######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0096271 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: مرعي بن يوسف بن أبى بكر بن أحمد الكرمى المقدسي الحنبلى (المتوفى: 1033هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1033 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إتحاف ذوي الألباب في قوله - تعالى -: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0096271 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-96271 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/96271 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1433 هـ - 2012م. #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: منشورات منتديات كل السلفيين. #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# #
# بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # الحمد لله المنزه بذاته، الرفيع الجناب (1)، المقدس بصفاته عن إدراك عقول ~~ذوي الألباب، الموصوف بالألوهية قبل كل موجود، الباقي بنعت السرمدية بعد كل ~~محدود (2)، المنيع الحجاب (3)، الملك الذي طمست PageV01P017 #
# سبحات (1) جلاله الأبصار، وحارت في بديع جماله الأفكار، العزيز الوهاب، ~~الذي كتب ما هو كائن من المقدور في أم الكتاب قبل أن يخلق السموات والأرض ~~بخمسين ألف سنة (2)، فلا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب. # والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليفته (3)، المبعوث إلى كافة خليقته، ~~المنعوت بأسمائه وصفاته (4)، الذي أنزل عليه: {يمحو الله ما يشاء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب} (5)، وعلى آله وأصحابه خير آل وأصحاب، ما انهلت بالغيث ~~مزن (6) السحاب، واشتاقت للمتقين الكواعب (7) PageV01P018 #
# الأتراب (1). # أما بعد: # فهذه فرائد يتيمة، وفوائد ثمينة، وعقود جواهر مضيئة، وبدور سوافر (2) ~~مستضيئة، في الكلام على قول العزيز الوهاب: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ~~أم الكتاب} (3) متكلما في ذلك على زيادة العمر (4) ونقصانه، وبيان إثبات ~~القدر وتبيانه، وأن المقدور مسطور، والمستور منشور، يوم البعث والنشور، ~~جانحا في ذلك لاختصار كلام أولي الألباب، جامعا ما تفرق من كلامهم في هذا ~~الكتاب، مع زيادات محققة، وإفادات مدققة، وسميته: إتحاف ذوي الألباب في ~~قوله - تعالى -: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}. PageV01P019 #
### | مقدمة # في إثبات حقيقة القدر # اعلم - وفقك الله تعالى - أن مذهب أهل الحق هو الحق. # ومذهبهم: أن الله - تعالى - قدر مقادير الخلق وما يكون من الأشياء قبل أن ~~يكون في الأزل، وعلم - سبحانه - أنها ستقع في أوقات معلومة عنده # - تعالى - وعلى صفات مخصوصة؛ فهي تقع على حسب ما قدرها. # وخالفت القدرية (1) في ذلك - ومن ذهب إلى مذهبهم (2) -؛ فقالوا: إنه - ~~سبحانه - لم يقدر الأشياء، ولم يتقدم علمه بها، وأنها مستأنفة العلم؛ أي: ~~إنما يعلمها - سبحانه - بعد وقوعها (3). # وكذبوا على الله في قولهم ومذهبهم، وهو مذهب باطل بالكتاب PageV01P021 #
# والسنة (1). # أما الكتاب: # فقوله - تعالى -: {ما أصاب ms01 من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ~~من قبل أن نبرأها} (2). # وقوله - تعالى -: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} (3). # إلى غير ذلك من الآيات. # وأما السنة فأحاديث جمة في «البخاري» و «مسلم» - وغيرهما -: # ففي «مسلم»: عن عبد الله بن عمرو بن العاص (4) - رضي الله عنهما -، قال: ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كتب الله - تعالى - مقادير ~~الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء» (5)، ~~وفي حديث أحمد والترمذي: «قدر المقادير قبل أن يخلق السموات PageV01P022 #
# والأرض بخمسين ألف سنة» (1). # وحديث أحمد ومسلم عن ابن عمر: «كل شيء بقدر؛ حتى العجز (2) والكيس» (3). # وفي حديث آخر: «لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم ~~لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا ~~في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ~~ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت (4) على غير هذه لدخلت النار» (5)، ~~رواه الإمام أحمد عن زيد بن ثابت، ورواه أحمد - أيضا - وأبو داود وابن ماجه ~~وابن حبان والطبراني عن أبي بن كعب PageV01P023 #
# وزيد بن ثابت وحذيفة وابن مسعود. # وفي «مسلم» - أيضا - حين تحاج (1) آدم وموسى، وفيه: قال آدم لموسى: ~~«أفتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق بأربعين سنة؟!» (2). # وفي «مسلم» - أيضا - من حديث علي بن أبي طالب، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وفيه: قال: «ما من نفس منفوسة (3) إلا وكتب الله مكانها من الجنة ~~والنار إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة»، فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نمكث ~~على كتابنا وندع العمل؟ فقال: «من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل ~~السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، اعملوا؛ فكل ~~ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل ~~الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة» ms02 (4). # وروى الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - عن عبد العزيز بن رفيع (5)، عن مصعب ~~بن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من نفس ~~إلا PageV01P024 #
# وقد كتب الله مخرجها ومدخلها (1) وما هي لاقية، فقال رجل من الأنصار: ~~ففيم العمل يا رسول الله؟! قال: «اعملوا؛ كل ميسر لما خلق له، أما أهل ~~الشقاء فييسرون (2) لعمل أهل الشقاء، وأما أهل السعادة فييسرون (3) لعمل ~~أهل السعادة»، فقال الأنصاري: الآن حق (4) العمل (5). # وأخرج البزار عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، قال: سمعت ~~PageV01P025 #
# رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أول (1) ما خلق الله: القلم ~~(2)، فقال: اجر، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة» (3). PageV01P026 #
# قال علي بن المديني (1): إسناده حسن (2). # وأخرج الإمام أحمد والترمذي - وصححه - عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «أول ما خلق الله: القلم، قال له: اكتب، قال: ~~يا رب! وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء» (3). # وأخرج الترمذي عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «أول ما خلق الله: القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما ~~هو كائن إلى الأبد» (4). # قال عبد الرحمن بن أبي زرارة: وهذا الحديث من الصحاح (5). # وفي «تفسير مكي» (6) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: خلق ~~PageV01P027 #
# الله النون (1) - وهو الدواة -، وخلق القلم، فقال: اكتب، قال: وما أكتب؟ ~~قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول - بر أو فجور - ورزق ~~مقسوم - حلال أو حرام -، ثم الزم كل شيء من ذلك شأنه من دخوله في الدنيا ~~ومقامه (2) فيها كم هو، وخروجه منها كيف (3). # وفي «تفسير الثعلبي» (4): قال ابن عمر: قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «أول شيء خلق الله: القلم؛ من نور، طوله خمس مئة (5) عام (6)، فقال ~~القلم: اجر، PageV01P028 #
# فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل؛ برها (1) وفاجرها، ورطبها ms03 ~~ويابسها» (2). # فثبت بالكتاب والسنة بطلان مذهب القدرية - ومن وافقهم -. # وفي الحديث: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا ~~فلا تشهدوهم» (3). # وهذا أوان الشروع في المراد، وعلى الله الهداية إلى سبيل الرشاد. # أما قوله - تعالى -: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} (4)؛ ف ~~(المحو): ذهاب أثر الكتابة، يقال: (محاه يمحوه محوا)، إذا ذهب أثره، كذا في ~~«تفسير ابن عادل» (5)، و (يثبت) قرأه أبو PageV01P029 #
# عمرو وابن كثير وعاصم بالتخفيف، من (أثبت)، وقرأه الباقون بالتشديد، وهي ~~قراءة ابن عباس، واختيار أبي عبيد (1) وأبي حاتم (2) لكثرة من قرأ بها، ~~ولقوله - تعالى -: {يثبت الله الذين آمنوا} (3). # ومفعول (يثبت) محذوف؛ أي: (ويثبت ما يشاء)، إلا إنه استغني بتعدية الفعل ~~الأول عن تعدية الثاني (4)؛ كما في قوله - سبحانه -: {والحافظين فروجهم ~~والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} ... (5). # إذا تقرر هذا؛ فذهب جمع كثير وجم غفير إلى أن العمر يزيد وينقص، وكذا ~~القول في السعادة والشقاوة، والإيمان والكفر؛ تمسكا بظاهر هذه الآية ~~PageV01P030 #
# الشريفة، وبه قال الإمام عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبو وائل ~~(1)، وكعب الأحبار (2)، ومالك بن دينار (3) - وغيرهم -. # وهو قول الكلبي (4)؛ فإنه قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ~~ويزيد فيه. # ورواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (5). PageV01P031 #
# قال الإمام الفخر (1): «قالوا: إن الله يمحو من الرزق ويزيد فيه، وكذلك ~~القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر» (2). # قال: «والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرعون إلى الله أن يجعلهم ~~سعداء لا أشقياء». # فعن أبي عثمان النهدي (3)، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يطوف ~~بالبيت وهو يبكي، ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني بها، ~~وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب فامحني (4) وأثبتني في أهل السعادة ~~والمغفرة؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب (5). # وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول: اللهم إن كنت كتبتني في السعداء ~~فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء PageV01P032 #
# واكتبني في السعداء؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت (1). # وكان أبو وائل - رضي الله عنه - يكثر أن يدعو: اللهم إن كنت كتبتنا ~~أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا؛ فإنك تمحو ما ~~تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب» (2). # وقال كعب لعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -: لولا آية من كتاب الله ~~لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم ~~الكتاب} (3). # وقال مالك بن دينار للمرأة التي دعا لها: اللهم إن كان في بطنها جارية ~~فأبدلها غلاما؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت (4). # وحجة القائلين بذلك: الكتاب والسنة. # فأما الكتاب فهذه الآية الشريفة. # وجه الحجة منها أنها عامة في كل شيء يقتضيه ظاهر اللفظ. PageV01P033 #
# وأما دعوى التخصيص ففيها نظر كما يأتي: # فعن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما قالا: يمحو السعادة ~~والشقاوة، ويمحو الرزق والأجل، ويثبت ما يشاء (1). # وفي «تفسير القرطبي» (2) و «ابن عادل» (3): روى أبو الدرداء عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله - سبحانه - يفتح الذكر في ثلاث ساعات ~~يبقين من الليل، فينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ~~ويثبت ما يشاء» (4). # وفي «تفسير القرطبي» - وغيره -: قال ابن عباس: إن لله لوحا محفوظا، مسيرة ~~(5) خمس مئة عام، من درة بيضاء، له دفتان (6) من ياقوتة حمراء، لله فيه كل ~~(7) يوم ثلاث مئة وستون نظرة، يثبت ما يشاء ويمحو ما PageV01P034 #
# يشاء (1). # وقال وهب بن منبه: خلق الله لوحا من درة بيضاء، قلمه من زمردة خضراء، ~~وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلاث مئة وستين نظرة، يحيي ويميت، ويعز ~~ويذل، ويرفع أقواما ويخفض آخرين، ويحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد (2). # وقال قيس بن عباد (3) - في اليوم العاشر من رجب -: هو اليوم الذي يمحو ~~الله فيه ما يشاء ويثبت ما يشاء (4). PageV01P035 #
# وقال مجاهد: يحكم الله أمر السنة في رمضان، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ~~(1). # وعن ابن عباس: إن ms05 الله يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها لأربابها ~~في ليلة القدر (2). # واحتجوا أيضا بقوله - تعالى - في (سورة فاطر): {وما يعمر من معمر ولا ~~ينقص من عمره إلا في كتاب} (3)؛ أي: لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمره ~~إلا وهو في كتاب؛ أي: في اللوح المحفوظ. # وقال كعب الأحبار - حين طعن عمر وحضرته الوفاة -: والله لو دعا الله عمر ~~أن يؤخر أجله لأخره، فقيل له: إن الله - عز وجل - يقول: {فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (4)، فقال: (هذا إذا حضر الأجل، فأما قبل ذلك ~~فيجوز أن يزاد وينقص)، وقرأ هذه الآية (5)، حكاه البغوي وغيره. PageV01P036 #
# قال الزمخشري: «وقد استفاض على ألسنة الناس: (أطال الله عمرك وفسح في ~~مدتك) - وما أشبهه -» (1). # واحتجوا أيضا بقوله - تعالى - في (سورة الأنعام): {ثم قضى أجلا وأجل مسمى ~~عنده} ... (2). # فثبت بظاهر هذه الآية أن للإنسان أجلين، وتأولها حكماء الإسلام # - على ما حكاه الإمام الفخر (3) - أن لكل إنسان أجلين: # أحدهما: الآجال الطبيعية. # الثاني: الآجال الاخترامية (4). # فالآجال الطبيعية هي التي لو بقي المزاج مصونا عن العوارض الخارجية - ~~كالغرق والحرق ولسع الحشرات وغيرها - لانتهت مدة بقائه إلى الأوقات ~~الفلكية. PageV01P037 #
# والآجال الاخترامية: هي التي تحصل بسبب من الأسباب الخارجية - كالغرق ~~والحرق ولسع الحشرات -. # وعليه: فالعمر الطبيعي: أن يموت الشخص لا بعلة خارجية (1). # هذا احتجاجهم من الكتاب. # وأما السنة فاحتجوا منها بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صلة الرحم وحسن ~~الخلق PageV01P038 #
# وحسن الجوار يعمرن (1) الديار ويزدن في الأعمار»، رواه إمامنا أحمد، ~~والبيهقي عن عائشة (2). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صلة الرحم تزيد في العمر، وصدقة السر ~~تطفئ غضب الرب» (3)، رواه القضاعي (4) عن ابن مسعود. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ (5) ~~له في أثره (6)؛ فليصل رحمه» (7)، رواه البخاري ومسلم. # وفي طريق آخر (8): «من أحب أن يمد الله في عمره وأجله، ويبسط في ~~PageV01P039 #
# رزقه؛ فليتق الله وليصل رحمه» (1). # وفي آخر: «صل رحمك؛ ms06 يزد في عمرك» (2). # وأخرج ابن مردويه (3) عن علي - رضي الله عنه -، قال: قال رسول ~~PageV01P040 #
# الله - صلى الله عليه وسلم -: «الصدقة على وجهها (1)، وبر الوالدين، ~~واصطناع المعروف: تحول الشقاء سعادة، وتزيد في العمر، وتقي مصارع السوء» ~~(2). # وروى الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - عن عبد الله بن علي بن أبي الجعد، ~~عن ثوبان - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن العبد ليحرم ~~الرزق بالذنب يصيبه» (3). # هذا حاصل استدلال من قال بزيادة العمر ونقصه، والمحو والإثبات ~~PageV01P041 #
# على سبيل العموم. # وذهب جمع كثير وجم غفير إلى أن العمر لا يزيد ولا ينقص، وأن المراد ~~بالمحو والإثبات ليس على سبيل العموم، وبه قال الجمهور، وحكى ابن عطية (1) ~~أنه مذهب أهل السنة (2). # واحتجوا - أيضا - على ذلك بالكتاب والسنة. # أما الكتاب؛ فقوله - تعالى -: {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها} (3)، ~~وقوله - تعالى -: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (4)، ~~وقوله - تعالى -: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا} (5). # وأما السنة؛ فاحتجوا منها بحديث ابن مسعود، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن أحدكم يجمع خلقه في أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم ~~يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: ~~PageV01P042 #
# اكتب عمله ورزقه وأجله، وشقي (1) أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح ... » # - الحديث (2) -، رواه الستة: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ~~PageV01P043 #
# والنسائي وابن ماجه (1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فرغ الله - عز وجل - إلى كل عبد من خمس: ~~من أجله، ورزقه، وأثره، ومضجعه، وشقي (2) أو سعيد»، رواه إمامنا أحمد ~~والطبراني عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - (3). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فرغ إلى ابن آدم من أربع: الخلق والخلق ~~(4) والرزق والأجل»، رواه الطبراني عن ابن مسعود (5). # وحديث أم حبيبة؛ حيث قالت: اللهم أمتعني بأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، ~~وبزوجي ms07 رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال لها - عليه الصلاة والسلام ~~-: «لقد سألت الله في آجال مضروبة وأرزاق مقسومة، لا يؤخر PageV01P044 #
# منها شيء» (1). # وأجابوا عن قوله - تعالى -: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} (2) بعدم حملها ~~على العموم؛ فقال قتادة وابن زيد (3) وسعيد بن جبير: يمحو الله ما يشاء من ~~الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وجملة الناسخ ~~والمنسوخ عنده في أم الكتاب. # وعبارة بعضهم: (المراد بالمحو والإثبات: نسخ الحكم المتقدم بحكم آخر بدلا ~~من الأول) (4)، ونحوه (5) ذكر النحاس (6) والمهدوي (7) عن ابن PageV01P045 #
# عباس (1). # قلت: وفيه نظر؛ لأن القلم جرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ومن جملة ~~ذلك: الحكم، فكما جاز نسخ الحكم وإثباته فكذلك العمر. # وقال أبو صالح (2) والضحاك (3): المراد بالآية: محو ما في ديوان الحفظة ~~ما ليس بحسنة ولا سيئة؛ لأنهم مأمورون بكتب (4) كل ما ينطق به الإنسان (5). # قلت: هو قريب؛ لكن المراد لا يدفع الإيراد (6)، وهو تخصيص من PageV01P046 #
# غير مخصص (1). # وفي لفظ آخر عن الضحاك: يمحو الله ما يشاء من ديوان الحفظة ما ليس فيه ~~ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب (2). # وروى معناه: أبو صالح عن ابن عباس (3). # وفي «تفسير ابن عادل» (4): قال ابن عباس في رواية عكرمة (5): هما كتابان؛ ~~كتاب سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبت، وأم الكتاب لا يغير منه شيء ~~(6). PageV01P047 #
# وسئل الكلبي عن هذه الآية، فقال: يكتب القول كله، حتى إذا كان يوم الخميس ~~طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب؛ مثل قولك: أكلت وشربت ودخلت وخرجت - ~~ونحوه - وهو صادق، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب (1). # وعن سعيد بن جبير - أيضا -: يغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء ~~فلا يغفره (2). # وقال عكرمة: يمحو ما يشاء - يعني بالتوبة - جميع الذنوب، ويثبت بدل ~~الذنوب حسنات؛ {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ... } (3) - الآية -. # وعنه - أيضا -: يمحو الآباء ويثبت الأبناء (4). PageV01P048 #
# وقال السدي (1): {يمحو الله ما ms08 يشاء} يعني القمر، {ويثبت} يعني الشمس، ~~بيانه: قوله - تعالى -: {فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} (2). # وقال الحسن: {يمحو الله ما يشاء}: من جاء أجله، {ويثبت}: من لم يأت أجله ~~(3). # وقال الربيع بن أنس (4): هذا في الأرواح حالة (5) النوم يقبضها، فمن أراد ~~موته فجأة أمسكه (6)، ومن أراد إبقاءه أثبته ورده إلى صاحبه، بيانه: ~~PageV01P049 #
# قوله - تعالى -: {الله يتوفى الأنفس حين موتها ... } (1) - الآية - (2). # وقال علي بن أبي طالب: يمحو الله ما يشاء من القرون؛ كقوله - تعالى -: ~~{ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون} (3)، ويثبت ما يشاء منها؛ كقوله - ~~تعالى -: {ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} (4)، فيمحو قرنا ويثبت قرنا (5). # وقيل: هو الرجل يعمل الزمن الطويل بطاعة الله، ثم يعمل بمعصية الله، ~~فيموت على ضلالة، فهذا الذي يمحو، والذي يثبت: الرجل يعمل بمعصية الله ~~الزمن الطويل ثم يتوب، فيمحوه الله من ديوان السيئات ويثبته في ديوان ~~الحسنات، ذكره الثعلبي والماوردي وابن عادل (6) عن ابن عباس (7). # وقيل: {يمحو الله ما يشاء} يعني: الدنيا، {ويثبت} الآخرة (8). ~~PageV01P050 #
# قلت: وفي هذه الأجوبة كلها نظر لما مر، ولأنه تخصيص من غير مخصص. # وقال ابن عمر: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: يمحو الله ما ~~يشاء ويثبت إلا السعادة والشقاوة» (1). # وقال مجاهد: يحكم الله أمر السنة في رمضان، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء؛ ~~إلا الحياة والموت والسعادة والشقاوة (2). # وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت؛ إلا ستا: الخلق والخلق، والرزق ~~والأجل، والسعادة والشقاوة (3). # وعنه: هما كتابان سوى أم الكتاب، يمحو منها ما يشاء ويثبت، وعنده أم ~~الكتاب الذي لا يتغير منه شيء (4). PageV01P051 #
# وقال القشيري (1): وقيل: السعادة والشقاوة والخلق والخلق والرزق لا ~~تتغير، فالآية فيما عدا هذه الأشياء (2). # قلت: وفي هذه الأجوبة - أيضا - نظر ظاهر. # ثم رأيت القرطبي قال في «تفسيره»: «وفي هذا القول نوع تحكم»، قال: «ومثل ~~هذا لا يدرك بالرأي ولا بالاجتهاد، وإنما يؤخذ توقيفا، فإن صح فالقول به ~~يجب، ويوقف عنده، وإلا فتكون الآية عامة ms09 في جميع الأشياء، وهو الأظهر» (3). # وأجابوا عن قوله - تعالى -: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره ... } ~~(4) - الآية - بأن المراد بالعمر: الطويل العمر، والمراد بالناقص: قصير ~~العمر، والمعنى: كل من طال عمره أو قصر فهو مكتوب في الكتاب. # وقال ابن حزم: «النقص في اللغة التي نزل بها القرآن إنما هو من باب ~~الإضافة»، قال: «[وبالضرورة علمنا أن من عمر مئة عام وعمر آخر ثمانين ~~PageV01P052 #
# عاما؛ فإن الذي عمر ثمانين عاما نقص من عدد عمر الآخر عشرين عاما] (1)، ~~فهذا هو ظاهر الآية ومقتضاها على الحقيقة». # وفي الضمير من (عمره) قولان: # أحدهما: أنه يعود على (معمر) (2) - لفظا ومعنى -، وإليه ذهب ابن عباس (3) ~~وابن جبير (4) وأبو مالك (5). # الثاني: أنه يعود على معمر آخر، حكاه ابن عادل في «تفسيره» (6). # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: وما يعمر من معمر إلا كتب PageV01P053 #
# عمره كم هو سنة، كم هو شهرا، كم هو يوما، كم هو ساعة، ثم يكتب في كتاب ~~آخر: نقص من عمره يوم، نقص من عمره شهر، نقص من عمره سنة، حتى يستوفي أجله ~~(1). # وقاله ابن جبير، قال: فما مضى من أجله فهو النقصان، وما يستقبل من عمره ~~فهو الذي يعمره، فالهاء عائدة على هذا المعمر (2). # وعن سعيد - أيضا -: يكتب: (عمره كذا وكذا سنة)، ثم يكتب أسفل ذلك: (ذهب ~~يوم، ذهب يومان، ذهب ثلاثة ... )، حتى يأتي على آخره، حكاه القرطبي والبغوي ~~(3). # ومذهب الفراء في معنى {وما يعمر}؛ أي: ما [يطول] (4) من عمره، {ولا ينقص ~~من عمره} بمعنى: معمر آخر؛ أي: ولا ينقص الآخر من عمره إلا في كتاب، ~~فالكناية في {عمره} ترجع إلى آخر غير الأول، وكنى عنه بالهاء كأنه الأول؛ ~~لأن لفظ الثاني لو ظهر كان كالأول، ومثله: قولك: (عندي درهم ونصفه)؛ أي: ~~نصف آخر (5). PageV01P054 #
# وقيل: المعنى: {وما يعمر من معمر}؛ أي: هرم، {ولا ينقص} آخر من عمر ذلك ~~الهرم {إلا في كتاب}؛ أي: بقضاء من الله - تعالى -، روي معناه عن الضحاك، ~~واختاره ms10 النحاس (1)، وروي نحوه عن ابن عباس. # قال القرطبي: «فالهاء - على هذا - يجوز أن تكون للمعمر، ويجوز أن تكون ~~لغير المعمر» (2). # وعن قتادة: (المعمر): من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره: من يموت قبل ~~ستين سنة (3). # وأجابوا عن قوله - تعالى -: {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} (4) بأن المراد ~~بالأجل الأول: أجل الماضين، وبالأجل الثاني: أجل الباقين (5). PageV01P055 #
# وقيل: المراد بالأول: أجل الموت، وبالثاني: أجل الحياة في الآخرة؛ لأنه ~~لا آخر لها ولا انقضاء (1). # وقيل: إن الأجل الأول هو ما بين خلق الإنسان إلى موته، والثاني: ما بين ~~موته إلى بعثه (2). # وقيل: إن الأجل الأول هو النوم، والثاني هو الوفاة (3). # وقيل: إن الأول: ما انقضى من عمر كل واحد، والثاني: ما بقي من عمر كل ~~واحد (4). PageV01P056 #
# وقال الضحاك: {أجلا} في الموت، {وأجل مسمى عنده}؛ أي: أجل القيامة (1). # قال القرطبي: «فالمعنى على هذا: حكم (2) أجلا، وأعلمكم أنكم تقيمون إلى ~~الموت، ولم يعلمكم بأجل القيامة» (3). # وفي «الوسيط» - تفسير الواحدي (4) -: {ثم قضى أجلا} يعني: أجل الحياة إلى ~~الموت، {وأجل مسمى عنده} يعني: أجل الموت إلى البعث وقيام الساعة (5). # قال: «وهذا قول ابن عباس والحسن وسعيد بن المسيب (6) وقتادة PageV01P057 #
# والضحاك ومقاتل» (1). # وقال الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة - وهذا لفظ الحسن -: قضى أجل الدنيا من ~~يوم خلقك إلى أن تموت، {وأجل مسمى عنده} يعني: الآخرة (2). # وقيل: {قضى أجلا}: ما نعرفه من أوقات الأهلة والزروع وما أشبهها، {وأجل ~~مسمى}: أجل الموت، لا يعلم الإنسان متى يموت (3). # وقال ابن عباس ومجاهد: {قضى أجلا} بقضاء الدنيا، {وأجل مسمى عنده} ~~لابتداء الآخرة (4). # وقال الإمام ابن حزم - رحمه الله - في «الملل والنحل»: «وهذه الآية ~~PageV01P058 #
# حجة عليهم»؛ أي: على القائلين بزيادة العمر ونقصه. # قال: «لأنه - تعالى - نص على أنه قضى أجلا، ولم يقل لشيء دون شيء، لكن ~~على الجملة، ثم قال - تعالى -: {وأجل مسمى عنده}، فهذا الأجل المسمى عنده - ~~عز وجل - هو الأجل الذي قضى نفسه - بلا شك -؛ إذ لو كان غيره لكان ms11 أحدهما ~~ليس أجلا إذا أمكن التقصير عنه أو مجاوزته [ولكان الباري - تعالى - مبطلا ~~إذ سماه أجلا، وهذا كفر لا يقوله مسلم] (1)، وأجل الشيء - في اللغة - هو ~~ميعاده (2) الذي لا يتعداه، وإلا فلا يسمى أجلا البتة (3)، ولم يقل - عز ~~وجل -: إن الأجل المسمى عنده هو غير الأجل الذي قضى، فأجل كل شيء منتهاه، ~~ويبين ذلك قوله - تعالى -: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} ~~(4)، وقوله - تعالى -: {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها} (5)» (6). ~~PageV01P059 #
# وعلى هذا: فأجل الثاني خبر لمضمر محذوف يرجع للأول، والتقدير: (وهو أجل ~~مسمى عنده)، فالأجلان شيء واحد (1). # وفي «تفسير الخازن» (2): «وقيل: هما واحد، ومعناه: {ثم قضى أجلا} يعني: ~~قدر مدة لأعماركم تنتهون إليها، {وأجل مسمى عنده} يعني: أن ذلك الأجل مسمى ~~عنده، لا يعلمه إلا هو، والمراد بقوله: {عنده}: يعني: في اللوح المحفوظ ~~الذي لا يطلع عليه غيره». # وأجابوا عن أحاديث: «صلة الرحم تزيد في العمر» (3) - ونحوها (4) - ~~بأجوبة: PageV01P060 #
# فقيل: المراد بالزيادة في العمر: السعة (1) في الرزق واليسار والزيادة ~~فيه؛ لأن الفقر موت؛ كما في الآثار: إن الله - تعالى - أعلم موسى - عليه ~~السلام - بأنه يموت عدوه، ثم رآه - بعد ذلك - ينسج الخوص (2)، فقال: يا رب! ~~وعدتني أن تميته! قال: قد فعلت ذلك؛ لأني أفقرته (3). # قلت: وفي هذا الجواب نظر؛ لأن السعة في الرزق أمر قد فرغ منه في الأزل - ~~كالعمر -. # وقيل: المراد بالزيادة في العمر: نفي الآفات عنهم، والزيادة في أفهامهم ~~وعقولهم وبصائرهم. # وفي «تفسير الخازن»: «وأجاب العلماء عما ورد في الحديث: «صلة الرحم تزيد ~~في العمر» (4) بأجوبة، الصحيح منها: أن هذه الزيادة تكون بالبركة في عمره ~~بالتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته، وصيانتها عن الضياع - وغير ذلك -» (5). ~~PageV01P061 #
# قلت: وفيه نظر - لما مر -. # وقيل لابن عباس - رضي الله عنه - وروى الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «من أحب أن يمد الله في عمره وأجله ويبسط في ~~رزقه؛ فليتق الله وليصل رحمه» (1): كيف يزاد في العمر؟ فقال: ms12 قال الله # - عز وجل -: {هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} (2)، ~~فالأجل الأول: أجل العبد من حين ولادته إلى حين موته، والأجل المسمى عنده: ~~من حين وفاته إلى يوم لقائه في البرزخ، لا يعلمه إلا الله، فإذا اتقى العبد ~~ربه ووصل رحمه زاد الله في أجل عمره الأول من أجل البرزخ ما شاء، وإذا قطع ~~رحمه وعصى نقص الله من أجله في الدنيا ما شاء، فيزيده في أجل البرزخ، فإذا ~~انحتم (3) الأجل في علمه السابق امتنع الزيادة والنقصان؛ لقوله - تعالى -: ~~{فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (4). PageV01P062 #
# قال القرطبي: «فتوافق الخبر والآية، وهذه زيادة في نفس العمر وذات الأجل ~~على ظاهر اللفظ في اختيار حبر الأمة - والله أعلم -» (1). # وعبارة الواحدي في «الوسيط»: قال ابن عباس: إن الله - تعالى - قضى لكل ~~شخص أجلين: من مولده إلى موته، ومن موته إلى مبعثه، فإذا كان الرجل صالحا ~~واصلا لرحمه؛ زاد الله في أجل الحياة من أجل الممات إلى المبعث، وإذا كان ~~غير صالح ولا واصل (2) للرحم نقصه الله من أجل الحياة وزاد في أجل المبعث، ~~قال: وذلك قوله - تعالى -: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب} (3)» (4). # وقيل: إن هذه الزيادة بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ، ~~فيظهر لهم أن عمر زيد - مثلا - ستون سنة إلا أن يصل رحمه، فإن وصلها (5) ~~زيد له أربعون، وقد علم الله ما سيقع له من ذلك علما أزليا، حكاه الخازن في ~~«تفسيره» (6). PageV01P063 #
# وقال الزمخشري: «يكتب في اللوح المحفوظ: إن حج فلان ولم يغز فعمره أربعون ~~سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون سنة، فإذا جمع بينهما فقد بلغ الستين وقد عمر، ~~وإذا أفرد أحدهما عن الآخر فلا يجاوز الأربعين؛ فقد نقص من عمره الذي هو ~~الغاية - وهو الستون -» (1). # قال: «وإليه أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن قال: «إن الصدقة ~~والصلة (2) يعمران (3) الديار، ويزيدان في الأعمار»» (4). # وقال الحافظ الجلال السيوطي - رحمه ms13 الله تعالى -: «قد تظاهرت الأحاديث ~~والآثار عندي على زيادة العمر ونقصه بالنسبة إلى ما كتب في اللوح المحفوظ ~~أو برز (5) إلى الملائكة، لا بالنسبة إلى ما علم الله - تعالى -؛ ~~PageV01P064 #
# فإن علمه أزلي لا يتغير، والأشياء كلها واقعة على وفق (1) علمه في الأزل ~~من غير زيادة ونقص». # قلت: هذا حاصل كلام الفريقين في هذه المسألة وما قالوه من دليل وتعليل، ~~غير أنها كلها (2) - عندي - لا تشفي العليل ولا تروي الغليل. # وكلام الحافظ السيوطي مسلم في قوله: «إن علم الله أزلي لا يتغير ... » - ~~إلخ - (3)، بل لا تحل مخالفته، وإلا انقلب العلم جهلا. # قال ابن حزم: «لا يكون ألبتة إلا ما سبق في علمه - تعالى - أنه سيكون» ~~(4). # وقول السيوطي أن (زيادة العمر ونقصه بالنسبة إلى ما كتب في اللوح المحفوظ ~~أو برز إلى الملائكة)؛ فأنا أسلمه - أيضا - على ما فيه، لكن ليس فيه تصريح ~~بالجواب الدافع للإشكال عما ورد من الزيادة والنقص والتغيير PageV01P065 #
# والتبديل بالمحو والإثبات، وكذلك قول الزمخشري. # قلت: وعلى تسليم وقوع المحو والإثبات في اللوح المحفوظ؛ ففيه عندي ~~إشكالان لم أر من تعرض لهما ولا للجواب عنهما: # الأول: أن اللوح المحفوظ محفوظ من الشياطين ومن أن يغير ويبدل. # ولعل الجواب: أن ذلك كناية عن صونه وحفظه من أن يتطرق إليه خلل أو فساد ~~من أحد من المخلوقات؛ بل الله هو يمحو ويثبت، ألا تراه أسند ذلك إلى نفسه، ~~فقال: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} وإلا فهذا - أيضا - يرد على من قال: يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت؛ إلا السعادة والشقاوة ونحوهما. # الثاني: أنه يرد القول بالمحو والإثبات: ما مر نقله من الأحاديث الصحيحة ~~من أن الله - تعالى - لما خلق القلم كتب مقادير كل شيء وما هو كائن إلى يوم ~~القيامة، والمثبت بعد المحو لم يكتب إلا بعد المحو، فيلزم أنه لم يكتب ~~مقادير كل شيء - حينئذ -، وذلك فاسد. # قلت: هو قوي، ولعل جوابه: أن المثبت بعد المحو كان موجودا فيه، ولكن الله ~~لم يطلع عليه الملائكة ms14 إلا بعد إثباته، فعلى هذا فالمحو والإثبات إنما هو ~~باعتبار ما يظهر للملائكة بحسب ما يتراءى لهم ليكون ذلك لهم عبرة تامة ~~وحكمة بالغة من أن الله - تعالى - هو المتصرف في العالم التصرف العام ~~المطلق من غير معارض، لا إله إلا هو، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # PageV01P066 #
# ويؤيد هذا: ما ذكر الإمام الفخر - وغيره - في قوله - تعالى -: {ولا رطب ~~ولا يابس إلا في كتاب مبين} ... (1) أن من فوائد هذا الكتاب: «أنه - تعالى ~~- إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على إنفاذ (2) علم ~~الله - تعالى - في المعلومات، وأنه لا يغيب عنه مما في السموات والأرض شيء، ~~فيكون ذلك عبرة تامة للملائكة الموكلين باللوح؛ لأنهم يقابلون به ما يحدث ~~في هذا العالم، فيجدونه موافقا له» (3). # قلت: والذي يظهر لي - وهو الحق إن شاء الله تعالى -: أن القول بوقوع ~~الإثبات الآن في اللوح المحفوظ لا يقال به؛ لأن كتابة المقادير أمر قد فرغ ~~منه وتم قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة (4). # وأما القول بمحو الكتابة الآن من اللوح فلا ينبغي القول به - أيضا -؛ ~~PageV01P067 #
# إذ لا معنى لمحوها منه يقتضي كبير فائدة. # فإن قلت: علام (1) تحمل قوله - تعالى -: {يمحو الله ما يشاء ويثبت}؟ وهل ~~هو على العموم والخصوص؟ # قلت: هو على العموم فيما يشاؤه - تعالى - من سعادة وشقاوة ورزق وأجل - ~~وغير ذلك - كما هو ظاهر إطلاق الآية، لكن المحو والإثبات لا يحمل على نفس ~~الكتابة التي في اللوح المحفوظ؛ بل في متعلق الكتابة التي في الخارج من ~~الموجودات؛ فإن المحو تارة (2) يراد به ذهاب أثر الكتابة، وهذا لا ينبغي أن ~~يكون مرادا في اللوح، وتارة يراد بالمحو مطلق الإزالة والتغيير، والظاهر ~~أنه المراد هنا، وذلك مشهور في اللغة، شائع بكثرة؛ قال الله - تعالى -: ~~{فمحونا آية الليل} (3)، وقال الشاعر (4): # محا حبها حب الألى كن قبلها ... . . . . . . . . . . . . # ويقال: محت الرياح رسوم (5) الدار. PageV01P068 #
# وقال علي بن أبي طالب: يمحو ما يشاء من القرون ويثبت ما ms15 يشاء منها (1). # فهذا المحو - لغة - يطلق على الإزالة والتغيير. # وحيث علمت هذا؛ فكل شيء تغير من حال وثبت على حال أخرى يقال فيه: محو ~~وإثبات. # وحينئذ تعرف عموم الآية وما المراد بالمحو والإثبات، وأنهما لا يقعان في ~~اللوح المحفوظ باعتبار الكتابة؛ لما علمت من أن القلم جرى بما هو كائن؛ قال ~~- سبحانه -: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} (2)؛ نكرة في سياق النفي؛ كما في ~~قوله - سبحانه -: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من ~~قبل أن نبرأها} (3). # فكيف يتوهم إثبات شيء آخر لم يكن في اللوح إلا إن أريد بإثباته دوامه ~~واستمراره؟! وهذا خلاف المتبادر من الآية، ولا كبير فائدة فيه بهذا ~~الاعتبار؛ بل المحو والإثبات والتغيير والتبديل جار في متعلق الكتابة - كما ~~هو مشاهد -؛ فإن الحب يوجد في الشخص ثم يمحى وتثبت البغضاء، PageV01P069 #
# واليسار (1) ثم الإعسار وعكسه، والكفر ثم الإسلام وعكسه، - وهلم جرا (2) ~~-. # وتغير الإنسان من حال وإثبات حالة أخرى له - بل وتغير سائر العالم -: ~~معلوم بضرورة المشاهدة، والإجماع منعقد على الدعاء بمحو المعصية وزوالها عن ~~المرائي وإثبات الطاعة له، ومحو المرض وإثبات الصحة، ومحو الجهل وإثبات ~~العلم. # وأما علم الله - تعالى - فلا ريب أنه لا يتغير أصلا، ومعاذ (3) الله أن ~~يكتب في اللوح خلاف ما علم، فثبت أن التغير والمحو والإثبات إنما هو في ~~المعلوم على حسب ما علمه - تعالى -. # فتأمل - أيدك الله - ما لم أخل (4) أنك تراه مسطورا في كتاب - والله ~~تعالى المسؤول في التوفيق للصواب -، وتستريح من خلافيات وقعت في ألفاظ ~~المفسرين، لا يخرج شيء منها عما حققناه، ولا يمكن العدول عنه، ويكاد أن ~~يكون الخلاف لفظيا؛ فإنه لا يسع أحدا إنكار المحو والإثبات في العالم ~~باعتبار تغييره وتبدله، ولا أن يقول بتغير علم الله - تعالى -، فيكون ~~PageV01P070 #
# ذلك هو البداء (1) والجهل بعينه، وهو مذهب الرافضة؛ فإنهم قالوا: (إن ~~البداء جائز على الله - تعالى -)، وهو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له خلاف ما ~~اعتقده - تعالى الله ms16 عن ذلك -، فتأمل. # وأما قوله - تعالى -: {وعنده أم الكتاب}؛ أي: أصل الكتاب؛ لأن الأم أصل ~~الشيء، والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أما له، ومنه: (أم الرأس) ~~للدماغ، و (أم القرى) لمكة، وكل مدينة فهي أم لما حولها من القرى، ومنه قول ~~النحويين: (كان) أم النواسخ (2)، و (أن) المصدرية أم النواصب (3) - ونحو ~~ذلك في كل مهم -. # واختلف في (أم الكتاب) - هنا -: # فقيل: أم الكتاب: اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير، حكاه غير واحد من ~~المفسرين. # وقيل: إنه يجري فيه التبديل. # وأنت قد علمت رده بما مر؛ ففي «تفسير الخازن»: «وسمي اللوح PageV01P071 #
# المحفوظ (أم الكتاب) لأن جميع الأشياء مثبتة فيه، ومنه تنسخ الكتب ~~المنزلة، وقيل: إن العلوم كلها تنسب إليه، وتتولد منه» (1). # وفي «تفسير البغوي» وغيره في قوله - تعالى -: {في لوح محفوظ} (2): «وهو ~~الذي يعرف باللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب، ومنه تنسخ الكتب، محفوظ من ~~الشياطين ومن الزيادة فيه والنقصان» (3). # وذكر الإمام الفخر في «تفسيره»: {وعنده أم الكتاب}: أنه اللوح المحفوظ، ~~قال: «وجميع حوادث العالم العلوي والسفلي مثبتة فيه» (4). # وكذا ذكر غيره. # وفي «تفسير البيضاوي» (5): «وهو اللوح المحفوظ؛ إذ ما من كائن إلا وهو ~~مكتوب فيه» (6). PageV01P072 #
# وفي «تفسير القرطبي»: «وقيل: اللوح المحفوظ هو الذي فيه أصناف الخلق ~~والخليقة، وبيان أمورهم، وذكر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم والأقضية النافذة ~~فيهم ومآل عواقب أمورهم، وهو أم الكتاب» (1). # قلت: وعلى هذا: فهلا اكتفي بما كتب في اللوح المحفوظ عن كتابة أعمالنا في ~~الصحف وفي الكتاب المشار إليه بقوله - تعالى -: {ووضع الكتاب فترى المجرمين ~~مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها} (2)؟! # ولعل الجواب: أن المكتوب في اللوح المحفوظ عام يشمل الأعمال وغيرها، ~~فاقتضت الحكمة الإلهية لذلك انفراد الأعمال بكتاب يخصها، كما اقتضت - أيضا ~~- مع ذلك كتابة عمل كل إنسان بكتاب يخصه - كما يشير إليه قوله تعالى: ~~{ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} (3) -. # وفي ذلك دلالة (4) على مزيد الضبط والحساب؛ ms17 كما يقع لكتبة الدواوين - ~~اليوم - من ضبطهم الحساب في دفتر (5) بعد دفتر. PageV01P073 #
# وروى الضحاك عن ابن عباس، قال: «اللوح: من ياقوتة حمراء، أعلاه معقود ~~بالعرش، وأسفله في حجر (1) ملك يقال له: (ماطريون) (2)، كتابه نور، وقلمه ~~نور، وينظر الله فيه كل يوم ثلاث مئة وستين نظرة، ليس منها نظرة إلا وهو ~~يفعل ما يشاء؛ يرفع وضيعا ويضع رفيعا، ويغني فقيرا ويفقر غنيا، يحيي ويميت، ~~ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو» (3)، حكاه القرطبي (4) - وغيره -. # وقد مر أن اللوح المحفوظ خمس مئة عام (5)، ونقل كثير من المفسرين أنه من ~~درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه: ما بين المشرق والمغرب (6). # ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كان الله ولا شيء معه، ثم خلق ~~اللوح المحفوظ، وأثبت فيه جميع أحوال الخلق إلى يوم القيامة» (7). ~~PageV01P074 #
# ومر - قريبا - أن فيه جميع حوادث العالم العلوي والسفلي (1). # قلت: وهنا إشكال، وهو أن ما مقداره (2) خمس مئة عام كيف يسع كتابة جميع ~~حوادث العالم، مع أنهم ذكروا أن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ كل حرف منها ~~كجبل ق (3)، تحت كل حرف من المعاني ما لا يعلمه إلا الله. # فعلى هذا: حروف القرآن - وحده - تملأ اللوح المحفوظ - أو تكاد تملؤه -، ~~فضلا (4) عن بقية حوادث لا يمكن حصرها. PageV01P075 #
# فإن قيل: إن هذا المقدار إنما هو كناية عن سعته وعظمه، وإلا فهو أكبر من ~~ذلك؛ كما في قوله - تعالى -: {وجنة عرضها السماوات والأرض} (1)، مع أنها ~~قدرت أضعافا كثيرة. # فالجواب: إن هذا لا يصح؛ لأن حوادث العالم بأسره - التي حوادث اللوح منها ~~- لا يسعها إلا قدر ما هو من العالم مرات عديدة؛ فإن الشخص منا لا يسع ~~حوادثه من يوم ولادته إلى موته إلا لوح قدره فوق المئة مرة - كما ~~PageV01P076 #
# هو مشاهد -، فتأمل، فيلزم أن يكون اللوح المحفوظ أعظم من العرش والكرسي - ~~وغيرهما -، ولا قائل بذلك؛ فقد وقع الاتفاق أن أعظم العالم - أو أكبره -: ~~العرش. # وربما يقال: ولا ms18 تتداخل الأجسام - هنا - لفوات الغرض المطلوب من الكتابة. # قلت: وهل حوادث العرش والماء - المخلوقين قبل القلم - مكتوبة في اللوح؟ ~~أو المراد بكون القلم كتب كل شيء - أي: حادث - بعده، وإلا فهما قبله؛ لما ~~في «الصحيح» من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض ~~بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» (1). # فهذا صريح أن التقدير إنما وقع بعد خلق العرش والماء؛ لأن التقدير وقع ~~عند أول خلق القلم، وحديث: «أول ما خلق الله: القلم» (2)؛ أي: بالنسبة لما ~~عدا الماء (3) والعرش والكرسي. PageV01P077 #
# قلت: وهل تدخل الغاية في حديث: «فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة» (1)، ~~فيكون مقادير أهل الجنة والنار وعدد حركاتهم وسكناتهم وأنفاسهم مكتوبا في ~~اللوح؟ أو الغاية غير داخلة؟ # الظاهر: الدخول؛ للحديث الآخر: «فجرى بما هو كائن إلى الأبد» (2)، لكن ~~يشكل عليه أن ذلك غير متناه؛ لأنها حوادث لا آخر لها، فيلزم عليه كتابة ما ~~لا يتناهى، وما لا يتناهى ضبطه محال. # بل سئلنا: هل يعلم الله عدد أنفاس أهل الجنة والنار؟ # لم يسعنا أن نقول: (لا)؛ لما فيه من الإشعار بالجهل، ولا (نعم)؛ لما يلزم ~~عليه من أن أهل الجنة والنار يفنون. # قال النسفي (3) في «بحر الكلام»: «والجواب: أن نقول: إن الله يعلم [أن] ~~(4) أنفاس أهل الجنة والنار ليست بمعدودة، ولا تنقطع» (5). PageV01P078 #
# وعلى هذا: فينبغي أن الغاية غير داخلة، وأن المراد بالأبد: (إلى يوم ~~القيامة)، أو هي داخلة ويحمل على ما يتناهى؛ كالحساب والميزان وأحوال ~~المحشر، لا ما بعد ذلك. # والذي يظهر: أن كون القلم كتب مقادير كل شيء مخصوص بأمر، وأنه ليس كل ما ~~علمه - سبحانه - أبرزه أو أظهره في اللوح - ولو للملائكة -؛ لأن إسرافيل ~~خادم اللوح ملتقم الصور (1)، وينتظر متى يؤمر بالنفخ فيه (2). # ويحتمل (3) أن يقال: هو فيه، ولكن لم يطلعه عليه عالم الغيب، فلا يظهر ~~على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسوله، ms19 والله - تعالى - بحقيقة الحال أعلم. ~~PageV01P079 #
# ولعمري (1)؛ إن عقولنا لا تدرك اللوح، ولا القلم، ولا كيفية جريانه ~~بمقادير لا يمكن حصرها - هل كان في ساعة واحدة؟ أو في مدة طويلة؟ وأي مدة ~~تسع ذلك؟! -، ولا كيفية وسوسة الشيطان وسؤال الملكين لخلائق لا يحصون - مع ~~تباعدهم - في آن واحد، ولا تدرك الصراط والميزان وكيفية الوزن، ولا مساءلة ~~الملك في القبر؛ بل ولا تدرك أنفسنا (2) التي معنا. # فلا يسعنا إلا الإيمان بذلك، وكيفية ذلك وحقيقته لا يعلمها إلا الله - ~~سبحانه وتعالى -؛ {ياحسرة على العباد} (3)؛ سيما (4) مدعي (5) العلم؛ ~~PageV01P080 #
# سيما الخائضين - بلا علم - في الذات والصفات المقدسة - والله أعلم -. # وقيل: أم الكتاب: علم الله - تعالى -؛ ففي «تفسير القرطبي»: سئل ابن عباس ~~عن أم الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه (1). # وفيه - أيضا -: قال كعب الأحبار: أم الكتاب: علم الله - تعالى - بما خلق ~~وما هو خالق (2). # وفي «تفسير ابن عادل» - وغيره -: سأل ابن عباس كعبا عن أم الكتاب، فقال: ~~علم الله ما هو خالق وما خلق (3). # قلت: ما أجدر هذا القول بالصحة؛ فإنه في غاية الظهور، ولا إشكال فيه. # ثم رأيت ابن عادل قال في (سورة الأنعام): «في الكتاب المبين قولان: ~~الأول: هو علم الله - تعالى -، وهو الأصوب» (4). # وقال في موضع آخر: «والكتاب: علم الله أو اللوح» (5). # والله - سبحانه - أعلم. # (تنبيه): اعلم - أيدك الله - أني جمعت من متفرقات كلام المفسرين في ~~PageV01P081 #
# هذا الكتاب ما لا تراه مجموعا في غيره، ومع هذا فليس في كلامهم المذكور ~~ما يوضح المراد ويزيل اللبس والإشكال عما ورد من المحو والإثبات وزيادة ~~العمر ونقصه - ونحو ذلك -، فنحتاج لاستئناف كلام آخر ليظهر الحق والمراد، ~~ويرتفع اللبس ويزول الخفاء، فنقول قبل ذلك: # قد أولع نقلة التفسير بنقل كل ما يرونه مسطورا من الأقاويل من صحيح أو ~~ضعيف أو موضوع عن الكلبي ومقاتل (1) - ونحوهما -. # ولهذا تجد أئمة النقل وأهل التثبت فيه يلتفتون لكل مهم في الغالب ولا ~~يستدل به الفقهاء في الأحكام. # قال ms20 الميموني (2): سمعت أحمد بن حنبل يقول: ثلاثة كتب ليس لها أصول: ~~المغازي والملاحم وبعض التفاسير (3). PageV01P082 #
# قال الخطيب (1): وهذا محمول على كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة، غير ~~معتمد عليها؛ لعدم عدالة ناقليها وزيادات القصاص فيها. # فأما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم والفتن ~~المنتظرة [غير] (2) أحاديث يسيرة. # وأما كتب التفسير فمن أشهرها: كتاب الكلبي ومقاتل بن سليمان، وقد قال ~~أحمد في «تفسير الكلبي»: «من أوله إلى آخره كذب»، قيل له: فهل النظر فيه ~~يحل؟ قال: «لا» (3). # وسئل وكيع عن «تفسير مقاتل»، فقال: «لا تنظروا فيه»، قال: ما أصنع به؟ ~~قال: «ادفنه» - يعني تفسيره - (4). # وقال أحمد بن حنبل: لا يعجبني أن أروي عن [مقاتل بن سليمان] (5) شيئا ~~(6). # وأما المغازي فمن أشهرها: كتاب محمد بن إسحاق (7)، وكان يأخذ PageV01P083 #
# عن أهل الكتاب. # وقال الشافعي: «كتب الواقدي كذب» (1). # وليس في المغازي أصح من «مغازي موسى بن عقبة» (2). # ولعدم احتياط كثير من المفسرين في النقل: ينقلون خرافات القصاص ~~وأكذوباتهم في حق الأنبياء والملائكة؛ الموهمة لوقوع ما هم منزهون عنه، إلى ~~غير ذلك مما يعلمه الواقف على كلامهم. # وبعضهم يلتبس عليه ما يستدل به الرافضة أو المعتزلة لنصرة مذاهبهم، ~~فينقل، فيوهم الناظر فيه أنه مذهب أهل السنة. # إذا تقرر هذا؛ فالعمدة - في مقام الاحتجاج والاستدلال - إنما هو بكلام ~~ذوي التحقيق من أهل النقل الذين عليهم مدار التعويل، وإليهم المرجع فيما ~~فيه شبهة أو إشكال. # وكلامهم واعتقادهم: أنه لا تبديل لقضاء الله، والمحو والإثبات مما سبق به ~~القضاء، وقد علم الله - تعالى - علما أزليا وقوع ذلك. # كذلك قال الإمام النووي - رحمه الله - في «شرح مسلم»: «إن الله ~~PageV01P084 #
# - تعالى - قدر مقادير الخلق وما يكون من الأشياء قبل أن يكون في الأزل، ~~وعلم - سبحانه - أنها ستقع في أوقات معلومة عنده - تعالى -، وعلى صفات ~~مخصوصة، فهي تقع على حسب [ما] (1) قدرها» (2). # وقال الخازن في «تفسيره»: «مذهب أهل السنة: أن المقادير سابقة، وقد جف ~~القلم بما هو كائن ms21 إلى يوم القيامة، وأن المحو والإثبات مما جف به القلم ~~وسبق به القدر، فلا يمحو شيئا ولا يثبت شيئا إلا سبق علمه به في الأزل» ~~(3). # وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: «إن علم الله - تعالى - السابق ~~محيط بالأشياء على ما هي عليه، ولا محو فيه ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان؛ ~~فإنه - سبحانه - يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، ~~وأما ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ فهل يكون فيه محو وإثبات؟ على قولين ~~للعلماء، وأما الصحف التي بيد الملائكة - كما في قوله عليه السلام: «فيؤمر ~~بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» (4) -؛ فهذا يحصل فيه المحو والإثبات؛ ~~فإنه قد يقدر له مدة، ثم يعمل شيئا يزيد PageV01P085 #
# على ذلك مما يعلمه الله أن يفعله؛ مثل أن يصل رحمه، فيبسط له في رزقه، ~~وينسأ له في أجله» (1). # قال القرطبي في «تفسيره»: «ومن القضاء ما يكون واقعا محتوما، وهو الثابت، ~~ومنه ما يكون مصروفا بأسباب، وهو المحو» (2). # وقال العلامة ابن القيم في كتابه «الداء والدواء»: «إن من المقدور ما قدر ~~بأسباب، ولم يقدر مجردا عن سببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى ~~لم يأت بالسبب انتفى» (3). # قال: «وهذا كما قدر الشبع (4) والري (5) بالأكل والشرب، وقدر الولد ~~بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس (6) الحيوان بالذبح» (7). # يعني: والله - تعالى - لم يزل يعلم وجود ذلك الشيء ووجود سببه المرتب هو ~~عليه، وما علم الله وجوده فلا سبيل إلى تخلفه البتة. PageV01P086 #
# قلت: وعلى هذا يحمل حديث: «صلة الرحم تزيد في العمر» (1)، ودعاء من دعا ~~من السلف: «اللهم إن كنت كتبتنا شقيا فامحنا وأثبتنا سعداء» (2)؛ رجاء أن ~~يكون ذلك من المقدور المقدر بأسباب، وأن السعادة - ونحوها - مقدرة بهذا ~~الدعاء - كما يقال في بقية الأدعية -، وإلا لكان الدعاء كله لا فائدة فيه - ~~كما هو مذهب قوم -، وذلك باطل بالكتاب والسنة. # وهذا جمع بين القولين يريحك من الخلف (3) الواقع في هذه المسألة ms22 - كما مر ~~تقريره -، وإلا فمعاذ الله - وحاشا - لعمر بن الخطاب وابن مسعود - ~~وأضرابهما -؛ فإنهم أجل من أن يتوهموا أن علم الله يتغير، وأنه يبدل شقاوة ~~من علم شقاوته في الأزل أبدا بسعادة (4)، فيؤدي ذلك للبداء القائل به ~~الرافضة، وهو على الله محال، وإنما دعوا بذلك رجاء أن تكون السعادة من ~~المقدور المقدر بأسباب، فتأمل تحريرات لا تراها مسطورة في كتاب؛ بل هي مما ~~فتح على عبده الفتاح الوهاب. PageV01P087 #
# وسأذكر لك ما يزيد المسألة بيانا شافيا: # قال العلامة ابن حزم في «الملل والنحل»: «وأما قول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من سره أن ينسأ في أجله فليصل رحمه» (1)؛ فصحيح موافق ~~للقرآن» (2). # قال: «ومعناه: أن الله - تعالى - لم يزل يعلم أن زيدا سيصل رحمه، وأن ذلك ~~سبب إلى أن يبلغ من العمر كذا وكذا، كل حي قد علم الله - عز وجل - أنه ~~سيعمره كذا وكذا من الزمان، وأنه - تعالى - قد علم أنه سيغذى بالطعام ~~والشراب، ويتنفس بالهواء، ويسلم من الآفات القاتلة تلك المدة (3)، ويكون كل ~~ذلك سببا إلى بلوغه تلك المدة (4) التي لا بد من استيفائها، فالسبب والمسبب ~~- كل ذلك - قد سبق في علم الله - عز وجل - كما هو؛ لا يبدل؛ قال - تعالى -: ~~{ما يبدل القول لدي} (5)» (6). # وقال: «الخلق كله مصرف تحت أمر الله - تعالى - وعلمه، فلا يقدر أحد على ~~تعدي علم الله - تعالى -، ولا يكون البتة إلا ما سبق في علمه أن ~~PageV01P088 #
# يكون» (1). # وقال: «وقد قال بعض المعتزلة: (لو لم يقتل زيد لعاش)، وقال أبو الهذيل ~~(2): (لو لم يقتل لمات)، وشغب القائلون بأنه لو لم يقتل لعاش بقول الله - ~~عز وجل -: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} (3)، وبقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من سره أن ينسأ في أجله فليصل رحمه» ~~(4)» (5). # قال: «وموه بعضهم بقوله - تعالى -: {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} ... ~~(6)» (7). # قال: «وكل هذا لا حجة فيه؛ بل هو - بظاهره - حجة عليهم» (8). # قال: «والقتل نوع من أنواع ms23 الموت، فمن سأل عن المقتول: (لو لم ~~PageV01P089 #
# يقتل، أكان يموت أو يعيش؟)، فسؤاله سخيف فاسد؛ لأنه إنما سأل: (لو لم يمت ~~هذا الميت، أكان يموت أم كان لا يموت؟!)، وهذه حماقة؛ لأن القتل علة للموت ~~كما أن الحمى القاتلة والبطن القاتل وسائر الأمراض القاتلة علل للموت ~~الحادث عنها، ولا فرق» (1). # قال: «ونص القرآن يشهد بما قلنا؛ قال الله - تعالى -: {قل لو كنتم في ~~بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} (2)، وقال - تعالى -: ~~{أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} (3)، وقال - تعالى -: ~~{الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين} (4) ... » (5) - وذكر آيات أخر -. # وفي «تفسير القرطبي» - في (سورة الأعراف) -، في قوله - تعالى -: {ولكل ~~أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (6): (أجل)؛ أي: ~~وقت مؤقت، (فإذا جاء أجلهم)؛ أي الوقت المعلوم عند الله PageV01P090 #
# - عز وجل -» (1). # قال: «فدل هذا على أن المقتول إنما يقتل بأجله، وأجل الموت هو وقت الموت ~~كما أن أجل الدين هو وقت حلوله، وأجل الإنسان هو الوقت الذي يعلم الله أنه ~~يموت الحي فيه - لا محالة -، وهو وقت لا يجوز تأخير موته عنه، وقال كثير من ~~المعتزلة - إلا من شذ منهم -: إن المقتول مات بغير أجله الذي ضرب له، وأنه ~~لو لم يقتل لحيي» (2). # قال: «وهذا غلط؛ لأن المقتول لم يمت من أجل قتل غيره له؛ بل من أجل ما ~~فعله الله من إزهاق نفسه عند الضرب له» (3). # وقال ابن حزم في موضع آخر: «صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~تصحيح الطب والأمر بالعلاج، وأنه - عليه السلام - قال: «تداووا؛ فإن الله - ~~تعالى - لم يخلق داء إلا خلق له دواء؛ إلا السام (4)، والسام: الموت» (5)». ~~PageV01P091 #
# قال: «فاعترض قوم، فقالوا: قد سبق علم الله - عز وجل - بنهاية أجل المرء ~~ومدة صحته وشدة سقمه؛ فأي معنى للعلاج؟!». # قال: «فقلنا لهم: نسألكم هذا السؤال نفسه في جميع ما يتصرف ms24 فيه الناس من ~~الأكل والشرب، واللباس للمطر والبرد والحر، والسعي بالمعاش بالحرث والغرس ~~والقيام على الماشية والتحرف بالتجارة والصناعة، ونقول لهم: قد سبق علم ~~الله - تعالى - بنهاية أجل المرء ومدة صحته ومدة سقمه؛ فأي معنى لكل ما ~~ذكرنا؟! فلا جواب لهم إلا أن يقولوا: إن علم الله - تعالى - أيضا قد سبق ~~بما يكون من كل ذلك، وبأنها أسباب إلى بلوغ نهاية العمر المقدرة، فنقول ~~لهم: وهكذا الطب؛ قد سبق في علم الله - تعالى - أن هذا العليل يتداوى، وأن ~~تداويه سبب إلى بلوغ نهاية أجله، فالعلل مقدرة، والزمانة (1) مقدرة، والموت ~~مقدر، والعلاج مقدر، ولا مرد لحكم الله - تعالى -، ونافذ علمه في كل شيء من ~~ذلك، لا إله إلا هو، وهذا الكسب: منه ما ليس رزقا، فلا يصل العبد إليه ولو ~~جهد جهده أو سعى له دهره، ولو صار في يديه لتلف، ولو صار في فيه لسقط منه، ~~ومنه: ما هو رزق للإنسان محتوم له؛ فقد يأتيه بلا عناء، ولو رام أهل الأرض ~~صرفه عنه ما قدروا؛ فقد نجد الفلفل (2) ببلاد الهند ثم يسخر الله له من ~~يجلبه (3) إلى من PageV01P092 #
# هو مكتوب له بأقصى الأندلس، ومثل هذا كثير» (1). # وقال العلامة ابن القيم - رحمه الله - بعد تقريره نفع الدعاء والأمر به ~~ودفعه للبلاء: «وقد اعترض قوم بأن المدعو به إن كان قد قدر لم يكن بد من ~~وقوعه - دعا به العبد أو لم يدع -؛ لأن كل مقدر كائن - كما دلت عليه الآيات ~~الصريحة والأحاديث الصحيحة -، وإن لم يكن قدر لم يقع - سأله العبد أو لم ~~يسأله -، فظنت طائفة صحة هذا الكلام، فتركت الدعاء، وقالوا: لا فائدة فيه» ~~(2). # قال: «وهؤلاء - مع فرط جهلهم وضلالتهم - متناقضون؛ فإن مذهبهم يوجب تعطيل ~~جميع الأسباب، فيقال لأحدهم: إن كان الشبع والري قد قدرا لك فلا بد من ~~وقوعهما؛ أكلت أو لم تأكل؛ شربت أو لم تشرب، فلا حاجة للأكل والشرب، وإن ~~كان الولد قد قدر لك فلا بد منه؛ وطئت الزوجة والأمة أو لم توطأ، ms25 وإن لم ~~يقدر لم يكن، فلا حاجة للتزويج والتسري - وهلم جرا -، فهل يقول هذا عاقل أو ~~آدمي؟! بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته، ~~فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام؛ بل هم أضل PageV01P093 #
# سبيلا» (1). # قال: «وعلى هذا: فالدعاء من أقوى الأسباب، فإذا قدر وقوع المدعو به ~~بالدعاء لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء كما لا يقال: لا فائدة في ~~الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال» (2). # واعلم - أيدك الله - أنه ليس كل ما يظنه الإنسان سببا يكون سببا، وليس كل ~~سبب مباحا في الشريعة، وليس كل سبب مقدورا للعبد، فالعبد يؤمر بالسبب الذي ~~أذن الله فيه وينهى عن غيره، وغير المقدور للعبد ليس فيه إلا الدعاء ~~والتوكل على الله - تعالى - (3). # ومما يؤيد هذا: ما ثبت في «الصحيح»، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن النذر، وقال: «لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» (4). # فأخبر أن النذر ليس من الأسباب المأذون فيها لجلب المنفعة ودفع المضرة، ~~ولكن نلقيه إلى ما قدر له، فنهي عنه لعدم فائدته (5). # وكذلك حديث مسلم عن ابن مسعود، قال: قالت أم حبيبة - زوج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - -: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان وبأخي ~~PageV01P094 #
# معاوية، قال: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قد سألت الله لآجال ~~مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة، لن يعجل الله شيئا قبل أجله (1)، ولن ~~يؤخر شيئا عن أجله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب ~~في القبر كان خيرا وأفضل» (2). # ففي هذا الحديث: أن الدعاء يكون مشروعا نافعا في بعض الأسباب دون بعض، ~~فالأعمار المقدرة لم يشرع الدعاء بتغييرها، بخلاف النجاة من عذاب الآخرة؛ ~~فإن الدعاء مشروع له، نافع فيه، ولذلك كان الإمام أحمد يكره أن يدعى له ~~بطول العمر، ويقول: هذا فرغ منه (3)، فتأمل هذا؛ فإنه نفيس جدا (4). # (تنبيه): اعلم - أيدك الله - أنه قد ظهر من مجموع ما أسلفناه: أن ms26 حاصل ما ~~مر من الآيات والأحاديث: # أن قوله - تعالى -: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~PageV01P095 #
# كتاب} (1) أن معناه: كل من طال عمره أو قصر فهو مكتوب في الكتاب، وأن ~~قوله - تعالى -: {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} (2) أن الأجل المسمى عنده هو ~~الأجل الذي قضاه، وأن قوله - تعالى -: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} (3) على ~~عمومه، حتى في الشقاوة والسعادة والأجل والرزق والخلق والخلق، لكن باعتبار ~~متعلق الكتابة والعلم - كما مر -؛ لأن من المشاهد أن الشخص يكون كافرا - ~~وذلك مكتوب في اللوح المحفوظ لأنه من جملة الحوادث - ثم يسلم، ومسلما ثم ~~يكفر، وفقيرا ثم يستغني، وعكسه. # ولا ريب أن كل ذلك حوادث، والحوادث كلها مكتوبة في اللوح المحفوظ، ~~فبالضرورة حصل المحو والإثبات، وأن علم الله - تعالى - بذلك أزلي، لا يتغير ~~ولا يتبدل؛ فقد ثبت بالدلائل القطعية أن الله عالم بالآجال والأرزاق - ~~وغيرها -. # وحقيقة العلم: معرفة المعلوم على ما هو عليه، فإذا علم الله أن زيدا يموت ~~في وقت معين استحال أن يموت قبله أو بعده، فلا يتغير علمه - تعالى - بذلك، ~~وإن المعلوم هو الذي يتغير ويتبدل على وفق علمه، وينتقل من حال إلى حال، ~~وذلك معلوم بضرورة المشاهدة، وأنه لا يمحو شيئا ولا PageV01P096 #
# يثبت شيئا إلى ما سبق علمه به، وأن صلة الرحم - ونحوه مما قدر طول العمر ~~بسببه - يزيد في الأجل في أن الدعاء المقدر دفع البلاء به يدفعه (1). # فقد ظهر لك بهذا التقرير غاية البيان، وارتفع به اللبس والإشكال، وأغناك ~~عن كثير من الهذيان - والله سبحانه وتعالى أعلم -. # وبالجملة (2): فاعلم - وفقك الله - أن صلة الرحم تزيد في العمر بشرطه، ~~وأن الدعاء ينفع وتحصل به النجاة والهلاك، لا سيما وقد دل العقل والنقل ~~والفطرة وتجارب الأمم - على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها - على أن التقرب ~~إلى رب الأرباب وطلب مرضاته والإحسان إلى خلقه: من أعظم الأسباب الجالبة ~~لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر، فما استجلبت نعم الله ~~واستدفعت ms27 نقمه بمثل طاعته والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه، وقد رتب الله - ~~سبحانه - حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول الشرور في الدنيا والآخرة ~~في كتابه العزيز على الأعمال ترتب الجزاء على الشرط والعلة على المعلول ~~والمسبب على السبب، فقال - جل من قائل -: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ~~ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم} (3)، وقال: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ~~نكفر عنكم PageV01P097 #
# سيئاتكم} (1)، وقال: {لئن شكرتم لأزيدنكم} (2)، وقال: {فلولا أنه كان من ~~المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} (3). # وبالجملة: فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر ~~والأحكام الشرعية على الأسباب؛ بل أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ~~ومفاسدهما على الأسباب والأعمال (4). # ومن فقه في هذه المسألة وتأملها حق التأمل انتفع بها غاية النفع، ولم ~~يتكل على القدر جهلا منه وعجزا وتفريطا وإضاعة - فيكون توكله عجزا وعجزه ~~توكلا -؛ بل الفقيه - كل الفقيه - الذي يرد القدر بالقدر ويدفع القدر ~~بالقدر ويعارض القدر بالقدر؛ بل لا يمكن الإنسان أن يعيش إلا بذلك؛ فإن ~~الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر، والخلق كلهم ~~ساعون في دفع هذا القدر بالقدر حتى يأتي القضاء المحتوم الذي لا يدفعه أحد ~~ولا يغيره؛ بخلاف ما قضي صرفه بالتوبة والدعاء والصدقة والحفظ؛ ففي تفسير ~~{إن كل نفس لما عليها حافظ} (5)؛ أي: PageV01P098 #
# يحفظها من الآفات حتى يسلمها إلى القدر، قال الفراء: «الحافظ من الله، ~~يحفظها حتى يسلمها إلى المقادير»، وقاله الكلبي (1). # ونقل بعضهم في قوله - تعالى -: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه} ~~(2)؛ يعني: الملائكة الموكلين به لحفظه من الوحوش والهوام (3) والأشياء ~~المضرة لطفا منه، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه، قاله ابن عباس وعلي بن ~~أبي طالب (4). # ونقل الماوردي: يحفظونه من الموت ما لم يأت أجله، قاله الضحاك، وقيل: ~~يحفظونه من الجن والهوام المؤذية ما يأت قدر، قاله أبو أمامة (5) وكعب ~~الأحبار، فإذا جاء القدر خلوا عنه (6). PageV01P099 #
# وقال أبو مجلز (1): جاء رجل إلى علي بن ms28 أبي طالب، فقال له: احترس؛ فإن ~~ناسا يريدون قتلك، فقال: إن مع كل رجلين ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا ~~جاء القدر خليا بينه وبين قدر الله، وإن الأجل حصن حصين (2). # وهكذا من وفقه الله - تعالى - وألهمه رشده؛ يدفع قدر العقوبة الأخروية ~~(3) بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة؛ فهذا وزان (4) القدر المخوف ~~(5) في الدنيا، وما يضاده سواء، فرب الدارين واحد وحكمته واحدة، لا يناقض ~~بعضها بعضا، ولا يبطل بعضها بعضا، وهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف ~~قدرها ورعاها حق رعايتها؛ فإن الأعمال PageV01P100 #
# الصالحة تنفع في الآخرة - بإجماع العلماء -، وإن الكفر محرم لدخول الجنة ~~- بنص القرآن -، والعمل الصالح والدعاء يدفع البلاء المقدر دفعه به، ويحصل ~~به المحو والإثبات المقدران به؛ فقد نقل القرطبي - وغيره - قال: بينما مالك ~~بن دينار يوما جالس؛ إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا يحيى! ادع لامرأة حبلى منذ ~~أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد، فغضب مالك، وأطبق المصحف، ثم قال: ما يرى ~~هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء، ثم قرأ، ثم دعا، ثم قال: اللهم هذه المرأة إن ~~كان في بطنها ريح فأخرجه الساعة، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بها ~~غلاما؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، ثم رفع مالك يديه، ورفع ~~الناس أيديهم، وجاء الرسول إلى الرجل، فقال: أدرك امرأتك، فذهب الرجل، فما ~~حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد (1)، ابن أربع ~~سنين، قد استوت أسنانه (2). # فهذا دعاء مالك قد كان السبب في ذلك ظاهرا، كما أن الأكل والشرب وعدم ذبح ~~الحيوان سبب ظاهر في الحياة، والسبب والمسبب كل ذلك قد سبق في علم الله ~~وتقديره كما هو؛ لا يبدل، ولا يكون البتة إلا ما سبق في PageV01P101 #
# علمه وتقديره، لا إله إلا هو، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. # واعلم - أيدك الله - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (1): أن أهل الملل ~~كلهم (2) متفقون على أن الله يثيب على الطاعة ويعاقب على ms29 المعاصي. # وقد ذهب قوم من المدعين للمعرفة والحقيقة والفناء الذين يطلبون أن لا ~~يكون لهم مراد؛ بل يريدون ما يريد الحق - تعالى -، فقالوا: إن الكمال أن ~~تفنى عن إرادتك وتبقى مع إرادة ربك، وعندهم أن جميع الكائنات بالنسبة إلى ~~الرب سواء، فلا يستحسنون حسنة ولا يستقبحون سيئة. # قال: وهذا الذي قالوه ممتنع عقلا، محرم شرعا، وليست الطاعات عندهم سببا ~~للثواب، ولا المعاصي سببا للعقاب، والعارف عندهم من يكون مشاهدا سبق الحق ~~بحكمه وعلمه؛ أي: يشهد أنه علم ما سيكون وحكم به؛ أي: أراده وقضاه وكتبه. # وكثير من أهل هذا المذهب يتركون الأسباب الدنيوية، ويجعلون وجود السبب ~~كعدمه، ومنهم قوم زنادقة؛ يتركون الأسباب الأخروية، فيقولون: إن سبق العلم ~~والحكم أنا سعداء فنحن سعداء، وإن سبق أنا أشقياء فنحن أشقياء، فلا فائدة ~~في العمل، ومنهم من يترك العمل بناء على هذا الأصل الفاسد، ولا ريب أن هذا ~~الأصل الفاسد مخالف للكتاب والسنة PageV01P102 #
# وأئمة الدين، ومخالف لصريح المعقول، ومخالف للحس والمشاهدة، وقد سئل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إسقاط الأسباب نظرا إلى القضاء والقدر، ~~فرد - عليه السلام - ذلك؛ كما في «الصحيحين» عنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار»، ~~قالوا: يا رسول الله! أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟! فقال: «لا؛ ~~اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له» (1)، إلى غير ذلك مما تقدم من الأحاديث ~~والآيات. # وفي «السنن» أنه - عليه السلام - قيل له: أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى ~~نسترقي بها وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال - عليه السلام -: ~~«هي من قدر الله - تعالى -» (2). # فثبت بهذا أن الله - تعالى - جعل السعادة والشقاوة أسبابا، وأنه - سبحانه ~~وتعالى - هو مسبب الأسباب وخالق كل شيء بسبب، لكن الأسباب - كما قال فيها ~~الغزالي وابن الجوزي وغيرهما -: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ~~والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، والتوكل معنى يلتئم من معنى ~~التوحيد والعقل والشرع؛ فالمؤمن المتوكل لا ms30 يلتفت إلى الأسباب؛ بمعنى: أنه ~~لا يطمئن إليها ولا يثق بها، ولا PageV01P103 #
# يرجوها، ولا يخافها؛ فإنه ليس في الوجود سبب يستقل بحكم؛ بل كل سبب فهو ~~مفتقر إلى أمور أخر تضم إليه - كالإخلاص والقبول مثلا -، وله موانع وعوائق ~~تمنع موجبه، وما ثم سبب مستقل بنفسه إلا مشيئة الله وحده، فما شاء كان وما ~~لم يشأ لم يكن، وما سبق به علمه وحكمه فهو حق، وقد علم وحكم أن الشيء ~~الفلاني يقع بالسبب الفلاني. # خاتمة: اعلم يا أخي - وفقني الله وإياك - أن القدر عبارة عن سبق علم الله ~~- تعالى - بالمقدور، وما علمه الله فلا سبيل إلى تخلفه قطعا - كما مر بيانه ~~وتقريره -، والقضاء عبارة عن خلق الله - تعالى - لذلك المقدور، وقد أمرت أن ~~تدافع القدر بالقدر، وتفر من القدر إلى القدر، فإذا وقع فعلى كل عاقل حر ~~التسليم والصبر وإلا أثم وأتعب نفسه، ولا يكون إلا ما يريد، فالتسليم أسلم ~~وهو بالحال أعلم؛ فقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أول شيء كتبه الله ~~في اللوح المحفوظ: إني أنا الله، لا إله إلا أنا، محمد رسولي، من استسلم ~~لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي (1)؛ كتبته صديقا وبعثته مع الصديقين، ~~ومن لم يستسلم لقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي؛ فليتخذ إلها ~~سواي (2). PageV01P104 #
# وقال إبراهيم الحربي (1): «اتفق العقلاء من كل أمة أن من لم يمش مع القدر ~~لم يتهن بعيش» (2). # وقال ابن الجوزي: من علم أن ما قضي لا بد أن يصيبه قل حزنه (3). # عجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن؟! (4). # وقال - أيضا -: من تأمل حقائق الأشياء رأى الابتلاء عاما والأغراض ~~منعكسة، وعلى هذا وضع هذه الدار (5). # فالعجب ممن يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع؟! وأعجب منه من ~~PageV01P105 #
# يطلب من المطبوع على الضر (1) النفع؟! (2) # وقد قيل: # وما استغربت عيني فراقا رأيته ... ولا علمتني غير ما أنا عالمه (3) # وفي هذا القدر كفاية لمن تدبره بعين البصيرة - والله سبحانه وتعالى أعلم ~~-. # ************** # قال مؤلفه ms31 - سامحه الله تعالى وعفا عنه -: فرغت منه ليلة السبت - بعد ~~العشاء - الآخرة في العشرين من ذي الحجة، سنة سبع وعشرين بعد ألف، وذلك ~~بمحروسة مصر، بجوار المشهد الحسيني (4). # وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم. PageV01P106 ms32