######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : التحذير من المعاونة على الفتنه - الإمام القاسم بن محمد ¶ المؤلف : ¶ المحقق : ¶ الناشر : ¶ الطبعة : ¶ عدد الأجزاء : ¶ مصدر الكتاب : #META# cat: كتب من مؤسسة الإمام زيد #META# bkid: 330 #META# الكتاب: التحذير من المعاونة على الفتنه - الإمام القاسم بن محمد #META# bkord: 317 #META# idx: 1 #META# iso: التحذير من المعاونه علي الفتنه الامام القاسم بن محمد #META# comp: 1 #META# bk: التحذير من المعاونة على الفتنه - الإمام القاسم بن محمد #META# max: 119 #META# digitization_comments: مصدر الكتاب : #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # [وبه نستعين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله](1) # الحمد الله الذي جعل الكتاب هدى للمتقين، وشفاء لصدور المؤمنين، ودامغا ~~لباطل المبطلين، فمن تمسك بحبله عصم، ومن خالفه قصم، ومن قال به صدق، ومن ~~حرفه مرق، ومن التمس الهدى فيه وفي موافقته من السنة اهتدى، ومن طلبه في ~~غيرهما ضل وغوى(2). # والصلاة والسلام على محمد الأمين وعلى آله الأكرمين وعلى أصحابهم ~~المتقين، وأشياعهم الصالحين إلى يوم الدين. # أما بعد: # فإنه لما وقع النكير على من حذر من المعاونة على الفتنة، بقول كالحث على ~~إحياء أرض الظالمين أو مال، كتسليم ما يعسكرون به العساكر، ويحصنون به ~~الحصون، ويضطهدون بسنة الآمرين بالمعروف، ويضمون لأجله لا الناهين عن ~~المنكر، ويخيفون من أوجب الله أمانه، ويؤمنون به من أوجب الله تخويفه، ~~ويتقوون به على سفك الدماء، وينكحون به الذكور، ويشربون به الخمور، ويلبسون ~~به الحرير، إلى غير ذلك مما لا أحصى[به](3) من المحضور، وإثارة الشرور. PageV01P001 # وعلمت أن الله سبحانه لا يعذر عن تبيين الحق، قال تعالى: {إن الذين يكتمون ~~ما أنزلنا من البينات من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ~~ويلعنهم اللاعنون}، وغيرها مما يؤدي هذا المعنى من الآيات. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كتم علما مما ينفع الله به في أمر(1) ~~الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار))، وغيره مما يؤدي هذا المعنى ~~من الأخبار. # جمعت(2) في هذا الكتاب # من الأدلة وأقوال الأئمة -عليهم السلام- ما يشتد به إن شاء الله ظهور ~~المؤمنين، ويرغم به أنوف المبطلين، ولا عدوان إلا على الظالمين {إن أريد ~~إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب}. # أما الأدلة، فقال تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن المعين للظالمين كالمعين لفرعون على ~~موسى))، رواه الهادي -عليه السلام- في (الأحكام). PageV01P002 # وعن أبي جعفر محمد الباقر بن علي -عليه السلام- أنه كان يروي ويقول: إذا ~~كان يوم القيامة جعل سرادق من نار، وجعل فيه ms01 أعوان الظلمة، وجعل لهم ~~أظافير(1) من حديد يحكون بها حتى تبدو أفئدتهم فتحترق، فيقولون: ربنا، ألم ~~نكن نعبدك؟ فيقول: ((بلى، ولكنكم كنتم أعوانا للظالمين))، رواه الهادي ~~-عليه السلام- في (الأحكام) أيضا، وهو في (الشفاء). # وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث طويل: ((أمراء يكونون من بعدي ~~لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، ~~فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون علي حوضي))، الخبر، رواه أبو طالب ~~-عليه السلام- في (الأمالي). # وروى حديثا نحوه(2) من طريق أخرى. PageV01P003 # وبالجملة من طالع كتب الحديث وجد ذلك متواترا معنى، بل ذلك معلوم من الدين ~~ضرورة، وإنما أوردت ذلك لما في ذكره من الموعظة والتخويف، وقد قيل: إن ~~تسليم الأموال إليهم وما ضاها ذلك لا يكون معاونة لهم إلا مع قصد كونه ~~معاونة، وشبهتهم في ذلك أن قالوا: إنما هو مجرد تمكين، ومجرد التمكين لا ~~يقبح، كتمكين الله تعالى للعصاة من الأموال وغيرها، ثم لايسمى مجرد التمكين ~~من غير قصد معاونة، وإلا لزم أن يسمى الله تعالى معينا على الظلم، والله ~~تعالى منزه عن ذلك، فما كان من المكلف من التسليم إليهم من غير قصد لا ~~تناوله تلك الأدلة، وذلك باطل؛ لأن تمكين الله تعالى للعصاة إنما كان ليصح ~~التكليف، وتثبت الطاعة للمطيع والمعصية للعاصي، إذ لو لم يمكنهم لم يكن ~~المطيع مطيعا، ولا العاصي عاصيا، ولا استحق ثواب ولا عقاب، ألا ترى أنه ~~تعالى مكنهم من المعاصي؟ ولم يكن ذلك قبيحا منه تعالى لما كان لا يصح ~~التكليف إلا به، ولم يجز للمكلف أن يمكن العاصي من المعصية لما كان مكلفا ~~بالذب عن دين الله سبحانه وتعالى. # ياسبحان الله فلم لم يجعلوا ذلك كتمكين المكلف للعاصي من المعاصي؟ كأن ~~يمكنه من(1) الخمر فيشربه، أو من الزنى فيفعله، أو من نفس محرمة فيقتلها، ~~وينظروا هل يحل ذلك؟ لأن القياس بهذا أولى؛ لأنه من قياس بعض أحكام التكليف ~~على بعض. PageV01P004 # هذا إن زعموا أن تسليم الأموال إليهم ليس من نفس التمكين ms02 من المعصية، وإلا ~~فهو من صميمه لا ينكره إلا ألد مكابر؛ لأن إنفاق المال في المعاصي معصية ~~إجماعا، وهؤلاء قد مكنوهم من ذلك. # وأما قولهم: لا يسمى مجرد التمكين من غير قصد معاونة فباطل أيضا؛ لأنه ~~خلاف المعلوم من لغة العرب، ألا ترى أنهم لايشترطون في تسمية الأفعال أن ~~تكون مقصودة؟ وإنما يقولون تحرك النائم، وجراء المآء وهبت الريح وهي لا قصد ~~لها! والكتاب والسنة إنما جريا على لغة العرب. # قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}، مع أن الكتاب ~~والسنة واللغة تشهد لنا بالحق في نفس المتنازع فيه. # قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ~~ربه ظهيرا} أي: معينا. # ولا خلاف في ذلك بين المفسرين، والكافر لا قصد له في المعاونة على الله ~~تعالى بدليل قوله تعالى حاكيا عن الكفار: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من دعا لظالم بالبقاء ~~فقد أعان على هدم الإسلام))، ومن البعيد الملتحق بالمستحيل أن يكون من يدعو ~~إلى الله تعالى له قصد في أن يعين بدعائه على هدم الإسلام. PageV01P005 # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن أكل الطين، وقال: ((إنه ليعظم ~~البطن ويعين على القتل))، رواه الهادي -عليه السلام- في (الأحكام). # وعن عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((ياحميراء، ~~إياك وأكل الطين فإنه يعظم البطن ويعين على القتل)) رواه الأمير الحسين في ~~(الشفاء). # والطين لا قصد له ضرورة، وإنما تأثيره كجري الماء، وهبوب الريح، وإحراق النار. # وعن زيد بن علي -عليه السلام-، عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه في الجنة ~~أنه قال: (وإن أنت رميت طيرا بسهم فوقع على(1) الأرض فلا تأكل، فإني أخاف ~~أن تكون(2) الأرض أعانت على قتله)، رواه الإمام محمد بن المطهر -عليه ~~السلام- في (المنهاج الجلي): وقيل لعلي -عليه السلام-: بأي شيء غلبت ~~الأقران؟ # فقال: (ما لقيت أحدا إلا أعانني على نفسه)، رواه ms03 في (نهج البلاغة). # ومن البعيد الملتحق بالمستحيل أنهم يقصدون المعاونة على قتلهم. # وقال الهادي -عليه السلام- في (الأحكام): (فإن أرسل مرسل كلبا معلما على ~~صيد فعارضه كلب غير معلم، فأعانه عليه حتى قتله يحبس عليه، أو أخذ معه، فلا ~~يجوز أكله، وقد أفسد ذكاته معاونة(3) الكلب الذي ليس بمكلب، فسمى -عليه ~~السلام- فعل الكلب الغير المكلب معاونة، مع أنه إنما فعل ذلك ليأكل فقط، ~~والهادي -عليه السلام- ممن يحتج بعربيته. PageV01P006 # قال الأمير الحسين -عليه السلام- في باب صفة من توضع فيهم الزكاة من ~~(الشفاء) في سياق ذكر المسكين، ونص عليه القاسم، والهادي -عليهما السلام- ~~وهما حجازيا اللغة، أراد بذلك أنهما ممن يحتج بلغته. # وقال بعض بني جهينة في وقعة كانت لكلب وفزارة شعرا: # فإنا وكلبا كاليدين متى # شمالك في الهيجاء تعنها يمينها # أي: يقع من اليمين ما يعضد الشمال ويعينها، وهي لا قصد لها ضرورة، فعلمنا ~~بذلك علما أن الأدلة متناولة لإعطائهم الأموال وللإشارة بإحياء أرضهم ~~والمشورة، وكان علم المعطين والمشيرين بثمرة إعطائهم وإشارتهم مغنيا عن قصد ~~المعاونة في التحريم، واستحقاق النكال من الله تعالى؛ لأن المعلوم من حال ~~كل عاقل أن يعلم أنه لولا تسليم الأموال(1) إليهم لما انتصبت لهم راية، ولا ~~تبعهم أحد من جنودهم، ولا تمكنوا من شمول الفتنة التي شملوا بها أهل ~~وطأتهم، وجحود ذلك وإنكاره سفسطة، وكان أيضا العلم في ذلك مغنيا عند القصد، ~~كما أن العلم مغنيا عن القصد عن الإقدام على سائر المعاصي، وإلا لزم الإثم ~~على جنودهم في الغزو بين أيديهم وسفكهم للدماء، إذا كان قصدهم بذلك مجرد ~~منفعة أنفسهم. # وكذلك يلزم الإثم على من بقر(2) بطن محترم الدم من مسلم أو معاهد، لا ~~ستخراج درهم مثلا في بطنه قاصدا بذلك مجرد انتفاعه بالدرهم، ولو كان يعلم ~~بذلك هلاك النفس المحرمة، إذ جعل بعض المعاصي مفتقرا إلى القصد دون بعض تحكم. PageV01P007 # والقول بذلك خلاف ما علم من الدين ضرورة. # ومما يعضد هذا أن عواقب الأمور التي يؤول إليها مراعاة في ثبوت التحليل ~~والتحريم من دون اعتبار القصد ms04 عقلا وشرعا. # أما عقلا: فإن العقل يقضي ضرورة بقبح الفعل الذي يكون سببا لقبيح. # وأما شرعا: فإن الله سبحانه وتعالى حرم شرب الخمر، وفعل الميسر، لما كان ~~عاقبتهما التي يؤولان إليها إيقاع الشيطان العداوة والبغضاء بين المؤمنين، ~~والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، قال تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فهل أنتم منتهون}، ولم يشترط في ذلك قصدا. PageV01P008 # وعن أبي طالب -عليه السلام- في (الأمالي) وأنا أرويه بالإسناد الصحيح ~~المتصل إليه أنه(1) قال: أخبرني أبي رحمه الله تعالى، قال أخبرنا حمزة بن ~~القاسم العلوي العباسي، قال حدثنا أحمد بن محمد بن خالد، قال حدثنا علي بن ~~الحسين، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، [عن ~~ابيه](2) عن آبائه، عن علي -عليه السلام- أن رجلا أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: يارسول الله أوصني، فقال له: ((هل أنت مستوص إن ~~أوصيتك؟)) حتى قال له ذلك ثلاثا، في كلها يقول الرجل: نعم يارسول الله، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فإني موصيك، إذا هممت بأمر ~~فتدبر عاقبته، فإن يك رشدا فامضه، وإن يك غيا فانته عنه)). # وعن الإمام المتوكل على الله -عليه السلام- أحمد بن سليمان في كتاب ~~(حقائق المعرفة) يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي ~~-عليه السلام-: ((عليك باليأس مما في أيدي الناس فإنه الغنى الحاضر))، ~~فقلت: زدني ياسول الله صلى الله عليك، فقال: ((إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته، ~~فإن يك خيرا فاتبعه، وإن يك غيا فدعه)) ورواه أبو طالب في (الأمالي) أيضا ونحوه. # فلو كان التحليل والتحريم في ذلك يفتقر إلى القصد لما أمر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بتدبر العاقبة، إذ لو لم يتدبرها(3) لم يعرفها، فضلا عن أن ~~يقصدها. PageV01P009 # ومن العجب أنهم يفتون بتحريم التراخي عن إزالة الجدار إذا كان مائلا يخاف ~~وقوعه على ما رة الطريق، ولا يشترطون في ذلك قصدا، ms05 وإنما يجعلون ذلك حراما ~~بمجرد العلم، ويقولون في مسألتنا هذه بخلاف ذلك من غير فرق يجدونه، وهم ~~يعلمون أن عاقبته تسليم المال إلى الجبارين تكثير سوادهم، وانتشار فسادهم، ~~وسفك دماء المسلمين، وظلم الأرامل والأيتام والمساكين. # وأما قولهم: يلزم أن يسمى الله تعالى معينا على العاصي لإعطائه لهم ما ~~استعانوا به على ظلمهم، فمعارض بأنه يلزمهم أن يسمون الله تعالى مقويا على ~~المعصية؛ لأنه خالق القوى للعاصين وغيرهم، ولا محيد لهم عنه، حيث جعلوا شبه ~~ذلك لازما. # وأما نحن فنقول: إن الله سبحانه لا يجوز أن يجري له من الأسماء إلا ما ~~تضمن مدحا، وإن كان جائزا في اللغة لدليل مذكور في علم الكلام لا ينكره ~~الموحدون، وهو إجماع. # ومما يخص تحريم تسليم الأموال إليهم قوله تعالى: {ولا تبذر تبذيراإن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا}. # ووجه الاستدلال بهذه الآية أن التبذير لا يعدو أحد وجهين: PageV01P010 # إما أن يكون المراد به تضييع المال أو إنفاقه في المعاصي، إن كان الأول ~~وهو: تضييعه، فدلالة الآية على تحريم تسليمه إلى من ينفقه في المعاصي بطريق ~~الأولى؛ لأن تسليمه إلى من كان ينفقه في المعاصي أقبح ضرورة، وإن كان ~~الثاني وهي إنفاقه في المعاصي، فدلالتها على تحريم تسليمه إلى من ينفقه في ~~المعاصي بصريح لفظها، وذلك أنها لم تفصل بين أن يكون إنفاق المال بالنفس أو ~~بالنيابة، وهنا قد جعل الظالم نائبا عنه(1) في إنفاقه في المعاصي لما كان ~~المعطي عالما بذلك، ومختارا له لأجل أن يقر في بيته، ويسكن في وطنه، وإلا ~~فهو متمكن من أن لا يعطيهم شيئا بأحد أمرين: # إما أن يهاجر، أو أن لا يتعلق بشيء مما يحملهم على الأخذ منه. # ومما يخص تحريم تسليم الأموال إليهم قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم...} الآية. # ووجه الاستدلال بها أن تفسيرها لا يخلو من أحد معنيين: PageV01P011 # إما أن يكون المراد بالسفهاء الذين ينفقون المال في المعاصي، أو الذين ~~يضيعونه، فأيهما ثبت، فلا(1) يخلو من أحد وجهين أيضا، وذلك إما أن ms06 تكون ~~الآية عامة في كل السفهاء، أو خاصة بمن يجب إنفاقه، أو يستحب أو يباح، إن ~~كانت عامة وكان المراد بالسفهاء من ينفق المال في المعاصي فواضح؛ لأن الذين ~~يسلمون المال إليهم وينفقونه في المعاصي قد تناولتهم الآية بصريحها؛ لأنهم ~~ينفقونه في المعاصي من سفك الدماء ونهب الأموال، واضطهاد المحقين، وظلم ~~الأيتام والأرامل والمساكين، ويجب أن يكون قوله تعالى: {وارزقوهم فيها ~~واكسوهم} خاص بسد فاقة من لا يحل دمه، وستر عورته ممن يجب إنفاقه، أو يستحب ~~أو يباح من أهل المعاصي دون الذين يبغون في الأرض بغير الحق من سلاطين ~~الجور وأعوانهم، لقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي...}الآية، وثمرة القتال ~~إتلافهم بأي ممكن، وسلبهم وانتهاب(2) ما يجلبون به على المسلمين، ويتقوون ~~به، ومن أطعمهم أو كساهم فقد ناقض في(3) ذلك حكم أحكم الحاكمين، وإن كانت ~~خاصة بمن عدا الباغين من الذين يجب إنفاقهم، أو يستحب أو يباح، وكان المراد ~~بالسفهاء من ينفق المال في المعاصي أيضا، فهي تدل على تحريم تسليم الأموال ~~إلى غيرهم من الظالمين بالفحوى؛ لأنه إذا حرم تسليم المال إلى من ينفقه في ~~المعاصي من خواص الإنسان، أو إلى من يستحب له أن ينفقه أو يباح، فبالأولى أن PageV01P012 يحرم تسليمه إلى من ينفقه في المعاصي من غيرهم؛ لأنه لا أصل لجواز تسليم ~~المال إليه، وهو على تلك الحال البتة، وإن كان المراد بالسفهاء من يضيع ~~المال، فإنه يدل على تحريم تسليم المال إلى من ينفقه في المعاصي بالفحوى، ~~سواء كانت الآية عامة أو خاصة بمن تقدم ذكره[أما حيث كانت الآية عامة ~~فواضح](1). # وأما حيث كانت خاصة بمن يجب إنفاقه أو يستحب أو يباح، فإنه إذا حرم تسليم ~~الأموال إلى من يضيعها منهم، فإن تسليم الأموال إلى من ينفقها في المعاصي ~~أعظم لا يخفى ذلك، وجميع ذلك مبني على أن المراد بالأموال أموال المعطين ~~بكسر الطاء، كما هو ظاهر الآية الكريمة، لا أموال السفهاء كما ذهب إليه بعض ~~المفسرين. # فأما على مذهبه هذا إن صح، فاعلم أنه إذا كان ms07 حرام(2) أن يسلم إلى ~~الإنسان نفس ما يملكه لأجل أن(3) يضيعه أو ينفقه في المعاصي، فتسليم ما لا ~~يملك العاصي من المال إليه لينفقه في المعاصي أعظم، ودلالة الآية على ~~تحريمه أقوى، وذلك بحمد الله واضح. # ومما يخص تحريم تسليم الأموال إليهم من السنة قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((من جبا درهما لإمام جائر كبه الله على منخريه في النار))، رواه ~~الهادي -عليه السلام- في (الأحكام). # ووجه الاستدلال به أن الجباية تفيد معنيين: PageV01P013 # أحدهما: جلب ما ينتفع به، قال تعالى: {أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ~~ثمرات كل شيء} أي: تجلب. # والثاني: أخذ المال على وجه الاستعلاء(1)، ومنه الجباء الذي يأخذ المال ~~عن أمر السلطان، ومن سلم المال إلى سلاطين الجور فقد جلبه لهم إما بنفسه أو ~~بنائبه الذي يوصله إليه حيث سلمه إليه مختارا، إذ(2) كان يمكنه ألا يسلم ~~شيئا بأن يهاجر، أو بأن لا يتعلق بشيء مما يطالب به، فلما ثبت ذلك كان ~~الخبر متناولا له؛ لأنه مشترك بين معنيين، ولا يجوز أن يحمل على أحدهما دون ~~الآخر إلا بدليل، وإلا كان تحكما، والدليل هنا منتف؛ ولأنه إذا انتفى ~~الدليل على إرادة البعض، مما يدل عليه المشترك من المعاني دون البعض وكان ~~الجمع بين معانيه ممكنا وجب حمله على الجمع لغة عند العترة -عليهم السلام- ~~ما خلا الإمام يحيى -عليه السلام-، فإنه قال: إنه يصح من حيث الإرادة، لا ~~اللغة، وهو محجوج بقوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي...} ~~الآية، ولفظ يصلون مشترك بين معنيين: PageV01P014 # الصلاة من الله، وهي: معظم الرحمة، والصلاة من الملائكة، وهي: الاستغفار، ~~وقد قال تعالى: {بلسان عربي مبين} وقال تعالى: {قرآنا عربيا} وقال تعالى: ~~{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه}، فدل على أن ذلك من اللغة، فتأمله، ~~ولأنه قد جاء نحو ذلك في قول الشاعر: # إذا نزل السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا # فلفظ السماء قد استعمله لمعنيين معا: # أحدهما: المطر، بدليل قوله: نزل السماء. # والثاني: النبات، بدليل قوله: رعيناه، وفي ms08 قول الآخر: # وسقى الغضا والساكنيه وإن همو # شبوه بين جوانحي وضلوعي # فإن الغضا استعمله لثلاثة(1) معان: # الأول: الشجر المخصوص بدليل قوله: وسقي الغضا. # والثاني: منبته ومكانه، بدليل قوله: والساكنيه. # والثالث: النار العظيمة المتوقدة في معظم الشجر، بدليل قوله: وإن هم ~~شبوه، ويسمى ذلك في البيتين وما جرى مجراه: الاستخدام. # ومما يخص تحريم تسليم الأموال إليهم من السنة قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((ثلاثة لا يستجاب لهم))، وذكر منهم: ((رجلا دفع إلى سفيه ماله))، ~~رواه الأمير الحسين -عليه السلام- في (الشفاء)، والاحتجاج به على نحو ما مر ~~في ذكر السفهاء. PageV01P015 # ومما يدل على تحريم تسليم الأموال إليهم قوله تعالى: {إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ~~ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا}. # ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن المراد بها الذين أخلوا بالفرائض التي ~~افترضها الله سبحانه وتعالى، أو بعضها لكونهم(1) مستضعفين وهم متمكنون من ~~الهجرة، بدليل الوعيد في آخرها، وهو لا يكون إلا لمن أخل بما افترض الله ~~سبحانه من القيام بالواجب، أو ترك القبيح وهو يتمكن(2) من القيام بهما، كأن يهاجر. # ومن جملة ما افترض الله تعالى(3) تجنب مشاهدة المعاصي حين تفعل إلا ~~لتغييرها، بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يحل لعين ترى الله ~~يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل))، ونحو ذلك، فلما ثبت الوعيد لمن لم يتجنب ~~مشاهدة المعاصي، ولم يغيرها لأجل الاستضعاف ثبت الوعيد لمن يسلم إليهم ~~الأموال المقوية لهم على سفك الدماء وشرب الخمور، ونكح الذكور، ولبس ~~الحرير، وغير ذلك من المنكرات؛ لأجل الاستضعاف ولم يهاجر بطريق الأولى، ~~وكانت دلالة الآية على ذلك أقوى. PageV01P016 # ومما يدل على تحريم تسليم الأموال إليهم أيضا [من السنة](1) قوله : ((إن ~~الله بعثني بالرحمة واللحمة، وجعل رزقي في ظل رمحي، ولم يجعلني حراثا ولا ~~تاجرا، آلا إن من شرار(2) عباد الله الحراثون والتجار إلا من أخذ ~~الحق[وأعطى الحق](3)))، رواه الهادي -عليه السلام-. # وروى نحوه أخوه عبد ms09 الله بن الحسين في كتاب (الناسخ والمنسوخ). # ووجه(4) الاستدلال بذلك: أن المراد به من ترك الفرائض أو بعضها لأجل ~~الحرث أو التجارة إما لا شتغاله بهما(5) أو بأحدهما، أو لأنه لا يتم له شيء ~~منهما إلا بالإخلال بشيء من الفرائض نحو إن أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر ~~أخافه الظلمة حتى لا يتم حرثه أو تجارته، فيؤثر حرثه أو تجارته، فيكدح في ~~ذلك ويخل بفرائض الله سبحانه وتعالى الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، فيكون مؤثرا للحياة الدنيا على الآخرة، ويشهد بصحة ذلك قوله تعالى: ~~{فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى}، فإذا كان ذلك ~~دليلا على أن من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليستقيم حرثه أو ~~تجارته، فهو من شرار عباد الله، وممن طغى وآثر الحياة الدنيا، فإن جهنم ~~مأواه بصريح الآية، وإن كان دلالة جميع ذلك على أن من أعطى قسطا من ماله ~~يتقوي به أعضاد الظالمين على المناكير العظيمة من PageV01P017 شرار عباد الله وممن ظغى وآثر الحياة الدنيا وأن مأواه جهنم بطريق الأولى. # ونحو ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن ~~المنكر أو لتكونن أشقياء زراعين))، رواه عبد الله بن الحسين -عليه السلام- ~~في كتاب (الناسخ والمنسوخ) أيضا، والاحتجاج به على نحو ما مر الآن. # ومن ذلك ما في (الأحكام) فإنه قال: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله ~~عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم، حتى ~~إذا بلغ الكتاب أجله كان الله المنتصر لنفسه، ثم يقول: ما منعكم إذا ~~رأيتموني أعصى ألا تغضبوا لي)). # ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من قوم يكون بين ظهرانيهم من ~~يعمل بالمعاصي فلا يغيروا عليه(1) إلا أصابهم الله بعقاب))، رواه عبد الله ~~بن الحسين -عليه السلام- في كتاب (الناسخ والمنسوخ) أيضا. # وروى نحوه السيد أبو طالب -عليه السلام- في (الأمالي). PageV01P018 # ووجه الإستدلال بهذين الخبرين أنهما ms10 نصان في الوعيد على من كان بين أهل ~~المعاصي، ولم يغيروا عليهم، ودلالتهما على تحريم تسليم الأموال(1) التي هي ~~سبب لفعل المعاصي بطريق الأولى، وفيهما فائدة أخرى وهو: أنه يجب أن يغير ~~على أهل المعاصي من كان بين ظهرانيهم، ولو كانوا ضعفاء، وإلا وجب أن ~~يفارقوهم حتى(2) لا يكونوا بين ظهرانيهم، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم: ((لا يمنعن احدكم مخافة أن يتكلم بالحق إذا رآه)) رواه أبو ~~طالب -عليه السلام- في (الأمالي) أيضا. # وأما أقوال الأئمة -عليهم السلام- فقال علي -عليه السلام- في (نهج ~~البلاغة): (ألآ وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف). # قلت وبالله التوفيق: وإعطا المال لمن يعلم أنه لا يضعه إلا في مضرة ~~الإسلام والمسلمين، وما يغضب رب العالمين ليس من حقه عند أهل الملة والدين، ~~ولا ينكر ذلك إلا آفاك أثيم، والتبذير حرام؛ لقوله تعالى: {إن المبذرين ~~كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} وكذلك الإسراف؛ لأن الله ~~نهى عنه في قوله تعالى: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}. PageV01P019 # والنهي للتحريم؛ لأن الله تعالى قد أمر بالانتهاء في قوله تعالى: {وما ~~نهاكم عنه فانتهوا}، والأمر للوجوب؛ لقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}. # وقال علي -عليه السلام- في خطبة له في (نهج البلاغة) أيضا: (فعند ذلك ~~لايبقى بيت مدر، ولا وبر إلا وأدخله الظلمة ترحة، وأولجوا فيه نقمة، فيومئذ ~~لايبقى لهم في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر، أصفيتم بالحق غير أهله، ~~وأوردتموه غير ورده، وسينتقم الله ممن ظلم...) إلى آخر كلامه -عليه ~~السلام-. PageV01P020 # قلت وبالله التوفيق: قوله -عليه السلام-: فيومئذ، أي: يدخل الظلم بيوت ~~المدر والوبر الترحة، ويولجون فيه النقمة، والتنوين في لفظ إذ، عوض عن هذا ~~المحذوف، والمراد بقوله -عليه السلام- لا يبقى لهم في السماء عاذر، أهل ~~بيوت المدر والوبر، بدليل قوله -عليه السلام-: (ولا في الأرض ناصر)؛ لأن ~~الظلمة يتغلبون في ذلك الوقت وأنصارهم في الأرض موجودون، وإلا لم يقدروا ~~على إدخال بيوت ms11 المدر والوبر شيئا من الترح والنقم، فكان أهل السماء غير ~~عاذرين لهم أعني أهل(1) بيوت المدر والوبر مع ما بهم من الترح والنقم، وما ~~ذاك إلا لأنهم قد عصوا بتسليم الحق إليهم من أموال الله من الزكوات، ~~والخراج، وغيرهما الذي عناه أمير المؤمنين -عليه السلام- في آخر الكلام، ~~حيث قال: (أصفيتم بالحق غير أهله) أي: جعلتموه لهم صافيا عن كدر الإشتراك، ~~فلم يخالطهم فيه من أهله مخالط، وأوردتموه غير ورده، أي: جلبتموه إلى غير ~~موضعه الذي كان يجب أن يرد إليه، وجاء -عليه السلام- بلفظ أصفيتم، ولفظ ~~أوردتموه للخطاب بعد أن سبقه للغيبة قوله -عليه السلام-: (لا يبقى لهم في ~~السماء عاذر ولا في الأرض ناصر) لما فيهما أي في لفظ: أصفيتم، ولفظ ~~أوردتموه من التوبيخ واللوم على فعل ذلك، ويسمى هذا التفاتا، وذلك من ~~الفصاحة بمكان، وقد جاء في الكتاب العزيز كثير، كأول سورة الحمد إلى قوله ~~تعالى: {مالك يوم الدين} فإنه للغيبة، وقوله تعالى: {إياك نعبد PageV01P021 وإياك نستعين} للخطاب، والسر في ذلك في سورة الحمد: أن أول الحمد مدح لله، ~~وتمجيد له، وأبلغ المدح والتمجيد ما كان في الغيبة عند العرب لسلامته مما ~~يتهم به ذي(1) الوجهين الذي بمدح في الوجه، ويذم في الغيبة، ولبعده عن ~~الكذب لانتفاء ما يحمل عليه مما يرتجى في الممدوح إذا كان غائبا(2) في ~~الأغلب، فأجراه الله على الوجه البليغ المحبوب عندهم ليفيد كون ذلك حقا لا ~~مثل ما يفعله من كذب في مدحه، وإلا فهو سبحانه وتعالى حاضر لا يغيب، وقوله ~~سبحانه وتعالى مرشدا لعباده: {إياك نعبد وإياك نستعين} مؤديا لمعنى خضوع ~~العبد لله سبحانه وتعالى واستكانته في الحاجة إليه، وطلب الإعانة منه على ~~طريق الهدى المبلغ إلى النعيم المقيم، والسلامة من العذاب الدائم الأليم، ~~وتلك حاجة كل حاجة غيرها كالعدم، وأبلغ الخضوع والإستكانة والترفق لطلب ~~الحوائج عند العقلاء كافة لا تقع من الدليل للقاهر القادر في الشاهد إلا ~~إذا كان حاضرا، والله سبحانه وتعالى حاضر غير غائب، فأجراه الله تعالى على ~~ذلك ليكون ms12 اللفظ مطابقا للمعنى، فالمعنى بالغ النهاية التي لا وراءها ~~واللفظ بالغ الغاية في البلاغة التي وراها، وما قاله صاحب (التلخيص) مما ~~يخالف هذا ليس بسديد عندي؛ لأنه مؤد إلى أن العبد لم يكن مقبلا على ربه حتى ~~ينتهي إلى خاتمة صفاته تعالى المحمودة، وهو قوله تعالى: PageV01P022 # {مالك يوم الدين}. # ومن المعلوم أن المخلصين(1) من عباد الله تعالى، يقبلون على الله تعالى ~~ويخضعون له بالاستكانة عند أن، يقوموا بين يديه ويشرعون في صلاتهم، فيكون ~~هذا المعنى منتف في حقهم. # وأما غير المخلص فلا يخطر [ما ذكره](2) ببال أحد منهم فهو منتف أيضا في ~~حقهم، فتأمل ذلك. # والسر في كلام أمير المؤمنين -عليه السلام- أن أول كلامه إخبار محض عن ~~حالهم وحكمهم، والإخبار المحض ليس إلا بالمغيبات، فأجرى -عليه السلام- ~~اللفظ مطابقا للمعنى، إذ لا مقتضى للعدول عنه. # وفي قوله -عليه السلام-: (أصفيتم بالحق غير أهله).. إلى آخره، معنى ~~التوبيخ كما ذكرت أولا، وأبلغ التوبيخ ما كان في وجه الموبخ لما فيه له(3) ~~من التقريع والتبكيت، ولما فيه من انتفاء ما يتهم به صاحب الوجهين، فأجراه ~~-عليه السلام- ذلك المجرى ليعرف أنه قصد بذلك غاية التوبيخ لهم، فتأمل جميع ~~ذلك ترشد إن شاء الله. # وقال علي عليهما السلام في وصيته لابنه الحسن -عليهما السلام- في (نهج ~~البلاغة): يا بني لا تخلف من ورائك شيئا من الدنيا... إلى قوله:: وإما رجل ~~عمل فيه بمعصية الله فكنت عونا له على معصيته، فبئسما ما يخلفه عونا على ~~المعصية. PageV01P023 # وقال الحسين بن علي -عليه السلام- في تفسير قوله تعالى: {من قتل نفسا بغير ~~نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا}، من أعان إماما جائرا على ~~إمام عادل حتى يظهر عليه فكأنما قتل الناس جميعا، رواه أبو طالب -عليه ~~السلام- في (الأمالي)، ولم يفصل -عليه السلام- بأن تكون المعونة بالمال أو ~~بغيره، ولم يشترط في ذلك قصدا. # وقال زيد بن علي -عليهما السلام- في رسالته إلى علماء الفرق في كلام له ~~ما لفظه: إن الظالمين قد استحلوا دماءنا، وأخافونا في ديارنا، وقد اتخذوا ms13 ~~خذلانكم حجة علينا، فيما كرهوه من دعوتنا، وفيما منعوه من حقنا، وفيما ~~أنكروه من فضلنا، عباد الله فأنتم شركاء لهم في دمائنا، وأعوانهم على ~~ظلمنا، فكل مال الله أنفقوه، وكل جمع جمعوه، وكل سيف شحذوه، وكل عدل تركوه، ~~وكل جور ركبوه، وكل ذمة لله أحقروها، وكل مسلم أذلوه، وكل كتاب نبذوه، وكل ~~حكم لله عطلوه، وكل عهد لله نقضوه، وأنتم المعاونون لهم بالسكوت عن نهيهم ~~هن السوء، رواه السيد حميدان في كتاب (التصريح في المذهب الصحيح). # وعن عيسى بن عبد الله، قال: مر حسن بن حسن بن حسن على إبراهيم بن حسن بن ~~حسن وهو يعلف إبلا له، فقال: أتعلف إبلك، وعبد الله بن الحسن محبوس؟ أطلق ~~عقالها ياغلام، فأطلقها، فصاح في أديارها فذهبت، فلم يوجد منها واحدة، رواه ~~أبو طالب -عليه السلام-. PageV01P024 # قلت وبالله التوفيق: وذلك لا يخلو إما أن يكون جزعا من حبس عبد الله بن ~~الحسن، أو يكون خوفا من أن يأخذها الظلمة، فينفقونها في المعاصي، وظنا ~~عليهما السلام أن حبس عبد الله بن الحسن -عليه السلام- كان مبتدأ به في ~~الغشم عليهم، والظلم لايصح أن يكون جزعا؛ لأن الجزع معصية، وإضاعة المال ~~معصية، وهما عليهما السلام من الأخيار البررة الأطهار، وحملهما على ذلك سوء ~~ظن بهما، وهو لا يحل، بقي أن يكون خوفا من(1) أن يأخذها الظلمة فينفقونها ~~في المعاصي، فكان الضياع للمال أهون من أن يأخذوه؛ لأنهم يتقوون به في ~~المعاصي، فصار الضياع مباحا للضرورة، فافهم ذلك. # وقال محمد بن عبد الله النفس الزكية -عليه السلام- في كلام تركت بعضه ~~اختصارا ما لفظه: (يا أبا خالد إن امرأ مؤمنا لا يصبح حزينا ويمسي حزينا ~~مما يعاين من أعمالهم، إنه لمغبون مفتون. # قال: قلت: يا سيدي والله إن المؤمن لكذلك، ولكن كيف بنا ونحن مقهورون ~~مستضعفون خائفون لا نستطيع لهم تغييرا؟ # فقال: يا أبا خالد: إذا كنتم كذلك فلا تكونوا لهم جمعا، وانفذوا من ~~أرضهم. رواه أبو طالب -عليه السلام- في (الأمالي). # فقال -عليه السلام-: (لا تكونوا لهم جمعا) ms14 أي: أهل جمع، وأمر بالنفوذ من ~~أرضهم، وهو: الذهاب من أرضهم والخروج إلى غيرها. # وقال القاسم بن إبراهيم -عليه السلام- في (الجز الثاني من مسائله) في ~~تفسير قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} ما لفظه: PageV01P025 # (فكيف يجوز أن يؤتي أحد ماله أحدا إذا كان في أرض الله أو لدينه مفسدا، وقد ~~نهى الله عن ذلك... إلى آخر كلامه -عليه السلام-. # وسئل -عليه السلام- عن أموال التجار التي تكون في عساكر الظلمة الفجار، ~~هل تكون غنيمة للمسلمين وفيئا؟ أم لايحل ذلك للمؤمنين عند ظهورهم عليهم؟ # فقال: ما كان للتجار في عساكرهم أو لغيرهم سلم أهله من أن يجلبوا به على ~~المسلمين، أو ينصبوا بما في أيديهم منه لمحاربة المؤمنين، فلا يحل للمؤمنين ~~أخذه ولا اغتنامه، وعلى المسلمين(1) تسليمه إلى أهله وإسلامه؛ لأن متاجرتهم ~~في تلك الحال، ورفقهم عليهم بمرافق تجاراتهم، وإن كانت فسقا فلم يجعل الله ~~تغنم أموالهم بفسقهم في تلك الحال للمؤمنين حلالا ولا حقا، والمؤمنون وإن ~~قالوا بعداوتهم في ذلك، ونكالهم، فليس يستحلون مع ذلك وإن قالوا به فيهم ~~تغنم شيء من أموالهم. رواه الهادي -عليه السلام-، عن أبيه عنه -عليهم ~~السلام- في باب أموال تجار عسكر البغي في السير من (كتاب الأحكام)، ونقلته بلفظه. # قلت وبالله التوفيق: إذا كان ذلك فسقا مع أخذ العوض فكيف بتسليم الأموال ~~إليهم بغير عوض؟ # وقال الهادي -عليه السلام- في باب القولة فيما يجب على المحرم توقيه في ~~أبواب الحج من كتاب (الأحكام) ما لفظه: (والفسوق فهو الفسق، والكذب، ~~والظلم...إلى أن قال: والإدخال بشيء من المرافق على عدو من أعداء الله) ~~فجعل -عليه السلام- ذلك في الفسوق. PageV01P026 # وقال الهادي -عليه السلام- أيضا في الباب الثاني من أبواب البيع في (كتاب ~~الأحكام) ما لفظه: ولا بأس أن يتجر المسلم ليغني أهله وعياله عن ذل المسألة ~~واستكانة الحاجة، وتكون تجارته في أقل الأشياء منافع للظالمين الجورة ~~الفاسقين، وفي أقلها ضررا على المسلمين، ولا يجوز له أن يتجر في دهره هذا ~~في شيء من السلاح والكراع ولا العبيد والإما، فإن ذلك أكثر ms15 منافع للظالمين، ~~وأقوى قوة للفاسقين، وليتجر في غير ذلك من الأشياء أقلها منفعة لهم، ~~وأبعدها من مراقفهم، ويستحب له إن اتجر في شيء فاحتاج ممن سمينا محتاج إلى ~~شيء مما عنده أن يدفعه بعلل يتعلل بها عليه من إغلا عليه، أو غيره مما ~~يدفعه به عن المبايعة له، ولا يفعل ما يفعل فجرة التجار الخونة الأشرار من ~~التعمد لمنافعهم، والايثار بذلك لهم دون غيرهم والتعمد لشراء مايصلح لهم ~~يطلبون بذلك ازديادا في الربح يسيرا أو(1) يستوجبون به من الله عذابا كبيرا. PageV01P027 # قلت وبالله التوفيق: إذاكان دفع ما يتقوون به من المال إليهم(1) حراما مع ~~المعاوضة فكيف بدفعه من غير معاوضة؟ وفي المعاوضة انتقاص لما في أيديهم من ~~الأموال، وقوله -عليه السلام-: (ويستحب له إن اتجر في شيء معناه، ويجب عليه ~~لأن لفظ الاستيجاب(2) في عرفهم قد يطلق على الوجوب، كالكراهة تطلق على ~~الحظر بدليل قوله -عليه السلام-: ولا يفعل ما يفعل فجرة التجار إلى قوله: ~~ويستوجبون به من الله عذابأ كبيرا أو لأنه -عليه السلام- قد نص في باب ~~أموال تجار عسكر البغي في السير من كتاب (الأحكام): إن جلب المنافع إليهم فسق. # وروى مثل ذلك عن جده القاسم -عليه السلام-، وقد تقدمت الرواية لفظها يزيد ~~ذلك وضوحا ما ماقاله -عليه السلام-، في بعض أبواب الحج من (كتاب الأحكام) ~~أيضا، حدثني أبي عن أبيه في الرجل يفرق بين طوافه وسعيه، فقال: لابأس بذلك، ~~إلى قوله فإن أبطاء عن ذلك فتركه حتى تكثر أيامه، فيستحب له أن يهريق(3) ~~دما، وقد وسع في هذا(4) غيرنا، ولسنا نقول به. # فقال: فيستحب(5) مع أنه لم يقل بالتوسيع. PageV01P028 # قلت وبالله التوفيق: وماذكره الهادي، والقاسم عليهما السلام، من أن جلب ~~المنافع إلى عسكر الظالمين فسق، هو الحق؛ لأن سبيل المؤمنين في ذلك قتالهم ~~لقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي...} الآية. وجلب المنافع إليهم ينافي ~~القتال ضرورة، فعلمنا أن ذلك غير سبيل المؤمنين، وقد قال تعالى: {ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ms16 نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وساءت مصيرا}. # وقال الهادي -عليه السلام-: أيضا في باب معاونة الظالمين من (كتاب ~~الأحكام) مالفظه: # فمن كثر بنفسه أوبقوله، أو أعان بماله على محق من آل الرسول صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم، فقد شرك في دمه إلى آخر كلامه -عليه السلام-، ولا يقال ~~إن ذلك لا يكون إلا مع القصد؛ لأنه -عليه السلام- لم يشترط ذلك، ولأنه ~~-عليه السلام-، قد جعل التجارة في عسكر الظالمين فسقا، والتجار إنما يقصدون ~~الزيادة في الربح. # فتأمل ذلك، فإن تقوى الله لاتكون بالتعسف في التأويل، ورد القول إلى ما ~~يطابق هوى النفس. # وقال الهادي -عليه السلام- في (كتاب العدل والتوحيد) ما لفظه: PageV01P029 # (كذب الذين يعيبون(1) الظالمين ويقيمون دولتهم بزرعهم وتجارتهم، وينصرونهم ~~على قتل المسلمين، وهتك حريمهم، وأخذ أموالهم، ولولا التجار، والزراعون ~~ماقامت للظالمين دولة، ولاثبتت لهم راية، قال تبارك وتعالى: {ولا تركنوا ~~إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}. # وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ((إن الله تعالى بعثني ~~باللحمة والرحمة، وجعل رزقي في ظل رمحي، ولم يجعلني حراثا ولا تاجرا، ألا ~~إن من شرار عباد الله الحراثون والتجار، إلا من أخذ الحق وأعطى الحق))، لأن ~~الحراثين يحرثون، والظالمين يلعبون، وهم يحصدون وينامون، ويجوعون ويشبعون، ~~ويسعون في صلاحهم، وهم يسعون في هلاك الرعية، فهم لهم خدم، لايؤجرون، وأ ~~عوان لايشكرون، فراعنة جبارون، وأهل خنا فاسقون، إن استرحموا لم يرحمون، وإ ~~ن استنصفوا لم ينصفوا، لايذكرون المعاد، ولايصلحون البلاد، ولايرحمون ~~العباد، معتكفون على اللهو والطنابير، وضرب المعازف والمزامير، قد اتخذوا ~~دين الله دغلا، وعباده خولا، وماله دولا، بما يقويهم به التجار والحراثون، ~~ثم يقولون: إنهم(2) مستضعفون كأن لم يسمعوا قول الله تبارك وتعالى فيهم، ~~وفيمن اعتل بمثل علتهم، إذ يحكي عنهم قولهم: {إن الذين توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض PageV01P030 الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} إلى آخر كلامه ~~-عليه السلام-. # ومن كلام الهادي -عليه السلام-، أيضا ms17 ما ذكره في (كتاب خطايا الأنبياء) ~~-عليهم السلام- وعلى آلهم الذي أجاب به على إبراهيم بن المحسن العلوي رحمه ~~الله تعالى، وهذا لفظه: # وسألته عن رجل ساكن في بلدة وقد تولى أمر البلدة سلطان ظالم، والسلطان ~~يقبض منه جباية من غير طيبة(1) من نفسه، وهو يخاف إن خرج من البلد على نفسه ~~من(2) التلف. # الجواب في ذلك: إن كانت مخافته على نفسه، مخافة أن يجوع في الأرض، أو ~~يعرى، أو يتلف إن خرج من تلك البلدة، فليس هذا له بعذر، لأن الله تعالى ~~يرزقه في بلده وغيرها، وإن كان يخاف أن يظفر به سلطان بلده فيقتله إن خرج، ~~ولم يكن له حيلة في الإ نسلال عنه، وكان لامحالة واقعا في يده إن خرج، فله ~~في ذلك العذر، إلا أن يأتيه الله عزوجل بفرج، وإن قدر وأمكنه أن لايعمل ~~عملا يأخذ منه فيه السلطان فليفعل. # وقال الهادي -عليه السلام-: في جواب مسائل أبي القاسم الرازي -رحمه الله ~~تعالى- مالفظه: (وكان الخاذل بخذلانه وقعوده [عند الله](3) كمثل المحارب ~~بمحاربته لا ينفك الخاذل للمؤمنين من المشاركة للفاسقين فيما نالوه من ~~المتقين في حكم أحكم الحاكمين...) إلى آخر كلامه -عليه السلام-. PageV01P031 # قلت وبالله التوفيق: إذا كان هذا في الخاذل وهو القاعد عن نصرة الدين ~~وأهله، فكيف بالمعطي من المال مايهدم به الظالمون، من دين رب العالمين؟ ~~وكيف بالمشير بذلك؟ # وقال الناصر -عليه السلام- في (كتاب الألفاظ) مالفظه: (فمن سود علينا فقد ~~شرك في دمائنا). # قلت وبالله التوفيق: وهذا اللفظ نبوي؛ لأن الهادي -عليه السلام- رفعه إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في (كتاب الأحكام)؟ # قلت وبالله التوفيق: ولا تسويد أعظم من تسليم المال إلى الجبارين، لأنه ~~لولا المال لما اجتمع للظلمة(1) من عساكرهم الكثيفة ما يضر الدين وأهله ~~أبدا، وذلك معلوم لكل عاقل، والعلم به كاف في استحقاق العقاب والنكال من ~~الله سبحانه، ومغن عن القصد كالإقدام على سائر المعاصي إذ لافرق. # وحكى علي بن العباس -عليه السلام-: في (مجموعه) إجماع أهل البيت -عليهم ~~السلام- على أن المشركين ms18 أو البغاة إذا نزلوا بساحة مدينة الإسلام، أو باب ~~حصن المسلمين فلاضير على المسلمين إذا لم يقدروا على حمل غلات أنفسهم أن ~~يحرقوها، أو يخربوا القرى لئلا ينتفع بها المشركون أو البغاة. # قلت وبالله التوفيق: وهذا يقتضي عدم جواز الدخول تحت ظل جناح دولتهم لكي ~~تسلم أموالهم، إذ لو جاز الدخول كذلك لم يجز تحريق الأموال وتخريب القرى؛ ~~لأنهما إضاعة مال، وهي لا تجوز في الأصل، وإذا لم يجز الدخول تحت ظل جناج ~~دولتهم فكيف بتسليم ما يقويهم على هدم الدين؟ PageV01P032 # فإن قيل: فإنه ذكر لفظ: لا ضير، ولم يقل: فإنه يجب. # قلت وبالله التوفيق: من رزقه الله زيادة في بصيرته وجلى قلبه عن العمى، ~~فهم من ذلك الوجوب، ليس لأن السبب في ذلك تعارض محضورين، وعدم المخلص إلا ~~بفعل أحدهما، وهما: إتلاف المال، أو الدخول فيما يتقوون به على الفساد في ~~الأرض بغير الحق، فكان(1) إتلاف المال أهون، فعبر عن ذلك بلفظ لاضير لأجل ~~كونه(2) في الأصل محظورا لا سيما وعيون العترة -عليهم السلام-، والمعتزلة ~~[وأكثر الفقهاء](3) يوجبون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خشية المضرة ~~على المال، وذلك مذكور في بعض كتب أهل المذهب المعتبرة، لم أسه فيه ولم ~~أغفل، وإذا وجب اختيار المضرة في المال لأجل واجب هو الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، فكيف لا يجب توقيا من قياس فعل محظور؟ وهو تقوية الظالمين ~~على(4) سفك دماء المسلمين واستمرار ظلمهم ونهب أموالهم، وإطفاء الفرائض ~~والسنن، وإحياء البدع والفتن. # وقال المرتضى محمد بن يحيى -عليه السلام- في (كتاب الإيضاح) ما لفظه: ~~وسألتم عن العشر هل يعطاه فاسق ذو كبيرة إذا كان فقيرا؟ PageV01P033 # قال -عليه السلام- [ما لفظه](1): لا يعطى منه شيء؛ لأن في إعطائه العشر ~~ممايقويه على ما يحبه من المعصية والمباعدة لله سبحانه، فليس لمن ظهرت ~~معصيته في أموال الله حق، وإنما يعطى من لم يعلم منه إلا خير، فقال: لأن في ~~إعطائه العشر مما يقويه على ما يحبه من المعصية، وكذلك لا ينكر أنه يتقوى ~~بما يعطى من ms19 أموال الناس. # وقال -عليه السلام- في (بعض رسائله) ما لفظه: ومن قرب من أعداء الله شبرا ~~بعد منه بذلك باعا، فلا ترضوا بمداناتهم، ولا ترخصوا لأنفسكم في مداراتهم، ~~فإنهم أعداء الرحمن وأحزاب الشيطان...إلى قوله -عليه السلام-: مهلكوا ~~العباد ومظهروا الفساد، فقال -عليه السلام-: ولا ترخصوا لأنفسكم في ~~مداراتهم، وذلك عام يفيد النهي عن الترخيض في مداراتهم بالمال وغيره(2)؛ ~~لأن لفظ مداراة مصدر، والمصدر: اسم جنس باتفاق أهل العربية كالماء والعسل، ~~واسم الجنس إذا أضيف أفاد العموم، كقولك: عسل النحل صادف الحلاوة. # وفي (كتاب البيوع من اللمع) ما لفظه: في تعليق أبي الفوارس ذكره محمد بن ~~يحيى: لا ينبغي لأحد أن يبيع شيئا من سلطان ظالم ولا يعامله كان ماله حلالا ~~أو حراما، إلا أن يضطر إليه، فيأخذ المال مما يعلم أنه حلال. PageV01P034 # قلت وبالله التوفيق: إنه لم يستثن من جواز معاملتهم إلا عند الاضطرار ~~كالاضطرار إلى أكل الميتة، وإذا لم يبح البيع منهم والمعاملة بيقين حل ~~المال إلا مع الاضطرار، فما ظنك بتسليم الأموال إليهم(1) مع عدم انتقاصهم ~~لشيء من الأعواض؟ # وقال الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني -عليه السلام- في ~~(رسالته إلى أهل طبرستان) ما لفظه: # الخاذل لنا كالمعين علينا، المتخلف عن داعينا كالمجيب لعدونا، رواه في ~~(أنوار اليقين). قال وهو منقول من رواية المنصور بالله عبد الله بن حمزة ~~-عليه السلام-. # قلت وبالله التوفيق: إذا كان ما ذكره -عليه السلام- في حق الخاذل ~~المتخلف(2)، فما ظنك بالمسلم من الأموال ماهو سبب لهلاك الدين وتقوية ~~للجبارين؟ PageV01P035 # وقال المؤيد بالله -عليه السلام- في باب كيفية إزالة المنكر في (كتاب الحظر ~~والإباحة) من (كتاب الإفادة) ما لفظه: وفي سلطان فاسق يدعو الناس إلى إقامة ~~المعروف وإزالة المنكر، وهو لا يتعدى أمر المسلمين ورأيهم لا يجوز للمسلمين ~~متابعته ولا تقوية يده، وإن التمس ذلك هو منهم، فقال: ولا تقوية يده، أي: ~~بتلك المعاونة على إقامة المعروف وإزالة المنكر؛ لأن سياق الكلام مؤيد هذ ~~المعنى، وإذا كان لا يجوز ذلك لا لكونه مؤديا إلى تقوية الظالم ms20 على ظلمه مع ~~أنه في الأصل واجب، فبالأحرى(1) أنه لا يجوز تسليم المال إلى سلاطين الجور؛ ~~لأنه مؤد إلى تقويتهم على الظلم ضرورة. # وقال -عليه السلام- في هذا الباب نفسه(2): وفي ظالمين أحدهما أكثر من ~~الآخر ظلما، فالأقل منهما ظلما يلتمس من المسلمين معاونة(3) على دفع الأكثر ~~ظلما وفي غالب ظن هؤلاء المسلمين أن لو أعانوه على دونه دفعه، ويأخذ الزكاة ~~والأعشار من المسلمين، ويصرفها في الوجوه التي تؤدي إلى مصالح الرب. # أنه لايجوز معاونة من يكون أقل ظلما على شيء من الظلم، فأخذ الزكاة ~~والعشر من جملة الظلم. # قوله -عليه السلام-: وفي غالب ظن هؤلاء المسلمين أن لو أعانوه على دفعه ~~دفعوه، ويأخذ الزكاة والأعشار...إلى آخره. # أي في غالب ظنهم أنهم يدفعون الأكثر ظلما، وأن الظالم الذي أعانوه يأخذ ~~الزكاة والأعشار. # فقال -عليه السلام-: إن ذلك لا يجوز. PageV01P036 # وقال: إن ذلك من جملة الظلم. # قلت وبالله التوفيق: إذا كان دفع الأكثر ظلما مؤديا في غالب الظن إلى شيء ~~من جملة الظلم، وهو أخذ الزكاة والعشور، وأنه لا يجوز لأجل ذلك، فكيف ~~بتسليم المال المقطوع بتأديته إلى أعظم الظلم وأشده؟! # فإن قيل: قد قال -عليه السلام- قبيل(1) هذا من هذا الكتاب مالفظه: (ولا ~~تحب الهجرة لما يأخذه الظالم من الإتاوة قهرا. # قلت وبالله التوفيق: إنه لم يذكر أنها لو كانت تؤدي إلى قوة ظلم الظالم، ~~فلعله حيث كان لا دولة لمن يأخذ الإتاوة، ولا جنود يجندها للفساد في الأرض ~~بغير الحق، و(2)يؤيد هذا ما ذكرناه من كلامه -عليه السلام- أولا، وإلا كان ~~مناقضة، وأيضا من قواعد أئمتنا -عليهم السلام- أنهم يجعلون الحكم المقيد ~~ويردون المطلق إليه حتى يتفق المعنيان، ويسلما من التنافي، وما حكيناه عنه ~~-عليه السلام- أولا مقيد بكونه مؤديا إلى قوة ظلم الظالم، أو مؤديا إلى شيء ~~من الظلم، وهذا مطلق، فيجب تأويله بما ذكرناه. # وأيضا قد عرف من قاعدته -عليه السلام- أنه يتأول ما جاء من الأئمة -عليهم ~~السلام- يشبه هذا القول كتأويله -عليه السلام- لقول القاسم بن إبراهيم ~~-عليه السلام- لابأس بالفرش والمقارم تكون من ms21 الحرير، فقال المؤيد بالله ~~-عليه السلام- يحتمل(3) أن يكون المراد به أن ذلك يحل للنساء، وذلك مذكور ~~في (أصول الأحكام). PageV01P037 # فإن أثبت هذا التأويل فاعلم أن الإفادة مجموعة من فتاويه، وقد روي في سيرته ~~أنه قال: وددت أن(1) أتمكن مما أفتيت فأحرقته. # قلت وبالله التوفيق: وإنما قال ذلك؛ لأنه قد تيقن الخطأ في كثير من ~~الفتاوى، فيجب أن يقرر(2) ما طابق الكتاب والسنة من نحو ما تقدم، وما طابق ~~إجماع العترة -عليهم السلام- كما يأتي تحقيقه إن شاء الله، ويرفض ما خالف ~~ذلك؛ لأنه مما [قد](3) رجع عنه في الجملة. # فإن قيل: والذي ذكرت قد رجع عنه في الجملة أيضا. # قلت وبالله التوفيق: لانسلم؛ لأن حكاية إجماع أهل البيت -عليهم السلام- ~~كما يأتي إن شاء الله قد تضمنت إثباته. # وفي باب الظهار من (الشفاء) ما لفظه: وعن السيد أبي طالب أيضا أنه قال: ~~يجب أن تكون الرقبة مؤمنة بالغة أو غير بالغة، وذكر في الاحتجاج أن المعلوم ~~من دين المسلمين: أنه لا قربة في الهدنة إلى من يقطع الطريق، ويحارب ~~المسلمين أو يتعاطى شرب الخمر وضرب المعازف والطنابير، والعلى في جميع ذلك: ~~أنه إحسان إلى من يغلب على الظن أنه يستعين به على الفسق أو على الكفر. PageV01P038 # فقال -عليه السلام-: لا قربة في الهدنة إلى من ذكر، وإذا أنتفت القربة ~~نفي(1) الجواز والتحريم، لا يصح أن تكون الهدنة جائزة؛ لأن تعليله -عليه ~~السلام- صريح في أنه يستعان بها على الفسق أو الكفر، ومن المعلوم من دين ~~المسلمين أن إعطاء المال إلى من يحرقه أو يرمي به في البحر تبذير، والتبذير ~~محرم إجماعا، ومستنده قوله تعالى: {ولا تبذر تبذيرا...} الآية، وإذا كان ~~ذلك محرما فبالأولى أن يكون هذا محرما؛ لأن تضييع المال أهون من إنفاقه في ~~المعاصي، وذلك لا يخفى على ذوي البصائر. # قلت وبالله التوفيق: وكلام أبي طالب يشعر بالإجماع، حيث قال: إن المعلوم ~~من دين المسلمين... إلى أخره. # وفي باب البيوع الصحيحة والفاسدة من (الشفاء) أيضا ما لفظه: (ونص الهادي ~~إلى الحق -عليه السلام- في ms22 المسائل على أن بيعع ممن يتخذ الخمر لايجوز، ~~واحتج له، فخرجوا مذهبه على أنه يكون معاونة على الإثم والفعل الحرام، وقد ~~قال تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}. PageV01P039 # قلت وبالله التوفيق: وإنما أخرت هذا الكلام من كلام الهادي -عليه السلام-، ~~ولم أذكره مع ما تقدم له، لأجل أن تصدر حكاية قول مخرجي مذهبه في الموضع ~~الذي أردت من ترتيب الأقوال، والمراد معرفة ما صرحوا به من أن بيع ما يجعل ~~خمرا ممن يجعله خمرا معاونة على الإثم والفعل الحرام، وأنه يستلزم تحريم ما ~~يسلم إلى سلاطين الجور بطريقة الأولى؛ لأنهم لم ينقصوا بأخذ عوض في ذلك؛ ~~ولأن المناكير التي تحصل بسبب تسليم(1) الأموال إليهم من سفك الدماء، ~~واضطهاد الآمرين بالمعروف، وضيم الناهين عن المنكر أعظم من شرب رجل أو ~~جماعة محصورة الخمر. # وفي باب(2) ذكر من لا تحل له الصدقة من (الشفاء) أيضا ما لفظه: قال ~~القاضي زيد: وهذا خطاب للمسلمين الذين لم يظهرمنهم الفسق. # قال: ولأن الفاسق لا يتحرز من إنفاقها في المعاصي، فكان دفعها إليه إعانة ~~له على المعاصي، وقد قال تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}. فقال: ~~فكان دفعها إليه، أي: الزكاة إلى الفقير الذي يظهر منه الفسق إعانة له على ~~المعاصي. # قلت وبالله التوفيق: وكذلك يكون ما يدفع إلى الظلمة من خالص المال إعانة ~~لهم على المعاصي، بل هو في هذا الموضع ألزم؛ لأن ذلك مظنون، وهذا معلوم. PageV01P040 # فإن قيل: فإن الأمير الحسين -عليه السلام- قد استبعد ذلك، وقال ما معناه: ~~لايكون معاونة إلا مع القصد، واحتج بتمكين الله تعالى للعصاة ما يتقوون به ~~من الرزق على المعاصي. # قلت وبالله التوفيق: قد تقدم لنا من الإحتجاج على ما كان كذلك أنه يطلق ~~عليه اسم الإعانة قطعا، ولنعد قوله تعالى: {وكان الكافر على ربه ظهيرا}، ~~أي: معينا، مع قوله تعالى حاكيا عن المشركين: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى}؛ لأن ذلك من الأدلة القطعية، فخطاؤه -عليه السلام- في هذا ~~متيقن، وليس بمظنون، لكنه لا اثم عليه، لقول تعالى: ms23 { وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به}، وكذلك احتجاجه بتمكين الله تعالى للعصاة من الأزراق والقوى؛ ~~لأن ذلك إنما كان ليصح التكليف، ولو قاسه(1) على فعل المكلفين لأصاب، لأن ~~المكلف لا يجوز له تمكين العاصي من المعصية(2)، وكذلك هذا، وإذا كان كذلك ~~فالرجوع إلى الأدلة المعلومة أولى، وأيضا إنما كلامه -عليه السلام- فيمن ~~يظن أن يجعل الزكاة في المعاصي لا فيمن يعلم أنه يجعلها في مهر البغي، وثمن ~~الخمر، ونفقة لقطاع الطريق، وزاد لمن يبلغ بها إلى قتل النفوس المحرمة، فإن ~~ذلك لم يقل به أحد من علماء الإسلام، وسيأتي له -عليه السلام- [من ~~الكلام](3) ما يدل على تحريم تسليم الأموال إلى سلاطين الجور إن شاء الله تعالى. PageV01P041 # وقال الإمام المنصور بالله -عليه السلام- في باب السيرة من (المهذب) في أهل ~~الفسق وأهل البغي في كتاب السير في (المهذب) ما لفظه: ونحن لا نشك أن ~~الضعفاء الذين لبسوهم الحرير، وركبوهم الذكور، وسقوهم الخمور، فأي عون أعظم ~~من هذا؟ # وقال -عليه السلام- في باب الهجرة من كتاب السير من (المهذب) أيضا ما ~~لفظه: (وقد ثبت من دين أهل البيت -عليهم السلام- أن الخاذل لهم فاسق). # ومن المعلوم أن الساكن مع الظالمين أكثر مضرة، وأنفع للفاسقين، وأقبح ~~حالة، وأشنع جرما من الخاذلين. # قلت وبالله التوفيق: وقوله -عليه السلام- وقد ثبت من دين أهل البيت ~~-عليهم السلام- يشعر أنهم مجمعون على ذلك. # وقال -عليه السلام- في هذا الباب بعينه من هذا الكتاب بنفسه ما لفظه: ولا ~~أعظم من كون المؤمن ظهيرا للمجرمين؛ لأن أشد المظاهرة وأعظمها تقويتهم ~~بالخراج، وكونهم مستضعفين فيما بينهم لايخرجهم عن حكمهم، آلا ترى أن الله ~~تعالى رد حجتهم داحضة خاسئة بقوله تعالى فيهم: {فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}. # فإن قيل: فقد قال -عليه السلام- في باب الحظر والإباحة من هذا الكتاب ~~بنفسه ما لفظه: (وما يجمع للظلمة على وجه المدافعة والمداراة فهو جائز إن ~~لم يمكن دفعهم إلا بذلك، ويجوز أخذه من القوي والضعيف واليتيم بالرضا ~~والإكراه). PageV01P042 # قلت وبالله ms24 التوفيق: مراده -عليه السلام- بذلك لمن يندفع بذلك من الظالمين ~~عن مضرة المسلمين بإعطائه المال، ولا يستقيم له عليهم دولة، بدليل ما ~~ذكرناه عنه أولا، وبدليل قوله -عليه السلام-: إن لم يمكن دفعهم إلا بذالك، ~~وهو تصريح بمعنى ما ذكرت؛ لأن من تستمر دولته غير ممكن دفعه، بما يعطى ~~ضرورة، وإنما هو مستمر على ظلمهم وسومهم(1) سوء العذاب، وإعطائهم المال مع ~~ذلك مما يقوي شوكتهم ويشد أعضادهم، وتتمكن به وطأتهم، فتأمل ذلك. # وقال الأمير الحسين -عليه السلام- في باب حكم الدخول في الشهادة وبيان من ~~يفتقر إلى الشهادة من العقود من (الشفاء) ما لفظه: خبر وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: ((ثلاثة لا يستجاب لهم: رجل باع شيئا ولم يشهد ~~عليه، ورجل معه امرأة سيئة ولا يطلقها، ورجل دفع إلى سفيه ماله))، دل ذلك ~~على حكمين: # أحدهما: إثبات البيع من دون شهادة، لأنه قال: ((باع شيئا)). # الثاني: أن تضييع المال لا يجوز. # ومن جملة تضييعه أن يبيعه ممن لا يثق منه بالوفاء، أو بدفع ماله إلى سفيه ~~فيضيعه. # فقال -عليه السلام-: ((أو بدفع ماله إلى سفيه فيضيعه)). PageV01P043 # ومن المعلوم أن تضييع المال أهون من إنفاقه في مضرة الإسلام والمسلمين وما ~~يغضب رب العالمين من تكثيف الجيوش على المؤمنين(1)[وقال -عليه السلام- في ~~باب صفة من توضع فيهم الزكاة من (الشفاء) ما لفظه: فإن كانت](2) الديون ~~لزمته في غير سرف ولا إنفاق في معصية، وهو فقير جاز أن يصرف إليه سهم منها ~~ليستعين به على قضاء دينه لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان}، فدل أول الآية على جواز معونته إذا كانت ~~ديونه لزمته في غير سرف ولا إنفاق في معصية؛ لأن ذلك من وجوه البر، ودل ~~آخرها على أنه لايجوز معاونته إذا كانت لزمته في سرف أو إنفاق في معصية. PageV01P044 # قلت وبالله التوفيق: إذا كان إعطاء الزكاة من يقضها عن دين لزمه في سرف أو ~~معصية معاونة على الإثم والعدوان عنده -عليه السلام-، فبطريق الأولى أن ~~يكون ms25 إعطاء المال من ينفقه بعينه في المعصية معاونة على الإثم والعدوان؛ ~~لأن الإنفاق في الصورة الأولى غير الذي أعطي بخلاف هذه فهو عين ما ~~أعطى.[وقال الإمام المطهر -عليه السلام-](1) في كتاب الإجارة من كتاب ~~(المنهاج الجلي) ما لفظه: فرع، قلت: ولا يجوز أن يكري حانوتا لخمار ولا ~~الذمي إلى قوله: والوجه في ذلك أن هذا معصية، وقد قال تعالى: {وتعاونوا على ~~البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}. # قلت وبالله التوفيق: وكلامه -عليه السلام- يدل على تحريم تسليم الأموال ~~إلى من ذكر بطريق الأولى؛ لأن ذلك يؤدي إلى معصية خاصة وتسليم الأموال ~~إليهم يؤدي إلى معاص عظيمة لا تحد ولا تنحصر بعد. # وقال الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى-عليه السلام- في (الغيث) ما ~~لفظه: قال الشيخ علي خليل في مجموعه للمؤيد بالله -عليه السلام- في سلطان ~~فاسق يدعو الناس إلى إقامة المعروف، وإزالة المنكر، وهو لا يتعد أمر ~~المسلمين ورأيهم: أنه لايجوز للمسملين متابعته وتقويته وإن التمس هو ذلك، ~~ويمكن جواز الإستعانة به على إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # قلت: وهذا معنى ما ذكرناه بعينه. PageV01P045 # قال -عليه السلام-: قلت:(1) وهذا معنى ما ذكرناه بعينه، يريد في قوله -عليه ~~السلام- مهما وقف على الرأي، ولم يؤد إلى قوة ظلمه؛ لأن ذلك في سياق شرح ~~هذا اللفظ، ثم ساق كلاما بعد هذا إلى أن قال ما لفظه: فصارت هذه وجوه ~~ثلاثة، وهي: أن يعينوه على أخذ الأعشار ونحوها، فلا يجوز، وعلى دفع الأكثر ~~فقط فيجب. # والثالث: أن يقصدوا معاونته على دفع الأكثر، لكن إذا عرفوا أنهم إن ~~أعانوه على ذلك ازداد ظلما، فقيل: ينظر في الزيادة، فإن بلغت مثل ظلم ~~المعان عليه أو فوقه لم تجز المعاونة وإن بلغت دونه جاز؛ لأنه دفع منكر بما ~~هو دونه. # قلت: وقد تضمن لفظ (الأزهار) المعاني كلها فتأمله. # قلت وبالله التوفيق: إذا كان إقامة المعروف وإزالة المنكر وإزالة الأكثر ~~ظلما لا يجوز حيث كانت مؤدية إلى قوة ظلم الظالم كما صرح به -عليه السلام-، ~~وهي في الأصل ms26 واجبة، فما ظنك بتسليم المال الذي لا شك في أنه يؤدي إلى قوة ~~ظلم الظالم مع أنه لا أصل(2) له في الوجوب؟ # وقال -عليه السلام- في (البحر) في كتاب النذر ما لفظه: ولا يصح للفساق ~~عموما لتضمنه المعصية، ولا لفقراء الفساق كذلك. PageV01P046 # قلت وبالله التوفيق: كل فعل تضمن المعصية لاشك في أنه معصية عند المسلمين، ~~وقد صرح -عليه السلام- بأن النذر على الفساق عموما أو على فقرائهم متضمن ~~للمعصية، وتسليم المال إلى سلاطين الجور من هذا الباب؛ لأن سلطان الجور رأس ~~من تصير إليهم الأموال من المعينين له ممن دخل ديوانه ومن يرجو دخوله، ~~وكذلك من يواليه من العصاة، وهم لا حصر لهم، بل هو في هذا أعظم لتضمنه ~~تقويته على الظلم، وذلك لا يخفى على عاقل. # وقال -عليه السلام- في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في (البحر) ~~أيضا في سياق ذكر النهي عن المنكر ما لفظه: فيقدم الوعظ ثم السب ثم كسر ~~الملاهي ثم الضرب بالعصاء ثم بالسلاح، فإن احتاج إلى تجييش فهو إلى الإمام ~~لا إلى الآحاد، إذ هو من الآحاد، ويؤدي إلى تهييج الفتن والضلال. # وقال -عليه السلام- في آخر هذا الكلام ما لفظه: الغزالي يجوز للآحاد ~~التجييش والحرب. # قلت: ولا وجه له لما ذكرنا، فقال -عليه السلام-: لا وجه لجواز التجييش ~~للآحاد لما ذكر -عليه السلام- من تأديته إلى تهييج الفتن والضلال. PageV01P047 # قلت وبالله التوفيق: إذا كان التجييش للآحاد المقصود به دفع المنكر لا ~~يجوز؛ لأنه يؤدي إلى تهييج الفتن والضلال، فكيف الحال في تسليم الأموال ~~المؤدي إلى تهييج الفتن والضلال؟ مع أنه لم يقصد به دفع منكر البتة، وإنما ~~يقصد به أمرا لا رضا لله فيه، وهو السكون في الديار بين الظالمين الأشرار، ~~وقد حرم الله ذلك على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: ((ما من ~~رجل يجاور قوما فيعمل بين ظهرانيهم بالمعاصي، فلا يأخذون على يديه إلا أوشك ~~أن يعمهم الله بعقاب))، رواه أبو طالب -عليه السلام- في (الأمالي). # قلت وبالله التوفيق: وهم لم يأخذوا على ms27 يدي الظالم. # وإنما أعانوه بالمال ولم يخرجوه عنهم حتى لايكون بين ظهرانيهم، فأسأل ~~الله تعالى أن يعمهم بعذاب إلا من تاب. # وفي (شرح ابن مفتاح على الأزهار) في كتاب الوصايا: أن الوصية للمحاربين ~~من جملة المحظور. # قلت وبالله التوفيق: وكذلك تسليم الأموال إلى سلاطين الجور، إذ لا فرق. ~~ولأنه إنما قصد بذلك مجرد التمثيل لا الحصر. PageV01P048 # وفي كتب السادة من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأظنه (الجوهر ~~الشفاف) ما معناه: إن الأئمة من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~مجمعون على أنه لا يجوز إعانة الظالم على إقامة معروف أو إزالة منكر، أو ~~إزالة من هو أكثر ظلما إذا كان يؤدي إلى قوة ظلمه، وأما إذا كان لا يؤدي ~~إلى قوة ظلمه فهم مختلفون في ذلك، فمنهم من قال بتحريمه؛ لأنه متبوع وليس ~~بتابع، ولا يجوز أن يكون متبوعا. # ومنهم من قال بخلاف ذلك. # قلت وبالله التوفيق: إذا كانوا -عليهم السلام- مجمعين على تحريم ما هو في ~~الأصل واجب إذا كان يؤدي إلى قوة ظلم الظالم، فإجماعهم على(1) ذلك يدل على ~~تحريم تسليم الأموال إلى سلاطين الجور بالأولوية ؛ لأنه مؤد إلى قوتهم على ~~أكثر الظلم. # وقال الإمام الناصر لدين الله الحسن بن علي بن داود -عليه السلام- في بعض ~~جواباته ما لفظه: وعدم النقلة من ديارهم ترك واجب، وسبب لمحضورات لا تنحصر ~~بعد ولا تنضبط بحد ...إلى قوله -عليه السلام-: ولله در الإمام المنصور ~~بالله -عليه السلام- حيث قال متمثلا: # وليس حي من الأحياء نعلمه ... من ذي يمان ولا بكر ولا مضر # إلا وهم شركاء في دمائهم ... كما تشارك أنسار على جزر # وعلى الجملة أن ذلك إجماع العترة -عليهم السلام-. PageV01P049 # وفي كلام علي بن العباس، وأبي طالب، والمنصور بالله، والمهدي لدين الله ~~أحمد بن يحيى، وبعض السادة -عليهم السلام- جميعا ما يشهد بصحة ما ذكرته من ~~إجماعهم -عليهم السلام-، وكذلك قول القاسم بن إبراهيم -عليه السلام- حيث ~~قال: والمؤمنون وإن قالوا بعداوتهم في ذلك ونكالهم ... إلى آخره، وجميع هذه ~~الأقوال ms28 الشاهدة بإجماع العترة -عليهم السلام- قد تضمنها هذا الكتاب، فارجع ~~إليها تعرف حقيقة ذلك إن شاء الله تعالى، وقد قلت أنا في معنى ذلك شعرا: # هذا مقال(1) أئمتي ... من آل أحمد يامخطي # منهم وصي محمد وأبو ال ... ألى قاموا بقسطي # ودليلهم آي الكتاب وسن ... ة لا رأي مخطي # ليس الهوى بباطل ... عند المرآء ولا بخبطي # فهو الشفاء من العمى ... وهو الهدى من وعر شطي # فدع اعتراضك بالخطأ ... والإعتماد(2) على المبطي # هذا(3) ولنشرع في ذكر ما يتعلق به المخطي من الشبه وحلها: # قالوا: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كتب يوم الخندق لعيينة ~~بن حصن، ومن تابعه من غطفان بثلث ثمار المدينة من دون مشورة أهلها، فلما ~~عرفوه صلى الله عليه وآله وسلم بحالهم وقوتهم أعطاهم الكتاب فمزقوه. # قالوا: وذلك دليل على جواز تسليم المال إلى سلاطين الجور. PageV01P050 # قلت وبالله التوفيق: إن استدلالهم بذلك باطل؛ لأن ثلث ثمار المدينة إنما ~~قصد به صلى الله عليه وعلى آله وسلم تفريق الأحزاب وتفتييت أعضادهم، وذلك ~~معلوم بين أهل العلم، فلم يكن في ذلك تمكين للظالم(1) مما يجند به الجنود ~~للبغي والفساد في الأرض بغير الحق. # وفي الرواية المشهورة تصريح بمعنى هذا الذي ذكرته، وكذلك نقول بوجوب ~~تسليم المال إذا كان يؤدي إلى تفريق شمل الظالمين، ولم تتمكن من دفعهم إلا ~~به، كما قصد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الخبر بعينه، ~~لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} وهذا من ذلك. # وأما ما كان يؤدي إلى قوة ظلم الظالمين، واستمرار دولتهم فليس في هذا ~~الخبر شيء من الدلالة على جواز ذلك فتأمل. # فإن أبيت هذا المعنى فاعلم أن في الرواية المشهورة ما معناه أن أهل ~~المدينة، قالوا: يارسول الله أهذا أمر من الله أم رأي رأيته؟ # فقال: ((ليس هذا بأمر من الله، ولكنه رأي رأيته))، فإذا كان كذلك، والأمر ~~على ما تزعم من جواز تسليم ما يقوي أعضاد الظلمة فلا يصلح دليلا؛ لأنا لم ~~نعلم أيقره الله على ms29 ذلك ويبيح للناس به معاونة الظالمين؟ أم لا يقره؟ PageV01P051 # فنقول: كما قال الله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم}، لأنه قد ذكر صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه لم يكن لله في ذلك أمر، فإذا كنا لا نعلم ما حكم ~~الله تعالى فيه؟ فكيف نعتمد عليه؟ ونترك قوله تعالى: {ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان}وما وافقه من الأدلة القطعية، وهل ذلك إلا ضلال؟ # وقالوا: قد ذكر العلماء جواز تسليم معتاد الرصد، وهذا مثله. # قلت وبالله التوفيق: إن معتاد الرصد إنما جعل لحفظ الطريق عن اللصوص، وعن ~~منع المارة بخلاف ما يعطى سلاطين الجور، فإنه لتقويتهم على الفساد في الأرض ~~بغير الحق، وتجييش حزب الشيطان، وبثهم في الآفاق لسفك الدماء وأخذ أموال ~~الناس بالباطل، فالفرق بحمد الله بين، والقياس باطل. # وقالوا: إنما قلنا بجواز تسليم بعض المال ليسلم ما هو أكثر منه(1) ~~وليندفع بذلك محظورا، وهو: اغتصاب الظلمة سائر أملاكنا لو قررنا وتركناها ~~أو إفسادها. PageV01P052 # قلت وبالله التوفيق: إن ذلك لا يصح التعلق به؛ لأن الله لم يجعله عذرا في ~~محكم كتابه حيث قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين}. PageV01P053 # ووجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة على بطلان ما تمسكوا به: أن مفارقة ~~الآباء والأبناء والأخوان والأزواج والعشيرة، وكذلك الأموال ولو انتهت أو ~~فسدت؛ لأن الله تعالى لم يستثن شيئا ولم يجعله الله عذرا ولا رخصة في ترك ~~طاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وترك الجهاد في سبيله، حيث ~~قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم إلى قوله: أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله}، والمراد بذلك طاعته تعالى وطاعة رسوله، لا مجرد المحبة التي يزعمون ~~أنها لا تفارق قلوبهم؛ لأنه لو أراد ذلك لم يكن للآية معنى؛ لأن مجرد تلك ~~المحبة التي يزعمون ممكنة مع عدم المفارقة للمالن فإن أبيت ms30 هذا التأويل ~~فاعلم أن المحبة لله ولرسوله مستلزمة الطاعة الله وطاعة رسوله؛ لأن المحبوب ~~مطاع كما في قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}. # وكما يروى لأمير المؤمنين كرم الله وجهه شعرا: # تعص الإله وأنت تظهر حبه # هذا محال في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته # إن المحب لمن يحب مطيع PageV01P054 فإذا لم تكن مفارقة الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال ~~على أنواعها، ولا خشية اغتصابها وفسادها عذر ولا رخصة في ترك طاعة الله ~~وطاعة رسوله والجهاد في سبيلهن فبطريق الأولى أن لا يكون مراعاة صيانتها من ~~الانتهاب لها وفسادها عذرا، ولا رخصة في فعل معصية وهي تقوية الظالم على ~~ظلمه؛ لأنه ترك طاعة(1) الله تعالى، وهي: مباينة الظالمين، والإنفصال عنهم، ~~وترك للجهاد في سبيله، وهو نهيهم عن المنكر بالحد إذا لم يؤثر ما هو دونه ~~مع زيادة تقويتهم بما يسلمون إليهم، وذلك لا يخفى على عاقل، فتسليم بعض ~~المال ليسلم الكثير إذا كان يؤدي إلى قوة ظلم الظالم فسق بصريح قوله تعالى ~~في آخر الآية: {والله لا يهدي القوم الفاسقين}. # وقولهم: ليدفعوا بذلك محضورا وهو اغتصاب أموالهم وإفسادها ضلال عن الحق ~~بين؛ لأنهم ولو دفعوا ذلك فقد جلبوا به من المحضورات ما لا يحصى مما هو ~~أعظم من ذلك وأكثر، كقتل النفوس المحرمة [بغير الحق](2)، وتعطيل الشرائع مع ~~أن ما ذكروه واجب عليهم تركه إذا لم يتمكنوا من حمله ولا من إفساده بأنفسهم ~~لئلا ينتفع به الظالمون بنص قوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم...} الآية. PageV01P055 # لله أبوهم ألا يخافون أن يكونوا آباءهم؟ عني أمير المؤمنين -عليه السلام- ~~في قوله: (يكون في آخر الزمان قوم يتبع فيهم قوم مرآؤن فيتقرأون ويتنسكون ~~لا يوجبون(1) أمرا بالمعروف ولا نهيا عن المنكر، إلا إذا أمنوا الضرر، ~~يطلبون لأنفسهم الرخص والمعاذير، يتبعون(2) زلات العلماء، وما لايضرهم من ~~نفس أو مال، فلو أضر بالصلاة والصيام وسائر ما يعملون بأموالهم رفضوها، وقد ~~رفضوا أسماء الفرائض، وأشرفها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فريضة ~~عظيمة، ms31 بها تقام الفرائض، ألا إن الأمر بالمعروف(3) والنهي عن المنكر سبيل ~~الأنبياء، ومنهاج الصاحلين، فريضة بها تقام الفرائض، وتحل المكاسب، وترد ~~المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء، فأنكروا المنكر بألسنتكم وصكوا ~~بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم، واوحى الله عز وجل إلى نبي من ~~أنبيائه: إني معذب من قومك مائة ألف، أربعين ألفا من شرارهم، وستين ألفا من ~~خيارهم. ... يقصف من الأعداء، فأنكروا المنكر بألسنتكم ومكوها جباههم ولا ~~يخافون في الله لومة لائم، وأوحى الله عز وجل إلى نبي من أنبيائه أني معذب ~~من قومك مائة ألف: أربعين ألف من شرارهم، وستين ألف من خيارهم. # فقال: يارب هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ PageV01P056 # قال: ((داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي))، روى ذلك أبو طالب -عليه ~~السلام- في (الأمالي)، وإنما خشيت أن يكونوا إياهم عني أمير المؤمنين -عليه ~~السلام-بذلك؛ لأنهم رخصوا في تسليم ما يقوى على ترك المعروف، وفعل المنكر ~~طلبا لصيانة أموالهم فضلا عن أن يقولوا بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، فتأمل. # واعلم أنهم لم يستندوا في عذرهم ذلك إلى دليل، ولا إلى أحد من علماء ~~العترة -عليهم السلام-، وما ذاك إلا لأن الأدلة قاضية ببطلان ما تمسكوا به ~~كما رأيت، ولأن العترة -عليهم السلام- مجمعون على أن ذلك غير رخصة كما حكاه ~~علي بن العباس فيما مضى، وقال بإفساد الغلات، وخراب القرى(1) لئلا ينتفع ~~بها العدو، وكذلك قد صح لنا من عيون العترة -عليهم السلام-، والجمهور من ~~علماء الأمة أن الخشية على المال لا تكون رخصة في ترك الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر كما تقدم ذكره، فكيف تكون رخصة في عماد المنكر وأساسه؟ ~~وهو تسليم المال إلى الجبارين، فافهم ذلك.، وأيضا لو غلب بعض الجبارين على ~~بعض المسلمين، وقال لا عذر لك من أحد أمرين : PageV01P057 # إما الاستمرار على ترك الصلاة، أو إفساد جميع ما تملك، وهو يعلم أنه لو ~~أفسد أملاكه أنه يعيش بأن ينتقل في الأرض لطلب المعاش، لعلمنا أنه إن اختار ~~الإستمرار على ترك الصلاة لصيانة دنياه، ms32 فقد آثر الحياة الدنيا على الآخرة، ~~وكان من جملة من ذكره الله تعالى في قوله: {فأما من طغى، وآثر الحياة ~~الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى}، ولا يخرج من هذا ممن ابتلي بذلك إلا من لم ~~يصنع كذلك، والإجماع المعلوم على ذلك، وكذلك والله أهل زماننا فإنهم تركوا ~~نهي الجبارين عن المنكر وهم يقدرون عليه، لولا تخاذلهم بل(1) أمدوهم ~~بالأموال الجليلة التي تقووا بها على فعل المنكر صيانة لدنياهم وإيثارا ~~لها، وأنه لولا تخاذلهم لم يكن شيء من ذلك، ولعاشوا، فلا يخرج من حكمهم هذا ~~إلا من باينهم ولم يصنع كما صنعوا وإلا كان مشاركا لهم في ذلك ضرورة. # وقالوا: لو هاجرنا لانتفع الظالمون بالمال بعدنا، فلم تؤثر هجرتنا إلا التعب. PageV01P058 # قلت وبالله التوفيق: الواجب إفساد المال كما تقدم ذكره لئلا ينتفع به ~~الظالمون، والدليل على ذلك قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان}، وترك إفساده معاونة لهم؛ لأن المعلوم أنهم ~~ينتفعون به، وكذلك إجماع العترة -عليهم السلام- المقدم ذكره، كذلك دليل ~~عليه، فإن لم يتمكن من إتلافه ترك لهم، وما استعانوا به منه بعد إذ، فلا ~~يؤآخذ به؛ لأنه لم يدخل في تحت وسعه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وليس ~~ذلك بمرخص في بقائه، والدخول تحت طاعتهم؛ لأن انتفاعهم به أهون من انتفاعهم ~~بما يستمر من تسليم الأموال إليهم؛ لأن ما يستمر غير منقطع، وذلك منقطع ولا ~~شك، إنما يتقوون به على المنكر، وينقطع أهون من الذي يتقوون به عليه ~~ويستمر. # فإن قيل: فإن منها ما يستمر كالمزارع؛ لأنه يأتي من يزدرعها ويستمر ~~تسليمه إليهم من غلاتها. # قلت وبالله التوفيق: قد ثبت بما تقدم أن تسليم الأموال إليهم محرم من ~~أرباب المزارع كان، أو من غيرهم، والإثم على فاعله لقوله تعالى: {ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى} أي: لا يحمل مذنب ذنب مذنب غيره، فلما كان كذلك علمنا أن ~~الذنب على من يزرعها، ويسلم إليهم من غلاتها دون من تجنب ذلك فهو كالزنا، ~~وليس في شريعة الإسلام ms33 إباحة الزنا لأجل أن الغير لا يتركه، وذلك بحمد الله واضح. # وقالوا: قد عمت المحنة وشملت الفتنة، فالمهاجر من أرضه لم ينج من تسليم ~~الأموال إليهم. PageV01P059 # قلت وبالله التوفيق: هذا خلاف ما نعلمه؛ لأنا نعلم أن كثيرا من الأرض ذات ~~الطول والعرض لو هاجروا إليها لنجوا من تسليم الأموال إليهم ولكن بعدت ~~الشقة عليهم فكأن الأرض لم تكن إلا حيث يهوون، هلا اقتدوا بالمؤمنين من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما كان من هجرتهم إلى الحبشة ~~تارة، وإلى المدينة أخرى مع التعب الشديد والسفر البعيد. # فإن قالوا: لسنا كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # قلت وبالله التوفيق: إن أردتم أنكم لستم كأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في التكليف بالأحكام الشرعية، فقد كذبتم جهارا؛ لأن التكليف ~~بالأحكام الشرعية متحد ماعدا المستثنى. # ومن جملتها ترك تقوية الظالمين، والفرار إلى أرض الله الواسعة كما قال ~~تعالى:{ قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}، وإن أردتم أنكم لستم ~~كمثلهم في فعل الطاعة فلقد صدقتم، فإنهم أطاعوا الله سبحانه وأنتم عصيتم. # وقلتم(1): إنا نخاف الضياع إذا هاجرنا إلى غير الأماكن التي لا تنجو من ~~تسليم الأموال فيها، وقد جربنا تقاصر الرزق والحاجة في هذه الأماكن القريبة ~~فضلا عن غيرها. # قلت وبالله التوفيق: وقد وعد الله سبحانه بالرزق للمهاجرين في سبيل الله، ~~قال تعالى: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة}. PageV01P060 # قال الهادي-عليه السلام-في تفسير هذه الآية: فيمن هاجر من ديار الظالمين ~~ولحق بدار الحق والمحقين رزقه الله من الرزق الواسع ما يرغم به أنف من ~~ألجأه إلى الخروج من وطنه. # وقال تعالى: {الذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا ~~حسنة ولاجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون}، ~~فقال تعالى: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة}، وذلك الرزق الواسع الحسن، فقد وعد ~~الله بذلك، وهو سبحانه لا يخلف وعده، وقد وعد إبليس بخلافه، قال تعالى: ~~{الشيطان يعدكم ms34 الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا}، فمن ~~كان وعده عندكم أصدق فتوكلوا عليه فهو حسبكم؟ # وأما قولكم: قد جربتم تقاصر الرزق والحاجة في الأماكن القريبة فضلا عن غيرها. PageV01P061 # فالجواب والله الموفق للصواب: أن ذلك لما علم الله سبحانه وتعالى أن {من ~~الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب ~~على وجهه خسر الدنيا والآخرة} كما أخبر الله في كتابه العزيز جعل ذلك بلية ~~ليمحص الله الذين آمنوا حتى يحصل منهم ما يستوجبون به الثواب الجزيل ~~والسلامة من العذاب الأليم من الصبر على بلاء الله والرضى بما قسم الله، ~~ويمحق الذين يؤثرون الحياة ا الدنيا على الآخرة، حتى يحصل منهم ما يستوجبون ~~به النكال والخلود في النار من عدم الصبر على بلاء الله وترك الرضا بماقسم ~~الله، والانقلاب على الأعقاب. # فإن قيل: إنك قد ذكرت أن الله سبحانه يوسع على المهاجرين في سبيل الله، ~~واحتججت بالآيتين(1) المتقدم ذكرهما، وذكرت هنا أنه قد يقع القصور في ~~المعيشة ابتلاء من الله تعالى. # قلت وبالله التوفيق: أن المعنى في ذلك أن الله تعالى متى علم وقوع الصبر ~~على بلائه والرضا بقسمته(2) وسع على عبيده المخلصين ليجمع لهم بين النعمتين ~~الثواب على الصبر، والرضا، والتوسعة في الآرزاق في الدنيا، فيكون جمعا بين ~~خيري الدنيا والآخرة. PageV01P062 # والذي يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ~~ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولاجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون، ~~الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} [فقال تعالى: {الذين صبروا}](1) وليس الصبر ~~إلا على ما يتحمل من المشاق، وذلك منها، فتأمل. # وقوله تعالى: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في ~~سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين} إلى قوله تعالى: ~~{فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} فقال ~~تعالى: {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة}، والفاء للتعقيب، ~~والمعنى أن الله سبحانه آتاهم ذلك بعد الصبر، ms35 وأيضا أن من المعلوم لمن بحث ~~[في](2) السير أن المهاحرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يقع لهم الرخاء إلا بعد الشدة والبلاء، شهد بذلك قوله تعالى: {أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم...} الآية. PageV01P063 # وقال علي-عليه السلام-في بعض خطبه: (فمن أخذ بالتقوى عزبت عنه الشدائد بعد ~~دنوها، واحلولت له الأمور بعد مرارتها، وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها ~~وأسهلت له الصعاب بعد إنصبابها، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها، وتحدئت(1) ~~عليه الرحمة بعد نفورها، وتفجرت عليه النعم بعد نضوبها، ووبلت عليه البركة ~~بعد أرذاذها). # وقالوا: إن أكثر الناس على ذلك، ومن البعيد أن يكونوا على الخطأ، ومن لا ~~يكاد يوجد إلا على سبيل الندرة على الصواب. # قلت وبالله التوفيق: قد تبين بحمد الله الحجة على ذلك من الكتاب والسنة، ~~وإجماع العترة -عليهم السلام-، والعقل أيضا قاض على أن الإعانة على القبيح ~~قبيحة، والكثرة لا تأثير لها في إبطال حجج الله سبحانه لا سيما وقد قال ~~تعالى: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين}. # وقال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}، وقال تعالى: {وإن تطع ~~أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله}. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا))، ولعل ~~هذا الخبر لا خلاف في صحته، وهو في (الأمالي) لأبي طالب بإسناده إلى جابر ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وفيه زيادة، وهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فطوبى للغرباء)). # قال: ومن هم يارسول الله؟ # قال: ((الذين يصلحون عند فساد الناس)). PageV01P064 # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((بعثت بين جاهليتين أخراهم أعظم من ~~أولاهم))، رواه الإمام أبو القاسم بن إبراهيم-عليه السلام-في (المسائل)، ~~والأمير الحسين-عليه السلام-في (الشفاء) في كتاب الزكاة. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((تكردس الفتنة في جراثيم العرب حتى ~~لايقال الله، ثم يبعث الله قوما يجتمعون كما يجتمع قزع الخريف، وهناك يحيي ~~الله الحق ويميت الباطل))، رواه الهادي-عليه السلام-في (الأحكام). # وقال علي ms36 -عليه السلام-: (يوشك الناس أن ينقصوا حتى لا يكون شيء أحب إلى ~~امرء مسلم من أخ مؤمن، أو من درهم من حلال وأنى له)، رواه زيد بن علي-عليه ~~السلام-في (مجموعه). # وقال -عليه السلام- في (نهج البلاغة): (أيها الناس سيأتي عليكم زمان يكفأ ~~فيه الإسلام كما يكفأ الإناء بما فيه). # وقالوا: إذا كانت الهجرة لأجل ذلك واجبة، فأين يسع الناس في إطباقهم عليه ~~وكثرتهم؟. # قلت وبالله التوفيق: إن الهجرة لا تجب إلا عند إصرار الأكثر وتماديهم على ~~ذلك لا إذا اعترفوا بكون ذلك باطلا، ورجعوا إلى الله وتابوا، إذ لو حصل ~~منهم لذبوا عن دينهم، وكانت الهجرة حينئذ إليهم؛ لأن من المعلوم أنه لولا ~~تقوية الأكثر للظالمين بما يسلمون إليهم من الأموال لما استقامت لهم دولة، ~~وذلك بحمد الله واضح، وكذلك أنا نعلم لولا تخاذلهم لما استولى ظالم على قطر ~~من أقطار المسلمين، لكنهم تخاذلوا ولم يعملوا بقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي}. PageV01P065 # ولله در أمير المؤمنين-عليه السلام-حيث قال في بعض خطبه: ( أيها الناس، إنه ~~لابد من رحى ضلالة تطحن ألآ وإن لطحنها دويا، ألا وإن على الله فلها، ألا ~~وإنه لا يزال البلاء بكم من بعدي حتى يكون المحب لي والمتبع لأثري(1) أذل ~~بين أهل زمانه من فرج الأمة). # ولم ذلك؟ # (ذلك بما كسبت أيديكم، ورضاكم بالدنية في الدين، ولو أن أحدكم إذا ظهر ~~الجور من أئمة الجور باع نفسه من ربه، وأخذ حظه من الجهاد لقام دين الله ~~على قطبه، الدنيا الفانية، ولرضيتم من ربكم فنصركم). # قلت والله المستعان: إن الذين يقتدى بهم من أهل زماننا يقولون بنقيض ما ~~قال أمير المؤمنين عليه السلام، يقولون ما معناه: ادفعوا أيها الناس إلى ~~الظالمين ما يتقوون به على الجور، وأنتم من مكر الله آمنون، وبأهل رضاه ~~لاحقون، ولا تلتفتون إلى ما يقول هؤلاء الذين قد(2) اقتحمتهم العيون، ~~وحقرتهم القلوب، وما عسى أن يكونوا قد بلغوا في العلم؟ ونحن أكثر منهم ~~قدرا، وأقدم منهم عمرا، قد حفظنا الأقاويل وأتقنا التأويل، وأحسنا التعليل، ~~فإنه لا ms37 يجب عليكم ترك تسليم الأموال(3) إليهم فضلا عن النكير عليهم إلا ~~عند الأمان على الطارق والتلاد، وما اقترفتموه في البلاد لتعودوا به على ~~الأهل والأولاد، وتستعينوا به على مسألة الحاضر والباد. PageV01P066 # قلت وبالله التوفيق: كأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى [حيث قال:](1) {إنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم}، وحيث قال تعالى: {المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~أملا}، وحيث قال: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم ~~فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما ~~صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}، وحيث قال تعالى: {فأما من طغى، وآثر ~~الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى}، وحيث قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم...} إلى قوله: {القوم الفاسقين}، وحيث قال: {أيحسبون ~~أنما نمدهم به من مال وبنين، نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون}. PageV01P067 # وحيث قال: {بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى}، مع إقرارهم بأنهم ~~ليسوا بمجتهدين(1)، ولا بطريق الإستدلال عارفين، ولا من نصوص أئمتهم لذلك ~~آخذين، وقد قال تعالى: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان...، إنما يأمركم بالسوء ~~والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}. # وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن...} إلى قوله ~~تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}. # وقال تعالى: {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين}. # وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أعان على خصومة بغير علم ~~كان في سخط الله حتى ينزع))، رواه أبو طالب -عليه السلام- في (الأمالي). # وقال علي -عليه السلام-: (لايفتي الناس إلا من قرأ القرآن، وعلم الناسخ ~~والمنسوخ، وفقه السنة، وعلم الفرائض والمواريث) رواه زيد بن علي -عليه ~~السلام- في (مجموعه). PageV01P068 # وقال -عليه السلام- في (نهج البلاغة): (وإن العامل بغير علم كالسائر على ~~غير الطريق، فلا يزيده بعده عن الطريق إلا بعدا من حاجته، والعامل بالعلم ~~كالسائر على الطريق الواضح)، مع ما في ذلك ms38 من خطر الاستمرار، كما في قوله ~~تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم ألا ساء ما يزرون}. # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحيا سنة من سنتي قد أميتت من بعدي ~~فله أجر من عمل بها من الناس لا ينتقص(1) ذلك من أجور الناس شيئا، ومن ~~ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه إثم من عمل بها [من الناس](2) ~~لا ينقص ذلك من إثم الناس شيئا))، رواه الهادي-عليه السلام-في الأحكام. # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ~~ما كان يظن أنها تبلغ ما بلغت، فيكتب له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن ~~الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أنها تبلغ ما بلغت فيكتب له ~~بها سخطه إلى يوم يلقاه))، رواه الهادي -عليه السلام-في (الأحكام) أيضا. PageV01P069 # أيها الناس: اعرفوا الحق تعرفوا من لزمه، فاهتدى بهديه، واستضاء بنوره، ~~واعرفوا الباطل تعرفوا من لزمه فضل بضلاله وارتطم في ظلماته، فقد قال ~~تعالى: {فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم ~~الله وأولئك هم أولوا الألباب}. # وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك ~~كان عنه مسئولا}. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن هذا العلم دين فانظروا عن من تأخذون ~~دينكم))، رواه أبو طالب -عليهم السلام- في (الأمالي). # وقال أمير المؤمنين -عليه السلام- في (نهج البلاغة): (فإنما البصير من ~~سمع فتفكر، ونظر بأبصر، وانتفع بالعبر، ثم سلك جددا واضحا، يتجنب فيه ~~الصرعة في المهاوي والضلال في المغاوي، ولا يعين على نفسه الغواة بتعسف من ~~حق، أو تحريف في نطق، أو تخوف من صدق، ولاتنظروا إلى أحوال الرجال، فقد قال ~~الله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا والعاقبة للمتقين}. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((كم من عاقل عقل عن الله أمره وهو حقير ~~عند الناس، ذميم المنظر، ينجو غدا من ظريف اللسان، جميل ms39 المنظر عند الناس، ~~يهلك غدا في القيامة))، رواه أبو طالب-عليه السلام-في (الأمالي). PageV01P070 # وقال علي-عليه السلام-في خطبته المشهورة المعروفة ب(القاصعة): (فإن الله ~~سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم، ~~وإياكم ومتابعة من اشتدت رغبته في الدنيا، فقد قال الهادي-عليه السلام-في ~~(كتاب الخشية) ما لفظه: ومن اشتدت رغبته في الدنيا طلب لنفسه التأويلات، ~~وتقحم بلا شك في المهلكات، وكان عند الله من أهل الخطيئات. # قلت وبالله التوفيق: ومن الدليل على صحة ما قاله الهادي عليه السلام، ~~قوله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ~~وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما ~~صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}. # وما رواه أبو طالب -عليه السلام- في (الأمالي) بإسناده إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في حديث طويل: ((ألآ وإنه من رغب في الدنيا وطال فيها ~~أمله أعمى الله قلبه على قدر رغبته فيها)). # قلت وبالله التوفيق: ومعنى ذلك أن الله تعالى يخذله ويسلبه الألطاف، ~~ويكله إلى نفسه، فيكون سيقة للشيطان يعمل بالشبهات(1)، ويطلب بصرائح الأدلة ~~من التأويلات حتى يردها إلى ما يطابق هواه، ويصلح له دنياه. PageV01P071 # وما قاله أمير المؤمنين-عليه السلام-في كلام طويل، كلم به كميل بن زياد وهو ~~قوله: (أو منهوما باللذة، سلس القياد للشهوة، أو مغرما بالجمع والإدخار، ~~ليس(1) من رعاة الدين في شيء، أقرب شيء شبها بالأنعام السائمة، ولا يقولوا ~~بعد تبيين الحق ووضوحه نعمل بخلاف هذا، ونجعل بيننا وبين النار عالما، فإني ~~أخاف أن يكون ذلك شركا؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن قوله ~~تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}. # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم ~~كانوا يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله ~~لهم فيحرمونه)) رواه أبو طالب-عليه السلام-في (الأمالي). # قلت وبالله التوفيق: وهذا [الحديث صحيح](2) لموافقته لقوله(3) تعالى: ~~{وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}. ms40 # ووجه كونهم مشركين أنهم قد تقلدوا حكما والتزموه، وعبدوا له أنفسهم ~~إمتثالا لمن شرعه لهم وابتدعه، وهو غير الله سبحانه، فقد جعلوا لله شريكا ~~في تشريع الشرائع، وذلك بحمد الله واضح. # وقوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}، نص صريح على ذلك. PageV01P072 # ولا يقل أحدكم إن الذي أعطيته كمجة في لجة، فلا يكون مؤثرا في إعانتهم؛ ~~لأنا نقول وبالله التوفيق: إن الإجماع المعلوم بين الأمة أن المشاركة في ~~ارتكاب المعصية محرم بل ذلك معلوم من الدين ضرورة، وفاعل ذلك مشارك ضرورة، ~~وأيضا لو كان ذلك عذرا للواحد لكان عذرا للجميع؛ لأن لكل واحد أن يقول ذلك ~~وإلا كان تحكما، وجميع ما تقدم يشهد ببطلانه، ولا تقولوا إن الأمر مشتبه ~~علينا، لأنا لا أنا نعلم صحة هذا القول، ولا صحة ما يخالفه فنداري على ~~دنيانا، ولعل الله لا يؤاخذنا بما لا نعلم. # لأنا نقول وبالله التوفيق: إن الأدلة القطعية تقضي بتحريم العمل في ~~بالمشتبه. # قال الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسئولا}. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((بئس القوم قوم يستحلون الشهوات ~~بالشبهات))، رواه أبو طالب-عليه السلام-في (الأمالي) في حديث طويل. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، رواه ~~الأمير الحسين-عليه السلام-في الشفاء. # ونحو ذلك من الأحاديث كثير حتى تواتر معنى، وأفاد العلم قطعا. # وقال علي-عليه السلام-في بعض خطبه: (ولا ترخصوا لأنفسكم فتذهب بكم الرخص ~~مذاهب الظلمة). # وقال عليه السلام: (إن العامل بغير علم كالسائر على غير طريق فلا يزده ~~بعده عن الطريق إلا بعدا عن حاجته) وقد تقدم ذلك. PageV01P073 # وقال المنصور بالله عليه السلام: (تتبع الرخص زندقة). # وفي (الغيث) ما معناه: أنه يحرم تتبع الرخص اتباعا للهوى إجماعا، وكذلك ~~في (الفصول)، وهذا من تتبع الرخص اتباعا للهوى؛ لأنه عمل بالأخف اتباعا لما ~~تهواه النفوس من الاستصلاح لدنياهم، يريدون بذلك الراحة، وما أبعدها! # أما في الآخرة فإنه ليس لمن عصى الله ومات مصرا على ms41 ذلك عند الله إلا ~~العذاب الأليم. # وأما في الدنيا فقد قال تعالى: {كذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون}. # ومعنى الآية أن الله يسلط الجبابرة على من عصاه حتى لا تتم لهم راحة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [من](1) أنه قال ما لفظه أو ~~معناه: ((من حاول أمرا بمعصية الله تعالى كان أفوت لما رجى وأقرب لمجيء ما ~~اتقى)). PageV01P074 # وقال علي كرم الله وجهه في الجنة في (نهج البلاغة): (لا يترك الناس ~~[شيئا](1) من دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه، ~~أيها الناس لاتستوحشوا في طريق الحق لقلة أهله، ولا يجرمنكم استحقار أهل ~~الزمان للعاملين به أن لا تعملوا به، ولا تستهوينكم الدنيا فتؤثروها على ~~الآخرة، وقد قال تعالى: {فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي ~~المأوى}، اذكروا انقطاع اللذات وبقاء التبعات، وانظروا في أثر الماضين ~~واستنطقوها عن أخبارهم تخبركم، والله بلسان الحال، إنهم أفردوا عن دنياهم ~~إلى القبور وتركوا ورائهم الذخائر والقصور، فلم يدفع عنهم شيئا مما نزل بهم ~~من معضلات الأمور، وعلموا بعد ذلك أنه لاينفع مال ولا بنون ألا من أتى الله ~~بقلب سليم. PageV01P075 # قال أمير المؤمنين كرم الله وجهه في الجنة في بعض خطبه: (ألا وإن هذه ~~الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون إليها وأصبحت تغضبكم وترضيكم ليست ~~بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له، ولا الذي دعيتم إليه، ألا وإنها ليست ~~بباقية لكم، ولا تبقون عليها، وهي وإن غرتكم فقد حذرتكم شرها، فدعوا غرورها ~~لتحذيرها، وأطماعها لتخويفها، وسابقوا فيها إلى الدار التي دعيتم إليها، ~~وانصرفوا بقلوبكم عنها، ولا يختن أحدكم خنين الأمة(1) على ما زوي عنه منها، ~~واستتموا نعمة الله عليكم بالصبر على طاعة الله والمحافظة على ما استحفظكم ~~من كتابه، ألآ وإنه لايضركم تضييع شيء من دنياكم بعد حفظكم قائمة دينكم، ~~ألا وإنه لا ينفعكم بعد تضييع دينكم شيء حافظتم عليه من أمر دنياكم). # وقال علي-عليه السلام-في خطبة أخرى: (وأيم الله ما كان قوم قط في غض(2) ~~نعمة ms42 من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها؛ لأن الله ليس بظلام للعبيد. # قلت وبالله التوفيق: ومما يشهد بصحة ذلك قوله تعالى: {أن الله لم يك ~~مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم}، ~~أفلا تخافون زوال دنياكم لذنوب قومتم بها عمود الجور والفساد، وأقمتم بها ~~رايات الضلالة وجعلتموها أساسا لحزب الشيطان؟ فتصبحوا لا دنيا ولا آخرة! PageV01P076 # اللهم إن هذا جهدي في النصيحة، اللهم فمن عرف الحق فاتبعه، ونهى نفسه عن ~~هواها وكدها(1) في مرضاتك، وصبر على بلائك، فاشرح صدره واهد قلبه ووسع ~~عليه، وارزقه رزقا حسنا، وأحيه حياة طيبة، وارحمه إذا توفيته، وأسكنه جنتك، ~~وقه عذابك، وارزقه شفاعة صفيك[ونجيك] (2) نبيك ورسولك محمد بن عبد الله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم. # اللهم، ومن عرف الحق فخالفه، واتبع هوى النفس إيثارا للدنيا الفانية على ~~نعيم الآخرة الباقية، فاطمس على ماله، واشدد على قلبه، فلا يؤمن حتى يرى ~~العذاب الأليم، اللهم، ومن أعان على هدم دينك وظلم أهل بيت نبيك، وسفك ~~الدماء، وتهييج الدهماء، وانتهاب الأرامل والمساكين والمستضعفين الذين ~~لايستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا من غير ضرورة ملجية إلا اتباع الهوى، ~~وحبا للدنيا، فابلسهم بما كسبوا وسلط عليهم من لا يرحمهم، وأذقهم لباس ~~الجوع والخوف، وابتلهم بالشدائد والزلازل، وامحق دنياهم، وعجل آجالهم ~~بالموت الأحمر والجوع الأغبر، ولا تؤمنهم يوم الفزع الأكبر. # اللهم، واجعل هذه النصيحة خالصة لوجهك الكريم، واكتبها لي حسنة لديك، وحط ~~يا إلهي وزري، وبارك لي في أمري، ووفقني لما يرضيك واعصمني عن معاصيك، ~~واختم لي ولوالدي وللمؤمنين بخير يا أرحم الراحمين، والحمد الله رب ~~العالمين. PageV01P077 # وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم(1) PageV01P078 . ms43