# وأئمة الدين، ومخالف لصريح المعقول، ومخالف للحس والمشاهدة، وقد سئل
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إسقاط الأسباب نظرا إلى القضاء والقدر،
~~فرد - عليه السلام - ذلك؛ كما في «الصحيحين» عنه - صلى الله عليه وسلم -
~~أنه قال: «ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار»،
~~قالوا: يا رسول الله! أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟! فقال: «لا؛
~~اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له» (1)، إلى غير ذلك مما تقدم من الأحاديث
~~والآيات.
# وفي «السنن» أنه - عليه السلام - قيل له: أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى
~~نسترقي بها وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال - عليه السلام -:
~~«هي من قدر الله - تعالى -» (2).
# فثبت بهذا أن الله - تعالى - جعل السعادة والشقاوة أسبابا، وأنه - سبحانه
~~وتعالى - هو مسبب الأسباب وخالق كل شيء بسبب، لكن الأسباب - كما قال فيها
~~الغزالي وابن الجوزي وغيرهما -: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد،
~~والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، والتوكل معنى يلتئم من معنى
~~التوحيد والعقل والشرع؛ فالمؤمن المتوكل لا ms30 يلتفت إلى الأسباب؛ بمعنى: أنه
~~لا يطمئن إليها ولا يثق بها، ولا PageV01P103
#
# يرجوها، ولا يخافها؛ فإنه ليس في الوجود سبب يستقل بحكم؛ بل كل سبب فهو
~~مفتقر إلى أمور أخر تضم إليه - كالإخلاص والقبول مثلا -، وله موانع وعوائق
~~تمنع موجبه، وما ثم سبب مستقل بنفسه إلا مشيئة الله وحده، فما شاء كان وما
~~لم يشأ لم يكن، وما سبق به علمه وحكمه فهو حق، وقد علم وحكم أن الشيء
~~الفلاني يقع بالسبب الفلاني.
# خاتمة: اعلم يا أخي - وفقني الله وإياك - أن القدر عبارة عن سبق علم الله
~~- تعالى - بالمقدور، وما علمه الله فلا سبيل إلى تخلفه قطعا - كما مر بيانه
~~وتقريره -، والقضاء عبارة عن خلق الله - تعالى - لذلك المقدور، وقد أمرت أن
~~تدافع القدر بالقدر، وتفر من القدر إلى القدر، فإذا وقع فعلى كل عاقل حر
~~التسليم والصبر وإلا أثم وأتعب نفسه، ولا يكون إلا ما يريد، فالتسليم أسلم
~~وهو بالحال أعلم؛ فقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أول شيء كتبه الله
~~في اللوح المحفوظ: إني أنا الله، لا إله إلا أنا، محمد رسولي، من استسلم
~~لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي (1)؛ كتبته صديقا وبعثته مع الصديقين،
~~ومن لم يستسلم لقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي؛ فليتخذ إلها
~~سواي (2). PageV01P104
#
# وقال إبراهيم الحربي (1): «اتفق العقلاء من كل أمة أن من لم يمش مع القدر
~~لم يتهن بعيش» (2).
# وقال ابن الجوزي: من علم أن ما قضي لا بد أن يصيبه قل حزنه (3).
# عجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن؟! (4).
# وقال - أيضا -: من تأمل حقائق الأشياء رأى الابتلاء عاما والأغراض
~~منعكسة، وعلى هذا وضع هذه الدار (5).
# فالعجب ممن يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع؟! وأعجب منه من
~~PageV01P105
#
# يطلب من المطبوع على الضر (1) النفع؟! (2)
# وقد قيل:
# وما استغربت عيني فراقا رأيته ... ولا علمتني غير ما أنا عالمه (3)
# وفي هذا القدر كفاية لمن تدبره بعين البصيرة - والله سبحانه وتعالى أعلم
~~-.
# **************
# قال مؤلفه ms31 - سامحه الله تعالى وعفا عنه -: فرغت منه ليلة السبت - بعد
~~العشاء - الآخرة في العشرين من ذي الحجة، سنة سبع وعشرين بعد ألف، وذلك
~~بمحروسة مصر، بجوار المشهد الحسيني (4).
# وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم. PageV01P106 ms32