ~~فتحل»، لأن الروايتين كالخبرين فيعمل بهما. ثم إذا صارت خلا يطهر ما ~~يوازيها من الإناء، وأما أعلاه وهو الذي انتقص منه الخمر فقيل: يطهر تبعا. ~~وقيل: لا يطهر لأنه تنجس بإصابة الخمر، ولم يوجد ما يوجب طهارته فبقي نجسا. ~~ولا تحل هذه الأشربة الأربعة بالطبخ بعد اشتدادها، لأنه لاقى عينا حراما ~~فلا يفيد الحل فيه كطبخ لحم الخنزير، وهذا لأنه ليس للنار تأثير في إثبات ~~الحل ولها تأثير في ثبوت صفة الحرمة فيه. # ثم بيع غير الخمر من هذه الأشربة جائز عند أبي حنيفة ومضمونة بالإتلاف، ~~لأنها شراب مختلف في إباحة شربها بين العلماء، فيجوز كالمثلث، وهذا لأنه ~~ليس من ضرورة حرمة التناول حرمة البيع، وقالا: لا يجوز بيعها كمالك ~~والشافعي، وهو الأظهر لأن عينها محرم التناول فلا يجوز بيعها كالخمر. # --- PageV05P214 ~~*** # (و) حل (الانتباذ في الدباء) وهو القرع (والحنتم) وهو الجرة الخضراء، ~~والمزفت، وهو الظرف المطلي بالزفت، وكذا النقير وهو المنقور (من الخشب) لما ~~روى الجماعة من حديث بريدة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال): «إني نهيتكم ~~عن الظروف فإن ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه، وكل مسكر حرام». وفي رواية: ~~«كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء غير أن لا ~~تشربوا مسكرا». وفي لفظ لمسلم: «كنت نهيتكم عن الظروف، والظروف لا تحل شيئا ~~ولا تحرمه، وكل مسكر حرام». # وفي «سنن أبي داود» عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهن: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن ~~زيارتها تذكرة، ونهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلا في ظروف الأدم، فاشربوا ~~في كل ms1275 وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تأكلوها ~~بعد ثلاث، فكلوا واستمتعوا بها في أسفاركم». # (وحرم شرب دردي الخمر) لأن فيه أجزاء الخمر فكان حراما ونجسا (والامتشاط ~~به) لأنه انتفاع به، والانتفاع بالنجس حرام. ولا يحد شاربه بلا سكر، لأن ~~وجوب الحد للزجر، والزاجر إنما يشرع فيما تميل الطباع إليه، ولا تميل ~~الطباع إلى شرب الدردي، بل تعافه وتنفر عنه، فأشبه غير الخمر من الأشربة ~~التي لا حد فيها إلا بالسكر، ويكره الاحتقان بالخمر وإقطارها في الإحليل ~~لأنه انتفاع بالنجس المحرم. والله سبحانه وتعالى أعلم. # كتاب الذبائح # --- PageV05P215 ~~*** # (حرم ذبيحة لم تذك) لقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل ~~السبع إلا ما ذكيتم} أي أدركتم ذبحها. والمراد بالذبيحة: ما من شأنها أن ~~تذبح، ليتناول حرمة ما ليس بمذبوح، كالمتردية والنطيحة ونحوهما، وحرمة عضو ~~قطع من الحيوان، وليخرج السمك والجراد. # وذكاة الضرورة: (جرح أين كان من البدن و) ذكاة (الاختيار ذبح بين الحلق ~~واللبة) أي الصدر لما روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث مناديا ينادي في ~~مجامع منى: ألا إن الذكاة في الحلق. رواه الدارقطني. # (وعروقه) أي عروق الذبح (الحلقوم) وهو مجرى النفس، سواء كان الذبح في ~~وسطه أو في أعلاه أو في أسفله بعد أن يكون فيه، حتى لو ذبح أعلى من الحلقوم ~~أو أسفل منه يحرم، لأنه ذبح في غير المذبح، ذكره في «الواقعات»، وفي بعض ~~الفتاوى ما يخالف ذلك وهو أنه سئل عن ذبح شاة فبقيت عقدة الحلقوم فقال: ~~يجوز أكلها سواء بقيت العقدة مما يلي الرأس أو مما يلي الصدر. # --- PageV05P216 ~~*** # (والمريء) بفتح الميم وكسر الراء وهو مجرى الطعام والشراب، وهو رأس ~~المعدة والكرش اللازم بالحلقوم: (والودجان) وهما مجرى الدم. وفي «الهداية» ~~الحلقوم. مجرى العلف: والمريء: مجرى النفس، وهذا موافق لما في «مبسوط» شيخ ~~الإسلام خواهر زاده وهو: المريء: عرق أحمر هو مجرى النفس. ولما في ~~«الكشاف»: الحلقوم: مدخل الطعام والشراب، والأول أصح ms1276 وقد ذكره القدوري في ~~«شرح مختصر الكرخي»، ويؤيده قوله تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم} ولما في ~~ديوان الأدب وهو: المريء: الذي يدخل فيه الطعام والشراب، ونحوه في ~~«المغرب»، وإنما كانت عروق الذبح هذه الأربعة لأن قطع الودجين لإنهار الدم ~~والحلقوم والمريء للتعجيل عليه. # (وحل) الذبح (بقطع أي ثلاث منها) عند أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف أولا، ~~ثم رجع إلى أنه لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. وعن محمد: أنه ~~لا بد من قطع أكثر كل واحد من الأربعة، وهو رواية عن أبي حنيفة، لأن كل فرد ~~منها أصل بنفسه لانفصاله عن غيره، وقد ورد الأمر بقطعه، ولأبي يوسف: أن ~~المقصود من قطع الودجين إنهار الدم فينوب أحدهما عن الآخر. ولأبي حنيفة: أن ~~الأكثر يقام مقام الكل في كثير من الأحكام، ويحصل بأي ثلاث منها إنهار الدم ~~كذا ذكروه، وفيه أن أكثر الشيء يقوم مقام كله لا أكثر الأشياء، وبهذا يتبين ~~أن الأظهر قول محمد. # --- PageV05P217 ~~*** # ثم المعتمد أن الذبح الاختياري يتعين بين الحلقوم واللبة وهي المنحر تحت ~~العقدة على ما صرح به في ذبائح «الذخيرة»: أن الذبح إذا وقع أعلى من ~~الحلقوم لا يحل، وكذا في فتاوى أهل سمرقند لأنه ذبح في غير المذبح. والأصل ~~في ذلك قول عمر وابن عباس: الذكاة في الحلق واللبة. رواه عبد الرزاق في ~~«مصنفه». وفي «سنن الدارقطني» عن سعيد بن سلام العطار: حدثنا عبد الله بن ~~بديل الخزاعي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بديل بن ورقاء (الخزاعي) على جمل أورق يصيح في ~~فجاج منى: ألا إن الذكاة في الحلق واللبة. ثم قال: وسعيد بن سلام يحدث ~~بالبواطل متروك. وقال في «التنقيح»: هذا إسناد ضعيف بالمرة، وسعيد بن سلام ~~أجمع الأئمة على ترك الاحتجاج به، وكذبه ابن نمير، وقال البخاري: يذكر بوضع ~~الحديث. # إذا عرفت هذا (فلم يجز) الذبح (فوق العقدة) أي عقدة الحلقوم بأن يكون ~~الذبح بينهما وبين الرأس (بل ms1277 لا بد أن يكون) تحت العقدة بأن يكون الذبح ~~بينهما وبين اللبة، لأنه لم يحصل حينئذ قطع واحد من الحلقوم والمريء. ~~والأصحاب وإن اشترطوا قطع الأكثر فلا بد عندهم من قطع الحلقوم أو المريء. ~~وقال مالك: لا بد من قطع الأربع. (وقيل: يجوز) سواء بقيت (العقدة) مما يلي ~~الرأس أو مما يلي الصدر. شرط في الذبح أن يكون حلالا خارج الحرم في حق الصيد. # --- PageV05P218 ~~*** # (وحل) الذبح (بكل ما فيه حدة) ولو كان ليطة بكسر اللام: وهي قشر القصب، ~~أو مروة وهي الحجر الحاد لما في «سنن أبي داود والنسائي» عن عدي بن حاتم، ~~قلت: يا رسول الله، أرأيت أحدنا يصيب صيدا وليس معه سكين، أيذبح بالمروة ~~وشقة العصا؟ قال «امر الدم بما شئت، واذكر اسم الله». وفي رواية لمسلم: ~~«أفر الأوداج بما شئت، واذكر اسم الله عليه». # وفي «مصنف (ابن) أبي شيبة» عن رافع بن خديج قال: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الذبح بالليطة قال: «كل ما أفرى الأوداج إلا سنا وظفرا». وهذا ~~معنى قوله: (إلا سنا وظفرا قائمتين) وقال الشافعي: لا يجوز بهما الذبح سواء ~~كانتا قائمتين أو غير قائمتين لما رواه الستة عن عباية بن رفاعة بن رافع بن ~~خديج عن جده، أنه قيل: يا رسول الله إنا نكون في المغازي وليس معنا مدى ~~أفنذبح بالقصب؟ قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس الظفر ~~والسن، أما الظفر فمدى الحبشة، وأما السن: فعظم». أخرجوه مختصرا ومطولا وفي ~~رواية: «فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما ~~الظفر فمدى الحبشة». # --- PageV05P219 ~~*** # قال ابن القطان في كتابه: هذا حديث برواية مسلم من حديث سفيان الثوري عن ~~رافع بن خديج قال: كنا... الحديث. وقال: والشك في قوله أما السن: هل هو من ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو لا؟ فقد رواه أبو داود عن أبي الأحوص عن ~~سعيد بن مسروق، (والد سفيان) عن عباية بن رفاعة بن رافع عن أبيه ms1278 عن جده ~~رافع بن خديج قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله ~~إنا نلقى العدو غدا وليس عندنا مدى أفنذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال عليه ~~الصلاة والسلام: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا». # قال رافع: سأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة. قال: ~~فهذا كما ترى فيه بيان قوله (أما السن من كلام رافع وليس في حديث مسلم نص ~~أن قوله): «أما السن» من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فبينه أبو الأحوص ~~من قول رافع لأنه محتمل فيه. قال: وليس لأحد أن يقول: أخطأ أبو الأحوص إلا ~~كان لآخر أن يقول: أخطأ مخالفه لأنه ثقة، كذا في التخريج باختصار. والحاصل ~~أنه عليه الصلاة والسلام لم يفصل بين القائم وغيره فدل على عدم جواز الذبح ~~بهما مطلقا. # ولنا ما أخرج البخاري أيضا عن كعب بن مالك أن جارية لهم كانت ترعى بسلع ~~فأبصرت بشاة من غنمها موتا، فكسرت حجرا فذبحتها. فقال لأهله: لا تأكلوا حتى ~~آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله، أو حتى أرسل إليه (من يسأله)، فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعث إليه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأكلها. # --- PageV05P220 ~~*** # وإذا صلح الحجر آلة للذبح لمعنى الجرح، فكذا الظفر والسن المنزوعان بخلاف ~~غير المنزوع، فإنه يوجب الموت بالثقل مع الحدة، فتصير الذبيحة في معنى ~~المنخنقة. نعم، يكره الذبح بالمنزوع لما فيه من زيادة الضرر بالحيوان كما ~~لو ذبح بشفرة كليلة. وحديث عباية يحمل على القائمتين توفيقا بين الأحاديث، ~~ولأن الحبشة يحددون أسنانهم، ولا يقلمون أظفارهم، ويقاتلون بالخدش والعض. # (وكره النخع) وهو بنون ومعجمة فمهملة أن يبلغ بالسكين النخاع وهو بضم ~~النون والكسر والفتح: عرق أبيض في جوف عظم الرقبة (يمتد إلى الصلب) لما ~~أخرجه الطبراني والبيهقي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~الذبيحة أن تفرس قبل أن تموت، وفي غريب الحديث: الفرس: أن تذبح الشاة ms1279 ~~فتنخع. وقيل: معنى النخع: أن يمد رأسه حتى يظهر مذبحه. وقيل: أن يكسر عنقه ~~قبل أن يسكن اضطرابه، وكل ذلك مكروه لما فيه من زيادة تعذيب الحيوان وقد ~~نهينا عنه. # (و) كره (السلخ قبل أن تبرد وكل تعذيب بلا فائدة) كقطع الرأس وجر ما يريد ~~ذبحه إلى المذبح. ثم الكراهة في هذه لمعنى زيادة الألم قبل الذبح أو بعده ~~فلا يوجب التحريم، بل يوجب التنزيه لما أخرجه الجماعة عن شداد بن أوس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا ~~قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ~~ذبيحته». و«على» في الحديث بمعنى اللام وعلى مقدرة فيه أي: كتب عليكم بمعنى أوجب. # --- PageV05P221 ~~*** # وأخرج الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح على شرط الشيخين عن ابن عباس أن ~~رجلا أضجع شاتا يريد أن يذبحها وهو يحد شفرته فقال (له) النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «أتريد أن تميتها موتتين؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها». ~~والشفرة هي: السكين العظيم. وفي «سنن ابن ماجه» عن ابن عمر، قال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم. وقال: ~~«إذا ذبح أحدكم فليجهز» أي ليسرع. # (شروط الذابح) # (وشرط كون الذابح مسلما) لقوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} (أو كتابيا) ولو ~~كان الكتابي حربيا لقوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} والمراد ~~مذكاهم لإطلاق قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} لأن مطلق الطعام غير المذكى يحل ~~من أي كافر كان بالإجماع، ويشترط أن لا يذكر الكتابي عند الذبح غير الله، ~~حتى لو ذكر المسيح أو عزيرا لا تحل ذبيحته. # (أو) ولو كان الذابح (امرأة) لما تقدم، (أو مجنونا) إذ لا يشترط التكليف ~~بغير الإسلام في حقه (أو صبيا يعقل) كما في سائر أفعاله من الصلاة والصوم ~~ونحوهما من العبادات والمعاملات، ويضبط الذبيحة والتسمية. (أو أقلف أو ~~أخرس) ولو كتابيا لإطلاق ما تلونا من قوله إلا ما ذكيتم أيها المؤمنون، ~~ولأن عذر المجنون ms1280 والأخرس أبين من عذر الناسي، فأقيمت الملة مقام التسمية ~~في حق الناسي، ففي حق المجنون والأخرس أولى. # --- PageV05P222 ~~*** # (لا من لا كتاب له) أي وشرط أن لا يكون الذابح غير كتابي مجوسيا أو ~~وثنيا، أما المجوسي فلما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة في «مصنفيهما» عن ~~علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام، فمن ~~أسلم قبل منه، ومن لم يسلم ضرب عليه الجزية، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ~~ذبائحهم. # (ولأنه لا يدعي التوحيد فانعدمت منه الملة اعتقادا، كما في المسلم، ~~ودعوى، كما في الكتابي). # وأما الوثني فلأنه مثل المجوسي في عدم دعوى التوحيد. # (ولا مرتدا) لأنه لا ملة له إذ لا يقر على ما انتقل إليه، ولهذا لا يجوز ~~نكاحه بخلاف اليهودي إذا تنصر، والنصراني إذا تهود، والمجوسي إذا تنصر أو ~~تهود، فإنه يقر على ما انتقل إليه عندنا، فيعتبر ما هو عليه عند الذبح ولو ~~تمجس اليهودي أو النصراني لا تحل ذكاته لأنه لا يقر على ذلك. # ويشترط بالتسمية في ذكاة الاختيار أن يقصد أنها للذبيحة. ولو سمى ولم ~~تحضره النية حلت، لأنه أتى بالتسمية، وظاهر حاله أنها للذبيحة فتقع عنها، ~~ولو سمى لابتداء الفعل كسائر الأفعال لا تحل الذبيحة. ويشترط أن يسمي حالة ~~الذبح لقوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صوآف} وهذه الحالة حالة النحر ~~وحالة الذبح أختها، فيكون مثل هذا الحكم لها. # وأن يذبح عقيب التسمية قبل أن يتبدل المجلس، فلو سمى واشتغل بعمل آخر من ~~كلام قليل، أو شرب ماء، أو أكل لقمة أو تحديد شفرة ثم ذبح تحل الذبيحة، وإن ~~كان بعمل كثير لا تحل، لأن في إيقاع الذبح متصلا بالتسمية بحيث لا يتخلل ~~بينهما شيء حرجا فأقيم المجلس مقام الاتصال. # --- PageV05P223 ~~*** # ولا تحل ذبيحة المحرم الصيد، لأن فعله فيه غير مشروع وذبيحته غير الصيد ~~تؤكل، لأن فعله مشروع. وما ذبح من الصيد في الحرم حرام ولو ذبحه حلال، لأنه ~~منهي عنه فلا يكون مشروعا، وكذا يحرم لو صيد خارج ms1281 الحرم ثم أدخل فيه فذبح ~~خلافا للشافعي. # (و) لا (تارك التسمية عمدا) مسلما كان أو كتابيا؛ (وبه قال مالك) وقال ~~الشافعي رحمه الله: يحل متروك التسمية عمدا لأنها عنده سنة، ولما رواه ~~الدارقطني عن مروان بن سالم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن (أبي) كثير، عن أبي ~~سلمة، عن أبي هريرة قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: الرجل منا يذبح ~~وينسى أن يسمي الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسم الله على كل ~~مسلم». وفي لفظ: «على فم كل مسلم». قلنا: مروان بن سالم ضعيف ضعفه ~~الدارقطني وابن القطان وابن عدي وأحمد والنسائي على ما في «المحيط»، وأما ~~ما رواه أبو داود في «المراسيل» عن عبد الله بن داود، عن ثور بن يزيد، عن ~~الصلت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله ~~أولم يذكر». فقد قال ابن القطان فيه مع الإرسال: إن الصلت السدوسي لا يعرف ~~له حال ولا يعرف بغير هذا الحديث، ولا روى عنه غير ثور بن يزيد. # ولنا: إطلاق قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه ~~لفسق} أي وإن الذي لم يذكر اسم الله عليه حرام، لأن الفسق هو الخروج عن ~~الطاعة، وإن مطلق النهي يقتضي التحريم. وما أخرجه أصحاب الكتب الستة عن عدي ~~بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إني أرسل كلبي وأجد معه كلبا آخر لا أدري ~~أيهما أخذه قال: «لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الكلب ~~الآخر». ووجه الدلالة على أنه علل الحرمة بترك التسمية عمدا. # --- PageV05P224 ~~*** # (وإن نسي التسمية صح) لأن النسيان مرفوع الحكم عن الأمة بقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان». ولأن في اعتباره حرجا لأن ~~الإنسان كثير النسيان، والحرج مرفوع في الشرع، وفي المسألة خلاف مالك ~~مستدلا بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام لعدي: «إذا رميت سهمك فاذكر اسم ~~الله عليه». وقوله عليه الصلاة والسلام: (له) أيضا: «إذا أرسلت كلبك وسميت، ~~فأخذ فقتل، ms1282 فكل» إذ لا فصل فيه، فيفيد الحرمة بحالة العمد زيادة على النص، ~~فيجري مجرى النسخ، وقد سبق الجواب عنه. # (وحل إن فصل صورة ومعنى كالدعاء قبل الإضجاع و) الدعاء قبل (التسمية) أو ~~بعد الذبح لعدم القران أصلا بأن يقول: اللهم تقبل من فلان كما روي أنه عليه ~~الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يذبح أضحيته قال: «اللهم هذا منك ولك، إن ~~صلاتي ونسكي» إلى «وأنا من المسلمين، بسم الله والله أكبر». # وأخرج الحاكم في «المستدرك» وقال: حديث صحيح عن أبي رافع أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين أملحين أقرنين، فإذا خطب وصلى ~~ذبح أحد الكبشين بنفسه بالمدية (وفي نسخة بالمدينة) ثم يقول: «هذا عن أمتي ~~جميعا ممن شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ»، ثم أتى بالآخر فذبحه وقال: ~~«اللهم هذا عن محمد وآل محمد»، ثم يطعمهما المساكين ويأكل هو وأهله منهما، ~~فمكثنا سنين وقد كفانا الله الغرم والمؤنة ليس أحد من بني هاشم يضحي. ~~والكبش الأملح: هو الأغبر الذي فيه بياض وسواد. # --- PageV05P225 ~~*** # ثم الشرط هو الذكر الخالص حتى لو قال عند الذبح: اللهم اغفر لي، واكتفى ~~به لا تحل الذبيحة، لأنه دعاء. ولو قال: سبحان الله، والحمد لله يريد به ~~التسمية حلت. وذكر الحلواني: أنه يستحب أن يقول: بسم الله الله أكبر، لأن ~~ذكر الواو يقطع فور التسمية يعني وفورها أولى. وأما ما في «الهداية» لقول ~~ابن مسعود: جردوا التسمية. فالمعروف عنه جردوا القرآن. (وندب نحر الإبل) ~~وهو قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر، لأنه فيها أيسر، لأن العروق ~~مجتمعة في المنحر. (وكره ذبحها) لأنه خلاف السنة، وإنما حل لحصول المقصود ~~وهو تسييل الدم والتعجيل (وفي البقر والغنم عكسه) فندب ذبحهما لأن الذبح ~~فيهما أيسر، وكره نحرهما لأنه خلاف السنة، لأنه صلى الله عليه وسلم نحر ~~الإبل وذبح البقر والغنم. وقد قال الله تعالى: {فصل لربك وانحر} أي الجزور ~~وقال: {إن ا يأمركم أن تذبحوا بقرة} وقال الله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم} ~~أي ms1283 مذبوح وهو كبش سمين. # وكذا كره الذبح من القفا وبه قال الشافعي. وحكم مالك بحرمة العكس لما ~~سبق. وذبح القفا لمخالفة المشروع، وصار كالجرح في غير محل الذبح، ولنا: ما ~~روينا من قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه ~~فكلوه» ولأن المقصود تسييل الدم وهو حاصل. # --- PageV05P226 ~~*** # (وكفى الجرح في نعم توحش أو سقط في بئر ولم يمكن ذبحه) ولا نحره. وقال ~~مالك: لا يحل بذكاة الاضطرار في الوجهين، لأن ذلك نادر ولا عبرة للنادر في ~~الأحكام قلنا: إذا وقع لا بد من اعتباره، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم: ~~«إن لها أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا» قاله في ~~بعير ند فرماه رجل بسهم. (لا في صيد استأنس) لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار ~~إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار والعجز متحقق في الأول دون الثاني. # (ولا يحل) أي ويحرم (جنين ميت وجد في بطن أمه) سواء أشعر أو لم يشعر، ~~وهذا عند أبي حنيفة وزفر، والحسن بن زياد، وهو قول إبراهيم والحكم بن عيينة ~~لقوله تعالى: {والمنخنقة} ولقوله عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم: «إذا ~~وقعت رميتك في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري أن الماء قتل أو سهمك» فقد حرم ~~الأكل عند وقوع الشك في سبب زهوق الروح، وذلك موجود في الجنين، فإنه لا ~~يدري أنه مات بذبح الأم أو باحتباس نفسه. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تم خلقه ~~حل وبه قال الشافعي، لما أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن ~~عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذكاة الجنين ذكاة ~~أمه» وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود: وقال قلنا يا رسول الله، ننحر ~~الناقة، ونذبح البقرة أو الشاة وفي بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: ~~«كلوه إن شئتم، فإن ذكاته من ذكاة أمه». ورواه الدارقطني في «سننه» من حديث ~~ابن مسعود وابن عباس وزاد: «أشعر أو لم يشعر». وأسنده الحاكم في «المستدرك» ~~باللفظ ms1284 الأول من حديث ابن عمر وأبي أيوب وأبي هريرة، وأسنده البزار من حديث ~~أبي أمامة وأبي الدرداء. # --- PageV05P227 ~~*** # وأجيب بأن معنى الحديث: كذكاة أمه، والتشبيه بهذا الطريق كثير، ومنه قوله ~~تعالى: {وجنة عرضها السموات والأرض} ويدل على هذا أنه روي «ذكاة أمه» ~~بالنصب، أي يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه. والتحقيق أن هذا التأويل إنما يصح في ~~الرواية بالنصب إذا كان المنزوع حرف الكاف كقوله تعالى: {وهي تمر مر ~~السحاب}، ويحتمل بالباء أيضا، لكن إن جعلناه الكاف لم يحل الجنين، وإن ~~جعلناه الباء يحل، ومتى اجتمع الموجب للحل والموجب للحرمة يغلب الموجب ~~للحرمة. وعلل إبراهيم النخعي فقال: ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين، وبسط ~~الكلام عليه في «المبسوط». # وزبدة كلام أبي حنيفة: أن الله حرم الميتة وشرط الذكاة بقوله: {إلا ما ~~ذكيتم} فيحرم الجنين الميت بنص الكتاب، وما روي لا يعارض الدليل القطعي في ~~فصل الخطاب، وفيه أنه عليه الصلاة السلام مبين للكلام. فإن قيل: لو لم يحل ~~أكله بذكاة أمه لما حل ذبح أمه، لأن في ذبحها إضاعته، وقد نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن إضاعة المال. أجيب بأن موته ليس بمتيقن، بل يرجى إدراكه ~~حيا فيذبح، فلا يحرم ذبح أمه. ويكره ذبح الحامل المقرب: وهي التي قربت ~~ولادتها، لأن في ذلك ترك التحرم. # (ولا يحل ذو ناب أو ذو مخلب من سبع) بيان لذي ناب (أو طير) بيان لذي مخلب ~~لما أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه وغيرهم عن ابن عباس قال: نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن أكل كل ذي ~~مخلب من الطير. والفقرة الأولى أخرجها الجماعة عن أبي ثعلبة. وفي رواية ~~لمسلم: «كل ذي ناب من السباع حرام. # --- PageV05P228 ~~*** # والسبع: كل مختطف منتهب جارح قاتل عاد في العادة، فذو الناب من السباع: ~~الأسد، والذئب والنمر والفهد والثعلب والضبع والكلب والسنور البري والأهلي، ~~وذو المخلب من الطير: الصقر والبازي والنسر والعقاب والشاهين. والمؤثر في ~~الحرمة الإيذاء: وهو طورا يكون ms1285 بالناب، وطورا يكون بالمخلب، أو الخبث: وهو ~~قد يكون خلقة كما في الخنزير، وقد يكون عارضا كما في الجلالة. ومعنى ~~التحريم تكريم بني آدم لئلا يتعدى شيء من هذه الأوصاف الذميمة إليهم ~~بالأكل. # (ولا يحل الحشرات) والهوام والزنابير واليربوع والقنفذ وغيرها، لأنها من ~~الخبائث وقال الله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} ولأن الطباع السليمة ~~تستخبثها. (ولا الحمير الأهلية ولا البغال) اتفاقا (ولا) يحل (الخيل عند ~~أبي حنيفة) أي يكره أكل لحمه لما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ~~خالد ابن الوليد قال: نهى صلى الله عليه وسلم عن لحوم الخيل والبغال ~~والحمير. وهذا لفظ ابن ماجه، وأما لفظ أبي داود قال: غزوت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأتت اليهود فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم فقال: ~~«لا يحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم الحمير الأهلية وخيلها ~~وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير». ورواه الواقدي في ~~«المغازي» مثل أبي داود ثم قال: ثبت عندنا أن خالدا لم يشهد خيبر وأسلم قبل ~~الفتح هو وعمرو بن العاص وعثمان بن أبي طلحة أول يوم من يوم صفر سنة ثمان. # --- PageV05P229 ~~*** # وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس بأكل الخيل لما أخرجه البخاري في غزوة خيبر، ~~ومسلم في الذبائح عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل وفي لفظ للبخاري: ~~ورخص في لحوم الخيل. وعورض بحديث خالد، وأجيب: بأن حديث جابر صحيح، وحديث ~~خالد فيه كلام. ولحم الخيل مكروه تحريما في رواية عن أبي حنيفة، فإن قوله ~~في «الجامع الصغير»: أكره لحم الخيل، يدل على أنه كراهة تحريم لما روي أن ~~أبا يوسف قال لأبي حنيفة: إذا قلت في شيء أكرهه فما رأيك فيه؟ قال: ~~التحريم. # وفي ظاهر الرواية مكروه تنزيها، وبه قالا، وهو الصحيح لما قدمناه، ولما ~~في الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر قالت: نحرنا على عهد رسول الله صلى ms1286 الله ~~عليه وسلم فرسا فأكلناه. وفي رواية: أكلنا لحم فرس عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم ينكره. ولقول جابر بن عبد الله: إنهم ذبحوا يوم خيبر الحمير ~~والبغال والخيل فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمير والبغال، ولم ~~ينههم عن الخيل. رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح على شرط مسلم. ولم ~~يخرجاه. # وأما ما احتج في «المبسوط» وغيره بقوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها وزينة} فقال: قد من الله على عباده بما جعل لهم من منفعة الركوب ~~والزينة في الخيل، ولو كان مأكولا لكان الأولى بيان منفعة الأكل، لأنها ~~أعظم المنافع وبه بقاء النفوس، ولا يليق بذكر الحكيم ترك أعظم وجوه المنفعة ~~وذكر ما دون ذلك في مقام المنة، ألا ترى أنه تعالى في الأنعام ذكر الأكل ~~بقوله: {ومنها تأكلون}. انتهى. فلا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما ~~يقصد منه غالبا أن لا يقصد غيره أصلا، ويدل عليه أن الآية مكية، وعامة ~~المفسرين والمحدثين على أن الحمر الأهلية حرمت يوم خيبر. # --- PageV05P230 ~~*** # (ولا الضبع) وهو قول سعيد بن المسيب والثوري لأنه ذو ناب ولما في «سنن ~~الترمذي» عن ابن جزء قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الضبع ~~فقال: «أو يأكل الضبع أحد فيه خير». رواه ابن ماجه ولفظه: «ومن يأكل ~~الضبع»؟ وحل عند الشافعي وأحمد وإسحاق لما في «سنن الترمذي وابن ماجه ~~والنسائي» عن عبد الرحمن بن أبي عمار قال: سألت جابرا عن الضبع أصيد هي؟ ~~قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: أشيء سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ؟ قال: نعم. ورواه الحاكم في «مستدركه» عن جابر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن ~~ويؤكل». وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه. وقال مالك: يكره أكلها. والمكروه ~~عنده: ما أثم بأكله ولا يقطع بتحريمه. # (ولا اليربوع) لأنه من الحشرات، وفيه خلاف الشافعي وأحمد، ولنا: ما روى ~~أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو ms1287 يعلى الموصلي عن عبد الله بن يزيد السعدي قال: ~~سألت سعيد بن المسيب: أن أناسا من قومي يأكلون الضبع؟ فقال: إن أكلها لا ~~يحل وكان عنده شيخ أبيض الرأس واللحية، فقال ذلك الشيخ: يا عبد الله ألا ~~أخبرك بما سمعت أبا الدرداء يقول فيه؟ قلت: نعم. قال: سمعت أبا الدرداء ~~يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي خطفة ونهبة ومجثمة، ~~وكل ذي ناب من السباع. فقال سعيد: صدق. والمجثمة بتشديد المثلثة المفتوحة: ~~كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل، إلا أنها تكثر في الطير والأرانب وأشباه ذلك. ~~يجثم الأرض يلزمها ويلزق بها، وجثوم الطير بمنزلة بروك الإبل. # --- PageV05P231 ~~*** # (ولا يحل الغراب الذي يأكل الجيف) لأنه بأكلها صار كسباع الطير، وأما ~~غراب الزرع فحلال كما سيأتي (ولا) يحل (حيوان مائي) لقوله تعالى: {ويحرم ~~عليهم الخبائث} وما سوى السمك خبيث، فقد أخرج أبو داود والنسائي عن عبد ~~الرحمن ابن عثمان القرشي: أن طبيبا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الضفدع يجعلها في الدواء فنهى عن قتلها. ورواه أحمد وإسحاق وأبو داود ~~الطيالسي في «مسانيدهم» والحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد. قال: ~~المنذري فيه دليل على تحريم أكل الضفدع، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن قتله. والنهي عن قتل الحيوان إما لحرمته كالآدمي، وأما لتحريم أكله ~~كالصرد، والضفدع ليس بمحترم فكان النهي منصرفا إلى أكله. # (سوى سمك لم يطف) من طفا إذا علا. وفي «الجامع الصغير»: إن وجد السمك ~~ميتا على وجه الماء وبطنه من فوق لم يؤكل لأنه طاف، وإن كان ظهره من فوق، ~~أكل، لأنه ليس بطاف أي لم يعل على الماء. قيد به لأن السمك الطافي يكره ~~أكله عندنا، لما أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث جابر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا ~~فلا تأكلوه». وهو حجة على مالك والشافعي في إباحتهما الطافي. وجزر بجيم ~~فزاي فراء: انكشف. وفي ms1288 رواية: «فحسر»: وهو بمعناه. وروى ابن أبي شيبة وعبد ~~الرزاق في «مصنفيهما» كراهة أكل الطافي عن جابر بن عبد الله (وعلي) وابن ~~عباس وابن المسيب وأبي الشعثاء والنخعي وطاوس والزهري. # --- PageV05P232 ~~*** # (وحل الجراد) أي إجماعا (وأنواع السمك) أي من الجريث والمارماهي ونحوهما ~~ما عدا الطافي، فإنه مكروه عندنا (بلا ذكاة) لما أخرجه الشافعي وأحمد وابن ~~ماجه في كتاب الأطعمة من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: ~~فالكبد والطحال». # وأطلق مالك والشافعي (في حل حيوان البحر، وقيل: عند الشافعي): إن أكل ~~مثله في البر حل وإلا فلا كالكلب والحمار، وفي الخنزير البحري قولان في ~~مذهب مالك. لهما على إطلاق الحل قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه ~~متاعا} من غير فصل وقوله عليه الصلاة والسلام: «هو الطهور ماؤه، الحل ~~ميتته». # --- PageV05P233 ~~*** # وما في «الصحيحين» عن جابر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ~~علينا أبا عبيده نتلقى عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، ~~فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة فكنا نمصها كما يمص الصغير، ثم نشرب عليه ~~من الماء فتكفينا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء ~~فنأكله. قال: فانطلقنا على ساحل البحر فألقى لنا البحر دابة يقال لها ~~العنبر. قال أبو عبيدة: ميتة ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا. قال: فأقمنا عليه شهرا، ونحن ~~ثلاث مئة حتى سمنا. ولقد كنا نغترف الدهن من وقب عينية بالقلال، وأخذ أبو ~~عبيدة ثلاثة رجال فأقعدهم في وقب عينه وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامه، ثم رحل ~~أعظم بعير معنا فمر من تحتها. وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة ~~أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه ~~الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا»؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأكله. ms1289 والوشائق، جمع الوشيقة: وهي اللحم يغلى إغلاءة ثم ~~يقدد ويحمل في الأسفار، وهو أبقى قديد يكون. # ولنا: ما قدمنا من الحديث المفصل، وأن المراد طعام البحر المالح المقدد ~~من السمك (وبميتته ما لفظه ليكون موته مضافا إلى البحر لا ما مات فيها. وحل ~~السمك) بلا ذكاة كالجراد لما في «مصنف عبد الرزاق»: أخبرنا سفيان الثوري، ~~عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: الحيتان والجراد ذكي كله. وأخرج عن ~~عمر: الحوت ذكي كله، والجراد ذكي كله. وعن أبي هاشم الأيلي عن زيد بن أسلم، ~~عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل دابة من دواب البر ~~والبحر ليس لها دم ينعقد فليس لها ذكاة». وعن أحمد في الجراد: إذا قتله ~~البرد لم يؤكل. # --- PageV05P234 ~~*** # وملخص مذهب مالك: إن قطع رأسه حل وإلا فلا. # (و) حل (غراب الزرع) لأنه يأكل الحب دون الجيف، وليس من سباع الطير. ~~(والعقعق) بفتح العينين (معها) أي مع الذكاة، وهذا عند أبي حنيفة، لأنه ~~يأكل الحب والجيف فأشبه الدجاج. وقال أبو يوسف: يكره لأن غالب مأكوله ~~النجاسة. # ويحرم الضب والثعلب خلافا لمالك والشافعي فيهما. أما الضب فلما في ~~«الصحيحين» عن خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~ميمونة وهي خالته فوجد عندها ضبا محنوذا فأهوى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بيده إلى الضب فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما قدمتن له. قلن: هو الضب يا رسول الله. فرفع يده، فقال ~~خالد: أحرام الضب يا رسول الله؟): قال: لا؟ ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني ~~أعافه (قال خالد): فأجتررته فأكلته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر، ~~فلم ينهني. وفيهما أيضا عن ابن عمر قال: كان ناس من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وفيهم سعد، فذهبوا يأكلون من لحم فنادتهم امرأة من بعض ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لحم ضب فأمسكوا. فقال عليه الصلاة ms1290 ~~والسلام: «كلوا وأطعموا فإنه حلال» (أو قال): «لا بأس به، ولكنه ليس من ~~طعامي». # وأما الثعلب فكأنه ملحق بالضبع عندهما، ولنا إطلاق ما روينا في أول الفصل ~~من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السبع. وما في ~~«سنن أبي داود» عن عبد الرحمن بن شبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن أكل لحم الضب. # --- PageV05P235 ~~*** # (وحل الأرنب) عندنا وسائر الأئمة، لما في البخاري عن أنس بن مالك قال: ~~أنفجنا أرنبا بمر الظهران، فسعى القوم فلغبوا فأدركتها، فأخذتها فأتيت بها ~~إلى أبي طلحة. فذبحها وبعث بوركها أو قال بفخذها إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقبله، قلت: وأكل منه. وفي «سنن النسائي» عن أبي هريرة قال: جاء ~~أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها، فوضعها بين يديه ~~فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يأكل وأمر القوم أن يأكلوا. وزاد ~~في لفظ (وقال): «إني لو اشتهيتها أكلتها». # ولحم الفرس مكروه عند أبي حنيفة، وكراهته كرامة لأنه للجهاد آلة، وفي ~~أكله قلتها. وقالا: مباح كسائر الأئمة. وفي قاضيخان: أن لبنه يكره كلحمه، ~~وفي «شرح الكنز»: لبن الرمكة حلال بالإجماع. ويحرم شرب لبن الأتن لأن اللبن ~~يتولد من اللحم فصار مثله. ويحرم شرب أبوال الإبل، وهذا عند أبي حنيفة. ~~وعند أبي يوسف: يجوز للتداوي. وعند محمد: يباح مطلقا، وبه قال مالك: ويحرم ~~أكل لحم الإبل والبقر الجلالة، لأنها تتغير وكذا شرب لبنها لأنه يتولد من ~~لحمها. وفي «المنتقى»: الجلالة: هي التي تغيرت وأنتنت فوجد منها رائحة ~~خبيثة. وأما الدجاجة المخلاة فلا يحرم أكلها، لأنها لا تتغير كذا ذكره ~~بعضهم. فإن حبست الجلالة في مكان وعلفت حلت. وكان أبو حنيفة لا يوقت لحبسها ~~ويقول: تحبس حتى تطيب ويذهب نتنها، وهو قولهما. كذا في «التتمة». وقيل: ~~يقدر في الإبل أربعين (يوما)، وفي البقر عشرين، وفي الشاة بعشرة أيام، وفي ~~الدجاجة بثلاثة أيام. # --- PageV05P236 ~~*** # ولو وقع ما نثر من السكر والدراهم في ms1291 حجر رجل فأخذه غيره حل له، لأنه ~~مباح، والمباح لمن سبق يده إليه، إلا أن يكون الأول قد تهيأ له أو ضمه إلى ~~نفسه، لأنه بذلك يملكه، ثم التهيئة هل هي جائزة؟ فعن محمد جازت إذا كان أذن ~~فيها صاحبها، فقد صح أنه عليه الصلاة والسلام نحر يوم النحر خمسة أبقر ~~وقال: «من شاء فليقطع». # ويحرم أكل التراب والطين لورود النهي، ولأنه يورث الإصفرار ووجع المثانة. ~~ويسن للنساء خضاب اليد والرجل، ويحرم على الرجال، وكذا يحرم أن يخضب أيدي ~~الصبيان وأرجلهم. ولا بأس بخضاب الرأس واللحية بالحناء والوسمة للرجال ~~والنساء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحسن ما غيرتم به الشيب ~~الحناء والكتم». رواه ابن ماجه. # وإن أردت تفصيل المحرمات والمباحات من الحيوانات فعليك بكتابنا المسمى ب: ~~«بهجة الإنسان في مهجة الحيوان». والله المستعان في كل مكان وزمان. والله ~~تعالى أعلم بالصواب. # كتاب الأضحية # (هي) لغة ما يضحى به. # --- PageV05P237 ~~*** # وشرعا: (شاة) تذبح يوم الأضحى (من فرد) أي شخص واحد (وبقرة أو بعير منه) ~~أي من فرد (إلى سبعة) والقياس أن لا يجوز إلا عن فرد، لأن الإراقة واحدة ~~وهي القربة إلا أن تركناه لما أخرجه الجماعة إلا البخاري عن جابر قال: ~~نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة ~~عن سبعة. وإنما قال إلى سبعة لأن كلا منهما يجوز عن ستة وأقل، لأنه إذا جاز ~~عن سبعة فما دونها أولى. ولا يجوز عن ثمانية أخذا بالقياس فيما لا نص فيه، ~~لكن أخرج الترمذي وقال: حديث حسن غريب، والنسائي وأحمد، وابن حبان في صحيحه ~~عن ابن عباس قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر الأضحى ~~فاشتركنا في البقر سبعة، وفي الجزور عشرة. (إن لم يكن لفرد) منهم (أقل من ~~سبع) قيد به لأنه لو كان لأحدهم أقل من سبع لا يجوز عن الكل لانعدام القربة ~~في البعض. # (ويقسم اللحم) بينهم (وزنا) لأنه موزون عرفا (لا جزافا) إذ لا يتحقق ms1292 ~~التساوي ويدخل فيه شائبة الربا. (إلا إذا ضم معه من أكارعه أو جلده) ليكون ~~في كل جانب شيء من اللحم وشيء من الأكارع ، أو يكون في كل جانب لحم وأكارع، ~~وفي آخر لحم وجلد. وإنما يجوز إذا كان ذلك صرفا لكل جنس إلى خلافه. # (وصح اشتراك ستة في بقرة مشرية لأضحية) بأن اشترى شخص بقرة يريد أن يضحي ~~بها عن نفسه ثم اشترك فيها معه ستة. وقال زفر: لا يصح وهو القياس، لأن ~~إعدادها للقربة يمنع عن بيعها تمولا. (ووجه) الاستحسان أنه قد يجد بقرة ~~يشتريها، ولا يجد شركاء وقت الشراء، فكانت الحاجة ماسة إلى ذلك دفعا للحرج. ~~(وذا) أي الاشتراك (قبل الشراء أحب) ليكون أبعد عن الخلاف وعن صورة الرجوع ~~في القربة. وعن أبي حنيفة أنه يكره الاشتراك بعد الشراء. # --- PageV05P238 ~~*** # واعلم أن الأضحية واجبة عندنا على كل حر مسلم، مقيم، موسر، فجر يوم النحر ~~وتلويه، وقالا سنة في رواية، كمالك والشافعي، لقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من رأى هلال ذي الحجة منكم وأراد أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره». ~~رواه الجماعة إلا البخاري. والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب، ولقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث هن علي فرائض، وهي لكم تطوع: الوتر، ~~والنحر، وصلاة الأضحى». رواه أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه» وسكت عنه. # ولنا إطلاق قوله تعالى: {وانحر} أي الأضحية، والأمر للوجوب، وقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا». رواه ~~أحمد، وابن أبي شيبة، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. # وما في «السنن الأربعة» عن ابن عون عن أبي رملة: حدثنا محنف بن سليم قال: ~~كنا وقوفا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات. قال: «يا أيها الناس ~~على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة، أتدرون ما العتيرة؟ وهي التي يقول ~~الناس أنها الرجبية». انتهى. والعتيرة منسوخة، فالأضحية باقية على وجوبها، ~~فيذبح عن نفسه شاة، أو سبع بدنة، ولا يذبح عن طفله الفقير في ms1293 ظاهر الرواية، ~~ولا يجب عن طفله الغني من ماله في أصح ما يفتى به كما في «شرح الوافي». قال ~~بعض مشايخنا: على الأب أو الوصي أن يذبح من ماله عند أبي حنيفة. # وهذا معنى قوله: (ويضحي الأب أو الوصي من مال طفل غني) وفي «الهداية»: ~~أنه الأصح. (فيأكل الطفل منه وما يبقى يبدل بما ينتفع بعينه) كالخف والثوب، ~~لا بما ينتفع باستهلاكه كالخبز، ونحوه. # --- PageV05P239 ~~*** # (وأول وقتها بعد صلاة العيد إن ذبح في مصر) لما رواه البخاري من حديث أنس ~~أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من ذبح قبل الصلاة فليعد، ومن ذبح بعد ~~الصلاة فقد تم نسكه». وما أخرجه الشيخان عن البراء بن عازب قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع ~~فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل، فإنما هو لحم قدمه لأهله ~~ليس من النسك في شيء». وفي «سنن أبي داود»: فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا ~~رسول الله، لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، ~~فتعجلت (فأكلت) وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«تلك شاة لحم» فقال: إن عندي عناقا جذعة، وهي خير من شاتي لحم فهل تجزىء ~~عني؟ فقال: «اذبحها ولا تصلح لغيرك». كذا في «المواهب». # وفي الشمني: أخرج الشيخان عن البراء بن عازب قال: ضحى خالي أبو بردة قبل ~~الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك شاة لحم». فقال: يا رسول ~~الله إن عندي جذعة من المعز، فقال: «ضح بها ولا تصلح لغيرك، من ضحى قبل ~~الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة ~~المسلمين». # (وبعد طلوع فجر يوم النحر إن ذبح في غيره) أي في غير مصره، والمعتبر في ~~ذلك مكان الأضحية، حتى لو كانت في السواد والمضحي في المصر يجوز وقت الفجر، ~~ولو كانت في المصر والمضحي في السواد لا يجوز إلا ms1294 بعد الصلاة، لأنها تسقط ~~بالهلاك قبل مضي أيام النحر، كالزكاة تسقط بهلاك النصاب فيعتبر فيها مكان ~~المحل، وهو المال لا مكان الفاعل كالزكاة، بخلاف صدقة الفطر حيث يعتبر فيها ~~مكان الفاعل، لأنها تتعلق به في الذمة. # --- PageV05P240 ~~*** # (وآخره قبيل غروب اليوم الثالث) من أيام النحر لما روى مالك في «الموطأ» ~~عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى. وقال ~~مالك: بلغني أن علي بن أبي طالب كان يقول مثل ذلك. # فإن لم يصل الإمام ذبح هو والناس بعد الزوال، وعند الشافعي: إذا مضى من ~~الوقت مقدار ما يصلي فيه صلاة العيد عادة، جازت الأضحية بعد ذلك، لأنهم لو ~~صلوا جازت الأضحية، فلا يتغير ذلك بتأخير الإمام الصلاة كما لو زالت الشمس. ~~قلنا: الواجب مراعاة الترتيب المنصوص، وما بقي وقت الصلاة فمراعاة الترتيب ~~ممكن بخلاف ما بعد الزوال، فقد خرج وقت صلاة العيد بزوال الشمس في هذا ~~اليوم، فلهذا يجوز التضحية بعده. # (واعتبر الآخر) أي آخر وقت النحر (للفقر وضده) الغنى (والولادة والموت) ~~فإن كان إنسان غنيا (في أول الوقت فقيرا) في آخره لا يجب عليه، (وإن كان ~~فقيرا في أوله غنيا في آخره يجب عليه)، وإن ولد في اليوم الآخر، (يجب) وإن ~~مات فيه لا يجب، كما اعتبر آخر وقت الصلاة في حق الحيض والطهر، وآخر وقت ~~المسح على الخفين في حق السفر والإقامة. # (وكره الذبح في الليل) لاحتمال الغلط (ويقضي الناذر) أن يضحي بهذه الشاة ~~إذا لم يضح حتى مضت أيام النحر (و) يقضي (فقير شرى الأضحية) ولم يضح حتى ~~مضت الأيام (بتصدقها حية) الباء تتعلق بيقضي (و) يقضي (الغني) إذا مضت ~~الأيام (بتصدق قيمتها) سواء (شرى) الأضحية (أو لا) وإن تعيبت قبل إضجاعها ~~للذبح وهي لغني بدلها بغيرها لعدم إجزائها عنه بخلاف الفقير، فإنه ليس ~~عليه أضحية وإنما لزمته بالتزامه في هذا المحل بعينه، ولهذا لو هلكت لم ~~يلزمه شيء. # --- PageV05P241 ~~*** # (وصح الجذع من الضأن) وهو عند الفقهاء ما تم له ستة أشهر (والثني فصاعدا ms1295 ~~من غيره) لما أخرجه مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن». (وهو) أي ~~الثني (ابن حول من الضأن والمعز و) ابن (حولين من البقر و) ابن (خمس من ~~الإبل) ويدخل في البقر الجاموس، لأنه في جنسه. # (وتذبح) في الأضحية (الثولاء) وهي المجنونة و(الجماء) وهي التي لا قرن ~~لها، لأن القرن لا يتعلق به مقصود، والخصي لأن لحمه أطيب، ولما روى أبو ~~داود وابن ماجه من حديث عائشة وأبي هريرة وأبي رافع وأبي الدرداء أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذبح يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوءين. وروي: ~~موجأين. # قال ابن المنذر: أي منزوعي الأنثيين، قاله أبو موسى الأصبهاني. وقال ~~الجوهري: الوجاء بالكسر والمد: رض عرق الأنثيين. وقال ابن الأثير: منهم من ~~يرويه بغير همزة، فيكون من وجيته وجيا. # (و) تذبح (الجرباء) إن كانت سمينة ولم يتلف جلدها، لأنه لا يخل بالمقصود ~~(لا عجفاء) أي لا تذبح في الأضحية عجفاء. # (و) لا (عرجاء) بحيث (لا تمشي إلى المنسك) أي المذبح لما أخرجه أصحاب ~~السنن الأربع، ومالك في «الموطأ» من حديث البراء بن عازب قال: قام فينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أربع لا يجوز في الضحايا: العوراء ~~البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة التي ~~لا تنقي». بمثناة فوقية مضمومة، فنون ساكنة، فقاف مكسورة، أي بلغ بها العجف ~~إلى حد لا يكون في عظامها نقي أي مخ. وقال مالك والترمذي عوض الكسيرة: ~~العجفاء. # --- PageV05P242 ~~*** # (و) لا (ما ذهب أكثر من ثلث أذنها أو عينها أو أليتها أو ذنبها) وهكذا ~~عند أبي حنيفة، ويروى عنه الربع والثلث. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا بقي أكثر ~~من النصف أجزأه اعتبارا للحقيقة، وهو اختيار أبي الليث. وفي كون النصف ~~مانعا روايتان عنهما. # (وإن مات أحد سبعة) اشتركوا في بقرة أو بعير للأضحية (وقال ورثته: ~~اذبحوها عنه وعنكم صح) والقياس أن لا يصح وهو رواية عن ms1296 أبي يوسف (كبقرة) أي ~~كما يصح بقرة (عن أضحية ومتعة وقران) لاتحاد المقصود وهو القربة وإن اختلفت ~~جهاتها. (وإن كان أحدهم) أي أحد السبعة (كافرا أو مريدا اللحم لا) أي لا ~~يصح عن أحد، لأن الكافر ليس من أهل القربة، وقصد اللحم ينافيها. وإذا لم ~~يقع البعض قربة لم يقع الكل، إذ الإراقة لا تجزي في حق القربة. # (ويأكل) المضحي (منها) أي من أضحيته (ويؤكل) أي يطعم الأغنياء والفقراء ~~(ويهب من يشاء) لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «يا أهل المدينة لا تأكلوا لحم الأضاحي فوق ثلاث». فشكوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لهم عيالا وحشما وخدما فقال: «كلوا ~~وأطعموا واحبسوا وادخروا». وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه ~~شيء». فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا عام ~~الماضي؟ قال: «كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت ~~أن تعينوا فيها». # ولأنه لما جاز أكل المضحي منها وهو غني، جاز أن يؤكل الغني. # --- PageV05P243 ~~*** # (وندب التصدق بثلثها) لأن الجهات ثلاثة: الأكل والادخار والإطعام، لما ~~ذكرنا من الأحاديث، فانقسمت الأضحية عليها أثلاثا، والإطعام: التصدق لما في ~~رواية «تصدقوا» بدل: «أطعموا» ولقوله تعالى: {وأطعموا القانع والمعتر} ~~والقانع: السائل، يقال: قنع قنوعا كمنع: إذا سأل وخضع، وقنع قناعة كفرح: ~~إذا رضي بما عنده وبما يعطى من غير سؤال. والمعتر المعترض بغير السؤال، أو ~~المراد بالقانع: الراضي، وبالمعتر: المعترض بالسؤال، وهو الأظهر. # (و) ندب (تركه) التصدق (لذي) أي لصاحب (عيال توسعة عليهم) هذا كله في ~~الأضحية السنة والواجبة بغير النذر، وأما الواجبة بالنذر فليس لصاحبها أن ~~يأكل شيئا منها، ولا أن يطعم الأغنياء، سواء كان الناذر غنيا أو فقيرا، لأن ~~سبيلها التصدق، وليس للمتصدق أن يأكل من صدقته ولا أن يطعم منها غنيا. # (و) ندب للمضحي (الذبح بيده إن أحسن) ms1297 الذبح لأنه قربة، والأولى في القربة ~~التي تقبل النيابة أن يتولاها صاحبها بنفسه. وقد نحر النبي عليه الصلاة ~~والسلام ثلاثا وستين بدنة بيده الشريفة في حجة الوداع عدد سني عمره الكريم. # --- PageV05P244 ~~*** # (وإلا) أي وإن لم يحسن بيده (أمر غيره) بذبحها. وينبغي أن يشهدها بنفسه ~~لما روى الحاكم في «مستدركه»، والبيهقي في «سننه»، والطبراني في «معجمه»، ~~عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: «قومي إلى ~~أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه، وقولي: ~~إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا ~~من المسلمين». قال عمران: قلت: يا رسول الله، هذا لك ولأهل بيتك خاصة أم ~~للمسلمين عامة؟ فقال: بل للمسلمين عامة». وفي «المستدرك» عن أبي سعيد ~~الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لفاطمة): «قومي إلى أضحيتك ~~فأشهديها، فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها أن يغفر لك كل ما سلف من ذنوبك». ~~فقالت فاطمة: يا رسول الله هذا لنا أهل البيت خاصة أو لنا وللمسلمين عامة؟ ~~قال: «لا بل لنا وللمسلمين». # (وكره ذبح كتابي) الأضحية لأن ذبحها قربة والكتابي ليس من أهلها، لكن لو ~~أمره صاحبها فذبحها جاز، لأنه من أهل الذكاة. (ويتصدق بجلدها) لأنه جزء ~~منها (أو يعمله آلة) يستعمل في البيت كالنطع والجراب والغربال، لأن ~~الانتفاع بها غير محرم، ولأنه يجوز الانتفاع باللحم، فكذا بالجلد أو ببدله. ~~(مما ينتفع به باقيا) لأن للبدل حكم المبدل. # --- PageV05P245 ~~*** # قيد بقوله: باقيا لأنه لا يبدل بما ينتفع به مستهلكا، كالخل والملح ~~والأبازير اعتبارا بالبيع بالدراهم. والمعنى فيه أنه يصرف على قصد التمول ~~(فإن بيع) الجلد (بغير ذلك) أي غير ما ينتفع به باقيا (يتصدق بثمنه) لأن ~~القربة انتقلت إلى بدلها، واللحم بمنزلة الجلد في الصحيح. وأما ما رواه ~~الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه في تفسير سورة الحج عن الأعرج، عن ~~أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من باع جلد ms1298 أضحية فلا أضحية ~~له». وكذا رواه البيهقي في «سننه» فيفيد كراهة البيع، لأنه جائز لقيام ~~الملك والقدرة على التسليم. # (ولو غلط اثنان وذبح كل) منهما (شاة صاحبه صح) عنهما (بلا غرم) عليهما ~~خلافا لزفر، وهو القياس، لأنه ذبح شاة غيره بغير أمره، ويضمن كل منهما شاة ~~الآخر عنده. ووجه الاستحسان: أنها تعينت للأضحية، والإذن حاصل دلالة، لجري ~~العادة بالاستعانة بالغير في أمر الذبح، وإذا صح الذبح عنهما يأخذ كل منهما ~~أضحيته، إن كانت باقية، ولا يضمن الآخر لأنه بمنزلة وكيله ويحلل كل منهما ~~صاحبه (إن كان كل منهما أكل ما ذبحه، لأن صاحبها لو أطعمه الكل جاز، وإن ~~كان غنيا فكذا إذا حلله منه) وإن تشاحا كان لكل منهما أن يضمن صاحبه قيمة ~~لحمه، ثم يتصدق بتلك القيمة لأنها بدل عن لحم الأضحية، فصار كما لو باع ~~(أضحيته فإنه يجب عليه أن يتصدق بالثمن، وهذا لأن التضحية لما وقعت عن ~~المالك كان) اللحم له. # --- PageV05P246 ~~*** # (وصح التضحية بشاة الغصب) وضمن قيمتها، ولم يصح عند زفر، وهو قول الأئمة ~~الثلاثة لأنه حين ضحى بها لم يكن مالكها. ولنا: أنه ملكها عند أداء الضمان ~~مستندا إلى الغصب السابق فكانت التضحية واردة على ملكه (لا الوديعة) أي لا ~~تصح التضحية بشاة الوديعة لأنها لا تصير ملكه إلا بعد الذبح، فكانت التضحية ~~في غير ملكه. # (وضمنهما) أي شاة الغصب والوديعة لحصول التعدي منه بالذبح، وضمانهما ~~بالقيمة. وكره الانتفاع بلبن الأضحية وجز صوفها قبل الذبح، لأنه أعد للقربة ~~بجميع أجزائها، فلا ينبغي أن يصرف شيئا منها إلى حاجة نفسه، لأنه في معنى ~~الرجوع عن الصدقة بخلاف ما بعد الذبح، لأن القربة أقيمت بالذبح، والانتفاع ~~بعد إقامة القربة مطلقا كالأكل. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. # كتاب الكراهية # بتخفيف الياء، أي المكروهات، وهي أعم من أن تكون كراهة تحريم أو تنزيه، ~~وقد يذكر فيها المباح لدفع توهم كونه مكروها، ويذكر الغرض لتعلم أن تركه ~~حرام. ولقبه القدوري بالحظر والإباحة. ولقبه بعضهم بكتاب الزهد والورع. # (ما كره) أي كل ms1299 مكروه تحريما (حرام عند محمد، ولم يتلفظ به) أي بالحرام، ~~بل عدل عنه إلى لفظ المكروه (لعدم القاطع) الدال على حرمته، فهو يسمي ما ~~ثبت حرمته بدليل قطعي حراما، وما ثبت بدليل غير قطعي من خبر آحاد أو قول ~~صحابي، أو غير ذلك، مكروها. فنسبة المكروه إلى الحرام كنسبة الواجب إلى ~~الفرض، وهذا في كراهة التحريم، أما كراهة التنزيه فهي في مقابلة السنة. # (وعندهما) أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف ما كره ليس بحرام، بل (إلى الحرام ~~أقرب) وهذه في المكروه التحريمي، وأما التنزيهي فإلى الحل أقرب اتفاقا. # --- PageV05P247 ~~*** # (الأكل فرض) وكذا الشرب لقوله تعالى: {كلوا واشربوا} # بشرط أن يكون حلالا لقوله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} # . (إن دفع) الأكل (به هلاكه) حتى لو جوع نفسه رياضة حتى مات، أو امتنع عن ~~أكل الميتة حال المخمصة حتى مات، مات عاصيا. # (ومأجور عليه) أي أجر الواجب أو السنة بالزيادة على قدر الرمق وما دون ~~الشبع (إن مكنه من صلاته قائما، و) إن مكنه (من صومه) فرضا. (ومباح إلى ~~الشبع ليزيد قوته) في التصرفات الدنيوية. # وأما الزيادة لقوة الطاعة والعبادة فمستحب. وقد أغرب العيني في «شرح تحفة ~~الملوك» حيث قال: ومباح، وهو أدنى الشبع بنية أن يتقوى به على العبادة. ~~قال: وهذا القسم لا أجر فيه ولا وزر، ولكن يحاسب فيه حسابا يسيرا، ولو كان ~~من حل لقوله تعالى: {ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم} . # (وحرام فوقه) أي فوق الشبع لضرره وإسرافه الممنوع. لقوله تعالى: {ولا ~~تسرفوا} ولما في «شعب الإيمان» عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أراد أن يشتري غلاما فألقى بين يديه تمرا فأكل الغلام فأكثر. فقال عليه ~~الصلاة والسلام: «إن كثرة الأكل شؤم»، فأمر برده. ولقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة». رواه ~~ابن ماجه. # --- PageV05P248 ~~*** # (إلا لقصد قوة صوم الغد) بأن يأكل أول الليل أو آخره زيادة على الشبع (أو ~~لئلا يستحي ضيفه) فيمتنع عن الأكل لأجله. قيل: وكذا لا ms1300 يجوز الأكل فوق ~~الشبع تطييبا لخاطر مضيفه. ثم التنوع بأنواع الفاكهة مباح، لقوله تعالى: ~~{كلوا من طيبات ما رزقناكم} أي مستلذاته، وترك المداومة عليه أفضل له، ~~لظاهر قوله تعالى: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها}. # وقد أغرب صاحب «تحفة الملوك» وشارحه العيني في هذا المحل مسائل لا تطابق ~~ما ذكروه من دلائل. منها قوله: والجمع بين أنواع الأطعمة حرام. لأن ذلك ~~إسراف وهو حرام، لقوله تعالى: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}، ومنها ~~قوله: وكذا وضع الخبز على المائدة أضعاف ما يحتاج إليه الآكلون، فإنه إسراف ~~فيكون حراما، ومنها قوله: وكذا رفع الخبز على الخوان حرام. لما روي عن ~~قتادة عن أنس قال: ما علمت النبي صلى الله عليه وسلم أكل في سكرجة قط ولا ~~خبز له مرقق، ولا أكل على خوان. ومنها قوله: وكذا وضع الخبز تحت القصعة ~~ليستقيم حرام، لأن في ذلك استخفافا وقد أمرنا بتكريمه، وكذا مسح الأصابع ~~والسكين بالخبز، ووضع المملحة عليه، وأكل وجهه خاصة. # ولا يخفى غرابته، لأن أمثال ذلك خلاف الأولى، وغايته أن يكون كراهة ~~تنزيه، وأما كونه محرما أو كراهة تحريم فلا دلالة فيه فيما ذكره، فتأمل ~~فإنه موضع زلل. # --- PageV05P249 ~~*** # (وحل) عند أبي حنيفة (استعمال المفضض) أي المرصع بالفضة وكذا المضبب، وهو ~~المشدود بها حال كون المستعمل (متقيا) أي مجتنبا (موضع الفضة) فيتقي في ~~الشرب موضع الفم، وقيل: وموضع اليد في الأخذ، ويتقي في السرير والسرج ~~والكرسي موضع الجلوس. وكذا إذا جعل ذلك في نصل السيف أو السكين أو قبضتهما ~~ولم يضع يده في موضع الذهب والفضة. وكذا المفضض من اللجام والركاب. وكذا ~~الثوب فيه كتابة بذهب أو فضة لا يكره عند أبي حنيفة لأن موضع التضبيب تابع ~~لغيره، فلا يكره. وصار كالجبة المكفوفة بالحرير، والثوب المعلم بالحرير، ~~والفص المسمر بمسمار الذهب، والعمامة المعلمة بالذهب. # وقال أبو يوسف: يكره ذلك، لأن من استعمل إناء كان مستعملا لكل جزء منه، ~~فيكره المضبب مع اتقاء موضع الفضة، كما يكره مع استعمال موضعها. وقول محمد ms1301 ~~يروى مع أبي (حنيفة ويروى مع أبي) يوسف، وعلى هذا الخلاف إذا جعل ذلك في ~~السقف أو في المسجد، أو جعل حلقة المرآة من الذهب أو الفضة، أو جعل المصحف ~~مذهبا أو مفضضا. وهذا كله إذا كان يخلص منه شيء. وأما الذي لا يخلص منه شيء ~~كالمموه فلا بأس به إجماعا لأنه مستهلك فلا عبرة ببقاء لونه. # --- PageV05P250 ~~*** # (والأحجار) أي وحل استعمال الأحجار الثمينة للإباحة العامة في قوله ~~تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا}. وقوله تعالى: {قل من حرم زينة ~~الله التي أخرج لعباده} لا الذهب، أي لا يحل استعمال الحلي الذهب والفضة ~~للرجال، لما أخرجه الجماعة إلا البخاري من حديث عبد الله بن جبير أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التختم بالذهب. وأخرج الترمذي (والنسائي) ~~عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حرم لباس ~~الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم». # (إلا خاتم) بالجر على البدل (ومنطقة # وحلية سيف منها) أي من الفضة. أما الخاتم فلما أخرجه الجماعة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من فضة له فص حبشي ونقش فيه: محمد رسول ~~الله. وفي لفظ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إلى بعض ~~الأعاجم فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا بخاتم. فاتخذ خاتما من فضة ونقش ~~فيه محمد رسول الله، فكان في يده حتى قبض، وفي يد أبي بكر حتى قبض، وفي يد ~~عمر حتى قبض، وفي يد عثمان حتى سقط منه في بئر أريس فأمر بها فنزعت فلم ~~يقدر عليه. # والعبرة للحلقة، لأن قوام الخاتم بها دون الفص. ويجعل الرجل في لبسه الفص ~~إلى باطن الكف، بخلاف المرأة لأنه للتزيين في حقها. ويستحب للقاضي والسلطان ~~ونحوهما ممن يحتاج إلى الختم، والأفضل لغيرهم تركه. وأما المنطقة فلما في ~~«عيون الأثر» لأبي الفتح اليعمري، ويقال له: ابن سيد الناس: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان له منطقة من أديم مبشور ms1302 أي مشقور ثلث حلقها وإبزيمها ~~وطرفها فضة. والإبزيم: الذي في رأس المنطقة ونحوها. # --- PageV05P251 ~~*** # وأما السيف فلما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أنس قال: كانت ~~قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة. (وفي لفظ للنسائي: كان نعل ~~سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة، وقبيعة سيفه، وما بين ذلك حلق من ~~فضة. وفي لفظ: كان حلية سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة). # وأخرج الطبراني في «معجمه» عن مرزوق الصقيل، أنه صقل سيف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذا الفقار، وكانت له قبيعة من فضة وحلق من فضة. والقبيعة ~~بقاف فموحدة ثم تحتية ثم مهملة على وزن سفينة: ما على طرف مقبض السيف من ~~فضة أو حديد. # وأخرج عبد الرزاق في «مصنفه» عن جعفر بن محمد قال: رأيت سيف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قائمته من فضة، ونعله من فضة، وبين ذلك حلق من فضة، وهو ~~عند هؤلاء يعني بني العباس. # وأخرج البيهقي عن عثمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر أنه تقلد سيف عمر ~~يوم قتل عثمان فكان محلى. قلت: كم كانت حليته؟ قال: أربع مئة (درهم). # قيدنا الذهب والفضة بالحلي، لأنه لا يحل للرجال ولا للنساء استعمال آنية ~~الذهب والفضة بالأكل والشرب وغيرها، كاستعمال الملعقة من أحدهما، والاكتحال ~~بميل أو من مكحلة من أحدهما، والادهان بدهن في إناء من أحدهما لعموم النهي. ~~وفي رواية أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذي يشرب في آنية ~~الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». رواه الشيخان. ومعنى يجرجر: يردد، وفي ~~رواية مسلم: «من شرب في إناء من ذهب أو فضة». وفي أخرى له: «إن الذي يأكل ~~أو يشرب في آنية الفضة والذهب». # --- PageV05P252 ~~*** # وفي الكتب الستة من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: استسقى حذيفة، ~~فسقاه مجوسي في إناء فضة فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في ms1303 آنية الذهب والفضة، ~~ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». # وكذا يحرم كل استعمال كالأكل بملعقة الفضة، والاكتحال بميلها، واتخاذ ~~المكحلة والمرآة، والدواة من الفضة، وما أشبه ذلك من الاستعمال. وروي عن ~~علي رضي الله عنه (أنه قال): صنعت طعاما فدعوته عليه الصلاة والسلام، فجاء ~~فرأى في البيت تصاوير، فرجع. رواه ابن ماجه. لأن إجابة الدعوة سنة، ورؤية ~~المنكر بدعة. # (و) حل (مسمار ذهب في الخاتم) أي في ثقب فصه، لأنه تابع (له)، فصار ~~كالعلم في الثوب. وجوز محمد شد السن التي يخاف سقوطها بالذهب كالفضة، ~~وكاتخاذ الأنف من الذهب. وعنهما: الجواز وعدمه. # أما الجواز فلما في «السنن» سوى ابن ماجه عن عبد الرحمن بن طرفة: أن جده ~~عرفجة بن سعد أصيب أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه، فأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفا من ذهب. وفي «معجم الطبراني» بسنده ~~إلى هشام بن عروة، عن عبد الله بن عمرو: أن أباه سقطت ثنيته، فأمره النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يشدها بذهب. وفي «معجم الصحابة» لابن قانع بسنده إلى ~~هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن (أبي) سلول قال: ~~اندقت ثنيتي يوم أحد، فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن اتخذ ثنية من ذهب. # --- PageV05P253 ~~*** # وأما عدمه عنهما، فلأن الأصل فيهما التحريم، والإباحة للضرورة، وقد ~~اندفعت بالفضة، وهي الأدنى فبقي الذهب على التحريم، والضرورة لم تندفع في ~~الأنف دونه حيث أنتن. كذا ذكره بعض الشراح، وفيه أن نصه صلى الله عليه وسلم ~~ابتداء باتخاذ الثنية من ذهب يأبى عن ذلك، فالمعتمد أن يقال مهما تندفع ~~الضرورة بالفضة، فلا يجوز بالذهب اعتبارا للأخف، حيث جوزوا خاتم الفضة دون ~~خاتم الذهب، والله أعلم. # (ولا يتختم) أي ولا يجوز للرجل والمرأة أن يتختم (بحديد وصفر) أي نحاس ~~أصفر، لما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ~~قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله ms1304 عليه وسلم وعليه خاتم من حديد فقال: «ما ~~لي أرى عليك حلية أهل النار»؟ ثم جاء وعليه خاتم من شبه فقال: «ما لي أجد ~~منك ريح الأصنام»؟ فقال: يا رسول الله من أي شيء أتخذه؟ قال: «اتخذه من ورق ~~ولا تتمه مثقالا». زاد الترمذي: قبل التعليم، ثم جاءه وعليه خاتم من ذهب ~~فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة»؟ وقال: «صفر» عوض «شبه». انتهى. ~~والشبه بحركة وبكسر: النحاس الأصفر. # (وحجر) كاليشب المشهور باليشم ويقال له: البلور. # واعلم أنه وقع في «الجامع الصغير»: ولا يتختم إلا بالفضة. قال شمس الأئمة ~~السرخسي في «شرحه»: ولظاهر هذا اللفظ، يعني بطريق الحصر، كره بعض مشايخنا ~~التختم باليشب، والأصح أنه لا بأس بذلك، وأن مراده كراهة التختم بالذهب ~~والحديد على ما ورد به الأثر. وأما اليشب ونحوه فلا بأس بالتختم به ~~كالعقيق، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم تختم بالعقيق. # --- PageV05P254 ~~*** # ثم اللبس من الحلال فرض أيضا لقوله سبحانه: {خذوا زينتكم عند كل مسجد}، ~~لأنه لا يقدر على أداء الصلاة إلا بستر العورة، ولأنه يجب عليه ستر عورته ~~عن غيره، ولأن خلقته لا تحتمل الحر والبرد، فيحتاج إلى ذلك بالكسوة، فصار ~~نظير الطعام والشراب. ويستحب ستر غير العورة، لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». رواه الترمذي. # (ولا يلبس الرجل حريرا إلا قدر أربعة أصابع) عرضا، فإنه حلال لما أخرجه ~~مسلم عن قتادة، عن الشعبي، عن سويد بن غفلة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~خطب بالجابية فقال: نهى نبي الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا ~~موضع أصبعين، أو ثلاث، أو أربع. # (ولما في «الصحيحين» عن ابن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد ~~فقال: يا رسول الله فلو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا ~~عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من ~~لا خلاق له في الآخرة»... الحديث. # وقد روي عن ثلاثة ms1305 عشر من الصحابة منهم علي بن أبي طالب بأسانيد متصلة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبا فجعله في ~~شماله ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم». وعن أبي موسى ~~الأشعري أنه عليه الصلاة والسلام أحل الذهب والفضة والحرير للإناث من أمته ~~وحرم على ذكورها. رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه). ولما في «صحيح مسلم» ~~عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر أنها أخرجت إلي جبة طيالسة كسروانية ~~لها لبنة ديباج وفرجاها مكفوفان بالديباج. فقالت: كانت هذه عند عائشة رضي ~~الله عنها فلما قبضت أخذتها وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها. فنحن ~~نغسلها للمرضى يستشفى بها. # --- PageV05P255 ~~*** # (ولفظ البخاري في كتاب «المفرد في الأدب»: فأخرجت له أسماء جبة من طيالسة ~~عليها لبنة شبر من ديباج، وإن فرجيها مكفوفان به، فقالت: هذه جبة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يلبسها للوفد والجمعة. وروى عمر أنه عليه الصلاة ~~والسلام نهى عن لبوس الحرير، قال: «إلا هكذا» ورفع لنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم السبابة والوسطى وضمهما. رواه أحمد والشيخان. وفي معنى العلم: ~~الحرير المنسوج بالذهب. ويحرم لبنة الحرير والديباج، وهي قطعة منهما تعلم ~~في جيب القميص والجبة). # وروى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم أن عمر بن ~~الخطاب بعث جيشا ففتح الله عليهم وأصابوا غنائم كثيرة، فلما أقبلوا وبلغ ~~عمر أنهم قد دنوا، خرج بالناس ليستقبلهم، فلما بلغهم خروج عمر بالناس لبسوا ~~ما معهم من الحرير والديباج، فلما رآهم عمر غضب فأعرض عنهم، (ثم قال: ألقوا ~~ثياب أهل النار)، فلما رأوا غضب عمر ألقوها ثم أقبلوا يعتذرون، فقالوا: ~~إنما لبسنا لنريك ما أفاء الله علينا. قال: فسرني ذلك عن عمر، ثم رخص في ~~العلم الأصبع والأصبعين والثلاث والأربع. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة. # وكذا الثوب المنسوج بالذهب، لا يكره إذا كان قدر عرض أربع (أصابع)، ولعل ~~الحكمة في جواز هذا القدر القليل من اللبس ms1306 والاستعمال، ليعلم العبد به ما ~~أعد الله له في الآخرة من لدنه، فيرغب فيما يكون سببا لتحصيله. والتكة من ~~الحرير والقب منه لا يحل للرجل، لأنه استعمال تام. # --- PageV05P256 ~~*** # ويستحب لبس الثياب الجميلة للتجمل والتزين وإظهار نعمة الله تعالى لقوله ~~تعالى: {قل من حرم زينة الله} الآية. ولقوله تعالى: {قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يواري سوآتكم وريشا} وهو لباس الزينة. ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إن ~~الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». رواه الترمذي. وقد روي أن أبا حنيفة ~~ارتدى برداء قيمته أربع مئة دينار. وأما إذا لبس الزينة للتفاخر وإظهار ~~التكاثر، فهو حرام ليس فيه كلام. # (ويتوسده) أي يجوز أن يجعل الحرير وسادة أي مخدة (ويفرشه) ويستر به بابه ~~عند أبي حنيفة، وقالا: يكره للعمومات، ولأنه من زي المترفهين، وهيئة ~~المتنعمين من الكفار والفجار، وقد ذمهم الله تعالى بقوله: {أذهبتم طيباتكم ~~في حيوتكم الدنيا واستمتعتم بها}، وبقولهما قال مالك والشافعي، وهو الصحيح ~~لما في «صحيح البخاري» عن ابن أبي ليلى عن حذيفة قال: نهانا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس ~~الحرير والديباج، وأن نجلس عليهما. # ولأبي حنيفة: ما أخرجه ابن سعد في «الطبقات» في ترجمة ابن عباس، عن راشد ~~مولى لبني عامر قال: رأيت على فراش ابن عباس مرفقة حرير. وما أخرجه عن مؤذن ~~بني وداعة قال: دخلت على ابن عباس وهو متكيء على مرفقة حرير، وسعيد بن جبير ~~عند رجليه وهو يقول: انظر كيف تحدث عني فإنك حفظت عني كثيرا. # --- PageV05P257 ~~*** # (ويلبس) الرجل (ماسداه) بضم أوله وهو طوله (إبريسم) بكسر الهمزة والراء ~~وفتح السين المهملة الحرير (ولحمته) بضم لامه أي عرضه (غيره) أي غير ~~إبريسم، من قطن وكتان وصوف. ويستوي فيه الحرب وغيره لما روى عبد الرزاق في ~~«مصنفه» عن وهب بن كيسان أنه قال: رأيت ستة من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يلبسون الخز: سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، ~~وأبو سعيد، ms1307 وأبو هريرة، وأنس بن مالك. والخز: هو المسدى بالحرير. ولما في ~~«سنن أبي داود» عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إنما نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير. # فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به، ولأن الثوب إنما يصير ثوبا ~~بالنسج وهو يتم باللحمة، فكانت هي المعتبرة دون السدى. وقال أبو يوسف: لا ~~أرى بأسا بحشو القز، لأن الثوب ملبوس والحشو غير ملبوس. # (و) يلبس (عكسه) وهو ما لحمته إبريسم وسداه غيره (في حرب فقط) أي ولا ~~يلبس في غيرها. وأما الخالص فلا يلبس في الحرب عند أبي حنيفة، ويلبس ~~عندهما، وهو قول مالك والشافعي، لأنه أرفع للسلاح وأهيب للعدو. ولأبي ~~حنيفة: أن النصوص الناهية عن لبسه لم تفصل بين حال وحال، ورفع السلاح ~~والهيبة يحصلان بالمخلوط الذي لحمته حرير. # وأما ما في «كامل ابن عدي» عن الحكم بن عمير، وكان من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في لباس الحرير عند ~~القتال. فقد أعله عبد الحق بعيسى من رواته، وقال: إنه ضعيف عندهم، بل ~~متروك. وفي «طبقات ابن سعد» بسنده إلى الحسن قال: كان المسلمون يلبسون ~~الحرير في الحرب. انتهى. وهو على تقدير صحته قابل للتأويل كما لا يخفى. # --- PageV05P258 ~~*** # (وكره إلباس الصبي ذهبا أو حريرا) لأن الصبي يمنع مما لا يجوز له في ~~الشرع إذا كبر ليألف ذلك. ألا ترى أنه إنما نمنعه من شرب الخمر ونأخذه ~~بالصوم والصلاة؟ خلافا لمالك والشافعي لعدم كونه مخاطبا. # (تحديد عورة المرأة والرجل) # (وينظر الرجل من الرجل و) تنظر (المرأة من المرأة و) من (الرجل) الأجنبي ~~إذا أمنت الشهوة (سوى ما بين السرة إلى الركبة) أما نظر الرجل من الرجل ~~فيما عداهما، فلأن السرة ليست بعورة. لما روى أحمد في «مسنده»، وابن حبان ~~في «صحيحه»، والبيهقي في «سننه» عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: كنت ~~أمشي مع الحسن بن علي في بعض طرق المدينة فلقينا ms1308 أبا هريرة فقال للحسن: ~~اكشف لي عن بطنك جعلت فداك حتى أقبل حيث رأيت رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم يقبل قال: فكشف عن بطنه فقبل سرته، ولو كانت من العورة لما ~~كشفها الحسن ولا قبلها أبو هريرة. # وما تحت السرة إلى الركبة عورة، لما مر في شروط الصلاة. # وأما نظر المرأة فلوجود المجانسة بين المرأتين، وانعدام الشهوة غالبا من ~~الطرفين كما في نظر الرجل (من الرجل) إذا لم يكن أمرد صبيحا. ولا ينظر إليه ~~بعين الشهوة وأما نظرها من الرجل فلأن الرجل يعمل في شغله متجردا غالبا، ~~فلو لم يجز لها النظر (إليه) لضاق الأمر على الناس. وفي كتاب الخنثى من ~~«الأصل»: إن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي بمنزلة نظر الرجل إلى محارمه، ~~فلا يجوز لها أن تنظر إلى البطن والظهر لأن النظر إلى خلاف الجنس أغلظ. ~~وعلى الرواية الأولى يجوز وهو الأصح. # --- PageV05P259 ~~*** # ولو نظرت المرأة إلى ما يجوز لها النظر منه وفي قلبها شهوة، أو فى أكثر ~~رأيها أنها تشتهي، أو شكت في ذلك استحب لها أن تغض بصرها، بخلاف الرجل إذا ~~نظر من المرأة إلى ما يجوز له النظر منها وهو الوجه والكف، فإنه يغض بصره ~~حتما مع خوف الشهوة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «كتب الله على ابن آدم ~~نصيبه من الزنا، يدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر»... الحديث. ~~رواه مسلم. # (ومن محرمه) أي وينظر الرجل من محرمه، وهي من لا يجوز المناكحة بينه ~~وبينها على التأبيد بنسب أو سبب، من رضاع أو مصاهرة بنكاح أو سفاح. (ومن ~~أمة غيره) قنا كانت أو مدبرة أو مكاتبة أو أم ولد (إلى ما وراء الظهر ~~والبطن والفخذ) أي ما عدا هذه الأشياء. أما المحرم فلقوله تعالى: {ولا ~~يبدين زينتهن إلا لبعولتهن}...الآية. والمراد والله تعالى أعلم مواضع ~~زينتهن، وما عدا البطن والفخذ مواضع الزينة. وقد قال علي وابن عباس: الزينة ~~هي الكحل والخاتم. رواه الطبراني والبيهقي. فالمراد بها موضعهما وهو الوجه ~~والكف. وفي رواية عنه: إلا ما ms1309 ظهر منها قال: الوجه والكفان، وهذا عن عائشة. # وأما أمة غيره فلأن الأمة تخرج لحوائج مولاها، وتخدم أضيافه وهي في ثياب ~~مهنتها، فصار حالها خارج البيت في حق الأجانب كحال المرأة داخله في حق ~~محارم الأقارب، فلا يحل النظر إلى بطنها وفرجها، خلافا لما يقوله محمد بن ~~مقاتل: أنه يباح ما دون السرة إلى الركبة، وحجته قول ابن عباس: من أراد أن ~~يشتري جارية فلينظر إليها إلا موضع المئزر، ولتعامل أهل الحرمين. # --- PageV05P260 ~~*** # وأما الخلوة بها والسفر بها فقيل: يباح كما في المحارم، وإليه مال شمس ~~الأئمة السرخسي، لأن المولى قد يحتاج أن يبعثها في حاجته إلى بلدة أخرى ولا ~~تجد محرما ليسافر معها. وقيل: لا يباح لعدم الضرورة، وإليه مال الحاكم ~~الشهيد لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون ~~ناكحا أو ذا رحم». رواه مسلم. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يخلون رجل ~~بامرأة فإن الشيطان ثالثهما». رواه ابن حبان في «صحيحه». # وقد ذكر أبو بكر الرازي في «أحكام القرآن» عن ابن مسعود ومجاهد والحسن ~~وابن سيرين وسعيد بن المسيب أنهم تأولوا: قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانهن} ~~على الإماء. قلت: ويؤيده الإجماع عليه في قوله: {إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم}. # (و) ينظر (الرجل من الأجنبية و) من (السيدة إلى الوجه والكفين) لأنها ~~محتاجة إلى إبداء ذلك لحاجتهما إلى الإشهاد وإلى الأخذ والإعطاء، ومواضع ~~الضرورة مستثناة من قواعد الشرع. والقدم كالوجه في رواية الحسن كما ذكره ~~الطحاوي، لأنها تحتاج إلى إبداء قدمها إذا مشت حافية أو منتعلة، وقد لا تجد ~~خفا في (كل) وقت. وأما ما ذكره في «الهداية» عن علي: من نظر إلى محاسن ~~امرأة أجنبية عن شهوة صب الله في عينيه الآنك يوم القيامة». فالمعروف من ~~هذا الحديث: «من استمع إلى حديث قوم وهم كارهون صب في أذنيه الآنك يوم ~~القيامة». وهو حديث صحيح رواه البخاري. # (وشرط) في (حل) النظر (الأمن عن الشهوة) فإن من لم يأمن لم يحل النظر ~~احترازا عن ms1310 الوقوع في الحرام (إلا عند الضرورة كالقضاء والشهادة) أي أدائها ~~لضرورة إحياء حقوق الناس. وقيدنا بأدائها لأن النظر لتحملها لا يباح مع ~~الشهوة على الأصح، لأنه يوجد من لا يشتهي فلا ضرورة. # --- PageV05P261 ~~*** # (و) إلا عند (إرادة النكاح) لإطلاق ما أخرجه النسائي والترمذي وقال: ~~حديث حسن، عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». أي أن تدوم المودة بينكما. ~~وقد روي من طرق. وأخرج مسلم عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: خطب رجل امرأة ~~من الأنصار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اذهب فانظر إليها، فإن ~~في عين الأنصار شيئا». ولأن المقصود إقامة السنة لا قضاء الشهوة. # (و) إلا عند (الشراء) أي شراء الأمة، لأنه في معنى إرادة النكاح. (و) إلا ~~عند (المداواة) بقدر الحاجات. # (وينظر) الرجل الطبيب (إلى موضع المرض بقدر الضرورة) وصار كنظر الخافضة ~~والختان إلى موضع الخفض والختان، ويجوز للرجل النظر إلى موضع الاحتقان من ~~الرجل عند الضرورة، لأنه مداواة. (والخصي ونحوه) من المجبوب والمخنث ~~(كالفحل) الخالص في حكم النظر لأنهم ذكور حقيقة، ولقول عائشة: الخصاء مثلة ~~فلا يبيح ما كان حراما قبله. ذكره في «المبسوط». وقيل: هو أشد الناس جماعا، ~~فإنه لا تفتر آلته بالإنزال، وكذا المجبوب لأنه قد يسحق (فينزل). وإن كان ~~مجبوبا قد جف ماؤه، فقد رخص بعض مشايخنا في حقه الاختلاط بالنساء لوقوع ~~الأمن من الفتنة. وقد قال تعالى: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} ~~فقيل: هو المجبوب الذي جف ماؤه، والأصح أنه لا يحل له ذلك لعموم النصوص. # --- PageV05P262 ~~*** # وكذا المخنث في الرديء من الأفعال، لأنه كغيره من الرجال، بل هو من ~~الفساق فينحى عن النساء. فأما إذا كان في أعضائه لين، وفي لسانه تكسر ولا ~~يشتهي النساء، ولا يكون مخنثا في الرديء من الأفعال، فقد رخص بعض مشايخنا ~~في ترك مثله مع النساء، وهو أحد تأويلي قوله تعالى: {أو التابعين} # . وقيل: المراد الأبله الذي لا يدري ms1311 ما يصنع بالنساء وإنما همته بطنه. # والأصح أن نقول: إنه من المتشابه، وقوله: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} ~~محكم فنأخذ بالمحكم ونقول: كل من كان من الرجال لا يحل لها أن تبدي موضع ~~الزينة الباطنة بين يديه، ولا يحل له أن ينظر إليها إلا أن يكون صغيرا، ~~فحينئد لا بأس به، لقوله تعالى: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء} كذا ذكره بعض علمائنا. # والأظهر أنه ليس من المتشابه ولو اختلف في معناه، فإن مآل الكل إلى ~~اشتراط عدم الشهوة، كما هو منصوص عليه في قوله سبحانه: {غير أولي الإربة من ~~الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء}، ولا يبعد أن يكون ~~الموصول نعتا للرجال والأطفال، والله تعالى أعلم بالأحوال. # --- PageV05P263 ~~*** # (وإلى) أي ينظر الرجل ولو بشهوة إلى (كل أعضاء من يحل بينهما الوطء) وهي ~~زوجته وأمته، لأن ما فوق النظر من المسيس والغشيان يباح له، فالنظر أولى، ~~ولقوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين}، ولما في «السنن الأربعة» عن بهز بن حكيم، عن ~~أبيه، عن جده معاوية بن حيدة قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها ~~وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك». قال: قلت: يا ~~رسول الله، أرأيت لو كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينها ~~أحد فلا ترينها». قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: ~~«فالله أحق أن يستحيى منه الناس». وحسنه الترمذي. ورواه الحاكم وصحح ~~إسناده. # وفي «معجم الطبراني» بسنده إلى سعد بن مسعود الكندي، قال: أتى عثمان بن ~~مظعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أستحي أن ~~يرى أهلي عورتي. قال: «ولم وقد جعلكم الله لهم وجعلهم الله لكم»؟ قال: أكره ~~ذلك. قال: «فإنهن يرينه مني وأراه منهن». قال: أنت يا رسول الله؟ قال: ~~«أنا». قال: فمن بعدك إذا يا رسول الله؟ فلما أدبر ms1312 عثمان قال صلى الله عليه ~~وسلم: «إن ابن مظعون لحيي ستير». # وأما حديث عائشة: أنه ما رأى مني ولا رأيته منه يعني الفرج ، كما رواه ~~الترمذي في «الشمائل»، فلعله من خصائصها. وكان ابن عمر يقول: الأولى أن ~~ينظر ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة. وروى ابن عدي عن ابن عباس مرفوعا: ~~«أنه يورث العمى». وضعف. وأما قول صاحب «الهداية»: لأن ذلك يعني النظر إلى ~~العورة يورث النسيان لورود الأثر، فغير معروف. # --- PageV05P264 ~~*** # (وما حل نظره حل مسه) لتحقق الحاجة إلى ذلك في المخالطة مع قلة الشهوة في ~~المحارم، وهذا في غير نظر المرأة من الأجنبي، ونظر الرجل من الأجنبية، حتى ~~لا يجوز للرجل مس وجه الأجنبية ولا كفيها، ويجوز له مس ما ينظر من محارمه، ~~إلا إذا خاف عليها أو على نفسه الشهوة، فإنه حينئذ لا يمسها ولا ينظر ~~إليها، ولا يخلو بها. ولا بأس بالمسافرة بها، فإن احتاجت إلى الإركاب ~~والإنزال ولم يمكنها الركوب بنفسها، فلا بأس بأن يمس من وراء ثيابها، ويأخذ ~~ظهرها وبطنها دون ما تحتهما إن أمن الشهوة، وإن خافها عليها، أو على نفسه، ~~أو ظن أو شك أجتنب ذلك بجهده. # وأما عبد المرأة فكالأجنبي عندنا، وجعل مالك والشافعي نظره إليها ، كنظر ~~الرجل إلى ذات محارمه، لقوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانهن}، ولا يجوز أن ~~يحمل على الإماء، لأنهن دخلن في قوله: {أو نسائهن}. # قلنا: المراد بالنص الإماء للتأكيد (والمبالغة)، لما في «مصنف ابن أبي ~~شيبة» عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا تغرنكم الآية، إنما عني به الإماء ولم ~~يعن به العبيد. وعن الحسن أنه كره أن يدخل المملوك على مولاته بغير إذنها. # ولا يكره الرتيمة: وهي خيط يربط في الأصبع أو الخاتم، ليتذكر به الحاجة، ~~لأنه من عادات العرب، قال الشاعر: # *إذا لم تكن حاجاتنا في نفوسكم ** فليس بمغن عنك عقد الرتائم # وقد روى أبو يعلى الموصلي، عن سالم بن عبد الأعلى، عن نافع، عن ابن عمر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ms1313 أشفق من الحاجة أن ينساها ربط في ~~أصبعه خيطا ليذكرها. إلا أن في سنده ضعفا. # --- PageV05P265 ~~*** # ويجوز أن يعزل عن امرأته بإذنها، وعن أمته بدونه. أما الأول فلما في «سنن ~~ابن ماجه» عن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يعزل عن ~~الحرة إلا بإذنها. وأما الثاني فلما في «صحيح مسلم» عن جابر قال: جاء رجل ~~من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي جارية أطوف ~~عليها، وأنا أكره أن تحمل فقال: «اعزل إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها». # فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حملت. قال: «قد أخبرتك أنها ~~سيأتيها ما قدر لها». # والأولى أن (لا) ينظر كل منهما إلى عورة صاحبه، وكان ابن عمر يقول: ~~الأولى أن ينظر إلى فرج امرأته حال الوقوع، ليكون أبلغ في تحصيل اللذة. ~~قلت: والطبائع مختلفة. # (وإذا حدث ملك أمة) بشراء، أو هبة، أو إرث، أو وصية، أو غيرها (ولو بكرا) ~~أو صغيرة (أو مشتراة ممن لا يطؤها) بأن اشتراها من محرمها، أو من امرأة، أو ~~من مال صبي (حرم وطؤها ودواعيه) من اللمس وغيره (حتى تستبرىء بحيضة بعد ~~القبض فيمن تحيض، وبشهر في ذات شهر) لآيس أو صغيرة (وبوضع الحمل في الحامل) ~~لما أخرجه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم عن أبي سعيد الخدري ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ~~ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة». وفي لفظ لأبي داود: «ولا يحل لامرىء يؤمن ~~بالله واليوم الآخر (أن) يسقي ماءه زرع غيره، ولا يحل لامرىء يؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها». # --- PageV05P266 ~~*** # وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن علي قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن توطأ الحامل حتى تضع، أو (الحائل) حتى تستبرىء بحيضة. وحرم دواعي الوطء ~~(كما) في الظهار لأنها قد تفضي إليه، وما يفضي إلى الحرام حرام، بحديث ~~الراعي ms1314 حول الحمى. وإنما حل الدواعي في الحيض والصوم، لأن الوطء حرم في ~~الحيض لمعنى الأذى، وذلك لا يوجد في الدواعي، ولأن الصوم قد يمتد إلى شهر ~~فيؤدي إلى الحرج، كذا قالوه. والأولى أن يقال: إنه استفيد من الأحاديث ~~الواردة فيهما. # (ورخص حيلة إسقاطه) أي الاستبراء (إن علم عدم وطء بائعها في هذا الطهر) ~~اعلم أن أبا يوسف رخص الحيلة وخالفه محمد وكرهه، لأن الفرار من الأحكام ~~الشرعية ليس من أخلاق المؤمنين، فيكره له اكتساب سبب الفرار. ولأبي يوسف: ~~أن هذا منع عن وجوب الاستبراء ورفع لثبوته، فلا تكره الحيلة في إسقاطه كما ~~لا يكره في إسقاط الربا. وأخذ المشايخ بقول أبي يوسف إن علم المشتري عدم ~~وطء البائع لها في ذلك الطهر، وبقول محمد إن علم وطء البائع لها فيه. # وعن أبي يوسف: أنه إذا تيقن بفراغ رحمها من ماء البائع فليس عليه ~~استبراء. قلنا: إن هذه حكمة الاستبراء، والحكم يتعلق بالعلة لا بالحكمة، ~~لبطونها، تيسيرا للعامة. # (وهي) أي الحيلة (إن لم تكن تحته حرة أن ينكحها) أي يتزوجها قبل الشراء ~~(ثم يشتريها) كذا في «الهداية». وشرط بعضهم أن يقبضها قبل الشراء، وقيل: ~~يتزوجها ويطؤها ثم يشتريها. # --- PageV05P267 ~~*** # (وإن كانت) تحته حرة (أن ينكحها) أي يزوجها البائع قبل الشراء أو المشتري ~~قبل القبض (لآخر) يثق به أو يشترط أن يكون أمرها بيده (ثم يشتري) المشتري ~~إن كان الإنكاح قبل الشراء (أو يقبض) المشتري إن كان بعد الشراء قبل القبض ~~(ثم يطلق) ذلك الزوج أو من أمرها بيده. ومن الحيلة: أن يشتريها ويقبضها ~~فيكاتبها ثم يفسخ العقد برضاها، لأن بعقد الكتابة حرمت عليه، ثم بعجزها ~~صارت كالمطلقة قبل الدخول، وهذا سهل الوصول. # (ومن فعل بشهوة إحدى دواعي الوطء) وهي القبلة، واللمس، والنظر إلى الفرج ~~(بأمتيه) حال كونهما (لا يجتمعان نكاحا، حرم عليه وطؤهما بدواعيه حتى يحرم ~~إحداهما) بتمليك كلها أو بعضها، أو بإنكاحها نكاحا صحيحا أو إعتاقها كلها ~~أو بعضها، لأن الجمع بين الأختين المملوكتين لا يجوز وطأ، لإطلاق قوله ~~تعالى: {وأن ms1315 تجمعوا بين الأختين} لأن المراد به الجمع بينهما وطأ وعقدا، ~~لأنه معطوف على المحرمات وطأ وعقدا، ولا يعارض هذا قوله تعالى: {إلا ما ~~ملكت أيمانكم}، لأن الترجيح للمحرم، ولأنه استثناء من المحصنات من النساء، ~~والمراد بها: المسبيات. # وكذا لا يجوز الجمع بينهما في الدواعي، لأن النص مطلق فيتناولها، أو لأن ~~الداعي إلى الوطء بمنزلته في التحريم، ويستحب لمن أراد بيع أمته الموطوءة ~~أن يستبرئها لاحتمال أن يكون علقت منه، ولا يستبرئها المشتري فيثبت النسب، ~~وأوجبه مالك صونا لمائه. # --- PageV05P268 ~~*** # (وكره) للرجل (تقبيل الرجل) في فمه أو شيء منه (وعناقه في إزار واحد) ولو ~~بلا شهوة عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: لا بأس بذلك عند عدم الشهوة، ~~لما أخرجه الحاكم في «المستدرك» وقال: إسناده صحيح لا غبار عليه، من حديث ~~ابن عمر قال: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب إلى بلاد ~~الحبشة، فلما قدم منها اعتنقه النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بين عينيه، ~~فصار كالمصافحة. وتقبيل يد العالم (العامل)، والسلطان العادل للتبرك. # أما المصافحة فلقوله عليه الصلاة والسلام: «إن المؤمن إذا لقي المؤمن ~~فسلم عليه، وأخذ بيده تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر». رواه ~~الطبراني في «معجمه الأوسط». وقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من مسلمين ~~يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا». رواه أبو داود والترمذي. ~~وأما قول صاحب «الهداية» عنه عليه الصلاة والسلام: «من صافح أخاه المسلم ~~وحرك يده تناثرت ذنوبه». فقوله: «حرك يده» غير معروف. # وأما التقبيل فلقول ابن عمر كنا في سرية من سرايا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فدنونا من النبي صلى الله عليه وسلم فقبلنا يده. رواه أبو داود ~~والترمذي. ولقول صفوان بن عسال: إن قوما من اليهود قبلوا يد النبي صلى الله ~~عليه وسلم ورجله. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وأما ما قيل من أن ~~حديث جعفر محمول على ما قبل التحريم، فغير ظاهر، بل ينبغي أن يخص جواز ~~المعانقة بالقادم من السفر، والله تعالى ms1316 أعلم. # وروى الطحاوي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن المكاعمة، (وعن المكامعة). # --- PageV05P269 ~~*** # وفي «الجامع الصغير»: ويكره أن يقبل فم الرجل أو يده أو شيئا منه أو ~~يعانقه. وذكر الطحاوي: أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا بأس ~~بالتقبيل والمعانقة. وقالوا الخلاف فيما إذا لم يكن عليهما غير الإزار، ~~وأما إذا كان عليهما قميص أو جبة فلا بأس بالإجماع، وهو الذي اختاره الشيخ ~~أبو منصور الماتريدي. # ثم لا بأس بتقبيل يد العالم والسلطان العادل على سبيل التبرك، وكذا تقبيل ~~يد الأبوين والشيخ والرجل (الصالح). وما يفعله الجهال من تقبيل يد نفسه إذا ~~لقي غيره فمكروه، وما يفعلون من تقبيل الأرض بين يدي السلطان والمشايخ ~~فحرام، والفاعل الراضي به آثم، لأنه يشبه عبادة الأوثان. # وذكر الصدر الشهيد: أنه لا يكفر بهذا السجود، لأنه يريد به التحية، ففهم ~~منه أنه لو سجد للتعظيم كفر كما صرح به السرخسي. ولهما ما روى ابن أبي شيبة ~~وعبد الرزاق في «مصنفيهما» من حديث عامر الحجري قال: سمعت أبا ركانة وفي ~~نسخة صحيحة: أبا ريحانة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم واسمه سمعون ~~بالمهملة أو المعجمة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن ~~مكامعة أو مكاعمة المرأة المرأة ليس بينهما شيء، وعن (مكامعة أو) مكاعمة ~~الرجل الرجل ليس بينهما شيء. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: والمكاعمة: أن ~~يلثم الرجل فاه صاحبه. (والمكامعة أن يضاجع الرجل صاحبه) في ثوب واحد. # وفي «سنن الترمذي» عن أنس قال: (قال) رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى ~~أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: «لا»، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: «لا»، ~~قال: فيأخذه بيده ويصافحه؟ قال: «نعم». ويمكن الجمع بأن نهي التقبيل محمول ~~على تقبيل الفم، ونهى العناق على غير القادم أو على ما كان بإزار واحد. # --- PageV05P270 ~~*** # أما الانحناء للسلطان أو غيره فمكروه، ويحرم تقبيل الأرض بين يدي العالم ~~والشيخ أو السلطان للتحية، وأما السجود فحرام، واختلف في كونه كفرا. # (وكره بيع العذرة خالصة وصح) بيعها ms1317 (مخلوطة) بمنزلة زيت خالطه نجاسة (و) ~~جاز (الانتفاع بهذه) أي بالمخلوطة، لأن العادة لم تجر بالانتفاع بخالص ~~العذرة وجرت بالمخلوطة. وفي «شرح الكنز»: والصحيح عن أبي حنيفة أن الانتفاع ~~بالعذرة الخالصة جائز. (و) صح (بيع السرقين) لأنه ينتفع به ويدخر لوقت ~~الحاجة، فإنه يلقى في الأرض لاستكثار الزرع. # (و) جاز (خصاء البهائم) لأنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوءين، أي ~~خصيين، ولأن لحمها يطيب به. (لا الآدمي) أي ولا يجوز خصاء الآدمي لأنه ~~تمثيل به وهو حرام. # (و) جاز (إنزاء الحمير على الخيل) لأن النبي صلى الله عليه وسلم ركب ~~البغلة، وهي من إنزاء الحمير على الخيل، ولو كان هذا الفعل حراما لما ~~ركبها، لما في ركوبها من فتح بابه كذا ذكروه. وفيه بحث، إذ لا يلزم من ~~ركوبها جواز الإنزاء، فقد روى أبو داود والنسائي عن علي قال: أهديت لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بغلة فركبها فقلت: لو حملنا الحمير على الخيل ~~فكانت لنا مثل هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يفعل ذلك ~~الذين لا يعلمون». ولعل علماءنا حملوه على كراهة التنزيه وجوزوه. # --- PageV05P271 ~~*** # (و) جاز (سفر الأمة وأم الولد بلا محرم) لأن الأجانب مع الإماء فيما يرجع ~~إلى النظر والمس بمنزلة المحارم، فكما يجوز للحرة أن تسافر مع المحرم، فكذا ~~يجوز للأمة أن تسافر مع الأجنبي، وأم الولد أمة لقيام الملك فيها، وإن ~~امتنع بيعها، وكذا المكاتبة لأنها مملوكة رقبة، وقد تقدم اختلاف المشايخ في ~~اختيارهم. وفي «النهاية» معزيا إلى شيخ الإسلام: هذا في زمانهم لغلبة أهل ~~الصلاح، وأما في زماننا فلا، لغلبة أهل الفساد. # ((وصح) بيع العصير من متخذه خمرا) لعموم قوله تعالى: {وأحل الله البيع}، ~~ولأن المعصية لا تقام بعينه باقيا على حاله، بل بعد تغيره وصيرورته أمرا ~~آخر ممتازا عن العصير بالاسم والخاصة، بخلاف بيع السلاح في أيام الفتنة، ~~فإن المعصية تقام بعينه. كذا ذكروه. # وينبغي أن يكون مكروها لكونه سببا لتحصيل المعصية، ولقوله تعالى: ~~{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا ms1318 على الإثم والعدوان} ولذا منعه ~~مالك والشافعي. # ويحرم على المسلم أخذ دينه من ثمن خمر باعها مسلم لا ذمي، لأن بيع المسلم ~~الخمر باطل، إذ لا قيمة للخمر في حق المسلمين، فلم ينعقد البيع، وإذا لم ~~ينعقد لم يجب الثمن فلم يملكه، ولا يحل لرب الدين أخذه. وأما بيع الذمي ~~الخمر فصحيح، لأنها مال في حقه فيملك الثمن فيصح أخذه. # (وكره استخدام الخصي) لأن في استخدامه حثا على هذا الصنع الحرام. (و) كره ~~(إقراض بقال شيئا يأخذ منه ما شاء) لأنه إذا ملكه الدرهم فقد أقرضه إياه، ~~وقد شرط أن يأخذ منه ما يريد حالا (حالا)، وله في ذلك نفع، فيصير في معنى ~~القرض الذي جر نفعا، وهو منهي عنه. وإن أودعه إياه ثم أخذ منه ما شاء مفرقا ~~لا يكره. # --- PageV05P272 ~~*** # (و) كره (اللعب بالنرد) إجماعا (والشطرنج) وفيه خلاف يأتي. (و) كره ~~(الغناء) وهي الممدودة بمعنى التغني بالأنغام الموسيقية ونحوها، (وكل لهو) ~~أي لعب مشغل عن الفرض. # أما النرد، فلما أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود عن سليمان بن بريدة عن أبيه ~~بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لعب بالنردشير فكأنما ~~صبغ يده في لحم خنزير (ودمه)». وليس فيه ذكر الشطرنج الذي ذكره في ~~«الهداية». وروى مالك وأحمد وابن ماجه بلفظ: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ~~ورسوله». # وأما الشطرنج، فلما أخرجه العقيلي في «ضعفائه» عن أبي هريرة قال: مر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: «ما هذه الكوبة؟ ألم ~~أنه عنها؟ لعن الله من يلعب بها». والكوبة: النرد. ولما رواه ابن حبان في ~~«ضعفائه» عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله عز ~~وجل في كل يوم ثلاث مئة وستين نظرة لا ينظر فيها إلى صاحب الشاه». يعني ~~الشطرنج. # وأما الغناء فلقوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} وفسر ~~بالمغنين، وقد كتبت في هذه المسألة رسالة مستقلة. # واستعمال الملاهي محرمة بالاتفاق، وطبل الغزاة والدف في العرس ms1319 مستثناة ~~للإذن فيهما شرعا. وسئل أبو يوسف: أيكره الدف في غير العرس تضربه المرأة ~~للصبي في غير فسق؟ قال: لا، فأما الذي يجيء منه الفاحشة كالغناء فإني أكره. # وأما اللهو فلما أخرجه الحاكم في «المستدرك» وقال: حديث صحيح على شرط ~~مسلم ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل شيء من لهو ~~الدنيا باطل إلا ثلاثة: انتضالك بقوسك، وتأديبك فرسك، وملاعبتك أهلك، فإنهن ~~من الحق». وفيه دلالة على أن الشطرنج لعب باطل كما يدل عليه صيغة الحصر في ~~لهو الحق. # --- PageV05P273 ~~*** # وأباح الشافعي اللعب بالشطرنج إذا لم يكن قمار، ولا إخلال بشيء من ~~الواجبات، إذ فيه تشحيذ الخواطر وتزكية الأفهام. قال سهل بن محمد الصعلوكي ~~رئيس أصحاب الشافعي: إذا سلمت اليد من الخسران، والصلاة من النسيان، ~~واللسان من الهذيان، فهو أدب بين الخلان، ولو أكثر منه ردت شهادته. وفي ~~«المجتبى»: قول الشافعي رواية عن أبي يوسف. # ولنا: أنه لهو يصد عن ذكر الله وعن الصلاة غالبا، فيكون حراما كالخمر ~~والميسر، ولأن فيه معنى النرد والأربعة عشر، ثم إن قامر به تسقط عدالته، ~~وإن لم يقامر به وكان متأولا ولم يصده ذلك عن الصلاة لا تسقط. ولم ير أبو ~~حنيفة بالسلام عليهم بأسا لشغلهم عما هم فيه، وكرهاه تحقيرا لهم. ويؤيدهما ~~ما روي أن عليا رضي الله عنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فلم يسلم عليهم فقيل ~~له (في) ذلك، قال: كيف أسلم على قوم يعكفون على أصنام لهم؟ ذكره العيني. # (و) كره من سيد (جعل الغل في عنق عبده) لأنه عقوبة أهل النار فيكره ~~كالإحراق بها (بخلاف التقييد) لأنه سنة المسلمين في السفهاء، فلا يكره في ~~العبد تحرزا عن إباقه. (و) كره كراهة تحريم (احتكار قوت البشر والبهائم) ~~كالحنطة والشعير والتبن (في بلد يضر بأهله) لما أخرجه مسلم عن معمر بن عبد ~~الله العدوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحتكر إلا خاطىء» أي مذنب. # وأخرج ابن ماجه في «سننه»، وأبو يعلى الموصلي في «مسنده» عن ms1320 عمر بن ~~الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجالب مرزوق والمحتكر ~~ملعون». أما لو لم يضر بهم بأن كان المصر كبيرا لا يكره، لأنه حابس لملكه ~~من غير إضرار غيره. وقال أبو يوسف: كل ما أضر بالعامة فهو احتكار ولو كان ~~ثيابا (أو دنانير) أو دراهم. # --- PageV05P274 ~~*** # ثم إذا قصرت المدة لا يكون حبس القوت احتكارا لعدم الضرر، بخلاف ما إذا ~~طالت لتحققه. وحد المدة الطويلة أربعون يوما لما أخرجه أحمد وابن أبي شيبة ~~والبزار والحاكم في «المستدرك» عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برىء من الله وبرىء الله منه. ~~وأيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله». وقيل: المدة ~~المضروبة للمعاقبة في الدنيا، بأن أمره القاضي ببيع (ما فضل عن قوته وقوت ~~أهله سنة، فإن لم يفعل يعزر، ويبيع القاضي بنفسه عنهم،) هو الصحيح. وأما ~~الإثم فيحصل وإن قصرت. # (لا غلة أرضه) أي لا يكره احتكار الشخص غلة أرضه. ينبغي أن يقيد بما لم ~~يزد على نفقة سنة. (و) لا (مجلوبة من بلد آخر) وهذا عند أبي حنيفة. وقال ~~أبو يوسف: يكره أن يحبس ما جلبه من بلد آخر لإطلاق ما روينا. # (و) كره (تسعير الحاكم) لما أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: ~~حديث حسن صحيح من حديث أنس قال: قال الناس: يا رسول الله، غلا السعر فسعر ~~لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعر القابض الباسط ~~الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة من دم ولا ~~مال». ولأن الثمن حق الملاك، فلا ينبغي للإمام أن يتعرض (عليهم في) حقهم. # --- PageV05P275 ~~*** # (إلا إذا تعدى الأرباب) أي أرباب السلع (عن القيمة) تعديا (فاحشا) بأن ~~باعوا بضعف القيمة وعجز السلطان عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، فإنه ~~يسعر لما فيه من رفع الضرر (العام) ولكن بمشورة أهل الرأي. ثم إذا سعر ~~الحاكم وباع رجل بأكثر ms1321 مما سعر به جاز عند أبي حنيفة مطلقا، لأنه لا يرى ~~الحجر على الحر، وفي إبطال بيعه نوع حجر عليه. وعندهما يجوز إذا لم يكن ~~التسعير على قوم بعينهم، لأنه لا يكون حجرا بل فتوى، فإنهما لا يريان الحجر ~~على (قوم) مجهولين. # ومن باع بما سعره الإمام صح، لأنه غير مكره على البيع، كذا في «الهداية». ~~وفي «المحيط» و«شرح المختار»: أن البائع إذا كان يخاف إذا نقض (أن يضربه ~~الإمام) لا يحل للمشتري ذلك، لأنه في معنى المكره. والحيلة أن يقول المشتري ~~له: بعني بما تحب، فبأي شيء باعه يحل. # ولو خاف الإمام على أهل مصر الهلاك أخذ الطعام من المحتكرين وفرقه، فإذا ~~وجدوا (سعة) ردوا مثله، وليس هذا من الحجر بل من دفع الضرر كما في حال ~~المخمصة. وكذا يحرم تلقي الجلب في بلد يضر بأهله، لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «لا تتلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد». رواه الشيخان، وفي لفظ ~~لمسلم: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشتراه، فأتى سيده السوق فهو بالخيار». # (وقبل قول فرد كيفما كان) أي عدلا كان أو فاسقا، مسلما كان أو كافرا، حرا ~~كان أو عبدا، ذكرا كان أو أنثى (في المعاملات) كالوكالات والمضاربات والإذن ~~في التجارات، لأنه يكثر وجودها بين الناس، والعدل عزيز الوجود، فلو شرط ~~فيها أمر زائد لأدى إلى الحرج. # --- PageV05P276 ~~*** # (فإن قال كافر: شربت اللحم من مسلم أو كتابي حل أكله و) إن قال: (من ~~مجوسي حرم) بخلاف ما إذا قال: هذا حلال أو حرام، فإنه لا يقبل قوله. # (وشرط العدل في الديانات كالخبر عن نجاسة الماء) وعن حل الطعام وحرمته، ~~لأنه لا يكثر وقوعها كثرة وقوع المعاملات، فيشترط فيها الإسلام والعدالة. ~~ففي المخبر العدل بنجاسة الماء لا يتوضأ به لعدم التهمة، وفي الكافر يتوضأ ~~به للتهمة. (وفي الفاسق والمستور تحرى) فإن كان أكبر رأيه أنه صادق تيمم ~~ولم يتوضأ به لترجح جانب الصدق بالتحري، والأحوط أن يريق الماء ثم يتيمم. ~~وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب يتوضأ به و(لا) يتيمم ms1322 لترجح جانب الكذب ~~بالتحري. # ولو أخبرها ثقة أن زوجها الغائب مات أو طلقها ثلاثا، أو أخبرها غير ثقة ~~ومعه كتاب بطلاقها ولم تدر أنه منه، إلا أنها تحرت فترجح عندها صدقه، جاز ~~الاعتداد والتزوج. ولو أخبرها أن أصل نكاحها كان فاسدا، أو زوجها كان أخاها ~~من الرضاع لم يسعها أن تتزوج بقوله، وإن كان ثقة، لأن في هذا الفصل أخبرها ~~بخبر مستنكر وقد ألزمها الحكم بخلافه، وفي الأول أخبرها بخبر محتمل، وهو ~~أمر بينها وبين ربها، فلها أن تعتمد ذلك الخبر وتتزوج. # ويقبل قول الصبي والقن في الهدية والإذن له في التجارة، لأن الهدايا تبعث ~~على يد هؤلاء عادة، فلو لم يقبل قولهم لأدى إلى الحرج. والعبد يحتاج في ~~الأسواق والأمصار البعيدة ولا يمكنه استحضار الشهود إلى تلك المواضع، فلو ~~لم يقبل قوله في الإذن لتحرج الناس في المعاملة مع العبيد. # (مسائل شتى) # --- PageV05P277 ~~*** # ومما ينبغي أن يلحق بهذا الكتاب مسائل شتى مما يناسب هذا الباب. فقد قال ~~علماؤنا: لا بأس بتعشير المصحف ونقطه وشكله في زماننا. وأصل الرواية أنه ~~يكره التعشير والنقط في المصحف لقول ابن مسعود: جردوا القرآن، ولا تلحقوا ~~به (ما) ليس منه. رواه ابن أبي شيبة. وله معنيان: أحدهما: جردوه في التلاوة ~~ولا تخلطوا به غيره، وثانيهما جردوه في الخط من التعشير والنقط. # وفي زماننا لا بد لغالب الناس من الدلالة، فبالتعشير تحفظ الآي، وبالنقط ~~يحفظ التصحيف، وبالشكل يحفظ الإعراب، فيكون بدعا مستحسنة، وقد صح عن ابن ~~مسعود: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. ويجوز تحليته لما فيها من ~~تعظيمه، وكذا نقش المسجد وتزيينه بماء الذهب ونحوه، لكن لا من غلة وقفه حتى ~~لو فعل منها ضمن. ثم هو قربة في الأصح لما فيه من تعظيم بيت الله، ولظاهر ~~قوله تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله}. وقيل: مكروه لأنه من ~~الأمور المبتدعة. # ويكره في المسجد عمل الدنيا كخياطة وكتابة بأجرة (لما) ورد: أن المساجد ~~إنما بنيت للصلاة، إلا لضرورة بأن لم يجد مكانا ms1323 غيره، وكان قوته من صنعته. ~~ولا يكره عندنا دخول الذمي المسجد الحرام، وكرهه الشافعي لقوله تعالى: ~~{إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}، ولأن الكافر ~~لا يخلو عن جنابة. # وأجيب بأنه محمول على منعهم أن يدخلوه طائفين عراة، أو مستولين، وعلى أهل ~~الإسلام مستعلين، وبأن النجاسة محمولة على خبث عقائدهم ، وكرهه مالك في كل ~~مسجد اعتبارا بالمسجد الحرام لعموم العلة وهي النجاسة. # --- PageV05P278 ~~*** # ولنا: ما في «سنن أبي داود» عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف لما قدموا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا ~~عليه أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا، ولا خير في دين ليس فيه ركوع». ~~والتجبية بالجيم والموحدة وضع اليدين على الركبتين. وفي «مراسيله» عن الحسن ~~أن وفد ثقيف أتوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم فضرب لهم قبة في مؤخر ~~المسجد لينظروا صلاة المسلمين، فقيل له: يا رسول الله أتنزلهم في المسجد ~~وهم مشركون؟ قال: «إن الأرض لا تتنجس بابن آدم». # ويحرم بيع أراضي مكة عند أبي حنيفة خلافا لهما، ولا يحرم بيع أبنيتها ~~اتفاقا، لأن البناء ملك لمن بناه، ألا ترى أنه لو بنى في المستأجر، أو في ~~الوقف صار البناء له وجاز له بيعه؟. # ولا يكره عيادة الذمي لقوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم ~~في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم} ولما في «صحيح البخاري» عن أنس ~~قال: كان غلام يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى ~~الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: «أسلم» فنظر إلى أبيه وهو ~~عنده فقال: أطع أبا القاسم. فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ~~«الحمد لله الذي أنقذه بي من النار». واختلفوا في عيادة الفاسق والمبتدع، ~~والأصح أنه لا بأس بهذا لأنه مسلم. # --- PageV05P279 ~~*** # قيل: ويحرم قوله في الدعاء: أسألك بمعقد العز من ms1324 عرشك، وقد روي بتقديم ~~القاف على العين، فلا يجوز اتفاقا لاستحالة معناه على الله سبحانه وتعالى. ~~وروي بعكسه، فكذا يحرم، لأنه يوهم تعلق العز بالعرش، والعرش حادث وما يتعلق ~~به يكون حادثا، والله سبحانه متعال عن تعلق عزه بالحوادث، فإن عزه قديم ~~كذاته وسائر صفاته. وعن أبي يوسف: أنه لا بأس به، وبه أخذ الفقيه أبو الليث. # قيل: ويحرم أن يقول في دعائه: بحق فلان، نبيا كان أو وليا، أو بحق البيت ~~أو المشعر الحرام، لأنه لا حق للخلق على الله، لكن قد يقال: إنه لا حق لهم ~~وجوبا من أصله، لكن الله سبحانه جعل لهم حقا من فضله، أو يراد بالحق الحرمة ~~والعظمة، فيكون من باب الوسيلة، وقد قال الله تعالى: {وابتغوا إليه ~~الوسيلة} وقد عد من آداب الدعاء: التوسل بالأنبياء والأولياء على ما في ~~«الحصن الحصين»: وجاء في رواية: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ~~ممشاي إليك، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا». الحديث. # ولا يكره قبول هدية طعام العبد التاجر لما روي من طرق في قصة إسلام سلمان ~~أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قبل هديته وأكل منها، بخلاف هدية ~~النقدين والثياب على يده لعدم ورود نص وعرف بذلك، فبقي على أصل القياس في المنع. # وكره أن يجعل الراية في عنق العبد وهي: طوق من حديد مسمر بمسمار عظيم ~~يمنعه من أن يحرك رأسه، وهو معتاد بين الظلمة لأنه عقوبة أهل النار فيكره، ~~كالإحراق بها، وحل قيده لأنه سنة المسلمين في السفهاء وأهل الدعارة، فلا ~~يكره في العبد تحرزا عن إباقه وصيانة لماله. # --- PageV05P280 ~~*** # وحلت الحقنة للتداوي لما في السنن الأربعة عن أسامة بن شريك قال: أتيت ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم ~~قعدت، فجاء الأعراب من ههنا ومن ههنا فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: ~~«تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء إلا الهرم». ولفظ أحمد في ~~«مسنده»: «فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل ms1325 له دواء إلا الموت». قالوا: يا ~~رسول الله فما أفضل ما أعطي العبد؟ قال: «خلق حسن». # ولا يجوز استعمال المحرم في الحقنة وغيرها كالخمر ونحوها، لأن التداوي ~~بالمحرم حرام. ثم التداوي بالحلال جائز لا واجب، فمن ترك المعالجة فمات لم ~~يمت عاصيا لأنه ليس في ترك المعالجة إهلاك النفس، إذ ربما يصح من غير ~~معالجة وربما لا تنفعه المعالجة. # (ويجب على من رأى منكرا أن ينهى عنه، لو قدر عليه، ولو لم يفعل مثل، ~~لأنه) يجب عليه ترك المنكر والنهي عنه، فإذا ترك أحدهما لا يسقط عنه الآخر. # وينهى الإمام من أظهر الفسق في داره، فإن لم يكف، حبسه أو ضربه سياطا أو ~~أزعجه منها ردعا له وزجرا عن ارتكاب الفواحش. # ويحرم على المغني والنائحة أخذ المال المشروط على الغناء والنوح، لأنه ~~أجر على معصية بخلاف غير المشروط فإنه تبرع، لكنه يكره لأنه وسيلة إلى فعله. # ولا بأس بدخول الحمام للرجل والمرأة إذا اتزر وغض البصر لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «إنها ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا يقال لها ~~الحمامات، فلا يدخلنها الرجال إلا بالأزر، وامنعوها النساء إلا مريضة أو ~~نفساء». رواه أبو داود وغيره. وكره غمز الأعضاء في الحمام، لأنه فعل ~~المترفهين إلا لتعب ونحوه من الأوجاع، فإن فيه منفعة وتخفيفا. # --- PageV05P281 ~~*** # وكره الجلوس على القبور لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تجلسوا على ~~القبور ولا تصلوا إليها». وقوله: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى ~~تخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر». # ويكره الإشارة إلى الهلال عند رؤيته لأنه من عادة الجاهلية كانوا يفعلونه ~~تعظيما له، أما إذا أشار إليه ليريه صاحبه فلا (بأس به). # ولا بأس بإسقاط حمل لم يستبن شيء من خلقه لأنه مضغة بعد، ولا حكم لها، ~~إلا أنه مكروه بغير ضرورة. ويقطع حمل ميت اعترض في بطن حامل، خيف عليها ~~الموت منه، إذا لم يخرج إلا به، لأنه ليس للميت حرمة بالنسبة إلى الحي. ~~وأما إذا اعترض الولد في (بطن) الحامل ms1326 وقت الولادة وخيف على الحامل، ولم ~~يمكن إخراج الولد إلا بقطعه، بأن تدخل القابلة يدها إلى داخل الفرج فتقطعه ~~بآلة ونحوها، فلا يقطع لأن موتها موهوم، فبأمر موهوم لا يجوز إتلاف آدمي حي ~~محقق. ويشق من الجانب الأيسر بطن من ماتت فاضطرب الولد فيه وعلمت حياته، ~~ولو بغلبة الظن لما قدمنا، وقد فعل أبو حنيفة ذلك وعاش الولد. # وكذا يشق بطن من ابتلع درة غيره ومات مفلسا، لأن حق صاحب الدرة مقدم على ~~احترام بطن من مات جانيا، وقيل: لا يشق لإمكان الوصول إليه بعد تفسخه، ودفع ~~بأنه يلزم تأخير حقه وقد لا يعيش إليه. ولو دفنت الحامل وقد أتى على الولد ~~سبعة أشهر وكان يتحرك في بطنها، فرؤيت في المنام أنها تقول: ولدت، لا يشق ~~لأن الظاهر موته، ذكره العيني. # ولا بأس بثقب أذن الصغيرة لأنه للزينة فصار كالختان. ويجوز الحجامة ~~والفصادة عند الحاجة، وربما يجب لما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، ~~والفصادة مثلها، ولأنهما للتداوي وهو مأذون فيه شرعا. # --- PageV05P282 ~~*** # ويجب على كل مكلف تعلم ما يحتاج إليه لإقامة الفرائض والواجبات، ولمعرفة ~~العقد الصحيح من غيره في المعاملات والحلال من الحرام من المأكولات ~~والمشروبات لقوله عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ~~ومسلمة، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب». ~~رواه ابن ماجه. وقوله: «تعلموا الفرائض والقرآن، وعلموا الناس فإني مقبوض». ~~رواه الترمذي. ويكره تعلمه للمباهاة والممارة وطلب المال والجاه لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري السفهاء، أو ~~يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار». رواه الترمذي وابن ماجه. ~~ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه ~~إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة». يعني ريحها. ~~رواه أبو داود. وقد ورد أن ريحها يشم من قدر خمس مئة عام. # ويجب على العالم التعليم إلى حد التفهيم لقوله عليه الصلاة والسلام: «من ~~سئل ms1327 عن علم علمه ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من النار». رواه الترمذي. ~~وإنما يلزمه التفهيم لأنه لا يوجد بدونه التعليم. ويستحب تعلم علم يكون ~~وسيلة إلى معرفة الكتاب والسنة، ويباح علم لا يضر ولا ينفع كالتواريخ ~~والأشعار والأنساب، ويحرم علم السحر والمنطق والكلام والهيئة والنجوم إلا ~~قدر ما يعرف به الوقت والقبلة. # --- PageV05P283 ~~*** # ويجب الكسب من الحلال بقدر كفاية نفسه وعياله وقضاء دينه، لقوله تعالى: ~~{أنفقوا من طيبات ما كسبتم} أي بالتجارة، {ومما أخرجنا لكم من الأرض} أي ~~بالزراعة. ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أطيب ما أكلتم من ~~كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم». رواه ابن ماجه. ولقوله صلى الله عليه وسلم: ~~«طلب كسب الحلال فريضة بعد الفريضة». رواه البيهقي في «شعب الإيمان». ~~ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد ~~بعد الكبائر التي نهى الله عنها: أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء». ~~رواه أبو داود. # ويستحب الزيارة لمواساة الفقراء ومجاراة الأقرباء فإنه أفضل من التخلي ~~للعبادات لكون منفعته متعدية ولقوله عليه الصلاة والسلام: «الساعي على ~~الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يقوم الليل ويصوم ~~النهار». رواه ابن ماجه. وفي رواية له: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي ~~القرابة اثنتان: صلة وصدقة». # ويباح للتجمل والتنعم حين يبني البنيان، وينقش الحيطان، ويشتري السراري ~~والغلمان لقوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق} ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للرجل ~~الصالح». ويكره التفاخر والتكاثر ولو كان من حل لقوله تعالى: {ألهاكم ~~التكاثر حتى زرتم المقابر} ولقوله عليه الصلاة والسلام: «التجار يحشرون ~~فجارا إلا من اتقى وبر وصدق». رواه الترمذي وغيره، وقال: حديث حسن صحيح. # --- PageV05P284 ~~*** # وأفضل الكسب: الجهاد لما ورد في فضله من الكتاب والسنة، ولأن فيه إعلاء ~~كلمة الله تعالى قصدا والكسب فضلا، ثم التجارة لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~«التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين». رواه ~~الترمذي والدارقطني وابن ms1328 ماجه. ثم الزراعة لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما ~~من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير، أو إنسان أو بهيمة، إلا ~~كان له به صدقة». رواه البخاري. # ومنهم من فضل الزراعة على التجارة لأنها أعم نفعا، وعندي: أن الكتابة ~~أفضل منهما لاشتمالها على العلم والنفع المتعدي والصدقة الجارية، ثم ~~الصناعة لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل ~~من عمل يديه، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يديه». رواه البخاري. # ويلزم العاجز عن الكسب سؤاله من الناس، فإنه كسب مثله، فإن عجز عن السؤال ~~واشتد جوعه وجب على من علم به أن يطعمه أو يدل عليه من يطعمه لما روينا من ~~قوله عليه الصلاة والسلام: «وأيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائع، فقد برئت ~~منهم ذمة الله». أخرجه أحمد وغيره عن ابن عمر مرفوعا. # ويكره إعطاء السائل في المسجد إلا إذا لم يتخط رقاب الناس ولم يمش بين ~~يدي المصلين، في القول المختار، فقد روي أنهم كانوا يسألون في المساجد على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى روي أن عليا تصدق بخاتمه في الصلاة ~~فمدحه الله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون}. وأما إذا تخطى رقابهم أو تعدى إمامهم، ~~فمكروه لأنه أعانه على أذى الناس حتى قيل: هذا فلس (لا) يكفره سبعون فلسا. # --- PageV05P285 ~~*** # ثم اعلم أنه يحرم التسبيح والتكبير والصلاة على النبي عليه الصلاة ~~والسلام عند عمل محرم كما، إذا سبح أو كبر أو هلل أو صلى على النبي صلى ~~الله عليه وسلم في مجلس الفسق واللهو، فهو حرام يأثم فيه، وكذلك التاجر إذا ~~فتح متاعه لمشتريه وسبح وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وأراد بذلك ~~إعلام المشتري جودة متاعه، وكذلك الفقاعي يقول عند فتح كوز الفقاع: لا إله ~~إلا الله، أو يقول: صلى الله على النبي أو نحو ذلك، لأنه يأخذ (به) ثمنا ~~ويرغب المشتري هنالك. كذا في «شرح ms1329 تحفة الملوك» للعيني. ومن هنا يفهم أن ~~بالأولى يحرم ذكر الله أو النبي مع الرباب كما هو شأن الأعراب، أو مع ~~الزمارة كما هو شعار السيارة من شحاذ أهل اليمن في السوق وأبواب أرباب ~~التجارة. # ثم قال: ويجب منع الصوفية الذين يدعون الوجد والمحبة عن رفع الصوت وتمزيق ~~الثياب عند سماع الغناء، مع أن ذلك حرام عند سماع القرآن، فكيف عند سماع ~~الغناء الذي هو حرام؟ خصوصا في هذا الزمان الذي اشتهر فيه الفسق، وظهرت فيه ~~أنواع البدع، واشتهرت فيه طائفة تحلوا بحلية العلماء وتزيوا بزي الصلحاء، ~~والحال أن قلوبهم ممتلئة من الشهوات الكاسدة، والأهواء الفاسدة. فالعجب ~~منهم أنهم يدعون محبة الله ويخالفون سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيصفقون ~~بأيديهم، ويضربون بأرجلهم، ويصعقون بأفواههم، ويظهرون (ما ليس في قلوبهم، ~~ويتحركون) بحركات مختلفة في أبدانهم، والأزباد تنزل من أشداقهم، حتى (إن) ~~الجهال والحمقى من العامة يعتقدونهم ويلازمونهم (ويقصدونهم)، ويعطونهم ~~وينسبون أنفسهم إليهم، وينفقون (عليهم)، أعاذنا الله من شرهم وشر ما لديهم. # --- PageV05P286 ~~*** # ولا يحل قبول هدية أمراء الجور وسائر الظلمة، إلا إذا علم أن أكثر مالهم ~~حلال بأن كان صاحب تجارة أو زراعة، فلا بأس به لأن أموال الناس لا تخلو عن ~~قليل حرام فالمعتبر الغالب، وكذا طعامهم. وهذا بالنسبة إلى الأغنياء، وأما ~~الفقراء، فلهم أن يأخذوا من أموال الأمراء، لأن غالب أموالهم (من) بيت ~~المال، ومصرفه الفقراء. وهذا طريق الفتوى، والأحوط امتناعه للتقوى. وفي ~~«تحفة الملوك»: رجل يتردد إلى الظلمة ليدفع شرهم عنه، فإن كان مفتيا أو ~~مقتدى به لا يحل له ذلك، لأن دفع شرهم عنه ممكن بغير التردد، ولأن فيه ~~إهانة للعلم وأهله، وإن كان غير مقتدى به فلا بأس بتردده إليهم ليدفع شرهم عنه. # وأما إذا تردد لأجل أن يصيب منهم، فلا يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«إن أناسا من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرؤون القرآن، ويقولون: نأتي ~~الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا، ولا يكون ذلك، كما لا يجتنى من ~~القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتنى ms1330 من قربهم إلا الخطايا ». رواه ابن ماجه. ~~والقتاد بفتح القاف والتاء ثالث الحروف: ضرب من العضاه وهي جمع عضة: وهي ~~شجرة من شجر الشوك ليس فيه غير الشوك. # وكان ابن عباس وابن عمر يقبلان هدية المختار، وكان أبو ذر وأبو الدرداء ~~لا يجوزان ذلك حتى روي أن أميرا أهدى إلى أبي ذر مئة دينار فقال: هل أهدى ~~لكل مسلم مثل هذا؟ فقيل: لا، فردها وقال: {كلا إنها لظى نزاعة للشوى} # ولا يبعد أن يحمل أخذ ابني عباس وعمر على نية تفريقه على الفقراء، وإنهم ~~(يعلمون أنهم) لو لم يأخذوه لأعطى الأغنياء أو لم يعط لأحد شيئا من ~~الأشياء. فلأخذهم وجه، وإن كان الامتناع عن أخذهم أوجه، لأنه أبعد من ~~الريبة وأشد على الظالم في مقام الإهانة. # (أمور الفطرة) # --- PageV05P287 ~~*** # ويسن قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، فإنها من ~~الفطرة وسنن الخليل عليه الصلاة والسلام الوارد فيها قوله تعالى: {وإذا ~~ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن}، وقد فعلها نبينا صلى الله عليه وسلم ~~وأمر بها. وفي حديث: «قص (الشارب وتقليم) الظفر، ونتف الإبط، وحلق العانة ~~يوم الخميس، والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة». رواه الديلمي عن علي. # قال الطحاوي في «شرح الآثار»: وقص الشارب حسن، وهو أن يأخذ منه حتى ينتقص ~~عن الطرف الأعلى من الشفة العليا. وأجاز بعضهم حلقه لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «أحفوا الشارب وأعفوا اللحى». وفسر الإحفاء بالاستئصال، ودفع بأنه ~~ورد: «قصوا الشارب واعفوا اللحى» كما رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~وهو تفسير للإحفاء. ولأنه عليه الصلاة والسلام لم يحفظ عنه أنه حلق شاربه، ~~بل قد ورد: «قصوا الشوارب مع الشفاه». رواه الطبراني عن الحكم بن عمرو. ~~وحسن ترك قصه مع بقاء أظفاره في الجهاد ليكون أهيب في عين العدو، والأظفار ~~سلاح عند الاحتياج به. # وسن الختان للرجال وهو من الفطرة، وعد مكرمة للنساء لحصول الكرامة لهن به ~~عند أزواجهن، وقدر وقته بسبع سنين، وهو مختار أبي الليث، أو تسع أو عشر. ~~وقيل: بما يطابق المراد ms1331 بالبلوع. ويترك لو ولد شبيها بالمختون، أو أسلم ~~كبيرا وخيف عليه منه. وإن تركه أهل بلد قوتلوا عليه لأنه من شعائر الإسلام ~~فصار كالأذان. # --- PageV05P288 ~~*** # وتجوز المسابقة بالخيل والبغال والحمير والإبل والأقدام، والرمي بالنبل. ~~والأصل فيه، حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا سبق إلا ~~في خف أو نصل أو حافر». رواه أحمد والأربعة، والمراد بالخف: الإبل، ~~وبالنصل: الرمي، وبالحافر: الفرس والبغل والحمار. قال الخطابي: الرواية ~~الصحيحة بفتح الموحدة وهو ما يجعل من المال رهنا على المسابقة، وبالسكون ~~مصدر سبقته أسبقه. وعن أبي هريرة أيضا قال: كانت المسابقة بين أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الخيل والركاب والأرجل. # وحل الجعل من أحد الجانبين بأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك كذا، ~~وإن سبقتك فلا شيء لي. أو من شخص ثالث لأسبقهما بأن يقول: من سبق منكما ~~دفعت إليه دينارا. وحرم من الجانبين لأنه يصير قمارا إلا أن يوجد محلل ~~بينهما، ويكون فرسه كفؤا لفرسيهما. ويشترط أنه إن سبقهما أخذ منهما الجعل، ~~وإن سبقاه لا شيء لهما عليه لخروجه حينئذ عن القمار. ويلحق بالمسابقة بجعل ~~طالبان اختلفا في مسألة ورجعا إلى الشيخ ليفصل بينهما فيها، لأنه لما جاز ~~في الأفراس لمعنى يرجع إلى الجهاد يجوز هنا للحث على الاجتهاد في طلب ~~العلم، لأن الدين كما يقوم بالجهاد يقوم بالعلم والاجتهاد. # ثم رمي السهم له فضائل كثيرة لقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة} ورد تفسيرها عنه عليه الصلاة والسلام: «ألا إن القوة الرمي ثلاث ~~مرات». وقد ورد: «إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في ~~صنعته الخير، والرامي به، والممد به ». رواه ابن ماجه. وفي رواية له: «من ~~رمى بسهم فبلغ سهمه العدو، أصاب أو أخطأ، فيعدل رقبة». وفي رواية له أيضا: ~~«من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصى». # --- PageV05P289 ~~*** # وأما الجوز الذي يلعب به الصبيان يوم العيد فيؤكل، لأن ابن عمر كان يشتري ~~الجوز للصبيان وهم يلعبون به ثم يأكله معهم. كذا ذكره ms1332 العيني، ثم قال: إذا ~~لم يقامروا. انتهى. وهذا صورة ليس فيه قمار متعارف كما لا يخفى، وإلا فلا ~~يحل له من البالغين، فكيف من الصبيان مع كون أكثرهم غير مالكين؟ وكذا حكم ~~البيض الذي يلعبون به في العيد وغيره. # وتضرب الدابة على النفار دون العثار، لأن العثار يكون من سوء إمساك ~~الراكب اللجام، والنفار من سوء (خلق) الدابة فتؤدب عليه. ولما في «كامل ابن ~~عدي» عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اضربوا الدواب على ~~النفار، ولا تضربوها على العثار». وركض الدابة ونخسها كما يفعله الدلالون ~~مكروه، وكذا إذا كان بطريق اللهو، لأنه تعذيب الحيوان بلا غرض صحيح. بخلاف ~~الفرار من العدو والكرار عليه. # ويستحب القيلولة في شدة الحر لأنه وقت انتشار الشياطين، وقد ورد: «قيلوا ~~فإن الشيطان لا يقيل». # ويحرم لبس الأحمر والمعصفر لما في «سنن أبي داود والترمذي» عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص قال: مر رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلم يرد عليه. # وفي «سنن أبي داود» عنه أيضا قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعلي ثوب مصبوغ بعصفر موردا فقال: «ما هذا»؟ فعرفت ما كره، فانطلقت ~~فأحرقته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما صنعت»؟ قلت: أحرقته. قال: ~~«أفلا كسوته بعض أهلك؟ فإنه لا بأس به للنساء». # --- PageV05P290 ~~*** # وفي «صحيح مسلم» عنه أيضا قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ~~ثوبين معصفرين فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها ». وفي رواية: قلت: ~~أغسلهما؟ قال: «بل أحرقهما» وهذا مبالغة في النهي لما تقدم. وروى أبو داود ~~والترمذي عن علي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن لبس المعصفر. وأما لبس ~~الأخضر فمستحب لقول أبي رمثة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ~~ثوبان أخضران. أخرجه أبو داود والترمذي، وللنسائي: وعليه بردان أخضران. ~~وندب لبس البياض (أو السواد) لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن أحسن ما زرتم ~~الله به في قبوركم ومساجدكم البياض». رواه ابن ms1333 ماجه. # وفي رواية للترمذي والنسائي: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنها أطهر ~~وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم». وأما لبس السواد فجائز لقول سعد بن أبي وقاص: ~~رأيت رجلا على بغلة بيضاء على رأسه عمامة سوداء، وقال: كسانيها عليه الصلاة ~~والسلام. رواه أبو داود. وقال عمرو بن أمية: كأني أنظر الساعة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء، وقد أرخى طرفها بين ~~كتفيه. أخرجه النسائي وابن ماجه. وقد دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة ~~يوم الفتح وهو متعمم بعمامة سوداء. رواه الترمذي في «شمائله». # ولا ينبغي أن يظاهر بين جبتين أو أكثر في الشتاء إذا اكتفى بدون ذلك، ~~لأنه يغيظ المحتاجين وطريق المتجبرين (من المتكبرين)، وندب إرسال ذنب ~~العمامة بين الكتفين قدر شبر، وقيل: إلى وسط الظهر، وقيل: إلى موضع الجلوس. # --- PageV05P291 ~~*** # والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالعمائم فإنها سيماء ~~الملائكة، وأرخوها خلف ظهوركم». رواه البيهقي في «شعب الإيمان». وقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس». رواه ~~الترمذي. وقول ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتم سدل ~~عمامته بين كتفيه. رواه الترمذي وقال: حسن غريب. وعن عبد الرحمن بن عوف: ~~عممني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسدلها بين يدي ومن خلفي. رواه أبو داود. # ويكره الترجيع بقراءة القرآن واستماعه، لأنه تشبه بفعل الفسقة. وقيل: لا ~~بأس به إذا لم يخرج الحرف عن حده، والمد عن قدر مده لما ورد: «زينوا القرآن ~~بأصواتكم». رواه أحمد وجماعة، وصححه الحاكم عن البراء، وزاد الحاكم في ~~رواية عنه: «فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا». وفي رواية: «زينوا أصواتكم ~~بالقرآن». # وكره رفع الصوت عند قراءة القرآن وعند الجنازة وحين الزحف على العدو وحين ~~الوعظ، لأنه يذهب الهيبة والخشوع. ويحرم قيام التالي للقرآن، وكذا الراوي ~~للحديث، للداخل عليه، لأن فيه نوع إهانة له بإعراضه عنه وإقباله على من ليس ~~له عليه حق، إلا لأستاذه الذي علمه أو لأبيه، لما لهما عليه من حق ms1334 الإكرام ~~وزيادة الاحترام. # والقراءة عند القبور مكروهة عند أبي حنيفة، وتجوز عند محمد لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «اقرؤا يس على موتاكم». رواه أبو داود. # --- PageV05P292 ~~*** # وتحرم الغيبة والنميمة والكذب إلا للخديعة في الحرب لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «الحرب خدعة»، والصلح بين اثنين، ولإرضاء أهله لأنه من باب إصلاح ~~ذات البين. قال الله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو ~~معروف أو إصلاح بين الناس} وورد: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ويقول ~~خيرا وينمي خيرا». قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب ~~إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، (وحديث الرجل امرأته) وحديث ~~المرأة زوجها. رواه مسلم. ولدفع الظالم عن ظلمه لأنه نهي عن المنكر، وأخذ ~~على يد الظالم. # ويكره التعريض بالكذب لأنه كذب في الظاهر إلا عند الضرورة ك:أكلت يعني ~~أمس جوابا لمن دعاه إلى الأكل لأنه صادق في قصده. # ولا غيبة لفاسق معلن ولا لغير معين، ولا لظالم يؤذي الناس بقوله أو فعله، ~~ولا يأثم الساعي به إلى السلطان ليزجره بل يثاب عليه، لأنه من باب النهي عن ~~المنكر، والمنع عن الظلم. # والحاصل: أن الكلام إما مستحب كالأذكار، وإماحرام كالكذب والغيبة ~~والنميمة، وإما مباح كضروريات الإنسان من قوله: قم واقعد ونحو ذلك. وأما ما ~~لا يعنيه فتركه مستحب لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن من حسن (إسلام) المرء ~~تركه ما لا يعينه». # --- PageV05P293 ~~*** # واختلف هل يكتب المباح: فقيل: لا أصلا لقول ابن عباس: إن الملائكة لا ~~تكتب إلا ما كان فيه أجر أو وزر. وقيل: يكتب ذلك لظاهر قوله تعالى: {ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} فقيل: يكتب ذلك عليه ثم ينسخ متى قوبل ~~عليه باللوح المحفوظ كل اثنين وخميس، فما كان فيه جزاء خير أو شر ثبت، وما ~~لم يكن كذلك محي لقوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} ~~ولقوله: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}. وقيل: يكتب وينسخ يوم القيامة، ~~لأنه يوم الحساب والجزاء ms1335 إما بالثواب أو بالعقاب. والله أعلم بالصواب. # وينبغي لحافظ القرآن أن يختمه في ثلاثة أيام أو في أسبوع أو في شهر أو في ~~أربعين يوما، فإن نسيان القرآن من الكبائر. # ويتقدم الشاب العالم على الشيخ العابد الجاهل لقوله تعالى: {قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وقوله: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات} وقوله عليه الصلاة والسلام: «فضل العالم على العابد ~~كفضلي على أدناكم». رواه الترمذي عن أبي أمامة. وقوله: «فضل حملة القرآن ~~على من لم يحمله كفضل الخالق على المخلوق». رواه الديلمي عن ابن عباس. # ويسن السلام، وجوابه فرض كفاية لقوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها} وثواب هذه السنة أفضل من الفرض الذي هو جوابه، لأنها ~~سبب له، ولدلالته على التواضع لقوله عليه الصلاة والسلام: «البادىء بالسلام ~~بريء من الكبر». كذا في «شعب الإيمان». # --- PageV05P294 ~~*** # ولا يسلم وقت الخطبة والتلاوة لئلا يخل بالاستماع، وكون القاضي في ~~المحكمة حال كونه يحكم هيبة واحتشاما، وبهذا جرى الرسم. ويجب الرد إلا على ~~القاضي والخطيب لأن وجوبه على من يسن السلام عليه، وكذا لا يجب على من جلس ~~يفقه تلامذته أو يقرئهم القرآن، لأنه جلس للتعليم لا لرد التسليم. ويسلم ~~الراكب على الراجل لقوله عليه الصلاة والسلام: «يسلم الراكب على الماشي، ~~والماشي على القاعد، والقليل على الكثير». متفق عليه. ويسلم الرجل على ~~المرأة لأنه عليه الصلاة والسلام مر على نسوة فسلم عليهن. رواه الأمام أحمد. # ويجيب الذمي إذا سلم بقوله: وعليك، لما في «الصحيحين» عن ابن عمر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول ~~أحدهم: السام عليك، فقولوا: وعليك». ولا يبدؤه بالسلام لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «لا تبدؤا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق ~~فاضطروه إلى أضيقه». رواه مسلم. # ويجب كفاية تشميت العاطس الحامد ب: يرحمك الله، لأحاديث وردت بذلك، وإن ~~تكرر منه في مجلس يستحب إلى الثلاث، ولو زاد يقول: عافاك الله، لأن النبي ~~صلى ms1336 الله عليه وسلم قال لمن زاد: «الرجل مزكوم». ويجيب هو بقوله: «يهدينا ~~الله ويهديكم ويصلح بالكم» أو: «يغفر الله لنا ولكم» على ما ورد في الخبر. # كتاب الأشربة # --- PageV05P295 ~~*** # هي جمع الشراب وهو لغة: ما يشرب. وهنا ما يشرب ويسكر (حرم الخمر) لقوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من ~~عمل الشيطان} الآية. ولإجماع الأمة، ولصحيح الأخبار وهي كثيرة منها ما في ~~«الصحيحين» عن أنس بن مالك قال: كنت ساقي القوم، يوم حرمت الخمر في بيت أبي ~~طلحة وما شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي، فقال لي أبو ~~طلحة، اخرج فانظر، فخرجت فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فجرت ~~في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها فخرجت فأهرقتها. # وفي «صحيح مسلم» عن عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر ~~فقال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صديق من ثقيف أو من دوس فلقيه يوم ~~الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ~~فلان، أما علمت أن الله حرمها»؟ فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها. ~~فقال (له رسول الله صلى الله عليه وسلم ): «يا فلان، بماذا أمرته»؟ قال: ~~أمرته أن يبيعها. فقال: «إن الذي حرم شربها حرم بيعها». فأمر بها فأهرقت في ~~البطحاء. # (وهي): أي الخمر هو (النيء) بكسر النون في أوله وبهمزة في آخره وقد يدغم ~~(من ماء عنب غلا واشتد وقذف بالزبد، وإن قلت) الخمر وإن كانت قطرة. فإن ~~حرمتها غير معللة بالسكر ولا موقوفة عليه. وبعض المعتزلة أنكر حرمة عينها، ~~وزعم أن السكر حرام إذ به يحصل وقوع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله. ~~وذلك باطل مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة، فكان كفرا منهم. وهذا لأن ~~الله تعالى سماها رجسا، وهو اسم للحرام النجس عينا بلا شبهة. # --- PageV05P296 ~~*** # ولم يشترط أبو يوسف ومحمد القذف بالزبد، وهو قول مالك والشافعي وهو ~~الأظهر، لأن اللذة المطربة والقوة المسكرة تحصل ms1337 بالاشتداد، وهو المؤثر في ~~إيقاع العداوة والصد عن ذكر الله. والقذف بالزبد صفاء لا تأثير له في السكر. # ولأبي حنيفة: أن الغليان بداية الشدة وقذف الزبد كمالها، إذ به يتميز ~~الصافي عن الكدر. وأحكام الخمر قطعية كالحد وإكفار المستحل وحرمة البيع، ~~فيناط بالكمال. وقيل: يؤخذ في حرمة الشرب بمجرد الاشتداد احتياطا، فينبغي ~~أن يؤخذ في الحد والتكفير بقذف الزبد احتياطا. # (كالطلاء) أي كما حرم الطلاء (وهو) بكسر الأول (ماء عنب طبخ فذهب أقل من ~~ثلثيه) كذا في «الهداية». وفي «المحيط»: الطلاء: اسم للمثلث وهو ماء عنب ~~طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وصار مسكرا. وفي «الصحاح» مثل (ما في) ~~«المحيط» لكن من غير ذكر الإسكار. ويدخل في تفسير المصنف (المنصف) وهو ما ~~طبخ من ماء العنب حتى ذهب نصفه إلا أن يقال: مراد المصنف: ما ذهب أقل من ~~ثلثيه وأكثر من نصفه فلا يدخل. لكن المراد لا يدفع الإيراد. # ثم كل ذلك عندنا حرام إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، وإن لم يقذف فهو على ~~الخلاف لأنه رقيق ملذ مطرب يدعو قليله إلى كثيره، فيحرم شربه دفعا للفساد ~~المتعلق به كالخمر. وأما الباذق فاسم لذاهب ما دون النصف، فأظهر الروايتين ~~عن أبي حنيفة أنه بمنزلة المنصف في حكم البيع والحد، وعنه في رواية أخرى ~~أنه ألحق ذلك بالخمر في أنه لا يجوز بيعه كذا في «المبسوط». # (وغلظا) أي الخمر والطلاء (نجاسة) أي من جهة النجاسة. # (وحرم نقيع التمر أي السكر) بفتحتين (ونقيع الزبيب نيئين) تثنية النيء. ~~(إذا غلا) كل واحد منهما (واشتد). # --- PageV05P297 ~~*** # وعند أبي حنيفة: وإذا قذف بالزبد. وقال شريك بن عبد الله: السكر حلال ~~لقوله تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} ذكره ~~في موضع المنة وهي لا تتحقق بالمحرم، فأوجب إباحته. # ولنا: إجماع الصحابة على حرمة ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«الخمر من هاتين الشجرتين». والنص محمول على ما قبل التحريم فيكون منسوخا، ~~وهو مذهب الشعبي والنخعي. وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن ms1338 إبراهيم قال: قال عبد ~~الله: السكر خمر. وفيه عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه سئل عن السكر فقال: الخمر. # وقيل: السكر: نبيذ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ~~ثلثاه، ثم ترك حتى اشتد. وهو حلال عند أبي حنيفة إلى حد السكر، ويحتج بهذه ~~الآية، ويحمل السكر المذكور في الآية على هذا. وعن الشيخ أبي منصور ~~الماتريدي: معناه : تتخذون من الحلال الخالص ما هو حرام كقوله تعالى: {قل ~~أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا}. وأما نقيع ~~الزبيب فحرام عندنا خلافا للأوزاعي. # (وحرمة الخمر أقوى) لأنها قطعية (فيكفر مستحلها فقط) أي ولا يكفر مستحل ~~واحد من الثلاثة الأخر، لأن حرمتها اجتهادية، ويحد شاربها ولو قطرة، ولا ~~يحد شارب واحد من الثلاثة الأخر حتى يسكر. # (وحل المثلث العنبي) وهو ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه. (مشتدا) ~~لأنه لغلظه لا يحصل بشرب قليله الفساد، ولا يدعو قليله إلى كثيره بخلاف الخمر. # --- PageV05P298 ~~*** # قال البخاري: ورأى عمر وأبو عبيدة ومعاذ شرب الطلاء على الثلث. وروى ~~النسائي شربه عن أبي موسى. وقال أبو داود: وسألت أحمد عن شرب الطلاء إذا ~~ذهب ثلثاه وبقي ثلثه فقال: لا بأس به. قلت: إنهم يقولون: إنه يسكر قال: لو ~~كان يسكر لما أحله عمر. # وفي «المبسوط» عن داود بن (أبي هند) قال: قلت لسعيد بن المسيب: الطلاء ~~الذي كان يأمر عمر باتخاذه الناس ويسقيهم منه كيف كان؟ قال: يطبخ العصير ~~حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. وقال الأوزاعي: المنصف والباذق مباح، وهو قول ~~بعض أصحاب الظواهر وبعض المعتزلة. # (و) حل (نبيذ التمر والزبيب مطبوخا أدنى طبخة) بأن طبخ حتى نضج (وإن ~~اشتد، إذا شرب ما لم يسكر بلا نية لهو وطرب) بل بنية تقوي، لما روينا أن ~~رجلا شرب نبيذا من قربة عمر فسكر، فضربه الحد، فقال: إنما شربت من قربتك ~~فقال له عمر: إنما جلدناك لسكرك. وأن رجلا شرب من إداوة علي نبيذا بصفين ~~فسكر، فضربه الحد ثمانين. ولما ms1339 في «آثار محمد بن الحسن»: أخبرنا أبو حنيفة، ~~عن سليمان الشيباني، عن ابن زياد أنه أفطر عند عبد الله بن عمر، فسقاه ~~شرابا فكأنه أخذ منه، فلما أصبح غدا إليه فقال: ما هذا الشراب؟ ما كدت ~~أهتدي إلى منزلي. فقال ابن عمر: ما زدناك على عجوة وزبيب. # --- PageV05P299 ~~*** # ولقول علي رضي الله عنه: طاف النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة ~~أسبوعا، ثم استند إلى حائط من حيطان مكة، فقال: «هل من شربة»؟ فأتي بقعب من ~~نبيذ، فذاقه فقطب ورده إليه. فقام رجل من آل حاطب فقال: يا رسول الله، هذا ~~شراب أهل مكة، قال: فصب عليه الماء ثم شرب ثم قال: «حرمت الخمر بعينها ~~والسكر من كل». رواه العقيلي عن محمد بن الفرات، وأعله به. ورواه أيضا عن ~~عبد الرحمن بن بشر الغطفاني عن علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الأشربة عام حجة الوداع فقال: «حرم الله الخمر بعينها والسكر من كل ~~شراب». ثم قال: وعبد الرحمن هذا مجهول في الرواية والنسب وإنما يروي عن ابن ~~عباس من قوله. ورواه النسائي موقوفا عليه من طرق. # (و) حل (الخليطان) وهو أن يجمع التمر والزبيب، أو الرطب والبسر ويطبخ ~~أدنى طبخة ويترك إلى أن يغلي ويشتد. فإن قيل: أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزبيب والتمر، والبسر والتمر، وقال: ~~«نبيذ كل واحد منهما على حدته». أجيب: بأنه محمول على شدة العيش توسعة على ~~الناس. روى هذا محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم قال: ~~لا بأس بنبيذ خليط التمر والزبيب، وإنما كره لشدة العيش في الزمن الأول، ~~كما كره السمن واللحم، وكما كره الإقران. وأما إذا وسع الله على المسلمين ~~فلا بأس به. # --- PageV05P300 ~~*** # وحرمه مالك والشافعي لما قدمنا، ولما في الكتب الستة عن جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن ينبذ الزبيب والتمر جميعا، ونهى أن ينبذ ~~البسر والرطب جميعا. وفيها أيضا سوى ms1340 الترمذي عن عبد الله بن أبي قتادة، عن ~~أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خليط الزبيب والتمر، وعن خليط ~~البسر والتمر، وعن خليط الزهو والتمر، وقال: «انتبذوا كل واحد على حدة». ~~وعن مسلم عن (أبي سعيد) الخدري قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~نخلط بسرا بتمر، أو زبيبا بتمر، أو زبيبا ببسر وقال: «من شرب منكم النبيذ، ~~فليشربه زبيبا فردا، أو تمرا فردا، أو بسرا فردا». # ولنا ما قدمنا، (وما) في «كامل» ابن عدي عن أم سليم وأبي طلحة أنهما كانا ~~يشربان نبيذ الزبيب والبسر يخلطانه، فقيل له: يا أبا طلحة، إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا قال: إنما نهى عن العوز في ذلك الزمان كما ~~نهى عن الإقران. وفي «سنن أبي داود» عن صفية بنت عطية قالت: دخلت مع نسوة ~~من عبد القيس على عائشة فسألناها عن التمر والزبيب. فقالت: كنت آخذ قبضة من ~~(تمر وقبضته من) زبيب، فألقيه في إناء فأمرسه، ثم أسقيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # (و) (حل) (نبيذ العسل والتين والبر والشعير والذرة) وسائر الحبوب (وإن لم ~~يطبخ بلا نية لهو وطرب) بل للتقوي لما روى مسلم وغيره أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنب» وفي لفظ (لمسلم): ~~«الكرمة والنخلة». والمراد بيان الحكم، لأن الخمر حقيقة في ماء العنب. # --- PageV05P301 ~~*** # ولم يشترط في نبيذ العسل وما عطف عليه الطبخ، لأن قليله لا يدعو إلى ~~كثيره. ثم حل ذلك (في) قول أبي حنيفة وأبي يوسف، فلا يحد شاربه وإن سكر منه ~~ولا يقع طلاقه كالنائم وذاهب العقل بالبنج وبلبن الرماك، وهو بكسر، جمع ~~رمكة وهي الفرس الأنثى. وقال محمد، وهو قول مالك والشافعي: كل ما أسكر ~~كثيره حرم قليله من أي نوع كان. ويحد السكران منه ويقع طلاقه، كما في سائر ~~الأشربة المحرمة. والفتوى في زماننا على قول محمد حتى يحد من سكر من ~~الأنبذة المتخذة من الحبوب والعسل والتين واللبن، ms1341 لأن الفساق يجتمعون عليها ~~ويقصدون اللهو بشربها والسكر بها، ولما في «صحيح مسلم» من قوله عليه الصلاة ~~والسلام: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام». وفيه وفي «مسند أحمد» و«صحيح ابن ~~حبان»: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». # ولما في مسلم عن جابر: أن رجلا قدم من اليمن فسأل النبي عليه الصلاة ~~والسلام عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المزر فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أو مسكر هو»؟قال: نعم. قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~): «كل مسكر حرام، إن على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينه ~~الخبال ». وفي «الصحيحين» عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن البتع وهو نبيد العسل فقال: «كل شراب أسكر فهو حرام». وفي «سنن أبي ~~داود» و«ابن ماجه» و«الترمذي» عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن من الحنطة خمرا، وإن من الشعير خمرا، ومن الزبيب خمرا، ~~ومن العسل خمرا». وفي «سنن النسائي وابن ماجه» من حديث عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أسكر كثيره فقليله ~~حرام». وهكذا رواه الدارقطني عن علي مرفوعا. # --- PageV05P302 ~~*** # وفي «سنن أبي داود والترمذي» عن عائشة أنها سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام». وفي لفظ ~~الترمذي: «الحسوة منه حرام». ولما ذكر لابن المبارك حديث ابن مسعود رضي ~~الله عنه في كل مسكر، وهي الشربة التي أسكرتك قال: حديث باطل. وفي ~~«المبسوط»: ولأن المثلث بعدما اشتد خمر، لأن الخمر إنما سمي بهذا الاسم ~~لمخامرته العقل، وذلك موجود في سائر الأشربة المسكرة، وقد سماه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خمرا. ولو سماه أحد من أهل اللغة خمرا لكان يستدل بقوله ~~على إثبات هذا الاسم، فإذا سماه صاحب الشرع وهو أفصح العرب أولى. وأبو ~~حنيفة وأبو يوسف أوجبا الحد بالسكر من الأشربة المذكورة في الصحيح عنهما، ~~لما روينا ms1342 عن عمر وعلي، ولقطع مادة مفاسد لازمة للسكر منها. # (و) حل (خل الخمر ولو بعلاج) من إلقاء خل أو ملح فيها ليصير خلا، لإطلاق ~~ما أخرجه الجماعة إلا البخاري من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم: «نعم الإدام الخل» وقال مالك والشافعي: لا يحل تخليل ~~الخمر ولا أكل الحاصل منه لما أخرجه مسلم قال: سئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الخمر: أتتخذ خلا؟ قال: «لا». وأخرج أيضا عن أنس أن أبا طلحة سأل ~~النبي عليه الصلاة والسلام عن أيتام ورثوا خمرا. قال: «أهرقها». قال: أفلا ~~نجعلها خلا؟ قال: «لا». ولأن الصحابة أهرقوها حين نزلت آية التحريم، ولو ~~جاز التخليل لنبه عليه الصلاة والسلام عليه كما نبه أهل الشاة الميتة على ~~دباغ إهابها. # --- PageV05P303 ~~*** # وفي «مسند أحمد» عن ابن عمر قال: أمرني صلى الله عليه وسلم أن آتيه ~~بمدية، (قال) فأتيته بها، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق ~~الخمر، فشق ما كان من ذلك الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر أصحابه أن يمضوا ~~معي ويعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته ~~ففعلت، فلم أترك في أسواقها زقا إلا شققته. وأجاب الطحاوي بأن ذلك محمول ~~على التغليظ والتشديد بدليل أنه ورد في بعض طرقه الأمر بكسر الدنان فيما ~~روى الدارقطني والطبراني (في «معجمه»). وبدليل ما روى أحمد في «مسنده» عن ~~ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم شق زقاق الخمر بيده في أسواق المدينة. # وهذا صريح في التغليظ، لأن فيه إتلاف مال الغير، إذ قد كان يمكن إراقة ~~الدنان والزقاق وتطهيرها، ولكن قصد بإتلافها التشديد ليكون أبلغ في الردع. ~~قلت: ويؤيده ما رواه البيهقي كما تقدم عن أحمد وفيه: فقال الناس: إن في هذه ~~الزقاق منفعة يا رسول الله. قال: «أجل، ولكن إنما أفعل ذلك غضبا لله لما ~~فيه من سخطه». وفي «مسند أبي يعلى الموصلي» عن جابر بن عبد الله قال: كان ~~رجل يحمل الخمر من خيبر إلى المدينة ms1343 فيبيعها من المسلمين. فحمل منها بمال ~~فقدم فلقيه رجل من المسلمين فقال: إن الخمر قد حرمت فوضعها حيث انتهى على ~~تل، وسجاها بأكسية، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~بلغني أن الخمر قد حرمت. قال: «أجل». قال: فهل لي أن أردها على من ابتعتها ~~منه؟ قال: «لا» قال: أفأهديها إلى من يكافئني منها؟ قال: «لا» قال: فإن ~~فيها (مالا) ليتامى في حجري. قال: «إذا أتانا مال البحرين فأتنا نعوض ~~أيتامك من مالهم»، ثم نادى بالمدينة، فقال رجل: يا رسول الله الأوعية ينتفع ~~بها. قال:«فحلوا أوكيتها»، فانصبت حتى استقرت في بطن الوادي. # --- PageV05P304 ~~*** # ومن أدلتنا: ما في «سنن الدارقطني» عن فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد، عن ~~عمرة، عن أم سلمة أنها قالت: كان لنا شاة نحتلبها ففقدها النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «ما فعلت شاتكم»؟ قالوا: ماتت. قال: «أفلا انتفعتم ~~بإهابها»؟ فقلنا: إنها ميتة فقال صلى الله عليه وسلم: «إن دباغها يحل، كما ~~يحل خل الخمر». إلا أنه قال: تفرد به فرج بن فضالة (عن يحيى) وهو ضعيف يروي ~~عن يحيى بن سعيد أحاديث عدة لا يتابع عليها. وفي «المعرفة» للبيهقي عن ~~المغيرة بن زياد، عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «خير خلكم خل خمركم». ثم قال: تفرد به المغيرة عن أبي الزبير وليس ~~بالقوي. قال: وإن صح فهو محمول على ما إذا تخلل بنفسه وكذا أيضا حديث فرج ~~بن فضالة. قلت: ولا يخفى بعد هذا الحمل. # وفي «المبسوط»: حجتنا ما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال: «أيما إهاب ~~دبغ فقد طهر، كالخمر تخلل فتحل». ولا يقال: قد روي: «كالخمر تخلل» أي تخلل ~~فتحل»، لأن الروايتين كالخبرين فيعمل بهما. ثم إذا صارت خلا يطهر ما ~~يوازيها من الإناء، وأما أعلاه وهو الذي انتقص منه الخمر فقيل: يطهر تبعا. ~~وقيل: لا يطهر لأنه تنجس بإصابة الخمر، ولم يوجد ما يوجب طهارته فبقي نجسا. ~~ولا تحل هذه الأشربة الأربعة ms1344 بالطبخ بعد اشتدادها، لأنه لاقى عينا حراما ~~فلا يفيد الحل فيه كطبخ لحم الخنزير، وهذا لأنه ليس للنار تأثير في إثبات ~~الحل ولها تأثير في ثبوت صفة الحرمة فيه. # ثم بيع غير الخمر من هذه الأشربة جائز عند أبي حنيفة ومضمونة بالإتلاف، ~~لأنها شراب مختلف في إباحة شربها بين العلماء، فيجوز كالمثلث، وهذا لأنه ~~ليس من ضرورة حرمة التناول حرمة البيع، وقالا: لا يجوز بيعها كمالك ~~والشافعي، وهو الأظهر لأن عينها محرم التناول فلا يجوز بيعها كالخمر. # --- PageV05P305 ~~*** # (و) حل (الانتباذ في الدباء) وهو القرع (والحنتم) وهو الجرة الخضراء، ~~والمزفت، وهو الظرف المطلي بالزفت، وكذا النقير وهو المنقور (من الخشب) لما ~~روى الجماعة من حديث بريدة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال): «إني نهيتكم ~~عن الظروف فإن ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه، وكل مسكر حرام». وفي رواية: ~~«كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء غير أن لا ~~تشربوا مسكرا». وفي لفظ لمسلم: «كنت نهيتكم عن الظروف، والظروف لا تحل شيئا ~~ولا تحرمه، وكل مسكر حرام». # وفي «سنن أبي داود» عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهن: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن ~~زيارتها تذكرة، ونهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلا في ظروف الأدم، فاشربوا ~~في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تأكلوها ~~بعد ثلاث، فكلوا واستمتعوا بها في أسفاركم». # (وحرم شرب دردي الخمر) لأن فيه أجزاء الخمر فكان حراما ونجسا (والامتشاط ~~به) لأنه انتفاع به، والانتفاع بالنجس حرام. ولا يحد شاربه بلا سكر، لأن ~~وجوب الحد للزجر، والزاجر إنما يشرع فيما تميل الطباع إليه، ولا تميل ~~الطباع إلى شرب الدردي، بل تعافه وتنفر عنه، فأشبه غير الخمر من الأشربة ~~التي لا حد فيها إلا بالسكر، ويكره الاحتقان بالخمر وإقطارها في الإحليل ~~لأنه انتفاع بالنجس المحرم. والله سبحانه وتعالى أعلم. # كتاب الذبائح # --- PageV05P306 ~~*** # (حرم ذبيحة لم تذك) لقوله تعالى: {حرمت عليكم ms1345 الميتة والدم ولحم الخنزير ~~وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل ~~السبع إلا ما ذكيتم} أي أدركتم ذبحها. والمراد بالذبيحة: ما من شأنها أن ~~تذبح، ليتناول حرمة ما ليس بمذبوح، كالمتردية والنطيحة ونحوهما، وحرمة عضو ~~قطع من الحيوان، وليخرج السمك والجراد. # وذكاة الضرورة: (جرح أين كان من البدن و) ذكاة (الاختيار ذبح بين الحلق ~~واللبة) أي الصدر لما روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث مناديا ينادي في ~~مجامع منى: ألا إن الذكاة في الحلق. رواه الدارقطني. # (وعروقه) أي عروق الذبح (الحلقوم) وهو مجرى النفس، سواء كان الذبح في ~~وسطه أو في أعلاه أو في أسفله بعد أن يكون فيه، حتى لو ذبح أعلى من الحلقوم ~~أو أسفل منه يحرم، لأنه ذبح في غير المذبح، ذكره في «الواقعات»، وفي بعض ~~الفتاوى ما يخالف ذلك وهو أنه سئل عن ذبح شاة فبقيت عقدة الحلقوم فقال: ~~يجوز أكلها سواء بقيت العقدة مما يلي الرأس أو مما يلي الصدر. # --- PageV05P307 ~~*** # (والمريء) بفتح الميم وكسر الراء وهو مجرى الطعام والشراب، وهو رأس ~~المعدة والكرش اللازم بالحلقوم: (والودجان) وهما مجرى الدم. وفي «الهداية» ~~الحلقوم. مجرى العلف: والمريء: مجرى النفس، وهذا موافق لما في «مبسوط» شيخ ~~الإسلام خواهر زاده وهو: المريء: عرق أحمر هو مجرى النفس. ولما في ~~«الكشاف»: الحلقوم: مدخل الطعام والشراب، والأول أصح وقد ذكره القدوري في ~~«شرح مختصر الكرخي»، ويؤيده قوله تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم} ولما في ~~ديوان الأدب وهو: المريء: الذي يدخل فيه الطعام والشراب، ونحوه في ~~«المغرب»، وإنما كانت عروق الذبح هذه الأربعة لأن قطع الودجين لإنهار الدم ~~والحلقوم والمريء للتعجيل عليه. # (وحل) الذبح (بقطع أي ثلاث منها) عند أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف أولا، ~~ثم رجع إلى أنه لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. وعن محمد: أنه ~~لا بد من قطع أكثر كل واحد من الأربعة، وهو رواية عن أبي حنيفة، لأن كل فرد ~~منها أصل بنفسه لانفصاله عن غيره، وقد ورد الأمر بقطعه، ms1346 ولأبي يوسف: أن ~~المقصود من قطع الودجين إنهار الدم فينوب أحدهما عن الآخر. ولأبي حنيفة: أن ~~الأكثر يقام مقام الكل في كثير من الأحكام، ويحصل بأي ثلاث منها إنهار الدم ~~كذا ذكروه، وفيه أن أكثر الشيء يقوم مقام كله لا أكثر الأشياء، وبهذا يتبين ~~أن الأظهر قول محمد. # --- PageV05P308 ~~*** # ثم المعتمد أن الذبح الاختياري يتعين بين الحلقوم واللبة وهي المنحر تحت ~~العقدة على ما صرح به في ذبائح «الذخيرة»: أن الذبح إذا وقع أعلى من ~~الحلقوم لا يحل، وكذا في فتاوى أهل سمرقند لأنه ذبح في غير المذبح. والأصل ~~في ذلك قول عمر وابن عباس: الذكاة في الحلق واللبة. رواه عبد الرزاق في ~~«مصنفه». وفي «سنن الدارقطني» عن سعيد بن سلام العطار: حدثنا عبد الله بن ~~بديل الخزاعي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بديل بن ورقاء (الخزاعي) على جمل أورق يصيح في ~~فجاج منى: ألا إن الذكاة في الحلق واللبة. ثم قال: وسعيد بن سلام يحدث ~~بالبواطل متروك. وقال في «التنقيح»: هذا إسناد ضعيف بالمرة، وسعيد بن سلام ~~أجمع الأئمة على ترك الاحتجاج به، وكذبه ابن نمير، وقال البخاري: يذكر بوضع ~~الحديث. # إذا عرفت هذا (فلم يجز) الذبح (فوق العقدة) أي عقدة الحلقوم بأن يكون ~~الذبح بينهما وبين الرأس (بل لا بد أن يكون) تحت العقدة بأن يكون الذبح ~~بينهما وبين اللبة، لأنه لم يحصل حينئذ قطع واحد من الحلقوم والمريء. ~~والأصحاب وإن اشترطوا قطع الأكثر فلا بد عندهم من قطع الحلقوم أو المريء. ~~وقال مالك: لا بد من قطع الأربع. (وقيل: يجوز) سواء بقيت (العقدة) مما يلي ~~الرأس أو مما يلي الصدر. شرط في الذبح أن يكون حلالا خارج الحرم في حق الصيد. # (وحل) الذبح (بكل ما فيه حدة) ولو كان ليطة بكسر اللام: وهي قشر القصب، ~~أو مروة وهي الحجر الحاد لما في «سنن أبي داود والنسائي» عن عدي بن حاتم، ~~قلت: يا رسول الله، أرأيت أحدنا ms1347 يصيب صيدا وليس معه سكين، أيذبح بالمروة ~~وشقة العصا؟ قال «امر الدم بما شئت، واذكر اسم الله». # --- PageV05P309 ~~*** # وفي رواية لمسلم: «أفر الأوداج بما شئت، واذكر اسم الله عليه». # وفي «مصنف (ابن) أبي شيبة» عن رافع بن خديج قال: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الذبح بالليطة قال: «كل ما أفرى الأوداج إلا سنا وظفرا». وهذا ~~معنى قوله: (إلا سنا وظفرا قائمتين) وقال الشافعي: لا يجوز بهما الذبح سواء ~~كانتا قائمتين أو غير قائمتين لما رواه الستة عن عباية بن رفاعة بن رافع بن ~~خديج عن جده، أنه قيل: يا رسول الله إنا نكون في المغازي وليس معنا مدى ~~أفنذبح بالقصب؟ قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس الظفر ~~والسن، أما الظفر فمدى الحبشة، وأما السن: فعظم». أخرجوه مختصرا ومطولا وفي ~~رواية: «فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما ~~الظفر فمدى الحبشة». # قال ابن القطان في كتابه: هذا حديث برواية مسلم من حديث سفيان الثوري عن ~~رافع بن خديج قال: كنا... الحديث. وقال: والشك في قوله أما السن: هل هو من ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو لا؟ فقد رواه أبو داود عن أبي الأحوص عن ~~سعيد بن مسروق، (والد سفيان) عن عباية بن رفاعة بن رافع عن أبيه عن جده ~~رافع بن خديج قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله ~~إنا نلقى العدو غدا وليس عندنا مدى أفنذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال عليه ~~الصلاة والسلام: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا». # --- PageV05P310 ~~*** # قال رافع: سأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة. قال: ~~فهذا كما ترى فيه بيان قوله (أما السن من كلام رافع وليس في حديث مسلم نص ~~أن قوله): «أما السن» من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فبينه أبو الأحوص ~~من قول رافع لأنه محتمل فيه. قال: وليس لأحد أن ms1348 يقول: أخطأ أبو الأحوص إلا ~~كان لآخر أن يقول: أخطأ مخالفه لأنه ثقة، كذا في التخريج باختصار. والحاصل ~~أنه عليه الصلاة والسلام لم يفصل بين القائم وغيره فدل على عدم جواز الذبح ~~بهما مطلقا. # ولنا ما أخرج البخاري أيضا عن كعب بن مالك أن جارية لهم كانت ترعى بسلع ~~فأبصرت بشاة من غنمها موتا، فكسرت حجرا فذبحتها. فقال لأهله: لا تأكلوا حتى ~~آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله، أو حتى أرسل إليه (من يسأله)، فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعث إليه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأكلها. # وإذا صلح الحجر آلة للذبح لمعنى الجرح، فكذا الظفر والسن المنزوعان بخلاف ~~غير المنزوع، فإنه يوجب الموت بالثقل مع الحدة، فتصير الذبيحة في معنى ~~المنخنقة. نعم، يكره الذبح بالمنزوع لما فيه من زيادة الضرر بالحيوان كما ~~لو ذبح بشفرة كليلة. وحديث عباية يحمل على القائمتين توفيقا بين الأحاديث، ~~ولأن الحبشة يحددون أسنانهم، ولا يقلمون أظفارهم، ويقاتلون بالخدش والعض. # --- PageV05P311 ~~*** # (وكره النخع) وهو بنون ومعجمة فمهملة أن يبلغ بالسكين النخاع وهو بضم ~~النون والكسر والفتح: عرق أبيض في جوف عظم الرقبة (يمتد إلى الصلب) لما ~~أخرجه الطبراني والبيهقي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~الذبيحة أن تفرس قبل أن تموت، وفي غريب الحديث: الفرس: أن تذبح الشاة ~~فتنخع. وقيل: معنى النخع: أن يمد رأسه حتى يظهر مذبحه. وقيل: أن يكسر عنقه ~~قبل أن يسكن اضطرابه، وكل ذلك مكروه لما فيه من زيادة تعذيب الحيوان وقد ~~نهينا عنه. # (و) كره (السلخ قبل أن تبرد وكل تعذيب بلا فائدة) كقطع الرأس وجر ما يريد ~~ذبحه إلى المذبح. ثم الكراهة في هذه لمعنى زيادة الألم قبل الذبح أو بعده ~~فلا يوجب التحريم، بل يوجب التنزيه لما أخرجه الجماعة عن شداد بن أوس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا ~~قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ~~ذبيحته». ms1349 و«على» في الحديث بمعنى اللام وعلى مقدرة فيه أي: كتب عليكم بمعنى أوجب. # وأخرج الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح على شرط الشيخين عن ابن عباس أن ~~رجلا أضجع شاتا يريد أن يذبحها وهو يحد شفرته فقال (له) النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «أتريد أن تميتها موتتين؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها». ~~والشفرة هي: السكين العظيم. وفي «سنن ابن ماجه» عن ابن عمر، قال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم. وقال: ~~«إذا ذبح أحدكم فليجهز» أي ليسرع. # (شروط الذابح) # --- PageV05P312 ~~*** # (وشرط كون الذابح مسلما) لقوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} (أو كتابيا) ولو ~~كان الكتابي حربيا لقوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} والمراد ~~مذكاهم لإطلاق قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} لأن مطلق الطعام غير المذكى يحل ~~من أي كافر كان بالإجماع، ويشترط أن لا يذكر الكتابي عند الذبح غير الله، ~~حتى لو ذكر المسيح أو عزيرا لا تحل ذبيحته. # (أو) ولو كان الذابح (امرأة) لما تقدم، (أو مجنونا) إذ لا يشترط التكليف ~~بغير الإسلام في حقه (أو صبيا يعقل) كما في سائر أفعاله من الصلاة والصوم ~~ونحوهما من العبادات والمعاملات، ويضبط الذبيحة والتسمية. (أو أقلف أو ~~أخرس) ولو كتابيا لإطلاق ما تلونا من قوله إلا ما ذكيتم أيها المؤمنون، ~~ولأن عذر المجنون والأخرس أبين من عذر الناسي، فأقيمت الملة مقام التسمية ~~في حق الناسي، ففي حق المجنون والأخرس أولى. # (لا من لا كتاب له) أي وشرط أن لا يكون الذابح غير كتابي مجوسيا أو ~~وثنيا، أما المجوسي فلما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة في «مصنفيهما» عن ~~علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام، فمن ~~أسلم قبل منه، ومن لم يسلم ضرب عليه الجزية، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ~~ذبائحهم. # (ولأنه لا يدعي التوحيد فانعدمت منه الملة اعتقادا، كما في المسلم، ~~ودعوى، كما في الكتابي). # وأما الوثني فلأنه مثل المجوسي في عدم دعوى التوحيد. ms1350 # --- PageV05P313 ~~*** # (ولا مرتدا) لأنه لا ملة له إذ لا يقر على ما انتقل إليه، ولهذا لا يجوز ~~نكاحه بخلاف اليهودي إذا تنصر، والنصراني إذا تهود، والمجوسي إذا تنصر أو ~~تهود، فإنه يقر على ما انتقل إليه عندنا، فيعتبر ما هو عليه عند الذبح ولو ~~تمجس اليهودي أو النصراني لا تحل ذكاته لأنه لا يقر على ذلك. # ويشترط بالتسمية في ذكاة الاختيار أن يقصد أنها للذبيحة. ولو سمى ولم ~~تحضره النية حلت، لأنه أتى بالتسمية، وظاهر حاله أنها للذبيحة فتقع عنها، ~~ولو سمى لابتداء الفعل كسائر الأفعال لا تحل الذبيحة. ويشترط أن يسمي حالة ~~الذبح لقوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صوآف} وهذه الحالة حالة النحر ~~وحالة الذبح أختها، فيكون مثل هذا الحكم لها. وأن يذبح عقيب التسمية قبل أن ~~يتبدل المجلس، فلو سمى واشتغل بعمل آخر من كلام قليل، أو شرب ماء، أو أكل ~~لقمة أو تحديد شفرة ثم ذبح تحل الذبيحة، وإن كان بعمل كثير لا تحل، لأن في ~~إيقاع الذبح متصلا بالتسمية بحيث لا يتخلل بينهما شيء حرجا فأقيم المجلس ~~مقام الاتصال. # ولا تؤكل ذبيحة المحرم الصيد، لأن فعله فيه غير مشروع وذبيحته غير الصيد ~~تؤكل، لأن فعله مشروع. وما ذبح من الصيد في الحرم حرام ولو ذبحه حلال، لأنه ~~منهي عنه فلا يكون مشروعا، وكذا يحرم لو صيد خارج الحرم ثم أدخل فيه فذبح ~~خلافا للشافعي. # --- PageV05P314 ~~*** # (و) لا (تارك التسمية عمدا) مسلما كان أو كتابيا؛ (وبه قال مالك) وقال ~~الشافعي رحمه الله: يحل متروك التسمية عمدا لأنها عنده سنة، ولما رواه ~~الدارقطني عن مروان بن سالم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن (أبي) كثير، عن أبي ~~سلمة، عن أبي هريرة قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: الرجل منا يذبح ~~وينسى أن يسمي الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسم الله على كل ~~مسلم». وفي لفظ: «على فم كل مسلم». قلنا: مروان بن سالم ضعيف ضعفه ~~الدارقطني وابن القطان وابن عدي وأحمد والنسائي على ما في «المحيط»، ms1351 وأما ~~ما رواه أبو داود في «المراسيل» عن عبد الله بن داود، عن ثور بن يزيد، عن ~~الصلت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله ~~أولم يذكر». فقد قال ابن القطان: فيه مع الإرسال أن الصلت السدوسي لا يعرف ~~له حال ولا يعرف بغير هذا الحديث، ولا روى عنه غير ثور بن يزيد. # ولنا: إطلاق قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه ~~لفسق} أي وإن الذي لم يذكر اسم الله عليه حرام، لأن الفسق هو الخروج عن ~~الطاعة، وإن مطلق النهي يقتضي التحريم. وما أخرجه أصحاب الكتب الستة عن عدي ~~بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إني أرسل كلبي وأجد معه كلبا آخر لا أدري ~~أيهما أخذه قال: «لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الكلب ~~الآخر». ووجه الدلالة على أنه علل الحرمة بترك التسمية عمدا. # --- PageV05P315 ~~*** # (وإن نسي التسمية صح) لأن النسيان مرفوع الحكم عن الأمة بقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان». ولأن في اعتباره حرجا لأن ~~الإنسان كثير النسيان، والحرج مرفوع في الشرع، وفي المسألة خلاف مالك ~~مستدلا بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام لعدي: «إذا رميت سهمك فاذكر اسم ~~الله عليه». وقوله عليه الصلاة والسلام: (له) أيضا: «إذا أرسلت كلبك وسميت، ~~فأخذ فقتل، فكل» إذ لا فصل فيه، فيفيد الحرمة بحالة العمد زيادة على النص، ~~فيجري مجرى النسخ، وقد سبق الجواب عنه. # ووقت التسمية في غير الصيد عند الذبح لقوله تعالى: {فاذكروا اسم الله ~~عليها صوآف} وهي حالة النحر، وفي الصيد عند الرمي أو إرسال الجارح، لأن ~~التكليف بحسب الوسع. وفي «الخلاصة»: ولو ذبح ولم يظهر الهاء في باسم الله: ~~إن قصد ذكر اسم الله يحل، (وإن لم يقصد أو قصد ترك الهاء لا يحل). ولو ذبح ~~المنخنقة، أو الموقوذة وهي المضروبة بنحو خشب أو حجر، أو المتردية التي ~~تردت من علو أو بئر، أو النطيحة التي نطحتها أخرى أو التي شق ms1352 الذئب بطنها ~~وفيها حياة خفيفة حلت في ظاهر الرواية. وتحل ذبيحة علم حياتها قبل الذبح ~~وإن لم تتحرك ولم يخرج منها دم لأن سبق الحياة قرينة على أن الموت حصل ~~بالذكاة، وإن لم يعلم بسبق حياتها، فلا بد من وجود أحدهما وهو الحركة أو ~~خروج الدم ليعلم بقاء الحياة عند الذكاة. # وحرم الدم المسفوح لقوله تعالى: {أو دما مسفوحا} وكره أن يأكل من الشاة ~~الحيا وهو الرحم والخصية، والغدة، والمثانة وهي موضع البول والمرارة، وهي ~~التي فيها المرة لما في «سنن البيهقي» وغيره أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~يكره من الشاة إذا ذبحت سبعا: الدم، والمرارة، والذكر، والأنثيين، والحيا، ~~والغدة والمثانة. # --- PageV05P316 ~~*** # (و) حرم المذبوح (إن عطف على اسم الله غيره) موصولا به على سبيل الشركة ~~(نحو: باسم الله واسم فلان) أو باسم الله وفلان، أو باسم الله وبمحمد، لأنه ~~أهل به لغير الله، لأن العطف للتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه. ولا يعتبر ~~بالإعراب، لأن كلام الناس اليوم لا يجري عليه، وفي «النوازل» سئل أبو نصر ~~عن رجل ذبح شاة فقال: باسم الله واسم فلان: قال: سمعت محمد بن سلمة قال: ~~سمعت إبراهيم بن يوسف يقول: يصير ميتة. وقال محمد بن نصر: لا تصير ميتة إذ ~~لو صارت ميتة لصار الرجل كافرا. انتهى. # ولا يخفى أنه لا ملازمة، لأن عدم التكفير إنما هو لعدم اعتقاده الشركة، ~~والحكم بالميتة لصورة التشريك، فرجع الحكم في كل منهما إلى الأحوط في بابه. # (وكره إن وصل ولم يعطف نحو: باسم الله اللهم تقبل من فلان) لأن الشركة لم ~~توجد، فلم يكن الذبح لغير الله فلا يحرم، ولكن يكره لوجود القران في الصورة ~~فينزه لكمال الاحتياط. وفي «النوازل»: ولو قال: باسم الله ومحمد رسول الله ~~بالخفض لا يحل. وقال بعضهم: هذا إذا كان يعرف النحو، والأوجه أن لا يعتبر ~~الإعراب بل يحرم مطلقا بالعطف، لأن كلام الناس اليوم لا يجري عليه. وأما ~~إذا قال: باسم الله ومحمد رسول الله بالنصب أو الرفع فيكره، وإذا قال: باسم ms1353 ~~الله محمد رسول الله بالجر فيحرم المذبوح لأنه أهل به لغير الله. وقد قال ~~الله تعالى: {وما أهل لغير الله به} ولقول ابن مسعود: جردوا التسمية. # --- PageV05P317 ~~*** # (وحل إن فصل صورة ومعنى كالدعاء قبل الإضجاع و) الدعاء قبل (التسمية) أو ~~بعد الذبح لعدم القران أصلا بأن يقول: اللهم تقبل من فلان كما روي أنه عليه ~~الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يذبح أضحيته قال: «اللهم هذا منك ولك، إن ~~صلاتي ونسكي» إلى «وأنا من المسلمين، باسم الله والله أكبر». # وأخرج الحاكم في «المستدرك» وقال: حديث صحيح عن أبي رافع أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين أملحين أقرنين، فإذا خطب وصلى ~~ذبح أحد الكبشين بنفسه بالمدية (وفي نسخة بالمدينة) ثم يقول: «هذا عن أمتي ~~جميعا ممن شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ»، ثم أتى بالآخر فذبحه وقال: ~~«اللهم هذا عن محمد وآل محمد»، ثم يطعمهما المساكين ويأكل هو وأهله منهما، ~~فمكثنا سنين وقد كفانا الله الغرم والمؤنة ليس أحد من بني هاشم يضحي. ~~والكبش الأملح: هو الأغبر الذي فيه بياض وسواد. # ثم الشرط هو الذكر الخالص حتى لو قال عند الذبح: اللهم اغفر لي، واكتفى ~~به لا تحل الذبيحة، لأنه دعاء. ولو قال: سبحان الله، والحمد لله يريد به ~~التسمية حلت. وذكر الحلواني: أنه يستحب أن يقول: باسم الله الله أكبر، لأن ~~ذكر الواو يقطع فور التسمية يعني وفورها أولى. وأما ما في «الهداية» لقول ~~ابن مسعود: جردوا التسمية. فالمعروف عنه: جردوا القرآن # --- PageV05P318 ~~*** # (وندب نحر الإبل) وهو قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر، لأنه فيها ~~أيسر، لأن العروق مجتمعة في المنحر. (وكره ذبحها) لأنه خلاف السنة، وإنما ~~حل لحصول المقصود وهو تسييل الدم والتعجيل (وفي البقر والغنم عكسه) فندب ~~ذبحهما لأن الذبح فيهما أيسر، وكره نحرهما لأنه خلاف السنة، لأنه صلى الله ~~عليه وسلم نحر الإبل وذبح البقر والغنم. وقد قال الله تعالى: {فصل لربك ~~وانحر} أي الجزور وقال: {إن ا يأمركم أن تذبحوا بقرة} ms1354 وقال الله تعالى: ~~{وفديناه بذبح عظيم} أي مذبوح وهو كبش سمين. # وكذا كره الذبح من القفا وبه قال الشافعي. وحكم مالك بحرمة العكس لما ~~سبق. وذبح القفا لمخالفة المشروع، وصار كالجرح في غير محل الذبح، ولنا: ما ~~روينا من قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه ~~فكلوه» ولأن المقصود تسييل الدم وهو حاصل. # (وكفى الجرح في نعم توحش أو سقط في بئر ولم يمكن ذبحه) ولا نحره. وقال ~~مالك: لا يحل بذكاة الاضطرار في الوجهين، لأن ذلك نادر ولا عبرة للنادر في ~~الأحكام قلنا: إذا وقع لا بد من اعتباره، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم: ~~«إن لها أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا» قاله في ~~بعير ند فرماه رجل بسهم. (لا في صيد استأنس # ) لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار والعجز ~~متحقق في الأول دون الثاني. # --- PageV05P319 ~~*** # (ولا يحل) أي ويحرم (جنين ميت وجد في بطن أمه) سواء أشعر أو لم يشعر، ~~وهذا عند أبي حنيفة وزفر، والحسن بن زياد، وهو قول إبراهيم والحكم بن عيينة ~~لقوله تعالى: {والمنخنقة} ولقوله عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم: «إذا ~~وقعت رميتك في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري أن الماء قتل أو سهمك» فقد حرم ~~الأكل عند وقوع الشك في سبب زهوق الروح، وذلك موجود في الجنين، فإنه لا ~~يدري أنه مات بذبح الأم أو باحتباس نفسه. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تم خلقه ~~حل وبه قال الشافعي، لما أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن ~~عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذكاة الجنين ذكاة ~~أمه» وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود: وقال قلنا يا رسول الله، ننحر ~~الناقة، ونذبح البقرة أو الشاة وفي بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: ~~«كلوه إن شئتم، فإن ذكاته من ذكاة أمه». ورواه الدارقطني في «سننه» من حديث ~~ابن مسعود وابن عباس وزاد: «أشعر أو ms1355 لم يشعر». وأسنده الحاكم في «المستدرك» ~~باللفظ الأول من حديث ابن عمر وأبي أيوب وأبي هريرة، وأسنده البزار من حديث ~~أبي أمامة وأبي الدرداء. # --- PageV05P320 ~~*** # وأجيب بأن معنى الحديث: كذكاة أمه، والتشبيه بهذا الطريق كثير، ومنه قوله ~~تعالى: {وجنة عرضها السموات والأرض} ويدل على هذا أنه روي «ذكاة أمه» ~~بالنصب، أي يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه. والتحقيق أن هذا التأويل إنما يصح في ~~الرواية بالنصب إذا كان المنزوع حرف الكاف كقوله تعالى: {وهي تمر مر ~~السحاب}، ويحتمل بالباء أيضا، لكن إن جعلناه الكاف لم يحل الجنين، وإن ~~جعلناه الباء يحل، ومتى اجتمع الموجب للحل والموجب للحرمة يغلب الموجب ~~للحرمة. وعلل إبراهيم النخعي فقال: ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين، وبسط ~~الكلام عليه في «المبسوط». # وزبدة كلام أبي حنيفة: أن الله حرم الميتة وشرط الذكاة بقوله: {إلا ما ~~ذكيتم} فيحرم الجنين الميت بنص الكتاب، وما روي لا يعارض الدليل القطعي في ~~فصل الخطاب، وفيه أنه عليه الصلاة السلام مبين للكلام. فإن قيل: لو لم يحل ~~أكله بذكاة أمه لما حل ذبح أمه، لأن في ذبحها إضاعته، وقد نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن إضاعة المال. أجيب بأن موته ليس بمتيقن، بل يرجى إدراكه ~~حيا فيذبح، فلا يحرم ذبح أمه. ويكره ذبح الحامل المقرب: وهي التي قربت ~~ولادتها، لأن في ذلك ترك التحرم. # (ولا يحل ذو ناب أو ذو مخلب من سبع) بيان لذي ناب (أو طير) بيان لذي مخلب ~~لما أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه وغيرهم عن ابن عباس قال: نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن أكل كل ذي ~~مخلب من الطير. والفقرة الأولى أخرجها الجماعة عن أبي ثعلبة. وفي رواية ~~لمسلم: «كل ذي ناب من السباع حرام. # --- PageV05P321 ~~*** # والسبع: كل مختطف منتهب جارح قاتل عاد في العادة، فذو الناب من السباع: ~~الأسد، والذئب والنمر والفهد والثعلب والضبع والكلب والسنور البري والأهلي، ~~وذو المخلب من الطير: الصقر والبازي والنسر والعقاب والشاهين. ms1356 والمؤثر في ~~الحرمة الإيذاء: وهو طورا يكون بالناب، وطورا يكون بالمخلب، أو الخبث: وهو ~~قد يكون خلقة كما في الخنزير، وقد يكون عارضا كما في الجلالة. ومعنى ~~التحريم تكريم بني آدم لئلا يتعدى شيء من هذه الأوصاف الذميمة إليهم ~~بالأكل. # (ولا يحل الحشرات) والهوام والزنابير واليربوع والقنفذ وغيرها، لأنها من ~~الخبائث وقال الله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} ولأن الطباع السليمة ~~تستخبثها. (ولا الحمير الأهلية ولا البغال) اتفاقا (ولا) يحل (الخيل عند ~~أبي حنيفة) أي يكره أكل لحمه لما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ~~خالد ابن الوليد قال: نهى صلى الله عليه وسلم عن لحوم الخيل والبغال ~~والحمير. وهذا لفظ ابن ماجه، وأما لفظ أبي داود قال: غزوت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأتت اليهود فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم فقال: ~~«لا يحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم الحمير الأهلية وخيلها ~~وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير». ورواه الواقدي في ~~«المغازي» مثل أبي داود ثم قال: ثبت عندنا أن خالدا لم يشهد خيبر وأسلم قبل ~~الفتح هو وعمرو بن العاص وعثمان بن أبي طلحة أول يوم من يوم صفر سنة ثمان. # --- PageV05P322 ~~*** # وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس بأكل الخيل لما أخرجه البخاري في غزوة خيبر، ~~ومسلم في الذبائح عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل وفي لفظ للبخاري: ~~ورخص في لحوم الخيل. وعورض بحديث خالد، وأجيب: بأن حديث جابر صحيح، وحديث ~~خالد فيه كلام. ولحم الخيل مكروه تحريما في رواية عن أبي حنيفة، فإن قوله ~~في «الجامع الصغير»: أكره لحم الخيل، يدل على أنه كراهة تحريم لما روي أن ~~أبا يوسف قال لأبي حنيفة: إذا قلت في شيء أكرهه فما رأيك فيه؟ قال: ~~التحريم. # وفي ظاهر الرواية مكروه تنزيها، وبه قالا، وهو الصحيح لما قدمناه، ولما ~~في الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر ms1357 قالت: نحرنا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فرسا فأكلناه. وفي رواية: أكلنا لحم فرس عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم ينكره. ولقول جابر بن عبد الله: إنهم ذبحوا يوم خيبر الحمير ~~والبغال والخيل فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمير والبغال، ولم ~~ينههم عن الخيل. رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح على شرط مسلم. ولم ~~يخرجاه. # وأما ما احتج في «المبسوط» وغيره بقوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها وزينة} فقال: قد من الله على عباده بما جعل لهم من منفعة الركوب ~~والزينة في الخيل، ولو كان مأكولا لكان الأولى بيان منفعة الأكل، لأنها ~~أعظم المنافع وبه بقاء النفوس، ولا يليق بذكر الحكيم ترك أعظم وجوه المنفعة ~~وذكر ما دون ذلك في مقام المنة، ألا ترى أنه تعالى في الأنعام ذكر الأكل ~~بقوله: {ومنها تأكلون}. انتهى. فلا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما ~~يقصد منه غالبا أن لا يقصد غيره أصلا، ويدل عليه أن الآية مكية، وعامة ~~المفسرين والمحدثين على أن الحمر الأهلية حرمت يوم خيبر. # --- PageV05P323 ~~*** # (ولا الضبع) وهو قول سعيد بن المسيب والثوري لأنه ذو ناب ولما في «سنن ~~الترمذي» عن ابن جزء قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الضبع ~~فقال: «أو يأكل الضبع أحد فيه خير». رواه ابن ماجه ولفظه: «ومن يأكل ~~الضبع»؟ وحل عند الشافعي وأحمد وإسحاق لما في «سنن الترمذي وابن ماجه ~~والنسائي» عن عبد الرحمن بن أبي عمار قال: سألت جابرا عن الضبع أصيد هي؟ ~~قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: أشيء سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ؟ قال: نعم. ورواه الحاكم في «مستدركه» عن جابر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن ~~ويؤكل». وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه. وقال مالك: يكره أكلها. والمكروه ~~عنده: ما أثم بأكله ولا يقطع بتحريمه. # (ولا اليربوع) لأنه من الحشرات، وفيه خلاف الشافعي وأحمد، ولنا: ms1358 ما روى ~~أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى الموصلي عن عبد الله بن يزيد السعدي قال: ~~سألت سعيد بن المسيب: أن أناسا من قومي يأكلون الضبع؟ فقال: إن أكلها لا ~~يحل وكان عنده شيخ أبيض الرأس واللحية، فقال ذلك الشيخ: يا عبد الله ألا ~~أخبرك بما سمعت أبا الدرداء يقول فيه؟ قلت: نعم. قال: سمعت أبا الدرداء ~~يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي خطفة ونهبة ومجثمة، ~~وكل ذي ناب من السباع. فقال سعيد: صدق. والمجثمة بتشديد المثلثة المفتوحة: ~~كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل، إلا أنها تكثر في الطير والأرانب وأشباه ذلك. ~~يجثم الأرض يلزمها ويلزق بها، وجثوم الطير بمنزلة بروك الإبل. # --- PageV05P324 ~~*** # (ولا يحل الغراب الذي يأكل الجيف) لأنه بأكلها صار كسباع الطير، وأما ~~غراب الزرع فحلال كما سيأتي (ولا) يحل (حيوان مائي) لقوله تعالى: {ويحرم ~~عليهم الخبائث} وما سوى السمك خبيث، فقد أخرج أبو داود والنسائي عن ~~عبدالرحمن ابن عثمان القرشي: أن طبيبا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الضفدع يجعلها في الدواء فنهى عن قتلها. ورواه أحمد وإسحاق وأبو داود ~~الطيالسي في «مسانيدهم» والحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد. قال: ~~المنذري فيه دليل على تحريم أكل الضفدع، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن قتله. والنهي عن قتل الحيوان إما لحرمته كالآدمي، وأما لتحريم أكله ~~كالصرد، والضفدع ليس بمحترم فكان النهي منصرفا إلى أكله. # (سوى سمك لم يطف) من طفا إذا علا. وفي «الجامع الصغير»: إن وجد السمك ~~ميتا على وجه الماء وبطنه من فوق لم يؤكل لأنه طاف، وإن كان ظهره من فوق، ~~أكل، لأنه ليس بطاف أي لم يعل على الماء. قيد به لأن السمك الطافي يكره ~~أكله عندنا، لما أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث جابر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا ~~فلا تأكلوه». وهو حجة على مالك والشافعي في إباحتهما الطافي. ms1359 وجزر بجيم ~~فزاي فراء: انكشف. وفي رواية: «فحسر»: وهو بمعناه. وروى ابن أبي شيبة وعبد ~~الرزاق في «مصنفيهما» كراهة أكل الطافي عن جابر بن عبد الله (وعلي) وابن ~~عباس وابن المسيب وأبي الشعثاء والنخعي وطاوس والزهري. # --- PageV05P325 ~~*** # (وحل الجراد) أي إجماعا (وأنواع السمك) أي من الجريث والمارماهي ونحوهما ~~ما عدا الطافي، فإنه مكروه عندنا (بلا ذكاة) لما أخرجه الشافعي وأحمد وابن ~~ماجه في كتاب الأطعمة من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: ~~فالكبد والطحال». # وأطلق مالك والشافعي (في حل حيوان البحر، وقيل: عند الشافعي): إن أكل ~~مثله في البر حل وإلا فلا كالكلب والحمار، وفي الخنزير البحري قولان في ~~مذهب مالك. لهما على إطلاق الحل قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه ~~متاعا} من غير فصل وقوله عليه الصلاة والسلام: «هو الطهور ماؤه، الحل ~~ميتته». # --- PageV05P326 ~~*** # وما في «الصحيحين» عن جابر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ~~علينا أبا عبيده نتلقى عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، ~~فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة فكنا نمصها كما يمص الصغير، ثم نشرب عليه ~~من الماء فتكفينا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء ~~فنأكله. قال: فانطلقنا على ساحل البحر فألقى لنا البحر دابة يقال لها ~~العنبر. قال أبو عبيدة: ميتة ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا. قال: فأقمنا عليه شهرا، ونحن ~~ثلاث مئة حتى سمنا. ولقد كنا نغترف الدهن من وقب عينية بالقلال، وأخذ أبو ~~عبيدة ثلاثة رجال فأقعدهم في وقب عينه وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامه، ثم رحل ~~أعظم بعير معنا فمر من تحتها. وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة ~~أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه ~~الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا»؟ قال: فأرسلنا إلى رسول ms1360 الله صلى ~~الله عليه وسلم فأكله. والوشائق، جمع الوشيقة: وهي اللحم يغلى إغلاءة ثم ~~يقدد ويحمل في الأسفار، وهو أبقى قديد يكون. # ولنا: ما قدمنا من الحديث المفصل، وأن المراد طعام البحر المالح المقدد ~~من السمك (وبميتته ما لفظه ليكون موته مضافا إلى البحر لا ما مات فيها. وحل ~~السمك) بلا ذكاة كالجراد لما في «مصنف عبد الرزاق»: أخبرنا سفيان الثوري، ~~عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: الحيتان والجراد ذكي كله. وأخرج عن ~~عمر: الحوت ذكي كله، والجراد ذكي كله. وعن أبي هاشم الأيلي عن زيد بن أسلم، ~~عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل دابة من دواب البر ~~والبحر ليس لها دم ينعقد فليس لها ذكاة». وعن أحمد في الجراد: إذا قتله ~~البرد لم يؤكل. # --- PageV05P327 ~~*** # وملخص مذهب مالك: إن قطع رأسه حل وإلا فلا. # (و) حل (غراب الزرع) لأنه يأكل الحب دون الجيف، وليس من سباع الطير. ~~(والعقعق) بفتح العينين (معها) أي مع الذكاة، وهذا عند أبي حنيفة، لأنه ~~يأكل الحب والجيف فأشبه الدجاج. وقال أبو يوسف: يكره لأن غالب مأكوله ~~النجاسة. # ويحرم الضب والثعلب خلافا لمالك والشافعي فيهما. أما الضب فلما في ~~«الصحيحين» عن خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~ميمونة وهي خالته فوجد عندها ضبا محنوذا فأهوى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بيده إلى الضب فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما قدمتن له. قلن: هو الضب يا رسول الله. فرفع يده، فقال ~~خالد: أحرام الضب يا رسول الله؟): قال: لا؟ ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني ~~أعافه (قال خالد): فأجتررته فأكلته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر، ~~فلم ينهني. وفيهما أيضا عن ابن عمر قال: كان ناس من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وفيهم سعد، فذهبوا يأكلون من لحم فنادتهم امرأة من بعض ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه ms1361 لحم ضب فأمسكوا. فقال عليه الصلاة ~~والسلام: «كلوا وأطعموا فإنه حلال» (أو قال): «لا بأس به، ولكنه ليس من ~~طعامي». # وأما الثعلب فكأنه ملحق بالضبع عندهما، ولنا إطلاق ما روينا في أول الفصل ~~من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السبع. وما في ~~«سنن أبي داود» عن عبد الرحمن بن شبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن أكل لحم الضب. # --- PageV05P328 ~~*** # (وحل الأرنب) عندنا وسائر الأئمة، لما في البخاري عن أنس بن مالك قال: ~~أنفجنا أرنبا بمر الظهران، فسعى القوم فلغبوا فأدركتها، فأخذتها فأتيت بها ~~إلى أبي طلحة. فذبحها وبعث بوركها أو قال بفخذها إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقبله، قلت: وأكل منه. وفي «سنن النسائي» عن أبي هريرة قال: جاء ~~أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها، فوضعها بين يديه ~~فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يأكل وأمر القوم أن يأكلوا. وزاد ~~في لفظ (وقال): «إني لو اشتهيتها أكلتها». # ولحم الفرس مكروه عند أبي حنيفة، وكراهته كرامة لأنه للجهاد آلة، وفي ~~أكله قلتها. وقالا: مباح كسائر الأئمة. وفي قاضيخان: أن لبنه يكره كلحمه، ~~وفي «شرح الكنز»: لبن الرمكة حلال بالإجماع. ويحرم شرب لبن الأتن لأن اللبن ~~يتولد من اللحم فصار مثله. ويحرم شرب أبوال الإبل، وهذا عند أبي حنيفة. ~~وعند أبي يوسف: يجوز للتداوي. وعند محمد: يباح مطلقا، وبه قال مالك: ويحرم ~~أكل لحم الإبل والبقر الجلالة، لأنها تتغير وكذا شرب لبنها لأنه يتولد من ~~لحمها. وفي «المنتقى»: الجلالة: هي التي تغيرت وأنتنت فوجد منها رائحة ~~خبيثة. وأما الدجاجة المخلاة فلا يحرم أكلها، لأنها لا تتغير كذا ذكره ~~بعضهم. فإن حبست الجلالة في مكان وعلفت حلت. وكان أبو حنيفة لا يوقت لحبسها ~~ويقول: تحبس حتى تطيب ويذهب نتنها، وهو قولهما. كذا في «التتمة». وقيل: ~~يقدر في الإبل أربعين (يوما)، وفي البقر عشرين، وفي الشاة بعشرة أيام، وفي ~~الدجاجة بثلاثة أيام. # --- PageV05P329 ~~*** # ولو وقع ms1362 ما نثر من السكر والدراهم في حجر رجل فأخذه غيره حل له، لأنه ~~مباح، والمباح لمن سبق يده إليه، إلا أن يكون الأول قد تهيأ له أو ضمه إلى ~~نفسه، لأنه بذلك يملكه، ثم التهيئة هل هي جائزة؟ فعن محمد جازت إذا كان أذن ~~فيها صاحبها، فقد صح أنه عليه الصلاة والسلام نحر يوم النحر خمسة أبقر ~~وقال: «من شاء فليقطع». # ويحرم أكل التراب والطين لورود النهي، ولأنه يورث الإصفرار ووجع المثانة. ~~ويسن للنساء خضاب اليد والرجل، ويحرم على الرجال، وكذا يحرم أن يخضب أيدي ~~الصبيان وأرجلهم. ولا بأس بخضاب الرأس واللحية بالحناء والوسمة للرجال ~~والنساء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحسن ما غيرتم به الشيب ~~الحناء والكتم». رواه ابن ماجه. # وإن أردت تفصيل المحرمات والمباحات من الحيوانات فعليك بكتابنا المسمى ب: ~~«بهجة الإنسان في مهجة الحيوان». والله المستعان في كل مكان وزمان. والله ~~تعالى أعلم بالصواب. # كتاب الأضحية # (هي) لغة ما يضحى به. # --- PageV05P330 ~~*** # وشرعا: (شاة) تذبح يوم الأضحى (من فرد) أي شخص واحد (وبقرة أو بعير منه) ~~أي من فرد (إلى سبعة) والقياس أن لا يجوز إلا عن فرد، لأن الإراقة واحدة ~~وهي القربة إلا أن تركناه لما أخرجه الجماعة إلا البخاري عن جابر قال: ~~نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة ~~عن سبعة. وإنما قال إلى سبعة لأن كلا منهما يجوز عن ستة وأقل، لأنه إذا جاز ~~عن سبعة فما دونها أولى. ولا يجوز عن ثمانية أخذا بالقياس فيما لا نص فيه، ~~لكن أخرج الترمذي وقال: حديث حسن غريب، والنسائي وأحمد، وابن حبان في صحيحه ~~عن ابن عباس قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر الأضحى ~~فاشتركنا في البقر سبعة، وفي الجزور عشرة. (إن لم يكن لفرد) منهم (أقل من ~~سبع) قيد به لأنه لو كان لأحدهم أقل من سبع لا يجوز عن الكل لانعدام القربة ~~في البعض. # (ويقسم اللحم) بينهم (وزنا) لأنه موزون ms1363 عرفا (لا جزافا) إذ لا يتحقق ~~التساوي ويدخل فيه شائبة الربا. (إلا إذا ضم معه من أكارعه أو جلده) ليكون ~~في كل جانب شيء من اللحم وشيء من الأكارع ، أو يكون في كل جانب لحم وأكارع، ~~وفي آخر لحم وجلد. وإنما يجوز إذا كان ذلك صرفا لكل جنس إلى خلافه. # (وصح اشتراك ستة في بقرة مشرية لأضحية) بأن اشترى شخص بقرة يريد أن يضحي ~~بها عن نفسه ثم اشترك فيها معه ستة. وقال زفر: لا يصح وهو القياس، لأن ~~إعدادها للقربة يمنع عن بيعها تمولا. (ووجه) الاستحسان أنه قد يجد بقرة ~~يشتريها، ولا يجد شركاء وقت الشراء، فكانت الحاجة ماسة إلى ذلك دفعا للحرج. ~~(وذا) أي الاشتراك (قبل الشراء أحب) ليكون أبعد عن الخلاف وعن صورة الرجوع ~~في القربة. وعن أبي حنيفة أنه يكره الاشتراك بعد الشراء. # --- PageV05P331 ~~*** # واعلم أن الأضحية واجبة عندنا على كل حر مسلم، مقيم، موسر، فجر يوم النحر ~~وتلويه، وقالا سنة في رواية، كمالك والشافعي، لقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من رأى هلال ذي الحجة منكم وأراد أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره». ~~رواه الجماعة إلا البخاري. والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب، ولقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث هن علي فرائض، وهي لكم تطوع: الوتر، ~~والنحر، وصلاة الأضحى». رواه أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه» وسكت عنه. # ولنا إطلاق قوله تعالى: {وانحر} أي الأضحية، والأمر للوجوب، وقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا». رواه ~~أحمد، وابن أبي شيبة، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. # وما في «السنن الأربعة» عن ابن عون عن أبي رملة: حدثنا مخنف بن سليم قال: ~~كنا وقوفا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات. قال: «يا أيها الناس ~~على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة، أتدرون ما العتيرة؟ وهي التي يقول ~~الناس أنها الرجبية». انتهى. والعتيرة منسوخة، فالأضحية باقية على وجوبها، ~~فيذبح عن نفسه شاة، أو سبع بدنة، ms1364 ولا يذبح عن طفله الفقير في ظاهر الرواية، ~~ولا يجب عن طفله الغني من ماله في أصح ما يفتى به كما في «شرح الوافي». قال ~~بعض مشايخنا: على الأب أو الوصي أن يذبح من ماله عند أبي حنيفة. # وهذا معنى قوله: (ويضحي الأب أو الوصي من مال طفل غني) وفي «الهداية»: ~~أنه الأصح. (فيأكل الطفل منه وما يبقى يبدل بما ينتفع بعينه) كالخف والثوب، ~~لا بما ينتفع باستهلاكه كالخبز، ونحوه. # --- PageV05P332 ~~*** # (وأول وقتها بعد صلاة العيد إن ذبح في مصر) لما رواه البخاري من حديث أنس ~~أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من ذبح قبل الصلاة فليعد، ومن ذبح بعد ~~الصلاة فقد تم نسكه». وما أخرجه الشيخان عن البراء بن عازب قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع ~~فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل، فإنما هو لحم قدمه لأهله ~~ليس من النسك في شيء». # وفي «سنن أبي داود»: فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، لقد نسكت ~~قبل أن أخرج إلى الصلاة وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، فتعجلت (فأكلت) ~~وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك شاة لحم» ~~فقال: إن عندي عناقا جذعة، وهي خير من شاتي لحم فهل تجزىء عني؟ فقال: ~~«اذبحها ولا تصلح لغيرك». كذا في «المواهب». # وفي الشمني: أخرج الشيخان عن البراء بن عازب قال: ضحى خالي أبو بردة قبل ~~الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك شاة لحم». فقال: يا رسول ~~الله إن عندي جذعة من المعز، فقال: «ضح بها ولا تصلح لغيرك، من ضحى قبل ~~الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة ~~المسلمين». # (وبعد طلوع فجر يوم النحر إن ذبح في غيره) أي في غير مصره، والمعتبر في ~~ذلك مكان الأضحية، حتى لو كانت في السواد والمضحي في المصر يجوز وقت الفجر، ~~ولو كانت في المصر ms1365 والمضحي في السواد لا يجوز إلا بعد الصلاة، لأنها تسقط ~~بالهلاك قبل مضي أيام النحر، كالزكاة تسقط بهلاك النصاب فيعتبر فيها مكان ~~المحل، وهو المال لا مكان الفاعل كالزكاة، بخلاف صدقة الفطر حيث يعتبر فيها ~~مكان الفاعل، لأنها تتعلق به في الذمة. # --- PageV05P333 ~~*** # (وآخره قبيل غروب اليوم الثالث) من أيام النحر لما روى مالك في «الموطأ» ~~عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى. وقال ~~مالك: بلغني أن علي بن أبي طالب كان يقول مثل ذلك. # فإن لم يصل الإمام ذبح هو والناس بعد الزوال، وعند الشافعي: إذا مضى من ~~الوقت مقدار ما يصلي فيه صلاة العيد عادة، جازت الأضحية بعد ذلك، لأنهم لو ~~صلوا جازت الأضحية، فلا يتغير ذلك بتأخير الإمام الصلاة كما لو زالت الشمس. ~~قلنا: الواجب مراعاة الترتيب المنصوص، وما بقي وقت الصلاة فمراعاة الترتيب ~~ممكن بخلاف ما بعد الزوال، فقد خرج وقت صلاة العيد بزوال الشمس في هذا ~~اليوم، فلهذا يجوز التضحية بعده. # (واعتبر الآخر) أي آخر وقت النحر (للفقر وضده) الغنى (والولادة والموت) ~~فإن كان إنسان غنيا (في أول الوقت فقيرا) في آخره لا يجب عليه، (وإن كان ~~فقيرا في أوله غنيا في آخره يجب عليه)، وإن ولد في اليوم الآخر، (يجب) وإن ~~مات فيه لا يجب، كما اعتبر آخر وقت الصلاة في حق الحيض والطهر، وآخر وقت ~~المسح على الخفين في حق السفر والإقامة. # (وكره الذبح في الليل) لاحتمال الغلط (ويقضي الناذر) أن يضحي بهذه الشاة ~~إذا لم يضح حتى مضت أيام النحر (و) يقضي (فقير شرى الأضحية) ولم يضح حتى ~~مضت الأيام (بتصدقها حية) الباء تتعلق بيقضي (و) يقضي (الغني) إذا مضت ~~الأيام (بتصدق قيمتها) سواء (شرى) الأضحية (أو لا) وإن تعيبت قبل إضجاعها ~~للذبح وهي لغني بدلها بغيرها لعدم إجزائها عنه بخلاف الفقير، فإنه ليس ~~عليه أضحية وإنما لزمته بالتزامه في هذا المحل بعينه، ولهذا لو هلكت لم ~~يلزمه شيء. # --- PageV05P334 ~~*** # (وصح الجذع من الضأن) وهو عند الفقهاء ما ms1366 تم له ستة أشهر (والثني فصاعدا ~~من غيره) لما أخرجه مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن». (وهو) أي ~~الثني (ابن حول من الضأن والمعز و) ابن (حولين من البقر و) ابن (خمس من ~~الإبل) ويدخل في البقر الجاموس، لأنه في جنسه. # (وتذبح) في الأضحية (الثولاء) وهي المجنونة، (والجماء) وهي التي لا قرن ~~لها، لأن القرن لا يتعلق به مقصود، والخصي لأن لحمه أطيب، ولما روى أبو ~~داود وابن ماجه من حديث عائشة وأبي هريرة وأبي رافع وأبي الدرداء أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذبح يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوءين. وروي: ~~موجأين. # قال ابن المنذر: أي منزوعي الأنثيين، قاله أبو موسى الأصبهاني. وقال ~~الجوهري: الوجاء بالكسر والمد: رض عرق الأنثيين. وقال ابن الأثير: منهم من ~~يرويه بغير همزة، فيكون من وجيته وجيا. # (و) تذبح (الجرباء) إن كانت سمينة ولم يتلف جلدها، لأنه لا يخل بالمقصود ~~(لا عجفاء) أي لا تذبح في الأضحية عجفاء. # (و) لا (عرجاء) بحيث (لا تمشي إلى المنسك) أي المذبح لما أخرجه أصحاب ~~السنن الأربع، ومالك في «الموطأ» من حديث البراء بن عازب قال: قام فينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أربع لا يجوز في الضحايا: العوراء ~~البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة التي ~~لا تنقي». بمثناة فوقية مضمومة، فنون ساكنة، فقاف مكسورة، أي بلغ بها العجف ~~إلى حد لا يكون في عظامها نقي أي مخ. وقال مالك والترمذي عوض الكسيرة: ~~العجفاء. # --- PageV05P335 ~~*** # (و) لا (ما ذهب أكثر من ثلث أذنها أو عينها أو أليتها أو ذنبها) وهكذا ~~عند أبي حنيفة، ويروى عنه الربع والثلث. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا بقي أكثر ~~من النصف أجزأه اعتبارا للحقيقة، وهو اختيار أبي الليث. وفي كون النصف ~~مانعا روايتان عنهما. # (وإن مات أحد سبعة) اشتركوا في بقرة أو بعير للأضحية (وقال ورثته: ~~اذبحوها عنه وعنكم صح) والقياس ms1367 أن لا يصح وهو رواية عن أبي يوسف (كبقرة) أي ~~كما يصح بقرة (عن أضحية ومتعة وقران) لاتحاد المقصود وهو القربة وإن اختلفت ~~جهاتها. (وإن كان أحدهم) أي أحد السبعة (كافرا أو مريدا اللحم لا) أي لا ~~يصح عن أحد، لأن الكافر ليس من أهل القربة، وقصد اللحم ينافيها. وإذا لم ~~يقع البعض قربة لم يقع الكل، إذ الإراقة لا تجزي في حق القربة. # (ويأكل) المضحي (منها) أي من أضحيته (ويؤكل) أي يطعم الأغنياء والفقراء ~~(ويهب من يشاء) لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «يا أهل المدينة لا تأكلوا لحم الأضاحي فوق ثلاث». فشكوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لهم عيالا وحشما وخدما فقال: «كلوا ~~وأطعموا واحبسوا وادخروا». وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه ~~شيء». فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا عام ~~الماضي؟ قال: «كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت ~~أن تعينوا فيها». ولأنه لما جاز أكل المضحي منها وهو غني، جاز أن يؤكل الغني. # --- PageV05P336 ~~*** # (وندب التصدق بثلثها) لأن الجهات ثلاثة: الأكل والادخار والإطعام، لما ~~ذكرنا من الأحاديث، فانقسمت الأضحية عليها أثلاثا، والإطعام: التصدق لما في ~~رواية «تصدقوا» بدل: «أطعموا» ولقوله تعالى: {وأطعموا القانع والمعتر} ~~والقانع: السائل، يقال: قنع قنوعا كمنع: إذا سأل وخضع، وقنع قناعة كفرح: ~~إذا رضي بما عنده وبما يعطى من غير سؤال. والمعتر المعترض بغير السؤال، أو ~~المراد بالقانع: الراضي، وبالمعتر: المعترض بالسؤال، وهو الأظهر. # (و) ندب (تركه) التصدق (لذي) أي لصاحب (عيال توسعة عليهم) هذا كله في ~~الأضحية السنة والواجبة بغير النذر، وأما الواجبة بالنذر فليس لصاحبها أن ~~يأكل شيئا منها، ولا أن يطعم الأغنياء، سواء كان الناذر غنيا أو فقيرا، لأن ~~سبيلها التصدق، وليس للمتصدق أن يأكل من صدقته ولا أن يطعم منها غنيا. # (و) ms1368 ندب للمضحي (الذبح بيده إن أحسن) الذبح لأنه قربة، والأولى في القربة ~~التي تقبل النيابة أن يتولاها صاحبها بنفسه. وقد نحر النبي عليه الصلاة ~~والسلام ثلاثا وستين بدنة بيده الشريفة في حجة الوداع عدد سني عمره الكريم. # --- PageV05P337 ~~*** # (وإلا) أي وإن لم يحسن بيده (أمر غيره) بذبحها. وينبغي أن يشهدها بنفسه ~~لما روى الحاكم في «مستدركه»، والبيهقي في «سننه»، والطبراني في «معجمه»، ~~عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: «قومي إلى ~~أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه، وقولي: ~~إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا ~~من المسلمين». قال عمران: قلت: يا رسول الله، هذا لك ولأهل بيتك خاصة أم ~~للمسلمين عامة؟ فقال: بل للمسلمين عامة». وفي «المستدرك» عن أبي سعيد ~~الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لفاطمة): «قومي إلى أضحيتك ~~فأشهديها، فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها أن يغفر لك كل ما سلف من ذنوبك». ~~فقالت فاطمة: يا رسول الله هذا لنا أهل البيت خاصة أو لنا وللمسلمين عامة؟ ~~قال: «لا بل لنا وللمسلمين». # (وكره ذبح كتابي) الأضحية لأن ذبحها قربة والكتابي ليس من أهلها، لكن لو ~~أمره صاحبها فذبحها جاز، لأنه من أهل الذكاة. (ويتصدق بجلدها) لأنه جزء ~~منها (أو يعمله آلة) يستعمل في البيت كالنطع والجراب والغربال، لأن ~~الانتفاع بها غير محرم، ولأنه يجوز الانتفاع باللحم، فكذا بالجلد أو ببدله. ~~(مما ينتفع به باقيا) لأن للبدل حكم المبدل. # --- PageV05P338 ~~*** # قيد بقوله: باقيا لأنه لا يبدل بما ينتفع به مستهلكا، كالخل والملح ~~والأبازير اعتبارا بالبيع بالدراهم. والمعنى فيه أنه يصرف على قصد التمول ~~(فإن بيع) الجلد (بغير ذلك) أي غير ما ينتفع به باقيا (يتصدق بثمنه) لأن ~~القربة انتقلت إلى بدلها، واللحم بمنزلة الجلد في الصحيح. وأما ما رواه ~~الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه في تفسير سورة الحج عن الأعرج، عن ~~أبي هريرة أن النبي صلى الله ms1369 عليه وسلم قال: «من باع جلد أضحية فلا أضحية ~~له». وكذا رواه البيهقي في «سننه» فيفيد كراهة البيع، لأنه جائز لقيام ~~الملك والقدرة على التسليم. # (ولو غلط اثنان وذبح كل) منهما (شاة صاحبه صح) عنهما (بلا غرم) عليهما ~~خلافا لزفر، وهو القياس، لأنه ذبح شاة غيره بغير أمره، ويضمن كل منهما شاة ~~الآخر عنده. ووجه الاستحسان: أنها تعينت للأضحية، والإذن حاصل دلالة، لجري ~~العادة بالاستعانة بالغير في أمر الذبح، وإذا صح الذبح عنهما يأخذ كل منهما ~~أضحيته، إن كانت باقية، ولا يضمن الآخر لأنه بمنزلة وكيله ويحلل كل منهما ~~صاحبه (إن كان كل منهما أكل ما ذبحه، لأن صاحبها لو أطعمه الكل جاز، وإن ~~كان غنيا فكذا إذا حلله منه) وإن تشاحا كان لكل منهما أن يضمن صاحبه قيمة ~~لحمه، ثم يتصدق بتلك القيمة لأنها بدل عن لحم الأضحية، فصار كما لو باع ~~(أضحيته فإنه يجب عليه أن يتصدق بالثمن، وهذا لأن التضحية لما وقعت عن ~~المالك كان) اللحم له. # --- PageV05P339 ~~*** # (وصح التضحية بشاة الغصب) وضمن قيمتها، ولم يصح عند زفر، وهو قول الأئمة ~~الثلاثة لأنه حين ضحى بها لم يكن مالكها. ولنا: أنه ملكها عند أداء الضمان ~~مستندا إلى الغصب السابق فكانت التضحية واردة على ملكه (لا الوديعة) أي لا ~~تصح التضحية بشاة الوديعة لأنها لا تصير ملكه إلا بعد الذبح، فكانت التضحية ~~في غير ملكه. # (وضمنهما) أي شاة الغصب والوديعة لحصول التعدي منه بالذبح، وضمانهما ~~بالقيمة. وكره الانتفاع بلبن الأضحية وجز صوفها قبل الذبح، لأنه أعد للقربة ~~بجميع أجزائها، فلا ينبغي أن يصرف شيئا منها إلى حاجة نفسه، لأنه في معنى ~~الرجوع عن الصدقة بخلاف ما بعد الذبح، لأن القربة أقيمت بالذبح، والانتفاع ~~بعد إقامة القربة مطلقا كالأكل. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. # كتاب الصيد # الصيد مصدر بمعنى الاصطياد، ويطلق على المصيد تسمية للمفعول بالمصدر. ~~والاصطياد حلال في غير الحرم ولغير المحرم. والصيد يحل إن كان مأكولا، ~~لقوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} والأمر للإباحة، وقوله تعالى: {أحل لكم ~~صيد ms1370 البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما}. # --- PageV05P340 ~~*** # (يحل صيد كل ذي ناب و) ذي (مخلب) أي يحل الاصطياد بكل منهما، لقوله ~~تعالى: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح ~~مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله ~~عليه} فقوله: وما علمتم عطف على الطيبات، على أن «ما» موصولة أي وحل لكم ~~صيد ما علمتم، أو «ما» شرطية وجوابها فكلوا. والجوارح: الكواسب من سباع ~~البهائم والطير، كالكلب والفهد والنمر والعقاب، والصقر، والبازي. # والمكلب: مؤدب الجوارح ومضريها لصاحبها، ورائضها لذلك بما علم من الحيل ~~وطرق التأديب واشتقاقه من الكلب، لأن ذلك أكثر ما يكون في الكلاب، أو لأن ~~السبع يسمى كلبا. واستثنى الخنزير، فإن الاصطياد به لا يجوز بالإجماع ~~لنجاسة عينه. # (بشرط علمهما) أي علم ذي ناب وذي مخلب بأخذ الصيد لقوله تعالى: {وما ~~علمتم}، ولقوله عليه الصلاة والسلام (لأبي) ثعلبة: «ما صدت بكلبك المعلم ~~فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير معلم، فأدركت ذكاته فكل». رواه ~~أحمد والبخاري. # (و) بشرط (جرحهما) في أي موضع كان لتحقق الذكاة الاضطرارية ولتوافق أصل ~~المعنى اللغوي من الجراحة في الجوارح، وإن كان نقل الجرح إلى معنى الكسب، ~~ومنه قوله تعالى: {ويعلم ما جرحتم بالنهار}. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه ~~لا يشترط، وهو قول الشعبي لإطلاق قوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} من ~~غير قيد بالجرح. وقيل: هذا رجوع منهما إلى تأويل الجوارح بالكواسب، كما قال ~~الله تعالى: {ويعلم ما جرحتم بالنهار} أي كسبتم. # --- PageV05P341 ~~*** # ولنا: أن لها تأويلا آخر وهو أن يكون جارحا بنابه أو بمخلبه ويمكن حمله ~~عليها، فيشترط أن يكون من الكواسب التي تجرح لتعمل بالجرح بيقين. والأصل ~~عند أهل التأويل أن اللفظ إذا كان له تأويلات مختلفة وأمكن الجمع بينها ~~يقال بجميعها كما في قوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا} قيل ~~في تفسيره: مسلما، وقيل: مخلصا، وقيل: حاجا، فنقول بجميعها بخلاف المشترك. # ووجه ms1371 الظاهر أيضا أن المقصود إخراج الدم المسفوح، وهو بالجرح عادة، وأقيم ~~الجرح مقامه كما في الذكاة الاختيارية والرمي بالسهم، ولأنه لو لم يجرحه ~~صار موقوذة وهي محرمة بالنص. # (و) بشرط (إرسال مسلم أو كتابي) لأن ذا الناب والمخلب بمنزلة آلة الذبح، ~~ولا يحصل بمجرد الآلة بل باستعمالها، وذلك فيهما بالإرسال. والكتابي أهل ~~للذكاة الاختيارية، فيكون أهلا للاضطرارية بخلاف المجوسي والوثني والمرتد. # (مسميا) أي حال كون المسلم أو الكتابي مسميا عند الإرسال، فمتروك التسمية ~~عامدا لا يحل، وناسيا يحل لما بيناه في الذبائح لقوله تعالى: {واذكروا اسم ~~الله عليه}، ولقوله عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك ~~فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم ~~يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاة». رواه أحمد والشيخان. # (على ممتنع) متعلق بإرسال. واحترز به عن الإرسال على غير الممتنع بقوائمه ~~أو بجناحيه، فلو أخذ الكلب ونحوه صيدا قد قيد في شبك، أو سقط في بئر، أو ~~أثخنه آخر لم يحل بمجرد جرحه إياه، لأنه خرج بهذه العوارض عن الامتناع. ~~(متوحش) احترز به عن المستأنس (يؤكل) لأن الكلام فيما يحل أكله بالصيد، فلا ~~بد أن يكون مما يؤكل. # --- PageV05P342 ~~*** # (و) بشرط (أن لا يشارك المعلم ما لا يحل صيده) وهو كلب غير معلم، أو كلب ~~مجوسي، أو كلب لم يرسل للصيد، أو كلب أرسل وترك التسمية عليه عمدا لما ~~أخرجه أصحاب الكتب الستة عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله: إني أرسل ~~كلبي فأجد معه كلبا آخر لا أدري أيهما أخذه؟ فقال: «لا تأكل فإنما سميت على ~~كلبك، ولم تسم على كلب آخر». وفي لفظ: «إذا أرسلت كلبك فسميت فأخذ فقتل ~~فكل، وإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه». وفي لفظ: قلت: يا رسول ~~الله إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن علي وأذكر اسم الله، فقال: «إذا أرسلت ~~كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك». قلت: وإن قتلن؟ قال: (إن ~~قتلن) ما لم ms1372 يشركه كلب ليس معه». وفي رواية لأحمد والشيخين: «إذا أرسلت ~~كلبك، فاذكر اسم الله عليه، فإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل، فلا تأكل، ~~فإنك لا تدري أيهما قتله». ولأنه اجتمع الإباحة والحرمة فغلبت الحرمة. # (و) بشرط أن (لا تطول وقفته) أي توقف ما أرسل (بعد الإرسال) لأنه إذا طال ~~وقوفه بعد الإرسال لم يكن اصطياده مضافا إلى الإرسال. # (ويعلم) أي يعرف (المعلم) بالصيد في نحو الكلب والبازي (بترك أكل الكلب ~~ثلاث مرات ورجوع البازي بدعائه) عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، لأن علامة ~~التعلم ترك ما هو مألوف عادة، والبازي متوحش متنفر، فكانت الإجابة علامة ~~تعلمه، ولو بمرة، والكلب ألوف لا يترك الأكل عادة، فكان علامة تعلمه ترك أكله. # --- PageV05P343 ~~*** # وإنما قدر بثلاث مرات، لأنه ربما يترك الأكل لشبعه، فقدر له مدة ضربت ~~للاختبار كما في مدة الخيار. وعند أبي حنيفة رحمه الله: لا يثبت التعلم إلا ~~بأن يغلب على الظن أنه تعلم، ولا يقدر بشيء، لأن المقادير تعرف بالنص لا ~~بالاجتهاد، ولا نص فيفوض إلى رأى المبتلى به، ورواية الحسن عنه كقولهما. # (فإن أكل) الكلب (بعد تركه ثلاثا تبين جهله) عندهما (ولا يؤكل ما قد صاد) ~~قبل أكله (وبقي في ملكه) أي ملك مالكه من الصائد وغيره، سواء لم يكن محرزا ~~بأن كان في المفازة بعد، وهذا بالاتفاق، أو كان محرزا، وهذا عند أبي حنيفة. ~~وأما عندهما: فيؤكل، لأن الأكل لا يدل على الجهل فيما تقدم، لأن الحرفة ~~تنسى بخلاف غير المحرز، لأنه صيد من وجه لعدم الإحراز، فحرم احتياطا. # ولأبي حنيفة: أن أكل الكلب علامة الجهل من الابتداء، لأن الحرفة لا تنسى ~~أصلها، فإذا أكل تبين أنه إنما كان ترك الأكل للشبع لا للتعلم. ولو شرب ~~الكلب من دم الصيد ولم يأكل منه حل، لأنه ممسك عليه، وهذا غاية علمه حيث ~~شرب ما لا يصلح لصاحبه، وأمسك عليه ما يصلح له. # (ولا) يؤكل (ما يصيده) الكلب (حتى يتعلم) فإذا ترك ثلاثا لا يؤكل الأول ~~ولا الثاني اتفاقا، ms1373 ولا الثالث عندهما خلافا لأبي حنيفة. وأما إن أكل ~~البازي ونحوه منه فلا يحرم اتفاقا لما روي عن ابن عباس في البازي: يقتل ~~الصيد، ويأكل منه قال: كل. # (وشرط الحل) مبتدأ (بالرمي) أي بالحاد، وهو متعلق بالحل والخبر (التسمية) ~~وهذا عندنا، وبه قال مالك. وذلك لأن الرمي، كالذبح لكون السهم آلة، ولقوله ~~عليه الصلاة والسلام لعدي: «إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه، فإن وجدته ~~قد قتل فكل، إلا أن تجده قد وقع في ماء». رواه الشيخان وزاد مسلم: «فإنك لا ~~تدري الماء قتله أو سهمك»؟ # --- PageV05P344 ~~*** # (والجرح) أي وشرط حله بالجراحة ليتحقق معنى الذكاة (وأن لا يبعد عن طلبه ~~إن غاب) الصيد حال كونه (متحاملا سهمه) لما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه»، ~~والطبراني في «معجمه»، عن أبي رزين عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصيد ~~يتوارى عن صاحبه قال: «لعل هوام الأرض قتلته». # وروى عبد الرزاق نحوه عن عائشة مرفوعا بلفظ: أن رجلا أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بظبي قد أصابه بالأمس وهو ميت فقال: يا رسول الله عرفت فيه سهمي، ~~وقد رميته بالأمس. فقال: «لو أعلم إن سهمك قتله أكلته، ولكن (لا) أدري ~~وهوام الأرض كثيرة». وفي «مراسيل أبي داود» عن الشعبي أن أعرابيا أهدى إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ظبيا فقال: «من أين أصبت هذا»؟ قال: رميته فطلبته ~~فأعجزني حتى أدركني المساء فرجعت، فلما أصبحت اتبعت أثره فوجدته في غار، ~~وهذا مشقصي فيه أعرفه»، قال: «بات عنك الليلة فلا آمن أن يكون هامة أعانتك ~~عليه فلا حاجة لي فيه». هذا ولكنه يخالف صريح ما في مسلم وأحمد وأبي داود ~~والنسائي عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يدرك ~~صيده بعد ثلاث قال: «كل ما لم ينتن». # --- PageV05P345 ~~*** # وكذا ما في «صحيح البخاري» ومسلم والنسائي عن عدي بن حاتم: «وإن رميت ~~بسهمك فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن ~~شئت، وإن وجدته غريقا ms1374 في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أو ~~سهمك»؟. وفي مسلم عنه أيضا أنه قال: يا رسول الله يرمي أحدنا الصيد فيقتفي ~~أثره اليومين أو الثلاثة ثم يجده ميتا وفيه سهمه (أيأكل) قال: «يأكل إن ~~شاء». وفي سنن الترمذي والنسائي عنه أيضا قال: قلت: يا رسول الله إنا أهل ~~صيد، وإن أحدنا يرمي الصيد فيغيب عنه الليلة والليلتين، فيبتغي الأثر فيجده ~~ميتا. قال: «إذا وجدت السهم فيه ولم تجد أثر غيره، وعلمت أن سهمك قتله ~~فكله». ولا شك أن الصريح مقدم على الظاهر في الاستدلال، اللهم إلا أن يقال: ~~إن الظاهر حاظر، وهو مقدم على المبيح. # (فإن أدركه المرسل أو الرامي حيا ذكاه) لأنه قدر على الأصل قبل حصول ~~المقصود بالبدل، لأن المقصود هو الإباحة، وهي لا تثبت قبل موته. (فإن ~~تركها) أي الذكاة (عمدا حرم) لأنه ميتة، لأن الواجب فيه الذكاة الاختيارية ~~ولم يفعل، وهذا إذا تمكن من ذبحه ولم يذبحه، أو لم يتمكن، وفيه من الحياة ~~فوق ما في المذبوح في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه يحل، وهو ~~قول الشافعي. لأن ذكاة الاضطرار بدل عن ذكاة الاختيار، وما لم يقدر على ~~الأصل لا يسقط حكم البدل. وهنا لم يقدر على الأصل فصار كالمتيمم إذا وجد ~~الماء وبينه (وبينه) سبع أو عدو. وأما إذا لم يتمكن من ذبحه وكان فيه من ~~الحياة بقدر ما في المذبوح، بأن لم يبق إلا مضطربا اضطراب المذبوح، فإنه ~~يحل اتفاقا، لأن هذا القدر من الحياة لا يعتبر، فكان ميتا حكما، وإذا كان ~~ميتا حكما لا يكون محلا للذبح. # --- PageV05P346 ~~*** # قال الصدر الشهيد: إن هذا وفاق، وقيل: هو قولهما. وعند أبي حنيفة لا تحل ~~إلا إذا ذكاه بناء على أن الحياة الحقيقية معتبرة عنده غير معتبرة عندهما. ~~وقال بعض المشايخ: إن لم يتمكن لفقد الآلة لم يؤكل اتفاقا، لأن التقصير من ~~قبله حيث لم يحمل آلة الذكاة معه، وإن لم يتمكن لضيق الوقت لم يؤكل عندنا. ~~وقال حسن بن زياد، ms1375 ومحمد بن مقاتل: يحل استحسانا، لأنه لم يقدر على الأصل ~~لضيق الوقت، فبقيت ذكاة الاضطرار موجبة للحل. وبالاستحسان أخذ الإمام فخر ~~الدين قاضيخان. # ولنا: أنه بالوقوع في يده لم يبق صيدا فلم يعتبر حكم ذكاة الاضطرار فيه، ~~وصار كما لو خنقه الكلب ولم يجرحه. # (كما) حرم الصيد (إذا قتله معراض) وهو السهم الذي لا ريش له (بعرضه) ~~متعلق بقتل، وإنما حرم لما روى أصحاب الكتب الستة عن عدي بن حاتم قال: قلت: ~~يا رسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيد، قال: «إذا أصاب بحده فكل، ~~وإذا أصاب بعرضه فقتل فلا تأكل، فإنه وقيذ». # (أو) قتله (بندقة ثقيلة ذات حدة) لأن البندقة تكسر ولا تجرح، فكانت ~~كالمعراض، ولأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الخذف وقال: «إنها لا تصيد ~~ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين». رواه أحمد والشيخان. قيد بالثقيلة لأنها ~~لو كانت خفيفة ذات حدة لم يحرم لتيقن الموت بالجرح. والأصل هنا أن الموت إن ~~حصل بالجرح بيقين يؤكل، وإن حصل بالثقل أو شك فيه لا يؤكل فيه حتما أو ~~احتياطا. # --- PageV05P347 ~~*** # (أو رمي فوقع) الصيد (في ماء أو على سطح ثم على الأرض) لاحتمال أنه مات ~~بغير الرمي إذ كل من الماء والسقوط من علو مهلك، أما الماء فلما روينا من ~~قوله عليه الصلاة والسلام: «إلا أن يجده قد وقع في ماء». وأما المتردي ~~فلقوله تعالى: {والمتردية}، وأما الواقع على الأرض ابتداء أكل استحسانا، ~~لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، إذ في اعتباره سد باب الاصطياد. # (ويعتبر الزجر) وهو الإغراء بالصياح عليه، والانزجار: إظهار زيادة الطلب ~~(فيما) انفلت الجارح و(لم يرسل) فإن الزجر عند عدم الإرسال أقيم مقام ~~الإرسال، لأن انزجاره عقيب زجره دليل على طاعته، فإن لم يرسل الكلب أحد ~~وزجره مسلم فانزجر فأخذ الصيد حل، ولو زجره مجوسي فانزجر فأخذ الصيد حرم. # (ولو اجتمعا) أي الإرسال والزجر من مسلم ومجوسي. أو محرم أو مرتد أو تارك ~~التسمية عمدا (يعتبر الإرسال) لأن الفعل يرفع بما فوقه أو مثله، لا بما هو ~~دونه. ms1376 والزجر دون الإرسال لكونه بناء عليه. (وإن أخذ) المرسل (غير ما أرسل ~~إليه حل) لأنه لا يمكن تعليمه على وجه يأخذ ما عينه لأخذه، فسقط اعتباره. # --- PageV05P348 ~~*** # (كصيد) أي كحل صيد (رمي فقطع عضو منه) لوجود الجرح (لا العضو) أي: لا يحل ~~العضو، لأنه ميتة لما أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن عن أبي واقد ~~الليثي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما قطع عن البهيمة وهي حية ~~فهو ميتة». زاد الترمذي: قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يجبون ~~أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما قطع من ~~البهيمة وهي حية فهو ميتة». وفي «المستدرك» عن أبي سعيد الخدري أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قطع أليات الغنم وجب أسنمة الإبل، فقال: ~~«ما قطع من حي فهو ميت». وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. # (فإن قطع) الصيد (أثلاثا، وأكثره مع عجزه، أو قطع نصف رأسه، أو أكثره، أو ~~قد) أي شق (بنصفين أكل كله)، لأن المبان منه في الصور الثلاث حي صورة لا ~~حكما، إذ لا يتوهم بقاء الحياة فيه، وصار كما لو أبين رأسه في الذكاة ~~الاختيارية، وذلك أن فيه من الحياة بقدر ما في المذبوح. ولهذا لو وقع في ~~الماء وبه هذا القدر من الحياة، أو تردى من جبل أو سطح، لا يحرم. # (وإن رمى صيدا فرماه آخر فقتله فهو للأول وحرم) لاحتمال موته بالرمي ~~الثاني، وهو ليس بذكاة له، لوجود القدرة على الذكاة الاختيارية. (وضمن ~~الثاني له) أي للأول (قيمته مجروحا إن كان الأول أثخنه) بأن أخرجه عن حيز ~~الامتناع، لأنه أتلف صيدا مملوكا للأول، لأنه ملكه بالرمي المثخن، وقيمة ~~المتلف يعتبر يوم الإتلاف، فيلزمه قيمته ناقصا بجراحة الأول، كما لو أتلف ~~عبدا مريضا أو شاة مجروحة، فإنه يضمن قيمته ناقصا بالمرض أو الجرح. # --- PageV05P349 ~~*** # (وإلا) أي وإن لم يثخنه الأول (فللثاني) أي فالصيد للثاني، لأنه هو ~~الصائد له وهو صيد بعد، وقد قال النبي ms1377 صلى الله عليه وسلم: «الصيد لمن ~~أخذه، لا لمن أثاره » رواه ابن حمدون في «التذكرة» من حديث أبي هريرة. ~~(وحل) لأنه ذكي ذكاة اضطرارية، وهو حينئذ مما يذكى به. # (ويصاد ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل) لإطلاق الآية، ولأن صيد ما لا يؤكل سبب ~~للانتفاع بجلده أو شعره أو ريشه أو لاستدفاع شره، وكل ذلك مشروع، والله ~~تعالى أعلم. # كتاب اللقيط واللقطة والآبق # اللقيط لغة: فعيل بمعنى مفعول، من لقطه إذا رفعه من الأرض. وعرفا: غلب ~~على الصبي المنبوذ، لأنه بصدد أن يلقط. # وشرعا: مولود حي طرحه أهله خوفا من العيلة أو فرارا من تهمة الزنا. سمي ~~بما يؤول أو بما هو مشرف عليه كقوله عليه الصلاة والسلام: «من قتل قتيلا ~~فله سلبه ». ومضيعه آثم، ومحرزه غانم، لما في إحرازه من إحياء النفس، وفي ~~إهماله من التسبب لهلاكها. وقد قال الله تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني ~~إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ~~ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}. # ولذا (رفعه) أي اللقيط (أحب) من تركه إن لم يخف هلاكه بأن كان في مصر، ~~لما في رفعه من الترحم، وفي تركه من عدمه. (وإن خيف هلاكه) بأن كان في ~~مفازة أو بئر أو مسبغة (يجب) صيانة له عن الهلاك وجوب فرض الكفاية لقوله ~~تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} لحصول المقصود بالبعض. # --- PageV05P350 ~~*** # وقال مالك والشافعي وأحمد: رفعه إن لم يخف هلاكه فرض كفاية لقوله تعالى: ~~{وتعاونوا على البر والتقوى}، وإن خيف فرض عين، كمن رأى أعمى يقع في البئر ~~فإنه يفترض عليه حفظه من الوقوع. كذا ذكروه، وفيه أن هذا إذا كان هناك شخص ~~واحد، فظاهر أنه يصير فرض عين عليه إجماعا. وأما إذا كان جماعة فلا شك أنه ~~فرض كفاية إن خيف هلاكه، وإلا فيستحب. (كاللقطة) فإن رفعها أحب من تركها إن ~~لم يخف ضياعها، أو من نفسه عليها. وواجب إن خاف ضياعها، ومكروه إن خاف من ~~نفسه عليها. # وقال ms1378 بعض التابعين: يحل رفعها، والأفضل تركها، وبه قال أحمد. وعن الشافعي ~~إذا لم يأمن عليها وجب رفعها لقوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض} وإذا كان المؤمن ولي المؤمن وجب عليه حفظ ماله. وقال مالك: إن ~~كانت شيئا له بال فرفعه أحب، لأن فيه حفظ مال المسلم، فكان أولى من تضييعه. # (وهو) أي اللقيط (حر إلا بحجة رقه) لأن الأصل في بني آدم الحرية، ولقضاء ~~علي رضي الله عنه في اللقيط أنه حر، وقرأ هذه الآية {وشروه بثمن بخس دراهم ~~معدودة وكانوا فيه من الزاهدين}. رواه البيهقي. # --- PageV05P351 ~~*** # (ونفقته وجنايته في بيت المال وإرثه له) أي يوضع فيه. أما الإرث والأرش ~~فلأن الخراج بالضمان. وأما النفقة فلما روى مالك في «الموطأ» في كتاب ~~الأقضية عن ابن شهاب الزهري، عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم أنه وجد ~~منبوذا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: فجئت به إلى عمر، فقال: ما ~~حملك على أخذ هذه النسمة ؟ قال: وجدتها ضائعة فأخذتها. فقال له عريفه: يا ~~أمير المؤمنين إنه رجل صالح قال: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: اذهب به فهو ~~حر (ولك ولاؤه)، وعلينا نفقته. وفي «المغرب»: عريفه: الذي بينه وبينه معرفة. # وفي رواية عبد الرزاق فقال له: عسى الغوير أبؤسا. وهو مثل مضروب لمن يكون ~~باطنه بخلاف ظاهره. وأول من تكلم به الزباء الملكة حين رأت الصناديق فيها ~~الرجال، وقد أخبرت أن فيها الأموال، فلما أحست بذلك أنشأت شعرا هذه آخره، ~~فصار كلامها مثلا. وكأن عمر ظن أن هذا الرجل جاء إليه بولده يزعم أنه لقيط ~~ليستوفي منه نفقته، فلذا ذكر هذا المثل. # (ولا يؤخذ من آخذه) إلا بإذنه لسبقه. ولو دفعه إلى غيره ليس له أن يسترده ~~منه، لأنه رضي بإسقاط حقه. (و) يثبت (نسبه) استحسانا (من مدعيه ولو) كان ~~مدعيه (رجلين) ليس أحدهما الملتقط ولا سبقت دعوته. (أو ممن يصف منهما ~~علامته) لأن الظاهر شاهد له. وإنما ثبت نسبه من اثنين لاستوائهما في دعوى ~~ما فيه نفع ms1379 له. وعندنا: يثبت النسب من اثنين في باب الاستيلاد إذا استويا ~~في الحجة. وأما لو كان أحدهما الملتقط أو سبقت دعوته لكان أولى، لترجح ~~الملتقط باليد، وسابق الدعوى بثبوت حقه في زمان لا منازع له فيه إلا إذا ~~أقام الآخر البينة، لأنها أقوى. # --- PageV05P352 ~~*** # وقال الشافعي وأحمد: يعتبر قول القافة إذا ادعاه اثنان ولم يبينا، سواء ~~وصف أحدهما علامة أو لم يصف، أو بينا وتعارضا، وإذا اشتبه على القافة (يقرع ~~ولو ألحقته القافة) بهما عند أحمد. ولو ادعاه امرأتان يثبت منهما عند أبي ~~حنيفة كالرجلين، وعندهما: لا يثبت، لأن ثبوت النسب من المرأة متعلق بحقيقة ~~الولادة، وولادته عنهما محال. (أو) كان مدعيه (عبدا) لأن في ثبوت نسبه له ~~نفعا (وكان حرا) لأن المملوك قد تلد له الحرة ولدا، فيكون تبعا لأمه (أو) ~~كان مدعيه (ذميا وكان مسلما إن لم يكن في مقرهم) أي مقر أهل الذمة بإن وجد ~~في قرية من قرى المسلمين، أو في مسجد. أما إذا وجد في مقرهم، بأن وجد في ~~قرية من قراهم، أو في بيعة أو كنيسة كان ذميا. # وفي «المبسوط»: ولو وجده مسلم في مكان المسلمين ولم يدعه أحد، يحكم ~~بإسلامه، وبه قال مالك وأحمد والشافعي. ولو وجده كافر في مكان (أهل الكفر ~~يحكم بكفره حتى لا يصلى عليه إذا مات. ولو وجده كافر في مكان) المسلمين أو ~~مسلم في مكان الكفار ففي كتاب اللقيط: العبرة للمكان في الفصلين لسبقه، ~~ولأن المسلم لا يضع ولده في البيعة، والكافر لا يضع ولده في المسجد. وفي ~~رواية ابن سماعة عن محمد: العبرة للواجد لقوة اليد. وفي رواية: الاعتبار ~~للإسلام نظرا للصغير أو للزي كما في اختلاط موتانا بموتاهم في الحرب. وفي ~~«المبسوط»: إن أسلم الروايات اعتبار الإسلام، لأنه يعلو ولا يعلى. # --- PageV05P353 ~~*** # (وما شد) أي ربط من المال (عليه) أي على اللقيط أو على دابة هو عليها ~~(له) أي للقيط اعتبارا للظاهر في دفع دعوى الغير ولليد في الملك، وأصله ~~القميص الذي عليه. (صرف إليه) أي إلى مصالح ms1380 اللقيط بأمر القاضي، لأنه مال ~~ضائع، وللقاضي ولاية صرف مثله إليه. وقيل: بغير إذن القاضي، لأنه للقيط ~~ظاهرا، فاندفعت يد الغير عنه فبقي المال ضائعا، فيصرف في مصالحه على أنه له ~~أو لبيت المال، أو لأنه للقيط ظاهرا. وله ولاية الإنفاق وشراء ما لا بد له ~~كالطعام والكسوة، ولأن الظاهر أن واضعه إنما وضع ذلك المال معه لينفق عليه ~~منه. والبناء على الظاهر جائز ما لم يظهر خلافه، وهو مصدق في نفقة مثله ~~عليه، لأنه أمين يخبر عما هو محتمل. ويكون وجوب الضمان عليه فيقبل قوله ~~فيه، كمن دفع مالا إلى إنسان وأمره أن ينفق على عياله، فإنه يقبل قوله في ~~نفقة مثلهم. # (وللملتقط قبض هبته) وصدقته لأنه نفع محض له (وتسليمه في حرفة) أي صناعة، ~~لأنه من باب تأديبه، لأن من اشتغل بعمل قلما يشتغل بالفساد (لا إنكاحه) أي ~~ليس للملتقط إنكاح اللقيط ذكرا كان أو أنثى، لانعدام سبب الولاية من ~~القرابة والملك والسلطنة. (ولا تصرف ماله) لما قدمناه (ولا إجارته) في ~~الأصح. ويصح صلح الإمام عن دمه بالدية، لأنه نفع للمسلمين لا عفوه، لأنه ~~إبطال حق مسلم. # ويمنعه أبو يوسف من استيفاء القصاص لأنه استيفاء لوليه وهو مجهول، وأجازا ~~له استيفاءه لقوله عليه الصلاة والسلام: «السلطان ولي من لا ولي له». ~~والمولى إذا كان مجهولا لا يكون وليا، لأنه لا ينتفع به مع جهالته فالتحق ~~وجوده بعدمه. # (فصل في اللقطة) # --- PageV05P354 ~~*** # (واللقطة) بضم اللام وفتح القاف، ويسكن: المال الملقوط (أمانة) سواء (في ~~الحل والحرم، وسواء كانت) متاعا أو بهيمة. وندب رفعها لمن يثق من نفسه ~~الأمانة، وهو قول علمائنا وعامة الفقهاء، لأنه لو تركها لا يأمن أن تصل ~~إليها يد خائنة فيكتمها عن مالكها، ولأنه يلتزم أداء الأمانة في رفعها، ~~والتزام أداء الأمانة تعرض بمنزلة المثوبة قال الله تعالى: {إن الله يأمركم ~~أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} وامتثال الأمر سبب لمنال الأجر. # والمتقشفة يقولون: لا يحل له أن يرفعها لأنه أخذ مال الغير بغير إذن ~~صاحبه، وذلك حرام شرعا. ms1381 وبعض المتقدمين من الأئمة التابعين كان يقول: يحل ~~له أن يرفعها، والترك أفضل، لأن صاحبها إنما يطلبها في الموضع الذي سقطت ~~منه إذا فقدها، فإذا تركها وجدها صاحبها فيها، ولأنه لا يأمن على نفسه أن ~~يطمع فيها بعد رفعها، فكان معرضا نفسه للفتنة. قلنا: نعم، لكن الحكم لغلبة ~~الظن، والأفضل مراعاة الطرفين. # (إن أشهد) الآخذ (على أخذه) أنه أخذها (ليردها على ربها) ذكر الضمير ~~باعتبار المأخوذ ثم أنثه باعتبار اللقطة رعاية لمعناها تارة ولمبناها أخرى، ~~وهذا نوع تفنن في العبارة. وإنما كانت أمانة لأن أخذها على هذا الوجه مأذون ~~فيه شرعا، فلا تكون مضمونة. وشرط الإشهاد لما روى إسحاق بن راهويه في ~~«مسنده» عن عياض بن حماد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أصاب ~~لقطة فليشهد ذا عدل ثم لا يكتم وليعرفنها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فهو ~~مال الله يؤتيه من يشاء». قالوا: ويكفي في الإشهاد أن يقول: من سمعتموه ~~ينشد لقطة فدلوه علي (وإلا) أي وإن لم يشهد وادعى أنه أخذها للرد (ضمن) عند ~~أبي حنيفة ومحمد (إن جحد المالك أخذه للرد). # --- PageV05P355 ~~*** # وقال أبو يوسف: لا يضمن، لأن صاحبها يدعي سبب الضمان وهو ينكر، فكان ~~القول قوله كما في الغصب، وهو قول مالك والشافعي (وأحمد)، لأن الإشهاد غير ~~واجب عندهم، بل مستحب. # وحاصله أن الإشهاد شرط الأمانة عند أبي حنيفة ومحمد، ويكتفي أبو يوسف ~~ليكون أمانة، بقصد ردها إلى مالكها، كمالك والشافعي، وهو رواية عن محمد. ~~والقول قوله في ذلك بيمينه. ولهما: أنه أقر بسبب الضمان، وهو أخذ مال الغير ~~بغير إذنه وادعى ما يبرئه، وهو الأخذ لمالكه، فلا يصدق، كمن أخذ مال الغير ~~وهلك في يده ثم ادعى أن صاحبه أودعه إياه حيث لا يصدق إلا بحجة. # وفي «الخانية»: وهذا الاختلاف فيها إذا أمكنه الإشهاد، وأما إذا لم يمكنه ~~عند الرفع، أو خاف أنه لو أشهد يأخذها منه ظالم فترك الإشهاد فلا يضمن ~~بالاتفاق، لأن ترك الإشهاد (لا) يدل على أنه أخذها لنفسه إلا ms1382 عند القدرة ~~على الإشهاد. وقيد بجحود المالك، لأنه لو صدقه لا يضمن بالاتفاق، لأن ~~تصديقه حجة عليه كالبينة. # ولو أشهد عند الأخذ وعرفها ثم ردها (إلى موضعها) لا يضمن بالاتفاق كذا ~~قاله الشارح. والصواب أنه في ظاهر الرواية. وتوضيحه أنه إذا أعاد اللقطة ~~إلى موضعها الذي وجدها فيه بعدما أخذها ليعرفها برىء من ضمانها. ولو هلكت ~~أو استهلكها رجل قبل أن يصل إليها صاحبها، لأن أخذها لم يكن سببا لوجوب ~~الضمان عليه، وكذلك ردها إلى مكانها إذ قد يأخذها ليعرف صفتها حتى إذا سمع ~~إنسانا يطلبها دله عليها، وقد يأخذها ليردها إلى مالكها ثم يحس في نفسه ~~عجزا أو طمعا فيردها إلى مكانها، فلهذا لا يضمن شيئا، وإنما الضمان على ~~مستهلكها. # --- PageV05P356 ~~*** # وفي «مختصر الحاكم»: إن ردها بعدما حولها يضمن، لأنه بالتحويل التزم ~~حفظها، وبالرد صار مضيعا لها ولا كذلك قبل التحويل. بخلاف ما إذا لم يشهد ~~حيث لا يبرأ من الضمان اتفاقا، لأن الظاهر أنه أخذها لنفسه فلا يبرأ بغير ~~الرد على صاحبها. # (وعرفت) ما يبقى على سبيل الوجوب (في مكان وجدت) بأن نادى إني وجدت ~~لقطة لا أدري مالكها، فليأت مالكها أو ليصفها لأردها عليه (و) عرف أيضا (في ~~المجامع) لأن ذلك أقرب إلى الوصول إلى صاحبها (مدة لا تطلب بعدها) وهو ~~يختلف باختلاف اللقطة في قيمتها. (و) عرف (ما لا يبقى إلى أن يخاف فساده ثم ~~تصدق) لأن في التصدق بها عوضا آجلا وهو الثواب في العقبى، أو عاجلا وهو ~~الضمان في الدنيا. وروى محمد عن أبي حنيفة: إن كانت أقل من عشرة دراهم ~~عرفها أياما على حسب ما يرى، وإن كانت عشرة فصاعدا عرفها حولا. وروى الحسن ~~عن أبي حنيفة أن يعرف مئتين فما فوقها حولا اعتبارا بالزكاة، ويعرف العشرة ~~فما فوقها شهرا، وما دونها إلى ثلاثة دراهم أياما عشرة أو شهرا، ويعرف ~~الثلاثة إلى الدرهم جمعة أو ثلاثة، والدرهم يوما، والفلس بالنظر يمنة ويسرة. # وقدر محمد في «الأصل» مدة التعريف بالحول من غير تفصيل بين الكثير ms1383 ~~والقليل، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لما روى الشيخان عن زيد بن خالد ~~الجهني قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال: «عرفها ~~سنة، ثم اعرف عفاصها ووكاءها، (فإن جاء أحد يخبرك بها، وإلا فاستنفقها) ~~(فإن جاء صاحبها فأدها إليه»). # --- PageV05P357 ~~*** # والعفاص: الوعاء الذي يكون فيه النفقة من جلد أو خرقة ونحوها. والوكاء: ~~الذي يشد به الكيس وغيره. والصحيح أن شيئا من هذه التقادير ليس بلازم، وإن ~~تفويض التقدير إلى رأي الآخذ، لإطلاق حديث مسلم عن أبي بن كعب أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال في اللقطة: «عرفها، فإن جاء أحد يخبرك بعددها ~~ووعائها ووكائها فأعطها إياه، وإلا فاستمتع بها». وفي رواية: «وإلا فهي ~~كسبيل مالك». وأخرجه عن زيد بن خالد أيضا. وفيه: «فإن جاء صاحبها فعرف ~~عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه، وإلا فهي لك». # ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد زاد على السنة ونقص منها. أما الزيادة ~~فلما في «الصحيحين» من حديث أبي بن كعب: أنه وجد صرة فيها مئة دينار، فأتى ~~بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «عرفها حولا»، فعرفها فلم يجد من ~~يعرفها ثم أتاه. فقال له: «عرفها حولا». فعرفها فلم يجد من يعرفها. فقال ~~له: «احفظ وعاءها وعددها». الحديث. # --- PageV05P358 ~~*** # وأما النقصان فلما في «مصنف عبد الرزاق» وغيره عن أبي سعيد الخدري: أن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجد دينارا في السوق. فأتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم (فقال: «عرفه ثلاثة أيام». قال: فعرفه ثلاثة أيام، فلم يجد من ~~يعرفه، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ) فأخبره، فقال: «شأنك به» قال: ~~فباعه علي، فابتاع منه بثلاثة دراهم شعيرا، وبثلاثة دراهم تمرا، وقضى ثلاثة ~~دراهم، وابتاع بدرهم لحما، وبدرهم زيتا، وكان الدينار بأحد عشر درهما، فلما ~~كان بعد ذلك جاء صاحبه فعرفه، فقال علي: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (فأكلته) فانطلق صاحب الدينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ~~ذلك له فقال ms1384 لعلي: «رده إليه»، فقال: قد أكلته. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم للرجل: «إذا جاءنا شيء أديناه إليك». ورواه أبو داود ولم يذكر فيه ~~ثلاثة أيام. # فعلم أن التقدير بالسنة ليس بعلة لازمة في كل شيء، وإنما يعرف مدة يتوهم ~~أن صاحبها يطلبها، وذلك يختلف باختلاف المال وكثرته. وأما ما ورد من ~~التقييد بالسنة فلعله لكون اللقطة المسؤول عنها كانت تقتضي ذلك، أو لأن ~~الغالب في اللقطة أن يكون كذلك. ولو كانت اللقطة شيئا يعلم أن صاحبه لا ~~يطلبه، كالنواة وقشر الرمان، يكون إلقاؤه إباحة حتى جاز الانتفاع به من غير ~~تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه، لأن التمليك من المجهول لا يصح وملك ~~المبيح لا يزول بالإباحة. # قال شيخ الإسلام: ولو كانت متفرقة فجمعها الآخذ ليس للمالك أخذها بعد ~~جمعها، لأنها تصير ملكا له به. وكذا الجواب في التقاط السنابل بعد الحصاد ~~وبه كان يفتي الصدر الشهيد. # --- PageV05P359 ~~*** # (فإن جاء ربها) بعد التصدق بها (إن شاء أجاز) التصدق بها ولو بعد هلاكها، ~~لأن التصدق لم يحصل بإذنه فيتوقف على إجازته. والملك يثبت للفقير فيها قبل ~~الإجازة فلا تتوقف الإجازة فيها على قيام المحل. ولا فرق بين أن يتصدق بأمر ~~القاضي أو بغير أمره على الصحيح. # (أو ضمن الآخذ) أي آخذ اللقطة لأنه سلم مالا إلى غير صاحبه بغير إذنه إلا ~~أنه بإباحة من جهة الشرع. وهذا لا ينافي الضمان حقا للعبد كما في تناول مال ~~الغير حال المخمصة. وإن شاء ضمن الفقير إن كانت اللقطة هلكت في يده، لأنه ~~قبض ماله بغير إذنه، ولا يرجع الفقير على الملتقط بما لحقه من الضمان كما ~~لا يرجع الملتقط على الفقير، وإن كانت قائمة أخذها، لأنها عين ماله، وبه ~~قال مالك والثوري والحسن بن صالح. # وقال الشافعي وأحمد: إذا لم يجىء ربها بعد التعريف، ملكها الملتقط بحكم ~~القرض، فصارت كسائر أمواله، غنيا كان الملتقط أو فقيرا، لما في حديث مسلم ~~السابق عن أبي بن كعب في رواية: «وإلا فهي كسبيل مالك». # --- PageV05P360 ~~*** # ولنا: ما ms1385 أخرجه البزار في «مسنده» والدارقطني في «سننه» عن أبي هريرة: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة فقال: «لا تحل اللقطة، فمن ~~التقط شيئا فليعرفه سنة، فإن جاء صاحبها فليرده إليه، وإن لم يأت فليتصدق ~~به. فإن جاء فليخيره بين الأجر وبين الذي له». (وما أنفق) الملتقط (عليها) ~~على اللقطة وكذا حكم اللقيط (بلا إذن حاكم تبرع) لقصور ولايته عن ذمة ~~المالك، وصار كما لو قضى دين غيره بغير أمره (وبإذنه) أي الحاكم (دين على ~~ربها) لأن للحاكم ولاية في مال الغائب نظرا له، وقد يكون النظر في الإنفاق ~~(وآجر القاضي ما) أي شيئا (له منفعة) من البهائم (وأنفق عليها) من أجرتها، ~~لأن في ذلك إبقاء للعين على ملك المالك من غير إلزام الدين عليه. (كالآبق) ~~كما أن الآبق يفعل به ذلك. # (وما لا منفعة له أذن) القاضي (بالإنفاق) عليه (إن كان الإنفاق أصلح) ~~وجعل النفقة دينا على مالكه، لأن القاضي نصب ناظرا لمصالح الناس، وفي هذا ~~نظر لجانب المالك بإبقاء عين ماله ولجانب الملتقط بالرجوع (وإلا) أي وإن لم ~~يكن الإنفاق أصلح بأن كانت النفقة تستغرق قيمة اللقطة (باع) القاضي اللقطة ~~وأمر بحفظ ثمنها إبقاء لها معنى عند تعذر إبقائها صورة. قالوا: وإنما يأذن ~~بالإنفاق يومين أو ثلاثة على قدر ما يرى رجاء أن يظهر مالكها، فإن لم يظهر ~~أمر ببيعها لأنه لا نظر في الإنفاق مدة مديدة. # (وللمنفق حبسها لأخذ النفقة) لأنها حييت بنفقته فصار المالك كأنه استفاد ~~الملك من جهته فأشبه المبيع (فإن هلكت) اللقطة (بعد الحبس سقطت) النفقة ~~التي حبست لأجلها لأنها تصير بالحبس كالرهن. # --- PageV05P361 ~~*** # (فإن بين مدعيها) أي اللقطة (علامتها) كأن سمى الدارهم أو الدنانير ~~وعددها ووكاءها (حل الدفع) أي جاز دفعها إليه (ولا يجب) الدفع (بلا حجة) ~~وهو قول الشافعي. وقال مالك وأحمد وأبو داود وابن المنذر : يجب الدفع ~~بالعلامة، لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: «فإن جاء أحد يخبرك ~~بعددها ووعائها، فأعطه إياها». # ولنا أنه مدع وعلى المدعي البينة، ms1386 والعلامة لا تدل على أنها له، إذ قد ~~يقف الإنسان على علامة في مال صديقه، ولا يقف على علامة في مال نفسه. ~~والأمر في قوله عليه الصلاة والسلام: «فأعطه إياها» للإباحة، ولو دفعها ~~بالعلامة يأخذ من صاحبها كفيلا بلا خلاف لاحتمال أن يجيء غيره ويقيم البينة ~~أنها له، فيضمن ولا يمكنه الرجوع على الذي أخذها لخفائه، ولو دفعها ~~بالعلامة فجاء آخر وأقام بينة أنها له، فإن كانت قائمة أخذها، وإن كانت ~~هالكة ضمن أيهما شاء لتعديهما بالدفع والأخذ، ورجع الملتقط على الآخذ ولا ~~يرجع الآخذ على أحد. # (وينتفع) الملتقط (بها) حال كونه (فقيرا، وإلا) أي وإن لم يكن الملتقط ~~فقيرا (تصدق بها ولو على أصله وفرعه وعرسه) لحصول المقصود بالكل وهو التصدق ~~على المحتاج. ولو التقط العبد شيئا بغير إذن مولاه يجوز عندنا وعند مالك ~~وأحمد والشافعي في قول، فإن أتلفه طولب ربه بقضاء الدين أو بالبيع، سواء ~~أتلفه قبل التعريف أو بعده، وبه قال أحمد والشافعي (في وجه). وعند مالك إن ~~أتلفه قبل التعريف يؤمر المولى بالدفع أو الفداء، وإن أتلفه بعد التعريف ~~يطالب العبد بعد العتق، لأن الشرع أذن له في الانتفاع فكان ضمانا يخصه، فلا ~~يظهر في حق المولى. # --- PageV05P362 ~~*** # ويلتقط إبل وبقر وغنم ونحوها وجوبا إن خيف ضياعها على مالكها من خيانة، ~~أو لكونها في مضيعة وإلا ندبا لما في الصحيحين عن أبي هريرة قال: لما فتح ~~الله تعالى على رسوله مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن ~~الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد ~~قبلي، وأنها أحلت لي ساعة من نهار، وأنها لا تحل لأحد بعدي فلا ينفر صيدها، ~~ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد»... الحديث. # وفي الكتب الستة عن زيد بن خالد الجهني قال: جاء رجل فسأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن اللقطة فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء ~~صاحبها وإلا فشأنك بها». قال: فضالة الغنم؟. قال: «هي لك ms1387 أو لأخيك أو ~~للذئب». قال: فضالة الإبل؟ قال: «ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها ترد ~~الماء وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربها». ولهذا منع مالك من التقاط ~~الإبل في الصحراء. وحمله مشايخنا على ما لم يخف ضياعها من يد خائنة، بدليل ~~قوله: «حتى يلقاها ربها». # ويحل أخذ التفاح والكمثرى من الأنهار الجارية بين البساتين، لأن هذا مما ~~يفسد لو ترك، وكذا أخذ ما لا يبقى من الثمار الواقعة تحت الأشجار في غير ~~الأمصار على القول المختار، لأنه يعلم أن مالكه لا يطلبه عادة. # --- PageV05P363 ~~*** # ولو سيب صيده أو دابته لهزالها، فأخذها غيره وأصلحها، بأن داواها وعلفها ~~وسقاها حتى صارت مما ينتفع بها، فإن قال عند التسييب: جعلتها لمن أخذ، ليس ~~له أن يأخذها منه، لأن التمليك من المعلوم صحيح والزيادة تمنع من الرجوع. ~~وإن لم يقل ذلك جاز له أخذها لما قدمنا من عدم جواز التمليك من المجهول. ~~ولو أخذ نعله ووجد غيره مكانه لا يملكه لعدم تمليكه من مالكه، ويصير ~~كاللقطة في الحكم لاحتمال أن يكون لغير من أخذه. # (وندب أخذ الآبق) وهو المملوك الذي فر من مالكه قصدا، اسم فاعل من أبق، ~~ومنه قوله تعالى: {إذ أبق إلى الفلك المشحون} (لمن قوي عليه) أي قدر على ~~أخذه وحفظه إلى أن يوصله إلى سيده، لما فيه من إحياء ماله ونفعه، ولا خلاف ~~في ذلك بين العلماء. # (وترك الضال) وهو المملوك الذي ضل الطريق إلى منزل مولاه (قيل: أحب) ~~وقيل: يندب أخذه كالآبق. ووجه الأول وهو الفرق، أن الضال لا يبرح مكانه ~~(فيجده مالكه) ولا كذلك الآبق. ثم آخذ الآبق يأتي به إلى السلطان، لأنه لا ~~يقدر على حفظه بنفسه عادة، بخلاف اللقيط واللقطة، وهذا اختيار السرخسي. # وقال الحلواني: الآخذ بالخيار، إن شاء حفظه، وإن شاء دفعه إلى الإمام، ~~وكذا واجد الضال. وإذا دفع الآبق إلى السلطان يحبسه تعزيرا له في إباقه، ~~وإذا دفع الضال إليه لا يحبسه لعدم ما يوجبه. ولأن الآبق لا يؤمن عليه ~~الإباق ثانيا بخلاف الضال، ولهذا ms1388 لا يؤجره إن كان له منفعة وينفق عليه من ~~بيت المال، دينا على مالكه. وإذا طالت المدة ولم يجىء صاحبه باعه وحفظ ثمنه. # --- PageV05P364 ~~*** # وفي «المبسوط»: لو حبس السلطان الآبق فجاء واحد، وأقام بينة أنه له، يحلف ~~بالله ما بعته ولا وهبته، ثم يدفعه إليه، لأنه يحتمل أنه باعه أو وهبه، ولا ~~يعرف الشهود ذلك. قلت: وينبغي أن يحلفه ثانية بأنه: ما أعتقته، لوجود ~~احتمال عتقه. ولو دفعه بإقرار العبد بلا بينة يأخذ كفيلا، ويجوز الدفع ~~بإقراره لأن العبد في يد نفسه فيعتبر إقراره كما لو ادعى الحرية. # (ولراده) أي الآبق (من مدة سفر) وهي ثلاثة أيام فصاعدا (أربعون درهما) ~~ولو كان أم ولد أو مدبرا في حياة المولى لأنهما مملوكان له بخلاف المكاتب، ~~لأنه أحق بمكاسبه، وبخلافهما بعد حياة المولى، لأن أم الولد تعتق بموته ~~فتكون حرة ولا جعل في رد الحر، وكذا المدبر إن خرج من الثلث، وكذا إن لم ~~يخرج عندهما، لأنه حر عليه دين، لأن العتق لا يتجزىء عندهما، ومكاتب عند ~~أبي حنيفة، ولا جعل في المكاتب. (وإن لم يعدلها) أي لم يعدل الآبق الأربعين ~~بأن كانت قيمته أقل منها، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يقضى ~~له بقيمته إلا درهما ليسلم للمالك شيء تحقيقا للفائدة، وهو رواية عن أبي ~~حنيفة. ولأبي يوسف أنه ورد التقدير بها، فلا ينقص عنها. # --- PageV05P365 ~~*** # (إن أشهد أنه أخذه للرد) قيد به، لأن الإشهاد شرط في أخد الآبق على الآخذ ~~عند أبي حنيفة ومحمد كما في اللقطة، وعند أبي يوسف ومالك والشافعي وأحمد ~~ليس بشرط. ثم القياس أن لا شيء (عليه) لراده إلا بشرط أن يقول: كل من رد ~~علي آبقي فله كذا، وهو قول الشافعي والنخعي وبعض أصحاب أحمد، لأن الراد ~~تبرع بمنافعه في رده على سيده، وهو لو تبرع بمنافعه في رد غيره من أعيان ~~ماله، أو في رد الضال، لا يستوجب الأجر إلا بشرط، فكذا هذا. وقال مالك: له ~~أجر مثله بقدر تعبه إن كان ممن شأنه ms1389 طلب الآبق وإن لم يكن فله نفقته عليه. # وعن أحمد: إن رده من المصر فله عشرة دراهم، وإن رده من خارجه، سواء رده ~~من مدة سفر أو لا فله أربعون درهما. # ولنا أن الصحابة قد اتفقوا على الجعل وإن اختلفوا في مقداره. فإن محمدا ~~روى عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن سعيد بن مرزبان، عن أبي عمرو الشيباني ~~قال: كنت قاعدا عند ابن مسعود فجاءه رجل فقال: إن فلانا قدم بإباق من ~~الفيوم فقال (القوم) أصاب أجرا، فقال عبد الله: وجعلا إن شاء من كل رأس ~~أربعين درهما. وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن سفيان الثوري، عن أبي رباح، ~~عن أبي عمرو الشيباني قال: أصبت غلمانا أباقا بالغين، فذكرت ذلك لابن ~~مسعود، فقال: الأجر والغنيمة. فقلت: هذا الأجر، فما الغنيمة؟ قال: أربعون ~~درهما من كل رأس. # --- PageV05P366 ~~*** # وأخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن قتادة وأبي هاشم أن عمر قضى في جعل ~~الآبق بأربعين درهما. وروى أيضا (عن وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق قال: ~~أعطيت الجعل زمن معاوية أربعين درهما، وروى أيضا) عن سعيد بن المسيب أن عمر ~~جعل في جعل الآبق دينارا، أو اثني عشر درهما. وروى أيضا عن علي أنه جعل في ~~جعل الآبق دينارا، أو اثني عشر درهما. وروى هو وعبد الرزاق عن عمرو بن ~~دينار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في العبد الآبق الذي يؤخذ خارج ~~الحرم بدينار أو عشرة دراهم. # والمفهوم عن خارج الحرم في المتبادر القرب، لا قدر مسيرة سفر عنه، ولهذا ~~روي عن عمار بن ياسر: إن أخذه في المصر فله عشرة، وإن أخذه خارج الحرم فله ~~أربعون. ولعله اعتبر الحرم كالمكان الواحد، على أن المروي عن ابن مسعود ~~أقوى من الكل فرجحناه، وإنما يؤخد بالأقل إذا ساوى الأكثر في القوة. # وفي «المبسوط» ولأن الراد يحتاج إلى معالجة ومؤنة في رده، وقلما يرغب ~~الناس في التزام ذلك حسبة، ففي إيجاب الجعل له ترغيب له في رده وإظهار ~~للشكر من ms1390 المردود إليه لإحسان الرد. # ثم إن الشافعي استحسن برأيه في هذه المسألة من وجه فقال: لو أن المولى ~~خاطب قوما فقال: من رد منكم عبدي فله كذا فرده أحدهم، استوجب ذلك المسمى، ~~وهذا شيء يأباه القياس، لأن العقد مع المجهول لا ينعقد، وبدون القبول كذلك. ~~ولا شك أن الاستحسان الثابت باتفاق الصحابة خير من الاستحسان الثابت برأيه ~~إذ الشريعة قامت بفتواهم إلى آخر الدهر، وليس لأحد أن يظن بهم إلا أحسن ~~الوجوه، ولكنه بحر عميق لا يقطعه كل سابح ولا يصيبه كل طالب. # --- PageV05P367 ~~*** # (ومن أقل منها) ولراد الآبق من أقل مدة سفر (بقسطه) اعتبارا للأقل ~~بالأكثر، (فإن أبق) من راده أو مات عنده (لم يضمن) لأنه أمانة في يده، وهذا ~~إذا أشهد (فإن لم يشهد فلا شيء له) من الجعل، لأن ترك الإشهاد أمارة أنه ~~أخذه لنفسه عند أبي حنيفة ومحمد (وضمن إن أبق منه) لأنه ليس بأمانة في يده. ~~والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. # كتاب المفقود # (هو) لغة: مفعول من فقدت الشيء: غاب عني، وشرعا: (غائب لم يدر أثره) أي ~~موضعه ولا حياته ولا موته مع جد أهله في طلبه. وحكمه أنه (حي في حق نفسه) ~~استصحابا للحال. (فلا تنكح عرسه) ولا يفرق بينه وبينها، لأن النكاح حقه، ~~وهو حي في حق نفسه، والتفريق بالإيلاء لدفع الظلم، ولا ظلم من المفقود. ~~(ولا يقسم ماله) لأنه حي في حق نفسه، فكذا في ماله لأنه تبع له. (ولا تفسخ ~~إجارته) لأن الاستصحاب يصلح لإبقاء ما كان، وهذا منه. # (ويقيم القاضي من يقبض حقه ويحفظ ماله) لأن القاضي نصب ناظرا لكل عاجز عن ~~النظر لنفسه، والمفقود بهذه الصفة بل أقوى. وفي نصب الحافظ لماله نظر، له ~~فصار كالصبي والمجنون. (ويبيع ما يخاف فساده) لأنه لما تعذر حفظه له ~~بصورته، كان النظر له في حفظه بمعناه وهو ثمنه. أما ما لا يخاف فساده فلا ~~يبيعه، لأن القاضي لا ولاية له على الغائب إلا في حفظ ماله. # --- PageV05P368 ~~*** # (وينفق على ولده وأبويه وعرسه) لأن الأصل ms1391 أن كل من يستحق النفقة في ماله ~~حال حضرته بغير قضاء القاضي، ينفق عليه من ماله عند غيبته، لأن القضاء ~~حينئذ يكون لإعانته، وكل من لا يستحقها في حضرته إلا بالقضاء لا ينفق عليه ~~في غيبته، لأن النفقة حينئذ بالقضاء، وهو على الغائب ممتنع. فمن الأول: ~~الوالدان والأولاد الصغار والإناث الكبار والذكور الزمنى الكبار. ومن ~~الثاني: الأخ والأخت والعم والعمة والخال والخالة. وإذا لم يكن للمفقود مال ~~وطلبت الزوجة من القاضي أن يقضي لها بالنفقة عليه، كان أبو حنيفة يقول: ~~يجيبها إلى ذلك، وهو قول إبراهيم ثم رجع إلى قول شريح. وقال: لا يجيبها ~~إليه، ووجه قوله الأول: حديث هند. ووجه قوله الآخر: إن نفقة الزوجة لا تصير ~~دينا إلا بقضاء القاضي، وليس له أن يوجه القضاء على الغائب، وهذا إذا كان ~~النكاح معلوما له. وإن أرادت إثباته بالبينة لم يسمعها القاضي عندنا خلافا لزفر. # (ميت في حق غيره، فلا يرث من غيره) لأن بقاءه حيا باستصحاب الحال، وفي ~~توريثه من غيره إثبات ما لم يكن، والاستصحاب لا يصلح لذلك. ولما كان قوله: ~~فلا يرث ظاهرا في نفي التوريث أصلا فسره بقوله: (أي يوقف قسطه من مال مورثه ~~إلى تسعين سنة) من يوم ولد على المفتى به، لأن الغالب في زماننا عدم الحياة ~~إلى تسعين إلا نادرا، والنادر لا عبرة به. # --- PageV05P369 ~~*** # وروى الحسن عن أبي حنيفة مئة وعشرين سنة. وعن أبي يوسف مئة سنة. وظاهر ~~الرواية: التقدير بموت الأقران في بلده. والمختار أن ذلك مفوض إلى رأى ~~الإمام إذ يختلف باختلاف الأشخاص، فإن الملك العظيم إذا انقطع خبره يغلب ~~على الظن في أدنى مدة أنه مات، لا سيما إذا دخل في مهلكة. واقتصر مالك على ~~أربعة أعوام واحتج بما رواه في «الموطأ» عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن ~~المسيب أن عمربن الخطاب رضيالله عنه قال: أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر ~~أين هو؟ فإنها تنتظر أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا ثم تحل. ورواه عبد ~~الرزاق في «مصنفه» ms1392 وزاد: إن بدا لها. # قلنا: تربصها أربع سنين كان قول عمر في الابتداء، ثم رجع إلى قول علي: ~~إنها امرأة ابتليت، فلتبصر حتى يأتيها موت أو طلاق. رواه عبد الرزاق، وقال ~~أيضا: أخبرنا ابن جريج قال: بلغني عن ابن مسعود أنه وافق عليا على أنها ~~تنتظر أبدا. وروى ابن أبي شيبة عن أبي قلابة وجابر بن زيد والشعبي والنخعي ~~كلهم قالوا: ليس لها أن تتزوج حتى يتبين موته. # (فإن ظهر) المفقود (حيا فله ذلك) القسط الموقوف له (وبعدها) أي بعد ~~التسعين سنة (يحكم بموته في) حق (ماله يوم تمت المدة) لأن هذا موت حكمي ~~والحكم معتبر بالحقيقي (فتعتد عرسه للموت) من ذلك الوقت. # (ويقسم ماله بين من يرثه الآن) أي في ذلك الوقت كأنه مات فيه معاينة (و) ~~يحكم بموته (في) حق (مال غيره من حين فقده) لأنه ميت في حق غيره في ذلك ~~الوقت حكما، فكأنه مات فيه عيانا (فرد ما وقف له) أي للمفقود (إلى من يرث ~~الغير عند موته) أي موت ذلك الغير، والله سبحانه وتعالى أعلم. # --- PageV05P370 ~~*** # كتاب القضاء # هو لغة: الفراغ عن الأمر، ومنه قوله تعالى: {قضي الأمر}. # وشرعا: إلزام الحكومات، وفصل الخصومات، وقطع المنازعات. وهو فرض كفاية ~~بالإجماع، فإن لم يصلح للقضاء إلا واحد تعين عليه. # (أهله أهل الشهادة) أي يشترط فيمن يفوض إليه القضاء أن يكون من أهل ~~الشهادة، يعني: حرا مكلفا مسلما، وذلك لأن ولاية القضاء كالفرع لولاية ~~الشهادة، إذ حكم القضاء يبتنى على حكم الشهادة. # (ويصحان) أي الشهادة والقضاء (من الفاسق) لأن العدالة فيهما شرط ~~الأولوية، لأن السلف أجازوا حكم من تغلب من الأمراء وجار، ولولا صحته لما ~~فعلوا ذلك. وفي «وسيط الغزالي»: اجتماع هذه الشرائط من الاجتهاد والعدالة ~~وغيرهما متعذر في عصرنا لخلو العصر عن المجتهد والعدل، فالوجه تنفيذ قضاء ~~كل من ولاه سلطان ذو شوكة، وإن كان جاهلا فاسقا. (لكن) ينبغي أنه (لا يقلد) ~~الفاسق القضاء (ولا يقبل) إذا شهد، لأن الفاسق لا يؤمن، لقلة مبالاته ~~بواسطة فسقه. # (ولو فسق) ms1393 القاضي (العدل) بأخذ الرشوة أو بغيره كالزنا وشرب الخمر (يعزل) ~~أي يستحق العزل في ظاهر المذهب، وعليه مشايخ بخارى وسمرقند. ومعنى يستحق ~~العزل: أنه يجب على السلطان عزله. (وقيل: ينعزل) بمجرد الفسق ولا يصح قضاؤه ~~بعد ذلك، كما لا تقبل شهادته، وهو قول مالك والشافعي (وأحمد). واختاره ~~الكرخي والطحاوي وعلي الرازي صاحب أبي يوسف، وهو اختيار حسن لعدم ائتمان ~~الفاسق على حقوق الناس. # (ومن أخذه) أي القضاء (بالرشوة لا يصير قاضيا) وكذا لا ينفذ قضاؤه في ~~الأمر الذي أخذ الرشوة لأجله. قال القاضي فخر الدين: أجمعوا أنه إذا ارتشى ~~لا ينفذ قضاؤه فيما ارتشى، وقال: إذا أخذ القضاء بالرشوة لا يصير قاضيا، ~~ولو قضى لا ينفذ قضاؤه، كذا في «الكافي». # --- PageV05P371 ~~*** # وفي «أدب القاضي» للصدر الشهيد: أن الرشوة على أربعة أوجه: منها ما هو ~~حرام للآخذ والمعطي، وهو الرشوة في تقلد القضاء، فإنه لا يصير قاضيا. ومنها ~~ما يأخذه القاضي على القضاء وهو حرام من الجانبين أيضا، ولا ينفذ قضاؤه ولو ~~كان بحق. ومنها ما دفعها لخوف على نفسه أو ماله، وهذه حرام على الآخذ لا ~~الدافع. ومنها ما دفعها ليستوي حاله عند السلطان، وهذه تحل لدافع لا لآخذ . # (والاجتهاد شرط للأولوية) عندنا في الأصح، وهو ظاهر الرواية لا شرط ~~الصحة، لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قلد عليا قضاء اليمن حيث لم ~~يبلغ حد الاجتهاد. فقد روى أبو داود عن علي قال: بعثني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى اليمن قاضيا فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن ولا ~~علم لي بالقضاء، فقال: «إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين ~~يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن ~~يتبين لك القضاء»، قال: فما زلت قاضيا وما شككت في قضاء بعد. خلافا (لزفر) ~~ومالك والشافعي وأحمد، وهو نص محمد في «الأصل»: أن المقلد لا يجوز أن يكون ~~قاضيا، لأنه مأمور بالقضاء بالحق، ولا أمر بلا قدرة، ولا قدرة بلا ms1394 علم. # --- PageV05P372 ~~*** # ولنا: أن المقصود من القضاء، وهو إيصال الحق إلى مستحقه، يحصل بفتوى ~~غيره، والمراد بالعلم ليس ما يقطع بصوابه، بل ما يظنه المجتهد، فإنه لا قطع ~~في مسائل الفقه غالبا، فإذا قضى بقول مجتهد فقد قضى بذلك العلم وهو ~~المطلوب، ولكن إذا وجد في الرعية عدل عالم لا يحل تولية من ليس كذلك، بل لا ~~يصح تولية الجاهل الفاسق في رواية «النوادر» عن أئمتنا الثلاثة، كسائر ~~أقوال أصحاب المذاهب. واختارها الطحاوي لقوله عليه الصلاة والسلام: «من ~~استعمل رجلا على عصابة، وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ~~ورسوله وجماعة المسلمين». رواه الحاكم من حديث ابن عباس. وأخرجه الطبراني ~~عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تولى من أمر ~~المسملين شيئا، فاستعمل عليهم رجلا وهو يعلم أن فيهم من أولى بذلك، وأعلم ~~منه بكتاب الله وسنة رسوله، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين». # وأصح ما قيل في حد المجتهد أن يكون قد حوى علم الكتاب ووجوه معانيه، وعلم ~~السنة بطرقها ومتونها ووجوه معانيها، وكذا علم الآثار المنقولة عن الصحابة، ~~وما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه، وأن يكون عالما بالقياس وعرف الناس. # (ولا يطلب) القضاء لا بقلبه ولا بلسانه إلا إذا لم يكن غيره يصلح للقضاء، ~~فإنه يفترض عليه صيانة لحقوق المسلمين، كصلاة الجنازة إذا تعين واحد ~~لإقامتها يفترض عليه. وقال بعض أصحاب الشافعي: إن كان خامل الذكر ولو ولي ~~القضاء لاشتهر وانتفع الناس بعلمه، أو لم يكن له كفاية ولو ولي صار مكفيا ~~من بيت المال، يستحب له الطلب. # --- PageV05P373 ~~*** # والأصل في ذلك ما أخرج البخاري عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ~~«يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت ~~إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها». وأخرج أبو داود والترمذي ~~وابن ماجه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل القضاء ~~وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه نزل إليه ms1395 ملك يسدده». وإنما وكل إلى نفسه لأنه ~~اعتمد على نفسه وورعه، بخلاف من أكره، فإنه اعتصم بالله وحفظه. # وقيل: يحرم الدخول فيه إلا أن يكره عليه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من ~~جعل على القضاء فقد ذبح بغير سكين». رواه أصحاب السنن من حديث أبي هريرة، ~~وحسنه الترمذي. ورواه ابن عدي في «الكامل» عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «من استقضي فقد ذبح بغير سكين». وفي «صحيح مسلم» عن أبي ذر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي، لا ~~تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم». # --- PageV05P374 ~~*** # (وإنما يدخل فيه) أي القضاء (من يثق عدله) أي يعتمد عدل نفسه، صيانة ~~لحقوق العباد، وإخلاء للعالم عن الفساد. وأما من يخاف على نفسه العجز عنه، ~~أو لا يأمن على نفسه الظلم، فيكره له الدخول في القضاء. وذلك لأن عليا لما ~~امتحن قاضيا قال: ما صلاح الأمر؟ قال: الورع، قال: ما فساده؟ قال: الطمع. ~~فقال: حق لك أن تقضي. وعن عمر أنه قال: إذا كان في القاضي خمس خصال فقد ~~كمل، وإن كان فيه أربع ولم تكن واحدة ففيه وصمة، وإن كان فيه ثلاثة، ولم ~~تكن فيه اثنتان ففيه وصمتان، قيل: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: (علم) بما ~~كان قبله. وهو إشارة إلى ما بين في حق المجتهد وقال: نزهة عن الطمع، وحلم ~~على الخصم، واستخفاف الملامة من الناس يعني لا ينبغي للقاضي فيما يفصل من ~~القضاء (أن يخاف) الملامة من الناس، فإنه إذا خافها يتعذر عليه القضاء ~~بالحق . # وهذا لأنه لا بد أن ينصرف أحد الخصمين من مجلسه شاكيا يلوم القاضي مع ~~أصدقائه على ما كان منه، فإذا تفكر القاضي واشتغل بالتعرض علن الآئمة يتعذر ~~عليه فصل القضاء، ولعله مقتبس من قوله تعالى: {يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم}. وقيل: ومع هذا يستحب أن يعتذر للمقضي عليه ويبين له وجه ~~قضائه لديه، وأن الحكم في الشرع يقتضي القضاء ms1396 عليه صيانة لعرضه من نسبة ~~الجور إليه. # --- PageV05P375 ~~*** # قال: ومشاورة أولي العلم. وفيه دليل على أن القاضي وإن كان عالما ينبغي ~~له أن لا يدع مشاورة العلماء. قال الله تعالى: {وشاورهم في الأمر} وقال عز ~~وجل: {وأمرهم شورى بينهم} وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس ~~مشورة لأصحابه، وكان عمر يستشير الصحابة مع كمال فقهه، حتى كان إذا رفعت ~~إليه حادثة قال: ادعوا لي عليا، ادعو لي زيد بن ثابت، ادعوا لي أبي بن كعب، ~~وكان يستشيرهم ثم يفصل بما اتفقوا عليه. # وفي «سنن أبي داود» عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو ~~في الجنة، ورجل عرف الحق فجار في الحكم، فهو في النار،ورجل لم يعرف الحق ~~فقضى للناس على جهل فهو في النار». وفي «صحيح ابن حبان» عن عائشة قالت: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة ~~فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة». # وأخرج الحاكم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ولي ~~عشرة فحكم بينهم بما أحبوا أو كرهوا، جيء به يوم القيامة مغلولة يده إلى ~~عنقه، فإن حكم بما أنزل الله ولم يرتش في حكم، ولم يخن، فك الله عنه غله، ~~وإن حكم بغير ما أنزل الله وارتشى في حكمه وخان فيه، شدت يساره إلى يمينه ~~ثم رمي في جهنم». # ولهذا اجتنبه أبو حنيفة وصبر على الضرب والسجن حتى مات فيه. وقال: البحر ~~عميق فكيف أعبره بالسباحة؟ فقال أبو يوسف: البحر عميق، والسفينة وثيق، ~~والملاح عالم. فقال أبو حنيفة: كأني بك قاضيا. وقد اجتنبه كثير من السلف. ~~وقيد محمد بن الحسن نيفا وثلاثين يوما ليتقلده. وقال مكحول: لو خيرت بين ~~ضرب عنقي وبين القضاء لاخترت ضرب عنقي. رواه النسائي عنه. # --- PageV05P376 ~~*** # هذا، ويصح تقلده ولو من السلطان الجائر وأهل البغي، لأن بعض ms1397 الصحابة ~~تقلدوه من معاوية بعد ما أظهر الخلاف مع علي وكان الحق مع علي في نوبته. ~~وبعض التابعين تقلدوه من الحجاج وكان جائرا، فقد قال الحسن في حقه: لو جاء ~~كل أمة بخبثائها وجئنا به لغلبناهم. ولكن إنما يجوز التقلد من السلطان ~~الجائر إذا مكنه من القضاء بحق، وأما إذا لم يمكنه فلا، لأن المقصود لا ~~يحصل بالتقلد منه. ويصح تولية المرأة عندنا، وأبطلها مالك والشافعي، لأن ~~المرأة ناقصة العقل ليست أهلا للخصومة مع الرجال في محافل الحكومة. وقد قال ~~عليه الصلاة والسلام: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». رواه البخاري. # والجواب: أن ما ذكر غاية ما يفيد منع أن تستقضى وعدم حله. والكلام فيما ~~لو وليت وأثم المقلد بذلك وحكمها خصمان، فقضت قضاء موافقا لدين الله، ~~أكان ينفذ أم لا؟ لم ينهض الدليل على نفيه بعد موافقته ما أنزل الله إلا أن ~~يثبت شرعا سلب أهليتها، وليس في الشرع سوى نقصان عقلها. ومعلوم أنه لم يصل ~~إلى حد سلب ولايتها بالكلية، ألا ترى أنها تصلح شاهدة وناظرة في الأوقاف ~~ووصية على اليتامى، مع أن عقل بعض النساء أقوى من عقول كثير من الرجال. # وفي «أدب القاضي» للصدر الشهيد: للسلطان أن يعزل (القاضي) بريبة وبغير ريبة. # أما بريبة فظاهر، وأما بغير ريبة فلما روي عن أبي حنيفة: أن القاضي لا ~~يترك على القضاء إلا حولا، لأنه متى اشتغل بالقضاء أكثر من سنة نسي العلم. ~~وقال الشافعي وأحمد: يجوز عزله بخلله. وقال مالك: بشكوى أحد، ولو عزله بغير ~~خلل منه لا ينعزل، فإن كان أحد صالح أفضل منه جاز عزله، وإن كان دونه أو ~~مثله، فإن كان لتسكين فتنة أو لمصلحة أخرى جاز عزله. والقضاة والولاة لا ~~ينعزلون بموت السلطان بلا خلاف، ولو عزل القاضي نفسه ينعزل. # --- PageV05P377 ~~*** # (ومن قلد القضاء سأل) أي طلب (ديوان قاض قبله) وهو الخرائط التي فيها نسخ ~~السجلات وغيرها من الصكوك والمحاضر ونصب الأوصياء والقيم في أموال الوقف ~~وتقدير النفقات. وهذا لأن القاضي يكتب نسختين إحداهما في ms1398 يد الخصم والأخرى ~~تكون في يد القاضي، ربما يحتاج إليها لمعنى من المعاني، وما في يد الخصم لا ~~يؤمن عليه من الزيادة والنقص. فيبعث القاضي عدلين أو عدلا واحدا ليقبض ~~ديوان القاضي المعزول بحضرته أو بحضرة أمينه. # (ولا يعمل) القاضي المتولي (في المحبوس) المنكر (بقول المعزول) بل ~~بالبينة فإن لم يكن بينه نادى: من له حق على فلان فليحضر مجلس القضاء، فإن ~~لم يحضر أحد خلى سبيله وأخذ منه كفيلا، وإنما لا يعمل بقول المعزول، لأن ~~قوله حينئذ شهادة، وشهادة الفرد ليست بحجة لا سيما إذا كانت على فعل نفسه. # (وكذا في غلة الوقف والوديعة) لا يعمل بقول المعزول: إن وديعة فلان ~~دفعتها إلى هذا الرجل، وهو منكر، بل يعمل بالبينة (إلا إذا أقر ذو اليد ~~بالتسليم منه) أي بالأخذ من المعزول، لأن ذا اليد أقر بأن اليد كانت ~~للمعزول. ولو كان المال في يد المعزول يقبل إقراره فيه، فكذا إذا كان في يد ~~مودعه، لأن يد المودع كيد المودع. # --- PageV05P378 ~~*** # (ويقرض) القاضي (مال اليتيم) وكذا مال الغائب، لأن في إقراضه مصلحة ~~لليتيم ونحوه، وهي بقاء ماله محفوظا، ويكتب الصك تذكرة للحق. قيد بالقاضي، ~~لأن الوصي لا يقرض مال اليتيم لعجزه عن الاستخلاص، فربما يجحد المستقرض ولا ~~يجد شهودا يوافقونه على أداء الشهادة، ولو وجد فلا كل بينة تعدل ، ولا كل ~~قاض يعدل. وفي الجثو بين يدي القاضي ذل فكان إضرارا بالصغار بهذا الاعتبار، ~~وكذا الأب في أظهر الروايتين. ولو أخذ الأب مال الابن قرضا لنفسه قالوا: ~~يجوز، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز. # ويجوز للقاضي أن يحكم بعلمه عندنا كما يحكم بعلمه بعد ثبوت البينة، وهو ~~قول للشافعي ورواية عن مالك وأحمد. وقال الشافعي في قول ومالك وأحمد في ~~ظاهر مذهبه: لا يحكم لأنه يتهم في الحكم بعلمه، كالحكم لولده. # ولو رأى شيئا قبل أن يقلد القضاء أو في غير مصره الذي هو قاضيه، لا يحكم ~~عند أبي حنيفة ومالك، ويحكم عند أبي يوسف ومحمد والشافعي في قول، ms1399 وأحمد في ~~رواية، لأن العلم حاصل له كعلمه في حال قضائه أو في مصره. ولأبي حنيفة: أنه ~~علم شهادة لا علم قضاء، فلا يصير موجبا إلا بلفظ الشهادة والعدد. # (والجامع) الذي في وسط البلد (أولى) من داره (لجلوسه الظاهر) وهو الجلوس ~~الذي يأتي الناس فيه لقطع الخصومات، كيلا يشتبه مكانه على الغرباء وبعض ~~المقيمين في البلد. # والحاصل: أن جلوسه للحكم في أشهر الأماكن ومجامع الناس بلا حاجب ولا بواب ~~أفضل، ولو جلس في أي مكان شاء جاز. وقال الشافعي: يكره الجلوس في المسجد ~~للقضاء، لأنه يحضره المشرك وهو نجس، والحائض وهي ممنوعة عن دخوله. # --- PageV05P379 ~~*** # ولنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في المسجد الجامع، وكذلك الصحابة ~~والتابعون لما في الصحيحين عن سهل بن سعد في قصة اللعان: أن رجلا قال: يا ~~رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا إلى أن قال: فتلاعنا في المسجد ~~وأنا شاهد. ولما أخرجه الجماعة إلا الترمذي عن كعب بن مالك أنه تقاضى ابن ~~أبي حدرد دينا كان عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى: «يا ~~كعب»، قال: (لبيك) يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك. قال كعب: ~~قد فعلت يا رسول الله، قال: «قم فاقضه». # والسجف بفتح السين وكسرها: الستر. وفي البخاري: ولاعن عمر عند منبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد. وقضى ~~مروان على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر. # وأخرج ابن سعد في «الطبقات» عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه رأى أبا بكر ~~ابن محمد بن عمرو بن حزم يقضي في المسجد عند القبر، وكان على القضاء ~~بالمدينة في ولاية عمر بن عبد العزيز. وأخرج أيضا عن سعيد بن مسلم بن فاتك ~~قال: رأيت سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يقضي في المسجد، وكان قد ~~ولي قضاء المدينة. وأما استدلال صاحب «الهداية» ms1400 بقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«إنما بنيت المساجد لذكر الله والحكم» (فقوله: والحكم) غير معروف، وإنما ~~المحفوظ في مسلم حديث أنس في بول الأعرابي في المسجد قال أنس: ثم إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا ~~البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن». # --- PageV05P380 ~~*** # ولأن القضاء عبادة فيجوز إقامتها في المسجد كالصلاة، ونجاسة المشرك في ~~اعتقاده فلا يمنع من دخوله، والحائض تخبر بحالها، فيخرج القاضي إليها، أو ~~تبعث من يفصل بينها وبين خصمها، كما إذا كانت الخصومة في دابة. ويستحب له ~~أن يقعد مع أهل العلم ويجلسهم قريبا منه للمشورة، وكذا أهل العدل للشهادة ~~بخلاف الأعوان، فإن بعدهم أولى لحصول الهيبة. # ولا يقضي في حال شغل قلبه بشيء، فلا يقضي وهو: غضبان، أو فرحان، أو جائع، ~~أو عطشان، أو مهموم، أو نعسان، أو حاقن، أو متألم من حر، أو برد. وينبغي أن ~~يتخذ مترجما ثقة ليبين له ما لا يعرفه من لسان الخصم، لأنه عليه الصلاة ~~والسلام أمر زيد بن ثابت أن يتعلم العبرانية. وكان يترجم لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عمن كان يتكلم بين يديه بتلك اللغة، وكذا يتخذ كاتبا أمينا ~~عدلا صالحا ورعا. # (ولا يقبل) القاضي من أحد (هدية) وهي ما تعطى لأجل المحبة (إلا من ذي رحم ~~محرم) لأنه من صلة الرحم (أو) # إلا (ممن اعتاد مهاداته قبل القضاء) لقوله عليه الصلاة والسلام: «تهادوا ~~تحابوا» (قدرا عهد) من ذلك المهدي حتى لو زاده عليه لا يقبل الزيادة (إذا ~~لم يكن لهما) أي لذي الرحم المحرم ولمن اعتاد الإهداء للقاضي قبل القضاء ~~(خصومة) حتى لو كان لأحدهما خصومة لا يقبل القاضي هديته ما دامت الخصومة، ~~لأنها حينئذ لأجل القضاء فيكون من الرشوة. # (ولا يحضر) القاضي (دعوة) لأحد ولو كان صاحبها ذا رحم محرم من القاضي ~~(إلا) دعوة (عامة) لتحقق التهمة في الخاصة وانتفائه في العامة. # --- PageV05P381 ~~*** # وفي «الكفاية»: لو كان صاحب الدعوة خصما لا يحضر ms1401 القاضي دعوته ولو كانت ~~عامة، والخاصة هي التي لو علم صاحبها أن القاضي لا يحضرها لا يصنعها. وقيل: ~~ما كانت لغير عرس أو ختان، والعامة خلافها. وأجاز له محمد حضور دعوة قريبه ~~الخاصة كالعامة، وعيادة المريض وشهادة الجنائز إذا لم يكن لهم ولا عليهم ~~دعوى. وأبو حنيفة وأبو يوسف منعاه منها لمكان التهمة. # (ويسوي) القاضي (بين الخصمين جلوسا) بين يديه غير متربعين ولا مقعيين ولا ~~محتبيين ويكون بينهما وبين القاضي قدر ذراعين، ولا يقعد أحدهما من الجانب ~~اليمين والأخر من الجانب اليسار، لأن جانب اليمين أفضل والقلب إليه أميل. ~~يفعل ذلك مع الشريف والضعيف والأب والابن والخليفة والرعية. # وإذا سوى بينهما وحكم بالحق ولكنه يجد في قلبه الميل إلى أحدهما فلا بأس ~~به، لأن ذلك لا قدرة له عليه كما في القسم بين النساء (وإقبالا) أي توجها ~~والتفاتا لقوله عليه الصلاة والسلام: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليسو ~~بينهم في المجلس في الإشارة والنظر، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من ~~الآخر». رواه إسحاق بن راهويه في «مسنده» من حديث أم سلمة. وأخرجه ~~الدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين ~~فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده». وروى عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى ~~عبد الله بن قيس الأشعري: أن آس بين الناس في عدلك ووجهك ومجلسك، حتى لا ~~يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. # (ولا يسار أحدهما) أي لا يكلمه سرا (ولا يضيفه) أي لا يصنع القاضي ~~لأحدهما ضيافة. قيد بالأحد لأنه لو سارهما معا أو أضافهما معا لا بأس به، ~~كذا قاله الشارح. وفي جواز مساراتهما معا نظر ظاهر، إذ لا يخلو عن تهمة ~~وريبة لكل منهما. # --- PageV05P382 ~~*** # (ولا يضحك) مع أحدهما (ولا يمزح معه) بل ولا معهما، لأن كلا منهما يذهب ~~مهابة القضاء (ولا يشير إليه) لأنه بذلك يجتريء الخصم لديه (ولا يلقنه حجة) ~~لأن فيه تهمة وكسرا لقلب الآخر، وربما أدى إلى ترك حقه (ولا يلقن) القاضي ~~الشهادة ms1402 بقوله: (أتشهد بكذا وكذا) لأن فيه إعانة أحد الخصمين. (واستحسنه ~~أبو يوسف فيما لا تهمة فيه) لأن الشاهد قد يهاب مجلس القاضي فيحصر، فكان في ~~تلقين الشاهد إحياء للحق. # (ويحبس) القاضي (الخصم مدة رآها مصلحة) ليظهر ماله إن كان يخفيه. وقيل: ~~شهرا، وهو اختيار الطحاوي، لأن ما زاد في حكم الآجل، وما دونه في حكم ~~العاجل. وقيل: بشهرين. وقيل: ثلاثة. وقيل: أربعة إلى ستة أشهر، روايات عن ~~أبي حنيفة. والصحيح ما في المتن، لأن من الأشخاص من يرى حبسه في زمان طويل ~~أيسر من إعطاء ما عليه من مال قليل. # وصفة الحبس أن يكون في موضع ليس فيه فراش ولا وطاء، ولا يدخل عليه أحد ~~يستأنس به، ولا يخرج لجماعة (ولا لجمعة) ولا لجنازة. ولو أعطى كفيلا، ولا ~~لموت قريب إلا إذا لم يوجد من يجهزه. ولو مرض مرضا أضناه لا يخرج إن كان له ~~من يخدمه، ولو احتاج إلى الجماع لا يمنع من دخول امرأته أو جاريته عليه، إن ~~كان في السجن موضع يستره، لأن اقتضاء شهوة الفرج كاقتضاء شهوة البطن. وقيل: ~~يمنع، لأن الوطيء من فضول الحوائج. # --- PageV05P383 ~~*** # والحبس ثابت بالكتاب وهو قوله تعالى: {أو ينفوا من الأرض} والمراد ~~بالنفي: الحبس. وبالسنة فإنه حبس عليه الصلاة والسلام رجلا في تهمة. رواه ~~أبو داود، وزاد الترمذي والنسائي، ثم خلى عنه. ولم يكن في عهده عليه الصلاة ~~والسلام وعهد أبي بكر سجن، وإنما كان يحبس في المسجد أو الدهليز بالربط، ~~حتى اشترى عمر دارا بمكة بأربعة آلاف درهم فاتخذه محبسا. وقيل: بل لم يكن ~~في زمن عمر ولا عثمان إلى زمن علي، فبنى سجنا وسماه نافعا، فانفلت الناس ~~منه فبنى آخر وسماه محبسا (بطلب ولي الحق) حبسه، لأنه يحبس لأجل حقه فلا بد ~~من طلبه (إن امتنع) المديون (المقر عن الإيفاء) بعدما أمر القاضي له ~~بالأداء (أو ثبت الحق بالبينة فيما لزمه) متعلق ب: يحبس (بعقد) متعلق بلزم ~~(كالكفالة) لأن التزامه المال باختياره دليل على يساره ظاهرا، إذ العاقل لا ~~يلتزم ms1403 ما لا يقدر على أدائه. # (أو بدل مال) عطف على بعقد، أي وفيما لزمه بدل مال (حصل له) كثمن المبيع ~~وبدل القرض، لأن دخول المال في يده مثبت لغناه (وفي نفقة عرسه) المقدرة، ~~لأنه بالامتناع عن الإنفاق عليها صار ظالما (وفي نفقة ولده) لأنها لإحيائه ~~(لا في دينه) أي لا يحبس الوالد في دين عليه لولده، لأن الحبس عقوبة فلا ~~يقع من الولد على والده إكراما له، وكذا الوالدة والجد والجدة، وإن علوا ~~كالحدود والقصاص، إلا إذا أبى من الإنفاق عليه طفلا. وكذا كل من وجبت عليه ~~نفقته من جد أو جدة، لأنها تسقط بمضي الوقت، فلو لم يحبس عليها تفوت بخلاف ~~سائر الديون. # --- PageV05P384 ~~*** # (وفي غيرها) أي غير هذه الأشياء كضمان المتلفات وأرش الجنايات، ونفقة ~~الأقارب (لا) أي لا يحبس القاضي الخصم (إذا ادعى فقره) لعدم وجود أمارة تدل ~~على غناه (إلا إذا قامت بينة) من المدعي (بضده) أي بضد فقر الخصم وهو غناه. ~~فلو قال بغناه، لكان أظهر في مدعاه. # والمعنى: فحينئذ يحبسه بقدر ما يرى، لأنه مدعي الفقر، وهو متمسك بالأصل ~~إذ الآدمي حين يولد لا مال له، فكان القول له ما لم يكذبه الظاهر، كما فيما ~~لزم بعقد أو بدل مال. واختيار الخصاف وهو مروي عن الأصحاب: أن القول لمن ~~عليه الدين، سواء كان بدل مال أو لا، لأن الفقر أصل والغنى عارض فاحتيج إلى ~~إثباته. ثم بعد ذلك يسأل القاضي جيرانه وأهل الخبرة به عن ماله احتياطا لا ~~حتما، فإن شهد شاهدان عنده أنه قادر على قضاء الدين أبد حبسه، وإن لم يظهر ~~له مال بأن قالوا: إنه ضيق الحال، أطلقه لقوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة ~~فنظرة إلى ميسرة} ولو رأى أن يسأل عنه قبل مضي مدة الحبس كان له ذلك. # وأما السؤال قبل الحبس وقبول بينة الإعسار، فعن محمد يقبل، وبه أفتى محمد ~~بن الفضل وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وهو قول الشافعي. والأكثر أنها لا ~~تقبل قبل الحبس، وهو قول مالك، وهو ms1404 الأصح. فإن بينة الإعسار بينة على ~~النفي، فلا تقبل حتى تتأيد بمؤيد، وبعد مضي المدة تأيدت، إذ الظاهر أنه لو ~~كان له مال لم يتحمل ضيق السجن ومرازئه. # --- PageV05P385 ~~*** # ولو طلب المديون يمين المدعي أنه لا يعلم أنه معسر حلفه، فإن نكل أطلقه ~~ولو قبل الحبس، وإن حلف حبسه. ولغريمه ملازمته بعد خروجه من الحبس، وأخذ ~~فضل كسبه عند أبي حنيفة لعدم تحقق القضاء بالإفلاس عنده إذ المال غاد ~~ورائح. ولأن وقوف الشهود على عسرته من حيث الظاهر، فيصلح لدفع الحبس عن ~~المديون لا لإبطال حق الغريم في الملازمة. ومنعاه من ملازمته وأخذ فضل ~~كسبه، لأن القضاء بالإفلاس يصح عندهما، فتثبت العسرة فتجب النظرة إلى أن ~~يقيم بينة على أنه اكتسب مالا يفي بدينه كله أو بعضه، فحينئذ يؤمر بحبسه. ~~وتقدم بينة اليسار على بينة العسار، لأنها تثبت أمرا عارضا. # (وإذا شهدوا على) خصم (حاضر حكم) القاضي لوجود الحجة (وكتب به) أي بحكمه ~~(وهو) أي هذا المكتوب (السجل و) إن شهدوا (على غائب لا) أي لا يحكم القاضي، ~~لأن القضاء على الغائب لا يجوز، وكذا للغائب عندنا إلا أن يكون له وكيل عنه ~~أو وصي ولو من جهة القاضي. وجوز مالك والشافعي القضاء عليه لقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر». فاشتراط ~~حضور الخصم زيادة عليه بلا دليل. # ولنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي حين استقضاه علي اليمن: «لا ~~تقض لأحد الخصمين بشيء حتى تسمع كلام الآخر، (فإنك إذا سمعت كلام الآخر) ~~علمت كيف تقضي». رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. # وفي نفوذ القضاء على الغائب روايتان: ذكر شمس الأئمة وشيخ الإسلام أنه ينفذ. # --- PageV05P386 ~~*** # (بل يكتب كتابا حكيما ليحكم) القاضي (المكتوب إليه) وهذا الكتاب هو نقل ~~الشهادة في الحقيقة، لأن القاضي الكاتب لم يحكم بالشهادة، وإنما نقلها إلى ~~المكتوب إليه ليحكم بها، ولهذا يحكم المكتوب إليه برأيه، وإن خالف رأى ~~الكاتب، بخلاف السجل فإنه ليس لأحد أن يخالفه ولا أن ينقض حكمه ms1405 إذا كان في ~~فصل مجتهد فيه أو متفق عليه (إلا في حد وقود) فلا يكتب فيهما كتابا حكميا. # وقال مالك وأحمد: يكتب فيهما، لأن الاعتماد على الشهود. ولنا: أن في كتاب ~~القاضي شبهة وهما لا يثبتان معهما. وفي ظاهر الرواية: أن كتاب القاضي لا ~~يقبل في المنقولات لأنها تحتاج إلى الإشارة إليها عند الدعوى والشهادة ~~بخلاف العقار وغيره من الحقوق، لأنها تعرف بالوصف. وعن محمد: أنه يقبل في ~~جميع ما ينقل، وعليه الفتوى وعمل المتأخرين، وبه قال مالك وأحمد والشافعي ~~في قول. # (فيقرأ القاضي) الكتاب (على الشهود) الذين ينقلون الكتاب إلى القاضي ~~المكتوب إليه، ويشهدون لديه أن هذا كتاب إلى فلان القاضي أو يعلمهم بما ~~فيه، لأنهم يشهدون عند الثاني ولا شهادة بدون العلم، وهي بأحد هذين ~~الطريقين. (ويختم عندهم) أي بحضرتهم كيلا يتوهم تغييره، وهذا شرط عند أبي ~~حنيفة ومحمد والشافعي ومالك وأحمد في رواية (ويسلم إليهم) على قول أبي ~~حنيفة ومحمد وإلى المدعي على قول شمس الأئمة، وهو المختار للفتوى. # (وعند أبي يوسف يكفي) أن يشهدهم أن هذا كتابه وختمه، وبه قال مالك في ~~رواية، (وعنه أن الختم ليس بشرط) فسهل في ذلك لما ابتلي بالقضاء، واختاره ~~شمس الأئمة السرخسي، وما قاله أبو حنيفة ومحمد أحوط. # --- PageV05P387 ~~*** # (ثم) القاضي (المكتوب إليه لا يقبله إلا بحضور الخصم والبينة) أي وإلا ~~بالبينة عند أبي حنيفة ومحمد (على أنه كتاب فلان قرأه علينا وختمه وسلمه) ~~لئلا يكون الكتاب زورا. وقال أبو يوسف: يقبل القاضي المكتوب إليه بلا بينة، ~~ولكن لا يعمل به إلا بالبينة. # (فيفتحه) القاضي (ويقرؤه) على الخصم (ويلزمه ما فيه) إذا ثبتت عدالة ~~الشهود عنده، بأن كان القاضي الأول كتب عدالتهم، أو كان المكتوب إليه ~~يعرفهم بالعدالة، أو سأل من يعرفهم من الثقات فزكاهم. # (إن بقي الكاتب قاضيا) قيد به لأن الكتاب يبطل بموت الكاتب وعزله، وبكونه ~~لم يبق أهلا للقضاء: بأن جن أو ارتد أو قذف فحد، أو عمي قبل وصول الكتاب ~~إلى الثاني أو بعد وصوله قبل أن ms1406 يقرأه. وقال أبو يوسف (والشافعي) وأحمد: لا يبطل. # (ولا يعمل به) أي بالكتاب (غيره) أي غير المكتوب إليه وإن مات المكتوب ~~إليه أو عزل، بل يبطل (إلا إذا كتب بعد اسمه): أي اسم المكتوب إليه (وإلى ~~كل من يصل إليه من قضاة المسلمين) وقال الشافعي وأحمد: يعمل به وإن لم يكتب ~~ذلك (وعند أبي يوسف إن كتب هذا) أي إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين ~~(ابتداء) بأن كتب من فلان ابن فلان (ابن فلان) إلى كل من يصل إليه من قضاة ~~المسلمين وحكامهم (يقبل) وبه قال الشافعي وأحمد، واستحسنه كثير من المشايخ ~~تسهيلا للأمر على الناس. وقال أبو حنيفة: لا يقبل أخذا بالاحتياط (وإن مات ~~الخصم ينفذ) الكتاب (على وارثه) لقيامه مقامه. # --- PageV05P388 ~~*** # (والمرأة تقضي) لأنها من أهل الشهادة، فتكون من أهل القضاء، إذ كل منهما ~~من باب الولاية. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفلح قوم ولوا ~~أمرهم امرأة» يدل على نقصان حال ذلك القوم لا على عدم جواز توليتها، وقد ~~سبق تحقيقه. (إلا في حد وقود) لعدم جواز شهادتها فيهما. # (ولا يستخلف قاض قاضيا) لأنه قلد القضاء دون أن يقلده لغيره، ولأن الإمام ~~رضي بقضائه دون غيره (ولا يوكل وكيل وكيلا) لأن الموكل إنما رضي بتصرفه دون ~~غيره (إلا من فوض إليه ذلك) أي إلا القاضي المفوض إليه الاستخلاف، والوكيل ~~المفوض إليه التوكيل، بخلاف المأمور بإقامة الجمعة، فإنه يجوز له الاستخلاف ~~فيها، وإن لم يفوض إليه ذلك، لأنه لما فوض إليه الجمعة مع علمه أن العوارض ~~المانعة من إقامتها قد تعتريه ولا يمكن انتظار إذن الإمام الأعظم لضيق ~~الوقت، كان الإذن بإقامتها إذنا بالاستخلاف فيها دلالة. # --- PageV05P389 ~~*** # (ففي المفوض) إليه الاستخلاف والتوكيل (نائبه لا ينعزل بعزله وموته ~~موكلا) في «شرح الوقاية»: إنما قال موكلا، لأن في الوكالة ينعزل الوكيل ~~بموت موكله، فأراد أن يصرح بأن الوكيل ههنا لا ينعزل بموت موكله، لأنه في ~~الحقيقة ليس نائبه بل هو نائب الأصل. أما في القضاء فلأن النائب لا ms1407 ينعزل ~~بموت المنوب، فخص الموكل بالذكر للاشتباه، ولا اشتباه في باب القضاء فلم ~~يذكره. (بل هو نائب الأصل) إلا أنه في التوكيل ينعزل بموت الأصل، وفي ~~القضاء لا ينعزل. وقال الشافعي وأحمد: إذا عزل القاضي المفوض إليه نائبه ~~ينعزل، لأنه كوكيله، والموكل يملك عزل وكيله. ولنا: أنه لما صح الاستخلاف ~~من جهة الإمام كان نائبا عن الإمام، ولم يملك المفوض إليه عزله إلا أن يقول ~~الإمام: ول من شئت واستبدل من شئت. # (وفي غيره) أي غير المفوض (إن فعل نائبه عنده) أي بحضرته (أو أجاز هو) ما ~~فعل نائبه في غيبته (أو كان) الموكل الأول (قدر الثمن) في الوكالة صح. أما ~~إذا فعل بحضوره ففعله ينتقل إليه، وأما إذا أجاز فعله فلأنه صار كأنه فعله. ~~وأما إذا فعل بالثمن الذي قدر الأول فلحصول المقصود باستعمال رأيه في تقدير ~~الثمن (وب: اعمل برأيك يوكل) الوكيل لإطلاق التفويض إلى رأيه. # --- PageV05P390 ~~*** # (والقضاء) أي قضاء القاضي (في مجتهد فيه على خلاف مذهبه) أي (رأيه) ~~(ناسيا أو عامدا لا ينفذ) عند أبي حنيفة ومحمد، وبه قال مالك والشافعي ~~وأحمد، وعليه الفتوى، لأنه زاعم فساد قضائه فيؤاخذ بزعمه. وقال أبو حنيفة: ~~إن كان ناسيا ينفذ، وإن كان عامدا ففيه روايتان. ووجه النفاذ أنه ليس خطأ ~~بيقين، لأن كل مجتهد لا يقطع بصواب اجتهاده، وبه كان يفتي الصدر الشهيد ~~والمرغيناني. وفي «الذخيرة»: الخلاف في نفاذ القضاء، وقيل: في حل الإقدام عليه. # وقال بعض المحققين: والوجه في هذا الزمان أن يفتى بقولهما، لأن التارك ~~لمذهبه عمدا لا يفعله إلا لهوى باطل لا لقصد جميل، وأما الناسي فلأن المقلد ~~ما قلده إلا ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره، وهذا كله في القاضي المجتهد، وأما ~~المقلد فإنما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة مثلا، فلا يمكن المخالفة فيكون ~~معزولا بالنسبة إلى ذلك الحكم. # (وعلى وفاقه) أي القضاء على وفاق رأي القاضي (يجعل المختلف فيه مجمعا ~~عليه) لأن الخلاف الموجود قبل القضاء يرتفع (به كما يرتفع) بإجماع العلماء ~~على قول بعد اختلافهم على ms1408 قولين في العصر الذي قبله. # (فإن عرض على) قاض (آخر يمضه) سواء كان على رأيه أو على خلافه، لأن ~~القضاء متى لاقى مجتهدا فيه ينفذ ولا ينقض باجتهاد آخر، لأن اجتهاد الثاني ~~كاجتهاد الأول، وقد ترجح الأول باتصال القضاء به فلا ينقض بما دونه. وشرطه ~~أن يكون القاضي عالما باختلاف العلماء حتى لو قضى في فصل مجتهد فيه وهو لا ~~يعلم بذلك لا يجوز قضاؤه عند عامتهم، ولا يمضيه الثاني، كذا في «النهاية» ~~عن «المحيط». وقال شمس الأئمة: إنه ظاهر الرواية. # --- PageV05P391 ~~*** # (إلا فيما خالف الكتاب) أي ظاهره (أو السنة المشهورة) أي ما قاربت ~~المتواترة (أو الإجماع) أي اتفاق الأئمة، فإنه لا ينفذ قضاؤه ولا ينفذ قاض ~~آخر له، لأنه يكون حكما بلا دليل فيكون باطلا ولا يعود بالتنفيد صحيحا. ~~فمخالف الكتاب. كالحكم بحل متروك التسمية عمدا، ومخالف السنة المشهورة: ~~كالحكم بحل المطلقة ثلاثا بمجرد عقد الزوج الثاني، ومخالف الإجماع: كالحكم ~~ببطلان قضاء القاضي في المجتهدات. والمراد بالإجماع: ما ليس فيه خلاف يستند ~~إلى دليل شرعي (وعد من ذلك: القضاء بشاهد ويمين) وبصحة نكاح المتعة، وبعدم ~~وقوع الطلاق الثلاث جملة، وبعدم وقوع الطلاق على حبلى أو حائض أو قبل ~~الدخول، وبيع أم الولد من هذا القبيل عند محمد خلافا لهما. # (وإن كان نفس القضاء مختلفا فيه) مثل القضاء على الغائب، وقضاء المحدود ~~في القذف بعد التوبة، وقضاء الفاسق قبل التوبة. (يصير مجمعا عليه بإمضاء) ~~قاض (آخر) لأن محل الخلاف لم يوجد قبل القضاء، بل وجد بعده فلا بد من قضاء ~~آخر للترجيح. # (والقضاء بحرمة أو حل ينفذ ظاهرا وباطنا) أي عند الله (ولو بشهادة زور) ~~وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف أولا. وقال محمد وأبو يوسف آخرا كمالك ~~والشافعي وأحمد: لا ينفذ بالزور إلا ظاهرا وعليه الفتوى، كما لو كان الشهود ~~عبيدا أو محدودين في قذف أو كفارا، والمشهود له يعلم بحالهم دون القاضي، أو ~~كما لو قضى القاضي بنكاح الرجل على امرأة منكوحة أو معتدة لغيره، وكما في ~~الأملاك المرسلة ms1409 . # --- PageV05P392 ~~*** # (إذا ادعاه بسبب معين) قيد به لأن القضاء بحل وحرمة في المدعى بلا سبب لا ~~ينفذ إلا ظاهرا بالاتفاق. ثم معنى النفاذ ظاهرا: أن تسلم المرأة نفسها له ~~بقول القاضي: سلمي نفسك فإنه زوجك، والنفاذ باطنا: أن يحل له وطؤها ويحل ~~لها التمكين فيما بينهما وبين الله تعالى. # ولنا: أن القضاء لقطع المنازعة، وقد عهد نفوذ القضاء بمثل ذلك في الشرع، ~~ألا ترى أن التفريق باللعان ينفذ باطنا وأحدهما كاذب بيقين؟ وكذا إذا اختلف ~~المتبايعان وتحالفا يفسخ القاضي بينهما البيع، فينفذ الفسخ باطنا حتى يحل ~~للبائع وطىء الجارية المبيعة، فكذا في باقي الفسوخ والعقود، وأما العبيد ~~والكفار والمحدودون في القذف، فيمكن الوقوف عليهم بخلاف الشهود الزور. # وعدم النفاذ في الحكم بنكاح منكوحة الغير أو معتدته لفوات شرط الحكم لا ~~لزور الشهود، إذ شرط الحكم أن يكون في محل قابل له، ومنكوحة الغير ومعتدته ~~ليست بمحل للنكاح، وإنما لم ينفذ باطنا في المدعي بلا سبب، لأن في أسباب ~~الملك تزاحما إذ الملك تارة يثبت بالشراء وتارة بالإرث وغيره، وليس تعيين ~~بعض أولى من بعض. وإثبات الملك مطلقا من غير سبب ليس في وسع البشر بخلاف ~~المدعي بسبب معين، كالبيع والشراء والإجارة والنكاح والإقالة والفرقة بطلاق ~~أو غيره. وفي الهبة والصدقة روايتان. # --- PageV05P393 ~~*** # احتج أبو حنيفة بما روي أن رجلا ادعى على امرأة نكاحا بين يدي علي كرم ~~الله وجهه وأقام شاهدين فقضى علي بالنكاح بينهما. فقالت المرأة: إن لم يكن ~~بد يا أمير المؤمنين فزوجني منه، فإنه لا نكاح بيننا. فقال علي: شاهداك ~~زوجاك. فقد طلبت منه أن يعفها عن الزنا بأن يعقد النكاح بينهما فلم يجبها ~~إلى ذلك، ولو لم ينعقد العقد بينهما بقضائه لما امتنع من تجديده عند طلبها ~~ورغبة الزوج فيها، وإنما لم يجبها لذلك لترجيح قول الشهود على قولها ~~واتهامها بالكذب، إذ مثله لا يقضي إلا بشهود عدول. # ولهم قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى ~~الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} ms1410 فقد نهى الله عن ~~أكل مال الغير بالباطل محتجا بحكم الحاكم، فهو تنصيص على أنه وإن قضى ~~القاضي له بالشراء بشهادة الزور لا يحل له تناوله، ويكون ذلك منه أكلا ~~بالباطل. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون ~~إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فاقضي له على نحو ما أسمع منه، ~~فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه، فإنما أقطع له قطعة من نار». متفق عليه . # --- PageV05P394 ~~*** # (ولا يقضي) القاضي (على غائب) لما سبق (إلا بحضرة نائبه حقيقة) وهو وكيله ~~(أو) نائبه (شرعا كوصي القاضي أو) نائبه (حكما بأن كان ما يدعي على الغائب ~~لا محالة) أي بيقين (سببا لما يدعي على الحاضر) كما لو ادعى عينا في يد ~~غيره أنه اشتراها من فلان الغائب، وأقام البينة على ذي اليد بعد إنكاره، ~~وقضى به. ثم حضر الغائب وأنكر، لا يلتفت إلى إنكاره. وأما احتمال السببية، ~~كما إذا قال لامرأة: إن زوجك الغائب وكلني بأن أحملك إليه فأقامت البينة ~~أنه طلقها ثلاثا، فإنه لا يقضي بالطلاق على الغائب، لأنه يحتمل أن يكون ~~وكيلا بالحمل بعده (في العدة) وأن يكون وكيلا بالحمل قبله، فلما كان سببا ~~من وجه (دون وجه) يقضي بقصر يد الوكيل ولا يقضي بالطلاق، كذا في «الفصول ~~العمادية». # (لا) أي لا يكون الحاضر نائبا عن الغائب (إن كان) ما يدعي على الغائب ~~(شرطا) لما يدعي على الحاضر، كما لو قال رجل لامرأته: إن طلق فلان امرأته ~~فأنت طالق، ثم برهنت المرأة على أن فلانا طلق امرأته وفلان غائب لا يقبل ~~منها، ولا يحكم بوقوع الطلاق عند عامة المشايخ. بخلاف ما لو قال: إذا دخل ~~فلان الدار فأنت طالق، وبرهنت على دخول فلان وهو غائب، حيث يقبل ويحكم ~~بوقوع الطلاق، لأن هذا ليس بقضاء على الغائب، إذ ليس فيه إبطال حق له. ~~وأفتى بعض المتأخرين بقبول البينة ووقوع الطلاق في المسألة الأولى، منهم ~~فخر الإسلام، لأن دعوى المدعي كما تتوقف على ms1411 السبب تتوقف على الشرط، والأصح ~~خلافه، وبه كان يفتي المرغيناني. # --- PageV05P395 ~~*** # وقال الشافعي: يجوز الحكم على الغائب عن البلد وعن مجلس الحكم إذا كان ~~مستترا في البلد قولا واحدا، وبه قال مالك وأحمد. وللشافعي في الغائب عن ~~مجلس الحكم غير مستتر في البلد قولان: أصحهما: أنه لا يحكم بدون حضوره، ~~(وبه قال مالك وأحمد: لأن في المستتر تضييع الحقوق وفي غيره لا). والثاني: ~~أنه يحكم عليه لوجود الحجة وظهور الحق. # ولنا: أن القضاء لقطع المنازعة، ولا منازعة بدون الإنكار ولم يوجد. وأما ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند امرأة أبي سفيان: «خذي من ماله ما ~~يكفيك وولدك بالمعروف». فلم يكن قوله عليه الصلاة والسلام قضاء على أبي ~~سفيان، بل كان فتوى لها. # (وصح تحكيم الخصمين) لقوله تعالى: {فابعثوا حكما من أهله وحكما من ~~أهلها}. ولعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحكيم سعد بن معاذ في بني ~~قريظة بسبي ذراريهم وقتل مقاتليهم كما في الصحيح. ولما قال أبو شريح: يا ~~رسول الله إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي عني ~~الفريقان، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما أحسن هذا». رواه النسائي. وروي أنه ~~كان بين عمر وأبي بن كعب منازعة في نخل، فحكما بينهما زيد بن ثابت. فأتياه ~~فخرج زيد وقال لعمر: هلا بعثت إلي فأتيتك يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: في ~~بيته يؤتى الحكم فدخلا بيته فألقى لعمر وسادة، فقال عمر: هذا أول جورك، ~~وكانت اليمين على عمر، فقال زيد لأبي: لو أعفيت أمير المؤمنين، فقال عمر: ~~عن يمين لزمتني، فقال أبي: نعفي أمير المؤمنين ونصدقه. ولأن لهما ولاية على ~~أنفسهما، فصح تحكيمهما. # --- PageV05P396 ~~*** # (من صلح قاضيا) لأن المحكم بينهما بمنزلة القاضي، فيشترط فيه ما يشترط في ~~القاضي. ويشترط في نفوذ حكمه أن يكون (في غير حد وقود) لأنه لا ولاية لهما ~~على دمهما، ولهذا لا يملكان إباحته، فلا يصح تحكيمهما فيه. والحدود بمنزلة ~~(الدم) (ولزمهما حكمه) إذا حكم بالبينة أو الإقرار أو النكول، لأنه صدر ms1412 عن ~~ولاية شرعية عليهما. ثم بالعزل لا يبطل حكمه كالقاضي (وإخباره) أي وصح ~~إخبار الحكم (بإقرار أحدهما) بأن يقول: إنك أقررت عندي بكذا، ذكره في ~~«الخزانة» (وبعدالة شاهد) بأن يقول: قام عليك بينة لهذا بكذا، وعدلوا عندي ~~وقد حكمت عليك به لهذا. وإنما يلزمهما إخباره بذلك (حال ولايته) فإن إخباره ~~حال ولايته قائم مقام شهادة رجلين. قيل: ولكن لا يفتى به لئلا تذهب مهابة ~~منصب القضاء. أما لو أخبر بذلك حال عزله فلا يصدق لانقضاء الولاية. # (ولكل منهما) أي المحكمين. (أن يرجع) عن تحكيمه (قبل حكمه) أي حكم ~~الحاكم، لأنه مقلد من جهتهما، فكان لهما عزله قبل أن يحكم بينهما، كما أن ~~المقلد من جهة الإمام له أن يعزله قبل أن يحكم بين الناس. (فإن رفع حكمه ~~إلى قاض أمضاه إن وافق مذهبه) إذ لا فائدة في نقضه ثم إبرامه. أما لو ~~خالفه، فلم يمضه إن شاء، بخلاف حكم القاضي إذا خالف مذهب قاض ورفع إليه، ~~حيث يمضيه وجوبا، لأن القاضي المولى من جهة الإمام له ولاية على الناس، ~~فكان قضاؤه حجة على الكل بخلاف المولى من الخصمين، فإنه لا ولاية له على ~~غيرهما. وفائدة إمضاء القاضي حكم الموافق لمذهبه أن لا يكون لقاض آخر يرى ~~خلافه نقضه إذا رفع إليه، لأن إمضاءه بمنزلة قضائه ابتداء. # --- PageV05P397 ~~*** # (ولا يصح القضاء) تولية وتحكيما (و) لا (الشهادة لمن بينهما ولاء أو ~~زوجية) للتهمة. وأما لو كان القضاء والشهادة عليهم صحا لعدم التهمة. # (وصح الإيصاء بلا علم الوصي لا التوكيل) بلا علم الوكيل. فلو باع الوصي ~~شيئا من التركة قبل علمه صح بيعه، ولو تصرف الوكيل فيما وكل به قبل علمه لم ~~يصح تصرفه. # (وشرط) عند أبي حنيفة (خبر عدل أو مستورين بعزل الوكيل وعلم السيد بجناية ~~عبده و) علم (الشفيع بالبيع و) علم (البكر بالنكاح و) علم (مسلم) في دار ~~الحرب (لم يهاجر بالشرائع). # وقال أبو يوسف ومحمد: لا يشترط إلا التمييز، والأصح في حق المسلم الذي لم ~~يهاجر أن يقبل خبر الفاسق، ms1413 حتى تجب عليه الأحكام بخبره، لأن المخبر له مبلغ ~~ورسول، وفي الرسول لا تشترط العدالة، كما في رسول الولي إلى البكر ~~بالتزويج. (لا لصحة التوكيل) أي لا يشترط خبر عدل أو مستورين لصحة التوكيل، ~~حتى لو أعلم الوكيل واحد غير عدل صح توكيله، لأنه من المعاملات وليس فيه ~~إلزام، فلا يشترط فيه إلا التمييز. # (وقبل قول قاض عالم عدل: قضيت بهذا) من غير بيان سبب القضاء، لأن عدالته ~~تمنعه من الميل إلى الرشوة، وعلمه يمنعه من الغلط في الحكم، (وجاهل) عطف ~~على عالم، أي: وقبل قول قاض جاهل (عدل إن بين سببه) على وجه التبرع بأن قال ~~في الزنا بإقرار: استفسرت المقر كما هو المعروف فيه، وحكمت برجمه. وقال في ~~السرقة: ثبت بالحجة عندي أنه أخذ نصابا من حرز لا شبهة فيه، لأن عدالته ~~تمنعه من الخيانة، وتبينه السبب يمنع من الغلط، فإذا قبل قولهما يعمل وفق ~~أمرهما من قتل وقطع وغيرهما. # --- PageV05P398 ~~*** # (لا) يقبل قول (غيرهما) وهو العالم الفاسق، والجاهل الفاسق، لتهمة الخطأ ~~للجهالة، وتهمة الخيانة لعدم العدالة، وهذا الذي ذكره المصنف مختار أبي ~~منصور الماتريدي. # وفي «الجامع الصغير» لم يقيد بعلم ولا بعدالة، وهو ظاهر الرواية، لأن ~~طاعة أولي الأمر واجبة، وفي تصديق القاضي طاعته. ثم رجع محمد عن هذا وقال: ~~لا يؤخذ بقوله إلا أن تعاين الحجة، أو يشهد بذلك القاضي العدل، لأن قوله ~~يحتمل الغلط والخطأ، والتدارك غير ممكن، وحرمة النفس عظيمة، والحدود تندرىء ~~بالشبهة. واستحسن المشايخ هذه الرواية لفساد الحال في أكثر القضاة. ولا بأس ~~برزق القاضي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام فتح مكة (لما أسلم عتاب ~~بن أسيد استعمله على مكة) حين خروجه إلى حنين. فقام للناس بالحج تلك السنة، ~~وهي سنة ثمان، ولم يزل عتاب أميرا على مكة حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فأقره أبو بكر عليها، فلم يزل عليها إلى أن مات وكانت وفاته فيما ذكره ~~الواقدي يوم مات أبو بكر الصديق رضي الله عنه. قال: ماتا ms1414 في يوم واحد. # وروي عن عمرو بن عوف قال: سمعت عتاب بن أسيد يقول: وهو يخطب مسندا ظهره ~~إلى الكعبة يحلف: ما أصبت في عملي الذي بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا ثوبين كسوتهما مولاي كيسان. وقد ذكر الأصحاب: أنه عليه الصلاة والسلام ~~فرض لعتاب بن أسيد أربعين أوقية في السنة. والأوقية: أربعون درهما. # --- PageV05P399 ~~*** # وتكلموا في أي مال رزقه، ولم يكن يومئذ الدواوين، ولا بيت المال. فإن ~~الدواوين وضعت في زمن عمر. فقيل: إنما رزقه من الفيء مما أفاء الله، فقيل: ~~من المال الذي أخذ من نصارى نجران . وقيل: من الجزية التي أخذها من مجوس ~~هجر. وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض له كل يوم درهما. وكان ~~شريح أخذ على القضاء أجرا. والله سبحانه أعلم. # كتاب الشهادة # (هي) لغة: إخبار بشيء عن مشاهدة وعيان، لا عن تخمين وحسبان. # وشرعا: (إخبار بحق للغير) أي إخبار صدق بإثبات حق لغير المخبر (على آخر) ~~احترز به عن الإقرار، فإنه إخبار بحق لغير المخبر على المخبر. وسببها في حق ~~التحمل: المشاهدة أو السماع، وفي حق الأداء: طلب المدعي. # وركنها استعمال لفظ الشهادة (بلفظ الشهادة)، لأن النصوص وردت بهذه اللفظة ~~فتقيد بها. وتكون عند القاضي، لأن المقصود منها القضاء بها. وشروطها كثيرة: ~~منها: أن يكون حرا، عاقلا، بالغا، مسلما، عدلا باجتناب الكبائر وعدم ~~الإصرار على الصغائر، لقوله تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} والمرضي هو ~~العدل، وقوله عز وجل: {وأشهدوا ذوي عدل منكم}. وحكمها: وجوب الحكم على ~~القاضي بما ثبت بها. وفي «المبسوط»: والقياس يأبى كون الشهادة حجة ملزمة، ~~لأنها خبر يحتمل الصدق والكذب، والمحتمل لا يكون حجة، إلا أن هذا القياس ~~ترك بالنصوص والإجماع. # --- PageV05P400 ~~*** # (وتجب بطلب المدعي) لقوله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا}. وقوله ~~تعالى: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} وهاتان الآيتان وإن ~~كانتا نهتا عن الإباء والكتمان، إلا أن النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ~~ضد واحد. وإنما خص القلب بالإثم لأنه ms1415 رئيس الأعضاء، والمضغة التي إذا صلحت ~~صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، كما ورد في الصحيح. # ثم أداء الشهادة إنما يجب إذا كان الشاهد قريبا من مجلس القضاء، أو بعيدا ~~بحال لو حضر مجلس الحكم وشهد، يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه، لأنه لا ضرر ~~عليه حينئذ في حضوره وقد قال الله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد}. وفي ~~«المجتبى»: تحمل الشهادة فرض على الكفاية كأدائها وإلا لضاعت حقوق الناس، ~~وعلى هذا كتابة الكاتب، لقوله تعالى: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ~~فليكتب} إلا أنه يجوز أخذ الأجرة على الكتابة، ولا يجوز على الشهادة فيمن ~~تعين عليه أداؤها بإجماع الفقهاء، وفيمن لم يتعين عليه أيضا عندنا، وبه قال ~~الشافعي في قول. وقال في آخر: يجوز لعدم تعينه عليه. # --- PageV05P401 ~~*** # (وسترها) أي الشهادة (في الحدود أفضل) من إظهارها لما في «الصحيحين» من ~~حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ستر مسلما ستره ~~الله في الدنيا والآخرة»... الحديث، ولأنه عليه الصلاة والسلام لقن المقر ~~بالزنا والمقر بالسرقة لدرء الحد عنه، فإن قيل: هذا معارض بقوله تعالى: ~~{ولا تكتموا الشهادة}. وتقييد المطلق من الكتاب لا يجوز بخبر الواحد. وأجيب ~~بأن الآية محمولة على الشهادة في حقوق العباد بدليل سياقها وهي آية ~~المداينة، وبالإجماع، وبقوله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة}... ~~الآية، وإنما اختصت بذلك الحدود، لأنها حق الله تعالى، وهو غني عن كل شيء ~~كريم لطيف بعباده، بخلاف غيرها فإنها حق العبد وهو محتاج شحيح. # (ويقول) الشاهد (في السرقة: أخذ) إحياء لحق المسروق منه (لا سرق) محافظة ~~على الستر، لأن الشهادة بالمال واجبة إن طلب المدعي، والستر في الحدود ~~أفضل. وفي قوله: أخذ مراعاة الأمرين. (ونصابها) أي الشهادة (للزنا أربعة ~~رجال) فلا يقبل فيه شهادة النساء، لقوله تعالى: {لولا جاؤوا عليه بأربعة ~~شهداء} وقوله: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء}، وقوله: {واللاتي يأتين الفاحشة ~~من نسآئكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} والتاء لا تدخل على العدد ms1416 إلا إذا ~~كان معدوده مذكرا. وعن عطاء وحماد: لو شهد ثلاثة رجال وامرأتان في الزنا ~~قبلوا لإطلاق قوله تعالى: {أربعة منكم}. # ولنا ما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن حفص عن حجاج عن الزهري أنه قال: ~~مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده أنه لا تجوز ~~شهادة النساء في الحدود. # والحاصل: # --- PageV05P402 ~~*** # أن الله سبحانه يحب الستر على عباده ولا يرضى بإشاعة الفاحشة، ولهذا جعل ~~النسبة إلى هذه الفاحشة في الأجانب موجبة للحد، وفي الأزواج موجبة للعان، ~~بخلاف سائر الفواحش ليستر بعضهم على بعض. # (و) نصابها (للقود وباقي الحدود رجلان) لقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين ~~من رجالكم} مع ما روينا عن الزهري. وقال الحسن البصري: لا يقبل في القتل ~~إلا أربعة كالزنا. # (و) نصابها (للبكارة، والولادة، وعيوب النساء فيما لا يطلع عليه الرجال ~~: امرأة) والأصل في ذلك قوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن}. وقال الشافعي: يشترط الأربع، وهو قول عطاء، لأن كل امرأتين مقام ~~رجل واحد، والحجة (شهادة) رجلين لا رجل واحد. وقال مالك: يشترط اثنتان، وهو ~~قول الثوري، لأنه لما سقط اعتبار الذكورة بقي العدد معتبرا. # ولنا ما رواه مجاهد، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، وعطاء، وطاوس، عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال: «شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر ~~إليه». وما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن جريج وعن الزهري أنه قال: مضت ~~السنة أنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء ~~وعيوبهن. ووجه الدلالة أن النساء جمع محلى باللام من غير عهد، فيكون للجنس، ~~فيصدق بالاقل كما في قوله تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد} فيتناول الأقل. # --- PageV05P403 ~~*** # وما روى أيضا في «مصنفه» عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن إسحاق، عن الزهري: ~~أن عمر بن الخطاب أجاز شهادة امرأة في الاستهلال أي صياح الصبي عند ~~الولادة ولا تقبل شهادة النساء على استهلال الصبي عند أبي حنيفة في حق ~~الإرث، وتقبل في ms1417 حق الصلاة. وقال أبو يوسف ومحمد: تقبل في حق الإرث أيضا، ~~وبه قال مالك والشافعي وأحمد لحديث علي رضي الله عنه أنه أجاز شهادة ~~القابلة في الاستهلال. # (و) نصابها (لغيرها) أي لغير الشهادة على الأمور التي تقدم نصابها، وهو ~~الحقوق (رجلان، أو رجل وامرأتان) سواء كان الحق مالا أو غير مال، كالنكاح، ~~والطلاق، والوكالة، والوصية، والعتاق، والرجعة، والنسب. وقال الشافعي ومالك ~~وأحمد في رواية: لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الأموال وتوابعها ~~كالإجارة، والكفالة، (والأجل)، وشرط الخيار. ولذا يكفي في النكاح ونحوه رجل ~~وامرأتان عندنا. ومنع مالك والشافعي انعقاده بحضرة رجل وامرأتين. ولنا ما ~~روي أن عمر وعليا رضي الله عنهما أجازا شهادة النساء مع الرجال في النكاح ~~والفرقة. # (وشرط للكل العدالة) وفي «الذخيرة»: وأحسن ما قيل في تفسيرها ما نقل عن ~~أبي يوسف: وهو أن يكون مجتنبا عن الكبائر ولا يكون مصرا على الصغائر، فيكون ~~صلاحه أكثر من فساده، وصوابه أكثر من خطائه. وإنما شرطت العدالة لقوله ~~تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} (ولفظ الشهادة) حتى لو قال الشاهد: أعلم أو ~~أتيقن، لا تقبل شهادته، لأن النصوص الواردة فيها لم ترد إلا بلفظ الشهادة، ~~والإشهاد، قال الله تعالى: {وأقيموا الشهادة لله}، وقال: {وأشهدوا إذا ~~تبايعتم}، وقال: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم}. # --- PageV05P404 ~~*** # (ويسأل القاضي عن حال الشاهد عندهما) أي عند أبي يوسف ومحمد (مطلقا) أي ~~في سائر الحقوق والدعاوى، سواء طعن الخصم أو لم يطعن (وبه يفتى) لكثرة ~~الفساد في هذا الزمان بين العباد، وهو قول الشافعي وأحمد. وقال مالك: يجب ~~عليه السؤال إذا شك وإن سكت الخصم، إلا أن يقر بعدالتهما، لأن القضاء مبني ~~على الحجة وهي شهادة العدول. وقال أبو حنيفة: يقتصر الحاكم على ظاهر ~~العدالة في المسلم، ولا يسأل عنه حتى يطعن الخصم، إلا في الحدود والقصاص، ~~لأنهما يدرآن بالشبهة ويحتاط لإسقاطهما، فيستقصى في كل منهما ابتداء من غير ~~طعن من خصم، رجاء أن يسقط. # ولما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن عمرو بن شعيب، عن ms1418 أبيه، عن جده قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا ~~محدودا في قذف» وفي نسخة: «إلا في فرية». ومثله عن عمر رضي الله عنه. وهذا ~~من صاحب الشرع وخليفته أقوى من تعديل المزكي. وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، ~~لأن أبا حنيفة كان في القرن الثاني وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأهله بالخير والصلاح حيث: قال: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم ~~الذين يلونهم» وأبا يوسف ومحمد كانا بعده، وقد تغيرت أحوال الناس وكثرت ~~الخيانات والكذب في الشهادات، كما أخبر عنهم صلى الله عليه وسلم أنه يفشو ~~الكذب فيهم. # --- PageV05P405 ~~*** # (وكفى السؤال سرا في زماننا) تحرزا عن الفتنة. وكيفيته أن يبعث القاضي مع ~~المعدل المستورة، وهي: رقعة فيها اسم الشاهد، ونسبه، وحليته، ومسجده الذي ~~يصلي فيه، ومحلته، وسوقه إن كان سوقيا، فيسأل جيرانه وأصدقاءه، فمن عرفه ~~بالعدالة يكتب تحت اسمه في كتاب القاضي أنه عدل جائز الشهادة، ومن عرفه ~~بالفسق لا يذكر حاله احترازا عن الهتك، بل يقول: الله أعلم، إلا إذا عدله ~~غيره وخاف أن يحكم القاضي بشهادته، فحينئذ يصرح بحاله. ومن لا يعرف حاله ~~يكتب تحت اسمه أنه مستور، ويرد المعدل المستورة إلى القاضي سرا. # وتزكية العلانية أن يجمع القاضي بين المزكي والشهود في مجلس القضاء، ~~فيسأل المزكي عن الشهود بحضرتهم: (أهؤلاء عدول مقبولو الشهادة ليزكيهم أو ~~يجرحهم، وفيه نفي شبهة تعديل غيرهم). # وكانت التزكية في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه علانية، لأن ~~المعدل كان لا يتوقى عن الجرح، ولا يخاف من المدعي، ولا من الشهود، لأنهم ~~كانوا منقادين للحق ولا يقابلونه بالأذى لو جرحهم، ووقع الاكتفاء بتزكية ~~السر في زماننا وتركت تزكية العلانية، لأنها بلاء وفتنة، إذ الشهود والمدعي ~~يقابلون الجارح بالأذى والإضرار. # (والاثنان أحوط في التزكية) أي تزكية السر، أما في تزكية العلانية فالعدد ~~شرط بالإجماع، لأن معنى الشهادة فيها أبين، فإنها تختص بمجلس القضاء (وفي ~~ترجمة الشاهد) أي ترجمة المترجم عن الشاهد (وفي الرسالة) ms1419 أي رسول القاضي ~~(إلى المزكي) ويجوز الواحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال مالك وأحمد في ~~رواية. وعند محمد والشافعي: يشترط في التزكية ما يشترط في الشهادة من العدد ~~ووصف الذكورة، حتى يشترط في تزكية شهود الزنا أربعة ذكور، وفي غيره من ~~الحدود والقصاص رجلان. # --- PageV05P406 ~~*** # (ولا يشترط الإشهاد إلا في الشهادة على الشهادة) فإنها لا تجوز إلا إن ~~أشهده عليها، فمن رأى الغصب، أو النهب، أو القتل، أو الجرح، أو السرقة، أو ~~سمع الإقرار بمال أو منفعة، أو البيع، أو الإجارة، أو النكاح، أو الهبة، أو ~~حكم قاض، جاز له أن يشهد (به)، وإن لم يشهد عليه، لأنه علم بما هو موجب ~~بنفسه عيانا، وذا مطلق للأداء، قال الله تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون} وإذا سمع شاهدا يشهد بشيء لم يجز له أن يشهد على شهادته إلا أن يشهده. # (ولا يشهد من رأى خطه ولم يذكر شهادته) لأن الخط يشبه الخط، وكذا لا يروي ~~راو وجد بخطه أو بخط غيره أنه قرأ على فلان، أو سمع كذا حتى يذكر الرواية، ~~وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز لكل أن يعمل بالخط، وبه ~~يفتى. لأن الظاهر أنه خطه، والعمل بالظاهر واجب. وعن أبي يوسف يجوز للراوي ~~دون الشاهد. (ولا) يشهد (بالتسامع) لأن الشهادة لا تجوز إلا عن علم، ~~والتسامع لا يفيده (إلا في النسب، والموت والنكاح، والدخول) بزوجته (وولاية ~~القاضي) إذا أخبره بذلك من يثق به استحسانا. # (وأن هذا وقف على كذا) فإنه يشهد بالتسامع (لا على شروطه) فإنه لا يشهد ~~بالتسامع على شرائط الوقف، وعليه الفتوى. وفي «المجتبى» و«المختار»: أنها ~~تقبل على شرائط الوقف أيضا. وكان القياس أن لا تجوز الشهادة بالتسامع في ~~المسائل المذكورة. ووجه الاستحسان أن هذه الأمور تختص بمعاينة أسبابها خواص ~~من الناس، وتتعلق بها أحكام، فلو لم تقبل الشهادة فيها بالتسامع لتعطلت ~~أحكامها، بخلاف البيع ونحوه. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا تقبل الشهادة ~~بالتسامع في الدخول، لأنه مما يعاين، كما في ms1420 الشهادة على الزنا. قلنا: ~~الزنا فاحشة فلا (يحتال) في إثباتها بخلاف الدخول. # --- PageV05P407 ~~*** # (إذا أخبر) بلفظ الشهادة (رجلان، أو رجل وامرأتان) عدول. وهذا شرط لجواز ~~شهادة الشاهد بالتسامع في المسائل المذكورة، وإنما شرط فيه ذلك ليحصل له ~~نوع علم، وهو أقل نصاب يفيد العلم الذي يبنى عليه الحكم في المعاملات. # (ويشهد رائي جالس مجلس القضاء) مفعول مطلق، أو فيه لرائي (يدخل عليه ~~الخصوم أنه قاض، ورائي رجل وامرأة يسكنان بيتا وبينهما انبساط الأزواج أنها ~~عرسه، ورائي) شيء (سوى الرقيق في يد متصرف كالملاك أنه ملكه) وإنما قال: ~~سوى الرقيق، لأن الآدمي له يد على نفسه، فيدفع يد غيره. # حتى إذا ادعى أنه حر الأصل فالقول له، فاليد لا تعتبر فيه، وكذا لا يعتبر ~~فيه التصرف وهو الاستخدام، لأن الحر قد يخدم غيره. هذا إذا كان الرقيق ~~بالغا أو صغيرا يعبر عن نفسه، أما إذا كان صغيرا لا يعبر عن نفسه فهو ~~كالدابة والمتاع. وقيد اليد بالمتصرف كالملاك ليتحقق دليل الملك بالاتفاق، ~~فإن الخصاف قال: دليل الملك اليد مع التصرف. وهو قول مالك والشافعي وابن ~~حامد الحنبلي، لأن اليد تتنوع إلى ملك، ونيابة، وضمان. ولنا أن اليد أقصى ~~ما يستدل به على الملك. إذ هي مرجع الدلائل في أسباب الملك كلها، فيكتفى ~~بها. والمذهب عندنا عدم شرط التصرف لجواز الشهادة لذي اليد. # وعن أبي يوسف وهو رواية عن محمد: أنه يشترط مع ما ذكر أن يقع في قلبه أنه ~~له، ليحصل له نوع علم، لأن الشهادة بلا علم لا تجوز لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع». ولذا قيل: لو رأى درة ثمينة ~~في يد كناس، أو كتابا في يد جاهل وليس في آبائه من هو أهل لذلك، لا يسعه أن ~~يشهد له. وأجيب أن اليد أقوى أسباب ظن الملك، ولهذا يقضي القاضي به لأجلها. # --- PageV05P408 ~~*** # (لكن) ينبغي للشاهد أن يطلق في أداء الشهادة، ولا يقول: إنها بالتسامع ~~حتى (إن قال: شهادتي بالتسامع، أو بحكم اليد: بطلت) لأنه قد ms1421 أقر بأنه شهد ~~بغير علم، ولأن القاضي إنما يلزم بالشهادة إذا كانت عن عيان أو عن إطلاق ~~لاحتمالها المشاهدة، فيحمل عليها، أما إذا كانت عن تسامع أو رؤية في يد ~~فإنها لا تزيده علما فلا يجوز له أن يحكم بها (ومن شهد أنه حضر دفن زيد أو ~~صلى عليه: قبلت) شهادته لأنه شهد عن علم (وهذا عيان) حتى لو فسر للقاضي قبل هذا. # فصل (من تقبل شهادته ومن لا تقبل) # (وتقبل الشهادة من أهل الأهواء) وهو جمع هوى، بمعنى ميلان النفس إلى ما ~~يستلذ به الطبع من غير داعية الشرع. قال الله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه}، وقال تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} سموا بذلك ~~لمتابعتهم أنفسهم ومخالفتهم أهل السنة والجماعة. وإنما قبلت شهادتهم لأن ~~فسقهم من حيث الاعتقاد، وما أوقعهم فيه إلا التعمق والغلو في الدين. ~~والفاسق إنما ترد شهادته لتهمة الكذب، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا ~~شهادة لمتهم». والفسق من حيث الاعتقاد لا يدل على الكذب. # --- PageV05P409 ~~*** # (إلا الخطابية) وهم قوم من الروافض ينسبون إلى ابن الخطاب محمد بن وهب ~~الأجدع، يستجيزون أن يشهدوا للمدعي إذا حلف أنه محق، ويقولون: المسلم لا ~~يحلف كاذبا، فباعتقادهم هذا تمكنت الشبهة في شهادتهم. وقيل: لأنهم يعتقدون ~~أن من ادعى منهم شيئا على غيره، يجب أن يشهد له بقيتهم. وفي «شرح الأقطع»: ~~إنهم قوم ينسبون إلى الخطاب رجل خرج بالكوفة وحارب عيسى بن موسى بن علي بن ~~عبد الله بن عباس، وكان يزعم أن عليا الإله الأكبر، وجعفرا الصادق الإله ~~الأصغر. وكان أظهر الدعوة إلى جعفر فتبرأ منه ودعا عليه فقتل هو وأصحابه، ~~قتله عيسى وصلبه بالكنائس. # وأما غيرهم: فمنهم من يكفر بالذنب كالخوارج، ومنهم من يخرج المذنب عن ~~الإيمان ولا يدخله في الكفر كالمعتزلة، وذلك يكون أقوى اجتنابا عن الكذب ~~حذرا من الخروج عن الدين، كمن تناول المثلث أو متروك التسمية عمدا معتقدا ~~إباحته، فإنه لا يصير به مردود الشهادة. # وشرط في «الذخيرة»: أن يكون ms1422 هوى لا يكفر به صاحبه كالمجسمة. وفي ~~«النهاية»: أصول أهل الهوى ستة: الجبر، والقدر، والرفض، والخروج، والتشبيه، ~~والتعطيل. وكل واحد ينقسم إلى اثني عشر فرقة. وقال مالك: لا تقبل شهادة أحد ~~من أهل الأهواء لأنه أغلظ وجوه الفسق. وقال أحمد: لا تقبل شهادة ثلاثة من ~~أهل الأهواء القدرية والجهمية، والرافضة. # --- PageV05P410 ~~*** # (و) تقبل (من الذمي على مثله) أي على ذمي آخر (وإن تخالفا ملة) كالتهود ~~والتنصر (و) من الذمي (على المستأمن) وقال مالك والشافعي: لا تقبل لأن الله ~~تعالى قال: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} وقال: {ممن ترضون من الشهداء} والكافر ~~ليس بعدل ولا بمرضي ولا منا، فصار كالمرتد حيث لا تقبل شهادته على مثله ولا ~~على غيره. ولنا ما أخرجه ابن ماجه في «سننه» عن مجاهد، عن الشعبي، عن جابر ~~بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على ~~بعض. وإذا قبل الذمي عند اتحاد الملة قبل عند اختلافها، إذ لا قائل بالفصل، ~~إلا أن مجاهدا فيه مقال. # وما في «سنن أبي داود» بهذا الإسناد جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ائتوني بأعلم رجلين منكم». فأتوه ~~بابني صوريا، فنشدهما كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ قالا: نجد فيها إذا ~~شهد أربعة منهم أنهم رأوا ذكره في فرجها كالميل في المكحلة رجما. قال: «فما ~~يمنعكما أن ترجموهما؟» قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، فدعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالشهود فجاء أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها كالميل ~~في المكحلة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما. وأسند الطحاوي إلى ~~الشعبي عن جابر وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ائتوني بأربعة منكم ~~يشهدون». # --- PageV05P411 ~~*** # (و) تقبل (من المستأمن على مثله) قيد به لأنه لا ولاية له على الذمي، لأن ~~الذمي أعلى حالا منه، لأنه من أهل دارنا فلا تقبل شهادته عليه (إن كانا من ~~دار) وأما لو كانا من دارين كالتركي والرومي، لا تقبل، لأن اختلاف الدار ms1423 ~~يقطع الولاية، ولهذا لا يتوارثان (و) تقبل (من عدو بسبب الدين) لأن معاداته ~~من ديانته فيدل على عدالته (و) تقبل (ممن اجتنب الكبائر ولم يصر على ~~الصغائر وغلب صوابه) على خطائه وصلاحه على فساده، إذ العدل من كان كذلك على ~~ما نقل عن أبي يوسف. # والحاصل: # أن ارتكاب الكبيرة يوجب سقوط العدالة، وارتكاب الصغيرة لا يوجب سقوطها، ~~لأن ارتكاب الكبيرة يدل على تهاون مرتكبها في الدين، والمتهاون لا يمتنع من ~~شهادة الزور. وارتكاب الصغيرة لا يدل على التهاون في الدين إلا أن يصر ~~عليها، لأن الصغيرة تصير بالإصرار كبيرة، كذا في «الذخيرة». # (و) تقبل من (الأقلف) وهو الذي لم يختن، لأن ذلك لا يخل بالعدالة، وهذا ~~إذا كان عن عذر، وهو الكبر وخوف الهلاك، وأما إذا كان من غير عذر فإن ~~شهادته لا تقبل، لأنه مستخف بالختان، ومع الاستخفاف به لا يكون عدلا. # ثم الختان للذكور واجب عند الشافعي وأحمد. وعندنا وعند مالك سنة، وهو قول ~~الشافعي. ولم يقدر أبو حنيفة مدته بشيء، لأن التقدير لم يرد في الكتاب ولا ~~في السنة. وطريق معرفة التقادير السماع. وقدرها المتأخرون بسبع سنين إلى ~~عشر. وقيل: اليوم السابع من ولادته، أو بعد السابع إن احتمل الصبي ذلك. ~~وعند بعض أصحاب الشافعي لا يختن حتى يصير ابن عشر. # --- PageV05P412 ~~*** # (و) تقبل من (الخصي) لما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ابن علية، عن ~~ابن عوف، عن ابن سيرين: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة علقمة ~~الخصي على ابن مظعون. وفي «حلية أبي نعيم»: حدثنا إسماعيل بن مسلم، عن أبي ~~المتوكل بن الجارود، عن أبيه: أنه شهد على قدامة أنه شرب الخمر. فقال عمر: ~~هل معك شاهد آخر؟ قال: لا، قال: يا جارود ما أراك إلا مجلودا. قال: يشرب ~~ختنك الخمر وأجلد أنا فقال علقمة الخصي لعمر: أتجوز شهادة الخصي؟ قال: وما ~~بال الخصي لا تقبل شهادته. قال: فإني أشهد أني رأيته يتقيؤها، فقال عمر: ما ~~قاءها حتى شربها، فأقامه ثم جلده. كذا ms1424 رواه الشارح مرسلا. وروى غيره عن عمر ~~موقوفا. ولأنه قطع منه عضو ظلما، فصار كما لو قطعت يده. # (و) تقبل من (ولد الزنا) لأن فسق الوالدين (لا يوجب فسق الولد)، ككفرهما. ~~وأما حديث: «ولد الزنا شر الثلاثة»، فباطل لا أصل له، وعلى تقدير ثبوته ~~يحمل على غالب حاله. وقال مالك: لا تقبل شهادته في الزنا للتهمة، لأنه يحب ~~أن يكون غيره مثله. وأجيب بأن العدل لا يحب ذلك والكلام فيه . # (و) تقبل من (العمال) أي عمال السلطان، وهم الذين يأخذون الحقوق الواجبة: ~~كالخراج، والجزية، والصدقات، لقوله تعالى: {والعاملين عليها}، ولأن بعض ~~الصحابة كانوا عمالا، لأن العمل ليس بفسق، وإنما الفسق الظلم. وقيل: هم ~~الأمراء. # وفي «شرح الوافي»: هذا في زمانهم، لأن الغالب عليهم الصلاح، وأما في ~~زماننا فلا تقبل شهادة العمال لغلبة ظلمهم. # وتقبل شهادة الإنسان لأخيه، وعمه، وأبويه، رضاعا، وامرأة ابنه، وزوج ~~بنته، وأصل امرأته وفرعها، لأن الأملاك بينهم متميزة، والأيادي متغيرة. # --- PageV05P413 ~~*** # (لا من أعمى) أي لا تقبل الشهادة من أعمى. وقال زفر وهو رواية عن أبي ~~حنيفة: تقبل فيما يجري فيه التسامع، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وكذا أبو ~~يوسف، وهو قول النخعي، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، والثوري، لأن الحاجة ~~في ذلك إلى السماع، ولا خلل من الأعمى في ذلك. وأما شهادته في الحدود ~~والقصاص فلا تقبل بالإجماع. وفي «المبسوط»: ولا تجوز شهادة الأخرس، لأن ~~الأداء يختص بلفظ الشهادة، وهي لا تتحقق منه. وقال الشافعي: في الأصح تقبل ~~إذا كان له إشارة مفهومة. # (و) لا من (مملوك) لأن الشهادة من باب الولاية، وهو لا يلي على نفسه، ~~فأولى أن لا يلي على غيره، (و) لا من (محدود في قذف وإن تاب) أي أظهر توبته ~~وكذب نفسه في قذفه. وقال مالك والشافعي وأحمد: تقبل لقوله تعالى: {ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا} فإن الاستثناء ~~إذا تعقب جملا بعضها معطوفة على بعض ينصرف إلى الكل، كقول القائل: امرأته ~~طالق وعبده حر، وعليه الحجة إلا ms1425 أن يدخل الدار، فإن الاستثناء ينصرف إلى ~~جميع ما تقدم. # ولنا أن قوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} معطوف على قوله: ~~{فاجلدوهم} والعطف للاشتراك، فيكون رد الشهادة من حد القذف. والحد لا يرتفع ~~بالتوبة، ولا نسلم أن الاستثناء في الآية يعقب جملا بعضها معطوف على بعض، ~~لأنه يعقب جملة: {وأولئك هم الفاسقون} وهي جملة مستأنفة، لأن ما قبلها أمر ~~ونهي، فلم يحسن عطفها عليه، بخلاف المثال، فإن الجمل كلها فيه إنشائية ~~معطوفة، فيتوقف كلها على آخرها، حتى إذا وجد المغير تغير الكل. وقال ابن ~~عباس: التوبة فيما بينه وبين الله، فأما نحن فلا نقبل شهادته. وعن إبراهيم ~~وشريح مثله. # --- PageV05P414 ~~*** # (إلا من حد في كفره فأسلم) فإن شهادته تقبل بعد الإسلام. (و) لا من (عدو ~~بسبب الدنيا) لأنه لا يؤمن من التقول على عدوه، (و) لا من (سيد لعبده) قنا ~~كان، أو مدبرا، أو أم ولد. (و) لا (مكاتبه) لأنه شهادة لنفسه من وجه (و) لا ~~لشريك من (شريكه) (فيما يشتركانه) لأنها شهادة له من وجه. # قيد «بما يشتركانه» لأنها تقبل في غيره لانتفاء التهمة. كان حقه أن يقول: ~~ولأحد الزوجين للآخر، كالأصل لفرعه وبالعكس وإن بعدا، لما أخرجه ابن أبي ~~شيبة وعبد الرزاق عن شريح أنه قال: لا تجوز شهادة الابن لأبيه، ولا الأب ~~لابنه، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته، ولا الشريك لشريكه في شيء ~~بينهما. لكن في غيره يجوز، ولا الأجير لمن استأجره، ولا العبد لسيده. # وروى ابن أبي شيبة عن سفيان وإبراهيم مثله. وقد أسنده الجصاص وهو أبو ~~بكر الرازي الذي شهد له أكابر المشايخ أنه كبير في العلم فقال: حدثنا صالح ~~بن رزيق وكان ثقة قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن يزيد (بن زياد ~~الشامي، عن الزهري، عن عروة عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:) ~~لا تجوز شهادة (الوالد لولده، ولا) الولد لوالده، ولا المرأة لزوجها، ولا ~~الزوج لامرأته، ولا العبد لسيده، ولا السيد لعبده، ولا الشريك لشريكه، ولا ~~الأجير لمن ms1426 استأجره». # --- PageV05P415 ~~*** # قيل: المراد بالأجير التلميذ الخاص الذي يعد ضرر أستاذه ضرر نفسه، ونفعه ~~نفع نفسه. وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «ولا القانع بأهل البيت...» ~~الحديث. وقبل الشافعي شهادة أحد الزوجين للآخر، لأنه ليس بينهما بعضية، ~~والزوجية قد تكون سببا للتنافر والعداوة، وقد تكون سببا للميل والمحبة، وهي ~~نظير الأخوة أو دونها، فإنها تحتمل الفسخ والقطع، والأخوة لا تحتمل. ~~والجواب أن التعليل في معرض النص غير مقبول. # (و) لا من (مخنث)، # وهو المتشبه بالنساء في لين الكلام وتكسر الأعضاء (يفعل الرديء) وهو ~~تمكين الرجال منه. وأما من لم يفعل الرديء فتقبل شهادته. (و) لا من (نائحة، ~~و) لا من (مغنية) لأن رفع المرأة صوتها حرام. وفي «الذخيرة»: ولم يرد ~~بالنائحة التي تنوح في مصيبتها، بل التي تنوح في مصيبة غيرها، لأنها لا ~~تؤمن أن ترتكب شهادة الزور لأجل المال، فكان حق الماتن أن يقيدهما بأجرة، ~~(و) لا من (مدمن الشرب) من الخمر والسكر وغيرهما من المحرمات (على اللهو) ~~وإنما اشترط الإدمان وهو المداومة، ليكون ذلك ظاهرا منه، فإن من شرب الخمر ~~سرا ولا يظهر ذلك منه، لا تسقط عدالته، وإن كان شربها كبيرة. # وإنما تسقط عدالته إذا كان يظهر ذلك منه، أو يخرج وهو سكران ويلعب به ~~الصبيان، فإنه لا يحترز عن الكذب عادة، كذا في «الخانية» و«شرح الوافي». ~~والصواب ما في «النهاية» عن «الذخيرة»: أن المراد به الإدمان في النية، بأن ~~يشرب، ومن نيته أن يشرب بعد ذلك إذا وجده. # والحاصل: # أن المراد به من شرب ولم يتب فإنه فاسق. ومما يدل عليه قولهم: ولا تقبل ~~شهادة من يجلس في مجالس الفجور والشرب، وإن لم يشرب، لأنه يتشبه بهم، ولم ~~يحترز من أن يظهر عليه ما يظهر عليهم، فلا يحترز عن شهادة الزور. ثم قيد ~~باللهو احترازا عمن شرب لغص لقمة في حلقه. # --- PageV05P416 ~~*** # (و) لا (من يلعب بالطيور) لما في «سنن أبي داود» عن أبي هريرة: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يتبع حمامة فقال: «شيطان ms1427 يتبع شيطانه»، ~~(أو الطنبور) لأنه من اللهو المحظور. وفي قوله: «يلعب» إيماء إلى أنه لو ~~أخذ طيورا في بيته للاستئناس لا يكون مسقطا للشهادة، لأن اتخاذ الحمام في ~~البيوت للاستئناس مباح. # (أو) من (يغني للناس) لأنه يجمع الناس على اللهو واللعب، فلا يمتنع عادة ~~من إتيان المحارم والكذب. أما لو كان لإزالة الوحشة عن نفسه من غير أن يسمع ~~غيره فلا بأس على الصحيح. ثم إنشاد الشعر إن كان فيه وعظ وحكمة، فجائز ~~بالاتفاق، وإن كان فيه ذكر امرأة غير معينة أو معينة وهي ميتة فلا بأس به. ~~وفي المعينة الحية يكره. # (أو) من (يرتكب ما يحد به) لأنه فاسق لا يؤمن من الكذب والزور، وقد قال ~~الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا}، والأمر ~~بالتوقف يمنع العمل بالشهادة، (أو) من (يدخل الحمام بلا إزار) لأنه يرتكب ~~محرما، وهو كشف العورة، (أو) من (يأكل الربا، أو يقامر بالنرد والشطرنج، ~~أو) من (تفوته الصلاة بهما) لأن ذلك كله حرام. وشرط محمد في «الأصل» أن ~~يكون آكل الربا اشتهر به، لأن الإنسان قلما يخلو عن مباشرة عقد فاسد، وذلك ~~ربا، بخلاف أكل مال اليتيم، حيث لا يشترط فيه ذلك، لأن التحرز عنه ممكن. # --- PageV05P417 ~~*** # ثم اللعب بالنرد بمجرده يسقط الشهادة، لما روى أبو داود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أنه من لعب بالنردشير فقد عصى أبا القاسم». واللعب ~~بالشطرنج يسقطها إذا اقترن بالقمار، أو بفوت الصلاة، أو بكثرة الحلف، وأما ~~إذا لم يقترن بشيء من هذه الأمور، فإنه عند مالك والشافعي يباح مع الكراهة، ~~وعندنا وعند أحمد يحرم، فكان حق الماتن أن يقول: أو يلعب بالنرد أو يقامر ~~بالشطرنج. # (أو) من (يبول على الطريق، أو) من (يأكل فيه)، لأنه إذا كان لا يستحي عن ~~مثل ذلك لا يستحي عن الكذب، فيتهم في الشهادة (أو من يظهر سب السلف) وهم ~~الصحابة والتابعون ومن اقتفى أثرهم في الدين. # (ولا تقبل الشهادة على جرح مجرد وهو) أي الجرح المجرد (ما يفسق ms1428 الشاهد ~~ولم يوجب حقا للشرع، أو للعبد، مثل: هو) أي الشاهد (فاسق، أو آكل الربا) أو ~~شارب خمر، أو زان، أو قاتل نفس، أو شاهد زور. # (أو أنه) أي المدعي (استأجرهم) أي الشهود، أو أنهم أقروا أنهم شهدوا ~~بالزور، أو أنهم أقروا أن المدعي مبطل في هذه الدعوى، أو أنهم أقروا أن لا ~~شهادة لهم على المدعى عليه في هذه الحالة، لأن الشهادة إنما تقبل على ما ~~يدخل تحت حكم القاضي وفيما وسعه إلزامه، ومجرد الفسق ليس كذلك، لأن الفاسق ~~يرتفع فسقه بالتوبة، ولعله تاب في مجلسه أو قبله، فلا يتحقق الإلزام. ~~ولأنها إشاعة الفاحشة من غير ضرورة، وإشاعة الفاحشة فسق، لقوله تعالى: {إن ~~الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم}، فإن قيل: فيها ~~ضرورة، وهي منع الظالم عن الظلم. أجيب بأنه لا ضرورة فيها لإمكان إخباره ~~القاضي سرا حتى يرد شهادتهما. # --- PageV05P418 ~~*** # (وتقبل) الشهادة (على إقرار المدعي بفسقهم) لأنهم ما أظهروا الفاحشة، بل ~~شهدوا على إظهار غيرهم، فلا يوجب ذلك فسقهم، (و) تقبل (على أنهم عبيد) لأن ~~فيها إثبات حق الرق، (أو) على (أنهم شاربو خمر) ولم يتقادم، لإثباتهم الحد. ~~قيدنا بعدم التقادم، لأنه لو تقادم لا تقبل لعدم الحد، (أو) على أنهم ~~(قذفة) بفتح المعجمة جمع قاذف. وهذا إذا كان المقذوف يدعي القذف لتعلق الحد ~~بهم، (أو) على (أنهم شركاء المدعي) لإثباتهم حق الشركة، (أو) على أنه ~~(أعطاهم الأجرة لها) أي للشهادة (من مالي) الذي كان في يده وطلب استرداده، ~~لأنه خصم في ذلك، (أو) على أني (دفعت إليهم كذا) من المال (لئلا يشهدوا ~~علي) وقد شهدوا، وطالبهم برد ذلك المال، لأنهم أخصام في ذلك. # (وشرط) في قبول الشهادة (موافقة الشهادة للدعوى) وهذا في حقوق العباد، ~~لأن الشهادة في حقوق الله تعالى واجبة على كل أحد، فكان كل واحد فيها خصما ~~في إثباتها. وحقوق العبد تتوقف على مطالبته أو مطالبة من يقوم مقامه. فلو ~~ادعى دارا إرثا أو شراء، فشهدا بملك مطلق لا تقبل، لأنهما ms1429 شهدا بأكثر مما ~~ادعى، لأنه ادعى ملكا حادثا، وشهدا بملك قديم، لأن الملك المطلق يثبت من ~~الأصل حتى يستحق المدعي به الزوائد. ولو ادعى ملكا مطلقا وشهدا بملك بسبب ~~معين تقبل، لأنهم شهدوا بأقل مما ادعاه، فلم يخالف شهادتهما الدعوى، بخلاف الأول. # --- PageV05P419 ~~*** # (كاتفاق الشاهدين) أي كما شرط اتفاقهما (لفظا ومعنى عند أبي حنيفة) ~~واكتفيا بالمعنى كمالك والشافعي، (فترد في ألف وألفين) أي شهادة أحد ~~الشاهدين بألف والآخر بألفين. وتقبل عند أبي يوسف ومحمد على الأقل إذا كان ~~المدعي يدعي الأكثر. وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية لأنهما اتفقا ~~على الألف وتفرد أحدهما بالزيادة، فيثبت ما اجتمعا عليه دون ما تفرد به ~~أحدهما. # ولأبي حنيفة أنهما اختلفا بلفظين غير مترادفين، فاختلفا معنى وحصل على كل ~~واحد منهما شاهد واحد، ألا ترى أنه لو شهد أحدهما أنه قال لامرأته: أنت ~~خلية، وشهد الآخر بأنه قال لها: أنت برية لا يثبت شيء وإن اتفق المعنى. وفي ~~«النهاية»: إن كانت المخالفة بينهما في اللفظ دون المعنى تقبل، نحو: أن ~~يشهد أحدهما على الهبة، والآخر على العطية، لأن اللفظ ليس بمقصود في ~~الشهادة، بل المقصود ما صار اللفظ علما عليه، فإذا وجدت الموافقة في ذلك لا ~~تضر المخالفة فيما سواه، وكذا إذا شهد أحدهما بالنكاح والآخر بالتزويج. # --- PageV05P420 ~~*** # (ويثبت في ألف وألف ومئة، الأول عند دعوى الأكثر) لاتفاق الشاهدين على ~~الأقل لفظا ومعنى، لأن المئة عطف على الألف، والعطف يقرر الأول، ولأن ~~المعطوف غير المعطوف عليه، فكانا كلمتين «وألفان» كلمة واحدة. فإن قيل: لو ~~ادعى ألفين وشهدا بألف تقبل اتفاقا، مع أن شرط صحة القضاء الموافقة بين ~~الشهادة والدعوى ولم يوجد. أجيب بأن الاتفاق في اللفظ بين الدعوى والشهادة ~~ليس بشرط على حسب الاتفاق في اللفظ بين شهادتي الشاهدين (إن قصد) المدعي ~~(المال لا العقد) أما لو قصد العقد، فالشهادة باطلة، لأن العقد يختلف ~~باختلاف الثمن، فكان هناك عقدان لم يتم نصاب الشهادة على واحد منهما، فإن ~~ادعى الشراء مثلا، فشهد أحدهما على الشراء ms1430 بألف والآخر بألف ومئة لا يثبت ~~الشراء لاختلاف المشهود به. ولا فرق بين أن يدعي المدعي الأقل والأكثر. # (فتقبل) شهادة أحدهما بألف والآخر بألف وخمس مئة (في عتق بمال، وصلح عن ~~قود، ورهن وخلع إن ادعى من له المال) بأن ادعى في العتق المولى، وفي الصلح ~~ولي المقتول، وفي الرهن المرتهن، وفي الخلع الزوج، لأن قصد كل منهم إلى ~~المال، فكان كمدعي الدين. # قيد بكون المدعي من له المال، لأنه لو كان الآخر وهو العبد في العتق، ~~والقاتل في الصلح، (والراهن في الرهن)، والمرأة في الخلع، كان القصد إلى ~~إثبات العقد، فكانت الشهادة باطلة. # --- PageV05P421 ~~*** # (والإجارة بيع في أول المدة) وهو إنما يقصد فيه إلى إثبات العقد، سواء ~~كان المدعي المؤجر أو المستأجر، وسواء كانت الدعوى بأقل المالين أو ~~بأكثرهما (ومال بعدها) أي بعد المدة فيثبت ما اتفق عليه الشاهدان وهو ~~الأقل، أما لو كان المدعي هو الآجر، فإنه لا حاجة حينئذ إلى إثبات العقد، ~~وأما إن كان المستأجر، فلأن ذلك منه اعتراف بمال الإجارة، فيجب عليه ما ~~اعترف به من غير حاجة إلى اتفاق الشاهدين أو اختلافهما، وهذا إذا كان ~~المدعي يدعى الأكثر، وإن كان يدعي الأقل لا تقبل شهادة من يشهد بالأكثر، ~~لأن المدعي يكذبه. # (ويثبت النكاح بألف) يعني بأقل المالين، سواء ادعى الزوج أو المرأة عند ~~أبي حنيفة، خلافا لهما كمالك والشافعي فإن عندهما تبطل الشهادة ولا يقضى ~~بشيء، لأن الحاجة إلى إثبات العقد والنكاح بألف غير النكاح بألف وخمس مئة. ~~ولأبي حنيفة أن المال في النكاح تابع للأصل فيه، وهو الحل والازدواج ~~والملك، ومن حكم التبع أن لا يغير الأصل، فيبقى العقد سالما عن الاختلاف، ~~فيلزم، ويقضى بالأقل مما وقع فيه الاختلاف وهو المال، كما في الدين، ويستوي ~~فيه أن يكون المدعي الزوج أو المرأة. # ثم الأصل أن المشهود به إن كان قولا كالبيع، فاختلاف الشاهدين بالمكان أو ~~بالزمان لا يمنع الشهادة، لأن القول مما يعاد. وإن كان المشهود به فعلا: ~~كالغصب والقتل والجرح، أو قولا والفعل ms1431 شرط كالنكاح. فإنه قول، وحضور ~~الشاهدين فعل، فاختلاف الشاهدين بالزمان أو المكان يمنعها. # --- PageV05P422 ~~*** # (ولزم الجر) (أي أن يجر الشاهد) (في) دعوى (الإرث) الميراث إلى المدعي ~~(بقوله) في الشهادة لمن ادعى شيئا في يد غيره: إنه ميراثه من أبيه (مات ~~(مورثه) وتركه ميراثا له، أو مات وذا ملكه) وقت الموت، لثبوت الانتقال ~~ضرورة (أو) مات وذا (في يده) لأن اليد المجهولة عند الموت تنقلب يد ملك ~~بواسطة الضمان، إذا مات مجهلا لتركه الحفظ. والمضمون يملكه الضامن، ولأن ~~الظاهر من حال من حضره الموت أن يبين ما كان عنده من الودائع والمغصوب، ~~فإذا لم يبين فالظاهر أنه ملكه (فإن قال:) الشاهد في دعوى الإرث: (كان ~~لأبيه أودعه، أو أعاره) أو آجره أو رهنه، أو غصبه منه (من في يده، جاز بلا ~~جر) لأن إثبات يد من يقوم مقامه يغني عن إثبات الملك وقت الموت، فاكتفي به ~~عن ذكر الجر. # (وتقبل الشهادة على الشهادة إلا في حد وقود). وقال مالك: تقبل في كل ~~الحقوق، وبه قال الشافعي في الأصح، لأن الفروع عدول نقلوا شهادة الأصول، ~~فالحكم بشهادة الأصول. وصار الفروع كالترجمان. ولنا أن القياس أن لا تجوز ~~الشهادة على الشهادة، لأن الأخبار إذا تداولتها الألسنة، تمكن فيها شبهة ~~النقصان والزيادة، وإنما جوزناها استحسانا لحاجة الناس، وإنما لا يجوز في ~~حد وقود لأنهما يدرآن بالشبهة. وفي الشهادة على الشهادة شبهة من حيث ~~البدلية. وأجازها مالك والشافعي فيهما، نظرا لحق العبد. # --- PageV05P423 ~~*** # (وشرط لها) أي للشهادة على الشهادة (تعذر حضور الأصل بموت أو مرض) لا ~~يستطيع معه الحضور إلى مجلس القضاء (أو سفر) مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا، لأن ~~جوازها للحاجة. وهي عند عجز الأصل، وهو يتحقق بهذه الأشياء. وعن أبي يوسف: ~~أنه إن كان في مكان لو غدا لأداء الشهادة لا يستطيع أن يبيت في أهله، صح ~~الإشهاد إحياء لحقوق العباد ودفعا للحرج عن الشاهد، لأن في بيتوتته عند غير ~~أهله حرجا في حقه، وبه قال الشافعي في قول وأحمد في رواية، وأخذ به أبو ~~الليث ms1432 وكثير من المشايخ، وذكره محمد في «السير الكبير». وفي «الذخيرة» عن ~~محمد: أنه يجوز كيف ما كان حتى لو كان الأصل في زاوية المسجد والفرع في ~~زاوية أخرى من ذلك المسجد تقبل. # (و) شرط (شهادة عدد) رجلين أو رجل وامرأتين (عن كل أصل) لما روى عبد ~~الرزاق في «مصنفه» عن علي أنه قال: لا يجوز على شهادة الميت إلا رجلان. ~~ولفظ «الهداية» عن علي: لا تجوز على شهادة رجل إلا شهادة رجلين. وما روى ~~ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن الشعبي أنه قال: لا تجوز شهادة الشاهد على ~~الشاهد حتى يكونا اثنين. # (لا) أي لا يشترط (تغاير فرعي هذا) الأصل (و) فرعي (ذاك) الأصل. حتى لو ~~أشهد أحد الأصلين على شهادته شاهدين، وأشهدهما الآخر بعينهما على شهادته ~~جاز. وقال الشافعي في وجه: لا يجوز إلا أربع على كل أصل شاهدان. ولا يكفي ~~شهادة فرد على شهادة أصل، وشهادة فرد آخر على شهادة الأصل الآخر، إلا على ~~قول الحسن البصري، وعثمان البتي، وابن أبي ليلى، والعنبري. # (ويقول الأصل) في إشهاد الفرع: (اشهد على شهادتي أني أشهد بكذا) لأن ~~الفرع كالغائب عن الأصل، فلا بد من التحميل والتوكيل له، ومن أن يشهد الأصل ~~عنده كما يشهد عند القاضي لينقله إلى مجلس القضاء. # --- PageV05P424 ~~*** # (و) يقول (الفرع) في أداء الشهادة (عند الحاكم: أشهد أن فلانا أشهدني على ~~شهادته بكذا، وقال لي: اشهد على شهادتي بذلك) لأنه لا بد من ذكر (شهادته، ~~وذكر) شهادة الأصل، وذكر التحميل، وهو يحصل بهذا. وفيه خمس شينات. (وصح ~~تعديل الفرع) أي تزكية الشاهد الفرع (الأصل و) تعديل (أحد الشاهدين الآخر) ~~بأن شهد شاهدان في واقعة، فزكى أحدهما الآخر، لأنه من أهل التزكية، فكانت ~~تزكيته كتزكية غيره. # (وإنكار الأصل يبطل شهادة الفرع) لأن التحميل شرط، وهو لم يثبت للتعارض ~~بين خبر الفروع وخبر الأصول (ومن أقر أنه شهد زورا) أو شهد بقتل رجل أو ~~موته، ثم جاء ذلك الرجل حيا (شهر) في الأسواق (ولم يعزر) بضرب ولا يحبس عند ~~أبي ms1433 حنيفة. وعزر بالضرب والحبس عند أبي يوسف ومحمد وباقي العلماء، على قدر ~~ما يراه القاضي، حتى يظهر توبته. ثم التشهير لإعلام الناس حتى لا يعتمدوا ~~شهادته بعد ذلك. والتعزير لارتكاب كبيرة، فشهادة الزور من أعظم الكبائر، ~~فإنها عدلت الشرك بالله تعالى في قوله سبحانه: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~واجتنبوا قول الزور} وفيه إشارة إلى عظم حرمة المسلم، فقد جعل الله الشهادة ~~عليه بالزور كالشهادة على ذاته بالزور. # والحاصل: # --- PageV05P425 ~~*** # أن شاهد الزور يعزر بالاتفاق، سواء اتصل القضاء بشهادته أو لم يتصل، لأنه ~~ارتكب كبيرة اتصل ضررها بالمسلمين، وليس فيها حد مقدر، فيعزر زجرا له، إلا ~~أنهم اختلفوا في كيفية تعزيره، فقال أبو حنيفة: بتشهيره فقط. وقال غيره: ~~بضربه وحبسه، لما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن أبي خالد، عن حجاج، عن ~~مكحول، عن الوليد بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عماله ~~بالشام في شاهد الزور: يضرب أربعين سوطا، ويسحم وجهه، ويحلق رأسه، ويطال ~~سجنه. ومعنى يسحم بالحاء المهملة والمعجمة: يسود، من الأسحم وهو الأسود. ~~وهذا الأثر دليل على إثبات الضرب. ونفي قول أبي حنيفة، إلا أنهما لا يقولان ~~بالتسحيم. ومحمد لا يقول بتبليغ التعزير إلى أربعين. # ولأبي حنيفة ما روى محمد في «الآثار»: عن ابن أبي الهيثم عن من حدثه عن ~~شريح: أنه كان إذا أخذ شاهد زور، فإن كان من أهل السوق، قال للرسول: قل ~~لهم: إن شريحا يقرؤكم السلام ويقول لكم: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه، ~~وإن كان من العرب أرسل به إلى مسجد قومه أجمع ما كانوا، فقال للرسول مثل ما ~~قال في المرة الأولى. # فإن قيل: أبو حنيفة لا يرى تقليد التابعي. أجيب: بأنه لم يذكر فعل شريح ~~مستدلا به، وإنما ذكره لبيان أنه لم يستبد بهذا القول، بل سبقه إليه غيره، ~~أو استدلاله إنما هو بتجويز الصحابة فعل شريح، فإنه كان قاضيا في زمن عمر ~~وعلي، ومثل هذا التشهير لا يخفى على الصحابة الذين كان هو في زمنهم. ms1434 وأما ~~حديث عمر فمحمول على السياسة. ولو قال: غلطت، أو نسيت، أو أخطأت، أو ردت ~~شهادتي لتهمة، أو مخالفة بين الدعوى والشهادة، أو بين الشهادتين، لا يعزر. # --- PageV05P426 ~~*** # والرجال، والنساء، وأهل الذمة: في حكم شهادة الزور سواء، ولو تاب بعد ذلك ~~وشهد قالوا: إن كان فاسقا تقبل، لأن الذي حمله على الزور فسقه وقد زال. ~~وقدر بعضهم مدة ذلك بستة أشهر وبعضهم بسنة، لأن بمضي الزمان يتغير حال ~~الإنسان، والله المستعان. والصحيح أنه مفوض إلى رأي القاضي. وإن كان عدلا ~~أو مستورا لا تقبل شهادته أبدا لأن عدالته لا تعتمد. وروى الفقيه أبو جعفر ~~عن أبي يوسف: أنها تقبل، وبه يفتى. # فصل (في الرجوع عن الشهادة) # (لا رجوع عنها) أي لا يصح الرجوع عن الشهادة (إلا عند قاض) أي قاض كان، ~~لأن الرجوع عن الشهادة فسخ لها، فيختص بما اختصت به، وهو كونها عند قاض ~~كفسخ البيع ، حيث يشترط فيه ما يشترط في البيع: من قيام المبيع، ورضى ~~المتابعين، ولأن الرجوع عن الشهادة توبة عما ارتكب من قول في مجلس القضاء، ~~فتكون توبته بالرجوع كذلك، هكذا في «الهداية» و«الكافي» أخذا من «المبسوط». ~~ويؤيده ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أحدثت ذنبا، فأحدث لله ~~توبة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية». (فإن رجعا عنها قبل الحكم سقطت) ~~لأن الحق إنما يثبت بالقضاء، والقاضي لا يقضي بكلام متناقض. # (ولم يضمنا) لأنهما لم يتلفا شيئا على المدعي ولا على المدعى عليه (و) إن ~~رجعا عنها (بعده) أي بعد الحكم (لم يفسخ) الحكم لأن آخر كلامهم في الدلالة ~~على الصدق مثل أوله، وقد ترجح الأول باتصال القضاء به (وضمنا ما أتلفاه) ~~للمشهود عليه (بها) أي بشهادتهما لإقراراهم على أنفسهم بسبب الضمان، ~~والتناقض لا يمنع الإقرار. (إذا قبض) المدعي (مدعاه) دينا كان أو عينا، لأن ~~الإتلاف يتحقق بقبض المدعي، وفي ذلك لا يتفاوت الحكم بين العين والدين ~~(والعبرة للباقي لا للراجع) # --- PageV05P427 ~~*** # إذ لولا ذلك لوجب الضمان، مع بقاء من يقوم الحق بشهادته، بأن بقي النصاب. ms1435 # (فإن رجع أحد ثلاثة) شهدوا بحق، وقضى القاضي به وقبضه المدعي (لم يضمن) ~~لأن شهادة الشاهدين تكفي لثبوت الحق في غير الزنا والكلام فيه، فصار الحق ~~مستحقا بهما. وقال أحمد: يضمن ثلث الحق، وبه قال الشافعي في قول، ومالك في رواية. # (فإن رجع آخر ضمنا) أي الراجع أولا والراجع ثانيا (نصفا) لأنه بقي من ~~الثلاثة واحد، فبقي ببقائه نصف الحق (وإن شهد رجل وعشرة نسوة ثم رجعوا، ~~فعلى الرجل سدس عند أبي حنيفة وعلى النسوة خمسة أسداس) وبه قال مالك ~~والشافعي وأحمد (ونصف عندهما) وعلى النسوة النصف الآخر، وبه قال أبو العباس ~~من أصحاب الشافعي لأن النسوة وإن كثرت يقمن مقام الرجل الواحد، ولذا لا ~~تقبل شهادتهن إلا إذا شهد معهن رجل، فكان الثابت بشهادتهن نصف المال ~~وبشهادة الرجل النصف الآخر، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في نقصان عقل ~~النساء: «عدلت شهادة اثنتين منهن بشهادة رجل». # (وإن رجعن) أي النسوة العشرة (فقط) أي ولم يرجع الرجل (فعليهن نصف) من ~~الحق اتفاقا، لأنه بقي من يبقى به نصف الحق، وهو حق الرجل، وبه قال الشافعي ~~في قول. وقال أحمد والشافعي في قول آخر: عليهن خمسة أسداس بناء على أن ~~العبرة للراجع، وكذلك إن رجع الرجل وحده عليه نصف الحق لبقاء من يقوم ~~بالنصف. (وضمن الفرع إن رجع هو والأصل) عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأن ~~القضاء وقع بشهادة الفروع ، فكانوا مباشرين والأصول متسببين، وإذا اجتمع ~~المباشر والمتسبب كان الضمان على المباشر. # --- PageV05P428 ~~*** # وعند محمد: المشهود عليه بالخيار إن شاء ضمن الأصول وإن شاء ضمن الفروع، ~~لأن القضاء وقع بشهادة الفروع، من حيث إن القاضي عاين شهادتهم وشهادة ~~الأصول من حيث إن الفروع نائبون عنهم، وناقلون لشهادتهم بأمرهم، فيتخير في ~~تضمين أي الفريقين شاء. والجهتان متغايرتان، لأن شهادة الأصول على أصل ~~الحق، وشهادة الفروع على شهادة الأصول، فلا يجمع بينهما في التضمين بل يجعل ~~كل فريق كالمتفرد. ولو رجع شهود الأصل بأن قالوا: لم نشهد الفروع على ~~شهادتنا، أو أشهدناهم وغلطنا لا ms1436 يضمنون. وقال محمد: يضمن شهود الأصل. # (و) ضمن (المزكي) إذا رجع عند أبي حنيفة. وقالا: لا يضمن (لا شاهد ~~الإحصان) أي لا يضمن شهود الإحصان إذا رجعوا وهو قول للشافعي ورواية عن ~~مالك، سواء رجعوا مع الشهود أو وحدهم. وقال زفر وأحمد والشافعي في قول ~~ومالك في رواية: يضمنون، لأن الزنا صار موجبا للرجم بقولهم، فكان في معنى ~~علة العلة. ولنا أن الإحصان شرط محض لا يضاف الحكم إليه، كما تقرر في ~~الأصول. # (و) ضمن (شاهدا اليمين) أي التعليق (لا الشرط) أي لا يضمن شاهدا وجود ~~الشرط (إذا رجعوا) أي شاهدا اليمين وشاهدا وجود الشرط، فلو شهدا بتعليق ~~العتق أو الطلاق قبل الدخول بشرط، وشهد آخران بوجود الشرط فقضى القاضي ثم ~~رجعوا كلهم، ضمن شهود اليمين قيمة العبد ونصف المهر، لا شهود وجود الشرط. ~~وقال زفر: يضمنون لأن التلف حصل بشهادة الفريقين جميعا، ولو رجع شهود الشرط ~~وحدهم، بأن كانت اليمين ثابتة بالإقرار ضمنوا عند بعض المشايخ، وإليه مال ~~فخر الإسلام. والصحيح أن شهود الشرط لا يضمنون بحال، وإليه مال شمس الأئمة ~~السرخسي، والله تعالى أعلم. # --- PageV05P429 ~~*** # ولو رجعوا بعدما شهدوا بقصاص ضمنوا الدية وإن قالوا: تعمدنا الكذب، ولا ~~يقتص منهم عندنا. وبه قال مالك. وحكم الشافعي بالقصاص ومعه أشهب المالكي إن ~~قالوا: تعمدنا، وصاروا كالمكره، لأن كل واحد قاتل تسببا. # ولنا أن القصاص جزاء مباشرة الفعل، ولم يوجد منهم القتل مباشرة، لأنها ~~بفعل الولي، بخلاف المكره، لأن المكره صار آلة للمكره، فأضيف فعله إليه، ~~لأن اختياره فاسد واختيار المكره صحيح، على أنه إن لم يقطع النسبة بالكلية، ~~فلا أقل من أن يورث الشبهة، وهي مانعة للقود، بخلاف الدية، لأن المال يثبت ~~مع الشبهة، والله سبحانه وتعالى أعلم . # كتاب الإقرار # هو لغة: إفعال من قر الشيء: ثبت. # وشرعا: (إخبار بحق لآخر عليه) فخرجت الشهادة، فإنها إخبار بحق لآخر على ~~غيره، والدعوى فإنها إخبار بحق نفسه على آخر. (وحكمه): أي الإقرار (ظهور ~~المقر به) أي لزم على المقر ما أقر به، لوقوعه ms1437 دليلا على صدق المخبر به. ~~قال الله تعالى: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} والشهادة ~~على نفسه هو الإقرار، وقال عز وجل: {بل الإنسان على نفسه بصيرة} أي شاهدة ~~بالحق. وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم بإقراره على نفسه بالزنا (لا ~~إنشاؤه) لأن الإقرار إخبار بوجود المقر به، والإخبار إظهار المخبر بلسانه ~~للمخبر به لا إيجاده له (فصح الإقرار بالخمر للمسلم) ولو كان الإقرار إنشاء ~~لما صح، لأن المسلم لا يصح له تمليك الخمر. # --- PageV05P430 ~~*** # (لا بطلاق) أي لا يصح الإقرار بطلاق (وعتق مكرها) ولو كان إنشاء صح، لأن ~~طلاق المكره وإعتاقه واقعان عندنا. وإنما خص الطلاق والعتاق بالذكر مع أن ~~كل إقرار مع الإكراه غير صحيح، لأنه أراد أن يبين أن الإقرار ليس بإنشاء. # (فلو أقر حر مكلف بحق صح ولو) كان الحق (مجهولا) لأن جهالة المقر به لا ~~تمنع صحة الإقرار، لأن الحق قد يلزمه مجهولا، بأن أتلف ما لا يدري قيمته، ~~أو جرح جراحة لا يدري أرشها، أو يبقى عليه بقية حساب لا يعرف قدرها، وهو ~~محتاج لإبراء ذمته بالإيفاء أو (بالإرضاء)، بخلاف الجهالة بالمقر له، سواء ~~تفاحشت بأن قال: علي ألف درهم لواحد من الناس، أو لم يتفاحش على الأصح، بأن ~~قال: علي ألف لأحد هذين، لأن المجهول لا يصلح مستحقا، إذ لا يمكن الجبر على ~~البيان من غير تعيين المدعي. # ولو كان المقر عليه مجهولا بأن قال: لك على أحدنا ألف درهم، لا يصح ~~اتفاقا، لأن المقضي عليه مجهول، ذكره في «النهاية». قيد بالحر لأن المراد ~~صحة الإقرار مطلقا، والعبد المحجور عليه يتأخر إقراره بالمال إلى ما بعد العتق. # وعن أحمد أن إقرار العبد بالحد والقصاص فيما دون النفس يصح، وبالقصاص في ~~النفس يتبع به بعد العتق. وبه قال زفر، والمزني، وداود، وابن جرير الطبري، ~~لأن به يسقط حق سيده، فأشبه الإقرار بقتل الخطأ. وقيد بالمكلف لأن إقرار ~~المجنون (والمعتوه) والصبي العاقل لا يصح لانعدام أهلية الالتزام، والنائم ~~والمغمى عليه كالمجنون لعدم التميز. ms1438 وإقرار السكران من محرم يلزم، إلا فيما ~~يقبل الرجوع كالحدود الخالصة لله تعالى، والسكر إن كان بطريق مبيح، كالشرب ~~مكرها لا يلزم من إقراره شيء. # --- PageV05P431 ~~*** # (ولزمه) أي المقر (بيانه) أي المجهول، حتى لو امتنع عن البيان أجبر عليه ~~(بما له قيمة) لأنه أخبر بإقراره عن الوجوب في ذمته، وما لا قيمة له لا يجب ~~فيها، فكان رجوعا (والقول له) أي للمقر مع يمينه (إن ادعى المقر له أكثر ~~منه) لأن المقر هو المنكر. # (ولا يصدق) المقر (في أقل من درهم في: علي مال) لأنه لا يعد مالا عرفا ~~(و) لا في أقل (من النصاب) أي نصاب الزكاة (في مال عظيم من ذهب أو فضة) لأن ~~النصاب مال عظيم، حتى اعتبر صاحبه غنيا في الشرع، ووجب عليه مواساة ~~الفقراء. # وقال الشافعي وأحمد: يقبل تفسيره بالقليل والكثير. # (ولا) في أقل (من خمس وعشرين) في: علي مال عظيم (من الإبل) لأنها أدنى ~~نصاب منها يجب فيه من جنسه (ولا) في أقل (من قدر النصاب قيمة) في: علي مال ~~عظيم من كذا، مشيرا إلى مال (غير مال الزكاة). # (و) لزمه (في دراهم ثلاثة) لأنه أقل الجمع الصحيح، فصار متيقنا به ~~والزائد عليه مشكوك فيه. (و) لزمه في (دراهم كثيرة عشرة) عند أبي حنيفة، ~~ومئتان عندهما، لأن صاحب النصاب مكثر، حتى وجب عليه مواساة غيره، بخلاف ما ~~دونه. ولأبي حنيفة أن العشرة أقصى ما يذكر بلفظ الجمع، ألا ترى أنه يقال: ~~عشرة دراهم، ثم يقال: أحد عشر درهما، فكان هو الأكثر من حيث اللفظ فيصرف إليه. # --- PageV05P432 ~~*** # (و) لزمه في (كذا درهما درهم) لأن كذا مبهم ودرهما تفسير له، (و) لزمه في ~~(كذا كذا أحد عشر و) في (كذا وكذا أحد وعشرون) لأن هذه الكلمات مبهمة، فيجب ~~حملها على نظيرها من المفسر، وأقل عددين يذكران من غير حرف عطف بينهما: أحد ~~عشر وبحرف عطف أحد وعشرون (ولو ثلث بلا واو فأحد عشر) لأنه لا نظير له، فلا ~~يزاد على الأول، (ومع واو فمئة وأحد وعشرون) لأنه ms1439 أقل ثلاثة أعداد، بين كل ~~اثنين فيها حرف عطف (وإن ربع زيد ألف) لأنه أقل أربعة أعداد، بين كل اثنين ~~فيها حرف عطف. # (وعلي وقبلي إقرار بدين) لأن كلمة علي للوجوب، وكلمة قبل للضمان. يقال: ~~قبل فلان عن فلان أي ضمن. وإنما يكون المال واجبا ومضمونا إذا كان دينا في ~~الذمة (وصدق) من قال: علي أو قبلي (إن وصل به) قوله: (وهو وديعة) لأنه ~~يحتمله مجازا، لأن الحفظ واجب على المودع، فيجوز تفسيره به متصلا، (وإن فصل ~~لا) أي لا يصدق، لأنه يقرر حكمه بالسكوت، فلا يجوز تغييره بعد ذلك كسائر ~~المغيرات في الاستثناء والشرط. (وعندي أو معي ونحوه) ك: في بيتي، وفي كيسي، ~~وفي صندوقي (أمانة) لأن ذلك إقرار بكون الشيء في يده، وذلك يتنوع إلى مضمون ~~وأمانة، فيثبت أقلهما، وهو الأمانة. # --- PageV05P433 ~~*** # (وقوله لمدعي الألف: اتزنها) بتشديد التاء أمر من الاتزان، افتعال من ~~الوزن (أو قضيتكها ونحوهما) كانتقدها أو أجلني بها، أو اقعد فاقبضها ~~(إقرار) لأن الهاء كناية عن المذكور في الدعوى في جميع ذلك، فصار كأنه أعاد ~~المدعى وهو الألف، فيكون إقرارا بها. وأما لو لم يكن فيها ضمير لا يكون ~~إقرارا، لأنه لا دليل على انصرافها إلى المال المذكور، فيكون كلاما مبتدأ ~~فلا يلزمه شيء. وقال الشافعي وأحمد في اتزن وانتقد: إنه ليس بإقرار، وبه ~~قال بعض أصحاب مالك، لأنه يحتمل الإقرار ويحتمل الاستهزاء والمبالغة في ~~الجحود، فلا يكون إقرارا بالشك. # (و) قوله: (مئة ودرهم،) أو مئة (وثلاث أثواب) يلزم به في الأول مئة كلها ~~(دراهم و) في الثاني مئة كلها (ثياب وفي) قوله: (مئة وثوب، أو) مئة و(ثوبان ~~يفسر المئة) والقياس أن يرجع في تفسير المئة إليه في الكل، لأن المعطوف غير ~~المعطوف عليه، فلا يكون مفسرا له، فبقيت المئة على إبهامها، كما في عطف ~~الثوب عليها. ووجه الاستحسان أن الدراهم يكثر استعماله، فاستثقلوا تكراره ~~واكتفوا بذكره مرة، وكذا كل ما يكثر استعماله ويثبت في الذمة من المكيل ~~والموزون، وإنما لزم مئة ثوب في مئة وثلاث ms1440 أثواب، لأن الأثواب لم تذكر بحرف ~~العطف، فانصرفت إلى الجميع. ولزم تفسير المئة في مئة وثوب أو وثوبان، لأن ~~الثوب لا يكال ولا يوزن ولا يكثر استعماله، فبقي على الأصل. # --- PageV05P434 ~~*** # ولو أقر بسهم من دار فهو سدس عند أبي حنيفة. وأصل المسألة في الوصايا: ~~إذا أوصى له بسهم من ماله ينصرف عنده إلى السدس، أخذا بقول ابن مسعود، ~~واحتج بقول إياس بن معاوية وجماعة من أهل اللغة: أن السهم هو السدس. وأمرا ~~بالبيان لأن السهم يتناول القليل والكثير، فإن سهما من سهمين يكون النصف ~~ومن العشرة يكون عشرا، فهو والجزء والنصف سواء. ولو أقر بشرك في عبد يوجب ~~أبو يوسف الشطر، لأن الشرك المنكر عبارة عن النصف، قال الله تعالى: {أم لهم ~~شرك في السموات} وقال: {وما لهم فيهما من شرك} أي من نصيب، ولأن لفظ الشركة ~~يقتضي المساواة قال الله تعالى: {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في ~~الثلث}. # وأوجب محمد البيان. ولو أقر بخمسة في خمسة وعنى المعية، لزمه عشرة، لأنه ~~بين أنه استعمل «في» بمعنى «مع»، أو بمعنى واو العطف، وفيه تشديد عليه، ~~فيصح بيانه. وإن عنى الحساب أوجبنا خمسة، لا خمسة وعشرين كما قال زفر، وهو ~~قول الحسن، إذ العادة حاكمة بأن هذه العبارة يراد بها خمسة وعشرون، فصار ~~للخمسة والعشرين عبارتان: إحداهما وصفية والأخرى عرفية، فيلزم بإحداهما ما ~~يلزم بالأخرى. لكنا نقول: إن حساب الضرب في الممسوحات لا في الموزونات، مع ~~أن عمل الضرب في تكثير الأجزاء لا في زيادة المال، وخمسة دراهم وزنا وإن ~~كثرت أجزاؤها، لا تصير أكثر من خمسة. # --- PageV05P435 ~~*** # وفي «المبسوط»: يلزمه على قول زفر عشرة، لأن «في» بمعنى «مع». قال الله ~~تعالى: {فادخلي في عبادي} فيحمل على هذا تصحيحا لكلامه، قلنا: «في» للظرف ~~حقيقة، والدراهم لا تكون ظرفا للدراهم، وجعله بمعنى «مع» مجاز، والمجاز قد ~~يكون بمعنى («مع» وقد يكون بمعنى) «على»، قال تعالى: {ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل} وليس أحدهما أولى من الآخر، فبقي المعتبر حقيقة كلامه، فيلزمه عشرة ~~بأول ms1441 كلامه ويلغو آخره. # ولو أقر بدين لزمه وإن قال: كنت كاذبا في الإقرار لأنه رجوع فلا يصح ~~لتعلق حق المقر له به. ويرى أبو يوسف تحليف المقر له على أن المقر لم يكن ~~كاذبا فيما أقر لك به، ولست بمبطل فيما تدعيه عليه، وبه يفتى لجريان العادة ~~بين الناس أنهم يكتبون صك الإقرار ثم يأخذون المال. # (والإقرار بدابة في إصطبل) وهو بيت الدواب (يلزمها) أي الدابة (فقط) أي ~~ولا يلزم الإصطبل وهذا عند أبي يوسف وأبي حنيفة، لأن غير المنقول لا يضمن ~~بالغصب عندهما. وعلى قياس قول محمد أنه يضمن، ويلزمه الدابة والإصطبل ~~(وسيف) أي الإقرار بسيف يلزم (جفنه) أي غمد السيف (وحمائله) وهي جمع حمالة ~~بكسر الحاء، وهو العلاقة. وإنما يلزمه ذلك لأن السيف اسم يطلق على مجموع ~~النصل والجفن والحمالة. # --- PageV05P436 ~~*** # (وصح إقراره) أي الرجل (بالحمل) بأن يقر بحمل جارية أو شاة لرجل، لأن هذا ~~الإقرار له وجه صحيح، وهو أن يكون أوصى به رجل ومات، وأقر وارثه بأن هذا ~~الحمل لفلان، فيحمل عليه وإن لم يبين السبب، وهذا باتفاق. وقال الشافعي في ~~قول نقله المزني عنه: إن أطلق لا يصح، وفي قول: يصح وهو الأصح، وبه قال ~~أحمد. قال مالك: يصح إن تيقن بوجود الحمل عند الإقرار (وله) أي وإقراره ~~للحمل (إن بين) المقر (سببا صالحا) بأن قال: أوصى له به فلان، أو مات أبوه ~~وتركه ميراثا له، وهو قيد للإقرار له. وإنما قيد به لأنه إن بين فيه سببا ~~غير صالح، بأن قال: باعني أو أقرضني، لا يصح الإقرار، وإن لم يبين سببا لم ~~يصح عند أبي يوسف. # وقيل: أبو حنيفة معه، وبه قال الشافعي (في قول) ويصح عند محمد وبه قال ~~مالك، وأحمد، والشافعي في الأصح، لأن هذا إقرار صدر عن أهله، فيجب إعماله، ~~ويحمل على السبب الصالح تصحيحا لكلام العاقل. ولأبي يوسف: أن الإقرار ~~المطلق ينصرف إلى الكامل، وهو الإقرار بسبب التجارة وهو البيع ونحوه، فصار ~~كأنه فسره به. # (فإن ولدت) أم الحمل المقر له ms1442 (لأقل من نصف حول) من وقت الإقرار (فله) أي ~~فللحمل (ما أقر به) له، لأنه كان موجودا وقت الإقرار بيقين (وإن أقر بشرط ~~الخيار) بأن أقر لرجل بألف قرض، أو غصب، أو وديعة، أو عارية قائمة أو ~~مستهلكة، على أنه بالخيار ثلاثة أيام (صح) الإقرار لوجود الصفة الملزمة، ~~وهي قوله: علي، ونحوه. # --- PageV05P437 ~~*** # (وبطل شرطه) لأن الإقرار إخبار ولا مدخل للخيار في الإخبار، لأن الخبر إن ~~كان صادقا فهو واجب العمل به، اختاره أو لم يختره، وإن كان كاذبا فهو واجب ~~الرد، فلا يتغير باختياره وعدم اختياره. وإنما تأثيره في العقود لتتغير به ~~صفة العقد ويتخير به بين فسخه وإمضائه كذا في «العناية». وهذا إذا كان ~~المقر به لا يقبل الخيار كما في الصور المذكورة، وأما إذا كان يقبل، كما ~~إذا أقر أنه باع أو اشترى شيئا على أنه بالخيار ثلاثة أيام أو أقل، فإنه ~~يصح الإقرار والخيار جميعا. # (واستثناء كيلي أو وزني من دراهم) بأن قال له: علي ألف درهم إلا قفيز ~~حنطة أو إلا دينارا (صح قيمة) أو بطريق القيمة، فيلزمه ألف درهم إلا قيمة ~~القفيز أو الدينار، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. # وقال محمد وزفر وأحمد: لا يصح، لأن الاستثناء إخراج ما لولا الاستثناء ~~لكان داخلا، وهذا لا يتصور في خلاف الجنس. ولأبي حنيفة أن الكيلي والوزني ~~جنس الدراهم في المعنى، من حيث إنها تثبت في الذمة حالا ومؤجلا، ويجوز ~~استقراضها وإذا كانت في المعنى جنسا لها، جاز استثناؤها منها. # قيد بالكيلي والوزني لأنه لا يصح في غيرهما باتفاق الأصحاب، وهو قول ~~أحمد. وقال الشافعي: يصح، وبه قال مالك. فعندنا لو قال له: علي مئة درهم ~~إلا ثوبا لا يصح الاستثناء، وعنده يبين قيمة الثوب فإن استغرقت المئة بطل ~~الاستثناء في قول، وبه قال مالك، وفي قول يلغو تفسيره، ويجب أن يبين ثوبا ~~لا يستغرق قيمة المئة. # --- PageV05P438 ~~*** # (لا) أي لا يصح (استثناء التابع) من المتبوع (كالبناء) من الدار، بأن أقر ~~بدار واستثنى بناءها (والفص) من الخاتم، بأن ms1443 أقر بخاتم واستثنى فصه ~~(والنخل) من البستان، بأن أقر ببستان واستثنى نخله. وقال مالك والشافعي ~~وأحمد: يصح لأنه أخرج ما تناوله اللفظ معنى، فصار كما لو قال: إلا ثلثها، ~~أو ربعها، أو بيتا منها. # ولنا أن الاستثناء إخراج ما تناوله صدر الكلام نصا، وصدر الكلام إنما ~~يتناول هذه الأشياء تبعا، بخلاف البيت، فإن الدار تتناوله نصا، إذ الدار ~~تشتمل البيت، ولهذا لو استحق البيت في بيع الدار سقطت حصته من الثمن. ويبطل ~~إقرار وصل به: إن شاء الله، فلو قال: لزيد علي ألف درهم إن شاء الله لم ~~يلزمه شيء، لأن التعليق بمشيئة الله إبطال عند محمد، فيبطل قبل انعقاده ~~بتحكم. وعند أبي يوسف تعليق بشرط لا يوقف عليه فكان إعداما من الأصل. # (ودين صحته) مبتدأ مضاف (مطلقا) أي سواء علم بسببه وهو بمعاينة الشهود ~~ببينة أو بالإقرار (ودين مرضه) مرض الموت (بسبب فيه) أي في المرض كالنفقة ~~وثمن الأدوية (وعلم) السبب (بلا إقرار) كالاستقراض في مرضه بمعاينة الشهود، ~~أو الشراء، أو الاستئجار، أو التزوج (سواء) أي مستويان في الرتبة، فلا يقدم ~~أحدهما على الأخر في الاستيفاء من التركة، هو خبر المبتدأ وما عطف عليه ~~(وقدما على ما أقر به في مرضه) ولم يعلم إلا بالإقرار، وبه قال النخعي ~~والثوري. # (و) قدم (الكل على الإرث وإن شمل) الكل (ماله) وقال الشافعي: دين الصحة ~~ودين المرض الذي لا يعلم إلا بالإقرار سواء، وبه قال مالك، والخرقي، ~~والتميمي من أصحاب أحمد، لاستواء سببهما وهو الإقرار الصادر عن عقل ودين، ~~ومحل للوجوب: وهو الذمة القابلة للحقوق. # --- PageV05P439 ~~*** # ولنا: أن الإقرار لا يعتبر إذا كان فيه تهمة إبطال حق الغير، وفي إقرار ~~المريض بما ليس من التبرعات كالبيع، والنكاح، والإتلاف تهمة إبطال تعلق دين ~~الصحة بماله، بخلاف المعروف السبب بمعاينة الشهود، فإنه لا تهمة فيه. # (ولا يصح) للمريض (أن يخص غريما) من غرماء الصحة أو المرض (بقضاء دينه) ~~لأن ذلك فيه إبطال حق الباقين، إلا أن يكون ذلك الدين ثمنا بشيء اشتراه ~~بمثل قيمته، أو ms1444 يكون قرضا لزمه في مرضه بالبينة، لأن هذا ليس بإيثار ولا ~~إبطال للحق، لأنه حصل مثل ما نقد، وحق الغرماء متعلق بمعنى التركة لا ~~بالصورة، فإذا حصل له مثله معنى لم يعد ذلك تفويتا. وعند مالك والشافعي ~~يختص مطلقا، والله تعالى أعلم. # (ولا) يصح (إقراره لوارثه) وبه قال أحمد والشافعي في قول، ويصح في الأصح ~~من مذهبه، لأنه إظهار حق ثابت، لترجح جانب الصدق فيه، فصار كالإقرار لأجنبي ~~وبوارث آخر وبوديعة مستهلكة للوارث. وقال مالك: يصح إذا لم يتهم، ويبطل إذا ~~اتهم، كمن له بنت وابن عم، فأقر لبنته. ولنا: ما أخرجه الدارقطني في «سننه» ~~عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لا وصية لوارث، ولا إقرار له بدين»، وما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~في خطبته عام حجة الوداع: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث ولا ~~إقرار بالدين». # --- PageV05P440 ~~*** # لكن قال شمس الأئمة في «المبسوط»: إن هذه الزيادة شاذة غير مشهورة، وإنما ~~المشهور قول ابن عمر: إذا أقر الرجل بدين في مرضه لرجل غير وارث فإنه جائز، ~~وإن أحاط ذلك بماله، وإن أقر لوارث فهو باطل، إلا أن يصدقه الورثة. وبه أخذ ~~علماؤنا، فإن قول الواحد من فقهاء الصحابة عندنا مقدم على القياس، ولأن في ~~إقراره إيثار بعض الورثة بماله بعدما تعلق حق جميعهم به، فلا يجوز لما فيه ~~من إبطال حق البقية، كالوصية. قيد بالوارث لأن إقراراه للأجنبي يصح وإن شمل المال. # (إلا أن يصدقه البقية) أي بقية الورثة، لأن عدم الصحة كان لحقهم، فإذا ~~صدقوه فقد أقروا بتقدمه عليهم (فيبطل) الإقرار (إن ادعى بنوته) أي بنوة ~~الأجنبي (بعده) أي بعد الإقرار له ويثبت النسب. وبه قال أحمد والشافعي في قول. # (لا إن نكح) أي لا يبطل الإقرار لأجنبية إن نكحها بعد إقراره لها. وبه ~~قال أحمد في الأصح، والشافعي في القديم، ومالك. وقال الشافعي في الجديد ~~وأحمد في رواية: يبطل، لأن اعتبار كون ms1445 الوارث وارثا حال الموت لا حال ~~الإقرار كالوصية. ولنا: وهو الفرق أن البنوة تستند إلى وقت العلوق، فتبين ~~أنه أقر لابنه فلا يصح، والزوجية تقتصر على زمان التزوج، فكان إقراره ~~لأجنبية. ويؤخر الإرث عن الدين المقر به في المرض، لقوله تعالى: {من بعد ~~وصية يوصى بها أو دين}، ولأن قضاء الدين من الحوائج الأصلية، لأن به دفع ~~الحائل بينه وبين الجنة العلية. وحق الورثة يتعلق بالتركة بشرط الفراغ عن ~~الحاجة، ولهذا يقدم تجهيزه وتكفينه وتدفينه. # --- PageV05P441 ~~*** # (ولو أقر) المريض أو غيره (ببنوة غلام جهل نسبه، ويولد مثله) أي مثل ~~الغلام (لمثله) أي لمثل المقر، (وصدقه الغلام، ثبت نسبه) وقال مالك: إن ~~تيقن الناس أنه ليس ولده لا يثبت، كما إذا كان الغلام سنديا والرجل فارسيا. ~~ولنا: أن النسب يحتال لإثباته، فيثبت إذا أمكن، وفي هذه الصورة يمكن. قيد ~~بمجهول النسب، لأن معرفته تمنع ثبوته من غيره. وبكونه يولد مثله لمثله لئلا ~~يكون مكذبا في الظاهر. وبتصديق الغلام، لأن المسألة في غلام يعبر عن نفسه، ~~فلا بد من تصديقه، لأنه في يد نفسه، حتى إذا كان صغيرا لا يعبر عن نفسه فلا ~~يعتبر تصديقه. كذا في «الكافي» و«الهداية» وغيرها. وإذا ثبت نسبه شارك ~~الورثة في الميراث، لأن ذلك من ضرورات ثبوت النسب. # (وشرط تصديق الزوج) امرأته أو معتدته (أو شهادة قابلة في إقرارها) أي ~~المرأة (بالولد) لأن إقرار المرأة لا يقبل على الزوج، فلا بد من تصديقه. ~~وقول القابلة حجة في تعيين الولد. والنسب يثبت بالفراش. (ولو أقر بنسب من ~~غير ولاد) أي أبوة أو بنوة، كإن أقر بأخ أو عم (لا يصح) إلا بالبينة، لأن ~~فيه حمل النسب على الغير. # (ويرث إلا مع وارث) معروف قريب أو بعيد، فإنه أولى بالميراث من المقر له، ~~لأنه لما لم يثبت نسبه منه لم يزاحم الوارث المعروف النسب. وإن لم يكن له ~~وارث استحق المقر له ميراثه. لأن للمقر ولاية التصرف في مال نفسه عند عدم ~~الوارث. ألا ترى أن له أن يوصي بجميع ms1446 ماله، فكذا له أن يجعله لهذا المقر له. # --- PageV05P442 ~~*** # (ومن أقر بأخ وأبوه ميت شاركه في الإرث بلا نسب) أي ولا يثبت نسبه، لأن ~~إقراره يضمن شيئين: حمل النسب على الغير ولا ولاية له عليه، فلا يثبت إلا ~~بالبينة؛ والاشتراك في المال وله ولاية عليه فيثبت. # (ولو أقر أحد ابني ميت له على) شخص (آخر دين) هذه الجملة صفة ميت (بقبض ~~أبيه نصفه) أي نصف الدين (فلا شيء له) أي للابن المقر (والنصف للآخر) وهو ~~الابن المنكر، لأن الإقرار باستيفاء الميت الدين إقرار بالدين على الميت، ~~لأن المقبوض غير الدين، فيكون مضمونا على القابض دينا في ذمته فيتقاصان، ~~فإن كذبه أخوه لا يصدق عليه وينفذ في حقه خاصة، فوجب على الميت النصف على زعمه. # والدين مقدم على الميراث وقد استغرق نصيبه، فلا يأخذ منه شيئا، وصار كما ~~لو أقر على الميت بدين آخر وكذبه أخوه. وصح إقراره بالدين لأجنبي وإن ~~استغرق ماله، لما روى محمد في «الأصل» عن ابن عمر أنه قال: إذا أقر الرجل ~~في مرضه بدين لرجل غير وارث، فإنه جائز وإن أحاط ذلك بماله ولا يعرف له مخالف. # وعلماؤنا والشافعي جعلوا الطلق وهو: وجع الولادة كمرض الموت في حق ~~الأحكام، لأن الموت يندر في غير حالة الطلق، ويوجد فيها كثيرا، والحكم مبني ~~على ما كثر لا على ما ندر، لا بعدما تم لها ستة أشهر من حين الحمل كما قال ~~مالك، واحتج بأن ولادتها حينئذ متوقعة ساعة فساعة، وهي قد تموت بها، فتوطن ~~نفسها على الهلاك، وتبادر إلى ما يتبادر إليه المرض. # وإذا خيف الموت على المسلول، وهو المريض مرض السل، أي: الدق ونحوه من ~~الأمراض التي يطول ويعتاد الإنسان بها، كانت الهبة ونحوها من ثلث ماله ~~لكونه مريضا، والله أعلم. # كتاب الدعوى # --- PageV05P443 ~~*** # (هي) لغة: بمعنى الدعاء، قال الله تعالى: {دعواهم فيها سبحانك ~~اللهم...وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}. # وشرعا: إضافة الشخص الشيء إلى نفسه حال المنزاعة، على ما قاله شيخ ~~الإسلام، والمحبوبي. ويقال: ادعى زيد على ms1447 عمرو، فزيد المدعي وعمرو المدعى ~~عليه، والمال المدعى، والمدعى به خطأ، والمصدر: الادعاء، افتعال من دعى. ~~والدعوى على فعلى: اسم منه، وألفها للتأنيث، فلا تنون، ويقال: دعوى باطلة ~~أو صحيحة، وجمعها دعاوى بفتح الواو لا غير، كفتوى وفتاوى، كذا في ~~«الكافي». # وشرط صحتها مجلس القضاء، فلا يصح في غيره، حتى لا يستحق على المدعى عليه ~~جوابه. وحكمها وجوب الجواب على المدعى عليه. وقال المصنف: (إخبار) من الشخص ~~(بحق له على غيره) فاحترز بقوله: «له» عن الشهادة فإنها إخبار بحق لآخر، ~~وبقوله: «على غيره» عن الإقرار، فإنه إقرار بحق لآخر على نفسه. ولما كان ~~معرفة الفرق بين المدعي والمدعى عليه من أهم ما يحتاج إلى معرفته في هذا ~~الكتاب عرفهما بقوله: (والمدعي: من لا يجبر على الخصومة) إذا تركها ~~(والمدعى عليه من يجبر) عليها إذا تركها. وقيل: المدعي: من لا يستحق إلا ~~بحجة كالخارج، والمدعى عليه: من يستحق بقوله من غير حجة، كصاحب اليد. وقيل: ~~المدعي: من يلتمس غير الظاهر، والمدعى عليه: من يتمسك بالظاهر. # --- PageV05P444 ~~*** # (وهي) أي الدعوى (إنما تصح بذكر شيء علم جنسه) أي جنس المدعى، بأن يقال: ~~حنطة مثلا (وقدره) بأن يقال: كذا كيلا، لأن فائدة الدعوى الإلزام بواسطة ~~الإشهاد، ولا يتحقق الإشهاد ولا الإلزام في المجهول. وفي «شرح الوقاية»: ~~هذا في دعوى الدين لا في دعوى العين، فإن العين إن كانت حاضرة تكفي ~~الإشارة، بأن هذا ملك لي، وإن كانت غائبة يجب أن يصفها ويذكر قيمتها. ~~انتهى. وقيل: لا يشترط ذكر القيمة، وإليه مال القاضي فخر الدين وصاحب ~~«الذخيرة». وكذا ذكر في عامة الكتب: أنه يسمع دعواه بدون القيمة، لأن ~~الإنسان ربما لا يعرف قيمة ماله، فلو كلف بيانا لتضرر به. # (وأنه في يد المدعى عليه) هذا عطف على «ذكر شيء»، وإنما شرط ذلك في ~~الدعوى لأن المدعى عليه لا يكون خصما إلا إذا كانت العين في يده. (وفي ~~المنقول يزيد: بغير حق) إذ الشيء قد يكون في يد غير المالك بحق، كالرهن في ~~يد المرتهن، والمبيع في ms1448 يد البائع لأجل الثمن. وفي «شرح الوقاية»: وهذه ~~العلة تشتمل العقار أيضا، فلا أدري ما وجه تخصيص المنقول بهذا الحكم، ووجهه ~~بعض بوجوه وردها غيرهم. (وفي العقار لا تثبت اليد إلا بحجة، أو علم القاضي) ~~ولا يثبت بتصادقهما أنه في يد المدعى عليه، بخلاف المنقول فإنه يثبت بذلك. ~~والفرق بينهما أن اليد في العقار غير مشاهدة، ولعله في يد غيرهما، واتفقا ~~على ذلك ليكون لهما ذريعة إلى أخذه بحكم الحاكم، فشرط الحجة أو علم القاضي ~~لنفي التهمة. واليد في المنقول معاينة فلا حاجة إلى اشتراط ذلك. وفيه أن ~~العلة مشتركة والمعاينة ممنوعة، فلا يظهر وجه الفرق هناك. # --- PageV05P445 ~~*** # (والمطالبة به) عطف على «أنه في يد المدعى عليه»، أو على ما عطف عليه. ~~وإنما كان ذكر المطالبة لا بد منه في صحة الدعوى لأن المطالبة حقه، فلا بد ~~من طلبه (وإحضاره) عطف على ذكر شيء. وإنما تصح بإحضار المدعى (إن أمكن ~~ليشير إليه المدعي والشاهد والحالف) لأن الإعلام بأقصى ما يمكن شرط وذلك ~~بالإشارة فيما يمكن إحضاره (وذكر قيمته إن تعذر) إحضاره، بأن كان هالكا أو ~~غائبا ليصير المدعى معلوما، لأن الشيء يعلم بقيمته، لأنها مثله معنى. # (و) ذكر (الحدود الأربعة) وبه قال زفر كمالك والشافعي، لأن التعريف لا ~~يتم إلا بها (أو الثلاثة) عندنا لأن للأكثر حكم الكل (في العقار) فإنه يعرف ~~بحدوده، وقد تعذر تعريفه بالإشارة لتعذر نقله إلى مجلس الحكم (و) ذكر ~~(أسماء أصحابها ونسبهم) ليتميزوا عن غيرهم (إلى الجد) لأن تمام التعريف به، ~~وهذا إن لم يكن مشهورا، وأما إن كان مشهورا فلا يلزم ذكر الجد لحصول ~~المقصود. # (وإذا صحت) الدعوى (سأل القاضي الخصم) وهو المدعى عليه (عنها) أي عن ~~الدعوى التي ادعاها، لينكشف له وجه الحكم فيها، لأن القضاء بالبينة يخالف ~~القضاء بالإقرار (فإن أقر) الخصم (أو أنكر وسأل) القاضي (المدعي بينة) بأن ~~قال له: ألك بينة؟ (فأقام) البينة (قضى) القاضي (عليه) لوجود الحجة الملزمة ~~للقضاء في الوجهين. وروى أصحاب الكتب الستة عن الأشعث بن قيس قال: ms1449 كان بيني ~~وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ~~لي صلى الله عليه وسلم: «ألك بينة»؟ قلت: لا، فقال لليهودي: «أتحلف»؟ قلت: ~~يا رسول الله إذا يحلف ويذهب مالي، فأنزل الله: {إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا}... الآية. # --- PageV05P446 ~~*** # (وإن لم يقم البينة حلفه) القاضي (إن طلبه) أي الحلف (خصمه) لأن اليمين ~~حقه فلا بد من طلبه، (فإن نكل مرة) بأن قال: لا أحلف (أو سكت بلا آفة) من ~~طرش أو خرس (وقضى) القاضي (بالنكول، صح)، لأن النكول دل على كونه مقرا، إذ ~~لولا ذلك لأقدم على اليمين أداء للواجب، ودفعا للضرر عن نفسه، لأن اليمين ~~واجبة عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «اليمين على المدعى عليه» (وعرض ~~اليمين) على المدعى عليه (ثلاثا) يقول في كل مرة: إني أعرض عليك اليمين، ~~فإن حلفت وإلا قضيت عليك. # (ثم القضاء) بعد ذلك (أحوط) لما فيه من المبالغة في الإنذار، فهو نظير ~~إمهال المرتد ثلاثة أيام في أنه مستحب. فعرض اليمين مبتدأ، والقضاء عطف ~~عليه، وأحوط: خبر المبتدأ. وهذا عند الجمهور، وقيل: عند أبي حنيفة ندب، ~~وعنهما أنه حتم. ثم القائل بعد الدعوى عليه: لا أقر ولا أنكر، يحبس عند أبي ~~حنيفة حتى يقر أو ينكر، إذ لا تحليف مع قوله: لا أنكر، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «واليمين على من أنكر». وقالا: يحلف، كمالك والشافعي، لأن قوليه لما ~~تعارضا تساقطا، فصار كالساكت. # --- PageV05P447 ~~*** # وفي «المجتبى»: يشترط أن يكون القضاء على فور النكول عند بعض المشايخ. ~~وقال الخصاف: لا يشترط، حتى لو استمهله بعد العرض يوما أو يومين أو ثلاثا ~~فلا بأس به، وهو قول مالك والشافعي وأحمد. وفي «الفصول»: لو كان الاستحلاف ~~عند غير القاضي، كان المدعي على دعواه، لأن المعتبر يمين قاطعة للخصومة، ~~وهي اليمين عند القاضي. والفتوى على سماع البينة بعد يمين الخصم. وإنما ~~نأخذ في ذلك بفعل عمر رضي الله عنه، فإنه جوز قبول بينة المدعي بعد حلف ~~المدعى عليه، وبقول شريح: ms1450 اليمين الفاجرة أحق بالرد من البينة العادلة. # (ولا ترد اليمين على مدع، وإن نكل خصمه). وقال مالك والشافعي: لا يقضى ~~بالنكول، بل برد اليمين على المدعي، لأن النكول يحتمل التورع عن اليمين ~~الكاذبة والترفع عن الصادقة، كما فعله عثمان، ويحتمل أن يكون لاشتباه ~~الحال، ومع هذا الاحتمال لا يكون حجة. ويمين المدعي دليل الظهور، كما كانت ~~يمين المدعى عليه، فيصار إليه. # ولنا ما في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على ~~المدعي واليمين على المدعى عليه». وفي رواية: «اليمين على من أنكر». وفي ~~رواية البيهقي عن ابن عمرو بلفظ: «المدعى عليه أولى باليمين، إلا أن تقوم ~~عليه البينة». # --- PageV05P448 ~~*** # ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم قسم، والقسمة تنافي الشركة، فدل على ~~أن جنس الأيمان في جانب المدعى عليه، ولا يمين في جانب المدعي، إذ الألف ~~واللام لاستغراق الجنس، فمن جعل بعض الأيمان حجة للمدعي فقد خالف هذا ~~الحديث الذي تلقته (الأمة) بالقبول، حتى صار في حيز التواتر. وقد ادعى بعض ~~أهل الأصول أنه مخالف لقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم}... الآية ~~فيكون مردودا. وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن سالم أن ابن عمر باع غلاما ~~له بثلاث مئة درهم، فوجد به المشتري عيبا، فخاصمه إلى عثمان فقال له عثمان: ~~تحلف أنك بعته بالبراءة، فأبى أن يحلف، فرده عثمان عليه. # وروى أيضا عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه أمره أن يستحلف امرأة، فأبت ~~أن تحلف، فألزمها. وروى أيضا عن الحارث قال: نكل رجل عند شريح عن اليمين، ~~فقضى شريح عليه، فقال الرجل: أنا أحلف، فقال شريح: قد مضى قضائي. ويبتنى ~~على هذا امتناع القضاء بشاهد ويمين. وقال مالك والشافعي وأحمد: يقضى بهما، ~~لما روى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ~~ويمين. وأجيب بأنه منقطع. وقال الترمذي في «علله الكبير»: سألت محمدا عن ~~هذا الحديث، ms1451 فقال: إن عمرو بن دينار لم يسمعه من ابن عباس، ولو سلم فمثل ~~هذه العبارة لا تفيد العموم، لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية، إذ المحكي ~~قد يكون خاصا. # --- PageV05P449 ~~*** # (ولا يحلف) عند أبي حنيفة (في نكاح) بأن ادعى رجل على امرأة أنه تزوجها ~~وأنكرت أو بالعكس (و) لا في (رجعة) بأن ادعى بعد الطلاق وانقضاء العدة أنه ~~راجع فيها وأنكرته أو بالعكس (و) لا في (فيء) بفتح فاء فسكون ياء فهمز، أي ~~رجوع (إيلاء) بأن ادعى بعد مدة الإيلاء أنه فاء إليها في المدة وأنكرت أو ~~بالعكس (و) لا في (استيلاد) بأن ادعت أمة على مولاها أنها أم ولد له وهذا ~~ابنه منها فأنكر المولى، ولا يتأتى العكس، لأن المولى إذا ادعى أنها أم ولد ~~يثبت الاستيلاد بإقراره ولا يلتفت إلى إنكارها (و) لا في (رق) بأن ادعى رجل ~~على مجهول أنه عبده أو ادعى المجهول ذلك. # (و) لا في (نسب) كإن ادعى رجل على آخر أنه ولده (و) لا في (ولاء) بأن ~~ادعى رجل على آخر أن له عليه ولاء عتاق أو موالاة أو بالعكس (و) لا في (حد) ~~بأن ادعى على آخر ما يوجب الحد وأنكر (و) لا في (لعان) بأن ادعت امرأة على ~~زوجها أنه قذفها بما يوجب اللعان وأنكر. وقال أبو يوسف ومحمد: يحلف في ذلك ~~كله إلا في الحد واللعان. وقال الشافعي: يحلف في حد القذف والقصاص، ولا ~~يحلف في باقي الحدود. وقال مالك وأحمد: لا يجري التحالف فيما لا يثبت إلا ~~بشاهدين. # وفي «جامع قاضيخان» و«الواقعات» و«الفصول»: الفتوى على قولهما، وهو ~~اختيار فخر الإسلام. قيل: وهو اختيار المتأخرين. # --- PageV05P450 ~~*** # (إلا إذا ادعى في النكاح والنسب مالا، كمهر ونفقة وإرث) فإنه يحلف اتفاقا ~~(وحلف السارق، وضمن إن نكل ولم يقطع) لأن موجب فعله شيئان: أحدهما: الضمان، ~~وهو يجب مع الشبهة، فيجب بالنكول. وثانيهما: القطع وهو لا يجب مع الشبهة، ~~فلا يجب بالنكول (و) حلف (الزوج إذا ادعت) المرأة (طلاقا) لأن مقصودها ~~المال، والاستحلاف يجري في ms1452 المال بالاتفاق (فيثبت إن نكل نصف المهر) إن ~~ادعت الطلاق قبل الدخول (أو كله) إن ادعت الطلاق بعد الدخول. # (وكذا) يحلف (منكر القود، فإن نكل في النفس حبس حتى يقر أو يحلف) ولا ~~يقتص منه، وبه قال أحمد. وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: يقتص منه بعد ~~حلف المدعي (وفيما دونها) أي دون النفس (يقتص) وبه قال مالك والشافعي بعد ~~حلف المدعي وأحمد في رواية. وقال أبو يوسف ومحمد: يجب عليه الأرش في النفس ~~وفيما دونها. # (وإن قال) المدعي: (لي بينة حاضرة، وطلب حلف الخصم لا يحلف) عند أبي ~~حنيفة. وقال أبو يوسف: يحلف. ومحمد مع أبي حنيفة في رواية، ومع أبي يوسف في ~~أخرى. وهذا الخلاف إذا كانت البينة حاضرة في المصر غائبة عن مجلس الحكم، ~~حتى لو كانت غائبة عن المصر، يحلف بالاتفاق، أو كانت في مجلس الحكم، لا ~~يحلف اتفاقا. # (ويكفل) أي يقيم كفيلا (بنفسه ثلاثة أيام) كي لا يغيب نفسه، فيضيع حق ~~المدعي. والقياس أن لا يكفل قبل إقامة البينة، لعدم تعلق حق المدعي حينئذ، ~~وهو مذهب الشافعي. والتقدير بثلاثة أيام مروي عن أبي حنيفة، وهو الصحيح. ~~وعن أبي يوسف: التقدير بما بين مجلسي القاضي. # أما لو قال: ليس له بينة، أو: شهودي غيب، لا يجبر الخصم على إقامة ~~الكفيل، لأن الغائب كالهالك، والاستحلاف في الحال ممكن. # --- PageV05P451 ~~*** # ولو قال: لا بينة لي عليه ولا شهادة، ثم أقام المدعي البينة أو شهد ~~الشاهد قبلت في الأصح، لإمكان التوفيق: بأن كان له شهود لا يعلم بهم، أو ~~تذكرهم بعد ما نسيهم، أو تذكر الشاهد. وقيل: لا يقبل لظاهر التناقض. ولو ~~باع عقارا وقريبه حاضر يعلم البيع، ثم ادعاه لا يسمع دعواه، لأنه بسكوته ~~أولا صار مصدقا على صحة البيع، وبدعواه ثانيا يصير متناقضا. # (فإن أبى) الخصم أن يقيم كفيلا بنفسه (لازمه) المدعي، أي دار معه حيث ~~سار، كيلا يغيب، فيذهب حقه (و) لازم (الغريب قدر مجلس الحكم) أي إلى أن ~~يقوم القاضي من مجلسه. # (ولا يكفل) الغريب (إلا ms1453 إلى آخر المجلس) لأن في أخذ الكفيل منه وفي ~~الملازمة له أكثر من مجلس القاضي إضرارا له بالمنع عن سفره (والحلف بالله ~~تعالى لا بالطلاق والعتاق) لما في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». وفي رواية أبي ~~داود وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله نهاكم أن تحلفوا ~~بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت». # (فإن ألح الخصم) أي أكد وبالغ (قيل: صح) التحليف (بهما في زماننا) لقلة ~~مبالاة الناس باليمين بالله تعالى وكثرة الامتناع عن الحلف بالطلاق ~~والعتاق، لكن إن نكل لا يقضى عليه بالنكول، لأنه امتنع عما هو منهي عنه ~~شرعا، ولو قضي عليه بالنكول لا ينفذ. ولو طلب المدعى عليه تحليف الشاهد أو ~~المدعي: أنه لا يعلم أن الشاهد كاذب، لا يجيبه القاضي، لأنا مأمورون بإكرام ~~الشهود والمدعي لا يجب عليه اليمين، لا سيما إذا أقام بينة. # --- PageV05P452 ~~*** # (ويغلظ) اليمين (بصفاته تعالى) مثل: والله الذي لا إله إلا هو، عالم ~~الغيب والشهادة، هو الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية ~~ما لفلان هذا عليك ولا قبلك هذا المال الذي ادعاه، وهو كذا وكذا، ولا شيء ~~منه؟ ويزيد على هذا التغليظ إن شاء وله أن ينقص منه. ويحترز عن عطف بعض ~~الأسماء على بعض، لئلا يتكرر عليه اليمين. ولو غلظ عليه فنكل عن التغليظ ~~وحلف من غير تغليظ، لا يقضى عليه بهذا النكول، لأن المقصود الحلف بالله ~~تعالى، وقد حصل. # (لا بالزمان) أي لا يغلظ اليمين بالزمان، كبعد العصر يوم الجمعة ~~(والمكان) كمنبر النبي صلى الله عليه وسلم والحجر الأسود. وبه قال أحمد ~~والشافعي في قول. وقيل: يستحب التغليظ بالزمان وبالمكان، وبه قال مالك فيما ~~ليس بمال ولا القصد منه المال، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحلف أحد عند ~~منبري هذا على يمين آثمة، ولو على سواك أخضر، إلا تبوأ مقعده من النار، أو ~~وجبت له النار». رواه مالك ms1454 وأبو داود. ولنا قوله صلى الله عليه وسلم: ~~«اليمين على من أنكر». فالتخصيص بالمكان والزمان لزوما زيادة عليه. # --- PageV05P453 ~~*** # (وحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي ~~أنزل الإنجيل على عيسى) لما روى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال لليهود: «أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما ~~تجدون في التوراة على من زنى؟»، ولأن اليهود يعتقدون نبوة موسى، والنصارى ~~نبوة عيسى، فيغلظ على كل واحد منهما بذكر المنزل على نبيه. (و) حلف ~~(المجوسي بالله الذي خلق النار) لأنه يعظمها فيخاف بذكرها. ذكره محمد في ~~«الأصل» كما في «الهداية». وذكر الخصاف أنه لا يحلف المجوسي إلا بالله وهو ~~اختيار بعض المشايخ، لأن في ذكر النار مع اسم الله تعالى تعظيما لشأنها، ~~وما ينبغي أن تعظم، بخلاف الكتابين، فإن كتب اللها معظمة. # (و) حلف (الوثني بالله) لأن الكفرة بأسرهم يقرون بالله تعالى، قال تعالى: ~~{ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله}. # (ولا يحلف) أحد منهم (في معابدهم) لأن فيه تعظيمها، ولأن القاضي لا ~~يحضرها، لأنه ممنوع من دخولها. # (ويحلف على الحاصل) عند أبي حنيفة ومحمد في البيع، والنكاح، والطلاق، ~~والغصب (نحو: بالله ما بينكما بيع قائم، أو نكاح قائم في الحال، أو ما هي ~~بائن منك الآن) أو ما يجب عليك رده الآن (لا على السبب) أي لا يحلف على ~~السبب، كما قال أبو يوسف بأن يقول في البيع (نحو: بالله ما بعته ونحوه) بأن ~~يقول في النكاح: بالله ما نكحت، وفي الطلاق: بالله ما طلقت، وفي الغصب: ~~بالله ما غصبت. # --- PageV05P454 ~~*** # (إلا أن يتضرر المدعي، فيحلف على السبب) أي باتفاق (كدعوى شفعة بالجوار، ~~فإنه) أي المدعى عليه ربما (يحلف على مذهب الشافعي أنه لا تجب الشفعة) ~~بالجوار، فيصدق يمينه، فيكون في تحليفه على الحاصل ترك النظر في جانب ~~المدعي. # (وكذا) يحلف على السبب باتفاق (في سبب لا يتكرر، كعبد مسلم يدعي عتقه على ~~مولاه، وفي الأمة) الكافرة (والعبد الكافر) إذا ادعى ms1455 أحدهما العتق على ~~مولاه، وأنكر يحلف (على الحاصل) لأن الرق يتكرر في الأمة بالسبي بعد الردة ~~والالتحاق بدار الحرب، وفي العبد الكافر بالسبي بعد نقض العهد والالتحاق ~~بدار الحرب، ولا يتكرر في العبد المسلم، إذ لا يقبل منه في الارتداد بعد ~~السبي إلا الإسلام، أو القتل. # (ويحلف على العلم من ورث شيئا فادعاه آخر) ولا يحلف على البتات، لأن ~~الوارث لا يعلم بما فعل المورث (ويحلف على البتات إن وهب له) شيء (أو ~~اشتراه) فادعاه آخر، لأن الشراء وقبول الهبة سبب لثبوت الملك بالاختيار، ~~ولو لم يعلم أن العين ملك البائع أو الواهب لما باشر الشراء باختياره، ولا ~~قبل الهبة، بخلاف الملك في الإرث، فإنه ثبت للوارث جبرا ولا علم له بحال ~~ملك المورث. والأصل في ذلك أن اليمين إن كانت على فعل الغير فهي على العلم، ~~وإن كانت على فعل النفس فهي على البتات. # --- PageV05P455 ~~*** # (وصح فداء الحلف والصلح عنه) وليس له أن يستحلفه بعد ذلك، لأنه سقط حقه ~~من اليمين بأخذ بدلها. خص الفداء والصلح لأنه لو اشترى يمينه منه لا يصح، ~~وله أن يستحلفه، لأن الشراء عقد تمليك المال، واليمين ليست بمال. وقد روي ~~عن عثمان أنه ادعي عليه أربعون درهما، فأعطى شيئا وافتدى من يمينه ولم ~~يحلف. وعن حذيفة أنه افتدى من يمينه بمال. ولأنه لو حلف يقع في القيل ~~والقال، فإن الناس بين مصدق ومكذب، فإذا افتدى من يمينه فقد صان عرضه وهو ~~حسن. وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر قال: سئل الزهري عن الرجل يقع ~~عليه اليمين فيريد أن يفتدي من يمينه، فقال: كانوا يفعلون ذلك. وقد افتدى ~~عبيد السهام وكان من الصحابة يمينه بعشرة آلاف، وذلك في إمارة مروان ~~والصحابة بالمدينة كثير. # ومن ظفر بجنس حقه أخذه بلا استئذان ولا حكم قاض، لأن الديون تقضى ~~بأمثالها، فكأنه عين حقه، ولو ظفر بخلاف جنسه لا يأخذه عندنا إلا بإذن أو ~~حكم قاض لاختلافهما حقيقة. وأجازه مالك والشافعي لاتحادهما في جنس المالية. # فصل في التحالف ms1456 # كما في نسخة (ولو اختلفا في قدر الثمن) بأن ادعى البائع أكثر مما اعترف ~~به المشتري (أو) اختلفا في قدر (المبيع) بأن اعترف البائع بقدر منه، وادعى ~~المشتري أكثر من ذلك القدر (حكم لمن برهن) لأنه نور دعواه بالبينة (وإن ~~برهنا) أي أقام كل واحد منهما بينة على ما ادعاه (فلمثبت الزيادة) لأن ~~البينة للإثبات، ولا معارضة في قدر ما اتفقا عليه ولا في الزيادة، ولأن ~~البينة على الأقل وإن نفت الزيادة، لكن الشهادة على النفي غير مسموعة، ~~وزيادة الثقة مقبولة، كما أنها حجة في الرواية. # --- PageV05P456 ~~*** # (وإن اختلفا فيهما) أي في قدر الثمن وقدر المبيع (فحجة البائع في الثمن) ~~أولى (وحجة المشتري في المبيع) أولى نظرا إلى زيادة الإثبات. أما لو كان ~~الاختلاف في جنس الثمن بأن قال البائع: بعتك هذه الجارية بعبدك هذا، وقال ~~المشتري: إنما اشتريتها منك بمئة دينار، وأقاما البينة لزم المشتري البيع ~~بالعبد، فتقبل بينة البائع دون المشتري، لأن حق المشتري في الجارية ثابت ~~باتفاقهما، وإنما الاختلاف في حق البائع، وبينته تثبت الحق لنفسه في العبد، ~~وبينة المشتري تنفي ذلك، والبينة للإثبات دون النفي (وإن عجزا) في الصور ~~الثلاث عن إقامة البينة، قيل للمشتري فيما إذا كان الاختلاف في قدر الثمن: ~~إما أن ترضى بالثمن الذي ادعاه البائع وإلا فسخنا البيع، وقيل للبائع فيما ~~إذا كان الاختلاف في قدر المبيع: إما أن تسلم ما ادعاه المشتري من القدر ~~وإلا فسخنا البيع. وإنما يقال لهما ذلك لأن المقصود قطع المنازعة، وهذا ~~طريق فيه، إذ ربما لا يرضيان بالفسخ، فإذا علما به يتفقان. # (رضي كل بزيادة يدعيها الآخر) فذلك هو المطلوب (وإلا) أي وإن لم يرض كل ~~بزيادة يدعيها الآخر (تحالفا) أي حلف كل واحد منهما على دعوى الآخر، بأن ~~يحلف البائع بالله ما باعه بما ادعاه المشتري، ويحلف المشتري بالله ما ~~اشتراه بما ادعاه البائع. والمعنى فيه أن اليمين يجب على المنكر وهو ~~النافي، فيحلف على هيئة النفي إشعارا بأن الحلف وجب عليه لإنكاره. وإنما ~~وجب على ms1457 البائع والمشتري جميعا لأن كلا منهما منكر، لأن الخلاف إن كان في ~~قدر الثمن وقدر المبيع، فيكون كل منهما منكرا ظاهرا، وإن كان في أحدهما ~~فواحد منهما يدعي زيادة البدل والآخر ينكره، والمنكر منهما يدعي وجوب تسليم ~~البدل على صاحبه عند تسليمه المبدل، والآخر ينكره فصارا مدعيين ومنكرين. # --- PageV05P457 ~~*** # (وحلف المشتري أولا) وهو قول محمد، وأبي يوسف آخرا، وهو رواية عن أبي ~~حنيفة وقول زفر والشافعي في وجه، لأن المشتري أشدهما إنكارا لأنه يطالب ~~أولا بالثمن فينكر، فيكون بادئا بالإنكار، ولأن إنكار البائع مبني على ~~إنكاره. # وقال أبو يوسف أولا يبدأ بيمين البائع، وهو قول مالك والشافعي وأحمد في ~~الأصح، لما أخرجه أصحاب «السنن الأربعة»، أن عبد الله بن مسعود باع للأشعث ~~بن قيس رقيقا من رقيق الخمس بعشرين ألف درهم، فأرسل عبد الله إليه في ~~ثمنهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فقال عبد الله: إن شئت حدثتك بحديث ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا اختلف المتبايعان ليس ~~بينهما بينة، فالقول ما يقول رب السلعة أو يتتاركان». وأجيب بأن المنذري ~~قال: قد روي هذا الحديث من طرق عن ابن مسعود، وكلها لا يثبت. وقال ابن ~~الجوزي في «التحقيق» أحاديث هذا الباب فيها مقال. ودفع هذا الجواب بأن صاحب ~~«التنقيح» قال: والذي يظهر أن حديث ابن مسعود بمجموع طرقه له أصل، بل حديث ~~حسن يحتج به، لكن في لفظه اختلاف، ويدل على هذا أن مالكا أخرجه في ~~«الموطأ». قلت: وذكره محمد في «موطئه». # (وفسخ القاضي البيع) بينهما بطلب أحدهما. وقيل: ينفسخ بنفس التحالف وهو ~~الأصح من مذهب الشافعي، (ومن نكل) منهما (لزمه دعوى الآخر) يعني بقضاء ~~القاضي، لأنه بنكوله صار مقرا أو باذلا، فلم تبق دعواه معارضة لدعوى الآخر، ~~فلزم القول بثبوت دعوى الآخر (ولا تحالف في الأجل، و) لا في شرط (الخيار، ~~ولا في قبض بعض الثمن) ولا في مقدار الأجل، ولا في قدر الشرط، ولا في ~~الرهن، ولا في شرط الضمان (وحلف المنكر) لأن ثبوت هذه ms1458 الأشياء لعارض. ~~والقول لمنكر العارض مع يمينه. وبه قال أحمد. وقال زفر ومالك والشافعي: ~~يتحالفان. # --- PageV05P458 ~~*** # (ولا) تحالف إذا اختلفا في قدر الثمن وهو دين (بعد هلاك المبيع) في يد ~~المشتري عند أبي حنيفة وأبي يوسف (وحلف المشتري) وبه قال مالك في رواية، ~~وأحمد في رواية. وعند محمد: يتحالفان، ويفسخ البيع على قيمة الهالك، وهو ~~قول الشافعي وبه قال مالك في رواية، وأحمد في رواية، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «إذا اختلف المتبايعان تحالفا، وترادا». وهذا النص وإن كان مطلقا ~~يقيد بحال قيام السلعة، بقرينة التراد أو المراجعة، إذ المراد به تراد ~~العوضين لا تراد العقد، لأنه لا يتصور ذلك. ولأبي حنيفة وأبي يوسف قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا وترادا». ~~وقوله: «والسلعة قائمة» مذكور على وجه الشرط، والمطلق يحمل على المقيد إذا ~~وردا في حادثة واحدة وحكم واحد. # وعلى هذا الخلاف إذا خرج المبيع عن ملك المشتري ببيع أو غيره، أو صار ~~بحال لا يمكن رده بدون رضاه، وهذا إذا كان الثمن دينا بأن كان دراهم أو ~~دنانير، أو مكيلا، أو موزونا موصوفا في الذمة، فإن كان عينا كان البيع ~~مقايضة، يتحالفا اتفاقا، لأن المبيع قائم، لأن كل واحد من العوضين مبيع من ~~وجه، وذلك كاف لصحة التحالف، كما هو كاف لصحة الإقالة. # --- PageV05P459 ~~*** # (ولا) تحالف إذا اختلفا (بعد هلاك بعضه) أي بعض المبيع بعد قبض الجميع ~~عند أبي حنيفة، كما لو باع عبدين صفقة واحدة ثم هلك أحدهما عند المشتري بعد ~~قبضهما. وقال أبو يوسف: يتحالفان في القائم ويفسخ العقد فيه، والقول قول ~~المشتري في قيمة الهالك. وقال محمد: يتحالفان عليهما ويفسخ العقد فيهما ~~ويرد القائم وقيمة الهالك، لأن هلاك كل السلعة لا يمنع التحالف عنده، فهلاك ~~بعضها أولى. ولأبي يوسف: أن امتناع التحالف للهلاك، فيتقدر بقدره. ولأبي ~~حنيفة: أن التحالف لا يمكن في القائم إلا على اعتبار حصته من الثمن، فلا بد ~~من القسمة على قيمتهما، والقيمة تعرف بالحزر والظن، فيؤدي إلى التحالف مع ms1459 ~~الجهل، وذا لا يجوز. # (إلا أن يرضى البائع بترك حصة الهالك) فيتحالفان، لأن الثمن حينئذ يكون ~~كله بمقابلة القائم، ويخرج الهالك عن العقد، ويصير كأن العقد وقع على ~~القائم. (ولو اختلفا في بدل الإجارة) وهو الأجرة (أو) اختلفا في (المنفعة) ~~قبل استيفائها: (تحالفا) وترادا (كما في البيع، والمنفعة) في الإجارة ~~(كالمبيع، والبدل) فيها (كالثمن). # وإن وقع الاختلاف في البدل بدىء بيمين المستأجر، لأنه منكر لوجوب الأجرة، ~~وإن وقع في المنفعة بدىء بيمين المؤجر، لأنه منكر لوجوب المنفعة، وأيهما ~~نكل لزمه دعوى صاحبه، فأيهما أقام البينة قبلت، ولو أقاماها، فبينة المؤجر ~~أولى إن كان الاختلاف في الأجرة، وبينة المستأجر أولى إن كان الاختلاف في ~~المنافع، وإن كان الاختلاف فيهما قبلت بينة كل واحد منهما فيما يدعيه. # --- PageV05P460 ~~*** # (وبعد قبضها) أي المنفعة (لا) أي لا يتحالفان، لأن فائدة التحالف الفسخ، ~~والمنافع المستوفاة لا يمكن فسخ العقد فيها، فكان القول قول المستأجر مع ~~يمينه، لأنه هو المستحق عليه (وبعد قبض بعضها تحالفا وفسخت) الإجارة (فيما ~~بقي، والقول للمستأجر فيما مضى) لأن عقد الإجارة ينعقد ساعة فساعة، فيصير ~~في كل جزء من المنفعة كأنه ابتدأ العقد عليه، بخلاف البيع، فإنه ينعقد دفعة ~~واحدة، فإذا تعذر في البعض تعذر في الكل. # (وإن اختلف الزوجان في متاع البيع فلها) أي للمرأة (ما صلح لها) كالدرع ~~والخمار والملحفة، لأن الظاهر شاهد لها، إلا أن يكون الرجل ممن يبيع ما ~~يصلح للنساء، فلا يكون لها لتعارض الظاهرين. (وله) أي للزوج (ما صلح له) ~~كالعمامة والقوس والدرع والمنطقة لأن الظاهر يشهد له (إلا إن كانت المرأة ~~ممن تبيع ما يصلح للرجال، أو ما صلح لهما) كالآنية، والفرش، والأمتعة، ~~والرقيق، والعقار، والمواشي، والنقود، لأن المرأة وما في يدها في يد الزوج. ~~والقول في الدعاوى لصاحب اليد، بخلاف ما يختص بها، لأنه يعارضه وهو أقوى من ~~اليد، ولا فرق بينهما إذا كان الاختلاف في حال قيام النكاح أو بعد الفرقة. # (وإن مات أحدهما) واختلف ورثته مع الآخر (فالمشكل) وهو ما يصلح للرجال ms1460 ~~والنساء (للحي) سواء كان الرجل أو المرأة، لأن اليد له دون الميت، وهذا عند ~~أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: للمرأة ما يجهز به مثلها والباقي للزوج مع ~~يمينه، ولورثته بعد الموت، لأن الظاهر أن المرأة تأتي بالجهاز وهو أقوى من ~~ظاهر الزوج، والباقي لا معارض لظاهره. والطلاق والموت سواء، لقيام الورثة ~~مقام مورثهم. وقال محمد: للرجل أو لورثته. # --- PageV05P461 ~~*** # وقسم زفر بين الرجل والمرأة فيما يصلح لهما، وحكم في الباقي مثل أبي ~~حنيفة. وعنه: المتاع كله بينهما نصفان، وهو قول مالك والشافعي، لاستوائهما ~~في الدعوى واليد. وقال ابن أبي ليلى: الكل للرجل، ولها ثياب بدنها. وقال ~~الحسن البصري: الكل لها إلا ثياب بدنه، ولعل وجه نظرهما أن يكون المحل ~~للرجل والمرأة. # (وإن كان أحدهما عبدا) مكاتبا أو مأذونا له في التجارة (فالكل للحر في ~~الحياة) أي حياتهما، لأن يد الحر أقوى، فإنها يد ملك بخلاف يد العبد ~~(وللحي) منهما (بعد الموت) أي موت أحدهما، لأنه لا يد للميت، فخلت يد الحي ~~عن المعارض (وسقط دعوى الملك المطلق) أي اندفعت خصومة مدعيه في العين ~~القائمة (إن برهن ذو اليد أن المدعى) بفتح العين (وديعة، أو عارية، أو ~~رهن، أو مؤجر، أو مغصوب من زيد) وبه قال مالك وأحمد والشافعي في الأظهر. ~~وقال ابن شبرمة: لا يسقط، وبه قال الشافعي أيضا، لأنه تعذر إثبات الملك ~~للغائب لعدم الخصم عنه وسقوط الدعوى، وهو رفع الخصومة بناء عليه. # --- PageV05P462 ~~*** # ولنا: أنه يثبت ببينته أن العين وصلت إليه من يد الغائب، وأن يده ليست يد ~~خصومة، فصار كما لو أقر المدعي بذلك، أو أثبت ذو اليد إقراره به. قيدنا ~~بكون العين قائمة في يد المدعى عليه لأنها لو كانت هالكة، لا تندفع الخصومة ~~بهذه الدعاوى. وقيد بالوديعة وأخواتها لأنه لو برهن على أنه مبيع له من ~~الغائب لم تندفع الخصومة، لأنه لما زعم أن يده يد ملك اعترف بكونه خصما، ~~وتسمى هذه المسألة مخمسة كتاب الدعوى، لأن فيها خمس صور من دعوى الوديعة ~~والعارية وغيرهما. وقيد بدعوى ms1461 الملك المطلق، لأنه لو قال: غصبه مني، وقال ~~ذو اليد: أودعنيه فلان، وبرهن على ذلك، لا تندفع الخصومة، لأن ذا اليد هنا ~~خصم باعتبار دعوى الفعل عليه، وفيه لا يمكنه الخروج عن الدعوى بالإحالة على غيره. # (وحجة الخارج) اليد (في الملك المطلق أحق) وأولى (من حجة ذي اليد) وبه ~~قال أحمد. وقال مالك والشافعي: حجة ذي اليد أحق لاعتضادها باليد. # ولنا: أن البينة شرعت للإثبات، وبينة الخارج أكثر إثباتا، لأنه لا ملك له ~~على المدعى بوجه، وذو اليد له ملك عليه باليد، فكانت بينته أقل إثباتا من ~~بينة الخارج. قيد بالمطلق لاستوائهما في المقيد بالسبب، وهذا إن وقتا أو لم ~~يوقتا باتفاق (وإن وقت أحدهما فقط) فعند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: ~~وهو رواية عن أبي حنيفة: حجة ذي اليد الموقت أولى من حجة الخارج الذي لم ~~يوقت، لأن من وقت أولى ممن لم يوقت، كما في دعوى الشراء إذا أرخت إحدى ~~البينتين ولم تؤرخ الأخرى. # --- PageV05P463 ~~*** # (ولو برهن خارجان) على عين في يد غيرهما: كل منهما يزعم أنها له، ولم ~~يذكرا سبب الملك ولا تأريخه (قضي لهما) بذلك المدعى (نصفين) لعدم أولوية ~~أحدهما على الآخر. وقال مالك في رواية، والشافعي في القديم، وأحمد في ~~رواية: تساقطت البينتان، لأنها تعارضتا ولا مرجح لأحدهما، فصارتا كالدليلين ~~إذا تعارضا من غير ترجيح. وعن الشافعي: يقرع بينهما، لما روى الطبراني في ~~«معجمه الأوسط» من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رجلين اختصما إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء كل واحد منهما بشهود عدول في عدة واحدة، ~~فساهم بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهم اقض بينهما». ~~ورواه عبد الرزاق في «مصنفه» مرسلا. # ولنا ما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن أبي الأحوص، عن سماك، عن تميم ~~ابن طرفة: أن رجلين ادعيا بعيرا فأقام كل واحد منهما البينة أنه له، فقضى ~~النبي صلى الله عليه وسلم به بينهما. وما أخرجه أبو داود في «سننه»، وأحمد ~~في «مسنده»، ms1462 والحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقال ~~المنذري: رجال إسناده كلهم ثقات عن همام، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، ~~عن أبيه، عن جده أبي موسى الأشعري: أن رجلين ادعيا بعيرا على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فبعث كل واحد منهما بشاهدين، فقسم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بينهما نصفين. وحديث القرعة كان في الابتداء ثم نسخ. بين ذلك الطحاوي. # --- PageV05P464 ~~*** # (ولو برهن خارجان في نكاح) بأن ادعى كل واحد نكاح امرأة وأقام عليه بينة ~~(سقطا) ولم يقض بواحدة من البينتين لتعذر العمل بهما، لأن المحل لا يقبل ~~الاشتراك (وهي) أي المرأة (لمن صدقته) لأن النكاح مما يحكم فيه بتصادق ~~الزوجين. قيد بالخارجين لأن اليد على المرأة بالدخول بها أو بنقلها دليل ~~على سبق العقد عليها، وهذا إذا لم تؤرخ البينتان (فإن أرخا، فالسابق) ~~تاريخا (أحق) بالمرأة، لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة (وإن أقرت) ~~المرأة بالزوجية (لمن لا حجة له فهي له) لتصادقهما على النكاح، وهو يثبت ~~بتصادق الزوجين عليه. # (فإن برهن الآخر) أي الذي لم تقر له (قضي له) لأن البينة أقوى من الإقرار ~~(وإن برهن أحدهما) على امرأة أنها زوجته (وقضى له، ثم برهن الآخر لم يقض ~~له) لأن القضاء الأول قد صح فلا ينقض بما هو مثله فضلا عما هو دونه، لاتصال ~~البرهان الأول بالقضاء دون الثاني. # (إلا إذا ثبت سبقه) أي سبق الآخر، بأن وقت الشهود سابقا، لأنه ظهر الخطأ ~~في الأول بيقين (كما لم يقض بحجة الخارج) اليد، (على ذي يد ظهر نكاحه) ~~بنقلها إلى بيته، أو بالدخول بها، لأن ذلك فيه دلالة على سبق عقده عليها ~~(إلا إذا أثبت سبقه) أي سبق الخارج، لأن التصريح فوق الدلالة، فلا يعتبر معه. # (وإن برهنا على شراء شيء من ذي يد، فلكل نصفه بنصف) أي بنصف الثمن (أو ~~تركه) أي ترك النصف وأخذ كل الثمن، لاستوائهما في السبب وتعذر القضاء بكله ~~لكل واحد منهما، وبه قال مالك في رواية والشافعي في قول، وقال في ms1463 قول آخر: ~~يقرع، وبه قال أحمد في رواية، وعن الشافعي أيضا تسقط البينتان ويرجع إلى ~~البائع، فإن صدق أحدهما سلم ذلك الشيء له. # --- PageV05P465 ~~*** # (ولو ترك أحدهما) البيع واختار الفسخ (بعدما قضي له) بأخذ نصفه أو تركه ~~(لم يأخذ الآخر كله) لأن القاضي لما قضى بالمبيع بينهما تضمن قضاؤه فسخ ~~العقد في حق كل واحد منهما في النصف، فلا يعود إليه إلا بتجديد العقد. قيد ~~ببعد القضاء لأنه لو ترك قبل القضاء (كان للآخر أن) يأخذ الجميع، لأن ~~ببينته أثبتت أنه اشترى الكل، وإنما لم يرجع إلى النصف لضرورة القضاء ولم يوجد. # (والشراء أحق من هبة) مع قبض (و) من (صدقة) مع قبض (و) من (رهن مع قبض) ~~يعني: إذا ادعى واحد شراء من شخص وآخر هبة وقبضا، أو صدقة وقبضا، أو رهنا ~~وقبضا من ذلك الشخص وأقام كل منهما بينة ولا تاريخ معهما، فالشراء أولى ~~لكونه معاوضة من الجانبين، يثبت به الملك في المعوض والعوض. والبينات ترجح ~~بكثرة الإثبات. # (والشراء والمهر سواء) يعني: إذا ادعى واحد شراء شيء من آخر، وادعت امرأة ~~أنه تزوجها عليه، فليس أحدهما أحق به من الآخر، ويقضى به بينهما، وهذا عند ~~أبي يوسف. وقال محمد: الشراء أولى، وعلى الزوج قيمة ذلك الشيء (وكذا الغصب ~~والوديعة) سواء. حتى لو كان عين في يد رجل، فأقام رجلان عليه البينة، ~~أحدهما بالغصب والآخر بالوديعة، يقضى بها بينهما نصفين، لأن الوديعة تصير ~~غصبا بالجحود. # (ولا يرجح بكثرة الشهود) فلو أقام أحد المدعيين أربعة والآخر اثنين فهما ~~سواء، لأن كل واحد من البينتين لا يوجب إلا الظن، وبه قال أحمد والشافعي في ~~الجديد، ومالك في المشهور. وقال الأوزاعي: يرجح، وهو قول الشافعي في القديم ~~ومالك في رواية، لأن القلب إليهم أميل، وعن مالك أيضا يرجح بزيادة العدالة. # --- PageV05P466 ~~*** # (ولو ادعى أحد خارجين نصف دار والآخر كلها، فالربع للأول) عند أبي حنيفة ~~(وقالا: الثلث) للأول (والباقي للثاني) على القولين. لهما أن مدعي الكل ~~يدعي النصفين والآخر يدعي النصف الواحد، وليس لشيء واحد ms1464 ثلاثة أنصاف، فيقسم ~~بينهما أثلاثا على قدر حقهما، وهذا طريق العول. ولأبي حنيفة أن مدعي الكل ~~لا ينازعه أحد في النصف، فيسلم له نصف من غير منازعة، ثم استوت منازعتهما ~~في النصف الآخر، فيكون بينهما، وهذا طريق المنازعة. # (وإن كانت) الدار (معهما) أي في أيديهما، (فهي) كلها (للثاني) وهو مدعي ~~الكل (نصف بالقضاء ونصف لا به) وهو رواية عن أحمد. وقال مالك والشافعي ~~وأحمد في رواية: تبقى الدار في يدهما، كما كانت لترجح بينة صاحب اليد باليد. # (ولو برهن خارجان على نتاج دابة) تنازعاها، بأن أقام كل منهما بينة على ~~أنها نتجت عنده (وأرخا، قضي لمن وافق تأريخه سنها) لأن الحال شهدت له. ولا ~~فرق بين أن تكون الدابة في يدهما، أو في يد أحدهما، أو في يد ثالث، لأن ~~الحال لا تختلف في ذلك. قيد بالتاريخ لأن النزاع لو كان في النتاج من غير ~~تاريخ لكانت الدابة لذي اليد، إن كانت في يد أحدهما. ولهما: إن كانت في ~~يدهما أو في يد ثالث (وإن أشكل) موافقة سن الدابة للتاريخين، بأن لم يتبين ~~موافقته ولا مخالفته (فلهما) أي فالدابة لهما، لأن أحدهما ليس بأولى بها من ~~الآخر. وهذا إذا كانت في يد أحدهما أو كانا خارجين بأن كانت في يد ثالث. # --- PageV05P467 ~~*** # وإن كانت في يد أحدهما قضي بها له، لأنه لما أشكل الأمر سقط التاريخان، ~~فصار كأنهما لم يؤرخا. ولو خالف سن الدابة التاريخين بطلت البينتان، لأنه ~~ظهر كذب الفريقين، فتترك في يد من كانت في يده. هكذا ذكر الحاكم وبعض ~~المشايخ، والأصح أنهما لا تبطلان، بل يقضى بها بينهما إن كانا خارجين، أو ~~كانت في أيدهما. وإن كانت في يد أحدهما قضي بها لذي اليد. هكذا ذكر محمد ~~وهو استحسان، ويؤيده رواية جابر بن عبد الله أن رجلين تداعيا دابة، فأقام ~~كل واحد البينة أنها دابته نتجتها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي ~~هي في يده. # (وذو اليد) هو (المستعمل، كمن لبن) بتشديد الموحدة، أي ضرب اللبن، ms1465 حتى لو ~~ادعى رجل أن أرضا في يده، وادعى الآخر فيها ذلك، ولم يبرهن واحد منهما، ~~ولكن عمل فيها أحدهما: بأن بنى، أو ضرب لبنا، أو حفر بئرا، قضي له، لأن ~~التمكن من الاستعمال دليل اليد في ظاهر الأحوال. قيدنا بأنه لم يبرهن واحد ~~منهما، لأنهما لو برهنا قضي بها لهما، ولو برهن أحدهما قضي له، لأن اليد حق ~~مقصود فلا يثبت عند القاضي بمجرد الدعوى، بل لا بد من البينة أو الاستعمال، ~~لأن التمكن منه دليل اليد. # (واللابس) بالرفع عطف على المستعمل (لا آخذ الكم، والراكب لا آخذ اللجام، ~~ومن في السرج لا رديفه، وذو الحمل لا من علق) عليه (كوزه) فلو تنازعا في ~~قميص، وأحدهما لابسه والآخر متعلق بكمه، أو في دابة وأحدهما راكبها والآخر ~~متعلق بلجامها، أو أحدهما راكب في سرجها والآخر رديف له، أو في بعير ~~وأحدهما له حمل عليه والآخر علق عليه كوزه: كان القميص للابس، والدابة ~~للراكب. # --- PageV05P468 ~~*** # (ومن اتصل الحائط ببنائه) عطف على المستعمل (اتصال تربيع) لا اتصال ~~ملازقة، بأن يتداخل لبن البناء المتنازع فيه في لبن جداره، ولبن جداره في ~~لبن البناء المتنازع فيه (أو وضع) عطف على ما اتصل (عليه) أي على الحائط ~~(الجذع) لأن اتصال التربيع لا يكون إلا عند البناء، فدل على أن بانيها ~~واحد، وصاحب الجذع صاحب استعمال (والآخر صاحب تعلق) فصارا كمتنازعين في ~~دابة لأحدهما عليها حمل وللآخر كوز معلق. وقال الشافعي وأحمد: لا ترجيح ~~بوضع الجذع، لأن الوضع يحتمل أن يكون عن ملك وأن يكون عن استعارة أو غصب ~~ولا ترجيح بالمحتمل. # ولنا أن واضع الجذع مستعمل للحائط بالوضع، والاستعمال يد، وعند التعارض ~~القول لصاحب اليد. # (ولا اعتبار لوضع خشبات عليه) أي على الحائط، حتى لو تنازعا في حائط ليس ~~لأحدهما عليه شيء وللآخر عليه خشبات كان بينهما، لأن تلك الخشبات ~~للاستظلال، فصار كما لو كان لأحدهما على الحائط ثوب مبسوط، ولا شيء عليه للآخر. # (وجالس البساط) وقع مثل هذه العبارة في «الوقاية» وكأن النساخ حذفوا منها ms1466 ~~حرف «على»، أي وجالس على البساط (والمتعلق به) أي بالبساط (سواء) أي ~~مستويان في اليد فهو بينهما نصفان (وكذا من معه ثوب وطرفه مع آخر) سواء في ~~اليد، حتى لو تنازعا يكون بينهما نصفين، لأن يد كل واحد منهما ثابتة في ~~الثوب، إلا أن يد أحدهما ثابتة في الأكثر وذلك لا يوجب الترجيح، لأنه ~~بالقوة لا بالكثرة، فصار كما لو تنازعا في دابة ولهما عليها حمل على ~~التفاوت: لأحدهما من وللآخر مئة من، فإن الدابة بينهما نصفين. # --- PageV05P469 ~~*** # (وذو بيت من دار كذي بيوت) منها (في حق ساحتها) وهي عرصة في الدار وبين ~~يديها، فلو تنازعا في الساحة كانت نصفين، نصف لذي البيوت ونصف لذي البيت ~~لاستوائهما في استعمال تلك الساحة بالمرور فيها، ووضع الأمتعة، وصب الوضوء، ~~وكسر الحطب، فصار نظير الطريق، يستوى فيه صاحب الدار والمنزل والبيت، بخلاف ~~ما لو تنازعا في الشرب، حيث يقسم بينهما على قدر أراضيهما، لأنه يحتاج إليه ~~لأجل سقي الأرض فيقدر بقدرها. # فصل (في دعوى النسب) # أي في دعوى النسب، كما في نسخة (مبيعة ولدت لأقل من نصف حول منذ بيعت، ~~فادعى البائع الولد، ثبت نسبه منه) استحسانا. وإن ادعاه المشتري معه (و) ~~ثبت (أميتها) أي كون المبيعة أم ولد له (ويفسخ البيع). والقياس، وهو قول ~~زفر والشافعي: أن لا يثبت نسبه ولا تصح دعوته، إلا أن يصدقه المشتري، لأن ~~البائع اعترف بالبيع بأن الولد عبد، فكان في دعواه مناقضا وساعيا في نقض ما ~~تم من جهته وهو البيع، وصار كما لو ادعى التدبير أو الإعتاق قبل البيع ~~وكذبه المشتري. # ووجه الاستحسان أن مبنى النسب على الخفاء، فيعفى فيه التناقض، فتقبل ~~دعوته إذا تيقن العلوق في ملكه، وذلك بالولادة لأقل من ستة أشهر، لأنه ~~بمنزلة إقامة البينة، بخلاف دعوى الإعتاق والتدبير بعد البيع، فإنه فعل ~~نفسه، فلا يخفى عليه، فلا يعفى فيه التناقض. # --- PageV05P470 ~~*** # وإذا صحت دعوى البائع استندت إلى وقت العلوق، وتبين أنه باع أم ولده وهو ~~باطل فيرد الثمن لأنه قبضه بغير حق. (ولو ms1467 ادعاه) أي ادعى البائع الولد (بعد ~~عتقها) أي عتق المشتري أمته (ثبت نسبه) لأن الولد هو الأصل في النسب والأم ~~تبع له، ألا ترى أنها تضاف إليه فيقال: أم ولد، وتستفيد الحرية من جهته. ~~والمانع من ثبوت النسب وهو هنا العتق لم يقم به بل بأمه، فلذا لم يمتنع ~~النسب فيه وامتنع في أمه، فصار كولد المغرور فإنه حر وأمه أمة لمولاها. وفي ~~«النهاية»: إن ولد المغرور هو ولد الذي تزوج امرأة على أنها حرة فبانت ~~مملوكة. # (ويرد حصته من الثمن) بأن يقسم الثمن على قيمة الولد وقيمة أمه، فما أصاب ~~الولد يرده البائع إلى المشتري، وما أصاب الأم لا يرده، ولا تصير الجارية ~~أم ولد للبائع، لأنه ثبت فيها ما لا يحتمل الإبطال وهو العتق والولاء، وكذا ~~الحكم فيما إذا دبرها لما ظهر فيها من آثار الحرية، وهو امتناع التمليك. # (ولا تعتبر دعوة المشتري) بكسر الدال (ولا) دعوة (البائع بعد موت الولد ~~أو عتقه) لأنه بالموت قد استغنى عن النسب، فتعذر إثباته فيه، وبالإعتاق ثبت ~~الولاء فيه، وهو كالنسب لا يمكن إبطاله كما لا يمكن إبطال النسب. # --- PageV05P471 ~~*** # (وكذا) لا تعتبر دعوة البائع (لو ولدت لأكثر من نصف الحول، أو أقل من ~~سنتين) من وقت البيع فلا يثبت النسب، لاحتمال أن يكون العلوق بعد البيع ~~(إلا إذا صدقه المشتري) فيثبت النسب من البائع للتصادق ويبطل البيع، ويكون ~~الولد حرا والأم أم ولد. (ولسنتين أو أكثر) يثبت النسب (وهي أم ولده نكاحا ~~إن صدقه المشتري) حملا لحاله على الصلاح ولقول المشتري على الصدق. ولا يبطل ~~البيع لأنا تيقنا أن العلوق لم يكن في ملك البائع، وإذا لم يكن العلوق في ~~ملك البائع كانت دعوته دعوة تحرير وهو غير مالك، وغير المالك ليس بأهل ~~للتحرير، فلا تصح دعوة التحرير منه، فلم يعتق الولد ولم تصر أمه أم ولد. ~~قيد بتصديق المشتري، لأنه لو لم يصدقه لم تصح الدعوة للبائع، لأنه لم يوجد ~~اتصال العلوق بملكه يقينا. # ولو أخبرت امرأة بموت زوجها فاعتدت ms1468 وتزوجت وجاءت بولد، ثم جاء الزوج ~~الأول، فالولد للأول في رواية عن أبي حنيفة، سواء جاءت به لأقل من ستة أشهر ~~منذ تزوجها الثاني، أو لأكثر من ذلك إلى سنتين، أو أكثر، لأنه صاحب الفراش ~~الصحيح، فإن خبر موته لا يفسد فراشه. والزوج الثاني صاحب فراش فاسد، ولا ~~معارضة بين الصحيح والفاسد، بل الفاسد مدفوع بالصحيح، والمرأة مردودة إلى ~~الزوج الأول، والولد ثابت النسب منه. وعن عبد الكريم الجرجاني عن أبي ~~حنيفة: أن الولد للثاني وهو قول ابن أبي ليلى، لأن الفراش الفاسد يثبت ~~النسب كالفراش الصحيح، ثم الثاني أقرب إليها يدا والولد مخلوق من مائه ~~حقيقة، فيترجح جانبه بالقرب واعتبار الحقيقة. # --- PageV05P472 ~~*** # وفيه حديث الشعبي ذكره محمد في «الكتاب»: وهو أن رجلا من جعفى زوج ابنته ~~من عبيد الله بن الحر ثم مات، ولحق عبيد الله بمعاوية، فزوج الجارية ~~أخوتها، فجاء ابن الحر فخاصم زوجها إلى علي، فقال علي: أما إنك المحال ~~علينا عدونا، فقال: أيمنعني ذلك من عدلك؟ قال: لا، كذبا، فقضى بالمرأة له، ~~وقضى بالولد للزوج الآخر. إلا أن أبا حنيفة قال: الحديث غير مشهور، فلا ~~يترك به القياس الظاهر، ولو ثبت وجب القول به. # وقال أبو يوسف: الولد للأول إن جاءت به لأقل من نصف سنة من حين العقد ~~الثاني، وإن جاءت به لستة أشهر فصاعدا منذ تزوجها الثاني فهو من الثاني، ~~سواء ادعياه أو نفياه، لأن النكاح الفاسد يلحق بالصحيح في حكم النسب، ~~فباعتراض الثاني على الأول ينقطع الأول في حكم النسب ويكون للثاني. # والتقدير بأدنى مدة الحمل اعتبارا للفاسد بالصحيح، وإنما قلنا إن الأول ~~ينقطع بالثاني، لأنها بدخول الثاني بها تحرم على الأول وتلزمها العدة من ~~الثاني. ووجوب العدة ليس إلا لصيانة الماء في الرحم، فلو لم يكن النسب بحيث ~~يثبت من الثاني لم يكن لوجوب العدة عليها من الثاني معنى. # وقال محمد: هو للأول إن جاءت به لأقل من سنتين منذ دخل بها الثاني، ~~وللثاني إن جاءت به لأكثر من سنتين منذ دخل بها، ms1469 لأن وجوب العدة عليها من ~~الثاني بالدخول لا بالنكاح، والحرمة إنما ثبتت على الأول بوجوب العدة من ~~الثاني، فكانت حرمتها عليه بهذا السبب كحرمتها عليه بالطلاق. # --- PageV05P473 ~~*** # والتقدير بأدنى مدة الحمل عند قيام الحمل، ولا حد بينهما، فالعبرة ~~للإمكان، فإذا جاءت به لأقل من سنتين منذ دخل بها الثاني، يتوهم أن يكون ~~هذا من علوق كان قبل دخول الثاني بها في حال حلها للأول، فكان النسب من ~~الأول، وإذا جاءت لأكثر من سنتين منذ دخل بها الثاني علم أن العلوق لم يكن ~~قبل دخوله، فكان النسب من الثاني، وكذا الخلاف لو ادعت الطلاق واعتدت ~~فتزوجت، والزوج الأول جاحد لذلك إذ كلاهما في المعنى سواء، والله تعالى ~~أعلم بالصواب. # كتاب الصلح # (هو) لغة اسم للمصالحة، بمعنى المسالمة، وأصله من الصلاح: وهو استقامة ~~الحال، ضد الفساد. # وشرعا: (عقد يرفع النزاع) أي المنازعة بين الخصمين. # (وصح) الصلح (بإقرار) أي مع إقرار، (و) مع (سكوت) بأن لا يقر ولا ينكر، ~~(و) مع (إنكار) وبه قال مالك وأحمد. وقال الشافعي: لا يصح إلا مع الإقرار، ~~لأن المدعى عليه يدفع المال لدفع الخصومة، وذلك مع غير الإقرار رشوة، ولما ~~روى أبو داود في «سننه»، وابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل ~~حراما، أو حرم حلالا». ورواه الترمذي من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن ~~عوف المزني، عن أبيه، عن جده. # ووجه الدلالة أن الصلح مع إنكار أو سكوت أحل حراما أو حرم حلالا، لأن ~~المدعي إن كان محقا كان أخذه المدعى به حلالا له قبل الصلح وحراما عليه ~~بعده، وإن كان مبطلا كان أخذ المال على الدعوى الباطلة حراما عليه قبل ~~الصلح حلالا بعده. # --- PageV05P474 ~~*** # ولنا إطلاق قوله تعالى: {والصلح خير}، وإطلاق أول الحديث السابق. وأما ~~آخره فمعناه أحل حراما لعينه، كالصلح على خمر، أو حرم حلالا لعينه: كصلح ~~المرأة زوجها على أن لا يطأ ضرتها. وهذا أولى في معناه، ms1470 لأن الصلح مع ~~الإقرار في العادة يقع على بعض الحق ، فما زاد على المأخوذ إلى تمام الحق ~~كان حلالا للمدعي أخذه قبل الصلح وقد حرم بالصلح وكان حراما على المدعى ~~عليه قبل الصلح وقد حل بالصلح. ولأن الصلح عن إنكار أو سكوت صلح بعد دعوى ~~صحيحة فيقضى بجوازه، لأن المدعي يأخذه عوضا عن حقه في زعمه وهو مشروع، ~~والمدعى عليه يدفعه لدفع الخصومة عن نفسه وهو أيضا مشروع. لأن المال خلق ~~لصيانة الأنفس عن المهالك والمفاسد، ودفع الضرر أمر جائز. # نقل أبو الليث عن أبي يوسف جواز المصالحة، وفي نسخة: المصانعة، وهي ~~الرشوة للأوصياء في أموال اليتامى، وبه يفتى، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ~~{أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها} حيث أجاز ~~التعييب مخافة أخذ المتغلب، كذا في «أحكام الصغار»، وفي «المحيط»: لو رشى ~~لدفع خوفه على نفسه، أو ماله، أو خوفا على نسائه، أو أعطى مالا لشاعر لا ~~بأس به، يعني صيانة لعرضه (فالأول) وهو الصلح مع الإقرار (كبيع إن وقع عن ~~مال بمال) لوجود معنى البيع فيه، وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي (ففيه) ~~إن كان عقارا (الشفعة، و) فيه (الخيارات) الثلاثة، وهي: خيار العيب، وخيار ~~الشرط، وخيار الرؤية، لأن هذه الأشياء من أحكام البيع. # --- PageV05P475 ~~*** # (ويفسده جهالة البدل) وهو ما وقع عليه الصلح، لأن البيع يفسد بالجهالة ~~المفضية إلى المنازعة. قيد بالبدل لأن جهالته هي المفضية إلى المنازعة في ~~الصلح، لأن المصالح عنه لا يحتاج في الصلح إلى تسليمه، فلا تضره الجهالة، ~~بخلاف المصالح عليه، ولهذا لو كان البدل غير مقدور التسليم يفسد الصلح، ولو ~~كان المصالح عنه كذلك لا يفسد، لأنه لا يحتاج إلى تسليمه، وكذا يفسد البدل ~~بجهالة الأجل إذا جعل مؤجلا (وما استحق من المدعى) أي المصالح عنه (رد ~~المدعي حصته من العوض) أي البدل إن كلا فكلا وإن بعضا فبعضا (وما استحق من ~~البدل رجع) المدعي على المدعى عليه (بحصته من المدعى) إن كلا فبالكل وإن ~~بعضا فبالبعض، لأن كل واحد منهما ms1471 عوض عن الآخر، وهذا حكم المعاوضة. # (وكإجارة) عطف على كبيع، أي والصلح عن إقرار كإجارة (إن وقع عن مال ~~بمنفعة) لوجود معنى الإجارة، وهو تمليك المنفعة بمال، والاعتبار في العقود ~~للمعاني. والأصل في الصلح أن يحمل على أشبه العقود له فتجري فيه أحكامه. ~~(فيشترط التوقيت فيه) أي في الصلح الواقع عن مال بمنفعة، وهذا إذا كانت ~~المنفعة تعلم بالتوقيت، كالخدمة وسكنى الدار. قيدنا به لأنه لو كانت لا ~~تعلم به، كما لو صالح عن مال على نقل هذا الشيء من ههنا إلى ثمة لا يشترط ~~التوقيت. (ويبطل) الصلح (بموت أحدهما في المدة) وبهلاك المنفعة قبل ~~الاستيفاء، حتى لو صالح عن دعوى دار على سكنى دار، أو خدمة عبد سنة ، أو ~~ركوب الدابة إلى بغداد، أو لبس هذا الثوب شهرا، ثم مات المدعي أو المدعى ~~عليه، أو هلك محل المنفعة، فإن كان قبل استيفاء شيء من المنفعة بطل الصلح ~~فيعود إلى الدعوى. وإن كان بعد استيفاء بعضها بطل بقدر ما بقي ورجعت دعواه بقدره. # --- PageV05P476 ~~*** # وهذا قول محمد وهو القياس، لأن هذا الصلح إجارة، وهي تبطل بواحد من هذه ~~الأشياء. وقال أبو يوسف: إن مات المدعى عليه لا يبطل الصلح ويستوفي المدعي ~~المنفعة، وإن مات المدعي فكذلك في خدمة العبد وسكنى الدار. ويقوم الوارث ~~مقامه ويبطل في ركوب الدابة ولبس الثوب، لأن الصلح لقطع المنازعة، وفي ~~إبطال الصلح بموت أحدهما إثارتها بينهما، والناس متفاوتون في الركوب ~~واللبس، فلا يقوم الوارث فيه مقام المورث للضرر الذي يلحق المالك. # (والآخران) وهما الصلح مع إنكار أو سكوت (معاوضة في حق المدعي) لأنه يأخذ ~~بدل الصلح على أنه عوض في زعمه (وفداء يمين وقطع نزاع في حق الآخر) وهذا في ~~الإنكار ظاهر، لأن بالإنكار تبين أن ما يعطيه لقطع الخصومة وفداء اليمين، ~~وكذا في السكوت، لأنه يحتمل الإقرار والإنكار، وعلى تقدير الإقرار يكون ~~عوضا، وعلى تقدير الإنكار لا يكون، فلا يثبت كونه عوضا بالشك. # ويجوز أن يختلف حكم العقد وغيره في شخصين، كما في الإقالة، فإنها ms1472 فسخ في ~~حق المتعاقدين بيع في حق ثالث، وكالخلع فإنه معاوضة من جانب المرأة يمين من ~~جانب الزوج، وكالنكاح فإنه حل في حق المتناكحين تحريم مؤبد في حق أصولهما، ~~وكالجهة الواحدة في تحري القوم عند اشتباه القبلة، فإنها قبلة في حق من وقع ~~تحريه عليها دون الآخر. # --- PageV05P477 ~~*** # (فلا شفعة في صلح عن دار) مع سكوت أو إنكار، لأنه يعتقد أنها داره، باقية ~~على ملكه، فإن ما يدفعه إلى المدعي ليس بعوض عنها وإنما هو لافتداء اليمين ~~وقطع الخصومة (بل) الشفعة (في الصلح على دار) لأن المدعي يأخذها عوضا عن ~~المال، فكانت معاوضة في حقه وإن كان المدعى عليه يكذبه، فصار كما لو قال: ~~اشتريت هذه الدار من فلان وفلان ينكر، حيث يأخذها الشفيع بالشفعة (وما ~~استحق) في الصلح مع سكوت وفي الصلح مع إنكار (من المدعى) وهو بفتح العين، ~~و«من» بيان لما (فكما مر) في الصلح مع إقرار، من أن المدعي يرد حصته من ~~العوض، لأن المدعى عليه لم يدفع العوض إلا لدفع الخصومة عن نفسه، فإذا ظهر ~~الاستحقاق في الجميع، تبين أن لا خصومة للمدعي، فبقي العوض في يده غير ~~مشتمل على غرضه، فيسترده، وإذا ظهر في بعضه تبين أن لا خصومة له في ذلك ~~البعض، فخلى العوض فيه عن الغرض الذي هو العوض. # (وما استحق من العوض رجع) المدعي (إلى الدعوى) في الكل إن استحق الكل، ~~وفي قدر المستحق إن استحق البعض، لأن المدعي ما ترك الدعوى إلا ليسلم له ~~البدل، فإذا لم يسلم له رجع بالمبدل وهو الدعوى. (ولو صالح على بعض دار ~~يدعيها) بأن صالحه على بيت معلوم منها (لم يصح) الصلح، وهو على دعواه في ~~الباقي، لأن بعض الشيء لا يصلح عوضا عن كله. وبه قال مالك وأحمد، وهو وجه ~~في مذهب الشافعي. # --- PageV05P478 ~~*** # (وحيلته) أي حيلة جواز هذا الصلح (أن يزيد) المدعى عليه (في البدل شيئا) ~~ثوبا أو درهما، حتى يكون ذلك الشيء عوضا عن الباقي في يده (أو يبرىء) من ~~الإبراء، بصيغة المفعول أي ms1473 يبرأ المدعى عليه، أو بصيغة الفاعل أي يبرىء ~~المدعي المدعى عليه (عن دعوى الباقي) بأن يقول له المدعي: أبرأتك أو برئت ~~من دعوى هذه الدار، لأن الإبراء عن دعوى العين جائز. # (وصح الصلح عن دعوى المال) بمال وبمنفعة أما بمنفعة فلأنه في معنى ~~الإجارة، وأما بمال فلأنه بمعنى البيع في حقهما إن وقع مع إقرار، وفي حق ~~المدعي إن وقع مع سكوت أو إنكار، وافتداء اليمين في حق الآخر. # (و) صح الصلح عن دعوى (المنفعة) بمال وبمنفعة، كإن ادعى في دار سكنى سنة ~~وصية من رب الدار، فجحده الوارث أو أقر به وصالحه عن شيء جاز، لأن أخذ ~~العوض عن المنفعة جائز بالإجارة، فكذا بالصلح، لكن لا يجوز بالمنفعة عن ~~المنفعة، إلا إذا كانا مختلفي الجنس، كما لو صالح عن السكنى على خدمة ~~العبد، أو زراعة الأرض، أو لبس الثياب. أما إن اتحد جنسهما كما لو صالح عن ~~السكنى على السكنى، أو عن الزراعة على الزراعة، فإنه لا يجوز لأن المنفعة ~~لا يجوز استئجارها بجنسها، ويجوز بخلاف جنسها من المنافع، فكذا الصلح. # (و) صح الصلح عن دعوى (الجناية في النفس وما دونها عمدا أو خطأ) سواء كان ~~مع إقرار أو سكوت أو إنكار. أما العمد في النفس فلقوله تعالى: {فمن عفي له ~~من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان}، فإن معناه عند ابن عباس ~~والحسن والضحاك: فمن أعطي له وهو ولي القتيل من دم أخيه أي من جهة المقتول ~~شيء من المال بطريق الصلح. ونكره لأنه مجهول القدر، فإنه يقدر بما تراضيا ~~عليه. {فاتباع بالمعروف} # --- PageV05P479 ~~*** # أي فلولي القتيل اتباع المصالح ببدل الصلح على حسن معاملة. {وأداء} # ، أي وعلى المصالح أداء إلى ولي القتيل بإحسان. # وأما الخطأ في النفس فلأن موجبه المال، فيصير بمنزلة البيع، إلا أنه لا ~~يصح الزيادة على قدر الدية إذا وقع الصلح على أحد مقادير الدية، كما لا ~~يجوز الصلح على أكثر من الدين من جنسه في دعوى الدين للربا، بخلاف الصلح عن ~~القود حيث تصح ms1474 الزيادة فيه، لأن القود ليس بمال. وأما ما دون النفس فمعتبر ~~بالنفس، فيلحق ما يوجب القصاص فيه بالعمد في النفس وما يوجب المال فيه ~~بالخطأ فيها. # (و) صح الصلح عن دعوى (الرق) بأن ادعى رجل على آخر أنه عبده (و) عن (دعوى ~~الزوج) على امرأة (النكاح) والمرأة تنكره (وكان) الصلح عن الرق (عتقا بمال) ~~في حق المدعي (و) عن النكاح (خلعا) في حق الزوج، لأنه أمكن تصحيح الصلح ~~فيهما بهذا الاعتبار، والصلح يجب حمله على أقرب العقود إليه وأشبهها به ~~احتيالا لتصحيح تصرف العاقل ما أمكن. # --- PageV05P480 ~~*** # (ولم يجز) الصلح (عن دعواها) أي المرأة (النكاح) لأن بذل الزوج المال على ~~ترك الدعوى إن كان فرقة فالزوج لا يعطي العوض في الفرقة، وإن لم يكن فرقة ~~فالحال على ما كان قبل الدعوى، وهي باقية على دعواها، فلا يكون ما أخذته ~~عوضا عن شيء فلا يجوز. وفي بعض نسخ القدوري: إن الصلح جائز، ووجهه أن يجعل ~~بذل الزوج المال لها زيادة في مهرها، فيصير كأنه زادها (في مهرها)، ثم ~~خالعها على أصل المهر دون الزيادة، فيسقط المهر غير الزيادة (ولا عن دعوى ~~حد) كأن أخذ رجل زانيا، أو سارقا، أو شارب خمر لرفعه إلى الحاكم، فصالحه ~~المأخوذ على مال أن لا يرفعه إلى الحاكم، فالصلح باطل، ويرد ما أخذه منه، ~~لأن ذلك حق الله تعالى لا حق الآخذ، والاعتياض عن حق الغير لا يجوز. # (وبدل صلح) مبتدأ مضاف (هو كبيع) صفة صلح، بأن كان عن مال (على الوكيل) ~~خبر المبتدأ، وإنما كان هذا البدل على الوكيل لأن الحقوق في البيع ترجع إلى ~~الوكيل، ومن جملتها دفع البدل (وما ليس) أي وبدل صلح ليس (كبيع، كالصلح عن ~~دم عمد، أو على بعض دين يدعيه على الموكل) لأن هذا الصلح إسقاط محض، فكان ~~الوكيل فيه سفيرا ومعبرا، فلا يكون البدل عليه كالوكيل بالنكاح، إلا أن ~~يضمنه، فإنه حينئذ يؤاخذ به لضمانه لا لعقد الصلح. # (وإن صالح فضولي) بأن صالح رجل عن آخر بغير أمره (وضمن ms1475 البدل أو أضاف إلى ~~ماله) بأن قال: صالحتك على عبدي فلان. (أو أشار إلى نقد) بأن قال: على هذا ~~الألف (أو عرض) بأن قال: على هذا الثوب (أو أطلق ونقد) بأن قال: على ألف ~~وسلمها إليه (صح) الصلح في جميع هذه الصور، لأن الحاصل للمدعى عليه ~~البراءة، والساقط يتلاشى ويضمحل، فاستوى الفضولي والمدعى عليه. # --- PageV05P481 ~~*** # (وإن) أطلق و(لم ينقد) بأن قال: صالحتك على ألف فهو موقوف (إن أجازه ~~المدعى عليه جاز) لأن نفع الصلح وهو رفع الخصومة حاصل له (ولزم البدل) ~~المدعى عليه لالتزامه إياه باختياره. # (وإلا) أي وإن لم يجزه المدعى عليه (رد) لأن المصالح هنا وهو الفضولي ~~لا ولاية له على المطلوب، فلا ينفذ تصرفه عليه (وصلحه على جنس ما له) وهو ~~بفتح اللام (عليه أخذ لبعض حقه وحط لباقيه) لأن تصرف العاقل يتحرى لتصحيحه ~~ما أمكن، وقد أمكن ذلك فيحمل عليه (لا معاوضة) لإفضائه إلى الربا. # (فصح) الصلح (عن ألف حال على مئة حالة) فكان إبراء له من تسع مئة (أو على ~~ألف مؤجل) وصار كأنه أجل نفس الحق ، إذ لا يمكن جعله معاوضة، لأن بيع ~~الدراهم بمثلها نسيئة لا يجوز. (أو عن ألف جياد) عطف على ألف حال (على مئة ~~زيوف) وصار كأنه أسقط بعض حقه وصفته. # (ولم يصح) الصلح (عن دراهم على دنانير مؤجلة) إذ لا وجه لصحة ذلك سوى ~~المعاوضة، وبيع الدراهم بالدنانير نساء لا يجوز، ولا يمكن حمله على التأخير ~~لأن الدنانير غير مستحقة بعقد المداينة (أو عن ألف مؤجل على نصفه حالا) لأن ~~الحال خير من المؤجل، (والمستحق هنا بعقد المداينة هو المؤجل)، فيكون تعجيل ~~الخمس مئة التي كانت مؤجلة بمقابلة الخمس مئة المحطوطة، وذلك اعتياض عن ~~الأجل، وهو حرام، ألا ترى أن ربا النساء حرام لشبهة مبادلة المال بالأجل، ~~فلأن يحرم حقيقته أولى، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأكثر العلماء. # --- PageV05P482 ~~*** # (أو عن ألف سود على نصفه بيضا) لأن البيض غير مستحقة هنا بعقد المداينة ~~وهي زائدة وصفا، فيكون هذا الصلح معاوضة ألف ms1476 بخمس مئة وزيادة وصف وهو ربا، ~~بخلاف ما لو صالح على قدر الدين وهو أجود، لأنه معاوضة المثل بالمثل ولا ~~معتبر بالجودة لأنها ساقطة الاعتبار في الأموال الربوية، إلا أنه يشترط ~~القبض في المجلس لأنه صرف. # (ومن أمر) بصيغة المجهول (بأداء نصف دين عليه غدا، على أنه بريء مما زاد) ~~على النصف. (إن قبل برىء) مما زاد على النصف إن وفى بأن أدى نصف الدين في ~~الغد برىء (وإن لم يف عاد دينه) كما كان ولم يبرأ مما زاد على النصف، وهذا ~~عند أبي حنيفة ومحمد لأنه إبراء مقيد بالشرط. وقال أبو يوسف: برىء مما زاد ~~(على النصف) لأنه إبراء مطلق. # (ولو علق صريحا، كإن أديت) أو إذا أديت أو متى أديت نصف الدين (إلي كذا، ~~فأنت بريء من الباقي لا يصح)، لأنه تعليق بالشرط صريحا، وتعليق البراءة ~~بالشرط باطل لما فيها من معنى التمليك. والفرق بين التقييد والتعليق إما من ~~حيث اللفظ: فإن التقييد لا يستعمل فيه لفظ الشرط صريحا وفي التعليق يستعمل، ~~وإما من حيث المعنى: فإن تقييد الإبراء بالشرط يحصل به الإبراء في الحال، ~~بشرط وجود ما قيد به، وفي التعليق لا يحصل في الحال لأن المعلق بالشرط يعد ~~معدوما قبله، فكان التعليق بمنزلة الإضافة إلى وقت الشرط. # --- PageV05P483 ~~*** # (ولو صالح أحد ربي دين عن نصفه) أي نصف الدين (على ثوب اتبع شريكه غريمه ~~بنصفه) أي نصف الدين لأن نصيبه باق في ذمة الغريم، فإن القابض قبض نصيب ~~نفسه (أو أخذ نصف الثوب من شريكه) لأن له حق المشاركة، إلا أن يضمن له ~~شريكه ربع الدين، لأن حقه في ذلك. قيد المصالح عنه بكونه دينا، لأنه لو كان ~~عينا مشتركة لاختص المصالح ببدل الصلح، وليس لشريكه أن يشاركه فيه لكونه ~~معاوضة من كل وجه، لأن المصالح عنه مال حقيقة ، بخلاف الدين. وقيد المصالح ~~عليه بكونه ثوبا، لأنه لو صالحه على جنسه لشاركه فيه أو رجع على المدين. # وقال البرجندي: وإنما قال: على ثوب لأنه لو وقعت المقاصة بدينه ms1477 السابق لا ~~يرجع الشريك الآخر عليه. وقال أبو المكارم: أما ذكر الثوب فاتفاقي، إذ لو ~~صالح عن نصيبه على جنس الدين كان للساكت اتباع غريمه بنصفه الباقي، أو ~~اتباع شريكه بنصف المصالح عليه. ولو قال سرا: لا أقر بما لك عليه حتى تؤخره ~~عني أو تحط، ففعل، صح، لا عن إكراه، لأنه بهذا لا يصير مكرها، لأنه يمكنه ~~دفع هذا بإقامة البينة أو الاستحلاف لينكل. ألا ترى أن الصلح عن الإنكار ~~يجوز ولا يتحقق فيه معنى الإكراه لما قدمناه، والله تعالى أعلم. # كتاب الحدود # (الحد) لغة: المنع. ويسمى التعريف الجامع المانع حدا لأنه يجمع معاني ~~الشيء ويمنع دخول غيره فيه. وشرعا: (عقوبة مقدرة تجب حقا لله تعالى) لأنها ~~تمنع من ارتكاب أسبابها. وحدود الله أيضا محارمه، لأن العباد ممنوعون من ~~اقترابها، قال الله تعالى: ({تلك حدود ا فلا تقربوها}، وهي أيضا أحكامه، ~~لأنها تمنع من التجاوز عنها، قال عز وجل:) {تلك حدود الله فلا تعتدوها}. # --- PageV05P484 ~~*** # وإنما كان الحد حقا لله لأنه شرع لمصلحة تعود إلى الناس كافة، فحد الزنا ~~لحفظ الأنساب، وحد القذف لحفظ الأعراض، وحد السرقة لحفظ الأموال. # والمقصود الأصلي من شرع الحد هو انزجار النفوس عن شهواتها غير الشرعية، ~~والردع عما يتضرر به العباد، وصيانة دار الإسلام عن الفساد. # وأما الطهر عن الذنب فليس بحكم أصلي لإقامة الحد، لأنه لا يحصل إلا ~~بالتوبة. قال الله تعالى في حق قطاع الطريق: {ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم ~~في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن ~~الله غفور رحيم}، ولهذا يقام الحد على الكافر، ولا طهر له، وعلى كره ممن ~~أقيم عليه. # (فلا) (تعزيز ولا قصاص حدا) أما التعزيز فلعدم التقدير، وأما القصاص ~~فلأنه يجب حقا للعبد، ولهذا أجاز العفو عنه والاعتياض منه. # (والزنا) أي الموجب للحد، وهو بالقصر وقد يمد (وطء في قبل خال عن ملك ~~وشبهته) كمعتدة البائن الثلاث. قال صاحب «الهداية»: ويؤيد ذلك قوله صلى ~~الله عليه وسلم: («ادرؤا الحدود بالشبهات». ms1478 رواه ابن عدي بهذا اللفظ، ~~والمعروف:) «ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم». رواه أحمد وغيره. ولا ~~بد من تقييد الوطىء بكون الموطوءة مشتهاة، ليخرج وطء البهيمة والتي لا ~~تشتهى لموت أو صغر، وبكون الواطء مكلفا طائعا ليخرج المجنون والصبي ~~والمكره، وبالقبل لأن الزنا يختص به عند أبي حنيفة وألحقا به الدبر، فرتبا ~~على الإيلاج فيه الحد، لما سيأتي. # --- PageV05P485 ~~*** # (ويثبت) الزنا ثبوتا ظاهرا عند القاضي (بشهادة أربعة) لا بمجرد علم ~~القاضي، لأن علمه ليس بحجة في هذا، لأن الحدود تندفع بالشبهة والتهمة، وإن ~~كان القياس أنه حجة، كما قاله أبو ثور والشافعي (بالزنا) لا بالوطء ولا ~~بالجماع، لأن لفظ الزنا هو الدال على فعل الحرام والفاحشة، كما قال الله ~~تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} والوطء والجماع ~~محتملان. وشرط في الشهود أن يكونوا أربعة، لقوله تعالى: {واللاتي يأتين ~~الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} وقوله: {والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء}. # وذلك لأن الله تعالى يحب الستر على عباده. وفي اشتراط الأربعة يتحقق معنى ~~الستر، إذ وقوف الأربعة على هذه الفاحشة في غاية من الندرة. ويشترط اتحاد ~~مجلس شهادتهم، وبه قال مالك، وأحمد، والأوزاعي، والحسن بن صالح، حتى لو ~~شهدوا بالزنا متفرقين يحدون حد القذف، ومجلس شهادتهم هو ما دام الحاكم ~~جالسا. ولا يشترط عند الشافعي اتحاد مجلسهم لإطلاق قوله تعالى: {فاستشهدوا ~~عليهن أربعة منكم} وللاعتبار بسائر الحقوق. # ولنا قول عمر: ولو جاء مثل ربيعة ومضر فرادى لجلدتهم، ولأن قول الواحد ~~قبل قول غيره يقع قذفا، وكذا الثاني والثالث، فلا ينقلب شهادة. ولو كان ~~الزوج أحدهم تقبل عندنا، ولا تقبل عند الشافعي، لأن فيه تهمة. ولنا أنه ~~يعير بزنا امرأته، فكان أبعد عن التهمة، وصار كشهادة الوالد على زنا ولده. # --- PageV05P486 ~~*** # (فيسألهم) أي فإذا شهدوا سألهم (الإمام) أو نائبه في الأحكام (ما هو) أي ~~عن ماهية الزنا، لأنه قد يطلق على كل فعل حرام بالنسبة إلى النساء، ففي ~~الحديث: «إن العينان لتزنيان وزناهما النظر، وإن اليدين ms1479 لتزنيان وزناهما ~~البطش، وإن الرجلين لتزنيان وزناهما المشي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». # (و) يسألهم (كيف هو) أي عن كيفيته، لئلا يكون ما شهدوا به وقع منه وهو ~~مكره، أو تماس بالفرجين لا إيلاج، (و) يسألهم (أين زنا) أي عن مكانه، لأن ~~الزاني في دار الحرب أو البغي لا يحد. # وعند الشافعي يحد. ولنا ما رواه البيهقي عن الشافعي قال: قال أبو يوسف: ~~حدثنا بعض مشايخنا عن مكحول عن زيد بن ثابت قال: لا تقام الحدود في دار ~~الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو. وروى الترمذي والنسائي عن بسر بن أرطاة ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقطع الأيدي في السفر». ~~ولفظ الترمذي: في الغزو. وأما قول صاحب «الهداية»: ولنا قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا تقام الحدود في دار الحرب» فرفعه غير معروف. # (و) يسألهم (متى زنا) أي عن زمانه، لأن الزنا المتقادم، أو في حال الصبى ~~أو الجنون لا يوجب الحد. ومدة التقادم شهر في الأصح. (و) يسألهم (بمن زنا)، ~~لئلا تكون زوجته أو جاريته، أو جارية ابنه، أو موطوءة بشبهة لا يعلمون بها. # --- PageV05P487 ~~*** # (فإن بينوا) ما سألهم عنه (وقالوا: رأينا) الرجل زنا بها (كالميل في ~~المكحلة) وهو بضمتين: وعاء الكحل (وعدلوا سرا وعلنا) أما عند من لا يكتفي ~~بظاهر العدالة في غير الحدود من الحقوق فهو ظاهر، وأما عند من يكتفي فهو ~~احتيال في درء الحدود منه احتياطا (حكم به) أي بالزنا أو بالحد. قيد ببيان ~~الشهود ما سألوا عنه، لأنهم لو لم يبينوا بأن لم يزيدوا على قولهم: زنا، لا ~~يحد المشهود عليه للشبهة، ولا الشهود لأنهم شهدوا بالزنا، وسؤالهم إنما هو ~~للاحتياط، حتى لو وصفوه بغير وصفه يحدون، ثم القاضي يحبس المشهود عليه ~~بالزنا حتى يسأل عن الشهود. # (وبإقراره) أي ويثبت الزنا بإقرار الزاني بأنه زنا، حرا كان أو عبدا ~~(أربعا) أي أربع مرات (في أربعة مجالس) من مجالس المقر، فإن الإقرار قائم ~~به فيعتبر مجلسه دون مجلس القاضي، (رده الإمام ms1480 كل مرة) أي من المرات ~~الثلاث، فإنه إذا أقر مرة رابعة لا يرده بل يقبله فيسأله كما مر من الأمور ~~الخمسة. إلا متى زنا، لأن التقادم لا يمنع الإقرار. وقيل: يسأله لاحتمال أن ~~يكون في زمن الصبى أو الجنون. ثم اختلاف مجالس المقر في الزنا شرط عندنا ~~خلافا لأحمد وابن أبي ليلى، فإنهما قالا: لا يشترط اختلاف مجالس المقر، ~~وإنما يشترط العدد اعتبارا للإقرار بالشهادة. ولنا ما سيأتي من حديث ماعز ~~الأسلمي وهو بكسر مهملة فزاي. # --- PageV05P488 ~~*** # وفي «الإيضاح»: ينبغي للإمام أن يزجره عن الإقرار ويظهر الكراهة له، فقد ~~روى أبو داود والنسائي وأحمد في «مسنده» عن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه ~~قال: كان ماعز ابن مالك يتيما في حجر أبي فأصاب جارية من الحي، فقال له ~~أبي: ائت رسول الله فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك، وإنما يريد بذلك رجاء ~~أن يكون له مخرج فأتاه فقال: يا رسول الله إني زنيت (فأقم علي كتاب الله)، ~~فأعرض عنه، فعاد حتى قالها أربع مرات. # فقال صلى الله عليه وسلم: «إنك قد قلتها أربع مرات، فبمن؟» قال: بفلانة. ~~قال: «هل ضاجعتها؟» قال: نعم. قال: «هل باشرتها؟» قال: نعم. قال: «هل ~~جامعتها؟» قال: نعم. فأمر به أن يرجم (فأخرج إلى الحرة)، فلما وجد مس ~~الحجارة خرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس فنزع له بوظيف بعير فقتله. وذكر ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله ~~عليه». وزاد فيه أحمد: قال هشام: فحدثني يزيد بن نعيم عن أبيه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال له حين رآه: «والله يا هزال لو كنت سترته بثوبك ~~لكان خيرا لك مما صنعت به». # وروى أيضا أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة قال: جاء الأسلمي نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراما أربع مرات، كل ~~ذلك يعرض عنه. فأقبل في الخامسة فقال: «أنكتها؟» (قال: نعم)، قال: «حتى غاب ~~ذلك منك في ذلك ms1481 منها»؟ قال: نعم. قال: «كما يغيب المرود في المكحلة، ~~والرشاء في البئر؟» قال: نعم. قال: «فهل تدري ما الزنا؟» قال: نعم، أتيت ~~منها حراما مثلما يأتي الرجل من امرأته حلالا. قال: «فما تريد بهذا القول؟» ~~قال: أريد أن تطهرني، فأمر به فرجم. # --- PageV05P489 ~~*** # وفي «صحيح مسلم» عن بريدة قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذ جاء ماعز بن مالك فقال: يا رسول الله إني زنيت وإنما أريد أن تطهرني. ~~فقال له صلى الله عليه وسلم: «ارجع». فلما كان الغد، أتاه أيضا فاعترف عنده ~~بالزنا، فقال له: «ارجع». ثم عاد الثالثة فاعترف عنده بالزنا، ثم رجع ~~الرابعة فاعترف. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فحفر له حفرة فجعل فيها إلى ~~صدره، ثم أمر الناس فرجموه. قال بريدة: كنا نتحدث أصحاب نبي الله أن ~~ماعزا لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يطلبه، وإنما رجمه بعد ~~الرابعة. # وقال مالك والشافعي: يكفي في الإقرار مرة واحدة لما روى الشيخان من حديث ~~أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني: أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال ~~الخصم الآخر وهو أفقه منه : نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل». قال: إن ابني هذا كان عسيفا ~~على هذا أي أجيرا له فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، ~~فافتديت منه بمئة شاة ووليدة: فسألت أهل العلم، فأخبروني: أن على ابني جلد ~~مئة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما الوليدة والغنم فرد ~~عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام. واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن ~~اعترفت فارجمها». قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: فرجمت. # --- PageV05P490 ~~*** # (ووجه الدلالة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) علق رجمها باعترافها، ms1482 ~~ولم يشترط الأربع. وروى مسلم عن بريدة قال: أتت امرأة من غامد من الأزد ~~فقالت: يا رسول الله طهرني. فقال: «ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي». قالت: ~~أتريد أن تردني كما رددت ماعزا؟. قال: «وما ذاك؟» قالت: إني حبلى من زنا. ~~فقال لها: «حتى تضعي ما في بطنك؟» قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. ثم ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت الغامدية. فقال: «إذا لا ~~نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه». فقام رجل من الأنصار فقال: إلي ~~رضاعه يا رسول الله، فرجمها. # قالوا: وإنما رد النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا أربع مرات، لأنه صلى ~~الله عليه وسلم ظن أن في عقله شيئا، لا لكونه شرطا، في وجوب الحد. # وقد جاء في «صحيح مسلم» عن جابر بن سمرة قال: أتي رسول صلى الله عليه ~~وسلم برجل قصير أشعث، ذي عضلات، عليه إزار، وقد زنى. فرده مرتين، ثم أمر به ~~فرجم. والعضلة بفتحتين: كل لحمة صلبة. # وفيه أيضا عن أبي سعيد الخدري: «أنه اعترف بالزنا ثلاث مرات. قالوا: وهذا ~~يضعف القول باشتراط الأربع. وأجيب عن حديث العسيف بأن معناه: «واغد يا أنيس ~~على امرأة هذا، فإن اعترفت» الاعتراف المعهود بالرد أربع مرات. وأما حديث ~~الغامدية، فالجواب عنه أن الراوي قد يختصر الحديث، ولا يلزم من عدم الذكر ~~عدم الوقوع. وأيضا فقد ورد في «مسند البزار»: أنه ردها أربع مرات. # --- PageV05P491 ~~*** # وأما قولهم: أنه صلى الله عليه وسلم رد ماعزا أربع مرات لأنه ظن أن بعقله ~~شيئا، فالجواب عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن عقله بعد اعترافه ~~الرابعة، لما في الصحيحين من حديث جابر ابن عبد الله: أن رجلا من أسلم جاء ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا فأعرض عنه، ثم اعترف فأعرض ~~عنه، حتى شهد على نفسه أربع شهادات. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أبك جنون؟» قال: لا. قال: «فهل أحصنت؟» قال: نعم، فأمر به فرجم. زاد ~~البخاري: فقال ms1483 له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا، وصلى عليه. انتهى. # ولو كان التكرار أربعة إنما هو لاختبار عقله لما كان في السؤال عنه بعد ~~الرابعة فائدة، وكيف وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم رده بعد أن أخبر بعقله ~~فيما رواه مسلم من حديث بريدة: أن ماعزا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرده، ثم أتاه الثانية من الغد فرده، ثم أرسل إلى قومه: «هل تعلمون بعقله ~~بأسا؟» فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا. فأتاه الثالثة، فأرسل ~~إليهم أيضا يسأل عنه، فأخبروه: أنه لا بأس به ولا بعقله. فلما كان الرابعة ~~حفر له حفرة فرجمه. # وفي «مسند أحمد»، و«مصنف» ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبي ~~بكر أنه قال: أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف وأنا عنده ~~مرة فرده، ثم جاء فاعترف عنده الثانية فرده، ثم جاء فاعترف عنده الثالثة، ~~فرده، فقلت له: إن اعترفت الرابعة رجمك. قال: فاعترف الرابعة فحبسه، ثم سأل ~~عنه، فقالوا: لا نعلم به إلا خيرا، فأمر به فرجم. وهذا صريح الدلالة على ~~اشتراط الأربع لكن في إسناده جابرا الجعفي. # --- PageV05P492 ~~*** # وأما قولهم: جاء في الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم رده مرتين أو ثلاث ~~مرات، فالجواب عنه أنه رده مرتين بعد مرتين، واختصره الراوي، يدل على ذلك ~~ما رواه أبو داود والنسائي من حديث سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أتي ~~النبي صلى الله عليه وسلم بماعز بن مالك، فاعترف مرتين، فقال: «اذهبوا به»، ~~ثم قال: «ردوه». فاعترف مرتين حتى اعترف أربعا، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «اذهبوا به فارجموه». فتبين من هذا أن المرتين المذكورتين في ~~«الصحيح» من الأربع، وكذا رواية الثلاث. وتتفق بذلك الأحاديث، والله تعالى أعلم. # ولا يعتبر إقراره عند غير القاضي ممن لا ولاية له على إقامة الحدود ولو ~~كان أربع مرات، حتى لا تقبل الشهادة عليه بذلك، لأنه إن كان منكرا فقد رجع ~~عن إقراره، وإن كان مقرا فلا ms1484 تعتبر الشهادة بالإقرار مع الإقرار. ولو أقر ~~بالزنا مرتين، وشهد عليه أربعة لا يحد عند أبي يوسف. وقال محمد: يحد لأن ~~هذا الإقرار ليس بحجة، فلا يعتد به، فبقيت الشهادة وحدها حجة فتقبل. ولأبي ~~يوسف: أن الإقرار موجود حقيقة، لكنه غير معتبر شرعا، فأورثت حقيقته شبهة، ~~والحد يدرأ بالشبهة. ولا شبهة أن حجة محمد أقوى، فإن الشهادة إذا كانت ~~وحدها حجة فكيف يورث بتأكيد إقراره شبهة. # --- PageV05P493 ~~*** # (فإن بين) أي المقر ما مر أنه يسأل عنه (حبب) أي ندب (تلقينه رجوعه، ب: ~~لعلك لمست ونحوه) وهو لعلك قبلت، لعلك وطئت بشبهة، لما في «المستدرك» عن ~~حفص بن عمر العدني: حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ماعزا ~~أتى إلى رجل من المسلمين فقال له: إني أصبت فاحشة، فما تأمرني؟. فقال له: ~~فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لك، فأتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره، فقال له: «لعلك قبلتها». قال: لا. قال: «أمسستها؟». قال: ~~لا. قال: «فعلت بها كذا ولم يكن؟» قال: نعم. قال: «اذهبوا وارجموه». ولفظ ~~البخاري: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت». قال: لا. قال: «أفنكتها»؟ قال: نعم، ~~فعند ذلك أمر برجمه. # (فإن رجع قبل حده، أو وسطه، خلي) أي ترك، وهو قول الشافعي وأحمد ورواية ~~عن مالك. وعنه وهو قول ابن أبي ليلى: أنه لا يخلى، لأن الحد وجب بإقراره، ~~فلا يبطل بعد ذلك بإنكاره إذا وجب بالشهادة، وصار كالقود وحد القذف. وعنه: ~~إن ذكر لإقراره تأويلا بأن قال: حسبت المفاخذة زنا، خلي. (وإلا) أي وإن لم ~~يرجع (حد) وإنما يخلى إذا رجع قبل كمال الحد، لأن الرجوع يحتمل الصدق ~~كالإقرار، وليس أحد يكذبه فيه فتتحقق الشبهة في الإقرار بخلاف ما فيه حق ~~العبد وهو القصاص والقذف لوجود من يكذبه فيه. # --- PageV05P494 ~~*** # وعلماؤنا والشافعي اعتبروا الإقرار من ذمي بالزنا بذمية حتى يحد به، ولا ~~يعتبره مالك. ولا تحد امرأة بظهور حبل بها من غير بعل لها، لأن احتمال كونه ~~من نكاح صحيح أو ms1485 فاسد شبهة دارئة للحد. وحدها مالك لما سيأتي من قول علي: ~~أيما امرأة جيء بها وبها حبل أو اعترفت، فالإمام أول من يرجم، (ولأن ظهوره ~~بلا زوج دليل زناها، فلو ادعت أنه من نكاح لا تقبل عنده، لأنه) خلاف ~~الظاهر. # (وهو) أي الحد (للمحصن) بفتح الصاد وكسرها (أي لحر مكلف مسلم) وفي الذمي ~~خلاف يأتي (وطىء) امرأة قبل الزنا (بنكاح صحيح وهما بصفة الإحصان) أي قبل ~~هذا الوطىء والجملة حالية حتى لو وطىء بنكاح صحيح وهو بصفة الإحصان ~~كافرة أو مملوكة أو مجنونة أو صبية، أو وهو بغير صفة الإحصان مسلمة حرة ~~بالغة عاقلة لا يكون محصنا. فقوله: هو للمحصن مبتدأ خبره قوله: (رجمه في ~~فضاء حتى يموت). # أما الحرية، فلأن الإحصان يطلق عليها. قال الله تعالى: {فإن أتين بفاحشة ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} أي ما على الحرائر بإجماع الأمة، ~~وقال الله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات} أي الحرائر، ~~ولأنها ممكنة من النكاح الصحيح المغني عن الزنا بخلاف الأمة. وأما التكليف، ~~فلأن العقل والبلوغ شرط الأهلية للعقوبات كلها. وأما التزوج بنكاح صحيح، ~~فلأن الإحصان يطلق عليه، قال الله تعالى: {والمحصنات من النساء} أي ~~والمنكوحات، وقال: {فإذا أحصن} # --- PageV05P495 ~~*** # أي تزوجن، ولأن به التمكن من وطىء الحلال. وأما الوطىء فلقوله صلى الله ~~عليه وسلم: «الثيب بالثيب»... الحديث، والثيوبة لا تعتبر بغير وطىء، ولأنه ~~بإصابة الحلال تنكسر شهوته فيستغنى عن الزنا. # والمعتبر إيلاج الحشفة بحيث يجب الغسل، ولا يشترط الإنزال. وشرط أن يكون ~~بنكاح صحيح، لأن الجماع في النكاح الفاسد لا يصير به محصنا، لأنه نوع من ~~الوطء الحرام، فلا تتم النعمة به ويثبت الإحصان برجل وامرأتين عندنا، وما ~~قصرنا ثبوت الإحصان على شهادة الرجال كمالك والشافعي وزفر. # وإنما كان حد المحصن الرجم لما في حديث جابر المتقدم أنه صلى الله عليه ~~وسلم سأل ماعزا: «هل أحصنت؟» قال: نعم. فأمر برجمه. ولما روى الشيخان من ~~حديث ابن عباس: أن عمر بن الخطاب خطب فقال: إن الله ms1486 بعث محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم ~~فقرأناها (وعقلناها) ووعيناها. ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا ~~بعده، فأخشى إن طال بالناس الزمان أن يقول قائل: ما نجد آية الرجم في كتاب ~~الله . فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، فالرجم حق على من زنى من الرجال ~~والنساء إذا كان محصنا إن قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، (وايم ~~الله، لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب لله لكتبتها). # --- PageV05P496 ~~*** # وخالف الشافعي في اشتراط الإسلام في الإحصان، وهو رواية عن أبي يوسف لما ~~في الكتب الستة مختصرا ومطولا من حديث ابن عمر أن اليهود جاؤوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكروا له: أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» قالوا: نفضحهم ~~ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة ~~فنشروها، فجعل أحدهم يده على آية الرجم وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال ~~له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفعها فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدقت ~~يا محمد، فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما. # ولنا ما روى ابن إسحاق بن راهويه من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من أشرك بالله فليس بمحصن». قال إسحاق: رفعه مرة ، فقال ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقفه مرة، ومن طريق إسحاق بن راهويه ~~رواه الدارقطني في «سننه»، ثم قال: لم يرفعه غير إسحاق، والصواب أنه موقوف. ~~وفي رواية أخرى عنه: «لا يحصن المشرك بالله شيئا». وروى ابن أبي شيبة في ~~«مصنفه» أنه صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن مالك لما أراد أن يتزوج ~~يهودية: «لا تتزوجها، فإنها لا تحصنك». والجواب عن رجمه صلى الله عليه وسلم ~~لليهوديين أنه كان بحكم التوراة، والكلام فيه بحكم الإسلام. # (يبدأ به) أي بالرجم (شهوده) لأن ms1487 الشاهد قد يتجاسر على أداء شهادة كاذبا، ~~ثم إذا آل آمره إلى القتل يمتنع عنه، فكان في بدئهم احتيال لدرء الحد. ~~وأمرنا به لقوله صلى الله عليه وسلم: «ادرؤا الحدود عن المسلمين ما ~~استطعتم». رواه أبو داود وأبو يعلى الموصلي. وفي «سنن ابن ماجه»: «ادفعوا ~~الحدود ما وجدتم لها مدفعا». # --- PageV05P497 ~~*** # وفي «سنن الترمذي»: «ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له ~~مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير له من أن يخطىء في ~~العقوبة». وقال مالك والشافعي، وأحمد وأبو يوسف في رواية: لا يشترط بداية ~~الشهود، لكن يستحب حضورهم وبدايتهم بالرمي اعتبارا بالجلد. وأجيب بأن كل ~~واحد لا يحسن الجلد فربما يقع مهلكا، والإهلاك غير مستحق، ولا كذلك الرجم ~~فإنه إتلاف. # (فإن أبوا) أي الشهود كلهم أو بعضهم من البداية بالرجم (أو غابوا أو ~~ماتوا سقط) الرجم لفوات الشرط، وهو بداية الشهود، لكن لا يقام الحد عليهم، ~~لأنهم ثابتون على الشهادة، وإنما امتنعوا عن مباشرة القتل، وذلك لا يكون ~~رجوعا، فإن الإنسان قد يمتنع عن القتل بحق. كذا في «المبسوط». # (ثم الإمام) إن حضر، فإنه لا ينبغي التقدم عليه إلا بإذنه (ثم الناس) ~~فإنه يستحب للإمام أن يأمر جماعة المسلمين أن يحضروا إقامة الحد من الرجم ~~والجلد لقوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} وعن ابن عباس يكفي ~~واحد، وبه قال أحمد، وقال عطاء وإسحاق: اثنان، وقال الزهري: ثلاثة، وقال ~~الحسن البصري: عشرة. وعن الشافعي ومالك: أربعة. وفي «الإيضاح»: لا بأس لكل ~~من رمى أن يتعمد (القتل، لأنه المقصود من الرجم إلا إذا كان المرجوم محرما ~~من الراجم، فإنه يستحب أن لا يتعمد) قتله. # --- PageV05P498 ~~*** # (وفي المقر) أي في رجمه (يبدأ الإمام) بالرجم (ثم الناس) وقال مالك ~~والشافعي وأحمد: لا يشترط بداية الإمام ولكن يستحب. ولنا: ما روى ابن أبي ~~شيبة في «مصنفه» عن عبد الله بن إدريس، عن يزيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ~~أن عليا كان إذا شهد عنده الشهود على الزنا: أمر الشهود ms1488 أن يرجموا، ثم رجم ~~هو، ثم رجم الناس. وإذا كان بإقرار: بدأ هو فرجم، ثم رجم الناس بعده. # وروى أيضا عن أبي خالد الأحمر، عن الحجاج، عن الحسن بن سعد، عن عبد ~~الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن علي أنه قال في امرأة رجمها: أيها الناس، ~~إن الزنا زنيان: زنا سر، وزنا علانية، فزنا السر: أن يشهد الشهود، فيكون ~~الشهود أول من يرمي، ثم الإمام، ثم الناس. وزنا العلانية: أن يظهر الحبل أو ~~الاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي. قال: وفي يده ثلاثة أحجار فرماها بحجر ~~فأصاب صماخها، فاستدارت ورمى الناس. # وفي «سنن أبي داود» من حديث ابن أبي بكرة عن أبيه: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رجم امرأة، فحفر لها إلى الثندوة. قال أبو داود: وحدثت عن عبد ~~الصمد بن عبد الوارث بإسناده نحوه، وزاد: ثم رماها بحصاة مثل الحمصة. وقال: ~~«ارموا واتقوا الوجه»، فلما طفئت، أخرجها فصلى عليها. # --- PageV05P499 ~~*** # وفي «سنن البيهقي» عن الأجلح عن الشعبي قال: جيء بشراحة الهمدانية إلى ~~علي بن أبي طالب، فقال لها: لعل رجلا وقع عليك وأنت نائمة، قالت: لا. قال: ~~لعله استكرهك. قالت: لا. قال: لعل مولاك زوجك من هؤلاء فأنت تكتمينه. ~~يلقنها لعلها تقول: نعم، فأمر بها فحبست، فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم ~~الخميس فضربها مئة وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة، وأحاط الناس بها وأخذوا ~~الحجارة، فقال: ليس هكذا الرجم، إذا يصيب بعضكم بعضا، صفوا كصف الصلاة: صف ~~خلف صف، ثم قال: أيها الناس، (أيما امرأة جيء بها وبها حبل أو اعترفت، ~~فالإمام أول من يرجم ثم الناس.) (وأيما امرأة جيء بها، أو رجل زاني، فشهد ~~عليه أربعة بالزنا، فالشهود أول من يرجم، ثم الإمام، ثم الناس)، ثم رجمها ~~ثم أمرهم فرجم صف ثم صف ثم قال: افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم». # ورواه أحمد في «مسنده» عن يحيى بن سعيد، عن مجاهد، عن الشعبي قال: كان ~~لشراحة زوج غائب بالشام وإنها حملت، فجاء بها مولاها إلى علي ms1489 فقال: إن هذه ~~زنت فاعترفت، فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وحفر لها إلى السرة ~~وأنا شاهد ثم قال: إن الرجم سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو ~~شهد على هذه أحد لكان أول من يرميها الشاهد، ليشهد ثم يتبع شهادته حجره، ~~ولكنها أقرت فأنا أول من يرميها، فرماها بحجر ثم رمى الناس وأنا فيهم. قال: ~~فكنت والله ممن قتلها. # --- PageV05P500 ~~*** # (وغسل) المرجوم (وكفن وصلي عليه) لما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» في ~~كتاب الجنائز عن أبي معاوية، عن أبي حنيفة، عن علقمة بن مرثد، عن ابن ~~بريدة، عن أبيه بريدة قال: لما رجم ماعز قالوا: يا رسول الله ما نصنع به؟ ~~قال: «اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم من الغسل والكفن والحنوط والصلاة عليه». ~~وروى الجماعة إلا البخاري من حديث عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا فقالت: يا نبي الله أصبت حدا ~~فأقمه علي، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وليها فقال: «أحسن إليها فإذا ~~وضعت فأتني بها». ففعل، فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ~~ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها. فقال له عمر: تصلي عليها با نبي ~~الله وقد زنت، فقال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة ~~لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله». ولأنه قتل بحق فصار ~~كالمقتول بالقصاص. # --- PageV06P001 ~~*** # (ولغير المحصن) عطف على للمحصن، أي وحد الزنا لغير المحصن (جلده مئة ~~وسطا) أي ضربا مؤلما غير جارح (بسوط لا ثمرة له) قيل الثمرة: العقدة، وقيل ~~العذبة: وهي ذنبه. والأول أصح، لأن الثمرة إذا ضرب بها يصير كل ضربة ~~ضربتين، كذا في «الإيضاح». والأظهر أن كلاهما ممنوع لما سيأتي. والدليل على ~~أن حد غير المحصن الجلد قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مئة جلدة} وقد نسخت في حق المحصن بما سبق، فبقيت في حق غيره. ولعل ~~تقديم الزانية، لأنها لو لم تطمعه ms1490 لم يطمع. وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» ~~عن عيسى بن يونس، عن حنظلة السدوسي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان يؤمر ~~بالسوط فتقطع ثمرته، ثم يدق بين حجرين حتى يلين، ثم يضرب به. قلنا لأنس: في ~~زمان من كان هذا؟ قال: في زمن عمر بن الخطاب. # وفيه وفي «مصنف عبد الرزاق» عن ابن مسعود: أن رجلا جاء بابن أخ له إليه، ~~فقال له: إنه سكران. فقال: ترتروه ومرمزوه أي حركوه واستنكهوه. ففعلوا، ~~فرفعه إلى السجن، ثم جاء من الغد ودعا بسوط، ثم أمر بثمرته فدقت بين حجرين ~~حتى صارت درة، ثم قال للجلاد: اجلد وارفع يدك، وأعط كل عضو حقه. وفي ~~«مصنفيهما» و«موطأ أبي مصعب» عن مالك، عن زيد بن أسلم: أن رجلا اعترف على ~~نفسه بالزنا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط، فأتي بسوط مكسور ~~فقال: «فوق هذا»، فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: «بين هذين»، فأتي ~~بسوط قد ركب به ولان، فأمر به فجلد، ثم قال: «أيها الناس قد آن لكم أن ~~تنتهوا عن حدود الله، فمن أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، ~~فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله». # --- PageV06P002 ~~*** # (وتنزع ثيابه) لأن المقصود إيصال الألم إليه، وهو بنزع الثياب أتم، وبه ~~قال مالك. ويؤيده أنه عبر عن الضربة بالجلدة للإيماء إلى إيصالها بالجلدة، ~~نظرا إلى أصل المادة. وقال الشافعي وأحمد: يترك عليه قميص أو قميصان، لأن ~~الأمر بالجلد لا يقتضي التجريد (إلا الإزار) فإنه لا ينزع، لأن في نزعه كشف ~~عورته. وقول صاحب «الهداية»: لأن عليا كان يأمر بالتجريد في الحدود غريب، ~~بل في «مصنف عبد الرزاق» عن علي أنه أتي برجل في حد فضربه وعليه كساء ~~قسطلاني قاعدا. وفيه أيضا عن الشعبي قال: سألت المغيرة بن شعبة عن المحدود ~~أتنزع ثيابه عنه؟ قال: لا، إلا أن يكون فروا أو حشوا. وفيه أيضا عن ابن ~~مسعود قال: لا يحل في هذه الأمة تجريد ولا مد ولا غل. # (ويفرق) ms1491 الجلد (على بدنه) لأن جمعه في عضو واحدة قد يفضي إلى التلف، ~~والجلد زاجر لا متلف (إلا رأسه) لئلا يؤدي إلى زوال سمعه أو بصره أو شمه ~~(و) إلا (وجهه وفرجه) ومقاتله لئلا يؤدي إلى هلاكه، لما روى ابن أبي شيبة ~~وعبد الرزاق في «مصنفيهما» عن علي أنه أتي برجل سكران أو في حد فقال ~~للجلاد: اضرب وأعط كل عضو حقه، واتق الوجه والمذاكير. ولعموم ما رواه ~~الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ضرب ~~أحدكم فليتق الوجه». وقال أبو يوسف آخرا: يضرب الرأس سوطا، لما روى ابن أبي ~~شيبة في «مصنفه» عن وكيع، عن المسعودي، عن القاسم: أن أبا بكر أتي برجل ~~انتفى من أبيه، فقال أبو بكر للجلاد: اضرب الرأس، فإن الشيطان في الرأس. # --- PageV06P003 ~~*** # وأجيب بأن المسعودي ضعيف، ولكن يقويه ما في «مسند الدارمي» عن سليمان بن ~~يسار: أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل ~~إليه عمر، وقد أعد له عراجين النخل، فأتي به فقال له: من أنت؟ قال: أنا عبد ~~الله صبيغ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه على رأسه، وقال: أنا عبد ~~الله عمر، وجعل يضربه حتى أدمى رأسه. فقال: يا أمير المؤمنين حسبك، قد ذهب ~~الذي كنت أجد في رأسي. وفي «الذخيرة» عن أبي يوسف: لا يضرب البطن ولا ~~الصدر، لأنه مهلك، واختاره بعض المشايخ. # (قائما في كل حد) لأن مبنى الحدود على الشهرة لقوله تعالى: {وليشهد ~~عذابهما طائفة من المؤمنين} والقيام أبلغ فيها (بلا مد) أي من غير أن يلقى ~~على الأرض ويمد رجلاه. وقيل: معناه من غير أن يمد الضارب يده فوق رأسه. ~~وقيل: من غير أن يمد السوط على العضو عند الضرب ويجره. وبلا ربط أيضا ولا ~~مسك إلا أن يعجزه، لأن ذلك كله زيادة على المستحق عليه وهو الجلد. # (وللعبد) والأولى وللمملوك (نصفها) أي نصف المئة جلدة لقوله تعالى: {فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ms1492 العذاب} والمراد به الجلد، لأن ~~الرجم لا يتنصف، أو لعدم الإحصان لفقد شرطه وهو الحرية. فإذا ثبت النصف في ~~الإماء للرق ثبت في العبيد دلالة، إذ النص الوارد في أحد المثلين وارد في الآخر. # --- PageV06P004 ~~*** # (ولا يحد سيد) عبده وأمته (بلا إذن الإمام) وقال مالك والشافعي وأحمد: له ~~أن يحد، لقوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمة إذا زنت ولم تحصن. قال: «(إذا ~~زنت) فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو ~~بضفير». قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة؟ والضفير: الحبل. ~~وفي رواية: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب عليها، ثم ~~إذا زنت فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت الثالثة فتبين ~~زناها فليبعها ولو بضفير». أي ولو بحبل من شعر، كما في رواية. ومعنى لا ~~يثرب عليها: لا يعيرها. وقيل: لا يبالغ في جلدها بحيث يدميها. # ولنا ما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن الحسن أنه قال: أربعة إلى ~~السلطان: الصلاة، والزكاة، والحدود، والقضاء. وروى أيضا عن عبد الله بن ~~محيريز أنه قال: الجمعة والحدود والزكاة والفيء إلى السلطان. وروى أيضا عن ~~عطاء الخرساني أنه قال: إلى السلطان الصلاة والجمعة والحدود. وعن ابن مسعود ~~وابن عباس وابن الزبير موقوفا ومرفوعا: حق الإمام أربعة، وفي رواية: أربعة ~~إلى الولاة: الحدود، والصدقات، والجمعات، والفيء وأما التعزيز فإنه من حقوق ~~الملك، والغرض منه التأديب، و(هو) سبب زيادة ماليته فيكون للمولى كأدب ~~الدواب. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «فليجلدها»: فليكن سببا لجلدها ~~بالمرافعة إلى الإمام أو نائبه. # --- PageV06P005 ~~*** # (ولا تنزع ثيابها) لأن في نزعها كشف عورتها (إلا الفرو والحشو) وهو الثوب ~~الذي حشي بين بطانته وظهارته بالقطن، لأنهما يمنعان وصول الألم، وسترها ~~يحصل بدونهما (وتحد) أي تضرب المرأة (جالسة) لأنه أستر لها (وجاز الحفر ~~لها) أي للمرأة في الرجم وهو أحسن لما فيه من الستر، ولما ms1493 في حديث الترمذي ~~أنه صلى الله عليه وسلم رجم امرأة فحفر لها إلى الثندوة. ولما في مسلم من ~~رواية بريدة في حديث الغامدية: ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، ثم أمر ~~الناس فرجموها. # (لا له) أي لا يجوز الحفر للرجل في الرجم لما في «صحيح مسلم» من حديث أبي ~~سعيد الخدري قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجم ماعز بن مالك، ~~خرجنا به إلى البقيع فما أوثقناه ولا حفرنا له، ولكنه قام لنا فرميناه ~~بالعظام والمدر والخزف، فاشتد فاشتددنا خلفه حتى أتي عرض الحرة، فانتصب لنا ~~فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكت. كذا ذكر. ولكن تقدم ما في «صحيح مسلم» عن ~~بريدة أنه صلى الله عليه وسلم بعد اعتراف ماعز أمر فحفر له حفرة فجعل فيها ~~إلى صدره، ثم أمر الناس فرجموه. فإذا تعارض الحديثان، (وهما صحيحان)، دل ~~على جواز كل من الحفر وعدمه له. # (ولا جمع) يعني في المحصن (بين جلد ورجم) وهو قول مالك والشافعي وأحمد في ~~رواية، وقال وفي رواية أخرى: يجمع، وهو قول داود ومختار ابن المنذر من ~~الشافعية، لما روى مسلم من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مئة ~~ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم». وتقدم ما روى البيهقي في «سننه» ~~عن علي أنه جمع بين الجلد والرجم. # --- PageV06P006 ~~*** # ولنا ما تقدم من حديث ماعز والغامدية أن النبي صلى الله عليه وسلم رجمهما ~~ولم يجلدهما، (وحديث أنيس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره برجم المرأة ~~ولم يأمره بجلدها). ولو كان الجمع حدا لما تركه، ولأنه لا فائدة في الجلد ~~مع الرجم، لأن الحد شرع زاجرا، وزجره بالجلد لا يتأتى مع رجمه، وزجر غيره ~~يحصل برجمه، إذ هو أبلغ العقوبات الواردة. ففي الزائدة لا يتفرع الفائدة، ~~ولذا لو تكرر من شخص ما يوجب الحد يكتفى بحد واحد لعدم الفائدة في الباقي، ~~لأن المقصود وهو الزجر يحصل بالأول. ms1494 # وأجيب عن حديث عبادة بجوابين: # أحدهما: # أنه منسوخ، قال الحازمي في كتابه: روى حديث ماعز جماعة كسهل ابن سعد، ~~وابن عباس ونفر تأخر إسلامهم. وحديث عبادة كان في أول الأمر، وبين الزمانين ~~مدة. وقال المنذري في «مختصره»: ذهب إلى الجمع بين الجلد والرجم علي (وأبي) ~~وابن مسعود والحسن. وقال أبو بكر وعمر والزهري والنخعي وأبو حنيفة، ومالك، ~~والشافعي، والأوزاعي، وسفيان: أن الثيب عليه الرجم دون الجلد. ورأوا حديث ~~عبادة منسوخا، وتمسكوا بأحاديث تدل على النسخ منها حديث العسيف أخرجه ~~الشيخان عن أبي هريرة وفيه: «فإن اعترفت فارجمها»، (فاعترفت فرجمها). وهذا ~~الحديث آخر الأمرين، لأن رواية أبي هريرة وهو متأخر الإسلام، ولم يتعرض ~~للجلد فيه. # وثانيهما: # أن معناه الثيب بالثيب جلد مئة إن كانا غير محصنين، والرجم إن كانا ~~محصنين. والواو فيها نظيرتها في قوله تعالى: {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} # --- PageV06P007 ~~*** # . وما رووه من أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الجلد والرجم في رجل، ~~محمول على أنه صلى الله عليه وسلم لم يعلم بإحصانه، فجلده ثم علم بإحصانه ~~فرجمه. يدل على ذلك ما أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن وهب قال: سمعت ابن ~~جريج يحدث عن أبي الزبير، عن جابر: أن رجلا زنى فأمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فجلد، ثم أخبر أنه قد كان أحصن، فأمر به فرجم. # (ولا جلد) أي ولا جمع في غير المحصن بين جلد (ونفي إلا سياسة) وتعزيزا لا ~~حدا. وقال الشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي: يجمع بينهما حدا. وقال مالك: ~~يجمع بينهما في الرجل دون المرأة، وفي الحر دون العبد. ومن نفي حبس في ~~الموضع الذي ينفى إليه. وقال الشافعي وأحمد: ينفى العبد نصف السنة. لهم ما ~~روى البخاري من حديث زيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر في ~~من زنا ولم يحصن بجلد مئة وتغريب عام. قال ابن شهاب: وأخبرني عروة بن ~~الزبير: أن عمر بن الخطاب غرب ثم لم يزل تلك السنة. وروى أيضا من حديث أبي ms1495 ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام، ~~وبإقامة الحد عليه. # وما روى الترمذي من حديث نافع، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ضرب وغرب وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب. ولنا قوله تعالى: ~~{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة} من غير تعرض للتغريب، ~~فلا يكون من موجب الزنا. وإن في التغريب تعريض المرأة للزنا، لأنها كلما ~~تباعدت عن الأقارب قل حياؤها من الأجانب، فربما اتخذت الزنا من المكاسب، ~~ولأن سفر المرأة بغير محرم حرام، ولا ذنب للمحرم حتى ينفى معها. # --- PageV06P008 ~~*** # ولا يقاس على المهاجرة من دار الحرب، لأنها لا تقصد سفرا وإنما تطلب ~~الخلاص حذرا، حتى لو وصلت إلى جيش من المسلمين لهم منعة لا يجوز لها أن ~~تخرج من عندهم وتسافر. وكذا في العبد والأمة حق المولى في الخدمة، وهو مقدم ~~على حق الشرع فلا يفصل بينهما وبين مولاهما. # وما رووه كان بطريق السياسة دون الحد، لما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ~~معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب قال: غرب عمر ربيعة بن أمية بن خلف في ~~الشراب إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر. فقال عمر: لا أغرب بعده مسلما. وروى ~~أيضا عن أبي حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي قال: قال ابن ~~مسعود في البكر يزني بالبكر: يجلدان مئة وينفيان سنة، قال: وقال علي: ~~حسبهما من الفتنة أن ينفيا. ورواه أيضا بهذا السند محمد بن الحسن في ~~«الآثار»، فأخذنا بقول علي كرم الله وجهه، لأنه أقرب إلى رفع الفتنة ورفع ~~الفساد، والله رؤوف بالعباد. # (ويرجم المريض) لأن الرجم متلف فلا يتأخر بسبب المرض (ولا يجلد إلا بعد ~~البرء) لئلا يفضي به الجلد إلى التلف، وهو إنما شرع زاجرا لا متلفا. ولذا ~~لا يقام حد الجلد في شدة الحر، ولا في شدة البرد. ولو كان من وجب عليه الحد ~~ضعيفا لا يرجى برؤه، وخيف عليه هلاكه يجلد جلدا خفيفا بقدر ما ms1496 يحمله. # --- PageV06P009 ~~*** # (وترجم الحامل بعد الوضع) لأن جنينها لا يستحق الرجم لعدم الجناية منه، ~~وتحبس حتى تلد إن ثبت زناها بالشهادة، ولا تحبس إن ثبت بالإقرار. وعن أبي ~~حنيفة رحمه الله: أن الرجم يؤخر إلى أن يستغني ولدها عنها إذا لم يكن له ~~أحد يربيه. روى مسلم عن بريدة قال: جاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله إني ~~قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله (لم تردني؟) ~~لعلك تريد أن تردني كما رددت ماعزا، فوالله إني لحبلى. قال: «إما لا، ~~فاذهبي حتى تلدي». فلما ولدت أتته (بالصبي في خرقة. قالت: هذا قد ولدته. # قال: «اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه». فلما فطمته أتته) بالصبي في يده كسرة ~~خبز فقالت: هذا يا رسول الله قد فطمته، وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجل ~~من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. # ورواه أيضا عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه إلى أن قال: ~~فقال لها: «اذهبي حتى تضعي ما في بطنك». فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، ~~ثم أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: قد وضعت الغامدية. قال: «إذا ~~لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه». فقام رجل من الأنصار فقال: ~~إلي رضاعه يا رسول الله. قال: فرجمها. وهذا يقتضي أنه رجمها حين وضعت، ~~والأول يقتضي أنه تركها حتى فطمت ولدها، ويتقوى الثاني بما أخرجه مسلم من ~~رواية عمران ابن حصين، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام رجمها بعد أن وضعته. ~~وقال بعضهم: يحتمل أن تكونا امرأتين إحداهما وجد لولدها كفيل، والأخرى لم ~~يوجد له كفيل، فوجب إمهالها حتى يستغني ولدها. # (وتجلد) الحامل (بعد النفاس) لأنه نوع مرض، فينتظر البرء منه بخلاف ~~الرجم، لأن التأخير فيه لأجل الولد وقد انفصل. # --- PageV06P010 ~~*** # (ويدرأ الحد بالشبهة في الفعل أي: ظن غير الدليل دليلا) وتسمى شبهة ~~اشتباه، أي شبهة في حق من حصل له اشتباه، وإنما يدرأ الحد بالشبهة لما ~~قدمناه مرفوعا ولما روى ms1497 ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن عمر بن الخطاب أنه قال: ~~لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات. وروى أيضا عن ~~معاذ وعبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر أنهم قالوا: إذا اشتبه عليك الحد ~~فادرأه. # (كأمة أبويه) وإن عليا (و) أمة (زوجته)، لأن اتصال الأملاك بين الأصول ~~والفروع مظنة اعتقاد أن للفرع وطىء أمة الأصل، ولأن الزوج يعد غنيا بمال ~~زوجته، قال الله تعالى: {ووجدك عائلا فأغنى} أي بمال خديجة، فأورث ذلك شبهة ~~كون مال الزوجة مالا للزوج. # وتكون شبهة الفعل في مطلقته ثلاثا، وهي في العدة (بائن بالطلاق على مال ~~وهي في العدة)، وفي أم ولد أعتقها مولاها وهي في العدة، وفي جارية المولى ~~في حق عبده، وفي الجارية المرهونة في حق المرتهن. وبه قال الشافعي رحمه ~~الله في قول، وقال في قول: لا يسقط الحد عن المرتهن، وبه قال أحمد. # (فلا يحد) الواطىء في هذه الصور (إن ظن أنها) أي الموطؤة (تحل) قيد به، ~~لأنه لو قال ظننت أنها لا تحل لي يحد، لأن المحل خال عن الملك وحقه، فكان ~~زنا حقيقة، وإنما يسقط الحد لمعنى راجع إليه وهو الظن، ولهذا لو جاءت بولد ~~لا يثبت نسبه وإن ادعاه. وحكم زفر بحده، لأنه وطىء حرام في غير الملك ~~وشبهته، ولا اعتبار للتأويل الفاسد. # --- PageV06P011 ~~*** # (و) يدرأ الحد بالشبهة (في المحل أي بقيام دليل ناف للحرمة ذاتا) ~~والمعنى: أنا لو نظرنا إلى الدليل مع قطع النظر عن المانع يكون نافيا ~~للحرمة (كأمة ابنه) يعني وإن سفل، والأول كأمة ولده. والدليل النافي ~~للحرمة: ما رواه ابن ماجه بإسناد قال ابن القطان: صحيح، وقال المنذري: ~~رجاله ثقات من حديث جابر: أن رجلا قال: يا رسول الله إن لي مالا وولدا، ~~وإن أبي يريد أن يجتاح مالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت ~~ومالك لأبيك». # (ومعتدة الكنايات) والدليل فيها قول عمر وابن مسعود وآخرين: أن الواقع ~~بالكنايات رجعي، وأصله (ما في «آثار محمد بن الحسن»: أخبرنا أبو ms1498 حنيفة، عن ~~حماد، عن إبراهيم النخعي:) أن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود كانا ~~يقولان في المرأة إذا خيرها زوجها فاختارته: فهي امرأته، وإن اختارت نفسها ~~فهي تطليقة (واحدة) وزوجها أملك بها. وفي «مصنف عبد الرزاق» عن الشعبي ~~أنهما قالا: إن اختارت زوجها فلا بأس، وإن اختارت نفسها فهي واحدة، وله ~~عليها الرجعة. وفيه أيضا: أخبرنا الثوري عن حماد، عن إبراهيم، عن عمر في ~~الخلية، والبرية، والبتة، والبائنة هي واحدة، وهو أحق بها. # --- PageV06P012 ~~*** # قال: وقال علي: هي ثلاث، وقال شريح: له ما نوى. (وفيه عن زيد بن ثابت أنه ~~قال في رجل جعل أمر امرأته بيدها)، فطلقت نفسها ثلاثا قال: هي واحدة. وعن ~~جابر بن عبد الله: إذا خير الرجل امرأته فاختارت نفسها فهي واحدة. وفي ~~«آثار محمد ابن الحسن»: أخبرنا أبو حنيفة عن (حماد عن) إبراهيم النخعي: أن ~~زيد بن ثابت كان يقول: إذا اختارت زوجها فلا شيء وهي امرأته، وإن اختارت ~~نفسها فهي ثلاثة، وهي حرام عليه حتى تنكح زوجا غيره. وكان علي بن أبي طالب ~~يقول: إذا اختارت زوجها فهي واحدة، والزوج أملك بها، وإن اختارت نفسها فهي ~~واحدة، وهي أملك بنفسها. # (والمبيعة قبل التسليم) والدليل فيها كونها في يد البائع بحيث لو هلكت ~~انتقض البيع، فإن ذلك دليل الملك، ويكون شبهة المحل في الجارية المشتركة ~~بينه وبين غيره، ولوجود ملكه في بعضها. (فلا يحد وإن أقر بالحرمة) لأن ~~الشبهة إذا كانت في المحل يثبت فيه الملك (من وجه)، فلم يبق اسم الزنا، ~~فيمتنع الحد على التقادير كلها. ويثبت النسب إن ادعاه، لأن النسب يعتمد ~~قيام الملك أو الحق في المحل. # (وحد بوطىء أمة أخيه وعمه) وكل محرم غير الولاد، ولو قال: ظننت أنها تحل، ~~لأنه لا انبساط بين هؤلاء في مالهم، فلا يستند ظنه إلى دليل. فإن قيل: ما ~~باله لو سرق من بيت هؤلاء لا يقطع؟ أجيب: بأن الحرز لم يتحقق في حقه لدخوله ~~في بيتهم بلا استئذان، والقطع دائر مع هتك الحرز ولم ms1499 يوجد. والحد دائر مع ~~الزنى، وقد وجد، ويندرىء بالحل أو شبهته ولم يوجد، ألا ترى أن الضيف إذا ~~سرق من المضيف لا يقطع؟ وإذا زنى بجاريته يحد؟ # --- PageV06P013 ~~*** # (و) بوطىء (أجنبية وجدها في فراشه) وإن قال: ظننت أنها امرأتي، لأن ظنه ~~لم يستند إلى دليل، لأن امرأته لا تشتبه عليه بعد طول الصحبة، وقد ينام في ~~فراشها غيرها من المحارم والمعارف. وقال الشافعي وأحمد: لا حد عليه إن ظن ~~أنها امرأته أو أمته قياسا على من زفت إليه، وعلى من شرب شرابا على ظن أنه ~~ليس بخمر، حيث لا يحد. وأجيب: بالفرق بأنه لا يميز بين المرأة وغيرها في ~~أول وهلة، ولا بين الخمر وغيرها إلا بالشرب. # (وإن هو) أي وإن كان الذي وجدها على فراشه (أعمى) لأنه يقدر على التميز ~~بالسؤال أو بغيره من الحركات والهيئات، فكان كالبصير، إلا إذا دعا زوجته ~~فأجابته أجنبية وقالت: أنا زوجتك، أو قالت: أنا فلانة باسم امرأته فوطئها ~~فلا يحد، لأن ظنه استند إلى دليل شرعي وهو الإخبار. ولو أجابته ولم تقل: ~~أنا زوجتك، ولا أنا فلانة يحد لعدم ما يوجب السقوط. # (لا إن زفت) أي لا يحد بوطىء أجنبية بعثت إليه (وقلن) أي النسوة التي ~~معها: (هي زوجتك) وكان تزوج امرأة ولم يدخل بها بعد، لأنه اعتمد دليلا ~~شرعيا في موضع الاشتباه وهو الإخبار، إذ المرء لا يميز بين زوجته وغيرها في ~~أول وهلة. وعليه مهرها وعليها العدة، ويثبت نسب ولدها منه. # --- PageV06P014 ~~*** # وقد سئل أبو حنيفة عن أخوين تزوجا أختين فزفت كل واحدة إلى زوج أختها ~~فقال: ليطلق كل واحد زوجته، ثم يتزوج من وطئها. وقال سفيان الثوري: على كل ~~واحد منهما المهر، وعلى كل واحدة العدة، فإذا مضت عدتها دخل بها زوجها. ~~فقال أبو حنيفة: ما قلت أحسن. أرأيت لو صبر كل واحد منهما حتى مضت العدة، ~~أما كان يبقى في قلب كل منهما شيء لدخول أخيه بامرأته؟ فإذا طلق كل زوجته ~~قبل الدخول والخلوة، لا تجب العدة، فإذا طلق بعد ذلك ms1500 فعدتها ممن دخل بها، ~~لا تمنعه من نكاحها، ولم يبق في قلب كل منهما شيء. # (ولا يحد الخليفة) وهو الإمام الذي ليس فوقه إمام لا في زنا، ولا في شرب ~~خمر، ولا في قذف، لأن الحدود حق الله تعالى، وهو نائبه والمقيم لها، فلا ~~يمكنه أن يقيمها على نفسه، لأنها لا تقع مؤلمة، فلا تكون زاجرة، والمقصود ~~من الحدود الزجر. وكذا لو أمر غيره بإقامتها عليه لا تقع مؤلمة، لأنه ~~يهابه. والظاهر أنه يرجم، والله أعلم. (ويقتص) منه (ويؤخذ بالمال) لأن ~~القصاص والأموال من حقوق العباد فيستوفيهما صاحبهما بنفسه أو بالاستعانة ~~بالمسلمين، ولا يشترط فيهما القضاء بخلاف حد القذف، فإن المغلب فيه حق ~~الشرع عندنا، وحق العبد عند الشافعي، فحكمه حكم ما هو حق الشرع خالصا. # ثم اعلم أنه لا يحد بزنا في دار الحرب أو البغي عندنا، وحكم مالك ~~والشافعي بحده لإطلاق الآيات الواردة في حد الزاني وقطع السارق وجلد ~~القاذف، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «أقيموا حدود الله في السفر والحضر، ~~على القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم». رواه أبو داود في ~~«المراسيل». وقال: رويناه بإسناد موصول في «السنن». # --- PageV06P015 ~~*** # ولنا ما روى محمد في كتاب «السير الكبير» عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «من زنا أو سرق في دار الحرب وأصاب بها حدا ثم هرب فخرج إلينا، ~~فإنه لا يقام عليه الحد». وما روى البيهقي عن الشافعي قال: قال أبو يوسف ~~رحمه الله: حدثنا بعض أشياخنا عن مكحول، عن زيد بن ثابت قال: لا تقام ~~الحدود في دار الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو. # قال: وحدثنا بعض أصحابنا عن ثور بن يزيد، عن حكيم بن عمير أن عمر بن ~~الخطاب كتب إلى عمير بن سعد الأنصاري وإلى عماله: أن لا تقيموا الحدود على ~~أحد من المسلمين في أرض الحرب حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة. وروى الأخير ~~ابن أبي شيبة في «مصنفه» قال: حدثنا ابن المبارك، عن أبي بكر بن أبي مريم، ~~عن حكيم بن عمير ms1501 به، وزاد: لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار. وفيه ~~أيضا: حدثنا ابن المبارك، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن حميد بن ~~عقبة بن رومان: أن أبا الدرداء: نهى أن يقام على أحد حد في أرض العدو. # وفي «سنن أبي داود» و«الترمذي» و«النسائي» عن بسر بن أرطاة قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقطع الأيدي في السفر». ولفظ ~~الترمذي: «في الغزو». وقال: هذا حديث غريب، والعمل عليه عند بعض أهل العلم، ~~منهم الأوزاعي يرون أن لا يقام الحد في الغزو بحضرة العدو مخافة أن يلحق من ~~يقام عليه الحد بالعدو، (فإذا رجع الإمام إلى دار الإسلام أقام عليه الحد، ~~ونفينا الحد عن) مكلفة، زنا بها غير مكلف، فلا تحد عندنا. وأثبته زفر كمالك ~~والشافعي، وهو رواية عن أبي يوسف رحمهم الله. وحد لو كان الأمر بالعكس، بأن ~~زنا مكلف بغير مكلفة، وهذا بإجماع الأمة. # --- PageV06P016 ~~*** # وواطىء محرمة بعد العقد عليها والعلم بالحرمة يعزر عند أبي حنيفة رحمه ~~الله، وحكما بالحد كمالك والشافعي. وقال صاحب «الأسرار»: كلامهما أوضح، أي ~~فهو واضح. وواطىء مستأجرته للزنا بها، يعزر عند أبي حنيفة، وحكما بالحد ~~كمالك والشافعي. # واللائط يعزر عند أبي حنيفة رحمه الله، ويسجن حتى يموت أو يتوب، فصار كما ~~لو أتى امرأته في الموضع المكروه منها، أو أتى عبده أو بهيمة أو أجنبية في ~~غير السبيلين منها، وحكما بالحد كمالك والشافعي رحمهم الله، لما في «معجم ~~الطبراني»، عن جابر قال: سمعت سالم بن عبد الله، وأبان بن عثمان، وزيد بن ~~حسن يذكرون أن عثمان أتي برجل قد فجر بغلام من قريش معروف النسب، فقال ~~عثمان: ويحكم، أين الشهود، أحصن؟ قالوا: تزوج امرأة ولم يدخل بها بعد، فقال ~~علي لعثمان: لو دخل بها لحل عليه الرجم، فأما إذا لم يدخل بها فأجلده الحد. # قال أبو أيوب: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الذي ذكر ~~أبو الحسن، فأمر به عثمان فجلد مئة، وما أخرجه ms1502 البيهقي عن عطاء بن أبي رباح ~~قال: أتي ابن الزبير بسبعة في لواطة: أربعة منهم قد أحصنوا، وثلاثة لم ~~يحصنوا، فأمر بالأربعة فرضخوا بالحجارة، وأمر بالثلاث فضربوا الحد، وابن ~~عباس وابن عمر في المسجد. # --- PageV06P017 ~~*** # وأما ما رواه أبو داود والترمذي من قوله عليه الصلاة والسلام: «من ~~وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به» . وفي لفظ: ~~«فارجموا الأعلى والأسفل». فمحمول على هذا المقيد. وفي قول لمالك والشافعي: ~~يرجمان بكل حال، ولأنه في معنى الزنا بل أقبح. ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه ~~ليس بزنا، فلا يثبت فيه حده، وذلك لأن الصحابة قد اختلفوا في موجبه: فمنهم ~~من أوجب فيه التحريق بالنار، ومنهم من قال: يهدم عليه الجدار، ومنهم من ~~قال: ينكس من مكان مرتفع مع اتباع الأحجار. ولو كان زنا لما اختلفوا، كذا ~~ذكره بعض المحققين. # ثم ذكر ما نقل عن الصحابة فقال: روى البيهقي في «شعب الإيمان» من طريق ~~ابن أبي الدنيا بسنده أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر أنه وجد رجلا في ~~بعض (نواحي) العرب ينكح كما تنكح المرأة، فجمع أبو بكر الصحابة فسألهم، ~~فكان من أشدهم في ذلك قولا علي رضي الله عنه قال: هذا ذنب لم تعص به إلا ~~أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن تحرقه بالنار، فاجتمع رأي ~~الصحابة على ذلك. # وروى الواقدي في كتاب «الردة» بسنده وقال: كتب خالد إلى أبي بكر الصديق: ~~أخبرك أني أتيت برجل قامت عندي البينة أنه يوطأ في دبره كما توطأ المرأة، ~~فدعا أبو بكر الصحابة واستشارهم فيه، فقال له عمر وعلي: احرقه بالنار، فإن ~~العرب تأنف أنفا لا يأنفه أحد غيرهم. وقال غيرهما: اجلدوه. فكتب أبو بكر ~~إلى خالد أن احرقه بالنار، فحرقه. # وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن أبي نضرة قال: سئل ابن عباس ما حد ~~اللوطي؟ قال: ينظر إلى أعلى بناء في القرية فيرمى منه منكسا ثم يتبع ~~بالحجارة. وكأن مأخذهم هذا أن قوم لوط أهلكوا بذلك حيث حملت ms1503 قراهم ونكست ~~بهم. ولا شك في اتباع الهديم بهم وهم نازلون. انتهى. # --- PageV06P018 ~~*** # والظاهر أن عذابهم كان مركبا من التنكيس، وإمطار الحجارة عليهم. ثم إن ~~أريد من التعزير ما ذكر في بابه، فلا شك أنه ليس قول أحد من الصحابة، وإنما ~~هو إحداث قول آخر، فإنه لا يجوز، فتعين ما قال صدر الشريعة: إن عند أبي ~~حنيفة رحمه الله يعزر بأمثال هذه الأمور، والله تعالى أعلم. # فصل في حد القذف # وهو لغة: الرمي، ومنه قوله تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه}. # وشرعا: الرمي بالزنا بمعنى الطعن فيه. وهو من الكبائر إجماعا لقوله ~~تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة ولهم عذاب عظيم}، ولقوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين ~~وغيرهما: «اجتنبوا السبع الموبقات أي المهلكات . قيل، وما هن يا رسول ~~الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، ~~وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». # (من قذف) وهو (مكلف) حر أو عبد (محصنا أي حرا) وعن داود: أنه يحد قاذف ~~العبد. (مكلفا) وأحمد في رواية لا يشترط البلوغ، بل يشترط أن يكون بحيث يجامع. # --- PageV06P019 ~~*** # (مسلما) وعن ابن المسيب وابن أبي ليلى: يحد قاذف الذمية التي لها ولد ~~مسلم (عفيفا عن الزنا) أي معروفا بكف نفسه عنه، غير متهم به، لأن غير ~~العفيف لا يلحقه شين بالقذف، وكذا قاذفه صادق فيه. (بصريحه) أي بصريح أي ~~لسان كان من عربي وفارسي ونبطي، وهو متعلق ب: قذف. واحترز به عما لو قذف ~~بلفظ الجماع، أو المباضعة حراما، أو بالتعريض بأن قال لرجل: ما أنا بزان، ~~أو: ما أمي بزانية، فإنه لا يحد (عندنا)، وبه قال سفيان وابن شبرمة والحسن ~~بن صالح والشافعي وأحمد في رواية. # وقال مالك وأحمد رحمهم الله في رواية: يحد لما روى مالك في «الموطأ» عن ~~أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان الأنصاري، عن أمه عمرة ~~بنت عبد الرحمن: أن رجلين استبا في زمن عمر ms1504 بن الخطاب، فقال أحدهما للآخر: ~~والله ما أبي بزان، ولا أمي بزانية، فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب، فقال ~~قائل: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، نرى أن ~~تجلده الحد، فجلده عمر إلى ثمانين. # ولنا ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة: أن أعرابيا قال: يا رسول الله ~~إن امرأتي ولدت غلاما أسود. قال: «هل لك من إبل؟» قال: نعم. قال: «ما ~~ألوانها؟» قال: حمر. قال: «فهل فيها من أورق»؟ أي: ما في لونه بياض وسواد ~~، قال: إن فيها لورقا. قال: «فأنى أتاها ذلك؟» قال: لعله نزعه عرق. قال: ~~«وكذلك هذا الولد لعله نزعه عرق». وترجم عليه البخاري: باب إذا عرض بنفي ~~الولد. وزاد في لفظ: وإني أنكرته، يعرض بأنه ينفيه. # --- PageV06P020 ~~*** # وما روى أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن امرأتي لا تمنع يد لامس. قال: ~~«غربها» بتشديد الراء المكسورة أي اجعلها غريبة، يعني: طلقها، كما في بعض ~~الروايات قال: أخاف أن تتبعها نفسي، قال: «فاستمتع بها». وفي رواية: ~~«فأمسكها». وقوله: لا تمنع يد لامس، كناية عن زناها. # وأيضا إن الله تعالى فرق بين التعريض بالخطبة في العدة فأباحه، وبين ~~التصريح بها فمنعه، حيث قال: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ~~أو أكننتم في أنفسكم} الآية، فليفرق بينهما بالقذف أيضا. وأنه تعالى أوجب ~~حد القذف بصريح الزنا، فلم يكن لنا إيجابه بكناية إلحاقا لها به دلالة، لأن ~~الكنايات والتلويح دون التصريح لما فيها من الاحتمال، والله تعالى أعلم ~~بحقائق الأحوال. # ثم القذف إما بصريحه: يا زاني، يا عاهر، يا ابن الزاني، يا ابن الزانية. ~~(أو) بدلالة كالقول (ب: لست لأبيك) إذا كانت أمه محصنة. قيدنا به، لأن هذا ~~في الحقيقة قذف لأمه، فإنه إذا لم يكن من أبيه كان من غيره، ولا نكاح لغير ~~أبيه على أمه، فكان في نفي نسبه من أبيه قذف أمه بالزنا. (أو: ms1505 لست بابن ~~فلان في غضب) مشاتمة، وهو قيد في هذه المسألة والتي قبلها (وهو) أي فلان ~~(أبوه) جملة حالية . # --- PageV06P021 ~~*** # (حد ثمانين سوطا) لقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة}، والمراد الرمي بالزنا بإجماع العلماء. ~~وفي الآية إشارة إليه حيث شرط أربعة شهداء، فإن ذلك من خصائص الزنا. ثم ~~النص وإن ورد في المحصنات إلا أن المحصنين أيضا كذلك، لأن المعنى وهو دفع ~~العار يشملهما، فكان النص متناولا لهم دلالة، وعليه الإجماع. وخصهن، لأن ~~القذف في الأغلب يقع بهن. # (كحد الشرب) في الكمية: وهو ثمانون سوطا، وفي الثبوت: وهو الإقرار أو ~~شهادة رجلين. قيد بكون فلان أباه، لأنه لو كان جده لا يحد. وقيد بالغضب كما ~~في بعض النسخ وهو الصحيح، لأنه لو كان في رضى لا يحد، لأن في حال الرضا ~~يحتمل أن يراد بهذا اللفظ المعاتبة، بمعنى: أنت لا تشبه أباك في الكرم ~~والمروءة. # وفي «المبسوط»: وكذا لو قال: إنك ابن فلان، وهو غير أبيه في حال ~~المشاتمة، لأن مقصوده نفي نسبه من أبيه، ونسبة أمه إلى الزنا، بخلاف حالة ~~الرضا، لأن مراده: إن أخلاقك تشبه أخلاق فلان، (فكأنك ابنه، وإنما خص الحكم ~~بلست بابن فلان) لأنه لو قال: لست بابن فلانة، وهي أمه، أو قال: لست بابن ~~فلان، ولا بابن فلانة، وفلان أبوه وفلانة أمه، لا يحد لا في حالة الرضا ولا ~~في حالة الغضب، لأنه ليس فيه قذف أمه لا لفظا ولا اقتضاء، لأن نفيه عن أمه ~~نفي لولادتها له، ونفي ولادتها له نفي للوطىء عنها، وفي نفي الوطىء نفي ~~الزنا، بخلاف ما إذا لم يقل: ولا ابن فلانة، فإنه نفاه عن الوالد فقط، ~~وولادة الولد ثابتة عن أمه، فصار كأنه قال: أنت ولد الزنا. # --- PageV06P022 ~~*** # (والطلب بقذف الميت للوالد) وإن علا (والولد وولده) وإن سفل، لأن العار ~~يلحق هؤلاء لمكان الجزئية، فكان القذف متناولا لهم. ويدخل في عبارته ولد ~~البنت، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: ليس له أن ms1506 يطلب، لأنه ~~منسوب إلى أبيه لا إلى أمه، فلا يلحق بزنا أبي أمه عار. ولهما: أن العار ~~يلحقه لثبوت النسب من الطرفين. # (ولو) كان (محروما) من الإرث كولد الولد مع الولد، (والولد) الكافر ~~والعبد، خلافا لزفر في الجميع. وقال مالك والشافعي: الطلب لوارث الميت، وهو ~~مبني على أن الغالب فيه عنده حق العبد فيورث. وعندنا: حق الله تعالى، فلا ~~يورث. (ولا يطالب أحد سيده ولا أباه) وإن علا (بقذف أمه) ولا أم أمه وإن ~~علت بقذف أبيه، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية، لأن السيد لا يعاقب ~~بسبب عبده، والوالد لا يعاقب بسبب ولده، ولذا لا يقاد من الوالد إذا قتل ~~ولده، ولا من السيد إذا قتل عبده. # (وليس فيه إرث) خلافا للشافعي (و) لا (عفو) من المقذوف عن القاذف خلافا ~~لمالك والشافعي وأحمد، لكن عندنا لو عفى المقذوف لا يحد القاذف لتركه الطلب ~~لا لصحة العفو. حتى لو عاد وطلب يحد (و) لا (عوض) أي اعتياض خلافا للشافعي وأحمد. # --- PageV06P023 ~~*** # ولا خلاف في أن في حد القذف حقين: حق الشرع، وحق العبد. أما حق العبد ~~فلأنه شرع لصيانة عرض العبد ولدفع العار عن المقذوف، وهو الذي ينتفع به على ~~الخصوص، ولذا يشترط فيه الدعوى، ولا يبطل بالتقادم، ويقيمه القاضي بعلمه، ~~ويقدم استيفاؤه على سائر الحدود، ولا يبطل بالرجم، ولا يصح الرجوع عنه بعد ~~الإقرار. وأما حق الشرع فلأنه شرع زجرا للمفسدين، ولذا لا يباح القذف ~~بالإباحة، ويستوفي حده الإمام دون المقذوف، ويجري فيه التداخل حتى لو قذف ~~واحد (أحدا) مرات أو جماعة مرة كان عليه حد واحد. # فغلب مالك والشافعي وأحمد حق العبد لحاجته وغنى الشرع، إذ هو الأصل فيما ~~اجتمع فيه الحقان. وغلبنا حق الشرع نظرا للمقصود منه وهو إخلاء العالم عن ~~الفساد الذي هو حق الله. وما للعبد من الحق يتولاه مولاه ولا كذلك العكس، ~~لأنه لا ولاية (للعبد) في استيفاء حق الشرع إلا بالنيابة، وإنما يقدم حق ~~العبد فيما لم يمكن الجمع بين الحقين، وهنا أمكن ms1507 فلا حاجة إليه. وقال صدر ~~الإسلام أبو اليسر في «مبسوطه»: الصحيح أن المغلب فيه حق العبد كما قال ~~الشافعي، لأن أكثر الأحكام تدل عليه. وقد نص محمد في «الأصل»: على أن حد ~~القذف حق العبد كالقصاص، إلا أنه فوض (إقامته) إلى الإمام، لأن كل أحد لا ~~يهتدي لإقامة الجلد. # --- PageV06P024 ~~*** # (وفي: يا زاني فقال: بل أنت) وفي بعض النسخ: لا، بل أنت (حدا) أي البادي ~~بالقول والمجيب له، لأن كل واحد منهما قاذف. أما البادي فظاهر، وأما ~~المجيب، فلأن معنى كلامه أنت الزاني، لأن كلمة بل للإضراب عن المتبوع، وصرف ~~الحكم إلى التابع، وقد يؤتى بلا معها لتأكيد ذلك فيصير قاذفا. (ولعرسه) أي ~~ولو قال لامرأته: يا زانية، فقالت. بل أنت، أو: لا، بل أنت (حدت ولا لعان) ~~لأنهما قاذفان، وقذفها إياه يوجب الحد، وقذفه إياها يوجب اللعان، فيبدأ ~~بالحد، لأن في البداءة به فائدة، وهي إبطال اللعان، لأن المحدود في القذف ~~لا يلاعن، وفي البداية باللعان لا يبطل حدها، لأن حد القذف يجري على ~~الملاعنة، واللعان في معنى الحد فيحتال لدرئه. # وفي «المبسوط»: لو قال لامرأته: يا زانية بنت الزانية صار قاذفا لها ~~ولأمها، وقذفها يوجب اللعان، وقذف أمها يوجب الحد، فإذا طلبته هي وأمها ~~بدىء بالحد لما في البداية به إسقاط اللعان. (وإن قالت:) العرس في جواب قول ~~زوجها: يا زانية (زنيت بك هدرا) أي بطل قول الزوج والعرس. وفي بعض النسخ: ~~هدر، أي بطل هذا القول، فلا حد ولا لعان، لأنه يحتمل أنها أرادات قبل ~~النكاح فيكون تصديقا (له بأنها زنت فيسقط اللعان لتصديقها) إياه، ويجب ~~عليها الحد، لأنها قذفته ولم يصدقها. # --- PageV06P025 ~~*** # ويحتمل أنها أرادت حال النكاح، أي زناي هو الذي كان معك بعد النكاح، لأني ~~ما مكنت أحدا غيرك، ولا حصل مني فعل الزنا، وهو المراد في مثل هذه الحالة، ~~لأنه أغضبها وأذاها فتغضبه وتؤذيه متمسكة بقوله تعالى: {الزانية لا ينكحها ~~إلا زان} فلا تكون مصدقة له ولا قاذفة، فلا يجب عليها الحد، ويجب اللعان ~~بقذفه لها. ms1508 فقد وجب كل واحد من القذف واللعان في حال دون حال، فلا يجب واحد ~~منهما بالشك. وبقولنا قال أحمد. وقال مالك: تحد لأنها قذفت زوجها بالزنا ~~ولم يصدقها فيه. وقال أشهب: إلا أن تقول قلت ذلك مجاوبة ولم أرد قذفا ولا ~~إقرارا. # وفي «المبسوط»: لو قال لأجنبية: يا زانية، فقالت: زنيت بك، لا يحد الرجل ~~لتصديقها إياه، لأن المقذوف متى صدق القاذف سقط الحد، وتحد المرأة لقذفها ~~له، ولا يحد بنفيه عن جده، لأنه صادق في كلامه، وكذا بنسبته إليه أو إلى ~~عمه أو خاله أو زوج أمه، لأن كل واحد منهم أب. قال الله تعالى: {كما أخرج ~~أبويكم}، وقال: {ورفع أبويه على العرش} قال (المفسرون): هما خالته وأبوه. ~~وقال صلى الله عليه وسلم: «الخال والد من لا والد له». رواه في «الفردوس». ~~وقال الله تعالى: {قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} ~~وكان إسماعيل عما ليعقوب عليه السلام. # ولا يحد ب: يا ابن ماء السماء، لأن الناس يذكرون هذا لقصد المدح، فماء ~~السماء لقب به عامر بن حارثة بن الغطريف الأزدي، لأنه وقت القحط كان يقيم ~~ماله مقام القطر، فهو كماء السماء عطاء وجودا. وقد لقب بماء السماء أيضا ~~للحسن والصفاء، وبه لقبت أم ابن المنذر بن امرىء القيس لذلك، وقيل لولدها ~~بنو ماء السماء. قال زهير: # --- PageV06P026 ~~*** # *ولازمت الملوك من آل نصر ** وبعدهم بني ماء السماء # ولا يحد بقذف امرأة لم يدر أبو ولدها. وما جعلنا مصدق القاذف قاذفا إلا ~~إذا زاد على تصديقه: هو كما قلت، وجعله زفر قاذفا بدون الزيادة، لأنه صدقه ~~فيما قال، والتصديق في القذف قذف. ولنا أنه لم يصرح بنسبته إلى الزنا، ~~وتصديقه إياه محتمل لجواز أن يكون في الزنا وغيره، فلا يحد بالاحتمال، ~~بخلاف ما لو زاد: هو كما قلت، فإنه ليس فيه احتمال غيره. واختلاف الشاهدين ~~في زمان القذف أو مكانه غير مانع من قبول الشهادة عند أبي حنيفة، وردها ~~صاحباه، كما لو اختلفا في قذفه بالعربية والعجمية. # فصل في حد ms1509 الشرب # (من أخذ بريح الخمر) حالة الأخذ وإن زالت رائحتها قبل الوصول إلى الحاكم ~~لبعد الطريق (أو) أخذ (سكران زائل العقل) هذا بيان للسكران في حق الحد، ~~وتفسير له على قول أبي حنيفة، وهو من لا يعرف الرجال من النساء، ولا الأرض ~~من السماء، لأن الحد عقوبة فاعتبرت النهاية في سببه احتيالا لدرئه، ويؤيد ~~ذلك قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون} حيث عبر عن الصحو بالعلم بالقول، فكان السكر الذي هو ضده ~~عدم العلم بذلك. وإنما قلنا في حق الحد، لأن السكر في حق الحرمة عند أبي ~~حنيفة اختلاط الكلام أخذا بالاحتياط في الحرمة. # --- PageV06P027 ~~*** # وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد: السكران مطلقا أي في حق الحد، ~~وفي حق الحرمة: هو الذي يختلط في كلامه بحيث يصير يهذي، ويختلط جده بهزله، ~~ولا يستقر على شيء في جواب ولا خطاب. قال في «المبسوط»: وإليه مال أكثر ~~المشايخ واختاروه للفتوى، لأنه هو المتعارف، ولقول علي كرم الله وجهه: فإنه ~~إذا شرب سكر، إلى آخره. وعن ابن الوليد قال: سألت أبا يوسف عن السكران الذي ~~عليه الحد. قال: أن يستقرأ: «قل يأيها الكافرون» فلا يقدر على قراءتها، ~~فقلت: لم عينت هذه السورة، وربما أخطأ في قراءتها الصاحي؟ فقال: لأن تحريم ~~الخمر نزل فيمن شرع في قراءتها فلم يستطع، أي بل قرأ: أعبد ما تعبدون. # (بنبيذ) متعلق بالسكران والمراد نبيذ محرم (أو أقر به مرة) وقال أبو يوسف ~~وزفر: مرتين في مجلسين (صاحيا) قيد به، لأن إقرار السكران بالشرب لا يعتبر ~~لقوة احتمال الكذب في كلامه، فلا يعتبر فيما يندرىء بالشبهة (أو شهد به ~~رجلان) لا رجل وامرأتان (وعلم شربه طوعا) قيد بالطوع، لأن الشرب إكراها أو ~~ضرورة لا يوجب الحد. وإنما قيدنا النبيذ بالمحرم، لأنه الذي يحد عندنا من ~~كثيره وهو ما أسكر، لا من قليله وهو ما لا يسكر، وبه قال النخعي وأبو وائل. ~~وقال مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي والحسن وقتادة وعمر بن عبد ms1510 العزيز: يحد ~~في قليله وكثيره كالخمر. وقال أبو ثور: من شربه متأولا، فلا حد عليه، لأنه ~~مختلف فيه، فأشبه النكاح بلا ولي. # --- PageV06P028 ~~*** # ولنا ما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه»: أن عمر بن الخطاب ساير رجلا في سفر ~~وكان صائما فلما أفطر أهوى إلى قربة لعمر معلقة فيها نبيذ، فشرب منها ~~فسكر، فضربه عمر الحد. فقال: إنما شربت من قربتك، فقال له عمر: إنما جلدتك ~~لسكرك. وشرب رجل من إداوة علي رضي الله عنه (نبيدا) بصفين فسكر، فضربه الحد ~~ثمانين. # وفي «سنن الدارقطني» عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي ~~برجل قد سكر من نبيذ تمر فجلده. وفي «مسند ابن راهويه» عنه أيضا قال: أتي ~~النبي صلى الله عليه وسلم بسكران فضربه الحد، وقال له: «ما شرابك؟» قال: ~~تمر وزبيب. فقال: «لا تخلطوهما جميعا، يكفي أحدهما من صاحبه». # وفي «الجامع» للمحبوبي: السكر من هذه الأشربة المتخذة من الحبوب كالحنطة ~~والشعير والذرة والعسل والفرصاد وهو التوت الأسود وغيرها حرام بالاتفاق، ~~لأن السكر من البنج حرام، مع أنه مأكول غير مشروب، فمن المشروب أولى. وبعض ~~المشايخ قال: في زماننا الفتوى على من سكر من البنج يقع طلاقه، ويحد لفشو ~~هذا الفعل بين الناس. # واعلم أنه يحد لشرب الخمر ولو قطرة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من شرب ~~الخمر فاجلدوه»، إلى أن قال: «فإن عاد الرابعة فاقتلوه». رواه أصحاب السنن ~~من حديث معاوية، ولفظه من حديث أبي هريرة: «إذا سكر فاجلدوه».... الحديث. ~~ورواه النسائي عن ابن عمر وجابر وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم باللفظ الأول. وروى البزار في «مسنده» عن ابن إسحاق: أنه صلى الله ~~عليه وسلم أتي بالنعمان قد شرب الخمر ثلاثا، فأمر به فضرب، فلما كان ~~الرابعة: أمر به فجلد الحد، فكان نسخا. # --- PageV06P029 ~~*** # (يحد) إذا كان بالغا عاقلا، وهذا خبر المبتدأ الذي هو من أخذ، أي يحد ~~الحر ثمانين سوطا، والعبد نصفها، وبه قال مالك وأحمد في رواية، واختاره ابن ~~المنذر (صاحيا) وهو قول ms1511 مالك والشافعي (وأحمد) ليحصل المقصود من الحد وهو ~~الانزجار، ولأن عمر حد الذي شرب من قربته بعد الإفاقة كما رواه عبد الرزاق. ~~وقال الشافعي وأحمد في رواية: يحد الحر أربعين والعبد نصفها، ولو ضرب قريبا ~~من ذلك بأطراف الثياب والنعال كفى على الأصح عنده، ولو رأى الإمام أن يجلده ~~ثمانين جاز على الأظهر، وفي وجه يتعين الجلد بالسياط. روى البخاري في ~~«صحيحه» من حديث السائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وإمرة أبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، فنقوم إليه ~~بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا ~~أو فسقوا جلد ثمانين. # وروى مسلم من حديث أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد ~~شرب الخمر فضربه بجريدتين نحو الأربعين، وفعله أبو بكر، (فلما كان عمر ~~استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر). ~~وفيه عن أنس أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد ~~والنعال، ثم جلد أبو بكر أربعين. # --- PageV06P030 ~~*** # فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى. قال: ما ترون في جلد الخمر، ~~فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعله (ثمانين) كأخف الحدود. قال: فجلد عمر ~~ثمانين. وروى مالك في «الموطأ» عن ثور بن زيد الديلي، عن عمر بن الخطاب: ~~أنه استشار في الخمر (يشربها الرجل). فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن ~~تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى (وعلى ~~المفتري ثمانون) فجلد عمر في الخمر ثمانين. وفي «مصنف عبد الرزاق»: أخبرنا ~~سفيان الثوري، عن عوف، عن الحسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر ~~ثمانين. # (لا بمجرد الريح) أي لا يحد من لم يوجد منه إلا ريح الخمر (أو) لم يوجد ~~منه إلا (التقيؤ) # أي تقيؤ الخمر لاحتمال أنه شربها مكرها أو مضطرا (أو) لم يوجد منه إلا ~~(السكر) لاحتمال أنه سكر ms1512 من مباح. وقال مالك، وهو رواية عن أحمد: يحد من ~~وجد منه رائحة الخمر، لأن رائحتها منه تدل على شربها، فصار كإقراره بالشرب. # وأجيب: بأن رائحتها وإن دلت على شربها، إلا أنه يحتمل أن يكون مكرها أو ~~مضطرا، والحد لا يجب بالشرب إلا إذا علم أنه طائع غير مضطر. (ولا إن رجع) ~~أي ولا يحد المقر إن رجع (عن الإقرار) بالشرب قبل الحد، أو في وسطه، لأنه ~~خالص حق الله، فيعمل الرجوع فيه كالزنا، بخلاف حد القذف والقصاص لأنهما من ~~حقوق العباد. (ومن شهد بحد متقادم) أي حد كان، حال كونه (قريبا من إمام رد) ~~خلافا لمالك والشافعي وأحمد في رواية اعتبارا بالشهادة في حق العباد. # --- PageV06P031 ~~*** # ولنا ما ذكر محمد في «الأصل» عن عمر أنه قال: أيما شهود شهدوا على حد لم ~~يشهدوا عند حضرته، فإنما شهدوا على ضغن، فلا شهادة لهم. ولأن الشاهد متى ~~عاين الزنا ونحوه فهو مخير بين حسبتين: حسبة آداء الشهادة ليقام الحد فيحصل ~~الانزجار، قال الله تعالى: {وأقيموا الشهادة}، وحسبة الستر على المسلم ~~بالامتناع عن الشهادة، فإن الشرع ندبنا إلى الستر بقوله تعالى: {إن الذين ~~يحبون أن تشيع الفاحشة} الآية، وقوله عليه الصلاة والسلام: «من ستر على ~~مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة». فتأخير هذه الشهادة مع إمكان أدائها إن ~~كان للستر فيتهم بأنه إنما أقدم عليها بعد ذلك لضغينة أو عداوة فترد، وإن ~~كان لا للستر فهو فسق (لأن أداء الشهادة واجب، وتأخير الواجب فسق) وشهادة ~~الفاسق مردودة، ولهذا قلنا في حق العباد. وإذا طلب المدعي من الشاهد أداء ~~الشهادة، فأخر بلا عذر ثم أدى، لا تقبل شهادته مع إمكانه (إلا في) حد (قذف) ~~فإنه لا يرد، لأن تأخيرها فيه لعذر شرعي، وهو عدم الدعوى، لأن الدعوى شرط ~~في حد القذف كسائر حقوق العباد. # (وضمن) السارق بالشهادة المتقادمة (السرقة) أي المسروق، لأن التقادم يمنع ~~الشهادة في حق الحد للتهمة، ولا يمنعها في حق المال، لأن المال يثبت مع ~~الشبهة، فصار كما لو شهد رجل ms1513 وامرأتان بالسرقة حيث يضمن السارق المال ولا ~~يقطع. (وإن أقر به) أي بحد متقادم (حد). وقال زفر: لا يحد اعتبارا ~~بالشهادة. وأجيب: بأن الشهادة قد تهيجه عليها عداوة حادثة، بخلاف الإقرار ~~لانتفاء تهمة الضغينة فيه، لأنه لا يعادي نفسه، ولأن الإقرار لا يبطل ~~بالتهمة والفسق. # --- PageV06P032 ~~*** # (وهو) أي التقادم (للشرب) من خمر أو غيرها (بزوال الريح) عند أبي حنيفة ~~وأبي يوسف، وبمضي شهر عند محمد كما في الحدود. لهما ما روى عبد الرزاق في ~~«مصنفه»، والطبراني في «معجمه»، وإسحاق بن راهويه في «مسنده»، عن أبي ماجد ~~الحنفي قال: جاء رجل بابن أخ له سكران إلى عبد الله بن مسعود، فقال عبد ~~الله: ترتروه ومزمزوه واستنكهوه، ففعلوا فرفعه إلى السجن، ثم دعا به من ~~الغد ودعا بسوط ثم أمر (به فدقت) ثمرته بين حجرين حتى صارت درة، ثم قال ~~للجلاد اجلد، (وأرجع يدك)، وأعط كل عضو حقه. والترترة بمثناتين فوقيتين ~~وراءين مهملتين: التحريك، وكذا المزمزة بزائين معجمتين. # والحاصل: أن بقاء ريح الخمر والنبيذ شرط لإقامة الحد عند أبي حنيفة وأبي ~~يوسف، إلا أن ينقطع لبعد مسافة عن الإمام، لقول ابن مسعود. ونفى محمد ~~اشتراط بقائه كمالك والشافعي، وهو الصحيح، لإطلاق ما روينا من قوله عليه ~~الصلاة والسلام: «من شرب الخمر فاجلدوه»، وقوله: «إذا سكر فاجلدوه». ولأن ~~وجود الرائحة لا يصلح دليلا، إذ قد يتكلف لزوالها مع بقاء الخمر، وقد يوجد ~~رائحة الخمر من غير خمر كما قيل: # *يقولون لي: إنك شربت مدامة ** فقلت لهم: لا بل أكلت سفرجلا # وقيل: # *سفرجلة تحكي ثدي النواهد ** لها عرف ذي فسق وصفرة زاهد # فظهر أن رائحة الخمر تلتبس بغيرها، فلا يناط شيء من الأحكام بوجودها ولا ~~بعدمها. ولو سلمنا أنها لا تلتبس على ذوي المعرفة، فلا موجب لتقييد العمل ~~بالبينة بوجودها، لأن المعقول تقيد قبولها بعدم التهمة، والتهمة لا تتحقق ~~في الشهادة بوقوعها بعد ذهاب الرائحة بل بتأخير الأداء تأخيرا يعد تفريطا، ~~وذلك منتف في تأخير يوم ونحوه، وبه تذهب الرائحة. # --- PageV06P033 ~~*** # ومحل النزاع في عدم قبول ms1514 الشهادة عند عدم الرائحة، وليس في أثر ابن مسعود ~~شهادة منع من العمل بها لعدم الرائحة وقت أدائها، بل ولا إقرار، وإنما فيه ~~أنه حده بظهور الرائحة بالترترة المزمزة، وإنما فعله لأن بالتحريك تظهر ~~الرائحة من المعدة التي كانت خفيت، وكان ذلك مذهبه، ويدل عليه ما في ~~الصحيحين عنه: أنه قرأ سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فقال عبد الله: ~~والله لقد قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أحسنت فبينا هو ~~يكلمه إذ وجد منه رائحة الخمر، فقال أتشرب (الخمر) وتكذب بالكتاب؟ فضربه ~~الحد. وروى الدارقطني بسند صحيح عن السائب بن يزيد، عن عمر بن الخطاب، أنه ~~ضرب رجلا وجد منه ريح الخمر. # والحاصل أن حده عند وجود الريح مع عدم البينة أو الإقرار لا يستلزم ~~اشتراط الرائحة مع أحدهما. ثم هو مذهب بعض العلماء منهم مالك، وهو قول ~~للشافعي (ورواية عن أحمد)، والأصح عن الشافعي وأكثر أهل العلم نفيه. هذا ~~ملخص كلام بعض أهل التحقيق، والله ولي التوفيق. # (ولغيره) أي الشرب (بمضي شهر) عند أبي يوسف ومحمد، وبالتفويض إلى رأي ~~القاضي عند أبي حنيفة. وقيل: يقدر بنصف الشهر، والأول أصح، وهو رواية عن ~~أبي حنيفة. (فإن شهد) على رجل (بزنا) بفلانة أو أقر رجل أنه زنا بفلانة ~~(وهي غائبة) أو أقر بالزنا بمجهولة (حد) ذلك الرجل باتفاق الأئمة. (و) إن ~~شهد على رجل (بسرقة من غائب لا) أي لا يقطع. # (ونصف حد العبد) فيجلد في الزنا خمسين، وفي غيره أربعين لقوله تعالى: ~~{فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} (أي من الجلد) والآية وإن كانت في ~~الإماء إلا أنه يعرف منها حكم العبد بطريق الدلالة . # --- PageV06P034 ~~*** # (ويكفي حد) واحد (بجنايات اتحد جنسها) فمن قذف جماعة بكلمة واحدة بأن ~~قال: يا زناة، أو بكلمات متفرقة بأن قال: يا زيد أنت زان، ويا عمرو أنت ~~زان، ويا خالد أنت زان، لا يقام عليه إلا حد واحد. وكذا من زنى مرارا، وشرب ~~مرارا يكفيه حد واحد، وبه قال مالك، ms1515 والثوري، وابن أبي ليلى، والشعبي، ~~والزهري، والنخعي وقتادة وحماد وطاوس، وأحمد في رواية. وقال الشافعي: إن ~~قذف جماعة بكلمات، أو واحدا مرات بزنا متعدد، يجب لكل قذف حد، وبه قال أحمد ~~في رواية بناء على أن الغالب في حد القذف عنده حق الآدمي، فلا يتداخل ~~كالديون والقصاص، بخلاف ما لو قذفهم بكلمة واحدة حيث يتداخل في القديم دون ~~الجديد، أو قذف واحدا مرات بزنا واحد حيث يتداخل. # وعندنا الغالب في حد القذف حق الله تعالى، فيكون ملحقا بحد الزنا والشرب. ~~وأما الجنايات المختلفة الجنس فلا تتداخل إجماعا، لأن المقصود من كل جنس ~~غير مقصود من الآخر، فحد الزنا لصيانة الأنساب، وحد السرقة لصيانة الأموال، ~~وحد الشرب لصيانة العقول، وحد القذف لصيانة الأعراض. فلو قذف وزنا وسرق ~~وشرب يقام عليه لكل واحد حده، ولا يوالي بين حدين خيفة هلاكه بل ينتظر حتى ~~يبرأ من الأول، ويبدأ بحد القذف، لأن فيه حق العبد، ثم الإمام مخير إن شاء ~~بدأ بحد الزنا، وإن شاء بالقطع لاستوائهما في القوة إذ هما ثابتان بالكتاب، ~~ويؤخر حد الشرب، لأنه أضعف منهما. ولو كان مع هذه جراحة توجب القصاص بدأ ~~بالقصاص، لأنه حق العبد، ثم حد القذف، ثم الأقوى فالأقوى، والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # فصل في التعزير # --- PageV06P035 ~~*** # وهو تأديب دون الحد مشتق من العزر بمعنى الردع والزجر. وهو مشروع ~~بالكتاب، قال الله تعالى: {واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} أمر ~~بضرب الزوجات تهذيبا وتأديبا. وبالسنة وهو ما رواه محمد بن الحسن مرسلا (عن ~~الضحاك بن مزاحم، والبيهقي) عن النعمان بن بشير: «من بلغ حدا، في غير حد، ~~فهو من المعتدين». وقال عليه الصلاة والسلام في الصبيان: «اضربوهم لعشرة». ~~لترك الصلاة، وبإجماع الصحابة. # وهو قد يكون بالكلام العنيف، وقد يكون بتحريك الأذن، وبالصفع وبالضرب. ~~(وأكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطا) عند أبي حنيفة، وخمس وسبعون سوطا عند ~~أبي يوسف في ظاهر الروايات عنه، وهو قول ابن أبي ليلى. وفي رواية: تسع ~~وسبعون. وقول محمد ذكره بعضهم مع أبي ms1516 حنيفة، وبعضهم مع أبي يوسف. # والأصل في هذا ما أخرجه البيهقي عن النعمان بن بشير وقال: المحفوظ أنه ~~مرسل أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من بلغ حدا، في غير حد، فهو من ~~المعتدين». أي من أتى حدا في موضع لا يجب فيه الحد، فهو من المعتدين، فلزم ~~أن لا يبلغ به حدا. إلا أن أبا حنيفة اعتبر أدنى الحد، وهو (حد) العبد، ~~وأقله أربعون، لأن مطلق الحد يتناوله، وأبو يوسف اعتبر حد الأحرار، لأنهم ~~الأصول، وأقله ثمانون، فينقص عنه سوطا في رواية هشام عنه، وهو القياس، وبه ~~قال زفر، وفي رواية: خمسة، وهو مأثور عن علي فقلده. # ولأن أقصى حد الأحرار مئة، وأقصى حد العبد خمسون، فوجب أن يحد نصف كل ~~واحد منهما، وذا خمسة وسبعون. وقال مالك: لا حد لأكثر التعزير، فيجوز ~~للإمام عنده أن يزيد في التعزير على الحد إذا رأى المصلحة في ذلك، ولا يبعد ~~أن يعمل بقول أبي حنيفة في العبيد، وبقول أبي يوسف في الأحرار. # --- PageV06P036 ~~*** # (وأقله ثلاثة) هكذا ذكره القدوري، وكأنه يرى أن ما دون الثلاثة لا يقع به ~~الزجر. وذكر التمرتاشي عن السرخسي: أنه ليس فيه شيء مقدر، بل مفوض إلى رأي ~~القاضي، لأن المقصود منه الزجر، وأحوال الناس مختلفة فيه: فمنهم من ينزجر ~~بالنصيحة، ومنهم من يحتاج إلى اللطمة، ومنهم من يحتاج إلى الضرب، ومنهم من ~~يحتاج إلى الحبس. وفي النهاية: تعزير أشراف الأشراف وهم العلماء والعلوية ~~بالإعلام، وهو أن يقول له القاضي: بلغني أنك تفعل كذا؛ وتعزيز الأشراف وهم ~~الأمراء والدهاقين: بالإعلام والجر إلى باب القاضي والخصومة في ذلك؛ وتعزير ~~الأوساط وهم السوقة: بالإعلام والجر والحبس. وتعزير الأخسة: بهذا كله ~~والضرب. # وسئل الهندواني عن رجل وجد رجلا مع امرأته أيحل له قتله؟ قال: إن كان ~~يعلم أنه ينزجر بالصياح والضرب بما دون السلاح لا يحل له قتله، وإن علم أنه ~~لا ينزجر بذلك حل له قتله، وإن طاوعته المرأة حل له قتلها أيضا. # وعن أبي يوسف: يجوز للسلطان أن يعزر بالمال ms1517 (مثل أموال البغاة فليحفظ). ~~وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد: لا يجوز. ثم التعزير فيما شرع فيه ~~واجب إذا رآه الإمام، وبه قال مالك وأحمد. وقال الشافعي: ليس بواجب. ولنا ~~أنه زاجر مشروع، فيجب كالحد. # (وصح حبسه مع ضربه) إذا رأى الإمام فيه مصلحة. (وضربه) أي ضرب التعزير ~~(أشد) من ضرب الحدود، لأن ضرب التعزير خفف من حيث الكمية، فلا يخفف من حيث ~~الكيفية لئلا يؤدي إلى فوت المقصود الذي هو الزجر بالكلية. وفي «المحيط»: ~~أن محمدا ذكر في حدود «الأصل»: أن التعزير يفرق على الأعضاء، وذكر في أشربة ~~«الأصل»: أن ضرب التعزير يكون في موضع واحد. # --- PageV06P037 ~~*** # (ثم) الحد (للزنا) لأنه ثابت بالكتاب بخلاف حد الشرب، فإنه بقول الصحابة ~~كما تقدم (ثم) الحد ((للشرب ثم) الحد) (للقذف) لأن جناية الشرب بلا شبهة ~~لمشاهدة الشرب مع الرائحة، وجناية القذف بشبهة، وهي احتمال كون القاذف ~~صادقا. وقال مالك: كلها سواء، لأن المقصود من جميعها واحد، وهو الزجر، فيجب ~~تساويها في الوصف. وقال أحمد: أشد الضرب الحد للزنا، ثم الحد للقذف، ثم ~~الحد للشرب، ثم التعزيز، لأن الله تعالى خص الزنا بمزيد التأكيد لقوله ~~تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} ولا يمكن جعل ذلك في العدد، ~~فيتعين جعله في الصفة ، وحد القذف فيه حق الآدمي، وحد الشرب محض حق الله تعالى. # (وهو) أي التعزير (بقذف مملوك) (لغيره) (أو كافر بزنا) لأن هذه جناية ~~قذف، وقد امتنع الحد لعدم الإحصان، فيجب التعزير. (و) بقذف (مسلم ب: يا ~~فاسق، يا كافر، يا سارق، يا مخنث وأمثاله) وهي: يا خائن، أي: يا ناكث ~~العهد، يا ابن القحبة، وهي كلمة مولدة، والقحاب: سعال الخيل والإبل، وربما ~~يجعل للناس. يا يهودي، يا نصراني، يا ابن النصراني، يا من يلعب بالصبيان، ~~يا آكل الربا، يا شارب الخمر، يا ديوث، يا فاجر، يا منافق، يا لص، يا ~~زنديق، يا خبيث، يا قرطبان، يا مأوى الزواني أو اللصوص، يا حرام زاده، يا ~~موسوس، يا أبله، يا أحمق. لأنه آذاه ms1518 بإلحاق الشين به إذا لم يثبت هذه ~~الأشياء، فيعزره القاضي بما يراه. # --- PageV06P038 ~~*** # قال ثعلب: القرطبان: لم أره في كلام العرب، ومعناه عند العامة: الذي يرضى ~~بدخول الرجال على نسائه، وكذلك الديوث. ولو قال: يا لوطي يسأل عن نيته، فإن ~~أراد أنه من قوم لوط، فلا شيء عليه. وإن أراد أنه يعمل عمل قوم لوط إما ~~فاعلا أو مفعولا، فعليه الحد عند أبي يوسف ومحمد كمالك والشافعي وأحمد ~~والحسن والنخعي والزهري وأبي ثور، لأنه قذفه بما يوجب الحد عندهم، فصار كما ~~لو قذفه بالزنا. وعند أبي حنيفة لا حد عليه ويعزر، لأنه قذفه بما لا يوجب ~~الحد عنده، وبه قال قتادة وعطاء، والصحيح أنه إن كان في غضب يعزر. # (لا ب: يا حمار) يا كلب، يا خنزير، يا تيس، يا ثور، يا بقر، يا حية، يا ~~بغاء، يا مؤاجرة، يا ولد الحرام، يا عيار، يا ناكس، يا منكوس، يا سخرة، يا ~~ضحكة، يا ابن الأسود، وأبوه ليس كذلك، لأن المقذوف لا يلحقه شين بهذا ~~الكلام، وإنما يلحق القاذف إذ كل أحد يعلم أن المقذوف آدمي وليس بكلب ولا ~~حمار، وأن القاذف كاذب في ذلك. # وحكى الهندواني أنه يعزر في زماننا بنحو يا كلب يا خنزير، لأنه يراد به ~~الشتم، وهو رواية عن أبي يوسف في «الأمالي». وعدم التعزير في الكلب ~~والخنزير ونحوهما هو ظاهر الرواية عن علمائنا الثلاثة. # (وقيل: إلا) إذا قاله (لعالم أو علوي) فإنه يعزر لأنه يعد شينا في حقهم، ~~ويلحقهم الأذى به. واستحسن هذا في «الهداية» و«الكافي». # --- PageV06P039 ~~*** # (ومن حد أو عزر فمات هدر دمه) وبه قال أحمد. وقال مالك: إذا ضربه تعزيرا ~~مثله. وقال الشافعي: لا يهدر، وفي محل الضمان عنه قولان: أحدهما: بيت ~~المال، لأنه عامل للمسلمين، فيكون غرم عمله عليهم. والثاني: عاقلة الإمام ~~لأن الضرب غير متعين في التعزير، فيكون فعله مباحا، فيتقيد بشرط السلامة ~~ولم توجد، فيجب على عاقلته كالمرور في الطريق. # ولنا: أن الإمام مأمور بالحد والتعزيز، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط ~~السلامة كما ms1519 في الفصاد والحجام إذا لم يتجاوزا الموضع المعتاد، بخلاف ~~المرور في الطريق، فإنه غير مأمور به، ولأن فعل الإمام بأمر الشرع، فيكون ~~منسوبا إلى الآمر، فكأنه مات حتف أنفه، فلا يضمن. (وإن عزر زوج عرسه) على ~~ترك الزينة، أو الإجابة إذا دعاها إلى فراشه، أو على الخروج من بيته فماتت ~~(لا) أي لا يهدر دمها بل يضمن، لأن تعزيره إياها على هذه الأشياء مباح ترجع ~~منفعته إليه لا إليها، فيتقيد بشرط السلامة. وعلى هذا ينبغي أن لا يضرب ~~امرأته على ترك الصلاة، أو على ترك غسل الجنابة، لأن منفعة ذلك عائدة ~~إليها. وقد ذكر الحاكم: أنه لا يضرب امرأته على ترك الصلاة، ويضرب ابنه عليها. # فإن قيل: إذا جامع امرأته فماتت من الجماع، أو أفضاها لا يجب شيء عند أبي ~~حنيفة ومحمد رحمهما الله مع أن جماعه مباح، ولم يقيداه بشرط السلامة. أجيب: ~~بأنه قد ضمن المهر بذلك الجماع، فلو وجب عليه شيء أيضا لزم وجوب ضمانين في ~~مقابلة مضمون واحد، وهو منافع البضع، وذلك لا يجوز. # --- PageV06P040 ~~*** # ولو أدب المعلم الصبي فمات منه، يضمن عندنا، وعند الشافعي، و(قال) مالك ~~وأحمد: لا يضمن الزوج ولا المعلم في التعزير، ولا الأب في التأديب، ولا ~~الجد، ولا الوصي إذا ضربه ضربا معتادا. ولو ضربه ضربا شديدا لا يضرب مثله ~~في التأديب يضمن بإجماع الفقهاء، والله تعالى أعلم بالصواب. # كتاب السرقة # هي لغة: أخذ الشيء من الغير على وجه الخفية، ومنه قوله تعالى: {إلا من ~~استرق السمع}. وشرعا: (هي أخذ مكلف) أي عاقل بالغ (خفية) في الابتداء ~~والانتهاء إذا كان الأخذ نهارا، وفي الابتداء لا غير إذا كان ليلا حتى لو ~~دخل بالليل خفية وأخذ المال مجاهرة يقطع، لأن اعتبار الخفية بالليل في ~~الانتهاء يؤدي إلى عدم القطع في أكثر السرقات الليلية، إذ أكثرها تصير ~~مقاتلة في الانتهاء، بخلاف النهار في المصر، لأن الغوث يلحقه فيه، وما بين ~~العشاءين كالنهار في الأصح (قدر عشرة دراهم مضروبة) جيدة في الأصح. وروى ~~الحسن عن أبي حنيفة ms1520 رحمه الله: أن المضروب وغير المضروب سواء، ويعتبر وزن ~~كل عشرة سبع مثاقيل كما في الزكاة، أو ما يبلغ قيمته وزن عشرة دراهم بقول ~~رجلين عدلين، لأنه من باب الحدود. # (مملوكا) ذلك القدر، احتراز عن نحو حصير المسجد وأستار الكعبة مما ليس ~~بمملوك للعباد، ولا بد من قيد لا شركة له فيه ولا شبهة. (محرزا) أي محفوظا، ~~احترازا عن نحو باب الدار والزرع الذي لم يحصد. (بلا شبهة) احتراز عن ~~المحرز المصاحب لشبهة، كالمأخوذ من بيت ذي الرحم المحرم (بمكان) سواء أمكن ~~الدخول فيه كالبيت والدار والخيمة أو لا كالجوالق. # --- PageV06P041 ~~*** # (أو حافظ) كالجالس عند ماله في الطريق أو في المسجد، حتى لو سرق شيئا من ~~تحت رأس نائم في الصحراء أو في المسجد يقطع. وقال الحسن وداود وابن بنت ~~الشافعي: ليس للسرقة نصاب مقدر لإطلاق الآية، ولما روى الشيخان عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله السارق يسرق ~~البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده». # وأجيب عن الآية بأنها مقيدة بالنصاب كما هي مقيدة بالمال، وبأن الحديث ~~قال فيه البخاري: قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا ~~يرون أن منه ما يساوي دراهم. وقال مالك وأحمد: نصاب السرقة ربع دينار، أو ~~ثلاثة دراهم. وقال الشافعي والأوزاعي والليث: ربع دينار لما روى الشيخان عن ~~عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع ~~دينار فصاعدا». لكن قال مالك وأحمد: الثلاثة دراهم قدر ربع دينار، لأن صرف ~~الدينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان باثني عشر درهما، ولما ~~في «الصحيحين» عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في ~~مجن قيمته ثلاثة دراهم. # وفي «الموطأ» من حديث عمرة ابنة عبد الرحمن: أن سارقا سرق في زمن عثمان ~~بن عفان أترجة، فأمر بها عثمان فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهما ~~بدينار، فقطع عثمان يده. قال مالك: أحب ما يجب ms1521 فيه القطع إلى ثلاثة دراهم ~~سواء اتضع الصرف أو ارتفع، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام قطع في مجن قيمته ~~ثلاثة دراهم، وقطع عثمان في أترجة قيمتها ثلاثة دراهم، وهذا أحب ما سمعته. # --- PageV06P042 ~~*** # وفي «مسند أحمد» عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقطعوا ~~في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك». فكان ربع الدينار يومئذ ~~ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهما. ولنا ما روى الطبراني قال: حدثنا ~~محمد بن نوح بن حرب: حدثنا خالد ابن مهران: حدثنا أبو مطيع البلخي، عن أبي ~~حنيفة رحمه الله ، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن (أبيه، عن) عبد الله بن ~~مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا قطع إلا في عشرة دراهم». # وما أخرجه الطحاوي في «شرح الآثار» عن أم أيمن أنها قالت: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «لا تقطع يد السارق إلا في حجفة» أي مجنة كما في نسخة، ~~وقومت يومئذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدينار أو عشرة دراهم. # ورواه الطبراني في «معجمه» أيضا. وهو حديث إما منقطع أو مرسل، ولكنه ~~يتقوى بغيره من الأحاديث المرفوعة والموقوفة، فمن المرفوعة: ما أخرجه أبو ~~داود في «سننه» من حديث عطاء، عن ابن عباس قال: قطع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يد رجل في مجن قيمته (دينار أو) عشرة دراهم. ورواه النسائي في ~~«سننه»، والحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم ~~يخرجاه، ثم قال: وشاهده حديث أم أيمن أنها قالت: لم تقطع اليد على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا في ثمن المجن، وثمنه يومئذ دينار. وروى ابن ~~أبي شيبة في «مصنفه» في كتاب اللقطة عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، ~~عن سعيد بن المسيب، عن رجل من مزينة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ~~بلغ ثمن المجن، قطعت يد سارقه». وكان ثمن المجن عشرة دراهم. # --- PageV06P043 ~~*** # ومن الأحاديث الموقوفة: ما روى عبد ms1522 الرزاق في «مصنفه»، عن الثوري، عن عبد ~~الرحمن بن عبد الله، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود: لا تقطع ~~اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم. وهو مرسل، لأن القاسم لم يسمع من ابن ~~سمعود. وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن يحيى بن زيد وغيره، عن الثوري ، عن ~~عطية بن عبد الرحمن، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أتي عمر بن الخطاب برجل ~~سرق ثوبا، فقال لعثمان: قومه، فقومه ثمانية دراهم، فلم يقطعه. وهذا يدل على ~~انتساخ ما في «الصحيحين»، ولأن الأخذ بالأكثر في هذا الباب أولى احتيالا ~~لدرء الحد. # (فإن أقر) اللص (بها) أي بالسرقة (مرة) عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ~~وهو قول أكثر العلماء. ومرتين عند أبي يوسف وأحمد وابن أبي ليلى وزفر. وعن ~~أبي يوسف رحمه الله في مجلسين مختلفين، لأنه حد فيعتبر عدد الإقرار فيه ~~بعدد الشهادة كالزنا. ولما روى أبو داود عن أبي أمية المخزومي أنه عليه ~~الصلاة والسلام أتي بلص قد اعترف (ولم يوجد معه متاع) فقال له: «ما إخالك ~~سرقت». قال: بلى، فأعادها عليه مرتين أو ثلاثة، فقطع. # ولهما: الإقرار مرة مظهر فيكتفى به كما في القصاص وحد القذف، والتكرار في ~~الشهادة يفيد تقليل تهمة الكذب، ولا تهمة في الإقرار، فلا فائدة في تكراره. ~~فإن قيل: يحتمل أن يرجع، فيكون للتكرار فائدة وهي الثبوت. أجيب: بأن باب ~~الرجوع (في حق الحد) لا ينسد بالتكرار، والرجوع في حق المال لا يصح، لأن ~~صاحب الحق يكذبه. وأما حديث المخزومي فلا يدل على اشتراطه مرتين بل على أنه ~~عليه الصلاة والسلام احتاط في الدرء، وهو مستحب، أو على جواز تلقين الرجوع. ~~وقد ذكر بشر رجوع أبي يوسف إلى قولهما. # --- PageV06P044 ~~*** # (أو شهد) عليه (رجلان) فيهما شرائط الشهادة، لأنه من الحدود فلا يقبل فيه ~~إلا شهادة الرجال كما بين في كتاب الشهادة. (وسألهما) أي الشاهدين، وفي ~~نسخة وسألهم أي المقر والشاهدين. (الإمام) أو نائبه (ما هي) أي السرقة، ~~لأنها يطلق على استماع كلام ms1523 الغير سرا قال الله تعالى: {إلا من استرق ~~السمع}، وعلى عدم اعتدال الركوع والسجود، قال عليه الصلاة والسلام: «إن ~~أسوأ الناس من يسرق من صلاته (لا يتم ركوعها ولا سجودها) ». ولأنه ربما ~~يتوهم أنها لا تحتاج إلى الخفية كما في السرقة الكبرى. # (وكيف) كانت سرقته ليعلم أنه أخرج، أو ناول آخر من خارج، أو أدخل يده من ~~النقب أو من الطاق وأخذ (ومتى) كانت ليعلم أنها متقادمة أو لا، لأن القطع ~~لا يقام مع تقادم الشهادة عندنا (وأين كانت) لأنه لا قطع على من سرق في دار ~~الحرب (وكم سرق) لأن النصاب شرط ليعلم أن المسروق كان نصابا أو أقل (وممن ~~سرق) لجواز أن يكون المسروق منه ذا رحم محرم، أو أحد الزوجين، أو أحد ~~الشريكين. # (وبيناها) أي الشاهدان، أو المقر والشاهد، هذه الأشياء إلا زمان السرقة ~~في حق المقر، لأن تقادم العهد لا يمنع صحة الإقرار بها كما في «المبسوط» ~~و«المحيط». وقبل القاضي شهادتهما (قطع) هذا جواب قوله: فإن أقر إلى آخره، ~~وإنما يسأل الإمام عن هذه الأشياء احتيالا للدرء كما في الحدود. فإن بين ~~الشاهدان هذه الأشياء، ولا يعرف القاضي حالهما حبسه حتى يسأل، لأنه صار ~~متهما بارتكاب جريمة، ولا يمكن التوثيق بالتكفيل إذ لا كفالة في الحدود. # --- PageV06P045 ~~*** # (وإن تشارك جمع) في السرقة (وأصاب كلا قدر نصاب) وهو عشرة دراهم أو ما ~~يساويها (قطعوا) جميعا (وإن أخذ بعضهم) سواء خرجوا معه، أو بعده في فوره أو ~~خرج هو بعدهم في فورهم. والقياس أن يقطع الحامل وحده، وهو قول زفر، لأن ~~السرقة تمت به وحده، أو الإخراج تحقق به. ولنا: أن عادة السراق إذا كانوا ~~جماعة أن يتولى بعضهم الأخذ والباقون الدفع عنهم، فلو لم يعتبر الكل سارقين ~~لأدى ذلك إلى انسداد باب السرقة. أما لو أصاب كلا أقل من نصاب، لا يقطع ~~واحد منهم، وبه قال الشافعي والثوري وابن الماجشون المالكي. وقال مالك ~~وأحمد وأبو ثور يقطع الكل، لأن سرقة النصاب فعل موجب للقطع، فيساوي فيه ~~الواحد والجماعة ms1524 كالقصاص. # ولنا أن كل واحد يقطع بجنايته، والجناية الموجبة للقطع سرقة النصاب، ولم ~~يوجد في هذه الحالة بخلاف القصاص، فإن فعل كل واحد جناية موجبة للقصاص، لأن ~~جرح كل واحد صالح لزهوق الروح. # (فصل فيما يقطع فيه وما لا يقطع) # (لا بتافه) أي لا يقطع السارق بأخد تافه وهو شيء حقير خسيس (يوجد مباحا ~~في دارنا) وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور يتعلق القطع بسرقة كل مال ~~يبلغ قيمته نصابا إلا التراب والسرقين، وهو رواية عن أبي يوسف، لأنه سرق ~~مالا متقوما من حرز لا شبهة فيه. # --- PageV06P046 ~~*** # ولنا ما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» و«مسنده» عن عبد الرحيم ابن سليمان، ~~عن هشام بن عروة، عن عائشة قالت: لم تكن يد السارق تقطع على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه. وزاد في «مسنده»: ولم تقطع في أدنى من ~~ثمن حجفة أو ترس. (كخشب وحشيش) وقصب فارس (وسمك) طريا كان أو غيره (وصيد) ~~بحريا أو بريا، لأن الشركة العامة التي كانت في هذه الأشياء قبل الإحراز ~~تثبت شبهة، والحدود تندرىء بالشبهة. # وروى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في «مصنفيهما»: أن عمر بن عبد العزيز أتي ~~برجل سرق دجاجة، فأراد أن يقطعه، فقال له سلمة بن عبد الرحمن: قال عثمان لا ~~قطع في الطير. ورفعه كما في «الهداية» غير معروف. وروى ابن أبي شيبة أيضا ~~أن عمر بن عبد العزيز أتي برجل قد سرق طيرا، فاستفتى في ذلك السائب بن يزيد ~~فقال: ما رأيت أحدا قطع في طير، وما عليه في ذلك قطع، فترك عمر. # --- PageV06P047 ~~*** # (أو يفسد سريعا) عطف على ما يوجد مباحا، وكان الأولى أن يقول أو ما يفسد ~~ليعطف على تافه، لأن ما يفسد قد لا يكون تافها (كلبن ولحم) وكذا ما هو مهيا ~~للأكل كالخبز على ما في «الإيضاح» و«شرح الطحاوي»، بخلاف ما لم يكن مهيأ ~~للأكل كالحنطة والسكر، فإنه يقطع فيه إجماعا، وهذا في غير سنة القحط، وأما ~~فيها فلا قطع في الطعام، سواء ms1525 كان ممن يتسارع إليه الفساد أو لا، وسواء كان ~~محرزا أو لا، لأنه يسرق عن ضرورة جوع، والضرورة تبيح تناول مال الغير بقدر ~~الحاجة، فمنع ذلك القطع. وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن سفيان الثوري، عن ~~رجل، عن الحسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل سرق طعاما فلم يقطعه. ~~قال سفيان: هو الطعام الذي يفسد من نهاره كالثريد واللحم. وروى أبو داود في ~~«مراسيله» عن الحسن البصري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا قطع في ~~الطعام» وذكره عبد الحق في «أحكامه» من جهة أبي داود، ولم يعلله بغير ~~الإرسال، وأقره ابن القطان على ذلك. # (وفاكهة رطبة) يدخل فيها الرطب والعنب دون الزبيب والتمر (وثمر على شجر ~~وبطيخ وزرع لم يحصد) لعدم وجود الإحراز، وإن كان في حائط. روى أبو داود ~~والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو ~~(ابن العاص) # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال: «من أصاب ~~بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه، ومن سرق منه شيئا بعد أن ~~يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع». # والخبنة: بضم المعجمة وسكون الموحدة فنون: ما يؤخذ في طرف الثوب. والجرين ~~بالجيم: المربد: وهو الموضع الذي يلقى فيه الرطب ليجف. # --- PageV06P048 ~~*** # ولما رواه مالك في «الموطأ» أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لا قطع في ثمر ~~معلق، ولا في حريسة جبل، فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن ~~المجن». وقطع مالك والشافعي بالمذكورات، وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله. # (وأشربة مطربة) أي مسكرة، وأما غير المطربة كالخل فيقطع فيه، لأنه لا ~~يتسارع إليه الفساد، كذا في «الإيضاح». وإنما لا يقطع في الشراب، لأنه إن ~~كان حلوا فهو مما يتسارع إليه الفساد، وإن كان مرا، فإن كان خمرا، فلا قيمة ~~له، وإن كان غيرها فللعلماء في تقومه اختلاف، فلم يكن في معنى ما ورد به ~~النص، وهو المال المتقوم بالإجماع. # (وآلات ms1526 لهو) كدف وطبل وبربط ومزمار وطنبور. أما عند أبي حنيفة فلعدم تقوم ~~هذه الأشياء حتى لا يضمن متلفها، وأما عند غير أبي حنيفة القائل بتقومها ~~فلأن أخذها يتناول النهي عن المنكر وهو مباح، فأورث شبهة. # ولو كان الطبل أو الدف لغير اللهو اختلف المشايخ، فقال بعضهم: يقطع ~~سارقه، لأنه مباح، وقال بعضهم: لا يقطع، لأنه يصلح للهو، فأورث شبهة. ~~(وصليب) وهو تمثال يعبده النصارى (من ذهب) أو من فضة، وشطرنج وهو بكسر ~~الشين المعجمة وبفتح، وكذا النرد. وقال الشافعي: يقطع. # (وباب مسجد) لعدم الإحراز فصار كباب الدار بل أولى، لأن باب الدار يحرز ~~به ما فيها بخلاف باب المسجد، ولهذا لا يقطع بسرقة متاعه. وقال الشافعي ~~(وابن القاسم صاحب مالك) وأبو ثور وابن المنذر: يقطع بسرقة باب المسجد، ~~لأنها سرقة نصاب محرز بحرز مثله، وكذا بسرقة باب الدار، وبه قال أحمد في ~~رواية. وأجيب: بأنه لا مالك له من جهة العباد فلا قطع فيه كحصير المسجد ~~وقناديله. ولا قطع في أستار الكعبة عندنا، وبه قال أحمد، وهو الأصح في مذهب ~~الشافعي، لأنه ليس له مالك معين فأشبه مال بيت المال. # --- PageV06P049 ~~*** # (ومصحف وصبي حر ولو) كان المصحف والصبي (محليين وعبد إلا الصغير) وقال ~~مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في رواية وأبو يوسف في رواية: ~~يقطع في المصحف، لأنه مال متقوم ومحرز، فإن ورقه كان مالا متقوما، وقد ~~ازدادت ماليته بما كتب فيه وبجلده، ولهذا يصح بيعه وشراؤه. # ولنا أن آخذه يتأول القراءة فيه، أو النظر لإزاحة إشكال وقع له، والقطع ~~يدرأ بالشبهة. وقال مالك والشعبي: يقطع بسرقة الحر الصغير، لأنه غير مميز، ~~فأشبه العبد الصغير. ولنا: أن الحر ليس بمال، وما عليه تبع له. وهذا الخلاف ~~في صبي لا يمشي ولا يتكلم، حتى لو كان يمشي ويتكلم ويميز لا يقطع سارقه ~~إجماعا، لأنه في يد نفسه وله يد على ما هو تابع له، فكان أخذه خداعا لا ~~سرقة. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على قطع سارق العبد الصغير ms1527 إذا لم ~~يعبر عن نفسه ولم يميز، وإن كان يعبر ويميز فلا قطع بالإجماع. # (ودفتر) سواء كان فيه علم الشريعة أو الشعر أو اللغة، لأن المقصود من ~~دفاتر هذه الأشياء ما فيها، وهو ليس بمال (إلا دفتر الحساب) وقال مالك ~~والشافعي وأحمد يقطع في الدفاتر كلها سواء كانت فيها علوم الشريعة أو غيرها ~~إذا بلغت قيمتها نصابا (لأنها مال متقوم يبلغ قيمته نصابا)، فيدخل في عموم ~~الآية. (ولا في كلب وفهد) لأن جنسهما مباح الأصل، ولأن اختلاف العلماء في ~~مالية الكلب أورث شبهة، ولو كان على كلب طوق ذهب ونحوه لا يقطع، لأنه تبع ~~له كالصبي الحر إذا كان عليه حلي. # --- PageV06P050 ~~*** # (و) لا في (خيانة) وهي الأخذ مما في يده على وجه الأمانة (و) لا في (نهب) ~~وهو الأخذ على وجه العلانية والقهر في بلدة أو قرية، لما أخرجه أصحاب ~~«السنن الأربعة» عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس على ~~خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع». قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وسكت عنه عبد ~~الحق في «أحكامه»، وابن القطان بعده، فهو صحيح عندهما. # وعن أحمد: يقطع جاحد العارية، وبه قال إسحاق بن راهويه لما أخرجه مسلم عن ~~معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير ~~المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها. وأجيب بأن ذكر ~~العارية في هذا الحديث وقع لقصد التعريف لا لأنه سبب للقطع، فإنها كانت ~~كثيرة الاستعارة والجحد حتى عرفت به واستمرت على ذلك حتى سرقت، فأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، بدليل الأحاديث التي صرح فيها بالسرقة. ~~وقيل: الحديث منسوخ بما روينا من حديث جابر. وقيل: إن قطعها كان سياسة ~~لتكرر ذلك الفعل منها. # (و) لا في (نبش) أي نبش قبر وأخذ كفن منه، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وهو ~~قول ابن عباس والثوري والأوزاعي ومكحول والزهري والشافعي في القديم. وقال ~~أبو يوسف ومالك والشافعي في الجديد وأحمد وأبو ثور والحسن والشعبي والنخعي ms1528 ~~وقتادة وحماد وعمر بن عبد العزيز: يقطع النباش، لما روى البيهقي في ~~«المعرفة» عن البراء بن عازب عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~نبش قطعناه»، وضعفه. وروى أيضا عن عائشة أنها قالت: «سارق أمواتنا كسارق ~~أحيائنا». وفي «تاريخ البخاري» قال هشيم: حدثنا سهيل قال: شهدت ابن الزبير ~~أنه قطع نباشا. ولأنه سرق مالا متقوما يبلغ نصابا من حرز مثله، فوجب القطع ~~به اعتبارا بسائر أنواع الحرز. # --- PageV06P051 ~~*** # ولنا ما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن عيسى بن يونس، عن معمر، عن ~~الزهري قال: أتي مروان بقوم يختفون أي ينبشون القبور فضربهم ونفاهم ~~والصحابة متوافرون. وروى أيضا عن حفص عن أشعب، عن الزهري قال: أخذ نباش في ~~زمن معاوية، وكان مروان على المدينة، فسأل من بحضرته من الصحابة والفقهاء، ~~فأجمع رأيهم على أن يضرب أسواطا ويطاف به. ولا يخفى أن كلا من الأثرين ~~حكاية حال، وهما احتمال أخذه قبل إخراج الكفن أو بعده ولم يكن مقدار ~~النصاب، فلا يتم الجواب. وأما حديث: «لا قطع على المختفي» وهو النباش بلغة ~~أهل اليمن، فهو غريب غير معروف. # (و) لا في (مال عامة) أي عامة المسلمين، وبه قال الشافعي، وأحمد والنخعي ~~والشعبي والحكم. وقال مالك وحماد وابن المنذر: يقطع لظاهر الآية، ولأنه سرق ~~مالا محرزا. ولنا: ما روى ابن ماجه في «سننه» من حديث ابن عباس: أن عبدا من ~~رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم ~~يقطعه، وقال: «مال الله سرق بعضه بعضا». كذا ذكروه. وفيه أن العبد من جملة ~~المال وقطعه يضره، فلا يقاس عليه غيره (و) لا في مال (له) أي للسارق (فيه ~~شركة) بأن سرق أحد الشريكين من حرز الآخر مالا مشتركا بينهما، وهو الأصح في ~~مذهب الشافعي وقول أحمد. وقال مالك، وهو قول الشافعي: إذا سرق من نصيب ~~الشريك قدر نصاب يقطع، لأنه أخذ ملك غيره من حرزه. # --- PageV06P052 ~~*** # (و) لا في (مثل حقه) في الجنس (حالا) كان حقه (أو ms1529 مؤجلا) والقياس أن يقطع ~~في المؤجل، لأنه لا يباح له أخذه قبل الأجل، فصار كمن لا دين له. ووجه ~~الاستحسان: أن المؤجل ثابت في الذمة كالحال، والتأجيل لتأخير المطالبة. ~~(ولو بمزيد) أي ولو كان المأخوذ زائدا على حقه، لأنه يصير شريكا في ذلك ~~المال بمقدار حقه فتتحقق الشبهة. قيد بمثل الحق، لأنه لو كان له عليه دراهم ~~فسرق منه عروضا يقطع، لأنه ليس له الاستيفاء منه إلا بيعا بالتراضي. وعن ~~أبي يوسف: لا يقطع، وهو وجه في مذهب الشافعي، لأن له أن يأخذه عند بعض ~~العلماء قضاء من حقه لوجود المجانسة باعتبار صفة المالية، فأورث ذلك شبهة. # ولو كان حقه دراهم فسرق منه دنانير، قيل: يقطع، لأنه ليس له ولاية الأخذ، ~~وبه قال مالك وأحمد في رواية والشافعي في وجه. وقيل: لا يقطع، لأن النقود ~~جنس واحد كما في الزكاة والنفقة. وفي «المحيط» و«المبسوط»: هو الصحيح، وبه ~~قال الشافعي في الأظهر. # (و) لا في (ما قطع فيه) وفي نسخة: «به»، أي ولا قطع في سرقة شيء كان ~~السارق سرقه قبل ذلك وقطع لأجله (وهو) أي المسروق (بحاله) وأما لو تغير ~~حاله بأن كان غزلا فقطع فيه ثم رده إلى صاحبه فنسجه ثم سرقه، فإنه يقطع ~~ثانيا. والقياس أن يقطع فيما هو بحاله أيضا، وهو رواية عن أبي يوسف، وبه ~~قال مالك والشافعي وأحمد، لأن السرقة الثانية أقبح لوجود الإقدام عليها مع ~~سبق الزاجر عنها، فكانت أحق بإيجاب القطع. # --- PageV06P053 ~~*** # (و) لا في (مال ذي رحم، محرم) أو مال غيره (من بيته) أي بيت ذي الرحم ~~المحرم، وقال مالك وأبو ثور وابن المنذر والخرقي من أصحاب أحمد: يقطع الولد ~~إذا سرق من أحد أبويه وإن علا، لأنه لا حق للولد في مال أبويه، ولهذا يحد ~~إذا زنى بجاريتهما، ويقتل إذا قتلهما فصار كأجنبي. # ولنا أن البعضية توجب البسوطة في المال، والإذن في الدخول في الحرز، ~~ولهذا يمنع الولاد قبول شهادة أحدهما لصاحبه، فصار كالأب لا كالأجنبي. وقال ~~مالك والشافعي وأحمد: يقطع بسرقة ms1530 ذي رحم محرم غير الولاد إلحاقا لهذه ~~القرابة بقرابة بني الأعمام. # ولنا أنها ملحقة بقرابة الولاد في وجوب الصون عن القطيعة، والقطع في ~~السرقة يفضي إلى القطيعة، فوجب صونها عنه. أما لو سرق مال ذي رحم محرم من ~~غير بيته فيقطع اتفاقا، لوجود الحرز بلا شبهة. (ولا من زوج و) لا من (عرس) ~~أي ولا قطع بسرقة الزوجة من حرز زوجها الخاص به، ولا بسرقة الزوج من حرز ~~زوجته الخاص بها. وللشافعي ثلاثة أقوال: قول بالقطع كمالك وأحمد، وقول ~~بعدمه، وهو رواية عن أحمد، وقول بقطع الزوج بسرقة مال زوجته، وعدم قطع ~~الزوجة بسرقة مال زوجها، لأن لها حقا في ماله وهو النفقة، ولا حق له في ~~مالها. ولنا أن بين الزوجين بسوطة في المال عادة. # --- PageV06P054 ~~*** # (و) لا من (سيده) أي ولا قطع على من سرق من مال سيده (و) لا من (عرسه) أي ~~عرس سيده (و) لا من (زوج سيدته) لوجود الإذن بالدخول عادة فانعدم الحرز. ~~وقال مالك وأبو ثور: يقطع في الأخيرين لعدم استحقاقه النفقة في مالها بخلاف ~~السيد. وقال داود: يقطع بسرقة مال سيده أيضا لعموم الآية. ولنا ما روى ~~السائب بن يزيد قال: شهدت عمر وقد جاء عبد الله بن عمر الحضرمي بغلام له ~~فقال: غلامي هذا سرق فاقطعه، فقال عمر: ماذا سرق؟ فقال: سرق مرآة لامرأتي ~~قيمتها أو ثمنها ستون درهما، فقال عمر: أرسله لا قطع عليه، خادمكم سرق ~~متاعكم. ولم يخالفه أحد من الصحابة فكان إجماعا. ويخص به عموم الآية. # (و) لا من (مكاتبه) أي ولا قطع على مولى سرق من مكاتبه، لأن له في كسبه ~~حقا (و) لا من (مضيفه) أي ولا قطع على ضيف سرق من مضيفه، لأن البيت لم يبق ~~حرزا في حقه لكونه مأذونا له في دخوله، فيكون فعله خيانة لا سرقة. وقال ~~مالك والشافعي وأحمد في رواية: إن سرق من الموضع الذي أنزله فيه، أو من ~~الموضع الذي لم يحرز عنه لا يقطع، وإن سرق من موضع حرز عنه ms1531 يقطع. # --- PageV06P055 ~~*** # (و) لا من (مغنم) وهو الموضع الذي فيه يجمع الغنيمة أو المال الذي غنم ~~ولم يقسم بعد، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك وابن المنذر: يقطع وهو ~~نظير السرقة من مال عامة المسلمين خلافا ودليلا. ولنا على هذه خصوصا ما روى ~~عبد الرزاق في «مصنفه» عن الثوري، عن سماك بن حرب، عن أبي عبيد بن الأبرص، ~~وهو يزيد بن دثار قال: أتي علي برجل سرق من المغنم فقال: له فيه نصيب وهو ~~خائن فلم يقطعه. وكان قد سرق مغفرا (و) لا من (حمام) في الوقت الذي جرت ~~العادة بدخوله لما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» بعد أن قال: باب: الرجل ~~يدخل الحمام فيسرق، بسنده عن أبي الدرداء أنه سئل عن سارق الحمام فقال: لا ~~قطع عليه. وظنه البيهقي بالتخفيف، فرواه بالتصحيف. # (و) لا من (بيت أذن في دخوله) لوجود الإذن عادة في الأول وحقيقة في ~~الثاني، فاختل الحرز فيهما. وفي «العيون»: يقطع السارق من الحمام في وقت ~~الدخول فيه إذا كان له حافظ على قول أبي حنيفة، وبه قال مالك والشافعي ~~وأحمد في رواية وأبو ثور وابن المنذر. ولا يقطع على قول أبي يوسف ومحمد، ~~وبه أخذ أبو الليث والصدر الشهيد. وفي شرح «الوافي»: وعليه الفتوى، وهو ~~ظاهر المذهب، وبه قال شمس الأئمة وقاضيخان، وهو الصحيح. # (ولا إن لم يخرجه) أي ولا قطع إن لم يخرج السارق المسروق (من الدار) لأن ~~الدار بما فيها في يد صاحبها في المعنى، وهي كلها حرز واحد، فلا بد من ~~إخراج المسروق منها ليتحقق الأخذ من كل وجه. # --- PageV06P056 ~~*** # (أو) إن (ناول من هو خارج) يعني إذا نقب اللص ودخل وأخذ المال وناوله آخر ~~من خارج، لا قطع على واحد منهما، لأن القطع يجب لهتك الحرز والإخراج، ولم ~~يوجد في حق واحد منهما، لأن الخارج لم يوجد منه الهتك، والداخل لم يوجد منه ~~الإخراج. وأما إخراج يده فقد بطل باعتراض يد الآخر عليه وقال مالك: إن كانا ~~متعاونين قطعا، وإن انفرد كل واحد ms1532 بفعله دون اتفاق بينهما لم يقطعا. وقال ~~الشافعي: يفرد الخارج الآخذ بالقطع، وبه قال أحمد. ولو وضع الداخل المال ~~عند النقب ثم خرج وأخذه لم يذكره محمد، والصحيح أنه لا يقطع. وقال مالك ~~والشافعي وأحمد: يقطع. ولو كان في الدار نهر جار، فرمى بالمتاع في النهر ثم ~~خرج وأخذه، إن خرج بقوة الماء لا يقطع، وقال في «النهاية» معزيا إلى ~~«المبسوط»: إن الأصح أنه يقطع، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. # (أو) إن (أدخل) أي ولا قطع على من نقب بيتا وأدخل (يده في بيت وأخذ) وعن ~~أبي يوسف في «الإملاء».: أنه يقطع، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأنه أخرج ~~المال من الحرز وهو المقصود، فصار كما لو أدخل يده في جيب غيره أو كمه أو ~~في صندوقه وأخذ. ولنا: أن السرقة هتك الحرز على الكمال مع إخراج المال، ~~والكمال في هتك حرز البيوت دخولها بخلاف الصندوق، فإن الممكن فيه إدخال ~~اليد فيتم الهتك به مع الإخراج. ولنا أيضا: قول علي رضي الله عنه: اللص إذا ~~كان ظريفا لا يقطع، قيل: وكيف ذلك؟ قال: أن ينقب البيت فيدخل يده ويخرج ~~المتاع من غير أن يدخله. # --- PageV06P057 ~~*** # (أو) إن (طر) أي ولا قطع إن شق (صرة خارجة من كم) لأن الرباط من خارج، ~~فبالطر يتحقق الأخذ من الظاهر فلم يوجد هتك الحرز. والمراد هنا بالصرة بعض ~~الكم المشدود فيه الدراهم. قيد الصرة بكونها خارجة من الكم، لأنه لو طر صرة ~~داخلة فيه يقطع، لأن الرباط في الداخلة من داخل، فبالطر يتحقق الأخذ من ~~الحرز وهو الكم. وقيد بالطر، لأنه لو حل يقطع إن كان الرباط خارج الكم، ~~لأنه يأخذ الدراهم من داخله. ولا يقطع إن كان من داخل الكم، لأنه يأخذها من ~~خارجه. وعن أبي يوسف أنه يقطع في الأحوال كلها، لأن المال محرز بالكم إذا ~~كانت الصرة داخلة، وبصاحب الكم إذا كانت خارجة. # (أو) إن (سرق) أي ولا يقطع إن سرق (جملا من قطار) وهو الإبل على نسق واحد ~~(أو) إن سرق ms1533 (حملا) من أحمال قطار. وقال مالك والشافعي وأحمد: يقطع، لأنه ~~محرز بالحافظ وهو القائد أو السائق أو الراكب إذا لم يكن نائما، فإن كان ~~نائما عليه لم يقطع. ولنا أنه ليس بمحرز قصدا فيتمكن فيه شبهة العدم، وذلك ~~لأن كلا من القائد والسائق والراكب يقصد قطع المسافة ونقل الأمتعة دون الحفظ. # --- PageV06P058 ~~*** # (وقطع) سارق الجمل أو الحمل من القطار (إن حفظه ربه) لوجود قصد الحفظ ~~منه، فكان محرزا بالحافظ (أو) إن (نام عليه) أي على الجمل والحمل، لأن ذلك ~~حرز له بالحافظ. وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد في «مسنده» من غير ~~وجه عن صفوان بن أمية أنه طاف بالبيت وصلى، ثم لف رداء (له من برد) فوضعه ~~تحت رأسه فنام، فأتاه لص فاستله من تحت رأسه فأخذه، فأتي به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: إن هذا سرق ردائي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أسرقت رداء هذا؟» (قال: نعم) قال: «اذهبا به فاقطعا يده». فقال صفوان: ما ~~كنت أريد أن تقطع يده في ردائي، فقال له: «فلو كان قبل أن تأتيني به». # (أو) إن (شق) اللص (الحمل وأخذ شيئا) يبلغ نصابا، لأن الجوالق حزر (أو) ~~إن (أدخل يده في صندوق أو كم) أو جيب، لأن هذه الأشياء حرز لما فيها (أو) ~~إن (أخرج) السرقة (من مقصورة) أي حجرة (دار فيها مقاصير إلى صحنها) أي صحن ~~الدار، وذلك كمدرسة ونحوها (أو) إن (سرق صاحب مقصورة) أي حجرة من مقاصير ~~دار كبيرة (من) مقصورة (أخرى) أي من مقاصير تلك الدار، لأن لكل مقصورة بابا ~~وغلقا على حدة. # (أو) إن (ألقى) السارق (شيئا) يبلغ نصابا (في الطريق ثم أخذه) وبه قال ~~مالك والشافعي وأحمد، وقال زفر: لا يقطع. (أو حمله) أي السارق المسروق (على ~~حمار) ونحوه (فساقه وأخرجه) وبه قال مالك والشافعي وأحمد، لأن سير الحمار ~~مضاف إلى السارق لسوقه إياه. قيده بالسوق، لأن الحمار لو خرج بنفسه لا يقطع ~~السارق، لأن للبهيمة اختيارا. # (فصل في كيفية القطع) # --- PageV06P059 ~~*** # (تقطع يمين ms1534 السارق) أما القطع فلقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما}. وأما اليمين فلقراءة ابن مسعود: فاقطعوا أيمانهما، وهي مشهورة، ~~فكانت بمنزلة خبر مشهور، فيقيد إطلاق الكتاب به. # (من زنده) وهو موصل طرف الذراع من الكف. وقالت الخوارج: (من منكبه، إذ ~~اليد) من المنكب. ولنا أن النص أمر بقطع اليد، وهي تطلق من المنكب، ومن ~~المرفق، ومن الرسغ في اللغة والشرع، وقد تبين أن المراد بها في الآية من ~~الرسغ بعمله صلى الله عليه وسلم وعمل الصحابة، وانعقد عليه الإجماع. ولأن ~~هذا القدر متيقن به، وفي الحدود يؤخذ بالمتيقن احتياطا. وقد روى الدارقطني ~~في «سننه»: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقطع الذي سرق رداء صفوان من ~~المفصل. وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن رجاء بن حيوة: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قطع رجلا من المفصل. وهو حديث مرسل. وروي أيضا عن عمر وعلي أنهما ~~قطعا من المفصل. # (وتحسم) أي تكوى لينقطع الدم بأن تغمس في الدهن الذي أغلي لما روى الحاكم ~~في «المستدرك» من حديث أبي هريرة، وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق سرق شملة فقال عليه الصلاة والسلام: ~~«ما إخاله سرق». فقال السارق: بلى يا رسول الله فقال: «اذهبوا به فاقطعوه، ~~ثم احسموه ، ثم ائتوني به». فقطع ثم (حسم ثم) أتي به فقال: «تب إلى الله». ~~قال: تبت إلى الله. قال: «تاب الله عليك». (ثم) تقطع (رجله اليسرى إن عاد) ~~ثانيا بالإجماع، وهو من الكعب. وقال أبو ثور والرافضة: من نصف القدم من ~~معقد الشراك. # --- PageV06P060 ~~*** # (فإن عاد) وسرق (ثالثا لا) أي لا يقطع (بل يسجن حتى يتوب) وقال مالك ~~والشافعي: إن سرق ثالثا تقطع يده اليسرى، وإن سرق رابعا تقطع رجله اليمنى ~~لعموم الآية، فإن هذا سارق له يد فتقطع بظاهر النص، وتعيين اليمين ابتداء ~~لا يبطل محلية اليسرى، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا سرق السارق ~~فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله، فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا ms1535 ~~رجله». رواه الدارقطني في «سننه»، وفي سنده الواقدي وفيه مقال. # وفي «سنن أبي داود» عن جابر قال: جيء بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «اقتلوه». فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق. فقال: «اقطعوه»، قال: ~~فقطع، ثم جيء به الثانية فقال: «اقتلوه» فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، ~~قال: «اقطعوه». قال: فقطع، ثم جيء به الثالثة فقال: «اقتلوه». فقالوا: يا ~~رسول الله، إنما سرق، قال: «اقطعوه». ثم جيء به الرابعة فقال: «اقتلوه». ~~قالوا: يا رسول الله، إنما سرق. قال: «اقطعوه». ثم جيء به الخامسة فقال: ~~«اقتلوه». قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ~~ورمينا عليه الحجارة. وقال النسائي: حديث منكر. # --- PageV06P061 ~~*** # وأخرج هو في «سننه» عن الحارث (بن حاطب) اللخمي: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أتي بلص فقال: «اقتلوه». قالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: «اقطعوا ~~يده». فقطعت، ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر حتى قطعت قوائمه ~~كلها، ثم سرق الخامسة فقال أبو بكر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم ~~بهذا حين قال: «اقتلوه». ورواه الطبراني، والحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح ~~الإسناد. وروى الدارقطني في «سننه»، والطبراني في «معجمه» عن عصمة بن مالك ~~قال: سرق مملوك أربع مرات والنبي صلى الله عليه وسلم يعفو عنه، ثم سرق ~~الخامسة فقطع يده، ثم السادسة فقطع رجله، ثم السابعة فقطع يده، ثم الثامنة ~~فقطع رجله وقال: عليه الصلاة والسلام: «أربع بأربع». # وروى مالك في «الموطأ» عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه أن رجلا من ~~اليمن أقطع اليد والرجل قدم، فنزل على أبي بكر الصديق، فشكا إليه أن عامل ~~اليمن ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر: وأبيك، ما ليلك بليل سارق. ~~ثم إنهم فقدوا عقدا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق فجعل الرجل ~~يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح فوجدوا الحلي ~~عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به، فاعترف الأقطع، أو شهد عليه به. ms1536 فأمر به ~~أبو بكر، فقطعت يده اليسرى. وقال أبو بكر: لدعاؤه (على نفسه) أشد (عندي) ~~عليه من سرقته. # --- PageV06P062 ~~*** # ولنا ما روى محمد بن الحسن في كتاب «الآثار» عن أبي حنيفة، عن عمرو بن ~~مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي بن أبي طالب قال: إذا سرق السارق قطعت ~~يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد ضمنته السجن حتى يحدث خيرا، ~~إني لأستحي من الله أن أدعه ليس له يد يأكل بها ويستنجي بها، ورجل يمشي ~~عليها. ومن طريق محمد رواه الدارقطني. وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ~~الشعبي قال: كان علي لا يقطع إلا اليد والرجل، وإن سرق بعد ذلك سجنه، ~~ويقول: إني لأستحي من الله أن لا أدع له يدا يأكل بها ويستنجي بها. وقول ~~ابن عباس كقول علي رواه ابن أبي شيبة. # وأخرج البيهقي عن عبد الله بن سلمة، عن علي أنه أتي بسارق فقطع يده، ثم ~~أتي به فقطع رجله، ثم أتي به فقال: أقطع يده، فبأي شيء يتمسح؟ وبأي شيء ~~يأكل؟ أقطع رجله، على أي شيء يمشي؟ إني لأستحي من الله، ثم ضربه وخلده في السجن. # وفي «تنقيح ابن عبد الهادي» عن أبي سعيد المقبري قال: حضرت علي بن أبي ~~طالب وقد أتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق، فقال لأصحابه: ما ترون في ~~هذا؟ قالوا: اقطعه يا أمير المؤمنين. قال: أقتله إذا، وما عليه القتل بأي ~~شيء يأكل الطعام؟ بأي شيء يتوضأ للصلاة؟ بأي شيء يغتسل من جنابته؟ بأي شيء ~~يقوم على حاجته؟ فرده إلى السجن أياما، ثم استخرجه فاستشار أصحابه، فقالوا ~~مثل قولهم الأول، وقال لهم مثلما قال أول مرة فجلده جلدا شديدا، ثم أرسله. # --- PageV06P063 ~~*** # وروى ابن أبي شيبة عن أبي خالد، عن حجاج، عن سماك، عن بعض الصحابة: أن ~~عمر استشارهم في سارق، فأجمعوا على مثل قول علي. وروي أيضا عن أبي أسامة، ~~عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مكحول: أن عمر قال: إذا سرق فاقطعوا ~~يده، ثم ms1537 إن عاد فاقطعوا رجله، ولا تقطعوا يده الأخرى، وذروه يأكل بها ~~ويستنجي بها، ولكن احبسوه عن المسلمين. وأخرج عن النخعي قال: كانوا يقولون: ~~لا يترك ابن آدم مثل البهيمة ليس له يد يأكل بها ويستنجي بها. انتهى. # ولعلهم حملوا قطع النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر على السياسة، كما ~~حملوا قتله في الخامسة عليها إجماعا. ثم رأيت بعض المحققين ذكر أنه لا شك ~~في ثبوت هذه المرويات، وهي تستلزم نسخ مروي الإتيان على أربعة السارق، على ~~تقدير ثبوته، أو أنه كان لمعنى زائد في السارق بدليل أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقتله من أول سرقة. انتهى. ولا يبعد أن يكون مأخذ المرتضي هو ~~قياس السرقة الصغرى بالكبرى حيث اقتصر فيها مع عظم جرمها على قطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف. # --- PageV06P064 ~~*** # (وشرط) في قطع السارق (خصومة المالك) وطلبه القطع، وبه قال الشافعي ~~وأحمد. وقال مالك وأبو ثور وابن المنذر وابن أبي ليلى وأبو بكر الحنبلي: لا ~~يشترط، لأن القطع حق الله كحد الزنا. ولنا أن مع عدم الخصومة والمطالبة ~~تتمكن شبهة أن مالكه أباحه، أو وقفه على المسلمين، وشبهة إذن الدخول في ~~الحرز، فاعتبرت المخاصمة والمطالبة دفعا لذلك. أما الزنا فلا يباح ~~بالإباحة، فلا تتمكن فيه هذه الشبهة. وعلى هذا الخلاف لو غاب المالك عند ~~القطع، فعندنا وعند الشافعي وأحمد: لا يقطع، وعند مالك ومن ذكر معه: يقطع. ~~(أو) خصومة (ذي يد حافظ كالمودع ونحوه) وهو المستعير والمستأجر والمضارب ~~والمرتهن والأب والوصي ومتولي الوقف، فإن السارق يقطع بخصومة هؤلاء عند ~~علمائنا الثلاثة. وقال الشافعي: لا حق في الخصومة لغير المالك والوكيل ~~والمودع والمرتهن. # (وما قطع) السارق (به، إن بقي) ولو في يد من باعه السارق أو وهبه له (رد) ~~إلى المالك إجماعا، ويبطل البيع أو الهبة إن كان، لأنه بالسرقة لم يزل عن ~~ملكه، ومن وجد عين ماله (فهو) أحق به (وإلا) أي وإن لم يبق ما قطع السارق ~~به سواء هلك أو استهلك (لا يضمن) وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور ms1538 والنخعي ~~وحماد والحسن وإسحاق والليث: يضمن في الحالتين، فيجب على السارق رد قيمة ~~المسروق إن كان قيميا، ورد مثله إن كان مثليا لعموم قوله تعالى: {فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ولقوله عليه الصلاة والسلام: «على ~~اليد ما أخذت حتى ترد». # --- PageV06P065 ~~*** # وقال علماؤنا والثوري: لا يجتمع الضمان مع القطع، بل إن ضمنه المالك قبل ~~القطع سقط القطع، وإن قطعه سقط الضمان، وبه قال عطاء وابن سيرين وابن شبرمة ~~والشعبي ومكحول. وقال مالك: إن كان السارق معسرا لا ضمان عليه، وإن كان ~~موسرا يضمن نظرا للجانبين. # ولنا ما روى النسائي ولكن بإسناد فيه مجهول عن عبد الرحمن بن عوف: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد». # قال النسائي: هذا مرسل وليس بثابت. وأخرجه الدارقطني في «سننه» بلفظ: «لا ~~غرم على السارق بعد قطع يمينه». قال: والمسور لم يدرك عبد الرحمن بن عوف، ~~فإن صح إسناده فهو مرسل، وقد تقدم أن الإرسال غير قادح عندنا بعد ثقة ~~الرواي وأمانته. وروى الحسن عن أبي حنيفة وجوب الضمان في المستهلك. # (ومعصوم) أي مسلم أو ذمي، وهو مبتدأ صفته (قطع الطريق) بصيغة الفاعل (على ~~معصوم فأخذ) بصيغة المجهول عطف على قطع (قبل أخذ مال وقتل حبس) أي بعد ~~التعزير، وهو خبر المبتدأ (حتى يتوب) أي يظهر فيه سيماء الصالحين. وقال ~~النخعي وقتادة وعطاء وأحمد: يشرد قاطع الطريق من الأمصار، وقال طائفة من ~~أهل العلم، وهو مروي عن ابن عباس: ينفى من بلده إلى بلد غيره. وقال مالك ~~وابن سريج من أصحاب الشافعي: يحبس في البلد الذي ينفى إليه. ولنا أن ظاهر ~~الآية يدل على النفي من جميع الأرض، وهو لا يمكن، ونفيه عن بلده لا يحصل به ~~المقصود، وهو كف أذاه عن الناس، ونفيه من (دار) الإسلام إلى دار الحرب فيه ~~تعريضه للردة وصيرورته حربا لنا، فقلنا المراد بنفيه من الأرض دفع شره ~~بالحبس، إذ الحبس يعد خارجا من الدنيا كما قال الشاعر: ms1539 # --- PageV06P066 ~~*** # *خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ** فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى # ثم لقطع الطريق شرائط منها: أن تكون لهم شوكة ومنعة وقوة، سواء كانت ~~بالسلاح، أو بالعصا الكبيرة، أو بالحجر أو بغيره، وإن كان واحدا. # ومنها: أن يكون ذلك منهم خارج المصر بعيدا عنه، حتى إن كان في المصر، أو ~~بقرب منه، أو بين قريتين لا يكون قطعا للطريق، خلافا لمالك والشافعي وتوقف ~~أحمد. وعن أبي يوسف: أنهم إن كانوا في المصر ليلا، أو فيما بينه وبين المصر ~~أقل من مسيرة سفر، يجري عليهم أحكام القطاع، وعليه الفتوى لمصلحة الناس. # ومنها: أن يكون المأخوذ قدر النصاب، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك ~~وأبو ثور وابن المنذر: لا يشترط النصاب لعموم الآية. # ومنها: أن يكون القطاع كلهم أجانب من المال، ويكون كلهم من أهل وجوب ~~القطع، حتى لو كان واحد منهم من أصحاب المال، أو ذا رحم محرم منهم، أو صبيا ~~أو مجنونا، لا يجب عليهم القطع، لأن الجناية واحدة، فالامتناع في حق البعض ~~امتناع في حق الباقين، خلافا لأبي يوسف ومالك والشافعي وأحمد. ولو كان فيهم ~~امرأة ففي رواية تقطع، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، والأصح أنها لا تقطع. # ومنها: أن يؤخذوا قبل التوبة، حتى لو أخذوا بعدها وبعد رد المال سقط عنهم ~~الحد، ولا خلاف فيه، ولكن لا يسقط القصاص وضمان المال الهالك. # (وإن أخذ) مالا لمسلم أو ذمي سواء جرح أو لا (ونصيب كل نصاب، قطع يده ~~ورجله من خلاف) بأن قطع يده اليمنى ورجله اليسرى لئلا يفوت جنس المنفعة. ~~(وإن قتل بلا أخذ مال قتل حدا) لا قصاصا حتى لا يعفو الولي (و) إن قتل ~~(معه) أي مع أخذ المال (قتل أو صلب) حيا في ظاهر الرواية ثلاثة أيام، ويبعج ~~بطنه برمح حتى يموت، أي يشق. # --- PageV06P067 ~~*** # (أو قطع) يده ورجله من خلاف (ثم قتل أو صلب) كما ذكرناه، وهذا موافق ~~ل:«جامع البزدوي». وفي «الهداية»: وصلب «بالواو» وكل منهما للإمام فعله، ثم ~~ينزل بعد ثلاثة أيام ويخلى ms1540 بينه وبين أهله ليدفنوه، لأنه لو ترك لتغير ~~وتأذى الناس به. وقيل: يرى أبو يوسف تركه مصلوبا حتى يسقط ليكون أبلغ في ~~الاعتبار، وقال محمد: يقتل أو يصلب ولا يقطع. # وفي عامة المباسيط وشروح الجامع، أبو يوسف مع محمد، وبه قال الشافعي ~~وأحمد في رواية ومالك إن كان ذا رأي. وعن أبي يوسف: أن الإمام لا يترك ~~الصلب، لأنه المنصوص عليه، والمقصود منه التشهير ليرتدع به غيره، وبه قال ~~الشافعي وأحمد. وعن الطحاوي: أنه يقتل ثم يصلب توقيا عن المثلة، وبه قال ~~الشافعي وأحمد. والأصل في ذلك قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ~~إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} أي ~~يحاربون أولياء الله على حذف مضاف. # ثم المراد منه والله تعالى أعلم التوزيع على الأحوال، لأن الجنايات ~~متفاوتة، والحكمة تقتضي أن يتفاوت جزاؤها. وإنما لم يذكر أنواع الجناية، ~~لأنها معلومة، فكان بيان جزائها أهم، وبه قال الشافعي والليث وإسحاق وحماد ~~وقتادة وأصحاب أحمد وروي عن ابن عباس. وقال ابن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن ~~والضحاك والنخعي وأبو ثور وداود: إن الإمام مخير فيه لظاهر النص. # وذكر التمرتاشي: أن الأحوال عندنا خمس: # --- PageV06P068 ~~*** # الأولى: تخويف فقط، وفي هذا: يعزروا أدنى التعزير، ويحبسوا حتى يتوبوا. # والثانية: أخذ المال، فإن أخذوا قبل التوبة قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، ~~وردوا المال إن كان قائما، ولم يضمنوه إن كان هالكا. # والثالثة: أن يجرحوا لا غير، وفيه: القصاص فيما يجري فيه القصاص، والأرش ~~فيما لا يجري فيه، واستيفاء ذلك لصاحب الحق. # والرابعة: أن يأخذوا المال ويجرحوا، وفي هذا: القطع من خلاف فقط، ولا حكم ~~للجرح عندنا، لأن حكم ما دون النفس عندنا حكم المال، فيسقط ضمانه مع القطع. # والخامسة: أن يأخذوا المال ويقتلوا، أو يقتل أحدهم معصوما بسلاح أو غيره، ~~والإمام ms1541 هنا مخير كما ذكرنا في المتن، والله سبحانه أعلم. # كتاب الجهاد # هو لغة: مصدر جاهد مجاهدة، ومنه قوله تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده}، ~~وهو أعم من المقاتلة لحديث: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». # وشرعا: دعاء إلى الدين الحق، وقتال مع من لا يقبله. ويسمى: كتاب السير، ~~لأنه يبين فيه سيرة المسلمين في معاملتهم أهل الحرب، وأهل الذمة، ~~والمستأمنين. # --- PageV06P069 ~~*** # (وهو فرض عين إن هجم الكفار) على بلد وصار النفير عاما، ولا يتهيأ دفعهم ~~إلا بالكل (فتخرج المرأة والعبد بلا إذن) من الزوج والسيد، لأن حق الزوج ~~والمولى لا يظهر في حق فروض الأعيان، كالصلاة والصيام، ولذا يخرج الولد ~~بغير إذن والديه، والمديون بغير إذن دائنه. وفي غير هذه الحالة لا يخرجان ~~إلا بإذنهما. وكذا في كل سفر فيه مشقة، لأن الإشفاق على الولد مضر بوالديه، ~~وعلى المديون يضر بدائنه. والأصل في ذلك قوله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا ~~وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} أي ~~اخرجوا إلى الجهاد شبابا وشيوخا، أو ركبانا ومشاة، أو عزابا ومناكحين، أو ~~أغنياء وفقراء. # (وفرض كفاية بدأ) أي ابتداء، وهو أن يبدأ المسلمون الكفار بالمحاربة كل ~~سنة (إن قام به بعض) من المسلمين (سقط عن الباقين) لحصول المقصود (وإلا) أي ~~وإن لم يقم به البعض (أثموا) أي أثم كل من المسلمين بتركه، لأنه فرض عليهم. # وفي «الذخيرة»: عند النفير العام يصير فرض عين على من يقرب من العدو وهم ~~يقدرون على الجهاد. وأما من عداهم ممن بعد، ففي حقهم فرض كفاية إذا لم يحتج ~~إليهم، فإذا احتيج إليهم بأن عجز القريب أو تكاسل ولم يجاهد، يصير فرض عين ~~على من يليهم ثم وثم، إلى أن يفرض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا على هذا ~~التدريج، كالصلاة على الميت، تجب على أهل محلته، ولا تجب على بعيد من ~~الميت، إلا إذا علم أن أهل الميت يضيعون أو عاجزون عن إقامتها. # --- PageV06P070 ~~*** # وقال ابن المسيب: الجهاد ابتداء فرض عين. وقال الثوري: ms1542 ليس بفرض، وقوله ~~تعالى: {كتب عليكم القتال} للندب، كقوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف}. # ولنا قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى}، ولو كان فرض عين لذم ~~تاركه ولم يعد بالحسنى. وأيضا كان الصحابة يغزو بعضهم ويقعد بعضهم، ولو كان ~~فرض عين لما قعدوا. وروى أبو داود أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لا تزال ~~طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم ~~المسيح الدجال». # وفي المتفق عليه: «والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب ~~أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في ~~سبيل الله». وفيه أيضا: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا ~~في أهله بخير فقد غزا». ولأن المقصود منه إعلاء كلمة الله وقهر أعدائه، ~~وذلك يحصل بالبعض، كصلاة الجنازة ورد السلام، وعليه انعقد إجماع العلماء ~~الأعلام. # --- PageV06P071 ~~*** # وفي «المبسوط» و«الذخيرة»: كان صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر ~~مأمورا بالصفح عن المشركين والإعراض عنهم، لقوله تعالى: {فاصفح الصفح ~~الجميل}، وقوله: {وأعرض عن المشركين} ثم أمر بالدعاء إلى الدين بالموعظة ~~والمجادلة الحسنة بقوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن}. # ثم أمر بالقتال إذا كانت البداءة منهم بقوله سبحانه وتعالى: {أذن للذين ~~يقاتلون بأنهم ظلموا} أي أذن لهم في الدفع، ثم أمر بالقتال ابتداء في بعض ~~الأزمان، وهو غير الأشهر الحرم لقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}، ثم أمر بالقتال في الأزمان كلها وفي ~~الأماكن بأسرها بقوله تعالى: {قاتلوهم حتى لا تكون فتنة}، وقوله تعالى: ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر}، {وقاتلوا المشركين كافة} ~~ومما يدل على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ أنه عليه الصلاة ~~والسلام حاصر الطائف ms1543 لعشر بقين من المحرم، والمحاصرة نوع من المقاتلة. # --- PageV06P072 ~~*** # (لا على صبي) أي لا يفترض الجهاد على صبي لضعف بنيته (وعبد وامرأة) لتقدم ~~حق المولى والزوج، ولضعف بنية المرأة (وأعمى ومقعد وأقطع) لعجزهم. والشيخ ~~الكبير في معناهم، لقوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي ~~الضرر والمجاهدون}، وقوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ~~ولا على المريض حرج}، (فيحاصرهم) الإمام أو نائبه إذا دخل أرضهم (ويدعوهم ~~إلى الإسلام) وجوبا أو ندبا لما سيأتي، فإن أجابوا كف عنهم، لما في ~~«الصحيحين» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني ماله ونفسه ~~إلا بحقه، وحسابه على الله». وروى أحمد وعبد الرزاق في «مصنفه» عن سفيان ~~الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ما قاتل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قوما حتى دعاهم إلى الإسلام. # --- PageV06P073 ~~*** # (فإن أبوا) عن الإسلام (فإلى الجزية) أي فيدعوهم إلى قبول الجزية، لما ~~رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أمر أميرا ~~على جيش أو سرية أمره به. وهذا إن كانوا ممن تقبل منهم الجزية، وأما من لا ~~تقبل منهم كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب الذين لا يقبل منهم إلا ~~الإسلام، فلا فائدة في دعائهم إلى الجزية. (فإن قبلوا) إعطاء الجزية، (فلهم ~~ما لنا) وليس معناه أنه يجب عليهم من العبادات وغيرها ما يجب علينا، لأن ~~الكفار لا يخاطبون بالعبادات عندنا، (وعليهم ما علينا) أي إذا تعرضنا ~~لدمائهم وأموالهم، أو تعرضوا لدمائنا وأموالنا، لقول علي: من كانت له ذمتنا ~~فدمه كدمنا، وديته كديتنا. رواه الدارقطني، وفي إسناده أبو الجنوب. وأما في ~~«الهداية» لقول علي: إنما بذلوا الجزية ليكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم ~~كأموالنا. فلا يعرف بهذا اللفظ. # (فإن أبوا) من قبول الجزية (يقاتلهم) أي الإمام (بما يهلكهم) من رمي ~~بمنجنيق، وتحريق بنار، وتغريق بماء، ولو كان معهم مسلم. وقال مالك والشافعي ms1544 ~~وأحمد: إذا علم أن فيهم مسلما وأنه يتلف بهذا الصنع، لم يحل، إلا إن يخاف ~~انهزام المسلمين إذا لم يفعل. ولنا: أنه لو اعتبر هذا المعنى لانسد باب ~~القتال معهم، لأن حصونهم ومدائنهم قل ما يخلو عن مسلم، وأما لو غلب على ~~حصنهم وكان فيهم ذمي مجهول لا يعرف بعينه، فلا يجوز قتل العام. ولو تترسوا ~~بأسارى من المسلمين أو بصبيان منهم لم يكف عنهم، ويقصدهم دون من تترسوا به، ~~لأنه يلزمنا التمييز فعلا إن قدرنا عليه، وإلا يلزمنا نيته، إذ الطاعة بحسب ~~الطاقة، ولا دية علينا ولا كفارة فيما أصبنا منهم، لأن الجهاد فرض، فيمنع ~~كون الفعل تعديا. # --- PageV06P074 ~~*** # وقال مالك والشافعي وأحمد: إن لم تدع الضرورة إلى رميهم لم يجز رميهم. # هذا، وقال الواقدي في «كتاب المغازي»: قال سلمان الفارسي: يا رسول الله ~~أرى أن تنصب عليهم المنجنيق، فإنا كنا بأرض فارس ننصب المجانيق على الحصون، ~~فنصيب من عدونا، فإن لم يكن منجنيق لطال المقام، فأمره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فعمل منجنيقا بيده، فنصبه على (حصن) الطائف. والمنجنيق: بفتح ~~الميم وتكسر آلة يرمى بها الحجارة، معربة، وقد تذكر. فارسيتها: من: جه ~~نيك، أي ما أجودني. # وروى الجماعة إلا البخاري عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى ~~الله وبمن تبعه من المسلمين خيرا ثم قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، ~~قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا ~~وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ~~أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف ~~عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن ~~فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم. # --- PageV06P075 ~~*** # فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري ~~عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا ms1545 يكون لهم في الغنيمة والفيء ~~شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك ~~فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل ~~حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة ~~نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمة أصحابكم ~~أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن ~~تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك ~~لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا. (ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم»). # فلو نزل أهل حصن على حكم الله يجيز أبو يوسف القتل والاسترقاق، والتحرير ~~ذمة لنا، وعين محمد التحرير، لأن الإنزال على حكم الله لا يجوز عنده لما ~~روينا، ففي قوله: وإن أخطأ الإمام وأنزلهم على حكم الله، ينبغي له أن يعرض ~~عليهم الإسلام، فإن أجابوا لذلك فبها، وإن أبوا يضرب عليهم الجزية وعلى ~~أراضيهم الخراج، ولا يقتلهم ولا يسترقهم. ولأبي يوسف أنهم أهل حرب، وحكم ~~الله فيهم معلوم. وما روي كان في ابتداء الإسلام، ولما استقر الشرع على هذه ~~الثلاثة علم حكم الله فيهم، وهو أحد هذه الثلاثة، ولكن للإمام خيار ~~التعيين. # --- PageV06P076 ~~*** # وروى أحمد في «مسنده» والحاكم في «مستدركه» عن سلمان أنه انتهى إلى حصن ~~أو مدينة فقال لأصحابه: دعوني أدعهم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يدعوهم، فقال لهم: إنما كنت رجلا منكم فهداني الله للإسلام، فإن أسلمتم ~~فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، فإن ~~أبيتم نابذناكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين. فعل ذلك بهم ثلاثة ~~أيام، فلما كان في اليوم الرابع أمر الناس فغزوا إليها وفتحوها. # وروى الستة قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «إنك ~~تقدم على قوم أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن أسلموا ~~فبها، وإن لم ms1546 يسلموا فادعهم إلى الجزية»... الحديث. # ولا يجوز أن يقاتل من لم تبلغه الدعوة إلى الإسلام إلا بعد أن يدعوهم، ~~ولو قاتلهم قبل الدعوة أثم، ويستحب أن يدعو به من بلغته الدعوة مبالغة في ~~الإنذار إلا إذا علم أنهم بالدعوة يستعدون أو يحتالون بحيلة أو يتحصنون، ~~لأن الدعوة مستحبة ودفع الضرر واجب. وفي «المحيط»: بلوغ الدعوة إما حقيقة ~~أو حكما بأن استفاض شرقا وغربا، أنهم إلى ماذا يدعون، وعلى ماذا يقاتلون، ~~فأقيم ظهور الدعوة مقامها في حق كل مشرك، لما روى الشيخان عن ابن عوف قال: ~~كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إلي إنما كان ذلك في أول ~~الإسلام، قد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون ~~أي غافلون وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب ~~يومئذ جويرية بنت الحارث. # --- PageV06P077 ~~*** # (وقطع شجرهم وزرعهم) أي يقاتلهم بما يهلكهم وبقطعهما. وعن الشافعي في ~~قول، وأحمد في رواية: أنه لا يفعل بهم ذلك إلا إذا كانوا يفعلونه بنا. ولنا ~~ما روى أصحاب الكتب الستة عن الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النضير وحرق، وهي البويرة بالتصغير، وفيها ~~نزلت: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها}... الآية. وفيها ~~يقول حسان بن ثابت شعرا: # *وهان على سراة بني لؤي ** حريق بالبويرة مستطير # وفي «المحيط»: ينبغي للإمام إذا تيقن بالفتح بدون التغريق والتحريق أن لا ~~يفعل (بلا غدر) أي يقاتلهم بلا خيانة ونقض عهد. وفي «المحيط»: وهذا بعد ~~الظفر وإعطاء الأمان، وأما قبلهما فلا بأس به، يعني لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «الحرب خدعة». # وأما قول صاحب «الهداية»: ولا بد من النبذ تحرزا عن الغدر، لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «في العهود وفاء لا غدر». فرفعه غير معروف، وأنه من كلام ~~عمرو بن عبسة، كما رواه سليم بن عامر قال: كان بين معاوية والروم عهد، وكان ~~يسير في بلادهم حتى انقضى العهد، فأغار عليهم، فإذا رجل ms1547 على دابة أو فرس ~~وهو يقول: الله أكبر وفاء لا غدر، وإذا هو عمرو بن عبسة، فسأله معاوية عن ~~ذلك، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان بينه وبين قوم ~~عهد فلا يحلن عهدا، ولا يشدنه حتى يمضي أمده أو ينبذ إليهم على سواء»؟ قال: ~~فرجع معاوية بالناس. رواه أبو داود والنسائي، والترمذي وهذا لفظه، وقال: ~~حسن صحيح. # --- PageV06P078 ~~*** # (و) بلا (غلول) وهو: السرقة من المغنم (و) بلا (مثلة) بالضم، وهي كقطع ~~عضو وتسويد وجه، وقد سبق النهي في حديث بريدة عن هذه الأشياء. فإن قيل: روى ~~الشيخان في كتاب الحدود عن أنس أن نفرا من عكل ثمانية، وفي لفظ: أن ناسا من ~~عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام ~~واستوخموا الأرض وسقمت أبدانهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: «ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها»، ~~قالوا: بلى يا رسول الله، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها، فصحوا، ثم ~~مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام، واستاقوا ذود رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أي إبله فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث في ~~أثرهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ~~ماتوا. وفي لفظ: ألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون، ولم يحسمهم حتى ماتوا. ~~وفي لفظ: فقطع أيديهم وأرجلهم، ثم أمر بمسامير فأحميت ثم كحلهم بها، وفي ~~لفظ: وتركهم بالحرة يعضدون الحجارة. # --- PageV06P079 ~~*** # وهذا يدل على جواز المثلة. أجيب بأنه محمول على النسخ، فإن في آخر الحديث ~~قال قتادة: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعد ذلك يحث على ~~الصدقة وينهى عن المثلة، وفي لفظ لهما: قال قتادة: فحدثني محمد بن سيرين أن ~~ذلك كان قبل أن تنزل الحدود. وفي لفظ للبيهقي: قال أنس: فما خطبنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا خطبة إلا نهى فيها عن المثلة. وممن قال ~~بنسخه الشافعي. وروى الواقدي في ms1548 كتاب «المغازي» عن إسحاق عن صالح مولى ~~التوأمة عن أبي هريرة قال: لما قطع النبي صلى الله عليه وسلم أيدي أصحاب ~~اللقاح وأرجلهم وسمل أعينهم نزلت هذه الآية: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله} إلى آخر الآية فلم تسمل بعد ذلك عين. # قال: وحدثني أبو جعفر قال: ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بعثا ~~إلا نهاهم عن المثلة. أو محمول على أنه فعل بهم ما فعلوا بالرعاء، وقد جاء ~~مصرحا به عند مسلم عن أنس قال: إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين ~~أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء. وروى ابن سعد في خبرهم: أنهم قطعوا يد ~~الراعي ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات. وعلى هذا ما فعل بهم ~~ليس بمثلة، فإن المثلة ما كان ابتداء من غير جزاء. # --- PageV06P080 ~~*** # (و) بلا (قتل عاجز عن القتال) كالصبي، والمجنون، والأعمى، والمرأة، ~~والشيخ الذي لا يقدر على الصياح عند التقاء الصفين (إلا ملكة) أو مقاتلا ~~(أو ذا رأي في الحرب، أو ذا مال يحث به) على القتال لتعدي ضررهم، إلا أن ~~الصبي والمجنون يقتلان، ما داما يقاتلان. وغيرهما لا بأس بقتله بعد الأسر، ~~لأنه من أهل العقوبة. وروى الجماعة إلا ابن ماجه عن نافع، عن ابن عمر: أن ~~امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتولة. فنهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان. # وفي لفظ للشيخين: فأنكر قتل النساء والصبيان. وروى أبو داود عن أنس بن ~~مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «انطلقوا باسم الله وعلى ملة ~~رسول الله، لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا صغيرا، ولا امرأة، ولا ~~تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين». وقد أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل دريد بن الصمة يوم حنين. وكانوا أحضروه ~~ليدبر أمرهم، وكان ابن مئة وعشرين سنة. وقيل: كان ابن مئة وستين. وقيل: كان ~~أعمى أيضا. # (و) بلا قتل (أب كافر) أي ابتداء ms1549 لقوله تعالى: {وإن جاهداك على أن تشرك ~~بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} وليس من ~~المعروف فيهما أن يقتلهما. قيد بالبدأ لأن الابن له قتل أبيه الكافر (إذا ~~قصد قتله بحيث) لا يمكنه دفعه إلا بالقتل، لأن مقصود الابن حينئذ الدفع. ~~ألا ترى أن الأب المسلم لو شهر سيفه على ابنه بحيث لا يمكن للابن دفعه إلا ~~بقتله؟ له أن يقتله فالكافر أولى. ولو كان الأب والابن في سفر وعطشا، ومع ~~الابن ماء يكفي ولأحدهما، للابن أن يشربه وإن كان الأب يموت عطشا، فكذا ~~ههنا وحكم الأم والجد والجدة كالأب. # --- PageV06P081 ~~*** # ولو كان الكافر أخا للمسلم المجاهد كان له أن يقتله ابتداء بخلاف الباغي ~~إذا كان أخا للطائع حيث لا يجوز للطائع قتله باتفاق. وعند الشافعي: يكره له ~~أن يقتل ذا رحم محرم، وفي ذي رحم غير محرم وجهان: أحدهما يكره، والآخر لا ~~يكره. ومذهب مالك وأحمد كمذهبنا. ولا يكره للأب قتل ابنه الكافر ابتداء، ~~وعند الشافعي يكره. # (و) بلا (إخراج مصحف وامرأة إلا في جيش يؤمن) فيه عليهما، لأن الغالب ~~حينئذ السلامة، والغالب كالمتحقق بخلاف الجيش الذي لا يؤمن فيه عليهما وهو ~~السرية لأن في إخراجهما تعريض المصحف للاستخفاف، وتعريض المرأة للفساد ~~والضياع. وقد روى الجماعة إلا الترمذي عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن (إلى أرض العدو). وفي لفظ لمسلم عنه أيضا: ~~قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله ~~العدو». ويجوز للعجائز أن يخرجن في العسكر العظيم لإقامة عمل يليق بهن ~~كالطبخ والسقي والمداواة، لأن خروج النساء مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~لذلك مشهور. ولا يباشرن القتال، لأنه يدل على ضعفنا إلا للضرورة. # وكره الجعل، إن وجد للمسلمين فيء، فليس للإمام أن يضرب الجعل على الناس ~~للذين يخرجون إلى الجهاد، وهذا لأنه يشبه الأجرة على الطاعة، وتمحض الأجرة ~~حرام، فما أشبهها يكره. ولأن بيت المال معد لنوائب المسلمين، وهذا ms1550 من ~~جملتها، فعلى الإمام كفايتهم منه. # --- PageV06P082 ~~*** # وأما إن لم يوجد فيء فلا بأس بتقوية القاعد المجاهد لقول ابن عباس أنه ~~عليه الصلاة والسلام استعار من صفوان بن أمية أدرعا وسلاحا في غزوة حنين ~~فقال: يا رسول الله أعارية مؤداة؟ قال: «نعم». رواه أحمد والحاكم وقال: ~~حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ورواه ابن حبان في «صحيحه» عن صفوان بن ~~أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين ~~بعيرا وثلاثين درعا. قال: قلت: أعارية مؤداة يا رسول الله؟ قال: «نعم». # وكان عمر يغزي العزب عن ذي الحليلة، ويأخذ فرس المقيم فيعطيه المسافر. ~~رواه ابن أبي شيبة والواقدي، ولأنه إعانة على البر، وجهاد بالمال وكلاهما ~~منصوصان. # وأحوال الناس في الجهاد تتفاوت ، فمنهم من يقدر (عليه) بالنفس والمال ~~لقدرته عليهما، ومنهم من يقدر عليه بالنفس بقوته دون المال لفقده، ومنهم من ~~يقدر عليه بماله دون النفس لعجزه. فيجهز الغني بماله الفقير القادر، حتى ~~يكون الخارج مجاهدا بنفسه، والقاعد بماله. والمؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضا. # (ويصالحهم) بلا مال على مدة يراها (إن كان) الصلح (خيرا) للمسلمين لقوله ~~تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله} وقد صالح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أهل مكة على أن يضعوا الحرب عشر سنين كما روى ذلك أبو داود. ~~وكان في ذلك نظر للمسلمين، لأنه كان بين (أهل) مكة وبين أهل حنين مواطأة، ~~أي موافقة، وفي نسخة: مؤاخاة. # --- PageV06P083 ~~*** # (و) يصالحهم (بمال) يؤخذ (منهم) للمسلمين (عند الحاجة) لأنه لما جازت ~~المصالحة بغير مال، فبالمال أولى. وقيد بالحاجة، لأنه لو لم يكن لهم حاجة ~~لا يجوز، لأنه ترك الجهاد صورة ومعنى، ولقوله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى ~~السلم وأنتم الأعلون}. ثم المأخوذ من المال يصرف مصارف الجزية، إذا لم ينزل ~~المسلمون بساحتهم بل أرسلوا رسولا، لأنه مأخوذ بقوة المسلمين كالجزية، وأما ~~إذا نزلوا بدار الحرب وأحاطوا بهم ثم صالحوهم على مال، فهو غنيمة يخمسها ~~الإمام ويقسم الباقي بينهم لكونه مأخوذا بالقهر. ms1551 # ولو حاصر العدو المسلمين، وطلبوا الصلح بمال يأخذونه من المسلمين، لا ~~يفعل ذلك (الإمام)، لما فيه من إعطاء الدنية وإلحاق المذلة بالمسلمين، إلا ~~إذا خاف الهلاك، لأن رفع الهلاك بأي طريق أمكن واجب. # وقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب أن يصرف الكفار عن ~~المسلمين بثلث ثمار المدينة كل سنة. فقال سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة: يا ~~رسول الله، إن كان هذا عن وحي فامض بما أمرت به، وإن كان رأيا رأيته، فقد ~~كنا في الجاهلية لم يكن لنا ولا لهم دين، وكانوا لا يطعمون من ثمار المدينة ~~إلا شراء أو قرى، فإذا أعزنا الله وبعث فينا رسوله نعطيهم الدنية لا نعطيهم ~~إلا السيف. فقال عليه الصلاة والسلام: «إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحد ~~فأحببت أن أصرفهم عنكم، فإن أبيتم ذلك فأنتم وذاك». # --- PageV06P084 ~~*** # (ونبذ) أي طرح الإمام أو نائبه صلحهم (إن كان هو) أي النبذ (أنفع) لأن ~~المصلحة لما تبدلت كان النبذ جهادا صورة ومعنى، وتركه ترك الجهاد صورة ~~ومعنى. ثم لا بد من إعلامهم بالنبذ لقوله تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة ~~فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} أي على سواء منكم ومنهم في ~~العلم بذلك، وتحرزا عن الغدر، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لكل غادر لواء ~~يوم القيامة يعرف به». رواه أحمد والشيخان. # (ويقاتلهم قبل نبذ إن خانوا) لأن النبذ لنقض العهد، وقد انتقض. وتوضيحه ~~أنه يقاتلهم بلا نبذ إن خان ملكهم أو أحد منهم بعلمه، لأنه عليه الصلاة ~~والسلام غزا قريشا بلا إنذار إليهم لما نقضوا العهد الذي جعل بينه وبينهم ~~في عام الحديبية. # (وصولح المرتد بلا مال) وكذا الباغي، لأن الإسلام من المرتد مرجو، وكذا ~~الرجوع إلى الحق من الباغي، فجاز تأخير القتال عنهم طمعا فيه إذا كان في ~~التأخير مصلحة للمسلمين كما في أهل الحرب، وإ نما لا يؤخذ منهم مال، لأن ~~أخذه يشبه أخذ الجزية من جهة أن كلا منهما في مقابلة ترك القتال، وهم لا ~~يقبل ms1552 منهم الجزية فكذا هذا. (وإن أخذ) المال من المرتد على الصلح (لا يرد) ~~عليه، لأن أموالهم غير معصومة فجاز أخذها ابتداء بغير رضاهم، ولأن في الرد ~~عليهم معونة لهم. # --- PageV06P085 ~~*** # (ولا يباع سلاح وحديد وخيل منهم) لما روى الطبراني في «معجمه»، والبيهقي ~~في «سننه» عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ~~السلاح في الفتنة. ولأن فيه تقوية لهم على الحرب (ولو) كان البيع (بعد صلح) ~~لأن الصلح على شرف النقض أو الانقضاء، ولا يمنع أحد من إدخال الطعام ~~والثياب بلادهم. والقياس أن يمنع، لأن فيه تقويتهم إلا أنا تركناه، لما ~~رواه البيهقي في «دلائل النبوة» عن أبي هريرة فذكر قصة إسلام ثمامة في ~~آخرها. فقال: إني والله ما صبوت ولكن أسلمت وصدقت محمدا وآمنت به، والذي ~~نفس ثمامة بيده لا تأتيكم حبة من اليمامة ما بقيت حتى يأذن فيها محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وانصرف إلى بلده ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش، فكتبوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلي ~~إليهم حمل الطعام، ففعله عليه الصلاة والسلام. # ولو شرطوا (في الصلح) أن يرد عليهم الإمام من جاء منهم مسلما بطل الشرط ~~عندنا، وبه قال مالك. وقال الشافعي وأحمد في رواية: يجب الوفاء به في ~~الرجال دون النساء، لأن سهيلا شرط على النبي صلى الله عليه وسلم في صلح ~~الحديبية أن من جاء منهم يرده إليهم. ولنا: قوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} والشرط الذي (وقع) في صلح ~~الحديبية انتسخ بما تلونا، لأنه كان شاملا للذكور والإناث. # --- PageV06P086 ~~*** # (وصح أمان حر وحرة) لكافر أو لجماعة أو لأهل حصن أو مدينة مؤبدا أو ~~مؤقتا، لما روى البخاري في الجهاد ومسلم في الحج من حديث علي بن أبي طالب ~~قال: ما كتبنا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا القرآن، وما في هذه ~~الصحيفة، ms1553 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المدينة حرم، فمن أحدث فيها ~~حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل ~~الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، ~~فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله ~~منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا». والذمة: العهد، وأدناهم: أقلهم، وهو ~~الواحد من الدنو. وفسره محمد: بالعبد، فجعله من الدناءة. وأخفرته: إذا نقضت ~~عهده وغدرت به. # أما أمان الحر، فلأنه من أهل القتال ومنعة الإسلام. وأما أمان الحرة، ~~فلما في «الصحيحين»: أن أم هانىء قالت: يا رسول الله زعم ابن أمي علي بن ~~أبي طالب أنه قاتل رجلا أجرته، فلان ابن هبيرة، فقال عليه الصلاة والسلام: ~~«قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت». وفي «معجم الطبراني» عن أنس بن مالك أن ~~زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أجارت أبا العاص، فأجاز النبي صلى ~~الله عليه وسلم جوارها. وأن أم هانىء بنت أبي طالب أجارت عقيلا، فأجاز ~~النبي صلى الله عليه وسلم جوارها. وقال: «يجير على المسلمين أدناهم». # --- PageV06P087 ~~*** # (وإن كان) أمان الحر أو الحرة (شرا نبذ) الإمام أو نائبه الأمان رعاية ~~لمصلحة المسلمين، وتحرزا عن الغدر. (وأدب) الحر والحرة لاستبداده برأيه في ~~الحرب دون الإمام، بخلاف ما إذا كان الأمان خيرا حيث لا يؤدب واحد منهما، ~~لأنه ربما تفوت (المصلحة) بالتأخير فيكون معذورا (ولغا أمان ذمي) لأنه يتهم ~~لكونه يوافقهم اعتقادا، ويميل إليهم فسادا إلا إذا أمره مسلم أن يؤمنهم ~~فيجوز أمانه، لزوال ذلك المعنى برأي المسلم. وعن مالك: يصح أمانه، لأن له ~~ذمة فكان تابعا للمسلمين، والمشهور عنه: أنه لا يصح. (و) لغا أمان (أسير و) ~~أمان (تاجر) مسلم (معهم و) أمان (من أسلم ثمة) أي في دار الحرب (ولم يهاجر ~~إلينا) لأن هؤلاء مقهورون تحت أيديهم فلا يخافونهم، والأمان إنما يكون من الخوف. # ولغا أمان مسلم إذا دخل عسكر أهل الحرب في دار الإسلام وأمنهم، لأنه ~~مقهور بمنعتهم. ms1554 وشرط صيرورة دار الإسلام دار الحرب: زوال الأمن من المسلمين ~~على أموالهم وأنفسهم، واتصال الدار بالدار بلا فصل بينهما، وظهور أحكام ~~الكفر فيها عند أبي حنيفة. واكتفيا بالشرط الثالث في صيرورتها دار حرب، ~~كعكسه وهو صيرورة دار الحرب دار الإسلام، فإنه بظهور أحكام الإسلام فيها من ~~غير شرط آخر. # (و) لغا (أمان صبي و) أمان (عبد محجورين) عن القتال (و) أمان (مجنون) لأن ~~قول الصبي والمجنون لا يعتبر كما في الطلاق والعتاق. وقال محمد: يصح أمان ~~الصبي المحجور، وهو قول مالك وأحمد، قيد بكونه محجورا عن القتال، لأنه لو ~~كان مأذونا له فيه، فالأصح أنه يصح أمانه اتفاقا. # --- PageV06P088 ~~*** # وقال محمد أيضا: يصح أمان العبد المحجور عن القتال، وهو قول أبي يوسف ~~فيما ذكر الكرخي، وقول مالك والشافعي وأحمد لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم». ولما روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة ~~في «مصنفيهما» عن معمر، عن عاصم بن سليمان، عن فضيل بن يزيد الرقاشي قال: ~~شهدت قرية من قرى فارس يقال لها: شاهرتا، فحاصرناها شهرا حتى إذا كنا ذات ~~يوم وطمعنا أن نصبحهم انصرفنا عنهم عند المقيل، فتخلف عبد منا فاستأمنوه. ~~فكتب إليهم في سهم أمانا ثم رمى بها إليهم، فلما رجعنا إليهم خرجوا في ~~ثيابهم ووضعوا أسلحتهم. فقلنا: ما شأنكم؟ قالوا: آمنتمونا. وأخرجوا إلينا ~~السهم فيه كتاب أمانهم. فقلنا: هذا عبد، والعبد لا يقدر على شيء. قالوا: لا ~~ندري عبدكم من حركم، وقد خرجنا بأمان، فكتبنا إلى عمر رضي الله عنه، فكتب ~~(عمر): إن العبد المسلم من المسلمين، وأمانه أمانهم. # ولأبي حنيفة وأبي يوسف: أن الأمان جهاد معنى، وهو محجور عليه عن الجهاد، ~~فيكون محجورا عليه عن الأمان. وحديث الفضيل محمول على المأذون له في القتال ~~دون المحجور عليه، والله تعالى أعلم. # فصل ي المغنم وقسمته # (ما فتح) من البلاد والأراضي (عنوة) أي قهرا (قسمه الإمام بين الجيش) كما ~~فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض خيبر كما سيأتي (أو أقر أهله بجزية) ~~على ms1555 رؤوسهم (وخراج) على أراضيهم، كما فعل عمر بسواد العراق في جماعة من ~~الصحابة كما سيجيء. # وقيل: الأول هو الأولى عند حاجة الغانمين، والثاني عند عدم حاجتهم ليكون ~~عدة في الزمان الآتي. وقال الشافعي وأحمد: يقسم الأراضي ولا يتركها في ~~أيديهم. وقال مالك في المشهور عنه: وهي وقف على مصالح المسلمين، وعنه: أن ~~الإمام يقسمها كمذهب الشافعي، وعنه: أنه مخير كمذهبنا. # --- PageV06P089 ~~*** # ولنا: ما روى البخاري في «صحيحه» عن أسلم أن عمر قال: والذي نفسي بيده، ~~لولا أن أترك آخر الناس (ببانا) ليس لهم شيء، ما فتحت علي قرية إلا قسمتها ~~كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، ولكني أتركها لهم خزانة ~~يقتسمونها. وما في «الموطأ»: أخبرنا زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر ~~يقول: لولا أن نترك آخر الناس لا شيء لهم، ما افتتح المسلمون قرية إلا ~~قسمتها سهمانا كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر سهمانا. # وروى أبو داود في «سننه» من حديث سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن ~~بشير بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفاء الله عليه خيبر، ~~قسمها ستة وثلاثين سهما، جمع فعزل للمسلمين الشطر ثمانية عشر سهما يجمع ~~كل سهم مئة، والنبي صلى الله عليه وسلم معهم له سهم كسهم أحدهم، وعزل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهما، وهو الشطر الآخر لنوائبه وما ~~ينزل به من أمر المسلمين، فلما صارت الأموال بيد النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين لم يكن لهم عمال يكفونهم عملها فدعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اليهود فعاملهم. زاد أبو عبيد في «كتاب الأموال»: فعاملهم على نصف ما ~~يخرج منها، فلم يزل على ذلك حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ~~حتى كان عمر، فكثر العمال في المسلمين وقووا على العمل، فأجلى عمر اليهود ~~إلى الشام وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم. # --- PageV06P090 ~~*** # وروى ابن سعد في «الطبقات» وابن زنجويه في كتاب «الأموال» في ترجمة عثمان ms1556 ~~بن حنيف: أن عمر بن الخطاب وجه عثمان بن حنيف على خراج السواد، ورزقه كل ~~يوم ربع شاة وخمسة دراهم، وأمره أن يمسح السواد عامره وغامره، ولا يمسح ~~سبخة ولا تلا ولا أجمة ولا مستنقع ماء ولا ما لا يبلغه الماء. فمسح عثمان ~~كل شيء دون الجبل يعني حلوان إلى أرض العرب، وهو أسفل الفرات، وكتب إلى ~~عمر: إني وجدت كل شيء بلغه الماء من عامر وغامر ستة وثلاثين ألف ألف جريب. ~~وكان ذراع عمر الذي مسح به السواد: ذراعا وقبضة. فكتب إليه عمر أن افرض ~~الخراج على كل جريب: عامر أو غامر، عمله صاحبه أو لم يعمله: درهما وقفيزا. # وافرض على الكرم، على كل جريب: عشرة دراهم، وعلى الرطاب: خمسة دراهم، ~~وأطعمهم النخل والشجر (كله). وقال: هذا قوة لهم على عمارة بلادهم. وفرض على ~~رقابهم، على الموسر: ثمانية وأربعين درهما، وعلى من دونه: أربعة وعشرين ~~درهما، وعلى من لم يجد شيئا: اثني عشر درهما. وقال: درهم لا يعوز رجلا في ~~(كل) شهر. ورفع عنهم (عمر بن الخطاب) الرق بالخراج الذي وضعه في رقابهم، ~~وجعلهم أكرة في الأرض، وحمل من خراج سواد الكوفة إلى عمر في أول سنة ثمانون ~~ألف ألف درهم، ثم حمل من قابل مئة وعشرون ألف ألف درهم، ثم لم يزل كذلك. أي ~~في التزايد. وفي «المحيط»: إن الجريب: ستون ذراعا بذراع الملك كسرى، وهو ~~يزيد على ذراع العامة بقبضة، انتهى. والقفيز الهاشمي: أربعة أمناء، والمن: ~~مئتان وستون درهما. # --- PageV06P091 ~~*** # وفي كتب السير والتواريخ: أن عمر استشار الصحابة مرارا، ثم جمعهم فقال: ~~أما إني تلوت آية من كتاب الله استغنيت بها عنكم، ثم تلا قوله تعالى: {ما ~~أفاء الله على رسوله من أهل القرى} إلى قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين} ~~إلى قوله: {والذين تبوؤا الدار والإيمان} إلى قوله: {والذين جاؤوا من ~~بعدهم} فقال: أرى لمن بعدكم نصيبا في الفيء، فلو قسمتها بينكم لم يكن لمن ~~بعدكم في الفيء نصيب بها عليهم، وجعل الجزية على رؤوسهم، والخراج على ~~أراضيهم ليكون ms1557 ذلك لهم ولمن يأتي بعدهم من المسلمين. ولم يخالفه في ذلك إلا ~~نفر يسير، منهم بلال، ولم يزالوا على خلافه حتى دعا عليهم على المنبر: ~~اللهم اكفني بلالا وأصحابه، فما حال عليهم الحول وفيهم عين تطرف، أي: ماتوا جميعا. # (وقتل الأسرى) إذا لم يسلموا سواء كانوا من مشركي العرب، أو من المرتدين، ~~أو من غيرهم (أو استرقهم أو تركهم أحرارا (ذمة) لنا) أي مضروبا عليهم ~~الجزية إذا كانوا من غير مشركي العرب وغير المرتدين. أما القتل فلأنة لحسم ~~مادة فسادهم، ولأنه صلى الله عليه وسلم قتل أسارى بني قريظة، وكانوا ما بين ~~الثمان مئة والتسع مئة. وأما الاسترقاق أو تركهم أحرارا ذمة لنا، فلأن في ~~ذلك منفعة للمسلمين مع دفع شرهم، ولما فعل عمر بأهل سواد العراق. قيدنا ~~بعدم إسلامهم، لأن الإمام ليس له فيمن أسلم منهم إلا الاسترقاق، لأن قتل ~~الأسير أو وضع الجزية عليه بعد إسلامه لا يجوز. وقيدنا استرقاقهم أو تركهم ~~أحرارا بغير المشركين وغير المرتدين، لأن هاتين الفرقتين ليس فيهم إذا لم ~~يسلموا إلا القتل. # --- PageV06P092 ~~*** # روى الشيخان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح وعلى رأسه ~~مغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: يا رسول الله ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. ~~فقال: «اقتلوه». وروى أصحاب «السنن الأربعة» أن عطية القرظي قال: كنت فيمن ~~أخذ من سبي قريظة، فكانوا يقتلون من ثبت، ويتركون من لم يثبت، فكنت فيمن ~~ترك. وروى البيهقي في «دلائل النبوة» عن جابر قال: رمي سعد بن معاذ يوم ~~الأحزاب فقطعوا أكحله، فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنار، فانتفخت ~~يده (فتركه) فنزفه الدم فحسمه أخرى فانتفخت. فلما رأى سعد ذلك قال: اللهم ~~لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة. فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى ~~نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم ~~أن يقتل رجالهم، وتسبى نساؤهم، وذراريهم يستعين بهم المسلمون. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لسعد: ms1558 «لقد أصبت حكم الله فيهم». وكانوا أربع مئة، ~~فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات. والأكحل: عرق في اليد، وهو عرق الحياة. # (ونفي) بضم النون وكسر الفاء أي منع (منهم) بفتح الميم وتشديد النون أي ~~تركهم من غير أن يؤخذ شيء منهم. وقال الشافعي: يجوز لقوله تعالى: {فإما منا ~~بعد وإما فداء}، ولما روى البخاري في «صحيحه» أن عمر بن الخطاب أصاب ~~جاريتين من سبي حنين، فوضعهما في بعض بيوت مكة. قال: فمن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على سبي حنين، فجعلوا يسعون في السكك، قال عمر: يا عبد الله ~~انظر ما هذا؟ فقال: من رسول الله صلى الله عليه وسلم على السبي. قال: اذهب ~~فأرسل الجاريتين. # ولنا: قوله تعالى في سورة براءة: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وهي ~~آخر سورة نزلت، فكان ناسخا لآية المن والفداء، ولما وقع في غزوة حنين ~~لتقدمهما. # --- PageV06P093 ~~*** # (و) منع (فداؤهم) بمال أو بأسير مسلم، لأنهم يعودون حربا على المسلمين، ~~ودفع شر حرابتهم خير من استنفاذ الأسير المسلم من يدهم. (و) منع (ردهم إلى ~~دارهم) لأن فيه تقويتهم على المسلمين. وقال أبو يوسف ومحمد: يفادى بهم ~~أرسارى المسلمين. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز المفاداة بنسائهم. ~~وقال أحمد أيضا: لا يجوز المفاداة بصبيانهم. وعن أبي حنيفة: أنه لا بأس بأن ~~يفادى بهم أسارى المسلمين، لأن تخليص المسلم من أيديهم واجب ولا يتوصل إليه ~~إلا به. # وفي «السير الكبير»: إن هذا قولهما، وأظهر الروايتين عن أبي حنيفة. وقال ~~أبو يوسف: يجوز المفاداة بأسارى المسلمين قبل القسمة لا بعدها، لأن الثابت ~~بعد القسمة حقيقة الملك، فلا يجوز إبطاله بدون رضى مالكه بعوض كسائر ~~المعاوضات. وأما المفاداة بمال فلا يجوز في المشهور من المذهب، لقوله ~~تعالى: {لولا كتاب من الله سبق} الآية، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «لو ~~نزل بنا عذاب لما نجى إلا عمر». وذلك لأنه أشار بقتلهم. وفي «السير ~~الكبير»: ولا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة استدلالا بأسارى بدر. # --- PageV06P094 ~~*** # وللإمام فداء أسارانا بهم في الأظهر من ms1559 الروايتين عن أبي حنيفة، وبه قالا ~~لما روى مسلم من حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع أبي بكر أمره علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فغزونا فزارة، فلما كان بيننا وبين الماء ~~ساعة أمرنا أبو بكر فعرسنا، ثم شن الغارة أي صبها عليهم من كل وجه، فورد ~~الماء، فقتل من قتل عليه وسبى، ونظرت إلى عنق من الناس فيهم الذراري، فخشيت ~~أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم ~~وقفوا، فجئت بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بني فزارة، عليها قشع من أدم ~~والقشع: النطع معها ابنة لها من أحسن الناس، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر، ~~فنفلني ابنتها. فقدمنا المدينة، فلقيني رسول الله، صلى الله عليه وسلم في ~~السوق فقال: «يا سلمة هب لي المرأة، لله أبوك» فقلت: هي لك يا رسول الله ~~فوالله ما كشفت لها ثوبا. فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، ~~ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة. وروى مسلم أيضا وأبو داود ~~والترمذي وقال: حسن صحيح، واللفظ له عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين. # --- PageV06P095 ~~*** # وعندنا تذبح وتحرق مواش (شق) نقلها، لأن في تركها على حالها كما قال ~~الشافعي، تقوية لهم، وفي عقرها كما قال مالك، تعذيبا ومثلة بها، والذبح ~~للمصلحة جائز، وإلحاق الغيظ بهم من أقوى المصالح، وهو مندوب بالنص، فصارت ~~كسلاح يمكن حرقه فإنه يحرق اتفاقا لئلا يستعينوا به فيما بعد، فإن لم يمكن ~~حرقه دفن في مضيعة بحيث لا يهتدون إليه، أو ألقي في البحر. ودليل الشافعي ~~ما في «مصنف ابن أبي شيبة»: أن أبا بكر بعث جيوشا إلى الشام فخرج يتبع يزيد ~~بن أبي سفيان، قال: إني أوصيك لا تقتلن صبيا ولا امرأة إلى أن قال: ولا ~~بقرة إلا لمأكلة. لكنه يحمل على ما يمكن نقلها جمعا بين الأقوال. وأما ما ~~في «الهداية» نهيه عليه الصلاة والسلام ms1560 عن ذبح الحيوان إلا لأكله، فغير معروف. # (و) منع (قسمة مغنم ثمة) أي في دار الحرب (إلا إيداعا) وصورتها أن لا ~~يكون للإمام من بيت المال ما يحمل عليه الغنيمة، فيقسمها بين الغانمين ~~ليحملوها إلى دار الإسلام، ثم يرتجعها منهم فيها. وقال الشافعي: لا بأس ~~بالقسمة في دار الحرب بعدما تم انهزام المشركين ، وبه قال عطاء. وقال مالك: ~~يعجل قسمة الأموال في دار الحرب، ويؤخر قسمة السبي إلى دار الإسلام. وأصل ~~هذا أن الملك لا يثبت للغانمين قبل الإحراز بدار الإسلام عندنا، وعندهم ~~يثبت بالاستيلاء بعدما تم انهزام المشركين، وبه قال أحمد. ولنا: أن ~~الاستيلاء بإثبات اليد، والنقل، إذ القوة لهم في دارهم، فصار القسم فيها ~~كالقسم قبل الهزيمة. وأما قسمته عليه الصلاة والسلام غنائم خيبر فيها، ~~وغنائم بني المصطلق في دارهم، فليس من محل الخلاف، لأنه عليه الصلاة ~~والسلام لما فتح تلك البلاد صارت دار الإسلام ولا خلاف فيها، وإنما الخلاف ~~فيما لم يصر دار الإسلام. # --- PageV06P096 ~~*** # (والردء) مبتدأ وهو بكسر الراء وسكون الدال فهمزة، بمعنى العون ومنه قوله ~~تعالى: {فأرسله معي ردءا يصدقني} (ومدد لحقهم ثمة) أي في دار الحرب ~~(كمقاتل) خبر المبتدأ (فيه) أي في المغنم، خلافا للشافعي. وقد مهدنا الأصل ~~في ذلك. (لا سوقي لم يقاتل) أي ليس الذي يبيع في العسكر إذا لم يقاتل في حق ~~المغنم كالمقاتل، لأن سبب الاستحقاق وهو المجاوزة على قصد المقاتلة لم ~~يوجد، لأنه جاوز على قصد التجارة. قيد بعدم القتال، لأن المقاتل منهم يستحق ~~من الغنيمة، لأنه بالمباشرة ظهر أن قصده القتال، والتجارة تبع له فلا يضره، ~~كالحاج إذ اتجر في طريق الحج، فإنه لا ينقص أجره. وأما ما في «الهداية» من ~~قوله عليه الصلاة والسلام: «الغنيمة لمن شهد الوقعة»، فرفعه غير معروف بل ~~موقوف على ابن عمر كما ذكره البيهقي. # (ولا من مات ثمة) أي في دار الحرب من المقاتلة، لأن الإرث يجري في الملك، ~~ولا ملك للغزاة في الغنيمة قبل أن تخرج إلى دار الإسلام، وإنما لهم ~~الاستحقاق ms1561 (ويورث قسط من مات) من المقاتلة (هنا) أي في دار الإسلام. وقال ~~الشافعي: يورث من مات بعد استقرار الهزيمة لثبوت الملك به عنده. # (وحل لنا ثمة) أي في دار الحرب (طعام) سواء كان مهيأ للأكل أو لم يكن: ~~كالحبوب والبقر والغنم والإبل، لكن ترد جلودها إلى الغنيمة. وهذا الحل في ~~حق من يسهم له في الغنيمة، ومن يرضخ له منها غنيا كان أو فقيرا، وفي حق من ~~معه من النساء والأولاد والمماليك. (وعلف ودهن وحطب وسلاح به حاجة، لا بعد ~~الخروج منها) أي من دار الحرب لما روى مسلم عن عبد الله ابن مغفل قال: أصبت ~~جرابا من شحم يوم خيبر فالتزمته، ثم قلت: لا أعطي في هذا اليوم أحدا شيئا، ~~فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسما. # --- PageV06P097 ~~*** # زاد أبو داود الطيالسي في «مسنده»: قال له عليه الصلاة والسلام: «هو لك». ~~قال ابن القطان: وهذه الزيادة مفيدة، لأنها نص في إباحته وهي «صحيحة» ~~الإسناد. وروى البخاري في «صحيحه» عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا ~~نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه. وروى أبو داود في «سننه» ~~عن محمد بن أبي مجالد، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قلت: هل كنتم تخمسون ~~يعني الطعام على عهد رسول الله؟ فقال: أصبنا طعاما يوم خيبر فكان الرجل ~~يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف. وروى البيهقي من حديث هانىء بن أم ~~كلثوم: أن صاحب جيش الشام كتب إلى عمر: إنا فتحنا أرضا كثيرة الطعام ~~والعلف، وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك إلا بأمرك. فكتب إليه: دع الناس ~~يأكلون ويعلفون، فمن باع شيئا بذهب أو فضة ففيه خمس لله وسهام للمسلمين. # --- PageV06P098 ~~*** # ولم يقيد في «السير الكبير» حل انتفاع الطعام ونحوه بالحاجة، وهو قول ~~مالك والشافعي وأحمد لإطلاق ما روينا، ولقوله عليه الصلاة والسلام يوم ~~خيبر: «كلوا واعلفوا ولا تحملوا». رواه البيهقي في «المعرفة». (ومن أسلم ~~ثمة) أي في دار الحرب منهم قبل أن يأخذه المسلمون ms1562 (عصم نفسه) فلا يجوز قتله ~~ولا استرقاقه. قال عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماؤهم وأموالهم». (و) عصم (طفله) ~~لأنه تبع له في الإسلام بخلاف ولده الكبير، فإنه حربي غير تابع له، وبخلاف ~~زوجته وحملها فإنها حربية غير تابعة له في الإسلام، وحملها جزء منها ~~فيتبعها في الرق (و) عصم (مالا معه) لسبق يده الحقيقة عليه، ولقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «من أسلم على شيء أو مال، فهو له» روي مسندا ومرسلا بسند ~~صحيح. فعن صخر بن عيلة: أن قوما من بني سليم فروا عن أرضهم حين جاء الإسلام ~~فأخذتها، فأسلموا فخاصموا فيها النبي صلى الله عليه وسلم فردها عليهم. ~~وقال: «إذا أسلم الرجل (فهو) أحق بأرضه وماله». رواه أحمد، وروى أبو داود ~~معناه وفيه: «يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم». # --- PageV06P099 ~~*** # (أو أودعه معصوما) أي مسلما أو ذميا، لأنه في يده حكما إذ يد المودع كيد ~~المودع، لأنه عامل له في الحفظ وهي يد محترمة صحيحة. قيد بالوديعة، لأن ~~ماله الذي في يد المعصوم غصبا، فيء عند أبي حنيفة، لأن يده ليست كيد ~~المالك. وقال محمد: لا يكون فيأ، لأن المال تابع للنفس وقد صارت معصومة ~~بالإسلام. وأبو يوسف مع أبي حنيفة في رواية، ومع محمد في أخرى. وقيد: ~~بالمعصوم، لأن ماله الذي أودعه عند حربي فيء اتفاقا، لأن يده ليست محترمة ~~حتى جاز لنا التعرض لها، وقيد بالمال، لأن عقاره فيء، خلافا لمالك والشافعي ~~وأحمد (فإنهم قالوا): إنه بإسلامه يعصم عقاره، لأنه في يده كالمنقول. # ولنا: أن العقار في يد أهل الدار وسلطانها إذ هي من جملة دار الحرب، فلم ~~يكن في يده حقيقة. وقيل: هو قول محمد، وهو قول أبي يوسف أولا ثم رجع عنه ~~إلى أن العقار كغيره من الأموال، بناء على أن اليد حقيقة يثبت عنده فيه، ~~ألا ترى أن عنده يتصور فيه الغصب؟. # وأما عبيده فمن قاتل منهم فهو فيء خلافا لمالك ms1563 والشافعي وأحمد، لأنه لما ~~تمرد على مولاه خرج من يده، فصار تبعا، لأهل دارهم. وحكم من أسلم في دار ~~الحرب وخرج إلينا على هذا التفصيل، ويقسم الإمام أربعة الأخماس من الغنيمة ~~بين الغانمين بعد إفراز الخمس لقوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه}... الآية. # --- PageV06P100 ~~*** # (وللفارس) أي لمن معه فرس أو أكثر (سهمان وللراجل) أي من لا فرس معه، ~~سواء كان معه بعير أو بغل أو لم يكن (سهم) وهذا عند أبي حنيفة وزفر، وقال ~~أبو يوسف ومحمد: للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم، وهو قول مالك والشافعي ~~وأحمد والليث وأبي ثور وأكثر أهل العلم لما روى الجماعة إلا النسائي عن ~~نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين، ~~ولصاحبه سهما. وهذا لفظ البخاري، وفسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس ~~فله ثلاثة أسهم، وإن لم يكن له فرس فله سهم. # ولفظ مسلم: أنه قسم في النفل: للفرس سهمين، وللراجل سهما. ولفظ أبي داود ~~وابن حبان في «صحيحه»: أنه عليه الصلاة والسلام أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة ~~أسهم: سهما له، وسهمين لفرسه. ولفظ الترمذي: أنه قسم في النفل: للفرس ~~سهمين، وللراجل سهما. (ولفظ ابن ماجه: أنه أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة ~~أسهم: للفرس سهمان وللراجل سهم). وفي الباب أحد عشر حديثا مسندا بمعنى ما ~~روينا. ولأن الاستحقاق بالنفع، ونفعه على ثلاثة أمثال الراجل، لأنه للكر ~~والفر والثبات، والراجل للثبات لا غير. # ولأبي حنيفة: ما روى أبو داود في «سننه»، وأحمد في «مسنده»، والطبراني في ~~«معجمه»، وابن أبي شيبة في «مصنفه»، والدارقطني في «سننه»، والحاكم في ~~«مستدركه»، من حديث مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد الأنصاري قال: سمعت أبي ~~يعقوب بن مجمع يذكر عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن عمه مجمع بن ~~جارية الأنصاري وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن قال: شهدنا الحديبية ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون ~~الأباعر، وقال بعض الناس لبعض: ms1564 ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واقفا على راحلته عند كراع الغميم. # --- PageV06P101 ~~*** # فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا}. فقال رجل: ~~يا رسول الله، أفتح هو؟ قال: «نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح». فقسمت خيبر ~~على أهل الحديبية. فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر ~~سهما، وكان الجيش ألفا وخمس مئة، فيهم ثلاث مئة فارس: فأعطى الفارس سهمين، ~~وأعطى الراجل سهما. ثم قال أبو داود: وهذا وهم، وإنما كانوا مئتي فارس. ~~فأعطى الفرس سهمين، وأعطى صاحبه سهما. # وروى الطبراني من طريق الواقدي في «معجمه» عن المقداد بن عمرو أنه كان ~~يوم بدر على فرس يقال له: سبحة فأسهم له النبي صلى الله عليه وسلم سهمين: ~~لفرسه سهم واحد، وله سهم واحد. وفي تفسير ابن مردويه في سورة الأنفال بسنده ~~إلى عائشة قالت: أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق ~~فأخرج منها الخمس، ثم قسم بين المسلمين فأعطى الفارس سهمين، والراجل سهما. # وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن أبي أسامة وابن نمير قالا: حدثنا عبيد ~~الله، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفارس ~~سهمين، وللراجل سهما. ومن طريق ابن أبي شيبة رواه الدارقطني في «سننه»، ~~وقال: قال أبو بكر النيسابوري: هذا عندي وهم من ابن أبي شيبة (أو من ~~الرمادي)، لأن أحمد بن حنبل وعبد الله بن بشر وغيرهما رووه عن ابن نمير، ~~خلاف هذا. # --- PageV06P102 ~~*** # وكذا رواه ابن كرامة وغيره عن أبي أسامة خلاف هذا، يعني أنه أسهم للفارس ~~ثلاثة أسهم. ثم أخرجه عن نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن عبيد الله بن ~~عمر، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسهم للفارس ~~سهمين، وللراجل سهما. ثم قال: قال أحمد بن منصور: هكذا لفظ نعيم، عن ابن ~~المبارك، والناس يخالفونه. قال النيسابوري: ولعل الوهم من نعيم، لأن ابن ~~المبارك من أثبت الناس، ms1565 ثم أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن ~~عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يسهم للخيل وللفارس سهمين، وللراجل سهما. ثم أخرجه عن حجاج بن منهال، ~~عن حماد بن سلمة عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قسم للفارس سهمين، وللراجل سهما. # ولأن الكر والفر من جنس واحد، فيكون نفعه مثلي نفع الراجل فيفضل عليه ~~بسهم، ولأن الفرس تبع للراجل، فلا يزاد بسهم. وما رووه محمول على الزيادة ~~بطريق التنفيل كما أعطى عليه الصلاة والسلام سهمي الراجل والفارس لسلمة بن ~~الأكوع وكان راجلا فيما روى مسلم وأحمد في حديث طويل عن سلمة بن الأكوع ~~قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربع عشرة مئة ~~فذكر الحديث بطوله إلى أن قال: فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالنا سلمة». ثم أعطاني سهمين: ~~سهم الفارس، وسهم الراجل. فجمعهما لي جميعا. # --- PageV06P103 ~~*** # هذا، ولا يسهم لأكثر من فرس. وقال أبو يوسف يسهم لفرسين وبه قال أحمد لما ~~روى الدارقطني في «سننه» عن أبي عمرة (عن) بشير بن عمرو بن محصن قال: أسهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لفرسي أربعة أسهم، ولي سهما، فأخذت خمسة ~~أسهم. وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن إبراهيم بن يحيى الأسلمي، عن صالح بن ~~محمد، عن مكحول: أن الزبير حضر خيبر بفرسين، فأعطاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم خمسة أسهم. وأخرج الدارقطني، والواقدي في «المغازي» عن عيسى بن معمر ~~قال: كان مع الزبير يوم خيبر، فرسان، فأسهم له النبي صلى الله عليه وسلم ~~خمسة أسهم. (وقال صاحب «التنقيح»: إن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن ~~الجراح أن أسهم) للفرس سهمين، وللفرسين أربعة أسهم ولصاحبهما سهما، فذلك ~~خمسة أسهم. وما كان فوق الفرسين فهو جنائب. # وأجيب بأن هشام بن عروة بن عبد الله بن ms1566 الزبير أثبت في حديث الزبير ~~وأحرص. وقد روى عن أبيه، عن جده عبد الله بن الزبير، (عن الزبير) أنه قال: ~~أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر أربعة أسهم: سهمين لفرسي، ~~وسهما لي، وسهما لأمي. وأهل المغازي لم يرووا أنه عليه الصلاة والسلام أسهم ~~لفرسين، ولم يختلفوا أنه حضر خيبر بثلاثة أفراس لنفسه: السكب والظرب ~~والمرتجز، ولم يأخذ إلا لفرس واحد. وقال مالك في «الموطأ»: لم أسمع بالقسم ~~إلا لفرس واحد. # --- PageV06P104 ~~*** # وروى الواقدي في «المغازي» بسنده إلى الحارث بن عبد الله بن كعب: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قاد في خيبر ثلاثة أفراس: لزاز والظرب والسكب، ~~وقاد الزبير أفراسا، وقاد خراش بن الصمة فرسين، وقاد البراء بن أوس فرسين، ~~وقاد أبو عمرة الأنصاري فرسين. قال: فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لكل من كان له فرسان خمسة أسهم: أربعة لفرسيه، وسهما له، وما كان أكثر من ~~فرسين لم يسهم له. ويقال: إنه لم يسهم إلا لفرس واحد وأثبت ذلك أنه أسهم ~~لفرس واحد، ولم نسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لنفسه إلا لفرس واحد. # (ويعتبر) في استحقاق سهم الفارس أو الراجل (وقت مجاوزة الدرب) أي مدخل ~~دار الحرب (لا) يعتبر (شهود الواقعة) في الاستحقاق كما هو قول مالك ~~والشافعي وأحمد. فلو دخل الغازي دار الحرب فارسا فمات فرسه، وقاتل راجلا ~~استحق سهم الفارس، ولو دخل راجلا فاشترى فرسا استحق سهم الراجل، خلافا لهم، ~~ولو دخل المجاهد فارسا وقاتل راجلا لضيق المكان استحق سهم الفارس اتفاقا. ~~هذا ولا يسهم لمملوك يقاتل، ولا امرأة تداوي الجرحى وتقوم على المرضى، ولا ~~لصبي يقاتل، ولا لذمي يقاتل أو يدل على الطريق، ولكن يرضخ لهم على حسب ما ~~يرى الإمام، لقول ابن عباس: لم يكن للعبد والمرأة سهم إلا أن يهديا من ~~غنائم القوم. رواه أحمد ومسلم. والرضخ في اللغة: إعطاء القليل، وهنا إعطاء ~~أقل من سهم الغنيمة. # وعندنا: يكون من الغنيمة قبل إخراج الخمس، وهو قول الشافعي ms1567 ورواية عن ~~أحمد. (وفي قول للشافعي: يكون من الأربعة الأخماس وهو رواية عن أحمد). وفي ~~قول للشافعي: يكون من خمس الخمس. وقال مالك: من الخمس. ولا يسهم للأجير، ~~لأنه دخل لخدمة المستأجر لا للقتال، حتى لو ترك الخدمة وقاتل يسهم له كأهل ~~سوق العسكر. # --- PageV06P105 ~~*** # ويستعان بالكافر في القتال عند الحاجة عندنا، وعند الشافعي وأحمد. وقال ~~جماعة من أهل العلم: لا يستعان به. # (والخمس) من الغنيمة (لليتيم) وهو كل صغير لا أب له، ويشترط أن يكون ~~فقيرا (والمسكين وابن السبيل) وقد تقدم تفسيرهما في الزكاة، لما روي عن ابن ~~عباس من طرق بألفاظ متقاربة منها ما رواه ابن مردويه في «تفسيره» في سورة ~~الأنفال بسنده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية فغنموا، ~~خمس الغنيمة فضرب ذلك الخمس في خمسة ثم قرأ {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه وللرسول} وقال: قوله تعالى: {فأن لله خمسه} مفتاح كلام نحو قوله ~~تعالى: {لله ما في السموات وما في الأرض} فذكره للتبرك باسمه، وهو غير ~~محتاج إلى شيء، لأن الكل له. ثم جعل سهم الله وسهم الرسول واحدا، ولذي ~~القربى سهما، فجعل هذين السهمين قوة في الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى ~~والمساكين وابن السبيل لا يعطيه لغيرهم، وجعل الأربعة أسهم الباقية: للفرس ~~سهمين، ولراكبه سهما، وللراجل سهما. # ولما رواه الطبراني: فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم، جعل ~~أبو بكر وعمر هذين السهمين سهم الله والرسول، وسهم قرابته في سبيل الله ~~صدقة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما روى أبو يوسف عن الكلبي، عن ~~أبي صالح، عن ابن عباس: أن الخمس الذي كان يقسم على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على خمسة أسهم: لله وللرسول سهم، ولذي القربى سهم، ولليتامى سهم، ~~وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم. ثم قسمه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على ~~ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. # --- PageV06P106 ~~*** # (وقدم فقراء ذوي القربى) من هذه الطوائف الثلاث على ms1568 غيرهم (ولا شيء ~~لغنيهم) أي غني ذوي القربى، لأن عمر أعطى الفقراء منهم. # وقال الطحاوي: سهم الفقير ساقط أيضا لما قدمنا. والأول اختيار الكرخي، ~~وهو الأصح لأن الدليل إنما دل على سقوط حق أغنيائهم، أما فقراؤهم فيدخلون ~~في الأصناف الثلاثة، وسقط سهم النبي صلى الله عليه وسلم بموته كالصفي، لأنه ~~كان يستحق برسالته لا بالقيام بأمور أمته، ولهذا لم يرفع الخلفاء الراشدون ~~بعده هذا لأنفسهم. والصفي: شيء نفيس كان يصطفيه لنفسه من الغنيمة كدرع أو ~~سيف أو فرس أو أمة، كما روي أنه اصطفى صفية من غنائم خيبر. # وقال الشافعي: يقسم الخمس على خمسة أسهم: سهم للنبي صلى الله عليه وسلم ~~في حياته، وبعد وفاته يصرفه الإمام في مصالح الدين على ما يرى، وبه قال ~~أحمد. وعن الشافعي: أن سهم النبي صلى الله عليه وسلم بعده يرد على بقية ~~الأصناف. وحكى ابن المنذر عنه: أنه يكون للخليفة. وسهم لذوي القربى يستوي ~~فيهم غنيهم وفقيرهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال المزني ~~والثوري: يستوي فيه الذكر والأنثى، ويكون لبني هاشم وبني المطلب فقط دون ~~(بني) عبد شمس. والباقي للفرق الثلاث. وقد تقدم أن الخلفاء الراشدين ~~(قسموا) على ثلاثة نحو ما قلنا بمحضر من الصحابة، فكان إجماعا. # --- PageV06P107 ~~*** # (ومن دخل دارهم) وله منعة سواء أذن له الإمام أم لا (فأغار خمس) ما أخذه، ~~لأن المأخوذ حينئذ على وجه القهر والغلبة، لا الاختلاس والسرقة فكان غنيمة. ~~(لا من لا منعة له) أي لا يخمس ما أخذ من دخل دارهم ولا منعة (ولا إذن له) ~~من الإمام، لأن أخذه حينئذ يكون اختلاسا وسرقة لا قهرا وغلبة . ويخمس عند ~~مالك والشافعي، لأنه مال حربي أخذ قهرا، فكان غنيمة. قيد بعدم الإذن، لأن ~~من لا منعة له لو دخل بإذن الإمام ففيه روايتان: المشهور منهما أنه يخمس ما ~~أخذه، لأنه لما أذن لهم الإمام التزم نصرهم بالإمداد فصار كالمنعة (وللإمام ~~أن ينفل وقت القتال فيجعل لأحد) من الجيش (شيئا زائدا على سهمه) أي نصيبه ~~سهما كان ms1569 أو رضخا. # (كالسلب ونحوه) بأن يقول: من قتل قتيلا فله سلبه، أو: من أصاب شيئا فهو ~~له: فيتناول هذا الكلام كل من يأخذ من الغنيمة، أو يقول للسرية: قد جعلت ~~لكم الربع بعد الخمس، أو: ما أصبتم فلكم نصفه، لما روي أن عليه الصلاة ~~والسلام نفل الربع بعد الخمس في رجعته، كما رواه أحمد وأبو داود. وكان عليه ~~الصلاة والسلام ينفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث. كما رواه أحمد ~~وابن ماجه والترمذي. ولأن التنفيل تحريض على القتال، وهو مندوب إليه لقوله ~~تعالى: {يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال} ولقوله عليه الصلاة والسلام ~~يوم حنين: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه». والتنفيل عندنا من ~~الأربعة الأخماس، وبه قال أحمد. وعند مالك والشافعي: من الخمس. # (والسلب: مركبه) أي مركب المقتول (وما عليهما) أي على المقتول مما في ~~وسطه وجيبه، وعلى مركبه من سلاح وثياب وسرج وآلة. # --- PageV06P108 ~~*** # ولو أثخنه واحد وقتله آخر، فالسلب لمن أثخنه، أي أوهنه، لإعطاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم سلب أبي جهل لمعاذ دون ابن مسعود. والحاصل أنه لا يستحق ~~القاتل سلب مقتوله عندنا إلا بقول الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه. لا أنه ~~استحق بإزالة منعة المقبل وقت الحرب بقطع طرفيه أو أسره كما قال به مالك ~~والشافعي، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله ~~سلبه». رواه أحمد والجماعة إلا النسائي. وفي لفظ لمسلم عن جبير بن نفير، عن ~~عوف بن مالك أنه قال لخالد بن الوليد: ألم تعلم يا خالد أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى. # زاد أبو داود: قضى بالسلب للقاتل، ولم يخمس السلب. وأخرج في «سننه» أيضا ~~عن أنس بن مالك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال يوم حنين:«من قتل كافرا ~~فله سلبه». فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم. وظاهر هذا نصب ~~الشرع لأنه بعث له ولأن القاتل مقبلا قد أظهر فضل عنائه على غيره، فيستحق ~~التفضيل بملك ما على ms1570 القتيل كالفارس مع الراجل، بخلاف ما لو قتله مدبرا أو ~~رمى من صف المسلمين سهما فقتل مشركا، لأنه ليس فيه زيادة عناء، فكل أحد ~~يتجاسر عليه. # ولنا ما في «معجم الطبراني الكبير والأوسط» بسنده إلى جنادة بن (أبي) ~~أمية قال: نزلنا دابق وعلينا أبو عبيدة بن الجراح، فبلغ حبيب بن مسلمة أن ~~صاحب قبرص خرج يريد طريق أذربيجان ومعه زمرد وياقوت ولؤلؤ وغيرها، فخرج ~~إليه فقتله وجاء بما معه، فأراد أبو عبيدة أن يخمسه، فقال له حبيب: لا ~~تحرمني رزقا رزقنيه الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل السلب ~~للقاتل. فقال: معاذ: يا حبيب إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه». # --- PageV06P109 ~~*** # ورواه إسحاق بن راهويه في «مسنده» بسنده إلى جنادة بن أبي أمية قال: كنا ~~معسكرين بدابق فذكر لحبيب بن مسلمة الفهري أن نبيه القبرص خرج بتجارة من ~~البحر يريد بطريق إرمينية، فخرج عليه حبيب فقاتله فقتله، فجاء بسلبه يحمله ~~على خمسة أبغال من الديباج والياقوت والزبرجد، فأراد حبيب أن يأخذه كله ~~وأبو عبيدة يقول: بعضه. فقال حبيب لأبي عبيدة: قد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «من قتل قتيلا فله سلبه». قال أبو عبيدة: إنه لم يقل للأبد. ~~وسمع معاذ بن جبل بذلك، فأتى أبا عبيدة وحبيب يخاصمه، فقال معاذ لحبيب ألا ~~تتقي الله وتأخذ ما طابت به نفس إمامك، فإن لك ما طابت به نفس إمامك، ~~وحدثهم بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. فاجتمع رأيهم على ذلك فأعطوه بعد ~~الخمس شيئا، فباعه بألف دينار. إلا أن في سنده ضعفا. وما في «الصحيحين» في ~~قصة معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء وقتلهما أبا جهل يوم بدر، وقضاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن الجموح ولم يجعله بينهما. # وما أخرجه مسلم وأبو داود، واللفظ لأبي داود عن عوف بن مالك الأشجعي قال: ~~خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مددي من أهل ms1571 اليمن: فلقينا جموع ~~الروم وفيهم رجل على فرس أشقر عليه سرج مذهب، فجعل الرومي يفري بالمسلمين، ~~وقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه، فخر، وعلاه وقتله وحاز ~~فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد (بن الوليد)، فأخذ منه ~~سلب الرومي. قال عوف: فأتيت خالدا فقلت له: أما علمت أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكن استكثرته. # --- PageV06P110 ~~*** # قلت: لتردنه أو لأعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أن ~~يعطيه. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقصصت عليه ~~قصة المددي، وما فعل خالد. فقال صلى الله عليه وسلم: «يا خالد ما حملك على ~~ما صنعت؟» قال: يا رسول الله استكثرته. قال: «رد ما أخذت منه». قال عوف: ~~فقلت: دونك يا خالد، ألم أف لك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «ما ذاك»؟ قال ~~فأخبرته. قال: فغضب صلى الله عليه وسلم وقال: «يا خالد لا ترد عليه، هل ~~أنتم تاركو لي أمرائي؟ لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره». # فصل ي استيلاء الكفار # (يملك بعض الكفار بعضا) يعني أنفسهم إذا استولى بعضهم على بعض (وأموالهم) ~~كذلك بالاستيلاء كما يملك به المسلم (و) يملك بعض الكفار (أموالنا ~~بالاستيلاء والإحراز بدارهم) وقال مالك: يملكونها بمجرد الاستيلاء، وعن ~~أحمد رواية كقول مالك، وأخرى كقولنا. وقال الشافعي لا يملكونها، لأن ~~استيلاءهم محظور ابتداء عند الأخذ في دار الإسلام وانتهاء عند الإحراز ~~بدارهم لبقاء عصمة المال. إذ سببها إسلام صاحبه لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم». وصار هذا كاستيلاء المسلم ~~وكاستيلائهم على رقابنا، والكفار مخاطبون بالمحظورات بالإجماع كالزنا ~~والربا. # --- PageV06P111 ~~*** # ولنا قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين} الآية. والفقير: من لا ملك له، فلو ~~لم يملك الكفار أموالهم باستيلائهم عليها لكانوا أغنياء ولم يسموا فقراء، ~~ولأن الأصل في الأموال الإباحة وعدم العصمة لقوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ~~ما في الأرض جميعا} وإنما يحصل الاختصاص والعصمة بسبب من الأسباب كالشراء ~~ونحوه ضرورة التمكن ms1572 من الانتفاع به بلا منازعة، فإذا زال التمكن بسبب إحراز ~~الكفار له بدارهم عاد إلى الأصل، وصار كالصيد ونحوه من مباح الأصل ~~فيملكونه، بخلاف استيلاء المسلم على مال المسلم، لأن تمكنه من الانتفاع به ~~قائم، فيبقى اختصاصه به وعصمته له، وبخلاف رقابنا لأنها لم تخلق محلا ~~للتملك، لأن الآدمي خلق ليملك لا ليملك، وإنما يثبت فيه محلية الملك بالكفر ~~العارض، وبخلاف ما إذا لم يحرزوها بدارهم، لأن ملكهم بسبب الاستيلاء وهو ~~يتحقق بالإحراز بدارهم، لأن الظاهر أن المسلمين يستنقذونها منهم ما لم ~~يحرزوها بدارهم. # فإن قيل: قال الله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} ~~والتملك بالاستيلاء من أقوى جهات السبيل. أجيب بأن النص تناول ذوات ~~المؤمنين، وهم لا يملكونهم بالاستيلاء بل يملكون أموالهم. # --- PageV06P112 ~~*** # (لا حرنا) أي لا يملك الكفار بالاستيلاء والإحراز بدارهم حرنا (وتوابعه) ~~وهم مدبرنا وأم ولدنا ومكاتبنا، لأن محل الملك هو المال، وهؤلاء ليسوا ~~بمال. وقال مالك وأحمد: يملكون المدبر والمكاتب بالاستيلاء، وقال أحمد: لا ~~يملكون أم الولد، وقال مالك: يفديها الإمام، فإن لم يفعل يأخذها سيدها ~~بالقيمة، ولا يدعها يستحل فرجها من لا تحل له. (وعبدنا الآبق) أي ولا يملك ~~الكفار بالاستيلاء والإحراز عبد المسلم إذا أبق إلى دارهم، وهذا عند أبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد في رواية. وقال أبو يوسف ومحمد (ومالك وأحمد في) ~~رواية: يملكونه، كما لو ندت إليهم دابة فأخذوها. ولأبي حنيفة: أن سبب الملك ~~الاستيلاء، ولم يوجد، لأن الآدمي ذو يد صحيحة. وفي «شرح الوقاية»: أن ~~الخلاف فيما إذا أخذوه قهرا وقيدوه، وأما إن لم يكن أخذوه قهرا فلا يملكونه ~~اتفاقا. # (ونملك) نحن (بهما) أي بالاستيلاء والإحراز بدارنا (حرهم) وتوابعه (وما ~~هو ملكهم) لأن الشرع أسقط عصمتهم وعصمة ما هو ملكهم جزاء لكفرهم بأن جعلهم ~~ملكا لعبيده. # (ومن وجد منا ماله) في يد الغانمين بعد ما غلبنا عليهم (أخذه بلا شيء إن ~~لم يقسم) أي إن لم يقع القسم، لأن الشركة قبل القسمة عامة فتقل المضرة ~~(وبالقيمة إن قسم) لما سيأتي (و) ms1573 أخذه (بالثمن إن شراه منهم) أي من الكفار ~~(تاجر) وأخرجه إلى دار الإسلام، لأنه لو أخذه بغير شيء لتضرر التاجر. وقال ~~الشافعي: من وجد منا ماله بعد القسمة أخذه بغير شيء أيضا، ولكن يعوض الإمام ~~من وقع في سهمه من بيت المال، وإن لم يكن في بيت المال شيء أعاد القسمة. # --- PageV06P113 ~~*** # ولنا ما روى الدارقطني والبيهقي في «سننيهما» عن الحسن بن عمارة، عن عبد ~~الملك بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال ~~فيما أحرزه العدو فاستنقذه المسلمون منهم: «إن وجده صاحبه قبل أن يقسم فهو ~~أحق به، وإن وجده وقد قسم فإن شاء أخذه بالثمن». وفي «سنن الدارقطني» عن ~~إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وعن رشدين، عن يونس كلاهما عن ابن شهاب، عن ~~سالم بن عبد الله، عن أبيه، (عن) عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «من وجد ماله في الفيء قبل أن يقسم فهو له، ومن وجده ~~بعد ما قسم فليس له شيء». وقال: وإسحاق هذا متروك. # وقال البيهقي: الحسن بن عمارة، متروك إلا أنه قال: قال الشافعي: قال أبو ~~يوسف: حدثنا الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عيينة، عن مقسم، عن ابن عباس، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد وبعير أحرزهما العدو، ثم ظفر بهما، ~~فقال عليه الصلاة والسلام لصاحبهما: «إن أصبتهما قبل القسمة فهما لك بغير ~~شيء، وإن أصبتهما بعد القسمة فهما لك بالقيمة». فرواية أبي يوسف هذا الحديث ~~عنه يدل على إصابته في هذا الحديث، إذ لا يلزم؟ من كون الشخص متروكا، أن ~~يكون كل فرد من أفراد حديثه متروكا. # --- PageV06P114 ~~*** # وفي «معجم الطبراني» عن ياسين الزيات، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه ~~مرفوعا: «من أدرك ماله في الفيء قبل أن يقسم فهو له، وإن أدركه بعد أن يقسم ~~فهو أحق به بالثمن». ورواه ابن عدي في «الكامل» وضعف ياسين الزيات. وفي ~~«مراسيل أبي داود» عن تميم بن ms1574 طرفة قال: وجد رجل (مع رجل) ناقة له، فارتفعا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأقام (أحدهما) البينة أنها ناقته، وأقام ~~الآخر البينة أنه اشتراها من العدو فقال عليه الصلاة والسلام: «إذا شئت أن ~~تأخذها بالثمن الذي اشتراها به فأنت أحق بها، وإلا فخل عن ناقته». وروى ~~الطبراني في «معجمه» عن جابر بن سمرة قال: أصاب العدو ناقة رجل من بني ~~سليم، ثم اشتراها رجل من المسلمين، فعرفها صاحبها، فأتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذها بالثمن الذي ~~اشتراها به صاحبها من العدو، وإلا يخلي بينه وبينها. # ومن الآثار ما في «سنن الدارقطني» عن قبيصة بن ذؤيب أن عمر بن الخطاب ~~قال: ما أصاب المشركون من أموال المسلمين، فظهر عليهم، فرأى رجل متاعه ~~بعينه فهو أحق به من غيره، فإذا قسم ثم ظهروا عليه فلا شيء له، إنما هو رجل ~~منهم. وفي رواية: هو أحق به من غيره بالثمن. قال: وهذا مرسل. وفي «مصنف ابن ~~أبي شيبة» عن خلاس، عن علي: نحو ذلك. وقال ابن حزم: رواية خلاس عن علي ~~صحيحة، ويروي عن زيد بن ثابت، ولكن بإسناد فيه ابن لهيعة، فتعدد طرقه يحسنه ~~ويصحح الاحتجاج به، كيف ولا معارض له. # --- PageV06P115 ~~*** # (وعبد) هذا مبتدأ (لهم) أي لأهل الحرب صفته (أسلم ثمة) أي في دار الحرب ~~صفة ثانية (فجاءنا) بأن جاء إلى دار الإسلام، أو إلى عسكر المسلمين في دار ~~الحرب (أو ظهرنا عليهم) عطف على ما قبله (عتق) هذا خبر المبتدأ. وإنما يعتق ~~لما روى أحمد في «مسنده»، وابن أبي شيبة في «مصنفه»، والطبراني في «معجمه» ~~من حديث الحجاج، عن مقسم، عن ابن عباس: أن عبدين خرجا من الطائف إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأسلما، فأعتقهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أحدهما: أبو بكرة. وفي لفظ لابن أبي شيبة بهذا الإسناد: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يعتق من أتاه من العبيد إذا أسلموا، وقد أعتق يوم الطائف ~~رجلين ms1575 أحدهما: أبو بكرة، سمي به لأنه تدلى ببكرة ونزل من الحصن. # وفي «مراسيل أبي داود» عن عبد ربه بن الحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وسلم لما حصر الطائف خرج إليه أرقاء من أرقائهم فأسلموا، فأعتقهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فلما أسلم مواليهم بعد ذلك، رد عليه الصلاة والسلام ~~الولاء إليهم. وفي «سننه» عن علي قال: خرج عبدان إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم الحديبية قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم قالوا: يا محمد والله ~~ما خرجوا إليك رغبة في دينك، فإنما خرجوا هربا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا ~~رسول الله، ردهم إليهم. فغضب عليه الصلاة والسلام وقال: «والله ما أراكم ~~تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا الدين». ~~وأبى أن يردهم وقال: «هم عتقاء الله». # --- PageV06P116 ~~*** # (كعبد مسلم) أي كما يعتق عبد مسلم (شراه كافر مستأمن هنا) أي في دار ~~الإسلام (وأدخله دارهم) أي دار أهل الحرب، وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو ~~يوسف ومحمد: لا يعتق، وبه قال مالك وأحمد. وفي مذهب الشافعي وجه: أنه لا ~~يصح بيع العبد المسلم من الكافر، وعنه قول: إنه يصح. وفي «النهاية» عن ~~«الإيضاح»: وعلى هذا الخلاف إذا كان العبد ذميا، لأن المستأمن يجبر على ~~بيعه ولا يمكن من إدخاله دار الحرب. # (ولا يتعرض تاجرنا ثمة) أي في دار الحرب (لدمهم ومالهم) لأن في تعرضه ~~لواحد منهما غدرا بهم، وهو ممنوع منه. (إلا إذا أخذ ملكهم ماله) أو حبسه ~~(أو) أخذ (غيره) أي غير ملكهم مال التاجر (بعلمه) أي بعلم ملكهم ولم ينهه، ~~لأنهم نقضوا عهده فيباح له التعرض لهم كالأسير والمتلصص. قيد بدمهم ومالهم، ~~لأنه لا يجوز له أن يتعرض لفروجهم، لأن الفروج لا تحل إلا بالملك، ولا ملك ~~قبل الإحراز بالدار. # (وما أخرجه) التاجر من دار الحرب بطريق التعرض ودخل به إلى دار الإسلام ~~(ملكه) لتحقق سبب الملك فيه وهو الاستيلاء على مباح (حراما) أي ملكا حراما ~~لأنه حصل بسبب ms1576 الغدر فأوجب ذلك خبثا فيه (فيتصدق به) تنزها عنه. # (ولا يمكن حربي) من الإقامة (هنا) أي في دار الإسلام (سنة) بأمان (وقيل ~~له) عند الأمان (إن أقمت هنا سنة نضع # --- PageV06P117 ~~*** # عليك الجزية) بعد ذلك (فإن أقام سنة) من وقت القول له (فهو ذمي لا يترك ~~أن يرجع) إليهم لالتزامه الجزية. ثم إذا صار ذميا بمضي المدة المضروبة له ~~يستأنف عليه الجزية بحول بعدها، إلا أن يكون الإمام قال: إن مكثت سنة ~~أخذتها منك، فإنه يأخذها منه حينئذ، وحل دمه بعوده إلى محل ليس من دارنا ~~لخروجه من ذمتنا. ومن أسلم ثمة ولم يلحق بدارنا فماله ودمه غير معصوم عندنا ~~وحكم مالك والشافعي بعصمتهما عصمة مقومة، فتجب الدية في الخطأ، والقود في ~~العمد، لأنه قتل نفسا معصومة لثبوت العاصم وهو الإسلام لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». فقد أثبت العصمة بالإسلام لا ~~بالدار. # ولنا: قوله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} ~~فالآية سيقت لبيان أنواع القتل وموجباته، فأوجب في المؤمن المطلق: دية ~~وكفارة، ثم أوجب بقتل مسلم لم يهاجر إلينا: كفارة فقط بقوله: {فإن كان من ~~قوم عدو لكم} أي المقتول إذا كان من الكفار دارا وهو مؤمن {فتحرير رقبة} ثم ~~أوجب بقتل الذمي: دية وكفارة، فدل إيجاب الكفارة وحدها فيمن لم يهاجر على ~~أن لا دية له، لأنه جعل الكفارة كل الواجب، لأنها كل المذكور، فلا يجوز أن ~~يزاد عليها، لأنها نسخ، فلا يجب على قاتله سوى الكفارة في القتل الخطأ لما تلونا. # (فصل في الجزية) # --- PageV06P118 ~~*** # (ولا تتغير جزية وضعت بصلح) لأن الموجب لها حينئذ هو التراضي، فلا يقع ~~على خلاف ما وقع عليه. والجزية: ما يؤخذ من الذمي باعتبار رأسه، وسميت جزية ~~لأنها تجزىء أي تقضي وتكفي عن القتل، إذ بقبولها يسقط القتل عن الذمي. ~~ويكلف أي يأتي بنفسه ويعطيها قائما والقابض منه قاعدا، ولا تقبل منه ms1577 لو ~~بعثها من يد نائبه في أصح الروايات وذلك لقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون} وإنما اعتبر الصلح به لما روى أبو داود في كتاب الخراج أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل نجران على ألفي حلة: النصف في صفر، ~~والبقية في رجب يؤدونها إلى المسلمين، وعارية: ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، ~~وثلاثين بعيرا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ~~ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد أو غدرة على أن لا يهدم لهم ~~بيعة ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنوا عن دينهم، ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا ~~الربا. ونجران: بلد من اليمن وأهله نصارى. والحلة: إزار ورداء. # (وإذا غلبوا) بصيغة المجهول وكذا قوله: (وأقروا على أملاكهم توضع على ~~كتابي ومجوسي ووثني عجمي) أي دون عربي (ظهر غناه لكل سنة ثمانية وأربعون ~~درهما) يؤخذ منه في كل شهر أربعة دراهم. # --- PageV06P119 ~~*** # (وعلى المتوسط) وهو من يملك نصابا (نصفها) أي أربعة وعشرون درهما، يؤخذ ~~منه في كل شهر درهمان (وعلى فقير يكتسب) أي يقدر على الكسب سواء اكتسب أو ~~لم يكتسب (ربعها) أي اثنا عشر درهما، يؤخذ منه في كل شهر درهم لما روى ابن ~~أبي شيبة في «مصنفه» في الإمارة عن علي بن مسهر، عن الشيباني، عن أبي عون ~~محمد بن عبيد الله الثقفي قال: وضع عمر بن الخطاب الجزية على رؤوس الرجال: ~~على الغني ثمانية وأربعين درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما ، وعلى ~~الفقير اثني عشر درهما. # وروى أبو عبيد القاسم ابن سلام في كتاب «الأموال» عن عمر أنه بعث عثمان ~~بن حنيف فوضع عليهم ثمانية وأربعين، وأربعة وعشرين، واثني عشر. ويعتبر وجود ~~هذه الصفات الثلاث آخر السنة. # وقال الشافعي: يوضع على كل بالغ دينار، غنيا كان أو فقيرا، لما روى أبو ~~داود والترمذي وقال: حديث حسن، والنسائي في الزكاة عن الأعمش، عن أبي وائل، ~~(عن مسروق) عن معاذ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، ms1578 ~~وأمرني أن آخذ من البقر من ثلاثين تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن ~~كل حالم دينارا أو عدله معافر. والحالم: البالغ، والعدل: بالفتح المثل من ~~خلاف الجنس،. وبالكسر المثل من الجنس. والمعافر: حي من همدان ينسب إليه نوع ~~من الثياب. وقال مالك: يوضع على الغني أربعون درهما أو أربعة دنانير، وعلى ~~الفقير عشرة دراهم أو دينار. وعن أحمد ثلاث روايات: رواية: يفوض إلى رأي ~~الإمام، وبه قال الثوري وأبو عبيدة، ورواية: أقلها دينار وتجوز الزيادة، ~~ولا يجوز النقصان، ورواية: كقولنا. # --- PageV06P120 ~~*** # ثم عندنا توضع الجزية على كل كافر ليس بمرتد ولا وثني عربي، وبه قال أحمد ~~في رواية، لأن عمر ضرب الجزية على أهل سواد العراق بمحضر من الصحابة ولم ~~يسأل عن أديانهم، ولأنه يجوز استرقاقهم إجماعا، فكذا وضع الجزية عليهم (إذ) ~~بكل منهما يلحقه الصغار والذل. وقال أحمد: لا يؤخذ إلا من اليهود والنصارى ~~ومن وافقهم في أصل دينهم وآمن بكتابهم كالسامرة لليهود، والإفرنج للنصارى. ~~وقال الشافعي: لا تؤخذ إلا من اليهود والنصارى والمجوس، وفي أصحاب صحف ~~إبراهيم وشيث وإدريس وزبر دواد ومن تمسك بدين آدم، وفي السامرة والصابئين ~~وجهان في مذهبه: أحدهما تؤخذ، وثانيهما لا تؤخذ. وقال مالك: تؤخذ من جميع ~~الكفار إلا من مشركي قريش. # والدليل على أخذها من أهل الكتاب قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ~~من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}، وعلى أخذها من ~~المجوس: ما رواه محمد بن الحسن في «الموطأ»، وابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ~~مالك، عن الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس ~~البحرين، وأن عمر أخذها من مجوس فارس وأن عثمان أخذها من مجوس البربر. # --- PageV06P121 ~~*** # وما رواه البزار في «مسنده»، والدارقطني في «غرائب مالك» من حديث أبي علي ~~الحنفي: حدثنا مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر ~~المجوس ms1579 فقال: لا أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد ~~(أني) سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». ~~وفي البخاري، ولم يكن عمر أخذ الجزية حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر. وكذا رواه أحمد وجماعة. وعن ~~المغيرة بن شعبة أنه قال لعامل كسرى: أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن ~~نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية. رواه أحمد والبخاري، ~~وكانوا عبدة الأوثان. # (لا) أي لا توضع الجزية (على وثني عربي فإن ظهر عليه) بصيغة المجهول أي ~~على الوثني العربي (فطفله وعرسه) أي زوجته (فيء) لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سبى ذراري أوطاس وهوازن ونسائهم وقسمها بين الغانمين (ولا) توضع أيضا ~~على (مرتد) سواء كان من العرب أو العجم، فإن ظهر عليه فطفله ونساؤه فيء، ~~لأن أبا بكر سبى نساء بني حنيفة وذراريهم لما ارتدوا وقسمهم، فوقع في سهم ~~علي الحنفية فأولدها ابنه محمد ابن الحنيفة. ثم كفر المرتد أغلظ من كفر ~~مشركي العرب، ولذا كان ذراري المرتدين ونساؤهم يجبرون على الإسلام، بخلاف ~~ذراري عبدة الأوثان من العرب ونسائهم. (فلا يقبل منهما) أي من الوثني ~~العربي ومن المرتد (إلا الإسلام أو السيف) زيادة في العقوبة عليهما، لأن ~~كفرهما أغلظ من كفر غيرهما. # --- PageV06P122 ~~*** # أما المشرك العربي، فلأن النبي صلى الله عليه وسلم نشأ بين أظهرهم ~~والقرآن نزل بلغتهم، فالمعجزات أظهر في حقهم. وأما المرتد، فلأنه كفر بعدما ~~هدي إلى الإسلام ووقف على محاسنه من الأحكام. وقال مالك والشافعي وأحمد: ~~يجوز استرقاق وثني العرب، لأن استرقاقه إتلاف له حكما، فيجوز كإتلافه ~~حقيقة، ولنا: قوله تعالى في حق عبدة الأوثان من العرب: {تقاتلونهم أو ~~يسلمون}. ولا توضع أيضا على زنديق، بل إن جاء قبل أن يؤخذ وأقر أنه زنديق ~~وتاب تقبل توبته، وإن أخذ ثم تاب يقتل ولا تقبل (توبته ولا) منه الجزية، ~~لأنه يعتقد في الباطن خلاف الظاهر. # (ولا) توضع ms1580 (على راهب لا يخالط الناس) وذكر محمد عن أبي حنيفة رحمه الله ~~أنها توضع عليه، وهو قول أبي يوسف وقول للشافعي وأحمد، لأنه ضيع القدرة على ~~العمل، فصار كمن عطل الأرض الخراجية عن الزراعة، ووجه ما في «الكتاب» أنه ~~لا قتل عليهم إذا كانوا لا يخالطون الناس، والجزية في حقهم لإسقاط القتل. # (ولا) توضع (على صبي و) لا (امرأة و) لا (مملوك و) لا (أعمى و) لا (زمن) ~~ولو كانوا غنيين، لأنها بدل عن القتل أو القتال. ومن عدا المملوك لا يقتل ~~ولا يقاتل لعدم الأهلية. ويدخل في المملوك القن والمكاتب والمدبر، وإنما لا ~~توضع عليه لأنها بدل عن القتل في حقه أو عن النصرة في حقنا بالقتال. وعلى ~~الاعتبار الأول يجب وضع الجزية، لأن الأصل يتحقق في حق المماليك، لأن ~~المملوك الحربي يقتل، فيتحقق البدل أيضا، وعلى اعتبار الثاني لا يجب، لأن ~~العبد لا يقدر على النصرة فلا يجب عليه البدل (فلا توضع بالشك). # --- PageV06P123 ~~*** # (و) لا توضع على (فقير لا يكتسب) أي لا يقدر على الكسب كالمريض في السنة ~~كلها، أو في أكثرها إقامة للأكثر مقام الكل، أو في نصفها ترجيحا لجانب ~~الإسقاط في العقوبة، بخلاف القادر على الكسب التارك له، فإنها تؤخذ منه كمن ~~قدر على الزراعة ولم يزرع حيث يؤخذ منه الخراج. # (وتسقط) الجزية (بالموت والإسلام) سواء كان في أثناء السنة أو بعد تمامها ~~قبل الأخذ. وقال الشافعي: لا تسقط بعد تمامها، وله فيما إذا أسلم أو مات في ~~أثنائها قولان: أحدهما: أنه تؤخذ جزية ما مضى، والآخر تسقط، وهذا الخلاف ~~يأتي فيمن عمي أو صار مقعدا أو زمنا أو شيخا كبيرا لا يستطيع العمل، أو ~~فقيرا لا يقدر على شيء وقد بقي عليه شيء من الجزية، فإنه يسقط عنه عندنا، ~~وعند الشافعي لا تسقط، لأن الجزية وجبت عن العصمة الثابتة بعقد الذمة، أو ~~عن سكنى في دارنا، وقد وصل إليه المعوض، فلا يسقط عنه العوض بهذا العارض، ~~كما لا تسقط به الأجرة. # ولنا: ما روى أبو ms1581 داود في «الخراج»، والترمذي في الزكاة من حديث ابن عباس ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على المسلم جزية». قال أبو ~~داود: وسئل سفيان الثوري عن هذا فقال: يعني إذا أسلم فلا جزية عليه. ~~(وتتداخل) أي الجزية (بالتكرار) يعني إذا اجتمع على الذمي أكثر من حول لا ~~تؤخذ منه إلا عن حول واحد، وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: تأخذ ~~عن الجميع، وهو قول الشافعي وأحمد. # (ولا تحدث بيعة) وهي معبد النصارى (و) لا (كنيسة) وهي معبد اليهود، ولا ~~صومعة: وهي معبد الرهبان، ولا بيت نار: وهو معبد المجوس (في دارنا) أي في ~~الأمصار. قيل: ولا في القرى، وهذا الخلاف في غير أرض العرب، وأما فيها ~~فيمنعون من ذلك في الأمصار والقرى قولا واحدا. # --- PageV06P124 ~~*** # ويمنع المشركون أيضا من السكنى فيها (ولهم إعادة المنهدم) لأن الأبنية لا ~~تبقى دائما، ولجريان التوارث من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~يومنا بترك البيع والكنائس في أمصار المسلمين. ولما أقرهم الإمام فقد عهد ~~إليهم الإعادة بطريق الدلالة إلا أنهم لا يمكنون من نقلها ولا زيادة في ~~محلها، لأنه إحداث في الحقيقة. # روى البيهقي في «سننه» عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا خصاء في الإسلام، ولا بنيان كنيسة». إلا أنه ضعفه. وروى أبو عبيد ~~القاسم بن سلام بسنده إلى توبة بن النمر الحضرمي قاضي مصر، عمن أخبره عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة». وروى أيضا ~~بسند فيه ابن لهيعة إلى عمر بن الخطاب أنه قال: لا كنيسة في الإسلام، ولا ~~خصاء. وروى مالك في «الموطأ» عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب». قال مالك عن ابن شهاب ففحص عن ذلك ~~عمر بن الخطاب حتى أتاه اليقين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~يجتمع دينان في جزيرة العرب». فأجلى يهود خيبر، وأجلى يهود ms1582 نجران وفدك. ~~وجزيرة العرب هي أرض العرب، وقد سبق تفسيرها في الزكاة. وسميت جزيرة لأنها ~~جزرت عنها المياه التي حواليها، كبحر البصرة وعمان وعدن والفرات. والجزر: القطع. # --- PageV06P125 ~~*** # (وميز الذمي) من المسلم (في زيه) أي لبسه، فلا يلبس طيلسانا مثل طيلسان ~~المسلمين، ولا رداء مثل أرديتهم (و) في (مركبه وسرجه وسلاحه) إظهارا للصغار ~~عليهم، وصيانة لمن ضعف يقينه من المسلمين عن الميل إلى دينهم، كما يشير ~~إليه قوله تعالى : {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون}... الآية، ولأن المسلم يكرم، ~~والذمي يهان، حتى يضيق عليه الطريق ولا يبدأ بالسلام، ولا يجاب إلا بعليك، ~~ولأنه لو لم يميز لعله يعامل معاملة المسلمين، وذا لا يجوز. # (فلا يركب) الذمي (خيلا ولا يعمل) أي لا يحمل (بسلاح) لأنه ليس من أهل ~~الجهاد، وهذا في الحضر، وجوز له في السفر لاحتمال الاحتياج إليه (ويظهر ~~الكستيج) بضم الكاف وسكون السين المهملة وكسر التاء الفوقية فياء ساكنة ~~فجيم: وهو خيط غليظ يشده الذمي فوق ثيابه، ولا يظهر الزنار المتخذ من ~~الإبريسم. # (ويركب) عند الضرورة (على سرج كإكاف) وذكر التمرتاشي أنه يكتفي في كل بلد ~~من العلامة بما تعارفه أهله، لأن المقصود يحصل به. (وميزت نساؤهم) عن نساء ~~المسلمين (في الطرق والحمام، ويعلم على دورهم) بعلامة (لئلا يستغفر لهم ~~السائل) إذا وقف عليها، ويمنعون من تعلية أبنيتهم علينا، ولا ينقض عهدهم ~~بقتل مسلم، بل يقاد إن كان عمدا، وتجب الدية إن كان خطأ، ولا بوطء مسلمة بل ~~يحد، ولا بسب نبي من الأنبياء، فلا يغنم ماله، بل يجري عليه الحكم مثلما ~~يجري على مسلم صدر منه مثله. # --- PageV06P126 ~~*** # وصار كالإباء عن أداء الجزية على المذهب، لأن ما ينتهي به القتال التزام ~~الجزية، وقبولها لأدائها، فالالتزام باق فيسقط القتال، وينتقض على رواية ~~«واقعات الحسامي» اعتبارا للانتهاء بالابتداء، بل ينتقض باللحاق بدار ~~الحرب، أو بالغلبة على موضع من دارنا للحرب، لأنهم لما صاروا حربا علينا ~~خلا عقد الذمة عن فائدة دفع ms1583 شر الحرب، فلا يبقى. وإذا انتقض عهده صار ~~كالمرتد في الحكم، إلا أنه إذا أسر يجوز أن يسترق وأن توضع عليه الجزية ~~ثانيا بخلاف المرتد. # (ومصرف الجزية والخراج) مبتدأ مضاف (وما أخذ منه) أي من الحربي (بلا حرب) ~~كهدية، وما أخذ منه العاشر، أو من الذمي إذا مر عليه، وما صولح عليه على ~~ترك القتال قبل نزول العسكر لساحته (مصالحنا) خبر المبتدأ (كسد ثغر) بالخيل ~~والرجال، والثغر: موضع المخافة من فروج البلدان. (وبناء جسر) وهو مما يرفع ~~ويوضع، وقنطرة وهي: ما يحكم بناؤه فلا يرفع (ورزق العلماء) أي المشغولين ~~بعلم الشريعة وطلبتهم (والعمال) أي الذين يقبضون الزكوات والعشورات والجزية ~~والخراجات. # (والمقاتلة وذريتهم) أي ذرية العلماء والعمال والمقاتلة، لأنه مال وصل ~~إلى المسلمين بلا قتال فيصرف في مصالحهم، وهؤلاء حبسوا أنفسهم لنفع ~~المسلمين، فكان الصرف إليهم صرفا في مصالح المسلمين، ونفقة الذراري على ~~الآباء، فيعطون كفايتهم كيلا يشتغلوا عن مصالح المسلمين، ولا يورث عطاء من ~~مات منهم في نصف السنة، لأنه صدقة وهي لا تملك إلا بالقبض، وإن مات في ~~آخرها يستحب دفعه لورثته إقامة لتمام السنة مقام قبضه إياه، وعلى هذا قيل: ~~إن الإمام أو المؤذن أو المدرس إذا مات قبل أن يقبض معلومه، ليس لورثته أن ~~يأخذوا ذلك. # --- PageV06P127 ~~*** # واعلم أن بيت المال أنواع أربعة: أحدها: هذا الذي ذكر. وثانيها: الزكاة ~~والعشر، ومصرفها: ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى: {إنما الصدقات ~~للفقراء} الآية.... وثالثها: خمس الغنائم والمعادن والركاز، ومصرفها: ما ~~ذكره الله تعالى في قوله تعالى: {فأن لله خمسه}... الآية. ورابعها: ~~اللقطات، والتركات التي لا وارث لها، وديات مقتول لا ولي له، ومصرفها: ~~الفقراء الذين لا أولياء لهم، يعطون منه نفقتهم وأرديتهم ويكفن به موتاهم، ~~ويعقل به جنايتهم، وعلى الإمام أن يتقي الله ويصرفه إلى كل مستحق قدر حاجته ~~من غير زيادة ولا نقصان، فإن قصر في ذلك نصيبا، فكفى بالله حسيبا. # (أحكام المرتد) # (ومن ارتد) عن الإسلام، (والعياذ بالله) من ذلك المقام (عرض عليه ~~الإسلام) على سبيل الندب ms1584 رجاء أن يعود دون الوجوب، لأن الدعوة قد بلغته، ~~وهو قول مالك والشافعي وأحمد (وكشفت شبهته) إن كانت له شبهة، لأن في ذلك ~~دفع شره بأحسن الأمرين (فإن استمهل) أي طلب أن يمهل (حبس ثلاثة أيام) ~~للمهلة، لأنها مدة ضربت لإبلاء الأعذار كما في شرط الخيار (فإن تاب فيها) ~~قبل (وإلا قتل) من ساعته في ظاهر الرواية لقوله صلى الله عليه وسلم: «من ~~بدل دينه فاقتلوه». رواه أحمد والبخاري. ولأنه حربي بلغته الدعوة فيقتل في ~~الحال من غير الإمهال، كالكافر الأصلي، (ولا) يجوز تأخير ما وجب للحال لأمر ~~موهوم في الاستقبال. # --- PageV06P128 ~~*** # وفي «النوادر» عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه يستحب أن يؤجل ثلاثة أيام، ~~طلب ذلك أو لم يطلب. وفي أصح قولي الشافعي: إن تاب في الحال وإلا قتل من ~~غير الإمهال، وهو اختيار ابن المنذر. وقال الثوري: يستتاب ما رجي عوده. ~~وقال الزهري: يدعى ثلاثا، فإن أبي قتل. وفي «المبسوط»: إن ارتد ثانيا ~~وثالثا فكذلك يستتاب، وبه قال أكثر أهل العلم لإطلاق قوله تعالى: {فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} وقال مالك وأحمد والليث: ~~لا يستتاب من تكرر منه ذلك، كالزنديق لقوله تعالى: {إن الذين آمنوا ثم ~~كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم}. # ولنا في الزنديق روايتان: في رواية: لا تقبل توبته كقول مالك، وفي رواية ~~تقبل كقول الشافعي، والخلاف في حق أحكام الدنيا، وأما فيما بينه وبين الله ~~تعالى فتقبل بلا خلاف لقوله تعالى في حق المنافقين: {إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا} إلى قوله تعالى: {فأولئك مع المؤمنين}، والآية التي استدلوا بها ~~إنما هي في حق من ازداد كفرا، لا في حق من آمن وأظهر التوبة. وعن أبي يوسف: ~~أنه إذا تكرر منه الارتداد يقتل من غير عرض الإسلام، لأنه مستخف بالدين. # (وهي) أي توبة المرتد (بالتبري عن كل دين سوى الإسلام، أو عما انتقل ~~إليه) لحصول المقصود به، وهذا بعد إتيانه بكلمة الشهادة كما في «الإيضاح». ~~(وقتله) مبتدأ أي ms1585 قتل المرتد (قبل العرض) أي عرض الإسلام عليه (ترك ندب بلا ~~ضمان) لأن العرض مندوب إليه، ومن يقول بأنه واجب، فعنده أن قتله قبل العرض ~~حرام، لأنه ترك واجب. وأما انتفاء الضمان عند الكل، فلأن الكفر مبيح لقتله، ~~والعرض ندب أو واجب رجاء رجوعه. # --- PageV06P129 ~~*** # (ويزول ملكه) أي ملك المرتد (عن ماله) زوالا (موقوفا) على تبين حاله، وبه ~~قال مالك، والشافعي في أصح قوليه، وأحمد في رواية. وقال أبو يوسف ومحمد: لا ~~يزول، وبه قال الشافعي في قول، واختاره المزني، وهو ظاهر الرواية عن أحمد. ~~قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، لأن أثر الردة في إباحة دمه، لا ~~في زوال ملكه كالمقضي عليه بالرجم والقود. # ولأبي حنيفة: أن المرتد قد زالت عصمة نفسه بالردة، لأنه يصير حربيا حتى ~~يقتل، فكذا عصمة أمواله، لأنها تابعة لنفسه، غير أنه لما كان مدعوا إلى ~~الإسلام بالإجبار عليه ويرجى عوده إليه لوقوفه على محاسنه توقفنا في أمره. ~~(فإن أسلم عاد) ملكه وجعل هذا العارض وهو الارتداد كأن لم يكن في حق زوال ~~الملك. وإنما قيدنا بهذا، لأن هذا العارض معتبر في حق إحباط العمل من ~~الطاعات، وفي حق وقوع الفرقة بينه وبين زوجته، وفي حق فرضية تجديد الإيمان. # (وإذا مات أو قتل) على ردته (أو لحق بدارهم وحكم به) أي بلحوقه بدارهم ~~(عتق مدبره وأم ولده) لأنه باللحاق صار من أهل الحرب، وهم أموات في حق ~~أحكام الإسلام لانقطاع ولاية الإلزام عنهم كما انقطعت عن الموتى، فصار ~~كالميت، وهو يعتق مدبره وأم ولده، إلا أنه لا يستقر لحاقه إلا بحكم حاكم حي ~~لاحتمال عوده إلينا. # --- PageV06P130 ~~*** # (وحل دين عليه) لأن الدين المؤجل يصير حالا بموت المديون، واللحوق بدارهم ~~إذا حكم به في حكم الموت. (وكسب إسلامه لوارثه المسلم، وكسب ردته فيء) وقال ~~أبو يوسف ومحمد: كلاهما لورثته المسلمين (وقضي دين كل حال) من الإسلام ~~والردة (من كسب تلك الحال) فيقضى دين حال الإسلام من كسب الإسلام، ودين حال ~~الردة من كسب الردة. وعند أبي ms1586 يوسف ومحمد: تقضى ديونه منهما. (وبطل نكاحه ~~وذبحه) اتفاقا وكذا إرثه، لأن هذه الأمور تعتمد الملة، ولا ملة للمرتد. ~~(وصح طلاقه واستيلاده) اتفاقا، فإن قيل: بالارتداد تقع الفرقة، فكيف يتصور ~~منه الطلاق؟ أجيب: بأن الفسخ الذي يقع بالردة تعتد المرأة له، فإذا طلقها ~~وهي في العدة وقع الطلاق، وكذا لو ارتدا معا فطلقها فأسلما معا لا ينفسخ ~~النكاح ويقع الطلاق. # (ويوقف بيعه ومعاملته) من شراء وإجارة ورهن وهبة وعتق وتدبير وكتابة ~~ووصية (إن أسلم نفذ وإن مات أو قتل أو لحق وحكم به بطل) وقال أبو يوسف ~~ومحمد: لا يوقف بل ينفذ تصرفه سواء أسلم أو مات أو لحق، وهو قول مالك ~~والشافعي (فإن جاء) المرتد (مسلما قبل حكم) بلحاقه إلى دار الإسلام (فكأنه ~~لم يرتد) وأم ولده ومدبره باقيان على ملكه. # --- PageV06P131 ~~*** # (وإن جاء بعده) أي بعد الحكم بلحاقه. (وماله) بعينه (مع ورثته أخذه) لأن ~~وارثه إنما خلفه لاستغنائه عنه، فإذا عاد ظهرت حاجته وبطل حكم الخلف، لكن ~~إنما يعود إلى ملكه بقضاء أو رضاء . قال الحلواني: ولو كان هذا بعد موته ~~حقيقة بأن أحياه الله تعالى وأعاده إلى الدنيا، لكان الحكم كذلك، إلا أنه ~~خلاف العادة. قيد بماله، لأنه لا سبيل له على أمهات أولاده ولا مدبريه، لأن ~~القاضي قضى بعتقهن عن ولاية شرعية، فلا ينقض. وقيدنا ماله بعينه، لأنه لا ~~يأخذ ثمنه إذا باعه الوارث ولا قيمته، لأنه باعه وأتلفه في وقت كان فيه ~~سبيل من ذلك. # (ولا تقتل مرتدة) لكن لو قتلها إنسان لا شيء عليه، سواء كانت حرة أو أمة، ~~كذا في «المبسوط». (وتحبس حتى تسلم) أو تموت، وقال مالك، والشافعي، ~~(وأحمد)، والليث، والزهري، والأوزاعي ومكحول، وحماد: تقتل، لما روى البخاري ~~وابن أبي شيبة من حديث ابن عباس واللفظ لابن أبي شيبة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه». وكلمة «من» تعم الرجال والنساء ~~كقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}. ولنا ما روى الطبراني في ~~«معجمه» عن معاذ بن جبل أن ms1587 رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه ~~إلى اليمن: «أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن تاب فاقبل منه، وإن لم ~~يتب فاضرب عنقه بالسيف، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن تابت ~~فاقبل منها، وإن أبت فاستتبها». # --- PageV06P132 ~~*** # وروى ابن عدي في «كامله» بسنده إلى أبي هريرة أن امرأة ارتدت على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقتلها. ولكن ضعف من رواية حفص بن ~~سليمان. وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن عبد الرحمن بن سليمان، ووكيع، عن ~~أبي حنيفة، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس أنه قال: النساء لا يقتلن ~~إذا هن ارتددن عن الإسلام، ولكن يحبسن ويدعين إلى الإسلام ويجبرن عليه. ~~ورواه محمد بن الحسن في «الآثار»، عن أبي حنيفة، ورواه عبد الرزاق في ~~«مصنفه» في آخر القصاص، عن سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين به. وأخرج ~~الدارقطني عن علي أنه قال: المرتدة تستتاب ولا تقتل. وفي نسخة: يستأنى بها. ~~وأخرج عبد الرزاق نحوه عن عطاء، والحسن، وإبراهيم النخعي. # وروى عبد الرزاق عن الثوري، عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب أمر في أم ~~ولد تنصرت أن تباع في أرض ذات مؤنة عليها، ولا تباع في أهل دينها، فبيعت ~~بدومة الجندل من غير أهل دينها. (وصح تصرفها) في مالها (وكسباها) أي كسب ~~الإسلام وكسب الردة، وفي بعض النسخ: وكسبها، أي سواء كان في الإسلام أو ~~الردة (لورثتها) لأن ملكها باق ولا حرابة منها حتى يكون مالها فيئا بخلاف ~~المرتد، وليس الكل فيئا كما قال مالك والشافعي، لأنه مات كافرا، والمسلم لا ~~يرث الكافر. ولا يرثها زوجها، لأن الزوجية قد انقطعت بالارتداد، وهي لا ~~تقتل، فلم يتعلق حقه بمالها، إلا أن تكون مريضة فيرثها، لأنها تصير فارة ~~بالارتداد. # --- PageV06P133 ~~*** # وعن الحسن: أن المرتدة تضرب كل يوم تسعة وثلاثين (سوطا) حتى تسلم أو ~~تموت، وكذا الأمة. وفي «الجامع الصغير»: وتجبر المرأة على الإسلام حرة كانت ~~أو أمة، وتخدم الأمة مولاها لما فيه ms1588 من الجمع بين الحقين، بأن يجعل منزل ~~المولى سجنا لها، ويفرض التأديب إليه. # وفي «الإيضاح»: وقال أبو حنيفة: إذا احتاج المولى إلى خدمتها دفعها ~~القاضي إليه، وأمره أن يجبرها على الإسلام، وأرسل إليها القاضي كل يوم ~~يهددها ويضربها أسواطا حتى تموت أو تسلم. والصحيح أن يدفعها إلى المولى ~~احتاج أو استغنى، طلب أو لم يطلب، لأن الحبس تصرف فيها، وهو إلى المولى. # (وصح ارتداد صبي يعقل وإسلامه، ويجبر) الصبي المرتد (عليه) أي على ~~الإسلام (ولا يقتل إن أبى) وإن بلغ كافرا، ولكن يحبس، ذكره التمرتاشي، وهذا ~~عند أبي حنيفة ومحمد. # وقال مالك وأحمد: يقتل إذا بلغ ولم يرجع، لأنه صار أهلا للعقوبة. وقال ~~أبو يوسف: ارتداده ليس بارتداد، وإسلامه إسلام، وهو قول لأحمد وسحنون ~~المالكي لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى ~~يحتلم». ومن كان مرفوع القلم لا يبنى الحكم في الدنيا على قوله، أما ~~الإسلام فيصح منه لأن الصبي أهل للرسالة. قال الله تعالى: {وآتيناه الحكم ~~صبيا} فعلم ضرورة أنه أهل للإسلام، ولأنه سبب الفوز بالسعادة الأبدية، ~~فيكون محض منفعة في الأمور الدنيوية والأخروية، بخلاف الارتداد، فإنه محض مضرة. # --- PageV06P134 ~~*** # وفي «المحيط»: روى ابن أبي مالك، عن أبي يوسف: أن أبا حنيفة رجع إلى قول ~~أبي يوسف. وقال الشافعي وزفر: إسلامه ليس بإسلام، وارتداده ليس بارتداد، ~~وأما الإسلام فلأنه تبع فيه لأبويه، فلا يجعل أصلا، لأن التبعية دليل ~~العجز، والأصالة دليل القدرة وبينهما تناف. وأما الارتداد، فلأنه مضرة ~~(محضة) لأنه سبب لحرمان إرثه، وللفرقة بينه وبين امرأته المشركة والمسلمة، ~~ولامتناع وجوب نفقته على أبويه أو غيرهما من أقاربه، والصبي ليس بأهل ~~للمضار كالطلاق والعتاق. # ولأبي حنيفة ومحمد: في الإسلام أنه أتى بحقيقته، وهو التصديق بالجنان ~~والإقرار باللسان، وفي الردة أتى بحقيقة الكفر، وهو الجحود والإنكار، وقد ~~اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم إسلام الصبي فيصح منه. روى البخاري في ~~«تاريخه» عن عروة قال: أسلم علي وهو ابن ثمان سنين. وأخرج الحاكم (في ~~«مستدركه» وقال: صحيح ms1589 على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، عن ابن عباس: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ) دفع الراية إلى علي يوم بدر، وهو ابن عشرين سنة. ~~قال الذهبي في «مختصره»: وهذا نص في أنه أسلم وله أقل من عشر سنين، بل نص ~~في أنه أسلم وهو ابن سبع سنين (أو ثمان)، وهو قول عروة. انتهى. وقد افتخر ~~علي به في شعره: # *سبقتكمو إلى الإسلام طرا ** غلاما ما بلغت أوان حلمي # وروى البخاري في «صحيحه» قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم فمرض، فأتاه صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له: «أسلم»: ~~فنظر إلى أبيه، وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». # --- PageV06P135 ~~*** # وعرض عليه الصلاة والسلام الإسلام على ابن صياد وهو غلام لم يبلغ، ولولا ~~أنه يعتبر منه، لم يعرضه عليه. وأما الصبي الذي لا يعقل فلا يصح ارتداده ~~ولا إسلامه كالمجنون، لأن إقراره لا يدل على اعتقاده فلا يعتبر. ولو ارتد ~~السكران الذي لا يعقل لا يصح ارتداده، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، ~~والشافعي في قول، لأنه غير عالم بما يقول، والردة تبتنى على تبدل الاعتقاد. # هذا، ويحكم بإسلام الوثني وشبهه بتلفظه بإحدى كلمتي الشهادة، ولو سكران ~~أو مكرها لقوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا ~~إله إلا الله». ويحكم بإسلام الكتابي بتلفظه بكلتي كلمتي الشهادة مع التبري ~~عن دينه الذي كان عليه ومع دخوله في دين الإسلام، لأن من أهل الكتاب من ~~يعتقد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويدعي أنه صلى الله عليه وسلم رسول ~~للعرب خاصة، فلا بد من تبريه من دينه ودخوله في دين الإسلام. # --- PageV06P136 ~~*** # ويكفر من وصف الله تعالى بما لا يليق به تعالى وتقدس، وسخر باسم من ~~أسمائه، أو استخف به أو بأمر من أوامره ونواهيه، أو انكر وعده بالثواب ~~للصالحين أو وعيده من العذاب للطالحين، أو عاب النبي ms1590 صلى الله عليه وسلم ~~ولو بشعرة من شعراته، لأنه استخفاف بمن كمله الله من كل وجه، أو أنكر خلافه ~~الشيخين لثبوتهما بالإجماع، أو صحبة أبي بكر لثبوتها بالنص حيث قال تعالى: ~~{إذ يقول لصاحبه لا تحزن} وعليه اتفاق المفسرين، أو رمى عائشة بما برأها ~~الله منه من قول أهل الإفك، لأنه إنكار لما ثبت في كتاب الله. وفي «المحيط» ~~معزيا إلى «الفتاوى»: الساحر إن اعتقد أنه خالق لما يفعل فإن تاب عن ذلك، ~~وقال: الله خالق كل شيء، وتبرأ مما اعتقد تقبل توبته ولا يقتل، لأنه كافر ~~أسلم، وإن لم يتب قتل، لأنه مرتد. وقال أبو حنيفة في «المجرد»: يقتل ولا ~~يقبل قوله: إني أترك السحر وأتوب منه، إذا شهد الشهود أنه الآن ساحر أو أقر بذلك. # وكذا المرأة الساحرة تقتل. وفي «المنتقى»: أنها لا تقتل، ولكن تحبس وتضرب ~~كالمرتدة، والأول أصح لما في البخاري، و«سنن أبي داود»، و«مسند أحمد»: أن ~~عمر كتب إلى نوابه أن اقتلوا الساحر والساحرة. ولما رواه الدارقطني عن جندب ~~مرفوعا: «حد الساحر ضربة بالسيف». ولأن ضرر كفرها وهو السحر يتعدى فتكون ~~ساعية في الأرض بالفساد بخلاف المرتدة والحربية، وذلك لدفع فسادها الذي ~~يفرق بين المرء وزوجته، ولا تقبل توبتها في الأصح، لأن ما يقتل لأجله لا ~~يرتفع بالتوبة، وقيل: تقبل، لأنه لا يلزم من عدم ارتفاعه العمل به كالسلاح ~~في يد اللص التائب. # --- PageV06P137 ~~*** # ثم تعلم السحر وتعليمه حرام بلا خلاف بين أهل العلم، ومن اعتقد إباحته ~~كفر. وعن أصحابنا ومالك وأحمد: يكفر الساحر بتعليمه وتعلمه وفعله سواء ~~اعتقد تحريمه أو لا، ويقتل. وأما الكاهن: وهو العراف الذي يحدس، وقيل الذي ~~له رئي من الجن يأتيه بالأخبار. (فقال أصحابنا): إن اعتقد أن الشياطين ~~يفعلون له ما يشاء كفر، وإن لم يعتقد لم يكفر. # (فصل في البغاة) # (والبغاة) جمع باغ (قوم مسلمون خرجوا عن طاعة الإمام) الحق، وهو: الذي ~~اجتمع عليه المسلمون، أو ثبتت إمامته من الإمام الحق (فيدعوهم) الإمام (إلى ~~العود) إلى طاعته (ويكشف شبهتهم) لما ms1591 في «مصنف عبد الرزاق»، و«سنن النسائي ~~الكبرى» في خصائص علي، عن ابن عباس أنه قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا في ~~دار وكانوا ستة الآف، فقلت لعلي: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة لعلي أكلم ~~هؤلاء القوم. قال: إني أخافهم عليك. قلت: كلا، فلبست ثيابي ومضيت حتى دخلت ~~عليهم في دارهم وهم مجتمعون فيها، فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، ما جاء ~~بك؟ قلت: أتيتكم من عند أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم المهاجرين ~~والأنصار، ومن عند ابن عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وصهره، وعليهم ~~نزل القرآن فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، جئت لأبلغكم ما ~~يقولون، وأبلغهم ما تقولون، فانتحى لي نفر منهم أي عرض قلت: هات ما نقمتم ~~على أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وابن عمه وختنه وأول من آمن ~~به، قالوا: ثلاث. قلت: ما هي؟ # قالوا: إحداهن: أنه حكم الرجال في دين الله وقد قال الله: {إن الحكم إلا ~~لله} قلت: هذه واحدة. # --- PageV06P138 ~~*** # قالوا: وأما الثانية: فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، فإن كانوا كفارا لقد ~~حلت لنا نساؤهم وأموالهم، وإن كانوا مؤمنين لقد حرمت علينا دماؤهم، قلت: ~~هذه أخرى. # قالوا: وأما الثالثة: فإنه محى نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير ~~المؤمنين، فهو أمير الكافرين؟ قلت: عندكم شيء غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا، ~~قلت لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله، وحدثتكم من سنة نبيه ما يرد ~~قولكم هذا، ترجعون؟ قالوا: اللهم نعم، قلت: أما قولكم: حكم الرجال في دين ~~الله، فأنا أقرأ عليكم أن قد صير الله حكمه إلى الرجال في أرنب ثمنها ربع ~~درهم. قال تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} إلى قوله: {يحكم به ذوا عدل ~~منكم} وقال في المرأة وزوجها {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله ~~وحكما من أهلها} أنشدكم الله أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وإصلاح ذات ~~بينهم أحق، أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟. # قالوا: اللهم، بل في حقن ms1592 دمائهم وإصلاح ذات بينهم، قلت: أخرجت من هذه؟ ~~قالوا: اللهم نعم. قلت: وأما قولكم: إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، أتسبون ~~أمكم عائشة فتستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟ لئن فعلتم قد ~~كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم قال الله تعالى: {النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} فأنتم بين ضلالتين فأتوا منهما ~~بمخرج، أخرجت من هذه الأخرى؟. # --- PageV06P139 ~~*** # قالوا: اللهم نعم. قلت: وأما قولكم: محى نفسه من أمير المؤمنين، فإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشا يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم ~~كتابا. قال: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقالوا: والله لو كنا ~~نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن ~~عبد الله. فقال: والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني، يا علي: اكتب محمد بن ~~عبد الله، فرسول الله خير من علي وقد محا نفسه، ولم يكن محوه ذلك محوا من ~~النبوة. أخرجت من هذه الأخرى؟ قالوا: اللهم نعم. فرجع منهم ألفان، وبقي ~~سائرهم، فقتلوا على ضلالتهم، قتلهم المهاجرون والأنصار. ولأن توبتهم ترجى، ~~ولعل الشر يندفع بالتذكرة، قال تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} ~~وهذه الدعوة ليست بواجبة، لأنهم قد علموا لماذا يقاتلون، فصاروا كالمرتدين. # (فإن تحيزوا) أي اختاروا مكانا (مجتمعين) أي وللقتال متهيئين (حل لنا ~~قتالهم ابتداء) كما في «الذخيرة» و«المبسوط» و«الإيضاح». وفي «مختصر ~~القدوري»: أنه لا يحل أن نبدأهم بالقتال، بل إن قاتلوا قاتلناهم حتى نفرق ~~جمعهم، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأنه لا يحل قتل مسلم إلا دفعا وهم ~~مسلمون بخلاف الكفار، فإن نفس الكفر مبيح لقتالهم. # --- PageV06P140 ~~*** # ولنا: أن خروجهم على الإمام معصية ومنكر، وقتالنا لهم عليه نهي عنه، ~~فنقاتلهم وإن لم يبدؤنا، ولقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله} من غير قيد بالبداءة منهم. ولقول علي مرفوعا: «سيخرج قوم في آخر ~~الزمان أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون بقول خير البرية، لا يجاوز ~~إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما ms1593 يمرق السهم من الرمية، فأينما ~~لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة». رواه أحمد ~~والشيخان. ولأن الحكم يدار على دليله، ودليل القتال منهم، وهو التحيز ~~والتهيؤ والاجتماع موجود ههنا، فلو انتظر حقيقة قتالهم لصار ذريعة إلى ~~تقويتهم. # وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن علي كرم الله وجهه أنه قال يوم الجمل: لا ~~تتبعوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ومن ألقى سلاحه فهو آمن. وفي لفظ له عن ~~الضحاك: أن عليا لما هزم طلحة وأصحابه أمر مناديه فنادى: أن لا يقتل مقبل، ~~ولا مدبر، ولا يفتح باب، ولا يستحل فرج، ولا مال. # هذا، ويجوز قتالهم بكل ما يجوز به قتال أهل الحرب، كالرمي بالنبل ~~والمنجنيق، وإرسال الماء والنار عليهم، والبيات بالليل، لأن قتالهم فرض ~~كقتال أهل الحرب والمرتدين. وقال مالك، والشافعي، وأحمد: لا يجوز قتالهم ~~بالمنجنيق، وإرسال الماء والنار إلا إذا لم يدفعوا بدونه. # --- PageV06P141 ~~*** # (ويجهز على جريحهم) أي يسرع قتله ويتمم (ويتبع موليهم) كيلا يلحق بهم، ~~وبه قال مالك، وبعض أصحاب الشافعي. (إن كان لهم فئة) قيد به، لاندفاع شرهم ~~فيما إذا لم يكن لهم فئة بدون الإجهاز على جريحهم والاتباع لموليهم، وعليه ~~يحمل ما سبق عن علي كرم الله وجهه. وقال الشافعي: لا يجوز الإجهاز ولا ~~الاتباع في حال وجود الفئة، كما لا يجوز في حال عدمها، وبه قال أحمد. # ولنا: أنهم إذا كانت لهم فئة، يرجع الجريح والمولي إلى فئتهم، ويصيران ~~حربا علينا، ولا كذلك حال عدم الفئة. (ولا تسبى ذريتهم ويحبس مالهم إلى أن ~~يتوبوا) فيرد عليهم إجماعا، لأنهم مسلمون في دار الإسلام، فتكون أموالهم ~~وذريتهم معصومة بالعصمتين، وإنما يحبس مالهم عنهم دفعا لشرهم وكسرا ~~لشوكتهم. # (ويستعمل سلاحهم وخيلهم عند الحاجة) وبه قال مالك وأحمد في رواية. وقال ~~الشافعي: لا يجوز، وهو رواية عن أحمد، لأنه مال مسلم، فلا يجوز الانتفاع به ~~إلا برضاه. ولنا: ما رواه ابن أبي شيبة في آخر «مصنفه»، في باب وقعة الجمل: ~~(أن عليا قسم يوم الجمل) في العسكر ما ms1594 أجافوا عليه أي غلبوا من كراع ~~وسلاح. وفي «الهداية»: وكانت تلك القسمة للحاجة لا للتمليك، وللإمام أن ~~يفعل ذلك في مال العادل عند الحاجة، ففي مال الباغي أولى، والمعنى فيه ~~إلحاق الضرر الأدنى لدفع الأعلى ويباع كراعهم ويحبس ثمنه، لأن حبس ثمنه ~~أيسر وأحفظ للمالية، فإذا وضعت الحرب وزالت الفتنة رد عليهم. # --- PageV06P142 ~~*** # (وباغ قتل عادلا إن ادعى) الباغي (حقيته) أي كونه على الحق، بأن قال: ~~قتلته وأنا على الحق (يرث) منه. وأما لو قال: قتلته وأنا على الباطل، فلا ~~يرث منه، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد: وقال أبو يوسف: لا يرث في الوجهين وهو ~~قول الشافعي، لأنه قتل بغير حق فيحرم الميراث اعتبارا بالخطأ. ولهما: أنه ~~(قتل) بتأويل يسقط معه الضمان، فلا يوجب حرمان الإرث، لأنه من باب العقوبة: ~~(كعكسه) كما يرث العادل من الباغي إذا قتله، لأنه قتل بحق. وفي «الهداية» ~~و«البدائع»: أن العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله لا يضمن، ولا يأثم، ~~لأنه مأمور بقتالهم دفعا لشرهم، قال الله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله} والباغي إذا قتل العادل أو أتلف ماله لا يضمن عندنا، ويأثم. # وبه قال أحمد، والشافعي في قول، لقول الزهري: إن الفتنة الأولى ثارت، ~~وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا كثير، فاجتمع رأيهم على ~~أن لا يقيموا على أحد حدا في فرج استحلوه بتأويل القرآن، ولا قصاص في دم ~~استحلوه بتأويل القرآن، ولا يرد مال استحلوه بتأويل القرآن، إلا أن يوجد ~~شيء بعينه فيرد إلى صاحبه. وقال الشافعي في قول آخر: يضمن، وبه قال مالك. # (ولا يجب شيء بقتل باغ مثله) في عسكرهم. وقال مالك والشافعي: يجب موجب ~~جنايته، لأن كل موضع تجب فيه العبادات في أوقاتها، فهو كدار أهل العدل يجب ~~فيه (ما يجب فيها). # ولنا: أن موضع البغاة لما خرج عن ولاية الإمام صار كدار الحرب، فلم يجب ~~فيه الحدود والقصاص، لأن إقامتها للإمام، ولا ولاية له عليهم حال وجود ~~موجباتها، فلا تكون موجبة ms1595 في وقتها، ولا تنقلب موجبة بعده كالقتل في دار الحرب. # --- PageV06P143 ~~*** # وكره بيع السلاح من أهل الفتنة إن علم أنه منهم، لأنه إعانة على المعصية، ~~وقد قال الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان}. ولا بأس ببيعه ممن لا يعلم أنه منهم، والله سبحانه وتعالى أعلم. # كتاب الجنايات # الجناية في اللغة: ما يحرم من الفعل، سواء كان في نفس أو مال أو غيرهما. ~~وفي الفقه: فعل محرم في نفس ويسمى قتلا أو طرف، ويسمى قطعا وجرحا. والقتل ~~فعل يضاف إلى العبد تزول به الحياة، وزوال الحياة بدون فعل العبد يسمى ~~موتا، والكل بأجل مسمى. # ثم القتل الذي يتعلق به الأحكام من القصاص والدية والكفارة، وحرمان الإرث ~~والإثم على ما ذكر محمد في «الأصل» ثلاثة: عمد، وخطأ، وشبه عمد (القتل ~~العمد) هو (ضرب قصدا بما يفرق الأجزاء، كنار ومحدد، ولو) كان المحدد (من ~~خشب) أو حجر وهو المروة، أو قشر قصب وهو الليطة، أو إبرة في (المقتل)، وهما ~~زادا كمالك والشافعي: ما لا يطيقه البدن من المثقل في كون القتل به عمدا. # ولا يشترط في الحديد ونحوه الجرح في ظاهر الرواية. قيد بالقصد، لأن موجب ~~هذا الفعل الإثم، وهو لا يتحقق إلا بالقصد، لأن الخطأ والنسيان مرفوعان عن ~~هذه الأمة. وقيد القصد بما يفرق الأجزاء، لأن قصد القتل من أفعال القلب، ~~وهي لا توقف عليها، فأقيم استعمال الآلة القاتلة غالبا وهي المفرقة ~~للأجزاء مقامه تيسيرا، كما أقيم السفر مقام المشقة، والنوم مضطجعا مقام ~~الخارج من أحد السبيلين، والبلوغ مقام اعتدال العقل. # --- PageV06P144 ~~*** # (وبه) أي بالقتل العمد لا بغيره من أنواع القتل (يأثم) القاتل ~~بالإجماع،ولقوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها}... ~~الآية. ولما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما». والأحاديث في ~~هذا الباب كثيرة. # (ويجب) عطف على يأثم (القود) أي القصاص عينا، إلا أن يعفو الأولياء فيسقط ~~القود ms1596 بعفوهم، لا إلى شيء، أو أن يصالحوا على مال، فيجب ذلك المال بالصلح ~~لا بالقتل، لأن حقهم القود وقد أسقطوه. ووجوب القود عينا هو المرجح من قول ~~الشافعي، ورواية عن مالك، وقول النخعي وسفيان الثوري، وابن شبرمة. ويخير ~~الولي في قول الشافعي بين القصاص وأخذ الدية بغير رضاء القاتل، وهو قول ~~أحمد ومالك في رواية، وابن سيرين، وابن المسيب وجمهور المحدثين، لما أخرجه ~~أصحاب الكتب الستة عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: ~~لما فتح الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله ~~والمؤمنين». إلى أن قال: «ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يعطى ~~الدية، وإما أن يقاد أهل القتيل». # --- PageV06P145 ~~*** # وما أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي شريح الخزاعي (الكعبي) قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما فتح الله عليه مكة: «ألا إنكم يا معشر خزاعة ~~قتلتم هذا القتيل من هذيل، وإني عاقله، فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل ~~فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل». ولفظ أبي داود: ~~«إما أن يأخذوا العقل، أو يأخذوا القود». وفي رواية: «أو يقتلوا». وما رواه ~~الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول: فإن شاؤوا قتلوا، وإن ~~شاؤوا أخذوا الدية: وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما ~~صالحوا عليه فهو لهم». # ولنا: قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} فإيجاب المال زيادة عليه ~~وقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} والمراد القتل العمد، ~~لأن الله تعالى أوجب الدية في القتل الخطأ بقوله: {ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} وما أخرجه ابن أبي ~~شيبة وإسحاق بن راهويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى ms1597 الله عليه وسلم: ~~«العمد قود، إلا أن يعفو ولي المقتول». وزاد إسحاق: «والخطأ عقل لا قود فيه». # --- PageV06P146 ~~*** # وشبه العمد: قتل العصا والحجر، ورمي السهم، فيه الدية مغلظة من أسنان ~~الإبل، وما رووه محمول على رضى القاتل، وإنما لم يذكر رضاه في الحديث، لأن ~~ذلك معلوم. فإن من أشرف على الهلاك إذا تمكن من دفع الهلاك عن نفسه بأداء ~~المال لا يمتنع من ذلك إلا من سفهت نفسه. وهذا كما يقال للدائن: خذ بدينك ~~إن شئت دراهم، وإن شئت دنانير، وإن شئت عروضا. ومعلوم أنه لا يأخذ غير حقه ~~إلا برضاء المديون، وهذا فاش في الكلام. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك». أي لا تأخذ إلا سلمك عند المضي في العقد، ولا ~~تأخذ إلا رأس مالك عند الفسخ. ومعلوم أنه لا يأخذ رأسه ماله إلا برضى ~~الآخر، لأن الفسخ لا يتم إلا باتفاقهم، أو على أن المراد عدم جبر الولي على ~~أخذ الدية. # ويؤيد ذلك ما روى البخاري عن أنس أن الربيع بنت النضر لطمت جارية فكسرت ~~ثنيتها، فطلبوا العفو فأبوا، فعرضوا عليهم الأرش فأبوا إلا القصاص. فجاء ~~أخوها أنس بن النضر وقال: يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع ؟ والذي بعثك ~~بالحق لا تكسر ثنيتها. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «كتاب ~~الله القصاص»، فرضي القوم وعفوا، فقال رسول الله صل الله تعالى عليه وسلم: ~~«إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره». ولو كان يجب الخيار للمولى ~~بين القصاص والأرش لخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلمها بما ~~تختار من ذلك، لأن الحاكم إذا تقدم إليه أحد في شيء، يجب له من شيئين، وثبت ~~عنده، لا يحكم له بأخذ الشيئين، بل يحكم له بأن يختار أحدهما. # --- PageV06P147 ~~*** # وإن صالح القاتل الأولياء كلهم، يجب العوض عليه، قليلا كان ما صالح عليه، ~~أو كثيرا، حالا كان أو مؤجلا، لقوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع ~~بالمعروف وأداء إليه ms1598 بإحسان}. # قيل: نزلت في الصلح، وهو قول ابن عباس، والحسن، والضحاك، ومجاهد وهو ~~الموافق للام، فإن عفى إذا استعمل باللام كان معناه: البذل، أي فمن أعطي من ~~جهة أخيه المقتول شيئا من المال بطريق الصلح {فاتباع} أي فلمن أعطي وهو ~~ولي المقتول مطالبته بدل الصلح على مجاملة، وحسن معاملة، وأكثر المفسرين ~~على أنها في عفو بعض الأولياء، ويدل عليه قوله: {شيء} فإنه يراد به البعض، ~~وتقديره {فمن عفي} عنه وهو القاتل، {من أخيه} في الدين وهو المقتول {شيء} ~~من القصاص بأن كان للقتيل أولياء فعفى بعضهم، فقد صار نصيب الباقين مالا ~~وهو الدية على حصصهم من الميراث. وهو مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس ~~{فاتباع بالمعروف} أي فليتبع غير العافي بطلب حصته، وليؤد القاتل إليه حقه ~~وافيا من غير نقص. # --- PageV06P148 ~~*** # (و) القتل (شبه العمد ضرب قصدا بغير ما ذكر) في العمد كالعصا، والسوط، ~~والحجر، والخشب غير المحدود، وهذا عند أبي حنيفة. وعندهما: ضرب قصدا بما لا ~~يقتل غالبا. وفي «المبسوط» سمي هذا القتل: شبه العمد (أي خطأ يشبه العمد) ~~لما فيه من معنى العمد بالنظر إلى قصد الفاعل إلى الضرب، ومعنى الخطأ ~~بالنظر إلى انعدام قصد القتل. فشبه العمد عند أبي حنيفة رحمه الله: أن ~~يتعمد القتل بكل آلة لم توضع للقتل، وعندهما: بكل آلة لا تقتل غالبا. وعند ~~مالك والشافعي وأحمد: بكل آلة أو فعل لا يصلح للقتل، فلو ضربه بسوط صغير ~~ضربا أو ضربين فمات، فهو شبه العمد عند الكل، ولو ضربه بسوط صغير ووالى بين ~~الضربات إلى أن مات ، فإن كان جملة ما والى بحيث يقتل مثله غالبا، فهو عمد ~~محض على قولهما، وبه قال مالك والشافعي. وقال بعض المشايخ: هو شبه العمد ~~على قولهما، كقول أبي حنيفة. # ولو ألقاه من جبل أو سطح، أو غرقه في الماء، فشبه عمد عند أبي حنيفة، ~~وعمد عندهما، ولو خنقه فمات، فهو شبه عمد، إلا أن يكون معروفا بذلك النوع ~~من القتل، وعند مالك والشافعي وأحمد: يجب القود. ولو ms1599 ضربه بحجر عظيم أو ~~خشبة عظيمة، فهو شبه العمد عند أبي حنيفة، وعمد عند غيره لما في الصحيحين ~~من حديث أنس أن رجلا رضخ رأس امرأة بين حجرين فقتلها، فرضخ رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم رأسه بين الحجرين. # --- PageV06P149 ~~*** # وما رواه البيهقي من طريق مسدد أن يهوديا رمى رجلا بحجر فقتله، فأقاده ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن ~~جريج عن عمرو بن دينار: أنه سمع طاوسا يخبر عن ابن عباس، عن عمر أنه نشد ~~قضاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الجنين، فجاء حمل (بن مالك) بن ~~النابغة فقال: كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها ~~وجنينها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة أي عبد أو أمة وأن تقتل ~~بها. والمسطح عمود الخباء، ولأنه قصد إلى الضرب بآلة يقتل بمثلها في ~~الغالب، فيتعلق به القصاص كالمحدد. # ولأبي حنيفة رحمه الله قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن دية الخطأ شبه ~~العمد ما كان بالسوط والعصا مئة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها». ~~رواه ابن حبان وأصحاب السنن سوى الترمذي. وما أخرجه أبو داود والترمذي ~~والنسائي وابن ماجه عن سليمان بن كثير، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل في عميا أو رميا، ~~بحجر أو سوط أو عصا فهو خطأ، وعقله عقل الخطأ، ومن قتل عمدا فهو قود، ومن ~~حال دونه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا ~~عدل». ووجه الدلالة: أنه لم يفصل في العصا والحجر بين الكبير والصغير. وفي ~~«النهاية»: العميا بالكسر، والتشديد والقصر: فعيلى من العمى، ومن قتل في ~~عميا أي وجد قتيلا وعمي أمره ولم يتبين قاتله. والرميا كذلك مصدر من الرمي ~~بمعنى المراماة يراد به المبالغة. # --- PageV06P150 ~~*** # وأخرج ابن أبي شيبة مثل قوله عن علي، والشعبي، والحكم، وحماد، وإبراهيم ~~النخعي. وأجيب عن حديث اليهودي بأنه يحتمل ms1600 أنه كان قاطع طريق، وقاطع الطريق ~~إذا قتل بأي شيء كان، يقتل به حدا، أو أنه عومل معاملته لكونه ساعيا في ~~الأرض بالفساد. # (وفيه) أي في شبه العمد (الإثم) لأنه ارتكب فعلا محرما وهو الضرب قصدا ~~(والكفارة) لشبهه بالخطأ بالنظر إلى الآلة (ودية) لأنه خطأ من وجه فسقط ~~القود، ووجبت الدية وهي (مغلظة) لما سيأتي (على العاقلة) لأنها وجبت بالقتل ~~ابتداء فكانت على العاقلة كالخطأ، وتجب في ثلاث سنين لما أخرجه ابن أبي ~~شيبة وعبد الرزاق في «مصنفيهما» بأسانيد مختلفة، عن عمر بن الخطاب: أنه جعل ~~الدية كاملة في ثلاث سنين. # (وهو) أي شبه العمد (فيما دون النفس) من الأعضاء (عمد) أي كعمد، لأن ~~إتلاف ما دون النفس لا يختص بآلة دون آلة بخلاف النفس، فكان المعتبر فيما ~~دون النفس تعمد الضرب. # --- PageV06P151 ~~*** # (وفي الخطأ) هذا خبر مقدم (فعلا) أي حال كونه فعلا (أو) حال كونه (قصدا ~~كرميه غرضا) وهو الهدف الذي يرمى إليه (فأصاب آدميا) هذا مثال للخطأ في ~~الفعل، لأن فعله لم يقع في المحل الذي قصده (أو رميه مسلما ظنه صيدا أو) ~~ظنه (حربيا) هذا مثال للخطأ في القصد، لأنه أصاب المحل الذي قصده، وإنما ~~أخطأ في ظن المسلم حربيا أو صيدا (وما جرى مجراه) عطف على الخطأ والضمير له ~~(كالنائم سقط) أي انقلب (على آخر فمات: كفارة) هذا مبتدأ مؤخر (ودية) في ~~ثلاث سنين (عليها) أي على العاقلة لقوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة ودية ~~مسلمة إلى أهله} وهذا النوع من القتل لا يأثم القاتل فيه للقتل، بل يأثم ~~لترك التحرز والتثبت في الفعل، لأن الكفارة تؤذن بالإثم، لأنه للستر، ولا ~~ستر بدون الإثم، ولا إثم باعتبار نفس الفعل، فيكون باعتبار ما ذكرناه. إلا ~~أن فعل النائم ليس بعمد، ولا خطأ، لأنه لا يتصور من النائم قصد حتى يتصور ~~منه ترك التحرز، ولكن الانقلاب الموجب لتلف ما انقلب عليه يتحقق من النائم، ~~فجرى مجرى الخطأ في جميع الأحكام. # وفي «الذخيرة»: قصد أن يضرب يد رجل فأصاب عنقه، فهو ms1601 عمد، وفيه القود، ولو ~~أصاب عنق غيره فهو خطأ، لأن البدن محل واحد فيما يرجع إلى قصد الضارب، ففي ~~الأول (أصاب) المحل الذي قصده، وفي الثاني أصاب غيره. وفي «المجتبى»: وبهذا ~~تبين أن قصد القتل ليس بشرط لكونه عمدا. # --- PageV06P152 ~~*** # (وفي القتل) خبر مقدم (بسبب كحفر بئر) في غير ملكه (ونحوه) من وضع حجر في ~~غير ملكه، ومات به آدمي، وكذا ساقي السم (دية) مبتدأ الخبر المقدم (عليها) ~~أي على العاقلة، لأنه فعل مسبب التلف، وهو التعدي، فكان كالدافع والملقى ~~فيه، فتجب الدية صيانة للأنفس، وعلى العاقلة تخفيفا عليه، لأن القتل بهذا ~~الطريق دون القتل بالخطأ ولهذا لا كفارة فيه. # (ولا إرث لقاتل) في نوع من أنواع القتل (إلا هنا) وذلك لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: «ليس للقاتل من الميراث شيء». رواه النسائي من حديث عمرو بن ~~شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعا. ورواه مالك عن عمر مرسلا، وإنما استثنى هذا ~~لما سيأتي. # وقال مالك والشافعي وأحمد هنا: الكفارة وحرمان الإرث كالخطأ، لأن الشرع ~~جعله قاتلا في حق الضمان، فكان كالمباشر، فصار كما لو وطأت دابته إنسانا. # ولنا: أنه ليس بمباشر بالقتل حقيقة، لأن مباشرة القتل اتصال فعل من ~~القاتل بالمقتول، ولم يوجد هنا إلا اتصاله بالأرض، وإنما ألحق بالمباشر في ~~الضمان صيانة للدم عن الهدر على خلاف الأصل، فيبقى في حق الكفارة وحرمان ~~الإرث على الأصل. نعم، يأثم بالحفر في ملك غيره على ما قالوا، ولا يأثم ~~بالموت، والكفارة لذنب القتل. ولنا أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: «خمس ليس ~~لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار من الزحف، ~~ويمين فاجرة فيقطع بها مالا بغير حق». رواه أحمد بسند جيد. # --- PageV06P153 ~~*** # (نقصان الصبى) بكسر ففتح والإضافة بيانية أي ونقصان هو الصبى بأن كان ~~القاتل بالغا والمقتول دون البلوغ، (و) نقصان (الأنوثة) بأن كان القاتل ~~رجلا، والمقتول أنثى، (و) نقصان (الرق) بأن كان القاتل حرا والمقتول رقيقا، ~~(و) نقصان (الجنون) بأن كان القاتل عاقلا والمقتول مجنونا (و) نقصان ms1602 ~~(العمى) بأن كان القاتل بصيرا والمقتول أعمى، (و) نقصان (الزمانة) بأن كان ~~القاتل صحيحا والمقتول زمنا (و) نقصان (كفر الذمي) بأن كان القاتل مسلما ~~والمقتول ذميا، (و) نقصان (الأطراف) بأن كان القاتل كامل الأطراف والمقتول ناقصا. # (هدر) بفتح الدال ويسكن، أي ساقط غير معتبر (في القود) حتى كان الكامل في ~~جهة من هذه الجهات يقتل بالناقص فيها لعموم قوله تعالى: {ومن قتل مظلوما ~~فقد جعلنا لوليه سلطانا}... الآية. ولوجود المساواة في العصمة، وهي ~~المعتبرة في هذا الباب، إذ لو اعتبرت المساواة فيما وراءها لانسد باب ~~القصاص. # وعن عطاء، والحسن البصري: إذا قتل الرجل المرأة، فوليها إن شاء أخذ ديتها ~~ستة آلاف درهم، وإن شاء دفع إلى ولي القاتل ستة آلاف وقتله. قيد بالذمي، ~~لأن نقصان كفر المستأمن ليس بهدر، ولأنه غير محقون الدم على التأبيد، لأنه ~~على قصد الرجوع إلى دار الحرب فلا يقتل مسلم بمستأمن لعدم المساواة في أصل ~~العصمة، ويقتل المستأمن بالمستأمن قياسا، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، ~~لأنهما حقنا دمهما بالأمان، فصارا متكافئين. ولا يقتل استحسانا لقيام ~~المبيح، وهو الكفر الباعث على الحربية. # --- PageV06P154 ~~*** # وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يقتل الحر بالعبد بل يضمن قيمته لقوله ~~تعالى: {الحر بالحر والعبد بالعبد} قابل الجنس بالجنس، ومن ضرورة ذلك أن لا ~~يقتل الحر بالعبد، ولأن القصاص يعتمد المساواة ولا مساواة بينهما، إذ الحر ~~مالك، والعبد مملوك، والمالكية أمارة القدرة، والمملوكية أمارة العجز. # ولنا: عموم قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} وما أخرجه ~~أصحاب الكتب الستة عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرىء يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ~~إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق ~~للجماعة». وما أخرجه أبو داود والنسائي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لا يحل قتل مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم، ورجل ~~يقتل مسلما متعمدا، ورجل يخرج من الإسلام، فيحارب ms1603 الله ورسوله، فيقتل أو ~~يصلب، أو ينفى من الأرض». # ومقابلة الحر بالحر لا تنافي مقابلة الحر بالعبد، إذ ليس فيه إلا ذكر بعض ~~ما شمله العموم على موافقة حكمه، وذلك لا يوجب تخصيص ما بقي. ومجمله أن ~~النص تخصيص بالذكر، وهو لا ينفي ما عداه، ألا ترى أنه قابل الأنثى بالأنثى، ~~ولا يمنع ذلك مقابلة الذكر بالأنثى، فكذا لا يمنع مقابلة العبد بالحر حتى ~~يقتل به العبد إجماعا. وهما مستويان في العصمة، وهي بالدين عندهم، وبالدار عندنا. # --- PageV06P155 ~~*** # وفائدة هذه المقابلة قول ابن عباس: كانت المقابلة بين بني النضير وبني ~~قريظة، وكان بنو النضير أشرف وكانوا يعدون بني قريظة على النصف منهم، ~~فتواضعوا على أن العبد من بني النضير بمقابلة الحر من بني قريظة، والأنثى ~~منهم بمقابلة الذكر من بني قريظة، فنزلت الآية ردا عليهم، وبيانا أن الحر ~~بمقابلة الحر، والعبد بمقابلة العبد، والأنثى بمقابلة الأنثى من القبيلتين ~~جميعا، فكانت اللام لتعريف العهد لا لتعريف الجنس. # وقال الشافعي أيضا: لا يقتل المسلم بالذمي، وهو (قول مالك، وأحمد، وأبي ~~ثور، والثوري، والأوزاعي، وزفر وأصحاب الظاهر، و) قول عطاء والحسن البصري. ~~وفي «المبسوط»: أن الخلاف فيما إذا كان القاتل حال القتل مسلما، أما لو كان ~~حال القتل ذميا ثم أسلم، فإنه يقتص منه بالإجماع. لهم ما أخرج البخاري في ~~كتاب العلم، وفي موضعين من كتاب الديات عن أبي جحيفة قال: سألت عليا: هل ~~عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ فقال العقل أي الدية وفكاك الأسير، وأن لا ~~يقتل مسلم بكافر. # --- PageV06P156 ~~*** # وما أخرجه أبو داود والنسائي عن قيس بن عباد قال انطلقت أنا والأشتر إلى ~~علي فقلنا له: هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهد إلى ~~الناس عامة؟ قال: لا، إلا ما في كتابي هذا، فأخرج كتابا من قراب سيفه فإذا ~~فيه: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ~~ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثا فعلى نفسه، ومن ms1604 ~~أحدث حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ولأنه ~~لا مساواة بين المسلم والكافر وقت الجناية لقوله تعالى: {لا يستوي أصحاب ~~النار وأصحاب الجنة} والقصاص مبني على المساواة، ولأن الكفر مبيح للدم، وهو ~~وقت عقد الذمة موجود، فأورث شبهة دارئة للقصاص. # ولنا: عمومات الكتاب والسنة، منها ما رواه الدارقطني في «سننه» عن عمار ~~بن مطر: حدثنا إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن عن ~~(ابن البيلماني) عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل مسلما ~~بمعاهد، وقال: «أنا أكرم من وفى بذمته». وقال: لكن لم يسنده غير إبراهيم بن ~~(أبي) يحيى، وهو متروك الحديث، والصواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني مرسل. ~~ثم رواه من طريق عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن، ~~عن عبد الرحمن بن البيلماني: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أقاد مسلما قتل ~~يهوديا وقال الرمادي: أقاد مسلما بذمي وقال: «أنا أحق من وفى بذمته»). ~~ورواه الشافعي في «مسنده»: أخبرنا محمد بن الحسن: أخبرنا إبراهيم بن محمد، ~~(عن محمد) بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن البيلماني فذكره. # --- PageV06P157 ~~*** # قال في «التنقيح»: وعبد الرحمن بن البيلماني: وثقه بعضهم، وضعفه بعضهم، ~~وإنما اتفقوا على ضعف ابنه محمد. وروي أيضا عن محمد بن الحسن، عن قيس بن ~~الربيع الأسدي، عن أبان بن تغلب، عن الحسين بن ميمون، عن عبد الله بن ~~عبدالله مولى بني هاشم عن أبي الجنوب الأسدي قال: أتي علي بن أبي طالب ~~برجل من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة، فقامت عليه البينة فأمر بقتله. ~~فجاء أخوه فقال: قد عفوت. فقال: لعلهم هددوك أو فزعوك. قال: لا، ولكن قتله ~~لا يرد علي أخي، وعوضوا لي. قال: أنت أعرف، من كان له ذمتنا فدمه كدمنا، ~~وديته كديتنا. # وروى البيهقي في «المعرفة» من طريق الشافعي: أخبرنا محمد بن الحسن: ~~أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: أن رجلا من بكر بن وائل قتل رجلا ~~من أهل الحيرة، فكتب ms1605 عمر بن الخطاب: أن يدفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا ~~قتلوا، وإن شاؤوا عفوا، فدفع (الرجل) إلى ولي المقتول رجل يقال له حنين من ~~أهل الحيرة فقتله. فكتب عمر بن الخطاب بعد ذلك: إن كان الرجل لم يقتل، فلا ~~تقتلوه. فرأوا أن عمر أراد أن يرضيهم من الدية. # ومنها حديث عبد الله بن مسعود السابق في المسألة التي قبل هذه. ومنها ما ~~روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن سفيان الثوري، عن حماد، عن إبراهيم أن رجلا ~~(مسلما) قتل رجلا من أهل الكتاب من أهل الحيرة، فأقاد منه عمر. وما روى ~~أيضا في «مصنفه» عن معمر عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: شهدت كتاب عمر بن ~~عبدالعزيز قدم إلى أمير الحيرة في رجل مسلم قتل رجلا من أهل الذمة: ادفعه ~~إلى وليه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفى عنه. قال: فدفعه إليه فضرب عنقه، وأنا أنظر. # --- PageV06P158 ~~*** # وروى الطحاوي في «شرح الآثار»: حدثنا إبراهيم بن أبي داود: حدثنا عبد ~~الله ابن صالح: حدثني الليث: حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن ~~المسيب: أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: مررت بالبقيع قبل أن يقتل ~~عمر، فوجدت أبا لؤلؤة والهرمزان وجفينة يتناجون فلما رأوني ثاروا، فسقط ~~منهم خنجر له رأسان ونصابه وسطه، فلما قتل عمر، رآه عبيد الله بن عمر فإذا ~~هو الخنجر الذي وصفه له عبد الرحمن. فانطلق عبيد الله ومعه السيف، فقتل ~~الهرمزان، ولما وجد مس السيف قال: لا إله إلا الله، وغدا على جفينة، وكان ~~من نصارى الحيرة فقتله، وانطلق إلى بنت أبي لؤلؤة صغيرة تدعي الإسلام ~~فقتلها، وأراد أن لا يترك من السبي يومئذ أحدا إلا قتله، فاجتمع عليه ~~المهاجرون فزجروه وعظموا عليه ما فعل، ولم يزل عمرو بن العاص يتلطف به حتى ~~أخذ منه السيف. # فلما استخلف عثمان دعا المهاجرين والأنصار وقال لهم: أشيروا علي في هذا ~~الذي فتق في الدين ما فتق فأشار عليه علي وبعض الصحابة بقتل عبيد الله، ~~وقال جل الناس: ms1606 أبعد الله جفينة والهرمزان، أتريدون أن تتبعوا عبيد الله ~~أباه؟ إن هذا لرأي سوء. وقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين إن هذا كان ~~قبل أن يكون لك على الناس سلطان. فتفرق الناس على كلام عمرو بن العاص، وودى ~~الرجلين والجارية. # وفيه دليل على سقوط الحد الواقع زمن البغي، فلما ولي علي بن أبي طالب ~~أراد قتله فهرب منه إلى معاوية، فقتل أيام صفين. # --- PageV06P159 ~~*** # وكذا رواه ابن سعد في «الطبقات». قال الطحاوي في هذا الحديث: إن ~~المهاجرين أشاروا على عثمان بقتل عبيد الله، وقد قتل الهرمزان وجفينة وهما ~~ذميان. فإن قيل: إنما أشاروا عليه لقتله ابنة أبي لؤلؤة صغيرة تدعي ~~الإسلام، لا لقتله إياهما. قلنا: قولهم: أبعد الله جفينة والهرمزان يدل على ~~أنه أراد قتله بهما. والله سبحانه وتعالى أعلم. انتهى. وتقدم الخلاف في ~~إسلام الصغير كما لا يخفى. # وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقتل مؤمن بكافر» فالمراد بالكافر: ~~الحربي، بدليل قوله: «ولا ذو عهد في عهده»، وهذا معطوف على المسلم، أي: ولا ~~يقتل ذو عهد بكافر، وإنما لا يقتل ذو العهد بالكافر الحربي، ولو كان المراد ~~به الذمي لما صح جريان القصاص بين الذميين. # فإن قيل: جاز أن يراد بذي العهد المسلم. قلنا: العطف يقتضي المغايرة، فإن ~~قيل: هذا ابتداء أي: لا يقتل ذو عهد في مدة عهده، قلنا: المراد بالأول نفي ~~القتل قصاصا لا نفي مطلق القتل، فكذا الثاني تحقيقا للعطف. ثم القصاص مبني ~~على المساواة في أصل العصمة، والمسلم والذمي في ذلك سواء، لأنهم إنما بذلوا ~~الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، والكفر ليس بمبيح للقتل بنفسه بل بواسطة ~~الحرابة، وقد سقطت بعقد الذمة وصار من أهل دارنا، ولهذا كان كفر المرأة غير ~~مبيح لقتلها، لأنه غير باعث على الحرابة. # وعمد غير المكلف كصبي ومجنون ومعتوه كالخطأ، فتجب الدية على عاقلته، لأن ~~عليا رضي الله عنه أوجب الدية على عاقلة مجنون قتل رجلا بالسيف. وقال: عمده ~~وخطأه سواء. رواه البيهقي، وهو قول مالك. وفي مال القاتل عند الشافعي. ms1607 ولا ~~تكفير في عمد غير المكلف، ولا حرمان إرث. وحرمه مالك والشافعي الميراث، ~~وألزماه الكفارة. # --- PageV06P160 ~~*** # (ولا يقاد) من إنسان (بمملوكه ولو) كان (مشتركا) أو مدبرا بلا خلاف بين ~~أهل العلم، لأنه لا يستوجب على نفسه القصاص (و) لا يقاد من الوالد أي أصله ~~وإن علا من جهة أبيه وأمه (بالولد) وإن سفل، وبه قال الشافعي وأحمد وأشهب ~~(وعبده) أي ولا يقاد من الوالد بعبد الولد. ومذهب مالك: لا يقاد من الوالد ~~بولده إن قتله على وجه تثبت فيه الشبهة، كما لو حذفه بسيف أو نحوه فقتله، ~~ثم ادعى أنه لم يرد قتله، بل أراد تأديبه. أما لو أضجعه وذبحه، أو شق جوفه، ~~أو حز يده فقطعها، أو وضع أصبعه في عينه ففقأها، فإنه يقاد منه، لأن القصاص ~~يسقط بالشبهة، وفي غير ذلك ونحوه الشبهة قائمة. # ولنا: إطلاق ما أخرجه الترمذي وابن ماجه في الديات عن عمر بن الخطاب قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يقاد الوالد بالولد». وأخرجه ~~البيهقي بسند صحيح عن عمر وذكر قصة وقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «لا يقاد الأب بابنه»، لقتلتك. هات ديته، فأتاه فدفعها إلى ~~جدته، وترك أباه. وأخرج الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإسناد ولم ~~يخرجاه، عن ابن عباس قال: جاءت جارية إلى عمر بن الخطاب فقالت: إن سيدي ~~اتهمني فأقعدني على النار حتى أحرق فرجي. فقال لها عمر: (هل رأى ذلك منك؟ ~~قالت: لا، قال: فاعترفت له بشيء؟ قالت: لا. فقال عمر:) علي به. فقال له ~~عمر: أتعذب بعذاب الله؟ قال: يا أمير المؤمنين اتهمتها في نفسها. قال: هل ~~رأيت ذلك عليها؟ قال: لا. قال: فاعترفت لك به؟ قال: لا قال: والذي نفسي ~~بيده لو لم أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يقاد بمملوك من ~~مالكه ولا ولد من والده» لأقدتها منك. ثم برزه فضربه مئة سوط ثم قال لها: ~~اذهبي فأنت حرة لله تعالى، وأنت مولاة الله ورسوله. # --- PageV06P161 ~~*** # ولأن ms1608 الولد جزء من والده متفرع عليه، وإهلاك الأصل بسبب الجزء والفرع ليس ~~من مقتضى الحكمة. ومجمله أنه كان سببا لوجوده، فلا يلائم أن يكون سببا ~~لعدمه. وإذا سقط القود عنه بشبهة كقتل الأب ابنه عمدا، يجب الدية في ماله ~~في ثلاث سنين، لأنه مال وجب بالقتل ابتداء فأشبه (شبه) العمد. ولأن تقوم ~~النفس بالمال غير معقول المعنى، وإنما عرف شرعا، والشرع إنما ورد بإيجاب ~~الدية مؤجلة في ثلاث سنين، فقبلنا اتباعه. # قيد بالولد، لأنه يقاد بالوالد من الولد، لأن الحاجة ماسة إلى شرع الزاجر ~~في حقه، إذ ربما يحمله على قتل والده الأطماع الفاسدة، وهو قول أكثر أهل ~~العلم. (ومكاتب) أي ولا يقاد من القاتل بمكاتب (له وفاء ووارث وسيد) ~~لاشتباه من له الحق، لأنه: المولى إن مات المكاتب عبدا، والوارث إن مات ~~حرا. والصحابة اختلفوا في موته هل هو على صفة الحرية أو الرقية؟ فقال علي ~~وابن مسعود: يموت حرا إذا أديت كتابته، فيكون الاستيفاء لورثته. وقال زيد ~~بن ثابت: يموت عبدا، وبه قال الشافعي وأحمد، فيكون الاستيفاء لمولاه. فأما ~~إذا لم يكن له وفاء وكان له وارث غير مولاه، كان القصاص لمولاه، لأنه مات ~~رقيقا، لانفساخ الكتابة بموته لا عن وفاء، فظهر أنه قتل عبدا. ولو كان ~~للمكاتب وفاء وسيد فقط، كان له القصاص عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: ~~لا قصاص فيه لاشتباه سبب الإيفاء، فإنه له الولاء إن مات حرا، والملك إن ~~مات عبدا، واختلاف السبب كاختلاف المسبب. # --- PageV06P162 ~~*** # (ويسقط دية وقود ورثه) ابن (على أبيه) لأن الدية والقود عقوبة، والابن لا ~~يستوجب عقوبة على أبيه. وصورة المسألة: أن يقتل الأب أخا امرأته وله منها ~~ابن، ثم تموت امرأته قبل أن يؤخذ، فإن ابنه منها يرث الذي كان لها من القود ~~على أبيه ويسقط. (ولا يقاد) من قاتل (إلا بسيف) وهو رواية عن أحمد. وقال ~~الشافعي يفعل به مثلما فعل إن كان مشروعا، وبه قال مالك وأحمد وأصحاب ~~الظاهر. وإن كان فعلا غير مشروع بأن لاط ms1609 بصغير، أو وطىء صغيرة حتى قتلها، ~~أو سقاه خمرا حتى مات، اختلف أصحابه: فقيل تجز رقبته، وقيل في اللواطة: ~~يتخذ له آلة مثل الذكر فيفعل به مثلما فعل، وفي الخمر: يسقى الماء حتى يموت. # ولو فعل به مثلما فعل فلم يمت ففيه قولان: أحدهما: أن يكرر ذلك الفعل ~~عليه حتى يموت، وبه قال مالك. وثانيهما: أن يعدل إلى السيف. احتجوا بقوله ~~تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به}، وقوله تعالى: {فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم} وبما في الصحيحين عن أنس: أن جارية من الأنصار ~~قتلها رجل من اليهود على حلي لها، رض رأسها بين حجرين، فسألوها من صنع بك ~~هذا؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا لها يهوديا، فأومأت برأسها. فأخذ اليهودي، ~~فأقر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض رأسه بالحجارة. # --- PageV06P163 ~~*** # ولنا ما أخرجه ابن ماجه في «سننه» عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأخرجه أيضا فيها عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «لا قود إلا بالسيف». وليس معناه: لا قود يجب إلا بالسيف لأن ~~القود يجب بغير السيف إجماعا، وأما قوله تعالى: {وإن عاقبتم} فروى الطحاوي ~~عن ابن عباس وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما قتل حمزة ومثل ~~به: «لئن ظفرت بهم لأمثلن بسبعين رجلا منهم». وفي رواية: «والله لأمثلن ~~بسبعين رجلا منهم». فأنزل الله تعالى: {وإن عاقبتم}... الآية، فصبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكفر عن يمينه. وقوله: {فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم} يدل على المماثلة، وفيما قالوا زيادة عليها. وأما حديث ~~اليهودي: فما فعله صلى الله عليه وسلم به كان على طريق السياسة، لأن ~~اليهودي كان مشهورا بذلك. فأمر عليه الصلاة والسلام برضخه لكونه ساعيا في ~~الأرض بالفساد، لا بطريق القصاص. يدل عليه ما روى مسلم: أنه عليه الصلاة ~~والسلام أمر برجم اليهودي حتى مات. والرجم يصيب الرأس وغيره. # (ويستوفي الكبير قبل كبر الصغير قودا لهما) سواء كان الكبير له ms1610 التصرف في ~~مال الصغير أو لم يكن، وهذا عند أبي حنيفة، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، ~~والليث بن سعد، وحماد بن سليمان، والأوزاعي. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا لم ~~يكن الكبير وليا له التصرف في مال الصغير لا يستوفي حتى يدرك الصغير، لأن ~~القود مشترك بين الكبير والصغير، ولا ولاية للكبير على الصغير حتى يستوفي ~~حقه، ولا يمكن استيفاء البعض لعدم التجزىء فتعين التأخير إلى بلوغ الصبي، ~~كما لو كان معهما كبير غائب. # --- PageV06P164 ~~*** # ولأبي حنيفة: أن عليا كرم الله وجهه لما أصابه ابن ملجم قال في وصيته: ~~أما أنت يا حسن، فإن شئت أن تعفو فاعف، وإن شئت أن تقتص فاقتص بضربة واحدة، ~~وإياك والمثلة. فلما مات علي قتل به، وفي ورثته صغار منهم العباس كان عمره ~~أربع سنين، ولأن احتمال العفو معدوم في الحال، وموهوم في الاستقبال، ~~فتأخيره ربما يؤدي إلى المحال. وأما الكبير الغائب فينتظر لقرب توقع ~~الوصال. ولو كان الكبير وليا للصغير له التصرف في ماله كالأب والجد، له أن ~~يستوفي قبل أن يبلغ الصغير باتفاق أصحابنا، ولو كان وليا لا يتصرف في المال ~~كالأخ والعم فعلى الخلاف. # (و) يجب (في قتل مسلم مسلما ظنه مشركا عند التقاء، الصفين الكفارة ~~والدية) لأن هذا أحد نوعي الخطأ، وهو الخطأ في القصد، والخطأ بنوعيه يوجب ~~الكفارة والدية. روى الشافعي في «مسنده» عن مطرف، عن معمر، عن الزهري، عن ~~عروة قال: كان أبو حذيفة شيخا كبيرا فوقع في الآطام مع النساء يوم أحد، ~~فخرج يتعرض للشهادة فجاء من ناحية المشركين، فابتدره المسلمون بأسيافهم، ~~وحذيفة يقول: أبي أبي، فلا يسمعونه من شغل الحرب حتى قتلوه. فقال حذيفة: ~~يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين قال: ووداه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ومن طريق الشافعي رواه البيهقي في «المعرفة». قالوا: وإنما تجب الدية ~~إذا كانوا مختلطين، حتى لو كان في صف المشركين لا تجب لسقوط عصمته بتكثير ~~سوادهم، لما أسند أبو يعلى الموصلي في «مسنده» عن عمر بن الحارث: أن رجلا ms1611 ~~دعا عبد الله بن مسعود إلى وليمة فلما جاء ليدخل سمع لهوا فلم يدخل. فقيل ~~له: لم رجعت قال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كثر ~~سواد قوم فهو منهم، ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمل به». # --- PageV06P165 ~~*** # (و) يجب (في موت) شخص (بفعل نفسه) بأن شج نفسه (و) فعل (زيد) بأن شجه (و) ~~فعل (سبع) بأن عقره (و) فعل (حية) بأن أصابته (ثلث الدية على زيد) في ماله ~~إن كان عمدا، وعلى عاقلته إن كان خطأ، لأن فعل الأسد والحية جنس واحد لكونه ~~هدرا في الدنيا والأخرى، وفعل الشخص بنفسه جنس آخر لكونه هدرا في الدنيا ~~دون العقبى، حتى يأثم بالإجماع، وفعل زيد جنس ثالث لكونه مؤاخذا في الدنيا ~~والآخرة، فيكون التلف بفعل زيد ثلثه فيجب عليه ثلث الدية. وقال الشافعي ~~وأحمد في قول: إن كان فعل زيد عمدا يجب عليه القود. ومن قتل نفسه يغسل ~~ويصلى عليه عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يغسل ولا يصلى عليه، لأنه باغ على نفسه. # (ولا شيء بقتل مكلف شهر سيفا) أو سلاحا (على مسلم) سواء قتله المشهور ~~عليه، أو قتله غيره دفعا عن المشهور عليه. (أو) شهر (عصا) كبيرة في مصر أو ~~غيره ليلا أو نهارا. (إلا) إذا شهرها (نهارا في مصر) لما روى أحمد في ~~«مسنده»، والحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح على شرط الشيخين، من حديث سليمان ~~بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «من أشار بحديدة إلى أحد من المسلمين يريد قتله، ~~وجب قتله». وما أخرجه مسلم في الإيمان عن سلمة بن الأكوع عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «من سل علينا السيف فليس منا». # --- PageV06P166 ~~*** # (وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعا: «من حمل علينا السلاح فليس منا»)، ~~وفيهما عن أبي موسى: نحوه. ورواه النسائي من حديث ابن الزبير والحاكم في ~~«المستدرك» عن معمر مرفوعا: «من شهر سيفا ثم وضعه ms1612 فدمه هدر». ولأنه باغ ~~بفعله فتسقط عصمته، ولأن القتل تعين طريقا لدفع فعله، لأن السيف لا يلبث، ~~فيحتاج في دفعه إلى القتل، والعصا (الصغيرة) وإن كانت تلبث، إلا أنه في ~~الليل لا يلحقه الغوث، وكذا في النهار في غير مصر، فكان دمه هدرا، حتى لو ~~أمكن دفعه بطريق آخر لا يسعه قتله. # (والدية) مبتدأ خبره (في ماله) أي مال المشهور عليه (في غير مكلف) أي في ~~قتله مجنونا، أو صبيا شهر سلاحا، أو شهر عصا ليلا في مصر أو غيره، أو نهارا ~~في غير مصر (والقيمة في قتل جمل) أو نحوه (صال عليه) أي على قاتله. وقال ~~مالك والشافعي وأكثر أهل العلم: لا شيء في الكل، لأنه قتله دفعا عن نفسه، ~~فكان كقتل الشاهر المكلف. ولأنه محمول على قتله بسبب فعله، وهو شهر السلاح ~~والصول، فكان كما إذا أكره رجل آخر بأن قال له: لأقتلنك أو لتقتلن فلانا، ~~فقتله المكره حيث لا يجب عليه شيء. # ولنا: أن فعل الصبي والمجنون والدابة غير متصف بالحرمة لعدم الاختيار ~~الصحيح منهم، فلا تسقط العصمة، ولذا لا يجب القصاص على الصبي والمجنون إذا ~~قتلا، ولا الضمان إذا قتلت الدابة. ومقتضى هذا: أن يجب القصاص على المشهور ~~عليه إذا قتلهما، لأنه قتل نفسا معصومة، إلا أن الدية وجبت لوجود المبيح، ~~وهو دفع الشر. # --- PageV06P167 ~~*** # ولو نظر إنسان في بيت آخر من ثقب أو شق باب فطعنه صاحب الدار بخشبة أو ~~رماه بحصاة ففقأ عينه، ضمنه عندنا. ولم يضمنه عند الشافعي لما روى أبو ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن ~~فحذفته بحصاة وفقأت عينه، لم يكن عليك جناح». ولنا: أن قوله عليه الصلاة ~~والسلام: «لا يحل دم امرىء مسلم».... الحديث، يقتضي عدم سقوط عصمته بهذا ~~الفعل، وإن مجرد نظره إليه لا يبيح قلع عينه، كما لو نظر من الباب المفتوح، ~~أو دخل بيته ونظر فيه. والمراد بما روى أبو هريرة: المبالغة في الزجر عن ~~ذلك. ولو أراد رجل ms1613 أن يأخذ مال مسلم، أو يقطع عضوه، أو يزني بامرأته، فله ~~دفعه بغير السيف، فإن لم يندفع فيضربه بالسيف. وكذا لو رأى رجلا يزني ~~بامرأته: يدفعه بغير السيف، فإن لم يندفع فيقتله، ولا خلاف لأهل العلم فيه ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه ~~فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد». رواه ~~أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان في «صحيحه». # فلو دخل عليه لص ليلا فأخرج قدر عشرة دراهم فصاح عليه وأنشده الله ~~والإسلام فلم يتركه فقتله هد # ر دمه لما تقدم، ولما في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أن ~~يأخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك». قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله». ~~قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد». قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «فهو في ~~النار». # --- PageV06P168 ~~*** # وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«من قتل دون ماله فهو شهيد». وفي «مسند إسحاق بن راهويه» عن قابوس بن أبي ~~المخارق، عن أبيه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله أرأيت إن جاء رجل يريد أن يأخذ مالي؟ قال: «ذكره بالله». قال: إن ~~ذكرته بالله فلم يذكر؟ قال: «استعن عليه بالسلطان». قال: أرأيت إن كان ~~السلطان قد نأى عني؟ قال: «استعن بمن حضرك من المسلمين». قال: أرأيت إن لم ~~يحضرني أحد؟ قال: «قاتل دون مالك حتى تحرز مالك، أو تقتل فتكون من شهداء ~~الآخرة». ولو قتل رجلا وادعى أنه كان يزني بامرأته وكذبه الولي، فلا بد من ~~بينة. قيل: يكفي الشاهدان، لأن البينة تشهد على وجوده مع المرأة، وقيل: ~~يأتي بأربعة، لأنه روي عن علي كذلك. # والخنق والتغريق والإلقاء من جبل أو سطح أو في بئر لا يوجب القود، إلا ~~إذا تكرر منه ذلك عند ms1614 أبي حنيفة، وهما أطلقاه لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«من عرض عرضنا له، ومن حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه». وله: أن وجوب القصاص ~~مختص بقتل، وهو عمد محض، وذا بأن يباشره بآلة وهي الجارحة، وإذا لم يجب ~~القصاص عنده يجب الدية على العاقلة. # --- PageV06P169 ~~*** # (ويجب القود فيما دون النفس) من الأعضاء (إن أمكن المماثلة) لقوله تعالى: ~~{والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} أي ~~ذات قصاص، ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الربيع بنت النضر السابق: ~~«كتاب الله القصاص» ولفظ القصاص ينبيء عن المماثلة، فكل ما أمكن رعاية ~~المماثلة فيه يجب فيه القصاص وما لا فلا. ولا معتبر لكبر العضو وصغره، لأنه ~~لا يوجب التفاوت في المنفعة، إلا في الشجة إذا أخذت ما بين قرني المشجوج ~~ولم تأخذ ما بين قرني الشاج لكبر رأسه على ما سيأتي. # (كقطع اليد من المفصل و) قطع (الرجل) من المفصل (و) قطع (مارن الأنف) وهو ~~ما لان من الأنف (و) قطع (الأذن) لإمكان رعاية الممثالة في هذه الأشياء. ~~وقيد بالمفصل، لأن قطع اليد من نصف الساعد، وقطع الرجل عن نصف الساق لا ~~قصاص فيه لعدم المماثلة. وقيد بالمارن، لأن قطع الأنف من قصبته لا يمكن فيه ~~المماثلة، لأنه عظم وليس بمفصل. # (وكل شجة يمكن فيها المماثلة) كالموضحة وهي التي تظهر العظم (وعين قائمة ~~ذهب ضوؤها) لإمكان المماثلة (فيجعل على وجهه قطن رطب وتقابل عينه بمرآة ~~محماة) فيذهب ضؤوها وهي قائمة، لما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر، عن ~~رجل، عن الحكم بن عيينة قال: لطم رجل رجلا فذهب بصره وعينه قائمة. فأرادوا ~~أن يقيدوا منه فأعيي عليهم وعلى الناس كيف يقيدون منه، وجعلوا لا يدرون كيف ~~يصنعون فأتاهم علي كرم الله وجهه فأمر به فجعل على وجهه كرسفا ثم استقبل به ~~الشمس، وأدنى من عينه مرآة فالتمع بصره وعينه قائمة. # --- PageV06P170 ~~*** # (لا إن قلعت) أي لا قصاص في عين قلعت سواء قورت أي ارتفعت أو خسفت ~~لامتناع المماثلة، (و) لا قود (في ms1615 عظم) لقول عمر: إنا لا نقيد من العظام. ~~وقول ابن عباس: ليس في العظام قصاص، ونحوه عن الشعبي والحسن. رواه ابن أبي ~~شيبة في «مصنفه»، ولأن المماثلة فيه متعذرة، لأنه إذا كسر موضع ينكسر موضع ~~آخر. (إلا) في (السن) لإمكان المماثلة فيها (فتقلع إن قلعت) سن من المجني ~~عليه (وتبرد) بالمبرد (إن كسرت ولا قود) في طرف (بين رجل وامرأة و) لا بين ~~(حر وعبد و) لا بين (عبدين) خلافا لمالك والشافعي وأحمد وابن أبي ليلى في ~~جميع ذلك، إلا في الحر يقطع طرف العبد اعتبارا للأطراف بالأنفس لكونها ~~تابعة لها، وشرع القصاص فيها للإلحاق بالأنفس. ففي كل موضع يجري القصاص في ~~النفس يجري في الطرف، وما لا فلا. # ولنا: أن الأطراف يسلك بها مسالك الأموال، لأنها وقاية للأنفس كالأموال. ~~وأنه لا مماثلة بين طرف الذكر والأنثى للتفاوت بينهما في القيمة بتقويم ~~الشارع، ولا بين طرف الحر والعبد لذلك، لأنه جعل (قيمة) يد الحر خمس مئة ~~دينار، وقيمة يد العبد نصف قيمته وهي لا تبلغ ذلك، ولا بين طرف العبدين ~~لعدم المساواة بينهما باليقين بل بالحزر والتخمين بخلاف طرف الحرين، لأن ~~استواءهما متيقن به بتقويم الشارع، وبخلاف الأنفس، لأن القصاص فيها يتعلق ~~بإزهاق الروح ولا تفاوت فيه. # (و) لا قود (في الجائفة) # لأن الصحة فيها نادرة، فلا يمكن القصاص فيها على وجه يقع البرء (و) لا في ~~(اللسان) وهو رواية عن مالك، وقول أبي إسحاق من أصحاب الشافعي. # --- PageV06P171 ~~*** # وعن أبي يوسف: إذا قطع بعضه لا يجب القود، وإذا قطع من أصله يجب. وقال ~~مالك في رواية والشافعي وأحمد: يجب القود في كله، وفي بعضه بقدره لقوله ~~تعالى: {والجروح قصاص} (و) لا قود (في الذكر إلا) إذا قطع (من الحشفة) لأن ~~موضع القطع معلوم، فصار كالمفصل. وعند مالك والشافعي وأحمد: يجب القود في ~~الذكر لقوله تعالى: {والجروح قصاص} ولأن له حدا ينتهي إليه فيمكن القصاص ~~فيه من غير حيف عليه. # ولنا: أن كلا من الذكر واللسان ينقبض وينبسط، فلا يمكن فيهما ms1616 المساواة من ~~غير حيف. ولو قطع بعض الحشفة لا قود عندنا. وعند مالك والشافعي وأحمد: يؤخذ ~~النصف بالنصف، والربع بالربع، وما زاد أو نقص بحسابه من ذلك، كما في الأذن. ~~ولو قطع الختان بعض الحشفة في الصبي، أو في العبد فعليه حكومة عدل. وإن قطع ~~الحشفة كلها، فإن برأ فعليه في العبد كمال القيمة، وفي الصبي كمال الدية. ~~وإن مات ففي العبد نصف القيمة، وفي الصبي نصف الدية، لأن التلف حصل بفعلين: ~~أحدهما: مأذون فيه وهو قطع الجلدة، والثاني: غير مأذون فيه وهو قطع الحشفة، ~~فيجب نصف الضمان. وأما إن برأ، فلأن قطع الجلدة مأذون فيه (فجعل كأن لم ~~يكن، وقطع الحشفة غير مأذون فيه) فوجب ضمان الحشفة كاملا، وهو الدية في ~~الصبي، وكمال القيمة في العبد. # --- PageV06P172 ~~*** # وفي «مجموع النوازل»: ما ذكرنا أنه إن مات فعليه نصف الدية رواية محمد. ~~وذكر في «الأصل»: أنه لا يجب شيء إن مات. وموت الصبي بتأديب الأب أو الوصي ~~يوجب الدية عند أبي حنيفة كموته من تأديب أمه، ومن تأديب غير معتاد لمثله، ~~لأن الضرورة الماسة إلى تأديبه تندفع بزجره وحبسه ونحوهما من غير ضربه، ولو ~~اضطر إلى ضربه فالسلامة مشروطة كتأديب الزوج زوجته، وهما أهدراه لأن تأديب ~~الصبي لا بد لهما منه، وذا إنما يحصل غالبا بالضرب، فصار كضربه للتعليم، ~~وضرب معلمه بإذن أبيه لعود نفعه إلى الصبي في آخر أمره. # (وخير المجني عليه) بين الأرش كاملا وبين القود من غير أرش (إن كانت يد ~~القاطع ناقصة) بأن كانت شلاء ينتفع بها، أو ناقصة الأصابع، لأن استيفاء ~~الحق كاملا لما تعذر، كان له أن يأخذ دون حقه وأن يعدل إلى عوضه. وفي ~~«المجتبى»: وعلى (هذا) السن والأطراف التي يجب فيها القصاص، إذا كان طرف ~~الجاني أو سنه معيبا، يخير المجني عليه بين أخذ الدية كاملا وبين استيفاء ~~المعيب. قيدنا الشلاء بأن ينتفع بها، لأنها لو كانت لا ينتفع بها لا تكون ~~محلا للقصاص، فكان له دية كاملة من غير خيار، وعليه الفتوى. # --- PageV06P173 ~~*** # وفي ms1617 «المحيط»: ولا تقطع اليمين إلا باليمين، ولا اليسرى إلا باليسرى، ولا ~~تقطع الأصابع إلا بمثلها من القاطع، فيؤخذ إبهام اليمنى بإبهام اليمنى، ~~وإبهام اليسرى باليسرى، لا بالعكس. وكذا لا تؤخذ العين اليمنى باليسرى، ولا ~~العين اليسرى باليمنى، وكذا في الأسنان: الثنية بالثنية، والناب بالناب، ~~والضرس بالضرس، ولا يؤخد الأسفل بالأعلى خلافا لابن شبرمة في ذلك كله ~~للتفاوت في المنافع والمرافق. (أو الشجة) أي وخير المجني عليه إن كانت ~~الشجة (تستوعب ما بين قرني المشجوج) أي قرني رأسه وهما ناصيتاه (لا الشاج) ~~أي ولا تستوعب ما بين قرني الشاج، فإن شاء اقتص بمقدار الشجة من أي ~~الجانبين شاء، وإن شاء أخذ الأرش. # (ويسقط القود بموت القاتل) لأن محل الاستيفاء فات، فأشبه موت العبد ~~الجاني، وبه قال مالك. وقال الشافعي وأحمد: تجب الدية وتؤخد من تركته بناء ~~على أن الواجب عندهما القود أو الدية، فإذا فات أحدهما تعين الآخر. # (و) يسقط القود (بعفو ولي) واحد من الأولياء (وصلحه) من نصيبه على عوض ~~(وللباقي) أي الذي لم يعف والذي لم يصالح (حصته من الدية) وسقط حقه من ~~القود، لأن كل واحد منهم له التصرف في نصيبه بالاستيفاء وبالعفو وبالصلح، ~~لأنه خالص حقه، فإذا تصرف فيه بعفو أو صلح نفذ تصرفه فيه بعفو، وسقط به حقه ~~في القصاص، ومن ضرورة سقوط حقه في القصاص سقوط حق الباقين فيه، لأنه لا ~~يتجزأ ثبوتا فكذا سقوطا. # وإذا سقط القود انقلب نصيب من لم يعف مالا، لأن القصاص امتنع لمعنى في ~~القاتل، وهو ثبوت عصمته بعفو البعض، فيجب المال كما في الخطأ، حيث امتنع ~~فيه القود لمعنى في القاتل، وهو كونه مخطئا. # --- PageV06P174 ~~*** # ثم العفو في القصاص لمن له القصاص، وهو عندنا كل وارث، وبه قال الشافعي ~~وأحمد وأكثر أهل العلم. وقال الليث والزهري وابن شبرمة والأوزاعي والحسن ~~وقتادة: ليس للنساء عفو في القصاص، وعند مالك: القصاص للعصبات خاصة، وهو ~~قول بعض أصحاب الشافعي. وقال بعض أصحاب الشافعي: للأقارب دون الزوجين، ~~ولقوله صلى الله عليه وسلم: «فأهله بين ms1618 خيرتين» وأهله: ذووا رحمه. ولنا: ~~قوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك مالا أو حقا فلورثته، ومن ترك كلا فعلي»، ~~والقصاص حق فيكون لجميع الورثة كالمال، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ~~«فأهله بين خيرتين» فامرأة الرجل من أهله بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث الإفك: «وما كان يدخل على أهلي إلا معي» يريد عائشة رضي الله تعالى عنها. # ولو قتل بعض الأولياء القاتل بغير إذن الباقين لم يجب عليه قصاص عند أبي ~~حنيفة ومحمد والشافعي في الأصح، وفي قول عنه: عليه القصاص، لأنه ممنوع من ~~قتله، ولو قتله مع العلم بعفو بعض شريكه سواء حكم به حاكم أو لا، يجب عليه ~~القود، وهو الظاهر من مذهب الشافعي وأحمد. وقال الشافعي في قول: لا يجب ~~القود، لأن فيه شبهة لوقوع الخلاف. ولنا: أنه قتل معصوما مكافئا، مع العلم ~~بأنه لا حق له فيه، فيجب عليه القود كما لو قتله قبل الحكم بالقود، ~~والاختلاف لا يسقط القود، فإنه لو قتل كافر مسلما قتلناه مع وجود الاختلاف ~~فيه، ولو قتله قبل العلم بالعفو لا يجب القود وعليه الدية، وبه قال أحمد ~~والشافعي في قول. (وقال الشافعي في قول) وزفر: يجب القود، لأنه قتله عمدا ~~بغير حق. # --- PageV06P175 ~~*** # ولنا: أنه إذا لم يعلم بالعفو كان القود واجبا في حقه ظاهرا، فيصير شبهة ~~في درء القود عنه، والدليل على عصمته بعفو أحدهما: ما روي أن هذه الحادثة ~~وقعت في زمن عمر، فشاور ابن مسعود فقال: أرى أن هذا قد أحيى بعض نفسه، فليس ~~للآخر أن يقتله، فأمضى عمر القضاء على رأيه. وهو المعنى، فإن العافي قد ~~أسقط حقه، وهو من أهل الإسقاط، فصح إسقاطه، وبإسقاطه أحيى بعض نفس القاتل، ~~فيعجز الآخر عن استيفاء حقه لعدم احتمال التجزي ثبوتا وسقوطا. وتعذر ~~الاستيفاء إنما هو لمعنى في القاتل، وهو مراعاة حرمة بعض نفسه، فكان في ~~معنى الخطأ، فيجب المال للآخر. ولو قتله العافي بعد العفو يجب القود عند ~~الأئمة الأربعة، وهو قول أكثر أهل العلم، ms1619 لأنه قتل نفسا معصومة بغير حق. ~~وروي عن الحسن: أنه يؤخذ منه الدية، وعن عمر بن عبد العزيز: أن الحكم فيه ~~إلى السلطان. # (ويقتل جمع) باشر كل واحد جرحا قاتلا (بفرد) قتلوه عمدا، وهو قول مالك ~~والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين. وقال ابن الزبير ~~والزهري وابن سيرين وابن أبي ليلى وعبد الملك، وربيعة وداود وابن المنذر ~~وأحمد في رواية: لا يقتلون به وتجب الدية عليهم، لأن مفهوم النفس بالنفس أن ~~لا يقتل بالنفس الواحدة أكثر من واحدة، ولأن في القصاص تجب المساواة، ولا ~~مساواة بين العشرة والواحد. ولنا: ما روى محمد بن الحسن في «موطئه» ~~والشافعي في «مسنده» كلاهما عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: ~~أن عمر بن الخطاب قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل قتلوه غيلة (أي خفية ) وقال: ~~لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم. # --- PageV06P176 ~~*** # ورواه عبد الرزاق في «مصنفه» مطولا عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار: أن ~~حيي بن يعلى أخبره أنه سمع يعلى يخبر هذا الخبر، وأن اسم المقتول أصيل قال: ~~كانت أمرأة بصنعاء لها ربيب، فغاب زوجها، وكان لها أخلاء فقالت: إن هذا ~~الغلام يفضحنا فانظروا كيف تصنعون به فتمالؤا عليه، وهم سبعة نفر مع المرأة ~~فقتلوه وألقوه في بئر غمدان. فلما فقد الغلام خرجت أمرأة أبيه وهي التي ~~قتلته وهي تقول: اللهم لا تخف علي من قتل أصيلا. قال: وخطب يعلى الناس في ~~أمره، قال: فمر رجل بعد أيام ببئر غمدان، فإذا هو بذباب أخضر عظيم يطلع من ~~البئر مرة ويهبط أخرى. قال: فأشرف على البئر فوجد ريحا منكرة، فأتى يعلى ~~فقال: ما أظن إلا قدرت لكم على صاحبكم وقص عليه القصة فأتى يعلى حتى وقف ~~على البئر، والناس معه، فقال أحد أصدقاء المرأة ممن قتله: دلوني بحبل، ~~فدلوه فأخذ الغلام فغيبه في سرب من البئر، ثم رفعوه فقال: لم أقدر على شيء ~~فقال رجل آخر: دلوني، فدلوه فاستخرجه. فاعترفت المرأة واعترفوا كلهم، فكتب ~~يعلى إلى عمر. ms1620 فكتب إليه عمر: أن أقتلهم، فلو تمالأ عليه أهل صنعاء، ~~لقتلتهم به. # وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ~~سعيد بن وهب قال: خرج رجال سفر، فصحبهم رجل، فقدموا وليس معهم فاتهمهم ~~أهله، فقال شريح: شهودكم أنهم قتلوا صاحبكم، وإلا حلفوهم بالله ما قتلوه. ~~فأتوا بهم إلى علي وأنا عنده ففرق بينهم فاعترفوا، فأمر بهم فقتلوا. ولأن ~~زهوق الروح لا يتجزأ، واشتراك الجماعة فيما لا يتجزأ يوجب التكامل لكل واحد ~~منهم كولاية الإنكاح. # --- PageV06P177 ~~*** # (وبالعكس) أي ويقتل واحد بجماعة، وكان الأولى أن يقول: كالعكس، إذ لا ~~خلاف فيه. (فإن حضر ولي واحد) من المقتولين (قتل وسقط حق الباقين) لفوات ~~محل الاستيفاء، وصار كموت العبد الجاني وموت القاتل حتف أنفه، وبه قال ~~مالك. وقال الشافعي: يستوفي الباقون الديات من تركته بناء على أن الواجب ~~عنده للأولياء: إما القصاص وإما الدية، فإذا سقط القصاص من غير إبراء، ثبت المال. # وقيد بولي واحد من المقتولين، لأنه لو حضر أولياء المقتولين قتل ~~لجماعتهم، ولا شيء لهم غير ذلك، لأن لكل واحد من الأولياء قتله بوصف ~~الكمال. ولهذا لو قتل جماعة واحدا يكون كل واحد قاتلا بوصف الكمال، وإلا ~~كما وجب القصاص. وإذا كان كذلك، لا تجب الدية لعدم اجتماعهما مع القتل. # هذا، ومن قتل عمدا ولا ولي له، فللسلطان أن يقتل قاتله وله أن يصالح، ~~والقاضي بمنزلته فيه. # (ولا تقطع يدان) لرجلين (بيد) قطعاها بأن أخذا سكينا وأمراها على يده من ~~جانب واحد حتى انقطعت. وهو قول الثوري والزهري والحسن، وعليهما نصف الدية، ~~لأنه دية اليد الواحدة، فيضمنان ديتها في مالهما، لأنا تيقنا أن كل واحد ~~منهما قاطع للنصف، والفعل عمدا. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: ~~تقطع يداهما. وأما لو وضع أحدهما سكينا من جانب، والآخر من جانب آخر، وأمرا ~~حتى التقى السكينان لا يجب القصاص اتفاقا. # (ويقاد عبد) أي ويقتص من عبد (أقر بقود) أي بقتل عمد، سواء كان مأذونا له ~~أو محجورا عليه، وبه ms1621 قال مالك والشافعي وأحمد. وقال زفر: لا يقاد منه، لأن ~~إقراره يؤدي إلى إبطال حق مولاه، فلا يصح كما لو أقر بالخطأ أو بالمال. # --- PageV06P178 ~~*** # ولنا: أنه غير متهم في إقراره، لأنه مضر به فيصح، فإن العبد مبقى على أصل ~~الحرية في حق الدم، بخلاف إقراره بالقتل خطأ، لأن موجبه على السيد، وهو دفع ~~العبد أو فداؤه، وبخلاف إقراره بالمال، لأنه إقرار على المولى بإبطال حقه ~~قصدا، لأن موجبه بيع العبد أو استسعاؤه. # (ومن رمى رجلا عمدا فنفذ) السهم منه إلى آخر (فماتا يقتص) منه (للأول) ~~لأنه عمد (وعلى عاقلته الدية للثاني) لأنه أحد نوعي الخطأ، وهو الخطأ في ~~الفعل، والفعل الواحد يتعدد بتعدد أثره. # (ومن قطع) يده أو رجله أو غيرهما (فعفا عن قطعه فمات منه) أي من القطع ~~(ضمن قاطعه ديته) في ماله كاملة، لأنها صارت في النفس وسقط القود للشبهة، ~~وهذا عند أبي حنيفة، وهو قول الشافعي وأحمد. وعن مالك: يجب القود، لأن ~~الجناية صارت في النفس، ولم يعف عنها. وقال أبو يوسف ومحمد: هو عفو عن ~~النفس أيضا حتى إذا مات بعد العفو بالسراية لا يضمن، وعلى هذا الخلاف إذا ~~عفا عن الشجة ثم سرت إلى النفس فمات، وهذا نقل الشمني. # وقال الطرابلسي: سراية الطرف المستوفى قصاصا إلى النفس يوجب الدية على ~~عاقلة المستوفي عند أبي حنيفة، وهما أهدرا الدية، كمالك والشافعي، كسراية ~~قطع الإمام يد السارق حدا إذا سرى إلى النفس ومات، وكالبزاغ والحجام ~~والفصاد والختان، وكما لو قال لآخر: اقطع يدي، فقطعها وسرى إلى النفس ومات، ~~وهو الأظهر، لأن السراية تبع للجناية، فلم يجز أن يكون ابتداؤها مباحا، ~~وسرايتها مضمونة. # --- PageV06P179 ~~*** # ولأبي حنيفة: أن حقه في القطع، والموجود قتل، حتى لو وقع ظلما كان قتلا، ~~فلم يكن مستوفيا حقه فيضمن، إلا أنه سقط القصاص للشبهة، فوجب الدية، بخلاف ~~ما ذكروا من المسائل، لأنه يجب الفعل على الإمام وعلى غيره بالفعل. وإقامة ~~الواجب لا يتقيد بشرط السلامة كالرمي إلى الحربي، لئلا يكون تكليف ما ليس ~~في الوسع. ms1622 وفي مسألتنا هو مخير بين الاستيفاء والعفو، بل العفو مندوب إليه، ~~فيتقيد بشرط السلامة كالرمي إلى الصيد. # (ولو عفى عن الجناية) أو عفى عن القطع وما يحدث منه (فهو عفو عن النفس) ~~بلا خلاف (فالخطأ من ثلث ماله) أي إن كان القطع خطأ يعتبر من ثلث مال ~~المقطوع لتعلق حق الوارث به، فإن كان في الدية فاضل من الثلث أخذه الوارث ~~من القاطع. (والعمد) يعتبر (من كله) أي من كل ماله، فلا يضمن القاطع شيئا، ~~كذا في «الهداية» وغيرها، ولا يخفى أن الموجب هنا هو القود، وهو ليس بمال، ~~فلا وجه للقول بأنه من كل المال. # (والقود يثبت بدأ) أي ابتداء (للورثة) عند أبي حنيفة (لا إرثا) أي لا ~~يثبت القود للورثة بطريق الإرث بأن يثبت للمورث ابتداء ثم يثبت للوارث، كما ~~هو مذهب أبي يوسف ومحمد (فلا يصير أحدهم) أي أحد الورثة عند أبي حنيفة ~~(خصما عن البقية) بغير وكالة. # --- PageV06P180 ~~*** # اعلم أن كل ما يملكه الورثة بطريق الإرث، فأحدهم خصم عن الباقين، حتى لو ~~ادعى أحد الورثة شيئا من التركة على أحد وأقام البينة عليه ثبت حق الجميع، ~~ولا يحتاج الباقون إلى تجديد الدعوى. وكل ما يملكه الورثة لا بطريق ~~الوراثة، لا يصير أحدهم خصما عن الباقين، ففرع على هذا قوله: (فلو أقام) ~~شخص (حجة) أي بينة (بقتل أبيه) حال كونه (غائبا أخوه فحضر) الغائب (ففي ~~العمد يعيدها) أي يعيد الغائب الحجة عن أبي حنيفة (وفي الخطأ والدين لا) ~~يعيدها باتفاق، لأن الخطأ والدين موجبهما المال، وطريق ثبوت الميراث. # ثم اعلم أن العلماء أجمعوا على قبول بينة الحاضر، وعلى أنه لا يقضى ~~بالقود ما لم يحضر الغائب، لأن المقصود بالقضاء الاستيفاء، والحاضر لا ~~يتمكن منه إجماعا، وعلى أن القاتل يحبس لأنه صار متهما بالقتل، والمتهم ~~يحبس. واختلفوا في إعادة البينة إذا حضر الغائب، فعند أبي حنيفة يكلف ~~الغائب بالإعادة، وعندهما لا يكلف، وهو قياس قول مالك والشافعي وأحمد. # (والعبرة بحال الرمي) أي بحال المرمي في العصمة وعدمها، والحل وعدمه ms1623 وقت ~~الرمي عند أبي حنيفة (لا) بحال (الوصول) كما هو قولهما. (فتجب الدية) عند ~~أبي حنيفة (على من رمى مسلما فارتد) المرمي إليه والعياذ بالله (فوصل) إليه ~~السهم فقتله. وقالا: لا شيء عليه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأن التلف ~~حصل في محل لا عصمة فيه فيكون هدرا. # ويرد شهادة اثنين اختلفا في مكان القتل أو زمانه أو فيما حصل به القتل من ~~الآلة، أو قال أحدهما: قتله بعصا، وقال الآخر: لم أدر بما إذا قتل، أو قال ~~أحدهما: قتله بسلاح، وقال الآخر: بعصا. وإن شهدا بقتله، وقالا: لم ندر بما ~~إذا قتل من الآلة، تجب الدية استحسانا في ماله. # --- PageV06P181 ~~*** # يصح الصلح عن القتل العمد على أكثر من الدية، لأنه افتداء لنفسه، ويكون ~~المال حالا لالتزامه إياه بعقد الصلح، إلا أن يؤجله الولي إلى أجل معلوم، ~~لأن الحق له، فله تأجيله كسائر الديون المؤجلة. # كتاب الديات # (الدية) لغة: مصدر ودى القاتل المقتول، إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل ~~النفس، ثم قيل لذلك المال تسمية بالمصدر، والتاء في آخره عوض عن الواو في ~~أوله كالعدة. وهي ثابتة بالكتاب: وهو قوله تعالى: {ودية مسلمة إلى أهله}. ~~وبالسنة: وهي أحاديث كثيرة، وبإجماع أهل العلم على وجوبها في الجملة. (من ~~الذهب ألف دينار ومن الفضة عشرة آلاف درهم ومن الإبل مئة) وقال الشافعي: من ~~الورق اثنا عشر ألفا، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق لما أخرج أصحاب السنن ~~الأربعة عن محمدبن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلا ~~من بني عدي قتل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثنا عشر ألفا. قال ~~الترمذي: لا نعلم أحدا يذكر في هذا الإسناد ابن عباس غير محمد بن مسلم. ~~وصحح النسائي وغيره إرساله على إسناده. # ولنا: وهو قول الثوري وأبي ثور من أصحاب الشافعي، ما روى البيهقي من طريق ~~الشافعي قال: قال محمد بن الحسن: بلغنا عن عمر رضي الله عنه أنه فرض على ~~أهل الذهب في الدية ألف دينار، ومن ms1624 الورق عشرة آلاف درهم: حدثنا بذلك أبو ~~حنيفة، عن الهيثم، عن الشعبي عن عمر قال: وقال أهل المدينة: فرض عمر على ~~أهل الورق اثني عشر ألف درهم. قال محمد بن الحسن: صدقوا، ولكنه فرضها اثني ~~عشر ألفا وزن ستة، فذلك عشرة آلاف. وقال محمد بن الحسن: وأخبرني الثوري، عن ~~مغيرة الضبي، عن إبراهيم قال: كانت الدية الإبل، فجعلت الإبل كل بعير بمئة ~~وعشرين درهما وزن ستة، فذلك عشرة آلاف درهم. # --- PageV06P182 ~~*** # وقيل لشريك: إن رجلا من المسلمين عاين رجلا من العدو فضربه، فأصاب رجلا ~~منا فسلت وجهه حتى وقع ذلك على حاجبيه وأنفه ولحيته وصدره، فقضى فيه عثمان ~~بالدية اثني عشر ألفا، وكانت الدراهم يومئذ وزن ستة. وفي «التجريد» ~~للقدوري: لا خلاف أن الدية ألف دينار، وكل دينار عشرة دراهم، ولهذا جعل ~~نصاب الذهب عشرين دينارا، ونصاب الورق مئتي درهم. # واعلم أن العلماء اختلفوا في الأصل في الدية، فقال الشافعي، وأحمد في ~~رواية، وابن المنذر: الإبل فقط، فتجب قيمتها بالغة ما بلغت لما أخرجه أبو ~~داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن القطان في كتابه، وابن حبان في «صحيحه» ~~من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن دية الخطأ ~~شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مئة من الإبل، منها أربعون في بطونها ~~أولادها. ورواه النسائي وابن ماجه من حديث عبد الله ابن عمر، ولأنه صلى ~~الله عليه وسلم فرق بين دية شبه العمد ودية الخطأ، فغلظ بعضها وخفف بعضها، ~~ولا يتحقق ذلك في غير الإبل. ولأن الإبل مجمع عليه، وما عداه مختلف فيه، ~~فيؤخذ بالمتيقن. # --- PageV06P183 ~~*** # وقال أبو حنيفة: الإبل والذهب والفضة، وهو قول أحمد، والشافعي في القديم. ~~ومقتضى قول المالكية إن كان القاتل من أهل البوادي والعمود فمئة من الإبل، ~~وإن كان من أهل الذهب كأهل الشام ومصر والمغرب فألف دينار، وإن كان من أهل ~~الورق، كأهل خراسان، والعراق، وفارس فاثني عشر ألف درهم. وقال أبو يوسف ~~ومحمد، وأحمد في رواية، وهو رواية عن أبي حنيفة: ms1625 الإبل والذهب والفضة ~~والبقر مئتا بقرة، قيمة كل بقرة خمسون درهما، والغنم ألفا شاة، (كل شاة ~~خمسة دراهم)، والحلل مئتا حلة (قيمة كل حلة خمسون درهما)، وهي ثوبان: إزار ~~ورداء، لما روى أبو داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كانت قيمة ~~الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان مئة دينار، أو ثمانية ~~آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. # وقال: فكان ذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال: ألا إن الإبل قد غلت ~~ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى ~~أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشياه ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة. ~~قال: وترك دية أهل الذمة لم يرفعها. # --- PageV06P184 ~~*** # ولما في «آثار محمد بن الحسن» قال: أخبرنا أبو حنيفة عن الهيثم، عن ~~الشعبي، عن عبيدة السلماني: قال وضع عمر الديات على أهل الذهب ألف دينار، ~~وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل الإبل مئة من الإبل، وعلى أهل ~~البقر مئتي بقرة مسنة، وعلى أهل الشياه ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة. ~~ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»: حدثنا وكيع: حدثنا ابن أبي ليلى، عن ~~الشعبي، عن أبي عبيدة: به. وفي «سنن أبي داود» عن محمد بن إسحاق قال: ذكر ~~عطاء عن جابر بن عبد الله أنه قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الدية على أهل الإبل مئة من الإبل، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل ~~الشياه ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة، وعلى أهل الطعام شيئا لم يحفظه ~~ابن إسحاق. فإن قيل: الإبل مجهولة ماليتها، والدية مقدرة بها. أجيب: بأن ~~التقدير بها ثبت بالآثار المشهورة، ثم فائدة الخلاف تظهر في اختيار القاتل، ~~فعند أبي حنيفة له الخيار من الأنواع الثلاثة فقط، وعندهما من الستة. # --- PageV06P185 ~~*** # (وهذه) أي المئة من الإبل (في شبه العمد أرباع) عند أبي حنيفة وأبي يوسف: ~~ربع (من بنت مخاض و) ربع ms1626 من بنت (لبون و) ربع (من حقة و) ربع (من جذعة) وقد ~~سبق تفسيرها في باب الزكاة، وبهذا قال مالك، وأحمد في رواية، والزهري ~~وربيعة وسليمان بن يسار. وقال محمد والشافعي وأحمد في رواية أخرى: أثلاثا: ~~ثلاثون جذعة، وثلاثون حقة، وأربعون ثنية كلها خلفات، أي جميع الثنيات ~~حوامل. الثنية: هي الطاعنة في السادسة لما تقدم. ولما أخرجه الترمذي وقال: ~~حديث حسن غريب عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤا قتلوا، ~~وإن شاؤا أخذوا الدية: وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما ~~صالحوا عليه فهو لهم». # وروى مالك في «الموطأ» عن عمرو بن شعيب: أن رجلا حذف ابنه بالسيف فقتله، ~~فأخذ عمر منه الدية ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة. وروى أبو داود ~~عن مجاهد: أن عمر رضي الله عنه قضى في شبه العمد: بثلاثين حقة، وثلاثين ~~جذعة، وأربعين (خلفة) ما بين ثنية إلى بازل عامها، كلها خلفات. ورواه عن ~~علي (أنه قال: في شبه العمد) أثلاث: ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، ~~وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها، كلها خلفات. ولنا ما أخرجه أبو داود ~~وسكت عنه، ثم المنذري بعده، عن علقمة والأسود قالا: قال عبد الله: في شبه ~~العمد: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس ~~وعشرون بنات مخاض. وهذا وإن كان موقوفا، إلا أنه في حكم المرفوع، لأن ~~المقادير لا تعرف بالرأي. # --- PageV06P186 ~~*** # وما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» في كتابه صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن ~~حزم: «أن في نفس المؤمن مئة من الإبل». والمراد أدنى ما يكون منه، وما ~~قلناه أولى. ولأن دية شبه العمد أغلظ من دية الخطأ المحض، وذلك فيما قلنا، ~~لأنها في الخطأ المحض تجب أخماسا، ولأن الجنين كالمنفصل من وجه، فيكون في ~~معنى الزيادة على المئة، وهي لا تجوز. ولأن الديات تعتبر بالصدقات، لأنها ~~تجب على العاقلة بطريق الصلة ms1627 للقاتل كالصدقات، والشرع نهى عن أخذ الحوامل ~~في الصدقات، لأنها كرائم أموال الناس، فكذا في الديات. # (وهي) أي دية الإبل (المغلظة) لا غيرها بالإجماع، حتى لو قضى القاضي ~~بتغليظ الدية من غير الإبل لم تتغلظ ولم ينفذ قضاؤه، لأن التقديرات لا تعرف ~~إلا بالسمع، ولم يرد التغليظ من الشارع إلا في الإبل. ثم دية شبه العمد على ~~العاقلة عندنا، وعند الشافعي وأحمد والثوري وإسحاق والنخعي والحكم وحماد ~~والشعبي. وقال ابن سيرين وابن شبرمة وأبو ثور وقتادة والزهري والحارث ~~العكلي وأحمد في رواية: في مال القاتل، وهو قول مالك، لأن شبه العمد عنده ~~من باب العمد. لهم أنها موجب فعل قصده، فلم تتحمله العاقلة كالعمد المحض، ~~ولأنها دية مغلظة فأشبهت دية العمد. ولنا ما روى أبو هريرة قال: اقتتلت ~~امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فقضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتها. وهو حديث متفق ~~عليه. ولأنه قتل لا يوجب القصاص، فوجب ديته على العاقلة كالخطأ. # --- PageV06P187 ~~*** # (وفي الخطأ) أي ودية الإبل في الخطأ (أخماس منها) أي من الأنواع الأربعة ~~المتقدمة (ومن ابن مخاض) بأن يكون عشرين ابن مخاض، وعشرين بنت لبون، وعشرين ~~حقة، وعشرين جذعة. وقال مالك والشافعي والليث وربيعة: مكان عشرين ابن مخاض: ~~عشرين ابن لبون، لما في الكتب الستة من حديث سهل بن أبي خيثمة في الذي وداه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمئة من إبل الصدقات، وبنو المخاض لا مدخل لها في ~~الصدقات. # ولنا: ما أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «في دية الخطأ: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون ~~بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض ذكور». قال الترمذي: لا نعرفه ~~مرفوعا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفا. وأجاب أصحابنا عن ~~الذي وداه النبي صلى الله عليه وسلم من إبل الصدقة: بأنه صلى الله عليه ~~وسلم تبرع بذلك، ولم يجعله حكما. وقال النووي ms1628 في «شرح مسلم»: المختار ما ~~قاله جمهور أصحابنا وغيرهم من أن معناه: أنه صلى الله عليه وسلم اشتراها من ~~أهل الصدقات بعد أن ملكوها، ثم دفعها تبرعا منه إلى القتيل. انتهى. وقيل: ~~لا حجة فيه، لأنهم لم يدعوا على أهل خيبر إلا قتله عمدا فيكون ديته دية ~~العمد وهي من أسنان الصدقة، وإنما الخلاف في الخطأ. # --- PageV06P188 ~~*** # (وكفارتهما) أي شبه العمد والخطأ (عتق مؤمن، فإن عجز صام شهرين ولاء) أي ~~متتابعين لقوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين} الآية. وإن كانت في الخطأ، إلا أن شبه العمد خطأ في حق القتل، ~~وإن كان عمدا في حق الضرب فتتناولهما الآية. ولا يجزىء في كفارة القتل ~~الإطعام، وقال الشافعي في قول وأحمد في رواية: إن لم يقدر على الصيام يجب ~~إطعام ستين مسكينا، لأنها كفارة فيها عتق وصيام شهرين متتابعين، فكان فيها ~~إطعام ستين مسكينا عند عدمها، ككفارة الظهار والفطر في رمضان. ولنا: أن ~~المقادير لا تعرف إلا بالنص، ولم يرد في الإطعام شيء. (وصح) في عتق الكفارة ~~(رضيع أحد أبويه مسلم) لأنه مسلم تبعا، والظاهر سلامة أطرافه (لا الجنين) ~~أي لا يصح في عتق الكفارة الحمل، لأنه لم تعلم حياته ولا سلامة أطرافه. # --- PageV06P189 ~~*** # (و) الدية (للمرأة نصف ما للرجل في النفس وما دونها) وهو ظاهر مذهب ~~الشافعي، ومختار ابن المنذر، وبه قال الثوري والليث وابن أبي ليلى وابن ~~شبرمة وابن سيرين، لما أخرجه البيهقي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «دية المرأة على النصف من دية الرجل». وما أخرجه ~~إبراهيم، عن علي بن أبي طالب أنه قال: عقل المرأة على النصف من عقل الرجل ~~في النفس، وفيما دونها. وروى الشافعي في «مسنده» عن ابن شهاب، عن مكحول ~~وعطاء قالوا: أدركنا الناس على أن دية الحر المسلم على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم مئة من الإبل، فقوم عمر تلك الدية على أهل القرى ألف دينار أو ~~اثني عشر ألف درهم، ودية الحرة ms1629 المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمس مئة ~~دينار، أو ستة آلاف درهم، وإن كان الذي أصابها من الأعراب، فديتها خمسون من الإبل. # وقال الشافعي في القديم: ما دون الثلث لا يتنصف، وكذا الثلث، وبه قال ~~مالك وأحمد، وهو قول الفقهاء السبعة وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وعروة ~~بن الزبير والزهري وقتادة والأعرج وربيعة، وروي عن عمر وابنه وزيد بن ثابت، ~~لما روى النسائي في «سننه» عن عيسى بن يونس الرملي، عن ضمرة، عن إسماعيل بن ~~عياش، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ العقل الثلث من ~~ديتها». وأخرج البيهقي عن الشعبي، عن زيد بن ثابت قال: جراحات الرجال ~~والنساء سواء إلى الثلث، فما زاد فعلى النصف. # --- PageV06P190 ~~*** # وأخرج أيضا عن ربيعة أنه سأل ابن المسيب: كم في أصبع المرأة؟ قال: عشرة. ~~قال: كم في اثنين؟ قال: عشرون قال: كم في ثلاث؟ قال: ثلاثون. قال: كم في ~~أربع؟ قال: عشرون. فقال ربيعة: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟ ~~قال: أعراقي أنت؟ قال ربيعة: عالم متثبت أو جاهل متعلم. قال: يا ابن أخي. ~~إنها السنة. وأجيب عن الأول: بأن إسماعيل بن عياش عن الحجازيين ضعيف، وابن ~~جريج حجازي. وعن الثاني: بأنه منقطع. وعن الثالث: بأن الشافعي قال في آخره: ~~كنا نقول به، ثم رجعت عنه. فأنا أسأل الله الخيرة، لأنا نجد من يقول السنة، ~~ثم لا نجد نفاذا بها عن النبي صلى الله عليه وسلم، والقياس أولى بنا فيها. # (والذمي كالمسلم) أي ودية الذمي كدية المسلم. وقال الشافعي: دية اليهودي ~~والنصراني أربعة آلاف درهم، وهو قول أحمد: وقال مالك: دية اليهودي ~~والنصراني نصف دية المسلم، لما أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن عمرو بن شعيب، ~~عن أبيه، عن جده. واللفظ لأبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دية ~~المعاهد نصف دية الحر». ولفظ الترمذي: «دية عقل الكافر نصف عقل المسلم». ms1630 ~~وقال: حديث حسن. ولفظ النسائي: «عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين، وهم ~~اليهود والنصارى». ولفظ ابن ماجه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى». وما أخرجه ~~الطبراني في «معجمه الأوسط» عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن دية المعاهد نصف دية المسلم». # --- PageV06P191 ~~*** # وللشافعي: ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه» في كتاب العقول عن ابن جريج عن ~~عمرو بن شعيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض على كل مسلم قتل رجلا ~~من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم. ورواية أبي داود عن عمرو بن شعيب توفق بين ~~رواية عبد الرزاق، ورواية السنن عنه: وهي قوله: كانت قيمة الدية على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان مئة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، ودية ~~أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. قال: وكان ذلك حتى استخلف عمر ~~فقام خطيبا فقال: ألا إن الإبل قد غلت. قال: ففرضها عمر رضي الله عنه على ~~أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مئتي ~~بقرة، وعلى أهل الشياه ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة. قال: وترك دية ~~أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية. # وروى الشافعي في «مسنده» عن فضيل بن عياض، عن منصور، عن ثابت، عن سعيد بن ~~المسيب، عن عمر بن الخطاب: أنه قضى في اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ~~وفي المجوسي ثمان مئة درهم. وروى أيضا في «مسنده» عن ابن عيينة، عن صدقة بن ~~يسار، عن سعيد بن المسيب قال: قضى عثمان في دية اليهودي والنصراني بأربعة ~~آلاف درهم، ولأن نقصان الكفر فوق نقصان الأنوثة، وبالأنوثة تتنصف الدية ~~بالإجماع، فينبغي أن تكون بالكفر أنقص من النصف، فتكون ثلث دية المسلم، وهي ~~عند الشافعي اثني عشر ألف درهم، ولأن الدية تنقص باعتبار الرق، وهو أثر من ~~آثار الكفر، فلأن ينقص باعتبار الكفر أولى، ولأن عقد الذمة أدون ms1631 من ~~الإسلام، فينبغي أن لا يؤثر في حقن الدم مثل الإسلام. # --- PageV06P192 ~~*** # ولنا: ما أخرجه أبو داود في «مراسيله» عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار». ووقفه ~~الشافعي في «مسنده» على سعيد. فقال: أخبرنا محمد بن الحسن: أنبأنا محمد بن ~~يزيد: أنبأنا سفيان بن حسين (عن الزهري)، عن سعيد بن المسيب قال: دية كل ~~معاهد في عهده ألف دينار. وما أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا ~~من هذا الوجه، عن أبي سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ودى العامريين بدية المسلم، وكان لهما عهد من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وأبو سعد البقال: اسمه سعيد بن المرزبان. قال الترمذي في «علله ~~الكبير»: قال البخاري: هو مقارب الحديث. # وما أخرجه الدارقطني (في «سننه») عن أبي كرز قال: سمعت نافعا، عن ابن ~~عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ودى ذميا دية مسلم، إلا أنه قال: ~~وأبو كرز هذا متروك الحديث، ولم يروه عن نافع غيره. وما رواه أيضا عن عثمان ~~بن عبد الرحمن الوقاصي، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن ~~أسامة بن زيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل دية المعاهد كدية ~~المسلم. وقال: عثمان الوقاصي متروك. وما رواه محمد بن الحسن في كتاب ~~«الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة: حدثنا الهيثم بن أبي الهيثم: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان قالوا: دية المعاهد دية الحر المسلم. # --- PageV06P193 ~~*** # وما روى أبو داود في «مراسيله» بسند صحيح عن ربيعة بن (أبي) عبد الرحمن ~~قال: كان عقل الذمي مثل عقل المسلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وزمن ~~أبي بكر وعمر وعثمان حتى كان صدرا من خلافة معاوية، فقال معاوية: إن كانوا ~~أصيبوا به، فقد أصيب به بيت مال المسلمين، فاجعلوا لبيت المال النصف، ~~ولأهله النصف خمس مئة دينار، ثم ms1632 قتل آخر من أهل الذمة، فقال معاوية: لو أنا ~~نظرنا إلى هذا الذي يدخل بيت مال المسلمين، فجعلناه موضوعا عن المسلمين ~~وعونا لهم. قال: فمن هنالك وضع عليهم خمس مئة. # وروى عبد الرزاق أيضا: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: كان دية اليهودي ~~والنصراني في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مثل دية المسلم، وكذا في زمن ~~أبي بكر وعمر وعثمان، فلما كان زمن معاوية أعطى أهل القتيل النصف، وألقى ~~النصف في بيت المال، ثم قضى عمر بن عبد العزيز في النصف، وألغى ما كان جعل ~~معاوية. # قال الزهري: ولم يقض(لي) أن أذاكر عمر، فأخبره أن الدية كانت تامة لأهل ~~الذمة. قلت: للزهري: بلغني عن ابن المسيب قال: ديته أربعة آلاف. فقال: خير ~~الأمور ما عرض على كتاب الله، قال الله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله}. # --- PageV06P194 ~~*** # وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن مسعود قال : ~~دية المعاهد مثل دية المسلم. وروى أيضا عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ~~أبيه: أن رجلا قتل رجلا من أهل الذمة، فرفع إلى عثمان، فلم يقتله، وجعل ~~عليه ألف دينار. وروى الدارقطني في «سننه» عن الحسين بن صفوان، عن عبدالله ~~بن أحمد عن رحمويه، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، أن أبا بكر وعمر كانا ~~يجعلان دية اليهودي والنصراني المعاهدين دية الحر المسلم. وأخرج ابن أبي ~~شيبة نحوه عن علقمة ومجاهد، وعطاء والشعبي، والنخعي والزهري، وروى ~~عبدالرزاق عن أبي حنيفة، عن الحكم بن عتيبة، عن علي أنه قال: دية كل ذمي ~~مثل دية المسلم. قال أبو حنيفة: وهو قولي. # وتقدم ما رواه عبد الرزاق عن محمد بن الحسن بسنده إلى علي أنه قال: ما ~~كان له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا، ولأنه حر معصوم الدم، فتكمل ديته ~~كالمسلم. ودية المجوسي كالكتابي عندنا، لا ثمان مئة درهم فقط، كما قال مالك ~~والشافعي، واستدلا بما تقدم من رواية الشافعي عن عمر نحوه أنه قضى ms1633 في ~~اليهودي والنصراني أربعة آلاف، وفي المجوسي ثمان مئة. ورواه عبد الرزاق، ~~وابن أبي شيبة في «مصنفيهما» عن عمر نحوه. ولنا: ما سبق من رواية أبي داود ~~في «مراسيله» عن سعيد بن المسيب مرفوعا: «دية كل ذي عهد في عهده ألف ~~دينار». # --- PageV06P195 ~~*** # (ففي الأنف) أي في إتلافه كلا أو بعضا (و) في (الحشفة) سواء كانت وحدها، ~~أو مع الذكر (و) في (العقل و) في (إحدى الحواس) وهي: السمع والبصر والشم ~~والذوق و(اللمس) (و) في (اللسان) كله أو بعضه (إن منع أداء أكثر الحروف و) ~~في (اللحية وشعر الرأس إذا لم ينبت) أي إذا حلق ولم ينبت الشعر سنة، وكذا ~~في الحاجبين (كل الدية). والحاصل: أن الجناية إذا فوتت منفعة على الكمال، ~~أو أزالت جمالا مقصودا في الآدمي على الكمال، تجب الدية، لأن ذلك إتلاف ~~للنفس من وجه، وأتلاف النفس من وجه ملحق بإتلافها من كل وجه. # أما الأنف فلما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن جريج عن ابن طاوس أنه ~~قال في الكتاب الذي عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: «في الأنف إذا قطع ~~مارنه الدية». ومارن الأنف: طرفه أو ما لان منه، كما في «القاموس». وفي ~~«سنن النسائي»، و«مراسيل أبي داود» عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن أبي ~~بكر بن محمد بن حزم، عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب ~~كتابا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، ~~فقرئت على أهل اليمن هذه نسختها: من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال ~~ونعيم بن عبد كلال (والحارث بن عبد كلال) قيل: ذي رعين ومعافر وهمدان أما ~~بعد: وكان في كتابه «أن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود، إلا أن ~~يرضى أولياء المقتول، وأن في النفس: الدية مئة من الأبل، وفي الأنف إذا ~~أوعب جدعه: الدية». # --- PageV06P196 ~~*** # وفي رواية: «وفي الأنف إذا استوعب مارنه: الدية، وفي اللسان: الدية، وفي ~~الشفتين الدية، وفي البيضتين: الدية، وفي ms1634 الذكر: الدية، وفي الصلب: الدية، ~~وفي العينين: الدية، وفي العين الواحدة: نصف الدية، وفي اليد الواحدة: نصف ~~الدية، وفي الرجل الواحدة: نصف الدية، وفي المأمومة: ثلث الدية، وفي ~~الجائفة: ثلث الدية، وفي المنقلة: خمسة عشر من الأبل (وفي كل أصبع من أصابع ~~اليد والرجل: عشر من الإبل، وفي السن: خمس من الإبل) وفي الموضحة: خمس من ~~الإبل، وإن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب: ألف دينار». # ورواه ابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه» وقال: إسناده صحيح، وهو ~~قاعدة من قواعد الإسلام. وما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه»، عن وكيع، عن ابن ~~أبي ليلى، عن عكرمة بن خالد، عن رجل من آل عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «في الأنف إذا استوصل مارنه الدية». ولأنه أزال بقطع الأرنبة ~~وهي طرف الأنف جمالا على الكمال مقصودا، وبقطع المارن منفعة مقصودة، لأن ~~منفعة الأنف أن يجتمع الروائح في قصبته لتعلو إلى الدماغ، وذلك يفوت بقطع ~~المارن ولو قطع المارن مع قصبة الأنف وهي عظمة واحدة لا يزاد على دية ~~واحدة، وهو قول مالك وأحمد، وقال الشافعي: في المارن الدية، وفي القصبة: ~~حكومة عدل، لأن المارن وحده موجب للدية، فتجب الحكومة في الزائد، كما لو ~~قطع القصبة وحدها وقطع لسانه. # --- PageV06P197 ~~*** # ولنا: ما أخرجه البزار في «مسنده» عن أبي بكر بن عبيد الله بن عمر، عن ~~أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في الأنف إذا استوعب جدعه ~~الدية». ولأنه عضو واحد فلا يجب فيه أكثر من دية. ولو قطع أنفه فذهب شمه، ~~فعليه ديتان، لأن الشم في غير الأنف، فلا تدخل دية أحدهما في الآخر، كالسمع ~~مع الأذن. # وأما الحشفة، فلما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن الزهري: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قضى في الذكر: الدية، مئة من الإبل إذا استوصل أو قطعت ~~حشفته. وأخرج البيهقي عن ابن المسيب قال: مضت السنة أن في الذكر: الدية، ~~وفي الأنثيين: الدية. ولأن قطع الذكر يفوت به ms1635 منفعة الوطىء والإيلاد، ~~والرمي بالبول، ودفق الماء، والإيلاج الذي هو طريق الإعلاق عادة. والحشفة ~~أصل في منفعة الإيلاج والدفق، والقصبة كالتابع له. # وأما العقل إذا ذهب بضربة، فلفوات منفعة الإدراك، لأن الإنسان به يتميز ~~عن غيره من جنس الحيوان، وبه ينتفع بنفسه في أمر معاشه وزاد معاده. # وأما إحدى الحواس، فلأن كل واحدة منها منفعة مقصودة، وقد روى ابن أبي ~~شيبة في «مصنفه» عن أبي خالد، عن عوف الأعرابي، قال: سمعت شيخا في زمان ~~الجماجم، فنعت نعته فقيل: ذلك أبو المهلب عم أبي قلابة قال: ضرب رجل رجلا ~~بحجر في رأسه في زمان عمر بن الخطاب، فذهب سمعه وعقله ولسانه وذكره، فلم ~~يقرب النساء. فقضى عمر فيها بأربع ديات، وهو حي. رواه عبد الرزاق في ~~«مصنفه» عن سفيان الثوري عن عوف: به. # --- PageV06P198 ~~*** # وفي «المبسوط»: ويعرف فوات هذه المعاني بتصديق الجاني أو نكوله إذا ~~استحلف، ويعرف فوات البصر بقول عدلين من الأطباء. وفي «الذخيرة»: طريق ~~معرفة ذهاب السمع: أن يتغافل وينادى، فإن أجاب لذلك علم أن سمعه لم يذهب. ~~وحكى الناطفي عن القاضي أبي حازم، والقدوري عن إسماعيل بن حماد: أن رجلا ~~ضرب رأس امرأته، فزعمت أن سمعها ذهب، فاشتغل إسماعيل بالقضاء، ثم التفت ~~إليها وهي عاقلة، وقال: استري عورتك فجعلت تجمع ثيابها، فعلم أنها سامعة. ~~وفي «المنتقى» قال أبو يوسف: لا يعرف ذهاب السمع، والقول فيه للجاني. وأما ~~طريق معرفة ذهاب البصر: فقال محمد بن مقاتل الرازي: يستقبل الشمس مفتوح ~~العين، فإن دمعت عينه علم أن الضوء باق، وإن لم تدمع علم أن الضوء ذاهب. ~~وذكر الطحاوي أنه يلقى بين يديه حية، فإن هرب منها علم أن بصره لم يذهب. ~~وفي «الأصل»: قال محمد: إن لم يعلم بما ذكرنا، ويعتبر فيه الدعوى والأنكار، ~~والقول للجاني مع يمينه على البتات، لأن هذا يمين على فعل نفسه، وهو إذهاب ~~بصر غيره منه. # وأما اللسان فلما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن وكيع، عن ابن أبي ليلى، ~~عن عكرمة بن خالد، عن ms1636 رجل من آل عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «في اللسان الدية كاملة». وما أخرج ابن عدي في «كامله» عن عمرو بن ~~شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «في اللسان الدية إذا منع من الكلام». ولأن في قطعه فوات منفعة ~~مقصودة به، وهي النطق، وكذا في قطع بعضه إذا منع الكلام، لأن الدية تجب ~~لتفويت المنفعة، لا لتفويت صورة الآلة، وقد حصل تفويت المنفعة بالامتناع عن ~~الكلام. # --- PageV06P199 ~~*** # ولو قدر على التكلم ببعض الحروف دون بعض تقسم الدية على عدد الحروف ~~الثمانية والعشرين من حروف المعجم، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وقيل: على ~~الحروف التي تتعلق باللسان، فبقدر ما لا يقدر تجب، وهو قول بعض أصحاب ~~الشافعي، ووجه عن أحمد. والحروف التي تتعلق باللسان: هي ما عدى الشفوية ~~والحلقية. والشفوية أربعة: الباء، والميم، والواو، والفاء، والحلقية ستة: ~~الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء، ولو بدل حرفا مكان حرف ~~مثل أن يقول في درهم: دلهم، فعليه ضمان الحرف لتلفه، وما صار بدله لا تقوم مقامه. # وأما شعر اللحية وشعر الرأس، فإن اللحية في أوانها جمال على الكمال، وكذا ~~شعر الرأس جمال على الكمال، وبه قال أحمد والثوري. وقال مالك والشافعي: تجب ~~فيهما حكومة عدل، لأنه شعر ينمو من البدن بعد كمال الخلقة، ولا يتعلق بحلقه ~~كمال الدية كشعر الصدر. ولنا: أن شعر الصدر والساق لا يتعلق بهما جمال ولا ~~منفعة، فلا يجب بإذهابه شيء بخلافهما. قيد بعدم النبت، لأنهما لو نبتا كما ~~كانا، لا يجب شيء، لأن فعل الجاني لا يبقى بلا أثر، فكان كالضربة التي ذهب ~~أثرها، ولا فرق في هذا بين الخطأ والعمد، ولا بين الرجل والمرأة، ولا بين ~~الصغير والكبير. ويؤخر سنة، فإن نبت الشعر لم تجب الدية وإن مات قبل مضيها ~~لا شيء فيه. وفي الشارب حكومة عدل على الصحيح، لأنه تابع للحية، فصار كبعض ~~أطرافها. وفي لحية الكوسج: الأصح إن كان على ms1637 ذقنه شعرات معدودات لا يجب ~~شيء، لأن وجودها يشينه ولا يزينه، وإن كان أكثر من ذلك، وهو على الخد ~~والذقن جميعا، ولكنه غير متصل ففيه حكومة عدل، لأن فيه نقص الجمال، وإن كان ~~متصلا ففيه كمال الدية، لأنه ليس بكوسج، وفي لحيته كمال جمال. # --- PageV06P200 ~~*** # (كما في اثنين) أي كما تجب الدية كاملة في اثنين (مما في البدن) منه ~~(اثنان) كالعينين واليدين والرجلين والشفتين والأذنين والأنثيين (وفي ~~أحدهما) أي أحد اثنين مما في البدن منه اثنان (نصفها) أي نصف الدية لما ~~أخرجه النسائي في «سننه» وأبو داود في «مراسيله» عن أبي بكر بن محمد بن حزم ~~عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتابا إلى أهل اليمن ~~فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم فكان فيه: وفي ~~الشفتين: الدية، وفي البيضتين: الدية، وفي العينين الدية، وفي العين ~~الواحدة: نصف الدية، وفي اليد الواحدة: نصف الدية، وفي الرجل الواحدة: نصف ~~الدية، ولأن في تفويت الأثنيين من هذه الأشياء تفويتا لجنس منفعتها، أو ~~لكمال الجمال فيجب كمال الدية. وفي (تفويت) أحدهما تفويتا لنصف المنفعة، ~~فيجب نصف الدية. # وفي ثديي المرأة: الدية، وفي أحدهما: نصف دية المرأة، وفي ثديي الرجل: ~~حكومة عدل، وهو قول (مالك)، وابن المنذر، وظاهر مذهب الشافعي. وقال أحمد ~~وإسحاق، والشافعي في قول: تجب الدية لأن ما وجب فيه الدية من عضو يستوي فيه ~~المرأة والرجل كسائر الأعضاء، ولأنهما عضوان بهما الجمال، فتجب الدية ~~بذهابهما كالأذنين الشاخصتين. ولنا: أن ذهاب ثديي المرأة فيه تفويت منفعة ~~كاملة وجمال كامل، بخلاف ثديي الرجل: فإنه ليس في إذهابهما تفويت لمنفعة ~~ولا لجمال. وفي حلمتي ثديي المرأة: الدية، وفي إحداهما: نصفها، وقال مالك ~~والثوري: إن ذهب اللبن وجبت الدية، وإلا وجبت حكومة عدل. والحلمة محركة: ~~رأس الثدي، وهو الثؤلول الذي في وسطه. # --- PageV06P201 ~~*** # (وفي أشفار العينين) وكذا في أجفانهما (الدية) والأشفار جمع الشفر بالضم ~~وبفتح: وهو منبت الأهداب جمع الهدب: وهو بضم وضمتين: الشعر الذي على العين. ~~والجفن: ms1638 بالفتح: غطاء العين من أعلى وأسفل، وجمعه: أجفان وجفون وجفن ~~بضمتين، وبضم فسكون. (وفي أحدهما ربعها) وهكذا عند أكثر أهل العلم. وحكي عن ~~مالك: أن في جفن العينين: الاجتهاد، ولو قلع العين بأجفانها تجب ديتان: دية ~~العين، ودية أجفانها، لأنهما جنسان كاليدين والرجلين. # (وفي كل أصبع) من أصابع اليدين أو الرجلين (عشرها) أي عشر الدية لما ~~أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، وابن حبان في «صحيحه»، وقال ابن القطان في ~~كتابه: رجال إسناده كلهم ثقات، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «دية أصابع اليدين والرجلين سواء: عشرة من الأبل لكل إصبع». # ورواه أحمد في «مسنده» ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين ~~الأصابع والأسنان في الدية. وما أخرجه الجماعة إلا مسلما عن ابن عباس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه وهذه سواء» يعني الإبهام والخنصر ~~ولأن في قطع الكل تفويت جنس منفعة البطش ، وفيه دية كاملة، وهي عشر فتنقسم ~~الدية عليها. # --- PageV06P202 ~~*** # (وفي مفصل) إصبع (غير الإبهام ثلثه) أي ثلث عشر الدية (وفي مفصله) أي ~~مفصل الإبهام (نصفه) أي نصف عشر الدية اعتبارا لانقسام دية الإصبع على ~~مفاصله بانقسام دية اليد على الأصابع. (كما في كل سن) أي كما وجب نصف عشر ~~الدية: وهو خمس من الإبل، في قلع كل سن إذا كان خطأ، سواء كان ضرسا أو ثنية ~~لما أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الأسنان خمس من الأبل في كل سن. ولما في كتاب عمرو ~~بن حزم: «وفي السن خمس من الإبل». # ولما أخرجه أبو داود وابن ماجه عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «الأصابع والأسنان سواء»، وفي رواية البزار ~~عنه موقوفا: أن الأسنان كلها سواء: الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء. ~~ولأن الكل في أصل المنفعة وهو المضغ سواء، وبعضها وإن كان فيه زيادة ~~منفعة، لكن ms1639 في البعض الآخر جمال، وهو كالمنفعة في الآدمي. وإنما قيدنا ~~بالخطأ، لأن العمد فيه القصاص. ولو قلع جميع أسنانه تجب ستة عشر ألفا، وليس ~~في البدن عضو ديته أكثر من دية النفس سوى الأسنان، وفيه إيماء إلى أن موت ~~الإنسان أهون من فوت الأسنان. # وفي الكوسج تجب أربعة عشر ألفا، لأن أسنانه تكون ثمانية وعشرين. حكي أن ~~امرأة قالت لزوجها: يا كوسج. فقال: إن كنت كوسجا، فأنت طالق. فسئل أبو ~~حنيفة فقال: تعد أسنانه إن كانت ثمانية وعشرين، فهو كوسج. # (وكل عضو ذهب نفعه بضرب ففيه دية) كما لو ضرب يده فشلت، أو عينه فذهب ضوؤها. # (فصل في الشجاج) # --- PageV06P203 ~~*** # (ولا قود في الشجاج) وهي في اللغة: ما يكون في الرأس والوجه، وأما ما ~~يكون في غيرهما فيسمى جراحة (إلا في الموضحة عمدا) وهي التي توضح العظم أي ~~تبينه وتظهره، لما أخرجه البيهقي مرسلا عن طاوس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لا طلاق قبل ملك، ولا قصاص فيما دون الموضحة من ~~الجراحات». وأخرج عبد الرزاق في «مصنفه» عن الحسن وعمر بن عبد العزيز: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض فيما دون الموضحة بشيء. وقال محمد في ~~«الأصل»: وهو ظاهر الرواية، وقول مالك: يجب القصاص فيما دون الموضحة. وفي ~~«شرح الوافي»: وهو الصحيح لظاهر قوله تعالى: {والجروح قصاص} وروى الحسن عن ~~أبي حنيفة: أنه لا قصاص فيما دون الموضحة، وهو قول الشافعي وأحمد. # (وفيها) أي في الموضحة (خطأ نصف عشر الدية، وفي الهاشمة) وهي التي تكسر ~~العظام (عشرها) أي عشر الدية (وفي المنقلة) وهي التي تنقل العظم بعد الكسر ~~أي تحوله (عشرها) أي عشر الدية (ونصفه و) في (الآمة) وهي التي تصل إلى أم ~~الرأس، وهو الغشاء الرقيق الذي فيه الدماغ (و) في (الجائفة) وهي الجراحة ~~التي وصلت إلى الجوف من الصدر والبطن والظهر والجبين، والاسم دليل عليه ~~(ثلثها) أي ثلث الدية لقوله عليه الصلاة والسلام في كتاب عمرو بن حزم الذي ~~أخرجه النسائي وأبو داود : «في ms1640 المأمومة: ثلث الدية، وفي الجائفة: ثلث ~~الدية، وفي المنقلة: خمس (عشرة) من الإبل، (وفي الموضحة خمس من الإبل) » ~~وليس فيه ذكر الهاشمة. # --- PageV06P204 ~~*** # لكن أخرج عبد الرزاق في «مصنفه» عن زيد بن ثابت قال: «في الموضحة: خمس، ~~وفي الهاشمة: عشر، وفي المنقلة: خمس عشرة، وفي المأمومة: ثلث الدية». وأما ~~ما وصل من الرقبة إلى الموضع الذي إذا وصل إليه الشراب كان مفطرا، وما فوق ~~ذلك لا يكون جائفة. وذكر ابن عبد البر: أن مالكا وأبا حنيفة والشافعي ~~وأصحابهم اتفقوا على أن الجائفة لا تكون إلا في الجوف، وبه قال أحمد (وفي ~~جائفة نفذت) إلى الجانب الآخر (ثلثاها) قال ابن عبد البر: لا أعلمهم ~~يختلفون في ذلك، وروى عن أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي: أنها جائفة واحدة، ~~لأن الجائفة تنفذ من ظاهر البدن إلى الجوف، والثانية هنا تنفذ من الباطن ~~إلى الظاهر. # وللجمهور: ما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن الثوري، عن محمد بن عبد ~~الرحمن، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابن المسيب قال: قضى أبو بكر في ~~الجائفة تكون نافذة بثلثي الدية، وقال هما جائفتان. قال سفيان: ولا تكون ~~الجائفة إلا في الجوف. ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن عبد الرحمن بن ~~سليمان، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: أن قوما كانوا ~~يرمون، فرمى رجل منهم بسهم خطأ، فأصاب بطن رجل فأنفذه إلى ظهره، فدووي فبرأ. # فرفع إلى أبي بكر فقضى فيه بجائفتين. # (و) في (الخارصة) وهي بمهملتين: التي تخرص الجلد، أي تخدشه، ولا تخرج ~~الدم (و) في (الدامعة) بالعين المهملة: وهي التي تظهر الدم ولا تسيله (و) ~~في (الدامية) وهي التي تسيل الدم. وقال المرغيناني في الدامية: هي التي ~~تدمي من غير أن يسيل منها دم، هو الصحيح، مروي عن أبي عبيد. والدامعة: هي ~~التي يسيل منها الدم كدمع العين. # --- PageV06P205 ~~*** # (و) في (الباضعة) بالضاد المعجمة والعين المهملة وهي: التي تبضع الجلد أي ~~تقطعه (و) في (المتلاحمة) وهي التي تأخذ في اللحم وتقطعه كله، ms1641 ثم يتلاحم ~~بعد ذلك، أي يلتئم ويتلاصق (و) في (السمحاق) وهو التي تصل إلى السمحاق وهي: ~~الجلدة الرقيقة التي بين اللحم وعظم الرأس (حكومة عدل) مبتدأ مقدم الخبر، ~~وإنما تجب حكومة عدل لما روى محمد بن الحسن في كتاب «الآثار»: أخبرنا أبو ~~حنيفة، عن حماد بن إبراهيم، عن شريح قال: في الجائفة: ثلث الدية، وفي ~~الآمة: ثلث الدية، فإذا ذهب العقل: فالدية كاملة، وفي المنقلة عشر (ونصف ~~عشر الدية)، وفي الموضحة: نصف عشر الدية، وفي غير ذلك من الجراحات: حكومة عدل. # (فيقوم) المجني عليه (عبدا بلا هذا الأثر ثم) يقوم عبدا (معه) أي مع هذا ~~الأثر (فقدر التفاوت بين القيمتين من الدية هو) ذلك القدر (هي) أي حكومة ~~العدل (وبه يفتى) كما قال قاضيخان. وهذا تفسير الحكومة عند الطحاوي، وبه ~~أخذ الحلواني، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وكل من يحفظ عنه العلم، كما ~~قاله ابن المنذر. وقال الكرخي في تفسيرها: أن ينظر كم مقدار هذا الشجة من ~~الموضحة، فيجب بقدر ذلك من دية الموضحة، لأن ما لا نص فيه يرد إلى ما فيه ~~نص. قال شيخ الإسلام: وهو الأصح. # --- PageV06P206 ~~*** # ثم من مشايخنا من سوى بين الرجل والمرأة في الحكومة، ومنهم من قال: بل ~~تكون في المرأة على النصف مما يجب في الرجل، وهو الذي ذكره القدوري في ~~تفسير الحكومة. وقال بعض المشايخ في تفسيرها: ينظر إلى قدر ما يحتاج إليه ~~من النفقة إلى أن تبرأ هذه الجراحة، فتجب على الجاني، فإن عرف القاضي ~~مقداره، وإلا سأل من له علم بذلك من الأطباء. قالوا: وهذا لا يقوى، لأن ~~الناس يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يكون أبطأ برأ، ومنهم من يكون أسرع برأ. ~~ثم هذا إذا بقي للجراحة أثر وأما إذا لم يبق: فقال أبو يوسف: لا شيء على ~~الجاني، وقال محمد: يلزمه قدر ما أنفق إلى أن يبرأ، وقال أكثر أهل العلم ~~بقول أبي يوسف. # (وفي أصابع يد مع نصف الساعد نصف دية) في اليد (وحكومة عدل) في نصف ~~الساعد (والكف ms1642 تابع) للأصابع فلا شيء فيه. (والعبرة) في اليد (للأصابع) ~~فنصف الدية فيها، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وهو رواية عن أبي يوسف، وهو ~~ظاهر مذهب الشافعي. وعن أبي يوسف أيضا: أن ما زاد على الأصابع من اليد إلى ~~المنكب تابع لها، ومن الرجل إلى أصل الفخذ تابع لها، وبه قال بعض أصحاب ~~الشافعي وأحمد ومالك وابن أبي ليلى والنخعي وقتادة وعطاء، لأن اسم اليد إلى ~~المنكب، والرجل إلى الفخذ لغة وعرفا، فلا يلزم أكثر من ديتها، ولأنه عليه ~~الصلاة والسلام قضى على قاطع اليد بنصف الدية. # (وفي إصبع زائدة) على الأصابع (حكومة عدل) وكذا في سن زائدة على الأسنان، ~~لأنه لا منفعة فيها ولا زينة لها، فلا يجب أرش مقدر فيها، لكنها جزء من ~~الآدمي، فلم يمكن إهدارها. وفي «الذخيرة»: سواء كان ذلك عمدا أو خطأ، وسواء ~~كان للقاطع (إصبع) زائدة أم لا. # --- PageV06P207 ~~*** # (و) في (عين صبي و) في (ذكره و) في (لسانه حكومة عدل) مبتدأ خبره مقدم ~~(لو لم تعلم الصحة بما دل على نظره و) بما دل على (كلامه و) بما دل (على ~~حركة ذكره) وقال الشافعي وأحمد والثوري: تجب دية كاملة، لأن الأصل هو ~~الصحة، فأشبه قطع المارن والأذن من الصبي. # ولنا: أن المقصود من هذه الأعضاء المنفعة، فإذا لم تعلم صحتها لم يجب ~~الأرش كاملا، لأنه لا يجب بالشك. والظاهر لا يصلح حجة للإلزام، بخلاف ~~المارن والأذن الشاخصة من الصبي، لأن المقصود منها الجمال، وقد فوته على ~~الكمال. # (ولا يقاد) بجرح (إلا بعد برء) وهو قول مالك وأحمد وأكثر أهل العلم. وقال ~~الشافعي: يجوز أن يقاد قبل البرء، ويستحب الانتظار اعتبارا بالقصاص في ~~النفس. ولنا: ما روى أحمد في «مسنده» عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده: أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فقال: يا رسول الله أقدني. ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تعجل حتى يبرأ جرحك». قال: فأبى ~~الرجل إلا أن يستقيد، فأقاده عليه الصلاة والسلام. ms1643 قال: فعرج الرجل ~~المستقيد وبرىء المستقاد. فأتى المستقيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله عرجت منه، وبرىء صاحبي. فقال عليه الصلاة والسلام: «ألم ~~آمرك أن لا تستقيد حتى يبرأ جرحك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك». ثم أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد: من كان به جرح أن لا يستقيد حتى تبرأ ~~جراحته، فإذا برىء استقاد. # ولأن الجراحات يعتبر فيها مآلها، (لا حالها)، لأن حكمها في الحال غير ~~معلوم لتوقفه على المآل، ولعلها تسري إلى النفس فيظهر أنه قتل. # --- PageV06P208 ~~*** # (وعمد الصبي والمجنون خطأ) وكذا عمد المعتوه (وعلى العاقلة) في عمدهم ~~(الدية) وبه قال مالك وأحمد والشافعي في قول لما أخرج البيهقي عن علي: أن ~~عمد الصبي والمجنون خطأ. لكن قال في «المعرفة»: إسناده ضعيف. (بلا كفارة) ~~عليهم (و) بلا (حرمان إرث) وقال الشافعي: تجب الكفارة عليهم وحرمان ~~الميراث، لأنهما متعلقان عنده بالقتل، وقد وجد. ولنا: أن الكفارة تستر ~~الذنب، ولا ذنب لهؤلاء، وحرمان الإرث عقوبة، وهم ليسوا من أهلها. # (ومن ضرب بطن امرأة تجب غرة خمس مئة درهم على عاقلته إن ألقت ميتا) سمي ~~بدل الجنين غرة، لأن الواجب عبد، وهو يسمى غرة، وأصلها بياض الجبهة. ~~والقياس أن لا يجب في الجنين الساقط شيء، لأنه لم يتيقن بحياته. فإن (قيل): ~~الظاهر أنه حي، أجيب: بأن الظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق. # --- PageV06P209 ~~*** # ووجه الاستحسان: ما في الصحيحين عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة: عبد أو أمة. وإنما فسرنا الغرة ~~بخمس مئة لما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن إسماعيل بن عياش، عن زيد بن ~~أسلم: أن عمر بن الخطاب قوم الغرة خمسين دينارا، وكل دينار بعشرة دراهم. ~~وأخرج البزار في «مسنده» عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه: أن امرأة حذفت ~~امرأة، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ولدها بخمس مئة، ونهى عن ~~الحذف. وأخرج أبو داود «في سننه» عن إبراهيم النخعي قال: ms1644 الغرة خمس مئة ~~يعني درهما. قال: وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: هي خمسون دينارا. وروى ~~إبراهيم الحزمي في كتابه «غريب الحديث» عن أحمد بن حنبل، عن وكيع، عن ~~سفيان، عن طارق، عن الشعبي: خمس مئة. وروى أيضا عن أحمد بن حنبل عن عبد ~~الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: الغرة خمسون دينارا. # وهي عندنا وعند الشافعي على عاقلة الضارب. وقال مالك: في ماله، لأنها بدل ~~الجزء، وبه قال أحمد إذا كان ضرب الأم عمدا، ومات الجنين وحده. وأما إذا ~~كان خطأ أو شبه عمد، فقال: إنه على العاقلة. ولنا ما روى أبو داود في ~~«سننه» عن المغيرة ابن شعبة: أن امرأتين كانتا تحت رجل من هذيل، فضربت ~~إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال أحد الرجلين: كيف تدي من لا صاح ولا أكل ولا شرب ولا استهل ؟ فقال له: ~~«أسجع كسجع الأعراب؟ فقضى فيه غرة وجعله على عاقلة المرأة». وأخرجه الترمذي ~~وقال: حديث حسن صحيح. # --- PageV06P210 ~~*** # ورواه الطبراني معلولا في «معجمه» عن أبي المليح الهذلي عن أبيه قال: كان ~~فينا رجل يقال (له) حمل بن مالك له إمرأتان: إحداهما هذلية، والأخرى ~~عامرية. فضربت الهذلية بطن العامرية بعمود خباء أو فسطاط، فألقت جنينا ميتا ~~فانطلقوا بالضاربة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معها أخ يقال له: ~~عمران بن عويمر، فلما قصوا عليه القصة، قال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «دوه». قال له عمران: يا رسول الله أندي من لا شرب ولا أكل ولا صاح ~~ولا استهل؟ ومثل هذا يطل. فقال عليه الصلاة والسلام: «دعني عن رجز الأعراب، ~~فيه غرة: عبد، أو أمة، أو خمس مئة، أو فرس، أو عشرون ومئة شاة». فقال: يا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لها ابنين هما سادة الحي، وهم أحق أن ~~يعقلوا عن أمهم. قال: «أنت أحق أن تعقل عن أختك من ولدها». قال: ما لي شيء ~~أعقل. قال: «يا حمل بن مالك وكان يومئذ ms1645 على صدقات هذيل، وهو زوج المرأتين، ~~وأبو الجنين المقتول : «اقبض من تحت يدك من صدقات هذيل عشرين ومئة شاة». فعقل. # وتجب في سنة عندنا، وفي ثلاث سنين عند الشافعي، (لأنها بدل النفس، ولهذا ~~تورث) ولنا: ما روى محمد بن الحسن أنه قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جعل الغرة على العاقلة في سنة. ويستوي في وجوب الخمس مئة في ~~الجنين الذكر والأنثى عند عامة أهل العلم لإطلاق الحديث. # --- PageV06P211 ~~*** # (و) تجب (دية) كاملة (إن) ألقت (المرأة) (حيا فمات) لأن الضارب أتلف ~~آدميا، فتجب فيه الدية كاملة. قال ابن المنذر: ولا خلاف في ذلك بين أهل ~~العلم، وإنما الخلاف في أن حياته تثبت بكل ما يدل على الحياة من الاستهلال، ~~والرضاع، والنفس، والعطاس وغير ذلك، وهو مذهبنا وقول الشافعي وأحمد، أو لا ~~تثبت إلا بالاستهلال، وهو قول مالك وأحمد في رواية، والزهري وقتادة وإسحاق ~~وابن عباس والحسن بن علي وجابر ورواية عن عمر، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم جعل إرثه من غيره، وإرث غيره منه، مرتبا على الاستهلال. وأما لو تحرك ~~عضو منه، فإنه لا يدل على حياته اتفاقا، لأن ذلك قد يكون من اختلاج، أو ~~خروج من ضيق. # (و) تجب (غرة ودية إن ألقت) المرأة (ميتا فماتت) الأم، لأن الفعل يتعدد ~~بتعدد أثره (و) تجب (دية الأم فقط) أي لا يجب في الجنين شيء (إن ماتت الأم ~~فألقت ميتا) وبه قال مالك. وقال الشافعي: تجب غرة في الجنين مع دية الأم، ~~وبه قال أحمد لما في «معجم الطبراني» عن عويم بن ساعدة قال: كانت أختي ~~مليكة وامرأة معها يقال لها أم عفيفة بنت شروح تحت حمل بن مالك بن النابغة، ~~فضربت أم عفيفة ملكية بمسطح بيتها وهي حامل فقتلتهما وذا بطنها. فقضى ~~رسول الله فيها بالدية، وفي جنينها بغرة: عبد أو وليدة. فقال أخوها علاء بن ~~شروح: يا رسول الله أنغرم من لا أكل ولا شرب ولا نطق ولا استهل؟ ومثل هذا ~~يطل. فقال عليه الصلاة والسلام: ms1646 «أسجع كسجع الجاهلية»؟ (و) تجب (ديتان إن ~~ماتت) الأم (فألقت) جنينا (حيا ومات) لأن الضارب قتلهما بضربه، فصار كما ~~إذا ألقته حيا وماتا. # --- PageV06P212 ~~*** # (وما يجب في الجنين) فهو (لورثته) لأنه بدل نفسه فترثه ورثته (سوى ضاربه) ~~فإنه لا شيء له منه، حتى لو ضرب رجل بطن امرأة فألقت ابنه ميتا، فعلى عاقلة ~~الأب غرة، ولا يرث منها، لأنه قتل نفسا مباشرة ظلما، ولا ميراث للقاتل بهذه الصفة. # (و) يجب (في جنين الأمة) إن كانت حاملا من زوجها (نصف عشر قيمته في الذكر ~~وعشر قيمته في الأنثى) بأن يقوم الجنين بعد انفصاله ميتا على لونه وهيئته ~~لو كان حيا، فينظر كم قيمته بهذا المكان؟ فإذا ظهرت قيمته. فإن كان ذكرا ~~يجب نصف عشر قيمته: وإن كان أنثى يجب عشر قيمته، وأما إذا كانت حاملا من ~~مولاها أو من المغرور، تجب الغرة المذكورة في جنين الحرة ذكرا كان أو أنثى، ~~لأنه حر. # وقال الشافعي: يجب في جنين الأمة عشر قيمة الأم، وبه قال مالك وأحمد وابن ~~المنذر، وهو قول الحسن والنخعي والزهري وقتادة وإسحاق، لأنه جنين مات ~~بالجناية في بطن الأم، فلم يختلف ضمانه بالذكورة والأنوثة كجنين الحرة ~~لإطلاق النصوص. # --- PageV06P213 ~~*** # ولا كفارة في الجنين عندنا. وقال مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم: ~~تجب فيه الكفارة مع الغرة لإطلاق قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير ~~رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا}. ولنا: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يذكر الكفارة في حديث الغرة، والموضع موضع البيان. وفي ~~«الذخيرة»: القياس يقتضي عدم وجوب الضمان وعدم وجوب الكفارة، لأنه بمنزلة ~~العضو، لكن تركنا القياس في الضمان للأثر، ولا أثر في الكفارة، فيبقى على ~~الأصل (وما استبان) أي والجنين الذي تبين (بعض خلقه كالجنين التام) في جميع ~~هذه الأحكام. (وضمن الغرة) في سنة (عاقلة امرأة حامل أسقطت ميتا عمدا ~~بدواء) شربته (أو فعل) فعلته بأن حملت حملا ثقيلا أو وضعت شيئا في قبلها ~~(بلا إذن زوجها) ولو فعلت بإذنه لم تضمن ms1647 ولا ترث من الغرة، لأنها قاتلة ~~بغير (حق). # فصل (فيما يحدث في الطريق) # (من أحدث في طريق العامة) لنفسه (كنيفا) أي مستراحا (أو ميزابا) أي مجرى ~~الماء (أو جرصنا) أي برجا (أو دكانا وسعه ذلك) أي جاز له (إن لم يضر ~~بالناس) بأن كانت واسعة لا يضر ذلك بالعمارات والحامل. وفي «شرح الكنز»: ~~يعني لم يضر بالعامة لم يمنعه أحد. قيد بعدم الضرر، لأنه مع الضرر لا يجوز ~~بلا خلاف، أذن الإمام أو لم يأذن لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ~~ضرار في الإسلام»، رواه الطبراني في «معجمه الأوسط»، وكذا القعود في الطريق ~~للبيع والشراء يجوز إن لم يضر بأحد، وإن أضر لا يجوز وإن أذن الإمام. # --- PageV06P214 ~~*** # (ولكل) أي من أهل الخصومة وهم: المسلم البالغ العاقل، الحر والذمي الذي ~~هو كذلك (نقضه) إذا وضع بغير إذن الإمام، كما له منعه من إحداثه ابتداء، ~~لأن لكل واحد منهم حق المرور بنفسه وبدوابه، فكان له ذلك، كما في الملك ~~المشترك. # وقيدنا الإحداث بكونه لنفسه، لأنه لو بنى للعامة مسجدا ونحوه وهو لا يضر ~~بأحد لا ينقض، كذا روي عن محمد. وقيدنا النقض بما إذا أحدث بغير إذن ~~الإمام، لأن التدبير فيما يكون للعامة للإمام، وله ولاية المنع قبل الوضع، ~~وهذا كله على قول أبي حنيفة. وعلى قول أبي يوسف: لكل أحد أن يمنعه قبل ~~الإحداث. وعلى قول محمد: ليس لأحد منعه قبل الإحداث ولا نقضه إذا لم يكن ~~فيه ضرر بالناس، وبه قال مالك والشافعي (وأحمد) والنخعي وإسحاق والأوزاعي، ~~لأن الشرع أذن له في ذلك، فصار كما لو أذن له الإمام بل أولى، لأن إذن ~~الشارع أحرى وولايته أقوى، وصار كالمرور حيث لا يجوز (لأحد) أن يمنعه منه. # وأجيب بأن هذا انتفاع بما لم يوضع له الطريق، فكان لهم منعه، وإن كان ~~جائزا في نفسه، بخلاف المرور فيه، لأنه انتفاع بما وضع الطريق له، فلا يكون ~~لأحد منعه. (و) من أحدث ذلك (في طريق غير نافذ لا يسعه) أي لا ms1648 يجوز له (بلا ~~إذن الشركاء) سواء أضر بهم أو لم يضر بخلاف النافذة، فإن الحق فيها لكل أحد ~~ويتعذر الوصول إلى إذن الكل، فجعل كل واحد كأنه هو المالك وحده حكما، كيلا ~~يتعطل عليه طريق الانتفاع، ولا كذلك غير النافذة، لأن الوصول إلى إرضائهم ~~ممكن فبقي على الشركة حقيقة. # --- PageV06P215 ~~*** # (وضمن عاقلته) أي عاقلة من أحدث ذلك فتلف به نفس (دية من مات بسقوطها كما ~~لو وضع حجرا في طريق أو حفر بئرا) فيها (فتلف به إنسان) لأنه متسبب بالتلف ~~به، متعد بشغل الطريق، وبه قال مالك وأحمد. وقال الشافعي: إن سقطت خشبة ~~ليست بمركبة على حائط يجب الضمان، وإن كانت مركبة يجب نصف الضمان، لأنه ~~أتلف بما وضعه على ملكه وملك غيره فانقسم الضمان، ولو سقط الميزاب (فأصاب ~~طرفه الداخل رجلا فقتله، فلا ضمان على أحد، لأن ذلك في ملكه فلا يكون ~~متعديا فيه، وإن أصاب) طرفه الخارج، فعليه الضمان، لأنه متعد فيه بشغل هواء ~~الطريق. ولا كفارة عليه ولا حرمان ميراث، لأنه قتل بسبب، فلا يوجب الكفارة ~~ولا الحرمان عندنا. ولو انتصف الميزاب، فسقط منه ما خرج عن الحائط ضمن جميع ~~الدية، لأن كل ما خرج منه فهو، في ملك غيره. # وقال (أحمد): يضمن جميع الدية في جميع الصور. وقال مالك والشافعي في ~~القديم: لا ضمان عليه في جميع الصور، لأنه غير متعد في إخراجه، فلا يضمن ما ~~تلف به، كما لو أخرجه في ملكه. وأما من رأى أعمى يقع في البئر، فلم يمنعه ~~من الوقوع حتى مات، أو رأى إنسانا يموت من الجوع ومعه طعام، فلم يدفعه إليه ~~حتى مات، أو مر في الطريق وفيه حجر، فلم يرفعه حتى عثر فيه إنسان ومات، فلا ~~ضمان، وإن حرم عليه في الأوليين وكره له في الآخر. # ولو وضع إنسان في الطريق جمرا، فاحترق به شيء يضمن، لأنه متعد، ولو حركت ~~الريح الجمر إلى موضع فأحرق شيئا لا يضمن، لفسخ الريح فعله بتحويل الجمر، ~~وإن حركت الريح الشرار يضمن عند بعضهم. ms1649 وفي «الذخيرة»: هذا اختيار شمس ~~الأئمة السرخسي. # وكان الحلواني لا يقول بالضمان من غير تفصيل، وهو قياس قول مالك والشافعي وأحمد. # --- PageV06P216 ~~*** # ولو استأجر رب الدار عملة لإخراج جناح أو ظلة فوقع قبل أن يفرغوا منه ~~(على إنسان فقتله فالضمان عليهم، لأن التلف بفعلهم. فإن العمل ما لم يفرغوا ~~منه) لم يكن مسلما إلى رب الدار، وانقلب فعلهم قتلا بالمباشرة حتى وجب ~~عليهم الكفارة وحرموا الميراث. ولو وقع بعد فراغهم فالضمان على رب الدار ~~استحسانا، لأنه صح الإيجار حتى استحقوا الأجرة، ووقع فعلهم عمارة وإصلاحا، ~~فانتقل إلى المستأجر وصار كأنه فعله بنفسه. # ولو صب الماء في الطريق فعطب إنسان أو دابة يضمن، وكذا لو رش الماء أو ~~توضأ به، لأنه متعد بإلحاق الضرر بالمارة. وأما إذا علم المار بالرش ومضى ~~على موضعه، فإن الراش لا يضمن. وقيل: هذا إذا رش بعض الطريق، لأنه يجد ~~موضعا للمرور ولا أثر للماء فيه. فإذا تعمد على موضع صب الماء مع علمه به، ~~لم يضمن الراش شيئا. وإن رش جميع الطريق يضمن، لأن المار مضطر حينئذ، وكذا ~~الحكم في الخشبة والحجر الموضوعين في الطريق في أخذهما جميعه أو بعضه. وإن ~~رش فناء حانوت بإذن صاحبه فضمان ما عطب على الآمر استحسانا. # --- PageV06P217 ~~*** # ولو حمل المار شيئا فسقط منه على إنسان أو مال فتلف به يكون مضمونا، لا ~~ما تلف بسقوط رداء ونحوه عن لابسه في حال مروره أو بالتعثر به. وكذا لا ~~يضمن ما تلف بوقوع في بالوعة حفرها بإذن الإمام، وإن كان بغير إذنه يضمن، ~~لأنه متعد وكذا الجواب على هذا التفصيل في جميع ما يفعل في طريق العامة. ~~ولو حفر في ملكه بالوعة، أو وضع شيئا فتلف به شيء لم يضمنه، لعدم اتصافه ~~بالتعدي. ولو وضع حجرا فنحاه غيره عن موضعه فعطب به إنسان ضمن الذي نحاه، ~~لأن حكم الفعل الأول قد انفسخ بفراغ موضعه واشتغل بالفعل الثاني بموضع آخر. ~~وذكر التمرتاشي أن أفنية الأبواب التي في طريق الشارع ليست بمملوكة لأصحاب ~~الدور، ولو ms1650 أرادوا أن يحدثوا في أفنيتهم، فهو وما أحدثوا في غير أفنيتهم سواء. # (لا إن مات جوعا) أي لا يضمن عاقله من أحدث شيئا من ذلك فوقع فيه إنسان ~~ومات جوعا أو عطشا (أو غما) أي أخذا على النفس من شدة الحزن، وهذا عند أبي ~~حنيفة، لأنه مات لمعنى في نفسه لا للوقوع، فصار كأنه مات حتف أنفه. وقال ~~أبو يوسف: لا يضمن إن مات جوعا، ويضمن إن مات غما، لأنه لا سبب للغم سوى ~~الوقوع، والغم أثر جعل الأرض عميقا، وهو من آثار حفره فيضاف إليه، والجوع ~~من آثار الطبيعة حيث لم يبق في المعدة شيء من الطعام، وليس ذلك من أثر ~~حفره. وقال محمد: هو ضامن في الوجوه كلها، وهو قياس قول مالك والشافعي ~~وأحمد، لأن ذلك إنما حدث بسبب الوقوع، إذ لولاه لكان الطعام قريبا منه، ~~وأوجبوا الدية. # ((وإن تلف به) أي بحفر البئر في الطريق (بهيمة ضمن هو) أي الحافر من ~~ماله) (إن لم يأذن به) أي بالحفر (الإمام) لأنه متعد في الحفر فيضمن ما تلف ~~به، غير أن العاقلة تتحمل الأنفس دون الأموال، والبهيمة مال فكان ضمانها في ~~ماله. وإلقاء التراب والطين في الطريق، كإلقاء الحجر والخشبة فيما ذكرنا. # --- PageV06P218 ~~*** # ولو كان مسجد لعشيرة، فعلق رجل منهم قنديلا، أو جعل فيه بواري أو حصى ~~فعطب به رجل لا يضمن، سواء فعل بإذن الإمام أو بغير إذنه، وبه قال أحمد ~~والشافعي في وجه، وقال في وجه آخر: يضمن إذا فعل بغير إذن الإمام. ولو كان ~~الذي فعل ذلك من غير العشيرة، وفعل بغير إذن الإمام، وغير إذن العشيرة، ضمن ~~عند أبي حنيفة، وقالا: لا يضمن في الوجهين، وبه قال الشافعي في وجه ومالك ~~وأحمد، لأن هذه قربة يثاب عليها الفاعل، وكل أحد مأذون له في إقامتها شرعا، ~~فلا يتقيد بشرط السلامة، وصار كأهل المسجد، وكما لو كان بإذنهم. # قال الحلواني: أكثر مشايخنا أخذوا بقولهما في هذه المسألة، وعليه الفتوى. # ولو جلس في مسجد العشيرة رجل منهم فعطب رجل ms1651 لم يضمن إن كان في الصلاة، ~~سواء كانت فرضا أو نفلا، وإن كان في غيرها ضمن، وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: ~~لا يضمن على كل حال، وهو قول مالك والشافعي وأحمد. ولو كان جالسا للقراءة ~~أو للتعليم ، أو نائما فيه في الصلاة أو غيرها، أو مر فيه، أو قعد فيه ~~للحديث، فهو على هذا الخلاف. وأما المعتكف، فقيل: لا يضمن بلا خلاف، وكذا ~~المنتظر للصلاة لا يضمن على الصحيح عن أبي حنيفة، نص عليه شمس الأئمة ~~السرخسي في شرح «الجامع الصغير» لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«المنتظر للصلاة في الصلاة ما دام ينتظرها». والمصلي لا يضمن، فكذا ~~المنتظر. # --- PageV06P219 ~~*** # (ورب حائط) مبتدأ مضاف، أي صاحب جدار (مائل إلى طريق العامة وطلب نقضه ~~مسلم أو ذمي) والجملة عطف على مائل (ممن يملك نقضه) متعلق بطلب (كالراهن ~~بفك رهنه) بخلاف المرتهن فإنه لا يملك النقض (والولي) من الأب والجد ~~(والوصي والمكاتب والعبد التاجر فلم ينقض) بصيغة المجهول عطف على طلب بصيغة ~~الفاعل (في مدة يمكن نقضه) فيها (ضمن ما تلف به) من المال وهذه الجملة خبر ~~المبتدأ (و) ضمن (عاقلته النفس) والقياس أن لا يضمن، وهو قول الشافعي وقول ~~أحمد المنصوص، لأنه لم يحصل منه تعد بمباشرة ولا بفعل ولا سبب، لأن أصل ~~البناء كان في ملكه، والميلان وشغل الهواء والسقوط ليس من فعله، فلا يضمن ~~كما قبل الإشهاد. # ووجه الاستحسان، وهو قول أصحاب أحمد ومالك والنخعي والثوري والشعبي ومروي ~~عن علي: أن امتناعه من تفريغ الطريق المشتغل هواؤه بملكه مع تمكنه من ~~التفريغ بعد طلبه تعد، كمن وقع في يده ثوب إنسان فإنه لا يكون متعديا في ~~الإمساك، ولكن لو طولب بالرد فلم يرد صار متعديا، فكذا هنا بخلاف ما قبل ~~الإشهاد، لأنه بمنزلة إهلاك الثوب قبل الطلب، ولأن الضمان لو لم يجب عليه ~~لامتنع عن التفريغ فينقطع المارة خوفا على أنفسهم فيتضررون، ودفع الضرر ~~العام واجب، يتحمل في دفعه الضرر الخاص. # --- PageV06P220 ~~*** # قيد بطلب النقض، لأنه الشرط دون الإشهاد، وإنما ms1652 ذكر صاحب «الهداية» ~~الإشهاد، لإنه للتمكن من الإثبات عند الإنكار، فكان من باب الاحتياط. وقيد ~~المطلوب منه بأن يكون يملك نقض الحائط بقدرته، كالراهن في الدار المرهونة ~~لقدرته على نقض الحائط بواسطة فك الدار من الرهن، وكأبي الطفل أو جده في ~~مال ابنه، والوصي في مال يتيمه، وكالمكاتب، لأن الولاية له، فالتلف حال ~~الكتابة تجب قيمته عليه لتعذر الدفع، وبعد عتقه تجب على عاقلة مولاه، وبعد ~~عجزه لا تجب على أحد لعدم قدرة المكاتب وعدم الإشهاد في المولى، وكالعبد ~~التاجر، سواء كان عليه دين أو لا، لأن الولاية له، فإن كان التالف بالسقوط ~~مالا فهو في عنق العبد، وإن كان نفسا فهو على عاقلة المولى. # وقيد عدم النقض بكونه في مدة يمكن نقضه فيها حتى لو طلب منه فسقط من ~~ساعته لا يضمن ما تلف به، لأنه لا بد من إمكان (النقض) ليصير بتركه جانيا. ~~ويستوي في المطالبة المسلم والذمي، لأن الناس كلهم شركاء في المرور، فيصح ~~التقدم من كل واحد منهم رجلا كان أو امرأة إذا كان بالغا عاقلا حرا أو ~~مكاتبا، لأن هذه المطالبة حق العامة، فلا يختص بأحد من أهل المطالبة. # --- PageV06P221 ~~*** # (لا من طلب (منه)) بصيغة المجهول، أي لا يضمن ما تلف بسقوط الحائط مالك ~~طلب بنقضه (فباع وقبضه المشتري فسقط) لأن الضمان هنا بسبب ترك الهدم مع ~~التمكن منه، وقد زال ذلك التمكن بالبيع. ولا يضمن المشتري أيضا، لأنه لم ~~يطلب منه، حتى لو طلب منه بعد شرائه فسقط يضمن لتركه التفريغ مع التمكن منه ~~بعد الطلب (أو طلب) نقضه (ممن لا يملك كالمودع ونحوه) وهو المستأجر ~~والمستعير والمرتهن، حتى لو سقط الحائط بعد الطلب من أحد هؤلاء فأتلف شيئا، ~~لا يضمن أحد منهم، لأنه لا يملك نقضه. ولا يضمن المالك، لأنه لم يطلب منه. ~~(وإن مال) الحائط (إلى دار أحد) من الناس (فله الطلب) لأن الحق له على ~~الخصوص، وإن كان فيها سكان غيره كان لهم الطلب، لأن لهم المطالبة بإزالة ما ~~شغل الدار، فكذا ms1653 بإزالة ما شغل هواها. # (وإن بنى) الحائط (مائلا ابتداء ضمن) ما تلف بسقوطه (بلا طلب) لأنه تعدي ~~بالبناء، فصار كإشراع الجناح ووضع الحجر وحفر البئر في الطريق (وإن طلب) ~~بضم فكسر (أحد الشركاء) في حائط مائل بنقضه، فسقط على إنسان فقتله (أو حفر) ~~أحد الشركاء (في دار مشتركة) بينهم بئرا، أو بنى حائطا فعطب به إنسان ~~(فالضمان بالحصة) حتى لو كان الحائط المائل بين خمسة وطلب النقض من أحدهم، ~~ضمن خمس الدية لصحة الطلب في الخمس خاصة، وكان ذلك على عاقلته. # --- PageV06P222 ~~*** # ولو كانت دار مشتركة بين ثلاثة حفر أحدهم فيها بئرا، أو بنى حائطا، فعطب ~~به إنسان فعليه ثلثا الدية على عاقلته، وهذا عند أبي حنيفة لتعديه بالحفر ~~أو البناء في نصيبي شريكه، لا في نصيبه، فلا يضمن إلا بقدر الثلثين. ~~و(قالا): عليه نصف الدية على عاقلته في الفصلين، لأن التلف في نصيب المالك ~~لا يوجب الضمان، وفي النصيب المغصوب يوجبه، فانقسم نصفين. ومجمله اعتبار ~~التلف في نصيب من طولب، لا في نصيب غيره، فإن قيل: الواحد من الشركاء لا ~~يقدر أن يهدم شيئا من الحائط، فكيف يصح الطلب منه؟ أجيب: بأنه إن لم يتمكن ~~من هدم نصيبه يتمكن من إصلاحه بالمرافعة إلى الحكام، وبه يحصل الغرض، لأن ~~المقصود إزالة الضرر بأي طريق كان. # فصل(في جنايه البهيمة) # (ضمن الراكب ما أتلفته دابته) في سيرها بأن داسته بيدها أو رجلها، أو ~~أصابته برأسها أو عضته أو خبطته أو صدمته بجسدها، لأن الاحتراز عن هذه ~~الأشياء ممكن، فإنها ليست من ضرورات السير (لا ما نفحت) بالحاء المهملة أي ~~لا يضمن الراكب ما نفحت الدابة أي ضربته (بطرف رجلها أوذنبها) حال سيرها، ~~لأن الاحتراز عن النفحة مع السير غير ممكن، لأنها من ضروراته، ولما روى ~~محمد بن الحسن في كتاب «الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة، عن إبراهيم النخعي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العجماء جبار، والقليب جبار، والرجل ~~جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». ورواه الدارقطني عن آدم بن أبي ~~إياس، ms1654 عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة مرفوعا: نحوه سواء. ورواه ~~أبو داود والنسائي عن سفيان بن حسين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «الرجل جبار». # --- PageV06P223 ~~*** # قيدنا بسيرها، لأنه لو أوقفها في الطريق وهو راكبها ضمن النفحة أيضا، ~~لأنه يمكنه التحرز عن وقوفه إياها وإن لم يمكنه عن النفحة، فصار متعديا ~~بشغل الطريق بها فيضمن. ولو وقفها في ملكه لا يضمن إلا الإيطاء وهو راكبها، ~~لأنه مباشر لحصول القتل بثقله، ولهذا يحرم به الميراث، وتجب به الكفارة. ~~ولو كان في ملك غيره: فإن كان بإذن مالكه، فهو كما لو كان في ملكه، وإن كان ~~بغير إذنه: فإن دخلت هي بنفسها لا يضمن شيئا، وإن أدخلها ضمن جميع ما جنت، ~~سواء كانت واقفة أو سائرة، وسواء كان معها من يسوقها أو يقودها، أو كان ~~راكبها أو لم يكن، لوجود التعدي بالإدخال. # وباب المسجد كالطريق في الوقوف. ولو جعل الإمام موضعا لوقوف الدواب عند ~~باب المسجد، فلا ضمان فيما حدث من الوقوف فيه، فكذا وقوف الدابة في سوق ~~الدواب، لأنه مأذون فيه من جهة السلطان. # وفي «الذخيرة»: ولو وقفها صاحبها في طريق المسلمين ضمن ما تلف بفعلها في ~~وجوه الإتلاف كلها، لأنه بوقوف الدابة في طريق المسلمين كان متسببا، لأن ~~الطريق للسلوك والسير (لا) للوقوف. ولو كانت سائرة فيه ولم يكن صاحبها ~~معها، فإن كان سيرها بإرساله ضمن ما دام سيرها في وجهها ذلك ولم تحد عنه ~~يمينا ولا شمالا، لأن إرسالها بلا حافظ يحفظها سبب للإتلاف، وهو به متعد. ~~وإن كان سيرها بنفسها، فلا ضمان على صاحبها في الوجوه كلها. وإن كان صاحبها ~~معها وهي تسير، فإن كان راكبها فما وطئت بيدها أو رجلها فصاحبها مباشر ~~للتلف، وما عضت فصاحبها متسبب متعد، لأنه يمكنه حفظ الدابة عن (الكدم) ~~بإبعادها عن المكدوم، لأنه يكون بين عينيه. # --- PageV06P224 ~~*** # وقال التمرتاشي: لو كانت سائرة وصاحبها معها قائدا أو سائقا أو راكبا، ~~يضمن جميع ما جنت إلا النفحة بالرجل أو ms1655 الذنب، وبه قال أحمد في رواية. وقال ~~في رواية يضمنها، وهو مذهب الشافعي وقول ابن أبي ليلى، كما أوقف دابته ~~فنفحت برجلها أو ذنبها، لأن وقوفها مباح مقيد بشرط السلامة، فكذا تسييرها. # ولنا: أنه متعد بوقوفها دون تسييرها، لأن الطريق للتسيير والسلوك دون ~~الوقوف، فيكون (متعديا) فيما يمكنه أن يحترز عنه، وهو لم يتحرز. والنفحة ~~(بالرجل) والذنب مما لا يمكن التحرز عنه، لأنه من ضرورات السير. # (أو تلف) أي ولا يضمن الراكب ما تلف (بما راثت أو بالت في الطريق سائرة ~~(أو) أوقفها لذلك) أي لتروث أو لتبول، لأن من الدواب ما لا يفعل ذلك إلا ~~بالوقوف. وأما لو كان أوقفها بغير ذلك، فعطب إنسان بروثها أو بولها ضمن، ~~لأنه متعد بوقوفها، إذ ليس هو من ضرورات السير، وهو أكثر ضررا من السير، ~~لكونه أدون منه فلا يلتحق به. # (أو أصابت) بيدها أو رجلها (حصاة أو حجرا صغيرا أو نحوه) كالنواة (ففقأ ~~عينا) أو أثار غبارا فأفسد ثوبا (وضمن بالحجر الكبير) لأن التحرز في سير ~~الدابة عن الحجر الصغير والغبار متعذر، إذ سير الدواب لا يعرى عنه، عن ~~الحجر الكبير لا يتعذر، لأن سيرها ينفك عنه عادة، وإنما يكون ذلك من تعنيف ~~الراكب، فيكون من فعله. # --- PageV06P225 ~~*** # والرديف فيما ذكرنا كالراكب، لأن المعنى لا يختلف في ذلك، وبه قال مالك: ~~وقال الشافعي وإسحاق: لا يضمن الرديف لأنه (تبع) للراكب. وقال أحمد: أرجو ~~أن لا شيء عليه إذا كان أمامه من يمسك العنان. ولنا: أن الدابة في أيديهما، ~~وتيسر بتسيير كل منهما وتصريفه كيف شاء (والسائق والقائد كالراكب) عند أكثر ~~المشايخ، فكل شيء يضمنه الراكب يضمنانه (إلا أن الكفارة) في الإيطاء، وكذا ~~حرمان الإرث والوصية (عليه) أي على الراكب (فقط) أي لا عليهما. # وفي «جامع المحبوبي» : لو ساق دابة عليها وقر من الحنطة فأتلفت شيئا، فإن ~~قال السائق والقائد: إليك إليك، وسمع من على الطريق هذه المقالة ولم يذهب ~~فهو على وجهين: إما أن لا يبرح من مكانه باختياره، أو أن لا ms1656 يجد مكانا آخر ~~ليذهب فمكث في مكانه. ففي الوجه الأول: لا يضمن صاحب الدابة، وفي الثاني: ~~يضمن، لأنه مضطر في المقام في هذا بخلاف الأول. وإن لم يقل الراكب: إليك ~~إليك، أو قال ولم يسمع من على الطريق يضمن الراكب والسائق، لأن التلف مضاف ~~إليه. انتهى. # ومن القواعد: أن الحكم يضاف إلى الوصف الأخير، كما قالوا في السفينة ~~المملؤة إذا طرح فيها واحد منا فغرقت، فالضمان على الذي وضع المن الزائد، ~~لأن الغرق يضاف إليه. (وإن اصطدم فارسان) أو ماشيان وهما حران خطأ فماتا ~~(ضمن عاقله كل) منهما (دية الآخر) استحسانا. وقال مالك والشافعي وزفر: ضمن ~~كل واحد منهما نصف دية الآخر وهو القياس، لأن كل واحد منهما مات بفعل نفسه ~~وفعل صاحبه، لأنه بصدمته آلم نفسه وصاحبه، فيهدر نصفه ويضمن نصفه، وصار كما ~~لو كان الاصطدام عمدا، أو جرح كل واحد منهما نفسه وصاحبه، أو حفرا على ~~الطريق بئرا فانهار عليهما، حيث يجب على كل منهما نصف دية الآخر. # --- PageV06P226 ~~*** # ولنا وهو قول أحمد (ما روى) عبد الرزاق في «مصنفه» في القسامة عن أشعث، ~~عن الحكم، عن علي: أن رجلين صدم أحدهما صاحبه فضمن كل واحد منهما لصاحبه، ~~يعني الدية. وفي «مصنف ابن أبي شيبة»: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن ~~أشعث، عن حماد، عن إبراهيم، عن علي في فارسين اصطدما فمات أحدهما: يضمن ~~الحي للميت. ولأن فعله في نفسه مباح، وهو المشي في الطريق، فلا يعتبر في حق ~~الضمان بالنسبة إلى نفسه، بخلاف ما ذكر من المسائل، فإن الفعلين محظوران، ~~والفعل المحظور موجب للضمان، ولكن لما لم يظهر الضمان في حق فاعله لعدم ~~الفائدة سقط واعتبر في حق غيره، فلذلك وجب على كل واحد منهما نصف الدية، ~~بخلاف ما نحن فيه، فإن الفعل فيه مباح محض، فلم ينعقد موجبا للضمان في حق ~~نفسه أصلا، وكان صاحبه قاتلا له من غير معارض. # ولو كانا عبدين يهدر دمهما مطلقا. وإن اصطدم حر وعبد فماتا تجب على عاقلة ~~الحر قيمة العبد في ms1657 الخطأ، ونصفها في العبد، ويأخذها ورثة الحر، ويسقط ~~الباقي من الدية. # (وإن أرسل) رجل (كلبا فأصاب) شيئا فأتلفه (في فوره ضمن إن ساقه) بأن كان ~~خلفه يطرده، ولو يكن خلفه فما دام في فوره فهو سائق له حكما، فيلحق بالسائق ~~حقيقة، وإن تراخى انقطع السوق. (وفي الطير) إن أرسله أو ساقه وأصاب في فوره. # --- PageV06P227 ~~*** # (و) في (الدابة المنفلتة) إذا أصابت مالا أو آدميا ليلا أو نهارا (لا) أي ~~لا يضمن. أما الطير، فلأن بدنه لا يحتمل السوق، فصار وجود سوقه وعدمه سواء، ~~فلا يضمن مطلقا، وأما الدابة المنفلتة، فلما أخرجه أصحاب الكتب الستة عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العجماء جبار، (والبئر ~~جبار)، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». أخرجه البخاري وأبو داود وابن ~~ماجه في الديات، ومسلم في الحدود، والترمذي في الأحكام، والنسائي في ~~الزكاة. قال محمد: العجماء: هي المنفلتة، وقال ابن ماجه: الجبار: الهدم ~~الذي لا يغرم. وفي «الموطأ» قال مالك: جبار أي لا دية فيه. ولأن الفعل غير ~~مضاف إليه لعدم ما يوجب النسبة إليه من الإرسال أو السوق أو القود والركوب. # وقال الشافعي وأحمد، وهو قول مالك وأكثر أهل الحجاز: يضمن صاحب المنفلتة ~~ما أفسد ليلا لا نهارا، لما روى مالك عن الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة: ~~أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، (وما أفسدت الماشية بالليل فهو مضمون). ~~وأجيب: بأن ما رويناه متفق عليه مشهور، وما رووه مرسل، وهو ليس بحجة عند ~~الشافعي، على أن الأمر بحفظها في النهار ليس صريحا في المدعى، وكذا كون ~~دخول الناقة ليلا كما لا يخفى. ولو كان لرجل كلب عقور كلما مر عليه مار ~~عضه، فلأهل القرية أن يقتلوه، ولا يضمن صاحبه ما تلف بعضه قبل التقدم إليه، ~~ويضمن بعده كالحائط المائل، وكذا الحكم في السنور الذي يأكل الطيور. # --- PageV06P228 ~~*** # وذكر الناطفي: رجل أغرى كلبه على رجل فعضه أو مزق ms1658 ثيابه، لا يضمن عند أبي ~~حنيفة، وضمن عند أبي يوسف، وهو المختار للفتوى. ويضمن الجمل الصائل عندنا ~~بقتله، وإن لم يكن دفعه إلا به، ونفاه مالك والشافعي اعتبارا بقتله مكلفا ~~صائلا لا يمكن دفعه إلا به. قلنا: عصمة الدابة إنما هي لحق مالكها لا ~~لذاتها، فتبقى ما بقي حقه، وصيالها لا يسقط عصمة ملكه، بخلاف المكلف فإن ~~صياله يسقط عصمته التي هي حقه. وفي «المنتقى»: لو طرح رجل رجلا قدام أسد أو ~~سبع، فقتله ليس على الطارح قود ولا دية، ولكن يعزر ويضرب ضربا وجيعا ويحبس ~~حتى يتوب. وقال أبو يوسف: حتى يموت، وقال مالك والشافعي وأحمد: إن كان ~~الغالب القتل يجب القود، وإن كان الغالب عدمه، فعن الشافعي قولان: أحدهما ~~يجب القود، والآخر لا يجب، ولكن يجب الدية، وبه قال أحمد، وقياس قول مالك: ~~يجب القود. # (وإن اجتمع الراكب والناخس) أي الطاعن بعود أو نحوه (ضمن هو) أي الناخس ~~إذا نخس بغير إذن الراكب (حتى النفحة) أي ما حصل بنفحة الدابة برجلها، وكذا ~~ما ضربته بيدها (أو ما صدمته بنفرتها). والواقف في ملكه، والذي يسير سواء ~~في ذلك. وعن أبي يوسف: يجب الضمان على الناخس والراكب نصفين، لأن التلف حصل ~~بسبب ثقل الراكب ووطء الدابة، والثاني مضاف إلى الناخس. # ولنا: ما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر، عن عبد الرحمن المسعودي، عن ~~القاسم بن عبد الرحمن قال: أقبل رجل بجارية من القادسية فمر على رجل واقف ~~على دابة، فنخس رجل الدابة، فرفعت رجلها فلم تحط عين الجارية، فرفع إلى ~~سليمان بن ربيعة الباهلي، فضمن الراكب، فبلغ ذلك ابن مسعود فقال: علي ~~بالرجل، إنما يضمن الناخس. # --- PageV06P229 ~~*** # وأخرج ابن أبي شيبة نحوه عن شريح والشعبي، ولأن الراكب والدابة مدفوعان ~~بفعل الناخس، فأضيف فعل الدابة إليه كأنه فعله بيده، ولأن الناخس متعد ~~بفعله حيث نخس بغير إذن الراكب، والراكب غير متعد في فعله، فيترجح جانب ~~الناخس للتعدي، حتى لو كان الراكب واقفا بدابته في الطريق كان الضمان عليه ~~وعلى الناخس نصفين، ms1659 لأنه متعد بوقوفها. ولو نفحت الدابة الناخس كان دمه ~~هدرا، لأنه بمنزلة الجاني على نفسه. # ولو ألقت الراكب فقتلته كانت ديته على عاقلة الناخس، لأنه متعد في تسببه، ~~وفيه الدية على العاقلة. ولو نخسها بإذن راكبها فلا ضمان عليه، لأن ذلك ~~بمنزلة نخس الراكب، ولو كان الناخس عبدا فالضمان في رقبته، ولو كان صبيا ~~فهو كالرجل، لأنه يؤاخذ بأفعاله كالبالغ. # ولو نخس الدابة شيء منصوب في الطريق فنفحت إنسانا فقتلته، فالضمان على من ~~نصب ذلك الشيء، لأنه متعد بشغل الطريق فأضيف إليه كأنه نخسها بيده. # (ويجب في فقاء عين شاة القصاب ما نقص) لأن المقصود منها اللحم فلا يعتبر ~~إلا النقصان. وفي فقاء (عين البقر و) عين (الجزور) أي بقرة القصاب وجزوره. ~~(و) فقاء عين (الحمار والبغل والفرس ربع القيمة) وقال الشافعي، وهو قياس ~~قول مالك وأحمد: يجب النقصان اعتبارا بالشاة. ولنا: ما رواه الطبراني في ~~«معجمه» عن زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في عين ~~الدابة بربع ثمنها. ورواه العقيلي في «ضعفائه»، وأعله بإسماعيل بن أبي أمية. # --- PageV06P230 ~~*** # وما رواه عبد الرزاق في «مصنفه» عن سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن ~~الشعبي، عن شريح: أن عمر رضي الله عنه كتب إليه أن في عين الدابة ربع ~~ثمنها. وفيه أيضا: أخبرنا ابن جريج عن عبد الكريم: أن عليا قال: في عين ~~الدابة الربع. وما (رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن علي بن مسهر، عن ~~الشيباني، عن الشعبي قال: قضى عمر) في عين الدابة ربع ثمنها، وفيه أيضا: ~~حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن شريح قال: أتاني عروة البارقي من عند ~~عمر: أن في عين الدابة ربع ثمنها. والفرق بينها وبين الشاة: أن فيها مقاصد ~~سوى اللحم وهي: الركوب، والزينة، (والحمل) والجمال، والعمل. # فصل (في جناية الرقيق والجناية عليه) # (إن جنى عبد خطأ دفعه سيده) إلى المجني عليه (بها) أي بسبب الجناية (أو ~~فداه بأرشها # حالا) لقول علي: ما جنى عبد في رقبته يخير مولاه: ms1660 إن شاء فداه، وإن شاء ~~دفعه. رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه». # واعلم أن عندنا يجب على المولى جناية عبده، فيجب عليه دفعه أو فداؤه. ~~وعند الشافعي يجب على العبد، فيباع فيها إلا إن يفديه المولى. وفائدة ~~الخلاف: أن بعد العتق عنده يتبع، وعندنا لا يتبع. # قيد بالخطأ، لأن العمد في النفس يجب فيه القصاص على العبد، بخلاف ما دون ~~النفس، فإن فيه الدية خطأ كان أو عمدا، لأن القصاص لا يجزيء فيه بين ~~العبدين، ولا بين الحر والعبد. وقيد الدفع أو الفداء بكونه حالا، لأن العبد ~~عين ولا يجوز التأجيل في الأعيان، والفداء بدل عنه في الشرع، فيقوم مقامه ~~ويأخذ حكمه، ثم أيهما اختار المولى بالفعل أو بالقول فلا شيء لولي الجناية ~~غيره. ولا فرق بين أن يكون المولى قادرا على الأرش أو لا عند أبي حنيفة. # --- PageV06P231 ~~*** # وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح اختيار الفداء إذا كان مفلسا إلا برضاء ~~الأولياء، لأن العبد صار حقا لهم، حتى يضمنه المولى بالإتلاف بلا خلاف، فلا ~~يملك إبطاله إلا برضاهم أو بوصول البدل إليهم، وهو الدية. # (فإن وهبه) المولى (أو باعه أو أعتقه أو دبره أو استولدها ولم يعلم) ~~المولى (بها) أي بالجناية (ضمن) المولى (الأقل من قيمته ومن الأرش) لأن ~~المولى فوت حق المجني عليه بتصرفه في الجاني تصرفا يمنع عن دفعه إليه ~~فيضمنه. وإنما ضمن الأقل، لأن حقه فيه. ولا يصير مختارا للفداء بهذا ~~التصرف، لأنه لم يعلم بالجناية، ولا اختيار بدون العلم. # (وإن) تصرف المولى تصرفا من هذه التصرفات بعدما (علم) بالجناية (غرم ~~الأرش) لأن هذه التصرفات تمنعه من دفع العبد لزوال ملكه عنه في الهبة ~~والبيع والإعتاق، وامتناع تمليكه في التدبير والاستيلاد، فالإقدام عليها ~~بعد العلم بالجناية يكون اختيارا لفدائه. # (ودية العبد قيمته) فلو قتل رجل عبدا خطأ يجب عليه قيمته (فإن بلغت هي) ~~أي قيمة العبد (دية الحر) بأن بلغت عشرة آلاف درهم (و) بلغت (قيمة الأمة ~~دية الحرة) بأن بلغت خمسة آلاف درهم (نقص من كل) ms1661 من القيمتين (عشرة) من ~~الدراهم إظهارا لدنو رتبته، ولقول ابن مسعود: ولا يبلغ بقيمة العبد دية ~~الحر وينقص منه عشرة دراهم. رواه القدوري في «شرح مختصر الكرخي»، وبه قال ~~النخعي والشعبي. رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة. وهذا كالمروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، لأن المقادير لا تعرف بالقياس، وإنما طريق معرفتها السماع ~~من صاحب الوحي، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف أولا، وهو قول الثوري، ~~ورواية عن أحمد. # --- PageV06P232 ~~*** # وقال أبو يوسف آخرا : تجب قيمته بالغة ما بلغت، لأن الضمان بدل المالية، ~~ولهذا يجب للمولى وهو لا يملك إلا من حيث المالية. ولو كان بدل الدم لكان ~~للعبد، إذ هو في حق الدم مبقى على أصل الحرية، فصار كقليل القيمة وهو مروي ~~عن عمر وعلي، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وابن سيرين وابن المسيب وعمر بن ~~عبد العزيز والزهري، وإسحاق ومكحول وإياس بن معاوية والحسن. # ولنا: عموم قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة ~~إلى أهله} والعبد مؤمن فيكون الواجب بقتله الدية، ولا يجوز الزيادة على ~~النص بالرأي: بأن يكون المراد مؤمنا حرا. ولأنه تعالى رتب على قتل الخطأ ~~حكمين: الكفارة والدية، والعبد داخل في حق الكفارة بالإجماع، فيجب أن يكون ~~داخلا في حق الدية. # (وفي الغصب) أي غصب أحد عبدا أو أمة هلك في يده يجب عليه (قيمته ما كانت) ~~أي ما بلغت بالإجماع، وكذا في الأطراف في ظاهر الرواية وهي الصحيحة، وفي ~~رواية عن محمد بقدر الأطراف بما تقدر من دية الحر، فلا تزاد يده إذا قطعت ~~على خمسة آلاف إلا خمسة، لأن اليد من الآدمي نصفه، فتعتبر بكله، وينقص هذا ~~المقدار لحط رتبته. # --- PageV06P233 ~~*** # (وما قدر من دية الحر قدر من قيمته) ففي يد العبد نصف قيمته، فإن كانت ~~قيمته عشرة آلاف أو أكثر، يجب في يده خمسة آلاف إلا خمسة دراهم. (وفي فقأ) ~~رجل (عيني عبد دفعه سيده) إن شاء إلى الفاقيء (وأخذ قيمته سليما أو أمسكه ~~بلا أخذ النقصان) وهذا ms1662 عند أبي حنيفة. وقالا: إن شاء سيده أمسك العبد وأخذ ~~ما نقصه، وإن شاء دفع العبد وأخذ قيمته. وقال الشافعي: يضمن سيده الفاقيء ~~كل القيمة ويمسك الجثة، لأنه يجعل الضمان مقابلا بالفائت وهو العينان ~~فيبقى الباقي على ملكه، كما لو قطع إحدى يديه أو فقأ إحدى عينيه، وهو قول ~~مالك وأحمد. # ولو قطع رجل يد عبد فأعتقه المولى ثم مات العبد من ذلك، فإن كان له وارث ~~غير المولى لا يقتص المولى من القاطع باتفاق، وإن لم يكن له وارث غير ~~المولى اقتص منه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولم يقتص منه عند محمد، وهو قول ~~مالك والشافعي وأحمد، إلا أن عندهم تجب قيمته للمولى بالغة ما بلغت. وعن ~~أحمد في رواية: تجب دية الحر اعتبارا بحالة الموت، وعند محمد: يجب أرش يده ~~وما نقصه القطع إلى أن أعتقه السيد، ويبطل باقي القيمة. # --- PageV06P234 ~~*** # (إن جنى مدبرا أو) جنت (أم ولد ضمن السيد الأقل من قيمته) أي قيمة كل ~~منهما (ومن الأرش) وقال الشافعي: المدبر كالقن في الجناية، فتكون جنايته في ~~رقبته، ويخير المولى بين أن يدفعه فيباع بالجناية، وبين أن يفديه. فلو أراد ~~الفداء فعنه قولان: أحدهما يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ، وهو قول مالك ~~في القن ورواية عن أحمد، وثانيهما: يفديه بالأقل من قيمته ومن أرش الجناية، ~~وهو رواية عن أحمد. وقال مالك: لا يباع المدبر في جنايته ويستخدمه المجني ~~عليه بقدر أرش جنايته، فإذا استوفي من خدمته رجع إلى مولاه مدبرا، أو يفتدي ~~خدمته بقدر أرش جنايته. # ولنا: ما أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن معاذ بن جبل (و) عن (أبي) ~~عبيدة بن الجراح أنه قال: جناية المدبر على مولاه. وأخرج نحوه عن الشعبي ~~والنخعي وعمر بن عبد العزيز والحسن. (فإن جنى) المدبر أو أم الولد جناية ~~(أخرى شارك ولي) الجناية (الثانية ولي) الجناية (الأولى في قيمة دفعت إليه) ~~أي إلى ولي الأولى إن كان الدفع إليه (بقضاء، إذ ليس في جناياته) أي المدبر ~~وإن كثرت، ms1663 ولا في جنايات أم الولد (ألا قيمة واحدة) فيضاربون بالحصص فيها، ~~وتعتبر قيمته لكل واحد في حال الجناية عليه، لأنه يستحقه في ذلك الوقت، ~~وعند مالك والشافعي وأحمد: المدبر كالقن. # وفي أم الولد عن الشافعي قولان: أحدهما كمذهبنا، والآخر يفديها كلما جنت، ~~وهو اختيار المزني وقول مالك، لمنع السيد حق ولي الجناية في بيعها ~~بالاستيلاد. # ولنا: أن قيمة العبد بمنزلته، والعبد إذا جنى جنايات لا يجب أكثر من دفعه ~~بها مرة واحدة، فكذا قيمته. # --- PageV06P235 ~~*** # (واتبع) ولي الجناية الثانية (السيد أو ولي) الجناية (الأولى إن دفعت) ~~الأولى (بلا قضاء) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا شيء على المولى، لأنه حين ~~دفع لم تكن الجناية الثانية موجودة، ولا علم له بما يحدث بعدها حتى يكون ~~متعديا، فصار كما إذا دفع بالقضاء. ولأنه فعل عين ما يفعله القاضي، فكان ~~القضاء وعدمه سواء، كما في الرجوع في الهبة، وأخذ الدار بالشفعة بعد ~~وجوبها. # ولو عتق المدبر وقد جنى جنايات لا يلزمه إلا قيمة واحدة، لأن الضمان إنما ~~وجب عليه بالمنع، فصار وجود الإعتاق بعد الجنايات وعدمه سواء. وأم الولد ~~بمنزلة المدبر في جميع ذلك، لأن الاستيلاد مانع من الدفع كالتدبير. ولو أقر ~~المدبر أو أم الولد بجنايات توجب المال لم يجز إقراره ولا يلزمه شيء، لأن ~~موجب جناياته على المولى لا على نفسه، وإقراره على المولى غير نافذ، بخلاف ~~الجناية الموجبة للقود بأن أقر بقتله عمدا حيث يصح إقراره ويقتل به، لأنه ~~إقرار على نفسه فينفذ لعدم التهمة. # (ومن غصب صبيا) لا يعبر عن نفسه (حرا فمات معه) أي عنده (فجأة أو) مات ~~(بحمى لم يضمن، وإن مات بصاعقة أو نهش (حية) # --- PageV06P236 ~~*** # ضمن عاقلته) أي عاقلة الغاصب (الدية) أي دية الصبي. والقياس أن لا يضمن ~~في الوجهين، وهو قول زفر ومالك والشافعي وأحمد. ولنا: وهو وجه الاستحسان: ~~أن هذا ضمان إتلاف، لا ضمان غصب، لأن نقله إلى أرض السباع، أو إلى مكان ~~الصواعق تسبب في هلاكه، وتعد عليه بتفويت يد حافظة وهو الولي، لأن ms1664 الصواعق ~~والحيات والسباع لا تكون بكل مكان، بخلاف الموت فجأة، أو بحمى فإن ذلك لا ~~يختلف باختلاف الأماكن، حتى لو نقله إلى مكان تغلب فيه الحمى والأمراض ضمن ~~عاقلته الدية، لكونه تسبب في هلاكه، (كما في صبي) أي كما يضمن عاقلة صبي ~~(أودع عبدا) أي جعل عبد وديعة عنده (فقتله) أي قتل الصبي العبد المودع. # (فإن أتلف) الصبي (مالا بلا إيداع) أي ليس مودعا عنده (ضمن) لأنه مؤاخذ ~~بأفعاله، وصحة القصد لا معتبر بها في حقوق العبد (وإن أتلف) مالا غير عبد ~~(بعده) أي بعد الإيداع (لا) أي لا يضمن الصبي. وهذا الفرق قول أبي حنيفة ~~ومحمد. وقال أبو يوسف والشافعي، وهو قول مالك وأحمد: يضمن الصبي في ~~الوجهين. # وفي «شرح الطحاوي»: أودع عند صبي مالا فهلك في يده لا ضمان عليه ~~بالإجماع. فإن استهلكه الصبي، فإن كان مأذونا له في التجارة ضمن بالإجماع ~~وإن كان محجورا عليه، فإن قبل الوديعة بإذن وليه يضمن بالإجماع، وإن قبل ~~بغير إذنه، فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة ومحمد لا في الحال ولا بعد ~~الإدراك. وقال أبو يوسف والشافعي: يضمن في الحال، وأجمعوا على أنه لو ~~استهلك مالا بغير وديعة ضمن في الحال. # فصل في القسامة # --- PageV06P237 ~~*** # وهي في اللغة اسم مصدر من أقسم. وقيل: إنها القوم الذين يحلفون، سموا ~~باسم المصدر، كما يقال: رجل عدل. وسببها: وجود القتل في المحلة، أو (ما) في ~~معناها. وركنها: قولهم: بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا. وشرطها: أن ~~يكون المقسم رجلا حرا عاقلا. وقال مالك: يدخل النساء في قسامة الخطأ دون ~~العمد. وحكمها: القضاء بوجوب الدية بعد الحلف، سواء كانت الدعوى في القتل ~~العمد أو الخطأ. # أخرج أصحاب الكتب الستة عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج قالا: خرج عبد ~~الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد حتى إذا كانا بخيبر تفرقا في ~~بعض ما هنالك. وفي رواية: تفرقا في النخل ثم إن محيصة يجد عبد الله بن ~~سهل قتيلا، فدفنه، فأقبل ms1665 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وحويصة بن ~~مسعود وعبد الرحمن بن سهل وكان أصغر القوم فذهب عبد الرحمن يتكلم قبل ~~صاحبيه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكبير الكبير» وفي ~~رواية: «الكبر الكبر» يريد السن وفي لفظ: «كبر الكبر» فصمت، فتكلم ~~صاحباه، وتكلم معهما. # فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقتل عبد الله بن سهل، واتهموا ~~اليهود، فقال لهم: «أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون دم صاحبكم» ؟ قالوا: كيف ~~نحلف ولم نشهد؟ وفي لفظ: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته» ؟ ~~قالوا: (أمر) لم نشهده، كيف نحلف؟ قال: «فتحلف لكم يهود»؟. قالوا: ليسوا ~~مسلمين. وفي لفظ: كيف يقبل أيمان قوم كفار؟ فوداه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمئة من أبل الصدقة. قال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء. # --- PageV06P238 ~~*** # وقد استدل بظاهره مالك والشافعي حيث قالا: لم يقض عليهم بالدية إذا ~~حلفوا. ولنا: ما في الكتب الستة أيضا عن ابن عباس واللفظ لمسلم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال ~~وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه». ولفظ الباقين: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قضى أن اليمين على المدعى عليه. وما في «سنن الترمذي» عن عمرو بن ~~شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: «البينة ~~على المدعي، واليمين على المدعى عليه». وما في «مصنف» عبد الرزاق وابن أبي ~~شيبة، والواقدي: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: كانت ~~القسامة في الجاهلية، فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم في قتيل من الأنصار ~~وجد في جب لليهود. # قال: فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهود وكلفهم قسامة خمسين، ~~فقالت اليهود: (لن) نحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: ~~«أفتحلفون»؟ فأبت الأنصار أن تحلف، فأغرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اليهود ديته، لأنه قتل بين أظهرهم. # وما في «مسند البزار» عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ms1666 عن أبيه قال: كانت ~~القسامة في الدم يوم خيبر، وذلك أن رجلا من الأنصار أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقد تحت الليل، فجاءت الأنصار فقالوا: إن صاحبنا يتشحط في دمه. ~~فقال: «أتعرفون قاتله؟» قالوا: لا، إلا أن يكون يهود قتلته. فقال: «اختاروا ~~منهم خمسين رجلا، فيحلفون بالله جهد أيمانهم، ثم خذوا الدية منهم». ففعلوا. # --- PageV06P239 ~~*** # وما في «سنن الدارقطني» عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: وجد ~~رجل من الأنصار قتيلا في دالية ناس من اليهود، فذكر ذلك للنبي صلى الله ~~عليه وسلم. فبعث إليهم، فأخذ منهم خمسين رجلا من خيارهم، فاستحلف كل واحد ~~منهم بالله: ما قتلته، ولا علمت له قاتلا، ثم جعل عليهم الدية. فقالوا: لقد ~~قضى بما في ناموس (موسى). إلا أنه قال: الكلبي متروك. # وما أخرجه البيهقي في «المعرفة» عن الشافعي: أخبرنا سفيان، (عن منصور)، ~~عن الشعبي: أن عمر بن الخطاب كتب في قتيل (وجد) بين خيوان ووادعة: أن يقاس ~~ما بين القريتين، فإلى أيهما كان أقرب، أخرج إليه منهم خمسين رجلا حتى ~~يوافوه مكة، فأدخلهم الحجر فأحلفهم ثم قضى عليهم بالدية. فقالوا: ما وقت ~~أموالنا أيماننا ولا أيماننا أموالنا. فقال عمر: كذلك الأمر. وفي رواية: ~~كذلك الحق. # قال الشافعي: وقال غير سفيان: عن عاصم الأحول، عن الشعبي: فقال عمر: ~~حقنتم دماءكم بأيمانكم ولا يطل دم امرىء مسلم. إلا أنه قال البيهقي عن ~~الشافعي أنه قال: سافرت إلى خيوان ووادعة أربعة عشرة سفرة، وسألتهم عن حكم ~~عمر في القتيل، وحكيت ما روي عنه فيه، فقالوا: هذا شيء ما كان ببلدنا قط. ~~وهذا كما ترى لا يقدح في صحة الرواية، إذ المتصدي بضبط الحوادث وأحكامها ~~أئمة الدين من أهل الدراية. # --- PageV06P240 ~~*** # (ميت) هذا مبتدأ (به جرح)، صفة أولى له (أو أثر ضرب، أو) أثر (خنق، أو) ~~به (خروج دم من أذنه أو عينه) قيد الميت بذلك، لأن الخالي منه لا قسامة فيه ~~عندنا، ولا دية، وهو قول أحمد في رواية وحماد والثوري. وقال مالك والشافعي ~~وأحمد: ms1667 ليس الأثر بشرط بل الشرط اللوث، وهو: ما يوقع في القلب صدق المدعي ~~من أثر دم على ثيابه، أو عداوة ظاهرة، أو شهادة عدل، أو جماعة (غير) عدول، ~~أن أهل المحلة قتلوه، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يسأل الأنصار هل كان ~~بقتيلهم أثر (أو لا) ؟ ولأن القتل يحصل بما لا أثر له، كعصر الخصيتين وضرب ~~الفؤاد، فأشبه من به أثر. # ولنا: أن القسامة في الدية لتعظيم الدم، وصيانته عن الهدر، وذلك في القتل ~~دون الموت حتف الأنف، والقتل يعرف بالأثر. وقد تقدم في «مسند البزار»: أن ~~الأنصار قالوا: إن صاحبنا يتشحط في دمه. # --- PageV06P241 ~~*** # (وجد في محلة) صفة ثانية لميت (أو) وجد (أكثره أو) وجد (نصفه مع رأسه) ~~وقوله: (لا يعلم قاتله) صفة ثالثة لميت. أما لو وجد نصفه مشقوقا بالطول، أو ~~وجد أقل من النصف ومعه الرأس، أو يده، أو رأسه لا شيء عليهم، لأن هذا الحكم ~~عرفناه بالنص، وقد ورد في البدن كله، إلا إن الأكثر له حكم الكل بخلاف ~~الأقل. ولأنا لو اعتبرنا الأقل لاجتمع ديات وقسامات في شخص واحد أن وجد ~~أطرافه في قرى متفرقة، وذلك غير مشروع فينتفي ما يؤدي إليه. (وادعى وليه ~~القتل) العمد أو الخطأ (على أهلها) كلهم أو بعضهم مبهما أو معينا. وعن أبي ~~يوسف في غير رواية الأصول وهو رواية أصول ابن المبارك عن أبي حنيفة: لا ~~قسامة ولا دية في المعين. ويقال للولي: ألك بينة؟ فإن قال: لا، حلف المدعى ~~عليه يمينا واحدة، لأن دعواه على المعين منهم إبراء لباقيهم، وصار كما إذا ~~ادعى القتل على واحد من غيرهم. # ووجه الظاهر: أن وجوب القسامة على أهل المحلة دليل على أن القاتل منهم، ~~فتعيين المدعي واحدا منهم لا ينافي ذلك، بخلاف تعيينه واحدا من غيرهم، لأنه ~~بيان أن القاتل ليس منهم، وهم إنما يغرمون إذا كان القاتل منهم لكونهم ~~قاتلين تقديرا، حيث لم يأخذوا على يد الظالم، ولأن أهل المحلة لا يغرمون ~~بمجرد ظهور القتيل بين أظهرهم بل بدعوى الولي، فإذا ادعى ms1668 القتل على غيرهم ~~امتنعت دعواه عليهم، فسقط عنهم لفقد شرطه. # --- PageV06P242 ~~*** # (حلف خمسون) خبر المبتدأ (رجلا حرا مكلفا) لأن المرأة والعبد والصبي ~~والمجنون أتباع لأهل النصرة، واليمين على أهلها (منهم) أي من أهل المحلة ~~(يختارهم الولي) لأن اليمين حقه، والظاهر أنه يختار من يتهمه بالقتل، أو ~~يختار صالحيهم، لأنهم يحترزون عن اليمين الكاذبة (بالله) متعلق بحلف (ما ~~قتلناه ولا علمنا له قاتلا) هذا حكاية قول الجميع، لأن الواحد منهم إذا حلف ~~يقول: ما قتلت وما علمت له قاتلا، لا: ما قتلنا، لجواز أنه قتله وحده، فإذا ~~حلف ما قتلناه كان صادقا في يمينه، لأنه لم يقتله مع غيره. # ونظيره ما ورد في تفسير قوله تعالى حكاية عن قوم صالح: {لنبيتنه وأهله ثم ~~لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون} فإن قيل: يجوز فيما قتلت أن ~~يكون قتله مع غيره، فيكون صادقا في يمينه. أجيب: بأنه إذا قتله مع غيره كان ~~في يمينه أنه ما قتله كاذبا، لأن الجماعة متى قتلوا واحدا كان كل واحد منهم ~~قاتلا، ولهذا يجب القصاص على كل واحد منهم في العمد والكفارة في الخطأ (لا ~~الولي) أي لا يحلف الولي، ولو مع وجود الورثة عندنا. (ثم قضي على أهلها) أي ~~أهل المحلة (بالدية) وهذا قول عمر والشعبي والنخعي والثوري. # --- PageV06P243 ~~*** # وقال مالك والشافعي وأحمد: يبدأ بالمدعين في الأيمان، فإن حلفوا استحقوا، ~~وإن نكلوا حلف المدعى عليهم خمسين يمينا، فإن حلفوا برئوا، وهو مذهب يحيى ~~بن سعيد وربيعة وأبي الزناد والليث بن سعد، لقوله عليه الصلاة والسلام ~~لأولياء عبداللهبن سهل ابتداء: أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم؟»، ~~وقوله فيما رواه البيهقي: «أفتبرئكم يهود بخمسين يمينا»؟ وهذا تنصيص على أن ~~اليمين على الولي، وأنه يستحق القصاص به في دعوى العمد على قول مالك وقديم ~~الشافعي. وقال في الجديد: فإذا حلف قضي له بدية في ماله، وإذا انعدم اللوث ~~أو أبى الولي أن يحلف، فالحكم فيه ما هو الحكم في سائر الدعاوى. # ولنا: ما في الكتب الستة من حديث ابن ms1669 عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: اليمين على المدعى عليه». وما رواه ابن أبي شيبة من قضاء عمر في ~~القتيل الذي وجد بين وادعة وأرحب، وسيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى. # ومن أدلتنا أيضا: ما في «المبسوط» عن أبي أيوب مولى أبي قلابة قال: كنت ~~عند عمر بن عبد العزيز وعنده رؤساء الناس، فخوصم إليه في قتيل وجد في محلة، ~~وأبو قلابة جالس عند السرير أو خلفه. # --- PageV06P244 ~~*** # فقال الناس: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقود في القسامة وأبو ~~بكر وعمر والخلفاء بعدهم، فنظر إلى أبي قلابة، وهو ساكت، فقال: ما تقول؟ ~~فقال: عندك رؤساء الناس أو أشراف العرب، أرأيتم لو شهد رجلان من أهل دمشق ~~على رجل من أهل حمص أنه سرق ولم يرياه أكنت تقطعه؟ فقال: لا. قال: أرأيتم ~~لو شهد أربعة من أهل حمص على رجل من أهل دمشق أنه زنى ولم يروه أكنت ترجمه؟ ~~فقال: لا. فقال: والله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسا بغير نفس ~~إلا رجلا كفر بالله بعد إيمانه، أو زنى بعدإحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس. ~~وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسامة والدية على أهل خيبر في ~~قتيل وجد بين أظهرهم. فانقاد عمر بن عبد العزيز لذلك. # وهذا لأن أمراء بني أمية كانوا يقضون بالقود في القسامة على ما روى ~~الزهري أنه قال: القود في القسامة من أمور الجاهلية، وأول من قضى به ~~معاوية. فلهذا بالغ أبو قلابة في إنكار ذلك هنالك. وعن «الذخيرة» ~~و«الخانية»: لو حلفوا غرموا الدية، وإن نكلوا يحبسوا حتى يحلفوا. وهذا في ~~دعوى العمد، أما في الخطأ فيقضى بالدية على عاقلتهم. # (وإن ادعى) الولي القتل (على واحد غيرهم) أي غير أهل المحلة (سقطت ~~القسامة عنهم) أي عن أهل المحلة، وقد تقدم وجه الفرق بينه وبين ما إذا ادعى ~~القتل على واحد منهم حيث لا تسقط. (فإن لم يكن فيها) أي في المحلة (خمسون) ~~من أهل القسامة (كرر الحلف ms1670 عليهم إلى أن يتم) لما روى ابن أبي شيبة في ~~«مصنفه»: أن عمر بن الخطاب رد عليهم الأيمان حتى وافوا، يعني على من جاء ~~إليه من أهل وادعة. وروى أيضا عن شريح قال: جاءت قسامة فلم يوافوا خمسين، ~~فرد عليهم القسامة حتى أوفوا. # --- PageV06P245 ~~*** # وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن سفيان الثوري، عن إبراهيم قال: إذا لم ~~تبلغ القسامة كرروا حتى يحلفوا خمسين يمينا. وروى أيضا فيه عن عمر: أنه ~~استحلف امرأة خمسين يمينا على مولى لها أصيب، ثم جعل عليها الدية. ولأن عدد ~~الخمسين واجب بنص الحديث، فيجب إتمامها ما أمكن، ولا يطلب فيها الوقوف على ~~الفائدة. ولأن فيه استعظام أمر الدم فيكمل، وتكرار اليمين من واحد على سبيل ~~الوجوب ممكن شرعا كما في اللعان. # (ومن نكل) أي أبى أن يحلف من الذين اختارهم الولي (حبس حتى يحلف) لأن ~~اليمين فيه مستحق لذاته تعظيما لأمر الدم، ولهذا يجمع بينه وبين الدية، ~~بخلاف النكول في الأموال، لأن اليمين فيها بدل عن أصل حقه، ولهذا تسقط بدفع ~~المال المدعى، وفيما نحن فيه لا يسقط بدفع الدية. ويوجب الدية أبو يوسف ~~بالنكول اعتبارا بالنكول عن اليمين في دعوى المال. # (لا إن خرج الدم) أي لا قسامة ولا دية في ميت وجد في محلة وقد خرج الدم ~~(من فيه) أي فمه (أو دبره أو ذكره) لأن الدم يخرج من هذه المجاري عادة بغير ~~فعل أحد، فلا يكون دليلا على أنه قتل. (وفي قتيل) وجد (على دابة يسوقها رجل ~~ضمن عاقلته) أي السائق دون أهل محلته (ديته) أي القتيل، لأن الدابة في يد ~~السائق، فصار كما لو وجد في داره. # (والراكب والقائد كالسائق) في وجوب ضمان عاقلته الدية، لا أهل المحلة، ~~فإن اجتمعوا فعلى عاقلتهم، لأن القتيل في أيديهم، فصار كما لو وجد في ~~دارهم. إلا أن في الدابة لا يشترط أن يكونوا مالكين لها، وفي الدار يشترط ~~ذلك. ولو لم يكن مع الدابة أحد، فالدية والقسامة على أهل المحلة التي وجد ~~فيها القتيل على ms1671 الدابة، لأن وجوده على الدابة كوجوده في الموضع الذي فيه ~~الدابة. # --- PageV06P246 ~~*** # (و) في قتيل وجد (على دابة) أو غيرها (بين قريتين) أو قبيلتين تجب ~~القسامة والدية (على أهل أقربهما) لما روى أبو داود الطيالسي وإسحاق بن ~~راهويه والبزار في «مسانيدهم»، والبيهقي في «سننه»، عن أبي سعيد الخدري: أن ~~قتيلا وجد بين حيين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاس إلى أيهما أقرب، ~~فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشبر. قال الخدري: كأني أنظر إلى شبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فألقى ديته عليهم. # وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ~~الحارث بن الأزمع قال: وجد قتيل باليمن بين وادعة وأرحب، فكتب عامل عمر بن ~~الخطاب إليه، فكتب إليه عمر: أن قس ما بين الحيين، وإلى أيهما أقرب فخذهم ~~به. قال: فقاسوه فوجدوه أقرب إلى وادعة، فأخذنا وأغرمنا وأحلفنا، فقلنا: يا ~~أمير المؤمنين، أتحلفنا وتغرمنا؟ قال: نعم. فأحلف خمسين رجلا: بالله ما ~~قتلته ولا علمت قاتلا له. # (وفي) قتيل وجد في (دار رجل عليه القسامة) فتكرر الأيمان عليه، لأن الدار ~~في يده وحفظها إليه (وتدي) أي يعطي الدية (عاقلته) لأن نصرته منهم وقوته ~~بهم. وقال مالك: لا قسامة ولا غرامة في قتيل وجد في دار قوم. وقال الشافعي: ~~يكون مع اللوث. وفي «شرح الأقطع»: صاحب الدار مع أهل المحلة، كأهل المحلة ~~مع أهل المصر، ولا يدخل أهل المصر مع أهل المحلة. # --- PageV06P247 ~~*** # (إن ثبت أنها) أي الدار (له) أي للرجل (بالحجة) أي بشهادة الشهود، لأن ~~اليد دليل ظاهر، والظاهر حجة للدفع لا للاستحقاق، ونحن محتاجون هنا ~~للاستحقاف، فلا بد من إقامة البينة على الملك إذا كذب العواقل أنها ملك ذي ~~اليد، وقالوا: إنها وديعة عنده. (وتدي) عاقلة (ورثته) لورثته (إن وجد) قتيل ~~(في دار نفسه) عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف (ومحمد) وزفر ومالك والشافعي: ~~لا شيء فيه. # (والقسامة) والدية (على أهل الخطة) ولو بقي واحد منهم، وهم الذين خط لهم ~~الإمام، وقسم الأراضي ms1672 بخطه حين فتحها. (دون السكان) أي وليست القسامة على ~~السكان (والمشترين) وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: الكل ~~مشتركون، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وابن أبي ليلى، لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قضى على أهل خيبر، وقد كانوا سكانا فيها. (فإن باع كل منهم) أي ~~كل واحد من أهل الخطة، وفي بعض النسخ: فإن باع كلهم (فعلى المشترين) ~~القسامة والدية، لأن الولاية انتقلت إليهم عند أبي حنيفة ومحمد لزوال من ~~يتقدمهم، وحصلت لهم عند أبي يوسف لزوال من يزاحمهم. (و) إن وجد قتيل (في ~~دار مشتركة) على التفاوت بأن كان نصفها لرجل، وعشرها لرجل، وباقيها لآخر، ~~فالقسامة (على عدد الرؤوس) لأن صاحب القليل يزاحم صاحب الكثير في التدبير، ~~فكانوا سواء في الحفظ والتقصير. # (و) إن وجد قتيل (في الفلك فالقسامة على من فيه) أي في الفلك سواء كان ~~ماشيا أو راكبا أو ملاحا. (و) إن وجد (في سوق مملوك) فالقسامة (على المالك) ~~عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: على السكان. (و) إن وجد (في مسجد ~~محلة) فالقسامة (على أهلها) لأن تدبيره إليهم، والقتيل فيه كالقتيل فيها. # --- PageV06P248 ~~*** # (و) إن وجد (في) سوق (غير مملوك، و) في (الشارع)، العام (و) في (الجسر)، ~~العام (و) في (السجن، و) في (الجامع لا قسامة) على أحد (والدية على بيت ~~المال) لأنه لجماعة المسلمين. وقال أبو يوسف: القسامة في السجن على أهله، ~~وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأنهم سكانه وولاية تدبيره إليهم، والظاهر أن ~~القتل حصل منهم. ولأبي حنيفة ومحمد: أن أهل السجن مقهورون، فلا يتناصرون، ~~ولا يتعلق بهم ما يجب لأجل النصرة. # (و) إن وجد (في برية) أي غير مملوكة، إذ لو كانت مملوكة تكون القسامة على ~~مالكها (لا عمارة بقربها) أما لو كان بقربها عمارة تكون القسامة على أهلها. ~~وحد القرب سماع الصوت. (أو ماء) أي أو وجد في ماء (يمر به) أي بالقتيل، بأن ~~وجد في نهر عظيم يجري فيه الماء (هدر) أي لا شيء فيه، لأنه ليس في ms1673 يد أحد ~~ولا في ملكه، بخلاف النهر الصغير، فإن ضمان القتيل على أصحابه لقيام يدهم ~~عليه. ولو وجد قتيل في أرض موقوفة، أو في دار موقوفة على أرباب معلومة، ~~فالقسامة والدية على أربابها، لأن تدبيرها إليهم. وإن كانت موقوفة على ~~مسجد، فهو كما لو وجد في المسجد، وحكمه قد تقدم، والله تعالى أعلم. # --- PageV06P249 ~~*** # (ومستحلف) بفتح اللام مبتدأ، أي من يطلب منه الحلف (قال: قتله زيد) صفته، ~~والخبر (حلف بالله ما قتلته ولا عرفت له قاتلا غير زيد) لأنه لما أقر ~~بالقتل على زيد، صار زيد مستثنى عن اليمين، فبقي حكم من سواه فيحلف عليه، ~~وهذا قول محمد. وقال أبي يوسف: يحلف ما قتلت فقط، لأنه عرف القاتل واعترف ~~به. ولمحمد: أنه يحتمل أن له قاتلا آخر معه، أو يكون في إقراره كاذبا ~~(وبطلت شهادة بعض أهل المحلة بقتل غيرهم) متعلق بشهادة. وصورة المسألة: وجد ~~قتيل في محلة، وادعى الولي قتله على غيرهم، فشهد اثنان من أهل المحلة، لم ~~تقبل شهادتهما عند أبي حنيفة، وتقبل عندهما. # والكلام فيه يرجع إلى أصل متفق عليه، وهو أن كل من انتصب خصما في حادثة، ~~ثم خرج من أن يكون خصما، لا تقبل شهادته. وأن كل من كان له عرضية أن يصير ~~خصما، ثم بطلت هذه العرضية، فشهد في تلك الحادثة تقبل شهادته فيها. فهما ~~قالا: الثابت في أهل المحلة عرضية أن يصيروا خصما لو ادعى الولي عليهم، وقد ~~بطلت هذه العرضية بالدعوى على غيرهم فتقبل شهادتهم، كالوكيل بالخصومة إذا ~~عزله قبل أن يخاصم وشهد في تلك الحادثة. ولأبي حنيفة: أن أهل المحلة صاروا ~~خصما في هذه الحادثة لوجود القتيل بين أظهرهم، ومن صار خصما في حادثة لا ~~تقبل شهادته فيها وإن خرج عن الخصومة، كالوكيل إذا خاصم في مجلس الحكم، ثم ~~عزل فشهد. # (أو واحد) بالجر عطف على غيرهم، أي وبطل شهادة بعض أهل المحلة بقتل واحد ~~(منهم) إذا ادعى الولي عليه بعينه، لأن الخصومة قائمة مع الكل، والشاهد ~~يقطعها عن نفسه، فكان منهما ms1674 فيها (وفي رجلين في بيت) وليس معهما ثالث (وجد ~~أحدهما قتيلا ضمن الآخر ديته) وهذا عند أبي يوسف. # --- PageV06P250 ~~*** # وقال محمد: لا يضمن، لأنه يحتمل أن يكون قتل نفسه، ويحتمل أن يكون الآخر ~~قتله، فلا يضمنه بالشك. ولأبي يوسف: أن الظاهر أن الإنسان لا يقتل نفسه، ~~فكان ذلك الاحتمال ساقطا، كما لو وجد قتيل في محلة فإن احتمال قتل نفسه ~~ساقط هناك فكذا هنا (وفي قتيل قرية امرأة) أي وإن وجد قتيل في قرية امرأة ~~(كرر الحلف عليها) أي على المرأة، لما روينا من تكرير عمر القسامة على ~~المرأة. # (وتدي) أي تعطي الدية (عاقلتها) وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو ~~يوسف: القسامة على العاقلة أيضا. قال المتأخرون: إن المرأة تدخل مع العاقلة ~~(في التحمل في هذه المسألة، لأنا أنزلناها قاتلة، والقاتلة تشارك العاقلة،) ~~وهو اختيار الطحاوي، وهو الأصح. ولو جرح إنسان في قبيلة، فنقل إلى أهله ~~فمات من تلك الجراحة، فإن كان صاحب فراش من حين الجرح حتى مات، فالقسامة ~~والدية على القبيلة عند أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف: لا قسامة فيه ولا دية. قيل: ومحمد معه، وهو قول ابن أبي ~~ليلى ومالك والشافعي وأحمد، لأن الذي حصل في القبيلة والمحلة ما دون النفس، ~~ولا قسامة فيه، وصار كما لو لم يكن صاحب فراش. ولأبي حنيفة: أن الجرح إذا ~~اتصل به الموت صار قتلا، ولهذا وجب القصاص في العمد، والدية في الخطأ. ولو ~~لم يكن المجروح صاحب فراش من حين الجرح بل كان يجيء ويذهب حين جرح، ثم نقل ~~ومات في أهله فلا شيء فيه، كذا في «المبسوط». # فصل في المعاقل # --- PageV06P251 ~~*** # وهي جمع معقلة بضم القاف، وسميت الدية عقلا ومعقلة، لأنها تمنع الدم من ~~السفك، ومنه العقل، لأنه يمنع صاحبه عن غير طريق العدل. (العاقلة: أهل ~~الديوان لمن هو منهم) لأن عمر فرض العقل على أهل الديوان بمحضر من الصحابة ~~ولم ينكر عليه منكر، فكان ذلك إجماعا منهم (تؤخذ) الدية (من عطاياهم) أو ~~الشاملة لأرزاقهم (متى خرجت) العطايا، سواء خرجت ms1675 في ثلاث سنين أو أكثر أو ~~أقل، وهذا إذا كانت العطايا الخارجة بعد القضاء بالدية للسنين المستقبلة، ~~حتى لو خرجت بعد القضاء عن السنين الماضية لا تؤخذ منها، ولو خرجت بعده عن ~~ثلاث سنين مستقبلة في سنة واحدة، يؤخذ منها كل الدية، إذ لا فائدة في ~~التأخير. روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن جابر قال: أول من فرض الفرائض، ~~ودون الدواوين، وعرف العرفاء: عمر بن الخطاب. # وفي «الهداية»: وأهل الديوان: أهل الرايات، وهم الجيش الذين كتبت أساميهم ~~في الديوان. والعطاء: ما يفرض للمقاتلة. والرزق: ما يفرض لفقراء المسلمين ~~إذا لم يكونوا مقاتلة. وقال مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم: الدية ~~على العشيرة وهم: العصبات، لأنه كان كذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولا نسخ بعده، لأنه لا يكون إلا بوحي على لسان نبي، ولا نبي بعده. ~~ولما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»: حدثنا حفص، عن حجاج، عن مقسم، عن ابن ~~عباس قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار ~~أن يعقلوا معاقلهم، وأن يفدوا عانيهم بالمعروف، والإصلاح بين المسلمين. ~~وقال: حدثنا وكيع: حدثنا ابن أبي ليلى، عن الشعبي قال: جعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عقل قريش على قريش، وعقل الأنصار على الأنصار. # --- PageV06P252 ~~*** # وما رواه عبد الرزاق في «مصنفه»: أخبرنا معمر، عن مطر الوراق، عن الحسن ~~قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى امرأة يطلبها في أمر، فقالت: يا ويلها ما لها ~~ولعمر. فبينا هي في الطريق اشتد بها الفزع، فضربها الطلق فدخلت دارا وألقت ~~ولدها. فصاح الصبي صيحتين ثم مات فاستشار (عمر) الصحابة، فقال بعضهم: ليس ~~عليك شيء إنما أنت وال ومؤدب. قال: وصمت علي، فأقبل عليه عمر وقال له: ماذا ~~تقول؟ فقال علي: إن قالوه برأيهم فقد أخطؤوا، وإن قالوا في هواك فلم ينصحوا ~~لك، أرى أن ديته عليك، فإنك أنت أفزعتها فألقت ولدها بسببك. قال: فأمر عمر ~~عليا أن يضرب ديته على قريش، فأخذ عقله من قريش، لأنه ms1676 خطأ. # هذا، واختلف في الآباء والبنين: فقال الشافعي وأحمد في رواية: ليس آباء ~~القاتل وإن علوا، ولا أبناؤه وإن سفلوا من العاقلة. وقال مالك وأحمد في ~~رواية: يدخل في العاقلة أبو القاتل وابنه، وهو قولنا عند عدم أهل الديوان. # ولنا: أن عمر لما دون الدواوين جعل العقل على أهل الديوان، وكان ذلك ~~بمحضر من الصحابة. روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن الحكم قال: عمر أول من ~~جعل الدية عشرة عشرة في أعطيات المقاتلة دون الناس. والأعطية جمع العطية. ~~وروى أيضا عن الشعبي، وعن إبراهيم أنهما قالا: أول من فرض العطايا عمر بن ~~الخطاب، وفرض فيه الدية كاملة في ثلاث سنين، والنصف في سنتين، والثلث في ~~سنة، وما دون ذلك في عامه. وفي «مصنف عبد الرزاق» مثله، وفيه أيضا: أخبرنا ~~الثوري عن أشعث، عن الشعبي: أنه جعل عمر الدية في الأعطية في ثلاث سنين، ~~والنصف والثلثين في سنتين، والثلث في سنة، وما دون الثلث فهو في عامه. # --- PageV06P253 ~~*** # وأخرج ابن أبي شيبة عن النخعي والحسن أنهما قالا: العقل على أهل الديوان. ~~وقال الترمذي في كتابه: وقد أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث ~~سنين، في كل سنة ثلث الدية. وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن عمر أنه جعل ~~الدية في الأعطية في ثلاث سنين: وفي لفظ: أنه قضى بالدية في ثلاث سنين، في ~~كل سنة ثلث على أهل الديوان في أعطياتهم. # وأما قولهم: ولا نسخ بعده عليه الصلاة والسلام فمسلم، إلا أن هذا ليس ~~بنسخ، بل هو تقدير معنى، لأن العقل على أهل النصرة، وكانت النصرة بأنواع: ~~بالقرابة، وبالحلف أي العهد، وبولاء العتاقة، وبالعد، وهو: أن يعد في القوم ~~ولا يكون منهم. وفي عهد عمر صارت بالديوان، فجعله على أهله اتباعا للمعنى. ~~ولهذا قالوا: لو كان اليوم قوم يتناصرون بالحرف، كانت عاقلتهم أهل حرفتهم، ~~ولو كان بالحلف فعاقلتهم حلفاؤهم. # وتوضيحه: أن إجماع الصحابة لم يكن على خلاف ما قضى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بل على وفاق ما ms1677 قضاه، فإنهم علموا أنه إنما قضى على العشيرة ~~باعتبار النصرة، وقد كانت قوة المرء ونصرته يومئذ بعشيرته، ثم لما دون عمر ~~الدواوين صارت القوة والنصرة بالديوان، فلذا قضوا بالدية على أهل الديوان، ~~لأن المعنى متى عقل في حكم الشرع، يتعدى الحكم بذلك المعنى إلى الفرع. # --- PageV06P254 ~~*** # (وحيه) أي والعاقلة حي القاتل أي قبيلته (لمن) أي للقاتل الذي (ليس منهم) ~~أي من أهل الديوان، لأن نصرته بحيه وهي المعتبرة في التعاقل، فصار حاله ~~كحال من كان على عهده عليه الصلاة والسلام، (يؤخذ من كل) أي من كل واحد ~~منهم ما عدا فقراءهم (في ثلاث سنين) لما روينا عن عمر (ثلاثة دراهم أو ~~أربعة) فلا يزاد الواحد في كل سنة على درهم وثلت. وقال مالك وأحمد في ~~رواية: لا تقدير في أخذها بل يحملون ما يطيقون، لأن التقدير لا يثبت إلا ~~بالتوقيف منه، ولا نص فيه، فيفوض إلى رأي الحاكم كتقادير النفقات. # وقال الشافعي وأحمد في رواية : يجب على الغني نصف دينار، لأنه أقل ما ~~قدر في الزكاة، وعلى المتوسط ربع دينار، لأن ما دون ذلك تافه لا تقطع اليد ~~فيه. وقلنا: العقل صلة تجب على سبيل المواساة كالنفقة، فيستوي فيه الغني ~~والمتوسط. # ثم ابتداء الثلاث سنين من وقت القضاء عندنا. وقال مالك والشافعي وأحمد: ~~من وقت القتل، لأنه سبب الوجوب. ولنا: أن الواجب الأصلي المثل، والتحول إلى ~~القيمة بالقضاء، فيعتبر ابتداؤها من وقته، كولد المغرور تعتبر قيمته من وقت ~~القضاء لا قبله. وإذا كان الواجب ثلث الدية أو أقل منه يجب في سنة واحدة، ~~وإذا كان أكثر من الثلث إلى تمام الثلثين يجب في سنتين، وإذا كان أكثر من ~~الثلثين إلى تمام الدية يجب في ثلاث سنين، لأن جميع الدية في ثلاث سنين، ~~فيكون كل ثلث في سنة. ولا فرق عندنا في تأجيل الدية بثلاث سنين بين الواجب ~~على العاقلة والواجب على القاتل في ماله. وقال مالك، والشافعي وأحمد: ما ~~وجب في مال القاتل فهو حال، وذلك مثل الأب إذا قتل ابنه ms1678 عمدا، أو انقلب ~~القصاص بالشبهة مالا. # --- PageV06P255 ~~*** # (وإن لم يسع الحي) لأخذ الدية منهم في ثلاث سنين: كل سنة درهم أو درهم ~~وثلث، (ضم إليه أقرب الأحياء نسبا) تحقيقا للتخفيف وتفاديا عن الإجحاف ~~(الأقرب فالأقرب) على ترتيب العصبات، يقدم الأخوة ثم بنوهم، ثم الأعمام ثم ~~بنوهم (والباقي) من الدية التي لم يسع الحي لها مع ضم أقرب الأحياء نسبا ~~إليهم (على الجاني) لأن أصل الوجوب عليه، وإنما تحول عنه إلى العاقلة ~~للتخفيف (والقاتل) يدخل مع العاقلة فيكون فيما يؤدي (كأحدهم) لأنه الجاني، ~~فلا معنى لإخراجه ومؤاخذة غيره. وقال مالك في غير المشهور والشافعي ~~وأحمد: لا يجب على القاتل شيء من الدية. # (و) العاقلة (للمعتق حي سيده) لأن نصرته بهم (و) العاقلة (لمولى ~~الموالاة) وهو مولى الحلف (مولاه وحيه) أي حي مولاه، لأنه ولاء يتناصر به، ~~فأشبه ولاء العتاقة، وفيه خلاف الشافعي وأحمد وقد مر في الولاء. # (والمعتبر في العجم أهل النصرة) منهم (سواء كانت بالحرفة أو غيرها) أفتى ~~أبو الليث، وأبو جعفر الهندواني، وظهير الدين المرغيناني: أنه لا عاقلة ~~للعجم، لأنهم ضيعوا أنسابهم ولا يتناصرون فيما بينهم. وأكثر المشايخ قالوا: ~~للعجم عاقلة، لأن لهم عادة في التناصر، وبه كان يفتي محمد بن سلمة وشمس ~~الأئمة الحلواني. # وقال: الإسبيجابي: أهل صناعة القاتل عاقلته وديوانه، ولكن بشرط أن يكونوا ~~يتناصرون بها، وهو تفصيل حسن، واختاره كثير من المشايخ. وقد شاهدت أهل ~~المحلة والعجم يتناصرون كما في مكة المشرفة حال المنازعة بين أهل المعلاة ~~وأهل الشبكة. وقد قالوا: لا يعقل أهل مصر آخر، ويعقل أهل كل مصر عن أهل ~~سوادهم، لأنهم أتباع لأهل مصرهم. # --- PageV06P256 ~~*** # (ومن لا عاقلة له) من المسلمين بأن كان لقيطا أو نحوه كالغريب (يعطى) عنه ~~(من بيت المال إن كان) للمسلمين بيت مال (وإلا) أي وإن لم يكن للمسلمين بيت ~~مال (فعلى الجاني) كحد السرقة والقذف والقصاص (وتتحمل العاقلة ما) أي المال ~~الذي (يجب بنفس القتل) وهو دية شبه العمد والخطأ (لا ما يجب بصلح) أي لا ~~تتحمل العاقلة المال الذي ms1679 يجب بسبب صلح عن قتل عمد. # (و) الذي يجب بسبب (إقرار) من الجاني (لم تصدقه العاقلة) عليه، لأن ~~الإقرار والصلح لا يلزمان العاقلة لقصور ولايتهم عنهم إلا أن يصدقوه في ~~الإقرار، لأن تصديقهم إقرار منهم، والامتناع كان لحقهم وقد زال، أو أن تقوم ~~البينة، لأنها مثبتة وتقبل هنا مع الإقرار وإن كانت لا تعتبر معه، لأنها ~~تثبت ما ليس بثابت بإقرار المدعى عليه، وهو الوجوب على العاقلة. ولو أقر ~~بقتل خطإ، ولم يرتفعوا إلى القاضي إلا بعد سنين قضى عليه بالدية في ماله في ~~ثلاث سنين من يوم يقضي. وقال مالك والشافعي وأحمد: حالا. لنا: أن التأجيل ~~من وقت القضاء في الثابت بالبينة، ففي الثابت بالإقرار أولى، لأنه أضعف. # (أو) الذي يجب بسبب قتل (عمد سقط قوده بشبهة) وكذا إذا عفا بعض الأولياء ~~(أو) الذي يجب بسبب (قتله ابنه عمدا، ولا) تتحمل العاقلة (جناية عبد، أو ~~عمد، أو ما دون أرش موضحة، بل) يتحملها (الجاني). أخرج البيهقي عن الشعبي، ~~عن عمر قال: العمد والعبد والصلح والاعتراف لا يعقله العاقلة. وروى ابن أبي ~~شيبة في «مصنفه» عن النخعي أنه قال: لا تعقل العاقلة ما دون الموضحة، ولا ~~تعقل العمد ولا الصلح ولا الاعتراف. # --- PageV06P257 ~~*** # وأخرج عبد الرزاق في «مصنفه» عن الشعبي أنه قال: أربعة ليس فيهن عقل على ~~العاقلة، وإنما هي في ماله خاصة: العمد والاعتراف والصلح والمملوك. وروى ~~البيهقي عن الشعبي أنه قال: لا تعقل العاقلة عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا ~~اعترافا. # ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في آخر كتابه «غريب الحديث»، كذلك من قول ~~الشعبي، ثم قال: واختلفوا في تأويل العبد: فقال محمد بن الحسن: معناه أن ~~يقتل العبد حرا، فليس على عاقلة مولاه شيء من جنايته، وإنما هي في رقبته، ~~واحتج لذلك محمد بن الحسن فقال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، ~~عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: لا تعقل العاقلة: عمدا، ولا ~~صلحا، ولا اعترافا، ولا ما جنى المملوك. ألا ms1680 ترى أنه جعل الجناية للمملوك. ~~قال: وهذا قول أبي حنيفة. وقال ابن أبي ليلى: إنما معناه أن يكون العبد ~~يجنى عليه: يقتله حرا ويجرحه، فليس على عاقلة الجاني شيء، إنما ثمنه في ~~ماله خاصة. # قال أبو عبيد: فذاكرت الأصمعي فيه فقال: القول عندي ما قال ابن أبي ليلى، ~~وعليه كلام العرب. ولو كان المعنى على ما قال أبو حنيفة لكان لا تعقل ~~العاقلة عن عبد، ولم يكن ولا تعقل عبدا. انتهى. وقد أجبنا عنه فيما سبق بما ~~هو أحق. وقال الشارح هنا على سبيل التنزل: إن كون القول عند الأصمعي ما قال ~~ابن أبي ليلى نظرا إلى مجرد لفظ هذا الحديث، لا ينافي أن يكون القول ما قال ~~أبو حنيفة نظرا إلى ما رواه محمد عن ابن عباس جمعا بين الأحاديث، والله ~~تعالى أعلم بالصواب. # كتاب الإكراه # (هو) لغة: مصدر أكرهه إذا حمله على أمر يكرهه (طبعا). # --- PageV06P258 ~~*** # وشرعا: (فعل) من تهديد وتخويف بضرب ونحوه (يوقعه) المرء (بغيره) على ~~إيجاد ما يكرهه طبعا أو شرعا (فيفوت) به (رضاه أو يفسد (به) اختياره مع ~~بقاء أهليته) للتكليف وعدم سقوط الخطاب عنه، لأن المكره مبتلى، والابتلاء ~~يحقق الخطاب، ألا ترى أنه متردد بين فرض وحظر ورخصة، وبين إثم وأجر، وذلك ~~آية الخطاب. # (وشرط) في تحقق الإكراه أمور منها (قدرة الحامل له على إيقاع ما هدد به، ~~سلطانا كان أو لصا) وقال أبو حنيفة: إن الإكراه لا يكون إلا من السلطان. ~~قالوا: هو اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان، لأن زمان أبي حنيفة لم ~~يكن فيه لغير السلطان من القدرة ما يتحقق به الإكراه، وزمانهما كان فيه ذلك. # (و) منها (خوف الفاعل) وهو المكره بفتح الراء (إيقاعه) أي أيقاع الحامل ~~ما أكره به، بأن يغلب على ظنه أن يوقعه به عليه في الحال. (و) منها (كون ~~المكره به متلفا نفسا) سواء كان قتلا أو ضربا (أو) متلفا (عضوا) قطعا كان ~~أو غيره (وهو) أي متلف النفس أو العضو الإكراه (الملجىء أو موجبا) عطف ms1681 على ~~متلفا أي: أو كون المكره به محصلا (لما يعدم الرضا). وفي شرح «الوقاية»: إن ~~هذا يختلف باختلاف الناس، فإن الأراذل (ربما) لا يغتمون بالضرب أو الحبس: ~~فالضرب اللين لا يكون إكراها في حقهم بل الضرب المبرح، وكذا الحبس إلا أن ~~يكون حبسا مؤبدا يتضجر منه. والأشراف يغتمون بكلام فيه خشونة، فمثل هذا ~~يكون إكراها لهم. # --- PageV06P259 ~~*** # (و) منها كون (الفاعل ممتنعا مما أكره عليه) من الفعل (قبله) أي قبل ~~الإكراه (لحقه) أي لحق الفاعل، كإكراهه على بيع ماله أو إتلافه، أو إعتاق ~~عبده، (أو) لحق شخص (آخر) كإكراهه على إتلاف مال غيره (أو) لحق (الشرع) ~~كإكراهه على شرب الخمر أو الزنا. # (فلو أكره بالملجىء أو غيره على بيع) لماله (ونحوه) من الشراء بماله ~~والإجارة لداره (أو) على (إقرار) مثل أن يقر لرجل بألف ففعل ما أكره عليه، ~~فهو بالخيار (إن شاء فسخ أو) شاء (أمضى) أما البيع ونحوه، فلفوات شرط صحته ~~وهو الرضا. وأما الإقرار، فلأنه خبر يحتمل الصدق والكذب، ودليل أنه كذب ~~موجود هنا، وهو الإكراه. والأصل عندنا أن تصرفات المكره كلها منعقدة قولا، ~~إلا أن ما يحتمل الفسخ منها كالبيع والإجارة له أن يفسخه، وما لا يحتمله ~~كالطلاق والنكاح والإعتاق والتدبير والاستيلاد والنذز يلزمه. وعند مالك ~~والشافعي وأحمد: لا يلزمه. # (و) إذا كان البيع والتسليم كرها (يملكه) أي المبيع (المشتري إن قبض) ~~المشتري المبيع، لأن بيع المكره فاسد، وذلك أن ما هو ركن العقد لم ينعدم ~~بالإكراه، وهو الإيجاب والقبول في محله، وإنما انعدام ما هو شرط الجواز، ~~وهو الرضاء لقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} # ، وتأثير (انعدام) شرط الجواز في إفساد العقد كما في الربا، فإن المساواة ~~في الأموال الربوية شرط جواز العقد، فإذا انعدمت كان العقد فاسدا. وعندنا ~~في البيع الفاسد يملك المشتري المبيع بالقبض. وعند مالك والشافعي وأحمد: لا ~~يملك. (فيصح) للمشتري بعد قبضه (إعتاقه) وتدبيره واستيلاد الأمة (ولزمه) أي ~~المشتري (قيمته) كما في سائر البيوع الفاسدة. # --- PageV06P260 ~~*** # (فإن قبض) المكره على البيع ms1682 (ثمنه) طوعا (أو سلم) المبيع للمشتري (طوعا) ~~بأن أكره على البيع لا على التسليم (نفذ) البيع في المسألتين، لأن قبض ~~الثمن طوعا دليل الإجازة، كما في البيع الموقوف إذا قبض المالك الثمن، وكذا ~~تسليم المبيع من غير كره دليل الإجازة. # قيد بالطوع وهو للمسألتين، لأن البائع لو قبض الثمن كرها لم يكن قبضه ~~إجازة، وعليه رده إن كان قائما في يده لفساد العقد بالإكراه، وإن كان هالكا ~~لا يأخذ المشتري منه شيئا، لأنه كان أمانة عنده، لأنه أخذه بإذن المشتري، ~~والقبض متى كان بإذن المالك لا يجب ضمانه إلا إذا قبضه للتملك، وهنا لم ~~يقبضه لذلك بل للإكراه. # (وحل بالملجىء) وهو القتل أو القطع ولو أنملة أو ضرب يخاف منه على نفسه ~~أو عضو من أعضائه (شرب الخمر وأكل الميتة) ونحوه، أي نحو أكل الميتة، وهو ~~أكل لحم الخنزير وأكل الدم، لأن الله تعالى استثنى الضرورة من التحريم ~~بقوله: {إلا ما اضطررتم إليه} وفي الإكراه الملجىء ضرورة، فصارت هذه ~~الأشياء (المحرمة) كباقي الأطعمة المباحة. (حتى إن) لم يفعل و(صبر) على ~~القتل أو قطع العضو (أثم). # وعن أبي يوسف، وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد: لا يأثم، وكذا من إصابته ~~مخمصة فلم يتناول من الميتة حتى مات أثم في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف لا ~~يأثم. والأصل عنده: أن الإثم ينتفي بالضرورة، والحرمة لا تنتفي بها، أما ~~الأولى فلقوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه}، وقوله: ~~{فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم}. وأما الثانية، ~~فلأن الحرمة متعلقة بصفة الميتة أو الخمر، وبالضرورة لا يزول ذلك، فإذا ~~امتنع المضطر كان امتناعه من تناول الحرمة فلا يأثم، لأنه متمسك بالعزيمة. # --- PageV06P261 ~~*** # ووجه الظاهر أن حالة الاضطرار مستثناة من الحرمة، قال الله تعالى: {وقد ~~فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} والمستثنى من الحرام حلال، ومن ~~امتنع عن الطعام الحلال حتى هلك يكون آثما، وأما لو فعل ما ذكر من غير ~~ملجىء: بأن يكون ms1683 بضرب أو حبس أو قيد، فلم يحل. # (ورخص به) أي بالملجىء (إظهار الكفر مطمئنا بالإيمان قلبه) أي قلب ~~المظهر، لقوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان}... الآية. ولما روى الحاكم في «المستدرك» في تفسير سورة النحل عن ~~أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر وقال: صحيح على شرط الشيخين أن ~~المشركين أخذوا عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه. فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ~~«ما وراءك»؟ قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم ~~بخير. قال: «فكيف تجد قلبك»؟ قال: مطمئنا بالإيمان. قال: «فإن عادوا فعد». ~~ورواه أبو نعيم في «الحلية»، وعبد الرزاق في «مصنفه»، وفيه نزل قوله تعالى: ~~{إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}... الآية. # --- PageV06P262 ~~*** # (وبالصبر أجر) أي وإن لم يظهر الكفر وصبر على ما أكره من قتل أو قطع ~~أثيب، لأن الحرمة لما كانت باقية، كان باذلا نفسه لإعزاز الدين تمسكا ~~بالعزيمة، فكان شهيدا. ولما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما: ~~ما تقول في محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما تقول في؟ ~~قال: أنت أيضا، فخلاه. وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قال: فما تقول في؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد ~~جوابه فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أما الأول فقد ~~أخذ برخصة (الله تعالى)، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له». وما في ~~«صحيح البخاري» من صبر حبيب على القتل، وقوله حين عزموا على قتله: # *ولست أبالي حين أقتل مسلما ** على أي شق كان لله مصرعي # *وذلك في ذات الإله وإن يشأ ** يبارك على أوصال (شلو) ممزع # أي أعضاء جسد مقطع، وهو خبيب بن عدي الأنصاري، حضر بدرا وأسر في غزوة ~~الرجيع سنة ثلاث، فانطلق به إلى مكة فاشتراه بنو الحارث بن ms1684 عامر، وكان خبيب ~~قد قتل الحارث يوم بدر كافرا، فاشتراه بنوه فأقام عندهم أسيرا، ثم صلبوه ~~بالتنعيم، وهو أول من صلب من أهل الإسلام، ولما خرجوا به من الحرم ليقتلوه ~~قال: دعوني أصلي ركعتين، ثم أنشأ البيتين. # (و) رخص بالملجىء (إتلاف مال مسلم) لأن مال الغير يستباح للضرورة، كما في ~~حال المخمصة، وقد تحققت الضرورة هنا. ولو صبر حتى قتل كان شهيدا، لأنه بذل ~~نفسه لإعزاز الدين، لأن الحرمة باقية، فالامتناع عزيمة. # --- PageV06P263 ~~*** # (وضمن الحامل) لصاحب المال، لأن المكره آلة للحامل فيما يصلح آلة، وهو ~~الإتلاف، فكان الحامل هو المتلف لهذا المال. (لا قتله) أي لا يرخص قتل ~~المسلم بالإكراه الملجىء على قتله، لأن قتل المسلم لا يباح للضرورة، فكذا ~~للإكراه. ولأن دليل الرخصة خوف التلف، والمكره والمكره عليه في ذلك سواء. ~~فسقط الكره للتعارض. # ولو قال: لتقطعن يد نفسك أو لأقطعنها أنا، لم يسعه قطعها، لأنه في ~~الجانبين عليه ضرر قطع اليد، وإذا امتنع صارت يده مقطوعة بفعل المكره، وإذا ~~أقدم عليه صارت مقطوعة بفعل نفسه، وهو يتيقن بما يفعله بنفسه، ولا يتيقن ~~بما هدده به المكره، إذ ربما يخوفه بما لا يحققه، فلهذا لا يسعه قطعها، ولو ~~قطعها لم يكن على الذي أكرهه شيء. # وكذا لو قال له: لتقتلن نفسك بهذا السيف، أو لأقتلنك (به، لم يكن هذا ~~إكراها لما قلنا. ولو قال: لتقتلن نفسك بهذا السيف، أو لأقتلنك) بالسياط، ~~أو ذكر (له) نوعا من القتل هو أشد عليه مما أمره أن يفعله بنفسه، فقتل نفسه ~~قتل به الذي أكرهه، لأن الإكراه تحقق هنا، فإنه قصد بالإقدام على ما طلب ~~منه دفع ما هو أشد عليه، إذ القتل بالسياط أفحش وأشد على البدن من القتل ~~بالسيف، لأن القتل به يكون لحظة، وبالسياط يطول ويتوالى الألم. وإليه أشار ~~حذيفة حيث قال: فتنة السوط أشد من فتنة السيف. # (ويقاد هو) أي الحامل إن كان القتل عمدا (فقط) أي ولا يقاد الفاعل معه ~~ولا وحده، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال مالك ms1685 والشافعي وأحمد: يقادان، ~~لأن الفاعل قاتل حقيقة والحامل متسبب، والمتسبب عندهم في القود كالمباشر، ~~كما في شهود القصاص إذا رجعوا. وقال زفر: يقاد الفاعل فقط، وقال أبو يوسف: ~~لا يقاد واحد منهما، لأن الفاعل قاتل حقيقة لا حكما، والحامل بالعكس، ~~فتمكنت الشبهة من الجانبين. # --- PageV06P264 ~~*** PageV06P265 ### | CHECK [شرح النقاية- ج4] # شرح الوقاية # ولو أكره على ترد من جبل عال، أو على اقتحام نار مضطرمة لا يرجو النجاة ~~منها، أو على طرح نفسه في ماء مهلك يقتل، له الصبر والاقتحام عند أبي ~~حنيفة، لأن من الناس من يختار ألم النار على ألم السيف، وصبره محمد ومنعه ~~عن فعل ما أمر به، واضطرب قول أبي يوسف بين الصبر والاقتحام، وكذا الخلاف ~~بينهم لو وقعت نار في سفينة: إن صبر احترق، وإن ألقى نفسه غرق. # وحكم الإكراه على التردي المهلك، والإلقاء في الماء المغرق، لزوم الدية ~~على المكره عند أبي حنيفة. وعند محمد: قتل الحامل على التردي والإلقاء في ~~الماء، كما يقتل الحامل على اقتحام النار بالقتل، ويوافق أبو يوسف محمدا في ~~وجوب القود في الصور الثلاث في الصحيح عنه، لأنه لما أبيح له الإقدام صار ~~آلة للمكره. والدليل عليه: حديث زيد بن وهب قال: استعمل عمر بن الخطاب رجلا ~~على جيش فخرج نحو الجبل، فانتهى إلى نهر ليس عليه جسر في يوم بارد، فقال ~~أمير الجيش لرجل: انزل فابغ لنا مخاضة نجوز فيها، فقال الرجل: إني إن دخلت ~~الماء أموت، فأكرهه، فدخل الماء وقال: يا عمراه، ثم لم يلبث أن هلك، فبلغ ~~ذلك عمر وهو في سوق المدينة، فقال: يا لبيكاه يا لبيكاه، فبعث إلى الأمير ~~فنزعه وقال: لولا أن يكون سنة لأقدته منك، ثم غرمه الدية، وقال: لا تعمل لي ~~عملا أبدا. # فقال: إنما أمره الأمير بهذا على غير إرادة قتله، بل ليدخل الماء فينظر ~~لهم مخاضة فضمنه عمر ديته، فكيف بمن أمره وهو يريد قتله بذلك. وفيه دليل ~~على أنه يجب القود على المكره، وأنه يجب بغير سلاح. # --- PageV07P001 ~~*** # ومعنى قوله: (لولا) أن يكون ms1686 سنة: يعني في حق من لا يقصد القتل، ويكون ~~مخطئا في ذلك. فهو تنصيص على أنه إذا كان قاصدا قتله بما لا يلبسه، فإنه ~~يستوجب القود. وأبو حنيفة يقول: إنما قال عمر ذلك على سبيل التهديد، وقد ~~يهدد الإمام بما لا يتحقق، ويتحرز عن الكذب ببعض معاريض الكلام، والله ~~تعالى أعلم بحقائق المرام. # (وصح نكاحه) أي نكاح من أكره على نكاح امرأة (وطلاقه) أي طلاق من أكره ~~على طلاق امرأة (وعتقه) أي عتق من أكره على إعتاق عبده أو أمته، فإن هذه ~~العقود تصح عندنا مع وجود الإكراه قياسا على صحتها مع وجود الهزل. وعند ~~مالك والشافعي وأحمد: لا تصح. (ورجع) السيد على الحامل له (بقيمة العبد) ~~سواء كان الحامل له موسرا أو معسرا (ونصف المسمى) أي ورجع المطلق على ~~الحامل بنصف المسمى (إن لم يطأ) قيد به، لأنه لا يرجع في الموطوءة بشيء، ~~لأن ما عليه في غير الموطوءة كان على شرف السقوط، بأن جاءت الفرقة من جانب ~~المرأة، وإنما تقرر بالطلاق، فكان الإكراه عليه إتلافا للمال من هذا الوجه، ~~فانضاف إلى الحامل من حيث إنه إتلاف، بخلاف ما إذا دخل بها، لأن المهر تقرر ~~بالدخول لا بالطلاق. # (و) صح (نذره) أي نذر من أكره على نذر (ويمينه) أي حلف من أكره على حلف ~~على شيء، لأن النذر واليمين لا يلحقهما الفسخ، وكل ما لا يلحقه الفسخ لا ~~يؤثر فيه الإكراه. (و) صح (ظهاره) أي ظهار من أكره على أن يظاهر من امرأته، ~~حتى لا يجوز له قربانها حتى يكفر، لأن الظهار من أسباب التحريم كالطلاق ~~فيستوي فيه الجد والهزل، فكذا الكره والطوع. # --- PageV07P002 ~~*** # (و) صحت (رجعته) أي رجعة من راجع امرأة كرها، لأن الرجعة استدامة النكاح ~~فكانت ملحقة به (و) صح (إيلاؤه) أي إيلاء من أكره على الإيلاء، لأن الإيلاء ~~يمين في الحال وطلاق في المآل، والإكراه لا يمنع واحدا منهما. (و) صح ~~(فيؤه) أي فيء من أكره على الفيء (فيه) أي في الإيلاء، لأن الفيء يصح مع ~~الهزل، ms1687 فكذا مع الكره، ولأنه كالرجعة في الاستدامة. # (و) صح (إسلامه) أي إسلام من أسلم كرها (بلا قتل) أي ولا يقتل لو رجع عن ~~الإسلام بل يحبس، لأن الشبهة لما تمكنت في إسلامه رجحناه، لأن الإسلام يعلو ~~ولا يعلى عليه، ودرأنا عنه القتل في رجوعه لاحتمال عدم ردته، (لا إبراؤه) ~~أي لا يصح إبراء من أكره على إبراء شخص من دين أو كفالة. (و) لا تصح (ردته) ~~أي ردة من أكره على الردة حتى لا تبين زوجته، لأن الردة تتعلق بالاعتقاد، ~~بدليل أن من نوى أن يكفر يصير كافرا وإن لم يتكلم بالكفر، والإكراه دليل ~~على عدم تغير الاعتقاد. (وإن زنى) من أكره على الزنا (حد إلا إذا أكرهه ~~سلطان) وهذا عند أبي حنيفة، وعندهما لا يحد، وقد سبق التحقيق، والله تعالى ~~ولي التوفيق. # كتاب الحجر # (هو) بالفتح لغة: المنع مطلقا، ومنه سمي العقل حجرا بالكسر ، لقوله ~~تعالى: {هل في ذلك قسم لذي حجر}، وسمي به، لأنه يمنع صاحبه عن القبائح. ~~وسمي الحطيم حجرا، لأنه منع من بناء الكعبة. # وشرعا: (منع نفاذ القول) لا الفعل، لأن الحجر في الأمور الحكمية دون ~~الحسية، ونفاذ القول حكمي، لأنه يرد ويقبل، بخلاف نفاذ الفعل فإنه حسي لا ~~يرد إذا وقع، فلا يتصور الحجر فيه. فلو أتلف صبي أو مجنون مال الغير يجب ~~الضمان، وسيجيء. # --- PageV07P003 ~~*** # (وسببه) أي الحجر (الصغر) لأن معه عدم العقل إن كان خاليا عن التمييز، ~~ونقصانه إن كان مميزا إلا أن هذا التمييز ينجبر بإذن الولي ويصير الصغر به ~~كالبلوغ، (والجنون) لأنه إما مع عدم العقل أصلا وذلك فيمن لا يفيق صاحبه منه. # وحكمه: أن لا يصح تصرف المبتلى به وإن أجار وليه لفقد أهلية التصرف منه، ~~وإما مع نقصان العقل وذلك فيمن يجن مرة ويفيق مرة أخرى. وحكمه: أنه في حال ~~الإفاقة كالعاقل. وأما المعتوه، وفسر بالقليل الفهم المختلط الكلام الفاسد ~~التدبير، إلا أنه لا يضرب ولا يشتم. فحكمه: أنه كالصبي العاقل في تصرفاته ~~ورفع التكليف عنه. # (والرق) لأن العبد وما ms1688 في يده لمولاه، فلا ينفذ تصرفه القولي لأجل حقه ~~فللمولى أن يرفعه بفسخه، ولكن إذا رضي بتصرفه جاز لكونه رضي بفوات حقه. ~~والحكمة في ذلك أن الله خلق الورى وميز بينهم في الحجر فجعل بينهم ذوي ~~النهى، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، وجعل بعضهم مبتلى ببعض أسباب الردى. # (وضمنوا) أي الصغير والمجنون والعبد (بالفعل) أي بإتلاف مال الغير، لأن ~~في ضمانهم إحياء لحق المتلف عليه في المحل المعصوم، وهذا بالاتفاق. فإذا ~~قتل إنسانا، أو قطع يده، أو أراق شيئا لا يمكن جعل ما ذكر كالعدم، لأنه ~~يؤدي إلى إبطال العصمة، وهو قول باطل عند جمهور الأئمة، بخلاف الأقوال فإن ~~اعتبارها بالشرع في جميع الأحوال، فأمكن أن لا تعتبر شرعا بالنسبة إلى بعض ~~دون بعض لعارض. # --- PageV07P004 ~~*** # (وأخر) العبد (إلى العتق في الإقرار بمال) لأن إقرار العبد نافذ في حق ~~نفسه، لقيام أهليته لكونه مكلفا غير نافذ في حق سيده، لأن نفاذه في حقه ~~لا يخلو عن تعلق الدين برقبته، أو كسبه، وكلاهما لسيده، فلا يستحق شيء ~~منهما بإقراره، لأن إقرار الإنسان لا يقبل على غيره. فإن أقر العبد بمال لم ~~يلزمه في الحال لقيام المانع، ولزمه بعد الحرية لانتفائه. # (وعجل) في الإقرار (بحد وقود) لأن العبد فيهما مبقى على أصل الحرية، ~~لأنهما من خواص الآدمية، وهو ليس بمملوك من حيث إنه آدمي بل من حيث إنه ~~مال، وإذا كان فيهما مبقى على أصل الحرية نفذ إقراره بهما في الحال، لأنه ~~أقر بما هو حقه وبطل حق المولى ضمنا، وفيه خلاف زفر. # (ولا يحجر) عند أبي حنيفة على الحر العاقل البالغ (بسفه) وهو الإسراف في ~~النفقة والتبذير لا لغرض أو لغرض لا يعتبره العقلاء من أهل الديانة، مثل: ~~دفع المال إلى المغنين واللعابين، وشراء الحمام الطيارة بالثمن الغالي ~~(وفسق) إذا كان الفاسق مصلحا لماله، وحجر عليه الشافعي، (ودين) بفتح الدال، ~~لأنه حر مخاطب، فكان مطلق التصرف في ماله كالرشيد، كتزوجه وطلاقه اتفاقا. ~~(وحجر) عنده (مفت ماجن) وفسر بالذي يعلم الناس الحيل (وطبيب ms1689 جاهل، ومكار ~~مفلس) وهو الذي يكاري على دابة للسفر ويأخذ الكراء ولا دابة له. وإنما رأى ~~أبو حنيفة الحجر على هؤلاء دفعا لضررهم عن الناس. # --- PageV07P005 ~~*** # ولا يحجر القاضي على المديون الذي خيف منه إتلاف ماله بطريق الإقرار عند ~~أبي حنيفة وإن طلب غرماؤه الحجر عليه، لأن فيه إهدار أقواله وإلحاقه ~~بالبهائهم، فلا يجوز لدفع ضرر خاص، بل يحبسه كما سيأتي. ويحجر عند أبي يوسف ~~ومحمد ومالك والشافعي وأحمد بالدين إذا طلب الغرماء من القاضي الحجر عليه، ~~فيمنعه من البيع والتصرف والإقرار نظرا للغرماء كيلا يضر بهم، ولما روى ~~الدارقطني عن كعب ابن مالك، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجر ~~على معاذ ماله في دين كان عليه. وعن عبد الرحمن بن كعب قال: كان معاذ شابا ~~سخيا، وكان لا يمسك شيئا. فلم يزل يداين حتى أغرق ماله في الدين، فأتى ~~غرماؤه النبي صلى الله عليه وسلم فكلموه، فباع صلى الله عليه وسلم ماله حتى ~~قام معاذ بغير شيء. # ولقول عمر بن الخطاب: «أيها الناس إياكم والدين، فإن أوله هم وآخره حزن. ~~وإن أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج فادان معرضا ~~فأصبح قد رين به، إلا أني بائع عليه ماله وقاسم ثمنه بين غرمائه بالحصص، ~~فمن كان له عليه دين فليغد». فلم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان هذا ~~اتفاقا منهم على أنه يباع على المديون ماله. وقوله فادان معرضا: أي استدان ~~معرضا: وهو الذي يعترض الناس فيستدين ما وجد، ممن وجد، مهما أمكنه، ولا ~~يبالي ممن تبعه. وقوله: رين: أي غلب، يقال: رين بالرجل رينا: إذا وقع فيما ~~لا يستطيع الخروج منه، ومنه قوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون}. # --- PageV07P006 ~~*** # وأبو حنيفة استدل بقوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم}، وبيع المال على المديون بغير رضاه ليس بتجارة عن ~~تراض. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب ms1690 (نفس ~~منه». و) نفسه لا تطيب ببيع القاضي ماله عليه، فلا ينبغي له أن يفعله لهذا ~~الظاهر. والدليل عليه أنه يحبسه بالاتفاق. ولو جاز له بيع ماله لم يشتغل ~~بحبسه، لما فيه من الإضرار به وبالغرماء من تأخير وصول حقهم إليهم. وتأول ~~حديث معاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم باع ماله بسؤاله، لأنه لم يكن في ~~ماله وفاء (بدين)، كقصة جابر في غرمائه. وهذا لأنه عندهم يأمره القاضي أولا ~~ببيع ماله، فإذا امتنع منه يبيعه. ولا يظن أنه كان يأبى أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إياه ببيع ماله حتى يحتاج أن يبيعه عليه بغير ضاه. # والمشهور في حديث أسيفع أن عمر قال: إني قاسم ماله بين غرمائه. فيحمل على ~~أنه كان من جنس الدين، وإن ثبت البيع فإنما كان ذلك برضاه. ألا ترى أن ~~القاضي لا يبيعه عندهم إلا عند طلب الغرماء، ولم ينقل أنهم طالبوه بذلك، ~~وإنما المنقول أنه ابتدأهم بذلك وأمرهم أن يغدوا إليه، فدل أن ذلك كان برضاه. # ويحجر عندهم أيضا بالسفه، لأن النظر للسفيه واجب حقا لإسلامه. # ولو حجر عليه القاضي فرفع ذلك إلى قاض آخر فرفع الحجر عنه جاز، لأن الحجر ~~من الأول ليس بقضاء بل فتوى، لأن القضاء لقطع الخصومة بين المتخاصمين ~~بالقضاء لأحدهما على الآخر، ولم يوجد ذلك. وحجر محمد على السفيه بمجرد حدوث ~~سفهه، اعتبارا بالصبا بلا توقف على حجر القاضي، ووافقه أبو يوسف عليه ~~واعتبره بالمديون، فلو باع شيئا قبل حجر القاضي نفذ عنده. # --- PageV07P007 ~~*** # والأصل لهما، قوله تعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا ~~يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} فهذا تنصيص على إثبات الولاية على ~~السفيه، ولا يكون ذلك إلا بعد الحجر عليه. وقال الله تعالى: {ولا تؤتوا ~~السفهآء أموالكم} إلى أن قال {واكسوهم}، وهذا تنصيص على إثبات الحجر عليه ~~بطريق النظر له. # وقصة حبان بن منقذ الأنصاري وغبنة في البياعات، وسؤال أهله النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يحجر عليه، فلو ms1691 لم يكن الحجر بسبب التبذير في المال ~~مشروعا، لما سأل أهله النبي صلى الله عليه وسلم فيه. وقد طلب (علي) من ~~عثمان الحجر على عبد الله بن جعفر لما اشترى دار الضيافة بمئة ألف، وخوف ~~عبد الله من ذلك والتجاؤه إلى الزبير، وشراء الزبير منه نصفها بخمسين ألفا ~~احتيالا منه لدفع الحجر (عنه)، واعتذار عثمان بقوله: كيف أحجر على رجل ~~شريكه الزبير؟. وإنما قال ذلك لأن الزبير كان معروفا بالكياسة في التجارة، ~~فاستدل برغبته (في الشركة) على أنه لا غبن في تصرفه. # فهذا اتفاق منهم على جواز الحجر بسبب التبذير. والمعنى فيه أنه مبذر في ~~ماله، فيكون محجورا عليه في أفعاله كالصبي بل أولى، لأنه إنما حجر عليه ~~لتوهم التبذير منه وقد تحقق هنا، فلأن يكون محجورا عليه أولى. وإنما جاز ~~تزوجه وطلاقه وإعتاقه بدون إجازة القاضي، لأن كل كلام لا يؤثر الهزل فيه لا ~~يؤثر السفه فيه، لكن يبطل ما زاد على مهر المثل. هذا. # --- PageV07P008 ~~*** # ويدفع القاضي إليه زكاة ماله، ويصرفها هو بحضرة أمينه لئلا يصرفها في غير ~~مصارفها. وينفق عليه القاضي أو أمينه، لأنه لا حاجة فيها إلى نية، كذا على ~~من يلزمه نفقته من ماله، لأن السفه لا يبطل حقوق الناس، ولا يمنعه من حجة ~~الإسلام، لأن الحج فرض عليه إذا كان مستطيعا، والسفيه كالمصلح في الفرائض، ~~ولا من عمرة واحدة استحسانا، لأنه قيل بفرضيتها، فلا يمنع عنها احتياطا، ~~وتنفذ وصاياه في القرب من الثلث. # (وإذا بلغ) الصبي (غير رشيد لم يسلم إليه ماله) عند أبي حنيفة (حتى يبلغ ~~خمسا وعشرين سنة، وصح) # عنده (تصرفه) أي الذي بلغ رشيدا (قبله) أي قبل خمس وعشرين سنة (وبعده) أي ~~بعد الخمس والعشرين سنة (يسلم) إليه ماله (بلا رشد)، وعندهما وهو قول مالك ~~والشافعي وأحمد: لا يسلم إليه ماله، ولا يجوز تصرفه فيه حتى يؤنس رشده، ~~لقوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}، وقوله تعالى: {فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} فإنه تعالى نهى عن الدفع إليه ما دام سفيها، ms1692 ~~وأمر بالدفع إليه إن وجد رشيدا، فلا يجوز الدفع إليه قبل الرشد. لأبي حنيفة ~~قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم} والمراد بعد البلوغ، وسموا يتامى ~~لقربهم من اليتم. # --- PageV07P009 ~~*** # فهو تنصيص على (وجوب) دفع المال بعد البلوغ، إلا أنه يمنع عنه ماله قبل ~~هذه المدة بالإجماع، ولا إجماع هنا فيجب دفع المال بالنص. ولأن أول أحوال ~~البلوغ قد لا يفارقه السفه باعتبار أثر الصبا، فقدرناه بخمس وعشرين سنة، ~~لأنه وقت يتصور أن يصير فيه جدا: بأن يبلغ اثني عشر سنة، ويولد له لستة ~~أشهر، ويبلغ ولده لاثني عشر سنة ويولد له لستة أشهر. والمراد من الآية ~~الأولى أموالنا لا أموالهم، والآية الثانية مشتملة على التعليق بالشرط، وهو ~~لا يوجب العدم عند عدم الشرط عندنا، على أن الشرط رشد نكرة. (فإذا) صار ~~الشرط في حكم الوجود بوجه يوجب جزاءه. # وأول أحوال البلوغ مبدأ مفارقة السفه باعتبار الصبا وبقاء أثره كبقاء ~~عينه، وإذا امتد الزمان فظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثره وحدث ضرب من ~~الرشد لا محالة، لأنه حال (كمال) لبه، فقد روي عن عمر أنه قال: ينتهي لب ~~الرجل إذا بلغ خمسا وعشرين سنة. # (وحبس القاضي المديون) عند أبي حنيفة كغيره (لدينه) أي ليقضي المديون ما ~~عليه من الدين ببيع ماله أو بغيره، وإنما يحبسه دفعا لظلمه بمطله. ولا يكون ~~هذا الحبس إكراها على بيعه، لأن المقصود منه حمل المديون على قضاء دينه بأي ~~طريق شاء في حقه. (وقضى) أي وفى القاضي بلا أمر المديون (دراهم دينه من ~~دراهمه) أي دراهم المديون (و) قضى (دنانيره) أي دنانير دين المديون (من ~~دنانيره) أي دنانير المديون، لأن الدائن لما كان له أن يأخذ دينه إذا ظفر ~~بجنس حقه من غير رضاء المديون، كان للقاضي أن يعينه على ذلك، وصار هذا ~~الفعل منه إعانة للدائن على أخذ حقه. # --- PageV07P010 ~~*** # (وباع) القاضي كلا من الدراهم والدنانير (لقضاء الآخر) فيبيع الدراهم ~~لقضاء الدنانير وبالعكس، وهذا استحسان، والقياس أن لا يبيع كالعروض. ووجه ~~الاستحسان: أن الدراهم والدنانير متحدان في الثمنية ms1693 والمالية ولذا يضم ~~أحدهما إلى الآخر في الزكاة مختلفان في الصورة حقيقة وهو ظاهر وحكما، ~~لأن ربا الفضل لا يجري بينهما. فبالنظر إلى الاتحاد ثبت للقاضي ولاية ~~التصرف، وبالنظر إلى الاختلاف لم يثبت للدائن الأخذ عند الظفر بأحدهما عملا ~~بالشبهين. # ويقسم ثمنه بين الغرماء بالحصص، وينفق عليه وعلى من يلزمه نفقته من زوجته ~~وأولاده الصغار وذوي الأرحام مما في يده، لأن حاجته الأصلية مقدمة على حق ~~الغرماء، ويترك له من ثياب بدنه دست، ويباع الباقي لوقوع الكفاية بالواحد، ~~وهو مختار الحلواني. وقيل: يترك له دستان لئلا يقعد في بيته ملوما محسورا ~~إذا غسل ثيابه. وفي «الفتاوى الصغرى»: إذا كان له ثياب حسنة يمكنه الاكتفاء ~~بما دونها تباع ويكتفي بالدون. (لا عرضه) بسكون الراء (ولا عقاره) أي لا ~~يبيع القاضي عرض المديون ولا عقاره لقضاء دينه، لأن البيع لا بد فيه من ~~الرضاء من الجانبين، ولا رضا هنا من جانب المالك. # (ومن أفلس ومعه عرض شراه فبائعه أسوة للغرماء) أراد من كون العرض معه أنه ~~قبضه بإذن بائعه، واحترز به عمن أفلس قبل قبض عرض شراه، فإن بائعه لا يكون ~~أسوة للغرماء، بل له أن يحبس العرض حتى يقبض الثمن، وعمن أفلس بعد قبض ~~العرض بغير إذن بائعه، فإن لبائعه أن يسترده ويحبسه بالثمن. وقال مالك ~~والشافعي وأحمد: بائع العرض أحق به في حياة المشتري، وبعد مماته هو أحق به ~~عند الشافعي فقط، لما في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به من غيره». # --- PageV07P011 ~~*** # وأول أحوال البلوغ مبدأ مفارقة السفه باعتبار الصبا وبقاء أثره كبقاء ~~عينه، وإذا امتد الزمان فظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثره وحدث ضرب من ~~الرشد لا محالة، لأنه حال (كمال) لبه، فقد روي عن عمر أنه قال: ينتهي لب ~~الرجل إذا بلغ خمسا وعشرين سنة. # (وحبس القاضي المديون) عند أبي حنيفة كغيره (لدينه) أي ليقضي المديون ما ~~عليه من الدين ببيع ماله ms1694 أو بغيره، وإنما يحبسه دفعا لظلمه بمطله. ولا يكون ~~هذا الحبس إكراها على بيعه، لأن المقصود منه حمل المديون على قضاء دينه بأي ~~طريق شاء في حقه. (وقضى) أي وفى القاضي بلا أمر المديون (دراهم دينه من ~~دراهمه) أي دراهم المديون (و) قضى (دنانيره) أي دنانير دين المديون (من ~~دنانيره) أي دنانير المديون، لأن الدائن لما كان له أن يأخذ دينه إذا ظفر ~~بجنس حقه من غير رضاء المديون، كان للقاضي أن يعينه على ذلك، وصار هذا ~~الفعل منه إعانة للدائن على أخذ حقه. # (وباع) القاضي كلا من الدراهم والدنانير (لقضاء الآخر) فيبيع الدراهم ~~لقضاء الدنانير وبالعكس، وهذا استحسان، والقياس أن لا يبيع كالعروض. ووجه ~~الاستحسان: أن الدراهم والدنانير متحدان في الثمنية والمالية ولذا يضم ~~أحدهما إلى الآخر في الزكاة مختلفان في الصورة حقيقة وهو ظاهر وحكما، ~~لأن ربا الفضل لا يجري بينهما. فبالنظر إلى الاتحاد ثبت للقاضي ولاية ~~التصرف، وبالنظر إلى الاختلاف لم يثبت للدائن الأخذ عند الظفر بأحدهما عملا ~~بالشبهين. # --- PageV07P012 ~~*** # ويقسم ثمنه بين الغرماء بالحصص، وينفق عليه وعلى من يلزمه نفقته من زوجته ~~وأولاده الصغار وذوي الأرحام مما في يده، لأن حاجته الأصلية مقدمة على حق ~~الغرماء، ويترك له من ثياب بدنه دست، ويباع الباقي لوقوع الكفاية بالواحد، ~~وهو مختار الحلواني. وقيل: يترك له دستان لئلا يقعد في بيته ملوما محسورا ~~إذا غسل ثيابه. وفي «الفتاوى الصغرى»: إذا كان له ثياب حسنة يمكنه الاكتفاء ~~بما دونها تباع ويكتفي بالدون. (لا عرضه) بسكون الراء (ولا عقاره) أي لا ~~يبيع القاضي عرض المديون ولا عقاره لقضاء دينه، لأن البيع لا بد فيه من ~~الرضاء من الجانبين، ولا رضا هنا من جانب المالك. # (ومن أفلس ومعه عرض شراه فبائعه أسوة للغرماء) أراد من كون العرض معه أنه ~~قبضه بإذن بائعه، واحترز به عمن أفلس قبل قبض عرض شراه، فإن بائعه لا يكون ~~أسوة للغرماء، بل له أن يحبس العرض حتى يقبض الثمن، وعمن أفلس بعد قبض ~~العرض بغير إذن بائعه، فإن ms1695 لبائعه أن يسترده ويحبسه بالثمن. وقال مالك ~~والشافعي وأحمد: بائع العرض أحق به في حياة المشتري، وبعد مماته هو أحق به ~~عند الشافعي فقط، لما في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به من غيره». # ولنا قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}، وذلك إن المشتري ~~إذا أفلس استحق بهذا النص النظرة إلى الميسرة، فليس للبائع أن يطالبه ~~قبلها، ولا فسخ بدون المطالبة بالثمن. والحديث محمول على المغصوبات، ~~والودائع، والرهن، والعواري، والإجارات. # --- PageV07P013 ~~*** # (وبلوغ الغلام: بالاحتلام، والإحبال، والإنزال، و) وبلوغ (الجارية: ~~بالاحتلام، والحيض، والإنزال، (والحبل)) والأصل هو الإنزال لقوله تعالى: ~~{وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم} ولكون الحبل والإحبال لا يكونان إلا مع ~~الإنزال، وكذا الحيض لا يكون عادة إلا في وقت الحبل، والحبل لا يكون إلا من ~~الإنزال، وهذا لأن البلوغ عبارة عن بلوغ الإنسان كمال الأحوال. (فإن لم ~~يوجد شيء) من ذلك فحتى يتم له ثماني عشرة سنة، وقيل: تسع عشرة سنة. ويتم ~~لها سبع عشرة، وهذا عند أبي حنيفة، لأنه بلوغ أشد الصبا عند ابن عباس ~~والقبتي، وقد قال الله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ~~حتى يبلغ أشده}. وقيل: اثنتان وعشرون سنة، وقيل: خمس وعشرون سنة، وأقل ما ~~قالوا ثماني عشرة سنة، فوجب تعليق الحكم عليه للاحتياط، ولأنه متفق عليه. ~~غير أن الجارية أسرع إدراكا من الغلام فنقصنا في حقها سنة لاشتمالها على ~~الفصول الأربعة، فربما يوافق فصل مزاجها. # وأما عند أبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد: (فحين يتم لهما خمس عشرة ~~سنة) وهو رواية عن أبي حنيفة (وبه يفتى) لأن ابن عمر عرض على النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة ولم يجزه، وعرض عليه يوم ~~الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه، ولأن بلوغهما لا يتأخر عن الخمس عشرة ~~عادة، والعادة إحدى الحجج الشرعية فيما لا نص فيه. # --- PageV07P014 ~~*** # وأدنى (مدته) أي ms1696 مدة البلوغ بالاحتلام وغيره (له) أي حال كون المدة ~~للغلام (اثنتي عشرة سنة، ولها) أي حال كون المدة للجارية (تسع) ولا يخفى أن ~~ذلك لا يعرف إلا بسماع أو تتبع. وفي «شرح مسلم»: ومن ظرف أحوال عبد الله بن ~~عمرو بن العاص أنه ليس بينه وبين أبيه في الولادة إلا إحدى عشرة سنة، وقيل: ~~اثنتي عشرة سنة (فصدقا حينئذ إن أقر به) أي صدق الغلام إن أقر بالبلوغ ~~باحتلام أو نحوه في اثنتي عشرة سنة. وصدقت الجارية إن أقرت بذلك في تسع، ~~لأن ما أقرا به لا يعرف إلا من جهتهما، فيقبل فيه قولهما، كما يقبل قول ~~المرأة فيما لا يطلع عليه غيرها كالحيض. # كتاب المأذون # (الإذن) لغة: الإعلام. # وشرعا عندنا : (فك الحجر، وإسقاط الحق) الثابت بالرق ورفع المانع من ~~التصرف حكما، وإثبات اليد للعبد في كسبه (ثم يتصرف العبد لنفسه بأهليته). ~~وعند الشافعي وأحمد وزفر: توكيل وإنابة (للعبد في كسبه)، ثم يتصرف للمولى ~~بإذنه لأن المانع من التصرف وهو الرق باق بعد الإذن. فعندهم يصح التقييد ~~حتى لا يجوز للعبد أن يجاوز ذلك، كالوكيل. # ولنا أنه بعد الرق أهل للتصرف بلسانه الناطق، وعقله المميز، وهما لا ~~يفوتان بالرق، لأنهما من كرامات بني آدم، وإنما حجر عليه في حالة الرق، لأن ~~تصرفه حينئذ لم يعهد إلا موجبا لتعلق الدين برقبته أو كسبه، وذلك ملك ~~المولى، فلا بد من إذنه كيلا يبطل حقه بغير رضاه، (فلم يرجع بالعهدة على ~~سيده) أي ولكونه يتصرف بأهليته الأصلية لنفسه لا يرجع بما لحقه من العهدة ~~على مولاه. # --- PageV07P015 ~~*** # (ولو أذن) له سيده (يوما فهو مأذون إلى أن يحجر) سيده عليه (ولو أذن) له ~~(في نوع) أو وقت (عم إذنه) لأن المانع حق المولى وقد أسقطه، والإسقاط لا ~~يقبل التقييد، كالطلاق والعتاق. قيد بالنوع، لأنه لو أذن له في شراء شيء ~~بعينه أو بيعه لا يكون مأذونا، وإلا لانسد على المولى باب استخدامه. # (ويثبت) الإذن (صريحا) وهو ظاهر (ودلالة كما إذا رآه سيده يبيع ويشتري ~~وسكت) ms1697 سواء باع عينا مملوكا لمولاه أو لغيره بإذنه، أو بغير إذنه، بيعا ~~صحيحا أو فاسدا، كذا في «الهداية» وغيرها. وقال مالك الشافعي وأحمد وزفر: ~~لا يثبت الإذن بسكوت المولى إذا رأى عبده يبيع ويشتري، لأن السكوت يحتمل ~~الرضا وغيره، فلا يثبت رضاه بالشك. # ولنا: أن العادة جرت بأن من لا يرضى بتصرف عبده ينهاه عنه، بل يؤدبه ~~عليه، فإذا لم ينهه وسكت كان ذلك إذنا له دلالة، ودفعا للضرر عن الناس في ~~المعاملة، فإنهم يعتقدون ذلك إطلاقا منه فيبايعونه، وحملا لفعله على ما ~~يقتضيه الشرع والعرف. كما في سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عند أمر يعاينه ~~عن التغيير والنكير، وسكوت البكر والشفيع. # --- PageV07P016 ~~*** # (فيبيع) أي فيجوز أن يبيع المأذون (ويشتري ولو بغبن فاحش) وقالا: لا يجوز ~~بالغبن الفاحش، لأنه يجري مجرى التبرع. ولأبي حنيفة: أنه تجارة لا تبرع ~~(ويوكل بهما) أي بالبيع والشراء، لأنه من توابع التجارة وربما عجز عن ~~مباشرة الكل بنفسه فيحتاج إلى الإعانة (ويرهن ويرتهن) لأن فيهما إيفاء ~~واستيفاء (ويتقبل الأرض) أي يأخذها قبالة بالاستئجار والمساقاة (ويأخذها ~~مزارعة ويشتري بذرا يزرعه) في أرضه، لأنه به يحصل الربح (أو يشارك عنانا) ~~قيد به، لأنه لا يشارك مفاوضة، لأنها تتضمن الكفالة، وهو لا يملكها لكونها ~~تبرعا (ويدفع المال ويأخذه مضاربة) أي أخذا مضاربة، وهو مفعول مطلق للفعلين ~~من باب التنازع (ويستأجر) البيوت والحوانيت والأجراء، لأن ذلك كله من صنيع ~~التجار (ويؤجر) نفسه، وعند مالك والشافعي وأحمد: لا يؤجرها، لأن الإذن له ~~بالتجارة لا يتناول نفسه، فلا يتناول منافعها، لأنها تابعة لها، ولهذا لم ~~يكن له أن يبيع نفسه ولا أن يرهنها. # ولنا: أن الإجارة من باب التجارة، إذ هي بيع المنافع، ولا يلزم من امتناع ~~بيع النفس امتناع إجارتها. ألا ترى أن الحر لا يملك بيع نفسه، ويملك ~~إجارتها. # (ويقر بوديعة) لأن التاجر قد لا يجد بدا من ذلك، فكان من توابع التجارة ~~(وغصب) لأن ضمان الغصب عندنا ضمان معاوضة، فكان من باب التجارة (ودين) سواء ~~كان دين معاملة ms1698 أو غيرها، لأن الإقرار به من توابع التجارة، وعند مالك ~~والشافعي وأحمد: يقر بدين المعاملة فقط. (ولو) كان إقراره (بعد الحجر) وهذا ~~عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد، وهو قول مالك والشافعي وأحمد: لا يصح ~~بعد الحجر. # --- PageV07P017 ~~*** # (ويهدي) المأذون (طعاما يسيرا) وعند مالك والشافعي لا يهديه إلا بإذنه ~~(ويضيف من يطعمه) لأنه عوض عن طعامه (ومن يعامله) ولو لم يطعمه، لأن التجار ~~قد يحتاجون إلى ذلك (ويحط) المأذون (من الثمن بعيب قدرا عهد) من التجار ~~حطه. وأما الحط بدون العيب بعد تمام العقد فلا يجوز، لأنه تبرع محض. # (ولا يزوج) المأذون عبده أو أمته، لأن التزويج ليس من باب التجارة، بل ~~ربما يترتب عليه نوع من الخسارة. وقال أبو يوسف: يزوج الأمة، لأن في ~~تزويجها تحصيل المهر وسقوط النفقة، فكان كإجارتها. وأما المكاتب والأب ~~والوصي فيملكون الكسب في مال الصغير فلهم تزويجها، وذلك لا يختص بالتجارة. ~~وجعل صاحب «الهداية» الأب والوصي على هذا الخلاف، وهو سهو، فإنه ذكر ~~المسألة في كتاب المكاتب ولم يذكر فيهما خلافا، بل جعلهما كالمكاتب، وكذا ~~في عامة كتب أصحابنا، «كالمبسوط» و«مختصر الكافي» «والتتمة»، كذا في «شرح ~~الكنز». # (ولا يكاتب) (المأذون) عبده، لأن التجارة مبادلة المال بالمال، والكتابة ~~مبادلة المال بفك الحجر في الحال. (ولا يعتق) عبده، لأن العتق فوق الكتابة. # (وكل دين) مبتدأ مضاف، صفته (وجب بتجارة) كبيع وشراء، وإجارة واستئجار ~~(أو بما هو في معناها) أي التجارة (كغرم وديعة، وغصب، وأمانة جحدها، وعقر ~~وجب بوطىء مشرية) أي جارية مشتراة (بعد الاستحقاق) لأنه لاستناده إلى ~~الشراء التحق به (يتعلق برقبته) خبر المبتدأ المقدم، ومعنى تعلق الدين ~~برقبته أنه (يباع فيه) إلا أن يفديه المولى (ويقسم ثمنه) بين الغرماء ~~(بالحصص) لتعلق حق الغرماء برقبته، فصار كتعلقه بمال تركه. # --- PageV07P018 ~~*** # ويشترط لبيع العبد نفسه أن يكون مولاه حاضرا، لأن المولى هو الخصم في ~~رقبة العبد، كما إذا ادعى رقبته إنسان، ولا يشترط ذلك لبيع العبد كسبه بل ~~يشترط حضور العبد، لأن العبد هو الخصم في كسبه. وقال ms1699 مالك والشافعي وزفر: ~~يتعلق بكسبه لا برقبته، لأن رقبته ليست من كسبه، فلا يباع فيه كسائر أموال ~~المولى، وذلك أن رقبته ملك المولى، فلا يتعلق بها الدين إلا بتعليقه. # ولنا: أن هذا دين ظهر وجوبه في حق المولى بسبب العبد، فيتعلق برقبته، ~~كدين الاستهلاك، والمهر، ونفقة الزوجة. # (وبكسب) أي ويتعلق الدين المذكور بكسب (حصل) من العبد (قبل الدين أو بعده ~~وبما اتهب) له قبله (لا) أي لا يتعلق الدين المذكور (بما أخذه سيده منه قبل ~~الدين) لأنه أخذه حين كان فارغا عن الحاجة، فخلص له بمجرد القبض، (وطولب) ~~العبد (بما بقي) من ديونه التي عليه لا في الحال بل (بعد عتقه) لأنه ثابت ~~في ذمته يستوفيه عنه أهله إذا قدر على أيفائه، ولا يقدر على ذلك إلا بعد ~~عتقه، إذ لا يمكن بيعه ثانيا ولا استسعاؤه، لأن المشتري يتضرر بذلك. # (وللسيد أخذ غلة مثله) أي مثل العبد (مع وجود دين) على العبد، إذ لم يكن ~~له ذلك لحجر عليه، فلا يحصل الكسب (والباقي) بعد ما أخذ السيد (للغرماء) ~~لعدم الضرورة فيه وتقدم حقهم. # (ويحجر) العبد المأذون (إن أبق) وعند مالك والشافعي وأحمد وزفر: لا ينحجر ~~بالإباق، لأنه لا ينافي ابتداء الإذن، حتى لو أذن لعبده المحجور عليه الآبق صح. # --- PageV07P019 ~~*** # وجاز للعبد أن يتجر إذا بلغه الإذن، فلا ينافي دوامه. ولنا: أن العادة ~~جرت بأن المولى لا يرضى بتصرف عبده الخارج عن طاعته فكان حجرا عليه دلالة، ~~مع أن الإباق يمنع الإذن ابتداء عندنا على ما ذكره شيخ الأسلام خواهر زاده ~~في «مبسوطه». ولو سلم فإن الدلالة لا تعتبر مع التصريح بخلافها. # (أو) إن (مات سيده، أو) إن (جن مطبقا أو لحق بدار الحرب مرتدا) وإن لم ~~يعلم به، لأن الإذن غير لازم، وما يكون من التصرف غير لازم يعطى لدوامه حكم ~~ابتدائه، فلا بد من قيام أهلية الإذن في حالة البقاء، وهي تنعدم بالموت ~~والجنون ، وكذا باللحوق، لأنه موت حكمي حتى قسم ماله بين ورثته. # (أو حجر) سيده (عليه بشرط ms1700 أن يعلم هو) أي المأذون (وأكثر أهل سوقه) أي ~~سوق العبد، لأن إعلام الكل قد يعسر، فيقام الأكثر مقام الكل، كما في تبليغ ~~الرسالة من الرسل. وقال مالك والشافعي وأحمد: وبلا علمهم أيضا، لأن المولى ~~تصرف في خالص حقه، فينفذ ولا يتوقف على علم غيره. # ولنا: أن الحجر لو صح بدون علمهم للحق الضرر بهم بتأخير حقهم إلى ما بعد ~~عتقه، لأن دينه حين حجره لا يتعلق برقبته وكسبه، وقد باعوا منه على رجاء ~~التعلق بهما. وقيد بالأكثر لأن المولى لو حجر عليه بحضرة الأقل من أهل سوقه ~~لم يصر محجورا عليه. # --- PageV07P020 ~~*** # (والأمة) أي وتنحجر الأمة (إن استولدها) سيدها. وقال: زفر: لا تصير ~~المأذون لها بالاستيلاد محجورا عليها، وهو القياس، لأن الاستيلاد لا يمنع ~~الإذن ابتداء، فإن المولى إذا أذن لأم ولده جاز، فكذا بقاء. ووجه ~~الاستحسان: أن في استيلاد المولى لها دلالة على حجره عليها، لأن العادة ~~جارية بتحصن أمهات الأولاد، وعدم رضاء مواليهن باختلاطهن بالرجال في ~~المعاملة والتجارة، ودلالة الحجر كصريحه. وإنما صح الإذن لأم الولد، لأن ~~الدلالة لا اعتبار لها مع التصريح بخلافها. قيد بالاستيلاد، لأن المأذون ~~لها لا تصير محجورا عليها بالتدبير، إذ لا عادة بتحصين المدبرة فلم توجد ~~دلالة الحجر، فتبقى على ما كانت. (وضمن) سيدها (قيمتها للغريم) لأنه أتلف ~~محلا تعلق به حق الغريم، لأنها باستيلادها امتنع بيعها، وبيعها يوفي حق ~~غريمها. # (ولو شمل دينه) أي العبد (ماله ورقبته لم يملك سيده ما معه) عند أبي ~~حنيفة (فلم يعتق) أي لم ينفذ عتق ما مع المؤذون من العبيد (بإعتاقه) أي ~~بإعتاق سيد المأذون، إذ لا عتق فيما لا يملكه المعتق. وعندهما، وهو قول ~~مالك والشافعي وأحمد: يملك ما معه فينفذ إعتاقه لعبيده ويغرم قيمة ما أعتقه ~~للغريم، لأنه يملك المأذون فيملك كسبه، لأن ملك الرقبة سبب لملك كسبها، ~~واستغراقها بالدين لا يوجب خروج المأذون عن ملكه. ولأبي حنيفة أن ملك ~~المولى إنما يثبت في كسب العبد المأذون خلافة عند فراغه عن حاجته، كملك ~~الوارث. ms1701 والمأذون المشغول بالدين مشغول كسبه بحاجته، فلا يخلفه المولى فيه ~~بخلاف رقبته، لأن المولى لا يخلفه في ملكها، لأنه كان مالكا لها قبل الإذن ~~فاستمر، فبقي ملكه بعد الدين على ما كان قبله. # --- PageV07P021 ~~*** # (ويبيع) المأذون المديون (من سيده بالقيمة) لا بأقل منها لما فيه من ~~التهمة، بخلاف ما إذا باع من الأجنبي بأقل حيث يجوز عند أبي حنيفة، إذ لا ~~تهمة فيه. وقال أبو يوسف ومحمد: إن باع من المولى جاز البيع، فاحشا كان ~~الغبن أو لا، ولكن يخير المولى بين أن يزيل الغبن وبين أن ينقض البيع، لأن ~~في تنفيذه بدون ذلك إبطال حق الغرماء في المالية، بخلاف البيع من الأجنبي ~~بالغبن اليسير حيث يجوز عندهما، ولا يؤمر المشتري بإزالته. # (و) يبيع (سيده منه) أي من المأذون المديون (بها) بالقيمة (أو بأقل) لأن ~~المولى أجنبي من كسبه عند أبي حنيفة، فيصح كما في الأجنبي، وعندهما جواز ~~البيع يعتمد الفائدة وقد وجدت. (فإن باع) سيده منه (بأكثر) من القيمة (نقص) ~~البيع (أو حط الفضل) لأن الزيادة تعلق بها حق الغرماء. # (وبطل ثمنه) أي ثمن المبيع (إن سلم) المولى (مبيعه قبل قبضه) أي قبض ~~السيد الثمن، وهو الدراهم والدنانير. وقيد به، لأن المبيع لو كان عرضا لكان ~~الولي أحق به من الغرماء اتفاقا. (وله) أي للمولى (حبس مبيعه بثمنه) أي ~~لأجل ثمن مبيعه حتى يستوفيه من المأذون. (وصح إعتاقه) أي إعتاق السيد عبده ~~المأذون حال كونه (مديونا) لقيام ملكه فيه (وضمن سيده) للغرماء (الأقل من ~~قيمته ومن دينه) وما بقي من الدين يطالب المأذون به بعد عتقه. # --- PageV07P022 ~~*** # (ولو اشترى) العبد (وباع ساكتا من أذنه وحجره فهو مأذون) وهذا استحسان، ~~والقياس أن لا يكون مأذونا، لأن سكوته يحتمل الإذن وغيره. ووجه الاستحسان: ~~أن الظاهر أنه مأذون لوجوب حمل حال المسلمين على الصلاح ما أمكن، والظاهر ~~هو الأصل في المعاملات دفعا للضرر عن العباد. وعند مالك والشافعي وأحمد: لا ~~يصدق إخباره بكونه مأذونا إلا عند الشافعي في الأظهر. # (ولا يباع) هذا الذي اشترى ms1702 وباع ساكتا (لدينه) أي لأجل ما عليه من الدين ~~(إلا إذا أقر سيده بإذنه) لظهور الدين حينئذ في حق سيده بإقراره، ولو قال ~~سيده: هو محجور عليه كان القول قوله، (فلا) يباع لدينه إلا إذا أثبت ~~الغرماء بالبينة أنه غير محجور عليه. # (وتصرف الصبي). والمعتوه (إن نفع، كالإسلام والاتهاب) أي قبول الهبة (صح ~~بلا إذن) من وليه اكتفاء بأهليته القاصرة (وإن ضر) تصرفه (كالطلاق والعتاق ~~لا) يصح (وإن أذن) وليه لاشتراط الأهلية الكاملة. وأما ما في «الهداية» من ~~قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يملك العبد والمكاتب شيئا إلا الطلاق»، فغير ~~معروف (وما نفع وضر) كالبيع والشراء (علق بإذن وليه) دفعا للضرر بانضمام ~~رأيه، فإن وقع بغير إذنه لم يصح، وإن وقع بإذنه صح (بشرط أن يعقل البيع ~~سالبا) للملك (والشراء جالبا) له. # --- PageV07P023 ~~*** # وقال مالك والشافعي وأحمد: لا ينفذ تصرفه بإذن وليه، لقوله تعالى: {ولا ~~تؤتوا السفهاء أموالكم}... الآية، وقوله تعالى: {حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} حيث شرط البلوغ والرشد للدفع إليهم ~~في هذه الآية، ونهى عن الدفع إلى السفهاء في الأولى. والصبي سفيه وليس ~~ببالغ، والبالغ المعتوه ليس برشيد. # ولنا: قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح} أمر بالابتلاء ~~وهو الامتحان والاختبار وذلك بالإذن في التجارة. (ووليه) أي ولي الصبي، ~~وكذا المعتوه (أبوه ثم وصيه) بعد موته (ثم جده) إن لم يكن الأب ووصيه (ثم ~~وصيه) أي وصي الجد بعد موته (ثم القاضي أو وصيه) وهو الذي أمره بالتصرف في ~~مال اليتيم ولو في حياته، فأيهما تصرف صح عند عدم الأب والجد وأوصيائهما ~~((ولو أقر بما معه من كسبه أو إرثه صح) كما يصح إقرار العبد بذلك)، والله ~~تعالى أعلم. # كتاب الوصايا # (هي): # أي الوصية (إيجاب) أي تمليك شيء (بعد الموت) لكن بطريق التبرع، عينا كان ~~ذلك الشيء أو منفعة. وهي إذا كان على الموصي حق الله كالزكاة والصيام والحج ~~والصلاة واجبة، وإلا فمستحبة. والقياس أن لا تجوز، لأنها تمليك مضاف إلى ~~حال ms1703 زوال الملك، ولو أضاف أحد التمليك إلى حال قيام الملك، بأن قال: ملكتك ~~غدا، كان باطلا، فهذا أولى، إلا أن الشارع أجازها لحاجة الناس إليها. فإن ~~الإنسان مغرور بأمله في طول أجله، مقصر في عمله، فإذا عرض له عارض فخاف ~~الهلاك احتاج إلى تلافي ما فاته بما له، على وجه لو تحقق ما يخافه لحصل حسن مآله. # --- PageV07P024 ~~*** # ويجوز أن يبقى الملك بعد موت المالك باعتبار الحاجة، كما في قدر التجهيز ~~والدين. وقد نطق بها الكتاب والسنة، وانعقد عليها إجماع الأمة. ثم هي واجبة ~~على المديون بما عليه، سواء كان حقا لله كالزكاة والحج، أو حقا للعباد ~~كالديون والأعيان المغصوبة. # (وندبت) الوصية (بإقل من الثلث عند غنى ورثته، أو استغنائهم بحصتهم) لأن ~~فعلها حينئذ صدقة على الأجنبي، وتركها هبة من القريب، والصدقة أولى، لأنها ~~يبتغى بها رضى الخالق، وبالهبة رضى المخلوق. وقيل بالتخيير لاشتمال كل ~~منهما على فضيلة هي: الصدقة، أو الصلة. (كتركها بلا أحدهما) أي كما ندب ترك ~~الوصية عند عدم كل من غنى الورثة واستغنائهم بما يرثون، لما فيه من الصدقة ~~على القريب، ولأن فيه رعاية لحق الفقراء والقرابة جميعا. # (وصحت) الوصية (للحمل) لأنه يصلح خليفة عن الميت في الوراثة، فكذا في ~~الوصية، لأنها أختها غير أنها ترتد بالرد لما فيها من معنى التمليك. (وبه) ~~أي وصحت الوصية بالحمل أيضا، لأنه يجري فيه الإرث فيجري فيه الوصية، لأنها أخته. # لكن (إن ولدت) الحامل بالموصى له أو به (لأقل من مدته) أي مدة الحمل وهو ~~ستة أشهر (من وقتها) أي الوصية. ولا يخفى الفرق بين أقل مدة الحمل وبين ~~الأقل من مدته. # (وهي) الضمير للوصية، والعطف على المستتر في صحت، أي وصحت الوصية ~~(والاستثناء في وصيته بأمة إلا حملها) يعني أن من أوصى بأمة واستثنى حملها ~~صحت وصيته واستثناؤه، لأن الحمل يجوز إفراده بالوصية، فيجوز استثناؤه فيها، ~~لأن كل ما جاز إيراد عقد عليه جاز إخراجه منه. # --- PageV07P025 ~~*** # (ومن المسلم) عطف على للحمل، أي وصحت الوصية من المسلم (للذمي وبعكسه) ~~وهو ms1704 الوصية من الذمي للمسلم، لأنه بعقد الذمة التحق بالمسلمين في ~~المعاملات. ولهذا جاز التبرع المنجز من الجانبين في حال الحياة، فكذا ~~المضاف إلى ما بعد الممات. وكذا المستأمن في حكم الذمي، بخلاف الحربي على ~~أن فيه خلافا أيضا، والمعتمد عدم صحة الوصية له. # ففي «الجامع الصغير»: أن الوصية باطلة لأهل الحرب، لقوله تعالى: {لا ~~ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم إن ا يحب المقسطين إنما ينهاكم ا عن الذين قاتلوكم في ~~الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأؤلئك ~~هم الظالمون}، فالآية الأولى تدل على جواز الوصية للذمي، والآية الأخيرة ~~على بطلان الوصية للحربي. # (وبالثلث) أي وصحت الوصية بالثلث (للأجنبي) ولو لم يجز الورثة، لما أخرجه ~~ابن ماجه في «سننه» عن طلحة بن عمرو المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تصدق عليكم عند ~~وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم». وكذا رواه البزار في «مسنده». ~~ورواه الدارقطني عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم، ليجعلها لكم ~~زيادة في أعمالكم». وعليه إجماع الأمة. # --- PageV07P026 ~~*** # (لا في أكثر منه) أي ولا تصح الوصية للأجنبي بأكثر من الثلث، لقوله عليه ~~الصلاة والسلام في حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال: مرضت عام الفتح مرضا ~~أشفيت على الموت، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فقلت: يا ~~رسول الله إن لي مالا كثيرا، وإنما يرثني ابنتي أفأوصي بمالي كله؟ قال: ~~«لا»، قلت: فبالثلثين؟ قال: «لا»، قلت: فبالنصف؟ قال: «لا»، قلت: فبالثلث؟ ~~قال: «الثلث، والثلث كثير». رواه أصحاب الكتب الستة. # (ولا لوارثه) لما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن إسماعيل بن عياش، ~~عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: ~~«إن الله قد أعطى كل ms1705 ذي حق حقه، فلا وصية لوارث». قال الترمذي: حديث حسن ~~صحيح. وأخرجه أيضا الترمذي والنسائي وابن ماجه عن قتادة، عن شهر بن حوشب، ~~عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ~~الترمذي: حديث حسن صحيح. ويروى عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لا وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة». ويعتبر كونه وارثا وقت الموت لا ~~وقت الوصية. # (وقاتله) أي ولا يصح وصية الشخص لقاتله (مباشرة) عمدا كان القتل أو خطأ، ~~كما يحرم القاتل الوارث الميراث. قيد بالمباشرة، لأن التسبب في القتل لا ~~يمنع الوصية ولا الإرث، لأنه ليس بقتل حقيقة (إلا بإجازة ورثته) استثناء من ~~المنفيات الثلاث، لأن امتناع الوصية فيها إنما هو لحق الورثة. # --- PageV07P027 ~~*** # (ولا) تصح الوصية (من صبي) وعند مالك والشافعي وأحمد: تصح منه في وجوه ~~الخير إذا كان مميزا، لما في «الموطأ»: أنه قيل لعمر بن الخطاب: إن ههنا ~~غلاما لم يحتلم من غسان، ووارثه بالشام، وهو ذو مال وليس هنا إلا ابنة عم ~~له. فقال: فليوص لها (قال: فأوصى لها بمال) يقال له بئر جشم. قال: فبيعت ~~بثلاثين ألف درهم. # ولنا: أنها تبرع، فلا تصح منه، كالهبة والصدقة، وهذا لأن اعتبار عقله ~~فيما ينفعه دون ما يضره، والتمليك بطريق التبرع فيه ضرر باعتبار أصل الوضع ~~والحال وإن اتفق نافعا باعتبار المآل والاستقبال. (ولا) من (مكاتب) وإن ترك ~~وفاء، لأنه ليس من أهل التبرع. (وقدم الدين عليها) أي على الوصية، لأنه أهم ~~منها لكونه واجبا وحقا للعبد، وهي تبرع إن لم يكن بواجب من صلاة أو زكاة أو ~~صوم أو حج، وحق الله تعالى، (وإن كان واجبا لكن) حق العبد لفقره أحق ~~بالوفاء من حق الله تعالى لغناه. # (وتقبل الوصية بعد موته) أي موت الموصي (وبطل قبولها وردها في حياته) لأن ~~ثبوت حكم الوصية بعد موت الموصي، فلا يعتبر قبولها ولا ردها قبله، كما لا ~~يعتبران قبلها. (وبه) أي بالقبول (يملك) الوصية وإن لم يقبضه. ms1706 وقال زفر: ~~يملك بدون القبول كالميراث (إلا إذا مات موصيه ثم) مات (هو) أي الموصى له ~~(بلا قبول) فإن الموصى به يدخل في ملك الموصى له من غير وجود قبول منه. ~~(فهو) أي الموصى به (لورثته) أي ورثة الموصى له، وعند مالك والشافعي وأحمد: ~~ورثة الموصى له كهو في القبول والرد. # --- PageV07P028 ~~*** # (وله) أي للموصي (أن يرجع عنها)، لأنها تبرع، فجاز كما في الهبة قبل ~~القبض. (بقول صريح) كأن يقول: رجعت عن الوصية (أو فعل) عطف على قول، أي ~~للموصي أن يرجع عن الوصية بفعل (يقطع حق المالك (عما غصب) عنه كما مر) في ~~الغصب من اتخاذ الغاصب الحديد سيفا أو الصفر آنية يقطع حق المالك عن الحديد ~~والصفر، لأن الفعل إذا أثر في قطع ملك المالك، فلأن يؤثر في المنع أولى، ~~وكذا إذا خلط الموصى به بغيره بحيث لا يمكن تمييزه. # (أو يزيد) عطف على يقطع، أي أو بفعل يزيد في الموصى به (ما يمنع تسليمه) ~~أي الموصى به (إلا به) أي بما يمنع (كلت السويق) الموصى به (بسمن، والبناء ~~في الدار) الموصي بها (أو تصرف) عطف على فعل (يزيل ملكه) أي ملك الموصي عن ~~الموصى به (كالبيع) بأن باع العين الموصى بها (والهبة) بأن وهبها، لأن ~~الوصية لا تنفذ إلا في ملك الموصي، فإذا أزاله كان رجوعا (لا بغسل ثوب) أي ~~لا يرجع الموصي بغسله ثوب الوصية عن وصيته، لأن العادة جرت بأن من أراد أن ~~يعطي ثوبه لغيره يغسله قبل أن يعطيه له. # (ولا بجحودها) أي ولا يرجع الموصي بجحود الوصية، كذا ذكره محمد في ~~«الجامع الكبير». وذكر في «المبسوط»: أنه يرجع. فمنهم من قال: ما في ~~«المبسوط» محمول على أن الرجوع كان في حضرة الموصى له، وما في «الجامع» ~~محمول على أن الرجوع كان في غيبته، ومنهم من قال: ما في «الجامع» قول محمد، ~~وما في «المبسوط» قول أبي يوسف، وهو الصحيح. وفي «عيون المذاهب»: وبه يفتى، ~~وهو قول مالك والشافعي وأحمد. # --- PageV07P029 ~~*** # (وتبطل هبة المريض) للمرأة نكحها ms1707 بعد الهبة (ووصيته) أي المريض (لمن) أي ~~لامرأة (نكحها) المريض (بعدها) أي بعد الوصية، لأن كلا منهما وصية المريض ~~لوارثه. وحكم الهبة المنجزة الصادرة من المريض حكم الوصية، لأنها وصية ~~حكما. إلا ترى أنها تنفذ من الثلث، وتبطل بالدين المستغرق وحكم الوصية إنما ~~تثبت بعد الموت، لأنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت. (كإقراره) أي كبطلان ~~إقرار المريض. # (و) بطلان (وصيته وهبته لابنه) حال كون الابن (كافرا أو) حال كونه (عبدا ~~إن أسلم) الابن الكافر (أو أعتق) الابن العبد (بعد ذلك) الإقرار والوصية ~~والهبة. # (وهبة مقعد ومفلوج وأشل ومسلول) بالسين المهملة: وهو الذي به مرض السل: ~~وهو بالكسر والضم قرحة تحدث في الرئة إما تعقب (ذات الرئة أو) ذات الجنب، ~~أو زكام ونوازل، أو سعال طويل ويلزمها حمى هاوية. (من كل ماله إن طال مدته ~~ولم يخف موته) من هذه الأشياء، لأنها حينئذ تصير طبعا له، ولهذا لا يشتغل ~~بتداويها. # (وإلا) أي وإن لم تطل مدته وخيف موته منها ومات (فمن ثلثه) لأنها في ~~ابتدائها يخاف الموت، ولهذا يتداوى منها فيكون مرض الموت، ولو صار المبتلى ~~بها صاحب فراش بعد التطاول، فهو كمرض حادث حتى تعتبر تبرعاته من الثلث. # (وإن اجتمع الوصايا) وضاق عنها الثلث (قدم الفرض) وإن أخره الموصي عن ~~غيره، لأنه أهم. (فإن تساوت قوة قدم ما قدم) الموصي، لأن الظاهر من حال ~~الإنسان أن يبدأ بما هو أهم عنده، والثابت بالظاهر كالثابت بالنص. ولو نص ~~على تقديم ما بدأ به لزم تقديمه، فكذا هنا. # --- PageV07P030 ~~*** # وأما لو تساوت رتبة وتفاوتت قوة يقدم الأقوى: فتقدم الزكاة على الحج ~~لتعلق حق العبد في القبض بها، فكان ممتزجا بالحقين. وعن أبي يوسف، وهو قول ~~محمد: يقدم الحج عليها، لأنه يقام بالمال والبدن، وهي بالمال فقط. وتقدم ~~الزكاة والحج على الكفارة، لأنه جاء فيهما من الوعيد ما لم يأت فيها. قال ~~الله تعالى: {ومن كفر فإن ا غني عن العالمين}، وقال: {والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ms1708 أليم}. # وتقدم كفارة القتل والظهار واليمين على صدقة الفطر، لأن وجوبها عرف ~~بالكتاب دون صدقة الفطر. وتقدم صدقة الفطر على الأضحية للاتفاق على وجوبها ~~دون الأضحية. وتقدم كفارة القتل على كفارة الظهار واليمين، لأنها أكثر ~~تغليظا منهما، ألا ترى أن الإسلام شرط في التحرير عنها دونهما وتقدم كفارة ~~اليمين على كفارة الظهار، لأنها لهتك حرمة اسم الله تعالى، وكفارة الظهار ~~لإيجاب العبد حرمة على نفسه. والنذر يقدم على الأضحية، لأن النذر ثابت ~~بالكتاب دونها. # (وإن أوصى) المريض (بحج) أي فرض (أحج) الوصي (عنه راكبا من بلده إن بلغ ~~نفقته ذلك) أي الإحجاج من بلده راكبا، لأن الواجب على الموصي أن يحج من ~~بلده راكبا، إذ لا يلزمه المشي عندنا. وإن قدر عليه، فيجب الإحجاج عنه على ~~الوجه الذي لزمه. (وإلا) أي وإن لم يبلغ نفقته الإحجاج من بلده راكبا (فمن ~~حيث) أي فيحج عنه من مكان (تبلغ نفقته) ذلك، لأن مقصود الموصي تنفيذ ~~الوصية، وقد أمكن على هذا الوجه. # --- PageV07P031 ~~*** # (فإن مات حاج) أي مريد الحج (في طريقه، أو أوصى بالحج يحج عنه من بلده) ~~فإن أحجوا عنه من موضع آخر، فإن كان أقرب من بلده إلى مكة ضمنوا النفقة، ~~وإن كان أبعد لم يضمنوا، لأنهم في الأول لم يحصلوا مقصود الموصي بصفة ~~الكمال، وإطلاقه يقتضي ذلك. وفي الثاني حصلوا مقصوده وزيادة، وهذا عند أبي ~~حنيفة. وقالا: يحج عنه من حيث مات، وعلى هذا الخلاف إذا مات الحاج عن غيره ~~في الطريق. لهما: أن السفر بنية الحج وقع قربة، فسقط فرض قطع المسافة ~~بقدره، وقد وقع أجره على الله، فيبتدىء من مكان الموت، كأنه من أهله بخلاف ~~سفر التجارة، لأنه لم يقع قربه، فيحج عنه من بلده اتفاقا. ولأبي حنيفة: أن ~~الوصية تنصرف إلى الحج من بلده أداء للواجب على الوجه الذي وجب. # (وفي وصيته) أي الموصي (بثلث ماله لزيد وسدسه لآخر ولم يجيزوا) أي الورثة ~~(يثلث) أي يجعل الثلث ثلاثة أسهم، فيعطى منها صاحب السدس واحدا، وصاحب ~~الثلث اثنين، لأن ms1709 كل واحد منهما يستحق بسبب صحيح، وقد ضاق الثلث عنهما، ~~فيقسم بينهما على قدر حقهما كما في أصحاب الديون فيجعل الأقل سهما فصار ~~الثلث ثلاثة أسهم سهم لصاحبه، وسهمان لصاحب الأكثر. # (وبثلثه) عطف على بثلث ماله أي وفي وصية الموصي بثلث ماله لزيد (وكله) ~~لآخر (ينصف) أي يجعل الثلث نصفين (وقالا: يربع أي يجعل الثلث أربعة ويعطى ~~صاحب الثلث ربعا منه، وصاحب الكل الثلاثة الأرباع). # --- PageV07P032 ~~*** # (ولا يضرب الموصى له بأكثر من الثلث عند أبي حنيفة) وفضلاه مطلقا كمالك ~~والشافعي. وفي: «شرح الوقاية»: المراد بالضرب: الضرب المصطلح بين الحساب، ~~فإذا أوصى بالثلث والكل، فعند أبي حنيفة سهام الوصية: اثنان لكل واحد نصف ~~يضرب النصف في ثلث المال، والنصف في الثلث يكون نصف الثلث وهو السدس، فلكل ~~سدس المال. وعندهما: سهام الوصية أربعة، والواحد من الأربعة ربع، فيضرب ~~الربع في ثلث المال، والربع في الثلث يكون ربع الثلث، ثم لصاحب الكل ثلاثة ~~من الأربعة، وهي ثلاثة أرباع الثلث، فيضرب ثلاثة الأرباع في الثلث بمعنى ~~ثلاثة أرباع الثلث، ولصاحب الثلث واحد من أربعة، فيضرب الواحد في الثلث ~~وهو الربع بمعنى ربع الثلث. هذا معنى الضرب، وقد تحير فيه كثير من ~~العلماء. # (إلا في المحاباة) فإن الموصى له يضرب فيها بأكثر من الثلث، (و) كذا في ~~(السعاية والدراهم المرسلة) أي غير المقيدة بأنها ثلث، أو نصف، أو نحوهما. ~~وصورة المحاباة: أن يكون لرجل عبدان: قيمة أحدهما ثلاثون، والآخر ستون، ~~فأوصى بأن يباع الأول من زيد بعشرة والآخر من عمرو بعشرين، ولا مال له ~~سواهما. فالوصية في حق زيد بعشرين، وفي حق عمرو بأربعين، يقسم الثلث بينهما ~~أثلاثا، فيباع الأول من زيد بعشرين والعشرة وصية له، ويباع الثاني من عمرو ~~بأربعين والعشرون وصية له، فأخذ عمرو من الثلث بقدر وصية له وإن كانت زائدة ~~على الثلث. # --- PageV07P033 ~~*** # وصورة السعاية: عتق عبدين قيمتهما ما ذكر، ولا مال له سواهما، فالوصية ~~للأول بثلث المال، وللثاني بثلثي المال، فسهام الوصية بينهما أثلاث: واحد ~~للأول، واثنان للثاني، فيقسم الثلث بينهما ms1710 كذلك، فيعتق من الأول ثلثه وهو ~~عشرة، ويسعى في عشرين، ويعتق من الثاني ثلثه وهو عشرون، ويسعى في أربعين، ~~فيضرب كل بقدر وصيته وإن كان زائدا على الثلث. # وصورة الدراهم المرسلة: أوصى لزيد بثلاثين درهما، ولآخر بستين درهما، ~~وماله تسعون يضرب كل بقدر وصيته فيضرب للأول الثلث في ثلث المال، وللثاني ~~الثلثين في ثلث المال. # ولو أوصى لرجل بجزء من ماله بينه الورثة، لأنهم قائمون مقام الموصي، ~~فإليهم البيان، وجهالة الموصى به لا تمنع صحة الوصية. ولو أوصى بسهم استحق ~~أقل سهام الورثة، وذلك الأقل لا يزاد على السدس، في رواية «الأصل» عن أبي ~~حنيفة إذا كان أخس السهام أكثر من السدس ولم تجز الزيادة عليه. وعلى رواية ~~«الجامع»: تجوز الزيادة على الثلث ولم يجز النقصان عنه، وهما لم يزيداه على ~~الثلث إن زاد أخس السهام، لأن السهم اسم لمقدر مجهول كالجزء، فلا معنى ~~لتقديره بالسدس. وإنما جعلناه عبارة عن نصيب أحد الورثة، لأن ما يصيب أحد ~~الشركاء عند القسمة يسمى سهما، وإنما صرف الأخس، لأنه متيقن إلا إذا زاد ~~على الثلث، فيرد إليه، لأن الوصية بأكثر من الثلث لا تصح عند عدم الإجازة. # --- PageV07P034 ~~*** # وله ما روى البزار في «مسنده»، والطبراني في «معجمه الأوسط» عن محمد بن ~~عبيد الله العرزمي، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن ابن مسعود: أن رجلا ~~أوصى لرجل بسهم من ماله، فجعل له النبي صلى الله عليه وسلم السدس. قال ~~البزار: هذا حديث لا نعلمه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا ~~الوجه، وأبو قيس ليس بالقوي. وذكره عبد الحق في «أحكامه» من جهة البزار، ~~وقال: العرزمي متروك، وأبو قيس له أحاديث يخالف فيها. وقال إياس بن معاوية: ~~السهم في كلام العرب السدس. قلت: إذا كان السهم في اللغة السدس، وقد ورد ~~الحديث به ولو كان ضعيفا فهو مقدم على الرأي، والله تعالى أعلم. # (و) وصيته (بمثل نصيب ابنه صحت) (و) وصيته (بنصيبه) أي نصيب ابنه (لا) أي ~~لا تصح. وقال ms1711 زفر: تصح (والعبرة بحال العقد في التصرف المنجز) وهو ما أوجب ~~حكمه في الحال (فإن كان) واقعا (في الصحة فمن كل ماله وإلا) أي وإن لم يكن ~~واقعا في الصحة، بل كان واقعا في مرض الموت (فمن ثلثه) أي ثلث مال. # وفي «شرح الوقاية»: والمراد التصرف الذي هو إنشاء، ويكون فيه معنى ~~التبرع، حتى إن الإقرار بالدين في المرض (ينفذ من كل المال، والنكاح في ~~المرض) بمهر المثل ينفذ من كل المال، (و) التصرف (المضاف إلى موته) أي موت ~~المتصرف (من الثلث) وإن كان التصرف واقعا (في الصحة. ومرض) هذا مبتدأ (صح) ~~الموصي (منه) صفته، وخبره (كالصحة) حتى إن تصرفاته المنجزة فيه تكون من كل ~~ماله، لأنه ببرئه يتبين أنه لا حق لأحد في ماله. # --- PageV07P035 ~~*** # (وإعتاقه) مبتدأ، أي إعتاق المريض مرض الموت عبدا له (ومحاباته) أي بيعه ~~بنقصان كثير، أو شراؤه بزيادة كثيرة (وهبته وضمانه وصية) خبر، أي كالوصية ~~في أنها تعتبر من الثلث، ويضرب بها مع أصحاب الوصايا. ولا يريد حقيقة ~~الوصية، لأنها إيجاب بعد الموت، وهذه الأشياء منجزة قبله، وإنما اعتبرت من ~~الثلث لتعلق حق الورثة بماله، فصار محجورا عليه في الزائد على الثلث. وهذا ~~في غير الضمان ظاهر، وأما في الضمان، فلأن المريض تبرع ابتداء بإيجابه على ~~نفسه، فيتهم فيه كما في الهبة. # فصل # (جاره: من لصق داره به) أي إذا أوصى لجاره صرف إلى الملاصق لداره، فإنه ~~هو المستعمل عرفا وشرعا، وهذا عند أبي حنيفة وزفر، وهو القياس. وعندهما: ~~إلى من يسكن محلته، ويجتمع معه في مسجدها، لأنه جار شرعا. قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد». رواه الدارقطني عن ~~جابر وأبي هريرة، والحاكم في «مستدركه»، وسكت عنه. وقال ابن حزم: هو الصحيح ~~عن علي. والمعنى: لا صلاة كاملة. وقال أحمد: لا صلاة صحيحة، وفسر الجار بكل ~~من سمع النداء. ثم يدخل فيه الجار الساكن والمالك، والذكر والأنثى، والمسلم ~~والذمي، ويدخل فيها الأرملة، لأن سكناها مضافة إليها، ولا يدخل فيها ms1712 التي ~~لها زوج، لأن سكناها مضافة إلى زوجها، وهي تبع له، فلم تكن جارا حقيقة. # (وصهره: كل ذي رحم محرم من عرسه) أي امرأته، وهذا التفسير للصهر اختيار ~~محمد وأبي عبيد، وكذا كل ذي رحم محرم عن زوجة ابنه وزوجة أبيه، وزوجة كل ذي ~~رحم محرم منه صهر. وقال الحلواني: أبو المرأة وأمها، ولا يسمى غيرهما صهرا. # --- PageV07P036 ~~*** # والأول هو الصحيح، لما في «مسند أحمد والبزار وابن راهويه» عن عائشة ~~قالت: أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء بني المصطلق، فأخرج الخمس ~~منه ثم قسمه بين الناس، فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما، فوقعت جويرية بنت ~~الحارث في قسم ثابت بن قيس بن الشماس الأنصاري، فكاتبها على نفسها على تسع ~~أواق من ذهب إلى أن قالت: فدخلت تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~كتابتها، فقالت: يا رسول الله أنا امرأة مسلمة أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأنك رسول الله، وأنا جويرية بنت الحارث سيد قومه أصابني من الأمر ما قد ~~علمت، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبني على ما لا طاقة لي به، وما أكرهني ~~على ذلك إلا أني رجوتك (صلى الله) عليك فأعني في فكاكي. فقال: أو خير من ~~ذلك؟» فقالت: ما هو؟ قال: أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك». قالت: نعم يا رسول ~~الله قد فعلت، فأدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عليها من كتابتها ~~وتزوجها. فخرج الخبر إلى الناس فقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسترقون، فأعتقوا ما كان بأيديهم من سبي بني المصطلق، فإنه أهل بيت. # قالت عائشة: فلا أعلم امرأة كانت على قومها أعظم بركة منها. وأما كونها ~~صفية فهو وهم، والصواب ما قدمناه. # --- PageV07P037 ~~*** # (وختنه: كل زوج ذات رحم محرم منه) أي أزواج البنات، والأخوات، والعمات، ~~والخالات، وكذا كل ذي رحم محرم من أزواجهن. وقيل: هذا في عرفهم، وفي عرفنا ~~لا يتناول الأزواج المحارم، ويستوي فيه الحر والعبد. (وأهله) عند أبي حنيفة ~~(عرسه)، وعندهما: كل من يعوله وينفق عليه ms1713 غير مماليكه اعتبارا للعرف، ~~ويؤيده قوله تعالى: {وأتوني بأهلكم أجمعين}، وقوله: {فنجيناه وأهله إلا ~~امرأته} فإن المراد من في عياله، ولأبي حنيفة: أن الاسم حقيقة في الزوجة. ~~قال الله تعالى: {وسار بأهله} وقال: {قال لأهله امكثوا}. # (وآله: أهل بيته) فإذا أوصى الرجل لآله دخل في الوصية كل من ينسب إليه من ~~قبل آبائه إلى أقصى أب له في الإسلام، والأقرب والأبعد، والذكر والأنثى، ~~والمسلم والكافر، والصغير والكبير فيه سواء. ولا يدخل فيه أولاد البنات، ~~ولا أولاد الأخوات، ولا أحد من قرابة أمه، لأنهم لا ينسبون إلى أبيه، وإنما ~~ينسبون إلى آبائهم، لأن النسب يعتبر من الآباء. # (وأقاربه) وذو قرابته وأقربائه وأرحامه وأنسابه (وذو أنسابه) هم عند أبي ~~حنيفة: محرماه فصاعدا من ذوي (رحمه، الأقرب فالأقرب غير الوالدين والولد) ~~وعندهما كل من ينسب إلى أقصى أب له في الإسلام، وإن لم يسلم ذلك الأقصى بعد ~~أن أدرك الإسلام، أو إن أسلم، على اختلاف المشايخ. وفائدة هذا الاختلاف ~~تظهر في مثل أبي طالب وعلي رضي الله عنه إذا وقعت الوصية لأحد من أقرباء ~~علي، فمن اكتفى بإدراك الإسلام صرفها إلى أولاد أبي طالب، ومن شرط الإسلام ~~صرفها إلى أولاد علي لا غير، ولا يدخل أولاد عبد المطلب بالاتفاق، لأنه لم ~~يدرك الإسلام. # --- PageV07P038 ~~*** # لهما: أن الاسم يتناول الكل. ولأبي حنيفة: أن الوصية أخت الميراث، وفي ~~الميراث يعتبر الأقرب فالأقرب، وكذا في أخته، والقصد من هذه الوصية تلافي ~~ما فرط في إقامة واجب الصلة، وهو مختص بذي الرحم المحرم، وأما قرابة الولاد ~~فلا يسمون أقرباء عادة. ألا ترى إلى عطف القريب على الوالدين في قوله ~~تعالى: {الوصية للوالدين والأقربين} والعطف يقتضي المغايرة، ويدخل الجد ~~والجدة وولد الولد في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يدخلون. # قيد بالمحرم، لأنه لو انعدم بطلت الوصية. وقيد بالانثنين فصاعدا، لأن ~~الواحد لا يأخذه عنده، لأن المذكور لفظ الجمع، وفي الميراث يراد بالجمع: ~~المثنى فصاعدا، فكذا في الوصية. ويستوي الحر والعبد، والمسلم والكافر، ~~والصغير والكبير، والذكر والأنثى ms1714 على المذهبين. # (وفي ولد زيد) أي في الوصية لولد زيد (الذكر والأنثى سواء) لأن اسم الولد ~~يشمل الكل، وليس في اللفظ شيء يقتضي التفضيل. (وفي ورثته) أي وفي الوصية ~~لورثة زيد يأخذ (ذكر كأنثيين) لأن الورثة مشتقة من الوراثة، وبناء الحكم ~~على المشتق يشعر بأن مأخذ الاشتقاق علة ذلك الحكم، والوراثة بين الأولاد ~~والأخوة للذكر مثل حظ الأنثيين، فكذا الوصية. # (وفي بني فلان) تأخذ (الأنثى منهم) في قول أبي حنيفة الأول، وهو قولهما، ~~لأن جمع الذكور يتناول الإناث. قال الله تعالى: {وإن كانوا إخوة رجالا ~~ونساء}، ثم رجع وقال: يأخذ الذكور خاصة، لأن حقيقة الاسم للذكور، وانتظامه ~~للإناث تجوز، والكلام بحقيقته. وهذا بخلاف ما إذا كان بنو فلان: اسم قبيلة ~~أو فخذ، حيث يتناول الذكور والإناث، لأنه لا يراد أعيانهم بل مجرد انتسابهم ~~كبني آدم، ولذا يدخل فيه مولى العتاقة، ومولى الموالاة، وخلفاؤهم. # --- PageV07P039 ~~*** # (وبطلت الوصية لمواليه) مطلقا (فيمن له معتقون ومعتقون) لأن لفظ المولى ~~مشترك بينهما، فلا ينتظمهما في موضع الإثبات، ولا قرينة تدل على أحدهما، ~~بخلاف ما لو حلف لا يكلم موالي فلان، حيث يتناول الأعلى والأسفل، لأنه في ~~مقام النفي ولا تنافي فيه. وقيل: يكون لهما، وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي ~~يوسف، وهو قول الشافعي وزفر. وقيل: يجعلها أبو يوسف للأعلى، لأن شكر ~~الإنعام واجب، وفضل الانعام مندوب، فصار صرف الوصية إلى آداء الواجب أولى. ~~وقيل: يجعلها للأدنى، لأنه محل الحاجة غالبا، فهو أولى. # (وصحت) الوصية (بخدمة عبده، وسكنى داره مدة معينة) كسنة (وأبدا) لأن ~~المنافع يصح تمليكها في حالة الحياة ببدل وغيره، فكذا في حالة الممات كما ~~في الأعيان، ويكون كل من العبد والدار محبوسا على ملك الميت في حق المنفعة ~~حتى يتملكها الموصى له على ملكه، كما يستوفي الموقوف عليه منافع الوقف على ~~حكم ملك الواقف. (و) صحت الوصية (بغلتهما) أي العبد والدار. # --- PageV07P040 ~~*** # (فإن خرجت الرقبة) أي رقبة العبد والدار (من الثلث) أي ثلث التركة (سلمت ~~إليه) أي أعطيت للموصى له، لأن حقه في الثلث ms1715 لا يزاحمه الورثة فيه (وإلا) ~~أي وإن لم تخرج الرقبة من الثلث (قسمت الدار) قسمة الأجزاء أثلاثا (وتهايؤا ~~العبد) أي اقتسموه قسمة مهايأة، فيخدم الورثة يومين والموصى له يوما، لأن ~~حقه في الثلث وحقهم في الثلثين كما في الوصية بالعين، وإنما تعين التهايؤ ~~في العبد، لأنه لا يمكن القسمة فيه بالأجزاء، لأنه لا يتجزأ فيصير إلى ~~المهايأة إيفاء للحقين، بخلاف الدار فإن القسمة فيها بالأجزاء ممكنة، وهو ~~أعدل من قسمة التهايؤ، لما فيها من التسوية بين المتقاسمين زمانا وذاتا، ~~وفي التهايؤ من تقديم أحدهما على الآخر زمانا. # ولو اقتسموا الدار مهايأة جاز، لأن الحق لهم إلا أن الأول أولى لكونه أعدل. # وليس للورثة أن يبيعوا ما في أيديهم من ثلثي الدار، لأن حق الموصى له ~~ثابت في سكنى جميع الدار، بأن يظهر للميت مال آخر، وتخرج الدار من الثلث. ~~وكذا له حق المزاحمة فيما في أيديهم (إذا خرب ما في يده، وبيع الورثة ما في ~~أيديهم) من الثلثين يتضمن إبطال ذلك، فيمنعون منه. # --- PageV07P041 ~~*** # (وبموته) أي الموصى له (في حياة موصيه تبطل) الوصية، لأنها تمليك الموصي ~~بعد موته الموصى به للموصى له، ولا يتصور تملك الموصى له وهو ميت، (و) بموت ~~الموصى له (بعد موته) أي الموصي (يعود) كل من العبد الموصى بخدمته، والدار ~~الموصى بسكناها (إلى الورثة) لأن الموصي أوجب للموصى له أن يستوفي المنافع ~~على حكم ملكه، فلو انتقل الاستيفاء إلى وارث الموصى له لاستحقاق ذلك ابتداء ~~من ملك الموصي بغير رضاه، وذلك لا يجوز. (و) في الوصية (بثمرة بستانه إن ~~مات) الموصي (وفيه ثمرة) جملة حالية (له) أي للموصى له (هذه) الثمرة التي ~~فيه (فقط) أي وليس له ما حدث بعدها. # (وإن ضم) في الوصية كلمة (أبدا فله هذه) أي الثمرة التي في البستان (وما ~~يحدث فيه) من الثمرة فيما يستقبل مدة حياة الموصى له (كما في غلة بستانه) ~~فإن من أوصى بغلة بستانه تكون للموصى له الغلة الموجودة، والتي توجد مدة ~~حياة الموصى له وإن لم يقل ms1716 أبدا. والفرق أن الثمرة في العرف اسم للموجودة، ~~فلا يتناول التي ستوجد، لأنها معدومة إلا بدلالة زائدة مثل التنصيص على ~~التأبيد. والغلة في العرف ينتظم الموجودة وما يوجد مرة بعد أخرى. يقال: ~~فلان يأكل من غلة بستانه وغلة أرضه، والمراد: مما وجد ومما يوجد، فإذا ~~أطلقت يتناولهما تناولا غير موقوف على دلالة أخرى. # --- PageV07P042 ~~*** # وإنما قال: فيه ثمرة، لأن البستان لو لم يكن كذلك، والمسألة بحالها، ~~تناولت الثمرة ما كان موجودا وما يوجد ما عاش الموصى له، كمسألة الغلة، ~~وذلك لأن الثمرة تنتظم الموجود حقيقة ولا تتناول المعدوم إلا مجازا، فإذا ~~كان في البستان ثمرة عند موت الموصي كان لفظ الثمرة مستعملا في حقيقته، فلا ~~يتناول المجاز، وإن لم يكن فيه ثمرة يتناول المجاز، ولا يجوز الجمع بينهما. ~~إلا أنه إذا ذكر لفظ الأبد تناولهما عملا بعموم المجاز، لا جمعا بين ~~الحقيقة والمجاز. # (و) في الوصية (بصوف غنمه وولدها ولبنها له) هذا الجار والمجرور خبر ~~مقدم، أي للموصى له (ما في وقت موته) أي موت الموصي، وليس له ما يحدث بعده ~~سواء (ضم) الموصي كلمة (أبدا أو لا) لأن الوصية إيجاب عند الموت، فيعتبر ~~وجود هذه الأشياء عنده (وتورث بيعة وكنيسة جعلتا في الصحة) أي إذا صنع ذمي ~~في صحته داره بيعة أو كنيسة ومات، فإنها تورث عنه. أما عند أبي حنيفة، ~~فلأنه بمنزلة الوقف، وهو عنده لا يلزم فيورث، فكذا هذا. وأما عندهما، فلأن ~~هذا معصية، فلا يصح وإن كان قربة في معتقدهم فيورث. واستشكل قول أبي حنيفة ~~بأن هذا عندهم كالمسجد عند المسلمين، والمسلم ليس له أن يبيع المسجد، فيكون ~~الذمي في البيعة والكنيسة كذلك. # وأجيب: بأن المسجد محرز عن حقوق الناس خالص لله تعالى، ولا كذلك البيعة ~~في معتقدهم، لأنهم يسكنونها ويدفنون فيها موتاهم، فلم تكن محرزة عن حقوقهم، ~~فكان الملك للذمي فيها ثابتا. والمسجد إذا كان غير محرز عن حقوق المسلمين ~~يورث. ويصح وصية الذمي بما هو قربة في الملتين، كالوصية للفقراء والمساكين، ~~ولإسراج البيت المقدس ونحوه. ms1717 # --- PageV07P043 ~~*** # (والوصية بجعل إحداهما يصح) أي وصية الذمي ببناء داره بيعة أو كنيسة ~~صحيحة، وهذا بالاتفاق إن أوصى بذلك لقوم مسمين وأما إن أوصى به لقوم غير ~~مسمين فعند أبي حنيفة تصح، وعندهما لا تصح. # ولو أوصى بالكراع في سبيل الله ولم يعينه لأحد، فالوصية باطلة عند أبي ~~حنيفة، لأن هذه الوصية في معنى الوقف، وهو غير جائز في المنقول عنده وإن ~~أضيف إلى ما بعد الموت. وجعلاه وقفا في يد الإمام، لما مر في كتاب الوقف من ~~حبس خالد كراعه وأعتده في سبيل الله. # ولو أوصى بثلث ماله في سبيل الله يخصه أبو يوسف بمنقطع الغزاة، لسبقه إلى ~~الفهم عرفا، وزاد محمد: منقطع الحاج لما روينا: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم جعل الحج من سبيل الله. وأجاز محمد الوصية للمسجد وإن لم يذكر الإنفاق ~~عليه، لأن المراد منها الإنفاق على مصالحه. وشرطا لصحتها ذكر الإنفاق عليه، ~~لأنه ليس بأهل للملك، والوصية تمليك، وذكر النفقة بمنزلة الوقف على مصالحه ~~تصحيحا للكلام. # ولو أوصى للعلماء استحقها الفقهاء وأهل التفسير والحديث، وقيل: وأهل ~~الكلام، لا المقرئون والأدباء والمعبرون والأطباء، لقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «العلم ثلاثة: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة، وما ~~سوى ذلك فهو فضل». رواه أبو داود وابن ماجه. ولو أوصى للعقلاء استحقها زهاد ~~العلماء، لأنهم في الحقيقة العقلاء، لتركهم الفاني وميلهم إلى الباقي، ~~والله تعالى أعلم. # فصل # --- PageV07P044 ~~*** # (ومن أوصى إلى زيد فقبل) زيد (عنده) أي في حضوره (فإن رد) زيد الإيصاء ~~(عنده) في حضور الموصي بعد قبوله (رد) أي صح رده، لأنه ليس للموصي ولاية ~~إلزامه التصرف، ولا غرور في رده بحضوره، لأن الموصي متمكن من أن ينيب غيره. ~~(وإلا) أي وإن لم يرد زيد الإيصاء في حضرة الموصي بل رد في غيبته (لا) أي ~~لا يصح الرد، لأن الميت مضى بسبيله معتمدا عليه، فلو صح رد الموصى إليه في ~~غيبته في حياته أو بعد مماته كان مغرورا من جهته، فرد رده. # (فإن سكت) ms1718 الموصى إليه فلم يقبل ولم يرد (فمات موصيه فله) أي للموصى إليه ~~(رده) أي رد (الإيصاء) (وضده) أي ضد رد الإيصاء وهو قبول الإيصاء، لأن ~~الموصي ليس له ولاية إلزام الموصى إليه، فبقي مخيرا. # (ولزم) الإيصاء هذا الساكت (ببيع شيء) بأن يبيع شيئا (من التركة) لأن في ~~ذلك دلالة على الالتزام والقبول، وهو معتبر بعد الموت. وينفذ البيع لصدوره ~~من الوصي (وإن جهل به) أي بالإيصاء لأن العلم ليس بشرط في حقه بخلاف الوكيل ~~(فإن رد) هذا الساكت (بعد موته) أي موت الموصي بأن قال: لا أقبل (ثم قبل) ~~بعد رده بأن قال: قبلت (صح) قبوله، لأن مجرد قوله: «لا أقبل» لا يبطل ~~الإيصاء، لأن في إبطاله ضررا بالميت. # (إلا إذا نفذ قاض رده) بأن حكم بإخراجه عن الوصاية، لأن رده تأكد بحكم ~~القاضي وتقوى به (وإلى عبد) أي ومن أوصى إلى عبد (أو كافر أو فاسق بدله ~~القاضي بغيره) فإن هذه الوصية باطلة على ما ذكره محمد. وعبارة القدوري: ~~أخرجهم القاضي عن الوصية، وهذا يدل على أن الوصية صحيحة، لأن الإخراج إنما ~~يكون بعد الدخول. # --- PageV07P045 ~~*** # (ومن أوصى إلى عبده) أي جعل عبده وصيا (صح إن كان ورثته صغارا) كلهم، ~~وهذا عند أبي حنيفة استحسانا. وقالا: لا يصح، وهو القياس، لأن الرق ينافي ~~الولاية. ولأبي حنيفة: أن لعبده من الشفقة ما لا يكون لغيره. (وإلا) أي وإن ~~لم يكن كلهم صغارا سواء كان كلهم كبارا أو بعضهم (لا) أي لا يصح الإيصاء، ~~لأن للكبير أن يمنعه من أن يبيع نصيبه، حتى له أن يبيع نصيبه من العبد، ~~فيعجز عن الوفاء بما التزم من الوصاية، فلا يفيد الإيصاء إليه فائدة. # (و) من أوصى (إلى عاجز عن القيام بها ضم) أي ضم القاضي (إليه غيره) رعاية ~~لحق الموصي والورثة. ولو شكى الوصي إلى القاضي (ذلك) لا يجيبه حتى يعرف ذلك ~~حقيقة، لأن الشاكي قد يكون كاذبا تخفيفا على نفسه. # (ويبقى) وصي (أمين يقدر) على التصرف وليس للقاضي أن يخرجه عن الوصاية، ~~لأن ms1719 الميت اختاره وارتضاه، ولأنه يقدم على الأب مع وفور شفقته، فأولى أن ~~يقدم على غيره. ولو شكى الورثة أو بعضهم الوصي إلى القاضي، لا ينبغي له أن ~~يعزله، لأنه استفاد الولاية من الميت، إلا إذا ظهر منه الخيانة لزوال ما ~~لأجله جعله الميت وصيا. # (و) من أوصى (إلى اثنين لا ينفرد أحدهما) بالتصرف في تركته عند أبي حنيفة ~~ومحمد (إلا بشراء كفنه وتجهيزه) لأن في تأخير ذلك فساد الميت، ولهذا يملكه ~~الجيران عند ذلك في الحضر، والرفقة في السفر. (والخصومة في حقوقه) لأن ~~الاجتماع فيها متعذر، ولذا ينفرد بها أحد الوكيلين. (وقضاء دينه وطلبه) ~~لأنه ليس من باب الولاية بل من باب الإعانة، بخلاف اقتضاء دينه وهو قبضه ~~لأن الميت إنما رضي بأمانتهما جميعا. # --- PageV07P046 ~~*** # (وشراء حاجة الطفل) الموصى عليه من طعام وكسوة، لأن (في تأخيره إلى ~~الاجتماع) يخاف موته جوعا وعريا (والاتهاب له) أي قبول الهبة للطفل، لأن في ~~تأخيره خوف الفوت. (وإعتاق عبد عين) أي معين، لأنه لا يحتاج إلى الرأي ~~بخلاف إعتاق غير المعين (ورد وديعة وتنفيذ وصية معينتين) لأنه لا يحتاج ~~فيهما إلى الرأي، ولأنهما من باب الإعانة دون الولاية. ألا ترى أن صاحب ذلك ~~يملكه إذا ظفر به (وجمع أموال) للميت (ضائعة) أي على شرف الضياع، لأن في ~~التأخير آفات (وبيع ما يخاف تلفه) لأن فيه ضرورة لا تخفى. # وقال أبو يوسف: ينفرد كل من الوصيين بالتصرف في جميع الأشياء. قيل: ~~الخلاف فيما إذا أوصى إلى كل واحد منهما بعقد على حدة، وأما إذا أوصى ~~إليهما بعقد واحد فلا ينفرد أحدهما باتفاق، ذكره الكاساني. وقيل: الخلاف ~~فيما إذا أوصى إليهما بعقد واحد، وأما إذا أوصى إلى كل واحد بعقد على حدة ~~فينفرد أحدهما بالتصرف اتفاقا، ذكره الحلواني عن الصفار. قال أبو الليث: ~~وهو الأصح، وبه نأخذ. وقيل: الخلاف في الفصلين جميعا، ذكره أبو بكر ~~الإسكاف. قال في «المبسوط»: وهو الأصح. بخلاف الوكيلين إذا وكلهما متفرقا ~~بعقد حيث ينفرد كل واحد منهما بالتصرف اتفاقا. ثم إذا مات ms1720 أحدهما عوض ~~القاضي بدلا عنه اتفاقا. # --- PageV07P047 ~~*** # (ووصي الوصي وصي في ماله ومال موصيه) أي في التركتين. وعند الشافعي وأحمد ~~في رواية: لا يكون وصيا في تركة الأول اعتبارا بالتوكيل في حال الحياة (ولا ~~يبيع وصي) مال الصغير من أجنبي (ولا يشتري) له منه (إلا بما يتغابن الناس) ~~في مثله، وهو ما فيه غبن يسير، لقوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن}. وأما لو اشترى شيئا من مال اليتيم لنفسه، أو باع شيئا من ~~ماله لليتيم جاز عند أبي حنيفة. # وفي إحدى الروايتين عن أبي يوسف: إذا كان لليتيم فيه منفعة ظاهرة، بأن ~~يبيع من الصغير ما يساوي خمسة عشر بعشرة، أو يشتري لنفسه من الصغير ما ~~يساوي عشرة بخمسة عشر. وعلى قول محمد وهو أظهر الروايتين عن أبي يوسف: لا ~~يجوز على كل حال، وبه قال مالك والشافعي، إذ الواحد لا يتولى طرفي البيع ~~لامتناع كونه مطالبا ومطالبا، وهذا في وصي الأب، لأن وصي القاضي لا يجوز ~~بيعه لمال الصغير من نفسه بكل حال اتفاقا. ويجوز للأب بمثل القيمة ~~كالاقتراض، وأبطله زفر لما تقدم. # ولنا: أن الأب لكمال ولايته ووفور شفقته وحاجة الصغير، جعل كشخصين، ~~فيتولى الطرفين. وقال المتأخرون: لا يجوز للوصي بيع عقار الصغير إلا أن ~~يكون على الميت دين، أو يرغب المشتري فيه بضعف الثمن، أو يكون للصغير حاجة ~~إلى الثمن. قال الصدر الشهيد: وبه يفتى. # --- PageV07P048 ~~*** # (ويدفع) الوصي (ماله) أي الصغير (مضاربة) ويأخذه أيضا مضاربة لكن بشرط ~~الشهادة على ذلك نفيا للتهمة إذ ليس فيها تملك ماله (وشركة وبضاعة) لقيامه ~~مقام أبيه (ويحتال) أي ويقبل الحوالة (على الأملأ) أي الأغنى من الغريم (لا ~~على الأعسر) لأن في ذلك نظرا له، وولاية الوصي نظرية. ويأكل منه عند ~~اشتغاله بحاجته، لقوله تعالى: {ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف}. # (ولا يقرض) الوصي مال اليتيم وإن أقرض ضمن، لأنه لا يقدر على الاستخراج ~~بخلاف القاضي، والأب بمنزلة الوصي في أصح الروايتين. # (ويبيع) الوصي (على الكبير الغائب) كل شيء (ألا العقار) ms1721 إن لم يكن عليه ~~دين، وأما إذا كان عليه دين فإن كان مستغرقا للعقار، باع الوصي العقار كله ~~بالاتفاق، وإن لم يكن مستغرقا باع بقدر الدين عندهما، وعند أبي حنيفة رحمه ~~الله تعالى: له بيعه كله. ولو خيف هلاك العقار، قيل: يملك الوصي بيعه، لأنه ~~تعين حفظا كالمنقول، والأصح أنه لا يملك لأنه نادر. # (ولا يتجر) الوصي (في ماله) أي الصغير، لأن المفوض إليه الحفظ دون ~~التجارة. ويقدم وصي الأب على الجد، فإن لم يوص الأب قام الجد مقامه، ولا ~~يلي على مال الطفل أحد غيرهما، والله أعلم. # كتاب الخنثى # --- PageV07P049 ~~*** # (هو) مولود (ذو فرج وذكر، فإن بال من ذكره فذكر، وإن بال من فرجه فأنثى) ~~لأن البول من أحدهما دليل على أنه العضو الأصلي الصحيح، والآخر بمنزلة ~~العيب. (وإن بال منهما حكم بالأسبق) لأن السبق دليل على أن محله هو العضو ~~الأصلي، ولأنه كما خرج البول حكم بموجبه، لأنه علامة تامة، فلا يعتبر بخروج ~~البول من آلة أخرى بعد ذلك. (وإن استويا) بإن لم يسبق أحدهما الآخر، سواء ~~كان الخروج من أحدهما أكثر من الآخر، أو لم يكن (فمشكل) أي فهو الخنثى ~~المشكل عند أبي حنيفة (ولا تعتبر) عنده (الكثرة) وقالا: تعتبر، لأن كثرة ~~البول من أحدهما علامة قوة ذلك العضو وكونه أصليا، ولأن للأكثر حكم الكل في ~~أصول الشرع. فيترجح ذلك العضو بكثرة البول منه. # ولأبي حنيفة: أن كثرة ما يخرج لا يدل على القوة، لأن ذلك قد يكون لاتساع ~~في أحدهما وضيق في آخر. ولو كان الخروج منهما على السواء فهو مشكل ~~بالاتفاق. # (فإن بلغ) الخنثى، فإن ظهر له علامة الرجال: بإن خرجت لحيته، أو وصل إلى ~~النساء، أو احتلم كما يحتلم الرجال، فهو رجل، وإن ظهر له علامة النساء: بأن ~~خرج له ثدي كثدي المرأة، أو نزل له لبن في ثديه، أو حاض، أو حبل، أو أمكن ~~الوصول إليه من الفرج، فهو امرأة، (و) إن (لم يظهر) له (علامة أحدهما) أو ~~تعارضت العلامات (فمشكل) فيؤخذ فيه بالأحوط ms1722 والأوثق في أمر الدين، وهو: أن ~~لا يحكم فيه بحكم وقع الشك في ثبوته. # --- PageV07P050 ~~*** # (فإن قام في صفهن) أي صف النساء (أعاد) صلاته استحبابا إن كان (مراهقا، ~~وحتما إن كان) بالغا، لاحتمال أنه رجل فتفسد صلاته (و) إن قام (في صفهم) أي ~~في صف الرجال (يعيد من بجنبيه ومن خلفه بحذائه) لاحتمال أنه امرأة (وصلى ~~بقناع) لاحتمال أنه أمرأة، فإن كان (بالغا) حرا وجب عليه ذلك، وإلا استحب له. # (ولا يلبس حريرا و) لا (حليا ولا يكشف عند رجل و) لا عند (امرأة ولا يخلو ~~به غير محرم رجل أو امرأة ولا يسافر بلا محرم) من الرجال، كل ذلك احترازا ~~عن ارتكاب المحرم. # (وكره للرجل والمرأة ختنه) أما الرجل فلاحتمال أن الخنثى أنثى، وأما ~~المرأة فلاحتمال أنه ذكر (ويشترى) من ماله (أمة فتختنه إن ملك مالا) لأنه ~~يباح لمملوكه النظر إليه (وإلا) أي وإن لم يملك مالا (فمن بيت المال) يشتري ~~له الإمام أمة تختنه، لأن بيت المال أعد لنوائب المسلمين، فإذا اشتراها له ~~تدخل في ملكه بقدر حاجة الختان. (ثم تباع) إذا ختنته، ويرد ثمنها إلى بيت ~~المال لحصول الاستغناء عنها. # (فإن مات) الخنثى (قبل ظهور حاله لم يغسل) لأن الغاسل إما رجل وإما ~~امرأة، (والخنثى إما رجل أو امرأة)، وحل الغسل غير ثابت بين الرجال ~~والنساء، فيترك لاحتمال حرمته. (وييمم) لتعذر الغسل (ولا يحضر) الخنثى حال ~~كونه (مراهقا غسل ميت) لاحتمال أنه ذكر أو أنثى (وندب تسجية قبره) أي ~~تغطيته، لأنه إن كان أنثى أقيم واجب، وإن كان ذكرا لا تضر التسجية. # --- PageV07P051 ~~*** # (ويوضع الرجل بقرب الإمام، ثم) يوضع (هو)، أي الخنثى خلف الرجل (ثم) توضع ~~(المرأة) خلف الخنثى (إذا صلى عليهم) جميعا (فإن تركه أبوه وابنا فله) (أي ~~الخنثى) عند أبي حنيفة (سهم وللابن سهمان) لأن له عنده أقل النصيبين، أي ~~ينظر إلى نصيبه إن كان ذكرا وإلى نصيبه إن كان أنثى، فأي منهما يكون أقل ~~فله ذلك. # وفي هذه الصورة ميراثه على تقدير الأنوثة أقل فله ذلك. ms1723 (وعند الشعبي) وهو ~~قولهما كما في «الهداية» (له نصف النصيبين) أي يجمع بين نصيب الخنثى إن كان ~~ذكرا ونصيبه إن كان أنثى، وله نصف ذلك المجموع. # (وهو) أي نصف النصيبين (ثلاثة من سبعة عند أبي يوسف) لأنه اعتبر نصيب كل ~~واحد منهما حالة انفراده، فإن الذكر لو كان وحده كان له كل المال، والخنثى ~~لو كان وحده: إن كان ذكرا كان له كل المال، وإن كان أثنى كان له نصف المال، ~~فيأخذ نصف الكل ونصف النصف، وذلك ثلاثة أرباع المال، وللابن كل المال فيجعل ~~كل ربع سهما، فيبلغ سبعة بطريق العول: للابن أربعة، وللخنثى ثلاثة. وإن شئت ~~تقول: له النصف إن كان أنثى والكل إن كان ذكرا، فالنصف متيقن، ووقع الشك في ~~النصف الآخر، فنصف صار ربعا، فالنصف والربع ثلاثة أرباع. # --- PageV07P052 ~~*** # (وخمسة) أي ونصف النصيبين خمسة (من اثني عشر عند محمد) لأن الخنثى يستحق ~~النصف مع الابن إن كان ذكرا، والثلث إن كان أنثى، والنصف والثلث خمسة من ~~ستة، فله نصف ذلك، وهو اثنان ونصف من ستة. وقع الكسر بالنصف فضرب الستة في ~~اثنين صار خمسة من اثني عشر، هو نصيب الخنثى، والباقي وهو السبعة نصيب ~~الابن، وإن شئت تقول: له الثلث إن كان أنثى والنصف إن كان ذكرا، ومخرجهما ~~ستة. فالثلث اثنان والنصف ثلاثة، فاثنان متيقن ووقع الشك في الواحد الآخر، ~~فنصف، صار اثنين ونصفا. وقع الكسر بالنصف، صار خمسة من اثني عشر. # مسائل شتى # (كتابة الأخرس وإيماؤه) أي إشارته (بما يعرف به نكاحه، وطلاقه، وبيعه، ~~وشراؤه، ووصيته، وقوده، كالبيان) أي كما يعرف ذلك بالنطق باللسان، لأن ~~الكتابة ممن نأى بمنزلة الخطاب ممن دنا. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما أدى ما وجب عليه تبليغه بالعبارة أدى بالإشارة، كقوله: «الشهر ~~هكذا، وهكذا، وهكذا». وأدى بالكتابة، ككتابه لهرقل وغيره. # --- PageV07P053 ~~*** # ثم الكتابة منقسمة إلى ثلاثة أقسام: منها مستبين مرسوم، وهو أن يكتب: من ~~فلان إلى فلان أن الأمر كذا وكذا من الطلاق والعتاق ونحوهما، فهذا كالنطق. ~~ومنها مستبين ms1724 غير مرسوم، كالكتابة على الجدار وأوراق الأشجار وعلى الكاغد، ~~لا على وجه رسم الديار، فهذا ليس له اعتبار إلا بانضمام شيء آخر إليه ~~كالبينة والإشهاد عليه والإملاء على الغير حتى يكتب لديه، لأن الكتابة قد ~~تكون للتجربة، وبهذه الأشياء يتبين أنها ليست كذلك. ومنها غير مستبين ~~كالكتابة على الهواء والماء، وهو بمنزلة كلام غير مسموع، فلا يثبت به شيء ~~من الأحكام ولو انضم إليه نية، وإنما جعلت الإشارة حجة للأخرس للحاجة في حق ~~هذه الأحكام، لأنها من حقوق العباد وهي تثبت مع الشبهة. # (ولا يحد) (الأخرس) إذا أقر بما يوجب الحد، ولا قاذفه بطريق الإشارة أو ~~الكتابة. أما إن كان مقذوفا فلأن الحدود تندرىء بالشبهات، ولعله مصدق ~~لقاذفه، فلا يحد قاذفه للشبهة ولعدم تيقن علة الحد. وأما إذا كان قاذفا، ~~فلا يحد لانعدام القذف صريحا بالزنا، وهو شرط فيه. والفرق بين الحد والقود ~~حيث يثبت القود بالكتابة والإشارة، بخلاف الحد. # إن القود حق العبد، (وحق العبد) لا يختص بلفظ دون لفظ، وقد يثبت بدون ~~اللفظ، كالتعاطي بخلاف الحد، فإنه لا يثبت ببيان فيه شبهة. (وقالوا في ~~معتقل اللسان) وهو الذي اعترض له احتباس اللسان حتى لا يقدر على الكلام ~~والبيان (إن امتد ذلك) الاعتقال بأن بقي سنة. وقيل: إلى زمان الموت، وقيل: ~~وعليه الفتوى. (وعلم إشارته) أي المعتقل (فكذا) أي فحكمه حكم الأخرس بخلاف ~~الذي صمت يوما، أو يومين لعارض. # --- PageV07P054 ~~*** # (وفي غنم مذبوحة فيها ميتة) ولا علامة تتميز به الميتة من المذبوحة، إن ~~كان الميتة أكثر، أو كانتا مستويتين. لم يؤكل الغنم في حالة الاختيار، وإن ~~كانت (هي) أي الميتة (أقل تحرى وأكل) ذلك الغنم (في) حالة (الاختيار) قيد ~~به، لأن الميتة المتيقنة يحل أكلها في حالة الاضطرار، فالمشكوك فيها أولى. ~~وعند مالك والشافعي وأحمد: لا يؤكل بالتحري في حالة الاختيار، وإن كانت ~~المذبوحة أكثر، لأن التحري دليل ضروري، فلا يصار إليه من غير ضرورة، (ولا ~~ضرورة) في حالة الاختيار. # ولنا: أن الغلبة تنزل منزلة الضرورة في إفادة الإباحة ، ألا ms1725 ترى أن أسواق ~~المسلمين لا تخلو عن المحرم من مسروق ومغصوب، ومع ذلك يباح التناول اعتمادا ~~على الظاهر، وهذا لأن القليل منه لا يمكن التحرز عنه، فيسقط اعتباره دفعا ~~للحرج، وقد قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، وقال عليه الصلاة ~~والسلام: «بعثت بالحنيفية السمحة، ومن خالف سنتي فليس مني». رواه الخطيب عن ~~جابر رضي الله عنه. # الحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأفصل الصلوات وأكمل التحيات على ~~سيد الموجودات وسند المشهودات، وعلى آله وصحبه وأزواجه الطاهرات، وعلى ~~العلماء والصلحاء الكاملين وسائر المؤمنين والمؤمنات (الأحياء منهم ~~والأموات). # وقد وقع تحرير هذا الكتاب بعون الملك الوهاب على يد مؤلفه رحم مع سلفه، ~~وهو أفقر عباد الله الغني الباري علي بن سلطان محمد القاري، عاملهما ربهما ~~بلطفه الخفي وكرمه الوفي، وذلك بمكة المكرمة قبالة الكعبة المعظمة، عام ~~ثلاث بعد الألف من الهجرة المفخمة). # --- PageV07P055 ~~*** PageV07P056 ms1726