######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : مجموع الإمام القاسم بن محمد عليه السلام (القسم الأول) ¶ المؤلف : الإمام القاسم بن محمد عليه السلام #META# auth: الإمام القاسم بن محمد عليه السلام #META# الكتاب: مجموع الإمام القاسم بن محمد عليه السلام (القسم الأول) #META# bkid: 79 #META# authno: 112 #META# comp: 1 #META# bkord: 105 #META# ad: 99999 #META# idx: 1 #META# iso: مجموع الامام القاسم بن محمد عليه السلام القسم الاول #META# cat: مجاميع أئمة أهل البيت #META# bk: مجموع الإمام القاسم بن محمد عليه السلام (القسم الأول) #META# max: 423 #META# المؤلف: الإمام القاسم بن محمد عليه السلام #META# authinf: المؤلف: الإمام القاسم بن محمد عليه السلام ¶ ترجمة المؤلف : هو الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي، ينتهي نسبه إلى الإمام الهادي إلى الحق يحي بن الحسين بن القاسم، أمام جهاد واجتهاد، عالم، مجتهد مطلق، اكتملت فيه شروط الإمامة عند الزيدية، مولده 12/صفر سنة 967ه، ودعوته سنة 1006ه، ووفاته سنة 1029ه في حصن شهارة بالأهنوم، وقد عاش حياة حافلة بالعلم والعمل والجهاد، وفي سيرته كتب كثيرة، منها (النبذة المشيرة في جمل من عيون السيرة) للجرموزي، وكتاب (العثمانيون والإمام القاسم بن محمد لأميره المداح)، وعشرات الكتب في تأريخه وتأريخ دولته وبنيه. #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | AUTO ### || AUTO التحذير من المعاونة على الفتنة # [مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم # [وبه أستعين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله] # الحمد لله الذي جعل الكتاب هدى للمتقين، وشفاء لصدور المؤمنين، ودامغا ~~لباطل المبطلين، فمن تمسك بحبله عصم، ومن خالفه قصم، ومن قال به صدق، ومن ~~حرفه مرق، ومن التمس الهدى فيه وفي موافقته من السنة اهتدى، ومن طلبه في ~~غيرهما ضل وغوى. # والصلاة والسلام على محمد الأمين وعلى آله الأكرمين وعلى أصحابهم ~~المتقين، وأشياعهم الصالحين إلى يوم الدين. # أما بعد: # فإنه لما وقع النكير على من حذر من المعاونة على الفتنة، بقول كالحث على ~~إحياء أرض الظالمين، أو مال كتسليم ما يعسكرون به العساكر، ويحصنون به ~~الحصون، ويضطهدون بسنة الآمرين بالمعروف، ويضيمون لأجله الناهين عن المنكر، ~~ويخيفون من أوجب الله أمانه، ويؤمنون به من أوجب الله تخويفه، ويتقوون به ~~على سفك الدماء، وينكحون به الذكور، ويشربون به الخمور، ويلبسون به الحرير، ~~إلى غير ذلك مما لا أحصي له من المحظور، وإثارة الشرور. # وعلمت أن الله سبحانه لا يعذر عن تبيين الحق، قال تعالى: {إن الذين ~~يكتمون ما أنزلنا من البينات من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون}[البقرة:159] وغيرها مما يؤدي هذا المعنى من الآيات. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كتم علما مما ينفع الله به في أمر ~~الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)) وغيره مما يؤدي هذا المعنى من ~~الأخبار. PageV01P299 # جمعت في هذا الكتاب من الأدلة وأقوال الأئمة -"- ما يشتد به إن شاء الله ~~ظهور المؤمنين، ويرغم به أنوف المبطلين، ولا عدوان إلا على الظالمين {إن ~~أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه ~~أنيب}[هود:88]. PageV01P300 ### || AUTO [الأدلة على تحريم معاونة الظالمين] # أما الأدلة، فقال تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}[المائدة:2]. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن المعين للظالمين كالمعين لفرعون على ~~موسى))، رواه الهادي عليه السلام في (الأحكام) . # وعن أبي جعفر محمد الباقر بن ms01 علي عليه السلام أنه كان يروي ويقول: ((إذا ~~كان يوم القيامة جعل سرادق من نار، وجعل فيه أعوان الظلمة، وجعل لهم أظافير ~~من حديد يحكون بها[أبدانهم] حتى تبدو أفئدتهم فتحترق، فيقولون: ربنا، ألم ~~نكن نعبدك؟ فيقول: ((بلى، ولكنكم كنتم أعوانا للظالمين))، رواه الهادي عليه ~~السلام في (الأحكام) أيضا، وهو في (الشفاء). # وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث طويل: ((أمراء يكونون من بعدي ~~لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، ~~فأولئك ليسوا مني، ولست منهم، ولا يردون على حوضي)) ، الخبر، رواه أبو طالب ~~عليه السلام في (الأمالي). # وروى حديثا نحوه من طريق أخرى. # وبالجملة من طالع كتب الحديث وجد ذلك متواترا معنى، بل ذلك معلوم من ~~الدين ضرورة، وإنما أوردت ذلك؛ لما في ذكره من الموعظة والتخويف، وقد قيل: ~~إن تسليم الأموال إليهم وما ضاها ذلك لا يكون معاونة لهم إلا مع قصد كونه ~~معاونة. PageV01P301 ### || AUTO [شبهة القائلين بجواز ذلك والرد عليهم] # وشبهتهم في ذلك أن قالوا: إنما هو مجرد تمكين، ومجرد التمكين لا يقبح، ~~كتمكين الله تعالى للعصاة من الأموال وغيرها، ثم لايسمى مجرد التمكين من ~~غير قصد معاونة، وإلا لزم أن يسمى الله تعالى معينا على الظلم والله تعالى ~~منزه عن ذلك، فما كان من المكلف من التسليم إليهم من غير قصد لا تناوله تلك ~~الأدلة، وذلك باطل؛ لأن تمكين الله تعالى للعصاة إنما كان ليصح التكليف، ~~وتثبت الطاعة للمطيع والمعصية للعاصي، إذ لو لم يمكنهم لم يكن المطيع ~~مطيعا، ولا العاصي عاصيا، ولا استحق ثواب ولا عقاب، ألا ترى أنه تعالى ~~مكنهم من المعاصي! ولم يكن ذلك قبيحا منه تعالى لما كان لا يصح التكليف إلا ~~به، ولم يجز للمكلف أن يمكن العاصي من المعصية لما كان مكلفا بالذب عن دين ~~الله سبحانه وتعالى. # ياسبحان الله فلم لم يجعلوا ذلك كتمكين المكلف للعاصي من المعاصي! كأن ~~يمكنه من الخمر فيشربه، أو من الزنى فيفعله، أو من نفس محرمة فيقتلها، ~~وينظروا ms02 هل يحل ذلك! لأن القياس بهذا أولى؛ لأنه من قياس بعض أحكام التكليف ~~على بعض. # هذا إن زعموا أن تسليم الأموال إليهم ليس من نفس التمكين من المعصية، ~~وإلا فهو من صميمه لا ينكره إلا ألد مكابر؛ لأن إنفاق المال في المعاصي ~~معصية إجماعا، وهؤلاء قد مكنوهم من ذلك. PageV01P302 ### || AUTO [تفنيد شبهة القائلين بجواز ذلك] # وأما قولهم: لا يسمى مجرد التمكين من غير قصد معاونة فباطل أيضا؛ لأنه ~~خلاف المعلوم من لغة العرب، ألا ترى أنهم لايشترطون في تسمية الأفعال أن ~~تكون مقصودة! وإنما يقولون: تحرك النائم، وجرى المآء، وهبت الريح وهي لا ~~قصد لها! والكتاب والسنة إنما جريا على لغة العرب. PageV01P303 ### || AUTO (من القرآن) # قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}[إبراهيم:4]، ~~مع أن الكتاب والسنة واللغة تشهد لنا بالحق في نفس المتنازع فيه. # قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ~~ربه ظهيرا}[الفرقان:55] أي: معينا. # ولا خلاف في ذلك بين المفسرين، والكافر لا قصد له في المعاونة على الله ~~تعالى بدليل قوله تعالى، حاكيا عن الكفار: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى} [الزمر:3]. PageV01P304 ### || AUTO (من السنة النبوية) # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من دعا لظالم بالبقاء ~~فقد أعان على هدم الإسلام)) ، ومن البعيد الملتحق بالمستحيل أن يكون من ~~يدعو إلى الله تعالى له قصد في أن يعين بدعائه على هدم الإسلام. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنه نهى عن أكل الطين، وقال: إنه ليعظم ~~البطن ويعين على القتل))، رواه الهادي عليه السلام في (الأحكام) . # وعن عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((ياحميراء، ~~إياك وأكل الطين، فإنه يعظم البطن، ويعين على القتل)) رواه الأمير الحسينفي ~~(الشفاء) . والطين لا قصد له ضرورة، وإنما تأثيره كجري الماء، وهبوب الريح، ~~وإحراق النار. PageV01P305 ### || AUTO [من أقوال الأئمة عليهم السلام] # وعن زيد بن علي عليه السلام، عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه في الجنة ms03 ~~أنه قال: (وإن أنت رميت طيرا بسهم فوقع على الأرض فلا تأكل، فإني أخاف أن ~~تكون الأرض أعانت على قتله)، رواه الإمام محمد بن المطهر عليه السلام في ~~(المنهاج الجلي). # وقيل لعلي عليه السلام: بأي شيء غلبت الأقران؟ فقال عليه السلام: (ما ~~لقيت أحدا إلا أعانني على نفسه)، رواه في (نهج البلاغة). # ومن البعيد الملتحق بالمستحيل أنهم يقصدون المعاونة على قتلهم. PageV01P306 ### || AUTO [قول الإمام الهادي عليه السلام] # وقال الهادي عليه السلام في (الأحكام): (فإن أرسل مرسل كلبا معلما على ~~صيد فعارضه كلب غير معلم، فأعانه عليه [حتى قتله يحبس عليه]، أو أخذ معه، ~~فلا يجوز أكله، وقد أفسد ذكاته معاونة الكلب الذي ليس بمكلب)، فسمى عليه ~~السلام فعل الكلب الغير المكلب معاونة، مع أنه إنما فعل ذلك ليأكل فقط، ~~والهادي عليه السلام ممن يحتج بعربيته. PageV01P307 ### || AUTO [قول الأمير الحسين عليه السلام] # قال الأمير الحسين عليه السلام في باب صفة من توضع فيهم الزكاة من ~~(الشفاء) في سياق ذكر المسكين: ونص عليه القاسم، والهادي -عليهما السلام- ~~وهما حجازيا اللغة، أراد بذلك أنهما ممن يحتج بلغته. # وقال بعض بني جهينة في وقعة كانت لكلب وفزارة شعرا: # فإنا وكلبا كاليدين متى تقع .... شمالك في الهيجاء تعنها يمينها # أي: يقع من اليمين ما يعضد الشمال ويعينها، وهي لا قصد لها ضرورة، فعلمنا ~~بذلك علما أن الأدلة متناولة لإعطائهم الأموال وللإشارة بإحياء أرضهم ~~والمشورة، وكان علم المعطين والمشيرين بثمرة إعطائهم وإشارتهم مغنيا عن قصد ~~المعاونة في التحريم، واستحقاق النكال من الله تعالى؛ لأن المعلوم من حال ~~كل عاقل أن يعلم أنه لولا تسليم الأموال إليهم لما انتصبت لهم راية، ولا ~~تبعهم أحد من جنودهم، ولا تمكنوا من شمول الفتنة التي شملوا بها أهل ~~وطأتهم، وجحود ذلك وإنكاره سفسطة، وكان أيضا العلم في ذلك مغنيا عن القصد، ~~كما أن العلم مغنيا عن القصد عند الإقدام على سائر المعاصي، وإلا لزم الإثم ~~على جنودهم في الغزو بين أيديهم وسفكهم للدماء، إذا كان قصدهم بذلك مجرد ~~منفعة أنفسهم. # وكذلك ms04 يلزم الإثم على من بقر بطن محترم الدم من مسلم أو معاهد لاستخراج ~~درهم مثلا في بطنه قاصدا بذلك مجرد انتفاعه بالدرهم، ولو كان يعلم بذلك ~~هلاك النفس المحرمة، إذ جعل بعض المعاصي مفتقرا إلى القصد دون بعض تحكم، ~~والقول بذلك خلاف ما علم من الدين ضرورة. PageV01P308 # ومما يعضد هذا: أن عواقب الأمور التي يؤول إليها مراعاة في ثبوت التحليل ~~والتحريم من دون اعتبار القصد عقلا وشرعا: # أما عقلا: فإن العقل يقضي ضرورة بقبح الفعل الذي يكون سببا لقبيح. # وأما شرعا: فإن الله سبحانه وتعالى حرم شرب الخمر، وفعل الميسر، لما كان ~~عاقبتهما التي يؤولان إليها إيقاع الشيطان العداوة والبغضاء بين المؤمنين، ~~والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، قال تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فهل أنتم منتهون}[المائدة:91]، ولم يشترط في ذلك قصدا. # وعن أبي طالب عليه السلام في (الأمالي) وأنا أرويه بالإسناد الصحيح ~~المتصل إليه أنه قال: أخبرني أبي رحمه الله تعالى، قال أخبرنا حمزة بن ~~القاسم العلوي العباسي، قال حدثنا أحمد بن محمد بن خالد، قال حدثنا علي بن ~~الحسين، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، [عن ابيه] ~~عن آبائه، عن علي عليه السلام أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: يارسول الله أوصني، فقال له: ((هل أنت مستوص إن أوصيتك؟)) حتى ~~قال له ذلك ثلاثا، في كلها يقول الرجل: نعم يارسول الله، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((فإني موصيك، إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته، فإن ~~يك رشدا فامضه، وإن يك غيا فانته عنه)). PageV01P309 # وعن الإمام المتوكل على الله عليه السلام أحمد بن سليمان في كتاب (حقائق ~~المعرفة) يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي عليه ~~السلام: ((عليك باليأس مما في أيدي الناس فإنه الغنى الحاضر))، فقلت: زدني ~~ياسول الله صلى الله عليك؟، فقال: ((إذا هممت بأمر فتدبر ms05 عاقبته، فإن يك ~~خيرا فاتبعه، وإن يك غيا فدعه)) ورواه أبو طالب في (الأمالي) أيضا ونحوه. # فلو كان التحليل والتحريم في ذلك يفتقر إلى القصد لما أمر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بتدبر العاقبة، إذ لو لم يتدبرها لم يعرفها، فضلا عن أن ~~يقصدها. # ومن العجب أنهم يفتون بتحريم التراخي عن إزالة الجدار إذا كان مائلا يخاف ~~وقوعه على مارة الطريق، ولا يشترطون في ذلك قصدا، وإنما يجعلون ذلك حراما ~~بمجرد العلم، ويقولون في مسألتنا هذه بخلاف ذلك من غير فرق يجدونه، وهم ~~يعلمون أن عاقبة تسليم المال إلى الجبارين تكثير سوادهم، وانتشار فسادهم، ~~وسفك دماء المسلمين، وظلم الأرامل والأيتام والمساكين. PageV01P310 ### || AUTO [شبهة القائلين بأن الله يعين العاصي بتمكينه ما يستعين به على ~~ظلمه والرد عليهم] # وأما قولهم: يلزم أن يسمى الله تعالى معينا على المعاصي لإعطائه لهم ما ~~استعانوا به على ظلمهم، فمعارض بأنه يلزمهم أن يسموا الله تعالى مقويا على ~~المعصية؛ لأنه خالق القوى للعاصين وغيرهم، ولا محيد لهم عنه، حيث جعلوا شبه ~~ذلك لازما. # وأما نحن فنقول: إن الله سبحانه لا يجوز أن يجري له من الأسماء إلا ما ~~تضمن مدحا، وإن كان جائزا في اللغة؛ لدليل مذكور في علم الكلام لا ينكره ~~الموحدون، وهو إجماع. PageV01P311 ### || AUTO [من الأدلة الدالة على تحريم تسليم الأموال للظلمة] # (قوله تعالى: {ولا تبذر تبذيرا}). # ومما يخص تحريم تسليم الأموال إليهم قوله تعالى: {ولا تبذر تبذيرا، إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} [الإسراء:26،27]. # ووجه الاستدلال بهذه الآية أن التبذير لا يعدو أحد وجهين: # إما أن يكون المراد به تضييع المال أو إنفاقه في المعاصي، إن كان الأول، ~~وهو تضييعه، فدلالة الآية على تحريم تسليمه إلى من ينفقه في المعاصي بطريق ~~الأولى؛ لأن تسليمه إلى من كان ينفقه في المعاصي أقبح ضرورة، وإن كان ~~الثاني، وهو إنفاقه في المعاصي، فدلالتها على تحريم تسليمه إلى من ينفقه في ~~المعاصي بصريح لفظها، وذلك أنها لم تفصل بين أن يكون إنفاق المال ms06 بالنفس أو ~~بالنيابة، وهنا قد جعل الظالم نائبا عنه في إنفاقه في المعاصي لما كان ~~المعطي عالما بذلك، ومختارا له لأجل أن يقر في بيته، ويسكن في وطنه، وإلا ~~فهو متمكن من أن لا يعطيهم شيئا بأحد أمرين: # إما أن يهاجر، أو أن لا يتعلق بشيء مما يحملهم على الأخذ منه. PageV01P312 ### || AUTO (قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم...}) # ومما يخص تحريم تسليم الأموال إليهم قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم...الآية}[النساء:5]. # ووجه الاستدلال بها أن تفسيرها لا يخلو من أحد معنيين: # إما أن يكون المراد بالسفهاء الذين ينفقون المال في المعاصي، أو الذين ~~يضيعونه، فأيهما ثبت، فلا يخلو من أحد وجهين أيضا، وذلك: إما أن تكون الآية ~~عامة في كل السفهاء، أو خاصة بمن يجب إنفاقه، أو يستحب أو يباح، إن كانت ~~عامة وكان المراد بالسفهاء من ينفق المال في المعاصي فواضح؛ لأن الذين ~~يسلمون المال إليهم وينفقونه في المعاصي قد تناولتهم الآية بصريحها؛ لأنهم ~~ينفقونه في المعاصي من سفك الدماء ونهب الأموال، واضطهاد المحقين، وظلم ~~الأيتام والأرامل والمساكين، ويجب أن يكون قوله تعالى: {وارزقوهم فيها ~~واكسوهم}[النساء:5] خاص بسد فاقة من لا يحل دمه، وستر عورته ممن يجب ~~إنفاقه، أو يستحب أو يباح من أهل المعاصي دون الذين يبغون في الأرض بغير ~~الحق من سلاطين الجور وأعوانهم؛ لقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي...}الآية، ~~وثمرة القتال إتلافهم بأي ممكن، وسلبهم وانتهاب ما يجلبون به على المسلمين، ~~ويتقوون به. PageV01P313 # ومن أطعمهم أو كساهم فقد ناقض في ذلك حكم أحكم الحاكمين، وإن كانت خاصة بمن ~~عدا الباغين من الذين يجب إنفاقهم، أو يستحب أو يباح، وكان المراد بالسفهاء ~~من ينفق المال في المعاصي أيضا، فهي تدل على تحريم تسليم الأموال إلى غيرهم ~~من الظالمين بالفحوى؛ لأنه إذا حرم تسليم المال إلى من ينفقه في المعاصي من ~~خواص الإنسان، أو إلى من يستحب له أن ينفقه أو يباح، فبالأولى أن يحرم ~~تسليمه إلى من ينفقه في المعاصي من غيرهم؛ لأنه لا أصل لجواز تسليم المال ~~إليه، ms07 وهو على تلك الحال البتة، وإن كان المراد بالسفهاء من يضيع المال، ~~فإنه يدل على تحريم تسليم المال إلى من ينفقه في المعاصي بالفحوى، سواء ~~كانت الآية عامة أو خاصة بمن تقدم ذكره[أما حيث كانت الآية عامة فواضح]. # وأما حيث كانت خاصة بمن يجب إنفاقه أو يستحب أو يباح، فإنه إذا حرم تسليم ~~الأموال إلى من يضيعها منهم، فإن تسليم الأموال إلى من ينفقها في المعاصي ~~أعظم لا يخفى ذلك، وجميع ذلك مبني على أن المراد بالأموال أموال المعطين ~~بكسر الطاء، كما هو ظاهر الآية الكريمة، لا أموال السفهاء كما ذهب إليه بعض ~~المفسرين. # فأما على مذهبه هذا إن صح، فاعلم أنه إذا كان حرام أن يسلم إلى الإنسان ~~نفس ما يملكه لأجل أن يضيعه أو ينفقه في المعاصي، فتسليم ما لا يملك العاصي ~~من المال إليه لينفقه في المعاصي أعظم، ودلالة الآية على تحريمه أقوى، وذلك ~~بحمد الله واضح. PageV01P314 ### || AUTO [من الأدلة على تحريم ذلك من السنة] # ( حديث: ((من جبا درهما...)) ووجه الاستدلال به] # ومما يخص تحريم تسليم الأموال إليهم من السنة قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((من جبا درهما لإمام جائر كبه الله على منخريه في النار))، رواه ~~الهادي عليه السلام في (الأحكام). # ووجه الاستدلال به أن الجباية تفيد معنيين: # أحدهما: جلب ما ينتفع به، قال تعالى: {أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ~~ثمرات كل شيء}[القصص:57] أي: تجلب. # والثاني: أخذ المال على وجه الاستعلاء، ومنه الجباء الذي يأخذ المال عن ~~أمر السلطان. # ومن سلم المال إلى سلاطين الجور فقد جلبه لهم إما بنفسه أو بنائبه الذي ~~يوصله إليه حيث سلمه إليه مختارا، إذ كان يمكنه ألا يسلم شيئا بأن يهاجر، ~~أو بأن لا يتعلق بشيء مما يطالب به، فلما ثبت ذلك كان الخبر متناولا له؛ ~~لأنه مشترك بين معنيين، ولا يجوز أن يحمل على أحدهما دون الآخر إلا بدليل، ~~وإلا كان تحكما، والدليل هنا منتف؛ ولأنه إذا انتفى الدليل على إرادة ~~البعض، مما يدل عليه المشترك ms08 من المعاني دون البعض وكان الجمع بين معانيه ~~ممكنا وجب حمله على الجمع لغة عند العترة " ما خلا الإمام يحيى عليه ~~السلام، فإنه قال: إنه يصح من حيث الإرادة لا اللغة، وهو محجوج بقوله ~~تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي}[ الأحزاب:56]، الآية ولفظ يصلون ~~مشترك بين معنيين: PageV01P315 # الصلاة من الله، وهي: معظم الرحمة، والصلاة من الملائكة، وهي: الاستغفار، ~~وقد قال تعالى: {بلسان عربي مبين}[الشعراء:195] وقال تعالى: {قرآنا عربيا} ~~وقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه}[إبراهيم:4]، فدل على أن ~~ذلك من اللغة فتأمله؛ ولأنه قد جاء نحو ذلك في قول الشاعر: # إذا نزل السماء بأرض قوم .... رعيناه وإن كانوا غضابا # فلفظ السماء قد استعمله لمعنيين معا: # أحدهما: المطر، بدليل قوله: نزل السماء. # والثاني: النبات، بدليل قوله: رعيناه، وفي قول الآخر: # وسقى الغضى والساكنيه وإن هم .... شبوه بين جوانحي وضلوعي # فإن الغضى استعمله لثلاثة معان: # الأول: الشجر المخصوص بدليل قوله: وسقي الغضى. # والثاني: منبته ومكانه، بدليل قوله: والساكنيه. # والثالث: النار العظيمة المتوقدة في معظم الشجر، بدليل قوله: وإن هم ~~شبوه، ويسمى ذلك في البيتين وما جرى مجراه: الاستخدام. PageV01P316 ### || AUTO (حديث: ((ثلاثة لا يستجاب لهم...))) # ومما يخص تحريم تسليم الأموال إليهم من السنة قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((ثلاثة لا يستجاب لهم))، وذكر منهم: ((رجلا دفع إلى سفيه ماله)) ، ~~رواه الأمير الحسين عليه السلام في (الشفاء)، والاحتجاج به على نحو ما مر ~~في ذكر السفهاء. PageV01P317 ### || AUTO [الآية: {إن الذين توفاهم الملائكة...} ووجه الاستدلال بها] # ومما يدل على تحريم تسليم الأموال إليهم قوله تعالى: {إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ~~ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت ~~مصيرا}[النساء:97]. # ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن المراد بها الذين أخلوا بالفرائض التي ~~افترضها الله سبحانه وتعالى، أو بعضها لكونهم مستضعفين وهم متمكنون من ~~الهجرة، بدليل الوعيد في آخرها، وهو لا يكون إلا لمن أخل بما افترض الله ~~سبحانه من القيام ms09 بالواجب، أو ترك القبيح وهو يتمكن من القيام بهما، كأن يهاجر. # ومن جملة ما افترض الله تعالى تجنب مشاهدة المعاصي حين تفعل إلا ~~لتغييرها، بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يحل لعين ترى الله ~~يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل))، ونحو ذلك، فلما ثبت الوعيد لمن لم يتجنب ~~مشاهدة المعاصي، ولم يغيرها لأجل الاستضعاف ثبت الوعيد لمن يسلم إليهم ~~الأموال المقوية لهم على سفك الدماء وشرب الخمور، ونكح الذكور، ولبس ~~الحرير، وغير ذلك من المنكرات؛ لأجل الاستضعاف ولم يهاجر بطريق الأولى، ~~وكانت دلالة الآية على ذلك أقوى. PageV01P318 ### || AUTO (حديث: ((إن الله بعثني بالرحمة...)) ووجه الاستدلال به) # ومما يدل على تحريم تسليم الأموال إليهم أيضا [من السنة] قوله : ((إن ~~الله بعثني بالرحمة واللحمة، وجعل رزقي في ظل رمحي، ولم يجعلني حراثا ولا ~~تاجرا، ألا إن من شرار عباد الله الحراثون والتجار إلا من أخذ الحق وأعطى ~~الحق)) ، رواه الهادي عليه السلام. # وروى نحوه أخوه عبد الله بن الحسين في كتاب (الناسخ والمنسوخ). # ووجه الاستدلال بذلك: أن المراد به من ترك الفرائض أو بعضها لأجل الحرث ~~أو التجارة إما لا شتغاله بهما أو بأحدهما، أو لأنه لا يتم له شيء منهما ~~إلا بالإخلال بشيء من الفرائض، نحو إن أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر أخافه ~~الظلمة حتى لا يتم حرثه أو تجارته، فيؤثر حرثه أو تجارته، فيكدح في ذلك ~~ويخل بفرائض الله سبحانه وتعالى الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر،فيكون مؤثرا للحياة الدنيا على الآخرة،ويشهد بصحة ذلك قوله ~~تعالى:{فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى} ~~[النازعات:37-39] فإذا كان ذلك دليلا على أن من ترك الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر ليستقيم حرثه أو تجارته، فهو من شرار عباد الله، وممن طغى وآثر ~~الحياة الدنيا، فإن جهنم مأواه بصريح الآية، كان دلالة جميع ذلك على أن من ~~أعطى قسطا من ماله يتقوى به أعضاد الظالمين على المناكير العظيمة من شرار ~~عباد الله، وممن طغى وآثر الحياة الدنيا، وأن ms10 مأواه جهنم بطريق الأولى. PageV01P319 ### || AUTO [الأدلة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] # ونحو ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن ~~المنكر أو لتكونن أشقياء زراعين))، رواه عبد الله بن الحسين عليه السلام في ~~كتاب (الناسخ والمنسوخ) أيضا، والاحتجاج به على نحو ما مر الآن. # ومن ذلك ما في (الأحكام) فإنه قال: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله ~~عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم، حتى ~~إذا بلغ الكتاب أجله كان الله المنتصر لنفسه، ثم يقول: ما منعكم إذا ~~رأيتموني أعصى ألا تغضبوا لي!)) . # ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من قوم يكون بين ظهرانيهم من ~~يعمل بالمعاصي فلا يغيروا عليه إلا أصابهم الله بعقاب))، رواه عبد الله بن ~~الحسين عليه السلام في كتاب (الناسخ والمنسوخ) أيضا، وروى نحوه السيد أبو ~~طالب عليه السلام في (الأمالي). # ووجه الإستدلال بهذين الخبرين أنهما نصان في الوعيد على من كان بين أهل ~~المعاصي، ولم يغيروا عليهم، ودلالتهما على تحريم تسليم الأموال التي هي سبب ~~لفعل المعاصي بطريق الأولى، وفيهما فائدة أخرى، وهو: أنه يجب أن يغير على ~~أهل المعاصي من كان بين ظهرانيهم، ولو كانوا ضعفاء، وإلا وجب أن يفارقوهم ~~حتى لا يكونوا بين ظهرانيهم، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ~~((لا تمنعن أحدكم مخافة أن يتكلم بالحق إذا رآه)) رواه أبو طالب عليه ~~السلام في (الأمالي) أيضا. PageV01P320 ### || AUTO أقوال الأئمة في ذلك # وأما أقوال الأئمة " فقال علي عليه السلام في (نهج البلاغة): (ألا وإن ~~إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف). # قلت وبالله التوفيق: وإعطاء المال لمن يعلم أنه لا يضعه إلا في مضرة ~~الإسلام والمسلمين، وما يغضب رب العالمين ليس من حقه عند أهل الملة والدين، ~~ولا ينكر ذلك إلا أفاك أثيم، والتبذير حرام؛ لقوله تعالى: {إن المبذرين ~~كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه ms11 كفورا}[الإسراء:27] وكذلك الإسراف؛ ~~لأن الله نهى عنه في قوله تعالى: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين}[الأعراف:31]. # والنهي للتحريم؛ لأن الله تعالى قد أمر بالانتهاء في قوله تعالى: {وما ~~نهاكم عنه فانتهوا}[الحشر:7]، والأمر للوجوب؛ لقوله تعالى: {فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}[النور:63]. PageV01P321 ### || AUTO قول الإمام علي عليه السلام # وقال علي عليه السلام في خطبة له في (نهج البلاغة) أيضا: (فعند ذلك ~~لايبقى بيت مدر ولا وبر إلا وأدخله الظلمة ترحة، وأولجوا فيه نقمة، فيومئذ ~~لايبقى لهم في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر، أصفيتم بالحق غير أهله، ~~وأوردتموه غير ورده، وسينتقم الله ممن ظلم...) إلى آخر كلامه عليه السلام. PageV01P322 ### || AUTO تفسير المؤلف لكلام الإمام علي عليه السلام # قلت وبالله التوفيق: قوله عليه السلام: فيومئذ، أي: يدخل الظلم بيوت ~~المدر والوبر الترحة، ويولجون فيه النقمة، والتنوين في لفظ إذ عوض عن هذا ~~المحذوف، والمراد بقوله عليه السلام:(لا يبقى لهم في السماء عاذر)، أهل ~~بيوت المدر والوبر، بدليل قوله عليه السلام: (ولا في الأرض ناصر)؛ لأن ~~الظلمة يتغلبون في ذلك الوقت وأنصارهم في الأرض موجودون، وإلا لم يقدروا ~~على إدخال بيوت المدر والوبر شيئا من الترح والنقم، فكان أهل السماء غير ~~عاذرين لهم أعني: أهل بيوت المدر والوبر مع ما بهم من الترح والنقم، وما ~~ذاك إلا لأنهم قد عصوا بتسليم الحق إليهم من أموال الله من الزكوات ~~والخراج، وغيرهما الذي عناه أمير المؤمنين عليه السلام في آخر الكلام، حيث ~~قال: (أصفيتم بالحق غير أهله) أي: جعلتموه لهم صافيا عن كدر الاشتراك، فلم ~~يخالطهم فيه من أهله مخالط، وأوردتموه غير ورده، أي: جلبتموه إلى غير موضعه ~~الذي كان يجب أن يرد إليه، وجاء عليه السلام بلفظ أصفيتم، ولفظ أوردتموه ~~للخطاب بعد أن سبقه للغيبة قوله عليه السلام: (لا يبقى لهم في السماء عاذر ~~ولا في الأرض ناصر) لما فيهما أي في لفظ: أصفيتم، ولفظ أوردتموه من التوبيخ ~~واللوم على فعل ذلك، ويسمى هذا التفاتا، وذلك ms12 من الفصاحة بمكان، وقد جاء في ~~الكتاب العزيز كثير، كأول سورة الحمد إلى قوله تعالى: {مالك يوم الدين} ~~فإنه للغيبة، وقوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} للخطاب، والسر في ذلك ~~في سورة الحمد: أن أول الحمد مدح لله تعالى، وتمجيد PageV01P323 له، وأبلغ المدح والتمجيد ما كان في الغيبة عند العرب لسلامته مما يتهم به ~~ذي الوجهين الذي يمدح في الوجه، ويذم في الغيبة، ولبعده عن الكذب لانتفاء ~~ما يحمل عليه مما يرتجى في الممدوح إذا كان غائبا في الأغلب، فأجراه الله ~~على الوجه البليغ المحبوب عندهم ليفيد كون ذلك حقا لا مثل ما يفعله من يكذب ~~في مدحه، وإلا فهو سبحانه وتعالى حاضر لا يغيب، وقوله سبحانه وتعالى مرشدا ~~لعباده: {إياك نعبد وإياك نستعين} مؤديا لمعنى خضوع العبد لله سبحانه ~~وتعالى واستكانته في الحاجة إليه، وطلب الإعانة منه على طريق الهدى المبلغ ~~إلى النعيم المقيم، والسلامة من العذاب الدائم الأليم، وتلك حاجة كل حاجة ~~غيرها كالعدم، وأبلغ الخضوع والاستكانة والترفق لطلب الحوائج عند العقلاء ~~كافة لا تقع من الدليل للقاهر القادر في الشاهد إلا إذا كان حاضرا، والله ~~سبحانه وتعالى حاضر غير غائب، فأجراه الله تعالى على ذلك ليكون اللفظ ~~مطابقا للمعنى، فالمعنى بالغ النهاية التي لا وراها واللفظ بالغ الغاية في ~~البلاغة التي لا وراها، وما قاله صاحب (التلخيص) مما يخالف هذا ليس بسديد ~~عندي؛ لأنه مؤد إلى أن العبد لم يكن مقبلا على ربه حتى ينتهي إلى خاتمة ~~صفاته تعالى المحمودة، وهو قوله تعالى: {مالك يوم الدين}. # ومن المعلوم أن المخلصين من عباد الله تعالى يقبلون على الله تعالى ~~ويخضعون له بالاستكانة من عند أن يقوموا بين يديه ويشرعون في صلاتهم، فيكون ~~هذا المعنى منتف في حقهم. PageV01P324 # وأما غير المخلص فلا يخطر [ما ذكر] ببال أحد منهم، فهو منتف أيضا في حقهم، ~~فتأمل ذلك. # والسر في كلام أمير المؤمنين عليه السلام أن أول كلامه إخبار محض عن ~~حالهم وحكمهم، والإخبار المحض ليس إلا بالمغيبات، فأجرى عليه السلام اللفظ ms13 ~~مطابقا للمعنى، إذ لا مقتضى للعدول عنه. # وفي قوله عليه السلام: (أصفيتم بالحق غير أهله).. إلى آخره، معنى التوبيخ ~~كما ذكرت أولا، وأبلغ التوبيخ ما كان في وجه الموبخ؛ لما فيه له من التقريع ~~والتبكيت؛ ولما فيه من انتفاء ما يتهم به صاحب الوجهين، فأجراه عليه السلام ~~ذلك المجرى ليعرف أنه قصد بذلك غاية التوبيخ لهم، فتأمل جميع ذلك ترشد إن ~~شاء الله. # وقال علي عليه السلام في وصيته لابنه الحسن -عليهما السلام- في (نهج ~~البلاغة): (يا بني لا تخلف من ورائك شيئا من الدنيا... إلى قوله: وإما رجل ~~عمل فيه بمعصية الله فكنت عونا له على معصيته) ، فبئسما ما يخلفه عونا على ~~المعصية. PageV01P325 ### || AUTO تفسير الحسين (ع) لقوله تعالى: {من قتل نفسا} # وقال الحسين بن علي عليه السلام في تفسير قوله تعالى: {من قتل نفسا بغير ~~نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا}[المائدة:32] (من أعان إماما ~~جائرا على إمام عادل حتى يظهر عليه فكأنما قتل الناس جميعا) رواه أبو طالب ~~عليه السلام في (الأمالي) ، ولم يفصل عليه السلام بأن تكون المعونة بالمال ~~أو بغيره، ولم يشترط في ذلك قصدا. PageV01P326 ### || AUTO قول الإمام زيد عليه السلام في رسالته إلى علماء الفرق # وقال زيد بن علي -عليهما السلام- في رسالته إلى علماء الفرق في كلام له ~~ما لفظه: (إن الظالمين قد استحلوا دماءنا، وأخافونا في ديارنا، وقد اتخذوا ~~خذلانكم حجة علينا، فيما كرهوه من دعوتنا، وفيما منعوه من حقنا، وفيما ~~أنكروه من فضلنا، عباد الله فأنتم شركاء لهم في دمائنا، وأعوانهم على ~~ظلمنا، فكل مال الله أنفقوه، وكل جمع جمعوه، وكل سيف شحذوه، وكل عدل تركوه، ~~وكل جور ركبوه، وكل ذمة لله أخفروها، وكل مسلم أذلوه، وكل كتاب نبذوه، وكل ~~حكم لله عطلوه، وكل عهد لله نقضوه، وأنتم المعاونون لهم بالسكوت عن نهيهم ~~عن السوء)، رواه السيد حميدان في كتاب (التصريح في المذهب الصحيح). # وعن عيسى بن عبد الله، قال: (مر حسن بن حسن بن حسن على إبراهيم بن حسن بن ms14 ~~حسن وهو يعلف إبلا له، فقال له: أتعلف إبلك وعبد الله بن الحسن محبوس! أطلق ~~عقالها ياغلام فأطلقها وصاح في أدبارها فذهبت فلم يوجد منها واحدة)، رواه ~~أبو طالب عليه السلام. PageV01P327 # قلت وبالله التوفيق: وذلك لا يخلو إما أن يكون جزعا من حبس عبد الله بن ~~الحسن، أو يكون خوفا من أن يأخذها الظلمة، فينفقونها في المعاصي، وظنا ~~-عليهما السلام- أن حبس عبد الله بن الحسن عليه السلام كان مبتدأ به في ~~الغشم عليهم، والظلم لايصح أن يكون جزعا؛ لأن الجزع معصية، وإضاعة المال ~~معصية، وهما عليهما السلام من الأخيار البررة الأطهار، وحملهما على ذلك سوء ~~ظن بهما، وهو لا يحل، بقي أن يكون خوفا من أن يأخذها الظلمة فينفقونها في ~~المعاصي، فكان الضياع للمال أهون من أن يأخذوه؛ لأنهم يتقوون به في ~~المعاصي، فصار الضياع مباحا للضرورة، فافهم ذلك. PageV01P328 ### || AUTO قول الإمام محمد النفس الزكية (ع) # وقال محمد بن عبد الله النفس الزكية عليه السلام في كلام تركت بعضه ~~اختصارا ما لفظه: (يا أبا خالد إن امرأ مؤمنا لا يصبح حزينا ويمسي حزينا ~~مما يعاين من أعمالهم إنه لمغبون مفتون، قال: قلت: يا سيدي والله إن المؤمن ~~لكذلك، ولكن كيف بنا ونحن مقهورون مستضعفون خائفون لا نستطيع لهم تغييرا؟! ~~فقال: يا أبا خالد إذا كنتم كذلك فلا تكونوا لهم جمعا، وانفذوا من أرضهم). ~~رواه أبو طالب عليه السلام في (الأمالي) . # فقال عليه السلام: (لا تكونوا لهم جمعا) أي: أهل جمع، وأمر بالنفوذ من ~~أرضهم، وهو: الذهاب من أرضهم والخروج إلى غيرها. PageV01P329 ### || AUTO قول الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام # وقال القاسم بن إبراهيم عليه السلام في الجزء الثاني من مسائله في تفسير ~~قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}[النساء:5] ما لفظه: # (فكيف يجوز أن يؤتي أحد ماله أحدا إذا كان في أرض الله أو لدينه مفسدا، ~~وقد نهى الله عن ذلك...) إلى آخر كلامه عليه السلام. # (وسئل عليه السلام عن أموال التجار التي تكون في عساكر الظلمة الفجار، هل ~~تكون غنيمة ms15 للمسلمين وفيئا؟ أم لايحل ذلك للمؤمنين عند ظهورهم عليهم؟ فقال: ~~ما كان للتجار في عساكرهم أو لغيرهم وسلم أهله من أن يجلبوا به على ~~المسلمين، أو ينصبوا بما في أيديهم منه لمحاربة المؤمنين، فلا يحل للمؤمنين ~~أخذه ولا اغتنامه، وعلى المسلمين تسليمه إلى أهله وأسلامه؛ لأن متاجرتهم ~~لهم في تلك الحال، ورفقهم عليهم بمرافق تجارتهم، وإن كانت فسقا فلم يجعل ~~الله تغنم أموالهم بفسقهم في تلك الحال للمؤمنين حلالا ولا حقا، والمؤمنون ~~وإن قالوا بعداوتهم في ذلك ونكالهم، فليس يستحلون مع ذلك وإن قالوا به فيهم ~~تغنم شيء من أموالهم). رواه الهادي عليه السلام، عن أبيه عنه " في باب ~~أموال تجار عسكر البغي في السير من كتاب (الأحكام)، ونقلته بلفظه. # قلت وبالله التوفيق: إذا كان ذلك فسقا مع أخذ العوض فكيف بتسليم الأموال ~~إليهم بغير عوض! PageV01P330 ### || AUTO قول الإمام الهادي عليه السلام # وقال الهادي عليه السلام في باب القول فيما يجب على المحرم توقيه في ~~أبواب الحج من كتاب (الأحكام) ما لفظه: (والفسوق فهو الفسق [والتجني] ~~والكذب، والظلم...إلى أن قال: والإدخال بشيء من المرافق على عدو من أعداء ~~الله) فجعل عليه السلام ذلك في الفسوق. # وقال الهادي عليه السلام أيضا في الباب الثاني من أبواب البيع في كتاب ~~(الأحكام) ما لفظه: (ولا بأس أن يتجر المسلم ليغني أهله وعياله عن ذل ~~المسألة واستكانة الحاجة، وتكون تجارته في أقل الأشياء منافع للظالمين ~~الجورة الفاسقين، وفي أقلها ضررا على المسلمين، ولا يجوز [ولا يحل] له أن ~~يتجر في دهره هذا في شيء من السلاح والكراع ولا العبيد والإماء، فإن ذلك ~~أكثر منافع للظالمين، وأقوى قوة للفاسقين، وليتجر في غير ذلك من الأشياء ~~أقلها منفعة لهم، وأبعدها من مرافقهم، ويستحب له إن اتجر في شيء فاحتاج ممن ~~سمينا محتاج إلى شيء مما عنده أن يدفعه بعلل يتعلل بها عليه من إغلاء [ثمن] ~~عليه، أو غيره مما يدفعه به عن المبايعة له، ولا يفعل ما يفعل فجرة التجار ~~والخونة الأشرار من التعمد لمنافعهم، والايثار ms16 بذلك لهم دون غيرهم والتعمد ~~لشراء مايصلح لهم يطلبون بذلك ازديادا في الربح يسيرا، ويستوجبون به من ~~الله عذابا كبيرا). PageV01P331 # قلت وبالله التوفيق: إذاكان دفع ما يتقوون به من المال إليهم حراما مع ~~المعاوضة فكيف بدفعه من غير معاوضة وفي المعاوضة انتقاص؛ لما في أيديهم من ~~الأموال، وقوله عليه السلام: (ويستحب له إن اتجر في شيء) معناه: ويجب عليه؛ ~~لأن لفظ الاستحباب في عرفهم قد يطلق على الوجوب، كالكراهة تطلق على الحظر ~~بدليل قوله عليه السلام: ولا يفعل ما يفعل فجرة التجار إلى قوله: ويستوجبون ~~به من الله عذابا كبيرا؛ ولأنه عليه السلام قد نص في باب أموال تجار عسكر ~~البغي في السير من كتاب (الأحكام): أن جلب المنافع إليهم فسق. # وروى مثل ذلك عن جده القاسم عليه السلام، وقد تقدمت الرواية بلفظها يزيد ~~ذلك وضوحا ما قاله عليه السلام، في بعض أبواب الحج من كتاب (الأحكام) أيضا، ~~(حدثني أبي عن أبيه في الرجل يفرق بين طوافه وسعيه، فقال: لابأس بذلك[إن ~~كان تفريقه ذلك لعلة مانعة] إلى قوله: فإن أبطأ عن ذلك فتركه حتى تكثر ~~أيامه، فيستحب له أن يهريق دما، وقد وسع في هذا غيرنا، ولسنا نقول به). # فقال: فيستحب مع أنه لم يقل بالتوسيع. PageV01P332 # قلت وبالله التوفيق: وماذكره الهادي والقاسم -عليهما السلام- من أن جلب ~~المنافع إلى عسكر الظالمين فسق، هو الحق؛ لأن سبيل المؤمنين في ذلك قتالهم؛ ~~لقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي...} الآية. وجلب المنافع إليهم ينافي ~~القتال ضرورة، فعلمنا أن ذلك غير سبيل المؤمنين، وقد قال تعالى: {ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وساءت مصيرا}[النساء:115]. # وقال الهادي عليه السلام: أيضا في باب معاونة الظالمين من كتاب (الأحكام) ~~مالفظه: # (فمن كثر بنفسه أوبقوله، أو أعان بماله على محق من آل الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فقد شرك في دمه) إلى آخر كلامه عليه السلام، ولا يقال: إن ~~ذلك لا يكون إلا مع القصد؛ لأنه عليه ms17 السلام لم يشترط ذلك، ولأنه عليه ~~السلام، قد جعل التجارة في عسكر الظالمين فسقا، والتجار إنما يقصدون ~~الزيادة في الربح فتأمل ذلك، فإن تقوى الله لاتكون بالتعسف في التأويل، ورد ~~القول إلى ما يطابق هوى النفس. # وقال الهادي عليه السلام في كتاب (العدل والتوحيد) ما لفظه: # (كدأب الذين يعينون الظالمين، ويقيمون دولتهم بزرعهم وتجارتهم، وينصرونهم ~~على قتل المسلمين، وهتك حريمهم، وأخذ أموالهم، ولولا التجار والزراعون ~~ماقامت للظالمين دولة، ولاثبتت لهم راية، ولذلك قال تبارك وتعالى: {ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}[هود:113]) . PageV01P333 # وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ((إن الله تعالى بعثني ~~باللحمة والرحمة، وجعل رزقي في ظل رمحي، ولم يجعلني حراثا ولا تاجرا، ألا ~~إن من شرار عباد الله الحراثون والتجار، إلا من أخذ الحق وأعطى الحق))؛ لأن ~~الحراثين يحرثون، والظالمين يلعبون، وهم يحصدون وينامون، ويجوعون ويشبعون، ~~ويسعون في صلاحهم، وهم يسعون في هلاك الرعية، فهم لهم خدم لا يؤجرون، ~~وأعوان لايشكرون، فراعنة جبارون، وأهل خنا فاسقون، إن استرحموا لم يرحموا، ~~وإ ن استنصفوا لم ينصفوا، لايذكرون المعاد، ولايصلحون البلاد، ولايرحمون ~~العباد، معتكفون على اللهو والطنابير، وضرب المعازف والمزامير، قد اتخذوا ~~دين الله دغلا، وعباده خولا، وماله دولا، بما يقويهم به التجار والحراثون، ~~ثم يقولون: إنهم مستضعفون كأن لم يسمعوا قول الله تبارك وتعالى فيهم، وفيمن ~~اعتل بمثل علتهم إذ يحكي عنهم قولهم: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله ~~واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا}[النساء:97] إلى آخر ~~كلامه عليه السلام. # ومن كلام الهادي عليه السلام أيضا ما ذكره في كتاب (خطايا الأنبياء) " ~~وعلى آلهم الذي أجاب به على إبراهيم بن المحسن العلوي رحمه الله تعالى، ~~وهذا لفظه: PageV01P334 # (وسألته عن رجل ساكن في بلدة، وقد تولى أمر البلدة سلطان ظالم، والسلطان ~~يقبض منه جباية من غير طيبة من نفسه، وهو يخاف إن خرج من البلد على نفسه من التلف؟ # الجواب في ذلك: ms18 إن كانت مخافته على نفسه مخافة أن يجوع في الأرض أو يعرى، ~~أو يتلف إن خرج من تلك البلدة، فليس هذا له بعذر؛ لأن الله تعالى يرزقه في ~~بلده وغيرها، وإن كان يخاف أن يظفر به سلطان بلده فيقتله إن خرج، ولم يكن ~~له حيلة في الانسلال عنه، وكان لامحالة واقعا في يده إن خرج، فله في ذلك ~~العذر، إلى أن يأتيه الله عزوجل بفرج، وإن قدر وأمكنه أن لايعمل عملا يأخذ ~~منه فيه السلطان فليفعل). # وقال الهادي عليه السلام: في جواب مسائل أبي القاسم الرازي -رحمه الله ~~تعالى- مالفظه: (وكان الخاذل بخذلانه وقعوده [عن الله] كمثل المحارب ~~بمحاربته، لا ينفك الخاذل للمؤمنين من المشاركة للفاسقين فيما نالوه من ~~المتقين في حكم أحكم الحاكمين...) إلى آخر كلامه عليه السلام. # قلت وبالله التوفيق: إذا كان هذا في الخاذل، وهو القاعد عن نصرة الدين ~~وأهله، فكيف بالمعطي من المال مايهدم به الظالمون، من دين رب العالمين! ~~وكيف بالمشير بذلك! # وقال الناصر عليه السلام في كتاب (الألفاظ) مالفظه: (فمن سود علينا فقد ~~شرك في دمائنا). # قلت وبالله التوفيق: وهذا اللفظ نبوي؛ لأن الهادي عليه السلام رفعه إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتاب (الأحكام). PageV01P335 # قلت وبالله التوفيق: ولا تسويد أعظم من تسليم المال إلى الجبارين؛ لأنه ~~لولا المال لما اجتمع للظلمة من عساكرهم الكثيفة ما يضر الدين وأهله أبدا، ~~وذلك معلوم لكل عاقل، والعلم به كاف في استحقاق العقاب والنكال من الله ~~سبحانه، ومغن عن القصد كالإقدام على سائر المعاصي إذ لافرق. PageV01P336 ### || AUTO [رواية علي بن العباس(ع)] # وحكى علي بن العباس عليه السلام في (مجموعه): إجماع أهل البيت " على أن ~~المشركين أو البغاة إذا نزلوا بساحة مدينة الإسلام، أو باب حصن المسلمين ~~فلاضير على المسلمين إذا لم يقدروا على حمل غلات أنفسهم أن يحرقوها، أو ~~يخربوا القرى لئلا ينتفع بها المشركون أو البغاة. # قلت وبالله التوفيق: وهذا يقتضي عدم جواز الدخول تحت ظل جناح دولتهم لكي ~~تسلم أموالهم، إذ لو جاز الدخول ms19 كذلك لم يجز تحريق الأموال وتخريب القرى؛ ~~لأنهما إضاعة مال، وهي لا تجوز في الأصل، وإذا لم يجز الدخول تحت ظل جناح ~~دولتهم فكيف بتسليم ما يقويهم على هدم الدين! # فإن قيل: فإنه ذكر لفظ: لا ضير، ولم يقل: فإنه يجب. # قلت وبالله التوفيق: من رزقه الله زيادة في بصيرته وجلى قلبه عن العمى، ~~فهم من ذلك الوجوب؛ لأن السبب في ذلك تعارض محظورين، وعدم المخلص إلا بفعل ~~أحدهما، وهما: إتلاف المال، أو الدخول فيما يتقوون به على الفساد في الأرض ~~بغير الحق، فكان إتلاف المال أهون، فعبر عن ذلك بلفظ لا ضير؛ لأجل كونه في ~~الأصل محظورا لا سيما وعيون العترة "، والمعتزلة [وأكثر الفقهاء] يوجبون ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خشية المضرة على المال، وذلك مذكور في ~~بعض كتب أهل المذهب المعتبرة لم أسه فيه ولم أغفل، وإذا وجب اختيار المضرة ~~في المال لأجل واجب هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكيف لا يجب توقيا ~~من فعل محظور! وهو تقوية الظالمين على سفك دماء المسلمين واستمرار ظلمهم ~~ونهب أموالهم، وإطفاء الفرائض والسنن، وإحياء البدع والفتن. PageV01P337 ### || AUTO [قول المرتضى بن الهادي (ع)] # وقال المرتضى محمد بن يحيى عليه السلام في كتاب (الإيضاح) ما لفظه: ~~وسألتم عن العشر هل يعطاه فاسق ذو كبيرة إذا كان فقيرا؟ # قال عليه السلام [ما لفظه]: لا يعطى منه شيء؛ لأن في إعطائه العشر ~~ممايقويه على ما يحبه من المعصية والمباعدة لله سبحانه، فليس لمن ظهرت ~~معصيته في أموال الله حق، وإنما يعطى من لم يعلم منه إلا خير، فقال: لأن في ~~إعطائه العشر مما يقويه على ما يحبه من المعصية، وكذلك لا ينكر أنه يتقوى ~~بما يعطى من أموال الناس. # وقال عليه السلام في بعض (رسائله) ما لفظه: (ومن قرب من أعداء الله شبرا ~~بعد منه بذلك باعا، فلا ترضوا بمداناتهم، ولا ترخصوا لأنفسكم في مداراتهم، ~~فإنهم أعداء الرحمن وأحزاب الشيطان...إلى قوله عليه السلام: مهلكوا العباد ~~ومظهروا الفساد)، فقال عليه السلام: ولا ترخصوا لأنفسكم ms20 في مداراتهم، وذلك ~~عام يفيد النهي عن الترخيص في مداراتهم بالمال وغيره؛ لأن لفظ مداراة مصدر، ~~والمصدر: اسم جنس باتفاق أهل العربية كالماء والعسل، واسم الجنس إذا أضيف ~~أفاد العموم، كقولك: عسل النحل صادف الحلاوة. # وفي كتاب البيوع من (اللمع) ما لفظه: في تعليق أبي الفوارس ذكره محمد بن ~~يحيى: (لا ينبغي لأحد أن يبيع شيئا من سلطان ظالم ولا يعامله كان ماله ~~حلالا أو حراما، إلا أن يضطر إليه، فيأخذ المال مما يعلم أنه حلال). PageV01P338 # قلت وبالله التوفيق: إنه لم يستثن من جواز معاملتهم إلا عند الاضطرار ~~كالاضطرار إلى أكل الميتة، وإذا لم يبح البيع منهم والمعاملة بيقين حل ~~المال إلا مع الاضطرار، فما ظنك بتسليم الأموال إليهم مع عدم انتقاصهم لشيء ~~من الأعواض! PageV01P339 ### || AUTO [قول الإمام القاسم العياني(ع)] # وقال الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني عليه السلام في (رسالته ~~إلى أهل طبرستان) ما لفظه: # (الخاذل لنا كالمعين علينا، المتخلف عن داعينا كالمجيب لعدونا)، رواه في ~~(أنوار اليقين). قال وهو منقول من رواية المنصور بالله عبد الله بن حمزة ~~عليه السلام. # قلت وبالله التوفيق: إذا كان ما ذكره عليه السلام في حق الخاذل المتخلف، ~~فما ظنك بالمسلم من الأموال ماهو سبب لهلاك الدين وتقوية للجبارين! PageV01P340 ### || AUTO [قول المؤيد بالله (ع)في كيفية إزالة المنكر] # وقال المؤيد بالله عليه السلام في باب كيفية إزالة المنكر في كتاب الحظر ~~والإباحة من كتاب (الإفادة) ما لفظه: (وفي سلطان فاسق يدعو الناس إلى إقامة ~~المعروف وإزالة المنكر، وهو لا يتعدى أمر المسلمين ورأيهم لا يجوز للمسلمين ~~متابعته ولا تقوية يده، وإن التمس ذلك هو منهم)، فقال: ولا تقوية يده، أي: ~~بتلك المعاونة على إقامة المعروف وإزالة المنكر؛ لأن سياق الكلام مؤد هذ ~~المعنى، وإذا كان لا يجوز ذلك؛ لكونه مؤديا إلى تقوية الظالم على ظلمه مع ~~أنه في الأصل واجب، فبالأحرى أنه لا يجوز تسليم المال إلى سلاطين الجور؛ ~~لأنه مؤد إلى تقويتهم على الظلم ضرورة. # وقال عليه السلام في هذا الباب نفسه: ms21 (وفي ظالمين أحدهما أكثر من الآخر ~~ظلما، فالأقل منهما ظلما يلتمس من المسلمين معاونة على دفع الأكثر ظلما وفي ~~غالب ظن هؤلاء المسلمين أن لو أعانوه على دفعه دفعوه، ويأخذ الزكاة ~~والأعشار من المسلمين، ويصرفها في الوجوه التي تؤدي إلى مصالح الرب) أنه ~~لايجوز معاونة من يكون أقل ظلما على شيء من الظلم، فأخذ الزكاة والعشر من ~~جملة الظلم. # قوله عليه السلام: (وفي غالب ظن هؤلاء المسلمين أن لو أعانوه على دفعه ~~دفعوه، ويأخذ الزكاة والأعشار...إلى آخره) أي: في غالب ظنهم أنهم يدفعون ~~الأكثر ظلما، وأن الظالم الذي أعانوه يأخذ الزكاة والأعشار. # فقال عليه السلام: إن ذلك لا يجوز، وقال: إن ذلك من جملة الظلم. PageV01P341 # قلت وبالله التوفيق: إذا كان دفع الأكثر ظلما مؤديا في غالب الظن إلى شيء ~~من جملة الظلم، وهو أخذ الزكاة والعشور، وأنه لا يجوز لأجل ذلك، فكيف ~~بتسليم المال المقطوع بتأديته إلى أعظم الظلم وأشده! # فإن قيل: قد قال عليه السلام قبيل هذا من هذا الكتاب مالفظه: (ولا تجب ~~الهجرة لما يأخذه الظالم من الإتاوة قهرا). # قلت وبالله التوفيق: إنه لم يذكر أنها لو كانت تؤدي إلى قوة ظلم الظالم، ~~فلعله حيث كان لا دولة لمن يأخذ الإتاوة، ولا جنود يجندها للفساد في الأرض ~~بغير الحق، ويؤيد هذا ما ذكرناه من كلامه عليه السلام أولا، وإلا كان ~~مناقضة، وأيضا من قواعد أئمتنا " أنهم يجعلون الحكم للمقيد ويردون المطلق ~~إليه حتى يتفق المعنيان، ويسلما من التنافي، وما حكيناه عنه عليه السلام ~~أولا مقيد بكونه مؤديا إلى قوة ظلم الظالم، أو مؤديا إلى شيء من الظلم، ~~وهذا مطلق، فيجب تأويله بما ذكرناه. # وأيضا قد عرف من قاعدته عليه السلام أنه يتأول ما جاء من الأئمة " شبه ~~هذا القول كتأويله عليه السلام لقول القاسم بن إبراهيم عليه السلام (لا بأس ~~بالفرش والمقارم تكون من الحرير)، فقال المؤيد بالله عليه السلام: (يحتمل ~~أن يكون المراد به أن ذلك يحل للنساء)، وذلك مذكور في (أصول الأحكام). # فإن أثبت هذا التأويل ms22 فاعلم أن الإفادة مجموعة من فتاويه، وقد روي في ~~سيرته أنه قال: (وددت أن أتمكن مما أفتيت به فأحرقه). PageV01P342 # قلت وبالله التوفيق: وإنما قال ذلك؛ لأنه قد تيقن الخطأ في كثير من ~~الفتاوى، فيجب أن يقرر ما طابق الكتاب والسنة من نحو ما تقدم، وما طابق ~~إجماع العترة " كما يأتي تحقيقه إن شاء الله، ويرفض ما خالف ذلك؛ لأنه مما ~~قد رجع عنه في الجملة. # فإن قيل: والذي ذكرت قد رجع عنه في الجملة أيضا. # قلت وبالله التوفيق: لانسلم؛ لأن حكاية إجماع أهل البيت " كما يأتي إن ~~شاء الله قد تضمنت إثباته. # وفي باب الظهار من (الشفاء) ما لفظه: (وعن السيد أبي طالب أيضا أنه قال: ~~يجب أن تكون الرقبة مؤمنة بالغة أو غير بالغة، وذكر في الاحتجاج أن المعلوم ~~من دين المسلمين أنه لا قربة في الهدنة إلى من يقطع الطريق، ويحارب ~~المسلمين أو يتعاطى شرب الخمر وضرب المعازف والطنابير، والعلة في جميع ذلك: ~~أنه إحسان إلى من يغلب على الظن أنه يستعين به على الفسق أو على الكفر. # فقال عليه السلام: لا قربة في الهدنة إلى من ذكر، وإذا انتفت القربة بقي ~~الجواز والتحريم، لا يصح أن تكون الهدنة جائزة؛ لأن تعليله عليه السلام ~~صريح في أنه يستعان بها على الفسق أو الكفر، ومن المعلوم من دين المسلمين ~~أن إعطاء المال إلى من يحرقه أو يرمي به في البحر تبذير، والتبذير محرم ~~إجماعا، ومستنده قوله تعالى: {ولا تبذر تبذيرا...} الآية، وإذا كان ذلك ~~محرما فبالأولى أن يكون هذا محرما؛ لأن تضييع المال أهون من إنفاقه في ~~المعاصي، وذلك لا يخفى على ذوي البصائر. # قلت وبالله التوفيق: وكلام أبي طالب يشعر بالإجماع، حيث قال: إن المعلوم ~~من دين المسلمين... إلى آخره. PageV01P343 # وفي باب البيوع الصحيحة والفاسدة من (الشفاء) أيضا ما لفظه: ونص الهادي إلى ~~الحق عليه السلام في (المسائل) على أن بيعه ممن يتخذ الخمر لايجوز، واحتج ~~له، فخرجوا مذهبه على أنه يكون معاونة على الإثم والفعل الحرام، وقد ms23 قال ~~تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}[المائدة:2]. # قلت وبالله التوفيق: وإنما أخرت هذا الكلام من كلام الهادي عليه السلام، ~~ولم أذكره مع ما تقدم له؛ لأجل أن تصدر حكاية قول مخرجي مذهبه في الموضع ~~الذي أردت من ترتيب الأقوال، والمراد معرفة ما صرحوا به من أن بيع ما يجعل ~~خمرا ممن يجعله خمرا معاونة على الإثم والفعل الحرام، وأنه يستلزم تحريم ما ~~يسلم إلى سلاطين الجور بطريقة الأولى؛ لأنهم لم ينقصوا بأخذ عوض في ذلك؛ ~~ولأن المناكير التي تحصل بسبب تسليم الأموال إليهم من سفك الدماء، واضطهاد ~~الآمرين بالمعروف، وضيم الناهين عن المنكر أعظم من شرب رجل أو جماعة محصورة الخمر. PageV01P344 ### || AUTO [حرمة دفع الصدقة للفاسق] # وفي باب ذكر من لا تحل له الصدقة من (الشفاء) أيضا ما لفظه: (قال القاضي ~~زيد: وهذا خطاب للمسلمين الذين لم يظهرمنهم الفسق، قال: ولأن الفاسق لا ~~يتحرز من إنفاقها في المعاصي، فكان دفعها إليه إعانة له على المعاصي، وقد ~~قال تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}[المائدة:2]. فقال: فكان دفعها ~~إليه، أي: الزكاة إلى الفقير الذي يظهر منه الفسق إعانة له على المعاصي). # قلت وبالله التوفيق: وكذلك يكون ما يدفع إلى الظلمة من خالص المال إعانة ~~لهم على المعاصي، بل هو في هذا الموضع ألزم؛ لأن ذلك مظنون، وهذا معلوم. # فإن قيل: فإن الأمير الحسين عليه السلام قد استبعد ذلك، وقال ما معناه: ~~(لا يكون معاونة إلا مع القصد)، واحتج بتمكين الله تعالى للعصاة ما يتقوون ~~به من الرزق على المعاصي. PageV01P345 # قلت وبالله التوفيق: قد تقدم لنا من الاحتجاج على ما كان كذلك أنه يطلق ~~عليه اسم الإعانة قطعا، ولنعد قوله تعالى: {وكان الكافر على ربه ~~ظهيرا}[الفرقان:55] أي: معينا، مع قوله تعالى حاكيا عن المشركين: {ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}[الزمر:3]؛ لأن ذلك من الأدلة القطعية، ~~فخطاؤه عليه السلام في هذا متيقن، وليس بمظنون، لكنه لا إثم عليه؛ لقوله ~~تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به}[الأحزاب:5]، وكذلك احتجاجه بتمكين ~~الله تعالى للعصاة من ms24 الأرزاق والقوى؛ لأن ذلك إنما كان ليصح التكليف، ولو ~~قاسه على فعل المكلفين لأصاب؛ لأن المكلف لا يجوز له تمكين العاصي من ~~المعصية، وكذلك هذا، وإذا كان كذلك فالرجوع إلى الأدلة المعلومة أولى، ~~وأيضا إنما كلامه عليه السلام فيمن يظن أن يجعل الزكاة في المعاصي لا فيمن ~~يعلم أنه يجعلها في مهر البغي، وثمن الخمر، ونفقة لقطاع الطريق، وزاد لمن ~~يبلغ بها إلى قتل النفوس المحرمة، فإن ذلك لم يقل به أحد من علماء الإسلام، ~~وسيأتي له عليه السلام [من الكلام] ما يدل على تحريم تسليم الأموال إلى ~~سلاطين الجور إن شاء الله تعالى. PageV01P346 ### || AUTO [أقوال الإمام عبد الله بن حمزة (ع)] # وقال الإمام المنصور بالله عليه السلام في باب السيرة من (المهذب) في أهل ~~الفسق وأهل البغي في كتاب السير في (المهذب) ما لفظه: (ونحن لا نشك أن ~~الضعفاء الذين لبسوهم الحرير، وركبوهم الذكور، وسقوهم الخمور، فأي عون أعظم ~~من هذا!). # وقال عليه السلام في باب الهجرة من كتاب السير من (المهذب) أيضا ما لفظه: ~~(وقد ثبت من دين أهل البيت " أن الخاذل لهم فاسق ومن المعلوم أن الساكن مع ~~الظالمين أكثر مضرة، وأنفع للفاسقين، وأقبح حالة، وأشنع جرما من الخاذلين). # قلت وبالله التوفيق: وقوله عليه السلام وقد ثبت من دين أهل البيت " يشعر ~~أنهم مجمعون على ذلك. # وقال عليه السلام في هذا الباب بعينه من هذا الكتاب بنفسه ما لفظه: (ولا ~~أعظم من كون المؤمن ظهيرا للمجرمين؛ لأن أشد المظاهرة وأعظمها تقويتهم ~~بالخراج، وكونهم مستضعفين فيما بينهم لايخرجهم عن حكمهم، ألا ترى أن الله ~~تعالى رد حجتهم داحضة خاسئة بقوله تعالى فيهم:{قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض}[فرد ذلك تعالى بقوله] {قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها} [النساء:97]). # فإن قيل: فقد قال عليه السلام في باب الحظر والإباحة من هذا الكتاب بنفسه ~~ما لفظه: (وما يجمع للظلمة على وجه المدافعة والمداراة فهو جائز إن لم يمكن ~~دفعهم إلا بذلك، ويجوز أخذه من القوي والضعيف واليتيم ms25 بالرضا والإكراه). PageV01P347 # قلت وبالله التوفيق: مراده عليه السلام بذلك لمن يندفع بذلك من الظالمين عن ~~مضرة المسلمين باعطائه المال، ولا يستقيم له عليهم دولة، بدليل ما ذكرناه ~~عنه أولا، وبدليل قوله عليه السلام: (إن لم يمكن دفعهم إلا بذلك)، وهو ~~تصريح بمعنى ما ذكرت؛ لأن من تستمر دولته غير ممكن دفعه، بما يعطى ضرورة، ~~وإنما هو مستمر على ظلمهم وسومهم سوء العذاب، وإعطائهم المال مع ذلك مما ~~يقوي شوكتهم ويشد أعضادهم، وتتمكن به وطأتهم، فتأمل ذلك. PageV01P348 ### || AUTO [من الأدلة على حرمة تضييع المال] # وقال الأمير الحسين عليه السلام في باب حكم الدخول في الشهادة وبيان من ~~يفتقر إلى الشهادة من العقود من (الشفاء) ما لفظه: خبر وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: ((ثلاثة لا يستجاب لهم: رجل باع شيئا ولم يشهد ~~عليه، ورجل معه امرأة سيئة ولا يطلقها، ورجل دفع إلى سفيه ماله))؛ دل ذلك ~~على حكمين: # أحدهما: إثبات البيع من دون شهادة؛ لأنه قال: ((باع شيئا)). # الثاني: أن تضييع المال لا يجوز. # ومن جملة تضييعه أن يبيعه ممن لا يثق منه بالوفاء، أو بدفع ماله إلى سفيه ~~فيضيعه. # فقال عليه السلام: ((أو بدفع ماله إلى سفيه فيضيعه)). # ومن المعلوم أن تضييع المال أهون من إنفاقه في مضرة الإسلام والمسلمين ~~وما يغضب رب العالمين من تكثيف الجيوش على المؤمنين[وقال عليه السلام في ~~باب صفة من توضع فيهم الزكاة من (الشفاء) ما لفظه: فإن كانت] الديون لزمته ~~في غير سرف ولا إنفاق في معصية، وهو فقير جاز أن يصرف إليه سهم منها ~~ليستعين به على قضاء دينه؛ لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان}[المائدة:2] فدل أول الآية على جواز معونته إذا ~~كانت ديونه لزمته في غير سرف ولا إنفاق في معصية؛ لأن ذلك من وجوه البر، ~~ودل آخرها على أنه لايجوز معاونته إذا كانت لزمته في سرف أو إنفاق في معصية. PageV01P349 # قلت وبالله التوفيق: إذا كان إعطاء الزكاة من يقضها عن دين لزمه في ms26 سرف أو ~~معصية معاونة على الإثم والعدوان عنده عليه السلام، فبطريق الأولى أن يكون ~~إعطاء المال من ينفقه بعينه في المعصية معاونة على الإثم والعدوان؛ لأن ~~الإنفاق في الصورة الأولى غير الذي أعطي بخلاف هذه فهو عين ما أعطي،[وقال ~~الإمام المطهر عليه السلام] في كتاب الإجارة من كتاب (المنهاج الجلي) ما ~~لفظه: (فرع، قلت: ولا يجوز له أن يكري حانوتا لخمار ولا لذمي إلى قوله: ~~والوجه في ذلك أن هذا معصية، وقد قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ~~ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}[المائدة:2]). # قلت وبالله التوفيق: وكلامه عليه السلام يدل على تحريم تسليم الأموال إلى ~~من ذكر بطريق الأولى؛ لأن ذلك يؤدي إلى معصية خاصة وتسليم الأموال إليهم ~~يؤدي إلى معاص عظيمة لا تحد ولا تنحصر بعد. PageV01P350 ### || AUTO [قول الإمام المهدي (ع)] # وقال الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى عليه السلام في(الغيث) ما ~~لفظه: (قال الشيخ علي خليل في مجموعه للمؤيد بالله عليه السلام في سلطان ~~فاسق يدعو الناس إلى إقامة المعروف، وإزالة المنكر، وهو لا يتعد أمر ~~المسلمين ورأيهم: أنه لايجوز للمسملين متابعته وتقويته وإن التمس هو ذلك، ~~ويمكن جواز الاستعانة به على إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). # قلت: وهذا معنى ما ذكرناه بعينه. # فقال عليه السلام: قلت: وهذا معنى ما ذكرناه بعينه، يريد في قوله عليه ~~السلام مهما وقف على الرأي، ولم يؤد إلى قوة ظلمه؛ لأن ذلك في سياق شرح هذا ~~اللفظ، ثم ساق كلاما بعد هذا إلى أن قال ما لفظه: فصارت هذه وجوه ثلاثة، ~~وهي: أن يعينوه على أخذ الأعشار ونحوها فلا يجوز، وعلى دفع الأكثر فقط فيجب. # والثالث: أن يقصدوا معاونته على دفع الأكثر، لكن إذا عرفوا أنهم إن ~~أعانوه على ذلك ازداد ظلما، فقيل: ينظر في الزيادة، فإن بلغت مثل ظلم ~~المعان عليه أو فوقه لم تجز المعاونة وإن بلغت دونه جاز؛ لأنه دفع منكر بما ~~هو دونه. # قلت: وقد تضمن لفظ (الأزهار) المعاني كلها فتأمله. # قلت وبالله التوفيق: إذا كان ms27 إقامة المعروف وإزالة المنكر وإزالة الأكثر ~~ظلما لا يجوز حيث كانت مؤدية إلى قوة ظلم الظالم كما صرح به عليه السلام، ~~وهي في الأصل واجبة، فما ظنك بتسليم المال الذي لا شك في أنه يؤدي إلى قوة ~~ظلم الظالم مع أنه لا أصل له في الوجوب! PageV01P351 ### || AUTO [حكم النذر للفساق] # وقال عليه السلام في (البحر) في كتاب النذر ما لفظه: (ولا يصح للفساق ~~عموما لتضمنه المعصية، ولا للفقراء الفساق لذلك). # قلت وبالله التوفيق: كل فعل تضمن المعصية لاشك في أنه معصية عند ~~المسلمين، وقد صرح عليه السلام بأن النذر على الفساق عموما أو على فقرائهم ~~متضمن للمعصية، وتسليم المال إلى سلاطين الجور من هذا الباب؛ لأن سلطان ~~الجور رأس من تصير إليهم الأموال من المعينين له ممن دخل ديوانه ومن يرجو ~~دخوله، وكذلك من يواليه من العصاة، وهم لا حصر لهم، بل هو في هذا أعظم ~~لتضمنه تقويته على الظلم، وذلك لا يخفى على عاقل. PageV01P352 ### || AUTO [مراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] # وقال عليه السلام في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في (البحر) ~~أيضا في سياق ذكر النهي عن المنكر ما لفظه: (فيقدم الوعظ ثم السب ثم كسر ~~الملاهي ثم الضرب بالعصا، ثم بالسلاح، فإن احتاج إلى تجييش فهو إلى الإمام ~~لا إلى الآحاد، إذ هو من الآحاد يؤدي إلى تهييج الفتن والضلال). # وقال عليه السلام في آخر هذا الكلام ما لفظه: (الغزالي يجوز للآحاد ~~التجييش والحرب). # قلت: ولا وجه له لما ذكرنا، فقال عليه السلام: لا وجه لجواز التجييش ~~للآحاد لما ذكر عليه السلام من تأديته إلى تهييج الفتن والضلال. # قلت وبالله التوفيق: إذا كان التجييش للآحاد المقصود به دفع المنكر لا ~~يجوز؛ لأنه يؤدي إلى تهييج الفتن والضلال، فكيف الحال في تسليم الأموال ~~المؤدي إلى تهييج الفتن والضلال! مع أنه لم يقصد به دفع منكر البتة، وإنما ~~يقصد به أمرا لا رضا لله فيه، وهو السكون في الديار بين الظالمين الأشرار، ~~وقد حرم الله ذلك على لسان ms28 رسوله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: ((ما من ~~رجل يجاور قوما فيعمل بين ظهرانيهم بالمعاصي، فلا يأخذوا على يديه إلا أوشك ~~أن يعمهم الله بعقاب))، رواه أبو طالب عليه السلام في (الأمالي). # قلت وبالله التوفيق: وهم لم يأخذوا على يدي الظالم، وإنما أعانوه بالمال ~~ولم يخرجوه عنهم حتى لايكون بين ظهرانيهم، فأسأل الله تعالى أن يعمهم بعذاب ~~إلا من تاب. # وفي (شرح ابن مفتاح على الأزهار) في كتاب الوصايا: (أن الوصية للمحاربين ~~من جملة المحظور). PageV01P353 # قلت وبالله التوفيق: وكذلك تسليم الأموال إلى سلاطين الجور، إذ لا فرق؛ ~~ولأنه إنما قصد بذلك مجرد التمثيل لا الحصر. PageV01P354 ### || AUTO [إجماع أهل البيت (ع) على حرمة إعانة الظالم على إقامة معروف ~~يؤدي إلى قوة ظلمه] # وفي كتب السادة من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأظنه (الجوهر ~~الشفاف) ما معناه: (أن الأئمة من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~مجمعون على أنه لا يجوز إعانة الظالم على إقامة معروف أو إزالة منكر، أو ~~إزالة من هو أكثر ظلما إذا كان يؤدي إلى قوة ظلمه، وأما إذا كان لا يؤدي ~~إلى قوة ظلمه فهم مختلفون في ذلك، فمنهم من قال بتحريمه؛ لأنه متبوع وليس ~~بتابع، ولا يجوز أن يكون متبوعا. ومنهم من قال بخلاف ذلك). # قلت وبالله التوفيق: إذا كانوا " مجمعين على تحريم ما هو في الأصل واجب ~~إذا كان يؤدي إلى قوة ظلم الظالم، فإجماعهم على ذلك يدل على تحريم تسليم ~~الأموال إلى سلاطين الجور بالأولوية ؛ لأنه مؤد إلى قوتهم على أكثر الظلم. # وقال الإمام الناصر لدين الله الحسن بن علي بن داود عليه السلام في بعض ~~جواباته ما لفظه: (وعدم النقلة من ديارهم ترك واجب، وسبب لمحظورات لا تنحصر ~~بعد ولا تنضبط بحد إلى قوله عليه السلام: ولله در الإمام المنصور بالله ~~عليه السلام حيث قال متمثلا: # وليس حي من الأحياء نعلمه .... من ذي يمان ولا بكر ولا مضر # إلا وهم شركاء في دمائهم .... كما تشارك أنسار ms29 على جزر # وعلى الجملة أن ذلك إجماع العترة "). PageV01P355 # وفي كلام علي بن العباس، وأبي طالب، والمنصور بالله، والمهدي لدين الله ~~أحمد بن يحيى، وبعض السادة " جميعا ما يشهد بصحة ما ذكرته من إجماعهم "، ~~وكذلك قول القاسم بن إبراهيم عليه السلام حيث قال: (والمؤمنون وإن قالوا ~~بعداوتهم في ذلك ونكالهم) إلى آخره، وجميع هذه الأقوال الشاهدة بإجماع ~~العترة " قد تضمنها هذا الكتاب، فارجع إليها تعرف حقيقة ذلك إن شاء الله ~~تعالى، وقد قلت أنا في معنى ذلك شعرا: # هذا مقال أئمتي .... من آل أحمد يامخطي # منهم وصي محمد .... وأبو الألى قاموا بقسطي # ودليلهم آي الكتا .... ب وسنة لا رأي مخطي # ليس الهوى بباطل .... عند المرآء ولا بخبط # فهو الشفاء من العمى .... وهو الهدى من وعر شطي # فدع اعتراضك بالخطأ .... والاعتماد على المبطي # هذا ولنشرع في ذكر ما يتعلق به المخطي من الشبه وحلها: # قالوا: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كتب يوم الخندق لعيينة ~~بن حصن، ومن تابعه من غطفان بثلث ثمار المدينة من دون مشورة أهلها، فلما ~~عرفوه صلى الله عليه وآله وسلم بحالهم وقوتهم أعطاهم الكتاب فمزقوه. # قالوا: وذلك دليل على جواز تسليم المال إلى سلاطين الجور! # قلت وبالله التوفيق: إن استدلالهم بذلك باطل؛ لأن ثلث ثمار المدينة إنما ~~قصد به صلى الله عليه وعلى آله وسلم تفريق الأحزاب وتفتييت أعضادهم، وذلك ~~معلوم بين أهل العلم، فلم يكن في ذلك تمكين للظالم مما يجند به الجنود ~~للبغي والفساد في الأرض بغير الحق. PageV01P356 # وفي الرواية المشهورة تصريح بمعنى هذا الذي ذكرته، وكذلك نقول بوجوب تسليم ~~المال إذا كان يؤدي إلى تفريق شمل الظالمين، ولم يتمكن من دفعهم إلا به، ~~كما قصد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الخبر بعينه؛ لقوله ~~تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} وهذا من ذلك. # وأما ما كان يؤدي إلى قوة ظلم الظالمين، واستمرار دولتهم فليس في هذا ~~الخبر شيء من الدلالة على جواز ذلك فتأمل. # فإن أبيت هذا المعنى ms30 فاعلم أن في الرواية المشهورة ما معناه أن أهل ~~المدينة قالوا: يارسول الله أهذا أمر من الله؟ أم رأي رأيته؟ # فقال: ((ليس هذا بأمر من الله، ولكنه رأي رأيته))، فإذا كان كذلك، والأمر ~~على ما تزعم من جواز تسليم ما يقوي أعضاد الظلمة فلا يصلح دليلا؛ لأنا لم ~~نعلم أيقره الله على ذلك ويبيح للناس به معاونة الظالمين؟ أم لا يقره؟ # فنقول: كما قال الله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم}[التوبة:43] لأنه ~~قد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يكن لله في ذلك أمر، فإذا كنا لا ~~نعلم ما حكم الله تعالى فيه؟ فكيف نعتمد عليه؟ ونترك قوله تعالى: {ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان}[المائدة:2] وما وافقه من الأدلة القطعية، وهل ~~ذلك إلا ضلال! # وقالوا: قد ذكر العلماء جواز تسليم معتاد الرصد، وهذا مثله! PageV01P357 # قلت وبالله التوفيق: إن معتاد الرصد إنما جعل لحفظ الطريق عن اللصوص، وعن ~~منع المارة بخلاف ما يعطى سلاطين الجور، فإنه لتقويتهم على الفساد في الأرض ~~بغير الحق، وتجييش حزب الشيطان، وبثهم في الآفاق لسفك الدماء وأخذ أموال ~~الناس بالباطل، فالفرق بحمد الله بين، والقياس باطل. PageV01P358 ### || AUTO [الرد على القائلين بجواز تسليم بعض المال للظلمة] # وقالوا: إنما قلنا بجواز تسليم بعض المال ليسلم ما هو أكثر منه وليندفع ~~بذلك محظورا، وهو: اغتصاب الظلمة سائر أملاكنا لو فررنا وتركناها أو ~~إفسادها. # قلت وبالله التوفيق: إن ذلك لا يصح التعلق به؛ لأن الله لم يجعله عذرا في ~~محكم كتابه حيث قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين}[التوبة:24]. PageV01P359 # ووجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة على بطلان ما تمسكوا به: أن مفارقة ~~الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة، وكذلك الأموال ولو انتهت أو ~~فسدت؛ لأن الله تعالى لم يستثن شيئا ولم يجعله الله عذرا ولا رخصة في ترك ~~طاعته وطاعة رسول الله ms31 صلى الله عليه وآله وسلم وترك الجهاد في سبيله، حيث ~~قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم} إلى قوله: {أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد ~~في سبيله}، والمراد بذلك طاعته تعالى وطاعة رسوله، لا مجرد المحبة التي ~~يزعمون أنها لا تفارق قلوبهم؛ لأنه لو أراد ذلك لم يكن للآية معنى؛ لأن ~~مجرد تلك المحبة التي يزعمون ممكنة مع عدم المفارقة للمال، فإن أبيت هذا ~~التأويل فاعلم أن المحبة لله ولرسوله مستلزمة لطاعة الله وطاعة رسوله؛ لأن ~~المحبوب مطاع كما في قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله}[آل عمران:31]. # وكما يروى لأمير المؤمنين كرم الله وجهه شعرا: # تعص الإله وأنت تظهر حبه .... هذا محال في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته .... إن المحب لمن يحب مطيع PageV01P360 فإذا لم تكن مفارقة الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال ~~على أنواعها، ولا خشية اغتصابها وفسادها عذر ولا رخصة في ترك طاعة الله ~~وطاعة رسوله والجهاد في سبيله فبطريق الأولى أن لا يكون مراعاة صيانتها من ~~الانتهاب لها وفسادها عذرا، ولا رخصة في فعل معصية، وهي تقوية الظالم على ~~ظلمه؛ لأنه ترك طاعة الله تعالى، وهي: مباينة الظالمين، والإنفصال عنهم، ~~وترك للجهاد في سبيله، وهو نهيهم عن المنكر بالحد إذا لم يؤثر ما هو دونه ~~مع زيادة تقويتهم بما يسلمون إليهم، وذلك لا يخفى على عاقل، فتسليم بعض ~~المال ليسلم الكثير إذا كان يؤدي إلى قوة ظلم الظالم فسق بصريح قوله تعالى ~~في آخر الآية: {والله لا يهدي القوم الفاسقين}[المائدة:108]. # وقولهم: ليدفعوا بذلك محضورا، وهو اغتصاب أموالهم وإفسادها ضلال عن الحق ~~بين؛ لأنهم ولو دفعوا ذلك فقد جلبوا به من المحظورات ما لا يحصى مما هو ~~أعظم من ذلك وأكثر، كقتل النفوس المحرمة [بغير الحق]، وتعطيل الشرائع مع أن ~~ما ذكروه واجب عليهم تركه إذا لم يتمكنوا من حمله ولا من إفساده بأنفسهم ~~لئلا ينتفع به الظالمون بنص قوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم...} الآية. PageV01P361 ### || AUTO [وصف أمير المؤمنين لأقوام آخر الزمان] ms32 # لله أبوهم ألا يخافون أن يكونوا آباءهم! عنى أمير المؤمنين عليه السلام ~~في قوله: (يكون في آخر الزمان قوم نبغ فيهم قوم مراءون فيتقرأون ويتنسكون ~~لا يوجبون أمرا بالمعروف ولا نهيا عن المنكر إلا إذا أمنوا الضرر، يطلبون ~~لأنفسهم الرخص والمعاذير، يتبعون زلات العلماء، وما لايضرهم [من نفس أو ~~مال]، فلو أضرت الصلاة والصيام وسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها، ~~وقد رفضوا أسنم الفرائض، وأشرفها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فريضة ~~عظيمة، بها تقام الفرائض، ألا إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل ~~الأنبياء، ومنهاج الصالحين، فريضة بها تقام الفرائض، وتحل المكاسب، وترد ~~المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء، فأنكروا المنكر بألسنتكم وصكوا ~~بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم. # وأوحى الله عز وجل إلى نبي من أنبيائه: أني معذب من قومك مائة ألف، ~~أربعين ألفا من شرارهم، وستين ألفا من خيارهم، فقال: يارب هؤلاء الأشرار، ~~فما بال الأخيار؟ قال: ((داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي))، روى ذلك ~~أبو طالب عليه السلام في (الأمالي). # وإنما خشيت أن يكونوا إياهم، عنى أمير المؤمنين عليه السلامبذلك؛ لأنهم ~~رخصوا في تسليم ما يقوي على ترك المعروف وفعل المنكر؛ طلبا لصيانة أموالهم ~~فضلا عن أن يقولوا بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتأمل. PageV01P362 # واعلم أنهم لم يستندوا في عذرهم ذلك إلى دليل، ولا إلى أحد من علماء العترة ~~"، وما ذاك إلا لأن الأدلة قاضية ببطلان ما تمسكوا به كما رأيت؛ ولأن ~~العترة " مجمعون على أن ذلك غير رخصة كما حكاه علي بن العباس فيما مضى، ~~وقال بإفساد الغلات، وخراب القرى لئلا ينتفع بها العدو، وكذلك قد صح لنا من ~~عيون العترة " والجمهور من علماء الأمة أن الخشية على المال لا تكون رخصة ~~في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما تقدم ذكره، فكيف تكون رخصة في ~~عماد المنكر وأساسه! وهو تسليم المال إلى الجبارين، فافهم ذلك. وأيضا لو ~~غلب بعض الجبارين على بعض المسلمين، وقال لا عذر لك من أحد أمرين: # إما الاستمرار ms33 على ترك الصلاة، أو إفساد جميع ما تملك، وهو يعلم أنه لو ~~أفسد أملاكه أنه يعيش بأن ينتقل في الأرض لطلب المعاش، لعلمنا أنه إن اختار ~~الاستمرار على ترك الصلاة لصيانة دنياه، فقد آثر الحياة الدنيا على الآخرة، ~~وكان من جملة من ذكره الله تعالى في قوله: {فأما من طغى، وآثر الحياة ~~الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى}[النازعات:37-39]، ولا يخرج من هذا ممن ابتلي ~~بذلك إلا من لم يصنع كذلك، والإجماع المعلوم على ذلك، وكذلك والله أهل ~~زماننا فإنهم تركوا نهي الجبارين عن المنكر، وهم يقدرون عليه، لولا تخاذلهم ~~بل أمدوهم بالأموال الجليلة التي تقووا بها على فعل المنكر صيانة لدنياهم ~~وإيثارا لها، وأنه لولا تخاذلهم لم يكن شيء من ذلك، ولعاشوا فلا يخرج من ~~حكمهم هذا إلا من باينهم ولم يصنع كما صنعوا وإلا كان مشاركا لهم في ذلك ضرورة. PageV01P363 # وقالوا: لو هاجرنا لانتفع الظالمون بالمال بعدنا، فلم تؤثر هجرتنا إلا التعب! # قلت وبالله التوفيق: الواجب إفساد المال كما تقدم ذكره لئلا ينتفع به ~~الظالمون، والدليل على ذلك قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان}[المائدة:2]، وترك إفساده معاونة لهم؛ لأن ~~المعلوم أنهم ينتفعون به، وكذلك إجماع العترة " المقدم ذكره كذلك دليل ~~عليه، فإن لم يتمكن من إتلافه ترك لهم، وما استعانوا به منه بعد إذ فلا ~~يؤآخذ به؛ لأنه لم يدخل في تحت وسعه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وليس ~~ذلك بمرخص في بقائه، والدخول تحت طاعتهم؛ لأن انتفاعهم به أهون من انتفاعهم ~~بما يستمر من تسليم الأموال إليهم؛ لأن ما يستمر غير منقطع، وذلك منقطع ولا ~~شك، إنما يتقوون به على المنكر، وينقطع أهون من الذي يتقوون به عليه ~~ويستمر. # فإن قيل: فإن منها ما يستمر كالمزارع؛ لأنه يأتي من يزدرعها ويستمر ~~تسليمه إليهم من غلاتها! # قلت وبالله التوفيق: قد ثبت بما تقدم أن تسليم الأموال إليهم محرم من ~~أرباب المزارع كان أو من غيرهم، والإثم على فاعله؛ لقوله تعالى: {ولا تزر ~~وازرة وزر ms34 أخرى}[الأنعام:164] أي: لا يحمل مذنب ذنب مذنب غيره، فلما كان ~~كذلك علمنا أن الذنب على من يزرعها، ويسلم إليهم من غلاتها دون من تجنب ذلك ~~فهو كالزنا، وليس في شريعة الإسلام إباحة الزنا لأجل أن الغير لا يتركه، ~~وذلك بحمد الله واضح. # وقالوا: قد عمت المحنة وشملت الفتنة، فالمهاجر من أرضه لم ينج من تسليم ~~الأموال إليهم! PageV01P364 # قلت وبالله التوفيق: هذا خلاف ما نعلمه؛ لأنا نعلم أن كثيرا من الأرض ذات ~~الطول والعرض لو هاجروا إليها لنجوا من تسليم الأموال إليهم ولكن بعدت ~~عليهم الشقة فكأن الأرض لم تكن إلا حيث يهوون، هلا اقتدوا بالمؤمنين من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما كان من هجرتهم إلى الحبشة ~~تارة، وإلى المدينة أخرى مع التعب الشديد والسفر البعيد. # فإن قالوا: لسنا كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! # قلت وبالله التوفيق: إن أردتم أنكم لستم كأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في التكليف بالأحكام الشرعية، فقد كذبتم جهارا؛ لأن التكليف ~~بالأحكام الشرعية متحد ماعدا المستثنى، ومن جملتها ترك تقوية الظالمين، ~~والفرار إلى أرض الله الواسعة كما قال تعالى:{قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها}[النساء:97]. # وإن أردتم أنكم لستم كمثلهم في فعل الطاعة فلقد صدقتم، فإنهم أطاعوا الله ~~سبحانه وأنتم عصيتم، وقلتم: إنا نخاف الضياع إذا هاجرنا إلى غير الأماكن ~~التي لا تنجو من تسليم الأموال فيها، وقد جربنا تقاصر الرزق والحاجة في هذه ~~الأماكن القريبة فضلا عن غيرها! # قلت وبالله التوفيق: وقد وعد الله سبحانه بالرزق للمهاجرين في سبيل الله، ~~قال تعالى: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا ~~وسعة}[النساء:100]. PageV01P365 ### || AUTO [قول الهادي(ع) في الهجرة] # قال الهادي عليه السلامفي تفسير هذه الآية: (فمن هاجر من ديار الظالمين ~~ولحق بدار الحق والمحقين رزقه الله من الرزق الواسع ما يرغم به أنف من ~~ألجأه إلى الخروج من وطنه) . # وقال تعالى: {الذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا ~~حسنة ولاجر الآخرة ms35 أكبر لو كانوا يعلمون، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} ~~[النحل:41،42] فقال تعالى: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة}، وذلك الرزق الواسع ~~الحسن، فقد وعد الله بذلك، وهو سبحانه لا يخلف وعده، وقد وعد إبليس بخلافه، ~~قال تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه ~~وفضلا}[البقرة:268] فمن كان وعده عندكم أصدق فتوكلوا عليه فهو حسبكم. # وأما قولكم: قد جربتم تقاصر الرزق والحاجة في الأماكن القريبة فضلا عن غيرها! PageV01P366 # فالجواب والله الموفق للصواب: أن ذلك لما علم الله سبحانه وتعالى أن {من ~~الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب ~~على وجهه خسر الدنيا والآخرة}[الحج:11] كما أخبر الله في كتابه العزيز، جعل ~~ذلك بلية ليمحص الله الذين آمنوا حتى يحصل منهم ما يستوجبون به الثواب ~~الجزيل والسلامة من العذاب الأليم من الصبر على بلاء الله والرضا بما قسم ~~الله، ويمحق الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، حتى يحصل منهم ما ~~يستوجبون به النكال والخلود في النار من عدم الصبر على بلاء الله وترك ~~الرضا بماقسم الله، والانقلاب على الأعقاب. # فإن قيل: إنك قد ذكرت أن الله سبحانه يوسع على المهاجرين في سبيل الله، ~~واحتججت بالآيتين المتقدم ذكرهما، وذكرت هنا أنه قد يقع القصور في المعيشة ~~ابتلاء من الله تعالى. # قلت وبالله التوفيق: إن المعنى في ذلك أن الله تعالى متى علم وقوع الصبر ~~على بلائه والرضا بقسمته وسع على عبيده المخلصين ليجمع لهم بين النعمتين ~~الثواب على الصبر والرضا، والتوسعة في الأرزاق في الدنيا، فيكون جمعا بين ~~خيري الدنيا والآخرة. PageV01P367 # والذي يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ~~ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولاجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون، ~~الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 41،42] [فقال تعالى: {الذين ~~صبروا}]وليس الصبر إلا على ما يتحمل من المشاق، وذلك منها، فتأمل. # وقوله تعالى: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في ~~سبيل الله وما ضعفوا ms36 وما استكانوا والله يحب الصابرين}[آل عمران:146] إلى ~~قوله تعالى: {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب ~~المحسنين}[آل عمران:148] فقال تعالى: {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب ~~الآخرة} والفاء للتعقيب، والمعنى: أن الله سبحانه آتاهم ذلك بعد الصبر، ~~وأيضا أن من المعلوم لمن بحث في السير أن المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لم يقع لهم الرخاء إلا بعد الشدة والبلاء، شهد بذلك ~~قوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم... الآية}[البقرة:214]. PageV01P368 # وقال علي عليه السلامفي بعض خطبه: (فمن أخذ بالتقوى عزبت عنه الشدائد بعد ~~دنوها، واحلولت له الأمور بعد مرارتها، وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها، ~~وأسهلت له الصعاب بعد انصبابها، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها، وتحدبت ~~عليه الرحمة بعد نفورها، وتفجرت عليه النعم بعد نضوبها، ووبلت عليه البركة ~~بعد إرذاذها) . # وقالوا: إن أكثر الناس على ذلك، ومن البعيد أن يكونوا على الخطأ، ومن لا ~~يكاد يوجد إلا على سبيل الندرة على الصواب! # قلت وبالله التوفيق: قد تبين بحمد الله الحجة على ذلك من الكتاب والسنة، ~~وإجماع العترة " والعقل أيضا قاض على أن الإعانة على القبيح قبيحة، والكثرة ~~لا تأثير لها في إبطال حجج الله سبحانه لا سيما وقد قال تعالى:{وما وجدنا ~~لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} [الأعراف:102] وقال تعالى: {وما ~~أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}[يوسف:103] وقال تعالى: {وإن تطع أكثر من في ~~الأرض يضلوك عن سبيل الله}[الأنعام:116]. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا))، ولعل ~~هذا الخبر لا خلاف في صحته، وهو في (الأمالي) لأبي طالب بإسناده إلى جابر ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيه زيادة، وهي قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((فطوبى للغرباء)) قيل: ومن هم يارسول الله؟ قيل: ((الذين يصلحون عند ~~فساد الناس)). PageV01P369 # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((بعثت بين جاهليتين أخراهم أعظم من ~~أولاهم))، رواه الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلامفي (المسائل)، والأمير ~~الحسين عليه ms37 السلامفي (الشفاء) في كتاب الزكاة. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((تكردس الفتن في جراثيم العرب حتى لايقال ~~الله، ثم يبعث الله قوما يجتمعون كما يجتمع قزع الخريف، فهنالك يحيي الله ~~الحق ويميت الباطل))، رواه الهادي عليه السلامفي (الأحكام). # وقال علي عليه السلام: (يوشك الناس أن ينقصوا حتى لا يكون شيء أحب إلى ~~امرء مسلم من أخ مؤمن أو من درهم حلال وأنى له به)، رواه زيد بن علي عليه ~~السلامفي (مجموعه). # وقال عليه السلام في (نهج البلاغة): (أيها الناس سيأتي عليكم زمان يكفأ ~~فيه الإسلام كما يكفأ الإناء بما فيه). # وقالوا: إذا كانت الهجرة لأجل ذلك واجبة، فأين يسع الناس مع إطباقهم عليه ~~وكثرتهم؟. PageV01P370 ### || AUTO [متى تكون الهجرة واجبة] # قلت وبالله التوفيق: إن الهجرة لا تجب إلا عند إصرار الأكثر وتماديهم على ~~ذلك لا إذا اعترفوا بكون ذلك باطلا، ورجعوا إلى الله وتابوا، إذ لو حصل ~~منهم لذبوا عن دينهم، وكانت الهجرة حينئذ إليهم؛ لأن من المعلوم أنه لولا ~~تقوية الأكثر للظالمين بما يسلمون إليهم من الأموال لما استقامت لهم دولة، ~~وذلك بحمد الله واضح، وكذلك أنا نعلم لولا تخاذلهم لما استولى ظالم على قطر ~~من أقطار المسلمين، لكنهم تخاذلوا ولم يعملوا بقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي}. # ولله در أمير المؤمنين عليه السلامحيث قال في بعض خطبه: (أيها الناس، إنه ~~لابد من رحى ضلالة تطحن ألا وإن لطحنها دويا، ألا وإن على الله فلها، ألا ~~وإنه لا يزال البلاء بكم من بعدي حتى يكون المحب لي والمتبع لأثري أذل بين ~~أهل زمانه من فرج الأمة ولم ذلك؟ ذلك بما كسبت أيديكم، ورضاكم بالدنية في ~~الدين، ولو أن أحدكم إذا ظهر الجور من أئمة الجور باع نفسه من ربه، وأخذ ~~حظه من الجهاد لقام دين الله على قطبه...، الدنيا الفانية، ولرضيتم من ربكم ~~فنصركم). PageV01P371 # قلت والله المستعان: إن الذين يقتدى بهم من أهل زماننا يقولون بنقيض ما قال ~~أمير المؤمنين عليه السلام، يقولون ما معناه: ادفعوا أيها الناس إلى ~~الظالمين ms38 ما يتقوون به على الجور، وأنتم من مكر الله آمنون، وبأهل رضاه ~~لاحقون، ولا تلتفتون إلى ما يقول هؤلاء الذين قد اقتحمتهم العيون، وحقرتهم ~~القلوب، وما عسى أن يكونوا قد بلغوا في العلم! ونحن أكثر منهم قدرا، وأقدم ~~منهم عمرا، قد حفظنا الأقاويل، وأتقنا التأويل، وأحسنا التعليل، فإنه لا ~~يجب عليكم ترك تسليم الأموال إليهم فضلا عن النكير عليهم إلا عند الأمان ~~على الطارف والتلاد، وما افترقتموه في البلاد لتعودوا به على الأهل ~~والأولاد، وتستعينوا به على مسألة الحاضر والباد. PageV01P372 # قلت وبالله التوفيق: كأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى [حيث قال:] {إنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم}[التغابن:15] وحيث قال تعالى: ~~{المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ~~وخير أملا}[الكهف:46] وحيث قال: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا ~~النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}[هود:15،16] وحيث قال ~~تعالى: {فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي ~~المأوى}[النازعات:37-39] وحيث قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم...} إلى قوله: {القوم الفاسقين}[التوبة:24] وحيث قال تعالى: ~~{أيحسبون أنما نمد هم به من مال وبنين، نسارع لهم في الخيرات بل لا ~~يشعرون}[المؤمنون:55،56]. PageV01P373 # وحيث قال: {بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى}[الأعلى:16،17] مع ~~إقرارهم بأنهم ليسوا بمجتهدين، ولا بطريق الاستدلال عارفين، ولا من نصوص ~~أئمتهم لذلك آخذين، وقد قال تعالى: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين، إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون}[البقرة:168،169]. # وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن...} إلى قوله ~~تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}[الأعراف:33]. # وقال تعالى: {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين}[الأنعام:119]. # وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أعان على خصومة بغير علم ~~كان في سخط الله حتى ينزع))، رواه أبو طالب عليه السلام في (الأمالي). # وقال ms39 علي عليه السلام: (لايفتي الناس إلا من قرأ القرآن، وعلم الناسخ ~~والمنسوخ، وفقه السنة، وعلم الفرائض والمواريث) رواه زيد بن علي عليه ~~السلام في (مجموعه). PageV01P374 # وقال عليه السلام في (نهج البلاغة): (وإن العامل بغير علم كالسائر على غير ~~الطريق، فلا يزيده بعده عن الطريق إلا بعدا من حاجته، والعامل بالعلم ~~كالسائر على الطريق الواضح)، مع ما في ذلك من خطر الاستمرار، كما في قوله ~~تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم ألا ساء ما يزرون}[النحل:25]. # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحيا سنة من سنتي قد أميتت من بعدي ~~فله أجر من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من أجور الناس شيئا، ومن ابتدع ~~بدعة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه إثم من عمل بها لا ينقص ذلك من إثم ~~الناس شيئا))، رواه الهادي عليه السلامفي (الأحكام). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ~~ما كان يظن أنها تبلغ ما بلغت، فيكتب له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن ~~الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أنها تبلغ ما بلغت فيكتب له ~~بها سخطه إلى يوم يلقاه))، رواه الهادي عليه السلامفي (الأحكام) أيضا. PageV01P375 # أيها الناس: اعرفوا الحق تعرفوا من لزمه فاهتدى بهديه، واستضاء بنوره، ~~واعرفوا الباطل تعرفوا من لزمه فضل بضلاله وارتطم في ظلماته، فقد قال ~~تعالى: {فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم ~~الله وأولئك هم أولوا الألباب}[الزمر:17،18] وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس ~~لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا}[الإسراء:36]. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن هذا العلم دين فانظروا عن من تأخذون ~~دينكم))، رواه أبو طالب " في (الأمالي). # وقال أمير المؤمنين عليه السلام في (نهج البلاغة): (فإنما البصير من سمع ~~فتفكر، ونظر فأبصر، وانتفع بالعبر، ثم سلك جددا واضحا، يتجنب فيه الصرعة في ~~المهاوي والضلال في المغاوي، ولا يعين على نفسه الغواة بتعسف ms40 في حق، أو ~~تحريف في نطق، أو تخوف من صدق)، ولاتنظروا إلى أحوال الرجال، فقد قال الله ~~تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين}[القصص:83]. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((كم من عاقل عقل عن الله أمره وهو حقير ~~عند الناس، ذميم المنظر، ينجو غدا، وكم من ظريف اللسان جميل المنظر عند ~~الناس، يهلك غدا في القيامة))، رواه أبو طالب عليه السلامفي (الأمالي) . PageV01P376 # وقال علي عليه السلامفي خطبته المشهورة المعروفة ب(القاصعة): (فإن الله ~~سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم) . # وإياكم ومتابعة من اشتدت رغبته في الدنيا، فقد قال الهادي عليه السلامفي ~~(كتاب الخشية) ما لفظه: (ومن اشتدت رغبته في الدنيا طلب لنفسه التأويلات ~~[الكاذبات، ومن طلب لنفسه التأويلات الكاذبات]، تقحم بلا شك في المهلكات، ~~وكان عند الله من أهل الخطيئات). # قلت وبالله التوفيق: ومن الدليل على صحة ما قاله الهادي عليه السلام، ~~قوله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ~~وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما ~~صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}[هود:15،16]. # وما رواه أبو طالب عليه السلام في (الأمالي) بإسناده إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في حديث طويل: ((ألا وإنه من رغب في الدنيا وطال فيها أمله ~~أعمى الله قلبه على قدر رغبته فيها)). # قلت وبالله التوفيق: ومعنى ذلك أن الله تعالى يخذله ويسلبه الألطاف، ~~ويكله إلى نفسه، فيكون سيقة للشيطان يعمل بالشبهات، ويطلب بصرائح الأدلة من ~~التأويلات حتى يردها إلى ما يطابق هواه، ويصلح له دنياه. PageV01P377 # وما قاله أمير المؤمنين عليه السلامفي كلام طويل، كلم به كميل بن زياد، وهو ~~قوله: (أو منهوما باللذة، سلس القياد للشهوة، أو مغرما بالجمع والادخار، ~~ليسا من رعاة الدين في شيء، أقرب شيء شبها بهما بالأنعام السائمة) ، ولا ~~يقولوا بعد تبيين الحق ووضوحه نعمل بخلاف هذا، ونجعل بيننا وبين النار ~~عالما، فإني أخاف أن يكون ذلك ms41 شركا؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل ~~عن قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}[التوبة:31]. # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم ~~كانوا يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله ~~لهم فيحرمونه)) رواه أبو طالب عليه السلام في (الأمالي) . # قلت وبالله التوفيق: وهذا [الحديث صحيح] لموافقته لقوله تعالى: {وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم ~~لمشركون}[الأنعام:121]. # ووجه كونهم مشركين أنهم قد تقلدوا حكما والتزموه، وعبدوا له أنفسهم؛ ~~امتثالا لمن شرعه لهم وابتدعه، وهو غير الله سبحانه، فقد جعلوا لله شريكا ~~في تشريع الشرائع!! وذلك بحمد الله واضح. # وقوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}[الأنعام:121] نص صريح على ذلك. PageV01P378 # ولا يقل أحدكم: إن الذي أعطيته كمجة في لجة، فلا يكون مؤثرا في إعانتهم؛ ~~لأنا نقول وبالله التوفيق: إن الإجماع المعلوم بين الأمة أن المشاركة في ~~ارتكاب المعصية محرم بل ذلك معلوم من الدين ضرورة، وفاعل ذلك مشارك ضرورة، ~~وأيضا لو كان ذلك عذرا للواحد لكان عذرا للجميع؛ لأن لكل واحد أن يقول ذلك ~~وإلا كان تحكما، وجميع ما تقدم يشهد ببطلانه، ولا تقولوا: إن الأمر مشتبه ~~علينا؛ لأنا لا نعلم صحة هذا القول، ولا صحة ما يخالفه فنداري على دنيانا، ~~ولعل الله لا يؤاخذنا بما لا نعلم؛ لأنا نقول وبالله التوفيق: إن الأدلة ~~القطعية تقضي بتحريم العمل بالمشتبه، قال الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك ~~به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا}[الإسراء:36]. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((بئس القوم قوم يستحلون الشهوات ~~بالشبهات))، رواه أبو طالب عليه السلامفي (الأمالي) في حديث طويل. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، رواه ~~الأمير الحسين عليه السلام في (الشفاء) . # ونحو ذلك من الأحاديث كثير حتى تواتر معنى، وأفاد العلم قطعا. # وقال علي عليه السلام في بعض خطبه: (ولا ترخصوا لأنفسكم فتذهب بكم الرخص ~~مذاهب الظلمة). # وقال عليه ms42 السلام: (إن العامل بغير علم كالسائر على غير طريق فلا يزده ~~بعده عن الطريق إلا بعدا عن حاجته) وقد تقدم ذلك. # وقال المنصور بالله عليه السلام: (تتبع الرخص زندقة). PageV01P379 # وفي (الغيث) ما معناه: (أنه يحرم تتبع الرخص اتباعا للهوى إجماعا)، وكذلك ~~في (الفصول)، وهذا من تتبع الرخص اتباعا للهوى؛ لأنه عمل بالأخف اتباعا لما ~~تهواه النفوس من الاستصلاح لدنياهم، يريدون بذلك الراحة، وما أبعدها!! # أما في الآخرة فإنه ليس لمن عصى الله ومات مصرا على ذلك عند الله إلا ~~العذاب الأليم، وأما في الدنيا فقد قال تعالى: {وكذلك نولي بعض الظالمين ~~بعضا بما كانوا يكسبون}[الأنعام:129]. # ومعنى الآية: أن الله يسلط الجبابرة على من عصاه حتى لا تتم لهم راحة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أنه قال ما لفظه أو معناه: ~~((من حاول أمرا بمعصية الله تعالى كان أفوت لما رجا وأقرب لمجيء ما اتقى)). # وقال علي كرم الله وجهه في الجنة في (نهج البلاغة): (لا يترك الناس ~~[شيئا] من دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه، أيها ~~الناس لا تستوحشوا في طريق الحق لقلة أهله، ولا يجرمنكم استحقار أهل الزمان ~~للعاملين به أن لا تعملوا به، ولا تستهوينكم الدنيا فتؤثروها على الآخرة، ~~وقد قال تعالى: {فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي ~~المأوى}[النازعات:37-39]، اذكروا انقطاع اللذات وبقاء التبعات، وانظروا في ~~أثر الماضين واستنطقوها عن أخبارهم تخبركم والله بلسان الحال، إنهم أفردوا ~~عن دنياهم إلى القبور وتركوا ورائهم الذخائر والقصور، فلم يدفع عنهم شيئا ~~مما نزل بهم من معضلات الأمور، وعلموا بعد ذلك أنه لاينفع مال ولا بنون إلا ~~من أتى الله بقلب سليم. PageV01P380 # قال أمير المؤمنين كرم الله وجهه في الجنة في بعض خطبه: (ألا وإن هذه ~~الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون إليها وأصبحت تغضبكم وترضيكم ليست ~~بداركم، ولا منزلكم الذي خلقتم له، ولا الذي دعيتم إليه، ألا وإنها ليست ~~بباقية لكم، ولا تبقون عليها، وهي وإن غرتكم فقد حذرتكم ms43 شرها، فدعوا غرورها ~~لتحذيرها، وأطماعها لتخويفها، وسابقوا فيها إلى الدار التي دعيتم إليها، ~~وانصرفوا بقلوبكم عنها، ولا يخنن أحدكم خنين الأمة على ما زوي عنه منها، ~~واستتموا نعمة الله عليكم بالصبر على طاعة الله والمحافظة على ما استحفظكم ~~من كتابه، ألا وإنه لايضركم تضييع شيء من دنياكم بعد حفظكم قائمة دينكم، ~~ألا وإنه لا ينفعكم بعد تضييع دينكم شيء حافظتم عليه من أمر دنياكم). # وقال علي عليه السلامفي خطبة أخرى: (وأيم الله ما كان قوم قط في غض نعمة ~~من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها؛ لأن الله ليس بظلام للعبيد). # قلت وبالله التوفيق: ومما يشهد بصحة ذلك قوله تعالى: {أن الله لم يك ~~مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع ~~عليم}[الأنفال:53] أفلا تخافون زوال دنياكم لذنوب قومتم بها عمود الجور ~~والفساد، وأقمتم بها رايات الضلالة وجعلتموها أساسا لحزب الشيطان! فتصبحوا ~~لا دنيا ولا آخرة! PageV01P381 # اللهم إن هذا جهدي في النصيحة، اللهم فمن عرف الحق فاتبعه، ونهى نفسه عن ~~هواها، وكدها في مرضاتك، وصبر على بلائك، فاشرح صدره، واهد قلبه ووسع عليه، ~~وارزقه رزقا حسنا، وأحيه حياة طيبة، وارحمه إذا توفيته، وأسكنه جنتك، وقه ~~عذابك، وارزقه شفاعة صفيك[ونجيك] ونبيك ورسولك محمد بن عبد الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. # اللهم ومن عرف الحق فخالفه، واتبع هوى النفس إيثارا للدنيا الفانية على ~~نعيم الآخرة الباقية، فاطمس على ماله، واشدد على قلبه، فلا يؤمن حتى يرى ~~العذاب الأليم. # اللهم ومن أعان على هدم دينك وظلم أهل بيت نبيك، وسفك الدماء، وتهييج ~~الدهماء، وانتهاب الأرامل والمساكين والمستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ~~ولا يهتدون سبيلا من غير ضرورة ملجية إلا اتباع الهوى، وحبا للدنيا، ~~فأبسلهم بما كسبوا، وسلط عليهم من لا يرحمهم، وأذقهم لباس الجوع والخوف، ~~وابتلهم بالشدائد والزلازل، وامحق دنياهم، وعجل آجالهم بالموت الأحمر ~~والجوع الأغبر، ولا تؤمنهم يوم الفزع الأكبر. # اللهم، واجعل هذه النصيحة خالصة لوجهك الكريم، واكتبها لي حسنة لديك، وحط ~~يا إلهي وزري، وبارك لي ms44 في أمري، ووفقني لما يرضيك واعصمني عن معاصيك، ~~واختم لي ولوالدي وللمؤمنين بخير يا أرحم الراحمين، والحمد الله رب ~~العالمين. # وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. PageV01P382 ms45