######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004027 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشيخ البهائي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1031 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الحديقة الهلالية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004027 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4027_الحديقة-الهلالية-الشيخ-البهائي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: السيد علي الموسوي الخراساني #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: ربيع الأول 1410 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم وبه الاستعانة نحمدك يا من أطلع في فلك الهداية ~~شمس النبوة، وقمر الولاية، ونصلي على قطب مداره وآله، أهلة سماء الاهتداء، ~~ونسلم تسليما كثيرا. وبعد: # فيقول أقل الخلائق محمد المشتهر بهاء الدين العاملي عامله الله بإحسانه: # هذه الحديقة الثالثة والأربعون من كتابنا الموسوم بحدائق الصالحين في شرح ~~صحيفة مولانا وإمامنا قبلة أهل الحق واليقين علي بن الحسين زين العابدين ~~سلام الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، تتضمن شرح الدعاء الثالث والأربعين، ~~وهو دعاؤه عليه السلام عند الاستهلال أمليتها مع وفور الملال، لتوزع البال، ~~واختلال الحال، راجيا من الله تعالى أن يوفقني لإكمال بقية الحدائق، إنه ~~مفيض الخير وملهم الحقائق. # وكان من دعائه عليه السلام إذا نظر إلى الهلال: # سمي هلالا لجريان عادتهم برفع الأصوات عند رؤيته، مأخوذ من الإهلال، وهو ~~رفع الصوت، ومنه قولهم: أهل المعتمر، إذا رفع صوته بالتلبية، واستهل الصبي ~~إذا صاح عند الولادة. # وقد اضطربوا في تحديد الوقت الذي يسمى فيه بهذا الاسم، فقال في ~~PageV00P065 # " الصحاح ": الهلال أول ليلة، والثانية والثالثة، ثم هو قمر (1). # وزاد صاحب القاموس فقال [4 / أ]: الهلال غرة القمر، أو إلى ليلتين، أو ~~إلى ثلاث، أو إلى سبع، ولليلتين من آخر الشهر ست وعشرين وسبع وعشرين، وفي ~~غير ذلك قمر (2). إنتهى. # قال الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي (3) نور الله مرقده - في تفسيره ~~الموسوم بمجمع البيان عند قوله تعالى: * (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت ~~للناس والحج) * (4) -: اختلفوا في أنه إلى كم يسمى هلالا، وإلى كم يسمى ~~قمرا؟. # فقال بعضهم: يسمى هلالا لليلتين من الشهر، ثم لا يسمى هلالا إلى أن يعود ~~في الشهر الثاني. # وقال آخرون: يسمى هلالا ثلاث ليال، ثم يسمى قمرا. # وقال آخرون: يسمى هلالا حتى يحجر، وتحجيره أن يستدير بخيط دقيق; وهذا قول ~~الأصمعي (5). # PageV00P066 # وقال بعضهم: يسمى هلالا حتى يبهر ضوؤه سواد الليل، ثم يقال قمرا، وهذا ~~يكون في الليلة السابعة (1). إنتهى كلامه زيد إكرامه. # ولا يخفى أن قوله - وهذا يكون إلى آخره - يخالف بظاهره (2) قول صاحب ms01 ~~القاموس " أو إلى سبع "، ووجه التوفيق بينهما غير خفي (3). # قالوا: وإنما يسمى بعد الهلال قمرا لبياضه، فإن الأقمر هو الأبيض (4). # وقيل: لأنه يقمر الكواكب، أي يغلبها بزيادة النور. # ويسمى في الليلة الرابعة عشرة بدرا، قال في الصحاح: سمي بذلك لمبادرته ~~الشمس في الطلوع كأنه يعجلها المغيب (5). # وقال بعضهم: سمي بدرا لكماله، تشبيها له بالبدرة الكاملة وهي عشرة آلاف ~~درهم (6). # PageV00P067 # مقدمة: # لا ريب في استحباب الدعاء عند رؤية الهلال، تأسيا بالنبي صلى الله عليه ~~وآله، وقد فعله أمير المؤمنين عليه السلام، والأئمة من ولده سلام الله ~~عليهم (1) [4 / ب]. # وذهب ابن أبي عقيل (2) رحمه الله إلى وجود الدعاء عند رؤية هلال شهر ~~رمضان (3). # وهو قول نادر لا نعلم له فيه موافقا، وربما حمل قوله بالوجوب على إرادة ~~تأكيد الاستحباب صونا له عن مخالفة الجمهور. # والدعاء الذي أوجبه هو هذا: # " الحمد لله الذي خلقني وخلقك، وقدر منازلك، وجعلك مواقيت للناس; اللهم ~~أهله علينا إهلالا مباركا; اللهم أدخله علينا بالسلامة والإسلام، واليقين ~~والإيمان، والبر والتقوى، والتوفيق لما # PageV00P068 # تحب وترضى ". # وكأنه - قدس الله روحه - وجد الأمر بهذا الدعاء في بعض الروايات فحمله ~~على الوجوب، كما هو مقرر في الأصول، ولم يلتفت إلى تفرده بين الأصحاب رضوان ~~الله عليهم بهذا الحكم. # وهذا كحكمه - رحمه الله - بعدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة ما ~~لم يتغير (1)، ولا يعرف به قائل، من أصحابنا رضي الله عنهم، سواه. # وحسن الظن به - أعلى الله قدره - يعطي أنه لم ينعقد في عصره إجماع على ما ~~يخالف مذهبه في المسألتين، أو أنه انعقد ولم يصل إليه، والله أعلم بحقيقة ~~الحال. # تتمة: # يمتد وقت الدعاء بامتداد وقت التسمية هلالا، والأولى عدم تأخيره عن ~~الأولى، عملا بالمتيقن المتفق عليه لغة وعرفا. فإن لم يتيسر فعن الثانية; ~~لقول أكثر أهل اللغة بالامتداد إليها; فإن فاتت فعن الثالثة; لقول كثير ~~منهم بأنها آخر لياليه. # وأما ما ذكره صاحب القاموس، وشيخنا الشيخ أبو علي رحمه الله - من إطلاق ~~الهلال عليه إلى السابعة - (2) فهو خلاف المشهور لغة وعرفا، ms02 وكأنه مجاز، من ~~قبيل إطلاقه عليه في الليلتين الأخيرتين، والله أعلم. # PageV00P069 # تبصرة: # حكم العلامة (1) - أعلى الله مقامه - باستحباب الترائي للهلال ليلتي ~~الثلاثين من شعبان وشهر رمضان على الأعيان، وبوجوبه فيهما على الكفاية. # واستدل - طاب ثراه على الوجوب - بأن الصوم [5 /] واجب في أول شهر رمضان، ~~وكذا الإفطار في العيد، فيجب التوصل إلى معرفة وقتهما، لأن ما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب (2). هذا كلامه زيد إكرامه. # وأقول: للبحث فيه مجال، لأنه إنما يجب صوم ما يعلم أو يظن أنه من شهر ~~رمضان، لا ما يشك في كونه منه، وهكذا إنما يجب إفطار ما يعلم أو يظن أنه ~~العيد، لا ما يشك في أنه هو (3)، كيف والأغلب في الشهر أن يكون تاما (4)، ~~كما يشهد به التتبع؟!. # PageV00P070 # هداية: # الأدعية المأثورة عند النظر إلى الهلال كثيرة، فبعضها يعم كل الشهور، ~~وبعضها يختص بشهر رمضان. # فمن القسم الأول: # ما رواه الشيخ الصدوق، عماد الإسلام، محمد بن علي بن بابويه (1) رحمه ~~الله في كتاب من لا يحضره الفقيه; ورواه أيضا شيخ الطائفة، أبو جعفر محمد ~~بن الحسن الطوسي (2) عطر الله تربته، في كتاب تهذيب الأخبار، ومصباح ~~المتهجد، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " إذا رأيت الهلال فلا ~~تبرح، وقل: # (اللهم إني أسألك خير هذا الشهر، وفتحه ونوره، ونصره، وبركته، وطهوره ~~ورزقه; وأسألك خير ما فيه وخير ما بعده، وأعوذ # PageV00P071 # بك من شر ما فيه وشر ما بعده; اللهم أدخله علينا بالأمن والإيمان، ~~والسلامة والإسلام والبركة، والتوفيق لما تحب وترضى) " (1). # ومنه ما رواه الشيخ الصدوق أيضا، في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام، ~~عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ~~رأى الهلال قال: " أيها الخلق المطيع، الدائب السريع، المتصرف في ملكوت ~~الجبروت بالتقدير، ربي وربك الله. اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، ~~والسلامة والإسلام والإحسان، وكما بلغتنا أوله فبلغنا آخره، واجعله شهرا ~~مباركا، تمحو فيه السيئات، وتثبت لنا فيه الحسنات، وترفع لنا فيه الدرجات، ~~يا عظيم الخيرات) " (2). # ومنه ms03 ما أورده السيد الجليل الطاهر، ذو المناقب والمفاخر، رضي الدين علي ~~بن طاووس (3) قدس الله نفسه، ونور رمسه، في كتاب الزوائد # PageV00P072 # والفوائد (1). وهو أن يقول عند رؤيته [6 /]: " ربي وربك الله رب ~~العالمين. # اللهم صل على محمد وآل محمد، وأهله علينا وعلى أهل بيوتاتنا، وأشياعنا ~~بأمن وإيمان، وسلامة وإسلام، وبر وتقوى، وعافية مجللة، ورزق واسع حسن، ~~وفراغ من الشغل، واكفنا بالقليل من النوم، ووفقنا للمسارعة فيما تحب وترضى ~~وثبتنا عليه; اللهم بارك لنا في شهرنا هذا، وارزقنا بركته وخيره، وعونه ~~وغنمه، ونوره ويمنه، ورحمته ومغفرته، واصرف عنا شره وضره، وبلاءه وفتنته; ~~اللهم ما قسمت فيه من رزق أو خير أو عافية أو فضل، أو مغفرة أو رحمة فأجعل ~~نصيبنا منه الأكثر، وحظنا فيه الأوفر " (2). # ومنه ما أورده أيضا في الكتاب المذكور وهو أن يقول عند رؤيته: # " الله أكبر - ثلاثا - ربي وربك الله لا إله إلا هو رب العالمين، # PageV00P073 # الحمد لله الذي خلقني وخلقك، وقدرك منازل، وجعلك آية للعالمين، يباهي ~~الله بك الملائكة; اللهم أهله علينا الأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ~~والغبطة والسرور، والبهجة والحبور، وثبتنا على طاعتك، والمسارعة فيما ~~يرضيك; اللهم بارك لنا في شهرنا هذا، وارزقنا خيره وبركته، ويمنه وعونه ~~وقوته، واصرف عنا شره وبلاءه وفتنته، برحمتك يا أرحم الراحمين " (1). # ومن القسم الثاني: # ما رواه ركن الملة، ثقة الإسلام، محمد بن يعقوب الكليني (2) - سقى الله ~~ضريحه صوب الرضوان - في كتاب الكافي; ورواه آية الله العلامة طاب ثراه في ~~التذكرة، ومنتهى المطلب; عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهم ~~السلام قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أهل شهر رمضان استقبل ~~القبلة ورفع يديه فقال: (اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة ~~والإسلام والعافية المجللة، والرزق الواسع، ودفع الأسقام; اللهم ارزقنا ~~صيامه وقيامه وتلاوة القرآن فيه، وسلمه لنا، # PageV00P074 # وتسلمه منا، وسلمنا فيه) " (1). # ومنه ما أورده الشيخ الصدوق طاب ثراه في كتاب من لا يحضره الفقيه أيضا، ~~نقلا عن أبيه رضي الله عنه في الرسالة - وذكر السيد الجليل الطاهر ms04 المشار ~~إليه [7 /] أنه مروي عن الصادق عليه السلام - قال: إذا رأيت هلال شهر رمضان ~~فلا تشر إليه، ولكن استقبل القبلة وارفع يديك إلى الله عز وجل وخاطب ~~الهلال، وقل: " ربي وربك الله رب العالمين; اللهم أهله علينا بالأمن ~~والإيمان، والسلامة والإسلام، والمسارعة إلى ما تحب وترضى; اللهم بارك لنا ~~في شهرنا هذا، وارزقنا عونه وخيره، واصرف عنا ضره وشره، وبلاءه وفتنته " ~~(2). # تنبيه: # يستفاد من هذه الروايات بعض الآداب التي ينبغي مراعاتها حال قراءة الدعاء ~~عند رؤية الهلال: # فمنها: أن تكون قراءة الدعاء قبل الانتقال من المكان الذي رأى فيه ~~الهلال، كما تضمنته الرواية الأولى، فإن قوله عليه السلام " لا تبرح " أي ~~لا تزل عن مكانك الذي رأيته فيه (3). # ومنها: استقبال القبلة حال الدعاء، كما تضمنه الحديث المروي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من أنه كان يفعل ذلك (4). # ومنها: رفع اليدين إلى الله عز وجل وقت قراءة الدعاء، كما تضمنه الحديثان ~~الأخيران (5). # PageV00P075 # ولا خصوصية لهذين الأمرين بهلال شهر رمضان، وإن تضمن الخبران أن فعل ~~النبي صلى الله عليه وآله ذلك كان في هلاله، وكذلك أمر الصادق عليه السلام ~~بذلك، بل لا خصوصية لهما بدعاء الهلال، فإنهما يعمان كل دعاء [8 /]. # ومنها: أن لا يشير إلى الهلال بيده ولا برأسه، ولا بشئ من جوارحه، كما ~~تضمنته الرواية الأخيرة (1)، ولعل هذا أيضا غير مختص بهلال شهر رمضان. # ومنها: أن يخاطب الهلال بالدعاء، ولعل المراد خطابه بما يتعلق به من ~~الألفاظ، نحو " ربي وربك الله رب العالمين " وكأول الدعاء الذي أوجبه ابن ~~أبي عقيل رحمه الله (2)، وكأكثر ألفاظ هذا الدعاء الذي نحن بصدد شرحه. # وقد يظن التنافي بين مخاطبة الهلال واستقبال القبلة في البلاد التي ~~قبلتها على سمت المشرق. # وليس بشئ، لأن الخطاب ليس إلا توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، وهو لا ~~يستلزم مواجهة المخاطب واستقباله، إذ قد يخاطب الإنسان من هو وراءه. # ويمكن أن يقال: استقبال الداعي الهلال وقت قراءة ما يتعلق بمخاطبته من ~~فصول الدعاء، واستقبال القبلة في ms05 الفصول الأخر. # وأما رفع اليدين فالظاهر أنه في جميع الفصول، وإن كان تخصيصه بما عدا ~~الفصول المخاطب بها الهلال غير بعيد، والله أعلم. # تذكرة فيها تبصرة: # قد عرفت أنه يمتد وقت الدعاء بامتداد وقت التسمية هلالا، ولو قيل بامتداد ~~ذلك إلى ثلاث ليال لم يكن بعيدا، فلو نذر قراءة دعاء الهلال عند # PageV00P076 # رؤيته، وقلنا بالمجازية فيما فوق الثلاث [9 / أ]، لم تجب عليه القراءة ~~برؤيته فيما فوقها، حملا للمطلق على الحقيقة; وهل تشرع؟ الظاهر نعم إن رآه ~~في تتمة السبع، رعاية لجانب الاحتياط، أما فيما فوقها فلا، لأنه تشريع. # ولو رآه يوم الثلاثين فلا وجوب على الظاهر لعدم تسميته حينئذ هلالا. # وما في حسنة حماد بن عثمان (1) - عن الصادق عليه السلام من إطلاق اسم ~~الهلال عليه قبل الغروب (2) - لعله مجاز، إذ الأصل عدم النقل. # ولو لم يره حتى مضت الثلاث فاتفق وصوله إلى بقعة شرقية هو فيها هلال فرآه ~~هناك لم يبعد القول بوجوبه عليه حينئذ، كما لا يبعد القول بوجوب الصوم على ~~من رأى هلال شهر رمضان فصام ثلاثين ثم سافر إلى بلد مضى فيه من شهر رمضان ~~تسعة وعشرون ولم ير فيه الهلال ليلة الثلاثين، وهو مختار العلامة طاب ثراه ~~في القواعد (3). # وقد استدل عليه - ولده فخر المحققين (4) رحمه الله في الإيضاح - بأن # PageV00P077 # الاعتبار في الأهلة بالموضع الذي فيه الشخص الآن لا بموضع كان يسكنه، ~~وإلا لوجب على الغائب عن بلده الصوم برؤية الهلال في بلده، وهو باطل إجماعا ~~(1)، هذا ملخص كلامه. # وأقول: فيه بحث، فإن من اعتبر موضوعا كان يسكنه لم يعتبره من حيث سبق ~~سكناه فيه، بل من حيث رؤيته الهلال فيه سابقا فكلفه العمل بمقتضى تلك ~~الرؤية، فمن أين يلزمه وجوب الصوم على الغائب عن بلده برؤية غيره الهلال ~~فيه؟! فتأمل. # بسط كلام لإبراز مرام: # تحقق أمثال هذه المسائل المبنية على تخالف الآفاق في تقدم طلوع الأهلة ~~وتأخرها ظاهر، بناء على ما ثبت من كروية الأرض، والذين أنكروا كرويتها فقد ~~أنكروا تحققها، ولم نطلع لهم ms06 على شبهة في ذلك فضلا عن دليل. # والدلائل الآتية المذكورة في المجسطي (2) - وغيره - شاهدة بكرويتها، وإن ~~كانت شهادة الدليل اللمي المذكور في الطبيعي مجروحة [9 / ب]. # وقد يتوهم أن القول بكرويتها خلاف ما عليه أهل الشرع، وربما استند ببعض ~~الآيات الكريمة كقوله تعالى: * (الذي جعل لكم الأرض # PageV00P078 # فراشا) * (1)، وقوله سبحانه: * (ألم نجعل الأرض مهادا) * (2) وقوله جل ~~شأنه: * (وإلى الأرض كيف سطحت) * (3)، وأمثال ذلك، ولا دلالة في شئ منها ~~على ما ينافي الكروية. # قال في الكشاف عند تفسير الآية الأولى، فإن قلت: هل فيه دليل على أن ~~الأرض مسطحة وليست بكرية؟. # قلت: ليس فيه إلا أن الناس يفترشونها كما يفعلون بالمفارش، وسواء كانت ~~على شكل السطح أو الشكل الكرة فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع; لعظم حجمها، ~~واتساع جرمها، وتباعد أطرافها. وإذا كان متسهلا في الجبل وهو وتد من أوتاد ~~الأرض، فهو في الأرض ذات الطول والعرض أسهل (4). # إنتهى كلامه. # وقال (5) في التفسير الكبير: من الناس من يزعم أن الشرط في كون الأرض ~~فراشا أن لا تكون كرة، فاستدل بهذه الآية على أن الأرض ليست كرة، وهذا بعيد ~~جدا، لأن الكرة إذا عظمت جدا كان كل قطعة منها كالسطح (6)، انتهى. # وكيف يتوهم متوهم أن القول بكروية الأرض خلاف ما عليه أهل الشرع!! وقد ~~ذهب إليه كثير من علماء الإسلام، وممن قال به صريحا من فقهائنا - رضوان ~~الله عليهم - العلامة آية الله، وولده فخر المحققين قدس سرهما. # PageV00P079 # قال العلامة في التذكرة: إن الأرض كرة، فجاز أن يرى الهلال في بلد ولا ~~يظهر في آخر; لأن حدبة الأرض مانعة لرؤيته، وقد رصد ذلك أهل المعرفة، وشوهد ~~بالعيان خفاء بعض الكواكب الغريبة لمن جد في السير نحو المشرق وبالعكس (1)، ~~إنتهى كلامه زيد إكرامه [10 / أ]. # وقال فخر المحققين في الإيضاح: الأقرب أن الأرض كروية; لأن الكواكب تطلع ~~في المساكن الشرقية قبل طلوعها في المساكن الغربية، وكذا في الغروب. # فكل بلد غربي بعد عن الشرقي بألف ميل يتأخر غروبه عن غروب الشرقي بساعة ~~واحدة. # وإنما عرفنا ms07 ذلك بأرصاد الكسوفات القمرية، حيث ابتدأت في ساعات أقل من ~~ساعات بلدنا في المساكن الغربية، وأكثر من ساعات بلدنا في المساكن الشرقية، ~~فعرفنا أن غروب الشمس في المساكن الشرقية قبل غروبها في بلدنا، وغروبها في ~~المساكن الغربية بعد غروبها في بلدنا، ولو كانت الأرض مسطحة لكان الطلوع ~~والغروب في جميع المواضع في وقت واحد. # ولأن السائر على خط من خطوط نصف النهار على الجانب الشمالي يزداد عليه ~~ارتفاع القطب الشمالي وانخفاض الجنوبي، وبالعكس (2)، انتهى كلامه رفع الله ~~مقامه; وهو خلاصة ما ذكره صاحب المجسطي، وغيره في هذا الباب. # ولا يخفى أن قوله رحمه الله: ولأن السائر، إلى آخره، من تتمة الدليل; لأن ~~اختلاف المطالع والمغارب لا يستلزم كروية الأرض بل استدارتها فيما بين ~~الخافقين فقط، فيتحقق لو كانت أسطوانية الشكل مثلا كما لا يخفى. # ولنشرع الآن في شرح الدعاء. # PageV00P080 # قال مولانا وإمامنا سيد العابدين، وقبلة أهل الحق واليقين، سلام الله ~~عليه وعلى آبائه الطاهرين. # " أيها الخلق المطيع، الدائب السريع، المتردد في منازل التقدير، المتصرف ~~في فلك التدبير ". # لفظة " أي ": وسيلة إلى نداء [10 / ب] المعرف باللام، كما جعلوا " ذو " ~~وسيلة إلى الوصف بأسماء الأجناس، و " الذي " وسيلة إلى وصف المعارف بالجمل; ~~لأن إلصاق حرف النداء بذي اللام يقتضي تلاصق أداتي التعريف، فإنهما كمثلين ~~كما قالوا، وإنما جاز في لفظ الجلالة للتعويض ولزوم الكلمة المقدسة، كما ~~تقرر في محله، وأعطيت حكم المنادى، والمقصود بالنداء وصفها، ومن ثم التزم ~~رفعه، وأقحمت هاء التنبيه بينهما تأكيدا للتنبيه المستفاد من النداء، ~~وتعويضا عما تستحقه " أي " من الإضافة. # " والخلق ": في الأصل مصدر بمعنى الإبداع والتقدير، ثم استعمل بمعنى ~~المخلوق، كالرزق بمعنى المرزوق. # " والدائب " - بالدال المهملة وآخره باء موحدة -: اسم فاعل من دأب فلان ~~في عمله أي جد وتعب. # وجاء في تفسير قوله تعالى: * (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) * (1)، أي ~~مستمرين في عملهما على عادة مقررة جارية (2)، والمصدر # PageV00P081 # " دأب " بإسكان الهمزة وقد تحرك، ودؤب بضمتين (1). # " والسرعة ": كيفية قائمة بالحركة، بها تقطع من المسافة ما هو أطول ms08 في ~~زمان مساو أو أقصر، وما هو مساو في زمن أقصر. # ووصفه عليه السلام القمر بالسرعة ربما يعطي بحسب الظاهر أن يكون المراد ~~سرعته باعتبار حركته الذاتية، وهي التي يدور بها على نفسه. # وتحرك جميع الكواكب بهذه الحركة مما قال به جم غفير من أساطين الحكماء، ~~وهو يقتضي كون المحو المرئي في وجه القمر شيئا غير ثابت في جرمه، وإلا ~~لتبدل وصفه، كما قاله سلطان المحققين (2) قدس الله روحه في شرح الإشارات ~~(3)، وستسمع فيه كلاما إن شاء الله. # والأظهر أن ما وصفه به عليه السلام من السرعة إنما هو باعتبار حركته ~~العرضية التي بتوسط فلكه، فإن تلك الحركة على تقدير وجودها غير محسوسة ولا ~~معروفة، والحمل على المحسوس المتعارف أولى. # PageV00P082 # وسرعة حركة القمر (1) بالنظر إلى سائر الكواكب; أما الثوابت فظاهر، لكون ~~حركتها أبطأ الحركات حتى أن القدماء لم يدركوها; وأما السيارات فلأن زحل ~~[11 / أ] يتم الدور في ثلاثين سنة، والمشتري في اثنتي عشرة سنة، والمريخ في ~~سنة وعشرة أشهر ونصف، وكلا من الشمس والزهرة وعطارد في قريب سنة، وأما ~~القمر فيتم الدور في قريب من ثمانية وعشرين يوما. # هذا ولا يبعد أن يكون وصفه عليه السلام القمر بالسرعة باعتبار حركته ~~المحسوسة على أنها ذاتية له، بناء على تجويز كون بعض حركات السيارات في ~~أفلاكها من قبيل حركة الحيتان في الماء، كما ذهب إليه جماعة، ويؤيده ظاهر ~~قوله تعالى: * (والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) * (2). # ودعوى امتناع الخرق على الأفلاك لم تقرن بالثبوت، وما لفقه الفلاسفة ~~لإثباتها أوهن من بيت العنكبوت; لابتنائه على عدم قبول الأفلاك بأجزائها ~~للحركة المستقيمة، ودون ثبوته خرط القتاد (3)، والتنزيل الإلهي الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ناطق بانشقاقها (4). # وما ثبت من معراج نبينا صلى الله عليه وآله بجسده المقدس إلى السماء ~~السابعة صاعدا شاهد بانخراقها. # PageV00P083 # تكملة: # أراد عليه السلام بمنازل التقدير منازل القمر الثمانية والعشرين، التي ~~يقطعها في كل شهر بحركته الخاصة، فيرى كل ليلة نازلا بقرب واحد منها، قال ~~الله ms09 تعالى: * (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم) * (1). # وهي: الشرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، ~~والنثرة [11 / ب]، والطرف والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك ~~الأعزل، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، ~~وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرغ المقدم، والفرغ ~~المؤخر، والرشاء. # وهذه المنازل مشهورة فيما بين العرب، متداولة في محاوراتهم، مذكورة في ~~أشعارهم، وبها يتعرفون الفصول (2)، فإنهم لما كانت سنوهم - لكونها باعتبار ~~الأهلة - مختلفة الأوائل لوقوعها في وسط الصيف تارة وفي وسط الشتاء أخرى، ~~احتاجوا إلى ضبط السنة الشمسية، ليشتغلوا في أشغال كل فصل منها بما يهمهم ~~في ذلك الفصل، فوجدوا القمر يعود إلى وضعه الأول من الشمس في قريب من ~~ثلاثين يوما، ويختفي في أواخر الشهر ليلتين أو ما يقاربهما، فأسقطوا يومين ~~من زمان الشهر فبقي ثمانية وعشرون، وهو زمان ما بين ظهوره بالعشيات في أول ~~الشهر وآخر رؤيته بالغدوات في أواخره، فقسموا دور الفلك على ذلك، فكان كل ~~قسم اثنتي عشرة درجة وإحدى وخمسين دقيقة تقريبا، فسموا كل قسم منزلا، ~~وجعلوا لها علامات من الكواكب القريبة من المنطقة، وأصاب كل برج من البروج ~~الاثني عشر منزلان وثلثا. # ثم توصلوا إلى ضبط السنة الشمسية بكيفية قطع الشمس [12 / أ] لهذه # PageV00P084 # المنازل، فوجدوها تقطع كل منزل في ثلاثة عشر يوما تقريبا. # وذلك لأنهم رأوها تستتر دائما ثلاثة منها ما هي فيه بشعاعها، وما قبلها ~~بضياء الفجر، وما بعدها بضياء الشفق. # فرصدوا ظهور المستتر بضياء الفجر، ثم بشعاعها ثم بضياء الشفق فوجدوا ~~الزمان بين ظهوري كل منزلين ثلاثة عشر يوما بالتقريب، فأيام المنازل ~~ثلاثمائة وأربعة وستون، لكن الشمس تعود إلى كل منزل بعد قطع جميعها في ~~ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، وهي زائدة على أيام المنازل بيوم، فزادوا يوما ~~في منزل الغفر، وانضبطت لهم السنة الشمسية بهذا الوجه، وتيسر لهم الوصول ~~إلى تعرف أزمان الفصول وغيرها. # تذنيب: # القمر إذا أسرع في سيره فقد يتخطى منزلا في الوسط، وإن أبطأ فقد يبقى ~~ليلتين في منزل، أول الليلتين في ms10 أوله، وآخرهما في آخره، وقد يرى في بعض ~~الليالي بين منزلين. # فما وقع في الكشاف، وتفسير القاضي عند قوله تعالى: * (والقمر قدرناه ~~منازل) * (1) من أنه ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه ~~(2)، ليس كذلك فاعرفه. # إكمال: # الظاهر أن مراده عليه السلام بتردد القمر في منازل التقدير، عوده إليها ~~في الشهر اللاحق بعد قطعه إياها في السابق، فتكون كلمة " في " بمعنى إلى، ~~ويمكن أن تبقى على معناها الأصلي بجعل المنازل ظرفا للتردد، فإن حركته التي ~~يقطع بها تلك المنازل لما كانت مركبة من شرقية وغربية جعل كأنه لتحركه فيها ~~بالحركتين # PageV00P085 # المختلفين متردد يقدم رجلا ويؤخر أخرى. # وأما على رأي من يمنع جواز قيام الحركتين المختلفتين بالجسم، ويرى أن ~~للنملة المتحركة بخلاف حركة الرحى سكونا حال حركة الرحى، وللرحي سكونا حال ~~حركتها، فتشبيهه بالمتردد أظهر كما لا يخفى. # إيضاح: # " الفلك "، مجرى الكواكب، سمي به تشبيها بفلكة المغزل (1) في الاستدارة ~~والدوران. # قال: الشيخ أبو ريحان البيروني (2): إن العرب والفرس سلكوا في تسمية ~~السماء مسلكا واحدا، فإن العرب تسمي السماء فلكا تشبيها لها بفلك الدولاب ~~والفرس سموها بلغتهم آسمان، تشبيها لها بالرحى فإن " آس " هو الرحى ~~بلسانهم، و " مان " دال على التشبيه (3)، انتهى [12 / ب]. # والمراد ب‍ " فلك التدبير "، أقرب الأفلاك التسعة إلى عالم العناصر، أي: # الفلك الذي به تدبر بعض مصالح عالم الكون والفساد. # وقد ذكر بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: * (فالمدبرات أمرا) * (4) أن ~~المراد بها الأفلاك (5); وهو أحد الوجوه التي أوردها الشيخ الجليل أمين # PageV00P086 # الإسلام أبو علي الطبرسي رضي الله عنه في تفسيره الكبير الموسوم بمجمع ~~البيان، عند تفسير هذه الآية (1). # ويمكن أن يكون على ضرب من المجاز، كما يسمى ما يقطع به الشئ قاطعا. # وربما يوجد في بعض النسخ: " المتصرف في فلك التدوير "، وهو صحيح أيضا، ~~وإن كانت النسخة الأولى أصح، والمراد به رابع أفلاك القمر، وهو الفلك الغير ~~المحيط بالأرض، المركوز هو فيه، المتحرك - أسفله على توالي البروج، وأعلاه ~~بخلافه، مخالفا لسائر تداوير السيارة - كل ms11 يوم ثلاث عشرة درجة وثلاث دقائق ~~وأربعا وخمسين ثانية. وهو مركوز في ثخن ثالث أفلاكه المسمى بالحامل، ~~المباعد مركزه مركز العالم بعشر درج، المتحرك على التوالي كل يوم أربعا ~~وعشرين درجة واثنتين وعشرين دقيقة وثلاثا وخمسين ثانية. # وهو واقع في ثخن ثاني أفلاكه المسمى بالمائل الموافق مركزه مركز العالم، ~~المماس مقعره محدب النار الفاضل عن الحامل الموافق له في ميل منطقته عن ~~منطقة البروج بمتممين متدرجي الرقة إلى نقطتي الأوج والحضيض، المتحرك على ~~خلاف التوالي كل يوم إحدى عشرة درجة وتسع دقائق وسبع ثوان. # وهو واقع في جوف أول أفلاكه المسمى بالجوزهر الموافق مركزه مركز العالم، ~~ومنطقته منطقة البروج، والمماس محدبة مقعر ممثل عطارد، المتحرك كالثاني كل ~~يوم ثلاث دقائق وإحدى عشرة ثانية. # * * * # PageV00P087 # وهم وتنبيه: # من غرائب الأوهام ما حكم به صاحب المواقف (1)، من أن غاية الغلظ في كل من ~~المتممين مساوية لبعد مركز الحامل عن مركز العالم (2). # وهذا مما يكذبه العيان ويبطله قاطع البرهان [13 / أ]، وكونها ضعفا له مما ~~لا ينبغي أن يرتاب فيه من له أدنى تخيل، ويمكن إقامة البرهان عليه بوجوه ~~عديدة. # ويكفي في التنبيه عليه أن التفاضل بين نصفي قطري الحامل والمائل بقدر ما ~~بين المركزين، فيكون ضعف ذلك تفاضل القطرين (3). # ولنا على ذلك برهان هندسي أوردناه في شرحنا على شرح الجغميني (4). # والعجب من المحقق الدواني (5) كيف وافق صاحب المواقف على ذلك الوهم، # PageV00P088 # وأصر على حقيته قائلا: إن البرهان القائم على خلافه مخالف للوجدان فلا ~~يلتفت إليه. # وأعجب من ذلك أنه استدل على حقية ما زعمه حقا بأنه لو فرض تطابق المركزين ~~ثم حركة الحامل إلى الأوج فبقدر ما يتباعد المركزان يتباعد المحيطان (1). # وأنت، وكل سليم التخيل تعلمان أن دليله هذا برهان تام على نقيض مدعاه، ~~فإيراده له من قبيل إهداء السلاح إلى الخصم حال الجدال، وصدور مثله عجيب من ~~مثله. # تبصرة: # لا يبعد أن تكون الإضافة في " فلك التدبير " من قبيل إضافة الظرف إلى ~~المظروف، كقولهم مجلس الحكم، ودار القضاء، أي الفلك الذي هو ms12 مكان # PageV00P089 # التدبير ومحله، نظرا إلى أن ملائكة سماء الدنيا يدبرون أمر العالم السفلي ~~فيه، أو إلى أن كلا من السيارات السبع تدبر في فلكها أمرا هي مسخرة له بأمر ~~خالقها ومبدعها، كما ذكره جماعة من المفسرين [13 / ب] في تفسير قوله تعالى: # * (فالمدبرات أمرا) * (1) (2). # ويمكن أن يراد ب‍ " فلك التدبير " مجموع الأفلاك التي تتدبر بها الأحوال ~~المنسوبة إلى القمر بأسرها، وتنضبط بها الأمور المتعلقة به بأجمعها، حتى ~~تشابه حركة حامله حول مركز العالم، ومحاذاة قطر تدويره نقطة سواه إلى غير ~~ذلك. # وتلك الأفلاك الجزئية هي الأربعة السالفة مع ما زيد عليها لحل ذينك ~~الإشكالين، ومع ما لعله يحتاج إليه أيضا في انتظام بعض أموره وأحواله التي ~~ربما لم يطلع عليها الراصدون في أرصادهم، وإنما يطلع عليها المؤيدون بنور ~~الإمامة والولاية. # PageV00P090 # وحينئذ يراد بالتدبير التدبير الصادر عن الفلك نفسه، وتكون اللام فيه ~~للعهد الخارجي، أي التدبير الكامل الذي ينتظم به جميع تلك الأمور، والله ~~أعلم. # تتمة: # لا يبعد أن يراد ب‍ " فلك التدبير " الفلك الذي يدبره القمر نفسه، نظرا ~~إلى ما ذهب إليه طائفة من أن كل واحد من السيارات السبع مدبر لفلكه، كالقلب ~~في بدن الحيوان. # قال سلطان المحققين، نصير الملة والحق والدين قدس الله روحه، في شرح ~~الإشارات: ذهب فريق إلى أن كل كوكب منها ينزل مع أفلاكه منزلة حيوان واحد ~~ذي نفس واحدة، تتعلق بالكوكب أول تعلقها، وبأفلاكه بواسطة الكوكب، كما ~~تتعلق نفس الحيوان بقلبه أولا، وبأعضائه الباقية بعد ذلك، فالقوة المحركة ~~منبعثة عن الكوكب الذي هو كالقلب في أفلاكه، التي هي كالجوارح والأعضاء ~~الباقية (1)، انتهى كلامه زيد إكرامه. # ويمكن أن يكون هذا هو معنى ما أثبته له [14 / أ] عليه السلام من التصرف ~~في الفلك، والله أعلم بمقاصد أوليائه سلام الله عليهم أجمعين. # خاتمة: # خطابه عليه السلام للقمر، ونداؤه له، ووصفه إياه بالطاعة والجد، والتعب ~~والتردد في المنازل، والتصرف في الفلك، ربما يعطي بظاهره كونه ذا حياة ~~وإدراك، ولا استبعاد في ذلك نظرا إلى قدرة الله تعالى، ms13 إلا أنه لم يثبت ~~بدليل عقلي قاطع يشفي العليل، أو نقلي ساطع لا يقبل التأويل، نعم أمثال هذه ~~الظواهر ربما تشعر به، وقد يستند في ذلك بظاهر قوله تعالى: * (والشمس # PageV00P091 # والقمر كل في فلك يسبحون) * (1)، فإن الواو والنون لا تستعمل حقيقة لغير ~~العقلاء. # وقد أطبق الطبيعيون على أن الأفلاك بأجمعها حية ناطقة عاشقة، مطيعة ~~لمبدعها وخالقها، وأكثرهم على أن غرضها من حركاتها نيل التشبه بجنابه، ~~والتقرب إليه جل شأنه، وبعضهم على أن حركاتها لورود الشوارق القدسية عليها ~~آنا فآنا، فهي من قبيل هزة الطرب والرقص الحاصل من شدة السرور والفرح. # وذهب جم غفير منهم إلى أنه لا ميت في شئ من الكواكب أيضا، حتى أثبتوا لكل ~~واحد منها نفسا على حدة تحركه حركة مستديرة على نفسه، وابن سينا (2) في ~~الشفاء مال إلى هذا القول ورجحه (3) وحكم به في النمط السادس من الإشارات ~~(4)، ولو قال به قائل لم يكن مجازا، فإن كلام ابن سينا وأمثاله وإن لم يكن ~~حجة يركن إليها الديانيون في أمثال هذه المطالب، إلا إنه يصلح للتأييد. # ولم يرد في الشريعة المطهرة - على الصادع بها وآله أفضل الصلوات وأكمل ~~التسليمات - ما ينافي ذلك القول، ولا قام دليل عقلي على بطلانه. # وإذا جاز أن يكون لمثل البعوضة والنملة فما دونها حياة، فأي مانع من أن # PageV00P092 # يكون لمثل تلك الأجرام الشريفة أيضا ذلك. # وقد ذهب جماعة إلى أن لجميع الأشياء نفوسا مجردة ونطقا، وجعلوا قوله ~~تعالى: * (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) * (1) محمولا على ظاهره. # وليس غرضنا من هذا الكلام ترجيح القول بحياة الأفلاك، بل كسر سورة ~~استبعاد المصرين على إنكاره ورده، وتسكين صولة المشنعين على من قال به أو ~~جوزه. # وقد قدمنا في فواتح هذا الشرح - الذي نسأل الله أن يوفقنا لإتمامه - ~~كلاما مبسوطا في هذا [14 / ب] الباب، وذكرنا ما قيل فيه من الجانبين (2)، ~~والله الهادي. # * * * # PageV00P093 # قال مولانا وإمامنا عليه السلام: # " آمنت بمن نور بك الظلم، وأوضح بك البهم، وجعلك آية من آيات ملكه، ~~وعلامة من علامات سلطانه، ms14 وامتهنك بالزيادة والنقصان، والطلوع والأفول، ~~والإنارة والكسوف، في كل ذلك أنت له مطيع، وإلى إرادته سريع ". # " الإيمان "، وإن اختلفت الأمة في أنه التصديق القلبي وحده، أو الإقرار ~~اللساني وحده، أو كلا الأمرين معا، أو أحدهما، أو مع العمل الأركاني، كما ~~تقدم تفصيله وتحقيق الحق فيه في فواتح هذا الشرح (1). # PageV00P094 # إلا أن الإيمان المعدى بالباء لا خلاف بينهم في أنه التصديق القلبي ~~بالمعنى اللغوي. # و " النور " والضوء مترادفان لغة، وقد تسمى تلك الكيفية إن كانت من ذات ~~الشئ ضوءا، وإن كانت مستفادة من غيره نورا، وعليه قوله تعالى: * (جعل الشمس ~~ضياء والقمر نورا) * (1). # و " الظلم ": جمع ظلمة، ويجمع على ظلمات أيضا، وهي عدم الضوء عما من شأنه ~~أن يكون مضيئا (2). # و " البهم " - بضم الباء الموحدة وفتح الهاء -: جمع بهمة، بضم الباء ~~وإسكان الهاء، وهي مما يصعب على الحاسة إدراكه إن كان محسوسا، وعلى الفهم ~~إن كان معقولا (3). # و " الآية ": العلامة. # و " السلطان ": مصدر بمعنى الغلبة والتسلط، وقد يجئ بمعنى الحجة والدليل، ~~لتسلطه على القلب وأخذه بعنانه. # و " المهنة " بفتح الميم، وكسرها، وإسكان الهاء -: الخدمة والذل والمشقة، ~~والماهن: الخادم. # و " امتهنه ": استعمله في المهنة. # و " طلوع الكوكب: ظهوره فوق الأفق أو من تحت شعاع الشمس. # PageV00P096 # " وأفوله " غروبه تحته. # و " الكسوف "، زوال الضوء عن الشمس أو القمر للعارض المخصوص، وقد يفسر ~~الكسوف بحجب القمر ضوء الشمس عنا، أو حجب الأرض ضوء الشمس عنه، وهو تفسير ~~للشئ بسببه. # وقال جماعة من أهل اللغة: الأحسن أن يقال في زوال ضوء الشمس كسوف، وفي ~~زوال ضوء القمر خسوف (1) [15 / أ]، فإن صح ما قالوه فلعله عليه السلام أراد ~~بالكسوف زوال الضوء المشترك بين الشمس والقمر لا المختص بالقمر وهو الخسوف، ~~ليكون خلاف الأحسن (2) فتدبر. # ولا يخفى أن امتهان القمر حاصل بسبب كسف الشمس أيضا، فإنه هو الساتر لها، ~~ولما كان شمول الكسوف للخسوف أشهر من العكس اختاره عليه السلام، والله ~~أعلم. # كشف نقاب: # لما افتتح عليه السلام الدعاء بخطاب القمر، وذكر أوصافه وأحواله، من ~~الطاعة والجد ms15 والسرعة، والتردد في المنازل، والتصرف في الفلك، وأراد أن ~~يذكر جملا أخرى من أوصافه وأحواله سوى ما مر; جرى عليه السلام على النمط ~~الذي افتتح عليه الدعاء من خطاب القمر، ونقل الكلام من أسلوب إلى آخر; على ~~ما هو دأب البلغاء المفلقين من تلوين الكلام في أثناء المحاورات كما ذكره ~~صاحب المفتاح في بحث الالتفات (3); وجعل تلك الجمل - مع تضمنها لخطاب القمر ~~وذكر أحواله - موشحة بذكر الله سبحانه، والثناء عليه جل شأنه، تحاشيا # PageV00P097 # عن أن يتمادى به الكلام خاليا عن ذكر المفضل المنعام، فقال: " آمنت بمن ~~نور بك الظلم... " إلى آخره، معبرا عن المؤمن به جل شأنه بالموصل ليجعل ~~الصلة مشعرة ببعض أحوال القمر، ويعطف عليها الأحوال الأخر فتتلائم جمل ~~الكلام، ولا تخرج عن الغرض المسوق له من بيان تلك الأوصاف والأحوال. # والتعبير بالنكرة الموصوفة وإن كان يحصل به هذا الغرض أيضا إلا أن المقام ~~ليس مقام التنكير كما لا يخفى. # فإن قلت: مضمون الصلة لا بد أن يكون أمرا معلوما للمخاطب، معهودا بينه ~~وبين المتكلم انتسابه إلى الموصول قبل ذكر الصلة، ولذلك لم يجز كونها ~~إنشائية كما قرروه، والمخاطب هنا هو القمر وهو ليس من ذوي العلم فكيف يلقى ~~إليه الموصول مع الصلة؟. # قلت: كونه من غير ذوي العلم ليس أمرا مجزوما به، وقد مر الكلام فيه قبيل ~~هذا (1)، سلمنا، لكن تنزيل غير العالم منزلة العالم لاعتبار مناسب غير قليل ~~في كلام البلغاء، فليكن هذا منه، على أن التنزيل المذكور لا مندوحة عنه في ~~أصل نداء القمر وخطابه، فإن الخطاب توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، فلا بد ~~من تنزيله منزلة من يفهم. # واللام في " الظلم " للاستغراق، أعني: العرفي منه لا الحقيقي، والمراد ~~الظلم المتعارف تنويرها بالقمر، من قبيل جمع الأمير الصاغة. # ويمكن جعله للعهد الخارجي. # والحق أن لام الاستغراق العرفي ليست شيئا وراء لام العهد الخارجي، فإن ~~المعرف بها هو حصة معينة من الجنس أيضا، غايته أن التعيين فيها نشأ من ~~العرف، وقد أوضحت هذا في تعليقاتي على المطول ms16 (2). # PageV00P098 # تتمة: NoteV00P099N15 التنكير في قوله عليه السلام: " وجعلك آية من آيات ~~ملكه "، يمكن أن يكون للنوعية، كما قالوه في قوله تعالى: * (وعلى أبصارهم ~~غشاوة) * (1) (2)، والأظهر أن يجعل للتعظيم. # فإن قلت: احتمال التحقير أيضا قائم، وهذا كما قالوه في قوله تعالى: # * (إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمان) * (3): إن التنكير فيه يحتمل ~~التعظيم والتحقير معا، أي عذاب شديد هائل، أو عذاب حقير ضعيف، فلم طويت عنه ~~كشحا!؟. # قلت: الاحتمالان في الآية الكريمة متكافئان بحسب ما يقتضيه الحال، فلذلك ~~جوزهما علماء المعاني من غير ترجيح، بخلاف ما نحن فيه، فإن الحمل على ~~التحقير وإن كان لا يخلو من وجه - أيضا - نظرا إلى ما هو أعظم منه من آيات ~~ملكه جل شأنه، إلا أن الحمل على التعظيم كأنه أوفق بالمقام، وأنسب بمقتضى ~~الحال، فلذلك ضربت عن ذكره صفحا. # وإن أبيت إلا أن تساوي الأمرين في ذلك فلا مشاحة معك، وللناس فيما يعشقون ~~مذاهب. # وقوله عليه السلام: " وامتهنك... " إلى آخره، مبين ومفسر للآية والعلامة، ~~وكون إحدى الجملتين مبينا ومفسرا لبعض متعلقات الأخرى لا يوجب كمال الاتصال ~~بينهما المقتضي لفصلها عنها، إنما الموجب له أن تكون الثانية مبينة وكاشفة ~~عن نفس الأولى، كما في قوله تعالى: * (فوسوس إليه الشيطان قال # PageV00P099 # يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد) * (1) فإن القول المذكور مبين للوسوسة ~~وكاشف عنها. # وأما امتهان القمر بالأمور المذكورة فهو نفس علامة الملك والسلطنة، لا ~~نفس جعله علامة لهما، فلا مانع من وصل جملته بجملة الجعل فتدبر، على أن ~~أحوال القمر التي هي علامات لملكه وسلطانه جل شأنه ليست منحصرة في الامتهان ~~بالأمور المذكورة بل لها أفراد أخر، وكذلك الجعل المذكور، فوصل جملة ~~الامتهان بما قبلها يجري مجرى عطف الخاص على العام كما لا يخفى. # وتقديم الظرفين في قوله عليه السلام: " أنت له مطيع وإلى إرادته سريع " ~~للدلالة على الاختصاص، كما في قوله تعالى: * (له الملك وله الحمد) * (2). # ويمكن أن يكون رعاية السجع أيضا ملحوظة، والله أعلم [16 / أ]. # إيضاح: # الباء في قوله عليه السلام ms17 " نور بك الظلم " إما للسببية أو للآلة. # ثم إن جعلنا الضوء عرضا قائما بالجسم - كما هو مذهب أكثر الحكماء (3)، ~~ومختار سلطان المحققين قدس الله روحه في التجريد (4) - فالتركيب من قبيل ~~سودت الشئ وبيضته، أي صيرته متصفا بالسواد والبياض. # وإن جعلناه جسما - كما هو مذهب القدماء من أنه أجسام صغار شفافة تنفصل عن ~~المضئ وتتصل بالمستضئ - فالتركيب من قبيل لبنته وتمرته، أي صيرته ذا لبن أو ~~تمر (5). # PageV00P100 # وهذا القول وإن كان مستبعدا بحسب الظاهر إلا أن إبطاله لا يخلو من إشكال، ~~كما أن إثباته كذلك. # وقد استدلوا عليه: بأنه متحرك منتقل، فإنه ينحدر من الشمس إلى الأرض، ~~وينتقل من مكان إلى آخر، والأعراض ليست كذلك. # وأجاب القائلون بعرضيته: بأنه ليس ثمة حركة وانتقال، وإنما هو حدوث; فإن ~~مقابلة الجسم الكثيف للمضئ معد لحدوث الضوء فيه، والحركة والانتقال محض ~~توهم. # وسببه: أن حدوث الضوء في الجسم السافل لما كان بسبب مقابلته للجسم العالي ~~تخيل أنه انحدر من العالي إلى السافل. # وحدوثه في القابل لما كان تابعا لوضعه ومحاذاته للمضئ - بحيث إذا زالت ~~تلك المحاذاة إلى قابل آخر زال الضوء عن الأول وحدث في ذلك الآخر - ظن أنه ~~انتقل من الأول إلى الثاني. # واستدلوا على بطلان القول بجسميته: بأنه محسوس بحس البصر، فلو كان جسما ~~[16 / ب] لكان ساترا لما يحيط به، وكان الأشد ضوءا أشد استتارا. # واعترض عليه: بأن الحائل بين الرائي والمرئي إنما يستر المرئي إذا كان ~~كثيفا لعدم نفوذ شعاع البصر فيه أما إذا كان شفافا فلا; فإن صفحة البلور ~~تزيد ما خلفها ظهورا وانكشافا، ولذلك يستعين بها الطاعنون في السن على ~~قراءة الخطوط الدقيقة. # وأجيب عنه: بأنه لو كان جسما لم تكن كثرته موجبة لشدة الإحساس بما تحته، ~~لأن الحس يشتغل به، فكلما كان أكثر كان الاشتغال به أكثر فيقل الإحساس بما ~~وراءه، ألا ترى أن تلك الصفحة إذا غلظت جدا أوجبت لما تحتها سترا، وأن ~~الاستعانة بالرقيقة منها إنما هي للعيون الضعيفة لاحتياجها إلى جمع ~~PageV00P101 # الروح الباصرة - على ms18 ما بين في موضعه - دون القوية، بل هي حجاب لها عن ~~رؤية ما وراءها. هكذا أورده شارح المواقف (1)، والشارح الجديد للتجريد (2) ~~وأقول: في هذا الجواب نظر، فإن لهم أن يقولوا أن الملازمة ممنوعة، فإن بعض ~~الأجسام الشفافة يوجب كثرتها وغلظها زيادة ظهور ما خلفها لحس البصر، ولهذا ~~ترى الشمس والقمر وسائر الكواكب حال كونها قريبة من الأفق، أعظم منها حال ~~كونها على سمت الرأس، مع أنها وهي على الأفق، أبعد عنا منها وهي على سمت ~~الرأس بأزيد من نصف قطر الأرض، كما لا يخفى على من له أدنى تخيل; وما ذلك ~~إلا لأن سمك البخار وغلظه بين البصر والكوكب حال قربه من الأفق أكثر مما ~~بينهما حال كونه على سمت الرأس كما بين باستبانة الثاني من ثالثة [17 / أ] ~~كتاب الأصول. # وكذلك حال الصفحة من البلور، فإنها إذا رقت جدا لم تؤثر في الإعانة على ~~قراءة الخطوط الرقيقة، بل لا بد لها من غلظ يعتد به، ومن ثم نرى الطاعنين ~~في السن ربما يستعينون بمضاعفتها على قراءة تلك الخطوط، على أنه لا يلزم من ~~كون ازدياد ثخن البلور مؤديا إلى ستر ما وراءه أن يكون ازدياد ثخن كل شفاف ~~مؤديا إلى ذلك. # ألا ترى أن ثخن مجموع كرتي الهواء والنار والأفلاك التي تحت فلك الثوابت ~~تزيد على خمسة وعشرين ألف ألف فرسخ كما بينوه، ومع ذلك لا تحجب أبصارنا عن ~~رؤية ما وراءها، ولم لا يجوز أن لا تصل مراتب ثخن الضوء - على تقدير جسميته ~~- إلى حد يصير به عائقا عن الإحساس بما خلفه; وأن يكون الضوء بالنسبة إلى ~~كل العيون بمنزلة الصفحة الغير الغليظة جدا من البلور بالنسبة إلى عيون ~~الطاعنين في السن. # PageV00P102 # فكما أن هذه لا تبصر الأشياء الصغيرة والخطوط الدقيقة إلا بتوسط تلك ~~الصفحة، فكذلك تلك لا تبصر شيئا من الأشياء إلا بتوسط الضوء، وكما أن هذه ~~لا تشغل البصر عن الإحساس بما وراءها فكذلك تلك. والله أعلم بحقائق الأمور. # تبصرة: # لعله عليه السلام أراد بالظلم في ms19 قوله: " نور بك الظلم " الأهوية ~~المظلمة، لا الظلمات أنفسها، فإنها لا تتصف بالنور. # وتجويز كونه عليه السلام أراد ذلك مبني على أن الهواء يتكيف بالضوء، وهو ~~مختلف فيه، فالذين جعلوا اللون شرطا في التكيف بالضوء منعوا منه. # وأورد عليهم: إنا نرى عند الصبح ما يقارب الأفق مضيئا، وما هو إلا الهواء ~~المتكيف بالضوء. # وأجابوا: بأن ذلك للأجزاء البخارية المختلطة به، والكلام في الهواء الصرف ~~الخالي من الشوائب البخارية والدخانية القابلة للضوء بسبب كونها متلونة في ~~الجملة. # ورده الفخر الرازي: بأنه يلزم من ذلك أن الهواء كلما كان أصفى كان الضوء ~~الحاصل فيه قبل الطلوع وبعد الغروب أضعف، وكلما كان البخار والغبار فيه ~~أكثر كان الضوء أقوى; لكن الأمر بالعكس [17 / ب] (1)، هذا كلامه، وللتأمل ~~فيه مجال واسع. # واستدل في الملخص على استضاءة الهواء بأنه لو لم يتكيف بالضوء لوجب أن ~~نرى بالنهار الكواكب التي في خلاف جهة الشمس; لأن الكواكب باقية على ضوئها، ~~والحس لم ينفعل على ذلك التقدير من ضوء أقوى من ضوئها يمنع # PageV00P103 # الإحساس بها (1). # والحق أن تكيف الهواء بالضوء في الجملة مما لا ينبغي أن يرتاب فيه ~~فإرادته عليه السلام بالظلم الأهوية المظلمة لا مانع منه. # ويجوز أن يريد عليه السلام بالظلم الأجسام المظلمة سوى الهواء، وهذا ~~أحسن; لاستغنائه عن تجشم الاستدلال على قبول الهواء للضوء، وسلامته عن ثبوت ~~الخلاف، والله أعلم. # إكمال: # يمكن أن يكون مراده عليه السلام بتنوير الظلم إعدامها، بإحداث الضوء في ~~محالها، وهذا يبتني على القول بأن الظلمة كيفية وجودية، كما ذهب إليه ~~جماعة، وهذا الرأي وإن كان الأكثر على بطلانه إلا أن دلائلهم على بطلانه ~~ليست بتلك القوة، فهو باق على أصل الإمكان إلى أن يذود عنه قاطع البرهان، ~~فلو جوز مجوز احتمال كونه أحد محامل كلامه عليه السلام لم يكن في ذلك حرج. # وأجود تلك الدلائل ما ذكروا من: أن الظلمة لو كانت كيفية وجودية لكانت ~~مانعة للجالس في الغار المظلم من رؤية من هو في هواء مضئ خارج الغار، كما ms20 ~~هي مانعة له من إبصار من هو في الغار، وذلك للقطع بعدم الفرق في الحائل ~~المانع من الإبصار بين أن يكون محيطا بالرائي أو بالمرئي أو متوسطا بينهما. # وربما منع ذلك بأنها ليست بمانعة، بل إحاطة الضوء بالمرئي شرط للرؤية، ~~وهو منتف في الغار [18 / أ]، أو يقال: العائق عن الرؤية هو الظلمة (2) ~~المحيطة بالمرئي لا الظلمة المحيطة بالرائي، أو الظلمة مطلقا. # وليس ذلك بأبعد مما يقال: شرط الرؤية هو الضوء المحيط بالمرئي، لا # PageV00P104 # الضوء المحيط بالرائي، ولا الضوء مطلقا. # وقولهم: لا فرق في الحائل بين أن يكون محيطا بالرائي أو المرئي مسلم فيما ~~إذا كانت ذات الشئ مانعة من الإبصار، لا فيما تكون مانعة بشرطه، هكذا أورده ~~الشارح الجديد للتجريد (1)، وهو كلام جيد لا غبار عليه. # وقال الفخر الرازي في المباحث المشرقية: الظلمة أمر عدمي، لأنا إذا غمضنا ~~العين كان حالنا كما إذا فتحناها في الظلمة، فكما أنا عند التغميض لا ندرك ~~شيئا، فكذلك إذا فتحناها في الظلمة وجب أن لا ندرك كيفية في الجسم المظلم، ~~ولأنا لو قدرنا خلو الجسم عن النور من غير انضياف صفة أخرى إليه لم يكن ~~حاله إلا هذه الظلمة، ومتى كان كذلك لم تكن الظلمة أمرا وجوديا (2). # إنتهى كلامه. # وأورد عليه: أنه كلام ظاهري إقناعي، يتطرق إليه الخدش والمنع من جوانبه، ~~ومثله في المقام البرهاني مما لا يصغى إليه. # توضيح حال: # أراد عليه السلام " بالزيادة والنقصان " زيادة نور القمر ونقصانه بحسب ما ~~يظهر للحس، لأن الزيادة والنقصان حاصلان له في الواقع وبحسب نفس الأمر، لأن ~~الأزيد من نصفه منير دائما، كما بين في محله، وأما زيادته في الاجتماع ~~ونقصانه في الاستقبال كما هو شأن الكرة الصغيرة المتنيرة من الكبيرة حالتي ~~القرب والبعد فليس الكلام فيهما، إنما الكلام في الزيادة والنقصان المسببين ~~عن البعد والقرب، المدركين بالحس. # وربما يتراءى لبعض الأفهام من ظاهر قوله عليه السلام: " وامتهنك بالزيادة ~~والنقصان " أن زيادة نور القمر ونقصانه المحسوسين واقعان بحسب الحقيقة، ~~وحاصلان في نفس الأمر، كما هو ms21 معتقد كثير من الناس، وهذا وإن كان ممكنا # PageV00P105 # نظرا إلى قدرة الله تعالى - على أن يحدث في جرمه أول الشهر شيئا يسيرا من ~~النور، ويزيده على التدريج إلى أن يصير بدرا، ثم يسلبه عنه شيئا فشيئا إلى ~~المحاق - إلا أن حمل كلامه عليه السلام على ما هو متفق عليه بين أساطين ~~علماء الهيئة حتى عد من الحدسيات أليق وأولى، وهم مع قطع النظر عما أوجب ~~تحدسهم بذلك إنما اقتبسوا هذا العلم من أصحاب الوحي سلام الله عليهم، كشيث ~~[18 / ب] على نبينا وعليه السلام، المشتهر في زمانهم بفيثاغورس، وقيل: إنه ~~أغاتا ريمون (1); وكإدريس على نبينا وعليه السلام، المدعو على لسانهم ~~بهرمس. # وقد نقل جماعة من المفسرين منهم الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي طاب مثواه ~~- عند تفسير قوله تعالى: * (واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا) * ~~(2) - أن علم الهيئة كان معجزة له عليه السلام (3). # ونقل السيد الطاهر ذو المناقب والمفاخر رضي الدين علي بن طاوس - قدس الله ~~روحه - في كتاب فرج المهموم في معرفة الحلال والحرام من علم النجوم قولا ~~بأن أبرخس وبطليموس كانا من الأنبياء، وأن أكثر الحكماء كانوا كذلك، وإنما ~~التبس على الناس أمرهم لأجل أسمائهم اليونانية (4) (5). هذا ما نقله طاب ~~ثراه، ولا استبعاد فيه (6). # PageV00P106 # وكل من له أدنى خوض في هذا العلم الشريف لا يرتاب في أن أصول مطالبه ~~متلقاة من الأنبياء صلوات الله عليهم، ويحكم حكما قطعيا لا يشوبه شوب شبهة ~~بأن القوة البشرية لم تستقل بإدراك خبايا حقائقه ولم تستبد باستنباط خفايا ~~دقائقه، وأن ما وصل إليه أصحاب هذا الفن بأرصادهم الجسمانية مقتبس من مشكاة ~~أصحاب الأرصاد الروحانية سلام الله عليهم أجمعين. # إشارة فيها إنارة: # لما كان نور القمر مستفادا من الشمس، وكانت أعظم منه كما بين في محله ~~(1)، كان الأكثر من نصفه مستنيرا بضوئها دائما والأقل من نصفه مظلما دائما; ~~لما ثبت في الشكل الثاني من مقالة أرسطرخس (2) في جرمي النيرين، من # PageV00P107 # أنه إذا قبل الضوء كرة صغرى من كرة أعظم منها كان المضئ ms22 من الصغرى (1) ~~أعظم من نصفها (2)، والفصل المشترك بين المنير والمظلم منه دائرة قريبة من # PageV00P108 # العظيمة تسمى دائرة النور، وتفصل أيضا بين المرئي وغير المرئي منه دائرة ~~أخرى تسمى دائرة الرؤية، وهي أيضا قريبة من العظيمة وليست عظيمة (1); لما ~~ثبت في الشكل الرابع والعشرين من مناطر إقليدس (2) أن ما يرى من الكرة يكون ~~أصغر من نصفها (3)، ويحيط به دائرة وهاتان الدائرتان يمكن أن تتطابقا # PageV00P109 # [19 /]، وقد تتفارقان إما متوازيتين أو متقاطعتين، أو لا ذا ولا ذاك. كما ~~أوضحناه في تعليقاتنا على فارسية الهيئة (1) ولنأخذهما هنا عظيمتين كما فعل ~~بعض # PageV00P110 # الأعلام، إذ لا تفاوت في الحس بين كل منهما وبين العظيمة، ونجعل ما يقارب ~~التطابق تطابقا، ونقول: # إذا اجتمع الشمس والقمر (1) صار وجهه المضئ إليها، والمظلم إلينا، ~~وتتطابق الدائرتان وهو المحاق، فإذا بعد عنها يسيرا تقاطعت الدائرتان على ~~حواد ومنفرجات، ويرى من وجهه المضئ ما وقع منه بين الدائرتين في جهة ~~الحادتين اللتين إلى صوب الشمس وهو الهلال. # ولا تزال هذه القطعة تتزايد بتزايد البعد عن الشمس والحواد تتعاظم، ~~والمنفرجات تتصاغر حتى يصير التقاطع بين الدائرتين على قوائم، ويحصل ~~التربيع، فيرى من الوجه المضئ نصفه، ولا يزال يتزايد المرئي من المضئ ~~ويتعاظم انفراج الزاويتين الأوليين إلى وقت الاستقبال، فتطابق الدائرتان ~~مرة ثانية ويصير الوجه المضئ إلينا وإلى الشمس معا، وهو البدر. # ثم يقع التقارب فيعود تقاطع الدائرتين على المختلفات أولا، ثم على قوائم ~~ثانيا، وحصل التربيع الثاني (2)، ثم يؤول الحال إلى التطابق فيعود المحاق، ~~وهكذا إلى ما يشاء الله سبحانه. # PageV00P111 # تبيان: # لا يخفى أن حكمهم بأن نور القمر مستفادا من الشمس ليس مستندا إلى مجرد ما ~~يشاهد من اختلاف المتشكلات النورية بقربه وبعده عن الشمس، فإن هذا وحده لا ~~يوجب ذلك الحكم قطعا، بل لا بد مع ذلك من ضم أمور آخر، كحصول الخسوف عند ~~توسط الأرض بينه وبين الشمس، إلى غير ذلك من الأمارات التي يوجب اجتماعها ~~ذلك الحكم، لجواز أن يكون نصفه مضيئا من ذاته ونصفه مظلما، ويدور على نفسه ms23 ~~بحركة مساوية لحركة فلكه. # فإذا تحرك بعد المحاق يسيرا رأيناه هلالا، ويزداد فنراه بدرا، ثم يميل ~~نصفه المظلم شيئا فشيئا إلى أن يؤول إلى المحاق. # أقول: وهذا هو مقصود ابن الهيثم (1) بلا شك ومرية، لا ما ظنه صاحب حكمة ~~العين (2) حيث قال: زعم ابن الهيثم: أن القمر كرة نصفها مضئ # PageV00P112 # ونصفها مظلم، وتتحرك على نفسها، فإذا مال النصف المضئ إلينا نراه هلالا، ~~وتتحرك بحيث يصير نصفها المضئ كله إلينا عند المقابلة وعلى هذا دائما. # ثم قال: وهو ضعيف، وإلا لما انخسف [20 /] في شئ من الاستقبالات أصلا (1)، ~~انتهى كلامه. # وقد وافقه صاحب المواقف في هذا الظن قائلا: إن الخسوف يبطل كلام ابن ~~الهيثم (2). # وهذا منهما عجيب، وابن الهيثم أرفع شأنا في هذا العلم من أن يظن صدور مثل ~~هذا عنه، وكلامه ينادي بأن قصده ما ذكرناه، حيث قال: إن التشكلات النورية ~~للقمر لا يوجب الجزم بأن نوره مستفاد من الشمس، لاحتمال أن يكون القمر كرة ~~نصفها مضئ ونصفها مظلم، ويتحرك على نفسه، فيرى هلالا، ثم بدرا، ثم ينمحق، ~~وهكذا دائما (3). انتهى كلامه، وهو كلام لا غبار عليه أصلا. # والعجب أن هذا الكلام نقله شارح حكمة العين (4) عنه، ولم يتفطن لما هو ~~مقصوده منه، فإياك وقلة التأمل. # PageV00P113 # إرشاد: # لعلك تقول عند ملاحظة قوله عليه السلام: " وامتهنك بالزيادة والنقصان " ~~-: أن حصول الامتهان للقمر بنقصان نوره ظاهر، فما معنى حصول الامتهان له ~~بزيادة النور؟ فأقول فيه وجهان: # الأول: أنه لما كان أحد وجهيه مستنيرا بالشمس دائما، وكانت زيادة نوره ~~إنما هي بحسب إحساسنا فقط، وقد سخره الأمر الإلهي لأن يتحرك في النصف الأول ~~من الشهر على نهج لا يزيد به المنير منه في كل ليلة إلا شيئا يسيرا، لا ~~يستطيع أن يتخطاه، ولا يقدر على أن يتعداه، أثبت عليه السلام له الامتهان، ~~بسبب إذلاله وتسخيره للزيادة على هذا الوجه المقرر، والنهج الخاص. وقد شبه ~~بعضهم حال القمر، في ظهور القدر المرئي منه شيئا فشيئا في النصف الأول من ~~الشهر إلى أن يصير بدرا، ms24 ثم استتاره شيئا فشيئا في النصف الثاني إلى أن ~~يختفي; بما إذا أمر السيد عبده بأن لا يكشف النقاب عن وجهه للناظرين إلا ~~على التدريج شيئا فشيئا في مدة معينة، وأنه متى انكشف وجهه بأجمعه فليبادر ~~في الحال إلى ستره، وإرخاء النقاب عليه شيئا فشيئا إلى أن يختفي بأجمعه عن ~~الأبصار. # الوجه الثاني: أن يكون مراده عليه السلام الامتهان [21 /] بمجموع الزيادة ~~والنقصان، أعني التغير من حال إلى حال، وعدم البقاء على شكل واحد، ولعل هذا ~~الوجه أقرب، وهو جار فيما نسبه عليه السلام إليه من الامتهان بالطلوع ~~والأفول، والإنارة والكسوف. # ويمكن أن يوجه امتهانه بالإنارة بوجه آخر، وهو: أن يراد بها إعطاؤه النور ~~للغير - كوجه الأرض مثلا - لا اتصافه هو بالنور، فإن الإنارة والإضاءة كما ~~جاءا في اللغة لازمين فقط جاءا متعديين أيضا (1)، وحينئذ ينبغي أن يراد ~~بالكسوف # PageV00P114 # كسفه للشمس، ليتم المقابلة، ويصير المعنى امتهنك بأن تفيض النور على ~~الغير تارة وتسلبه عنه أخرى، ولو أريد المعنى الشامل للخسوف أو نفس الخسوف ~~أيضا لم يكن فيه بعد، والله أعلم. # تمهيد: # لما كانت الشمس ملازمة لمنطقة البروج، وكانت أعظم من الأرض (1) كان ~~المستنير بأشعتها أعظم من نصفها، والمظلم أقل كما عرفت سابقا، وحصل مخروط ~~مؤلف من قطعتين، ترتسم إحداهما من الخطوط الشعاعية الواصلة بين الشمس وسطح ~~الأرض، ويسمى مخروط النور والمخروط العظيم، والأخرى من ظل الأرض وتسمى ~~مخروط الظل، والمخروط الصغير، ويحيط به طبقة يشوبها ضوء مع بياض يسير، ثم ~~طبقة أخرى يشوبها مع ضوء يسير صفرة، ثم طبقة أخرى يشوبها يسير حمرة، وهذه ~~الطبقات الثلاث تظهر للبصر في المشرق من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بهذا ~~الترتيب، وبعكسه بعد غروبها في المغرب، وقاعدة المخروط العظيم [22 /] على ~~كرة الشمس منصفة بمنطقة البروج، وسهمه في سطحها، وينتهي رأسه في أفلاك ~~الزهرة عند كون الشمس في الأوج، وفيما دونه فيما دونها، وقاعدة المخروط ~~الصغير صغيرة على وجه الأرض، وهي الفصل المشترك بين المنير منها والمظلم، ~~وهذان المخروطان يتحركان (2) على سطح الأرض ms25 كأنهما جبلان شامخان، يدوران ~~حولها على التبادل، أحدهما أبيض ساطع، والأخر أسود حالك، عليه ملابس ~~متلونة، ويتحرك الأبيض من المشرق إلى المغرب، وهو النهار لمن هو تحته، ~~والأسود بالعكس وهو الليل لمن هو تحته، فتبارك الله أحسن الخالقين. # PageV00P115 # وإذا توهمنا سطحا كريا مركزه مركز العالم، يمر بمركز القمر وبالمخروط ~~الصغير فالدائرة الحادثة منه على جرم القمر تسمى صفحة القمر، والحادثة على ~~سطح المخروط دائرة الظل، ومركزها على منطقة البروج. # تلويح فيه توضيح: # إذا لاقى القمر مخروط الظل في الاستقبال، ووقعت صفحته كلها أو بعضها في ~~دائرة الظل، انقطعت الأشعة الشمسية عنه كلا أو بعضا، وهو الخسوف الكلي أو ~~الجزئي، ولكون غاية عرض القمر - وهي خمسة أجزاء - أعظم من مجموع نصفي قطري ~~صفحته ودائرة الظل، لم ينخسف في كل استقبال (1) [23 / أ]، بل إذا كان عديم ~~العرض، أو كان عرضه - وهو بعد مركزه عن مركز دائرة الظل - أقل من نصفها (2) ~~إذ لو كان مساويا لها ماس القمر محيط دائرة الظل من خارج على نقطة في جهة ~~عرضه، ولم ينخسف، وإن كان أكثر فبطريق أولى، أما إن كان العرض أقل من ~~النصفين انخسف أقل من نصف قطره إن كان العرض الأقل أكبر من نصف قطر دائرة ~~الظل، ونصف قطره إن كان مساويا له، لمرور دائرة الظل بمركز الصفحة حينئذ، ~~وأكثر منه (3) إن كان أقل منه، وأكثر من فضل نصف قطر دائرة الظل على نصف ~~قطر القمر، وكله (4) غير (5) ماكث إن كان مساويا لفضل نصف قطر دائرة الظل ~~على نصف قطر القمر، لمماسة القمر محيط الظل من داخل على نقطة في جهة عرضه، ~~وماكثا بحسب ما # PageV00P116 # يقع في دائرة الظل إن كان أقل من هذا الفصل، وغاية المكث إذا كان عديم ~~العرض، وأول الخسوف يشبه أثرا دخانيا، ثم يزداد تراكما بازدياد توغل القمر ~~في الظل، فإن كان عرضه أقل من عشر دقائق كان لونه أسود حالكا، وإلى عشرين ~~فأسود ضاربا إلى خضرة، وإلى ثلاثين فإلى حمرة، وإلى أربعين فإلى صفرة، وإلى ~~خمسين فأغبر، ms26 وإلى ستين فأشهب. # وابتداء الانجلاء من شرقي القمر [23 / ب]، كما أن ابتداء الخسوف كذلك. # تنبيه وتبيين: # الأحوال المشهورة الحاصلة للقمر كثيرة، فبعضها يشاركه فيها سائر الكواكب، ~~كالإنارة والطلوع والأفول ونحوها، وهي كثيرة ولا حاجة داعية إلى ضبطها، ~~وبعضها أمور تختص به لا توجد في غيره من الكواكب، وقد اعتنى أهل الهيئة ~~بالبحث عنها، وأشهرها ستة: # سرعة الحركة، واختلاف تشكلاته النورية، واكتسابه النور من الشمس، وخسوفه ~~لحيلولة الأرض بينهما، وحجبه لنورها بالكسف لها، وتفاوت أجزاء صفحته في ~~النور وهو المسمى بالمحو. # وهذه الأحوال الستة يمكن فهمها من كلامه عليه السلام بعضها بالتصريح ~~وبعضها بالتلويح. # أما سرعة حركته واختلاف تشكلاته فظاهر; وأما كسفه للشمس وخسوفه فلما مر ~~من حمل الكسوف في كلامه عليه السلام على ما يشمل الأمرين معا; وأما اكتسابه ~~النور من الشمس فلدلالة اختلاف التشكلات مع الخسوف عليه. # فهذه الأمور الخمسة تفهم من كلامه عليه السلام على هذا النهج، وبقي الأمر ~~السادس - أعني تفاوت أجزائه في النور - فإن في إشعار كلامه عليه السلام به ~~نوع خفاء; ويمكن أن يومئ إليه قوله عليه السلام: " وامتهنك بالزيادة ~~PageV00P117 # والنقصان ". فإن المراد زيادة النور ونقصانه، ولا معنى لتفاوت أجزائه في ~~النور إلا زيادته في بعض ونقصانه في بعض آخر كما لا يخفى [24 / أ]. # فقد تضمن كلامه عليه السلام مجموع تلك الأحوال الستة المختصة بالقمر، وقد ~~مر الكلام في الأربعة الأول منها، وبقي الكلام في الأخيرين فنقول: # أما الكسوف: فهو ذهاب الضوء عن جرم الشمس في الحس كلا أو بعضا، لستر ~~القمر وجهها المواجه لنا كلا أو بعضا، وذلك عند كونهما بحيث يمر خط خارج من ~~البصر بهما، إما مع اتحاد موضعيهما المرئيين، أو كون البعد بينهما أقل من ~~مجموع نصفي قطريهما، فلو تساويا ماسها ولا كسف، وإن زاد الأول فبالأولى، ~~فإن وقع مركزاهما على الخط المذكور كسفها كلها بلا مكث، إن كان قطراهما ~~متساويين حسا، ومع مكثه إن كان قطراها أصغر، وبقي منها حلقة نورانية إن كان ~~قطرها أعظم، وإن لم يقعا ms27 على ذلك الخط كسف منها بعضا أبدا إلا إذا كان قطره ~~أعظم حسا فقد يكسفها حينئذ كلا، وربما يبقي منها حلقة نورانية مختلفة الثخن ~~أو قطعة نعلية إن كان قطره أصغر. # ولما كان الكسوف غير عارض للشمس لذاتها، بل بالقياس إلى رؤيتها بحسب ~~كيفية توسط القمر بينها وبين الأبصار، أمكن وقوعه في بقعة دون أخرى، مع كون ~~الشمس فوق أفقيهما، وكونه في إحداهما كليا أو أكثر، وفي أخرى جزئيا أو أقل، ~~وابتداء الكسوف من غربي الشمس، كما أن ابتداء الانجلاء كذلك. # تتمة: # وأما محو القمر: - وهي الظلمة المحسوسة في صفحته - فأمره ملتبس، والآراء ~~فيه متشعبة والأقوال متخالفة، وابن سينا في الشفاء (1) أطنب في بيان # PageV00P118 # الاحتمالات التي يمكن القول بها، ولم يجزم بشئ منها، وقد وصل إلينا من ~~الأقوال اثني عشر قولا، أوردتها مع ما يرد عليها في المجلد الثاني من كتابي ~~الموسوم بالكشكول (1) وأذكر هنا [24 / ب] منها خمسة. # الأول: أنها آثار في وجهه المظلم، تأدت إلى وجهه المضئ. # وأورد عليه، أنه لو كان كذلك لكانت أطرافه أشد ظلمة، وأوساطه أشد ضوءا. # الثاني: أنها أجرام مختلفة مركوزة مع القمر في تدويره، غير قابلة للإنارة ~~بالتساوي، وهو مختار سلطان المحققين - قدس سره - في التذكرة (2). # وأورد عليه: أن ما يتوسط بينه وبين الشمس من تلك الأجرام وكذا بيننا ~~وبينه في كل زمان، ووضع شئ آخر لتحرك التدوير على نفسه، فكيف يرى دائما على ~~نهج واحد غير مختلف. # وقد يعتذر له: بأن التفاوت المذكور لا يحس به في صفحة القمر، لصغرها وبعد ~~المسافة. # الثالث: أن الأشعة تنعكس إليه من البحار، وكرة البخار، لصقالتها - ~~انعكاسا بينا، ولا تنعكس كذلك من سطح الربع المكشوف لخشونته، فيكون ~~المستنير من وجهه - بالأشعة النافذة إليه على الاستقامة، والأشعة المنعكسة ~~معا - أضوء من المستنير بالأشعة المستقيمة والمنعكسة من الربع المكشوف، ~~وهذا مختار صاحب التحفة (3). # وأورد عليه: أن ثبات الانعكاس دائما على نهج واحد - مع اختلاف أوضاع ~~الأشياء المنعكس عنها من البحار والجبال في جانبي المشرق والمغرب - مستحيل. # PageV00P119 # واعتذر له ms28 بما اعتذر لأستاذه. # الرابع: إن سطح القمر لما كان صقيلا كالمرآة فالناظر يرى فيه صور البحار، ~~والقدر المكشوف من الأرض، وفيه عمارات وغياض وجبال، وفي البحار مراكب ~~وجزائر مختلفة الأشكال، وكلها يظهر للناظر أشباحها في صفحة القمر، ولا يميز ~~بينها لبعدها، ولا يحس منها إلا بخيال، وكما لا ترى مواضع الأشباح في ~~المرايا مضيئة، فكذلك لا يرى تلك المواضع فيه براقة، أو أنه يرى صورة ~~العمارات والغياض والجبال مظلمة كما هي عليه في الليل، وصورة البحار مضيئة، ~~أو بالعكس فإن صورتي الأرض والماء منطبعان فيه، كما أن الأرض لكثافتها تقبل ~~ضوء الشمس أكثر مما يقبله الماء للطافته، فكذا صورتاهما، وهذا الوجه مختار ~~الفاضل النيسابوري (1) في شرح التذكرة (2) [25 / أ] ومال إليه أستاذ ~~أستاذنا المحقق البرجندي (3)، في شرح التذكرة أيضا (4)، والإيراد والاعتذار ~~كما # PageV00P120 # سبق. # الخامس: أن أجراما صغيرة نيرة مركوزة في جرم الشمس، أو في فلكها الخارج ~~المركز، بحيث تكون متوسطة دائما بين جرم الشمس والقمر، وهي مانعة من وقوع ~~شعاع الشمس على مواضع المحو من القمر، وهذا الوجه للمدقق الخفري (1) أورده ~~في شرح التذكرة (2)، ومنتهى الإدراك (3) واستحسنه. # وأقول: فيه نظر، فإن تلك الأجرام إن كانت صغيرة جدا، تلاقت الخطوط ~~الخارجة من حولها إلى القمر بالقرب منها، ولم يصل ظلها إليه، وإن كان لها ~~مقدار يعتد به بحيث يصل ظلها إلى جرم القمر فوصوله إلى سطح الأرض في بعض ~~الأوقات كوقت الاستقبال أولى، فكان ينبغي أن يظهر على سطح الأرض كما يظهر ~~ظل الغيم ونحوه، وليس فليس، والله أعلم بحقائق الأمور. # خاتمة: # ما مر من أن اكتساب النور من الشمس مختص بالقمر لا يشاركه فيه غيره من ~~الكواكب هو القول المشهور (4)، وعليه الجمهور فإنهم مطبقون على أن أنوار ما ~~عداه من الكواكب ذاتية غير مكتسبة من الشمس، واستدلوا على ذلك: بأنها لو ~~استفادت النور من الشمس لظهر فيها التشكلات البدرية والهلالية، بالبعد # PageV00P121 # والقرب منها كما في القمر، هكذا أورده [25 / ب] فيهما (1) وفي نهاية ~~الإدراك (2). # وأقول: فيه نظر، فإن القائل باستفادتها ms29 النور من الشمس ليس عليه أن يقول ~~بأن المستضئ منها إنما هو وجهها المقابل للشمس فقط، ليلزمه اختلاف تشكلاتها ~~كالقمر، بل أن يقول بنفوذ الضوء في أعماقها كالقطعة من البلور إذا وقع ~~عليها ضوء الشمس، فإن الناظر إليها من جميع الجهات يبصرها مضيئة بأجمعها، ~~فتبصر. # ثم إن صاحب التحفة أورد على الدليل المذكور: أن اختلاف التشكلات إنما ~~يلزم في السفليين لا في بقية الكواكب التي فوق الشمس، لكون وجهها المقابل ~~لنا هو المقابل للشمس، بخلاف القمر فيمكن أن يستفيد النور منها ولا يظهر ~~فيها التشكلات الهلالية بالقرب من الشمس (3). # وما يقال من أنه: يلزم انخسافها في مقابلات الشمس مدفوع بأن ظل الأرض لا ~~يصل إلى أفلاكها. # ثم إنه أجاب عن هذا الإيراد: بأن تلك الكواكب إذا كانت على سمت الرأس، ~~غير مقابلة للشمس، ولا مقارنة لها، لم يكن وجهها المقابل لنا هو المقابل ~~لها بل بعضه، ويلزم اختلاف التشكلات الهلالية. # ثم قال، فإن قيل: إنما لا يرى شئ منها هلاليا لخفاء طرفيه، لصغر حجم ~~الكوكب في المنظر، وظهوره من البعد المتفاوت مستديرا. # قلنا [26 / أ]: لو كان كذلك لرؤي الكوكب في قرب الشمس أصغر منه في بعد؟؟؟ ~~هذا كلامه. # وأقول: فيه نظر، فإن للخصم أن يقول: إنما يلزم ذلك لو وقعت دائرة # PageV00P122 # الرؤية فيها مقاطعة لدائرة النور، ولم لا يجوز أن لا تقع أبدا إلا ~~داخلها؟ إما موازية لها إذا كان الكوكب على سمت الرأس في مقابلة الشمس، أو ~~غير موازية إما مماسة لها كما لعله يتفق في التربيع، أو غير مماسة كما في ~~غيره. # ولا يندفع هذا إلا إذا ثبت تقاطع الدائرتين على سطح الكوكب كما في القمر، ~~ودون ثبوته خرط القتاد (1). # ثم إن الذي ما زال يختلج بخاطري: أن القول بعدم الفرق بين القمر وسائر ~~الكواكب في أن أنوار الجميع مستفادة من الشمس غير بعيد عن الصواب، وقد ذهب ~~إليه جماعة من أساطين الحكماء، ووافقهم الشيخ السهروردي (2) حيث قال في ~~الهياكل: إن رخش - يعني الشمس - قاهر الغسق، رئيس ms30 السماء، فاعل النهار، ~~صاحب العجائب، عظيم الهيئة، الذي يعطي جميع الأجرام ضوءها، ولا يأخذ منها ~~(3). هذا كلامه. # وقد ذهب الشيخ العارف محيي الدين بن عربي (4) أيضا إلى هذا القول، # PageV00P123 # وصرح به في الفتوحات المكية (1)، ووافقه جمع من الصوفية، والله أعلم ~~بحقائق الأشياء. # ولي في هذا الباب رسالة مبسوطة فمن أرادها فليقف عليها (2). # * * * # PageV00P124 # قال مولانا وإمامنا عليه السلام [26 / ب]. # " سبحانه ما أعجب ما دبر في أمرك، والطف ما صنع في شأنك، جعلك مفتاح شهر ~~حادث لأمر حادث، فأسأل الله ربي وربك، وخالقي وخالقك، ومقدري ومقدرك، ~~ومصوري ومصورك، أن يصلي على محمد وآله، وأن يجعلك هلال بركة لا تمحقها ~~الأيام، وطهارة لا تدنسها الآثام، هلال أمن من الآفات، وسلامة من السيئات، ~~هلال سعد لا نحس فيه، ويمن لا نكد معه، ويسر لا يمازحه عسر، خير لا يشوبه ~~شر، هلال أمن وإيمان، ونعمة وإحسان، وسلامة وإسلام ". # " سبحان " مصدر كغفران، بمعنى التنزيه عن النقائص، ولا يستعمل إلا محذوف ~~الفعل منصوبا على المصدرية، فسبحان الله معناه تنزيه الله، كأنه قيل أسبحه ~~سبحانا، وأبرؤه عما لا يليق بعز جلاله براءة. # قال الشيخ أبو علي الطبرسي طاب ثراه: أنه صار في الشرع علما لأعلى مراتب ~~التعظيم، التي لا يستحقها إلا هو سبحانه، ولذلك لا يجوز أن يستعمل في غيره ~~تعالى، وإن كان منزها عن النقائص (1). # وإلى كلامه هذا ينظر ما قاله بعض الأعلام: من أن التنزيه المستفاد من ~~سبحان الله ثلاثة أنواع: # PageV00P125 # [أ]: تنزيه الذات عن نقص الإمكان الذي هو منبع السوء. # [ب]: وتنزيه الصفات عن وصمة الحدوث، بل عن كونها مغايرة للذات المقدسة، ~~وزائدة عليها. # [ج]: وتنزيه الأفعال عن القبح والعبث، وعن كونها جالبة إليه تعالى نفعا ~~أو دافعة عنه سبحانه ضررا كأفعال العباد [27 / أ]. # و " ما " في قوله عليه السلام: " ما أعجب " إما موصولة، أو موصوفة، أو ~~استفهامية، على خلاف المشهور في ما التعجبية. # وهي مبتدأ والماضي بعدها صلتها أو صفتها على الأوليين، والخبر محذوف، أي ~~الذي - أو شئ - صيره عجيبا أمر عظيم ms31 أو هو الخبر على الأخير. # و " ما " في " ما دبر " مفعول أعجب، وهي كالأولى على الأوليين، والعائد ~~المفعول محذوف، والأمر والشأن مترادفان. # وفصل جملة " جعلك " عما قبلها للاختلاف خبرا وإنشاءا مع كون السابقة لا ~~محل لها من الإعراب. # و " الشهر " مأخوذ من الشهرة، يقال: شهرت الشئ شهرا أي أظهرته وكشفته، ~~وشهرت السيف أخرجته من الغلاف (1) وتشبيه الشهر في النفس بالبيت المقفول ~~استعارة بالكناية، وإثبات المفتاح له استعارة تخييلية، ولا يخفى لطافة ~~تشبيه الهلال بالمفتاح. # والجار - في قوله عليه السلام " لأمر حادث " - متعلق بحادث السابق، أي أن ~~حدوث ذلك الشهر وتجدده لأجل إمضاء أمر حادث مجدد، ويجوز تعلقه ب‍ " جعل ". # وتنكير " أمر " للإبهام وعدم التعيين، أي أمر مبهم علينا حاله، كما قالوه ~~في # PageV00P126 # قوله تعالى: * (أو اطرحوه أرضا) * (1) أن المراد أرضا منكورة مجهولة. # والفاء في " فأسأل الله " فاء السببية، كما في قوله تعالى: * (ألم تر أن ~~الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة) * (2). # فإن ذلك الأمر المجدد الذي جعل تجدد الشهر لإمضائه فيه لما كان مبهما صار ~~إبهامه سببا لأن يسأل الله سبحانه أن يكون بركة وأمنا وسلامة، وما هو من ~~هذا القبيل، ولا يبعد أن تجعل فصيحة كما قالوه في قوله تعالى: * (فقلنا ~~اضرب بعصاك الحجر فانبجست) * (3)، إما بتقدير شرط كما هو رأي صاحب الكشاف، ~~أي [27 / ب] إذا كان كذلك فأسأل الله; أو غير شرط، كما هو رأي صاحب ~~المنهاج، أي وهو مبهم فأسأل الله (4). # والحق أن تصدير الشرط لاعتباره لا ينافي كون الفاء فصيحة، وأن الناقل ~~وأهم كما نبه المحقق الشريف في بحث الإيجاز والإطناب من شرح المفتاح. # تتمة: # عدوله عليه السلام في قوله: " فأسأل الله " عن الإضمار الذي هو مقتضى ~~الظاهر، جريا على وتيرة الضمائر الأربعة السابقة، أي الإظهار لعله للتعظيم، ~~والاستلذاذ، والتبرك، وإرادة الوصف بما بعده إذ المضمر لا يوصف، وقول ~~الكسائي، بجواز وصف ضمير الغائب ضعيف، وأما جعل ما بعده هنا حالا فلا # PageV00P127 # يخلو من بعد بحسب المعنى. # والكلام فيما يتعلق بلفظ الجلالة المقدسة ms32 تقدم مبسوطا في فواتح الشرح ~~(1). # وإضافة الرب " إلى ياء المتكلم من إضافة الصفة إلى غير المعمول نحو كريم ~~البلد، إذ الصفة المشبهة لاشتقاقها من اللازم لا مفعول لها، وإضافتها ~~اللفظية منحصرة في إضافتها إلى الفاعل، فلذلك جاز وصف المعرفة بها. # فإن قلت: المعطوف على النعت نعت، واسم الفاعل أعني " خالقي " مضاف إلى ~~المفعول. # قلت: بعد تسليم أنه نعت حقيقة هو بمعنى الماضي، فإضافته معنوية من قبيل " ~~ضارب زيد أمس ". وتسميتهم المضاف إليه حينئذ مفعولا نظرا إلى المعنى لا إلى ~~أن محله النصب، كما إذا كان اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال، على أنا لو ~~قطعنا النظر عن كونه بمعنى الماضي لأمكن جعل مثل هذا من جزئيات قاعدتهم ~~المشهورة وهي أنه " يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل " كما قالوا ~~في نحو: " رب شاة وسخلتها ". # والمباحث [28 / أ] المتعلقة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، ~~وتحقيق تشبيهها في بعض الأدعية بالصلاة على إبراهيم وآل إبراهيم، والكلام ~~في تحقيق معنى الآل واشتقاقه من آل يؤل، وإيراد ما يرد على أن آل النبي صلى ~~الله عليه وآله حقيقة هم الأئمة المعصومون سلام الله عليهم قد مر الكلام ~~فيها في الفواتح (2) فلا معنى لإعادته. # و " البركة ": النماء والزيادة في الخير، ولعل المراد بها هنا الترقي في ~~معارج القرب، ومدارج الأنس يوما فيوما، فإن " من استوى يوماه فهو مغبون " ~~(3). # PageV00P128 # و " محق ": الشئ محقا أبطله ومحاه، ومنه سميت الليالي الثلاث الأخيرة من ~~الشهر محاقا، لمحق نور القمر فيها. # و " الطهارة ": النزاهة من الأدناس، ويندرج فيها نزاهة الجوارح عن ~~الأفعال المستقبحة، واللسان عن الأقوال المستهجنة، والنفس عن الأخلاق ~~المذمومة، والأدناس الجسمانية، والغواشي الظلمانية، بل النزاهة عن كل ما ~~يشغل عن الإقبال على الحق تعالى كائنا ما كان، وذلك بخلع النعلين والتجرد ~~عن الكونين، فإنهما محرمان على أهل الله تعالى. # و " الدنس ": الوسخ، وتدنيس الآثام للطهارة القلبية ظاهر، فإن كل معصية ~~يفعلها الإنسان يحصل منها ظلمة في القلب، كما يحصل من نفس الإنسان ظلمة في ~~المرآة، فإذا ms33 تراكمت ظلمات الذنوب على القلب صارت رينا وطبعا، كما تصير ~~الأنفاس والأبخرة المتراكمة على جرم المرآة صدء. # وإسناد المحق إلى الأيام، والتدنيس إلى الآثام مجاز عقلي، والملابسة في ~~الأول زمانية، وفي الثاني سببية. # و " الأمن ": اطمئنان القلب، وزوال الخوف من مصادمة المكروه. # و " السعد " والسعادة مترادفان، وربما فسرا بمعاونة الأمور الإلهية ~~الإنسان على نيل الخير، ويضادهما النحس [28 / ب] والشقاوة. # والمراد " بالنكد " عسر المعاش وضيقه، أو تعسر الوصول إلى المطلب ~~الحقيقي، لما يعتري السالك من العوائق الموجبة لبعد المسافة، وطول الطريق ~~والله أعلم. # تبصرة: # أمثال ما تضمنه هذا الدعاء من سؤاله عليه السلام الطهارة الغير المدنسة ~~بالآثام، والسلامة من السيئات، والتوفيق للتوبة، مع أنه عليه السلام معصوم ~~PageV00P129 # عن الأدناس والذنوب، قد تقدم الكلام فيه في الفواتح (1) وذكرت هناك أن ~~مثل هذا كثير في كلام أئمتنا سلام الله عليهم، كما نقل عن الكاظم عليه ~~السلام أنه كان يقول في سجدة الشكر: " رب عصيتك بلساني، ولو شئت وعزتك ~~لأخرستني، وعصيتك ببصري ولو شئت وعزتك لأكمهتني " (2) إلى آخر الدعاء. # بل وقع مثل ذلك في كلام سيد المرسلين وأشرف الأولين والآخرين صلى الله ~~عليه وآله الطاهرين كما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: (إني لأستغفر ~~الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) (3) وقد قلنا هناك: إن النبي ~~صلى الله عليه وآله، وكذلك المعصومين من عترته سلام الله عليهم، لغاية ~~اهتمامهم باستغراق أوقاتهم في الإقبال على الله سبحانه، والإعراض عما عداه، ~~وانجذابهم بكليتهم إلى جنابه جل شأنه، وترك ما سواه، كانوا يعدون صرف لمحة ~~من اللمحات في الأشغال البدنية، واللوازم البشرية من المأكل والمشرب ~~والمنكح، وأمثالها من المباحات، نقصا وانحطاطا، ويسمون توجه البال في آن من ~~الآنات إلى شئ من هذه الحظوظ الدنيوية إثما وعصيانا وذنبا، ويستغفرون الله ~~تعالى منه. # وقد سلك على منوالهم، واقتدى بأقوالهم، وأفعالهم، المتألهون والعرفاء من ~~أصحاب الحقيقة، الذين نفضوا عن [29 / أ] ذيول سرائرهم غبار هذه الخربة ~~الدنية، وكحلوا عيون بصائرهم بكحل الحكمة النبوية. # وأما نحن ms34 معاشر القاصرين عن الارتقاء إلى هذه الدرج العلية والمحجوبين عن ~~سعادة الاعتلاء على تلك المراتب السنية، فلا مندوحة لنا عن جعل عظائم # PageV00P130 # جرائمنا - حال قراءة تلك الفقر - نصب أعيننا; وقبائح أعمالنا - عند تلاوة ~~تلك الفصول - مطمح نظرنا. # تذكرة: # ينبغي لنا إذا تلونا قوله عليه السلام: " هلال أمن من الآفات " أن لا ~~نقصرها على الآفات البدنية، بل نطلب معها الأمن من الآفات النفسية أيضا، من ~~الكبر والحسد، والغل والغرور، والحرص وحب المال والجاه، وغير ذلك من دواعي ~~النفس وحظوظها، ومشتهياتها البهيمية والسبعية، فإن طلب الأمن من هذه الآفات ~~التي بمنزلة الكلاب العاوية والحيات الضارية الموجبة للهلاك الحقيقي أهم ~~وأحرى وأليق وأولى، وقد قدمنا في الحديقة الأخلاقية من شرحنا هذا وهي ~~الحديقة العشرون في شرح دعائه عليه السلام في مكارم الأخلاق كلاما فيما ~~يعين على الاحتراز عن هذه الآفات، وقلنا هناك: أنه لا يحصل الأمن التام ~~منها إلا بإخراج التعلق بالدنيا من سويداء الفؤاد، وقلع هذه الشجرة الخبيثة ~~من أرض القلب، فإنه ما دام الإقبال على الدنيا متمكنا في النفس، لا يمكن ~~حسم مواد هذه الآفات عنها رأسا، بل كلما دفعتها وحسمتها عادت إلى ما كانت ~~عليه أولا (1) وقد شبه بعض أصحاب القلوب (2) ذلك بحال شخص عرض له مهم يحتاج ~~إلى فكر وتأمل تام، فأراد أن يصفو وقته، ويجتمع باله، ليتفكر في هذا المهم، ~~فجلس تحت شجرة، واشتغل بالفكر فيه، وكانت العصافير - وغيرها من الطيور - ~~تجتمع على تلك الشجرة، وتشوش عليه فكره بأصواتها وتكدر وقته، فأخذ خشبة ~~وضرب بها الشجرة، فهربت العصافير والطيور عنها، ثم اشتغل بفكره فعادت كما ~~كانت فطردها مرة أخرى فعادت أيضا، وهكذا مرارا فقال له شخص: يا هذا، إن ~~أردت الخلاص فاقطع الشجرة من أصلها فإنها ما دامت باقية فإن العصافير ~~والطيور تجتمع عليها البتة. # PageV00P131 # وبعضهم شبه ذلك بقصة الكردي الذي قتل أمه، كما يحكى أن شخصا من الأكراد ~~كانت أمه معروفة بعدم العفة وتدنس الأزار، وكان الناس يعيرونه بذلك وهو ~~يتوقع الفرصة لحسم تلك المادة. # فدخل يوما ms35 إلى البيت فوجد معها رجلا يزني بها، فشق بالسكين صدرها واستراح ~~من شنعتها. # فقال له أصحابه ومعارفه: يا هذا، إن قتل الرجل كان أولى من قتل الأم، ~~فإنه أمر مستقبح!! # فقال: إني لو لم أقتلها كان يلزمني [30 /] أن أقتل في كل يوم شخصا جديدا، ~~وهذا الأمر لا يتناهى إلى حد. # وأنا قد نظمت قصة هذا الكردي في كتابي الموسوم بسوانح سفر الحجاز (1) ~~هكذا: # كان في الأكراد شخص ذو سداد * أمه ذات اشتهار بالفساد لم تخيب من نوال ~~طالبا * لن تكف عن وصال راغبا دارها مفتوحة للداخلين * رجلها مرفوعة ~~للفاعلين فهي مفعول بها في كل حال * فعلها تمييز أفعال الرجال كان ظرفا ~~مستقرا وكرها * جاء زيد قام عمرو ذكرها جاءها بعض الليالي ذو أمل * ~~فاعتراها الابن في ذاك العمل شق بالسكين فورا صدرها * في محاق الموت أخفى ~~بدرها مكن الغيلان من أحشائها * خلص الجيران من فحشائها قال بعض القوم من ~~أهل الملام: * لم قتلت الأم يا هذا الغلام؟ # كان قتل المرء أولى يا فتى * إن قتل الأم شئ ما أتى!! # قال: يا قوم اتركوا هذا العتاب * إن قتل الأم أدنى للصواب! # PageV00P132 # كنت لو أبقيتها فيما تريد * كل يوم قاتلا شخصا جديد إنها لو لم تذق حد ~~الحسام * كان شغلي دائما قتل الأنام!! # أيها المأسور في قيد الذنوب * أيها المحروم من سر الغيوب أنت في أسر ~~الكلاب العاويه * من قوى النفس الكفور الجانيه كل صبح مع مساء لا تزال * مع ~~دواعي النفس في قيل وقال [31 / أ] كل داع حية ذات التقام * قل مع الحيات كم ~~هذا المقام؟ # إن تكن من لسع ذي تبغ الخلاص * أو ترم من عض هاتيك المناص فاقتل النفس ~~الكفور الجانيه * قتل كردي لأم زانيه أيها الساقي أدر كأس المدام * واجعلن ~~في دورها عيشي المدام خلص الأرواح من قيد الهموم * أطلق الأشباح من أسر ~~الغموم فالبهائي الحزين الممتحن * من دواعي النفس في أسر المحن (1) تبيين: # يمكن أن يراد بالإحسان: في قوله عليه السلام: " ونعمة وإحسان " معناه ~~الظاهري ms36 المتعارف، والأنسب أن يراد به المعنى المتداول على لسان أصحاب ~~القلوب، وهو الذي فسره سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وآله أجمعين، ~~بقوله: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (2). # وينبغي حينئذ أن يراد بالإيمان والإسلام في قوله عليه السلام: " هلال أمن ~~وإيمان، وسلامة وإسلام "، المرتبتان المعروفتان بعين اليقين، وحق اليقين، ~~على ما مر شرحه في الفواتح. # هذا، وقد طلب عليه السلام الأمن في هذا الدعاء مرتين، مرة مقيدا بكونه من ~~الآفات، ومرة مطلقا، وكذلك طلب السلامة مرتين مرة مقيدا بكونها # PageV00P133 # من السيئات. وأخرى مطلقا. # ويمكن أن يراد بالمطلقة سلامة القلب عن التعلق بغير الحق جل وعلا، كما ~~قاله بعض المفسرين (1) في تفسير قوله تعالى: * (يوم لا ينفع مال ولا بنون ~~[31 / ب] إلا من أتى الله بقلب سليم) * (2). # وأما الأمن المطلق فلعل المراد به طمأنينة النفس بحصول راحة الأنس، ~~وسكينة الوثوق، فإن السالك ما دام في سيره إلى الحق يكون مضطربا غير مستقر ~~الخاطر لخوف العاقبة، وما يعرض في أثناء السير من العوارض العائقة عن ~~الوصول. # فإذا هب نسيم العناية الأزلية، وارتفعت الحجب الظلمانية، واندكت جبال ~~التعينات الرسمية، تنور القلب بنور العيان، وحصلت الراحة والاطمئنان، وزال ~~الخوف، وظهرت تباشير الأمن والأمان. # وهذان المقامان - أعني: مقامي الأمن والسلامة - من مقامات أصحاب ~~النهايات، لا من أحوال أرباب البدايات، وقد أشار إليهما مولانا وأمامنا ~~أمير المؤمنين عليه السلام الذي إليه تنتهي سلسلة أهل الحقيقة والعرفان ~~سلام الله عليه وعلى من ينتسب إليه في كلام له عليه السلام أورده السيد ~~الرضي (3) رضي الله عنه في نهج البلاغة، وهو قوله عليه السلام في وصف من ~~سلك طريق الوصول # PageV00P134 # (قد أحيى عقله (1) وأمات نفسه، حتى دق جليله، ولطف غليظه، وبرق له لامع ~~كثير البرق (2)، فأبان له الطريق، وسلك به السبيل، وتدافعته الأبواب إلى ~~باب السلامة، ودار الإقامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن ~~والراحة، بما استعمل قلبه وأرضى ربه) (3) انتهى كلامه صلوات الله عليه ~~وسلامه. # ولعل السعد الذي لا ms37 نحس فيه، واليمن [32 /] الذي لا نكد معه، واليسر الذي ~~لا يمازجه عسر والخير الذي لا يشوبه شر، من لوازم هذين المقامين وفقنا الله ~~سبحانه مع سائر الأحباب للارتقاء إليهما بمنه وكرمه إنه سميع مجيب. # PageV00P135 # توضيح: # خطابه عليه السلام في هذا الدعاء بعضه متوجه إلى الهلال، ومختص به، كقوله ~~عليه السلام: " جعلك مفتاح شهر حادث " وقوله عليه السلام: " أن يجعلك هلال ~~بركة، وهلال أمن، وهلال سعد ". # وبعضه متوجه إلى جرم القمر، كقوله عليه السلام: " وامتهنك بالزيادة ~~والنقصان "، فإن الهلال وإن حصل له الزيادة لكن لا يحصل له النقصان. # وأما إطلاق الهلال عليه في ليلتي ست وعشرين، وسبع وعشرين - كما ذكره صاحب ~~القاموس (1) - فالظاهر أنه مجاز كما مر (2)، وعلى تقدير أن يكون حقيقة فليس ~~هو المخاطب بذلك قطعا. # وكقوله عليه السلام " والإنارة والكسوف " فإن الكسوف لا يكون بشئ من ~~معنييه للهلال. # ويمكن أن قوله عليه السلام: " المتردد في منازل التقدير " مما يتوجه إلى ~~جرم القمر أيضا. لا الهلال لأن الجمع المضاف يفيد العموم، والهلال - وإن ~~كان يقطعها بأجمعها أيضا - إلا أن الظاهر أن مراده عليه السلام قطعها في كل ~~شهر. # ثم لا استبعاد في أن يكون بعض تلك الفقر مقصودا بها بعض الجرم أعني ~~الهلال، وبعضها مقصودا بها كله. 1 ويمكن أن يجعل المقصود بكل الفقر كل ~~الجرم، بناء على [33 /] أن يراد من الهلال جرم القمر في الليالي الثلاث ~~الأول، لا المقدار الذي يرى منه مضيئا فيها، كما أن البدر هو جرم القمر ~~ليلة الرابع عشر لا المقدار المرئي منه فيها. # وهذا وإن كان لا يخلو من بعد إلا أنه يصير به الخطاب جاريا على وتيرة # PageV00P136 # واحدة كما هو الظاهر. # تكملة: # جعله عليه السلام مدخول " ما " التعجبية فعلا دالا على التعجب بجوهره، ~~ينبئ عن شدة تعجبه عليه السلام من حال القمر، وما دبره الله سبحانه فيه، ~~وفي أفلاكه بلطائف صنعه وحكمته، وهكذا كل من هو أشد اطلاعا على دقائق الحكم ~~المودعة في مصنوعات الله سبحانه فهو أشد تعجبا، وأكثر استعظاما. ms38 # ومعلوم أن ما بلغ إليه علمه عليه السلام من عجائب صنعه جل وعلا، ودقائق ~~حكمته في خلق القمر، ونضد أفلاكه، وربط ما ربطه به من مصالح العالم السفلي، ~~وغير ذلك فوق ما بلغ إليه أصحاب الأرصاد، ومن يحذو حذوهم من الحكماء ~~الراسخين بأضعاف مضاعفة، مع أن الذي اطلع عليه هؤلاء - من أحواله، وكيفية ~~أفلاكه، وما عرفوه مما يرتبط به من أمور هذا العالم - أمور كثيرة، يحار ~~فيها ذو اللب السليم، قائلا: * (ربنا ما خلقت هذا باطلا) * (1). # وتلك الأمور ثلاثة أنواع: # الأول: ما يتعلق بكيفية أفلاكه، وعدها ونضدها، وما يلزم من حركاتها من ~~الخسوف والكسوف، واختلاف التشكلات [34 / أ] وتشابه حركة حامله حول مركز ~~العالم لا حول مركزه ومحاذاة قطر تدويره نقطة سوى مركز العالم، إلى غير ذلك ~~مما هو مشروح في كتب الهيئة. # الثاني: ما يرتبط بنوره من التغيرات في بعض الأجسام العنصرية، كزيادة ~~الرطوبات في الأبدان بزيادته، ونقصانها بنقصانه، وحصول البحارين (2) ~~للأمراض، وزيادة مياه البحار والينابيع زيادة بينة في كل يوم من النصف ~~الأول # PageV00P137 # من الشهر، ثم أخذها في النقصان يوما فيوما في النصف الأخير منه، وزيادة ~~أدمغة الحيوانات وألبانها بزيادة النور، ونقصانها بنقصانه. # وكذلك زيادة البقول والثمار نموا ونضجا عند زيادة نوره، حتى أن المزاولين ~~لها يسمعون صوتا من القثاء والقرع والبطيخ عند تمدده وقت زيادة النور، ~~وكإبلاء نور القمر الكتان، وصبغه بعض الثمار، إلى غير ذلك من الأمور التي ~~تشهد بها التجربة (1). # قالوا: وإنما اختص القمر بزيادة ما نيط به من أمثال هذه الأمور بين سائر ~~الكواكب لأنه أقرب [34 / ب] إلى عالم العناصر منها; ولأنه مع قربه أسرع ~~حركة فيمتزج نوره بأنوار جميع الكواكب، ونوره أقوى من نورها، فيشاركها شركة ~~غالب عليها فيما نيط بنورها من المصالح بإذن خالقها ومبدعها جل شأنه. # الثالث: ما يتعلق به من السعادة والنحوسة، وما يرتبط به من الأمور التي ~~هو علامة على حصولها في هذا العالم، كما ذكره الديانيون من المنجمين، ووردت ~~به الشريعة المطهرة على الصادع بها أفضل التسليمات. ms39 # كما رواه الشيخ الجليل عماد الإسلام، محمد بن يعقوب الكليني قدس الله ~~روحه، في الكافي عن الصادق عليه السلام، قال: " من سافر أو تزوج والقمر في ~~العقرب لم ير الحسنى " (2). # وكما رواه أيضا في الكتاب المذكور عن الكاظم عليه السلام: " من تزوج في ~~محاق الشهر فليسلم لسقط الولد " (3). # وكما رواه شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي طاب ثراه في تهذيب ~~الأخبار عن الباقر عليه السلام: " أن النبي صلى الله عليه وآله بات ليلة # PageV00P138 # عند بعض نسائه فانكسف القمر في تلك الليلة فلم يكن منه فيها شئ. # فقالت له زوجته: يا رسول الله بأبي أنت وأمي كل (1) هذا البغض؟ # فقال لها: (ويحك هذا الحادث في السماء فكرهت أن [35 / أ] أتلذذ). # وفي آخر الحديث ما يدل على أن المجامع في تلك الليلة إن رزق من جماعه ~~ولدا وقد سمع بهذا الحديث لا يرى ما يحب (2). # هداية: # ما يدعيه المنجمون من ارتباط بعض الحوادث السفلية بالأجرام العلوية إن ~~زعموا أن تلك الأجرام هي العلة المؤثرة في تلك الحوادث بالاستقلال، أو أنها ~~شريكة في التأثير، فهذا لا يحل للمسلم اعتقاده. # وعلم النجوم المبتني على هذا كفر والعياذ بالله، وعلى هذا حمل ما ورد في ~~الحديث من التحذير من علم النجوم والنهي عن اعتقاد صحته. # وإن قالوا: إن اتصالات تلك الأجرام وما يعرض لها من الأوضاع علامات على ~~بعض حوادث هذا العالم مما يوجده الله سبحانه بقدرته وإرادته; كما أن # PageV00P139 # حركات النبض واختلافات أوضاعه علامات يستدل بها الطبيب على ما يعرض للبدن ~~من قرب الصحة واشتداد المرض ونحوه وكما يستدل باختلاج بعض الأعضاء على بعض ~~الأحوال المستقبلة; فهذا لا مانع منه ولا حرج في اعتقاده. # وما روي من صحة علم النجوم، وجواز تعلمه محمول على هذا المعنى، كما رواه ~~الشيخ الجليل عماد الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، في كتاب الروضة من ~~الكافي، عن عبد الرحمن بن سيابة (1)، قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ~~جعلت فداك إن الناس يقولون: إن النجوم لا ms40 يحل [35 / ب] النظر فيها، وهي ~~تعجبني، فإن كانت تضر بديني فلا حاجة لي في شئ يضر بديني، وإن كانت لا تضر ~~بديني فوالله إني لأشتهيها، وأشتهي النظر فيها. # فقال عليه السلام: " ليس كما يقولون، لا تضر بدينك ". # ثم قال: " إنكم تبصرون في شئ منها كثيرة لا يدرك، وقليله لا ينتفع به، ~~تحسبون على طالع القمر ". # ثم قال: " أتدري كم بين المشتري والزهرة من دقيقة؟ فقلت: لا والله. # قال: " أتدري كم بين الزهرة والقمر من دقيقة "؟ قلت: لا والله. # قال: " أفتدري كم بين الشمس وبين السكينة (2) من دقيقة "؟ قلت: لا والله ~~ما سمعته من أحد من المنجمين قط. # فقال: " أفتدري كم بين السكينة واللوح المحفوظ من دقيقة "؟ قلت: # PageV00P140 # لا، ما سمعته من منجم قط. # قال: " ما بين كل منهما إلى صاحبه ستون دقيقة ". # ثم قال: " يا عبد الرحمن هذا حسان إذا حسبه الرجل ووقع عليه علم القصبة ~~التي في وسط الأجمة، وعدد ما عن يمينها، وعدد ما عن يسارها، وعدد ما خلفها، ~~وعدد ما أمامها، حتى لا يخفى عليه من قصب الأجمة واحدة (1) ". # إكمال: # الأمور التي يحكم بها المنجمون، من الحوادث الاستقبالية، أصول بعضها ~~مأخوذ من أصحاب الوحي سلام الله عليهم، وبعض الأصول يدعون فيها التجربة; ~~وبعضها مبتن على أمور متشعبة لا تفي القوة البشرية بضبطها والإحاطة بها، ~~كما يؤمي إليه قول الصادق عليه السلام: " كثيره لا يدرك، وقليله لا ينتج " ~~(2)، فلذلك وجد الاختلاف في كلامهم، وتطرق الخطأ إلى بعض أحكامهم. # ومن اتفق له الجري على الأصول الصحيحة صح كلامه، وصدقت أحكامه لا محالة، ~~كما نطق به كلام الصادق عليه السلام في الرواية المذكورة قبيل هذا الفصل ~~(3)، ولكن هذا أمر عزيز المنال، لا يظفر به إلا القليل، والله الهادي إلى ~~سواء السبيل. # ولابن سينا كلام في هذا الباب، قال في فصل المبدأ والمعاد، من إلهيات ~~الشفاء: لو أمكن انسانا من الناس أن يعرف الحوادث التي في الأرض والسماء ~~جميعا، وطبائعها لفهم كيفية [جميع] ما يحدث في المستقبل. # وهذا المنجم القائل ms41 بالأحكام - مع أن أوضاعه الأولى، ومقدماته ليست ~~مستندة (4) # PageV00P141 # إلى برهان، بل عسى أن يدعي فيها التجربة أو الوحي، وربما حاول قياسات ~~شعرية أو خطابية في إثباتها - فإنه إنما يعول على دلائل جنس واحد من أسباب ~~الكائنات، وهي التي في السماء، على أنه لا يضمن من عنده الإحاطة بجميع ~~الأحوال التي في السماء، ولو ضمن لنا ذلك ووفي به لم يمكنه أن يجعلنا ~~[ونفسه] بحيث تقف على وجود جميعها في كل وقت. وإن كان جميعها - من حيث فعله ~~وطبعه - معلوما عنده. # ثم قال في آخر كلامه: فليس لنا إذن اعتماد على أقوالهم، وإن سلمنا [متبر ~~عين] أن جميع ما يعطونا من مقدماتهم الحكمية صادقة (1). # خاتمة: # قد ألف السيد الجليل الطاهر، ذو المناقب والمفاخر، رضي الدين علي بن ~~طاووس قدس الله روحه، كتابا ضخما، سماه " فرج الهموم في معرفة الحلال ~~والحرام من علم النجوم " (2)، يتضمن الدلالة على كون النجوم علامات ودلالات ~~على ما يحدث في هذا العالم، وأن الأحاديث عن الأنبياء من لدن إدريس على ~~نبينا وعليه السلام إلى عهد أئمتنا الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين ناطقة ~~بذلك (3) [36 /]. # وذكر أن إدريس أول من نظر في علم النجوم (4)، وأن نبوة موسى عليه السلام ~~علمت بالنجوم (5). # ونقل أن نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله أيضا مما علمه بعض المنجمين، # PageV00P142 # وصدق به بالدلائل النجومية (1). # وأن بعض أحوال مولانا وإمامنا صاحب الأمر عليه السلام مما أخبر به بعض ~~المنجمين من اليهود بقم، وذكر أن بعض أكابر قم واسمه أحمد بن إسحاق (2) ~~أحضر ذلك المنجم اليهودي وأراه زايجة طالع ولادة صاحب الأمر عليه السلام، ~~فلما أمعن النظر فيها قال: لا يكون مثل هذا المولود إلا نبيا، أو وصي نبي، ~~وأن النظر يدل على أنه يملك الدنيا شرقا وغربا وبرا وبحرا حتى لا يبقى على ~~وجه الأرض أحد إلا دان بدينه وقال بولايته (3). # وروى عطر الله مرقده في الكتاب المذكور عن يونس بن عبد الرحمن (4)، قال، ~~قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن علم النجوم ms42 ما # PageV00P143 # هو؟ # قال: " علم من علم الأنبياء ". # قال، قلت: كان علي بن أبي طالب [عليه السلام] يعلمه؟. # فقال: " كان أعلم الناس به " (1). # وأورد قدس الله روحه أحاديث متكثرة من هذا القبيل طوينا الكشح عن ذكرها ~~خوفا من التطويل (2). # وذكر طاب ثراه ما أورده السيد الجليل، جمال العترة، الرضي رضي الله عنه، ~~في نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام للمنجم الذي نهاه عن ~~المسير إلى النهروان (3) (4); ثم إنه رحمه الله أطنب في تضعيف تلك الرواية ~~وتزييفها، بالطعن في سندها [37 /] تارة، وفي متنها أخرى. # أما السند، فقال: إن في طريقها عمر بن سعد بن أبي وقاص (5)، # PageV00P144 # مقاتل (1) الحسين عليه السلام (2). # PageV00P145 # وأما المتن، فقال طاب ثراه: إني رأيت فيما وقفت عليه أن المنجم الذي قال ~~لأمير المؤمنين عليه السلام هذه المقالة هو عفيف بن قيس (1)، أخو الأشعث ~~ابن قيس (2)، ولو كانت هذه الرواية صحيحة على ظاهرها لكان مولانا علي عليه # PageV00P146 # السلام قد حكم في صاحبه هذا - الذي قد شهد مصنف نهج البلاغة أنه من ~~أصحابه أيضا - بأحكام الكفار إما بكونه مرتدا عن الفطرة فيقتله في الحال، ~~أو بردة عن غير الفطرة فيتوبه، أو يمتنع من التوبة فيقتله، لأن الرواية قد ~~تضمنت أن " المنجم كالكافر " (1)، أو كان يجري عليه أحكام الكهنة أو ~~السحرة، لأن الرواية تضمنت أن " المنجم كالكاهن أو الساحر ". # وما عرفنا إلى وقتنا هذا أنه عليه السلام حكم على هذا المنجم الذي هو ~~صاحبه بأحكام الكفار ولا السحرة، ولا الكهنة، ولا أبعده، ولا عزره، بل قال: ~~" سيروا على اسم الله "، والمنجم من جملتهم لأنه صاحبه، وهذا يدل على تباعد ~~الرواية من صحة النقل، أو يكون لها تأويل غير ظاهرها موافق للعقل. # ومما ينبه على بطلان ظاهر هذه الرواية قول الراوي فيها: إن من صدقك فقد ~~كذب القرآن، واستغنى عن الاستعانة بالله. # ونعلم أن الطلائع للحروب يدلون على السلامة من هجوم الجيوش، وكثير من ~~النحوس، ويبشرون بالسلامة، وما لزم من ذلك أن نوليهم الحمد دون ربهم، ومثال ~~ذلك [38 / أ] ms43 كثير فتكون لدلالات النجوم أسوة بما ذكرناه من الدلالات على ~~كل معلوم (2). هذا كلامه أعلى الله مقامه. فتأمل مبانيه بعين البصيرة، ~~وتناول معانيه بيد غير قصيرة، والله الهادي. # * * * # PageV00P147 # قال مولانا وإمامنا عليه السلام: # " اللهم، اجعلنا من أرضى من طلع عليه، وأزكى من نظر إليه، وأسعد من تعبد ~~لك فيه، ووفقنا فيه للتوبة، واعصمنا فيه من الحوبة، واحفظنا من مباشرة ~~معصيتك، وأوزعنا فيه شكر نعمتك، وألبسنا فيه جنن العافية، وأتمم علينا ~~باستكمال طاعتك فيه المنة، إنك المنان الحميد، وصلى الله على محمد وآله ~~الطيبين الطاهرين ". # أصل " اللهم " عند الخليل (1) وسيبويه (2) يا الله، فحذف حرف النداء، # PageV00P148 # وعوض عنه الميم المشددة (1). # وقال الفراء (2) وأتباعه: أصلها يا الله أمنا بالخير، فخففت بالحذف لكثرة ~~الدوران على الألسن (3). # وأورد عليه: أنه لو كان كذلك لقيل في نحو اللهم اغفر لنا، اللهم واغفر ~~لنا بالعطف، كما يقال: أمنا بالخير واغفر لنا، ورفضهم ذلك رأسا بحيث لم # PageV00P149 # يسمع منهم أصلا يدل على أن الأصل خلافه. # وقد يذب عنها بأنها لما خففت صارت كالكلمة الواحدة، فلم يعامل ما يدل على ~~الطلب - أعني لفظة " أم " - معاملة الجملة، بل جعلت بمنزلة دال زيد مثلا، ~~فلم يعطف عليها شئ كما لا يعطف على جزء الكلمة الواحدة [38 / ب]. # " والطلوع ": يمكن أن يراد به الخروج من تحت الشعاع، وأن يراد به ظهوره ~~للحس كما هو الظاهر، وكذلك يمكن أن يراد به الطلوع الخاص في هذه الليلة، ~~وأن يراد به الطلوع في الزمان الماضي مطلقا. # وكذلك قوله عليه السلام: " وأزكى من نظر إليه " وتزكية النفس تطهيرها عن ~~الرذائل والأدناس، وجعلها متصفة بما يعدها لسعادة الدارين، وفلاح النشأتين. # " والعبادة " أقصى الذل والخضوع، ولذلك لا تليق إلا لله. # " والتوبة " لغة: الرجوع (1)، وتضاف إلى العبد، وإلى الرب تعالى، ومعناها ~~على الأول: الرجوع عن المعصية إلى الطاعة، وعلى الثاني: الرجوع عن العقوبة ~~إلى العفو والرحمة. # وفي الاصطلاح: الندم على الذنب، لكونه ذنبا. # وقد تقدم الكلام فيما يتعلق بها من المباحث، في الحديقة الحادية ~~والثلاثين (2) في شرح دعائه عليه ms44 السلام في طلب التوبة. # وقد أوردنا فيها أيضا كلاما مبسوطا في شرح الأربعين حديثا (3) الذي ~~ألفناه # PageV00P150 # بعون الله تعالى. # تتمة: # لعل المراد من العصمة في قوله عليه السلام: " واعصمنا فيه من الحوبة "، ~~معناها اللغوي، أي الحفظ عن السوء، فإن إرادة معناها الاصطلاحي المذكور في ~~الكلام - أعني لطف يفعله الله بالمكلف، بحيث لا يكون له معه داع إلى فعل ~~المعصية مع قدرته عليها - لا يساعد عليه قوله عليه السلام " من الحوبة "، ~~لأن العصمة بهذا المعنى لم يعهد [39 /] تعديتها بلفظة من. # " والحوبة " - بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة -: الخطيئة. # و " الإيزاع ": الإلهام، والمشهور في تعريفه أنه إلقاء الخبر في القلب من ~~دون استفاضة فكرية، وينتقض طرده بالقضايا البديهية، وعكسه بالإنشائيات بل ~~بعامة التصورات، ولو قيل إنه إلقاء المعنى النظري في القلب من دون استفاضة ~~فكرية لكان أحسن، مع أن فيه ما فيه. # والمراد بإيقاع " الشكر " في القلب ليس الشكر الجناني فقط بل ما يعم ~~الأنواع الثلاثة، والغرض صرف القلب إلى أداء الشكر اللساني والجناني ~~والأركاني بأجمعها. # وقد تقدم الكلام في الشكر مبسوطا في الحديقة التحميدية - وهي شرح الدعاء ~~الأول من هذا الكتاب الشريف، الذي أرجو من الله سبحانه التوفيق لإكماله - ~~وذكرنا هناك نبذة من مباحث الحمد والشكر، وما قيل من الطرفين في ~~PageV00P151 # وجوب شكر المنعم عقلا وسمعا، وما سنح لنا من الكلام في دفع شبه القائلين ~~بانحصار وجوبه في السمع، وبيان فساد معارضتهم خوف العقاب على ترك الشكر ~~بخوف العقاب على فعله (1). # و " الجنن " بضم الجيم وفتح النون: جمع جنة - بالضم - وهي الستر. # و " العافية " دفع الله سبحانه عن العبد ما هو شر له، ويستعمل في الصحة ~~البدنية والنفسية معا، وقد تقدم الكلام فيها في الحديقة الثالثة والعشرين ~~وهي شرح دعائه عليه السلام في طلب العافية (2). # تبصرة: # الضمائر الراجعة إليه سبحانه من أول هذا الدعاء إلى هنا بأجمعها ضمائر ~~غيبة، ثم إنه عليه السلام عدل عن ذلك الأسلوب وجعلها من هنا إلى آخر الدعاء ~~ضمائر خطاب، ففي كلامه عليه السلام التفات من ms45 الغيبة إلى الخطاب. # ولا يخفي أن بعض اللطائف والنكت التي أوردها المفسرون فيما يختص ~~بالالتفات في سورة الفاتحة يمكن جريانه هنا (3). # وأنا قد تفردت - بعون الله وحسن توفيقه - باستنباط نكت لطيفة في ذلك ~~الالتفات، مما لم يسبقني إليها سابق، وقد أوردت جملة منها فيما علقته من ~~الحواشي على تفسير البيضاوي (4)، وشرذمة منها في تفسيري الموسوم بالعروة ~~الوثقى (5)، وبعض تلك النكت يمكن إجراؤها فيما نحن فيه، فعليك بمراجعتها، ~~وملاحظة ما يناسب المقام منها. # PageV00P152 # والضمائر المجرورة في قوله عليه السلام: " وأسعد من تعبد لك فيه " إلى ~~آخر الدعاء راجعة إلى الهلال بمعنى الشهر، وليس كذلك المرفوع في طلع عليه، ~~والمجرور في نظر إليه، ففي الكلام استخدام من قبيل قول البحتري (1) [40 /]: # فسقى الغضا والساكنية وإن هم * شبوه بين جوانحي وضلوعي (2) ولعله لا يقدح ~~في تحقق الاستخدام كون إطلاق الهلال على الشهر مجازا لتصريح بعض المحققين ~~من أهل الفن بعدم الفرق بين كون المعنيين في الاستخدام حقيقيين أو مجازيين ~~أو مختلفين، وأن قصره بعضهم على الحقيقيين، على أن كون الإطلاق المذكور ~~مجازا محل كلام. # وتعبيره عليه السلام عن اقتراف المعصية بالمباشرة استعارة مصرحة، فإن ~~حقيقة المباشرة إلصاق البشرة بالبشرة. # والإضافة في " جنن العافية " من قبيل لجين الماء، ويجوز جعله استعارة ~~بالكناية مع الترشيح. # PageV00P153 # خاتمة: # اسم التفصيل في قوله عليه السلام: " اللهم اجعلنا من أرضى من طلع عليه "، ~~كما يجوز أن يكون للفاعل على ما هو القياس، يجوز أن يكون للمفعول أيضا، كما ~~في نحو: أعذر، وأشهر، وأشغل، أي اجعلنا من أعظم المرضيين عندك. # فإن قلت: مجئ اسم التفضيل بمعني المفعول غير قياسي، بل هو مقصور على ~~السماع. # قلت: لما وقع في كلامه عليه السلام كفى ذلك في تجويز هذا الاحتمال، ولا ~~يحتاج فيه إلى السماع من غيره قطعا، فإنه عليه السلام أفصح العرب في زمانه. # هذا، وفي كلام بعض أصحاب القلوب، أن علامة رضى الله سبحانه عن العبد رضا ~~العبد بقضائه تعالى، وهذا يشعر بنوع من اللزوم بين الأمرين. # ولو أريد باسم التفضيل ms46 هنا ما يشملهما، من قبيل استعمال المشترك في ~~معنييه معا لم يكن فيه كثير بعد، ومثله في كلام البلغاء غير قليل. [41 / ~~أ]. # وتعدية الرضاء بالقضاء، على بقية المطالب التسعة - التي ختم بها عليه ~~السلام هذا الدعاء - للاعتناء به، والاهتمام بشأنه، فإن الرضا بالقضاء من ~~أجل المقامات، ومن حازه فقد حاز أكمل السعادات، وصحت منه دعوى المحبة، التي ~~بها يرتقي إلى أرفع الدرجات، ولم يتشعب خاطره بورود الحادثات، واعتوار ~~المصيبات، ولم يزل مطمئن البال، منشرح الصدر، متفرغ القلب للاشتغال بما ~~يعنيه من الطاعات والعبادات، ومن لم يرض القضاء دخل في وعيد " من لم يرض ~~بقضائي " (1) الحديث. # PageV00P154 # ومع ذلك لا يزال محزونا مهموما، ملازما للتلهف والتأسف، على أنه لم كان ~~كذا؟ ولم لا يكون كذا؟، فلا يستقر خاطره أصلا، ولا يتفرغ لما يعنيه أبدا. # ونعم ما قال بعض العارفين: " إن حسرتك على الأمور الفانية، وتدبيرك ~~للأمور الآتية قد أذهبا بركة ساعتك التي أنت فيها. # * * * PageV00P155 # اللهم اجعلنا من الراضين بقضائك، والصابرين على بلائك، والشاكرين ~~لنعمائك، واجعل ما أوردناه في هذه الأوراق خالصا لوجهك الكريم، وتقبله منا، ~~إنك ذو الفضل العظيم. # تم تأليف الحديقة الهلالية، من كتاب حدائق الصالحين، ويتلوها بعون الله ~~الحديقة الصومية، وهي شرح دعائه عليه السلام عند دخول شهر رمضان. # واتفق الفراغ منها في الجانب الغربي من دار السلام بغداد، بالمشهد المقدس ~~المطهر الكاظمي، على من حل فيه من الصلوات أفضلها، ومن التسليمات أكملها، ~~في أوائل جمادى الآخر، سنة ألف وثلاث من الهجرة، وكان افتتاح تأليفها ~~بمحروسة قزوين، حرست عن كيد المفسدين. # وكتب: مؤلف الكتاب، الفقير إلى الله الغني بهاء الدين محمد العاملي، جعل ~~الله خير يومه غده، ورزقه من العيش أرغده، [41 / ب]. # * * * وصلى الله على محمد وآله الأطهار وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين. PageV00P156 ms47