######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010476 #META# 000.BookURI :: #1016.MuhibbDinHanafi.HadiAzcan #META# 010.AuthorAKA :: محب الدين الحموي #META# 010.AuthorNAME :: محب الدين ، محمد بن أبي بكر الحموي (المتوفى : 1016هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1016 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: حادي الأظعان النجدية إلى الديار المصرية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب متنوعة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: حادي الأظعان النجدية إلى الديار المصرية #META# 030.LibURI :: JK_010476 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # نص الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه ثقتي # أن أحلى ما تنطق به ألسنة الأقلام، وأولى ما تتحلى به أسماع ذووي ~~الأفهام، حمد الله سبحانه على نعمه المتوافرة، وشكر واهب المنن على آلائه ~~المتوالية المتواترة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المخصوص بالكرامة، ~~وعلى آله ومن صحبه في السفر والإقامة، والتابعين لهم بأحسن سبيل وأقوم ~~طريق، ومن تبعهم بإحسان وتصديق، ما حن غريب إلى أوطانه، وجذبته دواعي ~~أشواقه إلى أحبابه وإخوانه آمين. # وبعد: فقد قصدت أن أثبت في هذه الاوراق رحلتي إلى الديار المصرية، صحبة ~~قاضي قضاتها صاحب النفس القدسية، والخصال الملكية، شيخ مشايخ الغسلام، وملك ~~العلماء الأعلام، فخر الموالي المدققين، وصدر الأفاضل المحققين، شمس الملة ~~والدنيا والدين، الشهير بجوي زاده أعطاه الله تعالى في الدارين مراده، ولا ~~زال بابه الشريف محط رحال الأفاضل، وعتبتع ملتثم شفاه الأماثل. وذلك أني ~~لما امتزجت بخدمته الشريفة امتزاج الماء بالراح، وتقويت بعنايته تقوي ~~الأشباح بالأرواح، وما ذلك إلا أن لحمة الأدب لما ألفت شملي ألفه النسب، ~~تعلقت برفيع جنابه لخصائص آدابه وتشرفت بصحبته وخدمة أعتابه، مع علمي بما ~~قيل: ان السفر ينتج الظفر، ومعاقرة الوطن تعقر الفطن، وتحقر من قطن، فما ~~خبر كنه حالي كان يمينا لشمالي، وصحبني معه إلى المحمية القاهرة، وأسدى إلي ~~ما أعجز عن شكره من نعمه المتوافرة: # أذاقني العيش الذي أبتغي ... وبلغني الحظ الذي أتمناه # وعلمني كيف المدائح فعله ... وما كنت أدري ما المدائح لولاه # وشاركني في المرتع والمربع،وأحلني محل الأنملة من الأصبع # وحقق آمالي وقرب مجلسي ... وأرشفني كأس النوال مروقا # وقيدني بالمكرمات، أما ترى ... لساني له بالشكر أصبح مطلقا # وكان في ذلك الأثناء قد اتصل بالمسامع الشريفة، وأنهي إلى المواقف ~~العالية المنيفة، أن طائفة النصارى قد جددوا شيئا في الكنيسة الكائنة ~~بالقدس الشريف، ووردت الأوامر الكريمة لمولانا يتوجها للنظر في ذلك بنفسهما ~~الكريمة، ويفتشا على الكنيسة المذكورة وما زاده الكفار على أبنيتها ~~القديمة. فاقتضى الحال أيضا توجه مولانا المفتي المشار إليه، أسبغ الله ~~تعالى نعمه عليه، للتفتيش على الكنيسة ms01 المذكورة والكشف عليها، امتثالا ~~للأوامر الشريفة إليها. # وكان ابتداء سفرنا المبارك من دمشق الشام، يوم الأثنين ثامن عشر شهر ~~شعبان سنة ثمان وسبعين وتسعمائة أحسن الله تعالى لها الختام. وفارقنا تلك ~~الأوطان، ولكن بالأبدان، وخلفنا القلب مرتهنا عند من فارقناه فيها من أفاضل ~~الأخوان، ولله در القائل: # لي في الشام بقية خلفتها ... أودعتها يوم الفراق مودعي # وأظنها لا بل يقينا أنها ... قلبي فأني لا أرى قلبي معي # ثم سرنا في ظل هذا المولى المشار إليه، أسبغ الله تعالى نعمه عليه، ~~منشرحي الصدور مصادفين من بره ولطفه ما يوجب غاية السرور، مع أصحاب كالنجوم ~~الزواهر، بل أحباب كالبدور الأزاهر، منتظمين كنجوم الجوزاء، والجملة ~~المتناسبة الأجزاء: # ما في الصحاب وقد بانت حمولهم ... إلا محب له في الركب محبوب # كأنما يوسف في كل مرحلة ... والحي في كل بيت فيهيعقوب # وما كنا نقطع واديا، ولا نشهد ناديا، إلا ونتجاذب طرف الأناشيد، ونتوارد ~~أطراف الأناشيد: # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالتبأعناق المطي الأباطح # وكان مولانا بلغه الله تعالى غاية الآمال، يجل حضرة المفتي المشار إليه ~~غاية الإجلال، وفي غالب الطريق يجلسه في المحفة مكانه، وكان له عنده من ~~زيادة التعظيم مكانة، على مقتضى ما جبله الله تعالى من لطف الأخلاق، وسلامة ~~الطبع التي والله ما أتصف بها أحد سواه على الإطلاق، وتهذيب نفس شريفة ولكن ~~أي تهذيب، وإفراط تواضع وخلق عجيب: # زادوه تعظيما فزاد تواضعا ... الله أكبر هكذا البشر السوي # ولعمري هو المعني بقول الشاعر: # إمام رست للعلم في أرض صدره ... جبال جبال الأرض في جنبها قف # تفكره علم ومنطقه حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرف PageV01P001 وكان قائما ~~بلوازم المشار إليه ومحمله وكلفه، وخرجه في الذهاب والإياب وسائر مصرفه، ~~حتى أرسل إليه عند إيابه إلى دمشق من العين قدرا جزيلا، وكان له في هذه ~~السفرة نعم الخليل وأكرم به خليلا. # ثم لما كان خامس عشري الشهر المذكور وصلنا إلى المنزل المعروف بلوبية ~~فصادفنا فخر الموالي معلول زاده أفندي دامت معاليه، وصل إلى المكان المذكور ~~ونزل فيه، فاستقبل ms02 مولانا قاضي القضاة المشار إليه، ولما تلاقيا حيا كل ~~صاحبه بالسلام عرض قصة الشوق عليه. وكانت سوابق الركب تقدمت إلى المنزل ~~المعروف بعيون التجار مع الأحمال والخيام المتعلقة بمولانا ذي القدر الأجل، ~~واقتضى الحال النزول في هذا المكان وقلنا لأمر ما قال الشاعر: # عرف المحل فبات دون المنزل # وكان تأخر صحبة مولانا من قسم الخيام بيت التركمان الذي اصطنعه في دمشق ~~لنفسه، فنزل تلك الليلة فيه وأتى المولى المشار إليه لأغتنام مصاحبته ولذيذ ~~أنسه، وكان ثالثهما حضرة المفتي حفظ الله تعالى جناب الخطير، ورابعهم ~~خادمهم الحقير. ومضت تلك الليلة بلطيف المحادثة والمسامرة، وكان الغالب في ~~المحل ذكر أحوال علماء الشام والقاهرة. # ثم أوصى مولانا المولى المشار إليه، في شأن أربعة انفار من طلبة العلم ~~بمصر وأكد في ذلك عليه، بحيث أمر العبد بكتابة أسمائهم لئلا ينساهم، فعجبنا ~~من تخصيصهم بالذكر دون من عداهم. وصار عندنا تلفت إلى المذكورين لنعلم ~~المزية التي استحقوا بها هذا التخصيص، واستوجبوا بسببها الأفراد بالذكر ~~والتنصيص، حتى طابقنا مسمياتهم على اسمائهم الأعلام، وعرفناهم بالكنة فذا ~~هم متساوو الأقدام. # ثم لما بدت غرة الفجر ولاح، وأسفر ضوء الصباح، تأهب كل لمقدمات الرحيل ~~وتلافيها فقصد السير إلى الجهة التي هو موليها، فسار مولانا قاضي القضاة ~~أسبغ الله تعالى نعمه عليه، لتوديع ذلك المولى إلى المكان الذي استقبله ~~إليه. فلما أنقضى التوديع وعزما على الترحال،انطلقنا ذات اليمين وانطلق ذات ~~الشمال. وفي آخر نهار السبت سلخ شهر شعبان بدت لنا لد، فلما قاربنا وصولها، ~~ووافينا دخولها، ونحن سائرون في خدمة المشار إليه مشاهدون وجهة الأغر، إذ ~~شاهدنا أيضا هلال شهر رمضان المعظم فصدق ما قيل: # فكانا هلالين عند النظر # فعند ذلك نوينا للرحمن صوما، وأقمنا بها يوما ويوما، قضاء لحق ما وجب، من ~~مظنة المشقة والتعب. # ثم ان مولانا كان يعتني في هذا الشهر الشريف لمد الموائد، ويجريها على ما ~~هو المعهود منه من أجمل العوائد، مشتملة من النفائس على ما تعجز عن وصفه ~~اللسن، وفيها ما تشتهي النفس وتلذ ms03 الأعين: # لجودك يا قاضي القضاة مزية ... على السحب لا تخفى على من له لب # فأول جود الغيث قطر مبدد ... وغيث نداك الجم أوله سكب # ومن حينئذ توارد طلبة العلم المصريون لاستقبال مولانا، وأتوا إلى خدمته ~~الشريفة رجالا وركبانا، وصاروا من بعد ذلك يتعاقبون، وأقبلوا " من كل حدب ~~ينسلون " . # ثم لما كان اليوم المسفر فجره، عن ثالث رمضان المعظم قدره، قصدنا مشهد ~~سيدنا زكريا ويحيى عليهما السلام بنية الزيارة، ومشهد معاذ وبقية الأماكن ~~المشهورة الأنارة، ودعونا الله تعالى بأدعية مقبولة، وبالإجابة أن شاء الله ~~تعالى موصولة. ثم وجهنا الوجه إلى القدس الشريف لاستباق الخيرات، وللقيام ~~بحق ما يتعين في تلك الأماكن الشريفة من الزيارات. فلما أكدنا بلا استدراك ~~أن المزار قريب، انفرد العبد مع حضرة مولانا المفتي من غير رقيب، وسرنا ~~مصاحبي السرور والاستبشار، متمثلين بقول القائل: # وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار PageV01P002 ~~فبينما نحن نتوارد طرف الأخبار، ونتطارح ملح الاسمار، اذ تطفل شخص من طلبة ~~العلم المصرين راكب حماره يلقب بالجمل، وادخل نفسه في البين واعترض اعتراض ~~الجعل، قصد ان يدلي دلوه في هذه الحياض، ويفصل بين وصل ما نتطارحه بجمل ~~الاعتراض، وكنا نستثقل ظله، ونستبرد طله، لانه اذل اورد كلاما غير مستقيم، ~~ما نراه الا في ليل الوهم يهيم فمسنا من شكاسة مصاحبته ما اورث العناء، ~~وكاد لسان الحال بل اسانه المقال ان يقول له ارحل لا تقيمن عندنا. فاستطرد ~~الكلام الى مدح دمشق الشام فاوردنا شيئا من الشواهد على لطفها وتفصيلها على ~~سائر الامطار، وادرنا في ذلك ما بيننا مدام رائق الاشعار. فاورد الفقير في ~~اثناء المصاحبة، وانشد في ذلك المقام بالمناسبة، الابيات المشهورة في مدحها ~~ومدح جامعها، والمقاطيع الواردة في معنى ذلك المطربة لسامعها، الى ان انتهى ~~الى قول ابن نباته: # ارى الحسن مجموعا بجامع جلق ... وفي صدره معنى الملاحة مشروح # فان يتغالى بالجوامعمعشر ... فقل لهم باب الزيارة مفتوح # فتعرض الرجل المصري للاعتراض ونصب نفسه غرضا للسهام، وقال يا مولانا ما ~~جلق الا ms04 بضمخ الجيم وفتح اللام. فقلت له: ليس الامر كما وهت، والصواب خلاف ~~ما فهمت، لان علماء اللغة قرروا، ونقلوا في كتبهم وحرروا، ان في مادة الجيم ~~واللام مكسورتين بلا خلاف. فكان يتكلم بما لا يشفي الغليل، وطلب من الفقير ~~بعد نقلة كلام اهل اللغةالدليل، وقال: هذا خلاف المشهور في ألسنة الانام، ~~فقلت له: نعم هومن اغلاط مثلك من العوام. ثم أنه نزل عن حماره وساقة امامه، ~~وحاول ان يصحح بالغلط كلامه، فقصد مولانا المفتي الى الهزء به والتبكيت، ~~واراد الزامه باللطف الى حمارك، فان ماذرة مولانا كلام مسلم ليس عليه غبار، ~~وما مثل غلطك الا كمثل الحمار، فان العوام تضم الحاء منه وهي مكسورة، ~~وامثال ذلك كثير من الاغلاط المشهورة، فاستحسن الفقير منه هذا المثال، وقال ~~له: لله درك يا مولاي من مفضال، وفهم والمح اليه من قصد الازدواج، وطفح ~~علينا السرور والابتهاج، فلما لاحظنا تاثر المذكور من ضرب مولانا له بهذا ~~المثل، وانحرف مزاجه من ايراده وانفعل، طفقنا نخاطبه المثلا، وقلنا له ~~تسلية: ان الله لا يستحي ان يضرب مثلا واكنت اخذت منا السرى فلوينا الاعنة ~~لقصد الاستراحية، وتلطفنا مع المذكور وعاملناه معاملة اهل السماحة، واوينا ~~الى اشجار ذات ظل ظليل، وتلونا عسى ان يهدينا ربنا الى سواء السبيل، واستمر ~~بنا الحال مع المذكور برهة من الزمان قعودا، وشرعنا في التئام ما حصل من ~~جراحات تلك السهام خشبية ان يكون حقودا، وتبينا الكلام عما كنا فيه من ~~المصاحبة، وقصدنا الى تلوين الخطاب إرادة للملاطفة والمداعبة، إذ بمثل ذلك ~~تطوى شقة الأسفار، وتزول موجبات الأتعاب والأكدار. ثم إلتفتنا إلى صاحبنا ~~الشيخ الفاضل مجموع الفضائل الشيخ علي المالكي بلطف خطاب وتنبيه، وقلنا له ~~أن هذا الشيخ بلديك وصاحب البيت أدرى بالذي فيه. فبين لنا البتة مناسبة وضع ~~هذا القلب، وقص علينا في وقتنا هذا ما نقضي منه بالعجب، فقال: يا موالينا ~~لا تحكموا علي بالتزام ما لا يلزم، ولا تكلفوني إلى أن أخبر بما لا أعلم، ~~على أن بعض الأعلام قد ms05 يغفل حال الوضع عن مناسباتها وينبغي أن تلحق هذه ~~القضية بأخواتها، وما هذه بأول قارورة كسرت في الإسلام، فإن لهذا الأسم ~~مسمى أيضا بدمشق الشام، فقلنا له: يا مولانا أن ما ذكرته كلام محقق، ولكن ~~قد يفرق بينهما بأن ذاك مقيد وهذا مطلق، فلما رأينا في لفظ المقيد من حسن ~~التوجيه، ما لا يخفى على الفاضل النبيه، كتب الفقير في معنى ذلك حسب ما ~~أقتضاه الحال، ثلاثة أبيات فقال: # قسم علي الجمل الذي في جلق ... جملا بمصر وفي الحقيقة يفرق # إن الذي في الشام جاء مقيدا ... بالطبل إذ يدعى وهذا مطلق # واللفظ أقوى ما يكون إذا أتى ... فيه الخصوص لنكتة تتحقق # ولعل هذا الحال، وقع في المحل حيث وجب له عدم الإنتقال، وهذا هو الحال ~~المقيد لصاحبه بلا إشكال، سبحان الله، والشيء بالشيء يذكر. PageV01P003 وقد ~~ذكرتنا هذه الواقعة إن بعض المصريين المترددين إلى القسطنطينية كان يجيء ~~لمصاحبة الفقير في الديار المصرية فانجر الكلام يوما وأستطرد القول إلى ~~المقيد المذكور، فذكر لنا أن بعض الظرفاء المصريين لقيه هناك فلقبه بأبي ~~الهول. فتعجبت من مناسبة هذه النكتة غاية العجب، وقلت: ما أشبه مناسبتها له ~~بمناسبة ذلك اللقب. ووجدت مطابقة هذا اللفظ للموضوع له أوضح من الفلق، ~~وموافقا له موافقة الشن للطبق، فكتب الفقير في هذا المعنى مقطوعين في ~~الحال، أحب العبد أن يتصلا بهذا المقال، وهما: # رآه البعض من ظرفاء مصر ... وهال القوم منظره الغريب # وقالوا أنه شكل مهول ... فكنوه أبو الهول العجيب # ثم أشرفنا على القدس الشريف آخر ذلك النهار، ودخلنا بعد غروب شمسه. ~~وأستقر منزل مولانا قاضي القضاة متع الله تعالى بوجوده الشريف، وآنسه ~~بالمدرسة المعمورة، وبالقايتبائية مشهورة، أسكن الله بانيها في الجنان أعلى ~~القصور، وشكر سعيه وضاعف له اجور. ولعمري لم تشهد العين أحسن من بنائها ولا ~~أعلى، ولم يتمتع النظر بألطف من رونقها ولا أحلى، فكأنها من حسنها وبهائها ~~بنيت قواعدها على الأفلاك، لا سيما إذا وافتها الشمس بحسن المقابلة من ~~المشرق يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار وفي ms06 الحقيقة من نظر حق النظر علم أن ~~هذا الحسن إنما أكتسبته من عطف الجوار. # ثم بيتنا ليلة الوصول مع حضرة المفتي في أرض الحرم الشريف ورحبته ~~الفسيحة، لنتدارك أماكن للنزول في الصبيحة، فعند ذلك كتب الفقير لمولانا ~~شيخ الإسلام الشيخ عبد النبي بن جماعة، بعض أبيات يلتمس منه منزلا في تلك ~~الساعة، صورتها: # يا شيخ الإسلام من عمت فضائله ... كل الأنام وخصتهم فواضله # من فاق في العلم أهل العصر قاطبة ... فليس يوجد فيهم من يطاوله # أتى المحب إلى عالي مقامكم ال ... سامي المكان الذي ما خاب آمله # وليس يدري به يا سيدي سكنا ... كلا ولا مسكنا يؤويه داخله # وصار كالحوت في البيدا فهل سبب لا ... في مسكن فخيار البر عاجله # زال بابكم السامي محط رحا ... ل العلم بالسعد معمورا منازله # ثم أن الشيخ المشار إليه أعلى الله تعالى رفيع مقداره، هيأ لمولانا ~~المفتي دارا تجاه داره، وأنزل الفقير في مكان داخل منزله الرفيع المقام، ~~وعاملنا بأنواع الكرم وصنوف الإحترام، وأغتنمنا لذيذ مصاحبته مدة الإقامة، ~~فجزاه الله تعالى خيرا وشكر إنعامه. وكان الشيخ المشار إليه كثير التردد ~~إلى خدمة قاضي القضاة مولانا، ويكثر مصاحبته والتحدث معه أحيانا، وكانت ~~تتسع دائرة الكلام في حضرته العلية فينجر الكلام إلى المصاحبة العلمية، ~~فكان مولانا الشيخ المشار إليه إذا سئل أو أجاب، يبدي العجب العجاب، وإذا ~~تكلم بالأوليات من بعض الفنون يوردها على وجه التفهيم، ويلقيها إلقاء معتقد ~~أن المخاطب خالي البال عنها بقلب سليم وكان في واد ةنحن في واد، وشتان بين ~~مريد ومراد. PageV01P004 وكان إذا أنشد بيتا من الشعر يخلع أوتاده، ويورده ~~كيف ما أتفق حسبما أقتضاه طبعه وأراده، وما كان مولانا الأفندي يحمل ذلك ~~منه إلا على صفاء المزاج، ويحصل لنا من ذلك غاية الحظ والإبتهاج. فأتفق في ~~غضون بعض المصاحبات، وخلال جمل من المخاطبات، أن مولانا الأفندي أسبغ الله ~~تعالى نعمه عليه، تلطف بحسن إلتفات من مقام التكلم إلى خطاب هذا العبد وأسر ~~إليه، أن مولانا الشيخ كان حلف يمينا، لا ms07 ينشد شعرا موزونا، ولا يتكلم ~~كلاما إلا ملحونا، ثم أستشعر منه أن لمح أطراف الكلام، فأحجمنا عنه إحجام ~~المرتاب، ونقلنا الخطاب من باب إلى باب. وكنا نقضي غالب الليالي مع مولانا ~~الشيخ ومصاحبته، ونحصل على كمال الإنشراح من صفاء مزاجه وحسن ملاطفته. وكان ~~مولانا المفتي - عامله الله تعالى بلطفه السماوي - عرض عليه في بعض اليالي ~~ما حرره على أماكن من تفسير البيضاوي، في محل درسه العام، الذي كان أقرأه ~~في دمشق الشام، وحضر فيه علماؤها الفخام لينظر تحريره وصنيعه، ويطلع على ما ~~أودعه فيه من النكات البديعة. وكان المشار إليه يترقب أن ينتقل من تصور ~~كلامه، إلى التصديق ورفعة مقامه، فيبدي ما يقتضيه الحال من الثناء اللائق ~~بمثله، ويمدحه بمدح هو من أهله، وينعت فضائله الجسام، بنعوت تليق بالمقام، ~~فلم بمدحه بما يناسبه من جلالة القدر ورفعة الشأن، بل كان ما أعرب عنه من ~~أفعال المدح من باب كان، حيث لم يزد على أن قال له: والله ما كان في ظن ~~الفقير، أنكم تحررونه مثل هذا التحرير، وما هذا إلا كلام صحيح، وما ذلك منك ~~يا مفتي إلا فهم مليح، ثم تحول الكلام من مقام إلى مقام، فجرى في المجلس ~~ذكر شخص ينتسب إلى العلم في دمشق الشام، فبالغ مولانا الشيخ في الثناء ~~عليه، وأسند إليه من الفضل ما يكثر على أمثاله إسناده إليه، فقلنا له: ~~والله يا مولانا لقد أستسمنت ذا ورم ونفخت في غير ضرم، فعند ذلك أنشدنا ~~قصيدة قال أن المذكور بهذه القصيدة أمتدحه، فألفيناها عن بلاغة زائدة ~~مفصحة. فقلنا: والله يا مولانا لقد حملتم المذكور حملا فوق ما يطيق، وأن ~~كنتم بنيتم فضله على هذه القصيدة فهو بناء على خلاف التحقيق، فيمينا ~~بالبراعة وما نصعت، وبالبراعة وما صنعت، أنا قط لم نعهد المذكور يدعي شعرا ~~ولا يذكر، ولا نعرفه إلا يحدث من فيه ولا يشعر. فيا ضيعة الأدب، ومن أين ~~هذا الإخاء والنسب؟ والحاصل يا مولانا أن سرقة هذه القصيدة ظاهرة، كالشمس ~~في الشهرة والإنارة. ومثل ms08 هذه القصيدة لا تسرق إلا أن سرقت المنارة. وليت ~~شعري، أين هذا من قول الشاعر: # وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس أن كيسا وأن حمقا # وأن أصدق بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا # على أن القرائن متوفرة على سرقتها: منها بلاغتها، وفصاحة ابياتها، ومنها ~~اأن المذكور لم يعهد له قصيدة غيرها حتى تشفع بأخواتها. وقد قضينا يا ~~مولانا العجب ممن له هذه الفصاحة الزائدة، كيف لم يتفق له في عمره إلا نظم ~~هذه القصيدة الواحدة، وقد ذكرتنا هذه القضية قضية جرت بين ابن أبي حفصة ~~وعلي ابن الجهم وهي قضية مشهورة، وعند أرباب الادب غير منكورة، وقول ابن ~~ابي حفصة: # لعمرك ان الجهم ما كان شاعرا ... وهذا علي ابنه يدعي الشعرا # ولكن أبي قد كان جارا لأمه ... فلما ادعى في الشعر أوهمني أمرا # هذا ثم أن مولانا الشيخ عرض ما عنده من الاسفار، على مولانا المفتي رفع ~~الله تعالى له المقدار، فأختار من بينها كتاب الأتقان، وطلبه ليطالعه برهة ~~من الزمان، فوقع عنده الموقع واعجبه، وأسر في نفسه أن يستوهبه، فعرض بذلك ~~لمولانا الشيخ في بعض المجالس فلم، وعجبا حيث سبيل إلىعوده بسبب من ~~الاسباب، بحكم: # أحب شيء إلى الإنسان ما منعا PageV01P005 وقال لي: غاية القصد أن تسلي ~~خاطره عنه بوجه جميل، وتكون في باب هبته نعم الكفيل. فرتبت لذلك المقدمات ~~حسب الاستطاعة، فسمح خاطره الشريف به ووهبه هبة لا يملك بعدها استرجاعه، ~~فشكره على هذا الإحسان، وعده له من جملة الامتنان، ثم أن الفقير أرسل ~~مولانا المفتي بعد أيام مكاتبة، ولمح في اثنائها إلى هذه القضية بأدنى ~~مناسبة، حيث قال له في معرض عرض المحبة، ووصف المودة والإخاء والصحبة. ~~وبالجملة: فالعبد لم يحتج في اثبات عبوديته ومحبته إلى حجة وبرهان، كيف لا ~~وهي مبنية على اتقان وأي اتقان. # ثم لما كان سابع شهر رمضان المذكور قصد حضرة مولانا قاضي القضاة، بلغه ~~الله تعالى في الدارين ما يتمناه، ما هو بصدده من التفتيش على الكنيسة ~~المذكورة، وما ms09 أحدث فيها طائفة الكفار من الأوضاع المنكورة، فتوجه هو ~~ومولانا المفتي المشار إليه، أسبغ الله تعالى نعمه عليه، وحضر العلماء ~~ومشايخ الإسلام، وجمع كثير من الخاص والعام، وكشفوا على الكنيسة المذكورة، ~~فإذا بقربها مسجد قديم هدم الكفار حيطانه، وحولوا وضعه القديم إلى وضع آخر ~~جددوا بنيانه فعند ذلك أمر سيدنا قاضي القضاة بهدم ما جدده طائفة الكفار من ~~ذلك البنيان، وإعادة المسجد إلى وضعه القديم كما كان، فهدمه المسلمون في ~~الوقت والساعة، وعامل طائفة الكفار بأنواع الخزي والنكال جزاء هذه الشناعة، ~~وقابلهم - قاتلهم - الله تعالى أشد المقابلة، وعزرهم بأنواع التعزير، واعلن ~~المسلمون عند ذلك بالتهليل والتكبير، فضربت الذلة على الكفار وتولوا ~~صاغرين، وأقيمت فيه في الحال الصلوات وشعائر الدين، وكان دخل وقت العصر ~~فتسور مولانا المحراب وصلى بالناس إماما، وأقتدى به المسلمون وذكروا الله ~~قياما، وصار ذلك يوما مشهوداص شهيرا " وكان يوماعلى الكافرين عسيرا " ثم ~~لما أتممنا زيارة تلك الأماكن الشريفة، ورفعنا أيدي الضراعة والإبتهال في ~~تلك المواقف المنيفة، توجهنا لزيارة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام، ~~وختمنا ذلك بزيارة من تشرفت به تلك البقاع من الرسل الكرام. فعندما قضينا ~~الزيارات وتمت، وحصل إنشاء الله تعالى ثوابها وبركاتها بالخيرات وعمت، ~~حمدنا الله تعالى على هذه النعمة الشاملة، وتمت مدة الإقامة عشرة كاملة. ~~وصلينا جمعة بالصخرة الشريفة وجمعة بالاقصى، وشاهدنا من الانس والبركة ما ~~لا يحصى، وأنشدنا: # شكرا لمن بلجود سر قلوبنا ... في منزل الإسرا وضاعف طوله # مولى قطوف نواله أبدى لنا ... في المسجد الأقصى المبارك حوله # ثم في اليوم الثالث عشر من شهر رمضان عزم مولانا المفتي - حفظ الله تعالى ~~ذاته العلية - على العود إلى دمشق المحمية. فركبنا في خدمة قاضي القضاة ~~لتوديعه، والقلب من فراقه على شفا نار مشغول بتقطيعه، ومدينا الأكف لوداعه: # ولوعة البين تأبى أن تمد يدا # ذكرنا عند ذلك قول القائل: # من لم يمت يوم بين لم يمت أبدا # ثم أنه أوصى الحقير أن لا يقطع مكاتباته عن جنابه السعيد، وأكد ذلك ~~بأنواع التأكيد، ووعد أن يكتب ms10 له جوابا عن كل مراسلة ويكون ذلك على سبيل ~~الجبرو المقابلة. فقلت له: والله يا مولانا أن هذا الصب لمغرم في رسائل ~~إخوان الصفا، فقال: إذن المؤمن إذا وعد وفى، ثم أنشدنا تيمنا هنالك، ما ~~ينسب إلى الإمام الغزالي في معنى ذلك: # يا من يريد الرحيل عنا ... كان لك الله في أرتحالك # كان لك الله خير واق ... أمنك الله في المسالك # ثم عزم مولانا المفتي على المسير، وسألنا الله تعالى حسن الإجتماع، " وهو ~~على جمعهم إذا يشاء قدير " وقضيناها سفرة لم يتفق مثلها في الأسفار، وقطعنا ~~الطريق معه بالمواصلة بمقاطيع الأشعار، وحصلنا من حسن مرافقته، ولطف ~~مفاكهته على الحظ الوافر، وأجتنينا من زهرات مصاحبته ما يغني عن الربيع ~~الزاهر. PageV01P006 وفي اليوم الرابع عشر من شهر رمضان، عزمنا على التوجه ~~بقصد زيارة خليل الرحمن، فوافينا دخوله آخر ذلك النهار، وشاهدنا ما تحير ~~فيه العقول من باهر تلك النوار. وأتينا إلى زيارة ذلك المقام الشريف بقلب ~~سليم، وتلونا دعائه " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " وزرنا ما جاور ~~مقامه الشريف من قبور أولاده الأنبياء الكرام، وجميع آله عليهم الصلاة ~~والسلام، وأقمنا في جواره يومين وفي وسط صبيحة الثالث عزمنا نحو غزة قاصدين ~~وتلونا قوله تعالى " فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين " ~~وودعنا من كان جاء في خدمة مولانا رفع الله تعالى مناره، وصحبه من علماء ~~القدس الشريف للزيارة. وخرجنا في يوم مطر، وفتحت فيه أبواب السماء بماء ~~منهمر. ثم وافينا غزة المحمية في ثمان عشر شهر الصوم، وأقمنا بها يوما بعد ~~يوم، وتشرفنا بملاقاة عالمها فخر العلماء المدققين، شمس الملة والدنيا ~~والدين. وكنا في غاية التشوف إلى مشاهدة ذاته، والتشوق إلى الإجتماع به ~~وملاقاته فدعانا إلى منزله ثاني ليلة الوصول ومد لنا الموائد، وأغتنمنا تلك ~~الليلة مصاحبته العلمية وحصلنا منها على كثير من الفوائد. وذكر لنا أن ~~معرفة الفضائل صارت منكورة وعفت معالمها من البلدة المذكورة، وشكا لنا ~~كثيرا من عدم فاضل في البلد يباحثه ويناظره، بل طالب ms11 يحادثه في العلم ~~ويسامره: # ما في البلاد أخو وجد نطارحه ... حديث نجد ولا خل نجاريه # وتألم أيضا من عدم معرفة اهلها بقيمة العلم والعلماء، وما يقاسيه بسبب ~~ذلك من الشدة، وأنشدنا: # كفى حزنا أني مقيم ببلدة # فقلت له يا مولانا حيث كان الأمر كذلك فما الداعي لتحمل موجبات السآمة، ~~وأنشدناه قول الطغرائي: فيم الإقامة. # وتلونا عليه آية المهاجرة وما فيها من وجدان المراغم الكثير والسعة، ~~وموجبات الحبور والدعة، وقلنا: عجبا للقلب المصاحب للهموم، كيف يبدي ~~الفضائل والفهوم، فإن الشمس لا تبدو إذ يحول غيم، ولا يخفاكم: " يقيم على ~~ضيم " ، وبالجملة: # إذا كنت في أرض يسوءك حالها ... ولم تك محبوسا بها فتغرب # فإن رسول الله لم يستقم له ... بمكة حال وأستقامبيثرب # فذكر لنا حديث حب الوطن، وتنفس الصعداء وأنشد من شدة الكمد والحزن: # بلاد ألفناها على كل حالة ... وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن # وتستعذب الأرض التي لا هواؤها ... ولا ماؤها عذب ولكنها وطن # ثم أتسعت معه دائرة المخاطبة، وأستطرد القول بطريق المناسبة، إلى ذكر ~~رحلته إلى بلدتنا حماة المحمية المحروسة، وتغزل لنا بوصف ما فيها من تلك ~~الأماكن المأنوسة، فتحرك ما عندنا من السواكن، والأشواق إلى تلك المعاهد ~~والأماكن، فعند ذلك تأوه هذا الصب عند ذكر الحمى، وتذكر قول ابن خطيب ~~داريا: # تذكر بالأوطان عيشا تصرما ... ففاضت على خديه أدمعه دما # وحن إلى أحبابه فتصاعدت ... له زفرات لا تسل عن جهنما # كيف لا وهو كما قيل: # بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها # ثم سألني عمن يعهده فيها من أفاضل الأصحاب فكان سائل دمع مقلتي الجواب، ~~وأنشدت: # إذا هبت الأرواح من نحو جانب ... به أهل مي هاج قلبي هبوبها # هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس أين حل حبيبها # وقال: والله يا مولانا أن رونقها في الحقيقة يشرح الصدور ويبهج نفوس، ~~ويعجز عن حصر محاسنها سطور الطروس. ولكن لله درك حيث وفيت حب الوطن حقه، ~~وأديته واجبه ومستحقه، ولعمري لم تشهد العين محبا للأوطان مثلك ولا ms12 أشواق، ~~ولم نعهد من قيده الغرام نحوك فيجري الدموع عند ذكر الربوع كالماء المطلق، ~~ولا شاهدنا بأضيع من عينيك للدمع كلما تذكرت ربعا أو توهمت منزلا فقلت له: ~~يا مولانا كيف لا أكون كذلك وهو: # بلد صحبت له الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العز وهو جديد # فإذا تمثل في الضمير وجدته ... وعليه أغصان الشباب تميد PageV01P007 ثم ~~حدثنا الشيخ المشار إليه بكثير من حسن المحاضرات، ولطيف المحاورات، التي ~~مانت تصدر بينه وبين فاضلها المرحوم سيدي الشيخ محمد بن ولي الله المرحوم ~~الشيخ علوان، وكان يتعجب من فصاحته وبلاغته التي حارت فيها العقول ~~والأذهان، ويمدح فضائله وفواضله الغزار، ويذكر صفاء العيش الذي قضاه صحبته ~~في تلك الديار، ويشكر ما أسدى إليهمن الفضل والإنعام، وينشد في ذلك المقام: # نزلت على آل المهلب شاتيا ... غريبا عن الأوطان في زمن المحل # فما زال بي إحسانهم وأفتقادهم ... وبرهم حتى حسبتهم أهلي # فمن أجل ذلك طاب لي فيها المقيل، وآويت لها إلالى ظل ظليل: # رأيت بها ما يملأ العين قرة ... ويسلي عن الأوطان كل غريب # وقص علينا أحاديث ما شاهده من لطفها ومياهها وجناتها، ودهشتها الغناء ~~وميدانها وبساتينها ومتنزهاتها وما يطرب من تغريد طيورها في السحر، على ~~أعاليالشجر، بفصيح لغاتها، فعند ذلك أنشدته: # لك أن تشوقني إلى الأوطان ... وعلي أن أبكي بدمع قان # ثم أوردنا شيئا مما تغزل به في محاسنها أهل الدب، وما أطرب من التشبيب ~~فيها بأعين القصب، إلى أن أنتهينا إلى قول القائل: # ما بين صرح وسرح منظر عجب ... تنأى همومك عنه وهومقترب # عاص تتم به الطاعات حيث صفا ... يكاد من رقة باللحظ ينتهب # أنسيت اهلي وكم قد أنسأت رجلا ... قبلي إذا كان للذات يغترب # تشاجر الطير في أشجارها سحرا ... والماء حيث أجال الطرف ينسكب # يسلي الغريب عن الأوطان رونقه ... في لذة بلداها اللهو والطرب # وافى بنا رجب طيب المقام بها ... فحبذا حبذا شهر التقى رجب # فيا حماة حماك الله فزت بما ... عيا دمشق ولا تحطى به حلب # فالحمد لله حمدا لا أنتهاء له ... في ms13 كل وقت وهذا بعض ما يجب # ثم سألني عن لطفها ولطف الأماكن التي يعهدها فيها الزمن الأول، كقصر أبن ~~حجة ومعاهده التي يمتدح بها في أشعاره ويتغزل، فأنشدته: # وهل عند رسم دارس من معول # وقلت له: يا مولانا أن تلم المنازل والأوطان قد تعرضت لها أيدي الحدثان، ~~ودخلتها في خبر كان، وغيرت منها ما تعهدونه من ذلك الوضع وكاد لسان الحال ~~ينشد عند أطلالها: # فديناك من ربع # ثم أن المشار إليه أطنب في مدح هذه البلدة الغنا، وترنم بلطائف الأشعار ~~وتغنى. # وأنتقلنا إلى مدح دمشق الشام، وأتسعت دائرة بسيط مدحها حيث أقتضاه ~~المقام، فقلنا له: يا مولانا رفقا أذبت حشاشة المشتاق، وأسلتها دمعا من ~~الآماق، وبالله عليك إلا ما خففت على هذا المغرم وسليت هذا المروع عنها ~~بالنوى والمتيم، فإن عند هذا الصب حنينا إلى الأوطان ليس يزول، ويكفي في ~~هذا المقام ناهيا قول من يقول: # ولا تذكريني الواديين ولا تري ... لعيني أطلال الربوع فتدمعا # فلولاك ما حن المشوق إلى الحمى ... ولا شام برق الشام من سفح لعلعا # فلما شاهد شدة شوق هذا الصب إلى أحبابه، وان جلده قد وهى، قال راثيا له: # واها له ذكر الحمى فتأوها ... ودع به داع الصبا فتولها # وأنشدنا عند ذلك: # سلام على تلك المعاهد أنها ... شريعة وردي أو مهب شمالي # ليالي لم نحذر حزون قطيعة ... ولم نمش إلا في سهول وصالي # فقد صرت ارضى من سوالم أرضها ... بخلب برق أو طروق خيال # وحصل لنا تلك الليلة من مسامرة ذلك الفاضل ما سرينا وابهجنا، وتوجهنا في ~~الصبيحة إلى المنزل لننظر: # أقاطن قوم سلمى أم نووا ظعنا ... إن يظعنوا فعجيب أمر من قطنا # فألفيناهم عزموا على المسير من البلدة المذكورة، فتوجهنا لوداع مولانا ~~الشيخ وألتمسنا دعواته المأثورة، فدعا لنا متضرعا بأدعية صادرة عن صميم ~~الفؤاد، وتلا متيمنا " أن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " . ~~PageV01P008 ثم لما كان بتاريخ العشرين من شهر رمضان وصلنا إلى المنزل ~~المعروف بقطية من عمل بلبيس الشرقية فاستقبلنا قاضيها وصحبته جماعة ms14 من قضاة ~~الديار المصرية وهو مولانا فخر القضاة والمدققين، عمدة الأفاضل والمحققين، ~~تقي الدين ابن المحروم من بالفضائل والكمالات موصوف، عمدة القضاة القاضي ~~معروف، فحصل لنا غاية السرور بملاقاته، وكنا بفرط الأشواق إلى مشاهدة ذاته. ~~وكان مولانا قاضي القضاة عامله الله تعالى بألطافه الخفية، لما جاءه الخبر ~~بتوليه القاهرة المحمية، أرسل لحضرة الباشا بمصر يستخلف المشار إليه مكانه، ~~لتميزه بالفضائل التي فاق بها اقرانه، فسأله عن بعض ما وقع في البين من ~~الأحوال، واستخبر عنها بالتفصيل والإجمال، فأنهى إليه بعض الأمور بطريق ~~العرض، وعرفه ببعضها وأعرض عن بعض. وبتنا بذلك المنزل ليلة واحدة، وعندنا ~~إلى مصر أشواق متزايدة. ثم في ثاني يوم قوضنا الخيام، ورحلنا عن ذلك ~~المقام، فأتينا محمية الخانقاه في خامس عشري رمضان، وخرج لإستقبال مولانا ~~قاضيها فخر القضاة شهاب الملة والدين أحمد بن شعبان، وتواتر المستقبلون في ~~ذلك اليوم أفواجا، وتواردوا للقاء مولانا فرادى وازواجا. فلما كان نهار ~~الأربعاء سادس عشري شهر رمضان أشرفنا على المحمية القاهرة، ولاحت لنا ~~قصورها العالية العامرة، وخرج لاستقبال مولانا - أدام الله تعالى مدده ~~وطوله - جميع القضاة والعلماء وارباب الدولة، ودخل في أبهة عظيمة، ومهابة ~~جسيمة، وكأن الله تعالى ألقى محبة مولانا في قلوب جميع الخليقة، فأستبشروا ~~بمعدلته التي سار بها في دمشق على أحسن طريقة: # وجه عليه من الحياء سكينة ... ومحبة تجري من الأنفاس # وإذا أحب الله يوما عبده ... ألقى عليه محبة للناس # وخرج جميع أهل البلدة لاستقباله فرحا، ووافينا دخولها ذلك النهار ضحى، ~~فدخلناها فرحين مستبشرين، وتلونا قوله تعالى " ادخلوا مصر إن شاء الله ~~آمنين " . # ثم لما كان السبب الأعظم في هذه الرحلة مشاهدة من ذاته أضحت للمعارف ~~قبلة: علامة الزمان، وواحد الدهر والأوان، أو الأعلم الأفضل الأفخم، والحبر ~~الذي من خصاصه أن تصغي الفصحاء إذا تكلم، والفصيح الذي إذا قال لم يترك ~~مقالا لقائل، والبليغ الذي إذا أنشا أنسى سحبان وائل: # لو أدرك الفصحاء العرب أفحمها ... وقصرت عن معانيه معانيها # ولو جرى عند أهل السبق في طلق ... من البلاغة ms15 جلى عن مجليها # ما سيرت حكمة في الناس مذ نشأت ... تجلو صدى القلب إلا وهو منشيها # أعني به سيدنا ومولانا شمس الملة والدنيا والدين، الاستاذ الأعظم والعارف ~~الأفخم سيدي محمد البدري لا زال بيت البلاغة بدعائم بدائعه معمورا، ولواء ~~الأدب على ملوك براعته منشورا. فأن هذا العبد مذ أميطت عنه التمائم، ونيطت ~~به العمائم، وتشرف بالعلم الشريف وخدمة أهله أئمة الأقتداء، كان كما لمع من ~~سنا نجده بارق آنست من جانب طوره هدى، وإذا نقلت الرواة أحاديث علومه ~~المعنعنة المسلسلة، وتلت الأفاضل آيات فضله المرتلة، ينشق من تلك الروايات ~~نفحات أنسية، ويجد نفس الرحمن من جهة يمانية. ولم يزل يأنس بتلك الأخبار ~~آونة وأزمانا. والأذن تعشق قبل العين أحيانا. حتى كلف بها الفؤاد، لكن بنار ~~أوقد فيه جمره، وعلق بالقلب علوق الهوى ببني عذرة: # ألا أن أهوائي بليلى قديمة ... واقتل أهواء الرجال قديمها PageV01P009 ~~فقصدنا الآن الدخول إلى القاهرة، التوجه للسلام عليه ومشاهدة أنوار طلعته ~~الباهرة، وإذا بجنابه الشريف - أطال الله تعالى بقائه وأدام فضله - جاء ~~للسلام على مولانا قاضي القضاة على حين غفلة. فشاهدنا تلك الذات السامية ~~المقام، ولزم مفاجآته ذلك الوقت بالسلام، وقلت له: يا مولانا أن هذا سلام ~~إتفاقي إضافي، ويتلوه إن شاء الله تعالى السلام الحقيقي الشافي. وتوجهنا ~~ثاني يوم للسلام عليه في منزله السعيد، لا برحت ربوعه عالية الذرى، فشاهدنا ~~منه سماء الفضل بدرا مسفرا. وشهدنا من وافر فضله ومزيد لطفه، ما يعجز ~~اللسان عن بعض وصفه. وكان ابتداء مخاطبته ان قال ملاطفا، ونطق عاطفا: وهذا ~~السلام الحقيقي، تلميحا الى قول ابي العلاء ومن بالعراق، وابدى لنا من ~~معارفه ما يعجز عنه نطاق النطاق، وكنا في السابق نظن الناس يطنبون في ~~المسند اليه من المدح، ويقولون: ان كلامه لا يكاند ان يكون من قوة البشر بل ~~من قبيل الفتح. حتى شاهدنا ذلك راي العين فوجدناه يعجز عن وصفه الكيف ~~والاين. وراينا اطنانهم في مدحه في غاية الايجاز، ومطول وصفهم مختصرا ~~بالنسبة الى ما قامت عليه " دلائل ms16 الاعجاز " فعند ذلك تمثلنا بقول القائل: # لقد كنت في الاخبار اسمع عنكم ... حديثا كنشر المسك اذ يتضوعد # فلما تلاقينا وجدت محاسنا ... من اللطف اضعاف الذي كنت اسمع # وبالجملة فجميع من في القاهرة - وهي ام الدنيا - من العلماء اذا نسب اليه ~~يكون هباء منثورا، واذا قيس عليه لم يكن شيئا مذكورا. وفي الحقيقة فما ~~علماء هذه الديار، الا كالنجوم وهو كالشمس في رابعة النهار، مشى في كل فن ~~سويا على سراط مستقيم، وتلا لسان الكون على من قصر عن رتبته " وفوق كل ذي ~~علم عليم " حاز قصبات السبق في علم التفسير، وفاق الاوائل والاواخر بحسن ~~التحرير فيه والتحبير، لا يهتدي احدهم لسلوك طرائقه، وغوامض دقائقه، ولا ~~يغوص على شيء مما يبرزه في تقرير من درر حقائقه: # إذا عد أهل الفضل يوما فكلهم ... على فضله لو ينشرون عيال # ترى عنده ما عندهم من فضيلة ... وفيه خلال فوقها وخلال # أجل معانيه البديعة أن يحصرها بياني، أو يسطرها بنان قلمي وقلم بناني: # وكيف أطيق البحث عن بعض فضله ... وقد كل فيه السن الفضلاء # أقر بعجزي حين أحصي خصاله ... فما لي سوى ختم بخير دعاء # أبقاه الله تعالى إماما اصطفت خلفه صفوف البلغاء، فأمهم بنوافل بره، ~~فرأوا شكر ذلك فرضا مؤبدا، وأطنبوا في حمد أوصافه، ولا غرو أن أصبح بها ~~محمدا. وقد حصل بين العبد وبين حضرته السعيدة، مودة خالصة ومحبة أكيدة، ~~مؤسسة على قواعد الإخلاص، ومؤكدة من توابع الود بمزيد الاختصاص. # هذا ومما كتبته لحضرته العلية، صحبة شيء من قلب الفستق أهدي لنا من ~~الديار الحموية، ما صورته: # لما تملك قلبي حبكم فغدا ... مجردا منه قلبا رق واستعرا # حررته فغدا طوعا لخدمتكم ... محررا خادما وأفاك معتذرا # فقابلوه بجبر حيث داءكم ... مجردا بمزيد الحب منكسرا # يقبل اليد الشريفة، ويلثم الراحة اللطيفة، وينهي إلى الحضرة العلية، عظم ~~الله شأنها، وصانها عما شأنها، أنه اهدى غليه من تلك الديار ما يناسب ~~اهداؤه لأرباب القلوب، ويلائم غرساله لاصحاب الغيوب، فقدم العبد رجلا وأخر ~~أخرى، في أن يهدي إلى ms17 جنابكم الشريف منه قدرا، علماص بأنه شيء حقير، لا ~~يوازي مقامكم الخطير، وقد توارى بالحجاب حيث وافاكم وهو حسير وما مثل من ~~يهدي مثله إلى ذلك الجناب، إلا كالبحر يمطره السحاب، ثم أنه تهجم باهداء ~~هذا القدر اليسير، فان وقع في حيز القبول انجبر القلب الكسير. ولا يعزب عن ~~علم مولانا بلغه الله أملا، النمل يعذر في مقدار ما حملا، والسلام. # ثم اجتمعت بعد ذلك بجنابه الشريف، فكان من خطابه المنيف، أنه قال: ما ~~يقول اللسان في هدية كلها قلب، وانشدني بديها في معنى ذلك بيتا جمع فيه ~~المحاسن وهو مفرد، واشتمل من اللطف على مزيد وهو مجرد، وهو: # بحاميم اقسم أني فتى ... صديق حميم بقلبي محب # ثم صار مجلسه الشريف إذ ذاك غاصا بأفاضل الأنام، واعترض في أثناء الخطاب ~~مع حضرته جمل من الكلام، فقال معتذرا: إن هذا من نظم الوقت، وأن لم يكن هذا ~~وقت النظم. PageV01P010 هذا وقد شرف العبد من جنابه الشريف ببعض المكاتبات، ~~قصد الفقير أن يكون لها في هذه الرحلة اثبات، فمن ذلك ما كتب لي حفظ الله ~~تعالى جنابه، وكنت قاضيا بتزمنت، مكتوبا يتضمن الشفاعة لشخص في النيابة، ~~صورته: ان أنضر زهر فتحت يد النسيم كمائمه، وازهر ناضرا حب باعطر من لطائف ~~المسك نسائمه، وأورق عود أصدح الشوق على أفنانه حمائمه، وأرقى منبر سجع ~~عليه خطيب بلاغة فاستنزل من الأفق نعائمه، وأفصح منطق ترك سحبان في أرض ~~البلاغة باقلا أو ذاهلا يتطلب تمائمه، حمدا لله تعالى الذي جعل محبه مترقيا ~~مصاعد المجد، وأيد به الدين فأصبح له كالأب رافلا في حلل الجد. هذا وانبسطة ~~القول في بث الشوق، يضيق عنها الطوق، ولو استعان ذو البث بذوات الطوق، وبعد ~~بعد المدى وأن كان لابعد، فالجنان بكم في أنضر من جنان الخلد، ثم إن ممن له ~~إلى هذا الجناب انتساب، وعراقة في الاتصال بهذا الداعي لذلك الجناب، الماثل ~~لديكم بهذه الصبابة، والناقل لخبر هاتيك الصبابة، الولد الاعز عبد الفتاح، ~~فالمسئول ان لا يزال مريش الجناح، محفوفا ms18 بيمن نظركم السعيد، محفوظا ~~بعنايتكم في الطريف والتليد، متشرفا بخدمة عتبتكم في تنفيذ الأحكام، مامورا ~~من جنابكم العالي برعاية أمر الله تعالى في النقض والإبرام، بعد الدعاء ~~ثانيا والسلام على الدوام. # وكان اهالي ذلك الإقليم شكوا من ذلك النائب شكاية كلية، وتحقق العبد أن ~~مولانا الشيخ حفظ الله تعالى حضرته العلية، لم يبلغه ما حدث من المذكور من ~~التعدي على أهل الإقليم، ولم يكتب له ذلك إلا بناء على طبعه السليم. فاحب ~~العبد أن يعرض على المولى المشار غليه، أحوال المذكور وما أنطوى عليه، ~~علماص بأن حضرته الشريفة حفظها الله تعالى ووقاها، إذا بلغها أحوال المذكور ~~ينكرها ولا يرضاها، فسطر له هذا الجواب، وأرسله بضاعة مزجاة لذلك الجناب. ~~صورته " يقبل الأرض بعد دعائه الذي ترصعت في تيجان الإجابة درره، وتضرعت في ~~ديوان الأخلاص فقره، ويصف الحب الصحيح السالم، والثناء الذي هو للود جازم. ~~وينهي أن السبب في تسطيرها، والباعث على تحريرها، محبة اضرم نارها في ~~الفؤاد، وأشواق لو تجسمت لملأت ألف واد، وان تفضل الوالي بالسؤال عن احوال ~~العبد فهو باق على محبته القلبية القبلية، وملازم على مقام العبودية. # وقد وصل المثال العديم المثال، مشتملا على الدرر التي فاقت اللآل، فقام ~~له المخلص تعظيما وإجلالا، وسجد سجدة صادس راى من معانيه زلالا. ورقي على ~~منبر الثناء معلما بشكره، وانشد: # ولقد سما العبد الحقير إلى السها ... لما تفوهت الاسود بذكره # هذا والذي ينهيه العبد من خصوص عبد الفتاح، وما اشتمل عليه من الامور ~~القباح، فأنه كثر في هذا الإقليم شاكوه، وانعدم فيه شاكروه. وان من البدع ~~المحدثة على هذه البلاد ما يسمى بالمشاق، وقد شكا منه أهل الإقليم وذكروا ~~أنه حملهم فيه غاية المشاق. وأما ما أثبته في السجل بطريق العادة. وقد ذكر ~~لي جماعة من الصلحاء ليس لهم غرض دنياوي، منهم رجل من ذرية الشيخ الشعراوي، ~~أن المذكور إن تولى سعى في الأرض بالفساد، وتعدى من ظلم نفسه القاصرة إلى ~~ظلم العباد، كل ذلك ما خلا أفعالا لو تمت بالأخبار، ms19 لأضحت ناقصة عن درجة ~~الاعتبار، في مقام الخطاب، وأحوالا مقررة ليست من أفعال الشك بل اليقين، لو ~~بحث عنها لخرجت عن طريق الآداب. لكن من طرق البلاغة استعمال الاضمار في ~~موضع الإظهار، كما نستفيده، وصيغة المضارع لاستمرار، من بحر فيضكم المدرار. ~~ولو فصلت لحضرتكم الشريفة أمور لأوجبت له أن يطرد ويبعد، ويتمثل له بقول ~~القائل وينشد: # أيها المدعي سليمى سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر # إنما أنت من سليمى كواو ... الحقت في الهجاء ظلما بعمرو # والحاصل أن المملوك ما يحيل التفرس في عدم استقامة المذكور إلا على سلامة ~~مزاح وسرعة حدسه، وحاشا لمقامه الشريف أن يرضى لعبده الحشر مع غير أبناء ~~جنسه. وعلى كل حال فمن حمل أعباء القضاء شاهد أحوالا تشيب النواصي، وعاين ~~اهوالا تذيب الرواسي، ولكن: # إلهي ظلمت النفس مذ صرت قاضيا ... وعوضتها بالضيق عن ذلك الفضا # وحملتها ما لا تكاد تطيقه ... فأسالك التوفيق واللطف في القضا ~~PageV01P011 ووالله أن العبد ما سطر هذا الجواب، إلا وهو من الخجالة قد ~~توارى بالحجاب، لاشتماله على هذه الالفاظ السقيمة، وقبائح المذكور وأفعاله ~~الذميمة. ولكن صح كما صح في علمكم الكريم العبد يناجي ربه، وشاع ان الكلفة ~~ترتفع إذا صحت المحبة. على أنه لا يغرب عن شريف علمكم أن بسط الكلام يحسن ~~إذا كان الاصغاء مطلوبا، والخطاب محبوبا ومرغوبا، وما تلك قضية منكورة، بل ~~قصة معروفة مشهورة، بعد تكرير الأدعية على الدوام، والسلام إلى قيام الساعة ~~وساعة القيام. # فلما وصلت إلى جنابه الشريف تلقاها بحسن القبول، وأرسل جوابا عنها هذه ~~المشرفة التي تكاد من رقة ألفاظها تسحر العقول، صورتها: # يا نسمة البان بل يا نفحة الريح ... أن رحت يوما إلى من عندهم روحي # خذي لهم من ثنائي عنبرا عبقا ... وأوقديه بنار من تباريحي # شيد الله تعالى معالم الحق التي دثرت، ورفع سمك سماء الدين التي انفطرت، ~~واتاح الذكر الجميل الأعذب، وأفاح الثناء العاطر الأطيب، ببقاء من طن في ~~مسمع العاقل حديث فضله المحقق، واستمسك الناس منه بحبل استقامة طال ما رث ~~في ms20 ذلك الإقليم وتمزق، وأقبل على الدين اقبال محب صادق، وقال عن الله تعالى ~~وعن رسوله بأعذب لسان ناطق، وقال في وارف الثقة بالله واليه بالصدق انتمى، ~~وقلا اهل الباطل ولكن بجمر إلى وجوههم به رمى، الحبيب الذي أجله القلب ~~فأحله خلال الشراسيف والضلوع، بل سواء السويداء والشغاف وهاتيك الربوع، لا ~~زال الله تعالى يقذف به على الباطل فيدمغه، ويصدع فود فؤاد الشيطان ويزل ~~قدمه ويفدغه ويؤيد به الشريعة على أنها المنهل الفرات لكل وارد، ويروض ~~منازه منازلها المريعة على انها رياض المعارف والعوارف والفوائد، في نعمة ~~ترف بنسائم العناية نضارة، ونعيم يتقاطر غضارة، آمين. يحيط علمكم الكريم، ~~بعد أشرف تحية وأعطر تسليم، ان الفقير ورد عليه مكتوب ولكن بقلم هو انبوبة ~~بالفضائل راعفة، ولكن مثمر بكل عارفة، وطائر ولكن بأجنحة الانامل إلى فضاء ~~بلاغة لم يزل لديكم منفسحا، صادح ولكن أعرب فأغرب، فما الورقاء هاتفه ~~بالضحى في طرس هو بياض نهار الاعياد، ومداد هو سواد ليل الإسراء، وكم وجنة ~~ودت نقطة من ذلك السواد، وإنشاء هو سحر العقول ولكن الحلال، وعذوبة ألفاظ ~~يودها الخصر الزلال، ومعان ما ذلت لمعان، بل لمعان نشأت من لمعان فكر صقيل، ~~ومبان تذكرنا ببناء الخليل لبيت الجليل. ثم ما اشرتم إليه من تلك القضية ~~القصية، فلا والله لولا كتابكم الكريم ما أنا بالذي عالم لا خفية منها ولا ~~جلية، ولا ارضى إلا بما يرضي الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وأنتم ~~في فسيح العذر بل في اعلى محل طبقات الشكر على خلاص الفقير من عهدة الآثام. ~~ثم أن سألتم عن مولانا شيخ مشايخ الإسلام، نعمة الله تعالى التي أرسلها ~~الغيداقة على الخاص والعام، فحال ثابتة المجد، منتقلة في معارج السعد، فما ~~كان حال كاملة سواها إلا فضله، ومبتدا خبره ثناء أملاك السماء واقطاب الأرض ~~على من افاض الله تعالى عليه فضله. بلغ الله تعالى بدولته المبتغي، والجملة ~~خبرية، وأقام باحكامه الصغى وأطرد القياس في القضية، عالم ولكنه عالم ~~كمالات باهرة، ومرتق رتبة سماء سموه يخضع ms21 لها ابناء الدنيا ويدعو بمزيد ~~تعاليها ابناء الآخرة. فعين الله تعالى على زمان أحياه الله تعالى بعد ~~زمانه وبلا، وعلامة ان شئل معروفا فالسيل فوق الربى، أفعم فعم، فجوابه نعم، ~~وحاشاه ان يجيب بلا، وما رقم الفقير هذه الصبابة غلا ليزيدكم علما بما ~~للقلب به من صبابة. وانتم في أمان الله تعالى وحفظه والسلام على الدوام. ~~PageV01P012 ثم أن العبد كان في تلك الغضون، كتب لمولانا قدوة الاعالي ~~والمدققين، وخلاصة الافاضل المتبحرين المحققين الشيخ اسماعيل النابلسي - ~~أسبغ الله تعالى عليه سوابغ الأنعام - مكتوبا تضمن نوعا من ذم مصر ومدح ~~دمشق الشام، فيه ما عبارته: وان سال مولانا - أدام الله تعالى أيامه ~~الزاهرة - عن أحوال المحمية القاهرة، فقد وجد الفقير ما كانوا يصفونه من ~~محاسنها إنما هو من طريق المبالغة بل من قبيل القول الكاذب، او من قبيل: " ~~وللناس فيما يعشقون مذاهب " يعد من متنزهاتها المكان المسمى ببولاق، ولكن ~~لطول الفصل بينه وبين مصر يعسر في كل آن غليه الذهاب والإنطلاق، وربما يكون ~~طريقه مخوفا فيحجم الإنسان عن السير ويحصل له الامتناع، ويستحضر قضية " ~~مررت على وادي السباع " . على ان المكان المذكور وأن اشتمل على الماء إلا ~~انه عديم الخضرة، وليس به أنيس مكتس ملبسض النضرة. ومع ذلك لا يوجد فيه غير ~~السمك لكن ترى الفلك فيه مواخر، وإذا افتخر فإنه مفتخر تقول له: " إذا ما ~~تميمي اتاك يفاخر " . فقل لمن يقايس متنزهاتها بدمشق: هذا قياس باطل، وانى ~~يلحق الناقص بالكامل. واما حضرة الافندي - حفظ الله تعالى طلعته العلية - ~~مغرم بمدح دمشق المحمية، دائماص يتذاكر ما مضى له فيها من الحضور في تلك ~~الأيام الخالية، ويتاسف على ما مر له من حلاوة العيش في هاتيك الاوقات ~~الماضية، وينشد: # لله أيام تقضت لنا ... ما كان احلاها وأهناها # مرت فلم يبق لنا بعدها ... شيء سوى أن نتمناها # والفقير كثيرا ما يستحسن دمشق على مصر فيوافقني على هذا الكلام ويقول ~~للمخالفة: # فكيف إذا مررت بدار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام # واماهذا العبد فطالما تحركه إلى ms22 جهتها سواكن الاشواق، وتكاد تجذبه إذا ~~تقاعس بالأطواق، لا يصغي إلى تفنيد في حبها ولا ملام، وإذا مزج دمعه بدم ~~يقال تذكر عهدا بالشآم. وبالجملة فأن شطت بنا الدار وكان بيننا وبينها " ~~كما حكم البين المشت فراسخ " ولكن: # وأما الذي في القلب منها فراسخ # إذ تذكر تلك المعاهد يفيض دمعه من العيون، وان ذهب عنها كل مذهب ففي قلبه ~~من قاسيون، نار شوق إلى الالمام بتلك الأماكن لا يملك القلب دفاعه، " ولو ~~لم يكن إلا معرج ساعة " ، وعلى كل حال فان اتهم القلب او انجد، وحيثما كان ~~من الارض قرب أو أبعد، فلست عن حبكم ابدا ساليا، وغن ملت إلى جهة الجنوب " ~~ينازعني الهوى عن شماليا " فالسلو عن عبوديتكم ومحبتكم من قبيل المحال، كيف ~~لا " والقلب من جهة الشمال " . فنسأل الله تعالى ان يقرب ايام التلاق، بطي ~~شقة البين والفراق، لنكون تحت نظركم السعيد، وظلكم المديد، لا " برح في ~~الاقطار مخيما " ، وقد يجمع الله الشتيتين بعدما والسلام إلى ساعة القيام. ~~فاتفق أن مولانا الشيخ المشار إليه، وقف على ما تضمنه المكتوب واشتمل عليه، ~~وحصل مع حضرته حالتئذ مباسطة في الكلام، وذكرنا طرفا مما قاله ظرفاء ~~الشعراء في مدح مصر والشام. وبعد ذلك بتنا عنده ليلة في بيته الذي على بركة ~~القرع، وكانت ليلة مقمرة، وبوجوده الشريف مزهرة، اختلسناها من بين الليالي ~~بايدي الفرص، فقص علينا من نفائس اشعاره البليغة أحسن القصص، وجلا علينا من ~~أبكار معارفه عرائس أفكار حيرت الشعراء، ونثر علينا من لآليء معانيه ~~البديعة دررا. ثم قال للعبد في أثناء المصاحبة: وهل يوجد في دمشق مثل هذا ~~المكان؟ فقلت، وقد عرفت مراده: لا والله يا مولانا من حيث تشريفه بطلعتكم ~~الرفيعة الشان. وقلت مخاطبا لحضرته الشريفة رفع الله تعالى محلها: # وتستعذب الارض التي أنت حلها # فقال: مع قطع النظر عن الحيثيات والأغيار فانشدته: " وما حب الديار " . ~~ثم إنه أورد شيئا يتضمن مدح مصر بالمناسبة، وقصد الملاطفة والمصاحبة فانجز ~~الكلام إلى ابن سناء الملك وجلالة قدره، واورد في المجلس ms23 شيء من شعره، فقال ~~مولانا الشيخ حفظ الله تعالى حضرته العلية، وما احسن قوله كذا، وذكر شعرا ~~يتضمن نوعا من ذم دمشق المحمية. فقلت له يا مولانا: # ولو كان شعرا واحدا لاتقيته ... ولكنه شعر وثان وثالث PageV01P013 ثم ضحك ~~كثيرا وألتفت إلى الشيخ نور الدين العيسلي وقال له: يا مولانا وفاضل عصرنا، ~~أن الشيخ محب الدين من اكبر المتعصبين على مصرنا، ولو رأيتم المكتوب الذي ~~كتبه سابقا إلى دمشق يتشوق إلى اخوانه، ويتشوف إلى أوطانه، ومدحته لدمشق ~~المدحة الوافرة، وتفضيله لها على المحمية القاهرة، لرايتم العجب العجاب، ~~إلى غير ذلك من الملاطفة في الخطاب. والتقطنا تلك الليلة من فوائده الشريفة ~~ما يفوق الدرر، وشاهدنا من حسن محاضرته لطفا ارق من نسيم السحر، وقضيناها ~~ليلة كاد يسبق آخرها أولها آخرها، ولم يكن عيبها إلا تقاصرها. ثم إن عوامل ~~المودة بيننا تأكدت بحيث صار الفؤاد مشغوفا بمحبته، وكان العبد دائما يعطر ~~مجالس قاضي القضاة بمدحته. فاتفق أنه جاء في بعض الليالي لزيارة مولانا ~~قاضي القضاة فأبدى من نكته ولطائفه العجب العجاب، واملى من فوائده وفرائده ~~ما حير العقول والألباب. فعرض عليه مولانا قاضي القضاة هذا الفقير وقال له: ~~هذا الشيخ محب الدين ما هو غلا عبد جنابكم الخطير، فو الله لقد وقع هذا ~~الكلام عند العبد ألطف موقع، وحل من قلبه أحسن موضع، وانشدت عند ذلك: # مذ صح عندي أنني عبد لكم ... صغر الوجود بعينه في همتي # ولقد أتيه على الوجود تعززا ... لما نسبت لكم وصحت نسبتي # ثم تشرفت بعد ذلك المجلس بمشاهدة ذات المحمية، وعرضت عليه قصة المحبة ~~والعبودية، وقلت له: يا مولانا ان عبودية هذا المخلص لكم مبينة لا تحتاج في ~~غثباتها إلى بينة، كيف لا وقد حكم بموجبها قاضي المحبة، وشافهكم بذلك مرة ~~في أثناء الصحبة. ولله دره قاضيا أحسن في أداء هذه الشهادة الحسنة الحسبة، ~~فأني والله لم أزل اثني على مقاصده المستجادة، وأشكره ولا كشكري على هذه ~~الشهادة. هذا ولو ذكرنا بعض فضائل مولانا وماسحنه، لعجز عن حصرها ms24 القلم وكل ~~لسانه، وضاق صدر الطرس وأن كان متسعا ميدانه: # وليس يزيد المرء قدراص ورفعة ... إطالة وصاف وإكثار مادح # وقد تعين أن نذكر حينئذ شيئا من تراجم المشهورين من علماء الديار المصرية ~~بطريق الإيجاز والإختصار، واما ترجمتهم بالاطناب فذاك شيء لا تحويه ~~الاسفار. # محمد الرملي، فأما الإمام العالم العلامة، والحبر البحر الفهامة، شمس ~~الملة والدين، الشيخ محمد الرملي الشافعي - فسح الله تعالى في أجله، ونفع ~~المسلمين بعلمه وعمله - فأنه هذب المذهب وحرره، وتكاد غالب مسائل الفقه في ~~حفظه مصورة. انتهت إليه معرفة الفقه في هذه الديار، واشتهر بذلك غاية ~~الاشتهار، بحيث لا يختلف في ذلك اثنان، ولا يحتاج فيه إلى غثبات حجة وإقامة ~~برهان، وإنه بلغ فيه إلى الدرجة القصوى، وصار المعول عليه في هذا العصر في ~~الفتوى. وصل في ذلك إلى أسنى محل وارفع مقام، حتى يقال عندما يتكلم " إذا ~~قالت حذام " . # نجم الدين الغيطي، وأما حافظ الوقت وحيد دهره، ومحدث عصره، الرحلة الغمام ~~والعمدة الهمام، الشيخ نجم الدين الغيطي فأنه محدث هذه الديار على الإطلاق، ~~جامع للكمالات الجمة ومحاسن الاخلاق، حاز أنواع الفضائل والعلوم، واحتوى ~~على بدائع المنثور والمنظوم. إذا تكلم في الحديث بلفظه الجاري، أقر كل مسلم ~~بانه البخاري. أجمعت على صدارته في علم الحديث علماء البلاد، واتفقت على ~~ترجيحه بعلو الإسناد. # الطبلاوي، وأما الفاضل العلامة، والمدقق الفهامة، الشيخ ابو النصر ابن ~~الطبلاوي المدقق الكامل، فأنه مشتمل على أنواع من الفضائل، فاق بعدة فنون ~~على أقرانه، وتميز بذلك على ابناء زمانه، أقرت له الفضلاء بالاعتراف، ~~واتفقت على انه فاضل وقته بلا خلاف. # يوسف الشامي، وأما جمال الملة والدين الشيخ يوسف الشامي، ذو التحقيق ~~والفضل السامي فهو في العلوم الغريبة والفنون الدقيقة، افضل من في مصر على ~~الحقيقة. مشغول دائما بإقراء التفسير والمطول والعضد والرضي والمواقف ~~والمطالع. وأن عز مشكل أو غريب فإليه يشار بالأصابع. وأما تواضعه وخفض ~~جناحه فلا يتأتى من صاحب نفس بشرية، والعجب أنه مع اشتماله على هذه الفضائل ~~والكمالات ليس له من الجهات في ms25 مصر إلا نحو أربعة عثمانية. وقد عجبت حيث ~~كان نصيب هذا الفاضل نصيبا محقرا، وفي الحقيقة لا عجب فأن من عادة الدهر أن ~~يمشي بمثله القهقرى: # والأحمق المرزوق أعجب من أرى ... في دهرنا والعاقل المحروم # وبالجملة: PageV01P014 ولو كانت الارزاق تجري على الحجى ... اذن هلكت من ~~جهلهن البهائم # ثم ان المذكور قليل التردد الى القضاة ولكن الزمه العبد مرة بالاجتماع ~~بمولانا قاضي القضاة - أدام الله تعالى أيامه - وقلت له، ان من المتعين في ~~ايام سعادتكم اكرام الفاضل واحترامه. فوعد بان يكرم مثواه ويبلغه مناه، ~~فاتفق في تلك الايام انحلال شيء من الجوالي، فانعم عليه بذلك اغتناما ~~لدعائه المتوالي. # أحمد بن القاسم، واما الفاضل المحقق، والعلامة المدقق، الشيخ شهاب الدين ~~احمد بن قاسم الفاضل المشهور، فانه في انواع الفضائل مساو للشيخ يوسف ~~المذكور، وهما في الفضل فرسا رهان، ورضيعا لبان، وممارسا فصاحه وبيان، بل ~~هما في التساوي والتشابك، والتشاكل والتشارك، كما قال البحتري: # كالفرقدين اذا تامل ناظر ... لم يعل موضوع فرقد عن فرقد # وقد تفضل مولانا قاضي القضاة - عامله الله تعالى إليه - ورتب للفاضل ~~المذكور شيئا من الجوالي علي المقدسي: واما مولانا المحقق العلامة، والامام ~~الكامل المدقق الفهامة، الشيخ على المقدسي الحنفي - عامله الله بلطفه الخفي ~~- فالمعول في الفتوى الان عليه في الديار المصرية، والمرجع اليه من بين ~~السادة الحنفية. وهو في الحقيقة جامع لكمالات عديدة، ومالك لفنون غريبة ~~مفيدة، وله اطلاع على علوم كثيرة، ووقوف على معارف غزيرة، فاق بها على ~~فضلاء هذا الزمان، وتميز بها على علماء هذا الاوان، مع ما جبل عليه من ~~دمائة الاخلاق، وسلامة طبع فاق بها على الاطلاق. # الذيب، واما الشيخ الملقب بالذيب فكنا لما نسمع باسمه نتصور من مفهومه ~~اغتيال النفوس كتصور الشاة معنى في الذيب، وحسبك ما يقال لكل مسمى من اسمه ~~نصيب. حتى برز هذا التصور الى التصديق، ووقع له واقعة يوم دخول قاضي القضاة ~~بالتحقيق. وذلك من عجيب ما اتفق في ذلك النهار. ومن غريب ما حدث فيه حسبما ~~سبقت به الأقدار. ms26 وما ذاك إلا ان رجلا مسنا عمره نحو تسعين سنة أتى ليطالبه ~~باربعة أنصاف كانت له في ذمته، فتشاجر معه، قيل أن الشيخ وكزه فقضى عليه من ~~ساعته، وذلك ليلة القدر في المدرسة التي هي بالاشرفية مشهورة، وسئل عن ~~خصوصية المكان فقيل ان الشيخ مع كونه مدرس الشيخونية بخمسين عثمانيا، بواب ~~هذه المدرسة المذكورة. وكان ذلك أمرا قضى الناس منه العجب وحصل على المذكور ~~غاية الإنكار بهذا السبب. # بدر الدين القرافي: واما مولانا العلامة، والعمدة الفهامة، المتصف ~~بالفضائل والفواضل في جمع المسالك، الحائز لرق الآداب فهو للفتوة متمم ~~وللفتاوي مالك، بدر الملة والدنيا والدين، القاضي بدر الدين القرافي ~~المالكي فإنه أتقن مذهبه غاية الإتقان، واحتوى على انواع الفضائل ونباهة ~~الشأن، وله جامكية حسنة، وحسن انشاء وإشعار مستحسنة. دائما يواصلنا ~~بمكاتباته، ولا يقطع عنا حيث كنا ترسلاته، وكان عرض له بترق في مدرسة ~~السلطان حسن الفقهية المالكية، وأرسلنا العرض مع مندوبنا الذي وجهناه في ~~مصالحنا إلى الابواب العلية، فأتانا منه مكتوب يتضمن أنه تم للمشار إليه ~~الترقي المذكور، فكتبنا له ابياتا نعلمه بما تضمنه المكتوب المسطور، ~~صورتها: # أسعد الله طلعة البدر قاضي ال ... فضل والعلم والفنون الشهيره # بصنوف من السعادات والاح ... سان والمجد والهبات الغزيره # جاءنا من دار العدالة مكتو ... ب وانباء عن واقعات كثيره # فيه ان المراد وهو الرتقي ... لكم تم خمسة مسطوره # لا برحتم في رفعة وترق ... وكمال وطلعة مستنيره # فكتب لي جوابا عن ذلك، صورته: # دمت للفضل والفواضل كنزا ... وهماما حوى من العلم خيره # من حديث كذاك تفسير آي ... آية الله للأنام شهيره # وفروع كذاك حسن بيان ... وكلام تراه حقا أميره # وقريض يفوق درا بديعا ... وغليه الآداب أضحت مشيره # قد أتاني المديح يبدي سرورا ... استوى فيه ظاهر وسريره # صحب المجد والبشارة فضلا ... يا لها منه بأحسن سيره # هكذا الفضل من إمام محب ... قد رعى عبده فكان بشيره # أسأل الله ذا الجلال ارتقاء ... لمقام به الأماني الأثيره # ليرى بارع نفاذ قضاء ... ويرى الخصم حكمه بالبصيره # وصلاة لافضل الخلق جمعا ms27 ... مظهر الحق جهرة ونصيره PageV01P015 محمد ~~الفارضي: وأما شاعر مصر الفارضي فهو مع فصاحة شعره وبلاغة نظمه ونثره، حاز ~~قصب السبق بالعربية، وتميز على أهل العصر بنكته الأدبية. كتب لي وأنا قاض ~~فوة مكاتبة لطيفة مختصرة، ستقف عليها أن شاء الله تعالى في محلها مسطرة. ~~سأله يوما بعض طلبة العلم أن ينظم له ترتيب التوابع فنظمها في بيت جامع ~~وهو: # إذا اجتمعت فالنعت قدم به اعتلق ... بيان وتوكيد وجا بدل نسق # ونظمها الفقير في ذلك الحال، في بيتين فقال: # إذا اجتمعت يوما لديك توابع ... ورمت لها الترتيب في ذكر اتسق # فنعت بيان ثم توكيد بعده ... إلى بدل ثم اختم الكل بالنسق # سري الدين ابن الصائغ: وأما الرئيس الفاضل، والمحقق الكامل، الشيخ سري ~~الدين ابن الصائغ، والشهاب الذي في سماء الفضل بازغ، فقد انتهت غليه ~~الرئاسة الطبية في الديار المصرية. ومع ذلك فكم له من غنشاء رق وراق، ~~وبراعة تميز بها على البلغاء وفاق. وكان حصل للفقير دمل توعك منه المزاج، ~~واحتاج في بنائه على الفتح إلى نوع علاج. فأرسلت إلى ذلك الفاضل الهمام، ~~وكتبت إليه بعد فواتح السلام: أيها الرئيس البارع، والبدر الذي في أفق ~~البلاغة طالع، ذو الحكمة التي أعيا بها جالينوس، والحذاقة التي حار فيها ~~بقراط وبطليموس، أشكو إليك دملا أبطأ فجره، وألم ضره، وأضمر عامله لا على ~~شريطة التفسير، حصل منه ألم كثير، فتفضلوا بما يبرز ما استكن فيه على عجل، ~~وبما ركب علاجا لتنازع ما فيه من العمل، بحيث يصير هذا المضمر مبنيا على ~~الفتح، لتنطق الألسنة بالدعاء، ونعرب عن أفعال المدح، والسلام على الدوام. # فأرسل المشار إليه شيئا يلائم ذلك، وكتب عن ذلك جوابا صورته: هل لك أيها ~~الممتزج بالروح امتزاج المكاء بالراح، المهدي إلى النواظر النزه وإلى ~~النفوس الارتياح، الداعي برسالته المعجزة الألفاظ إلى جنة ناضرة، المبرز ~~بدلالته وجوه المعاني الناضرة، إلى عيون البيان الناظرة، لا زالت أزمة ~~الرغباء منقادة منا إليك، ونواصي البلغاء معقودة أعنتها بيديك، والفصاحة لا ~~تمد سرادقاتها ولا تقصر مقصوراتها إلا ms28 عليك: # ودمت إلى كل القلوب محببا ... وفي كل عين شاهدتك حبيبها # في بناء ذلك الدمل العاصي عن الاندمال على الفتح، ونصب ثناء العامل من ~~الادوية على المدح، والدخول على جمع مادته بصورة التكسير، وتصريفها ~~بالتحويل إلى وضعيات التغيير، وإرخاء الشد كي لا يكف الدواء ولا يلغى ~~عامله، وتقوية المعمول بالتجلد على التأثير الذي ارتفع فاعله، فبذلك أن شاء ~~الله تعالى تفتر ثغوره، وينبسط على جلد الجلد غروره. والله تعالى يديم ~~معاهد الفضل بك آهلة، والفضلاء من مناهلك ناهلة، والنبلاء في ظلال ظلك ~~قائلة، لتكون ألسنتهم بأحمد المحامد فيك قائلة، آمين. # وأما بقية الأفاضل بمصر فإنهم لرثاثة حالهم ليسوا بمشتهرين، وإذا مشى ~~أحدهم بين الناس لا يكاد يبين، مطروحون في زوايا الخمول، ولا يترفل في ~~المناصب إلا الجهول: # أرى الدهر من سوء التصرف مائلا ... إلى كل ذي جهل كأن به جهلا # فتذكرات عند ذلك قول القائل: # عتبتث على الدنيا لتقديم جاهل ... وتأخير ذي فضل فابدت لي العذرا # بنوا الجهل ابناء لذاك أحبهم ... وأهل النهى ابناء ضرتي الأخرى # ثم ذكرت حال هؤلاء الفضلاء، لمولانا قاضي القضاة اسبغ الله تعالى عليه ~~مواهب الافضال، وبلغته ما اشتمل المذكورون عليه من الفضل والكمال. فوعد - ~~أدام الله تعالى أيامه وزاد علاه - ان يبلغ كلا منهم مناه. # هذا ثم قصد مولانا قاضي القضاة ثاني يوم دخوله للاقتداء بوالده المرحوم ~~شيخ الاسلام، وتوجه الى زيارة من القاهرة من الصحابة والائمة والاولياء ~~الكرام، فزرنا تلك الاماكن الشريفة ومن فيها من الصحابون كقير عقبة وشهدنا ~~ما حواه مقامه الشريف من الجلالة والمهاربة، ومقام امام الائمة محمد بن ~~ادريس الشافعي رضي الله عنه، وما جاوره من قبر علي بن الحسن بن زين ~~العابدين. وقبور العلماء العالمين:كالقاضي زكريا وملا مغوش المترجم بعالم ~~الربع المعمور، وحصلنا على كمال البركة والاجور. وتمثلنا عند قبر هذا ~~الفاضل، بما قاله فيه رثاء ذلك القائل: # ألا يا مالك العلماء يا من ... به في الأرض أثمر كل مغرس PageV01P016 لئن ~~أوحشت تونس بعد بعد ... فأنت لمصر ملك الحسن تؤنس ms29 # ثم انعطفنا الى مقام الليث بن سعد، ومقام السيدة نفيسة، وما امتنف تلك ~~البقاع من الاماكن الانيسة. ثم زرنا مقام سيدي عمر بن الفارض، وشاهدنا في ~~مقامة الانس اللائح والنور الفائض. ثم بعد ذلك توجهنا للجيز لزيارة كعب ~~الاحبار، وما في تلك البقاع من قبور الصالحين الاخيار. ولم يكن دأب مولانا ~~الا قصد الزيارات واستباق الخيرات. # ثم لما قضى تلك الزيارات تصدى لفصل الأحكام الشرعية بين الانام، متمسكا ~~من تقوى الله تعالى بالسبب الاقوى، محافظا على العمل بالأوامر الشرعية في ~~السر والنجوى، فسار - أدام الله تعالى أيامه - في الناس سيرة حسنة، ونطقت ~~بالدعاء له من الخواص والعوام جميع الألسنة. وسلك - أسبغ اللع تعالى نعمه ~~عليه - مسلكا لم يسبقه أحد من القضلة إليه. # وكان يجل العلماء غاية الاجلال والاعظام، ويعاملهم بانواع التبجيل ~~والاحترام. واتبع حذو والده المرحوم في جميع مقاصده، ولا غرو أن يحذو الفتى ~~حذو والده. وأحاط بأحوال مصر علما حتى بلغ أقصاها، ولم يغادر منها صغيرة ~~ولا كبيرة غلا احصاها. ووجه إلى إزالة المنكرات همة عالية عظيمة، حتى قطع ~~أصل أم الخبائث من مصر فكانت عقيمة، ولم يدع بيت خمر ألا كسر دنانه، وخلع ~~أوتاده وقطع ايبابه وهدم اركانه، ولم يبق حانا في مصر العتيقة وبولاق غلا ~~جعلها " خاوية على عروشها " ولخمرها أراق، حتلا سلا الناس عن ارتضاع كاس ~~المدام: # سلو رضيع قد علاه فطام # ولقد شاهدنا كسر دنان خمرفي مصر العتيقة على طرف النيل، فخالطته بحيث ~~غيرت لونه الأول، وذكرنا ذلك قول القائل: # فما زالت القتلى تمج دماءها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل # وأما المساجد والأوقاف فقد عمر كثيرا منها بعد أن آل أمرها إلى ~~الاضمحلال، وصارت بحيث يذكر فيها اسم الله ويسبح له فيها بالغدو والآصال ~~رجال. ومن جملة ما ازاله من المنكرات، وقطع اصله من البدع المحدثات: ~~استيلاء طائفة الكفار على الإماء المسلمات. فصرف إلى ذلك عزمه الشريف وسعى ~~فيه سعيا جميلا، وأجبر الكفار على بيعهن للمسلمين عملا بقوله تعالى: " ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين ms30 سبيلا " . # وكان يبذل الجهد في نصرة الحق ويجادل عنه ويباحث، ولعمري ليس له في ~~القضاء ثان بل لعمري أنه الثالث. وبالجملة فصفات هذا المولى الجليل تجل عن ~~أن تحصر، أو تكتب في الدفاتر وتسطر: # فوا عجبا مني أحاول نعته ... وقد فنيت فيه القراطيس والصحف # أقاضينا هذا الذي أنت أهلعه ... غلطت ولا الثلثان منه ولا النصف # ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ضعف # ثم أن مولانا - أدام الله تعالى رفيع جنابه - وجه همته في منصب القضاء ~~لعبد بابه، وكان يعرفه كثيرا عند حضرة اسكندر باشا بكمال التعريف، ويذكره ~~عنده بما يليق بوصفه الشريف. فكان العبد يتردد إلى حضرته العلية، وهو يميل ~~إلى المباحثة مع اهل الفضل ويحبهم محبة كلية. وكنت اقابل له بعض كتب ~~التفسير، وأصححها غاية التصحيح والتحرير. فاتفق في ذلك الاثناء وفاة قاضي ~~التزمنتية، ففوض قضاءها للعبد وعرض الأمر إلى السدة السنية العلية. وتوجه ~~الفقير إلى القضاء المذكور لتنفيذ الأحكام، وأرسل العرض مع مندوبه فسبقه ~~خبر وفاة قاضيها ببعض ايام، فاعطي القضاء المذكور لقاض من القضاة، وكانت ~~عدد ايام اقامتي بها كعدد ايام الميقات. # ثم توجهت بعد ذلك إلى المحمية القاهرة، فألفيت الخبر جاء من دمشق بوفاة ~~المرحوم فوري أفندي المفتي المشار إليه أعلاه وانتقاله إلى الدار الآخرة. ~~فكان خبرا أظلم الوجود لوصوله، وحل الهم المبرح بحلوله، وأجرى الدمع من ~~العيون، وأوجع القلوب وقرح الجفون. فعاين العبد من هذا الخبر أن سماء قلبه ~~انفطرت، ونجومها انكدرت، وتفتت منه الأحشاء وتقطع الفؤاد، وذكره فقده، وما ~~كان ناسيا، أن الموت نقاد، فياله مولى أظلمت الدنيا لفقده، وخلت ربوع ~~الفضائل من بعده: # فلكل معدوم سواه مشبه ... ولكل مفقود سواه نظير # وبالجملة: # ولو كان غير الموت شيء اصابهم ... عتبت ولكن ما على الموت معتب ~~PageV01P017 على أنه إذا جاء الأجل المحتوم فلا حيلة في رده، ولكل شيء حد ~~فإذا تم وقف عند حده. # وعلى كل حال فأن الموت كاس لابد ان يردها الخاص والعام، ولا يبقى إلا " ~~وجه ms31 ربك ذو الجلال والأكرام " فالمتحتم حينئذ تلقي أمر الله تعالى بالقبول ~~والرضى، " فإنا لله وإنا إليه راجعون " فيما قدر وقضى. ولعمري إن هذا ~~المولى حقيق بان تشق عليه القلوب قبل الجيوب، وأن تجري عليه العيون دما ~~فضلا عن الدمع المسكوب. غير أن الواجب اطاعة الله تعالى في الباطن والظاهر، ~~والتأسي بقوله تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كانت يرجو ~~الله واليوم الآخر " ولكن: # سأبكيه ما فاضت دموعي وأن تغض ... فيكفيه مني ما تجن الجوانح # لئن حسنت فيه المراثي وذكرها ... فقد حسنت من قبل فيه المدائح # فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، وبرد بمياه الرحمة والغفران مضاجعه، آمين. ~~هذا، ثم في تلك الغضون عزل اسكندر باشا وقدم حضرة الوزير الأكرم سنان باشا ~~متواليا إلى المملكة المصرية. واتفق في تلك الايام خلو مدينة فوة من قاض ~~ينظر في الأمور الشرعية، فاقتضى الحال بمشاورة مولانا حفظ الله تعالى جنابه ~~الخطير، تقليد العبد قضاء البلدة المذكورة من حضرة الوزير. وأمره شفاها ~~بالنظر في الاحكام، وفصل القضايا الشرعية بين الأنام. فتعين حالتئذ التوجه ~~إلى البلدة المذكورة، وصحبت معي صاحبنا الفاضل الشيخ علي المالكي ذا ~~الفضائل المأثورة، وودعت حضرة مولانا قاضي القضاة حفظ الله تعالى ذاته ~~الشريفة ورعاها، وركبنا في السفينة قائلين " بسم الله مجراها ومرساها " ~~فوافينا دخول البلد عشية نهار الأحد سابع عشر جمادي الأولى سنة تسع وسبعين ~~وتسعمائة جعل الله تعالى عاقبتها إلى خير. وكان من لطيف الأتفاق أن رسولنا ~~قدم في ذلك الوقت إلى مصر بتوليتنا قضاء قنا والقصير، فحصل لمولانا قاضي ~~القضاة غاية البشر والسرور، وجهز صحبته مراسيم شريفة لضبط لقائنا المذكور. ~~وكان صحب الرسول عروض تتضمن الرقي لصاحبنا الشيخ علي المذكور في المدرسة ~~السرياقوسية وأخبرنا بحصول ذلك الترقي واتمام تلك القضية، فسررنا باتمام ~~ذلك المرام، وتوجه بعد ذلك صاحبنا المذكور إلى القاهرة بعد أن أقام عندنا ~~بعض أيام. ووجدنا لفراق أنسه وحشة كلية، وافتقدنا لطف مصاحبته العلمية. ~~PageV01P018 ثم في خلال الايام ورد من حضرة الباشا - عامله الله تعالى ms32 بخفي ~~الالطاف - للتفتيش في بعض الأمور مراسيم شريفة للفقير ولبعض قضاة تلك ~~الأطراف. فلما اجتمعنا للتفتيش وقع للفقير مع بعض أولئك القضاة مباحثة في ~~خصوص، وألزمته وبينت له خطاه بموجب النقول والنصوص. ثم اتسعت بيننا دائرة ~~البحث والكلام، وانتقلنا من مقام إلى مقام. وقد كتبت القصة برمتها، وأودعت ~~هذه القضية بجملتها، ضمن مكتوب ارسلته أذ ذاك لحضرة قاضي القضاة - أدام ~~الله تعالى فضله وزاد علاه - ، فأنه كان يؤكد في إرسال المكاتبات المطولة ~~المفصلة، إلى خدمته الكريمة المفضلة، بحيث تكون مشتملة على مزيد الإطناب، ~~حسبما يقتضيه مقام مخاطبة الأحباب. فقصدت إثبات المكتوب برمته في هذا ~~المقام، لتضمنه تلك الماجريات بالتمام. صورته: شيد الله تعالى صدر الشريعة، ~~بمشارق أنوار تلك الطلعة البديعة، ولا زال ثناؤها منصوبا على المدح، وأكف ~~الداعين ببقائها مبنية على الفتح. وبعد إهداء سلام فض الاخلاص ختامه، ونصب ~~القبول في خفض العيش خيامه، فان تفضل المولى بالسؤال عن حال عبد بابه، ~~اللائذ بشريف اعتابه، فهو ملازم على أدعيته، ومواظب على أثنيته. ونسأل الله ~~تعالى أن تهب على هذه الدعوات نسمات القبول، وان يبلغكم في الدارين كل سول ~~مما يعرضه المملوك على خدمتكم العية، وينيهيه إلى سدتكم السنية: أنه لما ~~اتى إلى مدينة فوة وجد فيها نائبين في غاية الفضل والاستقامة، وآخرين في ~~غاية الجهل أظهر الرعية منهما غاية التظلم والسآمة، وان القاضي السابق كان ~~ولي احدهما بمصر والثاني برشيد، وكل منهما توليته غير صحيحة، ورأى العبد ~~شكاية أهل البلد من ظلمهما وافعالهما القبيحة، واطلع على عدم استقامتهما ~~وراى ذلك راي العين، عرض أمرهما إلى حضرة الوزير فبرز أمره الكريم برفعهما ~~وابقاء النائبين المستقيمين، وكان أحدهما منسوبا إلى قاضي رشيد، فأرسل يشفع ~~عند الفقير في عوده ويسأل عن سبب عزله. فكتبت له في الجواب ما يعرض على ~~المولى أسبغ الله تعالى على العلماء مديد ظله، صورته: بعد فواتح السلام، ~~يحيط علمكم الكريم أن السبب في عزل النائب المذكور هو الصفة التي لو قدم ~~منها ما أخر لذاق طعم مرها الوخيم، ms33 ولو أبصر بهذا المقدم عاقبة أمرها لكان ~~ذا نظر سليم، ولو أبدل فاء فعله بقاف وعينه بنون، ولو لم تكن يده مبنية على ~~الفتح لم يركن إلى السكون. والظاهر ان سيرة الفقير بفوة بلغت الخاص والعام، ~~ومشيه بالاستقامة على أحسن نظام. ومن المعهود أن التابع بإعراب متبوعة، ~~ولكن بعض الأفعال لا يتم بمرفوعه. والفقير ما لام أفعاله إلا بعد ان ظهرت ~~لديه وهي عين، ولم يعول فيها على اخبار مخبر حتى ينسب لمين، ومع هذا فقد ~~أظهرت الرعية منه ومن قرينه غاية التظلم، وأن اعددناه دونه يلزمنا قضية ~~التحكم، والسلام. ثم أرسلتها له وما أخاله لمعاينها يفهم، ولكن " وما علي ~~إذا لم " . وما أحراه بقول القائل: # ولقد ذكرت لك المراد فأن تكن ... فطنا عرفت وما إخالك تعرف PageV01P019 ~~ثم اتفق في تلك الغضون ان ورد أمر شريف للكشف على بلد في أوقاف الدشيشة من ~~قضاء فوة المذكور، بالخطاب لقاضي فوة وقاضي اسكندرية وقاضي رشيد وقاضي ~~دمنهور. فصار بيننا وبينهم مباحثة عظيمة عجيبة، وامور غريبة، ومذاكرة ~~علمية، وشاهدنا من بعضهم قضايا بالقافية، عن للعبد أن يعرضها على مولاه ~~لابرح مرفوع الجناب، ليقضي منها العجب العجاب، أما قاضي رشيد فلاستعماله ~~الكيف بلا متى ولا أين، لا يرى دائما إلا وهو مفتوح الفم مضموم العين. فكان ~~ابتداء مصاحبته معنا ان قال: لأي شيء عزلتم النائبين المذكورين فقلت له: ~~هما أولا ليسا بنائبين شرعا، وثانيا إنهما مؤذيان طبعا، وثالثا أن بلغ ~~أرباب الدولة أننا نستخدم اربعة نواب، ربما ينسبوننا إلى السفه وعدم ~~الصواب. على أن محكمة مصر المحمية ليس فيها أربعة نواب شافعية. ثم طال ~~الكلام بيننا إلى أن اقتضى الحال في ذلك الوقت كتابة هذه الرسالة، المعروض ~~بعضها على جناب مولانا مد الله تعالى ظلاله، صورتها، بعد البسملة: حمدا لك ~~يا من نصب القضاة للعدالة، ورفع مناصبهم حيث خفض أرباب الجهالة، والصلاة ~~على سيدنا محمد المسدد في أقواله والمؤيد، وعلى اصحابه والآل، والتابعين ~~لهم بأحسن منوال، ما سطع نور الحق وظهر برهانه، واضمحلت شبه ms34 الباطل وخمدت ~~نيرانه. وبعد، فهذه مباحثة صدرت بين الفقير وبين قاضي رشيد - وفقه الله ~~تعالى لكل أمر سديد - وذلك أن القاضي بفوة لما ذهب لأهلها مغاضبا، ولوظيفة ~~القضاء مجانبا، وقيل بل تولى هربا، أو ليبلغ في الارض سببا، وقلد حضرة ~~الوزير الاكرم، والمشير الأفخم حضرة سنان باشا - أعز الله تعالى انصاره - ~~إذ هو وكيل الخليفة - أيد الله تعالى سلطنته وضاعف اقتداره - قضاء البلدة ~~المذكورة لهذا العبد الفقير، الراجي رحمة ربه القدير. واذن له شفاها بالنظر ~~في الأحكام الشرعية، وأحكام الامور الدينية، وجد فيها نائبين تكررت شكاية ~~الرعية من أحوالهما، وعدم استقالتهما في اقوالهما وأفعالهما، وكان نصبهما ~~القاضي في غير محل قضائه، ومكان توليته وامضائه، عرض الفقير أمرهما لحضرة ~~الوزير، فبرز الأمر بعزلهما من جنابه الخطير، لاشتمالهما على ظلامات صريحة، ~~ولكون تولية القاضي وهو في غير محل ولايته نائبا غير صحيحة، لما قاله في ~~بعض كتب الفتاوي: المولى لا يكون قاضيا قبل الوصول إلى محل ولايته، فمقتضاه ~~جواز قبول الهدية قبل الوصول وعدم جواز استنابته. فقال قاضي رشيد - أرشده ~~الله تعالى للصواب - : بل توليته صحيحة لان عادتنا معاشر القضاة ارسال ~~المكاتيب بنصب النواب. فقلت له: قد أخطات يا مولانا في الحكم والعلة، ولم ~~تصب في التفضيل ولا في الجملة، وكلامك هذا في معرض الرد والغندفاع، وأن ما ~~استدللت به استدلال بمحل النزاع. ثم بحث قاضي رشيد - ألهمه الله تعالى رشده ~~- وزعم ان تولية الفقير من حضرة الباشا غير صحيحة. فغلطه في كلامه ورده ~~وقال له: ليس الأمر كما تزعم وتقول، وقد نطقت بخلاف قولك النقول، وليس هذا ~~الكلام منك غلا محض الغلط، ولو وفقت على ما ذكره في الملتقط حيث قال: يجوز ~~قضاء الأمير الذي يولي القضاة، وكذا كتابه إلى القاضي إلا ان يكون القاضي ~~من جهة الخليفة، لاحجمت عن مثل هذا الزعم والأقوال السخيفة. وقد افتى بعض ~~المحققين من المتاخرين بان تولية باشا مصر قاضياص ليحكم في قضية بمصر مع ~~وجود ثاضيها المولى من السلطان باطلة، لأنه لم يفوض له ms35 ذلك. ومفهوم هذا لا ~~يخفى على من له أدنى عرفان، فلا يشك حينئذ من له في الفضل نوع قوة، في صحة ~~تولية الباشا لهذا الفقير قضاء فوه، لعدم قاضيها كما يؤخذ من عبارة ما ~~أفتاه هذا المفتي بطريق المفهوم، وكون الوزير وكيل الخليفة في مثل هذا ~~الخصوص أمر معلوم. بل نقول على سبيل الترقي لو نصب العبد قاضيا نيابة عن ~~السلطان، جاز قضاء القاضي كما صرح به ائمة الاتقان فما بالك بوزيره، ومعتمد ~~وظهيره؟! هذا ما نقله أكابر العلماء المدققين، ولا ينكر ذلك ألا جاهل او ~~معاند، نعوذ بالله تعالى أن نكون من الجاهلين، والحمد لله وحده. ثم ارسلتها ~~إليه وقلت له: لابد من إرسال هذه الرسالة مع عرض إلى حضرة الوزير ليطلع على ~~ما ابديته من الجهل الشهير. ثم إنه في ثاني يوم أفاق بعض إفاقه، وأتى إلى ~~منزل الفقير وأبدى الاعتذار بحسب الطاقة. وسألنا في عدم العرض فطوينا عنه ~~صفحا، وطلب الصلح فتلونا " فلا PageV01P020 جناح عليهما أن يصلحا بينهما ~~صلحا " ؛ وألح علينا هو وقاضي اسكندرية لنتوجه إلى ضيافته في بلدته رشيد، ~~وأكد ذلك بأنواع التاكيد. وأما قاضي دمنهور فإنه جاهل لم يدر مقامه، ولما ~~تم الكشف والتحرير، تقدم على الفقير، وكتب أمامه، فصبرت عليه حتى اتم، ثم ~~تأملت ما رقم، فكان الذي كتبه ما قرأته: من الداعي إلى الملك القفور، محمد ~~القاضي بدمنهور. فقلت له: ما هذا إلا جهل شهير، بل والعياذ بالله تعالى خطا ~~كبير، فأن الغفور بالغين لا بالقاف، ولو رأى ذلك حضرة الباشا لعلم ما هناك ~~بلا خلاف. ثم لما رقم على الحكم والمثال، علامة القبول والامتثال، كتب ما ~~صورته: امتثلت إلى أمر الشريف محمد المولى بدمنهور. فقلت له: وقد أخطأت ~~أيضا في هذا الإمضاء من ثلاثة أوجه وتجاوزت حدا، الأول: جعلك الفعل متعديا ~~بالى وهو بنفسه يتعدى، والثاني اضافتك الأمر إلى الشريف، ولا يخفى على عاقل ~~أن الواجب التوصيف، والثالث بقاء اسمك مفلتا بلا سبب ولا رابط، ولا علاقة ~~ولا ضابط، إلى غير ذلك ms36 من العجائب والنوادر والغرائب، سبحان الله تعالى. ~~وعلى قولهم الشيء بالشيء يذكر فقد ذكرتنا عبارات قاضي دمنهور ما وقفنا عليه ~~هذه الايام لقاض في مدينة الفيوم من كتابته امتثال على مثل الحكم المذكور، ~~صورته: " لما ورد الأمر الشريف من الباب العلية، والعتبة العالية الهنية، ~~قد نظرت ووقفت وامتثلت بالسمع والطاعة، الفقير أحمد بن مولانا علي العربية، ~~القاضي بمحروسة فيوم المحمية، عفى عنهما الكافي الصمدية " . فلما تأملت هذه ~~العبارات طفح علي الطرب وطاف، وأذكرتني، وما كنت ناسيا، قضايا بالقاف. ~~وعجبت من هذه السجعات المطربة، وحكمت بأن هذه ليست غلا من تلك متشعبة، ~~وقضيت من ذلك غاية العجب، وتأسفت على نقص حظ أبناء العرب. وأما قاضي ~~اسكندرية، فأنه في غاية ما يكون من الأوصاف المرضية، وقد أطلعني على مكتوب ~~بخط فخر الموالي المعتبرين عبد الرحمن جلبي أفندي يتضمن وصوله إلى ~~القسطنطينية، وأن جميع الموالي أتوا للسلام على حضرته العلية، وأنه توجه ~~حين وصوله للسلام على حضرة مولانا المفتي أدام الله تعالى أيامه، وأطال ~~بقاءه وخلد أعوامه. وتوجه ثاني يوم دخوله إلى حضرة الوزير الأكرم وذكر عنده ~~من أوصافكم الكريمة ما شهده وسمعه من أفواه العالم فزاد اعتقاده في حضرتكم، ~~وسره ما سمع من حسن سيرتكم، وأن برويز أفندي اجتمع بعد ذلك بيوم بحضرة ~~الوزير - خلد الله تعالى أيام سعادته وحفظ جنابه الخطير - فذكر له شكره عبد ~~الرحمن أفندي ممنكم، وما بلغه من الاوصاف الجميلة عنكم، فزاده ذلك ميلا إلى ~~مولانا واعتقادا فيه، وقال: سبحان الله تعالى، الولد سر أبيه. ثم أن مولانا ~~حامد أفندي وبرويز أفندي توجها إلى بيت عبد الرحمن جلبي بعد مجلس السلام، ~~وشكراه على مدحه لجنابكم - حرسه الله تعالى بعينه التي لا تنام - بعد تقبيل ~~اليد الشريفة ثانيا والسلام في المبدأ والختام. PageV01P021 هذا آخر ~~المكتوب الذي أرسلته إلى جناب مولانا أدام الله تعالى فضله المتضمن لتلك ~~القضايا بالتفصيل والجملة. هذا ثم أن أهالي فوة كانوا إذ ذاك شكوا من رئيس ~~المحضرين بها المدعو بحسام، وذكروا أنه يتعدى عليهم بالغرض ms37 ويفوق إليهم ~~السهام، فرفعه الفقير لما بلغه من أفعاله، وسمعه من سيرته وأحواله، فجاء ~~بمكتوب من حضرة من بالفضل مشهور والتحقيق موصوف، مولانا فخر القضاة منشي ~~أفندي القاضي بمنوف، وهو على الأطلاق أفضل قضاة هذه الديار، وإليه من بينهم ~~بزيادة الفضل يشار، يتضمن مكتوبه الشفاعة عند الفقير بالمذكور وأن يكون ~~نظره عليه، وذكر أنه قد تاب إلى الله تعالى ورجع عما نسب إليه، فقبل الفقير ~~ما اشارت به حضرته، وكتب له عن ذلك جوابا صورته: إن أحلى ما تنطق به ~~الالسنة، في جميع الآونة والأزمنة، حمد منشئ أنشأ الموجودات بقدرته على ~~أحسن نظام، وشكر معيد أبدع الكائنات ببديع حكمته على مقتضى المقام، أختار ~~من خلقه خلاصة هداهم بهدايته إلى التوفيق، وارشدهم بنور عنايته إلى أقوم ~~طريق، وصلاة على أفصح منطق نطق بالضاد، صلاة يروى بها يوم الفصل كل صاد، ~~وعلى آله وأصحابه، وتابعيه وأحبابه، ما أطرى منشئ في مدح أوصافه العلية ~~فأطرب، وشنف المسامع بلطائف نعوته الشريفة فأطنب، آمين. وبعد رفع دعاء إذا ~~قصد باب القبول قيل له: " ادخلوها بسلام " ، وسلام أعطر من حديث النسيم ~~بأخباره زهر الكمام، ووصف اخلاص مؤكد بتوابع المدح والثناء، وأعراب عن محبة ~~مشيدة البناء، ونعت الأشواق، التي عجزت عن حصرها الأوراق، فقد وصل المثال ~~الكريم من حضرة من فاق أهل العصر بفضائله الحسان، والمنشئ البليغ الذي إذا ~~أنشأ أنسى سحبان، فقابله المخلص بالإجلال والأعظام، وضرب صفحا عن شاكي ~~حامله حسام، فإنه كان شكا منه بعض الناس وتظلم، وذكر أنه ينشب الرعية ~~بأظفار لم تقلم، ولكن نرجو له المجاز عن ذلك الطريق حيث كان مرسلا من ~~جنابكم الشريف، وإذا كان مضافا إلى جنابكم وموصولا باعتابكم يكتسي كمال ~~التعريف. على أنه كان السبب في فتح باب المصاحبة، والباعث على المراسلة ~~والمخاطبة، وطالما تتشنف الأسماع بأوصافكم التي سارت بها الركبان، وفضائلكم ~~اللاتي يشهد بها أعيان الأفاضل وأفاضل الأعيان، وانتم في أمان الله تعالى ~~وحفظه على الدوام، والسلام. # هذا، وقد ورد علي وأنا قاض بفوة مكاتبات من أحبابنا اهالي ms38 المحمية ~~القاهرة، أدام الله تعالى عليهم نعمه الوافرة، من ذلك مكاتبة من مولانا فخر ~~المدققين، القاضي بدر الدين القرافي المالكي صدرها: # أيا بحر المعالي والمعاني ... ومن للمكرمات يجيد عزما # لتهنأ بالولاء بحسن مجد ... ونرجو أن يزيد نداك حتما # لفوة قوةق أبدت سريعا ... قضاء قنا بقصد ثم جزما # فقد جاء الرسول بكتب مولى ... وقاضي عسكر قد زاد حكما # بتولية القصير كذا قناء ... قنا يا رب هما ثم غما # فكان مجيئه في يوم الاثنين ... وفيه مسافرا قد رام مرمى # فعالجنا بحكم من وزير ... ومكتوب لقاضي مصر رسما # مخافة أن يطول الأمر يوما ... ونخشى أن يضيع الحال حشما # وتدريس الفقير أتى جليا ... على وجه يزيد الحال غما # بقيتم في علو وارتفاع ... ودمتم تمنحون الخلق علما # فكتبت له في صدر مكتوب جوابا عن ذلك، صورته: # أتاني منك مكتوب كريم ... حوى البشرى ولكن فاق نظما # فشوقني لاحبابي بمصر ... وجدد عهد أشواقي ونمى # فأني لم أفارقهم بقلب ... إذا فارقتهم بالرغم جسما # وقد سر الفقير بما ذكرتم ... له من شفع مكتوب وحكما # فمصر ليس لي فيها صديق ... سواكم ارتجيه لما أهما # فأن تك شافعي حكما حديثا ... فأنك مالكي بالجود قدما # وفعلك للجميل إذا تعدى ... وخص نداك إخوانا وعما # فكم أوليتنا فعلا جميلا ... وكم لك مثل هذا الفعل اسما # فلا زالت عوارفكم غزارا ... . . . . . . . . . . . # ويدرك مشرقا في أفق سعد ... ومجدك شامخا بدءا وختما PageV01P022 ومن ذلك ~~مكاتبة من فخر الأفاضل والأدباء، وعمدة البلغاء والنجباء، الشيخ محمد ~~الفارضي باسمه واسم فخر الأهالي والأعيان، سيدي محمد الظاهر الموقع بالديار ~~المصرية، توصية لاناس من أهالي فوة المحمية، صورتها: مولانا حرسه الله ~~تعالى وحماه، وأكسبه قوة بفوة كما شرف به حمص وحماة، معروض الفقير ان أيتام ~~السعد لهم خبر مطول، وليس إلا على فضل مولانا فيه المعول، ملخصه أو مختصرة ~~وقفية ادعى شخص بيعها، وأنه أصبح يملك ريعها، والمسألة متعلقة بأيتام، ~~ومولانا حسنة هذه الأيام، فمولانا لا يخيلهم من العناية، أدام الله تعالى ~~له الرعاية، ولا يخفى الحث على إكرام اليتيم، وقد جاء ذلك ms39 في الذكر الحكيم، ~~وبقيتم في عافية، ونعمة كافية وشافية. # ومن ذلك مكاتبة من صاحبنا الفاضل الشيخ علي المالكي صورتها: # سلام كعرف المسك فاح بعطره ... وورد كنشر الروض زان بزهره # على من غدا يعلو السماكين رفعة ... ويسفل عنه الفرقدان لقدره # إمام له در المعالي قلائد ... وقد فاق في نظم الكلام ونثره # وبعد فيا رب الفضائل والحجى ... ومن قد غدا يسمو بثاقب فكره # إليك اشتياقي لا يحد فأنه ... تنزه عن ضبط وحد وحصره # وأن عليا مذ تناءى محبه ... تدانى له صرف الزمان بغدره # يحن إليكم كل وقت كأنه ... محب جفاه حبه طول عمره # بعيد قريب منكم بضميره ... وفارقكم في جهره دون سره # إذا ما خلت منكم مجالس وده ... فقد عمرت فيكم مجالس شكره # ولولا رجاه أن وقت فراقكم ... سحائب صيف مات غما بقهره # سقى الله أياما تقضت بقربكم ... هواطل من طل الغمام قطره # لكم أبدا مني سلام مضاعف ... وأزكى تحيات إلى يوم حشره # هذا ثم أقمنا في فوة المذكورة مدة في غاية الحضور لا نخشى ضرارا ولا ~~بوسي، وكانت اقامتنا بها كضعف ميقات موسى. وبعد ذلك فوض قضاؤها لقاض، وفارق ~~الفقير أهاليها وهم راضون عنه وهو عنهم راض، وكتبوا لنا محضرا ذكروا فيه ما ~~شاهدوه من سيرة الفقير ومشيه على أولى سنن وأقوم طريقة، وأنه لم يتول عليهم ~~قاض مثله في الحقيقة، ورقم عليه الفاضل من أهاليها، والمعول عليه من أهل ~~العلم فيها، وكان خروجنا منها ثامن عشر شهر شعبان سنة تسع وسبعين وتسعمائة ~~من الأعوام، ووافق ذلك اليوم يوم خروجنا في سنة ثمان من دمشق الشام. وقد ~~امتدحني أفاضلها بقصائد فصيحة، محتوية على مقاصد لطيفة ومعان رجيحة؛ فمن ~~ذلك قصيدة كتبها الشيخ الفاضل العلامة، والمدقق الكامل الفهامة، القاضي ~~محمد الفزاري، صورتها: # ألطفك أم سحر أجودك أم بحر ... أوجهك أم شمس وما طلع الفجر # أمجدك أم فخر الثريا على الثرى ... أحمدك بين الناس يتلى أم الذكر # تناهى ثبوت الشكر فيك فلا يرى ... لرأيك لم يلحق ببابكم عذر # إليك محب الدين وجهت مقصدي ms40 ... على ذات عزم زانها النظم والدر # بذكرك قد عطرت أنفاس سرها ... فسارت وطول الأرض في عينها فتر # إلى كهف علم يسبق الطرف فهمه ... سحاب ندى في الناس نائله غمر # وكلا فأن السحب بالقطر جودها ... وذا جوده في قطره يغرق البحر # كثير سهاد العين في العلم للعلى ... ويرضيه من اغفاء أعينه النزر # وقد قلد الاعناق منته فما ... نرى سيدا إلا ومنه له شكر # إلا يا محب الدين فخرك قائم ... وما لامرئ لم يمس من حماة فخر # فآلك هم اهل المكارم ما لهم ... من العيب إلا ان بهم حسن الذكر # وما فخرهم إلا لأنك منهم ... وأن بلادا ما نزلت بها قفر # وقد ضل كف يممت غير سوحك ال ... فسيح فردت وهي من قصدها صفر # وإذ قد وزنت الناس عقلا وهمة ... وفضلا ووصلا كان منك لهم جبر # فعنك رضي الرحمن عما نشرته ... بفوة من عدل وبذل به الأجر # وجئت وكان الناس في الاصر والعنا ... فجاء الغنى، والبأس يطرده اليسر # وأرسلت أمنا في قنا وقصيرها ... فقصر عنها السوء وانفصل الشر # يريك ذكاء الفكر ما بعد يومك ال ... جديد فأنت الحاذق الذهن النضر # إذا اشتبه الأمران عز برايك ال ... سديد شيديد الحق يمتازه الذكر ~~PageV01P023 وانت سواء الحالتين على المدى ... على سنن التقوى هما السر ~~والجهر # فذا شأن من لم يخش إلا الهه وذا ... ك هو الجود المؤسس والفخر # وما هي غلا فكرة حموية ... إذا اتصلت بالمعتنى رحل الفكر # ومن ذا يضاهي ذا المحب فأنه ... سليل المعالي وصفه النصر والصبر # إذا ما قضى أمضى فيرضى بحكمه ... جميع برايا الخلق والخالق البر # وان الرعايا حيثما قد أتاهم ... بشيرك بعد الحزن عن قدم سروا # بعيشك حالي هل أقايس بالذي ... له ظاهر الدعوى وانت لي الظهر # فما انا ممن يرتضي عل أو عسى ... لحظ عدو حظه عندك البتر # شهيداي في حبيك عدلان عندكم ... قبولهما حتم هما القلب والفكر # سلوا عن مودات الرجال قلوبكم ... وتلك شهود مثلما قد حكى الشعر # ثم قدمت إلى المحية القاهرة في أواخر شعبان، وأنا بفرط ms41 الاشواق إلى ~~مشاهدة ذات مولانا قاضي القضاة لا برحت عالية الشان، وعرضت عليه المحضر فسر ~~به - أدام الله تعالى سروره واستبشاره - العلية، وأكد ذلك بموكدات ومحسنات ~~بديعية، فانتجت تلك المؤكدات والمحسنات، أن عاد علي من حضرته الكريمة بعض ~~الصلات. وكم لهذا المولى علي عبده مثل هذه الصلات عوائد، وطالما أهدى إليه ~~من نعمه ما يعجز عن بعض شكره الزائد: # ولو أنني أوتيت كل بلاغة ... وأفنيت بحر النطق في النظم والنثر # لما كنت بعد الكل إلا مقصرا ... ومعترفا بالعجز عن واجب الشكر # هذا وكان العبد في تلك الأثناء يتشوق إلى أفاضل إخوانه بدمشق المحروسة، ~~ويتشوف إلى أخبار ترد عليه من حضراتهم المأنوسة، وينشد من شدة أشواقه التي ~~أورثته الفكر: # يا جيرة الشام هل من نحوكم خبر # فبينما هو من الاشواق على شفا، إذ وردت عليه منهم رسائل ولا رسائل أخوان ~~الصفا، فقبلتها وفضضت منها الختام، فألفيتها مشتملة من عرائس المعاني على ~~حور مقصورات في الخيام: # وقبلتها ألفا وألفا فقال لي ... غرامي زدها واضرب الالف في الالف # فمن ذلك مكاتبة من صاحبنا فخر الافاضل المتبحرين، وزبدة الأماثل ~~المدققين، مولانا الشيخ عماد الدين أدام الله تعالى أفاضله، وبلغه أمانيه ~~وآماله، صدرها: # سلام كعرف المسك بل هو أعطر ... وأزكى تحيات تضوع وتنشر # على الحضرة العلياء والساحة التي ... بها الفضل ثاو والأفاضل تفخر # على ساحة فيها السماحة والندى ... وساكنها ما زال بالخير يذكر # سلام محب لم يحل عن وداده ... وأن صحيح الود لا يتغير # أمولاي إن الشوق مر مذاقه ... وأن فراق الإلف لاشك يعسر # وأني لمشتاق بديع جمالكم ... ولست على حر القطيعة أصبر # لأنكم إنسان عيني ونورها ... وكيف بغير الضوء عيني تبصر # فجودوا ورقوا واعطفوا وتفضلوا ... ومنوا بقرب وارحموا الصب واعذروا # بقيتم وقيتم لا عد متموا ... ولا زال راجيكم مدى الدهر يجير # فكتبت له عن ذلك جوابا، صورته: # غب تقبيلنا لتلك الأيادي ... وولاء من مخلص في الوداد # وثناءس يفوق نشر خزامي ... وعلى المسك إذ ذكا والزباد # وسلام مؤكد من محب ... سالك في الورى طريق الرشاد ms42 # أن عيني لما تباعد عنها ... شخصكم مسها أليمث السهاد # قد جفاها المنام مذ فارقتكم ... وقلاها من بعد طيب الرقاد # يا أهيل الوداد إني محب ... أنتم مقصدي وانتم عمادي # كيف أسلو وحبكم حل من قل ... بي ومن مهجتي سواد السواد # ما قصدت القلى وأن كنت في نا ... ر اشتياق قد احرقت اكبادي # ولئن غبت عنكم فودادي ... مثل ما تعهدون بل في ازدياد # صح من علة وحاشاه من شو ... ب اختلال يشينه أو فساد # لست ممن تكلف الود حاشا ... لمحب تكلف في وداد # وعلى كل حالة حيث ما كن ... ت من الارض قربها والبعاد # أنني من أقل اعبادكم إذ ... أنتم من بين ذا الورى أسيادي PageV01P024 ~~قسما بالوداد يا جيرة الحي ... يمينا بالله رب العباد # لم أحل عن ودادكم أبد الده ... ر وأن طال عن حماكم بعادي # كل حين يحرك الوجد مني ... شجنا ساكنا لذاك النادي # فعلى اهله الكرام سلامي ... ابدا دائما مدى الآباد # لا برحتم في نعمة وسور ... قادم دائما وفي إسعاد # ما تغنت قمرية فوق غصن ... ورقى بلبل على اعواد # ومن ذلك ما كتبه فخر الاهالي والمدرسين، وزبدة الأكامل المدققين، مولانا ~~الشيخ شمس الدين ابن المنقار دامت فضائله، صورتها: # من يوم بينك كل طرف دامي ... لم تكتحل أجفانه بمنام # لما رحلت ممتعا بسلامة ... ومصاحبا للسعد والاكرام # خلفت بعدك كل خل هائما ... يجري الدموع حليف كل سقام # سكران من كأس الفراق معذبا ... يا صاح بالهجران والآلام # يشدو بذكرك من نواك اذا رأى ال ... عشاق في ركب بكل مقام # مولاي بعدك قد تفرق جمعنا ... وضياء نادينا امتحى بظلام # فالبعض منا في الحجاز وبعضنا ... في الروم والباقي بأرض الشام # قد كنت واسطة لعقد نظامنا ... حتى انفردت فحل عقد نظامي # وكذاك كنت البدر تطلع في الدجى ... فتزيل عنا وصمة الاظلام # وضياء وجهك في النهار اذا بدا ... فالشمس تستر وجهها بغمام # هذا وعبدك مات بعدك صبره ... فاسلم ودم في السعد والانعام # فعلى حماك من المحب تحية ... لا تنتهي وعليك الف سلام # وسقى الاله ديار مصر واهلها ms43 ... انواء سحب من يديك عظام # لما حللت بها تضاحك زهرها ... فرحا وبدل نقصها بتمام # والنيل زاد على القياس فاصبحت ... راحاته مخضوبة ببنام # لا غرو ان شرفت مصر وأهلها ... فلطالما شرفتنا بالشام # اكرم بنفس للامام كريمة ... وشريفة ازرت بنفس عصام # جمعت له طرق السيادة اذ غدا ... يهتم بالاقدام لا الاحجام # لا زال يرفل في ثياب سعادة ... ويجر ذيل العز فوق الهام # ما نمق المشتاق طرس رسالة ... بحديث أشواق وفرط غرام # فكتبت له جوابا عن ذلك صورته: # وردت علي من الجناب السامي ... ورقاء تسفر عن فم بسام # قد انبأت يا سيدي عن بعض ما ... عندي من الاشواق والآلام # وشرحت فيها بعض بعض صبابتي ... وغزير اشواقي وفرط غرامي # فكأنها صوت الصدى ان صحت نا ... داني وجاوبني بمثل كلامي # حاشا لمثلي ان يكون لديك يا ... قس الفصاحة مففصحا بكلام # لكنها من بحر كاملك الذي ... عذبت موارده لكل همام # بالله قل لي من لآليء صغت ه ... ذا اللفظ ام رصعت عقد نظام # ام ذلك السحر الحلال نقشته ... حتى لااخذت مجامع الافهام # أحسنت فيها الجمع والتقسيم اذ ... أدمجت فيها ذكر اهل ذمام # فعليهم وعليك ألفث تحية ... في كل إصباح وألف سلام # يا سادتي رفقا بصب هائم ... أضحى حليف صبابة وغرام # قد طلقت اجفانه طيب الكرى ... وعدمت روحي ان وجدت منامي # فاليوم أحسبه بشهر كامل ... والشهر أحسبه بالفي عام # ولئن غدا في مصر عبد جنابكم ... فالروح عندكم بأرض الشام # ما يذكر المملوك أياما مضت ... ألا ويبكيها بدمع هامي # فعلى دمشق تحية من مغرم ... ما شام برقا في دجى وظلام # وسقى الحمى والساكنيه على المدى ... هتنة تهمي بصوب غمام # لا زال ربعك بالفضائل آهلا ... والسعد والأقبال والأنعام # ما دمت تنظم من رسائلك التي ... في حسنها فاقت على النظام # دررا على كل القصائد فخرها ... في حسن مطلعها وحسن ختام # ومن ذلك مكاتبة من فخر الأفاضل، وخلاصة المدققين الاماثل، ملا أسد الدين ~~دام فضله، صدرها: # احن الى مصر وطيب مقامها ... وحب الاولى حلوا بها من اولي القدر ~~PageV01P025 ولا سيما ذو ms44 الجود والفضل والتقى ... واوصافه الحسنى تجل عن ~~الحصر # واني وان شط المزار لقائل ... عليكم سلام الله يا ساكني مصر # فكتبت له جوابا عنها: # أتاني كتاب طيب الطي والنشر ... من الفاضل المشهور بالعلم والفخر # وفيه سلام رائق رق لفظه ... ومعناه حتى فاق في النظم والنثر # فهيج اشواقي الى ساكني الحمى ... ولم انسهم فازددت ذكرا على ذكر # فاني بروحي عندهم كل ساعة ... وان كنت قد حليت بالجسم في مصر # أحن إلى تلك المعاهد كلما ... تذكرت أياما مضت سالف الدهر # فآها على تلك الليالي وطيبها ... لقد أشبهت في حسنها ليلة القدر # فياليت شعري يسمح الدهر بالذي ... مضى لي أحبابنا الأنجم الزهر # سلام على جمع الصحاب الذي بها ... ولكنك المخصوص مولايض بالذكر # مدى الدهر ما ناحت مطوقة وما ... ترنم فوق الأيك في غصنه القمري # ومما كتبته لمولانا وسيدنا صدر العلماء المدققين، وزبدة الفضلاء ~~المحققين، مولانا الشيخ اسماعيل النابلسي - اسبغ الله ظلاله، وزاد علمه ~~وادام افضاله - ما صورته: # لواء التهاني بالمسرة يخفق ... وشمس المعالي في سما الفضل تشرق # وسعد واقبال ومجد مخيم ... وايام عز بالوفا تتخلق # فيها أيها المولى الذي جل قدره ... ويا ايها الحبر اللبيب المدقق # أرى الشام مذ فارقتها زال نورها ... وثوب بهاها والنضارة يخلق # اذا غبت عنها غاب عنها جمالها ... ونفس بدون الروح لا تتحقق # وان اعدت فيها عاد فيها جمالها ... وصار عليها من بهائك رونق # فيا ساكني وادي دمشق مزاركم ... بعيد وباب الوصل دوني مغلق # وليس على هذا النوى لي طاقة ... فهل من قيود البين والبعد أطلق # وإني الى اخباركم متشوف ... واني الى لقياكم متشوق # أود اذا هب النسيم لنحوكم ... بأني في اذياله اتعلق # وأصبو لذكراكم اذا هبت الصبا ... لعلي عن اخباركم اتنشق # ولي أنة اودت بجسم ولوعة ... ونار جوى من حرها أتقلق # فحنوا على المضنى الذي ثوب صبره ... إذا مسه ذيل الهوى يتمزق # غريب بأقصى مصر أضحت دياره ... ولكن قلبي بالشآم معلق # وقد نسخ التبريح فهل إلى ... غبار ثرى الاعتاب وصل محقق # ويا ليت شعري هل أفوز بروضة ... وفيها عيون ms45 النرجس الغض تحدق # وأنظر واديها وآوي لربوة ... وماء معين حولنا يتدفق # ويحلو لي العيش الذي مر صفوه ... وهل عائد ذاك النعيم المروق # وأنظر ذاك الجامع الفرد مرة ... وفي صحنه تلك الحلاوة تشرق # وأصحابنا فيه نجوم زواهر ... ونور محيا وجههم يتألق # فلا برحوا في نعمة وسعادة ... وعز ومجد شأوه ليس يلحق # ولا زال يا مولاي حجا مباركا ... عليه من الله الثواب المحقق # ولا زلت في كل المقاصد سيدي ... من الله في سعد وأنت الموفق # مدى الدهر ما حن الغريب إلى الحمى ... وأرسل دمعا بل دما يتدفق # وما صاح شحرور على غصن أيكة ... وغرد قمري وناح المطوق PageV01P026 هذا، ~~ثم أقمت في مصر المحمية إلى أواسط شهر رمضان المعظم قدره، وبرزت الأوامر ~~الشريفة بعمارة قلعة في القصير. فأمرني حضرة الباشا بسرعة التوجه إلى ~~القضاء، فلزم أن يطاع أمره، فودعنا قاضي القضاة - لا زال وابل انعامه صيبا ~~- وتيممنا عند ذلك " صعيدا طيبا " ، ووصلنا إلى محمية قنا في سادس عشري ~~الشهر المذكور، وهو نظير اليوم الذي وصلنا فيه إلى مصر في سنة ثمان، فيكون ~~ما بين دخولنا إلى مصر وقنا عاما كاملا بلا زيادة ولا نقصان. فلما كان ~~أواسط شهر ذي القعدة الحرام ورد الخبر بأن مولانا قاضي تولى قضاء محمية ~~بروسة وكان في تلك الأيام ورد على العبد حكم بتحرير الرزق في بلاد الصعيد ~~فلم يبلغه الخبر إلا بعد توجه ذاته المأنوسة، ولم يمكنه المجيء لوداع حضرته ~~الكريمة لا برحت عالية المنار، وشق علينا بعد جنابه الشريف عن هذه الديار. ~~وكان إذ ذاك صاحبنا فخر القضاة المدققين، مولانا القاضي تقي الدين، عين من ~~جانب الباشا إلى قضاء دجرجا لجمع الغلال، وبينها وبين قضائنا يوم أو بعض ~~يوم لمبتغي الترحال، فأرسل لنا مكاتبة شريفة، ومراسلة بديعة لطيفة، ذكر ~~فيها ما عبارته: وأما قطب فلك الوجود، ونير ذرى معاقد السعود، مولانا أفندي ~~قاضي بروسا لا زال عالي المقام. فأن الفقير فارقه وهو يتلو عليكم رسائل ~~التحيات المعطرة، ووسائل التسليمات المعنبرة، بلغه الله تعالى أقصى الآمال، ~~وخلد ms46 أيام سعادته ما دامت الليالي والأيام، انتهى. # ثم إن هذا العبد بعد جناب مولانا قاضي القضاة " ضاقت عليه الأرض بما رحبت ~~" وعاين " سوط عذاب " طعم الصبر أطيب منه وأعذب: # ولو لم يكن في مصر ما سرت نحوها ... بقلبش المشوق المستهام المتيم # لاسيما إذا تذكر تلك الأوقات التي مضت في التمتع بمشاهدة ذاته العلية ~~الشان، وما مر له من حلاوة العيش في غضون تلك الليالي التي خطفناهن من ايدي ~~الزمان: # وكانت بالعراق لنا ليال ... خطفناهن من أيدي الزمان # جعلناهن تاريخ الليالي ... وعنوان المسرة والأمان # ولعمري إن هذه الليالي هي المعنية بقول الشاعر: # واها لها من ليال لو تعود كما ... كانت وأي ليال عاد ماضيها # لم أنسها مذ نأت عني ببهجتها ... وأي أنس من الأيام ينسيها # وبينما العبد يتجرع غصص الفراق بعد بعد جنابه، ويتمنى القرب إلى الأوطان ~~وينشد تشوقا إلى أحبابه: # يا جيرة الشام هل من نحوكم خبر ... فإن قلبي بنار الشوق يستعر # بعدت عنكم فلا والله بعدكم ... ما لذ للعين لا نوم ولا سهر # إذا تذكرت أوقاتا نأت ومضت ... بقربكم كادت الأحشاء تنفطر # كأنني لم أكن بالنيربي ضحى ... والغيم يبكي ومنه يضحك الزهر # والورق تنشد والأغصان راقصة ... والدوح يطرب بالتصفيق والزهر # والسفح أين عشياتي التي ذهبت ... لي فيه فهي لعمري عندي العمر # سقاك يا سفح سفح العين منهملا ... وقل ذاك له أن أعوز المطر # إذا ألقي إليه من حضرة قاضي العساكر المنصورة كتاب كريم بتبديل قضاء أسنا ~~وابريم فأنشدت عند ذلك: # رب يوم بكيت منه فلما ... صرت في غيره بكيتث عليه # واشتد به حينئذ التذكارث والحنين إلى الأوطان، وتضاعف ما عنده من الشوق ~~إلى الأحباب والأخوان، وتمثل بقول القائل: # من السعادة أن لا تبعد الدار ... وأن يبل غليل الشوق تذكار # ليت المنازل بالجرعاء دانية ... منا وذاك الذي نهوى لنا جار # ثم أرسل العبد إلى مولانا قاضي القضاة لابرح مرفوع الجناب، ليرتب ~~المقدمات في تبديل منصبه بمنصب قريب من الأحباب، لا زالت سواكن الآمال ~~متحركة بعوائد صلاته، جازمة بحصول روائع احسانه ms47 وهباته، وكتبت رسائل ~~الأشواق إلى حضرته السعيدة، وأودعت في صدرها هذه القصيدة، صورتها: # ما مصر بعدك منزلا يستطيب ... يا مطلبا ما لي سواه مطلب # أضحى لها من بعد أنسك وحشية ... ولقد علاها من فراقك غيهب # ورياضها حلفت يمينا أنها ... مذ فات فيض نداكم لا تعشب PageV01P027 قد ~~زال رونقها وكادت أرضها ... من بعد هاتيك الغضارة تجدب # والنيل قد عدم الوفاء وبعدكم ... قد غاض منه الما ولم يك يعذب # يا فاضلا فاق المةوالي علمه ... وكماله فهو الطراز المذهب # ماذا يقول الفاضلون وأن هم ... في مدح ذاتكم الشريفة أطنبوا # تتنافس الأمصار فيك فأنت كال ... غيث الذي أن حل أرضا تخصب # سعدت بروسة فيكم فلذا غدت ... تزهو على كل البلاد وتعجب # كنت النظام لمصر أما بعدكم ... فلها وعمرك حالة لا تعجب # فلكم عمرت جوامعا ومساجدا ... فيها وقد كادت تزول وتخرب # وسلكت فيها مسلكا بالعدل لم ... يسلكه قبلك في القضاة مهذب # وأزلت فيها المنكرات بهمة ... مقرونة بعناية لا تغلب # لا تختشي في الله لومة لائم ... أبدا وتخشى بالاله وترهب # لم أنس في مصر العتيقة كسر ذا ... ك الخمر حيث يجري يسح ويسكب # لولا الزيادة في الغلو لقلي كا ... د الخمر للبحر المعظم يغلي # قد شبه المملوك حالة جريه ... فيه بما يحكيه شعر يعرب # ما زالت القتلى تمج دماءها ... وتمامه عن علمكم لا يعزب # وأصابع المقياس كم قد عايننت ... منك الأيادي فضلها لا يحجب # لم أنس فيه لذة العيش الذي ... مرت حلاوته وزال الطيب # حيث الصفا واف ومجلس أنسنا ... صاف وحيث الوقت وقت طيب # والفلك تجري في جوانب روضة ... طورا تجيء بنا وطورا تذهب # فكأنما هي جنة من تحتها ال ... أنهار تجري في الرياض وتسمب # والله والله العظيم وحق من ... ضمت جوارحه الشريفة يثرب # ما لذ لي من بعدكم عيش ولا ... قلبي يسر ولا صفا لي مشري # ما يذكر الملوك ساعة بينكم ... إلا ويرسل دمعه يتسكب # قد كنت من ألم الفراق محاذرا ... في كل وقت خائفا أترقب # حتى سقاني الدهر من ألم النوى ... كأسا مذاق الصبر ms48 منها أطيب # ماذا ولا هذا عجيب إنما ... حالي غدا من كل ذلك أعجب # خلفتموني في الديار مضيعا ... صبا عبى فقد الأحبة أندب # فكأنني في موقف الأعراف لا ... أنا بالشآم ولا لمصر أنسب # قد صرت لا من هؤلاء وهؤلاء ... إني لأخشى أن أقول مذبذب # لولا رجائي أن أيام النوى ... كسحاب صيف عن قريب تذهب # لقضيت من ألم الفراق وعاينت ... عيناي أن الروح منب تسلب # يا جيرة مالي سواهم مطلب ... كلا ولالي عن حماهم مهرب # عطفا على من بات فاقد إلفه ... وله بقية مهجة تتعذب # إني وإن بعدت دياري عنكم ... لابد أن يفي الزمان فأقرب # فعليك مني ألف ألف تحية ... ولك الدعاء مقرر ومرتب # لا زلت في أفق المعالي طالعا ... وشموس فضلك في العلى لا تغرب # ومحل أنسك رائقا في بهجة ... ومناهل العلماء عندك تعذب # ما دمت في حسن إبتداء مديحكم ... أشدو وفي حسن الختام أشبب # وشفعت ذلك بقصيدة لقاضي العساكر المنصورة، لا زالت ألوية فضله على ~~العلماء منشورة، صورتها: # يقبل أرضا للجباه مساجد ... مواقفها للسائلين مقاصد # محب من شكره قد تعلمت ... حقيقا بأن تثني عليك المحامد # ولكن له شوق تزايد حده ... ونار جوى من حرها تتصاعد # ونازعه حظ تقاعس عن قلى ... يكابده في دهره ويكايد # وقد قذفته وأستطالت يد النوى ... وأقعده دهر خصيم معاند # وقد صار في أقصى الصعيد دياره ... وما زال للأحباب عنه يباعد # وليس له فيها أنيس مذاكر ... بعلم وتنسى في حما الفوائد # ويفتر فيها نثره ونظامه ... لهذا أتاكم في شعره وهو بارد # فعامله بالإغضا عن السو إنه ... لهيبتكم في جبهة الطرس ساجد PageV01P028 ~~وطال إغترابي عن حمى قد عهدته ... وقد عمرت بالفضل فيه المعاهد # بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وفارقني فيها وليد ووالد # وقد طال هذا الفصل بيني وبينهم ... فهل صلة من نحوكم وعوائد # وما أخترت أن أهدي قريضي لبابكم ... وعلمي به في سوقكم وهو كاسد # لأني في نظم القصائد باقل ... وأنك يا قس الفصاحة ناقد # ولكن دهرا ألجأتني صروفه ... ونقصان حظي قد بدا يتقاعد # وما ذا عجيب إن ms49 ذا الدهر طبعه ... يعاكس أرباب العلى ويعاند # ويحسبني مولاي أني منهم ... لذاك إذا في روم نقصي يراود # وليس على التحقيق لي منه منصف ... ولا لي في التخليص منه مساعد # سوى حضرة المولى الذي فاق من مضى ... أقر بهذا خصمه والمعاند # وأجمع أهل العصر أن علومه ... لمفردة في جمعها وهو واحد # وأعني به مولاي قاضي عساكر ... أخا الفضل بل للعلم صل ووالد # وليس يزيد المرء قدرا ورفعة ... أطالت وصاف وفيه شواهد # فلا زلت كنزا للعلوم ومصدرا ... وطابت لأهلي العلم منك الموارد # ودم أبدا في رفعة وسيادة ... مدى الدهر ما دام السهى والفراقد # ثم أرسلت الرسول وأنا مستشرف أستشراف الطالب، ومتشوف له تشوف الطامع ~~الراغب، فلعله يأتي " بسلطان مبين " ، او يرجع " من سبأ بنبأ يقين " . # فلما كان بتاريخ أوائل ذي القعدة الحرام سنة ثمانين وتسعمائة، ورد الخبر ~~بأن الصدقات الكريمة السلطانية، أنعمت على الفقير بتبديل قضائه بقضاء ~~القدموس المحمية، فسررت بهذا البدل حيث تضمن عطف الجوار، وحدمدت الله تعالى ~~على قرب الديار. PageV01P029 ثم توجهت إلى القاهرة المعمورة. فأتيتها في ~~أواسط الشهر المذكور من السنة المذكورة، ودخلتها دخول مستوحش لفراق ما كنت ~~أعهده في زمن مولانا وولي نعمتنا جوي زاده أفندي من الأنس فيها، وتذكرت تلك ~~الليالي الماضية في خدمته التي لا يرجى عود ما ضيها. ثم قصدت السلام على ~~قلضي قضاتها، وحاكم شرعها بل عين حياتها، وهو إذ ذاك فخر الموالي ~~المعتبرين، وصدر الأفاضل المتبحرين، رمضان أفندي الشهير بناظر زاده، أدام ~~الله تعالى فضله وزاد إسعاده، وقد كنت ألفت بتلك الديار منزلا، لمولانا ~~المشار إليه أولا، أدام الله تعالى له الأنعام، فلما دخلتها " وما أهلها ~~الأهل الذي كنت أعهد " أنشدت قول القائل : " أما الخيام " ثم أقمت في البلد ~~المذكور، إلى تمام السنة المزبورة، أنتظر قافلة تسافر إلى تلك الديار، ~~لأعزم معها إلى التسيار، فلم يتفق في تلك الأيام سفر قافلة أصلا، وكان ~~توجهي بالسرعة إلى القضاء أمرا مهما لا يحتمل تراخيا ومهلا، فعن لي أن ~~أسافر إلى تلك الديار بحرا، وكنت أقدم ms50 للسفر رجلا وأؤخر أخرى، إذا تذكرت ~~قول القائل المشهور، " أحجمت وكان عندي من مراكبه نفور " ، وأن تيمنت ~~بالآية الكريمة أقدمت وسألت الله تعالى تيسير الأمور. فعند ذلك قدمت مقدمات ~~الاستخارة، واستخرت الله تعالى الذي ما خاب من استخاره، فشرح الله تعالى في ~~البحر صدري، وسألته عند ذاك تيسير أمري، وتوجهت من القاهرة المحمية في ~~أوائل المحرم الحرام، وأتيت إلى محمية دمياط وأقمت فيها لإنتظار سفر ~~المراكب عشرة أيام، وعندي إلى الأحباب من شدة الشوق ما يمنعني القرار، ثم ~~اقتحمت من فرط الأشواق لجح البحار، مع أنني كنت أهاب البحر واستهول أن أركب ~~لججه، أو أصعد في أمواجه العالية درجة. وركبت في سفن المحبة يسيرها هوى ~~الشوق المعطر بعبير شذاها، وتلوت متيمنا " باسم الله مجراها ومرساها " ~~وسرنا بنية خالصة وعزم صحيح، وصرنا نرضى من الأيام بالريح فلما كان بتاريخ ~~عشري المحرم الحرام أشرفنا على طرابلس المحمية فأعلنا بحمد الله سبحانه ~~وشكره وتلونا: " أن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره " ودخلنا البلدة ~~المذكورة وتشوفنا لها بازدياد، فوجدناها بلدة لم يخلق مثلها في البلاد، ~~وألفيناها مشحونة ظرفا ولطفا، ونظرنا من محاسنها ما يعجزث عن حصره اللسان ~~ولا يستطيع له وصفا، وجعلناها لهذا المطاف ختاما، واقمنا بها يويمات بل ~~أياما. وكنت حال دخولي إلى البلدة المذكورة متشوقا إلى أن أسأله عن أحوال ~~الديار، ومتلفتا إلى من ينبئني بأخبار تتضمن المسار، متمثلا بقول القائل: # ألا هل أرى مثلي كئيبا أراسله ... يسائلني عن محنتي وأسائله # فاتفق أن صادفت بها فخر الأحباب والأدباء، وقدوة أهل الدخول والنجباء، ~~سيدي محمد بن الفرا الدمشقي، وكان أتى صحبة الوالد من حماة إلى القدموس ~~وأقام معه بها من الزمان برهة، وأتى طرابلس المحمية بقصد السير والنزهة، ~~فاستخبرته عن الأحوال، وسألته عنها بالتفصيل والإجمال، فكان بخبر سلامة ~~الأحباب نعم مبشر وبشير، ووجدت عنده من كل شيء خبرا " ولا ينبئك مثل خبير " ~~فحرك ما عندي من سواكن الاشواق، وكادت عوامل المحبة تجذبني إلى نحو الديار ~~بالأطواق. ثم فارقت البلدة المذكورة في عاشر ms51 شهر صفر الخير ولست لها قاليا، ~~ورحلت عنها لا راغبا عنها ولا ساليا، ولكن لما قيل: # إذا دنتش المنازل زاد شوقي ... ولاسيما إذا دنت الخيام # فلمح العين دون الحي شهر ... ورجع الطرف دون الشهر عام # ثم أتيت إلى محمية القدموس في ثالث عشر الشهر المذكور، وعندي من الشوق ~~إلى الوالد والولد ما لا تحويه السطور، فأنه قد طال مني هذا الاغتراب، وصب ~~النوى من أليم هذا الفراق سوط عذاب، وقذفتني يد البعد عنهم منذ ثلاث سنين ~~ولن ابرح الارض حتى يحكم الله بالاجتماع وهو خير الحاكمين: # وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا ~~PageV01P030 فسجدت لله تعالى شكرا، وحمدته على هذه النعمة الكبرى. ثم ان ~~سيدي محمد المذكور تخلف بعد الفقير في طرابلس المحمية لقضاء الوطر من ~~التنزه والسير، ووعد ان يجبيء الينا بعد عشرة ايام لا غير، فمضى له اربعون ~~يوما وهو مقيمفي البلد المذكور، مستغرق في السير والحبور، فكتبت له ~~للمبادرة بالمجيء مكاتبة وجهزتها مع الرسول، وضمنتها اشياء من مصطلحاهل ~~الدخول. واخترعت احد ضربي الاستخدام في لفظ النوى على وجه تشكره الاسماع، ~~واوقعته فيه مع تسمية النوع احسن ايقاع، صورتها: # يا من سما في سماء اللطف فوق سما ... ك الافق محيي ذوي الالباب بالطرب # نقل مقامك ايقاعا على رمل ... وان تشأ دارجا تسعى على خبب # ينهي سلاما لا يحد، وثناء لا يعد، ويشرح ما عنده من الشوق الذي يعجز عن ~~حصره الطوق، ويشكو من نواك الذي يشكوه سمع اهل الذوق، ويستخدم في ابلاغ ~~سلامة اليكم نسيم الصبا، وكلما سار ركب من العشاق هام قلبه اليكم وصبا، ولم ~~يزل يذكر انسكم في كل مقام، وان سكن ما عنده من الشوق تحركه عوامل الغرام، ~~وانه لا قدرة للمخلص على هذا النوى، وبيننا وبينك موعد لن نخلفه نحن ولا ~~انت مكانا سوى، ولم نزل نعلل النفس بعدكم من حين الى حين ولا يخفاكم ان مدة ~~الوعد كانت عشرا وقد جاوزت الآن حد الاربعين. وقد أترسل الفقير اليكم ~~حاملها ms52 ليكون لكم كارفيق، وعينه ليجيء في خدمتكم وعينه نحو الطريق. فانعم ~~يا مولانا بالدار، فان ساعات السرور قصار، والسلام في المبدأ والختام. # ثم ان المشار اليه قدم علينا بعد ايام، وهو ينشد في هذا المقام: # كتبت الي ترغبوا في حضوري ... ورب الفضل دعوته تجاب # فقبلت الكتاب وقلت طوعا ... لأمرك سيدي وأنا الجواب # ثم عرضت عوارض اقتضت اقامة الفقير في القضاء بعض ايام، وعنده الى حماته ~~ما لا يحصى من الشوق والغرام. فان الفقير لم يبن عنها مثل هذه البينونة ~~الكبرى ولم يفارقها مثل هذا الفراق، ولم يطلقها ثلاثة اعوام الا هذا ~~الطلاق. ثم اني اقمت في القدموس مدة، وراجعت حماتي بعداد مضى لي ما يزيد ~~على ثلاث سنين في العدة، ودخلتها في سنة احدى وثمانين في غرة ربيع الثاني، ~~وطربت عند هذا الدخول ولا كطرب المثالي، وقرت العين منى برؤية حماتي ~~واحبابي، وجمع شملي باخواني واصحابي، وحمدت الله على طول الاعمار، والتردد ~~الى الآثار، وطويت شقة البين والقيت عصا التسيار: # والقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالاياب المسافر # واقمت في المحروسة المذكورة بعض ايام، وانا بفرط الاشواق الى الاحباب ~~بدمشق الشام: # وان امرءا في بلدة نصف قلبه ... ونصف باخرى انه لصبور # وكنت في ذلك الحال، اتمثل بقول من قال: # أأحببنا والله مذ غبت عنكم ... سهادي سميري والمدامع مدرار # والله ما اخترت الفراق وانما ... برغم ولي من ذلك الامر اعتذار # اذا شام برق الشام طرفي تدافعت ... سحائب جفني والفؤاد به نار # الا ليت شعري هل يعودن شملنا ... جميعا وتحويلنا ربوع واقطار # ثم غلبني الشوق، وكاد يجذبني الى احبابها بالطوق، ولله در القائل: # لي نحو ربعك دائما يا جلق ... شوق اكاد به جوى اتمزق # اشتاق منك منازلا لم انسها ... اني وقلبي في ربوعك موثق # وقف عليك لذا التاسفوالبكا ... قلبي الاسير ودمع عيني المطلق # ادمشق لابعدت ديارك عن فتى ... ابدا اليك فواده يتشوق # انفقت في ديارك ايام الصبا ... حبا وذاك اعز شيء ينفق # ورحلت عنك ولي اليك تلفت ... ولكل جمع صدعة ms53 وتفرق # فاعتضت عن أنسي بظلك وحشة ... منهاغ وهي جلدي وشاب المفرق # فلبست ثوب الشيب وهو مشهر ... ونزعت توب الشرخ وهو معتق # ولكم اسكن عنك قلبا طامعا ... بوعود قربك وهو شوقا يخفق # ولكم احدث عنك من لياقته ... وجميعوا من سمع الحديث يصدق PageV01P031 ~~فتوجهت اليها ودخلتها في ثاني عشري شهر ربيع الاخر، وقرت العين برؤية ~~احبابها: # كما قر عينا بالإياب المسافر # وحللتها وان متشوف اليها ولا تشوق المحب الى لقاء المحبوب، واقمت بها ~~اياما " لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغب " وحمدنا الله تعالى ان ~~احلنا دار الاحباب، واذهب عنا الحزن، وجمع شملنا بهم كروحين في بدن. ~~واغتنمنا مصاحبة الاخوان اياما، وقضينا في خدمتهم ليالي ما كنت الا احلاما، ~~مرت لنا معهم بلذيذ المصاحبة والمسامرة، ولم يكن عيبها الا انها متقاصرة: # ان اليالي للانام مناهل ... تطوى وتنشردونها الاعمار # فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار # واوقفتهم على ما كتبته في رحلتي صحبة قاضي القضاة جوي زادة افندي الى ~~القاهرة المحمية، وما اودعته فيها من الالفاظ الباقلية، فصادفت في سوق ~~فصاحتهم نفاقا وسعرا، وشرفوها من انشائهمبتقاريظ نظما ونثرا، ساكتب ان شاء ~~الله تلك التقاريظ مع ما كاتبته لبعضها من الجواب في اواخر الرحلة الرومية ~~اذا الت الى التمام، ليكون ذلك اخر ما يعيه السمع منها ويصير ذلك لها حسن ~~الختام. # ثم اني اقمت في دمشق المحمية اياما اديت فيها واجب الصلة، واقتضى الحال ~~التوجه الى القضاء لننظر المصالح بالعجلة. وصرت لعنان العزم الى جهة القضاء ~~ثانيا، واتيت الى خدمته لا متساهلا ولا متوانيا، واستمريت افصل الاحكام ~~الشرعية على وجه المسدد الامحكم، الى خامس شهر شعبان المكرم. وكان في اوائل ~~شهر ربيع الاول لما ورد الخبر بان مولانا فخر الموالي المتبحرين محيي الدين ~~افندي معلول زادة ادام الله تعالى فضله زاد اسعاده، تولى قضاء العسكر ~~المنصور، حصل لنا غاية الفرح والسرور، وانشدنا: # ورد البشير بما أقر الاعينا ... وشفى النفوس فنلن غايات المنى # وتقاسم الناس المسرة بينهم ... قسما فكان اجلهم قسما أنا # وكنا ms54 ندعو الله بذلك اناء الليل واطراف النهار، لما لنا من سابق المعرفة ~~والعبودية مع جنابه لا زال عالي المنار، فان قاضي العسكر السابق لم يكن له ~~معرفة بهذا العبد الفقير، بل كان حاله عنده في مقام التنكير. وأما مولانا ~~حفظ الله تعالى جنابه الشريف، فالعبد عنده في مرتبة الضمائر من مراتب ~~التعريف، خصوصا وقد كان آخر اجتماعه في طريق مصر بخدمته العلية، صحبه ~~مولانا جوي زادة افندي في ذلك المجلس الخاص الذي ذكرناه في اوائل الرحلة ~~المصرية. وكام العبد يترجى في زمنه الترقي الى اسنى المراتب، والترفل في ~~اعلى المناصب. فلما سمعت بتوليته قلت لنفسي: هاليلك قد اقمر، وفجرك قد ~~اسفر. وكتبت بعد ايام مكاتبة وعبودية الى رفيع جنابه، وارسلتها مجردة مع ~~بعض خواص أحبابه، أسأل من تفضلاته تبديل منصبي بمنصب هو خير، كما هو ~~المأمول من كرمه حفظه الله تعالى من كل سوء وضير، وكنت مترقبا لما يرد علي ~~من إحسانه أدام الله تعالى فضائله، وكان بقي لي من المدة العرفية قريب من ~~سنة كاملة. فلما كان خامس شعبان المذكور ورد الخبر أنه من غير بدل وجه منصب ~~الفقير لرجل جاهل، ومن حلى الفضل والفضائل عاطل. فكنت كما قيل: # رفعت إليه أشتكي الجزم في الهوى ... واعربت عن نصبي فوقع لي الخفضا # وأضحيت منه خائب الآمال، وصار كحال أبي المرقال: # أن الغراب وكان يمشي مشية ... فيما مضى من سالف الآجال # حسد القطاة فرام يمشي مشيها ... فأصابه ضرب من العقال # فأضل مشيتها وأخطأ مشيه ... فلذاك كنيته أبو المرقال # فتعجبت من هذا الفعل غاية العجب، حيث لم يكن لذلك أصل ولا سبب، وصرت من ~~هذا الأمر اتعجب، ثم حملته على نظائره من تلقي المخاطب بغير ما يترقب. ~~وقضية الحجاج مع القبعثري قضية مشهورة، وعند اهل البلاغة معروفة وغير ~~منكورة. فحينئذ كنت في ذلك الدعاء كالباحث عن حتفه بظلفه، والقاطع مارن ~~أنفه بكفه. وظهر لي أني أصبت نفسي بسهمي وبذاتي اوهنت عظمي: # قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي # فلئن عفوتث ms55 لاعفونء جللا ... ولئن جنيت لاوهن عظمي # وصار مني ضرري ودائي: PageV01P032 وكان إذن على نفسي دعائي # وكنت كالمتمنى أن يرى قمرا ... من السماء فلما أن رآه عمي # فلما بدا لي منه ما رأيت، علمت أن طبعه استحال، وتذكرت قول من قال: # وكل ولاية لابد يوما ... مغييرة الصديق على الصديق # وتذكرت قولهم: " أرض من صاحبك إذا ولي ولاية بعشر وده قبلها " ، كما شاع ~~ذلك في الأقوال السائرة، وعلمت أن وده صار كود من " خربت بيتا مهاجرة " . # ثم فارقت أهالي ذلك القضا، وهم راضون مني كمال الرضا، تأسفوا على عزلي ~~تأسفا كثيرا، وأجروا على فراقي دمعا غزيرا، فعند ذلك حمدتث الله تعالى على ~~السراء والضراء وقلت " سيجعل الله بعد عسر يسرا " وقلت مضمنا: # إن كان منصب حكمي زال في زمن ... عني فمنصب فضلي الدهر لم يزل # وغن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل # ثم توجهت لتسليم ما كنت جمعته من مال العوارض لحضرة الدفتردار بدمشق ~~الشام فأتيتها في أوائل شهر رمضان، فما اتفق لي أني اجتمعت في مجلس ~~المحاسبجي بمحيي أفندي القاضي يومئذ بحوران، فوقع في المجلس حجة ممضاة ~~بإمضاء الفقير فيها ما لفظه القاضي بالقدموس من الأعلام، وأنه مما يمتنع أن ~~يدخله اللام، فخلت أنه في المقام الأبتدائي من الإنكار، وأجبت عن اعتراضه ~~بما ذكره علماء العربية على وجه الإختصار، مقتصرا على قدر الحاجة حذرا عن ~~اللغو في الكلام، واستغنيت عن تأكيد الحكم بمؤكدات حسب ما يقتضيه المقام، ~~فكان المشار إليه لم يقنع بما به أجيب، وذكر هذه الواقعة لبعض الأفاضل ~~زاعما اني مخطئ وأنه مصيب. فلما تحققت أنه مصر على غنكار ما قلته تصريحا ~~وضمنا، وأنه وصل في مقام الغنكار إلى مرتبة النفي والاستثنا، اقتضى الحال ~~أن يخرج الكلام على مقتضى الظاهر، ويؤكد الحكم بما يسمح الفكر الفاتر ~~والذهنث القاصر. وكتبت في ساعة من ذلك النهار رسالةص مختصرة، بديعة محررة، ~~أولها: باسمك يا من تنزه في فعله عن الاعتراض، وتقدس عن المحل في كل حال ~~ومستقبل ms56 وماضوتوحد بقدموس ذاته وصفاته عن الشبيه والنظير، وتعالى في ملكه ~~عن العين والظهير، صل على سيدنا محمد افصح من نطق الضاد، وعلى آله وأصحابه ~~الامجاد، ما طلب العامل معموله، ورفع الفعل فاعله ونصب مفعوله. وخلاصتها ~~انه قال صاحب القاموس، رحمه الله تعالى وأفاض عليه شآبيب مغفرة تسح ~~وتتوالى: القدموس كعصفور القديم، والملك الضخم والعظيم من الغبل، انتهى. ~~أقول: فعلى هذا يكون القدموس من الاعلام الغالبة لانه كان في الاصل لجنس ~~القديم، ثم كثر استعماله لهذه البلدة المخصوصة قبل العلمية مع لام العهد ~~ليفيد الاختصاص به وصار لكثرة الاستعمال لها علما، كما لا يخفى على ذي ~~الفهم السليم. قال الرضي: ويسمى هذا القسم من العلم، العلم الاتفاقي فتكون ~~اللام في مثله لازمة لانه لم يصر علما مع اللام، فصارت كبعض حروف ذلك العلم ~~كالنجم والبيت والمدينة حيث ما غلب استعمالها على مدينة النبي صلى الله ~~عليه وسلم. فهي مشابهة اليوم للأمس، ومطابقة لها مطابقة الخمس للخمس. وذكرت ~~فيهلا أمورا اقتضى الشأن أن تذكر لمناسبة المقام والحال رأيت ان ذكرها ها ~~هنا برمتها غير مناسب، فان لكل مقام مقال، فكانت الرسالة المذكورة دليلا ~~قاطعا لكلامه، وحجة قائمة بإسكاته وإلزامه. # ثم غني أقمت في دمشق المحمية مدة وأنا معزول، وحدس في فكري التوجه إلى ~~استنبول، وكنت بين إقدام وإحجام، وترددت في هذا الأمر بعض أيام، وتشاورت مع ~~الأصحاب رفع الله تعالى لهم قدرا، فمنهم من مال إلى التحذير ومنهم من مال ~~إلى الإغرا، وبعضهم رغبني وصوب رأيي وسدد، وبعضهم رهبني وأنشد: # يا من غدا في طلاب العلم مجتهدا ... لم يثنه عنه لا مال ولا ولد # لا تبسطن لتقليد القضاء يدا ... أيرتضي رتبة التقليد مجتهد # فقلت: للائم بواسطة هذا اللوم وسببه: # لابد للمرء من مال يعيش به # وأنشدته: # ياذا الذي اصبح لي لائما ... أنسيت ما قدر في الماضي # أن الذي ساقك لي واعظا ... هو الذي صيرني قاضي # والله ما أخترت سوى وصله ... فاختار ان يعكس أغراضي PageV01P033 إن كنت ~~لا ترضى بما قد قضى ... غني ms57 بما قدره راضي # على ان القضاة ليسوا سواء، فيهم من يامر بالتقوى وينهى عن الفحشا، ويتجنب ~~الباطل وأكل الرشا، ومنهم دون ذلك واقعون في مهاوي المهالك، نسأل الله ~~تعالى ان يجنبنا عن هذا القبيل، ويهدينا إلى سواء السبيل، وإني بعناية الله ~~تعالى ومنه الصمدي: # وليت الحكم خمسا وهي خمس ... لعمري في الصبا والعنفون # فما وضع الأعادي قدر شاني ... ولا قالوا فلان قد رشاني # وكان بعض الأصحاب يرغبني عن ذلك لخساسة الشركا، ويقول: كم من جاهل نراه ~~على هذا المطلب منهمكا. وكان ينشدني في هذا المقام: # إذا وقع الذباب على طعام # فكنت انشده: # إذا شوركت في أمر بدون ... فلا يلحقك عار أو نفور # ففي الحيوان يشترك اضطرارا ... أرسطاليس والكلب العقور # ثم لما كانت فوائد التنقل والاسفار، مما ملئت به بطون الأسفار، ولله در ~~القائل: # ما دامت البيض في الاجفان مغمدة ... فما يبين لها في الهام من عمل # وفي التنقل عز للفتى وعلا ... لم يكمل البدر لولا كثرة النقل # والمندل الرطب في اوطانه حطب ... وقد يقوم في الاسفار بالجمل # رأيت أن السفر إلى استنبول من الأمر المتعين، والتوجه إليها من المهم ~~اللازم البين، فتعين علي حينئذ أن أنشئ رحلة رومية، وأكتب فيها بعض ما يقع ~~من الحوادث اليومية، بحيث تكون كالذيل على تلك الرحلة ومعطوفة عليها عطف ~~الجملة على الجملة. وحيث اشتملت هذه على الشكاية من أحوال الزمان وتضمنت ~~التوجع من تأخر الفضلاء في هذا الأوان، والتأسف على حظ أهل الأدب، وقد حيل ~~بينهم وبين الأرب، رأيت أن أسميها باسم مناسب مقتضى المقام والحال، وأسمها ~~بوسم يستدعيه المقال، فسميتها: بوادي الدموع العندنية بوادي الديار ~~الرومية. PageV01P034 ms58