######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004704 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: صدر الدين محمد الشيرازي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1050 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المبدأ والمعاد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: فلسفة ، منطق ، عرفان #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004704 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4704_المبدأ-والمعاد-صدر-الدين-محمد-الشيرازي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: قدمه وصححه : الأستاذ السيد جلال الدين الآشتياني #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1422 - 1380ش #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # ا # بسم الله الرحمن الرحيم [المقدمة] سبحانك اللهم يا مبدع المبادي والعلل ~~وغاية الثواني والأول؛ اهدنا سبيلا مستقيما نسلكه إلى جنابك وطريقا موصلا ~~نصل به إلى عزيز بابك. # يا فاعل الهويات وموجد الماهيات ومنبع الخيرات وغاية الحركات؛ أنت ~~بالمنظر الأعلى والمقصد الأسنى ونحن أبناء النقائص والخسارات في منزل ~~الأدنى والقربة الوحشاء مع القرناء السوأى؛ أسارى قيود الإمكان والظلمات ~~وسكارى تعلقات الأجسام والهيوليات وحيارى سحرة الطبائع والماديات. # فطهر عقولنا بتقديسك عن رجس الضلالات وخلص نفوسنا بتنويرك من أغشية ~~الأوهام والخيالات وأيدنا للارتقاء إلى مشاهدة أنوارك ومقربيك ومعاينة ~~أضوائك ومجاوريك من أهل رحموتك وسكان ملكوتك سيما من هدانا إلى صفاتك ~~العليا وأرشدنا إلى أسمائك الحسنى محمد أشرف المرسلين وآله خير الأوصياء ~~الصالحين عليهم أفضل صلوات المصلين وأطهر تسليمات المقدسين. # أما بعد فيقول أفقر خلق الله إلى هدايته وتوفيقه وأحوجهم إلى إرشاده ~~وتأييده محمد بن إبراهيم والمعروف بالصدر الشيرازي أصلح الله حاله وحصل ~~آماله: لما رأيت PageV00P099 # التطابق بين البراهين العقلية والآراء النقلية وصادفت التوافق بين ~~القوانين الحكمية والأصول الدينية؛ وإن أجل الذخائر والسعادات وأفضل ~~الوسائل إلى الفوز بأقصى الدرجات وأعلى الخيرات؛ هو تكميل القوة النظرية ~~بتحصيل العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية التي هي أنفس ما يطلبه النفوس ~~الإنسانية وأشرف ما يستكمل به العقول الهيولانية إذ بها يصير الإنسان سالكا ~~سبل الكمال والعرفان متوجها شطر كعبة العلم والإيمان متخلصا عن سجن الحدثان ~~والخسران إلى جهة السعادة ومجاورة الرحمن؛ فائقا على الأشباه والأقران كما ~~أشارت إليه الكتب الإلهية ونبهت عليه الرموز النبوية وأوضحت القواعد ~~الحكمية. # ثم إن العلوم الكمالية والمعارف اليقينية مختلفة الأنواع والفنون؛ متكثرة ~~الشعب والشجون إلى حد وغاية يعجز كل نفس إنساني سيما في تعلقها بهذه النشأة ~~التعلقية عن استحصال جميعها واستحضار فن من أصولها وفروعها وإنا عملنا لمن ~~له فضل قوة لتحصيل الكمال على وجه أبلغ وأوفر؛ كتابا جامعا لفنون العلوم ~~الكمالية التي هي ميدان لأصحاب الفكر وفيها جولان لأرباب النظر سميناه ~~الأسفار الأربعة لكن القدر الواجب تحصيله واللازم على المقتنين تكميل ذاته ms001 ~~بسلوك منهجه وسبيله: أن يحصل منها ما هو أهم وأولى ومباحث عما هو أشرف ~~وأعلى. # ولا شك أن أفضل العلوم الإلهية هو معرفة ذات الحق الأول ومرتبة وجوده بما ~~له من صفات كماله ونعوت جماله وكيفية صدور أفعاله وأنها كيف ابتدأت ~~الموجودات الباديات منه وكيف عادت العائدات إليه. # وإن أفضل العلوم الطبيعية معرفة النفس الإنسانية وإثبات أنها كلمة نورية ~~وذات روحانية وشعلة ملكوتية وبيان أنها لا تموت بموت البدن وأنها كيف ~~يستكمل حتى يضاهي جواهر الملائكة بأن يصير عالما عقليا منتقشا فيها على ~~سبيل القبول ما هي منتقشة في المبادي على سبيل الفعل وأنها كيف يتحد بالعقل ~~الفعال وكيف يصير معقولاته فعلية بعد ما كانت انفعالية ومعنى كون العقل ~~الهيولاني مجمع البحرين وملتقى الإقليمين حيث هو نهاية الجسمانيات وبداية ~~العقليات وكيفية حال السعادة والشقاوة PageV00P100 # الحقيقيتين وما هما ليسا بحقيقيتين بل ظنيتين فإن معرفة النفس وأحوالها ~~أم الحكمة وأصل السعادة ولا يصل إلى درجة أحد من الحكماء من لا يدرك تجردها ~~وبقاءها على اليقين كإخوان جالينوس وإن ظنهم الجاهلون حكيما. # وكيف صار الرجل موثوقا به في معرفة شيء من الأشياء بعد ما جهل بنفسه كما ~~قال أرسطاطاليس: إن من عجز عن معرفة نفسه فأخلق بأن يعجز عن معرفة خالقه. # فإن معرفتها ذاتا وصفة وأفعالا؛ مرقاة إلى معرفة بارئها ذاتا وصفة ~~وأفعالا لأنها خلقت على مثاله فمن لا يعرف علم نفسه لا يعرف علم بارئه وفي ~~النظم الفرس. # اى شده در نهاد خود عاجز * كي شناسى خداى را هرگز تو كه در علم خود زبون ~~باشى * عارف كردگار چون باشى وفي الحديث المروي عن سيد الأولياء من عرف ~~نفسه فقد عرف ربه إيماء إلى هذا المعنى يعني: من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه. ~~وقوله تعالى في ذكر الأشقياء البعداء عن رحمته نسوا الله فأنساهم أنفسهم ~~بمنزلة عكس نقيض لتلك القضية إذ تعليقه جل وتعالى نسيان النفس بنسيان ربها ~~تنبيه للمستبصر الزكي على تعلق تذكره بتذكرها ومعرفته بمعرفتها. # وقيل: كان مكتوبا على ms002 بعض الهياكل المشيدة في قديم الزمان ما نزل كتاب من ~~السماء إلا وفيه يا إنسان اعرف نفسك تعرف ربك. # وقريب من هذا ما نقله الشيخ الرئيس في بعض رسائله: من أن الأوائل كانوا ~~مكلفين بالخوض في معرفة النفس لوحي هبط عليهم ببعض الهياكل يقول: يا إنسان ~~اعرف نفسك تعرف ربك. # وفي الحكمة العتيقة من عرف ذاته تأله أي صار عالما ربانيا فانيا عن ذاته ~~مستغرقا في شهود جمال الأول وجلاله. وبالجملة في معرفة النفس تيسر الظفر ~~بالمقصود والوصول إلى المعبود والارتقاء من هبوط الأشباح إلى شرف الأرواح ~~والصعود من حضيض السافلين إلى أوج العالين ومعاينة جمال الأحدي والفوز ~~بالشهود السرمدي قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها. PageV00P101 # فرأيت أن يشتمل كتابي هذا على فنين كريمين هما أصلا علمين كبيرين ~~وثمرتاهما وغايتاهما أعني: فن الربوبيات المفارقات المسمى بأثولوجيا من ~~العلم الكلي والفلسفة وعلم النفس من الطبيعيات فإنهما من المقاصد التي هي ~~أساس العلم والعرفان والمطالب الذي يضر الجهل بهما في المعاد للإنسان كما ~~يشهد به جميع الأمم الفاضلة السابقة واللاحقة إلى هذا الزمان ويحكم به ~~العقول الزكية والنفوس الخيرة من أولي الدراية والعرفان. # ثم ليعلم إخواني المؤمنين ورفقائي المجاهدين؛ أني قد حرمت على نفسي ~~مناولة هذا الكتاب إلا لمن جبلت سريرته من غير تكلف على الإنصاف وتجنب بحسب ~~الفطرة من غير مشقة عن الجور والاعتساف؛ من خلص الإخوان وصفوة الأحباء ~~والخلان بشرط أن لا يبذل مقاصده للطبائع العنودة العسوفة ولا يبوح بمطالبه ~~للمدارك الوهمانية المؤوفة وتقدسها عن الجلود الميتة التي كفرت بأنعم الله ~~ولا يستودعها إلا للأنفس الحية كما قرره وأوصى به الحكماء الكبار؛ أولي ~~الأيدي والأبصار. # فإن هذه المباحث ونظائرها غامضة دقيقة المسلك لا يقف على حقيقتها إلا ~~واحد بعد واحد من أكابر العرفاء ولا يهتدي إلى كنهها إلا وارد بعد وارد؛ من ~~أماجد الحكماء كما قال الرئيس جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد أو ~~يطلع عليه إلا واحد بعد واحد. # وقال المعلم الأول: من ms003 أراد أن يشرع في علومنا فليتحدث لنفسه فطرة أخرى ~~معناه: أن العلوم الإلهية مماثلة للعقول القدسية لاتحاد العاقل والمعقول ~~وإدراكها يحتاج إلى لطف شديد وتجرد تام وهو الفطرة الثانية. # وأذهان الخلق من أول الفطرة غير ملطفة ولا مرتاضة بل جاسية كثيفة فلا ~~يمكنها إدراك المعقولات المحضة كما هي هي وهو المسمى PageV00P102 # بالفطرة الأولى ولهذا أولياء الحكمة وأبناء الحقيقة ارتاضوا بالرياضات ~~الملطفة وعالجوا أنفسهم بالمعالجات المصححة حتى تيسر لهم الخوض في بحر ~~المعارف الإلهية والتعمق في الحقائق الربوبية وملاحظة المبدإ الأعلى على ~~نحو ما يستطيع المخلوق أن يلاحظ خالقه. # وليس أن الحكماء الإلهيين حيث ستروا هذه العلوم وأمروا بالكتم عنها كان ~~ذلك منهم ضنة وبخلا كلا فإنهم لتقدسهم وترفع شأنهم عن الاتصاف برداءة ~~الأخلاق وخباثة الملكات يتحاشون عن ذلك وإن الذين خلصت نفوسهم بصفائها عن ~~هذه المقبرة الظلماء وحصلت لهم ملكة خلع الأبدان والارتقاء إلى ملكوت ~~السماء؛ كيف منعوا المستحق عن حقه ودفعوا السائل عن مستحقه بل لما رأوا ~~عقول أكثر الخلق ضعيفة جاسية مئووفة يلحقها عند ملاحظة المعاني الإلهية ما ~~يلحق عيون الخفافيش إذا نظرت إلى نور الشمس منعوا عن إيداع العلوم صدورهم ~~الغير الزكية وإلقائه على عقولهم الغير القوية إلا لمن يستن بسنن الحكماء ~~ويتخلق بأخلاق الأصفياء من رفض اللذات الحسية وترك المألوفات الطبيعية لأن ~~من لم تصف نفسه من الكدورات البدنية ولم يرتض عقله بالرياضات العلمية ~~والعملية فلا سبيل له إلى السعادات الأبدية ولا سلوك له في المناهج ~~الإلهية. # واعلم أن من استفتح عين عقله من رقدة الغفلات وسنة التقليدات يهتدي ~~بالتعمق في مباحث هذا الكتاب عند تميز القشر عن اللباب إلى طريق الرشاد ~~ومنزل السداد والصواب ويرى لطائف أفكار لا يكاد يوجد في مطاوي الكتب الكبار ~~ودقائق أستار لم يشر إليها حكماء الأعصار. # وهذا القدر الذي سيقرع سمعك من الحكم البحثية والكشفية إذا أحكمته سهل ~~السبيل عليك إلى ما بعده من البسط والتحقيق والبحث والتدقيق لأني أوردت فيه ~~مخ ما حصلته من الأقدمين وورثته من نتائج أفكارهم ms004 المبراة عن الشبه والشكوك ~~وبينت فيه لب ما أخذته من الرؤساء المعلمين من ثمرة أفكارهم الحاصلة بالسير ~~والسلوك مع ما ألهمت به وتحدست PageV00P103 # إلهاما وتأييدا من الله وملكوته مجتنبا حائدا عن طريقة المجادلين ~~والمتفلسفين المحرومين عن الوراثة النبوية والشريعة المحمدية صلى الله عليه ~~وآله على الصادع بها وآله ألف الصلوات والتحية مائلا عن مذهب الظاهريين ~~الذين يخدمون ظاهر الألفاظ والمباني وقد حرمهم الله تعالى بواطن المعاني. # فها أنا إذا أفيض في المقصود مستمدا من واجب الوجود وواهب الخير وصانع ~~الجود متوكلا في جميع الأبواب على الحي المعبود لا حول إلا حوله ولا قوة ~~إلا قوته وإليه يرجع الأمر كله. PageV00P104 # الفن الأول في بيان الربوبيات والإشارة إلى معرفة الحق الأول وصفاته ~~وكيفية أفعاله المترتبة الآخذة منه المنتهية إلى أقصى الوجود في السلسلة ~~النزولية وهو مترتب على مقالات. PageV00P105 # المقالة الأولى: في الإشارة إلى مبدأ الوجود وأن أي وجود يخصه وأنه تعالى ~~في غاية الوحدة والبساطة. # فصل في ذكر عدة مباد من الفلسفة الكلية على سبيل الحكاية والبداية مفهوم ~~الوجود نفس التحقق والصيرورة في الأعيان أو في الأذهان وهذا المفهوم العام ~~البديهي التصور عنوان لحقيقة بسيطة نورية وهو أبسط من كل متصور وأول كل ~~تصور وهو متصور بذاته فلا يمكن تعريفه بما هو أجلى منه لفرط ظهوره وبساطته. # فإذا أريد تصويره للغفلة عنه فإنما يراد؛ تصويره ذلك على سبيل التنبيه ~~والإخطار بالبال فلا بأس بإيراد أسماء مرادفة لاسمه في تعريفه كالثابت ~~والحاصل وغير ذلك ومفهومه معنى عام واحد مشترك بين الموجودات. # وحقيقته أمر بسيط منبسط على الممكنات زائد في التصور على الماهيات. ~~PageV00P107 # ليس هو بجوهر في ذاته ولا عرض ولكن وجود الجوهر جوهر بعين جوهرية ذلك ~~الجوهر ووجود العرض عرض بنفس عرضية ذلك العرض. # وهو مساوق للشيئية منقسم إلى الذهني والخارجي متكثر بتكثر الموجودات. # ولا واسطة بينه وبين العدم ولا تمايز بين الأعدام ولا تأثير للمعدوم بما ~~هو معدوم وإذا حمل أو جعل رابطة؛ تحصل مواد ثلاثة: الوجوب والامتناع ~~والإمكان. # ولا يمكن انقلابها ms005 إذا كانت ذاتية وقد يكون الأولان بالغير دون الثالث. # والممكن يجب وجوده بحصول السبب المرجح ويمتنع بعدمه وما لم يجب وجوده لم ~~يوجد وما لم يمتنع لم يعدم وفي حالتي وجوده وعدمه ممكن في نفسه. # فلو أخرجه الوجود إلى الوجوب كما ظن بعضهم لأخرجه العدم إلى الامتناع فلا ~~ممكن أبدا. # وإذا توقف وجود ممكن ما على عدة أمور يكون كل واحد منها جزء السبب ~~والمجموع هو سبب تام وجود الممكن يتعلق بوجوده وعدمه بعدمه أو عدم جزء منه. # ولا يمكن وجود علل ومعلولات غير متناهية في زمان واحد. # ولا يتصور أن يكون شيئان كل منهما سببا للآخر متقدما عليه. # فصل في تقسيم الوجود إلى الواجب لذاته والممكن لذاته بقول تفصيلي وأن ~~الممكن إنما يوجد بسبب مؤثر غير ذاته بوجه برهاني كل موجود إذا لاحظه العقل ~~من حيث ذاته وأشار إليه مجردا عما سواه فلا يجده خاليا عن أحد وصفين. # إما أن يكون بحيث ينتزع من عين ذاته الوجود ويحكم عليه بأنه موجود أو لا ~~يكون كذلك بل يفتقر في هذا الانتزاع إلى ملاحظة أمر وراء نفس الذات أي أمر ~~كان مثل انضمام شيء إليه أو انتسابه إليه أو غير ذلك من الأمور الخارجة عن ~~نفس الذات بذاتها. # فالأول هو مفهوم الواجب لذاته ومفهوم الحق الأول المعبر عنه بالوجود ~~الحقيقي عند المشائين. المحكي عنه بالنور الغني عند الرواقيين وبمنشأ ~~انتزاع الموجودية PageV00P108 # عند أهل الذوق من المتألهين وبالوحدة الحقيقية عند الفيثاغورثيين ~~وبالمرتبة الأحدية وغيب الغيوب عند الصوفية والمقصود واحد والمذاهب إليه ~~متشعبة. # وللناس فيما يعشقون مذاهب والثاني لا يكون ممتنعا لأن المقسم هو الموجود ~~وضعا وفرضا فيكون ممكنا موجودا لا لذاته بل لغيره بحسب المفهوم والفرض. ~~فافهم تنبيه فمصداق حمل الموجود ومطابق صدق الحكم بالموجودية في الواجب ~~لذاته هو ذاته من حيث ذاته بذاته بلا ملاحظة أمر آخر وحيثية أخرى تقييدية ~~أو تعليلية؛ انضمامية أو انتزاعية. # وفي الممكن بواسطة حيثية أخرى غير نفس ذاته فإذن الممكن في الموجودية أو ~~اتصافه بالوجود أو ms006 صيرورته موجودا يحتاج إلى مؤثر يؤثر فيه أو جاعل يجعله ~~متحدا مع مفهوم الموجود أو يضمه إليه أو يصيره بحيث ينتزع منه الوجود أو ~~الموجودية بعد ما لم يكن كذلك نحوا من البعدية والقبلية غير إحدى القبليات ~~والبعديات الخمسة المشهورة. # إذ كل ما يغاير شيئا بحسب الذات والمعنى ففي صيرورته إياه أو انضمامه ~~إليه أو انتزاعه منه أو اتحاده به أو حمله عليه أو ما شئت فسمه يحوج إلى ~~علة وسبب بخلاف ما إذا كان شيء عين الذات أو جزء مقوما له فإن توسيط الجعل ~~وتخليل التأثير بين الشيء وذاته أو بينه وبين ما هو ذاتي له بديهي الفساد ~~وأولي البطلان. # فتبين لك مما تلوناه أن ما هو مناط الوجوب الذاتي ليس إلا كون الشيء في ~~مرتبة ذاته وحد نفسه حقا وحقيقة وقيومآ ومنشأ لانتزاع الموجودية ومصداقا ~~لصدق PageV00P109 # مفهوم الموجود ومناط الإمكان؛ عدم ذلك. # شك وإزالة وأما من جوز كون الوجود من اللواحق اللازمة للماهية من حيث هي؛ ~~التي يلزمها لا بعلة غيرها بل بعلية واقتضاء من نفسه من حيث هي قياسا على ~~سائر اللوازم للماهيات التي تكفي في تحققها نفس تلك الماهيات وتجويزا لكون ~~وجود الواجب من قبيل تلك اللوازم كما توهمته طائفة من أهل الكلام؛ فبعد عن ~~طريق الحق وقد بين فساد ظنه في كتب الحكمة ك الشفا والإشارات والمباحثات ~~بما حاصله: أن الوجود مطلقا لا يجوز أن يكون معلولا للماهية لأن الوجود ليس ~~له حال غير أن يكون موجودا. وعلة الموجود موجودة وعلة المعدوم معدومة وعلة ~~الشيء من حيث هو شيء شيء وماهية ماهية. # فليس إذا كان الشيء قد يكون من حيث هو ماهية علة لبعض الأشياء يجب أن ~~يكون علة لكل شيء. # وبالجملة لا يجوز أن يكون سبب الشيء من حيث هو حاصل الوجود؛ إلا شيئا ~~حاصل الوجود. # وقد بالغ الشيخ الرئيس في المباحثات في هذا المقام وبسط القول فيه حتى ~~قال: لو كانت ماهية سببا للوجود لأنها ماهية؛ لكان يجوز أن يكون يلزمها ~~الوجود مع ms007 العدم لأن ما يلزم للماهية من حيث [هي] يلزمها كيف فرضت ولا ~~يتوقف على حال وجودها. ومحال أن يكون ماهية علة لوجود شيء قبل أن يعرض ~~PageV00P110 # لها الوجود وإذا لم يحصل للعلة وجود لم يحصل للمعلول وجود. # طريقة أخرى لمن زعم أن موجودية كل شيء هو نفس صيرورتها بالمعنى المصدري ~~من غير الأبيضية للجسم بأن يقول: إن نفس الذات المتحققة في ظرف ما سواء ~~كانت بسبب أو بغير سبب؛ كافية في كونها منشئا لانتزاع الوجود منها وصحة ~~الحكم عليها به بدون أن يكون بإزائها حقيقة وذات أي ما به يحصل للشيء ~~موجودية كالبياض الذي هو ما به انضمام أمر إليها أو انتزاع شيء منها. # وبالجملة ملاحظة أية حيثية يعتبر معها في المحكي عنه بالوجود بخلاف باقي ~~اللواحق التي هي غير الوجود وإن كان من الانتزاعيات والاعتباريات اللازمة ~~للماهيات. # فإن مصداق الحكم بها على شيء ليس ذات الموضوع فقط بل مع اقتضائها لوازمها ~~التي هي معان اعتبارية قائمة بها. # وعدم اعتبار الوجود مع الماهية في سببيتها واقتضائها صفة؛ لا يقتضي ~~انفكاكها عن صفة الوجود حالة الاقتضاء فإن بين الاعتبارين فرقا بينا فكيف ~~يكون الوجود من اللوازم لماهية ما. # والماهية في مرتبة اقتضائها لوازمها؛ محفوفة بالوجود فإن انفكاكها عن ~~الوجود وهي هي محال فضلا عن أن يكون مقتضية ومستتبعة لشيء. # نعم قد يراد من اللزوم غير ما هو المصطلح وهو مجرد عدم تصور الانفكاك بين ~~شيئين في الواقع. # تبصرة ورمز حمل الوجود على الماهية كما يمتاز عن حمل اللوازم عليها؛ ~~فكذلك يمتاز عن حمل الذاتيات والمقومات عليها. # فإن نفس الموضوع إذا كانت من الطبائع الإمكانية؛ يحتاج في الحكم بالوجود ~~عليها إلى ملاحظة حيثية أخرى خارجة عن نفس ماهية الموضوع لا عن مصداق الحكم ~~ومطابقة كما زعمه بعضهم وهم القائلون بأن أثر الجاعل وما يترتب عليه هو نفس ~~ماهية المعلول ومفهومه لا حقيقته ووجوده وتلك الحيثية عند هؤلاء؛ هي استناد ~~الماهية إلى جاعلها التام وصدورها منه أو مشاهدة ترتب الآثار عليها. # وأما عند ms008 المعتبرين من المشائين ومن يحذو حذوهم؛ فيشبه أن يكون حيثية ~~فاعلية الفاعل لوجود شيء داخلة في مصداق الحكم على ذلك الشيء بالوجود ~~PageV00P111 # وكما أن مقومات الماهيات المتحصلة غير خارجة عن قوام الماهية من حيث هي ~~هي فكذلك مقومات وجودها أو كونها من حيث هي موجودة عند من ذهب إلى أن أثر ~~الفاعل هو وجود الماهية دون نفسها. # نعم حمل الوجود على الذات الواجبة يشبه حمل الذاتيات على الذات إذ ~~الحقيقة الواجبة بنفسها موجودة كما أن ماهية الإنسان بنفسها إنسان وحيوان ~~لا بإفادة جاعل وعلة. # ولكن بينهما فرقا من وجه آخر وهو: أن مطابق الحكم بالماهية على نفسها نفس ~~تلك الماهية ولكن حين صدورها عن الجاعل التام إذ لا ماهية قبل الصدور إلا ~~أنها بعد الصدور عنه يصدق هي على نفسها أزلا وأبدا إذ الماهية من حيث هي ~~ليست إلا هي فالتخصيص بأية حيثية كانت يخرجها عن الإطلاق ويجعلها غير ذاتها ~~المأخوذة على تلك الحيثية الإطلاقية. # وأما مطابق الحكم بالوجود على الواجب تعالى وبأي وصف كمالي له تعالى هو ~~محض ذاته بذاته من دون الاشتراط بحيثية وجودية أو عدمية تعليلية كما في ~~الوجود بالقياس إلى ماهية الممكن أو تقييدية؛ كما في اللواحق للأشياء أو ~~الاشتراط بما دام الوجود كما في حمل الذاتيات على الماهية الإمكانية فتدبر ~~تعرف. # فصل في التجرد لإثبات الواجب الوجود وفيه طرق: # الأولى: طريقة جمهور الحكماء من جهة الإمكان والتغير بحسب الماهية. # أما الأولى فالممكن كما علمت حاله بحسب ذاته ليس إلا سلب ضرورة الوجود ~~والعدم وسلب ضرورة كل صفة ثبوتية أو عدمية ففي اتصافه بالوجود يحتاج إلى ~~مرجح وهكذا الكلام في المرجح إلى أن ينتهي إلى ما هو عين حقيقة الوجود؛ ~~PageV00P112 # دفعا للدور والتسلسل. # وأيضا: جميع المرجحات الإمكانية المفروضة في حكم واحد في نقصانها عن رتبة ~~الإيجاب والوجوب؛ فيحتاج إلى مرجح تام الاقتضاء والفعلية بريء عن صفة النقص ~~والقصور في الاقتضاء والإيجاب وليس ما هذا شأنه إلا الواجب الأول وهو ~~المطلوب للكل. # وأيضا: لو لم يكن لجملة ms009 المرجحات الممكنة طرف لم يصلح واحد من الآحاد ~~للعلية والترجيح ولا للمعلولية والاستناد لأنها ممكنة معا ولا مزيد لأحد من ~~الممكنات على الآخر من حيث هي ممكنة. # بخلاف ما إذا كان لها طرف ذو حقيقة بذاته فيكون هو بذاته مستحقا للفضيلة ~~والتمام فيكون ما هو أقرب منه مستحقا لفضيلة التقدم على ما هو أبعد فيكون ~~علة له ومرجحا؛ لوجوده وإذا لم يكن طرف خارج عن الممكنات واجب الوجود بذاته ~~متقدم فلا يكون للممكنات نسبة قرب ولا بعد إليه ولا يتميز فيما هو المفروض؛ ~~جملة علة عن معلول بل شيء عن شيء. (... ولم يتميز فيما هو... ق ل). # وأما الثانية؛ فنقول: إن الموجود في نفس الأمر لا يخلو إما أن يكون ~~موجودا في مرتبة نفس ذاته من حيث هي هي أي كما أنه موجود في نفس الأمر ~~فكذلك موجود عند ملاحظة الذات من حيث هي الذات مع قطع النظر عن اعتبار شيء ~~آخر معه حتى يكون موجودا بجميع الاعتبارات الواقعة في نفس الأمر منشأ لصحة ~~الحكم عليه بالموجودية ومصداقا لحمل الموجود فيكون وجوده واجبا لذاته بذاته ~~وهو المطلوب. # أو لم يكن كذلك بل يكون أيسا بعد ليس وفعلا عقيب قوة كالماهيات الإمكانية ~~حيث إنها وجدت بعد أن لم يكن موجودة وصارت بالفعل حينما كانت بالقوة بحسب ~~ذواتها وإن لم يكن كذلك في الواقع. # وهذه الصيرورة نحو من التغير فكأنه حركة ذاتية كما أن الانتقال في ~~المقولات الأربع المشهورة على التدريج حركة زمانية. PageV00P113 # فإذا احتاج الشيء في التغير عما كان عليه بحسب صفة من صفاته كالأين ~~والوضع وغيرهما الذي يقال له: الحركة الزمانية إلى مغير يغيره عن ذلك كما ~~ثبت في موضعه؛ فبأن يحتاج في التغير عما كان عليه بحسب نفس ذاته من حيث هي ~~إليه كان أولى وللقبول أحرى. # ثم إن كان ما يخرج من القوة إلى الفعل بوجه من الوجوه يحتاج إلى مخرج غير ~~ذاته يخرجه منها إليه فيجب الانتهاء حينئذ إلى سبب ومخرج يكون بالفعل من ~~جميع الوجوه لئلا ms010 يحتاج إلى مخرج آخر دفعا للدور أو التسلسل وهو الواجب ~~الوجود بالذات وهو المطلوب. # تأييد وتنبيه قد عبر المعلم الأول في كتاب أثولوجيا عن الوجوب بالذات ~~بالسكون وعن الوجوب بالغير بالحركة والوجه ما ذكرناه من أن موجودية ~~الماهيات التي هي معان غير الوجود؛ لما كانت في مرتبة متأخرة عنها من حيث ~~هي هي فكأنها انتقلت من ليسية إلى أيسية بخلاف الواجب بالذات فإنه موجود ~~بجميع الاعتبارات في جميع المراتب فكأنه استقر على ما هو عليه. # وينقل عن بعض اليونانيين أنه قال: النفس جوهر شريف يشبه دائرة لا بعد لها ~~ومركزها هو العقل وكذلك العقل دائرة استدارت على مركزها وهو الخير المطلق ~~الأول فكل المجردات قد استدارت عليه وهو مركزها للتساوي نسبتها إليه انتهى ~~ولا يخفى تأييده لما ذكرناه ومما تلي عليك؛ تبين لك: أن الممكن لا يخلو عن ~~قوة سواء كانت قوته في مادته بحسب استعدادها في الواقع كالماديات أو في ~~نفسه فقط كالمفارقات. # وفي الأول PageV00P114 # سواء كان ما بالقوة غير متقدم على ما بالفعل بحسب الزمان كالكرات العالية ~~أو متقدما كالأجسام العنصرية. # وفي الجميع ما بالفعل مطلقا سبب لخروج ما بالقوة إلى الفعل ومتقدم عليه. # وما نقل عن بعض الأقدمين من الفلاسفة: أن المبدأ الأول لجميع الأشياء هو ~~الظلمة أو الهاوية وفسر بعضهم بخلاء غير متناه فلعله من جملة رموزهم ~~وتجوزاتهم بأن يكون المراد من المبدأ المبدأ القابلي ومن جميع الأشياء جميع ~~الكائنات الفاسدة ويأول الظلمة والهاوية بالهيولى الأولى التي هي أظلم ~~الذوات وأوحشها وأبعدها عن نور الأنوار جلت عظمته. وكونها فضاء وخلاء؛ ~~كناية عن خلوها بحسب فطرتها عن جميع الصور والمقادير. وكونها غير متناه؛ ~~إشارة إلى قوة قبولها صورا وهيئات غير متناه فائضة عليها من واهبها الأعلى. # وللطبيعيين طريق خاص في الوصول إلى هذا المقصد وهو أنهم قالوا في بيانه: ~~إن الأجسام الفلكية حركاتها ظاهرة وهي ليست طبيعية ولا قسرية بل نفسانية ~~شوقية لا بد لها من غاية. # وإذ ليست الغاية غضبية ولا شهوية لتعاليها عنهما ولا الأجسام ms011 التي تحتها ~~أو فوقها ولا النفوس التي لشيء منها كما ستطلع على بيان الجميع بالبرهان ~~إنشاء الله تعالى. # فتعين أن يكون غايتها أمرا قدسيا مفارقا عن المادة بالكلية يكون ذا قوة ~~غير متناهية لا يكون تحريكاته لها على سبيل الاستكمال فإن وجب وجوده فهو ~~المقصود وإن لم يجب فينتهي إلى ما يجب وجوده دفعا للدور والتسلسل. # وهذه الطريقة هي التي سلكها واعتمد عليها مقدم المشائين في الكليتين من ~~كتابه المسمى بالتعليم الأول وهو السماع الطبيعي من الطبيعيات والكليات من ~~الإلهيات وأشير إليها في الكتاب الإلهي حكاية عن الخليل فإنه على نبينا ~~وآله وعليه السلام لما رأى ظهور الحركات في الفلكيات وانفعال العنصريات عن ~~تغيرات الكرات PageV00P115 # العالية وانتقالاتها وتفاوت تلك الأجرام عظما وشرفا ونورية فتحدس أن ~~مبدعها ومنورها ومحركها على سبيل التشويق والإمداد ليس بجسم ولا جسماني ~~فقال: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض حنيفا مسلما و ما أنا من ~~المشركين فبملاحظة الحركات يدفع توهم القاصرين من الدهرية في كون الفلكيات ~~هي الغاية القصوى في الوجود. # فثبت أن ما وراءها ما هو أعلى منها وأشرف وهو مبدعها ومحركها على سبيل ~~التكميل والإمداد كما هو في قوله تعالى: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ~~فأت بها من المغرب. # تذكرة ولهم أيضا في إثبات هذا المطلب مسلك آخر حسن جدا يبتني على معرفة ~~النفس الإنسانية تقريره: أن النفس مجردة عن المادة حادثة مع حدوث البدن ~~بامتناع التمايز واستحالة التناسخ لعدم مطابقة ما منه وما إليه كما سيجيء ~~بيانه إنشاء الله تعالى. فهي ممكنة مفتقرة في وجودها إلى سبب وذلك السبب ~~المرجح لا يجوز أن يكون جسما من حيث هو جسم وإلا لكان جميع الأجسام كذلك ~~لاشتراك معنى الجسمية بينها وليس كذلك بديهة. # ولا قوة جسمانية سواء كانت نفسا أخرى أو صورة طبيعية لما تقرر عندهم: أن ~~تأثير الجسمانيات لا يكون إلا لما حصل لمادته علاقة وضعية ونسبة جسمية ~~بالقياس إليه. فإن تسخين قوة النار إنما يكون لما يكون ملاقيا لجسمها أو ms012 ~~قريبا منه PageV00P116 # وكذلك إضاءة نور الشمس إنما كانت لما كان مقابلا لجرمها أو ما هو في حكم ~~المقابلة ولذلك لا تفعل الأولى في البعيد جدا ولا الثانية في المستور. # فإن قيل: كما جاز حصول القوى الجسمانية من المفارقات بالكلية من دون ~~علاقة وضعية ونسبة جسمية فليجر عكسها من دون تلك العلاقة. # فالجواب إما بتصحيح القاعدة بوجه برهاني وإما بالرجوع إلى قاعدة أخرى لهم ~~أما الأول فاستدل عليه المحقق الطوسي رحمه الله في شرح الإشارات ب: أن ~~الصور صنفان صور تقوم بمواد الأجسام كالصور الجسمية والنوعية وهي كما أن ~~قوامها بمواد تلك الأجسام فكذلك ما يصدر عنها بعد قوامها يصدر بواسطة تلك ~~فيكون بمشاركة من الوضع وصور قوامها بذواتها لا بمواد الأجسام كالأنفس ~~المفارقة لذواتها لا لأفعالها لكن النفس إنما جعلت خاصة لجسم بسبب أن ~~أفعالها من حيث إنها نفس إنما يكون بذلك الجسم وفيه وإلا لكانت مفارقة ~~الذات والفعل جميعا لذلك الجسم و (ح) لم يكن نفسا لذلك الجسم هذا خلف فقد ~~بان أن الصورة إنما تفعل بمشاركة الوضع.. # انتهى كلامه. # وفيه شك وهو أن غاية ما ظهر مما ذكر: أن فعل الصورة لا يتحقق بدون أن ~~يكون لمحلها أو لمتعلقها وضع (ما) إذ فعلها لا يكون إلا بوساطة المادة ~~والمادة المقارنة مع الصورة لا بد لها من وضع على الإطلاق وهذا لا يكفي في ~~بيان مطلوبهم بل هو غير محتاج إلى البيان لأنه لا يخفى على أحد أن كل جسم ~~له وضع بل المطلوب أنه لا بد لفعل القوى المتعلقة بالمادة من وضع مخصوص ~~لتلك المادة بالنسبة إلى المنفعل عنها حتى يترتب عليه ما رتبوه من عدم ~~تأثير القوى الجسمانية فيما لا وضع له من موضوعاتها أو متعلقاتها. # فالأولى في هذا المقام ما ذكره الشيخ الرئيس في أجوبته من اعتراضات بعض ~~تلامذته. # محصوله: أنه إذا كانت القوة متقومة بالفعل بالمادة فإنما يتوسط المادة في ~~PageV00P117 # الوضع بما يستدعيه المادية من الوضع سواء كان في القوام أو في صدور الفعل ~~فلا ms013 يكفي في تأثيرها وجودها بما هو وجودها كيف كان ووجود المستعد كذلك بل ~~أن يقع على حالة يكون للمادة فيها بوضعها توسط غير متشابه فإن أوضاع الجسم ~~بالقياس إلى الأجسام الأخر غير متشابه ولذلك تختلف تأثير القوة التي فيه ~~فيها بحسب اختلاف القرب والبعد والمماسة وغيرها وهذا النحو من التوسط ~~للموضوع بين القوة التي فيه وبين المفارق الصرف محال فلو فرضنا كون القوة ~~الجسمانية مؤثرة في المفارق لزم أن يكون وجود المادة فيه لغوا. # وقد قلنا: إن تلك القوة متعلقة بالمادة في صدور أفاعيلها بخلاف تأثير ~~الروحاني في الجسماني فإن الروحاني العقلي غير محتاج في فعلها إلى المادة ~~بما فيها من وضعها وتخصيص حال لها بالنسبة إليه حتى يفعل بل يكفيه وجود ~~ذاته في أن يفعل في المستعدات بل نسبة الجميع إليه نسبة واحدة عامة. # فإن ذوات الأوضاع في أنفسها ليست بذوات أوضاع بالقياس إليه وإن كانت كذلك ~~بقياس بعضها إلى بعض فتلطف تعرف. # فإن قلت: فالأجسام يحتاج في انفعالاتها عن المبادي المفارقة إلى توسط من ~~موادها ونسبة خاصة لها إلى ما يؤثر فيها بمثل ما ذكرت في أفاعيلها. # قلت: بينهما فرق (ما) فإن المادة هي المنفعلة نفسها لا المتوسط بين ~~المنفعل وبين غيره وهناك لم يكن هي الفاعلة بل المتوسطة فأين هذا من ذاك ~~فإن قلت: البدن كيف يؤثر في النفس والنفس لا وضع لها وقد بين أن ما ليس له ~~وضع لا يؤثر فيه ما له وضع. # قلت: المراد أن كل ما ليس له وضع ولا علاقة له مع ذي وضع فإن اقتصر في ~~موضع (ما) على هذا المبلغ فإنما عني به ما هو مجرد بذاته وعلاقته في وجوده ~~أو حدوثه. # وأما الأمر الثاني وهو الرجوع إلى قاعدة أخرى فهو أنا نقول: قد تحقق ~~وتقرر أن PageV00P118 # الوجود إنما يقع على أشياء بتقدم أو تأخر وكمال ونقص وبعض المعاني حظه من ~~الوجود آكد كالجوهر القائم بنفسه وبعضها وجوده في درجة الضعف كالجوهر ~~القائم بغيره وكالعرض. # وكل ما هو علة ms014 الذات فحظه من الوجود يجب أن يكون أسبق وآكد من حظه ~~المستفيد منه فما ليس له من الوجود حظ القوام بنفسه فليس يجوز أن ينال غيره ~~منه حظ القوام بنفسه. # وهذا شيء يحكم به الوجدان بدون المراجعة إلى البيان والبرهان وخصوصا على ~~رأي من يكون الصادر الأول عن الجاعل عنده نفس الماهية والوجود من ~~الاعتبارات العقلية المنتزعة عنها في مرتبة متأخرة عنها نحوا من التأخر إذا ~~لمع بالقياس إلى علته عنده كنحو الشبح من ذي الشبح والظل من ذي الظل وكما ~~لم يكن الظل أشرف وأكمل من ذي الظل فكذلك المعلول من علته كيف والنفس ~~الناطقة التي لنا مع تجردها وحياتها قصرت عن إيجاد جسم سواء كان بدنها أو ~~غير بدنها فبأن يقصر الجسم الذي هو جوهر ظلماني ميت في نفسه عن إيجاد نفسه ~~أو نفس أخرى كان أولى على ما يقتضيه ذوق أهل الإشراق. # فقد ثبت إذن: أن موجد النفس لا يكون جسما ولا جسمانيا فيكون مفارقة عن ~~المواد فإن كان واجبا فهو المطلوب وإن كان ممكنا كان محتاجا إلى مرجع أشرف ~~فينتهي لا محالة إلى واجب الوجود بذاته. # وهذه الحجة من الحجج القوية عند ذوي البصائر الثاقبة من أصحاب الحكمة ~~المتعالية الذين حصلت لهم ملكة تجرد الأبدان وشروق الأنوار ومن استبصر ~~بصيرته يحكم برجحانها على كثير منها. # نكتة عرشية قد تقرر في الكتب المبسوطة من العلم الأعلى والفن الربوبي: أن ~~للعالم بجميع أجزائه نظاما جمليا واحدا وحدة شخصية يعبر عنه تارة بالإنسان ~~الكبير وأخرى بالكتاب المبين كما يعبر عن الإنسان بالعالم الصغير تارة ~~وبالنسخة المنتخبة أخرى وفي تفصيل التطبيق بين العالمين وكيفية مقابلة ~~النسختين تطويل عظيم عسى PageV00P119 # أن نأتي به في رسالة مفردة إنشاء الله تعالى. # وكما أن تكثر الأجزاء وانضمام الأمور المتباينة الحقائق من الأعضاء ~~البسيطة والمركبة هاهنا لا يقدح في الوحدة الشخصية كذلك لا يقدح هناك تفرد ~~كل واحد من الأفلاك والعناصر وغيرهما بطبيعة خاصة وفعل خاص في كونها متعلقة ~~بايتلاف طبيعي وتأحد شخصي ومع التنزل ms015 عن هذا المقام نقول: لا شك أن لكل ~~هيئة مجموعية وكيفية تأليفية ولو كانت من الاعتبارات كالخمسية والعشرية ~~مثلا معروضا حاصلا بالفعل في الأعيان. # وذلك المعروض لا محالة أمر وراء كل واحد من الأجزاء وليس إلا واحدا شخصيا ~~غير محتمل الصدق على كثيرين لأن أجزاءه كذلك ومع كون الأجزاء شخصيات لا ~~مجال لكلية الكل كما لا يخفى. # فنقول: لو لم يكن في الوجود موجود متشخص يكون وجوده وتشخصه عين ذاته حتى ~~يكون مبدأ لتشخص النظام الجملي وتعينه لجاز في الواقع عدم ذلك المجموع الذي ~~هو واحد شخصي ووقوع مجموع آخر متشخص بتشخص آخر بدل هذا المجموع بأن يكون كل ~~جزء من أجزائه مماثلا لجزء من أجزاء هذا الواقع من الفلكيات والعنصريات ~~والبسائط والمركبات بدلية ابتدائية لا على التعاقب ففي وقوع هذا دون ذلك ~~يلزم ترجح بلا مرجح هذا خلف والمكابر في ذلك بأن يقول: لعله يمتنع وجود غير ~~ما هو الواقع بدلا عما هو الواقع ينازع مقتضى عقله إذ الكلام في الإمكان ~~الذاتي. # وإذا كانت المخالفة بين شيئين بالعوارض والتشخصات وكان أحدهما موجودا كان ~~الآخر ممكن الوجود بالنظر إلى ذاته وإلا فإن وجب لذاته لم يكن معدوما وإن ~~امتنع لذاته لم يكن هذا الواقع موجودا مع أنه موجود لأن هذه الأمور الثلاثة ~~من لوازم الماهيات إذ كل ماهية من الماهيات ملزومة لشيء منها بمعنى امتناع ~~انفكاكه عنها وإن لم يكن هناك اقتضاء وتسبب فإن الفرق بين الاصطلاحين بين. # تأييد استبصاري كل من تأمل وتفكر في كيفية وقوع أمور العالم من الأفلاك ~~والكواكب والأمهات PageV00P120 # والمواليد وحصولها على الوجه المخصوص واحتياج بعضها إلى بعض وانتفاء ~~بعضها عن بعض مرتبطة منتظمة بلا خلل ولا قصور في المنفعة الكلية واقعة على ~~النحو الواجب في الحصول الكمال الكلي والنظام الجملي كوقوع أجزاء بدن ~~الإنسان في مواقعها الخاصة لحصول الكمال الجزئي والنظام الشخصي تفطن وتحدس ~~أن وقوعها على هذا الوجه الأكمل النافع في المصلحة الكلية ليس بحسب البخت ~~والاتفاق فإن كون الأرض مثلا ذات لون غبراء ms016 ليقف عندها الضياء وكون غيرها ~~من العناصر والأفلاك ذات إشفاف في الطباع لينفذ فيها ساطع الشعاع ويحصل ~~الحرارة الغريزية في المركبات ويعد لحصول الصور الطبيعية في الممتزجات إلى ~~غير ذلك من الأشياء الواقعة على الوجه الأحسن الأليق ليس حصولها أمرا واقعا ~~على سبيل البخت والاتفاق وإلا لما دام على النهج الانتظام والاتساق ولا أن ~~طبيعة كل منها جبلت على وجه يترتب عليها الغاية الكلية والمنفعة الكاملة ~~والنظام الفاضل التام فإنه لو لم يكن العناية البالغة والتقدير المحكم فمن ~~أين كانت يهتدي الحيوانات الضعيفة والأجسام النباتية بخصائص مصالحها فانظر ~~كيف يهتدي النحل للأشكال المهندسة بلا تعلم وروية والبذر لأن يحرك العروق ~~إلى الأسفل ليلتصق بالمواضع الصالحة ويستمد الغذاء من جهتها بالامتصاص ~~ويخرج الورق الكثير بين الفواكه ليسترها عن صنوف آفاتها وأمثال هذه الأمور ~~مما لا يمكن حصره وعده. # فتيقن أن موجد هذا العالم ومدبره على الوجه النافع الشريف صانع حكيم واجب ~~بالذات. # بل وجود الواجب تعالى كما قيل أمر فطري فإن العبد عند الوقوع في الأهوال ~~وصعاب الأحوال يتوكل بحسب الجبلة على الله تعالى ويتوجه توجها غريزيا إلى ~~مسبب الأسباب ومسهل الأمور الصعاب ولو لم يتفطن لذلك ولذلك ترى أكثر ~~العرفاء مستدلين على إثبات وجوده وتدبيره للمخلوقات بالحالة المشاهدة عند ~~الوقوع في الأمور الهائلة كالغرق والحرق. PageV00P121 # وفي الكلام الإلهي إشارة إلى هذا أيضا فما أضلت الطباعية وإخوان الشياطين ~~من الذين يتشبهون بالعلماء ويكذبون أنبياء الله ويزعمون أن العالم قديم ولا ~~قيم له فمثواهم الجحيم وجزاهم البعد عن النعيم فصل في أن الواجب الوجود ~~إنيته ماهيته كل ماهية يعرض لها الوجود ففي اتصافها بالوجود وكونها مصداقا ~~للحكم به عليها يحتاج إلى جاعل يجعله كذا فإن كل عرضي معلل إما بالماهية ~~المعروضة له وإما بأمر خارج عنها. # ولما علم من قبل امتناع تأثير شيء في وجوده من جهة أن العلة يجب أن يكون ~~متقدمة على المعلول بالوجود وتقدم الماهية على وجودها بالوجود غير معقول ~~بخلاف تقدمها على صفاتها اللازمة سوى الوجود وكذي الزاوية ms017 لماهية المثلث ~~التي هي علة لها فلا محالة يحتاج تلك الماهية في وجودها إلى أمر خارج عنها ~~وكل ما يحتاج في وجوده إلى أمر آخر فهو ممكن الوجود فلو كان الواجب ذا ~~ماهية لزم كونه ممكن الوجود (هذا خلف) فواجب الوجود لا ماهية له سوى ~~الإنية. # والحجة المذكورة لا تعارض بالماهية الممكنة كما عارض بها بعضهم إذ ~~الماهية القابلة للوجود لا يتقدم على ذلك الوجود لأنها لا يتجرد عن الوجود ~~إلا في نحو من أنحاء ملاحظة العقل لا بأن يكون في تلك الملاحظة منفكة عن ~~الوجود فإنها أيضا نحو وجود عقلي كما أن الكون في الخارج وجود خارجي بل بأن ~~العقل من شأنه أن يلاحظها (الماهية) وحدها من غير ملاحظة الوجود ويصفها به ~~وعدم اعتبار الشيء ليس باعتبار لعدمه. # فإذن اتصاف الماهية بالوجود أمر عقلي ليس كاتصاف الجسم بالبياض الذي ~~يمتاز بحسبه الموصوف والموصوف به فإن الماهية ليس لها وجود منفرد ولعارضه ~~المسمى بالوجود وجود آخر حتى يجتمعا اجتماع القابل والمقبول بل الماهية إذا ~~كانت فكونها بعينها هو وجودها. PageV00P122 # والحاصل: أن الماهية إنما يكون قابلة للوجود عند وجودها في العقل فقط و ~~لا يمكن أن يكون فاعلة لصفة خارجية عند وجودها في العقل فقط فالمؤثر في ~~الوجود لا بد وأن يكون متقدما عليه بالوجود. # وواجب الوجود ليس مطلق الوجود الكلي كما توهمه فرقة من المتصوفة فإن كل ~~كلي يحتاج في تخصصه بشيء من أفراده وحصصه إلى مخصص خارجي إذ لو اقتضى ذاته ~~التخصيص بواحد معين منها لكان كل فرد أو حصة منه ذلك الواحد المعين وليس ~~مطلق الوجود حاله كذا. # وكل ما يحتاج في تعينه إلى أمر آخر متعلق وجوده بذلك الآخر وكل ما هو ~~كذلك فهو معلول ممكن. # فواجب الوجود صرف الوجود بشرط تجرده عن الزوائد لا لا بشرط إيجاب شيء له ~~وبين المعنيين بون بعيد كما بين في علم الميزان. # واعلم أنه ليس معنى قولهم: إن الوجود عين في الواجب تعالى زائد في الممكن ~~هو: أن لمطلق الوجود ms018 الانتزاعي الفطري حصولا في نفسه في الخارج أو عروضا ~~انضماميا للماهيات وقياما حقيقيا بها في الأعيان بل معنى عينيته في الواجب ~~وعروضه في الممكن أن الواجب ذاته بذاته مناط حيثية انتزاع الوجود الاعتباري ~~أي: إنه بحيث إذا حصل في الذهن ينتزع العقل منه ذلك الأمر الاعتباري الفطري ~~لا بملاحظة حيثية أخرى أية حيثية كانت ارتباطية أو انضمامية. # والممكن ليس سبيله هذا فإن ذاته من حيث هي هي ليست بحيث إذا حصلت في ~~الذهن ينتزع العقل منها ذلك الأمر المسمى بالوجود إلا بملاحظة حيثية أخرى ~~سوى نفس ذاته هي: كونها منتسبة إلى موجبها التام صادرة عنه. وكون الوجود ~~خارجيا عبارة عن كون حيثية انتزاعه في الخارج وكونه ذهنيا عبارة عن كون ~~حيثية انتزاعه في الذهن. # فذات الواجب تعالى محض حيثية انتزاع الوجود العام الفطري سواء كان عنه ~~وهذا كوجوده تعالى بحسب نفس ذاته أو عن الماهيات وهذا كوجوداتها بحسب ~~انتسابها إليه تعالى. # وذات الممكن محض القوة والفاقة وهذا المعنى الانتزاعي الفطري وإن كان في ~~مرتبة متأخرة عن الذات لا ينافي PageV00P123 # صدق الحمل بحسب مرتبة الذات في الواجب تعالى كما أن الإنسان والحيوانية ~~المصدريتين الانتزاعيتين متأخرتان عن نفس الذات أي ذات الإنسان والحيوان ~~ومفهوما المحمولين متحققان في مرتبة الماهية. # وبالجملة العقل يحكم ب: أن الموجودية التي ينتزع من ذاته تعالى أخيرا ~~إنما يكون مطابق الحكم نفس ذاته تعالى في مرتبة ذاته أولا لنسبة مفهوم ~~الوجود والموجودية. # ووجوب الوجود إلى حقيقة الواجب بالذات كنسبة الإنسانية إلى نفس ذات ~~الإنسان لا كنسبة الزوجية إلى الأربعة من لوازم التي مطابق الحكم بها مرتبة ~~متأخرة عن نفس الماهية فالوجود إما وجود نفسه أو وجود موضوعه. # قال بهمنيار في التحصيل: إذا قلنا: كذا موجود فلسنا نعني به أن الوجود ~~معنا خارج عنه فإن كونه معنى خارجا عن الماهية عرفناه ببيان وبرهان وذلك ~~حيث يكون ماهية ووجوده كالإنسان (الموجود) ولكنا نعني به أن كذا في الأعيان ~~أو في الذهن وهذا على قسمين فمنه: ما يكون في الأعيان أو ms019 في النفس بوجود ~~يقارنه ومنه: ما لا يكون كذلك (3).... # قيل: ولا يتوهمن من إطلاقهم لفظ القيام أو العروض أو الاقتضاء في باب ~~الوجود أن للوجود صورة في الأعيان حتى يلزم أن يكون للوجود وجود ويؤدي ذلك ~~إلى التسلسل الممتنع. # فإن الوجود ليس ما به يوجد الشيء في الأعيان أو في الأذهان إذ هو عبارة ~~عن نفس تحقق الشيء وصيرورته في شيء منهما لا غير. # ولو كان الشيء يوجد بواسطة وجوده حتى يكون لوجوده قياما حقيقيا به لتسلسل ~~الأمر إلى لا نهاية وما كان يصح وجود شيء في الأعيان حينئذ. # فإذن وجود الماهية موجوديتها PageV00P124 # ووجود الواجب بذاته موجودية حقيقة الوجود بل هذه الإطلاقات منهم من باب ~~التوسع والمسامحة في التعاليم. # أقول: ونحن أيضا كنا في سالف الزمان على هذا الرأي حتى كشف الله تعالى عن ~~بصيرتنا وهدانا بنوره ورأينا: أن موجودية كل شيء بالوجود أي باتحاده بنحو ~~منه وموجودية الوجود نفس ذاته من غير محذور. # وحاصل ما ذكر من البرهان على عينية الوجود في الواجب وزيادته في الممكن ~~هو: # أن حيثية انتزاع الوجود في شيء ما أن يكون نفس ذاته بذاته وأما أن لا ~~يكون نفس ذاته بذاته وكل ما لم يكن في مرتبة ذاته بهذه الحيثية فيكتسب هذه ~~الحيثية في مرتبة بعد مرتبة الذات ويتغير عما كان عليه في نفسه فلا بد له ~~من مقتض لهذه الحيثية ومصحح لها ولا يمكن أن يكون ذلك نفس ذاته بذاته ~~ومرتبة ماهيته من حيث هي هي لأن الاقتضاء والتصحيح إنما يقع في مرتبة بعد ~~مرتبة التحيث بتلك الحيثية ولو كان كذلك لزم أن يدور الشيء على نفسه فلا بد ~~هناك من أمر آخر يعطي لهذا الشيء تلك الحيثية وكل ما كان كذلك كان ممكنا. # ولما علمت انتهاء كل ممكن الوجود إلى الواجب بذاته فلا بد أن يكون ذات ~~الواجب بذاته نفس حيثية انتزاع الوجود. # وبما قررنا ظهر لك اندفاع ما أورده صاحب المطارحات في هذا المقام حيث ~~قال: # هذا إنما يتمشى إذا ثبت ms020 أن الوجود الزائد على الماهيات له صورة في ~~الأعيان ليبتنى عليه الكلام من أنه إذا كان زائدا ليس بواجب.. # إشراق عقلي احتج الشيخ الإلهي في كتاب التلويحات على أصل المطلب ب: أن ~~الذي فصل الذهن وجوده عن ماهيته إن امتنع وجودها بعينه PageV00P125 # لا يصير شيء منها موجودا وإذا صار شيء منها موجودا فالكلي له جزئيات أخرى ~~معقولة غير ممتنعة لماهيتها إلا لمانع بل ممكنة إلى غير النهاية. # وقد علمت أن ما وقع من جزئيات كلي بقي الإمكان بعد وإذا كان هذا الواقع ~~واجب الوجود وله ماهية وراء الوجود فهي إذا أخذت كلية أمكن وجود جزئي آخر ~~لها لذاتها إذ لو امتنع الوجود للماهية لكان المفروض واجبا ممتنع الوجود ~~باعتبار ماهيته هذا محال. # غاية ما في الباب أن يمتنع بسبب غير نفس الذات والماهية فيكون ممكنا في ~~نفسه ولا يكون واجبا لأن جزئيات الماهية وراء ما وقع ممكنات كما سبق فليست ~~واجبة فإذا كان شيء من ماهيتها ممكنا فصار الواجب أيضا باعتبار ماهيته ~~ممكنا وهذا محال فإذن إن كان في الوجود واجب فليس له ماهية وراء الوجود ~~بحيث يفصله الذهن إلى أمرين فهو الوجود الصرف البحت الذي لا يشوبه شيء أصلا ~~من خصوص وعموم... هذا كلامه قدس الله عقله وروح رمسه بأدنى تغيير ورأى أنه ~~برهان قوي وتحقيق حسن. # والإيراد عليه بأنه: لا يجوز أن يفصل العقل أمرا موجودا إلى وجود ومعروض ~~له فيكون ذلك المعروض جزئيا شخصيا لا كليا وتخصيص إطلاق الماهية على الكلية ~~لا ينفع إذ المقصود أن الوجود غير زائد بل هو نفس حقيقة الواجب إنما نشأ من ~~الغفلة عن مرامه وسوء فهم الغرض من كلامه فإن كلامه مبني على أن تشخص الشيء ~~في الحقيقة نحو وجوده كما صرح به المعلم الثاني فكل ما يفصله الذهن إلى ~~معروض وعارض هو الوجود كان في مرتبة ذاته مع قطع النظر عن العارض الذي هو ~~الوجود كليا بالضرورة وكل ما له ماهية كلية فنفس تصورها لا يأبى أن يكون ~~لها جزئيات ms021 غير متناهية اللهم إلا لمانع خارجي. # فإذن لما كان الوجوب والإمكان والامتناع من لوازم PageV00P126 # الماهيات فلو كان المفروض واجبا معنى غير نفس الوجود يكون معنى كليا له ~~جزئيات بحسب العقل فتلك الجزئيات إما أن يكون جميعها ممتنعة لذاتها أو ~~واجبة لذاتها أو ممكنة لذاتها. # لا سبيل إلى الأول وإلا لما تحقق شيء منها والكلام على تقدير وجود فرد ~~واجب منها فلا يمتنع شيء منها لماهيتها وإن جاز ذلك لما لم يوجد منها لا ~~لماهيتها المشتركة بل لأمر آخر ولا إلى الثاني وإلا لوقع الكل وهو محال ولا ~~إلى الثالث وإلا لكان هذا الواقع أيضا ممكنا مع أنه واجب هذا خلف. # فإذن إن كان في الوجود واجب بالذات فليس له ماهية وراء الوجود بحيث يفصله ~~الذهن إلى أمرين فهو الوجود الصرف. # وكذا الاعتراض على البرهان المذكور بأن: دعوى عدم امتناع الجزئيات الغير ~~المتناهية ممنوعة ولم لا يجوز أن يكون لماهية كلية أفراد معدودة متناهية لا ~~يمكن أن يتعدى عنها في الواقع وإن جاز في التوهم الزيادة عليه ولو سلم عدم ~~التناهي فهو بمعنى لا يقف وبطلان اللازم حينئذ ممنوع. # ولو سلم أنه غير متناه بالمعنى الآخر فغاية ما لزم أن يكون الواجبات غير ~~متناهية. # ولقائل أن يمنع بطلان هذا قائلا: إن دلائل بطلان التسلسل لو تمت لدلت على ~~امتناع ترتيب أمور غير متناهية موجودة معا ولزوم ترتيب الواجبات غير بين ~~ولا مبين. # فإنا نجيب عن الأول ب: أن كل ماهية بالنظر إلى ذاتها لا يقتضي شيئا من ~~التناهي واللا تناهي أصلا فإذا قطع النظر عن الأمور الخارجة عن نفس ماهيتها ~~لا يأبى عند العقل عن أن يكون لها أفراد غير متناهية وعن الثاني والثالث ب: ~~أن الكلام هناك ليس في بطلان التسلسل في الواجبات عدديا كان أو لا يقفيا ~~مرتبا أو متكافئا حتى قيل: إن بطلانه منظور فيه بل الكلام في أنه إذا كان ~~للواجب تعالى ماهية كلية يمكن أن يفرض لها جزئيات غير واقعة إذ الماهية لما ~~لم يكن من ms022 حيث هي إلا هي كان الوقوع واللاوقوع كلاهما خارجين عن نفس ~~حقيقتها فلا يأبى بالنظر إلى ذاتها عن أن يكون لها أفراد غير متناهية ~~واقعة. # ولما كان كل من الوجوب والإمكان والامتناع من لوازم الماهيات فإذا وجب ~~فرد من ماهية PageV00P127 # كلية كانت جميع أفراد تلك الماهية واجبة وكذا امتنعت لو امتنع وأمكنت لو ~~أمكن. # فنقول: تلك الأفراد المفروضة الغير الواقعة لم يكن واجبة لذاتها وإلا لما ~~عدمت ولا ممتنعة وإلا لكان هذا الواقع أيضا ممتنعا مع أنا نتكلم بعد إثبات ~~الواجب لذاته ولا ممكنة وإلا لكان الواجب لذاته ممكنا لذاته (هذا خلف). # فثبت أنه لو كان الواجب تعالى ذا ماهية كلية لزم كونه خلوا عن المواد ~~الثلاث وهو محال. # كلمة تقديسية كيف لا يكون حقيقة الواجب القيوم صرف الوجود ومحض التقوم ~~وهو ينبوع كل وجود ومبدأ كل فيض وجود وموجودية الماهيات إنما تتصح بكونها ~~فائضة عنه. فجل وجوده عن أن يتعلق بماهية أصلا. # تنبيه إن الوجود الحقيقي والوجوب الذاتي متساوقان وإن سكان عالم الإمكان ~~طرا مفارقاتها ومادياتها هالكة الذوات باطلة الحقائق كما في الكتاب الإلهي ~~كل شيء هالك إلا وجهه وهلاك الذات وبطلان الحقيقة للممكن ثابت أزلا وأبدا ~~لا في وقت من الأوقات. # ولهذا قيل: لا يحتاج العارف إلى قيام الساعة حتى يسمع نداءه تعالى لمن ~~الملك اليوم لله الواحد القهار بل هذا النداء لا يفارق سمعه أبدا لأن ~~موجودية الممكنات إنما هي باعتبار انتسابها إلى الموجود الحقيقي هو الواجب ~~بالذات ومنشأ انتزاع الموجودية المصدرية ومصحح صدقها عليها. # وأما هي في حدود ذواتها فلا اتصاف لها بالموجودية أصلا كما ذهب إليه ~~المحققون من العرفاء PageV00P128 # والمحصلون المخلصون من متألهة الحكماء وأشار إليه بقوله (ص): الفقر سواد ~~الوجه في الدارين. # فإذا نظرت إلى ذات الممكن من حيث هي هي تحكم بأنها من تلك الحيثية لا ~~تكون موجودة وإذا نسبتها إلى جاعلها التام تحكم عليها بالوجود. # تكميل عرشي موجودية الممكن ليست بإفاضة الوجود عليه من الجاعل أو بضم ~~الوجود إليه كما اشتهر من ms023 المشائين لأن الوجود الفطري كما ذكرنا مرارا من ~~الأمور الانتزاعية العقلية التي تكون عبارة عن موجودية الشيء وتحققه ~~بالمعنى المصدري لا ما به يكون الشيء موجودا متحققا وهو أمر ذهني ليس له ~~هوية عينية ولا علة له بخصوصه في الأعيان ولا لانضمامه أيضا إلى شيء آخر ~~وأيضا: نفس قوام الماهية وتقررها منشأ لانتزاع الموجودية ومصحح لحمل الوجود ~~عليه ومصداقه. # فإذا لم يكن الشيء الممكن محتاجا إلى الجاعل في قوام ماهيته وتجوهر ~~حقيقته لصدق حمل الوجود عليه بحسب ذاته واستغنى عن العلة وخرج عن الإمكان ~~الذاتي وهو محال. فالقول بانضمام الوجود للماهية وعروضه لها كما هو المشهور ~~بين الجمهور وينساق إليه النظر الأول قول فاسد ومذهب سخيف لا يصفو عن ~~الكدورات المشوشة للأذهان السليمة لا سيما على رأي من تقرر عنده أن ثبوت ~~الشيء للشيء فرع ثبوت المثبت له والموضوع في نفسه. # ولا يجديه نفعا القول ب: أن الاتصاف بالوجود الخارجي متفرع على الاتصاف ~~بالوجود الذهني أو أن الاتصاف بالوجود إنما هو في الذهن لأن الكلام في ~~الوجود المطلق وليس للماهية قبل الوجود المطلق وجود حتى يكون الاتصاف به ~~فرعا على ذلك الوجود. # والقول باتصاف الماهية بالوجود الخارجي في الذهن أبطل في موضعه مع أنه ~~إذا سئل أحد عن اتصاف الماهية بالوجود الذهني PageV00P129 # على أي نحو من الوجود يتفرع لم يبق له مهرب إلا الاستثناء من المقدمة ~~العقلية القابلة بالفرعية كما فعل بعضهم وهو كما ترى! وليست أيضا بإفادة ~~الجاعل نفس الذات فقط كما هو منقول عن الإشراقيين بمعنى أن نفس الذات بعد ~~جعل الجاعل إياها كافية في انتزاع الوجود عنها مع قطع النظر عن ارتباطها ~~إلى جاعلها التام وإلا لكان حمل الموجود عليها كحمل الذاتيات وقد سبق ~~بطلانه. # فبقي أن يكون موجودية الممكن عبارة عن صدور نفس ذاته عن الجاعل مرتبطة به ~~منسوبة إليه. # والفاعلية والإيجاد والتأثير يكون في الحقيقة هي إفادة الجاعل الماهية ~~مرتبطة بنفسه لا إفادته لها شيئا مباينا لذاته متحققا برأسه ولهذا قال بعض ~~العارفين: الأثر في ms024 الحقيقة ليس شيئا مستقلا متميزا عن المؤثر وليس الأثر ~~شيئا بحياله بل المؤثر هو الشيء والأثر إنما هو أثر شيء لا شيء بنفسه وما ~~وجد من الآثار مستقلة بذواتها ممتازة عن مؤثراتها فليست آثارا لها بالحقيقة ~~بل بحسب الظاهر. # وليس معنى كلامه: أن وجود الأثر وجود ناعت للمؤثر كنسبة الأعراض بالقياس ~~إلى موضوعاتها. # بل الحق أنها ليست كذلك فإن الارتباط بين الواجب والممكنات ليس بكونه ~~محلا للممكنات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا على ما يفهم من الأمثلة ~~الجزئية المذكورة في كتب العرفاء. # فإنها وإن كانت مقربة من جهة لكنها مبعدة من جهات أخرى كالتمثيل بالبحر ~~والأمواج والنور والأظلال وكالتمثيل بالشعلة المجتالة والنقطة النازلة ~~والحركة التوسطية التي كل منها أمر بسيط شخصي مستمر الوجود راسم للمتجددات ~~متكثر النسب اللاحقة المتجددة مع أن ذاته تعالى بذاته مبدأ أن ينتسب إليه ~~الأشياء بالارتباط الصدوري فينتزع منه الوجود الانتزاعي وراسم الماهيات ~~وفاعل الإنيات غير داخل فيها ولا مباشر لها وإنما هو قيوم بذاته يلزمه نسب ~~لاحقة وإضافات عارضة فإن حقيقة الحقة أرفع وأقدس من أن يقاس بغيره. # ولا يتوهمن أيضا من قول المحققين من الحكماء: أن حقيقته تعالى صرف الوجود ~~PageV00P130 # وموجودية الممكنات بالارتباط إليه كون وجود الحق صفة للممكن عارضا ~~لماهيته كما هو مذهب الجمهور في مفهوم الوجود المطلق بالنسبة إليها تعالى ~~ولهذا قيل: معيته تعالى بالماهيات الممكنة ليست إلا قيو ميته تعالى مع أن ~~معيته بها أشد في باب المعية من معية العارض بالمعروض والمعروض بالعارض لكن ~~لا يلزم بسببها اختلاط الواجب بالممكن وحصول التغيير والتجزي في ذاته ~~(تعالى) واتصافه بصفات المحدثات من التلوث والتقذر. # كما قال سيد الأولياء صلوات الله وسلامه عليه: مع كل شيء لا بمقارنة وغير ~~كل شيء لا بمزايلة.. # ومن توهم من العامية ضعفاء العقول أنه يلزم من معيته تعالى بالماهيات ~~الممكنات كما هو رأي المحققين من الحكماء والموحدين من الصوفية ممازجته ~~وملابسته بالقاذورات والأشياء الخبيثة. فما فهم من المعية المذكورة إلا ~~ملابسة الجسمانيات بعضها مع بعض وما ms025 ترقى فهمه إلى معية النفس مع البدن. # بل لعمري لو تفطن بمعية النور المحسوس بالأجسام حيث لا يلزم من ملابسة ~~الأنوار بالقاذورات تلطخها وتلوثها بها لما وقع في هذا الظن الفاسد في حقه ~~تعالى بل الحق كما تبين مما ذكرناه أن معيته تعالى بالماهيات ليست إلا ~~قيوميته لها مع أنا لا نعلم كنهها. # والحاصل مما ذكرناه ومما تركناه مخافة أن يعسر دركه على الأفهام: أن ~~الممكن في مرتبة ذاته لا يكون موجودا أصلا لا في نفسه ولا بنفسه ولا لنفسه ~~بل له الوجود الاعتباري النسبي إلى المبدإ الأول القيوم الواجب بالذات وهو ~~الموجود في نفسه بنفسه لنفسه (والله أعلم بسرائر الأمور). # فصل في أن كنه الواجب تعالى غير معلوم للبشر نسبة الوجود الانتزاعي إلى ~~الواجب تعالى وإن كان كنسبة المعاني المصدرية المنتزعة عن نفس الماهيات ~~كالإنسانية من الإنسان والحيوانية من الحيوان إلا أن بينهما مخالفة من وجه ~~آخر سوى ما ذكرنا من أن مطابق الحكم بالوجود على الحقيقة الواجبية نفس تلك ~~غير مقيدة بما دام كونها موجودة بخلاف المعاني الذاتية فإن الحكم ~~PageV00P131 # بها على الحقائق حين وجودها لا في وقت آخر. # وذلك الوجه هو أن للعقل أن يكتنه تلك الماهيات ويتصورها بكنه حقائقها ~~وينتزع منها الإنسانية والحيوانية والفلكية وغيرها. وليس له أن ينال ~~الموجود الحق ويتصوره على الاكتناه به حتى ينتزع منه الموجودية المصدرية إذ ~~يمتنع ارتسام الحقيقة الواجبة في الأذهان عالية كانت أو سافلة بل جميع ~~القوى الإدراكية عقلية كانت أو حسية في مرتبة واحدة بالقياس إلى نيل الجناب ~~الربوبي كما ورد عن النبي ص: إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار ~~وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم. فإن الإحساس إنما يتعلق بما في ~~عالم الخلق والتعقل إنما يتعلق بما في عالم الأمر فما هو فوق الخلق والأمر ~~يكون محتجبا عن الحس والعقل بل العقل يتصور مفهوم الوجود ويحكم بسبب ~~البرهان أن له مبدأ لو ارتسم في العقل ينتزع منه لذاته هذا المفهوم لكن ~~يمتنع أن ms026 يرتسم. # ففي الماهيات يعقل أولا المنتزع منه ثم ينتزع المعاني المصدرية الذاتية. ~~وهناك بعقل مفهوم الوجود الانتزاعي ثم يحكم أن له مبدءا منتزعا منه بالذات. # حجة عرشية كنه الواجب لو كان متعقلا لزم انقلاب حقيقته فإن حقيقة الموجود ~~الصرف بشرط سلب الموضوع وسائر الأشياء عنه لا لا بشرط شيء منها (كما عرفت) ~~لو تصور بكنهه لكان موجودا في موضوع مع أن حقيقته الموجود لا في موضوع ~~فينقلب حقيقته عما كانت عليه. # وهذا بخلاف الماهيات الجوهرية فإن جوهريتها ليست باعتبار كونها بالفعل لا ~~في موضوع بل هذا المعنى من عرضياتها اللاحقة بها في الخارج وجوهريتها إنما ~~هي باعتبار كونها بحيث إذا وجدت في الخارج كانت لا في الموضوع وهذا المعنى ~~لا ينفك عنها بحسب أنحاء الوجود فلم يلزم من الانقلاب في شيء حين تصورها ~~بكنهها أصلا. وسيأتي لهذا المعنى زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى. # والحاصل أن الواجب تعالى لو تعقل بالكنه لكان الموجود الخارجي من حيث إنه ~~PageV00P132 # موجود خارجي موجودا ذهنيا وهو باطل وبطلانه يوجب بطلان المقدم وهو ~~المطلوب. # ولقائل أن يقول: هذا البرهان إنما ينفي كونه تعالى معلوما بكنهه لغيره ~~بالعلم الصوري الارتسامي ولا ينفي كونه معلوما بالمشاهدة الحضورية. فنقول: ~~إن المعلوم بالذات أعني ما حضر عند العالم سواء كانت صورة ذهنية أو موجودا ~~عينيا لا بد وأن يكون بينه وبين العالم علاقة وجودية وارتباط عقلي مستلزم ~~لحصوله للعالم وإلا لصار كل من له صلاحية العالمية عالما بكل شيء بل يجب أن ~~يكون وجود المعلوم من حيث إنه معلوم عين وجوده لعالمه كما صرح به المحققون ~~من الحكماء والعلاقة المتصورة بين ذات الممكن وحقيقة الواجب ليست إلا علاقة ~~المعلولية ولا شك أنها علاقة ضعيفة لا توجب حصولها له فإن وجود المعلول من ~~حيث إنه معلول وإن كان بعينه وجوده لعلته لكن وجود العلة من حيث إنها علة ~~ليس بعينه وجودها لمعلولها ولا مستلزما لها فعلاقة العلية إنما توجب ~~العالمية بخلاف علاقة المعلولية. # والحاصل أن العلم إنما يتحقق بحصول شيء ms027 لشيء إما بذاته أو بصورة ذاته ~~حصولا حقيقيا أو حكيما وهو ينحصر في حصول الشيء لنفسه أو لعلته ولا يتصور ~~شيء منها في الواجب بالنسبة إلى الممكنات. # فلا يمكن أن يحصل العلم بحقيقة الواجب بنوع من أنواع العلم بالكنه لشيء ~~من الممكنات وهو المراد. # نقل كلام لتوضيح مرام استدل بعض الحكماء على هذا المطلب بوجه آخر فقال: ~~إنك إذا راجعت وجدانك تعلم أنك لا تعرف الغائب إلا بالشاهد. # معناه أن كل ما سألت عن كيفيته فلا سبيل إلى تفهيمك إلا أن يضرب لك مثال ~~من مشاهداتك الظاهرة بالحس أو الباطنة في نفسك بالعقل فإذا قلت: كيف يكون ~~الأول عالما بنفسه فجوابك الشافي أن يقال كما تعلم أنت نفسك فتفهم. ~~PageV00P133 # وإذا قلت: كيف يعلم بعلم واحد بسيط سائر المعلومات فيقال: كما نعرف جواب ~~مسألة دفعة من غير تفصيل ثم تشتغل بالتفصيل. # فإذا قلت: كيف يكون علمه بالشيء مبدأ وجود ذلك الشيء. # فيقال: كما يكون توهمك السقوط على الجذع عند المشي عليه مبدأ السقوط. # فإذا قلت: فكيف يعلم الممكنات كلها فيقال: يعلمها بالعلم بأسبابها كما ~~تعلم حرارة الهواء في الصيف بمعرفتك تحقيقا بأسباب الحرارة. # وإذا قلت: كيف يكون ابتهاجه بكماله وبهائه فيقال: كما يكون ابتهاجك إذا ~~كان لك كمال يتميز به عن الخلق واستشعرت ذلك الكمال. # والمقصود أنك لا تقدر علم أن تفهم شيئا من الله إلا بالمقايسة إلى شيء في ~~نفسك نعم تدرك في نفسك أشياء تتفاوت بالكمال والنقص فتعلم من هذا أن ما ~~فهمته في حق الأول أشرف وأعلى مما فهمته في حق نفسك فيكون ذلك إيمانا ~~بالغيب مجملا وإلا فتلك الزيادة التي توهمتها لا تعرف حقيقتها لأن مثل تلك ~~الزيادة لا توجد في حقك. # فإذا كان للأول أمر ليس له نظير فيك فلا سبيل لك إلى فهمه البتة وذلك هو ~~ذاته فإنه وجود بلا ماهية هو منبع كل وجود. # فإذا قلت: كيف يكون وجود بلا ماهية فلا يمكن أن يضرب لك مثال من نفسك فلا ~~يمكنك إذا فهم حقيقة ms028 الوجود بلا ماهية وحقيقة ذات الأول وخاصته هي أنه ~~موجود بلا ماهية زائد على الوجود وأن إنيته وماهيته واحدة وهذا لا نظير له ~~فيما سواه فإن ما سواه جوهرا وعرض وهو ليس بجوهر ولا عرض. # وهذا أيضا لا يتحققه الملائكة فإنهم أيضا جواهر وجودها غير ماهيتها وإن ~~ما هو وجود بلا ماهية ليس إلا الله فإذا لا يعرف الله إلا الله. # فإن قلت: فعلمنا بأنه موجود بلا ماهية زائدة وأنه حقيقة الوجود المحض علم ~~بما ذا إذا لم يكن علما به قلنا. هو علم بأنه موجود وهذا أمر عام وقولك: ~~إنه ليس له الماهية بيان PageV00P134 # أنه ليس مثلك فهو علم بنفي المماثلة كعلمك بأن زيدا ليس بصانع ولا نجار ~~فليس علما بصنعة بل هو علم بنفي شيء عنه وعلمك بإرادته وقدرته وحكمته يرجع ~~كله إلى علمه بنفسه أو بغيره وعلمك بأنه عالم بنفسه من لوازم ذاته لا ~~بحقيقة ذاته الذي هو الوجود المحض بلا ماهية انتهى كلامه بألفاظه. # أقول: إنه مبني أيضا على ما استقر عليه رأيهم من نفي المشاهدة الحضورية ~~لشيء من الأشياء إلا بالنسبة إلى ذاته وصفاته وإنه لا يمكن أن يعلم ما سواه ~~من الوجودات العينية المباينة إلا بالارتسام والتمثيل دون المشاهدة والحضور ~~وهو ليس بصواب بل التحقيق ما عليه الإشراقيون وأتباعهم من إثبات العلم ~~الحضوري وسيأتي إثباته في الكتاب. # فلقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يعرف كنه الواجب بالمشاهدة الحضورية ولا ~~حاجة فيها إلى المقايسة بالشاهد حيث يكون المعلوم مشاهدا بنفسه فالأولى أن ~~يستدل بما قلناه من أن معلومية شيء لشيء بالكنه مستلزم لمعلوليته له وهي ~~منتفية في حق الواجب تعالى. # وهذا قريب مما قاله بعض المحققين من العرفاء من: أن العلم بكنه حقيقة ~~الشيء لا يحصل إلا لنفس ذلك الشيء أو لعلته فإن حصول الشيء لنفسه وحصوله ~~لعلته مستلزم للعلم بالكنه وما عدا هذين الحصولين من حصول العلة للمعلول ~~وحصول شيء لأمر آخر بصورته فليس حصولا لكنه تلك الحقيقة حقيقة بل الحصول ~~الحقيقي المستلزم ms029 لمعرفة الكنه إما حصول الشيء لنفسه أو حصوله لعلته انتهى ~~كلامه. PageV00P135 # تنبيه تقديسي كل ما كان وجوده في نفسه أتم فمعقوله في الذهن أتم إذ ~~الحقائق إنما تحصل في العقل بأنفسها لا بأظلالها وأشباحها فعلى حسب وجودها ~~خارج عقولنا يكون معقولها مطابقا لموجودها فإن كانت كاملة الوجود كالدائرة ~~والمربع والعدد وأشباهها كان المعقول هي أيضا معقولا تاما لأنها في أنفسها ~~كاملة الوجود وإن كانت ناقصة الوجود كالحركة والزمان والهيولى وأشباهها كان ~~المعقول منها معقولا ناقصا إذ هي في أنفسها ناقصة الوجود وهذا المعنى في ~~العلم الذي لا يكون بالارتسام والتمثيل بل بمجرد الإضافة الإشراقية أوضح ~~فإن المعقول هناك بعينه الموجود الخارجي فإذا كان الواجب القيوم من فضيلة ~~الوجود في أعلى أنحائه ومن كمال الفعلية في أرفع المراتب. # فحينئذ يجب أن يكون المعقول منه على نهاية الكمال أيضا وحيث نجد الأمر ~~على خلاف ذلك فينبغي لنا أن نعلم أن هذا ليس من جهته إذ هو في ذاته على ~~الكمال الأقصى ولكن لضعف عقولنا وانغماسها في المادة وملابستها القوى ~~والأعدام يعتاص إدراكه وتعسر تعقله على ما هو عليه في ذاته فإن إفراط كماله ~~وشدة نوريته يبهرها فلا تقوى على إدراكه على التمام وإن كنا نعقل سائر ~~الأشياء بإفاضته وإشراقه أو لا ترى أن الضوء المحسوس الذي هو أول المبصرات ~~وأكملها وأظهرها وبه تصير المبصرات التي هي مبصرة بالقوة مبصرة بالفعل ~~ينبغي أن يكون ما هو أشد منه وأتم كان إدراك البصر له أكثر ولما وجدنا ~~الأمر على خلاف ذلك فعلمنا أن هذا ليس لخفائه ونقصه بل لشدة كماله في ~~النورية المحسوسة تبهر الأبصار وتكل الحاسة عن إدراكه ويضعف فكذلك قياس ~~كمال الحق الأول وقوة لمعانه ونقص عقولنا وضعفها وكلالها عن إدراكه وبما ~~بيناه تحقق أن الأشياء التي يكون المعقول منها لنفوسنا ضعيفا ولا ندركها حق ~~إدراكها على ما هي عليه في أنفسها على ضربين: ضرب ممتنع ذلك في حقه من قبل ~~PageV00P136 # ذاته لضعف وجوده وخسة جوهره كالهيولى وضرب مبذول من جهته لكونه ms030 على ~~التمام والكمال كالباري عز سلطانه إذ هو على الدرجة العليا من التمام ~~والغاية القصوى من الكمال لكنه يغلب إشراقه العقلي على بصائر القلوب ~~ويقهرها ويعجزها عن إدراك نوره النافذ ولمعانه الشديدة فيرجع عنه كليلة ~~حيرة وهذان الضربان كل منهما في غاية البعد عن الآخر بحسب الذات وفي الطرف ~~الأقصى من سلسلة الوجود المترتبة في الكمال والنقص المتدرجة في الشرف ~~والخسة فيكون أحدهما في غاية البهاء والكمال والآخر في نهاية الخسة والنقص ~~كالباري تعالى والهيولى وما يتلو كل منهما قوة وضعفا يتلوه ظهورا وخفاء وما ~~يكون متوسطا بين الأمرين ذا قسط من الجانبين فهو الذي يقوي القوى البشرية ~~على إدراكه والإحاطة به كالأجسام والألوان وسائر الكيفيات والكميات ولذلك ~~كان معرفة الأجرام والأبعاد عليها أسهل من معرفة سائر الأشياء. # فقد تبين وتحقق من ذلك أنا حيث كنا متلبسين بالمادة وكانت هي السبب في أن ~~صارت جواهرنا بحسب التعلق بها بعيدة عن الحق الأول فيكون أذهاننا وعقولنا ~~ممنوعة عن إدراكه تعالى لبعدها عن منبع الوجود من قبل سنخ ذاتها ومقارناتها ~~للمادة لا من قبله. # فإنه لعظمته وسعة رحمته وشدة نوره النافذ وعدم تناهيه أقرب إلينا من كل ~~الأشياء لتناهيها وعدم تناهيه كما أشار إليه في كتاب المجيد و نحن أقرب ~~إليه من حبل الوريد وفي قوله تعالى: و إذا سألك عبادي عني فإني قريب فهو ~~سبحانه في العلو الأعلى من جهة كماله الأقصى والدنو الأدنى من جهة سعة ~~رحمته وإحاطة علمه بالأشياء فهو العالي في دنوه والداني في علوه وإليه أشير ~~في الحديث لو دليتم بأرض السفلى لهبطتم على الله. PageV00P137 # وكلما بعدت جواهرنا عن المادة كان إدراكنا له تعالى أتم وتعقلنا له أتقن ~~وإذا فارقناها على التمام فحينئذ يصير معقولنا منه أكمل ما يكون قبل ذلك ~~ومع ذلك لا ندركه حق إدراكه وما نعرفه حق معرفته لتناهى قوة عقولنا وعدم ~~تناهيه في الكمال بل هو وراء ما لا يتناهى فيجب الاعتراف بالعجز عن معرفته ~~وهذا غاية معرفته. # قال يعقوب بن إسحاق الكندي: ms031 إذا كانت العلة الأولى متصلة بنا لفيضه علينا ~~وكنا غير متصلين به إلا من جهة فقد يمكن فينا ملاحظته على قدر ما يمكن ~~المفاض عليه أن يلاحظ المفيض فيجب أن لا ينسب قدر إحاطته بنا إلى قدر ~~ملاحظتنا له لأنه أعز وأوفر وأشد استغراقا وإذا كان الأمر كذلك فقد بعد عن ~~الحق بعدا كثيرا من ظن أن العلة الأولى لا يعلم بالجزئيات. # وقال المحقق الشهرزوري في الشجرة الإلهية: الواجب لذاته أجمل الأشياء ~~وأكملها لأن كل جمال وكمال في الوجود فإنه رشح وفيض وظل من جماله وكماله ~~فله الجمال الأبهى والكمال الأقصى والجلال الأرفع والنور الأقهر تعالى ~~وتقدس عما يقول الجاهلون علوا كبيرا. # فهو محتجب بكمال نوريته وشدة ظهوره. # والحكماء المتألهون العارفون به يشاهدونه لا بالكنه لأن شدة ظهوره وقوة ~~لمعانه وضعف ذواتنا المجردة النورية يمنعنا عن مشاهدته بالكنه كما منع شدة ~~ظهور الشمس وقوة نورها أبصارنا عن اكتناهها لأن شدة نوريتها حجابها. # فنحن نعرف الحق الأول ونشاهده لكن لا نحيط به علما كما ورد في الوحي ~~الإلهي و لا يحيطون به علما. # وقوله: لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار انتهى كلامه. PageV00P138 # وحاصله: أنه إذا لم يكن للنفس اكتناه نور الشمس التي ليس له رتبة أضعف ~~الأنوار العقلية بالمشاهدة الحضورية والإضافة الإشراقية على ما هو مناط ~~الرؤية عند الرواقيين وأتباعهم فيمتنع اكتناهه تعالى الذي هو أقوى الأنوار ~~العقلية كلها وأقهرها وأشدها بما لا يتناهى على الطريق الأولى. # فإن قيل: إذا جوزت كون ذاته تعالى معلوما بالشهود الإشراقي للنفوس ~~المتألهة ولا شك أن المشهود بشهود الإشراقي إنما هو عين حقيقته البسيطة لا ~~وجه من وجوهه فكيف لا يكون معلوما بالكنه والمشهود لا يكون إلا نفس حقيقته ~~الصرفة لا غير. # قلنا: لعله لا يمكن للممكنات مشاهدة ذاته تعالى إلا من وراء حجاب أو حجب ~~حتى المعلول الأول فهو أيضا لعله لا يشاهد ذاته إلا بواسطة مشاهدة نفس ذاته ~~فيكون شهود الحق له بسبب شهود ذاته وبحسبه لا بحسب ما هو المشهود عليه. ms032 # وهذا لا ينافي الفناء الذي ادعوه فإنه إنما يحصل بترك الالتفات إلى الذات ~~والإقبال بكلية الذات إلى الحق وترك الالتفات إلى الذات لا يستلزم نفي ~~العلم بها. # ويؤيد هذا ما في الفصوص (للشيخ الأعرابي) وشرحه بعد تبيين الحجب ~~الظلمانية والنورية وأنها عين العالم والعالم عين الحجاب على نفسه أي ~~الحاجب إياها عن شهود الحق. # وإذا كان العالم عين الحجاب فهو يدرك نفسه بلا حجاب ويدرك الحق من وراء ~~الحجاب. # فلا يدرك أي العالم الحق إدراكا يماثل إدراكه أي إدراك العالم نفسه فإن ~~إدراكه نفسه إدراك ذوقي شهودي من غير حجاب وإدراك العالم إياه من وراء ~~الحجاب فلا يزال العالم في حجاب أي في حجاب تعينه وإنيته عن إدراك الحق لا ~~يرتفع ذلك الحجاب عنه بحيث لم يصر مانعا عن الشهود ولم يبق PageV00P139 # له حكم فيه وإن أمكن أن يرتفع تعينه عن نظر شهوده لكن يكون حكمه باقيا ~~فيه ويكون بحسبه لا بحسب ما هو المشهود عليه فلا يرتفع الحجب بالكلية ~~انتهى. # وقول الحلاج: # بيني وبينك إني ينازعني * فارفع بلطفك إني من البين يؤيد ما ذكرناه. وقال ~~المعلم الثاني في الفصوص: إن لك منك غطاء فضلا عن لباسك من البدن. # فصل واجب الوجود بسيط الحقيقة ليس متألف الذات من أجزاء وجودية عينية أو ~~ذهنية كالمادة والصورة العينيين أو الذهنيين ولا من أجزاء حدية حملية لا ~~بشرطية كالجنس والفصل. # بيانه: أن كل ما هو مركب كان للعقل إذا نظر إليه وإلى جزء منه وقايس ~~بينهما بالوجود أن يحكم بتقدم ذلك الجزء تقدما بالطبع فيكون بحسب جوهر ذاته ~~مفتقرا إلى جزئه متحققا بتحققه وإن لم يكن أثرا صادرا عنه فكل ما هو كذلك ~~لم يكن واجب الوجود والمفروض أنه واجب الوجود (هذا خلف). # طريقة أخرى لو تركب ذات الواجب من أجزاء فلا يخلو إما أن يكون كل واحد من ~~تلك الأجزاء واجب الوجود أو ليس كذلك بل شيء منها أو جميعها ممكن الوجود ~~والقسمان باطلان. # أما الأول: فلأن كل حقيقة متأحدة تأحدآ نوعيا ms033 طبيعيا لا اعتباريا لا بد ~~وأن يكون لبعض أجزائه إلى بعض علاقة لزومية وارتباط علي إيجابي. # وقد تبين هذا في العلم الإلهى ويحكم به الفطرة قبل قيام البرهان عليه إذ ~~لا يتصور تأليف حقيقة نوعية أو PageV00P140 # جنسية من أمور متفاصلة متباينة مستغنية بعضها عن بعض بحسب الوجود اللهم ~~إلا في الأصناف والأشخاص من حيث هي أصناف وأشخاص وفي المركبات الاعتبارية ~~كالحجر الموضوع في جنب الإنسان. # فلو تركب حقيقة الواجب من الواجبين مثلا تعالى الواجب عن ذلك علوا كبيرا ~~لزم أن يكونا متلازمين ونحن قد أثبتنا من قبل أن لا علاقة لزومية بين ~~الواجبين لو فرضنا بل بينهما كانت (حينئذ) صحابة اتفاقية. # وأما بطلان الشق الثاني فلأنه لو تركب ذات واجب الوجود من أمور يكون ~~بعضها أو كلها ممكنا لزم افتقار الواجب في قوام ذاته وتجوهر حقيقته إلى ~~ممكن الوجود وتقدم الممكن على الواجب بحسب الذات وهو ممتنع. # وأيضا يلزم الدور على ذلك التقدير إذ العقل إذا قاس الممكن والواجب إلى ~~الوجود يجد الواجب أقدم في الوجود ويحكم بأنه: وجد الواجب فوجد الممكن فإذا ~~قاس الجزء والكل إليه يجد الجزء أقدم فيه من الكل ويحكم بينهما بتخلل الفاء ~~أي: وجد الجزء فوجد الكل. # ونحن نفصل هذا القسم ونقول: لا يخلو تلك الأجزاء التي ليست بأسرها واجبات ~~الوجود إما أن يكون بأسرها ممكنات الوجود أو يكون بعضها واجب الوجود وبعضها ~~ممكن الوجود فعلى الأول يلزم تحقق الحق المحض والفعلية الصرفة والوجود ~~المتأكد من الباطلات البحتة والهالكات الساذجة وهو بديهي الفساد وبين ~~البطلان وعلى الثاني يلزم تحصيل حقيقة متأحدة واجبة حقيقة من باطل صرف وحق ~~محض ومن الأمور المبينة بل البينة أنه لا يحصل طبيعة واحدة من أمور متخالفة ~~بتمام ماهياتها متغايرة بسنخ حقائقها وأي تخالف بين شيئين بحسب الحقيقة ~~أزيد من كون أحدهما واجبا بالذات والآخر ممكنا بالذات وكيف يتألف منهما ذات ~~هي صرف الوجود الذي لا يشوبه قوة أصلا. # برهان آخر على نفي الأجزاء العقلية يلزم منه انتفاء الأجزاء العينية ~~كالمادة ms034 والصورة الخارجتين إذ كل بسيط في التصور بسيط في الخارج دون العكس ~~فنقول: PageV00P141 # إن احتياج الجنس إلى الفصل كما هو مقرر عندهم ليس في تقومه من حيث هو هو ~~بل في أن يوجد ويحصل بالفعل فإن الفصل كالعلة المفيدة للجنس باعتبار بعض ~~الملاحظات العقلية فلو كان للواجب تعالى جنس وفصل لكان جنسه إما مفهوما غير ~~الوجود المتأكد فيكون الواجب الوجود ذا ماهية وقد سبق القول بأن ليس له ~~ماهية سوى الوجود وإما عين الوجود المتأكد فلا يحتاج في أن يوجد إلى الفصل ~~فيكون ما فرضناه فصلا ليس بفصل (هذا خلف) وكذا ما فرضناه جنسا ليس بجنس. # إجمال فيه تلويح عرشي لو كان للواجب أجزاء عقلية فلا يخلو إما أن يكون ~~جميعها أو بعض منها محض حقيقة الوجود أو لا يكون شيء منها كذلك وعلى ~~التقادير يمتنع الحمل بينهما وهو خرق الفرض تكميل الفلاسفة إنما أسسوا ~~إثبات المادة في الأجسام الذيمقراطيسية على تشابه الجزء المقداري وكله في ~~الحقيقة النوعية وبعد تمهيد ذلك نقول: لو كان للواجب تعالى جزء مقداري فهو ~~إما ممكن فيلزم أن يخالف الجزء المقداري كله في الحقيقة وإما واجب فيكون ~~الواجب بالذات غير موجود بالفعل بل بالقوة وكلا شقي التالي باطل فكذا ~~المقدم. # فصل واجب الوجود لا فصل لحقيقته البسيطة على أنه مقسم بيانه: أنه كما أن ~~الحقيقة المحصلة النوعية إنما يحتاج في تقوم ماهيتها وتجوهر حقيقتها ~~PageV00P142 # إلى أجزائها المقومة لها إذا لم يكن بسيطة لا إلى العوارض المصنفة أو ~~المشخصة إذ لا مدخلية لها في تجوهر مرتبة النوعية وتحصلها بل إنما يكون ~~مدخليتها في كون تلك الحقيقة موجودة بالفعل فكذلك الطبيعة المبهمة الجنسية ~~إنما يحتاج بحسب سنخ حقيقتها ومرتبة ماهيتها الجنسية إلى أجزاء القوام لو ~~كانت غير بسيطة ولا يحتاج إلى فصل مقسم كما سبقت إليه الإشارة إلا في تصحيح ~~إنيتها وتحصيل وجودها بالفعل على ما استبان في العلم الأعلى وفي علم ~~الميزان من أن الفصل المقسم خاصة بالقياس إلى الجنس والجنس عرض عام لازم ~~له. # وكون ms035 الجنس مفتقرا إلى الفصل في وجوده لا في تجوهره إنما يتصور إذا لم ~~يكن الجنس حقيقته نفس وجوب الوجود والحصول بالفعل مثل أن يكون حيوانا أو ~~مقدارا ولونا حتى يفيد الفصل له شيئا سوى نفس حقيقتها يكون ذلك الشيء هو ~~الوجود بالفعل. # وأما ما كان حقيقته نفس الوجوب الذي هو تأكد الوجود فلو كان ذا فصل كذلك ~~لكان الفصل مفيدا لمعنى ذاته وكان المقسم الخارج مقوما داخلا وهو محال. # وأيضا: فإن الموجود الذي لا سبب له إن فرض له فصل يفيد وجوده بالفعل لزم ~~أن يكون ما لا علة له معلولا. # وكيف يكون إبهام جنسي حيث يكون فعليته صرفة لا يشوبها قوة أصلا. # فصل واجب الوجود لا ينقسم حقيقته البسيطة بالعدد وإلا فإما أن يتكثر ~~بذاته فلا يوجد منه واحد لأنه على طباع ذلك المتكثر بنفس ذاته بل هو عينه ~~فتكثر وإذا انتفى الواحد انتفى الكثير لأنه مبدؤه فإذا كثرناه بنفسه فقد ~~أبطلنا كثرته فقد أبطلنا نفسه. # وإما أن يتكثر بغيره ففيه قوة القبول وهي غير حيثية الوجوب بالذات الذي ~~هو محض الفعلية فيتركب ذاته من حيثيتين وهو محال. PageV00P143 # وبوجه آخر لو كان معنى واجب الوجود بالذات يحمل على كثيرين بالعدد فواحد ~~شخصي من أفراده لا يخلو إما أن يكون كونه ذلك المعنى وكونه هو بعينه أمرا ~~واحدا فلا يكون غيره واجبا بالذات كما لا يكون غيره هو بعينه فينحصر حقيقته ~~فيه ولا يوجد لغيره. # وإما أن يكون ذلك المعنى أمرا وراء كونه هو بعينه ففي حمل ذلك المعنى ~~عليه واتصافه به يحتاج إلى تأثير وعلية. # لأن الشخص عرضي بالقياس إلى النوع وكل عرضي معلل إما بما هو عرضي له أو ~~بغيره فعلة هذا بعينه إما أن يكون نفس معنى الواجب بالذات فيلزم أن يكون ~~متعينا قبل هذا ويعود الكلام إليه جذعا وإما أن يكون العلة غير معنى الواجب ~~بالذات فيلزم كون الواجب بالذات ممكنا بالذات وهو باطل. # وبالجملة لو كان واجب الوجود شرطه أن يكون مثلا فلا يكون واجب ms036 الوجود إلا ~~هو هو وإن لم يكن شرطه أن يكون فبعلة ما وسبب ما صار فكان واجب الوجود ~~بذاته واجب الوجود بغيره هذا خلف. # وبوجه آخر تحقق في كتب هذا الفن: أن منشأ التكثر العددي في ما له حد نوعي ~~إنما هو المادة فقط بوجه والموجود المفارقي يأبى عن الكثرة العددية فواجب ~~الوجود أحق بنفي هذا الوجه من الكثرة لكونه في أعلى مرتبة التجرد لتجرده عن ~~الماهية فضلا عن الهيولى. وسيأتيك زيادة بصيرة في هذا المعنى إن شاء الله ~~(تعالى). # فصل واجب الوجود لا يجوز أن يكون حقيقة نوعية بسيطة متشخصة بتشخصات ~~PageV00P144 # أو يكون بحيث يتشخص بأمر يزيد على حقيقته سواء كان منتشرا أو محصورا في ~~واحد دون غيره كالعقل أو الشمس مثلا. # فإن تلك الأمور إنما يكون سببا في كون الشيء موجودا بالفعل لا في تقويم ~~معنى الذات وتقريره: وكما أن النوع لا يحتاج إلى الفصل في كونه متصفا ~~بالمعنى الجنسي بل في كونه محصلا بالفعل فكذلك الشخص لا يحتاج إلى المشخص ~~في كونه متصفا بالمعنى الذي هو النوع بل يحتاج إليه في كونه متصفا بالوجود. # ولما ثبت من قبل أن واجب الوجود ماهيته إنيته فكل ما فرض مقوما لوجوده ~~يكون مقوما لسنخ حقيقته. # فلو كان حقيقته متشخصة بتشخص يزيد على ذاته لكان المشخص مما يحتاج إليه ~~للمعنى النوعي وتقويمه وهو باطل كما علمت. # فثبت أن الواجب بالذات يجب أن يكون متشخصا بنفس حقيقته لا بأمر زائد ~~عليه. # أي يكون حقيقته عبارة عن تشخصه كما أنه عبارة عن نفس وجوده بل الوجود ~~والتشخص أمر واحد كما هو التحقيق. # فالواجب تعالى هو الوجود البحت الذي لا يوصف بأنه جنس ولا بأنه نوع ولا ~~يوصف بأنه كلي أو جزئي أي شخص لطبيعة مرسلة. # بل إنه متميز بذاته منفصل بنفسه عن سائر الوجودات لا بأمر فصلي أو عرضي ~~وإنه عقلي أي مجرد لا أنه كلي. # وإذ لا جنس له ولا فصل له فلا حد له وإذ لا حد له ولا علة له ms037 فلا برهان ~~عليه لأن الشيء الذي يكون غنيا عن كل شيء فهو إما أن يكون أوليا أو يكون ~~مأيوسا عن معرفته. # وإما أن يستدل عليه بآثاره ولوازمه وحينئذ لا يعرف حق معرفته إذ لا يعرف ~~بها حقيقته وماهيته فليس شيء غير واجب الوجود برهانا عليه وهو البرهان على ~~كل شيء. # فإن العلم اليقيني بذي السبب وهو جميع الممكنات لا يحصل إلا بالسبب كما ~~ورد في القرآن قل أي شيء أكبر شهادة قل الله نعم لو استدل عليه بأوثق ~~القياسات وهو الاستدلال عن حال الوجود وأنه يقتضي واجبا بالذات كما أشرنا ~~إليه PageV00P145 # سابقا لم يكن القياس دليلا وإن لم يكن أيضا برهانا محضا بل كان قياسا ~~شبيها بالبرهان. # وهم وإزاحة إن اختلج في صدرك: أنه حيث ثبت وتقرر بالبيان التعليمي ~~والبرهان العقلي أن حقيقة الواجب هو الوجود المجرد عن الموضوع فلا ضير في ~~إطلاق معنى الجوهر ومفهومه عليه (تعالى) وإن لم يطلق لفظه عليه بحسب ~~التوقيف الشرعي إذ معناه ومفهومه الموجود لا في موضوع. # وهذا المعنى بعينه هو الذي صيرته الفلاسفة جنسا للجواهر الخمسة فيلزم أن ~~يكون معنى الموجود لا في موضوع يعم الأول وغيره عموم الجنس لأنواعه فيقع ~~تحت جنس الجواهر ويحتاج في تقوم سنخه إلى فصل مقوم له فيتركب ذاته أو يكون ~~معنى واحد وحقيقة واحدة محصلا تارة وغير محصل أخرى وكلاهما محالان. # فاعلم: أن معنى الجوهر الذي جنسوه ليس هو الموجود بما هو موجود مسلوبا ~~عنه الموضوع وإلا للزم من انعدام شيء من أفراد هذا المعنى انقلاب الحقيقة ~~ولكانت أفراد الجوهر كلها واجبة الوجود لذواتها (تعالى الواجب بالذات عن ~~ذلك علوا كبيرا.) ولا أيضا الشيء الموجود بالفعل لا في موضوع يصلح لأن يكون ~~عنوانا لحقيقة الجنسية البسيطة وإلا لكان كل من علم شيئا أنه هو في نفسه ~~جوهر علم أنه موجود ولما أمكن تعقل شيء من الأنواع الجوهرية فإن العلم هو ~~المكتسب من صورة شيء مجردة عن مادته فصورة الجوهر جوهر كما أن صور الأعراض ~~أعراض وماهية الجوهر ms038 ليست في العقل بالصفة المذكورة بل هي موجودة فيه لا ~~كجزء منه. # فإذن مفهوم الجوهر الذي يصلح للتجنيس هو ما يعبر عنه بأنه الشيء ذو ~~الماهية المتقررة PageV00P146 # الذي ماهيته إذا صارت موجودة في الخارج كان وجودها لا في موضوع كالعقل ~~والنفس والفلك مثلا وهذا المعنى ثابت له سواء وجد في العقل أو في الأعيان ~~وليس إذا كان في العقل في موضوع فقط بطل أن يكون ماهيته في الأعيان ليست في ~~موضوع. # فالمعقول من الجوهر جوهر لأنه موجود لا في موضوع بالمعنى المذكور وهو أنه ~~ماهية إذا وجدت في الأعيان يكون لا في موضوع كالمغناطيس الذي في الكف لا ~~يقدح عدم جذبه للحديد بالفعل في كونه جذابا للحديد إذا صادفه ففي قوته جذب ~~الحديد وإن كان في الكف لا يجذب الحديد بالفعل. # ثم مما يجب أن يعلم أنه ليس معنى كلامهم: إن كليات الجواهر جواهر أن ~~الكلي من الجوهر الذي في الذهن وله محل مستغنى عنه هو الذهن فإنه قد يزول ~~عنه صور الجواهر ويعود إليه بحيث يوجد تارة في الخارج لا في موضوع وتارة في ~~الذهن في موضوع كالمغناطيس الذي هو في الكف فإنه بحيث يجذب الحديد تارة كما ~~إذا كان في خارج الكف ولا يجذبه أخرى كما إذا كان فيه حتى يرد عليه أنه ~~مغالطة من باب تضييع الحيثيات والاعتبارات وأخذ الكلي مكان الجزئي فإن ~~الكلي الذي ذاته في العقل يستحيل وقوعها في الأعيان واستغناؤها عن الموضوع ~~والمغناطيس الذي هو في الكف يجوز عليه الخروج منه والجذب للحديد. # بل المراد بالكلي الكلي الطبيعي أي: الماهية بلا شرط الكلية والجزئية ~~والمعقول من الجوهر وإن كان عرضا بحسب خصوص وجوده الذهني وكونه كليا لكنه ~~جوهر بحسب ماهيته فإن ماهيته ماهية شأنها أن يكون موجودة في الأعيان لا في ~~موضوع أي إنها معقولة عن أمر وجوده في الأعيان أن لا يكون في موضوع. # والتمثيل بالمإناطيس إنما يكون باعتبار أن ماهيته متصف بجذب الحديد مع ~~قطع النظر عن نحو وجودها فإذا وجد مقارنا ms039 لكف الإنسان ولم يجذب الحديد ووجد ~~مقارنا لجسميته حديد فجذبه لم يلزم أن يقال: إنه مختلف الحقيقة في الكف وفي ~~الحديد بل هو في كل منهما بصفة واحدة وهو أنها حجر من شأنها جذب الحديد ~~(هذا) فقد انكشف ووضح مما بيناه أن ما يصلح أن يكون عنوانا لحقيقة الجوهر ~~ويحمل PageV00P147 # على الأنواع المندرجة تحته لذاته لا لعلة كما هو مقتضى الذاتيات من أنها ~~لا يعلل هو معنى الجوهر على الوجه المذكور ولا شك أن حمل هذا المعنى على ~~الأنواع التي يندرج تحته إنما يكون لذواتها لا لعلة. # وأما حمل كونها موجودة بالفعل الذي هو جزء من كونها موجودة بالفعل لا في ~~موضوع عليها فلا محالة يكون بسبب وعلة لأن حقائقها إمكانية. # وإذا لم يكن حمل الموجود بالفعل على ما تحتها من الأجناس العوالي إلا ~~بسبب لا كحمل الجنس الذي لا يعلل فلم يصر بإضافة معنى سلبي إليه جنسا لشيء ~~وإلا لصار بإضافة معنى إيجابي إليه جنسا للأعراض بل هذا أولى. # ومن طريقة أخرى نقول: الجنس إنما يحمل على ما تحته بالتواطؤ وذلك المعنى ~~أي: الموجود بالفعل لا في موضوع يحمل على ما تحته بالتشكيك فإن حمله على ~~الهيولى والصورة أقدم من حمله على الجسم وحمله على الأبوين أقدم من حمله ~~على الابن وكذا يختلف على جواهر العالم الأعلى وعلى جواهر عالمنا الأدنى ~~فإن جواهر ذلك العالم أقدم وأقوم بحسب الوجود بالفعل من جواهر هذا العالم ~~بل هذه أظلال وأشباح لها كما صرح به الأقدمون. # وأما حقيقة الجوهر فإن المتقدم من أفرادها بالوجود ليس هو سببا لأن يصير ~~المتأخر بحيث يحمل عليه معنى الجوهرية فإن الجوهر جوهر بحسب ذاته لا بجعل ~~جاعل وجوهرية شيء ليست بسبب أمر يحمل عليه الجوهر لكنه في وجوده يحتاج إلى ~~أسباب وعلل. ولا جوهرية شيء في أنها جوهرية علة لجوهرية شيء آخر فالجوهر ~~العلي أخلق وأولى بالوجود من الجوهر المعلولي لا بأن يكون جوهرا لأن التقدم ~~والتأخر إذا أضيف إلى شيئين فقد يكون بذاتيهما كتقدم وجود ms040 على وجود كوجود ~~العلة على وجود المعلول وقد يكون التقدم والتأخر الذي نسب إلى شيئين ~~باعتبار أمر ثالث كتقدم نوح على نبينا (ع) وتقدم شخص الأب على الابن لا في ~~الإنسانية فإنها في الجميع بالسواء بل في الزمان والوجود وكل منهما معنى ~~زائد على نفس الماهية. فالوجود متقدم على الوجود بالطبع لا بأمر زائد. # وأما الجوهرية فهي بالسواء PageV00P148 # في الجميع فكما أن الجسم موجود لا في موضوع فكذا أجزاؤه بلا تقدم ولا ~~تأخر فيها. # فقد ثبت من هذا الطريق أيضا أن معنى الجوهر الذي يصلح أن يكون جنسا للعقل ~~والفلك والحيوان والشجر والحجر ليس يصلح أن يجعل حقيقة واجب الوجود ولا ~~بحيث بحمل عليه تعالى حمل جنس أو غيره أصلا لأنه ليس ذا ماهية كما علمت بل ~~الوجود المتأكد له كالماهية لغيره. # تنبيه اعلم أن ما ذكرناه هو ما أدى إليه نظر جمهور الفلاسفة من أتباع ~~المعلم الأول. # وأما على مذهب طائفة من شيعة أفلاطون والأقدمين القائلين بأن الوجود ~~اعتباري ذهني وليس التقدم بين الموجب التام ومعلولها إلا بالماهية فيتقدم ~~عندهم جوهر العلة في أنها جوهر على جوهر المعلول بل يقولون إن جوهر المعلول ~~في أنه جوهر كظل لجوهر العلة. # ويجوزون أيضا أن يكون جوهر أقوى في الجوهرية من جوهر آخر كالجوهر العقلي ~~والجوهر النفسي وكالجوهر المفارق والجوهر المادي وكذا في أنواع الجوهر ~~فقالوا: # حيوان يكون حواسه أكثر ونفسه على التحريك أقوى كالإنسان مثلا يكون ~~حيوانيته أتم مما لا يكون كذلك كالبعوضة (مثلا). # وكذا في مقولة الكيف والكم يتحقق التفاوت عندهم في نفس معنى الكيفية ~~المطلقة والكمية المطلقة فسواد يكون أشد سوادا من سواد في مفهوم السوادية ~~المشتركة وكذا خط يكون أطول من خط في معنى الخطية وعدد يكون أكثر من عدد في ~~معنى الكمية المنفصلة مع قطع النظر عن اللواحق والمعينات أو الإضافات ~~العارضة وإن لم يطلق على بعضها أدوات التفضيل والمبالغة في عرف أهل اللسان ~~إذ ليس من دأب الحكيم الاقتصار في تصحيح المعاني على مجاري العرف واقتناص ms041 ~~الحقائق من الألفاظ. # والعجب من محشي التجريد وغيره كبعض الأعلام أدام الله قدره حيث ~~PageV00P149 # بالغوا في مناقصة هذا الرأي ولم يجوزوا التفاوت في نفس ماهيات الأشياء ~~بوجه من وجوه التشكيك مع أن الوجود عندهم من الاعتباريات الذهنية وأنهم ~~قالوا ب: تقدم ماهية العلة على ماهية المعلول فإذا كانت العلة والمعلول ~~كلاهما جوهرين يلزمهم الاعتراف بأن جوهر العلة في باب الجوهرية أقدم من ~~جوهر المعلول وهم يتحاشون عن ذلك وسيجئ زيادة تحقيق لهذا في مستأنف الكلام ~~(إن شاء الله تعالى). # فصل في أن واجب الوجود لا شريك في هذا المفهوم اعلم أنك كما قد تعقل ~~المتصل مثلا نفس المتصل كالجزء الصوري للجسم من حيث هو جسم وقد تعقل شيئا ~~ذلك الشيء هو المتصل كالمادة له فكذلك قد تعقل واجب الوجود بما هو واجب ~~الوجود وقد تعقل شيئا ذلك الشيء هو واجب الوجود ومصداق الحكم به ومطابقته ~~في الأول حقيقة الموضوع فقط وفي الثاني هي مع حيثية أخرى سواء كانت ~~انتزاعية أو انضمامية. # وكل واجب الوجود إن لم يكن نفس واجب الوجود بل له حقيقة تلك الحقيقة ~~متصفة بكونها واجب الوجود ففي اتصافها به يحتاج إلى عروض هذا الأمر وإلى ~~جاعل يجعلها كذلك أو يجعلها حتى يتصف به على اختلاف القولين فهي في حد ~~ذاتها ممكنة وبذلك صارت واجبة الوجود وكل ما كان كذلك لا يكون واجب الوجود ~~لذاته كما علمت سابقا فكل واجب الوجود بذاته فهو نفس واجب الوجود بذاته. # وأما ما قال بعضهم من: أن ماهية الأول تعالى أعلى من وجوب الوجود بل هي ~~ماهية لا اسم لها إذا عقلت يلزمها في العقل أنها واجبة الوجود فيجب أن يأول ~~معنى قوله: أعلى من وجوب الوجود ويلزمها في العقل هذا أنا لا يمكننا أن ~~نتصور وجوب الوجود إلا مع تركيب فيكون للوجود مفهوم وللوجوب مفهوم آخر. # وأما الوجود الذي وجوبه تأكده وكماليته فهو بسيط فلا اسم دال عندنا على ~~ما يليق بكماليته وبساطته وهذا التركيب المأخوذ بحسب مفهوم هذا اللفظ إنما ms042 ~~هو لازم من لوازمه. PageV00P150 # فإذا ثبت وتحقق أن واجب الوجود بذاته واجب الوجود بحسب الحقيقة أي: حقيقة ~~الوجود الصرف المتحقق. # وثبت أيضا أن مطلق الوجود شيء واحد بحسب المعنى والمفهوم كما هو عند ~~المحصلين من الحكماء. # فنقول: لو تعدد الواجب بالذات فكان اثنين مثلا (تعالى عن ذلك) فلا يخلو ~~إما يتحدا في الحقيقة أو لا. # فعلى الأول علة اختلافهما يكون أمرا غير الوجود المتأكد وغير حقيقتهما ~~فيلزم إمكانهما جميعا أو إمكان واحد منهما وهذا خلف. # وعلى الثاني يكون واجب الوجود عارضا لهما جميعا أو لأحدهما وقد ثبت أن ~~واجب الوجود لا حقيقة له سوى نفس الوجود. # طريقة أخرى لا يمكن تعدد الواجب بالذات إذ حقيقته محض الوجود من حيث هو ~~موجود بل الوجود الواجب. # والتفاوت ليس إلا في العبارة والمعبر عنه شيء واحد فيهما وكلما كان حقيقة ~~الشيء محض الوجود لكان متشخصا بنفس حقيقته فلا يمكن تعدده وهو المطلوب. # حجة أخرى لو تعدد الواجب لزم أن يكون أثر أحدهما بعينه ممكنا أن يكون أثر ~~الآخر لاتفاقهما في وجوب الوجود الذي هو معنى واحد وهو يكون عين كل واحد ~~منهما. # فاستناده إلى أحدهما دون الآخر يوجب ترجيحا بلا مرجح وصدوره عنهما جميعا ~~يوجب صدور أمر واحد بالشخص من متعدد وكلاهما محال فتعدد الواجب محال. # برهان آخر ليس في الوجود واجبان بالذات إذ الوجود يكون حينئذ نفس الماهية ~~لهما ولازم النوع يتفق والعارض الغريب يوجب المخصص الخارجي ولا يصح أن يخصص ~~كل واحد منهما نفسه بشيء فيتقدم تخصصه على تخصيصه ولا أن يخصص كل واحد ~~PageV00P151 # منهما الآخر بشيء فيقدم تخصيص كل منهما على تخصص مخصصه فيقدم تعينه على ~~تعيين نفسه وهو محال. (على تعين نفسه ق ل). # برهان آخر مصداق حمل مفهوم واحد ومطابق صدقه بالذات مع قطع النظر عن أية ~~حيثية كانت لا يمكن أن يكون حقائق متخالفة متباينة بالذات غير مشتركة في ~~ذاتي أصلا. # وظني أن كل سليم الفطرة يحكم بأن الأمور المتخالفة من حيث كونها متخالفة ~~بلا حيثية جامعة ms043 لا يكون مصداقا لحكم واحد ومحكيا عنها به. # نعم يجوز ذلك إذا كانت تلك الأمور متماثلة من جهة كونها متماثلة كالحكم ~~على زيد وعمرو بالإنسانية من جهة اشتراكهما في تمام الماهية لا من حيث ~~اختلافهما بالعوارض المشخصة أو كانت مشتركة في ذاتي من جهة كونها كذلك. # كالحكم على الإنسان والفرس بالحيوانية من جهة اشتمالها عليها أو في عرضي ~~كالحكم على الثلج والعاج بالأبيضية من جهة اتصافهما معا بالبياض. # أو كانت تلك الأمور المتباينة منتسبة إلى أمر واحد كالحكم على مقولات ~~الممكنات بالوجود من حيث انتسابها إلى الوجود الحق تعالى مجده أو كانت ~~متفقة في أمر سلبي كالحكم عليها بالإمكان لأجل كونها مسلوبة عنها ضرورة ~~الوجود. # وأما ما سوى أشباه تلك الوجوه المذكورة فلا يتصور فيها ذلك ضرورة فإذا ~~تمهدت تلك المقدمة فنقول: لو تعدد مفهوم الواجب بالذات لكان كل واحد منهما ~~من حيث ذاته بذاته مما ينتزع مفهوم الوجود والوجوب عنه ويحكم بالموجودية ~~والواجبية عليه فلا بد أن يتحقق بينهما أمر مشترك ذاتي سواء كان عين ~~حقيقتهما أو جزء منهما وكل واحد منهما باطل كما مر في الفصول الماضية. # وليعلم: أن البراهين الدالة عندي على هذا المطلب الذي هو من أصول المباحث ~~PageV00P152 # الإلهية كثيرة لكن تتميم جميعها متوقف على أن حقيقة الواجب الوجود بالذات ~~هو الوجود البحت القائم بذاته. # وأن ما يعرضه الوجوب أو الوجود فهو في حد ذاته ممكن ووجوبه كوجوده إنما ~~يستفاد من الغير فلا يكون واجبا. # وهذه المقدمة مما ينساق إليه البرهان ويصرح بها في كتب أهل الفن كالشفا ~~وغيره. # وقد أسلفنا القول فيها. # وبها يندفع ما تشوشت به طبائع الأكثرين وتبلدت منه أذهانهم وضلت فيه ~~عقولهم مما قيل: لم لا يجوز أن يكون هناك هويتان بسيطتان مجهولتا الكنه ~~مختلفان بتمام الماهية البسيطة يكون كل منهما واجبا لذاته ويكون مفهوم واجب ~~الوجود منتزعا منهما مقولا عليهما قولا عرضيا إذ قد علمت أنه لو كان كذلك ~~لكان عروض هذا المفهوم لكل منهما أو لأحدهما إما معلولا لذات المعروض ms044 فيلزم ~~تقدمه بالوجود على نفسه وهذا شنيع محال أو لغيره وهو أشنع. # بل نقول: لو نظرنا إلى نفس مفهوم الوجود المعلوم بوجه من الوجوه بديهة ~~أدانا النظر والبحث إلى أن حقيقته وما ينتزع هو منه أمر قائم بذاته هو ~~الواجب الحق والوجود المطلق الذي لا يشوبه عموم ولا خصوص ولا تعدد ولا ~~انقسام إذ كل ما وجوده هذا الوجود فرضا لا يمكن أن يكون بينه وبين شيء آخر ~~له أيضا هذا الوجود مباينة أصلا ولا تغاير فلا يكون اثنان بل يكون هناك ذات ~~واحدة ووجود واحد. # كما أشار إليه صاحب التلويحات بقوله: صرف الوجود الذي لا أتم منه كلما ~~فرضته ثانيا فإذا نظرت فهو هو إذ لا ميز في صرف شيء. # فوجوب وجوده الذي هو ذاته تدل على وحدته كما في التنزيل شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو. # وعلى موجودية الممكنات بالمعنى الانتزاعي كما في قوله: أو لم يكف بربك ~~أنه على كل شيء شهيد. PageV00P153 # فإن موجودية الممكنات كما سبق القول فيه مرارا عبارة عن انتسابها ~~وارتباطها إلى الوجود القائم بذاته انتسابا وارتباطا مجهول الكنه. # ومفهوم الوجود أعم من ذلك الأمر القائم بذاته ومن الأمور المنتسبة إليه ~~من ذلك النحو من الانتسابات. # وصدق المشتق لا ينافي قيام المبدإ بذاته الذي مرجعه إلى عدم قيامه بالغير ~~ولا يكون ما صدق عليه أمرا منتسبا إلى المبدأ لا معروضا له بوجه كما في ~~اللابن والتامر على أن إطلاقات اللغويين وأهل اللسان لا عبرة لها عند أبناء ~~الحقيقة ولا الحقائق يقتنص منها. # وكون المشتق من المعقولات الثانية والمفهومات العامية والبديهيات الأولية ~~لا يصادم كون المبدإ حقيقة متأصلة متشخصة مجهول الكنه إذ ثانوية المعقول ~~وتأصله قد يختلف بالقياس إلى الأمور. # وانتزاع هذا المفهوم البديهي عن حقيقته تعالى ليس بحسب تمثله في الذهن بل ~~بنحو آخر أشرنا إليه سابقا. # فاستقم في هذا المقام ولا تتبع الأوهام التي تزل بها الأقدام والأفهام. # فصل إله العالم واحد لا شريك له في الإيجاد والبراهين الماضية إنما دلت ~~على ms045 أن الواجب بالذات واحد والآن نريد أن نبين وحدة الإله الخالق للعالم إذ ~~مجرد وحدة الواجب بالذات لا يوجب كون الإله المؤثر في العالم واحدا. # فنقول: قد علم أن واجب الوجود بذاته واحد لا شريك له في الوجوب الذاتي بل ~~في حقيقة الوجود وكل موجود سواه ممكن بذاته وبه صار واجبا موجودا. # فبوجوب استناد كل الموجودات وارتقائها إليه تعالى يلزم أن يكون وجودات ~~الأمور كلها مستفادة من أمر واحد هو الواجب الوجود بذاته. # فالأشياء كلها بالقياس إليه محدثة ونسبته إلى ما سواه نسبة ضوء الشمس لو ~~كان قائما بذاته إلى الأجسام المستضيئة عنه المظلمة بحسب ذواتها فإنه بذاته ~~مضيء وبسببه يضيء كل شيء. # وأنت إذا شاهدت إشراق الشمس على موضع وإنارته بنورها ثم حصول نور آخر من ~~ذلك النور PageV00P154 # حكمت بأن النور الثاني من الشمس وأسندته إليها فكذا حال وجودات الأشياء ~~(فالكل من عند الله). # بل نقول: لما تحقق أن الواجب بذاته هو الوجود الحقيقي والموجود في حد ~~نفسه وغيره ليس موجودا في نفسه وإنما يكون موجوديتها باعتبار انتسابها إليه ~~تعالى وإن التأثير والإيجاد حقيقة إنما هو إفادة الفاعل نفس ذات المعلول ~~متعلقة ومرتبطة بنفسه بحيث يصير بارتباطها به مبدأ لانتزاع الوجود منها ~~ومصداقا لحمل الموجود عليها. # إذ الشيء ما لم يكن وجودا وموجودا في نفس حقيقته لا يصير أمرا آخر ~~بارتباطه موجودا. # فقد ثبت أن التأثير والإيجاد الحقيقي والفاعلية الحقيقية يختص بواجب ~~الوجود بذاته كما أن الوجود الحقيقي يختص به تعالى وهو واحد كما بيناه فلا ~~مؤثر في الوجود إلا هو. # وكما أن كونه موجودا حقيقيا لا غير لا يوجب أن لا يكون غيره موجودا أصلا ~~كذلك كونه موجدا حقيقيا لا غير لا يوجب أن لا يكون غيره فاعلا. # وإنما يلزم منه نفي الفاعلية الحقيقية عن غيره. # فكون الوجود مطلقا معلولا له تعالى حقيقة لا ينافي إثبات الوسائط ~~والروابط مثل العقول والنفوس والطبائع والقوى على ما فعله الحكماء إذ لا ~~تأثير للوسائط عندهم إلا في التصحيح والإعداد دون التأثير ms046 والإيجاد كما ~~توهمه صاحب كتاب المعتبر من ظاهر كلامهم وشنع به عليهم. # ومما يؤيد ما ذكرناه ما قال الشيخ الرئيس في الإشارات من أن الأول يبدع ~~جوهرا عقليا هو بالحقيقة مبدع وبتوسطه جوهرا عقليا وجرما سماويا. # وما قال الشيخ الإلهي في الهياكل: ليس أن حركات الأفلاك توجد الأشياء ~~ولكنها تحصل الاستعدادات ويعطي الحق الأول لكل شيء ما يليق باستعداده... ~~PageV00P155 # وكذا قوله بلسان الإشراق: والجواهر العقلية وإن كانت فعالة إلا أنها ~~وسائط جود الأول وهو الفاعل. # وكما أن نور القوى لا يمكن النور الضعيف من الاستقلال بالإنارة فالقوة ~~القاهرة الواجبة لا يمكن الوسائط لوفور فيضه وكمال قوته... انتهى. # ولقد أعجبني في هذا المقام كلام إمام الرازي في المباحث المشرقية: الحق ~~عندي أنه لا مانع من استناد كل الممكنات إلى الله تعالى لكنها على ضربين: ~~منها ما إمكانه اللازم لماهيته كاف في صدوره عن الباري تعالى فلا جرم يكون ~~فائضا عنه تعالى من غير شرط. # ومنها ما لا يكفي إمكانه بل لا بد من حدوث أمر قبله ليكون الأمور السابقة ~~مقربة للعلة الفائضة إلى الأمور اللاحقة وذلك إنما ينتظم بحركة دورية. # ثم إن تلك الممكنات متى استعدت استعدادا تاما صدرت عن الباري تعالى بلا ~~منع وبخل وحدثت عنه ولا تأثير للوسائط أصلا في الإيجاد بل في الإعداد... ~~انتهى. # وصاحب التحصيل استدل على هذا المطلب بقوله: وإن سألت الحق فلا تصح أن ~~يكون علة الوجود إلا ما هو بريء من كل وجه من معنى ما بالقوة وهذا هو صفة ~~الأول لا غير إذ لو كان مفيدا لوجود ما فيه معنى ما هو بالقوة سواء كان ~~عقلا أو جسما كان للعدم شركة في إفادة الوجود وكان لما بالقوة شركة في ~~إخراج الشيء من القوة إلى الفعل انتهى. PageV00P156 # أقول: وهذا الكلام منه وإن استصوبه جماعة ممن تأخر عنه من المحققين لكن ~~لنا فيه نظر من وجوه. # الأول أن معنى الإمكان الذاتي وإن كان أمرا ثابتا للمفارقات باعتبار ~~ذواتها من حيث هي هي لكنه غير ثابت ms047 لها في نفس الأمر بل الثابت لها فيها ~~إنما هو الوجود والتحصل بسبب الفاعل (فحينئذ) إن أراد بالقوة في قوله: معنى ~~ما بالقوة. معنى الإمكان الذاتي فلا نسلم الملازمة المذكورة مستندين بأن ~~ليس للعدم أو القوة الذي ينسب العقل ذات الممكن إليه باعتبار ملاحظة ذاته ~~من حيث هي هي من دون استناده إلى الموجب التام تحقق في نفس الأمر حتى يكون ~~له شركة في إفادة الوجود. # لا يقال: اعتبار ذات الممكن من حيث (هي هي) أيضا إنما هو بحسب نفس الأمر ~~لا بحسب تعمل العقل فقط وإلا لكان الحكم بإمكان الممكن كاذبا. # لأنا نقول: هذا الاعتبار وإن كان من جملة أنحاء الواقع لكن صدق الحكم على ~~شيء بحسب نحو من أنحاء الواقع لا يوجب صدقه عليه في الواقع (وهذا) كما أن ~~سلب النقيضين عن الماهية بحسب ملاحظتها من حيث هي هي وإن كان صادقا لكن لا ~~يصدق بحسب الواقع وإن كانت تلك الملاحظة من مراتب نفس الأمر لأن نفس الأمر ~~أوسع وأعم من تلك المرتبة وغيرها. # والسر في ذلك أن الإمكان ورفع النقيضين وأمثالهما أمور عدمية هي سلوب ~~تحصيلية واتصاف الشيء بالسلوب والأعدام في نحو من أنحاء الواقع لا يوجب ~~اتصافه بها في الواقع بخلاف الأمور الوجودية فإن الاتصاف بشيء منها في نحو ~~من الأنحاء يوجب الاتصاف به في الواقع كما أن زيدا مثلا إذا كان متحركا في ~~مكان من الأمكنة كالسوق مثلا يصدق عليه اتصافه بهذه الصفة وإن لم يكن ~~متحركا في سائر الأمكنة لكونها أمرا وجوديا ولا يصدق عليه مقابلها باعتبار ~~عدم حركته في بعض الأمكنة كالبيت مثلا بل باعتبار عدم حركته مطلقا لكونه ~~عدميا. # وهذا نظير ما قالوه PageV00P157 # من أن تحقق الطبيعة يكون بتحقق فرد (ما) من أفراد تلك الطبيعة وعدمها ~~إنما يكون بعدم جميع الأفراد. # وإن أراد بها القوة الاستعدادية التي هي صفة متحققة في الواقع سلمنا ~~الملازمة لكن لا نسلم أن العقول متصفة بها لما تقرر عندهم من أن العقول ليس ~~لها حالة منتظرة فلو ms048 كان شيء منها مفيدا لوجود بعض الممكنات لا يلزم منه أن ~~يكون للعدم والقوة شركة في إفادة الوجود وإخراج الشيء من القوة إلى الفعل. # الثاني: هب أن الإمكان للممكن صفة ثابتة له في الواقع لكن لا يلزم من ذلك ~~أنه إذا كان فاعلا لشيء يكون فاعلا له من حيث كونه ممكنا بل من حيث كونه ~~موجودا. # كما أن اللونية مثلا وإن كانت حيثية ثابتة للحيوان في نفس الأمر لكن لا ~~مدخلية لها في تحريكه وإحساسه وهو ظاهر. # الثالث: أن ما ذكره منقوض بقولهم: إيجاد العقل الفلك بواسطة الإمكان ~~والإمكان عدمي فأين المخلص من وساطة الإمكان فتأمل ففيه ما فيه. # طريقة أخرى أشير إليها في الكتاب الإلهي وسلكها العظيم أرسطاطاليس وهي ~~الاستدلال بوحدة العالم على وحدة الإله. # تقريره: أنه قد استبان في الكتب الحكمية امتناع وجود عالم آخر غير هذا ~~العالم سواء كانت فيه سماوات وأرضون وأسطقسات موافقة لما في هذا العالم ~~بالنوع أولا بأن يقال: لو فرض عالم آخر لكان شكله الطبيعي هو الكرة ~~والكرتان إذا لم يكن إحداهما محيطة بالأخرى لزم الخلاء فيما بينهما والخلاء ~~محال فالقول بوجود عالم آخر أيضا محال. # فهذا هو البيان المطلق لامتناع وجود العالمين وأما البيان المختص بواحد ~~واحد من الاحتمالين فالأول أعني ما يختص بكون كل عالم كالآخر في السماء ~~والأرض وغيرهما بالنوع مما نقل عن المعلم الأول من أنه إذا كانت أسطقسات ~~العوالم الكثيرة PageV00P158 # غير مخالفة بعضها مع بعض في الطبيعة والأشياء المتفقة في الطبيعة متفقة ~~في الحركة الطبيعة في الجهة التي يتحرك إليها فالأسطقسات في العوالم ~~الكثيرة متفقة في المواضع مختلفة فوق واحدة فهي ساكنة فيها بالقسر والذي ~~بالقسر بعد الذي بالطبع بالذات. فمن المعلوم أنها كانت مجتمعة متأحدة ثم ~~افترقت بعد ذلك. # فهي إذا متباينة أبدا وليست متباينة أبدا (وهذا خلف). # والذي بالقسر من الضرورة أن يزول ويعود إلى ما كان أولا عليه بالذات فتلك ~~العوالم المتفرقة مستجمع ثانيا فيجتمع ولا يجتمع أبدا (هذا خلف)... انتهى ~~فإن قيل: إن الأرضين ms049 وإن كانت كثيرة بالعدد إلا أنها مشتركة في الأرضية ~~وأمكنتها أيضا مشتركة في كونها وسطا في تلك العوالم فالأرضية المطلقة يقتضي ~~الوسط المطلق من العالم والأرض المعين يقتضي الوسط المعين من العالم. # يقال: إنه وإن لم يكن شك في أن الأجسام المتحدة في الحقيقة الكثيرة ~~بالعدد لها أمكنة كثيرة بالعدد لكن يجب أن يكون كثرتها على نحو لو اجتمع كل ~~تلك الأجسام متمكنا واحدا يصير تلك الأمكنة أيضا مكانا واحدا مع أنه محال ~~بالضرورة. # وذلك الاجتماع مما لا مانع عنه في طبيعة تلك الأجسام لوحدتها. # إذ لو اقتضت الافتراق والتباين لما وجد واحد متصل منها وهذا خلف. # وأما الوجه الذي يختص بالاحتمال الثاني فما أشار إليه الشيخ الرئيس في ~~بعض رسائله بقوله: إنه لا يمكن أن يكون جسم مخالفا لهذه الأجسام في الحركات ~~والكيفيات. # أما الحركات فهي بالقسمة العقلية الضرورية إما مستقيمة وإما مستديرة ~~والمستقيمة إما من المركز أو إلى المركز وإما مارة على المركز بالاستقامة ~~وهي الآخذة من الطرفين أو غير آخذة منهما بل على محاذاتهما. # ولكن الذي بالطبع PageV00P159 # لا يجوز أن يكون إلا من نهايات إلى نهايات متضادة بالطبع لا بالإضافة. # وبيان ذلك في كتاب أرسطاطاليس مثبت خاصة في المقالة الخامسة من الكتاب ~~الموسوم بالسماع الطبيعي وتفاسير المفسرين. # فمن هذا يعلم أن الحركات الطبيعية إما من المركز في جميع الأجسام أو إليه ~~في جميعها بالدليل العقلي. # وأما الكيفيات المحسوسة فلا يمكن أن يكون فوق (تسعة عشر) وقد بينه ~~الفيلسوف في المقالة الثانية من كتاب النفس وشرح المفسرون كثامسطيوس ~~والإسكندر. ولو لا مخافة التطويل لبسطت القول فيه ولكن أخوض في طرف يسير ~~منه. # فأقول: الطبيعة ما لم توف على النوع الأتم شرائط النوع الأنقص الأقل ~~بكماله لم تدخله في النوع الثاني والمرتبة الثانية. # مثال ذلك: أن ذات النوع الأخس وهو الجسمية ما لم يعطها الطبيعة جميع ~~خصائص الكيفيات الجسمية الموجودة في هذا العالم لم تخط به لي النوع الثاني ~~الأشرف بالإضافة وهو النباتية. # وما لم يحصله جميع خصائص النباتية ms050 كالقوة الغاذية والنامية والمولدة في ~~النوع الأخس الأول لم يجاوز به إلى النوع الثاني كمرتبة الحيوانية والمرتبة ~~الحيوانية منقسمة إلى حس وحركة إرادية. # فما لم يحصل للنوع الأخس الأدنى الأول جميع الحواس المدركة بجميع ~~المحسوسات فمن الواجب أيضا أن لا يتعدى الطبيعة بالنوع الحيواني إلى النوع ~~النطقي ولكن الطبيعة قد حصلت في المواليد جوهرا ناطقا فمن الضرورة أنها ~~أوفت جميع القوى الحسية بكمالها فأتبعته إفادة القوة النطقية. # فإذا كان للنوع الناطق جميع القوى المدركة للمحسوسات. # فإذا النوع الناطق يدرك لجميع المحسوسات فإذا لا محسوس ما خلا ما يدركه ~~PageV00P160 # الناطق فإذا لا كيفيات ما خلا (ستة عشر) المحسوسة بالذات والثلاثة ~~المحسوسة بالعرض كالحركة والسكون والشكل فإذا لا جسم يكيف بكيفية (مكيف ~~بكيفية خ ل) ما خلا هذه المعدودة فإذا لا عالم مخالف لهذا العالم بكيفيات ~~محسوسة فإذا إن كانت عوالم كثيرة فهي متفقة بالطبع كثيرة بالعدد... انتهى ~~كلامه بألفاظه. # وإذا بطل تعدد العالم سواء كان بالطبع أو بالعدد فقد ثبت أن العالم واحد ~~شخصي. # فحينئذ نقول قد تحقق أن بين الأجسام العظام التي فيه تلازما وكذا بينها ~~وبين أعراضها بل بين أكثر الأعراض ومحالها. # فإن استحالة الخلاء وامتناع خلو أجسام المستقيمة الحركات عما تجدد جهات ~~حركاتها تدل على التلازم بين الأرض والسماء. # وامتناع قيام العرض بذاته وخلو الجوهر عن الأعراض توجب التلازم بينهما ~~وقد دريت أن اللزوم أو التلازم يوجب الانتهاء إلى العلة الواحدة. # فالمؤثر في عالمنا هذا لا يكون إلا واحدا. # فكل جسم وجسماني ينتهي في وجوده إلى ذلك المبدإ الواحد الذي دل وجود هذه ~~الأجسام على وجوده. # والعقول والنفوس التي أثبتها الحكماء إما علل متوسطة لهذه الأجسام أو ~~مدبرة لها وإثبات المجردات التي لا يكون عللا ولا مدبرا فضل لا دليل عليه ~~ولم يقل به أحد من الفلاسفة. # فكل جسم أو جسماني أو مجرد أو مرتبطة بالأجسام والجسمانيات تأثيرا أو ~~تدبيرا منته إلى مبدأ واحد هو القيوم الواجب بالذات كما في القرآن العظيم ~~لو كان فيهما آلهة إلا الله ms051 لفسدتا. # فلعل مرجع ضمير التثنية كما قيل مجموع السماوات عقولا كانت أو نفوسا أو ~~أجساما ومجموع الأرضيات سواء كانت عنصريات أو طباعا أو نفوسا (والله أعلم ~~بحقائق آياته ورموز كلماته). PageV00P161 # تنبيه ارتباط الموجودات بعضها ببعض على الرصف الحقيقي والنظم الحكمي دال ~~على أن مبدعها واحد محض. # وكما أن كل واحد من أعضاء الشخص الواحد الإنساني وإن وجد ممتازا عن غيره ~~من الأعضاء بحسب الطبيعة لكن لكونها مؤتلفة تأليفا طبيعيا مرتبطة بعضها عن ~~بعض منتظمة في رباط واحد يدل على أن مدبرها وممسكها عن الانحلال قوة واحدة ~~ومبدأ واحد. # فكذلك الحال في أجسام العالم وقواها فإن كونها مع انفصال بعضها عن بعض ~~وتفرد كل منها بطبيعة خاصة وفعل خاص يمتاز به عن غيره مرتبطة منتظمة في ~~رباط واحد مؤتلفة ايتلافآ طبيعيا يدل على أن مبدعها ومدبرها وممسك رباطها ~~عن أن ينفصم واحد حقيقي يقيمها بقوته التي يمسك السماوات و الأرض أن تزولا ~~إذ لو كان فيهما صانعان لتميز صنع كل واحد منهما عن صنع غيره فكان ينقطع ~~الارتباط فيختل النظام كما في قوله تعالى إذا لذهب كل إله بما خلق و لعلا ~~بعضهم على بعض وكما أن حركات الرقص وإن وجدت متباينة متضادة كالبسط والقبض ~~في الأعضاء وكالتعويج والتقويم فيها والسرعة والبطء ولكن لما كان مجموعها ~~منتظمة متناسبة متأحدة مع ما لها من النظم العجيب والرصف الأنيق الذي يسر ~~الناظر إليه تدل على أن وحدتها التأليفية ظل لوحدة طبيعية ولو لم يكن كذلك ~~لما وجدت ملتئمة بل كانت مختلة النظم متعددة PageV00P162 # الوضع متنفرة عنها الطبائع. # كذلك كون جبلة العالم مع تفنن حركاتها وتخالف أشكالها وتغير آثارها ~~المتولدة من الأجسام العالية في الأجسام السافلة مؤسسة على الايتلاف ~~الطبيعي والرصف الحكمي دالة بوحدتها الطبيعية الاجتماعية على الوحدة الحقة ~~الحقيقية فسبحان من جعل الموجودات العالمية على كثرتها متشاكلة من وجه ~~ومتمايزة من وجه متحدة من وجه متفرقة من وجه ومتشوقة إلى الديمومية والبقاء ~~ومهتدية لطلب المصالح والمنافع ليكون دالة على صنع قادر حكيم ومدبر ms052 عليم. # استبصار وإكمال ذهب طائفة من متألهى الحكمة ومحققي الصوفية: أن لجميع ~~أجرام العالم نفسا واحدة ببرهان بعض مقدماته حدسية فيكون العالم كله حيوانا ~~واحدا مركبا من نفس واحدة ذات قوى كثيرة ومن بدن واحد مؤلف من أعضاء ~~متشابهة وغير متشابهة وذات قوى وأفعال متخالفة يستبقي بعضها ببعض وينتفع ~~بعضها عن بعض انتفاعا بعضه محسوس وبعضه معقول. # وفي رسائل إخوان الصفا بيان كون العالم حيوانا واحدا ببسط من الكلام لا ~~مزيد عليه. # وكذا صرح أرسطاطاليس ب: أن العالم حيوان واحد. فكما أن العقل الصريح يحكم ~~بأن خالق زيد مثلا واحد ليس بمتعدد كذلك الفطرة السليمة يحكم بأن خالق ~~العالم بجميع أجزائه واحد حق لا شريك له. # وهاهنا سر حكمي يجب التنبيه عليه وهو: أن كون العالم بأسره ذا أجزاء ~~متكثرة متباينة لا يدفع كونه صادرا عن فاعل حق واحد من جميع الوجوه ~~والحيثيات ولا يلزم من ذلك صدور الكثير عن الواحد الحقيقي لأن للعالم على ~~ذلك التقدير (أي على تقدير كونه واحدا شخصيا) جهتين: PageV00P163 # جهة الوحدة الشخصية وجهة الكثرة الاجتماعية. # والفرق بينهما على نحو الإجمال والتفصيل. # وإذا لوحظ من جهة وحدته الشخصية التي لا كثرة له من هذه الحيثية أصلا حكم ~~عليه بأنه يستند بالذات أو بالقصد الأول إلى الواحد الحق تعالى من دون وسط ~~وشرط. # وأن علته الفاعلية هي بعينها علته الغائية كما في البسائط النورية. # وإذا لوحظ من جهة كثرته التفصيلية حكم عليه بأنه صدر على الترتيب السببي ~~والمسببي بأن يكون بسط أجزائه وأشرفها هو أقربها إلى الفاعل الحق ثم يتلوه ~~في الصدور ما يتلوه في البساطة والشرف وهكذا إلى أن ينتهي إلى أقصى الوجود. # فالغرض من إثبات الترتيب في الممكنات ونسبة المعلولات التي في المراتب ~~الأخيرة إلى المتوسطة والمتوسطة إلى العالية كما فعله الحكماء إنما هو ~~لتصحيح صدور العالم الكثير عن الحق الواحد من جميع الوجوه باعتبار حيثية ~~الحيثية التكثرية أحديته التكثرية لئلا ينثلم بصدور الأمور الكثيرة عنه ~~تعالى أحدية الحقة لا باعتبار وحدته الشخصية إذ لا ms053 كثرة من هذه الجهة. # وأما بيان أنه على أي نحو يكون صدور مجموع العالم من هذه الجهة مرة واحدة ~~على سبيل الإبداع مع أن بعض أجزائه تدريجي الوجود سواء كان بالذات أو ~~بالعرض وبعضها دفعي الوجود كذلك وبعضها لا هذا ولا ذاك فالتحقيق فيه يحتاج ~~إلى بسط تام ومجال أوسع من هذا المقام. ولعلك تقف على لمعات منه في مواضع ~~متفرقة من هذا الكتاب والله الهادي إلى الصواب. # تعقيب يظهر منه نفي الشركة عنه تعالى في أي مفهوم كان: # اعلم أن الوحدة قد تكون ذات الواحد بما هو واحد وهي الوحدة الحقة وقد ~~تكون غيرها. وهذه على ضربين: حقيقية وغير حقيقية. # وهي بحسب شركة ما: أما في المحمول فالاتحاد في النوع يسمى مماثلة وفي ~~الجنس مجانسة وفي الكيف مشابهة وفي الكم مساواة PageV00P164 # وفي الوضع مطابقة وفي الإضافة مناسبة. # أما في الموضوع كالحلو والأبيض واحد أي هما محمولا شيء واحد هو السكر ~~مثلا وإنما شرف كل موجود لغلبة الوحدة فيه وإن لم يخل موجود ما عن وحدة ما ~~حتى أن العشرة في عشريته واحدة. # وكل ما هو أبعد من الكثرة فهو أشرف وأكمل. # وحيثما ارتقى العدد إلى أكثر نزلت نسبة الوحدة إليه إلى أقل. # فالأحق بالوحدة الحقيقية بل الوحدة الحقة التي هي ذات الواحد بما هو واحد ~~هو ما لا ينقسم أصلا لا في الكم ولا في الحد ولا بالقوة ولا بالفعل ولا ~~ينفصل وجوده عن ماهيته. # وسائر الأشياء مستفيدة الوحدة منه إذ له تلك بالذات ولها بالغير. لا بل ~~هو الواحد فقط ووحدة سائر الأشياء بالارتباط إلى وحدته الحقة على ما بيناه ~~في نسبة الوجود إليها. # فحينئذ نقول: واجب الوجود تعالى لا يوصف بشيء من أنحاء الوحدة الغير ~~الحقيقية فلا شريك له في شيء من المعاني والمفهومات بالحقيقة. وإذ لا جنس ~~له فلا مجانس له وإذ لا نوع له فلا مشاكل له. # وسيظهر لك نفي الصفات الزائدة الحقيقية على ذاته تعالى. # فإذن لا يوصف بكيف فيشابه ولا بكم فيساوي ولا ms054 بوضع فيطابق. وإضافته إلى ~~الأشياء كما سبق وسيتضح له زيادة إيضاح ليست إلا القيومية الإيجابية لها ~~التي لا يوجد في غيره تعالى. # فلا يناسبه شيء أصلا فالمناسبات التي يثبتونها بعض المتصوفة في حقه تعالى ~~كلها أوهام مضلة. # فما أبعد من توهم من هؤلاء أن نسبته تعالى إلى جميع العالم كنسبة نفوسنا ~~إلى أبداننا. # كيف ونسبة النفس إلى بدنها ليست نسبة العلة إلى المعلول فإن نفس الناطقة ~~وإن كانت مجردة ذاتا لكنها كالقوة الجسمانية في التأثير. بمعنى أنها لا ~~يحصل أثرها إلا في موضوع جسماني ذي وضع. # فلا يظهر أثرها في مجرد ولا يوجد جسما بمادته وصورته. # وأيضا التعلق والارتباط الذي بين النفس والبدن تعلق وارتباط يوجب تأثر كل ~~منهما عن صاحبه بوجه. PageV00P165 # وأيضا التعلق بينهما على وجه يوجب لأن يحصل منهما واحد طبيعي هو نوع ~~للإنسان وأن يكون شعورها بنفسها وبدنها شعورا بحيث يتألف من الإدراكين ~~إدراك واحد كما صرح به بهمنيار في التحصيل ولهذا تنسب الأفعال سواء صدرت عن ~~ذاتها أو عن بدنها إلى ذاتها فتقول: أدركت وجلست وتحركت. # وبين أن كل واحد مما ذكر لا يمكن أن يتحقق بين العلة ومعلولها. نعم البدن ~~موضوع لتصرفات النفس ويجوز أن يكون القوى الحاصلة فيه من معلولاتها لا ~~البدن بأجزائه. # فثبت أن نسبتها إلى البدن ليست نسبة علية إيجابية بل نسبة أخرى ونسبة ~~الباري تعالى إلى جميع الأشياء ليست إلا قيومية الحقيقية كما ذكرنا. # فليست كنسبة سائر العلل الإمكانية فضلا عن أن يكون كنسبة النفس إلى ~~بدنها. والله أعلم بحقيقة الحال. PageV00P166 # المقالة الثانية في صفاته تعالى وفيها فصول فصل في أن صفاته تعالى يجب أن ~~تكون عين ذاته اعلم أن كل ما هو صفة لشيء فيفتقر إلى ما يقوم به. وكل ما هو ~~قيامه بشيء آخر فوجوب وجوده متعلق به. وكل ما تعلق وجوب وجوده بشيء آخر ~~فليس هو واجب الوجود في ذاته فهو ممكن في نفسه. # فالصفات كلها سواء كانت للواجب لذاته أو للممكن ممكنة في أنفسها. # وكيف يكون الصفة ms055 وصاحبها واجبي الوجود وقد بين انتفاء تعدد الواجب في ~~الوجود وأما أنه هل يجوز عليه تعالى صفة ممكنة فنقول يمتنع عليه تعالى ~~الصفة المتقررة في ذاته لأنه لو تقررت في ذاته تعالى صفة ممكنة ففاعلها ~~ومرجحها ذاته تعالى إذ لا واجب سواه. # ولا ينفعل أيضا عن معلولاته وهو بين فيفعل ذات الأحدية وينفعل وهو محال ~~لأن كل ذات فعلت وقبلت فيكون فعلها بجهة وقبولها بجهة أخرى لوجوه. ~~PageV00P167 # الأول: أن الفعل للفاعل قد يكون في غيره والقبول للقابل لا يكون في غيره. # فجهة الفعل غير جهة القبول. # والثاني: أنها لو كانت من جهة واحدة لكان كل ما فعل بنفسه قبل وكل ما قبل ~~بنفسه فعل. # والوجود يكذبه. # الثالث أن الفاعل هو الذي يقتضي وجود المعلول ويجعله واجب الحصول ويوجده ~~وإن توقف وجود المعلول على بواقي العلل أيضا. والقابل بما هو قابل لا يقتضي ~~المعلول ولا يجعله واجب الحصول وليس له إلا التهيؤ والاستعداد والاستحقاق ~~لوجود المقبول. # فنسبة الفاعل إلى مفعوله بالوجوب ونسبة القابل إلى مقبوله بالإمكان. # والوجوب الذي اقتضاه الفاعلية مبطل للقوة التي اقتضاها القابلية ولا يبطل ~~شيء لذاته ما اقتضاه لذاته فهما جهتان. # فثبت أن الواجب تعالى لو اتصف بصفة متقررة في ذاته اختلف الحيثيتان ~~وهاتان الحيثيتان إما أن تكونا لازمتين له أو مقومتين أو الواحد منهما ~~مقومة والأخرى لازمة. # وعلى التقديرات يلزم تركب ذات الواجب الحقيقي. # أما على الشقين الأخيرين فواضح. # وأما على الشق الأول فنعيد الكلام إلى صدورهما بأن نقول إنهما لا يصدران ~~إلا بجهتين مختلفتين أيضا فإما أن يتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية له أو ~~ينتهي إلى جهتين مقومتين لذاته تعالى عنه علوا كبيرا. # هذا ما ذكروه في بيان عينية صفاته تعالى الحقيقية. # وفيه نظر أما أولا فلأنا نقول إن هاهنا اشتباها من باب أخذ القبول بمعنى ~~الانفعال التجددي مكان القبول بمعنى مطلق الاتصاف. # والبرهان لا يساعد إلا نفي الأول دون الثاني إذ الحيثيتان المتغايرتان ~~المستدعيتان للجهتين في ذاته تعالى المكثرتان إنما هما الفعل والانفعال ~~التجددي ms056 لا الفعل والقبول مطلقا. # بل لقائل أن يقول صفاته تعالى لوازم ذاته ولوازم الذات لا يستدعي جعلا ~~مستقلا بل جعلها تابع لجعل الذات وجودا وعدما فإن كانت الذات مجعولة كانت ~~لوازمها مجعولة بذلك الجعل. وإن كانت الذات غير مجعولة كانت لوازمها غير ~~مجعولة باللاجعل الثابت للذات. PageV00P168 # ولا يبعد أن يكون هذا قول من ذهب من المتكلمين إلى أن صفاته تعالى واجبة ~~الوجود بوجود الذات. # وأما ثانيا فللانتقاض بالصفات الإضافية له تعالى لجريان الدليل بجميع ~~مقدماته فيها فيلزم إما عدم اتصافه تعالى بها أو عدم كونها شيئا زائدا. ~~وكلا القولين باطل بالضرورة. # ويرد على الوجه الأخير من الأمور المذكورة مفاسد: # الأول النقض ببعض صفاته الحقيقية كعلمه تعالى مثلا فإنه قدرة من جهة ~~وإرادة من جهة. # والقدرة يقتضي إمكان صدور الفعل عنه. # والإرادة يقتضي وجوبه. # فعلمه من حيث إنه قدرة يصح منه الصدور واللاصدور. # ومن حيث إنه إرادة يجب عنه الصدور. # فالمقدمات بعينها جارية فيه فيلزم أن يكون ذاته تعالى ذا حيثيات متخالفة. # مع أن حيثية ذاته تعالى بعينها حيثية جميع صفاته الحقيقية عندهم. وسيأتي ~~ما فيه من التحقيق. # الثاني المناقضة بأنا لا نسلم أن نسبة القابل إلى المقبول بالإمكان الخاص ~~المنافي للوجوب. # لم لا يجوز أن يكون بالإمكان العام فلا ينافي الوجوب وربما يجاب عنه بأنا ~~نعلم بديهة أن القابل من حيث هو قابل يجوز كونه متصفا بالقبول ويجوز أن لا ~~يكون فالاتصاف بالفعل ليس من حيثية القابلية بل من حيثية أخرى. # الثالث أن التنافي بين الوجوب والإمكان فيما نحن فيه ممنوع إذ الإيجاد ~~إيجاب وجود المعلول في حد نفسه والقبول إمكان حصول المقبول في القابل. # فالإمكان هاهنا إمكان الوجود لغيره. والوجوب وجوب الوجود لنفسه. # فأين هما من التنافي وأيضا الفاعل يوجب وجود المعلول. # والقابل لا يسلب هذا الوجوب والإيجاد بل هو تصحيح وجود المعلول بالحصول ~~فيه. # فالتنافي غير معلوم. # وقد يجاب عن الأول بأن وجود المعلول في نفسه كما أنه ممكن محتاج إلى علة ~~وموجب فكذلك وجوده في غيره أيضا ms057 محتاج إلى العلة والموجب لإمكانه. ولا شك ~~أن القابل من حيث هو قابل لا يوجب وجود المقبول فيه. # فموجب وجوده فيه أيضا هو PageV00P169 # الفاعل. # فكما أن الفاعل يوجب وجود المعلول في نفسه فكذلك يوجب وجوده لغيره. بل ~~وجود المقبول في نفسه هو بعينه وجوده للقابل. # وعن الثاني بأن التنافي بين الإيجاب واللاإيجاب والاقتضاء واللااقتضاء في ~~ذات واحدة من جهة واحدة متحقق لا يخفى على المنصف المتأمل فمنعه مستندا بأن ~~الفاعل يوجب المعلول والقابل لا يسلب هذا الوجوب مكابرة. # كيف والمنافاة التي ادعيناها إنما يظهر صحتها إذا كان القابل بعينه هو ~~الفاعل. # إذ القابل وإن لم يتصف بسلب الإيجاب الناشي عن الفاعل لكنه متصف بسلب ~~الإيجاب الناشي عنه. # فلا يمكن أن يكونا شيئا واحدا من جهة واحدة. # ولا يذهب عليك أن هذا ليس بحثا على السند الأخص بل هو بيان للمقدمة على ~~وجه يدفع السند. # ثم لا يخفى عليك أن هذا الكلام وإن دفع هذا الاعتراض على الدليل المذكور ~~لكن لا يجدي نفعا لأصل المقصود. # إذ الدليل المذكور وإن ثبت به تعدد جهتي الفعل والقبول لكن بشرط أن يكون ~~المراد من القبول التهيؤ والاستعداد. # وأما القبول بمعنى مطلق الموصوفية بأمر زائد متقرر في الذات سواء كان ~~لازما للمحل أو غير لازم فإثبات كونه مخالف الحيثية مع الفعل حتى يلزم منه ~~نفي الصفات الزائدة عن الباري تعالى فغير معلوم مما ذكر من الدليل على ما ~~مر آنفا. # قال الشيخ الرئيس في التعليقات: إن كانت الصفات عارضة لذاته تعالى فوجود ~~تلك الصفات إما عن سبب من خارج ويكون واجب الوجود قابلا له ولا يصح أن يكون ~~واجب الوجود لذاته قابلا لشيء فإن القبول لما فيه معنى ما بالقوة. # وإما أن يكون تلك العوارض يوجد فيه عن ذاته فيكون إذن قابلا كما هو فاعل. # اللهم إلا أن يقال تلك الصفات والعوارض لوازم ذاته فإنه حينئذ لا يكون ~~ذاته موضوعة لتلك الصفات لأنها موجودة فيه بل لأنها عنه. وفرق بين أن يوصف ~~جسم بأنه أبيض ms058 لأن البياض يوجد فيه من خارج وبين أن يوصف بأنه أبيض لأن ~~البياض يوجد من لوازمه. # وإذا أخذت حقيقة الأول على هذا الوجه ولوازمه على هذه الجهة استمر هذا ~~المعنى فيه. # وهو أنه لا كثرة فيه وليس هناك قابل وفاعل. بل من حيث هو قابل فاعل. ~~PageV00P170 # وهذا الحكم مطرد في جميع البسائط فإن حقائقها التي هي أنها يلزم عنها ~~اللوازم وفي ذواتها تلك اللوازم على أنها من حيث هي قابلة فاعلة. # فإن في البسيط عنه وفيه شيئا واحدا انتهى ملخصا. # فقد علم أن حيثية القبول والفعل ليست مما يوجب اثنينية في الذات ولا في ~~الاعتبار إلا إذا كان القبول بمعنى الانفعال والتأثر. # وليس من شرط القيام التأثر بل قد يكون القيام بلا تأثر كما في لوازم ~~البسائط. فإن قيل: لا نسلم وجود لازم للماهية البسيطة بل الماهيات التي ~~يكون عللا للوازمها إنما هي مركبات. # فيمكن أن يكون فاعليتها بجهة وقابليتها بجهة أخرى. # فلا يلزم هناك كون الشيء فاعلا وقابلا بجهة واحدة. # قلنا: فيه بحث أما أولا فلأن في كل مركب يتحقق أمر بسيط ولكل واحد واحد ~~من البسائط شيء من اللوازم ولا أقل من كونه واحدا وموجودا. # وأما ثانيا فلأن الحقيقة المركبة أيضا لها وحدة مخصوصة حتى الخمسة في ~~خمسيتها والعشرة في عشريتها. # واللازم الذي يلزمها من هذه الحيثية ليس علة لزومه أحد أجزاء ذلك المجتمع ~~وإلا لكان حاصلا قبل ذلك الاجتماع. # وليس القابل له أيضا أحد أجزائه فإن السطح وحده في المثلث مثلا لا يمكن ~~أن يكون موصوفا بتساوي الزوايا لقائمتين ولا الأضلاع الثلاثة فقط بل القابل ~~له هو المجموع من حيث ذلك المجموع. # فكان الشيء باعتبار واحد قابلا وفاعلا. # ولذلك ترى الشيخ الرئيس لم يبال في إثبات الصور العلمية لذات الواجب ~~تعالى علوا كبيرا عنه بلزوم كون الشيء الواحد قابلا وفاعلا كما سيجيء. # لأن القبول بمعنى مطلق الموصوفية لا ينافي الفعل عنده. # قال بعض الأعلام في هذا المقام: إيجاب الفاعل للمفعول متقدم على فعله ~~بالذات وإمكان حصول المقبول ms059 في القابل متقدم على قبوله. # فلو كان الواحد الحقيقي PageV00P171 # الذي لا تعدد فيه بوجه من الوجوه فاعلا لشيء وقابلا له لكان فيه قبل ~~الفعل والقبول جهتان جهة بها يوجبه ويقتضيه وجهة أخرى بها يستحقه ويمكن ~~حصوله فيه. # أقول: العمدة في هذا المقام إثبات تكثر الجهة سواء كان في نفس القبول ~~والفعل أو قبلهما. # فالكلام في تعدد جهة يحصل منها الإيجاب وجهة يحصل منها الاستحقاق ~~ووحدتهما بعينه كالكلام في تعدد جهتي الفعل والقبول ووحدتهما بلا تفاوت لو ~~تم تم وإلا فلا. # وقد استدلوا لإثبات هذه الدعوى بوجوه أخرى تجري مجرى ما ذكرناه فلهذا ~~تركناها في سنبلها وعشونا عن سلك سبيلها. # والحاصل أن شيئا مما ذكروه في هذا الباب لا يسمن ولا يغني كما لا يخفى ~~على ذوي الألباب. # فالوجه عندي أن يستدل لإثبات عينية صفاته الحقيقية لذاته بوجوه أخر. # الأول أنها لو لم يكن كذلك يلزم التكثر في ذاته تعالى لأجل كثرة صفاته ~~الموجبة لكثرة الاقتضاء المستدعية لكثرة المقتضي كما تبين في نفي صدور ~~الكثرة عنه تعالى مع أنه أحدي الذات بسيط الحقيقة هذا خلف وأما كون إحدى من ~~الصفات الحقيقية زائدة عليه تعالى والبواقي منها عينا له تعالى أولها كما ~~في الإضافيات على ما سيجيء من التحقيق فيها فبعيد عن العقل ولهذا لم يقل به ~~أحد من العقلاء. # الثاني أنها لو كانت زائدة على ذاته يلزم من ذلك أن يكون كماله بأمر زائد ~~عليه فيلزم كونه ناقصا بحسب ذاته بذاته كاملا بغير ذاته. # الثالث أن فيضانها من ذاته على ذاته يستدعي جهة أشرف مما عليها واجب ~~الوجود بالذات فيكون ذاته أشرف من ذاته وهو محال بديهة. # وأيضا يتكثر ذاته لأن حيثية النقص غير حيثية الكمال وهو باطل كما مر. ~~وفيضانها من غيره عليه تعالى يلزم كون معلوله أشرف منه تعالى. PageV00P172 # تنبيه وتنصيص فكما أن ماهية ما لا تفيد وجودها كما علمت سابقا كذلك لا ~~تفيض على نفسها ما هو صفة كمالية للوجود بما هو وجود كالعلم والقدرة ~~وأمثالهما. # وكما أن ms060 مفيض الوجود ليس مسلوب الوجود في مرتبة كذلك واهب الكمال لا يجوز ~~أن يكون ممنوعا في حد نفسه إذ المفيض لا محالة أكرم وأمجد من المفاض عليه. # فإذن كان كل من الوجود وكمالات الوجود يجب أن ينتهي إلى ما هو قائم بذاته ~~غير معلول لشيء. # ويجب أن يكون جميعها واحدا حقيقيا لنفي تعدد الواجب بالذات. وكما أن ~~النظر في مفهوم الوجود أدانا إلى إثبات الوجود القائم بذاته فكذلك النظر في ~~مفهوم العلم والقدرة يؤدي إلى علم وقدرة لا يزيدان على شيء ولا يقومان به ~~وكذلك في سائر الصفات الكمالية للموجود بما هو موجود. # والشيخ الرئيس قد نص على ما ذكرناه في التعليقات حيث قال: # يجب أن يكون في الوجود وجود بالذات وفي الاختيار اختيار بالذات وفي ~~الإرادة إرادة بالذات وفي القدرة قدرة بالذات حتى تصح أن تكون هذه الأشياء ~~في شيء لا بالذات. # وإليه أشير في الكتاب الإلهي بقوله تعالى: و فوق كل ذي علم عليم. ومن ~~الإقناعيات أن الوجدان السليم حاكم بأن ذاتا تكون لها في نفسها من الكمالات ~~ما للمحفوفة بها فهي أكمل وأشرف منها فلو لم يكن كماله تعالى ومجده نفس ~~حقيقته المقدسة بل مع اللواحق للزم تصور ما هو أكمل وأشرف منه تعالى. وهو ~~ما يكون اتصافه بهذه الصفات بنفس ذاته وهذا محال. # إذ لا يتصور شيء أكمل وأشرف من صرف الوجود المتأكد الذي هو فعلية محضة ~~يستفيض منه سائر الماهيات الوجود PageV00P173 # وكمالات الوجود. # وعلمت أن ما فرض ثانيا له في كونه صرف الوجود فإذا أمعن النظر فيه ظهر ~~أنه هو بعينه إذ لا ميز ولا فرق في صرف شيء. # فثبت أن مجده وعلوه وبهاءه بنفس حقيقته المقدسة لا بشيء قائم به وقد وقع ~~في بعض خطب أمير المؤمنين وسيد الوصيين عليه أزكى صلوات المصلين: أول الدين ~~معرفته وكمال المعرفة التصديق به وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده ~~الإخلاص له وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير ~~الموصوف وشهادة كل موصوف أنه ms061 غير الصفة فمن وصفه سبحانه فقد قرنه ومن قرنه ~~فقد ثناه ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله ومن جهله فقد أشار إليه ومن ~~أشار إليه فقد حده ومن حده فقد عده ومن قال فيم فقد ضمنه ومن قال علام فقد ~~أخلى منه.. # إشارة اعلم أن الواجب تعالى وإن وصف بالعلم والجود والقدرة والإرادة ~~وأمثالها لكن ليس هو لأجل اتصافه بها ذا معان متميزة يختص بهذه الأسماء. # بل كما أنا نقول لكل واحد من موجودات العالم إنه معلومه ومقدوره ومراده ~~وفيض جوده من غير أن يثبت فيه معان شتى فكذلك نصف موجده بالعلم والوجود ~~والإرادة والقدرة مع كونه أحديا فردا ذاتا وصفة. # كما قال الشيخ في التعليقات: من أن الأول تعالى لا يتكثر لأجل تكثر صفاته ~~لأن كل واحدة من صفاته إذا حققت تكون صفة الأخرى بالقياس إليه. # فيكون قدرته حياته وحياته قدرته وتكونان واحدة. فهو حي من حيث هو قادر ~~وقادر من حيث هو حي وكذلك في سائر صفاته. # وقال أبو طالب المكي: مشيته تعالى قدرته وما يدركه بصفة يدركه بجميع ~~الصفات إذ لا اختلاف هناك. وقيل شعرا: PageV00P174 # عباراتنا شتى وحسنك واحد * وكل إلى ذاك الجمال يشير تذنيب صفاته تعالى ~~منها حقيقية كمالية كالجود والقدرة والعلم وهي لا تزيد على ذاته بل عين ~~ذاته بمعنى أن ذاته من حيث حقيقته مبدأ لانتزاعها عنه ومصداق لحملها عليه. # ومنها إضافية محضة كالمبدئية والمبدعية والخالقية وأمثالها وهذه زائدة ~~على ذاته متأخرة عنه وعما أضيف بها إليه تعالى. # ولا يخل بوحدانيته كونها زائدة عليه فإن الواجب تعالى ليس علوه ومجده ~~بنفس هذه الصفات الإضافية بل بكونه في ذاته بحيث ينشأ منه هذه الصفات وهو ~~إنما هو كذلك بنفس ذاته. # فإذن علوه ومجده ليس إلا بذاته لا غيره. # ومنها سلبية محضة كالقدوسية والفردية والأزلية وغيرها. والاتصاف بها يرجع ~~إلى سلب الاتصاف بصفات النقص. # وكما أن صفاته الحقيقية لا يتكثر ولا يتعدد ولا اختلاف فيها إلا بحسب ~~التسمية بل يكون كلها معنى واحدا وحيثية ms062 واحدة هي بعينها حيثية الذات فإن ~~ذاته بذاته مع كمال فرديته يستحق هذه الأسماء لا بحيثية أخرى وراء حيثية ~~ذاته كما قاله المعلم الثاني وجود كله وجوب كله علم كله قدرة كله حياة كله ~~لا أن شيئا منه علم وشيئا آخر قدرة ليلزم التركيب في ذاته ولا أن شيئا فيه ~~علم وشيئا آخر فيه قدرة ليلزم التكثر في صفاته الحقيقية. # فكذلك صفاته الإضافية لا يتكثر معناها ولا يختلف مقتضاها وإن كانت زائدة ~~على ذاته تعالى. # وكذا صفاته السلبية فإن إضافته إلى الأشياء وإن تعددت أساميها واختلفت ~~لكن كلها يرجع إلى معنى واحد وإضافة واحدة هي قيوميته الإيجابية للأشياء. # فمبدئيته بعينها رازقيته وبالعكس وهما بعينهما رحمته ولطفه وبالعكس وهكذا ~~في جميعها وإلا لأدى تكثرها واختلافها إلى اختلاف ذاته. PageV00P175 # والسلوب عنه جميعا يرجع إلى سلب واحد هو سلب الإمكان قال العلامة ~~الشيرازي في شرح حكمة الإشراق والمحقق الشهرزوري في الشجرة الإلهية ناقلين ~~عن الشيخ الإلهي شهاب الدين السهروردي: ومما يجب أن تعلمه وتحققه أنه لا ~~يجوز أن يلحق الواجب إضافات مختلفة توجب اختلاف حيثيات فيه بل له إضافة ~~واحدة هي المبدئية تصحح جميع الإضافات كالرازقية والمصدرية ونحوهما. # ولا سلوب فيه كذلك بل له سلب واحد يتبعه جميعها وهو سلب الإمكان فإنه ~~يدخل تحته سلب الجسمية والعرضية وغيرهما كما يدخل تحت سلب الجمادية عن ~~الإنسان سلب الحجرية والمدرية عنه وإن كانت السلوب لا تتكثر على كل حال. ~~انتهى. # فثبت أن إضافته إلى الأشياء إضافة واحدة بحسب المعنى. # ثم أقول: # اعلم أنه لا يتغير ذاته تعالى بتغير الجزئيات ما أضيف إليه وإن تغيرت ~~إضافته تعالى إليها بحسب تغيرها في أنفسها من حيث هي إضافة متخصصة بها لا ~~بما هي إضافة مطلقة. # لأن تلك الصفات تستلزم التعلق إلى أمر كلي كمخلوق كلي ومرزوق كلي بالذات. # وإلى الجزئيات المندرجة تحت ذلك الأمر الكلي بالعرض. # فلأجل عدم تغير ذلك الأمر الكلي الذي يتعلق الصفة به بالذات لا يمكن تطرق ~~التغير إلى الصفة ولتغير الجزئيات يتغير الإضافات الجزئية ms063 العرضية. # والحاصل أن صفاته الإضافية وإن كانت زائدة على ذاته تعالى ولكن لا تختلف ~~بحسب معانيها في أنفسها حتى توجب تكثر اعتبارات واختلاف حيثيات في ذات ~~الأول تعالى كما ذكرنا. # والتعددات والتجددات الواقعة فيها إنما هي بالقياس إلى الأشياء المتعلقة ~~بها المتعددة أو المتجددة في أنفسها أو بقياس بعضها إلى بعض وأما بالنسبة ~~إلى الذات الأحدية المتعالية فليست إلا واحدة غير متجددة. فإذن إضافته ~~PageV00P176 # تعالى إلى الأشياء إضافة واحدة بحسب المعنى والمفهوم وهي إما مرتبة ترتبا ~~سببيا ومسببيآ على حسب ترتب معلولاته فلا يوجب تكثرا في ذاته تعالى كما لا ~~يوجب صدور الأشياء الكثيرة المرتبة تكثرا في ذاته تعالى. وهذا ما قالت ~~الفلاسفة إن نسبة الأول إلى الثاني أم جميع النسب. # وإما متجددة على حسب تجدد متعلقاتها المتجددة المتصرمة في أنفسها وبقياس ~~بعضها إلى بعض فلا يوجب تغيرا في ذاته تعالى لأنها بالقياس إلى ذات الواجب ~~في درجة واحدة لا يتجدد ولا يتصرم بل التجدد والتصرم والحضور والغيبة إنما ~~يتحقق للمسجونين في سجن الزمان المطمورين في كوزة المكان. # وأما العوالي والشوامخ فذواتها مبرئة عن علوق هذه المعاني بهم. # فما ظنك بما هو أعلى وأشمخ منها وهو إله كل عقل ونفس فهو أعلى وأقدس من ~~أن يقع في التغير والتجسم كما قال السري السقطي: ليس عند ربك صباح ولا ~~مساء. # يعني إن نسبة ربك المتنزه المتعالي عن وصمة التغير والتجدد إلى جملة ~~الأمور المتجددة المتعاقبة نسبة واحدة ومعية قيومية غير زمانية. وإدراكه ~~محتاج إلى لطف قريحة. # ومن هنا يظهر معنى كلام الشيخ الرئيس في التعليقات: الأشياء كلها عند ~~الأوائل واجبات ليس هناك إمكان البتة فإذا كان شيء لم يكن في وقت فإنما ~~يكون من جهة القابل لا من جهة الفاعل فإنه كلما حدث استعداد من المادة حدث ~~فيها صورة من هناك إذ ليس هناك منع وبخل. فالأشياء كلها هناك واجبات لا ~~تحدث وقتا وتمنع وقتا ولا تكون هناك كما تكون عندنا. # فصل في علمه تعالى بذاته ولنمهد لبيانه مقدمات: # الأولى أن ms064 الحكماء لما أحالوا اتصاف معدوم مطلق بأحكام وجودية حكموا بأن ~~PageV00P177 # الأشياء المعدومة في الأعيان المحكوم عليها بتلك الأحكام موجودة في ~~الأذهان لا سيما وقد صودف كونها سببا للتحريكات والتأثيرات الخارجية. # أ ولا ترى أن تخيلك لمشتهى لطيف كيف يحدث في بدنك شيئا وتخيلك للحموضة ~~يوجب كذلك انفعالا وقشعريرة ولو لم يكن لصورة بيت تريد بناءه نحو من الثبوت ~~لما كان سببا لتحريك أعضائك ولوجود بيت في الخارج. # وقد حكي عن بعض حذاق الأطباء معالجة بعض الملوك حيث أصابه فالج لا ينجع ~~فيه العلاج الجسماني دفعه بمجرد تدبيرات نفسانية وأمور تصورية باعثة ~~لاشتعال الحرارة الغريزية حتى دفعت المادة. # وبعض النفوس يبلغ في القوة والشرف إلى حيث يبرأ المرض ويمرض الأشرار ~~ويقلب العنصر إلى عنصر آخر حتى يجعل غير النار نارا ويحرك أجساما يعجز عن ~~تحريكها بنو النوع كقلع باب خيبر. كل ذلك باهتزاز علوي وتأييد ملكوتي وطرب ~~روحاني. # ومما يحكم به الفطرة حدوث حالة لمن علم شيئا بعد ما لم يعلم مطابقة له ~~وإلا لاستوت حالتاه قبله وبعده بحسب كونه عالما. # ومن الشواهد تحقق اللمس مع تكيف الآلة بالكيفية الملموسة الغير الموجودة ~~في العين وإلا لأدركتها آلة لمسية أخرى من تلك الآلة بتلك المرتبة من الشدة ~~التي أدركتها تلك الآلة وليس كذلك قبلها نحو آخر من الوجود وهو المراد. # فالمعلوم بالذات في العلم الانطباعي هو الأمر الذهني لا الموجود الخارجي ~~إلا بالعرض. # كيف ولو كان الشيء معلوما لأنه موجود في ذاته لكان كل موجود في ذاته ~~معلوما لكل أحد ولما كان المعدوم في الخارج معلوما بوجه ما. # وقد يطلق العلم على المعلوم بالذات الذي هو الصورة الحاضرة عند المدرك ~~حضورا حقيقيا أو حكميا. # فالعلم والمعلوم على هذا الإطلاق متحدان ذاتا مختلفان اعتبارا إذ لم يكن ~~وجوده في نفسه غير وجوده لمدركه الذي هو حيثية معلومية وإن كان العلم ~~والمعلوم من حيث هو معلوم واحدا على أي تقدير. # وهذا ما راموه بقولهم: إن وجود المعقول بعينه معقوليته ووجوده لعاقله ~~ووجود المحسوس بعينه ms065 محسوسيته ووجوده للجوهر الحاس. PageV00P178 # وقد يطلق العلم على نفس حصول شيء عند القوة المدركة أو ارتسامه فيها وهو ~~المعنى الإضافي الانتزاعي الذي يشتق منه العالم والمعلوم وأمثالهما. # والعلم بالمعنى الأول لا ينحصر اندراجه في مقولة الكيف كما توهم وإن صدقت ~~هي عليه إذا كان انطباعيآ صدقا عرضيا لا تمنعه بل قد يكون مندرجا تحت غيرها ~~من أمهات العوالي وقد لا يكون مندرجا تحتها أصلا لا بالذات كأنواع الحقائق ~~المتأصلة ولا بالعرض كالفصول البسيطة لها وهو علم الأول تعالى بذاته إذ هو ~~عين ذاته كما سيظهر. # وقد سبق منا الكلام في أن كليات الجواهر كيف يكون جواهر مع أنها موجودة ~~في الذهن المستغني القوام عنها. فتذكره. # المقدمة الثانية أن الشيء إما أن يكون مقارنا لأمور غريبة عن ماهيته ~~مقارنة مؤثرة منه كمقارنة. # الإنسانية في الخارج للوضع والمقدار وغير ذلك فإنه لو انفكت عنها ~~لانعدمت. أو مقارنة غير مؤثرة كمقارنة السواد للحركة حيث لا يرتفع أحدهما ~~برفع الآخر. # وإما أن يكون مجردا عما سواه من الأغشية واللبوسات كالإنسانية المطلقة ~~المطابقة لأفرادها المتفاوتة في العظم والصغر المختلفة في الوضع والأين ~~والمتى. # ولو لم تكن الإنسانية الذهنية مجردة عن مقدار خاص ووضع خاص لما طابقت ~~الكثيرين المختلفين فيهما. # وكل حقيقة يلحقها أمر غريب عن ذاتها فإنما يلحقها لا لذاتها بل لحيثية ~~استعدادية تلحقها وإلا لم يتخلف عنها. # وجميع جهات القوة والاستعداد ينتهي بالذات إلى المادة الجسمية كما حققنا ~~في موضعه. # كيف ولو يلحقها لما هي لاستوى استحقاق أشخاص الماهية بحسبها له. # والعلم عبارة عن امتياز الشيء عن غيره بوجه. # فكل ما هو مخلوط بغيره ما دام كونه مخلوطا بغيره لا يكون معلوما بل يكون ~~مجهولا. # فالمعلوم إما مجرد عما سواه أو عما يقارنه مقارنة مؤثرة وإما مخالط بغيره ~~مخالطة مؤثرة: # الأول يمسى معقولا يمكن حمله على الكثرة المختلفة في اللواحق المتساوي في ~~نسبتها إليه لخلوه عن الملابس كالعريان يتلبس بأي ثوب اتفق ولا يأباه. # والثاني يسمى محسوسا سواء كان مبصرا أو ملموسا أو مشموما ms066 أو مذوقآ أو ~~PageV00P179 # مسموعا أو متخيلا أو متوهما. # وكما أن المعلوم إذا كان وجوده الإدراكى في جسم أو جسماني كالمشاعر كان ~~محسوسا لا معقولا لمصادفة عوارض غريبة وانفعالات مادية يمنع انطباعه لأعداد ~~كثيرة. # وإذا كان في جوهر غير جسماني كان معقولا لا محسوسا لخلوه عما يمنعه عن ~~مطابقة كثيرين. # كذلك كل قوة جسمانية تدرك صورة فتلك الصورة لا محالة تحل مادتها إذ لو ~~كانت تحلها مجردة عن المادة لكان لتلك القوة قوام ووجود دون المادة فلم يكن ~~جسمانية هذا خلف. # فحينئذ لا يخلو الصورة مما يوجب محسوسيتها وعدم انطباقها للكثرة. # وكل جوهر قدسي تدرك صورة تدركها معقولة غير ممتنعة الاشتراك لعدم المادة ~~وسلاسلها وأغلالها. # فقد تحقق بما ذكرناه أن مدار العاقلية والمعقولية على كون الشيء مجردا ~~بالكلية عن المادة. # ومدار الحاسية والمحسوسية على كون الشيء متعلقا بها نوع تعلق وإن كان ~~مدار الإدراك مطلقا على تجريد ما. # لكن التعقل إنما يكون بتجريد تام ونزع محكم. # وسائر الإدراكات الحسية بتجريدات ناقصة متفاوتة المراتب. والدليل عليه ~~أنه لو لم يحدث في الحاس أثر من المحسوس لاستوى حالتاه قبل الإحساس وبعده ~~ولو لم يكن مناسبا له لما كان أثرا منه فلم يكن حصول ذلك الأثر في الحاسة ~~إحساسا له فلا محالة يكون صورته متجردة عن المادة وإن كانت مع غشاوة ما من ~~كم وكيف ووضع ومتى. # فإن قلت: لم صار الوضع إذا قارن الجسم صيره مشارا إليه محسوسا وإذا قارن ~~الجوهر العاقل لم يصيره كذلك قلت: لأنه إذا قارن الجسم أو الجسماني أثر فيه ~~كما ذكرنا وإذا قارن المدرك لم يؤثر فيه إذ لو كان مؤثرا لكان يعدم المدرك ~~عند رفعه كما أن المتخيل لا يخلو من اقتران عوارض غريبة مؤثرة فيه حتى لو ~~ارتفعت عنه لم يكن متخيلا. # والمعقول لا يأبى كونه معقولا عن تجرده عن العوارض واقترانه بها لعدم ~~تأثيرها فيه. # الثالثة أن ما ذكرناه من التجريدات إنما يكون في العلوم الصورية وليس من ~~PageV00P180 # شرط كل إدراك أن يكون بصورة ذهنية. ms067 # وذلك لأن العاقل يدرك نفسه بعين ذاته يعني صورته التي هو بها هو لا بصورة ~~على ذاته كما يظهر لمن راجع وجدانه في علمه بذاته فإن كل إنسان يدرك ذاته ~~على وجه يمنع فيه الشركة. ولو كان هذا الإدراك بصورة حاصلة في النفس فهي ~~كلية وإن كانت مجموع كليات تختص جملتها بنفس واحدة فلا يخرج عن احتمال ~~صدقها على كثيرين. # وأيضا النفس تشير إلى ذاتها ب أنا وإلى ما عداها وإن كان أمرا قائما بها ~~ب هو لكونه زائدا عليها. # فعلم النفس بذاتها ليس سوى ذاتها. # وربما يدرك غيره أيضا لا بحصول صورة منه ذهنية كما تدرك النفس المجردة ~~بدنها الخاص الذي تحركه وتصرف فيه وقوته المتفكرة التي تستخدمها في تفصيل ~~الجزئيات وتركيبها وترتيب الحدود الوسطى. # وبذلك الاستخدام تنتزع الكليات من الجزئيات وتأخذ النتائج من المقدمات ~~فتدرك تلك الأشياء جميعا. # وكذلك تدرك قوتها الوهمية والخيالية الشخصيتين لا بوهم وخيال آخرين مع أن ~~الوهم ينكر نفسه. # ولو كان إدراك النفس لتلك الأمور بصورة مأخوذة عنها لأدركتها على الوجه ~~الكلي كما ذكرنا من أن كل صورة في النفس فهي كلية وإن تخصصت أيضا من كليات ~~كثيرة ولا يمنع الشركة لنفسها. # ومما يؤكد أن لنا علوما لا نحتاج فيها إلى صورة أخرى غير حضور ذات المدرك ~~ما قيل من أنا نتألم بتفرق اتصال وقع في عضو من أعضائنا ونشعر به وليس ذلك ~~بأن تفرق الاتصال يحصل له صورة أخرى في ذلك العضو أو في غيره بل المدرك نفس ~~تفرق الاتصال والألم المحسوس بذاته لا بصورة تحصل منه. # فيدل على أن من الأشياء المدركة ما يكفي في إدراكه مجرد حضور ذاته للنفس ~~أو لأمر له تعلق حضوري خاص بالنفس. # ومن الشواهد الدالة على ما ذكرنا أعني ثبوت العلم الحضوري أن صورة ما قد ~~تحصل في آلة إدراكية والنفس لا تشعر بها كما إذا استغرقت في فكرة أو فيما ~~يؤديه حاسة أخرى. # فلا بد من التفات النفس إلى تلك الصورة فالإدراك ليس إلا بالتفات ~~PageV00P181 # النفس ms068 إلى ما تشاهده والمشاهدة ليست بصورة كلية بل صورة جزئية. # فلا بد وأن يكون للنفس علم إشراقي حضوري ليس بصورة. # ومن العرشيات الإلهامية لإثبات هذا المطلب أن النفس في مبدأ فطرتها خالية ~~عن العلوم الانتقاشية كلها بلا ريب. ولا خفاء في أن استعمال الآلات يتوقف ~~على العلم بالآلات. # فلو كان ذلك العلم بالارتسام لزم توقفه على استعمال الآلات المتوقف على ~~العلم بالآلات وهكذا يعود الكلام فإما أن يدور أو يتسلسل وهما محالان. فأول ~~علوم النفس هو علمها بذاتها ثم علمها بقوى البدن والآلات التي هي الحواس ~~الظاهرة والباطنة. # وهذان العلمان إنما هما علمان من العلوم الحضورية. # ثم بعد هذين العلمين ينبعث عن ذات النفس بذاتها استعمال الآلات بدون تصور ~~هذا الفعل الذي هو استعمال الآلات والتصديق بفائدته فإن هذا الاستعمال ليس ~~فعلا اختياريا بمعنى كونه حاصلا بالقصد والروية وإن كانت النفس عالمة به ~~مريدة له. # لأن إرادة ذلك الفعل إنما ينبعث عن ذاتها لا عن رويتها. # فذاتها بذاتها موجبية لاستعمال الآلات لا بإرادة اختيارية زائدة عليها ~~قائمة بها بل لما كانت ذاتها في آن وجودها عالمة بذاتها وعاشقة لها ولفعلها ~~عشقا ناشيا عن الذات لذاتها اضطرت إلى استعمال الآلات التي لا قدرة لها إلا ~~عليه. # وبهذا التحقيق اندفع ما قيل من أن استعمال الحواس فعل اختياري وصدور كل ~~فعل اختياري مسبوق بالتصور والتصديق بفائدة ما فوجب أن يحمل قبل استعمال ~~الآلات صورة تصورية وتصديقية. # وذلك لأن نسبتي صدور استعمال الآلات وعدمه ليستا متساويتين. ليلزم ~~الاحتياج إلى المرجح من تصور الفعل والتصديق بالغاية قبل الاستعمال بل ~~المرجح والمقتضي ذات النفس فينبعث الاستعمال عن الشوق الذاتي الذي هو عين ~~ذاتها الدراكة الفعالة. # فلا يكون مسبوقا بتصور ذلك الفعل بل صدور ذلك الجزئي عن PageV00P182 # النفس هو بعينه تصورها له بلا صورة مستأنفة أخرى كما أدى إليه ذوق أهل ~~الإشراق. # وأيضا من أدرك صورة ذهنية إنما يدركها بعين تلك الصورة لا بصورة أخرى ~~وإلا لذهب الأمر إلى لا نهاية ولزم مع ذلك أن يجمع ms069 في محل واحد صور متساوية ~~في الماهية مختلفة بالعدد وهو محال. # فالإدراك مطلقا إنما يحتاج إلى صورة. # وأما الاحتياج إلى صورة ذهنية فقد يكون حيث يكون المدرك غير حاضر عند ~~المدرك. وعدم الحضور إما لعدم وجود المدرك أصلا أو لعدم وجوده عند المدرك. # فإن كل واحد من الموجودات ليست حاصلة لواحد آخر منها وإلا لكان كل من له ~~صلاحية المعلومية وليس كذلك كما لا يخفى. # بل لا بد مع ذلك في تحقق العالمية والمعلومية بين شيئين من علاقة ذاتية ~~بينهما بحسب الوجود. # فيكون كل شيئين يتحقق بينهما علاقة ذاتية وارتباط وجودي يكون أحدهما ~~عالما بالآخر إلا لمانع لأن تلك العلاقة مستلزم لحصول أحدهما للآخر ~~وانكشافه لديه وامتياز عنده. # وهي قد يقع بين نفس ذات المعلوم بحسب وجودها العيني وذات العالم كما في ~~العلم الحضوري بأقسامه. # وقد يكون بين صورة الشيء وذات العالم كما في العلم الحصولي المتحقق بحصول ~~صورة الشيء في نفس ذات العالم أو في بعض قواه حصولا ذهنيا. # والمدرك بالحقيقة هاهنا هو نفس الصورة الحاضرة لا ما خرج عن التصور وإن ~~قيل للخارج إنه معلوم فذلك بقصد ثان كما سبقت الإشارة إليه إذ العلاقة ~~الوجودية المستلزمة للعلم في الحقيقة إنما هي بين العالم والصورة لا غير ~~بخلاف المعلوم بالعلم الحضوري بحسب وجوده العيني. # إذ المعلوم بالذات حينئذ هو نفس ذات الأمر العيني لتحقق العلاقة الوجودية ~~بينه وبين العالم به. # فالعلم الحضوري هو أتم صنفي العلم بل العلم في الحقيقة ليس إلا هو. # ومن ذهب إلى أن العلم بالغير منحصر في الارتسام لا غير فقد أخطأ وأنكر ~~أتم قسمي العلم. # نعم الإدراك على وجه يكون المدرك كليا مشتركا بين كثيرين ينحصر ~~PageV00P183 # في الصورة الذهنية وهي المنقسمة إلى التصور والتصديق الكاسبة والمكتسبة. # فإذا تحققت العلاقة الوجودية المستلزمة للعالمية والمعلومية بين ذات ~~مستقلة الوجود مجردة وصورة مرتسمة فيها فبأن يتحقق بينها وبين الصورة ~~الصادرة عنها لكان أولى. # فإن نسبة القابل إلى المقبول بالإمكان ونسبة الفاعل إلى المفعول بالوجوب ~~وهذه العلاقة أوكد ms070 من تلك كما حققه شارح الإشارات قدس سره. # وما أورده بعض المحققين في شرحه للعقائد النسفية وغيره معترضا على ما ~~حققه لا يخلو من تعسف كما لا يخفى على المصنف المتدبر. # الرابعة إذا تحقق أن المعقول من حيث هو معقول وجوده في نفسه ووجوده ~~للعاقل ومعقوليته شيء واحد بلا اختلاف وكذا المحسوس من حيث هو محسوس وجوده ~~في نفسه ووجوده للجوهر الحاس ومحسوسيته شيء واحد من غير تفاوت. فما وجوده ~~لغيره لم يكن معقولا لذاته كالصورة الجمادية ولا محسوسا لها كالبصر واللمس ~~وسائر المدارك الحسية ولهذا لا تحس بذواتها. # ولو فرضنا المعقول قائما بذاته كان وجوده لذاته نفس معقوليته لها وصار ~~عقلا وعاقلا ومعقولا كما لو فرضنا المحسوس مجردا عن المواد كان وجوده لذاته ~~نفس محسوسيته لها. فصار حسا وحاسآ ومحسوسا كما صرح به بهمنيار وغيره من ~~الحكماء. # وبما قررنا لك اندفع ما قيل من أن حقيقة العلم لو كان عين الحصول لكان كل ~~جماد عالما إذ ما من جماد إلا وقد حصل له ماهيته. والمعلوم من كل شيء ~~ماهيته. # ووجه الاندفاع أن الصور الجمادية وغيرها لما كانت حاصلة للمواد لم يحصل ~~أنفسها لها بل لا يحصل لها شيء أصلا. # فإن القائم بالغير الحاصل له يكون إنيته بعينها إنيته للمحل فلو حصل له ~~شيء يكون حصوله في الحقيقة لمحل الصورة والعرض لا لهما. # فإن ما ليس له حصول لنفسه كيف يحصل له شيء. # وأيضا لكونها مقارنة للمادة ليست عرية عما يمنعها من المعقولية كالوضع ~~والمقدار وغيرهما. PageV00P184 # وأما النقض بوجود الهيولى من جهة أنها ليس وجودها لشيء آخر بل لنفسها ~~فيلزم أن يكون عالمة بذاتها بناء على كون العلم عبارة عن نحو الوجود لشيء ~~فدفعه بأن الهيولى ليست موجودة بالفعل بل هي جهة القوة دائما في الموجودات ~~المادية. # فوزان ذلك في العالمية أن يكون للهيولي قوة العالمية فيما يتعلق بها من ~~الأمور كالنفوس التي هي أولا عاقلة ومعقولة بالقوة ثم يصير عقلا وعاقلة ~~بالفعل. # واعلم أنهم لم يكتفوا في كون المجرد ms071 عاقلا ومعقولا في ذاته بهذا القدر ~~حتى يلزم عليهم انعكاس الموجبة الكلية موجبة كلية أو الاستنتاج من موجبتين ~~كليتين في الشكل الثاني كما يظن أنهم استنتجوا من قولهم: إن الذات القائمة ~~الغير الجسمية مجردة عن المادة والمعقول من الصورة بالفعل ذات مجردة عن ~~المادة أن الذات القائمة الغير الجسمية معقولة بالفعل. # والحال أن الموجبتين في الثاني لا تنتجان. # بل قالوا إن ما هو مجرد عن المادة إما أن يصح أن يعقل أو لا يصح. # ومحال أن لا يصح أن يعقل إذ كل موجود يمكن أن يعقل. # فإذن صحة معقوليته إما بأن لا يتغير فيه شيء حتى يصير معقولا بالفعل أو ~~بأن يتغير فيه شيء حتى يصير معقولا كالحال في المعقولات بالقوة التي يحتاج ~~إلى مجرد يجردها عن المادة حتى تصير معقولة. # لكن هذا الحكم لا يصح في المجرد بالفعل فإن المجرد بالفعل حيث ما غشيته ~~عوارض مادية لا يحتاج إلى أن يتغير فيه شيء حتى يصير معقولا بالفعل ولا ~~يحتاج العاقل له إلى تقشيره عنها حتى يصير معقولا ويخلص إلى حاق كنهه. # فهو إذن معقول بالفعل فهو عاقل لذاته فإن لم يكن عاقلا بالفعل لكان ~~معقولا بالقوة وقد فرضناه معقولا بالفعل. # فإن قلت: كون الشيء عالما ينكشف له المعلومات حال خارجي مغاير لنفس ~~حقيقته فلا يكون نفس حقيقته العالم وحدها مصداقا لصدق العالم في علم الشيء ~~بنفسه. # فإن كل شيء في نفسه هو هو لا غيره فلو تغير عما هو عليه في نفسه لاحتاج ~~إلى مصداق آخر وراء ذاته فلا بد من كون الشيء عالما بنفسه مثلا من أمر آخر ~~غير نفس ذاته يكون مصداقا لعالميته. # فلا يكون العلم بالشيء نفس حصول ذلك الشيء فقط. # أقول: كون عالمية الشيء في علم المجرد بذاته وصفا خارجا عن نفس ذاته غير ~~PageV00P185 # مسلم بل يكون نفس حقيقة الشيء الغير الجسمي مصداقا لكونه عالما بذاته ولا ~~يحتاج إلى مصداق آخر مغاير لنفسه فإن صدق المفهومات المتغايرة على ذات ~~واحدة لا يستدعي تغاير المصداقات إلا ms072 إذا استلزم ذلك الصدق اختلاف حيثيات ~~وهو فيما نحن بصدده أي علم المجرد بذاته غير مسلم وإن سلم في غيره. # قال الشيخ في التعليقات: إذا قلت إني أعقل شيئا فالمعنى أن أثرا منه ~~موجودة في ذاتي فيكون لذلك الأثر وجود ولذاتي وجود فلو كان وجود ذلك الأثر ~~لا في غيره بل فيه لكان أيضا يدرك ذاته كما أنه لما كان وجوده لغيره أدركه ~~الغير. # ومن توهم أن كون المجرد عالما بذاته وصف زائد على ذاته يستدعي مصداقا ~~لزمه القول بعدم الكون الواجب الحق عالما بذاته إلا بعد تحقق أمر زائد على ~~ذاته تعالى. وهو قول فضيح وظلم قبيح جدا عند المحققين. واعترض الإمام ~~الرازي في المباحث المشرقية على الحكماء حيث ذهبوا إلى أن علوم المجردات ~~بذواتهم لا يزيد على ذواتهم ب: أن الأشياء التي تعقل ذواتها لو كان عقلها ~~لذواتها غير زائدة على ذواتها لكان من عقلها عقلها عاقلة لذواتها وليس كذلك ~~إذ إثبات كونها عاقلة لذواتها يحتاج إلى تجشم إقامة برهان. وبيان إثبات ~~علمها غير بيان إثبات وجودها. # وكذا ليس من أثبت وجود الباري تعالى أثبت علمه بذاته تعالى بل يلزمه ~~إقامة حجة أخرى له. # فأقول: بعد ما بينا أن معقولية الشيء عبارة عن وجوده لشيء له فعلية ~~الوجود والاستقلال أي كونه غير قائمة بشيء آخر. # فالجوهر المفارق لما كان بحسب الوجود العيني غير موجود لشيء آخر بل كان ~~موجودا لذاته كان معقولا لذاته. # وإذا حصلت ماهيته في عقل آخر فصارت بهذا الاعتبار موجودة لشيء آخر وجودا ~~ذهنيا لا لذاته فلا جرم صارت معقولة لذلك الشيء الآخر لا لذاتها. # وإذا لم تكن بهذا الاعتبار أي PageV00P186 # باعتبار وجودها في ذلك العاقل عاقلة لذاتها فكيف عقلها ذلك العاقل عاقلة ~~لذاتها بهذا الاعتبار ومحصول القول أن عالمية الجوهر المجرد لذاته هي عين ~~وجوده لا عين ماهيته. # فلا يلزم من ذلك أن من عقل ماهية الجوهر المجرد عقلها عاقلة لذاتها. # اللهم إلا فيما يكون وجوده ماهيته كالواجب الوجود تعالى. # ولما استحال ارتسام حقيقته ms073 تعالى في ذهن من الأذهان بالكلية بل بوجه من ~~الوجوه ككونه واجب الوجود بحسب المفهوم العام لا يلزم من تعقلنا له تعقلنا ~~(عقله.) لذاته بل نحتاج إلى استيناف بيان وبرهان. # ومن توهم أن في كون الشيء عالما بنفسه موضوع العالمية مغاير لموضوع ~~المعلومية بالاعتبار وقايسه إلى معالجة الشخص نفسه إذ هو من حيث إنه معالج ~~غيره من حيث إنه مستعلج. # فالمؤثر النفس من حيث ما لها من ملكة المعالجة والمتأثر هي من حيث ما لها ~~من قبول العلاج. # لزمه القول بتكثر الحيثيات التقييدية في ذاته تعالى باعتبار كونه عالما ~~بذاته ومعلوما لذاته. # وهو أقبح وأشنع تقدس عن ذلك عظمته وكبرياؤه. # ولقد صرح الشيخ الرئيس في الشفا والتعليقات وغيرهما ب: أن نفس كون الشيء ~~عاقلا ومعقولا لا يوجب أن يكون هناك اثنينية في الذات ولا في الاعتبار. # فالذات واحدة والاعتبار واحد فإنه ليس تحصيل الأمرين إلا اعتبار أن له ~~ماهية مجردة هي ذاته وأنه ماهية مجردة ذاته له لكن في الاعتبار العقل تقديم ~~وتأخير في ترتيب المعاني والفرض المحصل شيء واحد ولا يجوز أن يحصل حقيقة ~~الشيء مرتين كما تعلم انتهى. # فثبت بما ذكرناه أن ما هو بريء الذات عن علائق المواد وله وجود صوري ذاته ~~له لا للمادة ولا لغيرها. # فذاته غير محتجبة عن ذاته بل نفس وجوده نفس كونه معقولا PageV00P187 # وذاته بعينها هي الصورة العقلية من ذاته لذاته. # فكما أن الحرارة القائمة بالنار حرارة لها وإذا فرضت قائمة بذاتها. كانت ~~حارة بنفسها حرارة لذاتها لا لشيء آخر والضوء القائم بالشمس إذا تجرد وقام ~~بذاته كان مضيئا بنفسه وضوءا لذاته لا لشيء آخر. # كذلك الصورة المجردة ما دامت قائمة بذاتها لم تنسلخ عن المعقولية بل كانت ~~معقول نفسه وعقل ذاته. # وكما أن المعلوم العيني يعلم بالصورة العلمية والصورة العلمية تعلم ~~بنفسها لا بصورة علمية أخرى. # فكذلك الأشياء التي هي غير القوة العقلية إنما تعقل بقوة عقلية والقوة ~~العقلية نفسها تعقل بنفسها لا بقوة عقلية أخرى. # فبتمهيد هذه المقدمات فضلا عن ms074 شهادة الفحص البالغ والحدس الصحيح بل ~~الفطرة السليمة وضرب من التتبع ونوع من التجارب والاعتبار تحقق وتبين أن ~~العلم إنما هو حصول شيء معرى عما يلابسه لأمر مجرد مستقل في الوجود بنفسه ~~أو بصورته حصولا حقيقيا أو حكميا. # فواجب الوجود لما كان في أعلى غايات التجرد عن المواد والتقدس عن الغواشي ~~الهيولانية وسائر ما يجعل الماهية بحالة زائدة كان عاقلا لذاته. # ولما كان إنيته حقيقته أي وجوده ماهيته فكما لا يزيد علمه بذاته على ~~وجوده فكذلك لا يزيد على حقيقته بخلاف الجواهر المفارقة الذوات فعلومها ~~بذواتها وإن لم يزد على وجوداتها لما ذكرنا من المساوقة بين العلم والوجود ~~المفارقي سواء كان بالذات أو بتجريد مجرد لكن يزيد على ماهيتها إذ ليست ~~الإنية فيها عين الماهية. # فعلم الوجود الحق بذاته أتم العلوم وأشدها نورية وأقدسها بل لا نسبة ~~لعلمه بذاته إلى علوم ما سواه بذواتها كما لا نسبة بين وجوده ووجودات ~~الأشياء حيث هو وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى. # وكما أن مناط الموجودية ومصداق حمل الوجود على الممكنات إنما هو ارتباطها ~~بالموجود الحق وهي مع قطع النظر عن ذلك الارتباط والانتساب هالكات الذوات ~~باطلات الحقائق فكذلك مناط عالميتها بنفسها أو بغيرها ارتباطها إلى نور ~~الأنوار جلت عظمته استضاءتها به. # فنسبتها إليه تعالى نسبة الأجسام الكثيفة إلى نور PageV00P188 # الشمس لو كان متذوتة قائما بنفسه فهي مظلمة بذواتها مستضيئة بلمعان نوره ~~الغير المتناهي شدة وقوة. # ولشدة نوريته وقوة إشراقه وإفراط ظهوره تتجافى عنه الحواس وتنبو منه ~~القوى فلا تدركه الأبصار ولا تمثله الأفكار ولا تنفذ فيه الأوهام ولا تصل ~~إلى إدراكه عقول الأنام. # تنبيه أ ما قرع سمعك ما تقرر في الفلسفة الأولى أن كل شيء حكم العقل أنه ~~كمال لموجود من حيث هو موجود من غير تخصيصه بتجسم وتقدر وتركب وتكثر ويمكن ~~على الموجود الحق بالإمكان العامي فيجب له لا محالة لأنه كلما فرضناه كمالا ~~للموجود من حيث هو موجود ولا يوجب تجسما أو تركبا حتى يمتنع عليه ولا يمكن ms075 ~~بالإمكان الخاص شيء عليه إذ ليس في ذاته جهة إمكانية فمثل ذلك الشيء واجب ~~الحصول له تعالى. # وأيضا يمتنع أن يكون مفيض الكمال قاصرا عنه فيصير المستوهب أشرف من ~~الواهب والمستفيد أكرم من المفيد إذ الفطرة تأباه. # فإذا كان العلم وغيره من الكمالات المضاهية له مما لا يوجب تخصيص الموصوف ~~بها بتجسم وتكثر فلا يمتنع عليه تعالى. # ولما لم يكن في ذاته جهة جواز وقوة بل هناك وجوب صرف وفعلية محضة فيجب له ~~لا محالة. # وحيث سبق أن مبدع الأشياء على الإطلاق هو ذاته تعالى ومن جملة ما يستند ~~إليه هي الذوات العالمة والصور العلمية والمفيض لكل شيء أو في كل كمال غير ~~متكثر لئلا يقصر معطي الكمال عنه فكان الواجب عالما وعلمه لا يزيد على ذاته ~~كما مر. # فصل في علمه تعالى بما سواه: # قد تحقق في العلوم الكلية أن كلما علم علته التامة بكنهها أو بحيثية ~~كونها علة PageV00P189 # لا أظنك أن تفهم من هذه العلية الإضافية المتأخرة من العلة والمعلول بل ~~المراد الحيثية التي هي بها علة تامة فلا محالة قد علم المعلول أيضا علما ~~تاما. # بل العلم التام بذوات الأسباب إنما يحصل من جهة العلم بأسبابها المتأدية ~~إليها من الحيثية التي بها يحصل التأدية. # فكل من تعقل سببا تاما لمعلول ما أي بكنهه أو تعقله بوجهه الذي ينشأ منه ~~المعلول فكذلك يعقل المعلول عقلا تاما فإن المعلول بعينه من لوازم ذات ~~العلة التامة. # فالعلم التام بها يوجب العلم التام به بخلاف العكس فإن المعلول بما هو ~~معلول إنما يستوجب علة واحدة لوجوده أية علة كانت لا علة معينة بعينها. # ومعلول الشيء لا يجب أن يكون معلوله بعينه بخلاف علته فإن علته يجب أن ~~يكون علته بعينه. # فليس العلم التام بالمعلول يقتضي علما تاما بعلته والعلم بالعلة يفيد ~~العلم بماهية المعلول وإنيته. والعلم بالمعلول لا يفيد إلا العلم بإنية ~~العلة. # ولذلك أفضل البراهين وأوثقها وأحقها بإعطاء اليقين هو النمط اللمي. # إذا تمهد ذلك فنقول: لما ثبت كون الواجب ms076 تعالى عالما بذاته لزم كونه ~~عالما بجميع الموجودات فإن ذاته علة موجبة لجميع ما عداه ومبدأ لفيضان كل ~~إدراك حسيا كان أو عقليا. ومنشأ لكل ظهور ذهنيا كان أو عينيا إما بدون ~~واسطة أو بواسطة هي منه. # والعلم التام بالعلة الموجبة يستلزم العلم التام بمعلولها. # فلزم كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ألا يعلم من خلق و هو اللطيف ~~الخبير. # وأما كيفية علمه بالأشياء بحيث لا يلزم منه الإيجاب ولا كونه فاعلا ~~وقابلا وكثرة في ذاته بوجه تعالى عنه علوا كبيرا فاعلم أنها من أغمض ~~المسائل الحكمية قل من يهتدي إليها سبيلا ولم يزل قدمه فيها حتى الشيخ ~~الرئيس أبي علي بن سينا مع براعته وذكائه الذي لم يعدل به ذكاء والشيخ ~~الإلهي صاحب الإشراق مع صفائه في الذهن وكثرة ارتياضه بالحكمة ومرتبة كشفه ~~وغيرهما من الفائقين في العلم. # وإذا كان هذا حال PageV00P190 # أمثالهم فكيف من دونهم من أسراء عالم الحواس مع غش الطبيعة ومخالطتها ~~ولعمري إن إصابة مثل هذا الأمر الجليل على الوجه الحق الذي هو يوافق الأصول ~~الحكمية ويطابق القواعد الدينية متبرئا عن المناقضات ومنزها عن المؤاخذات ~~في أعلى طبقات القوى الفكرية البشرية وهو بالحقيقة تمام الحكمة الحقة ~~الإلهية. # ولصعوبة هذا المطلب وغموضه أنكر بعض الأقدمين من الفلاسفة علمه بشيء ~~فضلوا ضلالا بعيدا وخسروا خسرانا مبينا. # فما أشنع وأبعد من أن يدعي مخلوق لنفسه الإحاطة العلمية بجلائل الملك ~~ودقائقه وأسرار الملكوت وحقائقه بفكره ورأيه على ما هو شأن الفلاسفة ويسلب ~~العلم بشيء من الأشياء من خالقه الحكيم العليم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة ~~في السماوات والأرض ويجعله أنزل من الحيوانات العجم التي تعلم كثيرا من ~~الأشياء تعالى عما يقوله الظالمون علوا كبيرا. # ومن أثبت علمه تعالى بالموجودات فهو إما أن يقول إنه منفصل عن ذاته أو ~~لا. # والقائل بانفصاله إما أن يقول بثبوت المعدومات سواء نسبها إلى الخارج ~~كالمعتزلة أو إلى الذهن كبعض مشايخ الصوفية مثل الشيخ العارف المحقق محيي ~~الدين العربي والشيخ الكامل صدر الدين القونوي على ms077 ما نقل عنهم العلامة ~~الدواني في شرح الرباعية وهو الظاهر من كلام الشيخ العربي في باب السابع ~~والخمسين وثلاثمائة من الفتوحات المكية المعقود لمعرفة منزل البهائم حيث ~~قال: # أعيان الممكنات في حال عدمها رائية ومرئية وسامعة ومسموعة برؤية ثبوتية ~~وسمع ثبوتي وما لها وجود. # فعين الحق سبحانه ما شاء من تلك الأعيان فوجه عليه دون غيره من أمثال ~~قوله المعبر عنه باللسان العربي المترجم عنه ب كن فأسمعه أمره فبادر ~~المأمور فتكون عن كلمته لا بل كان عين كلمته ولم يزل الممكنات في حال عدمها ~~الأزلي لها تعرف الواجب الوجود لذاته ويسبحه ويمجده بتسبيح أزلي وتمجيد ~~قديم ذاتي ولا عين لها موجود. # انتهى. PageV00P191 # أو يقول بأن علمه تعالى بالأشياء صور خارجية قائمة بذواتها منفصلة عنه ~~تعالى وعن الأشياء وهي المثل الأفلاطونية على ما هو المشهور. # أو يقول بأن علمه بها نفس وجوداتها العينية كما اختاره الشيخ الإشراقي ~~ومتابعوه كالمحقق الطوسي وشارح التلويحات والعلامة الشهرزوري. # والقائل بعدم انفصاله إما أن يقول أنه غير ذاته تعالى وهو الظاهر من كلام ~~الشيخين الفارابي وأبي علي. # أو يقول إنه عين ذاته. # والقائل بأن علمه بالأشياء عين ذاته إما أن يقول إن ذاته يتحد بالصور ~~العقلية كفرفوريوس وأتباعه من المشائين. # أو يقول إن ذاته علم إجمالي بجميع ما عداه. # أو يقول إنه علم تفصيلي ببعض وإجمالى ببعض آخر. # فهذه ثمانية احتمالات ذهب إلى كل منها ذاهب. # وأنا أذكر واحدا واحدا من المذاهب والاحتمالات وما يرد على كل منها ~~وكيفية التفصي عن بعضها بقدر الإمكان بوجوه مشتملة على تصورات غريبة لطيفة ~~مفيدة للذهن الاقتدار على لطائف الأفكار ودقائق الأسرار. # ثم أعين ما هو أقرب إلى الصواب بل الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه كما سيظهر على ذوي الألباب عند تميز القشر عن اللباب. # وأقول وبالله التوفيق: أما ما ذهب إليه المعتزلة القائلين بثبوت ~~المعدومات. فالكتب الحكمية والكلامية مشحونة بإبطال شيئية المعدوم وسائر ~~هوساتهم. # ومن العجيب أن الوجود عندهم يفيده الفاعل وهو ms078 ليس بموجود ولا معدوم فلا ~~يفيد الفاعل وجود الوجود مع أنه كان يعود الكلام إليه ولا يفيد ثباته فإنه ~~كان ثابتا بإمكانه في نفسه فما أفاد الفاعل للماهيات شيئا. # فعطلوا العالم عن الصانع. # وقال بعض العلماء: إن هؤلاء قوم نبغوا في ملة الإسلام ومالوا إلى الأمور ~~العقلية وما كانت لهم أفكار سليمة ولا حصل لهم ما حصل للصوفية من الأمور ~~الذوقية ووقع بأيديهم كما نقل جماعة في عهد بني أمية من كتب قوم كانت ~~أساميهم يشبه أسامي PageV00P192 # الفلاسفة. فظن القوم أن كل اسم يوناني هو اسم فيلسوف فوجدوا فيها كلمات ~~استحسنوها وذهبوا إليها وفرعوها رغبة في الفلسفة وانتشرت في الأرض وهم ~~فرحون بها. # وتبعهم جماعة من المتأخرين وخالفوهم في بعض الأشياء إلا أن كلهم إنما ~~غلطوا بسبب ما سمعوا من أسامي هائلة يونانية لجماعة صنفوا كتبا يتوهم أن ~~فيها فلسفة وما خرجت الفلسفة من اليونان إلا بعد انتشار عامتهم وخطبائهم. ~~انتهى. # وأما ما نقل عن أولئك الأعلام من الصوفية فيرد عليها ما يرد على مذهب ~~المعتزلة بأن ثبوت المعدومات وتميزها غير صحيح بالضرورة سواء نسب إلى ~~الخارج أو إلى الذهن وسواء كانت معدومات مطلقة أو صارت موجودة بعد عدمها في ~~وقت من الأوقات. # والتفرقة تحكم بحت. # وأما مذهب القائلين بالمثل كأفلاطون ومن تبعه على ما هو المشهور فيرد ~~عليه ما أورده المعلم الأول وأتباعه كالشيخ الرئيس في إلهيات الشفا. # وأيضا لا ريب أن تلك الصور موجودات عينية لا ذهنية. # فننقل الكلام إلى كيفية علمه تعالى بتلك الصور العينية قبل كونها فيلزم ~~التسلسل أو القول بأن بعض الموجودات يصدر عنه تعالى بلا علم به متقدم عليه. # وقد هرب هذا القائل من القول بذلك إلى القول بالمثل فقد وقع فيما هرب ~~عنه. # كيف ومن المستنكر أن يكون الباري تعالى محتاجا في إيجاد الموجودات إلى ~~مثل لتكون دستورات لفعله وبرنامجات لصنعه. # وأما القول باتحاد العاقل بالصور العقلية على الوجه المشهور المذكور الذي ~~يفهمه الجمهور. # فقد اعتنى الشيخ بيان استحالته وأبطل هو وغيره القول ms079 به بأن شيئا لا يصير ~~شيئا آخر فإنه إن بقي الأول مع حصول الثاني فهما اثنان وإن بطل الأول وحصل ~~PageV00P193 # الثاني أو بقي الأول ولم يحصل الثاني فما صار أحدهما الآخر وهذا ظاهر. # وأما على الوجه الذي سيقرع سمعك القول به في مباحث النفس فهو نمط حققته ~~أنا وقد تفردت باستنباطه بناء على أصول مقررة عندي فهو نمط آخر من الكلام ~~لا يصل إليه أفهام جماهير الأنام لأنه مرتقى عال ومقصد شريف غال ويحتاج ~~دركه إلى فطرة ثانية بل ثالثة. # وشنع الشيخ على من ينسب إليه هذا القول قائلا في الإشارات: وكان لهم رجل ~~يدعي بفرفوريوس عمل في العقل والمعقولات كتابا يثني عليه المشاؤون وهو حشف ~~كله وهم يعلمون أنهم لا يفهمونه ولا فرفوريوس نفسه وقد ناقضه من أهل زمانه ~~رجل ناقض هو ذلك المناقض بما هو أسقط من الأول. # وفي الشفا بعد ما أبطل القول بأن ذات النفس تصير هي المعقولات: إن أكثر ~~ما هو بين الناس في هذا هو الذي صنف لهم إيساغوجي وكان حريصا على أن يتكلم ~~بأقوال مخيلة صوفية ويقتصر منها لنفسه ولغيره على التخيل ويدل أهل التمييز ~~في ذلك كتبه في العقل والمعقولات وكتبه في النفس انتهى. # ثم إنه قد رجع عن هذا الإنكار والتشنيع وأقام الحجة على ثبوت الاتحاد في ~~كتاب المبدإ والمعاد. اعتذر بعض المحققين عن هذا التناقض في كلامه بأن غرضه ~~في ذلك الكتاب تقرير المقاصد على طريقة أتباع المشائين دون ما هو الحق عنده ~~وانعقد عليه رأيه. # وهذا عندي مستبعد جدا على ما هو عادة الشيخ ودأبه في الأقوال والآراء. # إذ قلما رأينا أن يحيد عن الحق الصريح إلى ما هو الباطل الصرف عنده في ~~أشياء مهمة حكمية كمباحث العقل والمعقول فإن معرفتهما من المهمات العلمية. # ولا يبعد القول بأنه كان ممن وجد رائحة الصواب من القول باتحاد العقل ~~والمعقول في إدراك العقل الهيولاني للمعقولات على حسب ما حققناه كما سيجيء ~~في موضعه إن شاء الله تعالى. PageV00P194 # وقال بعض العلماء موافقا ms080 لما ذكره الشيخ الرئيس: ومما يبطل هذا الرأي أنه ~~يلزم تبدل جوهر النفس حين انتقالها من معقول إلى معقول آخر وليس كذلك فإن ~~الجوهر الشاعر بذاته منا هو هو في كل حين قبل إدراك شيء ومعه وبعده. # وما يقولون إن الماء صار هواء والأبيض صار أسود معناه أن مادة الماء ~~انسلخت عنها الصورة المائية وتصورت بصورة الهوائية والحامل لوصف الأبيضية ~~زال عنه البياض وحصل فيه السواد والقابل في الحالين شيء واحد انتهى كلامه. # وستعلم جلية الحال وكنه المقال وتلخيص الصواب وتمييز القشر عن اللباب في ~~مباحث النفس في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. # وأما القول بارتسام صورة الأشياء في ذاته تعالى فتقريره على ما يستفاد من ~~كتب مقدم المشائين أرسطاطاليس ووافقه كلام الشيخ الرئيس في أكثر كتبه هو أن ~~الصورة العقلية قد يؤخذ عن الصورة الموجودة كما يستفاد من السماء بالرصد ~~والحس صورتها المعقولة. وقد لا يكون الصورة المعقولة مأخوذة عن الموجودة بل ~~ربما يكون الأمر بالعكس كصورة بيت أبدعها البناء أولا في ذهنه ثم يصير تلك ~~الصورة المعقولة محركة لأعضائه إلى أن يوجدها فليست تلك الصورة وجدت فعقلت ~~بل عقلت فوجدت. # إذا تمهد هذا فنقول: لما كانت نسبة جميع الأمور إلى الله تعالى كنسبة ~~المصنوع إلى نفس الصانع لو كانت تامة الفاعلية فقياس عقل واجب الوجود ~~للأشياء هو قياس أفكارنا للأمور التي نستنبطها ثم نوجدها من حيث إن المعقول ~~منها سبب للوجود. # والفرق بأنا لكوننا ناقصين في الفاعلية نحتاج في أفاعيلنا الاختيارية إلى ~~انبعاث شوق واستخدام قوة محركة واستعمال آلة تحريكية وانقياد مادة لقبول ~~تلك الصورة. # والأول تعالى لكونه تام الفاعلية غنيا عما سواه لا يحتاج فاعليته إلى أمر ~~خارج بل إنما أمره PageV00P195 # إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فإنه يعقل ذاته وما يوجبه ذاته ويعلم ~~من ذاته كيفية الجزئية في الكل فيتبع صور الموجودات الخارجية الصور ~~المعقولة عنده على نحو النظام المعقول عنده فالعالم الكياني بإزاء العالم ~~الرباني والعالم الرباني عظيم جدا والعالم الرباني بإزاء ms081 العالم الربوبي ~~فالعالم الربوبي عظيم جدا. # وربما يستدل على كون علمه تعالى بالأشياء بالصور الحاصلة في ذاته بأنه ~~تعالى يعلم ذاته وذاته سبب تام للأشياء والعلم بالسبب التام للشيء يوجب ~~العلم بذلك الشيء فذاته تعالى يعلم جميع الأشياء أزلا. # ففي الأزل إن لم يكن للأشياء وجود أصلا لا عينا ولا صورة لم يتحقق العلم ~~بها إذ العلم يستدعي التعلق بين العالم والمعلوم سواء كان نفس التعلق ~~والإضافة أو صفة موجبة لهما. # والتعلق بين العاقل والمعدوم الصرف محال لاستيجاب النسبة تحقق الطرفين ~~بوجه لكن يمتنع تحقق العالم في الأزل بالوجود الخارجي وإلا لزم قدم ~~الحوادث. # فبقي كونها موجودة بالوجود الصوري عند الباري قبل وجودها العيني لا بوجود ~~مباين عن ذاته ليلزم المثل الأفلاطونية بل بوجودات قائمة بذاته تعالى وهو ~~المراد. # وفيه أنه منقوض بالقدرة الإلهية الأزلية المتعلقة بالحوادث المقتضية ~~لنسبة ما بين القادر والمقدور مع عدم توقفها على وجود المقدور ضرورة ~~واتفاقا. # واعترض عليه بعض الأزكياء بأن مثل هذه النسبة لا يقتضي وجود الطرفين ~~تحقيقا بل يكفي فيها الوجود التقديري إذ النسبة في التحقيق تقديرية. # ثم قال: فالوجه أن يقال النسبة وإن لم يقتض تحقق الطرفين بالفعل لكن تحقق ~~العلم يقتضيه لأن العلم يستلزم انكشاف المعلوم عند العالم والمعدوم الصرف ~~لا تميز له أصلا. انتهى. # أقول: إن الفرق بين القدرة والعلم في حق الله تعالى بكون أحدهما يستدعي ~~التعلق دون الآخر غير صحيح لما سبق من كون صفاته الحقيقية كلها معنى واحدا ~~PageV00P196 # وحقيقة واحدة هي ذاته الأحدية. # ولا يجوز قياس قدرته تعالى على قدرة الإنسان. # فإن القدرة فينا نفس القوة واستعداد الفاعلية. # وفي الواجب تعالى لبراءته عن شائبة الإمكان والاستعداد محض الفعل ~~والتحصيل. # فوزان علمه تعالى وقدرته في تعلقهما بالممكنات واحد من غير تفاوت. # واستدل أيضا على أن عالميته تعالى بالأشياء بنحو الانتقاش بأن الباري لو ~~كان يعقل الأشياء لكانت وجوداتها متقدمة على كونه عاقلا للأشياء فلا يكون ~~واجب الوجود من جميع الجهات وقد سبق أن واجب الوجود بالذات واجب الوجود ms082 من ~~جميع الوجوه ويكون في ذاته وقوامه أن يقبل معقولات الأشياء وكان فيه عدمها ~~باعتبار ذاته فيكون ذاته بذاته عادما لمعقولات من شأنه حصولها فيه. # ففيه إذن جهة إمكانية وكان لغيره مدخل في تتميم ذاته وهذا محال. فيجب أن ~~يكون له من ذاته الأمر الأكمل لا من غيره. # فقد بقي أن يكون علمه بالممكنات حاصلا له تعالى قبل وجودها. # هذا حاصل ما قالوه في علم الله تعالى والاعتراض عليه من وجوه: # الأول ما أورده أبو البركات البغدادي من أن قولهم لو كان علمه تعالى ~~مستفادا من الأشياء لكان لغيره مدخل في تتميم ذاته منقوض بكونه تعالى فاعلا ~~للأشياء فإن فاعليته لها إنما يتم بصدور الفعل عنه فيجب أن يكون لفعله مدخل ~~في تتميم ذاته وذلك باطل فيلزم نفي كونه فاعلا للأشياء. # فكما أن هذا الكلام باطل فكذا ما قالوه. # أقول: الفاعلية وكذا العلم والقدرة ونحوها قد يطلق ويراد بها نفس المعنى ~~الإضافي. # ولا شك في أنها بهذا الاعتبار متأخرة عن وجود ما أضيفت هي إليه مستفادة ~~منه. # وقد يطلق ويراد بها مبادئ تلك الإضافات وهي متقدمة على وجود ما تعلقت هي ~~به وليست تلك المعاني بالاعتبار الأول صفة كمالية لذات الواجب تعالى بل ~~PageV00P197 # بالاعتبار الثاني. فإن فاعليته تعالى كونه بحيث يتبع وجوده وجود جميع ~~الأشياء الموجودات وعالميته كونه بحيث ينكشف له الأشياء. وعلى هذا فقس ~~الصفات الكمالية له فكما أن فاعليته الحقيقية لا يتوقف على وجود الفعل لأن ~~وجود الفعل يتوقف على كونه فاعلا فلو كان بالعكس أيضا لزم الدور. # فوزانه في علمه تعالى أن يجعل المعلوم تبعا للعلم لا العلم تبعا للمعلوم. # الثاني ما أفاده المحقق الطوسي وتصدى لتبين مفاسد القول بارتسام صور ~~الأشياء في ذاته تعالى من أنه لا شك في أن القول بتقرير لوازم الأول في ~~ذاته قول بكون الشيء الواحد فاعلا وقابلا معا. # وقول بكون الأول موصوفا بصفات غير إضافية ولا سلبية. # وقول بكون الله تعالى محلا لمعلوماته الممكنة المتكثرة تعالى عن ذلك علوا ~~كبيرا. # وقول ms083 بأن المعلول الأول غير مباين لذاته تعالى. # وبأنه لا يوجد شيئا مما يباينه بذاته بل بتوسط الأمور الحالة فيه إلى غير ~~ذلك مما يخالف الظاهر من مذاهب الحكماء والقدماء القائلين بنفي العلم عنه ~~تعالى. وأفلاطون القائل بقيام الصور المعقولة بذاتها والمشاؤون القائلون ~~باتحاد العاقل والمعقول والمعتزلة القائلين بثبوت المعدومات إنما ارتكبوا ~~تلك المحالات حذرا من التزام هذه المعاني. # أقول: في كلام ذلك المحقق نظر أما في التزامه كون ذات الباري على التقدير ~~المذكور فاعلا وقابلا فهو إن أراد بالقبول مطلق اتصاف اللزومي فبطلانه ~~ممنوع على ما مر سابقا وظني أنه ما نهض شيء من الدلائل المشهورة على بطلان ~~كون البسيط فاعلا وقابلا. # إلا أن يراد بالقبول الانفعال التجددي أو التأثر من الغير لانتقاضها ~~بلوازم الماهيات البسيطة كما مضى ذكره. # وحينئذ فلا فرق بين وجودها فيها ووجودها عنها. # فلوازمه تعالى التي هي معقولاته إنما هي عنه وفيه بلا تفاوت. # وإن أراد معنى الآخر فلزومه غير مسلم لكونه غير بين ولا مبين. وأما ~~التزام اتصافه تعالى بصفات حقيقية فهو إنما يتأتى لو كانت الصور العقلية ~~القائمة بذاته تعالى صفات كمالية له بل قالوا إن ذاته تعالى وإن كانت محلا ~~لتلك الصور العلمية لكن لا يتصف بها ولا يكون هي كمالات لذاته تعالى وليس ~~علو الأول ومجده بعقله للأشياء بل بأن يفيض عنه PageV00P198 # الأشياء معقولة. # فيكون علوه ومجده بذاته لا بلوازمه التي هي المعقولات. # وذكر بهمنيار هذا المعنى بقوله: واللازم التي هي معقولاته تعالى وإن كانت ~~أعراضا موجودة فيه فليس مما يتصف بها أو ينفعل عنها فإن كونه واجب الوجود ~~بذاته هو بعينه كونه مبدءا للوازمه أي معقولاته بل ما يصدر عنه إنما يصدر ~~عنه بعد وجوده وجودا تاما. # وإنما يمتنع أن يكون ذاته محلا لأعراض ينفعل عنها أو يستكمل بها أو يتصف ~~بها بل كماله في أنه بحيث يصدر عنه هذه اللوازم لا في أنه توجد له. # فإذا وصف بأنه يعقل هذه الأمور فإنه يوصف به لأنه يصدر عنه هذه لا لأنه ms084 ~~محلها. # وأما لزوم مفسدة الكثرة في ذاته تعالى فدفعه الشيخ في عدة مواضع من كتاب ~~التعليقات وغيرها بما حاصله: أن هذه الكثرة إنما هو بعد الذات الأحدية ~~بترتيب سببي ومسببي لا زماني فلا ينثلم بها وحدة الذات. # ألا ترى أن صدور الموجودات المتكثرة عنه تعالى لا يقدح في بساطة الحق ~~لكونها صادرة عنه على الترتيب العلي والمعلولي فكذلك معقولاته المفصلة ~~الكثيرة إنما تترتب عنه على وجه لا ينثلم الوحدة الصرفة. # فتلك الكثرة ترتقي إليه وتجتمع في واحد محض. # فهي مع كثرتها اشتملت عليها أحدية الذات إذ الترتيب يجتمع الكثرة في واحد ~~كما أشار إليه المعلم الثاني بقوله: واجب الوجود مبدأ كل فيض وهو ظاهر على ~~ذاته بذاته. # فله الكل من حيث لا كثرة فيه فهو ينال الكل من ذاته. # فعلمه بالكل بعد ذاته وعلمه بذاته ويتحد الكل بالنسبة إلى ذاته فهو الكل ~~في وحدة. # وأما لزوم كون المعلول الأول غير مباين لذاته إن أراد بعدم مباينة ~~المعلول الأول له تعالى قيام صورته بذاته تعالى فهو عين محل النزاع فلا ~~يكون حجة على القائلين بأن العلم الرباني إنما هو بالصور المعقولة المرتسمة ~~في ذاته تعالى مع مباينة ذواتها لذاته المقدسة. # وإن أراد به كون صورته عين الواجب بناء على أن صدور كل معلول عنه تعالى ~~إنما هو بتوسط صورته السابقة عليه فلو لم يكن صورة المعلول الأول عين حقيقة ~~الواجب لزم التسلسل. # فإنه إذا كان كل صورة وجدت عنه لأنها عقلت فلا يخلو إما أن يكون قبل كل ~~صورة عقلية صورة أخرى فالكلام كما قلناه. # وإما أن PageV00P199 # لا يكون كذلك فكأنا قلنا عقلت لأنها عقلت أو وجدت عنه لأنها وجدت عنه فهو ~~باطل. # فجوابه ما وجد في كتب الشيخين أبي نصر وأبي علي تفصيا عن هذا من أن هذه ~~الصور المعقولة نفس وجودها عنه نفس عقله لها لا تمايز بين الحالتين ولا ~~ترتب لإحداهما على الأخرى فهي من حيث هي موجودة معقولة ومن حيث هي معقولة ~~موجودة. # والحاصل أن إيجاده تعالى ms085 تلك الصور عين علمه بها فلا حاجة إلى إثبات علم ~~آخر لأن كل إيجاد لا يكون نفس العلم فيحتاج في وقوعه عن الفاعل المختار إلى ~~علم سابق وتصور يكون مبدأ ذلك الإيجاد. # وأما إذا كان نفس الإيجاد نفس العلم فلا يتوقف على علم آخر به يتحقق هذا ~~العلم الذي هو نفس الإيجاد. # الثالث أنه يلزم على القول بارتسام الصور في ذاته تعالى على الترتيب ~~العلي أن يكون ذاته منفعلا عن الصورة الأولى إذ هي علة استكماله تعالى ~~بحصوله صورة ثانية. # لا يقال: الصور وإن كانت في ذاته فليست كمالا له. # لأنا نقول: هي من حيث كونها في ذاتها لما كانت ممكنة الوجود لا يكون ~~حصولها بالفعل بل بالقوة. # ولا شك أن كون ذاته بالقوة نقصا لذاته وانتفاء القوة إنما يكون بوجودها. ~~فيكون وجودها كمالا له. ومزيل النقص مكمل. فالصور السابق يكون مكملة وذاته ~~مستكملة. # والمكمل أشرف من المستكمل مع أن ذاته أشرف من كل شيء جدا. # هذا حاصل ما ناقضهم صاحب المطارحات. # وأقول: فيه بحث أما أولا فلانتقاضه في صورة صدور الموجودات الخارجية عنه ~~تعالى لإجراء خلاصة الدليل فيه كما يظهر بعد التأمل. # أما ثانيا فلأنا نقول: فعلية تلك الأشياء من جهة المبدإ ووجوبها مرتب على ~~وجوبه وليس هناك فقد ولا قوة أصلا ولا لتلك الأشياء إمكان من الجهة ~~المنسوبة إلى مبدئها الأعلى. # والانفعال إنما يلزم لو انتقل ذاته من معقول إلى معقول كما في العلوم ~~PageV00P200 # النفسانية أو يفيض المعقولات على ذاته من غيره كما في علوم المبادئ. # وأما إذا كانت المعقولات لازمة لذاته كما في لوازم الماهيات البسيطة فلا ~~يلزم من الانفعال شيء. # ومما يؤيد مذهب القائلين بالصور في علم الله تعالى قول إنكسيمانس الملطى ~~حيث قال: # إن كل مبدع ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته في علم مبدعة الأول. # والصور عنده غير متناهية. # ثم قال: ولا يجوز في الرأي إلا أحد القولين: إما أن نقول أبدع ما في علمه ~~وإما أن نقول أبدع أشياء لا يعلمها ms086 وهذا من القول المستشنع. # وإن قلنا أبدع ما في علمه فالصورة أزلية بأزليته وليس يتكثر ذاته بتكثر ~~المعلومات ولا يتغير بتغيرها. انتهى كلامه. # واعترض عليه بعض المحققين من وجهين: أحدهما أنه لم يتعرض لكيفية فيضان ~~هذه الصور من الذات من كونه بالعلم المقدم أولا. وعلى الأول يرد عليه أن ~~العلم المقدم الذي هو عين الذات دفعا للتسلسل كاف في العلم بالموجودات ~~العينية. فما الدليل على فيضان الصور العلمية قبل الإيجاد العيني وعلى ~~الثاني يرد عليه أن هذا قول بأن الله تعالى أبدع أشياء لا يعلمها وهذا قول ~~مستشنع كما ذكره ذلك الفيلسوف. # وثانيهما أنه يرد عليه أن هذه الصور إما جواهر أو أعراض فإن كان الأول ~~لزم أن يكون موجودات عينية لا بد لها من صور آخر للعلم بها. والكلام في ذلك ~~كالكلام في أصل الصور. # وإن كان الثاني لزم أن يكون الواجب الوجود بالذات محلا لها وفاعلا لها. # والقول بكون الواجب بالذات فاعلا لها لا محلا لها لكونه غير متأثر عنها ~~قول بكونها جواهر كباقي الممكنات ولا خفاء أيضا في أن علم واجب الوجود ~~باعتبار هذه الصور ليس علما كماليا ذاتيا لكونه تابعا لفيضان تلك الصور ~~فعلى تقدير انحصار العلم المتقدم في فيضان الصور المنكشفة لزم أن لا يكون ~~للذات علم هو كمال ذاتي غير تابع للتأثير والحق تحققه كما مر. انتهى كلامه. ~~PageV00P201 # أقول: فيه بحث من وجوه: # الأول أن العلم الإجمالي غير كاف لصدور الموجودات العينية عنه تعالى إلا ~~عند من يجعل علمه بالأشياء الخارجية بمجرد الإضافة الإشراقية الوجودية ~~والقائلون به جماعة أخرى غير المشائين وأتباعهم. # أ ولا ترى أن الشيخ الرئيس مع إثباته العلم الإجمالي الكمالي الذي هو عين ~~ذاته كما يظهر بمراجعة كتبه لا يكتفي به لصدور الموجودات الخارجية عنه ~~تعالى بل يثبت له الصور المفصلة العقلية. # الثاني أنه قد سبق أن علمه تعالى بتلك الصور القائمة بذاته عين إيجاده ~~لها بلا اختلاف وأن العلم إذا كان عين الإيجاد والمعلوم عين المعلول لا ~~حاجة في صدوره ms087 عن الفاعل بعلم وإرادة إلى علم سابق تفصيلي. # فلا يتأتى قوله وهذا قول بأن الله أبدع أشياء لا يعلمها.. # الثالث أن قوله هذه الصور إما جواهر أو أعراض إلى آخره غير متوجه فإن ~~جواهرها جواهر لكنها ليست جواهر بحسب الوجود العيني بل جواهر علمية. فلا ~~يستدعي العلم بها صورة أخرى كما مر. # والكل باعتبار الوجود العلمي أعراض قائمة بذاته لكن ذاته لا يتأثر عنها ~~ولا ينفعل بها كما سبق تصويره. # الرابع أن استدلاله على أن علم البارىء بهذه الصور ليس علما كماليا بكونه ~~تابعا لفيضان تلك الصور غير صحيح لما سبق مرارا من أن علمه تعالى بتلك ~~الصور عين فيضانها عنه لا أنه تابع لذلك. # وإن كان مراده أن نفس تلك الصور ليست كمالا له فنقول: من الذي أنكر هذا ~~فإن الفلاسفة القائلين بالصور في علمه تعالى ينادون أن وجود تلك الصور ليس ~~كمالا له بل كماله في أنه يتبع عقله لذاته عقله للأشياء الخارجة عن ذاته. # الخامس أن قوله فعلى تقدير انحصار العلم المقدم في فيضان الصور المنكشفة ~~لزم أن لا يكون للذات علم هو كمال ذاتي. ليس بقادح فيما هم بصدده. إذ لا ~~ينحصر PageV00P202 # علمه تعالى عندهم في الصور بل يثبتون للباري علما كماليا هو عين ذاته وهو ~~العقل البسيط الذي هو مبدأ المعقولات المفصلة. # وكيف ينكر أحد من معتبري الفلاسفة كون ذاته تعالى بحيث يصدر عنه ~~المعقولات مفصلة سواء كانت عينية أو ذهنية كما ستعلم. # فهذه جملة من أقوال القادحين في تقرير رسوم المعقولات في ذاته تعالى مع ~~ما سنح لنا من الدفع والإتمام والنقض والإبرام. وأما الذي أعتقده أنا صالحا ~~لهدم هذه القاعدة فهو أمور: # الأول ما ألهمت به وهو أنا نقول أولا إن العلم التام بشيء من أنحاء ~~الوجود لا يحصل إلا بمجرد حضور ذلك النحو من الوجود عند العالم دون حصول ~~مثال له. # وبعبارة أخرى: أفراد الموجودات الخارجية بما هي تلك الأفراد بعينها لا ~~يمكن حصولها في الذهن وإلا لزم أن يكون الموجود الخارجي ms088 من حيث هو موجود ~~خارجي وجودا ذهنيا. # وأيضا لما علمت أن العلم الارتسامي إنما يكون بحصول صورة من ماهية الشيء ~~في الذهن فلا بد من وحدة الماهية وانحفاظها وتعدد الوجود وهذا إنما يتصور ~~إذا كانت تلك الماهية غير الوجود. # وثانيا إن التأثير والتأثر والعلية والمعلولية عند المحصلين من المشائين ~~ليس إلا في أنحاء الوجودات. # بمعنى أن العلة من حيث وجودها مما يؤثر في المعلول من حيث وجوده. # لا أن ماهية العلة من حيث هي هي مع عدم اعتبار وجودها علة لماهية المعلول ~~كذلك اللهم إلا في لوازم الماهيات التي هي أمور اعتبارية. # وثالثها أنه ليس معنى قولهم العلم التام بالعلة التامة يوجب العلم التام ~~بالمعلول كما يظهر بالتأمل في برهانه أن العلم بماهية العلة التامة مطلقا ~~يوجب العلم بالمعلول. # ولا أن العلم بها من جميع الوجوه والحيثيات واللوازم والملزومات والعوارض ~~والمعروضات يوجبه حتى يرد على الأول أن ذلك لا يجري في غير لوازم الماهيات. # وعلى الثاني عدم الفرق بين العلة والمعلول في هذا الحكم PageV00P203 # وعلى الأخير عدم الفائدة فيه. # بل المراد منه العلم بتمام حقيقتها التي هي بها علة تامة. بحيث أية حيثية ~~أخرى وأي قيد آخر أخذ يكون خارجا عما هو العلة التامة وإلا لم يكن ما فرض ~~علة تامة. # وهكذا يجري الكلام في انضمام الجهات والحيثيات التي لها مدخل في علته إلى ~~أن ينتهي إلى شيء هو لذاته موجب تام. # فإذا كان ذلك الشيء لذاته بلا اعتبار آخر علة موجبا لمعلول فمتى علم بعلم ~~تام علم كونه لذلك المعلول. # ومتى علم كونه علة لذلك المعلول وجب أن يحصل العلم بذلك المعلول. # والحاصل أن كل معلول من لوازم ماهية علته التامة بما هي علة تامة فكذلك ~~العلم به من لوازم ماهية العلم بعلته. # فإن قيل: فيلزم أن يكون جميع المعلولات أمورا اعتبارية لما تقرر من أن ~~لوازم الماهيات أمور اعتبارية. # قلت: الماهيات على ضربين: ماهيات هي غير الإنيات ولا مأخوذة معها شيء ~~منها وماهيات هي نفس الإنيات أو مأخوذة ms089 معها شيء منها. # فلوازم الضرب الأول منها لا يكون إلا اعتبارية لعدم مدخلية الوجود في ~~لزومها. # بخلاف الضرب الآخر منها فإنها لوازم الوجود الخارجي الذي هو عين الماهية ~~أو معتبر فيها وهي محيثة به. # وإذا تمهدت هذه المقدمات فنقول: لما كان الواجب تعالى بوجوده الذي هو عين ~~ذاته سببا تاما لوجودات جميع الممكنات وهو يعلم ذاته بمجرد وجوده الذي هو ~~به علة فيجب أن يعلم منه معلولاته بما هي معلولاته أي بحسب كونها موجودة لا ~~بمجرد ماهياتها من حيث هي هي مع قطع النظر عن خصوص وجوداتها. # لأنها من تلك الحيثية فقط من غير اعتبار الوجود معها ليست معلولة كما ~~علمت من طريقتهم. # والعلم بها من حيث كونها صادرة موجودة في الخارج ليس إلا بنفس وجوداتها ~~الخارجية لا بحصول ماهياتها في ذات العالم. # فعلمه تعالى بجميع الأشياء ليس إلا بحضورها أنفسها لا بحصول صورة مطابقة ~~لها ذهنية. # فقد ثبت أن علمه بجميع الأشياء على الوجه الجزئي. PageV00P204 # الثاني أنه لو كان علمه تعالى بالأشياء بحصول صورها في ذاته تعالى فلا ~~يخلو: # إما أن تلك اللوازم لوازم ذهنية له أو لوازم خارجية له أو لوازم له مع ~~قطع النظر عن الوجودين. # لا سبيل إلى الأول والثالث. # إذ لا يتصور للواجب إلا نحو واحد من الوجود وهو الخارجي الذي هو عين ذاته ~~تعالى واللوازم الخارجية لا يكون إلا حقائق خارجية لا ذهنية كما لا يخفى. ~~إذ اللوازم من جهة اللزوم تابع للملزوم. # وذلك خلاف ما فرضناه لأن الجواهر الحاصلة في ذاته تعالى على الفرض ~~المذكور يكون جواهر ذهنية. وكذا الأعراض الحاصلة فيه تعالى. # وإن كان الكل مما يعرض لها في الخارج مفهوم العرض كما سلف تحقيقه. فلا ~~تذهل عنه. # الثالث أنه يلزم على ذلك التقدير صدور الكثرة من الواحد لأن المعلول ~~الأول إذا كان صدوره عن المبدإ الأول كما يقتضيه قاعدتهم هذه مشروطا بسبق ~~صورته فيلزم أن يكون الصورة الأولى علة لحصول اللازم المباين ولحصول صورة ~~أخرى. # فيلزم أن يكون الواحد الحق باعتبار ms090 صورة واحدة وجهة واحدة يفعل فعلين ~~مختلفين لا يقال: لعل ذاته من حيث ذاته علة لوجود المعلول الأول ومن حيث ~~علمه بذاته علة لعلمه علمه بالمعلول الأول. # لأنا نقول: فعلى هذا انفسخ قولهم بأن علمه بالأشياء علة لوجود الأشياء. # إذ على التقدير المذكور وجود المعلول الأول وعلمه تعالى به في درجة ~~واحدة. فلا يتقدم العلم على الإيجاد. # وما حداهم إلى إثبات الصورة في ذاته تعالى إلا كون علمه تعالى بكل شيء ~~سببا لوجود ذلك الشيء في الأعيان على ما سبق ذكره. # فإذا لم يكن الصورة العقلية للمعلول الأول موجبا لوجوده فبطل أصل مذهبهم. # وأيضا إذا كان ذاته تعالى علة لذات المعلول الأول وعقله لذاته علة لعقله ~~المعلول الأول على اعترافهم وعلى ما هو الحق في الواقع فلا يخلو: إما أن ~~يكون ذاته تعالى وعقله لذاته شيئا واحدا أو حيثية واحدة أو لا يكون كذلك. # فعلى الثاني يلزم التكثر في ذاته وهو باطل. # وعلى الأول يلزم أن يكون وجود المعلول الأول وعقل الواجب له شيئا واحدا ~~وحيثية واحدة بلا اختلاف. # إذ كما أن العلتين أمر واحد بلا اختلاف إلا PageV00P205 # بحسب العبارة فكذلك المعلولان أمر واحد بالوجه المذكور من غير تغاير ~~يقتضي مباينة أحدهما للأول واستقلاله في الوجود ومقارنة الثاني للواجب ~~تعالى وحلوله فيه كما حققه العلامة الطوسي في شرح الإشارات. # الوجه الرابع في إبطال ذلك الطريق: هو أن علمه تعالى بالأشياء لو كان ~~بالصور القائمة بذاته تعالى وكل صورة عقلية ولو تخصصت بألف تخصيص لا يمتنع ~~لذاتها الشركة فيها. # لأن مناط الجزئية كما حقق في مقامه إما الإحساس أو العلم الحضوري. # فيلزم أن لا يعلم الجزئيات بجزئيتها لا الكائنات الفاسدات ولا الإبداعيات ~~إلا بصورها الذهنية ولا ينكشف ذواتها عنده تعالى باعتبار وجودها العيني. # ونفي هذا النحو الشهود العيني عنه تعالى في غاية السخافة فإن جميع ~~الموجودات الكلية والجزئية فائضة عنه وهو مبدأ لكل وجود عقليا كان أو حسيا ~~ذهنيا كان أو عينيا. وفيضانها عنه لا ينفك عن انكشافها لديه كما مر ms091 ذكره. # فمن قال: إن الواجب تعالى لا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلي. فقد بعد عن ~~الحق بعدا كثيرا وإن لم يلزم تكفيره كما زعم بعضهم فإنه ما نفى عنه تعالى ~~العلم بأمر من الأمور بل إنما نفى عنه نحوا من أنحاء العلم الذي هو العلم ~~الحضوري. وليس هذا من ضروريات الدين. # ووصفه تعالى بالسميع والبصير وإن كان من ضروريات الدين لكن يمكن تأويله ~~بالعلم بالمبصرات والمسموعات كما فعله جماعة من المتكلمين. # والعجب من العلامة الطوسي مع تفطنه بذلك الأصل المتين والقاعدة القويمة ~~التي أشرنا إليه كيف لم يتم أعماله في انكشاف جميع الأشياء الصادرة عنه ~~تعالى بذواتها. # بل اقتصر فيه على انكشاف العقول والصور العقلية للأشياء الكلية والجزئية ~~عليه تعالى وجعل الصور القائمة بالجواهر العقلية مناطا لعلم الله تعالى ~~بالماديات كما ستقف عليه وهو غير مرضي. # بل الحق اطراد الحكم بالانكشاف الشهودي على جميع الأشياء المبدعة ~~والكائنة المعقولة والمحسوسة سواء كانت ذوات العقلاء أو علومهم وسواء كانت ~~القوى الخيالية أو الحسية أو إدراكاتها الخيالية أو الحسية. # فإن جميعها إنما PageV00P206 # يصدر عن الواجب تعالى منكشفة عنده فلا يعزب عنه شيء من الأشياء لا ~~باعتبار الشهود العيني ولا باعتبار الثبوت الذهني كما قال الله تعالى: لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات و لا في الأرض. إشارة إلى النحو الأول. ~~وقال تعالى: و لا أصغر من ذلك و لا أكبر إلا في كتاب مبين. إشارة إلى النحو ~~الثاني. # فإن قيل: فعلى ما ذكرت يلزم أن يكون للواجب علم لا يتغير وهو علمه ~~بالأمور المتقدمة على الزمان والدهر. وعلم يتغير وهو علمه بالأمور الكائنة ~~الفاسدة. والتغير في علمه تعالى مطلقا غير صحيح. # قلنا: هذه الأشياء وإن كانت في ذواتها وبقياس بعضها إلى بعض متغيرة. ~~لكنها بالنسبة إلى العوالي وما هو أعلى منها في درجة واحدة في الحضور كما ~~مرت الإشارة إليه سابقا. # ومنهم من ارتكب التغير في حضور الأشياء الكائنة الفاسدة وشهودها عند ~~الواجب تعالى معتذرا بأن هذا التغير لا يوجب تغيرا ms092 في الذات ولا في العلم ~~الكمالي الذاتي بل التغير إنما يكون في النسب والأوصاف الاعتبارية. # ومثل ذلك مثل من اطلع على ما في كتاب دفعة ثم التفت إلى صفحة بعد صفحة. ~~فإن العلم بما في الكتاب لا يتغير بحدوث تلك الالتفاتات (هذا) والعمدة ما ~~ذكرناه أولا. # فقد ثبت وتحقق من تضاعيف ما ذكرنا أن القول بإثبات الصور للواجب وتقرير ~~رسوم المدركات فيه قول فاسد ورأي سخيف وتجاسر في حق المبدإ الأعلى جل ~~كبرياؤه عن ذلك وعلا علوا كبيرا. # وأما مذهب الشيخ الإشراق ومتابعيه في علمه تعالى فليعلم أنه أقرب إلى ~~الحق من الأقوال السابقة وأقلها مفسدة وهو إثبات العلم له تعالى على قاعدة ~~الإشراق. # مبناها على أن علمه تعالى بذاته هو كونه نورا لذاته. # وعلمه بالأشياء الصادرة عنه هو كونها ظاهرة له. إما بذواتها كالجواهر ~~والأعراض الخارجية أو بمتعلقاتها التي هي PageV00P207 # مواضع الشعور للأشياء الإدراكية مستمرة كانت كما في المدبرات العلوية ~~الفلكية عقولها أو نفوسها أو غير مستمرة كما في القوى الحيوانية النطقية ~~والخيالية والحسية. # فعلمه تعالى محض إضافة إشراقية عنده. # فواجب الوجود مستغن في علمه بالأشياء عن الصورة وله الإشراق والتسلط ~~المطلق. # فلا يحجبه شيء عن شيء فلا يحجب عنه شيء. # وعلمه وبصره واحد وعلمه يرجع إلى بصره لا أن بصره يرجع إلى علمه كما في ~~غير هذه القاعدة ونوريته نفس قدرته. # فإن النور فياض لذاته بمعنى أن علمه بالأشياء نفس إيجاده لها كما أن وجود ~~الأشياء عنه نفس حضورها لديه. # فله إضافة الكمالية إلى جميع الأشياء فقط بها يصحح جميع الإضافات ~~كالعالمية وغيرها. إذ هي عينها في التحقيق. # فهذا مذهبه في علم الله تعالى. # وبيانه على ما جرى بينه وبين إمام المشائين في الخلسة الملكوتية إنما ~~يتأتى بأن يبحث الإنسان أولا في علمه بذاته وعلمه بقواه وآلاته. ثم يرتقي ~~إلى علم ما هو أشد تجردا بذاته وبالأشياء الصادرة عن ذاته. فيعلم منه أن ~~علم المبدإ الأعلى ليس بالصور مطلقا بل بالمشاهدة الحضورية إذ قد تحقق أن ~~النفس غير ms093 غائبة عن ذاتها. وإدراكها لذاتها لا يزيد على ذاتها. وإلا لم يشر ~~إلى ذاتها ب (أنا). # إذ كل صورة زائدة عليها وإن كانت قائمة بها فهي بالنسبة إليها (هو) لا ~~(أنا) وأيضا لم يكن إدراكها لذاتها على الوجه الجزئي. # إذ كل صورة ذهنية وإن تخصصت بمجموع كليات فهي لا يمتنع لذاتها الكلية ~~والمطابقة للكثرة. # ثم إن إدراك النفس لبدنها ووهمها وخيالها إنما يكون بنفس هذه الأشياء لا ~~بصور زائدة عليها مرتسمة في النفس لأن الصور المرتسمة فيها كلية فيلزم أن ~~يكون النفس محركة لبدن كلي ومستعملة لقوى كلية. # وليس لها إدراك بدنها الخاص وقواها الخاصة وهو ليس بمستقيم. # فإنه ما من إنسان إلا ويدرك بدنه الجزئي وقواه الجزئية والنفس يستخدم ~~المتفكرة في تفصيل الصور الجزئية وتركيبها حتى ينتزع الطبائع من الشخصيات ~~وتستنبط النتائج من المقدمات وحيث لم يكن للقوة الجزئية سبيل إلى مشاهدة ~~ذاتها لعدم حضورها عند نفسها. فإن وجودها في نفسها وجودها لمحلها لا لنفسها ~~كما مر بيانه. PageV00P208 # كيف والوهم ينكر نفسه وينكر القوى الباطنة وإن لم يجحد آثارها. # فإذا لم يكن للوهم الذي هو رئيس سائر القوى الجزئية سبيل إلى إدراك نفسه ~~وإدراك القوى الباطنة فكذلك حال سائر المدارك الجزئية. # فالمدارك للقوى الخادمة والجزئيات المرسومة فيها والكليات المنتزعة عن ~~تلك الجزئيات إنما هي النفس الناطقة بنفس تلك الأمور لا بصور أخرى. # وذلك لاستقلالها وتجردها وكونها من عالم الأمر وأفق التأثير وتسلطها على ~~البدن وقواه لكونها مؤثرة فيه بالتحريك والتربية. # وكلما كانت أشد تجردا وأقوى سلطنة على البدن وقواها كان إدراكها أتم ~~وحضور قواها عندها أشد وظهور الصور الإدراكية لها أقوى. # ولو كانت ذات سلطنة على غير بدنها كما على بدنها لأدركته أيضا بمجرد ~~الإضافة الإشراقية القهرية من دون احتياج إلى قبولها لصورة ذلك الشيء ~~وانفعالها عنها. # فالقبول جهة النقص والقهر جهة الشرف. # ونحن إنما احتجنا إلى الصورة في بعض الأشياء كالسماء والكواكب وغيرها لأن ~~ذواتها كانت غائبة عنا غير مقهورة لنا فاستحضرنا صورها حتى لو كانت هي ~~حاضرة ms094 لنا كحضور آلاتنا لما احتجنا إلى صورة. # فإذا تحقق وتبين أن النفس غير غائبة عن ذاتها ولا عن قواها ولا الصور ~~المتمثلة في قواها محجوبة عنها ولا بدنها الجرمي مختلف عليها لكونها نورا ~~لذاتها فالوجود البحت المتمجد الواجبي إذ هو في أعلى مرتبة النورية والتجرد ~~والتقدس عن شوب ما بالقوة وله إضافة الجاعلية التامة إلى ما سواه وله ~~السلطنة العظمى والقهر الأتم والجلال الأرفع لا جرم يعلم ذاته ويعلم العقول ~~والأجرام وقواها وما يحلها وما يتمثل لها بمجرد الإضافة المبدئية والإحاطة ~~الشهودية. # فكما أن علمه بذاته لا يزيد على ذاته كذلك علمه بالأشياء غير زائدة على ~~حضور ذواتها. # والعقول القادسة والذوات الجرمية سواسية الحضور لديه والمثول بين يديه ~~بذواتها وأعيانها حضورا عقليا نوريا. # وأيضا قد سبق أن كل ما هو كمال مطلق للموجود من حيث هو موجود فيجب له ~~تعالى. # وإذا صح العلم الإشراقي الوجودي لا بصورة وأثر بل بمجرد إضافة خاصة ~~للنفس. # ففي واجب الوجود أولى وأتم. # فيدرك ذاته لا بأمر زائد على ذاته ويعلم PageV00P209 # مصنوعاته بظهور ذواتها وهو العلم الإشراقي الشهودي. # قال: ومما يدل على أن هذا القدر كاف في العلم أن الإبصار إنما هو بمجرد ~~إضافة ظهور الشيء للبصر مع عدم الحجاب فإن من لم يكن الرؤية عنده بانطباع ~~أشباح المقادير في الجليدية ولا بخروج الشعاع عنها يلزمه أن يعترف بأن ~~الإبصار بمجرد مقابلة المستنير للعضو الباصرة فيقع به إشراق حضوري للنفس لا ~~غير. # فإذن إضافته تعالى لكل ظاهر إبصار وإدراك. # وتعدد الإضافات لا يوجب تكثرا في ذاته. # وكذا تجددها لا يوجب تغيرا في ذاته كما مر. # فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. # فهذه هي الطريقة للشيخ الإلهي في مسألة العلم. # ولا يخفى على الأزكياء وثاقتها وعظم شرفها في أسلوب المباحثة من دون ~~الرجوع إلى الأمور المقربة للقدس من الخلوات والرياضات كما سلكه. # وبعد أن قرر هذه المسألة المهمة العظيمة بهذه الطريقة اللطيفة التي هي ~~قرة عين الحكماء أورد على نفسه إشكالا: # وهو ms095 أنا إذا علمنا شيئا إن لم يحصل منه فينا أثر فحالنا قبل ذلك العلم ~~وبعده واحد. فما كنا أدركناه. # وإن حصل فينا شيء فلا بد من مطابقته لذلك المدرك فيكون صورة. # ثم أجاب عنه بأن ذلك إنما يصح في العلم الارتسامي. # وأما العلم الحضوري الشهودي فإذا حصل فينا فلا بد من حصول شيء للمدرك مما ~~لم يكن حاصلا له قبل ذلك وهو الإضافة الإشراقية فقط من غير افتقار إلى ~~المطابقة الواجبة حصولها في العلوم الصورية. # وتقسيم العلم في أوائل المنطق إلى التصور والتصديق إنما هو في العلوم ~~التي هي غير علم المجردات بذواتها وغير العلم بالأشياء التي يكفي في العلم ~~بها مجرد الإشراق الحضوري. # فإنها ليست من المدركات التصورية والتصديقية. PageV00P210 # والمشاؤون وغيرهم لما لم يتيسر لهم ما تيسر للشيخ الإلهي ولم يظفروا بهذه ~~القاعدة العظيمة تراهم صاروا كالمبهوتين في علم الله تعالى. # فمنهم من نفاه وضل ضلالا مبينا. # ومنهم من جعله صورا معقولة قائمة بذواتها. # ومنهم من قال باتحاد الواجب بالمعقولات. # والشيخ الرئيس لما كان العلم بالغير عنده بالصور العقلية تراه في كتاب ~~الشفا متحيرا في ذلك فتارة يقول إن صور جميع الموجودات التي بها علم واجب ~~الوجود تعالى لا يجوز أن يكون في ذاته الوحدانية. # وتارة يجعلها في بعض الموجودات. # وتارة يقول فيكون في صقع من الربوبية.. # ولا يفهم أحد ما هذا الصقع الذي فيه صور جميع الموجودات. # وتارة يلتزم أن هذه الصور في ذات الواحد الحق من غير لزوم تكثر لأنها ~~كثرة خارجة عن الذات لاحقة لا داخلة في حقيقته. # ولما تفطن الشارح لكتاب الإشارات وهو العلامة الطوسي رحمه الله أن إثبات ~~الصور في ذات الله تعالى قول فاسد ومذهب باطل حاول طريقة أخرى لتصحيح مسألة ~~العلم مع معاهدته نفسه على أن لا يخالف الشيخ. # فقال: العاقل كما لا يفتقر في إدراكه لذاته إلى صورة غير ذاته التي هو ~~بها هو كذلك لا يفتقر في إدراكه لما يصدر عن ذاته إلى صورة غير صورة ذلك ~~الصادر الذي بها ms096 هو هو. # واعتبر من نفسك أنك تعقل شيئا بصورة تتصورها أو تستحضرها فهي صادرة عنك ~~لا بانفرادك مطلقا بل بمشاركة ما من غيرك ومع ذلك فأنت تعقلها بذاتها لا ~~بصورة أخرى. # لامتناع تضاعف الصور إلى غير النهاية. # فإذا كان حالك مع ما يصدر عنك بمشاركة غيرك هذا الحال فما ظنك بحال ~~العاقل مع ما يصدر عنه لذاته من غير مداخلة غيره فيه وليس من شرط كل ما ~~يعقل أن يكون المدرك محلا للصور المعقولة. # فإنك تعقل ذاتك مع أنك لست بمحل لها. # بل محليتك لها من شروط حصولها لك الذي هو مناط عقلك إياها فإن حصلت هي لك ~~على جهة أخرى سوى الحلول لعقلتها من غير حلول فيك. # فإذن PageV00P211 # المعلولات الذاتية للعاقل الفاعل لذاته حاصلة له من غير أن يحل فيه. # فهو عاقل إياها بأنفسها لا بحلولها فيه. (بلا حلولها فيه ع ق). # وإذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: # أن الواجب لذاته لما لم يكن بين ذاته وبين عقله لذاته مغايرة بل كان عقله ~~لذاته هو نفس ذاته كذلك لا تغاير بين وجود المعلول الأول وبين تعقل الواجب ~~له. # إذ عقله لذاته علة عقله لمعلول الأول كما أن ذاته علة ذات المعلول الأول ~~فكما حكمت باتحاد العلتين فاحكم باتحاد المعلولين. # فإذن وجود المعلول الأول هو نفس تعقل الواجب لذاته له من غير استيناف ~~صورة تحل ذات الأول تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # وقد عرفت أن كل مجرد تعقل ذاته وغيره من المجردات. # فالجواهر العقلية لما كانت تعقل ما ليست بمعلولات لها بحصول صورها فيها ~~وهي تعقل واجب الوجود أيضا ولا موجود إلا وهو معلول للواجب تعالى كانت صور ~~جميع الموجودات الكلية والجزئية على ما عليه الوجود حاصلة فيها. # والأول الواجب يعقل تلك الجواهر مع تلك الصور لا بصور غيرها بل بأعيان ~~تلك الجواهر والصور. وبهذا الطريق يعقل الوجود على ما هو عليه. # فإذن لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات و لا في الأرض. من غير لزوم شيء ~~من المحالات المذكورة. ms097 # قال: إذا تحققت هذا الأصل وبسطته ظهرت لك كيفية إحاطته تعالى بجميع ~~الموجودات الكلية والجزئية. # وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # فهذا ما ذكره هذا النحرير بأدنى تفاوت. # وأنت إذا تأملت هذه الطريقة تأملا شافيا وجدتها قريبة من طريق الشيخ ~~الإلهي التي يقول بصحتها كل من سلك سبيل الله وكوشف بالأنوار الإلهية. # لكن يخالفها هذه الطريقة بجعل علوم المجردات بالأشياء بحصول صور الأشياء ~~فيها ثم بجعل الصور PageV00P212 # المرتسمة في الجواهر العقلية مناطا لعلم الله تعالى بالأشخاص المادية ~~والحوادث الكونية وهو غير جيد كما سبق. # وأنت قد عرفت من طريقة الشيخ أن الجواهر العقلية يعرف كل واحد منها ذاتها ~~بذاتها ويدرك جميع الموجودات الباقية التي دونها بالإضافة الإشراقية. من ~~غير الاحتياج إلى أن يكون فيها صورة وأثر على ما قررناه. # ثم إنك قد عرفت أن الواجب لذاته كما يدرك المجردات العقلية بالإشراق ~~الحضوري يدرك الأمور المادية بالإشراق الحضوري من غير أن يدركها بالصور ~~الحاصلة في المبادئ العقلية بل ارتسام صور الموجودات الكلية في العقول ~~الفعالة والنفوس العالية باطل عنده. # واستدل عليه في حكمة الإشراق بما حاصله: أن انتقاش المجردات بصور ما ~~تحتها إما أن يحصل لها مما تحتها فيلزم انفعال العالي عن السافل وهو غير ~~جائز. # أو عما فوقها بأن يكون الصور العارضة في بعضها حاصلة عن صور عارضة في بعض ~~آخر فينتهي إلى أن يكون الصور المتكثرة حاصلة في ذات الحق تعالى بل إلى ~~تكثر ذاته تعالى عنه علوا كبيرا. # فإن قلت: فالنظام العجيب الواقع في هذا العالم المقتضي للعلم السابق كيف ~~يصدر عن الباري تعالى وقد امتنع أن يكون على مجرد البخت والاتفاق. # أجاب بأن وقوعها عنه بسبب جودة الترتيب الأنيق الواقع بين المجردات ~~العقلية والنسب اللازمة عنها. # فإن للعقول عند شيخ الإشراق كثرة وافرة غير محصورة بل على وفق تكثر ~~الأنواع الجسمانية. # فإن هذه الأصنام مع هيئاتها اللازمة ونسبتها الوضعية ظلال لتلك الأرباب ~~النورية ونسبتها المعنوية عنده. # وبالجملة فمسلك هذا الحكيم أصلح المسالك في كيفية علم الواجب بالحق. ms098 وبعد ~~طريقته طريقة العلامة الطوسي في الوثاقة لكنها غير تامة تتم بأدنى نظر كما ~~فعلناه. # فإن قلت: على كل واحدة من هاتين الطريقتين يلزم أن لا يكون علمه تعالى ~~PageV00P213 # بالأشياء علما فعليا ولا يكون صدور الأشياء عنه تعالى باختياره. # قلت: للعلم الفعلي عندهم صورتان: # الأولى أن يكون العلم سببا للمعلوم بالعرض ومقدما عليه تقدما ذاتيا كما ~~إذا أراد بناء بناء بيت فتصور أولا صورته. # فقد أحدث البناء أولا صورة ذلك البيت في ذهنه ثم أوجد مثلها في الخارج ~~على وفق تصوره. # الثانية أن يكون العالم بما هو عالم علة بالذات للمعلوم من حيث هو معلوم ~~سواء كان أمرا ذهنيا أو عينيا. # فكما أن العالم بالصورة الأولى يعلم الصورة الذهنية بنفس اختراعها وليست ~~معلومة بصورة أخرى بل نفس حصولها عنه في ذهنه نفس معلوميتها له كذلك العالم ~~في الصورة الثانية يعلم العين الخارجي بإيجاده. وعلمه بالصورة الخارجية نفس ~~إيجاده لها. (فالعلم بالصورة هناك تصورا وبالعلم هنا حضورا كلاهما علم فعلي ~~والمعلوم معلوم بالذات والعلم... ق ل). # فالعلم بالعين في الصورة الأولى فعلي أيضا ولكن المعلوم معلوم بالعرض. # ففي الشق الأول الفاعل يصدر عنه فعله عن ذاته مع علم مكتسب زائد على ~~ذاته. # وفي هذا الشق يصدر عنه فعله عن نفس بما هو ذات عالمة. # فالمبدأ الأعلى أوجد المعلول الأول من ليس وفي حال إيجاده علمه لا أنه ~~تعالى علمه فأوجده حتى يلزم تكرر التعقلات الموجب للتسلسل في الارتسامات أو ~~في الوجودات. # ولا أنه تعالى أوجده فعلمه ليلزم أن يكون علمه انفعاليا مستفادا من ~~المعلوم بل أوجده عاقلا له أي نفس وجوده نفس معقوليته. # فإيجاد المبدإ الأعلى له عين العلم به وكذلك حكم البواقي من الممكنات. # فعلمه تعالى بالأشياء حضوري فعلي ولا يلزم أن يكون فاعلا موجبا لأن ~~اقتضاء الشيء للشيء إن كان مع شعور بالشيء المقتضي فهو إرادة وإن كان بلا ~~شعور فهو ميل طبيعي. # ولا فرق بين الميل الطبيعي والإرادة إلا أن الأول لا يقارن الشعور بخلاف ~~الثاني. # والحاصل أن ms099 مقارنة PageV00P214 # الشعور والعلم للفعل الناشي من نفس ذات العالم كاف في كونه إراديا ~~وبمجرده يتحقق الاختيار. # ولا يلزم السبق الذاتي كما لا يلزم السبق الزماني على ما يدعيه ~~المتكلمون. # فإن قلت: أليس مدار المعقولية والعاقلية عندهم على التجريد عن المادة ~~فكيف يصير الأشخاص الجسمانية معقولة بأنفسها لا بالصور المنتزعة عن موادها ~~قلت: ذلك إنما يكون في الأشياء التي لم يتحقق للعاقل بالقياس إليها علاقة ~~وجودية وتسلط علي قهري وعدم احتجاب. # فإذا تحقق ما ذكر يكفي العاقلية بمجرد الإضافة الشهودية الإشراقية كما ~~سبق. # وإلى هذا أشير بما يوجد في كلام بعضهم أن الشيء المادي والزماني بالنسبة ~~إلى المبادئ غير مادي ولا زماني يعني به ارتفاع أثر المادة وأثر الزمان عنه ~~وهو الخفاء والغيبة. # فقد علم بتمام ما ذكرناه في طريقة الإشراق أنها أسد الأقوال المذكورة في ~~كيفية العلم الأول تعالى بالأشياء. # ولها قصور من جهة أن مناط العلم الأول تعالى بالأشياء لو كان نفس ~~وجوداتها وظهوراتها لم يكن له علم كمالي لشيء ثابت له تعالى في حد ذاته بل ~~يكون ذوات المجعولات (المعقولات خ. ل) صورا علمية له. وعالميته تعالى ~~إضافته الشهودية. # ولا شك أن وجود الممكنات وإضافة الحق الأول إليها إنما يكون بعد مرتبة ~~ذاته تعالى. # فلا يكون الواجب تعالى في مرتبة ذاته عالما بشيء غير ذاته تعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا. # وفيه سر عظيم. # وأما القول بأن الله تعالى يعلم جميع الأشياء بعلم واحد هو ذاته تعالى ~~فبيانه أن الواجب الوجود لما كان عالما بذاته وذاته مبدأ لصدور جميع ~~الأشياء يجب أن يكون عالما بجميع الأشياء علما متحققا في مرتبة ذاته مقدما ~~على صدورها لا في مرتبة PageV00P215 # صدورها. # وإلا لم يكن عالما بالأشياء باعتبار ذاته بل باعتبار ذوات الأشياء. # فلا يكون له علم بالأشياء يكون ذلك العلم صفة كمال في حقه تعالى وهو ~~محال. # فزعموا أن علمه تعالى بمجعولاته منطو في علمه بذاته فكما أن علمه تعالى ~~بذاته هو ذاته فكذا علمه بمعلولاته فإذا كان ذاته علة لوجود ما ms100 عداه فعلمه ~~بما عداه كذلك فعلمه بها يكون فعليا. # ويرد عليه أنه كيف يكون شيء واحد بسيط في غاية الوحدة والبساطة صورة ~~علمية لأشياء مختلفة متكثرة فقد انثلم قاعدتهم أن العلم بالشيء يجب أن يكون ~~متحد الماهية مع ذلك الشيء. # وكيف يتميز الأشياء بمجرد هذا العلم وأنها لم توجد ماهياتها بعد أصلا وهل ~~هذا إلا تمايز المعدومات الصرفة وأجيب عن الأول بأنه كما أن بالصور العلمية ~~المخصوصة بشيء يتميز ذلك الشيء كذلك بالمقتضي لخصوصية شيء يتميز ذلك الشيء. ~~لأن المقتضي باقتضائه يتميز ذات المقتضي وصفاته بحيث لا يشاركه غيره. # وكما أن الصورة التي بها يتميز الشيء إذا حصلت عند المدرك كانت علما به ~~كذلك المقتضي الذي يتميز به الشيء إذا حصل عند المدرك كان علما به. # ولما كان المقتضي لجميع الأشياء على ما هو عليه في الواقع أمرا واحدا ~~يتميز باقتضائه كل ذرة من ذرات الوجود عما عداه فلا استبعاد في أن يكون ذلك ~~الأمر الواحد بحيث إذا حصل عند المدرك كان علما بكل واحد منها. # فحينئذ يكون جميع الأشياء في الشهود العلمي الذي هو بمنزلة الوجود الذهني ~~أمرا واحدا. # ودفعه بعض المحققين بقوله: لما كانت العلة مباينة للمعلول مغايرة له في ~~الوجود فلا يكون حضورها حضوره. وما لم يحضر الشيء عند المدرك لا يكون ~~مشعورآ به بمجرد كونه مبدأ امتيازه. # على أن قياس العلة على الصورة وإزالة الاستبعاد بذلك مستبعد جدا. ~~PageV00P216 # إذ الصورة عين ماهية المعلول على ما هو التحقيق أو شبح ومثال له على مذهب ~~المرجوح المصادم للتحقيق وليست العلة حقيقة المعلول ولا مثالا له محاكيا ~~عنه. # فقياسه على الصورة قياس فقهي مع ظهور الفارق. انتهى ما ذكره الدواني. # وعن الثاني بأن ذاته تعالى علم إجمالي بالأشياء بمعنى أنه علم بخصوصياتها ~~لا على وجه التمييز فإن الخصوصية شيء والتميز شيء آخر والأول لا يوجب ~~الثاني. # ويرد: أنا نعلم بديهة أنه لا يمكن أن يعلم معلومات متباينة الحقائق ~~بخصوصياتها بحقيقة واحدة متباينة لجميعها وإن فرضنا أنه لم يتميز بعضها ms101 عن ~~بعض في نظر العالم. # وفي كثير من كتب هذا الفن قرروا كيفية تعقله للأشياء بما ذكرناه من ~~انطواء العلم بالكل في علمه تعالى بذاته كانطواء العلم بلوازم الإنسانية في ~~العلم بالإنسانية. # وربما أوردوا مثالا تفصيليا وقسموا حال الإنسان في علمه ثلاثة أقسام: # أحدها أن يكون علومه تفصيليا زمانيا على سبيل الانتقال من معقول إلى ~~معقول على التدريج. # ولا يخلو حينئذ من مشاركة الخيال بل يكون تعقله مع حكاية خيالية بحيث ~~يتحد الإدراكان نحوا من الاتحاد. # كما إذا أبصرنا شيئا وحصل منه في الحس المشترك صورة اتحد الإدراكان ولا ~~يتميز لنا ما يحصل في آلة البصر وما يحصل في الحس المشترك إلا بوسط. # وثانيها أن يكون له ملكة تحصل من ممارسة العلوم والأفكار يقدر بسبب حصول ~~تلك الملكة على استحضار الصور العقلية متى شاء بلا تجشم كسب جديد وإن لم ~~يكن علومه وإدراكاته حينئذ حاضرة عنده بأن يكون نفسه وإن حصل لها تصور ~~الأشياء معرضة عنه. # إذ ليس في وسعنا ما دمنا في دار الجسد أن نعقل الأشياء معا دفعة واحدة ~~لما ذكرنا سابقا من مشاركة الخيال. والخيال لا يخيل الأشياء معا. # وهذه حالة بسيطة ساذجة لها نسبة واحدة إلى كل صورة يمكن حضورها لصاحب هذه ~~الملكة. # ولا شك أن الإنسان في هذه الحالة ليس عالما بالفعل فلا يكون الصور حاصلة ~~له بالفعل. ولكن له قدرة الاستحضار فيكون عالما بالقوة. PageV00P217 # وثالثها بكونه بحيث يورد عليه مسائل كثيرة دفعة فيحصل له علم إجمالي ~~بجواب الكل ثم يأخذ بعده في التفصيل شيئا فشيئا حتى يمتلي منه الأسماع ~~والأوراق. # فهو في هذه الحالة يعلم من نفسه يقينا أنه يحيط بالجواب جملة ولم يفصل ~~بعد في ذهنه ترتيب الجواب ثم يخوض في الجواب مستمدا من الأمر البسيط الكلي ~~الذي كان يدركه من نفسه. # فهذا العلم الواحد البسيط خلاق لتلك التفاصيل وهو أشرف منها. # فقالوا فقياس علم الواجب الوجود بالأشياء وانطواء الكل في علمه على هذا ~~الطريق. # وأجابوا لمن قال بعد ما بينوا الوجوه الثلاثة ms102 أن ذلك أي العلم بالشيء على ~~الوجه الثالث أيضا بالقوة إلا أنه قوة قريبة من الفعل بأن لصاحبه يقينا ~~بالفعل بأن هذا حاصل بالفعل عنده إذا شاء علمه. # فهذا إشارة إلى شيء بأنه معلوم ومن المحال أن يتيقن حال الشيء إلا وهو من ~~جهة ما يتيقنه معلوم. # وإذن كانت الإشارة تتناول المعلوم بالفعل. (وإذا كانت الإشارة. ع ق). # ومن المتيقن أن هذا مخزون عنده. # فهو بهذا النوع البسيط معلوم له قد يريد أن يجعله معلوما بنحو آخر. وهذا ~~العلم البسيط هيئة تحصل للنفس لا بذاتها بل من عند مخرج العقل من القوة إلى ~~الفعل بحسبها يلزم للنفس التصور التفصيلي والعلم الفكري. # فالأول هو القوة العقلية من النفس المشاكلة للعقول الفعالة. وأما التفصيل ~~فهو للنفس من حيث هي نفس. # هذا كلامهم. # ويرد عليهم أن ما يستفاد من ظاهر هذا الكلام ليس إلا أن المجيب في تلك ~~الحالة عالم بالفعل بأن له قدرة على شيء دافع لذلك السؤال. # فأما حقيقة ذلك الشيء PageV00P218 # فهو غير عالم به ولذلك الجواب حقيقة وماهية وله لازم وهو كونه دافعا لذلك ~~السؤال. # فالحقيقة مجهولة واللازم معلوم فهي حالة بين الفعل المحض الذي هو العلم ~~بالمعلومات مفصلة متميزة بعضها عن بعض وبين القوة المحضة التي هي حالة ~~لعنوان المعلومات المفصلة وحصول الأمر المسمى بالملكة فهي حالة بين ~~الحالتين. # وكيف يتصور كون شيء واحد لا سيما إذا كان في غاية الوحدة والبساطة كذات ~~البارىء جل ذكره علما بأمور مختلفة الذوات متباينة الماهيات بخصوصها فإنه ~~لا يمكن أن يكون تلك الأمور معلومة بالذات وإلا يلزم تمايز المعدومات. # اللهم إلا أن تكون معلومة بالعرض. # فالمعلوم بالذات ذلك الأمر الواحد البسيط كالعلم بأفراد الإنسان من ~~مفهومه الكلي وكالعلم بالفروع من العلم بالأصل لا كالعلم بأجزاء الحد من ~~العلم بالمحدود فإن الحد والمحدود متحدان ذاتا ومختلفان اعتبارا حيث تقرر ~~أن التفاوت بالإجمال والتفصيل إنما يكون بنحو من الإدراك فقط لا بأمر زائد ~~في المدرك. # ولئن سلم هذا في العلم الإجمالي الذي مثلوا به ms103 في المجيب المذكور فكيف ~~يسلم كون الذات المقدسة الواجبة بالنسبة إلى معلوماته كالحد بالقياس إلى ~~المحدود وأما قول من زعم كون علمه تعالى بحسب مرتبة ذاته ببعض الممكنات ~~كالعقل الأول تفصيليا وببعض آخر كما سواه من الممكنات إجماليا ويكون علمه ~~بكل معلول علما تفصيليا سابقا على وجود ذلك المعلول بنفس ذات المعلول ~~السابق عليه بأن يعلم المعلول الأول علما تفصيليا قبل وجوده بنفس ذاته ~~المقدسة ويعلم المعلول الثاني علما فعليا تفصيليا بنفس ذات المعلول الأول ~~وهكذا ولا يجب أن يكون علمه التفصيلي بجميع الموجودات في مرتبة واحدة بل ~~يجوز أن يكون بالتقدم والتأخر. # فاعترض عليه أما أولا: فبأنه يلزم احتياج الواجب في العلم التفصيلي بأكثر ~~الأشياء إلى ما سواه. # وأما ثانيا فبأنه يلزم عليه التجدد في علمه والانتقال من معلوم إلى معلوم ~~على ما هو شأن العلوم النفسانية. # ويمكن الجواب عن الأول بأن توقف علمه التفصيلي الذي هو أمر مباين لذاته ~~PageV00P219 # تعالى وليس صفة كمالية لذاته بشيء على شيء آخر يستند إلى ذاته ليس محذورا ~~عندهم كما أن صدور بعض الموجودات عن الواجب يحتاج إلى صدور بعض آخر عنه. # وليس هذا احتياجا منه ممتنعا عليه بل هذا في الحقيقة احتياج إليه لا إلى ~~غيره كما لا يخفى. # وعن الثاني بأن هذا ليس انتقالا زمانيا بل ترتيبا عقليا والانتقال من ~~معلوم إلى معلوم إذا لم يكن بحسب الزمان فهو غير ممتنع عليه تعالى كما في ~~طريقة الشيخ الرئيس وموافقيه في علمه. # إنما المحال التغير الزماني فيه كما في طريقة بعض المتكلمين وأبي البركات ~~البغدادي. # وأما ثالثا فبأنه يلزم على هذا التقدير كون ذاته المقدسة متحد الماهية مع ~~المعلول الأول اتحاد العلم التفصيلي مع المعلوم. # وأما رابعا فبلزوم كون شيء واحد صورة لشيئين متباينين في غاية التباين من ~~حيث كون ذاته تعالى علما تفصيليا بذاته المقدسة وبذات المعلول الأول. # وأما خامسا فبورود مفاسد القول السابق عليه على وجه أشد كما لا يخفى. # فهذه جملة من الأقوال المحتملة في كيفية علمه تعالى بالأشياء ms104 وما يرد على ~~كل واحد منها مع ما في وسعنا من المحيص عنه والإصلاح له والتنقيح إياه ~~والمزيد على ما ذكر فيه. # فقد حان حين أن نعين ما هو الحق والصواب عند أهل الحقيقة من ذوي الألباب ~~ويشبه أن يكون مما ذهب إليه البارعون في العلم من الحكماء وانطبقت عليه ~~مرموزات الفلاسفة من القدماء ووافقه أسرار العرفاء من الأولياء. # فأقول وروح القدس نفث في روعي: أن الواجب تعالى لما كان مجردا عن المادة ~~والقوة والاستعداد غاية التجرد فيكون عقلا وعاقلا ومعقولا بالوجه الذي مر ~~بيانه. # ولما كانت الممكنات بأسرها مستندة إليه على الترتيب النازل منه والصاعد ~~إليه من PageV00P220 # العقول والنفوس والأجرام الفلكية والعنصرية البسيطة منها والمركبة مع ~~أعراضها اللازمة والمفارقة بحيث لا يقدح صدور هذه الكثرات والمركبات في ~~وحدته الحقة وبساطته الصرفة كما سيأتي فجميع الموجودات في سلسلة الحاجة ~~يرتقي إلى ذاته وذاته علة تامة لها ولعللها. # ونسبته إلى الجميع سواء كانت مفارقات أو ماديات نسبة واحدة إيجابية ~~عقلية. # وليست فيه جهة إمكانية. # ولكل شيء وإن كان من الحوادث الزمانية بالنسبة إلى ذاته الذي هو فعلية ~~صرفة نسبة وجوبية. # وإمكانه إنما هو بالقياس إلى ذاته وبالقياس إلى قابل ذاته. # وبالجملة ففاعليته وقيوميته لا يكون في شيء من المراتب بحسب القوة وكذا ~~علمه بشيء من الأمور الممكنة الوقوع ليس ظنا لأن أسباب وجوب الممكن يرتقي ~~إليه وهو يعرف الممكن بأسبابه التي بها يجب وجوده. # وفي كلامهم تنبيهات على هذا المعنى وتصريحات به لا نطول الكلام بذكرها. # وإذ قد علمت أن الواجب تعالى يعلم ذاته بذاته وذوات مجعولاته العينية ~~بذواتها بما مر ذكره. وأن الإضافة القيومية إلى الأشياء هي بعينها الإضافة ~~النورية الشهودية كما يقتضيه ذوق الإشراق. # فاعلم أنه كما أن كماله في إيجاده الأشياء هو بكونه من تمامية الوجود ~~وفرط التحصل على نحو يفيض عنه جميع الموجودات والخيرات لا بانتسابها إليه ~~وإضافته لها أي هذا المعنى النسبي إذ هي في مرتبة متأخرة عن مرتبة وجوده ~~ومجده وعلوه. # بل الغاية في الإفاضة ms105 منه والإيجاد هي نفس ذاته المقدسة وهو غني في ذاته ~~عما سواه. # فكذلك كماله في علمه ليس بنفس حضور ذوات الأشياء أو صورها عنده حتى يكون ~~بحيث لو لم يكن ذواتها العينية أو صورها العلمية في مرتبة ذاته تعالى بل ~~يكون في مرتبة متأخرة عن ذاته كما هي عليه في الواقع لزم كونه فاقد الكمال ~~في مرتبة متأخرة عنها ليلزم استكماله بغيره بعد نقصه في حد ذاته تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا. # بل كماله العلمي كونه في العاقلية على غاية يستتبع انكشاف ذاته بذاته على ~~ذاته انكشاف ذوات الأشياء بذواتها على ذاته بناء على أن معلولاته من حيث ~~إنها معلولاته معقولاته وبالعكس بلا تفاوت بالذات أو بالاعتبار. # وإنما التفاوت في اللفظ وبحسبه يقع التأخير والتقديم في التعبير ~~PageV00P221 # لا في المعبر عنه. # فإذا كان معقولية ذاته مبدأ لمعقولية سائر الأشياء له وانكشافها لديه كما ~~أن وجوده مبدأ لوجودها مرتبطة به منتسبة إليه على الترتيب السببي والمسببي ~~وكان ترتيبها الوجودي الصدوري هو بعينه ترتيبها العقلي الشهودي كان ذاته ~~تعالى علما بجميع الموجودات وذاته تعالى أولى بأن يسمى علما بالموجودات ~~العينية من الصور الحاصلة عنها في الأذهان. # فإن معلوميتها بالصور تكون معلومية بالعرض كما سبق ومعلوميتها بسبب ~~معلومية ذاته بذاته الذي هو مبدأ لوجودها على نعت الانكشاف والظهور لديه ~~وصدورها على وصف المثول بين يديه تكون معلومية بالذات كما قررناه. # ولا شك أن ما يعلم به الشيء أولى بأن يسمى علما بذلك الشيء مما يعلم به ~~ذلك الشيء بالعرض. # ففي علمه بالكل كثرة حاصلة بعد الذات والكل بكثرته ينكشف له بوحدته ~~وبذاته يعلم جميع الموجودات لا بغيره. # فذاته علم بجميع الأشياء. # هذا غاية ما تيسر لنا في هذا المطلب بحسب النظر البحثى والسلوك الفكري. ~~وحق الوصول إلى هذا المطلب الشريف العالي يحوج إلى سلوك طريقة الأبرار من ~~أصحاب الارتقاء إلى ملكوت ربنا الأعلى ليتخلص النفس عن غشاوة الطبيعة على ~~حدقة البصيرة وظلمة الهيولى الموجبة للعمى ويلوح لها شيء من أنوار علوم ~~الملائكة ms106 والأنبياء. # وإذا حقق الأمر على ما ذكرنا فلا بأس بأن يسمى ذاته تعالى علما إجماليا ~~بجميع الموجودات على ما يوجد في كلامهم من أنه تعالى يعلم الأشياء بعلم ~~واحد إجمالي قياسا على العلم الإجمالي والعقل البسيط المذكور في كتاب النفس ~~أي الذي يكون مبدأ للمعقولات النفسانية المفصلة المتكثرة بعد محافظة تقدسه ~~تعالى عن شوب القوة ومراعاة الفرق بينهما من وجوه فصحة المقايسة إنما هي ~~باعتبار كون العقل البسيط والعلم الإجمالي مبدأ المعقولات الكثيرة ~~التفصيلية مع عدم اتحاده بها وكون علمه تعالى الذي هو عين ذاته خلاقا ~~لفيضان تفصيل الحقائق العقلية مع اتحاده بها كما ظنه فرفوريوس وقومه. إلا ~~أن العقل البسيط الذي عندنا موجود في عقولنا وهناك نفس وجوده ومعقولاتنا ~~المفصلة متجددة زمانية واردة علينا شيئا بعد شيء بعدية PageV00P222 # على التراخي وهناك مرتبة ذاتية مجتمعة دهرية. # والمعقول البسيط هنا ليس علة تامة بل معدة لهذه التفاصيل والنفس قابلة ~~لها بخلاف ما هناك. # فعلى هذه الطريقة صور المعقولات عنده على وجه بسيط مقدس عن شوب القوة ~~والكثرة. # وأشبه الأمثلة في هذا الباب قول بعض الحكماء: لو كان للأوليات وجود في ~~الأعيان لا في النفس لأنها معان مجردة عن المادة لكانت نسبتها إلى لوازمها ~~كنسبة الأول إلى معلوماته. # فإن قلت: على ما ذكرت أيضا يلزم كونه تعالى في مرتبة ذاته غير عالم بشيء ~~من الموجودات الخارجية. # قلت: إن أردت بقولك إنه غير عالم بغيره في مرتبة ذاته أن ذاته في مرتبة ~~ذاته ليس بحيث ينكشف له المعلومات فهو غير مسلم ولا هو في نفسه صحيح فإن ~~كونه عاقلا للأشياء عين ذاته وإن كان كون الأشياء معقولة له عين ذواتها. # وإن أردت أن الممكنات المعلومة له ليست وجوداتها العينية وصورها العلمية ~~واقعة في مرتبة وجوده أو داخلة في قوام ذاته فهو ممنوع. # ولا يصح غير ذلك فإن كل ما هو معقول له فهو معلول له سوى نفس ذاته ~~المقدسة. # والمعلول كيف يساوق العلة في رتبة الوجود أو تقدم عليها وكما أنه لا يلزم ms107 ~~من إيجاده تعالى للأشياء كون وجودها في مرتبة ذاته بل كونه بحيث يتبع وجوده ~~وإيجاده وجود الأشياء وصدورها عنه فكذلك لا يلزم من عاقليته لها كون صورها ~~العقلية في مرتبة ذاته بل كونه بحيث يلزم إضافة العالمية لا غير. والله ~~أعلم بحقيقة الأمر. # فصل في مراتب علمه بالأشياء وهي العناية والقضاء والقدر والقلم واللوح ~~ودفتر الوجود فالعناية على ما يراه المشاؤون ومن يحذو حذوهم كالمعلم الثاني ~~والشيخ الرئيس وتلميذه بهمنيار نقش زائد على ذاته لها محل هو ذاته وهي ~~عبارة عن علمه تعالى PageV00P223 # بما عليه الوجود من الأشياء الكلية والجزئية الواقعة في النظام الكلي على ~~الوجه الكلي المقتضي للخير والكمال على وجه الرضا المؤدي وجود النظام على ~~أفضل ما في الإمكان أتم تأدية ومرضيا بها عنده تعالى. # وعلى رأي من لا يثبت صورا في ذاته تعالى زائدة عليه كالرواقيين وأصحابهم ~~سيما الشيخ الإلهي في حكمة الإشراق كون ذاته تعالى بحيث يفيض عنه صور ~~الأشياء المعقولة له مشاهدة عنده مرضيا لديه. # فليس لها محل بل هو علم بسيط قائم بذاته مقدس عن شائبة كثرة وتفصيل محيط ~~بجميع الأشياء خلاق للمعلوم التفصيلية التي بعده وهي ذوات الأشياء الصادرة ~~عنه تعالى بطبائعها وشخصياتها على أنها عنه لا على أنها فيه. # والقضاء عبارة عن وجود الصور العقلية لجميع الموجودات بإبداع البارىء ~~إياها في العالم العقلي على الوجه الكلي بلا زمان. # والقدر عبارة عن ثبوت صور جميع الموجودات في عالم النفس على الوجه الجزئي ~~مطابقة لما في موادها الخارجية الشخصية مستندة إلى أسبابها وعللها واجبة ~~بها لازمة لأوقاتها المعينة. # ويشملها العناية الأولى الإلهية شمول القضاء للقدر والقدر لما في الخارج. ~~إلا أن العناية لا محل لها على ما هو التحقيق ولكل من القضاء والقدر محل ~~ومحلاهما القلم واللوح. # وبيان ذلك أن عناية البارىء اقتضت أول ما اقتضت جوهرا قدسيا يسمى بالقلم ~~الأعلى والعقل الأول والروح الأعظم والملك المقرب والممكن الأشرف كما وردت ~~به الأحاديث النبوية ونطقت به الحكمة الإلهية. # وبتوسطه جواهر قدسية وأجراما سماوية مع ms108 نفوسها وعناصر جسمانية مع قواها ~~الطبيعية على ما أشير إليه في كتب الحكمة وسيجئ في هذا الكتاب أيضا. # وتلك العقول القدسية أنوار قاهرة مؤثرة فيما تحتها من النفوس والأجرام ~~بتأثير الله تعالى. # فقاهريتها التي هي تأثيرها في غيرها ظل لقاهريته تعالى وأثر من آثار ~~جلاله وقدرته. # كما أن نوريتها التي لا تزيد على ذواتها لمعة من لمعات وجهه وجماله. # وبهذا الاعتبار يسمى الملائكة المقربين وعالمها عالم PageV00P224 # القدرة. # وكما يفيض منها صور الأشياء وحقائقها بإفاضة الحق سبحانه فكذلك يفيض منها ~~صفاتها وكمالاتها الثانوية التي بها تجبر نقصاناتها. # فبهذا الاعتبار أو باعتبار أنها تجبرها على كمالاتها والتوجه إليها عند ~~فقدانها وحفظها عند حصولها ما أمكن يسمى عالم الجبروت وهي صورة صفة جبارية ~~الله تعالى. # ومعلوم من أن صور جميع ما أوجده الله تعالى من ابتداء العالم إلى آخره ~~حاصلة فيها على وجه بسيط مقدس عن شائبة الكثرة التفصيلية وهي صورة القضاء ~~الإلهي. # فمحله عالم الجبروت وهو المسمى بأم الكتاب بهذا الاعتبار كما قال الله ~~تعالى: و إنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم وبالقلم باعتبار إفاضة الصور ~~منه على النفوس الكلية الفلكية قال الله تعالى: اقرأ و ربك الأكرم الذي علم ~~بالقلم وكلما يفيض علينا من العلوم الحقة إنما يفيض عن ذلك العالم. # ولا شك أن تلك الجواهر التي هي خزائن علمه مفاتيح غيبه كما قال الله ~~تعالى: و إن من شيء إلا عندنا خزائنه.. # وقال الله تعالى: و عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.. # متعالية عن تعلق الزمان مقدسة عن التغير والنقصان. # فالقضاء كذلك. # وكما أن العالم العقلي المعبر عنه بالقلم محل القضاء فالعالم النفساني ~~السماوي محل قدره تعالى ولوح قضائه إذ كل ما جرى في العالم أو سيجري مكتوب ~~مثبت في النفوس الفلكية فإنها عالمة بلوازم حركاتها كما بين في موضعه. # فكما ينتسخ بالقلم في اللوح نقوش حسية كذلك ارتسمت من عالم العقل في عالم ~~النفوس صور معلومة مضبوطة منوطة بعللها وأسبابها على وجه كلي. # فتلك الصور هي قدره ms109 تعالى ومحلها وهو عالم النفوس الكلية التي هي قلب ~~العالم الكلي عند الصوفية PageV00P225 # محل القدر ولوح القضاء. ثم ينتقش منه في القوى المنطبعة الفلكية نقوش ~~جزئية مشخصة بأشكال وهيئات معينة مقارنة لأوقات وأوضاع معينة من لواحق ~~المادة على ما يظهر في الخارج كما في قوله تعالى: و ما ننزله إلا بقدر ~~معلوم.. # وهذا العالم هو عالم الخيال الكلي وعالم المثال وهو لوح القدر كما أن ذلك ~~العالم الذي هو عالم النفوس الناطقة الكلية لوح القضاء. # وكل منهما لاشتماله على صورة الوجود كله كتاب مبين على ما قال سبحانه: و ~~لا حبة في ظلمات الأرض و لا رطب و لا يابس إلا في كتاب مبين.. # إلا أن الأول لوح محفوظ هو أم الكتاب والثاني كتاب المحو والإثبات على ما ~~قال سبحانه: يمحوا الله ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب.. # وحضور تلك الصور المعينة المقيدة بوقتها المعين هو قدر الشيء المعين ~~الخارجي الضروري الوجود عند تحقق وقته كما قال: و ما ننزله إلا بقدر ~~معلوم.. # وهذا العالم أي عالم لوح القدر هو عالم الملكوت العمالة بإذن الله تعالى ~~المسخرة بأمره المدبرة لأمور العالم بإعداد المواد وتهيئة الأسباب. ثم إن ~~وجود تلك الصور الجزئية في موادها الخارجية التي أخيرة مراتب علمه تعالى ~~كلمات الله التي لا تنفذ ولا تبيد مع أعراضها اللازمة والمفارقة التي ~~بمنزلة الحركات الإعرابية والبنائية والمادة الكلية المشتملة عليها هي دفتر ~~الوجود والبحر المسجور المملو بالصور كما أشير في الصحيفة القرآنية بقوله ~~تعالى: لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي و ~~لو جئنا بمثله مددا.. # فهذه العوالم كليتها وجزئيتها كلها كتب إلهية ودفاتر سبحانية لإحاطتها ~~بكلمات الله التامات. # فعالم العقول المقدسة PageV00P226 # والنفوس الكلية كلاهما كتابان إلهيان. # وقد يقال للعقل الأول أم الكتاب لإحاطته بالأشياء إجمالا. # وللنفس الكلية الفلكية الكتاب المبين لظهورها فيها تفصيلا. # والنفس المنطبعة في الجسم الكلي كتاب المحو والإثبات. # وقد لوحنا إليك أن الإنسان الكامل كتاب جامع لهذه الكتب المذكورة ms110 لأنه ~~نسخة العالم الكبير كما قال العالم الرباني السبحاني حكيم العرب والعجم: # دواؤك فيك ولا تشعر * وداؤك منك ولا تبصر وأنت الكتاب المبين الذي * ~~بآياته يظهر المضمر وتزعم أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر فمن حيث ~~عقله كتاب عقلي يسمى ب أم الكتاب ومن حيث نفسه الناطقة كتاب اللوح المحفوظ ~~ومن حيث روحه النفسانية التي في فلك دماغه كتاب المحو والإثبات. فهي الصحف ~~المكرمة المرفوعة المطهرة التي لا يمسها ولا يدرك أسرارها ومعانيها إلا ~~المطهرون من الحجب الظلمانية. # وما ذكر من الكتب أولا إنما هي أصول الكتب الإلهية. # وأما فروعها فكل ما في الوجود من العقل والنفس والقوى الروحانية ~~والجسمانية وغيرها. لأنها مما ينتقش فيها أحكام الموجودات إما كلها أو ~~بعضها سواء كان مجملا أو مفصلا وأقل ذلك انتقاش أحكام عينها. # تكميل إذ قد تحققت أن كونه تعالى عالما بذاته وعالما بجميع معلولاته بناء ~~على أن العلم التام بالعلة التامة يوجب العلم التام بالمعلول وقد بين أن ~~العلم بالعلة إذا لم يكن نقشا PageV00P227 # زائدا على ذات العلة بل يكون نفس وجودها يلزم أن يكون العلم اللازم منه ~~بالمعلول أيضا نفس وجود ذلك المعلول لا نقشا زائدا عليه. # فإذا كان كل صورة موجودة في الخارج سواء كانت عقلية أو مادية يرتقي في ~~سلسلة الحاجة إلى مسبب الأسباب فيجب أن يكون نحو وجودها الخارجي بعينه هو ~~نحو علم البارىء جل ذكره بها. # ثم لما كانت الأشياء الزمانية والحوادث المادية بالنسبة إلى البارىء ~~المقدس عن الزمان والمكان متساوية الأقدام في الحضور لديه والمثول بين يديه ~~لم يتصور في حقه المضي والحال والاستقبال لأنها نسب يتصف بها الحركات ~~والمتغيرات كما أن العلو والسفل والمقارنة إضافات يتصف بها الأجسام ~~والمكانيات. # فيجب أن يكون لجميع الموجودات بالنسبة إليه تعالى فعلية صرفة وحضور محض ~~غير زماني ولا مكاني بلا غيبة وفقد. # إذ الزمان مع تجدده والمكان مع انقسامه بالقياس إليه كالآن والنقطة. # وسجل دورات السماوات والأرض الجامعة للأزمنة والحركات المحددة للأمكنة ~~والجهات والمواد المشتملة على كلمات ms111 الله تعالى مطوية في نظر شهوده دائما. ~~فإنه تعالى ليس ينظر إليها على الولاء بكلمة كلمة منها حتى يغيب عنه ما ~~تقدم نظره (إليه أو يفقد عنده ما تأخر بصره له. ش ع) أو يفقد ما تأخر عنه ~~بل يكون نسبة إحاطته الإشراقية اليومية إلى جميع الحروف والكلمات العينية ~~نسبة واحدة غير زمانية كما في القرآن المجيد: و ما تسقط من ورقة إلا يعلمها ~~و لا حبة في ظلمات الأرض و لا رطب و لا يابس إلا في كتاب مبين.. # تنبيه وتمثيل إياك أن تفهم من قلم الله ولوحه ما تفهم من قلم الإنسان ~~ولوحه اللذين هما آلتان PageV00P228 # جماديتان بل هما لا يشبهان لهذين كما أن ذات الله تعالى وصفاته لا يشبهان ~~ذات الخلق وصفاته وإن صدق عليهما مفهوم القلمية الغير المأخوذة في تحديده ~~كونه من خشب أو قصب أو حديد بل الناقش مطلقا. ومفهوم اللوحية الغير المعتبر ~~في تحديده كونه من خشب أو قرطاس بل مجرد كونه منقوشا فيه سواء كان النقش ~~محسوسا أو معقولا. # فالقلم الأعلى ملك إلهي قدسي واللوح المحفوظ ملك نفساني مجرد والكتابة ~~تصوير الحقائق وإفاضتها. والمثال المناسب لمراتب علمه تعالى الأليق للتفهيم ~~إنما يتحقق ويعلم من النشأة الإنسانية والفطرة الآدمية التي هي كهيئة ~~العالم. # فكما أن لأفعال الإنسان من لدن صدورها منه وبروزها من مكامن غيبها إلى ~~مظاهر شهادتها أربع مراتب لكونها أولا في مكمن عقله الذي هو غيب غيوبه في ~~غاية الخفاء كأنها غير مشعور بها ثم ينزل إلى جنب قلبه أي مرتبة كونه نقشا ~~عند استحضارها بالفكر وإخطارها بالبال كلية. (في ش ع: ثم تنزل إلى حيز قلبه ~~أي... نفسا.) وفي هذه المرتبة يحصل للإنسان التصورات الكلية وكبريات القياس ~~عند الطلب للأمر الجزئي المنبعث عنه العزم على الفعل. # والتعبير عن هذه المرتبة من الإنسان بالقلب لأجل تقلبه وانتقاله من معلوم ~~إلى معلوم كما هو شأن العلم النفساني أو لاعتبار توجهه تارة إلى العقل ~~الصرف وتارة إلى الحس. # ثم ينزل إلى مخزن خياله متشخصة ms112 جزئية وهو موطن التصورات الجزئية وصغريات ~~القياس ليحصل بانضمامها إلى تلك الكبريات رأي جزئي ينبعث عنه القصد الجازم ~~للفعل ثم يتحرك أعضاؤه عند إرادة إظهارها فيظهر في الخارج. # كذلك الحال فيما يحدث في العالم من الصور والأعراض. # فالأولى بمثابة القضاء ومحله بمثابة القلم. والثانية بمثابة نقش اللوح ~~المحفوظ. # والثالثة بمثابة الصور في السماء. PageV00P229 # والرابعة بمثابة الصور الحادثة في المواد العنصرية. # ولا شك أن النزول الأول لا يكون إلا بإرادة كلية والنزول الثاني بإرادة ~~جزئية تنضم إلى الإرادة الأولى الكلية فينبعث بحسب ملاءمتها ومنافرتها رأي ~~جزئي يستلزم عزما داعيا لإظهار الفعل فيتحرك الأعضاء والجوارح ويظهر الفعل. # وحركة الأعضاء بمنزلة حركة السماء. وسلطان العقل الإنساني في الدماغ ~~كسلطان الروح الكلي في العرش. وظهور قلبه الحقيقي الذي هو النفس الناطقة في ~~القلب الصنوبري من الإنسان كظهور النفس الكلية في فلك الشمس. فهو من العالم ~~بمنزلة القلب الصنوبري من الإنسان كما أن العرش منه بمنزلة الدماغ منا. ~~والله بكل شيء محيط. # فصل في قدرته تعالى القدرة صفة مؤثرة على وفق العلم والإرادة فخرج منها ~~ما لا تأثير له كالعلم والإرادة في غير الواجب حيث لا تأثير لهما وإن توقف ~~تأثير القدرة عليهما. # ولا بأس بعدم خروج علمه وإرادته عن التعريف إذ هما من أفراد المعرف لما ~~علمت من أحدية صفاته وعينيتها مع ذاته تعالى. # وخرج أيضا ما يؤثر لكن لا على وفق الإرادة كالطبائع للبسائط العنصرية ~~والمركبات الجمادية. # وهي فينا من الكيفيات النفسانية ومصححة للفعل وتركه وقوة على الشيء وضده ~~وتعلقها بالطرفين على السوية فلا يكون فينا تامة إذ مبادئ أفعالنا ~~الاختيارية واردة علينا من خارج كالتصديق بترتب الفائدة أو ما في حكمه من ~~الظن والتخيل وكالشوق والإجماع المسمى بالإرادة والكراهة. # فإذن جميع ما يكون لنا من إدراك عقلي أو ظني أو تخيلي وشوق وإرادة ومشية ~~وحركة يكون بالقوة لا بالفعل. # فالقدرة فينا هي بعينها القوة وفي الواجب تعالى هي الفعل فقط إذ لا جهة ~~إمكانية هناك. # فليست قدرته مندرجة تحت إحدى المقولات بل ms113 هي كون ذاته تعالى بذاته بحيث ~~يصدر عنه الموجودات لأجل علمه بنظام الخير. # فإذا نسب إليه الممكنات من حيث إنها صادرة عن علمه كان علمه بهذا ~~الاعتبار قدرة وإذا PageV00P230 # نسب إليه من حيث إن علمه كاف في صدورها كان علمه بهذا الاعتبار إرادة. # والفاعل إذا تعلق فعله بمشية كان قادرا من غير أن يعتبر معه شيء آخر من ~~تجدد أغراض أو اختلاف دواع أو تفنن إرادة أو سنوح حالات إلى غير ذلك مما لا ~~يليق بجناب القدس. # والجمهور غافلون عن ذلك فيظنون أن القادر لا يكون إلا من شأنه أن يفعل ~~وأن لا يفعل. # وأما من شأنه أن يفعل دائما فلا يسميه الجمهور قادرا. # والحق أن الشيء الذي يفعل دائما إن كان فعله يصدر عنه بغير مشية فليس له ~~قدرة بهذا المعنى وإن كان يفعل بإرادة له إلا أن إرادته لا تتغير اتفاقا إذ ~~يستحيل تغيرها استحالة ذاتية فهو يفعل بقدرة. # والتغير في المشية لا دخل له في معنى القدرة. # فالقادر من إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل سواء كان شاء ففعل دائما أو لم ~~يشأ فلم يفعل دائما. # والشرطية غير متعلقة الصحة بصدق كل من طرفيها بل قد يصح أن يكون أحد ~~طرفيها أو كلاهما مما يكذب. # فهذا المعنى غير صالح للنزاع بين الحكماء والكلاميين. # بل ما يصلح للنزاع بين الطائفتين هو كون مقدم الشرطية الأولى واقعا بل ~~ضروريا ذاتيا. # ومقدم الشرطية الأخرى غير واقع بل ممتنع الوقوع امتناعا ذاتيا أو ليس ~~كذلك. # وهذا الاختلاف في شيء آخر غير مفهوم القدرة. # ومن فسر من المنتسبين إلى الحكمة القدرة مطلقا بصحة الفعل والترك بالنظر ~~إلى ذات الفاعل فقد أخطأ من وجهين: # الأول أنه يلزم أن يكون الفاعل بالطبع إذا لم يكن اقتضاؤه تاما بل كان ~~مشروطا بشرط مفارق عن طبيعته فاعلا بالاختيار لصحة الفعل والترك عنه بالنظر ~~إلى ذاته من حيث هي بل في نفس الأمر لجواز عدم تحقق ذلك الشرط فيه. وإذا ~~زيد عليه قيد كون التأثير ms114 والإيجاد بالشعور والإرادة فقد استغنى عن ذكر ~~الصحة والإمكان. # والثاني أنه إن كان المراد بصحة صدور الفعل عن الفاعل وعدم صحة صدوره عنه ~~ما يساوق الإمكان الذاتي للمفعول لزم أن يكون كل معلول مقدورا لأن كل ~~PageV00P231 # معلول ممكن الوجود لا ينفك عنه إمكانه الذاتي أبدا. # وإن كان المراد كون الفاعل ممكن الفاعلية وممكن اللافاعلية فهو إنما يصح ~~إذا كان الفاعل غير تام الفاعلية. فلا يصدق التعريف على قدرة البارىء ~~عندهم. # إذ الواجب الوجود بالذات عندهم واجب الوجود من جميع الجهات فلم يكن هذا ~~التفسير تفسيرا لمطلق القدرة بل لقدرة الحيوان. # وما ذكره بعض العلماء من نواحي فارس في التوافق بين التعريفين وصدق ~~الأخير على ذات البارىء تعالى من أن إيجاد العالم وعدمه ممكن بالنسبة إلى ~~الذات بدون اعتبار الإرادة وواجب مع اعتبار الإرادة التي هي عين الذات ليس ~~بمستقيم. # لأن حيثية ذات البارىء هي بعينها حيثية علمه وقدرته وإرادته كما أسلفنا ~~لك تحقيقه وأقمنا الحجة على أن حيثية الذات هناك هي بعينها حيثية جميع ~~الصفات الكمالية كما أن حيثية الفاعلية والإفاضة هي بعينها حيثية جميع ~~صفاته الإضافية كالرحمانية والرحيمية والرازقية واللطف والكرم وغيرها. # وكذا ما أفاد بعض أجلة المحققين في تصحيح التعريف الثاني على ذوق أهل ~~الحكمة من عدم المنافاة بين إمكان عدم العالم في نفسه وامتناع عدمه بالنظر ~~إلى مشية الله تعالى فعدم صدوره ممتنع بالذات وإن كان هو في نفسه ممكن ~~العدم محل بحث. # لأن من فسر القدرة بصحة الصدور واللاصدور أراد به ما هو وصف القادر لا ما ~~هو وصف المقدور عليه. # كيف والإمكان الذاتي للمقدور لا يجعل الفاعل مختارا وإلا لزم أن يكون كل ~~فاعل وإن كان بالطبع مختارا. هذا خلف. # لأن عدم كل ممكن في ذاته ممتنع بالنظر إلى علته الموجبة له. # فثبت أن تعريف القدرة مطلقا على ما يوافق رأي الفلاسفة القائلين بكون ~~البارىء تعالى تام القدرة والقوة لا يلحقه عجز ولا قصور في ذاته ولا فتور ~~ودثور في فعله PageV00P232 # المطلق من حيث كونه ms115 فعله المطلق هو كون الفاعل بحيث يتبع فعله علمه به ~~أما على وجه الخير فيه كما في الواجب تعالى أو كونه متشوقا له ومؤثرا عنده ~~كما في غيره. # ولما تحققت أن قيوم الكل إنما يفعل الأشياء عن علمه الذي هو عين ذاته فهو ~~فاعل بالاختيار لا بالطبع تعالى الله عما يقوله الملحدون علوا كبيرا. # قال الشيخ في الشفا: إنه يعلم من ذاته كيفية كون الخير في الكل فيتبع ~~صورته المعقولة صورة الموجودات على النظام المعقول عنده.. # ولا أنها تابعة له اتباع الضوء للمضىء والإسخان للحار بل هو عالم بكيفية ~~نظام الخير في الوجود وأنه عنه. وأنه عالم بأن هذه العالمية يفيض عنها ~~الوجود على الترتيب الذي يعقله خيرا ونظاما. # وإن شئت زيادة الانكشاف فاستمع: # تنبيه تفصيلي الفاعل على ستة أصناف: # الأول فاعل بالطبع وهو الذي يصدر عنه فعل بلا شعور منه وإرادة ويكون فعله ~~ملائما لطبعه. # والثاني فاعل بالقسر وهو الذي يصدر عنه فعل بلا شعور منه وإرادة ويكون ~~فعله على خلاف مقتضى طبعه الأصلي. # والثالث فاعل بالجبر وهو الذي يصدر عنه فعله بلا اختياره بعد أن يكون من ~~شأنه اختيار ذلك الفعل وعدمه. # وهذه الأقسام الثلاثة مشتركة في كونها غير مختارة في فعلها. # والرابع فاعل بالقصد وهو الذي يصدر عنه الفعل مسبوقا بإرادته المسبوقة ~~بعلمه PageV00P233 # المتعلق بغرضه من ذلك الفعل ويكون نسبة أصل قدرته وقوته من دون انضمام ~~الدواعي أو الصوارف إلى فعله وتركه واحدة. # الخامس فاعل بالعناية وهو الذي يتبع فعله علمه بوجه الخير فيه بحسب نفس ~~الأمر ويكون علمه بوجه الخير في الفعل كافيا لصدوره عنه من غير قصد زائد ~~على العلم. # السادس فاعل بالرضا وهو الذي يكون علمه بذاته الذي هو عين ذاته سببا ~~لوجود الأشياء ونفس معلومية الأشياء له نفس وجودها عنه بلا اختلاف. # وإضافة عالميته بالأشياء هي بعينها إضافة فاعليته لها بلا تفاوت. # وهذه الثلاثة الأخيرة مشتركة في كونها يفعل بالاختيار. # فذهب جمع من الطباعية والدهرية خذلهم الله تعالى إلى أن الواجب تعالى ~~فاعل ms116 بالطبع. # وجمهور الكلاميين إلى أنه فاعل بالقصد. # والشيخ الرئيس ومتابعوه إلى أن فاعليته للأشياء الخارجية بالعناية وللصور ~~العلمية الحاصلة في ذاته بالرضا. # وصاحب الإشراق إلى أنه فاعل بالمعنى الأخير. # إذا تمهد هذا فنقول: # لا يخفى عليك بعد أن أخذت الأصول السالفة بيدك أن الواجب تعالى لا يجوز ~~اتصافه بالفاعلية بالوجوه الثلاثة الأول وأن ذاته أرفع من أن يكون فاعلا ~~بالمعنى الرابع لاستلزامه التكثر بل التجسم. وسيتضح لك زيادة إيضاح. فهو ~~إما فاعل بالعناية أو بالرضا. وعلى أن التقديرين فهو فاعل بالاختيار لا ~~بالإيجاب كما سبق. إلا أن الحق هو الأول منهما. # فإن الأول تعالى كما حققناه يعلم الأشياء قبل وجودها بعلم هو عين ذاته ~~فيكون علمه بالأشياء الذي هو عين ذاته منشأ لوجودها فيكون فاعلا بالعناية. ~~والله أعلم. # فصل في إرادته تعالى الإرادة فينا شوق متأكد يحصل عقيب داع هو تصور الشيء ~~الملائم تصورا علميا أو ظنيا أو تخيليا موجب لتحريك الأعضاء الآلية لأجل ~~تحصيل ذلك الشيء. PageV00P234 # وفي الواجب تعالى لبراءته عن الكثرة والنقص ولكونه تاما وفوق التمام تكون ~~عين الداعي وهو نفس علمه الذي هو عين ذاته بنظام الخير في نفس الأمر ~~المقتضي له. لأنه لما علم ذاته الذي هو أجل الأشياء بأجل علم يكون مبتهجا ~~بذاته أشد الابتهاج ومن ابتهج بشيء ابتهج بجميع ما يصدر عن ذلك الشيء من ~~أجل أنه يصدر عن ذلك الشيء. # فالواجب تعالى يريد الأشياء لا لأجل ذواتها من حيث ذواتها بل لأجل أنها ~~صدرت عن ذاته تعالى فالعناية بهذا المعنى في الإيجاد نفس ذاته تعالى. # وكل ما كان فاعليته لشيء على هذا السبيل يكون فاعلا وغاية معا لذلك ~~الشيء. # ولو كانت اللذة فينا شاعرة بذاتها وكانت مصدرا لفعل عنها لكانت مريدة ~~لذلك الشيء. # لذاتها لأجل كونه صادرا عن ذاتها فكانت فاعلا وغاية معا. # وما وجد كثيرا في كلامهم من أن العالي لا يريد السافل ولا يلتفت إليه في ~~فعله وإلا يلزم أن يكون مستكملا به لكون وجوده له أولى من عدمه والعلة لا ms117 ~~يستكمل بالمعلول. # لا ينافي ما ذكرناه إذ المراد من الإرادة والالتفات المنفيين عن العالي ~~بالقياس إلى السافل هو ما يكون بالذات لا بالعرض. # فلو أحب الواجب مفعوله وأراده لأجل كونه أثرا من آثار ذاته ورشحا من ~~رشحات فيضه لا يلزم أن يكون وجوده له بهجة وخيرا بل بهجته إنما هي بما هو ~~محبوبه بالذات وهو ذاته المتعالية التي كل كمال وجمال رشح وفيض من جماله ~~وكماله. # فلا يلزم من إحبابه تعالى وإرادته له استكماله بغيره لأن المحبوب والمراد ~~بالحقيقة نفس ذاته. كما أنك إذا أحببت إنسانا فتحب آثاره لكان المحبوب لك ~~في الحقيقة ذلك الإنسان على ما قيل: # أمر على الديار ديار سلمى * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار ~~شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا قال الشيخ في تعليقاته: لو أن إنسانا ~~عرف الكمال الذي هو حقيقة واجب الوجود ثم كان ينتظم الأمور التي بعده على ~~مثاله حتى كانت الأمور على غاية النظام لكان غرضه بالحقيقة PageV00P235 # واجب الوجود بذاته الذي هو الكمال فإن كان واجب الوجود بذاته هو الفاعل ~~فهو أيضا الغاية والغرض. انتهى. ومن هاهنا يظهر حقيقة ما قيل: لو لا العشق ~~ما يوجد سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر.. # ومما يجب عليك أن تعتقد أن الواجب تعالى كما أنه غاية للأشياء بالمعنى ~~المذكور فهو غاية بمعنى أن جميع الأشياء طالبة لكمالاتها ومتشبهة به في ~~تحصيل ذلك الكمال بحسب ما يتصور في حقها لها وشوق إليه إراديا كان أو ~~طبيعيا. # والحكماء الإلهيون حكموا بسريان العشق والشعور في جميع الموجودات على ~~تفاوت طبقاتهم ف لكل وجهة هو موليها يحن إليها ويقتبس بنار الشوق نور ~~الوصول لديها. # وإليه أشير بقوله سبحانه: و إن من شيء إلا يسبح بحمده.. # وقد صرح الشيخ الرئيس في عدة مواضع من التعليقات بأن القوى الأرضية ~~كالنفوس الفلكية وغيرها لا تحرك المادة لتحصيل ما تحتها من المزاج وغيره ~~وإن كانت هذه من التوابع اللازمة بل الغاية في تحريكاتها كونها على أفضل ما ~~يمكن ms118 لها ليحصل لها التشبه بما فوقها كما في تحريكات نفوس الأفلاك أجرامها ~~بلا تفاوت. # فقد ثبت أن غاية جميع المحركات من القوى العالية والسافلة في تحريكاتها ~~لما دونها استكمال لها بما فوقها وتشبهها به إلى أن ينتهي سلسلة التشبهات ~~والاستكمالات إلى الغاية الأخيرة والخير الأقصى الذي يسكن عنده السلاك ~~وتطمئن به القلوب وهو الواجب جل مجده فيكون غاية بهذا المعنى أيضا. # وبهذا يعلم حقيقة كلامهم PageV00P236 # لو لا عشق العالي لا تطمس السافل.. # ثم لا يخفى عليك أن فاعل التسكين كفاعل التحريك في أن مطلوبه ليس ما تحته ~~كالأين مثلا بل كونه على أفضل ما يمكن له كما قال المعلم الثاني: صلت ~~السماء بدورانها والأرض برجحانها.. # وقيل في الشعر: # وذلك من عميم اللطف شكر * وهذا من رحيق الشوق سكر تنبيه لما علمت أن علمه ~~تعالى بالنظام الأوفق داع لصدور الموجودات عنه على وجه الخير والصلاح ظهر ~~لك كذب قول الطباعية والدهرية من أوساخ الناس القائلين بأن صدور الأفلاك ~~والعناصر وما فيهما من عظائم الأمور وبدائع الفطرة ليس مبنيا على غايات ~~ومنافع وحكم ومصالح. # وتبين أيضا فساد ما ينسب إلى ذيمقراطيس من القول بأن وجود العالم عن ~~الصانع على سبيل البخت والاتفاق. # ولما دريت امتناع الترجيح من غير مرجح فلا تصغ إلى الأشاعرة القائلين ~~بصدور الفعل من القادر من غير مرجح يرجح وجوده على عدمه في الواقع أو عنده ~~متمسكين بأمثلة جزئية. # فإن عدم العلم بالترجيح الواقع من قدحي العطشان وطريقي الهارب مثلا من ~~جهة أسباب خفية عنا يوجب وقوع شيء في أنفسنا يكون ذلك الشيء داعيا لنا في ~~فعلنا لا يوجب نفيه مطلقا. # كيف والعابث والنائم والساهي لا ينفك أفاعيلها الصادرة عنها من غاية ~~خيالية وإن لم يكن عقلية أو فكرية كتخيل لذة أو زوال حالة مملة فإن التخيل ~~غير الشعور بالتخيل وغير بقاء التخيل في الذكر فلا ينبغي إنكاره لأجل عدم ~~انحفاظه في الذكر. # وإذ قد علم أن الأفاعيل الإرادية لا يخلو عن غايات ودواع مرجحة فما خلق ~~مخلوق بإرادة ms119 جزافية وخصوصا إذا كان من عظائم الأمور كالأفلاك والكواكب ~~والأنواع المحفوظة من البسائط والمركبات بنفوسها وطبائعها. # بل مع إبطال الدواعي والغايات وتمكن الإرادة الجزافية كما عليه كثير من ~~الكلاميين لم يبق مجال للنظر والبحث ولا اعتماد حينئذ على اليقينيات لعدم ~~الأمن PageV00P237 # عن ترتيب نقيض النتيجة على القياس البرهاني إذ ربما يخلق في الإنسان حالة ~~تريه الأشياء على غير ما هي عليها. # فإن قلت: كيف يكون علمه تعالى بنظام الخير وهو عين ذاته غاية وغرضا له ~~تعالى في الإيجاد والعلة الغائية كما صرحوا به هي ما يقتضي فاعلية الفاعل. # فيلزم منه أن يكون ذاته تعالى علة لذاته وهذا محال. # قلت: كثيرا ما يطلقون الاقتضاء والاستلزام ويريدون بهما المعنى الأعم وهو ~~مطلق عدم الانفكاك اعتمادا على ما بينوا حاله في مقامه. # كيف ولم يقم ضرورة ولا برهان على أن الفاعل والغاية لشيء يجب أن يكونا ~~متغايرين في الحقيقة بل ربما لا يكونان كذلك. # فإن الفاعل هو ما يفيد الوجود. والغاية هي ما يفاد لأجله الوجود سواء كان ~~نفس الفاعل أو أعلى منها. # ولو كانت الغاية قائمة بذاتها وكان يصدر منها أمر لكانت فاعلا وغاية. # فذات البارىء علة فاعلية من حيث إنه يفيد وجود الأشياء. # وعلة غائية من حيث إن إفادته الوجود لأجل علمه بنظام الخير فيها الذي هو ~~عين ذاته المعشوقة لذاته. # فإن قلت: الغاية بحسب الشيئية والسببية متقدمة على الفعل وبحسب الوجود ~~متأخرة عنه مترتبة عليه. # فلو كان البارىء تعالى غاية وفاعلا لسائر الأشياء يلزم أن يكون متقدما ~~عليها ومتأخرا عنها فيكون شيء واحد أول الأوائل وآخر الأواخر. # قلت: تأخر الغاية عن الفعل وترتبها عليه إنما يكون إذا كانت من الأمور ~~الواقعة تحت الكون. # وأما إذا كانت أعلى من الكون فلا. # فإنهم قسموا المعلول إلى مبدع وكائن. # والغاية في القسم الأول يقرن مع وجود المعلول ماهية ووجودا. # وفي القسم الثاني متأخر عنه وجودا وإن تقدمت عليه ماهية. هذا ما ذكروه في ~~كتب الفن. # وأقول إن الواجب تعالى أول الأوائل من جهة ms120 وجود ذاته وكونه علة فاعلية ~~لجميع ما سواه وعلة غائية وغرضا لها وهو آخر الأواخر من جهة كونه غاية ~~وفائدة يقصده الأشياء ويتشوق إليه طبعا وإرادة لأنه الخير المطلق والمعشوق ~~الحقيقي. # فمصحح PageV00P238 # اعتبار الأول نفس ذاته بذاته ومصحح اعتبار الثاني صدور الأشياء عنه على ~~وجه يلزمها عشق يقتضي حفظ كمالاتها الأولية والشوق إلى تحصيل ما يفقد عنها ~~من الكمالات الثانية ليتشبه بمبدئها بقدر الإمكان. # وستعلم الفرق بين الغاية الذاتية والغاية العرضية. # فإن قلت: إن الحكماء قد استنكفوا عن القول بأن أفعال الله معللة بالغرض ~~والغاية. # قلت: استنكافهم عن غاية هي غير نفس ذاته تعالى من كرامة أو محمدة أو لذة ~~أو إيصال نفع إلى الغير أو غير ذلك مما يترتب على الإيجاد من غير التفات ~~إليها من جناب قدسه وغناه عما سواه. # بل الحق أن كل فاعل لفعل فليس له غرض حق فيما هو دونه ولا قصد صادق لأجل ~~معلوله. # لأن ما يكون لأجله قصد يكون ذلك المقصود أعلى من القصد بالضرورة. # فلو كان إلى معلول قصد صادق غير مظنون لكان القصد معطيا لوجود ما هو أكمل ~~منه وهو محال. # فإن قلت: غرض الطبيب وقصده في معالجة شخص وتدبيره إياه حصول الصحة وقد ~~يستفاد الصحة من قصده إياها. # قلت: مفيد الصحة مبدأ أجل من الطبيب وقصده وهو واهب الكمال على المواد ~~حين استعدادها والقصد مطلقا مما يهيىء المادة والمفيد دائما شيء آخر أشرف ~~من القاصد فالقاصد يكون فاعلا بالعرض لا بالذات. # فإن قلت: كثيرا ما يقع القصد إلى ما هو أخس من القاصد وقصده. # قلت: بلى ولكنه على سبيل الغلط والخطاء أو الجزاف. # فإن قلت: فلو لم يكن للواجب غرض في الممكنات وقصد إلى منافعها فكيف يحصل ~~منه الوجود على غاية من الاتقان ونهاية من التدبير والأحكام ولا يمكن لنا ~~أن ننكر الآثار العجيبة الحاصلة في العالم من كون الأشياء على وجه يترتب ~~عليها المصالح والحكم كما يظهر بالتأمل في آيات الأنفس والآفاق ومنافعها ~~التي بعضها بينة وبعضها مبينة وقد ms121 اشتملت عليه المجلدات كوجود الحاسة ~~للإحساس ومقدم الدماغ PageV00P239 # للتخيل ووسطه للتفكر ومؤخره للتذكر والحنجرة للصوت والخيشوم لاستنشاق ~~الهواء والأسنان للمضغ والرية للتنفس والبدن للنفس والنفس لمعرفة البارىء ~~جل كبرياؤه إلى غير ذلك من منافع حركات الأفلاك وأوضاع مناطقها ومنافع ~~الكواكب سيما الشمس والقمر مما لا تفي بذكره الألسنة والأوراق ولا يسع ~~لضبطه الأفهام والأذواق. # قلت: وإن لم يكن لفعله علة غائية خارجة عن ذاته ولا لمية مصلحية مباينة ~~من المنافع والمصالح التي نعلمه أو لا نعلمه وهو أكثر بكثير مما نعلمه ولكن ~~ذاته تعالى ذات لا يحصل منها الأشياء إلا على أتم ما ينبغي وأبلغ ما يتصور ~~في المنافع والمصالح لأن ذاته منبع الخيرات ومنشأ الكمالات فيصدر منه كل ما ~~يصدر على أقصى ما يتصور في حقه من الخير والكمال والزينة والجمال سواء كان ~~ضروريا له كوجود العقل للإنسان والنبي للأمة أو غير ضروري كإنبات الشعر على ~~الأشفار والحاجبين وتقعير الأخمصين على القدمين. # بل نقول: غاية كل علة لما بعدها سبيله كما مرت الإشارة إليه هذا السبيل ~~من أنها لا يجوز أن تعمل عملا لأجل معلولها ولا أن تستكمل بما دونها اللهم ~~إلا بالعرض لا بالذات ولا أن تقصد فعلا لأجل المعلول وإن كان يعلمه ويرضى ~~به. # وكما أن الأجسام الطبيعية من النار والماء والشمس والقمر إنما يفعل ~~أفاعيلها من التبريد والتسخين والإشراق والإضاءة لحفظ كمالاتها لا لانتفاع ~~الغير منها ولكن يلزمها الانتفاع. # وكذلك مقصود نفوس الأفلاك في تحريكاتها ليس هو نظام العالم السفلى بل ما ~~وراءه وهو التشبه بالخير الأقصى لكن يحصل منها على سبيل الرشح نظام ما ~~دونها. # قيل: وللأرض من كأس الكرام نصيب. # فعلى هذا يجب قياس كل عال بالنسبة إلى السافل في باب عدم القصد والالتفات ~~والإفاضة على سبيل PageV00P240 # التفضيل. # ليعلم أن هذه اللوازم من المنافع والمصالح غايات عرضية لا ذاتية إن أريد ~~بالغايات ما يقتضي فاعلية الفاعل وإن كانت [غايات] طبيعية صادرة عن المبادئ ~~بالذات لا بالعرض كوجود مبادئ الشر وغيرها إن أريد بها ما ms122 يترتب على الفعل ~~بالذات. # فإن قلت: هذه اللوازم الثانوية مع ملزوماتها التي هي كون تلك المبادئ على ~~كمالها الأقصى يجب أن يكون متصورة لتلك المبادئ إما تصورا بالذات أو بالعرض ~~مع أن المبادئ بعضها طبائع جسمانية لا شعور لها أصلا بما يتوجه إليها. # قلت: نفي الشعور مطلقا عن الطبائع الجسمية مما لا سبيل لنا إليه بل الحق ~~أن الفحص والنظر يوجبانه. # فإن الطبيعة لو لم يكن لها في أفاعيلها مقتضى ذاتي لما فعلته بالذات وإذا ~~لم يكن لمقتضاها وجود إلا أخيرا فله نحو من الثبوت أولا المستلزم لنحو من ~~الشعور وإن لم يكن على سبيل القصد والروية بل الحق عدمه كما في القرآن ~~المجيد: و إن من شيء إلا يسبح بحمده و لكن لا تفقهون تسبيحهم.. # فإن قلت: قد يستدل من جهة إحكام الفعل وإتقانه على روية الفاعل وقصده ~~فكيف لا يكون أفاعيل المبادئ الذاتية على سبيل القصد والروية. # قلت: هذا استدلال ضعيف إنما يحسن به مخاطبة الجمهور ممن قصرت أفهامهم عن ~~إدراك الغايات الحقيقية ومبادئها. # فإن لكل فعل غاية وثمرة سواء كان مع الروية والقصد إلى حصولها أو لا يكون ~~والروية لا يجعل الفعل ذا غاية كما يحصل الولد من بعض حركات الأب بلا ~~مدخلية لرويته وقصده لحصول الولد وإن اقترن معها روية وقصد. ومما يؤيد هذا ~~أن نفس الروية فعل ذو غاية ولا يحتاج إلى روية أخرى. # وإن أصحاب الملكات الصناعات يحصل منهم صنائعهم بلا روية كالكاتب الماهر ~~لا يروي في كتبه كل حرف والعواد الماهر لا يتفكر في كل نقرة بل إذا روى ~~الكاتب في كتبه حرف والعواد في نقره يغلط ويتبلد. # فللطبيعة غايات بلا قصد وروية. # وقريب من PageV00P241 # هذا اعتصام الزالق بما يعصمه ومبادرة اليد إلى حك العضو بلا فكر وروية. # فإن قلت: قد صرحوا بأن الغاية قد تكون في نفس الفاعل كالفرح والغلبة وقد ~~تكون في القابل كصورة الكرسي في الخشب وقد تكون في شيء ثالث خارج عن الفاعل ~~والقابل. # فقد علم من تقسيمهم هذا ms123 أن الغاية لا تجب أن لا تكون حاصلة فيما دون ~~الفاعل. # قلت: الكلام في الغاية الذاتية التي يجعل الفاعل فاعلا وهي بالحقيقة ما ~~هي متمثلة في نفس الفاعل إن جاز له التمثيل كالعقول والنفوس والطبائع ~~الشاعرة. # أو تكون عين معقولية الفاعل لذاته المستتبع وجوده لوجود المعلول كذات ~~المصدر لنظام الخير في الكل لأجل معقولية ذاته بذاته على الوجه المذكور. # وبالجملة الغاية الذاتية بالمعنى الأول إما نفس الفاعل أو أعلى منه وهو ~~المتمثل فيه أو المشاهد له. # والغايات المذكورة في التقسيم إنما هي غايات عرضية لأنها متأخرة عن وجود ~~المعلول فلا دخل لها في الإيجاد. # مع أن الحق أن الغاية بالمعنى الثاني أيضا لا يكون خارجا عن الفاعل فإن ~~محصل صورة الكرسي في الخشب بعمل وقاصد رضا إنسان بفعل ليس غرضه إلا طلب ~~أولوية تعود إلى نفسه. وكذا الباني لا يبني بناء بيت للاستقرار أو للأجرة ~~بل لحصول الغاية الأخيرة وهي الأولوية العائدة إلى نفسه. # نعم حصول الصورة في القابل وغير ذلك من رضا فلان أو سكون الدار ونحوهما ~~إنما هي غاية بمعنى ما ينتهي إليه الفعل بالذات. # والتقسيم إنما يتأتى في النهاية الذاتية مطلقا. أما الغاية الأخيرة التي ~~هي أقصى ما يطلب الشيء لأجله فلا لأنها لا يكون خارجا عن الفاعل فهي علة ~~غائية باعتبار العلم وغاية ذاتية باعتبار العين كما حققناه. # فإن قلت: قد يكون لبعض الأشياء غاية ولغايته غاية وهكذا إلى غير النهاية ~~فلا يكون له ولا لشيء منها غاية يسكن لديها كأشخاص الكائنات مع أنهم يثبتون ~~لكل فعل ذاتي غاية قصوى. # أجيب عنه بأن الغاية هناك نفس طبيعة ذلك الشيء وكانت ممتنعة للاستبقاء ~~إلا في ضمن أشخاص بلا نهاية. # فهذا الاستبقاء علة غائية بالذات وهو واحد لا بد في PageV00P242 # حصوله من وجود تلك الأشخاص الغير المتناهية فوجوداتها غايات عرضية ضرورية ~~لا ذاتية. # وتمام الاستبصار في هذا المبحث إنما يطلب من مواضع متفرقة (من كتاب ~~الشفاء ن خ ع ق ش ف). # فصل في حياته تعالى الحياة في ms124 حقنا تتم بإدراك هو الإحساس وفعل هو ~~التحريك منبعثين عن قوتين مختلفتين. # ولما ورد الشريعة في إطلاقه عليه تعالى فالحي في حقه هو الدراك الفعال. # فإذا كان علمه مبدءا للوجود فهو حي وإذا لم يزد علمه على ذاته ولا افتقار ~~له في الفعل إلى قوة محركة أو آلة كما لنا بل بذاته يعلم ويفعل فذاته حياته ~~فصل في سمعه وبصره من ضروريات دين نبينا ص المعلومة بالقرآن والحديث ~~المتواتر والإجماع أن الباري تعالى سميع بصير. # فاختلفوا في اندراجهما تحت مطلق العلم ورجوعهما إلى العلم بالمسموعات ~~والمبصرات أو كونهما صفتين زائدتين على مطلق العلم. # فبعض المتكلمين كأشياخنا الإمامية ومنهم المحقق الطوسي قدس سره وكالشيخ ~~الأشعري ومتابعيه وفاقا لجمهور الحكماء النافين لعلمه تعالى بالجزئيات على ~~الوجه المخصوص أرجعهما إلى العلم. # فأولوا السمع إلى نفس العلم بالمسموعات والبصر إلى نفس العلم بالمبصرات. # وبعضهم جعلهما إدراكين حسيين إما بناء على اعتقادهم التجسم أو مباشرة ~~PageV00P243 # الأجسام في حقه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # أو اعتقاد أن الإحساس في حقه تعالى لبراءته عن القصور تحصل بلا آلة وإن ~~لم يحصل فينا لقصورنا إلا بآلة. # ولم يتفطنوا أن الإحساس هو نفس القصور في المدرك والمدرك جميعا كما سبق ~~بيانه. # والحاصل أن السمع والبصر عندهم إما مجرد الإحساس أو مطلق العلم ~~بالمحسوسات. # وأنك بعد ما علمت أن مناط الجزئية إما الإحساس وهو لا يحصل إلا بتأثر ~~الآلة وإما الشهود الإشراقي وهو لا ينافي التجرد عن الأجسام والتقدس عن ~~المواد وتحققت أنه تعالى عالم بجميع الجزئيات على جزئيتها وماديتها ومنها ~~المسموعات من الحروف والأصوات والمبصرات من الأجسام ذوات الأضواء والألوان. # فاعلم وتحقق بأنه تعالى يعلم الأصوات والألوان علما حضوريا إشراقيا ~~وانكشافا شهوديا نوريا بنفس ذاته النور الذي يظهر ويتنور به جميع الأشياء. # فذاته تعالى بهذا الاعتبار سمعه وبصره بلا تأويل. # وأما عدم وصفه تعالى بالشام والذائق واللامس فلعدم ورود هذه الألفاظ في ~~الشريعة لإيهام التجسم والنقص فيها فتفطن. # فصل في تكلمه تعالى قد أطبقت الشرائع كلها على أنه ms125 تعالى متكلم. # إذ ما من شريعة إلا وفيها أنه تعالى أمر بكذا ونهى عن كذا وأخبر بكذا وكل ~~ذلك من أقسام الكلام. # والمتكلم عبارة عن محدث الكلام في جسم من الأجسام كالهواء وغيرها فإنا ~~إذا تكلمنا أحدثنا الكلام في بعض الأجسام التي لنا قدرة على تحريكها ~~فالمتكلم ما قام به PageV00P244 # التكلم لا ما قام به الكلام كما توهم. # والتكلم بمعنى ما به يحصل الكلام فينا ملكة قائمة بذواتنا بها نتمكن من ~~إفادة مخزوناتنا العلمية على غيرنا. # وفي الواجب تعالى عين ذاته من حيث يخلق الأصوات والحروف في أي موضع كان ~~من الأجسام لإفادة ما في قضائه السابق على من يشاء من عباده. # وما أثبته المتكلمون من الكلام النفسي فإن كان له معنى محصل فيرجع إلى ~~خطرات الأوهام أو تخيل ما يوجد من الكلام ولا شك في براءته تعالى عنه وعن ~~سائر ما يختلقه العوام. # فصل في حكمته تعالى وجوده وغناه حكمته إيجاد الموجودات على أحكم وجه ~~وأتقنه بحيث يترتب عليها المنافع ويندفع عنها المضار. # لأن الحكمة تطلق على أمرين: أحدهما العلم التصوري بتحقق ماهية الأشياء ~~والتصديق بها باليقين المحض المتحقق. (المحقق ع ق) والثاني الفعل المحكم ~~بأن يكون نظما جامعا لكل ما يحتاج إليه من كمال مرتبة ولا شك أن الأول ~~تعالى عالم بالأشياء على ما هي عليه علما هو أشرف أنواع العلوم. # لأن علمه بنظام الوجود هو مبدأ لنظام الكل كما سبق والعلم الذي هو مبدأ ~~الوجود أشرف من العلم المستفاد من الوجود. # وأما أفعاله فهي في غاية الأحكام إذ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وأنعم عليه ~~بكل ما هو ضروري وبكل ما هو زينة وتكملة وإن لم يكن ضروريا بل فضيلة كتقويس ~~الحاجبين وتقعير أخمص القدمين وإنبات اللحية الساترة لتشيخ البشرة في الكبر ~~إلى غير ذلك من لطائف تخرج عن الحصر في الحيوان والإنسان وجميع أجزاء ~~العالم. PageV00P245 # فأعطى كل شيء قوة يحفظ بها كماله الموجود وقوة يتحرك بها إلى كماله ~~المفقود. # ويكمل هذا بما أودع في كل ms126 منها من عشق ما هو كامل منها لكماله لينحفظ به ~~كماله وشوق ما هو ناقص منها إلى كماله الممكن في حقه شوقا مناسبا لكماله ~~لينجبر به نقصه. # والشوق يتركب من لذة من حيث إدراك المشتاق إليه الذي هو أثر من الوصول ~~ومن ألم من حيث إدراك فقدان حقيقته التي حصولها عين الوصول. # فكل من يكون إدراكه أتم يكون عشقه وشوقه أوفر. # وبالجملة ملاك الأمر في نيل كل مطلوب العشق. # وكما أن ذات كل شيء أليق الأشياء به وخير الأمور لديه وأن ثبوت كل شيء له ~~فرع ثبوته لنفسه فكذلك عشق ذاته مبدأ لعشق سائر الأشياء التي يليق به ويؤثر ~~عنده. # فإنا لو لم نعشق ذواتنا لم نلتذ بشيء والعشق هو الشعور بالكمال فشعور كل ~~أحد بوجود ذاته أصل سعادته لأنه مبدأ للشعور بكل وجود وخير كما عرفت. # فحكمته تعالى التي هي إيجاد الموجودات على أحكم الوجوه وأصلحها إنما ~~تنتظم بالعشق الساري في جميع الذراري. # وجوده تعالى فيضان الوجود منه على كل ما يقبله بقدر ما يقبله من غير منع ~~وبخل وتعويض سواء كان جوهرا عينيا أو ثناء أو فرحا أو دعاء أو ضنينا. # وبالجملة الجواد الحقيقي ما لا يكون إعطاؤه شيئا لأجل تحصيل أولوية تعود ~~إلى ذاته وإلا لم يكن إعطاؤه جودا بل يكون في الحقيقة معاملة أو استعاضة ~~فلم يكن تاما في ذاته لأنه حينئذ عادم كمال ويجبر بذلك نقصانه وقاصريته عن ~~الكمال المطلق في حد ذاته. # فحيث يكون كمال بلا نقص وتمام بلا قصور وفعل بلا قوة كان فعله منبعثا عن ~~ذاته وكرمه ناشئا عن حاق حقيقته غير معلل بغيره ولا مستند إلى ما سواه ~~فيكون فعله جودا حقيقيا. # وإذا دريت أن كل مختار يقصد أحد طرفي المقدور المتساويين بالنسبة إلى ~~ذاته وقدرته فلا بد له من مرجح يجعل ذلك الطرف أولى له وأرجح عنده. # فالترجيح متقدم على إرادته فيكون فاعليته مستفادة من غيره فلم يكن ذاته ~~بذاته معطيا بل PageV00P246 # بغيره فيكون ذا حاجة إلى غيره في صفة ms127 كمالية له فلا يكون غنيا مطلقا. # فكل غني مطلق يجب أن يكون فعله أعلى من أن يكون بإرادة زائدة على ذاته ~~لامتناع أن يكون شيء من الأشياء أشرف من ذاته حتى يكون داعيا له في فعله ~~وباعثا له عليه بعد أن لم يكن ذاته كذلك فليس ذاته غنيا من كل الوجوه. # فالحق الأول كما أنه غني في ذاته لوجوب وجوده فكذلك هو تعالى غني في ~~فعله. # فهو الغني المطلق فكل ما سواه لإمكانه فقير إليه تعالى كما ورد في القرآن ~~المجيد: # و الله الغني و أنتم الفقراء.. [أنتم الفقراء إلى الله و الله هو الغني] ~~فصل في أنه تعالى مبتهج بذاته وأن عنده من المعنى الذي يعبر عن نظيره في ~~حقنا باللذة والغبطة والفرح والسرور بجمال ذاته وكمالها ما لا يدخل تحت وصف ~~واصف. # وأن للملائكة المقربين الذين سيقام البرهان على وجودهم لهم من الابتهاج ~~واللذة بمطالعة جمال الحضرة الربوبية ما يزيد على ابتهاجهم بكمال أنفسهم. # ونبين هذا بعد تمهيد قواعد: # الأولى أن يعرف معنى اللذة والألم. # فاللذة عبارة عن إدراك الملائم. والألم عبارة عن إدراك المنافر. # ولا ينبغي أن يظن أن كل واحد منهما عبارة عن صفة تتبع الإدراك للملائم أو ~~المنافر بل الإدراك اسم عام وهو منقسم إلى لذة وألم وما ليس بأحدهما فهو ~~غير زائد على الأقسام. # والثانية أن يعرف أن ملائم كل قوة فعلها الذي هو مقتضى طبعها من غير آفة ~~وعائق. # فمقتضى القوة الغضبية الغلبة وطلب الانتقام ولذتها به. # ومقتضى طبع الشهوة الذوق. ومقتضى الخيال الوهم والرجاء وبه يلتذ. وهكذا ~~كل القوى. # الثالثة أن الكامل يقوى فيه القوى الباطنة على القوى الظاهرة ويستحقر ~~PageV00P247 # لديه لذات القوى الحسية عند لذات القوى العقلية والوهمية. ولذلك إذا خير ~~المرء بين الحلواء والهريسة وبين الاستيلاء على الأعداء وإدراك أسباب ~~الرئاسة والغلبة فإن كان المخير ساقط الهمة ميت القلب جامد القوى الباطنة ~~اختار الهريسة والحلواء. # وإن كان المخير رزين العقل بهي النفس استحقر لذة الطعام بالإضافة إلى ما ~~ينال من ms128 لذة الرئاسة والغلبة على الأعداء. # الرابعة أن كل قوة فإنما لها لذة إدراك ما هو قوة عليه إذا كان موافقا ~~لها ولكن يتفاوت اللذات بحسب تفاوت الإدراك والقوى المدركة والمعنى المدرك. # فكلما كانت القوى أقوى في نفسها وأشرف في جنسها كانت لذتها أقوى. # فإن لذة الطعام بحسب قوة شهوة الطعام ولذة الجماع كذلك ولذة العقليات ~~أشرف في جنسها من لذة الحسيات حتى اختار العاقل تلك على هذا. # وكذا كلما كان الإدراك أشد كان اللذة أتم فلذة النظر إلى الوجه الجميل ~~على قرب وفي موضع مضيء أتم من لذته في إدراكه من بعد لأن إدراك الشيء من ~~القريب أشد. # وأيضا كلما كان المدرك أتم في حقه كانت اللذة به والألم منه أكثر. # الخامسة وهي نتيجة المقدمات الماضية أن اللذة العقلية أقوى وأشرف من ~~الحسية لأنها لا تكون إلا في آلات جسدانية وإنما تفسد بإدراك مدركاتها إذا ~~قويت. إذ لذة العين في الضوء وألمها في الظلمة. والضوء القوى يفسدها. وكذا ~~الصوت القوى يفسد السمع ويمنعه من إدراك الخفي بعده. # والمدركات العقلية الجلية تقوي العقل وتزيده نورا. وكيف لا والقوة ~~العقلية قائمة بنفسها لا تقبل التغير والاستحالة والقوة الحسية في جسم ~~مستحيل وأقرب الموجودات الأرضية إلى الأول وأشدها مناسبة هو القوة العقلية ~~من الإنسان كما سيأتي. # وأما إدراك العقل فإنه يفارق الحس من وجوده إذ يدرك الشيء على ما هو عليه ~~من غير أن يقترن به ما هو غريب له وينال حاق جوهره ولب ذاته مجردة عن ~~القشور واللبوسات. # وأما القوة الحسية فلا تدرك إلا الخلطاء ولا ينال إلا المشوبات بغيرها ~~فلا يحس باللون ما لم يحس معه بالطول والعرض والأين وبأمور PageV00P248 # أخرى غريبة عن حقيقة اللون. # والعقل يدرك الأشياء كما هي ويجردها عن قرائنها الغريبة. # وأيضا فإدراك الحس بتفاوت فيرى الشيء الواحد عظيما في القرب (عظيما في ~~القريب وصغيرا في البعيد خ ع ق) وصغيرا في البعد وكلما صار أبعد يراه أصغر ~~إلى أن يصير بسبب البعد كنقطة ثم يبطل رؤيته. وكلما ms129 صار أقرب صار أعظم إلى ~~أن يصير بسبب القرب كنصف العالم ثم يبطل رؤيته. # وإدراك العقل يطابق المدرك ولا يتفاوت. # وأيضا فالحس في الإدراك يغلط كثيرا حيث يرى الشمس بقدر أترجة ومقدار ~~جرمها مائة وستين مثلا للأرض. [لمقدار الأرض ع ق] وأما العقل الذي يراعي ~~القوانين العقلية المنطقية ويتطهر عن المعاصي والأدناس ولا يزاحمه الوهم ~~والوساوس فهو معصوم عن الخلط والخطاء. # وأما المدرك فمدركات الحس الأجسام وأعراضها المادية ومدركات العقل ~~الماهيات الكلية الأزلية والذوات النورية العقلية التي يستحيل تغيرها وذات ~~الحق الأول الذي يصدر منه كل كمال وجمال وبهاء في العالم. فإذن لا قياس ~~للذة الحسية إلى العقلية. # فك عقدة لا يبعد أن يحضر المدرك الموجب للذة الوافرة ولا يشعر الإنسان ~~باللذة لكونه غافلا عنه أو مشغولا بغيره كالمتفكر الغافل عن الألحان الطيبة ~~ولكونه ممنوا بآفة غيرت مزاجه وطبعه كالذي يستلذ عن أكل الطين أو شيئا ~~حامضا لطول ألفة. # فإن طول المؤانسة ربما يحدث ملاءمة بين طبعه وبينه فيستلذ ما هو مكروه ~~بالإضافة إلى الطبع الأصلي كالذي به مرض بوليموس فإن جميع أعضائه محتاج إلى ~~الغذاء وفي PageV00P249 # معدته وآلات هضمه آفة تمنعه عن الإحساس بشهوة الطعام. # وقد يكون عدم إدراك اللذة لضعف القوة المدركة كالبصر الضعيف قد يتأذى ~~بأدنى ضوء وإن كان ذلك موافقا لذيذا بالإضافة إلى الطبع السليم. # فيما ذكر يندفع سؤال من يقول: لو كانت العقليات ألذ من الحسيات لكان ~~لذتنا بالعلوم وألمنا بالجهل يزيد على لذتنا بالحسيات وألمنا بفقدها. # لأنا نقول: سبب ذلك خروج النفس عن مقتضى الطبع الأصلي بالعادات الردية ~~والآفات العارضة ووقوع الألف مع المحسوسات والإخلاد إلى الأرض واشتغال ~~النفس بمقتضى الشهوات ومعاداة الخصوم فإن هذه العوارض نازلة في النفس ~~بمنزلة المرض والخدر في العضو وقد يصيب العضو الخدر نار محرقة تحرقه وهو لا ~~يحس به فإذا زال الخدر أحس بها. # وعوارض البدن أوجب مثل هذا الخدر فإذا فارقت النفس البدن بالموت أدركت ما ~~هو حاصل للنفس من ألم الجهل إن كان جاهلا ردي الخلق ms130 ولذة العلم إن كان ~~عالما زكي الطبع حسن الخلق. # فإذا تمهدت هذه القوانين يحصل منها أن الواجب تعالى أجل مبتهج بذاته لأنه ~~مدرك لذاته على ما هو عليه من الجمال والبهاء وهو مبدأ كل جمال وزينة وبهاء ~~ومبدأ كل حسن ونظام. # فهو من حيث كونه مدركا أجل الأشياء وأعلاها وأشدها قوة ومن حيث كونه ~~إدراكا أشرفها وأكملها وأقواها ومن حيث كونه مدركا أحسنها وأرفعها أبهاها. # فهو إذن أقوى مدرك لأجل مدرك بأتم إدراك بما هو عليه من الغبطة والكمال. # ومن نظر إلى سرور الإنسان وابتهاجه بنفسه إذا استشعر بكماله في الاستيلاء ~~بالعلم أو الاستيلاء بالغلبة والملك على جميع الأرض إذا انضاف إليه صحة ~~البدن وجمال الصورة وانقياد كافة الخلق. # فإن هذين الأمرين أي الاستيلاء العلمي على الجميع والاستيلاء العيني على ~~البعض لو تصور اجتماعهما لشخص لكان غاية اللذة مع أن أحدهما مستفاد من ~~الغير والآخر مستعار معرض للزوال ولا يرجع إلا إلى معرفة أمور حصولها حصول ~~ذهني غير عيني واستيلاء على بعض نواحي الأرض التي PageV00P250 # لا نسبة لوجودها إلى أجسام العالم فضلا إلى الجواهر العقلية والملائكة ~~الروحانية. فقياس لذة الأول تعالى إلى لذتنا كقياس كماله تعالى إلى كمالنا ~~إذا فرضت لنا مثل هذه الحالة. # فقد قال بعض العلماء: لو لم يكن له تعالى من اللذة بإدراك جمال ذاته إلا ~~ما لنا من اللذة بعرفانه مهما التفتنا إلى جماله وقطعنا النظر عما دونه ~~واستشعرنا عظمته وجلاله وجماله وحصول الكل منه على أحسن نظام وانقيادها له ~~على سبيل التسخير الجبلي والطاعة الطباعية ودوام ذلك أزلا وأبدا من غير ~~إمكان تغير لكان تلك اللذة لا يقاس بها لذة. # وكيف وإدراكه لذاته لا يناسب إدراكنا له لأنا لا ندرك من ذاته وصفاته إلا ~~أمورا جمليا يسيرة. # واعلم أن العشق أيضا معناه الابتهاج بتصور حضرة ذات ما. # وأما الشوق فهو استدعاء إكمال هذا التصور والحركة إلى تتميم هذا الابتهاج ~~فإن مراتب حضور الصورة متفاوتة إذ التمثل الخيالي مرتبة ضعيفة من الحضور ~~والتمثل الحسي أقوى منه ms131 والشهود الإشراقي أتم الإدراكات. وكل مشتاق إلى ~~مرغوب فإنه قد نال شيئا وفاته شيء وفي هذا سر عظيم لأرباب الذوق والعرفان. # والإشارة إلى لمعة منه أن كل مشتاق من حيث كونه مشتاقا فهو من جملة ~~المشتاق إليه. # فإن الظمآن يتصور أولا الري فيحصل له ذلك حصولا ضعيفا هو يوجب طلبه على ~~أتم وجه. فالريان يشتاق الريان ويطلبه فكل ذي طلب لا يطلب إلا ما هو تمام ~~حقيقته وكمال ذاته. فافهم ذلك إن كنت من أهله. # وبالجملة الشوق يصحبه قصور وأما العشق فقد يتقدس ويتعالى عن الشوائب. # فالأول عاشق لذاته معشوق لذاته عشق أو لم يعشق. لكنه معشوق لذاته من ذاته ~~ومن غيره وهو جميع الموجودات المفتقرة إليه. إذ ما من موجود إلا وله عشق ~~غريزي وشوق طبيعي إلى الخير المطلق والنور المحض بلا شوب شرية وظلمة ونقص ~~وآفة. PageV00P251 # ويتلوه عشق المبتهجين به وبذواتهم لا من حيث هم هم بل من حيث كونهم ~~مبتهجين به وهم الملائكة العقلية فإنهم يعرفون أنفسهم بالأول وهم على ~~الدوام في مطالعة ذلك الجمال على ما سيأتي بيانه. فلذتهم أيضا بذاته ولكنها ~~دون اللذة الأول. # وأما لذتهم بأنفسهم فهي من حيث رأوا أنفسهم عبيدا وخدما له مسخرين. # فإن من عشق ملكا من الملوك فأقبل عليه بخدمته كان مبتهجا بحشمه وقومه ~~وأبيه ونسبه راجعا إلى التبهج بذلك الملك. # وبعد المرتبتين الأوليين في الابتهاج مرتبة العشاق المشتاقين المتحركين ~~إلى طلب رب العالمين المتواجدين في عظمة أول الأولين وهو الذي إذا أدار ~~رحاها بسم الله مجراها و مرساها.. # وهذه مرتبة النفوس التي في عالم الأفلاك. فهم من حيث هم مشتاقون قد نالوا ~~نيلا وفقدوا فقدانا لعدم وصولهم إلى الغاية القصوى من الوصال في حقهم لكون ~~النفوس من حيث هي نفوس يصحبها قوة وهجران أبدا. # فهم واجدون في عين الحرمان واصلون حين الفرقان. فلا محالة يغشاهم نوع ~~دهشة وحيرة وتأذوا أذى لذيذا لأنه كان من قبل أرحم الراحمين. # وهاتان الجهتان فيهم بإزاء الرجاء والخوف في الإنسان العالم الصالح. # وبعد هذه ms132 المراتب مرتبة النفوس الإنسانية التي وصلت في حياتها الدنياوية ~~إلى الغبطة العظمى. # فإن أشرف أحوالها أن تكون عاشقة مشتاقة فشوقها يؤدي إلى الطلب والسير ~~الحثيث إلى الحق. # فإن كانت تلك الحركة مؤدية إلى النيل بطل الطلب وصفت البهجة (وضعفت خ ل) ~~وحقت وهو الفناء الذي يسمى عند الصوفية بالولاية ففازت بمرتبة السابقون ~~المقربون. # إذ الإنسان له سبيل إلى أن يكتسب سعادة حقيقية بأن يخرج PageV00P252 # أولا قوته العقلية من القوة إلى الفعل لينتقش بالوجود كله على ترتيبه ~~ونقشه وهيئته ورقشه. # فيدرك الأول وما يتلوه من الملائكة المقربين وما بعده من الموجودات. # وربما يحس بأدنى لذة من الاطلاع عليها في هذه النشأة لمكان اشتغاله ~~بالبدن. فإذا فارق البدن بالموت أو حصل له ما حصل للمتجردين من جلباب ~~البشرية يعني ملكة خلع البدن حيثما شاء يلحق بالمللأ الأعلى ويصير رفيق ~~الملائكة. وهناك لجة الوصول. وهذا معنى السعادة في حق الإنسان. # ويتلو هذه النفوس الإنسانية نفوس حيوانية سواء كانت من نوع الإنسان أو ~~أنواع أخرى حيوانية طالبة لكمالات وهمية وخيرات خيالية. فهي صنفان: سعيدة ~~وشقية فالسعيدة نفوس بشرية تتصور الحق الأول تصورا مثاليا ويتمثل لها ~~الوسائط العقلية لفيضه وجوده بالأمثلة المأخوذة عن المبادئ الجسمانية ~~والأفعال الباطنية المقربة إليه والنيات الصالحة المزلفة لديه بنظائرها من ~~الأفعال الصادرة من خدام السلاطين وعبيد الملوك ويتخيل الغايات الحقيقية ~~كالغايات الحسية. فكأنهم يعبدون حكاية الحق الأول لا ذاته تعالى. فلهذا ~~صارت عباداتهم وحركاتهم أمثلة لعبادات أهل الحق وأشباحا لنسك العارفين ~~وسلوكهم سبيل الحق وخضوعهم وخشوعهم بالقلب الصافي والنية الخالصة والمودة ~~الخفية. # والشقية نفوس منغمرة في عالم الطبيعة منتكسة رؤسها لا نكبابها إلى ~~الشهوات واللذات الحسية والتقلبات الحيوانية فهي التي فكفرت بأنعم الله ~~وصرفت قواها الشهوية والغضبية في غير ما خلقت لأجله وضلت ضلالا بعيدا وخسرت ~~خسرانا مبينا. # وهي مع هذه الشقاوة الفاحشة غير خالية عن شوق وعشق إلى طلب الخير الأقصى ~~والحق الأعلى بحسب غريزتها وطبيعتها التي أشير إليها في الكلام الإلهي ~~بقوله تعالى: فطرت الله التي فطر الناس ms133 عليها. وإن غيرت عما هي مفطورة عليه ~~PageV00P253 # بقوله بحسب اقتران الخطيئات واغتراف السيئات. وفي الحديث النبوي عليه ~~وآله الصلاة والسلام: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه.. # تتميم حكم التدبر في الأمور العالمية مبدعة كانت أو كائنة عالية أو سافلة ~~يقتضي أن يكون لكل منها كمال يخصه وعشق عقلي أو طبيعي أو حيواني لذلك ~~الكمال وشوقا طبيعيا أو إراديا إلى طلبه حيث فارقه رحمة من الحق الأول على ~~سبيل العناية الخالي عن النقص والشين ف لكل وجهة هو موليها فاستبقوا ~~الخيرات.. # فالكائنات البائدات كالسابقات الباديات على اغتراف عشق وشوق من هذا البحر ~~الخضيم واستضاءة نور من هذا الواهب القديم. # وما أحسن ما قيل! صلت السماء بدورانها والأرض برجحانها والماء بسيلانه ~~والمطر بهطلانه وقد يصلي له ولا يشعر ولذكر الله أكبر.. # فذلك من عميم اللطف شكر * وهذا من رحيق الشوق سكر في كيفية محبته تعالى ~~للخلق اعلم أن شواهد القرآن والحديث متظاهرة على أن الله تعالى يحب عباده ~~فلا بد من معرفة ذلك وكيفيته. # ولنقدم أولا الشواهد النقلية ثم البرهان العقلي عليه: # قال الله تعالى: يحبهم و يحبونه. # وقال الله تعالى: إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين.. # وقوله: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا.. # وعن PageV00P254 # النبي ص أنه قال: إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب. والتائب من الذنب كمن ~~لا ذنب له.. # وقد رتب الله على المحبة غفران الذنب فقال: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم.. # وقال ص حكاية عن الله تعالى: لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ~~فإذا أحببته... الحديث. # وقد ورد في الحديث: إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول له ~~اعمل ما شئت فقد غفرت لك.. # وما ورد من ألفاظ المحبة في الأحاديث المروية بطريق أهل البيت صلوات الله ~~عليهم أجمعين خارج عن الحصر وكفاك شاهدا كونه ص مسمى ب حبيب الله. # وقد علمت أن محبة العبد لله حقيقة وليست بمجاز ms134 عن امتثال الأوامر واجتناب ~~النواهي كما زعمته طائفة من المتكلمين كالزمخشري ومن يحذو حذوه. # إذ قد بينا أن المحبة وما يرادفها في وضع اللسان عبارة عن الابتهاج ~~بالشيء الموافق سواء كان عقليا أو حسيا حقيقيا أو مظنونا. # وبينا أن الواجب تعالى أجمل من كل جميل. فكذلك حب الله تعالى لمخلوقاته ~~حقيقي وليس بمجاز عن إيصال الثواب للطاعات كما زعموا بل أرفع من ذلك. # نعم الأسامي كلها إذا أطلقت على الله تعالى وعلى غيره لم يطلق عليهما ~~بمعنى واحد في درجة واحدة. حتى أن اسم الوجود الذي هو أعم الأشياء اشتراكا ~~لا يشمل الواجب والممكن على نهج واحد بل كل ما سوى الله تعالى وجوداتها ~~ظلال وأشباح محاكية لوجود الحق الأول. ومع ذلك ليس إطلاق الوجود على ما سوى ~~الله مجازا لغويا بل مجازا عرفانيا عند أهل الله. وهكذا في سائر الأسامي ~~كالعلم والإرادة والقدرة وغيرها فكل ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق. # وواضع اللغات إنما وضع هذه الأسامي أولا للخلق لأنها أسبق إلى العقول ~~والأفهام من الخالق فلهذا وقع السفر منها إليه تعالى. # فالمحبة في حق الخلق يصحبها نقص وشين وأما في حق الخالق فهي مقدسة عن ~~القصورات والنقائص والكدورات الإمكانية. # وأما البرهان العقلي على وجودها للحق تعالى فلما مرت الإشارة إليه سابقا ~~أن PageV00P255 # من أحب ذاتا متصفة بالعظمة والكبرياء والقدرة والجود واللطف والكرم فلا ~~بد وأن يحب ما ينشأ من ذاته بذاته من الآثار واللوازم الذاتية المنبعثة عنه ~~بلا مدخلية الغير. فإن كان لآثار الشيء ولوازمه حيثية أخرى غير كونها آثارا ~~ولوازم لذلك الشيء يمكن أن يتعلق بها محبة استقلالية من جهة أخرى غير جهة ~~كونها تابعة. # وأما إذا لم يكن لتوابع الشيء حيثية سوى أنها توابع له كالحقائق الممكنات ~~بالقياس إلى الحق الأول على طبق ما حققناه في مظانه فلا يمكن تعلق الابتهاج ~~بها إلا من جهة الابتهاج به تعالى. بل الابتهاج بلوازم الحق الأول وآثاره ~~هو بعينه الابتهاج بذاته تعالى. # ومن أحب عالما أحب تصنيفه من حيث ms135 هو تصنيفه. والعالم بجميع حقائقه ~~وهيئاته وصوره تصنيف الله تعالى بلا حيثية أخرى كما أشرنا إليه. ولما ثبت ~~من قبل محبة الله تعالى لذاته وهي عين علمه بذاته المستجمعة لأوصاف الكمال ~~ونعوت الجمال فقد ثبت محبته للوازمه وآثاره التي هي موجودات العالم بأسرها. # ولما بين أن وجود الممكن في نفسه وكونه أثرا من آثار قدرة الله تعالى هما ~~أمر واحد بلا اختلاف فإن وجودات المخلوقات هي بعينها روابط فيض الحق ~~وتجلياته فوجود كل ممكن ليس إلا جهة من جهات كمال الحق ووجوده وابتهاجه ~~بذاته منطو فيه ابتهاجه بجميع أفعاله وآثاره. كما أن علمه بها منطو في علمه ~~بذاته. # ثم إن طبقات وجود الخلائق متفاوتة قربا وبعدا من المبدإ الأعلى شرفا وخسة ~~كمالا ونقصا. فأحق الخلق بمحبة الحق هو أشرف الممكنات وأقربها إليه تعالى ~~في سلسلتي البدء والرجوع والآخرة والأولى. # ثم يتلوه في المحبة ما يتلو في النسبة ويقربه في درجة الوجود وهكذا ~~متدرجا إلى الأحب فالأحب حتى ينتهي إلى أخس الموجودات وأنجس العاصيات وهو ~~إبليس من الأحياء والهيولى الجسمية من الأموات. وهما من أنقص الأبدان ~~والأشباح وأعصى النفوس والأرواح. # ولو تيسر للزمخشري وغيره من المتكلمين المنكرين لعناية الله تعالى ما ~~تيسر للعارفين الواجدين لكرامة الله تعالى على خلقه وفرط لطفه ورحمته عليهم ~~المطلعين على المحبة الخالية عن القصور والنقص التي هي بالحقيقة ترجع إلى ~~ابتهاجه بوجود ذاته PageV00P256 # المنبعثة عنها كل خير وكمال وزينة وجمال لما أنكروها. لكنهم لاشتغالهم ~~بغير الله وآياته احتجبت عنهم هذه المعرفة. بل لحصر عقولهم في عالم الشهادة ~~لا يهتدون من الحق إلا إلى مجرد مفهوم الوجود ولا يتطرقون إلى حريم الكشف ~~والشهود ولم يعلموا أن القوم قد بلغوا في مرتبة الذوق والإيمان إلى أتم من ~~المحسوس وجادوا من فرط الشوق والوجدان بالأرواح والنفوس. # قرىء عند الشيخ أبو سعيد المهنى قدس سره قوله تعالى يحبهم و يحبونه. # فقال: بحق يحبهم فإنه ليس يحب إلا نفسه. # على معنى أنه كل الوجود وليس في الوجود غيره كمن لا يحب ms136 إلا نفسه وأفعال ~~نفسه وتصانيف نفسه فلا يتجاوز حبه ذاته وتوابع ذاته من حيث هو متعلق بذاته ~~فهو إذن لا يحب إلا نفسه.. # فانظر أيها المصنف إلى مرتبة هذا الشيخ الجليل المنزلة العظيم المرتبة ~~كيف حقق الأمر وتفطن به. # فإنه كما عرف أن محبة الآثار المختصة بشيء يرجع بالحقيقة إلى محبة نفس ~~ذلك الشيء فكذلك انكشف له لأجل الرياضات العلمية والعملية أن وجودات ~~الممكنات ليس حقائقها إلا آثارا للحق تعالى وتوابع له بلا اختلاف حيثية كما ~~زعموا المحجوبون من أن كون الممكن موجودا شيء وكونه أثرا تابعا شيء آخر حتى ~~يلزم الكثرة في حقيقة الوجود والاستقلال للأشياء في الكون بأن صفة الافتقار ~~إلى الحق عارضة للممكنات لا ذاتية لها. بل الحق الحقيق بالتصديق أن حقيقة ~~الممكن ليس إلا عين الافتقار والتعلق بالغير. وهو ظلي الوجود رشحي الذات ~~لكن لكل ممكن من الممكنات نوع حكاية عن الحق تعالى متفاوتة بحسب قربها ~~وبعدها وكثرة قشورها وقلتها كما في المرايا المتخالفة المقادير والأوضاع ~~والصقالات المحاكية لصورة شخص PageV00P257 # بعينه فإنها لا محالة اختلفت في حكاياتها عظما وصغرا وتحديبا وتقعيرا ~~واستقامة واعوجاجا وصفاء وكدورة. مع أن المرئي في الجميع صورة واحدة بلا ~~تفاوت. فكذلك حكم الممكنات في قبول تجلي الحق الأول وحكايتها عن ذاته. # ولنعطف عنان الكلام إلى ما كنا فيه ونرجع إلى حيث فارقناه وهو أن الواجب ~~تعالى لا يحب إلا نفسه فمحبته لما سواه لا يؤدي إلى نقص فيه تعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا. # وما ورد من الألفاظ في حبه لبعض عباده على وجه أخص من الوجه العام فهو ~~يرجع إلى كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه وإلى تمكينه إياه من القرب منه ~~وإلى إرادته ذلك به في الأزل لقوة استعداده الحاصلة له بالفيض الأقدس. # فحبه تعالى لمن أحبه أزلي مهما أضيفت إلى الإرادة الأزلية والعلم الأزلي ~~بوجه نظام الخير. # وإذا أضيفت إلى فعله وتوفيقه إياه وهدايته وتسهيله سبيل الحق الذي يكشف ~~به الحجاب عن قلب عبده فهو حادث في صدور حدوث ms137 السبب المقتضي له المسمى ~~بالفيض المقدس. (فهو حادث في حدود السبب... م ش). # وأشير إلى الأول السعيد سعيد في الأزل والشقي شقي لم يزل. # وكذا قول أمير المؤمنين ع اعلموا علما يقينيا أن الله لم يجعل للعبد وإن ~~عظمت حيلته وقويت كيدته واشتدت طلبته أكثر مما سمى له في الذكر الحكيم. # وإلى الثاني يمحوا الله ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب. # فيكون تقرب العبد بالنوافل سببا لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن قلبه ~~وحصوله في درجة القرب من ربه. وكل ذلك من لطفه ومحبته الآثارية. ولا يفهم ~~الفرق بين المحبة التي يجب تنزيه الله تعالى عنها وبين المحبة الخالية عن ~~النقص إلا بمثال: # وهو أن الملك قد يقرب عبده من نفسه ويأذن له في كل وقت في PageV00P258 # حضور بساطه لميل الملك إياه ورغبته له إما لينصره بقربه أو ليستريح ~~بمشاهدته أو ليستشيره في رأيه أو ليهيىء أسباب شرابه وطعامه فيقال إن الملك ~~يحبه. ومعناه ميله إياه. # وهذه هي المحبة التي منشؤها قصور المحب عن الكمال الأتم والله مقدس عن ~~نحوها. وقد يقرب عبدا ولا يمنعه من الدخول عليه لا للانتفاع والا ستيجاد ~~بوجه ولكن لكون العبد في نفسه موصوفا من الأخلاق المرضية والخصال الحميدة ~~بما يليق به أن يكون قريبا من حضرة الملوك وافر الحظ من قربهم بحسب ~~استحقاقه في نفسه لا لكون الملك ذا غرض فيه وفي قربه لاستغنائه عنه. فإذا ~~رفع الحجاب بينه وبينه يقال قد أحبه. وإذا اكتسب من الخصال الحميدة ما ~~اقتضى رفع الحجاب يقال قد وصل وحبب نفسه إلى الملك. # وهذا المعنى الثاني من المحبة يليق بالأول تعالى لا المعنى الأول بشرط أن ~~لا يسبق إلى فهمك دخول تغير عليه تعالى عند تجدد القرب. فإن الحبيب هو ~~القريب من الله والقرب من الله بالبعد من صفات البهائم والسباع والشياطين ~~والتخلق بمكارم الأخلاق التي هي الأخلاق الإلهية. # فهو قريب بالمعنى والصفة لا بالمكان. ومن لم يكن قريبا فصار قريبا فقد ~~تغير فربما يظن به أن ms138 القرب لما تجدد فقد تغير وصف العبد والرب جميعا وهو ~~محال في حق الله تعالى بل لا يزال على ما كان من أزل الآزال. ولا ينكشف هذا ~~المقال إلا لأصحاب الذوق والحال. PageV00P259 # المقالة الثالثة في أفعاله والكلام فيها يشتمل على مقدمة وفصول أما ~~المقدمة ففيها تقسيمات الأول: # أن الموجودات الجوهرية باعتبار التأثير والتأثر ينقسم ثلاثة أقسام: فعال ~~غير منفعل ويعبر عنه اصطلاحا بالعقول المجردة ومنفعل غير فاعل وهو الجسم ~~بما هو جسم أي ذو أبعاد ثلاثة فقط ومنفعل فاعل ينفعل من العقول الفعالة ~~ويفعل في الأجسام المنفعلة ويسمى النفوس والصور. # وهذه الأقسام يقضي العقل بإمكانها. وأما إثبات وجودها فيحتاج إلى ~~البرهان. # نعم الأجسام معلومة الوجود بإعانة الحس وليس بنفسه محسوسا بل بظاهره ~~وصفاته من اللون والشكل والتحيز وغيرها. # وأما النفوس والصور فيدل عليها PageV00P261 # حركات الأجسام وانحفاظ حقائقها. # وأما العقول فيدل عليها تحريكات النفوس وأشواقها. # التقسيم الثاني أن الموجودات باعتبار الكمال والنقص ينقسم إلى تام وناقص. # والتام إلى فوق التمام وغيره. والناقص إلى المستكفي وغيره. # والتمام ما يكون بحيث لا يحتاج إلى أن يمده غيره ليكتسب منه وصفا بل كل ~~ما يمكن له بالإمكان العام فهو موجود حاضر له. # والناقص ما لا يحضر معه كل ما هو ممكن له بل لا بد من أن يحصل له ما به ~~يكمل بعد ما لم يكن حاصلا له. # والأول إن كان قد حصل له ما ينبغي وكان بحيث أن يحصل لغيره من وجوده أيضا ~~فيسمى فوق التمام لأنه من نفسه تام وكان قد فضل منه وفاض على غيره. # والثاني إن لم يحتج في وصوله إلى كماله اللائق في حقه الممكن له إلى أمر ~~خارج عن ذاته وعن علله الذاتية حتى يحصل له ما ينبغي أن يحصل له فيسمى ~~مستكفيا. # فمثال فوق التمام المبدأ الأعلى. ومثال التمام العقول الفعالة. # ومثال المستكفي النفوس الفلكية والأفلاك وما فيها ونفوس الأنبياء صلوات ~~الله عليهم حيث لا يحتاجون في بلوغهم الغاية في الكمال إلى تعلم بشري بل ~~بإلقاء الوحي ms139 وإلهام الحق من الملك. والملائكة وإلهاماتها من العلل الذاتية ~~للإنسان. # ومثال الناقص باقي النفوس الإنسانية التي تحتاج في التكميل إلى الأنبياء ~~والأوصياء عليه السلام. # التقسيم الثالث للأجسام خاصة وهي كما سبقت إليه الإشارة أخس أقسام ~~الموجود. # فينقسم بحسب القسمة العقلية مع قطع النظر عن وجود الأقسام في الخارج إلى ~~بسيط ومركب. # ونعني بالبسيط ما له طبيعة واحدة كالهواء والماء. # وبالمركب الذي يجمع طبيعتين متخالفتين PageV00P262 # أو أكثر مع اختلاف قوى وطبائع فيه. والبسيط بالقسمة العقلية أيضا ينقسم ~~إلى ما يتأتى منه التركيب وإلى ما لا يتأتى. # ونعني بما لا يقبل التركيب هو الذي له وجود كمالي يمكن له مع بساطته وأصل ~~هويته عبادة الحق وعبوديته وطاعته ومعرفته من غير اكتساب قوة أخرى يحتاج ~~إليها فيها. # وبما يقبل التركيب ما لا يمكن له من حيث هو هو طلب الكمال والوصول إلى ~~شهود الحق وعبادته وعرفانه. أعم من أن يمكنه ذلك بالتركيب كمادة خلقة ~~الإنسان أولا بل خلق للتركيب والخدمة كغيره من المركبات. # فإن الممكن لم يخلق عبثا وهباء بل لأن يكون شاهدا لوجوده تعالى كما أشير ~~إليه في الكتاب الإلهي بقوله: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا و أنكم إلينا لا ~~ترجعون. # وبالجملة الأجسام العالية صنفان: صنف مختص بقبول صورة واحدة لا ضد لها ~~فيكون حدوثها عن البارىء على سبيل الإبداع لا على سبيل التكون من جسم آخر ~~وفقدها على سبيل الفناء المحض لا على سبيل الفساد إلى جسم آخر. # وهذا هو المراد من قول الحكماء الأقدمين كأفلاطون وغيره من أن الأفلاك ~~خلقت من لا شيء. وقد صرفه العوام من المتفلسفة إلى غير معناه وأمضوا في ~~الإلحاد وأطلقوا القول بقدم العالم. # والصنف الثاني متهيئ لقبول صورة بعد أخرى. # فتارة تقبل هذه بالفعل وتلك بالقوة وتارة بالعكس. فجعلوا الأجسام بعضها ~~أثيرية وبعضها عنصرية بالقسمة العقلية. وسيجئ بيان أن الجسم الأثيري وهو ~~الذي لا يتأتى منه الامتزاج والتركيب أشرف الأجسام وأتقنها وأبدعها وجودا ~~وأعلاها وأنورها وأصفاها كيفية وأفضلها شكلا وأسرعها حركة وأدومها وأبقاها ~~حياة وأشدها قوة. ms140 # فإذا تمهدت هذه المقدمات والأصول فلنرجع إلى الفصول. PageV00P263 # الفصل الأول فيما يدل على الأجسام السفلية العنصرية فنقول: وجود الأجسام ~~التي تحت مقعر فلك القمر معلوم لنا بالمشاهدة وهي قابلة للتركيب كما ركبنا ~~الماء بالتراب وحصل منه الطين. # وأما خلق المركبات التامة التي لا يتأتى إلا بقدرة الله فلما لم يتم إلا ~~بكيفيات فعلية وانفعالية لا بد لها من حرارة مبددة محللة وبرودة جماعة ~~مسكنة ورطوبة قابلة للتخليق والتشكيل ويبوسة حافظة لما أفيدت من التقويم ~~والتعديل فخلق البارىء بلطفه وجوده عناصر أربعة متضادة الأوصاف والكيفيات ~~ساكنة بطبعها في أماكن متخالفة بعضها فوق بعض بحسب ما يليق بطبائعها مرتبة ~~ترتيبا بديعيا منضدة نضدا عجيبا حيث جعل كل مشاركين في كيفية واحدة فعلية ~~أو انفعالية متجاورين. # فجعل النار لكونها أخف من أكل مجاورة للسماء لما بينهما من مناسبة ~~اللطافة والضياء. # وجعل الأرض لكونها عكر الكل وثقلها وأثقلها في غاية السفل وفي أبعد ~~المواضع من حركة الفلك ليكون مسكن المركبات الحيوانية. # وجعل الماء مجاورا للأرض لكونه أشد مناسبة لها من جهة البرودة والكثافة. # وجعل الهواء مجاورا للنار لكونه أشد مناسبة إياها من جهة الشفيف والحرارة ~~والخفة. # ثم إنها لما خلقت بحسب طبائعها في أماكنها المختلفة المتباعدة فيما ~~يشاهده من صيرورتها أجزاء المركبات المعدنية والنباتية والحيوانية يدل على ~~وجود الحركة المستقيمة الدالة بحسب المسافة الأينية على وجود جهتين ~~محدودتين مختلفتين بالطبع لرجوع سائر الجهات الإضافية إليهما في حقيقتها. # ويدل اختلاف الجهتين على وجود محدد جسماني ذي وضع محيط بها ينتهي إليه ~~الأصواب والجهات والأبعاد و PageV00P264 # النهايات بحيث لم يكن وراءها صوب يمكن أن يتحرك إليه حتى يلزم أن يتحرك ~~محدد الجهات إلى جهة فيكون الجهة لا جهة والحركة لا حركة وهذا ممتنع. # فذلك المحدد لزمه أن لا يختلف فيه الأبعاد والجهات بأن يكون بعض جوانبه ~~أبعد من آخر وبعض امتداداته أطول من بعض حتى يكون ما فرض منه جهة الفوق ~~الحقيقي تحتا بالإضافة. هذا. # فلا محالة يكون الجسم المحدد لازم الكروية مستحيل الانفكاك عنها وهو ms141 ~~السماء. # فالحركة دلت من جهة المسافة على وجود السماء وتدل الحركة أيضا من جهة ~~حدوثها الذاتية وتجددها على أن لها سببا ولسببها سببا وهكذا. # وهذا الأسباب معدات لا يتصور اجتماعها ولا يمكن وجودها إلا بحركة دورية ~~يتصل آخرها بأولها ولا ينقطع دوامها. # والحركة الدورية الغير المنقطعة لا يتحقق الا في جسم يحتمل البقاء ~~والدوام ويمتنع عليه العنصرية والانقلاب إلى جسم آخر لكمال صورته وتمام ~~نوعيته وما ذلك الا السماء. # فدلت الحركة من هذا الوجه أيضا على وجود الجرم الابداعي وتدل الحركة أيضا ~~من حيث عرضيتها على ان لها محلا ومن حيث حدوثها وتجددها على ان محلها ذو ~~قوة انفعالية ومن حيث ثبوتها على أن لها فاعلا مؤثرا هو غير قابلها المتأثر ~~المنفعل لاستحالة الوحدة في جهتي الانفعال والفعل. # فكل جسم متحرك لا بد له من مبدء غير الجسمية المشتركة بين الأجسام ~~الساكنة والمتحركة. # فلو كانت ناشئة من جهة جسمية الجسم لا متنع السكون في الأجسام بوجه. # فهذا المبدء الفاعلي أن كان في الجسم البسيط فان كان قائما به في ذاته ~~فيسمى «طبيعة» والحركة «طبيعية» وأن لم يكن قائما به فان كان تحريكه إياه ~~على سبيل المباشرة والتشوق والاستكمال فيسمى «نفسا فلكية» والحركة «نفسانية ~~فلكية» وأن لم يكن كذلك بل على سبيل التشويق والامداد فالمبدء عقلي والحركة ~~عبادة الهية. وأن كان في الجسم المركب فان لم يكن ذافنون الحركات فيسمى ~~«صورة معدنية». # وإن كان متفننا فلا يخلو إما أن يكون صدور الحركة منه بقصد واختيار أم ~~لا. # الثاني النفس النباتية. # والأول أما أن يكون من شأنه أن يتقرب إلى الله تعالى وملكوته PageV00P265 # الاعلى في حركته وسلوكه أم لا! الثاني هو النفس الحيوانية. # والأول هو النفس الانسانية. # فهذه هي الاحتمالات العقلية من قسمة الحركة من حيث مبدءها على هذه ~~الاقسام. # ونحن بصدد شرح ما ذكرنا واثبات وجود كل قسم منها لنرتقى من جهتها إلى ~~المبدء الاعلى الذي هو غاية كل طلب ومنتهى كل حركة. # فلنذكر وجه الدلالات على ما في وسعنا وما ms142 يصل اليه قوتنا بعون الله وحسن ~~توفيقه. # الفصل الثانى قد أشرنا إلى أن الأجسام العنصرية انما هي قابلة للتركيب ~~وذلك لقصورها حين انفرادها عن قبول الحياة لأجل تضاد صورها في الكيفيات ~~الأولية. # والتضاد مانع عن قبول الحياة والشعور المتوقف عليها معرفة الله وعبادته ~~اللتان هما غاية وجود الأشياء. والا فالجود الإلهي غير قاصر عن إفاضة ~~الحياة على هياكل الممكنات. # والجسم بجسميته غير متعص لقبولها الا لأجل مانع التضاد الذي هي أحد مبادئ ~~الشرور الواقعة في القدر الإلهي بالعرض وبالقصد الثاني كما فصلناه في ~~موضعه. # والتركيب بين الأجسام العنصرية لا يتأتى الا بالحركة المستقيمة الأينية ~~ضرورة كونها بحسب مقتضى فطرتها الأولى في أمكنتها الطبيعية فلا بد من أن ~~بنتقل بعضها إلى جنب بعض آخر بسبب هو غير طبيعة كل منها يجبرها على ~~الالتيام والاتصال عناية من المبدء الفعال. # فالعقل يقتضى قبل النظر في الوجود بأنه أن كان في الوجود تركيب فلا بد من ~~حركة آخذة من جهة منتهية إلى جهة أخرى. # والحركة PageV00P266 # المستقيمة لا بد لها من جهتين محدودتين مختلفتين بالطبع. # اما تحديدهما فلانه لا محالة يكون الجهة في بعد ويكون مشارا اليهما ~~بالإشارة الحسية. (مشارا أليها...) إذ الامر العقلي لا إشارة اليه ولا توجه ~~للحركة إلى صوبه. # وقد بين انقطاع الابعاد وانتهاء الاجرام. # ولان المفهوم من الجهة يقتضى أن يكون حدا معينا لأنه لو لم ينته جهة ~~الفوق إلى ما هو فوق حقيقي لا فوق له فكان لكل فوق فوق وهكذا إلى ما لا ~~نهاية له فلم يكن شيء من هذه الفوقيات فوقا أصلا لا حقيقيا ولا إضافيا. (في ~~م ش: لأنه الفرع الحقيقي) فعدم تناهي امتداد جهة الفوق يوجب بطلانه. وهكذا ~~في جميع الجهات. فلا بد كل جهة من نهاية ينتهي إليها السلوك والإشارة وإلا ~~فلا سلوك ولا إشارة هذا خلف. # فلا بد لجهة السفل من نهاية هي أسفل السافلين ولجهة العلو من غاية هي ~~أعلى العليين وأما اختلافهما بالطبع والنوع فلأن الحركة في الجسم البسيط ~~العديم الشعور إذا ms143 كانت ذاتية فهي طبيعية كما علمت. وإن كانت عرضية قسرية ~~فلكونها غير ذاتية وعلى خلاف مقتضى الذات ينبغي أن يكون هناك ميل طبيعي إلى ~~جهة مخصوصة حتى يتصور القسر فيه إلى جهة خلاف مقتضى الطبع فما لا طبع له لا ~~قسر له. فكل قسر فهو مرتب على الطبع. # فإذن الطبيعة إذا اقتضت توجها ورغبة من شيء إلى شيء فلا بد وأن يكون ~~الشيئان متخالفين نوعا والأطراف وإن اتفقت آحادها في كونها نقطا أو خطوطا ~~لكنها مما يقبل التخالف الحقيقي من جهة حيثيات مختلفة يلحقها. # فإن الحد الواحد من حيث كونه عاليا يخالف نفسه من حيث كونه سافلا تخالفا ~~نوعيا راجعا إلى التخالف النوعي من جهة حيثيات هي العلو والسفل. # فإن المضاف المشهوري من حيث هو مضاف حكمه حكم المضاف الحقيقي كما حققت في ~~مقامه. (في م ش: كما حقق في...) فثبت أن الحركة الطبيعية توجب أن تكون ~~الجهة المتروكة لها مخالفة للجهة المطلوبة بحسب النوع. PageV00P267 # فصل في بيان المحدد للجهة جهات الحركات الطبيعية المستقيمة لا بد وأن ~~تتحدد بجسم لا يمكن أن يتحرك حركة مستقيمة وإلا كانت الجهة متحددة قبل ذلك ~~الجسم وقبل إمكان حركته وذلك محال. # فالجسم المحدد يلزمه أن يكون بحيث لا يكون وراءه جسم آخر وينتهي به ~~الأبعاد والجهات ليكون محيطا بالأجسام المستقيمة الحركات إحاطة السماء بما ~~فيها بلا اختلاف وتفاوت في أطرافه ونهاياته كما في الأشكال المضلعة ~~والمفرطحة والعدسية فيكون على هيئة أفضل الأشكال ليتصور منه تحديد الجهتين ~~المختلفتين بالطبع والنوع اللتين كل منهما يكون في غاية البعد من الآخر ~~ليكون ذلك الجسم المحدد الذي على هيئة أفضل الأشكال غاية القرب منه حد جهة ~~وغاية البعد منه حد جهة. وأن هاتين الغايتين لا تتحددان في فضاء غير متناه ~~أو ملاء غير متناه كيف كان. بل تتحددان على سبيل المركز والمحيط. فيكون ~~المركز غاية البعد والمحيط غاية القرب ويكون الاختلاف النوعي بين غاية ~~القرب والبعد دالا على اختلاف النوعي بين العلو والسفل. # ولهذا المبحث براهين تركناها مخافة ms144 التطويل في الكلام. ومن أراد الاطلاع ~~عليها فليرجع إلى شرح هذا المقام. # فثبت مما ذكر أن الحركات الطبيعية التي للأجسام البسيطة ثلاثة: أولاها ما ~~على الوسط وهي التي تختص بالجسم الأثيري الحي بالذات الذي لا ضد لحركته كما ~~لا ضد لصورته. والباقيتان تختصان بالأجسام الميتة العنصرية وهما اللتان ~~إحداهما إلى المركز للثقل والأخرى من المركز للخفاف (في ش م: إلى المركز ~~للثقال). # فإن الحركة إما على المركز أو منه أو إليه. # والأولى أي المستديرة ذاتية على الإطلاق. # والمستقيمتان لا تعرضان للأجسام العنصرية إلا إذا أحدث فيها حادث غريب ~~وهو الخروج عن أماكنها الطبيعية. # أما أنه لم يعرض هذه الأحوال على هذا الوجه ولم يقتضي الجسم العنصري ~~الحركة حين خروجه عن موضعه الطبيعي على خط مستقيم ولم يقتضي الجسم ~~PageV00P268 # الإبداعي الحركة المستديرة على الدوام وما سبب تعين موضع منه بالمنطقة ~~والآخر بالقطب ولم كانت حركات الأجسام الإبداعية بعضها شرقية وبعضها غربية ~~ولم كانت إحداهما وهي الحركة اليومية المنسوبة إلى فلك الأفلاك في غاية ~~السرعة وواحدة أخرى وهي المنسوبة إلى فلك الكواكب في غاية البطء والبواقي ~~متوسطة بين الغايتين مع اختلافهما في الجهة والقدر ولم كانت الطبائع الأول ~~أربعا ولم كانت الأرض في غاية البعد عن الفلك والنار في غاية القرب منه ولم ~~صارت الأرض كثيفة ذات لون غبراء والنار والهواء مشفان عديم اللون دائما ~~مقتصدا ولم كانت العناصر محيطا بعضها ببعض إلا الماء فإنه لا يحيطه بجوانب ~~الأرض وما السبب الطبيعي فيه الذي ينتهي إلى المبدإ الفاعلي وما السبب ~~الحكمي فيه الذي ينتهي إلى المبدإ الغائي ولم كانت المسكونة من الأرض شمالا ~~وربعا فيضيق عنه هذا الطور من البحث بل جميع الأوصاف والأعراض المختلفة ~~المنتسبة إلى الأجسام الجوهرية وغيرها إذا فتش الإنسان عن سببها وسبب ~~تخالفها ينتهي بحثه إلى أمور جوهرية صورية في الأجسام ومباد ذاتية لتلك ~~الأوصاف والأعراض. # وأما إذا عاد الكلام إلى سبب اختلاف تلك الصور الجوهرية ولميتها فلا يكون ~~هناك جواب للسؤال اللمي إلا الرجوع إلى إرادة الله ms145 وحكمته وأن الواجب لذاته ~~كما أنه واجب الوجود بالذات بلا لمية وسبب كذلك واجب الوجود من جميع ~~الحيثيات الأسمائية والصفاتية والأفعالية بلا لمية وتأثير سبب من خارج. بل ~~الوجود من حيث هو وجود لا يتصور إلا أن يكون على ما هو عليه من غير تفاوت. # فكون الفلك فلكا والإنسان إنسانا والفرس فرسا مما لا سبب له إلا الحق ~~الأول الذي يتحقق به كل حقيقة ويتعين به كل ماهية وبعلمه بذاته الذي هو ~~مبدأ كل حكمة ونظام وخيرية وتمام وتجلي ذاته لذاته. # وإذا تجلى ذاته المستجمعة لجميع الكمالات والخيرات الذاتية لذاته تجلى ~~لغيره وانبعث منه جميع الكمالات والخيرات فذاته بلا لمية خارجية سبب كل خير ~~وكمال وحلية وجمال. فهيئة الوجود على هذا النظام المشاهد من مقتضيات ~~مشاهدته لذاته وتجليه على ذاته بذاته. # فإن العالم عكس جماله وجلاله وحكاية حسنه وكماله PageV00P269 # وأن الحق واحد بذاته له تجل واحد في مجال متكثرة. وأن أوصافه ونعوته على ~~نهج واحد وأفعاله وآثاره على سنة واحدة من جميع جهاته. و لن تجد لسنة الله ~~تبديلا. لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه. # ومع هذا فإن المعرفة بكل شيء أفضل من الجهل به. وأنه ليس شيء من العلوم ~~والمعارف خليقا بالجهل وإن كان الناس أعداء لما جهلوا.. # وليعلم أن مقتضى العقل الصريح لا ينافي موجب الشرع الصحيح وليس شيء من ~~الموجودات الإلهية والطبيعية إلا وله خاصية ذاتية ولوجوده حكمة عظيمة وسر ~~غريب لا يوجد في غيره لكن الناس لا يتعجبون مما يتكرر مشاهدتهم إياه وأخذوا ~~يتعجبون من النوادر وإن كان المتكرر أجل حكمة وأعظم أمرا وأعجب فعلا من ~~النادر. ولذلك يحرك الإنسان في الجهات التي يخالف جهة حركته التي بحسب ~~طبيعة بدنه بمجرد إرادة نفسه الناطقة التي هي جوهر ملكوتي من عالم الأمر ~~[و] ليس معدودا عندهم من العجائب وصاروا يتعجبون من جذب حجر المغناطيس ~~مثقالا من الحديد. # قال الشيخ في بعض رسائله: والعجب من بعض الجهلة من الطبيعيين ومن تشبه ~~بهم حيث يأخذون في طلب السبب في ms146 فعل الطبيعة التي لبعض المركبات مثل ~~الطبيعة التي للسقمونيا في إسهال الصفراء والأقيمون في إسهال السوداء ~~والطبيعة التي في حجر مغناطيس الموجبة لجذب الحديد. ثم صاروا يتعجبون من ~~صدور هذه الآثار والأفاعيل منها ولا يتعجبون من النار كيف تفرق المجتمع ~~وكيف تحيل أجساما كثيرة إلى مثل طبيعته في ساعة. ولا يشتغلون بالبحث عن ~~علته. وغاية ما يجيبون عنه إذا سئلوا عن ذلك أن يقولوا: لأن النار حارة. ثم ~~السؤال لازم في أن الحار لم تفعل هكذا: فيكون منتهى الجواب للطبيعيين أن ~~يقال: إن الحرارة قوة من شأنها أن تفعل هذا الفعل. # ثم إن سئلوا بعد هذا أنه لم كان هذا الجسم حارا دون البارد لم يكن جوابهم ~~إلا الجواب الإلهي أن PageV00P270 # إرادة الصانع هكذا. ولا يقنعون بهذا الجواب في جذب المغناطيس الحديد إذا ~~اشتغلوا بالبحث عن علته من أن في المغناطيس قوة جاذبة للحديد وأن سبب ~~وجودها إرادة الصانع. وليس هذا الجواب قاصرا عن الجواب الأول. # لكن القوم تعجبوا عما استندروا وجوده وألهاهم التعجب البحث عن علته ولم ~~يعرض لهم ذلك فيما كثرت مشاهدتهم له وإن كان حكمته أعجب من حكمة المغناطيس ~~في جذب الحديد وهو هذا الحيوان الحساس المتحرك بالإرادة الذي يغتذي وينمو ~~ويولد بل الإنسان الذي هو عالم صغير وما يخصه من الأحكام الإنسانية. # وأقول: إن عدم تعجبهم من هذا التركيب العجيب والنظم الغريب أعجب من كل ~~عجيب حيث إذا نظروا في كلمة مكتوبة مرقومة من قلم جمادي في قرطاس أو لوح ~~قطعوا بأنها صنعة آدمي عالم قادر مريد متكلم. ثم أخذوا ينظرون إلى عجائب ~~الخطوط الإلهية المرقومة على صفحات الوجود بالقلم الإلهي الذي لا يدرك ~~الأبصار ذاته ولا حركته ولا اتصاله بمحل الخط ولم يسافروا منها إلى مشاهدة ~~آياته الكبرى ولم يؤد تفكرهم إلى أن الذي صور ونقش وقدر لا نظير له ولا ~~يساويه في ذاته نقاش ولا مصور كما أن لا يساوي نقشه وصنعه نقش وصنع. # فبين الفاعلين من المباينة والتباعد ما بين الفعلين فإن الذي ms147 أعمى بصيرة ~~هؤلاء العميان مع هذا الوضوح ومنعهم اليقين بوجوده مع هذا البيان جدير بأن ~~يتعجب منه ومن حكمته وعدله. فسبحان من هدى وأعمى وأرشد وأغوى وفتح بصائر ~~أحبائه فشاهدوه في جميع ذرات العالم وأجزائه وأعمى قلوب أعدائه واحتجب عنهم ~~بعزه وعلائه. # فصل في سبب حدوث الحركة لما أشرنا في الفصل السابق إلى: أن مبادئ الأمور ~~الطبيعية لا سبب لها إلا إرادة الصانع الحكيم وهو إله العالم بجميع أجزائه ~~كائنة أو مبدعة بسيطة أو مركبة أفلاكا أو PageV00P271 # عناصر وإلهيته للعالم أمر ذاتي لا يسنح له فيها سانح ولا يغيره منها مغير ~~ولا يعوقه منها عائق ولا يتعلق فاعليته بداع خارج عن ذاته سواء كان إرادة ~~حادثة أو وقتا أو حالة عارضة لأن ذلك كله يوجب الاستحالة والحركة ويؤدي إلى ~~انفعاله عن قاهر يقهره وسلطان يعجزه تعالى الواجب القيوم مما يقوله ~~الملحدون علوا كبيرا فهو عالم بالأشياء بعلم أزلي وقادر على ما يشاء بقدرة ~~أزلية والحدوث والتجدد والتصرم والهلاك والفناء وغير ذلك من الآفات ~~والعاهات إنما تنشأ من قصور الأشياء عن قبول فيضه وضيقها عن سعة رحمته ~~وجوده فذاته بذاته فياض لم يزل ولا يزال بلا منع وتقتير وبخل على جري مستمر ~~وسنة واحدة. # وقد بين أن الإبداع وهو تأييس شيء عن ليس مطلق أتم في الفاعلية من ~~التكوين لمادة عارية تطلب باستعدادها كسوة الصورة والإحداث في زمان حال ~~تتعطل فيه القوة الفاعلية عن فعلها. # فنقول: حدوث الحادث إما من لوازم ذاته وماهيته أو من عوارضه الممكنة ~~الانفكاك. # أما القسم الأول فلا لمية لثبوته لذلك الحادث إلا إرادة الحق الأول ~~المتعلق بذات ذلك الشيء بالجعل البسيط الإبداعي كما أن كون الإنسان جوهرا ~~ناطقا لا لمية له إلا تعلق فعل الحق به على الوجه المذكور أي إفادة نفس ~~حقيقته لا بصيرورة ذاته جوهرا وناطقا إذ ذاتي الشيء لا يعلل أصلا وكل عرض ~~معلل. # وأما القسم الثاني فلا بد له من سبب مخصص لحدوثه في وقته الذي يوجد فيه ~~وذلك السبب أيضا حادث ms148 معه. إذ لو كان موجودا من قبله فإنما لا يحدث معلوله ~~هذا لافتقار ذلك السبب إلى مزيد حالة أو شريطة يستعد بها لإيجابه ذلك ~~الحادث. إذ لو كانت ذاته كافية لما انفك عنه الأثر فإذن لا يحدث السبب بما ~~هو سبب ما لم تحدث تلك الحالة الزائدة على ذاته. والسؤال في تلك الحالة ~~لازم فيفتقر إلى سبب آخر و PageV00P272 # هكذا فإما أن يتسلسل الأسباب إلى غير النهاية أو تنتهي إلى حادث يكون ~~حدوثه ذاته وماهية به ينقطع السؤال عن لمية حدوثه. وما يكون الحدوث والتجدد ~~عين ذاته وماهيته ليس إلا الحركة. # فمصحح حدوث الأكوان والأحداث العنصرية هي الحركات وليست الحركات العنصرية ~~والمستقيمة علة لذلك التصحيح لأنها غير ضرورية الحصول لإمكان انقلابها إلى ~~السكون. # فإن شيئا من الأجسام التي هي ذوات حركات مستقيمة ليس مما يلزمها الحركة ~~لذاته من دون عارض بل الحركة إنما طرأت عليه من أمر خارج عن طبيعتها مفارق ~~عنها. # فالحركة التي ينتهي إليها لمية وقوع الحوادث في أوقاتها المخصوصة لا بد ~~وأن يكون أمرا لازما لا يرتفع وكل حركة مستقيمة فهي زائلة لا محالة إلى ~~سكون ليتناهى الامتدادات والأبعاد ولتناهى قوة المحركات الإرادية الحيوانية ~~في أفاعيلها وانفعالاتها كما بين في موضعه. # فتلك الحركة اللازمة لا بد وأن تكون مستديرة لأن غيرها لا يقبل الدوام. # ولا بد أيضا لتلك الحركة من موضع وحامل يكون وجوده كوجود محموله بأمر ~~الله تعالى وإبداعه لاستحالة بقاء العرض بدون موضوعه فالجسم الذي هو محل ~~هذه الحركة يجب أن يكون وجوده غير متعلق بزمان وحركة ولا ينفك عن الحركة ~~بأن يوجد أولا ثم يتحرك وإلا ليعود المحذور. # بل يجب أن يوجد عن مبدعة متحركا ولهذا سمي هذا الجسم فلكا لاندراج الحركة ~~في مفهومه. # وقد مر أن محدد جهات الحركات جسم مستدير الشكل. # وإذا ثبت أن منتهى حدوث الحوادث حركة مستديرة دائمة الاستمرار إلا ما شاء ~~الله فليكن محله الجسم المحدد للجهات كما أن محموله مجدد الحركات وفاعله ~~الذي هو العقل الفعال الذي هو ms149 مبدع ذوات المتحركات بإذن الله تعالى فسبحان ~~من ربط الحدوث بالحدوث والثبات بالثبات. # وإن أردت زيادة توضيح في كون أجزاء هذه الحركة دورية وأزمنتها التي هي ~~عددها مصحح حدوث الأشياء ومنشأ انقطاع السؤال بلم فانظر إلى هذا المثال: ~~فإنك إذا قلت: # لم قبلت هذه الحبة المدفونة في الأرض القوة النباتية الآن ولم تكن قبلها ~~من قبل وقد PageV00P273 # كانت مدفونة فيها فيقال: لفرط البرودة في الشتاء وعدم الاعتدال من قبل. # فترجع وتقول: ولم حدثت الاعتدال الآن فيقال: لارتفاع الشمس وقربها في وسط ~~السماء بدخولها ببرج الحمل. # فتقول: ولم دخل الآن ببرج الحمل. # فيقال: إن طبيعة الحركة الفلكية تقتضي ذلك وإنما انفصل من آخر الحوت الآن ~~و لا يمكن دخول الحمل إلا بمفارقة الحوت بعد الوصول إليه فيكون مفارقة ~~الحوت سبب دخول الحمل ويكون سبب الوصول إلى الحوت الانفصال مما قبله. وهكذا ~~إلى ما شاء الله بأمره. # فينتهي الحوادث بعد تسلسل أسبابها الأرضية بالآخرة لا محالة إلى الحركة ~~السماوية ولا يمكن أن يكون كذلك إلا حركة السماء فحركتها سبب لحدوث ~~الأشياء. # فلا سبب لحدوثها إلا أمر الله تعالى وإرادته. # وهذه الدقيقة لما لم يقف عليها جمهور العقلاء من الحكماء والمتكلمين ~~تراهم مضطرين في بيان ربط الحادث بالقديم وذكروا وجوها غير سديدة مذكورة في ~~الكتب لا يفي شيء منها بدفع الإشكال بلزوم قدم الحادث أو حدوث القديم أو ~~انفكاك المعلول عن العلة التامة كارتكاب التسلسل في المتعاقبات فإنه مع ~~بطلانه (لنهوض البراهين من التطبيق والتضايف والحيثيات وغيرها الجارية فيه ~~كجريانها في تسلسل المجتمعات المترتبة) ليس مما يسمن ولا يغني شيء لبقاء ~~التخلف المذكور بحاله. # ومن أراد الإحاطة بكنه هذا المقام فليرجع إلى ما بسطنا فيه من الكلام ~~وأوردنا فيه ما ألهمنا به على التمام. ونحن الآن بصدد أن وجود المركب في ~~هذا العالم دل على الحركة المكانية وتلك الحركة دلت على اختلاف الجهتين لها ~~واختلاف الجهتين دل على وجود جسم كروي محيط بسائر الأجسام متحرك بحركة ~~دورية مستمرة له مبدأ ذو قوة غير ms150 متناهية غير جسمانية وينبعث عنها سائر ~~القوى المحركة للأجسام الأكوانية المنقطعة الحركات وذلك الجسم هو السماء. # وكما أن الحركة دلت من حيث الجهة على وجود السماء كذلك تدل من أجل حدوثها ~~أيضا على جسم إبداعي لازم الحركة المستديرة على الدوام وهو مبدأ الحوادث ~~الكونية ومنتهى الإشارة الحسية وكعبة المآرب النشوية لذوي الحاجات ~~PageV00P274 # النباتية والحيوانية والإنسانية وعرش استواء الرحمة الرحمانية. # فانظر كيف يؤدي التأمل في حال الحركة الحادثة وكيفية ربطها بالأسباب إلى ~~وجود شيء دائم الحركة المستديرة بأمر مبدعة العليم القدير بدون مشاهدة ~~السماء ودورانه. # فهذا النحو من البيان الدال على وجود قوة سرمدية غير متناه التحريك ~~والتأثير ولا جسمانية الفعل والتدبير تكون واجبة الوجود في ذاتها كما أنها ~~واجبة الإضافة والإفادة على الأشياء كل ذلك بمجرد النظر في طبيعة الحركة من ~~غير نظر إلى أمر محسوس مما يشبه طريقة الصديقين الذين يستدلون على وجود ~~مبدأ الكل بمجرد النظر إلى طبيعة الوجود من غير ملاحظة أمر معقول أو محسوس ~~غير حقيقة الوجود. # فإن الأعمى الذي لا يشاهد السماء وحركتها وإحاطتها إذا نظر بعقله في أدنى ~~حركة حكم بأنه لا بد من وجود سماء محيط بالأجرام يدور على الدوام ومن مبدأ ~~محرك يحركه على الاتساق والانتظام حتى يتصور الحركة. # وإلا فخلق الحركة من دون ذلك محال والمحال ليس مقدورا عليه. # فإذا بين وجود حركة السماء ومحلها الذي هو السماء فلنذكر شرح ذاته وبيان ~~مبدأ حركته وغايتها وأحكامها. # فصل في أن السماء حيوان بمعنى أنها متحركة بالإرادة وإن لم يكن لها شهوة ~~وغضب كما لا يكون لها رأس ولا ذنب أما أنها متحركة فمشاهد وقد دللنا عليه ~~أيضا. # ونقول أيضا بطريق آخر: إن هذا الجسم المحيط إذا فرض ساكنا كان له وضع ~~مخصوص يكون نصفه مثلا تحت الأرض ونصفه فوق الأرض لو قدر هذا تحتها وذلك ~~فوقها لم يلزم محال لاستواء الأجزاء في الطبيعة لما علمت من بساطتها ~~والبسيط لا يتميز فيه جزء من جزء فإذن هي قابلة PageV00P275 # للتبدل في الأوضاع وهو الحركة. ms151 وكل قابل للحركة لا بد لحركته من مبدأ ~~فاعلي إما قاسر أو طبيعية. وعلى التقديرين لا بد أن يكون في طبعه ميل. أما ~~على الثاني فظاهر وأما على الأول فلأن الحركة القسرية لا يتحدد حالها من ~~السرعة والبطوء إلا بمعاوق داخلي وميل طباعي كما بين في موضعه. ثم الحركة ~~بالقسر لا يكون إلا إلى إحدى الجهتين من الوسط وإلى الوسط وكلاهما مستحيلان ~~في الفلك لكونه محددا لهما بمركزه ومحيطه فلا يكون في طبعه ميل إليهما فوجب ~~إذن أن يكون في طبعه ميل إلى الحركة حول الوسط وإذا كان كذلك فيستحيل أن ~~يكون تحرك الفلك بالقسر ويستحيل أيضا أن يكون بالطبع المحض الخالي عن ~~الإرادة لأن الميل الطبيعي هرب من موضع منافر للطبيعة لطلب موضع ملائم لها ~~منافرة وملائمة جسمانيتين فلا جرم إذا وصل إلى ذلك الموضع الطبيعي استقر ~~فيه واستحال أن يعود بالطبع إلى ما فارقه وما من وضع للسماء إلا ويعود إليه ~~وهو زائد حائد على الدوام فلا يكون ذلك بالطبيعة بل بالإرادة والاختيار من ~~غير أن يكون فيه قوة أخرى تخالف تلك القوة في اقتضاء الحركة كما في حركاتنا ~~الإرادية المخالفة لما يقتضيه طبائع أبداننا ولأجل ذلك سماها المعلم الأول ~~طبيعة وحركاتها طبيعية. # والإرادة لا تكون إلا مع تصور الغاية والتصديق بها تصديقا يقينيا أو ظنيا ~~أو حكما تخيليا غير فصلي. # ومبدأ كل واحد من هذه الأمور مما سميناه نفسا وروحا. # إذ الجسم بما هو جسم من دون صورة مخصوصة وقوة زائدة على طبيعته المتحصلة ~~ليس له شعور وإرادة. # والعبارة عن الصورة الشاعرة هي النفس. # فإذن حركة السماء نفسانية والسماء حيوان. # فصل في أن السماء إنسان كبير بمعنى أنه ليس مبدأ حركته قوة حيوانية ~~منطبعة بل نفسا مجردا عن المادة ذات قوة PageV00P276 # عقلية وإرادة كلية يكون تعلقها بجسمية الفلك تعلق التدبير والتصرف كتعلق ~~النفوس الناطقة بالقوالب الإنسانية. # واعلم أن الاستدلال على هذا المقصد أيضا كما في مقاصد هذه المقالة على ما ~~وقعت إليه الإشارة إنما يتأتى بالنظر إلى ms152 الحركة. # فنقول حركة السماء دلت على أن لها نفسا ناطقة وهذه الدلالة حاصلة لها من ~~جهتين: من جهة فاعل هذه الحركة ومن جهة غايتها وغرضها. وبيانها أنا نقول: ~~هذه الحركة لما ثبت أنها إرادية فلها فاعل وغاية وكلاهما أمر عقلي. # أما غايتها فلأنها ليست حيوانية محضة إذ لا نمو للسماء ولا تغذي إذ لا ~~كون لها من شيء حتى يكون لها شهوة تزيد بحصول ما اشتهته شهوته ولا فساد لها ~~ليكون لها غضب يدفع به ما يزاحمه ويفسده. فلا يكون أغراض السماء شهوية ولا ~~غضبية. # والأغراض بما هي حيوانية لا تخرج عن هذين فلا يكون أغراض السماء حيوانية. # فلها مراد عقلي وإدراك كلي فلا يخلو عن نفس ناطقة عقلية تدرك المراد ~~العقلي بالتصور الكلي. # وأما كون فاعل هذه الحركة أمرا عقليا فلأنها غير منقطعة بل مستمرة إلى ما ~~شاء الله تعالى فلا يصدر عن قوة جسمانية لأن القوى الجسمانية متناهية ~~الأفاعيل والانفعالات. # ففاعل هذه الحركة والمباشر لها نفس مجردة إذ العقل الصرف لا يباشر تحريك ~~الأجسام لأنه كامل بالفعل والمحرك المزاول للحركة لا يخلو عن شوب قوة وشوق ~~إلى كمال لم يكن حاصلا له في أصل الفطرة فيكون نفسا لا عقلا. # لكنها لا يخلو عن مبدأ عقلي يستمد منه ويتشبه به ويشتاق إليه في تحريكاته ~~التي هي عبادة ما ملكية. # فلنشرح ذلك توضيحا وتحقيقا. PageV00P277 # فصل في أن محرك السماء لا يجوز أن يكون عقلا محضا لا تقبل التغير كما لا ~~يجوز أن يكون طبعا محضا لأن الثابت على حالة واحدة لا يصدر منه إلا ثابت ~~على حالة واحدة فيجوز مثلا أن يكون سكون الأرض مثلا عن علة ثابتة لأنه ~~دائمة على حالة واحدة. # وأما أوضاع السماء فإنها دائما في التبدل فيستحيل أن يكون موجبها ما هو ~~ثابت غير متغير. # فإن الموجب للحركة مثلا من " أ " إلى " ب " لا يوجب الحركة من " ب " إلى ~~" ج " لأن إحداهما غير الأخرى. # فإذن لا بد أن يكون مفيض الحركة من حدثان إلى حد ثالث ms153 غير مفيضها من حد ~~أول إلى ثان. # فلا بد للمحرك الواحد من سنوح حالات متجددة حتى يكون مبدءا للحركة كالشئ ~~الذي يختلف تحريكه لاختلاف كيفيته فإنه إذا برد حرك إلى وجه آخر يخالف ~~تحريكه في حال الحرارة. # فإذن لا بد من تغير الموجب عند تغير الموجب فإن كان الموجب هو الإرادة ~~فلا بد من تغير الإرادة وتجددها وكونها جزئية. # والحركة الكلية لا وجود لها ما لم تتشخص ولم يصر جزئية فإرادتك الحج مثلا ~~لا توجب حركة رجلك بالتخطي إلى جهة معينة وفي مسافة معينة ما لم يتجدد لك ~~إرادة جزئية للتخطي إلى الموضع الذي تخطيت إليه ثم يحدث لك بتلك الخطوة ~~تصور جزئي لما وراء تلك الخطوة وينبعث منه إرادة جزئية أخرى للخطوة الثانية ~~وإنما ينبعث عنه وعن الإرادة الكلية التي تقتضي دوام الحركة إلى حين الوصول ~~إلى مكة فيكون الحادث حركة وتصورا وإرادة (في م ش: وإنما تنبعث من الإرادة ~~الكلية... إلى الكعبة...) فالحركة حدثت بالإرادة والإرادة حدثت بالتصور ~~الجزئي مع الإرادة الكلية والتصور الجزئي حدث PageV00P278 # بالحركة. # ويكون مثاله مثال من يمشي بسراج في ظلمة لا يظهر له السراج مثلا إلا ~~مقدار خطوة بين يديه فيتصور خطوة واحدة بضوء السراء فينبعث له من التصور ~~والإرادة الكلية للحركة إرادة جزئية لتلك الخطوة بعينها فيحصل الخطوة ~~بعينها وهي موجبة للإرادة التي توجب التصور وهكذا على الدوام ولا يمكن حركة ~~جزئية إلا كذلك. # وكذلك حال الحركة الطبيعية الصادرة عن الطبيعة لا بصرافة وحدتها وثباتها ~~ولكن بشرط تجدد الحالات اللاحقة بها وأقلها تجدد مراتب القرب والبعد إلى ~~الغاية المطلوبة. # فإن كل مرتبة من مراتب القرب إلى الغاية توجب انضمامها إلى الطبيعة صدور ~~حركة جزئية منها موجبة للوصول إلى مرتبة أخرى أقرب إلى الغاية وهي توجب ~~حركة أخرى موجبة لقرب آخر وهكذا على الاتصال. # فعلى هذا القياس يمكن أن يتحقق حركة السماء. وكل مبدأ يتغير بتغير ~~الإرادات سمي نفسا لا عقلا. # فصل في أن حركة السماء لا بد فيها من محرك مفارق على سبيل ms154 الإمداد ~~والتشويق حركة السماء كما أنها ليست شهوية ولا غضبية لتعاليها عن الأغراض ~~الحيوانية بل نفسانية كذلك ليست صدورها عن النفس اهتماما بحال العالم ~~السفلي وتدبير الأجسام العنصرية لحقارتها بالنسبة إليه. # والعالي لا يلتفت إلى السافل وإن وصل فيضه إليه. # بل غرضها أمر أجل منه وأشرف. # أما أنها حقيرة فلأنها كائنة فاسدة مستحيلة. # وجملة الأرض بما فيها جزء يسير من جرم الشمس التي لا نسبة لجرمها إلى ~~فلكها فكيف إلى الفلك الأقصى فكيف يكون الغرض من مثل هذا الجسم هذه الأمور ~~الخسيسة وكيف لا يكون خسيسة بالنسبة إليها وأشرف السفليات المواليد وأشرفها ~~PageV00P279 # الحيوانات وأشرفها الإنسان وأكثره ناقص والكامل منه لا ينال تمام الكمال ~~فإنه لا ينفك عن اختلاف الأحوال فيكون أبدا ناقصا فاقدا لأمر ممكن له ولو ~~حصل له لكان أكمل والجواهر العلوية كاملة ثابتة على كمالها الممكن لها ~~بالفعل ما فيها شيء من القوة إلا ما رجع إلى أخص عرض وأيسر غرض وهو الوضع ~~كما سيأتي. وأما أن العالي لا يلتفت إلى السافل ولا يقصده فلأن ما يراد من ~~الشيء فهو أخس من ذلك الشيء البتة لأن الغاية والثمرة أشرف من ذي الغاية ~~وذي الثمرة وقد مر هذا في بحث الإرادة فلا يقصد الأشرف الأخس إلا لأجل ما ~~هو أشرف البتة. # وليس أيضا حركتها لأجل جسم فلكي أو نفس فلكية وإلا لزم توافق الأفلاك في ~~الحركة جهة وليس كذلك. # فثبت أن غاية حركتها ليست جواهر جسمانية ولا نفسانية ولا أعراضا قائمة ~~بالأجسام والنفوس وهو ظاهر. # فيكون محركها الغائي أمرا عقليا لا نفسيا ولا جرميا ولا ما هو أخس منها ~~وسيأتيك توضيحه. # فصل في إثبات كثرة العقول ولنمهد لبيان ذلك أصلين: # الأصل الأول: # أن السماوات لما دلت المشاهدة والرصد على كثرتها فلا بد أن يكون طبائعها ~~مختلفة ولا يكون من نوع واحد بوجهين: # أولهما: أنها لو كانت من نوع واحد لكانت نسبة بعض أجرامها إلى بعض كنسبة ~~بعض أجزائها إلى جزء واحد ضرورة اتحادها في الطبيعة. وإذا كانت كذلك لكانت ms155 ~~الكل متواصلة والانفصال لا سبب له إلا تباين الطبع. # وهذا كما أن الماء لا يختلط بالدهن إذا صبت عليه بل يجاوره متبائنا ~~والماء يختلط بالماء ويتصل به كالدهن بالدهن فكذلك هاهنا إذ لا مانع من ~~الاتصال مع تشابه الكل في الحقيقة. PageV00P280 # وثانيهما: أن بعضها أسفل وبعضها أعلى وبعضها حاوية وبعضها محوي. # وذلك يدل على تفاوت الطبائع واختلاف الأنواع لأن الأسفل إن كان من نوع ~~الأعلى لجاز أن يتحرك إلى المكان الأعلى كما يجوز في بعض أجزاء الماء ~~والهواء أن يتحرك الأسفل إلى حيز الأعلى من حيز الماء والهواء. ولو جاز ذلك ~~لكان قابلا للحركة المستقيمة إذ بها يتحرك الأسفل إلى الأعلى أو بالعكس كما ~~في العناصر. # وقد بان استحالة أن يكون فيها قبول تلك الحركة. # الأصل الثاني: أن هذه الأجسام السماوية ليس بعضها علة للبعض بل لا يجوز ~~أن يكون جسم سببا لوجود جسم آخر لما مر سابقا أن تأثير الجسم بمشاركة الوضع ~~من المماسة أو التجاور أو المحاذاة فلا بد من وجود أمر ذي وضع حتى يؤثر ~~الجسم بقوته فيه فإذا لم يكن ثمة موجود استحال أن يفعل الجسم اختراع موجود ~~آخر. # وما يشاهد من حصول بعض العناصر بسبب بعض كتكون النار من الهواء فليس ذلك ~~من فعل جسم في وجود جسم آخر بل مادة الجسم الأول يقبل بالاستعداد الحاصل ~~صورة أخرى حاصلة من فاعل غيرهما. # ثم النار ليست بجسم أول بل هي كائنة من جسم آخر وإنما كلامنا في الأجسام ~~الأولية والسماوات أجسام إبداعية أولية ليست كائنة من جسم آخر فنحو وجودها ~~ليس الأعلى سبيل الإبداع كما مر بيانه. # فإذن ثبت أن الأجسام الأول ليس بعضها علة لبعض. # فإذا ثبت هذان الأصلان فنقول: العقول المجردة كثيرة بل لا يجوز أن يكون ~~عددها أقل من عدد الأجرام الإبداعية السماوية. وذلك لأنها ثبت أنها مختلفة ~~الطبائع فلكونها ممكنة تحتاج إلى علل كثيرة إذ الواحد بجهة واحدة لا يصدر ~~منه إلا واحدة فلا بد من عدد حتى يصدر عن كل واحد ms156 واحد وينبغي أن يختلف ~~بالنوع لأن الكثرة بالعدد لا يتصور من نوع واحد إلا بكثرة المادة أو ~~استعداداته كما مر. وما ليس ماديا لو تكثر فإنما تكثر باختلاف النوع بتعدد ~~الفصول المتباينة PageV00P281 # لا بالعوارض لاستحالة أن يلزم الشيء عارض لا يجوز في نوعه والعارض ~~المفارق لا بد له من مادة يقبل تجدده وحدوثه وزواله فما لم يكن له مادة لم ~~يكن له كثرة وتعدد إلا بالنوع. # وهذه العقول التي هي فواعل الجواهر السماوية ينبغي أن يكون هي المعشوقات ~~وغاية الحركات لنفوس السماوات لأن التفات كل شيء في استكماله وطلبه الخير ~~إلى ما هو علته وإلى طلب ما هو التشبه به. فيكون التفات كل واحد من النفوس ~~السماوية إلى علتها وإلى طلب التشبه بها. # إذ يستحيل أن يكون معشوق الكل في حركتها واحدا كما أن العلة القريبة للكل ~~ليس واحدا من جميع الجهات وإن كان مبدع الجميع ومعشوق الكل ذات أحدية حقة ~~بسبب كثرة الجهات العقلية والنفسية التي هي بالحقيقة الحجب النورية التي لو ~~كشفت لأحرقت شدة ضياء سبحات الوجه الحق وقوة نور جلاله كل ما ينتهي إليه ~~بصره. فالمتشبه به والمطلوب في الجميع على الوجه الأشمل الأعم ذات واحدة ~~إلهية ولهذا اشتركت في مطلق الحركة الدورية. والطلب المطلق الكمالي هو الذي ~~أدار رحاها بسم الله مجراها و مرساها. ولكل واحد معشوق عقلي متوسط يخصها ~~ومحرك نفسي مباشر يحركها ولهذا اختلفت الحركات والجهات. فتكثر العقول حسب ~~تكثر الأجرام الحية وتحرك الكرات فتكون النفوس هي الملائكة العملية المحركة ~~بطريق المزاولة والفعل وتلك العقول هي الملائكة العلمية المحركة بطريق ~~العشق والشوق كتحريك المعلم للمتعلم من غير التفات وتغير لبراءتها عن علائق ~~المواد ومباشرة الأجسام وقربها في الصفات من رب الأرباب. # فسبحان القوي القدير الذي قوته أخرجت هذه الأوائل وقدرته أبدعت هذه ~~الوسائل ليترقى الهمم العالية إلى أوجها وذروتها وتتخلص من قيود الحضيض ~~وخستها بذكر مقامها الأصلي ونشأتها. PageV00P282 # فصل في كيفية تحريك العقول المجردة للأجرام الفلكية ونفوسها التي هي عشاق ~~إلهيون متواجدون في ملاحظة ms157 جمال الحق وجلاله رقاصون بما يستفزهم من ~~الواردات الإشراقية واللذات المتوافرة النورية إن الحركات السماوية لما ~~كانت إرادية فمطلوبها إن كان أمرا جزئيا فإن نالت مطلوبها توقفت أو كان مما ~~لا ينال أصلا لقنطت ووقفت أيضا فلها مطلوب كلي وإرادة كلية وإدراك كلي توجب ~~أن يكون لها نفس ناطقة مفارقة. # ومطلوبها ليس أمرا مظنونا كطلب حمد وثناء للسافل لأن المظنون غير دائم ~~والحركة دائمة فلا يبتني على ما لا يدوم. # وكان سليم الطبع يحدس بفطرته أن الجوهر الكائن الفاسد الذي لا نسبة له ~~معتبرة بالقياس إلى جرم أصغر الأفلاك لا يكون مقصدا لحركاتها كما مر ~~فحركاتها إن كانت لمعشوق ينال ذاته أو لتشبه دفعي لوقفت إن نالت وقنطت إن ~~لم ينل فهو لنيل أمر متجدد دائم الحصول وتشبه مستمر بمعشوق والمتشبه به ليس ~~بجرم فلكي ولا نفس وإلا تشابه الحركات والتحريكات وليس كذلك. # فإذن التشبه بأمر عقلي مجرد عن المادة بالكلية هو بالفعل من جميع الوجوه ~~وليس المتشبه به عقلا واحدا في الجميع وإلا لاتفقت الحركات. فلكل واحد ~~معشوق. # وليس الاختلاف لعدم مطاوعة الطبيعة الجرمية فإن المستديرات أوضاعها ~~متشابهة. # وليس كما ظن أن المعشوق واحد واختلاف الحركات لنفع السافل وإن تساوت ~~الجهات بالنسبة إليها فجمعت بين غرضها ونفع السافل كالمرء الخير المخير إذا ~~خير بين الطريقين المتساويين اختار أحدهما لنفع فقير فإنها إن جاز أن يختار ~~جهة الحركة لنفع السافل جاز أن يختار أصل الحركة على السكون لنفعه وليس ~~كذا. PageV00P283 # وأيضا من طريق آخر تدل حركة الأفلاك بواسطة عدم تناهيها على جوهر شريف ذي ~~قوة غير متناهية نستمد منه لاستحالة أن يكون القوة الجسمانية من حيث كونها ~~جسمانية غير متناهية التأثير والتحريك لانقسامها بانقسام الجسم. # لأنا إذا توهمنا انقسام الجسم بقسمين لكان بعض القوة لا يخلو إما أن يكون ~~تحريكها إلى غير النهاية فيكون الجزء مثل الكل وهو محال. وإما إن يتحرك إلى ~~غاية والبعض الآخر إلى غاية فيكون المجموع المشتمل على المتناهيتين ~~متناهية. # فثبت أن القوة الجسمانية لا تقدر ms158 على أمر غير متناه والنفس أيضا قوة ~~جسمانية من حيث الفعل ما دام كونها نفسا وإن تجردت بحسب ذاتها كيف ولو كانت ~~غير متناهية التأثير ما انجبست في علاقة جسم محصور محدودة وصاحب الحدس ~~يكفيه مئونة هذا البحث. # فإذن لا بد لهذه الحركة من محرك مجرد عن المادة ذاتا وعن علائقها فعلا. # والمحرك قسمان: أحدهما كما يحرك المعشوق العاشق والمعلم المتعلم والثاني ~~كما يحرك الروح البدن والطبيعة العنصر كميل الجسم إلى أسفل والأول ما لأجله ~~الحركة والثاني ما منه الحركة. # فالحركة الدورية يفتقر إلى مباشرة فاعل يكون منه الحركة وذلك لا يكون إلا ~~نفسا متغيرا لما علمت أن المحرك القريب لا بد أن يكون أمرا متجددا لاستحالة ~~ارتباط المتجدد. # بالثابت ويحتاج إلى مفارق قدسي يكون إليه الحركة ولأجله. # والنفس الفاعلة للحركة وإن كانت متناهية القوة لما مر ولكن محددها الجوهر ~~العقلي بقوته التي غير متناهية. (ولكن يمدها الجوهر العقلي بقو... خ ل). # والتحريك الغير المتناهي من القوة الجسمانية على سبيل الإمداد والتأييد ~~جائز ليس بمستحيل إنما المستحيل التحريك الغير المتناهي على الاستقلال ~~والانفراد. # فكون الجوهر العقلي محركا للجسم ينبغي أن يتصور على هذا الوجه من غير ~~مباشرة وكل محرك لا يتحرك في نفسه فتحريكه للمتحرك لا يكون إلا بطريق العشق ~~PageV00P284 # كتحريك المعشوق للعاشق. # ثم اعلم أن تحريك المحرك الغير المتحرك يتصور على الوجهين: إما أن يكون ~~بحيث يطلب ذاته كالعلم فإنه يحرك طالب العلم بطريق عشقه له والمطلوب حصول ~~ذاته ونيل جوهره. # وأما أن يكون بحيث يطلب التشبه به والاقتداء به كالأستاذ فإنه معشوق ~~للتلميذ فيحبه ويحرك إليه لأجل التشبه به لا نيل ذاته. وكذا كل مرغوب فيه ~~متصف بوصف عظيم يراد به التشبه. (لأجل التشبه.. لا لنيل ذاته... يراد ~~التشبه به). # ولا يجوز أن يكون هذه الحركة من القسم الأول فإن المعنى العقلي لا يتصور ~~أن ينال بحركة الجسم ذاته إذ قد بان أنه لا يخل في الجسم فلا يبقى إلا أنه ~~يحب التشبه به والاقتداء به باكتساب وصف ms159 يشبه وصفه ليقرب منه في الوصف ~~كتشبه الصبي بأبيه والتلميذ بأستاذه ولا يمكن أن يكون ذلك بطريق الأمر ~~والايتمار فإن الآمر ينبغي أن يكون له غرض في الأمر وذلك يدل على نقصان ~~وقبول تغير. # والمؤتمر أيضا ينبغي له غرض في الايتمار وذلك الغرض هو المقصود. # وأما امتثال الأمر ووروده لأنه أمر فقط بلا فائدة فلا يمكن. # فإذن لا بد وأن يكون ذلك المعشوق موجودا غنيا عن إرادة الطالب فطلبه ذا ~~عظمة وجلال لينبعث بتصور جماله العشق والشوق لينبعث منه الحركة الموصلة إلى ~~المطلوب من التشبه والاقتداء. فيكون تصور الجمال سبب العشق والعشق سبب ~~الطلب والطلب سبب الحركة الحاصلة منها التشبه به. فيكون ذلك المتشبه به. ~~والمعشوق هو الحق الأول بوساطة ما يقرب منه من الملائكة المقربين فكل واحد ~~من الأجرام العالية والكرات الرفيعة ينال من معشوقه لذات متوافرة وأنوار ~~دائمة الوصال يعرفها أهل السلوك الإلهي والعرفاء لمقربون المشتاقون من ~~اللذات العقلية والواردات النورية ثم يتبع لتلك PageV00P285 # الهيئات النفسانية حركات متشابهة يخرج أوضاعها من القوة إلى الفعل فإن ~~الفلك إن ثبت على وضع واحد بقيت سائر الأوضاع أبدا بالقوة ولما كان جميع ~~الأشياء فيه بالفعل إلا الأوضاع ولم يمكن الجمع بين الجميع دفعة والقاصر عن ~~استبقاء نوع باستبقاء أشخاصه معا إنما يستبقيه ويستحفظه بتعاقب أشخاصه ~~فأخرجت على التعاقب الدائم أوضاعها من القوة إلى الفعل انفعالا لجرمها عن ~~هيئات نورية شوقية لنفسها. # وقد شاهدت حين تفكرك في شيء من المعقولات بقوتك المتفكرة ما يتبعه حركات ~~وهيئات من بدنك. # ومعلوم أن هيئات النفس والبدن يتعدى من كل إلى صاحبه ويرشح من حركاتها ~~الخير الدائم والبركات على السافل الذي هو كظلها فيضا لا قصدا (لا مقصدا خ ~~ل). # تبصرة وتنبيه اعلم أن كل طالب فإنه متوجه إلى ما هو خاصيته وجوب الوجود ~~وهو أنه تام بالفعل ليس فيه شيء بالقوة. # والوجود خير على الإطلاق والعدم شر على الإطلاق وكل ما شابه نحو من القوة ~~شابه شرية ونقصان. # إذ معنى القوة عدم كمال ما هو ms160 ممكن الحصول وكل موجود هو بالقوة من وجه ~~فهو ناقص من ذلك الوجه وطلبه وسلوكه أن يزول عنه ما بالقوة إلى الفعل. ~~فمطلوب كل شيء الوجود وكمال الوجود لأن الوجود كما علمت خير محض والعدم شر ~~محض وكل ما وجوده أتم وأكمل فخيريته أشد وأعلى مما هو دونه. # فخير الخيرات حيث تكون فعلية الوجود من PageV00P286 # جميع الحيثيات فيكون وجودا بلا عدم وفعلا بلا قوة وحقيقة بلا بطلان ~~ووجوبا بلا إمكان ونورا بلا ظلمة وكمالا بلا نقص وتماما بلا نقصان ودواما ~~بلا تجدد وفقدان. # ثم الوجود الذي يليه هو خير الخيرات الإضافية. وهكذا الأقرب فالأقرب ~~والأتم فالأتم إلى الأبعد والأنقص فالأنقص حتى ينتهي إلى أقصى مرتبة النزول ~~وهي الهيولى الأولى التي حظها من الوجود هو عريها في ذاتها عن الوجودات ~~الطارية لها وفعليتها هي كونها قوة وجودات الأشياء وتمامها في نقصانها ~~وشرفها خستها فلا يمكن في الوجود مرتبة أخس وأنقص منها حيث يضمن فيها حيثية ~~العدم في حيثية الوجود. # وبالجملة فما سوى الوجود الأول الذي هو محض الفعلية والكمال لم يخل عن ~~شوب قوة وزوال فيكون بطبعه محتاجا إلى ما يتممه ويكمله لكونه بطبعه نازعا ~~إلى كماله الذي هو خيريته وشرف هويته المستفادة عن هوية الخير الأول نافرا ~~عن النقص الذي هو بإزائه وذلك النقص إما لازم له بحسب ماهيته في نفسه وإن ~~كان في الواقع منجبرا بخيرية وجوده الذي يفيض عليه من الخير الحقيقي الذي ~~هو جبار للعدم بالوجود والتحصيل قاهر لغسق الإمكان والقوة بالفعل والتكميل ~~فيكون شريته التي هي بحسب ماهيته الإمكانية مختفيا تحت سطوع النور الواجب ~~لوجوب وجوده الحاصل له من وجود الأول فلم يظهر من تلك الشرية أثر في الواقع ~~إنما هي بحسب مرتبة من الواقع والواقع أوسع من تلك المرتبة كما بين في ~~موضعه. # وإما أمر يلحقه بسبب قصور استعداده وفتور قابليته عن قبول الكمال الذي ~~يليق به ويمكنه. # وهذا هو الحري بأن يسمى بالشر لتحققه في الواقع ومنبعه الهيولى الأولى ~~ولذا قيل: كل شر وفساد ms161 من علائق المادة. ومنبع الشر بالمعنى الأول هو ~~الإمكان. # فبين أن لكل واحد من الموجودات وخصوصا ما يتعلق بالهيوليات توقانا طبيعيا ~~وعشقا غريزيا. # والسبب اللمي أن كل واحدة من الهويات المدبرة لما لم يخل عن كمال خاص ولم ~~يكن مكتفيا بذاته لوجود كماله إذ كمالات الهويات المدبرة نفسا كانت أو ~~طبيعة مستفادة من فيض كامل بالذات عقل بالفعل. # ولم يجز أن يتوهم أن هذا المبدأ المفيد للكمال يقصد بالإرادة واحدا واحدا ~~من جزئيات تلك الهويات ويلتفت إليها PageV00P287 # التفاتا كما أوضحه الفلاسفة الإلهيون فمن الواجب من حكمته وحسن تدبيره ~~وعلمه بالنظام الأتم أن يودع في كل منها عشقا كليا ويفرز فيه شوقا طبيعيا ~~حتى يصير بذلك مستحفظا لما نالت من فيض الكمال الكلي ونازعا إلى الوصول ~~إليه والالتصاق به عند فقدانه ليجري به أمر السياسة على النظام الكلي. # ثم إنه لو لم يكن الخير بذاته معشوقا لما أصاب كل واحد مما يشتهي أو يعمل ~~عملا غرضا أمامه منه يتصور خيريته ولو لا أن الخيرية بذاتها معشوقة لما ~~اقتصر الهمم على إيثار الخير في جميع التصرفات. فكل واحد من الموجودات ~~الحقيقية إذا أدرك أو نال خيرا من الخيرات فإنه يعشقه ويطلبه بطباعه وكل ~~شيء تحقق له أن شيئا من الأشياء يفيده الخير والكمال ويوجب الاقتراب إليه ~~زيادة في الفضيلة والشرف فإنه لا محالة يعشقه بغريزته ويطلبه بطبعه لا سيما ~~إذا كان ذلك الشيء يفيده خاص الوجود ويخرجه من القوة إلى الفعل مثل عشق ~~الحيوان لما يغذوه ويقوت به ويفيده تجسما وتعظما مقداريا وعشق الإنسان لما ~~يفيده صورا عقليا يتقوى به الجوهر الناطق ويحيط بالحقائق وصار ملكا من ~~المقربين بعد ما كان ناقصا في مرتبة السافلين. # فإن الإنسان بما هو إنسان يكون تارة في جوهره بالقوة وتارة بالفعل وإذا ~~صار في جوهره بالفعل فلا يزال في صفاته الكمالية بالقوة لا ينال غاية ~~الكمال وروح الشرف والفضيلة ما دام في البدن فإذا خلع البدن صار منخرطا في ~~سلك العقول المهيمنين. # وأما الجرم السماوي فلا ms162 يكون في جوهره بالقوة قط ولا في أوصافه وأعراضه ~~الذاتية ولا في شكله بل هو بالفعل في كل ما يمكن له ويجري به فله من الجوهر ~~الجسماني أفضله لعدم الكون والفساد والانخراق والاستحالة ومن الأشكال ~~أفضلها وهي الكرية ومن الكيفيات أفضلها وهي الإضاءة والتشفيف وكذا سائر ~~الصفات فلا يفوته شيء من الكمالات والاتصاف التي يمكن في حق نوعه إلا أمرا ~~واحدا هو أيسر غرض وأسهل مقصود وهو خصوصيات الأوضاع. # وهذا ظاهر لأنه لا يمكن الجمع بين الوضعين فصاعدا في حالة واحدة ولو لم ~~يكن فيه هذا القدر بالقوة لكان قريب الشبه من المفارقات وليس بعض الأوضاع ~~أولى من بعض حتى PageV00P288 # يلازم ذلك ويترك البقية وإذا لم يمكن الجمع بين الأوضاع بالفعل وأمكن ~~الجمع على سبيل التعاقب مع بقاء النوع قصد أن يكون كل وضع له بالفعل وأن ~~يستديم جميعها بطريق التعاقب ليكون نوع الأوضاع دائما له بالفعل كما أن ~~الإنسان لما يمكن بقاء شخصه بالفعل دبر لبقاء نوعه بطريق التعاقب والحركة ~~الدورية أيضا لها خاصية في كونها على نهج واحد من غير تغير وتفاوت في الشدة ~~والضعف بخلاف الحركات الطبيعية والقسرية فإن الطبيعية تغيرت إلى الحدة في ~~أواخرها بسبب القرب من الحيز الطبيعي والقسرية تغيرت إلى الفتور في أواخرها ~~بسبب البعد من الحيز الطبيعي والدورية تستمر على وتيرة واحدة. # فإذن الجسم السماوي مهما تكلف استبقاء نوع الأوضاع لنفسه بالفعل على ~~الدوام فقد تشبه بالجواهر الشريفة العقلية لغاية ما يمكن في التشبه عبادة ~~لرب العالمين وقربانا إليه لأن معنى العبادة طلب التقرب ومعنى التقرب طلب ~~القرب في الصفات لا في المكان لعدم إمكانه. # فحركات السماوات صلواتها لأجل تقربها إلى الحق الأول وهو المحرك للكل ~~والغرض الأقصى والبغية العظمى للموجودات. # فسبحان الذي يرجع إليه كل شيء كما يبدأ عنه كل شيء ومنه البداية وإليه ~~النهاية. # فصل في كيفية صدور الأشياء عن المدبر الأول وقد علمت أن الموجود الأول ~~واجب الوجود من جميع جهاته ولا كثرة له بوجه من الوجوه. وهو إحدى الذات ms163 ~~إحدى الصفات إحدى الفعل. وأن لا صفة له إلا وجوب الوجود وسائر الصفات يرجع ~~إليه وهو يرجع إلى ذاته. # فنقول: لا فعل له إلا إفاضة الوجود وجميع الصفات الفعلية له راجعة إلى ~~الإبداع للوجود والإفاضة PageV00P289 # للخير وما يوجد شيء منه إنما يوجد بما هو هو لا بما هو غير ذاته بخلاف ~~غيره. # فإنا نكتب لأجل صفة الكتابة ونتكلم لأجل الاقتدار على تأليف الكلمات ~~ونمشي لأجل القوة على الحركة. # ولا نفعل شيئا من الأفاعيل من حيث كوننا جوهرا ناطقا فنتذوت ونتجوهر ~~بمعنى ونفعل ونتحرك بمعنى آخر. # وكلما فاض عن الواجب فإنه انبعث عن صريح ذاته وحاق حقيقته من غير صفة ~~زائدة أو إرادة متجددة أو داع مستأنف أو انتظار وقت أو فرصة أو طلب ثناء أو ~~محمدة. # فأول الصوادر منه موجود إحدى الذات والهوية ولا يكون ذلك عرضا ولا صورة ~~لتأخرهما عن الموضوع والمادة ولا مادة لتقومها بالصورة. ولا جسما لتركبه. ~~ولا نفسا لتقومها في تشخصها وفاعليتها بالمادة. # فأول الصوادر عن البارىء جل ذكره جوهر مفارق عن المادة ذاتا وفعلا سماه ~~بعض الأوائل عقل الكل والعنصر الأول. وهو أعظم الممكنات وأشرفها بالحدس ~~وبقاعدة إمكان الأشرف نسبته إلى العقول في الباديات نسبة العقل المحمدي إلى ~~عقول الأنبياء والأولياء في العائدات صلوات الله عليهم أجمعين. # واعلم أنك قد علمت مرارا أن الجسم لا يصدر عنه الجسم. وللأفلاك خصوصية ~~أخرى في امتناع إيجاد بعضها بعضا لكون بعضها محيطا بالبعض وهي أن الحاوي لو ~~كان علة للمحوي فمع وجوبه إمكان المحوي إذ وجوبه بعد وجوب الحاوي ووجوده ~~فيكون مع وجوبه إمكان لا كون المحوي فيقارنه إمكان الخلاء مع أنه ممتنع ~~بالذات والمستلزم للمحال محال لأن الممكن من حيث إمكانه لا يستلزم المحال ~~كما أنه من هذه الحيثية لا يكون مستلزما للواجب بالذات. وقد حققنا ذلك في ~~الأسفار الأربعة. # ولا يمكن أن يوجد المحوي الحاوي لكونه أشرف منه وأعظم. # فإن قلت: إذا وصفت أن الفلك الحاوي يكون مع جوهر عقلي يكون علة للفلك ~~المحوي مقدما عليه ms164 وما مع المتقدم متقدم فيلزم من تقدم الحاوي عليه الخلاء. ~~فقد وقعت فيما هربت عنه. # قلنا: ما مع المتقدم بالزمان ونحوه متقدم أما ما مع المتقدم بالذات فليس ~~متقدما PageV00P290 # بالذات كما أن ما مع العلة ليس بعلة وليس هذا التقدم إلا بالعلية. # فإن قلت: الحاوي والمحوي كلاهما ممكنان فيمكن خلو مكانيهما فيلزم الخلاء. # قلنا: أما العدم المطلق فليس بخلاء وإنما يلزم الخلاء لو وجد محيط لا حشو ~~له إذا الخلاء ماهية البعد لا العدم المحض. # فقد ثبت أن الأجسام كلها بما هي أجسام متكافئة الوجود بلا تقدم وتأخر ~~بينهما بالذات. # والنفس أيضا ليست علة للجسم بجوهره بل إن تحقق لها في أعراض الجسم ~~وأحواله لأن تأثيرها إنما يكون بواسطة الجسم وقواه فلا تأثير لها في الجسم ~~وقد مر أنها جسمانية الفعل. # والحدس أيضا يحكم بأن موجد الجوهر لا يتقيد بعلاقة عرضية ولا ينجس عن ~~الرجوع إلى معدنه مدة مديدة. # وأما تأثيرها في جسم آخر بتوسط جسمها فيستلزم ما مر من إمكان الخلاء وكل ~~واحدة من الهيولى والصورة لا فعل لها دون الأخرى ولأن الهيولى قابلة محضة ~~لا فعل لها. # وأما تأثير العرض في الجوهر فغير معقول أصلا. # فثبت أن الأجسام المتكثرة ونفوسها وصورها تحتاج إلى علل عقلية متكثرة. # وإذ لا يصدر من الحق الأول إلا واحد فإن صدر عن ذلك الواحد أيضا واحد ~~وهكذا استمرت السلسلة في اقتضاء الواحد فلا ينتهي نوبة الوجود إلى الجسم ~~وقواه وأعراضه أبدا. # ولكنه قد وجد فلا بد من وقوع كثرة في الصادر الواحد الأول كثرة لازمة من ~~غير تعلق الجعل والتأثير بها بالذات كما في لوازم الماهيات على ما حقق في ~~موضعه وإلا لزم صدور الكثرة عن الواحد الحقيقي. # وأيضا ليس يصدر الأفلاك كلها عن عقل واحد أخير لما علمت أن لكل واحد ~~محركا متشوقا إليه. # فبقي أن يكون للعقل الذي هو مبدأ الفلك الأعلى هوية وإمكان في نفسه ووجوب ~~بالأول وتعقل للاعتبارات. PageV00P291 # قال المشاؤون فتعقل المعلول الأول لوجوب وجوده ونسبته إلى الحق الأول ms165 ~~يقتضي أمرا أشرف وهو العقل الثاني وتعقله لإمكانه في نفسه أمرا آخر وهو جرم ~~الفلك الأقصى إذ الإمكان أخس الجهات شبيه بالقوة فيناسب الهيولى وباعتبار ~~تعقله لماهيته نفس هذا الفلك المتحركة بالشوق إليه. ثم من الثاني بالجهات ~~الثلاث المذكورة أيضا عقل وفلك الكواكب ونفسه. ومن الثالث بالثلاث عقل ونفس ~~وفلك زحل وهكذا إلى أن يتم الأفلاك التسعة والعقول العشرة. # والعاشر باعتبار تعقل إمكانه يحصل منه الهيولى المشتركة التي للعناصر ~~وباعتبار تعقل ماهيته صورها النوعية والجسمية وباعتبار نسبة الوجود إلى ~~المبدإ نفوسنا الناطقة. # وهذه الأمور الثلاثة من حيث حقيقتها ونوعيتها مجملة يصدر من الجهات ~~الثلاث التي هي الحيثيات الفاعلية. # وأما تعددها من حيث الأشخاص وتفصيلها فباعتبار جهات قابلية تحصل لكثرة ~~المعاونات والموجبات للاستعدادات المختلفة فإن تكثر حيثيات الفاعل يوجب ~~التخالف النوعي في الأثر لأن آثار الحقائق المختلفة مختلفة. # وأما تعدد التشخص لنوع واحد فلا يحصل إلا باختلاف القابل أو باختلاف ~~استعداده لأن الفاعل متساوي النسبة إلى جزئيات واحد نوعي والماهية متفقة في ~~الجميع ولازم النوع كذلك فما به الاختلاف لا بد وأن يكون من العوارض ~~اللاحقة للنوع الممكنة الحدوث والزوال وكل ما هو كذلك فعروضه يفتقر إلى ~~المادة كما بين في مقامه. # وبالجملة الفاعل بجهة واحدة يجوز أن يفعل أعدادا كثيرة من نوع واحد ~~لاختلاف القوابل ويجوز أن يفعل أنواعا مختلفة أيضا لاختلاف القوابل كما عند ~~المشائين. # واعتبر بشعاع الشمس الواقع على الزجاجات المختلفة اللون. # وأما الحكماء الرواقيون والفارسيون فعندهم صدور الأنواع المتكثرة ~~المتكافئة كأنواع الأجسام العنصرية يحتاج إلى اختلاف نوعي إما في الفاعل أو ~~في جهات تأثيره ولما لم يكن في العقل الأخير من الجهات والحيثيات ما يفي ~~تكثرها تكثر الأنواع التي في عالمنا هذا فذهبوا إلى أن في العقول عددا ~~كثيرة فوق العشرة والعشرين أو الخمسين التي تكون بإزاء عدد الأفلاك وواحد ~~العنصريات بل عندهم لكل نوع من PageV00P292 # الأنواع الجسمانية عقل هو رب نوعه ومدبر طلسمه ذو عناية بأشخاصه فيكون ~~عدد القواهر العقلية عدد الأنواع الجسمانية فلكية كانت أو ms166 عنصرية بسيطة أو ~~مركبة بل يزيد على ذلك أيضا لأن العقل ليست منحصرة عندهم في قوافل الأجسام ~~وليست الأجسام تبتدي في الوجود حيث يبتدي العقول في الوجود وإذ العقل ~~الثاني ليس فيه من الجهات ما يكفي لصدور الفلك الثاني والكواكب المختلفة ~~الحقائق التي فيه وأيضا الأجسام علمت أنها متكافئة ليس بعضها علة لبعض ~~فينبغي أن يكون عللها أيضا عقولا متكافئة واقعة في سلسلة عرضية بعد تحقق ~~السلسلة الطولية. # فالعقول عندهم على ضربين: أحدهما القواهر الأعلون وهم الذين وقعوا في ~~السلاسل الطوال ما سوى الذين وقعوا في أواخر تلك السلاسل. # وثانيهما أرباب الأصنام وصواحب الأنواع الجرمية المسمون بالمثل ~~الأفلاطونية وهم الذين قد وقعوا في سلسلة واحدة عرضية. # وظاهر أن الضرب الأول على تفاوت درجاتهم أشرف من الضرب الثاني لنزولهم ~~وقربهم بالأجسام. # وبسط هذه المباحث إنما يطلب في كتب الشيخ المتأله شهاب الدين قدس سره لا ~~سيما كتاب حكمة الإشراق الذي قرة عيون أصحاب المعارف والأذواق. # ونحن قد بينا حقيقة وجود المثل الأفلاطونية وأن لكل نوع فردا مجردا عقليا ~~في عالم الإبداع هو من حقيقة ذلك النوع. # ولم أر غيري تصدى لذلك فضلا من الله علي وتأييدا وإلهاما وهو ولي التوفيق ~~وبيده أزمة الأمور. # فصل في تكون العناصر عن العقل الأخير على طريقة المتأخرين قالوا قد لزم ~~من العقل الفعال بعد استيفاء عدد الأجرام الشريفة العلوية وجود السفليات ~~فابتدأ بالاسطقسات. ولما كانت الأجسام الأسطقسية كائنة فاسدة لا بد أن ~~PageV00P293 # يكون أسبابها القريبة أمورا قابلة للتغير وليس العقل المحض علة لها إلا ~~بأن ينضم إليه ما يختلف ويتغير. # وكما أن لتلك الأجسام مادة مشتركة فيها وصورا مختلفة فينبغي أن يكون ~~الأفلاك بحسب اتفاقها في الطبيعة الموجبة للحركة الدورية معينا للعقل على ~~إفادة المادة المشتركة. (معينة للعقل على... خ ل). # وبحسب اختلافها في الصور الموجبة لاختلاف حركاتها قدرا وجهة معينة له على ~~إفادة تهيئها للصور المختلفة. # وكما أن الحركة أخس الأحوال هناك فالمادة أخس الذوات هاهنا وكما أن ~~الحركة تابعة لطبيعة ما بالقوة فكذلك ms167 المادة هاهنا حاملة لما بالقوة. # فكما أن أصول الطبائع الخاصة والمشتركة هناك مبدأ للطبيعة الخاصة ~~والمشتركة هاهنا فكذا فروع الطبائع الخاصة والمشتركة هناك من النسب ~~المختلفة المتبدلة الواقعة فيها بالحركة مبدأ لتغير الأحوال والكيفيات ~~وتبدلها هاهنا وكذلك تركب نسبها هناك سبب لامتزاج نسب هذه العناصر. ~~وللأجرام السماوية بكيفياتها التي تخصها وتسري منها إلى هذا العالم تأثير ~~في أجسام هذا العالم ولأنفسها تأثير أيضا في أنفس هذا العالم ولعقولها ~~تأثير في إفاضة المعقولات على عقولنا. # وبهذه المعاني صح ما ذهب إليه بعض الحكماء من أن الطبيعة المدبرة لهذه ~~الأجسام هي كالكمال للصورة الحادثة عن النفس الغاشية في الفلك. # هذا خلاصة ما ذكره التابعون للمعلم الأول في علة تكثر الأجسام العنصرية ~~والحق ما ذهب إليه الأقدمون من أن مبدأ خصوصيات تلك الأجسام وخصوصا البسائط ~~عقول متكثرة فإنها لا يجوز كونها معلولة بجوهر عقلي واحد وإن كان بحسب ~~اختلاف الاستعدادات على ما ذكروه لأنها تتأخر بحسب الزمان عن الجواهر ~~الإبداعية لحدوثها بسبب أوضاع وحركات جسمانية متأخرة عن أجسام متحركة. # والعناصر لا يجوز أن يكون طبائعها حادثة بعد الفلك زمانا لامتناع الخلاء ~~واستحالة خلو الهيولى في أزمنة غير متناهية عنها. # وكذا الطبائع الحيوانية والنباتية من حيث PageV00P294 # نوعيتها ليست مما يتخلف إفاضتها عن إفاضة العناصر لكونها غاية وجود ~~العنصريات وخصوصا نوع الإنسان الذي جاء زبدة العناصر وثمرة الأركان. # فلا يمكن أن يمهل وجود مدة غير متناهية من وجود الأفلاك والعناصر. # فوجود نوعية الإنسان ليس من جهة استعداد القابل من جهة إبداع المبدع ~~الأول إياه بواسطة بعض الوسائط العقلية إنما استعداد المواد لأجل خصوصيات ~~الأشخاص العنصرية دون طبائعها ونوعياتها. # فصل في العناية والتدبير قد علمت أن الحق الأول مبدأ وغاية للكل. # وعلمت الفرق بين الغاية وما هو الضروري بأحد المعاني. # وعلمت أيضا أن كل علة عالية وكل محرك عال غير المبدإ الأعلى فله في فعله ~~غاية هي أرفع منه لكن يلزمها على سبيل العرض ما هو أدون منزلة منه. # وإن الغاية مقصودة بالذات وذلك الضروري مقصود ms168 بالتبع وظاهر أن ما يتبع ~~الشريف شريف وإن كان دونه في الشرافة. # فقد صح أن كل مبدأ عال يعقل نظام الخير الصادر منه تبعا لتعقله ما لأجله ~~الفعل أو الحركة وما يتشبه به ويتشوق إليه فيه. # ومعلوم أن خلقة الحيوان والنبات وغيرهما قد روعيت فيها من الحكم والمصالح ~~ما لا يفي ببيان تفاصيلها مجلدات كثيرة. # فتحقق أن عناية الله تعالى مشتملة على الجميع على نحو تفصيلي ولا يكتفي ~~بالعلم الإجمالي كما ظن بعضهم. # فالحق في تحقيق عناية الله تعالى ما بيناه في الأسفار الأربعة. # والإشارة إليه هاهنا هي أن كل وجود له خصوصية معنى لازم له من غير جعل ~~يتعلق به بالذات بل جعله تابع لجعل ذلك الوجود إن كان مجعولا وذلك المعنى ~~هو المسمى عند أهل الله بالعين الثابت. وعند الحكماء بالماهية. وعند بعض ~~العرفاء بالتعين. PageV00P295 # وليس هو موجودا بل الموجود هو الوجود وذلك المعنى كأنه عكس لذلك النحو من ~~الوجود وحكاية عنه. # والوجودات في ذاتها لا تختلف بالذات إلا بالشدة والضعف والكمال والنقص ~~والتقدم والتأخر. # وتختلف بالعرض بتلك المعاني التابعة للوجودات وهي ماهياتها المختلفة. # وبهذا المعنى وقع في كلام المشائين أتباع المعلم الأول أن الوجود حقائق ~~متخالفة مع تصريحهم بأنه معنى واحد بسيط مشترك في الجميع. # ثم إن كل وجود يكون أقوى وأكمل يحيط بالوجود الذي يكون أضعف وأنقص ويتقدم ~~عليه ويكون علة له ويكون آثاره أكثر وصفاته أكمل حتى أن كل كمال وصفة وفعل ~~يكون في الوجود المعلولي فقد كان في وجود العلي على وجه أرفع وأعلى وأكثر. # فعلى هذا يثبت ويتبين أن الوجود الحق الواجب الذي لا أشد منه ولا أتم ~~يحيط بجميع الوجودات الناقصة الإمكانية ولوازمها وتوابعها ولواحقها وينبعث ~~منه جميع النعوت والصفات الوجودية والأحكام والآثار الكمالية على وجه يليق ~~بعظمته وجلاله من دون تكثر وتغير ونقص وبالجملة جهة مكانية لأنها من لوازم ~~نقصانات الوجود وقصوره فيلاحظ من ذاته بذاته حقيقة الوجود ومراتبه وأحكامها ~~ووجه نظام الخير في الجميع فيتبعه نظام الخير اتباعا يفتقر دركه ms169 إلى فطرة ~~ثانية وقريحة مستأنفة. # وهذا الذي ذكرناه أنموذج قليل مما ألهمنيه ربي وجعله قسطي من الحكمة ~~المضنون بها على غير أهلها بعد ما كتبت أوائل هذا المختصر موافقا للطريقة ~~المشهورة. # وقد بسطنا الكلام في تحقيق هذا المذكور وما يتفرع عليه من الأحكام في ~~المواضع اللائقة بها ليطلع عليه من وفق له والله ولي التوفيق والإنعام. ~~PageV00P296 # بفصل في مبدأ التدبير للكائنات الأرضية والأمور النادرة من الخسف والزجر ~~والوباء العام والقتل العام وكثير من الأنواع الغير المحفوظة من النبات ~~والحيوان مما لا يمكن أن ينسب إلى عناية الحق الأول والعقول الصريحة بالذات ~~بل بواسطة مدبر يفعل الأشياء بقصد جزئي ويتخيل الأمور وينفعل عنها فيجيب ~~الدعوات بإغاثة الملهوفين وينتقم من الظلمة ويفعل العقوبات ويعذب قوما حل ~~عليهم غضب الجبار كل ذلك بإذن من الحق الأول في إيجاده على سبيل العناية. # فقال بعضهم: إنه نفس متعلقة بعالم الكون والفساد. (منبثة في عالم... خ ~~ل). # والأكثر على أنه نفس متولدة من العقول والنفوس السماوية وخصوصا نفس فلك ~~الشمس والفلك المائل وأنه يدبر لما تحت فلك القمر بمعاضدة الأجرام الكوكبية ~~وبسطوع نور العقل الفعال وبالجملة لا بد لهذا الجوهر المدبر أن يكون وجوده ~~وجودا نفسيا ذا قوة خيالية يتخيل ويحس بالحوادث إحساسا يليق ويكون عقله ~~منفعلا من جهة وفعالا من جهة بأن يكون كلما أحس بأمر حادث عقل صورة الكمال ~~له والمصلحة فيه والطريقة المؤدية إليه. # وقد لزم من عقله لوجه الخير انفعال المادة العنصرية واكتساؤها في الخارج ~~بصورة ذلك المعقول ولم يكن أيضا من المستبعد أن يهلك قوما غلب عليهم ~~العصيان والكفر وأن يحدث نارا أو زلزلة أو وباء إلى غير ذلك من الأمور ~~الغير المعتادة كتسخين بارد وتبريد حار وتحريك ساكن وتسكين متحرك فحينئذ ~~يحدث أمور لا عن أسباب طبيعية على مجرى طبيعي وذلك لأجل تعقله لوجه المصلحة ~~الذي يتبعه انفعال المادة انفعالا بدنيا من تخيل أسباب الغضب والشهوة ~~وغيرها. # فلا ينبغي أن ينكر أمثال هذه الوقائع في بدن العالم ونفسه فإن العالم ms170 ~~مشتمل على قوى فعالة ومنفعلة PageV00P297 # يحدث منها أمور عجيبة نادرة خارقة للعادات مرغمة لأنوف أعداء الله ~~الجاهدين للنبوات قال الشيخ الرئيس في بعض كتبه: يشبه أن يكون ذلك حقا فإنه ~~إن كان دعاء مستجاب فيكون سببه مثل هذا الجوهر وذلك لأنه كما يشاهد تغيرات ~~المادة فيعقل صورة نظام الخير والكمال الذي يحسب هناك فيكون ما يعقل كذلك ~~يجوز أن يكون مشاهدته لتغيرات الأحوال في سكان هذا العالم مما يحدث فيه ~~تعقل الأمر الذي يدفع ذلك النقص والآفة ويجلب الخير فيتبع ذلك التعقل وجود ~~الشيء المتعقل. # أقول: وإذا صح هذا فلأحد أن يتصور في مقابلة هذا المبدإ المدبر لهذا ~~العالم على وجه الخير والصلاح المتكون من قوى بعض الأجرام الفلكية موجودا ~~آخر نفسانيا متولدا من طبقة دخانية نارية يغلب عليه الشرارة والإغواء ~~والإضلال ويكون له سلطنة بحسب الطبع على الأجسام الدخانية والبخارية ~~ونفوسها الجزئية والطبائع الوهمانية ويطيعها تلك النفوس والقوى الوهمانية ~~لمناسبة النقص والشرارة ويكون المسمى بإبليس الوارد على لسان النبوات هو ~~هذا الشرير المغوي المضل وكونه مجبولا على الإغواء والإفساد والاستكبار ~~وادعاؤه العلو كما ورد في الكتاب: أستكبرت أم كنت من العالين إنما هو ~~بمقتضى طبعه الغالب عليه النارية الموجبة للإهلاك والعلو. # ووجه تأثيره في نفوس الآدميين بالشر أما من جانب المؤثر فللطافته وسرعة ~~نفوذه في عروقهم ولطائف أعضائهم وأخلاطهم التي هي محال الشعور والاعتقاد ~~واقتداره على إغوائهم بالوسوسة والإضلال. # وأما من جانب القابل فلقصور القوى الدراكة لأكثر الناس وضعفها عن ~~المعارضة والمجاهدة مع جنود الشياطين وأعوانه من القوى الشهوية والغضبية ~~وغيرهما لا سيما الوهمية إلا من عصمه الله من عباده المخلصين الذين أيدهم ~~الله بالعقل وهداهم إلى الصراط المستقيم أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~الغالبون لأجل تسخير قواهم البدنية وخصوصا الوهمية التي هي أحد أعداء ~~PageV00P298 # الله المجيبة لدعوة الشيطان إذ لم يسخره العقل الهادي إلى طريق الرحمان ~~فإن للعقل الإنسان جنودا كثيرة خلقها الله لتكون مسخرات مطيعات له وخادمة ~~إياه في طريق الله تعالى وسفره الذي ms171 لأجله خلق وخلقت إذ خلق الإنسان في أول ~~حدوثه ضعيف الفطرة ناقص القوة شبيها بالعدم حيث أتى حين من الدهر لم يكن ~~شيئا مذكورا فتدرج في الوجود ثم حصل له استعداد الترقي من مرتبة إلى مرتبة ~~حتى يصل إلى معبوده الحق. # فلا بد للمسافر من مركب وزاد وخادم فمركبه مادة البدن وزاده العلم ~~والتقوى وجنوده وخادمه الأعضاء والقوى. # وتلك الجنود صنفان: صنف يرى بالأبصار وهي الأعضاء والجوارح وصنف لا يدرك ~~بالحواس الظاهرة وهي القوى والحواس. وجميعها خلقت للعقل مسخرة له وهو ~~المتصرف فيها وخلقت مجبولة على طاعته أما الجند الأول فلا يستطيع له خلافا ~~ولا عليه تمردا فإذا أمر العين للانفتاح انفتح وإذا أمر الرجل للحركة تحركت ~~وإذا أمر اللسان بالكلام وجزم الحكم به تكلم وكذا سائر الأعضاء. # وأما الجند الآخر فهي أيضا كذلك إلا الوهم فإن له شيطنة بحسب الفطرة يقبل ~~إغواء الشيطان ومغاليطه فيعارض العقل في المعقولات فيحتاج إلى تأييده من ~~جانب الحق ليغلب عليه ويقهره. # وتسخر الحواس للعقل يشبه من وجه تسخر الملائكة لله تعالى فإنهم جبلوا على ~~الطاعة لا يستطيعون له خلافا ولا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون. ~~وتمرد الوهم عن طاعته يشبه تمرد الشيطان من طاعة الله. وشرح تفاصيله مما ~~يطول الكلام. # ومن رؤساء جنود العقل الشهوة والغضب وهما قد ينقادان له انقيادا تاما ~~فيعينانه على طريقه الذي يسلكه وقد يعصيانه عليه استعصاء بغي وتمرد لأجل ~~طاعة الوهم المطيع للشيطان حتى يملكانه ويستبعدانه وفيه هلاكه وانقطاعه عن ~~سفره الذي به PageV00P299 # وصوله إلى سعادة الأبد. وللعقل جند إلهي هو العلم والحكمة وحقه أن يستعين ~~بهذا الجند لأنه ضرب الله على الجندين الأخيرين الملتحقين بحزب الشيطان ~~الذي هو القوة الوهمية. # فإن من ترك الاستعانة به كما هو حال أكثر الناس من أعداء الحكمة فقد سلط ~~على نفسه الغضب والشهوة فهلك يقينا وخسر خسرانا مبينا. وإني مدة عمري هذا ~~وقد بلغ إلي أربعين ما رأيت أحدا من المعرضين عن تعلم الحكمة إلا وقد غلب ~~عليه ms172 حب الدنيا والرئاسة فيها والإخلاد إلى الأرض وقد صار عقله مسخر الشهوة ~~في استنباط الحيل للوصول إلى المستلذات الجسمانية. # والحاصل أنه لا يبعد من الصواب أن لو اعتقد أحد أنه يكون في هذا العالم ~~الدنياوي مؤثران قادران نفسانيان خلقا بإيجاد الله تعالى إياهما بحسب ~~العناية السابقة والقضاء الإلهي لأجل مصالح العباد ونظام العالم على الوجه ~~الذي حققناه من بيان تعلق العلم السابق بالأشياء فيكون أحدهما خيرا يفعل ~~الخير ويلهم العقول بفعل الطاعات والخيرات والثاني شريرا يفعل الشر ويوسوس ~~النفوس الوهمانية بفعل المعاصي والشرور. # وقد روي عن رسول الله ص: أن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة ~~الشيطان فإيعاد بالشرور وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق ~~بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله تعالى فليحمد الله تعالى ومن وجد ~~الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ثم قرأ: الشيطان يعدكم الفقر و ~~يأمركم بالفحشاء. # فإن قلت: فكيف يتمثل الملك أو الشيطان لبعض الناس دون بعض فإذا رأى صورة ~~أحدهما فهو صورته الحقيقية أو هو مثال يتمثل به وإن كانت صورته الحقيقية ~~فكيف يرى بصور مختلفة وكيف يرى في وقت واحد في مكانين على صورتين فاعلم أن ~~الملك أو الشيطان لهما صورتان هما حقيقتا صورتهما ولا يدرك صورتهما ~~بالمشاهدة إلا بأنوار النبوة فما رأى النبي ص جبرئيل في صورته إلا ~~PageV00P300 # مرتين وذلك أنه (ع) سأله أن يرى نفسه على صورته فواعده ذلك بحرى فطلع ~~الجبرئيل فسد الأفق إلى المغرب. ورآه مرة أخرى على صورته ليلة المعراج عند ~~سدرة المنتهى وقد وقع في الرواية عنه ص أنه قال: رأيت مرة جبرئيل كأنه طبق ~~الخافقين وإنما كان يراه في صورة الآدمي غالبا وكأنه يراه في صورة دحية ~~الكلبي وكان رجلا حسن الوجه. والأكثر أنه كان بكاشف أهل المكاشفة من أرباب ~~القلوب بمثال صورته فتمثل له الملك أو الشيطان له في اليقظة ويسمع كلامه ~~ويقوم ذلك مقام صورته كما ينكشف في المنام لأكثر الصالحين وإنما المكاشف في ~~اليقظة هو الذي انتهى ms173 إلى رتبة لا يمنعه اشتغال الحواس بالدنيا عن المكاشفة ~~التي تكون بالنوم فيرى في اليقظة ما يرى غيره في النوم. # فصل في بيان تسلط الشيطان على باطن الإنسان بالوسوسة فلنمهد لبيانه ~~مقدمة: قال بعض علماء الإسلام: # اعلم أن الجوهر النطقي من الإنسان المسمى بالقلب الحقيقي مثاله مثال هدف ~~ينصب إليه السهام من الجوانب أو مثل مرآة منصوبة يجتاز عليها أصناف الصور ~~المختلفة فيرى فيه صورة بعد صورة لا يخلو عنها دائما. # ومداخل هذه الآثار المتجددة في القلب في كل حال إما من الظاهر كالحواس ~~الخمس وإما من الباطن كالخيال والشهوة والغضب والأخلاق والصفات PageV00P301 # الذميمة. # فإنه مهما أدرك بالحواس شيئا حصل منها أثر في القلب وكذلك إذا هاجت ~~الشهوة والغضب حصل من كل منهما أثر في القلب. # وإن كف عن الإحساس فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وينتقل المتخيلة من ~~شيء إلى شيء. # وبحسب انتقالها ينتقل باطن الإنسان من حال إلى حال فباطنه إذن في التغير ~~دائما من هذه الأسباب. # وأحضر الأسباب الحاصلة فيه هي الخواطر والأفكار أي الأذكار التي هي من ~~أنواع الإدراكات والعلوم إما على سبيل الورود التجددي وإما على سبيل التذكر ~~من المحفوظات في الحافظة. # وهذه الخواطر هي المحركات للإرادات فإن النية والعزم والإرادة بعد حضور ~~المنوي بالبال. # فمبدأ الأفعال الخواطر ثم الخاطر يحرك الرغبة والرغبة تحرك العزم والعزم ~~يحرك النية والنية تحرك الأعضاء. # فإذا تمهدت هذه المقدمة نقول: إن الخواطر المحركة للرغبة في قلب الإنسان ~~ينقسم إلى ما يدعو إلى الخير أعني ما ينتفع في الدار الآخرة وإلى ما يدعو ~~إلى الشر وهو ما يضر في العاقبة. فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين ~~مختلفين. # فالخاطر المحمود يسمى إلهاما. والخاطر المذموم وسواسا. # ثم إنك تعلم أن هذا الخاطر حادث وكل حادث لا بد لإمكانه من سبب. # ومهما اختلفت المعلومات دل على اختلاف العلل. # وهذا مع قطع النظر عن الأبحاث البرهانية معروف في سنة الله تعالى وعادته ~~في ترتب المسببات على الأسباب. # فمهما استنار مثلا حيطان البيت وأظلم سقفه واسود ms174 بالدخان علمت أن سبب ~~الاسوداد غير سبب الاستنارة فحكمت بأن سبب الاستنارة نور النار وسبب ~~الاستظلام ظلمة الدخان. # كذلك لأنوار القلب وظلماته سببان مختلفان فسبب الخواطر الداعية إلى الخير ~~يسمى في عرف الشريعة ملكا وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا واللطف ~~الذي به يتهيأ القلب لقبول إلهام الملك PageV00P302 # يسمى توفيقا والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى إغواء وخذلانا. # فإن المعاني المختلفة تحتاج إلى أسامي مختلفة. # والملك في الشريعة عبارة عن خلق خلقه الله تعالى شأنه إفاضة الخير وإفاضة ~~العلم وكشف الحق والوعد بالمعروف وقد خلقه وسخره لذلك. # والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك وهو الوعد بالشر والتخويف عند الهم في ~~الخير بالفقر كما في قوله تعالى: الشيطان يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاء. # فالوسوسة في مقابلة الإلهام والشيطان في مقابلة الملك والتوفيق في مقابلة ~~الخذلان. # وقد نقلنا ما مر الحديث المروي عن رسول الله عليه وآله صلوات الله في ~~الدارين: # في القلب لمتان: لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ولمة من العدو ~~إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير. # وقال ع أيضا: قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن والله سبحانه يتعالى ~~عن أن يكون إصبعه جسما مركبا من لحم وعظم ودم منقسما بالأنامل. # ولكن روح الإصبع وحقيقته. ومعناه واسطة التحريك والتقليب والقدرة على ~~التغيير والتفريق. # وكما أنك تفعل بأصابعك فالله تعالى إنما يفعل ما يفعله باستسخار الملك ~~والشيطان وهما جوهران مسخران بقدرته في تقليب القلوب كما أن قوى أصابعك ~~مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا. # والقلب وصفاؤه ولطائفه صالح بأصل الفطرة لقبول آثار الملكية والشيطانية ~~صلاحا متساويا وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى والإكباب على الشهوات ~~أو الإعراض عنها ومخالفتها. # فإن اتبع الإنسان مقتضى شهواته وغضبه ظهر تسلط الشيطان بواسطة اتباع ~~الهوى والشهوات بالأوهام والخيالات الفاسدة الكاذبة وصار القلب عش الشيطان ~~ومعدنه لأن الهوى مرعى الشيطان ومرتعه لمناسبة ما بينهما PageV00P303 # ونحو من الاتحاد. وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه وعارض بقوته ~~البرهان اليقيني على وجود ms175 النشأة العقلية الباقية أبدا بالظنون والأوهام ~~الكاذبة المستدعية للشهوات والركون إلى الدنيا والإخلاد على الأرض ~~والاقتصار على هذه النشأة الناقصة الفانية وتشبه بأخلاق الملائكة صار قلبه ~~مستقرا ومهبطا للملائكة. (مستقر الملائكة ومهبطها خ ل). # وسيجئ بيان اتصال النفس بعالم العقول واتحادها بالعقل الفعال. # ولما كان الخلق لا يخلو من شهوة وغضب وحرص وطمع وطول أمل وغير ذلك من ~~الصفات البشرية المنبعثة عن الهوى المتبع للقوة الوهمية التي شأنها إدراك ~~الأمور على غير وجهها فلا جرم لم يخل الباطن من جولان الشيطان فيه بالوسوسة ~~إلا من عصمه الله تعالى. # ولذلك قال النبي: ما منكم إلا وله شيطان. قالوا: وأنت يا رسول الله قال: ~~وأنا إلا وأن الله تعالى أعانني عليه فأسلم على يدي. # فمهما غلب على النفس ذكر الدنيا ومقتضيات الهوى والشهوات وجد الشيطان ~~للتدرع بها مجالا فوسوس لها. # ومهما انصرفت النفوس إلى ذكر الله تعالى ارتحل الشيطان وضاق مجاله فأقبل ~~الملك وألهم. # والنفس بهيولانية الوجود لها قابلية الارتباط والاتحاد بالملك والشيطان ~~بتوسط قوة العقلية والوهمية والتطارد بين جندي الملائكة والشيطان في معركة ~~النفس الإنسانية دائم إلى أن ينفتح لأحدهما ويستوطن فيه ويكون اجتياز ~~الثاني اختلاسا. # وأكثر النفوس قد فتحها وسخرها جنود الشيطان وملكوها فامتلأت بالوساوس ~~الداعية إلى إيثار العاجلة وإطراح الآخرة وكما أن الشهوات ممتزجة بلحم ~~الآدمي ودمه فسلطنة الشيطان أيضا سارية في لحمه ودمه ومحيط بالقلب الذي هو ~~منبع الدم المركب للروح البخاري الحاصلة من القوى الوهمية والشهوية ~~والغضبية. # ولذلك قال ص: الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم.. PageV00P304 # فالحاصل أن وجود الوسواس معلوم في الإنسان بالمشاهدة والوجدان وكل خاطر ~~فله سبب يفتقر إلى اسم فاسم سببه الشيطان ولا يتصور أن ينفك آدمي عنه لعدم ~~انفكاكه عن الخواطر الوهمية والوسواسية وإنما يختلفون بعصيانه ومتابعته. # ولذلك قال ص ما من أحد إلا وله شيطان. # وهذه الشياطين الجزئية من فروعات ذلك الموجود الشرير الذي ذكرناه كما أن ~~العقول الجزئية الإنسانية من آثار الملك الملهم بالخيرات. # فقد اتضح بهذا النوع من الاستبصار ms176 معنى الوسوسة والإلهام والملك والشيطان ~~والتوفيق والخذلان. # رمز عرشي اعلم أن سبب وقوع النفوس الإنسانية في هذا العالم وابتلائه بهذه ~~البليات الدنيوية التي أحاطت بهم فيها هو الخطيئة التي اكتسبها أبوهم آدم ع ~~لنقص إمكاني في جوهره وقصور طبيعي في ذاته لما ذاق الشجرة وبدت سوأته وهي ~~الشجرة المنتهى عن أكلها لممنوع من ذوقها نوع الإنسان. # ثم لما تمت حيلة إبليس على آدم ونال بغيته بإيصال الأذية وبلغ أمنيته ~~بإيقاع الوسوسة عليه سأل ربه الإنظار إلى يوم يبعثون فأجيب إلى يوم الوقت ~~المعلوم اتخذ لنفسه جنة غرس فيها أشجارا وأجرى فيها أنهارا ليتشاكل بها ~~الجنة التي سكنها آدم وقاس عليها وهندس على مثلها هندسة فانية مضمحلة لا ~~بقاء لها وجعل مسكن أهله وأولاده وذريته فهي كمثل السراب الذي يحسبه الظمآن ~~ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. # وذلك أنه من الجن وقد قيل إن للجن التخييل والتمثيل لما لا حقيقة له كذلك ~~فعل إبليس وجنوده إنما هو تمويه وتزريق ومخاريق وتنميق لا حقيقة لها ولا حق ~~عندها كالقياس المغالطى السفسطى ليصد بها الناس عن سنن الحق والصراط ~~المستقيم PageV00P305 # والطريق القويم وبذلك وعد ذرية آدم ع إذ قال: لآتينهم من بين أيديهم و من ~~خلفهم و عن أيمانهم و عن شمائلهم و لا تجد أكثرهم شاكرين.. # فاجتهد أيها السالك إلى الله تعالى والطائر بجناحي العلم والعمل لعلك ~~توفق للخروج من جنة إبليس فترجع إلى جنة أبيك آدم ع وذريته الطاهرة الزكية ~~ص ويتخلص من أدناس أرجاس ذرية إبليس وهم المعتكفون على الأمور الدنياوية ~~الدنية من الكفرة المتمردين والضلال المنافقين لعنهم الله فهم في العذاب ~~مشتركون ومن نار جهنم لا يرجعون كلما بليت بالعذاب صورهم المعكوسة وقوالبهم ~~المنكوسة بدلوا بهيئات وصور أخرى كما في قوله تعالى: كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب. وذلك لتفنن معاصيهم وتنوع أخلاقهم ~~الردية المناسبة للصور القبيحة والسيئات الموحشة في النشأة الآخرة وبذلك ~~وعدهم ربهم إذ قال لإبليس: # لأملأن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين.. ms177 # أعاذنا الله من اتباع إبليس وجنوده واقتراف الشهوة والجهل والرغبة إلى ~~محاسن أمور الدنيا وزخارفها ومثالاتها الهيولانية فإن من ركن إليها وغرق في ~~بحار الشهوات وانهمك في لذاتها وتناول محرماتها فقد طالت بليته وعظمت رزيته ~~وحيل بينه وبين جنة أبيه. # فصل في الإشارة إلى شيء من آثار عناية الله تعالى وحكمته وعدله في خلق ~~السماوات والأرض وحسن تدبيره ولطفه في نظم العالم وتأليف أجزائه على أتقن ~~وجه وأحكمه بحيث لا يتصور ما هو أشرف من هذا النظام الموجود وإنما يعرف ذلك ~~بملاحظة أمور العالم والتفكر في أوضاعها وكيفية نضدها PageV00P306 # وترتيبها وارتباط العلويات بالسفليات على الوجه المخصوص والتدبر في منافع ~~حركاتها ونسب كواكبها ومنافع أعضاء الحيوان وأجزاء النبات وسائر العنصريات ~~على سبيل الإجمال لعدم اقتدار الإنسان على الاطلاع والشعور بجميع منافعها ~~وخصائصها بل ما يعلم الإنسان من دقائق حكمة الله تعالى في إيجاد نفسه وبدنه ~~شيء قليل لا نسبة له إلى ما يعلمه من الحكم والمصالح التي روعيت في ~~إيجادهما فكيف الحال في معرفته لما خرج عن ذاته فلنكتف بأمور جملية من ~~أسرار خلقه وغرائب حكمته. # فنقول أولا لما كان علم الله تعالى بالأشياء وبنظام الخير فيها علما لا ~~نقص فيه بأن يكون علما ظنيا ضعيفا تعالى وتقدس عن ذلك وكان علمه فعليا سببا ~~لوجود الأشياء التي هو علم بها على وجه التمام والضرورة كان حصول معلومه في ~~غاية من الأحكام ونهاية من الإتقان. # ولنعد الآن إلى ما مر من توحيده. # فنقول لما تحقق وتيقن أن إله العالم واحد لا شريك له في الإيجاد ولا في ~~الوجود اللائق به من كونه تقدست أسماؤه وتمجدت آلاؤه بريئا عن جميع النقائص ~~والقصورات الإمكانية ووجوده الذي هو ماهيته أفضل وجود في غاية الوحدة ~~والبساطة والشرف ولا يمكن أن يكون أقدم من وجوده وجود ولا مع وجوده وجود ~~فلا مادة له ولا موضع ولا صورة ولا غاية. لأن هذه الأشياء تنافي تقدمه ~~وتسقط أوليته فيكون مجردا عما سواه. # فيكون معقولا وعاقلا لذاته ولغيره لاستناد الأشياء ms178 إليه ورجوعها إليه ~~عقلا تاما وعلما كاملا. # وكما أن ذاته التي هي عين علمه بالأشياء فاعلا لها كذلك ذاته علة غائية ~~وغرض في وجودها. # فعلم من هذين أن وجود ما يوجد عنه إنما هو محض فيض وجوده لوجود ما سواه ~~مع علمه بها ورضاه. فكذلك وجوده الذي به تجوهر ذاته وتحقق ماهيته هو بعينه ~~وجوده الذي به يحصل منه غيره لا أنه يتجوهر بشيء ويتصف بشيء آخر ويفعل بشيء ~~آخر كما أنا نتذوت بالإنسانية ونتصف بالقدرة والعلم ونكتب بملكة الكتابة. # وليس له مانع في فعله أو منتظر. PageV00P307 # فيفيض عن ذاته بذاته وجود الأشياء وإذا فاضت عنه ترتب مراتبها وحصل لكل ~~موجود قسطه من الوجود الذي يليق به وبمرتبته فيبتدي من أشرفها وجودا وأتمها ~~جوهرية وهو العقول العالية والجواهر المتخلصة عن المواد بالكلية ثم يتلوه ~~في الوجود ما يتلوه في الكمال والشرف كالنفوس المجردة الفلكية.... # ثم الصور المنطبعة السماوية ثم الطبيعة العنصرية ثم الجسمية إلى أن ينتهي ~~إلى الوجود الذي لا أخس منه ولا أنقص وهو الهيولى الأولى. # فينقطع هذه السلسلة النزولية عندها ولا يتخطى إلى ما دونها لعدم إمكانه ~~فهي نهاية تدبير الأمر فإنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ~~فيفيض عنه بالامتزاج بين المواد الجسمية الصور النوعية للمركبات على ~~مراتبها المتفاوتة في العروج بحسب ترقي الاستعدادات وتكاملها فلا يزال ~~يترقى في الوجود من الأرذل إلى الأفضل حتى ينتهي إلى الأفضل الذي لا أفضل ~~منه. # فأخسها المادة المشتركة والأفضل هاهنا الأسطقسات ثم المعدنيات ثم النبات ~~ثم الحيوان الغير الناطق ثم الحيوان الناطق. وأفضله ما وصل إلى درجة العقل ~~المستفاد فيه عاد الوجود إلى المبدإ الذي ابتدأ منه وارتقى إلى ذروة الكمال ~~بعد أن هبط منها فعنده يقف ترتيب الوجود وبه يتصل دائرة الفيض والجود كما ~~قيل نظما: # دو سر خط حلقه هستى * بحقيقت بهم تو پيوستى ثم لو نظرت متفكرا في صنع ~~الله: وجدت أن كل ما وقع منه في مرتبة من مراتب الوجود الباديات لا يتصور ms179 ~~ما هو أشرف من شخصه شخصا ولا من نوعه نوعا أما الأول فلوجوب انحصار كل نوع ~~منها في شخص لعدم الامتياز هناك بالعوارض الحادثة PageV00P308 # لكونها قبل الاتفاقات والحركات والاستعدادات. وامتياز الشيء بنوعه أو ~~بلوازم نوعه يوجب الانحصار في شخص واحد. وأما الثاني فلما دلت عليه قاعدة ~~الإمكان الأشرف التي أفادها الأستاذ الأول أرسطاطاليس من أن ذات البارىء لا ~~يقتضي الأخس ويترك الأشرف بل يلزم من فيض جوده الأشرف فالأشرف. وبرهان هذه ~~القاعدة في كتاب حكمة الإشراق. # والقاعدة وإن لم تطرد فيما تحت الكون وفي سلسلة العائدات كما ظنه بعضهم ~~لكنها جارية في الإبداعيات. # وأما الوجودات الواقعة في عالم التركيب ومراتب الصعود فهي أيضا في غاية ~~الجودة ونهاية نظم الوجود وذلك لأن الأمور الواقعة فيه نظامها متعلق بحركات ~~الأفلاك وأوضاعها لأغراض شريفة علوية فيكون ما يصدر عنها في غاية الحسن. # وأيضا نظام الأفلاك وما فيها ظل نظام ما في القضاء الإلهي بناء على ما مر ~~وعلى ما تحقق عندهم من أن صدور الموجودات عن الباري تعالى ليس على سبيل ~~البخت والاتفاق كما نسب إلى ذيمقراطيس ولا على طريقة الجزاف في القصد كما ~~توهمته الأشاعرة ولا من إرادة ناقصة كإراداتنا المحوجة إلى دواع خارجة عن ~~الذات كما زعمته المعتزلة ولا بحسب الطبيعة الغير الشاعرة بذاتها فضلا عن ~~الشعور بغيرها كما ذهبت إليه كفرة الدهرية. # بل النظام المعقول الذي يسمى عند الحكماء بالعناية مصدر للنظام الموجود ~~وذلك النظام الموجود محض الخير والكمال. # فهذا الذي على وفقه يجب أن يكون أتم النظامات الإمكانية وأكملها فعلى هذا ~~لا يكون في الوجود أمر جزافي أو اتفاقي بل كله غريزي فطري بالقياس إلى ~~طبيعة الكل سواء كان طبيعيا بحسب نفسه كحركة الحجر إلى السفل أو قسريا ~~كحركته إلى الفوق أو إراديا كفعل الحيوان بما هو حيوان. # إذ كلما يحدث فيجب عن سبب ويترقى سلسلة الأسباب إلى مبدأ واحد ومسبب فرد ~~يصدر عنه الأشياء ويتسبب عنه على ترتيب علمه فلا يتصور غيرها. # فليس في الوجود شيء مناف لطبيعة ms180 علله وأسبابه إذ المعلول لا ينافي العلة. ~~PageV00P309 # فالحركات كلها طبيعية بهذه الوجهة والنغمات والأشعار كلها مؤتلفة موزونة ~~بالقياس إلى طبيعة الكل وإن لم يكن كذلك بالقياس إلى طبيعة جزئية. ووجود ~~الأصابع الزائدة على خلقة الإنسان طبيعي في جبلة العالم وكذا كل عمر ~~بالقياس إلى الكل طبيعي وإن لم يكن طبيعيا على الإطلاق. # ولو تيسر لك أن تعلم كل شيء بأسبابه وعلله لرأيت جميع الأشياء حسنا عندك ~~وملائما لديك وعرفت هذا الأمر بالوجدان كما تعرفه بالبرهان وعلمت أيضا أن ~~الوجود وكل جزء من أجزائه من جوهر أو عرض مجرد أو مادي فلكي أو عنصري بسيط ~~أو مركب جماد أو نبات أو حيوان ففيها عجائب وغرائب يظهر بها حكمة الله ~~تعالى وقدرته وجلاله وعظمته ما ينقضي الأعمار دون الوقوف على عشر عشيره ~~فتأمل أيها المتفكر في خلق الله تعالى أن مبدع العجائب وصانع الغرائب لما ~~كان غير متناهي القوة والقدرة فلم يجز وقوف رحمته عند حد لا يتجاوزه ويبقى ~~بعد ذلك الإمكان الغير المتناهي من غير أن يخرج من القوة إلى الفعل. # ثم إنه لما امتنع صدور الغير المتناهي مجتمعا لنهوض براهين التطبيق ~~والتضايف وغيرهما م فبالضرورة لا يمكن ذلك إلا على سبيل التعاقب والافتراق. # فلا جرم وجب أن يكون من مبدعات الله جوهر بسيط ليصح صدور الممكنات ~~المحدثات المتجددات عنه تعالى لتقدسه عن التغير فيجب أن يكون ذلك الجوهر ذا ~~قوة غير متناهية في الانفعال كما أن الواجب تعالى ذو قوة غير متناهية في ~~الفعل. # ثم لما كان تجدد الحوادث الواردة على الهيولى موقوفا على أمر متجدد ~~بالطبع حادث بالذات ليصير بتجدده وحدوثه الذاتيين منشأ لتجدد الحادثات ~~فأفاد بفضل جوده وجود أجرام كريمة إبداعية دائمة الحركات لأغراض شريفة ~~علوية هي علة لاستعدادات غير متناهية يلحق إلى فاعل غير متناهية التأثير ~~وقابل غير متناهي القبول لتوجب ذلك إفاضة الخيرات وفتح أبواب البركات دائما ~~كما في قوله تعالى: و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.. PageV00P310 # ثم ألم تنظر أيها السالك سبيل معرفة الله ms181 تعالى وملكوته من ملاحظة أحوال ~~الفلكيات وكيفية أوضاعها لانتفاع السفليات من أنها لو كانت كلها نيرات ~~لأفسدت بإحراقها مواد الكائنات ولو كانت بالكلية عرية عن النور لبقي ما دون ~~الفلك في وحشة شديدة وليل مظلم لا أوحش منه وكذا لو ثبتت أنوارها أو لازمت ~~إلى دائرة واحدة لأثرت بإفراط فيما قابلها وتفريط فيما وراء ذلك. # ولو لم يكن لها حركة سريعة لفعلت ما يفعله السكون واللزوم. ولو لم يجعل ~~الأنوار الكوكبية ذات حركة سريعة مشتركة وبطيئة مختصة ولم يجعل دوائر ~~الحركات البطيئة مائلة عن دائرة الحركة السريعة لما مالت إلى النواحي شمالا ~~وجنوبا فلم ينتشر منافعها على بقاع الأرض. # ولو لا أن حركة الشمس خصوصا على هذا المنوال من تخالف سمتها لسمت الحركة ~~السريعة لما حصلت الفصول الأربعة التي تتم بها الكون والفساد ويصلح أمزجة ~~البقاع والبلاد ولما كان القمر نائبا للشمس خليفة لها في النضج والتحليل ~~إذا كان قوى النور جعل مجراه يخالف مجراها فالشمس تكون في الشتاء جنوبية ~~والقمر شماليا لئلا ينفقد السببان وفي الصيف بعكس ذلك لئلا يجتمع المسخنان. # ولما كانت الشمس شمالية الحركة صيفا وجنوبيتها شتاء جعل أوجها في الشمال ~~وحضيضها في الجنوب لينجبر قرب الميل ببعد المسافة لئلا يشتد التسخين ~~والتبريد وينكسر بعده بقربها لئلا تضعف القوة المسخنة عن التأثير. # ثم أما تأملت يا عارف في ملكوت السماوات وما فيها من خلق الكواكب وقوام ~~جواهرها وإشراق نورها وطاعتها للباري ودوامها في الحركات عشقا وشوقا إلى ~~بارئها ومبدعها. PageV00P311 # ثم أما تنظر فيها بنظر الاعتبار وتعظم أمرها كما عظم الله أمر السماء ~~والنجوم في كتابه م فكم من سورة يشتمل على تفخيمها في مواضع! وكم أقسم بها ~~في القرآن! ثم أثنى على المتفكرين فيها فقال: يتفكرون في خلق السماوات و ~~الأرض. وذم المعرضين عنها فقال: جعلنا السماء سقفا محفوظا و هم عن آياتها ~~معرضون إشارة إلى أن السماوات أصلاب شداد محفوظات عن التغير إلى أن يبلغ ~~الكتاب أجله. وقال أيضا: # و بنينا فوقكم سبعا شدادا.. # وقال: ءأنتم ms182 أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها.. # فانظر أيها العاقل إلى الملكوت لترى عجائب العز والجبروت وأطل فكرك في ~~الملك فعسى يفتح لك أبواب السماء فتخرج إليها من هذه الهاوية المظلمة فتجول ~~بقلبك في أقطارها إلى أن تقوم بين يدي عرش الرحمن فعند ذلك ربما يرجى لك أن ~~تبلغ رتبة الأقصى ولا يكون ذلك إلا بعد مجاوزتك عن الأدنى وأدنى شيء إليك ~~نفسك ثم الأرض التي هي مقرك ثم الهواء المكتنف لك ثم النبات والحيوان وما ~~على وجه الأرض ثم عجائب الجو ثم السماوات السبع بكواكبها ثم الكرسي ثم ~~العرش ثم حملة العرش وخزان السماوات ثم منه تجاوز النظر إلى رب العرش ~~والكرسي في السماوات والأرض وما بينهما. # فبينك وبينه هذه المفاوز والعقبات وأنت بعد لم تفرغ من أدناها وهي معرفة ~~ظاهر نفسك ثم صرت تدعي بوقاحتك معرفة ربك وتقول: قد عرفت ولا تتأمل أنه ~~يستحيل لك معرفة رب العالمين وأنت عاكف بيت جسدك في عالم التراب. ~~PageV00P312 # فمن جملة آيات حكمته وعنايته الإنسان المخلوق من القوة الهيولانية ثم من ~~التراب ثم من النطفة. # وأشير إلى المرتبة الأولى للإنسان في قوله تعالى: هل أتى على الإنسان حين ~~من الدهر لم يكن شيئا مذكورا.. # وإلى المرتبة الثانية والثالثة بقوله: إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج. # فانظر أيها الناظر في الأنفس والآفاق إلى النطفة وهي ماء قذرة لو تركت ~~ساعة ليضر بها الهواء لتغير مزاجها وفسدت كيف أخرجها رب الأرباب من بين ~~الصلب و الترائب وحفظها عن التبدد والافتراق ثم كيف جعلها وهي مشرقة بيضاء ~~علقة حمراء ثم كيف جعلها مضغة ثم كيف قسم أجزاء النطفة وهي متشابهة متساوية ~~إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم ثم كيف ركب من هذه الأجزاء ~~والأعضاء البسيطة الأعضاء المركبة من الرأس واليد والرجل وغيرها وشكلها ~~بأشكال مختلفة مناسبة لها بحسب جواهرها وأفاعيلها كما يستعلم من قواعد ~~التشريح وغيره. # ولو نظر أحد حق النظر في حقيقة الإنسان وتدبر في ذاته حق التدبر لوجدها ~~مشتملة على جميع طبقات ms183 الموجودات بحسب طبائعها وماهياتها دون أشخاصها ~~وهوياتها ووجدها متصاعدة في استكمالاتها من أخس المراتب إلى أشرف الغايات ~~حتى كان الإنسان قبل تكون بدنه أولا لا شيئا محضا مشاركا للمعدومات بلا اسم ~~ورسم ثم مادة هيولانية ونطفة قذرة في غاية ضعف الوجود حيث ينعدم صورتها ~~بأقل مصادمة برد أو حر أو غيرهما ثم تدرج في الاستكمال قليلا بعناية الله ~~تعالى وقدرته فأفاض عليها صورة نباتية وخلق فيها قوة جاذبة للغذاء. # ثم إن تلك المادة لأجل شركتها للنباتات صارت أكمل وجودا من الحجر والمدر ~~والحديد والنحاس وغير ذلك من الجواهر المعدنية إلا أن النباتات مع هذا ~~الكمال ناقص فإنه لو أعوزه غذاء PageV00P313 # يساق إليه ويماس أصله جف ويبس ولم يمكنه طلب الغذاء من موضع آخر فإن ~~الطلب إنما يكون بشيئين: # أحدهما معرفة المطلوب والثاني القدرة على الانتقال إليه والحركة نحوه. # والنبات عاجز عنهما فلو وقف وجود الإنسان في هذه المرتبة لكان ناقصا في ~~خلقه عاجزا في وجوده. # فصل في بيان عنايته تعالى في خلق القوى الحاسة للإنسان فانظر كيف أنعم ~~الله تعالى عليه وشرفه بصورة أخرى امتاز بها عن النباتات وارتفع وجوده عن ~~الانحطاط إلى درجة الساكنات وقرب بخطوة أخرى إلى مبدأ الممكنات وغاية ~~الحركات بأن خلق له آلة الإحساس وآلة الحركة في طلب الغذاء وهما المشار ~~إليهما في الكتاب بقوله تعالى: فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما ~~شاكرا و إما كفورا.. # ثم انظر إلى ترتيب حكمة الله ونظم الوجود في خلق الحواس الخمس التي هي ~~آلة الإدراك فأولها حاسة اللمس وإنما خلقت لك حتى إذا مستك نار محرقة أو ~~سيف جارح تحس به فتهرب منه وهذا أول حس يخلق في الحيوان كما مر. وأنقص ~~درجات الحس والشعور أن يشعر بما يلاصقه ويماسه فإن الشعور بما يبعد منه ~~شعور أتم لا محالة. # وهذا الشعور موجود لكل حيوان أو لم تر إلى الدود التي مرتبتها أنزل مراتب ~~الحيوان إذا غرز فيها الإبرة انقبضت للهرب بخلاف النبات حيث لا ينقبض عند ~~القطع إذ ms184 لا يحس به. # ألا إنك لو لم يخلق لك إلا هذا الحس لكنت ناقصا كالدود التي في الطين لا ~~تقدر على طلب الغذاء من حيث يبعد عنك فافتقرت إلى حس تدرك به ما بعد عنك ~~فخلق لك الشم ألا إنك تدرك به الرائحة ولا تدري أنها PageV00P314 # جاءت من أي ناحية فتحتاج إلى أن تطوف كثيرا من الجوانب فربما تعثر على ~~الغذاء الذي شممت ريحه وربما لم تعثر فتكون في غاية النقصان لو لم يخلق لك ~~البصر لتدرك به ما بعد عنك وتدرك جهته فتقصد تلك الجهة بعينها ألا إنه لو ~~لم يخلق لك إلا هذا لكنت ناقصا إذ لا تدرك بهذا ما انحجب وراء الجدار فتبصر ~~غذاء ليس بينك وبينه حجاب ويتصور عدوا لا حجاب بينك وبينه وقد لا ينكشف ~~الحجاب إلا حين قرب العدو فتعجز عن الهرب فخلق لك السمع حتى تدرك به ~~الأصوات من وراء الجدران عند جريان الحركات. # ولأنك لا تبصر ولا تدرك بالبصر إلا شيئا حاضرا وأما الغائب فلا يمكنك ~~معرفته إلا بكلام تدرك بحس السمع فاشتدت إليه حاجتك فخلق لك ذلك. وميزت ~~بفهم الكلام عن سائر الحيوانات. # وكل ذلك ما كان يغنيك لو لم يكن لك حس الذوق إذ يصل إليك الغذاء فلا تدرك ~~أنه موافق أو مخالف فتأكله فتهلك كالشجر يصيب في أصلها كل مائع ولا ذوق لها ~~فتجذبه وربما يكون ذلك سبب جفافها. # ثم جميع ذلك لا يكفي في الاستكمال ولا يتم به الحياة الإنسانية لو لم يكن ~~في مقدم دماغك إدراك آخر يسمى بالحس المشترك يتأدى إليه المحسوسات الخمسة ~~ويجتمع فيه ولولاه لطال الأمر عليك في معرفة الأشياء المحسوسة وحفظها عندك. # وهذا كله يشترك فيها الحيوانات فلو لم يكن للإنسان إلا هذا لكان ناقصا ~~لعدم إدراكه عواقب الأمور. # فميزك الله وأكرمك إعظاما وتشريفا بصفة أخرى هي أشرف من الكل وهو العقل ~~فبه تدرك مضرة الضار ومنفعة النافع وما يضر في المال وإن كان نافعا في ~~الحال. # هذا أنموذج في بيان ترتيب ما ms185 أودع الله فيك وأنعمه عليك في باب الإدراك ~~ونظم الأمور الإدراكية فيك من القوى الإحساسية والتخيلية والعقلية التي هي ~~في الحقيقة طائفة من ملائكة الله تعالى المسخرة لانتظام أمرك بحسب الإدراك. ~~PageV00P315 # فصل في بيان عناية الله تعالى في خلق القوى المحركة وأما بيان ما أنعمه ~~عليك من القوى التحريكية التي هي طائفة أخرى من جنود الله وكيفية نظمها ~~وترتيبها فيك فهو أنه تعالى لو خلق المشاعر والمدارك حتى تدرك الأمور التي ~~لها مدخل في استكمالك وحفظ بقائك ما دمت في دار الدنيا من أسباب التغذية ~~وغيرها حتى تدركها من بعد أو قرب ولم يخلق لك ميل في الطبع وشهوة له وشوق ~~إليه يستحثك على الحركة لكان الإدراك معطلا فاضطررت أن يكون لك ميل إلى ما ~~يوافقك يسمى شهوة ونفرة عما يخالفك ويسمى كراهة لتطلب بالشهوة وتهرب ~~بالكراهة فخلق الله تعالى فيك شهوة الغذاء وسلطها عليك ووكلها بك كالمتقاضي ~~يضطرك إلى التناول حتى تغتذي وتبقى بالغذاء. # وهذا مما يشارك فيك الحيوان دون النبات. # ثم هذه الشهوة لو لم تسكن إذا أخذت مقدار الحاجة من الطعام أسرفت وأهلكت ~~نفسك فخلق الله تعالى الكراهة عند الشبع لتترك الأكل بها لا كالذرع فإنه لا ~~تزال يجذب الماء إذا انصب في أسافله حتى يفسد فيحتاج إلى آدمي يقدر غذاءه ~~بقدر الحاجة. # وكما خلقت لك هذه الشهوة لبقاء شخصك خلق شهوة الوقاع لبقاء نسلك ونوعك. # ثم لو لم يخلق فيك الغضب الذي به يدفع كل ما يضارك ولا يوافقك لبقيت ~~معرضا للآفات وعرضة للبليات من جهة الأعادي والأضداد فتحتاج إلى داعية في ~~PageV00P316 # دفع العدو ومقابلته وهي داعية الغضب. # ثم هذا لا يكفيك إذ الشهوة والغضب لا يدعوان إلا إلى ما يضر وينفع في ~~الحال أما في المال فلا يكفي منه هذه الداعية فخلق الله تعالى لك داعية ~~أخرى تسمى بالإرادة وهي مسخرة تحت إشارة العقل المعرف للعواقب كما خلق ~~الشهوة والغضب مسخرين تحت إدراك الحس المدرك للحالة الحاضرة فتم بهما ~~انتفاعك بالعقل إذ مجرد المعرفة بأن ms186 هذا يضرك وهذا ينفعك لا يغنيك في ~~الاحتراز عنه أو في طلبه ما لم يكن لك ميل إلى العمل بموجب المعرفة. # وهذه الإرادة أفردت بها عن البهائم إكراما وتعظيما لبني آدم كما أفردت ~~عنها بمعرفة العواقب. # وقد يسمى هذه الإرادة باعثا دينيا كما قد يسمى الميل الطبيعي باعثا ~~شهوانيا. # ولا بد مع الإدراك والإرادة المستفادة منه المنبعثة عنه إلى الطلب أو ~~الهرب من قدرة على الحركة وآلات صالحة لفعلها. # كل آلة لطلب خاص وهرب خاص فمنها ما هو للطلب على فنونها كالرجل للإنسان ~~والجناح للطير والقوائم للدواب. # ومنها ما هو للدفع كالأسلحة للإنسان والقرون للحيوانات. # وفي هذا يختلف الحيوانات اختلافا كثيرا: # فمنها ما يكثر غذاؤه فيحتاج إلى سرعة الحركة فخلق له الجناح ليطير بسرعة. # ومنها ما خلق له أربع قوائم. # ومنها ما له رجلان. ومنها ما يدب. # فصل في بيان عناية الله تعالى في خلق طبقات من الملائكة لإصلاح حال ~~الإنسان وتبليغه إلى غاية الكمال والاتصال بالعقل الفعال إنه سيقرع سمعك ~~باب من عنايته تعالى في إصلاح عباده بالأنبياء وإصلاح الأنبياء PageV00P317 # بالطبقة العليا من الملائكة وهدايتهم وتبليغ الوحي بها إليهم. # فاعلم الآن أن الملائكة ليسوا مقصورين في أفعالهم على ذلك القدر بل ~~الملائكة مع وفور عددها وكثرة ذواتها وترتيب مراتبها تنحصر في ثلاث طبقات: ~~الملائكة الأرضية والسماوية وهي المدبرات أمرا وحملة العرش وهي الغايات في ~~الحركات والمعاشيق في الأشواق النفسانية والسابقات سبقا. # فانظر كيف وكلهم بك في انتظام حالك في جميع أمورك حتى فيما يرجع إلى ~~غذائك فإن كل جزء من أجزاء بدنك لا تغذي إلا بأن يوكل الله به سبعة من ~~الملائكة هو أقل إلى عشر إلى مائة وإلى ما وراء ذلك. # وبيان ذلك أن معنى التغذي أن يقوم جزء من الغذاء مقام جزء قد تلف وذلك ~~الغذاء يتغير تغيرات حتى يصير دما في آخر الأمر ثم يصير لحما وعصبا. # ثم إن الغذاء جسم لا يتحرك ولا يتغير بأنفسها ومجرد الطبع لا يكفي في ~~ترددها في أطوارها كما أن ms187 البر بنفسه لا يصير طحينا ثم عجينا ثم خبزا ~~مستديرا مطبوخا إلا بصناع فكذلك لا يصير لحما وعظما وعرقا وعصبا إلا بصناع ~~والصناع في الباطن هم الملائكة كما أن الصناع في الظاهر هم أهل البلد وأسبغ ~~الله تعالى عليكم نعمه ظاهرة و باطنة. # فلا ينبغي أن تغفل عن نعمه الباطنة. # فأقول لا بد من الملائكة السبعة: ملك جاذب للغذاء إلى العضو وآخر ممسك له ~~في جوار العضو وثالث يخلع عنه صورة الدم ورابع يكسوه صورة اللحم والعظم ~~والعرق وغيرها وخامس يدفع الفضل الزائد من حاجة الغذاء وسادس يلصق ما اكتسى ~~كسوة اللحم باللحم والعظم بالعظم حتى لا يكون منفصلا وسابع يرعى المقادير ~~والنسب في الإلصاق. # بحث وتحقيق فإن قلت: فهلا فوضت هذه الأفعال إلى ملك واحد ولم احتاجت إلى ~~PageV00P318 # سبعة أملاك والحنطة أيضا يحتاج إلى أن يطحن أولا ثم إلى أن يميز عنه ~~النخالة ويدفع عنه الفضلة ثانيا ثم إلى أن يصب الماء عليه ثالثا ثم إلى أن ~~يعجن رابعا ثم إلى أن يقطعه كرات مدورة خامسا ثم إلى أن يرغفها رغيفا سادسا ~~ثم إلى أن يلصقها بالتنور سابعا فهلا كانت أفعال الملائكة باطنا كأفعال ~~الأنس ظاهرا. # فاعلم أن خلقة الملائكة يخالف خلقة الإنس وما من واحد منهم إلا وهو ~~وحداني الصفة ليس فيه خلط وتركيب البتة فلا يكون لكل واحد إلا فعل واحد ~~وإليه الإشارة بقوله سبحانه وتعالى: و ما منا إلا له مقام معلوم. فلذلك ليس ~~بينهم تنافس وتقابل بل مثالهم في تعيين مرتبة كل واحد وفعله عليه مثال ~~الحواس الخمس فإن البصر لا يزاحم السمع في إدراك الأصوات ولا السمع يزاحم ~~البصر في إدراك الألوان ولا الشم يزاحمهما ولا هما يزاحمان الشم. # وليس كاليد والرجل فإنك قد تبطش بأصابع الرجل بطشا ضعيفا فيزاحم به اليد ~~وقد تضرب غيرك برأسك ويزاحم اليد التي هي آلة الضرب. # ولا كالإنسان الواحد الذي يتولى بنفسه الطحن والعجن والخبز فإن هذا نوع ~~من الاعوجاج والعدول عن العدل سببه اختلاف صفات الإنسان ودواعيه ms188 فإنه لم ~~يوجد وحداني الصفة والداعية فلم يكن وحداني الفعل ولذلك ترى الإنسان يطيع ~~الله تعالى تارة ويعصيه أخرى لاختلاف صفاته ودواعيه وذلك غير ممكن في طبائع ~~الملائكة بل هم مجبولون على الطاعة لا مجال للمعصية في حقهم فلا جرم لا ~~يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون يسبحون الليل و النهار لا يفترون ~~والراكع منهم راكع أبدا والساجد منهم ساجد أبدا والقائم منهم قائم أبدا لا ~~اختلاف في أفعالهم ولا فتور لكل واحد منهم مقام معلوم وطاعتهم الله تعالى ~~من وجه يشبه طاعة طرفك لك فإنك مهما جزمت الإرادة بفتح الأجفان لم يكن ~~للجفن الصحيح تردد واختلاف في طاعتك مرة ومعصيتك أخرى بل لا يستطيع خلافا ~~لك ولا عصى لأمرك ولكن PageV00P319 # هذا يخالفها من وجه آخر إذ الجفن لا علم له بما يصدر منه من الحركة فتحا ~~وإطباقا والملائكة أحياء وعالمون بما يفعلون. # فهذه نعمة الله تعالى عليك وعنايته لك في الملائكة الأرضية فارفع رأسك ~~وأصعد نظرك من هذه الجهة إلى مشاهدة أنعم الله عليك بعنايته من الأسباب ~~المرتبة المنتهية إلى خلق الأجفان وحركتها حتى يقيس عليها سائر ما أوجده ~~الله تعالى فيك وأسبابه المنتهية إليه إذ الأجفان مثلا لا يقوم إلا بالعين ~~ولا العين إلا بالرأس ولا الرأس إلا بجميع البدن ولا البدن إلا بالغذاء ولا ~~الغذاء إلا بالأرض والماء والنار والهواء والغيم والمطر والشمس والقمر ولا ~~يقوم شيء منها إلا بالسماوات إلا بالمدبرات من الملائكة العملية ولا ~~المدبرات إلا بالملائكة العقلية ولا الجميع إلا بأمر الله وإرادته وقضائه ~~وقدره فإن الكل كالشئ الواحد يرتبط البعض منه بالبعض ارتباط أعضاء الإنسان. ~~فمن كفر نعمة واحدة كفتح العين مثلا فقد كفر نعم الله في الوجود كله من ~~منتهى الثرى إلى منتهى الثريا فلم يبق ملك ولا فلك ولا حيوان ولا نبات ولا ~~جماد إلا ويلعنه ولذلك ورد في الأخبار أن البقعة التي يجمع فيها الناس إما ~~أن يلعنهم إذا تفرقوا أو يستغفر لهم. وكذلك ورد أن العالم يستغفر ms189 له كل شيء ~~حتى الحوت في البحر وأن الملائكة يلعنون العصاة في ألفاظ كثيرة لا يمكن ~~إحصاؤها. # وكل ذلك إشارة إلى أن الجاهل العاصي بمعصية واحدة جنى على جميع ما في ~~الملك والملكوت وقد أهلك نفسه إلا أن يتبع السيئة بحسنة يمحوها فيتبدل ~~بالاستغفار فعسى الله أن يتوب عليه ويتجاوز عنه. # والعالم يعلم الأشياء بحقائقها وماهياتها والموجودات بهيئتها وترتيبها ~~وتعلق كل منها بآخر فيعرف الحق الأول بسلسلة الأسباب وربطها بمسببها ~~ومبدئها وكيفية صدور كل ذرة من الكائنات من عللها وأسبابها القريبة ~~والبعيدة إلى أن ينتهي إلى الأسباب القصوى والغايات الأخيرة من الأفلاك حتى ~~ينتهي إلى المعبود الأول وعلة سائر PageV00P320 # العلل. ويكون علمه الذي يطابق معلوماته زينة لذاته كمالا لنفسه فكل واحد ~~من الأسباب والمسببات المعروفة عنده يكون له مدخل في تتميم ذاته وتكميل ~~جوهره. وهذا معنى استغفار كل شيء للعالم. # فصل في بيان عنايته تعالى في تبقية النوع الذي لا يحتمل الدوام الشخصي ~~بتوارد الأمثال بقوة مولدة شأنها الاستخلاف ثم انظر أيها العارف المتأمل في ~~آثار رحمته وعنايته حتى تسبح له طربا وشوقا وتزمزم في عشق جماله بالتهليل ~~والتكبير أن القسمة لما أوجبت باقيات بالعدد وباقيات لا بالعدد كيف يتمم ~~جود الواجب الحق نقصان الديمومية الشخصية في هذا الصنف بإعطائها الديمومة ~~النوعية فوفى لكل منها قسطه من الوجود فصار العالم الطبيعي منتظما بصنفي ~~الثبات والبقاء وكيف استبقى نوع ما وجب فساده من الحيوان والنبات بقوة ~~مولدة قاطعة لفضله من مادة يكون هي مبدأ لشخص آخر. ولما لم يحصل كماله ~~الشخصي أول مرة كيف رتب له النامية الموجبة لزيادة الأجزاء في الأقطار على ~~نسبة محفوظة ولما توقف فعلها على التغذي كيف رتب لها الغاذية ورتب للغاذية ~~خوادم من قوى أربع جاذبة يأتيها بما يتصرف فيه وهاضمة محللة للغذاء ومعدة ~~إياها لتصرف الغاذية وماسكة لحفظ الغذاء مدة لتصرف المتصرفة ودافعة لما لا ~~يقبل المشابهة كما أشرنا إليه في باب وإن هذه النعمة تتم بوجود سبعة أملاك ~~في الأقل فما فوقها. # ثم انظر ms190 كيف رتب للحيوان قوى أخر من مدركة ومحركة وزاد المزاج الأشرف ~~الإنساني كلمة طيبة إذا أطاعت بأمر بارئها وكملت بالعلم والعمل صعدت إليه ~~وشابهت المقربين من المبادئ والعلل. # ولو تدبرت تدبرا شافيا في كيفية تدبير النفس للبدن وحصول ألفة التدبير ~~والتصرف والشوق والتحريك وعشق المقارنة PageV00P321 # وألم المفارقة بينهما مع أن البدن كالثقل الكثيف والنفس كالنور اللطيف ~~لقضيت العجب وقلت كيف يتصور الازدواج بين النور والظلمة والايتلاف بين ~~العلوي الذي قال الله تعالى تعظيما لشأنه و رفعناه مكانا عليا وقال إن كتاب ~~الأبرار لفي عليين. والسفلي المشار إليه بقوله إن كتاب الفجار لفي سجين إذ ~~بينهما من المنافرة والمخالفة في الماهية ما لا يخفى على البرية. # فانظر كيف تلطف الخالق بحكمته التامة وأنعم بحسن عنايته العامة أن خلق ~~البدن الكثيف من مادة النطفة ومن لطافته القلب الصنوبري ومن لطافته الدم ~~الخالص ومن صفوته الروح البخاري التابعة في العضو الرئيس التي هي في ~~اللطافة والصفاء كالفلك البعيد عن التضاد وفي التوسط بين الأطراف الخالي ~~عنها المشابهة للسبع الشداد فمن جهة صفائها ونقائها ونورها وضيائها وبعدها ~~عن التضاد الموجب للفساد يصير منزلا أولا للوارد العيني والوليد النوري ~~والمعسكر لقواه ومجند لجنوده ومرآة بها تدرك الصور الجزئية الموجودة كله ~~كما أن النفس مرآة تدرك الصور العقلية الكلية للحقائق فبالمرآتين تدرك صور ~~الكونين. # فإذن في الإنسان شيء كالملك وشئ كالفلك فصار بهذين الاعتبارين مغرب ~~العالمين ومنتهى الإقليمين. # فانظر إلى القدرة والحكمة ثم إلى اللطف والعناية ثم إلى المجد والكرم ~~تظهر لك عجائب الحضرة الربوبية. # فصل في عنايته تعالى في خلق الأرض وما يتكون منها فإذ عرفت العناية ~~الربانية في نفسك وبدنك فانظر إلى الأرض التي مقر PageV00P322 # لجسدك ثم في أنهارها وبحارها وجبالها ومعادنها كيف أنزل الله تعالى عليها ~~الماء وهي ميتة فاهتزت وربت واخضرت وأنبتت عجائب النباتات وخرج منها أصناف ~~الحيوانات. # ثم انظر كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات والشوامخ الصم الصلاب ~~وكيف أودع المياه تحتها وفجر العيون وأسال الأنهار وأخرج من الحجارة ~~اليابسة ومن ms191 التراب الكدر ماء رقيقا عذبا صافيا زلالا وجعل به كل شيء حيا. # ثم انظر إلى الجواهر المعدنية المودعة تحت الجبال فانظر إلى الجبال ~~وعجائب أمرها وتكونها من التراب أولا كالذهب والفضة والفيروزج واللعل ~~وغيرها وأنها كيف هدى الله تعالى الناس إلى استخراجها وتنقيتها وتخليصها عن ~~الغش واتخاذ الأواني والآلات والنقود والحلي عنها. # ثم انظر إلى أصناف الحيوانات كيف يتولد ويتوالد ويغتذي وينمو. ولكل منها ~~تهيؤ من الأعضاء والآلات والأشياء الداخلية والخارجية ما يتم به خلقته ~~ويعيش به بدنه فاختلفت بحسب الأعضاء وأوضاعها وأحوالها ومشاعرها ومداركها ~~وبحسب الأمكنة فمنه ما يحتاج إلى تنفس الهواء كالإنسان ومنه ما يضطر إلى ~~استنشاق الماء كالسمك ومنه ما لا حاجة إلى شيء منها. ثم منها ما يطير ومنها ~~ما يمشي ومنها ما يزحف. # ثم انظر إلى عجائب البقة والنملة والنحل والعنكبوت التي هي من صغار ~~الحيوانات في بناء بيتها وفي جمعها غذاءها وألفها لزوجها وفي ادخارها ~~لنفسها وفي حذاقتها في هندسة بيتها وفي هدايتها إلى حاجتها فانظر إلى النحل ~~ومسدساته وإلى العنكبوت ومثلثاته جميع ذلك روعيت فيها أغراض هندسية. # وما من حيوان صغير ولا كبير إلا وفيه من العجائب ما لا يحصى. # أ فترى أنه يعلم هذه الصنعة من نفسه أو PageV00P323 # علمه آدمي ولا هادي له ولا معلم. # أ فيشك ذو بصيرة في أنها مسكينة عاجزة ضعيفة بل الفيل العظيم شخصه الظاهر ~~قوته عاجز عن أمر نفسه أفلا يشهد هو وصورته وشكله وحركته وعجائب صنعه ~~بعناية فاطر حكيم وجود جواد عليم فصل في بدائع صنع الله تعالى في المواد ~~الفلكية والكوكبية فارفع الآن رأسك إلى السماء وانظر فيها وفي كواكبها وفي ~~دورانها وطلوعها وغروبها وشمسها وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها ودؤبها في ~~الحركات على الدوام من غير فتور في حركتها ومن غير تغير في مسيرها بل يجري ~~جميعها في منازل مرتبة بحساب مقدر لا يزيد ولا ينقص إلى أن يطويها الله ~~تعالى طي السجل للكتب. # وتدبر عدد كواكبها وكثرتها واختلاف ألوانها. # ثم انظر كيفية أشكالها. وما ms192 من صورة في الأرض إلا ولها تمثال في السماء ~~وما من كوكب إلا ولله تعالى حكم كثيرة في خلقه ثم في مقداره ثم في وضعه ~~ونسبته إلى كوكب آخر وقربه من وسط السماء وبعده. وقس ذلك على الحكمة التي ~~روعيت في أعضاء بدنك. # وأمر السماء أعظم بكثير من الإنسان بل من جملة ما في عالم الأرض. وقس ~~التفاوت فيما بينهما في عجائب الترتيب وحسن النظام وكثرة المعاني والغايات ~~الحكمية على التفاوت فيما بينهما في المقدار والشرف واللطافة. # فهذا السماء لعظمها وكثرة كواكبها بيت واحد من بيوت عبد الله فيها خلائق ~~كثيرون فمنهم سجود لا يركعون ومنهم ركوع لا ينتصبون ومسبحون لا يسأمون لا ~~يغشاهم نوم العيون ولا فترة الأبدان وغفلة النسيان. # وليس من شرط البيت أن يكون من الطين والخشب بل ولا يشترط أن يكون المعبد ~~جسمانيا بل كل ما يقوم فيه عبادة الحق الأول وتسبيحه وتقديسه فهو مما يصدق ~~عليه المعبد بالحقيقة. PageV00P324 # فانظر إلى البارىء تعالى كيف خلق السماء معبدا للملائكة المسبحين ~~المهللين ثم جعلها آمنة من الفساد والخلل غير قابلة للأضداد وأمسكها من غير ~~عمد ترونها ومن غير حبل تتدلى بها. # والعجب ممن لا ينظر إلى بيت بنى الله تعالى بنيانه بقدرته وانفرد بعمارته ~~وزينه بزينته ناسيا ربه بسبب نسيان نفسه مشتغلا ببطنه وفرجه ليس له هم إلا ~~هم شهوته أو حشمته غافلا عن بيت الله تعالى وعن الملائكة الذين هم سكان ~~سماواته فلا يعرف من السماء إلا بقدر ما يعرف النملة من سقف بيته وما صنع ~~الصانع فيه ولا يعرف من ملائكة السماوات إلا ما يعرف النملة من نفوس سكان ~~البيت. # ولنعطف عنان الكلام من هذه النمط لأن الغرض إيراد شيء يسير من دقائق ~~عنايته تعالى وصنعه في المخلوقات الظاهرة فإنه لا مطمع لأحد في معرفة دقائق ~~أسرار اللطف والرحمة في هذا العالم وفي ملكوته الأعلى ولا في استقصاء بدائع ~~الصنع في هذه الموجودات التي تلينا في أعمار طويلة لأن علوم العلماء نزر ~~حقير بالقياس إلى معرفة ms193 الأنبياء والأولياء وما عرفوه قليل بالإضافة إلى ما ~~عرفه المقربون من الملائكة. ثم جميع علوم الملائكة والجن والإنس إذا أضيفت ~~إلى علم الله تعالى لم يستحق إلى أن يسمى علما بل هو إلى أن يسمى دهشة ~~وحيرة وقصورا وعجزا أقرب لقوله تعالى مخاطبا إلى جميعهم: و ما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا. PageV00P325 # الفن الثاني في النظر المختص بالمعاد وكيفية ترتيب الموجودات المعادية ~~وفيه مقدمة وثلاث مقالات PageV00P327 # أما المقدمة اعلم أن وجودات الأشياء وصدورها من المبدإ الأعلى على ضربين: ~~أحدهما الإبداع والآخر التكوين. # والعبارة عن الإبداع هي أن يكون صدور المعلول من مجرد جهة الفاعلية بلا ~~مشاركة حيثية القابلية. # وعن التكوين أن يكون صدورها بمشاركة ما من القابل والفاعل الحقيقي وهو ~~الواجب تعالى في غاية العظمة والجلالة والشرف فما صدر عنه أولا يجب أن يكون ~~أشرف مما يمكن صدوره عن الشيء فيكون أول المبدعات أعظم الممكنات شرفا وما ~~يتلوه أيضا يجب أن يكون أشرف مما يتأخر عنه بوسط وكذا المتأخر عن تالي ~~المعلول الأول بلا وسط يجب أن يكون أشرف من الذي تأخر عنه بوسط وهو أيضا ~~أشرف من المتأخر بوسطين وهو من المتأخر بثلاثة أوساط وهكذا انتقل الوجود من ~~الأشرف فالأشرف إلى الأخس فالأخس حتى ينتهي إلى ما لا أخس منه في الإمكان ~~وهو الذي لا حيثية له إلا حيثية الإمكان والقوة ولا شيئية له في ذاته إلا ~~قبول الأشياء فلا جرم كلما طرأ عليه أولا يكون أخس الصور وجودا وأنقصها ~~فعلية لأنها ما صدرت عن محض جهة الفاعلية إذ ما كان يصدر عن تلك الجهة فقد ~~PageV00P329 # انقضت نوبته وتمت سلسلته بل إنما صدرت من جود الواهب بواسطة استعداد ~~القابل وما به الاستعداد هاهنا ذات القابل بذاتها لا بصور تلحقها بها صارت ~~مستعدة. # وقد علمت بأن لا ذات لها متخصصة ولا جوهرية متحصلة لكونها في ذاتها ~~بالقوة من كل الجهات فيكون الصورة الأولى الفائضة عليها صورة عامة شاملة ~~لجميع ما سيلحقها ويرد عليها لعدم تحصل قابلها أصلا. # والصورة الحادثة بعدها ms194 الحاصلة بسبب تهيؤ المادة الأولى بها يجب أن يكون ~~أخس الصورة الكائنة ما خلا الصورة الأولى وإن كانت أشرف منها قليلا إذ ~~الأولى حدثت في مادة قابلة محضة بلا تخصص والثانية حدثت في مادة متخصصة ~~الاستعداد فيكون أشرف منها قليلا وأخس عما سواها. (مما سواها خ ل) وبهذه ~~النسبة يحدث التوالي للأخس فالأخس إلى الأشرف فالأشرف حتى ينتهي إلى صورة ~~شبيهة بالمبادي العالية والعقول الفعالة في الشرف والبراءة. # والموجودات ابتدأت فكانت عقلا ثم نفسا ثم صورة ثم مادة فعادت متعاكسة ~~كأنها دارت على نفسها جسما متصورا ثم نباتا ثم حيوانا ثم إنسانا ذا عقل. # فابتدأ الوجود من العقل وانتهى إلى العقل بعد ما نزل إلى رتبة في غاية ~~النزول إذ علة الشرف والتميز هي الدنو من العلي العزيز. # ففي البدء كل ما تقدم كان أوفر اختصاصا وفي العود كل ما تأخر فهو أقرب ~~إلى أن يجد من الهيولى خلاصا. PageV00P330 # المقالة الأولى في كيفية تكون العائدات من العناصر وفيها فصول فصل في ~~الإشارة إلى المزاج اعلم أن كلا من العناصر له مادة وصورة وكيفية ويدل على ~~الأول مشاهدة انقلاب بعضها إلى بعض في الصورة فعلم أن هاهنا هيولى مشتركة ~~مطيعة لأوامر الله تعالى ونواهيه في خلع بعض الصور ولبس بعضها وإلا يلزم ~~انقلاب الحقيقة. # وعلى الثاني مشاهدة الآثار المختلفة واستدعاء الأحياز المختلفة فعلم أن ~~للعناصر حقائق متباينة لا بمجرد الصفات بل بحسب الذاتيات ومبادئ الفصول ~~والمقومات. # وعلى الثالث استحالة كل منها في كيفياتها مثل التسخن أو التبرد مع بقاء ~~الصورة النوعية. # فهذه البسائط العنصرية إذا امتزجت وتماست وفعل بعضها في بعض بقوتها ~~المتضادة كسر صورة كل منها سورة كيفية الآخر المتضادة حتى نقص العنصر ~~البارد PageV00P331 # مثلا بفعل صورته من حر العنصر الحار وتزيل عنه شدة الحرارة وبالعكس. وكذا ~~العنصر الرطب بالقياس إلى العنصر اليابس وبالعكس. # فيحصل من أفاعيل صورها وانفعالات موادها كيفية واحدة متوسطة بين أطراف ~~الكيفيات المتخالفة متشابهة في أجزاء الممتزج وهي المزاج فيستعد المركب ~~بسبب حدوث هذه الكيفية المتوسطة ms195 الخارجة من الأطراف المتضادة صورة كمالية ~~أخرى لبعده عن التضاد الموجب للموت والفساد فيستفيد حياة ما على قدر توسطه ~~وقربه من الأجسام الحسية الفلكية. # فإن الأفلاك لخلوها عن الكيفيات المتضادة يكون الحياة لها ذاتية إذ ~~المبدأ الأعلى قائم بالجود والعطاء والقابل هناك في غاية التهيؤ والنقاء ~~والبسائط العنصرية لكونها متضادة الكيفيات متفاسدتها يكون الموت لها ذاتيا. # وأما الممتزج منها من حيث اكتسابه كيفية متوسطة توسطا ما يقبل نوعا من ~~الحياة فإن لم يمعن في التوسط وهدم جانب الأطراف فيقبل من المبدإ الفياض ~~نوعا ضعيفا من الحياة كالحياة النباتية وذلك بعد أن يستوفي الطبيعة درجات ~~الآثار العلوية التي هي أولي الحوادث العنصرية من السحب والأدخنة والمطر ~~والثلج والطل والصعيق والرعد والبرق والصاعقة ثم درجات المعادن والجمادات ~~من الزيبق واليشم والبلور والزاج والملح والزرنيخ والنوشادر وما يتولد منها ~~من الأجسام السبعة المتطرقة وغيرها كاليواقيت إلى أن يصل إلى درجات استعداد ~~الصور النباتية. فأعطاها الجرم السماوي التهيؤ لقبول النفس النباتية إما ~~منه كما ذهب إليه الطبيعيون أو من العقل الفعال كما يراه الحكماء الإلهيون ~~أو من الحق الأول باستخدامها كما نطق به الصديقون وأهل التنزيل. فيحدث في ~~الجسم النباتي قوة التغذية وهي قوة من شأنها إيراد البدل على البدن شبيها ~~به بتغييرها تغيير المشبه إليه وإلصاقها إياه بالبدن لينجبر بذلك ما يتحلل ~~عنه فيسلم بقاء الشخص ويخدمها القوة الجاذبة لهذا الشيء القابل للتشبه وهو ~~الغذاء والهاضمة لها حتى يصير متحللا بسرعة إلى قبول فعل PageV00P332 # الغاذية والماسكة حتى يتم فيها فعل الهاضمة لأن فعلها تحريك والحركة مما ~~يلزمها امتداد زماني وانحفاظ للموضوع بقدر ذلك الامتداد والدافعة للفضل ~~الذي لا يقبل التشبيه. # ويخدم هذه الأربعة الكيفيات الأربع فتخدم الحرارة في تحليل وتحريك ~~والبرودة في إمساك وتسكين الرطوبة في ترقيق وتشكيل واليبوسة في تقويم وحفظ ~~للتشكل. # للغاذية بخوادمها مخدوم يستخدمها وهي القوة النامية وهي التي من شأنها أن ~~تتصرف في الغذاء والصائر غذاء بالفعل في تربية الجسم النباتي طولا وعرضا ~~وعمقا على تناسب طبيعي إلى أن ms196 يبلغ إلى كماله في النشو فيقف عنده منتهى ~~فعلها وتخلفها الغاذية في فعلها. ثم قوة أخرى فوقها هي المولدة المبقية ~~للنوع وهي التي من شأنها أن تفرز أجزاء من فضلة الغذاء في تمام فعلها إذا ~~حصل في الرحم. # واعلم أن المولدة كالغاذية وحدتها اعتبارية عند أكثر المحققين فهما ~~بالحقيقة قوتان: # إحداهما ما يجعل فضلة الهضم الأخير منيا أو ما يجري مجراه والأخرى ما ~~يهيىء كل جزء من أجزاء لقبول صورة مخصوصة. # وأولي القوتين مسماة كإحدى القوى الثلاث للغاذية بالمغيرة لوجود معنى ~~التغير فيهما لكن اختصت هذه بالأولى وتلك بالثانية باعتبار بدن واحد. # وأما الثانية منهما فهي المصورة. ومن العلماء من أنكر المصورة تبعا ~~للحكماء الإشراقيين حيث أحالوا استناد الأفاعيل المحكمة العجيبة إلى قوة ~~عديمة الشعور ويوافقهم في ذلك الشيخ الغزالي حيث أسند أفاعيل هذه القوة بل ~~جميع القوى إلى الملائكة الموكلة بصدور هذه الآثار. وتحقيق المقام ما ~~أوردناه في بعض كتبنا المبسوطة. # وحاصله إثبات تلك القوة لي وجه يوافق كلا المذهبين ويرتفع به الخلاف من ~~البين. # فإن إثباتها لا يوجب الاستغناء من إثبات الملك الموكل بفعل التصوير كما ~~أن وجود ذلك الملك المتساوي النسبة إلى جزئيات الصور لا يكفي مئونة الحاجة ~~إلى القوى الجزئية المخصصة للأشخاص فالقوة التي يهيئ المادة ويعدها لقبول ~~PageV00P333 # الصورة هي الأنوثية والتي تعطي الصورة هي الذكورية وهاتان القوتان ربما ~~اجتمعا في شخص واحد كما في أكثر النباتات. # وربما افترقت في شخصين ذكر أو أنثى كما في أكثر الحيوانات وإذا اجتمعتا ~~حصل التوليد. # ولا تحجبن عن فطانتك أن في النبات شيئا كالرحم به تحصل التهيئات في عقد ~~الأغصان وشيئا كالبيضة والمني مثل البذر. والقوى النباتية تكون في الأصل ~~وربما يوجد شيء منها في البذر. ومن النبات ما لا يتكون إلا من البذر ~~والثمرة ومنها ما لا يتكون إلا من الأصل ومنه ما يتكون منهما. # وربما يتكون من بذر واحد في بلاد مختلفة نباتات مختلفة. # وأول ما يتكون من النباتات أولية بالطبع طبقات ثلاث تقوم جرمه بها منها ms197 ~~اللب وما يتصل به ومنها العود كالخشب وما يشبهه ويناسبه ومنها اللحاء وما ~~يتممه وينتهي إليه. # والغرض الطبيعي في النبات إما في عوده أو ساقه أو أصله أو ورقه أو قشره ~~أو غصنه أو ثمره. # ولما لم يجد جرم الصلب غذاء يتشبه به دفعة بلا تدريج خلق في الأشجار ~~الصلبة العظام لب يشبه المخ في العظام عناية من الله تعالى في حقها. # وأما الأشجار الضعيفة القوام المتخلخلة فهي بمعزل عن ذلك لعدم حاجتها ~~إليه. # وما كان الغرض الطبيعي فيه أن يعظم حجمه ويطول قده في مدة يسيرة امتنع أن ~~يكون صلبا لأن الصلب يحتاج إلى مادة عاصية وقوة طابخة والتصرف في مثلها ~~يحتاج إلى مدة طويلة ومادة صلبة. # بحث وتحقيق اعلم أن الحكماء حيث جعلوا المولدة والمصورة وغيرهما قوى ~~للنفس الإنسانية وآلات لها. # والنفس حادثة بعد حدوث المزاج وتمام صور الأعضاء كما هو رأي PageV00P334 # المشائين من الحكماء. # واستشكل ذلك بعض الناس بأن القول باستناد صور الأعضاء إلى المصورة قول ~~بحدوث الآلة قبل ذي الآلة وفعلها بنفسها من غير مستعمل إياها وهو ممتنع. # فأجيب عنه تارة بعدم تسليم حدوث النفس لجواز قدمها كما ذهب إليه بعض ~~الفلاسفة. # وتارة بالقول بحدوثها قبل البدن كما هو رأي بعض المليين. # وتارة بعدم جعل المصورة من قوى نفس المولود بل بجعلها من قوى النفس ~~النباتية المغايرة لها بالذات كما هو رأي البعض. # وتارة بتصييرها من قوى نفس الأم. # وشئ من هذه الوجوه لا يسمن ولا يغني. وهكذا اضطرب كلامهم في أن الجامع ~~لأجزاء البدن المولود هل هو الحافظة لها أم لا. وفي أنه نفس المولود أم لا ~~فذهب الإمام الرازي إلى أن الجامع لأجزاء النطفة نفس الأبوين ثم إنه يبقى ~~ذلك المزاج في تدبير نفس الأم إلى أن يستعد لقبول نفس المولود ثم إنها يصير ~~بعد حدوثها حافظة له وجامعة لسائر الأجزاء بطريق إيراد الغذاء. # ونقل الإمام في بعض رسائله المشتملة على أجوبة المسائل المسعودية أنه لما ~~كتب بهمنيار إلى الشيخ وطالبه بالحجة على أن ms198 الجامع للعناصر في بدن الإنسان ~~هو الحافظ لها قال الشيخ: كيف أبرهن على ما ليس فإن الجامع لأجزاء بدن ~~الجنين نفس الوالدين والحافظ لذلك الاجتماع أولا القوة المحصورة لذلك البدن ~~ثم النفس الناطقة. # وتلك القوة ليست واحدة في جميع الأحوال بل هي قوى متعاقبة بحسب ~~الاستعدادات المختلفة لمادة الجنين. # وبالجملة فإن تلك المادة تبقى في تصرف المصورة إلى أن يحصل تمام ~~الاستعداد لقبول النفس الناطقة فحينئذ يوجد النفس. هذا كلامه. # واعترض عليه العلامة الطوسي بأن ما نقله في تلك الرسالة عن الشيخ يخالف ~~ما قاله في الفصل الثالث من المقالة الأولى من علم النفس في الشفاء وهو ~~قوله: فالنفس التي لكل حيوان هي جامعة أسطقسات بدنه ومؤلفها ومركبها على ~~نحو يصلح معه أن يكون بدنا لها وهي حافظة لهذا البدن على النظام الذي ~~ينبغي. PageV00P335 # وبأن تفويض التدبير من قوة كنفس الأم أو القوة المصورة على أحد القولين ~~بعد مدة إلى قوة أخرى كنفس المولود غير معقول في الأفاعيل والتدابير ~~الطبيعي وإنما يجري أمثال هذا بين فاعلين غير طبيعيين. يفعلان بإرادة ~~متجددة وإن كانت المصورة مدبرة وهي للنفس بمنزلة الآلات فكيف خدمت النفس ~~المصورة قبل حدوثها وكيف فعلت بذاتها بلا مستعمل إياها وهي آلة ثم أجاب عن ~~أصل الإشكال بأن ما يقتضيه قواعد الحكمة التي أفادها الشيخ وغيره وهو أن ~~نفس الأبوين يجمع بالقوة الجاذبة أجزاء غذائية ثم يجعلها أخلاطا وتفرز ~~المولدة مادة المني ويجعلها مستعدة لقبول قوة من شأنها إعداد المادة ~~وتصييرها إنسانا بالقوة ويصير يتزايد كمالا في الرحم بحسب استعدادات ~~يكتسبها هناك إلى أن يصير مستعدا لقبول بتلك القوة منيا وتلك القوة تكون ~~صورة حافظة لمزاج المني كالصور المعدنية. ثم إن المني يتزايد كمالا في ~~الرحم بحسب استعدادات يكتسبها هناك إلى أن يصير مستعدا لقبول نفس أكمل تصدر ~~عنها مع حفظ المادة الأفعال النباتية فيجذب الغذاء ويضيفها إلى تلك المادة ~~فتنميها ويتكامل المادة بتربيتها إياها فيصير تلك الصورة مصدرا مع ما كان ~~يصدر عنها لتلك الأفاعيل النباتية وهكذا إلى ms199 أن يصير مستعدا لقبول نفس أكمل ~~يصدر عنها مع جميع ما تقدم الأفعال الحيوانية أيضا فيتم البدن ويتكامل إلى ~~أن يصير مستعدا لقبول النفس الناطقة يصدر عنها مع جميع ما تقدم النطق وتبقى ~~مدبرة للبدن حتى أن يحل الأجل. # وقد شبهوا تلك القوى في أفاعيلها من مبدأ حدوثها إلى استكمالها نفسا ~~مجردة بحرارة تحدث في فحم من نار مشتعلة تجاوره ثم يشتد الحرارة النارية ~~الحادثة في الفحم فيجمر فإن الفحم كتلك الصورة الحافظة واشتدادها كمبدأ ~~الأفعال النباتية وتجمرها كمبدأ الأفعال الحيوانية واشتعالها نارا ~~كالناطقة. فجميع هذه القوى كشيء واحد متوجه من حد ما من النقصان إلى حد ما ~~من الكمال واسم النفس واقع منها على PageV00P336 # الثلاث الأخيرة فهي على اختلاف مراتبها نفس لبدن المولود. # وتبين أن الجامع للأجزاء الغذائية الواقعة في الجنين هو نفس الأبوين وهو ~~غير حافظها. # والجامع للأجزاء المضافة إليها إلى أن يتم البدن إلى آخر العمر والحافظ ~~للمزاج هو نفس المولود. # وقول الشيخ إنهما واحد بهذا الاعتبار وقوله إن الجامع غير الحافظ ~~بالاعتبار الأول. # نقد وإكمال إن كلام هذا الحكيم قدس سره في غاية التنقيح والتحرير إلا أنه ~~يجب عليه أن يبين أن الأفاعيل المتعددة المترتبة المتدرجة في الشرف والكمال ~~من الحفظ والتنمية والتحريك الإرادي والنطق أهي كلها صادرة من مبدأ واحد له ~~قوى متعددة متجددة الحدوث حسب تجدد استعدادات المادة أو من مبادئ متعددة ~~متفاضلة في الشرف والكمال حيث يصدر من كل متأخر ما يصدر عما تقدمه مع أمر ~~آخر يختص به فإن كان الأول فيلزم عليه حدوث النفس الناطقة مع حدوث النطفة ~~وكونها معطلة عما سوى الأفعال الجمادية مدة ما. # وهذا يخالف آراءهم وقواعدهم مما اشتهر أن الناطقة تحدث بعد أن يستوفي ~~المادة درجة النبات والحيوان. # وأن الناطقة يلزمها الأفاعيل المختصة بها فضلا عن الحيوانية والنباتية. # وإن كان الثاني فيلزم عليه ما يلزم على الشارح المقدم للإشارات من تفويض ~~أحد الفاعلين الطبيعيين تدبير مادته أو بدنه إلى فاعل آخر. # وإن زعم أن الصورة السابقة تفسد ms200 ويتكون الصورة اللاحقة بواسطة تكامل ~~استعدادات المادة. # فيخدشه أن المادة بحسب استعدادها الحاصل من صورة طبيعية لصورة نفسانية ~~مدبرة إياها مكملة كيف توجب فساد تلك الصورة فإن التكميل ينافي الإفساد ~~فقوة واحدة لمادة واحدة لا يفعل فعلين متنافيين فيها. # وأما ما ذكر من أن الحرارة الغريزية توجب الحياة والموت جميعا فوجه ذلك ~~أن فعل تلك الحرارة ليس بالذات إفادة الحياة فإن مفيد الحياة هي النفس بإذن ~~الله تعالى PageV00P337 # واستخدام بعض الملائكة إياها بل فعلها بالذات تقليل الرطوبات وهذا ~~التقليل نافع في حفظ الحياة ما دامت الرطوبات زائدة في البدن الحي ضار ما ~~دامت ناقصة. # فالتقليل فعلها بالذات وكل واحد من النفع والضرر فعلها بالعرض بخلاف فعل ~~الصورة في مادتها فإنه ليس إلا التكميل والحفظ فكيف تأدى بالطبع إلى إفساد ~~مادتها وظني أن كل من له قدم في المعارف الحكمية يعرف أن الأفاعيل الطبيعية ~~متوجهة بالذات إلى ما هو خير وكمال ومؤثر وملائم ولا تتوجه بشيء من الأشياء ~~في سلوكه بالطبع نحو شيء مناف له مضادة إياه بل يجب أن يكون نسبة السالك ~~إلى ما يسلك إليه نسبة النقص إلى التمام والضعف إلى القوة. # ولهذا يقال في تعريف الحركة: كمال ما بالقوة من حيث هو بالقوة.. # كيف وقد ثبت بالبرهان والكشف أن الأشياء طالبة للخير الأقصى والصمد ~~القيوم الذي هو منبع كل حياة وكمال وشرف وجمال. # والطلب الطبيعي للحياة المحضة والوجود المحض لا يكون إلا بورود مراتب ~~الحياة للطالب لا بورود مراتب الفساد والموت. # فالتحقيق في هذا المطلب يحتاج إلى إظهار شيء مما يذوقه أهل المشرب. # وقد لوحنا إليه في أسفارنا فمن هناك ينبغي أن يطلب من خلق لأجله بشرط أن ~~يضن به على غير أهله. # فصل في تكون الحيوان أن الأجسام العنصرية إذا امتزجت امتزاجا أشد اعتدالا ~~وأوغل في التوسط من النبات تهيأت لقبول النفس الحيوانية. # وهي كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة من شأنه أن يحس ويتحرك ~~بالإرادة. # فالكمال جنس يتناول المحدود وغيره لأنه عبارة عما يتم ms201 به النوع سواء في ~~ذاته أو في توابع ذاته. # لا يقال: النفس جوهر والكمال من باب المضاف فكيف يصلح جنسا لها لأنا ~~نقول: التحديد ليس لماهية النفس بل لها من جهة كونها نفسا واسم PageV00P338 # النفس لم يوضع لها إلا من حيث تدبيرها للبدن وهي إضافة خاصة. # فلذلك يؤخذ البدن في تحديدها كما يؤخذ البناء في حد البناء وإن لم يؤخذ ~~في حده من حيث هو إنسان. # وبقولنا أول يخرج عن الحد الكمالات الثانية المتأخرة عن تحصل النوع في ~~نفسه. # وبالجسم يخرج كمالات المجردات من فصولها المنوعة لها. # وبالطبيعى يخرج صورة الجسم الصناعي. # وبالآلى يخرج صور العناصر والمعادن فإنها وإن كانت كمالات أولية لأجسام ~~طبيعية إلا أنها ليست آلية. # وليس المراد بالآلي اشتمال الجسم على الأجزاء المختلفة فقط بل وعلى قوى ~~مختلفة فإنها آلات للنفس بالذات والأعضاء بتوسطها. # ويخرج أيضا النفوس الفلكية على رأي من ذهب إلى أن لكل فلك من الأفلاك ~~نفسا. # وأما على رأي من ذهب إلى أن النفس للفلك الكل فقط والأفلاك الجزئية ~~كالخوارج والتداوير بمنزلة الآلات لها فلا يخرج به بل يخرج بقيد ذي حياة ~~بالقوة أي يصدر عنه ما يصدر عن الأحياء بالقوة ونفوس الفلكيات ليس يصدر ~~عنها أفاعيل الحياة بالقوة بل على سبيل اللزوم بخلاف النفوس الأرضية فإن ~~أفاعيلها قد تكون وقد لا تكون. # فليس الحيوان دائم التغذية والتوليد أو الإدراك والتحريك. # وبالقيد الأخير يخرج النفوس النباتية. # فصل في قوى النفس الحيوانية أنها بحسب القوى تنقسم إلى محركة ومدركة. # وأما المحركة فتنقسم إلى باعثة وفاعلة. # أما الباعثة المسماة بالشوقية فهي القوة التي إذا ارتسمت صورة مطلوبة أو ~~مهروبة في الخيال حملت هذه القوة الفاعلة على تحريك آلات الحركة من الأعصاب ~~والعضلات والأعضاء. # والقوة الشوقية ذات شعبتين: شهوية وغضبية. # والشهوية PageV00P339 # حملت الفاعلة على التحريك طلبا للذة أو المنفعة. # والغضبية حملتها على التحريك دفعا للألم والمضرة على سبيل الاستيلاء. # وأما الفاعلة المباشرة للتحريك فهي التي من شأنها أن يعد العضلات ~~للانتقال. # وكيفية ذلك الإعداد من تلك الفاعلة ms202 أن تبسط العضل بإرخاء الأعصاب إلى ~~خلاف جهة مبدئها لينبسط العضو أي يزداد طولا وينقص عرضا أو يقبضه بتمديد ~~الأعصاب إلى جهة مبدئها لينقبض العضو أي يزداد عرضا وينقص طولا. # والعضلة عضو مركب من العصب ومن جسم يشبه بالعصب ينبت من أطراف العظام ~~يسمى رباطا وعقبا ومن لحم احتشى به الفرج التي بين الأجزاء الحاصلة باشتباك ~~العصب والرباط ومن غشاء يخللها والعصب جسم ينبت من الدماغ أو النخاع لين في ~~الانعطاف صلب في الانفصال. # والنخاع خادم للدماغ خليفة له في إنبات الأعصاب. # تبصرة واعلم أن للحركات الاختيارية مبادئ مترتبة أبعدها عن عالم الحركة ~~الخيال أو الوهم في الحيوان والعقل العملي باستخدامها في الإنسان والفلك ~~ويليها القوة الشوقية وهي الرئيسة في القوى المحركة الفاعلة كما أن الوهم ~~هي الرئيسة في القوى المدركة الغائية. # وبعد الشوقية وقبل الفاعلة قوة أخرى هي مبدأ العزم والإجماع المسمى ~~بالإرادة والكراهة وهي التي يصمم بعد التردد في الفعل والترك عند وجود ما ~~يترجح به أحد طرفيهما المتساوي نسبتهما إلى القادر عليهما. # ويدل على مغايرة الشوق للإدراك تحقق الإدراك بدونه وعلى مغايرة الشوق ~~للإجماع أنه قد يكون شوق ولا إرادة. # والحق أن التغاير بينهما بحسب الشدة والضعف لا غير فإن الشوق قد يكون ~~ضعيفا ثم يقوى PageV00P340 # فيصير عزما فالعزم كمال الشوق. # وما قيل: إنه قد يحصل الشوق بدون الإرادة كما في المحرمات للزاهد المغلوب ~~للشهوة فغير مسلم. # بل الشوق العقلي فيه إلى جانب الترك أقوى من الميل الشهوي إلى خلافه. # ويدل على مغايرة الفاعلة لسائر المبادئ كون الإنسان المشتاق العازم غير ~~قادر على الحركة وكون القادر عليها غير مشتة. # والعلة الغائية في وجود هذه المبادئ من لدن ألطف القوى الإدراكية وأعلاها ~~إلى أكدر القوى التحريكية وأنزلها في الحيوان المحافظة على الأبدان بحسب ~~كمالها الشخصي والنوعي وفي الإنسان تلك المحافظة مع ما يتوسل بها إلى ~~اكتساب الخير الحقيقي والكمال الأبدي بحسب العلم والعمل. # فإن البارىء جلت عظمته جعل في جبلة الحيوان الجوع والعطش ليدعوها إلى ~~الأكل والشرب ليخلف ms203 على أبدانها بدلا عما يتحلل ساعة فساعة لكون الأبدان ~~دائمة التحلل والذوبان. # وجعل أيضا في جبلتها الشهوات المختلفة ليدعو بها المأكولات المختلفة ~~الموافقة لأمزجة أبدانها وما يحتاج إليه طباعها. # وجعل فيها اللذة بقدر الحاجة ليأكل بقدر الحاجة ولا يزيد عليه ولا ينقص. # وجعل لنفوسها الآلام والأوجاع عند الآفات العارضة لأبدانها ليتحرص نفوسها ~~على حفظ أبدانها من الآفات إلى أجل معلوم وخلق لها القوى الإدراكية من ~~الحواس وغيرها ليتميز الملائم عن المنافر والنافع عن الضار فيطلب إحداهما ~~بالشهوة ويهرب عن الآخر بالغضب ليديم بقاءها سالمة عن الآفات عناية من الله ~~تعالى لخلقه ورحمة منه على عباده. # فصل في القوى الإدراكية وإنما أخرناها عن التحريكية لأن الحركة في ~~الحيوان أشرف من الإدراك لكونها غاية PageV00P341 # له وإن كان الأمر في الإنسان بعكس ذلك. # ولأنا نتكلم في العائدات والقوة الإدراكية أشد نفسانية والتحريكية أقرب ~~إلى المادة. # فنقول إن القوة المدركة تنقسم إلى ظاهرة مشهودة وباطنة مستورة أما ~~الظاهرة فهي الحواس الخمس في الظاهر وفوق الخمس في الحقيقة لأن اللمس وهي ~~قوة منبثة بواسطة الأعصاب في جلد البدن وأكثر اللحم وغيرها كالغشاء وبسبب ~~انبثاث حاملها الذي هو جسم لطيف بخاري ليست قوة واحدة بالنوع في التحقيق بل ~~هي أربعة أنواع منبثة معا في الجلد كله وغيره ولهذا ظنت واحدة. # فللتضاد الواقع بين الحار والبارد حاكم وللرطب واليابس حاكم وللصلب ~~واللين حاكم وللخشن والأملس حاكم. # واللامسة في الحيوان في باب الضرورة كالغاذية للنبات لأن مزاجه من ~~الكيفيات الملموسة وفساده باختلالها. والحس طليعة للنفس فيجب أن يكون أولى ~~الطلائع ما منع الفساد وحفظ الصلاح بخلاف غيرها من ثواني الطلائع التي ينوط ~~بها المنفعة الخارجة عن القوام والمضرة الخارجة عن الفساد. والذوق وإن كان ~~دالا على ما يستبقي به الحياة من المطعومات إلا أنها يجوز أن يبقى الحيوان ~~بدونه لإرشاد الحواس الأخر على الموافق والمضاد وليس شيء منها تعين على أن ~~الهواء المحيط بالبدن محرق أو مجمد كما قاله الشيخ الرئيس. # بحث وتخليص ربما يقال (يكون خ. ل) ms204 إن المدرك بالحس هو المتضادات كالبرودة ~~والحرارة دون التضاد لأنه PageV00P342 # معنى عقلي لا يدرك بالحس. # فكيف جعلوا مبنى تعدد اللامسة على تعدد أنواع التضاد ثم إنهم جوزوا إدراك ~~القوة الواحدة للمدركات المتضادة كالباصرة للسواد والبياض ولم يجعلوا ذلك ~~أفعالا مختلفة من مبدأ واحد بالذات. فما الذي يمنع نظير ذلك في اللامسة ومن ~~أسخف ما قيل في دفعه أن تباين الكيفيات الأول أعني الحرارة والرطوبة ~~واليبوسة والبرودة أشد من تباين الكيفيات الثواني الحادثة من تفاعلها ~~كالألوان والروائح والطعوم فلذلك تعددت قوى اللمس دون بواقي الحواس. # فالمخلص أن يقال لما علم أن مزاج الحيوان من جنس الكيفيات التي هي أوائل ~~المحسوسات اللمسية وما يتبعها وأن القوة التي هي أولى مراتب الحيوانية يجب ~~أن تكون بحيث يتأثر بسببها الحيوان عن أضداد ما فيه من الكيفيات الأولية ~~وتوابعها فالحيوان من حيث هو حيوان باعتبار وقوعه في كل وسط من أوساط تلك ~~الكيفيات يدرك الأطراف التي يكون ذلك الوسط وسطا بالقياس إليها وتلك أطرافا ~~بالقياس إليه ويتأثر عنها. # فلا محالة تعددت اللامسة بحسب تعدد التضاد ولا يتعدد بحسب تعدد الأطراف ~~التي وقعت في جنس واحد. # لأن القوة لا تتأثر من الكيفية الشبيهة بكيفيتها بل بما يضادها في ~~الجملة. # وهذا معنى قولهم بحكومة اللامسة في التضاد بين الكيفيات. # وكذا الحال في إدراك الباصرة للسواد والبياض فإنها لخلوها عن اللون مع ~~قوة قابلة لها إياها تتأثر من كل مرتبة من مراتب اللون. # واللامسة وإن لم تخل من كيفية ملموسة إلا أن اعتدالها وتوسطها بين ~~الأطراف بمنزلة الخلو عنها فيتأثر عن كل مرتبة من مراتب الكيفيات الأولى ~~سوى الكيفية الوسطية التي تتصف بها الحيوان ويندر وجودها في غير الحيوان. # فكل واحدة من الحواس لها نوع واحد من الأثر وهو الانفعال عن كيفية متضادة ~~لها. PageV00P343 # تقرير إفادى ومما يناسب المقام أن الشيخ الرئيس قال في فصل الثالث من ~~المقالة السادسة من علم النفس: إن الحواس منها ما لا لذة لها لفعلها في ~~محسوسها ولا ألم. # ومنها ما يلتذ ويتألم ms205 بتوسط المحسوسات. # فأما التي لا لذة لها ولا ألم فمثل البصر فإنه لا يلتذ بالألوان ولا ~~يتألم بذلك بل النفس تتألم بذلك وتلتذ. # وكذا الحال في الأذن. # فإن تألمت الأذن من صوت شديد والعين من لون مفرط كالضوء فليس تألمها من ~~حيث تسمع ومن حيث تبصر بل من حيث تلمس لأنه يحدث فيه ألم اللمس. # وكذلك يحدث فيه بزوال ذلك لذة لمسية. # وأما الشم والذوق فإنهما يتألمان ويلتذان إذا تكيفا بكيفية منافرة أو ~~ملائمة. # وأما اللمس فإنه قد يتألم بالكيفية الملموسة ويلتذ بها وقد يتألم ويلتذ ~~بغير توسط كيفية من المحسوس الأول بل يتفرق الاتصال والتيامه.. # هذا كلامه. ونقله المسيحي من شراح القانون معترضا عليه بأن كلامه في غاية ~~الإشكال أما أولا: # فلأنه يرى ويعتقد أن المدرك للمحسوسات الجزئية هي الحواس الخمس. # فمذهبه في هذا الموضع إن كان هو ذاك فقد ناقضه في السمع والبصر وإن لم ~~يكن هو ذاك فيكون قوله في الشم والذوق واللمس قولا فاسدا. # وأما ثانيا فلأن كل واحد من الحواس الخمس له محسوس خاص يستحيل أن يدركه ~~غيره وبديهة العقل حاكمة بهذا. # وحينئذ نقول: كيف يتصور أن يقال إن القوة اللامسة في الأذن والعين هي ~~المدركة للصوت العظيم واللون المفرط وأما ثالثا فلأن ذلك يكون مناقضا لحده ~~اللذة والألم فإنه حد اللذة بأنها إدراك الملائم من حيث هو ملائم والملائم ~~للقوة الباصرة إدراك المبصرات لا اللامسة. PageV00P344 # وأما رابعا فلأن إدراك هذه المحسوسات إما أن يكون لذة وألما للحواس أو لا ~~يكون. # فإن قال بالأول يكون إدراك البصر للألوان الحسنة لذة وإدراكه الألوان ~~المؤذية ألما. # وإن قال بالثاني فلا يكون للمس لذة ولا ألم ولا للشم والذوق. # وإن كان لذة وألما للبعض دون بعض كان ذلك ترجيحا من غير مرجح وهو محال. # وذلك لأن الحواس الخمس جميعا وسائط للنفس في إدراك المحسوسات الجزئية. # ثم قال قال الإمام في كتاب المباحث المشرقية حيث تكلم في اللذة معتذرا ~~عذرا عن الشيخ في خروجه عن مذهبه في هذا المقام ms206 في البصر والسمع: # الألوان ليست ملائمة للقوة الباصرة فإنه يستحيل اتصاف القوة بالألوان ~~وذلك لأن الملائم للشيء هو الذي يكون كمالا له وأقل درجات الكمال حصوله ~~للشيء بل إدراك الألوان هو الملاءمة للقوة الباصرة. والشيخ لم يجعل حصول ~~الملائم هو اللذة بل إدراك الملائم والقوة الباصرة إذا أبصرت فقد حصل لها ~~الملائم لا إدراكه. # فإن القوة الباصرة لم تدرك كونها مدركة للألوان بل النفس هي المدركة لذلك ~~فإنها تدرك الأشياء وتدرك أنها أدركتها. # ثم قال: أقول: على ما قاله الإمام يلزم أن لا يلتذ القوة اللامسة لأنه ~~ليس لها أن تدرك أنها أدركت فإن هذا للنفس على ما زعمه وكذا الكلام في ~~القوة الذائقة والشامة. # وكل ذلك مناقض لمذهب الشيخ الذي قاله في الشفاء والقانون. # هذا كلام المسيحي في شرحه للقانون. # ورد عليه العلامة الشيرازي أما فيما ذكره أولا فبقوله إنا لا نسلم أن ~~الشيخ ولا غيره من الحكماء الراسخين في الحكمة المتعالية ذهبوا واعتقدوا أن ~~المدرك للمحسوسات الجزئية هو الحواس الخمس وإنما ذلك من أغلاط المتأخرين ~~كالإمام PageV00P345 # ومن اقتفى أثره وإلا فعند الشيخ لا مدرك ولا حاكم ولا ملتذ ولا متألم غير ~~النفس. # وإطلاق هذه الألفاظ على الحواس يكون بضرب من المجاز لكن لما كان الإحساس ~~انفعال الحاسة بل آلتها من محسوسها الخاص منها وجب انفعال آلة كل حاسة عن ~~محسوسها الخاص وتكيفها بذلك المحسوس إلا أن انفعال بعض آلات الحواس وتكيفها ~~عن محسوسها يكون بحيث أن النفس تدركها حيث ينفعل الآلات عن محسوسها ~~كالذائقة والشامة واللامسة. ومنها ما لا يكون كذلك كالباصرة والسامعة. # ولهذا فإن الإنسان يدرك لذة الحلو في الفم ولذة الرائحة الطيبة في الشم ~~ولذة النعومة في آلة اللمس ولا يدرك لذة الصورة الحسنة في الجليدية ولا في ~~ملتقى العصبتين ولا لذة الصوت الحسن في العصبة المفترشة لا أن انفعال بعض ~~آلات الحواس وتكيفها بمحسوسها زماني وانفعال البعض آني على ما قيل لأن ذلك ~~كلام رخو سخيف لاشتراك الحواس في كون إدراكها آنيا. أما أن بعضها ms207 آني ~~وبعضها زماني فغير مسلم فمن ادعاه فلا بد له من الدليل. # وأما فيما ذكره ثانيا فبأن الشيخ لا يقول إن المدرك للصوت العظيم واللون ~~المفرط لامسة الأذن والبصر بل المدرك لهما السامعة والباصرة والمتألم آلة ~~لامستهما بطريق تفرق اتصال يحدثه الصوت المفرط في لامسة الأذن واللون ~~الموذي في لامسة العين. # وأما آلة السمع والبصر فلا يتألم منهما لا لأن إدراكهما آني لا زماني ~~لبطلان ذلك بل لأنهما لا يتألمان من حيث تبصر وتسمع. # وأما فيما ذكره ثالثا فلأنه مبني على أن الملائم للقوة الباصرة إدراك ~~المبصرات. # وعلى أن الشيخ ذهب إلى أن مدرك المبصرات لامسة العين. # وهما ممنوعان لأن الملائم والموافق إنما يكون للنفس لا لغيرها من القوى ~~وغيرها. # ولأنه ذهب إلى أن المتألم من اللون الموذي هو لامسة العين لا باصرة العين ~~والمدرك باصرتها لا اللامسة. وهو كلام حق. PageV00P346 # وأما فيما ذكره رابعا فلأنا لا نسلم أنه إن كان إدراك المحسوسات ألما ~~ولذة في بعض دون بعض كان ذلك ترجيحا من غير مرجح وهو إدراك النفس لذة ~~الحواس الثلاث حيث ينفعل آلاتها عن محسوسها دون لذة الحاسين الباقيين لا ~~كون تأثيرهما زمانيا لا آنيا على ما قيل لفساده كما مر. # قال: وأما العذر الذي ذكره عن الإمام في خروج الشيخ عن مذهبه في السمع ~~والبصر فليس بشيء والشيخ لم يخرج عن مذهبه ليحتاج إلى عذر من جهته. # لكن لما كان اعتقاد الإمام وإن كان خطأ أن الشيخ يعتقد أن مدرك الجزئيات ~~الحواس الخمس شرع في الاعتذار واعتذر بعذر هو أوهن من بيوت العنكبوت. # هذا تلخيص ما أفاده العلامة في هذا الموضع. # ولعمري إنه قد أصاب فيما أجاب عن إشكالات المسيحي وما بين به انحراف ~~الإمام عن مسلك الحق فيما حسبه اعتذارا عما ذكره الشيخ. # وأمثال هذه التحقيقات التي يزاح بها ظلمات أوهام المضلين من المتفلسفين ~~ليست غريبة عن مثله كما عن مثل أستاذه سلطان المحققين برهان الحكماء ~~الإسلاميين عظم الله تعالى قدره وحشره في زمرة العقول المقدسين. # لكن ms208 في الفرق الذي ذكره هذا النحرير الخبير بين الحاستين الأوليتين ~~والحواس الثلاث الباقية محل تأمل. # ثم على تقدير تحقق ذلك الفرق كان ينبغي أن يبلغ كلامه حد الإجداء ويذكر ~~أن النفس من أي جهة ومعنى لم يدرك بعض المحسوسات حيث ينفعل آلة إدراكها ومن ~~أي جهة ومعنى بعضها حيث ينفعل آلة إدراكها ليثبت به كون بعض آلات الحواس ~~محلا للألم واللذة الحاصلتين عن محسوساتها دون البواقي منها. # وأنت إن أردت تحقيق القول في هذا المطلب على ما لا مزيد عليه فاستمع لما ~~ألقى إلينا وقسم لنا من عالم الملكوت ومعدن الرحموت وهو أن مزاج الحيوان ~~لما كان PageV00P347 # حاصل الوجود كما علمت من جنس الكيفيات الأول وبقاء حياته منوط باعتدال ~~مزاجه اللائق به الذي هو حد ما من حدود تلك الكيفيات وصلاح بدنه وفساده ~~إنما يكونان بانحفاظ ذلك المزاج وانحرافه عن حد معين ولا شك أن اللذة هو ~~إدراك الملائم من حيث هو ملائم والألم إدراك المنافي من حيث هو مناف ~~والملائم لكل شيء ما يكون من نوعه أو جنسه وكذا المنافي لكل شيء إذا كان ~~أمرا وجوديا ما يكون مضادا له واقعا معه تحت جنس قريب إذ لا تضاد بين ~~الأجناس العالية. # فالملائم والمنافي للحيوان بما هو حيوان إنما هما من مدركات اللامسة أولا ~~لكونها من جنس كيفيات بدنه المتقوم حياته بها ثم مدركات الذائقة التي يتقوى ~~ويتزايد بها بدنه. (تتقوى ويتزيد خ ل). # وتالي الكيفيتين المذكورتين في الملائم والمنافر مدركات الشامة حيث يتغذى ~~بها لطائف أعضاء الحيوان كالأرواح البخارية. # وأما مدركات السامعة والباصرة فليس مما يحتاج إليها الحيوان بما هو حيوان ~~احتياجا قريبا لأن بدن الحيوان ليس مركبا من الأصوات ولا متقوما بالأضواء ~~والألوان ليكون ما يكون من جنس الأصوات والألوان ملائما للحيوان بما هو ~~حيوان. # اللهم إلا أن الحيوان الإنساني لما كان نفسه الناطقة التي هي من عالم ~~الأنوار ومعدن المعاني والأسرار نازلا منه إلى عالم الصورة العنصرية بعد ~~جوازه عالم الأفلاك المشتملة على النسب الشريفة العددية الإيقاعية ms209 والنغمية ~~لذلك تلتذ عن رؤية الأنوار واستماع النغمات الموزونة وتتألم عن الظلمات ~~والألوان الموحشة والأصوات المنكرة الغير الموزونة. # وأما تضرر العضو البصري عن الضوء الشديد فليس لأجل مضادته للنفس لأن ~~نورية النفس أقوى من نورية النور المحسوس بل لأجل غلبة النور المحسوس على ~~الحاسة البصرية فتنفعل عنه. # وكذا تضرر الصماخ عن الصوت الشديد المشتمل على التناسب العددي فليس إلا ~~لأجل مصادمة الهواء المتحرك المنقلب عن القارع والقالع القويين الصماخ ~~فهناك تألم لمسي كما ذكره الشيخ لا أن اللامسة تدرك الصوت أو السامعة ~~PageV00P348 # من حيث إنها سامعة يلمس المقروع أو المقلوع من الهواء كما يتوهم من كلامه ~~على ما مضى. # فالملخص أن الملائم والمنافي للحواس التي هي قوى جسمانية ولمحالها التي ~~هي أجسام مركبة من أجسام بسيطة أولية الكيفيات هما مدركات الحواس الثلاث ~~على الترتيب الذي ذكرناه. # وأما مدركات الحاستين الباقيتين فليست ملائمة ومنافية لهما ولا لمحليهما ~~فلهذا لا يلتذان ولا يتألمان بهما. # فهذا ما عندي في هذا الموضع والله أعلم. # فلنرجع إلى ما كنا فيه. # وأما الحواس التي في الحس الباطن فهي للحيوانات الكاملة ثلاثة أقسام ~~ومجموعها خمس ولنتكلم فيها. # فصل في القسم المدرك للصور الجزئية وهو اثنان فالأول منه الحس المشترك ~~ويسمى بنطاسيا أي لوح النفس وهي قوة مرتبة في مقدم التجويف الأول من الدماغ ~~ومبادي عصب الحس ويقبل جميع الصور المنطبعة في الحواس الظاهرة بالتأدي إليه ~~من طرق الحواس من جهة الأعصاب الحاملة للروح البخاري فهو كحوض ينصب فيه ~~أنهار خمسة. والدال على وجوده أمور: # أحدهما مشاهدة القطرة النازلة خطا والنقطة الجوالة بسرعة دائرة وليس ~~ارتسامهما في البصر لعدم حصول المقابلة إلا القطرة أو النقطة فإذن ~~ارتسامهما إنما يكون في قوة أخرى غير البصر يتصل فيها الارتسامات المتتالية ~~بعضها ببعض فيشاهد خطا. # والثاني أنا نحكم ببعض المحسوسات الظاهرة على بعض كالحكم بأن هذا الأبيض ~~هو هذا الحلو وهذا الأصفر هو هذا الحار وكل من الحواس الظاهرة لا يحضر ~~عندها PageV00P349 # إلا نوع مدركاتها فلا بد من قوة يحضر عندها ms210 الجميع ليصح الحكم بينها. # الثالث أن النائم والمريض كالمبرسم يشاهد صورا جزئية لا تحقق لها في ~~الخارج ولا في شيء من الحواس الظاهرة. # بحث وتحصيل قد أورد على الوجه الأول بأنه يجوز أن يكون اتصال الارتسام في ~~الباصرة بأن يرتسم المقابل الآخر قبل أن يزول المرتسم قبله لسرعة لحوق ~~الثاني وقوة ارتسام الأول فيكونان معا. # وعلى الثاني بأنه لا يلزم من ذلك وجود حس مشترك غاية الأمر أن لا يكفي ~~الحواس الظاهرة لمشاهدة الصور حالتي الغيبة والحضور بل يكون لكل حس ظاهر حس ~~باطن. # وأجيب عن الوجوه الثلاثة أما عن الأول فلكونه مكابرة للقطع بأن لا ارتسام ~~في البصر عند زوال المقابلة. # وأما عن الثاني فبأن المدرك والحاكم للكليات والجزئيات وإن كان هو النفس ~~لكن الصور الجزئية لا ترتسم فيها كما سيجيء برهانه بل في آلتها. # فلا بد في الحكم بين المحسوسين من آلة جامعة لهما وهي الحس المشترك. ~~وربما شكك فيه لجواز أن يكون حضورهما عند النفس وحكمها بينهما لارتسامهما ~~في آلتين كما أن الحكم بين الكلي والجزئي يكون لارتسام الكلي في النفس ~~والجزئي في الآلة فلا يثبت آلة مشتركة. وهذا مندفع بإشراق عرشي: # وهو أن النفس حين إدراكها لكل محسوس يصير عين الحاسة المدرك لذلك المحسوس ~~كما برهنا عليه في موضع يليق به. وكل حاسة يتقوم من النفس يخالف حاسة أخرى ~~لنا فالحكم بمحسوس على محسوس آخر يوجب على PageV00P350 # هذه القاعدة اتحاد الحاستين وهو ممتنع. وأما الحكم بمعقول على محسوس فهو ~~يوجب اتحاد النفس بإحدى الحواس ولا استحالة فيه كما ادعيناه وفهم هذا يحتاج ~~إلى تقديس في القريحة. # وأما عن الثالث فبأن في الواحد من الحس الباطن كفاية فإثبات التعدد فضل ~~مستغن عنه فلا يصار إليه. # ومن اعتراضات الإمام الرازي أنا نعلم قطعا أن الذوق أعني إدراك المذوقات ~~ليس بالدماغ كما أنه ليس بالعقب وكذا اللمس. وأيضا إذا أبصرنا شيئا فلسنا ~~مبصرين به مرتين أحدهما بالعين والأخرى بالدماغ. # والجواب أن من المعلوم قطعا أن الدماغ ليس آلة الذوق ms211 أو اللمس أولا وعلى ~~وجه الاختصاص وأما أنه لا مدخل له فيه فلا. كيف والآفة في الدماغ توجب ~~اختلال الذوق واللمس وغيرهما من الحواس بخلاف الآفة في العقب وأيضا نجد ~~الفرق بين الذوق وتخيل الذوق ونعلم قطعا أن تخيل الذوق ليس في العقب. # ومنها أنا لا نسلم أن اتصال هذه الارتسامات إذا لم يكن في البصر يكون في ~~قوة أخرى. # لم لا يجوز أن يكون في الهواء بأن يتصل التشكلات في الأجزاء الهوائية ~~المتجاورة وأجاب عنه الحكيم الطوسي رحمه الله بأن بقاء التشكل السابق عند ~~حصول تشكل بعده يقتضي الخلاء فإن التشكل إنما يحدث في الهواء لنهاياته ~~المحيطة بالجسم المتحرك فيه وبقاء النهايات بحالها بعد خروج المتحرك عنها ~~يقتضي إحاطة النهايات بالخلاء. # أقول: لزوم الخلاء ممنوع وإنما يلزم لو كانت المشاهدة دفعية لأي شيء كان ~~إذا لم يكن تعلقها بأمر تدريجي الوجود كالحركة أو المتحرك من حيث هو متحرك ~~وذلك ممنوع. # فيجوز أن يكون كل واحد من التشكلات المتتالية مشاهدا في الآن المختص به ~~PageV00P351 # لا في آن التشكلات اللاحق ليلزم الخلاء. (في آنه... وفي آن الشكل اللاحق ~~خ ل) ولقلة الزمان وسرعة الحركة يظن أن المجموع مشاهد دفعة. (يشاهد خ ل) ~~والثاني منه الخيال ويقال له المصورة وهي قوة مرتبة في آخر التجويف الأول ~~من الدماغ بحسب المشهور ويجتمع فيها مثل جميع المحسوسات ويبقى فيها بعد ~~الغيبة عن الحواس وبنطاسيا وهي خزانتها وليست خزانة للحواس وإن كانت ~~مدركاتها محفوظة فيها. # لأن الحواس الظاهرة لا يدرك شيئا بسبب الاختزان بالخيال بل بإحساس جديد ~~من خارج فيفوت معنى الخزانة بالقياس إليها بخلاف الحس المشترك. # والدليل على وجودها أنا إذا شاهدنا صورة في اليقظة أو النوم ثم ذهلنا ~~عنها ثم شاهدنا مرة أخرى نحكم عليها بأنها هي التي شاهدنا قبل ذلك فلو لم ~~يكن الصورة محفوظة لم يكن هذا الحكم كما لو صارت منسية. # وإنما احتيج إلى وجودها لئلا يختل نظام العالم ولا يشتبه الضار بالنافع ~~إذا لم يعلم أنه هو المبصر أولا ms212 ويفسد المعاملات وغيرها. # والدليل على مغايرتها للحس المشترك وجهان: # أحدهما أن قوة القبول غير قوة الحفظ فرب قابل للنقش كالماء لم يحفظ لوجود ~~رطوبة هي سرعة القبول وعدم اليبس الذي هو شرط الحفظ. # وثانيهما أن استحضار الصور والذهول عنها من غير نسيان والنسيان يوجب ~~تغاير القوتين ليكون الاستحضار حصول الصورة فيهما والذهول حصولها في أحدهما ~~دون الأخرى والنسيان زوالها عنهما. # واعتراض الإمام في شرحه للإشارات على الوجه الأول بأنه مجرد مثال وبأن ~~PageV00P352 # الحفظ مسبوق بالقبول ومشروط به فقد اجتمع الحفظ والقبول في قوة واحدة ~~سميتموها بالخيال. # وبأن الحس المشترك مبدأ لإدراكات مختلفة هي أنواع الإحساسات. # وبأن النفس يقبل الصور العقلية ويتصرف في البدن بوجوه التدابير. # فيبطل قولكم: الواحد لا يكون مبدأ للاثنين. # وأجاب المحقق الطوسي (قده) عما ذكره أولا بأنه ليس الأمر على ما ظنه. بل ~~إنما هو قياس من الشكل الثالث ينتج حكما جزئيا مناقضا للحكم الكلي بأن كل ~~ما يقبل شكلا فهو ما يحفظه فإن ذلك يدل على مغايرة القوتين. # وعن النقض بالخيال بأن اجتماع القبول والحفظ لا يدل على وحدة مصدرهما ~~لجواز أن يكونا لقوتين كالأرض. وأما افتراقهما في صورة فهو يدل على مغايرة ~~المصدرين. # وحاصل كلام هذا المحقق أن كون حفظ الخيال مشروطا بالقبول لا يوجب أن يكون ~~الحافظ نفس القابل. # بل عسى أن تكون غيرها مقارنة إياها فلا يلزم اتحاد مبدئي القبول والحفظ. # وليس المراد ما فهمه بعضهم من أن الخيال لما كان قوة جسمانية فيجوز أن ~~يكون قبوله لأجل المادة وحفظه لنفسه كالأرض تقبل الشكل بمادتها ويحفظ ~~بصورتها ليرد عليه أن هذا الجواب يدفع أصل الاستدلال. # لجواز أن لا يكون هاهنا إلا قوة واحدة كالحس المشترك لها القبول بمادتها ~~والحفظ بصورتها. # والمقصود من الاستدلال إثبات تعدد مبدأ القبول والحفظ من جهة افتراقها ~~لإمكان تحقق القبول بدون الحفظ كما في الماء والهواء وبالعكس كما إذا عرض ~~آفة لمقدم البطن المقدم لا يدرك الإنسان صورة فإذا زال المرض واستحضر ~~الصورة التي كان قبل تحفظها علم جزما ms213 أن قوة الإدراك غير قوة الحفظ. # وعن النقض بالحس المشترك والنفس بأن الواحد قد يصدر عنه الكثير إذا كان ~~PageV00P353 # الصادر بالقصد الأول شيئا واحدا ثم يتكثر بقصد ثان وكانت وجوه الصدورات ~~مختلفة فالصادر عن الحس المشترك هو استثبات الصور المادية عند غيبة المادة ~~ثم يصير مستثبتا للأصوات والطعوم وغيرها بقصد ثان. # وذلك لانقسام تلك الصور وذلك كالإبصار الذي فعله إدراك اللون ثم إنه يصير ~~مدركا للضدين لكون اللون مشتملا عليهما. # وأما النفس فإنما يتكثر فعلها لتكثر وجوه الصدورات عنها. # بحث ومخلص وأنت تعلم أن مفهوم الصورة المحسوسة أمر مبهم لا يتحصل إلا ~~بصورة معينة تعينا نوعيا شخصيا والصادر عن الشيء أولا لا يكون إلا أمرا ~~متعينا. # فكيف يكون الحس المشترك مبدأ لأمر واحد جنسي أولا ولأمور متكثرة نوعية ~~ثانيا ويكون تحصل ما يصدر أولا أقل من تحصل ما يصدر ثانيا بل الأولى أن ~~يجاب عن هذا النقض إما بما يجاب به عن النقض بالنفس أو بأن الإدراكات ~~انفعالات ويجوز أن يكون في مادة واحدة لقوة واحدة انفعالات كثيرة عن مبادي ~~متعددة. # والذي تحقق عندهم أن الواحد لا يصدر عنه إلا فعل واحد لا أنه لا ينفعل ~~إلا انفعالا واحدا. # على أن بناء أصل الاستدلالات على تغاير القوى ليس على مجرد أن الواحد لا ~~يصدر عنه الكثير لعدم جريانه إلا في الواحد الحقيقي بل على ما أشرنا إليه ~~من بقاء بعض منها مع زوال الأخرى. # فالنقض ساقط رأسا. ولهذا عبر المحقق عنه بالمعارضة. # وصاحب المحاكمات لذهوله عما ذكرناه أورد على المحقق وجوها من البحث سهلة ~~الاندفاع بعد الإحاطة بأطراف الكلام. # عقدة وحل وأورد على الوجه الأخير من الاستدلال أن تجويز الحصول في ~~الحافظة حالة الذهول يقتضي القول بأن الإدراك ليس هو حصول الصورة في المدرك ~~بل أمر وراءه. # وعلى ذلك التقدير يحتمل أن يكون الصورة حاصلة في الحس المشترك دائما ~~والاستحضار موقوف على ذلك الأمر. # وأيضا القوة العاقلة ليست لها حافظة مع أنه PageV00P354 # تستحضر وتذهل من غير نسيان وتنسى. فإن قلتم: ms214 حافظها العقل الفعال فليكن ~~هو حافظ الحس المشترك أيضا. # والجواب عنه ما ذكره شارح الإشارات قده هو أن الإدراك حصول الصورة للمدرك ~~لحصوله في الآلة والصورة حالة الذهول غير حاصلة للمدرك وإن كان حاصلة في ~~الآلة. # والعقل الفعال لتمثل المعقولات فيه وامتناع تمثل المحسوسات فيه يصلح أن ~~يكون حافظا للصور المعقولة دون المحسوسات. # والأولى أن يقال: إن الصورة حالة الذهول غير حاصلة في آلة الإدراك ومجرد ~~الحصول في أية آلة كانت ليس إدراكا وإلا لكان حصول الصورة لأي محسوس كان في ~~يد الإنسان إدراكا له. # بل إدراك كل صورة إنما هو بحصول صورته في آلة إدراك ذلك الشيء. # فحصول صور المحسوسات في الحس المشترك إدراك لها سواء حصلت من الحواس كما ~~في المشاهدة أو من معدن الخيال كما في التخيل. وقد تحصل المشاهدة لقوة ~~التخيل أيضا. # فصل في مدرك المعاني والتصديقات الجزئية وهو أيضا اثنان أحدهما القوة ~~الوهمية وهي القوة التي تكون مرتبة في آخر التجويف الأوسط من الدماغ وآلتها ~~الدماغ كله لأنها الرئيس المطلق في الحيوان ومستخدمة لسائر القوى الحيوانية ~~التي مصدر أكثر أفاعيلها الروح الدماغي فيكون كل الدماغ آلة لها. # لكن الأخص بها هو التجويف الأوسط لاستخدامها المتخيلة ومحلها مؤخر ذلك ~~التجويف. # ولا يستلزم كون الشيء آلة لقوة كونه محلا لها ليلزم توارد القوى على محل ~~واحد كما يتوهم. # وهي تدرك المعاني الغير المحسوسة الموجودة في المحسوسات ويحكم أحكاما ~~جزئية كإدراك الشاة معنى في الذئب وكالحكم بأن الولد معطوف عليه. # فإدراك المعاني دليل على وجود قوة بها إدراكها وكونها غير محسوسة دليل ~~PageV00P355 # على مغايرتها للحس المشترك. # وكونها جزئية دليل على مغايرتها للنفس المجردة. # وقد يستدل على وجودها بأن في الإنسان شيئا ينازع عقله في قضاياه كما يخاف ~~الانفراد بميت يقتضي عقله الأمن منه. # وربما يغلب التخويف على التأمين فهو قوة باطنية غير عقلية. # وثانيهما الحافظة وهي قوة مرتبة في أول التجويف من الدماغ يحفظ ما يدرك ~~القوة الوهمية من المعاني الجزئية. # وهي خزانة للوهم. # فنسبتها إليه نسبة الصورة ms215 إلى الحس المشترك. # فقوتان للتصور الجزئي مبدأ وخازن. وقوتان للتصديق الجزئي مثلهما. # والكلام في مغايرتها لسائر القوى على قياس ما مر. # فصل في المتصرفة وهي قوة مرتبة في مقدم البطن الأوسط من الدماغ أي ~~الدودة. ولها التصرف في السابق واللاحق من موضعها باستخدام الوهم إياها من ~~شأنها تركيب بعض ما في الخيال أو الحافظة من الصور والمعاني مع بعض وتفصيل ~~بعضه عن بعض فتجمع أجزاء أنواع مختلفة كجعلها حيوانا من رأس إنسان وعنق جمل ~~وظهر نمر. وتفرق أجزاء نوع واحد كإنسان بلا رأس. ولا يسكن عن فعلها دائما ~~لا نوما ولا يقظة. # وهي الحاكية للمدركات والهيئات المزاجية وتنتقل من الشيء إلى ضده وشبهه. # فما في القوة الباطنية أشد شيطنة منها ليس من شأنها أن يكون عملها منظما ~~بل النفس هي التي تستعملها على أي نظام على أي نظام أرادت فتسمى عند ~~استعمال النفس إياها بواسطة الوهم بالمتخيلة وعند استعمالها إياها بواسطة ~~القوة العقلية بالمفكرة بها تستنبط العلوم والصناعات وتقتنص الحدود الوسطى ~~باستقراض ما في الحافظة. PageV00P356 # تنبيه لا يزعجنك ما ربما قيل: كيف استعملها الوهم في الصور المحسوسة مع ~~أنه ليس مدركا لها لا لما قيل: إن القوى الباطنة كالمرائي المتقابلة فينعكس ~~إلى كل منها ما يرتسم في الأخرى. # لأنه غير تام إذ ارتسام صور بعضها في بعض إن كان إدراكا بطل القول بأنها ~~خمسة بل يكفي الأقل وإن لم يكن ذلك إدراكا عاد هذا الإشكال وما هو أقوى منه ~~وهو استعمال العقل إياها في المعقولات. # بل بأنه ليس بواجب أن يكون القوة التي هي آلة لتركيب الأمور مدركة لها ~~حتى تمتنع أن يصير القوة الجسمانية آلة للوهم أو القوة العقلية في تركيب ~~المعقولات المتعلقة بالمحسوسات أو غيرها وتفصيلها. # أ لا ترى أن القوة التي في يد الإنسان قد تصير آلة لتركيب الأجسام ~~وتركيبها وتفريقها مع أنها غير مدركة لها فكان هذه القوة يد معنوية للنفس ~~الناطقة كما أن قوتها الإدراكية عين روحانية لها. # ومعنى استعمالها المفكرة في الترتيب الفكري أنها ms216 بهذه القوة يقدم بعض ما ~~فيه الانتقال الفكري على بعض آخر ولا استبعاد في ذلك أصلا. # تذكرة استبصاري ومما يجب أن يحقق أن لكل واحدة من هذه القوى الإدراكية ~~حاملا خاصا وموضعا خاصا. # أما الحامل فهو جسم حار لطيف حادث عن لطائف الأخلاط الأربعة كما أن ~~الأعضاء حادثة عن كثافتها على نسبة محدودة مزاجية وهو المسمى بالروح ~~البخاري وهو البدن أولا للنفس الناطقة والبدن الكثيف قشره وغلافه كما أنه ~~قشر للنفس لأنها تكدرت فصارت روحا نفسانيا ثم حيوانيا ثم طبيعيا فحملت ~~القوى النفسانية والحيوانية والنباتية ومنبعها القلب الصنوبري. # ومن ثم يتوزع على المواضع PageV00P357 # العالية والسافلة من البدن فما يصعد منه إلى معدن الدماغ على أيدي خوادم ~~الشرائين معتدلا بتبريده فائضا إلى الأعضاء المدركة والمحركة منبثا في جميع ~~البدن يسمى روحا نفسانيا وما يسفل منه إلى الكبد بأيدي سفراء الأوردة الذي ~~هو مبدأ القوى النباتية منبثا في أعماق البدن يسمى روحا طبيعيا. # فالرئيس المطلق هو القلب ولو كان الدماغ غير آخذ منه بل مبدأ أول للروح ~~كان كثير الحرارة مفتقرا إليها في التسخين والتلطيف فما كان باردا أولا ~~اشتعل سريعا بانضمام الأفعال المسخنة من الحركات والانتقالات البدنية ~~والفكرية. # وبذلك يظهر بطلان ما زعمه أفضل الأطباء جالينوس. # وبه حياة البدن من الواهب بواسطة النفس الناطقة فإن حياة هذه الروح نور ~~النفس الإلهية المذكورة في القرآن والأخبار وإلا فهو جسم والجسم بما هو جسم ~~ميت فحياته غير ذاتية بل عرضية منبعها النفس الحية بذاتها الآتية شرحها ~~وتحقيقها. # فهذا الروح الحيواني هو المبدأ القريب لحياة البدن فكل موضع يفيض عليه من ~~سلطان نوره يحيا وإلا فيموت. # واعتبر بالسدد فلو لا أن قوة الحس والحركة قائمة بهذا الجسم اللطيف لما ~~كانت السدد تمنعها وقد يخدر العضو بالسدة بحيث لا يتألم بجرح وضرب وربما ~~ينقطع الروح فيبطل الحياة منه ولو لا أنه شديد اللطافة لما نفذ في شباك ~~العصب. # ومن أخذ بعض عروقه يحس مجرى جسم لطيف حار فيه وتراجعه عنه وهو الروح وهو ~~في العالم ms217 الصغير الإنساني بمنزلة الجرم الفلكي في العالم الكبير. # والقوى الإدراكية والتحريكية التي فيه بمنزلة الملائكة السماوية وهو ~~لغاية اعتداله يشبه الأفلاك الخالية عن الكيفيات المتضادة كما يقال إن ~~الفاتر لا حار ولا بارد. # ولا يتوهمن أنه أحرما في البدن فكيف يكون معتدلا لأن حرارته تحقق ~~اعتداله. # إذا الكلام في الاعتدال النوعي وحرارته بالقياس إلى باقي أعضاء البدن لا ~~يناقض ما ادعيناه. # وأما الموضوع المختص بكل واحدة فيما سبق ذكره والمرشد إلى اختصاص كل قوة ~~بألة تلازمها في الخلل والفساد والهادي إلى تعدد القوى بقاء بعض دون بعض لا ~~كثرة PageV00P358 # الآثار والأفاعيل من الحيوان كما علمت. # تنوير استفادى إن هذا البخار اللطيف المسمى بالروح أحد موضوعات علم الطب ~~الطبيعي الجسماني كما أن الروح المجرد الذي هذا ظله أحد موضوعات العلم ~~الإلهي والطب الروحاني الذي يبحث عنه الأنبياء والرسل المؤيدون بالإلهام ~~والوحي. # ولذا قيل تقريبا للأفهام إن الأنبياء ع أطباء النفوس كما أن الأطباء ~~أنبياء الأبدان. # ونقل أيضا في الحكمة العتيقة أن النبي خادم القضاء والأمر الإلهي كما أن ~~الطبيب خادم للطبيعة ومقتضاها. # فمن أحوال هاتين الروحين نشأ العلم بأحكام العالمين: الدنيا والآخرة ~~والملك والملكوت. # فالعلم علمان: علم الطب الذي هو علم الأبدان والغرض منه حفظ صحة هذا ~~الروح الجسماني بتأييد علماء الأبدان. # وعلم الإلهيات الذي هو علم الأديان من معرفة الحق الأول ورسله واليوم ~~الآخر الذي هو مفارقة النفس عن البدن وموضوعها النفس. # وهذا المعرفة إنما حصلت على التمام للأنبياء المؤيدين بالوحي والإلهام ثم ~~لغيرهم من الأولياء والربانيين من العلماء وجميعهم من علماء الآخرة ~~المأخوذة علومهم من ملائكة الله تعالى. # وأما معرفة الروح الجسماني وعوارضه الذاتية وقواه فيمكن تحصيله بنحو آخر ~~من تجربة أو قياس أو استقراء بخلاف الروح التي هي الأصل وهي سر من أسرار ~~الله تعالى لا يمكن توصيف حقيقتها وماهيتها ولا رخصة في تعريفها وتحديدها ~~إلا بأن يقال هو أمر رباني كما قال الله تعالى: قل الروح من أمر ربي. # والأمور الربانية لا يحتمل العقول توصيفها بل تتحير ms218 في الحكم بوجودها ~~أكثر الخلق فلا يدرك بالقياس الفكري حقيقتها بل بنور آخر أعلى وأشرف من ~~العقل PageV00P359 # الإنساني يشرق ذلك النور في عالم آخر يسمى عند بعض العرفاء بعالم النبوة ~~والولاية نسبته إلى العقل كنسبة العقل إلى الوهم ولا استبعاد فيه. # فإن للإنسان أطوارا متعددة خلقها الله تعالى بعضها فوق بعض كما أن طور ~~الوهم فوق طور الحس وطور العقل فوق طور الوهم وكما يدرك الصبي المحسوسات ~~ولا يدرك المعقولات لأن ذلك طور لم يبلغه كذلك بعض البالغين إلى الكمال ~~الحقيقي يدركون بنور الإيمان الحقيقي أشياء لا يدركها أرباب العقول ~~المتعارفة لعدم بلوغهم إلى هذا المشرب العذب والمقام الشريف والمشرع المنيع ~~الذي أعز من أن يكون شريعة لكل وارد بل لا يطلع عليه إلا واحد بعد واحد. # قال بعض المحققين: إن لجناب الحق صدرا وفي مقدمة الصدر مجال وميدان رحب ~~وعلى أول الميدان عتبة وهي مستقر ذلك الأمر الرباني. فمن لم يكن له على ~~العتبة جواز استحال أن يصل إلى الميدان فكيف بالانتهاء إلى ما وراءها من ~~المشاهدات العالية فثبت أن من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه. # وأين هذه الروح التي معرفتها مقدمة معرفة البارىء من الروح الجسمانية ~~التي غاية معرفتها حفظ صحة البدن وأنى يصادف معرفة البارىء تعالى وملائكته ~~وأحوال النشأة الآخرة في خزانة الأطباء ومن أين للطبيب أن يلاحظ هذه ~~المعاني ويعتني بحفظ صحة الإيمان الحقيقي ودفع الأمراض النفسانية والأخلاق ~~الشيطانية وأنى يجد فرصة تفضل على اشتغاله بالمراهم والمسهلات ومعالجة ~~القروح والحميات بل المعنى المسمى عنده روحا بالإضافة إلى هذا الأمر ~~الرباني كالكرة التي يحركها صولجان الملك بالإضافة إلى الملك. # فمن عرف الروح الطبي وظن أنه أدرك ذلك الأمر الرباني أو غيرها من ~~الربوبيات التي تتوقف عليه كان كمن رأى الكرة فظن أنه رأى الملك ولا شك أنه ~~خطاء فاحش. # فالروح الجسماني مطية تصرفات الأمر الرباني الدراك الفعال في هذا ~~PageV00P360 # العالم بإذن الله تعالى واهب النفس الناطقة التي من الله مشرقها وإلى ~~الله مغربها فيتصرف بها في ms219 البنية البالية الفانية ما دامت قابلة لتصرفاتها ~~فإذا انقطع قبولها لتصرفها خلت ولخراب البيت ارتحلت. # جان قصد رحيل كرد گفتم كه مرو * گفتا چكنم خانه فرو مىآيد تمثيل استبصاري ~~إن هذا الروح الطبي مثاله جرم نار السراج والقلب له كالمسرجة والدم الأسود ~~الذي في باطن القلب له كالفتيلة وما يتغذى به من الأغذية اللطيفة كالزيت ~~والحياة الظاهرة في أعضاء البدن بسببه كضوء السراج في جملة البيت. # وكما أن السراج إذا انقطع زيته ينطفئ فسراج الروح أيضا ينطفي مهما انقطع ~~غذاؤه. # وكما أن الفتيلة قد تحترق وتصير رمادا بحيث لا يقبل الزيت فيطفي السراج ~~مع كثرة الزيت فكذلك الدم الذي تشبث به هذا البخار في القلب قد يحترق بفضل ~~حرارة القلب فينطفي مع وجود الغذاء فإنه لا يقبل الغذاء الذي يبقى به الروح ~~كما لا يقبل الرماد الزيت فلا يتشبث به النارية. # وكما أن السراج تارة ينطفي من داخله كما ذكر وتارة بسبب من خارج كريح ~~عاصفة فكذلك الروح تارة ينطفي بسبب من داخل وتارة بسبب من خارج كالقتل. # وكما أن انطفاء السراج هو منتهى وقت وجوده فيكون ذلك أجله الذي أجل له في ~~أم الكتاب بإحدى الأسباب المقدرة المرتبة في القدر من فناء الزيت أو بفساد ~~الفتيلة أو بريح عاصفة أو بإطفاء إنسان كذلك انطفاء الروح أجله المؤجل في ~~قضاء الله تعالى وقدره بإحدى الأسباب. # وكما أن السراج إذا أنطفأ أظلم البيت كله فالروح إذا انطفأ أظلم البدن ~~كله وفارقته أنواره التي كان يستفيدها من الروح وهي الأنوار الإحساسات ~~والقدرة والإرادات وسائر ما يجمعها معنى لفظ الحياة. # وأما الموضوع المختص بكل PageV00P361 # واحدة فما سبق ذكره. والمرشد إلى اختصاص كل قوة بالة تلازمها في الخلل ~~والفساد والهادي إلى تعدد القوى بقاء بعض دون بعض لا كثرة الآثار والأفاعيل ~~من الحيوان كما علمت. # ذكر وتنبيه وقد يقال في تعيين مواضع الحواس الباطنة بطريق الحكمة ~~والعناية: إن الحس المشترك ينبغي أن يكون في مقدم الدماغ ليكون قريبا من ~~الحواس الظاهرة فيكون التأدي إليها ms220 سهلا والخيال خلفه لكونه خزانته وخزانة ~~الشيء ينبغي أن تكون كذلك. ثم ينبغي أن يكون الوهم بقرب الخيال ليكون الصور ~~الجزئية بحذاء معانيها والحافظة بعده لأنها خزانته والمتخيلة قريبة من ~~الصور والمعاني فيمكنها الأخذ منهما بسهولة. # لكن الأطباء لما كان نظرهم مقصورا على حفظ صحة القوى وإصلاح اختلالها ولم ~~يحتاجوا إلى الفرق بين القوى وتبين أنواعها بل إلى معرفة أفعالها ومواضعها ~~وكانت الآفات العارضة قد تتجانس اقتصروا على قوة في البطن المقدم من الدماغ ~~سموها الحس المشترك والخيال وأخرى في البطن الأوسط سموها المتفكرة والوهم. # وأخرى في البطن المؤخر سموها الحافظة والمتذكرة. # وهم وإزاحة قد ظن بعض الناظرين في كتب الشيخ الرئيس أنه تردد واضطرب في ~~أمر القوى حيث قال في الشفاء: يشبه أن يكون القوة الوهمية هي بعينها ~~المفكرة والمتخيلة والمتذكرة وهي بعينها الحاكمة فتكون بذاتها حاكمة ~~وبحركتها وأفعالها متخيلة ومتذكرة. # فتكون PageV00P362 # مفكرة بما يعمل في الصور والمعاني. ومتذكرة بما ينتهي إليه فعلها. # وإن له ترددا أيضا في أن الحافظة مع المتذكرة أعني المسترجعة لما غاب عن ~~الحفظ من مخزونات الوهم قوتان أو قوة واحدة وذلك من بعض الظن. # أما الأول فلأن مراده من تلك العبارة المنقولة أن المبدأ الذي ينسب إليه ~~التخيل والتفكر والحفظ والتذكر هو الوهم ولذلك جعله رئيسا حاكما في ~~الحيوان. والقوى الحيوانية خدامه وأعوانه كما أن مبدأ الجميع في الإنسان ~~شيء واحد وهو الناطقة والقوى جنوده ورعاياه. # وفي هذا سر آخر لوحنا إليه فيما مر. وهو أن كل عال من القوى المرتبة يحمل ~~على سافلها والسافل مما يتقوم بالعالي. # وبرهانه مسطور في كتابنا الكبير في الحكمة الخاصة. # فالناطق لها نحو من الاتحاد بقواها البدنية لا ينافي تقدسها عنها باعتبار ~~وجودها التجردي الذي هو غيب غيوبها. # فمن شبهها من غير تنزيه فعمى بصره اليمنى عن إدراكها فما عرفها حق ~~معرفتها. # ومن جردها من غير تشبيه فنظر إليها بالعين العوراء فما رعاها حق رعايتها. # والكامل المحقق والبصير المدقق من لا يهمل أحد الجانبين ولا يتعطل عن ~~إدراك ms221 مجموع النشأتين ويعرف سر العالمين ومجمع البحرين ومرآة الإقليمين. # وأما الثاني فالكلام الذي حملهم على إسناد ذلك الظن القبيح بمثله ما قاله ~~في كتاب القانون بهذه العبارة: # وهاهنا موضع نظر فلسفي في أنه هل القوى الحافظة والمتذكرة والمسترجعة لما ~~غاب عن الحفظ من مخزونات الوهم قوة واحدة أم قوتان ولكن ليس ذلك مما يلزم ~~الطبيب. # ولا يخفى على أحد أن ما ذكره لا يدل على أنه شاك في أمر الحافظة والذاكرة ~~بل PageV00P363 # أحال بيانها إلى نظر الفلسفة الغير المناسب لكتاب الطب. # وفي سائر كتبه الحكمية التي رأيناها حكم على أن الذاكرة هي الحافظة ولكن ~~باعتبار آخر. # وذهب الحكيم الطوسي إلى أن الذكرة ليست من القوى البسيطة بل قوة مركبة من ~~قوتين كما أن فعلها تركيب من فعلين لأن الذكر عبارة عن ملاحظة المحفوظ وذلك ~~لا يتم إلا بإدراك ثان مبدؤه الوهم وحفظ مبدؤه الحافظة. # والمسترجعة أيضا مبدأ فعل يتركب من ثلاثة أفعال: الحفظ وملاحظة المحفوظ ~~بالقوتين المذكورتين وطلب تلك الملاحظة بالقوة الفكرية. # فعلى أي تقدير لا يوجب ازدياد القوى الباطنة عما كانت كما توهمه الإمام ~~الرازي حيث قال: حفظ المعاني مغاير لاسترجاعها بعد زوالها. # فإن وجب أن ينسب كل فعل إلى قوة وجب أن يكون القوى ستا. # فصل في تكون الإنسان وقوى نفسه قد علمت علما برهانيا أن الواجب تعالى ~~وجود مقدس وخير محض بريء عن أنحاء النقص والأعدام والملكات. # وعلمت أن فيضه الأولى وفعله الإبداعي يجب أن يكون جوهرا روحانيا مدركا ~~للأشياء بل الوجود مطلقا فيضه وفعله والعلم والقدرة وسائر الصفات الكمالية ~~من خواص الوجود بما هو وجود ما لم يلحقه ضد ويصادفه مفسد مناف له. # فكل وجود متبرئ عن التضاد والتزاحم فهو عالم بذاته وبما يقارن ذاته ~~كالعقول والنفوس الفلكية العالمة بذاتها وبلوازمها وآثارها وأجرامها التي ~~هي مواضع الشعورات ومظاهر الأمثال والأشباح الخيالية. # وأما الأجسام العنصرية فلاشتمالها على التضاد والتفاسد واستحالة ذاتها ~~وتجدد وجوداتها يوما فيوما لم يكن لها وجود إلا وجودا مستحيلا داثرا عادما ~~للعلم والإدراك PageV00P364 # آئسا ms222 عن رحمة الله تعالى وقبول الفيض الإلهي الذي ذكرناه لتفاسدها وبعدها ~~عن التوافق والاعتدال لضيق وعائها الوجودي وخسة نشأتها المخصوصة. # ألا ترى الأجسام أول ما تمازجت وتصالحت قواها المتضادة بسبب الكسر ~~والانكسار والفعل والانفعال استعدت لقبول أثر من الفيض الإلهي ولمعة من ~~النور الوجودي وهو الصور المعدنية الحافظة للعناصر من التضاد والتفارق ~~والتهارب وسائر ما يظهر منها من بعض اللمعان والصفا والتلألؤ كما في الدرر ~~واليواقيت وما فيه زبرج نوري. # ثم إذا تركبت تركيبا أقوى في التوسط وأوغل في الاعتدال فاض عليها ما يظهر ~~به منها بعض آثار الحياة من التغذية والتنمية والتوليد وهكذا تراها متوغلة ~~في نقض التضاد وهدم الخلاف إلى أن يصل إلى درجة الحيوان فيصدر منها كثير من ~~آثار الروح والعقل إما بأن يكون صورها الحيوانية ونفوسها الحاسة بمنزلة ~~الآلات لأفاعيل النطقية صادرة عنها بإلهام بعض الملائكة الروحانيين أو يكون ~~نفوسها بأعيانها جواهر روحانية بالذات كما ذهب إليه الأقدمون. # فإذا بلغت إلى غاية التوسط من الأطراف المتضادة فاعتدلت أو قربت حدا من ~~الاعتدال الرافع للتضاد الذي هو بمنزلة الخالي عن الأضداد كالسبع الشداد ~~وما فيها استعدت لقبول الفيض الذي أكمل مما يمكن قبوله وقبلت من التأثير ~~الإلهي ما قبلته الأجرام العلوية والعرش الأعظم الذي ترفع إليه الأيدي في ~~الدعاء لصفاء جوهره أقصى غاية الصفاء وتهيئه لقبول الفيض عن المبدإ الأعلى ~~أتم تهيؤ لاعتداله الذاتي وبعده عن التضاد أقصى بعد. # قال الشيخ الرئيس: لو لا ذلك في جوهر الفلك لما صلح على لسان أكثر الأمم ~~أن الله تعالى على السماء. # وبالجملة إن العناصر إذا امتزجت امتزاجا قريبا من الاعتدال جدا وسلكت ~~طريقا إلى الكمال أكثر مما سلكه الكائن النباتي والحيواني وقطعت من القوس ~~العروجى أكثر اختصت بالنفس الناطقة المستخدمة لجميع القوى النباتية ~~والحيوانية وهي كمال أول لجسم طبيعي إلى جهة ما تدرك الأمور الكلية ~~والمجردات وتفعل الأفعال الفكرية. # فلها باعتبار ما يخصها من القبول عما فوقها والفعل فيما دونها قوتان: قوة ~~عالمة وقوة PageV00P365 # عاملة فبالأولى تدرك التصورات والتصديقات ms223 وتسمى بالعقل النظري والقوة ~~النظرية وبالثانية تستنبط الصناعات الإنسانية وتعتقد القبيح والجميل فيما ~~تفعل وتترك كما أن بالنظرية تعتقد الحق والباطل فيما تعقل وتدرك وتسمى ~~بالعقل العملي والقوة العملية وهي التي تستعمل الفكر والروية في الصنائع ~~المختارة للخير أو ما يظن خيرا في العمل. # ولها الجربزة والغباوة والتوسط بينهما يسمى بالحكمة العملية التي هي من ~~الأخلاق لا من العلوم النظرية أو العملية اللتين كلما كانتا أكثر وأشد كان ~~أفضل. # وهذه القوة خادمة للنظرية مستعينة بها في كثير من الأمور ويكون الرأي ~~الكلي عند النظري والرأي الجزئي المعد نحو المعمول عند العملي. # فصل في خواص الإنسان اعلم أن الإنسان لاشتماله على نفس مجردة له خواص لا ~~توجد في غيره من الحيوانات. # وأول ذلك النطق الظاهري وذلك لاحتياجه في معيشته وتمدنه إلى اللباس ~~والغذاء الحاصلين له بنوع من التعاون والمعاملة والمعاوضة والمشاركة. # لأنه حيث خلق لمعرفة الرب تعالى والسفر إلى دار الآخرة يحتاج إلى استعمال ~~قوى إدراكية موضعها جسم لطيف لين سريع التغير والانفعال سهل القبول ~~للكيفيات والأشكال أزيد من أبدان غيره من الحيوانات فلا محالة لا يكفي ~~إهابه وجلده للتوقي من الحر والبرد الحاصلين فيما يحويه من طبقة الهواء فلم ~~يكن لباسه طبيعيا. # وكذلك البدن الذي هو موضوع لنفسه حيث يكون في غاية الاعتدال. # ويكون كل واحد من نفسه وبدنه مستدرجا في البلوغ إلى الغاية محوجا إلى ~~البقاء الدنيوي مدة ما. # ولتحلل البدن دائما يفتقر إلى ورود بدل من الغذاء فلم يتغذ من أي جسم كان ~~إذا الغذاء يجب أن يكون مزاجه قريبا من مزاج المغتذي حتى يمكن أن يصير بعد ~~تصرف PageV00P366 # الغاذية شبيها بالمغتذى بل غذاء موافق له وذلك مما يندر وجوده في الطبيعة ~~فلم يكن غذاؤه طبيعيا بل يحتاج في أن يحصل وجوده إلى صنعة ما ولم يكن وجود ~~هذه الصنعة المحصلة للغذاء الموافق للإنسان بصانع واحد لأن هذه الصنعة ~~متضمنة بصنائع كثيرة بآلات مختلفة. # وكل واحدة من هذه الصنائع قلما يحصل بإلهام أو وحي بل لا يستحفظ وجودها ms224 ~~البقائي إلا بتعليم وتعلم وإن كان وجودها الحدوثي بنحو الإلهام أو الوحي أو ~~الحدس. # والتعاون أيضا إنما يتحقق بمعاوضات مفتقرة إلى طلب ونهي ووعد ووعيد ~~وترغيب وتخويف وتعجيل وتأجيل وغيرها من إعلان مكنونات الضمائر وإعلام ~~مستورات البواطن. # فلهذه الأسباب ولغيرها آكد وأرجح منها احتياج الإنسان للاقتدار على أن ~~يعلم غيره من المتشاركين في التعيش ونظام التمدن ما في نفسه بعلامة وضعية. # ولا يصلح لذلك شيء أخف من الصوت أو الإشارة والأول أولى لأنه مع خفته ~~مئونة لوجود النفس الضروري المتشعب بالتقاطيع إلى حروف مهيأة بالتأليف ~~لهيئات تركيبية غير محصورة بلا تجشم تحريكات كثيرة كما في الإشارة لا يختص ~~إشعاره للقريب والحاضر بل يشتمل هدايته لهما ولغيرهما من البعيد والغائب. # ويشتمل أيضا الصور والمعاني والمحسوسات والمعقولات. ومن خواصه أيضا ~~التعجب وهو انفعال يحصل عقيب الإدراك لأمر نادر يتبعه الضحك. # ومنها الزجر وهو انفعال نفساني يتبع الإدراك للأشياء المؤلمة والموذية ~~ويتبعه البكاء. # ومنها الخجلة وهي انفعال نفساني يتبع شعوره بشعور غيره بأنه فعل شيئا من ~~الأشياء التي قد أجمع على أنه لا ينبغي أن يفعلها. # ومنها الخوف والرجاء بحسب المستقبل. # وفي غيره من الحيوانات يوجدان بحسب الآن وما يتصل بالآن ولا يكون فيما ~~يبعد من الآن إلا بضرب من الإلهام كالذي يفعله النملة في نقل الحبوبات ~~بالسرعة إلى حجرها منذرة لمطر يكون. # وهذه الخواص بعضها للبدن بسبب كونه ذات نفس وبعضها للنفس بسبب كونها ذات ~~بدن. # وأخص الخواص بالإنسان تصور المعاني العقلية المجردة عن المادة كل ~~PageV00P367 # التجريد والتوصل إلى معرفة المجهولات تصورا وتصديقا من المعلومات ~~العقلية. # واعلم أن للإنسان تصرفا في أمور جزئية وتصرفا في أمور كلية. # والثاني فيه اعتقاد فقط من غير أن يصير سببا لفعل دون فعل إلا بضم آراء ~~جزئية. # فللإنسان إذن قوتان: قوة تختص بالآراء الكلية والاعتقادات وقوة تختص ~~بالرؤية في الأمور الجزئية مما ينبغي أن يفعل ويترك من المنفعة والمضرة ~~ومما هو جميل وقبيح ومما هو خير وشر. # ويكون حصوله تابعا لضرب من القياس والتفكر غايته أن ms225 يوقع رأيا في أمر ~~جزئي مستقبل من الممكنات إذ الأمور الضرورية والمستحيلة لا يروى فيها ليوجد ~~أو ليعدم. # وما مضى فقد فات والروية عبث. # وإذا حصل الرأي الجزئي يتبع حكم القوة المروية قوة أخروي في أفعالها ~~التحريكية أولاها القوة الشوقية الغائية المسماة بالباعثة والأخرى القوة ~~الفاعلية المسماة بالمحركة. # كل هذه يستمد في الابتداء من القوة المتصرفة في الكليات بإعطاء القوانين ~~كبريات القياس فيما يروى كما يستمد من التي بعدها صغريات القياس والنتيجة ~~الجزئية. # فللنفس في ذاتها قوتان: نظرية وعملية وتلك للصدق والكذب. وهذه للخير ~~والشر في الجزئيات. وتلك للواجب والممكن والممتنع وهذه للجميل والقبيح ~~والمباح. # ولكل من القوتين شدة وضعف في فعلها ورأي وظن في عقلها. # والعقل العملي يحتاج في أفعاله كلها دائما إلى القوى البدنية. وأما العقل ~~النظري فله حاجة ما إليها لا دائما بل قد يكفي لذاتها كما في النشأة ~~الأخروية سواء كان في طبقة الكروبيين من المقربين أو يكون في صنف المتوسطين ~~وأصحاب اليمين فإن أنهار الجنة وأشجارها وحورها وقصورها وسائر الأشباح ~~الأخروية إنما تنبعث من ذات النفس وشهواتها وتصوراتها كما في قوله تعالى: ~~فيها ما تشتهيه الأنفس و تلذ الأعين كما سنبينه عن قريب في كيفية الحشر ~~الجسماني إن شاء الله. فجوهر النفس مستعد لأن يستكمل نوعا من الاستكمال ~~بذاتها وبما هو فوق ذاته PageV00P368 # بالعقل النظري ومستعد لأن يتحرز من الآفات ويتصرف فيما دونها بالعقل ~~العملي. # ولكل منهما مراتب استعداد وكمال وحركة إلى الكمال. # فالأول يسمى من كل منهما عقلا هيولانيا والغاية عقلا بالفعل والأوسط عقلا ~~بالملكة كما سنشرحه. # والأوسط في الأول المقدمات الأولية وفي الثاني الآراء المشهورة وهيئات ~~أخرى. # فصل في مراتب القوة النظرية وهي أربعة الأولى ما يكون للنفس بحسب الفطرة ~~وهو تهيؤها بحسب ذاتها لدرك المعاني المعقولة حين خلوها عن جميع المعقولات ~~البديهية والنظرية. # وذلك التهيؤ هو العقل الهيولاني والعقل بالقوة تشبيها للنفس بالهيولى ~~الجسمية الخالية في ذاتها عن الصور المحسوسة مع قبولها للمحسوسات كلها. # فكذلك للنفس هيولى لا صورة لها ولكن تقبل ms226 كل صورة معقولة. # وكما أن هيولى الأجسام ما دامت مصورة بصورة خاصة لا تقبل غيرها كذلك ~~العقل بالقوة لو كان لها صورة مخصوصة لما صلح لأن يقبل غيرها كاللوح ~~المكتوب ولكنه استعداد محض. # وليس لقائل أن يقول إن علم النفس بذاتها وبقواها القريبة منها التي هي ~~جنودها فطري كما سبق ذكره فكيف تكون النفس في مبدأ فطرتها قوة محضة لأنا ~~نقول: لا منافاة بين هذا الكلام وبين المذكور بعد التعمق فإن نحو العلم لما ~~كان تابعا لنحو الوجود بل عينه فالوجود المفارقي الذي لا يتقوم وجوده من ~~أمور غريبة عن ماهيته نحو وجوده بعينه نحو علمه بذاته. # فكل ما كان وجوده قويا كان علمه بذاته أيضا شديدا. # وكل ما كان وجوده ضعيفا أو بالقوة كان علمه بذاته أيضا كذلك. # والنفس الإنسانية في أول نشأتها لا استقلال لها في الوجود فإنها وإن كانت ~~جوهرية PageV00P369 # الوجود ولكن جوهريتها في أول الكون جوهرية شبيهة بالأعراض بل هي أضعف من ~~الأعراض لأنها قوة محضة فغلمها بذاتها قوة العلم بالذات. # وكلما كانت القوة العاقلة أشد كانت معقولاتها أشد وكلما كانت أضعف كانت ~~معقولاتها أضعف. # وكما أن النفس ما دامت حاسة كانت مدركاتها محسوسات وما دامت متوهمة أو ~~متخيلة كانت مدركاتها موهومات ومتخيلات وما دامت قوتها العاقلة متعلقة ~~بالبدن منفعلة عن آثاره وغواشيه كانت معقولاتها أيضا معقولات بالقوة كمعنى ~~الإنسانية والحيوانية وأمثالهما التي لا تنفك في وجودها الخارجي عن الأعراض ~~الجسمانية مع إمكان تجردها في اعتبار الذهن وجواز وجودها نحوا آخر من ~~الوجود كما في المثل الأفلاطونية كما أن العاقلة قبل أن تصير عقلا بالفعل ~~هي مخالطة بالمادة البدنية والقوى الجسمانية في الوجود مع حيثية تجردها ~~عنها. فاستعد لوجود مفارقي لا يعتريها فيه التعلق بالمواد وذلك يحصل بعد أن ~~يتعلق بالعقول الفعالة كما كانت متعلقة من قبل بالقوى المنفعلة بتأييد ~~رباني وهداية إلهية ورياضة عملية وسلوك جهة أخروية. # وبالجملة حال العاقل والمعقول في جميع المراتب والمواطن واحد فمعقول ~~النفس ما دام يكون بالقوة كانت النفس بالقوة ms227 فعلمها أيضا بذاتها قوة علم أي ~~لا علم لكن من شأنه أن يصير علما بعد ما خرج النفس من القوة إلى الفعل ~~وكذلك علمها بقواها في أول فطرتها ومبدأ كونها. # فصل في بيان أن العقل الهيولاني عالم عقلي بالقوة وكيفية تعقله المعقولات ~~المحضة والمحسوسات التي هي معقولات بالقوة وما به يخرج من القوة إلى الفعل ~~وهو المسمى بالحكمة والسبب المخرج إياه إلى الفعل وهو العقل الفعال. # وأنه العقل المنفعل فيصير أولا عقلا بالملكة ثم عقلا بالفعل ثم عقلا ~~مستفادا فاعلا للمعقولات وقابلا لها على نحو علم المبادئ على ما علمت من ~~كون معقولاتها لوازم ذاتها. # وقبل الخوض في بيان هذه المعاني يجب أن يعلم أن الصورة في كل شيء أمر ~~PageV00P370 # محصل موجود بالفعل والمادة في كل شيء أمر مبهم لا تحصل له ولا فعلية ~~باعتبار أنه قوة شيء ما مثلا مادة السرير وإن صدقت على قطع الخشب لكن لا من ~~حيث لها حقيقة الخشبية وصورتها المحصلة لها فإنها من تلك الحيثية حقيقة من ~~الحقائق وليست مادة بل ماديتها باعتبار صلوحها واستعدادها لأن يكون سريرا ~~أو بابا أو كرسيا. # أما تعصيها وامتناعها عن قبول أشياء أخر غير السرير بعد اتصافها به فليس ~~لجهة قوتها واستعدادها بل لأجل فعليتها واقترانها بهيئة مخصوصة بمنعها عن ~~التلبس بأضداد تلك الهيئة. # فالحقيقة الخشبية لها جهة نقص وجهة كمال فمن جهة نقصها يستدعي كمالا آخر. # إذ ليس هذا الكمال خيرا محضا لا يتصور فوقه كمال. # ومن جهة كونها كمالا يمتنع عن كمال آخر غيرها. # ومن هاتين الجهتين ينتظم كون السرير ذا مادة وصورة. # وكذا نقول مادة الخشب هي العناصر لا من حيث كونها أرضا أو ماء أو غيرهما ~~بل من حيث بالامتزاج لأن يصير نوعا من الأنواع الجمادية والنباتية ~~والحيوانية وغيرها من الأشياء المخصوصة دون غيرها لأجل العلة التي ذكرناها ~~وصورتها الخشبية وهكذا إلى أن ينتهي إلى مادة لا مادة لها ولا فعلية إلا ~~كونها جوهرا مستعدا لأن يصير عين كل شيء بلا تخصص في ذاتها ms228 لواحد واحد لعدم ~~كونها إلا قابلا محضا وقوة صرفة وإلا يلزم التسلسل أو الدور كما يظهر مما ~~بينا فهي مادة المواد وهيولى الهيوليات. # عقد لوحي وحل عرشي ولعلك تقول: إذا كان كل هيولى أولى قوة محضة وإمكانا ~~صرفا وإبهاما محضا فما الفارق بين الهيوليات فإنهم ذهبوا إلى أن لكل واحد ~~من صور الأفلاك الكلية هيولى خاصة سوى العناصر ثم ما الفرق بين العقل ~~الهيولاني القابل للصور العقلية وبين الهيولى للصور المحسوسة وبحسب ذاتيهما ~~مع قطع النظر عما يحل فيهما والحال أن كل واحدة من حيث هيوليتها فاقة محضة ~~واستعداد بحت. # فاستمع ما يتلى عليك وتلطف في سرك وتأمل فيما يرد عليك: PageV00P371 # أما بيان الفرق الذي طلبت أولا: فنقول: الفرق بين الهيوليات إنما كان ~~بعللها فإن تحصلاتها إنما هي بالعلل القريبة منها كالعقول المفارقة الفعالة ~~بانضمام الصور الحالة الشريكة معها في إفادة المواد فإن لكل هيولى صورة ~~مقومة لها شريكة لفاعلها مقدمة عليها في الوجود وإن تأخرت عنها في توابع ~~الوجود من أمارات تشخص الصورة ولوازمه كالكم والكيف والوضع وغيرها. # فكل هيولى تحصلت بصورتها وجودا وهيئة فامتازت عن هيولى أخرى بصورتها ~~وفاعلها ومع قطع النظر عن اعتبار الصورة واعتبار فاعلها الموقع للربط بينها ~~وبين صورتها فلا تحصل لها أصلا ولا وجود لها منفردة عن كافة الصور ليكون ~~موجودا بلا تعين وتحصل. # نعم لو كانت الهيولى موضوعة للصور على نحو تتقوم بنفسها لا من جهة الحال ~~كالجسم بالقياس إلى الأعراض القائمة به المتأخرة عنه لكان الإشكال واردا ~~غير مندفع ولم يكن فرق ذاتي بين هيولى وهيولى وليس كذلك. # ولذا حكموا بأن ما بالفعل دائما متقدم على ما بالقوة ولا يمكن وجود شيء ~~بمجرد قوته واستعداده ما لم يتحصل بما يتقوم به حتى يكون كالمعلول من غير ~~علة والإمكان من غير وجوب. # فإن كل معلول وجوده بالقياس إلى وجود علته وزانه هذا الوزان أي حال ~~المادة بالنسبة إلى الصورة إذ المعلول حاله عند نفسه القوة والفاقة ~~والإبهام وبالقياس إلى مفيض وجوده الفعلية والوجوب ms229 والتحصل. # وهاهنا سر عظيم فإن كانت حال الهيولى في نفسها هي القوة والإبهام وبحسب ~~علتها القريبة التنوع والتحصل فلك أن تقول بحسب جلي النظر أن تحصل الشيء ~~بالفاعل القريب تحصل بأمر خارج عن ذاته ولكن يجب أن تتفطن بأن فاعل الشيء ~~بمنزلة ذات الشيء بل هو أقرب منها إلى ذاته. # فالتحصل بالفاعل ليس تحصلا بأمر عارضي خارج عن قوام الشيء PageV00P372 # فإن رجعت وقلت إذا كان محصل الهيولى أمرا داخلا في قوامها فكيف يكون ~~الهيولى قوة محضة وإبهاما صرفا قلت لا شك عندنا في أن الهيولى ليست أمرا ~~مباينا في الوجود لعلته القريبة من الصورة وغيرها بحسب نفس الأمر إذ لا ~~وجود لها استقلاليا بل الوجود إنما يكون بالذات للصورة والهيولى منها ~~بمنزلة الظل من ذي الظل والظل أمر عدمي في الخارج إلا أن للعقل أن يتصورها ~~شيئا آخر غير الصورة يكون ماهيتها في نفسها قوة شيء واستعداد أمر حادث كما ~~يتصور الظل معنى آخر غير الضوء ماهيتها عدم النور ونقصانه. # والحاصل أن نسبة الهيولى إلى الصورة نسبة النقص من حيث هو نقص إلى التمام ~~والقصور من حيث هو قصور مقيس إلى الكمال. وقصورات الأشياء المختلفة في ~~الكمالات النوعية في الشرف والفضيلة من حيث إنها قصورات متحدة المعنى لأنها ~~عدمية والعدميات لا امتياز لها في أنفسها. ومن حيث إن كلا منها مقيس إلى ~~كمال خاص منسوب إلى فضيلة خاصة غير ما يقاس إليها غيره كانت مختلفة الماهية ~~لكل منها نوعية أخرى وتحصل آخر غير ما لغيره. # فعلى هذا كلا القولين حق وصواب أي القول بوحدة الهيوليات نوعا والقول ~~باختلافها وتعددها نوعا. # وأما فيما ذكرته ثانيا فهو أن النفس الإنسانية قد أشرنا بطريق التجوز إلى ~~أنها مجمع البحرين وليس من دأبنا إيراد الكلمات الشعرية والموعظة الخطابية ~~مجردة عن البراهين إذ لا اعتداد بغير البرهان أو الكشف والكشف التام أيضا ~~لا يمكن الوصول إليه في العقليات الصرفة إلا من طريق البرهان والحدس لكن ~~بإعانة من الرياضات الشرعية والحكمية والمجاهدات العلمية والعملية. # فمعنى كونها ms230 مجمع البحرين أن ذاتها في مبدأ الفطرة نهاية عالم الجسمانيات ~~في الشرف وغايتها في الكمال وبداية عالم العقليات في السفر إلى المعبود ~~الحق والتدرج في الوصول إليه من حال إلى حال. # فهي صورة الصور في هذا العالم ومادة المواد في عالم آخر فيكون حدا جامعا ~~وبرزخا وحاجزا بين البحرين الجسمانيات والروحانيات منه البداية وإليه ~~الانتهاء من وجهين. # فإن نظرت إلى ذاتها في هذا العالم فوجدتها PageV00P373 # مبدأ القوى الجسمانية ومستخدم الآلات الإحساسية والتحريكية التي بها يمكن ~~الوصول إلى كل كمال جسماني ويكون سائر الصور الكمالية والجمادية والنباتية ~~والحيوانية من آثارها ولوازمها في هذا العالم. # وكل صورة فهي جهة فعل ومبدأ أثر وغاية حركة والصورة الإنسانية يترتب ~~عليها ما يترتب على جميع الصور وإليها ينتهي حركات الأجسام في الاستعدادات ~~وانتقالاتها إلى الكمالات فهي صورة الصور وغاية الغايات ونهاية النهايات ~~والكمالات في عالم الأجسام. # وإذا نظرت إليها بحسب وجود العالم العقلي وجدتها قوة صرفة لا رتبة لها ~~عند سكان ذلك العالم ونسبتها إلى الوجود نسبة البذر إلى الأثمار فإن البذر ~~بذر بالفعل وثمرة بالقوة. # فحينئذ امتياز العقل الهيولاني عن سائر الهيوليات ليس لكونه هيولا وقوة ~~بل لكونه صورة جسمية وهي ليست كذلك باعتبار ذاتها. # فبعد تمهيد ما قدمناه نقول: إن العقل الهيولاني عالم عقلي بالقوة من شأنه ~~أن يكون فيه ماهية كل موجود وصورته من غير تأب وامتناع من قبله فإن عسر ~~عليه شيء فإما لأنه في نفسه ممتنع الوجود أو لأنه ضعيف الوجود شبيه بالعدم ~~كالهيولى والحركة والزمان والعدد واللانهاية. # وإما لأنه شديد الوجود قوي الظهور فيغلب عليه ويقهره فيفعل به ما يفعل ~~الضوء الشديد بعين الخفاش. # وذلك مثل القيوم تعالى ومجاوريه من الإنيات العقلية فإن تعلق النفس ~~الإنسانية بالمواد يورثها ضعفا وتعوقا عن إدراك هذه الأنوار الباهرات جدا ~~فلا شك أنها إذا تجردت ونقضت عن جناحها علوق هذه الأرضيات وصقلت حدقتها من ~~هذه الغبارات فطارت إلى العالم العقلي واتصلت بأجنحة الكروبيين طالعتها حق ~~المطالعة واتحدت بها وبالصور العقلية للأشياء كما اتحدت ms231 الآن بالبدن وقواه ~~الجسمية فإذا تركت هذه القيود والقشرة يبتهج بصحبة العقول العشرة وإذا ~~PageV00P374 # استكمل تشبيها بالعالم العقلي الذي هو صورة الكل عند الباري تعالى صارت ~~قابلة لصورة الكل كما أن البارىء فاعل لها وذلك باتصالها بالعالم العقلي ~~والكروبيين من الملائكة الذين هم أنوار وأشعة لجلاله تعالى بسبب فنائها عن ~~ذاتها وعدم التفاتها بالأكوان إلا من جهة كونها رشحات لفيضه وجوده وتأكد ~~علوقها بمبدأ صور الأشياء وتحيرها وهيمانها في عظمة خالق الأرض والسماء ~~باندكاك جبل إنيتها فيرى بنور ربه الأعلى كل شيء صادرا عنه فأيضا من لدنه. # ولا ينظر إلى شيء من الأشياء نظرا استقلاليا يكون المنظور إليه في ذلك ~~الشيء غير ذات الحق بل يراه كأنه ظل وشبه لا استقلال له في الحصول والكون. # فإن شئت يا حبيبي أن تصل إلى كعبة المقصود فانحر تقربا إليه حيوانيتك ~~وأزل عنك وجودك وأمط أذى هويتك عن طريق الحق وهو أول درجات الإسلام الحقيقي ~~كما أشير إليه في الحديث النبوي بقوله عليه وآله الصلاة والسلام: المسلم من ~~سلم المسلمون من يده ولسانه. # فإن طريق الحق لا يتحمل ثقلك فضلا عن أثقالك وأوزارك وجودك ذنب لا يقاس ~~به ذنب فإن المانع عن ظهور الحق لك وجودك وإنك ينازعك في شهودك الحق هويتك ~~وإنك قد علمت أن تلبس القوة الاستعدادية بكل صورة ناقصة يمنعها عن التلبس ~~بالصور الكاملة. # فالقوة الهيولانية الإنسانية كلما خلعت عنها صورة ناقصة تلبست بما هو ~~أشرف منها وهكذا حال الإنسان من بدء الوجود إلى هذه المرتبة التي فيه كلما ~~خلعت عن ذاته صورة تلبست بالأخرى وما لم يمت عن مرتبة أدنى لم يحصل لها ~~درجة أخرى فوقها بل كان كل فساد منه يلزمه كون بإزائه وكل موت يخرج به عن ~~نشأة تهيأ منه لحياة يدخل بها في نشأة أخرى أعلى منها إلى أن تبلغ إلى هذه ~~الحالة فإذن ما لم يحصل لها قطع التعلق من جميع الصور الإمكانية وترك ~~الالتفات إلى القيود النقصانية لم يتصور لها درجة المقربين والانخراط في ms232 ~~سلك المهيمنين الفانين في عشق جمال الحق الأول بحيث لا يلتفتون إلى ذواتهم ~~الكاملة بالحق الأول من حيث هي ذواتهم فضلا عن الالتفات بما دونهم. ~~PageV00P375 # فقد ثبت أن العقل الهيولاني بالقوة عالم عقلي من شأنه أن يتصور بهيئة ~~الكل ويتشبه بمبدأ الكل فيه جميع المعقولات على نحو القبول كما يحصل جميع ~~المعقولات عن الحق الأول على النحو الفعلي. # وهذا الحصول الانفعالي له قد يتحد بالحصول الفعلي للأول تعالى لاضمحلاله ~~عن ذاته وانهدام بناء إنيته الموهوم واندكاك جبل هويته المتخيلة. # ولما كان كل ما يخرج من القوة إلى الفعل يخرج بسبب مخرج له إلى ذلك الفعل ~~ومحال أن يحدث فيه كمال عما ليس له ذلك الكمال وينتقش صورة في شمعة عما ليس ~~له تلك الصورة ويفيد شيء كمالا فوق الذي له فيجب أن يخرج هذه القوة ~~الهيولانية إلى الفعل بشيء يكون هو عقلا وعاقلا بالفعل إما بجميع ما هو ~~كذلك وإما بالأقرب في المرتبة وهو العقل الفعال على قياس ما مر من نسبة ~~الفعل إلى ما يقرب إليه في سلسلة الوجود. وإن كان المؤثر الحقيقي واحدا ~~حقيقيا وموجودا استقلاليا غنيا. # وكل من الحق الأول والعقول المفارقة فعال لكن الأقرب إلينا فعال بالقياس ~~إلينا وهو المسمى بروح القدس في لسان الشرع وهو المعلم الشديد القوى المؤيد ~~بإلقاء الوحي على الأنبياء ع وهو الذي إذا اتصلنا به أيدنا وكتب في قلوبنا ~~الإيمان والعلوم الحقة. # وإذا أعرضنا عنه بالتوجه إلى مشاغل الدنيا انمحت النقوش عن النفوس. # فنفوسنا كمرآة صيقلية إذا أقبلت إليها فقبلت وإذا أعرضت عنها فتحلت. # وهذه التغير للنفس على حسب استعداداتها وأفكارها لا يتغير من قبل المفارق ~~لبراءته عنه. # ومعنى كونه فعالا أنه بالفعل من كل جهة من غير شائبة قوة بحسب الوجود لا ~~أن فيه شيئا ما هو قابل للصور المعقولة وشيئا هو كمال وصورة بل ذاته صورة ~~عقلية قائمة بنفسها. # فذاته صورة نفسه وكمالها لا صورة غيرها كالمادة فلا محل لإمكانه لأنه محض ~~الفعلية. # فإمكانه مجرد اعتبار عقلي لا حظ ms233 له من الثبوت إلا في الذهن. # فالجواهر المفارقة أنوار عقلية لا ظلام لها وصباحات ضوئية لا ليل لها إلا ~~ما صار مختفيا تحت سطوع النور الأول بحيث يمتنع خروجه من كتم الخفاء لأنه ~~تعالى قهار PageV00P376 # للعدم وألبسهم بالوجود والتحصل جبار للقوة والإمكان بالفعل والتكميل. # وقد علمت الفرق بين ما يكون في الواقع وبين ما يكون في مرتبة ذهنية من ~~الواقع وكل عقل ومعقول لا يكون فيه شوب قوة واقعية فهو عاقل لذاته لأن ~~ذاتها إحدى الموجودات الصورية بلا مخالطة غواش مادية وعوارض ظلمانية ساترة ~~لوجهها حتى يحتاج في معقوليتها إلى عمل عامل وإلى تعرية معر وتجريد إياها. # فيكون عقلا بالقوة ولا يكون وجودها العقلاني حاصلا بالفعل وقد فرضناه ~~كذلك. # فلا يفارق كون الشيء معقولا بالفعل كونه عاقلا بالفعل ولا كونه هذا ~~الموجود كونه هذا المعقول لأن نحو وجوده الخارجي نحو معقوليته وعاقليته ~~بخلاف وجوداتنا فيفترق نحو وجودنا النفسي عن نحو وجودنا العقلي والمعقول. # فإن النفس حين كونها عقلا بالقوة وإن كانت صورة حسية لكنه مادة عقلية ~~وليست صورة عقلية فافترق هذا الوجود عن ذلك العقل فيكون وجود النفس في أول ~~الأمر غير وجود العقل إلا أنها عقل بالقوة. # فهذا أحد معاني كون الجواهر المفارق عقلا فعالا. # والمعنى الآخر أنه يفيد العقل لأنفسنا بأن أخرجها من القوة إلى الفعل ~~وصيرها عقلا بعد ما لم يكن كذلك. وهذا يفيد لأنفسنا نورا عقليا به تصير ~~عقلا وعاقلا بالفعل بعد ما كانت عقلا عاقلا بالقوة. وبه يصير ما في الخيال ~~من رسوم المحسوسات معقولات بالفعل بعد ما كانت معقولات بالقوة لكونها صورا ~~محفوفة بالغواشي المادية حالته ومنزلته بالقياس إلى نفوسنا في إفادة النور ~~الذي يقذف منه فيها حال الشمس ومنزلتها بالقياس إلى أبصارنا في إفادة الضوء ~~الذي به يصير مبصرة بالفعل بعد ما كانت مبصرة بالقوة وتصير الألوان التي ~~تحاذيها مبصرة بالفعل بعد ما كانت مبصرة بالقوة. # إذ كما أن البصر هيئة وصورة بالفعل مكملة لمادة لمسية ليست صورة مكملة ~~لمادة مرئية لكون PageV00P377 # مادتها ms234 غير قابلة للرؤية وهي مع ذلك ملموسة وليست في ذاتها كفاية في أن ~~تصير مبصرة بالفعل ولا في جواهر الألوان كفاية في أن تصير مرئية بالفعل إلا ~~بصورة كمالية أخرى تتصل بها من الشمس فالشمس تعطي البصر ضوءا وتعطي الألوان ~~ضوءا فبذلك الضوء يصير مبصرا بالفعل وتصير الألوان مبصرة بالفعل. # فكذلك العقل بالفعل يفيد العقل الهيولاني والصورة الهيولانية المخزونة في ~~الخيال نورا وعقلا منزلته من العقل الهيولاني منزلة الضوء من البصر. # وكما أن البصر بالضوء نفسه يبصر ذلك الضوء ويدرك المفيد لذلك الضوء أي ~~الشمس ويبصر الأشياء التي هي بالقوة مبصرة فيصير بالفعل مبصرة كذلك العقل ~~الهيولاني يعقل النور العقلي الذي صار ذاته به عقلا بالفعل بنفس ذلك النور ~~العقلي وبه أيضا يعقل العقل بالفعل الذي هو سبب فيضانه عليه وبه يعقل ~~الأشياء التي كانت معقولة بالقوة. # وفي هذا سر عظيم لا رخصة في بيانه. # فإذا حصل في القوة الناطقة هذا الشيء الذي منزلته منها منزلة ضوء الشمس ~~من البصر وهو الشعاع العقلي فأول ما يحدث فيها من رسوم المحسوسات التي هي ~~محفوظة في القوة المتخيلة ومعقولات بالقوة هي المعقولات الأول التي اشتركت ~~فيه جميع الناس لحصول بعضها بلا تجربة ولا قياس واستقراء مثل أن الكل أعظم ~~من الجزء والمقادير المتساوية لشيء واحد متساوية. وبعضها بتجربة سهل الحصول ~~مثل أن كل أرض ثقيلة. # وهذه الصور إذا حصلت للإنسان يحدث له بالطبع تأمل وروية فيها وتشوق إلى ~~الاستنباطات ونزوع إلى بعض ما لا عقله أولا وتشوق إليه. # فحصول هذه المعقولات الأول هو عقل بالملكة لأنه كمال أول للقوة العاقلة ~~من PageV00P378 # حيث هي بالقوة. # كما أن الحركة إلى الشيء والشوق إليه كمال أول لما بالقوة وهو المتحرك. ~~والمشتاق من حيث هو كذلك يؤدي إلى كمال ثان لها من تلك الحيثية وهو كمال ~~أول لها بالفعل من حيث هو كذلك. كما أن الوصول إلى منتهى الحركة والمشتاق ~~إليه كمال أول لما بالفعل من حيث كذلك في الأينية والكمية والكيفية ~~والوضعية من الكمالات الجسمانية ms235 التي تحصل لها بالقوة بحسبها فتصير بالفعل ~~في شيء منها ويتكمل به. # وأما ذلك الكمال العقلي فهو السعادة الحقيقية التي يصير بها الإنسان حيا ~~بالفعل غير محتاج في قوامها العقلي إلى مادة. # وذلك لصيرورته في جملة الأشياء البريئة عن المواد والإمكانات باقيا أبد ~~الآبدين. # وإنما يبلغ إلى تلك المرتبة بأفعال إرادية بعضها فكرية وبعضها بدنية. # أما الفكري فبأن يحصل النفس بالعقل بالملكة الحدود الوسطى وتستعمل ~~القياسات والتعاريف وخصوصا البراهين اليقينية والحدود الحقيقية ويتوصل إلى ~~اقتناص العلوم النظرية والاستكمال بها بالطلب والسير الحثيث. وهذا فعله ~~الإرادي في هذا الباب. # وأما فيضان النور العقلي وحصول الاعتقاد والقبول وطمأنينة النفس بعد قيام ~~القياس البرهاني والحد التام فيكون بلا إرادة واختيار من الإنسان بل بتأييد ~~من نور الحق الأول الذي به ينور السماوات والأرض وما فيهما من العقول ~~والنفوس وسائر المدارك الجزئية. # فيكون حينئذ حال العلوم الاكتسابية حال أوائل العلوم الحاصلة على سبيل ~~اللزوم بلا حجة. PageV00P379 # وكما أن في الفطريات لو سأل سائل لم كان هكذا لم يكن جواب كذلك هاهنا إذا ~~سأل لم كان القياس الصحيح أو الحد الصحيح يوجب علما لم يكن جواب بل المبدأ ~~الإيجابي في جميع ذلك هو المبدأ الأعلى بتوسط بعض الملائكة الذين ليس فيهم ~~شوب قوة وإمكان فلا لمية لفعلها خارجة عنها. # وذلك لأن الأفكار البرهانية والحدسية هي المعدات فبعد أن يحصل ملكة ~~الاتصال بالمفارق والوصول إلى المعاني العقلية والواردات القلبية يكون ~~وجودها عبثا بل مخلا لأنها أعراض والعرض لا يوجد شيئا وكم من شخص إنساني ~~عرض له مقدمات ما أفادته علما وأفادت غيره علما يقينيا وطمأنينة روحانية ~~فهذه معدات والواهب غيرها. # وظهر من هذا أن العقل الهيولاني إذا صار عقلا بالفعل لم يكن معقولات ~~الإنسان يحصل بسبب المقدمات الذهنية بل من جهة المبادي العقلية. # فالشاهد له في العقائد الحقة ذات الله تعالى وذات الملائكة المقدسين ~~الذين هم روابط فيضه كما في قوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو و ~~الملائكة و أولوا العلم قائما بالقسط. ms236 # وهذا معنى بعض العارفين حيث قال: عرفت ربي بربي ولو لا ربي ما عرفت شيئا. # وقول الجنيد حين سئل بم عرفت ربك فقال بواردة ترد على القلب فتعجز النفس ~~عن تكذيبها. # وأما الأفعال البدنية فما يحصل منها الأخلاق الجميلة وما يؤدي إلى ~~السعادة الحقيقية ويجنب عن الرذائل القبيحة وما يوجب الشقاوة السرمدية ~~والتعوق عن الخير والكمال الحقيقي الأخروي باستعمال النواميس الشرعية ~~والآداب الدينية من الفرائض والنوافل بحسب جانب الفعل وجانب الترك التي ~~احتوت على جميعها الملة البيضاء المحمدية على الصادع بها وآله أزكى الصلاة ~~والسلام وأطهر التحية على أجل مرتبة وأعظم درجة. PageV00P380 # فمراتب النفس بحسب هذا الاستكمال منحصرة في نفس الكمال وهو العقل بالفعل ~~وفي استعداده قريبا كان كالعقل بالملكة أو بعيدا كالعقل الهيولاني. # فإذا حصلت للنفس المعقولات المكتسبة صارت من جهة تحصيلها إياها وإن كانت ~~غير قائمة بذاتها بالفعل عقلا بالفعل لأن له أن يعقل متى شاء من غير أن ~~يستأنف طلبا وذلك لتكرر مشاهداتها للنظريات مرة بعد أخرى وتكرر رجوعها إلى ~~المبدإ الواهب واتصالها به كرة بعد أولى فحصلت لها ملكة الرجوع إليه ~~والاتصال به وصارت معقولاتها مخزونة فيه. # وإذا اعتبرت مشاهدة النفس لتلك المعقولات متصلة بالمبدأ الفعال سميت عقلا ~~مستفادا لاستفادتها لها من الخارج أي من العقل الفعال. # والإنسان من هذه الجهة هو كمال عالم العود وصورته كما أن العقل الفعال ~~غاية عالم البدء وكماله فإن الغاية القصوى في إيجاد هذا العالم الكوني ~~الحسي وتمامه وكماله إنما هي خلقة الإنسان وغاية وجود الإنسان أن يحصل له ~~مرتبة العقل المستفاد أي مشاهدة المعقولات والاتصال بالمفارقات. # وأما خلقة سائر المكونات من الحيوان والجماد والنبات فلشيئين: أحدهما ~~انتفاع الإنسان بها واستخدامه لها كما في قوله تعالى في انتفاعه من ~~الحيوان: أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون. ~~و ذللناها لهم فمنها ركوبهم و منها يأكلون وقوله تعالى: و الأنعام خلقها ~~لكم فيها دفء و منافع و منها تأكلون. و لكم فيها جمال حين تريحون ms237 و حين ~~تسرحون. و تحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم ~~لرؤف رحيم. و الخيل و البغال و الحمير لتركبوها و زينة إلى غير ذلك من ~~الآيات في هذا المعنى. وآيات كثيرة في كون وجود النبات لأجل الإنسان ~~وانتفاعه منها قوله تعالى: هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب و منه ~~شجر فيه تسيمون. PageV00P381 # ينبت لكم به الزرع و الزيتون و النخيل و الأعناب و من كل الثمرات إن في ~~ذلك لآية لقوم يتفكرون. # وقوله تعالى: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون. # وقوله تعالى في حق الجماد: و تستخرجون حلية تلبسونها و ترى الفلك فيه ~~مواخر لتبتغوا من فضله و لعلكم تشكرون. # وقوله تعالى: جعل لكم مما خلق ظلالا و جعل لكم من الجبال أكنانا و جعل ~~لكم سرابيل تقيكم الحر و سرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم ~~تسلمون. # وثانيهما أن خلقة سائر المكونات لأجل أن لا يهمل فضالة المواد التي قد ~~صرف صفوها وزبدتها في تكون الإنسان. # فإن الحكمة الإلهية والرحمة الرحمانية تقتضي أن لا يفوت حق من الحقوق بل ~~يصيب كل مخلوق من السعادة قدرا يليق به ويحتمله ويستعد له. # فالغرض الأصلي من العالم العائد خلقة الإنسان وقد خلق من فضالته سائر ~~الأكوان. # والغرض من الإنسان درجة العقل المستفاد الذي هو معرفة الله تعالى ~~والانخراط في سلك المهيمنين والعبودية الذاتية التي هي الفناء في الحق ~~الأول و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون. # تنبيه اعلم أن هذه المراتب تعتبر بالقياس إلى كل نظري فيختلف الحال إذ قد ~~يكون بالقياس إلى بعض النظريات في مرتبة العقل الهيولاني وفي بعضها عقلا ~~بالملكة وفي بعضها عقلا بالفعل وفي بعضها عقلا مستفادا. # فإن وحدة النفس طور آخر من PageV00P382 # الوحدة. # فكلما لا يتأبى عن الاتصال بأشياء متخالفة الحقائق بأن يكون مع كل منها ~~بحسبه ففي مرتبة عقل وفي وهم وفي مرتبة خيال وفي مرتبة حس. # وكل قوة دراكة ms238 فهي من جنس مدركه كما بين في مقاومه ففي مرتبة الوهم يكون ~~موهوما وفي مرتبة الخيال يكون متخيلا وفي مرتبة الحس يكون محسوسا. # فكذلك لا يمتنع أن يتصل بشيء من وجه ولا يتصل به من وجه آخر فإن ذاتها ~~بمنزلة مرآة كبرى كل قوس منها صارت مصقلة جاذب بها منظر الحق الذي يكون فيه ~~كل كمال وزينة فوقعت فيها صورة مناسبة لها يخرج بحسبها ما بالقوة من الصور ~~والكمالات. # والاعتداد في كل من هذه الاتصالات والانعكاسات بما استقرت النفس عليه في ~~آخر الأمر والعبرة بما هو الغالب عليها والصائر ملكة لها. # وبه يجري الحكم عليها في النشأة الآخرة فإن حصلت لها في الدنيا ملكة ~~الاتصال بالأمور الدنياوية فما لها إلى الجحيم على حسب دركاتها وإن حصلت ~~لها في الدنيا ملكة الاتصال بالخيرات والعقليات فما لها إلى النعيم على حسب ~~درجاتها. # فصل في مراتب القوة العملية اعلم أن مراتب القوة العلمية أيضا بحسب ~~الاستكمال أربع: # الأولى تهذيب الظاهر باستعمال النواميس الإلهية والشرائع والأحكام من ~~القيام والصيام والصدقات والقرابين والأعياد والجماعات وغيرها. # الثانية تهذيب القلب وتطهير الباطن عن الملكات الردية والأخلاق الدنية. ~~PageV00P383 # الثالثة تحلي النفس الناطقة بالصور القدسية. # الرابعة فناء النفس عن ذاتها وقصر النظر على ملاحظة الرب الأول وكبريائه ~~وملكوته وهو نهاية سفره إلى الله تعالى. # وبعد هذه المراتب لها مراتب ومنازل كثيرة ليست أقل مما سلكها من قبل ولكن ~~يجب إيثار الاختصار فيما لا يدرك إلا بالمشاهدة. والاختصار لقصور التعبير ~~عن بيان ما لا يفهم إلا بالشهود والحضور فإن للنفس بعد السفر إلى الله ~~تعالى ووصوله إلى منتهى هذا السفر أسفارا أخرى بعضها في الحق وبعضها في ~~الخلق لكن بقوة الحق ونوره كما كان سلوكه قبل ذلك بقوة القوى ونور المشاعر ~~والمدارك وإن كان هو أيضا بهداية الحق وتأييده وتسديده ولكن الفرق بين ~~القبيلتين مما لا يحصى. # وكيفية سفره الأول وترقيها من مرتبة النقص إلى ذروة الكمال هو أن الإنسان ~~أول أول ما يلد من امتزاج المواد وحصول التعديل المزاجي ms239 وحدوث البدن ~~المخلوق من النطفة الكائنة من الطين المخمر بيد القدرة في أربعين صباحا ~~والعجين الصلصال والمسنون الذي قد مرت على طينته دهور وسنون بعد ما لم يكن ~~شيئا مذكورا فهو كباقي الحيوانات والديدان لا يعرف إلا الأكل والشرب ثم ~~بالتدريج يظهر له باقي صفات النفس من الشهوة والغضب والحرص والحسد والبخل ~~وغير ذلك من الهيئات والصفات التي هي نتائج الاحتجاب والبعد من معدن الوجود ~~والصفات الكمالية فهو بالحقيقة في هذه الحالة حيوان منتصب القامة لا غير ~~يصدر منه الأفاعيل المختلفة والحركات المنوعة إلى غير جهة الحق والصعود إلى ~~عالم الملكوت. كل ذلك بحسب الأغراض النفسانية والدواعي الحيوانية من ~~الشهوية والغضبية فهو في الحجب الظلمانية الساترة للحق سبحانه. # ثم إذا تيقظ من سنة الغفلة وتنبه عن نوم الجهل وعرف أنه في الحقيقة شغله ~~خدمة كلب الغضب وطاعة خنزير الشهوة وعلم أن ما وراء هذه اللذة البهيمية ~~لذات أخر كمالية وفوق هذه المرتبة مراتب أخرى كمالية يتوب عن اشتغاله بهذه ~~الأفاعيل الخسيسة واقترافه السيئات الشرعية والعقلية من الجهل وطاعة النفس ~~وافتراقه عن PageV00P384 # الحسنات الدينية والحكمية من المعرفة والزهد وينيب إلى الله تعالى ~~بالتوجه إليه والسلوك نحوه فيشرع ترك الفضول الدنياوية طلبا للكمالات ~~الأخروية ويعزم عزما تاما ويتوجه إلى السلوك إلى الله تعالى من مقام نفسه ~~فيهاجر مقامها ويقع في الغربة. # ثم إذا دخل في الطريق يزهد عن كل ما يعوقه ويتقي عن كل خاطر يرد في قلبه ~~ويجعله مائلا إلى غير الحق فيتصف بالورع والتقوى والزهد الحقيقي. # ثم يحاسب نفسه دائما في أفعاله وأقواله ويجعلها متهمة في كل ما يؤمر به ~~وإن كانت أمرته بالعبادة لأن النفس مجبولة بمحبة الشهوات فلا ينبغي أن يؤمن ~~من تداخلها فإنها من المظاهر الشيطانية. # فإذا خلص منها وصفا وقته وطاب عيشه بالالتذاذ بما يجده في طريق المحبوب ~~يتنور باطنه فيظهر له لوامع أنوار الغيب وينفتح له باب الملكوت ويلوح منه ~~لوائح مرة بعد أخرى فيشاهد أمورا غيبية في صور مثالية. فإذا ذاق شيئا منها ~~يرغب ms240 في العزلة والخلوة والذكر والمواظبة على الطهارة التامة والعبادة ~~والمراقبة والمحاسبة ويعرض عن المشاغل الحسية كلها ويفرق القلب عن محبتها ~~فيوجه باطنه إلى الله الحق بالكلية فيظهر له الوجد والسكر والوله والشوق ~~والهيمان فيمحوه تارة بعد أخرى فيجعله فانيا عن نفسه غافلا عنها فيشاهد ~~الحقائق السرية والأنوار الغيبية فيتحقق في المشاهدة والمعاينة والمكاشفة. # ويظهر له حقائق عقلية وأنوار حقيقية وتختفي أخرى حتى يتمكن ويتخلص من ~~التلوين وينزل عليه السكينة الروحية والطمأنينة الإلهية ويصير ورود هذه ~~البوارق والأحوال له ملكة فيدخل في عالم الجبروت ويشاهد العقول المجردة ~~والأنوار القاهرة والمدبرات الكلية من الملائكة المقربين والمهيمين في ~~PageV00P385 # جلال الله تعالى من الكروبيين ويتحقق بأنوارهم فيظهر له أنوار سلطان ~~الأحدية وسواطع العظمة والكبرياء الإلهية فيجعله هباء منثورا ويندك عند ~~جمال الله تعالى جبل إنيته فيخر لله خرورا ويتلاشى تعينه في التعين الذاتي ~~ويضمحل وجوده في الوجود الإلهي. # وهذا مقام الفناء والمحو وهو نهاية السفر الأول للسالكين. فإن بقي في ~~الفناء والمحو ولم يجئ إلى البقاء والصحو صار مستقرا في عين الجمع محجوبا ~~بالخلق عن الحق لضيق وعائه الوجودي واستغراقه وفنائه من البدن وقواه فكذلك ~~في هذه الحالة ما زاغ بصره عن مشاهدة جماله وجلاله وسبحات وجهه وذاته ~~فاضمحلت الكثرة في شهوده واحتجب التفصيل عن وجوده وذلك هو الفوز العظيم. # وفوق ذلك مرتبة أخرى يرجع فيها إلى الصحو بعد المحو ونظر إلى التفصيل في ~~عين الجمع ووسع صدره الحق والخلق وإليه أشير في قوله تعالى حكاية عن مرتبة ~~الرسول النذير المنذر: ألم نشرح لك صدرك. و وضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ~~فإن أعباء الرسالة التي هي سفره من الحق إلى الخلق كانت على النبي ص في ~~أوائل الحال ثقيلا ولم يكن صدره واسعا للطرفين وذلك لاستغراقه في مشاهدة ~~جماله ومعاينة عظمته وكماله واشتغاله بالله عن غيره إلى أن صار جامعا بين ~~الحق والخلق بحيث لم يكن أفعاله حجابا عن صفاته ولا الصفات عن ذاته بل كان ~~مشاهدا لله تعالى في كل ما يسمع ms241 ويرى وملاحظا لوجهه في كل ما يظهر ويخفى. ~~فهو في هذه الحالة أهش بعباد الله لكونه مبتهجا بالحق وبكل شيء لأنه يشاهد ~~الحق فيه فهو بالحق يرى كل شيء ويسمع ويذوق ويشم ويجد طعم الحق ورائحة ~~الطيبة في كل شيء لا على وجه يوجب الكثرة والتجسم تعالى عما يقول الظالمون ~~الملحدون علوا كبيرا. PageV00P386 # قال المحقق الطوسي في شرح مقامات العارفين ودرجاتهم: العارف إذا انقطع عن ~~نفسه واتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات ~~وكل علم مستغرقا في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات وكل إرادة ~~مستغرقة في إرادته التي لا يأبى عليها شيء من الممكنات بل كل وجود وكل كمال ~~وجود فهو صادر عنه فائض من لدنه. فصار الحق حينئذ بصره الذي يبصر به وسمعه ~~الذي يسمع به وقدرته التي بها يفعل وعلمه الذي به يعلم ووجوده الذي به يوجد ~~فصار العارف حينئذ متخلقا بأخلاق الله تعالى بالحقيقة. هذه ألفاظه (هذه ~~عبارته خ ل). # بحث وتحقيق قد نوقش في هذا التفريع وترتبه على ما سبق ثم بان صيرورة ~~صفاته تعالى صفات العبد مع أنه غير لازم مما ذكره مخالف للشرع والعقل. # فإن صيرورة صفات الحق التي هي عين ذاته بالحقيقة صفات العبد مستلزم لكون ~~الواجب صفة للممكن وهو مستحيل. # ولك أن تفك هذه العقد بأن السمع والبصر وغيرهما من آلات النفس إنما حقيقة ~~كل منها قوة غير محسوسة يكون بينها وبين النفس المستعمل إياها نوع علاقة ~~علية ومعلولية لأنها من فروع النفس كما أن الملائكة من فروع قدرة الله ~~تعالى وعلمه. # وهذه العلاقة مصححة لأن يقال للنفس إنها سميع وبصير وقادر فالنفس الناطقة ~~مع تجردها ومباينتها للبدن غاية المباينة لكونها جوهرا مجردا نوريا وكونه ~~جرما كثيفا ظلمانيا قد صارت متخلقة بأخلاقه متصفة بصفاته من كونه سميعا ~~بصيرا مشتهيا PageV00P387 # متحركا ساكنا حتى يصلح لها أن تقول مشيرة إلى ذاتها وجوهرها أنا سمعت ~~وأبصرت واشتهيت وتحركت وسكنت بحسب الحقيقة اللغوية لا بالتجوز من غير لزوم ~~تجسم ms242 وتكثف يعتريها بحسب ذاتها النقية الطاهرة من حيث هي هي من الأرجاس ~~والأدناس والأقذار البدنية والجسمية وذلك لأجل علاقة طبيعية حاصلة بين ~~النفس والبدن بحيث تحصل منهما نوع وحداني له حد حقيقي مركب من الجنس ~~المأخوذ من البدن والفصل المأخوذ من النفس وهما جزءان محمولان باعتبار ما ~~وهو أخذهما مطلقا لا بشرط على ذات واحدة. # ولتحقق هذه العلاقة الاتحادية يشير النفس إلى البدن بأنا كما يشير إلى ~~ذاتها حتى أن أكثر الناس نسوا أنفسهم وظنوا أن هوياتهم هي البدن. # وهذه العلاقة ضعيفة بالإضافة إلى العلاقة التي هي بين الفاعل الحقيقي ~~ومجعوله لأن تلك العلاقة ستنقطع بالموت الطبيعي أو الإرادي. # فإذا كان حال النفس معها هذه الحالة من الاتصاف بصفات البدن حقيقة لا ~~مجازا مع أن صفات البدن ليست عن البدن فما ظنك بنفس تجردت بالكلية عن البدن ~~وعن التعلق بغير الله تعالى واتصلت بالحق اتصالا معنويا لاهوتيا وقصرت ~~النظر إلى ملاحظة الحق الأول وآثار قدرته وعلمه وإرادته وسمعه وبصره وفنت ~~عن ذاتها وعن الالتفات إلى ذاتها إلا بوجه كونها أشعة وأضواء للنور القيومي ~~فلا محالة يكون لها علاقة شديدة وارتباط متأكد يصحح أن يشير إلى مبدئها ~~الحقيقي وجاعلها التام إشارة روحانية بأنا حين اضمحلال ذاتها وخرورها عند ~~اندكاك جبل إنيتها وإلى صفاته الحقيقية التي هي عين ذاته تعالى من السمع ~~والبصر والقدرة وغيرها بأنها سمعي وبصري وقدرتي فبه تعالى تبصر الأشياء وبه ~~يسمع وبه يقدر كما وقع في الحديث القدسي: ما تقرب العبد إلي بشيء أفضل مما ~~افترضت عليه ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه ~~الذي به PageV00P388 # يسمع وبصره الذي به يبصر ويده التي بها يبطش ورجله التي بها يمشي فقد ~~تحقق لها حينئذ التخلق بأخلاق الله تعالى بالحقيقة لا بمعنى صيرورة صفاته ~~التي هي عين ذاته أعراضا قائمة بذات النفس بل بمعنى علاقة أخرى شديدة أتم ~~من علاقة النفس مع البدن وصفاته الكونية الهيولانية. # وتمام الاطلاع على هذا المقام يحتاج إلى سلوك طريقة الأبرار ms243 لا الاقتصار ~~على مجرد الأبحاث والأنظار. # فصل في أن القوة التي هي محل المعقولات من الإنسان ليست جسمانية قد علمت ~~أن تعقل الشيء هو وجود ماهية مجردة عن التخصصات والأوضاع والأغشية واللواحق ~~للقوة المدركة سواء كانت مجردة عنها بحسب ذاته في نفسه أو تجريد الغير ~~إياه. وعلى أي حال لا يجوز أن يكون قوة جسمية أي قائمة في مادة تدرك صورة ~~عقلية. # فإن كل قوة يكون ذاتها جسمانية تكون أفعالها وانفعالاتها أيضا جسمانية. # فالصور التي يدركها القوة الجسمانية تكون حاصلة في مادة تلك القوة وكل ~~صورة حصلت في مادة جسمية تكون متخصصة بوضع وجهة وكم وكيف فلم يكن كلية ~~مطلقة محمولة على أعداد كثيرة متخالفة الأوضاع والأحوال فتكون محسوسة لا ~~معقولة هذا خلف. # وأيضا كل ما يحل فيه المعقولات المطلقة من الأنواع والأجناس كالإنسانية ~~المعقولة والحيوانية المعقولة لو انقسم لزم بانقسامه انقسام تلك المعقولات ~~وإذا نفرض في المعنى المعقول شيء غير شيء فإما أن يتشابه الشيئان كما في ~~القسمة المقدارية أو لا يتشابهان فإن يتشابها لزم أن يكون اثنينيتهما ~~وتخالفهما ومخالفة كل PageV00P389 # منهما للكل بحسب المقدار لأن كون الجزءين المتشابهين في الحقيقة إنما ~~يكون في القسمة المقدارية لا في غيرها من التقسيمات. وإذن ليس الكل مقدرا ~~ولا متقدرا لكونه معقولا وكل معقول غير متكمم وإلا لم يصدق على المختلفات ~~تشخصا ومقدارا فلم يكن له جزء متشابه في المعنى والماهية. # والحاصل أن المعنى المعقول لو انقسم إلى جزءين متشابهين لكان الجزء ~~مفارقا للكل بالمقدار فيكون للكل مقدار وهذا محال لتجرده فالمفروض وهو ~~انقسامه بانقسام المحل يكون محالا. # ويلزم أيضا أن لا يكون هذا المعقول معقولا مرة واحدة بل مراتب غير ~~متناهية بالقوة حسب قبول الجسم انقسامات غير متناهية كذلك والتالي باطل ~~كاذب فالمقدم مثله. # وإن لم يكن الشيئان متشابهين كما في الانقسام بالقسمة المعنوية يكون ~~أحدهما قائما مقام الفصل من الصورة التامة والآخر قائما مقام الجنس منها ~~لأن أجزاء المعنى والماهية يكون متخالفة المعنى على هذا الوجه ولكن القسمة ~~لم يجب ms244 أن يكون على جهة واحدة وعلى حد واحد بل يمكن على جهات وحدود مختلفة. # فإذا انقسم محل ذلك المعنى المعقول قسمة ثانية انقسم المعنى الحال ~~بانقسامه قسمة أخرى فلا يخلو إما أن يكون هذه القسمة بدلا عن القسمة الأولى ~~أو لم يكن كذلك بل يكون قسمة لكل من القسمين فإن كان الثاني فيكون لكل من ~~الفصل والجنس فصلا وجنسا وهكذا نفرض القسمة الثالثة والرابعة والخامسة إلى ~~غير النهاية فيكون لكل فصل فصل ولكل جنس جنس فيذهب مقومات المقومات إلى غير ~~النهاية فيحصل سلاسل غير متناهية طولية وعرضية وهذا مبرهن الاستحالة لجريان ~~التطبيق والتضايف والحيثيات وغيرها من براهين إبطال لا تناهي في المرتبات ~~المجتمعة ولامتناع تعقل الشيء الموقوف تعقله على ما لا يتناهى سيما إذا كان ~~مرتبا وليست القسمة إلى المقومات كالقسمة الكمية فإن الجزء الكمي لا يكون ~~وجودها إلا بالقوة بمعنى كون مادة الواحد مهيأة للمتعدد من PageV00P390 # نوعه بأسباب موجبة لحصول التعدد كالآلة المسماة بالقاطع لا أن لها حظا من ~~الوجود بالفعل. # وأما جزء الماهية فلا يجوز أن يكون في الماهية بالقوة نعم لها اتحاد مع ~~الماهية في نحو من الوجود بخارج الذهن. # كيف والماهية لا يصير بالفعل إلا بأن يصير أجزاؤها بالفعل وإن كانت ~~القسمة الأخرى بدل القسمة التي فرضناها أولا وهكذا نفرض قسمة ثالثة بدل ~~القسمين الأولين وهكذا رابعة وخامسة فيكون لمعنى واحد حدي أجناس وفصول ~~مختلفة قريبة أو غير قريبة متكافئة أي كلها في درجة واحدة وهذا محال إذ قد ~~بين امتناع وجود جنسين أو فصلين في درجة واحدة لنوع واحد فضلا عن الغير ~~المتناهي. # على أن وجود المقومات الغير المتناهية لشيء واحد مما حكم على امتناعه على ~~أي وجه كان كما مر وقد لزم من هذا الفرض. # وأيضا ليس اختصاص الجنس في كل قسمة بموضع أولى من اختصاص الفصل به. # تنبيه إجمالي إجمال هذه الحجة هو أن المعنى المعقول لو انقسم بانقسام ~~حامله إلى المتشابهات يلزم كونه محسوسا لا معقولا. # فإن انقسم إلى المختلفات يلزم أن ms245 يتقوم من مقومات غير متناهية مجتمعة ~~مرتبة وفي الشقين يستثنى نقيض التالي لنقيض المقدم. # إشكال وانحلال اعترض بعض تلامذة الشيخ الرئيس على هذه الحجة بأنها ينتقض ~~بتعلق الوجود والوحدة والإضافة وسائر اللوازم بالمواد الجسمانية فإنه يجب ~~أن ينقسم بانقسامها إن كانت حالة ومحال أن ينقسم الوحدة والإضافة والوجود ~~وإن لم يكن حالة في PageV00P391 # المواد لكانت جواهر بل عقولا مفارقة وهو مستحيل لأن تلك الأمور أعراض ~~قائمة بالمواد لاتصافها بها والعرض لا يكون جوهرا. # وأجاب عنه الشيخ في المباحثات بأن هذه المعاني ليست من المعقولات المختصة ~~بالوجوب بل بالإمكان والوجود المادي ينقسم وكذا الوحدة المادية ينقسم ~~والوجود المطلق والوحدة المطلقة مما يمكن له الانقسام كما يمكن المعنى ~~النوعي مثلا في الجنس. # فالوجود المادي يجب أن ينقسم بانقسام المادة وكذا الوحدة المادية التي هي ~~نفس اتصال الجسم ومتصليته يجب أن ينقسم بانقسامه على الوجه الذي يقتضيه ~~القسمة المقدارية من بطلان الوجود والوحدة الاتصاليين بطريان الانفصال ~~الرافع للاتصال إن كان فكيا خارجيا. # وإن كان الانقسام وهميا كانت الكثرة والانفصال بالقوة لا بالفعل فموضوع ~~الوحدة بالفعل في الماديات كثيرة بالقوة وموضوع الكثرة بالفعل واحد بالقوة ~~كما حقق في المباحثات المتعلقة بمسألة الهيولى فالاتصال يبطل بالانفصال ~~بالفعل ويبقى متصلا بفرض الاثنينية المشتركة في الحد الواحد فيكون واحدا ~~فيه اثنينية وقسمة وضعية. والصور المعقولة من حيث هي معقولة ليست كذلك لا ~~بالذات ولا بالعرض لما علمت أنها لا تنقسم قسمة وضعية مقدارية بأقسام ~~متشابهة فلا يحل الأجسام. # وأما هذه فليست معقولات الذوات بل قد يكون معقولة وقد يكون مادية محسوسة ~~قابلة للقسمة الوضعية وقد يمنع ضربا من القسمة الوحدة الجسمانية وكذا ~~نظائرها من الوجود والإضافة وسائر الأمور الشاملة التي قد يتجرد وقد يتجسم. # بحث وتحقيق قد أورد الشيخ شهاب الدين السهروردي في المطارحات بحثا عن ~~الجواب المذكور PageV00P392 # عن النقض بوحدة الجسم بأنها نفس اتصال الجسم فيكون كثرتها بالقوة بقوله: # إن وحدة الجسم إن كانت موجودة في الأعيان كان عرضا حالا فيه والعرض ~~الثابت في الشيء لا ms246 يبطل بتوهمنا. # فحينئذ نقول: هل يتحقق في كل من الأجزاء الموهومة شيء من وحدة الجسم أو ~~كلها أو ليس في أحدها الوحدة ولا شيء منها ففي الأول يلزم كون الوحدة ~~الخارجية ذات جزء وهمي والوحدة من حيث هي وحدة لا يتصور أن يكون لها جزء. # وفي الثاني يلزم كون الجسم واحدا بوحدتين بل بوحدات غير متناهية على حسب ~~إمكان توهم القسمة ويلزم أن يكون صفته في جزئه لا فيه. # وإذا بطل القسمان فليس للوحدة في الأعيان وجود أصلا بل صفة عقلية يضاف ~~تارة إلى ما في العين وتارة إلى ما في الذهن. انتهى كلامه. # والجواب عما ذكره أنه قد حقق في مقامه أن أسناد الجزئية إلى ما يسمى ~~بالأجزاء المقدارية للشيء على سبيل المسامحة إما من جهة تشبيه الأمرين ~~المنفصلين الحاصلين من مادة الشيء بعد ورود الانقسام الذي هو نفس إعدام ~~الواحد الاتصالي بجزءين لها وإما لأجل أن الجمهور لغفلتهم عن كون التفريق ~~إعداما يحكمون بأنهما جزءين له فاستمر هذا الإطلاق عليهما بعد التحقيق ~~والبرهان أيضا وإما لأجل أنه لو فرض بقاء ذلك المتصل عند حدوثهما لكانا ~~جزءين له وهذا لا يختلف في شيء من الخارج والوهم. # فكما أن القسمة الخارجية عبارة عن إعدام الشيء المتصل المقداري جوهرا كان ~~أو عرضا وإحداث شيئين آخرين من نوعه كذلك القسمة الوهمية عبارة عن توهم ~~انعدام ذلك الشيء المتصل وحدوث شيئين آخرين من نوعه. # والتوهم وإن لم يوجب إبطال الوحدة بحسب الخارج لكن يوجب إبطالها بحسب ~~الوهم. # وكما أن المتصل الذي فرض فيه القسمة وهما لم يبطل وحدته في الخارج بمجرد ~~فرض الوهم PageV00P393 # قسمته كذلك لم يوجد له أجزاء في الخارج بمجرده كما أنه حدث فيه الاثنينية ~~بحسب الوهم فكذلك بطلت وحدته بحسبه بلا تخلف. # عقد وانحلال ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نسبة المعقولات إلى ~~العقل كنسبة الفعل إلى الفاعل لا كنسبة العرض إلى الموضع أو كنسبة الصورة ~~إلى المادة حتى يلزم من انقسام النفس إذا كانت محلا لها انقسامها. ms247 # لكنا نقول: هب أن نسبتها إلى النفس تلك النسبة وقد حققنا سابقا أن الجسم ~~لا يفعل إلا فيما له علاقة وضعية بالقياس إليه والمعقولات من حيث معقوليتها ~~ليست كذلك وكما أن فاعل الأجسام ومقوماتها لا يمكن أن يكون وجودها متعلقا ~~بالأجسام كذلك مبدأ المعقولات وحقائق الأنواع الجسمية لا يمكن أن يكون جسما ~~أو جسمانيا سواء كان مبدئيته بنحو القبول أو بنحو الفعل بل الثاني أولى ~~وأحرى في أن يتقدس عن الجسمانية. # فإن قال: فما التفصي عن حلول النقطة فإنها غير منقسمة ولها محل من الجسم ~~فليكن حال المعقولات في النفس كحال النقطة في الجسم قلنا: إن النقطة أمر ~~عدمي لأنها نهاية الامتدادات كما أن السطح من جهة كونه نهاية إحدى جهات ~~الجسم عدمي وكذا الخط من جهة كونه نهاية للجهتين عدمي وهما وجوديان من جهة ~~كونهما امتدادا وذا امتدادين والنقطة لكونها نهاية محضة PageV00P394 # عدمية لا ذات لها متقررة. # وأما ما ذكره بعضهم جوابا عما يقول: إن المعنى المعقول إذا لم يصح حلوله ~~في منقسم فيحل في نقطة لئلا يلزم من انقسام المحل انقسامه من أن النقطة ~~نهاية وليس لها طرفان ليحل المعنى المعقول في طرف ويلي الطرف الآخر منها ~~جانب الخط. # فهو في غاية السخافة لجواز قيام عرض بعرض عندهم والعرض الحامل للعرض ليس ~~ذا طرفين ليقبل عرضا بطرف ويلاق المحل بطرف آخر وقبول الأعراض لا تعلق له ~~بالأطراف وقسمة المحل كما يوجب قسمة الحال كذلك يوجب قسمة ما يحله رأسا ~~برأس. # ومن أراد أن يوهن حجة تجرد النفس بأخذه أمر النقطة مفروغا عنه في كونها ~~موجودة غير منقسمة لها محل منقسم ثم يجعل الحجة منقوضة بالنقطة فليس ذلك ~~الأمر أولى به من العكس لأن يجعل برهان تجرد النفس مفروغا عنه ثم يبطل به ~~حلول كل أمر غير منقسم في منقسم بل العكس أولى لأن القضية الكلية أولى بأن ~~يكون أصلا يستنبط ويتفرع منه أحكام الجزئيات بجعلها كبرى لصغرى سهلة الحصول ~~ويتعرف منهما حال الجزئي كما في القياس من أن ms248 يجعل حال الجزئي أصلا يقاس ~~إليه حال الطبيعة الكلية كما في التمثيل إذ لا شك أن القياس أقوى في الحجة ~~من التمثيل. # حجة أخرى قريبة المأخذ من السابقة وهي أن القوة العاقلة من الإنسان شيء ~~ذو تجرد المعقولات من المادة وعوارضها من الكم المحدود والأين والوضع ~~المخصوص وغيرها فكون هذه الصورة المعقولة مجردة عن هذه اللواحق إما بحسب ~~ذاتها وإما بالقياس إلى الشيء المأخوذ منه وإما بالقياس إلى الشيء الآخذ ~~والأول محال وإلا لاستحال أن يقربها هذه اللواحق في الوجود الخارجي لأن ما ~~بالذات لا يختلف. PageV00P395 # والثاني أيضا ظاهر البطلان لاقتران تلك الصورة بها في الخارج فبقي أن ~~يكون تجردها عن الوضع والأين عند وجودها في العقل ويجب أن يكون في العقل ~~غير ذات وضع وإشارة حسية وغير قابلة للتجزي وما أشبه ذلك فلم يمكن وجودها ~~هذا الوجود في الجسم أو الجسماني. # وأيضا إذا انطبعت صورة معنوية لأمر غير منقسم كالنقطة والوحدة والجنس ~~البسيط القاصي والفصل الأخير في مادة منقسمة ذات حدود وجهات فلا يخلو إما ~~أن لا يكون لشيء من أجزائها التي يفرض فيها بحسب انقسام المحل نسبة إلى ~~الشيء الواحد الذات المجرد عن المواد أو يكون ذلك لكل واحد واحد من أجزائها ~~أو يكون لبعضها دون بعض فإن لم يكن لشيء منها نسبة إليه فهو ظاهر البطلان ~~وكذا ما يكون النسبة لبعضها فإن البعض الذي لا نسبة له إليه مما لا دخل له ~~في معناه. وإن كان لكل جزء منها نسبة إليه فإما أن يكون تلك النسبة إلى ذات ~~ذلك الشيء بأسرها فليست الأجزاء أجزاء لمحل معناه بل كل منها معقول في نفسه ~~منفرد أو يكون النسبة إلى جزئها فيكون الذات منقسمة المعنى المعقول وقد ~~وصفناها غير منقسمة في معناه ومعقولة هذا خلف. # ومن هاهنا يتضح أن كل صورة ينطبع في مادة جسمانية لا يكون إلا مثالا لأمر ~~جزئي منقسم ولكل جزء منها نسبة إلى جزء منها بالقوة أو بالفعل. # تنبيه اعلم أن المعنى الحدي وإن كان متكثرا ms249 في أجزاء القوام من جهة ~~التمام فله جهة وحدة طبيعية فلم ينقسم بحسبها فلم يحل في مادة منقسمة ~~بالقوة أو بالفعل وإلا PageV00P396 # لانقسم من جهة الوحدة أيضا. # وأيضا كل معنى مركب فهو ينتهي ببسيطه إلى الغير المنقسم أصلا لامتناع ~~تقوم معنى واحد من مقومات غير متناهية فمحل ذلك البسيط جوهر غير ذي وضع. # والانتقاض بوحدة الجسم قد مر اندفاعه من: أن وحدة الجسم كوجوده ليست إلا ~~اتصاله المنقسم بالقوة كما أن وحدة العشرة ليست إلا عشرية المنقسمة بالفعل. # حجة أخرى: # وهي التي عول عليها الشيخ في كتاب المباحثات وحكم بأنها أجل ما عنده في ~~هذا الباب. # ثم إن بعض تلامذته أكثر من الاعتراضات عليها وأجاب عنها وتلك الأسئلة مع ~~أجوبتها يوجد عندي متفرقة فلنوردها مترتبة ليسهل النظر فيها على الطالبين. # فنقول: إنا قد نعقل ذواتنا وكل من عقل ذاتا فله ماهية تلك الذات قلنا: ~~إذن ماهية ذاتنا فلا يخلو إما أن يحصل لها ذاتنا بحصول صورة أخرى مساوية ~~لذاتنا في ذاتنا أو بحصول ذاتنا لذاتنا. # والأول محال لأنه يفضي إلى الجمع بين المثلين فتعين الثاني. فكل ما ذاته ~~بذاته حاصلة لذاته كان قائما بذاته فإذن القوة العاقلة منا قائمة بنفسها ~~وكل جسم أو جسماني غير قائم بنفسه فالقوة العاقلة ليست بجسم ولا جسماني. # وإلى هذه الحجة قد أشار المعلم الأول في كتاب النفس بقوله: كل من راجع ~~إلى ذاته فهو روحاني وهذا إجمال تفصيله ما ذكره ويرد عليه الإشكال من وجوه: # الأول أنا لا نسلم أنا نعقل ذواتنا لم لا يجوز أن يكون إدراكنا لذاتنا ~~نوعا آخر من PageV00P397 # الإدراك سوى التعقل. # والسند هو أن التعقل عبارة عن حصول ماهية المعقول للعاقل ولا يمكننا أن ~~نعرف كوننا عاقلين لذواتنا إلا إذا عرفنا ذواتنا حاصلة لذاتنا فإن أمكننا ~~أن نبين أن ما حقيقة ذواتنا من دون واسطة التعقل فما الحاجة إلى أن نقول ~~إنا نعقل ذواتنا ونتوصل منه إلى أن لنا حقيقة ذواتنا وإن لم يمكن ذلك ~~فحينئذ لا يمكن بيان كوننا ms250 عاقلين إلا ببيان حصول حقيقة ذواتنا لذواتنا ولا ~~يمكن بيان ذلك إلا كوننا عاقلين لذواتنا ويلزم منه الدور. # والجواب أن مطلق الإدراك كاف فيما نحن بصدده وليس يتعلق الكلام بكونه ~~تعقلا وشعورا إذ قد ثبت أن الإدراك عبارة عن حصول ماهية المدرك. # سؤال لم لا يجوز أن يكون إدراكنا لذاتنا مجرد أثر عن ذاتنا حاصل لذاتنا ~~فنشعر بذلك الأثر من دون أن يكون حقيقة ذاتنا حاصلة لنا فعلى هذا يكون لنا ~~حقيقة قد حصل منها أثر لنا ولا يكون الأثر نفس حقيقتنا فلا يكون قد حصل شيء ~~واحد مرتين. # جواب حصول أثر الشيء ليس هو حصول نفس الشيء وقد سبق أن الإدراك بالشيء ~~إنما هو حصول نفس ذلك الشيء فالعلم بالشيء بالوجه يرجع إلى العلم بكنه ذلك ~~الوجه لا بحقيقة ذلك الشيء. ثم قولك: نشعر بذلك الأثر إما أن يريد بالشعور ~~نفس الأثر أو أمرا مغايرا للأثر تابعا له فإن كان الأول فلا معنى لقولك ~~نشعر بذلك الأثر لأنه قول أو اسم مرادف لحصول الأثر وإن كان الثاني فلا ~~يخلو إما أن يكون ذلك الشعور هو حصول ماهية الشيء أو حصول ماهية غيره. # والثاني يوجب أن يكون الشعور هو أن يحصل ما ليس ماهية الشيء ومعناه وهذا ~~باطل. # والأول يوجب أن يكون ماهية ذاتنا محتاجة في أن يحصل لنا ماهية ذاتنا إلى ~~ذلك الأثر فيكون ماهية ذاتنا غير موجودة إلى أن يحصلها ذلك الأثر فلا يكون ~~الأثر أثرا PageV00P398 # لها بل مكونا لها هذا خلف. # وإن كانت ماهية الذات يحصل ثانيا بحال أخرى من التجريد أو بنزع بعض ما ~~يقارنه من العوارض فيكون المعقول هو ذلك المحدد المجرد وكلامنا فيما إذا ~~كان المعقول هو جوهر نفسنا الثابت في الحالين. # الإشكال الثاني سلمنا أنا نعقل ذواتنا ولكن لا نسلم أن من عقل ذاتا فله ~~ماهية تلك الذات وإلا لكنا إذا عقلنا السماوات والأرض والعقول وجب أن يحصل ~~لنا حقائقها. # والجواب أن الحاصل فينا من الأشياء الخارجة عنا هو ماهيتها ونوعيتها دون ~~شخصيتها ms251 وأنحاء وجوداتها المتخالفة لما حصل عندنا في الوجود والعوارض ~~والمعقول من حقيقتنا هو نحو هويتنا ووجودنا الغير المفارق لحقيقتنا في ~~النوع والماهية ولا في العوارض والشخصية فيكون هو هو بالشخص كما كان هو هو ~~بالنوع وأما المعقول من حقائق غيرنا كالعقل الفعال وما يعقل منه فهو هو في ~~هذا المعنى والنوعية وليس هو هو في الوجود والشخصية. # الإشكال الثالث سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يحصل ذاتي في قوتي الوهمية ~~كما أن القوة العاقلة يشعر بالوهمية فعلى هذا لا يكون القوة العاقلة مقارنة ~~لذاتها بل للقوة الوهمية كما أنكم تقولون إن القوة الوهمية غير مقارنة ~~لذاتها بل للقوة العاقلة. # والجواب أن شعورك بهويتك ليس بشيء من قواك وإلا لم يكن المشعور بها عين ~~الشاعر والثاني باطل فالمقدم مثله. # بيان الملازمة أن ما يشعر بذاته فهو حاصل لذاته والقوة التي تدرك بها ~~ذاتك إما أن يكون قائمة بذاتك فذاتك ثابتة لذاتك وهو المطلوب وإن لم يكن ~~قائمة بذاتك بل بالجسم فذاتك لا تخلو إما أن يكون قائمة PageV00P399 # بذلك الجسم أو لا فإن لم يكن قائمة وجب أن لا يكون هناك شعور بوجه ما ~~بذاتك وإن قامت به فحصلت فيه ذاتك وحصلت فيه تلك القوة فلم يكن أحدهما ~~شاعرة بالأخرى لأن شيئا منهما غير حاصلة للأخرى بل ماهية كل منهما حاصلة ~~لما حصلت فيه ماهية الأخرى وهو ذلك الجسم فإن حصول شيء لشيء يتفرع على حصول ~~ذلك الشيء لنفسه وكل ما يقوم بغيره فحصوله لغيره لا لنفسه حتى يحصل له شيء ~~آخر. # سؤال: # لم لا يجوز أن يكون إدراكي لذاتي بحصول ذاتي في شيء نسبته إلى ذاتي كنسبة ~~المرآة إلى البصر الجواب: # الذي يتوسط المرآة في رؤيته إن سلم أنه منطبع في المرآة فيحتاج مرة ثانية ~~إلى أن ينطبع في الحدقة فكذلك هاهنا لا بد وأن يرتسم صورة ذاتنا من تلك ~~المرآة مرة ثانية في ذاتنا. # وأيضا المبصر وإن كان شيئا من بدن الإنسان فهو خارج عن حقيقة ذاته وحقيقة ~~قوته ms252 الباصرة فيجوز أن يتوسط المرآة بينه وبين الباصرة. وأما توسط المرآة ~~في إدراك الذات للذات نفسها فغير ممكن. # الإشكال الرابع لم لا يجوز أن يكون إدراكي لذاتي بحصول صورة أخرى في ذاتي ~~بيانه أن حال ما أعقل نفس زيد فأعقل نفسي لأن العاقل للشيء عاقل بالقوة ~~القربية من الفعل كونه عاقلا له وفي ضمنه كونه عاقلا لذاته. # فالحاصل حينئذ في نفسي من نفسي ومن زيد لا يخلو إما أن يكون صورتين أو ~~صورة واحدة والثاني باطل وإلا لكان أنا غيري وغيري أنا والأول هو المطلوب ~~من كون إدراكي لذاتي بحصول صورة من ذاتي لذاتي. # والجواب: # إذا عقلت النفس مطلقا فقد عقلت جزء ذاتك وإذا عقلتها مضافة إليك أو إلى ~~زيد فلا يتكرر النفس فيك مرتين بل يتعدد بالاعتبار. # ولست أقول: PageV00P400 # النفس مع قيد الإطلاق جزء نفسي لأن قيد الإطلاق مفهوم خارج عن حقيقة نفسي ~~بل أعني به عدم التقييد بشيء وجوديا كان أو عدميا. # الإشكال الخامس القسم الذي قد خرج من الشقين أيضا باطل بيانه أن قولنا: # كذا موجود لذاته يفهم منه معنيان: # أحدهما أن ذاته لا يتعلق في وجوده بغيره أو لا يحل في غيره مثل الصورة ~~للمادة أو العرض للموضوع وهذا باطل إذ المدركية أمر ثبوتي وهذا المفهوم ~~سلبي فلا يكون أحدهما عين الآخر. # وثانيهما أن ذاته مضاف إلى ذاته وذلك محال لأن الإضافة يقتضي الاثنينية ~~والوحدة ينافيها. # لا يقال: المضاف يستدعي المضاف إليه أعم من أن يكون نفسه أو غيره ولا ~~يلزم نفي العام من نفي الخاص لأن هذه المغالطة جارية في كون الشيء مؤثرا في ~~نفسه فيلزم صحته فكما أن ذلك باطل فكذا هذا. # والجواب: # الذات شيء ومفهوم تعينها شيء آخر سواء كان ما به التعين عين الماهية كما ~~في الواجب تعالى أو من لوازم الماهية كما في العقول الفعالة أو لا يكون ~~كذلك كما في النوع المنتشر الأفراد. # وهذا القدر من الغيرية يكفي في صحة الإضافة ولهذا صح قولك ذاتي وذاتك ~~فنضيف ذاتك إلى ذاتك. ms253 # الإشكال السادس المعارضة بإدراك سائر الحيوانات أنفسها مع أنها غير مجردة ~~ولا تصغ إلى قول من ينكر إدراكها لذواتها لأنها طالبة للملائم وهاربة عن ~~المنافر وليس طلبها لمطلق الملائم وإلا لطلبت كل ما هو ملائم لغيرها ولكانت ~~أيضا مدركة لأمر كلي والبهيمة غير مدركة للكليات فإذن هي طالبة لما يلائم ~~نفسها المخصوصة وذلك يتضمن إدراكها لنفسها إذ العلم بإضافة شيء إلى شيء ~~يتضمن إدراك المتضايفين. # والجواب: # أن نفس الإنسان تدرك بذاتها ذاتها والبهائم تدرك بأوهامها ذواتها ~~PageV00P401 # مرتسمة في آلات أوهامها كما في إدراكها لسائر الأمور المدركة بالوهم لا ~~في آلات ذواتها التي هي القلب. # فذوات الحيوانات مرة في آلة وجودها التي هي القلب ومرة في آلة وهمها وهي ~~مدركة من حيث هي في آلة الوهم. # سؤال: # فما البرهان على أن إدراكنا لذاتنا ليس كذلك والجواب: # لأن فينا قوة مدركة للكليات المفارقة عن عوارض الشخصيات فيمكننا أن ندرك ~~ماهية ذاتنا مجردة عن اللواحق الغريبة فإذا شعرنا بذاتنا المخلوطة بغيرنا ~~شعرنا بامتياز ذاتنا عن الأمور المخالطة لها فيجوز أن يتمثل فينا حقيقة ~~ذاتنا وإن كانت سائر الأمور غائبة عنا. # وإدراك الحيوانات لذواتها ليس على هذا الوجه فلا بد أن يدرك ذواتها بقوة ~~مدركة للمعاني المجردة في ذاتها المتعلقة الوجود بمادة جزئية من حيث كونها ~~متعلقة الوجود بمادة جزئية فتدرك الحيوانات ذواتها بالوهم. # أسئلة هذا التجريد والتفصيل لذاتنا عما يخالطها أمر ذهني ولا يستدعي ذلك ~~تجردا عنها بحسب الواقع فربما كان ما عليه الوجود بخلاف ما فرضه الذهن. # وأيضا ما ذكرت من الحجة غير مختصة بما إذا أدركنا ذواتنا كلية أو جزئية ~~مخلوطة بل التحقيق أن كلما يدرك شيئا فله ذلك المدرك كليا كان أو جزئيا. # فالحمار إذ أدرك ذاته المخلوطة يكون ذاته موجودة له في جميع الأحوال لا ~~لشيء آخر كالمادة الجسمية فذاته مجردة عن المادة الجسمية وأيضا يبطل كون ~~المدرك لذات الحمار قوة وهمية أن تلك القوة إن كانت في الحمار فذات الحمار ~~في الحمار وإن كانت في غيره لم يكن ms254 الشاعر هو المشعور به فلم يكن الحمار ~~مدركا لذاته وقد مر إبطاله. # وأجاب الشيخ في كتاب المباحثات عن هذه الأسئلة بأمور غير مقنعة وحكم أيضا ~~PageV00P402 # في الأجوبة عن أسئلة بهمنيار بصعوبة الفرق بين الإنسان وغيره من ~~الحيوانات في الشعور ببقاء الذات وسنسمعك في الفرق بينهما ما فيه كفاية إن ~~شاء الله. # حجة أخرى قريبة المأخذ مما قبلها وهي أن نفس الإنسان وذاته مشعور بها في ~~جميع الأوقات حتى وقت النوم والسكر والإغماء فما من جزء من أجزاء بدنه من ~~قلب أو دماغ أو روح بخاري إلا وهو ينساه أحيانا وأكثر الإنسان ما أدركه أو ~~أدركه بتشريح أو تعليم من غيره وأدرك ذاته دائما. # فما يدركه دائما غير ما ينساه أحيانا ولو كان جملة بدنه أو شيئا منها أو ~~عرضا قائما بها أو بجزئها لما استمر شعوره بذاته مع نسيانها فالمشعور به في ~~جميع الأوقات غير البدن وأحواله ولا جسم آخر وأحواله وهو ظاهر. # حجة أخرى على كون محل الحكمة قوة عقلية ليس آلة جسمانية وهي أن للآلات ~~الجسمانية في إدراكاتها الحسية علامات لا يوجد شيء منها في القوة التي يدرك ~~الحكمة والمعارف الإلهية فيعلم أن إحداهما غير الأخرى. # العلامة الأولى أن القوة الجسمانية إذا أصابت آفة لها فإما أن لا يدرك ~~وإما أن يضعف إدراكها أو يغلط فيه. # الثانية أنها لا تدرك آلتها إذ البصر لا تدرك نفسه ولا آلته. # الثالثة لو كان فيها كيفية مستقرة لا تدركها حتى أن سوء المزاج إذا صار ~~متمكنا من البدن جوهريا فيه مثل الدق لم تدركه قوة اللمس. # الرابعة أنها لا تدرك نفسها فإن الوهم لو أراد أن يتوهم نفسه لم يمكنه. # الخامسة أنها إذا أدركت شيئا قويا لم يمكنه إدراك الضعيف عقيبه إلا بعد ~~زمان. # ولهذا لم يسمع الصوت الضعيف عقيب الشديد لاشتغال الحس بذلك المدرك ~~PageV00P403 # القوي واشتباكه به. # السادسة أنها لو هجم عليها مدرك قوي بطلت الآلة وفسدت فقد يفسد العين ~~بقوة الشعاع والسمع بالصوت الهائل. # السابعة القوى الجسمانية يضعف بعد ms255 الأربعين وذلك عند ضعف مزاج البدن وهذا ~~كله ينعكس في القوة العقلية فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها لنفسها وتدرك ~~ما يقدر أنه آلاتها كالقلب والدماغ وتدرك الضعيف بعد القوي والخفي بعد ~~الجلي وربما يقوى في الأربعين في الغالب. # وهم وتنبيه فإن قيل: هذه القوة أيضا يقصر عن الإدراك بالمرض الذي في مزاج ~~البدن. # قلنا: تعطلها بعد تعطل آلتها لا تدل على أن لا فعل لها في نفسها بل يجوز ~~أن يكون فساد الآلة مؤثرا فيها من وجهين: أحدهما أنها إذا فسدت اشتغلت ~~النفس بتدبيرها فانصرفت عن جهة المعقولات. # فإن النفس إذا اشتغلت بالخوف لم تدرك اللذة وإذا اشتغلت بالغضب لم تدرك ~~الألم وإذا اشتغلت بالمعقول لم تدرك في حال الشغل به غيرها فيشغلها شيء عن ~~شيء اللهم إلا أن يصير قدسيا في غاية القوة. # فعلى هذا لا بعد في أن يشغله ضعف الآلة والحاجة إلى إصلاحها عن خاص ~~فعلها. # والثاني أن الآلة الجسمانية ربما يحتاج إليها ابتداء ليقوم له الفعل ~~بنفسها بعده كما يحتاج من يقصد بلدة إلى دابة فإذا وصل استغنى عنها فإذا ~~فعل واحد بغير آلة تدل على أن له فعلا في نفسه. # وتعطل العقل لتعطل الآلة يحتمل هذين الشيئين فلا حجة فيه لأن ما ذكرناه ~~في قوة قياس استثنائي تاليها متصلة كلية موجبة استثني فيه PageV00P404 # نقيض التالي وهو سالبة جزئية متصلة ينتج نقيض المقدم صورتها هكذا: لو كان ~~التعقل بآلة جسدانية لكان كلما عرضت لها آفة وكلال يعرض لها في التعقل فتور ~~لكن ليس هذا كليا ينتج أن تعقلها ليس بآلة بدنية. وما قيل عليه ليس صحيحا ~~لأنه استثناء لعين التالي وهو غير منتج. # ومما يتبين به أن القوة العاقلة ليست منطبعة في محل كعضو ونحوه أنها لو ~~كانت كذلك لكانت إما دائمة التعقل له إن كفى في تعقلها له مجرد صورة ذلك ~~العضو مثلا الحاضرة له دائما أو دائمة اللاتعقل إن احتاج في التعقل إلى ~~صورة أخرى له لتوقفه على أمر مستحيل وهو حصول صورتين من ms256 نوع واحد في مادة ~~واحدة والموقوف على المستحيل مستحيل والتالي بقسميه باطل فالمقدم باطل فإن ~~كل عضو قد يعقله النفس وقد يغفل عنه كذا قيل. ولي في هذا الوجه نظر يعلم ~~مما ذكرناه في مباحث الوجود الذهني في غير هذا الكتاب. # فصل في أن النفس الإنسانية جوهر روحاني قائم بذاته مستغن عن البدن في ~~وجوده البقائي قد علمت بما سردنا عليك أن الإنسان بما هو إنسان يخالف سائر ~~الحيوانات بقوة يخصه بها يدرك المعقولات الكلية وهو النفس الناطقة. # وقد جرت عادتهم بتسمية هذه القوة عقلا هيولانيا وعقلا بالقوة والنفس ~~الناطقة وهي موجودة في كل واحد من أفراد الإنسان طفلا كان أو بالغا مجنونا ~~كان أو عاقلا مريضا كان أو سليما. # وعلمت أيضا أن أول ما يحصل في هذه القوة من المعقولات المسماة بداية ~~العقول والآراء العامية هي الأوليات الحاصلة لها من غير تعلم وقياس وحدس ~~وتجربة بل على سبيل اللزوم والجبر وهي المبادي لغيرها من الثواني التي يمكن ~~خلو بعض الإنسان عنها. PageV00P405 # ثم نقول: لا يخلو إما أن يكون تلك المعاني الأول جواهر داخلة في ذات ~~الإنسان أو أعراضا حالة فيها فإن كانت أعراضا فالعرض لا يستقيم قوامه إلا ~~بمحل جوهري الذات يحله وإن كانت جواهر فمع كونه فاسدا إذ كل مفهوم ذهني فهي ~~من الكيفيات النفسانية ويجوز خلو الذهن عنها فمحلها أولى بالجوهرية فالنفس ~~إذن جوهر. # وأما كونه روحانيا غير جسمانية فيدل عليه أشياء سوى ما ذكرنا منها: أنها ~~محل المتقابلات ولو كانت جسمية لامتنع إدراكها للمتضادين وغيرهما مثل ~~السواد والبياض والعلم والجهل بإدراك واحد معا لأن صورتي الضدين وبالجملة ~~المتقابلين لا يحلان في جسم واحد معا والحال في النفس بخلاف الجسم فإنها ~~مهما حلت فيها صورة أحد المتقابلين وجب ضرورة أن يحل معه فيها صورة المقابل ~~الآخر لأن تعقل المتقابلين يكون معا لاشتمال التقابل على التضايف ~~والمتضايفان يكونان معا في المعقولية. # فثبت أن قابل المعقولات والعلوم من الإنسان جوهر مجرد وهو المطلوب. # ومن شواهد العقلية في مباينة القوة ms257 العاقلة للجسم أنه لو كانت جسما لكانت ~~الصورة العلمية إما مفقودة عنها أو تكون لها انفعالات محضة من غير فعل ~~وتصرف إذ ليس للجسم أن يتصرف في الصورة الحالة فيها بالتقديم والتأخير ~~والتركيب والتحليل. # ومن اللطائف التي يوقع طمأنينة في تجرد النفس أن القوة البدنية يتعاون ~~بعضها من بعض ويتقوى بعضها ببعض ولا يكون بينها ممانعة كما بين في الآراء ~~الطبيعية من أن تأليف البدن الحيواني والإنساني حسب تأليف قواه من غير ~~ممانعة ومخالفة فيها بل كل واحدة من الأعضاء وقواها الطبيعية والنباتية ~~والحيوانية في حال الصحة والسلامة إما أن PageV00P406 # يقوي الأخرى ويعينها على ما ينحو نحوه من خاص كماله أو يمسك عنه رأسا ~~برأس ليحصل لها النظام في أمر حياته. والقوة الناطقة منها في واد وهي في ~~واد أخرى لأنها مهما أرادت إلى تكميل جوهرها وتفعل فعلها الخاص من تعقل ~~النظريات وإخلاص نية في التقرب إلى الإلهيات وامتناع عن مخالطة الشهوات ~~ووساوس المفسدات من القوى المسخرة إياها في متابعتها ومشايعتها لم يتيسر ~~لها ذلك إلا بمجاهدة تامة مغالبة عظيمة ليتمكن من ذلك. # فثبت أن هذا الجوهر النطقي من الإنسان من عالم آخر وقع غريبا في دار ~~الجسد بيد الفسقة والظلمة والكفرة من القوى الشهوية والغضبية والوهمية. # ومن الشواهد أن كل صورة أو حالة حصلت في الجسم بسبب من الأسباب فإذا زالت ~~عنه وبقي فارغا عنها يحتاج في حصولها ثانيا إلى استيناف السبب من غير أن ~~يكتفي الجسم بذاته في استحصال تلك الحالة أصلا إذ فراغ الجسم القابل في ~~الحالين بمرتبة واحدة وليس حال الجوهر الناطق في الصور العلمية الحاصلة لها ~~هذه الحال إذ كثيرا ما يعرض له ما يزيل عنه تلك الصور ثم إذا زال العائق ~~عادت من غير حاجة إلى السبب الحاصلة هي منه كحد أو برهان بل قد يكفي في ~~استحضار تلك الصور بذاته. # وأيضا إن العلوم كلها لا يمكن أن يجتمع في دفتر واحد جسماني وأما النفس ~~فإنما يجتمع علوما شتى وصنائع عديدة وأخلاقا مختلفة وآراء ms258 متفاوتة لأنها ~~دفتر روحاني لا تتراكم فيها صور المعلومات كما يتراكم في الهيولى الجسمانية ~~صور الماديات فليس بمحال على النفس الإنسانية تزاحم الأمور عليها والصور ~~المعلومة فيها وربما تزول عنها هذه الأسباب الكمالية لإقبالها على شيء من ~~الأمور العاجلة الدنياوية عند مرض أو شغل قلب أو غم بعرض لها ولا تزيل عنها ~~هذه الأمور العارضة صورها الكمالية المستحفظة في ذاتها على الإطلاق ذخرا ~~لها في اليوم الآخر. # وذلك لأجل أنها روحانية السنخ لطيفة الجوهر فهي يكون في ذاتها مخزونة ~~بنوع قوة قريبة من الفعل بل هي موجودة فيما تعلقت به ذاتها من الجواهر ~~القدسي والعقل الفعال الداخل في تجوهر PageV00P407 # ذاتها وفعلية حقيقتها وقد خرجت به عقلا بالفعل والعائق لها عن مشاهدة ~~الصور وظهور الكمالات ليس أمرا داخليا كما في القوابل التي لم يخرج من ~~القوة إلى الفعل بل أمرا خارجيا احتجب به ذاتها الكاملة المستكملة عن ذاتها ~~وهو اشتغالها بتدبير البدن وعادتها في الانجذاب إليه بحسب الفطرة الأولى ~~دون الثانية فإذا ارتفع من حدقة إدراكها العقلي غبار البدن ووقع منها النظر ~~إلى ذاتها وجدتها مستكملة بالمعقولات مشاهدة إياها متصلة بها متحدة معها ~~ورأت ذواتا نورية وجمالا وحسنا وكمالا يستظلم عنده أنوار الشمسية الحسية ~~ويستقبح لديه صور حور العين. # والغرض أن تسمية هذه المرتبة من النفس بالعقل بالفعل على الحقيقة بما ~~ذكرنا. # ولهذا إذا اكتسبت صورة عقلية ثم أعرضت عنها بعائق من اشتغالها بشيء ~~جسماني فإذا زال عنها العائق عادت مهما أرادت إلى تلك الصورة المستحفظة ~~بنوع فعلي لا بنوع انفعالي. # وأما الجسم وقواه كالحواس وغيرها فلا يمكن عليه تزاحم صور مختلفة ولا ~~استحفاظها بوجه من الوجوه. # ألا ترى أن الحواس لا يمكن أن يستحفظ في ذاتها صورة ويقبل أخرى ولا ~~معاودتها إلى الصور وقبولها لها بنوع فعلي استكفاء بذاتها وما يتقوم به ~~ذاتها بل بنوع انفعالي بمثل ما ينشأ منه ابتداء. # ومما يشهد بكون النفس غير ذات وضع بوجه أنها يتصور المقدار اللايتناهى ~~والعدد والزمان والهيولى المجردة عن الصورة وأمثالها ms259 من الأمور التي إذا ~~وجدت في الجسم الواحد المتصل يجعله بحال ينافي جسميته أو وجوده أو وحدته أو ~~حاله التي هو عليها في نفس الأمر. # وأما كونه مستغنيا عن البدن في الوجود فإنما يثبت ذلك من استغنائه عن ~~البدن في فعله فإن المستغني عن الشيء في فعله مستغن عنه في ذاته إذ الإيجاد ~~متقوم بالوجود فإذا احتاج شيء إلى شيء في وجوده فلا بد أن يحتاج إليه في ~~فعله إذ المحتاج إلى المحتاج إلى ذلك الشيء محتاج إلى ذلك الشيء فإذا ثبت ~~استغناء الجوهر الناطق عن البدن في فعله ثبت استغناؤه عنه في الوجود. ~~PageV00P408 # وأما أنه غير مفتقر إلى البدن في فعله فلأنه قد صح لنا أن المعقولات ~~المفروضة التي من شأن القوة الناطقة أن يعقل بالفعل واحدا واحدا منها غير ~~متناهية بالقوة. # وقد حقق أيضا أن الشيء الذي يقوى على أمور غير متناهية بالقوة لا يجوز أن ~~يكون جسما أو قوة في جسم فثبت أن الذات المتصورة للمعقولات ليس بجسم وبقوة ~~فيه. # ومن ظن فعل أن المتخيلة أيضا كذلك لإمكان التخيل الغير المتناهية فقد ~~أخطأ فإنه ليس لمتخيلة الحيوان أن يتخيل أي شيء اتفق مما لا نهاية له في أي ~~وقت كان ما لم يقترن معها تصرف الناطقة وكذا من توهم أن النفس قابلة للصور ~~العقلية فقط والمبرهن على امتناعه هو الفعل الغير المتناهي في الجسمانيات ~~لا الانفعال فإن الهيولى ذات قوة قابلة غير متناهية لأن قبول النفس في كثير ~~من أشياء لا نهاية لها قبول تعد تصرف فعلي. مما يبين ذلك أن النفس تتصرف في ~~المعلوم وتنتقل من معلوم إلى معلوم وتستخرج النتائج من المقدمات بالتركيب ~~والتحليل للصور التي يكون حاصلة عندها وهي وأمثالها أفعال لا انفعال ~~والانفعال نفس حصول الصورة ولهذا ينسب هذه إلى القوة النظرية منها التي هي ~~جهة ارتباطها إلى ما فوقها من المبادي العقلية بالتأثير وتلك إلى القوة ~~العملية منها التي هي جهة ارتباطها إلى ما تحتها من القوة الجسمية. # فصل في إقناعيات واستبصارات ms260 واعلم أن براهين تجرد النفس كثيرة مذكورة في ~~كتب الحكماء وقد ذكرنا طرفا منها ومن أراد زيادة فليطلب من هناك. والأولى ~~لسالك طريق الحق أن يهاجر أغراض الطبيعة وتلطف سره عن مكدرات الأجسام ~~ليشاهد ذاته المجردة عن الأحياز والأمكنة ويتحقق لديه أنه لو لا اشتغال ~~PageV00P409 # النفس بتدبير قوى الجرمية وانفعالها عنها لكان لها اقتدار على إنشاء ~~الأجرام العظيمة المقدار الكثيرة العدد مع هيئاتها وأحوالها البهية الحسنة ~~من الأشخاص النورية البرزخية فضلا عن التصرف فيها بالتحريك والتدبير كما ~~وقع لأصحاب الرياضات اللطيفة والمجاهدات العقلية المرتقين عن حضيض الأشباح ~~إلى أوج الأرواح. وقد جربوا أمثال هذا من أنفسهم وهم بعد في هذه النشأة ~~الدنياوية فما ظنك بنفوس كريمة شريفة إلهية عاشقة لكبرياء جلال الأول ~~مرتقية عن تعلقات الأجرام وأعراضها متخلصة عن أهواء الطبيعة وأغراضها وأنت ~~مع شواغلك البدنية وماربك الخسيسة الإنسية إذا فكرت في جبروت ربك الأعلى أو ~~سمعت آية تشير إلى المعاد والمسرى انظر كيف تقشعر جلدك وتقف شعرك وتسلط ~~نفسك على البدن وقواه وتسهل عليك رفضه وقطع هواه وذلك لأجل قليل نور قذف في ~~قلبك وتتقوى به نور نفسك تقوى الجنس بالجنس فانفعلت منها قوى البدن والحس ~~كما كان ينفعل هي عنهما لأجل قصورها وضعفها وقس من هذه الحالة منك حال من ~~داوم في جميع أيام دهره أفعالا وأعمالا مقربة للقدس. # وظني أن من له أدنى مرتبة في التفطن والحدس لو رجع إلى ذاته وشهد ما فعله ~~بقوته المتخيلة في إنشاء ماهيات الأبعاد والأجرام والتصرف في الجبال ~~الشاهقة والصحاري الواسعة والأفلاك المتحركة والساكنة والكواكب تارة ~~بالتركيب والتفصيل وتارة بالتسكين والتحويل لتحدس يقينا أن نفسه العلامة ~~الفعالة المتصرفة في عظائم الأجرام ليست جسما ولا جسمانيا. # وأما الإقناعيات الخطابية في تجردها فهي أكثر من أن تحصى. # أما الآيات فكثيرة منها قوله تعالى في حق آدم ع وأولاده: و نفخت فيه من ~~روحي. # وفي حق عيسى ع: و كلمته ألقاها إلى مريم ع وأخواتها. # وهذه PageV00P410 # الإضافة ينبه على شرف الجوهر الإنساني وكونه عريا ms261 عن الملابس الحسية. # ومنها قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم أي من أمر نفسه ~~لكونها نورا مجردا وبدنه لكونه ذا امتزاج معتدل وحداني يشبه بالجرم ~~السماوي. # ومنها قوله تعالى: فأحسن صوركم وهو مجمل يفصل ويفسر بقوله: و لقد كرمنا ~~بني آدم أي بما يختص به من النفس الناطقة الباقي جوهرها من الفناء والفساد ~~المستعد للفضائل الحقيقية وحملناهم في البر أي إدراكاتهم الحسية والبحر أي ~~بحر المعارف وإدراكات العقلية ورزقناهم من الطيبات أي من العلوم اليقينية ~~والمقاصد الحقيقية وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا حيث زين ظاهرهم ~~بتناسب الصور والهيئات وباطنهم باعتدال المزاج وباطن باطنهم بالقوى المحركة ~~والمدركة التي زاد بها على الحيوانات الأرضية وباطن باطن باطنهم بالنور ~~الإلهي والشعلة الملكوتية من عقلية النظري والعملي. # وإنما خصص بكثير ممن خلقنا لأنهم لم يفضلوا على المفارقات من كل الوجوه. # ومنها و أسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة فالنعم الظاهرة مدركات الحواس ~~مطلقا لأن جميعها من عالم الشهادة والنعم الباطنة هي المدركات العقلي خاصة ~~لأنها من عالم الغيب. # وأما الأخبار فقد روي عن النبي ص أنا النذير العريان وهذا إشارة إلى تجرد ~~النفس عن علائق الأجرام. # وقال ص أيضا: من عرف نفسه فقد عرف ربه وقال ص: # أعرفكم لنفسه أعرفكم لربه وقال ص: من رآني فقد رأى الحق. # فلو لم يكن بينه تعالى وبين النفس من المناسبة ما لم يكن بينه وبين ~~الأجسام لما شرط ص معرفة الرب بمعرفة النفس وتلك المناسبة هي كونها جوهرا ~~عريا عن الأحياز والأمكنة. # وتمام هذه المناسبة PageV00P411 # والمضاهاة مما يحتاج بيانه إلى مجال واسع وقال ص: # أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني فهذه الأحاديث مما يؤذن بشرف النفس وجلالتها ~~وقربها من بارئها قربا بالذات والصفات والمفارقة عن علائق الأجرام وعوائق ~~الأجسام. # وقال روح الله المسيح بالنور المشرق من سرادق الملكوت على نبينا وعليه ~~السلام: # لا يصعد إلى السماء إلا من نزل منها وهذا الحديث شارح لقوله تعالى: يا ~~أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فإن ms262 العود والرجوع إلى ~~الشيء لا يمكن إلا بعد المجيء منه. # وقال أبو يزيد البسطامي: طلبت ذاتي في الكونين فما وجدتها أي أوجدت ذاتي ~~في عالمي الأشباح والأجرام. # وقال أيضا: انسلخت من جلدي فرأيت من أنا فسمى الهيكل جلدا وقشرا وهذا ~~يصرح بأن النفس التي هي اللب غير الجسد الذي هو القشر. # فالنفس الحية الإنسية متى لم يبلغ أهليتها إلى مقام ينسلخ عن جلدها كل ~~يوم مثل نفس الحية الوحشية التي تنسلخ عن إهابها كل عام فليست من الحكمة في ~~شيء. # وقيل: الصوفي مع الله بلا مكان. إشارة إلى تجرد النفس عن المكان للمعية ~~مع من لا يحويه مكان فإن ما مع غير ذي مكان لا يكون ذا مكان. وقيل: الصوفي ~~كائن بائن . # أي النفس موجودة مجردة عن المادة إلى غير ذلك من مقالات هؤلاء الأكابر ~~المجردين عن العلائق المنزهين عن العوائق. # وكلمات هؤلاء الأفاضل في قوة إفادة العلم القطعي بحقيقة النفس أشد وأسد ~~من كثير من حجج أصحاب العقل فإنهم شاهدوا عجائب أحوال النفس وماهيتها ~~وغرائب آثارها بذوق العيان دون مزاحمة البرهان. ولا تستحقرن يا حبيبي ~~خطابات المتألهين ولا تظنن أنها أقل نفعا في إفادة اليقين من حجج أصحاب ~~البحث والبراهين كيف والبرهان معد والواهب للعلم كما مر أمر سوى البرهان ~~فلا يستبعد أن يكفي لطالب PageV00P412 # الحق خطابات إقناعية لأن يهب له المبدأ الفياض علما يقينا. # ظلمات وهمية وإشراقات عقلية أن ذوي الطبائع الوهمية قد استصعب عليهم ~~الاطمينان بتجرد النفس بوجوه: # منها أن ما لم يكن جسما ولا مدركا بإحدى الحواس فهو لا شيء إذ الموجود هو ~~المحسوس لا غير. # والقائلون به هم الحنابلة والكرامية وكثير من أهل الحديث والرواية من غير ~~الدراية ولم يعلموا أن حقيقة كل شيء حتى المحسوس وما هو صرف ذاته أمر لا ~~يدركه الحواس بل غيرها الذي هو القوة العقلية ولم يتفطنوا بأن معنى قولنا: ~~الكل أعظم من الجزء. # هو شيء غير جسم ولا جسماني. # ومنها أنه يلزم أن يكون غير متصلة بالعالم ولا منفصلة ms263 عنه وما علموا أن ~~خروج الشيء عن أمر ما وعدمه المقابل غير مستحيل إذا لم يكن المتقابلان ~~كالإيجاب والسلب المحض من غير اشتراط قابلية المحل نوعا أو جنسا للملكة. # وقد يفرق بين السلبين في اللفظ أيضا كاللاعالم والجاهل واللابصير والأعمى ~~فالموضوع قد يخرج عن هذا السلب وملكته كالحجر ليس بعالم ولا جاهل والانفصال ~~كذلك لأنه عدم الاتصال فيما يتصور عنه ذلك فيكون كالملكة من خواص الأجسام ~~وإن عني به عدم الاتصال مطلقا كانت النفس منفصلة. # ومنها أنها إذا لم يكن ذات جهة ووضع ومكان لزم أن يكون هي الباري وهو ما ~~قالته الأشاعرة وأكثر المتكلمين ما سوى الطائفة الأولى وهم الذين اعترفوا ~~بوجود موجود مجرد عن الجسمانيات لكنهم أحالوا أن يكون غير الواجب مجردا ~~وإلا لزم الاشتراك بين الواجب والممكن فيلزم أن يكون النفس هي الباري. # وهذا مندفع بأن التجرد مفهوم عدمي والشركة في أمر عدمي لا يوجب الاشتراك ~~في الخواص والذاتيات فإن الأشياء مع اتفاقها في عرضي أو سلبي قد يختلف ~~بتمام حقائقها كطبيعة الجنس والفصل في نوع واحد وكالسواد والطعم في جسم ~~واحد إذ هما يمتازان لا بمحل وبمكان إذ لا مكان للعرض ولا بوضع PageV00P413 # إذ PageV00P414 # لا وضع لهما بالذات بل بلمحلهما وهما يتبعان له في وضعه بل يمتازان ~~بحقيقتهما. # أ لا ترى أن كثيرا من السلوب والإضافات متفقة بين الواجب وبعض الممكنات ~~وأيضا الفارق كثير فإن آلة العالم واحد والنفوس كثيرة وهي منفعلة عن ~~الأبدان وغيرها والباري ليس له جهة انفعالية. وما من نفس إلا ويجهل أشياء ~~كثيرة ويعجز عن أفعال كثيرة والواهب الحق ليس كذلك. # وليس الواجب تعالى بمجموع النفوس إذ قد برهن على امتناع تعدده وليست ~~النفس في جميع الإنسان واحدة وإلا يعلم كل أحد ما علم الآخر وفعل كل ما ~~فعله وإذ ليس التالي صادقا فليس المقدم صادقا. # لا يقال: إنما أدرك البعض أو فعل لرفع عائق هو مانع للبعض الآخر أو لوجود ~~آلة أو مزاج لم يوجد في غيره. # لأنا نقول: الشيء الواحد ms264 في حالة واحدة لا يمنعه عائق عن شيء واحد بعينه ~~وترفع عنه ذلك العائق معا فالذي عاقه العائق غير الذي ما عاقه العائق. # وكذا شيء واحد لا يصلح أن يكون آليا وغير آلي بالقياس إلى فعل واحد ولما ~~ثبت وتحقق أن النفس ليست جسمية فلا يكون لها أطراف وأجزاء يكون بعضها بصفة ~~أو حالة ولا يكون بعضها الآخر بتلك الصفة والحالة كجسم واحد يكون بعضه ~~مطابقا لشيء وبعضه لشيء آخر. # وأيضا النفوس حادثة كما سنبرهن عليه والله قديم وبالجملة لا يلزم من عدم ~~الامتياز في بعض الأشياء الخارجة الاتفاق في الحقيقة ولوازمها لجواز أن ~~يكون الحقائق مختلفة. ومنها أنه إذا لم يكن مميز من مكان ووضع ومحل فلا ~~فارق بينها وبين الواجب بالذات فالجميع واحد. # وجوابه أن المميزات لا ينحصر فيما ذكر فإن الأشياء مع اتفاقها في عرض قد ~~يختلف بتمام حقائقها كطبيعة الجنس والفصل في نوع واحد وكالسواد والطعم في ~~جسم فهما يمتازان لا بمحل ولا بمكان إذ لا مكان للعرض والمحل واحد ولا بوضع ~~إذ لاوضع لهما بالذات بل بمحليهما وهما تابعان له في وضعه الواحد بل ~~يمتازان بحقيقتهما. # وأما الذي ادعته أرباب المكاشفات الذوقية من وحدة الوجود المطلق وسريان ~~حقيقة الحق في جميع الذوات والحقائق وظهورها في جميع المظاهر والمشاهد ~~وتجليها على كل القوابل والمجالي فهو معنى آخر لا يمكن إدراكه بالأنظار ~~البحثية والأبحاث الفكرية من دون الرجوع إلى طريقتهم في العلم والعمل ~~والأعراض بالكلية عن عادات أرباب البحث والجدل. # ومع قطع النظر عن هذا يكون حقيقة كل شيء عبارة عن تعينه الخاص ومبدئيته ~~لآثار مخصوصة وأفعال معلومة لا يتعداه. # وبذلك التحقيق الذي ذهبوا إليه لا يبطل أحكام الأشياء وخواصها والامتياز ~~بين الحقائق والماهيات ومقوماتها وعوارضها اللازمة والمفارقة كما أن من ~~ادعى من بعض أرباب الأرصاد الفلكية أن مجموع الأفلاك فلك واحد له نفس واحدة ~~تحركه بحركة واحدة شرقية يتحرك بها جميع أجرام الفلكية والكوكبية ليس أنه ~~يريد بذلك إبطال علم الهيئة ونفي تعدد الأفلاك وتخالف حركاتها ms265 سرعة وبطأ ~~وتباين جهاتها وأوضاعها وتفاوت مقاديرها وكيفياتها وآثارها المتعينة وما ~~يترتب عليها من اختلاف حال عنصريات وتكون المركبات من الجماد والنبات ~~والحيوانات فحقيقة النفس الإنسانية ليست إلا كمال النوع الإنساني الذي تدرك ~~الكليات بذاته والجزئيات بالآلات ولها الفكر والروية واستنباط العلوم ~~والصنائع والتأثير عن الهيئة البدنية والتألم عما يتغير به مزاج البدن كما ~~أن النفس الحيوانية حقيقتها ليست إلا مبدأ الإحساس والتحريك وكذا النفس ~~النباتية حقيقتها ليست إلا ما يكون مبدأ الأفاعيل النباتية من التغذية ~~والإنماء والتوحيد. # ولا شبهة في أن شيئا من هذه الحقائق ليست هي عين مبدأ العالم وواجب ~~الوجود لكونها معرضة للحدوث والتغير والتعدد والنقص والانفعال والقصور ~~والزوال والله تعالى منزه عن نقائص الإمكان ومثالب الحدثان. # ومنها أن النفوس متصفة بصفات الأجساد كقول القائل مشيرا إلى نفسه ~~PageV00P415 # جلست وخرجت وقمت ومشيت وهذه من خواص الأجسام. # وأجيب عن ذلك بأن هذه الأقوال ونظائرها كلها مجازات عرفية إذا حققت ~~الحقائق وقام البرهان على تجرد النفس فليس لأحد أن يتمسك في اقتناص الحقائق ~~بالألفاظ والتحاورات اللغوية مع أن الإشارات اللغوية والعبارات القولية لا ~~يمكن أن يقع على الأمور العقلية الصرفة من غير محاكاة خيالية وممازجة ~~تصويرات مثالية لا ينفك عن الوقوع على أوضاع الأجرام وحركات الأبدان. # وكما أن النفس يحتاج في وجودها إلى البدن للعلاقة المتأكدة فكذلك التعبير ~~عن أحوال المعاني النفسية إنما يتأتى بألفاظ موضوعة لأحوال الجسم هذا. # واعلم أن حقيقة النفس ونحو وحدتها شيء غامض غفل عنها الأكثرون ولم يصل ~~ولا يصل إلى غورها إلا الأقلون من أصحاب السلوك والرياضات. # وما أدركته الحكماء المشاؤون والفلاسفة الرواقيون في النفس من التجرد ~~الصرف والطهارة عن البدن وأوصافه فهو صدق وصواب لكنه يرجع إلى تنزيه قوة من ~~قواها بل مرتبة من مراتبها المسماة بالقوة العاقلة وهي مرتبة غيبتها عن ~~البدن وقواه واتصالها بعالم القدس ورجوعها إلى جهة الوحدة وليست حقيقة ~~النفس عند أرباب الذوق والشهود مجرد قوة عاقلة مباينة للأبدان منزهة عن ~~الأجرام بل البدن عندهم كظل لنور النفس لا ms266 استقلال له في الوجود كما لا ~~استقلال له في الحركة الإرادية. # وأما ما يتحرك بالحركة الطبيعية عند السقوط عن السطح فهو بالحقيقة خارج ~~عن البدن من حيث هو بدن فإنه لطيفة جسمانية حارة هي متصرف فيها للنفس أولا ~~وبالذات وهذا الكثيف الثقيل كأنه غلاف وقشر لهذا البدن وكأنه قد حصل من ~~تكدر ذلك وتبرده وتكثفه فخرج بخروجه عن الاعتدال اللائق بتصرف النفس وطاعة ~~لها لأجل ثقله وتبرده عن إطاعته لها وتصرف النفس وتسخيرها واستخدامها إياه ~~ولأجل ذلك يتحرك بطبعه من غير إرادة النفس. # وأما اللطيفة التي هي عرش النفس التي يكون معرفتها مثال معرفة الرب فإنه ~~تعالى منزه عن المثل لا عن المثال وما هو قواها وملكوتها المقربة لها التي ~~هي نظائر PageV00P416 # ملائكة الله تعالى الذين لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون فلا ~~محالة تصرفها النفس وتحركها كيف يشاء. # وتلك القوى أيضا تأمر بأوامر وتنهى بنواهيها لا يستطيع لها خلافا ولا ~~عصيانا إلا قوة واحدة يسمى بالوهم لها نصيب من الشيطنة ولهذا تتمرد من طاعة ~~العقل كما تمرد إبليس من طاعة الحق. # ولنصرف عنان الكلام عن هذا الأسلوب الذي يكاد أن يخرج عن طور عقول ~~الجمهور إلى ما كنا فيه وهو أن كل من زعم على أن هوية الإنساني ليست إلا ~~جوهر عقله المجرد في ذاته عن مخالطة الأبدان وقواها المنزهة عن مزاولة ~~الأجرام وخواصها فقد حددها ونظر إليها بعين عوراء وغفل عن كثير من تجلياتها ~~وشؤونها ولوازم تنزلاتها وقد أخطأ وأساء الأدب وما رعاها حق رعايتها وهو ~~عند نفسه يعتقد أنه قد تأدب معها إذ قد جردها عن التلوث بالبدن وأقذارها ~~وكثافتها وما علم أن الجوهر النوري غير قابل للتلوث والتقذر ولا يؤثر فيها ~~الأمور التي يؤثر في الجسم كما أن السواد مثلا إذا قارن جسما يجعله أسود ~~وينفعل عنه ذلك الجسم وإذا قارن جوهرا عقليا لا يؤثر فيه ولا يجعله أسود ~~فكذلك القوة العاقلة من الإنسان إذا تجسمت وصارت بدنا إنسانيا بعد ما نزلت ~~إلى ms267 مرتبة القوى والحواس لم يقدح النقائص البدنية والأعراض الجسمية من ~~الاستحالات والتغيرات والأمراض والآفات والكثائف والأقذار في نوريتها ~~المحضة ونقاوتها الصرفة بل ينحفظ مع هذه التنزلات ذاتها وتجردها وعقليتها ~~وتقدسها عن الأمكنة والأوضاع والاستحالات والتغيرات. # ثم إن حسن المعاشيق وشمائلها التي يتراءى في ظواهر أبدانهم وتجعل العقول ~~ولها وحيارى وينقطع في محبتهم عنها الصبر والسكون ما تقول أهي مجرد أشكال ~~وألوان وتخاطيط وصفحة ملساء بلا حقيقة النفس لا أظنك إن كنت من أهل الوجدان ~~وسلامة الذوق في مرية من أن مجرد عوارض الجسم لا يمكن أن يفعل هذا النحو من ~~الأثر والتسلط على باطن العقلاء لو لا أن الهوية النورية تنزلت عن مراتبها ~~الروحانية PageV00P417 # وتكدرت ولاحت في صور الأعضاء وأشكالها المتناسبة وتخاطيطها الملائمة ~~وتسمت بالحسن والجمال فهي التي تدهش العقول والألباب وتوقع في الفتن العشاق ~~والطلاب مع أنها ضعفت بصحبة الظلمة وتكدرت بكدر الجسم لا الجسم وعوارضه ~~وكمياته ولواحقه فإنها جميعا بمعزل عن هذا التأثير في العقول لو لا مظهرية ~~البدن للقوة النطقية على نحو يسع له أن يقول من رآني فقد رأى النفس. # وكما أن من توهم أن حقيقة الإنسان مجرد البدن ومزاجه زاغ عن الحق وقصر ~~نظره على الجسم وأخلد إلى الأرض البدن غير مرتق عن هذه الهاوية المظلمة إلى ~~ما فوقها فنظر إلى حقيقة الإنسان بإحدى العينين وهي اليسرى فكذلك من ظن أن ~~حقيقته ليس إلا الجوهر النطقي بلا ممازجة البدن فقد أخطأ ونظر إليها بالعين ~~العوراء إلا أنها اليمنى. # والعارف الكامل هو الذي يكون ذا العينين من غير عمى لا في اليمنى ~~كالحشوية والمجسمية ولا في اليسرى كأتباع الفلاسفة المحرومين عن المشرب ~~العذب المحمدي وفهم ما أنزل عليه ص من القرآن المجيد الذي كان خلفه ص ~~الممنوعين يوم القيامة عن الشرب الذي يكون الأبرار يشربون من كأس كان ~~مزاجها كافورا ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا وذلك لحرمانهم عن ~~متابعة الأنبياء واستنكافهم عن الرياضات الدينية والانقيادات الشرعية ~~واستبداداتهم لعقولهم وآرائهم وذهولهم عن مشاهدة أنوار الحضرة النبوية ms268 ~~العالمة بمراتب الوجود وتنزلاته وتطابق العوالم بعضها على بعض والله يقول ~~الحق وهو يهدي السبيل. # فصل في إثبات أن النفس الإنسانية حادثة بحدوث البدن إنها لو كانت موجودة ~~قبل البدن لكانت مجردة وكل مجرد عن المادة وعوارضها PageV00P418 # لا يلحقها عارض غريب لأن عروض كل عارض غير لازم لشيء يحتاج إلى قوة قابلة ~~واستعداد سابق لحدوث ذلك العارض إما فيه كما في الأعراض والصور والنفوس ~~الحالة في الأجسام أو معه كما في الصور المجردة ذاتا وجهة القوة راجعة إلى ~~أمر يكون في ذاته قوة صرفة يتحصل بالصور المقومة له وما هو إلا الهيولى ~~الجرمانية كما حقق في مظانه فيلزم من فرض تقدم النفس على البدن اقترانها ~~به. وهذا الذي ذكرناه في هذا المقصد غير مبني على كون النفس الإنسانية ~~متفقة بالنوع فهو أولى من البيان المبتني عليه وهو أن النفس الإنسانية لو ~~كانت موجودة من قبل غير حادثة مع حدوث الأبدان لم يجز أن يكون متكثرة في ~~ذلك الوجود ولا واحدة. # أما الأول فلأن تكثر الأشياء التي لها حد نوعي أو ماهية نوعية إما من جهة ~~الماهية والصورة العقلية وإما من جهة تكثر الموضوعات أو المواد إما بذواتها ~~كتكثر الصور الامتدادية الفلكية بسبب تكثر موادها بالذات أو بحسب عوارضها ~~كثكثر الصور في المواد العنصرية المتعددة بسبب الأسباب العارضة الموجبة ~~لاختلاف المواد في الأمكنة والأزمنة المختصة بكل واحد منها في حدوثه. # وإما من جهة الفاعل أو الغاية فإن علة تكثر كل شيء إما الصورة والماهية ~~أو العنصر والمادة والفاعل أو الغاية لأن العلل منحصرة في أربعة والنفوس ~~صورتها التي هي ذاتها وماهيتها واحدة لاتحادها في النوع وفاعلها أمر واحد ~~وهو العقل الفعال فليس علة تقاسيمها وكذا الغاية أمر واحد لأنها هي تشبهها ~~بالباري وعبوديتها إياه ومشاهدتها له عند فنائها عن ذاتها واندكاك جبل ~~إنيتها وخرورها. # فإذن تكثرها ليس إلا من جهة قابل صورتها أو المنسوب إليه صورتها الذي هو ~~في حكم قابل الماهية أعني البدن وقد فرضت مفارقة عنه متقدمة عليه هذا ms269 خلف. ~~فثبت أن النفوس لو كانت موجودة بلا أبدان استحال أن يخالف نفس لنفس بالعدد ~~وهذه قاعدة كلية في كل ما له حد نوعي ومعنى واحد طبيعي وقد تكثرت نوعيته ~~بالأشخاص إنما تكثرها بالحوامل والقوابل المنفعلة عنها أو المنسوبة إليها. ~~PageV00P419 # وأما المفارق عن الحوامل والمواد مطلقا فليس من حق نوعيتها إلا الاختصاص ~~بتشخص واحد لازم. # وأما أنها لم يجز أن تكون واحدة فلأن طريان الكثرة بعد الوحدة يستحيل إلا ~~في المقادير والجسمانيات والنفس مجردة عنها. # وهم وإزاحة وليس لك أن تقول. إن ما ذكرت من استحالة تعدد النفوس المجردة ~~عن الأبدان قبل وجودها هو بعينه يلزمك في النفوس التي فارقت عن الأبدان بعد ~~تعلقها به فإنها إما أن تفسد ولستم تقولون به وإما أن يبقى متكثرة وقد ذكرت ~~أن تكثر أفراد نوع واحد غير مادي ولا متعلقة بها مستحيل. # لأنا نقول: أما تعدد النفوس بعد مفارقتها الأبدان فبوجود كل منها ذاتا ~~متفردة باقية ببقاء علتها الفياضة بعد حدوثها لأسباب متكثرة ومخصصات مادية ~~مختلفة من الأحياز والأزمنة والهيئات البدنية. # وبالجملة اختلاف أنحاء الوجودات إنما هو بنفس الوجودات فإن الوجود لكونه ~~متفاوتة الحقائق في ذاتها ليس تشخص كل من آحاده بأمر زائد على نفسه بل ~~الوجود عين التشخص. وأما تخصص كل من أفراد ماهية واحدة بنحو خاص من الوجود ~~فإنما يحتاج إلى سبب مخصص غير تلك الماهية وغير ذلك الوجود. # أما كون ذلك المخصص غير الماهية فلاتفاقها في الجميع بلا تفاوت وأما كونه ~~غير الوجود فلورود الكلام بعينه في علة تخصيص الوجود وانضمامه بهذا الفرد ~~دون غيره من الأفراد وفي لمية فيضانه عن المبدإ عليه لا على غيره مع ~~تساويهما في الماهية من غير جواب. # فإذن تعدد أفراد الماهية يحتاج إلى مخصصات خارجة عن الماهية والوجودات هي ~~أسباب حدوث تلك الأفراد وعلل تخصصاتها بأزمنة حدوثاتها دون سائر الأزمنة. # ولا يلزم من ذلك اشتراط بقاء وجودات تلك الأفراد ببقاء تلك الأسباب ~~المخصصة فإنها ليست عللا لأصل وجودات الأفراد بل هي علل لتخصيص كل ms270 واحد ~~منها بأن PageV00P420 # حدوثه ومعدات لبقائها فانعدام تلك المخصصات من المعدات لا يقدح في بقاء ~~الوجودات لو احتملت البقاء لعدم الأضداد لها. كالجواهر النطقية التي لا ضد ~~لها فبقي وجودها بعد حدوثها ببقاء علتها الفاعلية والغائية كسائر المفارقات ~~الصورية ببقاء مبدئها ومعادها فإذا بقيت النفس بعد أن وجدت بنحو خاص من ~~الوجود فلا يجوز أن يتحد مع نفس أخرى مثلها بالعدد لامتناع الاتحاد بين ~~الصورتين فيكفي نحو وجود كل موجود صوري لأن يتميز عما سواه كما علمت ومع ~~ذلك لا يخلو كل موجود عن لوازم وأمارات كالوضع والكم والزمان وغير ذلك من ~~الماديات المسماة بالأعراض المشخصة وكالماهيات النفسانية الحاصلة لكل واحد ~~من النفوس لأجل استعمال بدنها في أفعال وانفعالات نطقية بها يتميز نفس عن ~~نفس ويتميز بدن عن بدن بحسب المزاج ونحوه ولو لم يكن فيها من المميزات إلا ~~شعور كل واحدة بذاتها الجزئية لكفى في تميزها عن غيرها فضلا عن الهيئة ~~المكتسبة التي يسمى بالعقل بالفعل وهي في كل واحدة على حد خاص لا يوجد في ~~غيرها وعن الملكات والأخلاق الخاصة الحاصلة فيها من جهة القوى البدنية وعن ~~أمور أخرى تخفى علينا يلزم النفوس عند حدوثها وبعده بقيت الأبدان أو لم ~~يبق. # طريقة أخرى لو كانت النفس قبل البدن فلا يخلو إما أنها كانت بحسب جوهرها ~~عقلا صرفا ثم عرضت لها النفسية أو كانت نفسا دائما وكلاهما ممتنع. # ففي الأول يلزم في عالم العقلي حدوث صفة وسنوح حالة لم يكن من قبل وفي ~~الثاني يلزم كونها معطلة ولا معطل في الوجود. # فصل في أن النفس الإنسانية لا تموت بموت البدن لأن كل شيء يفسد بفساد شيء ~~آخر فهو متعلق به نوعا من التعلق إذ كل أمرين PageV00P421 # ليس بينهما تعلق ذاتي وارتباط عقلي فلا يوجب فساد أحدهما فساد الآخر. ~~والتعلق الذاتي بين الشيئين إما بعلية أحدهما أو بمعلولية المعبر عنهما ~~بالتقدم والتأخر وإما بمعلولية الجميع المعبر عنهما بالمعية والتكافؤ في ~~الوجود فإن كان البدن متقدما على النفس أي علة لها ms271 والعلل أربع فإما أن ~~يكون فاعلا للنفس معطيا لها الوجود أو قابلا لها أو صورة أو غاية أما الأول ~~فهو ممتنع إذ الجسم بما هو جسم لا يفعل فعلا مخصوصا وإلا اشتركت الأجسام في ~~ذلك الفعل وإنما يفعل الجسم ما يفعل بقواه لا بذاته وإذا فعل فعلا بقواه ~~الجسمانية أعراضا كانت أو صورا مادية فلا يفعل وجود ذات قائمة بنفسها لا في ~~مادة ووجود جوهر مطلق. # فالبدن بقواه البدنية لا يفعل جوهر النفس كيف وكون البدن بدنا أي جسما ~~قابلا لتصرف النفس إنما هو بكونه محلا لآثار النفس وأنوارها الفائضة عنها ~~عليه. # وأما الثاني أي كون البدن علة مادية سواء كانت على سبيل التركيب كالعناصر ~~للبدن أو على سبيل البساطة كالنحاس للصنم فهو أيضا ممتنع إذ النفس ليست ~~منطبعة في البدن بحسب ذاتها لما برهنا عليه فلا يكون البدن مصورا بصورة ~~النفس بشيء من الوجهين. # نعم صورة البدن في الحقيقة هي قوة عن النفس وتعلق وتصرف منها أي النفس من ~~حيث التصرف والتحريك وبهذا الاعتبار يكون أمرا ماديا يبحث عنه في الطبيعيات ~~لا بحسب ذاتها العقلية التي هي شعلة ملكوتية من نار الله المعنوية المسماة ~~بالعقل الفعال وسنعود إلى ذكره من طريق النفس. # وأما الثالث والرابع وهو كون البدن صورة أو كمالا لها فهو أيضا مستحيل بل ~~الأقرب أن يكون الأمر بالعكس على الوجه الذي أشرنا إليه. PageV00P422 # وأما المعية بينهما فلا يخلو إما أن يكون أمرا ذاتيا لهما أو أمرا عرضيا ~~فإن كان الأول لزم أن يكون تصور كل منهما مع تصور الآخر وليس كذلك لأنهما ~~ليسا من باب المضاف. # وإن كان الثاني ففساد أحدهما إنما يوجب فساد ما هو العارض للآخر من ~~الإضافة إليه لا فساد ذات الآخر بذاته بل فساده من حيث هذا التعلق. # فالحق أن البدن ومزاجه علة للنفس بما هي نفس أي متعلقة وليست علة بالذات ~~لجوهرية النفس وذاتها. # ووجه كونها علة بالعرض وشرطا لوجود النفس في ذاتها أن العلة الفائضة لو ~~صدرت منها نفس لكان ms272 إما واحدا أو اثنين أو غيره من الأعداد إلى غير النهاية ~~في كل لحظة وجميع هذا ممتنع إذ ليس عدد أولى من عدد فلا ترجيح في الأعداد ~~ولو اقتصر على واحد فلا مخصص للواحد فإن إمكان الثاني منه كالأول فلما لم ~~يترجح إمكان الوجود على إمكان العدم بقي العدم مستمرا إلى أن استعدت النطفة ~~أن يكون آلة للنفس تشتغل بها فصار وجودها أولى من عدمها واختص عددها بعدد ~~النطف المستعدة في الأرحام وهذا شرط لابتداء ترجيح الوجود على العدم فبعد ~~الوجود يكون بقاؤه بعلته لا بالمرجح. # ومن سبيل آخر نقول: إن النفس المجردة لها وجود للبدن ولها وجود لذاتها ~~والبدن علة قابلية لوجودها له لا لوجودها لذاتها اللهم إلا بالعرض. فإنه ~~إذا حدثت مادة بدنية ذات كيفية مزاجية صالحة لأن يكون آلة للنفس ومملكة لها ~~أحدث الباري الجواد باستخدام بعض الملائكة المقربين المفارقين عن عالم ~~المواد والقوى بالكلية النفس الجزئية التي هي صورة للبدن ومبدأ لأفاعيل ~~إنسية وأخلاق وتدابير بشرية مؤيدة بروح القدس لأن تلك التدابير لا يتم إلا ~~بجوهر قدسي له تعقلات كلية. # فالبدن باستعداده يستدعي صورة مادية وجود المبدإ الواهب الفياض أفاض عليه ~~كلمة عقلية ولطيفة ملكوتية فوق ما يستدعيه بلسان استعداده من باب الاستجرار ~~والاستتباع فيكون البدن علة قابلية لجوهر النفس بالعرض لا بالذات. # وقد شبهوا البدن بشبكة يقتنص بها النفس المجردة التي هي من طيور سماوية ~~PageV00P423 # محبوسة في أقفاص الأجرام الأرضية فبعد وقوع طير النفس في الوجود بواسطة ~~الشبكة لا يحتاج في بقائها إلى بقاء الشبكة. # طريقة أخرى اعتمدها صاحب التلويحات وغيره من المحققين وهي أن النفس ~~بالفعل موجودة ولها بالفعل أن يبقى وكل ما هو موجود بالفعل وله أن يبقى ~~فليس له بالقوة أن تبطل إلا أن تركب ذاته من شيئين كمادة وصورة لأن البقاء ~~والزوال متنافيان لأن أحدهما نوع من الوجود والآخر نوع من العدم وكذا ~~الفعلية والقوة نوعان من الوجود والعدم. # فالنفس لو جاز عليها البطلان فلزم أن يكون لها قوة بطلان ولا ms273 يكون قوة ~~بطلانها فيها لأنها أمر بسيط صوري وهي بالفعل من جهة ذاتها ولا يتصور أن ~~يكون شيء بسيط هو بالفعل في ذاته وهو بالقوة فإذن قوة بطلانها لو فرض يجب ~~أن يكون في قابل لها ففيه قوة وجودها وقوة عدمها كما في القوابل الصور ~~والأعراض المادية والنفس قد علمت أنها مجردة ذاتا لا قابل لذاتها والبدن ~~قابل لتصرفاتها وتدابيرها فيه فلا يتصور أن يكون لها قوة بطلان أصلا لا في ~~ذاتها ولا في غيرها إنما لها قوة بطلان وجودها الرابطي كما أن لها قوة ~~وجودها التعلقي وهي استعداد البدن بمزاجه لتعلقها به وكونها مستعملة له ~~حافظة لمزاجه ثم استعداده لقطع تعلقها عنه وترك استعمالها إياه لأجل فساد ~~مزاجه وانحلال تركبه وانهدام بنائه كما قيل شعرا: # جان قصد رحيل كرد گفتم كه مرو * گفتا چكنم خانه فرو مىآيد بحث وتحقيق ~~وربما اختلج ببالك أن المفارقات لما كانت ممكنة الوجود وكل ممكن الوجود ~~فلها قوة PageV00P424 # وجود وقوة عدم وقد قررتم أن الأمر الوحداني الذي صورته ذاته من غير قابل ~~ليس له قوة وجود وعدم فاعلم أن الإمكان وإن كان بمعنى واحد يقع على المبدع ~~والكائن لا كما زعمه قوم من أن معنى الإمكان في المفارقات كونها بحيث عدمت ~~متى عدمت علتها لأنه غير صحيح كما لا يخفى لكن الإمكان فيها ليس حال وجودها ~~الخارجي بل حال ماهيتها بحسب اعتبارها من حيث هي هي معراة عن الوجود ~~والعدم. # وهذا الاعتبار ليس مطابقا لما في نفس الأمر لأن ما في نفس الأمر هو ~~الفعلية والوجوب لا القوة والإمكان فلا يوجب هذا التعري عن الوجود والعدم ~~في هذه الملاحظة مع ضرورة التلبس بالوجود وفعليته بحسب الواقع التركيب ~~الخارجي المنافي لبساطتها بل إنما يوجب أن يكون لها بحسب اعتبار العقل ~~إياها معراة عن الوجود ومقابله شيئا شبيها بالمادة وهو المسمى بالماهية عند ~~الحكماء التي لا فعلية لها بحسب ذاتها بذاتها من غير اعتبار الواقع ~~كالهيولى الخالية عن الصور بحسب حالها الخارجي. # وبالجملة كون الشيء ذا ms274 ماهية قابلة للطرفين الوجود والعدم يوجب انقسام ~~الذهني وكون الشيء ذا قوة الوجود والعدم بحسب الواقع يوجب انقسام الخارجي ~~من مادة وصورة خارجيين. # فالجوهر المفارق عقلا كان أو نفسا إمكان ماهيتها لا يوجب كونه صورة لمادة ~~خارجية إنما يلزم ذلك لو كان له قوة وجود وعدم في الواقع وقد علمت أنه ليس ~~كذلك. # أما المفارقات العقلية فهي إبداعيات محضة غير متعلقة بغيرها لا في ذاتها ~~ولا في فعلها. # وأما النفوس الناطقة فهي أيضا غير متعلقة الذات بغيرها فليس لذواتها قوة ~~وجود ولا عدم بحسب القصد الأول وبالذات بل لتصرفاتها وأفاعيلها التدبيرية ~~دون التعقلية قوة وجود وعدم في مواد أبدانها. # وتوضيح ذلك أن البدن لما استدعى بحسب قوته واستعداده لوجود نفس مدبرة له ~~متصرفة فيه ويلزم من وجود مدبر في غيره وجود ذات ذلك المدبر في ذاته إذ ~~الوجود الرابطي لا ينفك عن وجود الشيء في نفسه سواء كانا واحدا بعينه ~~بالذات كما في العرض والصورة القائمة بالمحل فإن وجود PageV00P425 # الحال في نفسه هو وجوده لمحله بلا تعدد أو لم يكونا كذلك كما في ما نحن ~~فيه حيث إن نفسية النفس للبدن لا ينفك عن وجودها في نفسها من غير عكس لأنه ~~جوهر مباين والجوهر المباين لا يلزم من انتفائه عن الشيء أن يكون في ذاته ~~منتفيا بخلاف العرض والجوهر المقارن حيث يلزم من وجوده لشيء وجوده في نفسه ~~بل الوجودان هناك واحد بلا تغاير ويلزم من انتفاؤه لمحله أن يكون في ذاته ~~منتفيا بل الانتفاء أن فيه واحد بلا تعدد لأن وجود الحال وعدمه في نفسه هما ~~وجوده وعدمه في قابله. مثلا وجود السواد لك يلزمه أن يكون له وجود في نفسه ~~وكذا عدمه منك يلزمه أن يكون معدوما في نفسه والأمر المباين ليس كذلك عدما ~~بل وجودا فقط مثلا وجود الفرس لك يلزمه أن يكون موجودا في نفسه ولكن عدمه ~~منك لا يلزم أن يكون معدوما في نفسه وذلك لأنه جوهر مباين. فإذا كان في ~~البدن استعداد أن يكون ms275 له نفس وفيه استعداد أن لا يكون له نفس كما عند ~~الأجل فيلزم في الأول وجود النفس له ووجود النفس في ذاتها ويلزم في الثاني ~~فقد النفس عنه ولا يلزم انتفاءها في ذاتها فيبقى ببقاء علتها لأن كل شيء ~~يكون صورته ذاته من غير قابل مستعد لوجود النفس وعدمه وكانت علته علة ~~مفارقة عن الأجسام والمواد باقية في ذاتها فياضة على ما تحتها كان ذلك ~~الشيء الصوري باقيا ببقاء علته الفياضة. # وبالجملة لا يلزم من كون شيء لوجوده مدخل في وجود شيء آخر أن يكون لعدمه ~~مدخل في عدم ذلك الشيء. # واعتبر بآلات ذوي الصنائع الجزئية وبأفكار المهندسين وغيرهم فإن لها ~~مدخلا في وجود الصور الحسية والعقلية للموضوعات المادية أو النفسية ثم ~~ينتفي الآلات والوسائط ويبقى الصور ببقاء فاعلها الحقيقي. # هدم تنبيهي وإذا حققت الأمر على ما قررناه من أن الإمكان بمعنى واحد يقع ~~على الاستعدادات وغيره إلا أن الفرق بحسب الموضوع علمت ضعف ما ذكره شيخ ~~الإشراق من قوله: PageV00P426 # وأصلح ما يجاب به هاهنا أن القوة في الكائنات الفاسدات ليس معناه الإمكان ~~الذي هو قسيم ضرورة الوجود والعدم وإن كان هذا معنى واحدا يقع على الدائم ~~وغير الدائم بل هذه القوة الاستعدادية التي لا يجتمع مع وجود شيء والأمور ~~الدائمة لا يتقدمها استعداد أصلا. # والنفس الناطقة وإن كان لها استعداد في المادة التي يترجح وجودها على ~~عدمها باعتبار ذلك الاستعداد فإنها لا يلزم أن يكون لها استعداد عدمه فيها ~~إلى هاهنا كلامه وفيه ما لا يخفى من الوهن فإن كون الإمكان متقدما على ~~وجوده زائلا غير مجامع للوجود وفي المبدع مجامعا للوجود غير زائل بحسب ~~الماهية لا يوجب كونه مختلف المعنى والذات في المبدع والكائن بل له معنى ~~واحد يعرض له اختلاف فإن التنافي بين الإمكان والفعلية هاهنا بحسب الواقع ~~وهناك بحسب الاعتبار. # وكون الاستعداد موجودا في الخارج على ما حكموا به معناه اتصاف المادة به ~~بحسب حالها الخارجي حين اتصافها بكيفيات استعدادية مقربة للمعلول بالعلة ~~الفاعلية كما يقال: ms276 الحركة موجودة في الخارج مع أنهم فسروها بكمال ما ~~بالقوة من حيث هو بالقوة فليس معنا وجودها إلا اتصاف الموضوع بها في الخارج ~~عند توارد أسباب الوصول إلى المطلوب عليه. # وتعاقب الأمور المقربة إياة مما يقع إليه السلوك والسالك إلى الشيء ما ~~دام كونه سالكا إليه لا يحصل له ذلك الشيء بل السالك إلى الشيء من حيث كونه ~~سالكا ومتحركا إلى الشيء ليس بنفسه شيئا من الأشياء فمعنى كونه متصفا ~~بالحركة في الخارج أن له ذاتا في الخارج عادمة لكمال من شأنه الاتصاف عن ~~قريب وكذا معنى كون الشيء مستعدا أنه عادم صفة من شأنه التلبس بها كذلك ~~وربما فرقوا بين القوة والاستعداد بوجهين أحدهما أن القوة قد يكون بعيدا ~~وقد يكون قريبا والاستعداد لا يكون إلا قريبا ولهذا لا يقال للطفل الصغير ~~أو الجنين إنه مستعد للكتابة بل يقال إنه كاتب بالقوة. # وثانيهما أن القوة قوة للضدين والأشياء الكثيرة والاستعداد لا يكون كذلك ~~PageV00P427 # كالهيولى الأولى فإنها بالقوة بالقياس إلى جميع الصور والهيئات وليست ~~مستعدة إلا لجانب واحد من الطرفين ولبعض مخصوص من الأشياء فإن الاستعداد ~~يلزمه تلبس المادة بصورة خاصة وهيئة مخصوصة. # والحاصل أن الإمكان مفهوم واحد في الجميع إلا أن أفراده مختلفة لا بالذات ~~بل بحسب أمور خارجة عن معنى الإمكان والاختلاف في الخارجيات لا ينافي ~~الاتفاق في معنى الذات فإن الاختلاف بين أفراد الإمكان أما في الموضوع فإن ~~موضوع الإمكان في الإبداعيات هو الماهية من حيث هي هي وفي الكائنات محل ~~المتشخص وأما في الوجود فإن الإمكان هناك كيفية نسبة الشيء إلى الوجود ~~لنفسه وهاهنا هو كيفية نسبة الشيء إلى الوجود الرابطي وأما في ظرف الاتصاف ~~فإن ظرف الاتصاف بالإمكان الذاتي هو اعتبار الذهن حين أخذ الماهية مطلقة من ~~غير تقييدها بالوجود والعدم وظرف الاتصاف بالإمكان الاستعدادي هو الخارج. # فصل تذكر فيه استبصارات لهذا الباب أولها أن وقت النوم يضعف البدن وضعفه ~~لا يقتضي ضعف النفس بل النفس تقوى وقت النوم فيشاهد الأحوال ويطلع على ~~المغيبات فإذا ms277 كان ضعف البدن لا يوجب ضعف النفس بل تقويتها فهذا يقوي الظن ~~في أن موت البدن لا يستعقب موت النفس. # وثانيها أن كثرة الأفكار سبب لجفاف الدماغ وجفافه معد إلى الموت وهذه ~~الأفكار سبب لكمال النفس بالمعارف الإلهية وهو غاية لكمال النفس فما هو سبب ~~لكمال النفس فهو سبب لنقصان البدن وفساده وهذا يؤكد الظن في أن النفس لا ~~يموت بموت البدن. PageV00P428 # وثالثها أن أحوال النفس أضداد أحوال البدن وذلك لأن النفس إنما يفرح ~~ويبتهج بالمعارف الإلهية كما يدل عليه الوجدان وقوله تعالى: ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب. # وقول النبي ص: أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ولا شك أن ذلك الطعام والشراب ~~ليس إلا عبارة عن المعرفة والمحبة والاستنارة بأنوار عالم الغيب وأيضا ~~الإنسان بسبب الاستبشار بأمر عظيم كالفوز بخدمة السلطان وبالوصول إلى خدمة ~~معشوق ينسى الطعام والشراب بل لو كلف لوجد من قلبه نفرة شديدة منه ~~والعارفون المتوغلون في معرفة الله قد يجدون من أنفسهم أنه إذا لمحت لهم ~~شيء من تلك الأنوار لم يحسوا البتة الجوع والعطش. # وبالجملة فالسعادات النفسانية كالمضاد للسعادات الجسمانية وكل ذلك يغلب ~~على الظن بأن النفس مستقلة بذاتها لا تعلق لها بالبدن ومتى كان كذلك وجب أن ~~لا يموت بموت البدن. # ذكر تنبيهي ومما يدل على بقاء النفس بعد فساد البدن اتفاق أصحاب الشرائع ~~والملل على ذلك إذ ما من ملة إلا وفيها وعد ووعيد أخرويان في الأفعال ~~والأعمال الحسنة والقبيحة. # ويدل عليه أيضا فعل الأنبياء ص وخلفائهم ومن يرى مثل رأيهم من الفلاسفة ~~والبراهمة لأنهم يتهاونون بأمر الأجساد إذا انبعث النفوس وإنما يرون أن هذه ~~الأبدان المظلمة الكثيفة حبس النفوس أو الحجاب لها ويرون أن هذه الأجساد ~~بمنزلة البيضة للفرخ والمشيمة للجنين والدنيا بمنزلة الرحم والطبيعة حاضنها ~~والنفوس هي بمنزلة النطف الدافقة من صلب القضاء الإلهي في أرحام الطبائع ~~والموت الطبيعي هو الولادة المعنوية للنفوس في النشأة الآخرة وملك الموت هي ~~قابلة الأرواح PageV00P429 # وداية النفوس والقبر هو المهد الذي يتربى فيه الأطفال ما ms278 دامت ناقصة ~~الحياة غير قادرة على تمام الحس والحركة الأخروية فيستعد فيه للحياة التامة ~~والنهوض للأفعال الاختيارية كذلك النفوس ما دامت هي مقبورة غير تامة. # فالنفس بحسب الغريزة تشفق على البدن ما لم تستتم له الخلقة ولم يستكمل ~~الصورة فإذا تمت الخلقة وكملت الصورة تهاونت به بحسب الفطرة التي فطرت ~~عليها ولا يبالي انشقت البيضة أو انخرقت المشيمة إذا سلم الفرخ أو الطفل. # فهكذا حال النفوس مع الأجساد إنما تشفق على الجسد وتصونه ما لم يتفطن ~~تفطنا غريزيا بأن لها وجودا خلوا من الجسد وذلك الوجود خير وأبقى وألذ ~~وأقوى من هذا الوجود والبقاء الذي لها مع هذا الجسد فإذا استتمت النفس ~~وكملت صورتها الفعلية وانتبهت من هذا النوم واستيقظت من هذا الغفلة الجسمية ~~وأحست بغربتها في هذا العالم الدنياوي وأنها أسيرة في يد الطبيعة غريقة في ~~بحر الهيولى تائهة في قعر الأجسام مبتلاة بخدمة الأبدان مغرورة بزينة ~~المحسوسات الشهوية التي هي لهو ولعب والغضبية التي هي تفاخر وتكاثر في ~~الأموال وبانت لها حقيقة ذاتها وعرفت فضيلة جوهرها معرفة إجمالية وإن كانت ~~في غاية الخفاء ونظرت إلى عالمها وشاهدت الروحانية عند إدراكها العقليات ~~وأقلها الأوليات هانت عليها مفارقة الجسد ومزايلة البدن. # ومن تأمل في حال بدن الإنسان ومراتب انقلاباته واستحالاته من جهة أنه ~~كلما قوي نفسه ضعف بدنه وأنه كلما تدرجت نفسه في الاستكمال من لدن بلوغه ~~إلى شيخوخته تدرج بدنه في الانتقاص والاضمحلال لعلم يقينا أن النفوس متوجهة ~~بحسب الغريزة إلى عالم آخر إليه رجوعها ومنتهاها وإن غفل عن هذا التوجه ~~العقلي والسلوك الأخروي أكثر الناس إلا أنه مركوز في طبيعة الجميع مفطور ~~عليه فطرة PageV00P430 # الكل كما يدل عليه قوله تعالى: إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم وآيات ~~كثيرة في هذا المعنى. # ومما يدل أيضا على بقاء النفوس وأن صلاحها بتلف الأجساد فعل موسى ع وعيسى ~~ع وغيرهما من الأنبياء ع وذلك أن موسى قال لأصحابه وأتباعه: فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا أنفسكم يعني هذه الأجساد بالسيف لأن جوهر ms279 النفس لا يناله ~~الحديد. # وقال عيسى ع للحواريين: إذا فارقت هذا الهيكل فأنا واقف في الهواء عن ~~يمين العرش بين يدي أبي وأبيكم أشفع لكم فاذهبوا إلى الملوك في الأطراف ~~وادعوهم إلى الله تعالى ولا تهابوهم فإني معكم حيث ما ذهبتم بالنصر ~~والتأييد لكم. # وإلى هذا المعنى أشار إبراهيم ع: و اجعلني من ورثة جنة النعيم. # ويوسف ع يقول: رب قد آتيتني من الملك و علمتني من تأويل الأحاديث فاطر ~~السماوات و الأرض أنت وليي في الدنيا و الآخرة توفني مسلما و ألحقني ~~بالصالحين. # وإليه أشار سيدنا ص: إنكم تردون علي الحوض وأحاديث كثيرة مروية مشهورة ~~عند أصحاب الحديث. # وإليه أشار بقوله: و الله يدعوا إلى دار السلام و يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم. # وآيات كثيرة قرآنية في هذا المعنى وهي كل آية فيها وصف الجنان ونعيمها ~~وأهلها ووصف الجحيم وعذابها وزقومها وحميمها وأهلها. ومما يدل عليه أن أهل ~~بيت نبينا ص كانوا يعتقدون هذا الرأي تسليم أجسادهم إلى القتل بكربلا ~~اختيارا ورضا ولم يرضوا أن ينزلوا على حكم يزيد وابن زياد لعنة الله عليهما ~~إلى يوم القيامة وصبروا على الطعن والضرب والعطش حتى فارقت نفوسهم أجسادهم ~~وارتفعت ملكوت السماء ولقوا آباءهم PageV00P431 # الطاهرين محمدا وعليا ع وحمزة رحمة الله عليه وجعفرا رحمة الله عليه ~~والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم في ساعة العسرة. # ومما يدل على أن الفلاسفة الحكماء ترون هذا الرأي ويعتقدونه تسليم سقراط ~~جسده إلى التلف وتناوله السم اختيارا منه وله قصة طويلة معروفة مذكورة في ~~كتاب فاذن فمما ذكر فيه أنه لما تناول شربة السم بكى من حوله من الحكماء ~~والفلاسفة حزنا عليه فقال لهم: لا تبكونى فإني وإن كنت أفارقكم إخوانا ~~حكماء وفضلاء فهو ذا أذهب إلى إخوان لنا فضلاء كراما إلهيين قد تقدمونا ~~فلان وفلان وعد جماعة من الحكماء الذين كانوا قبله فقالوا: إنا نبكي على ~~أنفسنا حين نفقد أبا حكيما مثلك. # ومما يدل أيضا قول أفلاطون الإلهي في بعض حكمه: لو لم يكن لنا معاد ms280 نرجو ~~فيه الخير لكانت الدنيا فرصة الأشرار. # وقال أيضا: نحن هاهنا غرباء وأسراء الطبيعة وجوار الشيطان أخرجنا من ~~عالمنا بجناية كانت من أبينا آدم ع وكلام نحو هذا. # ومما يدل على أن أرسطاطاليس صاحب المنطق كان يرى ويعتقد هذا الرأي كلامه ~~في الرسالة المعروفة بنفحات وما تكلم به حين ما حضرته الوفاة وما احتج به ~~من فضل الفلسفة وأن الفيلسوف يجازي على فلسفته بعد مفارقة نفسه جسده. وهذه ~~الرسالة موجودة اليوم عندنا. # ومما يدل على أن فيثاغورس صاحب العدد وهو من أفاضل الفلاسفة رأى هذا ~~الرأي هذا كلامه في الرسالة المعروفة بالوصايا الذهبية وهي أيضا موجودة ~~عندنا. # وفي وصية لديوجانس قوله في آخرها: فإنك عند ذلك إذا فارقت هذا البدن حتى ~~تصير مخلى في الجو تكون حينئذ سائحا غير عائد إلى الإنسية ولا قابلا للموت. # وإنما استشهدنا بأقاويل الحكماء ووصاياهم بعد أفعال الأنبياء ع وشرائعهم ~~لأن في الناس أقواما من المتفلسفين لا يعرفون من الشريعة إلا رسمها يتصدرون ~~ويتكلمون بما لا يحسنون ويتناظرون فيما لا يدرون فيناقضون تارة الفلسفة ~~بالشريعة وتارة الشريعة بالفلسفة فيقفون في الحيرة والشكوك فيضلون ويضلون ~~وهم لا يشعرون. PageV00P432 # ومن الشواهد أن طريقة الأنبياء والأولياء الذين اتفق الجمهور من العقلاء ~~على فضيلتهم وشرف نفوسهم هي الزهد والتقوى والإعراض عن الدنيا والإقبال على ~~الآخرة كمال قال الله تعالى: # و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا و خير أملا. # ومن أراد ذلك فليطالع الكتب المشتملة على شرح أحوالهم وطريقتهم سيما ~~طريقة أفلاطون وسقراط وفيثاغورس. # وأما أرسطاليس فاشتغاله بوزارة إسكندر وجمع مال كثير عنده لمصلحة سياسة ~~يراها في نشر الحكمة وبث المعرفة وإفاضة الخيرات ومع هذا جعل أستاده ~~أفلاطون الإلهي الذي غلب عليه أحكام الوحدة والتقدس والخلوة مع الله تعالى ~~والإعراض بالكلية عن عالم المحسوسات ذلك عارا عليه وعيبا. # فلو لم يكن النفس باقية بعد الموت لكان إطباق الفرق الثلاثة الأنبياء ~~والأولياء ص والحكماء رضي الله عنهم في تهجين حب الدنيا وتحسين طلب الآخرة ~~باطلا وطريق الكفرة والدهرية والملاحدة في ms281 طلب الدنيا حقا. # ولما كان هذا باطلا بالضرورة وجب القطع بكون النفس باقية بعد الموت. # ومنها كون الإنسان يرى في منامه أباه وأمه ويسألهما عن أشياء وهما يذكران ~~جوابا صحيحا وربما أرشده إلى دفين في موضع لا يعلمه. # وذكر صاحب المطالب العالية أنه قيل إن الفردوسي لما صنف شاهنامج على اسم ~~سلطان محمود وأنه ما قضى حقه كما يجب ضاق قلب فردوسي عن ذلك فرأى رستم في ~~المنام فقال له: إنك مدحتني في هذا الكتاب كثيرا وأنا في زمرة الأموات فلا ~~أقدر على قضاء حقك ولكن اذهب إلى موضع الفلاني واحفر فإنك تجد دفينا فخذه ~~فكان الفردوسي يقول: إن رستم بعد موته كان أكثر كرما من محمود حال حياته. # وروى أيضا أنه كان شيخ فقيه كان إماما في الطوس يسمى بأبي القاسم ما صلى ~~على فردوسي PageV00P433 # عند وفاته بل أنكر عليه معتذرا بأنه كان في حياته يمدح ملوك الفرس وهم ~~كانوا من المجوس حتى يرى في المنام أنه يمشي في رياض الجنان بصورة حسنة ~~ووجه مضيء يتلألأ على رأسه وبدنه التاج والديباج فلما سأل عن سبب حاله قال: # فقد رحم علي وغفر لي الرحمن وأسكنني في غرف الجنان لأجل بيت واحدة من ~~شاهنامج قلت في توحيده وهو قوله: # جهان را بلندى وپستى تويى * ندانم چه اى هر چه هستى تويى يعني أن كله ~~الوجود. وهو كل الوجود. وهذه الحكاية مشهورة وقد نظمها العطار وهي مما يدل ~~دلالة واضحة على بقاء نفسه وحياتها في الآخرة. # ولا شبهة لنا في أن نفوس أهل المعرفة والإيمان بالله ورسوله والأئمة بعده ~~ع حية حياة طيبة نورية لا يقاس إليها هذه الحياة الكثيفة الظلمانية. # ومما يطمئن به القلوب في هذا الباب أن كلما له تعلق بحضرة الجلال فإنه ~~يبقى بحسب قوة ذلك التعلق وكلما له تعلق بعالم الجسم الهيولى فإنه يكون ~~سريع الدثور والفناء فالنفس الناطقة إذا أشرقت بنور المعرفة وصارت عقلا ~~بالفعل ويتقوى بتلك القوة التي لا نهاية لها وتعلقت بها وجب أن تبقى ms282 بقاء ~~مصونا عن الفساد دائما بدوام العقول في المعاد. # وأما النفوس الهيولانية الساذجة والنفوس الجاهلة العنيدة التي كفرت بأنعم ~~الله فليست لها تلك الحياة التي للسعداء وإنما لها نوعا آخر من الحياة بقدر ~~قوتها وشعورها بذاتها وصفاتها وأفعالها التي هي مبادي لشقاوة نفوس الأشقياء ~~على درجات متفاوتة وطبقات متعددة لا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى. # والأدلة النقلية في هذا الباب أكثر من أن تحصى منها قوله تعالى: و لا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله... # وفيها حجج على قوام النفس الخيرة بذاتها وحياتها قبل القيامة الأولى كما ~~في التفسير الكبير أن قوله: بل أحياء ظاهره يدل على كونهم أحياء حال نزولها ~~فحملهم على أنهم سيصيرون أحياء عدول عن الظاهر PageV00P434 # الثانية في الكبير أيضا أن جانب الرحمة أرجح من جانب العذاب والعقوبة. # ثم إنه تعالى ذكر في أهل العذاب أغرقوا فأدخلوا نارا والفاء للتعقيب ~~والتعذيب مشروط بالحياة. # وأيضا قال: النار يعرضون عليها غدوا و عشيا وإذا جعل أهل العذاب أحياء ~~قبل القيامة لأجل التعذيب فلأن يجعل أهل الثواب أحياء قبل القيامة كان ~~أولى. # الثالثة ما روى ابن عباس أن النبي ص قال في صفة الشهداء: إن أرواحهم في ~~أجواف طيور خضراء وإنها ترو من أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح في الجنة ~~حيث شاءت وتأتي إلى قناديل من ذهب تحت العرش فلما رأوا طيب مسكنهم ومطعمهم ~~ومشربهم قالوا يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعم وما صنع الله بنا ~~كي يرغبون في الجهاد فقال أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم ففرحوا بذلك ~~واستبشروا فأنزل الله هذه الآية. # وسئل ابن مسعود عن هذه الآية فقال: سألنا عنها فقيل لنا إن الشهداء على ~~نهر بباب الجنة في قبة خضراء وفي رواية: في روضة خضراء. # وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ص لأبي عبد الله: ما ذا تحب ~~فقال: يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك مرة أخرى. فالروايات في ~~هذا الباب بلغت حد التواتر فكيف يمكن إنكارها. ms283 # فصل في أن النفس الإنسانية لا يتناسخ من بدن إلى آخر في الدنيا سواء كان ~~إنسانيا وهو المسمى بالنسخ أو حيوانيا وهو المسخ أو نباتيا وهو الفسخ أو ~~جماديا وهو الرسخ نعم النفوس الإنسانية نشات مختلفة في دار أخرى غير هذا ~~الدار. وأما التناسخ بمعنى صيرورة النفس بحسب النشأة الأخروية مصورة بصورة ~~حيوانية أو نباتية أو PageV00P435 # جمادية ناقصة المراتب بحسب اختلافها الدنية وعاداتها الردية فليس مخالفا ~~للتحقيق بل هو أمر محقق عند أئمة الكشف والشهود ثابت عند أهل الحق من أرباب ~~الشرائع والملل. # ويدل عليه ظواهر النصوص من الكتاب والسنة كما في قوله تعالى: و ما من ~~دابة في الأرض و لا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب ~~من شيء. # وقوله تعالى: و جعل منهم القردة و الخنازير و عبد الطاغوت أي مسخهم ~~إليها. # وقوله تعالى: فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين يعني بعد المفارقة البدنية ~~وقوله تعالى: و نحشرهم يوم القيامة على وجوههم أي على صورة الحيوانات ~~المنتكسة الرؤس وقوله تعالى: قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا وقوله تعالى: ~~تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم بما كانوا يعملون يعني أن صورة الكلب ~~مثلا ولسانه أي صوته الذي هو بواسطة لسانه يشهد بعمله الذي هو الشر وكذا ~~غيره من الحيوانات الهالكة تشهد عليها أعضاؤها بالأفعال السيئة إلى غير ذلك ~~من آيات النسخ. # وأما ما وقع في الحديث فكقوله: يحشر الناس يوم القيامة على وجوه مختلفة. ~~أي صور مناسبة النفسانية المختلفة وكقوله: كما تعيشون تموتون وكما تموتون ~~تبعثون. # وروى أيضا: يحشر بعض الناس على صور يحسن عندها القردة والخنازير. وروى ~~أيضا عن النبي ص ما معناه: أنه يحشر من خالف الإمام في أفعال الصلاة ورأسه ~~رأس حمار فإنه إذا عاش في المخالفة التي هي عين البلاهة والحمارية تمكنت ~~فيه ولتمكن البلادة فيه يحشر على صورة الحمار. إلى غير ذلك من الأسرار ~~الإلهية والرموز النبوية الدالة على نبوة النقل على هذا الوجه في الآخرة. ~~PageV00P436 # ولذا قيل: ما من مذهب ms284 إلا وللتناسخ فيه قدم راسخ. وظني أن ما نقل عن ~~أساطين الحكمة كأفلاطون ومن قبله من أكابر الفلاسفة مثل سقراط وفيثاغورث ~~وأنباذقلس وآغاثاذيمون وهرمس المسمى بوالد الحكماء من إصرارهم على مذهب ~~التناسخ وما نقل عن أرسطاطاليس من رجوعه عن رأيه في إبطال التناسخ إلى رأي ~~أستاده أفلاطون في جوازه ما هو إلا بالمعنى الذي ذكرناه من انبعاث النفوس ~~الإنسانية الناقصة في العلم والعمل في النشأة الآخرة على صور حيوانات ~~مختلفة مناسبة لأخلاق مختلفة غلبت عليهم في الدنيا وانبعاث النفوس المتوسطة ~~فيهما أو الناقصة في العلم فقط على صور حسنة مناسبة لأخلاقهم الحسنة كما ~~سيجيء تحقيقه وذلك لبطلان التناسخ بالمعنى المشهور كما سنذكره. # وأما النفوس الإنسانية الكاملة فيهما أو في العلم (فالجميع متفقون على ~~خلاصهم عن الأبدان مطلقا سواء كانت أجساما دنياوية وأشباحا مثالية وسواء ~~كان النقل حقا أو باطلا وذلك لكونهم عقولا مستفادة منخرطين في سلك القوادس ~~المفارقة عن عالم المواد والحركات بالكلية. # إشارة تحصيلية أما بيان إبطال التناسخ بمعنى انتقال نفوس الأشقياء وغيرهم ~~من الناس إلى أجساد الحيوانات المناسبة لها في الأخلاق والأعمال من غير ~~خلاص كما ذهب إليه شرذمة قليلة من الحكماء وهم المعروفون بالتناسخية وهم ~~أقل الحكماء تحصيلا حيث ذهبوا إلى امتناع تجرد شيء من النفوس بعد المفارقة ~~لأنها جرمية دائمة التردد في أبدان الحيوانات وغيرها فهو أن تلك النفوس لا ~~يخلو إما أن يكون منطبعة في الأبدان أو مجردة وكلا القسمين محال. # أما الأول فلما عرفت من استحالة انطباع النفوس الإنسانية ومع استحالته ~~ينافي مذهبهم أيضا لامتناع انتقال الصور والأعراض من محل إلى محل آخر. # وأما الثاني فلأن العناية الإلهية مقتضية لإيصال كل ذي كمال إلى كماله ~~وكمال النفس المجردة أما العلمي فبصيرورتها عقلا مستفادا فيها صور جميع ~~PageV00P437 # الموجودات وأما العملي فبتخليتها عن رذائل الأخلاق وتحليتها بمكارمها فلو ~~كانت دائمة التردد في الأجساد من غير خلاص إلى عالم الأنوار والعقول كانت ~~ممنوعة عن كمالها اللائق بها أزلا وأبدا والعناية الأزلية يأبى ذلك. # وأما إبطال ما ذهبت ms285 إليه طائفة أخرى غير هؤلاء في باب التناسخ وهو نحوان ~~آخران أحدهما ما نسب إلى المشرقيين من أن أول منزل للنور الأسفهبدي هو ~~الصيصية الإنسانية ويسمونها باب الأبواب لحياة جميع الأبدان الحيوانية. # وهذا هو رأي يوذاسف التناسخي القائل بالأدوار والأكوار الذي قيل: إنه حكم ~~بأن الطوفان يقع في أرضها وحذر قومه بذلك وقيل: هو الذي شرع دين الصابية ~~لطهمورث الملك. # وكذا مذهب جمع ممن قبله من حكماء بابل وفارس فقالوا إن الكاملين من ~~السعداء يتصل نفوسهم بعد المفارقة بالعالم العقل وتنال من البهجة والسعادة ~~ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وأما غير الكاملين من ~~السعداء كالمتوسطين منهم والناقصين في الغاية والأشقياء على طبقاتهم فينتقل ~~نفوسهم إلى تدبير بدن آخر على اختلافهم في جهة النقل حيث اقتصر بعضهم على ~~تجويزه النقل إلى تدبير بدن آخر من النوع الإنساني لا إلى غيره وبعضهم جوز ~~ذلك لكن اشترط أن لا يكون في الحيوان إلا إلى بدن حيواني. # وبعضهم جوز النقل من البدن الإنساني إلى البدن النباتي وبعضهم إلى ~~الجمادى أيضا وإليه ميل إخوان الصفا. # وثانيهما مذهب القائلين بالنقل في جهة الصعود فزعموا أن الأولى بقبول ~~الفيض الجديد هو النبات لا غير والمزاج الأشرف الإنساني يستدعي نفسا أشرف ~~وهي التي جاوزت الدرجات النباتية والحيوانية فكل نفس إنما يفيض أولا على ~~النبات فينتقل في أنواعه المتفاوتة المراتب من الأنقص إلى الأكمل حتى ينتهي ~~إلى المرتبة المتاخمة لأدنى مرتبة من الحيوان كالنخل مثلا ثم ينتقل منها ~~إلى المرتبة الأدنى PageV00P438 # من الحيوان مترقبة منها إلى الأعلى فالأعلى حتى تصعد إلى مرتبة الإنسان ~~متخلصة إليها من المرتبة المتاخمة لها إلى المرتبة الأعلى. # فنحن نذكر حججا بعضها عاما يبطل التناسخ مطلقا وبعضها خاصا يبطل أحد ~~القسمين ليكون السالك لطريق الآخرة على بصيرة. # وأما الحجة العامة: # فهي أن النفس إذا تركت البدن لفساد المزاج وخروجه عن قبول تصرفها فلا ~~يخلو إما أن ينتقل إلى عالم العقول أو إلى عالم المثال الذي يقال له الخيال ms286 ~~المنفصل تشبيها له بالخيال المتصل أو إلى بدن حيوان من هذا العالم أو تصير ~~معطلة عن تدبير نفساني فالاحتمالات لا يزيد على أربعة والأخيران باطلان ~~فبقي الأولان أحدهما للمقربين وثانيهما لأصحاب اليمين وأصحاب الشمال على ~~طبقات من كل صنف. # أما بيان بطلان الأخيرين فأما التعطيل فلما تقرر من أنه لا معطل في ~~الوجود. # وأما التناسخ فلأنه إذا اشتغلت النفس بتدبير نطفة استعدت لقبول التأثير ~~والتدبير واستحقت لإفاضة النفس عليه من الواهب العقلي الذي هو مبدأ النفوس ~~والصور على كل قابل مستحق استحقاقا بالطبع لا بالجزاف والاختيار فيؤدي ذلك ~~إلى أن يجمع لبدن واحد نفسان وهو محال. فإن استعداد النطفة لقبول نور النفس ~~من واهب الصور يجري مجرى استعداد الجدار لقبول نور الشمس على الاستقامة إذا ~~رفع الحجاب عن وجهه فإذا كان عند ارتفاع الحجاب ثمة جسم صقيل ينعكس منه نور ~~الشمس الواقع عليه إلى ذلك الجدار أشرق عليه النوران الشمسيان الاستقامي ~~والانعكاسى ولا يمنع النور الانعكاسى وقوع النور الاستقامي عليه فكذلك ~~انتقال النفس المستنسخة إلى نطفة مستعدة لا يمنع فيضان النفس الابتدائية ~~فيلزم ما ذكرناه من اجتماع النفسين في بدن واحد وهو مستحيل لامتناع كون ~~الشيء ذا ذاتين أعني ذا نفسين وما من شخص إلا وهو يشعر بنفس واحدة له ~~فالتناسخ مطلقا ممتنع. PageV00P439 # وأما عدم تسليم فيضان النفس من الواهب إلى بدن الإنسان كلية على الاطراد ~~مستندا بأن نفوس النبات انتقل إلى الحيوانات ثم صعدت ما تخلص منها إلى رتبة ~~الإنسان ففي غاية السقوط لأن استعداد النبات بمزاجه إذا استدعى نفسا ~~فاستعداد الإنسان لمزاجه الأشرف الأكمل لها أولى. # لا يقال: إن مثل هذه الأولويات في عالم الحركات والاتفاقات غير مسموعة ~~فإن لبعض الأشياء أسبابا قدرية غائبة عن شعورنا ولو اتفق الناس على أن ~~يعرفوا أن المقناطيس بأي مزاج استعد لقوة الجاذبة للحديد لم يمكنهم. فليس ~~لأحد أن يقول: إذا استعد مزاج المقناطيس لجذب الحديد فمزاج الإنسان أولى ~~لجذبه لأنه أشرف وذلك لخفاء المرجح. # لأنا نقول: المزاج الأشرف الأكمل يستدعي النفس ms287 الأشرف الأكمل وتفاوت ~~الشرف في الوجود بحسب تفاوت البراءة عن القيود الهيولانية فكلما كان أشد ~~براءة من عوارض الجسمية والمادية فهو أقرب إلى منبع الوجود الخالي عن القوة ~~والنقص وجذب الحديد ليس من مراتب الشرف والقرب من العالم الأعلى ليكون في ~~الإنسان الذي هو أقرب من الجماد إلى التجرد عن المادة أولى. # فإن قالوا: إن المزاج الأشرف إذا استدعى النفس الأشرف فهي التي جاوزت ~~الدرجات النباتية والحيوانية. # قلنا: هذه دعوى بلا بينة فإن نفوس الأفلاك شريفة في الغاية ولم ينتقل ~~إليها من النبات والحيوان نفس ولو سلم فالنفس الإنسانية الحادثة بحدوث مزاج ~~الإنسان من لدن كونه منيا إلى أن يبلغ مرتبة الإنسان قد صادفت الدرجات ~~النباتية والحيوانية على نحو استكمال طبيعي حاصل في كلا الجانبين المادة ~~والصورة معا وهذا هو التحقيق في الاستكمالات الإنسانية بحسب أطوارها ~~السابقة على ولادة الشخص لا على ما هو المشهور من أن هناك كونا وفسادا من ~~صورة إلى صورة المتباينة الوجود فإن ذلك غير صحيح كما أشرنا إليه سابقا من ~~استحالة تفويض أحد الفاعلين الطبيعيين تدبيره إلى الفاعل الآخر على قياس ~~تفويض أحد الصانعين المختارين فعله إلى الآخر. # ولا يخفى PageV00P440 # على ذوي الألباب أنه كما استحال انتقال الفعل الطبيعي عن أحد الفاعلين ~~الطبيعيين إلى آخر كذلك استحال انتقال الفاعل الواحد عن فعله الطبيعي إلى ~~فعل طبيعي مباين للأول من غير جهة اتحاد طبيعي بينهما وهو المعنى بالتناسخ ~~فيكون محالا. # ولأصحاب النقل متشبثات فينبغي إيرادها وردها ليكون السالك على طمأنينة في ~~إبطال التناسخ: # منها أن احتياج النفوس إلى الأبدان لأنها أي النفوس ناقصة بالقوة بحسب ~~أصل الفطرة ولا شك أن العصاة من الأمم الشقية الجاهلية التي كفرت بأنعم ~~الله صارت أنقص والحس مما كانت في أوائل فطرتها فهي أشد احتياجا وأقوى ~~انجذابا إلى المواد البدنية مما كانت. # وهذه الشبهة مما ذكرها بعض أهل الحق ولم يقدر على حلها. # ومما ألقي في روعي هو أن كل نفس وإن كانت في أول كونها بالقوة في جميع ~~الأشياء من ms288 الكمالات الحسية والخيالية والعقلية ولذلك لم يقم بلا مادة ~~بدنية كما قالوا إلا أنها في مدة كونها في البدن اكتسبت أخلاقا وعادات ~~وآراء وملكات شريفة أو خسيسة فصارت بالفعل بعد كونها بالقوة إما في سعادة ~~أخروية ذلك إذا اقتنت ملكات فاضلة وعادات حسنة فصارت بالحقيقة من جنس ~~الملائكة لأنها من أهل الخير وانخرطت في سلكهم. # وإما في شقاوة أخروية وذلك إذا اقتنت ملكات رذيلة وعادات قبيحة فتشبهت ~~بالشياطين لأنها من أهل الشر والفساد. وبالجملة فالنفوس التي كانت في أول ~~تكونها قابلة محضة متعلقة بالهيولى صارت بحسب اكتساب الصفات المستقرة التي ~~هي الملكات النفسانية مخرجة من القوة إلى الفعل فغلبت عليها أما النورية ~~والملكية فتلتذ بمجاورة الملائكة ومنادمتهم وهي من السعداء وأما النارية ~~والشيطانية فيتأذى بمجاورة الشيطان وأهل النار وذلك بما كسبت قلوبهم. # وسبب التأذي أن هذه الأخلاق الردية والعادات البدنية كلها مؤذية مؤلمة ~~بحسب الحقيقة وإنما لم يقع الإحساس بأذيتها لأجل سكر الطبيعة وغمور النفس ~~في اشتغال البدن فإن العداوة والبغضاء والحسد والنفاق والعجب ونظائرها من ~~PageV00P441 # الملكات الشرية كلها نيرانات محرقة للقلوب وشعلات مؤلمة للنفوس وهذه ~~النيرانات التي ظهرت في النشأة الآخرة هي بعينها موجودة في نفوس الأشرار ~~وإنما لم يحسوا بها لأنها لا تدرك نحو وجودها وظهورها بهذه الحواس والمشاعر ~~الدنياوية فإن لكل حقيقة في كل نشأة ظهورا خاصا ومشعرا مخصوصا لإدراكه فكما ~~أن الأمور العقلية والخيالية والوهمية لا يدرك بعينها بالحواس الظاهرة ~~فكذلك الأمور الأخروية لا يدرك بهذه الآلات فإن نار النشأة الآخرة وإن كانت ~~موجودة بالفعل لا يمكن مشاهدتها بهذه الباصرة الدنياوية ولا التألم بعذابها ~~بهذه اللامسة الأولية بل يخلق الله تعالى للنفوس الشقية باصرة أخرى يتهيأها ~~لمشاهدة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ولامسة أخرى لملامستها ~~المؤذية والتألم بفظاعتها وسامعة أخرى لاستماع أصواتها الهائلة والمولمة. # وجملة القول في الجواب أن مرتبة القوة والاستعداد لتحصيل الملكات في ~~الدنيا بطلت عن النفوس وتمنى الرجوع إلى كونها بالقوة كما في قوله تعالى ~~حكاية عنها: يا ليتني كنت ترابا ms289 تمني أمر مستحيل الوقوع إذ الشيء بالفعل ~~يستحيل أن يصير بالقوة بخلاف العكس فإنه واقع. # ومنها أن الفسقة والجهال ربما قلت شواغلها الحسية لنوم أو مرض كالممرودين ~~فتطلع على أمور غيبية وذلك لاتصالها بعالم القدس فلما جاز للأشقياء مفارقة ~~البدن والاتصال بالمبادي العلوية والتلذذ بها حين اغترافها للشهوات فعند ~~فساد البدن وعدم الاشتغال بشهواته أولى فأين يتحقق الشقاوة والتعذب المتوعد ~~عليه في لسان الشرائع والنبوات فلا محالة ينبغي أن لا ينقطع علاقة الأشقياء ~~عن الأجرام لحصول التعذب فيها بسبب اقتراف الخطيئات فلا بد أن ينتقل نفوس ~~العصاة والمذنبين إلى شيء من الحيوانات المعذبة في الدنيا على حسب أخلاقهم ~~وعاداتهم PageV00P442 # المناسبة لبعض الأبدان الحيوانية المعذبة في الدنيا ليبقى معذبة جزاء ~~لأعمالهم. # والجواب أنا لا نسلم أن نفوس الأشقياء إذا حصل لها في الدنيا نوع اتصال ~~بالمبادي لأجل تعطل الحواس الظاهرة عن أفاعيلها وجب أن يحصل لها ذلك في ~~الآخرة أيضا لجواز أن يكون نفوسهم فيها أشد اشتغالا عن المبادي بما غشيتهم ~~من عظائم الأهوال والشدائد والدواهي التي لم يبق لهم معها التفات إلى شيء ~~غيرها لأنهم المردودون المقيدون بسلاسل والأغلال المحجوبون عن مشاهدة عالم ~~الأنوار المشار إليهم في الكتاب الإلهي كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون وقد حيل بينهم و بين ما يشتهون. # ومنها أن للحيوانات شيئا ثابتا في تمام عمرها ولا شيء من أعضاء بدنها إلا ~~وللتحيل فيه لأجل الحرارة الغريزية والغريبة الداخلة والخارجة من الهواء ~~المحيط به سبيل ولو يسيرا يسيرا وليس لأحد أن يقول: إن في فرسية هذا الفرس ~~ونفسه دائما في الانتقاص ولها إدراكات كلية لأنا قد نرى أنه إذا ضرب واحد ~~منها بخشبة ثم بعد حين جررت له خشبة يهرب ولو لا أنه بقي في ذهنه معنى كلي ~~مطابق لضرب من ذلك النوع لم يهرب ولما امتنع إعادة عين الضرب الماضي بل ~~العائد مثله لا عينه فإدراكه ليس بالمعنى الجزئي. # ثم قد نرى هذه الحيوانات مع اشتراكها في الحيوانية مختلفة في قربها إلى ~~العالم ms290 الإنساني وبعدها حتى أن بعضها في غاية القرب من أفق الإنسان كالقردة ~~في الأفعال والطوطي في الأقوال وفي بعضها ضربا من القوة العملية وفي بعضها ~~ضربا من القوة العلمية ثم إن عجائب أحوال بعض الحيوانات كتكبر الأسد وحقد ~~الجمل ورئاسة النحل وسماع الإبل المنسي له مشتهياته يشهد أن لها نفوسا غير ~~منطبعة ينبغي أن ترتقي إلى الإنسانية وبالجملة نراها نحو كمال مترقية إلى ~~غاية فإن كان لها ارتقاء فإلى الإنسان ثم إلى الملك وإن لم يكن لها ~~PageV00P443 # ذلك فغير لائق بالجود الإلهي منع المستحق عن كماله. # والجواب أن لكل نوع من الأنواع الحيوانية بل النباتية ملكا هاديا وعقلا ~~ملهما له إلى خصائص أفعاله متصلا به نحوا من الاتصال وهو رب طلسمه ومقوم ~~ماهيته وذو عناية بأفراد نوعه واختلافها في الشرف والخسة لأجل اختلاف ~~مباديها وأرباب طلسماتها في شدة النورية وضعفها وقربها من نور الأنوار ~~وبعدها منه وأما على طريقة المشائين فغرائب إدراكات بعض الحيوانات ~~وتحريكاتها إنما يكون بمعاونة قوى فلكية وإلهامات سماوية ويجوز أن يصدر عن ~~قوى جرمية بمناسبات مزاجية حركات إدراكية كحال الإبل وتلذذه بالسمعيات. # وعلى تقدير أن يكون لها نفوس غير منطبعة متوجه نحو كمالها فكون كمالاتها ~~لا بد وأن يكون عقلانيا غير معلوم فإن كثيرا من الناس ليس لهم في النشأة ~~الآخرة درجة عقلية ولهم مع ذلك لذات وكمالات مثالية وابتهاجات ظنية هي ~~الغاية القصوى من الكمال في حقهم إذ لا شوق لهم في العقليات ولا لهم نصيب ~~من الملكوت الأعلى. # إنما المحال منع المستحق عما يستحقه وعن الكمال اللائق في حقه لا الكمال ~~المطلق والخير المحض إذ ربما لم يناسبه ولا يستعده ولا يشتاقه. # ثم على تسليم أن لها استعداد نحو الكمال العقلي فلا نسلم أن ذلك يستدعي ~~اجتيازها إلى الدرجة الإنسانية وتخطيها إياها فإن الطريق إلى الله وإلى صقع ~~ملكوته لا ينحصر في واحد. # ومنها التشبث بكلمات الأوائل من الحكماء كأفلاطون ومن سبقه من الأساطين ~~وبإشارات الأنبياء المعصومين عن الغلط والخطاء وبآيات الصحيفة الإلهية كقول ms291 ~~القائل الحق: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب. # وقوله: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين وقوله: ما ~~من دابة في الأرض PageV00P444 # و لا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم ~~إلى ربهم يحشرون وقوله: ربنا أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين فاعترفنا ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل وقوله تعالى ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ~~ظالمون. # والجواب أن لتلك الرموز القرآنية والإشارات النبوية محامل صحيحة غير ما ~~ذكرتم وأكثر مواعيد النواميس الإلهية إنما يتحقق في دار أخرى غير هذا الدار ~~وليست الدار الآخرة منحصرة في عالم العقل بل عالم الآخرة عالمان عالم عقلي ~~نوري وعالم مثالي منقسم إلى نعيم نوري وجحيم ظلماني. # أما الأول فهو للكاملين المقربين وأما الثاني فأوله للمتوسطين من أصحاب ~~اليمين والسعداء وثانيه للناقصين من أصحاب الشمال وهم الأشقياء المردودون ~~والمغالطة في حمل كلام القدماء الفلاسفة على التناسخ إنما نشأت من الغفلة ~~عن تحقق عالم آخر متوسط بين عالم العقول والأجرام فيه يحشر الناس على هيئات ~~مناسبة لأخلاقهم على التفصيل المقرر بينهم المشهور عنهم حيث قرروا أن لكل ~~خلق من الأخلاق المذمومة والهيئات الردية المتمكنة في النفس أبدان أنواع ~~يختص بذلك الخلق كخلق التكبر والتهور المناسب لأبدان الأسود والخبث ~~والروغان لأبدان الثعالب وأمثالها والمحاكاة والسخرية لأبدان القردة ~~وأشباهها والعجب للطواويس والحرص للخنازير إلى غير ذلك. # وكما أن لكل خلق ردي أبدان أنواع مخصوصة من الحيوانات كلها مناسب لذلك ~~الخلق فكذلك بإزاء كل مرتبة قوية أو ضعيفة منه بدن نوع خاص من تلك ~~الحيوانات التي اشتركت في خلق واحد كعظيم الجثة لشديد ذلك الخلق وصغير ~~الجثة لضعيفه وربما كان لشخص واحد من الإنسان عدد كثير من الأخلاق الردية ~~على مراتب متفاوتة فبحسب شدة كل خلق PageV00P445 # مذموم في نفسه وضعف ذلك وما ينضم إليه من باقي الأخلاق المحمودة ~~والمذمومة القوية والضعيفة واختلاف تراكيبها الكثيرة التي لا يقدر على ~~حصرها أحد إلا الله تعالى يختلف تعلق نفسه المذمومة ms292 ببعض الأنواع من أشباح ~~الحيوانات المذمومة دون غيرها وكذا يختلف تعلقها ببعض أفراد نوع واحد دون ~~الباقي. # ثم إذا زال عنه ذلك الخلق رأسا أو مرتبة شديدة منه انتقلت نفسه بحسب خلق ~~آخر غيره نوعا أو مرتبة إلى بدن نوع آخر من الحيوان المناسب له إلى أن يزول ~~عن نفسه الهيئات الردية بالكلية إن كانت قابلة للزوال وإن لم يكن بقي فيها ~~وفي الأبدان المناسبة لها أحقابا كثيرة إلى ما شاء الله. # وهذه كلها إنما يستصح ويستتم في غير النشأة الدنياوية بل في عالم الآخرة. # فقوله تعالى: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إشارة ~~إلى تبديل أبدانهم المثالية على الوجه المذكور لا كما زعمته التناسخية من ~~انتقال النفس في عالم الاستعدادات من مادة البدنية إلى أخرى لاستحالته كما ~~قررناه. # فإن قلت: ما قررت في إبطال التناسخ هو بعينه جار في تعلق النفوس إلى ~~الأبدان في النشأة الأخروية فإن البدن الأخروي إذا استعد لتعلق نفس به فلا ~~بد أن يفيض عليه من الواهب نفس مدبرة إياه فإذا تعلقت هذه النفس المنتقلة ~~عن الدنيا به لزم تعلق نفسين ببدن واحد فما هو جوابك فهو جوابنا. # قلنا: الأبدان الأخروية ليست وجوداتها بسبب استعدادات المواد وحركاتها ~~وتهيئاتها واستكمالاتها المتدرجة الحاصلة لها عن أسباب غريبة ولواحق مفارقة ~~بل هي فائضة بمجرد إبداع الحق الأول إياها بحسب الجهات الفاعلية من غير ~~مشاركة القوابل فكل جوهر مفارق نفساني يلزمه شبح مثالي ينشأ منه بحسب ~~ملكاته وأخلاقه وهيئاته النفسانية بلا مدخلية الاستعدادات والمواد والحركات ~~لحصولها شيئا فشيئا في هذا العالم. # فليس وجود البدن الأخروي متقدما على وجود نفسه بل هما معا في PageV00P446 # الوجود كمعية الظل وذي الظل فكما أن الشخص والظل أحدهما لم يحصل ~~الاستعداد من الآخر لوجوده بل على سبيل التبعية واللزوم فهكذا قياس الأبدان ~~الأخروية مع نفوسها المتعلقة بها. # فإن قلت: النصوص القرآنية دالة على أن البدن الأخروي لكل إنسان هو بعينه ~~هذا البدن الدنياوي له. # قلنا نعم ولكن من حيث الصورة لا من ms293 حيث المادة والكيفية والمقدار وغيرها ~~من العوارض المادة والشيء إنما يتم بصورته لا بمادته وكذا الكلام في أعضاء ~~شخص واحد كيف وقد ورد أن أهل الجنة جرد مرد وأن ضرس الكافر مثل جبل أحد إلى ~~غير ذلك مما يدل على أن البدن الأخروي ليس هو بعينه البدن الدنياوي من حيث ~~الشكل والمقدار وغيرهما بل من حيث الذات والصورة. # فكما أن جهة الاتحاد في بدن شخص واحد من الصبيان إلى الشيخوخة مع تبدل ~~الصورة والهيئات بل كثير من الأعضاء والأدوات هي النفس ومرتبة مبهمة من ~~المادة غاية الإبهام. # ولذا يقال لمن جنى في الشباب فعوقب في المشيب أنه عوقب الجاني لا غيره ~~فكذلك جهة الوحدة في البدن الدنياوي والبدن الأخروي هي النفس الناطقة وضرب ~~من المادة فلذا يثاب النفس ويعاقب باللذات والآلام الجسمانية لأجل ما صدر ~~عنها من عمل الطاعة وارتكاب المعصية بهذه الأعضاء والجوارح. # والكلام في تشخص الأعضاء من حيث هي أعضاء لشخص واحد هو ما ذكرناه بعينه ~~وسيأتي زيادة تحقيق لهذا المقام في موضعه إن شاء الله العزيز. # ومنها أن العالم الذي فيه الآفات والعاهات والشرور والنقائص هو هذا ~~العالم العنصري دون غيره من العوالم لأنه أكثفها وأكدرها وأدونها فإن أشرف ~~العوالم عالم العقول ثم النفوس ثم الأشباح ثم الأجرام وأكثف الأجرام هي ~~الأرض ثم باقي العناصر والمركبات الحاصلة منها فينبغي أن يكون هي ~~PageV00P447 # جهنم الأشقياء التي قيل لها: هل امتلأت ف تقول هل من مزيد ودركاتها هي ~~أبدان الحيوانات التي كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها لتراكم ~~جهالاتهم ورداءة أخلاقهم بخلاف السعداء الذين وقع فيهم قوله تعالى: لا ~~يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى و وقاهم عذاب الجحيم وذلك لاستحالة ~~انتقال نفوسهم إلى الحيوانات المعذبة التي هي أبواب الجحيم ولكل باب منهم ~~جزء مقسوم لغلبة الأخلاق المرضية والهيئات المحمودة عليها وإذا لم ينتقل ~~نفوسهم إلى الأبدان الحيوانات فلا يذوقون في الدنيا إلا الموتة الأولى التي ~~هي مفارقتهم عن الأبدان الإنسانية. # والجواب أن اختصاص التعذيب التام ms294 في نشأة لا يستلزم كونها أخس النشئات ~~فإن النشأة التي يقع فيها التعذيب للأشقياء والتنعم للسعداء هي النشأة ~~الإدراكية التي هي أصفى وألطف من النشأة الجرمانية وهي دار الآخرة التي هي ~~الحيوان لو كانوا يعلمون لأن الملذ والموذي في الحقيقة أمور غير محسوسة ~~بهذا الحس الظاهري الدنياوي بل بالحواس الباطنة الأخروي لأن سكر الطبيعة ~~وخدرها الحاصل للنفس في هذه الدار لأجل اشتغالها بتدبير البدن يمنع أن يدرك ~~لوازم أخلاقها وتوابع ملكاتها الحاصلة لها لأجل الأعمال الحسنة أو القبيحة ~~إدراكا حقا غير مشوب بما يورد عليه الحواس ويشتغل به من الأفعال فإذا ارتفع ~~عنها الحجاب وانكشف الغطاء وقع اليوم بصره إلى تبعات أخلاقه ولحقات أعماله ~~فيقع لها إما اللذة الوافرة العظيمة إن كانت رضية الأخلاق حسنة الأعمال ~~صحيحة الاعتقاد أو الألم الشديد والداهية العظيمة إن كانت سيئة الأخلاق ~~قبيحة الأعمال باطلة الاعتقاد كما في قوله: فكشفنا عنك PageV00P448 # غطاءك فبصرك اليوم حديد فجحيم الآخرة وإن كانت ألطف من هذه الدنيا إلا أن ~~عذاب الأشقياء وآلامها على وجهها إنما يتحقق فيها لا في هذه الدار ولطافتها ~~يوجب ذلك لكون الإدراك الذي هو ملاك التعذب فيها أصدق وأصفى. # وقوله تعالى: و إن جهنم لمحيطة بالكافرين إشارة إلى أن باعث الألم ~~والعذاب موجود بالفعل للكفار وهم لا يدركونه لسكر طبيعتهم وتخدر مداركهم عن ~~إدراكه. # ومن تأمل في الأحوال التي قد يراها أو يتوهمها الإنسان عند النوم أو غيره ~~بلا جهة ظاهرة محسوسة لتيقن أن عذاب الآخرة وآلامها أشد وأبقى من عذاب ~~الدنيا ومحنتها لأنها أشد استقرارا وأغرز في النفس من هذه الحسيات. # ومنها أن التعذب بالجهل المركب وغيره من الأحوال التي وعدها الشارع إن ~~كان يلحق الجواهر الروحاني مجردا عن علائق الأجسام فكيف يحصل من مثله هذا ~~التصور المحدود وليست معه قوة التخيل إذ الجهل المركب لا بد فيه من تصورات ~~وتصديقات خلاف ما ينبغي منشؤها المتخيلة ومعلوم أن الفائض من المبادي ~~العالية ما لم يكن فينا سوء استعداد جرمي لا يكون في الاعتقاديات إلا ms295 ما ~~طابق الواقع فإن جهات الشر والآفة والكذب والجهل الذي هو ضرب من الصور ~~العلمية وغيرها راجعة إلى هيئات مادية فموضوع التعذيب بالآلام والشدائد ~~الأخروية إن كان هو الجوهر المفارق لعلاقة الأجرام فلا تعذيب له بالجهل ~~المركب وغيره لعدم التخيل. غاية ما في الباب أن يبقى فيه أخلاق وملكات فإذا ~~لم يبق مدد إدراكي زالت بالكلية ولا شوق إلى ما لا يتصور له بوجه ولا مخصص ~~ولا قوة شوقية فلا تألم بالشوق أيضا إلى مشتهياتها ولذاتها الدنياوية وقد ~~ارتفعت المشوشات الحسية عنه فكان حاله حينئذ حال من سكنت قواه فنال الغبطة ~~العظمى من الرحمة الإلهية في عالم القدس والرحمة وإن كان موضوع التخيل هو ~~الدماغ الإنساني فهو يفسد حالة الموت PageV00P449 # ويفسد مع فساده التصور والحفظ والذكر والفكر وإن كان جسما آخر فلكيا كما ~~ظنه بعضهم فمعلوم أن علاقة الجوهر الروحاني إنما هي لنسبة بين المادة ~~البدنية وبين الجوهر الروحاني فإنه نسبة حدثت بينهما بالموت أوجبت اختصاصه ~~به وانجذابه من بين سائر الجواهر المفارقة لأبدانها إليه دون غيره من ~~الأجرام بل إلى حيزه دون بقية الأحياز من نوع ذلك الجسم. ثم إن الجسم الذي ~~هو موضوع تخيلات النفس يجب أن يتصرف فيه النفس وتحركه بحركات جرمية تابعة ~~للحركات النفسانية والانتقالات الفكرية كما يعرض لجوهر الدماغ من ~~الانفعالات والتغيرات وظاهر أن الجوهر الفلكي يأبى عن تصرف فيه من غير نفسه ~~المحركة إياه حركة متشابهة مستمرة على نهج واحد وإن كان جرما مركبا دخانيا ~~تحت كرة النار كما زعمه قوم فهو أيضا غير صحيح لعدم اعتدال فيه يصلح لقبول ~~النفس المدبرة له فإنه إن قرب من النار فتحلله بسرعة إلى جوهرها وإن بعد ~~منها ويكون في حيز الهواء فإما أن يتخلخل فيصعد بحر أو يتكاثف فينزل ببرد ~~وليس فيه جرم محيط يغلب عليه من الصلابة واليبس ما يحفظه عن التبدد ويحرسه ~~عن ممازجة غيره به كما للجوهر الدماغي فينا ليتعين فيه محل التخيل متشكلا ~~به ولا بد من جوهر يابس ليتحفظ فيه الصور ms296 ورطب لتقبل. ثم لما كانت النفوس ~~المفارقة عن الأبدان الإنسانية غير متناهية لزم مما ذكروا اجتماع المفارقات ~~كلها على جسم من أجسام العالم فيلزم إما نهاية تلك الجواهر أو عدم نهاية ~~ذلك الجسم وكلاهما محال. # والجواب أن التجرد الواقع في الكلام المشكك إن أراد به التجرد عن الأجساد ~~الحسية والأشباح المثالية جميعا فليس الحال كذلك في نفوس الناقصين ~~والمتوسطين لأنها وإن تجردت عن الحسية ولكن لم يتجرد عن المثالية وإن أراد ~~به التجرد عن الأجساد الحسية دون المثالية فهو الصحيح ولا فساد فيه. # وأما قوله: فكيف يحصل من مثله هذا التصور المحدود وليست معه قوة التخيل ~~فممنوع لأن للجوهر المفارق عن القوى الجرمية دون المثالية إدراكات جزئية ~~تخيلية وله قوة متخيلة منبعثة عن ذاته فإن له في ذاته قوى باطنية إدراكية ~~وتحريكية يرجع PageV00P450 # بعضها إلى بعض كما يرجع تخيله إلى بصره الباطنة وكذا يرجع قدرته إلى ~~إدراكه بل هذه القوى البدنية كلها ظلال القوى يكون في جوهر النفس في ذاتها ~~فلها في ذاتها عين باصرة وأذن سامعة وقوة عقلية من شأنها تصور الحقائق على ~~وجه الحضوري المشاهد على طبق ما يتصوره الإنسان في هذا العالم فإن المعرفة ~~والتصور هاهنا بذر المشاهدة في العقبى فإن كان تصورات الرجل في هذا العالم ~~من باب الخيرات والحسنات والنيات الصالحة صارت مادة لجنات ورضوان وروح ~~وريحان وحور وغلمان وملائكة يسر بمنادمتها في دنياه ويرتاح برؤيتها ~~ومعاشرتها في أخراه. # وإن كانت من الشرور والقبائح والنيات الفاسدة صارت مادة لحيات وعقارب ~~ونيران ومالك غضبان وشياطين يتضرر بمنادمتها في دنياه ويتأذى برؤيتها ~~ومصاحبتها في عقباه. # وأما قوله: لما كانت النفوس المفارقة عن الأبدان غير متناهية لزم اجتماع ~~المفارقات كلها (إلى آخره) فهو مدفوع لأن الكلام ليس في جميع المفارقات من ~~النفوس إنما هو في نفوس الأشقياء فلا يلزم ما ذكره فإن النفوس بعضها مما لا ~~تعلق لها بالأجرام وما يتعلق منها بالأشباح المثالية وإن فرض كونها غير ~~متناهية لم يلزم منه فساد لعدم التزاحم في الصور المثالية ms297 على محل واحد ~~فيجوز عدم تناهيها. # وعلى هذا لا يلزم نهاية تلك الجواهر ولا عدم نهاية تلك الأجسام وأما باقي ~~مقدماته فبعضها مما نحكم بصحتها ونعين عليها لملاءمتها لما نحن فيه وبعضها ~~مما لا يضر صحتها ولا فسادها فلا نتعرض لها نفيا وإثباتا ولا قدحا وتصويبا. # ثم إني لأتعجب من بعض الموصوفين بالتأله واستشراق الأنوار العلمية مع شدة ~~توغله في فقه الأنوار وفهم الأسرار واعتنائه بوجود عالم مثالي برزخي بين ~~المفارقات الصرفة وبين المتعلقات الهيولانية كيف صوب قول بعض العلماء من ~~كون جرم سماوي موضوعا لتخيلات طوائف من السعداء والأشقياء لأنهم لم يتصور ~~لهم العالم العقلي ولم ينقع علاقتهم عن الأجرام وهم بعد بالقوة التي احتاجت ~~النفس إلى علاقة البدن وكيف قال إنه كلام حسن إلا أنه خالفهم ذلك القول في ~~تعلق نفوس PageV00P451 # الأشقياء بتلك الأجرام الشريفة ذوات النفوس النورانية. # وقال: والقوة يحوجهم إلى التخيل الجرمي فليس ممتنع أن يكون تحت فلك القمر ~~وفوق كرة النار جرم كروي غير منخرق هو نوع بنفسه ويكون برزخا بين العالم ~~الأثيري والعنصري موضوعا لتخيلاتهم فيتخيلون به من أعمالهم السيئة مثلا من ~~نيران وحيات تلسع وعقارب تلذع وزقوم تشرب وغير ذلك. # وقال: وبهذا يندفع ما بقي من شبهة أهل التناسخ ولست أشك لما اشتغلت به من ~~الرياضات أن الجهال والفجرة لو تجردوا عن قوة جرمية مذكورة لأحوالهم ~~مستتبعة لملكاتهم مخصصة لتصوراتهم نجوا إلى الروح الأكبر. انتهى. # وأنت قد دريت أن كون جسم من الأجسام موضوعا لتخيل النفس لا يستقيم إلا ~~بأن يكون معها علاقة علية ومعلولية بالذات أو بتوسط ما له معها تلك العلاقة ~~بالذات. وبالجملة لا بد من أن يكون في تصرف النفس بوجه من الوجوه وأقل ذلك ~~كما يكون في المرائي والأشياء الصيقلية التي لها علاقة وضعية بالنسبة إلى ~~المادة البدنية التي هي موضوعة لأفاعيل النفس ومحل لقواها ومطرح لأشعتها ~~وأضوائها المنبعثة عن ذاتها النيرة الواقعة عليه وليس الجرم الفلكي أو ما ~~يجري مجراه مما يؤثر فيه شيء إلا نفسه الفائضة عليه ms298 من مبدأ العقلي (مبدأه ~~خ ل من المبدأ العقلي). # وقد أشرنا سابقا إلى أن الأجرام العلوية ليست مطيعة لغير مباديها الذاتية ~~ولا قابلة للتأثرات من الغريبة من القواسر. # وليست أيضا لتلك النفوس أبدان عندهم حتى يكون لأبدانها بالقياس إلى تلك ~~الأجرام الشريفة علاقة وضعية لتصير كالمرآت لتلك النفوس تشاهد ما فيها من ~~الصور وعلى تقدير كون الجرم الفلكي كالمرآت لتخيلاتها يكون الصور المرتسمة ~~في مرائيها هي تخيلات PageV00P452 # الأفلاك لا تخيلات تلك النفوس فكيف يجوز أن يكون الجرم الفلكي موضوعا ~~لتخيلات نفس إنساني سواء كانت سعيدة أو شقية. # ثم إن ما به يتعذب الأشقياء على ما اعترفوا به هي هيئاتهم الردية ~~وتخيلاتهم النفسانية الباطلة وعقائدهم الوهمانية الخبيثة الفاسدة دون الصور ~~المطابقة لما هو الواقع لأن الكائن في القابل الذي في غاية الخلوص والنقاء ~~كالأجرام العلوية من الفاعل الذي في غاية الشرف والتقدس والبهاء كالمبادي ~~العقلية لا يكون إلا صورا علمية حقة مطابقة لما في نفس الأمر فلا يستقيم ~~بذلك ما قالوه ولا يستتم به ما صوروه من كونها مما يتعذب به الأشقياء. # وكما أن هذا في الجرم الفلكي غير صحيح كذلك من الإبداعي الغير المنخرق ~~المنحصر نوعه في شخصه غير صحيح بل هذا الجرم أيضا على ما صوروه طبيعة خامسة ~~فلكية وإن كانت تحت القمر للزوم كونه عديم الحركة الغير المستديرة دائما ~~وسائر ما يلزمه من صفات الأفلاك. # ولعل عدد نفوس الأشقياء غير متناهية فكيف يكون جرم متناه موضوعا ~~لتصرفاتها وصورها الإدراكية الغير المتناهية ولا أقل من أن يكون ذا قوة غير ~~متناهية إذ لا بد أن يكون بإزاء كل ارتسام لصورة في جسم قوة واستعداد في ~~ذلك الجسم وذلك معلوم الفساد بل الحق ما حققناه من أن الصور الملذة ~~والموذية في النشأة الثانية للسعداء والأشقياء كما وعدها الشريعة الحقة ~~النبوية ع هي واقعة في صقع آخر مثالي مظاهرها نفوس هاتين الطائفتين بضرب من ~~الفعل والتأثير كما أن الصور يقع في المرائي بضرب من القبول ولا منافاة بين ~~صدور الفعل من ms299 قوة بجهة وانفعالها عنه لذة كان أو ألما بجهة أخرى كما أن ~~الصحة والمرض البدنيين ينشئان من النفس في هذه الدار بواسطة ما سبق منها من ~~أفعال تصلح المزاج أو لا تصلحه من الأكل وغيره ثم ينفعل النفس منهما ويكون ~~من أحدهما في راحة ومن الآخر في مشقة وذلك لكون النفس ذا جهتين فعل وقوة ~~وكمال ونقص يفعل بأحدهما وينفعل بالآخر فهكذا يكون PageV00P453 # حالها بحسب فعل الطاعات والمعاصي المؤدية لصور الحسنة والقبيحة عند تجسم ~~الأعمال فيتنعم بإحداهما ويتعذب بالأخرى وتانك الجهتان المصححتان لكون ~~النفس فاعلة لشيء ومنفعلة عنه هما موجودتان في النفس ما لم يصر بعد عقلا ~~صرفا يكون فعالا دراكا بجهة واحدة كما أشير إليه سابقا من أن عنه وفيه في ~~العقل بالفعل شيء واحد. # فقد ثبت أن جميع ما يلحق النفس في الآخرة وهو ما ينشأ منها وتلك النفوس ~~أي النفوس السعداء المتوسطين في العلم والعمل والناقصين في العلم دون العمل ~~والأشقياء الناقصين فيهما وإن تجردت عن المواد والأجرام الدنياوية الطبيعية ~~لكنها متعلقة بعد بالأشباح الأخروية التي في باب الإلذاذ والإيلام أشد ~~وأبقى من هذه الأجرام كما في قوله تعالى: و لعذاب الآخرة أشد و أبقى بل هذه ~~النار من جملة آثار تلك النار أو عينها بوجه لكنها نزلت وتكدرت وضعفت قوتها ~~وتأثيرها كما روي أن هذه النار الدنياوية من نار جهنم غسلت بسبعين ماء ثم ~~نزلت. # وقس النور على النار حتى تعلم أن نعيم الآخرة بالنسبة إلى نعيم الدنياوية ~~في أي مرتبة من العظمة. # تأييد تنبيهي ومما يؤيد ما ذكرناه من بطلان تعلق النفوس بعد الموت بجرم ~~فلكي أو ما تحته ليكون الحاصلة في قواها المنطبعة من الصور المثالية هي ~~بعينها جنة السعداء وعذاب الأشقياء. # وينور ما قررناه من أنهار صور موجودة في عالم آخر لازمة للنفس في صقع آخر ~~مرتبطة بأفعال وأعمال صادرة عنها في الدنيا هو ما صرح به قدوة المكاشفين من ~~العرفاء قدس سره بقوله: PageV00P454 # عليك أن تعلم أن البرزخ الذي يكون الأرواح فيها ms300 بعد المفارقة من النشأة ~~الدنياوية هو غير البرزخ الذي بين الأرواح المجردة والأجسام لأن تنزلات ~~الوجود ومعارجه دورية والمرتبة التي قبل النشأة الدنياوية هي من مراتب ~~التنزلات ولها الأولية والتي بعدها من مراتب المعارج ولها الأخروية. # وأيضا الصور التي تلحق الأرواح في البرزخ الأخير إنما هي صور الأعمال ~~ونتيجة الأفعال السابقة في الدنيا بخلاف الصور البرزخ الأول فلا يكون ~~أحدهما عين الآخر لكنهما يشتركان في كونهما عالما روحانيا وجوهرا نورانيا ~~غير مادي. # ويؤيده أيضا ما قد صرح في الفتوحات في الباب الحادي والعشرون وثلاثمائة ~~من أن هذا البرزخ غير الأول ويسمى الأول بالغيب الإمكاني والثاني بالغيب ~~المحالي لا مكان ظهور ما في الأول في الشهادة وامتناع رجوع ما في الثاني ~~إليها إلا في الآخرة وقليل من يكاشفه بخلاف الأول ولذلك يشاهد كثير منها ~~ويكاشف البرزخ الأول فيعلم ما يريد أن يقع في العالم الدنياوي من الحوادث ~~ولا يقدر على مكاشفة أحوال الموتى. # وكذا قوله قدس سره في الباب الثالث والستين من الفتوحات المكية بعد تبيين ~~ما يراه الإنسان في المرآة: وإلى مثل هذه الحقيقة يصير الإنسان في نومه ~~وبعد موته فيرى الأعراض صورا قائمة بأنفسها تخاطبه ويخاطبها أجسادا حاملة ~~وأرواحا لا يشك فيها والمكاشف يرى في يقظته ما يراه النائم في حال نومه ~~والميت بعد موته كما يرى في الآخرة صور الأعمال يوزن مع كونها أعراضا ويرى ~~الموت كبشا أملح مع أن الموت نسبة مفارقة عن اجتماع ومن الناس من يدرك هذا ~~التخيل بعين الحس ومنهم من يدركه بعين الخيال أعني في حال اليقظة وأما ما ~~في النوم فبعين الخيال قطعا. # وقوله أيضا: PageV00P455 # فجميع ما يدركه الإنسان بعد الموت في البرزخ من الأمور بعين الصور التي ~~هو بها في الدنيا. # وقوله أيضا في آخر الباب: وكل إنسان في البرزخ مرهون بكسبه محبوس في صور ~~أعماله إلى أن ينبعث يوم القيامة في النشأة الآخرة. # وأما الحجة الخاصة لإبطال النقل في جهة النزول فهي ثنتان الأولى أنها لو ~~كان ما ذهبوا إليه ms301 حقا لزم أن يتصل وقت كل فساد لبدن إنساني بوقت كون بدن ~~لحيوان صامت واللازم باطل فالملزوم كذلك. # أما بيان الملازمة فلما ذهبوا إليه من أن أول منزل للنور الأسفهبد أي ~~الجوهر المجرد النفسي هو الصيصية الإنسانية أي البدن الإنساني الذي خلق تام ~~القوى والآلات وهو باب الأبواب عندهم لحيات جميع الأبدان العنصرية يعني أن ~~حيات جميع الأبدان الحيوانية إنما يكون بانتقال النفوس الإنسانية إلى ~~أبدانها فلا حيوان عند هؤلاء (وهم يوذاسف التناسخي ومن قبله من حكماء بابل ~~وفارس كما هو المشهور) غير الإنسان إلا أنه نسخ البعض وبقي البعض ويستنسخ ~~الباقي في عالم الغرور إن كان من الناقصين أو سترفع إلى عالم النور إن كان ~~من الكاملين. # فأي خلق يغلب على الجوهر النطقي وأية هيئة ظلمانية يتمكن فيه ويركن إليها ~~فيوجب أن ينتقل بعد فساد بدنه إلى بدن مناسب لتلك الهيئة الظلمانية من ~~الحيوانات المنتكسة الرؤس فإن لكل خلق كما مر أبدان أنواع يختص بذلك الخلق ~~ولكل باب منهم جزء مقسوم أي لكل بدن من الحيوانات التي هي أبواب الجحيم وهي ~~عالم العناصر عندهم قدر مخصوص من الخلق المتعلق ببدن ذلك النوع من الحيوان ~~فإن بدن الخنزير والنمل وإن اشتركا في خلق الحرص إلا أن حرص النمل ليس كحرص ~~الخنزير وكذا لا يكون حرص بعض أشخاص كل منهما كحرص الباقي وقس عليه سائر ~~دنائم PageV00P456 # أخلاقها واختلافها شدة وضعفا وتركيبا وإفرادا كما أشرنا إليه فاختلاف ~~الحيوانات في الحقائق إنما هو لأجل اختلاف الناس في الأخلاق المحمودة ~~والمذمومة وشدتها وضعفها واختلاف تركيبها فإن الأخلاق كلها واردة إليها من ~~المنزل الأول وباب الأبواب الذي هو الإنسان لأنها التي كانت موجودة فيه ~~وصارت منه إليها بانتقال جوهر نفسه الموصوفة بها إليها من غير تعطلها في ~~البين. # وأما بطلان اللازم فلظهور عدم العلاقة اللزومية الموجبة لاتصال وقت فساد ~~البدن الإنساني بوقت كون البدن الحيوان الصامت ومنع ذلك مستندا بأن هذه ~~الأمور مضبوطة بهيئات فلكية غايبة عنا كما يجب في خسارة بعض ربح لبعض بحيث ms302 ~~لا يبقى المال بينهما معطلا مكابرة إذ مبناه على مجرد احتمال بعيد إذ مع ~~تمكين هذه الاحتمالات لم يبق لأحد اعتماد في الحكم على شيئين بالملازمة ~~وعلى آخرين بعدمها. # والثانية أنها لو كان التناسخ على ما ذكروه حقا يلزم أن ينطبق عدد ~~الكائنات من الأبدان الحيوانية على عدد الفاسدات من الأبدان الإنسانية ~~وبطلان التالي يوجب بطلان المقدم. # أما بيان حقيقة الشرطية فلأنه لو زادت النفوس على الأبدان لازدحمت عدة ~~منها على بدن واحد فإن لم يتمانع ويتدافع فيكون واحد ذا عدة نفوس وقد تبين ~~بطلانه وإن تمانعت وتدافعت بقيت كلها أو بعضها معطلة ولا معطل في الوجود ~~وإن زادت الأبدان على النفوس فإن تعلقت نفس واحدة بأكثر من بدن واحد لزم أن ~~يكون الحيوان الواحد هو بعينه غيره وإن لم يتعلق فإن حدث لبعض تلك الأبدان ~~نفوس جديدة وللبعض مستنسخة كان ذلك ترجيحا بلا مرجح وإن لم يحدث لبعضها ~~نفوس بقي بعض الأبدان المستعدة للنفس الجديدة بلا نفس والكل محال. # وأما بطلان التالي فلأنه قد يكون الكائنات أكثر من الفاسدات إذ في يوم ~~واحد قد يتولد من النمل ما يزيد على أموات الإنسان في سنين بشيء لا يتقايس ~~فضلا عن PageV00P457 # أموات أهل الحرص منهم في ذلك اليوم وقد يكون الفاسدات أكثر كما في الوباء ~~العام والطوفان الشامل. # وأجيب عنه بأنا لا نسلم أن الكائنات أكثر من الفاسدات وإنما يلزم ذلك لو ~~كان تولد كل نمل في يوم بانتقال نفس حريص إليه مات في ذلك اليوم وهو غير ~~لازم لجواز أن يكون بانتقال نفس حريص مات في ألوف من السنين وقد فارقت ~~أبدانا كثيرة إلى أن وصلت إلى هذه النملة فإن نفس الحريص لا يلحق البنية ~~النملية عند الموتة الأولى بل بعد موتات كثيرة فإن من فيه هيئة ردية يتعلق ~~بعد المفارقة بأعظم بدن حيواني يناسب أقوى تلك الهيئات ثم ينزل على الترتيب ~~من الأكبر إلى الأوسط ومنه إلى الأصغر إلى أن يزول تلك الهيئة الردية ثم ~~يتعلق بأعظم بدن حيواني ms303 يناسب الهيئة التي تلي الهيئة الأولى في القوة ~~متدرجا في النزول إلى أن تبقى تلك الهيئات وحينئذ يفارق عالم الكون والفساد ~~ويتعلق بأول منازل الجنان لزوال العلائق البدنية الظلمانية والهيئات الردية ~~الجسمانية. # ولا نسلم أيضا أن الفاسدات قد يكون أكثر من الكائنات وإنما يلزم ذلك لو ~~جاز أن يرتقي من أبدان سائر الحيوانات إلى الإنسان شيء من نفوسها ليلزم ~~صعوبة انطباق العدد الكثير من أبدان حيوانات كثيرة الأعداد قصيرة الأعمار ~~كأبدان الذباب والبق والبعوض وأمثالها وسائر الحشرات وأمثالها إذ بأقل ~~حرارة أو برودة أو ريح يموت ويفسد من كل واحد من هذه الحشرات في ساعة ما لا ~~يتكون من الإنسان في ألوف من السنين. # لا يقال: قد يحصل وباء عام أو طوفان كلي يهلك كل ذي نفس فيلزم زيادة ~~الفاسد على الكائن ضرورة. # لأنا نقول: هذا غير معلوم الوقوع فإن الوباء العام لجميع أصناف الحيوانات ~~الشامل لجميع النواحي بحيث لا يبقى حيوان أصلا غير متيقن والمتيقن وجود ~~الوباء في بعض نواحي الأرض دون غيرها وكذا الكلام في الطوفان إذ لا يلزم ~~منه أيضا أن الفاسد من الإنسان أكثر من الكائن من الحيوان لجواز أن يكون ~~بإزاء ما فسد منه كائنات PageV00P458 # من الحيوانات البحرية كالحيتان ونحوها أو الحشرات الأرضية كالدود ~~وأمثالها ولا استبعاد في أن يكون لكل قوم من أرباب الصناعات الدنياوية أمة ~~من الصوامت البحرية والبرية تشبههم خلقا وعيشة كالجند من الأتراك الذي يشبه ~~خلقهم وعيشهم أخلاق السباع وعيشها فلا جرم بعد موت ذلك القوم تنتقل نفوسهم ~~إلى أعظم نوع من السبع ثم إلى الأوسط على المراتب الكثيرة ثم إلى الأصغر في ~~أحقاب كثيرة وأزمنة متطاولة إلى أن يزول عنها تلك الهيئة الردية فحينئذ ~~يترقى إلى عالم الجنان كما مر. # وأقول: العمدة في بطلان التناسخ على جهة النزول هي ملاحظة أن الصورة في ~~كل مركب عنصري أو فلكي يقوم المادة وأن المادة فيه تعين الصورة وتخصصها بل ~~نقول: بين كل صورة سواء كانت نفسا أو غير نفس وبين مادتها سواء ms304 كان بدنا أو ~~غيره نوع اتحاد لا يمكن زوال أحدهما وبقاء الآخر بما هما صورة ومادة فإن ~~نسبة المادة إلى الصورة نسبة النفس إلى التمام. # وهذا ما برهن عليه بالبينات البرهانية والتعليمات الإلهية فوجود كل مادة ~~بما هي مادة إنما هو بصورتها التي بها يخرج من القوة إلى الفعل وهذية كل ~~صورة بما هي صورة إنما هي بمادته التي هي قابلة لتشخصاتها ولوازمها ~~وعوارضها فإذا تكونت مادة من المواد تكونت معها صورتها التي يكون من سنخها ~~وإذا فسدت فسدت صورتها لما علمت أن الصورة ليست إلا تمام المادة وكمالها ~~فوجود الشيء الناقص من حيث هو ناقص مستحيل وكذا كمال الشيء بما هو كماله ~~إذا فسد فسد ذلك الشيء نعم ربما يكون للصورة لا بما هي صورة لشيء بل ~~باعتبار كونها ذاتا مستقلة حاصلة لذاتها وجود آخر وربما يكون لمادة الشيء ~~(لا بما هي مادة له) تقوم بصورة أخرى يوجد معها ويتحد بها نحوا من الاتحاد ~~لأن حقيقة المادة حقيقة جنسية من شأنها الاتحاد بمبادي فصول متخالفة هي صور ~~نوعية فكما أن كل حصة من الجنس إذا عدمت عدم معها الفصل المحصل لها وإذا ~~عدم الفصل عدمت تلك الحصة الجنسية التي يتحد معها ويتقوم بها نوعا فكذلك ~~حال كل نفس ونسبتها إلى البدن الخاص بها في الملازمة بينهما في الكون ~~والفساد فإن النفس من حيث هي نفس هي بعينها صورة نوعية للبدن PageV00P459 # الذي هو بما هو بدن مادة لنفسه إذ النفس ما دامت يكون ناقصة الجوهر ضعيفة ~~الوجود يحتاج إلى مقارنة البدن العنصري لأن وجودها كوجود الأعراض يكون في ~~محل إلا أن محل الأعراض لا يحتاج في كماله الأول إليها بخلاف النفوس والصور ~~فإنهما كما يحتاج إلى المادة تحتاج المادة إليها أيضا على الوجه الدائر ~~دورا غير ممتنع لاختلاف جهة الاحتياج ففساد كل من النفس والبدن من حيث هما ~~نفس وبدن أي صورة ومادة يحصل منهما نوع طبيعي كالإنسان يوجب فسادا للآخر ~~نعم لما جاز أن يكون للنفوس البشرية نحو آخر ms305 من الوجود غير وجودها البدني ~~العنصري ففسادها من حيث كونها صورة ونفسا لا يوجب فسادها مطلقا ومن حيث ~~كونها ذاتا مستقلة مباينة للبدن وقواه. # إذا تمهدت هذه المقدمة نقول: ما من نفس إنسانية إلا ولها وجود استقلالي ~~بعد بوار هذا البدن ولها بحسب ما لها من الأفعال والأعمال نوع فعلية وتحصل ~~في الوجود وهيئات خلقية حاصلة لها بالفعل سواء كانت تلك الأخلاق والهيئات ~~التي يوجب فعلية ذاتها وتحصل وجودها أوصافا ملكية أو شيطانية أو سبعية أو ~~بهيمية فإذا خرجت النفس الإنسانية في مدة كونها العنصري وحياتها الطبيعي ~~ونشئاتها الدنياوية من القوة التي كانت لها في أول الفطرة وصارت بالفعل ~~بحسب ما حصل لها من الأخلاق والملكات منخرطة في سلك أنواع شيء من هذه ~~الأجناس الأربعة التي تحت كل جنس منها أنواع كثيرة كل منها مشتملة على ~~أشخاص غير محصورة في عدد معين فصارت صورة بلا مادة بوجه وفعلية بلا قوة ~~أصلا سواء كانت سعيدة أو شقية منعمة بلوازم أخلاق الشريفة وأعمالها الحسنة ~~أو معذبة بنتائج أخلاقها الخسيسة وأفعالها القبيحة. # وأما الأبدان الأخروية المناسبة لأخلاق النفوس وملكاتها فهي ليست مواد ~~لتلك النفوس حاملة لقوة كمالاتها وهيئاتها بل هي أشباح ظلالية وأظلال ~~مثالية حاصلة من تلك النفوس بمجرد جهات فاعلية بلا مدخلية الجهات القابلية. # وكلما يحصل من الجهة الفاعلية الصرفة والهيئات الصورية المختصة بلا ~~مدخلية القوى المنفعلة والهيئات الاستعدادية فهو لا يكون مادة ولا بدنا بما ~~هو بدن بل وجوده كوجود PageV00P460 # ذي الظل فإن ذي الظل لا يستكمل بظله ولا ينفعل منه ولا يتغير عن حاله ~~بسببه ولا يلتفت إليه. # فهذه الأحكام التي زعمتها أصحاب التناسخ ثابتة للنفس موجبة لانتقالها إلى ~~بدن آخر عنصري حاصلة لها بعد انتقالها إليه منفسخة بما حققناه من صيرورة ~~نفس في مدة حياتها الطبيعية نوعا متحصلا بالفعل بحسب الحقيقة الباطنية. # فإن قلت: أليس الإنسان نوعا واحدا والنفوس الإنسانية كلها أشخاص نوع ~~واحد. # قلنا: نعم من حيثية ولا من حيثية إذ الإنسان بما هو مركب من مادة عنصرية ms306 ~~ذي مزاج معتدل بشري ونفس حافظة لذلك المزاج ومبدإ الفصل وهيئة وصورة لمادته ~~ومدبرة لتدابير الإنسانية وفاعلة لأفعال وأعمال يخصه نوع واحد والنفوس ~~الإنسانية من حيث كونها نفوسا مندرجة تحت نوع واحد من الجهة التي ذكرناها ~~مع قطع النظر عن صيرورة كل منها في منتهى الأمر لأجل الهيئات والملكات التي ~~تصير النفس مصورا بصورة خاصة مباينا للأخرى. # وأما من جهة صيرورة النفس مصورا بصورة عقلية أو آراء جهلية أو هيئات ~~صناعية أو أخلاق سبعية أو ملكات بهيمية فهي لا محالة يصير أنواعا متنوعة ~~وحقائق متخالفة ويتصور بصور متخالفة الهيئات والأشكال في النشأة الثانية لا ~~في هذه النشأة الدنياوية لاستحالته كما قررنا فالنفس ما دامت يكون بالقوة ~~يمكن لها اكتساب أي مرتبة شاءت لمكان استعدادها قبل صيرورتها بالفعل شيئا ~~من الأشياء المتحصلة. # وأما إذا صارت مصورة بصورة فعلية واستحكمت فعليتها ورسوخها وقوى تعلقها ~~ولصوقها بالنفس فاستقرت على تلك المرتبة وبطل عنها استعداد الانتقال من ~~النقص إلى الكمال والتطور من حال إلى حال فإن الرجوع إلى الفطرة الأولى ~~والعود إلى مرتبة التراب والهيولاني كما في PageV00P461 # قوله تعالى: يا ليتني كنت ترابا مجرد تمني أمر مستحيل كما مر والمحال غير ~~مقدور عليه. وبالجملة للنفس الإنسانية نشأت ثلاث إدراكية: # النشأة الأولى هي الحسية ومظهرها الحواس الخمس الظاهرة ويقال لها الدنيا ~~لدنوها ولتقدمها على الأخيرتين وخيراتها وشرورها معلومة لا يحتاج إلى ~~البيان. # والنشأة الثانية هي المثالية ومظهرها الحواس الباطنة ويقال لها الآخرة ~~والعاقبة لما علمت بالمقايسة إلى الأولى و لقد علمتم النشأة الأولى فلو لا ~~تذكرون وينقسم إلى الجنة وهي دار السعداء والجحيم وهي دار الأشقياء ومبادي ~~السعادات والشقاوات فيهما هي الأخلاق والأوصاف الفاضلة والرذيلة. # والنشأة الثالثة هي العقلية ومظهرها القوة العاقلة من الإنسان إذا صارت ~~عقلا بالفعل وهي لا يكون إلا خيرا محضا ونورا صرفا فالنشأة الأولى دار ~~القوة والاستعداد والمزرعة لبذور النفوس والنيات والآخرتان المثالية ~~والعقلية كل منهما دار التمام والفعلية وتحصيل الثمرات وحصد المزروعات فلما ~~لم يكن النفس ذات قوة صرفة ساذجة ms307 من النقوش والأوصاف والملكات إلا في أول ~~كونها ومبدأ فطرتها قبل أن يخرج من فطرتها الأصلية إلى فعلية الآراء ~~والملكات والأخلاق فلا يمكن أن يتكرر لها الهيولانية والقوة الساذجة بحسب ~~فطرة ثانية وتكون آخر حين تعلقها بمادة أخرى حيوانية لأن عروض هذه الحالة ~~الهيولانية لا يمكن إلا بانخلاعها عن جملة الأوصاف والملكات. # وهذا مع استحالته يناقض مذهبهم من أن انتقال النفوس إلى الأبدان ~~الحيوانية بواسطة ثبوت الأخلاق والملكات الردية فيها. PageV00P462 # وأما الحجة الخاصة بإبطال النقل في جهة الصعود فهي أن الحيوان الصامت إن ~~لم يكن نفسه مجردة بل جرمانية فيستحيل عليها الانتقال من بدن إلى بدن ~~لكونها جوهرا ناعتيا وإن كانت مجردة فمن أين يحصل لها الكمال والترقي إلى ~~مرتبة الإنسانية وليست لها من الآلات والقوى إلا ما هي مبادي الآثار ~~الهيولانية والعلائق الأرضية من الشهوة والانتقام اللذين هما أصلان عظيمان ~~للتجرم والإخلاد إلى الأجساد كيف وشئ منهما إذا غلب على الإنسان الذي هو ~~أشرف أنواع العائدات من الكائنات يقتضي أن ينحط درجته إلى نوع نازل من ~~الحيوان المناسب لذلك الخلق سواء كان في هذه النشأة الدنياوية لو كان النقل ~~حقا على ما زعمه الذاهبون إليه أو في النشأة الآخرة كما رآه آخرون وهو الحق ~~عند أهل الله من بطلان النقل فإذا كان مقتضى الشهوة الغالبة والغضب الغالب ~~شقاوة النفس الإنسانية ونزول مرتبتها إلى مراتب الحيوانات العجم التي ~~كمالها في وجود أحد هاتين الصفتين فيها لا غير فيمتنع أن يكون وجود أحد ~~هاتين الصفتين منشأ ارتقائها إلى مرتبة الإنسان. # وأما ما قيل: من أن في الحيوانات شيئا ثابتا في تمام عمرها ولا شيء من ~~أعضاء بدنها إلا وللتحلل فيه لأجل الحرارة الغريزية والغريبة الداخلة ~~والخارجة من الهواء المحيط به سبيل ولو يسيرا يسيرا ولا لأحد أن يقول: ~~فرسية هذه الفرس ونفسه دائما في الانتقال ولها إدراكات كلية لأنا قد نرى ~~أنه إذا ضرب واحد منها بخشبة ثم بعد حين جررت له خشبة يهرب ولو لا أنه بقي ~~في ذهنه معنى ms308 كلي مطابق لضرب من ذلك النوع لم يهرب ولما امتنع إعادة عين ~~الضرب الماضي بل العائد مثله لا عينه فإدراكه ليس بالمعنى الجزئي. # ثم قد نرى هذه الحيوانات مع اشتراكها في الحيوانية مختلفة في قربها إلى ~~العالم الإنساني وبعدها حتى أن بعضها في غاية القرب من أفق الإنسان كالقردة ~~في الأفعال والطوطي في الأقوال ففي بعضها ضرب من القوة العملية وفي ~~PageV00P463 # بعضها ضرب من القوة العلمية. # ثم إن عجائب أحوال بعض الحيوان كتكبر الأسد وحقد الجمل ورئاسة النحل ~~وسماع الإبل المنسي له مشتهياته يشهد بأن لها نفوسا غير منطبعة ينبغي أن ~~يرتقي إلى الإنسانية. وبالجملة نراها متوجهة نحو كمال مترقية إلى غاية فإن ~~كان لها ارتقاء فإلى الإنسان ثم إلى الملك وإن لم يكن ذلك فغير لائق ~~بالجواد الإلهي منع المستحق عن كماله. # فجوابه أن لكل نوع من الأنواع الحيوانية بل النباتية ملكا هاديا وعقلا ~~ملهما إلى خصائص أفعاله متصلا به نحوا من الاتصال وهو رب طلسمه ومقوم ~~ماهيته ذو عناية بأفراد نوعه واختلافها في الشرف والخسة لأجل اختلاف ~~مباديها وأرباب طلسماتها في شدة النورية وضعفها وقربها من نور الأنوار ~~وبعدها منه وأما على طريقة المشائين فغرائب إدراكات بعض الحيوانات ~~وتحريكاتها إنما يكون بمعاونة قوى فلكية وإلهامات سماوية ويجوز أن يصدر من ~~قوى جرمية بمناسبات مزاجية حركات إدراكية كحال الإبل وتلذذه بالسمعيات وعلى ~~تقدير أن يكون لها نفوس غير منطبعة متوجهة نحو كمال ما تكون كمالاتها لا بد ~~وأن تكون عقلانية غير معلوم فإن كثيرا من الناس ليس لهم في النشأة الآخرة ~~درجة عقلية ولهم مع ذلك لذات وكمالات مثالية وابتهاجات ظنية هي الغاية ~~القصوى من الكمال في حقهم إذ لا شوق لهم إلى العقليات ولا نصيب لهم من ~~الملكوت الأعلى. # إنما المحال منع المستحق عما يستحقه وعن الكمال اللائق في حقه لا الكمال ~~المطلق والخير المحض إذ ربما لم يناسبه ولم يستعده ولا يشتاقه. # ثم على تسليم أن لها استعدادا نحو الكمال العقلي فلا نسلم أن ذلك يستدعي ~~اجتيازها ms309 إلى الدرجة الإنسانية وتخطيها إياها فإن الطرق إلى الله وإلى صقع ~~ملكوته لا ينحصر في واحد. PageV00P464 # تقويم تحصيلي وتكميل تمثيلي اعلم أن النفس الإنسانية حاملة للبدن لا ~~البدن حامل لها كما ظن أكثر الخلق حيث قرع أسماعهم أنها زبدة العناصر وصفوة ~~الطبائع وظنوا أن النفس يحصل من الجسم وأنها تقوى بقوة الغذاء ويضعف بضعفه ~~وليس الأمر كما توهموه إنما النفس يحصل الجسم ويوجده وهي الذاهبة به في ~~الجهات المختلفة وهي معه ومع قواه وأعضائه تديره حيث ما دارت تذهب به حيث ~~ما ذهبت من هبوط إلى سفل أو طلوع إلى فوق حيث يمكنه مع كثافة البدن. # وأما الطلوع إلى السماء وعالم النور والضياء وجنة هورقليا فلا يمكنها أن ~~يرتقي إلى هناك بهذه الطينة الكثيفة بل يتصور الطلوع إليها إذا تخلصت من ~~هذه المظلمة الكثيفة كما أن الطلوع إلى جنة المقربين وصقع الكروبين مثل ~~الأفلاطونيين لا يتيسر لها إلا إذا انفصلت عن علوق الأجرام والأشكال ~~وامتزاج الصور والأمثال ولها درجات أخرى فوق هاتين أدناها ما يتوقف على طرح ~~الكونين ورفض العالمين. # والغرض من هذا الكلام أن النفس الإنسانية أجل من أن يتبع البدن في الوجود ~~والهلاك والكون والفساد والقوة والضعف والكمال والنقص وليس الأمر على ما ~~ظنه الجمهور من الطبيعيين والأطباء أن قطع تعلق النفس من البدن تابع ~~لاختلال البنية وفساد مزاج البدن بل الحق أن النفس أولا ينزجر عن البدن على ~~التدريج لرجوعها الطبيعي إلى عالم آخر وانتقالها قليلا قليلا إلى نشأة ~~ثانية لها لأجل حصول تجوهرها واستقلالها يسيرا يسيرا حتى إذا بلغت غايتها ~~من التجوهر ومبلغها من الفعلية والاستقلال في الذات ينقطع تعلقها عن البدن ~~بالكلية وهذا هو الأجل الطبيعي القضائي دون الأجل الاخترامي الذي هو بحسب ~~القواطع الاتفاقية القدرية. # فمنشأ ذبول البدن بعد سن الوقوف شيئا فشيئا إلى أن يهرم ثم يعرض الموت هو ~~فطورات النفس بحسب مراتب قربها إلى النشأة الثانية التي هي النشأة توحدها ~~وانفرادها عن البدن واستقلالها في الوجود. # وهذه الحالات المشاهدة للبدن من الشباب ms310 والشيب والهرم والموت تابعة ~~PageV00P465 # لنظائرها من مراتب القوة والقدرة للنفس على النحو التعاكس فكلما حصلت ~~للنفس قوة وفعلية حصل للبدن وهن ودثور إلى أن يحيا النفس ويموت البدن. # وهذا الذي ذكرناه لا ينافي الشقاوة الثابتة لبعض النفوس وتعذبهم بالجحيم ~~والنيران التي هي نتائج أخلاقهم وملكاتهم الخبيثة وتبعات أفعالهم وأعمالهم ~~السيئة. # فإذا علمت أن موت البدن إنما هو لازم يتبع استقلال النفس في تجوهرها ~~وجودها ورجوعها إلى نشأتها وعالمها الذي هو غير العالم العنصري والبدن ~~الطبيعي تيقنت وتحققت أن تعلق النفس بعد بوار البدن سواء كان بالأجل ~~الطبيعي أو الاخترامي ببدن آخر مستحيل إذ لو تعلقت لتعلقت إلى نطفة حيوان ~~أو جنين بالضرورة. # وعلى ما اعترفوا به أيضا فيلزم على ما أصلناه من البيان الخلف من عدم ~~التطابق التعاكسي بين مراتب استكمال النفس والبدن على الوجه المذكور. # ولنذكر لتوضيح هذا المقام مثلا مقربا إلى الأفهام فاعلم أن مثال البنية ~~الإنسانية في هذا العالم مثال السفينة في البحر المحكمة الآلة المتقنة ~~الأداة بمن فيها من القوى النفسانية والجنود المسخرة بإذن الله المرتبة أمر ~~هذه السفينة المصلحة حالها فإن سفينة البدن لا تيسر لها السير إلى الجهات ~~إلا بهبوب رياح الإرادات التي يختار صاحبها فإذا سكنت الريح وقفت السفينة ~~عن الجريان بسم الله مجراها ومرساها فكما أنه إذا سكنت الريح التي نسبتها ~~إليه نسبة النفس إلى الجسد وقفت السفينة قبل أن يتعطل شيء من آلاتها ويختل ~~واحد من أجزائها وأركانها كذلك جسد الإنسان إذا فارقته النفس لا يتهيأ له ~~الحركة وإن لم يعدم بعد من آلته شيء ولا ذهب من أعضائه عضو إلا ذهاب ريح ~~الروح منه وانفصالها عنه فقط وبالبرهان حقق أن الريح ليس من جوهر السفينة ~~ولا السفينة حاملة للريح بل الريح حاملها ومحركها ولا يقدر السفينة ومن ~~عليها من الجنود وطوائف القوى المختلفة المذاهب المنتقلة بعضها أو كلها من ~~الفطرة الإسلامية إلى PageV00P466 # التهود وغيره على استرجاع الريح بعد ذهابها بحيلة يعملونها أو صنعة ~~يصنعونها كذلك الروح ليس من جوهر الجسم ms311 ولا الجسم حامل للروح ولا يقدر أحد ~~من القوى والكيفيات المزاجية البدنية على استرجاع النفس إذا فارقت الجسم. # والفرق بين الأجل الطبيعي والاخترامي في مثال السفينة هو أنك إذا علمت أن ~~السفينة إذا هلكت لا يخلو عن حالتين إما الفساد من جهة جرمها أو انحلال ~~تركيبها فيدخلها الماء ويكون ذلك سببا لغرقها واستحالتها وهلاك من فيها إن ~~غفلوا عنها ولم يتداركو بإصلاح حالها كهلاك الجسم وقواه من غلبة أحد ~~الطبائع من تهاون صاحبه به وغفلته فلا يبقى النفس معه إذا فسد مزاجه وتعطل ~~نظامه وتعوجت نسبته وضعفت آلته كما لا يبقى الريح للسفينة والريح موجودة في ~~هبوبها غير معدومة في الموضع الذي كانت قبل هلاك السفينة فتلك النفس باقية ~~في معادها كبقاء الريح في أفقها وعالمها بعد تلف الجسم. # وأما القسم الثاني فيكون هلاك السفينة بقوة الريح العاصفة الهابة الواردة ~~منها على السفينة ما ليس في وسع آلتها حملها ولا القدرة عليها فيضعف الآلة ~~وتكسر الأداة فإن كان من فيها عارفين بموجب التقدير الإلهي اطمأنت نفوسهم ~~وسلموا إلى ربهم ووعظ بعضهم بعضا بالصبر وقلة الجزع وشوق الارتحال إلى دار ~~المعاد فإذا تم لهم العلم بهذه السياسة والعمل بموجب العقل فقد استراحوا من ~~الغم والهم ووصلوا إلى نعيم الدائم وإن كانوا غير عارفين بموجب التقدير ~~الإلهي وإن كل ما فعله الحكيم خير وصواب ولا مستمعين لحديث الانقياد ~~والتسليم فجزاؤهم الجحيم والحرمان عن النعيم والبعد عن الحق العليم. # تتميم حدسي واعلم أيها السالك الخبير والطالب البصير بقوة حدسك أنك قاصد ~~بحسب PageV00P467 # الفطرة إلى ربك صاعد إليه منذ يوم خلقت نطفة في الرحم وربطت بها نفسك ~~تنقل من حال أدون إلى حال هي أكمل ومن مرتبة هي أنقص إلى أخرى هي أعلى ~~وأشرف إلى درجة هي أرفع إلى أن تلقى ربك وتشاهده ويوفيك حسابك وتبقى عنده ~~نفسك أما فرحانة متلذذة مسرورة مخلدة أبدا سرمدا مع النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا أما محزونة متألمة خاسرة متعذبة بنار ~~الله الموقدة التي تطلع على ms312 الأفئدة مع الكفرة والشياطين والفجرة ~~والمنافقين فبئس القرين. # بل جميع الموجودات في السلوك إلى الله وهم لا يشعرون لكن هذه الحركة ~~والسير إلى الله تعالى في الإنسان الكامل الذي يقطع أكثر القوس الصعودي إلى ~~الله تعالى أظهر كما يعرفه أهل النظر وأصحاب الفكر من الذين لم يعم أبصارهم ~~عن إدراك الأشياء بغشاوة التقليد والمراء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # فصل في كيفية حصول العقل الفعال في نفوسنا اعلم أن للعقل الفعال وجودا في ~~نفسه ووجودا في أنفسنا فإن كمال النفس الإنسانية وتمامها إنما هو وجود ~~العقل الفعال واتصالها به واتحادها معه فإن ما لا وصول لشيء إليه بنحو من ~~الاتحاد وضرب من الاتصال لا يكون هو غاية لوجود ذلك الشيء وكأنا قد أومأنا ~~في ذلك إلى نبذ من البيان يكفي لأهل العرفان وإن استشكل الأمر على أحد من ~~جهة أن شيئا واحدا كيف يكون مبدءا فاعليا لشيء متقدما عليه وغاية ذاتية ~~لاحقة به بعد مراتب تصعداته في الوجود وترقياته في الكون فعليه أن ينظر في ~~ما حققناه ويسلك الطريق الذي سلكناه في أسفارنا الإلهية ورياضاتنا القدسية ~~حيث عرفنا بنور البرهان وشهود العيان أن المبدأ الأعلى له الأولية والآخرية ~~لأجل انبساط وحدته الحقة وشمول هويته الإلهية التي هي فاعل الهويات وجاعل ~~الإنيات وثمرة الوجودات وغاية PageV00P468 # الخيرات لأن وحدة الحقة ليست كسائر الوحدات التي يحصل بتكررها الأعداد ~~فلا ثاني لوحدته كما لا مثل لوجوده بل أحديته الصرفة سارية في الكثرات ~~ووحدته الحقة نافذة في مراتب الموجودات جامعة لأنحاء الهويات شاملة لأطوار ~~الإنيات كما قال مولانا أمير المؤمنين ع مع كل شيء لا بمزاولة وغير كل شيء ~~لا بمزايلة فلأجل سعة رحمته وشمول وجوده لا يأبى وجوده الابتدائي وجوده ~~الانتهائي فمنه ينشأ الموجودات في الابتداء وإليه ينتهي الإنيات في ~~الانتهاء فكذلك وحدات الأنوار القاهرة العقلية ظلال لوحدته القيومية لأن ~~العقول الفعالة ليست إلا شؤونه الإلهية وتجلياته القيومية فوحدتها أنموذج ~~لوحدة الحق ولهذا صارت وسائط ظهور الأشياء من المبدإ الأعلى ووسائل رجوع ~~الموجودات ms313 إلى الله تعالى. # ثم إنه لا شك أن النظر في العقل الفعال من حيث وجوده في نفسه إنما يليق ~~بالإلهيات وقد ثبت إثبات ذلك بالبرهان وليس النظر فيه الآن من حيث ذاته بل ~~من حيث كونه كمالا للنفس وتماما لها ومن جهة تأثير النفس به وانفعالها عنه ~~والبرهان على وجوده في النفس أن نفس الإنسان في أول صباه بالقوة في الكمال ~~العقلي والوجود المفارقي وإن كانت بالفعل في كونها صورة وكمالا للجسم ~~الطبيعي الآلي ذي الحياة بالقوة من جهة الأفاعيل البشرية والتدابير ~~الإنسانية ثم يصير بالفعل في تصوير الحقائق وإفاضة العلوم وتدوين المسائل ~~وترتيب السياسات العقلية والناموسية وكلما خرج من القوة إلى الفعل فلا بد ~~له من أمر به يخرج إلى الفعل وهذا أيضا لا بد له من سبب يخرجه إلى الفعل إن ~~لم يكن مفطورا على الكمال العقلي مقدسا عن شائبة القوة والنقص الهيولاني ~~ولاستحالة الدور والتسلسل لا بد من الانتهاء إلى كامل بالفعل عاقل فعال ~~مقدس عن النقص والزوال. # وهذا النحو من الوجود معلوم أنه ليس بجسم من الأجسام لأن الجسم لا يكون ~~معقولا بالفعل ولا عاقلا أبدا فلا يكون سببا لما ليس بجسم والكلام في وجود ~~سبب يصير به النفس عقلا بالفعل والمعقول من الجسم صورة عقلية لا يحمل عليه ~~الجسم بالحمل الشائع الصناعي فضلا عما سواه من المعقولات التي ليست بجسم ~~ولا هي PageV00P469 # منطبعة في جسم فلا يدخل في مكان أو وضع حتى يجاورها أو يحاذيها جسم فيؤثر ~~فيها لما تقدم أن تأثير الجسم والجسماني في الأشياء بمشاركة الأوضاع ~~المكانية فإن القرب الوضعي في الجسمانيات بإزاء القرب المعنوي في ~~العقلانيات في قبول الأثر والانفعال واستجلاب الفيض والأفعال. # والواجب وإن كان هو الفياض على الإطلاق في كل موجود والجواد المحض على كل ~~قابل للوجود لكن في كل نوع من أنواع الكائنات بوسط يناسبه من الملائكة ~~المقربين وأرباب الأنواع الطبيعية المعتنين بأمر الله تعالى بكلاءة أشخاصها ~~وهم المسمون عند أفلاطون والأفلاطنيين بالمثل الإلهية ولا شك أن أولها بأن ms314 ~~يعتنى تكميل النفوس الآدمية هو الذي يسميها الشرع جبرئيل وروح القدس وفي ~~ملة الفرس يسمى روانبخش. # وفي كثير من الآيات القرآنية تصريحات بأن هذه المعارف في الناس والأنبياء ~~يحصل بواسطة الملائكة بل استكمال جميع الخلق في أنحاء كمالاتهم والوصول إلى ~~مآربهم وحاجاتهم إنما يكون بتأييد الملك وإمداده فصل في نبذ من أحوال هذا ~~الملك الروحاني المسمى عند العرفاء بالعنقاء على سبيل الرمز العنقاء محقق ~~الوجود عند العرفاء لا يشكون في وجوده كما لا يشكون في وجود البيضائي وهو ~~طائر قدسي مكانه جبل قاف صفيره يوقظ الراقدين في مرقد الظلمات وصوته تنبيه ~~الغافلين عند تذكير الآيات نداؤه ينتهي إلى أسماع الهابطين إلى مهوى ~~الجهالات المترددين كالحيارى في قرية الظالم أهلها والهاوية PageV00P470 # الظلماني الوحشاء ولكن قل من يستمع إليه لأن أكثرهم عن السمع لمعزولون ~~وعن آيات ربهم معرضون هو مع جميع الخلق وهم لا معه. # با مائي وبا ما نه اى * جائى از آن پيدا نه اى وكل من به علة الاستسقاء ~~أو يكون رهين الدق يستشفي بظلاله وكذا من به علة ماليخوليا ينتفع بسماع ~~صفيره بل الأمراض المختلفة والعلل المعضلة تزول بآثار أجنحته ورياشه إلا ~~مرض واحد من مهلكات الأمراض وهو الجهل الراسخ الممتزج بالعناد والاستكبار ~~وله الطيران صعودا وهبوطا من غير حركة وانتقال والذهاب والمجيء من غير تجدد ~~ولا زوال وإليه القرب والبعد من دون مسافة ولا مكان ولا تغير ولا زمان ظهرت ~~منه الألوان في ذوات الألوان وهو مما لا لون له في نفسه ومن فهم لسانه يفهم ~~جميع ألسنة الطيور ويعرف كل الحقائق والأسرار مستوكرة المشرق ولا يخلو عنه ~~ذرة من المغرب الكل به مشتغل وهو فارق عن الكل والمكان مملو منه وهو خال عن ~~المكان والتمكن العلوم كلها والصنائع مأخوذة مستخرجة من صفيره والنغمات ~~اللذيذة والأغاني العجيبة والأرغنونات المطربة وغيرها مستنبطة من أصوات هذا ~~الطير الشريف الذات المبارك الاسم. # چون نديدى شبى سليمان را تو چه دانى زبان مرغان را كل من يعوذ بريش من ~~رياشه يجوز ms315 النار آمنا من الحرق ويعبر على الماء مصونا من الغرق نسيم الصبا ~~من روائح أنفاسه. ولأجل ذلك أحباء الله وأهل العرفان يخاطبون معه بأقوالهم ~~وعشقاتهم ويكشفون عنده من ضمائرهم في خطبهم ومناجاتهم وله أسماء كثيرة ومن ~~جملة أسمائه كلمة الله العليا ومن أنواره يحصل الكلمات الصغرى كما أن من ~~ظلاله البعيد يحصل الكلمة السفلى قال الله تعالى و جعل كلمة الذين كفروا ~~السفلى و كلمة الله هي العليا وكلمة الله ليست من جنس PageV00P471 # الأصوات والحروف بل يناسب ذاته وصفاته. # وكيفية وساطة الملك العقلاني في استكمالنا العلمي أن المتخيلات المحسوسة ~~ما لم يحضر في خيالنا لما يحصل منها المعاني الكلية المجردة ولكنها في ~~ابتداء الصبا يكون في حكم الصور المرئية الواقعة في موضع مظلم فإذا كمل ~~استعداد النفس أشرق نور العقل الفعال على الصور الحاضرة في الخيال فوقع ~~منها في صقع النفس المجردات الكلية والمثل العقلية وغيرها كما يقع من الصور ~~الملونات عند إشراق الشمس عليها أمثلة في الأبصار السليمة فالشمس مثال ~~للعقل الفعال وبصيرة النفس مثالها قوة الأبصار والمتخيلات مثالها المحسوسات ~~فإنها محسوسة مرئية بالقوة في الظلام والعين مبصرة بالقوة ولا يخرج إلى ~~الفعل إلا بسبب هو إشراق الشمس فكذلك هاهنا ومهما أشرق هذا النور ميزت ~~القوة العقلية من الصور المكتسبة في الخيال العرضي عن الذاتي والجنس عن ~~الفصل والحقيقة للشيء عن الغريبة منها وأخذتها مجردة عن الغريب الذي ليس ~~ذاتيا فيكون مجردا وكليا وعقليا إذا بطلت جزئيته وضيق وجوده بحذف القيود ~~والمخصصات والتعلقات التي هي عرضية خارجة عن حاق كنه الشيء وأصل تجوهره ~~وقوامه الذي يعبر عنه بالمثال العقلي والمبدإ الفاعلي والمقوم الذاتي الذي ~~سعة وجوده وبسط هويته بحيث يكون نسبته إلى جميع الأشخاص الصادق عليها ~~المتحد بها نسبة واحدة وهذه الطبائع الكلية عنوانات لذوات نورية وهويات ~~عقلية وملائكة قدسية ومثل نورية هي مظاهر أسمائه الله الحسنى الكلية عند ~~أقوام من الصوفية. # فصل في السعادة الحقيقية للنفس من جهة العقل النظري والعقل العملي ~~والشقاوة التي لها بحسبها اعلم أن ms316 النفس الإنسانية إذا استعدت بالاستعداد ~~لقبول فيض العقل الفعال بمزاولة أعمال علمية وحركات فكرية ورياضات لطيفة ~~شوقية وآنست بالاتصال به والإلف معه PageV00P472 # على الدوام انقطعت حاجته من النظر إلى البدن ومقتضى الحواس ولكن لا يزال ~~يجاذبها ويشغلها ويمنعها عن تمام الاتصال وروح الوصال فإذا انحط عنه شغل ~~البدن ووسواس الوهم ودعابة المتخيلة بالموت ارتفع الحجاب وزال المانع ودام ~~الاتصال لأن النفس باقية والعقل الفعال باق أبدا والفيض من جهته مبذول ~~لذاته والنفس مستعدة لقبوله بجوهرها إذا لم يكن مانع وقد زال المانع فدام ~~الاتصال فإن البدن والحواس وإن احتيج إليها في الابتداء ليحصل بواسطتها ~~الخيالات حتى يستنبط النفس من الخيالات المعاني المجردة ويتفطن بها منها إذ ~~لا يمكن لها ابتداء التفطن بالمعارف إلا بواسطة الحواس وقد قيل من فقد حسا ~~فقد علما. # فالحاسة نافعة في الابتداء كالشبكة للصيد والمركب للوصول إلى المقصد ثم ~~بعد حصول المطلوب للطالب يصير عين ما كان شرطا وبالا بحث يكون الفائدة في ~~خلاصه منه لكونه مانعا من التمتع بالمقصد بعد الوصول وشاغلا. # وقد علمت أن سعادة كل قوة بنيل ما هو مقتضى طبعها بغير آفة وحصول كمالها ~~من غير عائق وكمال كل قوة من نوعها أو جنسها فكمال الشهوة وسعادتها هو ~~اللذة وكمال الغضب وسعادته هو الغلبة وللوهم الرجاء والتمني وللخيال تصوير ~~المستحسنات وللنفس بحسب ذاتها العقلية الوصول إلى العقليات وصيرورتها ~~موضوعة للصور الإلهية من لدن الحق الأول إلى أدنى الوجود. # وأما سعادتها وخاصيتها بحسب مشاركة البدن فصدور أفعال سائغة إلى الخلق ~~العدالة وملكتها وهي أن يتوسط النفس بين الأخلاق المتضادة البدنية فيما ~~يشتهي ولا يشتهي وفيما يغضب ولا يغضب لئلا ينفعل عن البدن وقواه. # فإن إذعانها للبدن وقواه من موجبات شقاوتها وبعدها عن الباري تعالى. # فإن الارتباط الذي هي بين النفس والبدن يوجب انفعال كل منهما عن الآخر ~~فتارة يحمل النفس على البدن فيقهره تأييدا من الله تعالى وتارة يسلم للبدن ~~وتنقهر عنه بإغواء الشيطان بواسطة تلبيس الوهم وتزيينه مشتهيات البدن على ~~النفس فإذا ms317 تكرر تسلمها له انفعلت عنه وحدثت فيها هيئة انقيادية حتى أنه ~~ليعسر عليها بعد ذلك ما كان لا يعسر قبل من ممانعته وكفها عن إغواء ~~PageV00P473 # قواها وخصوصا الوهمية وإذا تكرر قمعها له واستعلاؤها عن انقياده حدثت ~~فيها هيئة عقلية استعلائية يسهل عليها ما لم يكن يسهل من قبل وهذا ~~الاستعلاء على البدن وعدم الانفعال عن دواعيه إنما يحصل للنفس بأن يفعل ~~الأفعال البدنية التي لا بد لها من فعلها ما دامت في البدن على التوسط كما ~~أن الهيئة الإذعان يحصل لها بوقوع الأفعال منها في طرف واحد من الإفراط ~~والتفريط فكان أفعال التوسط بمنزلة ترك الأفعال البدنية وعدم الالتفات ~~إليها كما أن الفاتر من الماء لا حار ولا بارد وهيئة الاستعلاء والتنزه ~~ليست غريبة عن طبع النفس بل من طبع التجرد والتوحد من المادة والهيئة ~~الإذعانية هي الغريبة في المجرد من حيث هو مجرد المستفادة من المادة التي ~~تعلق بها فسعادة طبع النفس وخاصيتها الوجود الاستقلالي والتنزه عن المواد ~~والأجرام وإدراك المعارف والعلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه ومشاهدة ~~الأشباح العقلية والذوات الروحانية وليس للحس هذه العقليات أصلا فظهر أنه ~~لا يقاس هذه اللذات إلى ما يناله الحس من اللذات المكدرة الجرمية الداثرة ~~والمرغوبات الترابية الكثيفة الزائلة وسبب خلونا عن إدراك لذة العلوم ~~والمعارف ونحن في شغل البدن هو مثل التخدير الحاصل لقوة الذوق حين عدم نيل ~~لذة الطعوم والحلاوات بواسطة مرض بوليموس فلو فرض كون المعارف التي هي ~~مقتضى طباع القوة العقلية وخاصيتها من معرفة الله وملائكته ورسله وكيفية ~~صدور الوجود منه على أحسن نظم وأليق ترتيب حاضرة حين اشتغلت بها في البدن ~~عن أن يصير مستغرقة بالبدن وعوارضه فيستوعب الهم به لكانت لذة النفس بها ~~لذة لا يدرك الوصف كنهها وإنما لا يشتد الرغبة والشوق من العرفاء بمعارفهم ~~في هذا الآن لعدم الذوق التام فإن اللذيذ هو نحو وجود هذه المعلومات ~~الخارجي وإنما الحاصل عند النفس نحو وجودها الضعيف الذهني وإنما ضعف وجودها ~~لضعف إدراك النفس لها ms318 لأجل غورها في البدن وإلا فهي أقوياء الوجود وظاهرة ~~النورية والوضوح بحسب أنفسها لكن هذه المعرفة الضعيفة من النفس لها بحسب ~~المفهوم والمعنى إذا كانت مطابقة لما هي عليها في الواقع يؤدي بعد رفع ~~غشاوة البدن إلى مشاهدة المقربين ومصاحبة المقدسين التي لا سعادة فوق ~~مشاهدتهم PageV00P474 # فإن المعرفة التامة في هذه الدنيا بذر المشاهدة التامة في الآخرة فهذه ~~اللذة العقلية لنفس كملت في هذا العالم بالعلم فإن كانت منفكة عن العلوم ~~منزهة عن الرذائل ليكون مصروفة الهمم إلى المتخيلات فلا يبعد أن يتخيل ~~الصور الملذة فينجر إلى مشاهدتها بعد رفع البدن كما في النوم الذي هو ضرب ~~من الموت لأنه عبارة عن ترك النفس استعمال بعض قواها المحركة والحساسة ~~فيتخيل ما وصف في الجنة من المحسوسات وهذه جنة المتوسطين الصالحين وتلك هي ~~جنة الكاملين المقربين. # واعلم أن الوجود هو السعادة والشعور بالوجود سعادة أيضا لكن الوجودات ~~متفاضلة وأشرف الوجودات هو الوجود الحق الأول فأدونها هو الوجود الهيولى ~~والزمان والحركات وما يشبهها ووجود كل شيء لذيذ عنده ووجود علته ألذ لو ~~أدركه على كنهه فإن علة الشيء مقوم ذاته وكمال هويته. # والوجودات لما كانت متفاوتة فالسعادات التي هي الشعورات بها متفاوتة وكما ~~أن وجود القوى العقلية أشرف من القوى الحيوانية الشهوية والغضبية والقوى ~~التي هي نفوس البهائم وسائر الحيوانات فسعادتها أجل ولذاتها أتم وأما عدم ~~التذاذنا الآن بالسعادة العقلية مع أنها حاصلة فهو إما لمرض نفساني وإما ~~لاشتغالنا بالبدن وكما أن الآفة إذا زالت عن الحاسة السقيمة عادت إلى ما ~~لها بالطبع فكذلك مقارنة النفس للبدن إذا بطلت ورجعت إلى ذاتها وذات علتها ~~الفياضة ومعاينة جمالها يكون لها من اللذة والسعادة ما لا يمكن أن يوصف أو ~~يقاس به اللذة الحسية وذلك لأن أسباب هذه اللذة أقوى وأكثر وألزم للذات أما ~~قوتها فلأن الإدراك عقلي محصل لحقيقة الشيء الملائم والمدرك هو البهاء ~~المحض والخير الصرف والجود الذي يفيض عنه كل خيرية وكل نظام وكل لذة وكذلك ~~ما بعده من الجواهر العقلية ms319 والملائكة الروحانية التي هي معشوقات بذواتها. # وأما الأمر الشهواني فإدراكه يتعلق بالظواهر غير متوغل إلى حقيقة الشيء ~~الملائم بل إنما يصله إلى ظاهره وبسيطه ومدركه هو من المأكولات والملموسات ~~والروائح وما أشبهها وأما أكثريتها فلأن مدرك القوة العقلية هو الكل ويدرك ~~الحس PageV00P475 # والمشاعر الحيوانية بعض من الكل وهي المحسوس منه والقوة الحسية ليس ~~بملائمها جميع محسوساتها بل بعض منها ينافيها وبعض يلائمها بخلاف العقل فإن ~~كل معقول يلائمه ويكمل ذاته وذلك لأن الحسيات يقع فيه التضاد والتضايف ~~والمنافرة لقصور وجوداتها وآفتها والعقليات لها الفسحة والسعة والخيرية ~~والتمام والملائمة. # وأما أنها ألزم للذات فإن الصور العقلية التي يعقلها العقل يصير ذاته بل ~~كانت بعض تلك الصور قبل أن يقع له الشعور بها مقومة لذاتها وكان غافلا عنها ~~فيرى ذلك الجمال والبهاء لذاته والمدرك العقلي أيضا ذاته فوصول سبب الإلذاذ ~~إلى المستلذ العقلي أشد وأوغل من ذاته وهذه اللذة شبيه باللذة التي للمبدإ ~~الأول بذاته وبإدراك ذاته وللروحانين. # ومعلوم أن لذة الملائكة بإدراك ذواتهم العقلية النورية فوق لذة الحمار ~~بإدراك صورة الجماع والقضيم ونحن لا نشتهي تلك اللذة بالطبع بل بالعقل ولا ~~نحن إليها ولا نتصور من ذواتها إلا باعتبار مفهومات ذهنية صادقة عليها ~~ومفهوم الشيء ومعناه غير حقيقته وهويته ونحو وجوده فإن مفهوم الحلاوة ليس ~~حلوا إلا أن البرهان والعقل يدعوان إلى وجود المستلذات العقلية والمعرفة ~~بالعقليات في الدنيا منشأ الحضور والوجدان في العقبى لما مر أن المعرفة بذر ~~المشاهدة وذلك لأن الحجاب بين العقليات والعقل ليس إلا عدم التفطن بها وهو ~~الجهل أو الاشتغال بغيرها كالبدن والمواد الجسمية وقواها المنطبقة فإن ~~النفس إنما يتوصل إليها باكتساب العلم بحقائق الموجودات والقوة العقلية ~~مستعدة بالطبع لقبول الصور المعقولة من المفارق وليس بعد المفارقة إعراض عن ~~تلك الجهة إلى جانب البدن فيكون مجرد المعرفة باللذائذ العقلي سبب الوصول ~~إليه عند رفع المانع وهو الاستغراق بالبدن وقد انقطع بالموت بخلاف الشعور ~~بالمحسوسات والتخيل لها فإنه غير كاف للوصول إليها والإحساس بها لإمكان ~~الحجب الجسمانية ms320 بين الحواس ومحسوساتها اللذيذة والسبب فيه ضيق وجودها وفقد ~~بعضها عن بعض وغيبته عنه حتى أن الجسم الواحد يغيب جزؤه عن جزء آخر بل عن ~~كله وكذا يغيب كله عن جزئه بل لا حضور لشيء منه عند شيء وكذا الجسماني ~~القائم بالجسم من الصفات والأعراض. # ولهذا ليس للأجسام بما هي PageV00P476 # أجسام حياة وإدراك والأجسام الحية ليس كونها جسما هو بعينه كونها حية ~~إنما الحياة لها كون آخر يطرأ عليها بسبب حي بالذات هو نفسها الحيوانية ولو ~~كان وجود الجسم بما هو وجود الجسم حياة لكان وجود كل جسم حياة له وليس ~~كذلك. # وأما ما ليس بجسم فلا يمتنع أن يكون وجوده هو بعينه كونه بصفة الحياة ~~كالموجود الأول والعقول المفارقة الذوات والنفوس والحياة ليست ما به يكون ~~الشيء حيا فإنه من المستحيل أن يصير الشيء بهذا الكون ذا هذا الكون بل حياة ~~الشيء حية كما هو طريقتنا في باب الوجود والمضاف والأين والاتصال في الصورة ~~الجسمية والنورية في المفارقات والتقدم والتأخر في أجزاء الزمان. # والحاصل أن الوجود الجسماني بصحبة الغفلة والموت والهجران والفوت سواء ~~كان هذا الوجود في طرف المدرك المشتاق أو في طرف المدرك المشتاق إليه لما ~~علمت من قلة الحضور والوجدان فيها حتى شعورنا بذاتنا ووجودها لنا حين ~~فارقنا البدن يكون أتم وأوكد وذلك لأنا لا نشعر بذواتنا مع هذه العلاقة ~~البدنية إلا مخلوطا بالشعور بالبدن لنحو اتصال وارتباط بين النفس والبدن ~~(ارتباط النور بالظل والشعلة بالدخان والشخص بالعكس) إذا فرض أنه قابلية ~~مرآة وفرض أنه لم ير بعد صورتها في المرآة وذلك لأنا لا نعقل شيئا ونحن ~~بدنيون إلا ويقترن به خيال أغلب من العقل. فإذا انقطعت العلاقة بين النفس ~~والبدن وزال هذا الشوب صارت المعقولات مشاهدة والشعور بها وبذواتنا المتحدة ~~معها شهودا إشراقيا وكشفا حضوريا ورؤية عقلية فكان التذاذ النفس بحياتها ~~العقلية أتم وأفضل من كل خير وسعادة. # وقد عرفت أن اللذيذ بالحقيقة هو الوجود وخصوصا العقلي وخصوصا المعشوق ~~الحقيقي والكمال المطلق الأتم الواجبي وأن الالتذاذ ms321 به هو أفضل الالتذاذ ~~وأفضل الراحة بل هي الراحة التي لا ألم فيها فهذه النفوس التي صارت عقولا ~~بالفعل ستصير إلى راحة لا ألم فيها ووصال لا هجران معه وهذه الأمور لا مدخل ~~لها في الوهم. وليس لجمهور الناس إلا سماع ألفاظ دالة عليها إلا أن البرهان ~~دل عليها كما دل على حقيقة الواجب الوجود وأحوال إلهية فإن القدر الذي من ~~البهجة يناله النفوس PageV00P477 # المتألهة بالمشاهدة ليس لغيرهم إلا حكايته فإن البهجة تابعة للمشاهدة ~~وحيث يخفى قدر المشاهدة يخفى قدر البهجة فكذلك حالنا في اللذة التي نعرف ~~وجودها لنا إن شاء الله ولا نتصورها مشاهدة لكنا نعلم أنها إذا ارتاحت ~~نفسنا في حياتنا الدنياوية إلى ذكر الله تعالى وفرحت بذكر صفاته العليا من ~~كيفية علمه بجميع الأشياء على وجه لا يعتريها تكثر وتجدد وقدرته على جميع ~~المقدورات بحيث لا يلحقها تغير ولا انفعال ولا فتور ولا إعياء وكيفية عينية ~~صفاته لذاته وكيفية ترتيب الوجود منه على أليق نظام وأفضل هيئة لكانت لها ~~مناسبة إليها يؤذن بأن تنال من السعادة عند الفراغ عن البدن قدرا يعتد به ~~وخصوصا النفس التي أحكمت المسائل وأتقنت العلوم والمعارف على أتم وجه ~~وأبلغه وأقل مراتب السعادة العقلية للنفوس بأن يكتسب هاهنا العلم بالأول ~~تعالى ويعرف نحو وجوده وعنايته وعلمه وإرادته وقدرته وسائر صفاته والعقول ~~الفعالة التي هي ملائكة الله ووسائط فيضه وجوده ويعرف النظام في العالم ~~المبتدأ عن الباري المنتهي الأجسام والمواد ثم الراجع إليه مرتقيا إلى ~~النبات والحيوان والإنسان وهلم إلى درجة العقل المستفاد المضي في المعاد ~~ومن فاز بهذه المعارف فقد فاز فوزا عظيما ونال سعادة عقلية ونعمة سرمدية ~~وخلص عن النقصية التي في فقدها بإزائها ولما علمت أن السعادة العقلية من ~~جهتي العقل النظري والعقل العملي للإنسان وعلمت أن الشرف والفضيلة والزينة ~~والكمال والسرور والغبطة للنفس إنما يحصل بسبب الجزء النظري الذي هو جهة ~~ذاتها وحيثية هويتها. وأما ما يحصل لها بحسب الجزء العملي الذي هو جهة ~~إضافتها إلى البدن وتوجهها إلى ms322 السفل وهو غير داخل في قوامها من حيث ذاتها ~~بل إنما يقوم به من حيث نفسيتها فليس للنفس بحسبه إلا البراءة عن النقص ~~والشين والخلاص عن العقوبة والجحيم والهلاك والعذاب الأليم والخلاص عن ~~الرذائل وذلك لا يستلزم الشرف العقلي والسعادة الحقيقية وإن لم يكن خاليا ~~عن السعادة الوهمية والخيالية كما هو حال الصلحاء والزهاد وأهل السلامة من ~~العباد على ما سنشرحه. # وأما الشقاوة العقلية التي بإزاء السعادة الحقيقية العقلية فهي إما بحسب ~~الهيئات PageV00P478 # البدنية من المعاصي الحسية الشهوية والغضبية وإما بحسب الجحود للحق ~~وإنكار العلوم الحقة الحكمية والعصبية باختيار بعض المذاهب والآراء مع محبة ~~الرئاسة وطلب الجاه والتشوق إلى الكمال من دون الوصول إليه. # أما بيان الشقاوة في القسم الأول فهو أن هذه الهيئات الانقهارية ~~والانفعالات البدنية للنفس يمنعها عن الوصول إلى السعادة في الآخرة ومع ذلك ~~فيحدث نوعا من الأذى عظيما لعدم المألوف العادية ووجود ملكة الرغبة إليها ~~وعدم ما يشتغل النفس عن تذكرها وذلك لأن هذه الهيئات قبيحة في نفسها مؤلمة ~~لجوهر النفس مضادة لحقيقتها لكن كان إقبال النفس على البدن يشغلها عن ~~الإحساس بفضيحتها ومضادتها لجوهر النفس والآن إذ زال ذلك الإقبال والاشتغال ~~فيجب أن يحس بإيلامها ومضادتها كما في قوله تعالى: # فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد فيتأذى بتلك الهيئات الردية أشد أذى ~~كما أن من به آفة مؤلمة أو مرض أو له شغل شاغل فينفعل عنه فإذا فرغ من ذلك ~~أحس به. # فهذه بقسميها شقاوة عقلية ونحن بصدد إثبات الشقاوة الجسمانية من النار ~~والجحيم والزقوم وتصلية جحيم في مقابلة السعادة الجسمانية في الفصل التالي ~~إن شاء الله تعالى الله العزيز بتأييده وقوته ولكن لما كانت هذه الهيئات ~~الانقيادية غريبة عن جوهر النفس كما مر وكذا ما يلزمها ويتفرع عنها من ~~الأشباح المعذبة الجهنمية فلا يبعد أن يكون مما يزول في مدة من الدهر ~~متفاوتة على حسب كثرة العوائق وقلتها إن شاء الله تعالى ويشبه أن يكون ~~الشريعة إشارة إلى هذا حيث روي أن المؤمن الفاسق ms323 لا يخلد في العذاب. # وأما القسم الثاني من الشقاوة العقلية فهو النقص الذاتي للشاعر بالعلوم ~~والكمال العقلي في الدنيا والكاسب شوقا لنفسه إليه ثم تارك الجهد فيه ~~ليكتسب العقل بالفعل اكتسابا ما فقدت منه القوة الهيولانية وحصلت له فعلية ~~الاعوجاج والصور الباطلة PageV00P479 # المخالفة للواقع أو القول على العصبية والجحد فهي الداء العليا التي أعيت ~~أطباء العقول والأرواح عن علاجها إذ المحال غير مقدور وهذا الألم الكائن ~~عنها هو بإزاء اللذة الكائنة عن مقابلها وكما أن تلك أجل من كل إحساس ~~بملائم كذلك هذه أشد من كل إحساس بمناف من تفريق اتصال ناري أو زمهريرى أو ~~ضرب أو قطع وعدم تصور ذلك الألم في الدنيا بسبب ما ذكرناه من المعنى الذي ~~قررناه في عدم وجدان اللذة المقابلة له وكما أن الصبيان لا يحسون باللذات ~~والآلام التي يحض المدركين ويستهزئون بهم وإنما يستلذون ما هو غير لذيذ ~~ويكرهه المدركون كذلك صبيان العقول وهم أهل الدنيا لا يشعرون بما أدركه ~~العقول الذين يخلصون عن المادة وعلائقها. # فصل في سبب خلو بعض النفوس عن المعقولات وحرمانهم عن السعادة الأخروية ~~واعلم أن القوة العقلية التي هي محل العلوم والمعارف هي اللطيفة المجردة ~~المدبرة لجميع الجوارح والأعضاء المستخدمة لجميع المشاعر والقوى وهي بحسب ~~ذاتها قابلة للمعارف والعلوم كلها إذ نسبتها إلى الصور العلمية نسبة المرآة ~~إلى المتلونات وإنما المانع من انكشاف الصور العلمية لها أحد أمور خمسة كما ~~ذكره بعض أفاضل العلماء في مثال المرآة. # أحدها نقصان جوهرها وذاتها قبل أن يتقوى كنفس الصبي فإنها لا يتجلى لها ~~المعلومات لنقصانها وهذا بإزاء نقصان جوهر المرآة وذاتها كجوهر الحديد قبل ~~أن يذوب ويشكل ويصقل (يصيقل). # والثاني خبث جوهرها وظلمة ذاتها لكدورة الشهوات والتراكم الذي حصل على ~~وجه النفس الناطقة من كثرة المعاصي فإنه يمنع صفاء القلب وجلاه فمنع ظهور ~~الحق فيها بقدر ظلمتها وتراكمها كصداء المرآة وخبثها وكدورتها المانعة من ~~ظهور الصورة فيها وإن كانت تامة الشكل. # واعلم أن كل حركة أو فعل وقعت من النفس حدث ms324 في ذاتها أثر منها فإن كانت ~~شهوية أو غضبية صارت بحسبها عائقة من الكمال الممكن PageV00P480 # في حقها وإن كانت عقلية صارت بحسبها نافعة في كمالها اللائق فكل اشتغال ~~بأمر شهوي أو غضبي كنكتة سوداء في صفحة مرآة النفس فإذا تكثرت وتراكمت ~~أفسدتها وغيرتها عما خلقت لأجله كتراكم الغبارات والأصدية في المرآة ~~الموجبة لفساد جوهرها وزوال قابليتها لانطباع الصور فيها وإليه الإشارة بما ~~روي من قوله ص من قارن ذنبا فارقه عقل لم يعد إليه أبدا معناه حصل في قلبه ~~كدورة لا يزول أثره أبدا إذ غايته أن يتبعه بحسنة يمحوها فلو أتى بالحسنة ~~لم يتقدم بالمعصية لزاد لا محالة إشراق القلب فلما تقدمت السيئة سقطت فائدة ~~الحسنة لكن عاد القلب إلى ما كان قبل السيئة ولم تزد بها نورا وهذا خسران ~~ونقصان لا حيلة له. # الثالث أن يكون معدولا بها عن جهة الحقيقة المطلوبة فإن نفوس الصلحاء ~~والمطيعين وإن كانت صافية نقية عن المكر والخديعة وسائر الأمراض الباطنية ~~لكنها ليس يتضح فيها جلية الحق لأنها ليست تطلب الحق وليس يحاذي بمرآة قلب ~~أحد منهم شطر المطلوب بل ربما كان مستوعب الهم بتفضيل الطاعات البدنية أو ~~تهيئة أسباب الرواية والنقل والموعظة للعوام وسائر أسباب المعيشة والمعاشرة ~~مع الخلق ولا يصرف فكره إلى تأمل الملكوت والتدبر في حضرة الربوبية ~~والحقائق الخفية الإلهية فلا ينكشف له إلا ما هو متفكر فيه من دقائق آفات ~~الأعمال وخفايا عيوب النفس إن كان متفكرا فيها أو مصالح المعيشة أو التفقه ~~في الفتاوى إن كان متفكرا فيها. # وإذا كان تقيد الهم بالأعمال وتفضيل الطاعات مانعا عن انكشاف جلية الحق ~~فما ظنك في صرف الهم إلى شهوات الدنيا وعلائقها فكيف لا يمنع من الكشف ~~الحقيقي. # وهذا في مثال المرآة هو كونها معدولا بها عن جهة الصورة إلى غيرها كما ~~إذا كانت الصورة وراء المرآة. # الرابع الحجاب فإن المطيع القاهر لشهواته المجرد الفكر في حقيقة من ~~الحقائق قد لا ينكشف له ذلك لكونه محجوبا عنه باعتقاد سبق إليه منذ ms325 الصبا ~~على سبيل التقليد والقبول لحسن الظن يحول بينه وبين حقيقة الحق ويمنع أن ~~ينكشف في قلبه خلاف ما تفقه من ظاهر التقليد. # وهذا أيضا حجاب عظيم به حجب أكثر المتكلمين والمتعصبين PageV00P481 # للمذاهب بل أكثر الصالحين المتفكرين في ملكوت السماوات والأرض لأنهم ~~محجوبون باعتقادات تقليدية جمدت في نفوسهم وترسخت في قلوبهم وصارت حجابا ~~بينهم وبين درك الحقائق وهذا في مثالنا الحجاب المرسل بين المرآة والصورة. # الخامس الجهل بالجهة التي منها يقع العثور على المطلوب فإن طالب العلم ~~ليس يمكنه أن يحصل العلم بالمجهول إلا بالتذكر للعلوم التي يناسب مطلوبه ~~حتى إذا تذكرها ورتبها في نفسه ترتيبا مخصوصا يعرفه العلماء بطريق الاعتبار ~~والتفطن بالمعارف فعند ذلك يكون قد عثر على جهة المطلوب فيستجلي فيه حقيقة ~~المطلوب لنفسه فإن العلوم المطلوبة التي بها يحصل السعادة الأخروية ليست ~~فطرية فلا يقتض إلا بشبكة العلوم الحاصلة بل كل علم فلا يحصل إلا عن علمين ~~سابقين يتألفان ويزدوجان على وجه مخصوص فيحصل من ازدواجهما علم ثالث على ~~مثال ما يحصل النتاج من ازدواج الفحل والأنثى. ثم كما أن من أراد أن يستنتج ~~رمكة (1) لم يمكنه ذلك من حمار وبقرة بل من أصل مخصوص هو الفرس الذكر ~~والأنثى إذا وقع ازدواج مخصوص بينهما فكذلك كل علم فله أصلان مخصوصان ~~وبينهما طريق في الأزواج يحصل من ازدواجهما العلم المستفاد المطلوب فإن لكل ~~شيء ممكن علة مخصوصة ولا يمكن حصول ذوي العلل إلا من طريق عللها وأصولها ~~وكذا العلم بها فالجهل بأصول المعارف وبكيفية الازدواج والترتيب هو المانع ~~من العلم ومثاله في المرآة هو الجهل للجهة التي فيها الصورة وعدم التوجه ~~عدم محاذاتها إلى تلك الجهة بل مثاله أن يريد الإنسان أن يرى قفاه في ~~المرآة فإنه يحتاج إلى مرآتين ينصب إحداهما وراء القفاء والأخرى في ~~مقابلتها بحيث يبصرها ويراعي مناسبة مخصوصة بين وضع المرآتين حتى ينطبع ~~صورة القفاء في المرآة المحاذية القفاء ثم ينطبع صورة هذه PageV00P482 # المراه الأخرى ثم يدرك العين صورة القفاء وكذلك في اقتناص العلوم ms326 طرق ~~عجيبة فيها ازويرارات وتحريفات أعجب ما ذكر في المرآة ويعز على بسيط الأرض ~~من يهتدي إلى كيفية الحيلة فيها. # فهذه هي أسباب المانعة للنفس الناطقة من معرفة حقائق الأمور وإلا فكل نفس ~~بحسب الفطرة صالحة لمعرفة حقائق الأشياء لأنها أمر رباني شريف فارق عن سائر ~~جواهر هذا العالم بهذه الخاصية وإلى هذه الخاصية أشير في قوله تعالى: إنا ~~عرضنا الأمانة على السماوات (2) و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها... # وتلك الأمانة التي امتاز الإنسان بحملها عن السماوات والأرضين والجبال هي ~~المعرفة والتوحيد فإن نفس كل إنسان مستعدة لحملها في الأصل ولكن يميطها عن ~~النهوض بأعبائها والوصول إلى تحقيقها الموانع والأسباب الصارفة وما روي عن ~~قوله ص: لو لا الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء. ~~إشارة إلى هذا القابلية لها وهذه الأسباب التي هي الحجاب بين النفوس ~~الإنسانية وعالم ملكوتها وإليه أشار بما روي أنه قيل له ص: # يا رسول الله أين الله في الأرض قال في قلوب عباده المؤمنين. # وفي الخبر أيضا: لا يسعني أرضي ولا سمائي ووسعني (1) قلب عبدي المؤمن. # والحاصل أنه إذا ارتفع هذه الحجب والموانع عن قلب الإنسان الذي هو نفسه ~~الناطقة تجلى فيه صورة الملك والملكوت وهيئة الوجود على ما هي عليه فيرى ~~ذاته في جنة عرضها السماوات والأرض. # وأما جملتها فأكثر سعة من السماوات والأرض لأنهما عبارة عن عالم الملك ~~والشهادة وهو محدود متناه. # وأما عالم الملكوت والحقائق العقلية وهو الأسرار الغائبة عن مشاهدة ~~الحواس المخصوصة بإدراك البصيرة العقلية فلا نهاية لها وجملة عالم الملك ~~والملكوت إذا أخذت دفعة تسمى حضرة الربوبية لأن الله محيط بكل الموجودات إذ ~~ليس في الوجود سوى ذات الله وأفعاله ومملكته من أفعاله. # فما يتجلى من ذلك للقلب هو الجنة بعينها عند قوم وهو سبب PageV00P483 # استحقاق الجنة عند آخرين ويكون سعة المملكة في الجنة بقدر سعة المعرفة ~~وبمقدار ما يتجلى للإنسان من الله وصفاته وأفعاله وإنما مراد الطاعات ~~وأعمال الجوارح (2) كلها تصفية النفس وتزكيتها وجلاؤها ms327 بإصلاح الجزء العملي ~~منها قد أفلح من زكاها و قد خاب (3) من دساها ونفس التزكية والتصفية ليست ~~كمالا وزينة لأنها أمر عدمي والأعدام ليست من الكمالات بل المراد منها حصول ~~أنوار الإيمان أعني إشراق نور المعرفة بالله وأفعاله وكتبه (4) ورسله ~~واليوم الآخر وهو المراد بقوله تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام... فهو على نور من (5) ربه. # فصل في بيان السعادة والشقاوة الحسيتين في الآخرة دون العقليتين اعلم أن ~~الأنفس الجاهلة جهلا بسيطا دون ما هو مضاد للحق إن كانت خيرة ولم يحدث منها ~~شوق إلى المعقولات البتة على سبيل القطع واليقين فإنها إذا فارقت كانت ~~باقية لأن كل نفس ناطقة غير هيولانية باقية لأنها مجردة وقد حصلت لها في ~~البقاء الدنياوي فعلية بحسب إدراك ما للأوليات والفطريات وغيرهما فلا سبيل ~~للعدم إليها. # وأما العقول الهيولانية ففي بقائها بعد البدن تردد فلهذا اختلفت الحكماء ~~في ذلك والمنقول من الإسكندر الأفروديسي من تلامذة المعلم الأول القول ~~بفسادها فإذا كانت باقية ولم يرتسخ فيها هيئات بدنية ورذائل نفسانية حتى ~~يكون معذبة متأذية بتلك الهيئات المنافية للنفس المضادة لجوهرها ولا يمكن ~~أيضا أن يكون معطلة من الأفعال والانفعالات إذ لا معطل في الوجود. # ولما كانت رحمة الله واسعة والوجود خير من العدم والخلاص فوق الهلاك فلا ~~محالة يكون لها سعادة وهمية من جنس ما يتوهمه ويبلغ إليه همته من الحور ~~والقصور والسدر المخضود والطلح PageV00P484 # المنضود وسائر ما يكون لذيذا وخيرا عنده. # ونقل الشيخ الرئيس عن بعض الحكماء ممن لا يجازف فيما يقول قولا ممكنا على ~~زعم الشيخ وهو أن هؤلاء إذا فارقوا البدن وهم بدنيون وليس لهم تعلق بما هو ~~أعلى من الأبدان (1) فيشغلهم إلزام النظر إليها والتعلق بها عن الأشياء ~~البدنية وإنما لأنفسهم أنها زينة أبدانهم فقط ولا يعرف غير الأبدان ~~والبدنيات أمكن أن يعقلهم نوع تشوقهم إلى التعلق ببعض الأبدان التي من ~~شأنها أن يتعلق بها الأنفس لأنها طالبة بالطبع وهذه مهيأة (وهذه) هيئة ~~الأجسام دون الأبدان الإنسانية والحيوانية ms328 للعذر الذي ذكرناه ولو تعلق بها ~~لم يكن إلا نفسا لها فيجوز أن يكون ذلك جرما سماويا لا أن يصير هذه الأنفس ~~أنفسا لذلك الجرم أو مدبرة لها فإن هذه لا يمكن بل أن يستعمل ذلك الجرم لا ~~مكان التخيل ثم يتخيل الصور التي كانت معتقدة عنده وفي وهمه فإن كان ~~اعتقاده في نفسه وفي أفعاله الخير وموجب السعادة ورأى الجميل وتخيله فتخيل ~~أنه مات وقبر وسائر ما كان في اعتقاده للأخيار. # قال: ويجوز أن يكون هذا الجرم متولدا من الهواء والأبخرة والأدخنة مقاربا ~~لمزاج الجوهر المسمى روحا الذي لا يشك الطبيعيون أن تعلق النفس به لا ~~بالبدن وأنه لو جاز أن لا يتحلل ذلك الروح مفارقا للبدن والأخلاط ويقوم ~~لكانت النفس تلازمه الملازمة النفسانية. # وقال: وأضداد هؤلاء من الأشرار يكون لهم الشقاوة الوهمية أيضا ويتخيلون ~~أنه يكون لهم جميع ما قيل في السنة التي كانت لهم من العقاب للأشرار وإنما ~~حاجتها إلى البدن في هذه السعادة والشقاوة بحسب أن التخيل والتوهم إنما ~~يكون بآلة جسمانية وكل صنف من أهل السعادة والشقاوة يزداد حاله باتصاله بما ~~هو من جنسه وباتصال ما هو من جنسه بعده. # فالسعداء الحقيقيون يتلذذون بالمجاورة ويعقل كل واحد ذاته وذات ما يتصل ~~به ويكون اتصال بعضها ببعض لا على سبيل اتصال الأجسام فيضيق عليها الأمكنة ~~بالازدحام لكن على سبيل اتصال معقول PageV00P485 # بمعقول فيزداد فسحة بالازدحام. # هذا غاية ما وصل إليه أفكار العلماء بقوتهم الفكرية في الجنة السعداء ~~وجحيم الأشقياء على الوجه الجسماني. # وقد علمت مما ذكرنا قصور هذا الكلام وانحطاطه عن درجة التحقيق. # ولنشر إلى سبيل درك الحقيقة ومسلك الاهتداء في هذا الباب ليكون دستورا ~~لكشف الغوامض الشرعية وإيضاح المطالب الدينية للطلاب فاستمع لما يتلى عليك ~~في هذا الكتاب مستمدا بقوة العزيز الوهاب. PageV00P486 # المقالة الثانية في المعاد الجسماني وفيه فصول: # فصل في تفصيل الأقوال في المعاد إن من الأوهام العامية وهم من يذهب إلى ~~استحالة حشر النفوس والأجساد وامتناع أن يتحقق في شيء منهما المعاد وهم ms329 ~~الملاحدة والدهرية وجماعة من الطبيعيين والأطباء الذين لا اعتماد عليهم في ~~الملة والشريعة ولا اعتداد بهم في العقل والحكمة زعما منهم أن الإنسان ليس ~~إلا هذا الهيكل المحسوس حامل الكيفية المزاجية وما يتبعها من القوى ~~والأعراض وأن جميعها يفنى بالموت وينعدم بزوال الحيات ولا يبقى إلا المواد ~~العنصري المتفرقة. # فالإنسان كسائر الحيوان والنبات إذا مات فات وسعادته وشقاوته منحصرة فيما ~~له بحسب اللذات والآلام الحسية الدنياوية. وفي هذا تكذيب للعقل على ما يراه ~~المحققون من أهل الفلسفة الإلهية وللشرع على ما ذهب إليه المحققون (1) من ~~أهل الملة النبوية. PageV00P487 # والمنقول من جالينوس في أمر المعاد هو التوقف بناء على تردده في أمر ~~النفس أنها هل هي المزاج فيفنى بالموت فلا يعاد أم هي جوهر مجردة باق بعد ~~الموت ليكون لها المعاد ثم المتشبثين بأذيال العلماء من ضم إلى هذا أن ~~المعدوم لا يعاد فإذا انعدم الإنسان بهيكله لم يمكن إعادته وامتنع الحشر. # والمتكلمون منعوا هذا بمنع امتناع إعادة المعدوم تارة وأخرى بمنع فناء ~~الإنسان بفناء هيكله. # فقالوا ما حاصله: إن للإنسان أجزاء باقية متجزية أو غير متجزية ثم حملوا ~~الآيات والنصوص الواردة في بيان الحشر على أن المراد جميع الأجزاء المتفرقة ~~الباقية التي هي حقيقة الإنسان. # والحاصل أنهم التزموا أحد الأمرين المستبعدين عن العقل بل النقل ولا يلزم ~~على أحد التزام شيء منهما بل الظاهر أن الآيات واردة لبيان إمكان عود بدن ~~الإنسان بأجزائه وهو الذي نحن بصدد إثباته من ذي قبل إن شاء الله على أن ~~المعاد في الآخرة هو الذي كان مصدرا للأفعال مكلفا بالتكليف العقلية ~~والشرعية ثم لا يخفى على أحد أن عرق الشبهة لا ينقطع عن أراضي أوهام ~~الجاحدين للقيامة إلا بقطع أصلها وهو أن الإنسان بموته يفنى ويبطل ولا يبقى ~~وقد مر بيانه مستقصى. # واتفق المحققون من الفلاسفة والمليين على حقيقة ذلك المعاد لكنهم اختلفوا ~~في كيفيته. # فذهب جمهور المتكلمين وعامة الفقهاء وأهل الحديث إلى أنه جسماني فقط بناء ~~على أن الروح عندهم جسم سار في ms330 البدن سريان النار في الفحم والماء في الورد ~~والزيت في الزيتونة وذهب جمهور الفلاسفة وأتباع المشائين إلى أنه روحاني ~~فقط لأن البدن ينعدم بصورته وأعراضه فلا يعاد والنفس جوهر باق لا سبيل إليه ~~الفناء فيعود إلى عالم المجردات لقطع التعلقات بالموت الطبيعي. # وذهب كثير من أكابر الحكماء ومشايخ العرفاء وجماعة من المتكلمين كحجة ~~الإسلام الغزالي والكعبي والحليمي والراغب الأصفهاني والقاضي أبو يزيد ~~الدبوسي وكثير من علماء الإمامية وأشياخنا الاثني عشرية كالشيخين المفيد ~~وأبي جعفر والسيد المرتضى والعلامة الطوسي وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين ~~إلى PageV00P488 # القول بالمعادين الجسماني والروحاني جميعا ذهابا إلى أن النفس مجردة يعود ~~إلى البدن. # وبه يقول جمهور النصارى والتناسخية إلا أن الفرق أن محققي المسلمين ومن ~~يحذو حذوهم يقولون بحدوث الأرواح وردها إلى البدن لا في هذا العالم بل في ~~الآخرة والتناسخية بقدمها وردها إليه في هذا العالم وينكرون الآخرة والجنة ~~والنار الجسمانية كما سبق. # ثم إن هؤلاء القائلين بالمعادين جميعا اختلفت كلماتهم في أن المعاد من ~~جانب البدن أهو هذا البدن بعينه أو مثله وكل من العينية والمثلية أهي يكون ~~باعتبار كل واحد من الأعضاء والأشكال والهيئات والتخاطيط أم لا والظاهر أن ~~هذا الأخير لم يشترطه أحد بل كثير من الإسلاميين مثال كلامهم إلى أن بدن ~~المعاد غير البدن الأول بحسب التشخص واستدلوا على ذلك بما دل عليه بعض ~~الأحاديث المروية من كون أهل الجنة جردا مردا وكون ضرس الكافر مثل جبل أحد ~~وكذا بقوله تعالى: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها وبقوله تعالى: أو ~~ليس الذي خلق السماوات و الأرض بقادر على أن يخلق مثلهم. # فإن قيل: فعلى هذا يكون المثاب والمعاقب باللذات والآلام الجسمانية غير ~~من عمل الطاعة وارتكب المعصية. # قالوا: العبرة في ذلك بالإدراك وإنما هو للروح ولو بواسطة الآلات وهو باق ~~بعينه ولهذا يقال للشخص من الصبا إلى الشيخوخية أنه هو بعينه وإن تبدلت ~~الصور والهيئات بل كثير من الأعضاء والآلات ولا يقال لمن جنى في الشباب ~~فعوقب في المشيب أنه عقاب ms331 لغير الجاني. PageV00P489 # تبصرة الحق أن المعاد في المعاد هو بعينه بدن الإنسان المشخص الذي مات ~~بأجزائه بعينها لا مثله بحيث لو رآه أحد يقول إنه بعينه فلان الذي كان في ~~الدنيا. # ومن أنكر هذا فقد أنكر الشريعة ومن أنكر الشريعة كافر عقلا وشرعا ومن أقر ~~بعود مثل البدن الأول بأجزاء أخر فقد أنكر المعاد حقيقة ولزمه إنكار شيء من ~~النصوص القرآنية هذا تحرير المذاهب والآراء. # واحتج المنكرون للمعاد بامتناع إعادة المعدوم كما مر وبأنه لو أكل إنسان ~~إنسانا فالأجزاء المأكولة إن أعيدت في بدن الآكل لم يكن الإنسان المأكول ~~معادا وإن أعيد في بدن المأكول لم يكن الآكل معادا. # ولزم أن يكون أجزاء بعينها منعمة ومعذبة إذا أكل مؤمن كافرا وأجيب في كتب ~~الكلامية عن الأول إما بمنع الاستحالة في إعادة المعدوم أو بمنع توقف ~~المعاد عليها. # وعن الثاني بأن المعاد هو الأجزاء التي منها ابتداء الخلق والله تعالى ~~يحفظها ولا يجعلها جزء كذلك لبدن الآخر. وأن للناظرين في أمر المعاد إثباتا ~~ونفيا مشاجرات. # وما أورده المتكلمون من الكلام لا يفيء بالإلزام والإفحام فالأولى لمن ~~اقتصر في تحقيق الحقائق الدينية على مجرد البحث والجدل من غير أن يسلك طريق ~~القدس في الرياضة العلمية والعملية أن يستفسر من هؤلاء المنكرين المعاندين ~~الذين أخذوا الإصرار في الإنكار أنهم هل يدعون الامتناع أو يمنعون الإمكان ~~والجواز. # فعلى الأول يقال لهم إن عليكم البينة وإثبات ما ادعيتم وما لكم فيما قلتم ~~به من هذا خبر ولا عين ولا أثر وليس فيه إلا عناد واستبعاد. # وعلى الثاني يقال كل ما أزيل ظاهره عن الإحالة والامتناع قام التنزيل ~~الإلهي والأخبار النبوية الصادرة من قائل مقدس عن الغلط والخطاء مقام ~~البراهين الهندسة الهندسية في المعاني الرياضية والدعاوي الجسمانية ومقام ~~الشواهد اليقينية في المعاد الطبيعية. PageV00P490 # بحث وتحقيق إن من المباحثين من حصل وجه الإعادة البدنية بما حاصله أن ~~الشخص إنما يتشخص ويتخصص بخصوصية أجزائه مادة وصورة روحا وبدنا وليس خصوص ~~التأليف وتشخصه معتبرا في الشخص بل المعتبر أشخاص ms332 الأجزاء بتأليف نوعي لا ~~شخصي باقيا بعينه ثم إذا بطل التأليف وانحل التراكيب المعتبر لم يبق الشخص ~~الأول لا لزوال الأجزاء فإنها باقية بأشخاصها وأعيانها بل لزوال النظم ~~والتأليف المعتبر بينها نوعا ثم إذا حصل مرة أخرى من نوع التأليف المعتبر ~~بين الأجزاء الباقية بعينها عاد الشخص الأول وكان هو الأول بعينه. هذا ~~كلامه. # ويقرب منه ما ذكره بعض أجلة المتأخرين حيث قال: قد ذهب بعض المتكلمين إلى ~~جواز إعادة المعدوم وذهب الحكماء وبعض المتكلمين إلى امتناعها وهؤلاء وإن ~~كانوا مسلمين معترفين بالمعاد الجسماني ينكرون إعادة المعدوم بعينه فإنهم ~~لا يقولون بانعدام الأجسام بل بتفرق أجزائها وخروجها عن الانتفاع. # ثم قال: ذكرت في حواشي التجريد أن هذا بناء على نفي الجزء الصوري للأجسام ~~وحصر أجزائه في الجواهر المفردة كما هو مذهب المتكلمين وكذا على مذهب ~~المصنف حيث قال: الجسم هو الصورة الاتصالية وأنها يبقى بعينها حال الانفصال ~~ولو أثبت الجزء الصوري في الأجسام قيل: يكفي في المعاد الجسماني كون ~~الأجزاء المادية هي بعينها ولا يقدح فيه تبدل الجزء الصوري بعد أن كان أقرب ~~الصور إلى الصورة الزائلة. فإن قيل: فيكون تناسخا. # قيل: الممتنع عندنا هو انتقال النفس إلى بدن مغاير له بحسب المادة لا إلى ~~بدن متألف من عين مادة هذا البدن وصورة هي أقرب الصور إلى الصورة الزائلة ~~فإن سميت ذلك تناسخا فلا بد من البرهان على امتناعه فإن النزاع إنما هو في ~~المعنى لا في الألفاظ PageV00P491 # انتهى قوله أقول: كلام هذين الفاضلين في غاية السخافة والرخاوة مع أنه ~~أقرب إلى الصواب من كلام غيرهما من أهل الكلام في هذا الباب وذلك لوجوه: # الأول أنه يبتني على أن شخص زيد مثلا لم ينعدم منه بالموت إلا نسب ~~وإضافات بين أجزائه ونظم ترتيب بين أعضائه فيلزم أن يكون الحياة من مقولة ~~الإضافة وهو ظاهر الفساد. # والثاني أن كون أجزاء زيد منحصرة في الجواهر الفردة لا يلزم أن يكون تلك ~~الجواهر إذا ركبت يكون زيدا سواء كان تركيبا وترتيبا مطلقا على ms333 أي وجه كان ~~أو على نظم مخصوص وإلا لزم على الأول أنها لو ركبت كرة مصمتة كانت هذه ~~الكرة زيدا وعلى الثاني أن يكون زيد الميت في بعض الأحيان حيا إذا وقعت ~~أجزاؤه على هذا النظم المخصوص مع كونه ميتا كما فرض سواء كان هذا التركيب ~~جزءا منه أو شرطا خارجا عنه. # والمحقق الطوسي لم يذهب ولا غيره من العقلاء القائلين بنفي الهيولى أن ~~الجسم المعين الذي هو فرد للجسم المطلق بالمعنى الذي هو جنس لا بالمعنى ~~الذي هو مادة لا ينعدم بالتفريق إنما الذي لا ينعدم عندهم هو الجسم بالمعنى ~~المادة وهو الذي يكون مستمر الوجود في مراتب الاتصالات والانفصالات لا ما ~~هو الجسم بمعنى الجنس الذي لا وجود له إلا بصورة مقومة له مخصصة الطبيعة ~~الجنسية من بين الأنواع. # وقد اتفق الجمهور من الحكماء وأتباعهم على أن الجسم بما هو جسم مطلق مما ~~لا وجود له في الأعيان وإنسانية الإنسان لا يمكن أن يكون بمجرد الجسمية ~~وإلا لكان كل جسم إنسانا وكذا زيدية زيد ليس بمجرد أجزاء مادية كيف كانت ~~وإلا لكان كل أجزاء متفرقة زيدا سواء أريد بزيد مجرد بدنه أو المجموع من ~~النفس والبدن وكيف يصح لعاقل أن يذهب إلى أن جسما مخصوصا كهذا الفرس إذا ~~قسم أقساما وفرقت أجزاؤه كانت بعينه باقيا حال التفرق فضلا عن مثل المحقق ~~الطوسي مع براعته في الحكمة والكلام. # والثالث أن مفسدة التناسخ بحسب المعنى على ما ذكره واردة بلا مزية كما ~~بينا PageV00P492 # سابقا فإن المفسدة وهي لزوم كون بدن واحد ذا نفسين بناء على استعداد ~~القابل وجود المبدإ الفاعل وعدم تخصص الأجزاء المتفرقة من بين سائر الأجزاء ~~والأجسام في لياقة كونها بدنا لتلك النفس مما لا شبهة في لزومها وورودها بل ~~ربما يسوغ ويصح لقائل أن يقول: إن كثيرا من المواد التي لها مزاج خاص ~~وكيفية قريبة من المزاج الإنساني أولى وأليق من تلك الأجزاء بأن يكون مورد ~~تعلق النفس وكل من رجع إلى وجدانه يعلم يقينا أن لا ms334 تشوق ولا التفات للنفس ~~بجسم من الأجسام أو أجزاء متفرقة من بين غيرها. # ولا يجوز أن يتعلق بجسم من بين سائر الأجسام أو أجزاء مخصوصة من بين سائر ~~الأجرام أو أجزاء مخصوصة من بين سائر الأجزاء التي هي اشتركت معها في ~~الهيئات والصفات من بين غيرها إلا بأن يكون لها كيفية محسوسة أو هيئة خاصة. # وأي تعلق وتشوق يكون للنفس بأجزاء مبثوثة في الهواء أو مغمورة في الأرض ~~أو متصلة بالهواء بحيث لا يتميز عند الحس أو النفس عن غيرها من الأجزاء أو ~~النفس وإن كانت متميزة عن غيرها في نفس الأمر وفي علم الله تعالى لكن هذا ~~لا يكفي لرجحان تعلق النفس بها وليس أيضا عند انحلال التركيب وفساد القوى ~~البدنية قوة ذاكرة للنفس عندهم حتى يكون بقاء البدن الشخصي في الذكر مخصصا ~~لتعلق النفس به ثانيا وبعد تسليم وجود الذكر يكون الذكر مخصصا لتعلق هذه ~~النفس بهذا البدن المعادي دون سائر الأبدان لا لتعلق هذه النفس دون نفس ~~أخرى به. # والذي ينفع في الجواب عن لزوم مفسدة التناسخ على تقدير صحته هو الثاني ~~دون الأول إذ الكلام في كون مادة بدنية حادثة مستدعيا لفيضان نفس حادثة ~~فيلزم وجود نفسين لبدن واحد وهو آت بعينه هاهنا كما في باب التناسخ على ما ~~سبق من غير تفاوت فإن الأجزاء المتفرقة ليس لها تخصص وامتياز بل لا يصدق ~~عليها أنها هي التي كانت بدن زيد أو أجزاء بدنه إلا بضرب من التجوز فإن ~~بدنية زيد وكذا جزئيته من الأمور الإضافية التي لا يتحقق إلا مع وجود زيد ~~وقد عدم. وكما أن زيدا عدم بالموت فهكذا يده من حيث هي يد له وكذا رجله ~~ورأسه وسائر أعضائه مع أنها لم يتفرق بعد فلم يبق رابطة بين البدن الذي كان ~~موجودا والذي سيوجد من جانب PageV00P493 # الأجزاء المادية أصلا. # فالمصير في دفع مفسدة التناسخ إلى ما ذكرناه سابقا مما تفردنا ببيانه ~~وجعله الله قسطي من الحكمة المتعالية والمعرفة الدينية كسائر نظائره التي ~~ألهمني الله ms335 بها بفضل فيضه وإحسانه ومزيد لطفه وامتنانه وهي الزواهر من ~~الفرائد التي يعرف نوريتها وشرفها من بين كلمات أصحاب الأنظار كتلألؤ ~~اليواقيت والدرر من بين سائر الأحجار والفوائد من القواعد التي يحكم بصحتها ~~كل من سلك سبيل الله وكوشف بالأنوار وشهد عالم الأسرار وأكثرها في تحقيق ~~المعارف الشرعية الأصولية وتبيين المقاصد الدينية الإلهية من أحوال المبدإ ~~والمعاد وكيفية مطابقة الأحكام الشرعية للقواعد العقلية منها إثبات المعاد ~~الجسماني كما سينكشف عليك وضوحه وسطوعه على الوجه الذي يطابق ظواهر الكتاب ~~والسنة واتفق عليه آراء الصالحين السابقين من الأمة من غير تأويل فيه كما ~~فعله أهل التدقيق من المتأخرين الذين أرادوا أن يجمعوا بين المنقول وما ~~حسبوه من المعقول من غير رياضة حكمية وسلوك قدسي فخرجوا كما تراهم من ~~المعقول والمنقول. # فصل في إظهار شيء من خبايا هذا المطلب الحقيق بالتحقيق وإخراج علق نفيس ~~من هذا البحر العميق مما يناسب أهل البحث والنظر وأصحاب الرواية والفكر ~~بشرط سلامة الفطرة عن الأمراض الدنياوية وخلوص النية عن الدواعي الهيولانية ~~لا مع الرعونة وحب الجاه والاغترار بما يفهم من ظواهر الآثار والإعجاب ~~بقليل معرفة يحجب النفس عن التعلم والاستبصار فإنه قلما ينتفع أحد من ~~المشعوفين بالتقليد والمجمودين على الصور الجسمانية بهذه الكلمات التي ~~مبناها على خلوص النيات وصفاء الطويات عن الأغراض الانفعالية الهيولانية من ~~الشهوات والأهواء ومتابعة النفس والآراء مع أن أكثر أحوال المعاد كأحوال ~~المبدإ أسرار على العقول الإنسانية وإن كانوا من الأزكياء ما لم يقيموا على ~~الرياضات وترك الاشتهار وطلب الجمعية ووفور الجاه وتقرب السلطان ~~PageV00P494 # كما تراه من علماء هذا الزمان. وكما أن مدركات الأوهام أسرار على القوى ~~الحسية كذلك مدركات العقول أسرار على الأوهام ومدركات النظار بدقة أنظارهم ~~وأفكارهم أسرار على أوائل العقول. # فهكذا أكثر ما هو علانية وعيان عند طور آخرين من العقول الأخروية أسرار ~~على العقول الدنياوية والعلماء البحثية. # ولهذا المعنى روي أنه قال النبي: إذا ذكر القدر فأمسكوا وذلك لأن القدر ~~سر على طور أهل البحث ونطقهم البحثى وكلامهم البشري. ms336 # فلا يتصور أن يحيط به أحد ما دام كونه متعلق القلب بالدنيا ولم يتخلص عن ~~أسرار الوهم وتغليطه. # ومن جملة هذه الأشياء التي لا يمكن أن يصل إلى معرفتها الإنسان بفطانة ~~البتراء وبصيرته الحولاء بل إدراكه يحتاج إلى ولادة ثانية وفطرة مستأنفة ~~وطور آخر من العقل هي أمور القيامة وأحوال الآخرة لأنه يستحيل جواب السائل ~~عنه على وجهه ما دام السائل مشتغل القلب بالدنيا مسحورا بسحر الطبيعة. وقول ~~الكفار متى هذا الوعد سؤال عما يستحيل الجواب عنه على موجبه ووجهه فإن أمر ~~الساعة إذا كان كلمح البصر أو هو أقرب وكان متى سؤال عن الزمان فاستحال ~~الجواب عنه وهو كقول الأكمه إذا وصفنا له المبصرات المتلونة فقال كيف تذوق ~~أو تشم. هذه الألوان التي وصفتموها. # والجواب الحق من ذلك أن علم المبصرات عند القوة الباصرة فهكذا الجواب ~~الحق مع الكفار إذا قالوا: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. أن يقال لهم: إن ~~العلم بذلك يكون عند الله فمن رجع إلى الله عز وجل وحشر وكان عنده فلا بد ~~أن يعرف حينئذ حقيقة الساعة بالضرورة لأنه عنده وعنده علم الساعة. # فإذن ثبت وتحقق ما روي في الخبر: أنه لا يقوم الساعة وعلى وجه الأرض من ~~يقول: الله الله. فإن من كان بعد على وجه الأرض لم يحشر بعد إلى الله ~~تعالى. # فعلم ما ذكر أن أكثر أحوال الآخرة أسرار غيبية يجب الإيمان بها تقليدا ~~لمن لم يكن PageV00P495 # له قدم راسخ في المعارف الإلهية والأسرار القيومية ولا يمكنه أن يتجاوز ~~عن استجلاء نظر الخلق وحب الرئاسة والاستيلاء على مآرب الدنيا والشهرة عند ~~الناس لكن أكثر من رزق فطنة زكية يقوى بها على المباحثة والاستدلال لا ~~يكتفي بالتقليد الذي يحصل به نوع من النجاة عن الضلال والإضلال والوبال في ~~المآل بل يتشرف على شيء فوقه ويكثر تعبه في طلبه آناء الليل وأطراف النهار ~~ويصرف عمره في تزايد النظر في المؤلفات وتكرير التأمل فيها فالأولى لمثله ~~إذا اشتاق إلى أن يفهم المطالب العلمية بالبرهان ms337 اليقيني بعد أن عاد النظر ~~في كتب القوم واستفاد كثيرا من فوائدهم وخصوصا ما وجد في كتب الشيخين أبي ~~نصر وأبي علي في طريقة المشائين وكتب الشيخ الإلهي صاحب الإشراق أن يرجع ~~إلى طريقتنا في المعارف والعلوم الحاصلة لنا بالممازجة بين طريقة المتألهين ~~من الحكماء والمليين من العرفاء فإن ما تيسر لنا بفضل الله ورحمته وما ~~وصلنا إليه بفضله وجوده من خلاصة أسرار المبدإ والمعاد مما لست أظن أن قد ~~وصل إليه أحد ممن أعرفه من شيعة المشائين ومتأخريهم دون أئمتهم ومتقدميهم ~~كأرسطو ومن سبقه ولا أزعم إن كان يقدر على إثباته بقوة البحث والبرهان شخص ~~من المعروفين بالمكاشفة والعرفان من مشايخ الصوفية من سابقيهم ولا حقيهم ~~وظني أن هذه المزية إنما حصلت لهذا العبد المرحوم من أمة المرحومة عن ~~الواهب العظيم والجواد الرحيم لشدة اشتغاله بهذا المطلب العالي وكثرة ~~احتماله عن الجهلة والأرذال وقلة شفقة الناس في حقه وعدم التفاتهم إلى ~~جانبه حتى أنه كان في الدنيا مدة مديدة كئيبا حزينا ما كان له عند الناس ~~رتبة أدنى من آحاد طلبة العلم ولا عند علمائهم الذين أكثرهم أشقى من الجهال ~~قدر أقل من تلاميذهم وذلك لعدم معرفتهم بطريق التحصيل إلا من جهة القال ~~والقيل وقلة شعورهم بالكمال والتكميل إلا من مدارسة الأباطيل إلى أن ~~تداركني الرحمة الأزلية ولحقتنى الأضواء الأحدية PageV00P496 # والألطاف القيومية فاستراحت نفسي من إقرارهم وإنكارهم وخلصت من إضرارهم ~~وأسرارهم فأطلعني الله على أسرار ورموز لم أكن أطلع عليها إلى ذلك الزمان ~~وانكشف لي حقائق لم يكن منكشفة هذا الانكشاف من الحجة والبرهان من المسائل ~~الربوبية والمعارف الإلهية وتحقيق النفس الإنسانية التي هي سلم المعارف ~~ومرقاة العلوم وغيرها من أحوال المبدإ وأسرار المعاد وخصوصا هذه المسألة ~~التي نحن بصدد بيانها على وجه يسع له البحث والبرهان دون ما انكشف للضمير ~~بقوة الإيمان إذ ليس يحتمله الأذهان ولا يفي به العبارة والبيان ولنمهد ~~لبيانه أصولا. # الأصل الأول أن تحصل كل ماهية تركيبية نوعية إنما يكون بفصله الأخير ~~وباقي فصوله ms338 البعيدة وأجناسه إنما هي شرائط وأسباب خارجة لوجود ذلك النوع ~~وإنما دخولها في الحد بما هو حد دون المحدود لأن الحد هو مجموع مفهومات ~~عقلية صادقة على نفس ذات الشيء والمحدود هو نحو وجوده وحقيقته كما قررنا في ~~المبحث الماهية من الأسفار الأربعة وكثيرا ما يكون في الحد تركيب وزيادة لا ~~يكون هو في المحدود كما ذكر في كتاب الشفا ومثل بالقوس فإنها يدخل في حدها ~~الدائرة لا في ذاتها وإن كان الحد عين المحدود بحسب الذات وكذا كل مركب ~~طبيعي يكون له صورة طبيعية إنما يكون تحصله ووجوده بنفس صورته المنوعة ~~والمادة إنما يحتاج إليها لأجل قصور الوجود عن الاستقلال والتفرد عن ~~العوارض اللاحقة التي زوالها يوجب عدم الشيء الطبيعي وتلك العوارض هي ~~المسماة بالمشخصة حتى أنه لو أمكن وجود صورة الشيء مجردة عن مادته لكان هي ~~بعينها ذلك الشيء بلا نقصان. # وصور بسائط العناصر وإن كانت عند حدوث الصورة الجمادية أو النباتية أو ~~الحيوانية موجودة غير منخلعة كما توهمه بعضهم في قريب زمان الشيخ على ما ~~حكاه في القانون وتابعهم السيد السند الشيرازي ولا يكذبه الوجود كما يشاهد ~~بالقرع والأنبيق لكن غير داخلة عندنا في قوام تجوهر شيء من المواليد ~~الثلاثة. # وبالجملة كل حقيقة نوعية فإنما هي تلك الحقيقة بعينها بصورتها لا بمادتها ~~فإن PageV00P497 # مادة الشيء هي قوة حاملة لحقيقة ذاتها فالشيء شيء بصورته لا بمادته. # وفي هذا تصريحات وتلويحات في الكتب المعتبرة من الشفا والنجاة والتحصيل ~~والتلويحات وغيرها ونقلها يؤدي إلى الإسهاب. # وكون الشيء ذا مادة إنما هو لنقص جوهريته وضعف وجوده كالطفل المحتاج إلى ~~المهد في وجوده والمهد غير داخل في قوام وجود الطفل فكذا المادة للمادي فإن ~~المادة من حيث إنها مادة مستهلكة في الصورة إذ نسبتها إلى الصورة نسبة ~~النقص إلى التمام والضعف إلى القوة وتقوم الحقيقة ليس إلا بالصورة وإنما ~~الحاجة إليها لأجل قبول آثار الصورة ولوازمها وانفعالاتها الغير المنفكة ~~عنها من الكم والكيف والأين وغيرها وقد يحصل من مادة واحدة صورتان إحداهما ms339 ~~ترياق نافع والأخرى سم ناقع. # فقد علم أن المادة لا حقيقة لها إلا قوة الحقيقة وقوة الحقيقة ليست حقيقة ~~فالعالم عالم بصورته لا بمادته والسرير سريره بهيئته المخصوصة لا بخشبته ~~والإنسان إنسان بنفسه المدبرة لا ببدنه. # الأصل الثاني أنا قد حققنا في شرحنا للهداية الأثيرية أن الموضوع للحركة ~~الكمية في النمو والذبول هو الشخص الإنسان المتقوم من نفس معينة واحدة مع ~~مادة مبهمة متبدلة لها كمية ما وما وقع تلك الحركة فيه هو خصوصيات المقادير ~~والكميات. # وذلك لأن المعتبر في تشخص الإنسان هو وحدة نفسه الباقية عند تبدل أعضائه ~~من الطفولية إلى الشباب والشيب فما دامت النفس باقية يكون الإنسان باقيا ~~وإن تبدلت الأعضاء جميعا. # وكما أن تشخص الإنسان بنفسه التي هي صورة ذاته فكذلك تشخص بدنه أيضا ~~وتشخصات أعضائه بالنفس السارية قواها فيها فاليد والرجل وسائر الأعضاء ما ~~دامت يسري فيها قوة نفس متعينة يكون يدا ورجلا وأعضاء لها وإن تبدلت عليها ~~الخصوصيات من المواد. # فلا فرق حينئذ بين الأعضاء التي يتصرف فيها في اليقظة وبين الأعضاء التي ~~يتصرف فيها في النوم. # وكذا لا فرق بين البدن والأعضاء التي يكون PageV00P498 # لها في الدنيا والتي لها في الآخرة في كونها واحدة شخصية بوحدة النفس ~~وشخصيتها وإن تبدلت في حد نفسها بوجه ما لم تتبدل إضافتها إلى نفس واحدة ~~لأن تشخص الأعضاء بتشخص النفس. # أ ولا ترى أن النبي ص شخص واحد بلا تعدد ومع هذا كل من يراه في المنام ~~فقد يرى شخصه وذاته لأن الشيطان لا يتمثل به وربما وقع أن يراه في ليلة ~~واحدة في بلد واحد ألف رجل وامرأة مع أن جسده العنصري مدفون في روضة ~~المدينة لم يتحرك من موضعه. # وذلك لأن حقيقته المقدسة ليست إلا نفسه الشريفة مع أي بدن كان. # فكل من رأى نفسه المقدسة مع أي تمثل كان فقد رآه لأن العبرة في تعين ~~الشيء وتشخصه هي نفسه التي هي صورته مع أية مادة كانت عظيمة أو صغيرة وعلى ~~أي شكل ووضع كان ms340 وقد وقع في الحديث أن أهل الجنة جرد مرد وأن ضرس الكافر ~~مثل جبل أحد. # وظاهر أن عظم جثته يكون على شبه هذه البنية. والسبب في كون بدن المؤمن في ~~الدنيا والآخرة أمرا واحدا بالشخص وإن كان في الدنيا قبيح المنظر كثير ~~الشعر في الوجه وسائر الجسد وفي الآخرة حسن الوجه أجرد وأمرد هو أن التشخص ~~إنما يكون بالنفس الناطقة وهي حقيقة الإنسان وهويته وشخصه وهي باقية بعينها ~~ومع بقائها يكون التشخص باقيا والوحدة الشخصية باقية. # وقوله تعالى في حق الكفار المعذبين بالنار كلما نضجت جلودهم بدلناهم ~~جلودا غيرها يؤيد ما ذكرنا. # والبدن بمنزلة الآلة المطلقة والمادة المطلقة للإنسان والآلة من حيث هي ~~آلة إنما يتعين بذي الآلة وكذا المادة وجودها بحسب نفسها يكون في غاية ~~الإبهام وإنما يتعين بالصورة حتى أنه لو فرض أن تتبدل المادة بمادة أخرى ~~مفارقة لها في ذاتها مع وحدة الصورة وبقائها يكون المادة في الحالين شخصا ~~واحدا لاستلاكها في الصورة واتحادها معها فإن قوة الشيء بما هي قوة ليست ~~أمرا مباينا له بل هي موجودة بوجوده PageV00P499 # واحدة بوحدته باقية ببقائه ولا يعتبر فيها باعتبار كونها قوة ومادة للشيء ~~تحصل وتعين في ذاتها وتخصص بحسب نفسها ولهذا يكون شخصية زيد وتعينه باقيا ~~مستمرا في أول صباه إلى آخر شيخوخته مع أن جسميته مما تبدلت وتجددت بحسب ~~الاستحالات والأمراض وكذا جسمية كل عضو من أعضائه وكما أن زيدا بما هو زيد ~~أي مجموع النفس والجسم بالمعنى الذي يكون جنسا لا مادة موجود شخصي مستمر ~~فكذا جسميته وبدنه أيضا من حيث كونه بدنا ومضافا إليه موجود واحد مستمر وإن ~~تبدلت ذاته بذاته لا بحسب نسبته إلى نفس زيد لما علمت أن تشخص المادة بما ~~هي مادة والبدن بما هو بدن إنما هو بالصورة والنفس وكذا تشخص أجزاء المادة ~~وأعضاء البدن بما هي أجزاء وأعضاء يكون بالصورة والنفس. # فأتقن هذا حتى ينفعك في كثير من مواضع منها إثبات الحركة الكمية ومنها ~~إثبات الحشر الجسماني وإحياء عظام الموتى وهي ms341 رميم ومنها كون شخص من ~~الإنسان حين تجرد نفسه عن المواد والأجرام وحين تعلقها بها واحدا شخصيا ~~مستمرا لا ينافي وحدته الشخصية المستمرة كونه مفردا تارة ومركبا أخرى وترا ~~مرة وزوجا أخرى. # الأصل الثالث أن تشخص كل شيء عبارة عن نحو وجوده الخاص به مجردا كان أو ~~ماديا كما حققه المحققون ويستفاد من مؤلفات الحكماء وصرح به المعلم الثاني ~~وغيره من العظماء. # وما اشتهر من كون العوارض المادية مشخصات إنما هو بمعنى آخر وهو أن كل ~~شخص مادي يلزمه ما دام وجوده في مادته كمية ما وكيفية ما ووضع ما وأين ما ~~وزمان ما كل منها من حد خاص إلى حد خاص لو تجاوز شيء من تلك الأعراض وخرج ~~عن الحدين المخصوص له انعدم ذلك الشخص. وذلك لاحتياجه في نحو وجوده المادي ~~إلى تلك الأعراض على الوجه المذكور فتلك الأعراض التي من لوازم وجوده ~~وعلامات شخصيته يقال لها الأعراض المشخصة بهذا المعنى. # وليس لأحد أن لا يتصور بقاء الشخص بدون تلك الأعراض بل يمكن تصور ذلك ~~بوجه ما إذا فرض PageV00P500 # أن يتقوى وجوده بحيث يستغني بعلته الفياضة عن المقارنات الحسية والأعراض ~~الجسمية كما في النفوس الإنسانية عند تجردها واستقلالها فإنها قد تخصص حدوث ~~كل من آحاد النفوس المتفقة في النوع بعوارض مادية وهيئة بدنية ثم بعد ~~استقلالها في الوجود وتقويها بكمالها العلمي والعملي وترقيها إلى عالم ~~القدس واتصالها ببارئها انخلعت عنها تلك الهيئات البدنية البتة. بل النفس ~~في حياتها الدنياوية وتعلقها بالبدن ربما يقع لها خلصات إلهية يكاد تترك ~~عالم الأجسام بهيئاتها وعوارضها جملة مع بقائها شخصا. # الأصل الرابع أن الوحدة الشخصية في كل شيء ليست على وتيرة واحدة ودرجة ~~واحدة فإن الوحدة الشخصية في الجواهر المجردة حكمها غير الوحدة الشخصية في ~~الجواهر المادية فإن في الجسم الواحد الشخصي يستحيل أن يجتمع أوصاف متضادة ~~وأعراض متقابلة من السواد والبياض والسعادة والشقاوة واللذة والألم والعلو ~~والسفل والدنيا والآخرة. # وذلك لضيق حوصلة ذاته وقصر رداءه الوجودي عن الجمع بين الأمور المتخالفة ~~بخلاف ms342 وجود الجوهر النطقي من الإنسان فإنها مع وحدتها الشخصية جامعة للتجسم ~~والتجرد وحاصرة للسعادة والشقاوة فإنها قد يكون في وقت واحد في أعلى عليين ~~وذلك عند تصور أمر قدسي وقد يكون في أسفل سافلين وذلك عند تصور أمر شهوي ~~وقد يكون ملكا مقربا باعتبار وشيطانا مريدا باعتبار وذلك لأن إدراك كل شيء ~~هو بأن ينال حقيقة ذلك الشيء المدرك بما هو مدرك بل بالاتحاد معه كما رآه ~~طائفة من العرفاء وأكثر المشائين والمحققون وصرح به الشيخ أبو نصر في مواضع ~~من كتبه. والشيخ اعترف به في كتابه المسمى بالمبدأ والمعاد وفي موضع من ~~الشفاء حيث قال في الفصل السادس من مقالة التاسعة من الإلهيات بهذه ~~العبارة: # ثم كذلك حتى يستوفي في النفس هيئة الوجود كله فينقلب عالما معقولا موازيا ~~للعالم الموجود كله مشاهدا لما هو الحسن المطلق والخير المطلق والجمال الحق ~~ومتحدة به ومنتقشة بمثاله وهيئاته ومنخرطة في سلكه وصائرة من جوهره. ~~PageV00P501 # ومما يؤيد ذلك أن المدرك بجميع الإدراكات والفاعل بجميع الأفاعيل الواقعة ~~من الإنسان هو نفسه الناطقة النازلة إلى مرتبة الحواس والآلات والأعضاء ~~والصاعدة إلى مرتبة العقل المستفاد والعقل الفعال في آن واحد وذلك لسعة ~~وجودها وبسط جوهريتها وانتشار نورها في الأكناف والأطراف بل بتطور ذاتها ~~بالشؤون والأطوار وتجليها على الأعضاء والأرواح وتحليها بحلية الأجسام ~~والأشباح مع كونها من سنخ الأنوار ومعدن الأسرار. # فمن هذا الأصل تبين وتحقق ما ادعيناه من كون شيء واحد تارة محتاجا في ~~وجوده إلى عوارض مادية ولواحق جسمية وذلك لضعف وجوده ونقص تجوهره وتارة ~~ينفرد بذاته ويتخلص بوجوده وذلك لاستكمال ذاته وتقوي إنيته. # وما اشتهر من متقدمي المشائين أن شيئا واحدا لا يكون له إلا أحد نحوي ~~الوجود الرابطي والاستقلالي غير مبرهن عليه بل الحق خلافه. # نعم لو أريد منه أن الوجود الواحد من جهة واحدة يكون ناعتيا وغير ناعتي ~~لكان صحيحا. # الأصل الخامس أن الصور والمقادير والأشكال والهيئات كما يحصل من القابل ~~بالجهات القابلية على سبيل الاستعداد والحركات والانفعالات كذلك قد يحصل من ms343 ~~الجهات الفاعلية والحيثيات الإدراكية من غير مشاركة مادة عنصرية. # ووجود الأفلاك والكواكب من المبادي الفعالة من هذا القبيل حيث وجدت منها ~~على سبيل الإبداع من محض تصورات المبادي كيفية وجودها بلا مشاركة المواد إذ ~~لا مادة قبل وجودها. ومن هذا القبيل الصور الخيالية الصادرة عن النفس ~~بقوتها الخيالية من الأشكال العظام والأجسام التي هي أعظم من الأفلاك ~~الكلية بكثير والبلاد العظيمة مع أشخاصها والصحاري الواسعة والجبال الشاهقة ~~فإنها ليست قائمة بالجرم الدماغي ولا موجودة في القوة الخيالية كما برهن ~~عليه ولا في عالم المثال الكلي كما بيناه بل في عالم النفس وصقع منها خارج ~~عن أجسام هذا العالم الهيولاني. # ولا شبهة في أن الصور التي يتصورها النفس بقوتها المصورة ويراها بباصرة ~~الخيالية لها وجود لا في هذا العالم وإلا لرآها كل سليم الحس الظاهري بل في ~~عالم آخر غائب عن حواسنا PageV00P502 # الظاهرية ومشاعرنا المادية يسمى بعالم الغيب كما يسمى هذا العالم بعالم ~~الشهادة وهما جنسان متباينان بحسب الذات والوضع جميعا على الإطلاق لا يمكن ~~أن يقال لواحد منهما أين هو من الآخر كما لا يمكن أن يقال أين النفس من ~~البدن والعقل من المادة والباري من الكل لأن كلا من المختلفين حقيقة وذاتا ~~لا وضع له بالقياس إلى الآخر وكما أن الصور المحسوسة موجودة في عالمها ~~حاضرة للقوى المدركة لها ومن جنسها أيضا. # ولا فرق بين الصور التي يراها الإنسان بمشاعره الباطنة والصور التي ~~يدركها بالحواس الظاهرة إلا بعدم ثباتها وضعف وجودها حيث لا يترتب عليها ~~آثار حقيقتها وموجوديتها كما يترتب على هذه الحسيات. وذلك لاشتغال النفس ~~بما يورده الحواس عليها من آثار هذا العالم ولضعف الهمة حتى لو فرض أين ~~يرتفع عن النفس الاشتغال بأفاعيل سائر القوى المحركة والمدركة ويزول عنها ~~انفعالات الحواس الظاهرة ويكون قواها منحصرة في الخيال والتصور بكون الصور ~~والأجسام التي يتصورها بقوتها الخيالية ويشاهد بباصرتها الباطنة في غاية ما ~~فيها من القوام وقوة الوجود ويكون هي أقوى من المحسوسات وكما يكون حينئذ ~~تلك القوة هي ms344 بعينها عينا باصرة للنفس يكون قوة فعالة لها فيصير قوة واحدة ~~فاعلة ومدركة ويكون من مشاهدة النفس عين قدرتها. كما أن الواجب تعالى علمه ~~بالأشياء الذي يرجع إلى بصره عين قدرته عليها كما هو مذهب الإشراقيين ~~والجميع عين ذاته تعالى وليعلم أن النفس باعتبار كل قوة من قواها الإدراكية ~~من العاقلة والمصورة والحاسة يقع في عالم آخر فباعتبار كل قوة للمعقولات ~~الكلية يكون في عالم العقول الذي هو فوق العوالم وباعتبار إدراكها ~~المحسوسات يكون في عالم الأجرام والمواد الذي هو تحت العوالم وباعتبار ~~إدراكها للمثل الخيالية يكون في عالم بين العالمين. ومما يجب أن يعلم أن ~~أهل كل عالم من العوالم إنما يدرك الموجودات التي فيه على سبيل المشاهدة ~~والعيان ويدرك الصور التي هي في أحد العالمين الآخرين على سبيل الحكاية ~~PageV00P503 # والاستخبار للأمور الغائبة عن الأبصار بالعبارة والبيان فشهادة كل عالم ~~غيب في الآخرة وعيانه علم وخبر في غيره. # ولما كانت نفوس أكثر الناس ما دامت في هذا العالم اشتغالها بالحواس أكثر ~~واهتمامها بتربية البدن وأعضائه التي هي محال الحواس أشد من اهتمامها ~~بتقوية القوة العاقلة والقوة المصورة فهي قليلة التوجه والالتفات بتحصيل ~~مآرب القوة العاقلة والسعادة الحقيقية اليقينية كما فعله المقربون ~~والكاملون في العلوم والمعارف من عكوفهم على الرياضات العلمية ضعيفة ~~الاشتغال والاهتمام بتحصيل مآرب القوة العملية والخيالية والسعادات الوهمية ~~الأخروية كما فعله أصحاب اليمين من المتوسطين في المعرفة من اشتغالهم بكثرة ~~العبادات العملية مشعوفة بنية صالحة على قدر ما يمكنهم ويتيسر لهم من ~~الإخلاص في العمل وتصفية النية عن الأغراض الدنياوية فإذا كان الغالب على ~~الإنسان في هذا العالم النشأة الحسية لا جرم كلما يراه من هذا العالم ~~المحسوس يكون واثقا بوجوده ونائلا له بحواسه لكونه من متاع هذه الحياة ~~الدنيا. # وأما ما يراه في النوم أو يتخيل له بقوته الخيالية التي هي باصرته ~~الباطنة التي تبصر بها ويشاهد الصور الغيبية ويراها في عالم متوسط بين ~~العالمين فلا يثق بوجوده ولا يعتمد عليه لكونه معرضا عنه إلى هذا ms345 العالم مع ~~أن ذلك أصدق وجودا في نفسه وعند المدرك إذا قوي سلطان القوة الباطنة واشتد ~~مفارقته لعالم الغيب والله تعالى سمى هذا العالم الحسي بعالم الزور وعالم ~~الغرور وصف الصور الموجودة فيه لهوا ولعبا ومتاع الغرور في عدة مواضع من ~~كتابه الذي هو تنزيل من رب غفور. # والصور العقلية والمثل النورية الأفلاطونية الحاصلة في العالم العقل الذي ~~هو جنة الكاملين في العقل هي أبعد من الحواس وأخفى من مشاهدة الناس وأضعف ~~آثارا PageV00P504 # وأقل تجوهرا عند من غلب عليه قوة الإحساس من الصور الحسية والخيالية ~~جميعا بهذا القياس الذي علمت مع أن البرهان قائم على أنها أقوى الجواهر ~~وأوضحها وجودا أو أشدها نورية وأكثرها آثارا وأصدقها تحققا. # والحاصل أن مناط كون الصورة عينية وذهنية هو ما ذكرنا من أن الإنسان ~~بقوته الدراكة إذا أدرك صورة من صور العالم الذي يكون فيه يكون إدراكه ~~إياها على سبيل المشاهدة والمعاينة ويثق بوجودها ويتلذذ بها إن كان ملائما ~~ويتنفر إن كان منافرا لمناسبتها إياه في نحو الوجود ويحكم بأنها موجودة ~~خارجية عينية قوية. # وإذا أدرك صورة من صور العالم الذي لم يقع بعد فيه ولم يغلب نشأته عليه ~~يكون إدراكه إياها على سبيل التخيل ولا يثق بوجودها ولا يتلذذ ولا يتألم ~~بها لعدم وقوعها معه في عالم واحد فيحكم بأنها موجودة ذهنية غيبية لا ~~شهادية ضعيفة سواء كانت في نفسها قوية أو ضعيفة. # الأصل السادس أن الله تعالى قد خلق النفس الإنسانية بحيث يكون لها اقتدار ~~على إبداع الصور الباطنية الغائبة عن الحواس وكل صورة صادرة عن الفاعل فلها ~~حصول له بل حصولها في نفسه هو عين حصولها لفاعلها وليس من شرط حصول شيء ~~لشيء أن يكون حالا فيه وصفا له بل ربما يكون الشيء حاصلا لشيء من دون قيامه ~~به بنحو الحلول والاتصاف كما أن صور جميع الموجودات حاصلة للباري تعالى ~~حصولا أشد من حصولها لنفسها ولقابلها كما علمت في مباحث العلم أن قيام ~~الصورة بالباري ليس قياما حلوليا ناعتيا وكل صورة ms346 حاصلة لموجود مجرد عن ~~المادة بأي نحو كان فهي مناط عالمية ذلك المجرد بها. # فالنفس الإنسانية في ذاتها عالم خاص بها من الجواهر والأعراض المفارقة ~~والمادية والأفلاك المتحركة والساكنة والعناصر والمركبات وسائر الخلائق ~~يشاهدها بنفس حصولاتها لها لا بحصولات أخرى وإلا يتسلسل فعلمه بها بعينه ~~قدرتها عليه وذلك لأن الباري تعالى خلاق الموجودات المبدعة والكائنة ~~PageV00P505 # وخلق النفس الإنسانية مثالا لذاته وصفاته وأفعاله فإنه منزه عن المثل ~~والشبه لا عن المثال فخلق النفس مثالا له ذاتا وصفاتا وأفعالا ليكون ~~معرفتها مرقاة لمعرفته كما وقع في الحديث المشهور فجعل ذاتها مجردة عن ~~الأكوان والأحياز والجهات وصيرها ذات قدرة وعلم وإرادة وحياة وسمع وبصر ~~وجعلها ذات مملكة شبيهة بمملكة باريها يخلق ما يشاء ويختار ما يريد في ~~عالمها إلا أنها وإن كانت النفس كذلك لكنها لضعف وجودها في الحياة ~~الدنياوية ما يترتب عليها ويوجد من تصورها من الأفعال والآثار الخاصة أعني ~~الصور الإدراكية يكون في غاية ضعف الوجود بل وجود ما يوجد عنها بذاتها وهي ~~في هذا العالم من الصور العقلية أو الخيالية أظلال وأشباح للموجودات ~~المتأصلة الصادرة عن الباري وإن كانت الماهية محفوظة في أنحاء الوجود فلا ~~يترتب على ما يتصوره الآن ما يترتب بحسب الوجود الحسي الخارجي والعقلي ~~الخارجي اللهم إلا لبعض المتجردين عن جلباب البشرية ومشوشات ما يورده ~~الحواس من أصحاب المعارج فإنهم لشدة اتصالهم بعالم القدس ومحل الكرامة ~~وكمال قوتهم وسعة وجودهم الوافي بحفظ الجوانب وعدم اشتغالهم بشأن من الشؤون ~~عن شأن آخر يقتدرون على إيجاد صورة موجودة يترتب عليها الآثار ويستلذ بها ~~في هذا الدار أو في عالم آخر لمن يكون له حاسة يصلح لمشاهدة الأمور ~~الأخروية ومعاينة الأسرار. # وقد مر أن الوجود للشيء الذي لا يترتب عليه الآثار وهو الصادر عن النفس ~~حين اشتغالها بعالم الحواس يسمى بالوجود الذهني والظلي والوجود المترتب ~~عليه الآثار يسمى بالخارجي والعيني. # ومما يؤيد ما ذكرنا ما قاله الشيخ الجليل محيي الدين الأعرابي في كتاب ~~الفصوص أنه بالوهم يخلق كل إنسان في ms347 قوة خياله ما لا وجود له إلا فيها وهذا ~~هو الأمر العالم لكل إنسان والعارف يخلق بالهمة ما يكون له وجود من خارج ~~محل الهمة ولكن لا يزال الهمة بحفظه ولا يؤودها حفظ ما خلقته فمتى طرأ على ~~العارف غفلة عن حفظ ما خلق عدم ذلك المخلوق إلا أن يكون العارف قد ضبط ~~PageV00P506 # جميع الحضرات وهو لا يغفل مطلقا انتهى. # وهذه القوة والقدرة التي يكون لأصحاب الكرامات في إيجاد الصور العينية في ~~الدنيا يكون لعامة الناس في الآخرة سواء كانوا سعيدا أو شقيا إلا أن ~~السعداء لعدالة ملكاتهم واستقامة آرائهم وصحة أخلاقهم وسلامة نفوسهم عن ~~الأمراض النفسانية والأخلاق الذميمة الحاصلة من المعاصي والشهوات يكون ~~قرينهم في الآخرة الحور والغلمان والرضوان واللؤلؤ والمرجان والوجوه الحسان ~~وأنواع النعم وفنون الكرامات والأشقياء لخباثة أخلاقهم ورداءة ملكاتهم ~~واعوجاج إدراكاتهم وفساد آرائهم وأمراض نفوسهم الحاصلة من متابعة الدنيا ~~وحب الشهوات والمستلذات وترك الامتثال للأوامر والنواهي الشرعية ومتابعة ~~النفس الأمارة بالسوء يكون جليسهم في القيامة الجحيم والنيران ومالك غضبان ~~والعقارب والحيات والصور الموحشة القباح وأنواع العذاب وفنون العقاب إذ ~~الأمور الأخروية من نعيم الجنان وعذاب النيران وغيرهما كلها من نتائج ~~الأعمال والأفعال في الدنيا وتوابع الأخلاق والملكات في الأولى ظهرت وحصلت ~~في النشأة الثانية والدار الآخرة للعباد. والصور الأخروية أشد إلذاذا ~~وإيلاما من الصور الدنياوية بما لا نسبة بينهما في التنعيم والتعذيب كيف لا ~~وربما يكون المعلوم في النوم أشد في بابه من التأثير الملائم والمنافر في ~~الذي يراه الإنسان في اليقظة والأخرى لا يكون أضعف في بابه من المعلوم بل ~~الحدس الصائب يحكم بأنه أشد منه بكثير وذلك لصفاء القلب وصحة الإدراك وعدم ~~الشاغل. # فالصور الأخروية هي أكثر تأثيرا من الصور المنامية وهي من الصور ~~الدنياوية وهكذا يقاس صور كل نشأة وعالم إلى صور نشأة أخرى يكون فوقها بعدة ~~مراتب في باب قوة التأثير. # ولهذا ورد في الخبر: أن هذه النار غسلت بالماء سبعين مرة ليمكن الانتفاع ~~بها فإن حرارة النار الدنياوية تابعة لصورتها النوعية. ms348 # وقد حققنا في غير هذا الكتاب أن لكل نوع جسماني فردا روحانيا في عالم ~~الأمر فالنار الجسمانية التي هي في هذا العالم PageV00P507 # شرر من نار قهر الله المعنوية بعد تنزلها في مراتب كثيرة كتنزلها في ~~مرتبة النفس بصورة الغضب إذ ربما يؤثر سورة الغضب في إحراق الأخلاط مع ~~رطوبتها ما لا يؤثر النار في الحطب اليابس ومن هذا يعلم أن كل مسخن لا يجب ~~أن يكون حارا. # واعلم أن هذه النار التي تراها في الدنيا ليس هذا الصفا والإشراق ~~والتلألؤ واللمعان داخلا في حقيقتها فإن ذلك كله مسلوب من النار الحقيقة ~~العقلية ومن النار الجسمانية الأخروية وإنما يثبت لهذه النيران لأنها ليست ~~نيرانا محضة بل فيها نار ونور. # وأما النار المحضة فإن تمامها محرقة مؤذية قطاعة نزاعة وهذا المحسوس من ~~النار ليس محرقا حقيقة والذي يباشر الإحراق والتفريق حقا وحقيقة هي نار ~~إلهية مستورة عن هذه الحواس خارجة عن الفكر والقياس وهي النار الكبرى التي ~~تطلع على الأفئدة والنفوس المرتبطة نوعا من الارتباط بهذا المحسوس. # وكما أن حرارة الحمى الشديد أثر من الأخلاط الردية وانحراف المزاج عن ~~الاعتدال في الطبيعة فكذلك شدة حرارة نار جهنم سببها المعاصي والأفعال ~~السيئة والانحراف عن العدالة ومنهج الشريعة. # الأصل السابع أن المادة التي لا بد منها في وجود الحوادث وحدوثها ولا بد ~~للحركات والتغيرات والانتقالات الخيالية عن تحققها وثبوتها ليست حقيقتها ~~إلا قوة الشيء وإمكانه الاستعدادي ومنبعها الإمكان الذاتي ولهذا حصلت من ~~المبادي العقلية من جهة إمكاناتها ومنشأ الإمكان ذاتيا كان أو استعداديا هو ~~نقص الوجود وقصور التجوهر بحسب مرتبة الماهية أو بحسب الواقع. # فما دام الشيء له قصور في ذاته ونقص في جوهره فله نسبة إلى القوة ويحدث ~~منه المتجددات ويباشر الحركات والتحريكات ويزاولها فكما أن العقول تنقسم في ~~مذهب الإشراقيين إلى ما لا يصدر منها الأجسام وهي العقول الواقعة في سلسلة ~~الطول ويسمى عندهم بالأعلون وذلك لعلوهم PageV00P508 # وغاية شرفهم حيث لا يقع من جهاتهم الفعالة إلا عقول أخرى لا الأجسام إذ ~~لا ms349 بد لصدور الأجسام من ظهور جهة إمكان ونقص في القاهر العقلي وإلى ما يصدر ~~عنها الأجسام وهي العقول الواقعة في سلسلة العرض وهي أواخر السلاسل الطولية ~~وهي أدون منزلة من القواهر الطولية ويسمى بأرباب الأصنام ولقلة شرفها وظهور ~~إمكاناتها يصدر عنها الأجسام وهيئاتها المنوعة. # فكذلك النفوس على ضربين منها ما يتعلق بالأبدان المستحيلة الكائنة وينفعل ~~عن هيئاتها وعوارضها المادية لكونها بالقوة لا يمكن أن يستكفي بذاتها ومنها ~~ما لا يتعلق بالأبدان المستحيلة المادية بل الأبدان ينشأ منها ويوجد ~~بتبعيتها من دون استعداد مادة وانفعال وتغير من حال إلى حال بل بمجرد جهة ~~فاعلية في النفس مع حيثية إمكانها وقصورها عن درجة الكمال التام العقلي إذ ~~لو بلغت إلى حد العقلي لم يتبعها تجسم وتكدر فهذا القسم من النفوس تجردت عن ~~الحس دون الخيال ولو تجردت عن الخيال أيضا لكانت عقولا صرفة. # فالنفس عند تفردها عن البدن العنصري (سواء بالنوم أو بالموت) يصحبها ~~القوة الخيالية ويلزمها البدن الناشي عن النفس القاهرة. # وهذا القسم من النفوس أقوى قوة من النفوس المنفعلة عن الأبدان وإن كانت ~~العصاة والفسقة والكفرة منها معذبة بأنواع من العذاب الجسماني لأجل ~~اكتسابها الملكات الردية والاعتقادات الفاسدة والآراء الردية في الله أو في ~~صفاته أو في أفعاله وأحكامه مؤلمة لنفوس معتقديها ومعذبة لقلوبهم فإنها ~~بالحقيقة نيرانات ملتهبة وحرقات مشتعلة ظهرت لهم من قلوبهم يوم القيامة كما ~~قال الله تعالى: نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة ~~في عمد ممددة وبإزاء هذه الاعتقادات الحقة في النفوس والآراء الفاضلة ~~والأخلاق والملكات الحسنة كلها جنات وأنهار وطيور وأشجار وعيون جارية وسرر ~~مرفوعة و حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون PageV00P509 # جزاء بما كانوا يعملون فإن الملكات والأخلاق المكتسبة من الأعمال ~~والأفعال يتبعها في الآخرة تلك الصور والأشجار والأجسام إما حسنة ملذة ~~منعمة من الجنة والرضوان وإما قبيحة مؤلمة معذبة من الجحيم والغضبان. # فإذا تمهد هذه الأصول والمقدمات مع تتبع الأحاديث وتدبر الآيات تحقق ~~وتيقن وانكشف وتبين أن المعاد في المعاد هو ms350 مجموع النفس بعينها وشخصها ~~والبدن بعينه وشخصه دون بدن آخر عنصري كما ذهب إليه الغزالي أو مثالي كما ~~ذهب إليه الإشراقيون. # وهذا هو الاعتقاد الصحيح المطابق للعقل والشرع الموافق للملة والحكمة فمن ~~صدق وآمن في المعاد بهذا فقد آمن بيوم الحساب والجزاء وقد أصبح مؤمنا حقا ~~والنقصان عن هذا الإيمان خذلان بل كفر وعصيان. # وبما حققناه من المقدمات والأصول اندفع شبهة الجاحدين للحق والمنكرين ~~للمعاد الجسماني. # منها أنه إذا صار إنسان معين غذاء لإنسان آخر فالأجزاء المأكولة إما أن ~~يعاد في بدن الآكل أو في بدن المأكول وأيا ما كان لا يكون أحدهما بعينه ~~معادا بتمامه. # وأيضا إذا كان الآكل كافرا والمأكول مؤمنا يلزم تعذيب المطيع وتنعيم ~~المعاصي أو يلزم أن يكون الآكل كافرا معذبا والمأكول مؤمنا منعما مع كونهما ~~جسما واحدا. # واندفاعه على ما مهدنا من الأصول بعد فهمها وتحقيقها بأن العبرة في تشخص ~~كل إنسان إنما هو بنفسه وأما بدنه من حيث هو بدنه فليس له تشخص إلا بالنفس ~~بل ليس له من هذه الحيثية حقيقة ولا ذات حتى يكون له في ذاته تعين بهذا ~~الاعتبار وتوحد إلا بحسب ما يتصرف فيه أي نفسه وليس من شرط كون بدن زيد ~~محشورا مثلا أن يكون الجسم الذي صار مأكولا لسبع أو إنسان من حيث هو جسم ~~معين له حقيقة لحمية أو عظيمة أو عصبية يحشر يوم القيامة أي بهذا الاعتبار ~~بل المحشور ليس إلا بدن زيد أي جسم يكون بعد ما انحفظت شخصيته بأنه بدن زيد ~~وإن تبدلت جميع أجرائه في PageV00P510 # نفسها وذاتها لا من حيث إنها أجزاء بدن زيد بعينها. # إنما الاعتقاد في حشر الأبدان يوم الجزاء هو أن يبعث أبدان من القبور إذا ~~رآه أحد كل واحد واحد منها يقول هذا فلان بعينه وهذا فلان بعينه من غير شك ~~وريب ويكون اعتقاده بأن هذا فلان بعينه اعتقادا صحيحا مطابقا لما هو الواقع ~~لا أن يكون الأبدان مثلا وأشباحا للأشخاص بل الأبدان الإنسانية يجب أن يكون ~~مما يصدق ms351 عليها ذوات الأناس وحقائقها دون أمثالها وأظلالها. # ولا يلزم من ذلك لأحد أن يعتقد أن مشوه الخلق من أهل الإيمان يجب أن يبعث ~~مشوه الخلق ولا الأقطع والأشل والأعمى والهرم يجب أن يبعثوا كذلك كيف وقد ~~ورد في الأحاديث خلاف ذلك. # فعود الشكل والهيئة والمقدار عينا أو مثلا غير لازم بل اللازم شكل ما ~~وهيئة ما ومقدار ما مع انحفاظ التشخص. # والمتكلمون عن آخرهم أجابوا عن هذه الشبهة بأن المحشور في يوم النشور ~~إنما هو الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره والحق سبحانه ~~يحفظها من غير أن يصير جزءا لبدن آخر. # أقول: هذا كما ترى وبناؤه على الإرادة الجزافية التي يثبتونها في الفاعل ~~المختار الذي كأنه لا شغل له إلا حفظ الأجزاء المتفرقة الترابية عن أن يصير ~~مادة لغذاء الإنسان حتى يتأتى الجواب للمتكلم عن اعتراض يرد عليه في هذا ~~الباب. # وهذا الجواب كجوابهم عما يلزم من لزوم تفكك الرحى كان الواجب جل شأنه ~~شغله دائما إلصاق أجزاء الرحى عن التفكك وتسكين المتحرك السريع حتى يصل ~~إليه البطيء ليتهيأ للكلامى الجواب والاعتذار عما يرد عليه في كل باب والله ~~غني عن العالمين فضلا عن أقوال المتكلمين. # ومنها أن جرم الأرض مقدار محصور معدود ممسوح بالفراسخ والأميال والذراع ~~وعدد النفوس غير متناه فلا يفي مقدار الأرض ولا يسع لأن يحصل منه الأبدان ~~الغير المتناهية. # والجواب بعد تسليم ما ذكر أن المقادير قد يزداد حجما وعددا من مادة واحدة ~~فإن PageV00P511 # هيولى الأرض هي قوة قابلة محضة لا مقدار لها في نفسها بل المقادير مما ~~يعرض لها من خارج وهي في نفسها قابلة للانقسامات وحصول المقادير الغير ~~المتناهية وليس أيضا من شرطها أن يكون صورتها هذه الصورة الأرضية بل يجوز ~~انقلابها من الأرضية إلى أجسام آخر قابل للتخلخل والتعدد أيما فرض على ذلك ~~قد علمت من الأصول أن الإنسان الأخروي ينشأ منه الجسمية بحسب نفسه وصفات ~~نفسه لا أنه يحدث وينشأ هي من الجسم كما في الدنيا لما بينا أن الأبدان ms352 ~~الأخروية يحصل من الجهات الفاعلية لا من الجهات القابلية. # وليعلم أيضا أن الازدحام والتصادم والتضايق هو من خواص الأجسام الدنياوية ~~وليس في الأجسام الآخرة ازدحام وتصادم فإن كل واحد من أهل السعادة له جنة ~~عرضها كعرض السماوات والأرض من غير أن يزاحم شيئا من الأفلاك والعناصر ~~والأركان أو يضيق بسبب وجودها الحيز والمكان. # ولغفلة الناس من الأصول المذكورة صاروا يتعجبون من كون الجنة والنار إذا ~~كانتا موجودتين جسمانيتين فأين وجودهما في العالم وفي أي جهة كانتا إما أن ~~يكونا فوق محدد الجهات فيلزم أن يكون في اللامكان مكان وفي اللاجهة جهة. # وإما أن يكونا في داخل طبقات السماوات والأرض أو ما بين طبقة وطبقة فيلزم ~~إما التداخل أو الانفراج بين سماء وسماء والكل مستحيل ومع هذا تنافي قوله ~~تعالى عرضها كعرض السماء و الأرض فالمتكلمون حيث لم يدخلوا البيوت من ~~أبوابها ليس في وسعهم التفصي عن أمثال هذا الإشكال فيجيبون عنه تارة بتجويز ~~الخلاء وتارة بعدم الجنة والنار مخلوقتين بعد وتارة بانفتاق السماوات بقدر ~~يسع بينها الجنة. # وأكثر الناس يأبون أن يعترفوا بالعجز والقصور ويقولوا لا ندري. الله ~~ورسوله أعلم. # فالمتكلمون حيث لم يدخلوا البيوت من أبوابها ليس في وسعهم التفصي عن ~~أمثال هذا الإشكال ومع هذا فأحسن أحوالهم أن يكتفوا بمجرد التقليد في هذا ~~المطالب ولم يتصدوا للبحث PageV00P512 # والمجادلة كأكثر المتكلمين الذين يخضعون في المعقولات وهم لا يعرفون ~~المحسوسات ويتكلمون في الإلهيات وهم يجهلون الطبيعيات متعاطون البراهين ~~والقياسات وهم لا يحسنون المنطق والرياضيات ولا يعرفون علم الأخلاق ~~والسياسات ولا العلوم الدينية والشرعيات إلا مسائل خلافيات وحذليات. # وليس غرضهم فيها أيضا الوصول إلى الخلاق بتهذيب الأخلاق بل رجوع الخلائق ~~إلى فتاويهم وأقضيتهم التي هي مادة النفاق. # وهؤلاء المجادلة مع كمال قصورهم وعجزهم عن إدراك هذه المسائل الحقيقية ~~الدينية من أحوال المبدإ والمعاد التي بها يكمل الإنسان بحسب القوانين وبها ~~يصل إلى سعادة النشأتين يعادون الحكمة والمعرفة ويخاصمون الحكماء والعرفاء. # وغاية تقويتهم الشريعة والدين وإعانتهم وإرشادهم المسلمين أن يقولوا إن ~~الحكمة ms353 ضلال وإضلال وتعلمها بدعة ووبال وإن علم النجوم باطل وإن الكواكب ~~كالجمادات وإن الأفلاك لا حياة لها ولا نطق ومثل قولهم إن الطب لا منفعة ~~فيه وإن الهندسة لا حقيقة لها وإن علم المنطق والطبيعيات كفر وزندقة وأهلها ~~ملحدون وكفرة إلى غير ذلك من مقالاتهم وهوساتهم المشحونة بالتدليس والتلبيس ~~التي غرضهم فيها صرف قلوب الناس عن الاشتغال بتحصيل الكمال وطلب الآخرة ~~بالزهد الحقيقي وعدم الرغبة إلى الجهال والأرذال وابتغاء معرفة الحق العزيز ~~المتعال بكسب العلم الحقيقي والحال لا بمزاولة القيل والقال. # ومنها لزوم مفسدة التناسخ كما مر ذكره وهذه أيضا شبهة صعبة الزوال وعقدة ~~عسر الانحلال والجواب الذي ذكروا في دفعها في غاية الضعف والقصور لا يمكن ~~الاكتفاء بها في تحقيق الحق اللهم إلا بمجادلة الخصوم وغاية ما تكلفه بعض ~~الأعلام من الكرام في رسالته التي لفقها في تحقيق المعاد وهو أن للروح ~~الإلهي الذي هو النفس الناطقة الفاعلة المتصرفة المدركة في البدن والأعضاء ~~والقوى لأنها آلات لها ضربين من التعلق بهذا البدن العنصري. PageV00P513 # أولهما أولى وهو تعلقه بالروح الحيواني المنبعث من القلب الساري في ~~الشرائين. # وثانيهما ثانوي وهو تعلقها بالأعضاء الكثيفة وكل صورة ونفس تعلق بجسم إذا ~~حان وقرب قصور وفتور في تعلقه بجزء يشتد ويزداد توجهه وتعلقه بالأجزاء ~~الآخر كما لا يخفى على أولى النهى. # وبعد تمهيد هذا نقول: إن الروح الإلهي إذا لبث برهة أو مدة متعلقا ببدن ~~ثم انحرف مزاج الروح الحيواني وكاد أن يخرج عن صلاحية التعلق فاشتد وازداد ~~التعلق الثانوي من جانب الروح الإلهي بالأعضاء ولهذا يرى عند قرب الموت ~~انتقاش ما ثم بعد قطع العلاقة الأولى وزوال الآلات والقوى يبقى من الباقي ~~تعلق ما وبهذا يتعين الأجزاء بتعين ما ثم عند المحشر إذا اجتمعت وتألفت تلك ~~الأجزاء بعينها وتمت صورة البدن ثانيا وحصل فيه الروح الحيواني مرة أخرى ~~عاد تعلق الروح كالمرة الأولى وكان التعلق بالأجزاء مانعا مزاجها لحدوث نفس ~~أخرى فالمعاد هو عود الروح إلى البدن لنيل الجزاء انتهى كلامه بحث وتنبيه ms354 ~~إن هذا الكلام قد لا يفي بتحقيق المرام إنما يليق بمجادلة أهل الخصام فإن ~~تعلق النفوس والصور بالأبدان والأجسام تعلق طبيعي لا تعلق إرادي صادر عن ~~الفاعل بالقصد والروية إذ ربما تعلقت إرادة الإنسان لأجل مصلحة ترغبه ~~وداعية تدعوه إلى توجه والتفات نحو شيء مثل توجهه إلى خرابة عاش فيها مدة ~~وأياما كانت معمورة فالتفت إليها مرة أو مرتين وتذكر به التذاذات والتنعمات ~~التي وقعت منه فيها سواء كان هذا التوجه والالتفات منه على سبيل العبث ~~والجزاف من غير طائل فكري وغاية عقلية أو يكون لها فائدة في ذلك ومصلحة ~~رآها وداعية راعاها مثل طلب العمارة والسكنى فيها أو غير ذلك من المصالح ~~والمآرب الدنياوية. # وأما التعلقات الطبيعية من النفوس والصور والطبائع فلا بد لها من تخصص ~~واستعداد وتهيؤ PageV00P514 # مزاج وعلاقة طبيعية وارتباط علي ومعلولي. # ومن ذاق المشرب الحكمي تعلم وتيقن أن الجسم الذي تعلق به النفس وخصوصا ~~الناطقة التي هي آخر مراتب الشرف والكمال للأجسام الطبيعية في سلسلة العود ~~والرجوع إلى العقل الفعال يجب أن يكون مختصا بمزيد استعداد وتهيؤ مزاج ~~وإعداد وحرارة غريزية وروح بخاري شبيها لجرم السماوي. # ومعنى قولهم: للنفس تعلق ثانوي بالأعضاء أن تعلقها بالأعضاء الكثيفة ~~بالعرض لا بالذات لأجل كونها كالقشر والغلاف الحاوي للجرم الشبيه بالسماوي ~~المعتدل القوام اللائق لأجل حرارته ولطافته وشفيفه أن يستوكره الحمام ~~القدسي والطائر الإلهي والمزاج المعتدل الحقيقي لو جاز أو القريب به لو ~~امتنع هو مزاج الروح البخاري كما مر ذكره لا مزاج الأعضاء حين كونها أعضاء ~~فضلا من صيرورتها ترابا ورمادا فأي تعلق طبيعي بقي للنفس بالتراب والرماد ~~ولو كان كذلك لكان كل تراب ورماد مما يتعلق به النفس ويتوجه إليه تعلقا ~~طبيعيا وتوجها غريزيا لاشتراك الجميع في الترابية والرمادية والإضافة إلى ~~الزمان السابق الذي كانت هذه المادية مصورة بصور الأعضاء غير باقية لأن ~~الزمان غير باق فإذا تمزقت هذه الشبكة واستحالت ترابا وهواء وطار طائرها ~~القدسي فأي تعلق بقي له بأجزائها المتفرقة المتبددة التي كل منها في قطر ms355 من ~~الأمكنة. # ذكر وتنبيه إن الغزالي صرح في كثير من المواضع في كتبه ب: أن المعاد ~~الجسماني هو أن يتعلق المفارق عن بدن ببدن آخر واستبعد بل استنكر عود أجزاء ~~البدن الأول. # قال: وزيد الشيخ هو بعينه الذي كان شابا وهو بعينه الذي كان طفلا وجنينا ~~صغيرا في بطن الأم مع عدم بقاء الأجزاء ففي الحشر أيضا كذلك والملتزمون عود ~~الأجزاء مقلدون بلا دراية. # أقول: قد علمت أن طريقتنا ومذهبنا في الحشر الجسماني عود البدن بعينه مع ~~PageV00P515 # نفسه كما يحكم به العقل الصريح من غير تعطيل ويدل عليه الشرع الصحيح من ~~غير تأويل. # ثم قال: وهذا ليس بتناسخ فإن المعاد هو الشخص الأول والمتناسخ شخص آخر ~~فالفرق بين الحشر والتناسخ أن الروح إذا صار مرة أخرى متعلقا ببدن آخر فإن ~~حصل من هذا التعلق الشخص الأول كان حشرا واقعا لا تناسخا. # أقول: تقريره للمعاد الجسماني بأنه عود للشخص مع عدم عود البدن وتصريحه ~~بأن الشخص إنما هو مجموع الروح والبدن مشكل وأشكل منه ما قرره في الفرق بين ~~الحشر والتناسخ أن الشخص الثاني في الثاني غير الأول وفي الأول عينه إذ في ~~هذا الفرق تحكم لا يخفى. # وقال في موضع بهذا العبارة: إن الروح يعاد إلى بدن آخر غير الأول ولا ~~يشاركه في شيء من الأجزاء. # ثم قال: فإن قيل هذا هو التناسخ قلنا: سلمنا ولا مشاحة في الأسماء والشرع ~~جوز هذا التناسخ ومنع غيره. # أقول: هذا الكلام منه مما تلقاه بعض فضلاء الزمان بالقبول وذكره في ~~تصنيفه واستحسنه ولعله ومن تبعه توهما أن الإيراد الذي يذكر في هذا المقام ~~هو بل الإشكال هنا لزوم مفسدة التناسخ المذكورة في بيان استحالته كما ذكره ~~الشيخ الرئيس وغيره من الحكماء أتباع المعلم الأول القائلين ببطلان التناسخ ~~وهي كون بدن واحد ذا نفسين وكون بدن واحد ذا ذاتين وتلك المفسدة بعينها ~~واردة كلما تعلقت نفس ببدن آخر غير بدنه الأول سواء كان المجموع الثاني عين ~~الأول أو غيره وسواء سمي هذا في الشرع ms356 أو العرف تناسخا أو لا. # ومنها أن الإعادة لا لغرض عبث لا يليق بالحكيم والغرض إن كان عائدا إليه ~~كان لزوم نفس التناسخ حتى يجاب بأن الشرع جوز هذا النوع من التناسخ ومنع ~~غيره نقصا له فيجب تنزيهه وإن كان عائدا إلى العبد لزم خلاف الحكمة ~~والعدالة فإن ذلك الغرض إن كان إيصال ألم فهو غير لائق بالحكيم العادل وإن ~~كان إيصال لذة فاللذات سيما الحسيات دفع الآلام. فإن الطعام وإن كان حسنا ~~لذيذا لا يلتذ به من كان ممتليا شبعا وإنما يستلذ الجائع وكذلك سائر اللذات ~~الحسية فإن العلماء والأطباء PageV00P516 # بينوا وقرروا أنها دفع الآلام وألفوا في هذا كتبا ورسائل فلزم أن يولمه ~~أولا حتى يوصل إليه لذة حسية وذلك أيضا لا يليق بالحكيم. وهل يليق بالحكيم ~~العادل أن يولم أولا أحدا ليدفع عنه هذا الألم ومن ذا الذي يرى إحسانا بأحد ~~فيقطع بعض أعضائه ثم يضع عليه المراهم ليلتذ. # الأشاعرة أجابوا عن هذا بمنع لزوم الغرض وقبح الخلو عنه ثم منع انحصار ~~الغرض في إيصال اللذة والألم ثم منع كون اللذة دفعا للألم ثم منع كون ~~اللذات الأخروية كالدنيوية حتى يستلزم كونها أيضا دفعا للألم. # أقول: يمكن إثبات هذه المقدمات المنوعة ودفع هذا الممنوع بوجه لائق هو ~~أليق وهو أن الغرض في المعاد نيل الجزاء وظهور صدق الأنبياء. # وقد عرفت الفرق بين الغرض والضروري وإيصال اللذة والألم كليهما جزاء وغرض ~~ولا يلزم أن يكون إيصال اللذة بالإيلام أولا بل اللذات والآلام مما كسبته ~~واكتسبته أيدي النفوس إرادة وعادة. # وتوضيحه أنا نختار أن الغرض والغاية إيلام العصاة والأشقياء جزاء أعمالهم ~~القبيحة وتنعيم السعداء وإلذاذهم جزاء أعمالهم الحسنة ولما كان المعاد في ~~المعاد هو هذا البدن الذي كان في هذه النشأة كانت لوازمه في النشأة الآخرة ~~كلوازمه في النشأة الأولى فإنه كما يجوع في هذه النشأة بلوازم بدنه ومزاجه ~~من جهة حركات نفسانية وتخيلات حتى أنه لو غفلت نفس أحد عن الأكل والشرب ~~لأجل استغراقه في تخيل أمر عظيم ملذ ms357 قوي أو مولم شديد أو اشتغاله بمرض صعب ~~يمضي عليه أيام لا يأكل ولا يشرب ولا يريدهما كذلك في النشأة الآخرة يجوع ~~بلوازم أمور بدنه ومشتهيات نفسه فيأكل ما يريده ويشتهيه الأنفس ويجوز أن ~~يتأخر التنعيم والإلذاذ عن الألم والمشقة فإذا حصل لزاهد ألم الجوع في هذه ~~النشأة لزهده في صومه ومشقة ترك مشتهياته من الشهوات اللذيذة التي يشتاق ~~إليه بحسب طبعه ويهواها وكان يكف عنها ونهى النفس عن الهوى خوفا من الله ~~فلا ضير أن يطعمه الله في نشأة أخرى بعد مدة أطعمة وملاذا يدفع بها الألم ~~الحاصل له بزيادة ويترتب على تشوقه وتخيله غاية PageV00P517 # ما يتصوره ويهم به ويطلبه. # على أنا لا نسلم أن اللذة الحسية لا يكون إلا لدفع الألم بل يكون لنيل ما ~~ينال الذوق من صورة الأمر اللذيذة. # ولا نسلم أن كل مشتهى ومذوق لا يفيد إلا دفع الألم بل اللذة الحسية في ~~نفسها غاية وكمال للقوى الحسية كما عرفت. وفي الجنة ملاذ جميع المدارك إذ ~~فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين فلكل أحد ما يشتهيه ويشتاقه ولهم فيها ما ~~يدعون. # فينبغي للإنسان أن يحصل هاهنا الإدراك والتشوق لنيل المثوبات والوصول إلى ~~الخيرات لأنه يصل كل إنسان في الآخرة إلى غاية همته ومشتهاه ونهاية رجاه ~~ومناه بشرط أن ينهى نفسه عن هواه ويزهد في الدنيا طلبا لمثواه. # نقل وردع إن من الفلاسفة من تأول الآيات الصريحة في الحشر الجسماني ~~فيصرفها عن الجسمانيات ويحملها على الروحانيات قائلا: إن الخطاب للعامة ~~وأجلاف الأعراب والعبرانيون لا يعرفون الروحانيات واللسان العربي مشحون ~~بالمجازات والاستعارات. # أقول: والعجب منه كيف غفل عن وجود عالم آخر جسماني فيه أجسام وأعراض ~~وأشخاص جسمانية أخروية وناس أخرويون ثم كيف يحمل الآيات والنصوص القرآنية ~~في أحوال المعاد على الأمور الروحانية وفيها مبالغات وتأكيدات لا مجال لعدم ~~حملها على الجسمانيات. # وأيضا من لم يقدر على فهم حكاية وصفات ولذات مع ما له من القوى والمشاعر ~~كيف يتأتى له نيلها واكتناه حقائقها مع فقده وعراه عنها و ms358 من كان في هذه ~~أعمى فهو في الآخرة أعمى و أضل سبيلا. # وأيضا لو كان الأمر في باب المعاد على ما توهمه لزم أن يكون الهادي للخلق ~~والداعي لهم إلى الحق مقررا لأكاذيب. # فإن أجلاف الأعراب والعبرانيين كما قال لا يفهمون إلا هذه الظواهر التي ~~يقرر أنها أكاذيب. # وهذا كما ترى مخالف للهداية والإرشاد والاعتقاد به مناف لدعوى الإيمان ~~PageV00P518 # برسالة الأنبياء والاعتقاد بحقية القرآن والظاهر من كتب الشيخ الرئيس أنه ~~لم ينكر المعاد الجسماني وحاشاه عن ذلك إلا أنه لم يحصل بالبيان والبرهان ~~فإنه قال في غير موضع من كتبه: إن المعاد قسمان جسماني وروحاني أما ~~الجسماني فقد أغنانا عن بيانه الشريعة الحقة التي أتى به سيدنا ومولانا ~~محمد ص أما الروحاني فنحن نشتغل ببيانه. # تفصيل وتذكر إن الغزالي في كتاب سماه بفيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ~~بين أن للأشياء خمسة وجودات ذاتي وحسي وخيالي وعقلي وشبهى. # فمن اعترف بوجود ما أخبر الرسول ص عن وجوده بوجه من الوجوه الخمسة فليس ~~بمكذب على الإطلاق. فلنشرع للأقسام الخمسة ولنذكر مثالها في التأويلات وأما ~~الوجود الذاتي فهو الوجود الحقيقي الثابت خارج عن الحس والعقل وهو كوجود ~~السماء والأرض. # وأما وجود الحسي فهو ما يتمثل في القوة الباصرة مما لا وجود في خارج ~~العين فيكون موجودا في الحس واختص به الحاس. ولا يشاركه غيره وذلك كما ~~يشاهد النائم بل كما يشاهد المريض المستيقظ. # وأما الوجود الخيالي فهو صورة هذه المحسوسات إذا غاب فإنك تقدر أن تخترع ~~في خيالك صورة فيل وفرس وإن كنت مغمضا عينيك حتى كأنك تشاهده وهو موجود ~~بكمال صورته في دماغك لا في الخارج. # وأما الوجود العقلي أن يكون للشيء روح وحقيقة فيتلقى العقل مجرد معناه ~~دون أن يثبت صورته في خيال أو خارج كاليد فإن لها صورة محسوسة ومخيلة وله ~~معنى وحقيقة وروح وهو القدرة على البطش وهو اليد العقلي وللقلم صورة ولكن ~~PageV00P519 # حقيقته ما ينقش به العلوم وهذا ما يتلقاه العقل من غير أن يكون صورة خشب ~~أو ms359 قصب أو غير ذلك من الصور الخيالية والحسية. # وأما الوجود الشبهى وهو أن لا يكون نفس الشيء موجودا لا بصورته ولا ~~بحقيقته لا في الخارج ولا في الحس ولا في الخيال ولا في العقل ولكن يكون ~~الموجود شيئا آخر يشبهه في خاصة من خواصه وصفة من صفاته. # ثم قال بعد ما قال: اعلم أن من يؤول قولا من أقوال الشرع على درجة من هذه ~~الدرجات فهو من المصدقين وإنما التكذيب أن ينفي جميع هذه المعاني ويزعم أن ~~ما قال لا معنى له وإنما هو كذب محض وغرضه فيما قاله التلبيس أو مصلحة ~~الدنيا وذلك هو الكفر والزندقة ولا يلزم كفر المؤولين. هذا ملخص كلامه ~~ومحصل مرامه. # وقال بعض الناظرين في كلامه: إنه بما فتحه يفتح في التأويل باب وسيع ويرد ~~عليه إيراد شنيع إنه مع غلوه في التأويلات وحمله الأحاديث والآيات على ~~محامل يحملها ومخايل خيلها أو تخيل شرذمة من الحكماء وكيف أتى بالإصرار في ~~التكفير والإنكار قائلا في رسالته المنقذ من الضلال: يجب تكفير الفارابي ~~وابن سينا من متفلسفة الإسلام مع أنهما لم يبلغا في التأويل والصرف عن ~~الظاهر مبلغه وليس ما له وجه من كلامه إلا وبإزائه ما له وجه من كلامهما ~~وإنه كيف كفر الحكماء في قولهم بالقدم وفي نفي علمه تعالى بالجزئيات ~~وإنكارهم حشر الأجساد مع أن هذا القول والنفي والإنكار لم يثبت منهم على ~~وجه يلزمهم كفر ولو ثبت على ما أثبت وادعى ثبوته فلم يؤول بمثل ما يؤول به ~~كلام نفسه. فإنه قد صرح بالقدم حينا ولم لا يحمل الحشر وما يقال في النشأة ~~الأخرى قول على أحد الوجودات. والحكماء الذين كفرهم في هذا لا ينكرون ~~الأمور العقلية أصلا وكافة الحكماء يقرون بأنه تعالى يعلم الكليات ~~والجزئيات ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض والسماوات ومن كفرهم في هذا ~~ما عرف مقصدهم. PageV00P520 # ثم بعد التنزل وتقرير الأمور على ما قرر فلهم أن يقولوا إنا نفينا علمه ~~بالجزئيات عن الحواس ونحن قائلون بالحشر في ms360 أربع درجات من الوجودات. # ثم لا يخفى على من له فطانة ما أنه على ما قرره يلزم تكذيب الأنبياء في ~~عقائد شتى يجب الإقرار والإيمان بها وأنه حمل كثيرا من مواعيد النبوة على ~~وجودات لا حقيقة لها. # وإن كنت في نبذ من هذا في ريب فارجع إلى كتبه العديدة التي صنفها في هذا ~~تأمل بعد النظر يظهر لك أنه بنى المواعيد كلها على وجودات لا حقيقة لها وهل ~~هذا إلا تكذيب الأنبياء. # ثم إنه لما كان هو الإمام وما له من الكلام حجة في الإسلام لم يلزم على ~~ما أفتى به من الفتوى تكفير المتفلسفين لو أنكروا البعث الخارجي وتشبثوا ~~بأحد الوجودات الأخر وقالوا: مواعيد النبوة في النشأة الآخرة تدرك بالخيال ~~أو العقل. # بسط مقال لتحقيق حال الحق الحقيق بالتصديق أن الغزالي في أكثر القواعد ~~الدينية والأصول الإيمانية كان يتبع الحكماء ومنهم يأخذ كثيرا من عقائده ~~لأنه وجد مذاهبهم في باب أحوال المبدإ والمعاد أوثق المذاهب وأتقن الآراء ~~العقلية وأصفى من الشبهة والشكوك وكلماتهم أبعد من التخالف والتناقض من ~~كلمات غيرهم. # وأما التكفير والإنكار والرد والاستنكار الذي وقع منه في كتبه فهو إما ~~بناء على المصلحة الدينية من حفظ عقائد المسلمين من الضيغ والضلال مما ~~سمعوه من كلام الحكماء من غير فهم ودراية وصرف للكفر في معانيه وحراسته ~~لدينهم حتى لا تزل أقدامهم بما قرع أسماعهم من الناقصين والمتفلسفين أن ~~تعلم الحكمة يوجب الاستغناء عن الشريعة وأن قدم العالم مطابق للبرهان ~~ومقتضى العقل والإيقان وأن لا حشر ولا نشر ولا مجازاة في الأعمال والأفعال ~~إلى غير ذلك من المجازفات في الكلام. # وإما لأجل التقية والخوف عن تكفير الظاهريين من فقهاء زمانه إياه ومشهور ~~أن بعضا من أهل زمانه حكم بكفره وكتب رسالته في تكفيره وتضليله. # وإما لأنه كان في أوائل حاله وقبل براعته وكماله في المعرفة مكفرا ~~للحكماء حيث ظن أنهم نفوا عن الباري القدرة والعلم بالجزئيات وأنكروا الحشر ~~PageV00P521 # الجسماني ثم بعد ما أمعن في كلامهم وتفطن أنهم قائلون بالأمور ms361 الثلاثة ~~على وجه دقيق لا يفهمه الجمهور لما في عقولهم ومداركهم من القصور رجع وتاب ~~واستقر رأيه ومذهبه على ما هو رأيهم ومذهبهم. # وأما الذي نسب إليه هذا القائل من الاكتفاء بأحد الوجوه الخمسة في باب ~~الاعتقاد بالأمور الإيمانية والأحكام الإلهية فيما جاء به الكتاب والسنة ~~وأتى به الرسول ص على الأمة فلم أجده في كلامه على هذا الوجه الذي ذكره هذا ~~القائل ولعله مما كان له وجه وجيه لا يرد عليه شناعة بعد التأمل والنظر ~~فيه. # نعم ربما ذهب إلى ما ذهب إليه الإشراقيون من الحكماء من أن النفوس ~~المفارقة عن الأبدان العنصرية لا يخلو عن خمسة أقسام لأنها إما أن يكون ~~كاملة في الحكمتين العلمية والعملية أو متوسطة فيهما أو كاملة في العلمية ~~دون العملية أو في العملية دون العلمية أو فيهما. # فالأول من السابقين المقربين والثلاثة المتوسطة من المتوسطين وأصحاب ~~اليمين والخامس من أصحاب الشمال. # وعند المعاد يتخلص الأول إلى عالم النور والمتوسطون ينقلون بأبدان مثالية ~~مناسبة لأخلاقهم وهيئاتهم النفسانية ومظاهر تلك الأبدان الأفلاك الجسمانية ~~ثم المثالية وهي مرتقية عن أول الأوائل إلى أعلاها ثم العالم العنصري الذي ~~فيه جابلقا وجابرصا ثم إلى هورقليا أفلاك عالم المثال مترقيا إلى الأعلى ~~وللقائلين بهذا في الخصوصيات مذاهب شتى. # وأما الخامس وهو الناقص في العلم والعمل إذا قطع تعلقه عن البدن العنصري ~~الإنساني على قول منكري التناسخ يتعلق بأبدان حيوانية مثالية مناسبة ~~للأخلاق الحيوانية كالنمل للحريص والخنزير للشره ويتردد في تلك الأبدان ~~معذبا حتى يزول عنه الهيئات وحينئذ يتخلص إلى الأبدان الإنسان في عالم ~~عناصر المثال وأفلاكها. # ومذهب المشائين وخصوصا ما نقله واستحسنه الشيخ من أحد تلاميذ أرسطو وكأنه ~~هو ثامسطيوس قريب من هذا المذهب حيث يرى أن المواعيد النبوية من الجنة ~~والنار وعذاب القبر وغيرها صور مشهودة في عالم غير هذا العالم وإن افترقا ~~من كون PageV00P522 # ذلك العالم عالم المثال المنفصل الخارجي عند الإشراقيين وعالم الخيال ~~المتصل الداخل عند هؤلاء. # ومن تدبر وتفكر مذهب الغزالي ومختاره في النشأة الآخرة ms362 واللذات والآلام ~~الأخروية يعلم أنه يدور حول هذين المذهبين كما يظهر بمراجعة كتبه وقد علمت ~~منا ما يرد على كل منهما. # والحق عندنا أن الحق الحقيق بالاعتقاد والتصديق في مسألة المعاد هو بعينه ~~ما يدل عليه ظواهر الكتاب والسنة وما ورد به الشريعة الحقة وأن كلما ورد به ~~في الكتاب والسنة حق بظاهره من غير صرف عن الظاهر متى لم يكن في الصرف باعث ~~عقلي أو شرعي. # وهاهنا بعينه كذلك إذ لا باعث عندنا للتأويل عن الظاهر فيجب المصير إليه ~~ولا يجوز التأويل لعدم ضرورة داعية إليه كما تقرر في الأصول وتلقيناه ~~بالقبول. # فاتباع الشريعة الحقة أولى وأحرى فاتبع الحق ولا تتبع الهوى بعد ما جاءك ~~من العلم والهدى. # والعجب في هذه المسألة أن إبقاء الآيات والأحاديث على ظاهرهما ومفهومهما ~~الأولى من غير صرف وتأويل يحتاج إلى فهم ثاقب ودرك غامض وفطرة ثانية لأنها ~~مع كونها محمولة على مفهوماتها الأولية من غير تجوز وتأويل مما طابق ~~القوانين العقلية والقواعد الحكمية من كون هذا العالم الجسماني منحصرا فيما ~~حواه السطح الظاهر لمحدد الجهات وأنه لا يكون وراء العالم خلاء ولا ملاء ~~وأنه لا يمكن وجود عالم آخر خارج هذا العالم ولا داخل كما قررناه وبنينا ~~عليه إثبات وحدة الصانع وأن التناسخ ممتنع وأن إعادة المعدوم مستحيل وأن ~~جرم الأرض ممسوح بمقدار كذا وكذا بحيث يزيد مقدار جميع أبدان العنصرية ~~المحشورة يوم القيامة على الساهرة على مقدار مجموع جرم الأرض بما لا نسبة ~~بينهما إلى غير ذلك من القوانين الفلسفة المسلمة صحتها وحقيقتها من غير ~~مدافعتها للجسمانى والجنة والنار الجسمانيين مع عرض جنة واحدة منها كعرض ~~السماء والأرض. # وتحقيق هذا المطلب على الوجه الذي قررناه من فضل الله تعالى الذي لا يمكن ~~الوصول إليه بالأنظار PageV00P523 # البحثية والأفكار النظرية إلا بتأييدات اعتصامي وتسديد إلهامي وإراءة ~~الحقائق كما هي من الجانب الإلهي وأعجب العجائب أن هذا القائل الذي نقلنا ~~كلامه في تكفير من يسمى بحجة الإسلام ذكر كلاما في رسالة سماها مجلي ~~الدقائق بهذه ms363 العبارة: # يمكن أن يتعلق النفس المفارقة ببدنه مرة أخرى بل امتناع عدم تناهي ~~المقادير المستلزم لعود الأوضاع ومقابلتها ربما يوجب ذلك وبذلك يتحقق ~~المعاد الجسماني الموعود في الكلام الإلهي بلا تأويل. انتهت عبارته. # أقول: انظروا معاشر المتعلمين كيف زلت قدم هذا النحرير في هذا الركن ~~العظيم من الإسلام حيث جعل مذهب يوذاسف التناسخي الذي طعن فيه أكثر العلماء ~~مناط إثبات الحشر والبعث للنفوس والأرواح وهل هذا إلا إنكار حقيقة المعاد ~~واليوم الآخر والنشأة الثانية مطلقا وإبطال ما ذهب إليه الحكماء وأرباب ~~الشرائع رأسا. # فإن من ذهب إلى أن نسبة حركات السمويات ومقاديرها نسبة عددية موجبة لعود ~~الأوضاع السفلية إلى ما كانت قبل صرح بأن ارتسام الصور الجسمانية في القوى ~~الفلكية يستحيل لا تناهيها فيستحيل لا تناهي مقتضياتها من الصور الخارجية ~~العنصرية فوجب تكرارها بدون تكرار الأشخاص التي تلك الصور صورها بعد مضي ~~ثلاثمائة ألف وستين ألفا مما يعده المنجمون الذين هم شياطين الإنس أي لا ~~يتكرر النفوس المجردة كما ذهب إليه يوذاسف التناسخي رئيس الشياطين المنكر ~~للبعث الذي استخرج أحوال جميع السنة المذكورة وحكم بطوفان نوح في منتصف ~~السنة. # فإن ذلك التكرار باطل لاستلزامه العجز عن إفاضة النفس المجردة المدبرة ~~جديدا كما هو المشهور من دليل القوم ولما أقمنا من البرهان اللمي على بطلان ~~التناسخ وإثبات النشأة الآخرة. # كشف حال لإيضاح مقال إن الروح إذا فارق البدن العنصري مع بقاء تعلق ما ~~ضعيف بالبدن لا بأجزاء PageV00P524 # مادية كما زعمه جمع من المتأخرين لما مر بطلانه غير مرة بل بجملة بدنه ~~وهيئاته وهيكله الذي فارقه لأجل بقاء صورته وهيئاته في ذكره فإن النفس إذا ~~فارق البدن حملت القوة الوهمية المدركة للمعاني الجزئية بذاتها وللصور ~~الجسمانية باستخدام الخيال والمتخيلة. # وقد مرت الإشارة في الأصول إلى أن النفس في إدراكها الجزئيات والشخصيات ~~المادية لا يحتاج إلى البدن بل كثيرا ما تدرك الأمر المادي الشخصي بذاتها ~~أو بقوتها القائمة بها. # وقد مر في مباحث العلم أن النفس تدرك بدنها الشخصي بذاتها بعلم إشراقي ~~حضوري ms364 وكذا يدرك وهمه وخياله الشخصيين لا بوهم آخر وخيال آخر. # وإذا كان الأمر على ما ذكرنا فلا ضير أن يدرك النفس بذاتها أو بقوتها ~~الخيالية الذاتية أمورا جسمانية يكون صورها العلمي الخيالي عين وجودها ~~الخارجي فإن للنفس في ذاتها حواس تدرك بها أشخاصا أخروية غير أشخاص هذا ~~العالم هي الأشخاص العينية الغائبة عن حواس هذا العالم كما يدرك بهذه ~~الحواس محسوسات هذا العالم. # وهذه الحواس البدنية القائمة بهذا البدن الدنياوي ظلال للحواس التي هي ~~لها في ذاتها سمعا وبصرا وذوقا ولسانا ووهما وخيالا. # أ لا ترى أنها في النوم تدرك بجميع الإدراكات التي ذكرناها مع تعطل هذه ~~الحواس وركودها. # فإذا تمهد هذا فنقول: إذا مات الإنسان وفارقت نفسه وهي عالمة بذاتها ~~ومعها القوى المدركة للجزئيات فتخيل ذاتها مفارقة عن دار الدنيا ويتوهم ~~نفسها عين الإنسان المقبور الذي مات صورته ويجد بدنها مقبورا ويدرك الألم ~~الواصلة إليها على سبيل العقوبات الحسية على ما وردت به الشرائع الصادقة ~~هذا عذاب القبر. # وإن كانت سعيدة يتصور ذاتها على صورة ملائمة ويصادف الأمور الموعودة من ~~الجنات والأنهار والحدائق والغلمان والحور العين والكأس من المعين فهذا ~~ثواب القبر كما قال النبي ص: القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر ~~النيران. # وإياك أن تعتقد أن هذه الأمور التي يراها الإنسان ما بعد موته من أحوال ~~القبر وأهوال القيامة أمور موهومة محضة متخيلة صرفة لا وجود لها في الأعيان ~~كما زعمه كثير من المنتسبين إلى الحكمة والمتشبهين بالحكماء هيهات هيهات ~~هذا عندنا كفر PageV00P525 # بحسب الشريعة وضلال بحسب الحكمة بل الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. # وأمور الآخرة أقوى وجودا وأشد تحصلا وأقوى تأثيرا من موجودات هذا العالم. # نعم موجودات هذا العالم غير تصوراتها وتخيلاتها ولهذا لا يترتب على ~~تصورها وتخيلها ما يترتب على وجودها العيني بخلاف موجودات الآخرة فإن ~~وجودها العيني هو تخيلها ووجودها الخيالي فالتخيل هناك نفس الوجود العيني ~~وعين التحصل الخارجي فلهذا يترتب على التخيل ما يترتب على الوجود العيني ~~بوجه أقوى وأشد لصفاء ms365 الموضوع والقابل إذ موضوع هذه الصور الجسمانية ~~الدنياوية هي الهيولى العنصرية وهي في غاية الكدورة والنقص والضعف وموضوع ~~تلك الصور الجسمانية الأخروية هي النفس الإنسانية بقوتها العلمية الخيالية ~~التي هي جهة نقصها وقوتها ووجهها إلى جانب السفل وإذ لا نسبة بين الموضوعين ~~في الشرف والخسة فلا نسبة بين الصورتين في قوة الوجود وضعفه. فليدرك غور ~~هذا وليتفطن سره فإن النشأة الأخرى خروج النفس عن غبار هذه الهيئات البدنية ~~كما يخرج الجنين من القرار المكين. # قال الله تعالى: قل يحييها الذي أنشأها أول مرة و هو بكل خلق عليم وقوله: # الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون دليل واضح لما ~~ذكر ومثال بين للنشأة الثانية من هذه الدنيا وقد مرت الإشارة بأن فعل الحق ~~بواسطة ملكة المقرب في حق عبده المخمر طينته بيدي قدرته أربعين صباحا بعيد ~~عند العقل المكحل بنور البصيرة أن يكون إماتة وإهلاكا وإعداما بل موت البدن ~~في الحقيقة إحياء للنفس بالذات ونقل لها من حالة دنية إلى حالة شريفة ~~وتحويل إياها من دار فانية إلى دار باقية كما أن الإنسان في انقلاباتها ~~السابقة من طور إلى طور ومن حقيقة إلى حقيقة كان فعل الحق في حقه التكميل ~~والتربية والإحياء والنقل من نشأة إلى نشأة ثانية يكون الثانية حياة ~~بالنسبة إلى الأولى والأولى موت بالنسبة إلى الثانية فإنه كان أولا أمرا ~~معدوما PageV00P526 # لم يكن شيئا مذكورا وهذا أخس الأحوال وأنزل المراتب المعدومية ثم صار قوة ~~صرفة يتساوى طرفا الوجود والعدم إليه ثم صار مستعدا لوجود الإنسانية بعد طي ~~مراتب الجمادية والنباتية والحيوانية وهذا حتى بلغ أول مرتبة الإنسانية ~~وأدنى منازلها وهو الجنين في الرحم ثم إلى الطفولية وهكذا إلى أن يصير تام ~~الخلقة كامل البنية فإذا كمل ظاهره وبدنه بالجوارح والأعضاء الظاهرة ~~والباطنة حتى في الزينة البدنية من شعر الأطراف وقوة الجسمية من المحركة ~~والمدركة أخذ في تكميل نفسه وتقوية باطنه الذي هو حقيقة ذاته وصورة وجوده ~~وكلما أخذت نفسه في القوة والكمال أخذ ms366 بدنه في الضعف والانحلال والوهن ~~والكلال شيئا فشيئا إلى أن بلغت النفس غايتها في القوة والجوهرية ~~والاستقلال في الوجود من دون البدن فحدث حينئذ الموت الطبيعي للبدن فالموت ~~الطبيعي للبدن بهذا المعنى لا لما ذكره الأطباء وغيرهم من أن عروض الموت ~~الطبيعي للإنسان إنما يكون بسبب فناء الحرارة الغريزية له وتناهي القوة ~~الجسمانية في الفعل والانفعال. والنفس وإن كانت جوهرا مجردا في ذاتها لكنها ~~مادية في تأثيرها وتأثرها كما أشرنا إليه من أن هذا الوجه غير تام عندنا. ~~فإن الفاعل لقوى البدن والحافظة لمزاجه والمفيض لحرارته الغريزية هي النفس ~~المتدرجة في الكمال والاستكمال. # والقابل الأول هي الهيولى الأولى المعراة عن الكمية والمقدار وبرهان ~~تناهي التأثير والتأثر لا يجري إلا في المنقسمات. # ثم إن النفس عند أوان نقصها وأول تكونها لم يكن عاجزة عن حفظ المزاج عن ~~الفساد والزوال وضبط التركيب عن الانحلال والاضمحلال بل كان فعلها في البدن ~~التكميل والإنماء والزيادة في التغذية على حد الاكتفاء فإذا قويت في ~~التجوهر وكملت في الوجود كيف عجزت عما قويت عليه نفس الطفل والجنين بمراتب ~~وضعفت عن إبقاء شيء مما كانت تحدثه أولا من كمية البدن والأعضاء في حالة ~~الإنماء. # فالحق أن كل نفس بحسب جبلتها وفطرتها متوجهة إلى عالم آخر مرتحلة من حيث ~~غريزتها الذاتية إلى مرحلة خارجة عن مراحل الدنيا مسافرة من أول منزل ~~تكونها ومنذ أول حدوثها إلى الله تعالى لأنها جاءت منه فيعود إليه. ~~PageV00P527 # ولفظ المعاد دال على هذا المعنى فإن الرجوع والعود يقتضي المجيء ~~والسابقية ويستوي في هذا السفر الذاتي إلى الحق تعالى والميل الغريزي إليه ~~المطيع والعاصي والمنعم والمعذب والكافر والمسلم والجميع في حكم واحد فيما ~~ذكرنا. إذ المخالفة الشرعية لا ينافي الطاعة الطبيعية والعالم بأسره مطيع ~~لله تعالى ولجميع أجزائه عبودية ذاتية ودين فطري والكل على سنة واحدة و لن ~~تجد لسنة الله تبديلا إلا أن بعض الناس لأجل سلطان الوهم واستيلاء الشيطان ~~عليهم نسوا الله فأنساهم أنفسهم والله يقول: و نحن أقرب إليه من حبل ms367 الوريد ~~ومع ذلك بعدوا عن الحق بعدا شديدا وضلوا ضلالا بعيدا فاحترقوا بنار جهنم ~~التي كأنها شعلة من نيران الحرمان والبعد عن رحمة الله تعالى والغرض من هذا ~~الكلام الذي يتحرك به سلسلة المجانين أن سبب الموت الطبيعي كما مر سابقا هو ~~قوة النفس وفعلية وجودها وتجوهرها. وهذا أصل شريف نافع في تحقيق كثير من ~~المطالب منها دفع مذهب التناسخ. # ومنها دفع مفسدة التناسخ في معاد النفس إلى البدن ومنها كيفية تجسم ~~الأعمال يوم القيامة وأن ما يراه النفس في القبر عند البعث ويتخيله أمور ~~عينية وموجودات خارجية لا ما ذهب إليه جماعة ممن لا خبرة لهم بنحو وجود ~~العوالم وكيفية تحقق النشئات ولم يعلموا أن كلما رآه النبي ص في حياته من ~~الوحي وكان يشاهده من المغيبات كان من الموجودات العينية والأمور الخارجية ~~مع كونها غائبة عن الأبصار محجوبة عن أنظار النظار لا أنها مجرد أمور وهمية ~~مثالية لا تحقق لها عينا. # ومن توهم أن مشاهدات النبي ص ليلة المعراج كانت أمورا وهمية وأشياء ~~مثالية PageV00P528 # فقد حرف حكاية المعراج عن ظاهرها وأولها عن مفهوم الأول من غير ضرورة ~~شرعية أو داعية عقلية فهو عندنا مبتدع أو كافر. وبعد التفتيش يظهر أنه من ~~أيهما مخصوصة نعوذ بالله منه ثم إن من الذين مالوا إلى التأويل وأولوا نصوص ~~التنزيل من تشبث في الدليل على فتح باب التأويل فيما ورد في الشرائع من ~~الأقاويل بما أخبره نبينا ع ليلة المعراج من رؤية بعض من سلف ومضى من ~~الأنبياء كعيسى وموسى ويونس بن متى قائلا: إنه لو كان المرئي ذوات هؤلاء ~~الأصفياء ع وأشخاصهم الخارجية لم يمكن تعلق الرؤية بهم لأنهم لم يكونوا ~~موجودين بأشخاصهم العينية في تلك الليلة. # والعجب منه أنه مع كونه عالما بالأصول والقوانين كيف ذهل عن أن خصوصيات ~~المعراج أخبار الآحاد وقد جعل هذا الخبر حجة واعتمد عليها في أمر عظيم من ~~أصول الدين وقاس على هذا في سائر ضروريات الدين وأفتى بما يوجب التضليل من ~~اعتقاد التأويل فيها ms368 للمسلمين. # ولا يخفى أن بعد تسليم الصحة في هذه الرواية لا يصح ولا يصلح للتعليل ~~والاستدلال على صحة التأويل في غيرها إذ لمانع أن يمنع صحة التزام مثله في ~~غيرها مما علم ضرورة من الدين صحته ووقوعه. # وربما يوجد في زماننا من قلد هذا الحبر المتين العالم بقواعد الشريعة ~~والدين في عذاب القبر حسبما قرره بوجه لا يرتضيه نبيه النذير المنذر حاصله: ~~أن الذي يراه المقبور في قبره من الحيات والعقارب وسائر أسباب العذاب على ~~ما ورد في الأخبار والآثار إنما هي صور خيالية غير خارجية بل هي كما يراه ~~النائم في منامه مما لا وجود له في الخارج أصلا وكما أن النائم يتألم بما ~~يراه في المنام كذلك الميت والنوم أخ الموت. # ومساق كلامه يشعر بأنه اضطر إلى هذا في دفع الشبهة المشهورة التي أوردها ~~بعض الملحدين المنحرفين عن شريعة المسلمين حيث قالوا إن بعد النبش يظهر ~~سلامة البدن الميت عن العقارب والحيات وسائر ما ورد من أسباب العذاب. # وإنما نحن بفضل الله وتأييده لفي مندوحة عن أمثال هذه الشبهة ونظائرها ~~بما قررنا PageV00P529 # وأشرنا إليه مرارا من الفرق بين ما يراه النائم في نومه وبين ما يراه ~~المقبور في قبره والمحشور في حشره وإن كان مظهر هذه الصور الجسمانية القوة ~~الخيالية التي للنفس بمنزلة القوة الباصرة التي قد يرى الأشياء عيانا وقد ~~يرى بتخيلها ذهنا. # أما الأول من غير ضرورة شرعية أو داعية عقلية فهو عندنا إما مبدع أو كافر ~~وبعد التفتيش يظهر أنه من أيهما بخصوصه نعوذ بالله منه. # إزالة وهم إنارة فهم إن الذي صرف النصوص الواردة في باب أخبار الآخرة عن ~~ظاهرها ومؤداها وحول الآيات الدالة على أحوال القبر والبعث عن منطوقها ~~وفحواها وزعم أنها عقلية أو وهمية محضة وليس لها وجود عيني جهل أو تجاهل ~~أنه لو كان الأمر كما توهم وأوهم لزم أن يكون تشريع الشرائع للإضلال ~~والغواية لا للإرشاد والهداية ولم يعلم أن أولئك الهداة الصادقين المعصومين ~~عن الغلط والخطاء قرروا أن الذي ms369 قرر في نفسه العقائد الفاسدة ورسخ في ذاته ~~العلوم الباطلة كانت نفسه ظالمة جاهلة معذبة أبدا إذ هي لا يزول عنها أبدا ~~ولا يزول الملكات التي هي آثار الأفعال والأعمال قطعا وظاهر أن أكثر الناس ~~يحملون هذه النصوص على ظواهرها ومعانيها الحقيقية ويعتقدون حقيتها فلو لم ~~يكن مفهوماتها الظاهرة ومعانيها الأولية حقة لكانت ضلالات وجهالات ومن ~~اعتقدها كان معذبا أبدا لما قرروه فيلزم أن يكون ما اكتسبه الصلحاء ~~والأتقياء لنيل الدرجات يوجب حرمانهم عن الجنات واللذات وأن لا يكونوا في ~~الجنة أبدا ولم يكن لهم لذات قطعا. # وهذا قول شنيع وقد صرحوا بخلافه وأجمع الكل على أن الصالح المتقي في ~~الجنة أبدا وإن لم يحصل في الدنيا شيئا من غوامض العلوم ودقائق الأسرار. # فعلم مما ذكر أن وجود الجنة والنار وسائر الأحوال الآخرة على الوجه الذي ~~يفهم الجمهور والعوام ويصل إليه أفهام الأنام حق مطابق للواقع بحسب ~~الاعتقاد به يقينا ومن أنكر شيئا منها فقد ركب شططا وكان أمره فرطا. # هداية توضيحية إن كل قوة من القوى الإنسانية لها لذة وكمال يخصها وألم ~~ونقص يناسبها PageV00P530 # وبحسب ما كسبه أو اكتسبه يلزم في الطبيعة الجزاء الكامل للقوى كما قرره ~~الحكماء من إثبات الغايات الطبيعية لجميع المبادي والقوى سواء كانت عالية ~~أو سافلة عقلية أو حسية ف لكل وجهة هو موليها. # ومن أيقن بهذا أيقن بلزوم عود الكل ولم يشتبه عليه عدم كفاية البعض وهذا ~~مقتضى الحكمة والوفاء بالوعد والوعيد ولزوم الجزاء على ما يراه المحققون من ~~الحكماء من لزوم المكافاة في الطبيعة والمجازاة وامتناع وجود معطل في ~~الطبيعة إياما عديدة وثبوت مبطل مدة مديدة. # وتقرير آيات قرآنية كثيرة وأحاديث نبوية غير يسيرة بل متكاثرة متوافرة في ~~هذا الباب بحيث لا مجال فيها للتأويل ولا مندوحة للصرف عن الظاهر والتحويل. # كلمة فرقانية وحجة كلامية إن في الكلام الإلهي آيات بينات مبينات لإمكان ~~الوقوع بمقتضى الحكمة في النشأتين منها قوله تعالى بأن أشار إلى إثبات ~~إمكانه بكونه تعالى قادرا على أمور يعرف بها ms370 ومنها هذا وأوضح هذه الطريقة ~~بأمور: # الأول ما وقع في الواقعة جوابا عن شبهة أصحاب الشمال من المجادلين فإنهم ~~قالوا: # ءإذا متنا و كنا ترابا و عظاما ءإنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قال الله ~~تعالى: # إن الأولين و الآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم. # وأشير إلى إمكان هذا بأربعة وجوه أولها قوله: أفرأيتم ما تمنون ءأنتم ~~تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت و ما نحن بمسبوقين على أن ~~نبدل أمثالكم و ننشئكم في ما لا تعلمون. # وجه الاستدلال بهذا على ما في تفسير الكبير أن المني إنما يحصل من فضلة ~~الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في أطراف PageV00P531 # الأعضاء ولهذا يشترك كل الأعضاء ويجب غسلها بالالتذاذ الواقع لحصول ~~الانحلال عنها كلها. # ثم إن الله تعالى سلط قوة الشهوة على البنية حتى أنها تجمع تلك الأجزاء ~~الطلية. # فالحاصل أن تلك الأجزاء كانت متفرقة جدا أولا من أطراف العالم ثم إن الله ~~جمعها في بدن ذلك الحيوان وجمعها الله في أوعية المني ثم إنه تعالى أخرجها ~~ماء دافقا إلى قرار الرحم. # فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكون منها هذا الشخص فإذا افترق ~~بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى. هذا تقرير الحجة وإن الله ~~تعالى ذكرها في مواضع من كتابه منها في سورة الحج يا أيها الناس إن كنتم في ~~ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب إلى قوله: و ترى الأرض هامدة ثم قال ذلك ~~بأن الله هو الحق و أنه يحي الموتى و أنه على كل شيء قدير و أن الساعة آتية ~~لا ريب فيها و أن الله يبعث من في القبور. # وقال في سورة المؤمنين بعد ذكر مراتب الخلقة: ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم ~~إنكم يوم القيامة تبعثون. # وقال في سورة لا أقسم: ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى. # وقال في سورة الطارق: فلينظر الإنسان مم خلق... إلى قوله تعالى إنه على ~~رجعه لقادر انتهى كلامه. # ولا يخلو عن ms371 خدش وإمكان مناقشة في أكثر مقدماته التي لا يحتاج إليها ولا ~~دلالة في القرآن عليها. # ولقد سنح للخواطر وجوه أخرى منها: ما تفردت به وهو أن إبداع الصور ~~وإنشائها أنسب وأقرب إلى العلة الأولى من تركيبها وجمع أشتاتها ومتفرقاتها ~~لأن PageV00P532 # أمرها كلمح البصر أو هو أقرب كما هو سنة الإبداع فإذا كان مبدع البدائع ~~ومكون الصنائع أنشأ الصور من غير مزاج وامتزاج وتركيب من أجزاء مختلفة ~~حاصلة بأزواج أليق به وأولى وأسهل وأحرى من جمع متفرقات شتى وتأليف مختلفات ~~تترى. فإذا صدر منه تعالى وجود الإنسان على نهج الامتزاج والتخمير من ~~الأركان والأمشاج فليجز صدوره بهيئته الخاصة تارة أخرى على سبيل الإنشاء. # كيف والباري سبحانه فعله الخاص الذي هو الإبداع والإنشاء أرفع وأجل من ~~الجمع بين الأشياء والتدرج في التكوين بالتغذية والإنماء فإن هذا شأن ~~الطبائع والقوى التي هي في درجة القصوى من النزول عن العالم الأعلى. على أن ~~الإيجاد على الإطلاق منه والوسائط مخصصات لإيجاده وحيثيات وجهات لتكثير ~~إفاداته وإفاضاته لأن ما هو الأبسط في الوجود فهو الأقرب إلى الموجد ~~الحقيقي. # وقد أومأنا إلى أن وجود أمور الآخرة أصفى من التركيب وأعلى من الامتزاج ~~فالمقصود من هذه الآيات الاستدلال على قدرته على الإعادة التي هي بالحقيقة ~~إنشاء النشأة الأخرى كما أن الابتداء هو إنشاء النشأة الأولى فكما أن في ~~الابتداء فعله الخاص به تعالى ليس بالذات جمع المتفرقات من المواد بل إفاضة ~~الصور على القابل بحسب الاستعداد كذلك حقيقة المعاد وفعله اللائق به إنشاء ~~النشأة الأخرى وهو أهون عليه من إيجاد المكونات في الدنيا لأن الآخرة خير ~~وأبقى وما هو أبقى في الوجود وأتقن وأحكم في الصنع فهو أنسب به تعالى وهو ~~أهون عليه وإليه الإشارة بقوله: و لقد علمتم النشأة الأولى فلو لا ~~تذكرون... أفرأيتم النار التي تورون ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون. # ومما يدل على أن إيجاد الأمور الأخروية أشبه بسنة الله التي هي الإبداع ~~من الإيجاد لأمور الدنياوية أن إيجاد المواليد المكونة في هذا العالم ms372 ~~وتبليغها إلى غاية خلقتها وإكمالاتها تدريجي ووجود الأخرويات دفعي حدوثا ~~وإكمالا وكذا PageV00P533 # أشخاص الأنواع لا توجد جميعها دفعة واحدة في آن واحد بل شيئا فشيئا بعضها ~~قبلا وبعضها بعدا. وأيضا أكثر الأنواع الكمالية الحيوانية توجد على سبيل ~~التوالد دون التولد بخلاف الصور الأخروية وأجساد أهل الآخرة فإن وجود ~~أشخاصها إنما يكون دفعة واحدة بإذن الله من غير مهلة ونفخ أرواحهم في ~~أجسادهم المكونة من تلك الأرواح بواسطة بعض ملائكته نفخة واحدة. # ومن تلك الوجوه أنه تعالى يقول للضالين المكذبين الذين ينكرون البعث ~~ويستبعدونه أنكم لا تخلقون المني الذي حسبتم أن الإنسان يخلق منه حتى لو لم ~~يخلق مرة أخرى لم يخلق الإنسان ثانيا بل الله تعالى يخلق الإنسان ومادته ~~بقدرته وإرادته ولعموم قدرته وشمول علمه وإرادته قادر على أن يخلق الإنسان ~~الأول مرة أخرى وكما خلقه أولا من المني يخلقه ثانيا منه أو من أمر آخر على ~~مقتضى علمه وإرادته فلا وجه لاستبعادكم واستنكاركم. ويؤيد الأول ما ورد في ~~الأخبار من إمطار السماء بماء كالمني عند البعث ووجه استفادة هذين الوجهين ~~من الآية لا يخفى على من له دراية. # وثانيهما قوله: أفرأيتم ما تحرثون ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون وجه ~~الاستدلال على ما قال بعض المفسرين أن الحب. وأقسامه من بطون مشقوق وغير ~~مشوق كالأرز والشعير مدور ومثلث ومربع وغير ذلك من أشكاله وإذا وقع في ~~الأرض البذر واستولى عليه الماء والتراب فبالنظر العقلي يقتضي أن ينقص ~~ويفسد لأن أحدهما يكفي لحصول العفونة فهما جميعا أولى لفعل الإفساد. ثم إنه ~~لا يفسد بل يبقى محفوظا. ثم إذا ازداد في الرطوبة تنفلق الحبة قطعتين فيخرج ~~منها فرقتان فرقة من رأسها صاعدة وأخرى يتشبث فيها في الأرض وكذا النوى بما ~~فيه من الصلابة العظيمة تنفلق بإذن الله وتصير مجموعه على نصفين يخرج من ~~أحدهما PageV00P534 # الجزء الصاعد ومن الثاني الهابط فيكون أحدهما خفيفا صاعدا والآخر ثقيلا ~~هابطا مع اتحادهما في الطبيعة والعنصر والماء والهواء والتربية. # فيدل ذلك على قدرة كاملة وحكمة شاملة يعجز ms373 العقول عن دركها وبيان لميتها ~~فهذا القادر كيف يعجز عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء وثالثها قوله تعالى: ~~أفرأيتم الماء الذي تشربون ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون. # ووجه الاستدلال على ما في التفسير الكبير بوجوه أولها أن الماء جسم ثقيل ~~بالطبع وإصعاد الثقيل على خلاف الطبع فلا بد من قادر قاهر يقهر الطبع ~~ويسخره ويبطل الخاصية ويصعد ما من شأنه الهبوط والنزول. # وثانيها أن يكون تلك الذات المائية اجتمعت بعد تفرقها فلا بد لها من جامع ~~بجمعها قطرة قطرة فمن جمع الأجزاء الرشية المائية للإنزال فهو قادر على أن ~~يجمع أجزاء المبثوثة الترابية للبعث. # وثالثها تسيرها بالرياح. # ورابعها إنزالها في مظان الحاجة والأرض الجرز وكل ذلك دليل على جواز ~~الحشر. # أما صعود الثقيل فإنه قلب الطبيعة فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يظهر ~~الحياة والرطوبة من مادة التراب وأما الثاني لما قدر على جمع تلك الذرات ~~بعد تفرقها فلم لا يجوز جمع أجزاء الترابية. # والثالث تسيير الرياح فإذا قدر على تحريك الرياح التي ضم بعض تلك الأجزاء ~~المتجانسة إلى بعض فلم لا يجوز هاهنا. # الرابع أنشأ السحاب لحاجة الناس فحاجة الناس إليه كحاجتهم إلى إنشاء ~~المكلفين مرة أخرى ليصلوا إلى ما استحقوا من الثواب والعقاب بل هذا أولى. # واعلم أن الله تعالى عبر عن هذه الدلالة في مواضع من كتابه فقال في ~~الأعراف لما ذكر دلالة التوحيد: إن ربكم الله الذي خلق السماوات و الأرض... ~~إلى PageV00P535 # قوله: قريب من المحسنين. # ثم ذكر دليل الحشر فقال: هو الذي يرسل الرياح... إلى قوله: كذلك نخرج ~~الموتى لعلكم تذكرون انتهى مقالة الإمام الرازي بعبارته وفيها ما فيها. ~~ورابعها قوله تعالى: # أفرأيتم النار التي تورون ء أنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون. # قال الإمام الرازي: وجه الاستدلال أن النار صاعدة بالطبع والشجر هابط ~~وأيضا النار نورانية والشجر ظلمانية والنار حارة يابسة والشجر باردة رطبة ~~فإذا أمسك الله في داخل تلك الشجرة تلك الأجزاء النورية النارية فقد جمع ~~بقدرته بين هذه الأجزاء المتنافرة ms374 فإذا لم يعجز عن ذلك فكيف يعجز عن تركيب ~~الحيوان وتأليفها وإن الله تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة يس فقال: الذي ~~جعل لكم من الشجر الأخضر نارا. # واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة أمر الماء والنار وذكر في سورة ~~النمل أمر الهواء فقال: أمن يهديكم في ظلمات البر و البحر إلى قوله: أمن ~~يبدؤا الخلق ثم يعيده وذكر الأرض في قوله: و ترى الأرض هامدة. فكأنه سبحانه ~~بين أن العناصر على جميع أحوالها شاهدة بإمكان الحشر والنشر. هذا كلامه ~~وفيه ما فيه. # الأمر الثاني من الأمور الدالة على إمكان الحشر ما يستفاد من كلام أئمة ~~التفسير أن الله تعالى يقول: لما كنت قادرا على الإيجاد أولا فلأن أكون ~~قادرا على الإعادة أولى. PageV00P536 # وهذه الدلالة تقريرها في العقل على الوجه المشهور ظاهر وأما على الوجه ~~الذي ذكرناه فهو أن الإعادة نوع إنشاء كالإبداع لأن ما هو فعل الحق بالذات ~~في الإبداع إنما هو إفاضة الصور على المركبات وإنشاؤها لا التركيب والتمزيج ~~الذي هو نوع تحريك وتبديل. # فإن الإنشاء الثانوي لكونه أصفى وألطف من الإنشاء الأولي أقرب بأن يكون ~~فعله تعالى وأليق كما أشرنا إليه والله تعالى ذكر في مواضع من كتابه العزيز ~~منها في البقرة كيف تكفرون بالله و كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم ثم إليه ترجعون. # ومنها قوله تعالى: ءإذا كنا عظاما و رفاتا ءإنا لمبعوثون خلقا جديدا قل ~~كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل ~~الذي فطركم أول مرة. # ومنها قوله تعالى: هو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده و هو أهون عليه و له ~~المثل الأعلى. # ومنها في يس قل يحييها الذي أنشأها أول مرة. # الأمر الثالث الاستدلال باقتداره على خلق السماوات على اقتداره على الحشر ~~في آيات منها في سورة سبحان أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات و الأرض ~~قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه. # وفي سورة يس أوليس الذي ms375 خلق السماوات و الأرض إلى قوله: بلى و هو الخلاق ~~العليم. # وفي الأحقاف أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات و الأرض و لم يعي ~~بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير. # ومنها في سورة ق ءإذا متنا و كنا ترابا... إلى قوله: رزقا للعباد و ~~أحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ثم قال: أفعيينا بالخلق الأول بل هم في ~~لبس PageV00P537 # من خلق جديد. # هذا حاصل كلام الرازي وغيره من المفسرين الأعلام ولا يخفى ما فيه من ~~النقض والإبرام والمناقشة في التمام لإفادة المرام. # وكلام الله تعالى لا ينحصر معناه فيما حواه الأفهام من الأنام ولا يبعد ~~أن لا يكون ما وصل إليه أفهام المفسرين هو مراد الله من هذه الآيات ~~المذكورة فإن منكري المعاد أكثرهم من المعاندين الجدليين من أهل البحث أولى ~~الطبائع الغليظة من أجلاف العرب وطريقة إرشادهم هي المدارات معهم والتلطف ~~بهم في دفع الشبهة من خيالهم ودفع ما يتشبثون به في الإنكار بالمقدمات ~~المسلمة عندهم فإن مدار إنكارهم استبعادهم المعاد والنشور وبناء جحودهم ~~وعنادهم للحشر والبعث من القبور تشبثوا بها في الاستبعاد وتمسكوا بها في ~~دعوى استحالة المعاد. # فلنذكرها مفصلة ونجيب على كل واحد منها جوابا يحل العقدة ويفك الإشكال ~~إنشاء الله ولي الجود والإفضال. # ومنها ما ارتكز في أوهام العامية من أن البدن إذا صار ترابا وتفرق وتفتت ~~أعضاؤه وتشتت أجزاؤه كيف يرجع ويجتمع ويصير بدنا مثل الأول من ذا الذي يعرف ~~تلك الأجزاء حتى يطلبها ومن الذي يقدر على جمعها بعد تفرقها في الجهات ~~والأنحاء وأطراف الأرض والسماء فالحق سبحانه أزال هذا الاستبعاد بأنه هو ~~الذي يعلم تلك الأجزاء وعلمه محيط بذرات الأرض وأجزاء السماء وعنده كتاب ~~محفوظ فيه كل شيء وهو القادر على رجعها وجمعها مرة أخرى وأنها كانت متفرقة ~~في المرة الأولى يجمعها ففي المرة الثانية لا يخرج عما في قدرته وتصرفه من ~~الأرض والسماء وكذلك ينزل من السماء ماء مباركا يفيد الإنبات والإحياء لما ~~في الأرض ms376 بأن يجمع أجزاء متفرقة متشتتة جدا فكذلك وبمثل ذلك يكون الخروج ~~والبعث والجمع ثانيا. # فبهذا يظهر أن هذا الاستبعاد PageV00P538 # إنما هو عناد وتكذيب للرسل الأفاضل العالمين بأسرار العالمين كما هو عادة ~~الجهلة المتفلسفة. # ومنها ما تشبث به أكثر المنتسبين إلى الطبيعيين المتشبهين بالفلاسفة ~~الدهريين أن حدوث الإنسان وغيره من المركبات العنصرية لا يكون إلا من ~~الأسباب الأرضية الاختيارية أو الطبيعية كالأب والأم. والنطفة لوجود ~~الإنسان وكالحرث والزرع والبذر والغرس لوجود الأشجار والبساتين. # ثم لا يمكن حدوث هذه الأشياء إلا بحركات كثيرة فلكية وغيرها وتغيرات ~~وانقلابات زمانية ومكانية يحتاج إلى مضي أزمنة طويلة وذلك لأن هذا مبلغهم ~~من العلم حيث لم ترتق نظرهم من الأسباب الطبيعية إلى أسباب القصوى الإلهية ~~ولم يعرجوا في ملاحظة الأفاعيل من القوى الطبيعية والاختيارية الحيوانية ~~التي ليست إلا الإعداد والتحريك والتهيئة إلى ملاحظة فعل الله تعالى الذي ~~هو مجرد الإفاضة. # فلما احتجبت أنظارهم بالأفاعيل التحريكية التغيرية عن الفعل الحقيقي الذي ~~هو نفس إفاضة الوجود لا جرم أنكروا طريق الوجود والإيجاد إلا على نهج ~~التحريك والإعداد والاستعداد. # فالحق تعالى أزال هذا الاستبعاد عن ضمائرهم بأن الله هو القادر على كل ~~شيء وأنه هو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وأن الوجود في كل شيء هو فعله تعالى ~~وما توهمتموه أنه فعلكم فليس لكم فيه إلا الحركات والإرادات دون الصنع ~~والإيجاد فكما أنه هو القادر في الابتداء فكذلك هو الذي يعيد الخلق إذا ~~يشاء كما ذكر آيات كثيرة في هذا الباب منها قوله: يا أيها الناس إن كنتم في ~~ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب... الآية. # وفي قوله: ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون حيث ذكر بلفظ الإنشاء ~~إشعارا بأن فعلكم الغرس وأمثاله من الحركات دون الإنشاء أي الإيجاد وكذا في ~~قوله: # أفرأيتم ما تمنون ءأنتم PageV00P539 # تخلقونه أم نحن الخالقون لم يقل أنتم تنزلون لأن الإنزال فعلهم دون الخلق ~~وهكذا في كثير من الآيات. # ومنها أن الحشر والبعث إما للبعض أو للجميع والأول ترجيح من غير مرجح لأن ms377 ~~استحقاق الثواب والعقاب مشترك في كل الناس فلا وجه لبعثه البعض دون البعض ~~والثاني يوجب التزاحم والتضايق المكاني والزماني لجمع الناس وحسابهم ~~وكتابهم كما قال الله تعالى حكاية عنهم: ءإنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون ~~فأزال الله تعالى هذا الاستبعاد والاستنكار بقوله تعليما لنبيه ص: قل إن ~~الأولين و الآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم فنبه عباده بأن ميقات ~~البعث والحشر يوم معلوم له تعالى لا يصلح إليه لأن يصل أفهام المحجوبون في ~~حياة هذه النشأة المقيدين بأزمنة هذه الدنيا وأمكنتها لأن ذلك اليوم ليس من ~~جنس أيام الدنيا والمحشر الذي يبعث فيه الخلائق ليس من أمكنة هذا الأرض ~~والسماء وليس يصلح الإدراك الأمور الآخرة هذه المشاعر والحواس. # وإنما ينكشف لمن يكشف في هذه الدنيا من الأنبياء والأولياء بواسطة غلبة ~~سلطان الآخرة على قلوبهم لرفضهم استعمال هذه المشاعر والحواس في مشتهياتها ~~ولذاتها بموتهم الإرادي عن زخارف هذه الحياة الدنيا لنيل مآرب الحياة ~~الأخروي كما قال رسول الثقلين عليه وآله الصلوات: موتوا قبل أن تموتوا. أي ~~عطلوا هذه الحواس عن الإحساس لينفتح منكم مشاعر إدراك الأمور الآخرة قبل ~~موتكم الطبيعي. # وقال بعض الحكماء مشيرا إلى هذا المعنى: الناس يقولون افتح عينك لترى ~~وأنا أقول غمض عينك لترى وقال بعضهم أيضا رامزا إلى هذا: من أراد أن يتنور ~~بيت قلبه فليسدد الروازن الخمس. PageV00P540 # تبصرة تفصيلية اعلم أن لأهل الإيمان والاعتقاد بحقية الحشر والمعاد ~~(الجسماني والروحاني) حسبما ورد في الشريعة الحقة مقامات: # الأول أدناها في التصديق وأسلمها عن الآفات مرتبة عوام أهل الإسلام وهو ~~أن جميع أمور الآخرة من عذاب القبور وحياتها وعقاربها أمور واقعة محسوسة من ~~شأنها أن يحس بهذه الباصرة الحسية لكن لا رخصة من الله تعالى في إحساس ~~الإنسان ما دام في الدنيا لحكمة ومصلحة في إخفائها عن عيون الناظرين كما ~~يدل عليه ظاهر بعض الروايات. # المقام الثاني أن تلك الأمور الموعودة في عالم الآخرة هي مثل ما يرى في ~~المنام كلها أمور خيالية لا وجود لها في العين كما لا ms378 وجود عينيا لما يراه ~~الإنسان في نومه من الحيات والعقارب التي يلدغها إلا أنها كثيرا ما يتألم ~~منها في النوم حتى يصيح في نومه ويعرق وينزعج عن مكانه انزعاجا شديدا وكذا ~~في جهة اللذة فإنه ربما يلتذ بشيء في النوم لا يمكن أن يوجد مثله في اليقظة ~~التذاذا أو سرورا كل ذلك يدركه في نفسه ويتأذى أو بتلذذ به كما يتأذى ~~اليقظان أو يتلذذ من مشاهدة المؤذيات واللذات العينية والنائم يشاهده وأنت ~~ترى ظاهره ساكنا ولا ترى حواليه حية موجودة وهي موجودة في حقه فالعذاب حاصل ~~ولكنه في حقه غير مشاهد. # وإذا كان العذاب في ألم اللدغ فلا فرق بين حية يتخيل أو يشاهد. # وكذا الحال في الجنات والأشجار والأنهار والمواضع النفيسة والأشخاص ~~الشريفة التي يراها النائم ويسر بمنادمتها في نومه وهي حاصلة له موجودة في ~~حقه غير موجودة في الخارج ولا مشاهدة بالحواس. # وهذا هو الذي ذهب إليه الشيخ الرئيس في باب جنة الناقصين في العلوم من ~~الزهاد والعباد غيرهم ممن يحذو حذوهم ونار الناقصين في العمل من الفساق ~~وغيرهم ممن نزل منزلتهم وتبعه الغزالي كما يظهر من كتبه ورسائله. ~~PageV00P541 # ومما يدل على أن ما ذكرنا هو ما ذهب إليه الشيخ قوله في أواخر إلهيات ~~الشفاء عليها تأثيرا وصفاء كما يشاهد في المنام فربما كان المحلوم به أعظم ~~شأنا في بابه من المحسوس على أن الأخرى أشد استقرارا من الموجود في المنام ~~بحسب العوائق وتجرد النفس وصفاء القابل. وليست الصور التي ترى في المنام بل ~~والتي تحس في اليقظة كما علمت إلا المرتسمة في النفس إلا أن أحدهما يبتدئ ~~من باطن وينحدر إليه والثانية يبتدئ من خارج ويرتفع إليه. فإذا ارتسم في ~~النفس تم هناك الإدراك المشاهد وإنما يلذ ويؤذي بالحقيقة هذا المرتسم في ~~النفس لا الموجود في الخارج. وكلما ارتسم في النفس فعل فعله وإن لم يكن له ~~سبب من خارج فإن السبب الذاتي هذا المرتسم والخارج هو سبب بالعرض أو سبب ~~السبب. # فهذه هي السعادة والشقاوة الحسيتان ms379 بالقياس إلى الأنفس الخسيسة وأما ~~الأنفس المقدسة فإنها تبعد عن مثل هذه الأحوال ويتصل بكمالها بالذات وتنغمس ~~في اللذة الحقيقية وتبرأ عن النظر إلى ما خلفها وإلى المملكة التي كانت لها ~~كل التبرؤ ولو كان بقي فيها أثر من ذلك اعتقادي أو خلقي تأذت به وتخلف ~~لأجله عن درجة عليين إلى أن ينفسخ. انتهت عبارته. # وأما ما يدل على أن هذا مختار الشيخ الغزالي قوله في بعض مسفوراته: إن ~~اللذات المحسوسة الموعودة في الجنة من أكل ونكاح يجب التصديق بها لإمكانها ~~واللذات كما تقدم حسية وخيالية وعقلية. # أما الحسي فلا يخفى معناه وإمكانه في ذلك العالم كإمكانه في هذا العالم ~~فإنه بعد رد الروح إلى البدن وقام البرهان على إمكانه. # وأما الخيالي فلذة كما في النوم إلا أن النوم مستحقر لأجل انقطاعه فلو ~~كانت دائمة لم يظهر الفرق بين الخيالي والحسي لأن التذاذ الإنسان بالصورة ~~من حيث انطباعها في الخيال والحس لا من حيث وجودها في الخارج فلو وجد في ~~الخارج ولم يوجد في PageV00P542 # حسه بالانطباع فلا لذة له ولو بقي المنطبع وعدم في الخارج لدامت اللذة. # وللقوة المتخيلة قدرة على اختراع الصور في هذا العالم إلا أن الصورة ~~المخترعة متخيلة وليست محسوسة ولا منطبعة في القوة الباصرة فلذلك لو اخترع ~~صورة جميلة في غاية الجمال وتوهم حضورها ومشاهدتها لم يعظم سروره لأنه ليس ~~يصير مبصرا كما في المنام فلو كانت للخيال قوة على تصويرها في القوة ~~الباصرة كمالها قوة تصويرها في المتخيلة لعظمت لذته وتنزل منزلة الصورة ~~الموجودة من الخارج ولم يفارق الدنيا والآخرة في هذا المعنى إلا من حيث ~~كمال القدرة على تصويرها الصور في القوة الباصرة ولا يخطر بباله شيء يميل ~~إليه إلا ويوجد له في الخيال بحيث يراه وإليه الإشارة بقوله ع: إن في الجنة ~~سوقا يباع فيه الصورة. والسوق عبارة عن اللطف الإلهي الذي هو منبع القدرة ~~على اختراع الصور بحسب الشهوة وهذه القدرة أوسع وأكمل من القدرة على ~~الإيجاد من خارج الحس. # فحمل أمور ms380 الآخرة على ما هو أتم وأوفق للشهوات أولى ولا تنقص رتبتها في ~~الوجود اختصاص وجودها في الحس وانتفاء وجودها من خارج فإن وجودها مراد لأجل ~~حظه وحظه من وجوده في حسه فإذا وجد فيه فقد توفر حظه والباقي فضل لا حاجة ~~إليه وإنما يراد لأنه طريق المقصود وقد تعين كونه طريقا في هذا العالم ~~الضيق القاصر أما في ذلك العالم فيتسع الطريق ولا يتضيق. # وأما الوجود الثالث العقلي فهو أن يكون هذه المحسوسات أمثلة للذات ~~العقلية التي ليست بمحسوسة فإن العقليات تنقسم إلى أنواع كثيرة مختلفة ~~كالحسيات فيكون هي أمثلة لها كل واحد مثالا للذة أخرى مما رتبته في ~~العقليات يوازي رتبة المثال في الحسيات. # المقام الثالث في الاعتقاد بما ورد في الشريعة من نحو وجود الصور ~~الأخروية وهو أنها عقلية محضة وتوجيهه بوجهين: # أحدهما أن يكون تلك الصور المحسوسة إشارة إلى صور روحانية عقلية واقعة في ~~العالم العقول الصرفة حسبما ذهب إليه أفلاطون من أن لكل نوع من الأنواع ~~المحسوسة PageV00P543 # مثالآ عقلي في عالم العقول والمراد من المذكورة في الكلام الغزالي في ~~بيان الوجود الثالث للذات الموعودة في الجنة وفصله بقوله: فإنه لو رأى أحد ~~في المنام الخضرة والماء الجاري والوجه الحسن والأنهار والأمطار الممطرة ~~باللبن والعسل والخمر والأشجار المزينة بالجواهر واليواقيت واللآلي والقصور ~~المبنية من الذهب والفضة والأسورة المرصعة بالجواهر والغلمان المتماثلين ~~بين يديه للخدمة لكان المعبر يعبر ذلك بالسرور ولا يحمله على نوع واحد بل ~~كل واحد يحمله على نوع آخر من السرور ويرجع بعضه إلى سرور العلم وكشف ~~المعلومات وبعضه إلى سرور المملكة وبعضه إلى مشاهدة الأصدقاء وإن اشتمل ~~الجميع اسم اللذة والسرور فهي مختلفة المراتب مختلفة الذوق لكل واحد مذاق ~~يفارق الآخر. فكذلك اللذات العقلية ينبغي أن يفهم كذلك وإن كانت مما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا يخطر على قلب بشر ولا يخفى أن إدراك اللذات الأخروية ~~على هذا الوجه العقلي مختص بأهل المعرفة والكاملين في العلوم دون أكثر أهل ~~الجنة من العقول ms381 السازجة والنفوس الساكنة. # ولذلك ذكر صاحب الإحياء بعد ذكر الوجوه الثلاثة المذكورة في وجود ما يوعد ~~في الآخرة كلاما بهذه العبارة: # وجميع هذه الأقسام ممكنة فيجوز أن يجمع بين الكل ويجوز أن يصيب كل واحد ~~بقدر استعداده. # فالمشعوف بالتقليد والمجمود على الصورة لم ينفتح له طريق الحقائق ولا ~~يتمثل له الصور العقلية. # والعارفون المستصغرون لعالم الصور واللذات المحسوسة يفتح لهم لطائف ~~السرور واللذات العقلية ما يليق بهم ويشفي شرههم وشهوتهم إذ حد الجنة أن ~~فيها لكل امرئ ما يشتهيه فإذا اختلفت الشهوات لم يبعد أن يختلف العطيات ~~واللذات. # والقدرة واسعة والقوة البشرية عن الإحاطة بعجائب القدرة قاصرة والرحمة ~~الإلهية ألقت بواسطة النبوة إلى كافة الخلق القدر الذي احتملت أفهامهم فيجب ~~التصديق بما فهموه والإقرار بما وراء منتهى العلم من أمور يليق بالكرام ~~الإلهيين. # انتهى قوله. PageV00P544 # والوجه الثاني أن يكون هذه الأمور كناية عما يلزمها من مطلق العذاب ~~والسرور وبين بعضهم هذا بأن الحية بنفسها لا تولم بل الذي تلقاك منها هو ~~السم ثم السم ليس هو الألم بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم فلو ~~حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان العذاب قد يؤثر وكان لا يمكن تعريف ذلك ~~النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي هو يفضي إليه في العادة فإنه ~~لو خلق في الإنسان لذة الوقاع مثلا من غير مباشرة صورة الوقاع فإنه لم يمكن ~~تعريفها إلا بالإضافة إليه ليكون الإضافة كالتعريف بالسبب ويكون ثمرة السبب ~~حاصلة وإن لم يحصل صورة السبب والسبب يراد لثمرته لا لذاته. # وهذه الصفات المهلكات ينقلب موذيات ومولمات في النفس عند الموت فيكون ~~آلامها كآلام اللدغ من غير وجود حيات وانقلاب الصفة مؤذية يضاهي انقلاب ~~العشق مؤذيا عند موت المعشوق فإنه كان لذيذا فصار اللذيذ بنفسه مولما حتى ~~تنزل بالقلب من أنواع العذاب ما يتمنى معه أنه لم يكن قد تنعم بالعشق ~~والوصال بل هذا بعينه هو أحد أنواع عذاب الميت. # المقام الرابع في الاعتقاد بيوم المعاد ms382 والصور الموعودة الموجودة في ~~الآخرة على ما هو طريقة الراسخين في العلم والعرفان ومسلك المتألهين من أهل ~~الكشف والإيقان وهو أن هذه الأمور موجودات خارجية وثابتات عينية وهي في ~~الموجودية والثبوت أقوى وأشد وأدوم من موجودات هذا العالم بل لا نسبة بينها ~~وبين هذه في باب قوة الوجود وترتب الآثار وليست أنها بحيث يمكن أن يرى بهذه ~~الأبصار الفانية البالية كما ذهب إليه الظاهريون. ولا أنها أمور خيالية ~~وموجودات مثالية لا وجود لها في العين كما يراه الإشراقيون وتبعهم آخرون.. ~~ولا أنها مجرد أمور عقلية أو مفهومات ذهنية وليس بأشكال وهيئات مقدارية ~~وصور جسمانية كما يراه جمهور المتفلسفين من أتباع المشائين. بل إنها صور ~~عينية جوهرية موجودة في الخارج لا في هذا العالم الهيولانية بل في عالم ~~الآخرة وعالم الآخرة جنس لعوالم كثيرة كل منها أعظم من مجموع هذا العالم ~~بما لا نسبة بينهما ولكل نفس من الأخيار عالم عظيم الفسحة ومملكة أعظم مما ~~في السماوات والأرض بعدة أضعاف. PageV00P545 # ووجود أمور الآخرة وإن كان يشبه بوجود الصور التي يراها الإنسان في ~~المنام أو في المرآة من وجه لكن يفارقها بالذات. # أما وجه المشابهة فهو أن وجودها لا يزاحم وجود شيء من هذا العالم فإن ~~النائم ربما يرى أفلاكا عظيمة وجبالا شاهقة وصحاري واسعة مثل ما يراها في ~~هذا العالم. # ثم ما يراها في النوم غير ما يراها في اليقظة من الأمور الخارجة بالعدد ~~إلا أن شيئا منها لا يزاحم شيئا من هذه ولا يضايقه فكذلك ما يراه الإنسان ~~بعد الموت لا يزاحم ولا تضايق بينه وبين أجسام هذا العالم. # وأما وجه المفارقة بينهما بالذات فهو أن تلك الدار الآخرة وصورتها ~~الواقعة فيها هي موجودات عينية أقوى في قوة الوجود وشدة التأثير من موجودات ~~هذا العالم فكيف من الصور المنامية المحلومة. # ونسبة النشأة الثانية إلى هذه النشأة كنسبة الانتباه إلى النوم كما في ~~قوله ص: # الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. # وأما الإشارة إلى كيفية وجود الصور الأخروية فقد مرت في عدة ms383 مواضع من هذا ~~الكتاب متفرقة. # وأما بيانه التفصيلي بالنظم الطبيعي على نهج البرهان اللمي التام ~~المقدمات بحيث لم يبق فيه مجال للبحث والإنكار والمنع والاستنكار والمجادلة ~~والاستكبار فليطلب كشفه وتوضيحه وتفصيله من بعض الأسفار الإلهية الموسومة ~~بالحكمة المتعالية. # وأما إجماله فإنما يستعلم بملاحظة أن النفس الناطقة الإنسانية لكونها من ~~سنخ الملكوت في عالم القدرة والقوة لها قدرة على اختراع الصور لكن الصور ~~التي يخترعها حين تعلقها بهذا البدن الترابي الكثيف المادي المركب من ~~الأضداد ليست إلا ضعيفة الوجود لا يترتب عليه الآثار المطلوبة الخارجية ولا ~~يكون ثابتة أيضا بل يكون متغيرة لأن مظهرها القوة الخيالية. وهي دائمة ~~التحلل والانتقال والتجدد والزوال حسب اختلاف أمزجة محلها بسبب ما يرد ~~عليها من المشوشات والمتغيرات الخارجية والداخلية فإذا فرض أحد هذه الصور ~~بحيث يكون وجودها أقوى وبقاؤها أدوم فلم يكن حينئذ فرق بينها وبين الخارجية ~~حيث يترتب عليها آثارها المطلوبة منها. # أ ولا ترى أنه كلما استراحت النفس من الاشتغال الضرورية والحركات اللازمة ~~لحفظ البدن المجتمع من الأمور المتنافرة المتداعية إلى الانفكاك وتعطلت ~~حواسها PageV00P546 # الظاهرة واحتبست عن استعمالها والاشتغال بها إما بالنوم أو بتوجهها إلى ~~الجنة العالية بقوة في ذاتها فطرية أو كسبية اغتنمت الفرصة ورجعت إلى ذاتها ~~الملكوتية الفياضة للصور فأصبحت مخترعة للصور مشاهدة إياها بحواسها التي ~~لها في ذاتها بلا مشاركة البدن. # فإن الإنسان في حالة النوم أو الإغماء يبصر ويسمع ويذوق ويشم ويلمس مع أن ~~حواسه الظاهرة معطلة عن إدراكها. # فعلم أن للنفس بصرا وسمعا وذوقا وشما ولمسا في ذاتها من دون الحاجة فيها ~~إلى البدن بل هي أتم وأصفى من التي في البدن إذا لم يكن هذه عائقة للنفس عن ~~استعمالها إياها كما مر ذكره. # وكما أن حواس البدن كلها يرجع إلى حاسة واحدة وهي الحس المشترك فجميع ~~حواس النفس وقواها يرجع إلى قوة واحدة هي ذاتها النورية الفياضة ويصير حال ~~رجوعها من هذا العالم إلى ذاتها إدراكها للأشياء عين قدرتها عليها فيكون ~~علمها فعلا وحسها قدرة. ثم أولا ms384 ينظر ولا يتحدس بأن النفس كلما كانت أتم ~~قوة وأقوى جوهرا وأقل مزاحمة ومعاوقة من قواها إما لفتورها وضعفها كما ~~للمجانين والمرضى أو لقوتها خيرة كانت كما للأنبياء والأولياء أو شريرة كما ~~للكهنة والسحرة كانت ملاقاتها للصور العينية ومشاهدتها إياها أقوى وترتب ~~آثار الوجود على صورها المشهودة إلذاذا وإيلاما أكثر مع بقاء تعلقها ~~بالدنيا والبدن وذلك لقوتها بحيث يفي بضبط الجانبين الظاهر والباطن ~~والشهادة والغيب بل الغيب شهادة بالقياس إلى بعض النفوس المستعلية عن ~~القيود البدنية الناقصة عن أذيالها غبار المحسوسات الدنية وهم الذين لا ~~يلتفتون إلى صور هذا العالم ولا ينظرون إلى الدنيا إلا بعين الاحتقار. # ثم إنهم لما كانوا لقوة نفوسهم وعلو منزلتهم بمرتبة لا يشغلهم فيها شأن ~~عن شأن ولا يحجبهم منزل عن منزل ولا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله ~~وتذكر الأمور الآخرة فهي كالمبادي العالية ذاتا وفعلا فيقدرون على إيجاد ~~أمور مشاهدية وصور إدراكية حيث يكون إيجادهم عين إدراكهم. # وربما يشغل بعض المكاشفين شهود صور PageV00P547 # ذلك الموطن عن شهود صور هذا الموطن في اليقظة ومع سلامة الآلات على عكس ~~حال المحجوبين وإن كان هذا أيضا نوع حجاب إلا أنه قرة عيون بعض السالكين ~~الذين حجبت عيونهم بالآخرة عن الدنيا. # فجميع ما ذكرنا من الأحوال بواسطة ظهور سلطان الآخرة على بعض النفوس بوجه ~~من الوجوه. # وهذا أنموذج لمعرفة أحوال الآخرة للنفوس فكل نفس إنسانية سواء كانت سعيدة ~~أو شقية فهي إذا انقطعت تعلقاتها بالبدن وخلت ولخراب البيت ارتحلت صارت ~~حواسها الباطنية لإدراك الأمور الآخرة أشد وأقوى فيشاهد الصور العينية ~~الموجودة في الآخرة ولا يختص شهود الآخرة بنفس دون نفس إذ كل نفس قطعت ~~التعلق بالبدن اختياريا كان أو اضطراريا يجب لها انكشاف الأمور المناسبة ~~إياها التي هي من نتائج الأعمال والأفعال كما في قوله تعالى: فكشفنا عنك ~~غطاءك فبصرك اليوم حديد فكل نفس يظهر لها هناك حسب اكتسابها في الدنيا من ~~الأخلاق والملكات الكريمة والكريهة الحاصلة لها من أعمالها وأفعالها إما ~~صور حسنة بهيئة ms385 كالجنات والأنهار والحور والغلمان والحلل الفاخرة والتيجان ~~المكللة باليواقيت واللؤلؤ والمرجان أو صور قبيحة مؤلمة موحشة من الحيات ~~والعقارب والنيران والجحيم والزقوم وتصلية جحيم. # بسط مقال لتبيين مرام اعلم أن مسألة المعاد هي ركن عظيم في الإسلام وأصل ~~كبير في الحكمة وهي من أغمض المسائل دقة وأعظمها شرفا ورتبة قل من يهدي ~~إليها من كبراء الحكماء من المتقدمين ومن يرشد إلى إتقانها من عظماء ~~الفضلاء من الإسلاميين لأن أكثر الفلاسفة معتقدون بالمعاد الروحاني فقط دون ~~الجسماني والجنة المزينة المحلاة بأنواع حليها وحللها وزنجبيلها وسلسبيلها ~~كناية عندهم عن إدراك المعقولات والوصول إلى الحقائق PageV00P548 # العقلية ودركات جهنم بقيودها وسلاسلها وحميمها وزقومها عبارة عن رذائل ~~الأخلاق وذمائم الصفات وخصوصا الجهل المركب والعناد والتعصب في الآراء ~~والمذاهب الذي يوجب العذاب الدائم على وجه أشد من إحراق كل نار وتجميد كل ~~زمهرير. # فهم وإن كانوا مصيبين في إثبات هاتين المرتبتين للنفوس إلا أنهم أخطئوا ~~في إنكار النشأة الأخرى المتوسطة بين العالم العقول وعالم الصور الدنياوية ~~وهي المنقسمة إلى جنة السعداء وجحيم الأشقياء. # ثم إن أكثر الإسلاميين يرون ويعتقدون بأن الإنسان ليس هو شيئا سوى هذا ~~البنية المحسوسة أعني الجسد المركب من اللحم والدم والعظم والعروق وما ~~شاكلتها التي كلها أجسام وما يحلها من الأعراض على هيئة مخصوصة هي الصور ~~الإنسانية عندهم وتلك مادتها. # وهم لا يتحققون أمر البعث ولا يتصورون حقيقة القيامة ضميرا واعتقادا وإن ~~أقروا بها لسانا ولفظا. # فالقيامة عندهم ليست إلا إعادة هذه الأجساد المعدومة برمتها والأعراض ~~بعينها على هذه الحالة التي هي عليها الآن. # وأكثر أبناء زماننا وإن قالوا بتجرد النفس الإنسانية بحسب التقليد ~~والسماع إلا أنهم في غفلة من ذلك بحسب المعرفة والتصديق فأين هم من معرفة ~~النفس وإنيتها وماهيتها وكيفية ارتقائها في الدرجات وانحطاطها في الدركات ~~واستعدادها بحسب الجوهر والذات إما لأن تتردى إلى الجحيم أو لأن تترقى إلى ~~النعيم. فالناس بحسب ضمائرهم يجحدون تجردها وانفصالها عن الأجرام ذلك قولهم ~~بأفواههم وتأبى قلوبهم فأكثرهم لا يعقلون لو لم يسمعوا من ms386 بعض كبرائهم ~~والجاهل بحقيقة النفس وبيان ماهيتها وكيفية تعلقها بالبدن واحتياجها إلى ~~القوى المحركة والمدركة البدنيين وقتا ما وكيفية تجردها بذاتها واستقلالها ~~بوجودها وقتا آخر وسائر أحوالها معدود من العوام الناقصين عند أهل العلم ~~والكمال وإن كان أحكم بعض العلوم الجزئية. وبالحقيقة الجاهل بحقيقة النفس ~~جاهل بحقيقة المعاد الإنساني وكلا المعادين الجسماني PageV00P549 # والروحاني جميعا وجاهل بمعنى رجوع النفس إلى الله تعالى على ما وقع في ~~القرآن الكريم. # والعجب من أكثر المنتسبين إلى العلم كيف قنعوا بمرتبة العوام والنساء ~~والصبيان ولم يشتغلوا بالبحث عن حقيقة نفوسهم وأنه كيف مآلها وإلى ما ذا ~~يصير حالها مع أنه فرض عليهم وهم معطلين فيه مشتغلين طول عمرهم بكثير من ~~المسائل الفرعية وبعض الخلافيات الفقهية التي ينقضي الأعمار من غير ~~الاحتياج إليها كأحكام الفروعات النادرة من الميراث والطلاق وأحكام الشقوق ~~والاحتمالات البعيدة في الزراعات والمساقاة التي لا يقع واحد منها في أعمار ~~طويلة مع وجود أشخاص في كل زمان يقوم بها. # وليس هذه المسائل الخلافية فرض عين لأحد بل كسائر الفروض الكفائية. ثم ~~اعلم أن الاعتقاد في المعاد على هذه الوجه العامي جيد للجهال والعوام ومن ~~لا ينظر في حقيقة الأمور ولا يعرف المبادي اليقينية ولا الغايات الطبيعية ~~الحقيقية. # وذلك لأنهم إذا اعتقدوا هذه الرأي في المعاد وتحققوا هذه الاعتقاد يكون ~~ذلك حثا لهم على عمل الخيرات وترك عمل الشرور واجتناب المعاصي وفعل الطاعات ~~وأداء الأمانات وترك الخيانات والوفاء بالعهود وصحة المعاملة والنصيحة فيها ~~وحسن المعاشرة وخصال كثيرة محمودة من هذا القبيل. # وأما ما تدين به محققوا الحكماء وأفاضل المليين فهو أن مع هذه الأجساد ~~جواهر أخرى هي أشرف منها وأنور وليست بأجسام بل جواهر مجردة يسمى أرواحا ~~ونفوسا فلا يتصور عندهم أمر البعث ولا يتحققوا أمر القيامة إلا برد تلك ~~النفوس والأرواح إلى تلك الأجساد بعينها أو أجساد أخر مثلها يقوم مقامها ~~يحشرون ويحاسبون بما عملوا من خير أو شر. # فكما يفرق بالموت بين الأرواح والأجساد فعند الحشر والإعادة يبعث من في ~~القبور ويحصل ms387 ما في الصدور. # وهذا الرأي أجود وأقرب إلى الحق وفي هذا الاعتقاد منهم صلاح لهم وانتظام ~~لغيرهم. # وأما من كان فوق هذه الطوائف في العلوم والمعارف ولرسوخه في العلم ~~وارتياضه PageV00P550 # بالحكمة فهو يرى ويعتقد أن الغرض من وجود هذه النفوس مع الأبدان والغاية ~~في تكون هذه الأرواح مع الأشباح مدة في الدنيا من أجل أن يستتم ذواتها ~~ويكمل صورها عقولا فعالا بعد ما كانت نفوسا منفعلة ويخرج من حد القوة إلى ~~الفعل والظهور ويستكمل أيضا فضائلها التي هي دون تلك الفضيلة التي ذكرناها ~~من عرفانها أمر المحسوسات وتخيلها حكايات المعقولات. # وهذا هو العالم الفاشي الذي يمكن أن يصل إليه كل إنسان بشرط سلامة نفسه ~~من الجهل المركب ورذائل الأخلاق وسيئات الملكات وبها جاءت دعوة الأنبياء ~~وظواهر شريعتهم العامة لجميع الناس ومنها تحصل جنات مفتحة لهم الأبواب ~~وبأضدادها يقع استحقاق الجحيم والعذاب. # وأما النفوس الصائرة عقولا فعالة فهم المستغرقون في شهود عظمة الله ~~وجلاله ومتحيرون في ملاحظة جماله لا التفات لهم إلى ذواتهم المنورة الكاملة ~~فضلا عن ما عداهم لا يكدرون عشق مولاهم برجاء نعيم وخوف جحيم. # واعلم أن اختلاف الملل والمذاهب في باب صحة المعاد وكيفية تحققها إنما ~~كان لأجل غموض هذه المسألة ودقتها حتى أن الكتب الإلهية مختلفة في هذا بحسب ~~الظاهر إلا أن المرجع في الجميع واحد ففي التوراة: إن أهل الجنة يمكثون في ~~النعيم خمسة عشر ألف سنة ثم يصيرون ملائكة وإن أهل النار يمكثون في الجحيم ~~كذا أو أزيد ثم يصيرون شياطين. # وفي الإنجيل: إن الناس يحشرون ملائكة لا يطعمون ولا يشربون ولا ينامون ~~ولا يتولدون. # وفي القرآن إن الناس يحشرون كما خلقهم الله أول مرة لقوله تعالى: كما ~~بدأكم تعودون. الآية. # وسؤال إبراهيم ع عن الله رب أرني كيف تحي الموتى وقول عزير كما حكاه الله ~~تعالى منه: أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام. # ومكث أصحاب PageV00P551 # الكهف وقول الله تعالى: و كذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق. # فبعض هذه ms388 النصوص والعبارات يدل على أن المعاد للأبدان وبعضها يدل على أنه ~~للأرواح. # والتحقيق أن الأبدان الأخروية مسلوب عنها كثير من لوازم هذه الأبدان فإن ~~بدن الآخرة كظل لازم للروح وكعكس ومثال له بخلاف هذا البدن المستحيل ~~الفاسد. # ولا تعجب لأولي الألباب من النشأة الثانية بل تعجبهم من النشأة الأولى ~~أكثر بكثير إلا أن الأولى لما كانت محسوسة مشاهدة معتادة سقط التعجب منها ~~كما ذكره بعض العرفاء: أنه لو سمع عاقل قبل أن يشاهد أن إنسانا يحرك نفسه ~~فوق امرأة مرارا كما تحرك المخيض وخرج من بعض أجزائه شيء مثل زبد سيال ~~فيخفى ذلك الشيء في بعض أعضاء المرء ويبقى مدة على هذه الحالة ثم يصير علقة ~~ثم العلقة مضغة ثم المضغة يصير عظاما ثم يكسي العظام لحما ثم يحصل منه ~~الحركة فيخرج موضعا لم يعهد خروج شيء منه على حالة لا يهلك أمه ولا يشق ~~عليها ولادته ثم يفتح عينه ويحصل في ثدي الأم مثل شراب سائغ لم يكن فيها ~~قبل ذلك شيء ويغتذي به الطفل إلى أن يصير هذا الطفل بالتدريج صاحب صناعات ~~واستنباطات بل ربما يكون هذا الذي يكون أصله نطفة وهو عند الولادة أضعف خلق ~~الله عن قريب ملكا جبارا قهارا يملك أكثر العالم ويتصرف فيه فإن التعجب من ~~ذلك أكثر وأوفر من التعجب من النشأة الثانية. PageV00P552 # المقالة الثالثة في ضرب آخر من البيان في تحقيق المعاد للإنسان على أسلوب ~~عرفاني ونمط شهودي على لسان أهل التوحيد وفيها فصول فصل في تلخيص القول في ~~المبدإ والمعاد والانتقال من الفطرة الأولى والارتحال إليها وبيان التقابل ~~بين مراتب البدء ومراتب العود وتحقيق ليلة القدر ويوم القيامة اعلم أن ~~المراد بالمبدأ هاهنا الفطرة الأولى للإنسان وبالمعاد هو العود إليها فطرت ~~الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله. # والفطرة الأولى له عدمه السابق على وجوده كان الله ولم يكن معه شيء و قد ~~خلقتك من قبل و لم تك شيئا. # يعني أن جعل الخلق في الابتداء من العدم إلى ms389 PageV00P553 # الوجود الخاص ففي الانتهاء يجعل الخلق من الوجود الخاص إلى العدم كل من ~~عليها فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام. # فإن البدء والرجوع متقابلان كما قيل: النهاية هي الرجوع إلى البداية كما ~~بدأنا أول خلق نعيده. # ومن هاهنا ينكشف على العاقل اللبيب أن بحكم البدء كان ينبغي أن يسأل الرب ~~ويجيب الخلق ألست بربكم قالوا بلى وبحكم المعاد ينبغي أن يسأل الرب ويجيب ~~هو تعالى عن نفسه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار إن إلى ربك الرجعى كل ~~شيء هالك إلا وجهه. # منه المبدأ وإليه المنتهى فالعدم الأول للإنسان هو الجنة التي كان فيها ~~أبونا آدم ع وأمنا حوا اسكن أنت و زوجك الجنة والوجود بعد العدم هو الهبوط ~~منها إلى الدنيا اهبطوا منها جميعا والعدم الثاني من هذا الوجود هو الفناء ~~في التوحيد وهو جنة الموحدين يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي. # والمجيء إلى الدنيا من الجنة هو النزول من الكمال إلى النقص والسقوط من ~~الفطرة الأصلية ولا محالة صدور الخلق من الخالق ليس إلا على هذا الطريق. # والذهاب من الدنيا إلى الجنة هو التوجه من النقص إلى الكمال والرجوع إلى ~~الفطرة ولا محالة رجوع الخلق إلى الخالق ليس إلا على هذا الطريق الله يبدؤا ~~الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون. # فالأول هو النزول والهبوط والآخر هو العروج والصعود والأول PageV00P554 # هو أفول النور والآخر هو طلوع النور الله نور السماوات و الأرض فالعبارة ~~من الأول ليلة القدر ومن الآخر يوم القيامة. # ففي ليلة القدر تنزل الملائكة و الروح فيها بإذن ربهم من كل أمر وفي يوم ~~القيامة تعرج الملائكة و الروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. # حكمة عرشية أجناس العوالم والنشات ثلاثة الدنيا وهي عالم الماديات ~~والطبيعيات والآخرة وهي عالم التعليميات والرياضيات وما وراء الدنيا ~~والآخرة جميعا وهو عالم المفارقات والعقليات. # فالنشأة الأولى بائدة داثرة هالكة بخلاف الباقين وخصوصا الثالثة التي هي ~~المآل الحقيقي ms390 للمقربين. # والإنسان حقيقة مجتمعة من هذه العوالم باعتبار إدراكاتها الثلاثة فكلما ~~غلب عليه واحد منها يكون مآله إلى أحكام ذلك ولوازمه فإن غلب عليه التعلقات ~~الدنياوية والمستلذات الحسية فهو بعد وفاته يتعذب بفقدان المحسوس وفواته ~~فهو أليف غصة دائمة ورهين عذاب أليم لأن اللذات الدنياوية لا حقيقة لها ~~والملائمات الحسية أمور مجازية فمن عشقها واعتاد بها يكون كمن عشق أمرا ~~معدوما وطلب شيئا باطلا لم يكن له ثمر ولا عنه خير. # فيكون الراغب إليه والعاشق له والمعتاد بصحبته حيرانا أسفا إلا أنه ما ~~دام في الدنيا يظن أن لمحبوبه وجودا يمكن أن ينال وبهذا الظن القبيح ~~المستنكر عند الكاملين من العقلاء يتعيش في الدنيا ويستأنس ويتمتع بهذه ~~الحياة المجازية وبمتاعها الذي هو متاع الغرور وحلية القبور فإذا طلعت ~~الشمس الحقيقة وذابت بها المجازات واضمحلت المحسوسات ذوبان الجليد واضمحلال ~~الثلوج بحرارة ارتفاع الشمس في أوان الصيف فبقي المحب للدنيا المحسوسات في ~~غصة وألم لفقدان محبوبه PageV00P555 # وامتناع وجوده لأن المحسوس بما هو محسوس لا حقيقة له أصلا كما أشرنا ~~إليه. # وبيانه على الوجه التفصيلي يطلب منا في مجال أوسع من هذا الذي نحن فيه. # وإن غلبت عليه جهة اللذات الأخروية ورجاء النعماء الأجلية من نكاح الحور ~~والتمكن في القصور مع سرر مرفوعة وأكواب موضوعة وأكل فاكهة ولحم طير مما ~~يشتهون وشراب طهور بآنية من فضة والخوف من عذاب جهنم وتصلية جحيم وشراب ~~الحميم والزقوم ويعمل بمقتضاها من فعل الطاعات البدنية والخيرات والاجتناب ~~عن اكتساب الخطيئات وارتكاب السيئات مع شرائط صحتها من الاعتقادات الشرعية ~~والنيات التي تكلف بها جميع الناس فمآله إلى النعيم والبعد عن الحميم. # وإن غلبت عليه الجهة العقلية وعمل بمقتضاها من اكتساب العقليات المحضة ~~والحقائق اليقينية بالبراهين اللمية الدائمة فمآله الانخراط في سلك ~~الملكوتيين بل القيام في صف أعالي المهيمنين إذا كانت عقائد الحقة مشفوعة ~~بالنيات الخالصة الإلهية مع الزهد الحقيقي عن جميع ما يشغل سره عن الحق ~~وذلك هو الفضل العظيم بمثل ذلك فليعمل العاملون وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون. ms391 # وليعلم أن النية الخالصة عن شوب الأغراض النفسانية مطلقا لا يمكن أن تيسر ~~إلا للطائفة الأخيرة أي الحكماء فالأولى للحكيم والأحرى به أن لا يتوانى عن ~~استعمال الأوضاع الشرعية. # وأما الجهال فلن يحصل لهم باستعمال الأوراد والأذكار الشرعية إخلاص نية ~~وهو المقصود منها. # وليت شعري كيف يتشوقون إلى الدار الآخرة والمبدع الأول وما عرفوهما إلا ~~بالتخيل فأية نفس جمعت المناقب العقلية العملية التي هي معرفة المفارقات ~~والمبادي القصوى والغايات الأخيرة وخصوصا المبدع الأول الذي هو المبدأ ~~والغاية الحقيقيتين بالنهج البرهاني أو الكشف والعملية التي هي العدالة ~~وتسخير القوى الشهوية والغضبية والإدراكية وخصوصا الوهم فقد فازت بالسعادة ~~العظمى في الآخرة وأية نفس ضادت هذه الأفاعيل بالأفاعيل التي هي أضدادها ~~فهي ممتنعة PageV00P556 # في الآخرة بالشقاوة التي هي في مقابلة تلك السعادة. # وأما المتوسطون في ما بين هذه الأطراف فلهم طبقات يمكن معرفة أجناسها ~~وضبطها في عدد كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى. # تتميم تحصيلية إن النفس الإنسانية في مبادي تكونها وأوائل خلقتها هي ~~بالقوة في نشئاتها الثلاث لكونها أولا قبل قوام وجودها في مكمن الإمكان ~~وكتم الخفاء في مجموع إدراكاتها الثلاثة التي بها يتصل إلى العوالم الثلاثة ~~وهي الحس لإدراك عالم المحسوسات والشهادة والخيال لإدراك عالم الغيب ~~والملكوت والعقل لإدراك عالم الربوبية وجبروت الحق تعالى. # ولها في تحصيل كل من النشئات مراتب كمراتبها في العاقلية والمعقولية ~~فمراتبها في التعقل كما مر هي العقل الهيولاني والملكة وبالفعل والمستفاد ~~وهي مراتب متعاقبة فكذلك لها مراتب من الإحساس والتخيل وتلك المراتب قوة ~~واستعداد وكمال وفوق الكمال. # فالقوة لها في الإحساس كما للطفل من الكتابة به هي عند كونه جنينا لم ~~يلجه الروح والاستعداد لها فيه كما للأمي المحصل لأسباب الكتابة ولكنه لم ~~يتعلم بعد صنعة الكتابة وهي عند كونه في الرحم بعد والكمال فيه كما للمتعلم ~~لها والقادر على صنعتها متى شاء لأجل زوال الموانع الداخلة وهي بعد تولدها ~~وخروجها عن الرحم ووقوعها في فضاء الدنيا وإن كان مع تعطل الحواس عن فعلها ~~لمانع ms392 كالنوم أو التغميض أو غيره. # وفوق الكمال فيه كما في حالة الكتابة بالفعل وإنشاء النقوش المكتوبة ~~بالفعل لأجل زوال الموانع الخارجية أيضا وهي عند إحساسها بالفعل لاستجماع ~~الشرائط ودفع الموانع وكذلك قياس مراتب التخيل. # فالإنسان استوفى في هذا العالم درجات القوة والاستعداد والكمال وفوق ~~الكمال في باب الحاسية والمحسوسية لكون نفسه ما دام الكون الدنياوي هي تمام ~~العالم الحسي PageV00P557 # وثمرته التي بها ينتهي استكمال المواد والأجسام. # وأما في باب المشعرين الآخرين اللتين هما مشعر التخيل ومشعر التعقل فأكثر ~~الناس متوقفون في هذين المشعرين ما داموا في هذا الكون على مرتبة القوة ~~والاستعداد ولم يبلغوا في شيء منها إلى حد الكمال وكثير منهم على حد الكمال ~~في التخيل والتمثل من غير فعلية الأمر التمثيلي منه في العيني الخارجي. # فهم في باب الوجود المثالي الشبحي في حد التمام من دون الفعلية الحاصلة ~~في المرتبة التي هي فوق التمام. # فنسبتهم إلى عالمهم نسبة النائم التام الخلقة إلى عالم الحس كما قال ع: # الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. # وأما الأنبياء والأولياء والعرفاء الكاملين فالأنبياء وخصوصا سيدهم ~~وخاتمهم ص كانوا في حد التمام وفوق التمام في كلا المشعرين. # وأكثر الأولياء والكمل من العرفاء والحكماء كذلك في باب العقل والمعقول ~~إلا أنه حيث يكون الإنسان بقدر اشتغاله بعالم الحس محجوبا عن العالمين ~~الآخرين فهو مع كونه تاما كاملا في شيء منهما لا يكون فوق التام فيه عند ~~حياته الدنياوية بحث يترتب لوازم الفعلية وآثار الفضيلة في ذلك وإلا لانقطع ~~تعلقه عن هذا الكون الحسي بالكلية صائرا إلى عالم الذي يكون فيه بالفعل ~~المحض. # فعليك بالتفطن والتحدس مما ذكرناه وأصلناه لتحصيل النشئات الثلاثة التي ~~هي هذا العالم وعالم الآخرة وعالم الجبروت. # فإن القوة على الشيء لا يتصور إلا بكونه منتظر الوقوع وإلا يلزم التعطيل ~~في الأمور الفطرية التي أودعها الله في الطبائع. # فوجود الاستعداد والكمال في كل من النشأتين الآخرتين كاشف عن وجودهما في ~~الواقع ينتقل إليه النفوس الإنسانية بعد الموت. # فثبت مما ذكرناه وجود عالمين آخرين ms393 كل منهما معاد لطائفة من النفوس وذلك ~~ما أردناه. # تذكرة توضيحية ثم لقائل أن يقول: تلك الدار الآخرة على كثرة صورها ~~وهيئاتها وأشكالها كجناتها PageV00P558 # الحسية وأنهارها الملذة وحورها وغلمانها أو القبيحة المؤلمة كجحيمها ~~وحميمها وزقومها إلى غير ذلك من الخلائق والأشخاص التي في الآخرة هل لها ~~مادة تقبل تلك الصورة والهيئة أم لا وعلى تقدير وجودها فما المادة الحاملة ~~لأشخاصها وكمياتها وكيفياتها قلنا: نعم لتلك الصور الأخروية أمر بمنزلة ~~المادة لها يشبه المادة الحاملة لهذه الصور الدنياوية من وجه ويفارقها من ~~وجه أما وجه المشابهة فلكون كل منهما مما يحلها الصور القائمة بها وأما وجه ~~المفارقة فلأجل أمرين: # أحدهما أن المادة الدنياوية إنما يحلها الصور الفائضة عليها لأجل سبق قوة ~~استعدادية انفعالية وسبق حركة متوجهة إلى الكمال الصوري بخلاف الصور ~~الأخروية فإن حصولها لما يقوم بها إنما هو من جهة الفعلية واللزوم لا من ~~جهة القوة والإمكان ومن الجهات الفاعلية لا من الجهات القابلية. أولا ترى ~~أن محل السواد مثلا إذا زال عنه السواد يحتاج في استرجاعه إلى فاعل مباين ~~يفيد السواد لذلك المحل من دون أن يكتفي المحل بنفسه في استرجاع السواد ~~وهذا بخلاف القوة النفسانية فإنها إذا زالت عنها الصور الباطنية ففي ~~استرجاعها إياها وتذكرها لا يحتاج إلى تجشم كسب جديد وإلى مبدأ يحصل منه ~~كما يحصل أولا بل يستكفي في ذلك بذاتها وبما يقوم به ذاتها من الأمور ~~الداخلية وذلك لأن القوة الروحانية من المواد الأخروية التي ينشأ منها ~~الصور من غير كسب جديد ومبدأ منفصل وأسباب اتفاقية خارجية بل الأمر كله ~~هناك لله العلي الكبير. # وثانيهما أن من الأشياء الواضحة بحسب الذوق والتجربة أن كل هيولى يكون ~~ألطف جوهرا وأشد روحانية فإنها تكون أشرف صورة وأجل كمالا ولقبول الصور ~~أسرع انفعالا وأسهل قبولا. # مثال ذلك الماء العذب فإنه لما كان جوهره ألطف من جوهر التراب صار لقبول ~~الطعوم والأصباغ أسرع انفعالا وذلك للطافته وعذوبته وسيلانه وهكذا لما كان ~~الهواء ألطف من الماء وأشد سيلانا صار قبوله ms394 للأصوات والروائح أسرع انفعالا ~~وأسهل قبولا وهكذا لما كان الضياء والنور ألطف من الهواء PageV00P559 # صار قبولهما للألوان والأشكال أسرع وأشد روحانية وقربا من عالم ~~الروحانيات. # وهذا أيضا باب يخفى على كثير ممن ينظر في دقائق العلوم إعماله وذلك لأن ~~جوهر النفس له مراتب متفاوتة في اللطافة والكثافة. # وأدنى مراتب النفس في اللطافة هو أشد بكثير من لطافة جوهر النور المحسوس. # وأيضا والدليل على ذلك قبولها رسوم سائر المحسوسات والمتخيلات والمعقولات ~~عند كونها في مراتب أنوار الحس والخيال والعقل على تفاوتها. # فلهذا صار الإنسان بالقوة المتخيلة يقدر أن يتخيل من الموجودات الخارجية ~~ما لا يقدر عليه أن يدركها بالقوة الحساسة لأن هذه روحانية في عالم الغيب ~~وتلك جسمانية في عالم الشهادة. لأنها يدرك محسوساتها في الجواهر الجسمانية ~~من خارج وأما القوة المتخيلة فهي تصورها وتخيلها في الداخل والدليل على ذلك ~~أفعال الصنائع البشرية المستنبطة أولا من الباطن فإن كل صانع يبتدي أولا ~~يتفكر ويتخيل ويتصور في فهمه صورة المصنوع بلا حاجة إلى شيء من خارج ~~كالمصالح والآلات والموضوعات المكانية والزمانية ثم يقصد بعد ذلك إلى هيولى ~~ما في مكان ما في زمان ما وتحريكات ما فالصانع يخترع في صقع من خياله صورة ~~الصناعة بلا حركة وتعب وإعياء ثم يتبع صورته التي في صقع خياله الصور التي ~~هي في الموضوع الجسماني ففعلها الخاص الذي يصدر عنها ويقوم بها على وجه ~~تكون عنها وفيها شيء واحد أي كونها فاعلة وقابلة له هما حيثية واحدة فيها ~~هي أمور غيبية مستورة عن الحواس وعالمها غير هذا العالم الحسي لأن القوة ~~الخيالية بمنزلة كوة إلى عالم الغيب كما أن الحواس الظاهر بمنزلة رواشن ~~مختلفة إلى عالم الشهادة. # وقد مر مرارا أن اشتغال النفس باستعمال الحواس الظاهرة والقوة المتحركة ~~يمنعها عن مشاهدة الصور الباطنية عيانا وإلا فتلك الصور أشد جلاء ووضوحا ~~وأقوى جوهرا ووجودا من هذه الصور الحسية المغمورة في المواد المظلمة ~~الجرمية. # هكذا قياس القوة العقلية بالنسبة إلى حقائق المعقولات فإن العقل ~~الهيولاني لكونه ألطف المواد ms395 على الإطلاق يكون قياس الصور العقلية وسرعة ~~انفعاله عنها وقبوله إياها هذا القياس وكذا نسبة لطافة تلك الصور وشرافتها ~~وجلائها ظهورا ووضوحا وقوامها وتجوهرها قوة ووجودا فالإنسان PageV00P560 # حين كونه عقلا مستفادا يقدر أن يتصور صورا عقلية باتصال بالعقول الفعالة ~~المبدعة للمعقولات المستقلة الوجود إلا أنه ما دام اشتغاله بالبدن ونشأتها ~~الحسية الدنياوية لا يمكنه أن يحضر معقولاته المستقلة الوجود مشاهدة إياها ~~مشاهدة خارجية بل يشاهدها الآن مشاهدة ذهنية كمشاهدة الأشياء خلف حجاب ~~كهواء مغبرة كثيف أو ماء كدر. وكذلك عامة الناس وجميع البشر لا يمكنهم ولا ~~رخصة لهم في مشاهدة حال المحشر وصور النشأة الآخرة وشهود الجنة والنار ~~وسائر ما وعدهم الله ورسوله حقا ما داموا في الدنيا لأنها أمور باطنية ~~غيبية وقد غلب على أكثر الناس هذه النشأة الدنياوية وطرت عليهم الغفلة ~~والنسيان عن أمور القيامة وأحوال الباطن ونسوا أنفسهم لإعراضهم عن معرفة ~~بارئها ومنشئها ويئسوا من الآخرة كما بئس الكفار من أصحاب القبور فلم ~~يدركوا من الحقائق الأخروية والمواعيد النبوية مما جاء به الكتب والرسل إلا ~~نحوا ضعيفا على ضرب من التخييل والتمثيل دون حقيقة الأمر كما هو عليه. # وأما العرفاء الإلهيون فهم الذين وصلوا بقوة اليقين إلى إدراك حقائق ~~النشأة الآخرة ومشاهدة عقلية من غير شائبة شك وريب فلا يزيدهم رفع الحجب ~~عند الموت إلا كشفا ووضوحا لا يقينا ومعرفة. # وأما أصحاب المعارج من الأنبياء والمتجردون من أغشية المواد ولبوسات ~~الأجرام من الأولياء لخلع أبدانهم العنصرية أو تحصيلهم ملكة خلعها وإن لم ~~يصر منخلعة بل مع صحوهم وشعورهم بما يورده الحواس فقد حصلت لهم مشاهدة ~~الصور الأخروية وأحوال البرزخ قبل وقوعها وقيام القيامة للمحجوبين كما وقع ~~للنبي ص ليلة المعراج حيث يحكى عنه أنه: رأى أهل الجنة في الجنة وأهل النار ~~في النار وعين بعضا منهم وهم بعد ما ماتوا وما قتلوا أن فلانا وفلانا ~~رأيتهم في الجنة وفلان وفلان رأيتهم في النار. ورأى الأنبياء ع وقد انقرضت ~~أزمنة حياتهم الدنياوية ورأى موسى ع حين كلمه تعالى ms396 تكليما وذلك لأجل ~~اطلاعه على الآخرة وشهوده للنشأة الثانية وخروجه عن الأمكنة والأزمنة فكانت ~~نسبة جميع الأزمنة والأمكنة بالنظر إلى إحاطة شهوده PageV00P561 # لقربه من الحق الأعلى في درجة واحدة. # تبصرة عقلية قال بعض العرفاء: كل من شاهد بنور البصيرة باطنه في الدنيا ~~لرآه مشحونا بأصناف السباع وأنواع الهوام مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد ~~والكبر والعجب والرياء وغيرها وهي التي لا تزال تفترسه وتنهشه إن سهى عنها ~~بلحظة إلا أن أكثر الناس لكونه محجوب العين عن مشاهدتها فإذا كشف الغطاء ~~ووضع في قبره عاينها وقد تمثلت له بصورها وأشكالها الموافقة لمعانيها فيرى ~~بعينه العقارب والحيات قد أحدقت به وإنما هي صفاته الحاضرة الآن في نفسه قد ~~انكشف له صورها. فإن أردت يا أخي أن تقتلها وأنت قادر عليها قبل الموت ~~فافعل وإلا فوطن نفسك عن لدغها ونهشها بصميم قلبك فضلا عن ظاهر بشرتك ~~وجسمك. # تبصرة اعلم أيها السالك إلى الله تعالى والراغب إلى نيل ملكوت ربه الأعلى ~~أن الأمور الجسمانية والصور المادية جعلها الله تعالى كلها مثالات دالات ~~على الأمور الغيبية الأخروية كما أنها أيضا مثالات دالات على الروحانيات ~~العقلية التي هي عالم الجبروت وحضرة الربوبية والأشعة الإلهية وذلك لأن ~~العوالم متطابقة وجميعها مظاهر ومنازل لأسمائه تعالى باعتبار وعين تلك ~~الأسماء باعتبار آخر. فالأسماء على كثرتها التي لها باعتبار تعدد معانيها ~~ومفهوماتها لا باعتبار حقيقتها ووجودها الذي هو أحدي محض بلا شوب كثرة ~~تنزلت أولا في عالم العقول المتحصلة والقواهر المفارقة وهي عالم الجبروت ~~وعالم القدرة والقوة ثم تنزلت إلى عالم الأشباح الروحانية والصور المثالية ~~ثم إلى عالم المحسوسات والماديات. PageV00P562 # فكما أن النزول من المبدإ الأعلى على هذا المنوال فكذلك الرجوع والصعود ~~إلى الحق تعالى يكون على عكس هذا المثال فجعل طريق الحواس درجا ومراقي ~~يرتقي بها إلى مشاهدة الأمور العقلية التي هي الغرض الأقصى في بلوغ النفس ~~إليها بعد طي مراتب البدايات والأوساط. فالبدايات هي عالم المحسوسات ~~والأوساط عالم الآخرة التي فيه الجنة والنار الجسمانيتين. # وقد علمت مرارا أن سبب ms397 التعذب بالنار إنما يحصل من التلذذ بالحسيات. # فدخول النار هو نتيجة ارتكاب اللذات الدنياوية كما أن دخول الجنة هو من ~~نتائج الزهد في الدنيا والورع من محارم الله. # وقوله تعالى: و إن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا يؤيد ما ذكر ~~فكان كل واحد من الناس بواسطة وقوعه أولا في عالم المحسوسات له استحقاق ~~دخول النار لو لم يجبر هذه المعصية الفطرية التي هو الوجود الحسي بفعل ~~الطاعات وكسب الحسنات. # فإن قيل: ما ذكرت ينافي معنى قوله ص: كل مولود يولد على الفطرة... ~~الحديث: # قلنا: لا منافاة بينهما فإن هذه الفطرة فطرة النفس الناطقة التي هي بحسب ~~ذاتها من عالم التقدس والطهارة. # وأما التي ذكرناها فهي فطرة البدن الذي حصل من الأجسام الخسيسة التي ~~وجودها في أخس المراتب وأبعدها عن الله ومجاوريه من المقدسين. # وقد روي عن النبي حكاية عن الله تعالى أنه قال: ما نظرت إلى الأجسام مذ ~~خلقتها. # فإن أردت يا حبيبي وفقك الله لسلوك طريقه أن تبلغ أشرف المطلوبات وأفضل ~~الغايات التي هي الأمور العقلية والحقائق الروحانية فاجتهد أولا في معرفة ~~الأمور المحسوسة فبذلك يتيسر لك أن تتركها وتزهد فيها وتنال الأمور الغير ~~المحسوسة. # فإن العوالم من المضافات لوقوعها تحت جنس المضاف فإذا عرفت المحسوسات ~~عرفت ما PageV00P563 # وراء المحسوسات. فكما أن من لم يعرف الله لم يمكنه طلبه والتشوق إليه ~~والسلوك نحوه فكذلك من لم يعرف الدنيا وحقارة نشأتها لم يمكنه رفضها ~~والرغبة عنها. # ولهذا اعتنى الحكماء بالبحث عن الأجسام وأحوال المحسوسات لينتقلوا منها ~~إلى الرياضيات ثم إلى الإلهيات. # ولكون الدنيا واقعة تحت جنس المضاف بالقياس إلى الآخرة قال الله تعالى ~~تنبيها على معرفة النشأة الآخرة: و لقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون. # ومما يجب لك أن تعلم أن معرفة الدنيا والمحسوسات ومشاهدتها هي فقر النفس ~~وشدة حاجتها ومعرفة أمور الآخرة والروحانيات هي غناؤها ونعيمها وذلك لأن ~~النفس في معرفة الأمور الجسمانية محتاجة إلى هذا البدن العنصري وآلاته ~~لتدرك بتوسطها الجسمانيات وقد مر أن ms398 النفس ما دامت في هذه الدنيا كراكب ~~سفينة هي البدن وآلاته هي بمنزلة آلات السفينة يشاهد بتوسطها عجائب بحر ~~الهيولى وطبائع المحسوسات ثم يرتحل ويعبر منه إلى عالم آخر فإذا حصل لها ~~ذلك فقد استغنت عن الجسد والتعلق به بعد ذلك كمن استغنى عن السفينة بعد أن ~~عبر بها البحر. # فاجتهد أيها الحبيب في طلب الغناء الأبدي وربح التجارة السرمدي بتوسط هذا ~~الهيكل وآلاته ما دام يمكنك قبل فناء المدة وفساد الهيكل وبطلان وجوده. # واحذر كل الحذر أن تبقى وتحمل نفسك فقيرة محتاجة إلى هيكل دنياوي لتتم ~~وتكمل به فتكون ممن يقول: يا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل أو تبقى في ~~البرزخ إلى يوم يبعثون ومن أين لهم أن يشعرون أيان يبعثون أو تبقى في ~~الحساب. # والمناقشة في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ما دامت النفس ~~ساهية لاهية مقبلة على الشهوات الجسمانية واللذات الجرمانية والزينة ~~الطبيعية والغرور بالأماني في هذه الحياة الحسية المذمومة التي ذمها رب ~~العالمين فقال اعلموا: أنما الحياة الدنيا لعب و لهو و زينة PageV00P564 # و تفاخر بينكم و تكاثر في الأموال و الأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ~~ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما. # كشف مقال لدفع إعضال إن أعضل شبه الجاحدين للمعاد الجسماني وأعظم إشكالات ~~المنكرين للجنة والنار المحكوم بثبوتهما وتحققهما في الشريعة الناموسية ~~والحكمة القدوسية هو طلب المكان لهما واستلزام كونهما في جهة من الجهات ~~الامتدادية الجرمية في زمان من الأزمنة المتصرمة المتجددة واستيجاب كونهما ~~داخل حجب السماوات وتحت حيطة محدد الجهات وعرش المتماديات. # فالجواب عن أصل هذه الشبهة وقلع مادتها وانفساخ صورتها هو أن يقال على ~~طريقة الأبحاث المتألهين وأنظار السالكين إلى الله تعالى بأقدام الأفكار ~~ومراكب الأنظار إن حجتكم هذه مبنية على أن للجنة والنار مكانا من جنس أمكنة ~~هذه الدنيا لكن أصل إثبات المكان على هذا الوجه للجنة والنار باطل فالشبهة ~~منهدمة الأساس منحسمة الأصل. لأنا نقول: أولا إن عالم الآخرة عالم تام لا ~~يخرج عنه ms399 شيء من جوهره وما هذا شأنه لا يكون له مكان كما أن ليس لمجموع هذا ~~العالم مكان يمكن أن يقع إليه الإشارة الوضعية من خارجه أو داخله لأن ~~المكان للشيء إنما هو يتقرر بحسب نسبة وإضافة إلى ما هو مباين له في وضعه ~~خارج في إضافته وليس في خارج هذا العالم شيء من جنسه وإلا لم يؤخذ بتمامه ~~ولا في داخله أيضا ما يكون مفصولا عن جميعه إذا أخذ بهذه الحيثية فلا إشارة ~~حسية إليه عند أخذه تاما كاملا لا من خارجه من داخله فلا يكون له أين ولا ~~وضع. # ولهذا المعنى حكم معلم المشائين ب: أن العالم بتمامه لا مكان له. فقد ~~اتضح أن ما يكون عالما فطلب المكان له باطل والمغالطة من باب قياس الجزء ~~إلى الكل والاشتباه بين الناقص والكامل. PageV00P565 # ثم على سبيل التنزل عن هذا بقي أن ينظر إلى أن الدار الآخرة مع هذا الدار ~~هل هما منتظمان في سلك واحد والمجموع عالم واحد وحينئذ يكون طلب المكان ~~لهما صحيحا أو كل منهما عالم بتمامها مباين الجوهر والذات للأخرى غير منسلك ~~معها في سلك واحد لا يجمعها دار واحدة لاستقلال كل منهما وتمامه فحينئذ طلب ~~المكان له والنسبة إلى ما هو مباين الجوهر عنه غير صحيح. # وأنت تعلم أن الحق هو الثاني أولا ترى أن أهل هذا العالم متفقون على ~~قولهم هذا العالم وذلك العالم جسما ورثه الناس من رؤساء النوع من أهل ~~النبوة والحكمة والعصمة ولو كان المجموع عالما واحدا كان هذا القول باطلا. ~~ولا يصح أن يقال هذا الإطلاق من قبيل قولهم عالم العناصر وعالم الأفلاك ~~وعالم الحيوان وعالم الإنسان. لأن هذه أقوال مجازية على سبيل التشبيه وأما ~~إطلاقه عليهما فليس من باب التشبيه بعالم آخر فإن الدنيا والآخرة لو لم ~~يكونا عالمين تامين فلا يكون في الوجود عالم تام لأن المجموع ليس منتظما في ~~سلك واحد إلا بأن يكون أحدهما باطن للآخر والآخر ظاهره وهذا كلام آخر فيه ~~غموض فإذا لم يكونا مع ms400 مباينة كل منهما الآخر في الوجود مما يشتملهما عالم ~~آخر فلا محالة كل منهما عالم تام كما أطلق القول عليه في ألسنة الشريعة إن ~~لله سبحانه عالمين الدنيا والآخرة. # ومما يوضح القول بأن الآخرة ليست من جنس هذا العالم إن الآخرة نشأة باقية ~~يتكلم فيه الإنسان مع الله وينظر إليه وهذه نشأة داثرة ذاتها بائدة أهلها ~~هالكة ذووها لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم واختلاف اللوازم يدل على اختلاف ~~الملزومات. # وأما مكالمة الأنبياء مع الله مخاطبة سيد الرسل معه تعالى ليلة المعراج ~~فهي من ظهور سلطان الآخرة على قلوبهم. # ومما يدل على ذلك قوله تعالى: و ننشئكم في ما لا تعلمون فإنه صريح في أن ~~النشأة الآخرة غير نشأة الدنياوية ولهذا PageV00P566 # ليست معلومة إلا للكمل من الأولياء الذين انقلبت نشأتهم إلى تلك النشأة. # وأما غيرهم فليس عنده من الآخرة وصورها الموجودة فيها إلا الألفاظ ~~الموضوعة شرعا لأجلها من غير دلالتها لهم على خصوص معانيها إلا على الأمثلة ~~البعيدة كما أخبر عنه سبحانه بقوله: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ~~قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء هكذا في معالم ~~التنزيل لمحيي السنة. # وبالجملة فنحو وجود الآخرة غير نحو وجود الدنيا والدنيا والآخرة مختلفتان ~~في جوهر الوجود ولو كانت الآخرة من جوهر الدنيا لم يصح أن الدنيا تخرب لأن ~~الدنيا إنما هي دنيا بالجوهر ونحو الوجود لا بالتخصصات الشخصية والامتيازات ~~العينية وإلا كل يوم دنيا أخرى لتبدل الأشكال والهيئات والمشخصات ولكان ~~القول بالآخرة تناسخا ولكان المعاد عبارة عن عمارة الدنيا بعد خرابها. # وإجماع العقلاء منعقد على أن الدنيا تضمحل وتفنى ثم لا تعود ولا تعمر ~~أبدا. # وأكثر أهل الظاهر والعباد والزهاد منهم من غير معرفة حقة إلهية يتصورون ~~لذات الجنة ونعيمها من جنس نعيم الدنيا ولذاتها إلا أن تلك عندهم ألذ وأدوم ~~ولهذا يطلبونها في عبادتهم ويكون هي غاية حركاتهم النسكية وباعث صلاتهم ~~وصومهم واحتمائهم عن هذه اللذات الفانية لتصلوا إلى أدوم ما يتصورونه ms401 لذة ~~ونعيما وأبقاه فهم بالحقيقة من طلاب الدنيا على وجه آكد وأشد من المكبين ~~على هذه الشهوات الفانية وعند أنفسهم أنهم في طلب مرضاة الله والتقرب إليه. # وإذا ثبت وتحقق أن الدنيا والآخرة متخلفان في الجوهر الوجود غير منسلكين ~~في سلك واحد فلا وجه لطلب المكان للآخرة وأنها في أي جانب من هذا العالم. # وصاحب الذوق يتفطن بهذا المعنى من اسم الدار وكفاه صارفا عن ذلك فإن ~~الدار هي المكان والمكان لا يكون له مكان. PageV00P567 # وهم وإزاحة بقي أن يقال إن إثبات المكان للجنة والنار مذكور في لسان ~~الشريعة فكيف يمكن إنكاره لهما ونحن قبل الخوض في الجواب نمهد مقدمة هي أن ~~بعض المعاني قد يكون حقيقية وقد يكون نسبية كالبياض مثلا فإن الحقيقي منه ~~لا يختلف في الخواص والأحكام ولا يقبل الأشد والأضعف بخلاف الإضافي منه ~~فإنه قد توجد فيه أحكام تخالف أحكامه الخاصة به عند كونه حقيقيا كتفريق ~~البصر وغيره من حيثية أخرى غير حيثية كونه بياضا وكالعالي والسافل إذ كل ~~منهما يقابل الآخر إذا كان حقيقيا. وإذا كان نسبيا فقط فكل منهما يتصف ~~بمقابله من جهة أخرى. فإذا تمهدت هذه المقدمة نقول: قولنا: الجنة والنار لا ~~يكون لهما مكان من هذه الدار المراد به أنهما عند كونهما حقيقيين لا يكونان ~~كذلك وأما إذا كانتا إضافيتين أو كانتا بحسب بعض نشاتهما الجزئية فيمكن ~~إثبات المكان لهما من جهة أخرى غير كونهما جنة ونارا حقيقيتين. # وما أورد من إثبات مكان لهما في هذه الدار فهو حكم بعض نشاتهما الجزئية ~~النسبية فإنهما متى أخذنا من حيث كون إحداهما علوا والأخرى سفلا يقال: ~~الجنة فوق السماء السابعة والنار تحت الأرض السفلى. وإذا أخذنا من حيث بعض ~~صفاتهما ودقائقهما فالجنة حيث يتبع النيل والفرات والنار حيث منبعث الحرور ~~والزمهرير ولا يستحيل كونهما في أمكنة متعددة في حين واحد ولا في أمكنة ~~ضيقة لأن حكم الإنشاء النسبي لا ينافي هذا فإن الشيء الواحد في حالة واحدة ~~يمكن أن ينسب إلى أمور متخالفة باعتبار ms402 الوجود الإضافي دون الحقيقي. # ويمكن أن يجامع مع ضده من هذه الحيثية كما أومأنا إليه كيف والمتضاد أن ~~لا يكونان متضادين من جميع جهاتهما واعتباراتهما بل بحسب بعض الجهات ~~والاعتبارات كالماء والنار فإنهما لا يتضادان من كل الوجوه بل يتوافقان من ~~بعض الوجوه فمتى أنشأت النار أو أخذت من جهة من الجهات المتوافقة ككونهما ~~موجودين في العقل PageV00P568 # لم يمتنع اجتماعهما مع الماء وتحققهما فيه كما أشير إليه في قوله تعالى: ~~أغرقوا فأدخلوا نارا. # فإن قلت: نحن لا نفهم الإنشاء النسبي للجنة والنار. # قلنا: ليس عندنا ما نفهمك حقيقة ما ذكرنا إلا هذه العبارات المجملة ~~الواضحة معناها لمن هو أهله ومستحقه أو مثالا أو حكاية يزيدك إشعارا وتفهما ~~وإن لم يزدك شعورا وفهما. # أما المثال فكالمرآة في وجود الصور المحسوسة فيها لمن قابلها فكذلك حكم ~~المظاهر الجزئية للجنة والنار فكما أن ما بين قبر الرسول ص وبين منبره روضة ~~من رياض الجنة بالقياس إلى كشفه ص وشهوده إياها كمرآة مجلوة نشاهد الصور ~~فيها لمن قابلها ضربا من المقابلة فكذلك بعض المواضع المذكورة بمنزلة ~~المرائي المنكشفة فيها بالقياس إلى بعض أصحاب الكشف والشهود. وأما الحكاية ~~فقد رأينا في بعض كتب التواريخ أن أحدا من الرجال دخل بستانا فرأى رأسا من ~~رؤس الناس معلقة عن الأشجار مكان الثمار فقيل له: إنها رؤس ملائكة الذين ~~اعتوروه واحد بعد واحد. # فافهم إن كنت من أهل الفهم وإلا فأنت وشأنك والانسلاك مع أقرانك. # تبصرة وتكملة ومما يجب أن يعلم أن الجنة التي كان فيها آدم وزوجته دون ~~الجنة الآخرة التي وعد المتقون. # لأن هذه لا يكون ظهورها إلا بعد بوار السماوات وانتهاء الدنيا. وبيان ذلك ~~أنه لما كان المؤمن ابتداء حركة الرجوع إليه تعالى كان بين جنة البرزخ وجنة ~~الأرواح وهي المسماة عند المحققين من أهل العرفان والشريعة موطن العهد ~~ومنشأ أخذ الذرية مطابقة. # لأن حركات الوجود نزولا كحركاته صعودا على التعاكس بين السلسلتين وكل ~~مرتبة من أحدهما غير نظيرته من الأخرى لا عينها وإلا لزم ms403 حصول الشيء الواحد ~~مرتين من حيثية واحدة. # وقد أشارت الصوفية إلى هذا المعنى بقولهم: PageV00P569 # $ $ $ $ إن الله لا يتجلى في صورة مرتين. # وأيضا الثانية إنما هي نتيجة الأعمال الحسنة بخلاف الأولى ولذلك شبهت ~~السلسلتان بقوسي الدائرة إشعارا بأن الحركة الثانية رجوعية انعطافية لا ~~استقامية فافهم. # فصل في ذكر بعض الأحاديث الواردة في الشريعة الناموسية الدالة على إثبات ~~الأمكنة للجنة والنار على الوجه الذي مر بيانه تتميما للتبصرة وتكميلا ~~للهداية إلى مرتبة وجودهما وحكم نشاتهما الإضافيتين ليقاس بهما حال وجودهما ~~ونشئاتهما الحقيقيتين. فمنها ما ورد في طريقة أصحابنا الإماميين ومشايخنا ~~الأقدمين رحمهم الله. # فقد روى محمد بن يعقوب الكليني في الكافي عن ابن رئاب عن ضريس الكناسي ~~قال سألت أبا جعفر ع عن الناس يذكرون أن فراتنا يخرج من الجنة وكيف وهو ~~يقبل من المغرب ويصب فيه العيون قال فقال أبو جعفر ع وأنا أسمع إن لله جنة ~~خلقها في المغرب وماء فراتكم هذه يخرج منها وإليها يخرج أرواح المؤمنين من ~~حفرهم كل مساء فيسقط على أثمارها وتأكل وتتنعم فيها وتتلاقى وتتعارف وإذا ~~طلع الفجر هاجت من الجنة فكانت في الهواء فيما بين السماء والأرض يطير ~~ذاهبة وجائية وتعهد حفرها إذا طلعت الشمس وتتلاقى في الهواء وتتعارف. قال: ~~وإن لله نارا في المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفار ويأكلون من زقومها ~~ويشربون من حميمها ليلهم فإذا طلع الفجر هاجت إلى واد باليمن يقال له برهوت ~~أشد حرا من نيران الدنيا كانوا فيها يتلاقون ويتعارفون وإذا كان المساء ~~عادوا إلى النار فهم كذلك إلى يوم القيامة. # قال قلت: أصلحك الله ما حال الموحدين المقرين بنبوة محمد ص من المسلمين ~~المذنبين الذين يموتون وليس لهم إمام ولا يعرفون ولايتكم. فقال: أما هؤلاء ~~فإنهم في حفرهم لا يخرجون منها فمن كان منهم له عمل صالح ولم يظهر منه ~~عداوة فإنه يخد له خدا إلى الجنة التي خلقها الله بالمغرب فيدخل عليه منها ~~الروح في حفرته إلى يوم القيامة فيلقى الله تعالى PageV00P570 # فيحاسبه بحسناته وسيئاته فإما إلى ms404 الجنة أو إلى النار فهؤلاء موقوفون ~~مرجون لأمر الله. قال: وكذلك يفعل الله بالمستضعفين والبله والأطفال وأولاد ~~المسلمين الذين لم يبلغ الحلم. # فأما النصاب من أهل القبلة فإنهم يخد لهم خدا إلى النار التي خلقها الله ~~في المشرق فيدخل عليهم فيها اللهب والشرر والدخان وفورة الحميم إلى يوم ~~القيامة ثم مصيرهم إلى الجحيم ثم في النار يسجرون ثم قيل لهم أينما كنتم ~~تدعون من دون الله. # وروى أيضا في كتاب الكافي عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله ع إنا ~~نتحدث من أرواح المؤمنين أنها في حواصل طير خضر ترعى في الجنة وتأوى إلى ~~قناديل تحت العرش فقال ع: لا إذن ما هي في حواصل طير قلت فأين هي قال: في ~~روضة كهيئة الأجساد في الجنة. # وفيه أيضا عن أبي عبد الله ع قال: قال رسول الله ص: # شر اليهود يهود بنان وشر النصارى نصارى نجران وخير ماء على وجه الأرض ماء ~~زمزم وشر ماء على وجه الأرض ماء برهوت وهو واد بحضرموت يرد عليه هام الكفار ~~وصداهم. وأما ما في سائر الطرق وأكثر تلك الأخبار يدل على أن الجنة في ~~السماء. قال مجاهد في قوله تعالى: و في السماء رزقكم و ما توعدون هو الجنة ~~والنار ومثله عن الضحاك. # ويروى عن عبد الله بن سلام أنه قال: أكرم خلق الله أبو القاسم وإن الجنة ~~في السماء. # وأما أنها في أي سماء فالمشهور أنها في السماء السابعة وهو المروي عن ابن ~~عباس. # قال مجاهد: قلت لابن عباس أين الجنة قال: فوق سبع سماوات قال: قلت أين ~~النار قال: تحت أبحر مطبقة. # وهذا ما يدل عليه ما روي في حديث المعراج الثابت في صحاحهم أن السدرة ~~المنتهى في السماء السابعة إذ نزل في الكتاب المجيد و لقد رآه نزلة أخرى ~~عند سدرة PageV00P571 # المنتهى عندها جنة المأوى. # عن عبد الله بن مسعود قال: الجنة في السماء الرابعة فإذا كان يوم القيامة ~~جعلها الله حيث يشاء. # وروي عن عبد الله بن عمر ms405 أنه قال: الجنة مطوية معلقة بقرون الشمس ينشر في ~~كل عام مرة وإن أرواح المؤمنين في طيور كالذراري يتعارفون يرزقون من ثمرة ~~الجنة. # ويقرب من هذا كلام بعض القدماء من أهل الحكمة أن الأرواح تهبط إلى هذا ~~العالم مع أشعة الشمس. # وفي بعض الأخبار ما يدل على أنها في السماء الدنيا. # وذلك ما يروى في حديث المعراج أنه ص رأى في السماء الدنيا آدم أبا البشر ~~ع كان عن يمينه باب يأتي من قبله ريح طيبة وعن شماله ريح منتنة فأخبره ~~جبرئيل ع أن أحدهما الجنة والآخرة هو النار. # وفي بعض الأخبار أيضا ما يدل على أنها في بعض أودية الأرض. وذلك ما يروى ~~أيضا في حديث المعراج أنه ص بلغ قبل انتهائه إلى بيت المقدس واديا وجد ريحا ~~باردا طيبة وسمع صوتا فقال له جبرئيل هذا صوت الجنة يقول كذا. # ومن الأخبار ما يدل أيضا على أن بعض الجنة في الأرض كحديث ما بين قبري ~~ومنبري روضة من رياض الجنة وفي رواية بيتي بدل قبري وفي رواية ومنبري على ~~حوض. # وما روي عن جعفر بن محمد ع في طريقي العامة والخاصة يؤيد هذا حيث قال: إن ~~في جبل أروند عينا من عيون الجنة وجبل أروند يقرب من همدان وبقرب من هذا ما ~~اشتهرت رواية عن النبي أنه قال: ما من رمان أو حبة إلا وفيه وفيها قطرة من ~~ماء الجنة. # ومن الأخبار ما يدل على أن للنار والجنة كينونة في الأرض في بعض الأوقات ~~والساعات كما روي من حديث يوم الكسوف إذ روي أنه قال ص: ما من شيء توعدونه ~~إلا قد رأيته في صلاتي هذه لقد جيء بالنار وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة ~~أن يصيبني من نفحها... الحديث إلى أن قال: ثم جيء بالجنة وذلكم حين ~~رأيتموني PageV00P572 # تقدمت حتى قمت في مقامي ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها ~~لتنظروا إليه ثم بدا إلي أن لا أفعل هذا الحديث مما رواه محمد بن مسلم في ~~كتابه. ms406 # وحكى بعضهم أنه لما رأى ص جهنم وهو في صلاة الكسوف جعل يتقي حرها من وجهه ~~بيده وثوبه ويتأخر عن مكانه ويتضرع ويقول ألم تعدني يا رب أنك لا تعذبهم ~~وأنا فيهم حتى حجبت عنه. # أراد قوله تعالى و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم و ما كان الله معذبهم ~~و هم يستغفرون. # وروي أيضا عن بعضهم أنه ص صلى لنا يوما الصلاة ثم رقى المنبر فأشار بيده ~~قبل قبلة المسجد فقال: قد رأيت الآن مذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار ~~ممثلتين في قبل هذا الجدار فلم أر كاليوم في الخير والشر. رواه البخاري. # وأما النار فالمشهور في ألسنة الجمهور أنها في الأرض السابعة. ومن ~~الأخبار ما يدل على أنها في السماء كما ذكرنا عن مجاهد والضحاك في تفسير ~~قوله و في السماء رزقكم و ما توعدون وكما يروى في حديث المعراج أنه ص رأى ~~في السماء الدنيا مالكا خازن النار وفتح له طريقا من طرق النار لينظر إليه ~~حتى أرتقي إليه من دخانها وشررها وما عن يساره من الباب. ومن الأخبار ما ~~يدل على أنها في البحر. # منها ما روي عن أمير المؤمنين ع أنه سأل يهوديا أين موضع النار في كتابكم ~~قال: في البحر قال ع: ما أراه إلا صادقا لقول تعالى: و البحر المسجور. # ويروى أيضا في التفاسير أن البحر المسجور هو النار. # ومنها ما روي عن بعض علماء العامة في مستنده عن رسول الله ص أنه قال ~~البحر هو جهنم. # ومنها ما يروي عبد الله بن عمر قال قال رسول الله: لا يركبن رجل بحرا إلا ~~غازيا أو PageV00P573 # متعمرا فإن تحت البحر نارا أو تحت النار بحرا. # ومنها ما أورده الثعلبي في تفسيره عن رسول الله ص قال البحر نار في نار. # ومنها ما مر ذكره نقلا عن مجاهد عن ابن عباس أن النار تحت سبعة أبحر ~~مطبقة قال بعض العلماء: إن هذه الأبحر السبعة المذكورة في كلام ابن عباس هي ~~ما يروى عن كعب ms407 الأحبار أنه قال: خلق الله تعالى سبعة أبحر بحر اسمه قيس ~~ومن ورائه بحر اسمه الأصم ومن ورائه بحر اسمه مطبقة ومن ورائه بحر اسمه ~~مرهاس ومن ورائه بحر اسمه الساكن ومن ورائه بحر اسمه الباكي وهو آخر البحار ~~محيط بالكل وكل واحد من هذا البحار محيط بالذي تقدمه. # ومنها ما روي عن بعض السلف في قوله تعالى يستعجلونك بالعذاب و إن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين قال جهنم هو البحر وهو محيط بهم ينشر فيه الكواكب ثم ~~يستوقد ويكون هو جهنم. # ومنها ما يروى عن ضحاك في قوله تعالى: أغرقوا فأدخلوا نارا هي في حالة ~~واحدة في الدنيا يغرقون من جانب ويحترقون من جانب. # والمنقول في هذا كثيرة وقد كان شبه هذه الأخبار المنقولة عن الشريعة في ~~كلام قدماء أساطين الحكمة وعظماء الفلسفة دون متأخريهم المقنعين على طريقة ~~البحث من دون التأله والرجوع إلى حامل الوحي والكتاب. # قال سقراط معلم أفلاطون الإلهي: وأما الذين ارتكبوا الكبائر فإنهم يلقون ~~في طرطاووس ولا يخرجون منه أبدا. # وأما الذين ندموا على ذنوبهم مدة عمرهم وقصرت آثامهم عن تلك الدرجة فإنهم ~~يلقون في طرطاووس سنة كاملة يتعذبون ثم يلقيهم الموج إلى موضع ينادون منه ~~خصومهم يسألونهم للإحضار على القصاص لينجوا من الشرور فإن رضوا عنهم وإلا ~~PageV00P574 # أعيدوا إلى طرطاووس ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن يرضى عنهم خصومهم. # والذين كانت سيرتهم فاضلة يتخلصون من هذه المواضع من هذه الأرض ويستريحون ~~من المحابس ويسكنون الأرض النقية. # يدل على التهاب النيران فيه وكأنه يعني به البحر أو قاموسا فيه دردور. # قال المترجم: طرطاووس شق كبير وأهوية تسيل إليه الأنهار. على أنه يصفه ~~بماء ومن الأخبار ما يدل على أنها في هذه الأرض بعينها كحديث وادي الذي ~~ذكرناه من قبل. # ومن الأخبار ما يدل على أن بعض جهنم في الأرض كما روي عن قتادة في قوله ~~تعالى: أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم قال والله ~~ما تنهار أن وقع في النار. ms408 # وروي عن جابر بن عبد الله قال رأيت الدخان يخرج من أرض ضرارة ويقال إنه ~~حضرموت بقعة منها. ويقرب من هذا حديث برهوت المروي عن أمير المؤمنين ع قال: ~~أبغض البقاع إلى الله وادي برهوت فيه أرواح الكفار وفيه ماؤه أسود منتن ~~يأوي إليه أرواح الكفار. # وذكر رجل أنه بات في وادي برهوت فسمع طول الليل يا دومة فذكر ذلك رجل من ~~أهل العلم فقال الملك الموكل بأرواح الكفار اسمه دومة. # وحكى الأصمعي عن رجل من حضرموت أنه قال نجد من ناحية برهوت رائحة فظيعة ~~منتنة جدا فيأتينا بعد ذلك خبر موت عظيم من علماء الكفار. # وبعض هذه الأخبار وإن كانت في أرواح الكفار من غير تعرض بذكر النار إلا ~~أنه متى ضممناها إلى قوله تعالى: النار يعرضون عليها غدوا و عشيا استصحبت ~~في الحكم النار على وجه أظهر والله أعلم. # ومن الأخبار ما يدل على أن لها كونا في ظاهر الأرض في بعض الأوقات ~~PageV00P575 # كحديث الكسوف الذي سبق ذكره. # ومنها ما يدل على النار مع الجنة حيث قال المفسرون في قوله تعالى: فضرب ~~بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب هو حائط بين ~~الجنة والنار. # قال بعض المفسرين: بين الجنة والنار كوى فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى ~~عدو له في الدنيا اطلع من تلك الكوى كما قال تعالى فاطلع فرآه في سواء ~~الجحيم فإذا اطلعوا من الجنة إلى أعدائهم وهم يعذبون في النار ضحكوا فذلك ~~قوله تعالى: فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. # لمعة تنبيهية هذه الأخبار والروايات ظواهرها متناقضة على علماء الرسوم ~~وباطنها متوافقة عند العارفين لابتناء معانيها عندهم على أصول صحيحة ~~ومقدمات كشفية لم يشكوا فيها ويشكون في الشمس رابعة النهار. # بخلاف غيرهم. فإنهم حيث لم يأتوا البيوت من أبوابها تناقضت عليهم الأحكام ~~وتعاندت بينهم مقاصد الكلام ولم يتصالحوا على رأي ولم يتوافقوا في حكم ~~فأصبح كل منهم مناقضا للآخر وأصبحت مؤلفاتهم معارك الآراء المتناقضة ومصادم ~~الأهواء المتصادمة بل كثيرا ما ms409 يكون واحد منهم يناقض نفسه في مجلس واحد وقد ~~لا يشعر به. # فصل في بيان الموت حق والبعث حق قد علمت من تضاعيف ما تلوناه عليك أن لكل ~~شيء حركة جبلية وتشوقا طبيعيا إلى جانب القدس ودينا جبليا وطريقة فطرية 0 ~~الخير والكمال وعبودية ذاتية PageV00P576 # في طلب القرب إلى الله تعالى سواء ذلك مشعورا به له أم لا وهذا المعنى ~~مشاهد للعرفاء في أكثر الأشياء وخصوصا في الإنسان لكونه أشرف الأنواع ~~الواقعة تحت الكون والفساد. # فإن كل من له أدنى تحدس يجد أنه من لدن حدوثه وحداثته إلى كهولته ~~وشيخوخته له انتقالات فطرية وتغيرات طبيعية يتوجه بها إلى ما هو الوجهة ~~الكبرى مع قطع النظر عن تحصيله واكتساب الكمالات والسعادات عقلا وشرعا وعن ~~أضدادها من النقائص والشقاوات أيضا كذلك. # وتلك الانتقالات والتغيرات هي بحسب الباطن وباطن الإنسان هو نفسه الناطقة ~~التي لا قوام لها في ذاتها في أول تكونها بغير البدن الذي هو بمنزلة مركب ~~لوجودها لغاية ضعفها وقلة قوامها في أول التكون وأول ما اقتضت النفس وتوجهت ~~إليه هو تكميل نشأتها الحسية وتعمير مملكتها ومعسكر جنودها التي هي البدن ~~وقواه وجميعها تكون من أهل هذا العالم. # ثم إذا كملت هذه النشأة لها وعمرت هذه المملكة وقويت جنودها أخذت في ~~تحصيل نشأة ثانية لها وتوجهت إلى عالم آخر ومنزل أقرب إلى بارئها ومبدئها ~~وهكذا يتدرج في تكميل ذاتها وتعمير باطنها. فكلما ازدادت في تقوية جوهرها ~~المعنوي نقصت في صورتها الظاهرية وضعفت قواها الحسية وانكسرت جنودها التي ~~هي أشخاص عالم الحسي لعدم توجهها الطبيعي إلى جنسيتها وقلة رغبتها الجبلية ~~إلى تقويتها لكونها في السفر والسلوك نحو عالمها الباطني ونشأتها الروحاني ~~فإذا انتهت في سيرها إلى عتبته باب من أبواب الآخرة التي يكون عند الاحتضار ~~وهي نهاية السفر إلى الآخرة وبداية السفر فيها عرض لها الموت في هذه الدار ~~وهو عبارة عن الولادة في الدار الآخرة. # وقد مر أن نفس الإنسان ناقصة في أول تكونها كالجنين فتربى وتتكمل في هذه ~~النشأة كما ms410 يتربى الجنين في بطن أمه. # فثبت بهذه المقدمات أن الموت طبيعي للنفس وكل طبيعي لشيء خير وتمام فكل ~~خير وتمام فهو حق له فالموت حق للنفس الناطقة. # فأما الهلاك والفساد الذي يطرأ البدن فإنما له بالعرض لا بالذات فهو من ~~باب الشرور الواقعة بالعرض لأجل رعاية جانب النفس لكونها أشرف من البدن. # فالعدالة PageV00P577 # الإلهية يقتضي رعاية ما هو الأشرف والأفضل وهو النفس التي يكون موت البدن ~~حياتها وتمامها. # على أنك لو نظرت حق النظر إلى البدن بما هو بدن لعلمت أن إنيته وذاته ~~إنما يكون بالنفس فإذا انقطع النظر عن النفس لم يبق للبدن من إنيته وحقيقته ~~إلا العناصر والأجزاء البسيطة والهيولى وهي بحالها. # وقال بعض العرفاء: إن الموت أثر تجلي الحق لموسى النفس الناطقة فيندك جبل ~~البدن لكونه من عالم الملك وتجليه تعالى إنما يكون في عالم الملكوت للنفس ~~الناطقة التي قويت نسبتها إلى ذلك العالم فعند ما قويت بشيء بجهة الروحانية ~~والملكوتية اضمحلت منه جهة الجسمانية والملكية لأنهما ضدان والدنيا والآخرة ~~ضرتان لا تجتمعان. # فإن قلت: لو كانت النفوس متوجهة بحسب جبلتها نحو الآخرة فلم جعل في طبعها ~~ما يضاد ذلك وهو كراهة الموت وبغض الفناء والعدم. # قلت: إن الله جعل لواجب حكمته في طبع النفوس محبة الوجود والبقاء وجعل في ~~جبلتها كراهة العدم والفناء وهذا حق للنفس جبلي لها لكون الوجود خيرا صرفا ~~ونورا محضا وبقاء خيرية الخير ونورية النور والطبيعة لم يفعل شيئا باطلا. # فعلم من هذا أن شهوة النفوس للبقاء وكراهتها للفناء ليست إلا لحكمة وغاية ~~وهي طلب بقائها الأخروي واتصالها بعالم الملكوت الذي هو عالم الدوام ~~والبقاء. # فمحبة مطلق الوجود وكراهة مطلق العدم مرتكزة في طبع النفوس وذاتها بحيث ~~أودعها الله تعالى فيها. # وحيث تيقن أن بقاءها ودوامها في هذه النشأة الحسية أمر مستحيل فلو لم يكن ~~لها نشأة أخرى ينتقل هي إليها لكان ما ارتكز في النفس وأودع في جبلتها من ~~جهة البقاء السرمدي والحياة الأبدية باطلا ضائعا ولا باطل في الطبيعة على ms411 ~~ما قالته الحكماء قولا حتما. PageV00P578 # فأما كراهة النفس لموت الجسد الذي هو عائق عن حياتها السرمدية وبقائها ~~الأبدي والسبب في ذلك مع ما ارتكز فيها من التوجه الجبلي لها إلى الدار ~~الآخرة والحركة الذاتية إلى القرب من الله تعالى والاجتناب عن عالم الظلمات ~~والحجب الجسمانية فإن التجسم عين الحجاب والغفلة والنوم والجهل كما أشرنا ~~إليه بوجه لطيف. # فنقول في كراهة الموت الطبيعي من الروح النطقي سببان أحدهما فاعلي والآخر ~~غائي. # وأما السبب الفاعلي فهو أن النفس كما مر لها نشئات ثلاثة حسية وخيالية ~~وعقلية. # فأول نشئاتها نشأة الحس ولها الغلبة على الإنسان ما دامت هذه الحيات ~~الحسية باقية له فيجري أحكامها على النفس في هذه الدار ويؤثر فيها من هذه ~~الجهة كلما يؤثر في الجوهر الحاس وفي الحياة الحسي من الملائمات والمنافيات ~~الحسية (في الحيوان الحسي خ). # ولهذا يتألم ويتضرر ويتفرق الاتصال والاحتراق بالنار وسائر المنافيات ~~الحسية لا من حيث كونها جوهرا ناطقا وذاتا عقلية ذات نشأة روحانية وعالم ~~ملكوتي بل من حيث كونها جوهرا حساسا ذا نشأة حسية وعالم دنياوي. # فتوحشها من الموت البدني وكراهتها للعدم الحسي إنما يكون لها بحصة من هذه ~~النشأة الطبيعية. # وأما ما يقتضيه العقل التام وقوة الباطن وغلبة سلطان الملكوت والتشوق إلى ~~الله تعالى ومجاورة ملكوته ومقربيه فهو محبة الموت الطبيعي والوحشة عن حياة ~~هذه النشأة ومشاهدة حيوانات الدنيا. # فإن وحشة أهل الباطن عن مجاورة أحياء هذا العالم أشد من وحشة الإنسان ~~الحي عن مجاورة الأموات بكثير. # وأما السبب الغائي والحكمة في كراهة الموت فهو أن إرادة الله وقصده في ~~إبداع الألم في جبلة الحيوانات والوجع والخوف في طباعها عما يلحق أبدانها ~~من الآفات PageV00P579 # العارضة والعاهات الواردة عليها وخصوصا الموت ليس من باب العقوبة كلها ~~كما ظنته التناسخية بل حثا لنفوسها على حفظ أبدانها وكلاية أجسادها وصيانة ~~هياكلها من الآفات العارضة لها. # إذ الأجساد لا شعور لها في ذاتها ولا قدرة على جر منفعة إليها ولا دفع ~~مضرة منها فلو لم يكن ذلك لتهاونت ms412 النفوس بالأجسام وخذلتها وأسلمتها إلى ~~المهالك قبل فناء أعمارها وانقضاء آجالها ولهلكت دفعة واحدة في أسرع مدة ~~قبل تحصيل نشأة أخرى للنفس وتعمير الباطن. وذلك ينافي المصلحة الكلية ~~والحكمة الكمالية. PageV00P580 # فصل في أن الحساب والميزان والصراط حق لعلك قد تفطنت من الأصول المتقدمة ~~أن كل مكلف يرى يوم الآخرة ما عمله من خير أو شر محضرا ويصادف كل دقيق ~~وجليل من أفعاله الحسنة أو القبيحة مستطرا في كتاب لا يغادر صغيرة و لا ~~كبيرة إلا أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربك أحدا ويعرف أيضا كل ~~واحد مقدار عمله بمعيار صحيح صادق يعبر عنه بالميزان وإن لم يساو ميزان ~~العلوم والأعمال ميزان الأجسام الثقال كما لا يساوي الأسطرلاب الذي هو ~~ميزان المواقيت والمسطرة والفرجار والشاقول التي هي موازين الأبعاد ~~والمقادير والعروض الذي هو ميزان الشعر والذوق السليم الذي هو ميزان بعض ~~المعاني وسائر الموازين. # نعم ميزان كل شيء يجب أن يكون من جنس ذلك الشيء كما لا يخفى. ثم يحاسب ~~الناس يوم القيامة على أقوالهم وأفعالهم وسرائرهم وضمائرهم وأفكارهم ~~وعقائدهم ونياتهم مما أبدوه أو أخفوه وإنهم يكونون متفاوتين فيه إلى مناقش ~~في الحساب وإلى مسامح وإلى من يدخل الجنة بغير حساب. # فصل في أن الجنة والنار حق وفي إبطال رأي أصحاب الظنون والأوهام اعلم أن ~~لله تعالى عالما آخر غير هذا العالم كما مر وهو عالم الآخرة وعالم الباطن ~~وعالم الغيب وعالم الملكوت. # وهذا العالم عالم الدنيا وعالم الظاهر وعالم الشهادة والملك والخلق. ولما ~~كان الإنسان في مبدإ خلقته ناشيا عن مواد هذا العالم الأسفل وله الارتقاء ~~والتوجه إلى العالم الآخرة فبالضرورة لا بد له من المسافرة من مسقط رأسه ~~إلى عالم الغيب. # فالله تعالى برحمته وعنايته خلق الأنبياء ع وبعثهم ليكونوا هداة الخلق ~~إلى معادهم وقوادهم في السفر إليه تعالى كرؤساء القوافل وأنزل عليهم الكتب ~~لتعليمهم كيفية السفر والارتحال وأخذ الزاد والراحلة وكيفية الحال عند ~~الوصول إلى منزل الآخرة المعبر عنها بالنبإ العظيم وقوله تعالى: عم ms413 ~~يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون. # فإن سر القيامة من الأسرار العظيمة التي لم يجوز للأنبياء كشفها لأنهم ~~كانوا أصحاب الشريعة يسئلونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ~~ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها. # يوم القيامة يوم الجزاء والثواب بلا عمل والشريعة يوم العمل بلا ثواب. ~~وبوجه آخر الشريعة هي الطريق والمشرع العام والقيامة هي الغاية والمقصد. ~~فصاحب الشريعة يقول: # ما أدري ما يفعل بي و لا بكم ولما علمت وتحققت أن الخلق مأمورون بسلوك ~~طريق الآخرة والسالك لا بد فيه أثرا من المقصود والغاية يتوجه إليه ويسلك ~~نحوه. # وذلك الأثر هو المعرفة وينبعث الشوق الإرادي والجبلي ألا ترى أن الإنسان ~~ما لم يكن عارفا بالحق لا يمكن سلوكه إليه والعارف ما لم يكن محبا للحق لا ~~يمكن سلوكه أيضا. # فالشوق والمحبة ضرب من PageV00P581 # الوصول وكماله هو الحشر مع المحبوب المرء يحشر مع من أحب. # وللمعرفة درجات مختلفة الظن والعلم والإبصار أي المشاهدة الباطنية. # الظن في هذه النشأة الأولى والعلم في نشأة الثانية والمشاهدة فيما فوقها. # فحال الإنسان ما دام كونه في الدنيا أو من حيث كونه في الدنيا ألا إنهم ~~في مرية من لقاء ربهم. # أهل دنيا كافران مطلقند * روز وشب در جق جق ودر وقوقند وحاله في الآخرة ~~ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه. وبوجه آخر العلم في الدنيا ~~والمشاهدة في الآخرة كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين ~~اليقين. # فالأثر الذي يصل أولا إلى السالك من مطلوبه هو الإيمان بوجوده ووجوبه ~~والأثر الثاني هو الإيقان والتحقيق والمشاهدة إن هذا لهو حق اليقين. # فما أشد سخافة رأي أهل الظن والتخمين حيث يزعمون يوم القيامة بعيدا عن ~~الإنسان بحسب الزمان وما أظن الساعة قائمة وبحسب المكان و يقذفون بالغيب من ~~مكان بعيد. # وأما أهل العلم واليقين فيعدونه قريبا بحسب الزمان اقتربت الساعة. # أو بحسب المكان و أخذوا من مكان قريب يوم يرونه بعيدا و نراه قريبا. # وكان نبينا ms414 ص يشاهد خازن الجنة ويناول بيده من ثمارها وفواكهها ولم يحكم ~~بكون حارثة مؤمنا حقيقيا ما لم يكن مشاهدا للأمور الأخروية وأحوالها إذ ~~قال: أصبحت مؤمنا حقا قال ص لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك قال: ~~PageV00P582 # رأيت أهل الجنة يتزاورون ورأيت أهل النار يتعاورون ورأيت عرش ربي بارزا. ~~قال ص: أصبت فالزم. # فإذا ثبت وتحقق ما ذكرناه اتضح واستبان منه فساد بعض من المذاهب السخيفة ~~والآراء الباطلة في هذا الباب مثل رأي من زعم أن الجنة والنار لم توجدا بعد ~~ولا توجدان إلا بعد بوار العالم وهلاك السماوات ولم يعلموا أن هذا الاعتقاد ~~يبعد صاحبه عن طريق الآخرة ويقلل رغبته في ثواب الأعمال وجزاء إحسانه ويقلل ~~خوفه ورهبته من عقوبة معاصيه وسيئاته. # وإليه أشار بقوله تعالى إنهم يرونه بعيدا و نراه قريبا وبقوله أولئك ~~ينادون من مكان بعيد. # وكذا رأي من يرى ويعتقد خلود أهل الكبائر في النار وانسداد رحمة الله ~~وانقطاع غفرانه عن المجرمين. ولم يعلموا أن الرحمة واسعة والمغفرة سابقة ~~والقصور منا. # ولم يتفطنوا بأن هذا الرأي مما يقنط به الإنسان من رحمة الله تعالى ويقلل ~~الرغبة والرهبة في نعيم الجنان وعذاب النيران. # وقلة الرغبة والرهبة يبعد الطريق إلى الله تعالى وملكوته على الطالبين له ~~والقاصدين نحوه والمرغبين في لقائه. # وكل اعتقاد ومذهب ينافي رحمة الله وهدايته ويبعد الطريق إليه سبحانه فهو ~~باطل لا محالة فإن ذلك تنافي وضع الشرائع وتضاد إرسال الرسل وإنزال الكتب ~~إذ الغرض من جميعها ليس إلا سياقة الخلق إلى جوار رحمة ربهم بأقرب طرق ~~وأيسر وجه. # ومن الآراء السخيفة أيضا اعتقاد أكثر الناس أن أجسام أهل الجنة أجسام ~~لحمية وأجساد طبيعية مثل أجساد أهل الدنيا مركبة من أخلاط أربعة قابلة ~~للاستحالات والتغيرات معروضة للآفات. # وإذا تأملوا فيما وصف الله تعالى من صفات أهل الجنة ظهر فساد هذا الرأي ~~وذلك قول الله سبحانه لا يمسهم فيها نصب ولا يذوقون PageV00P583 # فيها الموت إلا الموتة الأولى وإنهم خالدون فيها فلا خوف عليهم و لا هم ~~يحزنون. ms415 # وما شاكل هذه الصفات التي لا يليق بالأجسام والأبدان الخليطة ولا يليق ~~بالعقلاء أن يعتقدوا فضلا عن أقوال الأفاضل بل بالنساء والصبيان والجهال ~~والعامة. فإن هذا الرأي جيد لهم يليق بأفعالهم ويصلح لهم ويقرب عن عقولهم. ~~واعلم أن من علامة حقيقة الاعتقادات أن لا يقع فيها تناقض وتخالف وأكثر ~~آراء المجادلين وطائفة من الكلاميين والمتشبهين بالعلماء يكون بحيث إذا ~~عرضه صاحبه على عقله أنكره عليه ويجده مناقضا لسائر اعتقاداته وأصوله. # فيقع عند ذلك في شك وحيرة وسوء ظن بربه وتخيلات فاسدة ولا يجد في العالم ~~أسوأ الناس مذهبا وأسخف الخلق وأرداهم رأيا وأشد التاجرين خسرانا. # فمن يعتقد أمرا ويكون عقله منكرا عليه ونفسه مرتابة وظنه سيئا بربه كما ~~قال الله تعالى و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين. # ومن جملة ما ذكرنا في الرداءة والسخافة رأي من يعتقد بأن الله تعالى خلق ~~خلقا ورباه وأنماه وأنشأه ومكنه وقواه وسلطه على عباده متمكنا من بلاده ثم ~~ناصبه العداوة والبغضاء وخلق له أتباعا وجنودا وهم يفعلون ما يريدون على ~~رغم منه وعداوة له وهو الجاعل لهم المشية والاستطاعة وطول العمر والمهلة ~~وسعة الرزاق والنعمة. # بل الحق كما أشرنا إليه أن كل أحد من الخلائق وإن كان من الأشقياء ~~والمردودين مما نالته رحمته تعالى ووصلت إليه رأفته ولطفه له أيضا توجه ~~غريزي إليه تعالى ودين جبلي وإطاعة فطرية لمبدئه وخالقه وإن لم يكن مشعورا ~~به له على نحو يدق إدراكه عن أفهام أكثر الناس. # وصاحب هذا الرأي إذا فكر في أمر إبليس وجنوده وما نسب إليهم من مخالفتهم ~~وعداوتهم لله تعالى امتلأ قلبه منهم غيظا وناصبهم العداوة والبغضاء ويحصل ~~PageV00P584 # في نفسه ملكة العداوة ويرسخ فيها خلق الغضب وشهوة الانتقام طول الأيام ~~حتى أنه لغاية جهله يكون أكثر شغله وأهم مآربه وأرجح حسناته عنده هو عداوة ~~المخالفين لدينه وأفضل قرباته خصومته إياهم حتى لو قدر على قتلهم وأمكنه ~~قطع أرزاقهم فعل ذلك من شدة غيظه وإذا لم يقدر على ذلك بقي ms416 طول عمره مغتاظا ~~مغتما متألمة نفسه معذبا قلبه. # ومع كونه على هذا الحال من خدمته لقوة غضبه وطاعته شهوة نفسه يمن على ~~الله ورسوله منا عظيما بحسب ضميره وإن لم يتنطق به لسانه من باب كسر النفس ~~وعدم رؤية العمل كما هو دأب الصالحين عملا بشعارهم على ظنه. ولكن يتوقع في ~~ذلك بحسب الباطن أجرا عظيما. # وكثيرا ما ينظر نظر الحقارة على من ليس كذلك من أهل مذهبه ويعده من ضعفاء ~~الإيمان والمستضعفين. # وذلك لأنه ترك العربدة والخصومة مع المخالفين له في الدين وربما تحير في ~~خلق الله تعالى الشياطين والكفرة والعصاة وتربيته إياهم وتوسعة رزقهم ~~وتمكينهم فيما يفعلون وإمهاله لهم مدة في كفرهم وعصيانهم. # وربما عاتب ربه في الضمير وخاصمه في السر لو لم يكن خائفا من ناره لم ~~خلقهم ورزقهم ورجاهم ومكنهم وسلطهم على الأولياء ولما ذا وكيف وما شاكل ذلك ~~من هذه الوساوس والظنون المولمة للنفوس المعذبة للقلوب وأكثر هذه الأوهام ~~والوساوس يعرض للجهال والمتشككين والنفوس السقيمة والقلوب المريضة بأسقام ~~الجهالات والاعوجاجات عن المسلك القويم وأمراض الأخلاق الذميمة والانحرافات ~~من الصراط المستقيم. # وإنما ذكرنا هذا ليعلم أن بإزاء هذه الآراء واعتقادات الردية المولمة ~~لنفوس معتقديها المتعذبة لقلوب أصحابها آراء واعتقادات هي أغذية روحانية ~~ملذذة للأرواح والنفوس ومبشرة للقلوب وهي آراء أولياء الله تعالى واعتقاد ~~الخلص من عباده الصالحين ومذهب الربانيين الذين أسلموا لربهم ولم يشركوا ~~معه لا سرا ولا علانية. # وهم الذين صفت نفوسهم من دون شهوات الجسمانية وطهرت أخلاقهم من العادات ~~الردية ونقيت عقولهم من الجهالات والآراء الفاسدة وصانوا جوارحهم من لأعمال ~~السيئة وألسنتهم عن الفحشاء والمنكر وذكر مساوي الناس ولم يعترضوا على الله ~~في شيء PageV00P585 # من تدبير خلقه لا إسرارا ولا إعلانا لا يضمرون لأحد من الخلق سوءا ولا ~~معاداة والحدس يحكم بأن هؤلاء أهل الجنة كما وصفهم الله تعالى و عباد ~~الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما. # والغرض من ذكر هذا الكلام هاهنا أن من أشكل عليه تحقق ms417 العلاقة والمناسبة ~~الذاتية بين الأمر الذي يسمى بالذنب والمعصية في عالمنا هذا وبين الاحتراق ~~بالنار والتعذيب بالجحيم والزقوم وتصلية جحيم وكذا بين المسمى بالطاعة ~~والعبادة وبين الجنة والرضوان والتنعم بالفواكه والحور والغلمان وسائر ~~الموذيات الجحيم وملذات الجنة والنعيم. # فليعلم أن هذه الأفعال المحمودة التي هي الطاعات إنما يراد لأجل اكتساب ~~الأخلاق الحسنة وكذلك الأفعال المذمومة إنما يترك لأجل أنها ينجر إلى ~~الأخلاق السيئة. # فالغرض من الأعمال أفعالا كانت أو تروكا إنما هو تحسين الأخلاق والملكات ~~وتبديل السيئات بحسنات بتوفيق من الله تعالى وتأييد منه كما قال في حق ~~الخلص من عباده: # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات. # وكما أن في الدنيا كل صفة يغلب على باطن الإنسان ويستولي على نفسه بحيث ~~يصير ملكة لها يوجب صدور أفعال منه مناسبة لها بسهولة يصعب عليه صدور أفعال ~~أضدادها غاية الصعوبة وربما بلغ ضرب من القسم الأول حد اللزوم وضرب من ~~الثاني حد الامتناع لأجل رسوخ تلك الصفة. # لكن لما كان هذا العالم دار الاكتساب والتحصيل قلما يصل الأفعال المنسوبة ~~إلى الإنسان الموسومة بكونها بالاختيار في شيء من طرفيها حد اللزوم ~~والامتناع بالقياس إلى قدرة الإنسان وإرادته دون الدواعي والصوارف الخارجية ~~لكون النفس متعلقة بمادة بدنية قابلة للانفعالات والانقلابات من حالة إلى ~~حالة. # فالشقي ربما يصير بالاكتساب سعيدا وبالعكس بخلاف الآخرة فإنها ليست دار ~~الاكتساب والتحصيل كما أشير إليه بقوله تعالى لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ~~آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها PageV00P586 # خيرا. وكل صفة بقيت في النفس ورسخت فيها وانتقلت معها إلى الدار الآخرة ~~صارت كأنها لزمتها ولزمت لها الآثار والأفعال الناشية منها بصورة يناسبها ~~في عالم الآخرة والأفعال والآثار التي كانت تلك الصفات مصادر لها في الدنيا ~~وربما تخلفت عنها تلك لأجل العوائق والصوارف الجسمانية الاتفاقية. # لأن الدنيا دار تعارض الأضداد وتزاحم المتمانعات بخلاف الآخرة لكونها دار ~~الجمع والاتفاق لا تزاحم ولا تضاد فيها. # والأسباب هناك أسباب وعلل ذاتية كالفواعل والغايات الذاتية دون العرضية. # فكلما يصلح أثر الصفة النفسانية لم ms418 يتخلف عنها هناك كما يتخلف عنها هاهنا ~~لمصادمة مانع له ومعاوقة صارف عنه إذ لا سلطنة هناك للعلل العرضية والأسباب ~~الاتفاقية ومبادي الشرور بل الملك لله الواحد القهار فلا يظهر على غيبه ~~أحدا إلا من ارتضى من رسول يوم لا تملك نفس لنفس شيئا و الأمر يومئذ لله ~~يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم من ذا الذي يشفع عنده ~~إلا بإذنه... فما تنفعهم شفاعة الشافعين. أي العلل الاتفاقية. # وإذا تحققت هذه الأصول وثبت أن لكل ملكة نفسانية ظهورا خاصا في كل موطن ~~وأثرا مخصوصا في كل قابل بل لكل صفة جسمانية أو روحانية إذا قارنت قابلا ~~أثرت في ذلك القابل أمرا يناسبه. فإن كل قابل يقبل من جهة واحدة شيئا على ~~حسب طباعه. # أو لا يرى أن الجسم الرطب متى فعل ما في طبعه من الرطوبة في جسم آخر قبل ~~الجسم المنفعل الرطوبة فصار رطبا مثله ومتى فعل فعله الرطوبة في قابل غير ~~جسم PageV00P587 # كالقوة الدراكة الحسية أو الخيالية إذا انفعلت عن رطوبة ذلك الجسم الرطب ~~لم يقبل الأثر الذي قبله الجسم الثاني ولم يصر بسببه رطبا بل يقبل شيئا آخر ~~من ماهية الرطوبة لها طور خاص في ذلك كما يقبل القوة الناطقة متى نالت ~~الرطوبة أو حضرتها في ذاتها شيئا آخر من ماهية الرطوبة وطبيعتها من حيث هي ~~ولها ظهور آخر عقلي فيه بنحو وجود عقلي مع هوية عقلية. # فانظر حكم تفاوت النشئات في ماهية واحدة لصفة واحدة كيف فعلت وأثرت في ~~موضع الجسم شيئا وفي قوة أخرى شيئا آخر وفي جوهر آخر شيئا آخر وكل من ~~الثلاثة حكاية للآخرين. لأن الماهية واحدة والوجودات متخالفة. # وهذا القدر يكفي المستبصر لأن يؤمن بجميع ما وعده الله ورسوله أو توعدا ~~عليه في لسان الشرع من الصور الأخروية المرتبة على الاعتقادات الحقة أو ~~الباطلة والأخلاق الحسنة والقبيحة المستتبعة للذات والآلام إن لم يكن من ~~أهل المكاشفة والمشاهدة. # وأما معرفة التفاصيل في كل صفة وعمل وعد ms419 فيه أو توعد عليه الشرع الأنور ~~بحكومة الأخروية فيتوقف على كشف تام ومعرفة كاملة واتصال قوى بعالم الغيب ~~وتجرد بالغ عن علائق هذا العالم. # فكل من له تحدس في العلوم يجب عليه أن يتأمل في الصفات النفسانية ~~والأخلاق الباطنية وكيفية منشئيتها للآثار والأفعال الظاهرة منها ليجعل ~~ذريعة لأن يفهم كيفية استتباع الأخلاق المكتسبة في الدنيا من تكرر الأفاعيل ~~للآثار المخصوصة في الآخرة تحقيقا لقوله: الدنيا مزرعة الآخرة. # فكما أن شدة الغضب في رجل توجب ثوران دمه واحمرار وجهه وحرارة جسده ~~واحتراق مواده على أن الغضب صفة نفسانية موجودة في عالم الروح الإنساني ~~وملكوته والحركة والحمرة والحرارة والاحتراق من صفات الأجسام وقد صارت هذه ~~الجهات والعوارض الجسمانية نتائج لتلك الصفة النفسانية في هذا العالم فلا ~~عجب من أن يكون سورة هذه الصفة المذمومة مما يلزمها في النشأة الأخرى نار ~~جهنم التي تطلع على الأفئدة فاحترقت صاحبها كما يلزم هاهنا عند شدة ظهورها ~~وقوة تأثيرها إذا لم يكن صارف عقلي أو زاجر عرفي يلزمها من ضربان العروق ~~واضطراب الأعضاء وقبح المنظر. # وربما يؤدي إلى الضرب PageV00P588 # الشديد والقتل لغيره بل لنفسه وربما بموت غيظا. # فإذا تأمل أحد من استتباع هذه الصفة المذمومة لتلك الآثار فيمكن أن يقيس ~~عليها أكثر الصفات الموذيات والاعتقادات المهلكات وكيفية انبعاث نتائجها ~~ولوازمها يوم الآخرة من النيران وغيرها. # وكذا حال أضدادها من حسنات الأخلاق والاعتقادات وكيفية استنباط النتائج ~~والثمرات من الجنات والرضوان والوجوه الحسان. # لمولوي اى دريده پوستين يوسفان * گرك برخيزى ازين خواب گران گشته گرگان ~~هر يكى خوهاى تو * مىدرانند از غضب اعضاى تو وهاهنا دقيقة وهي أنك إن اشتبه ~~عليك أن الملكات والأخلاق الإنسانية والأعمال النفسانية بعد تسليم أنها ~~سيصير أشباحا أخروية وأشخاصا برزخية موذية كالنيران والحيات والعقارب إن ~~كانت الأخلاق ردية والأعمال قبيحة أو ملذة كالجنات والحور والغلمان إن كانت ~~الأخلاق فاضلة والأعمال حسنة فكيف يتصل إيلامها وإلذاذها إلى هذا الشخص ~~الإنساني الذي يكون صاحب هذه الأخلاق والأعمال وما سبب ارتباطها واتصالها ~~به فاستمع متلطفا في ms420 سرك أن الإنسان في هذه الدار العنصرية والنشأة ~~الهيولانية أيضا إذا أراد أن ينتقم بقوته الغضبية من عدو أو يسيء إليه أو ~~أراد أن يفعل الخير بصديق أو يحسن إليه فإنما يفعل كلا من الفعلين الإساءة ~~والإحسان أولا في نفسه ويلحق النفع أو الضر منه إلى نفسه بالذات ثم يتوسط ~~وصول أحدهما إليه بالذات قد يصل إلى صديقه أو عدوه ثانيا وبالعرض. إذ علمت ~~أن الأفعال الإرادية مسبوقة بتمثلات ذهنية وتصورات خيالية في كل صورة عقلية ~~أو حسية يتصورها الإنسان فليست خارجة عن عالمه مباينة لذاته بل واقعة في ~~صقعه داخلة في مملكة ذاته. # فإذا أحب أحدا مثلا فإنما يحب بالذات ما يوجد في نفسه وكذا إذا أبغض ~~إنسانا فإنما يبغض أولا ما يتصور ويتمثل في ذاته وكلما يتحقق في ذاته وفي ~~عالمه فهو هو بوجه كما لوحنا إليه مرارا. # فعلم من ذلك أن الإنسان ما أحب وما أبغض إلا ذاته. فإذا تحقق بذلك واتضح ~~لديك كيفية تجسم الأعمال علمت أن الأخلاق الذميمة إذا تمثلت وتصورت ~~PageV00P589 # بصورة كريهة مناسبة لها في الآخرة كالحيات والعقارب فإنما يجب أن يصل ~~إيلامها وإيذاؤها بالإنسان الذي هو صاحب تلك الأخلاق دون غيره لا بالذات ~~ولا بالعرض. # فإن العلاقة الوضعية التي بها يتحقق التأثير والتأثر بين الماديات بالعرض ~~في هذا العالم مرتفعة في عالم آخر فلا أنساب بينهم يومئذ و لا يتساءلون. # وكذا الأخلاق الحسنة إذا تمثلت وتصورت أشخاصا كريمة بهيئة مناسبة لها ~~فإنما تصل لذاتها ونعيمها بالإنسان الموصوف بها لا بغيره كما بينا. # فاعرفه فإنه مقصد عال ومطلب غال. PageV00P590 # المقالة الرابعة في النبوات وفيه فصول فصل في سبب الرؤيا الصادقة وليعلم ~~أولا معنى الرؤيا انحباس الروح من الظاهر إلى الباطن. والمراد من الروح هو ~~الجوهر البخاري الحار المركب من صفو الأخلاط كما أن الأعضاء مركب من كدر ~~الأخلاط وهي مطية للقوى النفسانية وبها يتحرك القوى ويتصل الحساسة والمحركة ~~إلى الانتهاء وقد ذكر بعض صفاتها. # وبالجملة هذه الروح بواسطة العروق الضوارب ينشر إلى ظاهر البدن ms421 وقد تحبس ~~إلى الباطن بأسباب مثل طلب الاستراحة عن كثرة الحركة ومثل الاشتغال بتأثيره ~~في الباطن لينفتح السدد. # ولهذا يغلب النوم عن امتلاء المعدة ومثل أن يكون الروح قليلا ناقصا فلا ~~يفيء بالظاهر والباطن جميعا ولنقصانها وزيادتها أسباب طبية مذكورة في كتب ~~الأطباء. # فإذا انحبست الروح إلى الباطن وركدت الحواس بسبب من الأسباب بقيت النفس ~~فارغة عن شغل PageV00P591 # الحواس لأنها لا يزال مشغولة بالتفكر فيما يورده الحواس عليها. # فإذا وجدت فرصة الفراغ وارتفعت عنها الموانع استعدت الاتصال بالجواهر ~~الروحانية الشريفة العقلية التي فيها نقوش جميع الموجودات كلها المعبرة ~~عنها في الشرع باللوح المحفوظ أو الجوهر النفسية والقوى الانطباعية من ~~البرازخ العلوية التي فيها صور الشخصيات المادية والجزئيات الجسمانية. # فإذا اتصلت بتلك الجواهر قبلت ما فيها أعني نقش ما في تلك الجواهر من ~~صورة الأشياء لا سيما ما ناسب أغراض النفس ويكون مهما لها. # وقد مر أن انطباع الصور في النفس عن الجواهر العالية كانطباع الصورة في ~~مرآة من مرآة أخرى يقابلها عند حصول الأسباب وارتفاع الحجاب بينهما. # والحجاب هاهنا اشتغال النفس بما يورده الحواس ولارتفاع هذا الحجاب أسباب ~~كثيرة مثل صفاء النفس بحسب أصل فطرتها ومثل انزعاج النفس وانزجارها عن هذا ~~العالم بسبب ما يكدرها وينقص عيشها الدنياوي من المولمات والمنفرات فيتوجه ~~إلى عالمها هربا من هذه الأمور الموحشة فيرتفع الحجاب بينها وعالمها ومثل ~~الرياضات العلمية والعملية التي يوجب المكاشفات الصورية والمعنوية ومثل ~~الموت الإرادي الذي يكون للأولياء ومثل الموت الطبيعي الذي يوجب كشف الغطاء ~~للجميع سواء كانوا سعداء أو أشقياء ومثل النوم الذي هو أخ الموت في كونها ~~عبارة عن ترك النفس استعمال الحواس في الجملة. # فحينئذ إذا ارتفع الحجاب بالنوم قليلا يظهر في مرآة النفس شيئا من النقوش ~~والصور التي في تلك المرائي مما يناسبها ويحاذيها فإن كانت تلك الصورة ~~جزئية وبقيت في النفس بحفظ الحافظة إياها على وجهها ولم يتصرف فيه القوة ~~المتخيلة الحاكية للأشياء بتمثلها فيصدق هذه الرؤيا ولا يحتاج إلى تعبير. # وإن كانت المتخيلة غالبة ms422 أو إدراك النفس للصور ضعيفا صارت المتخيلة ~~بطبعها إلى تبديل ما رأته النفس بمثال كتبديل العلم باللبن وتبديل العدو ~~بالحية وتبديل الملك بالبحر أو الجبل. وتحقيقه أن لكل معنى عقلي من عالم ~~الإبداع صورة طبيعية في عالم الكون إذ العوالم متطابقة. # فالعلم لما كان مما يتقوى به النفس وهو جوهر روحاني والصور العلمية ~~للإنسان إنما يحصل بعد حذف الزوائد والاختلاف عما يدركه الحس من ~~PageV00P592 # أشخاص النوع وبعد ذلك يكون الباقي صورة غير مختلفة بل لبا خالصا صافيا ~~سائغا نيله للعقل الإنساني. # ولما كان البدن مثالا للنفس واللبن غذاء لطيفا سائغا شرابه للبدن فيكون ~~نسبته للبدن نسبة العلم إلى النفس ففي التعبير يعبر به عن العلم. # ومن هذا القبيل ما نقل أن رجلا جاء إلى ابن سيرين وقال: رأيت كأن في يدي ~~خاتم أختم به أفواه الرجال وفروج النساء. فقال: إنك مؤذن تؤذن في شهر رمضان ~~قبل الفجر. فقال: صدقت. # وجاء آخر فقال: كأني أصب الزيت في زيتون. فقال إن كان تحتك جارية ~~اشتريتها ففتش عن حالها فإنها أمك لأن الزيتون أصل الزيت فهو رد إلى الأصل. # فنظر فإذن جاريته كانت أمه وقد سبيت في صغره. وقال آخر له كأني أغلق الدر ~~في أعناق الخنازير. # فقال إنك تعلم الحكمة غير أهلها وكان كما قال. # فالتعبير من أوله إلى آخره مثال يعرفك طريق ضرب الأمثال وليس للأنبياء ع ~~أن يتكلموا مع الخلق إلا بضرب الأمثال لأنهم كلفوا أن يتكلموا الناس على ~~قدر عقولهم. # وكما أن عقول الخلق مثال للعقول العالية في الحقيقة فكذا ما يخاطب بهم ~~ينبغي أن يكون أمثلة للمعارف الحقيقية. # وقدر عقولهم أنهم في النوم والنائم لا يكشف له شيء إلا بمثل فإذا ماتوا ~~انتبهوا وعرفوا أن المثل صادق. # وإنما يعني بالمثل أداء المعنى في صورة إن نظر إلى معناه وجد صادقا وإن ~~نظر إلى صورته وجد كاذبا. # وربما يبدل المتخيلة الأشياء المرئية في النوم بما يشابهها ويناسبها ~~مناسبة ما أو ما يضادها. # كما من رأى أنه ولد له ابن ms423 فتولد له بنت وبالعكس. وهذا الرؤيا يحتاج إلى ~~مزيد تصرف في تعبيره. # وربما لم يكن انتقالات المتخيلة مضبوطة بنوع مخصوص فانشعبت وجوه التعبير ~~فصار مختلفا بالأشخاص والأحوال والصناعات وفصول السنة وصحة النائم ومرضه. # وصاحب التعبير لا ينال إلا بضرب من الحدس ويغلط فيه كثيرا للالتباس. # لمعة قد مر أن لكل معنى عقلي صورة حقيقية وصورة غير حقيقية ومن هذا الجهة ~~يختلف حكم التعبير في رؤية كل صورة ويحتاج إلى قرينة من أحوال الرائي أنه ~~إن PageV00P593 # كانت نفسه عالية متصلة بالعالم العقلي أو العالم النفسي السماوي فيكون ما ~~يراه في النوم إما نفس الأمر العقلي أو مثال حقيقي له غالبا. # وإن كانت سفلية متعلقة في الدنيا فأكثر ما يراه في النوم مجرد صورة ~~خيالية لا معنى لها. # ووجه ذلك أن النفس الإنسانية ذات وجهين وجه إلى عالم الغيب والآخرة ووجه ~~إلى عالم الشهادة والدنيا. # فإن كان الغالب عليها جهة القدس فلا بد أن يظهر فيها حقيقة بعض الأشياء ~~من الوجه الذي يقابل الملكوت وعند ذلك تشرق نور أثره على الوجه الذي يقابل ~~عالم الملك والشهادة. # لأن أحدهما متصل بالآخر كما أن الدنيا متصل بالآخرة. # وسيعلم أن جهة النفس التي إلى عالم الغيب هي مدخل الإلهام والوحي وجهتها ~~التي إلى عالم الشهادة يظهر منها التصوير والتمثيل. فالذي يظهر من النفس في ~~وجه الذي يلي جانب الشهادة لا يكون إلا صورة متخيلة لأن عالم الشهادة كلها ~~متخيلات. # إذ الخيال على ضربين لأنه تارة يحصل من النظر في ظاهر عالم الشهادة بالحس ~~فيرتقي إليه صورة المحسوس الخارجي. # وتارة يحصل من النظر إلى باطن عالم الغيب فنزل إليه صورة الأمر المعقول ~~الداخلي. # ففي الأول يجوز أن لا يكون الصورة على وفق المعنى حتى يرى شخص جميل ~~الصورة وهو خبث الباطن قبيح السر. # لأن عالم الشهادة كثير التلبيس لأجل أسباب العرضية والاتفاقية فيتفق لأجل ~~الاتفاقات والأسباب الخارجية العرضية أن يصير رجل حسن المنظر قبيح السر ~~لاكتساب السيئات وقبائح الأعمال المؤدية إلى المهلكات الصفات المنتجة ~~لمرديات المهلكات ms424 وكذا بالعكس. # وأما الصورة التي يحصل في الخيال من إشراق عالم الملكوت على باطن سر ~~النفس فلا يكون إلا محاكيا للصفة ومطابقا للمعنى وصورة حقيقية للأمر ~~العقلي. # لأن الصورة في عالم الملكوت تابعة للمعنى والصفة فلا جرم لا يرى المعنى ~~القبيح إلا بصورة قبيحة. فلا جرم يرى الملك مثلا في صورة جميلة ولا يرى ~~الشيطان إلا بصورة قبيحة. # ولذا يرى الملك في صورة دحية الكلبي ويرى الشيطان في صورة كلب أو ضفدع أو ~~خنزير أو غيره يكون تلك الصورة عنوان المعنى PageV00P594 # ومحاكية له بالصدق. # ولذلك رأى بعض المكاشفين الشيطان على صورة كلب جاثم على جيفة يدعو الناس ~~إليها وكانت الجيفة مثال الدنيا. # وكذا أيضا يدل القرد والخنازير في النوم على إنسان خبيث ويدل الشاة على ~~إنسان سليم الجانب وهكذا جميع أبواب التعبير. وفي هذا أسرار عجيبة لمن له ~~قلب. # فصل في أضغاث الأحلام وهي المنامات التي لا أصل لها قد علمت من طريقتنا ~~من أن النفس بقوتها الخيالية التي هي لها في عالمها بمنزلة القوة المحركة ~~في هذا العالم فكما يصدر منها في عالم المحسوسات بقوتها المحركة بإعانة ~~غيرها من الأسباب أشياء من باب الحركات والتحولات يسمى بالصنائع والأفعال ~~كذلك تفعل باختراعها في مملكتها وعالمها الباطني صورا وأشخاصا جسمانية ~~بعضها مطابقة لما يوجد في الخارج وبعضها جزافيات لا أصل لها في شيء من ~~العوالم والبرازخ. والصور المتأصلة التي يكون في العوالم بعضها مطابقة لبعض ~~إذ النشئات والعوالم مطابقة بحسب الصور إلا ما يخترعها النفس بدعابة ~~المتخيلة وشيطنتها فإنها مجرد إنشاء لا أصل لها. # فإذا اخترعت المتخيلة بدعابتها واضطرابها التي لا يفتر عنها في أكثر ~~الأحوال صورا جزافية وانتقلت فيها وحاكتها بأمور أخرى في حال النوم وشاهدها ~~النفس وبقيت مشغولة بمحاكاتها كما تبقى مشغولة بالحواس في اليقظة وخصوصا ~~إذا كانت ضعيفة في جوهرها منفعلة عن آثارها القوى فلا تستعد للاتصال ~~بالجواهر الروحانية والمتخيلة باضطرابها قويت بسبب من الأسباب فلا يزال ~~تحاكي وتخترع صورا لا وجود لها وتبقى في الحافظة إلى أن ms425 يستيقظ فتذكر ما ~~رآه في المنام. # ولمحاكاتها أيضا أسباب من أحوال البدن ومزاجه فإن غلب على مزاجه الصفراء ~~حاكاها بالأشياء الصفر وإن كانت فيه الحرارة حاكاه بالنار والحمام الحار ~~وإن غلبت البرودة حاكاها بالثلج والشتاء ونظائرها وإن غلبت السوداء حاكاها ~~بالأشياء السود والأمور الهائلة. # وإنما حصلت صورة النار مثلا في التخيل عند غلبة الحرارة لأن PageV00P595 # الحرارة التي في موضع يتعدى إلى المجاور لها كما يتعدى نور الشمس إلى ~~الأجسام بمعنى أنه سيكون سببا لحدوث النور إذا خلقت الأشياء موجودة وجودا ~~فائضا بأمثاله على غيره والقوة المتخيلة منطبعة في الجسم الحار فيتأثر به ~~تأثيرا يليق بطبعها كما مر أن كل شيء قابل يتأثر من شيء فإنما يتأثر منه ~~بشيء يناسب جوهر هذا القابل وطبعه. # فالمتخيلة ليست بجسم حتى يقبل نفس الحرارة فيقبل من الحرارة ما في طبعها ~~لقبول له وهو صورة الحار فهذا هو السبب فيه. # فصل في معرفة سبب العلم بالمغيبات في اليقظة قد عرفت سبب الاطلاع بالغيوب ~~في النوم من ركود الحواس واتصال النفس بالجواهر العقلية أو النفسية وقبولها ~~من تلك المبادي صورا يناسبها واهتمت بها. # ويمكن أن يكون ذلك لبعض النفوس في اليقظة بسببين: # أحدهما قوة في النفس فطرية أو مكتسبة لا يشغلها جانب عن جانب بل تسع ~~قوتها بالنظر إلى جانب العلو وجانب السفل جميعا كما يقوى بعض النفوس ليجمع ~~في حالة واحدة الاشتغال بعدة أمور فيكتب ويتكلم ويسمع فمثل هذه النفوس التي ~~لها اقتدار ما على ضبط الجانبين يجوز أن يفتر عنها في بعض الأحوال شغل ~~الحواس ويطلع على عالم الغيب فيظهر لها منه بعض الأمور كالبرق الخاطف. وهذا ~~ضرب من النبوة. # ثم إن ضعفت المتخيلة بقي في الحفظ ما انكشف له من الغيب بعينه كان وحيا ~~صريحا وإن قويت المتخيلة واشتغلت بطبيعة المحاكاة فيكون هذا الوحي مفتقرا ~~إلى التأويل كما يفتقر الرؤيا إلى التعبير. # الثاني أن يغلب على المزاج اليبوسة والحرارة ويقل الروح البخاري حتى ~~يتصرف النفس لغلبة السوداء وقلة الروح عن المواد الحواس فيكون ms426 مع فتح العين ~~وسائر أبواب الحواس كالمبهوت الغافل الغائب عما يرى ويسمع وذلك لضعف خروج ~~الروح إلى الظاهر. # فهذا أيضا لا يستحيل أن ينكشف لنفسه من الجواهر الروحانية شيء ~~PageV00P596 # من الغيب فيحدث به ويجري على لسانه كأنه أيضا غافل عما يحدث به وهذا يوجد ~~في بعض المجانين والمصروعين وبعض الكهنة فيحدثون بما يكون موافقا لما ~~سيكون. وهذا نوع نقصان يظنه الجهلة كمالا وولاية والسبب الأول نوع كمال. # إشارة تحصيلية ولعل بعض المتفلسفة والمتشبهة بأرباب التحصيل والكمال ~~قعدوا لقصور نظرهم في حضيض المباحثة والجدال ولم يرتفعوا لانحطاط درجات ~~نظرهم إلى ذروة الذوق والحال اعتراهم الشك في سبب رؤية الإنسان في اليقظة ~~صورا لا وجود لها في الخارج حيث لا يراها كل حاضر سليم الحس. # فليتدبر أو يسمع من كان له منهم قلب أو ألقى السمع وهو شهيد بعد تأمله ما ~~أسفلناه من القواعد التي يقرب النفس تدبرها لأن يستعد لفهم المعاني التي من ~~هذا القبيل. # وهو أن النفس كلما يدركها في عالمها وصقع قواها الباطنة على سبيل التخيل ~~لا شبهة لأحد في أنها يتفاوت ظهورا وخفاء تفاوتا يذهب به في حدود الخفاء ~~إلى حد الذهول والنسيان وفي حدود الظهور والجلاء إلى حد الرؤية والمشاهدة. # فكما يمكن أن يذهب في الخفاء من حد يسمى بالتخيل إلى غاية يسمى بالذهول ~~فكذلك يمكن أن يبلغ في الظهور من حد التخيل إلى حد يسمى بالرؤية. # والرؤية ليس من شرطها أن يكون بالعين ولا المرئي إنما يسمى مرئيا لكونه ~~يحصل بسبب العين بل لأنه غاية انكشاف الشيء فإذا وقعت غاية الانكشاف بقوة ~~أخرى كانت حقيقة الرؤية بحالها. فالصور التي يراها النائمون في عموم أوقات ~~نومهم ليست هي بعينها موجودا في المواد الخارجية وليست حاصلة أيضا في القوى ~~المنطبعة الدماغية لامتناع انطباع العظيم في الصغير. على أنها يراها ~~الإنسان منفصلة عن ذاته مباينة لها كالسماء والأرض والأشجار وغيرها بل في ~~عالم آخر غفل عنه PageV00P597 # أكثر العلماء. # فالنفوس إذا كانت قوية يكون اقتدارها على اختراع تلك الصور أقوى ms427 فيكون ~~متصوراتها موجودات خارجية حاضرة عندها بذواتها في اليقظة وعند كل نفس يكون ~~درجتها في القوة والنورية هذه الدرجة. # فإذا تقرر هذا فلا يخلو تلك إما أن يكون مطابقة لما في المبادي العالية ~~فيكون وحيا صريحا وإن كانت حكاية لما فيها لأجل تصرف النفس بقوتها الخيالية ~~فيها فيحتاج هذا إلى التعبير وإن لم يكن لا هذا ولا ذاك فيكون من دعابة ~~النفس بواسطة قوتها وعدم استقامتها. # فالأقسام الثلاثة المذكورة في ما يراه النائم في نومه هي بعينه واقعة في ~~ما يراه النفوس القوية في اليقظة مما لا يراه كل سليم الحس وقد لا يكون ~~النفس قوية قادرة على اختراع تلك الصور في اليقظة ولا في النوم لكن يستعين ~~حال اليقظة بما تدهش الحس وتحير الخيال فيظهر أشياء لا وجود لها في الخارج ~~لضعفاء العقول الذين هم في أصل الجبلة إلى الدهشة وتحير الخيال مائلون. # هذا هو طريق القائلين بنحو آخر من الوجود للصور غير ما ينطبع في القوى ~~المادية والأجرام. # ومن طريق آخر نقول: إن النفس قد تدرك إدراكا قويا لأمر جزئي من عالم ~~الغيب فيبقى عين ما أدركته في الحفظ وقد يقبل قبولا ضعيفا لأمر عقلي ~~فيستولي عليه المتخيلة فتحاكيه بصورة محسوسة مناسبة له. # فإن لكل حقيقة عقلية صورة طبيعية له في عالم المحسوسات فإذا قويت تلك ~~الصورة في المتخيلة استثبتها الحس المشترك وانطبعت الصورة في الحس المشترك ~~سراية إليه من المتخيلة والمصورة لكون المدارك الباطنية للإنسان كالمرائي ~~المتعاكسة صورة بعضها إلى بعض والإبصار ليس إلا وقوع صورة في الحس المشترك ~~سراية إليه فإن الصورة الموجودة في الخارج ليست محسوسة بل هو سبب ظهور صورة ~~تماثلها في الحس المشترك فالمحسوس بالحقيقة ذلك والخارج يسمى محسوسا بالعرض ~~لعلاقة السببية بينهما بوجه. # ولا فرق بين أن يرتفع الصورة إلى الحس PageV00P598 # المشترك ويقع فيها من الخارج أو ينحدر إليه ويقع فيه من الداخل فإنه كيف ~~ما يكون كان محسوسا ويكون حصوله إبصارا. # فمهما وقع ذلك في الحس المشترك صار صاحبه مبصرا وإن ms428 كانت الأجفان مغمضة ~~وكان في ظلمة أيضا. # والذي يتخيله الإنسان في اليقظة إنما ينطبع في الحس المشترك حتى يصير ~~مبصرا لأن الحس المشترك مشغول بما يؤدي إليه الحواس الظاهرة وهو أغلب. # ولأن العقل يكسر من المتخيلة اختراعها ويكذبها ولا يقوي تصورها في ~~اليقظة. # فمهما ضعف العقل عن الترديد والتكذيب بسبب مرض من الأمراض لم يمنع أن ~~ينطبع في الحس المشترك فيرى المريض صورا لا وجود لها. # وكذا إذا غلب الخوف واشتد الموهم المخوف وضعف النفس والعقل المكذب فربما ~~يمثل للحس المشترك صورة المخوف حتى يشاهدها ويبصرها. # ولذا يرى الجبان الخائف صورا هائلة والغول الذي يخيل في الصحاري ويسمع ~~كلامه هذا سببه. # وقد يشتد شهوة هذا العليل لضعف ما فيشاهد ما يشتهيه ويمد إليه يده كأنه ~~يأكله ويرى صورا لا وجود لها في الخارج بسبب ذلك. # هذا هو طريق المشائين القائلين بأن العلم بالأشياء الخارجية منحصرة ~~بالانطباع والأول هو طريقتنا المناسبة للعلم الإشراقي. # وزاد بعض أفاضل الحكماء المشائين في هذا البيان بقوله: إذا كانت المتخيلة ~~في إنسان ما قوية كاملة جدا وكانت المحسوسات الواردة عليها من خارج لا ~~يستولي عليها استيلاء يستغرقها بأسرها ولا خدمتها القوة الناطقة بل كان ~~فيها مع اشتغالها بهذين فضل كثير يفعل به أيضا أفعالها التي يخصها كانت ~~حالها عند اشتغالها بهذين في وقت اليقظة مثل حالها عند تخيلها منها في وقت ~~النوم وكثير من هذه الصور التي يعطيها العقل فتخيلها القوة المتخيلة مما ~~PageV00P599 # يحاكيها من المحسوسات المرئية فإن تلك المتخيلة تعود فترتسم في القوة ~~الحاسة المشتركة فإذا حصلت رسومها في الحاسة المشتركة انفعلت عن تلك الرسوم ~~القوة الباصرة فارتسمت فيها تلك فيحصل عما في القوة الباصرة منها رسوم تلك ~~في الهواء المضي المواصل للبصر المنحاز بشعاع البصر فإذا حصلت الرسوم عاد ~~ما في الهواء فيرتسم من الرأس في القوة الباصرة التي في العين وانعكس ذلك ~~إلى الحاس المشترك وإلى القوة المتخيلة. ولأن هذه كلها متصل بعضها ببعض ~~يصير ما أعطاه العقل الفعال من ذلك مرئيا لهذا ms429 الإنسان. انتهى كلامه. # وأنت تعلم أن طريقتنا أسد وأوثق من هذه وكلام هؤلاء في هذا المقام وإن ~~كان بحسب طريقة البحث وعند أهل الاحتجاب عن مشاهدة الصور الغيبية المعلقة ~~في غير هذا العالم في غاية القوة والمتانة إلا أن من ذاق مشربا آخر يعلم أن ~~الصور الشريفة التي يراها السلاك وأهل الكمال والإلهيون والسفراء أجل من أن ~~يكون منطبعة في قوى إنسانية ومشاعر مادية بل هي مرئية في غير هذا العالم. ~~فالمصير إلى غير طريقة الانطباع في الصور الغيبية. # ضابط عقلي وتقسيم حكمي لو أردت أن تسمع خلاصة القول فيما يقع من النفوس ~~في باب الإخبار عن المغيبات على وجه التقسيم المردد بين النفي والإثبات ~~ليكون ذلك أضبط في الذهن وأحكم في العقل فأصغ إلى ما نقول فاحتفظ به بعد ~~تمهيد أن كل ما وقع وسيوقع من الكائنات فهو محفوظ في الألواح العالية ~~ومضبوط في الجواهر العقلية المستعلية لأنها عالمة بلوازم حركاتها الكلية ~~شاعرة بنتائج مقاصدها وأشواقها العقلية من أشخاص الكائنات وجزئيات الحادثات ~~لأن العلم بالعلل والملزومات غير منفك عن العالم بالمعلولات واللوازم كما ~~مر فصور الكائنات بأسرها موجودة في المدبرات الفلكية. وللكائنات ضوابط كلية ~~محفوظة مرتسمة بقلم الحق الأول على ألواح النفوس لأنها ليست PageV00P600 # بصادرة عن الواجب الأول على سبيل الجزاف أو القصد إلى السافل كما زعمته ~~الجهال والمقلدون بل صدورها على حسب مثل غيبية هي ذكر حكيم. # ثم الإنذارات تدل على أنه عالم بالجزئيات قبل وجودها وبعده وليس هذا شأن ~~النفوس السافلة ولا قواها المنطبعة. وهو ظاهر فليس إلا من جوهر عال يتخيل ~~الجزئيات من الكليات والحسيات من العقليات على عكس إدراكنا فهو من العالم ~~النفساني الفلكي فيجب أن يكون لها ضوابط كلية يفيض عليها من مباديها ~~العقلية أنه كلما كان كذا كان كذا قوانين أحصيت في العالم العقلي. # ثم إذا كانت منتقشة بها النفس الفلكية ويتخيل الوصول إلى كل وضع من ~~الأوضاع بالحركة فلها أن تعلم لازم حركاتها باستثناء الشرطيات لكن كذا ~~فيكون كذا. أو ليس فليس. ms430 # فإذا تمهد هذا فنقول: إن الصور التي يدركها النفس في النوم واليقظة أو في ~~ما بينهما ونحوها لا يخلو إما أن يكون لاتصالها بذلك العالم أو لا. فإن ~~كانت الاتصال فإما أن يكون كلية أو جزئية. # وعلى التقديرين فإما أن ينطوي سريعا ولا حكم لها أو يثبت فإن ثبت ويكون ~~كلية فالمتخيلة التي في طباعها المحاكاة تحاكي تلك المعاني الكلية المنطبعة ~~في النفس بصور جزئية ثم ينطبع تلك الصور في الخيال وينتقل إلى الحس المشترك ~~فتصير مشاهدة. # فإن كانت المشاهدة شديد المناسبة لما أدركته النفس من المعنى الكلي بحيث ~~لا يختلفان إلا بالكلية والجزئية كانت الرؤيا غنية عن التعبير. وإن لم يكن ~~كذلك فإن كانت هناك مناسبة يمكن الوقوف عليها والتنبه لها كما إذا تصورت ~~المعنى بصورة لازمه أو ضده أو شبهه احتاج حينئذ إلى التعبير وهو تحليل ~~بالعكس أي رجوع من الصور الخيالية الجزئية إلى المعاني النفسانية الكلية. # وإن لم يكن مناسبة على الوجه المذكور فتلك الرؤيا مما تعد في أضغاث ~~الأحلام الحاصل من دعابة المتخيلة. # وإن ثبت جزئية وحفظته الحافظة على وجهها ولم يتصرف المتخيلة المتحاكية ~~للأشياء بتمثيلها بمثلها أو بغيرها صدقت هذه الرؤيا من غير احتياج إلى ~~التعبير. وإن كانت المتخيلة غالبة أو إدراك النفس ضعيفة تنازعت المتخيلة ~~بطبعها إلى تبديل ما رأته النفس بمثال. # وربما بدلت ذلك المثال أيضا بآخر وهكذا إلى حين اليقظة. فإن PageV00P601 # انتهى إلى ما يمكن أن يعاد عليه بضرب من التحليل فهو رؤيا يفتقر إلى ~~التعبير وإلا فهو من أضغاث الأحلام. # هذا ما يتلقاه النفس عن المبادي العالية عند النوم وأما ما يتلقاه عند ~~اليقظة فعلى وجهين: # أحدهما أن يكون النفس قوية وافية بالجوانب المتجاذبة لا يشغلها المشاعر ~~السافلة عن المدارك العالية فيتصل بها في اليقظة ويكون متخيلتها قوية بحيث ~~يقوى على استخلاص الحس المشترك عن الحواس الظاهر وإذ ذاك فلا يبعد أن يقع ~~لمثل هذه النفس في اليقظة ما يقع للنائمين من غير تفاوت. فمنه ما هو وحي ~~صريح لا يفتقر ms431 إلى التأويل ومنه ما ليس كذلك فيفتقر إليه أو يكون شبيها ~~بالمنامات التي هي أضغاث الأحلام إن أمعنت المتخيلة في الانتقال والمحاكاة. # وثانيهما أن لا يكون النفس كذلك فلا يخلو إما أن يستعين حال اليقظة بما ~~يقع به للحس دهشة وللخيال حيرة أو لا بل كانت ضعيفة ضعفا طبيعيا أو لأجل ~~مرض. # فالأول كما يفعل المستنطقون المنفعلون للصبيان والنساء ذوات الآلات ~~الضعيفة. # أو بأمور مترقرقة وبأمور ملطخة سود مدهشة محيرة للبصر شفافة يرعش البصر ~~برجرجتها أو بتشفيفها وكاستعانة بعض المتصوفة والمتكهنة برقص وتصفيق وتطريب ~~مع ذلك أيضا فكل هذه موهشة للحواس مخلة بها. # وربما يستعينون أيضا بالإلهام بالعزائم والتخويف والترهيب بالجن إذا ~~استنطقوا غيرهم والكهنة قد يركبون أصباغا للتفريح والتبحزات. # والثاني كالمصروعين والممرورين وكل من في قواه ضعف أو قلة علاقة مع رطوبة ~~في الدماغ قابلة. # وقد يجتمع الشيئان ضعف العائق وقوة النفس بتطريب وغيره كما لكثير من ~~المرتاضين من أولي الكد وهذا حسن. # وما للكهنة والممرورين نقص وإخلال بالقوى أو فسادها وتعطيلها عما خلقت ~~لأجله وهو غير محمود عند العلماء. # وأما عند الفضلاء فرياضاتهم وعلومهم مرموضة ولرياضات PageV00P602 # أولي البصيرة أمور مكنونة عن المحجوبين بالخيال عن العقليات وإن لم يكن ~~الصور التي أدركتها النفس بسبب اتصالها بالمبادي الرفيعة لحصول فراغتها عن ~~البدن أو ضبطها للجانبين فهذا إن كان في حالة النوم فهو الذي يقال له أضغاث ~~أحلام على الحقيقة وهو المنام الكاذب وقد ذكروا له أسبابا. # الأول أن ما يدركه الإنسان في حالة اليقظة من المحسوسات يبقى صورته في ~~الخيال فعند النوم ينتقل من الخيال إلى الحس المشترك فيشاهد هو بعينه إن لم ~~يتصرف فيه المتخيلة أو ما يناسبه إن تصرف فيه. # والثاني أن المفكرة إذا التفت صورة انتقلت تلك الصورة عنها عند النوم إلى ~~الخيال ثم منه إلى الحس المشترك. # الثالث إذا تغير مزاج الروح الحامل للقوة المتخيلة تغيرت أفعالها بحسب ~~تلك التغيرات على ما مر من التفصيل وإن كان أمثال هذه حاصلة في حال اليقظة ~~فربما سميت أمورا ms432 شيطانية كاذبة وما يرى من الغول والجن والشياطين فقد يكون ~~من تخيله وكونها كذلك لا ينافي وجودها الخارجي. # فإن الموجودات التي لها وجود في الخارج ربما يشاهد ويرى من هذا السبيل ~~ولا ينافي وجودها على هذا الوجه وجودها الخارجي لأن الخيال يظهرها وإن لم ~~يكن منطبعة فيه. # وهذا الذي ذكرناه من التفصيل أيضا مبناه على طريقة المشائين من إنكار ~~وجود الصور الغائبة عن الحواس في عالم غير هذا العالم لأنه أنسب بمذاق ~~الظاهريين من العلماء. # والحق عندنا أن الأمور التي يتراءى لأرباب الشهود وأصحاب الكشف الكلام ~~فيها غير مسلم لتوابع المعلم الأول ومن يحذو حذوهم لأنهم غفلوا عن عالمين ~~عظيمين ولم يدخلوا في بحوثهم وأنظارهم هما عالم المثل الأفلاطونية التي هي ~~جنة المقربين وعالم الأشباح المثالية التي منقسمة إلى جنة السعداء وجحيم ~~الأشقياء كل PageV00P603 # منهما على طبقات متفاوتة كلها موجودة في الخارج. # وإنما غفلوا عنها لأنه لم يسلك أحد منهم سبيل القدس ولا اشتغلوا بالرياضة ~~والتنزيه والذي سلك منهم كان سلوكه ضعيفا ومن سلك إما من مرشد متأله أو ~~بتأييد إلهي غريب وقع على الندرة فسيطلع على وجود أمور تيقن أنها غير موجود ~~في مواد هذا العالم ولا في تجاويف دماغه على ما زعمه المشاؤن بل في صقع آخر ~~من غير ريبة وإن كذبه أهل البحث يكذب هو إياه بالمشاهدة المتكررة. # فصل في أصول المعجزات والكرامات وهي ثلاثة لأن الإنسان ملتئم عن عوالم ~~ثلاثة من جهة مبادي إدراكات ثلاثة التعقل والتخيل والإحساس. # وقد مر أن كل إدراك فهو ضرب من الوجود فشدة التعقل وكماله في الإنسان ~~يوجب له مصاحبة القدس ومجاورة المقربين والاتصال بهم والانخراط في سلكهم. # وشدة القوة المصورة فيه يؤدي إلى مشاهدة الأشباح المثالية والأشخاص ~~الغيبية وتلقي الأخبار الجزئية منهم والاطلاع على الحوادث الماضية والآتية ~~بهم. # وشدة القوة الحاسة المساوقة لكمال قوة التحريك فيه يوجب انفعال المواد ~~عنه وخضوع القوى والطبائع الجرمانية له. # فالدرجة الكاملة من الإنسان بحسب نشئاته الجامعة لجميع العوالم هي التي ~~يكون الإنسان بها قوي ms433 القوى الثلاث ليستحق بها خلافة الله ورئاسة الناس. # فعلم مما ذكرنا أن أصول المعجزات والكرامات كمالات وخاصيات ثلاث لقوى ~~ثلاث. # الخاصية الأولى كمال القوة النظرية وهي أن تصفو النفس صفاء يكون شديدة ~~الشبه بالعقل ليتصل به من غير كثير تفكر PageV00P604 # وتعمل حتى يفيض عليها العلوم من دون توسط تعليم بشري بل يكاد أرض نفسه ~~الناطقة أشرقت بنور ربها وزيت عقله المنفعل لغاية الاستعداد يضيء بنور ~~العقل الفعال الذي ليس هو بخارج عن حقيقة ذاته وإن لم تمسه نار التعليم ~~البشري فإن النفوس منقسمة إلى ما يحتاج إلى التعليم وإلى ما يستغني عنه ~~والمحتاج إلى التعليم قد لا يؤثر فيه التعليم وإن طال طلبه واشتد تعبه وقد ~~يتعلم على قرب. # وكم من شخصين متعلمين مدة واحدة سبق أحدهما الآخر بحقائق علمية مع أن ~~اجتهاده أحق وسعيه أكثر ولكن لشدة الحدس وقوة الذكاء فيصل إلى المقام ~~الأعلى ويرجع الآخر بخفي حنين ويصير مطرحا للشين ومع تضييعه الوقت في غير ~~ما خلق لأجله ربما يظن بنفسه أنه نال البغية وبلغ المقام وليته كان في درجة ~~العقل الهيولاني من غير أن يتقرر في نفسه هيئة الجهل المركب المضاد للكمال ~~نعوذ بالله من الضلال وإليه أشير بقوله تعالى: الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا إلى قوله فلا نقيم لهم يوم القيامة ~~وزنا وكم من شخص يستنبط الشيء من نفسه من غير تعلم. # وكما أن في طرف نقصان النورية وخموده ينتهي إلى عديم الحدس من الأغبياء ~~يعجز الأنبياء من إرشادهم حتى يسمع خاتمهم من الملك العلام إنك لا تهدي من ~~أحببت فيجوز أن ينتهي في طرف شدة النورية وشروقها إلى نفس شريفة شديد الحدس ~~ينتهي إلى آخر المعقولات في زمان قصير من غير تعلم فيدرك أمورا عقلية يقصر ~~عن دركها غيره من الناس إلا برياضات علمية في مدة طويلة فيقال له إنه نبي ~~أو ولي. وإن ذلك كرامة أو معجزة وهو من الممكنات العقلية الأقلية كما ~~ذكرناه. # الخاصية الثانية كمال ms434 القوة المتخيلة هو كونها قوية بحيث يشاهد في اليقظة ~~عالم الغيب لما سبق فيشاهد الصور PageV00P605 # الجميلة والأصوات الحسنة المنظومة على الوجه الجزئي في مقام هورقليا أو ~~في غيرها من العوالم الباطنية أو تحاكي ما شهدتها النفس في عوالم الجواهر ~~العقلية ولا سيما في عالم العقل المفيض لهذا النوع البشري بإذن ربه فيرى في ~~اليقظة ويسمع ما كان يراه ويسمعه في النوم بالسبب الذي ذكرناه فيكون الصورة ~~المحاكية للجوهر الشريف بأحد الوجهين صورة عجيبة في عالم الحس فهو الملك ~~الذي يراه النبي والولي ويكون المعارف التي تصل إلى النفس من اتصال الجواهر ~~الشريفة بتمثل الكلام المنظوم الواقع في غاية الفصاحة فيكون مسموعا. وهذا ~~أيضا ممكن غير مستحيل. # الخاصية الثالثة في قوة النفس من جهة جزئها العملي وقواها التحريكية ~~لتؤثر في هيولى العالم بإزالة صورة ونزعها عن المادة وبإيجادها وكسوتها ~~إياها فيؤثر في استحالة الهواء إلى النعيم وحدوث الأمطار وحصول الطوفانات ~~واستهلاك أمة فجرت وعتت عن أمر ربها ورسله واستشفاء المرضى واستسقاء العطشى ~~وخضوع الحيوانات. # وهذا أيضا ممكن لما ثبت في الإلهيات كون الهيولى مطيعة للنفوس متأثرة بها ~~وأن هذه الصور الكونية يتعاقب عليها من تأثيرات النفوس الفلكية والنفوس ~~الإنسانية من جوهر تلك النفوس شديدة الشبه بها لأن نسبتها إليه نسبة ~~الأولاد إلى الآباء فكذلك نفس الإنسان يؤثر في هيولى هذا العالم لكن الغالب ~~أنه بفيض أثره في عالمه الخاص أعني بدنه. # ولذلك إذا حصل للنفس صورة مكروهة استحال مزاج البدن وحدثت رطوبة العرق. ~~وإذا حدثت في النفس صورة الغلبة حمي مزاج البدن واحمر الوجه وإذا وقعت صورة ~~مشتهاة في النفس حدثت في أوعية المني حرارة مسخنة منفخة للريح حتى تمتلي به ~~عروق آلة الوقاع فيستعد له. # وهذه الحرارة والرطوبة يحدث في البدن من هذه التصورات ليست من حرارة ~~وبرودة ورطوبة أخرى بل عن مجرد التصورات. وعلمت أنه ليس من شرط كل مسخن أن ~~يكون حارا وكذا نحوه. فإذا صارت PageV00P606 # الأمزجة يتأثر من الأوهام إما بأوهام عامية أو بأوهام شديدة التأثير في ms435 ~~بدو الفطرة أو متدرجة بالتعويد والرياضات إلى ذلك فلا عجب أن يكون لبعض ~~النفوس قوة إلهية يكون بقوتها كأنها نفس العالم ليطيعها العنصر طاعة بدنها ~~سيما وقد علمت أن الأجسام مطيعة للمجردات بل هي ظلال لها وعكوس منها. فكلما ~~ازدادت النفس تجردا وتشبها بالمبادي القصوى ازدادت قوة وتأثيرا في ما دونها ~~وإذا صار مجرد التصور والتوهم سببا لحدوث هذه التغيرات في الهيولى البدن ~~وليس ذلك لكون النفس منطبعة فيه بل لعلاقة طبيعية شوقية وتعلق حبي جبلي لها ~~إليه فكان ينبغي أن يؤثر في البدن الغير وفي هيولى العالم مثل هذا التأثير ~~لأجل مزيد قوة شوقية واهتزار علوي للنفس ومحبة إلهية لها وشفقة على خلق ~~الله شفقة الوالد لولده والأم لولدها فيؤثر نفسه في إصلاحها وإهلاك ما ~~يضرها ويفسدها. # فكما أن الخاصية الثانية يوجد بوجه غير مرضي في نفوس الأشرار والناقصين ~~فكذا هذه الخاصية يوجد شيء منها في بعض النفوس القوية فيتعدى أثرها في بدن ~~آخر حتى يفسد الروح بالتوهم ويقتل الإنسان أو غيره من الحيوانات ويعبر عن ~~ذلك بإصابة العين ولذلك قال النبي ص العين يدخل الرجل في القبر والجمل في ~~القدر. # وقال ص أيضا: العين حق... ومعناه أنه يستحسن الجمل مثلا ويتعجب منه وتكون ~~النفس خبيثة حسودة فيتوهم سقوط الجمل وينفعل جسم الجمل عن توهمه وتسقط في ~~الحال. وإذا كان هذا ممكنا فما ظنك بنفوس عظيمة شديدة القوى كيف لا يتعدى ~~تأثيرها عن بدنها وعالمها الصغير وهي يصلح لأن تكون نفس العالم ورئيس القوى ~~الطبيعية ومستخدمها فيؤثر في هيولى العالم بإحداث حرارة وبرودة وحركة وجمع ~~وتفريق وأصول الاستحالات والانقلابات في عالمنا السفلي إنما ينبعث من ~~الحرارة والحركة كما سبق في حوادث الجو ومثل هذا يعبر بالكرامة والمعجزة ~~عند الناس. والخاصية الأولى أفضل أجزاء النبوة عند الخواص ولهذا كان أعظم ~~معجزات نبينا ص القرآن وهو مشتمل على المعارف الإلهية وحقائق المبدإ ~~والمعاد على وجه عجز عن دركها إلا الأقلين من العلماء الراسخين من أمته ~~وفيه الإخبار عن المغيبات والأفعال PageV00P607 # الخارقة ms436 للعادات إلا أن نفسه من المعجزات العقلية التي كلت أذهان العقلاء ~~عن دركها وخرست ألسن الفصحاء عن وصفها. # فصل في بيان الفرق بين الإلهام والتعلم في استكشاف الحقائق اعلم أن ~~العلوم ليست لازمة ضرورية وإنما يحصل في باطن الإنسان في بعض الأوقات بوجوه ~~مختلفة فتارة يهجم عليه كأنه ألقي فيه من حيث لا يدري سواء كان عقيب شوق ~~وطلب أو لا ويقال له الحدس والإلهام. # وتارة يكتسب بطريق الاستدلال والتعلم فيسمى اعتبارا واستبصارا. # ثم الواقع في الباطن بغير حيلة الاستدلال وتمحل التعلم والاجتهاد ينقسم ~~إلى ما لا يدري الإنسان أنه كيف حصل ومن أين حصل وإلى ما يطلع معه على ~~السبب الذي منه استفيد ذلك العلم وهو مشاهدة الملك الملقي والعقل الفعال ~~للعلوم في النفوس. # فالأول يسمى إلهاما ونفثا في الروع والثاني يسمى وحيا ويختص به الأنبياء ~~والأول يختص به الأولياء والأصفياء والذي قبله وهو الكسب بطريق الاستدلال ~~يختص به النظار من العلماء. # وحقيقة القول أن نفس الإنسان مستعدة لأن يتجلى فيه حقيقة الحق في الأشياء ~~كلها واجبها وممكنها وإنما حجبت عنها بالأسباب التي ذكر في مثال المرآة فهي ~~كالحجاب المتدلي الحائل بين النفس واللوح المحفوظ الذي هو عقل منقوش بجميع ~~ما قضى الله تعالى به إلى يوم القيامة فتجلى حقائق العلوم من مرآة العقل ~~إلى مرآة النفس يضاهي انطباع صورة من المرآة في مرآة يقابلها وكما أن ~~الحجاب بين المرآتين تارة يزال بفعل اليد وتارة يزول بهبوب ريح تحركه فكذلك ~~قد يهب برياح الألطاف الإلهية فيكشف الحجب عن عين البصيرة فيتجلى فيها بعض ~~ما هو مسطور في اللوح المحفوظ فيكون تارة عند المنام فيظهر به ما سيكون في ~~المستقبل وتمام ارتفاع الحجب بالموت به ينكشف الغطاء. PageV00P608 # وفي اليقظة أيضا قد ينقشع الحجاب بلطف خفي من الله فيلمع في القلب من ~~وراء ستر الغيب شيء من غرائب الملكوت تارة كالبرق الخاطف وأخرى على التوالي ~~إلى حد ما ودوامه في غاية الندور والشذوذ فلم يفارق الإلهام الاكتساب في ~~نفس فيضان الصورة ms437 العلمية ولا في قابلها ومحلها ولا في سببها ومفيضها ولكن ~~يفارقه في طريقة زوال الحجب وجهته ولم يفارق الوحي الإلهام في شيء من ذلك ~~بل في الوضوح والنورية ومشاهدة الملك المفيد للصور العلمية فإن العلوم إنما ~~يحصل في نفوسنا بواسطة الملائكة العلمية والعقول الفعالة. وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى: و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو ~~يرسل رسولا فتكلم الله عباده إشارة إلى إفاضة العلوم على قلوبهم بوجوه ~~متفاوتة كالوحي والإلهام والتعليم بواسطة الرسل والمعلمين. # إذا تمهد هذا ظهر الفرق بين طريقة أهل البحث وطريقة أهل التصرف في العلوم ~~الإلهية دون التعلمية فلذلك اختاروا طريقة المجاهدة لمحو الصفات المذمومة ~~وقطع العلائق كلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى ومهما حصل ذلك كان ~~الله هو المتولي لقلب عبده والمتكفل بتنويره بأنوار العلوم وإذا تولى الله ~~أمر القلب فاضت الرحمة وأشرق النور عليه وانشرح الصدور وانكشف له سر ~~الملكوت وانقشع عن وجه القلب حجاب العزة بلطف الرحمة وتلألأ فيه حقائق ~~الأمور الإلهية وقد رجع هذا الطريق إلى تطهير محض من جانبك وتصفية وجلاء ثم ~~استعداد وانتظار فقط لما يفتح الله من الرحمة إذ الأنبياء والأولياء انكشف ~~لهم الأمور وفاض على صدورهم النور لا بالتعلم والدراسة للكتب بل بالزهد في ~~الدنيا والتبري عن علائقها والإقبال بكنه الهمة على الله فمن كان لله كان ~~الله له. # وأما النظار وذو الاعتبار فلم ينكروا وجود هذا الطريق وإمكانه وإفضاءه ~~إلى المقصد على الندور فإنه أكثر أحوال الأنبياء والأولياء ولكن استوعروا ~~هذا PageV00P609 # الطريق واستبطؤوا ثمرته واستبعدوا اجتماع شروطه وزعموا أن محو العلائق ~~إلى ذلك الحد كالمتعذر وإن حصل في حالة فثباته أبعد إذ أدنى وسواس وخاطر ~~يشوش القلب قال رسول الله ص: قلب المؤمن أشد تقلبا من القدر في غليانه ~~وقال: قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء. # وفي أثناء هذه المجاهدة قد يفسد المزاج ويخطل العقل ويمرض البدن وإذا لم ~~يتقدم رياضة البدن وتهذيبها بحقائق العلوم تشبث ms438 بالقلب خيالات فاسدة تطمئن ~~النفس إليها مدة طويلة إلى أن يزول والعمر ينقضي دون النجاح فيه. فكم من ~~صوفي سلك هذه الطريق ثم بقي في خيال واحد عشرين سنة ولو كان قد أتقن العلوم ~~من قبل لا نفتح له وجه التباس ذلك الخيال في الحال فالاشتغال بطريق التعلم ~~أوثق وأقرب إلى الغرض. # وزعموا أن ذلك يضاهي ما لو ترك الإنسان تعلم الفقه وزعم أن النبي ص لم ~~يتعلم ولكن صار فقيها بالوحي والإلهام من غير تكرار وتعليق فإنا أيضا ربما ~~ننتهي بالرياضة إليه. # ومن ظن ذلك فقد ظلم نفسه وضيع عمره بل هو كمن ترك طريق الكسب والحراسة ~~رجاء العثور على كنز فإن ذلك ممكن ولكنه بعيد جدا فكذلك هذا. فقالوا: لا بد ~~من تحصيل ما حصله العلماء وفهم ما قالوه ثم لا بأس بعد ذلك بالانتظار لما ~~لم ينكشف لسائر العلماء فسعاه أن ينكشف بالمجاهدة بعد ذلك جلية كنه ~~الأشياء. وزيادة تحقيق الفرق بين المسلكين أنه لما كانت حقائق الأشياء ~~مسطورة في العالم العقلي المسمى باللوح المحفوظ بل في قلوب الملائكة ~~المقربين فكانت العناية الأزلية منشئة مقتضية لوجود العالم على وفق المعلوم ~~علما أزليا إلهيا فعليا فكما أن المهندس يسطر صورة أبنية الدار في نسخة ثم ~~يخرجها إلى الوجود على وفق تلك النسخة فكذلك فاطر السماوات والأرض كتب نسخة ~~العالم من أوله إلى آخره ثم أخرجه على وفق تلك النسخة. # والعالم الذي خرج إلى الوجود بصورته يتأدى منه PageV00P610 # صورة أخرى إلى الحواس والخيال. # فإن من نظر إلى السماء والأرض ثم قبض بصره يرى صورة السماء والأرض في ~~خياله حتى كأنه ينظر إليها ولو انعدمت السماء والأرض في نفسها كأنه يشاهدها ~~وينظر إليها ثم يتأدى من خياله أثر إلى العقل فيحصل فيه حقائق الأشياء التي ~~دخلت في الحس والخيال. # فالحاصل في العقل الإنساني موافق للعالم الموجود في نفسه خارجا من خيال ~~الإنسان وعقله. # والعالم الموجود موافق للنسخة الموجودة في اللوح العقلي وهو سابق وجوده ~~في القدر والصور المثالية وهو سابق ms439 على وجوده الجسماني ويتبعه وجوده ~~الخارجي ويتبع وجوده الخيالي وهو يتبع وجوده العقلي أعني وجوده في القوة ~~العاقلة الإنساني المتحدة بالعقل الفعال على ما بيناه آنفا. # وبعض هذه الوجودات عقلية وبعضها مثالية وبعضها حسية فكان الوجود عقلا ثم ~~نفسا ثم حسا ثم جسما فدار على نفسه فصار حسا ثم نفسا ثم عقلا فارتقى إلى ما ~~هبط منه والله هو المبدأ والغاية. # فانظر يا إنسان إلى الحكمة الإلهية كيف جعل هذه المراتب من الوجود ~~والطبقات في ذاتك فخلق فيك شبه الإبداعي عقلا ونفسا وحسا وبدنا ثم أثبت فيك ~~بواسطة الحس مع صغر حجمه صورة العالم والسماوات والأرض على اتساع أكنافها ~~ثم سرى من وجودها في الحس وجودا في الخيال ثم منه وجودا في العقل فإنك أبدا ~~لا تدرك إلا ما هو واصل إليك أو قائم بك على النحو الذي علمت منا أن تصور ~~الأشياء وتمثلها في صقع من الجوهر النطقي فلو لم يجعل الواجب للعالم كله ~~مثالا في ذاتك لما كان لك خبر مما يباين ذاتك. فسبحان من دبر هذه العجائب ~~في القلوب والأبصار ثم أعمى عن دركها القلوب والأبصار حتى صار قلب أكثر ~~الخلق جاهلا بالقلب وبعجائبه. # فلنعد إلى ما كنا فيه فنقول: القوة العاقلة من الإنسان يتصور أن يحصل فيه ~~PageV00P611 # حقيقة العالم وهيئة الوجود تارة من جهة اقتباس الحواس وتارة من اللوح ~~المحفوظ والألواح القدرية ورأى الأشياء فيها فاستغنى عن الاقتباس من مداخل ~~الحواس. # فإذن للقلب بابان باب مفتوح إلى عالم الملكوت فهو اللوح المحفوظ وعالم ~~الملائكة العلمية والعملية بإذن الله. # وباب مفتوح إلى القوة المدركة والمحركة بإذن الله المتمسك بعالم الشهادة ~~والملك فهو جالس في الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات له ~~وجه إلى ذاك ووجه إلى هذا. # وأما وجه القلب إلى عالم الشهادة وبابه المفتوح إلى الاقتباس من الحواس ~~فلا يخفى عليك أن عالم الملك والشهادة أيضا حكاية ومثال لعالم الملكوت نوعا ~~من المحاكاة. # وأما وجهه إلى عالم الملكوت وبابه الداخلي المفتوح إلى مطالعة اللوح ~~المحفوظ ms440 والذكر الحكيم فيعلمه علما يقينيا في عجائب الرؤيا واطلاع القلب في ~~النوم على ما سيكون في المستقبل أو كان في الماضي من غير اقتباس في جهة ~~الحواس. # فإن الرؤيا الصادقة دالة على وجود جوهر مطلع على الجزئيات والكليات وهو ~~المراد من اللوح المحفوظ والذكر الحكيم. # وإنما ينفتح ذلك الباب لمن توجه إلى عالم الغيب وأفرد ذكر الله على ~~الدوام. # روي عن النبي ص أنه قال: سبق المفردون قيل: ومن هم قال: المستهزون بذكر ~~الله تعالى وضع الذكر أوزارهم فوردوا خفافا ثم قال في وصفهم: # أقبل عليهم بوجهي أترى من واجهته بوجهي يعلم أحد أي شيء أريد أن أعطيه ثم ~~قال: # أول ما أعطيه أن أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبرهم عني. # ومدخل هذه الإخبارات والإنذارات هو الباب الباطن فإذن الفرق بين علوم ~~الأنبياء والأولياء وبين جمهور العلماء والحكماء يأتي من باب الحواس ~~المفتوحة إلى عالم الملك. # هذا تمام ما لخصناه من كلام بعض أئمة العلم والشريعة أوردناه في هذا ~~الفصل لكونه مشتملا على مزيد توضيح لما بيناه سابقا يوجب سهولة الأخذ ~~للمتعلمين ومناسبا لما كنا فيه من أن علوم الأنبياء لدنية وأن النبوة ~~موهبية لا كسبية. PageV00P612 # فصل في إثبات أن النبي ص لا بد وأن يدخل في الوجود وأن يعتقد به ويؤمن ~~بأن الله هو الذي أرسله ليظهر دينه وليعلم الناس طريقة الحق ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم هو صراط الله العزيز الحميد. # وذلك أن الإنسان مدني بالطبع لا ينتظم حياته إلا بتمدن واجتماع وتعاون ~~لأن نوعه لم ينحصر في شخص ولا يمكن وجوده بالانفراد فافترقت الأعداد ~~واختلفت الأحزاب وانعقدت ضياع وبلاد فاضطروا في معاملاتهم ومناكحاتهم ~~وجناياتهم إلى قانون مطبوع مرجوع إليه بين كافة الخلق يحكمون به بالعدل ~~وإلا تغالبوا وفسد الجميع واختل النظام لما جبل عليه كل أحد من أنه يشتهي ~~لما يحتاج إليه ويغضب على من يزاحمه. وذلك القانون هو الشرع. # ولا بد من شارع يعين لهم منهجا يسلكونه لانتظام معيشتهم في الدنيا ويسن ~~لهم طريقا ms441 يصلون به إلى الله ويذكرهم أمر الآخرة والرحيل إلى ربهم وينذرهم ~~بيوم ينادون فيه من مكان قريب وتنشق الأرض عنهم سراعا ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم ولا بد أن يكون إنسانا لأن مباشرة الملك لتعليم الإنسان وتصرفه فيهم ~~على هذا الوجه فيهم ممتنع ودرجة باقي الحيوانات أنزل من هذا. # ولا بد من تخصصه بآيات من الله دالة على أن شريعته من عند ربه العالم ~~القادر الغافر المنتقم ليخضع له النوع ويوجب لمن وقف لها أن يقر بنبوته وهي ~~المعجزة. # وكما لا بد في العناية الإلهية لنظام العالم من المطر مثلا والعناية لم ~~يقتصر عن إرسال السماء مدرارا فنظام العالم لا يستغني عن من يعرفهم موجب ~~صلاح الدنيا والآخرة. # فانظر إلى لطفه ورحمته كيف جمع لخلقه بإيجاده ذلك الشخص وبين النفع ~~العاجل في الدنيا والآجل في العقبى وكيف خلق هذا لأجل النظام نعم من لم ~~يهمل إنبات الشعر على الحاجبين وتعقير الأخمصين في القدمين كيف يهمل وجود ~~رحمة للعالمين وسائق للعباد إلى رحمته ورضوانه في النشأتين. # فهذا هو خليفة الله في أرضه PageV00P613 # وستعلم معنى كونه خليفة الله في الأرض. # فهذا النبي يجب أن يفرض على الناس في شرعه العبادات. منها وجودية يخصهم ~~نفعها كالأذكار والصلوات فيحركهم بالشوق إلى الله تعالى أو نافعة لهم ~~ولغيرهم كالقرابين والزكوات والصدقات وعدمية يخصهم أيضا ويزكيهم كالصوم. ~~ومتعدية أيضا كالكف عن إيلام النوع والجنس ويسن لهم أسفارا يزعجون فيها عن ~~بيوتهم طالبين رضا ربهم ويتذكرون يوما من الأجداث إلى ربهم ينسلون فيزورون ~~الهياكل الإلهية ومساكن الأنبياء ونحوها. ويشرع لهم عبادات يجتمعون عليها ~~كالجمعة فيكسبون مع المثوبة الايتلاف والمصادفات والتودد وتكرر عليهم ~~العبادات للتحكيم وإلا فينسون فيهملون. فكما أن للجميع خليفة واسطة من قبل ~~الله فلا بد أن يكون للاجتماعات الجزئية وسائط من ولاة وحكام من قبل هذه ~~الخليفة وهم الأئمة والعلماء. # وكما أن الملك واسطة بين الله وبين النبي ص والنبي واسطة بين الأولياء ~~الحكماء من أمته وهم الأئمة ع فهم أيضا وسائط بين النبي وبين العلماء ms442 ~~والعلماء وسائط بين الأئمة والعوام. # فالعالم قريب من الولي والولي قريب من النبي والنبي من الملك والملك من ~~الله تعالى. # ويتفاوت درجات الملائكة والأنبياء والأولياء والعلماء في مراتب القرب ~~تفاوتا لا تحصى. # فصل في بيان السياسات والرئاسات المدنية وما يلحق بها من أسرار الشريعة ~~بوجه تمثيلي لا شك أن الإنسان لم يمكن أن ينال الكمال الذي لأجله خلقت إلا ~~باجتماعات جماعة كثيرة متعاونين كل واحد منهم لكل واحد ببعض ما يحتاج إليه ~~فيجتمع مما يقوم به جملة الجماعة جميع ما يحتاج إليه في قوامه وفي بلوغه ~~إلى كماله. # ولهذا كثرت PageV00P614 # الاجتماعات الإنسانية فمنها الكاملة ومنها الغير الكاملة. # فالأولى ثلث عظمى كاجتماعات أفراد الإنسان كلها في المعمورة من الأرض ~~ووسطى كاجتماع أمة في جزء من المعمورة وصغرى كاجتماع أهل مدينة في جزء من ~~أمة. # والثانية كاجتماع أهل القرية وأهل المحلة والسكة والبيت إلا أن القرية ~~للمدينة كالخادم والمحلة لها كالجزء والسكة جزء المحلة والبيت جزء السكة ~~والجمع من أهل المدائن والمساكن للأمم أجزاء لأهل المعمورة. # فالخير الأفضل والكمال الأقصى إنما ينال بالمدينة الفاضلة والأمة الفاضلة ~~التي يتعاون مدنها كلها على ما ينال بها الغاية الحقيقية والخير الحقيقي ~~دون المدينة الناقصة والأمة الجاهلة التي يتعاونون على بلوغ بعض الغايات ~~التي هي الشرور. # فالمدينة الفاضلة تشبه البدن التام الصحيح الذي يتعاون أعضاؤه كلها تتميم ~~حياة الحيوان وفيها عضو واحد رئيس هو القلب وأعضاء تقرب مراتبها من ذلك ~~الرئيس إذ لكل واحد منها جعلت فيه قوة يفعل بها فعله اقتفاء لما هو بالطبع ~~غرض ذلك العضو الرئيس. # وأعضاء أخر فيها قوى بالطبع يفعل أفعالها على حسب أغراض هذه القوى التي ~~ليس بينها وبين الرئيس واسطة وهذه في المرتبة الثانية. # وأعضاء أخر يفعل على حسب الأغراض هذه التي في المرتبة الثانية ثم هكذا ~~إلى أعضاء الخادمة لا رئاسة ولا ترأس فيها أصلا. # كذلك المدينة أجزاؤها مختلفة الفطر والطبائع متفاضلة الهيئات بحسب عناية ~~الله على عباده ووقع ظلال من نور صفاته العليا وأسماء الحسنى على خلقه ms443 ~~وبلاده كوقوع ظلال من صفات النفس الناطقة وأخلاقها على خلائق البدن وبلادها ~~من القوى والأعضاء ففيها إنسان واحد هو رئيس مطاع وآخرون يقرب مراتبها من ~~الرئيس وفي كل واحد منها هيئة وملكة يفعل بها فعلا يقتفي به ما هو مقصود ~~ذلك الرئيس وهؤلاء هم أولو المراتب الأول ودون هؤلاء هم الذين يخدمون ولا ~~يخدمون وهم الأسفلون في أدنى المراتب غير أن أعضاء البدن طبيعية والهيئات ~~التي يفعل بها أفاعيلها طبيعية وأجزاء المدينة وإن كانوا طبيعيين إلا أن ~~الأخلاق والملكات يفعلون بها أفعالهم المدنية PageV00P615 # إرادية. # وكما أن في أعضاء البدن ما هو الرئيس المطلق له من كل ما يشارك فيه عضوا ~~آخر أفضلها ودونه أيضا أعضاء أخرى رئيسة لما دونها ورئاستها تحت رئاسة ~~الأول فهي تروس وترأس فكذا رئيس المدينة هو أكمل أجزاء المدينة فيما تخصه. ~~وله من كل ما شارك فيه غيره أفضلها ودونه قوم مرؤوسون ويرؤسون آخرين. # ومن نظر حق النظر رأى كل جملة طبيعية حالها في الاجتماع والترتيب حال ~~البنية الإنسانية والمدينة الفاضلة فوجد لها رئيسا حاله من سائر الأجزاء ~~هذه الحال بل بل كل اجتماع طبيعي فهيئة ظل وشبه لهيئة العالم الإلهي ~~والوحدة الاجتماعية العالمية فإن السبب الأول نسبته إلى سائر الموجودات ~~كنسبة رئيس تلك المدينة الفاضلة إلى سائر أجزائها فإن العقول البريئة عن ~~النقائص المادية مراتبها يقرب من الأول ودونها النفوس السماوية والسماوات ~~ودونها الطبائع الهيولانية وأجسامها الطبيعية وكل هذه تحذو حذو السبب الأول ~~ويقتفيه وفعل ذلك كل موجود بحسب قوته إلا أنها يقتفي الغرض الأول بمراتب ~~بعضها أشرف فيقتفي ذلك الغرض بلا توسط وبعضها أخس يقتفي غرض ما فوقه وهكذا ~~الحال إلى أن ينتهي إلى آخر المراتب. # فكذلك ينبغي أن يكون المدينة الفاضلة فإن أجزاءها كلها ينبغي أن يحتذي ~~بأفعالها حذو مقصد رئيسها الأول على الترتيب ورئيس المدينة الفاضلة ليس ~~يمكن أن يكون أي إنسان اتفق لأن الرئاسة لا يكون إلا لمن يكون بالفطرة ~~والطبع معدا لها ويكون حاصلة له بالهيئة والملكة الإرادية صنعة الرئاسة ms444 وكل ~~صناعة ليس يمكن أن يرأس بها بل أكثر الصنائع صنائع يخدم بها في المدينة ~~وأكثر الفطر هي فطرة الخدمة. وفي الصنائع صنائع يرأس بها ويستخدم بها صنائع ~~أخرى وكما أن الرئيس الأول في كل جمعية طبيعية لا يمكن أن يرأسها شيء من ~~ذلك مثل رئيس الأعضاء الذي لا يمكن أن يكون عضو آخر رئيسا عليه. # فالرئيس الأول للمدينة الفاضلة ينبغي أن يكون صناعته صناعة لا يمكن يخدم ~~بها أصلا ولا يمكن أن يرأسها صناعة أخرى أصلا بل يكون صناعته صناعة نحو ~~غرضها يؤم الصناعات كلها وإياه يقصد بجميع الأفعال المدينة الفاضلة. ~~PageV00P616 # فصل في الصفات التي ينبغي أن يكون عليها الرئيس الأول بحسب كماله الأول ~~ويكون ذلك الإنسان إنسانا قد استكملت نفسه وصارت عقلا بالفعل وقد استكملت ~~قوته المتخيلة بالطبع غاية الكمال وكذا قوته الحساسة والمحركة في غاية ~~الكمال كلها بنوع فعل لا بانفعال محض على الوجه الذي أومأنا إليه. # فبقوته الحساسة والمحركة يباشر السلطنة ويجري الأحكام الإلهية ويحارب ~~أعداء الله ويذب عن المدينة الفاضلة وتقاتل المشركين والفاسقين من أهل ~~المدينة الجاهلية والظالمة والفاسقة ليفيئوا إلى أمر الله. # وبقوته المتخيلة معدا بالطبع ليقبل إما في اليقظة أو في وقت النوم عن ~~العقل الفعال أما الجزئيات بأنفسها وأما الكليات يحاكيها. وبقوته العاقلة ~~يكون بحيث قد استكمل عقله المنفعل بالمعقولات حتى لا يكون بقي عليه منها ~~شيء وصار عقلا بالفعل. # فأي إنسان استكمل عقله المنفعل بالمعقولات كلها وصار عقلا بالفعل ومعقولا ~~بالفعل وصار المعقول منه هو الذي يعقل حصل له عقل بالفعل فيصير عقلا ~~مستفادا متوسطا بين العقل المنفعل والعقل الفعال ولا يكون بينه وبين العقل ~~الفعال شيء آخر. # فيكون العقل المنفعل كالمادة والموضوع للعقل المستفاد والمستفاد كالمادة ~~والموضوع للعقل الفعال والقوة الناطقة التي هي هيئة طبيعية يكون مادة ~~موضوعة للعقل المنفعل الذي هو بالفعل عقل. # وقد علمت منا سابقا جلية الحال في اتحاد النفس بالعقل الفعال بعد كونها ~~صورة طبيعية للبدن المستحيل القابل للفساد والزوال وقد علمت أيضا كون العقل ~~الفعال ms445 مع وحدته الشخصية المستحيل صدقها على الكثرة فكيف كان فاعلا للنفوس ~~متقدما عليها وغاية متأخرة عنها وثمرة مترتبة عليها. # فعليك تذكر ذلك فإنه مقصد عال ومطلب غال فإذا جعلت الهيئة الطبيعية مادة ~~للعقل المنفعل الذي صار عقلا بالفعل والمنفعل مادة للمستفاد والمستفاد مادة ~~للعقل الفعال وأخذت جملة ذلك كشيء واحد كان هذا PageV00P617 # الإنسان هو الإنسان الذي حل فيه العقل الفعال. # وهذا إذا حصل للجزء النظري من قوته الناطقة يسمى هذا الإنسان حكيما ~~وفيلسوفا. # وإذا حصل ذلك في كلا جزأي قوته الناطقة وهما النظرية والعملية وفي قوته ~~المتخيلة كان هذا الإنسان هو الذي يوحى إليه فيكون الله عز وجل يوحي إليه ~~بتوسط الملك الذي هو العقل الفعال فيكون بما يفيض عن الله تبارك وتعالى إلى ~~العقل الفعال ويفيضه العقل الفعال إلى عقله يفيضه منه إلى عقله المنفعل ~~حكيما فيلسوفا ووليا وبما يفيض منه إلى قوته المتخيلة نبيا منذرا بما سيكون ~~ومخبرا بما كان وبما هو الآن من الجزئيات موجودا. # وهذا الإنسان هو في أكمل مراتب الإنسانية وفي أعلى درجات السعادة ويكون ~~نفسه كالمتحدة بالعقل الفعال على الوجه الذي قلنا. # وهذا الإنسان يقف على كل فعل يمكن أن يبلغ به السعادة فهذا أول شرائط ~~الرئيس. # فصل في الكمالات الثانوية ثم إن يكون له مع ذلك قدرة بلسانه على جودة ~~التخيل بالقول لكل ما يعلمه وقدرة على جودة الإرشاد والهداية إلى السعادة ~~وإلى الأعمال التي يبلغ بها السعادة وأن يكون له مع ذلك جودة ثبات ببدنه ~~لمباشرة أعمال الحرب. # فهذا هو الرئيس الأول للمدينة الفاضلة والأمة الفاضلة ورئيس المعمورة من ~~الأرض كلها. # ولا يمكن أن يصير إلى هذه الحال إلا من اجتمعت فيه بالطبع اثنتا عشرة ~~خصلة قد فطر عليها. # أحدها أن يكون تام الأعضاء قويا مواتيا أعضاءه على الأعمال التي شأنها أن ~~يكون بها. # ثم أن يكون جيد الفهم والتصور لكل ما يسمعه ويقال له على ما يقصده القائل ~~PageV00P618 # وعلى ما هو الأمر عليه في نفسه. # ثم أن يكون جيد الحفظ لما ms446 يفهمه ويحسه لا يكاد ينساه. # ثم أن يكون حسن العبارة يواتيه لسانه على إبانة كلما يضمره إبانة تامة. # ثم أن يكون محبا للعلم والحكمة لا يولمه التأمل في المعقول ولا يؤذيه ~~الكد الذي يناله منها. # ثم أن يكون بالطبع غير شره على الشهوات متجنبا بالطبع للعب ومبغضا للذات ~~الكائنة الفاسدة. # ثم أن يكون كبير النفس محبا للكرامة يكبر نفسه بالطبع على كلما يشين ~~ويضيع من الأمور ويسمو نفسه بالطبع إلى الأرفع منها. # ثم أن يكون الدرهم والدينار وسائر أعراض الدنيا هينة عنده. # ثم أن يكون بالطبع محبا للعدل وأهله ومبغضا للجور والظلم وأهله يعطي ~~النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه ويؤتي لمن حل به الجور مواتيا لكل ما ~~يراه حسنا جميلا عدلا غير صعب انقياد ولا جموح ولا لجوج إذا دعا إلى العدل ~~وصعب الانقياد إذا دعا إلى الجور أو القبيح بوجه. # ثم أن يكون قوي العزيمة على الشيء الذي يرى أنه ينبغي أن يفعل جورا عليه ~~مقدما غير خائف ولا ضعيف النفس. # فهذا لوازم خصائصه الثلاث التي ذكرناها سابقا واجتماع هذه كلها في إنسان ~~واحد عسر. # فلهذا لا يوجد من فطر هذه الفطرة إلا الواحد بعد الواحد كما قاله الشيخ ~~أبو علي: # جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد. ~~PageV00P619 # فصل فيه إشارة جميلة إلى أسرار الشريعة وحكمة التكاليف تمهيد حقيقة ~~الإنسان كما أومأنا إليها حقيقة جمعية وحدتها كوحدة العالم وحدة تأليفية ~~ذات مراتب كثيرة متفاوتة في التجرد والتجسم والصفاء والكدر والنور والظلمة. # وكما أن جملة العالم لها طبقات كثيرة متفاوتة في الشرف والخسة إلا أن لها ~~ثلاث أجناس في كل جنس طبقات لا يحصي عددها إلا الله والأول عالم العقل وله ~~مراتب كثيرة. # والثاني عالم المثال والخيال المنفصل على مراتب متفاوتة أقصاها يصاقب ~~أدنى عالم العقول (يعاقب خ. ل). # والثالث عالم الجرم على طبقاتها من أعلى الأفلاك إلى أدنى الأرضين والجرم ~~الأعلى في اللطافة بحيث يشابه به أدنى عالم ms447 المثال والجميع شخص واحد مظهر ~~لجميع أسماء الله تعالى التي هي على كثرتها عين الوجود الحق تبارك وتعالى. # ثم كل مرتبة من مراتب العالم كموضوع ومادة للمرتبة التي هي أعلى منها ~~وتلك بعينها صورة متقومة وفاعل وغاية لمرتبة هي تحتها وهكذا في النزول إلى ~~مادة الكل التي هي الهيولى ولها غاية الخسة. وفي الصعود إلى صورة الصور ~~وفاعلها وغاية الغايات الإمكانية وهو عقل الكل وسيد الممكنات والعبد الأعلى ~~والممكن الأشرف والحقيقة المحمدية ص على لسان التصوف وهو الأول في البغية ~~والتعقل والآخر في الدرك والعمل إلا أن هاهنا التعقل عين الوجود والوجود ~~عين التعقل فكذلك جملة الإنسان منتظمة من جميع هذه المراتب والحقائق يوجد ~~فيه حقيقة كل العوالم فهو قابل في ذاته لجميع النشئات العقلية والنفسية ~~مستجمع لجميع العوالم الغيبية والحسية. # وكما أن مجموع العالم الذي يقال له الإنسان الكبير مظهر الأسماء الإلهية ~~تفصيلا فالإنسان الكامل مظهرها إجمالا فهو مظهر لأسماء الله. وكما أن طبقات ~~PageV00P620 # العالم كلها بحيث يجمع في رباط ويتصل بعضها ببعض كسلسلة واحدة يتحرك ~~أولها بتحرك آخرها بأن يتنازل الآثار ويتصاعد الهيئات من العالي إلى السافل ~~ومن السافل إلى العالي ولكن لا على وجه ينافي قواعدهم من لزوم التفات من ~~العالي للسافل أو تأثير من السافل في العالي بل على وجه آخر يعرفه الراسخون ~~في العلم والعرفان. # كذلك هيئة النفس والبدن يتصاعد ويتنازل من موطن أحدهما إلى موطن الآخر ~~فكل منهما ينفعل عن صاحبه سواء كانت تلك الهيئات علمية أو عملية فكل صفة ~~بدنية فعلية أو إدراكية صعدت إلى عالم النفس صارت عقلية وكل ملكة نفسانية ~~فعلية أو إدراكية نزلت إلى عالم البدن صارت حسية. واعتبر بصفة الغضب كيف ~~يوجب ظهورها في البدن احمرار وجهه وبصفة الخوف كيف يوجب نزولها فيه اصفراره ~~وكذا الفكر في المعارف والحقائق وسماع آية من الملكوت كيف يوجب اقشعرار ~~البدن ووقوف أشعاره واضطراب جوارحه. # وانظر كيف يرتفع صورة المحسوسات التي صادفها البدن وأدركتها القوى ~~البدنية إلى عالم العقل الإنساني وكان محسوسا مشاهدا ms448 بالحواس في عالم الجرم ~~فصار معقولا غائبا عن الأبصار مدركا بالبصيرة والاعتبار. # وهكذا فافعل ذلك مقياسا في جميع ما وردت به الشرائع الحقة فاحكم أولا ~~إيمانك محملا في حقيقة كل مأمور به أو منهي عنه فيها بما يرجع إلى تقوية ~~الجنبة العالية منك وحفظ جانب الله وإعلاء كلمة الحق ورفض الباطل والإعراض ~~عن الجنبة السافلة ومحاربة أعداء الله واتباع الشيطان داخلا وخارجا ~~بالجهادين الأكبر والأصغر. # فصل فيه إشارة تفصيلية إلى منافع بعض الأعمال المقربة إلى الله تنبيه ~~خشوع الجوارح وخضوع البدن بعد تلطيفه وتنزيهه وتطهيره مع ذكر الله تعالى ~~باللسان وتحميده وتمجيده والإعراض عن الأغراض الحسية والامتناع عنها بكف ~~الحواس PageV00P621 # وذكر أحوال الملكوت والجبروت والتشبه بها وبالمقربين من عباد الله ~~المخلصين يوجب عروج القلب والروح إلى الحضرة القدسية والإقبال على الحق ~~والاستفاضة عن عالم الأنوار وتلقي المعارف والحقائق والاستمداد من ملكوت ~~السماوات والأرض فوضعت عبادة شاملة لهيئات الخضوع والخشوع وإتعاب الجوارح ~~مع شرائط التنظيف والتنزيه وقصد القربة وصدق النية والأذكار المذكرة لنعم ~~الله وثنائه بما يليق بحضرته وغايتها التذلل لعظمته والإذعان لأمره وحكمته. # فإن لكل علة مع معلولها ولكل لازم مع ملزومه مناسبة شديدة فيكون حصول ما ~~يناسب أحدهما معدا لحصول ما يناسب الآخر فيكون قراءة الكلام النازل في ~~اللوح الإلهي سيما حين الاتصال بعالم النور عند تدبر معانيه والتفكر في ~~حقائقه معدة لهيئات قدسية مطلوبة في الصلاة التي هي معراج المؤمن. # ولا شبهة في أن تكرار الأفعال والحركات يوجب حدوث الملكات والأخلاق. # ثم إنا قد بينا سابقا أن الحركات العلوية مبدؤها العلاقة الشوقية الحاصلة ~~في الأجرام الكريمة الفلكية ومنتهاها الإشراقات الفائضة عليها من عللها ~~وأسبابها بتحريك مبدأ الكل لها وتشويقه إياها إليه فمنه مبدؤها وإليه ~~مرجعها في دورية حركاتها وهو الذي أفاد فيها شوقا أوجب لها بطواف الأطراف. ~~فلله در طائفة بالكعبة طائفة تقربا إلى الله وطلبا لمرضاته. # والزكاة يوجب صرف النفس عن التوجه إلى الأمور الدنية البدنية وفيها تحصيل ~~لملكة الالتفات إلى غير الله وعدم الأمر بتركها بالكلية ms449 لصلاح العالم ~~وانتظامه. # فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير مع أن دفع الشر به بوجه ~~آخر والأمر بإيثار على الفقراء لأنهم أحوج إلى الخلق إلى إعطائه وهو عندهم ~~ألذ وتوجه لنفوسهم إليه أشد. # وأيضا منافع الدنيا كثيرة وحبسها على بعضها قبيح عقلا وكلما كان احتياج ~~الخلق إليه أكثر وجب أن يكون شركة الناس فيه وتوزيعه عليهم أوفر ولذلك أوجب ~~في الأقوات العشر وفي النقود ربعه. PageV00P622 # تنبيه قد تبين وتحقق بشواهد الشرع وبصائر العقل أن مقصود الشرائع كلها ~~سياقة الخلق إلى جوار الله وسعادة لقائه والارتقاء من حضيض النفس إلى ذروة ~~الكمال ومن هبوط الأجسام الدنية إلى شرف الأرواح العلية وذلك لا يتيسر إلا ~~بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته والاعتقاد بملائكته ورسله وكتبه واليوم ~~الآخر. # لأن قوام الممكن بالواجب وقوام العبد بالرب فما لم يعرف العبد نفسه ~~بالعبودية فلم يعرف نفسه ولا ربه وما لم يعرف ربه بالربوبية فكذلك لم يعرف ~~ربه ولا نفسه إذ كما أن معنى العبودية مقوم له كذلك معنى الإلهية والربوبية ~~عن ذاته تعالى بمعنى أن ذاته من غير انضمام معنى إليه إله ورب للعالم. # ولهذا قال الله تبارك وتعالى و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون أي ~~ليكونوا عبيدا. # وفيه سر النفس حيث يكون حقيقتها جوهر نوري عقلي لا وجود له ما لم يصر ~~عقلا بالفعل وهي مع ذلك لمعة من لمعات نور الله المعنوية فما لم يعرف نفسه ~~كذلك وربه كذلك لم يكن نفسه موجودا بل صارت نسيا منسيا كالمعدوم رأسا. ~~وإليه أشار سبحانه بقوله: نسوا الله فأنساهم أنفسهم. # فقد علم أن مقصود الشرائع ليس إلا معرفة الله والصعود إليه بسلم معرفة ~~النفس بالذلة والعبودية وكونها لمعة من لمعات ربه مستهلكة فيه فهذا هو ~~الغاية القصوى في بعثة الأنبياء لكن لا يحصل هذا إلا في الحياة الدنيا لكون ~~النفس في الأول لكونها ناقصة بالقوة كما علمت والارتقاء من حال نقص إلى حال ~~تمام لا يكون إلا بحركة وزمان ومادة قابلة. # ووجود ms450 هذه الأشياء من خصائص هذه النشأة الحسية وهو المعنى بقوله عليه: # الدنيا مزرعة الآخرة. # فصار حفظ الدنيا التي هي النشأة الحسية للإنسان أيضا مقصودا ضروريا تابعا ~~للدين لأنه وسيلة إليه. # والمتعلق من أمور الدنيا بمعرفة الحق الأول والزلفى لديه PageV00P623 # وتحصيل النشأة الآخرة والتقرب إليه تعالى شيئان النفوس والأموال. # ومن هاهنا يعرف مراتب الطاعات والمعاصي وأن أي الطاعات أفضل الفضائل ~~وأعظم الوسائل المقربة لديه وأيها أدون وأن أي المعاصي أكبر الكبائر ~~المبعدة عنه وأيها أدون ذلك. فإذا كان معرفة الله هي الغاية القصوى والثمرة ~~العليا فأفضل الأعمال الدنيوية ما به يحفظ المعرفة على النفوس إما بالتعليم ~~والهداية أو بالتعلم والدراسة والرئاسة. # ويليه ما ينفع في ذلك وهو ما يحفظ به الحياة على الأبدان وبعده ما يحفظ ~~به الأموال أو ما به المعايش على الأشخاص. # فهذه ثلاثة مراتب ضرورية في مقصود الشرع عقلا. # فأكبر الكبائر ما يسد باب معرفة الله ويليه ما يسد باب حياة النفوس ويلي ~~ذلك ما يسد باب المعايش التي بها حياة النفوس فيحصل من هذا أن فعل المعاصي ~~كفعل الطاعات على ثلاث مراتب: # أولاها ما يمنع من معرفة الله ومعرفة رسله وأئمته بعده وهو الكفر فلا ~~كبيرة فوق الكفر إذ الحجاب بين العبد وبين الله هو الجهل والوسيلة المقربة ~~إليه هو العلم والمعرفة وبقدر معرفته والعلم به وبصفاته وأفعاله وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر والمراجعة إليه يحصل التقرب منه والزلفى لديه. # وبقدر الجهل به وبهذه الأشياء يحصل البعد عند والطرد من جنابه ويتلو ~~الجهل بحقائق الإيمان الذي يسمى كفرا الأمن من مكر الله والقنوط من رحمته ~~فإن هذا أيضا عين الجهل. # من عرف الله لم يتصور أن يكون آمنا ولا أن يكون آيسا. # ويتلو هذه الرتبة البدع كلها المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله وبعضها ~~أشد من بعض وتفاوتها على حسب تفاوت الجهل بها على حسب تعلقها بذات الله ~~سبحانه وبأفعاله وشرائعه. # الرتبة الثانية النفوس إذ بقاؤها وحفظها بدوام الحياة ويحصل المعرفة ~~بالله واليوم الآخر. # فقتل النفس لا محالة من ms451 جملة الكبائر وإن كان دون الكفر لأن ذلك يصدم من ~~المقصود وهذا يصدم عن وسيلة المقصود. # إذ حياة الدنيا لا يراد إلا بالآخرة والتوسل إليها بمعرفة الله تعالى. # ويتلو هذه الكبيرة قطع الأطراف وكلما يفضي إلى الهلاك PageV00P624 # حتى الضرب وبعضها أكبر من بعض. # ويقع في هذه الرتبة تحريم الزنا واللواط لأنه لو اجتمع الناس على ~~الاكتفاء بالذكور في قضاء الشهوات انقطع النسل. ودفع الوجود قريب من قطع ~~الوجود. # وأما الزنا فإنه لا يفوت أصل الوجود لكن يشوش الأنساب ويبطل التوارث ~~والتناسل وجملة من الأمور التي لا ينتظم العيش إلا بها. # بل كيف يتم النظام مع إباحة الزنا ولا ينتظم أمور البهائم ما لم يتميز ~~الفحل منها بإناث يختص بها عن سائر الفحول ولذلك لا يتصور أن يكون الزنا ~~مباحا في شرع قصد به الإصلاح. # وينبغي أن يكون الزنا في الرتبة دون القتل لأنه ليس يفوت به دوام الوجود ~~ولا يمنع أصله ولكنه يفوت الأنساب وتحرك من الأسباب ما يكاد يفضي إلى ~~التقاتل. # الرتبة الثالثة الأموال فإنها معايش الخلق فلا يجوز تسليط الناس على ~~تناولها كيف شاء حتى بالاستيلاء والسرقة وغيرهما بل ينبغي أن يحفظ ليبقى ~~ببقاء النفوس إلا أن الأموال إذا أخذت أمكن استردادها وإن أكلت أمكن ~~تغريمها فليس يعظم الأمر فيها نعم إذا جرى تناولها بطريق يعسر التدارك له ~~فينبغي أن يكون ذلك من الكبائر وذلك بأربعة طرق خفية: أحدها السرقة الثاني ~~أكل مال اليتيم يعني في حق الولي ليكون خفيا فتعظيم الأمر فيه واجب بخلاف ~~الغصب فإنه ظاهر والثالث تفويتها بشهادة الزور والرابع أخذ الوديعة وغيرها ~~باليمين الغموس فإن هذه طرق لا يمكن فيها التدارك ولا يجوز أن يختلف ~~الشرائع في تحريمها أصلا. وبعضها أشد من بعض وكلها دون الرتبة الثانية ~~المتعلقة بالنفوس وهذه الأربعة جديرة بأن يكون من الكبائر وإن لم يوجب ~~الشرع الحد في بعضها ولكن كبر الوعيد عليها. وعظم في مصالح الدنيا تأثيرها. ~~وأما أكل الربا فليس فيه إلا أكل مال الغير بالتراضي مع الإخلال ms452 بشرط وضعه ~~الشارع. # ولا يبعد أن يختلف الشرائع في مثله وإن عظم الشرع الربا بالزجر عنه فقد ~~عظم أيضا الظلم بالغصب وغيره والمصير إلى أن آكله واثق بالخيانة والغصب من ~~الكبائر. # فيه نظر وذلك واقع في مظنة الشك وأكثر ميل الظن PageV00P625 # إلى أنه غير داخل تحت الكبائر بل ينبغي أن يختص الكبيرة بما لا يجوز ~~اختلاف الشرائع ليكون ضروريا في الدين. # فصل في بيان أن مقصود الشرائع كلها تعريف عمارة منازل الطريق إلى الله ~~وكيفية التأهب للزاد والاستعداد بإعداد السلاح الذي يدفع بها سراق المنازل ~~وقطاعها. # بيان ذلك أن الدنيا منزل من منازل السائرين إلى الله تعالى والنفس ~~الإنسانية مسافر إلى الله تعالى من أول منازل وجودها وهو الهيولوية التي هي ~~في غاية البعد عنه تعالى لأنها ظلمة محضة وخسة صرفة وسائر المراتب الوجودية ~~من الجسمية والجمادية والنباتية والشهوية والغضبية والإحساس والتخيل ~~والتوهم ثم الإنسانية من أول درجتها إلى آخر شرفها. # ثم الملائكة على طبقاتها المتفاوتة قربا وبعدا من الخير المحض جميعا ~~منازل ومراحل إلى الله تعالى. # ولا بد للمسافر إليه تعالى من أن يمر على الجميع حتى يصل إلى المطلوب ~~الحقيقي. # وقوافل النفوس الإنسانية متعاقبة متخالفة بعضها قريب الوصول وبعضها بعيد ~~وبعضها واقفة وبعضها راطق وبعضها سريع السير مقبلا أو مدبرا وبعضها بطيء ~~السير كذلك على حسب ما جرى قضاء الله تعالى وقدره في حق كل أحد من أهل ~~السعادة والشقاوة الأصليين والأنبياء وسائر القوافل وأمراء المسافرين إليه ~~تعالى والأبدان مراكب المسافرين ومن ذهل عن تربية المراكب وتدبير المنزل لم ~~يتم سفره وما لم يتم أمر المعاش في الدنيا التي هي عبارة عن حال النفس في ~~تعلقها بالحس لا يتم. أمر التبدل والانقطاع إلى الله تعالى الذي هو السلوك ~~ولا يتم. ذلك حتى يبقى بدنه سالما ونسله دائما ونوعه مستحفظا ولا يتم. ~~كلاهما إلا بأسباب حافظة لوجودها وأسباب دافعة لمفسداتهما ومهلكاتهما. # أما أسباب الحفظ لوجودهما فهي الأكل والشرب لبقاء الشخص والمناكحة لبقاء ~~النوع ودوام PageV00P626 # النسل. # وقد خلق الغذاء سببا ms453 للحياة وخلق الإناث سببا للنسل فخلقا للحرث والنسل ~~إلا أنه ليس يختص المأكول ببعض الآكلين ولا المنكوح ببعض الناكحين فإن ~~الغرض في الخلقة سياق الجمع إلى جوار الله تعالى ومحل كرامته لشمول عاطفته ~~وعموم رحمته للكل فلو ترك الأمر في الأفراد سدى ومن غير تعريف قانون مضبوط ~~في التقسيمات والتخصيصات لتهارشوا وتقاتلوا وشغلهم ذلك عن سلوك الطريق ~~والسير إلى الخلق بل أفضى لهم إلى الإفساد. # فشرعت للشريعة الإلهية ضوابط الاختصاصات بالأموال في أبواب عقود ~~المبايعات والمعاوضات والمداينات وقسمة المواريث ومواجب النفقات وقسمة ~~الغنائم والصدقات وفي أبواب العتق والكتابة والاسترقاق والسبي وعرف كيفية ~~التخصيص عند الاستفهام بالأقارير والأيمان والشهادات. # وشرعت أيضا قوانين الاختصاص بالمناكحات في أبواب النكاح والطلاق والرجعة ~~الخلع والصداق والإيلاء والظهار واللعان وأبواب محرمات النسب والرضاع ~~والمصاهرات. # وأما أسباب الدفع للمفاسد فهي العقوبات الزاجرة عنها كالأمر بقتال الكفار ~~وأهل البغي الظلم والحث عليه والحدود والغرامات والتعزيرات والكفارات ~~والديات والقصاص. # أما القصاص فدفعا للسعي في إهلاك الأنفس والأطراف. # وأما حد السرقة وقطع الطريق فدفعا لما يستهلك به الأموال التي هي أسباب ~~المعاش. # وأما حد الزنا واللواطة والقذف فدفعا لما يشوش أمر النسل والأنساب ويفسد ~~طريق التحارث والتناسل. # وأما جهاد الكفار وقتالهم فدفعا لما تعرض من الجاحدين للحق من تشويش ~~أسباب المعيشة والديانة اللتان بهما الوصول إلى الله تعالى. # وأما قتال أهل البغي فلما يظهر من الاضطراب بسبب انسلال المارقين عن ضبط ~~السياسة المدنية التي يتولاها حارس السالكين إلى جوار الله تعالى وكافل ~~المحققين نائبا عن رسول رب العالمين لحفظ حدود الله والأحكام الدينية ~~والدنيوية من الحلال والحرام...# PageV00P627 #####ENDNOTES# ms454