######OpenITI# #META# bkid: 133377 #META# bk: شرح الأربعين النووية للمناوي ح 29 - 35 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: شرح الأربعين النووية [من بداية شرح الحديث 29 إلى نهاية شرح الحديث 35] #META# للعلامة: عبد الرؤوف المناوي -رحمه الله تعالى- المتوفى سنة (1031 ه) #META# رسالة: ماجستير - كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة #META# إعداد الطالب: محمد عبد الكريم حسن الإسحاقي #META# إشراف الدكتور: عمر بن مصلح الحسيني، الأستاذ المشارك في قسم فقه السنة ومصادرها #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# عدد الصفحات: 287 #META# inf: #META# auth: المناوي، عبد الرؤوف #META# authinf: المناوي (952 - 1031 ه = 1545 - 1622 م). محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين ابن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، زين الدين. • من كبار العلماء بالدين والفنون. • انزوى للبحث والتصنيف، وكان قليل الطعام كثير السهر، فمرض وضعفت أطرافه، فجعل ولده تاج الدين محمد يستملي منه تآليفه. • له نحو ثمانين مصنفا، منها الكبير والصغير والتام والناقص. • عاش في القاهرة، وتوفي بها. من كتبه. • (كنوز الحقائق - ط) في الحديث. • (التيسير - ط) في شرح الجامع الصغير، مجلدان، اختصره من:. • شرحه الكبير (فيض القدير - ط). • (شرح الشمائل للترمذي - ط). • (الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية - ط) في جزءين. • (شرح قصيدة النفس، العينية لابن سينا - ط). • (الجواهر المضية في الآداب السلطانية - خ). (سيرة عمر بن عبد العزيز - خ). • (تيسير الوقوف على غوامض أحكام الوقوف - خ). • (غاية الإرشاد إلى معرفة أحكام الحيوان والنبات والجماد - خ). • (اليواقيت والدرر - خ) في الحديث. • (الفتوحات السبحانية - خ) في شرح ألفية العراقي، في السيرة النبوية. • (الصفوة - خ) في مناقب آل البيت. • (الطبقات الصغرى - خ) ويسمى إرغام أولياء الشيطان. • (شرح القاموس المحيط - خ) الأول منه. • (آداب الأكل والشرب - خ). • (الدر المنضود في ذم البخل ومدح الجود - خ). • (التوقيف على مهمات التعاريف - خ) ذيل لتعريفات الجرجاني [طبع]. • (بغية المحتاج في معرفة أصول الطب والعلاج). • (تاريخ الخلفاء). • (عماد البلاغة) في الأمثال. • وكتاب في (التشريح والروح وما به صلاح الإنسان وفساده). • (إحكام الأساس) اختصر به أساس البلاغة ورتبه كالقاموس (1). __________. (1) خلاصة الأثر 2: 412 - 416 وفهرس الفهارس 2: 2 وآداب اللغة 3: 332 والفهرس التمهيدي 421 وخطط مبارك 16: 50 والكتبخانة 1: 290 والأزهرية 1: 499 ومعجم المطبوعات 1798 والخزانة التيمورية 3: 290 ومحمد إبراهيم العفيفي، في مجلة الرسالة 4: 64 قلت: في المؤرخين من يسميه (عبد الرؤوف بن علي) وسماه المحبي: (عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي) وهو في مقدمة كتابه (الكواكب الدرية) يقول: (وأنا محمد المدعو عبد الرؤوف) ونشرة 3: 31. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي [مع إضافات بين معقوفين] #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 133377 #META# over: 1 #META# seal: 623D4DAD #META# oauth: 423 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 6 #META# vername: None #META# cat: شروح الحديث #META# lng: محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين ابن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، زين الدين #META# higrid: 1031 #META# ad: 1031 #META# aseal: 4290859E #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/133377 #META#Header#End# # القسم الثاني: النص محققا PageV01P082 # [1 - عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله، أخبرني بعمل ~~يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال لمعاذ: «لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير ~~على من يسره الله عليه (¬1): تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، ~~وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» ثم قال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة! والصدقة تطفئ الخطيئة كما ~~يطفئ الماء النار! ، وصلاة الرجل من جوف الليل! ، ثم تلا قوله تعالى: ~~{تتجافى جنوبهم عن المضاجع} حتى بلغ: {يعملون} ثم قال: «ألا أخبرك برأس ~~الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: «رأس الأمر ~~الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد»، ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ~~ذلك كله؟ » قلت: بلى يا رسول الله أخبرني! ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بلسانه, ثم قال: «كف عليك هذا» قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما ~~نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك! ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو ~~قال: على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم؟ ! » رواه الترمذي وقال: حديث حسن ~~صحيح]. PageV01P083 ### | AUTO الحديث التاسع والعشرون # (عن معاذ) بضم الميم وذال معجمة «ابن جبل» بالتحريك، [وهو] (¬1) ضد ~~السهل، القارئ القانت الصادق الثابت المحكم للعمل، التارك للجدل، المتمسك ~~بالعروة الوثقى، إمام العلماء في الورع والتقوى، أبي عبد الرحمن الخزرجي/ ~~[115/ب] , شهد له المصطفى صلى الله عليه وسلم: «بأنه أعلم أمته بالحلال ~~والحرام» (¬2)، مات بالشام في PageV01P084 # طاعون عمواس (¬1). # «قال: قلت: يا رسول الله, أخبرني بعمل يدخلني الجنة» بضم اللام، والجملة ~~في موضع جر صفة لقوله «بعمل». # قال التوربشتي (¬2): (والجزم فيه وفيما بعده على جواب الأمر غير مستقيم ~~رواية ومعنى) (¬3). # لكن تعقب بأن الرواية غير معلومة، وأما المعنى: فاستقامته ما ذكره القاضي ~~(¬4) PageV01P085 # حيث قال: (إن صح الجزم فيه كان جزاءا لشرط محذوف تقديره: أخبرني بعمل إن ~~عملته يدخلني الجنة، والجملة الشرطية بأسرها صفة لعمل أو جوابا للأمر، ~~وتقريره: أن إخبار الرسول لما كان وسيلة ms01 إلى عمله، وعمله ذريعة إلى دخول ~~الجنة، كان الإخبار سببا بوجه ما لإدخال العمل إياه الجنة) (¬1). # فإن قيل: إذا جعل (يدخلني) جواب الأمر يبقى (بعمل) غير موصوف، والنكرة ~~غير موصوفة لا تفيد! ، فالجواب: أن التنكير فيه للتفخيم أو النوع، أي: بعمل ~~عظيم، أو معتبر في الشرع، بقرينة قوله الآتي: (سألتني عن عظيم)؛ ولأن مثل ~~معاذ (¬2) لا يسأل من مثل المصطفى صلى الله عليه وسلم عما لا جدوى له. # قال الطيبي (¬3): (والحاصل أن في مثل هذا مذهبين: # أحدهما: مذهب الخليل (¬4) وهو أن يجعل الأمر بمعنى الشرط، وجواب الأمر جزاء. # والثاني: مذهب سيبويه (¬5) وهو أن الجواب جزاء شرط محذوف (¬6)، وعلى PageV01P086 # التقديرين: التركيب من إقامة السبب الذي هو الإخبار (¬1) لأن الإخبار ~~إنما يكون سببا للعمل إذا كان المخاطب مؤمنا, معتقدا, موافقا) (¬2). # «ويباعدني عن النار» وفي رواية أحمد: (إني أريد أن أسألك عن كلمة قد ~~أمرضتني، وأسقمتني وأحزنتني، قال: سل عما شئت, قال: أخبرني بعمل يدخلني ~~الجنة لا أسألك غيره) (¬3). # وفيه دليل على شدة اعتنائه بالعمل الصالح، وعظيم فصاحته، فإنه أوجز وأبلغ ~~وأبدع؛ ولهذا حمد المصطفى/ [116/أ] صلى الله عليه وسلم مسألته واستعظمها، ~~وعلى طلب الإيجاز في التعلم والتعليم مع حصول الفائدة، وأن الأعمال سبب ~~لدخول الجنة، ويشهد له: {وتلك الجنة التي أورثتموها} (¬4) الآية {ادخلوا ~~الجنة بما كنتم تعملون} (¬5). PageV01P087 # ولا ينافيه حديث: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» (¬1)؛ لأن العمل نفسه لا ~~يستحق به أحد الجنة لولا أنه تعالى جعله سببا (¬2)، أو أن نفس الدخول لا ~~يكون بالعمل، بل بالرحمة، وأما حصول المنازل فيها فبالعمل. # وقال البيضاوي: (أراد بالحديث: بيان أن النجاة من العذاب والفوز بالثواب ~~بفضل الله ورحمته، والعمل غير مؤثر فيهما على سبيل الإيجاب والاقتضاء، بل ~~غايته: أنه يعد العامل لأن يتفضل عليه، ويقرب الرحمة إليه، إن رحمت الله ~~قريب من المحسنين) (¬3). [انتهى (¬4)]. # وقال الكرماني (¬5): (الباء في «بما كنتم» ليست سببية، بل للملابسة، أي: ~~أورثتموها ملابسة لأعمالكم، أي: لثواب أعمالكم، أو للمقابلة نحو: أعطيته ~~الشاة بدرهم، أو المراد جنة خاصة، أي: نيلكم تلك ms02 الجنة الخاصة الرفيعة ~~العالية بسبب الأعمال، وأما أصل الدخول فبالرحمة (¬6). PageV01P088 # قال: وأما قول النووي: ظاهر الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، والجمع ~~بينها وبين الحديث: أن التوفيق للأعمال، والهداية للإخلاص فيها وقبولها ~~إنما هو بالرحمة والفضل، فصح أنه لم يدخل بمجرد العمل وهو مراد الحديث، ~~وأنه يدخل بسبب العمل وهو من الرحمة، فيرد بأن المقدمة الأولى خلاف صريح ~~الحديث فلا يلتفت إليها) (¬1). # وقال ابن القيم: (العمل بمجرده -ولو تناهى- لا يوجب دخول الجنة، ولا أن ~~تكون عوضا له؛ لأن[ه] (¬2) لو وقع (¬3) على الوجه الذي يحبه الله لا يقاوم ~~نعمة، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، فيبقى جميع نعمه مقتضية لشكرها، ~~وهو لم يشكرها حق شكرها، فلو عذبه [عذبه] (¬4) وهو غير ظالم، وإذا رحمه ~~كانت رحمته خيرا من عمله، قال: وهذا فصل الخطاب مع الجبرية الذين أنكروا ~~كون الأعمال سببا لدخول الجنة من كل وجه، والقدرية الزاعمين أن الجنة عوض ~~العمل، وأنها ثمنه، وأن دخولها بمحض العمل، والحديث يبطل دعوى الطائفتين، ~~والحاصل: أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل/ [116/ب] دخول الجنة ~~ما لم يكن مقبولا، والقبول إنما يحصل بالرحمة) (¬5). # تتمة: قال الغزالي: اجتمع ابن واسع وابن دينار، فقال ابن دينار: إما طاعة ~~الله أو النار، فقال ابن واسع: إما رحمة الله أو النار، فقال: ما أحوجني ~~إلى معلم مثلك, وقال البسطامي (¬6): كابدت العباد [ة] (¬7) ثلاثين سنة، ~~فرأيت قائلا يقول: يا أبا يزيد: خزائنه PageV01P089 # مملوءة من العبادة، إن أردت الوصول إليه فعليك بالذلة والافتقار (¬1). # فائدة (¬2): جاء في بعض الآثار أن بعض بني إسرائيل كان يتعبد في جزيرة ~~ليس يعرفها أحد، وأنبت الله له شجرة رمان يأكل منها وعين ماء، فبقي كذلك ~~خمسمائة عام، ثم سأل ربه أن يقبضه ساجدا ففعل، فأخبر عنه -عليه السلام- أنه ~~يؤتى به يوم القيامة (¬3) فيقول له: اذهبوا به إلى الجنة برحمتي، فيقول: يا ~~رب بل بعملي، فيقول: حاسبوه على شكر نعمة حاسة البصر, فيحاسب فلا تفي ~~عبادته بها, فيقول: يا رب أدخلني الجنة برحمتك، ms03 فيقول: اذهبوا به إليها ~~برحمتي (¬4). # «قال» أي: رسول الله «لمعاذ: لقد سألتني عن عظيم» أي: عن شيء عظيم PageV01P090 # مشكل متعسر الجواب؛ لأن معرفة العمل الذي يدخل الجنة من علم الغيب، وعلم ~~الغيب لا يعلمه إلا الله، ومن علمه الله، كذا ذكره (¬1) المظهر (¬2). # ورده الطيبي: بأنه ذهاب إلى أن «عظيم» صفة موصوف محذوف أي: عن سؤال عظيم، ~~والأظهر: أن الموصوف أمر، ويعنى به العمل؛ لأن قوله: «تعبد الله» استئناف ~~وقع بيانا لذلك الأمر العظيم، وعنه ينبئ كلام البيضاوي حيث قال: (وإنه ~~ليسير): إشارة إلى أن أفعال العباد واقعة بأسباب ومرجحات تفيض عليهم من ~~عنده، وذلك (¬3) إن كان نحو معصية تسمى خذلانا وطبعا) (¬4). انتهى. # وعلم مما تقرر: أنه ليس المراد استعظام جزائه ونتيجته فقط، بدليل قوله: ~~«وإنه» أي: العمل الذي يدخل الجنة ويباعد عن النار: «ليسير على من يسره ~~الله عليه» لتوفيقه، وتهيئة أسباب الطاعة له، وشرح صدره إلى السعي فيما ~~يؤديه إلى السعادة الأبدية، {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} ~~(¬5) «اعملوا ما شئتم/ [117/أ] فكل ميسر لما خلق له» (¬6)، وبالجملة: ~~فالتوفيق إذا ساعد على شيء تيسر وإن كان ثقل الجبال. # قال الطيبي: (وإنما أسند اليسر إلى الله، وأطلق العسر؛ لئلا ينسب الخذلان ~~صريحا PageV01P091 # إليه, على طريقة: أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم (¬1)) (¬2). # وفيه دليل على مدح السائل وتعظيمه، وأنه أصاب بسؤاله كنزا عظيما، وأن مدح ~~العمل لصاحبه مندوب، بخلاف مدح الذات، والفرق: أن مدح العمل يزيد صاحبه فيه ~~تغبطا وحرصا، ومدح الذات يخشى منه العجب والالتفات، ثم فسر ذلك العمل ~~العظيم بقوله: «تعبد الله». # قال المؤلف (¬3): يحتمل أن المراد بالعبادة معرفة الله (¬4)، فيكون عطف ~~الصلاة وغيرها لإدخالها فيما يدخل الجنة ويبعد من النار، ويحتمل أن المراد ~~بالعبادة: الطاعة مطلقا، فيدخل فيه جميع الوظائف، وعليه: فعطف الصلاة ~~وغيرها عطف خاص على عام. انتهى (¬5). # واستبعد الحافظ ابن حجر الأول، وقال: (الأقرب أن المراد: النطق ~~بالشهادتين، ولما عبر بالعبادة احتاج إلى أن يوضحها بقوله: «لا تشرك به ~~شيئا») (¬6). # وقال الطوفي (¬7): (الظاهر أن المراد ms04 بالعبادة: التوحيد، بدليل «لا تشرك» ~~إلخ. PageV01P092 # ومنها (¬1) {ياأيها الناس اعبدوا ربكم} (¬2) أي: وحده (¬3)، {وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون} (¬4) أي: يوحدون، فعليه: يكون قد ذكر له التوحيد ~~وأعمال الإسلام، ويحتمل أنه أراد بالعبادة هنا: ما يتناول الإيمان الباطن، ~~والإسلام الظاهر، فيكون ما بعده عطف خاص على عام) (¬5). انتهى. # ونحوه قول بعضهم (¬6): (قوله: «تعبد الله» يتضمن جميع أنواع التكاليف ~~الشرعية، وقوله: «لا تشرك» يشمل كلا قسمي الشرك: الجلي والخفي, وقال [أهل] ~~(¬7) التحقيق: (العبادة لها ثلاث درجات: الأولى: أن تعبد الله طمعا في ~~الثواب، وهربا من العقاب، وهذا هو المسمى بالعبادة، وهذه الدرجة نازلة جدا! ~~(¬8)؛ لأن معبوده هو ذلك الثواب، PageV01P093 # وقد جعل الحق وسيلة إلى الفعل ذلك المطلوب (¬1). # الثانية: أن تعبد الله لتتشرف بعبادته، أو تتشرف بقبول تكاليفه، أو ~~بالانتساب إليه، وهذه أعلى من الأولى، لكنها غير خالصة؛ لأن القصد بالذات ~~غير الله، وهذا/ [117/ب] هو المسمى بالعبودية. # الثالثة: أن تعبده لكونه إلها وخالقا، ولكونه (¬2) عبدا له، والإلهية: ~~توجب الهيبة والعزة، والعبودية: توجب الخضوع والذلة، وهذا أعلى المقامات، ~~وأشرف الدرجات، وهذا هو المستحق بأن يسمى بالعبودية، وإليه الإشارة بقول ~~المصلي في أول الصلاة: (أصلي لله) (¬3)، فلو قال: أصلي لثواب الله أو للهرب ~~من عقابه بطلت صلاته، فالعبادة لعوام المؤمنين، والعبودية للخواص الموقنين، ~~والعبودية لخاص الخواص المقربين. # وقيل: العبادة لمن له علم اليقين، والعبودية لمن له [عين اليقين، ~~والعبودة لمن له حق اليقين، ولعمري ما أظلت الخضراء، وأقلت] (¬4) الغبراء ~~على من يفي بهذا الأمر، ويستقيم على هذا الحكم). # «وتقيم الصلاة» تأتي بها بشروطها، أو تواظب (¬5) عليها لأوقاتها. PageV01P094 # «وتؤتي الزكاة» لمستحقيها (¬1)، فحذف المفعول الأول (¬2)، وزاد في رواية: ~~«المفروضة» للاحتراز عن صدقة التطوع، فإنها زكاة لغوية، أو للاحتراز عن ~~الزكاة المعجلة قبل الحول، فإنها زكاة غير مفروضة. # «وتصوم رمضان» أي: تمسك جميع نهارك عن كل مفطر بنية ليلا. # «وتحج البيت» أي: تقصده بأداء النسك. # قال ابن حجر: (وليس المراد بمخاطبته بالإفراد -فيما مر، ويأتي- اختصاصه ~~به، بل تعليم السامعين الحكم في حقهم ومن أشبههم من المكلفين) ms05 (¬3). # وفيه دليل على أن تارك الأفعال المذكورة لا يدخل الجنة أي: حتى يطهر ~~بالنار. # «ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: ألا أدلك» عرض متضمن ~~للحث، نحو: {هل أدلكم على تجارة} (¬4) الآية، أي: عرضت عليك فهل تحبه؟ قصد ~~به التشويق إلى ما سيذكره؛ ليكون أوقع في النفس وأحث على استفراغها ~~لاستفادته. # «على أبواب الخير» أي: طرقه وأسبابه الموصلة إليه، ومن ثم جعلها أبوابا ~~له PageV01P095 # لترتبه عليها تشبيها له بأمتعة في مكان له أبواب. # والتعريف في (الخير) للجنس، ذكره بعضهم (¬1). # وقال المظهر: (جعل هذه الأشياء أبوابا للخير؛ لأن الصوم وإخراج المال في ~~الصدقة شديد على النفس، وكذا الصلاة في جوف الليل، فمن اعتادها سهل عليه كل ~~خير، ونال كل خير؛ لأن المشقة في دخول الدار تكون بفتح الباب المغلق) (¬2). # وقال الطيبي: (التعريف للعهد الخارجي التقديري، وهو مما يعلم من قوله: ~~«تعبد الله / [118/أ] ولا تشرك به» إلخ. المعني به الإسلام والإيمان الذي ~~هو سبب دخول الجنة، والمباعدة من النار ظاهرا، والمعني بأبواب الخير: ~~النوافل، كما دل عليه قوله: «وصلاة الرجل في جوف الليل» لئلا يلزم التكرار. # وسميت النوافل أبوابا للفرائض؛ لأنها مقدمات ومكملات لها، فمن فاتته ~~السنن حرم الفروض، قال بعض الأعيان: من ترك الأدب عوقب بحرمان النوافل، ومن ~~عوقب بحرمان النوافل عوقب بحرمان السنن، ومن عوقب بحرمانها (¬3) عوقب ~~بحرمان الفرائض، ومن عوقب بحرمان الفرائض يوشك أن يعاقب بحرمان المعرفة ~~(¬4)) (¬5). # وقال بعضهم (¬6): (إن كانت الإضافة في (أبواب الخير) بيانية (¬7) فالمراد ~~بالأعمال PageV01P096 # الصالحة التي يتوصل بها إلى أعمال أكمل منها كما استفيد من تسميتها ~~أبوابا، فهو من المجاز البليغ (¬1). # وآثر جمع القلة: (¬2) إشارة إلى تسهيل الأمر على السامع ليزيد تشوقه (¬3) ~~وإقباله (¬4)، PageV01P097 # وإن كانت بمعنى اللام: (¬1) فالمراد به الجزاء العظيم وجميع الأعمال ~~الصالحة، ويدل للثاني رواية ابن ماجه: «ألا أدلك على أبواب الجنة» (¬2) ~~وللأول تخصيص بعض الأعمال بالذكر بقوله: «الصوم» أي: الإكثار منه؛ لأن فرضه تقدم). # «جنة» بضم الجيم (¬3)، وقاية من سورة (¬4) الشهوة في العاجل، ومن النار ~~في الآجل، وأصلها ms06 الترس (¬5)، شبه به الصوم؛ لأنه يحمي الصائم عن الآفات ~~النفسانية في الدنيا، وعن العقاب في الآخرة -[كما تقدم] (¬6) - فإنه يقمع ~~الهوى، وبرد (¬7) الشهوات التي هي أسلحة الشيطان، فإن الشبع مجلبة للآثام، ~~منقصة للإيمان، ولهذا قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ ابن آدم ~~وعاء شرا من بطنه» (¬8). PageV01P098 # فإذا ملأ بطنه تشوشت فكرته لما يستولي على معادن إدراكه من الأبخرة ~~الكثيرة المتصاعدة من معدته إلى دماغه، فلا يمكنه نظر صحيح، ولا يتفق له ~~رأي صالح، وقد يقع في مداحض فيزوغ عن الحق، ويغلب عليه الكسل فيمنعه من ~~وظائف العبادات، وتكثر مواد الفضول فيه فيكثر غضبه وشهوته، ويزيد حرصه ~~فيوقعه في طلب ما زاد على كفايته فيقع في المحارم، فالصوم يدفع ذلك كله، ~~فلهذا كان جنة / [118/ب] يستجن بها العبد من النار). ذكره البيضاوي (¬1). # وقال الطيبي: إنما جعل الصوم جنة عن النار؛ لأن في الجوع سد مجاري ~~الشيطان، PageV01P099 # كما في الحديث: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ألا فضيقوا ~~مجاريه بالجوع» (¬1)، فإذا سد مجاريه لم يدخل فيه، فلم يكن سبب للعصيان، ~~الذي هو سبب دخول النيران. # «والصدقة» أي: نفلها؛ لأن فرضها ذكر قبل، «تطفئ» [أي: ] (¬2) تمحو، ~~«الخطيئة» أي: الصغيرة المتعلقة بحق الله، أما الكبيرة فلا يمحوها إلا ~~التوبة، وأما حق الآدمي فلا يمحوه إلا رضى صاحبه، «كما يطفئ الماء النار» ~~إن الحسنات يذهبن السيئات. # قال الطوفي: (وإنما استعار لفظ الإطفاء لمقابلة (¬3)؛ لأن الخطيئة يترتب ~~عليها العقاب الذي هو أثر الغضب، والغضب يستعمل فيه الإطفاء، يقال: طفئ غضب ~~فلان، وانطفأ غضبه؛ لأنه في الشاهد (¬4): ثوران (¬5) دم القلب عن غلبة ~~الحرارة. PageV01P100 # قال: وخص الصدقة بذلك لتعدي نفعها، وهي: إحسان إلى الخلق, وهم عيال الله ~~(¬1)، والإحسان إلى العيال يطفئ عادة غضب صاحبها، وسبب إطفاء الماء النار: ~~أن بينهما غاية التضاد؛ إذ النار حارة يابسة، والماء بارد رطب، فقد ضادها ~~بكيفيتيه جميعا، والضد يدفع الضد ويعدمه) (¬2). # وقال الطيبي: قوله: «الصدقة تطفئ الخطيئة»: أصله تذهب الخطيئة كقوله ~~تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} (¬3) ثم في ms07 الدرجة الثانية تمحو ~~الخطيئة؛ لخبر: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» (¬4)، أي: السيئة المثبتة في ~~صحيفة الكرام الكاتبين، وإنما قدرت PageV01P101 # الصحيفة بقرينة (تمحو)، ثم في الدرجة الثالثة تطفئ الخطيئة لمقام الحكاية ~~عن المباعدة عن النار، فلما وضع الخطيئة موضع النار على الاستعارة (¬1) ~~المكنية (¬2) أثبت لها على الاستعارة التخييلية ما يلازم النار من الإطفاء ~~ليكون قرينة مانعة لها من إرادة الحقيقة [من الخطيئة] (¬3). # وأما {إنما يأكلون في بطونهم نارا} (¬4) فمن إطلاق اسم المسبب على السبب ~~(¬5)، وأما معنى إذهاب السيئة بالحسنة: إذا كانت بين العبد وربه فظاهر، ~~وأما إذا PageV01P102 # كانت بينه وبين عبد فإنه إذا عمل حسنة تدفع تلك الحسنة يوم القيامة إلى ~~خصمه عوضا عن مظلمته. # / [119/أ] فإن قلت: هل يلزم على هذا التقدير أن تكون (¬1) الصدقة أقوى ~~حالا في المباعدة من النار؛ لأن الجنة -وهي الترس- دون إطفاء النار، قلت: ~~العكس أولى؛ لأن الجنة مانعة من صدور الخطيئة التي هي سبب النار، والصدقة ~~لا تمنع، وإنما تطفئ الخطيئة الحاصلة) (¬2). # «وصلاة الرجل» خصه لا لإخراج الأنثى، بل لأن الرجال هم المخاطبون، والخير ~~فيهم أغلب، «من جوف الليل» أي: في أثنائه، ف (من) بمعنى (في)، وحروف الصفات ~~(¬3) تتناوب (¬4)، أو لابتداء الغاية فيكون مبتدأ الصلاة جوفه، أو تبعيضية ~~أي: وصلاته في بعض جوف الليل كذلك، [أي: تطفئ] (¬5) الخطيئة كالصدقة، بدليل ~~رواية أحمد: «والصدقة (¬6) وقيام العبد في جوف الليل يكفر» (¬7) أي: ~~الخطيئة, وهذا ما PageV01P103 # استظهره البيضاوي حيث قال (¬1): «صلاة الرجل» مبتدأ خبره محذوف، أي: ~~صلاته في جوف الليل كذلك، أي: تطفئ الخطيئة, أو هي من أبواب الخير، قال: ~~والأول أظهر؛ لاستشهاده -عليه السلام- بالآية الآتية، وهي متضمنة للصلاة ~~والإنفاق. # قال الطيبي: (ويعضده تقييد القرينتين السابقتين-أعني الصدقة والصوم- ~~بفائدتين زائدتين: وهي الجنة وإطفاء الخطيئة؛ لأن الظاهر أن يقال: أبواب ~~الخير: الصوم والصدقة لا غير (¬2)، وصلاة الرجل في جوف الليل، فلما قيدتا ~~بهما يجب أن يقيد هذا بما يناسب, كما قدره القاضي (¬3)، قال (¬4): والأظهر ~~أن يقدر الخير (¬5): (شعار الصالحين)، كما في جامع الأصول (¬6) (¬7). PageV01P104 # ويفيد فائدة مطلوبة زائدة على القرينتين, وهي: أنهما ms08 كما أفادتا المباعدة ~~عن النار، فتفيد هذه الإدخال في الجنة، ويتم استشهاد الآية؛ (¬1) لأن قرة ~~العين كناية عن السرور والفوز التام, وهو مباعدة النار ودخول الجنة, كما ~~قال تعالى: {فمن زحزح عن النار} (¬2) الآية. انتهى (¬3). # واعلم أن التنفل بالليل أفضل منه بالنهار، لتوفر الخشوع فيه أكثر (¬4)، ~~ثم هي فيه بعد النوم أفضل، ويحصل فضل قيامه بركعتين. # «ثم تلا» أي: قرأ المصطفى صلى الله عليه وسلم احتجاجا على فضل صلاة ~~الليل، ومدحا لفاعل ذلك: «قوله تعالى {تتجافى} أي: تتنحى وترتفع, {جنوبهم ~~عن المضاجع} ... جمع مضجع بفتح الجيم (¬5)، أي: محل الاضطجاع للنوم / ~~[119/ب] «حتى بلغ: {يعملون} (¬6)؛ لأنه ثناء عليهم بهجر النوم، وارتكاب ~~مشقة السهر, والإنفاق مما رزقهم الله الدال عليه: {تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا PageV01P105 # ومما رزقناهم ينفقون} (¬1) المترتب عليه ما دل عليه: {فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} (¬2). # والجمهور أن ما في الآية كناية عن كثرة النفل بالليل, فإنهم أخفوا ~~أعمالهم، فجوزوا بما أخفي لهم من قرة الأعين (¬3)، وإنما يتم إخفاؤه ~~بالصلاة (¬4) في جوف الليل، فما قيل من أنه كناية عن صلاة بين العشاءين ~~يرده ظاهر هذا الحديث (¬5). # «ألا أخبرك» حث وتحريض على الإصغاء لما يلقيه إليه. # «برأس الأمر» أي: الدين أو العبادة أو الأمر الذي سأل عنه. # «وعموده» الذي (¬6): يقوم به, ويعتمد عليه كعمود القسطاط (¬7). # «وذروة» بتثليث الذال المعجمة، ومن اقتصر كالطوفي (¬8) والطيبي (¬9) على ~~الفتح PageV01P106 # والضم فغير مصيب، فإن أريد الأفصح فالكسر فقط (¬1). # «سنامه»: بفتح السين المهملة، أي: أعلاه، شوقه به لمعرفة ذلك ليقبل عليه ~~بشراشره (¬2) ويصغي إليه بكليته. # «قلت: بلى يا رسول الله أخبرني، قال: رأس الأمر الإسلام» أي: النطق ~~بالشهادتين, كما جاء مفسرا بهما في رواية أحمد (¬3)، فهو من جميع الأعمال ~~بمنزلة الرأس من الجسد في احتياجه إليه، وعدم بقائه بدونه، فلا أثر لجميع ~~أمور الدين بدونه، كحياة الحيوان بدون رأسه، فما لم يقر المكلف بكلمتي ~~الشهادة فلا شيء له من الدين أصلا، وإذا أقر بهما حصل له ms09 أصل الدين لكن ليس ~~له قوة وكمال، كالبيت الذي لا عمود له، PageV01P107 # فإذا صلى وداوم علي (¬1) قوي دينه، لكن لم يكن له رفعة وكمال، فإذا جاهد ~~حصل لدينه الرفعة والكمال، فلذلك قال: «وعموده» أي: قوامه الذي يقوم به ~~ويظهر عليه, «الصلاة» فإنها المقيمة لمنار الإسلام، كما أن العمود هو الذي ~~يقيم البيت، فهي العمل الدائم الفارق بين المؤمن والكافر، المشتملة على ما ~~لم يشتمل عليه غيرها من القربات، كيف وهي طهرة للقلوب، واستفتاح لأبواب ~~الغيوب (¬2)؟ ! . # «وذروة سنامه الجهاد»؛ لأنه [مقرون بالهداية] (¬3) بدليل: {والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا} (¬4) فهو أعلى أنواع العبادة من حيث صعوبته / [120/أ] ~~على النفوس أكثر من جميع الأعمال، وإن به أعلي (¬5) كلمة الله ونصرة ~~أوليائه وقهر أعدائه وحماية بيضة الإسلام، وليس ذلك لغيره من العبادات، فهو ~~من هذه الجهة أفضل، وإن فضله غيره من الفروض من جهات أخر. # والعبادة قد تكون فاضلة ومفضولة باعتبارين، كما يصير فرض الكفاية في بعض ~~الأحوال فرض عين، ألا ترى إلى قول ابن الزملكاني (¬6) كغيره (¬7): (قد يعرض ~~للمفضول ما يكسبه على غيره فضلا, وليفصل ذلك ليتخذ أصلا: فإن العبادة تفضل ~~تارة بحسب PageV01P108 # زمانها، وأخرى بحسب مكانها، وطورا بحسب حال المتصف بها، وآونة بمقتضى ~~سببها، ومرة تترجح بعموم الانتفاع، وأخرى بوقوعها في بعض الأزمنة الفاضلة ~~أو البقاع (¬1)) (¬2). # قال المظهر: (وإنما خص الشهادة والصلاة ولم يذكر الزكاة والصوم والحج؛ ~~لأنه ذكر الأركان الخمسة في أول الحديث، وأعاد هنا ذكر ما هو الأقوى منها ~~تعظيما لشأنهما؛ لأنهما يتكرران في كل يوم وليلة، بخلاف الزكاة والصوم ففي ~~كل سنة، والحج لا يتكرر، وزاد الجهاد وبين أن به رفعة الدين؛ تحريضا للناس ~~عليه لكراهة النفوس له) (¬3). # قال الطيبي: (وإنما خص هذه القرينة بالباء، والأولى ب (على)، لأن (¬4) ~~هذه القرينة أجمع وأشمل؛ لأن المعنى بأمر الدين (¬5)، وهو مشتمل على أبواب ~~الخير، وعلى ما سبقه من نحو: «تعبد الله» إلخ. # ولهذا أكد بالباء في القرينة الثالثة الآتية، وأكدها ب (كله)؛ لكونها ~~أجمع منها، وهذا الترقي ينبهك على جواز الزيادة ms10 في الجواب، كما في قوله ~~تعالى: {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين} ~~(¬6) وهو (¬7) من الأسلوب الحكيم (¬8). # والسؤال ضربان: جدلي وتعليمي، وحق الأول: مطابقة الجواب من غير زيادة ولا PageV01P109 # نقص، وحق الثاني: أن يتحرى المجيب الأصوب, كالطبيب الرفيق يتوخى ما فيه ~~شفاء العليل طلبه أم لا) (¬1). # وما ذكر من أن سياق الحديث هكذا هو ما في بعض النسخ، وفي بعضها: «ألا ~~أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه: الجهاد» وهذه رواية لابن ماجه (¬2). # وأما رواية الترمذي: [فذكر فيها الصلاة، كما في النسخة التي شرحت عليها، ~~ولعل المؤلف أثبت أولا رواية ابن ماجه ثم ألحق ما في رواية الترمذي] (¬3) ~~فلم يطلع على الإلحاق (¬4) من كتب من النسخة الأولى فاختلفت النسخ (¬5). # ثم قال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك بملاك» بكسر الميم كما ~~درجوا عليه / [120/ب] «ذلك كله» أي: بما يملكه ويضبطه, أو بمقصوده وجماعه، ~~أو بما يقوم به؛ بمعنى: أنه إذا وجد كانت تلك الأعمال كلها على غاية من ~~الكمال، ونهاية من صفاء الأحوال؛ لأن الجهاد وغيره من أعمال الطاعات غنيمة، ~~وكف اللسان عن المحارم سلامة، والسلامة في نظر العقلاء مقدمة على الغنيمة! . # قال التوربشتي: (ملاك الأمر قوامه وما يتم به، ولهذا يقال: القلب ملاك PageV01P110 # الجسد) (¬1). # وقال البيضاوي: (ملاك الشيء أصله ومبناه (¬2) , وأصله ما يملك به ~~كالنظام) (¬3). # وقال المظهر: (بأنه (¬4) إحكام الشيء وتقويته من ملك العجين إذا أحسن ~~عجنه وبالغ فيه، وأهل اللغة يكسرون الميم ويفتحونها، والرواية بكسر الميم ~~فقط (¬5)) (¬6). انتهى. # ولم يتفطن لذلك الشارح الهيثمي (¬7) فضبطه [هنا] (¬8) بفتح الميم وكسرها (¬9). # «قلت: بلى يا رسول الله, أخبرني, فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلسانه» أي: أمسك لسان نفسه بيده، الباء زائدة، والضمير [راجع] (¬10) إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # «ثم قال: كف عليك هذا» أي: كف عنك لسانك، فوضع (على) موضع (عن)، أو ضمن ~~(كف) بمعنى احبس (¬11)، أي: احبس عليك لسانك لا يصول عليك PageV01P111 # بكلام يؤذي. # وفي الحكمة: لسانك أسدك، إن أطلقته فرسك، وإن أمسكته حرسك، ms11 وكان الصديق ~~-رضي الله عنه-: «يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد» (¬1)، ذكره ~~بعض الشارحين (¬2). # وقال البيضاوي: (قوله: «كف عليك» أي: كف لسانك، فلا تتكلم بما لا يعنيك؛ ~~فإن من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ولكثرة الكلام (¬3) ~~مفاسد لا تحصى، أو: لا تتكلم بما (¬4) يهجس في نفسك من الوساوس، فإنك غير ~~مأخوذ به ما لم يظهر؛ لخبر: «إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما وسوست صدورها ما ~~لم تقل (¬5) أو تتكلم» (¬6) أو: لا تتفوه - بما ستره الله عليك؛ فإن التوبة ~~عنه أرجى قبولا، والعفو عنه أرجى وقوعا) (¬7). # وقال الطوفي: قوله: (كف) يجوز كونه عاما خص بكلام الخير؛ بدليل حديث: PageV01P112 # «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» (¬1) وكونه مطلقا: ~~استعمل (¬2) في الكف عن الشر فلا يبقى له دلالة على غيره (¬3)، ومنشؤهما / ~~[121/أ] أن الفعل يدل على المصدر (¬4)، لكن هل يقدر معرفا فيعم كاكفف الكف، ~~أو منكرا فلا يعم كاكفف كفا، أو على أن المصدر جنس فيعم، (¬5) أو لا فلا) (¬6). # وعدل عن قوله: (كف لسانك) الأخصر، وجمع بين إمساكه وقوله ذلك؛ لأن النفس ~~بالحسيات آلف منها (¬7) بالعقليات؛ لتأخر زمن إدراكها عن إدراك تلك، فكان ~~ذكر المعنى العقلي ثم تعقيبه بالتمثيل الحسي أبلغ وأوقع في النفس، وأبعد عن ~~الخفاء PageV01P113 # وأبدع في الظهور. # وقال حجة الإسلام: والمراد بكف اللسان حفظه من الكذب، فلا ينطق به في جد ~~ولا هزل؛ لأنه إن نطق به هزلا تداعى إلى الجد، والخلف في الوعد، والغيبة ~~-فإنها أشد من ثلاث وثلاثين زنية (¬1) - والمراء والجدال والمنافسة وتزكية ~~النفس واللعن والدعاء PageV01P114 # على الخلق والمزاح والسخرية والاستهزاء بالناس ونحو ذلك, وقال بعض ~~الحكماء: لا شيء أحق بالسجن من اللسان (¬1)، وقد جعله خلف الشفتين ~~والأسنان، ومع ذلك يكسر القفل ويفتح الأبواب، وقال بعضهم: إن لم تملك فضل ~~لسانك, ملك (¬2) الشيطان فضل عنانك (¬3). # «قلت يا نبي الله: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ » استفهام استثبات طلبا ~~لإيضاح الحكم, وتعجب واستغراب مؤذن بأنه لم يكن يعلمه أحرام هو أم حلال؟ ms12 . # وهذا لا ينافي إخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن: «معاذا أعلم الناس ~~بالحلال والحرام» (¬4)؛ لأن المراد بهما المعاملات الظاهرة بين الناس لا في ~~معاملة العبد ربه، أو صار أعلمهم بعد ذلك (¬5). ذكره الطوفي (¬6). # والمؤاخذة أن يأخذ أحد أحدا بذنب. # «فقال» أي: نبي الله «ثكلتك» أي: فقدتك «أمك» لفقدك إدراك المؤاخذة بذلك ~~مع ظهورها. # قال القاضي: (هذا وأمثاله أشياء مزالة عن أصلها إلى معنى التعجب وتعظيم ~~الأمر) (¬7). PageV01P115 # وقال المظهر وغيره: (هو في الأصل دعاء بالموت، لكنه ليس مرادا, بل جرى ~~(¬1) على ألسنتهم في المحاورات للتأديب, والتنبيه من الغفلة, وللتحريض على ~~الشيء والتهييج إليه، ك «تربت يمينك» و «عقرى حلقى» و «لا أم لك، ولا أب ~~لك» (¬2) و «لا در درك» (¬3). # «وهل»: استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي: ما «يكب» بضم الكاف, أي: [يلقي] (¬4). # قال الطيبي: / [121/ب] مضارع كبه بمعنى صرعه على وجهه [فأكب: سقط على ~~وجهه] (¬5)، وهذا من النوادر (¬6) (¬7)، فإن ثلاثيه متعد، ورباعيه لازم ~~(¬8) (¬9). PageV01P116 # «الناس» أي: أكثرهم «في النار» نار جهنم، «على وجوههم أو قال» -شك من ~~الراوي- «على مناخرهم» جمع منخر -بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وفتحها ~~(¬1) -: ثقبة الأنف. # «إلا حصائد (¬2) ألسنتهم» أي: ما تكلمت به من الإثم، جمع حصيدة بمعنى ~~محصودة، من حصد إذا قطع الزرع، وهو من إضافة اسم المفعول إلى فاعله أي: ~~محصودات بالألسنة، شبه ما تكلم به الإنسان بالزرع المحصود بالمنجل (¬3)، ~~فكما أن المنجل يقطع ولا يميز بين الرطب واليابس والجيد والرديء، فكذا لسان ~~بعض الناس يتكلم بكل نوع من الكلام القبيح والحسن، ثم حذف المشبه وأقيم ~~المشبه به مقامه على سبيل الاستعارة المصرحة (¬4)، وجعل الإضافة قرينة لها، ~~والاستثناء مفرغ (¬5)؛ # لأن في PageV01P117 # الاستفهام معنى النفي، والتقدير: لا يكب الناس في النار شيء من الأشياء ~~إلا حصائد ألسنتهم من الكلام القبيح كقذف وشهادة زور وشتم وغيبة ونميمة ~~وبهتان ونحوها، وهذا الحكم وارد على الأغلب والأكثر؛ لأنك إذا جربت وفكرت ~~لم تجد أحدا حفظ لسانه عن السوء ويصدر منه شيء يوجب دخوله النار إلا نادرا. ~~ذكره الطيبي (¬1). # وقال الطوفي: ms13 (الحصر إضافي؛ إذ من الناس من يكبه في النار غير كلامه، ~~فتخصيصه: إما لكونه أبلغ ضررا لتعديه إلى الغير، أو خرج مخرج المبالغة ~~تفظيعا لشأنه، أو لأن الأعمال يقارنها الكلام غالبا، فله حصة في سببية ~~الجزاء ثوابا وعقابا، وفي المثل يقول اللسان للقفا: كيف أصبحت؟ فيقول: بخير ~~إن سلمت منك! ) (¬2). # وفي الصحيحين: «أن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار ~~أبعد مما بين المشرق والمغرب» (¬3). فحث على قلة الكلام. # وفي المعجم الكبير للطبراني والبيهقي في الشعب من حديث أبي وائل عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه قال: ارتقى ابن مسعود الصفا فأخذ بلسانه فقال: يا لسان ~~(¬4): قل خيرا تغنم، واسكت عن شر تسلم, من قبل أن تندم، سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه PageV01P118 # وسلم يقول: «أكثر خطايا ابن آدم من لسانه» (¬1). # وذلك لأنه أكثر أعضاء الإنسان عملا، وهو صغير جرمه، عظيم جرمه (¬2)، فمن ~~أطلق عذبة (¬3) لسانه، / [122/أ] وأرسله مرخى العنان، سلك به الشيطان في كل ~~ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار، إلى أن يضطره إلى البوار، ولا ينجي من شر ~~اللسان إلا أن يقيد بلجام الشرع. # وروى الترمذي وابن خزيمة والبيهقي عن أبي سعيد مرفوعا: «إذا أصبح ابن آدم ~~فإن الأعضاء كلها تكفر (¬4) اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك فإن ~~استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» (¬5). PageV01P119 # قال الغزالي: (المعنى في ذلك: أن نطق اللسان يؤثر في أعضاء الإنسان ~~بالتوفيق والخذلان، فاللسان أشد الأعضاء جماحا وطغيانا، وأكثرها فسادا ~~وعدوانا، ويؤكد هذا المعنى قول مالك (¬1) بن دينار: إذا رأيت قسوة في قلبك, ~~ووهنا في بدنك, وحرمانا في رزقك, فاعلم أنك تكلمت فيما لا يعنيك) (¬2). # فإن قيل: ما ذكر في هذا الحديث: من أن أعظم الخطايا في اللسان، وأنه إذا ~~استقام استقامت الأعضاء، وإذا اعوج اعوجت، يخالفه ما مر في حديث: إن في ~~الجسد مضغة إلى أن قال: «وهي القلب» (¬3)، قلنا: اللسان ترجمان القلب، ~~وخليفته في ظاهر البدن، فإذا أسند الأمر إليه فهو مجاز في الحكم، كقولك: ~~شفى الطبيب ms14 المريض. # تتمة: قد كان السلف على غاية من حفظ اللسان: قال الإمام ابن أبي جمرة ~~(¬4): أخبرني بعض مشايخي عن بعض مشايخه: أنه كان قاعدا (¬5) أحد أصحابه ~~فأتاه ابنه من المكتب، فقال: حفظت لوحي، أقعد أو أمشي ألعب؟ فلم يجبه، ~~فكرره، فقال له صاحبه: ألا تقول له: يلعب، أليس اللعب (¬6) يصلح الصبيان؟ ~~قال: ما أريد أن يكون PageV01P120 # في صحيفتي اذهب فالعب! ، فإن فعل لا أمنعه (¬1). # (رواه الترمذي) في جامعه (وقال: حسن صحيح) (¬2) وفي سياقه زيادة على ~~المؤلف، ولفظه عن معاذ: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت ~~يوما قريبا منه ونحن نسير، فقلت يا رسول الله: أخبرني بعمل يدخلني الجنة ~~... » فذكره. # ورواه أيضا أحمد (¬3) والنسائي (¬4) وابن ماجه (¬5) كلهم من طريق أبي ~~وائل عن معاذ مطولا. # وأخرجه أحمد أيضا من وجه آخر عن معاذ (¬6). PageV01P121 # وزاد الطبراني في رواية مختصرة: «ثم إنك لن تراك سالما ما سكت، فإذا ~~تكلمت كتب عليك أو لك» (¬1). # وفي حديث أبي ذر مرفوعا: «عليك بطول الصمت، فإنه مطردة للشيطان»، / ~~[122/ب] رواه أحمد والطبراني وابن حبان والحاكم وصححاه (¬2). PageV01P122 # [2: عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا ~~تتعدوها (¬1)، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان ~~فلا تبحثوا عنها». حديث حسن، رواه الدارقطني وغيره]. PageV01P123 ### | AUTO الحديث الثلاثون # (عن أبي ثعلبة) بفتح المثلثة (الخشني) بضم المعجمة الأولى وفتح الثانية ~~وكسر النون، نسبة إلى خشينة (¬1) مصغرا بطن من قضاعة (¬2) (جرثوم) بضم ~~الجيم ثم راء (¬3) ومثلثة، وقيل: جرثومة، وقيل: جرثم، وقيل غير ذلك (¬4)، ~~قال ابن رسلان (¬5): # والأكثر PageV01P124 # على أن اسمه: (جرهم) بضم الجيم والهاء (¬1). # (ابن ناشز) (¬2) وقيل: لاشز، وقيل: لاشر، وقيل: لاشق، وقيل غير ذلك (¬3)، ~~والأكثر على أن اسمه (ناشم) بالنون ومعجمة مكسورة وميم: صحابي مشهور، خرج ~~له الجماعة، حكي عنه أنه قال: إني لأرجو أن لا يخنقني الله كما أراكم ~~تخنقون عند الموت (¬4)، فبينما هو يصلي قبض ms15 وهو ساجد [سنة خمس وسبعين] (¬5) (¬6). # (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله -تعالى- فرض فرائض) أي: ~~أوجبها على عباده، وألزمهم القيام بها، والفرض كالإيجاب (¬7)، [لكن ~~الإيجاب] (¬8) PageV01P125 # يقال اعتبارا بوقوعه وثبوته، والفرض بقطع الحكم فيه، ومنه يقال لما ألزم ~~الحاكم من النفقة: فرض، ذكره الراغب (¬1) (¬2)، وهو بيان لأصل مدلوله (¬3)، # وفي اصطلاح أهل الأصول -ويرادفه الواجب عند الشافعية (¬4) -: الفعل ~~المطلوب طلبا جازما، وقال الحنفية: الفرض ما ثبت بقطعي، والواجب ما ثبت ~~بظني (¬5). # ثم الفرائض: إما فرائض أعيان كالصلوات الخمس، والزكاة، والصوم. # أو كفاية: كصلاة الجنازة، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # (فلا تضيعوها) بالترك أو التهاون فيها حتى يخرج وقتها، بل أوقعوها في ~~أوقاتها المقدرة لها كما أمركم الله، وفيه دليل على أنه يبدأ أولا (¬6) ~~بالفرائض، ويبدأ من الفرائض PageV01P126 # بالآكد فالآكد؛ لأن الفرائض كثيرة: كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وغير ذلك، لكن قد تفضل بعض هذه الأمور على غيرها، وما فضل على الغير ~~فالمحافظة عليه آكد، مع أن المحافظة على الكل واجبة، وفيه فضل العلم على ~~غيره من الأعمال؛ لأنه لا يعلم هذا وأمثاله إلا به. # (وحد حدودا) جمع حد، وهو لغة: الحاجز بين شيئين: الذي يمنع اختلاط أحدهما ~~بالآخر، سميت العقوبة حدا لكون ذلك يحجز الفاعل عن المعاودة. # قال الراغب: وتطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي؛ لقوله تعالى: {تلك حدود ~~الله} (¬1) وعلى فعل فيه شيء مقدر، / [123/أ] ومنه: {ومن يتعد حدود الله} ~~(¬2) كأنها لما فصلت بين الحلال والحرام سميت حدودا؛ لما تقرر أن الحد ~~الحاجز، فمنها ما زجر عن فعله، ومنها ما زجر عن الزيادة عليه والنقص منه ~~(¬3)، وحينئذ فقوله هنا: (وحد حدودا) ليس المراد به نفس المعاصي؛ لأنه يأتي ~~في قوله: (وحرم أشياء) , فإما أن المراد: بين لكم أمورا وأذن في فعلها ~~واجبة ومندوبة ومباحة وأمر بالوقوف عندها, (فلا تعدوها) أي: فلا تتجاوزوها ~~إلى فعل ما نهيتم عنه، وعليه فما قبله وبعده من ذكر العام بعد الخاص وعكسه ~~(¬4). PageV01P127 # وإما أن المعنى: جعل لكم حواجز وزواجر مقدرة تحجزكم ms16 عما لا يرضاه (فلا ~~تعتدوها) أي: لا تجاوزوا القدر الذي قدره الشارع فلا تزيدوا عليه, ولا ~~تنقصوا منه، لكن للحاكم أن يزيد لمصلحة خاصة، وتكون الزيادة تنكيلا وزجرا ~~كما جلد عمر في الخمر ثمانين (¬1). # (وحرم أشياء) أي: منع من قربانها وارتكابها كشهادة الزور، وأكل مال ~~اليتيم، والربا. # (فلا تنتهكوها) أي: لا ترتكبوها مقتحمين لها غير مبالين بها. # (وسكت عن أشياء) لم يذكر حكمها (رحمة بكم) مفعول لأجله؛ أي: فعل ذلك لأجل ~~رحمته، ورفقه بكم، وتخفيفه عنكم حال كون ذلك (غير نسيان) للنص على حكمها؛ ~~إذ لا يضل ربي ولا ينسى؛ ولهذا تلا المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ~~الدرداء (¬2): {وما كان ربك نسيا} (¬3). # (فلا تبحثوا عنها) أي: فلا تستكشفوا عن أحوالها ولا تسألوا عنها كما قال PageV01P128 # تعالى: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} (¬1) وهذا يحتمل اختصاصه ~~بزمن المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأن البحث عما لم يذكر حكمه قد يكون سببا ~~للتشديد بإيجاب أو تحريم؛ بدليل حديث: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن ~~شيء لم يحرم فحرم لأجل مسألته» (¬2). # ويحتمل العموم بشهادة خبر: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (¬3) ~~والنهي عن قيل وقال، وكثرة السؤال (¬4). PageV01P129 # ومعنى سكوته تعالى عنها: أنه لم ينزل (¬1) حكمها لرسوله كما تقرر؛ فلم ~~ينطق فيه بأمر ولا نهي ولا تحريم ولا تحليل، فيرد حكمه إلى أصل من أصول ~~الشرع، لا أنه -تعالى- سكت عنها حقيقة لاستحالته عليه -تعالى-؛ إذ الكلام ~~من صفاته النفسية (¬2) القديمة الذاتية التي لا تنفك عنه (¬3). PageV01P130 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P131 # قال بعض الشراح (¬1): لكن الأصح أن ما سكت عنه هو الذي / [123/ب] عفا ~~عنه، ووسع الأمر فيه على عباده، وفهم من سكوته عن ذلك رحمة لنا -مع النهي ~~عن البحث عنه-: أنه لا حكم قبل ورود الشرع, وهو الأصح (¬2). # وهذا الحديث تمسك به من يقتصر -كالظاهرية- على ظاهر اللفظ وينفي ما عداه ~~مما يفهم منه بإشارة أو موافقة أو مخالفة أو قياس أو غيره، وما لاحكم له في ~~النصوص يردوه إلى حكم ms17 ما قبل الشرع. # قال الطوفي: (وهو ظاهر الحديث؛ لأنه نهي عن البحث عما سكت عنه، فيكون على ~~خلاف الشرع، فيكون مردودا عملا بخبر (¬3): «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» ~~وهذا الاستدلال ظني، وأدلة القياس قاطعة فلا يعارضها الظن) (¬4). # والحق: أن ما لم يرد فيه نص خاص أو عام: إن كان داخلا في ذلك النص مما ~~يؤخذ منه بإشارة أو مساواة أو أولي أو مخالفة أو إلحاقا لحكم المسكوت عنه ~~بحكم المنطوق ونحوه؛ فالبحث عنه حق يتعين على المجتهد بيانه، وإلا فهو من ~~التعمق والتنطع PageV01P132 # والبحث عما لا يعني، قال المصطفى: «هلك المتنطعون» (¬1) أي: المتعمقون, ~~جمع متنطع، وهو المتعمق البحاث. # وهذا (حديث حسن) بل وصحيح، فقد صححه ابن الصلاح (¬2)، وقول أبي حاتم وأبي ~~زرعة: (رواية مكحول لم يسمع من أبي ثعلبة) معارض بقول ابن معين: سمع (¬3)، ~~والمثبت مقدم على النافي. # (رواه الدارقطني) (¬4) إمام العلماء (¬5) الحافظ الجليل (¬6) علي بن عمر ~~البغدادي (وغيره) كأبي نعيم وغيره (¬7). # وهذا أصل عظيم في أصول الدين؛ لأنه جمع فيه الدين في أربع كلمات، فمن أدى ~~الواجبات، وتجنب المحرمات، ووقف عند الحدود، وترك ما غاب عنه، فقد استوفى ~~أقسام الفضل، وأوفى حقوق الدين، وحاز الثواب، وفاز بالنجاة من العقاب؛ لأن ~~الشريعة لا PageV01P133 # تخرج عن هذه الأربعة (¬1). # وقال الطوفي: (الحديث من جوامع الكلم الوجيزة البليغة المتضمنة (¬2) جميع ~~قواعد الشرع حكما وإباحة؛ إذ الحكم الشرعي إما مسكوت عنه أو متكلم به, وهو ~~إما: مأمور به وجوبا أو ندبا, أو منهي عنه تحريما أو كراهة, أو مباح: ~~فالواجب حقه أن لا يضيع كالإيمان والإسلام, وما وجب من خصالهما، والحرام أن ~~لا يقارب, كالكفر والزنا والربا (¬3) والسرقة والقذف والسحر وشهادة الزور ~~وأكل مال اليتيم، والحدود حقها أن تقام على أهلها من غير محاباة ولا تعد؛ ~~لهذا ورد (¬4) في حديث: / [124/أ] «حد يقام في الأرض خير من مطر أربعين ~~صباحا» (¬5)). (¬6). PageV01P134 # وقال بعضهم (¬1): ليس في أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم حديث واحد ~~أجمع بانفراده للأصول والفروع مثله، ومن امتثل وصية المصطفى وعمل ms18 به فقد ~~حاز الثواب، وأمن العقاب؛ لأن من أدى الفرائض، واجتنب المحارم، ووقف عند ~~الحدود، وترك البحث عما غاب [عنه] (¬2)، فقد استوفى أقسام الفضل، وأوفى ~~حقوق الدين؛ لأن الشرائع لا تخرج عن هذه الأنواع). أما الفرائض: فالواجبات ~~من صلاة وصوم وزكاة وحج وغيرها، وأما المحرمات: فالمنهيات من زنا وسرقة ~~وشرب خمر وظلم وبغي وغيرها، والحدود: هي المواقف التي حدها لعباده، ~~والمقادير التي بينها في الطاعات، أي: على أحد الوجهين المارين, فحفظ ~~العبادة بأسبابها وشروطها وأوقاتها, وامتثال العقود المشروعة (¬3) لأحكامها ~~مع الشرائط المرعية في محالها وذواتها, واتباع المأذونات مع الوقوف على ~~نهاياتها في حدود الدين، وقد مدح الله الحافظين لحدوده، وذم المعتدين لها، ~~وأما ما سكت عنه فهو ما عفا عنه ووسع الأمر فيه على عباده. PageV01P135 # [3: عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته ~~أحبني الله وأحبني الناس؛ فقال: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند ~~الناس يحبك الناس). حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة.] PageV01P136 ### | AUTO الحديث الحادي والثلاثون # (عن أبي العباس) وقيل أبي يحيى (سهل بن سعد) (¬1) بن مالك بن خالد بن ~~ثعلبة (الساعدي) -بكسر المهملة- نسبة إلى ساعدة بن كعب الأنصاري الخزرجي ~~المدني، آخر من مات من الصحابة (¬2)، [مات سنة ثمان وثمانين عن بضع وتسعين ~~سنة] (¬3). # (قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال يا رسول الله: دلني) ~~بضم الدال وفتح اللام مشددة، (على عمل) هو فعل من الحيوان بقصد وإرادة، ~~والمراد هنا: عمل صالح. # (إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس) معنى محبة الله للعبد: رضاه عنه ~~وإحسانه إليه؛ لأن المحبة ميل طبيعي، وهو في حقه محال، فالمراد غايتها ~~(¬4). PageV01P137 # (فقال: ازهد في الدنيا) اعرض بقلبك عنها استصغارا لجملتها واحتقارا ~~لشأنها وبغضا لها, وحبا لله (يحبك الله) أي: يرضى عنك ويثيبك؛ (¬1) لأنه ~~تعالى يحب من أطاعه، ومحبته مع محبة الدنيا لا يجتمعان، عرف ذلك بالنصوص ~~والنظر ms19 والتجربة والطبع والتواتر. # قال الغزالي: (من ادعى أنه جمع بين حب الدنيا / [1124/ب] وحب خالقها في ~~قلبه فقد كذب، وذلك لأن حبها كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «رأس كل ~~خطيئة» (¬2) والله لا يحب الخطايا ولا أهلها؛ ولأنها لهو ولعب وزينة وتفاخر ~~وتكاثر، والله لا يحبها؛ ولأنه تعالى منذ خلق الدنيا لم ينظر إليها بغضا ~~لها كما في حديث (¬3)؛ و «لأنها PageV01P138 # لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولولا ذلك ما سقى منها كافرا شربة ماء» (¬1) # كما في حديث آخر) (¬2). # قال الطوفي: (ومحبة الدنيا المكروهة إيثارها لقضاء شهوات النفس وأوطارها؛ ~~لأن ذلك يشغل عن الله، أما محبتها لفعل الخير وابتغاء الأجر عند الله فهي ~~عبادة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» (¬3)) ~~إلخ (¬4). # والزهد: ترك الدنيا عن قدرة, قال الأكمل (¬5): وهو المراد هنا؛ بدليل ~~قوله: (في الدنيا) (¬6). # وقد يطلق اسم الزهد على ترك كل ما سوى الله من دنيا وآخرة، كأبي يزيد ~~(¬7) فإنه سئل عن الزهد، فقال: (ليس بشيء لا قدر له عندي ما كنت زاهدا سوى ~~ثلاثة PageV01P139 # أيام، أول يوم زهدت في الدنيا، والثاني زهدت في الآخرة، والثالث: في كل ~~ما سوى الله فنوديت: ما تريد؟ قلت أريد أن لا أريد) جعل ترك ما سوى الله هو الزهد. # وقال الغزالي: (الزهد ترك طلب المفقود من الدنيا، وتفريق المجموع منها، ~~وترك إرادتها واختيارها، وأصعب الكل: ترك الإرادة بالقلب، إذ كم تارك لها ~~بظاهره محب لها بباطنه، فهو في مكافحة ومقاساة من نفسه شديدة، فالشأن كله ~~في عدم الإرادة القلبية) (¬1). # ولهذا لما سئل أحمد ابن حنبل-رضي الله عنه- عن من معه ألف دينار أيكون ~~زاهدا؟ قال: (نعم بشرط ألا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت) (¬2). # وقال ابن القيم: (أحسن حدوده: أنه فراغ القلب من الدنيا لا فراغ اليد، ~~وقد جهل قوم فظنوا أنه تجنب الحلال، فاعتزلوا النساء فضيعوا الحقوق، وقطعوا ~~الأرحام، وجفوا الأنام، واكفهروا في وجوه الأغنياء، وفي قلوبهم شهوة الغنى ~~أمثال الجبال، ولم يعلموا أن الزهد إنما هو ms20 بالقلب، وأن أصله موت الشهوة ~~القلبية، فلما اعتزلوها بالجوارح ظنوا أنهم استكملوا الزهد فأداهم إلى ~~الطعن في كثير من السلف والأئمة) (¬3). # قال الطيبي: (ولا يتصور الزهد ممن ليس له مال ولا جاه، وقيل لابن ~~المبارك: / [125/أ] يا زاهد قال: الزاهد عمر بن عبد العزيز، إذ جاءته ~~الدنيا راغمة فتركها، أما أنا ففيما (¬4) زهدت؟ ) (¬5). # وقال الطوفي: (الزاهد على أضرب: أحدها: الزهد في الحرام، وهو الزهد ~~الواجب العام. PageV01P140 # والثاني: الزهد في الشبهات، والأشبه وجوبه؛ لأنه وسيلة إلى اتقاء الوقوع ~~في الحرام (¬1). # الثالث: الزهد فيما عدا الضروريات من المباحات, وهو المراد من هذا الحديث ~~[ظاهرا] (¬2) وهو زهد الخواص العارفين بالله تعالى. # الرابع: الزهد فيما سوى الله من دنيا وجنة وغير ذلك، فلا قصد لصاحب هذا ~~الزهد إلا الوصول إليه تعالى وهو زهد المقربين، ويندرج في ضمنه كل مقصود, ~~وكل الصيد في جوف الفرا (¬3)) (¬4). # وهل الدنيا ما على وجه الأرض إلى قيام الساعة، أو كل موجود قبل الحشر، أو ~~ما سواه الليل والنهار, وأظلته السماء وأقلته الأرض، أو الدرهم والدينار، ~~أو ما أدرك حسا، والآخرة ما أدرك عقلا، أو ما فيه شهوة النفس؟ أقوال، رجح ~~النووي الثاني (¬5). والمراد هنا PageV01P141 # الأخير، وعلم مما مر أن محبة الله للعبد تحتاج إلى تأويل بخلاف عكسه. # قال الغزالي: (محبة العبد لله حقيقية لا مجازية؛ لأن المحبة في وضع ~~اللسان ميل النفس إلى ملائم موافق، والعشق الميل الغالب المغرض (¬1)، والله ~~محسن جميل، والإحسان والجمال موافق، ومحبة الله للعبد مجازية, (¬2) ترجع ~~إلى كشف الحجاب حتى يراه بقلبه، وإلى تمكينه إياه من القرب منه) (¬3). # وفي شرح المواقف (¬4): محبتنا له تعالى كيفية روحانية مرتبة على تصور ~~الكمال PageV01P142 # المطلق له -تعالى- على الاستمرار، ومقتضية إلى التوجه التام إلى حضرة ~~قدسه بلا فتور وقرار، ومحبتنا لغيره كيفية تترتب على تخيل كمال فيه من نحو ~~لذة أو شفقة، ثم هي عندنا الرضا والإرادة مع ترك الاعتراض، وقيل: الإرادة ~~فقط فيترتب عليه -كما في الإرشاد (¬1) # - أنه -تعالى- لا تتعلق به محبة على الحقيقة؛ لأنها إرادة، والإرادة لا ~~تتعلق ms21 إلا بمتجدد (¬2) PageV01P143 # وهو -تعالى- لا أول له (¬1). # (وازهد فيما عند الناس) منها (يحبك الناس) حتى الجن؛ لأن قلوب أكثرهم ~~مجبولة مطبوعة على حب الدنيا، ومن نازع إنسانا في محبوبه كرهه وقلاه، ومن ~~لم يعارضه فيه أحبه واصطفاه؛ ولهذا / [125/ب] قال الحسن: (لا يزال الرجل ~~كريما على الناس حتى يطمع في دنياهم فيستخفون به ويكرهون حديثه) (¬2). # وقيل لبعض أهل البصرة: - (من سيدكم؟ قال: الحسن، قيل: لم؟ قال: احتاجوا ~~لعلمه، واستغنى عن دنياهم) (¬3). # وقال ابن عطاء الله (¬4): (الزهد فيما في أيدي الناس سبب لمحبة الخلق، ~~والزهد فيما سوى الله سبب لمحبة الحق، فمن أحب العطاء من الخلق دل على بعده ~~من الله، فالعطاء منهم حرمان، والمنع منه (¬5) إحسان، وحكي عن روح الله ~~عيسى -عليه الصلاة والسلام- أنه لقي في سياحته قبيل الصبح رجلا نائما فوكزه ~~برجله وقال: قم، فقد سبقك العابدون، فقال: دعني يا روح الله فإني عبدته ~~بأحب العبادة إليه، فقال له: ما هي؟ قال: الزهد في الدنيا، فقال عليه ~~السلام: نم نومة العروس في خدرها فقد فقت PageV01P144 # العابدين) (¬1). # وفي الحديث دليل على أن الزهد أعلى المقامات وأفضلها مطلقا؛ (¬2) لأنه ~~جعله سببا لمحبة الله، وأن محب الدنيا متعرض لبغض الله تعالى (¬3). # خاتمة: قالوا: الزهد يجتمع به خير الدنيا والآخرة، أما خير الدنيا فما ~~يحصل من البركة وراحة القلب والبدن، وأما الآخرة فما يحصل من ثواب الزهد ~~فيها وقلة الحساب، فإن الزهد يحمله على إخراج الواجبات والتوقف في الشبهات ~~وهي السعادة التامة. # قال العارف أبو الحسن الشاذلي (¬4): دخل علي بالمغرب بعض الكبراء فقال ما ~~أدري لك كبير عمل فبم فقت الناس وعظموك؟ قلت: بخصلة واحدة افترضها الله على ~~نبيه تمسكت بها: الإعراض عنهم وعن دنياهم، قال تعالى: {فأعرض عن من تولى عن ~~ذكرنا} (¬5)، وفي تركها الراحة من الخواطر الردية والتذلل لها. # سئل السيد الجليل معروف الكرخي (¬6) عن الطائعين بم قدروا على الطاعة؟ ~~قال: PageV01P145 # بإخراج الدنيا من قلوبهم (¬1). # والزهد أعم من الورع؛ لأنه إبقاء البعض، والزهد قطع الكل، هذا كله في ~~مقام شهود الفرق، أما ms22 إذا لاحت أنوار مشاهد الجمع، وكشف به أسرار كل ذرة، ~~وما انطوت عليه من الحكم الإلهية, فيغتبط بكل ما زهد فيه لشهود حكمة الصانع ~~في مصنوعاته، وإشراق أنوار التجلي في مرآته، ويكون مقام الزهد حينئذ حسيا ~~لا يلتفت إليه؛ لأن الدنيا جيفة، / [126/أ] فكيف يتقرب إلى الله -تعالى- ~~بجيفة؟ ومن شهد عظمة المشهود فهو ملك، ولا يقال في حق ملك: إنه زهد في ~~جيفة، ولهذا قال بعضهم: إن أردت أن تسعد؛ ففي زهدك فازهد. # وهذا (حديث حسن) وصحيح أيضا؛ فقد صححه الحاكم في المستدرك (¬2) (رواه ابن ~~ماجه) (¬3) الحافظ الكبير محمد بن يزيد الربعي (¬4) مولاهم, القزويني ~~(وغيره) كالطبراني في معجمه الكبير (¬5) (¬6) , [والحاكم في مستدركه, ~~والبيهقي (¬7) وغيرهم, كلهم عن صحابيه PageV01P146 # المذكور] (¬1). # وأشار بقوله: (بأسانيد حسنة) إلى أنه صحيح لغيره؛ (¬2) فإن الأسانيد إذا ~~كانت حسنة ارتقى الحديث بها من درجة الحسن إلى درجة الصحة فيحكم له بها؛ ~~ولذلك صححه الحاكم (¬3). PageV01P147 # وهذا أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام، ومن ثم قال المنذري: ~~(هذا الحديث عليه لامعة من لوامع أنوار النبوة) (¬1). # وقد تضمن الحث على التقلل من الدنيا فالنظر إليها بعين الحقارة؛ وذلك لما ~~تطابقت عليه الملل والنحل حتى من أنكر المعاد، فملاك هذا الدين وسلوك سبيل ~~الناجين: الزهد فيها والإعراض عنها؛ ولهذا كان محط نظر السلف الصالح: ~~التجرد المطلق عن علائقها. PageV01P148 # [4 - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لا ضرر ولا ضرار». حديث حسن، رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا, ~~ورواه مالك في (الموطإ) مرسلا عن عمرو بن يحيى، عن أبيه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فأسقط: «أبا سعيد». وله طرق يقوي بعضها بعضا]. PageV01P149 ### | AUTO الحديث الثاني والثلاثون # (عن) حليف الصبر ومؤثر الفقر (أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان ابن ~~عبيد الأنصاري الخزرجي (الخدري) بضم الخاء المعجمة نسبة إلى جده خدرة (¬1)، ~~بمعجمة فمهملة (¬2)، ووهم من جعلها معجمة، وقيل نسبة إلى الخدرة (¬3)، - ~~قوم من أهل اليمن- ابن عوف بن الحارث الخزرج (¬4)، أسلم وبايع المصطفى صلى ms23 ~~الله عليه وسلم على أن لا تأخذه في الله لومة لائم (¬5)، # وغزا اثني عشر غزوة، ولم يكن أحد من الصحابة PageV01P150 # الأحداث أفقه منه (¬1)، وكان من الرماة المشهورين المذكورين في الصحابة، ~~وهو معدود من أهل الصفة (¬2). # مات سنة أربع وسبعين, ودفن بالبقيع (¬3). # (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ضرر) خبر بمعنى النهي، أي: لا ~~يضر الرجل أخاه فينقص شيئا من حقه (ولا ضرار) فعال بكسر أوله، وفي رواية: ~~(إضرار) (¬4) قال ابن الصلاح: ولا صحة لها, أي: لا يجازي من ضره بإدخال ~~الضرر بل يعفو، فالضرر فعل واحد، والضرار فعل اثنين. # أو الضرر: ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه. # أو الأول: إلحاق مفسدة بالغير مطلقا، والثاني: إلحاقها به على وجه ~~المقابلة، / [126/ب] أي: كل منهما يقصد ضرر صاحبه بغير جهة الاعتداء ~~بالمثل، وحينئذ: فالجمع بينهما ليس للتأكيد بل للتأسيس (¬5). PageV01P151 # قال الحرالي (¬1): والضر بالفتح والضم: ما يؤلم الظاهر من الجسم وما يتصل ~~بمحسوسه في مقابلة الأذى، وهو إيلام النفس وما يتصل بأحوالها، وتشعر الضمة ~~في الضر بأنه عن قهر وعلو، والفتحة بأنه ما كان من مماثل (¬2). # وفيه تحريم جميع أنواع الضرر إلا بدليل؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم ~~(¬3)، وكثير ما يحذف خبر (لا) التي لنفي الجنس كما هنا (¬4)، أي: لا لحوق ~~أو إلحاق، أولا فعل ضرر أو إضرار بأحد في ديننا, أي: لا يجوز شرعا إلا لموجب. # وقيد النفي بالشرع؛ لأنه بحكم القدر الإلهي لا ينتفي، وقد خص منه ما ورد ~~لحوقه بأهله, كالحدود والعقوبة على الجاني وذبح ما يؤكل, فإنها ضرر لاحق ~~بأهله وهو مشروع إجماعا. PageV01P152 # وعلم مما تقرر: أنه لو ورد دليل خاص بضرر خاص خصص به العموم, على القاعدة ~~الأصولية من تقديم الخاص على العام، ولا نظر حينئذ لرعاية المصالح، خلافا ~~لما أطال به الشارح الطوفي (¬1) هنا، وبسط الكلام عليه في نحو كراسين، وزعم ~~أن المصلحة تقدم على جميع الأدلة حتى النص والإجماع! (¬2)، ومع عدم الورود ~~تراعى المصالح إثباتا، والمفاسد نفيا؛ لأن الضرر هو المفسدة، فإذا نفاها ms24 ~~الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة؛ لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما. # وأخذ منه الشافعية (¬3) أن للجار منع جاره من وضع جذعه (¬4) على جداره ~~وإن PageV01P153 # احتاج، وخالف الحنابلة (¬1) # تمسكا بخبر: «لا يمنع أحد جاره أن يضع خشبة (¬2) على جداره» (¬3) وأجيب ~~بأنه ضعيف (¬4) لضعف جابر الجعفي (¬5)، # وبفرض صحته فقد قال PageV01P154 # ابن جرير: (هو -وإن كان ظاهره الأمر (¬1) - معناه الإباحة والإطلاق؛ ~~بدليل هذا الخبر، وخبر: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» (¬2)) (¬3). # وهذا (حديث حسن) لذاته، وله طرق متعددة يرتقي بمجموعها إلى درجة الصحة ~~(رواه ابن ماجه (¬4) والدارقطني (¬5) وغيرهما) كالحاكم في مستدركه (¬6)، ~~والبيهقي في شعبه (¬7). # وظاهره: أن الكل رووه من حديث أبي سعيد، والأمر بخلافه، بل ابن ماجه رواه ~~[من حديث ابن عباس (¬8) وعبادة بن الصامت (¬9)، والدارقطني (¬10) والحاكم ~~(¬11) روياه] (¬12) من حديث أبي سعيد، ورواه أحمد أيضا عن ابن عباس (¬13) ~~وعبادة (¬14)، PageV01P155 # وإسناد أحمد صحيح، فقد قال الحافظ الهيثمي: / [127/أ] (رجاله ثقات) (¬1) ~~(¬2) (مسندا) أي: متصلا مرفوعا (¬3). # (ورواه) الإمام المشهور صدر الصدور (مالك) بن أنس الحميري (¬4) الأصبحي ~~(¬5) شيخ الشافعي، أحد أركان الإسلام (¬6)، وإمام دار الهجرة، روى الترمذي ~~(¬7) مرفوعا: «يوشك أن تضرب الناس آباط (¬8) # الإبل في طلب العلم فلا يجدون PageV01P156 # عالما أعلم من عالم المدينة» (¬1). # حمله ابن عيينة وغيره على مالك (¬2). PageV01P157 # قال الشافعي: (مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين) (¬1). # (في) كتاب (الموطإ مرسلا عن عمر بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأسقط أبا سعيد) الخدري (وله طرق يقوي بعضها بعضا). # قال الحافظ العلائي (¬2): (له طرق وشواهد يرتقي بمجموعها إلى درجة الصحة) (¬3). # وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر قوي (¬4). # والحديث اللين يقوى بالشواهد المفصلة (¬5) حتى يبلغ درجة ما يجب العمل ~~به؛ (¬6) PageV01P158 # كالمجهول من الناس إذا زكي صار عدلا تقبل شهادته وروايته، ثم الشاهد قد ~~يكون كتابا كأن يوافق الحديث ظاهر آية (¬1)، أو عموم فيقوى بها، وقد يكون ~~سنة إما من ذلك الحديث أو غيره (¬2)، وفي المثل: # لا تخاصم بواحد أهل بيت ... فضعيفان يغلبان قويا (¬3) # وقال الآخر: # إن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو ms25 حنق وبطش أيد: (¬4) # عزت فلم تكسر، وإن هي بددت ... فالوهن والتكسير للمتبدد (¬5) # فكذا الأسانيد اللينة إذا اجتمعت حصل منها إسناد قوي، كما قال الشافعي في ~~قلتين متنجستين ضمت إحداهما [إلى] (¬6) الأخرى صارتا طاهرتين حيث لا تغير ~~(¬7) (¬8). PageV01P159 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P160 # [5 - «عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على ~~المدعي، واليمين على من أنكر» , حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه ~~في الصحيحين]. PageV01P161 ### | AUTO الحديث الثالث والثلاثون # «عن» حبر الأمة, مفسر التنزيل، ومبين التأويل، أبي العباس «ابن عباس، رضي ~~الله عنهما [قال] (¬1): إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو يعطى ~~الناس بدعواهم» أي: لو كان كل من ادعى شيئا عند الحاكم يعطاه بمجرد دعواه ~~بلا بينة «لادعى» جواب (لو)، أي: لأخذ «رجال» (¬2) جمع رجل، وهو الذكر ~~البالغ من بني آدم، وذكرهم لا لإخراج النساء؛ بل لأن الدعوى غالبا إنما ~~تصدر منهم، أو من باب الاكتفاء بأحد القبيلين ك {سرابيل تقيكم الحر} (¬3)، ~~، ويؤيده رواية: «لو ادعى ناس» (¬4) (أموال / [127/ب] قوم) هم جماعة الرجال ~~ليس فيهم امرأة. PageV01P162 # قال الصغاني (¬1): (وربما دخل فيه النساء تبعا ويذكر ويؤنث، والتعبير ب ~~(الرجال) في الأول، و (القوم) في الثاني للتفنن، ودفعا لكراهة (¬2) تكرار ~~أحدهما) (¬3). # قال الطوفي: (ويحتمل على القول بأن النساء يدخلن في لفظ (القوم) أن يقال: ~~لما كان الغالب أن المدعي إنما يكون رجلا؛ -إذ المرأة ليست من أهل الدعوى ~~وحضور مجالس الحكام، والمدعى عليه يكون رجلا وامرأة، - قال: «لادعى رجال ~~أموال قوم» حملا على الغالب) (¬4). انتهى. # وقوله: (المرأة ليست من أهل الدعوى) أراد بها أنه لا يناسبها ذلك. # «و» سفكوا «دماءهم» بمجرد دعواهم فوضع (ادعى) موضع (أخذ، وسفك) وضعا ~~للسبب موضع المسبب (¬5)؛ لأن الدعوى سبب للأخذ والسفك، فامتناع كل: لامتناع PageV01P163 # الإعطاء بلا بينة، كما هو شأن (لو) فإنها لامتناع الثاني -أعني الجزاء- ~~لامتناع الأول (¬1) # -أعني الشرط- (¬2). # وذكر الأموال قبل الدماء مع كونها أعظم خطرا، -بدليل حديث: «أول ما يقضى ms26 ~~بين PageV01P164 # الناس يوم القيامة في الدماء»؛ (¬1) - لأن الخصومات في الأموال أكثر، ~~وامتداد الأيدي إليها أعم، ولهذا ترى الإنسان يسرق ويغصب وينهب في عمره ألف ~~مرة، ولعله لا يقتل أحدا، وإن قتل فواحدا أو اثنين. # «لكن» هي هنا -وإن لم تأت لفظا على قانونها من وقوعها بين نفي وإثبات حتى ~~يصح معنى الاستدراك الذي هو مؤداها-: جارية عليه تقديرا، فهو استدراك معنوي ~~(¬2)، أي: لا يعطون بدعواهم بلا بينة، لكن بالبينة. # و«البينة على المدعي» لضعف جانبه بدعواه خلاف الأصل، فجعلت البينة لكونها ~~حجة قوية (¬3) لبعدها عن التهمة في جانبه تقوية له، والمدعي: من يذكر أمرا ~~خفيا يخالف الظاهر (¬4)، والمدعى عليه: عكسه (¬5). # «واليمين على من أنكر» لقوة جانبه لموافقته الأصل، وهو براءة ذمته، فجعلت ~~اليمين PageV01P165 # -لكونها حجة ضعيفة لقربها من التهمة- في جانبه فتعادلا (¬1)، وعرف ~~(المدعي) دون (المنكر)؛ لأن المدعي: من يذكر أمرا خفيا، والمدعى عليه: من ~~يذكر أمرا ظاهرا، والموصول أظهر من المعرف؛ لاشتراط كون صلته معهودة (¬2) ~~فأعطي الخفي للخفي، والظاهر للظاهر (¬3). # ذكره الشارح الهيثمي (¬4)، وهو أوضح من قول الطوفي: / [128/أ] (عرفه، لأن ~~فيه نوع تعريف معنوي لظهوره بإقدامه على الدعوى، وأما (المنكر) ففيه نوع ~~تنكير لاستخفائه بتأخره، فأتى فيه ب (من) من حيث أتى فيها إبهام وتنكير ~~مناسب لحاله، قال: (ويحتمل PageV01P166 # أن يجعل هذا السؤال دوريا (¬1) مردودا؛ لأنه لو أتى بغير هذه العبارة ~~لقيل: لم لم يأت بغيرها) (¬2). # واستثنى الفقهاء من عموم كونها على (من أنكر): صورا كثيرة لمدرك يخصها، ~~وقد أورد الشارح الهيتمي (¬3) هنا فروعا كثيرة على مذهب الشافعية، والفاكهي ~~(¬4) فروعا كثيرة على مذهب المالكية (¬5)، وذلك غير جيد، واللائق بالكتب ~~الحديثية: إنما هو ذكر مأخذ كل من الأئمة المجتهدين على وجه الاختصار، وأما ~~محل بسطه: فكتب الفروع. # واعلم أنه قام الإجماع على استحلاف المدعى عليه في المال (¬6)، واختلف في غيره: # فذهب الشافعي (¬7) وأحمد (¬8) إلى وجوبها على كل من ادعي عليه في حد ~~(¬9)، أو طلاق، PageV01P167 # أو نكاح، أو عتق، أو غيرها؛ أخذا بظاهر عموم الحديث، فإن نكل (¬1) حلف ~~المدعي وثبتت دعواه (¬2). # وقال ms27 الحنفية: يحلف على النكاح والعتق، فإن نكل لزمه ذلك كله (¬3). # واتفق الثلاثة على: أن اليمين يتوجه على كل من ادعي عليه حق، سواء كان ~~بينه وبين المدعي اختلاط أم لا، وشرط المالكية (¬4) -كالفقهاء السبعة (¬5) # فقهاء المدينة- في كونها PageV01P168 # عليه: أن يكون بينهما اختلاط؛ لئلا تبتذل السفهاء الأكابر بتحليفهم (¬1). # ولهم تصرفات خصوا بها عموم الحديث فقالوا: من ادعى شيئا من أسباب القود ~~لم يجب به يمين إلا أن يقيم شاهدا (¬2)، ومن ادعى نكاح امرأة لم يلزمها ~~يمين (¬3)، ومن ادعت على زوجها طلاقا لم يلزمها يمين (¬4)، إلى غير ذلك، ~~وحسبك أنه رأي في مقابلة النص (¬5). PageV01P169 # وهذا «حديث حسن» (¬1) وصحيح أيضا كما ذكر هو وغيره في موضع آخر (¬2)، ~~وقال الحافظ ابن حجر: (إسناده جيد) (¬3). # (رواه) الإمام الجليل الحافظ الكبير المشهور بالفصاحة والبراعة (البيهقي) ~~(¬4) (¬5) [بفتح الباء والقاف] (¬6) نسبة إلى (بيهق): قرى مجتمعة بناحية ~~(نيسابور) (¬7)، بلغت تصانيفه نحو الألف، قال السبكي: (ولم يتفق ذلك لأحد) (¬8). # واعتنى بجمع نصوص الشافعي (¬9) وتخريج أحاديثها، حتى قال إمام الحرمين ~~(¬10): (ما من PageV01P170 # شافعي إلا وللشافعي في عنقه منة، إلا البيهقي فله عليه منة) (¬1). # (وغيره هكذا) أي: باللفظ المزبور (¬2)، (وبعضه) / [128/أ] أي: الحديث (في ~~الصحيحين) (¬3) وبقية الكتب الستة (¬4)، ولفظهم: «لو يعطى الناس بدعواهم ~~لادعى PageV01P171 # ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» (¬1). # والحديث قاعدة عظيمة من قواعد الشرع، وأصل من أصول الأحكام، وأعظم مرجع ~~عند التنازع والخصام (¬2)، حتى قال بعضهم: إنه فصل الخطاب (¬3) المراد من ~~قوله تعالى: {وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب} (¬4). PageV01P172 # [6 - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم ~~يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». رواه مسلم]. PageV01P173 ### | AUTO الحديث الرابع والثلاثون # (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول)، قال الزركشي (¬1): هذا مما يتكرر كثيرا، وفي المنصوبين بعد (سمعت) ~~قولان، والجمهور على أن الأول مفعول به، وجملة (يقول) حالية (¬2)، ثم الأول ~~بتقدير مضاف أي: سمعت ms28 كلامه؛ لأن السمع لا يقع على الذوات، ثم بين المحذوف ~~بالحال المذكور وهو (يقول) وهي حال مبينة لا يجوز حذفها (¬3) (¬4). PageV01P174 # وقول الفارسي (¬1) في الإيضاح (¬2) (¬3): # إن الواقع بعد (سمعت) إن كان يسمع: تعدت إلى مفعول، ك (سمعت القرآن ~~والحديث) أو لا: فإلى مفعولين ك (سمعت رسول الله يقول) فجملة (يقول) مفعول ~~ثان، رد: بأنه لو كان يتعدى لاثنين كان إما من باب (أعطيت) ولا يجوز؛ لأن ~~ثاني مفعوليه لا يكون جملة ولا مخبرا به عن الأول، و (سمعت) بخلافه، أو ~~(ظننت) ولا يجوز؛ لصحة (سمعت كلام زيد) فتعديه إلى واحد، ولا ثالث للبابين ~~وقد بطلا، فتعين الأول (¬4). PageV01P175 # قال ابن الدهان (¬1): (ولا يختار: (سمعت زيدا قائلا) إلا أن يعلقه بشيء ~~آخر؛ لأن (قائلا) موضوع للذات، والذات غير موضوعة للسمع) (¬2). # (من رأى) أي: علم فهي علمية، ويصح كونها بصرية، وقيس ما علمه على ما رآه ~~(منكم) معشر المكلفين القادرين، فهو خطاب لجميع الأمة الذين يمكنهم ذلك, ~~الحاضر بالمشافهة، والغائب تبعا، أخرج بذلك نحو: الصبي والمجنون والعاجز. # (منكرا) أي: شيئا قبيحا قبحه الشرع قولا أو فعلا ولو صغيرة, خلافا لما ~~يوهمه كلام الإمام (¬3)، (فليغيره) أي: يزله ويبدله بغيره وجوبا بالشرع لا ~~بالعقل، -خلافا للمعتزلة (¬4) # - على الكفاية (¬5) إن علم به أكثر من واحد، وإلا فعينا {ولتكن منكم PageV01P176 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P177 # أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} (¬1) # ويكون ذلك بالمعروف لحديث: (من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف) (¬2). # / [129/أ] وظاهر الحديث: أنه لا يتوقف على إذن الإمام أو نائبه، ومحله إن ~~لم يخف من عدم استئذانه مفسدة راجحة أو مساوية، وإلا توقف على إذنه. # (بيده) لأنها أبلغ في تغييره، كإراقة الخمر، وتفكيك آلة اللهو، والحيلولة ~~بين الضارب PageV01P178 # والمضروب، كذا قرره شارح (¬1)، وقال آخر: يغيره بيده إن توقف تغييره ~~عليها (¬2). # (فإن لم يستطع) ذلك بيده (فبلسانه) أي: بقوله، كأن يصيح عليهم فيتركوه، ~~أو يسلط عليهم من يغيره، كذا قرره جمع من الشراح (¬3). # وقضيته: أنه لو أمكنه إزالته بالمباشرة [وإزالته بالقول: أنه يجب إزالته ~~بالمباشرة] (¬4) ولا يكفي إزالته بالقول, ms29 كصياح واستغاثة، وهذا لا يسوغ ~~المصير إليه؛ لأن المقصود من الأمر: إنما هو الإزالة بأي طريق كان (¬5)، ~~فلزوم تقديم الإزالة باليد (¬6) التي هي عبارة عن التصرف الفعلي بأن يريق ~~الخمر مثلا بنفسه، أو يصيح على من أولج أو يريد الإيلاج في أجنبية ~~ليفارقها، أو يهدده إن لم يترك شرب الخمر أو الزنا بإحضار أعوان السلطان ~~والقبض عليه ونحو ذلك، فإن أمكنه ذلك فهو الواجب أصالة، وإن عجز عنه سقط ~~التكليف بذلك، ولزمه الإنكار باللسان بنحو: توبيخ، وتحذير من لحوق العار ~~به، وسقوط جاهه ومنزلته من القلوب، وتذكيره بالله وأليم عقابه، مع لين ~~أوإغلاظ بحسب ما يقتضيه الحال، وقد يبلغ في ذلك بالرفق ما لم يبلغ بغيره (¬7). # حكى التاج السبكي (¬8) عن أبيه (¬9): أنه كان يجتمع ببعض الأمراء، وكان ~~الأمير يلازم PageV01P179 # الحرير، فقال يا أمير: بكم هذا الذراع؟ قال: بدينار، قال: من الصوف ما كل ~~ذراع منه بدنانير، ومماليكك وخدمك يشاركونك في لبس الحرير، ولا يليق ~~بشهامتك أن يساووك؛ فاعدل إلى الصوف؛ فإنه أعلى وأغلى، مع ما فيه من ~~السلامة من العقاب الأخرى! (¬1) فاستحسن كلامه وترك الحرير (¬2)، # ولو قال له ابتداء: هذا حرام فاتركه لم يفد، فهذا النوع من الرفق والتلطف ~~واجب فيمن يليق به. # وقول الشيخ الهيتمي: عقب قوله: (فبلسانه): (أي: بقوله المرتجى نفعه) ~~(¬3): غير سديد؛ إذ لا يلائم المصحح في مذهبه في وجوب / [129/ب] الإنكار, ~~وإن علم أنه لا يفيد، كما نقل هو عن الروضة (¬4) -بعد ذلك- أنه حكى عليه ~~فيها إجماع العلماء وانتصر له ورد على من خالفه (¬5). PageV01P180 # نعم (¬1) يشترط ألا يغلب على الظن (¬2) أن المنهي يزيد فيها عنادا، وألا ~~يتولد من الأمر ما هو أنكر (¬3)، وأن يكون المنكر مجمعا عليه (¬4)، وأن ~~يعتقد فاعله تحريمه، أو حله وضعفت PageV01P181 # شبهته جدا كنكاح متعة، ولا يناقض الحديث: {عليكم أنفسكم}؛ (¬1) لأن ~~معناه: إذا فعلتم ما أمرتم به لا يضركم تقصير غيركم. # وظاهر الحديث: أنه يلزمه الأمر والنهي وإن كان هو لم يمتثل ذلك، وبه صرح ~~في رواية الطبراني من حديث أنس: «قلت يا ms30 رسول الله: لا نأمر بالمعروف حتى ~~نفعله، ولا ننهى عن المنكر حتى نجتنبه، فقال: مروا بالمعروف وإن لم تفعلوه، ~~وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله» (¬2). # أي: لأنه يجب ترك المنكر وإنكاره، فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر، ~~ولهذا قيل للحسن: فلان لا يعظ، ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال وأينا ~~يفعل ما يقول؟ ود الشيطان لو ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه عن ~~منكر (¬3). # ولو توقف الأمر والنهي على الاجتناب لرفع الأمر بالمعروف، وتعطل النهي عن ~~المنكر، PageV01P182 # وانسد باب النصيحة التي حث الشارع عليها، سيما في هذا الزمان الذي صار ~~التلبس فيها بالمعاصي شعار الأنام، ودثار الخاص والعام! . # ولهذا قال العارف ابن عربي (¬1): لو كشف لولي أن فلانا لا بد أن يزني ~~بفلانة، أو يشرب الخمر لزمه النهي ولم يسقط عنه؛ لأن نور الكشف لا يطغى ~~(¬2) نور الشرع، فمشاهدته من طريق الكشف لا يسقط النهي عنه؛ لأنه -تعالى- ~~تعبدنا بإزالة المنكر، وإن شهدنا كشفا أنه [منكر] (¬3) # متحتم الوقوع، ولا يعارض ذلك: أن المصطفى: (رأى في النار قوما يدورون كما ~~تدور الرحى، فسأل جبريل، فقال: كانوا يأمرون بالمعروف ولا يفعلونه، وينهون ~~عن المنكر ويفعلونه) (¬4)، ما ذاك إلا لأن تعذيبهم إنما هو على [فعل] (¬5) ~~المنكر، PageV01P183 # لا على إنكاره مع التلبس بفعله بشهادة الحديث المتقدم. # وعلى الإمام نصب محتسب (¬1) يأمر وينهى وإن لم يختص بذلك به. # (فإن لم يستطع) الإنكار بلسانه لوجود مانع كخوف فتنة، وشهر سلاح، أو خوف ~~على نفس أو عضو أو مال محترم أو نحو ذلك (فبقلبه) ينكره وجوبا بأن يكرهه ~~به، / [130/أ] ويعزم أنه لو قدر بقول أو فعل فعل، وهذا واجب عينا على كل ~~أحد بخلاف اللذين قبله، وذلك لأنه يجب على الإنسان كراهة ما يكرهه الله من ~~المعاصي، والأعمال بالنيات، وهذا تدرج في تغييره بحسب الاستطاعة الأبلغ ~~فالأبلغ، كما في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: (صل ~~قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (¬2). # وعكسه قول الفقهاء ms31 في دفع الصائل (¬3): يتنزل من الكلام، إلى العصا، إلى ~~السيف، الأسهل فالأسهل (¬4). # وأفاد الحديث: وجوب تغيير المنكر بكل طريق ممكن، وأنه لا يكتفي بالوعظ ~~لمن أمكنه PageV01P184 # تغييره باليد ولم يخف فتنة، ولا بالقلب لمن يمكنه اللسان. # (وذلك) أي: الإنكار بالقلب (أضعف الإيمان) أي: أقل خصاله، فالمراد به: ~~الإسلام، وأقل آثار الإيمان وثمراته (¬1)؛ # لما مر في حديث جبريل: أن الإيمان هو التصديق (¬2). # وصلاح الإيمان، وجريان شرائع الأنبياء الكرام: إنما يستمر عند استحكام ~~هذه القاعدة. # وإنما كان تغييره بالقلب أضعف الإيمان لأن مجرد كراهته له بقلبه لا يحصل ~~بها زوال PageV01P185 # مفسدة المنكر المطلوب زواله، فهو قاصر بخلافه باليد واللسان فإنه متعد؛ ~~لأنه كراهة وإزالة. # وفي رواية زيادة: (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) (¬1) أي: ليس وراء ~~هذه المرتبة مرتبة أخرى؛ لأنه إذا لم يكرهه بقلبه رضي به، وذلك ليس شأن أهل ~~الإيمان، وقد قيل: التغيير باليد للأمراء، وباللسان للعلماء (¬2)، وبالقلب ~~للعامة (¬3) (¬4). # قال بعض الأعيان: وينبغي للآمر بالمعروف: أن يقصد به وجه الله، وإعزاز ~~الدين لينصره الله تعالى، فإنه بذلك القصد لا يخيب. # ولو رضي بالمنكر بقلبه: فإن رضيه معتقدا جوازه كفر؛ لتضمنه تكذيب الشرع ~~في تحريمه، أو رضي به لغلبة الهوى والشهوة مع اعتقاد تحريمه: فسق. # والحديث يصلح أن يكون نصف الإسلام، من حيث إن أعمال الشريعة إما: معروف ~~يجب الأمر به، أو منكر يجب النهي عنه، وهو أصل في صفة التغيير، فلمن قام به ~~أن يغيره بكل طريق أمكن زواله به قولا أو فعلا، بنفسه أو بغيره مخلصا ~~بنيته، ولا يهاب من ينكر عليه وإن علت رتبته؛ فإن الله ينصره بدليل: ~~{ولينصرن الله من ينصره} (¬5) PageV01P186 # {ومن يعتصم بالله فقد هدي} (¬1) ولا يتركه لمداهنة وطلب جاه، / [130/ب] ~~أو وجاهة، ولا لصداقة ومودة؛ لأن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقا، [ومن ~~حقه]: (¬2) أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته، وينقذه من مضارها، وصديق ~~الرجل: من سعى في عمارة آخرته، وعدوه: من يسعى في خرابها. # هذا، ولا يشترط في المنكر: كونه مطاعا نافذ الأمر ms32 [كما مر] (¬3)، فإذا لم ~~يمتثل المخاطب فلا لوم على المنكر؛ لأنه أدى ما عليه، {ما على الرسول إلا ~~البلاغ} (¬4) ولا يتجسس إلا إن أخبره ثقة بأن هناك ما لا يجوز فعله، كرجل ~~خلا بامرأة ليزني بها، فله البحث عنها حذرا من فوت ما لا يمكنه تداركه. # وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: من شعب الإيمان، وبه قوام الدين ~~وملاكه، وقد سده الظلمة وأعوانهم بتغلبهم على العلماء وغيرهم حتى لا يبقى ~~للعالم معهم كلمة (¬5). # تنبيه: قال الطوفي: الناس: إما آمر بمعروف ناه عن المنكر فهو المؤمن ~~العدل، أو لا آمر بمعروف ولا ناه عن منكر، فإن كان مع عدم الحاجة إلى ذلك ~~فهو معذور، وإن كان مع الحاجة إليه: فإن كان بعذر سقط كذلك عنه، أو قام ~~غيره مقامه فلا حرج عليه، وإلا فهو آثم فاسق. # أو آمر بالمعروف غير ناه عن المنكر ففي تركه النهي عن المنكر التفصيل ~~المذكور. # أو ناه عن المنكر غير آمر بالمعروف فالتفصيل المذكور. # أو آمر بالمنكر ناه عن المعروف فهو منافق؛ لأنه تعالى وصف المنافقين ~~بذلك، ثم النفاق PageV01P187 # ضربان: نفاق في الإيمان، ونفاق في الأعمال، وهذا لا بد له من أحدهما (¬1). # (رواه مسلم) (¬2) وسبب تحديث أبي سعيد به: أنه كان أول من بدأ بالخطبة ~~قبل الصلاة يوم العيد مروان, فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: ~~قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله ~~يقول: فذكره (¬3). # ورواه أيضا عن أبي سعيد: أحمد (¬4) وأصحاب السنن الأربعة (¬5). PageV01P188 # [35 - عن أبي هريرة رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«لا تحاسدوا، ولا تناجشوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع ~~بعض، وكونوا عباد الله إخوانا, المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا ~~يكذبه، ولا يحقره، التقوى ههنا - ويشير إلى صدره ثلاثا (¬1) - بحسب امرئ من ~~الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» ~~رواه مسلم]. PageV01P189 ### | AUTO الحديث الخامس ms33 والثلاثون # (عن أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: لا تحاسدوا) خطاب لكل من يتأتى ~~توجيه (¬1) الخطاب إليه، أي: لا يحسد بعضكم بعضا؛ فإن الحسد حرام شديد ~~التحريم، وأصله: (تتحاسدوا)، حذفت (¬2) إحدى التاءين تخفيفا (¬3). # وقد تطابقت الملل، وتوافقت النحل على ذم الحسد وقبحه، وهو كما قال / ~~[131/أ] الحرالي: قلق النفس من رؤية النعمة على الغير (¬4)، وقال غيره: ~~تمني زوال نعمة المحسود (¬5)، وزاد الشارح الهيتمي: وعودها إليك (¬6) (¬7)، ~~وهي زيادة مضرة، كيف وقضيته: أنه لو تمنى زوال نعمة الغير (¬8) ولم يتمن مع ~~ذلك انتقالها إليه لا يكون مذموما، وهو باطل، فلو اقتصر على ما ذكروه كان ~~صوابا. PageV01P190 # وإنما كان قبيحا؛ لأنه اعتراض على الله ومعاندة له ومحاولة لنقض ما فعله ~~الحكيم -تعالى-، وإزالة فضله عن من أهل له (¬1) {أم يحسدون الناس على ما ~~آتاهم الله من فضله} (¬2). # وفيه قال بعضهم (¬3): # ألا قل لمن بات لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب؟ # أسأت على الله في فعله ... لأنك لم ترض لي ما وهب # وقال المتنبي (¬4): # وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب (¬5) # ووجه ظلم الحاسد: أنه يلزمه أن يحب لمحسوده ما يحب لنفسه، وهو لا يحب ~~لنفسه زوال النعمة، فقد أسقط حق محسوده عليه، ومن ثم جاء في عدة أخبار ~~وآثار: «أنه يأكل PageV01P191 # الحسنات -أي: يذهبها ويحرقها ويمحو أثرها -كما تأكل النار الحطب» (¬1)، # أي: PageV01P192 # اليابس؛ لأنه يفضي بصاحبه إلى اغتياب المحسود وشتمه، وقد يتلف ماله ويسعى ~~في سفك دمه، وكلها مظالم يقتص منه في الآخرة، ويذهب في عوضها حسناته، والله ~~حكيم لا يعبث, ولا يضع الشيء بغير محله، فالحاسد كأنه نسب ربه إلى الجهل ~~والسفه، ولم يرض بقضائه, فليطلب ربا سواه. # ويكفي الحاسد أنه في الدنيا: معاقب بالغيظ الدائم، وفي الآخرة: بإحباط ~~الحسنات، وكفى (¬1) شاهدا على قبح حاله قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ~~«الحسد يفسد الإيمان كما يفسد الصبر (¬2) العسل» (¬3). PageV01P193 # قال حجة الإسلام: كفى بالحسد ذما أنه يفسد الطاعات، ويبعث على الخطيئات، ~~وهو الداء العضال الذي ابتلي به ms34 كثير من العلماء, فضلا عن العامة حتى ~~أهلكهم، وحسبك أنه -تعالى- أمر بالاستعاذة من شر الحاسد كما أمر بها من شر ~~الشيطان، ويكفيك في قبحه: أنه أول ذنب عصي الله به؛ لأن إبليس لم يحمله على ~~ترك السجود إلا الحسد، كما أن قابيل لم يحمله على قتل هابيل إلا الحسد, ~~وأما حديث: / [131/ب] «لا PageV01P194 # حسد إلا في اثنتين» (¬1) فالمراد به فيه الغبطة، فالحسد حقيقي ومجازي، ~~فالحقيقي: تمني زوال النعمة، والمجازي: تمني مثلها (¬2)، وتسمى غبطة، وهو ~~مباح في الدنيوي، مندوب في الأخروي. # فإن قيل: إذا وقع في خاطر إنسان كراهة آخر بحيث بلغت به كراهته إلى أن ~~تمنى زوال نعمته, لكنه لم يسمع (¬3) في ذلك, ولا أظهره له, ولا رتب عليه ~~مقتضاه, كيف يأثم به والخواطر مرفوعة عن هذه الأمة؟ # قلنا: إذا لم يسترسل ولم يتسبب في تأكيد أسباب الكراهة المؤدية لذلك، ~~وكان مع هذا التمني بحيث لو تمكن من إزالته تلك النعمة لم يزلها, ولم يسع ~~في إخراجها عنه، وإنما عنده خاطر لا يمكن دفعه فلا حرج عليه ,كما قال ~~الحافظ العراقي (¬4). # قال: وقد روي في التمهيد عن الحسن: (ليس أحد من ولد آدم إلا وخلق معه ~~الحسد، فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيء) (¬5) كما يشير ~~إليه حديث: «إذا حسدتم فلا تبغوا، وإذا ظننتم فلا تحققوا» (¬6)، # وفي حديث آخر: «ثلاثة لا يسلم منها PageV01P195 # أحد: الطيرة، والظن، والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، ~~وإذا حسدت فلا تبغ» (¬1). # (ولا تناجشوا) بجيم وشين معجمتين، أي: لا ينجش بعضكم على بعض بأن يزيد في ~~المبيع لا لرغبة فيه، بل لينخدع غيره فإنه حرام؛ لأنه غش وخديعة وترك للنصح ~~الواجب، واشتقاقه من: (نجشت الصيد) إذا أثرته، كأن الناجش يثير كثرة الثمن ~~بنجشه، ذكره الزمخشري (¬2). PageV01P196 # وقال البيضاوي: هو تفاعل من النجش (¬1)، وأصله الإغراء والتحريض، وإنما ~~ذكره بصيغة التفاعل؛ لأن التجار يتعارضون في ذلك، فيفعل هذا لصاحبه على أن ~~يكافئه بمثله (¬2). # وهذا النهي لا يقتضي الفساد (¬3) عند الشافعي (¬4)، # فيحرم ويصح، ms35 وأبطله بعض PageV01P197 # العلماء (¬1). # وتفسير النجش بما ذكر: هو ما عليه الأكثر، وقيل: المراد في الحديث النهي ~~عن إغراء بعضهم بعضا على الشر والخصومة، حكاه القاضي (¬2) وغيره (¬3). # (ولا تباغضوا) أي: لا يبغض بعضكم [بعضا] (¬4)، أي: لا تتعاطوا أسباب ~~البغض؛ لأنه قهري، كالحب لا اختيار للإنسان فيه، والبغض للشيء هو النفرة ~~منه لمعنى مستقبح PageV01P198 # فيه، وهو والكراهة متقاربان (¬1). # واعلم أن التباغض بين شخصين: إما من الطرفين بأن يبغض كل منهما الآخر، أو ~~من أحدهما بأن يبغض أحدهما صاحبه دون الآخر، فهي ثلاث صور، ثم البغض فيهن ~~إما لله، / [132/أ] أو لغيره. # والتباغض والبغض حرام إلا في الله فإنه واجب ومن كمال الإيمان (¬2)؛ ~~لخبر: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (¬3) ~~فإن عموم النهي عن التباغض مخصوص بالبغض في الله, فهو محرم خص بواجب أو مندوب. # قال الطوفي: (ويثاب المتباغضان في الله (¬4) -وإن كان أحدهما مخطئا-؛ لأن ~~الغرض أن كلا منهما أداه اجتهاده إلى اعتقاد أو عمل ينافي اجتهاد الآخر ~~فيبغضه على ذلك، PageV01P199 # فهو معذور عند الله. # وغالب فرق الأمة وطوائفها من هذا ما لم يتضمن بعضها كفرا (¬1)، وأكثر ~~العقائد المختلف فيها بين الأمة اجتهادي (¬2)، # وما ذاك إلا كاثنين اختلفا في جهة القبلة فيصلي PageV01P200 # كل منهما إلى جهة، فكل منهما يعتقد خطأ صاحبه، ويحرم عليه الاقتداء به، ~~وهما معذوران مأجوران، ولا تحسبن هذا قياسا فاسدا؛ إذ هو قياس أصل على فرع، ~~وقطعي على اجتهادي) (¬1). # (ولا تدابروا) من الإدبار الإعراض المؤدي إلى التقاطع، أي: لا يعرض بعضكم ~~عن بعض كراهة فيه ونفرة منه؛ لأنه يؤدي إلى تضييع ما يجب من حقوق الإسلام ~~من الإعانة والنصرة ونحوهما. # وقال الطوفي: (لا تلازم بين التباغض والتدابر؛ إذ قد يبغض رجل (¬2) آخر ~~عادة ويوفيه حقه، وقد يعرض عنه أدبا أو تأديبا أو خوف تهمة (¬3)) (¬4). # قال الحافظ العراقي: (ومعنى تباغضوا وتدابروا متداخل متقارب) (¬5) (¬6). PageV01P201 # (ولا يبع بعضكم على بيع بعض) قال الطيبي: (ضمن معنى الغلبة والاستعلاء؛ ~~فعداه ب"على"، قال في المغرب (¬1): باع عليه: إذا كان ms36 على كره منه، وباع له ~~الشيء: إذا اشتراه له، ومنه الحديث: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» أي: لا ~~يشتر؛ بدليل رواية البخاري: «لا يبتاع رجل على بيع أخيه» (¬2). انتهى (¬3). # وأجراه أئمتنا على العموم (¬4)، فصوروا ذلك بأن يقول لمشتري سلعة في زمن ~~الخيار: افسخ وأبيعك مثله بأرخص, أو أجود منه بثمنه فيحرم؛ لما فيه (¬5) من ~~الإيذاء الموجب للتباغض، قالوا: ومثله الشراء على الشراء بغير إذن المشتري، ~~بأن يقول للبائع في زمن الخيار: افسخ وأشتريه منك بأغلى، ومثل ذلك ما في ~~معناه من السوم على سوم غيره، والخطبة على خطبته/ [132/ب] إلا برضاه. # وتصرف بعضهم في النهي فخصه بما إذا لم يكن فيه غبن فاحش (¬6)، وإلا فله ~~إعلامه ليفسخ ويبيعه بأرخص، والأصح خلافه. # وشمل النهي بيع المسلم على بيع الذمي فيحرم؛ لأن له ما للمسلم إلا ما خص PageV01P202 # بدليل (¬1). # (وكونوا عباد الله) أي: تعاطوا ما تصيرون به يا عباد الله (إخوانا) مما ~~يؤدي إلى ائتلاف القلوب من حسن الخلق والنصح والرحمة والمعاشرة بالمعروف ~~والمودة والمواساة والشفقة والتعاون على البر والتقوى، حتى كأنكم أولاد رجل ~~واحد كما أنكم عباد رب واحد، فحقكم أن تطيعوه بكونكم إخوانا؛ ليحصل التعاضد ~~على إقامة دينه وإظهار شعاره وتمكينه، وذلك بدون الائتلاف لا يتم بدليل: ~~{هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} (¬2). قال الطيبي: (وقوله: إخوانا يجوز أن ~~يكون خبرا بعد خبر، وأن يكون بدلا، وقوله: (عباد) منصوب على الاختصاص ~~بالنداء (¬3)، وهذا الوجه أوجه، PageV01P203 # يعني: أنتم (¬1) مستوون في كونكم عبيدا لله -تعالى-، وملتكم ملة واحدة؛ ~~فالتحاسد والتباغض والتقاطع منافية لحالكم (¬2)، فالواجب عليكم أن تكونوا ~~إخوانا متواصلين متآلفين لقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا} (¬3). # وزاد في رواية البخاري: «كما أمركم الله») (¬4) (¬5). # قال الحافظ العراقي: يريد به هذا الأمر الذي هو قوله: «كونوا إخوانا»؛ ~~لأن أمره -عليه الصلاة السلام- هو أمر الله، وهو مبلغ، أو يريد قوله تعالى: ~~{إنما المؤمنون إخوة} (¬6) فإنه خبر عن المشروعية التي للمؤمنين أن يكونوا ~~عليها ففيها معنى الأمر (¬7). # قال ابن عبد البر: تضمن الحديث: أنه ms37 لا يجوز أن يبغض المسلم أخاه، ولا ~~يدبر عنه PageV01P204 # بوجهه إذا رآه، ولا يقطعه بعد صحبته له في غير جرم يجوز له العفو (¬1) ~~عنه (¬2). # (المسلم أخو المسلم) بدليل: {إنما المؤمنون إخوة} (¬3) أي: جمعتهم الأخوة ~~الإسلامية بالحضرة المحمدية لاتحاد الموافقة في ورود المشرب الإيماني، ~~والمدد الإحساني (¬4)، وكل اتفاق بين شيئين أو أشياء: يطلق عليه اسم ~~الأخوة، ويشترك فيه الحر والبالغ وضدهما، فأخوك من وافقك في الدين والذوق، ~~ومدد الأفهام (¬5)، لا من شاركك في معنى صورة النطفة في الأرحام؛ ولهذا ورث ~~الشافعي المؤمنين بعضهم بعضا عند فقد التوارث بالقرابة، ولم يورث بأخوة ~~النسب عند الافتراق في الدين (¬6). PageV01P205 # وهذا استعطاف من المصطفى صلى الله عليه وسلم لكل / [133/أ] على الآخر، ~~وتليين لقلبه كما يقال: لمن يؤذي أخاه: إنه أخوك، لا مجرد إخبار. # قال الحافظ العراقي: (وفيه إثبات الأخوة بين جميع المؤمنين، قال: وهذه ~~الأخوة دون الأخوة التي آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه حين ~~قدم المدينة كما آخى بين سلمان وأبي الدرداء (¬1)، وبين عمر وصهيب (¬2)، ~~ولهذه الأخوة مزية زائدة على أخوة الإسلام) (¬3). # (لا يظلمه): قال الطيبي: استئناف إما للبيان للموجب، وإما لوجه التشبيه (¬4). # أي: لا يدخل عليه ضررا في نحو نفسه أو دينه أو عرضه، أو ماله بغير إذن ~~شرعي، والظلم حرام حتى للكافر، [والظلم] (¬5) يكون في النفس والدين والمال ~~والعرض ونحو ذلك. # (ولا يخذله): قال العراقي: بضم الذال المعجمة (¬6). PageV01P206 # والخذلان: ترك الإعانة والنصرة، ذكره الطيبي (¬1)، وقال غيره (¬2): هو ~~الخذل، وهو أن يترك نصرته المشروعة عند القدرة سيما عند الحاجة، فالخذلان ~~حرام: دنيويا كأن يرى عدوا يريد البطش به فلا يدفعه، أو دينيا كأن يقدر على ~~نصحه فيتركه. # وزاد في رواية: (ولا يسلمه) (¬3) وهو بضم ياء المضارعة (¬4) وسكون السين ~~من: أسلم فلان فلانا، إذا ألقاه في التهلكة ولم يحمه من عدوه، واللفظ - وإن ~~كان عاما- لكن دخله التخصيص في مثل هذا الحديث، وغلب عليه الإلقاء إلى ~~الهلكة (¬5). # وفي رواية أخرى: «ولا يخونه» (¬6). PageV01P207 # (ولا يكذبه): بفتح ياء المضارعة وكسر المعجمة والتخفيف، وبضم فسكون، ms38 ~~والأول أشهر وأكثر (¬1). # بل اقتصر عليه الحافظ العراقي في شرح (¬2) الترمذي (¬3)، لكن اقتصر ~~المؤلف على الثاني (¬4): لا يخبره بأمر بخلاف الواقع لغير مصلحة تألف وصون ~~نحو نفس أو مال؛ لأنه PageV01P208 # لغير ما ذكر: غش وخيانة، بدليل خبر أبي داود: «كبرت (¬1) خيانة: أن تحدث أخاك # حديثا هو لك مصدق وأنت له كاذب» (¬2). PageV01P209 # ومن حيث هو: أشد الأمور ضررا، والصدق من حيث هو: أشدها نفعا، إلا أن يعرض ~~ما يصير به الكذب نافعا والصدق ضارا، كأن سأله ظالم عن إنسان يريد قتله أو ~~أخذ ماله فإن صدقه ضره، وإن كذبه نفعه. # وقد ورد أن أعرابيا بايع المصطفى -صلى الله عليه وسلم- على ترك خصلة من ~~خصال كالزنا والسرقة والكذب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «دع الكذب» ~~فصار كلما / [133/ب] هم بزنا أو سرقة قال: كيف أصنع؟ إن فعلت سألني النبي، ~~فإن صدقته حدني، وإن كذبته فقد عاهدني على ترك الكذب، فكان تركه سببا لترك ~~الفواحش كلها (¬1). # (ولا يحقره) بفتح المثناة التحتية أوله وسكون المهملة وكسر القاف أي: لا ~~يذله ولا يستصغر شأنه ويضع من قدره؛ لأن الله لما خلقه لم يحقره، بل رفعه ~~وخاطبه، فاحتقاره تجاوز لحد الربوبية في الكبرياء، وهو ذنب عظيم. # روي بمثناة مضمومة، وخاء معجمة وفاء (¬2) بمعنى: لا يغدر عهده، ولا ينقض ~~أمانته، PageV01P210 # قال عياض: والصواب الأول (¬1)، وقال العراقي: والمشهور الأول (¬2)، بدليل ~~رواية (ولا يحتقره) (¬3) بتاء بعد الحاء، وهذه كلها إخبار بمعنى النهي. # ومعنى ذلك كله: أن من حق الإسلام وأخوته: أن لا يظلم المؤمن أخاه ولا ~~يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، وتخصيص المسلم لمزيد حرمته، لا للاختصاص من كل ~~وجه، فالذي يحرم: ظلمه وخذلانه بنحو ترك دفع عدوه والكذب عليه واحتقاره، ~~نعم احتقاره من حيث الكفر القائم به جائز. {ومن يهن الله فما له من مكرم} (¬4). # (التقوى) فعلى من الوقاية ما يتقى به مما يخاف، فتقوى العبد لله: أن يجعل ~~بينه وبين ما يخشاه من غضبه وقاية تقيه منه، وهي تجنب نهيه وامتثال أمره. # قال القيصري (¬5): وقد ms39 أكثر الناس القول في التقوى، وحقيقتها: تنزيه ~~القلب عن الأدناس، وطهارة القلب من الآثام، وإن شئت قلت: الحذر من مواقعة ~~المخالفات (¬6). # (ههنا) أي: في القلب، بمعنى أن محل سببها الذي هو خوف الله الحامل عليها ~~هو القلب، لا حقيقتها الذي هو الاتقاء من العذاب. PageV01P211 # قال المظهر: وحينئذ فلا يجوز تحقير المتقي من الشرك والمعاصي، لما ذكر من ~~أن التقوى محلها القلب، وما كان محله القلب يكون مخفيا عن أعين الناس، وإذا ~~كان مخفيا لا يجوز لأحد أن يحكم بعدم تقوى مسلم حتى يحتقره، ويحتمل أن ~~معناه محل التقوى هو القلب، فمن كان في قلبه التقوى فلا يحقر مسلما؛ لأن ~~المتقي لا يحقر المسلم (¬1). # قال الطيبي: والثاني أوجه، والنظم له أدعى؛ لأن المصطفى -صلى الله عليه ~~وسلم- إنما شبه المسلم بالأخ لينبه على المساواة، وأن لا يرى أحد لنفسه على ~~أحد من المسلمين فضلا ومزية، ويحب له ما يحب لنفسه، وتحقيره إياه يأبى ذلك، ~~وينشأ منه قطع وصلة (¬2) الأخوة التي أمر الله تعالى بها أن توصل. [134/أ] # ومراعاة هذه الشريطة أمر صعب؛ لأنه ينبغي أن يسوي بين السلطان /وأدنى ~~العوام، و [بين] (¬3) الغني والفقير، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، ~~والكبير والصغير، ولا يتمكن في ذلك إلا من امتحن الله قلبه للتقوى، وأخلصه ~~(¬4) من الأمراض القلبية من نحو غش وحقد خلاص الذهب الإبريز من خبثه، فيؤثر ~~لذلك أمر الله تعالى على متابعة الهوى (¬5)؛ فلذلك جاء قوله عليه السلام: ~~«التقوى هاهنا» معترضا بين قوله «ولا يحقره»، وقوله الآتي: «بحسب امرئ ... ~~» إلخ؛ فإن كلا منهما متضمن للنهي عن الاحتقار، وأنت عرفت أن موقع الاعتراض ~~بين الكلامين موقع التأكيد والتقرير. # وأفاد الحديث: أن لا عبرة بظواهر الصور؛ قال المصطفى [صلى الله عليه ~~وسلم] (¬6): «إن الله -تعالى- لا ينظر إلى صوركم (¬7) , ولا إلى أموالكم ~~وأعمالكم، (¬8) ولكن إنما ينظر PageV01P212 # إلى قلوبكم» (¬1) أي: التي هي محل التقوى، وأوعية الجواهر وكنوز المعرفة (¬2). # قال الغزالي: أبان الحديث بأن القلب موضع نظر الرب، فيا عجباه (¬3) لمن ~~يهتم بوجهه الذي هو محل نظر الخلق, فيغسله ms40 وينظفه، ولا يهتم بقلبه الذي هو ~~محل نظر الخالق، فيطهره ويزينه؛ لئلا يطلع عليه وهو مدنس (¬4). # وفيه دليل على أن محل الروح القلب لا الدماغ (¬5). PageV01P213 # «وأشار إلى صدره» وفي رواية للطبراني: «وأشار إلى القلب» (¬1)، وهذا من ~~كلام الراوي. # قال الطيبي: لما كانت التقوى: تشد من عقدة الأخوة الإسلامية, وتستوثق من ~~عراها قال الله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا ~~الله} (¬2) يعني: أنكم إن اتقيتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل ~~والائتلاف والمسارعة إلى إماطة ما يفرط منكم (¬3)، وأن مستقر التقوى ~~ومكانه: المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد، قال ~~-تعالى-: {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} (¬4)؛ PageV01P214 # ولذلك كرر -عليه الصلاة والسلام- هذه الكلمة، وأشار بيده إلى صدره ثلاثا, ~~صلى الله عليه وسلم. # «بحسب» بسكون السين, «امرئ من الشر» قال الطيبي: قوله: «بحسب امرئ» ~~مبتدأ، والباء فيه زائدة (¬1)، وقوله «أن يحقر أخاه» خبره، أي: كفاية (¬2) ~~من خلال الشر ورذائل الأخلاق في معاشه ومعاده تحقير أخيه المسلم هذا (¬3). ~~أي: يكفيه منه في أخلاقه ومعاشه ومعاده أن يحقر أخاه. # «المسلم» تفظيع لشأن الاحتقار وتهويل؛ لأنه ذنب عظيم، بدليل / [134/ب] ما ~~رتب عليه ما يكفي المحتقر من الشر؛ فإن الله لم يحتقر الإنسان؛ إذ (¬4) ~~خلقه في أحسن تقويم، وخلق له ما في الأرض جميعا، وسخر له ما في السماء ~~والأرض والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار، وآتاه من كل ما سأله، فمن ~~حقره فقد حقر ما عظم الله، وكفى به شرا، ومن احتقاره: أن (¬5) لا يسلم ~~عليه، ولا يرد عليه، وليس منه تقديم (¬6) العالم على الجاهل، والعدل على ~~الفاسق؛ لأنه ليس لذاته بل لوصفه المذموم، حتى لو زال عنه عاد إليه ~~التعظيم. # «كل المسلم على المسلم» فيه رد على من زعم أن (كلا) لا تضاف إلا إلى نكرة ~~(¬7)، وهذا مبتدأ، وقوله: «حرام» خبره، أي: جميع أنواع ما يؤذيه حرام. PageV01P215 # «دمه» بدل بعض من المبتدإ؛ لأن به حياته، فلا تجوز إراقته بقتل ونحوه إلا بموجب. # «وماله» لأن الله خصه به وجعله ملكا ms41 له فلا يحل أخذه إلا بحقه. # «وعرضه» أي: حسبه (¬1)، وهو (¬2) مفاخره ومفاخر آبائه؛ وذلك لأن به صيانة ~~حرمته فلا يجوز انتهاكه إلا بحقه؛ إذ به قيام صورته المعنوية. # قال الأكمل: (المراد بالمسلم هنا: إنسان ذو إسلام ودم ومال وعرض؛ ليصح ~~جعلها أجزاء تدخل عليها كلمة (كل)، والأولى أن يقال: المسلم بمعنى من أسلم، ~~فيتعدد معنى، والعرض هو الأمر الذي يتوجه إليه المدح والذم) (¬3). # وقال الطيبي: قوله: «كل المسلم على المسلم» إلخ هو الغرض الأصلي، ~~والمقصود الأولي، والسابق كالتمهيد والمقدمة له، وجعل مال المسلم وعرضه ~~جزءا منه؛ تلويحا إلى معنى خبر: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» (¬4). PageV01P216 # والمال يبذل للعرض، قال (¬1): # أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال (¬2). # وقال غيره (¬3): جعله الثلاثة كل المسلم وحقيقته لشدة اضطراره إليها، ~~واقتصاره عليها؛ لأن ما سواها فرع عليها، وراجع إليها؛ لأنه إذا قامت ~~الصورة البدنية والمعنوية فلا حاجة إلى غير ذلك، وقيامها بترك الثلاثة فقط، ~~ولكون حرمتها هي الأصل والغالب لم يحتج إلى تقييدها بما إذا لم يعرض [ما] ~~(¬4) يبيحها شرعا، كالقتل قودا [أو حدا] (¬5)، وأخذ مال المرتد فيئا، ~~[وتوبيخ المسلم تعزيرا. # قال الحافظ العراقي: وفي بعض طرق الحديث] (¬6) زيادة: «وأن يظن به السوء» ~~(¬7) PageV01P217 # فيحتمل أنه داخل في انتهاك عرضه، ويحتمل أنه أمر زائد على العرض؛ لأن ~~انتهاك العرض أن يتكلم فيه بما يسيؤه، وظنه فيه السوء أمر زائد / [135/أ] ~~على ذلك، قال: وفي مسند أحمد ومعجم الطبراني الكبير من حديث النعمان بن ~~بشير مرفوعا: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما» (¬1). # فهذا أمر زائد على الأمور الثلاثة (¬2). # (رواه مسلم) (¬3) # , وكذا الترمذي (¬4)، وهو كثير الفوائد (¬5)، عظيم العوائد (¬6)، وهو من PageV01P218 # الجوامع (¬1) وفصل الخطاب الذي خص به هذا النبي المكرم، صلى الله عليه ~~وسلم. PageV01P219 ### | AUTO الخاتمة, وفيها أهم النتائج والتوصيات # : # في نهاية تحقيق هذا الجزء من هذا الشرح العظيم, أريد أن أسجل -قبل نهاية ~~المطاف- أهم النتائج التي وقفت عليها أثناء التحقيق, فأقول -وبالله ~~التوفيق-: # 1 - بدا لي أثناء التحقيق: ما يتمتع به كتاب ms42 (الأربعين النووية) من شهرة ~~بين أهل العلم, مما أدى إلى تتابع شروح العلماء عليه, حتى وصلت -في عد بعض ~~الباحثين- إلى: أكثر من مائة وعشرين شرحا (¬1) , ومن بينها هذا الشرح ~~النفيس الذي بين يديك. # 2 - سعة علوم الشارح المناوي -رحمه الله- مما قد فتح الله عليه أثناء هذا ~~الشرح, فهو شرح قد جمع بين المتانة والرصانة, قد فتق فيه علوما منها: ~~الحديث, واللغة, والفقه وأصوله, موشحا كل ذلك بنقول عن الأئمة, رصعها ~~بتعليقات, هي أحيانا تعقيبات, تدل على مكانة مؤلفه, وعمق نظره, -رحمه ~~الله-, ولعل من أسباب ذلك تنوع مشايخه, الذي أدى إلى تنوع علومه. # 3 - ظهر لي كيفية تتابع العلماء -عبر القرون- على استفادة بعضهم من بعض, ~~وذلك من خلال كثرة نقول المصنف -رحمه الله- عمن سبقه, تارة بالتصريح باسمه, ~~وتارة بعدمه, مما يدل على اعترافه بالفضل لمن سبق, وهو بذلك أحق, وقد قيل: ~~(العلم رحم بين أهله). # 4 - أهمية كتاب (المصابيح) للبغوي -رحمه الله- من بين كتب السنة, واهتمام ~~العلماء بهذا الكتاب شرحا وتعليقا واختصارا ودراسة, ولقد نقل المصنف -رحمه ~~الله- عن كل من: التوربشتي, والبيضاوي, والمظهري, والطيبي, وكلهم لهم شروح ~~على كتاب (المصابيح) , أو مختصره: (مشكاة المصابيح) ولقد أكثر الشارح النقل ~~عن شرح الطيبي؛ إذ نقل عنه (عشرين مرة) , ثم عن القاضي البيضاوي؛ حيث نقل ~~عنه أيضا PageV01P220 # أكثر من عشر مرات. # 5 - من الأبواب الجميلة التي اشتمل عليها هذا الشرح: المواعظ المؤدية إلى ~~تزكية النفس, وهي من العلوم الجليلة التي تحتاج شروح الحديث إليها, ولقد ~~نقل المصنف عيونا منها عن أئمة التابعين ومن بعدهم. # أما التوصيات: # 1 - فقد ظهر لي من خلال هذا الشرح: تقارب شروح (الأربعين النووية) ~~واستفادة بعضهم من بعض, ورأيت أن أشملها جمعا, وأوسعها علما, وأغزرها ~~فائدة: شروح خمسة وهي: (شرح الطوفي, والفاكهاني, وابن رجب, وابن حجر ~~الهيتمي, والمناوي) فأقترح أن لو جمعت عيون هذه الشروح في كتاب واحد يجمع ~~بين علومها, ويقرب بين فوائدها. # 2 - من خلال هذا الشرح: تبين لي مقدار علوم الشارح المناوي -رحمه الله- ~~لا سيما من ms43 خلال شرحه على الجامع الصغير: (فيض القدير) , ولقد بلغني أن بعض ~~الأقسام بدأت بتحقيقه, فأتمنى لو خرج محققا تحقيقا علميا متكاملا, حتى يتم ~~نشره بين طلبة العلم لينتفع به. # 3 - رأيت ما يعاني الباحث -لا سيما في التحقيق- من تعب وجهد؛ حرصا على ~~إكمال الفائدة, ثم بالمقابل أرى التقاعس الشديد من الباحثين عن نشر بحوثهم, ~~ولو على النطاق الإلكتروني, وقد يكون التقاعس له أسبابه التي منها ما يقبل, ~~فأنصح إخواني الباحثين, وزملائي الدارسين: ألا يجعلوا أعمالهم حبيسة ~~الرفوف, بل يقدمونها لشداة العلم الألوف, ويسألون الله تعالى الإخلاص, ~~والنفع والقبول والخلاص. # اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم # وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم # إنك حميد مجيد PageV01P221 ms44