######OpenITI# #META# Author: صدر المتألهين الشيرازي #META# Title: تفسير صدر المتألهين #META# Date: ت 1059 ه #META# Tafsir_type: تفاسير الشيعة الإثنى عشرية #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1] # أعلموا - أيها المعتنون بفهم معاني الكتاب هداكم الله طريق الصواب - ~~أن هاهنا أبحاثا لفظية بعضها متعلقة بنقوش الحروف وهيئآتها الكتبية، ~~وصور الألفاظ وصفاتها السمعية، قد نصب الله لها أقواما من الكتاب ~~والقراء والحفاظ، وجعل غاية سعيهم معرفة تجويد قراءتها وتحسين ~~كتابتها وبعضها متعلقة بمعرفة أحوال الأبنية والاشتقاقات، وأحوال ~~الإعراب والبناء للكلمات، وبعضها متعلقة بمعرفة أوائل مفهومات اللغات ~~المفردة والمركبة. # وهذه كلها دون ما هو المقصد الأقصى والمنزل الأسنى. وقد بلغت في كل ~~منها طائفة حد المنتهى، وعرجت فيها غاية المدى، قد نصبهم الله لكسب هذه ~~العلوم الجزئية المتوقف عليها فهم حقائق القرآن، لتكون درجتهم درجة ~~الخوادم والآلات لما هو بالحقيقة الثمرة والتمام، وما به كمال نوع ~~الإنسان. # فاعلموا أن الكلام مشتمل على عبارة وإشارة، كما أن الإنسان متألف ~~الوجود من غيب وشهادة، فالعبارة لأهل الرعاية، والاشارة لأهل العناية، ~~فالعبارة كالميت المستتر فى طي الأكفان، والاشارة كاللطيفة الذاكرة ~~العارفة التي هي حقيقة الإنسان، والعبارة من عالم الشهادة، والاشارة من ~~عالم الغيب، والشهادة ظل الغيب، كما أن تشخص الإنسان ظل حقيقته. # أما أهل العبارة والكتابة، فقد صرفوا أعمارهم في تحصيل الألفاظ ~~والمباني، وغرقت عقولهم في إدراك البيان والمعاني. وأما اهل القرآن ~~والكلام وأهل الله خاصة بالمحبة الإلهية والجذبة الربانية والقرابة ~~النبوية، فقد يسر الله لهم السبيل، وقبل منهم قليل العمل للرحيل، ~~وذلك لخلوص نيتهم، وصفاء سريرتهم، فهم لا يحتاجون في فهم حقائق القرآن ~~وغرائب معانيه إلى أن يخوضوا في البحث عن ظواهر ألفاظ الكلام وغرائب ~~القرآن، وضبط هيئاته ومبانيه، وبصرف العمر في معرفة الاشتقاق والإعراب ~~ليصيروا فرسانا في علم الإعراب، مقدمين في جملة الكتاب، ويفرغوا غاية ~~جهدهم في الأوقات والأزمان في تحصيل ما يسمونه علم المعاني والبيان، وما ~~يجري هذا المجرى في الرتبة والشأن، بل كفاهم طرف يسير من كل فن منها، ~~وجرعة قليلة من كل دن من دنها، أخذا للزاد، وتعجيلا لسفر المعاد. # فمن أراد أن يقف على أنه لم طولت الباء في " بسم الله " ومدت ~~السين؟ ms0001 أو لم حذفت الألف في الخط هنا، واثبتت في قوله " باسم ربك " ~~أو لم أسقطت الألف بعد اللام في " الله " أو هل تفخم لام الجلالة أم ~~لا، فليرجع إلى أهل الخط والقراءة. # ومن أراد أن يقف على أن البسملة ما شأنها في أوائل السور الكريمة. هل هي ~~هناك جزء من كل واحدة، أو أنها جزء من الفاتحة وحدها لا غير، أو أنها ~~ليست جزء من شيء منها، بل هي آية فذة من القرآن، أو انزلت للفصل بها بين ~~السور، أو أنها لم تنزل إلا بعض آية في سورة النمل، وليست جزء من غيرها، ~~وإنما يأتي بها التالي والكاتب في أوائلهن تبركا باسمه تعالى. # أو أنها آيات من القرآن أنزلت بعدد السور المصدرة بها من دون ~~الجزئية لهن، فليرجع إلى أصحاب النقل وأهل الرواية. # ومن أراد أن يعرف بم تعلقت الباء، وبأي محذوف ارتبطت، ولم قدر ~~المحذوف متأخرا من قال: إن المراد بسم الله أقرأ أو أتلوا، وقد قدمه ~~تعالى في قوله إقرأ باسم ربك وما معنى تعلق اسم الله بالقراءة. ~~أو كيف يقدر كذلك والقائل هو الله أو كيف بنيت الباء على الكسرة ومن حق ~~حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت ~~السكون، نحو كاف التشبيه، ولام الابتداء، وواو العطف، وفائه، وغير ذلك، ~~وأن كلمة الجلالة إسم هي أو صفة مشتقة، أم جامدة، فليرجع إلى مطالعة ~~التفاسير المشهورة، سيما الكشاف، فإنه كامل في بابه فائق على أترابه، ~~وإن لكل طائفة فيما يعدونه تقربا إلى الله وعبودية له رأيا ومذهبا، ~~والكل باختلاف مشاربهم ومذاهبم إياه يطلبون، ونحوه يقصدون، وبما لديهم ~~فرحون، وبما جاء به غيرهم - وإن كان على بينة من ربه - يستهزئون " ~~وللناس فيما يعشقون مذاهب " إلا أن مذهب أهل الله شيء آخر، ودينهم دين ~~خالص، بل لا مذهب لهم إلا الله ولا دين لهم سواه: # ألا لله الدين الخالص # [الزمر:3]. # مذاهب شتى للمحبين في الهوى # ولي مذهب فرد أعيش به وحدي # وهم عباد ms0002 الرحمن بالحقيقة، وغيرهم عبدة المذاهب والآراء، وطلاب ~~النفس والهوى، لأن عبادة الرب وطاعته فرع معرفته، وطلب قربته، إذ طلب ~~المجهول محال، فمن لم يكن عارفا بالله ولا عارفا بملكوته، فكيف يحبه ~~ويطلبه ويقصد التقرب إليه ويتولاه. ولكن الحق لكمال رأفته ورحمته ~~لعباده وشمول عاطفته وانبساط نور وجوده على الممكنات، وتجلي وجه ذاته ~~لسائر الموجودات، جعل لكل منهم مثالا يحتذونه، ومثابة يقصدونها، ~~ومنهاجا يسلكونه، ووجهة يتولونها، وقبلة يرضونها، وشريعة يعملون بها ~~فقال: # ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ~~أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا # [البقرة:148]. وقال: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48]. الآية، وقال: # كل حزب بما لديهم فرحون # [الروم:32]. وهكذا حكم اختلاف المشتغلين بعلم القرآن، وتفاوت مراتبهم في ~~بطونه وظهوره، ولبابه وقشوره، لأن كلام الله لمعة من لمعات ذاته، فكما ~~وقع الاختلاف والتفاوت في مذاهب الخلق واعتقاداتهم لله بين مجسم ~~ومنزه ومتفلسف ومعطل ومشرك وموحد، فكذا وقع الاختلاف ~~والتفاوت بينهم في الفهوم، فهذا مما دل على كمال القرآن، لأنه بحر عميق ~~غرق في تياره الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، ولا يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون، سواء وقع الوقف على الله أم لا، إذ الراسخون إذا علموا ~~تأويله لم يعلموا إلا بالله، ولم يحيطوا به علما إلا بعد فناء ذواتهم عن ~~ذواتهم، واندكاك جبل هوياتهم، ولا يحيطون بعلمه إلا بما شاء. # والغرض من هذا الكلام أن علم القرآن مختلف. والأذواق فيه متفاوتة حسب ~~اختلاف أهل الاسلام في المذاهب والأديان، وكل حزب بما لديهم فرحون، إلا ~~ان سائر المشتغلين به منهم في واد وأهل القرآن - وهم أهل الله وحزبه - ~~في واد لأنهم من أهل القول والعبارة، وهؤلاء من أهل الكشف والاشارة، ومن ~~أراد أن يتقحم لجة هذا البحر العميق، ويخوض غمرته خوض الجسور لا خوض ~~الجبان الحذور، كان يجب عليه أولا أن يطلع على سائر التفاسير، ويتفحص ~~عن عقيدة كل فرقة من الفرق الإثنتين والسبعين. ويستكشف أسرار مذاهب كل ~~طائفة من طوائف المسلمين، ليميز بين محق ومبطل، ومتدين ومبتدع، ويكون ms0003 ~~كما حكى الشيخ أبو حامد عن نفسه: لا يغادر باطنيا إلا ويريد أن يطلع ~~على بطانته، ولا ظاهريا الا ويقصد أن يعلم حاصل ظهارته، ولا فيلسوفا ~~إلا ويتحرى الوقوف على كنه فلسفته ولا متكلما إلا ويجتهد في الاطلاع ~~على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيا إلا ويحرص على العثور على سر ~~صفوته، ولا زنديقا أو معطلا إلا ويتجسس للتنبه لأسباب جرأته في ~~زندقته أو تعطيله، وكان لم يزل التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبه وديدنه ~~وغريزيا له، فطرة من الله في جبلته لا باختياره وحيلته، حتى انحلت ~~عن قلبه رابطة التقليد، وانكسرت عليه سفينة العقائد الموروثة على قرب ~~الصبى من الآباء والأساتيذ. إذ قد رأى صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء ~~إلا على التنصر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان ~~المسلمين لا نشوء لهم على الإسلام، كما دل عليه الحديث المروي عن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله): # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه " # فإذا بلغ إلى هذا المقام من التحير والانضجار والانكسار، والتهبت نار ~~نفسه الكامنة فيه لغاية الاضطرار، واشتعل كبريت قلبه نارا من حدة ~~غضبه على نفسه لما رآها بعين النقص والاحتقار، وكان زيت نور الايمان في ~~قلبه يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، فوقع عليه نور الأنوار، وانكشف له سر ~~من عالم الأسرار، رأى بذلك النور الجلى أصل كل نظر دقيق، وشاهد بذلك ~~السر الخفي غاية كل شك وتحقيق، ونهاية كل مبحث عميق، وبه يحصل له ~~الاقتدار على معرفة أسرار القرآن العظيم واستيضاح لطائف كتاب الله ~~العليم، ومعجزة رسوله الكريم عليه وآله الصلاة والتسليم. # فعند ذلك يخوض فيه ويغوص في بحار معانيه، ويستخرج دررا ويواقيت ينعكس ~~لمعانها على أعين الناظرين في سواحله، وأسماع الواقفين على حواليه، وما ~~ينكشف منها للآدميين فهو قدر يسير بالاضافة إلى ما لم ينكشف، لأنه مما ~~استأثره الله بعلمه، فربما تجد أيها الناظر بعين المروة والاشفاق من ~~هذا الجنس في هذه الأوراق إن كنت من أهله، وإلا فغض ms0004 بصرك عن ملاحظة ~~أسرار معرفة الله، ولا تنظر إليها ولا تنسرح في ميدان معرفة معاني الوحي ~~والقرآن، واشتغل بأشعار شعراء العرب وغرائب النحو وعلوم الأدب والفروع، ~~ونوادر الطلاق والعتاق، وحيل المجادلة في البحث والمراوغة في الكلام، ~~وسائر الحكايات والمواعظ التي فيها مصيدة العوام، ومجلبة الجاه ~~والحطام، والغلبة في الخصام، فذلك أليق بك، فإن قيمتك على مقدار همتك، ~~وقصدك على سمت رتبتك، ولا ينفعكم نصحي ان اردت ان انصح لكم إن كان الله ~~يريد أن يغويكم من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم. # فصل # [الاسم] # إسم الإسم موضوع في اللغة للفظ دال على معنى مستقل، لأنه مشتق من ~~السمة وهي العلامة، فكأنه كان منقولا لغويا نقل من مطلق العلامة ~~للشيء إلى علامة خاصة، وهو اللفظ الدال عليه بالاستقلال، ولما كان ~~نظر العرفاء إلى أصل كل شيء وملاك أمره من غير احتجابهم بالخصوصيات ~~ومواد الأوضاع، كان الاسم عندهم أعم وأشمل من أن يكون لفظا مسموعا، أو ~~صورة معلومة، أو عينا موجودا. # ويشبه أن يكون عرفهم يطابق عرف القرآن والحديث، فإن الاسم في قوله ~~تعالى: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى:1]. وقوله: # تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام # [الرحمن:78]، مستبعد أن يكون المراد به الحرف والصوت وما يلتئم منهما، ~~لانهما من عوارض الأجسام، وما هو كذلك يكون أخس الأشياء، فكيف يكون ~~مسبحا مقدسا، والقول بكونه من قبيل مجاز الحذف، أو المجاز في ~~التشبيه، بعيد من غير ضرورة داعية مع وجود معنى حقيقي، فاسم الله عندهم ~~معنى مقدس عن وصمة الحدوث والتجدد، منزه عن نقيصة التكون والتغير، ~~فلهذا وقعت الاستعانة والتبرك باسمه تعالى في مثل قولك: باسم الله ~~اقرء وبسم الله اكتب، وجرت العادة بالتوسل إلى اسم الله لطلب ~~الحوائج وكفاية المهمات، في مثل: بسم الله الشافي بسم الله ~~الكافي، وفي الأدعية النبوية: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في ~~الأرض ولا في السماء. # وقد ثبت عند محققي العلماء، أن المؤثر في جواهر الأكوان ليس إلا ~~الباري جل اسمه، أو ms0005 ملك مقرب من ملائكته بإذنه، فلا تأثير للعوارض ~~الجسمانية في الأشياء الجوهرية ايجادا وإعداما، نعم الأذكار ~~والأدعية إنما تؤثر من جهة معانيها واتصال النفس عند التذكر ~~بمباديها الفعالة، فعالم الذكر الحكيم منبع إنجاح المهمات، ومبدأ ~~استيجاب الدعوات، لا مقارعة الحروف والأصوات، وتحرك الشفتين بالالفاظ ~~والعبارات، وقد مر في المفاتيح ما يكشف عن بعض الأسرار المتعلقة بأسماء ~~الله. # فصل # [اسم الله تعالى] # فاسم الله عند أكابر العرفاء، عبارة عن مرتبة الالوهية الجامعة لجميع ~~الشؤون والاعتبارات، والنعوت والكمالات، المندرجة فيها جميع الأسماء ~~والصفات التي ليست إلا لمعات نوره وشؤون ذاته وهي أول كثرة وقعت في ~~الوجود، برزخ بين الحضرة الأحدية وبين المظاهر الأمرية والخلقية، ~~وهذا الاسم بعينه جامع بين كل صفتين متقابلتين أو اسمين متقابلين، لما ~~علمت سابقا أن الذات مع كل صفة اسم، وهذه الأسماء الملفوظة أسماء ~~الأسماء، والتكثر فيها بحسب تكثر النعوت والصفات، وذلك التكثر إنما ~~يكون باعتبار مراتبه الغيبية وشؤونه الإلهية التي مفاتيح الغيب، وتقع ~~عكوسها وأظلالها على الأشياء الكونية. # فكل ما في عالم الإمكان صورة اسم من أسماء الله، ومظهر شأن من شؤونه، ~~فأسماء الله معان معقولة في غيب الوجود الحق، بمعنى ان الذات الأحدية ~~التي لا سبيل للعقل إلى إدراكها، بحيث لو وجدت في العقل، أو أمكن له أن ~~يلحظها، لكان ينتزع منها هذه المعاني ويصفها بها فالذات الأحدية مع ~~أحديتها وبساطتها مصداق لحمل هذه المعاني عليها من غير وجود صفة زائدة ~~كما مر. # وهذه المعاني - كسائر المفهومات الكلية - ليست من حيث هي هي موجودة ولا ~~معدومة، ولا عامة ولا خاصة، ولا كلية ولا جزئية، وليست هي ~~كالهويات الوجودية التي هي موجودات بذواتها، متشخصات بهويتها، لأنها ~~بمنزلة الأشعة والروابط لوجود الحق، متى عقلت عقلت مرتبطة بذاته ~~تعالى، موجودة بوجوده، واجبة بوجوبه، بخلاف المعاني الكلية، لأنها قد ~~تصير كلية في الذهن جزئية في الخارج، وقد تكون موجودة في العقل ~~معدومة في العين، ولها الحكم والأثر فيما له الوجود العيني، بل تنسحب ~~عليها أحكام الوجود بالعرض، وتتنور بنوره، وتنصبغ ms0006 بصبغه من الوجوب ~~والوحدة والأزلية. # قال بعض أهل الله: الوجود الحق هو الله خاصة من حيث ذاته وعينه، لا من ~~حيث أسمائه، لأن الأسماء لها مدلولان: أحدهما: عينه، وهو عين المسمى. ~~والآخر: ما يدل عليه مما ينفصل الإسم به عن اسم آخر ويتميز في العقل، ~~فقد بان لك بما هو كل اسم عين الآخر وبما هو غيره، فبما هو عينه، هو ~~الحق، وبما هو غيره، هو الحق المتخيل الذي كنا بصدده، فسبحان من لم ~~يكن عليه دليل سوى نفسه، ولا يثبت كونه إلا بعينه - انتهى كلامه. # نقول: مراده من الحق المتخيل، ما لوحناه إليك، من أن كلا من ~~مفهومات الأسماء الإلهية وإن كان بحسب نفس معناه معرى عن صفة الوجود ~~الحقيقي من الوجوب والقدم والأزلية، إلا أنه مما تجري عليه في نفس ~~الأمر تلك الأحكام، وينصبغ بنور الوجود الأحدي بالعرض، لأن صفاته عين ~~ذاته، وهذا النحو من العينية والاتحاد بالعرض غير ما ألفه الجمهور ~~وجرى عليه اصطلاحهم في الكتب العقلية فيما حكموا عليه بالاتحاد ~~بالعرض، لان ذلك عندهم جار في اتحاد العرضيات والمشتقات المحمولة ~~على موضوعاتها، كاتحاد مثل الأبيض والأعمى مع زيد مما يشترط فيه قيام ~~معنى المشتق منه ووجوده حقيقة أو إنتزاعا. # ومعنى هذا الاتحاد أن الوجود المنسوب أولا وبالذات إلى زيد مثلا، هو ~~بعينه منسوب إلى العرضي المشتق ثانيا وبالعرض، أي على سبيل المجاز، مع ~~تجويز أن يكون لهذا العرضي نحو آخر من الوجود يوجد به بالذات غير هذا ~~الوجود الذي قد وجد به بالعرض، فإن مفهوم الأبيض وإن كان متحدا مع ~~زيد، موجودا بوجوده، إلا ان له نحوا آخر من الوجود الخاص به في نفسه، ~~فإنه جوهر موجود بالعرض، وعرض موجود بالذات لما قد حقق في مقامه ~~من ان العرضي عين العرض الذي هو مبدء اشتقاقه بالذات، فيكون موجودا ~~بوجوده الجوهري بالعرض. # وليس من هذا القبيل اتحاد المعاني والأعيان الكلية بحقيقة الوجود، إذ ~~لا يمكن لها ضرب آخر من الوجود معرى عن الوجود، أو منحازا عنه، لا ms0007 في ~~نفس الأمر، ولا عند العقل. # فالمعية بين ذات الله وأسمائه الحسنى ليست كالمعية بين العرضي ~~والذاتي، فضلا عما هو بين العرض والجوهر، ولا كمعية الذاتيات في ~~الماهيات الامكانية، لأن الحق ليس ذا مهية كلية، بل حقيقته ليست إلا ~~وجودا مقدسا بسيطا صرفا، لا اسم له ولا رسم، ولا إشارة إليه إلا ~~بصريح العرفان، ولا حد له ولا برهان عليه إلا بنور العيان، وهو البرهان ~~على كل شيء والشاهد في كل عين، فمعنى كون أسمائه وصفاته عين ذاته كما ~~مر أن الذات الأحدية بحسب نفس هويته الغيبية، ومرتبة إنيته ~~الوجودية، مع قطع النظر عن انضمام أي معنى أو اعتبار أي أمر كان، بحيث ~~تصدق في حقه هذه الأوصاف الكمالية والنعوت الجمالية، وتظهر من نور ~~ذاته في حد ذاته هذه المحامد القدسية، وتتراءى في شمس وجهه هذه الجلايا ~~النورية، والأخلاق الكريمة العلية، وهي في حدود أنفسها مع قطع لنظر عن ~~نور وجهه وشعاع ذاته، لا ثبوت لها ولا شيئية أصلا، فهي بمنزلة ظلال ~~وعكوس تتمثل في الأوهام والحواس من شيء، وكذلك حكم الأعيان الثابتة ~~وحكم المعاني الذاتية لكل موجود. # فجميع الأعيان المعقولة والطبائع الكلية، ما هي عند التحقيق إلا نقوش ~~وعلامات دالة على أنحاء الوجودات الإمكانية، التي هي من رشحات بحر ~~الحقيقة الواجبية وأشعة شمس الوجود المطلق، ومظاهر أسمائه وصفاته، ~~ومجالي جماله وجلاله، وأما نفس تلك الأعيان والماهيات منحازة عن ~~الوجودات الخاصة، فلا وجود لها أصلا لا عينا ولا عقلا. بل أسماء فقط ~~كما في قوله: # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان # [النجم:23]. ولعل الكلام انجر إلى ما لا تطيق سماعه أسماع الأنام، ~~ويضيق عن فهمه نطاق الأفهام. # فصل # [اسم الجلالة] # فإن قلت: هل لمعنى اسم الجلالة حد أم لا؟ قلت: الحد عند الحكماء قول ~~دال على تصور أجزاء الشيء ومقوماته، فما لا جزء له ولا مقوم لذاته ~~فلا حد له، وما لا حد له لا برهان عليه، لأن الحد والبرهان متشاركان ~~في الحدود ms0008 كما بين في علم الميزان، وإذا تقرر هذا فلا شبهة في أن ذات ~~الباري لتقدسه عن شوائب التركيب أصلا، سواء كان من الأجزاء الوجودية ~~أو الحملية أو غير ذلك - على ما اقتضاه برهان التوحيد والأحدية -، فلا ~~حد له كما لا برهان عليه. # وأما ان مفهوم لفظ الله هل له حد أم لا؟ فالحق هو الأول، لأن معناه ~~الموضوع له معنى مجمل متضمن لمعاني جميع الصفات الكمالية، فكل معنى من ~~معاني أسماء الله يكون جزءا لمعنى هذا الاسم عند التفصيل، وقد تقرر أن ~~الفرق بين الحد والمحدود ليس إلا بالإجمال والتفصيل، وأن التفاوت بين ~~المعنى الإجمالي والمعنى التفصيلي له ليس إلا بحسب الإدراك ومن جهة ~~الملاحظة دون المدرك والملحوظ؛ فإن الألفاظ المذكورة في حد الشيء، تدل ~~على ما دل عليه لفظ المحدود بعينه بدلالة تفصيلية. # وليس من شرط الحد أن يكون مؤلفا من جنس وفصل من أجزاء الشيء، سواء ~~كان بعضها أعم من بعض مطلقا، أو من وجه، أو كانت متساوية، وسواء كانت ~~أجزاء محمولة أو متباينة، إلا ان المشهور أن الحد لا يكون إلا من جنس ~~وفصل لما رأو ان الطبائع النوعية الواقعة تحت إحدى المقولات العشر ~~المشهور حدودها لا تكون إلا كذلك. # والحق أن كل اسم وضع لمعنى واحد جملي متألف من معان متعددة عند ~~التفصيل بالفعل أو بحسب - التحليل، يدل عليها ألفاظ متعددة، يكون الأول ~~محدودا والثاني حدا، وهكذا معنى اسم الله بالقياس إلى معاني جميع ~~الأسماء الحسنى، فإن نسبتها إليه نسبة الحد إلى المحدود، إذ التفاوت ~~ليس إلا بنحو الملاحظة مرة إجمالا ومرة تفصيلا، وهذا مما لا يخل ~~ببساطة الذات المقدسة، وأحدية الوجود القيومي تعالى عن التصور ~~والتمثل والتخيل والتعقل لغيره فإن كل ما يدركه العقل من معاني ~~الأسماء بحسب مفهوماتها اللغوية أو الإصطلاحية، فهي خارجة عن ساحة جناب ~~العز والكبرياء، وانما يجد الذهن سبيلا إليها من ملاحظة مظاهرها ~~ومجاليها، ومن مشاهدة مربوباتها ومحاكيها. # قال في الفص النحوي: إن للحق في كل خلق ظهورا خاصا. فهو الظاهر ms0009 ~~في كل مفهوم وهو الباطن عن كل فهم، إلا عن فهم من قال إن العالم صورته ~~وهويته. وهو الاسم الظاهر، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر، فهو الاسم ~~الباطن، فنسبته لما ظهر من صورة العالم نسبة الروح المدبر للصورة، ~~فيؤخذ في حد الإنسان - مثلا - باطنه وظاهره، وكذلك كل محدود، فالحق ~~محدود بكل حد وصور العالم لا تنضبط ولا يحاط بها، ولا يعلم حدود كل ~~صورة منها إلا على حد ما حصل لكل عالم من صوره، فلذلك يجهل حد الحق، ~~فإنه لا يعلم إلا من يعلم حد كل صورة، وهذا محال، فحد الحق محال. # ثم قال: فحد الألوهية له بالحقيقة لا بالمجاز - انتهت ألفاظه. # ويتلخص من كلماته: أن مسمى لفظ الله هو المنعوت بميع الأوصاف ~~الكمالية والنعوت الإلهية، لما تقرر عندهم، أنه ما من نعت إلا وله ~~ظل ومظهر في العالم، وثبت أيضا أن الإشتراك بين معنى كل اسم ومظهره ~~ليس بمجرد اللفظ فقط، حتى تكون الألفاظ العلم والقدرة وغيرهما موضوعة ~~في الخالق لمعنى وفي المخلوق لمعنى آخر، وإلا لم تكن - هذه المعاني فينا ~~دلائل وشواهد على تحققها في الباري على وجه أعلى وأشرف، والمتحقق ~~خلافه، فبطل كون الإشتراك لفظيا فقط، بل يكون معنويا، إلا ان هذه ~~المعاني تكون هنا في غاية القصور والنقص، وهناك في غاية العظمة والجلالة. # فتكون الأسماء الإلهية مع مظاهرها ومجاليها الكونية متحدة المعنى، ~~سواء كانت المظاهر من الصور الحسية الموجودة في عالم الشهادة، الواقعة ~~أسماؤها تحت حيطة الإسم " الظاهر " كالسميع والبصير والمتكلم، ومظاهرها ~~المختلفة المدركة بإدراك الحواس الظاهرة، أو كانت من الصور العقلية ~~الموجودة في عالم الغيب العقلي، الواقعة أسماؤها تحت حيطة الاسم " ~~الباطن " كالسبوح والقدوس، ومظاهرها المتنوعة المندرجة في عالم الأمر، ~~المدركة بالمدارك الباطنية العقلية. # وقد عرفت أن حد الشيء عبارة عن صور عقلية تفصيلية يدل عليها ~~بألفاظ متعددة دالة على ما يدل عليه لفظ واحد، بأن يكون لحقيقة واحدة ~~كالإنسان مثلا صورتان إدراكيتان، إحداهما موجودة بوجود واحد إجمالي، ~~والأخرى موجودة بوجودات متعددة تفصيلية، فيقال ms0010 للمفصلة إنها حد، ~~وللمجمل إنه محدود، فعلى هذا يلزم أن تكون مفهومات جميع الأسماء ~~الإلهية ومظاهرها الكونية التي هي أجزاء العالم ظاهرا وباطنا على ~~كثرتها حدا حقيقيا لمفهوم اسم الله، فيلزم أن يكون جميع معاني حقائق ~~العالم حدا لاسم الله، كما ان جميع معاني الأسماء الإلهية حد له، ~~إلا ان سائر الحدود للأشياء المحدودة يمكن إحاطة العقل البشري ~~لأجزائها، بخلاف معاني أجزاء هذا الحد، لأنها غير محصورة، والمراد من ~~لفظ الحق في قوله فالحق محدود بكل حد هو مفاد لفظ الله باعتبار معناه ~~الكلي ومفهومه العقلي، لا باعتبار حقيقة معناه التي هي الذات الأحدية ~~وغيب الغيوب، إذ لا نعت له ولا حد ولا اسم ولا رسم ولا سبيل إليه ~~للإدراك العقلي، ولا ينال أهل الكشف والشهود لمعة من نوره إلا بعد فناء ~~هويتهم واندكاك جبل إنيتهم. # ويؤيد هذا ما ذكره في الفص الاسماعيلي: اعلم أن مسمى لفظة الله ~~أحدي بالذات، كل بالأسماء، وكل موجود فما له من الله إلا ربه ~~خاصة، يستحيل أن يكون له الكل. # وأما الأحدية الإلهية فما لواحد فيها قدم لا أنه ينال الواحد منها ~~شيئا والآخر منها شيئا، لأنها لا تقبل التبعيض، فأحديته مجموع كله ~~بالقوة. # انتهى. # فصل # [الانسان الكامل هو العبد الحقيقي] # اعلم يا وليي - نور الله قلبك بالايمان - أن أكثر الناس لا يعبدون ~~الله من حيث هو الله، وإنما يعبدون معتقداتهم في ما يتصورونه معبودا ~~لهم، فآلهتهم في الحقيقة أصنام وهمية يتصورونها وينحتونها بقوة ~~اعتقاداتهم العقلية أو الوهمية، وهذا هو الذي أشار إليه عالم من أهل ~~البيت (عليهم السلام) وهو محمد بن علي الباقر (عليه السلام): كلما ~~ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مصنوع مثلكم مردود إليكم - الحديث. # اي فلا يعتقد معتقد من المحجوبين الذين جعلوا الإله في صور معتقدهم ~~فقط إلها، إلا بما جعل في نفسه وتصوره بوهمه، فإلهه بالحقيقة مجعول ~~لنفسه، منحوت بيد قوته المتصرفة، فلا فرق بين الأصنام التي اتخذت ~~إلها وبينه في أنه مصنوع لنفوس، سواء كانت في خارجها أو ms0011 في داخلها، بل ~~الأصنام الخارجية أيضا إنما عبدت من جهة اعتقاد الألوهية من عابدها ~~في حقها، فالصور الذهنية معبودة لهم حينئذ بالذات، والصورة الخارجية ~~معبودة لهم بالعرض، فمعبود عبدة الأصنام كلهم ليست إلا صور ~~معتقداتهم وأهواء أنفسهم، كما أشير إليه في قوله تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية:23]. فكما أن أصحاب الأصنام الجسمية يعبدون ما عملته أيديهم، ~~فكذلك أصحاب الإعتقادات الجزئية في حق الحق يعبدون ما كسبته أيدي ~~عقولهم، فحق عليهم وعلى معبودهم قوله: # أف لكم ولما تعبدون من دون الله # [الأنبياء:67]. وكذا قوله: { إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم }. # وابن الزبعري لقصوره عن إدراك هذا المعنى، اعترض على رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) بأنه قد عبدت الملائكة والمسيح، ولم يعلم هو ومن في ~~مرتبته إن معبود عبدة الملائكة والمسيح هو من عمل الشيطان، وأما ~~الكمل من العرفاء، فهم الذين يعبدون الحق المطلق المسمى باسم الله من ~~غير تقييد باسم خاص وصفة مخصوصة، فيتجلى لهم الحق المنعوت بجميع ~~الأسماء، وهم لا ينكرونه في جميع التجليات الأسمائية والأفعالية ~~والآثارية، بخلاف المحجوب المقيد الذي يعبد الله على حرف فإن أصابه ~~خير اطمأن به وإن اصابته فتنة انقلب على وجهه. # وذلك لغلبة أحكام بعض المواطن واحتجاب بعض المجالي عن بعض في نظره، ومن ~~هذا الاحتجاب ينشأ الإختلاف بين الناس في العقائد، فينكر بعضهم بعضا، ~~ويلعن بعضهم بعضا، وكل أحد يثبت للحق ما ينفيه الآخر، ويظن ما يراه، ~~ويعتقد غاية الإجلال والتعظيم له تعالى وينكر غير ذلك، وقد أخطأ وأساء ~~الأدب في حق الحق وهو عند نفسه أنه قد بلغ الغاية في المعرفة ~~والتأدب، وكذلك كثير من أهل التنزيه، لغلبة أحكام التجرد عليهم، فهم ~~محتجبون كبعض الملائكة بنور التقديس، وهم في مقابلة المشبهة المحتجبة ~~بظلم التجسيم كالحيوانات. # وأما الإنسان الكامل، فهو الذي يعرف الحق بجميع المشاهد والمشاعر، ~~ويعبده في جميع المواطن والمظاهر، فهو عبد الله يعبده بجميع أسمائه ~~وصفاته، ولهذا سمي بهذا الاسم أكمل أفراد الإنسان محمد (صلى الله عليه ms0012 ~~وآله)، فإن الاسم الإلهي، كما هو جامع لجميع الأسماء، وهي تتحد ~~بأحديته الجمعية، كذلك طريقه جامع طرق الأسماء كلها وإن كان كل واحد ~~من تلك الطرق مختصا باسم يرب مظهره ويعبد ذلك المظهر من ذلك الوجه، ~~ويسلك سبيله المستقيم الخاص به، وليس الطريق الجامع لطرق سائر المظاهر ~~إلا ما سلكه المظهر الجامع النبوي الختمي - على الشارع فيه وآله أفضل ~~صلوات الله وتسليماته - وسلكه خواص أمته الذين هم خير الأمم، وهو طريق ~~التوحيد الذي عليه جميع الأنبياء والأولياء سلام الله عليهم أجمعين. # ويؤيد ذلك ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه لما أراد أن ~~يبين ذلك للناس، خط خطا مستقيما، ثم خط من جانبيه خطوطا خارجة ~~من ذلك الخط، وجعل الأصل الصراط المستقيم الجامع، وجعل الخطوط الخارجة ~~منها سبل الشيطان، كما قال تعالى: # ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام:153]. يعني السبيل التي لكم فيها السعادة والنجاة، وإلا ~~فالسبل كلها إليه لأن الله منتهى كل قصد وغاية كل مقصود، ولكن ما كل ~~من رجع إليه وآب سعد ونجى عن التفرقة والعذاب فسبيل السعادة واحدة، # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني # [يوسف:108] # وأما سائر السبل، فغايتها كلها إلى الله أولا ثم يتولاه الرحمن آخرا ~~ويبقى حكم الرحمن فيها إلى الأبد الذي لا نهاية لبقائه وهذه مسألة عجيبة ~~لم أجد على وجه الأرض من عرفها حق المعرفة. # فصل # الله و " هو " # اعلم إن نسبة اسم " هو " إلى اسم " الله " كنسبة الوجود إلى المهية في ~~الممكن إلا ان الواجب تعالى لا مهية له سوى الإنية وقد مر ان مفهوم ~~اسم الله مما له حد حقيقي إلا ان العقول قاصرة عن الإحاطة بجميع ~~المعاني الداخلة في حده لأنه إنما عرفت صورة حده إذا عرفت صور حدود ~~جميع الموجودات، وإذ ليس فليس وأما إسم " هو " فلا حد له ولا إشارة ~~إليه، فيكون أجل مقاما وأعلى مرتبة، ولهذا يختص بمداومة هذا الذكر ~~الشريف الكمل الواصلون. # والنكتة فيه؛ أن ms0013 العبد متى ذكر الله بشيء من صفاته، لم يكن مستغرقا في ~~معرفة الله، لأنه إذا قال " يا رحمن " فحينئذ يتذكر رحمته فيميل طبعه ~~إلى طلبها، فيكون طالبا لحظه، وكذا إذا قال: يا كريم يا محسن يا غفار ~~يا وهاب يا منتقم. وإذا قال: يا مالك، فحينئذ يتذكر ملكه وملكوته وما ~~فيه من أقسام النعم ولطائف القسم، فيميل طبعه إليها ويطلب شيئا ~~منها، وقس عليه سائر الأسماء. # وأما إذا قال " يا هو " وانه يعرف انه تعالى هوية صرفة لا يشوبه ~~عموم ولا خصوص، ولا تكثر وتعدد، ولا تناه وحد، فهذا الذكر لا يدل على ~~شيء ألبتة، إلا محض الإنية التامة التي لا يشوبه معنى يغايره، فحينئذ ~~يحصل في قلبه نور ذكره، ولا يتكدر ذلك النور بالظلمة المتولدة عن ذكر ~~غير الله، وهنالك النور التام والكشف الكامل. # نكتة اخرى # [الاسم " هو " ] # ان جميع صفات الله المعلومة عند الخلق، إما صفات الجلال، وإما صفات ~~الإكرام. أما الأولى: فكقولنا: إنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا ~~في مكان، وهذا فيه وقيعة، كمن خاطب السلطان بأنك لست أعمى ولا أصم ولا ~~كذا وكذا وصار يعد أنواع المعائب والنقائص، فإنه ينسب إلى إساءة ~~الأدب، ويستوجب الزجر والتأديب. # وأما صفات الإكرام: فككونه خالقا للخلائق، رازقا للعباد، وهذا ايضا ~~فيه وقيعة من وجهين. # الأول: إن كمال الصانع أجل وأعلى من أن يوصف بصنعه، وخصوصا الفياض ~~الذي ليس فعله إلا على سبيل الرشح والفيض. # والثاني: إن الرجل إذا أخذ يمدح سلطانا قاهرا يملك وجه الأرض برا ~~وبحرا بأنه أعطى الفقير الفلاني كسرة خبز وقطرة ماء، فإنه يستوجب ~~المقت والزجر والحجر، ومعلوم ان نسبة جميع المخلوقات - من الفرش ~~إلى العرش - إلى ما في خزائن الله - لكونها نسبة متناه إلى غير متناه - ~~أقل من نسبة كسرة الخبز وقطرة الماء إلى جميع خزائن الدنيا، فإذا كان ~~ذلك سوء أدب، فهذا بالطريق الأولى، إلا ان هنا سببا يرخص في ذكر هذه ~~المدائح، وهو ان النفس صارت مستغرقة في عالم الحس والخيال، وإذا ms0014 اريد ~~جذبها إلى عتبة عالم القدس، احتيج إلى أن يتنبه على كمال الحضرة ~~المقدسة، ولا سبيل إلى معرفة كمال الله وجلاله إلا بهذين الطريقين، ~~أعني ذكر صفات الجلال وصفات الإكرام. # ثم إذا واظب الإنسان على هذين النوعين من الأذكار حتى يعرض عن عالم ~~الحس، ويستأنس الوقوف على عتبة القدس، فبعد ذلك تنبه لما في هذين ~~النوعين من الاعتراضات المذكورة والحجب الظلمانية، فعند ذلك يترك ~~الأذكار ويقول: يا هو، يا من لا هو إلا هو. # كأنه يقول: حضرتك أجل من أن أمدحك بشيء غيرك، فلا اثني عليك إلا ~~بهويتك من حيث هي، ولا اخاطبك بلفظ أنت، لأنه يفيد الفخر والكبر، ~~حيث تقول الروح: إني قد بلغت مبلغا صرت كالحاضر في حضرة واجب الوجود، ~~ولكني لا ازيد على قولي: هو، ليكون إقرارا بأنه هو الممدوح لذاته في ~~ذاته، وإقرارا بأن حضرته أعلى وأجل من أن يناسبه حضور المخلوقات، ولو ~~فرض عند حضرته حضور عبد أو ملك مقرب أو نبي مرسل، فحيث يمتنع له ~~الإحاطة والإكتناه به تعالى إذ بقدر قوة وجوده يشاهد ذاته تعالى، وذاته ~~في شدة النورية فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى، فما غاب عنه من ذاته ~~أكثر بما لا يتناهى مما هو مشهود له، فهو سبحانه غائب بحقيقته التامة ~~البسيطة عن الكل، مع فرض شهودها إياه، فلهذا يكون هذا الذكر أشرف ~~الأذكار، لاحتوائه على هذه الأسرار لكن بشرط التنبه لها. # نكتة اخرى # يا من هو الا هو # إن المواظبة على هذا الذكر، يفيد العبد شوقا إلى الله تعالى، والشوق ~~إليه تعالى أجل الأحوال لذة وأعظمها سببا للبهجة والسعادة، فإن الشوق ~~إكسير الانجذاب والوصول، فالأشد شوقا أشد انجذابا، وذلك لأن كلمة " ~~هو " ضمير الغائبين، فالعقل اذا ذكر هذه الكلمة، علم أنه غائب عن الحق ~~سبحانه، ثم يعلم أن هذه الغيبة ليست من قبل الله تعالى بسبب المكان ~~والزمان، وإنما كانت بسبب انه موصوف بصفات النقصان ومثالب الحدثان، ~~فإذا تنبه لهذه الدقيقة، علم أن هذه الصفة حاصلة في جميع الممكنات ms0015 ~~والمحدثات على حسب تضاعف امكاناتها، وترادف نقائصها وأعدامها الحاصلة ~~لها بحسب مراتب بعدها عن عالم الوحدة الخالصة، ونزولها عن ساحة الحق ~~المحض، وعلم أن ما هو أقرب إلى الحضرة الواجبة كان النقائص والأعدام ~~فيه أقل، فأخذ في طلب القرب إليه تعالى. # وكلما وصل العبد إلى مقام أعلى، كان شوقه إلى الترقى عن تلك الدرجة ~~أقوى وأكمل، كما تحكم به كل فطرة سليمة، وإذ لا نهاية لتلك المراتب ~~والدرجات - كما سبق - فكذا لا نهاية لمراتب هذا الشوق، فثبت أن ~~المواظبة على ذكر كلمة " هو " تورث شوقا إلى الله، وأن الشوق إليه ~~تعالى أجل الأحوال والمقامات بهجة وسعادة، لأنه ملزوم الوصول إليه ~~تعالى. # ومما يدل على أن الشوق يستلزم الوصول، أن الشوق عبارة عن الحركة إلى ~~تتميم الكمال، وما من موجود إلا وله ضرب من الخيرية والكمال، إذ له ~~حظ من الوجود، والوجود قد ثبت أنه خير ومؤثر، ففي كل موجود عشق إلى ~~ذاته، وما من موجود في عالم الإمكان إلا ولوجوده غاية كمالية، وشوق إلى ~~تحصيل تلك الغاية، كما بين في مباحث الغايات في العلم الإلهي. # وقد ثبت أيضا هناك أن الله لا يودع في غريزة موجود من الموجودات ~~وجبلته شيئا فيكون عبثا معطلا، فكل موجود وجد له شوق إلى ~~كمال بالقياس إليه، فلا بد من أن يكون ممكن الحصول له، وكل ممكن ~~الحصول لشيء بالإمكان العام، يجب حصوله له ووصوله إليه عند عدم الموانع ~~ورفع العوائق والقواسر. # وثبت أيضا في مقامه، ان وجود الموانع والقواسر للأشياء الجبلية غير ~~دائم ولا أكثري في هذا العالم الذي يوجد فيه بعض الشرور، وأما في ~~العالم الأعلى وما فوق الكون، فالأشياء كلها على مقتضى دواعيها ~~وأشواقها الأصلية، فكل مشتاق إلى شيء شوقا غريزيا سواء كان في فطرته ~~الأولى أو في فطرته الثانية التي قد صار متجوهرا بها متصورا بصورتها ~~الجوهرية، كالنبات إذا صار حيوانا، أو الحيوان إذا صار إنسانا، فهو ~~واصل أو سيصل إليه وقتاما. # فثبت أن من أحب الله واشتاق إليه، فهو مما ms0016 يصل إلى حضرته يوما، كما ~~دل عليه قوله (عليه السلام): من أحب لقاء الله أحب الله لقائه، ومن ~~كره لقاء الله كره الله لقاءه. # نكتة أخرى # [في أن الذكر أشرف المقامات للسالك] # قال (صلى الله عليه وآله) [حكاية عن الله تعالى]: # " إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ~~ملأ خير من ملأه " # فإذا ثبت هذا، فأفضل الأذكار ذكر الله الخالي عن ملاحظة الأغيار. # ثم إن العبد فقير كثير الحاجة، والمحتاج إذا نادى مخدومه المنعم ~~بنداء يناسب الطلب والسؤال، كان ذلك محمولا على الطلب مشعرا ~~بالسؤال، فإذا قال: " يا كريم " كان معناه: أكرم وإذا قال " يا رجيم " ~~كان معناه: " إرحم ". وإذا قال " يا غفور، يا عفو " كان معناه: اغفر ~~واعف. فكانت هذه الأذكار جارية مجرى السؤال، فيجول في خاطره غير الله، ~~وتتمثل له صور حاجاته فيكون مشغول السر بغير الله ولم يكن في خلاء، بل ~~في ملأ، إذ الشاغل له عن ذكر الله عند المعاشرة مع الخلق أيضا الصور ~~الحاضرة في نفسه، وهي الحاضرة بالذات، دون الصور الخارجية إلا بالعرض. # فمن حضرت عنده صور الأشياء والتفت إليها، فهو في صحبة الأغيار، سواء ~~كان في بيته الخالي، أو في محتشد من الخلق. وقد بين ان الذكر إنما ~~يعظم شرفه إذا كان خاليا من السؤال، ومن تصور الصور والأمثال، وذلك ~~يتحقق عندما قال " هو ". # ومن نوادر الأذكار الشريفة الممدوحة في كتب أصحاب القلوب: يا هو يا من ~~لا هو إلا هو. يا من لا إله إلا هو. يا أزل يا أبد. يا دهر يا ~~ديهار. يا ديهور. يا من هو الحي الذي لا يموت. # قال النيسابوري في تفسيره: ولقد لقنني بعض المشائخ من الذكر: يا هو، يا ~~من هو، يا من لا هو إلا هو، يا من لا هو بلا هو إلا هو. وقال: # فالأول فناء عما سوى الله. # والثاني فناء في الله. # والثالث فناء عما سوى الذات. # والرابع فناء عن الفناء عما سوى الذات. # وقال ms0017 صاحب التفسير الكبير: ومن لطائف هذا ان الشيخ الغزالي رحمه الله ~~كان يقول: " لا إله إلا الله " توحيد العوام، و " لا إله إلا هو " ~~توحيد الخواص، و " لا هو إلا هو " توحيد أخص الخواص ولقد استحسنت ~~هذا الكلام وقررته بالقرآن والبرهان. # أما القرآن فإنه تعالى قال: # ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو # [القصص:88]. ثم قال بعد ذلك # كل شيء هالك # [القصص:88] معناه " لا هو " ، وقوله # إلا وجهه # [القصص:88] " الا هو " فقد ذكر " لا هو إلا هو " بعد قوله: لا إله إلا ~~هو، يدل على أن غاية التوحيد هي هذه الكلمة. # وأما البرهان: فهو أن من الناس من قال: تأثير الفاعل ليس في تحقيق ~~الماهية وتكوينها، بل لا تأثير له إلا في إعطاء صفة الوجود لها. فقلت: ~~فالوجود أيضا ماهية فوجب أن لا يكون الوجود واقعا بتأثيره فإن التزموا ~~ذلك وقالوا: الواقع بتأثير الفاعل هو موصوفية الماهية بالوجود فنقول: ~~تلك الموصوفية إن لم تكن مفهوما مغايرا للماهية والوجود امتنع إسنادها ~~إلىالفاعل. وإن كان مفهوما مغايرا فذلك المفهوم لا بد وأن يكون له ~~ماهية، وحينئذ يعود الكلام، فثبت ان المؤثر مؤثر في الماهية وكل ما ~~بالغير فإنه يرتفع بارتفاع الغير، فلولا المؤثر لم تكن تلك الماهية ~~ماهية ولا حقيقة، فبقدرته صارت الماهيات ماهيات وصارت الحقائق حقائق. ~~وقيل تأثير قدرته فلا ماهية ولا وجو ولا حقيقة ولا ثبوت، وعند هذا يظهر ~~صدق قولنا: لا هو إلا هو. أي لا تقرر لشيء من الحقائق إلا بتقريره ~~وتحقيقه، فثبت أنه لا هو إلا هو. # أقول وبالله التوفيق: # اعلم أن مقام التوحيد الخاص الذي عليه الأولياء الكاملون والعرفاء ~~المحققون، أعلى درجة وأشمخ شهوقا من أن يناله أرباب الأنظار ~~الجزئية بقوة أنظارهم، وأصحاب المباحث الكلامية بدقة أفكارهم، ومن ~~زعم أنه بقوة مهارته في تحرير المقالات، وتقرير الاشكالات والأجوبة عن ~~بعض الايرادات، وبيان بعض المسائل والشبهات، يمكنه الوصول إلى فهم ~~مسائل هذا التوحيد، ومكاشفات إخوان التجريد، فقد استسمن ذاورم، ومثله ~~كالزمن إذا أراد أن ms0018 يطير في الجو، ومثل من أراد أن يثبت هذا ~~المقصد الغالي، ويصل إلى هذا المصعد العالي بمثل هذا القياس المرتب في ~~زاوية قلبه من هذه المقدمات الواهية الواهنة الأساس، كمثل العنكبوت إذا ~~أراد أن يصيد العنقاء بشبكة ينسجها في زوايا البيوت. # ولولا مخافة التطويل والاطناب، لاستقصينا الكلام في هذا الباب، فأخذنا ~~أولا في إقامة البراهين القطعية على أن شيئا من الماهيات لا يمكن أن ~~يكون أثرا للجاعل ومجعولة له، ثم على إثبات أن أثر الجاعل وما يترتب ~~عليه في الخارج، هو نحو من أنحاء الوجودات الخاصة. ثم على أن ما ذكره ~~هذا القائل، يناقض ويخالف عقلا ولفظا لما هو بصدده من إثبات هذا ~~التوحيد، وأن كلمة " لا هو إلا هو " تدل عليه. ثم بعد ذلك نشير إلى ~~لمعة من لوامع مسألة التوحيد الخاصي، وإلى كيفية استنباطها من هذه ~~الكلمة ولكن جاء في المثل: " ما لا يدرك كله لا يترك كله " فلنذكر هذه ~~المقاصد ها هنا على طريقة الاختصار، وطي بعض مباديها ومقدماتها البعيدة، ~~ليكون الناظر في هذا المقام على بصيرة في طلب ما ادعيناه من غير تعب ~~وكلال. # ويكون الاستقصاء البالغ مرجوعا الى مواضع اخرى من مسفوراتنا المطولة. # وهي مشتملة على فصول خمسة. # فصل # في أن الوجود هو المجعول بالذات # اعلم إن للوجود صورة في الخارج، وليس مجرد معنى مصدري انتزاعي - كما ~~يقول الظالمون - إذ لا شك في أن للأشياء حقائق. وحقيقة كل شيء هي ~~خصوص وجوده الذي تترتب عليه أحكامه المخصوصة وآثاره المطلوبة منه. # وكون الشيء ذا حقيقة، معناه انه ذا وجود، فحينئذ لا بد أن يكون في ~~الأعيان ما يصدق عليه هذا المعنى، أي معنى الحقيقة، وليس مصداقه نفس ~~الماهية من حيث هي، سواء كان بعد الصدور أو قبل الصدور، بل مصداقها إما ~~نفس الوجود للشيء، أو الماهية الموجودة بما هي موجودة لا بما هي ماهية، ~~فالوجود أولى بأن يكون حقيقة أو ذا حقيقة من غيره، إذ غيره به يكون ذا ~~حقيقة. لست أريد من هذا أن مفهوم ms0019 الحقيقة يجب أن يصدق عليه هذا العنوان، ~~بل إن هنا شيئا يصدق عليه بحسب الخارج مفهوم الحقيقة وليس هو نفس ~~الماهية الموجودة، بل وجودها. # فالوجود يجب أن يكون بنفسه موجودا في الواقع، لأنه يصدق عليه هذا ~~المفهوم، فله لا محالة صورة عينية مع قطع النظر عن اعتبار العقل، وهو ~~المعني بكون الوجود موجودا، لا أن له وجودا زائدا كما توهمه ~~العبارة، حتى تلزم منه المحذورات المشهورة، فإذا كان الوجود موجودا، ~~فهو إما واجب - إن كان غير متعلق بغيره - أو ممكن إن كان متعلقا ~~بغيره، وهو المعني بكون الوجود مجعولا أو صادرا. هذا هو المطلوب. # حجة اخرى # لو لم يكن الوجود للاشياء موجودا أي واقعا في الأعيان، لم يوجد شيء من ~~الأشياء، والتالي باطل فكذا المقدم. # بيان الشرطية: أن الماهية قبل انضمام الوجود إليها، أو اعتباره معها، ~~أو ما شئت فسمه، غير موجود، وهو ظاهر، وكذلك أيضا إذا اعتبرت الماهية ~~من حيث هي لا مع اعتبار الوجود، فهي غير موجودة ولا معدومة، فإذن لو لم ~~يكن الوجود موجودا، لم يمكن ثبوت مفهوم أحدهما للآخر، فإن ثبوت شيء ~~لشيء، أو إنضمامه إليه، أو اعتباره معه، أو انتزاعه منه، فرع لثبوت ~~المثبت له، أو مستلزم له لا أقل، للمغايرة بينهما في الثبوت، وليس ~~للماهية من حيث هي هي - مع قطع النظر عن الوجود - وجود وثبوت أصلا، ~~فكيف يتحقق هناك اتصاف بالوجود وليست الماهية في نفسها موجودة، ولا ~~الوجود في نفسه موجودا، فلا تكون الماهية معروضة للوجود - كما اشتهر ~~وذهب إليه جمهور الحكماء - ولا عارضة له - كما ذهب إليه طائفة من العرفاء ~~- إذ كل من راجع وجدانه وأنصف من نفسه، أدرك ان انضمام معدوم لمعدوم ~~في الخارج، أو انضمام مفهوم لمفهوم من غير وجود أحدهما للآخر، أو قيامه ~~به، أو قيامهما بموجود آخر، غير صحيح، ولا مما يجوزه العقل، بل يقضي ~~بامتناعه، ولهذا قال بعض العلماء: إن الفطرة شاهدة بأن الماهية إذا ~~كانت موجودة بنفس وجودها لا قبله، كان الموجود بالذات ها هنا هو ms0020 نفس ~~الوجود لا الماهية. # كما ان المضاف بالحقيقة نفس الإضافة لا ما هو المضاف المشهوري، فعلم ~~ان المجعول الصادر من الفاعل هو الوجود، وما قيل من ان الماهية ~~موجوديتها باعتبار انتسابها الى الجاعل التام، فهو هوس محض، فإن غير ~~المنتسب الى شيء إذا انتسب فهو لا محالة بشيء يلحقه انتسب، فلا محالة ~~يتغير عما كان ويستحيل إلى حالة وصفة لم تكن حاصلة له من قبل، فهو ~~بذلك الشيء صار منتسبا، فيكون المنتسب بالحقيقة ذلك الشيء دونه، فعلى ~~هذا يلزم أن يكون المنتسب إلى الجاعل التام هو وجود الماهية دونها. # برهان آخر # إن موجودية الأشياء، إما بانضمام الوجود الى الماهية، أو بصيرورتها ~~موجودة، أو باتصافها به أو ما يجرى هذا المجرى كما هو المشهور من ~~الحكماء المشائين، وإما بمجعولية نفس الماهيات جعلا بسيطا كما عليه ~~أتباع الرواقيين، وتبعهم هذا القائل، والشيخ المقتول وجماعة من ~~المتأخرين، وإما بنفس الوجودات الخاصة الفائضة عن الباري الحي القيوم ~~كما ذهب هذه الفقراء، والأول مقدوح مردود بوجوه مذكورة في موضعها، ~~والثاني أيضا؛ والإلزام أن لا يتحقق موجود ما في الخارج، والا لزم ظاهر ~~البطلان، فكذا الملزوم، فبقي المذهب الثالث حقا. # وأما بيان الملازمة في هذه الشرطية، فبأن الوجود على هذا الرأي، إن ~~كان نفس الماهية من غير اعتبار قيد زائد وشرط، فيكون كل من تصور ~~الإنسان مثلا تصور أنه موجود، ولم يكن فرق بين كون الإنسان إنسانا ~~وبين كونه موجودا، ولكان قولنا: الإنسان معدوم تناقضا، والتالي باطل ~~فالمقدم مثله، وإن كان الوجود عبارة عن انتساب الماهية الى الجاعل، ~~والنسبة لا تتحقق إلا بعد تحقق الطرفين فننقل الكلام في وجود معروضه، ~~فيعود المحذور جذعا. # فإن قيل: موجودية الماهية ليست بانتسابها الى الجاعل، بل بكونها بحيث ~~تنتسب اليه وترتبط به. # قلنا: فيكون المجعول وما هو أثر الجاعل هو كونها على هذه الحيثية ~~لانفس الماهية بما هي هي، وهو خلاف المفروض، على أن المجعول ها هنا هو ~~الكون المذكور. ونحن لا نعني بالوجود الا هذا الكون، فثبت المطلوب بالخلف ms0021 ~~والاستقامة معا. # الفصل الثاني # في أن الماهية يستحيل أن تكون أثرا للجاعل ومجعولة له، وعليه براهين: # الأول: أن أثر الفاعل لو كان ماهية شيء كماهية الإنسان من حيث هي دون ~~وجودها، لما أمكن لأحد أن يتصور تلك الماهية قبل صدورها عن الفاعل، ~~لما تقرر أن العلم بذي السبب لا يحصل إلا من جهة العلم بسببه، ~~والمقدر خلافه إذ كثيرا ما نتصور الماهيات ولا يخطر ببالنا جاعلها ~~أصلا، بل للعقل أن يتصور ماهية كل شيء من حيث هي هي، أو مجردة عن ما ~~عداها، حتى عن هذه الملاحظة، فليست هي من هذه الحيثية - أي بما هي هي - ~~موجودة ولا مجعولة، ولا لا موجودة ولا لا مجعولة. # وأيضا، فلو كانت هي بما هي هي مجعولة، لكان مفهوم المجعولية ذاتيا ~~لها، ولكانت الماهيات كلها من مقولة المضاف، والتوالي بأسرها ظاهرة ~~البطلان، فالمقدم مثله، والملازمة تظهر بالتأمل الصادق. # فإن قلت: هذا يلزمك على القول بمجعولية الوجود. # قلت: إن وجود كل شيء نفس هويته العينية وحقيقته الخارجية، فلا يمكن ~~العلم بها إلا بالمشاهدة الحضورية والانكشاف النوري، إذ كل ما حصلت ~~صورته في الذهن فهو أمر كلي، وإن تخصصت بمخصصات كثيرة. والوجود ~~هوية عينية متشخصة بذاتها صادرة عن هوية جاعله إياها جعلا بسيطا، ~~فلا يمكن انكشافه وحضوره إلا من جهة حضور هوية جاعله، وهذا المفهوم ~~العام المشترك الانتزاعي الاثباتي، وجه من وجوهه، وهو بمعزل عن الهوية ~~الخارجية، وهذه الهويات الوجودية مجعولات بأنفسها ومنتسبات بذواتها الى ~~مفيضها التام، ومع ذلك، ليست واقعة تحت مقولة المضاف، لأن مقولة المضاف ~~قسم من أقسام الماهيات التي هي زائدة على الوجود، أولا ترى أن ~~الهوية الإلهية مع كونها مبدأ جميع الأشياء، ليست واقعة تحت مقولة ~~المضاف؟ فكذا ساير الهويات الوجودية. # برهان آخر # لو كانت الجاعلية والمجعولية متحققتين بين الماهيات لا بين الوجودات، ~~يلزم التشكيك بالأقدمية وعدمها بين أفراد مقولة الجوهر عند سببية جوهر ~~لجوهر آخر، وهذا باطل عند محصلي الحكماء، حيث بينوا أن لا أولوية ولا ~~تقدم لماهية جوهر على ماهية ms0022 جوهر آخر، لا في تجوهره، ولا في جوهريته، ~~أي في كونه محمولا عليه معنى الجوهر الجنسي، فلا يتقدم الإنسان الذي ~~هو الأب على الإنسان الابن في حده ومعناه، ولا في صدق الإنسانية عليه، ~~بل تقدمه عليه إما بالوجود أو بالزمان. # برهان آخر عرشي # إن الصادر الأول مثلا له ماهية نوعية محتملة الصدق على كثيرين، وليس ~~الصادر من الباري عندهم إلا شخصا واحدا من أعداد نوعه المشتركة فيه، ~~فكون الصادر هذا الشخص الواحد دون غيره، لو كان بمجرد صدور ماهيته ~~النوعية، يوجب الترجيح من غير مرجح؛ إذ الجاعل واحد والماهية واحدة، ~~والنسبة بينها وبين اشخاصها متماثلة، فكونها هذا الفرد دون غيره، مما ~~يتساوى نسبته، غير صحيحة، وكذا موجودية هذا الشخص دون سائر الأسخاص، ~~بمجرد ابداع الباري نفس الماهية النوعية المتواطئة مع اشتراكها بين ~~الجميع، غير صحيح. # فالحق الحري بالتحقيق والتصديق أن أول الصوادر هو هوية الصادر الأول ~~المتشخصة بذاته، المتميزة بنفسه عن ما عداها، دون ماهيته، فهذه ~~الهوية الوجودية هي المجعولة بالذات، والماهية تابعة لها اتباع الظل ~~للشخص. # وهنا استبصارات كثيرة ذكرناها في كتبنا وجمعناها في رسالة مفردة: # منها: كون الوجود هو الخير بالذات، والعدم هو الشر، والصادر عن الخير ~~الأول هو الخيرات، وهي وجودات الأشياء دون ماهياتها الكلية، إذ لا ~~خيرية ولا كمال في مفهوم العلم والقدرة والصحة والجمال واللذائذ ~~والشهوات الدنيوية والأخروية، بل في حقائقها الوجودية، وليس كل من ~~تصور ماهية السعادة سعيدا، ولا كل من تصور ماهية البهجة مبتهجا، ~~بل من نال وجود السعادة ووجود البهجة. # ومنها: أن الجاعلية والمجعولية لو كانتا بين المهيات، لكانت جميع ~~الموجودات - ما سوى المعلول الأول - من لوازم الماهيات، وهي أمور ~~اعتبارية كما حقق في مقامه؛ والتالي باطل بديهة واتفاقا، فإن أحدا ~~لم يقل بأن السماء والأرض وما بينهما أمور اعتبارية، ونسبة هذا الأمر ~~الشنيع الى العرفاء، افتراء محض تتحاشى عنه أسرارهم. # ومنها: أنه قد تقرر في علم الميزان، ان مطلب " ما " الشارحة، غير ~~مطلب " ما " الحقيقية، وليست المغايرة بينهما في مفهوم الجواب، ms0023 لأنه ~~الحد التام عند المحققين، بل باعتبار الوجود في أحدهما وعدمه في ~~الآخر، فلو لم يكن للوجود صورة في الخارج، لم يكن بين المطلبين ~~والجوابين فرق يعتد به كما لا يخفى. # أوهام وتنبيهات # ثم إن للقائلين باعتبارية الوجود ومجعولية الماهيات شبها قوية ~~فككنا عقدتها بحمد الله، وطردنا ظلمات هذه الأوهام بنور الهداية ~~والإلهام، فلنشر الى أجوبة بعض منها، وهي هذه. # الأول: إن الوجود لو كان موجودا لكان له وجود، ولوجوده وجود. وهكذا ~~الى غير نهاية. # والجواب: إن الماهية لما لم تكن في نفسها موجودة، فموجوديتها لا بد ~~وأن تكون بأمر زائد عليها، وأما الوجود، فهو بنفسه موجود لا بأمر زائد ~~عليه إلا بحسب الاعتبار العقلي، رعاية لمفهوم الاشتقاق، والتسلسل في ~~الاعتباريات منقطع بانقطاع الاعتبار منها، ولهذا المعنى نظائر كثيرة، ~~كالإضافة، فإنها بنفسها مضافة وغيرها بها مضاف، وكالنور، فإنه منير ~~بذاته، وكاجزاء الزمان فإنها بذواتها متقدمة ومتأخرة. # والثاني: إن الوجود لو كان موجودا بذاته، لكان واجب الوجود بذاته، إذ ~~لا معنى للواجب بالذات إلا ما يكون وجوده ضروريا لذاته، وأي ضرورة ~~أشد من كون الشيء عين نفسه؟ # والجواب: إن الوجود الإمكاني بحسب هويته متقوم بغيره، واجب به، ~~وإذا قطع النظر عن موجده يكون باطلا محضا، ومعنى كونه ضروري الوجود، ~~انه بعدما صدر ذاته عن العلة، لا يفتقر الى وجود زائد عليه في كونه ~~موجودا، بخلاف الماهية، فإنها في حد ذاتها غير موجودة ولو في وقت ~~صدورها عن الفاعل، ومعنى الإمكان في الوجودات، انها بأنفسها متعلقة ~~الذوات بغيرها، وليست الماهيات متعلقة الذوات بغيرها، فإمكانها عبارة ~~عن تساوي نسبتها الى الوجود والعدم، وبالجملة، هذه الشبهة إنما نشأت من ~~الخلط بين معنى الضرورة الأزلية والضرورة الذاتية. # الثالث: إنه إن كان الوجود في الأعيان صفة للماهية وهي قابلة، فهي ~~إما أن تكون موجودة بعد الوجود، فحصل الوجود مستقلا دونها، فلا ~~قابلية ولا صفتية، أو قبله؛ فهي قبل الوجود موجودة؛ أو معه، فالماهية ~~موجودة مع الوجود لا بالوجود، ولها وجود آخر، وأقسام التالي باطلة ~~كلها، فالمقدم ms0024 كذلك. # والجواب: إنا نختار أن الماهية موجودة معه في الأعيان، وما به ~~المعية نفس الوجود الذي هي به موجودة، فلا يلزم الإحتياج الى وجود آخر، ~~كما ان المعية الزمانية حاصلة بين الحركة والزمان الذي حصلت فيه بنفس ~~ذلك الزمان بلا زمان آخر، حتى يكون للزمان زمان آخر على أن الحق ان ~~اتصاف الماهية بالوجود أمر عقلي، كاتصاف الموضوع بما يقوم به فلا ~~قابلية في الحقيقة ولا اتصاف، بل ما في الواقع أمر واحد بلا تقدم ~~بينها ولا معية بالمعنى المذكور، وتفصيل هذا الكلام مما يطلب في مقامه. # الرابع: إن الوجود لو كان في الأعيان، لكان قائما بالماهية، فقيامه ~~إما بالماهية الموجودة، فيلزم وجودها قبل وجودها، أو بالمعدومة، ~~فيلزم اجتماع النقيضين، أو بالماهية المجردة عن الوجود والعدم، فيلزم ~~ارتفاع النقيضين. # والجواب: إنه إن أريد بالماهية الموجودة ما هي موجودة بحسب نفس ~~الأمر، وبالمعدومة ما يقابلها، فنختار ان الوجود قائم بالماهية ~~الموجودة بهذا الوجود، لا بوجود سابق عليه، كما ان البياض قائم بالجسم ~~الأبيض بهذا البياض القائم به لا ببياض آخر، وإن أريد بالموجودة ما ~~يكون الوجود مأخوذا في مرتبة الماهية من حيث هي، فنختار انه قائم ~~بالماهية من حيث هي هي، بلا اعتبار شيء من الوجود والعدم، وهذا ليس ~~بارتفاع النقيضين عن الواقع، بل عن تلك المرتبة. إذ الواقع أوسع من تلك ~~المرتبة. # ولهذا الكلام زيادة تحقيق مذكور في حواشي التجريد، إذ الإشكال مشترك ~~الورود، سواء كان الوجود حقيقيا أو انتزاعيا، ولهذا حكموا بأن لا ~~اتصاف للماهية بالوجود، ولا قيام له بها في الخارج ولا في العقل، إذ لا ~~بد في اتصاف شيء بشيء من المغايرة بينهما في ظرف الاتصاف، وإن لم يكن ~~ثبوت الثابت فرع ثبوت المثبت له، وليس بين الماهية والوجود مغايرة، إلا ~~ان للعقل أن يأخذ الماهية ويعتبرها وحدها مجردة عن جميع أنحاء ~~الوجود، حتى عن هذا التجريد الذي هو أيضا نحو من أنحاء الوجود، فيصفها ~~بالوجود، ففي هذا الظرف العقلي هي موصوفة بالوجود ومخلوطة به أيضا، ~~رعاية ms0025 لجانبي الخلط والتعرية على أنا نحن في متسع من هذا البحث إذ ~~الموجود عندنا في الأعيان هو الوجود دون الماهية إلا بالعرض، وهي أمر ~~انتزاعي متحدة بالوجود وليست متصفة به. # والخامس: إن الوجود لو كان حاصلا في الأعيان وليس بجوهر، فيكون هيئة ~~قائمة بجوهر، فيكون كيفا لأنه هيئة قارة لا يوجب قسمة ولا نسبة الى ~~امر خارج، وقد حكموا ان المحل متقدم على العرض، فيتقدم الموجود على ~~الوجود، فيلزم تقدم الوجود. وأيضا يلزم أن لا يكون الوجود أعم ~~الأشياء مطلقا، بل الكيفية والعرضية أعم منه من وجه. وأيضا إذا كان ~~عرضا فهو قائم بالمحل، ومعنى أنه قائم بالمحل، أنه موجود فيه، ~~مفتقر في تحققه إليه، ولا شك ان المحل موجود بالوجود، فدار القيام ~~وهو محال. # والجواب: انهم حيث أخذوا في عنوانات المقولات كونها ماهيات كلية حق ~~وجودها العيني كذا وكذا، فسقط كون الوجود في ذاته جوهرا أو كيفا أو ~~غيرها، لعدم كونه كليا، بل الوجودات - كما سبق - هويات عينية ~~متشخصة بأنفسها غير مندرجة تحت مفهوم ذاتي، فليس الوجود جوهرا في ذاته، ~~ولا عرضا بمعنى كونه قائما بالماهية، وعلى تقدير كونه عرضا، لا ~~يلزم كونه كيفية، لعدم كليته وعمومه، وما هو من الأعراض العامة ~~والمفهومات الشاملة للموجودات، إنما هو الوجود الانتزاعي العقلي، ~~ولمخالفته أيضا سائر الأعراض بأن وجودها في نفسها عين وجودها ~~لموضوعاتها، ووجود الوجود عين وجود الماهية الموضوعة لها، لا وجود ~~غيرها، ظهر عدم افتقاره في تحققه الى الموضوع، فلا يلزم الدور ~~المذكور. # على أن المختار عندنا ان وجود الجوهر جوهر بجوهرية ذلك الجوهر، لا ~~بجوهرية أخرى، وكذا وجود العرض، عرض بعرضية ذلك العرض لا ~~بعرضية أخرى. # الفصل الثالث # في أن ما ذكره هذا القائل ينافي مذهب العارفين القائلين بهذا التوحيد ~~عقلا ولفظا # أما الأول: فلأن من ذهب الى أن الماهيات مجعولة وحاصلة بالجعل، ~~ولا شبهة في أن الماهيات أمور متخالفة المعاني، فتكون الموجودات عنده ~~أمورا متكثرة متخالفة بالحقائق متمايزة بالذوات، إذ موجودية الماهية ~~- على هذا المذهب - عبارة عن صدورها ms0026 عن الفاعل أو انتسابها إليه، فيكون ~~الوجود معنى مصدريا، والموجود أمرا حقيقيا متعددا حسب تعدد أفراد ~~الماهيات الصادرة عن الفاعل، فأين هذا المذهب من مذهب التوحيد الذي عليه ~~العرفاء. # وقريب من هذا ما ذهب اليه بعض المغترين بلامع السراب الوهمي عن مشرب ~~التوحيد الأتمي، ان الوجود الحقيقي شخص واحد وهو ذات الباري، ~~والموجود كلي له أفراد متعددة هي الموجودات، ونسب هذا المذهب الى ~~أذواق المتألهين وزعم أن هذا هو مقصودهم في وحدة الوجود، وهو فاسد من ~~وجوه: # الأول: إن أفراد الموجودات قد تكون متكثرة متقدمة بعضها على بعض في ~~الوجود مع اتحادها في الماهية النوعية، فإذا كانت الماهية واحدة ~~والوجود واحدا شخصيا، فكيف يتعدد الموجود ويتقدم بعضه على بعض؟! # والثاني: إنه يلزم على هذا القول أن يكون قولنا: وجود زيد ووجود ~~عمرو، بمنزلة قولنا: إله زيد واله عمرو، وهذا لا يتفوه به عاقل. # والثالث: إن نسبة الماهيات الى الباري جل ذكره، إن كانت اتحادية، ~~يلزم كون الواجب تعالى ذا ماهية غير الوجود، بل ذا ماهيات متعددة، وقد ~~ثبت أنه صرف الإنية، وإن كانت نسبتها إليه تعالى تعلقية ارتباطية ~~وتعلق الشيء بالشيء فرع على وجودهما وتحققهما، فيلزم أن يكون لكل من ~~الماهيات وجود خاص متقدم على انتسابها إليه تعالى وتعلقها به، إذ لا ~~شبهة في أن معانيها غير معنى التعلق بغيرها، فإنا كثيرا ما نتصور ~~الماهيات ونغفل عن ارتباطها الى الحق، وهذا الكلام لا يجرى في ~~الوجودات، إذ يمكن لأحد أن يدعى ان هوياتها تعلقية، كما سنكشف على من ~~هو أهله. # الرابع: قوله: الوجود واحد والموجود كثير، هوس محض لأنه إذا كان معنى ~~الوجود أمرا نسبيا عنده، فلا فرق بين مذهبه ومذهب من يرى ان الوجود ~~أمر عام مصدري انتزاعي، إلا بأنه سمى المعنى الانتزاعي بالإنتساب الى ~~الجاعل، فالقول بأن الوجود على هذه الطريقة واحد شخصي، والموجود كلي ~~متعدد دون الطريقة الأخرى، تحكم محض. # وأما ان كلمة " لا هو إلا هو " لا يدل على ما قرره في مسألة التوحيد، ~~فذلك بوجهين. ms0027 # أحدهما: إن غاية ما ذكره، أن شيئا من الماهيات لم يكن ماهية قبل ~~الجعل والتأثير، فبقدرته تعالى صارت الماهيات ماهيات، ولا تقرر لشيء ~~منها إلا بتقريره كما ذكره وأين هذا المعنى من معنى " لا هو إلا هو " ~~إلا أن يرتكب حذف وإضمار وقيل: معناه لا هو بلا جعل وتأثير إلا هو، وهذا ~~أمر لا يحتاج الى مزيد تقرير، إذ لا شبهة لأحد من العقلاء المعتبرين ~~فيه إلا المعتزلة القائلة بثبوت الماهيات بلا جعل، فإن الحكماء سواء ~~ذهبوا الى أن أثر الفاعل هو الماهية، أو ذهبوا الى أنه الموجودية، ~~متفقون على أن الماهية قبل الجعل غير حاصلة، إلا ان إحدى الطائفتين ~~قالت: إن الماهية مجعولة أولا، والوجود تابع لها في الجعل، والأخرى ~~قالت: إن صيرورة الماهية موجودة أثر الجاعل، والماهية تابعة له كما هو ~~المشهور من توابع المشائين. # وما أورده هذا القائل عليهم من أن الوجود أيضا ماهية، فيجب أن لا يكون ~~مجعولا واقعا بتأثير الفاعل، مما علمت حاله من تضاعيف أحوال الوجود ~~وكذا قوله فإن التزموا ذلك وقالوا: الواقع بتأثير الفاعل هو موصوفية ~~الماهية بالوجود، فهي إن لم تكن مفهوما مغايرا لهما امتنع استنادها ~~الى الفاعل، وإن كان مغايرا فلا بد أن يكون له ماهية، فيعود الكلام ~~انتهى. # وذلك لأن مذهب هؤلاء، هو إن مفاد الجعل وأثر الجاعل هو صيرورة ~~الماهية موجودة، أي هذه الهيئة التركيبية، لا أن شيئا من الماهيات ~~ولا الوجود أثره، ولا ماهية هذه الصيرورة أيضا اثره، لأنها مستغنية عن ~~الجعل، وهذا مثل أن يقال: إن التصديق عبارة عن نحو إذعان أن زيدا ~~قائم مثلا، فكما إن التصديق ليس بتصور المحكوم عليه، ولا تصور ~~المحكوم به ولا تصور النسبة بل الهيئة الإذعانية على الوجه الذي يكون ~~الموضوع متلبسا بالمحمول، فمفاد التصديق اعتقاد أن زيدا قائم، لا ~~تصور هذا الإذعان، ولا تصور قيام زيد، لأنهما من باب التصور ولا تصور ~~زيد قائم، لما ذكرنا، بل إدراك النسبة على أنها نسبة وعلى أنها معنى ~~حرفي، لا على أنها معنى ms0028 اسمي منسوب أو منسوب اليه. # فهكذا قولهم في كون أثر الجاعل اتصاف الماهية بالوجود، فمفاد الجعل ~~في الخارج عندهم كمفاد التصديق في الذهن، فاندفع النقض الذي أورده عليهم ~~عنهم، سواء كان مذهبهم صحيحا أو فاسدا. # الوجه الثاني: إن ضمير " هو " وسائر الضمائر كأنا وأنت وغيرها، ليس ~~معانيها إلا أنحاء الوجودات، والدليل عليه أن كلمة " هو " - الذي ~~كلامنا فيه - لو كانت موضوعة لغير الوجود الخاص فهي إما موضوعة لماهية ~~مخصوصة، فيجب أن لا يطلق على غيرها وتتبادر هي الى الفهم عند الاطلاق بعد ~~العلم بوضعها إياها، والواقع بخلافه؛ وإما موضوعة لجميع الماهيات بوضع ~~واحد، فهو ظاهر البطلان، وإلا فينبغي أن يتبادر الى الذهن عند الإطلاق، ~~وليس كذلك، وإما موضوعة لماهيات متعددة غير متناهية بأوضاع متعددة غير ~~متناهية، وهو ظاهر البطلان أيضا، ولا انها موضوعة لماهية ما من حيث ~~هي، وإلا لم يفهم منها ماهية مخصوصة، إذ العام لا دلالة له على ~~الخاص، والواقع خلافه، ولا أيضا يصح أن يقال إنها موضوعة لماهية ما ~~بشرط كونها غائبة، وإلا لزم أن لا يفهم من كلمة " هو " إلا هذا ~~المفهوم، بل الحق ان الضمائر كلها: كهو وأنت وغيرهما، وكذا أسماء ~~الإشارات كلها: كهذا وذلك وغيرهما، موضوعة لأنحاء الهويات الوجودية، ~~إذ الوجود حقيقة واحدة، وله أفراد وأعداد متمايزة الأشخاص؛ يصح أن ~~يتصورها الواضع من جهة وحدة حقيقتها المشتركة، ويضع الإسم لأفرادها ~~الخاصة بحسب أوصافها الوجودية التي حكمها حكم أصل الوجود في وحدتها ~~وتعددها. # وهذا معنى قولهم في أسماء الإشارة: إن الوضع فيها عام والموضوع له هو ~~الخصوصيات؛ فعلى هذا " لا هو " لا يدل على نفي الماهية، بل على نفي ~~الهوية. # لا يقال: الماهية مشتقة من الهوية، لأنها مأخوذة من " ما هو " وهو ~~السؤال عما به الشيء هو هو، فيكون كلاهما مشيرا الى شيء واحد، فلا فرق ~~بينهما بحسب جوهر اللفظ ومادته اللغوية. # قلنا: الفرق بأن " هو " عبارة عن الوجود الشخصي و " ما هو " سؤال عن طلب ~~ذاتياته، وهي المعاني الكلية المتحدة به في مرتبة وجوده ms0029 الذاتي، ~~الصادقة عليه بحسب تلك المرتبة فيما له ماهية غير الهوية، فمدلول " هو ~~" غير ما وقع في جواب " ما هو " ، لأنه من المطالب الكلية، فهما ~~متغايران معنى، ولهذا افترقت الهوية عن الماهية في الواجب تعالى، وكذا ~~في الهويات الوجودية بما هي هويات في العلم الحضوري الشهودي فافهم ~~واغتنم. # الفصل الرابع # في الاشارة الى لمعة من لوامع علم التوحيد الخاصي # إن لنا بإعلام الله وإلهامه برهانا شريفا على هذا المطلب الشريف، ~~الذي هو الوجهة الكبرى لأهل السلوك العلمي محكما في سماء وثاقته التي ~~ملئت حرسا شديدا وشهبا، لا يصل إليه لمس شياطين الأوهام، ولا يمسه ~~القاعدون منه مقاعد للسمع، إلا المطهرون من أرجاس الجاهلية المكتسبة من ~~ظلمات الأجسام. # بيانه: أن الواجب تعالى، لما كان منتهى سلسلة الحاجات والتعلقات، فليس ~~وجوده متعلقا بشيء متوقفا على شيء، فيكون بسيط الحقيقة لا ينقسم في ~~وجود ولا في عقل ولا في فهم، فذاته واجب الوجود من جميع الجهات، كما ~~أنه واجب الوجود بحسب الذات، فليس فيه جهة إمكانية ولا امتناعية، ~~وإلا لزم التركيب بوجه من الوجوه، المستدعي للإمكان. فإذا تقررت هذه ~~المقدمة التي مفادها أن كل وجود وكل كمال وجود يجب أن يكون حاصلا ~~لذاته، فايضا عنه، مترشحا على غيره، كما قال # ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما # [غافر:7] وهما عين ذاته، فلو كان في الوجود إله غيره فيكون لا محالة ~~منفصل الذات عنه، لاستحالة أن يكون بين الواجبين علاقة وجودية، وإلا لزم ~~معلولية أحدهما، وهو خرق الفرض، فلكل منهما على الفرض المذكور مرتبة ~~من الكمال الوجودي ليس للآخر، ولا منبعثا منه، فايضا من لدنه، فيكون ~~كل منهما عادما لكمال وجودي، فذاته حينئذ لا تكون محض حيثية الفعلية ~~والوجوب، بل يكون ذاته بذاته مصداقا لحصول شيء وفقد شيء آخر، فلا يكون ~~بسيط الحقيقة خالصا بل مزدوجا، والازدواج ينافي الوجوب الذاتي كما مر. # ومن هنا ظهر أن كل بسيط الحقيقة يجب أن يكون كل الوجود وكله الوجود، ~~كما يعلمه الراسخون في العرفان. # وبالجملة، فواجب الوجود يجب ms0030 أن يكون من فرط التحصيل وكمال الفعلية ~~جامعا لجميع النشئآت الوجودية، فلا مكافئ له في الوجود، ولا ثاني له في ~~الكون، ولا شبيه له ولا ندبل ذاته من تمام الفضيلة يجب أن يكون مستند ~~جميع الكمالات، ومنبع كل الخيرات، فيكون بهذا المعنى تاما وفوق التمام، ~~فهذا هو بيان التوحيد الخاصي، أي نفي المشارك في الوجوب، وقد انجر الى ~~التوحيد الأخصي، وهو نفي المشارك في الوجود. # الفصل الخامس # في أن الباري هو الحق وكل ما سواه باطل دون وجهه الكريم # بيانه: أن العلية والمعلولية - كما ثبت وتقرر - لا يكونان إلا في ~~نفس الوجود لما علمت ان الماهيات لا تأصل لها في الكون ولا في ~~الجعل، وعلمت أيضا أن هوية الشيء وذاته هي عين نحو وجوده الخاص به، ~~فالجاعل جاعل بنفس وجوده، والمجعول مجعول بنفس وجوده جعلا بسيطا، لا ~~بصفة زائدة على نفس هويته الوجودية. # فإذا تقرر هذا فنقول: لما كان كل موجود معلول فهو في حد ذاته متعلق ~~بغيره ومرتبط به، فيجب أن تكون ذاته الوجودية ذاتا تعلقية ووجوده ~~وجودا تعلقيا. # لا بمعنى انه شيء وذلك الشيء موصوف بالتعلق، بل هو بما هو هو عين معنى ~~التعلق بشيء والانتساب إليه، وإلا فلو كانت له هوية غير التعلق ~~والافتقار الى الجاعل، ويكون التعلق والافتقار زائدين على ذاته، فلم يكن ~~ذاته بذاته متعلقا بفاعله مجعولا له، فيكون المجعول بالذات شيئا آخر، ~~وهو خلاف المقدر، ويكون هذا المفروض مجعولا مستقل الحقيقة غير متعلق ~~الهوية بفاعله. فإذا ثبت أن كل علة علة بذاتها، وكل معلول معلول ~~بذاته، وثبت ان ذات الشيء هي وجوده، وان الماهيات امور كلية ~~اعتبارية منتزعة من أنحاء الوجودات بحسب هوياتها، فينكشف ان المسمى ~~بالمعلول، ليست هويته أمرا مباينا لهوية علته المفيضة، ولا يمكن ~~للعقل أن يشير في المعلول إلى هوية منفصلة عن هوية موجده، حتى يكون ~~هناك هويتان مستقلتان في الإشارة العقلية إحداهما مفيضة والأخرى ~~مفاضة، وإلا لم تكن ذاته بذاته مفاضة. # نعم للعقل أن يشير إلى المهيات والأعيان الثابتة، لعدم ms0031 تعلقها بذواتها ~~إلى علة فاعلة، فإذن المجعول بالجعل البسيط، لا ذات له مباينة لذات ~~مبدعه، فإذا ثبت تناهي سلسلة الموجودات إلى حقيقة واحدة بسيطة، ظهر ان ~~لجميع الموجودات حقيقة واحدة، ذاته بذاته وجود وموجد وهو بحقيقته محقق ~~الحقائق، وبسطوع نوره منور ماهيات السموات والأرض، فهو الحقيقة والباقي ~~شؤونه، وهو الذات وغيره أسماؤه، وهو الأصل وما سواه أطواره وفروعه ~~وحيثياته. # فعلى هذا يتبين وينكشف معنى ما ورد في الأذكار الشريفة الإلهية: يا هو، ~~يا من هو يا من لا هو إلا هو، إذ قد ثبت أن الهويات الوجودية التي بعد ~~مرتبة الهوية الإلهية، كما لا يمكن حصولها في الخارج منحازة عن الذات ~~الأحدية، بل هي مقومة قوامها ومقررة حقائقها، كذلك لا يمكن للعقل أن ~~يشير إليها إشارة عقلية أو حسية، بحيث تنالها الإشارة منحازة عن ~~الإشارة إلى قيومها الأحدي، بل هو المشار إليه في كل إشارة، ولا إشارة ~~إليه فيكون محدودا وهو المشهود في كل شهود ولا شهادة، وهو المنظور بكل ~~عين، ولا نظر إليه فيكون محاطا به، وهو المسموع بكل سمع، ولا جهة له، ~~وهو المعقول بكل عقل ولا اكتناه به، # فأينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة:115]. فهو في كل مكان بلا مكان، وهو في كل زمان بلا زمان، فلا ~~كيف لذاته، ولا علم بصفاته، ولا حين لزمانه، ولا كنه لشأنه، ولا حيث ~~حيث هو، ولا أين أين هو، ولا متى حين هو، فهو هو، ولا هو إلا هو، ولا هو ~~بلا هو إلا هو، ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو. # وصلى الله على سيد الورى محمد المصطفى وآله مفاتيح الهدى ومصابيح ~~الدجى. # فصل # [الرحمن والرحيم] # الرحمان؛ فعلان، من رحم، كغضبان وسكران من غضب وسكر ~~والرحيم؛ فعيل منه ايضا، كمريض وسقيم من مرض وسقم، فهما اسمان ~~بنيا على صيغتين من صيغ المبالغة. وفي الفعلان من المبالغة ما ليس في ~~الفعيل، يدل عليه زيادته في البناء، كما في كبار وكبار وشقدف ~~وشقنداف، ولذلك يقال تارة: يا رحمن ms0032 الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا هذا ~~بحسب الكيفية، ويقال تراة: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، هذا بحسب ~~الكمية، لأن رحمة الدنيا تعم المؤمن والكافر، ورحمة الآخرة تخص ~~المؤمن، والرحمن من الصفات الغالبة كالدبران والعيوق والصعق ~~ولهذا لم يستعمل في غير الله، كما ان الله من الأسماء الغالبة. وإطلاق ~~بني حنيفة رحمن اليمامة على مسيلمة، وقع من باب التعنت في كفرهم، ~~والسبب في ذلك أن معناه الحقيقي الأصلي: البالغ في الرحمة غايتها، وهذا ~~المعنى لا يكون صادقا في حق غير الله، لأن ما سواه وإن فرض كونه ~~راحما فليست رحمته بالغة حد الغاية، وهو ظاهر، لأن من عداه ناقص ~~استفاض الرحمة منه أولا، ثم أعطى شيئا مما استفاضه، والحق الحقيق ~~بالإذعان، إن اطلاقه على غيره مجاز رأسا بوجوه: # الأول: أن الجود إفادة ما ينبغي لا لعوض، وكل أحد غير الله لا يعطي ~~شيئا إلا ليأخذ عوضا. لأن الأعواض والأغراض بعضها جسمانية، وبعضها ~~حسية، وبعضها خيالية وبعضها عقلية. # فالأول: كمن أعطى دينارا ليأخذ ثوبا. # والثاني: كمن يعطى المال لطلب الخدمة أو الإعانة. # والثالث: كمن يعطيه لطلب الثناء الجميل. # والرابع: كمن يعطيه لطلب الثواب الجزيل، أو لإزالة حب الدنيا، أو ~~الرقة الجنسية عن قلبه. وهذه الأقسام كلها أعواض، فيكون ذلك الإعطاء ~~بالحقيقة معاملة ومعاوضة ولا يكون جودا ولا هبة وإعطاء، وأما الحق ~~تعالى، فهو لما كان كاملا في ذاته وصفاته، فيستحيل أن يعطي شيئا ~~ليستفيد به كمالا، فهو الجواد المطلق والراحم الحق. # واعلم: أن هذا إنما يتم على مذهب أهل الحق، القائلين بأنه تعالى ~~تام الفاعلية بحسب ذاته وصفاته، لا يعتريه قصد زائد ولا لفعله غاية سوى ~~ذاته، وكان صدور الأشياء منه على سبيل العناية والفيض، دون القصد ~~والروية، كما زعمه الأكثرون، تعالى عنه علوا كبيرا. # الثاني: إن كل ما سواه ممكن الوجود بحسب ماهيته، والممكن مفتقر في ~~وجوده إلى إيجاد الواجب إياه ابتداء، إذ إمكان الشيء علة احتياجه إلى ~~المؤثر الواجب، كما برهن عليه في مقامه، وكل رحمة تصدر من غير الله ~~فهي ms0033 إنما دخلت في الوجود بايجاد الله، لا بايجاد غير الله، إذ ليس لغيره ~~صفة الايجاد، بل إنما شأن غيره الإعداد والتخصيص في الاستناد، فيكون ~~الراحم في الحقيقة هو الله. # الثالث: إن فلانا يعطى الحنطة مثلا ولكن لا يقع الانتفاع بها ما لم ~~تحصل المعدة الهاضمة للطعام، والشهوة الراغبة إلى أكله، والقوى الناهضة ~~لذلك، والآلات المعدة لنقله وطحنه وعجنه وطبخه وغير ذلك، وما ~~يتوقف عليها من الخشب والحديد والنجار والحداد، والأرض التي يقومون ~~عليها، والهواء الذي يتنفسون به، والفلك الذي يحدد جهات أمكنتهم ~~وأزمنتهم، والكواكب التي تنور في الليل والنهار بحركاتها أكنافهم، ~~وتسخن أطرافهم، وتنضج حبوبهم وأثمارهم التي يتغذون بها، والملائكة ~~الذين يدبرون السموات ويحركون الكواكب كالشمس والقمر وغيرهما على سبيل ~~المباشرة، والملائكة العلوية الذين يدبرون هذه الملائكة على سبيل ~~التشويق بالوحي والإعلام، فما دام لم يخلق الله هذه الأشياء لم يحصل ~~الانتفاع بتلك الحنطة، فخالق الحنطة تلك والممكن لنا من الانتفاع بحفظ ~~هذه الأسباب حتى يحصل الانتفاع، هو الراحم. # فصل # [تقديم الرحمن على الرحيم] # قيل في تقديم " الرحمن " على " الرحيم " والقياس يقتضي في ذكر النعوت ~~الترقي من الأدنى إلى الأعلى، كقولهم: فلان عالم نحرير، وفلان شجاع ~~باسل، إنه لما صار كالعلم - كما مر - يكون أولى بالتقديم. أو لأن ~~الرحمن لما دل على عظائم النعم وجلائلها وأصولها، ذكر الرحيم ليتناول ~~ما خرج منها، فيكون كالتتمة والرديف. وإنما وقعت التسمية بهذه الأسماء ~~دون غيرها، ليدل على أن الحري بالاستعانة به في مجامع المهمات هو ~~المعبود الحقيقي الذي هو مولى النعم ومبدأ الخيرات كلها عاجلها ~~وآجلها، وجليلها وقيقها، ليتوجه العارف بجميع قواه ومشاعره إلى جناب ~~القدس، وينقطع نظره عن ما سواه، ويشغل سره بذكر مولاه، والاستمداد به في ~~مقاصد أولاه وأخراه. # واعلم: أن الأشياء أربعة أقسام: الضروري النافع، والنافع الغير ~~الضروري، وعكسه، والذي لا ضرورة فيه ولا نفع. # أما الأول: فهو إما في الدنيا فكالتنفس، فإنه لو انقطع منك لحظه ~~واحدة مات القالب، وإما أن يكون في الآخرة، فهو معرفة الله، فإنها إن ms0034 ~~زالت عن القلب لحظة واحدة مات القلب واستوجب العذاب الدائم. # وأما الثاني: فهو كالمال في الدنيا وساير العلوم في الآخرة. # وأما الثالث: فهو كالمضار التي لا بد منها، كالموت والمرض والهرم ~~والفقر، ولا نظير لهذا القسم في الآخرة، فإن منافع الآخرة لا يلزمها شيء ~~من المضار. # واما الرابع: فهو كالفقر في الدنيا، والجهل، والعذاب في الآخرة. # إذا عرفت هذا فنقول: قد ذكرنا أن النفس في الدنيا ضروري نافع، ~~وبانقطاعه يحصل الموت، وكذا المعرفة في الآخرة، فلو زالت عن القلب لحظة ~~لهلك، لكن الموت الأول أسهل من الثاني، لأنه لا يتألم فيه إلا ساعة ~~واحدة، وأما الموت الثاني، فإنه يبقى عذابه أبد الآباد. # وكما ان النفس له أثران: ادخال النسيم الطيب على القلب، وإبقاء ~~اعتداله وسلامته، وإخراج الهواء الفاسد المحترق عن القلب، كذلك الفكر له ~~أثران، أحدهما: ايصال نسيم البرهان إلى القلب الحقيقي، وإبقاء اعتدال ~~الايمان والمعرفة عليه، والثاني: إخراج الأهوية الفاسدة المتولدة من ~~الشبهات عنه، وما ذلك إلا بأن يعرف ان هذه المحسوسات متناهية في ~~مقاديرها تنتهي بالأخرة الى الفناء بعد وجودها، وأن وراء هذا العالم ~~عالم إليه مرجع نفوسنا المطهرة عن شوائب الأدناس والأرجاس، ليس في ذلك ~~العالم دثور ولا فناء، بل كله حياة وبقاء. ومن وقف على هذه الأحوال ~~بقي آمنا من الآفات، واصلا الى الخيرات والمبرات، وبكمال معرفة هذا ~~الأمر، ينكشف لعقلك ان كل ما وجدته ووصلت إليه فهو قطرة من بحار رحمة ~~الله، وذرة من أنوار إحسانه، فعند ذلك ينفتح على قلبك معرفة كون الله ~~تعالى رحمانا رحيما، وانه مبدأ الخيرات كلها ومعطي جلائل النعم ~~ودقائقها، وسوابق المنافع ولواحقها. # فصل # [اتصافه تعالى بالرحمة] # قد ذكر في توجيه وصفه تعالى بالرحمة، ومعناها التعطف والحنو، ومنها ~~الرحم لانعطافها على ما فيها، انه مجاز عن إنعامه على عباده، وقيل: إن ~~أسماء الله تعالى إنما اخذت باعتبار الغايات التي هي الأفعال والآثار، ~~لا باعتبار مباديها التي تكون انفعالات، هذا غاية ما حصل لأصحاب الأنظار ~~من العلم بمثل هذه الأسماء والصفات. ms0035 # واعلم ان هذا العلم أيضا مما خص الله به أهل الاشارة دون العبارة، إذ ~~ما ذكروه يؤدي إلى فتح باب التأويل في أكثر ما ورد في أحوال المبدأ، وقد ~~مر في مفاتيح الغيب شيء مما يتعلق بهذه المسألة. # واعلم أن جمهور أهل اللسان، لما صادفوا بالاستقراء جزئيات ما يطلق ~~عليه اسم النار في هذه الدار حارة، حكموا بأن كل نار حارة، ولكن من ~~انفتح على قلبه باب الى الملكوت، فربما شاهد نيرانات كامنة في بواطن ~~الأمور، تسخن الأشياء تسخينا أشد من تسخين هذه النار المحسوسة، ومع ~~ذلك ليست متسخنة ذات حرارة، وهي كقوة الغضب وما فوقها، كالنفس وما ~~فوقها، كقهر الله، فالحكم بأن كل نار حارة على عمومه غير صحيح عنده، ~~وكذلك لما شاهدوا في هذا العالم كل محرك لشيء متحركا، وكل فاعل لشيء ~~متغيرا في فاعلية، حكموا بأن كل محرك متحرك، وكل فاعل لشيء فاعل ~~بعد ما لم يكن، وعند التحقيق والعرفان، ظهر أن ما زعموه مخالف للبرهان، ~~وكذلك أشياء كثيرة من هذا القبيل. # والسر في الجميع، ان موجودات هذا العالم كلها، لنقصانها في درجة ~~الموجودية، ونزولها في أقصى مرتبة النزول والخسة تصحبها أعدام وقوى ~~وانفعالات من جهة المادة الجسمية، فمبادي أفاعليها لا تنفك عن ~~انفعالات، وليس هنا فاعل غير منفعل، ولا مؤثر غير متأثر، ولا معط غير ~~آخذ، ولا راحم غير مرحوم، وهذا انما هو بحسب الاتفاق، لا أن هذه ~~الأفاعيل داخلة في مفهوماتها تلك الانفعالات. # فقول أهل الحجاب وأصحاب الارتياب: كل كاتب متحرك الأصابع، وكل فلك ~~متحرك، ليس عند أهل المشاهدة صحيحا، بل كلية هذه القضايا عندهم ممنوعة ~~بل ممتنعة، إذ مفهوم الكاتب هو المصور للمعاني والمنقش للحقائق، وليست ~~حركة الأصابع داخلة في مفهومه، ولا من شرطه تحريك الأنامل، فرب كاتب ~~عندهم كالكرام الكاتبين لم تتحرك أصابعه عند الكتابة، بل ثم كاتب لم ~~تتغير ذاته ولا صفاته ولا كتابته وفعله، وهو الذي كتب على نفسه الرحمة، ~~تعالى ذاته وصفاته وقضاؤه عن التبديل والتحويل، كما قال: # فلن تجد ms0036 لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة ~~الله تحويلا # [فاطر:43]. وكذا في الوجود أفلاك نورية عقلية يعرفها أهل الله، غير ~~متحركة ولا ذات وضع هي السموات العلى، وكذا في الوجود أرض بيضاء نيرة ~~ليست كهذه الأرض. كدرة ثقيلة يابسة ذات لون غبراء يعرفها الربانيون من ~~الحكماء، كما ورد في الحديث: إن لله أرضا بيضاء مسيرة الشمس فيها ثلاثون ~~يوما، هي مثل أيام الدنيا ثلاثون مرة، مشحونة خلقا لا يعلمون أن الله ~~يعصى في الأرض، ولا يعلمون أن الله خلق آدم وإبليس. # وإليه الإشارة بقوله تعالى # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [إبراهيم:48] فكذلك حكم الراحم حيث تصحبه ها هنا رقة القلب لخصوصية ~~المادة، لا لضرورة المعنى الموضوع له، ألا ترى أن أفاعيل الإنسان - ~~سيما النفسانية - صادرة من النفس، وإطلاق الأسماء المشتقة منها عليها ~~على سبيل الحقيقة دون المجاز؟ فإذا نسبت الرحمة إلى النفس وحكم عليها ~~بأنها راحمة، لم يكن عند أهل اللغة مجازا، مع أنها جوهر غير جسماني، ~~فاستقم في هذا المقام، فإنه من مزال الأقدام، وكن متثبتا على صراط ~~التحصيل، غير منحرف إلى جانبي التشبيه والتعطيل، والله الهادي إلى سواء ~~السبيل. # مكاشفة # اعلم أن رحمة الله وسعت كل شيء وجودا وماهية، فوجود الغضب ايضا من ~~رحمة الله على عين الغضب، فعلى هذا سبقت رحمته غضبه، لأن الوجود عين ~~الرحمة الشاملة للجميع، كما قال سبحانه: # ورحمتي وسعت كل شيء # [الأعراف:156] ومن جملة الأعيان والماهيات التي نالتها كلهال الرحمة ~~الوجودية هو عين الغضب والانتقام. فبالرحمة أوجد الله عين الغضب فيكون ~~أصله خيرا وكذا ما يترتب عليه من الآلام والأسقام والبلايا والمحن ~~وأمثالها مما لا يلائم بعض الطبائع، وإليه أشار عليه وآله السلام بقوله: ~~الخير كله بيديك والشر ليس اليك. ومن أمعن النظر في لوازم الغضب من ~~الأمراض والآلام والفقر والجهل والموت وغير ذلك، يجدها كلها بما هي ~~أعداما أو أمورا عدمية معدودة من الشرور وأما بما هي موجودات فهي ~~كلها خيرات فائضة من منبع الرحمة الواسعة والوجود الشامل لكل شيء فعلى ~~هذا يجزم ms0037 العقل بأن صفة الرحمة ذاتية لله تعالى وصفة الغضب عارضية ~~ناشية من أسباب عدمية. # إما لقصور الوجودات الإمكانية عن الكمال بحسب درجات بعدها عن الحق ~~القيوم أو لعجز المادة عن قبول الوجود على الوجه الأتم فينكشف عند ذلك ~~ان مآل الكل إلى الرحمة كما ورد في الحديث فيقول الله: شفعت الملائكة، ~~وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين. # قال الشيخ العربي في الفتوحات المكية: واعلم أن الله يشفع من حيث ~~أسماؤه، فيشفع اسمه أرحم الراحمين عند اسمه القهار وشديد العقاب ليرفع ~~عقوبته عن هؤلاء الطوائف. فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وقد نبه ~~الله تعالى على هذا المقام فقال # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم:85] فالمتقي إنما هو جليس الاسم الإلهي الذي يقع منه الخوف في ~~قلوب العباد، فسمي جليسه متقيا منه، فيحشره الله من هذا الاسم إلى ~~الاسم الذي يعطيه الأمان مما كان خائفا منه، ولهذا يقول (صلى الله عليه ~~وآله) في باب الشفاعة: وبقي أرحم الراحمين. فهذه النسبة، تنسب الشفاعة ~~الى الحق من الحق من حيث أسماؤه. انتهى كلامه. # حكى الشيخ العراقي في رسالته المسماة باللمعات انه: سمع أبو يزيد ~~البسطامي هذه الآية: # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم:85] فشهق شهقة وقال: من يكون عنده كيف يحشره إليه. وجاء آخر فقال: ~~من اسم الجبار إلى اسم الرحمن ومن القهار الى الرحيم. انتهى. # أقول: إنما أشار العراقي بقوله: وجاء آخر: إلى الشيخ المذكور الذي ~~نقلنا كلامه المشار إليه سابقا. # واعلم أن معرفة أسماء الله تعالى علم شريف ذوقي، ومشرب عظيم دقيق، قل ~~من الحكماء من تفطن بعلم حقائق الأسماء، إلا من كوشف بكون وجوده تعالى ~~بأحديته الجمعية كل الموجودات قبل حصولها، وان عالم أسمائه عالم عظيم ~~الفسحة، فيه صور جميع الأعيان والماهيات، وسنذكر نبذا من هذا المقام ~~في مستأنف الكلام، عند بيان قوله تعالى: # وعلم آدم الأسمآء كلها # [البقرة:31] فانتظره موفقا انشاء الله. ### || [1.2] # قوله جل اسمه: # { الحمد لله } # قيل: الحمد والمدح والشكر ms0038 ألفاظ متقاربة المعنى. كما ان مقابلاتها وهي ~~الذم والهجاء والكفران كذلك. وقيل: الأولان مترادفان. وقيل: بل الحمد ~~أخص منه لأنه مختص بالإختياري. وقيل: الأخيران مترادفان. فيقال: ~~الحمد لله شكرا. فنصبه على المصدرية يقتضي وضع أحدهما موضع الثاني، ~~فإذا كان الحمد يقع موقع الشكر، فالشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من ~~التعظيم. والحق ان بين الحمد والشكر تعاكسا في العموم والخصوص بحسب ~~المورد والمتعلق، فان مورد الحمد هو اللسان، سواء كان بازاء النعمة ~~الواصلة أم لا. وأما الشكر فهو على النعمة خاصة، ومورده يعم الجنان ~~واللسان والأركان كما قال: # أفادتكم النعماء مني ثلاثة # يدي ولساني والضمير المحجبا # فالحمد إحدى شعب الشكر بوجه، وانما جعل رأس الشكر والعمدة فيه، كما ~~في قوله (صلى الله عليه وآله): الحمد رأس الشكر. وقوله (عليه ~~السلام): ما شكر الله من لم يحمده، لكونه أشيع للنعمة، وأدل على ~~مكانها، وأنطق للإفصاح عن بعض خفياتها في عالم الحس، لخفاء عمل القلب ~~وعقائده، ولما في آداب الجوارح من الإحتمال. # ولما كان الحمد من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة لا يكاد يستعمل معها، ~~فأصله النصب، والجملة فعلية، وإنما عدل به إلى الرفع بالابتدائية، ~~والظرف خبره، والجملة إسمية للدلالة على ثبات الحمد ودوامه دون تجدده ~~وحدوثه، ومنه قوله تعالى: # فقالوا سلاما قال سلام # [هود:69] للدلالة على أن إبراهيم (عليه السلام) حياهم تحية أحسن من ~~تحيتهم، لكون الإسمية دالة على معنى الثبات دون الفعلية. # وقرأ الحسن: الحمد لله باتباع الدال اللام، وابن عيلة بالعكس، والباعث ~~لهما تنزيل الكلمتين المستعملتين معا منزلة كلمة واحدة. # فصل # [حقيقة العمد] # ما مر من تخصيص الحمد باللسان، وكون الثناء باللسان عمدة أفراد الشكر، ~~إنما هو في نظر الحس - كما أومأنا إليه - وبحسب ما هو المتعارف عند ~~المحجوبين، وأما في عرف المكاشفين، فالحمد نوع من الكلام، وقد مر ان ~~الكلام غير مختص الوقوع باللسان، ولهذا حمد الله واثنى على ذاته بما هو ~~أهله ومستحقه، كما قال النبي (عليه وآله السلام): لا أحصي ثناء عليك، ~~أنت كما أثنيت على ms0039 نفسك. # وكذا يحمده ويسبحه كل شيء، كما في قوله تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء:44]. فحقيقة الحمد عند العارفين المحققين، اظهار الصفات ~~الكمالية، وذلك قد يكون بالقول كما هو المشهو رعند الجمهور، وقد يكون ~~بالفعل، وهو كحمد الله ذاته، وحمد جميع الأشياء له، وهذا القسم أقوى، ~~لأن دلالة اللفظ من حيث هو لفظ دلالة وضعية قد يتخلف عنها مدلولها، ~~ودلالة الفعل - كدلالة آثار الشجاعة على الشجاعة، وآثار السخاوة على ~~السخاوة - عقلية قطعية لا يتصور فيها تخلف، فحمد الله ذاته، وهو أجل ~~مراتب الحمد، هو ايجاده كل موجود من الموجودات، فالله جل ثناؤه حيث بسط ~~بساط الوجود على ممكنات لا تعد ولا تحصى، ووضع عليه موائد كرمه التي لا ~~تتناهى، فقد كشف عن صفات كماله ونعوت جلاله، وأظهرها بدلالات عقلية ~~تفصيلية غير متناهية. # فإن كل ذرة من ذرات الوجود تدل عليها، ولا يتصور في العبارة مثل هذه ~~الدلالات، كما وقع التنبيه عليه في الحديث المنقول سابقا. # فايجاده تعالى كل موجود، هو الحمد بالمعنى المصدري، بمنزلة التكلم ~~بالكلام الدال على الجميل، ونفس ذلك الموجود هو الحمد بالمعنى الحاصل ~~بالمصدر؛ فإطلاق الحمد على كل موجود، صحيح بهذا المعنى، وكما ان كل ~~موجود حمد، فهو حامد أيضا لاشتماله على مقوم عقلي وجوهر نطقي، كأرباب ~~الأنواع وملائكة الطباع وغيرهم، كما تقرر في موضعه، ولذلك عبر في ~~القرآن عن تلك الدلالة العقلية منه بالنطق في قوله تعالى: # أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء # [فصلت:21]. # وكذلك جميع الموجودات من حيث نظامه الجملي حمد واحد وحامد واحد، لما قد ~~ثبت ان الجميع بمنزلة إنسان واحد كبير له حقيقة واحدة وصورة واحدة وعقل ~~واحد، وهو العقل الأول الذي هو صورة العالم وحقيقته، وهو الحقيقة ~~التمامية المحمدية، فأجل مراتب الحمد وأعظمها هي المرتبة الختمية ~~المحمدية القائمة بوجود الخاتم (ص) من حيث وصوله إلى المقام المحمود ~~الموعود في قوله: # عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء:79]. فذاته المقدسة أقصى مراتب الحمد التي حمد الله بها ms0040 ذاته، ~~ولذلك خص بلواء الحمد، وسمي بالحماد والأحمد والمحمود من مشتقات ~~الحمد كما قيل. # ولا يخفى عليك، أن القول بأن حقيقته (صلى الله عليه وآله) أقصى مراتب ~~الحمد، لا ينافي كونه بحسب وجوده العنصري أحد أجزاء العالم الكبير، من ~~حيث ان دلالة جميع الموجودات على جميل صفات الله تعالى أقوى من دلالة ~~موجود واحد هو جزء العالم عليه، وذلك لأن الإنسان الكامل له أطوار ~~متفاوتة ونشآت متنوعة، فله (صلى الله عليه وآله) جميع المقامات ~~والنشآت، ففي وقت ومقام له أن يقول: # إنمآ أنا بشر مثلكم # [الكهف:110]. وفي وقت ومقام له أن يقول: لي مع الله وقت لا يسعني فيه ~~ملك مقرب ولا نبي مرسل. وقوله: من أطاعني فقد أطاع الله ومن أبغضني ~~فقد أبغض الله. # وكونه أقصى مراتب الحمد إنما يتحقق في مقامه الجمعي الأخروي الذي هو ~~المقام المحمود، ولهذا قال - كما روي عنه (صلى الله عليه وآله) - ~~فيلهمني الله محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد. # مكاشفة # لما تقرر ان جميع مراتب الموجودات روحا وجسما عقلا وحسا بجميع ~~الألسنة قولا وفعلا وحالا، يحمدونه تعالى، ويسبحونه ويمجدونه في ~~الدنيا والآخرة بحسب الفطرة الأصلية، ومقتضى الداعية الذاتية، ولا شك ~~ان لكل فعل غريزي غاية ذاتية وباعثا أصليا، وقد تقرر ان ذاته ~~تعالى غاية الغايات ونهاية الرغبات، فعلى هذا قوله: الحمد لله، يمكن ~~أن يكون إشارة إلى مبدأ الوجود وغايته، سواء كانت اللام في " الله " ~~للغاية أو للاختصاص، فمعناه على الأول: أن حقيقة الوجود وجنسه، إذا كان ~~التعريف في الحمد للجنس، أو الوجود كله، إذا كان للاستغراق - كما قيل - ~~لأجل استكمالها بمعرفته تعالى ووصولها إليه. # ومعناه على الثاني: ان حقيقة الوجود، أو جميع أفراده لله تعالى، وإذا ~~كانت هي له تعالى كان هو تعالى لها أيضا، لقوله (صلى الله عليه وآله): ~~من كان لله كان الله له، فذاته تعالى علة تمامية كل شيء، وغاية كمال ~~كل موجود، إما بلا واسطة، كما للحقيقة المحمدية التي هي صورة نظام ~~العالم وأصله ومنشأه، ms0041 وإما بواسطة فيضه الأقدس، ووجوده المقدس، كما ~~لسائر الموجودات. وفيه سر الشفاعة ولواء الحمد. # قوله جل اسمه: # { رب العالمين } # الرب: إما صفة، وإما مصدر وصف به مبالغة كالعدل. سمي به السيد ~~المطاع كقول لبيد: وأهلكن يوما رب كندة وابنه. أي سيد كندة. ~~والمالك كقوله (صلى الله عليه وآله) لرجل: أرب غنم أنت أم رب ~~إبل؟ فقال: من كل ما آتاني الله فأكثر وأطيب، والصاحب كقول أبي ذؤيب: # قد ناله رب الكلاب بكفه # بيض رهاب ريشهن مقرع # أي صاحب الكلاب. وغير ذلك. # واشتقاقه من " التربية " وهي: تبليغ الشيء إلى كماله تدريجا ولا يطلق ~~على غيره تعالى إلا مقيدا، كقولهم: رب الدار، ورب الناقة. وقول ~~الإشراقيين للصورة المفارقة للطبائع الجسمانية رب النوع. وقوله تعالى: # ارجع إلى ربك # [يوسف:50]. # إنه ربي أحسن مثواي # [يوسف:23]. # وقرأ زيد بن علي (عليه السلام) بالنصب، على المدح، أو النداء، أو بفعل ~~مضمر دل عليه الحمد. # والعالمون: جمع عالم وهو جمع لا واحد له من جنسه كالنفر والرهط. # واشتقاقه: إما من العلامة، فهو اسم لما يعلم به كالخاتم لما يختم ~~به، والقالب لما يقلب به، غلب فيما يعلم به صانعه، وإما من العلم ~~لأنه يقع على ما يعلم وهو في عرف اللغة عبارة عن جماعة من العلماء من ~~الملائكة والثقلين، وإنما جمع ليشمل كل جنس من مسماه. وغلب العقلاء ~~فيهم، فجمع لمعنى وصفهم فيه بالواو والنون، وقيل: العالم، لنوع ما يعقل، ~~وهم الملائكة والجن والإنس. وقيل هم العقلاء خاصة لقوله تعالى: # ليكون للعالمين نذيرا # [الفرقان:1]. وقيل: هم الإنس لقوله: # أتأتون الذكران من العالمين # [الشعراء:165]. # وفي المتعارف بين الناس، هو عبارة عن جميع المخلوقات من الجواهر ~~والأعراض وقد دلت عليه الآية # قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات ~~والأرض وما بينهمآ # [الشعراء: 23 - 24]. # وفي تفسير البيضاوي: وقيل عنى به الناس ها هنا، فإن كل واحد منهم ~~عالم من حيث إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر ~~والأعراض يعلم بها الصانع، كما يعلم بما أبدعه في ms0042 العالم الكبير، ولذلك ~~سوى بين النظر فيهما، وقال تعالى: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات:21] انتهى. # أقول: كون كل واحد من أفراد الناس أو أكثرهم مشتملا على نظائر ما في ~~العالم الكبير كلا أو جلا، محل نظر، فرب إنسان لم يتجاوز عن حدود ~~البهيمية إلى درجة العقل، واشتماله على بعض نظائره غير مختص بالإنسان. ~~ويمكن أن يراد بالعالمين ههنا العلماء من الإنسان، أما على عرف أصل ~~اللغة فظاهر، وأما على المعارف بين الناس، فلأن كل عالم - بالكسر - ~~عالم - بالفتح - اما باعتبار ان فيه من كل ما في العالم الكبير شيء، ~~لأن نشاته الكاملة مظهر جميع الأسماء والصفات الإلهية ومجمع كل ~~الحقائق الكونية، كما يعرفه متتبعوا آيات الآفاق والأنفس، فيكون ~~أنموذجا لجميع ما في العالم، فهو بهذا الاعتبار عالم صغير، ولذلك سمي ~~بالعالم الصغير، فكأنه كتاب مختصر منتخب من جميع العالم، لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، كما ان القرآن مع وجازته مشتمل على جميع ~~ما في الكتب السماوية، وإما باعتبار انه إذا برز باطنه إلى عالم ~~الآخرة وحشر إلى ربه، يصير علمه عينا، وغيبه شهادة، فكل ما يخطر ~~بباله من الأفلاك والعناصر والجنات والأنهار والحور والقصور وغير ذلك، ~~يكون موجودا في الخارج من غير مضايقة ومزاحمة فله من كل ما يريده ~~ويشتهيه، ولو كان أعظم من هذا العالم بكثير، فهو بهذا الاعتبار عالم ~~كبير برأسه، ليس جزءا من أجزاء هذا العالم، ولهذا سمي بالعالم الكبير، ~~بل بالعالم الأكبر أيضا نظرا إلى هذا. # وتسميته بالعالم الصغير، إنما وقع نظرا الى الاعتبار الأول، فعلى ما ~~بينا زال الإشكال الذي ورد ها هنا من أن الإنسان من العالم، فكيف يزيد ~~على الكل. # وقد تكلف بعض أهل النظر، ممن يريد أن يطير مع الطيور السماوية بأجنحة ~~عملية صنعها بيديه وألصقها بجنبيه في دفع هذا الإشكال بهذا المقال ~~وهو: أن أهل الذوق يجعلونه من حيث الوجود الخارجي وما يشتمل عليه من ~~الأجزاء والأحوال، جزءا من العالم حتى يكون العالم الصغير الذي يكون ~~الإنسان كبيرا بالنسبة ms0043 إليه هو الموجودات الخارجية، والعالم الكبير هو ~~الإنسان بجميع ما يشتمل عليه من الموجودات الخارجية والذهنية، فيزيد ~~على العالم بالموجودات الذهنية، ثم اعترض على نفسه اعتراضا واردا لا ~~مدفع له بقوله: # فإن قلت: العالم الكبير أيضا يشتمل على الموجودات الذهنية، إذ ~~العقول والنفوس الفلكية ناطقة مدركة للأشياء كما هو المشهور بين ~~الفلاسفة. فأجاب عنه بقوله: قلت: أما العقول فلا احساس لها مطلقا. ~~وأما النفوس الفلكية فلا احساس لها بالحواس الظاهرة. انتهى. # أقول: ولا يخفى ما فيه من الركاكة، فإنه على تقدير صحته، لا يثبت إلا ~~كونه كبيرا بالنسبة إلى العقول والنفوس، لا بالنسبة إلى مجموع العالم ~~المشتمل على العقول والنفوس الكلية المدركة للكليات، وعلى النفوس ~~الجزئية الحيوانية المدركة للجزئيات، فالحق ما ذكرنا، من أن الإنسان ~~الكامل عند خروج روحه عن مشيمة هذه العالم، ونشر صحيفة ذاته، يكون كما ~~أشار إليه أبو يزيد البسطامي بقوله: لو أن العرش وما حواه ألف مرة وقع ~~في زاوية قلب العارف لما ملأه، وقد أشار بعض أكابر العارفين في نظمه إلى ~~هذا المعنى حيث قال: # يا خالق الأشياء في نفسه # انت لما تخلقه جامع # تخلق ما لا ينتهي كونه # فيك فأنت الضيق الواسع # من وسع الحق فما ضاق عن # خلق فكيف الأمر يا سامع # فقوله: من وسع الحق، إشارة الى الحديث القدسي المشهور، أعني # " قوله سبحانه: ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ". # تنبيه # [في ان العالم دائم الحدوث] # ذكر البيضاوي أن فيه دليلا على أن الممكنات كما هي مفتقرة إلى ~~المحدث حال حدوثها، فهي مفتقرة إلى المبقي حال بقاءها، بناء على ما ~~ذكر سابقا من ان معنى التربية تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا. # وأقول: ليس فيه دليل على ذلك، إذ الشيء التدريجي لما كان حصوله على هذا ~~الوجه، فجميع زمان وجوده هو بعينه زمان حدوثه، فالنامي مثلا، زمان نموه ~~من أول نشوه إلى منتهى كماله المقداري هو زمان حدوث مقداره الحاصل له ~~شيئا فشيئا، وكفعل الصلاة فإن زمانه من لدن ms0044 أول تكبيرة الافتتاح، إلى ~~آخر تسليمة الاختتام، كله وقت الحدوث لا وقت البقاء. نعم، فيه دليل على ~~أن العالم تدريجي الحصول، متدرج في التكون. # ونحن قد أثبتنا في العلوم البرهانية حدوث العالم، بإقامة البراهين ~~القطعية على أن جواهر هذا العالم، والصور الطبيعية للأجرام السماوية ~~والاسطقسية، كلها تدريجية الكون، سيالة الحصول، غير قارة الوجود، ~~كالحركة المتصلة ومقدارها من الزمان، وهذا التحقيق من المطالب الشريفة، ~~اختص بدركها القلوب المنورة بنور الايمان والتابعية، دون النفوس ~~المقتصرة على الأنظار الكلامية والآراء الفلسفية، وبه يظهر السر ~~وينكشف الأمر، في أن خلق السموات والأرض وما بينهما، لماذا كان في ستة ~~أيام، كما سيجيء بيانه في موضعه. ### || [1.3] # قوله جل اسمه: # { الرحمن الرحيم } # آية قد مضى تفسيرها. وإنما وقع ذكرها ثانيا للمبالغة والتأكيد. أو ~~لأن في الأول ذكر الإلهية، فوصل بذكر النعم التي بها يستحق العبادة، ~~وها هنا ذكر الحمد، فوصله بذكر ما يستحق به الحمد والشكر على النعم، ~~فليس فيه تكرار. ### || [1.4] # قوله جل اسمه: # { ملك يوم الدين } # قرأ عاصم والكسائي وخلف ويعقوب بالألف، والباقون بغيره. وقرئ بتسكين ~~اللام. وقرئ بلفظ الفعل ونصب اليوم. وقرئ مالك - بالفتح - وملك - ~~كذلك - على المدح أو الحالية، ومالك - بالرفع منونا ومضافا - على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف. وملك كذلك. # قيل: المختار بغير الألف لأنه أمدح، ولأنه قراءة اهل الحرمين، وقوله: # لمن الملك اليوم # [غافر:16]. ولقوله: # ملك الناس # [الناس:2]. ولأن الملك يعم والملك يخص. ولأنه لا يكون إلا مع القدرة ~~الكثيرة والاحتواء على الجمع الكثير بالسياسة والتدبير. # ولمن قرأ بالألف أن يقول: إن هذه الصفة أمدح، لأنه لا يكون مالكا ~~للشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون ملكا للشيء ولا يملكه. وقد يدخل في ~~الملك ما لا يصح دخوله في الملك يقال: فلان مالك البهائم. ولا يقال: ~~ملك البهائم. # ومن هذا ظهر ان الوصف بالملك أعم من الوصف بالملك، ولأنه تعالى مالك ~~كل شيء وصف نفسه بأنه: # مالك الملك # [آل عمران:26]. # والحق، أن لكل من الوصفين شيئا من الفضيلة بحسب المفهوم على الآخر، ms0045 ~~والله متصف بكمال كل من الملك والملك. # ويوم الدين، بمعنى يوم الجزاء، ومنه " كما تدين تدان، واضافة ملك إلى ~~الزمان كما يقال: ملوك الزمان وملوك الدهر، وملك زمانه وسيد عصره، فهو ~~في المدح أبلغ، ومعناه: ملك الأمور يوم الدين، إجراء للظرف مجرى المفعول ~~به على الاتساع، كقولهم: يا سارق الليلة أهل الدار. ومن هذا القبيل # ونادى أصحاب الجنة # [الأعراف:44]. # اعلم إن إضافة اسم الفاعل، إذا أريد به معنى الحال أو الاستقبال، لا ~~تكون حقيقة معطية للتعريف، فلم يجز وقوعه صفة للمعرفة، فكان في تقدير ~~الانفصال. وأما إذا اريد به معنى المضي أو الاستمرار كانت حقيقية، ~~فالأوليان كقولك: مالك الساعة. ومالك غد. والأخيرتان كقولك: زيد مالك ~~عبده أمس. وهو مالك العبيد. وهذا هو المراد في { مالك يوم الدين ~~}. # مكاشفة # ايجاد الأشياء إما على سبيل التكوين، كخلق الأبدان وما في حكمها بحسب ~~النشأة الأولى، وإما على سبيل الابداع، كانشاء الأرواح وما في حكمها بحسب ~~النشأة الثانية. والله تعالى خالق الخلق والأمر جميعا، مالك الملك ~~والملكوت، ملك الدنيا والآخرة، فلما أشار إليهما بذكر صفتي الرحمانية ~~والرحيمية بعد الدلالة على اختصاص الحمد به، وانه به حقيق لاستجماعه ~~جميع الصفات الكمالية، بين كيفية الخلق في الدنيا بقوله: { رب ~~العالمين } ، لما مرت الإشارة إليه، من أن هذا العالم الدنيوي ~~وجوده إنما يكون على سبيل التدرج والحدوث شيئا فشيئا. وبين كيفية ~~إنشاء النشأة الأخرى بقوله: { مالك يوم الدين } ، إذ الملك ~~الحق من له ذات كل شيء ولا يغيب عنه شيء أصلا. فيكون وجود الأشياء ~~عنه وله دفعة من غير تراخ، وهذا معنى الابداع، والأول معنى التكوين. # وإنما سمي يوم الآخرة يوم الدين، لأن فيه وصول الأشياء إلى غاياتها ~~الذاتية، وثمراتها التي هي بمنزلة الجزاء والأجرة على الأعمال لقوله ~~تعالى: # اليوم تجزى كل نفس بما كسبت # [غافر:17] ولهذا قيل: الدنيا دار العمل والآخرة دار الجزاء، كما في ~~قوله # هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت وردوا إلى ~~الله مولاهم الحق # [يونس:30] لأن الأولى عالم الحركات والإنقلاب في الأطوار، والأخرى ms0046 ~~هي الموطن والمأوى، وهي دار القرار ومنزل الأبرار والأشرار. # ولهذا قال أبو علي الجبائي: أراد بيوم الدين، يوم الجزاء على الدين ~~وقال محمد بن كعب: أراد يوم لا ينفع إلا الدين. # نكتة اخرى # فيها الإشارة الى اختصاص يوم القيامة بذكر الملك فيه # يستدعي بيانه تمهيد مقدمة: هي أن # بعض الموجودات مما لا يتوقف وجوده إلا على فاعله وغايته، لكون ~~امكانه الذاتي كافيا في فيضانه عن الفاعل الأول جل ذكره، ومنها ما ~~هو متوقف الوجود على قابل مستعد واستعداد خاص قريب أو بعيد، مرهون ~~بأوقاته المعينة. وله علل معدة مقربة بالمواد إلى فاعلها الحقيقي ~~المتساوي نسبة جوده إلى الجميع في قبول الوجود منه، وكثير من الناس - ~~حتى طوائف من المترسمين بالعلم والدراية - يزعمون أن الأسباب المعدة ~~للأفاعيل المباشرة للتحريكات والتسكينات، إياها هي الفاعلة الموجدة لها، ~~ويظنون لقصور النظر وكثرة الحجب وأغلاط الحواس، ان القدرة ثابتة لغير ~~الله، لما يترائى لهم من جريان الأفاعيل على أيدي الأسباب، وظهور الأمور ~~من الضرب والإحسان والجود والإمتنان والايلام والإنعام والقتل والتجاوز ~~والرق والعتق وغيرها على أيدي ذوي الشوكة من الملوك والسلاطين ~~والظلمة. ولم يعلم أحدهم - إلا العرفاء بالله خاصة - أن هذه الأسباب ~~بمنزلة أعيان منصوبة مقرونة بما يجري عليها من صدور هذه الآثار بلا تأثير ~~من قبلها، وأن زمام هذه الأمور كلها بيد مالك الملوك. # وإذا تقررت هذه المقدمة فنقول: لما كان هذا الاشتباه والاغترار بظواهر ~~الآثار إنما اختص بدار الدنيا، ونشأ للناس من جهة غشاوة هذا الأدنى، ~~وفي الآخرة يكشف الغطاء وترتفع الغشاوة عن وجوه البصائر والامتراء، ويظهر ~~أن الكل لله ومن الله وإلى الله، قال: { مالك يوم الدين } وعلى ~~طبق قوله: # يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا # [الدخان:41]. لا بمعنى انه يصير كذلك في ذلك اليوم بعد ما لم يكن، بل ~~الأمر كذلك أبدا بحسب نفس الأمر، لكن لما لم يصر منكشفا على الخلائق ~~إلا بعد بروزهم عن مكامن هذه الظلمات والغشاوات، ووصولهم إلى عالم ~~الآخرة، فإذا برزوا من الدنيا وحشروا إلى ms0047 الآخرة، شاهدوا بعين العيان ما ~~سمعه بعضهم بسمع الإيمان، فالتفاوت إنما هو في الشعور لا في الأمر ~~نفسه، كما توهمه العبارة، ولذلك قال قائلهم: # توهمت قدما ان ليلى تبرقعت # وان لنا في البين ما يمنع اللثما # فلاح ولا والله ثمة حاجب # سوى ان عيني كان عن حسنها أعمى # ولأن الاسباب هناك منحصرة في السبب الفاعلي والغائي - كما مر -، ولا ~~وجود للقوى والاستعدادات في الآخرة، إذ كل ما بالقوة يصير هناك بالفعل، ~~فالفعل لازم للفاعل بلا قابل، والله مسبب كل سبب موجود، وموجد كل فاعل ~~لوجود؛ فقوته تعالى تقهر القوى كلها، وعند نوره ينكشف كل نور ~~وضياء، فهو مالك جميع الأشياء، يوم يطوى فيه بساط الأرض والسماء - وها ~~هنا تكون الأمور مرهونة بأوقاتها متعلقة الوجود بالقوابل واستعداداتها ~~- كما قال # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر:16]. ### || [1.5] # قوله جل اسمه: # { إياك نعبد وإياك نستعين } # إيا ضمير منفصل للمنصوب، والروادف التي بعده من الحروف لبيان الخطاب ~~والغيبية والتكلم، وليس لها محل من الإعراب، إذ ليست هي بأسماء مضمرة ~~عند المحققين. وأما قول بعض العرب: " إذا بلغ الرجل الستين فإياه ~~وإيا الشواب " فشاذ، وتقديم المفعول للدلالة على الاختصاص. فقولك ~~للرجل: إياك أعني، معناه لا أعني غيرك: ولا شك في أنه أبلغ من أن يقول: ~~أعنيك، كما في قوله تعالى: # قل أغير الله أبغي ربا # [الأنعام:164]. # والمعنى: نخصك بالعبادة ونخصك بالاستعانة. وقرئ إياك بتخفيف الياء، ~~وأياك بفتح الهمزة والتشديد، وهياك بقلب الهمزة هاء وقرئ بكسر النون ~~فيهما، وهي لغة بني تميم فإنهم يكسرون حروف المضارعة غير الياء إذا لم ~~ينضم ما بعدها. والعبادة ضرب من الشكر وغاية فيه، لأنها الخضوع ~~والتذلل، تدل على أعلى مراتب التعظيم ولا يستحقها أحد إلا باعطاء أصول ~~النعم الذي هو خلق الحياة والقدرة والحس والشهوة. و لا يقدر عليه أحد ~~إلا الله، فلذلك اختص سبحانه بأن يعبد، ولا تجوز العبادة لغيره، بخلاف ~~الطاعة، فإنها قد تحسن لغيره، كطاعة الأب والمولى والسلطان والزوج، فمن ~~قال: إن العبادة هي الطاعة، فقد ms0048 أخطأ، لأنها غاية التذلل دون الطاعة، ~~فإنها مجرد موافقة الأمر، ألا ترى أن العبد يطيع مولاه ولا يكون ~~عابدا له؟ والكفار يعبدون الأصنام ولا يكونون مطيعين لهم؟ إذ لا يتصور ~~من جهتهم الأمر. # فائدة # إن في تقديم إياك على نعبد وجوها: # منها: أن في هذا التقديم تنبيها منه للعابد على أن المنظور إليه في ~~العبادة هو المعبود نفسه، لا شيء آخر، من طلب ثواب أو دفع عقاب. # ومنها: أنه قدم نفسه لتنبيه العابد من أول الأمر على أن المعبود هو ~~الله الحق، فلا يلتفت يمينا وشمالا، ولا يتكاسل في الطاعات، ولا يثقل ~~عليه تحمل العبادات من الركوع والسجود، فإنه إذا ذكر قوله: إياك، يحضر ~~في قلبه معرفة الرب تعالى، فبعده سهلت عليه تلك الطاعات، وهانت عليه ~~مشقة العبادات، ومثاله: من أراد حمل جسم ثقيل، يتناول قبل ذلك ما يزيده ~~قوة وشدة. فالعبد لما أراد حمل التكاليف الشاقة، يتناول أولا معجون ~~معرفة الربوبية من قوله اياك حتى يقوى على حمل ثقل العبودية. # ومنها: أنك إذا قلت: نعبدك، بتقديم ذكر العبادة منك، فقبل أن تذكر ~~أنها لمن هي، فيحتمل أن الشيطان يقول: إنها للاصنام، أو للأجسام ~~كالشمس والقمر: أما إذا غيرت هذا الترتيب وقلت أولا: إياك، ثم قلت ~~ثانيا: نعبد. فلم يبق مجال لهذا الاحتمال، وكان أبلغ في التوحيد، وأبعد ~~عن احتمال الإشراك. # ومنها: أن المعبود متقدم في الوجود والشرف على الممكن، وكان ينبغي أن ~~يكون ذكره متقدما على ذكر غيره. # فائدة اخرى # [سر الالتفات من الغيبة الى الخطاب] # اعلم أن الدنيا لما كانت دار التعب والكلال، والسآمة والملال، فمن عادة ~~فصحاء العرب التفنن في الكلام، والعدول من طرز إلى طرز، تنشيطا للسامع، ~~وتنبيها لذهنه عند العدول من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب الى التكلم، ~~وبالعكس. وهذا أحسن من الجري على نسق واحد، واللزوم لمسلك متكرر ومع ~~ذلك، قد تختص مواقع الالتفات بزوائد فوائد من النكات، لا تحصل بدونه. ~~وها هنا من هذا القبيل، إذ قد تقرر في العلوم الإلهية، ان شدة ms0049 ~~الإدراك، وتأكد الصورة العلمية في الوضوح والانارة، وقوة الشوق الى ~~المدرك ورسوخه، يوجبان حضور المعلوم، ولهذا قيل: المعرفة بذر المشاهدة ~~والرؤية ثمرة اليقين. # فلما ذكر الله تعالى، وأجريت عليه صفات كمالية ونعوت إلهية من كونه ~~حقيقا بالحمد، رب العالمين، موجدا للكل، منعما عليهم بالنعم ~~كلها، جليلها ودقيقها، دنيويها وأخرويها، محسوسها ومعقولها، مالكا ~~لامورهم يوم الجزاء واللقاء، تميزت بها ذاته عن سائر الذوات، وتنور ~~القلب بأنوار معرفة هذه الصفات، وفتحت البصيرة بكشف هذه الآيات، وتعلق ~~العلم بمعلوم معين حاضر حضورا إشراقيا، فخوطب بالكلام: يا من هو ~~بالحمد حقيق، وبهذه الصفات الكمالية يليق، نخصك بالعبادة والاستعانة. ~~ليكون الخطاب أدل على هذا الاختصاص، ولاستجلاب مزيد قرب بعد قرب في هذا ~~التذلل والانكسار، وطلب معونة من قربه على قربه، لأن ذاته غير متناه في ~~شدة الوجود وقوة البهاء والعظمة، لا يمكن الاكتناه بنور وجوده، فكلما ~~كوشف للسالك، كان المستور منه بستر الجلال وسرادق الكبرياء أعظم بما لا ~~نسبة بينهما، إذ المنال والمشهود هناك بقدر قوة نظر الطالب ونور بصيرته، ~~لا بحسب المطلوب نفسه، وكلما ازداد في القرب ازداد في الاشتياق، ويكون ~~أحوج إلى طلب المعونة لزيادة المشاهدة وكسب الإشراق، فكان أول الكلام ~~مبنيا على ما هو بداية أمر السالك من الأذكار والأفكار، والتأمل في ~~الأسماء والنظر في الآلاء والنعماء، طلبا للاستبصار، وتقربا الى ~~مشاهدة نور الأنوار، واستدلالا من صنائعه على أسمائه وصفاته، ومن أسمائه ~~وصفاته على انوار جماله وأسرار جلاله ثم صار مؤديا إلى منتهى سيره ~~وغاية سفره إلى الحق، وهو كونه ممن يخوض لجة الوصول، ويصير من أهل ~~المشاهدة، فيراه عيانا، ويشاهده كفاحا، ويشافهه شفاها، كما أشار إليه ~~صاحب الإشارات، المرتقي بصفاء ضميره عن درجة أهل العبادات، الواصل الى ~~مقامات العارفين ودرجات المكاشفين، كما يفصح عنه قوله: " وهناك " أي عند ~~الخوض في لجة الوصول والسفر في بحر الحقيقة بعد العبور على منازل العقول ~~" درجات ليست أقل مما قبلها " بحسب كثرة العجائب، وفنون الغرائب، وتمادي ~~الأسفار، وتباعد المراحل، وتفاوت المنازل، لأن كل حقيقة من ms0050 الحقائق ~~الكونية، وكل صورة من الصور الكمالية الوجودية، التي هي ثابتة للموجود ~~بما هو موجود في شيء من العوالم، فهي هناك بالفعل على وجه أعلى وأشرف ~~وأتم، من غير لزوم تكثر، وتطرق تغير في الحضرة الأحدية، فالذات ~~الأحدية أرض كل الحقائق، وسماء أنوار الهويات، يقع فيه سير المسافرين، ~~ويدور عليه أنوار السائرين، من الله مشرقها، وإلى الله مغربها، إذ ما ~~شأنه أن يعاين بحق اليقين وعينه، فكيف يمكن أن يدرك بعلم اليقين أو دونه؟ # إلا ان البيان قاصر عن وصفه، واللسان يكل عن نعته، ولهذا قال صاحب ~~المقامات - اعتذارا عن بيان أحوال هذا المشهد-: " آثرنا الاختصار فإنها ~~لا يفهمها الحديث ولا تشرحها العبارة ولا يكشف عنها المقال غير الخيال، ~~من أحب أن يتعرفها فليتدرج إلى أن يصير من أهل المشاهدة دون المشافهة، ~~ومن الواصلين إلى العين دون السامعين للاثر " انتهى كلامه. # ونحن أيضا قد آثرنا الاختصار في مقام خرست فيه السن الفصحاء، ~~واتبعنا قول سيدنا ونبينا (عليه وآله الصلاة والدعاء): إذا بلغ الكلام ~~إلى الله فامسكوا. # بصيرة # [سر تقدم اياك نعبد على اياك نستعين] # اعلم إن الانسان مركب من جسد كالمركب وروح كالراكب، وهو منذ خلقه ~~الله في سفر الآخرة، وغاية سفره لقاء الله، لهذا خلق وعليه فطر وجبل، ~~وهو المقصود من الروح، والمقصود من الجسد اكتساب المنافع واقتناء الخيرات ~~والتخلص عن الشرور والآفات. وهو المعني بالعبادة والخدمة. # فلا جرم كان أفضل أحوال الجسد أن يكون آتيا بالأعمال المقربة للروح ~~إلى الله، تعظيما للمعبود وخدمة له، وهو أول درجات السعادة للإنسان، وهو ~~المراد بقوله تعالى: { إياك نعبد }. # وأفضل أحوال الروح أن يكون مرتبطا بالحق، متعلقا به، منقطعا عن ~~غيره، متجردا عن الدنيا وما فيها، فإذا واظب على تحصيل هذه المرتبة، ~~وداوم على تجريد ذاته وتخليصها عن العلائق المادية والغواشي الدنيوية، ~~فعند ذلك يظهر له شيء من أنوار القدس ولوامع الغيب، فإذا تنورت ذاته بنور ~~المعرفة والعبادة، يعلم أن مبدء شوقه إلى عالم الملكوت، ومحرك ذاته لطلب ~~التقرب إليه تعالى، لم ms0051 يكن ولا يكون إلا الله مقلب القلوب ومحرك ~~النفوس، وأنه بنفسه لا يستقل بالإتيان بهذه العبادات والتدرج على هذه ~~الدرجات، ولا يمكنه الإتيان بتحصيل شيء من الكمالات العلمية والعملية ~~إلا بتوفيق الله وعنايته وعصمته، وهو المراد من قوله تعالى: واياك ~~نستعين. # وفيه ايضا حجة لأهل التوحيد الأفعالي، قال بعض العرفاء الموحدين: ~~ولولا أن العبد ادعى الاستطاعة في الأفعال والاستقلال بها، لما أنزل ~~الله عليه تكليفا قط، ولا شريعة، ولهذا جعل حظ المؤمن من هذه الدعوى ~~أن يقول: اياك نستعين، وحظ العفراء المكاشفين ممن وقع عنهم التبري ~~من الأفعال الظاهرة وجودها منهم أن يقولوا: لا حول ولا قوة الا ~~بالله العلي العظيم، فهذا القول لا يصدر على وجه الصدق إلا عن اولئك ~~الكاملين العارفين بها التوحيد الأفعالي، فهو لهم خاصة دون غيرهم، فكم ~~بين الحالين من التبري والدعوى. # فالمدعي مطالب بالبرهان على دعواه، والمتبري غير مطالب بذلك. ولا تقل: ~~إن التبري أيضا دعوى، فإن التبري لا يبقي شيئا، وعلى ذلك ينطلق إسم ~~المتبري - انتهى كلامه. # وبالجملة فالمراد من قوله: اياك نستعين، طلب الهداية لأقرب ~~المناهج وأقوم الطرق إلى الله، كما وقع الافصاح عنه بعد هذه الآية بما ~~يتلوها. # بصيرة اخرى # [الإشارة إلى السفر الثالث من الأسفار الأربعة] # الضميران المستكنان في هذين الفعلين، إما للنبي (صلى الله عليه وآله) ~~وأمته أو للإمام وحاضري صلاة الجماعة معه. أو للقاري ومن معه من الحفظة ~~أو له ولسائر الموحدين. أدرج عبادته في تضاعيف عباداتهم، وخلط حاجته ~~بحاجاتهم، لعلها تقبل ببركاتها وتجاب إليها؛ كادراج البائع غير الرائج ~~في جملة الرائج في بيع الصفقة، ومن ها هنا يعلم سر شريعة الجماعات. # ولتقديم ضمير المعبود والمستعان به وجوه أخرى غير ما ذكر، كالتعظيم، ~~وتقديم ما هو مقدم في الوجود، وللاشارة إلى أن نظر العابد والتفاته ينبغي ~~أن يكون مقصورا على ذات المعبود أولا وبالذات، ثم إلى العبادة، لأنها ~~وسيلة ووصلة بينه وبين الحق، فمن كان غرضه من المعرفة والعبادة نفسه أو ~~نفس شيء منهما، فهو ليس من الموحدين ms0052 ولا من العابدين، لأنه يعبد غير ~~الله، وهذه حال المتبجح بزينة ذاته، وإن كان بمعرفة الحق، وأما من عبد ~~الله وغاب عن ذاته وعن عبادته، فهو مستغرق في العبودية لله بما هي عبودية ~~له، وانتساب إليه، نسبة الفقر والحاجة التي هي من أشرف النسب. فإن ~~قصارى مجهود العابدين تصحيح هذه النسبة ومن كانت هذه حالته في العبادة ~~فهو من الواصلين لا محالة. اذ ملاحظة النسبة بما هي نسبة عين ملاحظة ~~المنسوب إليه، فهو بالحقيقة مستغرق في ملاحظة جناب القدس وغائب عن ما ~~سواه، حتى أنه لا يلاحظ نفسه، ولا حالا من أحوال نفسه إلا من حيث إنها ~~ملاحظة له ومفتقرة إليه. ولهذا رجح قول حبيب الله: # لا تحزن إن الله معنا # [التوبة:40]. على قول كليمه: # إن معي ربي سيهدين # [الشعراء:62]. # وبالجملة، أشرف منازل السالكين مقام الفقر ومنزل العبودية. والسبب ~~العقلي فيه: ان جميع الموجودات قابلة للرحمة الإلهية، والكمال الوجودي ~~بحسب فطرتها الإمكانية، وإنما المانع منها عن قبول الفيض الأتم والجود ~~الأشمل، هو تقيده بقيد خاص وتصوره بصورة وجودية مخصوصة تضاد قيدا آخر ~~وصورة وجودية أخرى، فبقدر تخلصه عن قيده الجزئي، وانخلاعه عن صورته ~~المخصوصة، يستحق لكمال أتم وأعم، وصورة جودية اشمل وأكمل، فإذا تجرد ~~عن كل ما سوى الله، وغاب عن كل اسم ورسم وحلية وصفة وحول وقوة، كان الله ~~له بدلا عن جميع ذلك، فصار الحق حوله وقوته وسمعه وبصره ويده ~~ورجله وجميع قواه وجوارحه - كما ورد في الحديث القدسي - من غير تغير ~~وتكثر في ذاته وصفاته تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # ولهذا أمثلة كثيرة: # منها: أن الهيولى الأولى للاجسام، لما كانت في ذاتها عارية عن كل صورة ~~حسية وصفة جسمانية، قبلتها كلها، بخلاف المواد الثانوية لها، فإنها ~~من حيث استعدادها الخاص لا تقبل إلا صورة واحدة، فكذلك النفس الإنسانية ~~التي هي هيولى العقليات، من شأنها أن تقبل سائر الصور العقلية والكمالات ~~الملكوتية والأخلاق الحسنة كلها، إلا ان تقيدها ببعض الصفات، ~~واحتجابها بحجب بعض الملكات يمنعها عن الاتصال بما ms0053 فوقها. # ومنها: أن العناصر إذا امتزجت وتفاعلت وانفعل كل منها عن صاحبه، ~~انكسرت كيفياتها، وكادت تخلع عنها صورها المتضادة الجزئية، فعند ~~انكسارها وشدة افتقارها إلى ما يحفظها عن الفساد، فاض عليها المبدأ ~~الجواد بصورة كمالية جامعة لكمالات تلك الصور المتعددة بوحدتها ~~الجمعية، وقس عليها حال النفوس المتعددة عند اجتماعها في بيوت العبادة ~~ومجالس العلم والذكر، وتركها شواغلها الدنيوية، كيف تفاض عليها بركة ~~الهيئة الجمعية، وتنكشف عليها صورة المسالة العلمية التي هي أشرف من ~~تلك الشواغل. # ومنها: أن الجسم الملون الكثيف، إذا زال بالتصقيل لون سطحه وضوؤه، ~~قبل بعد ذلك لون كل ما يقابله وضوءه وما ذلك إلا لأن الجسم الصقيل ~~لا لون له ولا ضوء له بالفعل، مع أنه من شأنه أن يكون ذا لون وضوء لكونه ~~كثيفا. # ومنها: أن الجسم المشف من شأنه قبول الألوان كلها، وإذا اتصف بلون ~~خاص يمتنع عليه قبول غيره، يماثله أو يضاده، وأما أن الملون بغير ~~السواد، يقبل لون السواد، فلأن غير السواد من الألوان بالقياس إلى ~~السواد كاللالون بالقياس إلى اللون، وها هنا موضع تأمل. # ومنها: أن كلا من مواضع الشعور الخمسة خالية عن الكيفيات المحسوسة ~~بتلك الآلة، فإن آلة البصر - وهي الجليدية - شفافة، وآلة الطعم - وهي ~~الرطوبة اللعابية - عديمة الطعم، وآلة الشم عديمة الرائحة، وآلة السمع ~~عديمة الصوت، وكذلك حكم آلة اللمس، فإنها وإن لم تكن خالية عن أوائل ~~الكيفيات إلا انها متوسطة بينها، وقد تقرر إن التوسط بين الأضداد ~~بمنزلة الخلو عنها، أو لا ترى أنك تقول للماء الفاتر: لا حار ولا ~~بارد؟. # ولأجل خلو مادة كل من هذه القوى الحساسة عن جميع أفراد الصور التي هي ~~واقعة تحت جنس محسوساتها، صارت قابلة للجميع من غير تأب وتعص عن قبول ~~شيء منها، ما لم يعرض لها فساد أو مرض. # ثم إن مادة كل منها، وإن لم تكن مقيدة بصورة الكيفية التي يقع ~~الإحساس بها من تلك الحاسة، ولكنها مقيدة بصور وكيفيات أخر من أجناس ~~سائر المحسوسات، ولهذا اقتصر إدراكها على ما ms0054 يخصها ولا يتجاوز عنه إلى ~~المحسوسات الأربع الباقية، ولخلوص القوة المتخيلة عن هذه الكيفيات ~~المحسوسة كلها، أدركت الجميع وأحضرتها، لأن جوهر النفس الخيالية غير ~~مبصرة ولا مسموعة ولا مشمومة ولا مذوقة ولا ملموسة، ولها قوة قبول هذه ~~الأشياء كلها، فلا جرم تقبلها كلها. # ومنها: أن ملكة العدالة النفسانية - التي هي عبارة عن توسط النفس ~~الإنسانية في الشهوة بين الفجور والخمود، وفي الغضب بين الجبن ~~والتهور، وفي القوة الإدراكية بين الجربزة والبلاهة - لما كانت ~~بمنزلة كون النفس خالية عن الإتصاف بهذه الصفات الستة، التي كل منها ~~هيئة نفسانية شاغلة إياها إذا كانت راسخة عن طلب الحق وسلوك الآخرة، ~~صارت بسببها مستعدة للكمال العلمي، لأنها عند انكسار هذه القوى ~~وانقهارها عن طلب مشتهياتها ومقتضياتها، تخلص عن انقيادها وطاعتها، فتقع ~~لها بقوة عقلها الهيولاني، هيئة استعلائية عليها، وقوة نورية ~~استعدادية لطاعة الحق وانقياده، وقبول أنوار المعارف الإلهية ~~وأسرار المقاصد الربوبية، فيصير عقله المنفعل علامة بالحق، مطيعا ~~لله تعالى. # فإذا علمت حال هذه الأمثلة، فقس عليها حال السالك العارف بالله عند ~~عدم التفاته بما سواه، وعند كونه غير مشغول السر بغير الله، وغير متبجح ~~بزينة ذاته من حيث هي ذاته، وإن كانت بصورة المعرفة وهيئة العبودية، بل ~~مع غيبته عن ذاته، وغيبته عن غيبة ذاته، وفنائه عن فنائه، وحينئذ يكون ~~باقيا ببقاء الله فوق ما كان باقيا بابقاء الله، كما كان قبل الوصول، ~~وهذا هو مقام الفناء في التوحيد والمحو، وإليه الإشارة بقوله: { إياك ~~نعبد }. # فإذا بقي في هذا المحو ولم يرجع إلى الصحو، كان مستغرقا في الحق ~~محجوبا بالحق عن الخلق، كما كان قبل ذلك محجوبا بالخلق عن الحق، لضيق ~~وعائه الوجودي وامتناع قبوله التجلي الذاتي الشهودي فكذلك الموجود في ~~مقام هذا التجلى والشهود احتجب التفصيل عن شهوده واضمحلت الكثرة في ~~وجوده، ما زاغ بصره عن مشاهدة جماله وسبحات نور جلاله، لاستغراقه في ~~بحر التوحيد، فلا ينظر إلى ما سواه ولا يستعين إلا إياه، فيقول عند ~~ذلك: إياك نستعين. أي في مشاهدة آلائك ms0055 بمشاهدة ذاتك وصفاتك ~~فحينئذ يرجع من الحق بالحق إلى الخلق، وهذا هو السفر الثالث من الأسفار ~~الأربعة الواقعة من الكاملين المكملين. # فإذا رجع بالوجود الحقاني الموهوب إلى حالة الصحو بعد المحو، ~~وانشرح صدره ووسع الحق والخلق، صار منتصبا في مقام الاستقامة كما ~~أمر الله به الرسول - صلى الله عليه وآله - في قوله: # فاستقم كمآ أمرت # [هود:112]، متوسطا في صراط الحق بين التشبيه والتعطيل، ناظرا بعين ~~الجمع إلى التفصيل، وإليه الإشارة بقوله: { اهدنا الصراط ~~المستقيم }. # وذلك هو الفوز العظيم، والمن الجسيم، فقوله: اياك نعبد، إشارة ~~إلى مقام السلوك إلى الله والتقرب إليه بالعبودية التامة له، وهي ~~مرتبة الولاية المشار إليها في قوله: لا يزال يتقرب العبد إلي ~~النوافل حتى أحببته. # وقوله: واياك نستعين، إشارة إلى مقام الصحو بعد المحو، وهي ~~مرتبة النبوة، المشار إليها في قوله تعالى: فإذا أحببته كنت سمعه ~~وبصره ويده ورجله - الحديث. # بصيرة # [سر تقديم العبادة على الاستعانة] # قيل: قدمت العبادة على الاستعانة، لتتوافق رؤوس الآي. وقيل: إن ~~العبادة وسيلة لطلب الحاجة، وتقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى ~~الإجابة وأسرع للقبول. # وأقول: لما علمت أن أشرف مراتب الإنسان - بما هو إنسان - وأجل ~~مقاماته، تحصيل نسبة الإمكان والافتقار إليه سبحانه بالعبادة والعبودية، ~~ولهذا قدم ذكر العبودية على ذكر الرسالة في قولك: أشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله، وذلك لأن الأولى عبارة عن نسبة العبد إليه تعالى، والثانية ~~عبارة عن نسبته إلى الخلق، فالأولى تكون أقدم من الثانية بالشرف، وإن كان ~~الرسول أفضل من الولي، لكونه جامعا للمنزلتين جميعا، فكذلك الكلام ها ~~هنا، فإن العبادة لكونها وسيلة إلى الحق، أشرف من الاستعانة لكونها ~~وسيلة إلى الخلق. # واعلم أن في تقديم العبودية على الرسالة في التشهد وجها آخر، وهو: ~~أن لكل من الولاية والنبوة حدوثا وبقاء، فالولاية أقدم حدوثا وأدوم ~~بقاء من الرسالة، فناسب التقدم الوضعي للتقديم الزماني. # وجه آخر # قيل: لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه، كأنه أوهم ذلك تبجحا بزينة ~~ذاته من جهة نسبة العبادة، واعتدادا منه بما يصدر ms0056 عنه، فعقبه بقوله: ~~إياك نستعين، ليدل على أن العبادة أيضا مما لا يتم ولا يستتب ~~إلا بمعونة منه وتوفيق. وقيل: الواو للحال. ### || [1.6] # قوله جل اسمه: # { اهدنا الصراط المستقيم } # الهداية لغة: الإرشاد بلطف، ولهذا يستعمل في الخير لا في الشر وقوله ~~تعالى # فاهدوهم إلى صراط الجحيم # [الصافات:23]. يحتمل أن يكون على سبيل التهكم ومنه الهدية، وهوادي ~~الوحش لمقدماتها، والفعل منه: هدى. # وقيل: معناه الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب. ونقض بقوله # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص:56]. # وقيل: بل الدلالة الموصلة إلى المطلوب، وهو أيضا منقوض بقوله: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت:17]. # والحمل على المجاز في كل منهما والحقيقة في الأخرى متصور. # وقيل: إنه تارة تتعدى بنفسها، وتارة باللام أو بإلى، كما في قوله ~~تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء:9]. وقوله: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى:52] ومعناه على الاول الايصال، وعلى الأخيرين إراءة الطريق. # وفي الكشاف: إن أصله ان يعدى باللام أو إلى، فعومل معاملة " اختار ~~" في قوله تعالى: # واختار موسى قومه # [الأعراف:155]. # والصراط: الطريق الواضح المتسع. وأصله السين. لأنه من سرط الطعام إذا ~~ابتلعه. فكأنه يسرط السابلة، ولهذا سمي لقما، لأنه يلتقمهم، فمن قرأ ~~بالسين - كابن كثير برواية قنبل ورويس عن يعقوب - راعى الأصل، ومن قرأ ~~بالصاد، فلما بين الصاد والطاء من المواخاة في الاطباق والاستعلاء، ~~كقولهم: مصيطر، في مسيطر. # وقرأ حمزة باشمام الصاد الزاي، ليكون أقرب الى المبدل عنه، إذ قد يشم ~~الصاد صوت الزاي، وفصحاهن اخلاص الصاد وهي لغة قريش، ويجمع على " فعل ~~" ككتاب على كتب، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، كالطريق والسبيل. # واعلم أن الأمر والدعاء يتشاركان صيغة ومعنى، لأن كلا منهما طلب، ~~وإنما يتفاوتان بالاستعلاء والتسفل، أو بالرتبة. وأما معنى هذا الدعاء ~~ففيه وجوه: # منها: أن معناه: ثبتنا على الدين الحق، لأن الله قد هدى الخلق ~~كلهم الى الصراط أي طريق الحق من ملة الاسلام، إلا ان الإنسان قد ~~تزل قدمه عن جادته، وترد عليه الخواطر الردية فيحسن منه ms0057 أن يسأل ~~الله التثبت على دينه، والزيادة على هذا، كما قال الله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى # [محمد:17]. وهذا كقولك لمن يأكل الطعام عندك: كل، أي: دم على أكله. # ومنها: أن المراد دلنا على الدين الحق في مستقبل العمر، كما دللتنا ~~عليه في الماضي. ويجوز الدعاء بالشيء الذي يكون حاصلا كقوله تعالى: # قال رب احكم بالحق # [الأنبياء:112]، وليس فيه تحصيل للحاصل. # ومنها: أن نفس الدعاء عبادة شريفة من جملة العبادات. وفيه اظهار ~~للانقطاع إليه تعالى، ويجوز أن يكون لنا فيه مصلحة من الخضوع والخشوع ~~والتذلل، وسائر ما يوجب تليين القلوب والتبتل إليه، فتحسن المسألة. # وقيل في معنى الصراط المستقيم وجوه: # أحدها: أنه كتاب الله وهو المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وعن ~~علي (عليه السلام)، وابن مسعود. # وثانيها: إنه الإسلام، وهو المروي عن جابر وابن عباس. # وثالثها: إنه دين الله الذي لا يقبل غيره، عن محمد بن الحنفية. # والرابع: إنه النبي والأئمة القائمون مقامه، وهو المروي في أخبار ~~أصحابنا والمأثور من أئمتنا وأنوارنا (عليهم السلام). # والأولى حمل الآية على العموم، ليكون أجمع وأشبه منه بكلام من له ~~الأحدية الجمعية. # قال بعض المحققين: هداية الله تتنوع أنواعا لا يحصيها عد، لكنها في ~~أجناس مرتبة. # الأول: إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الإهتداء الى مصالحه. ~~كالقوة العقلية، والحواس الباطنة، والمشاعر الظاهرة، كما في قوله: # الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه:50]. # والثاني: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل في الاعتقادات، ~~والصلاح والفساد في الأعمال، حيث قال: # وهديناه النجدين # [البلد:10]. وقال: # فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى # [فصلت:17]. # والثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب، واياها عنى بقوله: # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا # [الأنبياء: 73]. وقوله: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء:9]. # والرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي أو ~~الإلهام والمنامات الصادقة وهذا القسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء، ~~وإياه عنى بقوله: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام:90]. وقوله: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن ~~الله لمع ms0058 المحسنين # [العنكبوت:69]. # فالمطلوب ها هنا إما زيادة ما منحوه من الهدى، أو الثبات عليه، أو ~~حصول المراتب المرتبة عليه، فإذا قال العارف الواصل: اهدنا، عنى ~~ارشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات أحوالنا، وتميط غواشي ~~أبداننا، لنستضيء بنور قدسك، فنراك بنورك. # مكاشفة # [الصراط ومرور الانسان عليه] # اعلم إن معرفة حقيقة الصراط واستقامتها والمرو عليه والضلال عنه، من ~~المعارف القرآنية التي يختص بدركها أهل المكاشفة والمشاهدة، وليس لغيرهم ~~من سائر المسلمين إلا مجرد التصديق والإذعان به تسليما وايمانا ~~بالغيب، لا ببصيرة حاصلة من نور اليقين ونعم ما قيل: من لا كشف له لا ~~علم له. # واللمعة اليسيرة من هذا العلم: # هي إن الموجودات الممكنة منقسمة إلى قائمة ومتحركة، والعبارة من ~~الأولى؛ عالم الأمر والقضاء والإرادة: # ومآ أمرنآ إلا واحدة # [القمر:50]. ومنه نشأ الملائكة المقربون القائمون بأمره تعالى في ~~منازلهم ومراتبهم، المفطورون على كمالهم الأصلي، لا يتعدونه، كل له مقام ~~معلوم، منهم سجود لا يركعون، ومنهم ركوع لا يسجدون. والعبارة من الثانية؛ ~~عالم الخلق والفعل والتقدير، قال: # كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا ~~كنا فاعلين # [الأنبياء:104]. وعالم الخلق دائم الحركة والانتقال والحدوث والزوال، ~~ونحن قد أقمنا البرهان على تجدد الطبائع الجسمية، وسيلان الجواهر ~~المادية برهانا قطعيا، وبينا أن غاية جميع هذه الحركات والانقلابات ~~الإرادية والطبيعية هو الله تعالى، وان جميع الموجودات العالية والسافلة ~~بتوجهون نحوه ويولون شطره بما يسري إليهم من نور عشقه وفيض رحمته، وهذا ~~المعنى مما يمكن إدراكه بالحدس والتجربة، لما نشاهد من كل موجود نراه ~~شوقا إلى ما هو أعلى منه، وحركة إلى ما يشتاقه ويتمناه، ومعاد كل ~~موجود إلى ما هو مبدأه، ومرجعه إلى ما هو منشأه، وكل ما هو أعلى مبدءا ~~يكون أرفع غاية وأشرف مآبا ومرجعا، فمرجع العنصر إلى العنصر كماء ~~المطر انفصل من البحر أولا واتصل به ثانيا كان بحرا ثم بخارا، ~~ثم انعقد سحابا، ثم تقاطر أمطارا، ثم جرى عيونا وأنهارا، ثم اتصل ~~بالبحر فصار بحرا كما كان بعد أن تطور أطوارا، ms0059 وكذا مرجع النبات مع ~~زيادة منزلة وبركة، كحال الحبة في تقاليب الأطوار إلى أن تبلغ مرتبة ~~الثمار، فيبتدي أولها وهو لب يدفن في الأرض وكاد أن يفسد ويغيب عن ~~ذاته في الأماكن الغريبة، ثم أفادها الله قوة محركة تستحيل بها من حال ~~إلى حال حتى تنتهي إلى كمالها الأصلي، فتبلغ إلى درجة اللب الذي كانت ~~عليه في بدؤ أمرها مع أعداد كثيرة من أفراد نوعه وفوائد زائدة من القشور ~~والأنوار والأوراق والأزهار. # وكذلك حال الحيوان، فهو أعظم قوسا في العروج إلى الله وأبعد نزولا ~~وصعودا من النبات وصورة الأركان: # ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي ~~على صراط مستقيم # [هود:56]. # وأما الإنسان - أي الحقيقي لا الصوري - فهو الغاية والمقصود الأصلي من ~~جميع الخلائق والأكوان، ولأجله خلقت المكونات وترتبت الموجودات ونشأت ~~المواليد والآباء والأمهات، فمنازل سيره وصعوده إلى الله واقعة على ~~النصف الصعودي لدائرة الإمكان، على عكس مراتب نزوله من عند الله الواقعة ~~على النصف النزولي لهذه الدائرة، وذلك لأن الله مبدأه ومعاده، وهو ~~المهتدي المنعم عليه المعتني به من أول الأمر إلى آخر العهد فلم يزل ~~الإنسان الذي سبقت له المشية الأزلية أن يستعمله الله لسياقة حكمته الى ~~غايتها، منظورا إليه في سائر مراتب الاستيداع من حيث أفراد الإرادة ~~المنبعثة عن العلم الأزلي في مقام القلم الأعلى العقلي، ثم في مقام ~~اللوح النفسي، ثم في مرتبة الطبيعة باعتبار ظهور حكمتها في الأجسام، ثم ~~في العرش المحدد للزمان والمكان مستوى الاسم الرحمن، ثم في الكرسي ~~الكريم مستوى الاسم الرحيم، ثم في السموات السبع، ثم في العناصر، ثم ~~في المواليد، وهلم إلى حين استقراره بصفة صورة الجمع بعد استيفاء مراتب ~~الاستيداع، مخصوصا بمزيد الاعتناء، موسوما بسمة التوفيق والهداية، ~~مهتما به اهتمام تاما مراعى في كل عالم وحضرة يمر عليهما بحسن ~~الرعاية، مخدوما بخدمة أهل ذلك العالم والمرتبة، ليتم به وبخدمته ~~وإمداده وحسن تلقيه أولا، ومشايعته ثانيا، ذواتهم وصورهم بحسب ما ~~يدركونه فيه من سمة العناية وأثر الإختصاص. وما من عالم ms0060 من العوالم ~~العلوية مر عليه إلا وهو بصدد التعويق في الإنحراف المعنوي، إن لم ~~تتداركه العناية الإلهية، لغلبة أحكام بعض النشآت، أو صفة بعض الأرواح ~~الذي يتصل به حكمه عليه، وكذلك بعض الأفلاك بالنسبة إلى البواقي، ~~فيتعوق أو ينحرف عما يقتضيه حكم الاعتدال الجمعي، وصورة الصراط الوسطي ~~الرباني الذي هو شأن من سبقت له العناية في الأزل أن يستعملهم لسياقة ~~حكمة الكون إلى غايتها، ثم الأمثل فالأمثل. # وإذا دخل عالم المواليد وسيما من حين تعدى مرتبة المعدن إلى مرتبة ~~النبات وعالمه، ثم منه إلى عالم الحيوان، إن لم تصحبه العناية ~~الأزلية، ولم يصحبه الحق بحسن المعونة والحراسة والرعاية، وإلا حيف ~~عليه، فانه بصدد آفات كثيرة، لأنه عند دخوله عالم النبات، إن لم يكن ~~محروسا معتنى به، وإلا فينجذب ببعض المناسبات التي تشتمل عليها ~~جمعيته إلى مزاج ردئ، ينحرف به عن صراط الحق فيخرج منه تارة أخرى إلى ~~باب العناصر، ويبقى فيه حائرا عاجزا، حتى يعان ويؤذن له في الدخول ~~مرة اخرى. فربما عرضت له آفة من العناصر، كبرد مسدد أو حر مفرط أو ~~رطوبة زائدة، أو يبس غالب، فيتلف ويخرج ليستأنف دخولا آخر، وهكذا ~~مرارا شتى حسب ما شاء الله وقضاه وقدره. ثم على تقدير سلامته أيضا في ~~ما ذكرناه بنعمة الحراسة والرعاية وسائر النعم التي يستدعيها فقره، ~~فإنه قد يخرج على غير الوجه الذي يقتضي تكوين النشأة الحيوانية منه، ~~فإذا دخل في باب الحيوانية، تضاعفت حاجته إلى الحفظ والتربية والصيانة ~~والحراسة من الآفات والمضادات لواحد واحد من أعضائه وقواه الحيوانية ~~بعد قواه النباتية، فهو مفتقر الى الهداية والتوفيق، ونعمة السلامة ~~والحراسة والرعاية في كل مرتبة وصورة صورة ونشأة نشأة، إلى حال مسقط ~~النطفة وحال الولادة، فهو مفتقر إلى أن يخرجه الله مخرجا صدقا ويدخله ~~مدخلا كريما من حيث ظاهره وباطنه. # فالمختصان بمسقط النطفة حال التوليد من أحكام الزمان والمكان، شاهدان ~~طي كثير من أحواله البطانة، والمختصان بمسقط الرأس حال الولادة، شاهدان ~~على معظم أحواله الظاهرة، وسر الابتداء في السلوك ms0061 إلى جانب الحق، ~~فالعادة الإلهية جارية بأن من اختص بمزيد العناية ونعمة الحراسة، ~~وأثر الإختصاص من بداية أمره، وشروعه من منبع المشية الإلهية الى هذا ~~المقام وهو مقام العقل والتكليف والدعوة أن يهديه إلى صراطه ويسوقه إلى ~~تمام النعمة، وغاية الحكمة، وغاية الايجاد، وزينة المعاد، وصورة الكمال ~~الوجودي، فأين من يكون أحدي السير من حين صدوره من غير الحق الى عرصة ~~الوجود العيني والنزول الكوني، لم يتعوق من حيث حقيقته وروحانيته في ~~عالم من العوالم، ونشأة من النشئآت، وحضرة من الحضرات ممن يتعوق ~~ويتردد لتصادم الموانع والآفات، ويتكرر ولوجه وخروجه المقتضيان ~~لكثافة حجبه، وكثرة تقلبه في المحن والعوائق - نعوذ بالله منها. # فقوله تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم } ، بيان للمعونة ~~المطلوبة في الآية السابقة، فكأنه قال: كيف أعينكم؟ فقالوا: اهدنا ~~فهذه الآية وما يتلوها كالأجوبة لأسئلة ربانية، كما قال بعض العرفاء: ~~فكأن لسان الربوبية يقول عند قول العبد: اهدنا الصراط: أي صراط ~~تعنى؟ فالصراطات كثيرة كلها لي، لما تقرر واشتهر ان الطرق إلى الله ~~بعدد أنفاس الخلائق، فيقول لسان العبودية: اريد منها: المستقيم. # فيقول لسان الربوبية: كلها مستقيمة من حيث اتهج إلى غايتها كلها، ~~وإلي مصير من يمشي عليها جميعا. فأي استقامة تقصد في سؤلك يا عبدي؟ # فيقول لسان العبودية: اريد من بين الجميع: { صراط الذين انعمت ~~عليهم }. # فيقول لسان الربوبية: ومن الذي لم أنعم عليه؟ وهل في الوجود شيء لم ~~تسعه رحمتي ولم تشمله نعمتي؟ فيقول لسان العبودية: إن رحمتك واسعة ~~ونعمك سابغة شاملة، لكني لست أبغي إلا صراط الذين انعمت عليهم النعم ~~الظاهرة والباطنة الصافية من كدر الغضب ومحنته، وشائبة الضلال ونكبته، ~~فإن السلامة من قوارع الغضب لا تقنعني، إذا لم تكن النعم المسدلة إلي ~~مطرزة بعلم الهداية المخلصة من محنة الحيرة والضلالة، وبيداء التيه ~~وورطات الشبهة والشك والتمويه، وإلا فأية فائدة في تنعم ظاهري ~~بأنواع النعم مع تألم باطني بهواجم التلبيسات المانعة من الاطمينان ~~والسكون، ورواجم الريب والظنون. # هذا في الوقت الحاضر - فدع ما تتوقعه من اليوم الآخر، فتذكر ms0062 عند هذا ~~قوله (صلى الله عليه وآله) حكاية عن ربه أنه قال: # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. فإذا قال العبد: { بسم الله ~~الرحمن الرحيم } ، يقول الله: ذكرني عبدي، وإذا قال: { ~~الحمد لله رب العالمين } ، يقول الله: حمدني عبدي. ~~وإذا قال: { الرحمن الرحيم } ، يقول الله: عظمني عبدي، وإذا ~~قال: { ملك يوم الدين } ، يقول الله: مجدني عبدي، وفي ~~رواية فوض إلي عبدي. وإذا قال: { إياك نعبد وإياك ~~نستعين } ، يقول الله: هذا بيني وبين عبدي، وإذا قال: اهدنا ~~الصراط المستقيم، يقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ". # فاعرف كيف تسأل، تنل من فضل الله ما تؤمل. # فصل # [الانسان أشرف الخلائق] # واعلم أن الإنسان المهتدي بنور الله، أشرف الخلائق كلها، وأبدع ما في ~~الإمكان، لأن الله اصطفاه لقربه، وأضافه إلى نفسه، من الله مبدأه وإلى ~~الله منتهاه، قد باشر الحق ايجاده بنفخه فيه من روحه، وتخمير جسده ~~بيديه، واختار لعبده الأسماء كما لنفسه، وآثر الخيرة له من لدن نزوله ~~من عنده إلى حين صعوده إليه، في كل صورة يتلبس بها، أو مقام يمر عليه، ~~أو نشأة يظهر بها نفسه، وموطن يتعين فيه النشأة، وزمان يحويه من حيث ~~تقيده به وتغيره معه، ومكان يستقر فيه من حيث هو متحيز به وحاصل ~~في دائرته. وأول كل ذلك ومبدأه هو من حال تعلق الإرادة الإلهية به عند ~~تعينه بعينه الثابت في علمه الأزلي، ثم اتصال حكم القدرة به لإبرازه ~~في أطوار الوجود، ومروره على المراتب الإلهية والكونية، وله في كل عالم ~~وحضرة يمر عليه صورة تناسبه من حيث ذلك العالم أو الحضرة، ووديعة ~~يأخذها من جملة النعم، من التعديل والتسوية، وتمامية الخلقة، وحسن ~~الصورة، والاعتدال، وحسن الخلق والعدالة. # فكم بين من باشر الحق تسويته وتعديله، وجمع له بين يديه ~~المقدستين، ثم نفخ بنفسه فيه من روحه نفخا استلزم معرفة الأسماء ~~كلها، وسجود الملائكة له أجمعين، وإجلاسه مرتبة الخلافة عنه في ~~التكوين، وبين من خلقه بيده الواحدة، أو بواسطة ما شاء من خلقه ولم يقبل ~~من حكمي ms0063 التسوية والتعديل ما قبله هذا النائب الرباني، وكون الملك ~~ينفخ فيه الروح بالاذن. # كما ورد في الشريعة عنه (صلى الله عليه وآله) انه قال: يجمع أحدكم في ~~بطن امه أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما علقة، ثم أربعين يوما ~~مضغة، ثم يؤمر الملك فينفخ فيه الروح، فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟ ~~أشقي أم سعيد، ما رزقه، وما أجله، ما عمله؟ فالحق يملي والملك ~~يكتب. # فأين هذا من قوله: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر:29]. شتان بينهما ها هنا أضاف المباشرة إلى نفسه بضمير الإفراد ~~الرافع للاحتمال، ولهذا قرع بذلك المتكبر اللعين المتأبي عن السجود له، ~~ولعنه وأخزاه بقوله: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [ص:75]. # وقد وقع التأكيد في هذا المعنى منه (صلى الله عليه وآله) بأمور كثيرة، ~~منها قوله: إن الله خلق آدم على صورته - وبرواية - على صورة الرحمن، ~~ولقوله في التأكيد الرافع للاحتمال الذي ركن إليه أرباب العقول السخيفة، ~~الجاهلون بأسرار الشريعة والحقيقة، في وصيته بعض أصحابه في الغزو: إذا ~~ذبحت فاحسن الذبحة، وإذا قتلت فاحسن القتلة، واجتنب الوجه فإن الله خلق ~~آدم على صورته. # وقال أيضا (صلوات الله عليه وآله): في هذا المعنى: إذا خلق خلقا ~~للخلافة مسح بيمينه على ناصيته، فنبه على مزيد الاهتمام والخصوصية. # وأشار أيضا في حديث آخر ثابت: أن الذي باشر الحق سبحانه ايجاده ~~أربعة أشياء ثم سردها فقال: خلق جنة الخلد بيده، وكتب التوراة ~~بيده، وغرس شجرة طوبى بيده، وخلق آدم بيده. # وقال أيضا (صلى الله عليه وآله): الإنسان أعجب موجود خلق. # وكما أن هذه الخصائص والكرامات؛ من كونه مخلوقا على صورة الرحمن، ~~منفوخا فيه من روحه تعالى، مكرما بكرامة تعليم الأسماء، محمولا في ~~بر الأجساد وبحر الأرواح، مخمرا طينته العقلية والنفسية باليدين ~~مخصوصا بخلافة الله تعالى في العالمين الكبير والصغير مسجودا لملائكة ~~الله في النشأتين الجسمانية والروحانية، إنما هي للانسان المعنوي ~~الحقيقي، لا لهذه الأشباه والأمثال من الأعداد الصورية، فكذلك الوصول ~~إليه بالعروج الروحي والسفر ms0064 المعنوي على صراط الله المستقيم، يختص به ~~دون غيره، وإلا فكل ماش من الحيوان وغيره مار على صراطه الذي يخصه، ~~متوجها شطر الحق. # وكما ان لكل جسم مكانا مخصوصا، وفيه معنى طبيعيا يحركه الى حيزه ~~ويجره إلى مطلوبه ولا يقف به دونه، فكذلك كل نفس خرجت من معدن مخصوص من ~~معادن الأرواح، ففيها معنى يحركها إلى معدنه الأصلي، ولا يقف بها دونه، ~~واختلاف أحوال هذه النفوس البشرية من اختلاف مباديها المعبر عنها ~~بالمعادن في قوله (صلى الله عليه وآله): الناس معادن كمعادن الذهب ~~والفضة. # وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة في هذا الكتاب المجيد بقوله تعالى # قد علم كل أناس مشربهم # [البقرة:60]. # وحركات الجوارح آثار تلك المعاني التي أودعتها القدرة الأزلية في ~~النفوس الآدمية، إتماما للحكمة، وتوسيعا للرحمة في سائر الأمة، ~~واهتماما بهذا المعنى المجذوب المحبوب؛ فالنفوس التي لا يكون بينها وبين ~~الحق واسطة، تنجذب إلى جنابه طبعا كانجذاب إبرة من حديد إلى مغناطيس لا ~~تتناهى قوته، وهذه النفوس هي العرفاء بالله حقا، وقوله: # يحبهم ويحبونه # [المائدة:54]، كناية عن أهل الله العارفين به. # وإنما عرفه هؤلاء معرفة حقيقية وايمانا كشفيا وإحسانا، لأنهم ~~الذين وقع لهم التجلي في الأزل بالذات ولغيرهم بالعرض، فاستغرقوا ~~بكليتهم في معرفته عند قوله: # ألست بربكم # [الأعراف:172]، وأجابوا بقولهم { بلى } ، ايمانا وايقانا لا ~~تكلفا وتقليدا، أو مجازفة ونفاقا. # ولقد أفصح عن هذا المعنى شيخ الطائفة عبد الله الأنصاري حيث قال: " إلهي ~~تلطفت لأوليائك فعرفوك، ولولا تلطفت لأعدائك لما جحدوك " فهذه حكم ~~النفوس التي لم تكن بينها وبين الحق واسطة في البداية، فلا جرم هم ~~المجذوبون إليه تعالى الواصلون إليه في النهاية، وغيرهم إما سالكون، أو ~~واقفون بالعوائق البدنية، أو مردودون إلى أسفل سافلين بالعقائد المهلكة ~~الشيطانية. # فقد قارن الحق سبحانه بين السالك والمجذوب في العطاء والنصيب، فقال ~~عز من قائل: # الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ~~ينيب # [الشورى:13]. وقد وقع التنبيه منه (صلى الله عليه وآله) على هذا المعنى ~~فقال في جنازة واحد من أصحابه: # " اهتز ms0065 عرش الرحمن لموته " # ، وقال في حق طائفة اخرى لما ذكر: # " إن الموت ينتقي خيار الناس، الأمثل فالأمثل، حتى لا يبقى إة حثالة ~~كحثالة التمر أو الشعير، لا يبالي الله بهم ". # فأين من يهتز بموته عرش الرحمن ممن لا يبالي الله به أصلا، فكما هو ~~الأمر آخرا فكذا هو الأمر أولا. بل الخاتمة عين الرجوع إلى السابقة، ~~فافهم واغتنم. # فلنرجع متممين لما وقع الشروع فيه مستعينين بالله وهدايته. # تأييد استبصاري # ومما يؤيد ما أصلناه، ويؤكد ما قررناه من الحركة الجوهرية، والسلوك ~~الباطني المستمر للانسان وغيره من الأكوان، قول الشيخ الإلهي والعارف ~~الرباني في الفتوحات المكية في باب تقلب باطن الإنسان: # إن الحق لم يزل في الدنيا متجليا للقلوب دائما، فتتنوع الخواطر ~~فيها لتجليه، وإن تنوع الخواطر في الإنسان عين التجلي الإلهي من حيث ~~لا يشعر بذلك إلا أهل الله، كما انهم يعلمون ان الصور الظاهرة في ~~الدنيا والآخرة في جميع الموجودات كلها ليس غير تنوع التجلي، فهو ~~الظاهر، إذ هو عين كل شيء، وفي الآخرة يكون باطن الإنسان ثابتا، فإنه ~~عين ظاهر صورته في الدنيا، والتبدل فيه حقي وهو خلقه الجديد في كل ~~زمان، الذي هو في لبس منه، وفي الآخرة يكون ظاهره مثل باطنه في الدنيا، ~~ويكون التجلي الإلهي له دائما بالفعل، فيتنوع ظاهره في الآخرة كما ~~يتنوع باطنه في الدنيا في الصور التي يكون فيها التجلي الإلهي ينصبغ بها ~~انصباغا، فذلك هو التضاهي الإلهي الخيالي، غير أنه في الآخرة ظاهر وفي ~~الدنيا باطن، فحكم الخيال مستصحب للانسان في الآخرة وللحق. # وذلك هو المعبر بالشأن الذي هو فيه الحق من قوله: # كل يوم هو في شأن # [الرحمن:29]. # ثم قال أيضا: فكل ظاهر في العالم صورة ممثلة كتابية مضاهية لصورة ~~إلهية، لأنه تعالى لا يتجلى للعالم الا بما يناسب العالم في عين ~~جوهر ثابت، كما أن الإنسان من حيث أصل جوهره ثابت أيضا، فترى الثابت ~~بالثابت منك وهو الغيب منك ومنه، وترى الظاهر بالظاهر وهو الشاهد ~~والمشهود والشهادة منك ومنه، وكذا ms0066 تدركه، وكذا تدرك ذاتك، غير أنك ~~معروف في كل صورة، أنك انت لا غيرك، كما انك تعلم أن زيدا في ~~تنوعه في كيفياته من خجل ووجل ومرض وعافية ورضى وغضب، وكل ما يتقلب ~~فيه من الاحوال، أنه زيد لا غير، وكذلك الامر في كل احد. # فصل # [في تحقيق الصراط واستقامته] # اعلم إن الصراط لا يكون صراطا إلا بمرور المارة عليه وقد مرت ~~الإشارة إلى ان الخلائق كلها متوجهة شطر الحق توجها غريزيا ~~وحركة جبلية نحو مسبب الأسباب، وفي هذه الحركة الجبلية لا يتصور ~~في حقهم الضلال والانحراف عما عين الله لكل منهم، والله آخذ ~~بناصيته، كما قال الله: # ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي ~~على صراط مستقيم # [هود:56]. # وما من موجود في عالم الخلق إلا وهو حيوان ماش فيكون دابة. وكل ~~دابة فالرب آخذ بناصيتها، وعليه رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، ~~كما قال تعالى: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ~~ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين # [هود:6]، فتكون مفطورة على المشي على نهج الاستقامة من غير ضلال، وأما ~~المسمى إنسانا، فلوجود الاختيار المخالف للطبع فيه، ومزاحمة قوة الوهم ~~الذي يعتريه، يتصور في حقه الضلال والغواية والنكال والغباوة من ~~جهة حركاته الإختيارية المورثة له قربا أو بعدا من الله، ~~المثمرة له سعادة أو شقاوة في الدار الآخرة، فيحتاج الى من يهديه، ~~ويذكر له العهد القديم، ويثبته على الصراط المستقيم. # فالهادي هو الله بالحقيقة بواسطة الكتاب والرسول (صلى الله عليه وآله)، ~~من يقوم مقامه من الأئمة الهداة (عليهم السلام)، فيختص الإنسان من بين ~~سائر المخلوقات، بأن هداه الله بالهدايتين الكونية والوضعية من جهة ~~حركتيه الاضطرارية والاختيارية، وجمع لأجله بين الدعوتين العامة ~~والخاصة، وشرع له الشريعتين، وساسه بالسياستين المطبوعة والمجعولة، ~~وأوجب عليه طاعة الحكمين: التكويني والتدويني، وذلك لاشتماله على مبدأ ~~الحركتين: الذاتية والإرادية. # أما الحركة الذاتية له، فهي حركة جوهرية، لها كسائر الحركات فاعل ~~وقابل، ومسافة وبداية ونهاية، إلا ان الحركة في الجوهر تخالف ~~غيرها في أمر، ms0067 وهو أن مسافة هذه الحركة هي عين المتحرك حقيقة ووجودا ~~وغيره كمالا ونقصا، بخلاف الحركة في سائر المقولات، فإن المسافة فيها ~~تباين ذات المتحرك كما هو المقرر عند العقلاء. ونحن قد بينا صحة ~~الحركة في مقولة الجوهر في أسفارنا ببيانات برهانية، يضطر أهل النظر ~~على الاعتراف بها، والآيات القرآنية الدالة على هذه الحركة، وخصوصا ما ~~للانسان كثيرة. # منها: في باب حركة الجواهر الأرضية في ذاتها، كقوله تعالى: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # [النحل:88]. وقوله: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات # [إبراهيم: 48]. # ومنها: في باب حركة الجواهر السماوية في ذاتها، كقوله # والسموات مطويات بيمينه # [الزمر:67]. وقوله: # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب # [الأنبياء:104]. # ومنها: في تقلب الانسان في أطوار الوجود، بقوله: # يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه # [الانشقاق:6]. وقوله: # وننشئكم في ما لا تعلمون # [الواقعة:61] وقوله: # وإنآ إلى ربنا لمنقلبون # [الزخرف:14]. # ومنها: في انقلاب الكل إليه كقوله # الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون # [الروم:11]. وقوله: # كل إلينا راجعون # [الأنبياء:93]. وقوله: # بل هم في لبس من خلق جديد # [ق:15]. ففاعل هذه الحركة الذاتية الانسانية - أي محركها - هو الله ~~وقابلها - أي موضوعها - هو النفس الإنسانية باعتبار قوتها الاستعدادية ~~النفسانية، وعقلها المنفعل الهيولاني، وابتداعها من حين كونها ساذجة عن ~~جميع الصور الإدراكية الجزئية والكلية، وإليه الإشارة في قوله: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا # [الإنسان:1]. وانتهاؤها حالته التي يكون عليها في القيامة. ومسافتها ~~منازل الإنسان بحسب أكوانه الجوهرية التدريجية، ودرجاته الوجودية بحسب ~~قربه وبعده من الله، فله تكون بعد تكون على نعت الاتصال التدريجي من ~~الأكثف فالأكثف إلى الألطف فالألطف، فينتقل من كل ظاهر إلى باطنه، ومن ~~كل صورة الى معناها، فيدخل من الجمادية والنباتية، ومن الحيوانية إلى ~~البشرية، ومن التجسم الى التروح، وينقلب من الدنيا الى الآخرة. ~~وبالجملة من نشاة إلى نشأة إلى أن ينتهي الى موطنه الذي تعين له عند ~~الله. # وبهذا المعنى يكون الموت طبييعيا للإنسان، لا كما زعمه ms0068 الأطباء ~~وغيرهم من أنه بواسطة نفاد الحرارة الغريزية، أو غلبة الرطوبة عليها، أو ~~لاجل تناهي القوى البدنية لكونها جسمانية، إلى غير ذلك من آرائهم ~~القاصرة. # وذلك لأن النفس الإنسانية - كما علمت - متقلبة في أكوانها الجوهرية ~~وكلما انطوت لها نشأة دخلت في نشأة تتلوها. ففي هذه النشاة الدنيوية ~~تطورت بجميع الأطوار الداخلة في عالم الشهادة، من الجسمية والجمادية ~~والنباتية على درجاتها، والحيوانية على مراتبها، فإذا تم لها آخر هذه ~~المراتب الواقعة في هذه النشأة، أخذت في الإنقطاع والولوج في النشأة ~~الآخرة، وأطوارها الداخلة في عالم الغيب بحسب الطباع الأصلي لها، من ~~غير قسر قاسر وسياق سائق خارجي، بل يسوقها سائق داخلي جبلي من جانب ~~الله تعالى كما قال جل ذكره: # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق:21]. وقوله: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر:42]. # ومما يؤيد هذا ما ذكره الشيخ المحقق في الباب الرابع والثمانين ومأتين ~~من الفتوحات حيث قال: اعلم أن الروح الإنساني أوجده الله منذ أوجده ~~مدبرا لصورة طبيعية حسية له، سواء كان في الدنيا، أو في البرزخ، أو في ~~الدار الآخرة، أو حيث كان. # فأول صورة لبسها، الصورة التي أخذ عليه فيها الميثاق بالإقرار بربوبية ~~الحق عليه، ثم إنه حشر من تلك الصورة الى هذه الصورة الجسمية ~~الدنيوية، وحبس بها في رابع شهر من تكوين صورة جسده في بطن أمه إلى ~~ساعة موته، فإذا مات حشر الى صورة اخرى من حين موته إلى سؤاله، فإذا ~~جاء وقت سؤاله، حشر من تلك الصورة الى صورة جسده الموصوف بالموت، ~~فيحيى به، ويؤخذ بأسماع الناس وأبصارهم عن حياته بذلك الروح، إلا من ~~خصه الله بالكشف على ذلك من نبي أو ولي من الثقلين. # وأما سائر الحيوان، فإنهم يشاهدون حياته وما هو فيه عينا، ثم يحشر ~~بعد السؤال إلى صورة أخرى في البرزخ يمسك فيها، بل تلك الصورة [هي] عين ~~البرزخ، والنوم والموت في ذلك على السواء إلى نفخة البعث، فينبعث من تلك ~~الصورة ويحشر الى الصورة التي فارقها في الدنيا، إن ms0069 كان بقي عليه سؤال. ~~فإن لم يكن من أهل ذلك الصنف، حشر في الصورة التي يدخل بها الجنة. # والمسؤول يوم القيامة أيضا إذا فرغ من سؤاله، حشر الى الصورة التي ~~يدخل بها الجنة أو النار. # وأهل النار كلهم مسؤولون، فإذا دخلوا الجنة واستقروا فيها، ثم دعوا ~~الى الرؤية ونودوا، حشروا في صورة لا تصلح إلا للرؤية، فإذا عادوا ~~حشروا في صورة تصلح للجنة، وفي كل صورة يحشر ينسئ الصورة السابقة ~~التي كان عليها، ويرجع حكمه الى حكم الصورة التي انتقل إليها وحشر فيها. # فإذا دخل سوق الجنة، ورأى ما فيه من الصور، فأية صورة رآها واستحسنها ~~حشر فيها، فلا يزال في الجنة دائما يحشر من صورة الى صورة إلى ما لا ~~نهاية له ليعلم بذلك الاتساع الإلهي، فكما لا تتكرر عليه صورة التجلي، ~~كذلك يحتاج هذا المتجلى له أن يقابل كل صورة تتجلى له بصورة اخرى ينظر ~~إليه في تجليه، فلا يزال يحشر في الصور دائما يأخذها من سوق الجنة، ~~ولا يقبل من تلك الصور التي في السوق ولا يستحسن منها إلا ما يناسب صورة ~~التجلي الذي يكون في المستقبل، لأن تلك الصورة هي كالاستعداد الخاص ~~لذلك التجلي - فاعلم هذا فإنه من لباب المعرفة الإلهية -. # ولو تفطنت لعلمت أنك الآن كذلك تحشر في كل نفس في صورة الحال التي ~~أنت عليها، ولكن يحجبك عن ذلك رؤيتك المعهودة، وإن كنت تحس بانتقالك في ~~أحوالك التي عنها تتصرف في ظاهرك وباطنك، ولكن لا تعلم انها صور لروحك ~~تدخل فيها في كل آن، وتحشر فيها، ويبصرها العارفون صورا صحيحة [ثابتة] ~~ظاهرة العين. # انتهى كلامه الشريف النوري، وفيه من الفوائد الكشفية مما لا يمكن وصفه ~~فضلا وشرفا، إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين. # وأما الحركة الإرادية للإنسان إلى الله، فهي حركة في الكيف النفساني، ~~معدة له في سرعة اللحوق له إلى الله من جهة استكمال كلا جزئيه العلمي ~~والعملي بواسطة الأفكار والأذكار الملطفة له والأعمال والأفعال المقربة ~~إياه الى الله، وجنس هذه الحركة مما ms0070 يتطرق فيه الصواب والخطأ، ~~والاستقامة على الصراط والضلال، بخلاف الحركة الأولى، لكونها جوهرية ~~ذاتية متوجهة شطر كعبة الحق لا يتصور فيها الخطأ والانحراف، ~~والانتكاس، ولا تكون إلا على وجه الصواب والاستقامة، كما في قوله: # ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات # [البقرة:148]. فقوله: { ولكل وجهة هو موليها } إشارة ~~إلى الحركة الغريزية الشوقية المفطورة عليها جميع المكونات، وقوله: { ~~فاستبقوا الخيرات } إشارة إلى هذه الحركة الإرادية للإنسان، ~~التي بها يقع الاستباق للخيرات، وسرعة الانسياق إلى الدار الآخرة، ~~والالتحاق بملكوت ربنا الأعلى. # ولقائل أن يقول: إذا كان الكل متوجه إلى الله تعالى توجها غريزيا ~~نحو الفطرة الأخروية والكمال الوجودي والفعلية، فأين الشقاوة للكفار ~~وأهل المعاصي إذا كان الجميع من أحباء الله، المفطورة على طاعة الحق، ~~والتقرب منه، فيلزم كون الناس كلهم سعداء مقربين؟ # فنقول: اعلم أن هذا التوجه الغريزي للأشياء كلها نحو مسبب الأسباب، ~~لا ينافي شقاوة الأشقياء وعذاب الكفار والمنافقين والعاصين، فإن ~~السعادة شيء، والقرب من الله يرفع الوسائط شيء آخر، وكذا يجب أن يعلم ~~أن الفعلية الوجودية وقوة التجوهر الحاصلة للنفوس الإنسانية من جهة ~~انسلاخها من هذا البدن، وخروجها من القوة إلى الفعل، وحدة بصرها بسبب ~~رفع الغواشي المادية، لا تنافي الشقاوة الأخروية، بل تؤكدها، فإن ~~غمور النفس بهذا البدن الكثيف، يوجب لها حالة كالخدر والسكر لها، لأجل ~~تلك الحالة، لا يمكنها إدراك الأمور الأخروية من المثوبات واللذات ~~التي تكون للسعداء، والعقوبات والآلام التي تكون للأشقياء. # فإذا خرجت من غشاوة الدنيا، وزال عنها سكر الطبيعة وتخديرها، وحان ~~وقت أن يقع بصرها إلى ذاتها، فإن كانت من جملة الأشقياء المردودين، ~~واطلعت على ما اكتسبته من النقائص والآفات، تتألم بها أشد الآلام، ~~وخروجها من القوة إلى الفعل، ووجود القوة الدراكة فيها، وزوال مانع ~~الإدراك عنها، يوجبان أن تطلع على صحيفة ذاتها وما كسبته من السعادة أو ~~الشقاوة، فتلتذ غاية التلذذ أو تتألم غاية التألم. # فقد ظهر أن فعلية الوجود وتأكده في الجملة، لا ينافيان الشقاوة بإدراك ~~الآلام الحاصلة من الكفر والمعاصي، وكذا الرجوع الإضطراري ms0071 إلى الحضرة ~~الإلهية لا ينافي الشقاوة والعذاب، فإن أنوار النفوس الإنسانية، إنما ~~هبطت كالكواكب الى هذا القالب الفاني مدة هذا الكون الجسماني وغربت فيه، ~~وستطلع عند خراب القالب، وانقطاع عمره، وبوار نشأته من مغربها إلى مشرقها ~~الأصلي، وخالقها وباريها، إما مظلمة منكسفة وإما زاهرة مشرقة. # والزاهرة المشرقة غير محجوبة عن الحضرة الإلهية، والمظلمة أيضا راجعة ~~إلى الحضرة، إذ المرجع والمصير للكل إليه كما مر، إلا انها ناكسة ~~الرؤوس عن جهة أعلى عليين الى جهة أسفل سافلين، منقلبة الوجود الى ~~الدنيا ولذاتها وطيباتها التي هي بعينها منشأ آلام الآخرة وخبثياتها. # أو لا ترى النبات في نموه ونشوئه يتقارب الى عالم السماء والضياء، ~~إلا انه منكوس الرأس، متوجه نحو السفل، ولذلك قال تعالى: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم # [السجدة:12] فبين ان نفوس الأشقياء أيضا عند ربهم، إلا انهم ~~منكوسون منحوسون، قد انقلبت وجوههم الى أقفيتهم، وانتكست رؤوسهم عن جهة ~~فوق الى جهة تحت، وذلك حكم الله وقضاؤه فيمن حرمه توفيقه ولم يهد له سلوك ~~صراطه المستقيم، نعوذ بالله من الضلال، والعدول عن منهج أهل الكمال. # فإن قلت: إذا كان الكل مفطورا على حبه تعالى وطلبه والتشوق إليه، ~~فما سبب تفاوت هذه النفوس الإنسانية في الهداية والضلال، والطاعة ~~والمعصية؟ # قلنا: لتفاوتها في الصفاء والكدورة، والقوة والضعف، والشرافة والخسة، ~~وبحسب ما يتفق لها من الأسباب البدنية والأحوال الدنيوية من ~~الاستعدادات المادية، والعوارض الإتفاقية المتسلسلة المنتهية إلى الأمور ~~العلوية، والقضاء السابق الأزلي. # فالأرواح الإنسية متفاوتة بحسب أصل الفطرة الأولى، مختلفة في الصفاء ~~والكدورة، والضعف والقوة، مترتبة في درجات القرب والبعد من الله ~~تعالى، والمواد السفلية الواقعة بإزائها متباينة في اللطافة والكثافة، ~~ومزاجاتها متفاوتة في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقي، فقابليتها ~~لما يتعلق بها من الأرواح متفاوتة، وقد قدر الله تعالى في القضاء ~~السابق بإزاء كل روح ما يناسبه من المود وبازاء كل معنى ما يحاذيه من ~~الصورة، فألطف المواد والصور لأشرف الأرواح وأنوار النفوس. # وقد علمت سابقا، أن تفاوت النفوس البشرية - المتخالفة ms0072 الحقائق - ، ~~لتفاوت أصولها ومعادنها العقلية، ومفاتيح أبوابها الإلهية، ومن أجلها ~~ومن أجل تفاوتها في الإدراكات والإرادات والأشواق، وقع الاختلاف بينها ~~في الهداية والضلال، والطاعة والعصيان، والتوفيق والخذلان، والسعادة ~~والشقاوة، وحسن العاقبة وسوءها، والثواب والعقاب، والجنة والنار. # فإن قلت: ما الفائدة في التكليف بالطاعات، والدعوة بالآيات، والأمر ~~والنهي، والترغيب والترهيب، إذا كان الجميع منتهيا الى قضاء الله ~~وتقديره، وما تأثير السعي والجهد والطاعة والعبادة؟ # قلنا: هذه الأمور من جملة الأشياء الواقعة بقضاء الله وقدره، والأسباب ~~المقدرة التي جعلها الله تعالى مهيجات للأشواق والإرادات، ومحركات ~~ودواعي الى طلب الخيرات، واكتساب الدرجات، ومحرضات على أعمال حسنة مورثة ~~لعادات محمودة، وأخلاق جميلة، وملكات فاضلة مزكية للنفوس، منورة ~~للقلوب، مقربة إياها الى الله، نافعة في معاشنا ومعادنا، يحسن بها ~~حالنا في دنيانا، وتحصل بها سعادة عقبانا، أو محذرات من الشرور ~~والقبائح، والذنوب والرذائل المكدرة للنفوس، المسودة للقلوب، مما ~~يضرنا في العاجل ونشقى به في الآجل. # وكذلك السعي والجد والتدبير والحذر، مهيئة لمطالبنا، موصلة إيانا ~~الى مقاصدنا، مخرجة لكمالاتنا من القوة الى الفعل، كما قال (صلى الله ~~عليه وآله) لمن سأله: هل يغني الدواء والرقية من قدر الله؟ فقال: # " الدواء والرقية أيضا من قدر الله ". # ولما قال (صلى الله عليه وآله): # " جف القلم بما هو كائن ". قيل: ففيم العمل؟ فقال: " اعملوا فكل ~~ميسر لما خلق له ". # ولما سئل: أنحن في أمر فرغ منه أو في أمر مستأنف؟ فقال: # " في أمر مفروغ منه وفي أمر مستأنف ". # فإن قلت: لماذا وقع هذا التفاضل والتخالف في أصل الفطر والغرائز ~~ولم تتساو في الشرف والخسة؟ فما بالنا كنا مختلفين في الجواهر بحسب ~~الصفاء والكدورة، ولم نتشاكل في السعادة ولا نتعادل، فصار السعيد ~~مبرورا والشقي محروما؟ وما سبب التفاوت في هذه القسمة من خزانة ~~الغيب، الزيادة والنقصان في النصيب من الرحمة الإلهية؟ وما هذا الحيف ~~والجور لنا؟ وأين عدل الله فينا وكلنا عبيده والمحتاجون إلى قسمته ~~ورزقه وقد قال الله: # ومآ أنا بظلام للعبيد # [ق:29]. # فنجيبك: يا أخا الطريقة بعد ما ms0073 زالت عنك الدهشة، وآب إليك القرار، ~~ورجعت السكينة والوقار، فلست أول من زل في هذا المقام، واستنفر من ~~هذا الكلام، ثم رجع وتاب وآمن وأناب، بمثل ما قال الشاعر: # هون على بصري ما شق منظره # فإنما يقظات العين كالحلم # أما كون الشريف شريفا والخسيس خسيسا، فليس بجعل جاعل وتأثير ~~مؤثر. وأما السؤال بأنه لم خلق الله الشيء الخسيس في العالم، ولم ~~يجعل الايجاد مقصورا على الأشرف؟ فجوابك؛ بأنه لو اقتصر على الممكن ~~الأشرف في الايجاد، لبقيت كل الموجودات طبقة واحدة، بل انحصرت في العقل ~~الأول، ولبقيت المراتب الباقية في كتم العدم مع إمكان وجودها، فكان ~~حيفا عليها وجورا، لا عدلا وقسطا. # فالعناية الإلهية تقتضي نظم الوجود على أحسن ما يمكن، فلو أمكن أحسن ~~مما هو عليه الآن، لوجد من جود الواهب المنان، ولو تساوت الموجودات في ~~الشرف والكمال والنقص والتمام، لفات الحسن في ترتيب النظام، وارتفع ~~الصلاح، ولو لم توجد النفوس الشقية والطبايع الغليظة لكان لا تتمشى ~~أمورهم ولا تتهيأ مصالحهم، وبقي الاحتياج إليها في العالم مع فقدها. # كما لو كان البصل زعفرانا، والدفلى أقحوانا، أو لم يوجد البصل ~~والدفلى أصلا لحرمت الناس من منافعها، وتضرروا في فقدها مع إمكان ~~وجودها. # وكما لا يختلج في صدرك أن البصل لم لم يكن زعفرانا، والقيصوم ~~ضيمرانا، والكلب أسدا والوهم عقلا؛ فيجب أن لن ينقدح في بالك أن ~~الباقل لماذا لم يكن سحبانا، والفقير سلطانا، والشقي سعيدا، ~~والجاهل الشرير عالما خيرا؟ إذ لو كان كذلك، لاضطر السلطان إلى ~~صنعة الكنس، والحكيم المتأله الى مباشرة الرجس، فما بقي التناسل على ~~تقدير التماثل، وبطل النظام، ووقع الهرج والمرج، فلم يكن ذلك عدلا ~~بل كان ظلما وجورا. # ثم إن الدني لا يتألم من دناءته، والخسيس لا يتضرر من خسته، ~~والجاهل جهلا بسيطا لا يتعذب بجهله، والعامي الأعمى البصيرة لا يشقى ~~بعماه الأصلي، لكون كل منهم لم يغير ما هو عليه ليتألم بفقد كماله، ~~ويتعذب بضد حاله، بل كل أحد يعشق ذاته ويحب نفسه، وإن كان ~~خسيسا ms0074 دنيا. # وفي المثل السائر: غثك خير من سمين غيرك. فمن أساء عمله وأخطأ في ~~اعتقاده، فإنما ظلم نفسه بظلمة جوهره وسوء استعداده، وكان أهلا ~~للشقاوة، ينادي على لسان الحال، مهلا فيداك أوكتا وفوك نفخ، وإنما ~~قصر استعداده وأظلم جوهره لعدم إمكان كونه أحسن مما وجد. كما لا يمكن ~~أن يحصل من أعمى القلب البصيرة، وأن يلد القرد إنسانا في أحسن ~~صورة وأكمل سيرة: # ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين # [هود:118- 119]. # وبالجملة، تفاوت الخلق في الكمال والنقص، والسعادة والشقاوة، إما ~~بأمور ذاتية جوهرية، وإما بأمور عارضة كسبية بواسطة الأعمال ~~والأفعال. فالاختلاف بحسب الأمور الذاتية بمحض العناية الإلهية المقتضية ~~لحسن الترتيب وفضيلة النظام، وليس منشأ للإشكال أصلا كما علمت. # وإما بحسب العوارض اللاحقة، فهي من اللوازم والتوابع الحاصلة بمصادمات ~~الأسباب، وكل آفة وشر يلحق الشيء بسبب أمر خارج إتفاقي، فليس مما يدوم ~~عليه، بل يزول بزوال سببه، وسيعود الشيء الى ما كان عليه أولا من ~~طبيعته الأصلية، والأسباب الإتفاقية غير دائمة ولا أكثرية الوجود. ~~اللهم إلا أن تنقلب طبيعة الشيء الى طبيعة أخرى، فتكون هذه الثانية ~~طبيعة أصلية، والكلام فيها عائد من أن ما يكون عارضا غريبا لها يزول ~~عنها بسرعة، فعلم من هذا ان أكثر أحوال الشيء الخير والسلامة، وأن الآفة ~~والشر من النوادر الاتفاقية. # وأما حديث الانتقام الإلهي بالغضب والعقوبات الدائمة للكفار، فسيأتي ~~الكلام فيه في تحقيق قوله تعالى: { غير المغضوب عليهم }. ~~ولنرجع إلى ما كنا بصدده إنشاء الله. # مشاهدة إشراقية # اعلم أن الصراط الذي إذا سلكت عليه، وثبت الله عليك أقدامك، حتى ~~أوصلك إلى الجنة، صورة الهدى الذي أنشأته لنفسك في الدار الدنيا، بما ~~هداك الله من الأعمال القلبية والبدنية، فهو في هذه الدار لا تشاهد له ~~صورة حسية، وأما في القيامة، وعلى منظر أصحاب البصيرة الغالب عليهم شهود ~~النشأة الآخرة، فقد مد لك جسرا محسوسا على متن جهنم، أوله في ~~الموقف وآخره على باب الجنة، كل من ms0075 يشاهده يعرف أنه صنعتك وبناؤك، ~~ويعلم أنه قد كان في الدنيا جسرا ممدودا على متن جهنمك من نار طبيعتك ~~التي فيها ظل حقيقتك. # ظل ذو ثلاث شعب، غير ظليل ولا يغنيها من اللهب بل هو الذي يقودها ~~الى لهب الشهوات، ويضرم فيها نار النفس الحيوانية. # فالإنسان الكامل السالك الى الله، المهتدي بنوره، يعجل بقيامته بإطفاء ~~نار جحيمه بنور ايمانه ونار توبته في الموطن الذي ينفعه لقيامته، ويقبل ~~منه توبته، وهو موطن الدنيا، فإن بعد قيامه الدار الأخرى، لا ينفع فيها ~~عمل، إذ لا تكليف فيها بعمل. لأنها موطن الجزاء. # والصراط قد علمت أنه صراطان: صراط الوجود، وصراط الايمان والتوحيد، ~~فالمشرك لا قدم له على صراط الوجود، والمعطل لا قدم له على صراط ~~الوجود أيضا. # ومن أشرك بالله فهو من الموقف الى النار مع المعطلة، ومن أهل النار ~~الذين هم أهلها، إلا المنافقين، فلا بد لهم أن ينظروا الى الجنة وما ~~فيها من النعيم، فيطمعون على حسب داعيتهم وشوقهم الى الكمال، فذلك نصيبهم ~~من نعيم أهل الجنان، ثم يصرفون الى النار. وهذا من عدل الله فيهم ~~فقوبلوا بأعمالهم. # وأما الموحد، فلا يخلد في النار، إنما يمسك ويسأل ويعذب على ~~الصراط، والصراط على متن جهنم كما مر غائب فيها الكلاليب التي فيها، ~~يمسكهم الله عليه. # ولما كان الصراط في النار، وما ثم طريق الى الجنة إلا عليه، قال ~~تعالى: # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين ~~فيها جثيا # [مريم:71- 72] ومن عرف معنى هذا القول عرف أن مكان النار ما هو. # تصوير ايماني # قد ورد في صفة الصراط: أنه أدق من الشعر وأحد من السيف. وكذا ~~علم حقيقة الايمان والتوحيد، والعمل بالأركان والتجريد، ولا تزال في كل ~~ركعة من الصلاة تقول: { أهدنا الصراط المستقيم }. فلأمر ما أوجب ~~الله عليك ذلك، فأعظم الأمور وأجلها منفعة لك، تحقيق هذا الصراط ~~وعرفانه، فإنه أدق من الشعر وأحد من السيف، فظهوره في الدنيا ظهور ~~عقلي، وفي الآخرة ظهور حسي أبين ms0076 وأوضح من ظهوره في الدنيا، إلا لمن ~~دعى الى الله على بصيرة كما قال تعالى: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني # [يوسف:108]. # وقد جاء في الخبر أيضا: إن الصراط يظهر يوم القيامة منه للأبصار على ~~قدر نور المارين عليه، فيكون دقيقا في حق بعض، وعريضا في حق آخرين، ~~يصدق هذا الخبر قوله تعالى: # يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم # [الحديد:12] والسعي مشي، وما ثم طريق الى الله إلا الصراط وإنما ~~قال: بأيمانهم، لأن المؤمن في الآخرة لا شمال له، كما ان الكافر لا ~~يمين له. هذا بعض أحوالك. ### || [1.7] # قوله جل اسمه: # { صراط الذين أنعمت عليهم } # صفة للأول أو بدل عنه بدل الكل # والفرق بين الصفة والبدل، أن البدل في حكم تكرير العامل من حيث انه ~~المقصود بالنسبة، كتكرير الجار في قوله تعالى: # قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين ~~استضعفوا لمن آمن منهم # [الأعراف:75]. بخلاف الصفة، فكأنه قال: اهدنا صراط الذين أنعمت ~~عليهم. وفائدته التوكيد المنفهم من التثنية، والتنصيص على أن طريق ~~المؤمنين هو المشهود عليه بالاستقامة المفضي لسالكه إلى المطلوب على ~~أبلغ وجه وآكده، فإنك إذا قلت مثلا: " هل ادلك على أعلم الناس ~~وأفضلهم؛ فلان " فكأنك قد ثنيت ذكره أولا إجمالا، وثانيا تفصيلا، ~~وجعلت اسمه كالتفسير والبيان لنعته المذكور، أولا إشعارا بأنه من ~~البين الذي لا خفاء فيه، فجعلته علما في العلم والفضيلة فيكون ذلك ~~أبلغ من قولك: هل أدلك على فلان الأعلم الأفضل. # فها هنا قد وقع الإشعار بأن الطريق المنعوت بالاستقامة هو طريق المؤمنين ~~المنعم عليهم على أبلغ الوجوه وآكده. # و " الذين " موصول و " أنعمت عليهم " صلته. وقد تم بها إسما مفردا ~~يكون في موضع الجر باضافة صراط اليه، ولا يقال في موضع الرفع " اللذون ~~" لأنه اسم غير متمكن. # وقد حكى ذلك شاذا، كما حكي " الشياطون " في حال الرفع، وقرأ عمر بن ~~الخطاب وعمرو بن عبد الله الزبيري: صراط من أنعمت عليهم، وهو المروي عن ~~أهل بيت النبي عليه وعليهم السلام. # وقيل: ms0077 المراد بالمنعم عليهم هم الأنبياء. وقيل: النبي (صلى الله عليه ~~وآله) وأهل بيته (عليهم السلام). وعن ابن عباس: هم أصحاب موسى (عليه ~~السلام). وقيل: أصحاب موسى وعيسى (عليهما السلام) قبل التحريف والنسخ. # وقرأ ابن مسعود: صراط من أنعمت عليهم. # وأصل النعمة، هي الحالة التي يستلذها الإنسان، فاطلقت لما يستلذه من ~~النعمة وهي اللين. # وفي مجمع البيان: أصلها المبالغة والزيادة يقال دققت الدواء فأنعمت ~~دقة. # وأما ما يراد في العرف من النعمة، ويسمى به، فكل خير ولذة وسعادة، بل ~~كل مطلوب ومؤثر يسمى نعمة عند الناس، وهذه تختلف بالإضافة، فرب ~~نعيم لأحد يكون أليما لآخر. # وأما النعمة الحقيقية، فهي السعادة الأخروية، وأصلها المعرفة بالله ~~وملكوته، ولها صورة وروح وسر، فصورتها الإسلام والإذعان، وروحها ~~الايمان والإحسان، وسرها التوحيد والايقان. # فحكم الاسلام متعلق بظاهر الدنيا، والايمان بباطنها وباطن النشأة ~~الظاهرة، والإحسان للحكم البرزخي ونشأته، وإليه الاشارة بقوله (صلى الله ~~عليه وآله): # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه " # ، هذا هو المشهود في الاستحضار البرزخي، وسر التوحيد وعين اليقين مختص ~~بالآخرة، فافهم ما أدرجت لك من أسرار الشريعة في طي هذه الكلمات ~~الوجيزة، تعلم أن كل شيء فيه كل شيء والله المرشد. # وقد يكون اسم النعمة لغيرها صدقا، ولكن من حيث يفضي إلى النعمة ~~الحقيقية من الأسباب المعينة واللذات المسماة نعمة مما نوضحها ونشرحها ~~بهذه التقاسيم. # القسمة الأولى: إن الأشياء كلها بالاضافة إلينا على أربعة اقسام: ~~الضروري النافع، والنافع الغير الضروري، وعكسه، والذي لا ضرورة فيه ولا ~~نفع. # أما الأول: فهو إما في الدنيا، وهو كالنفس، فإنه لو انقطع منك لحظة ~~واحدة مات القلب. وإما في الآخرة، وهو معرفة الله فإنها إن زالت عن ~~القلب المعنوي لحظة مات القلب واستوجب العذاب الابدي. # وأما الثاني: فهو كالمال في الدنيا، وسائر العلوم والمعارف في الآخرة. # وأما الثالث: فهو كالمضار التي لا بد منها، كالموت والهرم والمرض، ولا ~~نظير لهذا القسم في الآخرة، فإن منافع تلك الدار لا يلزمها شيء من ~~المضار. # وأما الرابع: فهو كالفقر في الدنيا، ms0078 والجهل والعذاب في الآخرة. # إذا عرفت هذا التقسيم فنقول: أعظم نعم الله علينا الهداية بالمعرفة، ~~فإنا قد ذكرنا أنه كما ان النفس في الدنيا ضروري نافع، وبانقطاعه ~~يموت القلب، فكذا المعرفة في الآخرة، فلو زالت عن القلب لحظة لهلك، لكن ~~الموت الأول أسهل من الثاني، لأنه لا يتألم فيه إلا ساعة واحدة، وأما ~~الموت الثاني فإنه يبقى أبد الآباد فأى نعمة أعظم وأشرف من نعمة ~~الايمان. # ثم ها هنا دقيقة؛ لا تخفى عليك انه كما ان التنفس له أثران: إدخال ~~النسيم الطيب على القلب، وإبقاء اعتداله وسلامته، وإخراج الهواء الفاسد ~~الردي الحار المحترق عن القلب؛ كذلك الفكر، له أثران: أحدهما: ايصال ~~نسيم الحجة وروح البرهان وبرد اليقين الى القلب الحقيقي، وابقاء اعتدال ~~الايمان والمعرفة عليه، والثاني: إخراج الأهوية الفاسدة والإعتقادات ~~المؤلمة المتولدة من نيران الشبهات عنه، وما ذلك إلا بأن يعرف أن هذه ~~المحسوسات الدنيوية فانية منتهية إلى الفناء بعد وجودها، فمن وقف على ~~هذا علم إن أجل ما أنعمه الله على عبده، تجريده عن المحسوسات، وتنوير ~~قلبه بالمعارف الإلهيات. # الثانية: إن الأمور كلها بالنسبة إلينا تنقسم الى ما هو نافع في ~~الدنيا والآخرة جميعا كالعلم وحسن الخلق، وإلى ما هو ضار فيهما ~~كالجهل وسوء الخلق، وإلى ما ينفع في الحال ويضر في المآل كالتلذذ ~~باتباع الشهوات، وإلى ما هو عكس ذلك كقمع الشهوات ومخالفة النفس. # الثالثة: إعلم أن النعم والخيرات باعتبار آخر، تنقسم الى ما هي مؤثرة ~~لذاتها، وإلى ما هي مؤثرة لغيرها، وإلى ما هي مؤثرة لذاتها ولغيرها. # فالأول: كلذة النظر إلى وجه الله، وسعادة لقائه، وبالجملة سعادة الآخرة ~~التي لا انقضاء لها، فإنها لا تطلب ليتوصل بها الى غاية اخرى مقصودة ~~وراءها، بل تطلب لذاتها. # والثاني: كالدراهم والدنانير، إذ لا فائدة فيها إلا كونها وسيلة لأمر ~~آخر. # الثالث: كالصحة والسلامة، فإنها تقصد ليقدر بسببها على التفكر ~~والتذكر الموصلين الى لقاء الله، وليتوصل بها إلى الذات الدنيا، ~~وتقصد أيضا لذاتها، فإن الإنسان وإن استغنى عن المشي الذي يراد ms0079 سلامة ~~الرجل لأجله، فيريد أيضا سلامة الرجل من حيث إنها سلامة، لأنها أمر ~~وجودي بلا ضرر، فيكون مطلوبا، إذ الوجود الذي لا ضرر فيه خير محض مؤثر ~~لذاته. فاذن المؤثر لذاته فقط هو الخير والنعمة تحقيقا، وما يؤثر ~~لذاته ولغيره فهو نعمة أيضا، ولكن دون الأول، إذ المؤثر لأجل أمر آخر ~~لا يخلو من نقص، لأن ما لا نقص له أصلا لو أريد لشيء آخر - ولو بوجه - ~~لكان ذلك الشيء خيرا منه من ذلك الوجه، فلم يكن بريئا من كل نقص بكل ~~وجه، وقد فرضنا كذلك وهذا خلف، وأما ما لا يؤثر إلا لغيره كالنقدين، ~~فلا يوصفان في أنفسهما من حيث إنهما جوهران بأنهما نعمة، بل من حيث هما ~~وسيلتان، وربما لا يكونان وسيلة في حق بعض بل بلاء وآفة، فلا يكونان ~~نعمة، وكذلك أمور هذا العالم. # الرابعة: إن الخيرات باعتبار آخر، تنقسم إلى نافع وجميل ولذيذ، ~~فاللذيذ هو الذي تدرك راحته في الحال، والنافع هو الذي يفيد في المآل، ~~والجميل هو الذي يستحسن في سائر الأحوال. # والشر أيضا قد ينقسم إلى ضار وقبيح ومؤلم، وكل واحد من القسمين ضربان: ~~مطلق ومقيد. فالمطلق؛ هو الذي اجتمعت فيه الأوصاف الثلاثة، أما في ~~الخير فكالعلم والحكمة، فإنها نافعة وجميلة ولذيذة عند أهل العلم ~~والحكمة، وأما في الشر فكالجهل المركب، فإنه ضار وقبيح ومؤلم، وإنما ~~لا يحس الجاهل بألم جهله، لشواغل الدنيا وغطاء الطبيعة. والمقيد؛ هو ~~الذي فيه بعض هذه الأوصاف دون بعض. # فرب نافع مؤلم كقطع الإصبع المتآكلة، ورب نافع قبيح كالحمق، فإنه ~~يوجب استراحة الأحمق في الحال إلى أن يجيء وقت هلاكه في المآل، ولذلك ~~قيل: استراح من لا عقل له. # الخامسة: وهي الحاوية لمجامع النعم. اعلم أن النعم تنقسم إلى ما هي ~~غاية مطلوبة لذاتها، وإلى ما هي مطلوبة لغيرها. أما الغاية فهي السعادة، ~~ويرجع حاصلها إلى أربعة أمور: بقاء لا فناء له، وسرور لا غم فيه، ~~وعلم لا جهل معه، وغنى لا فقر معه؛ وهي النعمة الحقيقية. وغيرها يراد ms0080 ~~لأجلها ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله): # " لا عيش إلا عيش الآخرة ". # وأما الوسائل؛ فتنقسم الى الأقرب الأخص، كفضائل النفس. وإلى ما يليه في ~~القرب، كفضائل البدن. وإلى ما يليه في القرب ويجاوز إلى غير البدن ~~كالأسباب المطيفة بالبدن من المال والأهل والعشيرة. والى ما يجمع بين ~~هذه الأسباب الخارجة عن النفس وبين الحاصلة لها، كالتوفيق والهداية. فهي ~~إذن من أربعة أنواع. # أما النوع الأول: فيرجع حاصلها - مع انشعاب أطرافها - إلى الايمان ~~والعدالة. أما الايمان فهو العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر، وأما العدالة وهي حسن صورة الباطن، فعبارة عن تهذيب الأخلاق، ~~وتصفية القلب عن الرذائل، وصرف القوى الشهوية والغضبية والوهمية فيما ~~خلقت لأجله حتى يكون شجاعا لا متهورا، ولا جبانا، ويكون عفيفا لا ~~فاجرا ولا خاملا، ويكون حكيما لا مكارا ولا أبله، فالفضائل المختصة ~~بالنفس المقربة الى الله علم مكاشفة وعلم معاملة، وحسن خلق وحسن ~~سياسة. ولا تتم هذه النعمة في غالب الأمر إلا بالنوع الثاني وهي ~~الفضائل البدنية. وهي أربعة: الصحة، والقوة، والجمال، وطول العمر، ~~ولا تتهيأ هذه الأمور البدنية إلا بالنوع الثالث وهي النعم الخارجة ~~المطيفة بالبدن وهي أربعة: المال والأهل والجاه وكرم العشيرة. ولا ينتفع ~~بشيء من هذه الأسباب الخارجة البدنية إلا بالنوع الرابع من النعم، وهي ~~أربعة: هداية الله ورشده وتسديده وتأييده. # فمجموع مجامع النعم ستة عشر، وهذه الجملة يحتاج البعض منها إلى الآخر، ~~إما حاجة ضرورية، أو نافعة. ولو أخذنا في بيان الحاجة لطريق الآخرة إلى ~~كل واحد واحد من الأقسام التي ذكرناها من النعم النفسية والبدنية ~~والخارجة عنها كالمال والجاه والأهل والنسب، لطال الكلام، لكن أخفى ~~النعم البدنية في كونها محتاجا إليها هو الجمال، وأخفى النعم الخارجة في ~~ذلك هو النسب، فلنبين وجه الحاجة إليهما. # أما الجمال؛ فلا يخفى نفعه في الدنيا، فإن الطبائع من القبيح مستنفرة، ~~وحاجات الجميل أقرب الى الإجابة، وجاهه أوسع في الصدور، وكل معين في ~~الدنيا معين في الآخرة، ولأن الجمال في الأكثر يدل على فضيلة النفس، ms0081 ~~لأن نور النفس إذا تم اشراقه تأدى الى البدن، فالمنظر والمخبر ~~كثيرا ما يتلازمان، ولذلك عول أصحاب الفراسة في معرفة مكارم النفس على ~~هيئات البدن وقالوا: الوجه والعين مرآة الباطن، وقيل: الروح إن أشرق ~~على الظاهر فصباحة، وإن أشرق على الباطن ففصاحة. ولذلك قال (صلى الله ~~عليه وآله): # " اطلبوا الخير عند حسان الوجوه " # وقال الفقهاء: إذا تساوت درجات المصلين، فأحسنهم وجها أولاهم ~~بالامامة. وقال سبحانه ممتنا بذلك: # وزاده بسطة في العلم والجسم # [البقرة:247]. وليس المعنى ما يحرك الشهوة، فإن ذلك أنوثية، بل تناسب ~~الأعضاء واعتدال الخلقة. # وأما النسب، فكرم العشيرة نعمة جليلة، ولذلك قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) # " الأئمة من قريش " # ، ولذلك كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أكرم ارومة في نسب ~~آدم. ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): # " تخيروا لنطفكم " # ، وقال: # " وإياكم وخضراء الدمن فقيل: وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء ~~في المنبت السوء ". # فإن قلت: فما معنى النعم التوفيقية الراجعة إلى الهداية والرشد والتأييد ~~والتسديد؟. فنقول: التوفيق، عبارة عن التأليف بين إرادة العبد وبين قضاء ~~الله وقدره، ويستعمل في الخير والسعادة، ولا خفاء في الحاجة إليه، ولذلك ~~قيل: # إذا لم يكن عون من الله للفتى # فأكثر ما يجني عليه اجتهاده # وأما الهداية، فلا سبيل لأحد الى سعادة الآخرة إلا بها، لأن داعية ~~الإنسان قد تكون مائلة إلى ما فيه صلاح آخرته، ولكن إذا كان جاهلا به ~~فمن أين ينفعه مجرد الإرادة؟ فلا فائدة في الإرادة والقدرة وسائر ~~الأسباب إلا بعد الهداية، ولذلك قال تعالى: # ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه:50]. وقال # ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم ~~من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء # [النور:21]. # وللهدى ثلاث مراتب: # الأولى: معرفة طريق الخير والشر المشار إليه بقوله تعالى: # وهديناه النجدين # [البلد:10]. وقد أنعم الله به على كافة الخلق، بعضه بالعقل، وبعضه ~~على لسان الكتب والرسل ولذلك قال: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت:17]. فأسباب الهدى هي الكتب ms0082 والرسل وبصائر العقول، وهي مبذولة ~~للجميع، ولهذا كلفوا بتكليف واحد، وتساووا في أسباب سلوك طريق النجاة ~~بهذه الهداية العامة. # المرتبة الثانية: هي التي يمد الله بها العبد حالا بعد حال، وهي ثمرة ~~المجاهدة حيث قال: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت:69]. وهو المراد بقوله: # والذين اهتدوا زادهم هدى # [محمد:17]. # والمرتبة الثالثة: وراء الثانية، وهي النور الذي يشرق في عالم الولاية ~~بعد كمال المجاهدة، فيهتدي بها الى ما لا يهتدى إليه بالعقل الذي يحصل به ~~التكليف، وامكان تعلم العلوم، وهو الهدى المطلق، وما عداه حجاب له، ~~ومقدمات، وهو الذي شرفه الله تعالى بتخصيص الإضافة إليه، وإن كان الكل ~~من جهته فقال: # قل إن هدى الله هو الهدى # [البقرة:120]. وهو المسمى حياة في قوله: # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # [الأنعام:122]. وبقوله: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر:22]. # ووجه انحصار مراتب الهدى في الثلاث: ان كل مقام من مقامات الايمان ~~ومنزل من منازل السالكين ينتظم من أمور ثلاثة: أعمال، وأحوال، وأنوار ~~هي معارف. ولا بد لكل منها من هداية تخص به. # وأما الرشد، فيعني به العناية الإلهية التي تعين الإنسان عند توجهه ~~إلى مقاصده فيقويه على ما فيه صلاحه، ويفتره عما فيه فساده، ويكون ~~ذلك من جانب الباطن كما قال تعالى: # ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين # [الأنبياء:51]. فالرشد عبارة عن هداية باعثة الى جهة السعادة، محركة ~~للعبد إياها، فهو بهذا الاعتبار أكمل من مجرد الهداية الى وجوه ~~الأعمال، وكم من مهتد غير رشيد، فهي نعمة عظيمة. # وأما التسديد؛ فهو توجيه حركاته الى صوب المطلوب، وتيسيرها عليه ليشتد ~~في صوب الصواب في أسرع وقت، فكما أن أصل الهداية لا يكفي، بل لا بد من ~~هداية محركة للداعية، وهي الرشد، فكذا الرشد، لا يكفي، بل لا بد من ~~تيسير الحركات بمساعدة الآلات حتى يتصل بما انبعثت الداعية إليه، ~~فالهداية محض التعريف، والرشد هو تنبية الداعية لتستيقظ وتتحرك، والتسديد ~~إعانة ms0083 ونصرة بتحريك الأعضاء في صوب السداد. # وأما التأييد؛ فكأنه جامع للكل، وهو عبارة عن تقوية أمره بالبصيرة من ~~داخل، وتقوية البطش ومساعدة الأسباب من خارج، وهو المعني بقوله تعالى: # إذ أيدتك بروح القدس # [المائدة:110]. # وتقرب منه العصمة، وهي عبارة عن جوهر إلهي يسنح في الباطن، يقوى به ~~الإنسان على تحري الخير وتجنب الشر، حتى يصير كمانع من باطنه غير ~~محسوس، وإياه عنى بقوله: # ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ~~ربه # [يوسف:24]. # فهذه هي مجامع النعم، ولن تستتب إلا بما يخوله الله من الفهم الثاقب، ~~والذهنا الصافي، والسمع الواعي، والقلب البصير، والطبع المتواضع، ~~والمعلم الناصح، والمال الزائد على ما يقصر عن المهمات بقلته، القاصر ~~عما يشغل عن الدين بكثرته، والعز الذي يصونه عن سفه السفهاء وتسلط ~~الأعداء، ويستدعي كل واحد من هذه النعم الستة عشر أسبابا، وتستدعي تلك ~~الأسباب أسبابا، وهكذا إلى أن تنتهي بالآخرة إلى مسبب الأسباب ورب ~~الأرباب، دليل المتحيرين ملجأ المضطرين. # وإذا كانت تلك الأسباب متسلسلة طويلة لا يمكن الاستقصاء فيها، فلنصرف ~~عنان القلم عن ذكرها لخروجها عن الحصر والإحصاء، فإن صحة البدن من ~~جملتها نعمة من النعم الواقعة في الرتبة المتأخرة، ولو أردنا أن نستقصي ~~الأسباب التي بها تمت هذه النعمة، لم نقدر عليها، لأن الأكل مثلا، أحد ~~أسباب الصحة، وهو متوقف على أسباب غير محصورة بها تتم نعمة الأكل، إذ ~~لا يخفى ان الأكل فعل، وكل فعل من هذا العالم حركة إرادية، وكل ~~حركة إرادية لا بد لها من جسم متحرك هو آلتها، ولا بد لها من قدرة ~~على الحركة، ولا بد لها من إرادة والإرادة متوقفة على العلم بالمراد، ~~والعلم صورة نفسانية ونقش باطني لا بد لها من قابل ومنقوش به، وهو لوح ~~النفس، ومن فاعل ناقش، وهو ملك روحاني مستفيد من ملك فوقه، وهكذا ~~إلى مالك الملكوت. # ثم لا بد للآكل من مأكول، وهو جسم مركب من أصول متخالفة الطبائع ~~والأمكنة والأحوال، ولا بد لها من أسباب تجمعها وتجبرها على الالتيام، ms0084 ~~وتحفظها على مزاج تتهيأ صورة التمام، ولا بد لتلك الأصول من أمكنة ~~تتكون فيها، وجهات تتوجه إليها عند خروجها، وأزمنة تتحرك فيها، ولا ~~بد للأمكنة والأزمنة الموجودة للأجسام المستقيمة الحركة من محدد مطيف ~~بها تتعين به جهات أمكنتها، وحدود أزمنتها، فيكون المحدد من جنس جملة ~~الأجرام الأكرية الدائمة الحركة إلى أن يشاء الله. # ولا بد لها من أسباب محركة على سبيل المباشرة والمزاولة، ولأسبابها ~~أسباب اخرى محركة على سبيل التشويق والامداد والعناية، إذ ليست حركتها ~~شهوية أو غضبية لتكون حيوانية محضة، ولا مجازفة أو وهمية محضة طلبا ~~لثناء أو حسن ذكر أو صيت، أو نفعا للسافل، بل حركة شوقية علوية، ~~وخدمة إلهية، وطاعة ربانية، فلها ملائكة تديرها، وفوقها ملائكة أخرى ~~تدبرها وتشوقها طلبا لبارئ الكل وتشوقا إليه، وطاعة له على وجه ~~يلزمها رشح الخير الدائم على الأداني والأسافل. # ثم لا بد للمأكول من صانع يصلحه، ولا بد من أسباب لإصلاحه، من أرض ~~ينبت فيها، وهواء يصلح لها، وحرارة تنضجها، وماء يسقيها، والماء لا ~~يتحرك بنفسه من مكانه كالبحر، فلا بد لحركته من أسباب، بعضها طبيعية ~~عنصرية، وبعضها نفسانية فلكية، وبعضها قدرية إلهية، كما يعلمه ~~العلماء الإلهيون، ولذلك قال: # فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا المآء ~~صبا # [عبس:24 - 25]. # ثم لا يكفي وجود الماء والتراب والهواء، إذ لو تركت الحبة في أرض ~~ندية صلبة لم تنبت، لفقد نفوذ الهواء في باطنها، فلا بد من أرض ~~متخلخلة مشقوقة لدخول الماء فيها وخروج النبت منها، لا يتم شيء منها ~~إلا بأسباب علوية وراء أسباب سفلية منتهية إلى الله، كما قال: # ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها # [عبس:26 - 27] الآية. # ولا بد أيضا لحركة الهواء في باطن الأرض من محرك شديد يحركه ~~ويضربه بعنف على الأرض حتى ينفذ فيها، فيحتاج بمثل ما ذكرنا الى ~~أسباب منتهية الى الله تعالى، كما أشار إليه بقوله: # وأرسلنا الرياح لواقح # [الحجر:22]. # فانظر في نعم الله في خلق البحار والأمطار، وتحريك السحب إلى أرض ~~الزراعة، ثم الأرض، ربما كانت مرتفعة والمياه ms0085 لا ترتفع إليها، فانظر ~~كيف خلق الله الغيوم فسلط الرياح عليها ليسوقها بإذنه إلى أقطار ~~العالم وهي سحب ثقال بالماء، ثم انظر كيف يرسله مدرارا على الأرض. ~~ثم انظر كيف خلق الجبال حافظة للمياه تنفجر منها العيون والأنهار ~~تدريجا، فلو خرجت دفعة، لخربت البلاد، وهلكت الزروع والمواشي. # وأما الحرارة، فإنها لا تنزل من الأثير بطبيعتها، ولا تحصل من الماء ~~والأرض وهما باردان؛ فانظر كيف سخر الشمس، وكيف أسكنها الله في موضع ~~لائق لا يتضرر أهل الأرض بقربها المفرط للتحليل والتسخين، ولا ~~ببعدها المفرط للتجميد والتبريد، وجعلها دائرة حول الأرض شمالا في فصل، ~~وجنوبا في فصل، ومتوسطا فيما بينهما في فصلين آخرين من الفصول ~~الأربعة، لتنتفع بها جميع النواحي، وتتسخن بها في وقت دون وقت، فيحصل ~~البرد عند الحاجة إليه، والحرارة عند الحاجة إليها، فهذه إحدى حكم ~~الشمس، والحكم فيها أكثر من أن يحصى. # وكذا في القمر الذي هو كالخليفة لها، وكذا سائر الكواكب مع انها في ~~أنفسها موجودات شريفة مطيعة لله تعالى، خلقت للخدمة والطاعة لله، ~~والتقرب اليه في صلواتها الدائمة، وسجودها وركوعها، ولو لم تكن كذلك، ~~لكان خلقها عبثا وباطلا، ولم يصح قوله تعالى: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين # [الدخان:38]. وقوله: # ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب ~~النار # [آل عمران:191]. # ولهذا لما نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى السماء، قرأ هذه ~~الآية ثم قال: # " ويل لمن قرأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته.. " # معناه أن يقرأها ويترك التأمل في أحوال ملكوت السماء، ويقتصر من فهم ~~ملكوت السموات على أن يعرف لون الفلك وضوء الكواكب، وذلك مما يشترك في ~~معرفته الدواب أيضا. # فلله في ملكوت السموات والأرض والآفاق والأنفس عجائب عظيمة يطلب ~~معرفتها المحبون لله، المشتاقون إلى لقائه. فإن من أحب عالما فلا ~~يزال مشغوفا بطلب تصانيفه ودقائق معانيه. # فكذلك الأمر في عجائب صنع الله وملكوت بدائعه، فإن العالم كله من ~~تصنيفه، بل تصنيف المصنفين من تصنيفه الذي صنفه بواسطة قلوب عباده، فلا ~~يتعجب ms0086 من المصنف بل من الذي سخره لتأليفه بما أنعم عليه من هدايته ~~وتعليمه، وإرشاده وتسديده. فالمقصود؛ أن غذاء النبات الذي يتوقف عليه ~~غذاء الإنسان، لا يتم بالعناصر الأربعة والشمس والقمر والكواكب، ولا ~~تتم تلك إلا بالأفلاك التي مركوزة فيها، ولا تتم الأفلاك إلا ~~بحركاتها. ولا تتم حركاتها إلا بملائكة سماوية يحركونها، وكذلك ~~يتمادى إلى أسباب بعيدة تركنا ذكرها تنبيها بما ذكر على ما اهمل. # روى الشيخ الجليل محمد بن علي بن بابويه القمي رحمه الله في عيون ~~أخبار الرضا مسندا عن الإمام محمد بن علي، عن أبيه الرضا علي بن موسى، ~~عن أبيه موسى بن جعفر بن محمد، عن جده (عليهم السلام). قال: دعا سلمان ~~أبا ذر رحمة الله عليهما إلى منزله، فقدم إليه رغيفين، فأخذ أبو ذر ~~الرغيفين يقلبهما، فقال سلمان: يا أبا ذر، لأي شيء تقلبهما؟ قال: خفت ~~ألا يكونا نضيجين. فغضب سلمان من ذلك غضبا شديدا، ثم قال: ما أجرأك ~~حيث تقلب هذين الرغيفين، فوالله لقد عمل في هذا الخبز الماء الذي تحت ~~العرش، وعملت فيه الملائكة حتى ألقوه الى الريح، وعملت فيه الريح حتى ~~ألقته الى السحاب، وعمل فيه السحاب حتى أمطره الى الأرض، وعمل فيه ~~الرعد والملائكة حتى وضعوه مواضعه، وعملت فيه الأرض والخشب ~~والحديد والبهائم والنار والحطب والملح وما لا أحصيه أكثر، فكيف ~~لك أن تقوم بهذا الشكر؟ فقال أبو ذر: إلى الله أتوب، وأستغفر الله مما ~~أحدثت، وإليك اعتذر مما كرهت. # فهذا من نعم الله في خلق الأسباب لأجل غذاء النبات، ولا يخفى أن ما ~~ذكرناه بعض من أسباب غذائه الجلية منها، إذ قد طوينا ذكر تفاصيل القوى ~~النباتية الباطنة عن الأبصار، كالغاذية مع فروعها - من الجاذبة ~~والماسكة والهاضمة والدافعة - وكالنامية مع خدمها، والمولدة مع ~~جنودها ولواحقها. ولكل منها مواضع وأسباب وملائكة تسخره وتحركه لأجل ~~فعله المخصوص، لو أردنا ذكرها لأدى الى التطويل قبل حصول الاستقصاء ~~فيها، فلنصرف عن ذكرها، ولنذكر شيئا من نعمه تعالى في خلق الأسباب ~~الموصلة للأطعمة إلى جوف الإنسان. ms0087 # فمنها الإدراك والحركة، فمن نعم الله عليك أن خلق لك آلة الإحساس وآلة ~~الحركة في طلب الغذاء، فانظر الى ترتيب حكمته في خلق الحواس الخمس التي ~~هى آلة للادراك. # فأولها حاسة اللمس، التي تعم الحيوانات، لكونها واقعة في عالم ~~الأضداد، فيقع بها الاحتراز عن الحر الشديد والبرد الشديد مثلا، ~~وخصوصا في الأكل، وهذه لا تكفي لاقتصار إدراكها على القريب، ولا تقدر ~~بها على طلب الغذاء من حيث يبعد عنك. فافتقرت الى حس تدرك به ما بعد ~~عنك، فخلق الله فيك حس الشم، إلا انك تدرك به الرائحة ولا تدري ~~انها جاءت من أي ناحية، فتحتاج الى أن تطوف كثيرا من الجوانب، فخلق ~~لك البصر لتدرك ما بعد عنك وجهته معا فتقصده، ولا تدرك به ما وراء ~~الجدران والحجب، فخلق لك السمع حتى تدرك به الأصوات من وراء الجدار ~~عند جريان الحركات، ولأنك لا تدرك بالبصر إلا موجودا حاضرا وأما ~~الغائب فلا يمكنك معرفته إلا بكلام ينتظم من حروف وأصوات، فأنعم الله ~~عليك بهذه الحاسة، وميزك بفهم الكلام عن سائر الحيوانات. # وكل ذلك ما كان يغنيك لو لم يكن لك حس الذوق لتدرك أن غذاءك موافق ~~لك أو مخالف فتأكله فتهلك، ثم هذه كلها لا تكفيك لو لم يخلق في مقدم ~~دماغك حس آخر يجتمع عنده مدركات هذه الخمس، فتحتاج الى هذا الحس، وإلى ~~الحافظة لتحفظ عندك صورة ما ادخرته من الغذاء الى وقت الحاجة، وإلى مدرك ~~للمعاني المتعلقة بأفراد نوعك وجنسك التي تحتاج الى صداقتها ودفع ~~عداوتها في تحصيل الغذاء الذي يحصل لك بالصناعة لا بالطبيعة، وإلى حافظ ~~لها، وإلى متصرف فيها وفي الصور المخزونة بالتفصيل والتركيب ~~والاستحضار، وهذه كلها تشاركك فيها الحيوانات. # فلو لم يكن لك إلا هي لكنت ناقصا لعدم ادراكك عواقب الأمور، فميزك ~~الله وأكرمك بصفة أخرى هي أشرف من الكل وهو العقل، فتدرك مضرة الأطعمة ~~ومنفعتها الجلية والخفية بحسب الحال والمآل جميعا. # وبه تدرك كيفية طبخ الأطعمة وإصلاحها، وذلك أخس فوائد العقل، وأقل ~~الحكمة في انشائه، ms0088 بل الحكمة الكبرى فيه معرفة الله، ومعرفة أفعاله، ~~ومعرفة الحكمة في عالمه. # وعند ذلك تنقلب فوائد الحواس في حقك إلى ما ينفعك في طلب الخير ~~الأقصى، فتكون الحواس الخمس كالجواسيس وأصحاب الأخبار والموكلين بنواحي ~~المملكة لاقتناص الأخبار المختلفة من الأقطار، وتسليمها إلى الحس ~~المشترك القاعد في سرير مقدم الدماغ، كصاحب القصص والكتب للملك، فيأخذها ~~وهي مختومة إذ ليس له إلا اخذها وحفظها، وأما حقائق ما فيها فلا، ولكن ~~الملك يسلم إليه هذه الإنهاءآت مختومة فيفتحها ويطلع منها على أسرار ~~المملكة، ويحكم فيها بأحكام عجيبة لا يمكن استقصاؤها في هذا المقام، ~~وبحسب ما يلوح له يحرك الجنود. # فهذه سياقة نعمة الله عليك في الإدراكات، ولا يمكن استيفاؤها وما يتوقف ~~عليها من الأسباب، فإن الحواس الظاهرة بعض المدارك، والبصر واحد من ~~جملتها، والعين آلة واحدة لها، وقد ركبت على عشر طبقات مختلفة، بعضها ~~رطوبات، وبعضها أغشية، وبعض تلك الأغشية كأنها نسج العنكبوت، وبعضها ~~كالمشيمة، وبعض تلك الرطوبات كبياض البيض، وبعضها كأنه الجمد، ولكل منها ~~صفة وصورة وهيئة وشكل وتدوير، ولكل منها أمساح وأجزاء وقوى وكيفيات، ~~لكل منها أحكام من الصحة والمرض والسلامة والآفة لا يعلمها إلا الله. # ولو اختلت طبقة واحدة بل شيء من أسبابها، لاختل البصر وعجز عنه ~~الأطباء والكحالون. # وقد صنفت في تشريح العين مجلدات كثيرة، مع ان حجمها لا يزيد على ~~جوزة صغيرة، وأعجب من هذا دخول الأفلاك وطبقاتها وما تحويه من جملة ~~العناصر في هذه الجوزة الصغيرة، من غير أن يتضايق ولا يتصاغر ذلك الكبير ~~ويتعاظم هذا الصغير، وقس بما ذكر حاسة السمع وسائر الحواس الظاهرة، ~~ولا نسبة لها في الصنع والحكمة إلى الحواس الباطنة، كما لا نسبة ~~للباطنة إلى العقل الذي هو وراء كلها. # فهذه نعم الله في أسباب الإدراك، فقس عليها حال نعم الله في خلق ~~أسباب التحريك الذي هو قرين الإدراك في كل نفس، كما قال تعالى: # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق:21] فالسائق هو مبدء مبادي الإدراك، والشهيد هو مبدء مبادي التحريك، ~~فإنك ms0089 بعد خلق الإدراكات فيك لا يكفيك مشاهدة الطعام، بل تفتقر الى شهوة ~~الأكل والميل إليه تستحثك على الحركة والطلب، فخلق الله فيك شهوة ~~الطعام وسلطها عليك كالمتقاضي. ثم هذه الشهوة لو لم تسكن إذا أخذت ~~مقدار الحاجة منك، أهلكت نفسك. فخلق فيك الكراهة عند الشبع. ثم ~~خلق فيك شهوة المجامعة لبقاء نوعك ودوام نسلك، وفي خلق أسباب التوليد ~~من الانثيين والرحم ودم الحيض والمني والمجاري والعروق والأوعية، ~~وكيفية توليد النطفة وتشكلها، وكيفية إدارتها في أطوار الخلقة إلى ~~تمام الأعضاء، من العجائب ما لا يحصى. # ثم الشهوة والغضب، لا يدعوان الا إلى ما ينفع ويضر في الحال. وهما ~~لا يكفيانك، فميزك الله عن الحيوانات بقوة أخرى هي الإرادة العقلية ~~إكراما لك وإفرادا عن البهائم، كما أفردك بمعرفة العواقب. # ثم هذه القوى لا تكفيك، فكم من زمن مدرك مشتاق إلى شيء بعيد منه ~~لا يقدر على المشي إليه، فخلق لك قدرة على المشي والطلب لمشتهياتك، ~~وآلات معينة عليهما، وعلى الدفع والهرب لما يمنعك وعما يضادك، وتلك ~~الآلات بعضها طبيعية كالأعضاء، وبعضها خارجية كالاسلحة والمراكب ~~والدواب والفن وآلات الزرع ومباديها وأسبابها وفواعلها من الصناع ~~والمصلحين وغير ذلك. # وفي كل ذلك من نعم الله وحكمته ما لا يعد ولا يحصى، فلتعتبر رغيفا ~~واحدا ولتنظر ما تحتاج إليه حتى يصلح للأكل من بعد إلقاء البذر إلى ~~الأرض. # فانظر إلى أعمال الصناع في إصلاح آلات الحراثة والطحن والخبز من نجار ~~وحداد وغيره، وانظر إلى حاجة الحداد إلى الحديد والرصاص والنحاس، وانظر ~~كيف خلق الله الجبال والأحجار والمعادن، فإن فتشت علمت ان رغيفا ~~واحدا لا يستدير ما لم يعمل عليه أكثر من ألف صانع، ابتداؤها من الملك ~~الذي يزجي السحاب لينزل الماء، الى آخر الأعمال من جهة الملائكة، حتى ~~تنتهي النوبة إلى الإنسان، فإذا استدير طلبه قريب من سبعة آلاف صانع، ~~كل صانع أصل من أصول الصنائع التي بها تتم مصلحة الخلق، ثم تأمل في ~~كثرة أعمال الإنسان في تلك الآلات. # حتى أن الإبرة الصغيرة التي فائدتها ms0090 خياطة اللباس الذي يمنع عنك ~~البرد، لا يكمل صورتها إلا بعد أن تمر على يد الإبري خمسة وعشرين ~~مرة. # ثم اعلم أن هؤلاء الصناع، لو تفرقت آراؤهم، وتنافروا تنافر طباع ~~الوحش وتبددها بحيث لا يحويهم مكان واحد ولا يجمعهم غرض واحد، فانظر ~~كيف ألف الله بين قلوبهم، فلأجل الإلف وتعارف الأرواح اجتمعوا ~~وائتلفوا، وبنوا البلدان والمدن، ورتبوا المساكن والدور والأسواق ~~والخانات وما أشبهها مما يطول شرحه. # ثم هذه المحبة تزول بأغراض يزاحمون عليها، ويتنافسون فيها، حتى ~~ينجر إلى الحسد والغيظ، وذلك يؤدي الى التقابل والتفاسد، فانظر كيف ~~سلط الله عليهم السلاطين وأيدهم بالقوة والشوكة والعدة والأسباب، ~~وألقى رعبهم في قلوب الرعايا حتى أذعنوا لها طوعا وكرها، وكيف ~~هدى الله السلاطين إلى طريق إصلاح البلاد، حتى رتبوا أجزاء المدينة ~~كأنها أزاء شخص واحد تتعاون تلك الأجزاء على غرض واحد يتبع البعض منا ~~بالبعض، ورتبوا الرؤساء والقضاة والحكام وزعماء الأسواق، واضطروا ~~الخلق الى قانون العدل، وألزموهم للتساعد والتعاون بذلك القانون. # فانظر كيف بعث الأنبياء حتى أصلحوا السلاطين المصلحين للرعايا، ~~وعرفوهم قوانين الشرع في حفظ العدل بين الخلق، وقوانين السياسة في ~~ضبطهم، وكشفوا من أحكام الإمامة والإمارة وأحكام الفقه والقضاء ما اهتدوا ~~به الى إصلاح الدنيا، فضلا عما أرشدوهم إليه من إصلاح الدين. # فانظر كيف أصلح الله الأنبياء بالملائكة، وكيف أصلح الملائكة بعضهم ~~ببعض، إلى أن ينتهي إلى الملك المقرب الذي لا واسطة بينه وبين الله، ~~فينتهي إلى حضرة الربوبية التي هي ينبوع كل نظام، ومطلع كل حسن ~~وجمال، ومنشأ كل كمال واعتدال. # وكل ذلك الذي عددناه قطرة من بحار كرمه ونعمه، ولولا فضله ورحمته إذ ~~قال: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت:69]، لما اهتدينا إلى معرفة هذه النبذة اليسيرة. ولولا عزله ~~إيانا لكمال رأفته عن أن نطمح بعين الطمع إلى الاحاطة بكنه نعمه، ~~لتشوقنا إلى طلب الاحاطة والاستقصاء، لكنه عزلنا عن ذلك إذ قال: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم:34]. # فبإذنه انبسطنا، وبمنعه انقبضنا، لأنه القابض والباسط لأزمة أفكارنا، ~~وهو الممسك ms0091 والمرسل لأعنة عقولنا واختيارنا. # فهذا ما أردنا ايراده من بيان حقيقة النعمة وتقسيمها، وذكر أقسامها ~~ودرجاتها ومجامعها وأصنافها، والإشعار بأنها متسلسلة، وأن الإحاطة بها ~~ليس بمقدور البشر وإنما هو شأن من خلق القوى والقدر. # وليعذرني إخوان الحقيقة في اطناب الكلام في هذا المقام، وايراد نكات ~~لخصتها وجردتها من صحف الكرام، تكثيرا لفوائد هذا الباب، وتشبها ~~بالبررة الكتاب، ومنه البداية وإليه المآب. # قوله جل اسمه: # { غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } # قرئ " غير " بالنصب في الشواذ ورويت عن ابن كثير وهي قراءة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) وقرئ " غير الضالين " وروي ذلك عن علي (عليه ~~السلام). # وأما النصب فعلى الحالية عن الضمير المجرور، والعامل فيه " أنعمت " ، ~~أو بإضمار " أعني " أو بالإستثناء، إن فسر النعم بما يشمل القبيلين ~~ويعم. # وفي الجر ثلاثة وجوه: كونه بدلا من ضمير " عليهم " ، وكونه بدلا من ~~الموصول، وكونه صفة له موضحة أو مخصصة على معنى كونهم جامعين بين أسباب ~~النعمة والكمال، وبين أسباب السلامة من مظاهر الغضب والضلال، وإن كان ~~الأصل في " غير " أن يكون صفة للنكرة فذلك إنما يستصح بأحد وجهين: # جعل الموصوف مجرى النكرة، بأن لم يقصد بهذا الموصول موقت معهود ~~كالمحلى في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني. # أو جعل الصفة مجرى المعرفة لكون " غير " مضافا إلى ما له ضد واحد، ~~فإن للمغضوب عليه ضدا واحدا هو المنعم عليه. فيكون متعينا معروفا ~~عندك تعريف الحركة بغير السكون، فإذا قلت: عليك بالحركة غير السكون، ~~فوصفت المعرفة بالمعرفة، بل وصفت الشيء بنفسه لأنها عينه، فكأنك كررت ~~الحركة تأكيدا. # و " عليهم " الاول في محل النصب على المفعولية، والثاني في محل الرفع ~~على الفاعلية بالنيابة. # و " لا " زائدة تأكيدا لما في " غير " من معنى النفي الحرفي، ولهذا ~~تقول: أنا زيدا غير ضارب، كما تقول: أنا زيدا لا ضارب. ولا تقول: أنا ~~زيدا مثل ضارب. # والغضب - ها هنا - بمعنى إرادة إنزال العقوبة على من يستحقها في صورة ~~الانتقام حكمة من الله، لا بمعنى كيفية نفسانية توجب ثوران الدم ~~للانتقام ms0092 تشفيا عن حالة الغيظ كما في الحيوان. فاطلاق الغضب ونحوه على ~~الله تعالى باعتبار غاياته الفعلية لا باعتبار مباديه الإنفعالية كما ~~مر في معنى الرحمة. هذا ما أدى إليه النظر العقلي، وتحقيق ذلك ونحوه ~~مما يحوج إلى نور المكاشفة كما وقعت الإشارة إليه. # والضلال؛ هو العدول والذهاب عن طريق التوحيد ومنهج الحق، وأصله الهلاك، ~~ومنه قوله تعالى: # أإذا ضللنا في الأرض # [السجدة:10]. أي هلكنا، ومنه قوله تعالى: # وأضل أعمالهم # [محمد:8]. أي أهلكها. # وللعدول جهات وشعب كثيرة، ولكل منها عرض عريض، وبازاء كل ضرب من ~~العدول ضرب من الغضب. # وعند المفسرين: المغضوب عليهم اليهود لقوله تعالى فيهم: # من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير # [المائدة:60]. والضالون النصارى لقوله تعالى: # ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل ~~وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء السبيل # [المائدة:77]. # وقال الحسن البصري: إن الله لم يبرئ اليهود عن الضلالة بإضافتها الى ~~النصارى، ولم يبرئ النصارى عن الغضب بإضافته الى اليهود، بل كل من ~~الطائفتين مغضوب عليهم وهم ضالون، إلا انه تعالى قد خص كل فريق ~~بسمة تعرف بها مع كونهم مشتركين في صفات كثيرة. # وقال عبد القاهر: حق اللفظ فيه خروجه مخرج الجنس وأن لا يقصد به قوم ~~بأعيانهم كما تقول: اللهم اجعلني ممن انعمت عليهم ولا تجعلني ممن ~~غضبت عليهم، فإنك لا تريد أن ها هنا قوما باعيانهم هذه صفتهم. وفيه ~~موضع تأمل كما لا يخفى على من عرف العرف. # ويتجه لأحد أن يقول: إن المغضوب عليهم هم العصاة والفسقة، ~~والضالين هم الجهال والكفرة، لأن المهتدى بنور الحق الى الصراط ~~المسقيم، والفائز بكرامة الوصول الى النعيم، من جمع الله له بين تكميل ~~عقله النظري بنور الايمان، وتكميل عقله العملي بتوفيق العمل بالأركان، ~~فكان المقابل له في الجملة من اختل إحدى كريمتيه وقوتيه العاقلة ~~والعاملة فالمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه لقوله تعالى في القاتل ~~عمدا: # غضب الله عليه # [النساء:93]. والمخل بالعلم والإدراك للحق جاهل كافر لقوله تعالى: # فماذا بعد الحق إلا الضلال # [يونس:32]. # وإنما ms0093 لم يقل: غير الذين غضبت عليهم، على وفاق: الذين أنعمت ~~عليهم، ترجيحا لجانب النعمة على جانب النقمة، بنسبة الفعل إليه ~~تعالى في الأولى صريحا، وفي الثانية بخلاف ذلك، كما هو دأب كرمه وجري ~~عادته في سوق كلامه المجيد، مثل قوله تعالى: # لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي ~~لشديد # [إبراهيم:7]. حيث لم يقل: لأعذبنكم في مقابلة: " لأزيدنكم " ، ومراعاة ~~للأدب في الخطاب، واختيارا لحسن اللفظ المستطاب. # مكاشفة # [استعارة الالفاظ للايصال الى المعانى العرفانية] # اعلم أن تمام التحقيق في هذه الآية، يحتاج الى الاستمداد من بحر عظيم ~~من بحار علوم المكاشفة، فنقول على طبق ما حققه صاحب البصيرة المكحلة ~~بنور الهداية: إن لله في جلاله وكبريائه صفة بها يفيض على الخلق نور ~~حكمته وجوده تكوينا واختراعا، يعبر عنها بلفظ، جلت عظمة تلك الصفة ~~أن تكون في عالم الألفاظ عبارة تدل على كنه حقيقتها، لعلو شأنها، ~~وانحطاط رتبة واضعي اللغات أن يمتد طرفهم إلى مبادي إشراقاتها، فانخفضت ~~عن ذروتها أبصارهم انخفاض أبصار الخفافيش عن ذروة الشمس، فاضطر الذين ~~فتحت أبصارهم لملاحظة جلالها، إلى ان يستعيروا من حضيض عالم الظلمات ~~عبارة توهم من مبادي أنوار حقيقتها شيئا ضعيفا جدا، فاستعاروا لها ~~لفظ " القدرة " فتجاسرنا بتوقيف من جانب الشرع أن لله صفة يصدر عنها ~~الخلق والاختراع، ثم الخلق ينقسم في الوجود تقسيما عقليا إلى ~~أقسام، لتنوعات فصول ومبادي انقسام، فاستعير لمصدر هذه الأقسام ومبدء ~~هذه التخصيصات بمثل تلك الضرورة الواقعة في عالم الألفاظ والأصوات عبارة ~~" المشية " ، ثم انقسمت الأفعال الصادرة من القدرة المنبعثة عن ~~المشية الناشية عن الحكمة التي هي علمه بالنظام الأكمل وهو عين ذاته، ~~إلى ما ينساق الى المنتهى الذي هو غاية حكمتها الى ما يوقف به دون ~~الغاية، وكان لكل منهما نسبة الى صفة المشية لرجوعها إلى الاختصاصات ~~التي بها يتم الاختلاف والقسمة، فاستعير لنسبة البالغ غايته عبارة ~~المحبوب، وهو المنعم عليه، ولنسبة الواقف دون غايته عبارة المكروه، وهو ~~المغضوب عليه. # وقيل: إنهما جميعا داخلان تحت المشية، إلا ان لكل منهما خاصية ms0094 ~~أخرى في النسبة، يوهم لفظ المحبة والكراهة منهما أمرا مجملا عند ~~طلاب اكتساب العلوم من اطلاقات الألفاظ واللغات. # ثم نقول: لما كان لكل منهما خاصية لازمة تكون مقتضى ذاته من غير ~~تخلل جعل مستأنف بينه وبينها، وهي مستدعية لأن تنزل إليه من سلطان ~~الأزل لباسا يناسبه ويرد عليه من المشية السابقة كسوة ملائمة، فانقسم ~~عباده الذين هم أيضا من خلقه واختراعه، إلى من سبقت له في المشية ~~الأزلية أن يستعمله لاستيقاف حكمته دون غايتها، ويكون ذلك قهرا في ~~حقهم بتسليط الدواعي والبواعث عليهم، وإلى من سبقت لهم في الأزل أن ~~يستعملهم لسياقة حكمته الى غايتها في بعض الأمور، ويكون ذلك لطفا في ~~حقهم. # فكان لكل من الفريقين نسبة خاصة إلى المشية، فاستعير لإحداهما ~~عبارة " الرضا " وللأخرى عبارة " الغضب ". # وظهر على من غضب عليه في الأزل فعل وقفت الحكمة به دون غايتها، ~~فاستعير له " الكفران " ، واردف ذلك بنقمة اللعن زيادة في النكال. # وظهر على من ارتضاه في الأزل فعل انساقت به الحكمة الى غايتها، فاستعير ~~له الشكر، واردف بخلعة الثناء زيادة في الرضاء والقبول. # فكان الحاصل انه أعطى الجمال ثم أثنى عليه، وأعطى النكال ثم قبح ~~وأردى، فيكون بالحقيقة هو المجمل والمثني على الجمال، والمثنى عليه ~~بكل حال. # وكأنه لم يثن إلا على نفسه، وإنما العبد هدف الثناء من حيث الظاهر، ~~فهكذا كانت الأمور في أزل الآزال، وهكذا تسلسلت الأسباب بتقدير رب ~~الأرباب، ولم يكن شيء من ذلك عن اتفاق وبخت كما زعمه أصحاب ذيمقراطيس. ~~ولا عن إرادة بحت من دون غاية وحكمة كما عليه أصحاب الأشعري، بل عن ~~إرادة وحكمة وحكم جزم، وأمر حتم، استعير له لفظ " القضاء ". # وقيل: إنه كلمح بالبصر، ففاضت بحار المقادير بحكم ذلك القضاء المبرم ~~بما سبق به التقدير، فاستعير لترتب آحاد المقدورات بعضها على بعض، لفظ ~~" القدر " ، فكان لفظ القضاء بإزاء ذلك الأمر العقلي الكلي، ولفظ ~~القدر بإزاء ذلك الأمر التفصيلي القدري المتمادي إلى غير النهاية. # وقيل: ليس شيء من ذلك بخارج عن قانون القضاء ms0095 والقدر، فخطر لبعض ~~العباد أن القسمة لماذا اقتضت هذا التفصيل؟ وكيف انتظم العدل مع هذا ~~التفاوت في الايجاد والتكميل؟ # وكأن بعضهم لقصورهم لم يطيقوا ملاحظة كنه الأمر والإحتواء على ~~مجامعه، فألجموا عما لم يطيقوا خوض غمرته بلجام المنع، وقيل لهم: ~~اسكتوا، فما لهذا خلقتم " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " ، عليكم ~~بدين العجائز والزمنى عن سلوك عالم السماء، وقصارى إيمانكم أن تؤمنوا ~~بالغيب ايمان الأكمه بالألوان، اسكتوا، وأنى للعميان والسؤال عن حقائق ~~الألوان. # وأما من امتلأت مشكاة عقلهم المنفعل من نور الله النافذ في السموات ~~والأرض، وكان زيتهم أولا صافيا يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، فمسته ~~نار العقل الفعال فاشتعل نورا على نور، فأشرقت أقطار الملكوت بين ~~أيديهم بنور ربها فأدركوا الأمور كما هي عليه، فقيل لهم: تأدبوا بأدب ~~الله، واسكتوا، واذا ذكر القدر فأمسكوا فإن للحيطان آذان، وحواليكم ~~ضعفاء الأبصار فسيروا بسير أضعفكم، ولا تكشفوا حجاب الشمس لأبصار ~~الخفافيش، فيكون ذلك سبب هلاكهم، فتخلقوا بأخلاق الله، وانزلوا إلى ~~السماء الدنيا من منتهى علوكم ليأنس بكم الضعفاء، ويقتبسوا من بقايا ~~أنواركم المشرقة من وراء حجابكم، كما يقتبس الخفاش من بقاء نور الشمس ~~والكواكب في جنح الليل، فيحيى به حياة تحتملها شخصه وحاله لا حياة ~~المترددين في كمال نور الشمس، وكونوا كما قيل: # شربنا وأهرقنا على الأرض فضلة # وللأرض من كأس الكرام نصيب # تمثيل نوري # [بيان أن لا مؤثر في الوجود إلا الله، والحكمة في أفعاله] # وقد ضرب الله مثلا لهذا المرام تقريبا إلى أفهام الأنام، وقد عرف ~~أنه ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدون، وكانت عبادتهم ومعرفتهم غاية ~~الحكمة في حقهم، فأخبر ان له عبدين يحب أحدهما واسمه جبرائيل وروح ~~القدس والروح الأمين، وهو عنده محبوب مطاع مكين، ويبغض الآخر واسمه ~~إبليس، وهو اللعين المنظر إلى يوم الدين. # ثم أحال الإرشاد والتعليم إلى جبرائيل فقال: # قل نزله روح القدس من ربك بالحق # [النحل:102]. وقال: # يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده # [غافر:15]. وقال: # علمه شديد القوى ذو ms0096 مرة فاستوى # [النجم:5 - 6]. # وأحال الإغواء والإضلال على إبليس فقال: { ليضلهم عن سبيله }. # والهداية: تبليغ العباد وسياقتهم الى غاية الحكمة، فانظر كيف نسبها الى ~~العبد الذي أحبه. # والإغواء: استيقافهم دون بلوغ غاية الحكمة، فانظر كيف نسبه إلى العبد ~~الذي غضب عليه مع انه لا فاعل ولا حاكم إلا هو كما قال: # ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس:7 - 8]. وهذا محض العدل وحسن الترتيب في النظام. # ولهذا الأمر، يوجد لك في الشاهد مثال، فالملك إذا كان له عبدان، ويريد ~~أن يسقيه أحدهما، ويكنس الآخر فناء منزلة من القاذورات، لا يفوض سقي ~~الشراب الطيب إلا إلى أحسنهما وأطيبهما منظرا وأحبهما إليه، ولا يعين ~~للكنس إلا أقبحهما صورة وأخسهما، ولا ينبغي لك أن تقول: هذا فعلي، ~~فلم يكن فعله على مذاق فعلي، فإنك أخطأت إذا أضفت ذلك الى نفسك، بل هو ~~الذي صرفك وداعيتك لتخصيص الفعل المكروه بالشخص المكروه، والفعل ~~الحسن بالشخص المحبوب، إتماما للعدل، فإن عدله تارة يتم بما لا ~~مدخل لك فيه وتارة يتم فيك أو بمالك فيه مدخل فإنك ايضا من ~~أفعاله. # فداعيتك وعلمك وقدرتك وسائر أسباب حركتك في التعيين هو فعله الذي ~~رتبه بالعدل والحكمة ترتيبا تصدر منه الأفعال المعتدلة، إلا انك لا ~~ترى إلا نفسك، فتظن إن ما يظهر عليك في عالم الشهادة ليس له سبب من ~~عالم الغيب والملكوت، فلذلك تضيفه الى نفسك. # وإنما أنت مثل الصبي الذي ينظر ليلا الى لعب المشعبذ الذي يخرج ~~صورا من وراء حجاب، يرقص ويزعق ويقوم ويقعد، فيتعجب لظنه أن هذه ~~الأفعال إنما تصدر من تلك الصور. ولم يعلم أنها لا تتحرك بأنفسها، ~~وإنما تحركها خيوط شعرية دقيقة لا تظهر في ظلام الليل، ورؤوسها في يد ~~المشعبذ، وهو محتجب عن الصبيان فيفرحون ويتعجبون. # وأما العقلاء، فإنهم يعلمون أن ذلك يحرك وليس يتحرك، ولكنهم ~~ربما لم يعلموا تفصيله، والذي يعلم بعض تفصيله لا يعلمه كما يعلم ~~المشعبذ الذي يعود الأمر إليه، والجاذبة بيديه، فكذلك صبيان الدنيا ~~والخلق كلهم صبيان، إلا العلماء، إلا إنهم ms0097 لا يعرفون كيفية ~~التحريك، وهم الأكثرون، إلا الراسخون في العلم، فإنهم أدركوا بحدة ~~أبصارهم خيوطا ورباطات دقيقة معلقة من السماء، متشبثة الأطراف ~~بأشخاص أهل الأرض، لا تدرك تلك الخيوط لدقتها بهذه الأنظار الظاهرة، ~~ثم شاهدوا رؤوس تلك الخيوط في مناطات لها هي معلقة منها، ولها أيضا ~~مقابض وعرى هي في أيدي الملائكة المحركين للسماوات، وشاهدوا أبصار ~~ملائكة السموات مصروفة إلى حملة العرش ينتظرون منهم ما ينزل إليهم ~~من الأمر من حضرة الربوبية، كي لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون [ما ~~يؤمرون]. # وعبر عن هذه المكاشفات في القرآن: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون # [الذاريات:22]. وعبر عن انتظار الملائكة لما ينزل إليهم من الأمر ~~والقدرة بقوله تعالى: # خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل ~~الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء ~~قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما # [الطلاق:12]. # مكاشفة أخرى # [مظاهر الرحمة والغضب] # إن لله مع تقدس ذاته وتنزه صفاته عن الأجزاء والأعضاء، يدين ~~مقدستين كلتاهما يمين الله، وهما في الأفعال العالية بإزاء الصفتين ~~المتقابلتين؛ كالرحمة والغضب، والرضاء والسخط في الصفات. # ولهما قبضتان، كما يدل عليه قوله تعالى: # والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه # [الزمر:67]. # وورد في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: ~~أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ". # وفي رواية يأخذهن بيده الأخرى ثم يقول: أين الجبارون، أين المتكبرون؟ # وله أيضا عند إستوائه على العرش قدمان متدليتان إلى الكرسي، إحداهما ~~ما يعبر عنه بقدم الصدق يعطي ثبوت أهل الجنات في جناتهم، والأخرى ما ~~يعبر عنه بقدم الجبروت، يعطي ثبوت أهل جهنم في جهنم. # فهذه الأمور من المراتب الإلهية، ولوازمها من الأمور العامة، وهي التي ~~تعرض للموجودات الإمكانية لقصور درجتها عن درك المراتب الإلهية. # فاعلم ان حكم الغضب الإلهي تكميل مرتبة قبضة الشمال، فإنه وإن كانت ~~كلتا يديه المقدستين يمينا مباركة، لكن حكم كل واحدة منهما يخالف ~~الأخرى، والشمالية واليمينية، ms0098 باعتبار أصحابهما فلهذا قال: # والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه # [الزمر:67]. فجعل الأرض مقبوضة والسماء مطوية، فافهم. # فلليد الواحدة - المضاف إليها عموم السعداء - الرحمة والجنان، وللأخرى ~~العذاب والنيران. # ولكل منهما دولة وسلطنة يظهر حكمها في السعداء القائمين بشروط ~~العبودية وحقوق الربوبية حسب المقدور، وفي الأشقياء المعتدين الجائرين ~~المنحرفين عن سنن الاستقامة ومسلك الاعتدال، المفرطين في حقوق الإلهية، ~~والمضيفين إلى أنفسهم ما لا يستحقونه. # وغاية حظهم من تلك الأحكام ما اتصل لهم بشفاعة ظاهر الصورة الإنسانية ~~المحاكية لصورة الإنسان الحقيقي، وشفاعة نسبة الجمعية والقدر المشترك ~~الظاهر بعموم الرحمة الظاهرة الحكم في هذه الدار، فلما جهلوا كنه الأمر ~~فاغتروا وادعوا وأشركوا وأخطأوا في الإضافة، فلا جرم استعدوا بتلك ~~الأحكام الغضب والانتقام، فالحق يطالبهم بحقه في القيامة. # ولولا سبق الرحمة الغضب، ما تأخرت عقوبة من شأنه ما ذكرناه، مع ~~انه ما ثم من سلم من الجور بالكلية، ولو لم يكن إلا جورنا في ضمن ~~أبينا آدم حين مخالفته فلكل منا نصيب من ذلك، يجني ثمرته عاجلا ~~بالمحن، وآجلا بحكم: # وإن منكم إلا واردها # [مريم:71]. # وإلى عموم الجور وقعت الإشارة في قوله: # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها ~~من دآبة # [النحل:61]. ولكن الرحمة العامة أخرت سلطنة الحكم العدل إلى يوم ~~القيامة، الذي هو يوم الكشف، ويوم الفصل والقضاء، فهناك يظهر الأمر ~~تماما، ولهذا قال: { مالك يوم الدين } ، لأنه يوم المجازات ~~بالعدل الحقيقي، والسر فيه أنه لو ظهر الحكم العدل ها هنا، ما جار ~~أحد على أحد ولا تجاسر على ظلمه، ولا افترى على الله وعلى غيره، ~~ولكان الناس أمة واحدة، ولم تكمل مرتبة القبضتين وحكم القدمين ولا ~~مظاهر الأسماء المتقابلة، فأين إذا: # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك وما ~~كان عطآء ربك محظورا # [الإسراء:20]، أي: ممنوعا، فالرحمة العامة تستلزم العطاء الشامل لكل ~~شيء، لا جرم وقع الأمر هكذا، فحقت الكلمة، وعمت النعمة، وظهر حكم ~~الغضب، ثم غلبت الرحمة، فلا يخلو منها شيء من الممكنات، كل منها على ~~حسب حاله ms0099 وقدر منزلته. # فكما ان رحمته تعالى شاملة واسعة لكل شيء، فكذلك غضبه، إلا ان ~~جانب الرحمة ارجح لكونها ذاتية، والغضب عارض، لقصور الممكن لإمكانه عن ~~قبول النور الأتم. # وإليه الإشارة في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): سبحان من أتسعت ~~رحمته لأوليائه في شدة نقمته، واشتدت نقمته لأعدائه في سعة رحمته. # وكذا الوعد والايعاد شامل للكل، إذ وعده في الحقيقة عبارة عن ايصال ~~كل واحد منا إلى غايته وكماله المعين له أزلا، فكما ان الجنة ~~موعود بها، كذلك النار. ووعيده هو العذاب الذي يتعلق بالإسم المنتقم، ~~فأهل الجنة إنما يدخلونها بالايعاد والابتلاء بأنواع المصائب والمحن، ~~كما ورد في الخبر عنه (صلى الله عليه وآله): # " أشد الناس بلاء في الدنيا الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الصالحون، ~~ثم الأمثل فالأمثل وقال أيضا: ما أوذي نبي مثل ما أوذيت ". # ثم فوق هذا سر عزيز جدا قلما يجد له ذائقا، وهو ان الكمل من ~~أهل الله كالانبياء والأولياء ومن شاركهم في بعض صفات الكمال، إنما ~~امتازوا عن من سواهم أولا بسعة الدائرة الوجودية، وصفاء جوهر الروح، ~~والاستيعاب الذي هو من لوازم الجمعية، كما نبهت عليه في حقيقة الإنسان ~~الكامل، الذي هو برزخ الحضرتين ومرآتهما، وحضرة الحق مشتملة على جميع ~~الأسماء والصفات، بل هي منبع لسائر النسب والإضافات، والغضب من ~~امهاتها، والمحاذاة الشريفة الصفاتية إنما قامت بين الغضب والرحمة. # فمن ظهر بصورة الحضرة الجمعية بتمامها، وكانت ذاته مرآة كاملة، لا بد ~~وأن يظهر فيها كل ما اشتملت الحضرة، وما اشتمل عليه الإمكان على الوجه ~~الأتم الأشرف، فلا جرم وقع الأمر كما مر من سر قوله: ما أوذي نبي ~~مثل ما أوذيت. وما يجري مجرى ذلك. # ولولا سبق الرحمة الغضب، كان الأمر أشد، فكما ان حظهم من النعيم أشد، ~~فكذا في الطرف الآخر، لكن في الدنيا، لأن هذه النشأة هي الظاهرة بأحكام ~~حضرة الإمكان المقتضية للنقائص والآلام، ولذا قال: نحن معاشر الأنبياء ~~أشد الناس بلاء في الدنيا. # ومن بعث رحمة للعالمين فدى بنفسه - في الأوقات الشديدة كالغزوات ~~المقتضية ms0100 عموم العقوبة لسلطنة الغضب - ضعفاء الخلق. # وكذا نبه على هذا السر (صلى الله عليه وآله) أهل الذوق، الأتم لما ~~رأى جهنم وهو في صلاة الكسوف يتقي حرها عن وجهه وثوبه، ويتأخر عن ~~مكانه، ويتضرع ويقول: ألم تعدني يا رب أنك لا تعذبهم وأنا فيهم؟ ألم ~~ألم حتى حجبت عنه فأفهم واغتنم. # وأهل النار إنما يدخلونها بالجاذب والسائق والجاذب إلى النار المناسبة ~~الواقعة بينها وبين أهلها. والسائق لهم هو الشيطان، كما أن الجاذب ~~لأهل الجنة إلى الجنة المناسبة بينهما، والسائق لهم الملك، فالوعد ~~والوعيد كلاهما شاملان لكل العبيد وفيه سر قوله (صلى الله عليه وآله): # " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " # بل الجنة نفس المكاره عند من كره لقاء الله وكره الله لقائهم. والنار ~~مبدأ الشهوات وصورتها الأخروية لمن يستحقها، وهي نعيمهم، كما أن ~~الجنة نعيم أهلها، ويملأ الله جهنم بغضبه المشوب وقضائه، ويملأ ~~الجنة برحمته المشوبة ورضاه، فيعم الوجود رحمة، ويبسط النعمة فيكون ~~الخلق كما هم في الدنيا كل حزب بما لديهم فرحون، لأنهم أفعاله ~~الصادرة منه. # وقد ورد في الخبر: إن الله جميل يحب الجمال، وهو صانع العالم ~~وأوجده على شاكلته كما قال: # كل يعمل على شاكلته # [الإسراء:84] فربكم الغفور ذو الرحمة. فالعالم كله على ~~غاية الجمال لأنه مرآة الحق. ولهذا هام فيه العارفون، وتحقق بمحبته ~~المتحققون، لأنه المنظور إليه في كل عين، والمحبوب بكل محبة، والمعبود ~~بكل عبادة، والمقصود في الغيب والشهود، وجميع العالم له مصل وحامد ~~ومسبح. # فيتحولون لتحوله في الأحكام والآثار، وآخر صورة يتحول إليها في الحكم ~~في عباده صورة الرضا. فيتحول الحق في صورة النعيم، فإن الرحيم ~~والمعافي أول من رحم ويعفو وينعم على نفسه بإزالة ما كان فيه من الحرج ~~والكرب والغضب على من أغضبه، ثم سرى ذلك في المغضوب عليه، فمن فهم هذا ~~فقد أمن من غضبه، ولم يأمن من مكر الله، ومن لم يفهم، فسيعلم ويفهم، ~~فإن المآل إليه. # هذا نظر البالغين من الرجال بنور الرياضة والمجاهدة الى مقام الولاية ~~والمحبة والأحوال، ms0101 وأما الذي وردت به الأخبار، وأعطاه الايمان والعلم، ~~إنما هي أحوال تظهر ومقامات تتشخص ومعان تتجسد، ليعلم الله عباده ~~معنى الإسم الإلهي الظاهر، وهو ما بدا من هذا كله، والإسم الإلهي ~~الباطن، وهو هويته، وقد تسمى لنا بهما. # وأما قوله: # وإن منكم إلا واردها # [مريم:71]. فإن الطريق الى الجنة عليها، فلا بد من الورود. # ولما تقررت هذه المكاشفات فنقول: لما خلق الله العرش وجعله محل ~~استواء الرحمة الوجودية، وأحدية كلمة الايجادية التي هي قول " كن " ، ~~وخلق الكرسي وانقسمت فيه الكلمة إلى أمرين: أمر وخلق ليخلق من كل شيء ~~زوجين. وظهرت الشفعية من الكرسي بالفعل، وكانت قبله بالقوة، وبحسب ~~الوهم، إذ كل ممكن زوج تركيبي كما قالته الحكماء، وهما جهتا الإمكان ~~والوجوب، أو الماهية والوجود، أو الفقر والمحبة، باختلاف العبارات، ~~ليعلم أن الحق مستأثر بالأحدية وإن الموجد الأول وإن كان واحد العين ~~فله حكم نسبة إلى ما ظهر عنه، فهذا أصل شفعية العالم، فتدلت إلى ~~الكرسي القدمان حتى انقسمت فيه الكلمة الروحانية، لأنه الثاني بعد ~~العرش في الصورة، والشكل فيه حصل شكلان في جسم العالم الطبيعي، فتدلت ~~اليه القدمان، فاستقرت كل قدم في مكان، فسمي المكان الواحد جنة ~~والآخر جهنما. # وليس بعدهما مكان تنتقل اليه هاتان القدمان، وهما لا يستمدان إلا من ~~الأصل الذي ظهرتا منه وهو الرحمن، فلا يعطيان إلا الرحمة، فإن ~~النهاية ترجع الى البداية بالحكمة، غير أن بين البداية والنهاية طريقا، ~~وإلا لم يكن بدؤ ولا نهاية، والسفر مظنة التعب والشقاء واللغوب. فهذا ~~سبب ظهور ما ظهر في العالم دنيا وآخرة، وبرزخا، من الشقاء، وعند ~~انتهاء الاستقرار يلقي عصى التسيار، وتقع الراحة في دار القرار والبوار. # ولأحد أن يقول: فكان ينبغي عند الحلول في الدار الواحدة المسماة نارا ~~أن توجد الراحة وليس الأمر كذلك. # فيقال له: صدقت، ولكن فاتك النظر التمام، وذلك ان المسافرين على ~~نوعين: مسافر يكون سفره مما هو فيه مترفها، من كونه محبوبا مخدوما، ~~حاصلا له جميع أغراضه في محفة محمولة على أعناق الرجال، محفوظا ms0102 عن ~~تغير الأهواء، فهذا مثله في الوصول الى المنزل، مثل أهل الجنة في ~~الجنة. # ومسافر يقطع الطريق على قدميه، قليل الزاد، ضعيف المؤنة، إذا وصل إلى ~~المنزل بقيت معه بقية التعب والمشقة زمانا، حتى تذهب عنه، ثم يجد ~~الراحة، فهذا مثل من يتعذب ويشقى في النار التي هي منزله، ثم تعمه ~~الراحة التي وسعت كل شيء. # ومسافر بينهما ليست له رفاهية صاحب الجنة، ولا عذاب صاحب النار التي ~~منزله، فهو بين راحة وتعب، فهي الطائفة التي تخرج من النار بشفاعة ~~الشافعين، وبإخراج أرحم الراحمين. # وهم على طبقات بقدر ما يبقى عنهم من التعب فيزول في النار شيئا فشيئا، ~~فإذا انتهت مدته، خرج الى الجنة وهو محل الراحة. # وآخر من بقي هم الذين ما عملوا خيرا قط، لا من جهة الايمان، ولا بإتيان ~~مكارم الأخلاق، غير ان العناية سبقت لهم أن يكونوا من أهل تلك الدار وهم ~~من أهل الدار، الذين هم أهلها، فغلقت الأبواب، واطبقت النار، ووقع اليأس ~~من الخروج، فحينئذ تعم الراحة لأهلها، لأنهم قد يئسوا من الخروج منها ~~كما يئس الكفار من أصحاب القبور. # وقد جعلهم على مزاج يصلح ساكن تلك الدار، فلما يئسوا فرحوا، فنعيمهم ~~هذا القدر، وهو أول نعيم يجدونه، وحالهم فيها كما قدمنا بعد فراغ مدة ~~الشقاء، انهم يستعذبون العذاب فتزول الآلام، ويصير العذاب عذبا كما ~~يستحلي صاحب الجرب من يحكه، هذا ما أدى اليه نظر صاحب المشرب الختمي ~~والمقام الجمعي، حيث ذكر بعد ما نقلناه من مكاشفاته. فافهم نعيم كل دار ~~تستعذبه إنشاء الله. # ألا ترى صدق ما قلناه، النار لا تزال متألمة لما فيها من النقص وعدم ~~الإمتلاء حتى يضع الجبار قدمه فيها كما ورد في الحديث، وهي إحدى تينك ~~القدمين المذكورتين في الكرسي. # والاخرى التي مستقرها الجنة قوله: # وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم # [يونس:2] والاسم " الرب " مع هؤلاء، و " الجبار " مع هؤلاء الآخرين. ~~لأنها دار جلال وجبروت وهيبة، والجنة دار جمال وانس ومنزل إلهي لطيف، ~~وهما بأزاء القبضتين ms0103 المذكورتين في الحديث القدسي: الواحد لأهل النار ولا ~~يبالي، والآخرة لأهل الجنة ولا يبالي، لأن مآلهما الى الرحمة الواسعة. # ولو كان الأمر كما يتوهمه من لا علم له من عدم المبالاة، ما وقع ~~الأمر بالجرائم والحدود، ولا وصف نفسه بغضب، ولا البطش الشديد، فهذا ~~كله من المبالاة والهم بالمأخوذ المحدود، إذ لو لم يكن له قدر ما عذب ~~ولا استعذب، وقد قيل في أهل التقوى: إن الجنة اعدت للمتقين. وقال في ~~أهل الشقاء: # أعد لهم عذابا أليما # [الإنسان:31] فلولا المبالاة ما ظهر هذا الحكم. # فللأمور والأحكام مواطن عرفها أهلها، ولم يتعد بكل حكم موطنه، والعالم ~~لا يزال يتأدب مع الله وبعالمه في كل موطن بما يريد الحق، ومن لا يعلم ~~ليس كذلك، فبالقدمين أغنى وأفقر، وبهما أمات وأحيى، وبهما خلق الزوجين ~~الذكر والأنثى، وبهما أعز وأذل، وأعطى ومنع، وأضر ونفع، ولولاهما ما ~~وقع في العالم شرك، فانهما اشتركتا في الحكم والعالم، فلكل منهما دار ~~يحكم فيها، وأهل يحكم فيهم بما شاء الله من الحكم. # مكاشفة اخرى # [درجات غضبه تعالى] # اعلم أن النعيم والعذاب ثمرة الرضا والغضب، ولكل منهما ثلاث مراتب ~~كما في باقي الصفات. فأول درجات الغضب يقضي بالحرمان وقطع الإمداد العلمي ~~المستلزم لتسلط الجهل والهوى والنفس والشيطان. لكن كل ذلك موقتا إلى ~~أجل معلوم عند الله في الدنيا، إلى النفس التي قبل آخر الانفاس في حق من ~~يختم له بالسعادة الأخروية، كما ثبت في الحديث، سواء كانت سلطنة ما ذكر ~~ظاهرا أو باطنا، أو هما معا. ولا شك في أن كلا من الأمور المذكورة ~~مبادي كمالات دنيوية، ولذات عاجلية لمن في حزبها. والرتبة الثانية تقضي ~~بانسحاب الحكم المذكور باطنا ها هنا، وظاهرا في الآخرة برهة من الزمان ~~الأخروي، أو يتصل الحكم إلى حين دخول جهنم وفتح باب الشفاعة، وآخر مدة ~~الحكم حال ظهور حكم أرحم الراحمين بعد انتفاء حكم شفاعة الشافعين. # والرتبة الثالثة تقتضي التأبيد ودوام حكم التبعيد، كما في قوله (صلى ~~الله عليه وآله): # " ان الله لم ينظر ms0104 الى الأجسام مذ خلقها " # ، وكمال حكم هذا الغضب يظهر يوم القيامة، كما أخبر الرسل عن ذلك قاطبة ~~بقولهم الذي حكاه نبينا (صلى الله عليه وآله) وعليهم: إن الله غضب ~~اليوم غضبا لم يغضب قبله، ولن يغضب بعده مثله. فشهدت بكماله شهادة ~~يستلزم بشارة لو عرفت لم تيأس من رحمة الله، ولو جاز إفشاء ذلك، وكذا سر ~~تردد الناس إلى الأنبياء (عليهم السلام)، وابتهالهم الى نبينا عليه ~~وعليهم السلام، وسر فتح الله باب الشفاعة، وسر وضع الجبار قدمه فيها ~~- يعني في جهنم - فينزوي بعضها الى بعض وتقول قط قط - أي حسبي حسبي - ~~وسر السجدات الأربع، وما يخرج من النار كل دفعة، وما تلك المعاودة، ~~وسر قول مالك خازن جهنم لنبينا (صلى الله عليه وآله) في آخر مرة ~~يأتيه لاخراج آخر من يخرج بشفاعته: يا محمد ما تركت لغضب ربك شيئا، ~~وسر قوله: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم ~~الراحمين، وسر قوله سبحانه لنبيه عند شفاعته في أهل لا إله إلا الله: ~~ليس ذلك لك. # الذي يقول في أثره شفعت الملائكة الحديث، وغير ذلك من الأسرار التي رمزت ~~واجمل ذكرها مما يبهر العقول ويحير الألباب كما قيل: # وما كل معلوم يباح مصونة # وما كل ما املت عيون الظبا يروى # مكاشفة اخرى # [باطن الغضب] # وكل صفة إلهية واسم رباني - كما ان لها مظاهر ولوازم ايجادية - فلها ~~أيضا غايات وحكم مترتبة عليها، وثمرات أخروية تنبعث عنها، فنقول: ~~حكمة الغضب وباطنه الذي ينسحب عليه حكم الرحمة العامة، وتظهر منه ~~الغاية الوجودية في المغضوب عليهم كما قال # باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب # [الحديد:13] أمور ثلاثة: وقاية وتطير وتكميل. # اما النوع الأول: هو الوقاية، فكصاحب الآكلة إذا ظهرت في عضو، وقدر أن ~~يكون الطبيب والده أو صديقه، فإنه مع فرط محبته يبادر لقطع العضو ~~المعتل، لما لم يكن فيه قابلية الصلاح والمعالجة، فستراه يباشر ~~الايذاء الظاهر، وهو شريك المتأذي، ولا مندوحة، لتعذر الجمع بين ~~العافية وترك القطع، لما لم يساعد استعداد ms0105 العضو على ذلك، وكذا في يد من ~~لسعته الحية، والمعاصي بمنزلة الآلام والآفات الحاصلة لباطن الإنسان من ~~لذع حية الهوى وعقارب الشهوات الكامنة، التي ستظهر بصورها الخاصة في ~~نشأة القبر والبرزخ وغيرها، فافهم ذلك، وتذكر: " ما ترددت في شيء أنا ~~فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مسإته ولا بد ~~له من ذلك " والوالد يظهر الغضب لولده رعاية لمصلحة، وهو في ذاته غير ~~غاضب، وإنما يظن الولد والده مغضبا لما يشاهد من الآثار الدالة على ~~الغضب عادة، والأمر بخلافه في نفس الأمر، وإنما ذلك لقصور نظر الولد، ~~قال الله تعالى: # واتقوا النار التي أعدت للكافرين # [آل عمران:131]. # فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة # [البقرة:24]. # ألا ترى أن النار قد يتخذ دواء لبعض الأمراض في الدنيا، فهي وقاية وهو ~~الداء الذي لا يشفى إلا بالكي من النار. # فكما جعل الله النار وقاية في هذا الموطن من داء هو أشد منها في حق ~~المبتلى به فكذلك جعل في الآخرة النار دواء كالكي من داء، وأي داء أكبر ~~من الكبائر، فدفع بدخولهم يوم القيامة داء عظيما أعظم من النار، وهو ~~البعد عن حضرته، كما في الحدود الدنيوية وقاية من عذاب الآخرة. # وأما النوع الثاني، وهو التطهير، فمثاله لو أن ذهبا مزج برصاص ونحاس ~~لمصلحة لا يمكن حصولها إلا بالمجموع ثم إذا انقضى الوقت المراد لأجله هذا ~~الجمع والتركيب، وحصل المطلوب، وقصد تميز الذهب مما مازجه من غير جنسه، ~~لا بد وأن يجعل في النار الشديدة لينفرد الذهب عن غير جنسه، ويظهر كماله ~~الذاتي، ويذهب ما جاوره مما لم يطلب لنفسه وإنما اريد لمعنى فيه يتصل ~~بالذهب، وقد اتصل، كماء الورد، كان أصله ماء فعاد الى أصله لكن بمزيد ~~عطرية وكيفيات مطلوبة. # وهكذا الأمر في الغذاء، توصله الغاذية، وتضمه الى الإنسان، فإذا ~~استخلصت الطبيعة منه المراد، رمت بالثفل إذ لا غرض فيه، وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى: # ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث ~~بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في ~~جهنم ms0106 أولئك هم الخاسرون # [الأنفال:37]. # وقال أيضا في هذا المعنى ببيان أوضح وأتم تفصيلا: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال للذين ~~استجابوا لربهم الحسنى # [الرعد:17 - 18]. الآيات، فتدبر. # ففيها تنبيهات شريفة على أحوال أهل قبضة الغضب وأهل قبضة الرحمة. # وأما النوع الثالث: وهو التكميل وهو الأصل في الغاية وما سبق من التوقي ~~والتطهير كان لأجله، فمشار إليه في تبديل السيئات حسنات. وأنت إذا ~~تدبرت وفتشت حال الموجودات عند شدائدها وآلامها، وانقلاباتها ~~الطبيعية والذاتية، التي بحسب الأسباب الباطنة، لا تجد منها أحدا إلا ~~وقد ولاه الله إلى ما هو خير له مما كان أولا، ووجهه إلى أصله ~~وكماله. # هذا ما اقيم عليه البرهان كما أشرنا من قبل، وحكم به الاستقراء ~~والتجربة والوجدان، وفيه سر الربوبية وأحدية الفعل من حيث الأصل ~~والفاعل والغاية، مع أنه لا مكره ولا مغضب ولا مزاحم ولا راد له ~~تعالى من خارج. # وكان أصل ايجاده للعالم على أكمل وجه اقتضته حكمته ومشيته، فليس في ~~الوجود جهة من الجهات، ولا وجه من الوجوه الوجودية، إلا وهو أصله ~~ومبدأه ومنشأه فافهم وارق، فإنك إن علوت من هذه النمط، استحليت بسر ~~القدر المتحكم في العلم والعالم والمعلوم. ومن رقا فوق ذلك رأى غلط ~~الإضافات الشائعة في الأفعال والأسماء والصفات والأحوال، وإن رقا فوق ~~ذلك، رأى الجمال المطلق الذي لا قبح عنده، ولا شر فيه، ولا غلظ ولا ~~نقص ولا تخويف. # وإن رقا فوق ذلك، رأى الجور والعدل، والظلم والحلم والتعظيم ~~والإهانة، والكتمان والإبانة، والوعد الوعيد، كلها محترقة بنور ~~السبحات الوجهية مستهلكة في عرصة الحضرة الذاتية الأحدية، فإن رقا ~~عن ذلك، سكت فلم يفصح، وعمي فلم ينظر، وذهب فلم يظهر، فإن أعيد ظهر بكل ~~وصف، وكان المعنى المحيط بكل حرف. # فصل # في بيان نبذ من فضائل سورة ms0107 الفاتحة # اعلم أن المقصد الأقصى واللباب الأصفى من إنزال القرآن وتنزيله على ~~أشرف خلق الله (صلى الله عليه وآله) أولا، وعلى أمته الذين هم خير ~~الأمم ثانيا، هو هداية الخلق وإرشادهم وتكميلهم بسياقتهم إلى الله ~~ودار كرامته، على أتم وجه وأشرفه. # وذلك إنما يحصل بتزيين نفوسهم بأنوار الحكمة والمعرفة، وتجريدها عن رق ~~الطبيعة، وأسر قواها الشهوية والغضبية والوهمية، التي هي مداخل ~~الشيطان في باطن الإنسان، وتطهيرها عن أرجاس العنصريات وقاذوراتها، ~~وتخليصها عن مكائد الشياطين وجنودها الداخلية والخارجية. # فالقرآن مشتمل من الحكمة والمعرفة على عظائمها وأصولها، التي عجزت عن ~~دركها أفهام السابقين واللاحقين، ومن الشريعة والطريقة على لطائفها ~~ولبابها، التي خلت عنها زبر المتقدمين والمتأخرين. # ولعمري، إنه كصورة جمعية العالم المخلوق على صورة الرحمن، الدال ~~بهيئته ونظامه، واشتماله على مظاهر الصفات الجمالية من الملائكة ~~وأنوارها ومن ضاهاها، والصفات الجلالية من الأجسام وقواها وما شابهها، ~~على وجود من له الخلق والأمر. # ونسبة سورة الفاتحة الى القرآن كله، كنسبة الإنسان - وهو العالم ~~الصغير - إلى العالم - وهو الإنسان الكبير-. # وكما أن الإنسان الكامل كتاب وجيز ونسخة منتخبة، يوجد فيه كل ما ~~في الكتاب الكبير الجامع الذي لا رطب ولا يابس إلا ويوجد فيه، ولا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. كما قيل: # من كل أمر لبه ولطيفه # مستودع في هذه المجموعة # فكذلك فاتحة الكتاب، مع قصرها ووجازتها، توجد فيها مجامع مقاصد ~~القرآن، وأسرارها وأنوارها، وليس لغيرها من سائر السور القرآنية هذه ~~الجامعية، كما ليس لواحد من صور أجزاء العالم ما للإنسان من صورة ~~الجمعية الإلهية على ما قيل: # ليس من الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد # والعارف المحقق، يفهم من هذه السورة الواحدة جميع المعارف والعلوم ~~الكلية المنتشرة في آيات القرآن وسوره، كما وقع التنبه عليه، ومن لم ~~يفهم هذه السورة على وجه يستنبط منها عمدة أسرار العلوم الإلهية ~~والمعالم الربانية؛ من أحوال المبدعو المعاد، وعلم النفس وما بعدها ~~وما فوقها، الذي هو مفتاح سائر العلوم كلها، فليس هو بعالم رباني، ~~ولا مهتد ms0108 بتفسيرها على وجهه. # ولو لم تكن هذه السورة مشتملة كما قلنا على أسرار المبدء والمعاد، وعلم ~~سلوك الإنسان إلى ربه، لما وردت الأخبار على فضلها، وأنها تعادل كل ~~القرآن، إذ لا مرتبة ولا فضيلة لشيء بالحقيقة إلا بسبب اشتماله على ~~الأمور الإلهية وأحوالها كما مر مرارا. # ولو أن إنسانا أراد أن يعلم ان أي الأشياء هو أفضل ما به يتقرب ~~العبد الى الله تعالى، وأيها اكسير السعادة الأخروية التي يجعل حديد ~~قلب الإنسان ذهبا خالصا وإبريزا صافيا يليق أن تتختم به يد الملك ~~ويختم به خزائنه الشريفة، فليتأمل وليذعن ان ذلك يجب أن يكون من الأمور ~~التي أنزلها الله على قلب بشر، ويجب أن يكون ذلك الشيء من قبيل ما يوجد ~~في كتب الأنبياء سلام الله عليهم وخزائن أسرارهم، والذي أفاض على قلوبهم ~~من العلوم والمعارف. # ولا بد أن يكون النبي الذي أوحى الله إليه بهذا الأمر الذي هو أشرف ما ~~يستكمل به جوهر الإنسان، هو أشرف الأنبياء وأفضلهم وخاتمهم عليه وآله ~~أفضل التحيات وأنور التحميدات. # ولا بد أن يكون المكان والزمان الذي وقع الايحاء والتكليم والهداية ~~له (صلى الله عليه وآله) بهذا أعلى الأمكنة، وأسعد الأزمنة، فلا بد أن ~~يكون ذلك الإنعام عليه عند عروجه إليه تعالى ليلة المعراج، والذي نزل ~~ليلة المعراج على النبي (صلى الله عليه وآله) من السور والآيات، كان ~~هذه السورة وخواتيم سورة البقرة. # فهذا مما دل على أن أفضل السور سورة الفاتحة، وأفضل الآيات خواتيم ~~سورة البقرة، ولهذا لا بد وأن يكون كلا منهما مشتملا على غاية الكمال ~~الإنساني. # وسبب ذلك، أن سعادة الدارين، إنما تتم بدعوة الخلق من قبله تعالى ~~بواسطة متوسط مؤيد شريف مطاع أمين كما قال تعالى: # ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين # [التكوير:20- 21]. ولكل مؤيد مطاع في الروحانيات مطاع في الجسمانيات، ~~بل المطاع في الروحانيات ثمرة المطاع في الجسمانيات، فإن الدنيا ~~بحذافيرها مظاهر وفروع لما في الروحانيات، لأن نسبة عالم الغيب إلى ~~عالم الشهادة نسبة الأصل إلى الفرع، ms0109 ونسبة النور الى الظل، فكل شاهد ~~فله في الغائب أصل، وإلا لكان كسراب زايل وخيال باطل، وكل غائب فله في ~~الشاهد مثال، وإلا لكان الشاهد كشجرة بلا ثمرة، ودليل بلا مدلول، ~~فالمطاع ها هنا صورة المطاع هناك، والمطاع في عالم الأرواح هو ~~المصدر، والمطاع في عالم الأجسام هو المظهر، وبينهما ملاقاة واتصال، ~~وبهما تتم سعادة الدارين، لأنهما يدعوان الى الله بالرسالة. # وحاصل الدعوة والرسالة أمور سبعة تشتمل عليها خواتيم سورة البقرة، منها ~~أربعة متعلقة بأسرار المبدء وهي: معرفة الربوبية وعلم المفارقات من ~~الحكمة الإلهية، أعني معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله: # آمن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة:285]. # ومنها ما يتعلق بالوسط وهو إثنان: أحدهما معرفة العبودية: # وقالوا سمعنا وأطعنا # [البقرة:285]. والثاني كمال العبودية، وهو الإلتجاء الى الله تعالى ~~وطلب المغفرة منه: # غفرانك ربنا # [البقرة:285]، وواحد يتعلق بالمعاد، وهو الذهاب الى الملك الجواد: # وإليك المصير # [البقرة:285] فكذلك تشتمل هذه السورة على هذه الأمور السبعة: # فقوله: { بسم الله الرحمن الرحيم } ، مشتمل على توحيد الذات ~~والصفات. # وقوله: { الحمد لله رب العالمين } ، فيه توحيد الأفعال ~~وهي قسمان: عالم الأمر، وفيه الملائكة المقربون، وعالم الخلق، وأصله ~~وصفوته الأنبياء والمرسلون ومن يتلوهم. # وقوله: { الحمد لله } ، إشارة إلى عالم التحميد والتقديس ~~والتسبيح، وفيه الملائكة المسبحون بحمده تعالى. # وقوله: { رب العالمين } ، إشارة الى كمل أهل العلم والعرفان، ~~وهم الأنبياء والأولياء ومن يتلوهم. # وقوله: { الرحمن الرحيم } ، أي رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، ~~فيه إشارة الى أهل الرحمة الإلهية في كلا العالمين، وهم الملائكة ~~والرسل. # وقوله: { ملك يوم الدين } ، إشارة الى حقيقة المعاد، ورجوع ~~الكل إليه تعالى، لأنه غاية الغايات. # وقوله: { إياك نعبد وإياك نستعين } ، إشارة الى كيفية ~~العبودية بتهذيب الأخلاق وتصفية الباطن، وإلى طلب الالتجاء الى الله، وهي ~~حالة الإنسان فيما بين البداية والنهاية. # وقوله: { اهدنا الصراط المستقيم } ، إشارة الى العلم بكلمات ~~الله وآياته. # وقوله: { صراط الذين أنعمت عليهم } ، إلى آخر السورة، ~~إشارة الى القرآن المجيد ms0110 الذي هو أشرف الكتب السماوية، وهي الألواح ~~النفسية النازلة على الأنبياء السابقين، لأن الجوهر النفسي العقلي من ~~النبي (صلى الله عليه وآله) الذي هو جوهر النبوة، كلمة إلهية بوجه، ~~وكتاب مبين فيه آيات الحكمة والمعرفة بوجه، هو بعينه صراط الله العزيز ~~الحميد، إذ لا يمكن وصول العبد الى الله إلا بعد الوصول الى معرفة ذاته، ~~وكذا من ينوب عنه (ع)، كما دل عليه الحروف المقطعات القرآنية: " علي ~~صراط حق نمسكه ". # وتنبعث من هذه المراتب سبع مقامات في المكالمة الحقيقية مع الله ~~بالدعاء: # أولها: الذكر: # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا # [البقرة:286]. فضد النسيان وهو الذكر، # واذكر ربك إذا نسيت # [الكهف:24]. وهذا الذكر إنما يحصل بقوله: { بسم الله الرحمن ~~الرحيم }. # وثانيها: # ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا # [البقرة:286]، ورفع الإصر والمشقة في الحمل يوجب الحمد: { الحمد ~~لله رب العالمين }. # وثالثها: # ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به # [البقرة:286]، وذلك إشارة الى كمال رحمته: { الرحمن الرحيم }. # ورابعها: # واعف عنا # [البقرة:286] لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة يوم الآخرة: { ملك ~~يوم الدين }. # وخامسها: # واغفر لنا # [البقرة:286]، لأنا التجأنا بكليتنا إليك، وتوكلنا في جميع الأمور ~~عليك: { إياك نعبد وإياك نستعين }. # وسادسها: # وارحمنآ # [البقرة:286]، لأنا طلبنا الهداية منك { اهدنا الصراط ~~المستقيم }. # وسابعها: # أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين # [البقرة:286]، { صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضآلين }. # فهذه المراتب ذكرها محمد (صلى الله عليه وآله) في عالم الأرواح عند ~~صعوده إلى المعراج، فلما نزل من المعراج الجسماني السماوي، فاض أثر ~~المصدر على المظهر، فوقع التعبير عنها بالمكالمة الصورية في عالم السماء ~~الدنيا بينهما بسورة الفاتحة، فمن قرأها في صلاته، صعدت هذه الانوار من ~~المظهر إلى المصدر، كما نزلت في عهد محمد (عليه وآله السلام) من ~~المصدر الى المظهر، ولهذا السبب قال صلوات الله عليه وآله: # " الصلاة معراج المؤمن ". # وأما الاخبار الدالة على فضلها فكثيرة. منها ما روي مسندا الى أبي بن ~~كعب قال: قال رسول الله (صلى الله ms0111 عليه وآله): # " أيما مسلم قرء فاتحة الكتاب، أعطي من الأجر كأنما قرء ثلثي ~~القرآن. وفي رواية: كأنما قرء القرآن ". # وروي عنه بسند آخر قال: قرأت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~فاتحة الكتاب، فقال: # " والذي نفسي بيده، ما أنزل الله في التوراة والإنجيل ولا في الزبور ولا ~~في القرآن مثلها. هي أم الكتاب. وهي السبع المثاني. وهي مقسومة بين ~~الله وبين عبده ولعبده ما سأل ". # وفي كتاب محمد بن مسعود العياشي، باسناده عن النبي (عليه وآله السلام) ~~قال لجابر بن عبد الله: # " يا جابر، ألا اعلمك بفضل سورة أنزلها الله في كتابه؟ قال: فقال له ~~جابر: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله، علمنيها، قال: فعلمه الحمد، ~~أم الكتاب، ثم قال: يا جبر، ألا أخبرك عنها؟ قال: بلى بأبي أنت ~~وأمي، فأخبرني. فقال: هي شفاء من كل داء إلا السام " # ، والسام الموت. # وعن جعفر الصادق (عليه السلام) قال: من لم يبرأه الحمد لم يبرأه شيء. # وروي عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): # " إن الله عز وجل قال: يا محمد، { ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني والقرآن العظيم }. فأفرد الامتنان علي بفاتحة الكتاب، ~~وجعلها بإزاء القرآن " # وإن فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش، وإن الله خص محمدا ~~وشرفه بها، ولم يشرك فيها أحدا من أنبيائه، ما خلا سليمان (عليه ~~السلام)، فإنه أعطاه منها: { بسم الله الرحمن الرحيم } ، ألا ~~ترى يحكى عن بلقيس حين قالت: # إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم # [النمل:29 - 30]. ألا فمن قرأها معتقدا لموالاة محمد وآله، منقادا ~~لأمرها، مؤمنا بظاهرها وباطنها، أعطاه الله بكل حرف منها حسنة، كل ~~واحد منها أفضل له من الدنيا بما فيها، ومن استمع الى قارئ يقرأها كان ~~له قدر ثلث ما للقاري، فليستكثر أحدكم من هذا الخير المعرض له، فإنه ~~غنيمة لا يذهبن أوانه فيبقى في قلوبكم الحسرة. # وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أن النبي (صلى الله ms0112 عليه وآله) ~~قال: إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا، فيقرأ صبي من ~~صبيانهم في الكتاب: الحمد لله رب العالمين فيسمعه الله تعالى، فيرفع ~~عنهم العذاب أربعين سنة. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينا نحن عند رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله)، إذ أتاه ملك فقال: ابشر بنورين اوتيتهما، لم يؤتهما ~~نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن يقرأ [أحد] حرفا ~~منها إلا اعطيته (ما يتضمنه - ن). # أقول: وفي طي هذه الأخبار - سيما هذا الأخير - إشارات علمية، ~~وتعريفات سرية، ورموز معنوية، وتنبيهات عرفانية على جوامع الكمالات ~~العقلية، والمعارج الإلهية المندرجة في هذه السورة، لا يعرف قدرها، ~~ولا يفهم غورها إلا الراسخون في العلم والدين، والسالكون طرق الكشف ~~واليقين. لا المتشبثون بذيل العبارات، والمترددون كالخفافيش في ظلمات ~~هذه الاستعارات. # تتمة استبصارية # [جامعية السورة لأهم المعارف] # ومن فضائل هذه السورة، إنها جامعة لكل ما يفتقر إليه الإنسان في ~~معرفة المبدء والوسط والمعاد: # الحمد لله: إشارة الى إثبات الصانع المختار العليم الحكيم، المستحق ~~للحمد والتعظيم. # رب العالمين: يدل ان ذلك الإله واحد، وان كل العالمين ملكه، ~~وليس في العالم إله سواه ولهذا جاء في القرآن الاستدلال بخلق الخلائق ~~كثيرا: # قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت # [البقرة:258]. # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء:78]. # ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه:50]. # ربكم ورب آبآئكم الأولين # [الشعراء:26]. # اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم # [البقرة:21] # اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق # [العلق:1 - 2]. # وهذه الحالة، كما انها في نفسها دليل على وجود الرب، فكذلك هي في ~~نفسها إنعام عظيم، وذلك لأن تولد الأعضاء المختلفة الطبائع والصور ~~من النطفة المتشابهة الأجزاء، لا يمكن، إلا إذا قصد الخالق ايجاد تلك ~~الأجزاء على تلك الصور والطبائع، وكل منها مطابق للمطلوب، موافق ~~للغرض، كما يشهد به علم تشريح الأبدان، فلا أحق بالحمد والثناء من هذا ~~المنعم المنان الكريم، الرحمن الرحيم، الي شمل إحسانه وعم امتنانه ~~قبل الموت وبعد الموت. # مالك يوم الدين: يدل ms0113 على أن من لوازم حكمته ورحمته، أن يقدر بعد ~~هذا اليوم يوما آخر يظهر فيه تمييز المحسن من المسيء، وانتقام ~~المظلوم من الظالم، وها هنا تمت معرفة الربوبية. # ثم من قوله: { إياك نعبد } ، اشارة الى الأمور التي لا بد من ~~معرفتها في تقرير العبودية وهي نوعان: والآثار المتفرعة على الأعمال، ~~كالأحوال، ثم الأعمال لها ركنان، أحدهما: الإتيان بالعبادة وهو قوله: { ~~إياك نعبد } ، والثاني: علمه بأنه لا يمكنه ذلك إلا بإعانة الله، ~~وهو قوله: { وإياك نستعين }. # وأما الآثار والأحوال المتفرعة على الأعمال، فهي حصول الهداية، ~~والتحلي بالأخلاق الفاضلة المتوسطة بين الطرفين، المستقيمة بين ~~المنحرفين { اهدنا الصراط المستقيم } إلى آخره. # وفي قوله: { صراط الذين أنعمت عليهم } ، دليل على أن ~~الاستضاءة بأنوار أرباب الكمال وأهل الحق، خلة محمودة، وشيمة ~~مرضية: هم القوم لا يشقى جليسهم. # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران:31]. # وفي قوله: { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } ، إشارة الى ~~أن التجنب عن مرافقة أصحاب البدع والأهواء أمر واجب. شعر: # الجمر يوضع في الرماد فيخمده # فكل قرين بالمقارن يقتدي # فصل # في نظم هذه السورة وترتيبها # إن العاقل الفهم المميز، لما نظر في وجودات هذا العالم، علم ~~بالمشاهدة والقياس افتقار بعضها إلى بعض، تحقق وتيقن أنها في سلسلة ~~الحاجة منتهية الى موجود قديم قادر يفعل الخيرات كلها، ويرحم على ~~خلقه في الآخرة والأولى، فابتدء بآية التسمية تبركا واستفتاحا باسمه، ~~واعترافا بآلهيته، واسترواحا الى ذكر فضله ورحمته وكرمه ورأفته. # ولما كان الاعتراف بالحق، والعلم بالله الفرد الأحد الذي هو مبدء ~~الخيرات كلها، وفاتح المهمات جلها، نعمة جليلة، اشتغل بالشكر له والحمد ~~فقال: الحمد لله، ولما رأى سراية نور التوحيد ونفوذ رحمة الوجود على ~~غيره واضحة بنور الحجة والبرهان، كما شاهد آثارها على نفسه لائحة ~~بقوة الكشف والعيان؛ عرف انه رب الخلائق أجمعين فقال: رب ~~العالمين. # ثم لما رأى شمول فضله للمربوبين ثابتا بعد إفاضة أصل الوجود عليهم، ~~وعموم رزقه للمرزوقين حاصلا بعد إكمال الصورة في أطوار الخلقة لهم، قال: ~~الرحمن # فلما ms0114 رأى تفريطهم في حقه وواجب شكره، وتقصيرهم في عبادته والانزجار عند ~~زجره، واجتناب نهيه، وامتثال أمره، وأنه تعالى يتجاوز بالغفران، ولا ~~يؤاخذهم عاجلا بالعصيان، ولا يسلبهم نعمه بالكفران، قال: الرحيم. # ولما رأى ما بين العباد من التباغي والتظالم، والتكالم والتلاكم، وأن ~~ليس بعضهم من شر بعضهم بسالم، علم أن وراءهم يوما ينتصف فيه ~~للمظلوم من الظالم فقال: { مالك يوم الدين }. # وإذا عرف هذه الجملة، فقد علم أن له خالقا رازقا رحيما، يحيي ويميت، ~~ويبدئ ويعيد وهو الحي الذي لا يموت، والإله الذي لا يستحق العبادة سواه ~~والمستعان الذي لا يستعين بغيره من عرفه ووالاه، وعلم أن الموصوف بهذه ~~الأوصاف كالمدرك بالعيان والمشهود بالبرهان، تحول عن لفظ الغيبة الى ~~لفظ الخطاب فقال: اياك نعبد. # ولما رأى اعتراض الأهواء والشبهات، وتعاور الآراء المختلفات، ولم يجد ~~معينا غير الله، سأله الإعانة على الطاعات بجمع الأسباب لها والوصلات ~~فقال: اياك نستعين. ولما عرف هذه الجملة، وتبين أنه بلغ في معرفة ~~الحق المدى، واستقام على منهج الهدى، ولا يأمن العثرة لارتفاع ~~العصمة، سأل الله تعالى التوفيق للدوام عليه، والثبات والعصمة من ~~الزلات فقال: { اهدنا الصراط المستقيم }. وهذا لفظ جامع كما ~~علمت، مشتمل على مجامع أسباب التوفيق والتسديد، ولطائف نعم الله في حق ~~من يختاره للنهاية ويريد، وأوجب الله طاعتهم بعد طاعته من الأئمة الهادين ~~والأولياء المرضيين. # وإذا علم ذلك، علم أن لله عبادا خصهم بنعمته، واصطفاهم على بريته ~~وجعلهم حججا على عباده، ومنارا في بلاده، فسأله أن يلحقه بهم ويسلم به ~~سبيلهم فقال: صراط الذين انعمت عليهم. # وسأله أيضا أن يعصمه عن مثل أحوال الذين زلت أقدامهم فضلوا، وعدلت ~~أفهامهم فأضلوا، ممن عاند الحق وعمي عن طريق الرشد وخالف سبيل ~~القصد، فغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا أليما وخزيا مقيما. # إذ قد شك في واضح الدليل فضل عن سواء السبيل، فقال: { غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين }. # منهج آخر # في نظم فاتحة الكتاب # وهو إن للإنسان أياما ثلاثة: # الأمس: والبحث عنه يسمى بمعرفة المبدء واليوم ms0115 الحاضر: والبحث عنه يسمى ~~بالوسيط والغد: والبحث عنه يسمى بعلم المعاد. والقرآن مشتمل على رعاية ~~هذه المراتب وتعليم هذه المعارف الثلاثة التي كمال النفس الإنسانية منوط ~~بمعرفتها، ونفس الأعمال البدنية إنما تراد لأجلها، لأن غايتها تصفية ~~مرآة القلب عن الغواشي البدنية، والظلمات الدنيوية، لأن يستعد لحصول ~~هذه الأنوار العقلية، وإلا فنفس هذه الأعمال الحسنة ليس إلا من باب ~~الحركات والمتاعب، ونفس التصفية المترتبة عليها ليست إلا أمرا عدميا ~~لو لم يكن معها استنارة صفحة القلب بأنوار الهداية، وتصورها بصورة ~~المطالب الحقة الإلهية، والقرآن متضمن لها وهي العمدة الوثقى فيه لما ~~ذكرنا. # ولما كانت هذه السورة مع وجازتها متضمنة لمعظم ما في الكتب الإلهية من ~~المسائل الحقة، والمقاصد اليقينية المتعلقة بتكميل الإنسان، وسياقته ~~إلى جوار الرحمن، فلا بد أن يتحقق فيها جميع ما يحتاج اليه الإنسان ~~منها، فنقول هي هكذا. # أما اشتمالها على علم المبدء، فقوله تعالى: { الحمد لله رب ~~العالمين } ، إشارة الى العلم بوجود الحق الأول، وأنه مبدأ سلسلة ~~الموجودات، وموجد كل العوالم والمخلوقات. # وقوله: { الرحمن الرحيم } إشارة إلى العلم بصفاته الجلالية ~~وأسمائه الحسنى. # وقوله: { مالك يوم الدين } هو إثبات كونه سببا غائيا للمخلوقات ~~كلها، كما انه سبب فاعلي لها جميعا، ليدل على أن فاعليته على ~~غاية الحكمة والتمام، ورعاية المصلحة للأنام. # وأما اشتمالها على علم الوسط فلأن قوله: { اياك نعبد واياك ~~نستعين } ، إشارة الى الأعمال والأحوال التي يجب أن يكون الإنسان ~~عاملا بها ومديما عليها، ما دام كونه في هذه الحياة الدنيا. وهي قسمان: ~~بدنية وقلبية. فالبدني: تهذيب الظاهر عن النجاسة، وتزيينه بالعبادة، ~~كالصلاة والصيام وغيرها. # والقلبي: تهذيب الباطن عن الغشاوات وخبائث الملكات، بإعانة الله ~~وتوفيقه، لتستعد نفسه بذلك لأن تتنور بأنوار المعارف الإلهية، وتستكمل ~~بالحقائق الربانية، ليتقرب بذلك الى الله ويحشر الى دار كرامته كما دل ~~عليه قوله تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم } ، أي علمنا ~~طريق الوصول إليك. # وأما اشتمالها على علم المعاد، وهو العلم بأحوال النفس الإنسانية ~~الكاملة في العلم والعمل، المبرأة عن آفة الجهل ونقص العصيان، فقوله: ms0116 { ~~صراط الذين انعمت عليهم } إلى آخراها؛ إشارة الى علم النفس، ~~وهي صراط الله العزيز الحميد، وباب الله المؤتى منه الى الحق، فبالنفس ~~الإنسانية العالمة العاملة المهتدية بنور الله، يساق الخلق الى ~~الحق، ويدخل الخلائق كلهم في طريق العود من هذا الباب الى الخالق، فإن ~~الوجود في صورة دائرة انعطف آخرها على أولها، فكما أن الوجود في ~~الابتداء كان أولا العقل، ثم النفس الكلية، ثم الطبيعة الكلية، ثم ~~الأبعاد والأجرام كلها، ففي الإنتهاء كان أولا جمادا، ثم نباتا، ثم ~~حيوانا، ثم إنسانا، وله مراتب باطنية، كان أولا في مقام الطبيعة ~~والنفس الكلية، ثم الطبيعة الكلية، ثم الأبعاد والأجرام كلها، ففي ~~الإنتهاء كان أولا جمادا، ثم نباتا، ثم حيوانا، ثم إنسانا، وله ~~مراتب باطنية، كان أولا في مقام الطبيعة والنفس، ثم في مقام القلب ~~والعقل، ثم في مقام الروح والسر، وإذا بلغ الى هذا المقام، اتصل بغاية ~~الكمال والتمام. # تذييل # ثم إن لهذه الكريمة نكات ووجوها أخرى من التأويل كثيرة، مذكور بعضها ~~في التفاسير المعتبرة لأهل العلم والتحصيل، كالكبير والنيسابوري وغيرهما، ~~اخترت منها وجوها ثلاثة فأردت ايرادها هاهنا تكميلا للكتاب، وتكثيرا ~~للفوائد في هذا الباب. # الوجه الاول # إن آيات الفاتحة سبع، وأعمال الصلاة المحسوسة الواجبة بالإتفاق سبعة، ~~إذ النية فعل القلب وليس بمحسوس، ومراتب خلقة الإنسان وأطوارها سبع، ~~كما قال تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة ~~علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ~~آخر فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون:12 - 14]. # وكذلك مراتب جوهر باطنه وأطواره سبع وهي الطبع والنفس والقلب ~~والروح والسرو والخفي والأخفى، فنور آيات الفاتحة يسري من ألفاظها ~~المسموعة الى الأعمال السبعة المحسوسة، ومنها الى هذه المراتب الخلقية، ~~ومن معانيها الى النيات المتعلقة بتلك الأعمال، ومنها الى هذه المراتب ~~الباطنية الأمرية، فيحصل للقلب أنوار روحانية ثم ينعكس منه الى ظاهر ~~المؤمن: من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. # الوجه الثاني # كان لرسول الله (صلى ms0117 الله عليه وآله) معراجان من المسجد الحرام الى ~~المسجد الأقصى، ثم من المسجد الأقصى الى ملكوت السماء، هذا في عالم ~~الحس، وأما في عالم الروح، فمن الشهادة الى الغيب، ثم من الغيب الى ~~غيب الغيب، هذا بمنزلة قوسين متلاصقين. فتخطاهما محمد (صلى الله عليه ~~وآله)، فكان قاب قوسين، وقوله: او ادنى، إشارة الى فنائه في ~~نفسه. # والمراد بعالم الشهادة، كل ما يتعلق بالجسم والجسمانيات. # وبعالم الأرواح، ما فوق ذلك من الأرواح السفلية، ثم المتعلقة بسماء ~~سماء إلى الملائكة الحافين من حول العرش، ثم الى حملة العرش من عند ~~الله الذين طعامهم وشرابهم محبته تعالى، وانسهم بالثناء عليه، ولذتهم ~~في خدمته، لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون. # وهكذا يتصاعد إلى نور الأنوار وروح الأرواح، ولا يعلم تفاصيلها إلا الله ~~أو من ارتضاه. # والمقصود؛ أن نبينا (صلى الله عليه وآله)، لما عرج وأراد أن يرجع، ~~قال رب العزة: المسافر إذا عاد إلى وطنه أتحف أصحابه. وإن تحفة ~~أمتك الصلاة الجامعة بين المعراجين: الجسماني بالأفعال، والروحاني ~~بالأذكار والنيات. # فليكن المصلي ثوبه طاهرا وبدنه طاهرا، لأنه بالواد المقدس طوى، ~~ويصفي النفس عن الكدورات الشيطانية، والهواجس البشرية، لأنه بين يدي ~~الله. # والصلاة هي التعبد للمعبود الأعظم، والتعبد هو عرفان الحق الأول ~~بالسر الصافي والقلب النقي. # وأيضا، عنده ملك وشيطان ودين وعقل وهوى، وخير وشر وصدق ~~وكذب، وحق وباطل، وقناعة، وحرص وحلم وطيش، وسائر الأخلاق ~~المتضادة والصفات المتنافية، فلينظر أيها يختار، فإنه إذا استحكم ~~المرافقة تعذرت المفارقة، قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين # [التوبة:119]. # ثم إذا تطهر وتجرد، فليرفع يديه إشارة الى توديع الدنيا والآخرة، ~~وليوجه قلبه وروحه وسره الى الله تعالى، ثم ليقل: الله أكبر، أي ~~من كل الموجودات، بل هو أكبر من أن يقاس إليه غيره. # وقل: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا، ~~فقولك: وجهت وجهي؛ هو معراج الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام. ~~كما ان قولك: سبحانك اللهم وبحمدك، معراج الملائكة حيث قالوا: ms0118 ~~نحن نسبح بحمدك ونقدس لك، وقولك: ان صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، معراج الحبيب ~~محمد (صلى الله عليه وآله). # فقد جمع المصلي بين معراج الملائكة المقربين، ومعراج عظماء الأنبياء ~~المرسلين. # ثم إذا فرغت من هذه الحالة فقل: اعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ~~حذرا عن مكره وإغوائه، ودفعا لإعجابك عن نفسك، وفي هذا المقام يفتح ~~لك أحد أبواب الجنة وهو باب المعرفة. # وبقولك: { بسم الله الرحمن الرحيم } ، يفتح باب الذكر. # وبقولك: { الحمد لله رب العالمين } ، يفتح باب الشكر. # وبقولك: { الرحمن الرحيم } ، يفتح باب الرجاء. # وبقولك: { مالك يوم الدين } ، يفتح باب الخوف. # وبقولك: { اياك نعبد واياك نستعين } ، يفتح باب الإخلاص المتولد ~~من معرفة العبودية. # وبقولك: { اهدنا الصراط المستقيم } ، يفتح باب الدعاء والتضرع، ~~ادعوني استجب لكم. # وبقولك: { صراط الذين أنعمت عليهم } إلى آخره، يفتح باب ~~الإقتداء بالأرواح الطيبة، والإهتداء بأنوارهم. # فجنات المعارف الربانية انفتحت لك أبوابها الثمانية بهذه المقاليد ~~الروحانية، فهذا بيان المعراج الروحاني في الصلاة. # وأما الجسماني، فأولى المراتب أن يقوم بين يدي الله كقيام أصحاب ~~الكهف: # إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض # [الكهف:14]، بل قيام أهل القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين. # ثم اقرء: سبحانك اللهم وبحمدك، ثم وجهت وجهي، ثم الفاتحة، وبعدها ~~ما تيسر لك من القرآن، واجتهد في أن تنظر من الله إلى عبادتك، حتى ~~تستحقرها، واياك وأن تنظر من عبادتك الى الله، فإنك إن فعلت ذلك صرت ~~من الهالكين، وهذا سر قوله: { اياك نعبد واياك نستعين } ، ~~كما ذكر. # واعلم أن نفسك إلى الآن جارية مجرى خشبة عرضتها على نار خوف الجلال، ~~فلانت، فاجعلها منحنية بالركوع، ثم اتركها لتستقيم مرة أخرى، فإن ~~هذا الدين متين فأوغل فيه بالرفق، فلا تبغض طاعة الله الى نفسك، ~~فان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. # فإذا عادت الى استقامتها فانحدر الى الأرض بغاية التواضع، واذكر ربك ~~بغاية العلو وقل: سبحان ربي الأعلى، فإذا سجدت ثانية فقد حصل ثلاثة ~~أنواع من الطاعة، ركوع واحد، وسجدتان، فبالركوع تنجو من عقبة الشهوات. ms0119 # وبالسجود الأول من عقبة الغضب الذي هو رئيس المؤذيات. # وبالسجود الثاني تنجو من عقبة الهوى الداعي الى كل المضلات، فإذا ~~تجاوزت عن هذه الدركات وصلت الى الدرجات العاليات، وملكت الباقيات ~~الصالحات، وانتهيت الى عتبة باب الجلال والإكرام، مدبر عالمي النور ~~والظلام، فقل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ لتتم لك بهذه ~~الشهادة معرفة المبدأ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، لتتم لك معرفة ~~المعاد، وليصعد إليه نور روحك، وينزل اليك روح محمد (صلى الله عليه ~~وآله)، فيتلاقى الروحان، ويحصل هناك الروح والريحان، فقل: السلام ~~عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فعند ذلك يقول محمد (صلى ~~الله عليه وآله): السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. # ثم إذا ذكرت الله في صلاتك بهذه الأثنية والمحامد، ذكر الله اياك ~~في محافل الملائكة كما قال .....................: من ذكرني في ملاء ذكرته في ~~ملاء خير من ملائه. # وإذا سمع الملائكة ذلك اشتاقوا الى العبد، فقال الله: إن الملائكة ~~اشتاقوا الى زيارتك، وقد جاؤوك زائرين، فابدأ بالسلام عليهم لتكون من ~~السابقين، فقل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كلام أهل الجنة ~~الذين تحيتهم فيها سلام، فلا جرم إذا دخل المصلون الجنة { ~~يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ~~فنعم عقبى الدار }. # الوجه الثالث # إن آيات الفاتحة سبع، والأعمال المحسوسة في الصلاة غير القراءة ~~والأذكار سبعة: القيام، والركوع، والانتصاب منه، والسجود الأول، ~~والانتصاب منه، والسجود الثاني، والقعدة. # فهذه الأعمال كالشخص، والفاتحة لها كالروح، وإنما يحصل الكمال والحياة ~~عند اتصال الروح بالجسد. فقوله: { بسم الله الرحمن الرحيم } ، ~~بإزاء القيام، ألا ترى أن الباء في بسم الله، لما اتصل باسم الله ~~حصل قائما مرتفعا. # وأيضا، التسمية لبداية الأمور، كل امر ذي بال يبدأ فيه باسم الله ~~فهو أبتر والقيام أيضا أول الأعمال. # وقوله: { الحمد لله رب العالمين } ، بإزاء الركوع، لأن الحمد في ~~مقام التوحيد نظرا إلى الحق وإلى الخلق، والمنعم والنعمة. لأنه ~~الثناء على الله بسبب الإنعام الصادر منه إلى العبد، فهو حالة متوسطة ~~بين الإعراض ms0120 والإستغراق، كما ان الركوع حالة متوسطة ين القيام ~~والسجود، وأيضا ذكر النعمة الكثيرة مما يثقل الظهر فينحني. # وقوله: الرحمن الرحيم، مناسب للانتصاب، لأن العبد لما تضرع الى ~~الله بالركوع، فاللائق برحمته أن يرده الى الانتصاب، ولهذا قال (صلى ~~الله عليه وآله): إذا قال العبد: " سمع الله لمن حمده " نظر إليه ~~بالرحمة. # وقوله: مالك يوم الدين مناسب للسجدة الأولى، لدلالته على كمال القهر ~~والجلال والكبرياء، وذلك يوجب الخوف الشديد المستتبع لغاية الخضوع. # وقوله: { اياك نعبد واياك نستعين } ، مناسب للقعدة بين السجدتين، ~~لأن إياك نعبد إخبار عن السجدة التي تقدمت، وإياك نستعين، إستعانة ~~بالله في أن يوفقه للسجدة الثانية. # وقوله: { اهدنا الصراط المستقيم } ، سؤال لأهم الأشياء، فتليق ~~به السجدة الثانية لتدل على نهاية الخضوع. # وقوله: { صراط الذين انعمت عليهم } إلى آخره، مناسب ~~للقعود، لأن العبد لما أتى بغاية التواضع، قابله الله بالإكرام ~~والقعود بين يديه، وحينئذ يقرأ ما قرأه محمد (صلى الله عليه وآله) في ~~معراجه، فالصلاة معراج المؤمن. # وجه رابع # إن المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها ثلاثة: الشهوة والغضب ~~والهوى والشهوة بهيمة والغضب سبع والهوى شيطان، فالشهوة آفة عظيمة، ~~لكن الغضب أعظم منها. والغضب آفة عظيمة، لكن الهوى أعظم منه، قال سبحانه: # وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي # [النحل:90]. # الفحشاء: الشهوة والمنكر: الغضب والبغي: الهوى. وبهذه الثلاثة وقع ~~المسخ في أمة موسى (عليه السلام): # وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ~~أولئك شر مكانا # [المائدة:60]. # فبالشهوة يصير الإنسان ظالما لنفسه، وبالغضب ظالما لغيره، وبالهوى ~~[ظالما] لربه، ولهذا قال (صلى الله عليه وآله): # " الظلم ثلاثة ظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم عسى الله أن يتركه ~~". # فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك بالله: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان:12]. والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضا. والظلم ~~الذي عسى الله أن يتركه، هو ظلم الإنسان نفسه. # ونتيجة الشهوة الحرص والبخل، ونتيجة الغضب العجب والكبر، ونتيجة الهوى ~~الكفر والبدعة، ويحصل من اجتماع هذه الستة في بني آدم خصلة سابعة، ~~هي العدوان المستلزم للبعد ms0121 عن رحمة الله، أي الاحتجاب عنه، وهي نهاية ~~الأخلاق الذميمة، كما ان الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومين. # فإذا تقرر هذا نقول: الأسماء الثلاثة في التسمية دافعة للأخلاق ~~الثلاثة الأصلية، والآيات السبع التي هي الفاتحة دافعة للأخلاق السبعة. # بيان ذلك: ان من عرف الله تباعد عنه شيطان الهوى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية:23]. يا موسى، خالف هواك فإني ما خلقت خلقا نازعني في ~~ملكي إلا هواك. # ومن عرف انه رحمن لم يغضب، لأن منشأ الغضب طلب الولاية والولاية ~~للرحمن: # الملك يومئذ الحق للرحمن # [الفرقان:26]. # ومن عرف انه رحيم، صحح نسبته إليه، فلا يظلم نفسه، ولا يلطخها ~~بالأفعال البهيمية. # وأما الفاتحة، فإذا قال { الحمد لله } فقد شكر الله واكتفى بالحاصل ~~فزالت شهوته. ومن عرف انه { رب العالمين } زال حرصه فيما لم يجد، ~~وبخله فيما وجد، ومن عرف انه { مالك يوم الدين } بعد أن عرف انه { ~~الرحمن الرحيم } زال غضبه. # ومن قال: { اياك نعبد واياك نستعين } زال كبره بالأول، وعجبه ~~بالثاني. # وإذا قال: { اهدنا الصراط المستقيم } اندفع عنه شيطان الهوى، وإذا ~~قال: { صراط الذين انعمت عليهم } زال عنه كفره، وإذا قال: { ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين } اندفعت بدعته، وإذا ~~زالت عنه الأخلاق الستة التي هي مجامع الشرور كلها، زال عنه حجابه ~~وبعده عن جناب القدس. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1] # فصل # في نبذ من أسرار الحروف # لما ذكر الله عن نفسه أنه الظاهر وأنه الباطن وأنه المتكلم، وأن له ~~كلاما وكلمات وكتبا، وذكر نبيه (صلى الله عليه وآله): # " أن له نفسا من الإسم الرحمن، الذي به استوى على العرش، وهو بمنزلة ~~قلب الإنسان كما قال: قلب المؤمن عرش الله " # صح لنا الإيمان بهذه الأمور. # فلما علمنا أن له نفسا لا كأنفاسنا، بل على وجه يليق بذاته وصفاته ~~أنه الباطن والظاهر كبطوننا وظهورنا، وأن له كلاما على وجه يناسب ~~عظمته وجلاله، علمنا أن كلماته هي الموجودات الصادرة عنه، الناشية عن ~~ذاته بذاته، من غير توسط مادة أو محل أو استعداد على مثال الحروف ms0122 ~~والكلمات الناشية من الإنسان التي يتشكل بها الهواء الخارج من باطنه؛ ~~ولا كمثل أفعال الإنسان التي تتوسط فيها الآلات الجسمانية الخارجة عنه. # ولما علمت أن قلب الإنسان - لمكان الروح الحيواني الذي هو سبب حياة ~~البدن، - بمنزلة عرش الرحمن ومحل الرحمة، وان صدره الواسع - لمكان الروح ~~الطبيعي الساري في جميع البدن أعلاه وأسفله - بمنزلة كرسيه الذي وسع ~~السموات والأرض؛ فاعلم أن الله جعل للهواء الخارج من الصدر بعد نزوله ~~إليه من القلب ثمانية وعشرين مقطعا للنفس، يظهر في كل مقطع حرفا ~~معينا ما هو عين الآخر، ميزه القطع مع كونه ليس غير النفس. # فالعين واحدة من حيث إنها نفس، وكثيرة من حيث المقاطع، وهي أمور ~~عدمية كما ان امتياز الوجودات الخاصة ليست بأمر زائد على حقيقة الوجود ~~الانبساطي الفائض من الحق تعالى. بل امتيازها عنها، وامتياز بعضها عن ~~بعض، ليس إلا من جهة مراتب النقصانات والتنزلات اللازمة للمعلولية، ~~فليس التفاوت بينها إلا من جهة الكمال والنقص، والتقدم والتأخر، ~~والقرب والبعد من العلة الأولى. # فكذلك حال الحروف الصوتية الإنسانية، المنقسمة إلى ثمانية وعشرين ~~حرفا. لأن الكرسي، وهو فلك المنازل - ومثاله الصدر فينا - منقسم ~~باعتبار المنازل والأمكنة للسيارات الفلكية - من الكواكب وأرواحها ~~ونفوسها المتحركة بأمر الله، المترددة على حسب ما حملها الله من أحكام ~~الوحي والرسالة الى خلقه - الى ثمانية وعشرين منزلا. # ولك أن تستشكل هذا بما قد ورد في الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): إن المنزل عليه تسعة وعشرون حرفا، وما أنزل الله على آدم إلا ~~تسعة وعشرين حرفا، وإن " لام ألف " حرف واحد قد أنزله الله عز وجل ~~على آدم في صحيفة واحدة، ومعه ألف ملك، ومن كذب ولم يؤمن به فقد كفر ~~بما أنزل الله على محمد (صلى الله عليه وآله)، ومن لم يؤمن بالحروف - ~~وهي تسعة وعشرون فلا يخرج من النار أبدا. # فاعلم أن هذا غير مناقض لما ذكرنا، من كون الحروف ثمانية وعشرين، ~~فإن الألف اللينة ليست كسائر الحروف متعينة بتعين خاص وحيز مخصوص ~~ومخرج ms0123 مشخص، بل هي بحقيقتها الهوائية سارية في جميع التعينات ~~الحرفية، فكأنها ظل للوحدة الإلهية السارية في وحدات الأكوان ~~الوجودية. # وقد مرت الإشارة إلى أنها عين النفس الإنساني، كالعقل الأول الذي ~~مرتبته عين مرتبة الوجود الانبساطي المنبسط على هياكل الماهيات ~~المتعينة، وهو الحق المخلوق به. # فللألف اعتباران: اعتبار اللاتعين، لكونها عين النفس الهوائي، ~~واعتبار التعين الذي هو أول التعينات كالهمزة، فإنها من أقصى الحلق، ~~إلا ان مخرج الهمزة كالهاء أول المخارج، ومخرج الألف الساكنة من ~~الجوف وهو الفضاء الواقع في جهة العلو، وتغاير الحروف بتغاير ~~المخارج. # ومن هذا الاعتبار يجب عد الألف المتحركة والساكنة حرفين، ولما كانت ~~أسماء الحروف مصدرة بمسمياتها التي هي الزبر، وهذه القاعدة غير ~~مطردة بالقياس إلى الألف لما فيه من سر الوحدة الإلهية التي لا اسم ~~لها بخصوصية ذاتها، لاستحالة الابتداء بالساكن الحقيقي، فلم يكن بد من ~~ارتدافها بحرف ينوب عن ذاتها سادا مسد التصدير بها. # وكانت " اللام " بحسب عددها - الذي هو بمنزلة روح الحرف - يساوي عدد ~~الحروف كلها مع واحد، وكان فيها سر الجمعية الألفية، وأيضا كان ~~عدد الحروف أعني التسعة والعشرين مقوم عدد لام، والألف الساكنة أيضا ~~هي التاسعة والعشرون، كان ضم الألف إلى اللام هو الأحق بالاعتبار، ~~فاعتبر " لا " في منزلة الألف اللينة، فجعل لام ألف اسما لها، والألف ~~إسما للهمزة، فلا محالة صارت الحروف تسعة وعشرين. # ومن اعتبر الحروف ثمانية وعشرين - وهي عدد منازل القمر -، كان نظره ~~إلى الحروف الصرفة المتعينة بالمخارج المتحيزة بالأمكنة من جهة ~~قبولها للحركة والسكون، وهما من صفات الحدثان وسمات النقصان، والألف ~~لسيت متحركة ولا ساكنة إلا بالمعنى السلبي التحصيلي، تقابل الحركة ~~تقابل السلب والايجاب، لا تقابل العدم والملكة، فلا جرم جعل أمرا ~~خارجا عن سلسلة الأكوان الحرفية، لأنها في الحقيقة فاعلها وراسمها ~~ومقومها. # وفيها سر الإلهية وظل الربوبية، ونسبتها الى سائر الحروف، نسبة ~~الحق المخلوق به إلى صور الموجودات العالمية. # ومما يؤيد هذا ما رواه [أبو] إسحق الثعلبي في تفسيره مسندا إلى ~~علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، ms0124 قال: سئل جعفر الصادق (عليه السلام) ~~عن قوله تعالى: آلم، فقال: في الألف ست صفات من صفات الله عز وجل: # " الابتداء " ، فإن الله تعالى ابتدأ جميع الخلق، والألف ابتداء ~~الحروف. " والاستواء " ، فهو عادل غير جائر، والألف مستو في ذاته. " ~~والانفراد " ، فالله فرد والألف فرد و " اتصال الخلق بالله والله لا ~~يتصل بالخلق، وكلهم يحتاجون إليه والله غني عنهم ". # فكذلك الألف لا يتصل بالحروف والحروف متصلة به وهو منقطع من غيره، ~~والله عز وجل بائن بجميع صفاته من خلقه، ومعناه من الألفة، وكما أن ~~الله عز وجل سبب ألفة الخلق، فكذلك الألف، علة تألف الحروف وهو سبب ~~ألفتها. # بحث وتنبيه # [الالف وأسرارها] # إن ما ورد في الكشاف وغيره من التفاسير سيما الكبير من " أن هذه ~~الألفاظ لما كانت أسماء لمسمياتها التي هي حروف يتركب منها الكلم، ~~وكانت هذه الأسماء مؤلفات، ومسمياتها حروفا وحدانا، صدرت بتلك ~~الحروف لتكون تأديتها بالمسمى أول ما يقرع السمع، واستعيرت الهمزة مكان ~~الألف لتعذر الابتداء بها " ففيه نظر. # لأن المراد من الألف المذكورة ها هنا، إن كان هي الهمزة، فقد وقع ~~التصدير بالمسمى في اسمها، فإن أول حروف لفظ " الألف " هي الهمزة ~~المفتوحة. # وإن كان المراد منه الألف اللينة التي هي من حروف العلة، ففيه حزازتان: ~~تصدير الهمزة بغير مسماها وهو خرق القاعدة المذكورة، والترجيح من غير ~~مرجح، فإن الهمزة أولى من الألف بأن يصدر اسمها بمسمى الهمزة. # بل الأولى أن يجعل القاعدة مطردة في الحروف الصحيحة الثمانية عشر ~~كلها، ويجعل لفظ " الألف " اسما لما هو من جنس الحروف الصحيحة، أعني ~~الهمزة على الحقيقة، كما هو الرسم في سائر الحروف، ويجعل " اللام ألف " ~~اسما للألف اللينة بناء على ما ذكرنا سابقا. # ومن تأمل في أحوال الألف وأسرارها حق التأمل، انكشفت عليه أسرار ~~شريفة من أحوال المبدإ وخصائصه الإلهية. # منها: إنه لا اسم لها من جهة ذاتها الأحدية ولا رسم. # ومنها: إنها الأول في تعداد الحروف من حيث تعينها بالهمزة. # ومنها: إنها بإزاء الواحد في الأرقام الحسابية. # ومنها: ms0125 إنها ليست في ذاتها متحركة ولا ساكنة كما مر، بل سكونها على ~~وجه آخر أعلى من سكون الهمزة وسائر الحروف. # ومنها: إنها لا مخرج لها على التعيين من جملة المخارج؛ كما لا حيز ~~للبارى جل اسمه. # ومنها: إنها تقع أول الكلمات باعتبار تعينها الهمزي، وتقع غاية ~~الكلمات لا آخر بعدها، كما ان البارى أول الأشياء لا أول له وغاية ~~الأشياء لا غاية له. # ومنها: إنها أبسط من كل حرف في الوجود الهوائي السمعي، وشكلها أبسط ~~أشكال الحروف في الوجود الكتبي البصري. # ومنها: ما مر ذكره في الوجود الستة من الصفات المذكورة في الحديث ~~المروي عن جعفر الصادق (عليه السلام) وعلى آبائه التحية والإكرام. # كشف غطاء # [الروح البخاري مثال العماء] # ثم اعلم هداك الله طريق المعرفة والشهود، أن النفس الناطقة هي ~~المدبرة باذن الله تدبيرا طبيعيا أو نفسانيا لهذا البدن الجسماني، ~~الذي هو بجميع ما فيه من القوى والحواس والأعضاء والآلات، عالم صغير ~~بمنزلة العالم الكبير بما فيه من الأفلاك والعناصر والبسائط والمركبات، ~~الذي دبره الله تدبيرا إلهيا وتصرف فيه برحمته وعنايته. # ثم إن النفس لم تدبر لهذا البدن، ولم تتصرف في قواه وأعضائه، إلا ~~بعد أن نزلت من علو تجردها وسماء تقدسها، وبرزت من مكمن ذاتها ~~الروحانية، وباطن كينونتها العقلانية إلى عالم الحس والتجسم. # فتوسطت بين غيب هويتها ومظهر شهادتها، في ألطف ما يوجد من حدود ~~عالم البدن من البخار اللطيف النفساني المتعلق بالقلب الصنوبري الشكل، ~~المستدير الهيكل، المحدد لجهات البدن من أعلاه وأسفله. # فالنفس قبل تعلقها بالبدن وتصرفها فيه، وتدبيرها لقواه وحواسه التي ~~هي كالسموات، وأعضائه التي هي كالأرضيات، نزلت وتجسمت بخارا لطيفا ~~يتكون منه جميع لطائف البدن، وبسببه تقع الأفاعيل الإنسانية سيما ~~المتكلم بالحروف والكلمات، التي هي أخص أفاعيل النفس الناطقة في هذا ~~العالم. # وهذه اللطيفة البخارية، التي تنزل فيها النفس قبل تصرفها وفعلها في ~~عالم البدن، مثال للعماء الذي جاء في الخبر وصفه بقوله: إنه كان ~~ربنا قبل أن يخلق الخلق في عماء ما فوقه هواه وما ms0126 تحته هواء. # فذكر ان له الفوق، وهو كون الحق فيه، والتحت، وهو كون العالم فيه. # والعماء يحدث عن بخار رطوبات الأركان الأربعة، والفلك أيضا دخان لطيف ~~الطف من هذه الأبخرة الحاصلة من لطائف هذه العناصر، بل عناصره كائنة على ~~وجه يناسب عالم السماء، وهي التي ينقسم بها الفلك أرباعا، مما يطول ~~شرحه. # فالحاصل، إن العماء الذي ورد في الحديث، إن الله قبل أن يخلق، كان ~~فيه مثاله اللطيفة الجسمانية الموجودة في خلقة الإنسان التي تعلقت ~~بها اللطيفة القدسية النازلة فيها من نفخ الحق من روحه، وهي كلمة من ~~كلمات الله، وينبعث منها النفس الهوائي المتصور بصور الحروف والكلمات ~~الإنسانية المطابقة للحروف والكلمات الكائنة في النفس الرحماني ~~والوجود الانبساطي، ليتحقق ويتنور على البصير المحدق بنور هذه ~~المكاشفة البرهانية أن من عرف نفسه فقد عرف ربه. # فصل # في الإشارة الى سر هذه الصفوة من المفاتيح الحرفية الواقعة في فواتيح ~~السور # روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذه ~~الكتاب حروف التهجي. # وعن الشعبي قال: لله تعالى في كل كتاب سر، وسره في القرآن سائر ~~حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور. # إعلم أن الذين اقتصرت علومهم على ما يتعلق بعالم الشهادة، وانحصرت ~~عندهم معاني الموضوعات اللفظية فيما يوجد في عالم المحسوسات، قالوا: ~~إن الألفاظ التي تتهجى بها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة، فإن ~~الضاد مثلا لفظة مفردة دالة بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه، من غير ~~دلالة على الزمان المعين، وذلك المعنى هو الحرف الأول من " ضرب " فثبت ~~أنها أسماء، لأنها مما يصدق عليها حد الاسمية، ولأنها أيضا يوجد ~~فيها خواص الاسم - من كونها متصرفا فيها بالتعريف والتنكير والجمع ~~والتصغير والإسناد والإضافة - فكانت لا محالة أسماء، وبه صرح الخليل ~~وأبو علي. # وأما ما رواه أبو عيسى الترمذي عن ابن مسعود أنه قال (صلى الله عليه ~~وآله): # " من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول ~~الم حرف، بل الألف حرف واللام حرف، والميم حرف " # - الحديث، فقيل: إن ms0127 المراد به غير المعنى الذي اصطلح عليه، فإن ~~تخصيصه به عرف جديد. بل المعنى اللغوي، ولعله سماه باسم مدلوله. # وأقول: يمكن أن يراد بهذه الأسماء الثلاثة المذكورة في الحديث مسمياتها ~~من الحروف الوحدان. # قالوا: إن حكم هذه الألفاظ مع كونها معربة أن تكون ساكنة الأعجاز ما لم ~~تلها العوامل كأسماء الأعداد، فيقال: ألف لام ميم، كما نقول: واحد ~~إثنان ثلاثة، فهي معربة، وإنما سكنت سكون الوقف لا سكون البناء إذ لم ~~تناسب مبني الأصل. # ولذلك لم تحد بحد ككيف وأين وهؤلاء ومنذ، بل جمع فيها بين ساكنين ~~فقيل: ص ق. فسكونها سكون المعربات حيث لا يمسها إعراب لفقد موجبه ~~وعامله، مع كونها قابلة للعمل، معرضة للإعراب. # ثم قالوا: إن مسمياتها لما كانت عنصر الكلام وبسائطه التي منها ~~تركبت، افتتح الكلام في السور بطائفة منها ايقاظا لمن تحدى بالقرآن، ~~وتنبيها على أن المتلو عليهم كلام منظوم مما ينظمون منه كلامهم، ~~فلو كان من عند غير الله لما عجزوا عن آخرهم مع تظاهرهم وقوة فصاحتهم ~~عن الإتيان بما يدانيه. # وليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلا بنوع من الإعجاز، فإن النطق ~~بأسماء الحروف مختص بمن خط ودرس. فأما من الأمي الذي لم يخالط ~~الكتاب، فمستبعد مستغرب خارق للعادة كالكتابة والتلاوة، سيما وقد ~~راعى في ذلك ما يعجز عنه الأديب الأريب الفائق في فنه. وهو أنه ~~أورد في هذه الفواتح أربعة عشر اسما في نصف أسامي حروف المعجم - ان لم ~~يعد الألف فيها حرفا برأسه - في تسع وعشرين سورة بعددها، إذا عد فيها ~~الألف مشتملة على أنصاف أنواعها. # فذكر من المهموسة هي ما يضعف الاعتماد على مخرجه، ويجمعها: " فحثه شخص ~~سكت " نصفها: الحاء والهاء والصاد والسين والكاف. # ومن البواقي المجهورة نصفها: " لن يقطع امر ". # ومن الشديدة، الثمانية المجموعة يجمعها: " اجد قط بكت " ، أربعة يجمعها ~~" اقطك ". # والبواقي الرخوة عشرة، يجمعها: " حمس على نصره ". # ومن المطبقة، التي هي الصاد والضاد والطاء والظاء نصفها، ومن البواقي ~~المنفتحة نصفها. ومن القلقة: وهي حروف تضطرب عند خروجها، ويجمعها: " قطب ms0128 ~~جد " نصفها الأقل لقلتها. ومن اللينتين الياء، لأنها أقل ثقلا، ومن ~~المستعلية - وهي التي يتصعد الصوت بها في الحنك الأعلى - وهي سبعة، ~~يجمعها: " خص ضغط قض " - نصفها الأقل. # ومن البواقي المنخفضة نصفها. # ومن حروف البدل؛ وهي أحد عشر - على ما ذكره سيبويه واختاره ابن جني - ~~ويجمعها: " اجد طويت " منها الستة الشائعة المشهورة التي يجمعها: " ~~اهطمين " ، ومما يدغم في مثله ولا يدغم في المقارب، وهي خمسة عشرة: ~~الهمزة والهاء والعين والصاد والطاء والميم والياء والخاء والغين والضاد ~~والفاء والظاء والشين والزاي والواو، نصفها الأقل. # ومما يدغم فيهما وهي الثلاثة عشر الباقية، نصفها الأكثر؛ الحاء والقاف ~~والكاف والراء والسين واللام والنون، لما في الإدغام من الخفة والفصاحة، ~~ومن الأربعة التي لا تدغم فيما يقاربها وتدغم فيما يتقاربها وهي: الميم ~~والزاي والسين والفاء نصفها. # ولما كانت الحروف الذلقية التي يعتمد عليها بذلق اللسان، وهي ستة ~~يجمعها: " رب منفل ". والحلقية التي هي: الحاء والخاء والعين والغين ~~والهاء والهمزة، كثيرة الوقوع في الكلام، ذكر ثلثيهما. # ولما كانت أبنية المزيد لا تتجاوز عن السباعية، ذكر من الزوائد العشرة ~~التي يجمعها: " اليوم تنساه " سبعة أحرف منها تنبيها على ذلك. # ولو استقريت الكلم وتراكيبها، وجدت الحروف المتروكة من كل جنس مكثورة ~~بالمذكورة. ثم إنه ذكرها مفردة وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية، ~~ايذانا بأن المتحدى به مركب من كلماتهم التي أصولها كلمات مفردة ومركبة ~~من حرفين فصاعدا الى الخمسة. # وذكر ثلاث مفردات في ثلاث سور: " ص ن ق " ، لأنها توجد في الأقسام ~~الثلاثة: الاسم والفعل والحرف. # وأربع ثنائيات: " حم يس طس طه " ، لأنها تكون في الحرف بلا حذف؛ ~~كبل وفي الفعل بحذف: كقل. وفي الاسم بغير حذف: كمن، وبه: كدم، في ~~تسع صور لوقوعه في كل واحد من الأقسام الثلاثة على ثلاثة أوجه. ففي ~~الأسماء: " من " و " إذ " و " ذو ". وفي الأفعال: قل وبغ بع وخف، ~~وفي الحروف: إن ومن ومذ، على لغة من جربها. # وثلاث ثلاثيات لمجيئها في الأقسام الثلاثة في ثلاث عشرة سورة، تنبيها ~~على أن أصول الأبنية ms0129 المستعملة ثلاثة عشر، عشرة منها للأسماء، وثلاثة ~~للأفعال. # ورباعيتين وخماسيتين، تنبيها على أن لكل منهما أصلا، كجعفر وسفرجل، ~~وملحقا كقردد وجحنفل. # ولعلها فرقت على السور ولم تعد بأجمعها في أول القرآن لهذه الفائدة، ~~مع ما فيه من إعادة التحدي وتكرير التنيبه والمبالغة فيه. والمعنى: هذا ~~المتحدى به مؤلف من جنس هذه الحروف، والمؤلف منها كذي. # هذا ما ذكره علماء اللسان في هذا الباب، وأما الذين ارتفعت درجتهم عن ~~هؤلاء، فاختلفوا في معاني هذه الأسماء على قولين: # القول الأول: إن هذا علم مستور وسر محجوب وغيب مبطون ودر ~~مكنون استأثر الله بعلمه، وعليه يحمل الخبران المذكوران سابقا. # وقال بعض العارفين: العلم بمنزلة البحر، فأجري منه واد ثم أجري من ~~الوادي نهر، ثم اجري من النهر جدول، ثم اجري من الجدول ساقية، فلو ~~اجري إلى الجدول ذلك الوادي لغرقه وافسده ولو سال البحر الى الوادي ~~لأفسده، وهو المراد من قوله تعالى: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها # [الرعد:17]. # فبحور العلم عند الله، وأعطى الرسل منها أودية، ثم أجرى الرسل من ~~أوديتهم أنهارا [إلى العلماء]، ثم أعطت العلماء للعامة جداول صغارا ~~على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهليهم بقدر طاقتهم. # ومن هذا روي في الخبر: للعلماء سر، وللخلفاء سر، وللأنبياء سر، ~~وللملائكة سر، ولله تعالى بعد ذلك كله سر، ولو اطلع الجهال على ~~سر العلماء لأبادوهم، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو ~~اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سر ~~الملائكة لاتهموهم، ولو اطلع الملائكة على سر الله، لطاحوا حائرين ~~وبادوا بائرين. # والسبب في ذلك: أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية، كما لا ~~يتحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش، ولما زيد الأنبياء في عقولهم قدروا ~~على احتمال أسرار النبوة، ولما زيد العلماء في عقولهم قدروا على احتمال ~~ما عجزت عنه العامة. # وكذلك علماء الباطن - وهم الحكماء - زيد في عقولهم فقدروا على احتمال ~~ما عجز عنه علماء الظاهر. # وسئل الشعبي عن الحروف، فقال: سر الله لا ms0130 تطلبوه. # وروى أبو ظبيان عن ابن عباس، قال: عجزت العلماء عن إدراكها، وقال الحسين ~~بن الفضل: هو من المتشابهات. # تنبيه # [رد على القائلين بعدم امكان فهم تفسير الحروف المقطعة] # واعلم أن هذا القول ليس بسديد، لأنه لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما ~~لا يكون مفهوما للخلق، إذ هو مما أنزله لهداية الخلق وإرشادهم وتكميلهم ~~وإخراج عقولهم عن القوة إلى الفعل، وسياقة نفوسهم عن ظلمات الحيرة ~~والجهل والعمى إلى نور المعرفة والعلم والبصيرة، لتتنور ذواتهم بأنوار ~~معارف القرآن، ويستعدوا للقاء الله في دار المثوبة والرضوان، ويتخلصوا ~~عن آفات الجهالة الموجبة لكثير من الأمراض القلبية والآلام النفسانية ~~المؤدية الى الهلاك، المستلزمة لعذاب البعد والاحتجاب، كما للمطرودين ~~عن باب الرحمة الإلهية، المحترقين بنيران الجهالات المتراكمة، ~~المتألمين بآلام الاعتقادات الردية الفاسدة، فلا بد أن يوجد في عباد ~~الله من كان عنده علم الكتاب، وإلا لكان إنزاله عبثا. # نعم، درجات الناس بحسب العقول متفاوتة كما مر فيما ذكر من الخبر. فلا ~~جرم حظوظهم من آيات كتاب الله مختلفة، كتفاوت أغذية الناس والأنعام ~~مما ينبت في الأرض من سائر الطعام. # فلطائفة منها القشور، كالتبن والنخالة، ولطائفه اللبوب والأدهان ~~كالحب من الحنطة والدهن من الزيتون: # متاعا لكم ولأنعامكم # [النازعات:33]. # والحجة لنا في هذا المقصد من الآيات والأخبار كثيرة: أما الآيات: # فمنها قوله: # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # [محمد:24]. أمرهم بالتدبر في معاني القرآن، ولو كانت غير مفهومة لما ~~أمرهم بالتدبر فيها. # ومنها قوله: # وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح ~~الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان ~~عربي مبين # [الشعراء:192-195]. فلو لم يكن مفهوما بطل كونه (صلى الله عليه وآله) ~~منذرا به. # وأيضا فقوله { بلسان عربي مبين }. يدل على أنه نازل بلغة ~~العرب، وإذا كان كذلك وجب أن يكون مفهوما. # ومنها قوله: # لعلمه الذين يستنبطونه منهم # [النساء:83]. والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه. # ومنها قوله: # تبيانا لكل شيء # [النحل:89]. وقوله: # ما فرطنا في الكتاب # [الأنعام:38]. وقوله: # هدى للناس # [البقرة:185] # هدى للمتقين ms0131 # [البقرة:2]. وغير المعلوم لا يكون هدى. # ومنها قوله تعالى: # حكمة بالغة # [القمر:5]. وقوله: # وشفآء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين # [يونس: 57]. وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم. # ومنها قوله: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين # [المائدة:15]. وقوله: # قد جآءكم برهان من ربكم وأنزلنآ إليكم ~~نورا مبينا # [النساء:174]. فكيف يكون برهانا وكتابا مبينا ونورا مبينا مع انه ~~غير مفهوم. # ومنها قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء:9]. فكيف يكون هاديا مع انه غير معلوم؟! # إلى غير ذلك من الآيات المشيرة الى كون الغرض من إنزال القرآن تعليم ~~العباد. # وأما الأخبار، فمنها قوله (صلى الله عليه وآله): # " إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وعترتي ~~". # وروى العامة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: إن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) قال: # " عليكم بكتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما ~~بينكم، هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن اتبع ~~الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط ~~المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق ~~على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق ومن حكم به عدل، ومن ~~خاصم به فلج، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم ". # وأما ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إن لكل كتاب صفوة وان ~~صفوة هذا الكتاب حروف التهجي، فليس فيه ما يدل على أن معاني هذه ~~الحروف غير مفهومة، وكذا ما روي عن الشعبي لا تزيد دلالته على أن هذه ~~الحروف من أسرار الله الخفية التي لا يعلمها كل أحد، ولا يدل على أن ~~الراسخين في العلم لا سبيل إلى إدراكها. # وكذا ما ذكره بعض العارفين، ليس فيه دلالة على عدم اطلاع الناس على سر ~~هذه الحروف، بل فيه ما يدل على ضد ذلك كما لا يخفى. # واحتج المخالفون بوجوه من العقل والنقل كلها ms0132 ضعيفة مدخولة: # منها: انه من المتشابه من القرآن وانه غير معلوم لقوله تعالى: # وما يعلم تأويله إلا الله # [آل عمران:7]، والوقف ها هنا لازم، إذ لو عطف عليه قوله: # والراسخون في العلم # [آل عمران:7]، لبقي قوله: # يقولون آمنا به # [آل عمران:7] منقطعا عنه، وهو غير جائز. # وهو مجاب - لا بأن " يقولون " حال. وإلا لكان حالا للمعطوف عليه ~~كما للمعطوف، فيلزم أن يكون الله قائلا: { يقولون آمنا به ~~كل من عند ربنا } وهو كفر - بل بأنه خبر مبتدأ محذوف ~~بقرينة سابقة. # ومنها: أنه روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال: # " إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا ~~نطقوا به أنكره أهل العزة بالله " # ودلالة هذا الخبر على ثبوت هذا الجانب، أكثر من دلالته على ثبوت طرف ~~المخالف. # ومنها: أن القول بان هذه الفواتح غير معلومة، مروي عن أكابر الصحابة، ~~فوجب أن يكون حقا. # والجواب - بعد التسليم - أن دلالة ما روي عنهم على كونها غير معلومة ~~لأحد من الناس مطلقا وإن كان من الراسخين، غير مسلم. وعلى كونها غير ~~معلومة لجمهور الناس، لا تضرنا ونحن نقول به. # ومنها: أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان، منها ما يعرف وجه الحكمة ~~فيها كالصلاة والصيام والزكاة. # ومنها ما لا يعرف وجه الحكمة فيها كأفعال الحج، فكما يحسن من الله ~~الأمر بالنوع الأول، فكذا يحسن منه الأمر بالنوع الثاني، لأن الطاعة ~~فيه تدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم، لأنه لما لم يعرف فيه وجه ~~مصلحة، لم يكن إتيانه إلا لمحض الانقياد والتسليم، وإذا كان الأمر كذلك ~~في الأفعال، فلم لا يجوز أيضا أن يكون الأمر كذلك في الأقوال، وهو أن ~~الله يأمرنا تارة بأن نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف ~~على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور ~~للآمر. # أقول: وهذا أيضا ساقط، لأن كون الغاية في التكليف بالأعمال، التسليم ~~والانقياد، وإن كان مسلما، لكن كون الغاية في العلوم كذلك، غير مسلم ~~كما ms0133 حقق في مقامه. # وبالجملة، المقصود من العلوم والمعارف، تنوير القلب بأنوار الحقائق ~~الإلهية، ومن الأعمال والأفعال، تطويع النفس الأمارة للنفس ~~المطمئنة لئلا تزاحمها القوى الشهوية والغضبية وغيرها في السلوك إلى ~~الله. # وأعجب من ذلك قولهم: بل فيه فائدة أخرى، وهو أن الإنسان إذا وقع على ~~المعنى وأحاط به، سقط وقعه عن القلب، وإذا لم يقف على المقصود مع القطع ~~بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين، فإنه يبقى ملتفتا إليه أبدا ~~ومتفكرا فيه دائما، ولباب التكليف اشتغال السر بذكر الله والتفكر ~~في كلامه. # أقول: ما أشبه هذا بكلام العوام والجهال، فإن التفكر ليس من الغايات ~~المتأصلة، ليكون بقاء الإنسان في التردد الفكري أبدا سرمدا سعادة، ~~على أن فيه تعبا ومشقة في الحال، وإنما الفائدة فيه انتقال الذهن الى ~~ما هو المطلوب الأصلي، وهو الابتهاج بإدارك الحضرة الإلهية، والاستسعاد ~~بالأنوار الملكوتية. # القول الثاني: قول من زعم أن المراد من هذه الفواتح معلوم، وهم ~~اختلفوا وفسروها على وجوه متخالفة. # أحدها: إنها أسماء السور عن الحسن وزيد بن أسلم، وهو قول أكثر ~~المتكلمين. # الثاني: إنها أسماء الله، روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كان ~~يقول يا كهيعص يا حمعسق. # الثالث: إنها أسماء القرآن. # الرابع: إنها أبعاض أسماء الله. قال سعيد بن جبير قوله: " الر، حم، ~~ن " مجموعها هو اسم الرحمن. ولكننا لا نقدر على كيفية التركيب في ~~البواقي. # الخامس: أن تكون إشارة الى التي كانت هي منها، اقتصرت عليها اقتصار ~~الشاعر في قوله: قلت لها: قفي. فقالت: قاف. # فيكون فيها دلالة على أسماء الله وأسماء صفاته، كما قال ابن عباس في ~~الم: " أنا الله أعلم " ، وفي المر: " أنا الله أعلم وأرى " ، ~~والمص معناه: " أنا الله أعلم وأفصل ". # وكما قال: " ألف ": آلاء الله. و " اللام ": لطفه. و " الميم ": ملكه. ~~وهذا رواية أبي صالح وسعيد بن جبير عنه. # السادس: إن بعضها يدل على أسماء الله، وبعضها يدل على أسماء غيره، ~~فقال الضحاك: الألف من الله، واللام من جبرائيل، والميم من محمد، أي ~~انزل الله الكتاب على ms0134 لسان جبرائيل (عليه السلام) إلى محمد صلوات الله ~~عليه وآله. وهو المروي عن ابن عباس. # السابع: قول أبي زيد وقطرب: إن الكفار لما قالوا: لا تسمعوا لهذا ~~القرآن والغوا فيه، وتواصوا بالإعراض عنه، فأنزل الله تعالى عليهم هذه ~~الأحرف. فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين: استمعوا الى ما يجيء به ~~محمد، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن فكان ذلك سببا لاستماعهم وطريقا ~~الى انتفاعهم. # والثامن: قول أبي العالية: إن كل حرف منها مدة أقوام وآجال آخرين ~~بحساب الجمل، متمسكا بما # " روي انه (صلى الله عليه وآله) أتاه أبو ياسر بن أخطب وهو يتلو سورة ~~البقرة، ثم جاء أخوه حيي وكعب بن الأشرف فسألوه عن الم، وقالوا: ننشدك ~~الله الذي لا إله إلا هو، أحق أنها أتتك من السماء؟ فقال (صلى الله ~~عليه وآله): نعم، كذلك نزل، فقال حيي: إن كنت صادقا، إني لأعلم أجل ~~هذه الأمة من السنين. ثم قال: كيف ندخل في دين رجل دلت هذه ~~الحروف بحساب الجمل أن تنتهي مدته إحدى وسبعون سنة؟ فضحك رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله). فقال حيي: هل غير ذلك؟ فقال: نعم " المص " ~~فقال: هذا أكثر من الأول، فهل غير هذا؟ فقال (صلى الله عليه وآله): نعم. ~~الر. فقال حيي: هذا أكثر من الأول والثاني. فنحن نشهد إن كنت صادقا ما ~~ملكت أمتك إلا مأتين وإحدى وثلاثين سنة، فهل غير هذا؟ فقال: نعم " ~~المر " قال نحن نشهد انا من الذين لا يؤمنون، ولا ندري بأي أقوالك ~~نأخذ ". # التاسع: ما قاله الأخفش: إن الله أقسم بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها، ~~ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة، ومباني أسمائه الحسنى، ~~وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه. # واقتصر على هذا البعض كما تقول: قرأت الحمد. وتريد السورة كلها، ~~فكأنه تعالى أقسم بهذه الحروف ان هذا الكتاب هو ذلك الكتاب المثبت في ~~اللوح المحفوظ. # العاشر: قال أبو بكر الزهري: إن الله تعالى علم أن طائفة من هذه الأمة ~~تقول بقدم القرآن، فذكر هذه الحروف تنبيها على أن ms0135 كلامه مؤلف من ~~هذه الحروف؛ فيجب أن لا يكون قديما. # فهذه عشرة من الأقوال المذكورة في معنى هذه الفواتح وهي كثيرة اكتفينا ~~بذكر هذه من غيرها، لأنها الأقرب إلى التصديق به، ومختار الأكثر هو ~~كونها أسماء السور وعليه إطباق كثير من المفسرين منهم الإمام الرازي، ~~واستدل عليه بأنها إن لم تكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل ~~والتكلم بالزنجي مع العربي، ولم يكن القرآن بأسره بيانا وهدى، ولما ~~أمكن التحدي به. # وإن كانت مفهمة، فإما أن يراد بها الأعلام أو المعاني. والثاني باطل، ~~لأنه إما أن يكون المراد ما وضعت له في لغة العرب، وظاهر أنه ليس ~~كذلك. أو غيره، وهو باطل، لأن القرآن نزل على لغتهم لقوله تعالى: # بلسان عربي مبين # [الشعراء:95]، فلا يحمل على ما ليس في لغتهم. # فثبت الأول، وهو كونها أعلاما للسور التي هي مستهلتها، سميت بها ~~إشعارا بأنها كلمات معروفة التركيب، فلو لم يكن وحيا من الله، لم ~~تتساقط معذرتهم دون معارضتها. # والاعتراض عليه من وجوه: # أحدها: لم لا يجوز أن تكون مزيدة للتنبيه والدلالة على انقطاع كلام ~~واستيناف آخر كما قاله قطرب؟ أو يكون اختصار الكلام كما في القول الرابع ~~والخامس؟ أو يكون إشارة الى عدد آجال كما قاله ابو العالية؟ وهذه الدلالة ~~وإن لم تكن عربية، لكن لاشتهارها فيما بين الناس حتى العرب، كانت ~~كالمعربات كالمشكوة والسجيل والقسطاس والإستبرق. أو تكون ~~قسما كما قاله الأخفش. أو تكون غير ذلك من الأقوال المذكورة؟ # وثانيها: إن القول بأنها أسماء السور يخرجها الى ما ليس في لغة العرب. ~~لأن التسمية بثلاثة أسماء فصاعدا مستنكرة عندهم. # وثالثها: إنها داخلة في السور وجزء منها، وجزء الشيء مقدم على ~~الشيء بالرتبة، واسم الشيء متأخر عنه كذلك، فيلزم من تسمية الشيء بجزئه ~~تقدم الشيء على نفسه، والمعارضة بتسمية الحروف بأساميها - كتسمية الجزء ~~الأول من الجيم بالجيم - ساقطة، لأن المركب متأخر عن جزئه، والاسم ~~متأخر أيضا عن مسماه، فلا يلزم إلا تأخر المركب عن جزئه بوجهين، ولا ~~فساد فيه. # ورابعها: إنها ms0136 لو كانت أعلاما للسور، لوجب أن يعلم ذلك بالتواتر، ~~لأن التسمية على هذا النحو ليس من دأب العرب، فتتوفر الدواعي على نقلها ~~فوجب اشتهارها بها لا بسائر الأسماء، والواقع خلاف ذلك. # وخامسها: إن السور الكثيرة اتفقت في الم، حم، فالاشتباه حاصل، ~~والمقصود من العلم إزالة الاشتباه، والمعارضة بتسمية كثيرين باسم محمد، ~~مدفوعة بالفرق بين القبيلين، فإن (الم) لا يفيد معنى آخر على ما ~~فرضتم، فلو جعل علما لم يكن فيه فائدة، بخلاف الأعلام المشتركة، فإن ~~التسمية بها قد تتضمن فوائد اخرى غير الامتياز، كالتبرك ونحوه. # وسادسها: إنه لو كان كذلك، لوجب أن لا تخلو سورة من القرآن من اسم على ~~هذا الوجه، وليس كذلك. # وقد يقال في الجواب: # أما عن الأول: فبأن هذه الألفاظ لم تعهد مزيدة للتنبيه، والدلالة على ~~انقطاع كلام واستيناف آخر أمر لازم لها ولغيرها، من حيث إنها فواتح ~~السور، ولا يقتضي ذلك أن " يكون لها معنى في حيزها ولم يستعمل ~~للاختصار من كلمات معينة. أما الشعر فشاذ. وأما قول ابن عباس فتنبيه ~~على أن الحروف منبع الأسماء ومبادئ الخطاب وتمثيل بأمثلة حسنة، ألا ترى ~~أنه عد كل حرف من كلمات متباينة لا تفسير ولا تخصيص بهذه المعاني ~~دون غيرها، إذ لا مخصص لفظا ومعنى، ولا بحساب الجمل فيلحق بالمعربات. # والحديث الذي نقله أبو العالية لا دلالة فيه. لجواز أن تبسم رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) تعجبا من جهلهم. # وجعلها مقسما به، وإن كان غير ممتنع، لكنه يحوج الى إضمار أشياء ~~لا دليل عليها. # وأما الحمل على شيء مما ذكره المفسرون، فغير لازم، لأنهم ذكروا ~~وجوها مختلفة وليست دلالة هذه الألفاظ على بعض ما ذكروه أولى من دلالتها ~~على غيره، فإما أن يحمل على الكل وهو متعذر للاجماع المركب، أو لا ~~يحمل على شيء منها وهو الباقي. # وأما عن الثاني: فبأن التسمية بثلاثة أسماء إنما يمتنع إذا ركبت ~~وجعلت إسما واحدا على طريق " بعلبك " ، فأما إذا نثرت نثر أسماء ~~العدد، فذلك جايز، فإن سيبويه قد نص ms0137 على جواز التسمية بالجملة، ~~والبيت من الشعر، وطائفة من أسماء حروف المعجم. # وأما عن الثالث: فبأن الاسم لفظ دال على أمر مستقل بنفسه، غير ~~مقترن الدلالة بهيئته على زمان، ولفظ الإسم - كلفظ زيد مثلا - كذلك، ~~فيكون الاسم إسما لنفسه، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون جزء الشيء ~~إسما له. # أقول: وهذا الجواب مما ذكره صاحب التفسير الكبير وهو كما ترى، فإن ~~الكلام في الاسم الدال على معنى بالوضع، ودلالة الإسم على نفسه ليس ~~بالوضع، وإن كان هو في نفسه موضوعا. # وقد يجاب - كما ذكر البيضاوي - بأن الجزء مقدم من حيث ذاته، ~~ومؤخر باعتبار كونه إسما فلا دور. # أقول: هذا أيضا فاسد، فإن الكلام في أن هذه الألفاظ التي هي أجزاء ~~السور، وهي من الموضوعات اللغوية، لا معنى لها إلا كونها أسماء للسور، ~~فإذا كان تقدمها على السور من حيث ذاتها لا من حيث كونها أسماء، لكانت ~~قبل تمام السورة غير موضوعة لمعنى أصلا فتكون مهملة، سيما وهذا التقدم ~~زماني، لأن السور والآيات وسائر أقسام الكلام إنما هي تدريجية ~~الوجود زمانية الحدوث. # وأما عن الرابع: بأنه لا بعد في أن يصير القلب أكثر شهرة من أصل ~~الاسم فكذا ها هنا. # وأما عن الخامس: فبأنه لا يبعد أن يكون في تسمية السور الكثيرة باسم ~~واحد، ثم تمييز كل واحد منها بعلامة اخرى، حكمة خفية. # وأما عن السادس: فبأن وضع الإسم إنما بحسب الحكمة، ولا يبعد أن تقتضي ~~الحكمة وضع الإسم لبعض السور دون بعض. # أقول: إذا كان الغرض من هذه الألفاظ مجرد التسمية للتمييز والتعيين، ولم ~~يكن لها معنى آخر، يلزم الترجيح من غير مرجح في تسمية بعض السور ببعض ~~هذه الحروف دون بعض. # ثم أقول: ويرد على أصل الدليل بحث آخر لم يكن مذكورا في التفاسير، ~~وهو: إن قول المستدل: لو لم تكن هذه الألفاظ أعلاما، لكانت موضوعة ~~للمعاني، وظاهر أنها ليست كذلك، ممنوع، والسند ما سنذكره عن قريب إنشاء ~~الله. # حكمة قرآنية # [تفسير الحروف المقطعة حسبما قاله ابن ms0138 سينا] # اعلم - هداك الله تعالى إلى فهم آياته - أن شيخ فلاسفة الإسلام ذهب في ~~رسالة سماها بالنيروزية، إلى أن هذه الحروف أسماء للحقائق الذاتية، ~~بعضها لذات الله تعالى مطلقا، وبعضها لذاته مضافة الى ما أبدعه، وبعضها ~~لمبدعاته مطلقة، وبعضها لها مضافة على الوجه الذي سنذكره، وأقسم الله ~~بهذه الأشياء العظيمة تكريما وتعظيما، ونحن اخترنا مذهبه وتتبعنا ~~أثر كلامه في هذا المرام. # فنقول: لا شبهة أن الله قد أوجد الموجودات المتأصلة على ترتيب ونظام، ~~الأول والثاني والثالث على ترتيب مراتب العدد. لأنه ليس في قوة الكثرة ~~أن تظهر عنه تعالى أولا، كما ليس في قوة الزمان أن يوجد عنه في آن ~~دفعة، ولا في استطاعة الجسم أن يتكون عنه مبدعا، فالترتيب يرتقي ~~بالكثير إلى الواحد الحقيقي بحيث لا تنثلم به وحدته. # وكما ان الواحد مبدأ الأعداد والكثرات كلها على الترتيب الأبسط ~~فالأبسط، فكذلك البار جل كبرياؤه، مبدع الأشياء كلها على ترتيب الأبسط ~~فالأبسط، وهو فاعل الإنيات المتأصلة والأنواع الكاملة قبل شخصياتها ~~الزمانية على الترتيب الإلهي الإبداعي، والنظم الرباني الأحدي أولا ~~وثانيا وثالثا. # وكلما كان الوجود فيه أشرف، كانت الوحدة فيه أتم، وكان في درجة ~~الاستفادة للوجود أقدم، وهكذا إلى أن ينتهي الترتيب النزولي إلى ~~الموجودات الزمانية والمكانية من الجزئيات المتكثرة في التشخص، ~~المتحدة في المعنى والحقيقة، وهي بمنزلة ظلال وأشباح لما في العالم ~~الأعلى الإلهي من الحقائق المتأصلة التامة، التي لا ينفك تمامها عن ~~بدوها. # وإذا سألت عن شيء منها بما هو ولم هو، كان الجواب عنهما واحدا، لأنه ~~تام الوجود لا يعوزه شيء من وجوده، ومن كمال وجوده عنه. # فلكل منها مرتبة خاصة من الوجود لا يمكن أن يتعداه سابقا أو ~~لاحقا، إذ كون كل منهما في مرتبته كالمقوم لذاته، وكما أن الأولية ~~عين ذات المبدإ تعالى، فكذا الثانوية للموجود الذي بعده بعدية ذاتية ~~والثالثية للموجود الذي بعده بوسط واحد، بعدية بالذات، وهكذا الرابع ~~والخامس الى أقصى الوجود. # ثم إن أشرف الموجودات الواقعة بعد مرتبة الواحد الحق الأول، هو عالم ms0139 ~~العقل والملائكة المقربين. # وهذا العالم جملة مشتملة على موجودات قائمة بلا مواد خالية عن ~~القوة والاستعداد، عقول قادسية طاهرة، وصور مجردة باهرة، ليس في ~~طباعها أن تتغير أو تتكثر أو تتحيز، كلها كشخص واحد متصلة اتصالا ~~روحانيا. # وكلها عشاق إلهيون، مشتاقون الى الأول والاقتداء به، والإظهار ~~لأمره، والابتهاج به، والقرب العقلي منه. # وهم مبتهجون بذات الأول لا بذواتهم، شاعرون به ذاهلون عن ذواتهم، ~~لاضمحلال ظلال إمكاناتهم تحت سطوح النور الأحدي وكبرياء جلاله. # ثم الواقع في ثالث المراتب العددية الذاتية، وجود العالم النفسي ~~من لدن نفس الفلك الأعظم الى النفوس المتعلقة بالأبدان البشرية، ~~والقوالب الإنسية. # فعالمها مشتمل على جملة كثيرة من ذوات معقولة، ليست مفارقة للمواد ~~كل المفارقة، ولا مواصلة لها كل المواصلة، بل هي ملابستها ضربا من ~~الملابسة، ومواد الصنف المتعلق منها بالسماويات، مواد دائمة الحرمة ~~الدورية بإذن الله، وتسخيره للملائكة المدبرة إياها، الحافظة لصورها ~~المحركة لها تشوقا الى الله، وتقربا منه وطاعة إياه. # ولها في طباعها نوع من التغير، ونوع من التكثر، لا مطلقا كالأجرام ~~الاسطقسية. # ثم الواقع في رابع المراتب عالم الطبيعة، ويشتمل على قوى سارية في ~~الأجرام ملابسة للمادة على التمام، وهي دائمة التجدد والزوال، سيالة ~~الذوات متجددة الهويات، تفعل الحركات الذاتية والسكنات في إحدى ~~المقولات من الأين والوضع والكم والكيف. # أما الحركة، فإذا لحقها ضرب من التغير من جهة عارض غريب، وأما ~~السكون، فعندما لم يلحقها عارض غريب. # وبعد مرتبتها وجود العالم الجسماني المنقسم إلى أثيري وعنصري، ~~وخاصية الأثيري؛ استدارة الشكل والحركة، واستغراق الصور للمواد، ~~وخلو الجوهر عن التضاد. وخاصية العنصري؛ التهيؤ للأشكال المختلفة ~~والأحوال المتغايرة، وانقسام بين صورتين متضادتين، أيهما كانت بالفعل ~~كانت الأخرى بالقوة. # وليس وجود احداهما لها دائما، بل وجودا زمانيا ومباديه الفعالة فيه ~~من القوى المساوية بتوسط الحركات، وبسبق كماله الأخير أبدا بالقوة. # ويكون ما هو أول فيه بالطبع، آخرا في الشرف والفضل، ولكل واحدة من ~~القوى المذكورة اعتبار بذاته واعتبار بالإضافة الى تاليه الكائن عنه، ~~ونسبة الثواني كلها إلى الأول بحسب ms0140 الشركة نسبة الإبداع. # وأما على التفصيل، فيخص العقل نسبة الإبداع، ثم إذا قام متوسطا ~~بينه وبين الثوالث صار له نسبة الأمر، واندرج فيه معه النفس، ثم كان ~~بعده نسبة الخلق. # وللأمور العنصرية بما هي كائنة فاسدة نسبة التكوين والابداع، يختص ~~بالعقل، والأمر يفيض منه الى النفس، والخلق يختص بالموجودات الطبيعية، ~~ويعم جميعها، والتكوين يختص بالكائنة الفاسدة منها. # وإذا كانت الموجودات بالقسمة الكلية إما روحانية وإما جمسانية، ~~فالنسبة الكلية للمبدإ الحق إليها، أنه الذي له الخلق والأمر، ~~فالأمر متعلق بكل ذي إدراك، والخلق بكل ذي تسخير، وهذا هو الغرض في ~~هذا الفصل. # فصل آخر # في الدلالة على كيفية دلالة الحروف على هذه المراتب الوجودية # إن من الضرورة أنه إذا أريد الدلالة على هذه المراتب بالحروف، أن ~~يكون الأول منها في الترتيب القديم - وهو ترتيب " أبجد هوز " إلى آخره ~~- دالا على الأول وما يتلوه، وأن يكون الدال على ذوات هذه المعاني من ~~الحروف متقدما على الدال عليها من جهة ما هي مضافة، وأن يكون المعنى ~~المرتسم من إضافة بين اثنين منها مدلولا عليه بالحرف الذي يرتسم من ضرب ~~الحرفين الأولين أحدهما في الآخر، اعني ما يكون من ضرب عددي الحرفين ~~أحدهما في الآخر، وأن يكون ما يحصل من العدد الضربي مدلولا عليه بحرف ~~واحد مستعملا في هذه الدلالة مثل (ك) الذي هو من ضرب (ي) في (ب). # وما يصير مدلولا بحرفين - مثل (يه) من ضرب (ج) في (ه) ومثل (كه) الذي ~~هو من ضرب (ه) في (ه) - مطرحا لأنه مشكك توهم دلالة كل واحد من (ي) و ~~(ه)، ويقع هذا الاشتباه في كل حرفين مجتمعين لكل واحد منهما خاص دلالته ~~في حد نفسه، وان يكون الحرف الدال على مرتبة من جهة أنها بواسطة ~~مرتبة قبلها من جميع حروف المرتبتين. # فإذا تقرر هذا، فإنه ينبغي ضرورة أن يدل بالألف على الباري، ~~وبالباء على العقل، وبالجيم على النفس، وبالدال على الطبيعة؛ هذا إذا ~~أخذت بما هي ذوات، وبالهاء على الباري، وبالواو على العقل، وبالزاي ms0141 على ~~النفس، وبالحاء على الطبيعة، هذا إذا اخذت بما هي مضافة الى ما دونها. # وبقي الطاء لهيولى وعالمه، وليس له وجود بالإضافة الى شيء تحته، ~~وينفد رتبة الآحاد ويكون الابداع، وهو من إضافة الأول الى العقل ذات لا ~~مضاف الى ما بعده مدلولا عليه بالياء، لأنه من ضرب (ه) في (ب)، ولا يحصل ~~من إضافة الباري أو العقل الى النفس عدد يدل عليه بحرف واحد، لأنه (ه) ~~في (ج) يه، و (و) في (ج) يح، ويكون الأمر وهو من إضافة الأول الى العقل، ~~مضافا مدلولا عليه باللام، وهو من ضرب (ه) في (و). # ويكون الخلق، وهو من إضافة الأول الى الطبيعة بما هي مضافة، مدلولا ~~عليه بالميم، وهو من ضرب (ه) في (ح)، لأن الحاء دلالة الطبيعة مضافة. # ويكون التكوين، وهو من إضافة الباري إلى الطبيعة وهو ذات، مدلولا عليه ~~بالكاف، ويكون جميع نسبتي الأمر والخلق - أعني ترتيب الخلق بواسطة ~~الأمر، أعني اللام والميم - مدلولا عليه بحرف (ع)، وجميع نسبتي الخلق ~~والتكوين كذلك - أعني الميم والكاف - مدلولا عليه بالسين، ويكون مجموع ~~نسبتي طرفي الوجود - أعني اللام والكاف - مدلولا عليه بالنون، ويكون ~~جميع نسبته الأمر والخلق والتكوين - أعني كاف ولام وميم - مدلولا عليه ~~بصاد. # ويكون اشتمال الجملة في الابداع - أعني (ي) في نفسه (ق) - وهو أيضا من ~~جمع (صاد) و (ي). # ويكون ردها إلى الأول، الذي هو مبدأ الكل ومنتهاه، على أنه أول وآخر - ~~أعني فاعلا وغاية كما بين في الإلهيات - مدلولا عليه بالراء ضعف ~~(ق)، وذلك هو الغرض في هذا الفصل. # فصل آخر في الغرض # فإذا تقرر ذلك فنقول: إن المدلول عليه (بالم) هو القسم بالأول ذي ~~الأمر والخلق. و (بالمر) القسم بالأول ذي الأمر والخلق، وهو الأول ~~والآخر والأمر والخلق والمبدأ الفاعلي والمبدأ الغائي جميعا، و ~~(بالمص) القسم بالأول ذي الأمر والخلق والمنشىء للكل. # و (بص) القسم بالعناية الكلية. و (بق) القسم بالابداع المشتمل على ~~الكل بواسطة الابداع المساوي للعقل. # و(بكهيعص) القسم بالنسبة التي للكاف - أعني عالم التكوين - إلى ms0142 ~~المبدء الأول، وبنسبة الإبداع الذي هو (ي)، ثم الخلق بواسطة الأمر وهو ~~(ع)، ثم التكوين بواسطة الخلق والأمر وهو (ص)، فبين (ك) و (ه) ضرورة ~~نسبة الإبداع، ثم نسبة الخلق والأمر، ثم نسبة التكوين والخلق والأمر. # و (يس) قسم بأول الفيض والابداع وآخره، وهو الخلق والتكوين. # و (حم)، قسم بالعالم الطبيعي الواقع في الخلق. # و (حم عسق) قسم بمدلول وساطة الخلق في وجود العالم الطبيعي، ~~وما يخلق بينه وبين الأمر بنسبة الخلق إلى الأمر، ونسبة الخلق الى ~~التكوين، وبأن يأخذ من هذا ويرده الى ذلك، فيتم به الإبداع الكلي ~~المشتمل على العوالم كلها، فإنها إذا اخذت على الإجمال، لم يكن لها ~~نسبة إلى الأول غير الابداع الكلي الذي يدل عليه (بق). # و (طس) يمين بعالم الهيولى الواقع في الخلق والتكوين. # و (ن) قسم بعالم وعالم الأمر، أعني لمجموع الكل. # ولا يمكن أن يكون للحروف دلالة غير هذا ألبتة، ثم بعد هذا أسرار تحتاج ~~الى المشافهة. فهذا غاية الكلام الواقع في هذا المرام والله أعلم بأسرار ~~كتابه وهو علام الغيوب. # فصل # في أحوال أواخرها من حيث الإعراب # قد مر ان أسماء الحروف - ما لم تلها العوامل - موقوفة خالية عن ~~الإعراب، لفقد موجبه، لا لأنها ليست قابلة له، بل هي معربة معرضة ~~للإعراب غير مبنية. # وأما هل لهذه الفواتح محل للإعراب أم لا فنقول: إن جعلت أسماء لذات ~~الله وآياته - كما اخترناه - أو للسور، كان لها حظ من الإعراب ~~المحلي، ويجري فيه الوجوه الثلاثة: # أما الرفع فعلى الإبتداء والخبر، وأما النصب فبتقدير فعل القسم على ~~طريقة: " الله لأفعلن كذا " بالنصب، أو بتقدير فعل آخر: كاذكر ونحوه. # وأما الجر، فعلى إضمار حرف القسم، وهي في ذلك على ضربين: أحدهما: ما ~~يتأتى فيه الإعراب لفظا، وهو إما أن يكون إسما فردا كصاد وقاف ونون، ~~أو موازنا لمفرد وإن كان أسماء متعددة كحاميم وطاسين وياسين، فانها على ~~زنة قابيل، وكذلك طسم تتأتى فيها أن يفتح نونها ويصير ميم مضمومة إلى ~~طاسين، فيجعلا إسما واحدا كدار ms0143 أجرد والثاني ما لا يتأتى فيه الإعراب ~~نحو: (كهيعص) و (المر). # أما النوع الأول فيسوغ فيه الأمران: الإعراب والحكاية، قال الشاعر: # يذكرني حاميم والرمح شاجر # فهلا تلا حاميم قبل التقدم # فاعرب حاميم، ومنعها من الصرف لاجتماع السببين فيها: العلمية ~~والتأنيث، وهكذا كل ما أعرب من أخواتها. # وأما النوع الثاني، فهو محكي لا غير، وإن أبقيتها على معانيها ~~الحرفية، فإن قدرت بالمؤلف من هذه الحروف كان في حيز الرفع بالابتداء ~~والخبر. # وإن جعلتها مقسما بها، تكون كل كلمة منها منصوبة أو مجرورة على ~~اللغتين المذكورتين في (الله أفعلن كذا)، ويكون جملة قسمية بالفعل ~~المقدر له. # وإن جعلتها أبعاض كلمات، أو أصواتا نازلة منزلة حروف التنبيه، لم يكن ~~لها محل من الإعراب، كالجمل المبتدأة، والمفردات المعدودة، ويوقف ~~عليها وقف التمام إذا قدرت بحيث لا يحتاج الى ما بعدها. # ولقائل أن يقول: فما وجه قراءة من قرأ: صاد وقاف ونون، مفتوحات. # قلنا: الأولى كون ذلك نصبا لا فتحا، وإنما لم يصحبها التنوين ~~لامتناعها من الصرف على ما مر، وانتصابها بتقدير فعل القسم، كما هو ~~المختار، أو بنحو: اذكر. # وقد أجاز سيبويه مثل ذلك في حم وطس ويسلو قرأ به. # وحكى السيرافي إن بعضهم قرأ ياسين (بالفتح) ويجوز أن يقال: حركت ~~لالتقاء الساكنين كما قرىء: ولا الضالين. # تنبيهات: # الأول: ما وجه ان هذه الأسامي مكتوبة في المصاحف على صور الحروف ~~المسميات، مع ان الملفوظ والمكتوب من حقائق الأشياء، أسماؤها لا ~~مسمياتها. # قلنا: لأن العادة جارية في أنها متى تهجيت أن تلفظ بالأسماء، ومتى ~~كتبت أن تكتب بالحروف أنفسها، وقد اتقفت في خط المصحف أشياء خارجة ~~عن مقائيس علم الخط والهجاء، ولا ضير في ذلك ولا نقص، لاستقامة اللفظ ~~وبقاء الحفظ. # وكان اتباع خط المصحف سنة معمولا بها، على أن شهرة أمرها، وإقامة ~~الألسن لها، وأن التلفظ بها لا على نهج التهجي، غير مفيد لمعنى، وان ~~بعضها مفرد لا يخطر ببال غير ما هو عيله من مورده، أمنت وقوع اللبس فيها. # الثاني: ليس شيء من ms0144 هذه الفواتح آية عند من عدا الكوفيين، وأما عندهم ~~فبعضها آية واحدة كالم في مواقعها وهي ستة، والمص، وكهيعص، وطه، ~~وطسم، وحم، ويس. وبعضها وهو حم عسق آيتان. والبواقي ليست بآيات، ~~وهذا علم توقيفي لا مجال للقياس فيه. # الثالث: هل يجوز إرادة القسم في المحكية كما جاز في المعربة؟ نعم، ولك ~~أن تقدر حرف القسم مضمرا في نحو قوله تعالى: # حم والكتاب المبين # [الدخان:1-2]. كأنه قيل: أقسم بهذه السورة وبالكتاب المبين، { إنا ~~جعلناه... } # وأما قوله (صلى الله عليه وآله): حم لا ينصرون فيصلح أن يكون منصوبا ~~ومجرورا، جميعها على حذف الجار وإضماره. ### || [2.2] # قوله جل اسمه: # ذلك الكتاب لا ريب فيه # " ذلك " اسم مبهم يشار به الى البعيد، فإن كان اشارة الى ما في اللوح ~~المحفوظ أو الى القرآن باعتبار كونه في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: # وإنه في أم الكتاب لدينا # [الزخرف:4] سواء كان الم اسما للقرآن أو السورة، أو مقسما به، كما ~~اخترناه، فيكون إشارة الى البعيد ما هو الرسم. # وأما إذا جعل إشارة الى الم وأول بالمؤلف من هذه الحروف، أو فسر ~~بالسورة، أو القرآن الموجود بين أظهرنا، ففي الإشارة الى القريب الحاضر ~~بما يشار الى البعيد الغائب لا بد من وجه. # وقد ذكروا فيه وجوها: # أحدها: إنه وقعت الإشارة الى الم بعدما سبق التكلم به وتقضى ~~والمقتضي في حكم المتباعد. # وثانيها: إنه لما وصل من المرسل الى المرسل إليه وقع في حد البعد ~~عنه. # وثالثها: إن القرآن وإن كان حاضرا الى ظاهره وصورته، لكنه غائب نظرا ~~إلى أسراره ومعانيه، لاشتماله على علوم عظيمة وحكم كثيرة يتعسر ~~اطلاع القوة البشرية عليها، يل يتعذر في هذه النشأة فيجوز أن يشار ~~إليه كما يشار الى البعيد الغائب. # ورابعها: إن الله تعالى وعد رسوله (صلى الله عليه وآله) عند مبعثه ~~أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء، وهو (صلى الله عليه وآله) أخبر ~~أمته بذلك، ويؤيده قوله: # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # [المزمل:5] في سورة المزمل وهي إنما نزلت في ابتداء ms0145 المبعث. # وخامسها: إنه تعالى خاطب بني إسرائيل؛ لأن سورة البقرة مدنية، ~~وأكثرها احتجاج على اليهود، وقد كانت بنو اسرائيل أخبرهم موسى وعيسى ~~(عليهما السلام) أن الله يرسل محمدا (صلى الله عليه وآله) وينزل عليه ~~كتابا، فقال تعالى: { ذلك الكتاب } ، أي الذي أخبر به الأنبياء ~~المتقدمون أن الله سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل. # وسادسها: ما قاله الأصم: إن الله تعالى أنزل الكتاب بعضه بعد بعض، ~~فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة، وهي كل ما نزل بمكة مما فيه ~~الدلالة على التوحيد وعلم المعاد، وعلم النفس، وإثبات النبوة، وأحوال ~~الملائكة والجن، وعلم السماء والعالم وغير ذلك. فقوله " ذلك " ~~إشارة الى تلك السور والآيات التي نزلت قبل هذه السورة، وقد يسمى بعض ~~القرآن قرآنا كما في قوله تعالى: # وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا # [الأعراف:204] وقال تعالى: حاكيا عن الجن: # إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى # [الأحقاف: 30] وهم ما سمعوا إلا البعض. # واعلم أن أصل ذلك وهذا " ذا " وهي كلمة إشارة زيدت الكاف عليها للخطاب، ~~واللام للتوكيد، والهاء للتنبيه، فأصلهما واحد، فإذا قرب الشيء أشير ~~إليه فقيل: " هذا " اى تنبه أيها المخاطب، فيشبه أن يكون دلالة ذلك ~~على البعيد عرفا طاريا على أصل الوضع للقرينة التي ذكرناها. # و " الكتاب " أصله: الكتب. وهو الجمع، ومنه " الكتيبة " للجند لانضمام ~~بعضهم الى بعض، وهو مصدر بمعنى المكتوب، كالحساب، وقيل: سمي به المفعول ~~مبالغة ثم عبر عن المنظوم لفظا قبل أن يكتب، لأنه مما يكتب، كما يقال ~~للمكتوب: كلام، باعتبار انه ما كان قبل الكتابة. # وقد مر في المفاتيح إنهما واحد بالذات مختلفان بالإضافة وهو اسم ~~للقرآن وله أسماء كثيرة: الكتاب، والقرآن، والفرقان والذكر: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف:44]. # والتذكرة: # وإنه لتذكرة للمتقين # [الحاقة:48]. # والذكرى: # فإن الذكرى تنفع المؤمنين # [الذاريات:55]. # والتنزيل: # وإنه لتنزيل رب العالمين # [الشعراء:192]. # والحديث: # الله نزل أحسن الحديث # [الزمر:23]. # والموعظة: # قد جآءتكم موعظة من ربكم # [يونس:57]. # والشفاء: # وشفآء لما في الصدور # [يونس:57]. # والحكم: # وكذلك أنزلناه حكما عربيا # [الرعد:37]. # والحكمة: # حكمة بالغة ms0146 # [القمر:5]. # والحكيم: # يس والقرآن الحكيم # [يس:1 - 2]. # والحبل: # واعتصموا بحبل الله جميعا # [آل عمران: 103]. # والروح: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى:52]. # والبرهان: # قد جآءكم برهان من ربكم # [النساء:174]. # والكريم: # إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون # [الواقعة:77 - 78] والعظيم: # آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم # [الحجر:87]. # والفصل: # إنه لقول فصل # [الطارق:13]. # والهدى: { هدى للمتقين } (2). # والمهيمن: # وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه # [المائدة:48]. # وغير ذلك كثير كما يظهر بالمراجعة إلى القرآن. # فصل # في اتصال قوله: { الم } ، بقوله: { ذلك الكتاب } ، قال صاحب ~~الكشاف: إن جعلت الم اسما للسورة، ففي التأليف وجوه: أن يكون الم ~~مبتدءا وذلك متبدءا ثانيا؛ والكتاب خبره، والجملة خبر المبتدإ الأول. ~~ومعناه: إن ذلك هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ~~ناقص، وانه الذي يستأهل أن يسمى كتابا، كما تقول: هو الرجل، أي الكامل ~~في الرجولية، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال. # وأن يكون الكتاب صفة، ومعناه: " هو ذلك الكتاب الموعود " ، وأن يكون " ~~الم " خبر مبتدإ محذوف، أي: " هذه الم } ويكون " ذلك " خبرا ثانيا، ~~أو بدلا على أن يكون " الكتاب " صفة. # وأن يكون " هذه الم " جملة، و " ذلك الكتاب " جملة أخرى وإن جعلت ~~الم بمنزلة الصوت، كان ذلك بمتدأ خبره " الكتاب " أي ذلك الكتاب المنزل ~~هو الكتاب الكامل، او " الكتاب " صفته والخبر ما بعده. أو قدر مبتدأ ~~محذوف، أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف ذلك الكتاب. # وقرأ عبد الله الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه، وتأليف هذا ظاهر، انتهى ~~كلامه. # وعلى ما اخترناه من كون " الم جملة قسمية إما أن يكون " ذلك " مبتدأ ~~و " الكتاب " خبره، أو عطف بيان، أو صفة له، أو بدل منه، و " لا ريب فيه ~~" جملة في مضوع الخبر، والمعنى أقسم بالله ذي الخلق والأمر ان ذلك ~~الكتاب هو الكتاب الذي لا ريب فيه، لأن علومه برهانيات لا يعتريها ~~تبديل وتغيير ولا نسخ وتحريف، ومقدماتها يقينيات لا يشوبها شك وشبهة ~~ولا يشوشها وهم وريب. # وأما ms0147 جعل " لا ريب " فيه في موضع الحال، وعاملها إسم الإشارة، وجعل " ~~هدى " خبرا عن ذلك الكتاب، فلا يخلو عن بعد. # فصل # الريب: قريب من الشك، وفيه زيادة، كأنه ظن بشيء، تقول: رابني أمر ~~فلان، إذا طننت به. # ومنه قوله (صلى الله عليه وآله): # " دع ما يريبك الى ما لا يريبك ". # وأما قولهم: ريب الأمر، وريب الزمان لحوادثه، كقوله تعالى: # نتربص به ريب المنون # [الطور:30]، وقول الشاعر: # قضينا من تهامة كل ريب # وخيبر ثم أجمعنا السيوفا # في معنى ما يختلج في القلب من أسباب الغيظ وقلق النفس واضطرابها، فهما ~~يرجعان أيضا إلى معنى الشك، لأن الشك ريبة، والعلم طمأنينة، وما يخاف ~~به من ريب المنون أمر محتمل فهو كالمشكوك فيه. وكذلك ما اختلج فيه ~~القلب وتعلقت به النفس فهو غير مستيقن. # أقول: إعلم أن الإمكان والشك يجريان مجرى واحدا، كما ان الوجوب ~~والعلم اليقيني يجريان مجرى واحدا، إلا أن الأولين حال الوجود ~~العيني، والأخيرين حال الوجود العلمي، وإذا كان الموجود عين المعلوم، فقد ~~كان الوجوب عين العلم، كما في علم الباري بذاته، وبالأمور الصادرة عن ~~ذاته من جهة علمه بذاته. # وكذلك قد يكون الإمكان عين الشك، كما في إدراكنا الأشياء المحسوسة ~~والمتغيرة، فقوله لا ريب فيه، المراد منه نفي كونه مظنة الريب بوجه ~~من الوجوه - لكونه من العقليات الدائمة الموجودة في علم الله وفي ~~اللوح المحفوظ - من التغير والنسخ، وسائر الكتب ليست كذلك، لأنها ككتاب ~~المحو والإثبات قابلة للنسخ والتبديل. # وإنما قلنا " لا ريب فيه " يراد منه نفي الريب بالكلية، لأن " لا " ~~نفي لماهية الريب وجنسها، ونفي الماهية يقتضي نفي كل فرد من أفرادها، ~~لأنه لو ثبت فرد من أفرادها، لثبتت الماهية معه، وذلك يناقض نفيها ~~بالكلية. # ولهذا السر كان قولنا: لا إله إلا الله، نفيا لجميع الآلهة سوى ~~الله. # وأما قراءة " لا ريب فيه " بالرفع، نقيض قولنا: ريب فيه، كما قرأها ~~ابو الشعثاء، فذلك النفي لا يوجب انتفاء جميع الأفراد، لأنه ليس لنفي ~~الماهية، بل لنفي فرد من الأفراد، وهو ms0148 لا ينافي ثبوت فرد آخر. # واعلم أنه إذا جعل " ذلك الكتاب " إشارة الى القرآن الحاضر عندنا، ~~فيكون معنى " لا ريب فيه ": أنه لوضوحه وسطوع برهانه بحيث لا يرتاب ~~العاقل بعد إمعان النظر الصحيح والفكر السليم في كونه وحيا من عند ~~الله، بالغا حد الإعجاز، لا ان أحدا لا يرتاب فيه، فليس المراد نفي ~~الريب على سبيل الاستغراق فيه، إذ كم من مرتاب فيه. # بل المراد نفي كونه مظنة للريب ومتعلقا له. # ألا ترى الى قوله: # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فأتوا بسورة من مثله # [البقرة:23] الآية، فإنه ما أبعد وجود الريب عنهم، بل بين لهم الطريق ~~الى أزاحة ذلك عن أذهانهم، وهو أن يجتهدوا ويجربوا نفوس أمثالهم في ~~معارضة نجم من نجومه، وهم أمراء الكلام وزعماء المحاورة، ويبذلوا غاية ~~جهدهم في مقابلة سورة من سوره، وهم فرسان اللسان والمتهالكون على ~~الافتنان في القصائد والرجز، حتى إذا عجزوا عنها تحقق لهم أن ليس في ~~كونه بالغا من الجزالة وحسن النظم المبالغ التي بذت بلاغة كل ناطق، ~~وشقت غبار كل سابق، محال للشبهة ولا مدخل للريبة. # ليعلموا أنه لم يتجاوز الحد الخارج من قول الفصحاء، ولم يقع وراء ~~مطامح عيون البصراء، إلا لأنه ليس بكلام البشر، وأنه كلام خالق ~~القوى والقدر. # وقيل: معناه: لا ريب فيه للمتقين، و " هدى " حال من الضمير المجرور، ~~والعامل فيه الظرف الواقع صفة للمنفي. # أقول: وهذا كقولك لمن يباحثك في مقدمة علمية: ما قلته لك أمر بديهي ~~عند من يهتدي به من العقول الصحيحة والقلوب السليمة. # وأما النكتة في تقدير " الريب " ها هنا على الظرف، وتأخير " الغول " ~~عنه في قوله: # لا فيها غول # [الصافات:47]، فهي أن الأهم ها هنا نفي الريب بالكلية عن الكتاب، ولو ~~قلت: لا فيه ريب، لأوهم أن هناك كتابا آخر حصل فيه الريب، كما قصد في ~~قوله: لا فيها غول، تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا ~~تغتال العقول كما يغتال خمر الدنيا. # تنبيه # الوقف على " فيه " هو المشهور، ms0149 وعن نافع وعاصم انهما وقفا على " ريب " ~~ولا بد لهما أن ينويا خبرا، ونظيره قولك: لا ضير ولا بأس. فالتقدير: ~~لا ريب فيه؛ فيه هدى. # قيل: إن القراءة المشهورة أولى، لأن كون الكتاب نفسه هدى أولى ~~من أن يكون فيه هدى، وأوفق لما تكرر في تسمية القرآن من أنه نور ~~وهدى. قوله جل اسمه: # هدى للمتقين # إعلم أنه من جملة الأوصاف التي امتاز بها القرآن عن سائر الكتب النازلة ~~على الأنبياء السابقين - صلوات الله على نبينا وعليهم اجمعين - أن ~~القرآن نفسه هدى ونور، لأن المراد منهما، الحاصل بالمصدر، وسائر ~~الكتب فيها هدى ونور، كما في قوله تعالى: # أنزلنا التوراة فيها هدى ونور # [المائدة:44]. وقال في حق القرآن: # قد جآءكم من الله نور وكتاب # [المائدة:15]. وقال: # ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء # [الشورى:52]. # وأما قوله: # وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس # [آل عمران:3 - 4]. فليس فيه نصوصية على كونها هدى، لاحتمال أن يكون " ~~هدى " حالا من ضمير " أنزل ". # وكذا قوله: # قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى نورا ~~وهدى للناس # [الأنعام:91]. لاحتمال كونه حالا من فاعل أنزل أو جاء. # والفرق الآخر، أن القرآن هدى للمتقين، لم يكاشف بأسراره عند تجلي ~~أنواره إلا الخواص والمقربون من عباده، وهم المحبوبون وأهل المشية ~~الإلهية كما قال: # نهدي به من نشآء من عبادنا # [الشورى:52]. # وأما سائر الكتب فيشارك في هداها الجمهور من الناس لقوله: # هدى للناس # [البقرة:185]. والقرآن أيضا لاشتماله على الكتاب لما قد مر أنه كلام ~~وكتاب جميعا، يشارك في هداه الناس، وكذا قال تعالى: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ~~وبينات # [البقرة:185]. وقد مر في المفاتيح نظير هذا المرام. # والهدى في الأصل مصدر على وزن فعل كالسرى والبكا، ومعناه ~~الدلالة. وقيل: بل الدلالة الموصلة الى المطلوب. والكلام من الجانبين ~~مذكور والانتقاض بالآيتين مشهور. # قال صاحب الكشاف: هو الدلالة الموصلة الى البغية، واستدل عليه بوجوه ~~ثلاثة: # بوقوع الضلالة في مقابله، قال تعالى: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى # [البقرة:16]. وقال: # لعلى ms0150 هدى أو في ضلال مبين # [سبأ:24]. وبأنه يقال " مهدي " في موضع المدح كمهتدي. ولو لم يكن من ~~شرطه الايصال، لم يكن الوصف بالهدى مدحا لأحد، لاحتمال انه هدي فلم ~~يهتد، وبأن " اهتدى " مطاوع " هدى " ، ولن يكون المطاوع على خلاف معنى ~~أصله، كما يقال: كسرته فانكسر، وغممته فاغتم. # والجواب عن الأول: إن الفرق بين الهدى والاهتداء معلوم، فمقابل ~~الهدى الإضلال، لا الضلال. # وعن الثاني: المنتفع بالهدى يسمى مهديا، لأن الوسيلة إذا لم ~~تفض إلى المقصود، كانت نازلة منزلة المعدوم. # وعن الثالث: بالنقض، فإن الإيتمار مطاوع للأمر، يقال: امرته فأتمر، ~~وليس من شرط الأمر حصول الايتمار. وبالمعارضة بقولك: هديته فلم يهتد. # تحقيق فيه اشارة # [الهداية وكون القرآن هدى] # واعلم أن أفاعيل المبادي الذاتية والعوالي الفعالة، وإن كانت من ~~قبلها عامة تامة لازمة الآثار والنتائج ليست فيها شائبة قوة ونقص ~~وفتور، إلا أنها قد يتخلف عنها الأثر والنتيجة لا لقصور من جانب الفاعل ~~وعدم تمامية وكمالية، بل لضعف القابل، أو لسوء استعداده، أو انحرافه عن ~~جهة القبول. # ومنها الهداية، كإنزال القرآن ونحوه من الله والقرآن عين الهدى، بمعنى ~~الحاصل بالمصدر كما مر، والله هو الهادي للعباد كلهم دائما بالذات، ~~لأن شأنه الرحمة والجود، ودأبه إفاضة الخير والوجود على الجميع من غير ~~فتور من قبله، إلا ان القوابل متفاوتة، # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة:26]. # إذ المراد من الهداية أو الهدى، ليس مجرد المعنى الإضافي العقلي الذي ~~تحققه فرع تحقق الطرفين، بل المراد ما به يقع الاهتداء كالقرآن ~~والنبي (صلى الله عليه وآله)، وكذا الكلام في نظائره كالنور والعلم ~~والقدرة وأشباهها. # فالهداية بهذا المعنى ذاتية للقرآن، والإضلال عارض، وهذا كالشمس ~~شأنها التنوير والإضاءة، ومع هذا قد يحصل من إضاءتها وتنويرها في بعض ~~المواد ضد ذلك كالظلمة والسواد. # فمن قال: " إن الهدى معناه الدلالة الموصلة إلى البغية " أراد به ~~فعل ما يوجب الوصول إلى المطلوب لمن هو أهله ومستحقه، ومن تعلقت ~~المشية الإلهية بحصول السعادة الأخروية له، فقوله تعالى مخطابا ~~لبينه (صلى الله عليه ms0151 وآله): # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص:56] بمنزلة قوله تعالى: # إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء # [الروم:52] وبمنزلة قوله: ان الشمس لا تنور أبصار الخفافيش. # وكذا قوله تعالى: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت:17]. بمنزلة قولك: شوقناهم فلم يشتاقوا وعلمناهم فلم يتعلموا، ~~ليس بمناف لكون الهداية بمعنى الدلالة الموصلة على ما حققناه -. # فقوله: { هدى للمتقين } ، معناه إنهم المهتدون بأنوار الكتاب، ~~والمنتفعون بآياته دون غيرهم، وإن كانت دلالته عامة لكل ناظر من ~~مسلم وكافر، وصالح وفاجر. # وبهذا الاعتبار قال: هدى للناس، أو لأنه لا ينتفع بالتأمل فيه ~~والتدبر في آياته إلا من صفت صفحة باطنه وتطهر وجه سره عن ~~كدورات الأوهام الفاسدة، والآثام المظلمة، واستعمله في مطالعة الآيات ~~الإلهية والأنوار الربانية، والنظر في المعجزات النبوية، والعلوم ~~الوهبية لأنه كالغذاء الصالح لحفظ الصحة البدنية، فاذا تناوله ~~البدن الذي ليس بالنقي، لا يزيده إلا شرا ووبالا وسقما ونكالا ~~كما قاله بعض الأطباء. # وإليه أشار بقوله: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء:82]. # فصل # في التقوى # أصله وقوى قلبت الواو تاء كالتراث أصله وراث، فالأصل في ~~المتقين: الموتقين، مفتعلين من الوقاية. # والاتقاء في أصل اللغة: الحجز بين الشيئين، يقال اتقاه بالترس، أي ~~جعله حاجزا بينه وبينه. # والوقاية: فرط الصيانة، سواء كان في أمر دنيوي أو أخروي، لكن لما ~~وقع المتقي في عرف الشرع في معرض المدح، فلن يكون متقيا إلا من ~~اتقى عما يضره في الآخرة. وله مراتب ثلاث: # إحداها: التوقي عن العذاب المخلد، بالتبري عن الشرك والجحود للحق ~~والدين، والإنكار للعلم والحكمة واليقين، وعليه يحمل قوله تعالى # وألزمهم كلمة التقوى # [الفتح:26]. # والثانية: الاجتناب عن المآثم والمعاصي في فعل أو ترك، حتى الصغائر ~~عند القوم، فروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما ~~به بأس " # ، وهو المعني بقوله تعالى: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا # [الأعراف:96] الآية. # والثالثة: أن ms0152 ينزه عما يشغل سره عن الحق، ويجرد عما سواه ويتبتل ~~اليه بشراشره، وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله: # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران:102]. # واعلم أن التقوى جاءت في القرآن بمعان كثيرة، كلها ترجع الى هذه ~~المراتب. # فمنها: الإيمان، كقوله تعالى: # وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها # [الفتح:26]. أي كلمة التوحيد وقوله: # أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى # [الحجرات:3]. # وفي الشعراء: # قوم فرعون ألا يتقون # [الشعراء:11]. أي لا يؤمنون. # ومنها: الخشية، كقوله في أول النساء: # يأيها الناس اتقوا ربكم # [النساء:1]. ومثله في أول الحج: و[في] الشعراء: # إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون # [الشعراء:124]. أي ألا تخشون، وكذلك قول هود وصالح. ولوط وشعيب ~~لقومهم. وفي العنكبوت: # وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه # [العنكبوت:16]. يعني: اخشوه. # ومنها: التوبة كقوله تعالى: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا # [الأعراف:96] أي تابوا. # ومنها: الطاعة كقوله تعالى في النحل: # أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون # [النحل:2]. # وفيه أيضا: # أفغير الله تتقون # [النحل:52]. وفي المؤمنون: # أنا ربكم فاتقون # [المؤمنون:52]. # ومنها: ترك المعصية كقوله: # وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله # [البقرة:189]. أي ولا تعصوه. # ومنها: الإخلاص كقوله في سورة الحج: # فإنها من تقوى القلوب # [الحج:32]. أي من إخلاص القلوب. # تنبيه # [التقوى في الكتاب والسنة] # إعلم أن التقوى كنز عزيز، فلئن ظفرت به فكم تجد فيه من جوهر شريف، ~~وعلق نفيس، وخير كثير، ورزق كريم، وفوز كبير، وغنم جسيم، وملك ~~عظيم. # وكأن خيرات الدنيا والآخرة جمعت فجعلت تحت هذه الخصلة الواحدة التي ~~هي التقوى، وكم في القرآن من ذكرها، وكم علق بها من خير، وكم وعد ~~عليها من أجر وثواب وكم أضاف إليها من السعادة، وسنذكر عدة من جملها. # أولها: المدحة والثناء، قوله: # وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور # [آل عمران:186]. # وثانيها: الحفظ والحراسة من الأعداء، قوله: # وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا # [آل عمران:120]. # وثالثها: التأييد والنصرة، قوله: # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون # [النحل:128]. وقوله: # والله ولي المتقين ms0153 # [الجاثية:19]. # ورابعها: النجاة من الشدائد، والرزق من الحلال، قوله: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق:2 - 3]. # وخامسها: اصلاح العمل، قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا ~~سديدا يصلح لكم أعمالكم # [الأحزاب:70 - 71]. # وسادسها: غفران الذنوب، قوله تعالى: # ويغفر لكم ذنوبكم # [آل عمران:31]. # وسابعها: المحبة، قوله تعالى: # إن الله يحب المتقين # [التوبة:7]. # وثامنها: القبول، قوله: # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة:27]. # وتاسعها: الإكرام والإعزاز، قوله: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # [الحجرات:13]. # وعاشرها: البشارة عند الموت، قوله تعالى: # الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة # [يونس:63 - 64]. # وحادي عشرها: النجاة من النار، قوله: # ثم ننجي الذين اتقوا # [مريم:72] وقوله: # وسيجنبها الأتقى # [الليل:17]. # وثاني عشرها: الخلود في الجنة، قوله: # أعدت للمتقين # [آل عمران:133]. # فهذه كل خير وسعادة يتعلق بالتقوى، لكونه من شرائف المقامات ~~القلبية. # وعن ابن عباس: قال النبي (صلى الله عليه وآله): # " من أحب أن يكون أكرم الناس، فليتق الله، ومن أحب أن يكون أقوى ~~الناس، فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد ~~الله أوثق مما في يده ". # وروي عن امير المؤمنين (عليه السلام) انه قال: التقوى ترك الإصرار على ~~المعصية، وترك الاغترار بالطاعة. # وقال الحسن: التقوى أن لا تختار على الله سوى الله، وتعلم أن الأمور ~~كلها بيد الله. # وقال ابراهيم بن أدهم: التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيبا، ولا ~~الملائكة في أعمالك عيبا، ولا ملك العرش في سرك عيبا. # وقال الواقدي: التقوى أن تزين سرك للحق، كما زينت طاهرك ~~للخلق. # ويقال: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك. # ويقال: المتقي من سلك طريق المصطفى، ونبذ الدنيا وراء القفا، ~~وكلف نفسه الإخلاص والوفاء، واجتنب الحرام والجفاء. # نكتة: # لو لم يكن للمتقين فضل إلا ما في قوله تعالى: { هدى للمتقين } ~~، لكفاهم، لأنه تعالى قد بين ان القرآن هدى للناس في قوله: # أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات # [البقرة:185]. ثم قال ها هنا في القرآن: { هدى ms0154 للمتقين } ، ~~فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس، فمن لا يكون متقيا كأنه ليس ~~بإنسان. # وها هنا سؤالات: # أحدها: إن كون الشيء هدى ودليلا لا يختلف لشيء دون شيء؛ فلماذا ~~جعل القرآن هدى للمتقين؟ وقد سبق تحقيق الجواب. # وثانيها: إن المتقي مهتد؛ والمهتدي لا يهتدي ثانيا. فالقرآن لا يكون ~~هدى للمتقين. # والجواب: إن المتقي مهتد بنفس ذلك الهدى، لا بهدى ثان، كما ان ~~الموجود موجود بنفس الوجود القائم به حين كونه موجودا، وتحصيل الحاصل ~~بنفس ذلك التحصيل غير مستحيل، إنما المستحيل تحصيل الحاصل بتحصيل آخر، ~~وايجاد الموجود بوجود آخر. # وثالثها: كيف وصف القرآن كله بأنه هدى، وفيه مجمل ومتشابه كثير، ~~ولولا دلالة العقل لما تميز المحكم من المتشابه، والمبين من المجمل، ~~فيكون الهدى في الحقيقة هو العقل لا القرآن، وعن هذا نقل عن علي (عليه ~~السلام)، أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولا إلى الخوارج: لا تحتج ~~عليهم بالقرآن فإنه حمال ذو وجهين، ولو كان هدى لما قال (عليه ~~السلام) ذلك، ولأنا نرى جميع فرق الإسلام يحتجون به، ونرى القرآن ~~مملوا، بعض آياته صريح في الجبر، وبعضها صريح في القدر، ولا يمكن ~~التوفيق بينهما إلا بالتعسف الشديد، فكيف يكون هدى؟ # والجواب: إن ذلك المجمل والمتشابه، لما لم ينفك عما هو المراد على ~~التعيين، وهو إما دلالة العقل المنور بنور القرآن، وإما دلالة المبين ~~والمحكم من الآيات، صار كله هدى. # وأما قوله: " لا يمكن التوفيق بين آيات الجبر وآيات القدر إلا ~~بالتعسف الشديد " ، فليس كذلك عند من هو من أهل القرآن، وهم المتقون ~~الراسخون في العلم والعرفان. # واربعها: كلما يتوقف صحة كون القرآن حجة عليه، لم يكن القرآن هدى ~~فيه، فاستحال كون القرآن هدى في معرفة الله وصفاته، ومعرفة النبوة ~~والمعاد، ولا شك أن هذه أصول المطالب، وهي أشرف العلوم، فإذا لم يكن ~~القرآن فيه هدى، فكيف جعله الله هدى على الإطلاق؟ # والجواب: إن كمال المعرفة بالله ورسله وملكوته والنشأة الآخرة، لا ~~يحصل إلا بالقرآن، وكذا العلم بالشرائع الإلهية، وسائر ms0155 الحقائق ~~النبوية، لا يستفاد إلا به، والمتوقف عليه صحة كون القرآن حجة هو ~~أصل الاعتقاد بالله واليوم الآخر على وجه يشترك فيه أكثر الناس، ويذعن ~~به أوائل العقول، من غير حاجة الى ممارسة القرآن ومطالعة الآيات. # والإيمان بالله واليوم الآخر مرتبة عظيمة ومنزلة شريفة، لا يوجد ~~إلا في عرف القرآن وعلم آياته ومعانيه على وجه تتنور به قلوب أهل ~~الحق، وهو غير الاعتقاد الذي قد يحصل بمجرد التقليد أو الرواية من غير ~~بصيرة واهتداء، ويشترك أوائل الفطر ومبادئ العقول، وأما الإيمان ~~الحقيقي، فالمؤمن به يحتاج الى فطرة ثانية، ونور يقذفه الله في قلب من ~~يشاء من عباده. # وخامسها: إن الهدى، هو الذي بلغ في البيان والوضوح الى حيث بين غيره، ~~والقرآن ليس كذلك، فإن المفسرين لا يذكرون آية إلا وذكروا فيها ~~أقوالا كثيرة متعارضة. وما يكون كذلك لا يكون مبينا في نفسه، فضلا ~~عن أن يكون مبينا لغيره، فكيف يكون هدى؟ # والجواب: من تكلم في التفسير، وشأنه نقل الأقاويل المتعارضة من غير ~~بصيرة يقتدر بها على ترجيح واحد منها على الباقي، أو الاطلاع على فهم ~~جديد أعطاه الله من لدنه، فهذا السؤال متوجه عليه، لا على أهل القرآن ~~من أرباب التأويلات والعلوم الربوبيات والنبوات. # تتمة في الإعراب: # حكم صاحب الكشاف أولا أن محل " هدى للمتقين " الرفع، لأنه خبر ~~مبتدإ محذوف. أو خبر مع " لا ريب فيه " (لذلك). أو مبتدأ إذا جعل ~~الظرف المقدم خبرا عنه، أو أنه منصوب على الحال، والعامل فيه معنى ~~الإشارة، أو الظرف كما مر. # ثم أضرب عن هذا المجال صفحا، وجعل " الم " جملة برأسها، أو طائفة ~~من حروف المعجم مستقلة بنفسها، " وذلك الكتاب " جملة ثانية، و " لا ريب ~~فيه " ثالثة، " وهدى للمتقين " رابعة، قائلا: إنه أرسخ عرقا في ~~البلاغة وموجب حسن النظم حيث جيء بأربع جمل متناسقة هكذا من غير حرف ~~نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض، تعزز اللاحقة منها ~~السابقة. # بيانه: أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى [به]، ثم اشير اليه ~~بأنه ms0156 الكتاب المنعوت بغاية الكمال، ثم نص على كماله بنفي الريب عنه، ~~إذ لا كمال أعلى مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة. # ثم اكد كونه يقينا لا يحوم الشك حوله، وحقا لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه، بأنه هدى للمتقين، وبعد أن رتبت هذا الترتيب ~~الأنيق، ونظمت هذا النظم السوي، حيث تستتبع كل واحدة منها ما يليها ~~استتباع الدليل للمدلول، لم يخل كل واحدة من الأربع من نكتة جزيلة: # ففي الأولى: الحذف والرمز الى الغرض بألطف وجه. # وفي الثانية: ما في التعريف من الفخامة. # وفي الثالثة: تقديم الريب على الظرف حذرا عن ايهام خلاف المقصود. # وفي الرابعة: الحذف والتوصيف للبالغة بالمصدر، وايراده منكرا ~~للتعظيم، وتخصيصه بالمتقين باعتبار الغاية، وتسمية المشارف بالتقوى ~~متقيا ايجازا. ### || [2.3] # قوله جل اسمه: # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة # في الكشاف: الذين يؤمنون: إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة، ~~أو مدح، منصوب أو مرفوع، بتقدير: أعني الذين يؤمنون، أو: هم الذين ~~يؤمنون. # وإما منقطع عن المتقين، مرفوع على الابتداء مخبر عنه بأولئك على ~~هدى. فإذا كان موصولا، كان الوقف على المتقين حسنا غير تام، وإذا كان ~~منقطعا كان وقفا تاما. انتهى. # واعلم أنه على تقدير كون " الذين " مع ما يليه متصلا بالمتقين وصفة ~~له، فإن كان المراد بالتقوى ترك ما لا ينبغي، فهو يكون صفة مقيدة له، ~~مترتبة عليه ترتب الفعل على القوة، وتوقف التحلية على التخلية، ~~والتصوير على التطهير. # فإن النفس الإنسانية كاللوح القابل لنقوش العلوم الحقة؛ وهي الإيمان ~~بالله واليوم الآخر والأخلاق الفاضلة التي هي مبادئ الأفعال الحسنة، ~~كالصلاة والزكاة. # فيجب تطهره أولا بالتقوى عن النقوش الفاسدة حتى يمكن إثبات النقوش ~~الجيدة فيه، ويستقر حصول الأوصاف الحسنة عليه، فلهذا السبب قدم ذكر ~~التقوى وهي ترك ما لا ينبغي، ثم ذكر بعده فعل ما ينبغي وهو الإيمان ~~والطاعة. # وإن فسر التقوى بما يعم فعل الطاعات وترك المعاصي، فيكون صفة موضحة ~~للمتقين، وذلك لاشتماله على ما هو أصل الأعمال الصالحة، كالإيمان ms0157 بالله ~~وملكوته، فإنه من امهات الأعمال القلبية؛ وعلى أساس الحسنات كالصلاة ~~والزكاة، فإنهما من أمهات العبادات البدنية والمالية، المستتبعة لسائر ~~الطاعات، والتجنب عن المعاصي غالبا، ألا ترى الى قوله تعالى: # إن الصلوة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت:45]. # وقوله عليه وآله السلام: الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة ~~الإسلام. # تنبيه # [التقوى والمتقين] # غاية التقوى، الاتصال بالحضرة الإلهية بترك الالتفات بغير الله، ~~وقطع النظر سواه، وهذا هو غاية النشأة الآدمية ونهاية الكمال الأخروي ~~للروح الإنساني، ولا يمكن تحصيله إلا بتكميل القوة العاقلة من النفس ~~بالعلوم الحقة، وبتعديل القوة العاملة منها بالأعمال الحسنة، ليتحلى ~~بالفضائل ويتخلى عن الرذائل. # فالمتكفل لتكميل الأولى، هو الإيمان بالغيب، وهو العلم بأحوال ~~المبدإ وملائكته وكتبه ورسله، وأحوال المعاد ومراتبه، وطبقات نفوس ~~الإنسان بحسب درجات الجنان ودركات النيران. # والمتكفل لتكميل الثانية، هو العمل الصالح، وأصل الأعمال الصالحة ~~الصلاة والزكاة، أما الأولى، فلاشتمالها على الأذكار والنيات الحسنة، ~~وهيئات الخضوع والخشوع. # وأما الثانية، فلاستلزامها ترك التعلق باللذات النفسانية، ~~والمحبوبات الدنيوية، لأن المال وسيلة لأكثرها. وقد قال سبحانه: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران:92]. # فإذا تقرر هذا، فقوله: " الذين " مع ما يتلوه، بمنزلة تفسير كاشف ~~للمتقين وحد مبين له. # [الأقوال في ماهية الإيمان] # ثم الإيمان بحسب اللغة - كما ذكره صاحب الكشاف - مأخوذ من الأمن؛ ~~ثم يقال: آمنه إذا صدقه، كأن المصدق أمن من التكذيب والمخالفة. # وتعديته بالباء، لتضمنه معنى الاعتراف، وقد يطلق بمعنى الوثوق كما ~~حكى أبو يزيد: ما آمنت أن أجد صحابة، أي ما وثقت فهو من حيث أن الواثق ~~صار ذا أمن، وكلا الوجهين حسن في: { يؤمنون بالغيب }. # وأما بحسب الشرع فقد اختلف أهل القبلة في معنى الإيمان في عرف الشرع إلى ~~اربعة مذاهب. # أحدها: إنه إسم لأفعال القلوب، والجوارح، والإقرار باللسان. وهو مذهب ~~المعتزلة والخوارج والزيدية واهل الحديث، فهو اسم لمجموع أمور ثلاثة: ~~اعتاقد الحق، والإقرار به، والعمل بمقتضاه، فمن أخل بالاعتقاد وحده ~~فهو منافق، ومن أخل بالإقرار فهو كافر على رأي. ومن أخل بالعمل ~~ففاسق وفاقا، ms0158 وكافر عند الخوارج، خارج عن الإيمان غير داخل في الكفر ~~عند المعتزلة. # وروى الخاص والعام عن مولانا علي بن موسى الرضا (عليه السلام): " ~~إن الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان ~~" وقد روي ذلك عنه أيضا على لفظ آخر: " الإيمان قول مقول، وعمل ~~معمول، وعرفان بالعقول، واتباع الرسول ". # ثم إن الخوارج اتفقت على أن الإيمان بالله متناول للمعرفة به، ~~وبكل ما وضع الله عليه دليلا عقليا او نقليا، ويتناول طاعته في جميع ~~ما أمر به من الأفعال والتروك، حتى الصغائر، فالإخلال بشيء من هذه ~~الأمور كفر. # وأما المعتزلة فقد اختلفوا فيه على وجوه: # أحدها: إن الإيمان عبارة عن الإتيان بكل الطاعات، سواء كانت من ~~الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات، وسواء كانت واجبة أو مندبة، وهو قول ~~واصل بن عطاء وأبي هذيل والقاضي عبد الجبار. # وثانيها: إنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل. وهو قول أبي ~~هاشم وأبي علي. # وثالثها: إنه عبارة عن اجتناب كل ما جاء به الوعيد. # وأما أهل الحديث: فذكروا وجهين: # الأول: إن المعرفة ايمان كامل، وهو الأصل، ثم بعد ذلك كل طاعة ايمان ~~على حدة، وهذه الطاعات لا يكون شيء منها ايمانا إلا إذا كانت ~~مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة، وكذا القياس في جانب مقابله: أعني ~~الكفر، وهو قول عبد الله بن سعيد الكلاب. # الثاني: زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها، وهو إيمان واحد، وجعلوا ~~الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان، ومنهم من قال: الإيمان اسم ~~للفرائض دون النوافل. # وثانيها: إن الإيمان بالقلب واللسان معا، وقد اختلف أهل هذا المذهب ~~على أقوال. # الأول: إنه إقرار باللسان ومعرفة بالقلب، وهو قول أبي حنيفة وعامة ~~الفقهاء. ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين. # أحدهما: في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من فسرها بالاعتقاد الجازم - سواء ~~كان اعتقادا تقليديا، أو علما صادرا عن الدليل - وهم الأكثرون الذين ~~يحكمون أن المقلد مسلم، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال. # والثاني: في متعلق هذا العلم، فقال بعض المتكلمين: هو العلم بالله ~~وصفاته ms0159 على سبل الكمال والتمام. # ثم لما كثر الاختلاف بينهم في الصفات، واقدمت كل طائفة على تكفير ~~من عداها، قال أهل الإنصاف: المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة من ~~دين محمد (صلى الله عليه وآله). # القول الثاني: إنه التصديق بالقلب واللسان معا، وهو قول أبي الحسن ~~الأشعري، وبشر بن غياث المريسي، والمراد بالتصيدق بالقلب: الكلام القائم ~~بالنفس. # القول الثالث: قول جماعة من الصوفية: إنه إقرار باللسان وإخلاص ~~بالقلب. # وثالثها: إنه عبارة عن عمل القلب وأصحاب هذا المذهب اختلفوا على ~~قولين: # أحدهما: إنه معرفة الله بالقلب، حتى ان من عرف الله بقلبه ثم جحد ~~بلسانه ومات قبل التوبة، فهو مؤمن كامل الإيمان، وهو قول جهم بن صفوان، ~~أما معرفة الكتاب والرسل واليوم الآخر فقد زعم إنها غير داخلة في حد ~~الإيمان. # وحكى الكعبي عنه: أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم ~~بالضرورة إنه من دين محمد (صلى الله عليه وآله). # وثانيهما: إنه مجرد التصديق بالقلب، وهو قول الحسين بن الفضل البجلي. # ورابعها: إنه إقرار باللسان فقط، وأصحابه فريقان: # الأولى: قالوا: إن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط، لكن شرط كونه ~~ايمانا حصول المعرفة، فالمعرفة شرط لكون الإقرار باللسان ايمانا، لا ~~انها داخلة في مسمى الايمان. وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي والفضل ~~الرقاشي، وإن كان الكعبي قد أنكر كونه قولا لغيلان. # الفرقة الثانية قالوا: إن الإيمان مجرد الإقرار باللسان، وهو قول ~~الكرامية، وزعموا أن المنافق مؤمن بالظاهر، كافر بالسريرة، فثبت له ~~حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة، فهذا مجموع أقوال ~~الناس في مسمى الإيمان في الشرع حسبما وجد في كتب الكلام وغيره. # اشارة فيها انارة # [ماهية الإيمان وانه مجرد العلم والتصديق] # أعلم إن الإيمان وسائر مقامات الدين ومعالم شريعة سيد المرسلين (عليه ~~وآله السلام)، إنما ينتظم من ثلاثة أمور: معارف وأحوال وأعمال. ~~فالمعارف هي الأصول، وهي تورث الأحوال، والأحوال تورث الأعمال. أما ~~المعارف، فهي العلم بالله وصفاته وأفعاله وكتبه ورسله واليوم الآخر. وأما ~~الأحوال، فكالانقطاع عن الأغراض الطبيعية، ms0160 والشوائب النفسانية، ~~والوساوس العادية، كالشهوة والغضب والكبر والعجب، ومحبة الجاه ~~والشهرة وغير ذلك. وأما الأعمال، فكالصلاة والزكاة والصوم والطواف ~~والجهاد وفعل ما أمره الله به وترك ما نهى عنه. # فهذه الثلاثة إذا قيس بعضها الى بعض، لاح للناظرين الى الأشياء ~~بالنظر الظاهر، المقتصرين على إدراك النشأة الحسية، أن العلوم تراد ~~للأحوال، والأحوال تراد للأعمال، فالأعمال هي الأصل عندهم، والأفضل في ~~نظرهم. # وأما أرباب البصائر، المقتبسين أنوار المعرفة من مشكاة النبوة لا من ~~أفواه الرجال، المستفيضين أسرار الحكمة الحقة من معدن الوحي والرسالة، ~~لا من مقارعة الأسماع بالقيل والقال، فالأمر عندهم بالعكس من ذلك، فإن ~~الأعمال تراد للأحوال، والأحوال للعلوم، فالأفضل العلوم، ثم ~~الأحوال، ثم الأعمال. # فإن لوح النفس كالمرآة، والأعمال تصقيلها وتطهيرها، والأحوال صقالتها ~~وطهارتها، والعلوم صورها المرتسمة فيها. # فنفس الأعمال - لكونها من جنس الحركات والانفعالات - تتبعها المشقة ~~والتعب، فلا خير فيها إذا نظر اليها لذواتها. ونفس الأحوال - لكونها من ~~قبيل الأعدام والقوى - فلا وجود لها، وما لا وجود له فلا فضيلة فيه، ~~وإنما الخير والفضيلة لما له الوجود الأتم والشرف الأنور، وهي ~~الموجودات المقدسة والمعقولات الصورية المجردة عن التغير والزوال، ~~والشر والوبال. كالباري وملائكته العلوية، والأرواح المطهرة الإنسية، ~~والحضرة الإلهية، والحظيرة القدسية. # ففائدة إصلاح العمل إصلاح القلب. وفائدة إصلاح القلب، أن ينكشف له ~~جلال الله في ذاته وصفاته وأفعاله. # فأرفع علوم المكاشفة هي المعارف الإيمانية ومعظمها معرفة الله ثم ~~معرفة صفاته وأسمائه، ثم معرفة أفعاله، فهي الغاية الأخيرة التي ~~يراد لأجلها تهذيب الظواهر بالأعمال، وتهذيب البواطن بالأحوال، فإن ~~السعادة بها تنال، بل هي عين الخير والسعادة واللذة القصوى. # ومقابلها وهو الجهل بها، محض الشر والشقاوة والألم الشديد، ولكن قد ~~لا يشعر القلب في الدنيا بأنها عين السعادة، ولا قلب من اتصف بالجهل ~~بحقائق الإيمان بأنه محض الشر والألم، وانما يقع الشعور بتلك السعادة ~~وهذه الشقاوة في الدار الآخرة، التي فيها أعلنت السرائر، وأبطنت الظواهر، ~~ونشرت الصحائف، وبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور. # فالعلم بالإلهيات هو الأصل في ms0161 الإيمان بالله ورسوله، وهو المعرفة ~~الحرة التي لا قيد عليها ولا تعلق له بغيرها، وكل ما عداه عبيد وخدم ~~بالإضافة، فإنما يراد لأجلها، وهي أيضا معطى أصولها، ومثبت موضوعات ~~مسائلها ومحقق مبادئ براهينها وغايات مطالبها. # ولما كانت سائر العلوم لأجلها، كان تفاوتها في الفضيلة بحسب تفاوت ~~نفعها بالإضافة الى معرفة الله، فإن بعض المعارف يفضي الى بعض إما ~~بواسطة أو بوسائط، حتى يتوسل بها الى معرفة الله، كما ان الأعمال ~~والأخلاق يفضي بعضها إلى بعض حتى ينجز الى تصفية الباطن بالكلية. # فمن العلوم كلما كانت الوسائط بينه وبين معرفة الله أقل، كان أفضل، ~~كما ان من الأعمال كلما كانت الوسائط بينه وبين تصفية القلب أقل، كان ~~أزكى. # وأما الأحوال - أعني صفاء القلب وطهارته من شوائب الدنيا وشواغل ~~الخلق - فيعني بها استحقاقه لحصول نور المعرفة، واستعداده لانكشاف حقيقة ~~الحق وصورة الحضرة الإلهية، حتى إذا تمت طهارته، وصقلت صفحة وجهه، ~~واجهته أنوار الكبرياء، وحضرت عنده وانكشفت لديه حقائق الأشياء. # فقد ثبت ان وجوب الأعمال الصالحة وترك القبائح، لأجل إصلاح القلب وجلب ~~الأحوال، وتفاوتها في الفضيلة إتيانا وتركا، بقدر تأثيرها في تطهير ~~القلب وتهذيبه وإعداده لأن تحصل له المعرفة الإلهية والعلوم الكشفية. # وكما ان تصقيل المرآة يحتاج الى أعمال تتقدم على تمام أحوال المرآة في ~~صفائها وصقالتها، وتلك الأعمال بعضها أقرب إلى الصقالة التامة من بعض، ~~فكذلك الأعمال المورثة لأحوال القلب، تترتب في الفضيلة ترتب الأحوال، ~~فالحالة القريبة أو المقربة من صفاء القلب، هي أفضل مما دونها لا محالة ~~بحسب قربها من المقصود الأصلي. # فكل عمل، إما أن يجلب الى القلب حالة مانعة من المكاشفة، موجبة ~~لظلمة القلب، جاذبة الى زخارف الدنيا. وإما أن يجلب إليه حالة مهيئة ~~للمكاشفة، موجبة لصفاء القلب وقطع علاقته عن الدنيا، واسم الأول في عرف ~~الشرع: المعصية، سواء كان فعلا أو تركا، واسم الثاني: الطاعة، فعلا ~~كان أو تركا. # والمعاصي، من حيث تأثيرها في ظلمة القلب وقساوته، متفاوتة، وكذا ~~الطاعات في تنوير القلب وتصفيته، فدرجاتها بحسب درجات تأثيرها. ms0162 وذلك ~~يختلف باختلاف الأزمان والأشخاص. فربما كان قيام الليل لأحد أفضل من ~~إيتاء الصدقات المتبرعة، وربما كان الأمر بالعكس من ذلك، وربما كان صوم ~~ستين يوما أفضل في باب الكفارة من عتق رقبة، كما للسلاطين والأمراء من ~~أهل الدنيا. # فإذا تقررت هذه المقدمات، فقد علم أن الأصل في الإيمان هو المعرفة ~~بالجنان، وأما العمل بالأركان، فإنما يعتبر لتوقف المعرفة على إصلاح ~~القلب، وتهذيب الباطن، وتلطيف السر، وتوقفها على فعل الحسنات وترك ~~السيئات. # ومما يدل على أن الإيمان مجرد العلم والتصديق وحده أمور: # الأول: أنه تعالى أضاف الإيمان الى القلب فقال في حق المؤمنين: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة:22]. وفي حق المنافقين: # الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم # [المائدة:41]. # ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات:14] وقوله: # وقلبه مطمئن بالإيمان # [النحل:106]. # وقال النبي (صلى الله عليه وآله) # " الإيمان سر - وأشار الى صدره - والإسلام علانية ". # الثاني: إنه تعالى كثيرا ما ذكر الإيمان وقرن به العمل الصالح، ~~ولو كان داخلا فيه لكان ذكره تكرارا. # الثالث: إن كثيرا ما ذكر الإيمان وقرنه بالمعاصي قال: # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم # [الأنعام:82]. وقوله: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي # [الحجرات:9]. # واحتج ابن عباس على هذا المطلب بقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في ~~القتلى # [البقرة:178] من ثلاثة أوجه: # أحدها: إنما يجب القصاص على القاتل المتعمد، ثم إنه خاطبه ~~بالإيمان، فدل على أنه مؤمن. # وثانيها: # فمن عفي له من أخيه # [البقرة:178]. وهذه الأخوة ليست إلا أخوة الإيمان لقوله تعالى: # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات:10]. # وثالثها: قوله: # ذلك تخفيف من ربكم ورحمة # [البقرة:178] وهذا لا يليق إلا بالمؤمن، ومن هذا القبيل قوله تعالى: # والذين آمنوا ولم يهاجروا # [الأنفال: 72] جعلهم مؤمنين مع عظيم الوعيد في ترك الهجرة بقوله تعالى: # الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم # [النساء:97]. إلى قوله: # ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا # [الأنفال:72]. # ومنه ايضا قوله: # يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول # [الأنفال:27] ms0163 وقوله: # يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا # [التحريم:8]. إلى غير ذلك من الآيات التي تجري هذا المجرى. # الرابع: إنه تعالى قال: # لا إكراه في الدين # [البقرة:256] يدل على أنه من الأمور الإعتقادية التي لا يمكن ~~تحصيلها بالجبر والإكراه. # وكذا قوله (صلى الله عليه وآله): # " ليس الدين بالتمني " # يعلم أنه ليس أمر اختياريا، ولو كان من باب الأعمال البدنية كالصلاة ~~والصيام، لأمكن تحصيله في شخص آخر بالجبر، وفي الشخص نفسه بالتمني. # الخامس: إن العلم والتصديق اليقيني غير قابل للزوال والتغيير، فهو ~~المتعين بأن يكون أصلا في الإيمان. # السادس: إن الإيمان في أصل اللغة بمعنى التصديق والإذعان، فلو صار في ~~عرف الشرع لغير هذا المعنى، لزم أن لا يكون عربيا، وذلك ينافي وصف ~~القرآن بكونه عربيا. # وأيضا لو صار منقولا عن معناه ومسماه الأصلي، لتوفرت الدواعي على ~~معرفة ذاك المسمى، ولاشتهر وبلغ الى حد التواتر، وليس كذلك فعلم ~~أنه باق على أصل الوضع. # وأيضا: لا خلاف لأحد في أن لفظ الإيمان اذا عدي بحرف الباء، كان ~~معناه التصديق، كما هو في اللغة، فوجب أن يكون المعدى كذلك، لا يقال: ~~هذا إثبات اللغة بالقياس، وهو غير جائز، كما ثبت في علم الاصول، لأنا ~~نقول: ليس كذلك، بل هذا استنباط المعنى الأصلي من موارد الاستعمال، إذ ~~التعدية بالحرف لا تغير أصل المعنى المصدري بل تزيده كمالا وقوة. # وأما المعتزلة، فقد اعترفوا أن الإيمان اذا عدي بالباء. كان المراد ~~به التصديق كما في أصل اللغة، ولذلك إذا قيل: " فلان آمن بالله وبرسوله ~~" يكون المراد عندهم أيضا مجرد التصديق، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات ~~لا يمكن فيه هذه التعدية، فلا يقال: " فلان آمن بكذا " إذا صام أو ~~صلى، وأما إذا ذكر مطلقا بلا تعدية، فقد زعموا أنه منقول من المسمى ~~اللغوي الى معنى آخر، وهذا تحكم محض كما لا يخفى. # فصل # [درجات الإيمان ومراتبه] # فالمذهب المنصور المعتضد بالبرهان، أن الإيمان في عرف الشرع هو ~~التصديق بكل ما علم بالضرورة من دين نبينا (صلى الله ms0164 عليه وآله). لكن ~~قد يسمى الإقرار ايمانا كما يسمى تصديقا، إلا انه متى صدر عن شك أو ~~جهل كان ايمانا لفظيا لا حقيقيا، ومن هذا القبيل تقسيم المنطقيين ~~القضية - وهي الحكم بثبوت أمر لآخر - الى قضية معقولة، والى قضية ~~ملفوظة. # وقد تسمى أعمال الجوارح ايمانا استعارة وتلويحا، كما تسمى تصديقا ~~لذلك، كما يقال: فلان يصدق أفعاله مقاله " ، والفعل ليس بتصديق ~~باتفاق أهل اللغة، فالإيمان من الألفاظ المشككة التي يتفاوت معناها في ~~الشدة والضعف، والكمال والنقص، فهو منقسم الى حقيقي ومجازي، باطني ~~وظاهري، بل ينقسم كما أشار اليه بعض العرفاء، الى لب ولب لب، وقشر ~~وقشر قشر وهذا بعينه كانقسام الإنسان الى هذه المراتب، فإن الإيمان من ~~مقامات الإنسان في إنسانيته. # وقد يمثل هذا تقريبا للأفهام الضعيفة بالجوز، فإن له قشرين؛ الأعلى ~~والأسفل، وله لب وللب دهن، وهو لب لبه. # فالمرتبة الأولى من الإيمان: أن يقول الإنسان كلمة الشهادة، ويعترف ~~باللسان وقلبه غافل عنه، أو جاحد له، كما للمنافقين. # والثانية: أن يصدق بمعنى هذه الكلمة، وبكل ما هو معلوم بالضرورة من ~~الدين، كتصديق عامة المسلمين، وهذا اعتقاد ليس بيقين. # والثالثة: أن يعرف هذه المعارف الإيمانية، ويصدق بها عرفانا كشفيا، ~~أو تصديقا برهانيا وعلما يقينيا بواسطة نور يقذفه الله في قلب من ~~يشاء من عباده، وهو المشار اليه في قوله: # يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم # [الحديد:12]. وهذا هو الإيمان الحقيقي، الذي سأل رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) حارثة الأنصاري عن بيان حقيقته لما قال: إني أصبحت مؤمنا ~~حقا، فقال (صلى الله عليه وآله): لكل حق حقيقة، فما حقيقة ايمانك؟ # فأجاب بقوله: عزفت نفسي عن الدنيا بما فيها، فاستوى عندي حجرها ~~وذهبها. فكأني أرى أهل الجنة يتزاورون، وأهل النار في النار يتعاوون. ~~وكأني أرى عرش ربي بارزا. # فصدقه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال: أصبت فالزم. # والرابعة: أن يستغرق الإنسان في نور الحضرة الأحدية بحيث لا يرى في ~~الوجود إلا الواحد القهار، فيقول بلسان حاله وايمانه: لمن الملك ~~اليوم؟ ثم يجيب ms0165 عنه بلغة توحيده وعرفانه: لله الواحد القهار. وهذا ~~المقام لا يحصل لأحد ما دام كونه في هذه الحياة الدنيا إلا للكمل من ~~العرفاء والأولياء بواسطة غلبة سلطان الآخرة على بواطنهم. # فصاحب المقام الأول، مؤمن بمجرد اللسان في عالم الأجسام ونشأة ~~الحواس، وفائدة ايمانه ترجع اليه في هذه النشأة، إذ يحقن دمه من السيف ~~والسنان، ويعصم ماله وذراريه من النهب والسبي. # وصاحب المقام الثاني، مؤمن بمعنى أنه معتقد بقلبه مفهوم هذا اللفظ، ~~وقلبه خال عن التكذيب، وهو عقد على القلب وليس فيه انشراح القلب لنور ~~المعرفة، ولا انفتاح روزنته لعالم الملكوت الغيبي المقابل لهذا ~~العالم، عالم الملك والشهادة. # وفائدته انه يصير منشأ بعض الأعمال الصالحة، ومبدأ بعض الخيرات وأداء ~~الأمانات وفعل الحسنات، التي ينجر تارة أخرى الى اصلاح القلب وتصفيته ~~وليستعد لحصول المعرفة على وجه أكمل؛ حتى ينتهي الى الإيمان الحقيقي. # فعلى هذا صح القول بأن الإيمان هو المبدأ والغاية، فإن الإيمان ~~والعمل الصالح كل منهما يدور على صاحبه، فكل إيمان موجب لصالح من ~~العمل، وكل صالح من العمل ينجر الى حصول ضرب من الإيمان، فيدور ~~كل منهما على نفسه دورا غير مستحيل، لتغايره بالعدد. # لكن الإيمان أول الأوائل في الحدوث، وهو أيضا آخر الأواخر في البقاء. # ثم لهذا العقد الإيماني الذي كلامنا فيه، شبه وحيل يقصد بها ~~تحليله وتوهينه تسمى " بدعة " ، وله أيضا حيل يقصد بها دفع حيلة ~~التحليل والتوهين، ويقصد بها إحكام هذه العقدة وشدها على قلوب المسلمين، ~~ويسمى كلاما والعالم بها متكلما. # وهو في مقابلة المتبدع، ومقصده دفع المبتدع عن تحليل هذه العقدة عن ~~قلوب العوام. # وصاحب المقام الثالث مؤمن، بمعنى أنه بصير بحقائق الأمور الإيمانية ~~بصيرة قلبية ومشاهدة عقلية. إذ قد انكشفت له أسرار الملكوت وخفايا ~~عالم الغيب والجبروت. لا انه مكلف بعقد قلبه على مفهوم هذه الألفاظ، ~~فإن ذلك رتبة العوام والمتكلمين، إذ لا يفارق المتكلم العامي في أصل ~~الاعتقاد، بل في صنعة تلفيق الكلام الذي يدفع به حيل المبتدعة في تحليل ~~هذه العقدة. # وصاحب المقام ms0166 الرابع مؤمن، بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد ~~القهار مبدأ الأشياء وغايتها، وأولها وآخرها، وظاهرها وباطنها، الذي ~~إليه ترجع عواقب الأمور، وبه ينقطع سير السائرين وسفر المسافرين، وهذه ~~المرتبة في الإيمان هي الغاية القصوى التي لا حد لها ولا منتهى. # والتمثيل لمراتب الإيمان والتوحيد بقشري الجوز ولبيه على هذا الوجه، ~~ذكره صاحب كتاب إحياء العلوم بأدنى تغيير ثم قال: # فالأول كالقشرة من العليا الجوز، والثاني كالقشرة السفلى، والثالث ~~كاللب، والرابع كالدهن المستخرج من اللب. # وكما أن القشرة العليا لا خير فيها، بل إن أكل فهو مر المذاق، وإن ~~نظر الى باطنه فهو كريه المنظر، وإن اتخذ حطبا أطفأ النار وأكثر ~~الدخان، وإن ترك في البيت ضيق المكان، فلا يصلح إلا أن يترك مدة على ~~الجوز للصون ثم يرمى؛ فكذلك التوحيد بمجرد اللسان عديم الجدوى، ~~كثير الضرر، مذموم الظاهر والباطن، لكنه ينفع مدة في حفظ القشرة ~~السفلى الى وقت الموت، والقشرة السفلى هي القالب والبدن وتوحيد المنافق ~~يصون بدنه عن سيف الغزاة، فإنهم لم يؤمروا بشق القلوب، والسيف ~~انام يسلب الجسم وهو القشر، وإنما يتجرد عنه بالموت فلا يبقى لإيمانه ~~فائدة بعده. # وكما ان القشرة السفلى ظاهرة النفع بالإضافة الى القشرة العليا، فإنها ~~تصون اللب وتحرسه عن الفساد، وعند الادخار فإذا فصلت أمكن أن ينتفع بها ~~حطبا لكنها ناقصة القدر بالإضافة الى اللب، فكذلك مجرد الاعتقاد من ~~غير كاشف، كثير النفع بالإضافة الى مجرد نطق اللسان، ناقص القدر ~~بالإضافة الى الكشف والمشاهدة التي تحصل بانشراح الصدر وانفتاحه، وإشراق ~~نور القلب فيه، إذ ذلك الشرح هو المراد بقوله تعالى: # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام # [الأنعام:125]، وبقوله تعالى: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر:22]. # وكما ان اللب نفيس في نفسه بالإضافة الى القشر، فكأنه المقصود، ~~لكنه لا يخلو عن شوب عصارة بالإضافة الى الدهن المستخرج منه. فكذلك ~~ايمان الثالث مقصد عال للسالكين، ولكنه لا يخلو عن شوب ملاحظة غير الله، ~~والالتفات الى ما ms0167 سواه بالإضافة الى حال من لا يشاهد سوى الواحد الحق. # تكميل فيه دفع # إذا تحققت ماهية الإيمان على هذا الوجه، من كونه ذا مراتب متفاوتة ~~متدرجة في الشرف والخسة، فقد علم فائدة قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا # [النساء:136]. فإن الأول ايمان صوري دنيوي، والآخر معنوي ~~أخروي. # ولما ثبت مما قررناه ان مراتب الإيمان متعلقة بمراتب العلم، ~~ومتعاكسة كل منهما على الأخرى، فإن استشكل أحد على ما هو المختار عندنا، ~~من أن الإيمان هو عبارة عن نفس التصديق والعرفان، وأن الأعمال خارجة ~~عنه؛ بأنا لو فرضنا أن أحدا عرف الله بالدليل والبرهان، ولما تم له ~~العرفان مات ولم يجد من الوقت ما يتلفظ فيه بكلمة الشهادة، أو وجد من ~~الوقت شيئا لكنه لم يتلفظ فيه بها، ففي هاتين الصورتين إن حكمتم بأنه ~~مؤمن، فقد حكمتم بأن الإقرار اللساني غير معتبر في تحقق الإيمان، وهو ~~خرق الإجماع. # وإن حكمتم بأنه غير مؤمن، فهو باطل لما بين، ولقوله (صلى الله ~~عليه وآله): # " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان " # وهذا قلبه طافح بالإيمان فكيف لا يكون مؤمنا؟ # فالجواب: بمنع ثبوت هذا الإجماع، والحكم بايمانه كما فعله حجة الاسلام ~~الغزالي، فإنه منع من هذا الإجماع في الصورتين، وحكم بكونه مؤمنا، ~~وأن الامتناع عن النطق يجري مجرى الأعمال التي يؤتى بها مع الإيمان. # أقول: لا يخفى عليك - بعدما تقدم من الكلام - أن الإيمان القلبي - ~~لكونه كمالا عقليا وصورة باطنية - لا يحصل إلا عقيب الأعمال ~~الشرعية، والأفعال الدينية، والرياضات السمعية، من القيام والصيام ~~والعبادات والقربات، وهذه الأمور منوطة بالتسليم والانقياد لمن عنده ~~الحجج والبينات، والإذعان والاعتراف بما أتى به القادة والرؤساء، من ~~أولي الشرائع والآيات. # فالصورة المفروضة مما لا يمكن وقوعها عقلا وعادة، فلا تقدح في ~~الإجماع. بل نقول: الإجماع إنما انعقد على كفر من كلف بالإيمان ~~وإظهاره فلم يقبل، ولم يظهر الكلمة، وهذا مما لا شبهة فيه، فإنه إما ~~بصدد الجحود والفتنة في الدين، وإفساد قاعدة المسلمين، وإما بصدد ms0168 الإباحة ~~والتعطيل، والخروج عن التكاليف الدينية، فعلى أي الوجهين يكون كافرا ~~ظاهرا و باطنا. # تنوير عقلي # إعلم أن الحقيقي من الإيمان، هو الذي به يصير الإنسان إنسانا حقيقيا ~~عقليا بعدما كان إنسانا حيوانيا، وبه يخرج من القوة الى الفعل في ~~الوجود البقائي الأخروي، ويتخلص عن ألم الجحيم والتعذب بالنار، ~~ويتجرد عن الرق والحدثان، وتبدل الجلود والذوبان، كما قال تعالى في ~~صفة أهل النار: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء:56]. # وهذه الحقيقة الإيمانية يعبر عنها بعبارات مختلفة تسمى بأسامي ~~متعددة في لسان الشرع والعقل. # فتارة يعبر عنه بالنور: # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور:40] وقوله: # يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم # [الحديد:12]. # وتارة بالحكمة: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة:269]. فكل إنسان حكيم مؤمن، وكل مؤمن حقيقي فهو حكيم. إذ ~~الحكمة بالحقيقة هي معرفة الأشياء الموجودة كما هي بحسب الطاقة البشرية، ~~وأصل الموجودات هو الباري وملائكته ورسله وكتبه. # وتارة بالفقه، قال تعالى: # ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم # [التوبة:122]. # وليس المراد منه معرفة الفروع الغريبة في الفتاوى الأحكامية، والوقوف ~~على دقائق عللها، واستكثار الكلام فيها، وحفظ الأقوال المتعلقة بها، كما ~~هو عرف أهل هذه الأزمنة والأعصار اللاحقة بزمان النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، وزمان الأئمة (عليهم السلام). # قال صاحب الإحياء: اسم الفقه كان في العصر الأول مطلقا على علم طريق ~~الآخرة، ودقائق آفات النفس، ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة ~~الدنيا، وشدة التطلع على السعادة الأخروية، واستيلاء الخوف على الشقاوة ~~التي بازائها. والذي يوجب التشوق الى الدار الآخرة وسعادتها، ويقتضي ~~الخوف والخشية في القلب عن الحرمان الأخروي والشقاوة الأبدية، ويوجب ~~إنذار القوم وتخويفهم - كما أشير اليه في الآية المذكورة - هو هذا العلم ~~وهذا الفقه، دون تفريعات الطلاق، واللعان، والسلم والإجارة. # فذلك لا يحصل به شيء من الرغبة والرهبة الأخرويتين، ولا الإنذار ~~والتخويف، بل التجرد فيه على الدوام مما يقسي القلب، وينزع الخشية ~~منه، كما يشاهد من المتجردين له. # وقال تعالى: # لهم قلوب لا يفقهون ms0169 بها # [الأعراف:179] وأراد به معاني الآيات، دون الفتاوى والأقضية. # وقال (صلى الله عليه وآله): # " لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، وحتى يرى ~~للقرآن وجوها كثيرة ". # وروي أيضا مرفوعا عن أبي الدرداء مع قوله: ثم يقبل على نفسه، فيكون ~~لها أشد مقتا. # وسأل فرقد السبخي الحسن البصري عن شيء فأجاب، فقال: إن الفقهاء ~~يخالفونك، فقال الحسن: ثكلتك أمك، وهل رأيت فقيها بعينك؟ إنما ~~الفقيه، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على ~~عبادة ربه، الورع الكاف عن أعراض الناس، العفيف عن أموالهم، الناصح ~~لجماعته، ولم يقل في جميع ذلك: الحافظ لفروع الفتاوى. # وتارة يسمى الإيمان بعلم الكتاب والسنة قال تعالى: # يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة # [الجمعة:2]. # ولفظ " العلم " أيضا مما وقع التصريف فيه على ما كان بإزائه، فإنه ~~كان مطلقا على معنى العلم بالله وبآياته وبأفعاله في عباده وخلقه، فكان ~~مرادفا للإيمان والحكمة. # وقد تصرفوا فيه أيضا بالتخصيص، حتى اشتهر في الأكثر بصنعة المناظرة ~~مع الخصوم في المسائل الفقهية والكلامية، فيقال: هو العالم على ~~الحقيقة، وهو الفحل: لمن مارس هذا الفن، ومن لا يشتغل به يعدونه من ~~ضعفاء العقول، ولا يعدونه في زمرة العلماء. ولم يعلموا أن ما ورد في ~~فضائل العلم والعالم أكثره في العلماء بالله وصفاته، وبأحكامه في ~~أفعاله. # فأطلقوا " العالم " على من لا يحيط من علوم الدين بشيء سوى رسوم ~~جدلية ومسائل خلافية، فيعد من فحول العلماء، مع جهله بحقائق التفسير ~~وغيرها، وصار ذلك فتنة عظيمة في الدين، مهلكا لخلق عظيم من الطلبة ~~والمستعدين. # ومن أسمائه: التوحيد، وهو في اصطلاح الصوفية إسم لحقيقة الإيمان، وفي ~~المشهور وعند الجمهور عبارة عن صنعة الكلام، ومعرفة المجادلة، والإحاطة ~~بمناقضات الخصوم، والقدرة على تكثير الأسئلة وتقرير الإلزامات، وايراد ~~الشبهات، وتأليف المناقضات والمدافعات. # ومن هذا المعنى لقبت طائفة من المتكلمين: أصحاب العدل والتوحيد: وسمي ~~المتكلمون: العلماء بالتوحيد، ولعبت بهم الشكوك، وطعن كل لاحق منهم ~~لسابقه مع انه أيضا لم يأت بشيء يزيد به على السابق. # على أن ms0170 جميع ما هو خاصية هذه الصناعة، لم يكن يعرف شيء منها في العصر ~~الأول. بل كان يشتد النكير من السلف على من يفتح أبواب الجدل والمماراة، ~~كما يستفاد من أحاديث أئمتنا سلام الله عليهم أجمعين، حيث وقع منهم ~~المنع من علم الكلام وصنعة المناظرة، إلا على سبيل الضرورة عند مكافحة ~~المتبدعين. # وأما ما يشتمل عليه القرآن من الأدلة الظاهرة التي تسبق الأذهان الى ~~قبولها في أول السماع، فلقد كان ذلك معلوما للكل، وكان علم التوحيد ~~عندهم عبارة عن أمر آخر يستفاد من القرآن بنحو آخر لا يفهمه أكثر ~~المتكلمين. # وهذا مقام شريف إحدى ثمراته هي أن يرى الأمور كلها من الله رؤية يقطع ~~التفاته عن الأسباب والوسائط، ويترتب عليه التوكل والرضا والتسليم لحكم ~~الله وترك شكاية الخلق وترك الغضب عليهم. # ومن أسمائه: العقل المستفاد، وهذا اصطلاح الفلاسفة الموحدين، والحكماء ~~الإلهيين دون الطبيعيين والرياضيين والأطباء والمنجمين، فإنهم ~~بمعزل عن هذا المقام ومعرفته. # واسم العقل، من الأسماء المشتركة التي تطلق على معان أخرى، إلا ان ~~الذي استعملته الحكماء في علم النفس، ويعد من أسامي مراتب النفس في ~~استكمالاتها من حد القوة الاولى الى حد الكمال الأخيرة، هو العقل ~~بالمعنى المرادف فيه معه لفظ " الإيمان " في عرف شريعتنا، وذلك حيث ذكروا ~~ان للنفس درجات في القوة والكمال: # إحداها: درجة استعدادها الأول عند خلوها عن العلوم كلها، كما للطفل ~~بالنسبة الى الكتابة، وهي المسمى بالعقل الهيولاني، تشبيها لها بالهيولى ~~الأولى، الخالية عن الصور كلها بحسب ذاتها. # والثانية: درجة استعدادها الثاني من جهة اطلاعها على البديهيات، ~~واوائل العقليات، فيتهيأ لإدراك الثواني إما بالفكر، أو الحدس، ويسمى ~~عندهم بالعقل بالملكة. # ثم يحصل للنفس بعدها قوة وكمال، أما القوة فهي أن يكون بحيث أن ~~يطالع المعقولات المفروغ عنها متى شاءت من غير تعمل وطلب، وهذه هي ~~القوة القريبة من الفعل، ويسمى عقلا بالفعل، وأما الكمال، فهو أن ~~تكون المعقولات حاصلة بالفعل مشاهدة، ويسمى العقل المستفاد، وهذان ~~العقلان متعاكسان في التقدم والتأخر من جهة الحدوث والاستمرار، وبقاء ~~الأخير ms0171 لا يكون إلا في الدار الآخرة، اللهم إلا لبعض الكاملين من إخوان ~~التجريد. # وأما أنه كم ينبغي أن يحصل للنفس الإنسانية من تصور المعقولات حتى ~~يقع عليه هذا الإسم، اي العقل بالفعل المساوق للعقل المستفاد من جهة ~~الاستمرار الأخروي، ويرجو السعادة العقلية، ويتخلص من الشقاوة التي ~~بإزائها لمن يتصف بالجهل المضاد للعلم اليقيني الإيماني، فقد قال صاحب ~~الشفاء: إنه ليس يمكنني أن انص عليه نصا إلا بالتقريب، وأظن أن ~~ذلك أن تتصور نفس الإنسان المبادي المفارقة تصورا حقيقيا، وتصدق بها ~~تصديقا يقينيا لوجودها عندها بالبرهان، وتعرف العلل الغائية للأمور ~~الواقعة في الحركات الكلية دون الجزئية، التي لا تتناهى، وتتقرر عندها ~~هيئة الكل ونسب أجزائه بعضها الى بعض، والنظام الآخذ من المبدإ الأول ~~الى أقصى الوجودات في ترتيبه، وتتصور العناية وكيفيتها، وتتحقق ان ~~الذات المفيدة للكل أي وجود يخصها وأية وحدة تخصها، وأنها كيف تعرف ~~حتى لا يلحقها تكثر وتغير بوجه من الوجوه، وكيف تترتب نسبة الموجوات ~~اليها. # ثم كلما ازداد الناظر استبصارا، ازداد للسعادة استعدادا، وكأنه ليس ~~يتبرأ الإنسان عن هذا العالم وعلائقه، إلا أن يكون أكد العلاقة مع ذلك ~~العالم، فصار له شوق الى ما هناك وعشق لما هناك، فصده عن الالتفات ~~الى ما خلفه جملة، ونقول أيضا: إن هذه السعادة لا تتم إلا بإصلاح ~~الجزء العلمي من النفس. انتهى كلامه. # وهذه التي ذكرها من المعارف التي لا بد للانسان الكامل الإيمان أن ~~يعرفها، هي بعينها من المقاصد التي يستفاد وجوب معرفتها عقلا من ~~الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، على تغاير في الاصطلاح، لا في أصول ~~المقاصد. # وكذا قوله: إن هذه السعادة لا تتم إلا بإصلاح الجزء العملي، يدل على ~~أن الإيمان لا يتم إلا بأن يكون مشفوعا بالأعمال الصالحة، من الطاعات ~~والعبادات. كالقيام والإمساك عن الطعام، وبذل المال للفقراء، والمجاهدة ~~مع أعداء الدين، وزيارة بيت الله وحضور مناسك المسلمين، وغير ذلك مما ~~ورد في الشريعة الحقة، فإن اصلاح الجزء العملي الذي غايته قطع علائق ~~الدنيا والأغراض النفسانية، لا يمكن ms0172 إلا بالعمل الصالح. # فالعمل الصالح وإن لم يكن داخلا في ما هو المقصود من الإيمان كما ~~توهم، إلا انه لا بد منه في حصول حقيقة الإيمان، أي النور القلبي ~~الذي إذا حصل للإنسان يصير بصيرا بالأمور الغيبية والحقائق الملكوتية ~~الغائبة عن مشاهدة الحواس. # فصل # [الأقوال في المراد من الغيب] # فقوله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب } ، إشارة الى ما ~~ذكر، أي أنهم يصدقون تصديقا بالأشياء المرتفعة عن هذا العالم، ~~والخارجة عن مدركات الحس الظاهر، كوجود الباري، والملائكة، واللوح، ~~والقلم، والأمور الأخروية من الجنة والنار، والصراط والحساب والميزان، ~~وتطاير الكتب ونشر الصحف، وأحوال القبر والبعث، وأهوال المحشر وغير ذلك ~~مما لا تستقل باثباته عقول الخلائق بأنظارهم الفكرية، ودلائلهم ~~النظرية، وإنما تتكشف بنور متابعة الشريعة، والاقتباس من مشكاة الوحي ~~والنبوة. # والغيب في اللغة: مصدر أقيم مقام اسم الفاعل، كالصوم بمعنى الصائم، ~~والمفسرون ذكروا في قوله: { يؤمنون بالغيب } وجهين: # الأول:- وهو اختيار أبي مسلم الإصفهاني - أن يكون صفة للمؤمنين، معناه ~~انهم يؤمنون بالله حال الغيبة كما يؤمنون حال الحضور، لا كالمنافقين ~~الذين # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا ~~إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن ~~مستهزئون # [البقرة:14]. # ونظيره قوله: # ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب # [يوسف:52] ويقول الرجل لغيره: نعم الصديق لك فلان بظهر الغيب، فكل ~~ذلك مدح للمؤمنين بأن ظواهرهم توافق بواطنهم، ومباينتهم لحال ~~المنافقين الذين # يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم # [آل عمران:167]. # أقول: هذا القول لا يخلو من ضعف وركاكة، فإن سوق الكلام في هذا ~~المقام من التأكيد في بيان عظمة القرآن بكونه كتابا من عند الله، ~~وعلما إلهيا لا يحويه الشك، وحقا لا يأتيه الباطل، ونورا يهتدي به ~~المتقون في طريق الآخرة وسبيل النجاة، مما يدل دلالة واضحة على أن ~~الخطب فيه أعظم من أن يوصف أهله، والحاملون لأسراره والمستبصرون ~~بأنواره في عالم الملكوت، بأنهم ليسوا عند الاهتداء به والإيمان ~~بحقائقه منافقين ولا مستهزئين، بل هم أجل قدرا وأعظم شأنا من أن يقال ~~في مدحهم: إنهم ليسوا من حزب المنافقين ms0173 والشياطين. # والقول الثاني: وعليه جمهور المفسرين: إن الغيب هو أن يكون غائبا عن ~~الحاسة. والحق هو القول الثاني كما لا يخفى. لكن أصحاب هذا القول ذكروا ~~ان الغيب ينقسم الى ما عليه دليل والى ما ليس عليه دليل، فالمراد من هذه ~~الآية هو الثاني. # ويدخل فيه العلم بالله وبصفاته، والعلم بالآخرة، وبالنبوة، وبالشرائع ~~والأحكام. وسبب كون العلم به مدحا للمؤمنين، أن في تحصيل هذه العلوم ~~بالاستدلال مشقة، فيصلح أن يكون سببا للثناء والتعظيم. # أقول: وفيه ما لا يخفى من التعسف، لما علمت من أن اصل الإيمان الحقيقي ~~نور من أنوار الله الفائضة على باطن الإنسان، وهو كمال حقيقي وسعادة ~~حقيقية يوجب الثناء، لا لأن في تحصيل العلوم المتعلقة بها مشقة، بل ~~لأنه الغاية التي لأجلها خلق الإنسان بل بني العالم والأكوان، وما ~~يترتب عليه من الأجر والثواب مما لا يسع في الميزان ولا يحويه الحساب، ~~يوم يقوم الناس لرب العالمين، بخلاف ثواب الأعمال وميراث الأفعال، فإن ~~لها حدا معدودا، وثوابا معلوما، وقدرا موزونا يشاهده كل أحد ~~في ذلك اليوم. # ظلمات وهمية تزاح بأنوار عقلية # إن القائلين بالقول الأول احتجوا بوجوه: # الأول: إن قوله: # والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من ~~قبلك وبالآخرة هم يوقنون # [البقرة:4] فيه ايمان بالأشياء الغائبة، فلو كان المراد من قوله { ~~يؤمنون بالغيب } ، هو الإيمان بالأشياء الغائبة، لكان المعطوف ~~عين المعطوف عليه، وأنه غير جائز. # الثاني: إنه لو حملناه على الإيمان بالغيب، يلزم القول بأن الإنسان ~~يعلم الغيب وهو خلاف قوله: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام:59]. وكذا الآيات النافية لكون الإنسان عالما بالغيب، أما لو ~~فسرناه بما قلنا، فلا يلزم هذا المحذور. # الثالث: إن إطلاق الغيب إنما يجوز على ما يجوز عليه الحضور، فعلى هذا ~~لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على ذات الله وصفاته، فلو كان المراد من الآية ~~الإيمان بالغيب بهذا المعنى، لما دخل فيه الإيمان بالله وبصفاته، ولا ~~يبقى فيه إلا الإيمان باليوم الآخر، وذلك باطل، لأن الركن العظيم في ~~الإيمان، ms0174 هو الإيمان بذات الله وصفاته. فحمل اللفظ على هذا المعنى ~~فاسد. # والجواب أما عن الأول: فبأن قوله: { يؤمنون بالغيب } ، ~~يتناول الإيمان بالغائبات إجمالا، وقوله: والذين، مع ما يتلوه، يتناول ~~تفصيل بعضها؛ وهذا من باب عطف التفصيل على الجملة، كما في قوله: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة:98]. # وأما عن الثاني: فبأنه لا نزاع في أنا نؤمن بالأشياء الغائبة عنا، ~~وكان ذلك التخصيص لازما في الآيات الدالة على نفي العلم بالغيب عن ~~الإنسان على أي وجه كان، فنقول: الغيب على ضربين: فمنه ما يتطرق إليه ~~الدليل والبرهان، ومنه ما لا يكون كذلك، فللإنسان أن يعلم من الغيوب ما ~~عليه برهان، بأن يهديه الله إليه بإقامة البراهين، أو يلهمه عليه بنور ~~الحدس الشديد، كيف وقد شاع عند العلماء، أن الاستدلال بالشاهد على ~~الغائب أحد أقسام الأدلة. # وأما عن الثالث: فبمنع أن لفظ " الغيب " لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه ~~الحضور، أو لا ترى ان المتكلمين يقولون: هذا من باب إلحاق الغائب ~~بالشاهد، ويريدون بالغائب ذات الله وصفاته؟ # وعنه جواب آخر لا نسمح به، لأنه مما تشمئز عنه قلوب جماعة كاشمئزاز ~~المزكوم من رائحة الورد، فإن لاستشمام روائح رياحين العالم القدسي، لا ~~بد من أدمغة صافية عن مضار الأهوية الردية، خالية عن عفونات أخلاط ~~أهل الدنيا الدنية. # توجيهات نقلية # [المراد من الغيب] # قال بعض المفسرين: معنى { يؤمنون بالغيب } يصدقون بجميع ما ~~أوجبه الله تعالى أو ندب إليه أو أباحه. وقال الحسن؛ معناه: يصدقون ~~بالقيامة والجنة والنار، وعن ابن عباس: بما جاء من عند الله، وعن ابن ~~مسعود وجماعة من الصحابة: ما غاب عن العباد علمه، وهذا اولى لعمومه. ~~ويدخل ما رواه أصحابنا من زمان غيبة المهدي (عليه السلام) ووقت خروجه، ~~وأكد كونه منتظرا بالقرآن والخبر: # أما القرآن # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض # [النور:55]: الآية. وأما الخبر فقوله لو لم يبق من الدنيا إلا ~~يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي يوافق اسمه ~~اسمي وكنيته ms0175 كنيتي، به يملأ الله الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما. # وقيل: الغيب: هو القرآن وهو قول زيد بن حبيش، وكأنه أراد به أسرار ~~القرآن وتأويلات الآيات. # وقيل: المراد بالغيب، هو القلب، والمعنى: يؤمنون بقلوبهم، لا كمن ~~يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويمكن حمل ما روي عن ابن مسعود من أنه ~~قال: والذي لا اله غيره ما آمن أحد أفضل من ايمان بغيب - ثم قرأ هذه ~~الآية -، على هذا المعنى. كما أمكن حمله على كل من الوجهين السابقين. ~~أعني قول من جعل قوله: " بالغيب " ، صفة للمؤمنين، وحالا عن ضمير: ~~يؤمنون، كما مر، أو عن: المؤمن به، وقول من جعله صلة للإيمان وأوقعه ~~موقع المفعول به، فالباء إما للتعدية، أو للمصاحبة، أو للآلية. # قوله جل اسمه: ويقيمون الصلاة # أما معنى الإقامة للصلاة، فذكروا له وجوها: # أحدها: تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع في فرائضها خلل وفي آدابها ~~زيغ، من أقام العود: إذا قومه. # وثانيها: إدامتها والمواظبة عليها، كما قال تعالى: # الذين هم على صلاتهم دآئمون # [المعارج:23]. من: قامت السوق: إذا نفقت، وأقمتها: إذا جعلتها نافقة ~~قال الشاعر: # أقامت غزالة سوق الضراب # لأهل العراقين حولا قميطا # لأنها إذا اديمت وحوفظ عليها، كانت كالشيء النافق الذي يرغب فيه، وإذا ~~أضيعت، كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه. # وثالثها: التجلد لأدائها من غير تهاون ولا فتور، من قولهم: قام ~~الأمر وقامت الحرب على ساقها، بل من قولهم: قام بالأمر وأقامة إذا جد ~~فيه وتشمر له، وفي ضده: قعد عن الأمر وتقاعد عنه. # ورابعها: إقامتها؛ عبارة عن أدائها عبر عن أدائها بالإقامة لاشتمالها ~~على القيام، وهو بعض أركانها، عبر عنها به، كما عبر عنها بالقنوت ~~والركوع والسجود والتسبيح، قالوا: سبح إذا صلى، لوجود التسبيح فيها، ~~قال تعالى: # فلولا أنه كان من المسبحين # [ص:143]. # وإذا نظرت في هذه المعاني، وجدتها مشتركة في معنى الوجود والايجاد، مع ~~تفاوت في مراتب الكمال والضعف. # فالأول إكماله، والثاني إدامته، والثالث تأكيده، والرابع تحصيل شيء منه، ~~فالأولى حمل الكلام على ما ms0176 هو أكمل في الثناء، وأشهر وأقرب الى الحقيقة، ~~وأفيد لما هو المقصود بالذات، وهو الحمل على إدامتها من غير خلل في ~~أركانها وشرائطها، ولهذا يوصف الباري، بأنه قائم وقيوم، لأنه يجب دوام ~~وجوده للأشياء وإدامته للأرزاق. # فمن أدام فعلها، وراعى حدودها الظاهرة، - من الفرائض والسنن - ~~وحقوقها الباطنة - من التوجه الى الله والعروج بقلبه الى حضرة القدس ~~والخشوع بين يديه، لا كحال # الذين هم عن صلاتهم ساهون # [الماعون:5] - فهو حري بالمدح والثناء العظيم، والأجر الجسيم، ولذلك ~~ذكر الله تعالى في سياق المدح: # والمقيمين الصلاة # [النساء:162]. وفي معرض الذم: # فويل للمصلين # [الماعون:4]. # وأما معنى الصلاة في أصل اللغة فقيل: إنها الدعاء ومنه الحديث: # " إذا دعي أحدكم الى طعام فليجب، فإن كان صائما فليصل. أي: ~~فليدع له بالبركة والخير ". # وقيل: مشتق من الصلى، وهي النار من قولهم: صليت العصا، إذا ~~قومتها بالصلى، فالمصلي يسعى في تعديل ظاهره وباطنه، مثل من يحاول ~~تقويم الخشبة وإصلاحها بعرضها على النار. # أقول: وها هنا سر لطيف لا يمكنني ضبط عنان القلم عن كشفه، وهو أن ~~الإنسان في بداية الأمر في غاية الجمود والقساوة كالحجارة أو أشد قسوة ~~منها، لعدم المناسبة له الى حضرة نور القدس، وإنما يلين جلده وقلبه ~~لذكر الله على التدريج، بواسطة تلطف سره بالرياضات والتلطفيات، وذوبان ~~لحمه وشحمه بإذابة التكاليف الدينية والعقلية، حتى يبلغ الى مقام ~~يتسخن كبده بحرارة الشوق والمحبة، ثم يشتعل زيت قلبه بنار التوبة ~~والندامة، ثم يتنور مصباح روحه بنور الإيمان والمعرفة. # وأصل الكلام وبناؤه؛ على أن الموجودات متفاوتة في الوجود وكماليته، ~~وللإنسان أن يسلك في سبيل الله، ويتدرج في الدرجات، ويسير من أدنى منازل ~~الوجود الى اعلاها، فيترقى من أول منازل الموجودات الأرضية والمائية ~~الى آخر منازل الموجودات الهوائية والنارية كالجن والشياطين، ومنها ~~يأخذ في سيره الى منازل الموجودات النورية، وهي مراتب الملكوت الأعلى، ~~فلا بد من وروده في سيره الباطني أولا الى نشأة من نشئآت النيران، سواء ~~كان في الدنيا أو في العقبى، كما قال تعالى: # وإن منكم إلا ms0177 واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا # [مريم:71]. # فإن ورد عليها في الدنيا، فيقع الخلاص منها، وإلا فسوف يعذب بها في ~~العقبى، ووروده على النار في الدنيا، عبارة عن احتراق قلبه أولا بنار ~~التوبة والندم، ثم ذوبان جسمه بنار الرياضات والتكاليف الشاقة، ثم ~~اشتعال ذهنه بنار الحركات الفكرية والانتقالات النفسانية، وهكذا حتى ~~يتجاوز من هذه المقامات بقوة البرهان ونور الإيمان، الى عالم الأنوار ~~الملكوتية، ويتخلص عن عذاب النيران، ويحل في منازل الجنان ومجاورة ~~الرحمن، كما قال تعالى: # ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا # [مريم:72]. # فإذا تقرر هذا، فلعمري إن الصلاة أشد العبادات تأثيرا في تسخين ~~الباطن، وتليين الجلود والقلوب لذكر الله، وتذويب ذهب الخلاص في ~~كورة الامتحان، لاشتمالها على نار الإيمان والمعرفة ونار الخوف والخشية ~~للقرب، ونار التوبة والندامة، ونار الفكر والرياضة النفسية والبدنية. # وفي الحديث: # " كان يصلي رسول الله وفي صدره ازيز، كأزيز المرجل ". # وقيل: إن الصلاة عبارة عن الملازمة من قوله تعالى: # تصلى نارا حامية # [الغاشية:4]. # سيصلى نارا ذات لهب # [المسد:3] وسمي الفرس الثاني من أفراس المسابقة مصليا. # وقال صاحب الكشاف: الصلاة فعلة من صلى، كالزكاة من زكى، وكتابتها ~~بالواو على لفظ المفخم، وحقيقة " صلى " حرك الصلوين، لأن المصلي ~~يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، وقيل للداعي: مصل، تشبيها له في تخشعه ~~بالراكع والساجد. # واعترض عليه صاحب التفسير الكبير: بأن هذا يفضي الى طعن عظيم في كون ~~القرآن حجة، لأن لفظ الصلاة من أشد الألفاظ شهرة، وأكثرها دورانا ~~على ألسنة المسلمين، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء ~~اشتهارا فيما بين أهل النقل، ولو جوزنا انها في الأصل ما ذكر، ثم ~~خفي واندرس حتى صار بحيث لا يعرفه الآن إلا الآحاد، لكان مثله جائزا ~~في سائر الألفاظ، ولو جوزنا ذلك لما قطعنا بأن مراد الله من هذه ~~الألفاظ ما يتبادر إلى أفهامنا، لاحتمال أنه كانت موضوعة لمعان أخر في ~~زمان الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكان مراد الله تلك المعاني، لكنها ~~خفيت واندرست هي في زماننا كما وقع ms0178 مثله في هذه اللفظة. # ولما كان هذا باطلا بالاجماع، علمنا أن هذا الاشتقاق الذي ذكره ~~مردود باطل انتهى كلامه. # وفيه ما لا يخفى من التعسف، فإن اشتهار اللفظ في المعنى الاصطلاحي ~~المنقول إليه دون اللغوي المنقول منه، لا يقدح في الحكم بكونه منقولا ~~بحسب الرواية والضبط من أهل اللغة ولا يوجب ذلك عدم الاطلاع على معاني ~~الألفاظ القرآنية في سابق الزمان، كزمان نزول القرآن، إذ بواسطة ضم ~~القرآئن المعلومة لمن تتبع موارد الاستعمالات اللغوية، وتتبع معاني ~~ألفاظ المفسرين وغيرهم الذين كانت أزمنتهم قريبة من زمان الوحي، يحصل ~~اطلاع تام على معاني هذه اللغات في ذلك الزمان بلا شك. # والصلاة في الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة، على وجوه وشرائط مخصوصة. وهذا ~~يدل على أن هذا اللفظ منقول من اللغة الى الشرع. # وقيل: إن هذا ليس بنقل، بل تخصيص. لأنه يطلق على الذكر والدعاء في ~~مواضع مخصوصة. # إشارة # [الصلاة] # إن الصلاة المعهودة، من أعظم العبادات الدينية والأوضاع الشرعية ~~جلالة وقدرا، وأشدها قربانا الى الباري، وأوفرها تشبها بفعل المبادي ~~المطيعة لله على الدوام، لاشتمالها على الأعمال العقلية والبدنية، ~~واحتوائها على هيئات الخضوع والتذلل لله؛ ولهذا كانت واجبة في جميع ~~الشرايع المعظمة والملل القديمة. # قال أفلاطون الرباني في المقالة الثانية من كتابه في النواميس: إن ~~الصلاة تجمع الإقرار بالربوبية، وطاعة العقل في توجه النفس اليه، وتركها ~~استعمال الحواس، ونهيها بذلك عن مقتضاها طلبا للروحانيات، وترك ~~الاشتغال بطاعة الجسد والتخلي عن المعاصي، والإقرار بالذنب، والمسألة ~~في الصفح. # ألا ترى الى الرجل كيف يرفع يديه بالتكبير، وإنما ذلك استعاذة من شيء ~~خاف ايقاعه به عليه فطلب الاستقالة منه. # وكان ملك اليونانيين إذا دخل الأسرى الى بلدانهم، تقدموا اليهم أن ~~يبسطوا أيديهم بسط التضرع، لترى العامة أنهم على الخوف والذعر من ~~مسيرهم في المدينة. # فأما الركوع، فكتمكين الرجل من نفسه من حاول ضرب عنقه، فإنك لا تجد ~~له حالة أمكن من الركوع. # وأما السجود ووضع الوجوه في مراتب الأقدام، فمن تعمد ذلك يمحق غضبه، ~~فلهذا كانت فصول ms0179 الصلاة أغض الأشياء من الغضب المؤذي، كما ان الصوم من ~~أغض الأشياء لدفع آفة الشهوة. # انتهى كلامه. # مكاشفات عقلية متعلقة بأسرار الصلاة # الأولى: في حكمة وجوب الطاعات وسر التكليف بها: # إعلم أنه لما اقتضت الأسماء الحسنى الإلهية ظهور آثارها جميعا في ~~المظاهر الكونية، لئلا يتعطل طرف من الألوهية، ظهرت في نوع الإنسان ~~الذي هو أشرف الأكوان، وقد أوجده الله للعبادة كما قال: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات:56]. وطبايع أكثر الناس مجبولة على العدول عن منهج الحق، ~~والانحراف عن سنن العدل، كما أشار اليه بقوله: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ:13]. وقوله: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف:103]. وقوله: # وأكثرهم للحق كارهون # [المؤمنون:70]. # وقد تقرر بنيان هذا البيان في كثير من الأحاديث القدسية والنبوية، ~~مثل قوله تعالى: كلكم ضال الا من هديته فاسألوني الهدى اهدكم، ~~وكلكم فقير الا من أغنيته فاسألوني أرزقكم، وكلكم مذنب الا من غفرته ~~فمن علم منكم مني اني ذو قدرة على المغفرة فاستغفر غفرت ولا ~~ابالي. # فلو أن الناس أهملوا وطبائعهم وتركوا سدى، وخلي بينهم وبين ~~طبائعهم، لتوغلوا في الدنيا، وانهمكوا في اللذات الجسمانية، وطلبوا ~~دواعي القوى الظلمانية لضراوتهم واعتيادهم بها من الطفولية والصبى، ~~حتى زالت استعداداتهم، وانسلخوا عن رتبة الإنسانية فمسخوا ومثلوا ~~بالبهائم والسباع، كما قال تعالى: # وجعل منهم القردة والخنازير # [المائدة:60] وإن حوفظوا ودعوا بالسياسات الشرعية والعقلية، والحكم ~~والآداب النبوية، ترقوا وتنورت بواطنهم بنور الملكية كما قال ~~الشاعر: # هي النفس ان تهمل تلازم خساسة # وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج # فلهذا وضعت العبادات، وفرض عليهم تكرارها في الأوقات المعينة، ليزول ~~بها درن الطبائع المتراكمة في أوقات الغفلات، وظلمة الشواغل العارضة ~~في أزمنة اتخاذ اللذات، وارتكاب الشهوات، وتتنور بواطنهم بنور الحضور، ~~وتنبعث قلوبهم بالتوجه الى الحق عن السقوط في هاوية النفس والعثور، ~~وتنشرح صدورهم وتستريح بروح الروح، وحب الوحدة عن وحشة الهوى وتفرق ~~الكثرة، كما قال (صلى الله عليه وآله): # " الصلاة الى الصلاة كفارة ما بينهما من الصغائر ما اجتنبت ~~الكبائر ". # ألا ترى كيف أمرهم ms0180 عند الحدث الأكبر ومباشرة الشهوة بتطهير البدن ~~بالغسل، وعند الحدث الأصغر بالوضوء، وعند الاشتغال بالأشغال الدنيوية ~~في ساعات الليل والنهار بالصلوات الخمس المزيلة لكدورات مدركات الحواس ~~الخمس الحاصلة للنفس منها كل بما يناسبه. # وكذلك وضعوا بإزاء تفرقة الأسبوع، وظلمة انفرادهم بدؤوب الأشغال ~~والمكاسب والملابس البدنية والملاذ الجمسانية، اجتماع قوم على ~~العبادة والتوجه، لتزول وحشة التفرقة بأنس الاجتماع والحضور، ويحصل ~~بدل ظلمة النفرة نور المحبة الايمانية، ويرفع عنهم ظلمة الاشتغال ~~بالأمور الجزئية، والإعراض عن الحق من جهة الأغراض المختصة الشخصية. # وهكذا الحال في أكثر التكاليف، إذ مرجع الغرض في أكثرها الى تصفية القلب ~~عن ظلمة الدنيا، وتجريد الباطن عن كدورة الطبيعة ودرن اللذات ~~الجسمانية، وتخليص العقل عن طاعة الهوى والشيطان بنور طاعة الحق ~~بالايمان. # مكاشفة اخرى # في لمية وجوب الصلاة مطلقا من بين العبادات على عامة الناس بوجه ~~عقلي # لما علم الشارع ان جميع أفراد الإنسان لا يرتفعون عن حضيض البشرية، ~~ولا يرتقون في مدارج العقل الى درجة الملكية بحسب المعرفة والإخلاص، ~~فلا جرم سوى لهم رياضة بدنية، وساسهم سياسة تكليفية، تخالف ~~أهواءهم الطبيعية، وحفظ لهم الصورة الإنسانية، وراعى فيهم حكاية ~~النسك العقلية، وهيكل العبادات الملكية. # فمهد لهم قاعدة في الأذكار والأوراد، وألزمهم ترك النسيان بتكرير ~~الأعداد، وهي في الوجوب أعم وفي الحس أعظم، لترتبط بظواهر أشخاص ~~الإنسان، وتمنعهم عن التشبه بسائر أفراد الحيوان، وأقر بهذا الهيكل ~~الظاهر على كل بالغ عاقل، فقال (صلى الله عليه وآله): # " صلوا كما رأيتموني " # ، ولو قال: صلوا كصلاتي، فمن الذي صلى مثل صلاته؟ لأنه كان يصلي ~~وبصدره ازيز كأزيز المرجل من البكاء، وكان في صلاته يرى من خلفه. # فقد ظهر أن في صلاة القالب مصلحة كثيرة لا تخفى على اللبيب العاقل، ~~ولا يقر به لسان الجاهل العاذل. وهذا المعنى من الصلاة قد كانت واجبة على ~~الأمم السابقة على أعداد اكثر من اعداد صلواتنا لعموم جدواها، وكانوا ~~مكلفين بأعمال جسمانية كثيرة المشقة لغلبة القسوة والجسمانية عليهم، ~~وقلة ظهور آثار الملكوتيين منهم. # وشريعتنا المحمدية - على الصادع بها ms0181 وآله خير الصلاة والتحية - أقل ~~تكليفا وأكثر منفعة، لصفاء القوابل، ولطافة القلوب، ورقة الحجاب في ~~أمته بحمد الله، ولذلك قال: بعثت بالشريعة السهلة السمحاء. # مكاشفة اخرى # في لمية وجوب الصلاتين القلبية والقالبية. # إن الله قد بعث النبيين معلمين بالكتاب والحكمة، واضعين من قبل الله ~~للشريعة والملة، مقيمين للعدل والقسط لقوله: # وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط # [الحديد:25]. # فوضعوا للناس النواميس الإلهية ليخرجوهم عن حضيض البرزخ الظلماني، ~~ويبلغوهم الى أوج العالم النوارني، لينخرطوا في سلك الملائكة ~~المقربين، وينغمسوا في جوار القدس مع الأنبياء والصديقين، رحمة من ~~الله وفضلا ونعمة منه. # فشرع كل منهم بإذن الله لأمته حسب ما أعطته العناية الإلهية، ~~واقتضته الرحمة الأزلية في ذلك الوقت والزمان، من الأعمال القلبية ~~والبدنية، ما تكمل به قوتاهم العلمية والعملية بحسب طاقتهم. # ولما كانت الحكمة المحمدية - على مقيمها وآله أفضل المحامد العلية -، ~~حكمة فردة، لأنه أكمل موجود في هذا النوع الإنساني، بل هو أكمل الممكنات ~~علويها وسفليها، روحانيها وجسمانيها، وكان تأثير قوة نبوته في ~~تكميل أرواح أمته، أبلغ وأتم كمالا وأقوم، وحكمته أحكم، وكتابه ~~وشريعته أبلغ وأعم، كانت أمته خير الأمم وأعدلها، وأشرف الفرق ~~وأكملها، كما قال تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران:110]. # وإليه أشار صلى الله عليه وآله: # " بعثت لاتمم مكارم الأخلاق " # وبقوله: # " علماء امتي كأنبياء بني إسرائيل ". # فخص المحمديون بوجوب حقيقة الصلاة والذكر القلبي، والمعرفة الإلهية ~~التي هي روح الصلاة، كما وجبت عليهم صورة الصلوات الخمس المكتوبة، ~~وأمروا بالمواظبة عليها، والمحافظة لها، وتكريرها في كل يوم بهيئة مشتملة ~~على سر إلهي في أوقات معينة له؛ وهي ذكر له تعالى، وقربة الى جناب ~~الحق، ومناجاة معه، كما قال (صلى الله عليه وآله): # " المصلي مناج ربه ". # وروح الصلاة، وهي معرفة الحق وتعظيمه وتنزيهه عن نقائص الإمكان، أشد ~~وجوبا على بواطن العقلاء الكاملين من صورتها، وهي القيام والقعود ~~والقراءة والركوع وسائر الهيئات والأوضاع على ظوهر سائر الناس، وقال ~~سبحانه: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى ms0182 # [طه:124]. # مكاشفة اخرى # في تحقيق القول من سبيل آخر # قد بان لك ان في الإنسان شيئا من العالم الأسفل، وشيئا من العالم ~~الأعلى، وأعني بالعالم الأسفل: الدنيا وما فيها، وبالعالم الأعلى: ~~الآخرة وما فيها. # وكذلك في كل عمل من الأعمال الدينية قشر ظاهر ولب باطن، فالقشر ~~متعلق بالدنيا، واللب متعلق بالآخرة، وكما ان مقصود الشارع من ~~طهارة الثوب - وهو القشر الخارج - ومن طهارة البدن - وهو القشر القريب - ~~إنما هو طهارة القلب - وهو اللب الباطن - وطهارة عن نجاسات الأخلاق ~~كالكفر والحسد والنفاق والبخل والإسراف وغيرها. # فكذلك مقصود الشارع من صورة كل عبادة، هو الأثر الحاصل منه في القلب. ~~ولا يبعد أن يكون لأعمال الجوارح آثار في تنوير القلب وإصلاحه، كما لا ~~يبعد أن يكون لطهارة الظاهر أيضا تأثير في إشراق نورها على القلب، فإنك ~~إذا أسبغت الوضوء، واستشعرت نظافة ظاهرك، صادفت في القلب انشراحا ~~وصفاء لا تصادفه قبله، كيف وإدراك النظافة يوجب حصول صورتها في القلب، ~~وهذا ضرب من الوجود، وفعل الطهارة أوجب حصولها في القلب ولو بوجه ضعيف. # وذلك لسر العلاقة الواقعة بين عالم الشهادة وعالم الغيب، فإن ظاهر ~~البدن من عالم الشهادة والملك، والقلب من عالم الغيب والملكوت بأصل ~~فطرته، وإنما يكون هبوطه الى هذا القالب، كالغريب عن موطنه الأصلي، ~~ونزوله الى ارض عالم الشهادة عن الجنة التي هي موطنه وموطن أبيه المقدس، ~~لجناية صدرت أولا عن أبيه. # وكما تنحدر من معارف القلب آثار الى البدن، فكلذلك ترتفع من أحوال ~~الجوارح أنوار الى القلب، ولذلك أمر بالصلاة مع انها حركات للجوارح، وهي ~~من عالم الشهادة. # وبهذا الوجه، جعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الدنيا فقال: # " أحببت من دنياكم ثلاثا الحديث. وعد الصلاة من جملتها ". # ومن ها هنا قد شممت شيئا يسيرا من أسرار الطهارة والصلاة وسائر ~~العبادات، وإذا تقرر هذا عندك، وعلمت بمثل هذا التقسيم في جميع ~~العبادات، واتضح لك وتأكد عندك حسبما قدمنا اليك أن الصلاة منقسمة ~~الى رياضي جسماني والى حقيقي روحاني، فاعلم أن نفوس ms0183 الإنسان متفاوتة ~~بحسب آثار القوى والأرواح والدواعي المتركبة فيها، فمن غلب عليه الروح ~~الطبيعي والحيواني، فإنه عاشق البدن يحب نظامه وتزيينه وتعظيمه ~~وأكله وشربه ولبسه وطالب جذب منفعته ودفع مضرته، فهذا الطالب من ~~عداد الحيوانات وزمرة البهائم. # فأيامه مستغرقة باهتمام بدنه، وأوقات عمره مصروفة الى مصالح جثته ~~وشخصيته. # فهو غافل عن الحق جاهل بأمره، فلا يجوز له التهاون بهذا الأمر الشرعي ~~اللازم الواجب، وإن قعد عنه فبالسياسات والزواجر يكره عليه ويجبر، ~~حتى لا يفوت عنه حق التضرع والاشتياق الى الله تعالى، ليفيض عليه ~~بجوده، وينجيه من عذاب وجوده، ويخلصه من آمال بدنه، ويوصله الى منتهى ~~أمله. # فإنه لو انقطع عنه قليل خير، لتسارع اليه كثير شر، ولكان أدنى درجة ~~من البهائم، وأضل سبيلا من الأنعام. # ومن غلبت عليه قواه الروحانية، وتسلطت على هواه قوته الناطقة، وتجرد ~~عن محبة الدنيا وعلائق العالم الأدنى، فهذا الأمر الحقيقي والتعبد ~~الروحاني، وذكر الله بالقلب ومناجاته وقرباته، واجب عليه أشد وجوبا ~~وأقوى إلزاما، كما قيل: الحكمة أشد تحكما على باطن العاقل من السيف ~~على ظاهر الأحمق. لأنه استعد بطهارة نفسه وشرافة عقله ليفيض عليه ~~ربه، فهو أقبل بمشقته، واجتهد في تعبده لتسارع إليه جميع الخيرات ~~العلوية والسعادات الأخروية، حتى إذا انفصل عن جسمه وفارق الدنيا، يدخل ~~عليه الملائكة من كل، باب ويشاهد مفيضه وموجده ومكمله رب ~~الأرباب، ويجاور حضرته ويلتذ بمنادميه حينئذ ومجاوريه، وهم سكان ملك ~~الملكوت وقطان عالم الجبروت. # مكاشفة اخرى # في سر الصلاة وروحها # من جهة اشتمالها على ظاهر جسماني وباطن نوراني # إعلم أن الصلاة عبارة عن تشبه ما للنفس الإنسانية بالأشخاص الكريمة ~~الإلهية في تحريكها للأجرام الفلكية، فما أشد شباهة الإنسان حين ~~التشغل بالصلاة الكاملة بتلك الأشخاص الكريمة بأرواحها الملكية، في ~~تعبدها الدائم، وركوعها وسجودها، وقيامها وقعودها طلبا للثواب السرمدي، ~~وتقربا الى المعبود الأحدي. # ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): # " الصلاة معراج المؤمن. وقال: الصلاة عماد الدين ". # وأصل الدين، تصفية الروح عن الكدورات الشيطانية والهواجس النفسانية، ~~والصلاة الحقيقية هي التعبد للمبدإ الأعلى ms0184 والمعبود الأعظم، والخير ~~الأشراف، والتعبد في الحقيقة، عرفان الحق جل مجده، والعلم بآياته ~~بالسر الصافي والقلب النقي والنفس الفارغة. # فسر الصلاة التي هي عماد الدين؛ هو العلم بوحدانية الله، ووجوب وجوده ~~وتنزه ذاته، وتقدس صفاته، وإحكام أفعاله، ونفاذ أمره في خلقه، ~~وجريان قضائه في قدره، وقلمه في لوحه، وتعلق عنايته ورحمته بعباده، ~~وإنزال كتبه على رسله، ورجوع العباد في معادهم اليه، يوم مثول الأرواح ~~والنفوس بين يديه، وقيام صفوف الملائكة والروح لديه. مع الإخلاص له ~~بالعبودية. وأعني بالإخلاص؛ أن يعبد الله بلا مشاركة أحد، وأن يعلم ~~ذاته وصفاته وأفعاله بحيث لا يبقى للكثرة فيه مشرعا، ولا للاضافة ~~اليه مترعا. # ومن فعل هذا فقد أخلص وصلى، وما ضل وما غوى، ومن لم يفعل هكذا فقد ~~افترى وعصى، والله أجل من ذلك وأعلى وأغنى. # مكاشفة اخرى # في مبدأ وجوب هذا التعبد الروحاني # إن هذه الصلاة قد وجبت على سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله) في ليلة ~~مباركة، قد صعد الى العالم العلوي، وتجرد عن بدنه، وتنزه عن أهله، ~~ولم يبق معه من آثار الحيوانية شهوة، ولا من لوازم الطبيعة قوة، ولا من ~~الدواهي النفسانية بقية. # فناجى ربه بقلبه وروحه عند طرح قالبه وبدنه في آخر منازل الجسمية، ~~فقال - كما روي عنه (صلى الله عليه وآله):- # " إني وجدت لذة غريبة في ليلتي هذه، فأعطني يا رب هدى، ويسر ~~علي طريقا يوصلني كل وقت الى لذتي، فأمره الله بالصلاة فقال: يا ~~محمد، المصلي مناج ربه ". # ولا يخفى على العاقل المتأمل، ان مناجاة الله لا تكون بالأعضاء ~~البدنية، ولا بالألسن الجمسانية، لأن هذه المكالمة إنما تصلح لمن ~~يحويه مكان وتقترن به حركة وزمان، أما الواحد المقدس الخارج عن عالم ~~المحسوس والحس الذي لا يحيط به مكان ولا يحويه زمان، ولا يعتريه تجدد ~~وتغير، ولا يشار اليه بجهة من الجهات، ولا يختلف حكمه في صفة من الصفات، ~~فكيف يعاينه الإنسان المشكل المجسم المحدود بجسمه، المقيد المحصور ~~بحسب قوله وفعله وشعوره وحسه؟ # وكيف يناجي في هذا العالم المركب ms0185 الخروب، من لا يعرف حدود جهاته ولا ~~يرى جناب صفاته. # فإن الوجود المطلق عن عالم المثل والمحسوسات، بل المرتفع عن إمكان ~~الأرواح والعقليات، غائب عن الحواس، غير مشار إليه بالأخماس، ولا يدرك ~~بالإلماس، ومن عادة الجسم والجسمي، أن لا يناجي ولا يجالس الا من يراه ~~بالبصر، ويحسه بالحس، ويدركه بإحدى الخمس. وإذا لم ينظر إليه ولم ~~يشاهده يعده غائبا، ويكون بفقده عن المشاعر خائبا. # فمن كان خارجا عن هذا الباب، مقدسا عن طرفي هذا النفي والإثبات ~~جميعا، وعن المداخلة والمزايلة رفيعا، فمناجاته بإحدى الظواهر والآلات ~~أمحل المحالات، وأفحش الخرافات الموهومات. # فاذن قوله # " المصلي مناج ربه " # محمول على عرفان النفوس العرافة العلامة المجردة عن جهات الجسم ~~والمكان، وحوادث الحركة والزمان. # فهم يشاهدون الحق مشاهدة عقلية، ويبصرون الإله ويبصرونه بصيرة ~~نورية، ويسمعون كلامه سماعا قلبيا روحانيا. # تفريع # فعلى هذا ظهر ان الصلاة الحقيقية هي التي تليق أن يمدح الله بها ~~المؤمنين المتقين المهتدين بأنوار معارف هذا القرآن، وهي التي تنهى عن ~~فحشاء القوة الشهوية، ومنكر القوة الغضبية، وبغي القوة الوهمية، ~~ويدفع آفات هذه الثلاث التي أولاها كالبهائم، ووسطاها كالسباع، وأخراها ~~كالشياطين. # وذلك لأنها كما علمت، مكالمة عقلية مع الله عند مشاهدة قلبية له، أو ~~هي التضرع بالنفس الناطقة نحو الله الحق والموجود المطلق، وجعلها ~~بمنزلة يد باسطة إليه تعالى. # ولأصحاب العلوم الظاهرة من هذا حظ ناقص، وإن ارتفعوا عن منزل الأنعام ~~قليلا، وارتفعوا عن درجة العوام يسيرا، وللمحققين قسم وافر ونصيب ~~كامل من هذا البحر الزاخر، ولهم قرة أعين في الصلاة أخفيت عن أعين ~~الناس، ومن كان حظه أكمل، فثوابه أجزل. # فالعاقل الحكيم، يتأمل سلوك طريق التعبد والمداومة على الصلاة، ويلتذ ~~بمناجاة ربه لا بشخصه، وينطقه لا بنطقه، ويبصره لا ببصره، ويحسه لا ~~بحسه. # وأما الجاهل اللئيم، المغرور الممكور، المشعوف بما عنده من القشور، ~~الطالب في مناجاته للذات عالم الزور، المتوجه الى تحصيل المنزلة والجاه ~~عند أصحاب القبور، ومن آثر الهوى واتبع الشيطان، وانحرف عن الحق ~~والهدى، حرم الله عليه لذة مناجاته، ms0186 كما ورد في أخبار داود على نبينا ~~وعليه السلام: يا داود إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على ~~محبتي، أن احرم عليه لذيذ مناجاتي. # ومثل هذا الخبر ما ذكره مالك بن دينار من قوله: قرأت في بعض الكتب ان ~~الله عز وجل يقول: إن أهون ما أصنع بالعالم اذا أحب الدنيا أن اخرج ~~مناجاتي من قلبه. # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور:40]. # قوله جل اسمه: # ومما رزقناهم ينفقون (3) # الرزق في كلام العرب، الحظ مطلقا قال تعالى: # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # [الواقعة:82]. أي حظكم ونصيبكم. # والعرف خصصه بما ينتفع به الحيوان، يؤكل أو يستعمل، وقيل: هو ما ~~يملك، وهو باطل. لأن الإنسان قد يقول: اللهم ارزقني ولدا صالحا، ~~وزوجة صالحة. وهما مما ليسا بمملوكين له. وكذا يقول: اللهم ارزقني ~~عقلا أعيش به. والعقل ليس بمملوك. وأيضا البهيمة لها رزق ولا يكون ~~لها ملك. # وقيل: هو عبارة عن تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء، وهذا مذهب أبي ~~الحسين البصري وسائر المعتزلة، ولهذا ذهبوا الى أن الحرام لا يكون ~~رزقا، وذلك لأنهم استحالوا من الله أن يمكن من الحرام، بدليل أنه منع ~~من الانتفاع بالحرام، وأمر بالزجر عنه، وبما ذكره صاحب الكشاف في هذه ~~الآية من قوله: " إسناد الرزق الى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال ~~الطلق الذي يستأهل أن يضاف الى الله ويسمى رزقا منه ". # وبقوله تعالى: # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا # [يونس:59]. إذ قد بين ان من حرم رزق الله فهو مفتر عليه، فثبت ان ~~الحرام لا يكون رزقا. # وبما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن رجلا قال له: # " إن الله كتب علي الشقوة أفلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي، ~~فأذن لي في الغناء من غير فاحشة؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة، كذبت يا عدو الله، لقد رزقك ~~الله طيبا، فاخترت ما حرم الله عليك من ms0187 رزقه مكان ما أحل الله لك ~~من حلاله، أم إنك لو قلت بعد هذه النوبة، ضربتك ضربا وجيعا ". # والجواب: أما عن الأول، فبأن المنع الشرعي للكل عن الحرام، لا يناقض ~~السياق القدري لبعض الأشخاص إليه، وتحقيق هذا المقام يحتاج الى مسلك آخر ~~غير علم الكلام. # وأما عن الثاني: فبأن إسناد الرزق الى الله على سبيل التشريف والتحريض ~~على الإنفاق، وإن كان الحرام رزقا أيضا، كما يقال: يا خالق العرش ~~والكرسي، [ولا يقال] يا خالق الكلاب والخنازير، وكقوله: # يشرب بها عباد الله # [الإنسان:6]. فخص العباد بالمتقين وإن الكفار من العباد. # وأما عن الثالث: فبأن الذم للمشركين لأجل انهم حرموا ما أحل الله ~~من الرزق. # وأما عن الرابع: فبأن الخبر حجة عليكم لا لكم، لأن قوله (صلى الله ~~عليه وآله): # " فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه " # ، صريح في أن الرزق قد يكون حراما. # واستدل بعض الأشاعرة: بأن الحرام لو لم يكن رزقا، لم يكن المغتذي به ~~طول عمره مرزوقا، وليس كذلك لقوله تعالى: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود:6]. # وأقول: هذا الاستلال ضعيف، لمنع تحقق مادة النقض، إذ ما من حيوان إلا ~~وله رزق من الحلال ولو في بعض الأوقات، كما عند كونه في بطن أمه. # والحق أن النزاع في هذه المسألة يرجع الى محض اللغة وهو: أن الحرام هل ~~يسمى رزقا أم لا؟ ولا مجال للدليل العقلي في الألفاظ. # وأصل الإنفاق، إخراج المال من اليد، ومنه نفق المبيع نفاقا إذا كثر ~~المشترون له، ونفقت الدابة إذا خرجت روحها، ومنه نافق الفأرة لأنها ~~تخرج منها، ومنه النفق في قوله تعالى: # أن تبتغي نفقا في الأرض # [الأنعام:35]. # وفي الكشاف: ان " أنفقه وأنفده " أخوان، و " نفق ونفد " واحد، وكلما ~~جاء مما فاؤه نون وعينه فاء، فدال على معنى الخروج والذهاب ونحو ذلك ~~إذا تأملت. # تنبيه # في قوله تعالى: { ومما رزقناهم ينفقون } فوائد لطيفة: ~~إدخال " من " التبعيضية صيانة لهم عن الإسراف، وكفا عن التبذير ~~المنهي عنه، وتقديم المفعول للاهتمام به ms0188 كأنه قال: ويخصون بعض المال ~~للتصدق به، والمحافظة على رؤوس الآي، وإطلاق الانفاق حتى يشمل الزكاة ~~وغيرها. # ومن فسر الإنفاق بالزكاة، فقد ذكر أفضل أنواعه وما هو الأصل فيه، ~~وإنما وقع التخصيص بها لاقترانه بما هو شقيقها. # ولا يخفى ان الإنفاق منه واجب ومنه مندوب. والإنفاق الواجب أقسام: # أحدها: الزكاة وهي قوله تعالى في آية الكنز: # ولا ينفقونها في سبيل الله # [التوبة:34]. # وثانيها: الإنفاق على النفس والأهل ومن تجب عليه نفقته. # وثالثها: الإنفاق في الجهاد. # وأما الإنفاق المندوب، فهو ما سوى ما ذكرناه لقوله تعالى: # وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت # [المنافقون:10] وأراد به الصدقة، بدليل قوله تعالى: # فأصدق وأكن من الصالحين # [المنافقون:10]، فجميع هذه الإنفاقات داخلة تحت الآية، لأن كل ذلك سبب ~~لاستحقاق المدح، فالأولى أن يراد به الإنفاق من جميع المعارف التي ~~منحهم الله بها من النعم الظاهرة والباطنة، والمالية والعلمية، يؤيده ~~قوله (صلى الله عليه وآله): # " إن علما لا يقال به، ككنز لا ينفق منه " # ولهذا المعنى ذكر بعض المحققين في تفسيره: ومما خصصناهم به من أنوار ~~المعارف يفيضون. # واعلم أن الرزق كله من قبل الله لا من قبل غيره، لأنه من ضروريات ~~بقاء الإنسان والحيوان. فهو مقدر بتقدير الله، مضمون بضمانه، والبرهان ~~عليه من طريق العقل: أنه تعالى يعلم ذاته، وما توجبه ذاته على ~~الترتيب الأقدم فالأقدم. وهكذا الى أدنى المراتب، فهو قد عقل جميع ~~الموجودات من جهة عقله لذاته، لأن عقله لذاته علة لعقل ما يقتضيه ذاته ~~وإن كان بالقصد الثاني، وكل ما يعقله لا بد وأن يوجده، لأن علمه علم ~~فعلي لأجل كون علمه عين ذاته، فقد ترتب وجود جميع الموجودات عن علمه ~~بذاته، وبما توجبه ذاته من المبدعات والكائنات، لأن الله تعالى علم وجود ~~الكل من ذاته، فكما ان تعقله لذاته لا يجوز أن يتغير، فكذلك تعقله ~~لكل ما يترتب عن ذاته. # فكل ما يعقل وجوده عن ذاته وعن عقله لذاته، لا يجوز أن يتغير، بل يجب ~~وجود كل ذلك ms0189 على الوجه الذي عقله، ووجود أنواع الحيوانات وبقاؤها ~~متعقل له تعالى بلا شك فيه ولا خلاف من أحد من العقلاء، وخصوصا وجود ~~النوع الإنساني وبقاؤه، فيجب وجود هذا النوع وبقاؤه، وكذا سائر الأنواع ~~الحيوانية المتوالدة. # ولما كان وجود النوع إنما يبقى مستحفظا، إذا لم يمكن لواحد من ~~أعداده الديمومة الشخصية بتعاقب أشخاصه، وبلوغ كل شخص منها الى كماله ~~الذي يمكن به أن يلد شخصا آخر مثله، وبلوغه الى ذلك الكمال لا يمكن ~~إلا ببقائه مدة يصل فيها اليه، وبقاؤه تلك المدة لا يمكن إلا بما به ~~قوام حياة البدن من الرطوبات الغريزية التي هي أبدا في التحلل ~~والذوبان والنقصان، بواسطة استيلاء الحرارات الداخلية والخارجية عليها، ~~فيحتاج في تحللها وذوبانها ونقصانها كل لحظة الى البدل، وهو الرزق ~~الصوري، فقوام الحياة البدنية بالرزق. # ولما تقرر أنه تعالى يعقل وجود الكل من ذاته، وينال أسبابها وعللها ~~من ذاته، ووجود ما يعقله من ذاته واجب، ويعقل بقاء النوع الإنساني ببقاء ~~الأشخاص وتناسلهم، ويعقل تناسلهم ببقاء كل شخص مدة، ويعقل بقاء كل ~~شخص مدة بما به قوام حياته وهو الرزق، والرزق إنما يكون من النبات ~~والحيوان كالخبز واللحم والفواكه والحلوى، فوجب أن يكون الرزق مضمونا ~~بتقدير الرؤوف الرحيم، ولذلك قال: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون فورب السمآء ~~والأرض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون # [الذاريات:22 - 23]. # فقد علم أن الرزق، سواء كان حلالا بحسب الشرع، أو حراما، أو غيرهما، ~~كرزق سائر الدواب، واجب من قبل الله وجوبا عقليا كما قال: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود:6]. # حكاية في هذا الباب # ذكر في كتاب إخوان الصفا، أن بعض الخلفاء العباسيين رأى شيخا سقاء في ~~داره فقال له: كم تعد من الخلفاء؟ قال: كثير، فقال له شبه المتعجب: ما ~~بالكم طوال الأعمار ونحن قصارها؟ قال له السقاء: لأن أرزاقكم تجيء مثل ~~أفواه القرب، وأرزاقنا تجيء مثل قطر الأجفان، فاستحسن الخليفة وأمر له ~~بجائزة أغناه بها عن صنعه. # ثم سأل عنه بعد حين، فقيل: مات ms0190 فقال: صدق لما جاءه الرزق مثل أفواه ~~القرب قصر عمره، وهكذا الحكم والقياس، وقد جعل الله لكل إنسان نصيبا ~~من السعادة وقسطا من النعيم، وجعل له قسطا في الدنيا وقسطا في ~~الآخرة، كما قال تعالى: # وكل شيء عنده بمقدار # [الرعد:8]. وقال: # وما ننزله إلا بقدر معلوم # [الحجر:21]. # فمقدار ما يأخذ الإنسان نصيبا وحظا من النعيم والتلذذ في الدنيا، ~~فبذلك المقدار ينقص حظه ونصيبه من نعيم الآخرة. # وهذا وإن كان إقناعيا، فهو مما يحكم به صاحب الحدس الصحيح بضرب ~~من الشواهد والآثار، وإليه الإشارة بقوله تعالى: # أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها # [الأحقاف:20] و: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى:20]. # قال النبي (صلى الله عليه وآله) # " نفث روح القدس في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها ~~ألا فاتقوا الله واجملوا في الطلب " # وقال امير المؤمنين (عليه السلام): اعلموا علما يقينا أن الله لم ~~يجعل للعبد وإن عظمت حيلته وقويت مكيدته واشتدت طلبته، أكثر مما ~~سمى له في الذكر الحكيم. # تذكرة فيها تبصرة # [الرزق وأقسامه] # إعلم أن الرزق عند أهل الحق، هو ما يتقوى به الشخص وينمو ويزيد في ~~تجوهره، سواء كان من الجواهر الجسمانية، أو الروحانية، فللأرواح أيضا ~~أغذية كما للأبدان. # وغذاء كل موجود من جنسه ومما يشابهه، فكما ان غذاء الأبدان من جنسها ~~وهو نيل المطعومات المحسوسة، فغذاء العقول الإنسانية إدراك العلوم ~~العقلية، إذ بها حياة تلك العقول، وبها تكمل وتزيد، وبفقدها تموت ~~وتهلك، وبحسب نقصانها تذبل وتضعف، والى الرزق المعنوي العلمي وقعت ~~الإشارة في قوله تعالى: # ورزق ربك خير وأبقى # [طه:13]. # ولهذا المعنى أول رسول الله (صلى الله عليه وآله) اللبن بالعلم، قال ~~الفتح الموصلي: أليس الرجل إذا منع عنه الطعام والشراب يموت؟ قالوا: بلى، ~~قال: كذلك القلوب إذا منع عنها الحكمة والعلم ثلاثة أيام تموت، وغذاء ~~الملائكة التسبيح والتقديس، وغذاء الفلكيات بما يرد عليها من الواردات ~~والأنوار العلوية ms0191 المتجددة على الاتصال بواسطة حركاتها المتصلة ~~المستمرة. # وكذا غذاء كل قوة من القوى الباطنة والظاهرة، بنيل ما يشببها وإدراك ~~ما يناسبها، فغذاء الوهم الموهومات، وغذاء الخيال المتخيلات، وغذاء ~~قوة الباصرة إدراك الأنوار الحسية، وغذاء الجن بالنسيم والأرواح ~~العبقة وسماع الأصوات، وعلى هذا القياس، فما من قوة إلا ولها رزق ~~صوري أو معنوي من جنسها، وبه تحصل لذتها وبما يضاده ألمها. # وتحقيق هذا المقام من شمول رازقيته تعالى لجميع الموجودات العلوية ~~والسفلية والروحية والجسمية والأخروية والدنيوية، مما يتوقف على ~~الأصول التي وقع الاثبات لها في كتبنا الحكمية: كالشواهد الربوبية ~~وغيرها فليراجع إليها من أراد الإطلاع على هذا المطلب. ### || [2.4] # يحتمل أن يراد بهؤلاء الموصوفين بالإيمان بما أنزل على جميع الأنبياء ~~وباليوم الآخر، أعيان المذكورين سابقا، كلا أو بعضا وتوسيط العاطف ها ~~هنا كتوسيط بين الصفات في قولك: هو الشجاع والجواد وقوله: # الى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # على معنى انهم الجامعون بين الإيمان العلمي ولوازمه - من التقوى عن ~~محارم الله، والعمل بما فرضه الله عليهم من العبادات البدنية والمالية ~~- وبين الإيمان الكشفي بما لا يستقل العقل بإثباته، من كيفية إنزال ~~الوحي على الأنبياء، وأحوال البعث والحشر. أو انهم الجامعون بين ~~المعقول والمسموع من الإيمان بالله واليوم الآخر مع العمل الصالح. وكرر ~~الموصول تنبيها على تباين المسلكين وتفاوت المنقبتين. # ويحتمل أن يراد بهم طائفة أخرى، وهم مؤمنوا أهل الكتاب، كعبد الله بن ~~سلام وأترابه، من الذين آمنوا بالله لا عن شرك. فاشتمل ايمانهم على كل ~~وحي أنزل من عند الله وأيقنوا بالآخرة ايمانا زال معه ما كانوا عليه ~~من أنه: لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وأن النار لن ~~تمسهم إلا أياما معدودات، ومن اختلافهم في نعيم الجنة كالتلذذ ~~بالمطاعم والمناكح؛ أهو على حسب مجراها في الدنيا أم غيره، واختلافهم في ~~الدوام والانقطاع. # فعلى هذا، إما أن تكون هذه الجملة معطوفة على: { الذين يؤمنون ~~بالغيب } فيكون هؤلاء داخلين مع المذكورين أولا في جملة المتقين، ~~دخول أخصين ms0192 متقابلين تحت أعم، وجهة التباين أن المراد بأولئك هم ~~الذين آمنوا عقيب شرك وإنكار، وبهؤلاء مقابلوهم ممن ليس كذلك، وكانت ~~الآيتان تفصيلا للمتقين. # وإما أن تكون معطوفة على المتقين، فكأنه قال: هدى للمتقين عن الشرك، ~~وللذين آمنوا من أهل الملل. والطائفتان هما أهل التزكية وأهل التحلية. # وربما قيل: إن قوله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب } وإن ~~كان شاملا لأهل الكتاب وغيرهم، إلا ان دلالة العام على بعض ما دخل ~~تحته، ليس في القوة كدلالة لفظ مخصوص به، إذ العام مما يحتمل التخصيص ~~بما سوى هذا البعض، والخاص لا يحتمل ذلك، ولما كانت السورة مدنية وقد ~~شرف الله المسلمين بقوله: { هدى للمتقين الذين ~~يؤمنون بالغيب } ذكر بعد ذلك مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن ~~سلام ونظرائه في العلم واليقين بقوله: { والذين يؤمنون بمآ ~~أنزل إليك } - الى آخره - لأن في هذا التخصيص بالذكر مزيد ~~تشريف لهم، كما في ذكر جبرائيل وميكائيل بعد الملائكة، وترغيب لأمثالهم ~~في الدين القويم والصراط المستقيم، فهذا هو السبب في ذكر هذا الخاص بعد ~~ذلك العام. # فصل # المراد { بمآ أنزل إليك } ، صورة ألفاظ القرآن السمعية ~~بأسرها، نزولا سمعيا في عالم الأشخاص والأجسام الغائبة عنا، وصورة ~~معانيها العقلية عن آخرها، نزولا قلبيا في عالم الأرواح القدسية، ~~وإنما عبر عن إنزالها بلفظ الماضي، وإن كان بعضها مما يترقب إنزاله؛ ~~لأن الأشياء المتجددة في موطن الدنيا، المتعاقبة في أزمنة كثيرة منها، ~~إنما هي مجتمعة ثابتة في المواطن العالية في زمان واحد دفعة واحدة، كما ~~أشار اليه قوله تعالى: # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج:47]. وقوله: # ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل ~~الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر # [القدر:3 - 4]. # وقيل: لأن القرآن شيء واحد في الحكم، ولأن المؤمن ببعضه مؤمن بكله. ~~وقيل: هذا من باب التغليب للموجود على ما لم يوجد، والتنزيل للمنتظر ~~المتوقع وقوعه منزلة الواقع كما في قوله تعالى: # إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى # [الأحقاف:30]، إذ الجن لم يسمعوا جميع القرآن، ولم يكن ms0193 الكتاب ~~منزلا حينئذ كله. # والمراد بما { أنزل من قبلك }: سائر الكتب السماوية السابقة، ~~والايمان بها جميعا على الجملة فرض عين، لعدم تحقق الفلاح بدونه كما ~~يستفاد من قوله: # وأولئك هم المفلحون # [البقرة:5]. # وأما الإيمان التفصيلي بالمعارف الإلهية المذكورة فيها، التي لا ~~تتبدل بتعاقب الزمان من علم التوحيد وعلم الملائكة وعلم المعاد ~~وعلم النفس وعلم النبوة والولاية والآيات وغيرها، فليس بواجب على كل ~~أحد فرض عين، وإلا للزم الحرج وبطل النظام وتشوش أمر المعاش ~~المتوقف عليه أمر المعاد. بل هو واجب على الكفاية، وعلى من هو ميسر له ~~وخلق لأجله، وكذا العلم والإيمان بأحكام الأول دون الثاني تفصيلا من ~~جهة كوننا متعبدين بتفاصيل أحكامه فرض على الكفاية لا غير لما ذكرنا. # فصل # في كيفية إنزال الوحي على الأنبياء (عليهم السلام) # كما يجب علينا الإيمان بالكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء (عليهم ~~السلام)، فكذلك يجب على المؤمن ايمانا حقيقيا بما أنزل إليهم من حيث ~~كونه منزلا إليهم، أن يعلم كيفية الإنزال والإيحاء، وكيفية إرسال ~~الأنبياء (عليهم السلام)، وفي ذمة العالم بتأويل القرآن، أن يحاول هذا ~~العلم ويتعاطاه، فمن الدائر على ألسنة جماعة من المفسرين وغيرهم من ~~المتكلمين، ان المراد من إنزال الوحي ان جبرائيل (عليه السلام) سمع في ~~السماء كلام الله تعالى، فنزل به على الرسول (صلى الله عليه وآله)، ~~وهذا كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القصر. والرسالة لا تنزل، ولكن ~~المستمع سمع الرسالة في علو فينزل بها ويؤديها في سفل. وقول الأمير لا ~~يفارق ذاته، ولكن السامع يسمعه ويؤدي بلفظ نفسه. # وربما استشكل بعضهم هذا - أي سماع جبرائيل كلام الله - سيما القائل ~~بأن كلامه ليس من جنس الأصوات والحروف، فأجابوا عنه: # أما المعتزلة: فبأنه يخلق الله أصواتا وحروفا على لسان جبرائيل. ~~وهذا معنى الكلام عندهم. # وأما الأشاعرة فتارة بأنه يحتمل أن يخلق الله له سماعا لكلامه، ثم ~~أقدرة على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام، وتارة بأنه يجوز أن يخلق ~~الله في اللوح المحفوظ كتابة بهذا النظم المخصوص، فقرأ جبرائيل (عليه ms0194 ~~السلام) فحفظه، وتارة بتجويز أن يخلق أصواتا مقطعة بهذا النظم ~~المخصوص في جسم مخصوص فتلقفه جبرائيل، ويخلق له علما ضروريا بأنه ~~هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام القديم، هذا خلاصة ما ذكروه في هذا ~~المقام. # وطائفة استدلوا على كون الملائكة أجساما متحيزة؛ بأن وصف القرآن ~~بالنزول الذي لا يتصف به إلا المتحيز بالذات دون الأعراض، وسيما غير ~~القار منها كالأصوات، إنما هو بتبعية محله، سواء اخذ حروفا ملفوظة، ~~أو معاني محفوظة، وهو الملك الذي يتلقف الكلام من جانب الملك العلام ~~تلقفا سماعيا، أو يتلقى القرآن تلقيا قلبيا، أو يتحفظه من اللوح ~~المحفوظ ثم ينزل به على الرسول، ولا يتمشى ذلك إلا بالقول بتجسم ~~الملائكة، وهذا هو مسلك أرباب الجدل والتخييل، دون أصحاب البصيرة ~~والتحصيل. # وأما على مسلك هؤلاء وممشاهم من القول بما هو صريح الحق وما عليه كافة ~~الحكماء الإلهيين، والربانيون من الإسلاميين، وهو ان الملائكة - كما ~~مر - تطلق على قبائل علويات وسفليات، سماويات وأرضيات، قدسيات ~~وجسمانيات، وفي القبائل شعوب بطبقات كالقوى المنطبعة والطبائع ~~الجوهرية، والنفوس المفارقة، وأرباب الأنواع والصور المفارقة، والعقول ~~القادسة بطبقات أنواعها. ومنها روح القدس النازل بالوحي النافث في أرواع ~~اولي القوة القدسية بإذن الله وغير ذلك مما لا يعلم أعدادها ولا ~~أنواعها إلا الله كما قال: # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر:31]. # وقال (صلى الله عليه وآله): # " اطت السماء وحق لها أن تئط. ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ~~ساجد أو راكع ". # فالأمر غير مشتبه على الناهج منهجهم، والماشي ممشاهم، وقد مر منا ~~القول بأن كلام الله ليس مقصورا على ما هو من قبيل الأصوات أو الحروف، ~~ولا على ما هو من قبيل الأعراض مطلقا ألفاظا كانت أو معاني، بل كلامه ~~ومتكلميته، يرجع الى ضرب من قدرته وقادريته، وله في كل عالم من ~~العوالم العلوية والسفلية صورة مخصوصة. # وطائفة أخرى اقتصروا على القول بالتلاقي الروحاني والظهور العقلاني بين ~~النبي (صلى الله عليه وآله) والملك الحامل للوحي، فسموا ظهوره ~~العقلاني لنفوس الأنبياء (عليهم السلام) نزولا، ms0195 تشبيها للهبوط العقلي ~~بالنزول الحسي، وللاعتلاق الروحاني بالاتصال المكاني، فيكون قولنا: ~~نزل الملك، استعارة تبعية، وقولنا: نزل الفرقان، مجازا بتبعية تلك ~~الاستعارة التبعية. وهذا مما فيه إسراف في فحوله التنزيه، كما في القول ~~الأول في انوثة التشبيه، وإن في كلا القولين زيغا عن طريق الصواب، ~~وحيدا عما فيه هدى لأولي البصائر والألباب، وشقا لعصا الأمة لفرقها ~~المتفرقة وأحاديثها النبوية المتواترة، وخرقا للقوانين العقلية ~~المنضبطة، فالأمة مطبقة على أن النبي (صلى الله عليه وآله)، كان يرى ~~جبرائيل وملائكة الله المقربين (عليهم السلام)، ببصره الجسماني، ويسمع ~~كلام الله الكريم على لسانهم القدسي، بسمعه الجسداني الشخصي. # والبرهان العقلي قائم بالقسط، على أن مناط الرؤية والسماع الحسيين في ~~الإنسان، وجود الصورة البصرية، كالألوان والأشكال وغيرهما، والصورة ~~المسموعة كالأصوات والحروف والكلمات عند النفس بقوتها الباطنة المدركة ~~للجزئيات الصورية، ومثولها بين يدي الحس الباطن لها، الذي هو مجمع ~~الحواس الظاهرة، وإنما المبصر بالحقيقة والمسموع بالحقيقة من الشيء ~~الماثل بين يدي الحس الظاهر؛ هو صورته الحاضرة في ساحة النفس النطاقة ~~وصقع ملكوتها. # وأما وجود ذي الصورة بهويته الخارجية ومادته الوضعية، فهو مدرك ~~بالعرض وبالقصد الثاني، وليس المثول الخارجي للمبصر المادي بنسبته ~~الوضعية المادية بالقايس الى الآلة الجسمانية الداثرة وجليدتيها ~~اللتين هما مسلكا التأدية، وليستا لوحي الانطباع، من الشرائط الضروية ~~للإبصار، الذي هو قيام الصورة المبصرة في حضرة النفس، بل ذلك طريق ~~واحد من طرق الحصول للصورة والمثول الإنكشافي النوري لها عند النفس، ما ~~دام كونها في هذه النشأة الداثرة وعظيمة التعلق بها وتمكن حصولها بطريق ~~آخر للنفس، كما في النوم، حيث لا يكون وجود الصورة في مادتها المخصوصة ~~شرطا لانكشافها وحضورها للنفس، وعلى هذا القياس شاكلة السمع أيضا. # ومبدأ حضور الصورة مطلقا، هو واهب الصور، والإفاضة من تلقائه. وللنفس ~~في ذاتها سمعا وبصرا وشما وذوقا ولمسا وإن انسلخت عنها هذه ~~الآلات العنصرية الداثرة البائدة، وإنما الحاجة لها الى هذه الداثرات، ~~ما دام كونها الناقص الدنيوي، وعدم خروج قواها وحواسها الباطنية من ~~القوة الى الفعل. # فعند خروجها من ms0196 ظلمات هذه الحواس، وغبار هذا العالم الداثر، وبروزها ~~لله من زيارة هذه المقابر، تشاهد المحسوسات بقوتها المتخيلة. # ونحن قد أقمنا البرهان العرشي على جوهرية القوة الخيالية وتجردها ~~عن المادة البدنية في الشواهد الربوبية عند البحث عن تحقيق المعاد ~~الجسماني، فمن كانت نفسه واغلة الهمة في الجنبة السافلة، طفيفة ~~الانجذاب الى الجنبة العالية، قليلة التوجه الى يمين الحق وعالم ~~القدس، لم يكن لجوهر قلبه سبيل الى مطالعة الصور الغيبية إلا من مسلك ~~الحاسة الظاهرة، والاتصال بالآلة البدنية، وحضور المادة الخارجية. # فأما إذا كانت نفسه قوية العزيمة، مجموعة الهمة، قدسية الفطرة، ~~نقية الجوهر بحسب جبلتها المفطورة، أو بحسب ملكتها المكسوبة، ~~وبالجملة، شديدة الاستحقار لعالم الحس، قاهرة القوة على تسخير القوى ~~وضبطها، ذات سلطنة على خلع البدن ورفض الحواس الظاهرة، والانصراف عنها ~~الى صقع الملكوت بإذن ربها؛ فهو مستغن بقوة نفسه المتخيلة اللامنغمسة ~~في قوى البدن عن استعمال الحواس الظاهرة. # فله أن يتلقى الصورة الجزئية من معادنها الأصلية من غير استعانة بهذه ~~الآلات، ويقتدر على تصوير المعاني بصورها المقدارية في عالم الصور ~~الخالصة عن هذه المواد متى شاء وحيث شاء. # فمهما وجدت نفسه فرصة عن هذه الشواغل العارضة في اليقظة، تخلص بقوتها ~~المتخيلة عن جانب الطبيعة، راجعة الى عالمها، متصلة بأبيها المقدس ~~وهو روح القدس، وبمن شاء الله تعالى من الأرواح المقدسة، ويستفيد من ~~هناك العلم والحكمة بالانتقاش على سبيل الرشح، أو العكس، كمرآة مجلوة ~~حوذي بها شطر الشمس. # ولكن حيث إن النفس تكون بعد في دار غربتها بالطبع، ولم تنسلخ ولم ~~ترتفع أذيالها بالكلية عن علاقتها التدبيرية لقواها البدنية وجنودها ~~الحسية، أو انها لم تتجرد عن عالم التمثل بالكلية وإن تجردت عن ~~عالم المادة بالكلية، فيكون منالها فيما تناله بحسب ذلك الشأن وتلك ~~الدرجة، تحول الملك الحامل للوحي على صورة متمثلة في شبح شخص بشري ~~ناطق بكلمات إلهية منظومة مسموعة، كما قال تعالى: # فتمثل لها بشرا سويا # [مريم:17] يعني بذلك ارتسام الصورة عنده لا في لوح بنطاسياه - كما زعمه ~~الظاهريون من الحكماء ms0197 ممن لا تحقيق له في علم النبوات -، ولا من سبيل ~~الظاهر والأخذ عن مادة خارجية، بل بالانحدار إليه من العالم الأعلى، ~~والنزول اليه من جانب اليمين وصقع الإفاضة. # فإن الشأن في السماع والإبصار المشهورين انه ترتفع صورة المسموع ~~والمبصر من المواد الخارجية الى لوح الانطباع، ثم منه الى عالم ~~الخيال والمتخيلة. ثم يصعد الأمر الى النفس الناطقة، كما هو المعروف ~~عند الجمهور، والمثبت منهم في الكتب. # وعندنا: النفس ترتفع من المحسوس الى المتخيل، ومنه الى المعقول، والصور ~~ثابتة في أحيازها وعوالمها. # وفي إبصار الملك وسماع الوحي - وهما الإبصار والسماع الصريحان - ~~ينعكس الشأن، فينزل الفيض من عالم الأمر الى النفس، فهي تطالع شيئا من ~~الملكوت مجردة غير مستصحبة لقوة حسية أو خيالية أو وهمية. ثم يفيض ~~من النفس الى القوة الخيالية فتمثل لها الصورة بما انضم اليها من ~~الكلام في الخيال من معدن الإفاضة وصقع الرحمة، ثم تنحدر الصورة ~~المتمثلة والعبارة المنظومة من الخيال والمتخيلة الى الحس الشاهد، بل ~~النفس تنزل من العالم الأعلى الى الأوسط، ثم الى الأدنى، فتشاهد في كل ~~عالم ما يتعارف لها ويناسبها على عكس الحالة الأولى، لأن تلك الحركة ~~عروجية وهذه نزولية، فتسمع الكلام وتبصر الصورة في كل عالم من ~~العوالم الثلاثة. # وهذا أفضل ضروب الوحي والإيحاء، وله أنحاء مختلفة ومراتب متفاضلة بحسب ~~درجات النفس. # وقد يكون في بعض الدرجات لا يتخصص المسموع والمبصر بجهة من جهات ~~العالم بخصوصها، بل الأمر يعم الجهات بأسرها في حالة واحدة، وقد يكون ~~بخلاف ذلك. # وفي الحديث: # " إن الحارث بن هاشم سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله): كيف يأتيك ~~الوحي؟ قال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم ~~عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانا يمثل لي الملك رجلا فيكلمني، ~~فأعي بالقول ". # وربما تكون صقالة النفس النبوية أتم، وتجردها في بعض الأحايين أقوى، ~~وسلطانها على قهر الصوارف الجسدانية والشواغل الهيولانية أعظم، فيكون ~~عند الانصراف عن عالم الحس والاتصال بروح القدس، استيناسها بجوهر ذاته ~~المجردة، أشد منه بالشبح ms0198 المتمثل، فتشاهد ببصر ذاتها العاقلة الصائرة ~~عقلا بالفعل، معلمها القدسي ومخرجها من حد القوة النفسانية ~~الهيولانية الى حد الكمال العلمي والعقل الصوري، وتستفيد منه وهو في ~~صورة القدسية، العلوم والأحوال، كما قال تعالى: # علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق ~~الأعلى # [النجم:5 - 8]. # وربما وصل النبي (صلى الله عليه وآله) الى مقام أعلى من أن تتوسط ~~بينه وبين المبدأ الأول والمفيض على الكل واسطة، فسمع كلام الله بلا ~~واسطة، كما قال تعالى: # ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ~~فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم:8 - 10]. # وقد ذكر ان النبي (صلى الله عليه وآله) إنما رأى جبرائيل (عليه ~~السلام) بصورته الحقيقية مرتين وكان بحيث طبق الخافقين. والى مثل هذه ~~الرؤية له (عليه السلام) أشار تعالى بقوله: # ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى # [النجم:13 - 14]. # ثم دون هذا الضرب بسائر درجاته، مما يتفق لمن له من القوة القدسية ~~نصيب أن يرى ملائكة الله، ويسمع كلام الله، ولكن في النوم لا في ~~اليقظة، وسبيل القول أيضا ان الأمر ها هنا ينتهي الى القوة المتخيلة، ~~ويقف عندها بمحاكاتها وتفصيلها وترتيبها لما قد طالعته النفس من عالم ~~الملكوت، من دون أن تتمثل الصورة بألفاظها المعبرة بين يدي الحس، وذلك ~~لضعف القوة الخيالية، أو لقوة العائق وكثافة المادة، فإن القوة ~~الخيالية عندنا تفعل فعل الحواس الظاهرة كلها عندما تكون قوية ~~والعائق البدني ضعيفا، فلها أن تعزل الحواس عن أفاعيلها. # وبهذا يتحقق الفرق بين مطالعة الأنبياء (عليهم السلام) للصور ~~الباطنة، وبين مطالعة غيرهم إياها كالأولياء والحكماء. # فالرؤيا الصالحة لنفوس العرفاء والصالحين، إنما هي واقعة في هذا الطريق ~~غير واصلة الى درجة النبوة وبلوغ الغاية، ولهذا ورد في الحديث انها ~~جزء من ستة وأربعين جزءا، أو من خمسة وأربعين، أو من سبعين جزءا - ~~على اختلاف الروايات -. # وقصارى مرتبة الرؤيا وأقصاها كمالا ما وقع للمحدثين - بفتح الدال ~~المشددة وهم الذين يرفضون عالم الشهادة، ويصعدون الى عالم الغيب، ~~فربما يسمعون الصوت في اليقظة من سبيل الباطن، ولكنهم لا يعاينون ms0199 شخصا ~~متشبحا كما مر ذكره في المفاتيح الغيبية. # وفي كتاب الحجة من كتب الكليني رحمه الله باب في الفرق بين الرسول ~~والنبي والمحدث، والأئمة (عليهم السلام) كلهم محدثون مفهمون. # فصل مشرقي # متعلق بقوله: { وبالآخرة هم يوقنون } # إعلم ان اليقين هو العلم بالشيء بعد أن يكون صاحبه شاكا فيه، ولذلك ~~لا يقول القائل: تيقنت ان السماء فوق الأرض، وان الكل أعظم من الجزء، ~~فيقال ذلك في العلم الحادث والمكتسب، وستعلم أن العلم بالآخرة وما ~~فيها، لا يحصل الا من جهة العلم بما في الدنيا. # ثم إنه تعالى مدحهم على كونهم متيقنين بالآخرة، ومعلوم أن مجرد ~~الإيقان بها لأحد لا يوجب استحقاق التمدح، بل لا يستحق المدح إلا من ~~تيقن بوجود الآخرة مع ما فيها من الحشر والنشر والحساب والميزان ~~والجنة والنار، وما فيهما من نعيم السعداء وجحيم الأشقياء. # وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " يا عجبا كل العجب من الشاك في الله وهو قد يرى خلقه. وعجبا ممن ~~يعرف النشأة الأولى وينكر النشأة الآخرة. وعجبا ممن ينكر البعث ~~والنشور وهو كل يوم وليلة يموت ويحيا - يعني النوم واليقظة - وعجبا ~~ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ويسعى لدار الغرور، وعجبا ~~للمتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة ". # وإنما قال صلى الله عليه وآله: عجبا ممن يعرف النشأة الأولى وينكر ~~النشأة الآخرة، لأنهما متضايفتان، والمتضايفتان معان في التعقل. فمن ~~أنكر الآخرة فكأنه لم يعرف الدنيا بحسب التعقل بل بالحس فقط. # وتحقيق هذا المقام: أن الآخرة صفة للنشأة أو الدار، وإنما وصفت بها ~~لأنها متأخرة عن النشأة الأولى والدار الدنيا. # وإنما سميت الدنيا بالدنيا، لأنها أدنى من الآخرة بالقياس إلينا لا ~~بحسب الترتيب الوجودي، فإن هذه الدار آخر العوالم والنشآت طبعا ~~وشرفا، لأن موجوداتها آخر الموجودات وأبعدها في سلسلة الاستناد الى ~~المبدإ الأول وبارىء الكل، والإنسان في مبدإ كونه وحدوثه هو من جملة ~~الموجودات الواقعة في هذه الدار، لأنه في أول الوجود من حزب الحيوانات، ms0200 ~~ونشأة الحيوان - بما هو حيوان - نشأة الحس والمحسوس، ولهذا حد بأنه ~~جوهر ذو بعد حساس. والحساس تمام حقيقته، وكمال أول لجنسه به يتم ~~نوعه ويكمل جنسه. # فما من حيوان إلا وله قوة الحس، أي حس كان، وإن كان مجرد قوة ~~اللمس، وهذا أنزل مراتب الحيوانات كالدود والخراطين، وآخر مراتب ~~الحيوانية يتحقق فيما له الحواس الظاهرة والباطنة جميعا، فإن كان مع ~~ذلك يستعد لإدراك المعقولات بالقوة فهو الواقع في آخر الدرجات ~~الحيوانية وأول النشآت الإنسانية ومنازله، فأول منزل من منازل الإنسان ~~الذي يشارك معه سائر الحيوان، هو نشأة الحس، ويقال لها: الدنيا، ~~وعالم الشهادة، وتقابله الآخرة وعالم الغيب، وهذا العالم هو منزل ~~الأبدان والقوالب الحسية، والآخرة منزل النفوس، وبعدها منزل الأرواح ~~القدسية. # وللإنسان أن ينتقل من منزل الى منزل، فالمحسوسات منزله الأول، ~~والمتخيلات منزله الثاني، والمعقولات منزله الثالث، وهذا الانتقال هو ~~بعينه من قبيل الانتقالات الفكرية الواقعة له من المحسوس الى المتخيل، ~~ومنه الى المعقول. # فالدنيا نشأة الحس وعالم الشهادة، والإنسان ما دام كونه في هذه النشأة ~~بحسب الطبع، غير مرتق الى ما وراءها، فهو بعد من جملة البهائم ~~والدواب والأنعام، وإذا انتقل الى نيل المتخيلات والوهميات مقتصرا ~~عليهما، فهو من قبيل الجن، إذ الجن والشياطين إدراكاتها مقصورة على ~~المتخيلات والموهومات، وليس يفتح لهم باب الملكوت الأعلى. # وبعد هذا المنزل يترقى الإنسان الى إدراك الأمور التي لا تدخل في حس ~~ولا تخيل ولا وهم، فيشاهد الأمور المستقبلة الدائمة، ويكشاف الصور ~~العقلية، ويتهيأ لادراك الحقائق الاخروية والسرور الأبدي، ويصل الى ~~السعادة القصوى التي ليس وراءها سعادة، وهذا هو آخر درجات الإنسان، وبه ~~يتم حقيقة الإنسانية، لأن تمام حقيقته هي الروح المنسوبة الى الله ~~تعالى في قوله: # ونفخت فيه من روحي # [الحجر:29]. # وإذا علمت هذه المقدمات، فاعلم أن الإيقان بالآخرة الذي مدح الله به ~~طائفة من العرفاء والمحققين من أهل الإيمان، المهتدين بنور الله؛ هو ~~مكاشفة أحوال الآخرة ومشاهدة الأرواح المجردة عن غشاوة هذه القوالب ~~بواسطة انفتاح باب الملكوت على روزنة القلوب، وأعني ms0201 بهذه الأرواح؛ ~~الحقائق المحضة والصور المجردة عن كسوة التلبيس وغشاوة الأشكال. # وهذا العالم لا نهاية له، بخلاف عوالم المحسوسات والمتخيلات، فإنها ~~متناهية، وأكثر الناس إدراكهم مقصور على عالم الحس والتخيل من ~~الطبيعيات والمقداريات، ولم يؤمنوا بما وراء المحسوس والمتخيل، ولم ~~يعلموا علم ما قبل الطبيعة، ولم يذعنوا بها كما قال تعالى: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف:103]. # وهذان المنزلان هما النتيجة الأخيرة من نتائج عالم الملكوت، سيما ~~عالم المحسوس، فإنه القشر الأقصى من اللباب الأصفى، ومن لم يجاوز هذه ~~الدرجة، فكأنه لم يشاهد من مراتب الجوز إلا قشرته، ومن عجائب الإنسان ~~إلا بشرته. ومقام كل أحد ومحله ومنزله ومعاده في العلو والسفل، بقدر ~~إدراكه، وهو معنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " الناس أبناء ما ~~يحسنون " أي يعلمون وبه يعملون. # فالإنسان بين أن يكون بهيمة أو جنيا أو ملكا؛ وللملائكة درجات، ~~فالسير في عالم الملكوت - وفيه منبع الحياة الأبدية - مثاله المشي على ~~الماء، ثم يترقى منه الى المشي في الهواء، ولذلك لما قيل لرسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): إن عيس (عليه السلام) كان يمشي على الماء، قال: ~~لو ازداد يقينا لمشى في الهواء. # وأما التردد على المحسوسات، فهو كالمشي على الأرض؛ وبينها وبين الماء ~~- أي عالم الملكوت - عالم يجري مجرى السفينة، والمعبر من عالم الملك ~~الى عالم الملكوت الأعلى، وفيها تتولد درجات الجن والشياطين. # فمتى تجاوز الإنسان عالم البهائم، ينتهي الى عالم الجن والشياطين، ~~ومنه يسافر الى عالم الملائكة، وقد ينزل فيه ويسعى، وشرح ذلك يطول. # وهذه العوالم كلها منازل للهدى، ولكن الهدى المنسوب الى الله يوجد في ~~العالم الأخير، وهو عالم الأرواح، وهو قوله: # قل إن الهدى هدى الله # [آل عمران:73]. ### || [2.5] # ولهذا قد وصف تعالى اولئك الموقنين بالآخرة على طريقة المدح بقوله عز ~~وجل: { أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون } معنى هذا الاستعلاء، بيان لتمكنهم من الهدى ~~واستقرارهم عليه تشبيها بحال من اعتلى الشيء وركبه، واستعارة لعلى ~~الموضوعة للثاني للأول، ونظيره: فلان على الحق وفلان ms0202 على الباطل. # وربما وقع التصريح به كما في قولهم: ركب على متن الجهل وجعل ~~الغواية مركبا والجهل مطية. وامتطى الباطل. # وتحقيق القول في كونهم على الهدى تكرر الإدراكات للأمور العقلية، ~~وتكثر الاشتغال بملاحظة الأشياء الملكوتية، والمواظبة على الأفكار ~~الصحيحة، ودفع الشكوك والشبهات عن المقاصد الحقة، وطرد شياطين الأوهام ~~والخيالات بنور المعرفة واليقين، حتى تحصل للنفس ملكة الاتصال بعالم ~~الملكوت متى شاءت من غير تجشم وكثير تعمل. # فكأنه تعالى، لما مدحهم بالإيمان بما أنزل على الأنبياء (عليهم ~~السلام)، والاطلاع على ما في الصحف النازلة من السماء، مدحهم ~~بالإقامة على ذلك وإدامة النظر فيها، والمواظبة على حراستها عن شبه ~~الضالين، وأوهام المعطلين وذلك واجب على كل عاقل إذا كان متشددا في ~~الدين، خائفا وجلا محاسبا نفسه في علمه وعمله بمقتضى البراهين، ~~وإذا حرس نفسه عن الزيغ والضلال، وداوم على العمل للآخرة من غير إخلال، ~~كان ممدوحا بكونه على هدى وعلى بصيرة. # وتنكير " هدى " ، للدلالة على ضرب مبهم لا يبلغ كنهه ولا يعلم ~~غوره ولا يعرف قدره قال بعض الأكابر: الهدى من الله كثير لا يبصره ~~إلا بصير، ولا يعمل به إلا يسير ألا ترى ان نجوم السماء يبصرها كل ~~بصير ولا يهتدي بها إلا عالم خبير. # واعلم أن الوجه في انتظام هذه الآية وتعلقها بما قبلها، ان الجملة في ~~محل الرفع بالخبرية، إذا جعل أحد الموصولين مفصولا عن " المتقين " ~~، فوقع الابتداء إما ب { الذين يؤمنون بالغيب } ، أو ~~بالذين الثاني مع صلته، وذلك لأنه لما قيل: { هدى للمتقين } ، ~~فكأنه سئل: ما بالهم خصوا بذلك؟ فوقع الجواب بقوله: { الذين ~~يؤمنون } ، الى قوله { وأولئك هم المفلحون } ، ~~معناه أن الموصوفين بهذه الصفات أحقاء بأن يكونوا مختصين بالهدى ~~والفوز على الفلاح. # ويحتمل الاستيناف، فلا يكون لها محل من الإعراب. فكأنه نتيجة للأوصاف ~~والأحكام المتقدمة، أو جواب عن سؤال كأنه قيل: ما بال الموصوفين بهذه ~~الصفات اختصوا بالهدى؟ فاجيب بأن مثلهم حقيق دون غيرهم بالهدى عاجلا ~~وبالفلاح آجلا. # وايراد اسم الإشارة في هذا المقام ابلغ من أن يستأنف ms0203 بإعادة الإسم وحده، ~~لأن ذلك بمنزلة إعادة الموصوف بجميع صفاته المذكورة، فكان فيه ذكر ~~المقتضي للحكم بخلاف هذا. وفي تكريره تنبيه على أن اتصافهم بالصفات ~~المذكورة، يقتضي كل واحد من الأمرين: الهدى والفلاح، على سبيل الاستقلال، ~~وأن كلا منهما كاف في تميزهم عن غيرهم. # وتوسيط العاطفة ها هنا وعدم توسيطها في قوله تعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون # [الأعراف:179] لاختلاف الحكمين ها هنا واتحادهما هناك، فإن التسجيل ~~عليهم بالبهيمية وبالغفلة شيء واحد، فكانت الجملة الثانية مقررة للاولى، ~~فهي من العطف بمعزل. # و " هم " إما فصل، وله فائدتان: تمييز الخبر عن الصفة وتخصيص المسند ~~بالمسند إليه، أو مبتدأ و " المفلحون " خبره، والجملة خبر " اولئك ". # ومعنى التعريف في " المفلحون " الدلالة على أن المتقين الموصوفين بتلك ~~الصفات، هم الذين بلغك انهم من اهل الفلاح، والمفلح هو الظافر ~~بالمطلوب، كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر، وكذا المفلح - بالجيم - ~~وهذا التركيب وما يشاركه في الفاء والعين دال على معنى الفتح والشق، ~~نحو فلق وفلد وفلى، ولهذا يسمى الزارع فلاحا، ومشقوق الشفة السفلى ~~أفلح. وفي المثل: الحديد بالحديد يفلح. # مبحث كلامي # [الجواب عن احتجاج الوعيدية والمرجئة] # احتجت كل واحدة من الفرقتين الوعيدية والمرجئة بهذه الآية على حقية ~~مذهبها: أما الوعيدية فبأن الحصر المستفاد من { أولئك هم ~~المفلحون } ، وتعليق الحكم على الوصف السابق المشعر بكونه علة، ~~كل منهما يدل على أن الإخلال بشيء من الإيمان والصلاة والزكاة يوجب ~~عدم الفلاح، وهو بعينه وعيد مرتكب الكبيرة كتارك الصلاة والزكاة وإن ~~تحقق فيه أصل الإيمان. # وأما المرجئة، فبأنه بمقتضى الآية، وجب أن يكون الموصوف بهذه الصفات، ~~مفلحا وإن زنى وسرق، وإذا تحقق الفلاح في هذه البعض، تحقق في غيرهم ~~ضرورة إذ لا قائل بالفرق. # والجواب عنهما: أولا: بالمعارضة على كل منهما بالآخر فيتساقطان. # ثم عن حجة الوعيدية: بأن المراد من قوله تعالى: { أولئك هم ~~المفلحون } أنهم الكاملون في الفلاح، فيلزم أن يكون غيرهم - كصاحب ~~الكبيرة - غير كامل في الفلاح، ونحن قائلون بموجبه، إذ الفلاح التام ما ms0204 ~~لا يكون معه خوف العقاب الدائم، وتجويز عدم الخلاص، وبأن نفي السبب ~~الواحد لا يوجب نفي المعلول إذا كان له سبب آخر، وعندنا عن أسباب الفلاح ~~عفو الله. # وعن حجة المرجئة: بأن وصفهم بالتقوى والإيمان الكامل، يكفي سببا ~~للفلاح وحصول الثواب، لتضمنه انتفاء المعاصي وانتفاء ترك الواجبات. # تحقيق عرشي # [هل توجب الكبيرة الخلود في النار]؟ # اعلم أن سبب خلود أهل النار في النار وحرمانهم من النجاة، هو الملكة ~~الراسخة للنفس بواسطة الأفاعيل الموجبة لحصول ما هو فيها، بمنزلة الطبع ~~والرين في المرآة المقتضي لعدم قبولها للتصقيل والتصفية، سواء كان ~~منشأها الكفر والجحود، أو المعاصي والسيئات. # فإن النفس الإنسانية في الفطرة الأولى، قابلة لقبول آثار الملائكة، ~~وآثار الشيطانية، وآثار البهائم والسباع قبولا متساويا، وإنما يقع ~~المنع لها عن قبول بعض تلك الآثار بواسطة حصول بعض آخر لها، ومتى اشتد ~~حصول البعض فيها بحيث صار ملكة راسخة فيها، منع بالكلية عن قبول آثار ~~الغير، فمتى رسخت للقلب صفات البهيمية أو السبعية أو الشيطانية، بحيث ~~أنها صارت ملكة كالطبع والرين لمرآة القلب، فكدرتها وظلمتها، صارت ~~مانعة له عن قبول صورة الرحمة الرحموتية والهيئة الملكوتية منعا ~~كليا أبديا، لكون المانع هناك صفة ذاتية جوهرية، كما حقق في مجال ~~أوسع من هذا المجال. # وقد مرت الإشارة الى أن الإنسان في أول أمره، بين أن يكون بهيمة أو ~~سبعا أو شيطانا أو ملكا، وفي الآخرة لا يكون إلا أحد هذه الأمور ~~لأجل غلبة بعض الصفات المختصة به على قلبه من جهة تكرر أفاعيل تناسبها، ~~والى نحو هذا المعنى أشير في قوله: # وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون # [التوبة:87] وقوله: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين:14]. # فإذا تقرر هذا، قرب كبيرة من المعاصي يوجب تكرر فعلها عن النفس ~~خلودها في النار لضعف الإيمان وقوة العائق عن الخلاص، ورب كبيرة لا ~~تكون كذلك لقوة الإيمان وضعف العائق فيحتمل العفو عنها، والله أعلم ~~بأحوال قلوب العباد. فعلى هذا لا تناقض بين الآيات الدالة على ثبوت ~~الوعيد ms0205 من الله على صاحب الكبيرة، والآيات الدالة على ثبوت العفو عمن ~~يشاء، وسنزيد لهذا وضوحا في موضع آخر إنشاء الله تعالى. ### || [2.6] # " إن " من الحروف، والحروف بما هي حروف، لا أصل لها في العلم، إلا ~~ان " إن " وأخواتها لما شابهت الفعل - في عدد بسائطها، وبنائها على ~~الفتح، ولزوم الأسماء، وإعطاء معانيه وخصوصا المتعدي في دخولها على ~~اسمين - عملت عمله الفرعي، وهو نصب الجزء الأول ورفع الثاني ايذانا ~~بأنه فرع في العمل دخيل فيه. ومعناها؛ تأكيد النسبة وتحقيقها، ولذلك ~~يتلقى بها القسم، وتصدر بها الأجوبة، وتذكر في معرض الشك. # روى الأنباري: ان الكندي المتفلسف ركب الى المبرد وقال: إني أجد في ~~كلام العرب حشوا؛ أجد العربي يقول: عبد الله قائم، ثم يقول: إن عبد ~~الله قائم، ثم يقول؛ إن عبد الله لقائم، فقال المبرد: بل المعاني ~~مختلفة لاختلاف الألفاظ. # ففي الأول: إخبار عن قيامه، وفي الثاني: جواب عن سؤال سائل، وفي ~~الثالث: جواب عن إنكار منكر لقيامه. # وتعريف الموصول إما للعهد، إذا كان إشارة الى جماعة معينة كأبي جهل ~~وأبي لهب والوليد بن مغيرة وأحبار اليهود، أو للجنس، إذا أريد به ~~المتناول للمصممين على الكفر وغيرهم، فخص عنهم غير المصرين بما اسند ~~إليه. # والكفر في اللغة: إخفاء حق النعمة. وهو منقول لغوي عن الكفر ~~بالفتح، وهو الستر، ولهذا يقال للزارع: الكافر، وكذا الليل. ولكمام ~~الثمرة: كافور. # وفي عرف الشريعة: إنكار ما علم بالضرورة من دين نبينا (صلى الله عليه ~~وآله)، وذلك أن كل ما نقل عنه (صلى الله عليه وآله) انه ذهب اليه وقال ~~به، فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة، أو بالاستدلال، أو بخبر ~~الواحد. # أما القسم الأول - هو الذي علم بالضرورة مجيء الرسول (صلى الله عليه ~~وآله) به - فمن صدقه في جميع ذلك فهو مؤمن، ومن لم يصدقه في كل ذلك، ~~فإما بأن لا يصدقه في جميعها، أو بأن لا يصدقه في البعض دون البعض، ~~فذلك هو الكافر، إذا الكفر عدم تصديق الرسول (صلى الله عليه وآله) في ms0206 ~~شيء مما علم بالضرورة مجيئه به. # ومثاله من أنكر وجود الصانع، أو كونه عالما قادرا مختارا، أو كونه ~~واحدا منزها عن النقائص والآفات، أو أنكر صحة نبوة النبي (صلى الله ~~عليه وآله)، أو صحة القرآن، أو الشرائع التي علم كونها من دين نبينا ~~(صلى الله عليه وآله) كوجوب الصلاة والزكاة، وحرمة الزنا والخمر، فهو ~~كافر لإنكاره ضروريا من هذا الدين. # فأما الذي يعرف بالدليل انه من الدين، مثل عينية الصفات له تعالى، أو ~~زيادتها، وكونه تعالى جائز الرؤية أم لا، وكون كلام الله قديما أو ~~محدثا، وكونه خالق أفعال العباد أم لا مما لم ينقل بالتواتر القاطع ~~أحد طرفيه، فليس إنكاره ولا الإقرار به داخلا في ماهية الإيمان، ولا ~~موجبا للكفر. # والدليل عليه؛ انه لو كان جزءا لماهية الإيمان، لوجب أن لا يحكم ~~النبي (صلى الله عليه وآله) بايمان أحد إلا بعد أن يعرف انه هل يعرف ~~الحق في تلك المسألة؛ ولو كان كذلك، لاشتهر قول النبي (صلى الله عليه ~~وآله) في تلك المسألة بين جميع الأمة، ولكان منقولا بالتواتر، وليس ~~الأمر كذلك، ونفي التالي يوجب نفي المقدم، فوجب أن لا تكون معرفتها من ~~أجزاء الإيمان ولا إنكارها موجبا للكفر. وأما المنقول بخبر الواحد، ~~فالأمر فيه أظهر. # فهذا تحقيق ماهية الكفر على قاعدة الإستدلالات الكلامية، وظهر منه ~~انه يرجع الى الإنكار الباطني، أو عدم التصديق القلبي، فيكون من أعمال ~~القلب كالإيمان، لكونهما متقابلان إما تقابل التضاد، أو تقابل العدم ~~والملكة كالعلم والجهل، فعلى هذا لبس الغبار وشد الزنار ونحوهما ~~إنما يسمى كفرا، لأنها تدل على تكذيب الرسول (صلى الله عليه وآله)، ~~فإن من آمن بالله وصدق الرسول، لا يجترئ عليها ظاهرا لا أنها كفر في ~~نفسها كما ان التزيي بشعار المسلمين دال على الإيمان، لا أنه إيمان. # وأما تحقيق حقيقة الكفر عند العرفاء الذين يعرفون الأمور بالبصيرة ~~الباطنية لا بالاستدال الكلامي، فهو انه عبارة عن الاحتجاب عن نور ~~الإيمان، لما علمت ان الإيمان الحقيقي نور فائض من الله على القلب، ms0207 به ~~تنكشف أحوال المبدأ وأسرار المعاد، ولهذا الإيمان قشر وهو إيمان ~~المتكلم، ولقشرة قشر وهو إيمان العوام. # فالكفر الذي يقابله، هو الستر والاحتجاب عن ذلك النور بالكلية، وهو على ~~ضربين: لأن هذا الاحتجاب: إما بأمر وجودي كالظلمة التي تضاد ذلك النور، ~~وهو الجحود للحق والانكار له عدوانا وعنادا، للجهل المركب الراسخ في ~~النفس، أو بأمر عدمي، هو عبارة عن عدم الإيمان، للجهل البسيط المقابل ~~للعلم تقابل العدم للملكة. # وقد وقع الفرق بين القسمين في كلام الله كثيرا، كما في هذه الآية، ~~والآية التي تتلوها، ولهذا قيل: إن المراد ها هنا بقوله: { الذين ~~كفروا } مشركو مكة، وصناديد قريش من الذين غلظت طبائعهم، وغلبت ~~الكثافة والجسمية على نفوسهم، والختم على قلوبهم، فقلوبهم في أكنة ~~ونفوسهم لم تخرج بعد من القوة الى الفعل، لعدم المسع الباطني والبصر ~~الباطني لهم. # ونظيره ما قال تعالى: # وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشيناهم فهم لا يبصرون # [يس:9] الآية. # وقوله: # فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا ~~في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر # [فصلت:4 - 5]. # والمراد بقوله: # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر # [البقرة:8] رؤساء اليهود وأحبارهم، الذين عاندوا الحق وأنكروا الآيات ~~وجحدوها، وكانوا يخادعون الله ورسوله، وهؤلاء أسوأ حالا وأردأ مآلا ~~من المشركين، وسنزيدك ايضاحا إنشاء الله. # فصل # [الأقوال في حدوث كلامه تعالى] # احتجت المعتزلة على حدوث كلامه تعالى - سواء كان ألفاظا بهذه الحروف ~~والأصوات أو شيئا آخر - بالإخبارات الواقعة في القرآن بصيغة الماضي، ~~الدالة على تقدم الواقعة المخبر عنها بهذه الصيغة عليه، اذ القديم لا ~~يكون مسبوقا بغيره. # وأجابت الأشاعرة عنه بما هو المشهور عنهم بأن التجدد والمضي ~~والانقضاء وغيرها، كلها صفة تعلق الكلام، وحدوث التعلق لا يوجب حدوث ~~الشيء المتعلق، نظيره في صفة العلم، أن الله تعالى كان في الأزل عالما ~~بأن العالم سيوجد، فلما أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد في المستقبل ~~علما بأنه قد وجد في الماضي. ولم يلزم حدوث علم الله، فكذا ها هنا بأن ~~يقال أخبر ms0208 الله تعالى في الأزل بأنهم سيكفرون فلما وجد كفرهم صار ذلك ~~خبرا عن أنهم قد كفروا ولم يلزم حدوث. # وكلمات الفريقين في هذه المسألة كثيرة مما لا طائل تحتها، ولا يزيد ~~الخوض فيها إلا بعدا عن الحق وقساوة في القلب، والصواب الرجوع ~~عنها الى طريقة أهل الله، والاقتباس عن مشكاة النبوة بحق المتابعة ~~للرسول وآله عليهم السلام. # فصل # قوله: سواء عليهم، هو اسم بمعنى الاستواء. وصف به كما وصف بالمصادر، ~~ومنه قوله تعالى: # تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم # [آل عمران:64] وقوله: # في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت:10]. بمعنى مستوية وهو مرفوع إما بأنه خبر لإن وانذرتهم ~~ام لم تنذرهم في موضع المرتفع به على الفاعلية، كأنه قيل: إن ~~الكافرين مستو عليهم إنذارك وعدمه. # أو بأنه خبر لأنذرتهم ام لم تنذرهم، وانذرتهم ام ~~لم تنذرهم في موضع المبتدإ المقدم عليه خبره، والجملة خبر لإن، ~~بمعنى إنذارك وعدمه سيان عليهم. # والثاني أولى، لأن " سواء " اسم، فتنزيله منزلة الفعل ترك للظاهر ~~بلا ضرورة، فأما صيروة الفعل مبتدأ مخبرا عنه ها هنا - مع انهم ~~اتفقوا على أن الفعل لا يكون مخبرا ولا مخبرا عنه - فمن قال: (ضرب ~~خرج) لم يكن آتيا بكلام منتظم، فالوجه في صحته: ان الفعل إنما يمتنع ~~الإخبار عنه إذا كان على صرافة حاله وتمام مفهومه الموضوع له من حيث ~~اشتماله على المعنى النسبي الممتنع الحكم عليه وبه. وأما لو أطلق ~~واريد به اللفظ كما في قولك: " ضرب على وزن فعل " أو مطلق المعنى ~~الحدثي الدال عليه الفعل ضمنا على سبيل الاتساع، فهو كالاسم فيما ~~يختص به من الإضافة والإسناد اليه كما في قوله تعالى: # وإذا قيل لهم آمنوا # [البقرة:13]، وقوله: # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه # [يوسف:35]. وقوله: # يوم ينفع الصادقين صدقهم # [المائدة:119]. وقولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. # ولأنا إذا قلنا الفعل لا يخبر عنه، فهذا خطأ، إذ قد صار الفعل مخبرا ~~عنه، ولأن المخبر عنه بأنه فعل، لا بد وأن يكون فعلا، فالفعل ms0209 قد أخبر ~~عنه بأنه فعل. # فإن قيل: المخبر عنه تلك الكلمة، وتلك الكلمة اسم، قلنا: إذا كان اسما ~~كان الإخبار عنه بأنه فعل، كذبا. # والتحقيق: ان المخبر عنه بأنه فعل لا يخلو، إما أن يكون اسما، أو ~~فعلا فإن كان اسما، فقد حكمت على الاسم بأنه فعل، فيكون كاذبا، وإن ~~كان فعلا فقد وقع الإخبار عن الفعل، وهو المطلوب. # وهذا الوجه الأخير الذي قلته مما ذكره صاحب التفسير الكبير. # وأقول: هذه شبهة كشبهة المجهول المطلق، لا يجوز التمسك بها في هذا ~~المقام ونظائره، لأنها منحلة العقدة بما حقق في الحكمة الميزانية، ~~وهو أن الحمل - أي الحكم العقلي بالاتحاد بين شيئين بهو هو - على ~~ضربين: # أحدهما: الحمل الشائع، كما في قولك: زيد حيوان، في الذاتيات وزيد ~~كاتب، في العرضيات، ومفاده ومصداقه كون الموضوع من أفراد المحمول، سواء ~~كان فرده بالذات أو بالعرض، وسواء كان الحكم على أفراد الموضوع كما في ~~القضية المحصورة، أو على نفس مفهومه، كما في القضية الطبيعية. # وثانيهما: الحمل الذاتي الأولى، ومفاده: كون أحد المفهومين عنوانا ~~للآخر سواء كان نفسه، كما في حمل المترادفين أحدهما على الآخر كقولك: ~~الإنسان بشر، أو كان بينهما تفاوت بالإجمال والتفصيل، كما في قولك: ~~الإنسان حيوان ناطق، إذا حكمت على نفس المفهوم في المثالين. # فإذا تقرر هذا فنقول: كل شيء فهو يصدق على نفسه بالحمل الأولي، ~~لاستحالة سلب الشيء عن نفسه؛ وإن بعض الأشياء مما لا يصدق على نفسه ~~بالحمل الشائع، بل نقيضه يصدق عليه بهذا الحمل، وبعضه يصدق على نفسه ~~بكلا الحملين. # فالأول: كالجزئي، فإنه ليس بجزئي، لأن مقهومه كلي، وكاللامفهوم، ~~فإنه مفهوم، والثاني: كالكلي والمفهوم ونظائرهما. # فقولك: الجزئي جزئي. والجزئي ليس بجزئي، كلاهما صحيح صادق من ~~غير تناقض عند اختلاف الحملين. # ولهذا اعتبر في شرائط التناقض بين القضيتين، وحدة الحمل، سوى ~~الوحدات الثمان المشهورات # ثم إن جملة الأشياء التي يصدق ويكذب على نفسها وعينها مفهوم الفعل ~~ومفهم الحرف، فإن كلا منهما يصدق على نفسه ويكذب عنها أيضا من غير ~~تناقض، فمفهوم ms0210 الحرف مفهوم الحرف بأحد الحملين، بمعنى انه عين ~~مفهوم ما دل على معنى في غيره، كعينية الحد مع المحدود وغيره بالحمل ~~الآخر، إذ يصدق عليه حد الإسم. # وكذا لفظ " الحرف " حرف واسم باعتبارين: باعتبار انه بعينه لفظ ~~الحرف، وباعتبار انه يصدق عليه حد الإسم، أي كلمة دلت على معنى في ~~نفسه، وعلى هذا فقس الفعل. # فقد ثبت وتحقق بما ذكرنا، أن الفعل إذا أريد به المفهوم العنواني، ~~يجوز الحكم عليه وبه بالاتفاق من أفراد الإسم، كقولك: الفعل ما دل على ~~معنى مقترن بالزمان، وهذا غير ما نحن فيه، إذ لا بحث عنه ها هنا ولم ينقل ~~خلاف لأحد فيه، إنما الكلام في أفراد هذا المعنى، وهي التي يصدق عليها ~~حد الفعل ومفهومه - كضرب وعلم وأمثالهما-، هل يصح الإخبار عنها أم ~~لا؟ وهذا هو محل البحث وموضع الخلاف. # وبما ذكره لم يثبت صحة الإخبار عن ما يصدق عليه الفعل، فالوجه كما ذكر ~~أولا من جواز ذلك عند الضرورة، وعلى سبيل التجوز، أو الحكاية لكن بقي ~~ان يقال: ما الفائدة في العدول ها هنا عن الحقيقية؟ فنقول: قد عدل من ~~المصدر الى الفعل تنبيها على التجدد، لأن القوم كانوا قد بلغوا في ~~الاصرار واللجاج والإنكار للحق، والإعراض عن الآيات والنذر، الى حالة ~~ما بقي منهم رجاء القبول ألبتة، وقبل ذلك ما كانوا كذلك، ولو قال: " ~~سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك " لم يفد تجدد هذه الحالة في هذا الوقت ~~دون ما قبله. # واعلم أن " الهمزة " و " أم " ها هنا عاريتان عن معنى الاستفهام، ~~وإنما هما لتقرير معنى الاستواء وتأكيده فقط، قال سيبويه: جرى هذا على ~~حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك: اللهم اغفر لنا، أيتها ~~العصابة، فإنها لمجرد الاختصاص. # ومعنى الإنذار: هو التخويف عن عقاب الله وإنما اقتصر عليه دون البشارة، ~~لأن تأثيره أوقع في القلب وأشد من جهة ان دفع المضرة أهم من جلب ~~المنفعة. # وفي " أأنذرتهم " ست قراءات: تحقيق الهمزتين بينهما ألف أولا، ~~وتخفيف الثانية بين بين، وبينهما ms0211 ألف أولا، وحذف الاستفهامية والقاء ~~حركته على الساكن، وقرئ بتخفيف الأولى وإبدالها هاء، وهو شاذ. # وقوله: { لا يؤمنون } جملة مفسرة لما قبلها لإجماله في ما فيه ~~الاستواء، فلا محل لها من الإعراب، أو حال مؤكدة له، أو بدل عنه، أو ~~خبر إن وما قبلها، اعتراض بما هو سبب الحكم. # فصل # [احتجاجات الأشاعرة والمعتزلة بهذه الآية ونظائرها] # ومما احتج به أهل السنة على صحة القول بالتكليف بما لا يطاق عليه، ~~هذه الآية ونظائرها. كقوله: # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون # [يس:7] وقوله: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف:103]. وقوله: # سأرهقه صعودا # [المدثر:17]. وقوله: # تبت يدآ أبي لهب # [المسد:1]. # وبيانه من جهة الكلام: أنه تعالى أخبر عن شخص معين انه لا يؤمن قط، ~~فلو صدر منه الإيمان، يلزم الكذب على الله في كلامه. ومن جهة العلم، أنه ~~تعالى علم منه في الأزل أنه لا يؤمن. فلو آمن يلزم انقلاب علمه جهلا ~~وذلك محال؛ فكذا ما يستلزمه فصدور الإيمان منه محال وقد كلف به. # وأيضا: الإيمان يعتبر فيه التصديق بكل ما اخبر الله عنه، ومن جملته: ~~أنهم لا يؤمنون، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون، وهذا ~~تكليف بالجمع بين النفي والإثبات. # فهذه عمدة الوجوه التي تمسك بها السلف من الأشاعرة في دفع أصول ~~المعتزلة وهدم قوانينهم. # وهم تفصوا عن هذه الاحتجاجات إجمالا وتفصيلا. # أما المقام الأول: فبيان أن علم الله تعالى وخبره عن عدم الايمان، لا ~~يجوز أن يكون مانعا من الإيمان لوجوه: # الأول: أن القرآن مملوء من الآيات على أن لا مانع لأحد من الإيمان، كما ~~قال تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى # [الإسراء:94]. والكلام إنكار بصورة الاستفهام، دال على أن المانع من أن ~~يؤمنوا منتف في الواقع. وكقوله لإبليس: # ما منعك أن تسجد # [ص:75]. وقوله: # فما لهم لا يؤمنون # [الانشقاق:20] # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر:49]. # والثاني: أن الله تعالى قال: # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # [النساء:165]. ms0212 وقال: # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك # [طه:134]. فقد تبين انه ما أبقى لهم عذرا إلا وقد أزاله عنهم. فلو كان ~~علمه تعالى بكفرهم مانعا لهم عن الإيمان، لكان ذلك من أعظم الأعذار ~~وأقوى الوجوه الدافعة لاستقحاقهم للعقاب. والتالي باطل، فكذا المقدم. # والثالث: انه ذكر في مقام الذم والزجر والتقبيح قوله: { إن الذين ~~كفروا سوآء عليهم } الآية، فلو كانوا ممنوعين عن الإيمان غير ~~قادرين عليه، لما استحقوا التقبيح البتة، بل كانوا معذورين كالأعمى في أن ~~لا يرى. # والرابع: إن القرآن إنما أنزل ليكون حجة لله ولرسوله عليهم، لا أن ~~يكون حجة لهم على الله وعلى رسوله، فلو كان العلم والخبر مانعين، لكان ~~لهم أن يقولوا: إنما كفرنا لسبق القضاء على كفرنا، وترك المقضي ~~مستحيل، فلم يطلب المحال منا ولم يأمرنا بالمحال؟! # والخامس: إنه لو كان علمه السابق بعدم الإيمان مانعا عن الإيمان، ~~لوجب أن لا يكون الله قادرا على شيء أصلا. والتالي باطل فكذا المقدم ~~بيان الملازمة: أن الذي علم وقوعه واجب والذي علم عدم وقوعه ممتنع، وشيء ~~من الواجب والممتنع لا يكون مقدورا، إذ المصحح للمقدورية هو الإمكان، ~~دون قسيميه. # والسادس: إن الأمر بالمحال سفه وعبث، فلو جاز ورود الشرع به، لجاز ~~وروده بكل أنواع السفه، فما كان يمنع وروده باظهار المعجزة على يد ~~الكاذب، فلا يبقى وثوق بصحة النبوات ولا بصحة القرآن وسائر الكتب، بل ~~يجوز أن يكون الكل سفها وباطلا. # والسابع: لو جاز ورود الأمر بالمحال، لجاز الأمر للأعمى برؤية النجوم ~~في السماء، والزمن بالطيران في الهواء، ولو جاز ذلك، لجاز بعثة ~~الأنبياء (عليهم السلام) الى الجمادات والعجماوات، وإنزال الكتب ~~والملائكة عليها لتبليغ التكاليف حالا بعد حال، ومعلوم أن ذلك سخرية ~~وتلاعب بالدين. # قال الصاحب بن عباد في فصل له في هذا الباب: كيف يأمره بالإيمان وقد ~~منعه منه؟ وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه؟ وكيف يصرفهم عن الإيمان ثم ~~يقول: # أنى يصرفون # [غافر:69]. ويخلق فيهم الإفك ثم يقول: ms0213 # أنى يؤفكون # [المائدة:75]. وأنشأ فيهم الكفر ثم يقول: # لم تكفرون # [آل عمران:98]. وخلق فيهم لبس الحق بالباطل، ثم يقول: # ولا تلبسوا الحق بالباطل # [البقرة:42]. وصدهم عن السبيل ثم يقول: # لم تصدون عن سبيل الله # [آل عمران:99]. وحال بينهم وبين الإيمان ثم قال: # وماذا عليهم لو آمنوا # [النساء:39]. وذهب بهم عن الرشد ثم قال: # فأين تذهبون # [التكوير:26]. وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر:49]. # والثامن: من الآيات الدالة على أن التكليف بما لا يطاق لم يقع قال ~~سبحانه: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة:286]. وقال: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج:78]. وقال: # ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم # [الأعراف:157]. وأي حرج ومشقة فوق التكليف بالمحال. # أما المقام الثاني، فهو الجواب على سبيل التفصيل فللمعتزلة فيه طريقان: # أحدهما: طريقة أبي هاشم، وأبي علي الجبائي، والقاضي عبد الجبار: قالوا ~~لمن قال: " لو وقع خلاف علم الله، لانقلب علمه جهلا " إنه قد ~~أخطأ من قال: " إنه لانقلب علمه جهلا " ، وأخطأ أيضا من قال: " إن ~~علمه لا ينقلب جهلا " ولكن يجب الإمساك عن القولين. # وثانيهما: طريق الكعبي، واختيار أبي الحسين البصري والمتأخرين منهم: ان ~~العلم تبع للمعلوم، فإذا فرضت الواقع من العبد هو الايمان؛ عرفت أن ~~الحاصل في الأزل لله تعالى العلم بالإيمان ومتى فرضت الواقع منه هو ~~الكفر بدلا عن الإيمان؛ عرفت أن الحاصل في الأزل هو العلم بالكفر ~~بدلا عن الإيمان، فهذا فرض علم بدلا من علم آخر، لا انه انقلاب في ~~العلم وتغير له. # تبصرة مشرقية # [الجبر والتفويض] # إعلم أن مسألة الجبر والاختيار من المسائل العظيمة المهمة في الاسلام، ~~وهي مما لم تتنقح بعد الى الآن بين جمهور أهل الكلام، مع أنهم صرفوا ~~عمرهم في تحرير الدلائل والمناقضات، وتقدير المباحث والمناظرات، وتطويل ~~الكلام وكثرة الرد والإحكام والنقض والإبرام، حتى صارت معارك للآراء ~~ومصادم للأهواء، ولم يبق لأحد من الجانبين منزعة في كان فكره إلا ورماها ~~الى صاحبه في ميدان المجادلة والمناظرة، ومع ms0214 ذلك لم يأت أحد منهما بحاصل ~~في الدين، ولم يظفر بطائل في سلوك طريق اليقين. # بل ما زادتهم هذه إلا استكبار وجحودا وعنادا، ولم تزدهم إلا نفرة ~~عن الحق وبعادا، وذلك لاشتغالهم بالفروع عن الأصول، واهتمامهم عن ~~الواجب المهم بالفضول، واستغراقهم في المجادلة بالرد والقبول، ولذلك ~~حرموا عن الوصول، ومنعوا عن معاينة المعاني، لا بفكر ونظم قياسي، ~~ويئسوا عن مشاهدة الحقائق لا باعتمال ونصب تعريف حدي أو رسمي، بل ~~بأنوار شارقة متفاوتة، وإلهامات بارقة متتالية، تزيد في العمر والبقاء، ~~وتطلق الروح عن المهوى، وتسلب النفس عن هذه القوى وترغبها عن الدنيا، ~~وتسوقها الى العقبى، وتشوقها الى لقاء الرب تعالى. # واعلم أن أكثر أصحاب البحوث، قد تركوا وصية ربهم ونصيحة نبيهم سلام ~~الله عليه وآله فيما أمروا، من تزكية نفوسهم، وتصفية بواطنهم، وإصلاح ~~قلوبهم، وتعديل قواهم، وتهديب أخلاقهم، وتصقيل، مرآة قلوبهم لتتجلى ~~فيها خبايا عالم الملكوت، وتنكشف لديها خفايا أسرار الجبروت، وادركوا ~~الأشياء كما هي، كما وقع دعاء نبيهم (صلى الله عليه وآله) له ولأمته: " ~~اللهم أرنا الأشياء كما هي ". # فرفضوا طريق الهداية والسعي في بلوغ النهاية، ولم يقرؤوا صحيفة الملكوت ~~من كتابها، ولم يأتوا البيوت من أبوابها، فاغتروا من حقائق الدين بلوامع ~~سرابها، وقنعوا فيه من أنوار وجوه الحكمة واليقين بظلمات نقابها، ~~فاشتغلوا بما قد نهوا عنه بذكر عيوب بعضهم بعضا، وشنعة بعضهم على بعض، ~~فصاروا فرقا ومذاهب وشيعا وأحزابا، كل حزب بما لديهم فرحون، ~~وهم في العذاب مشتركون، إلا من آمن منهم بالله واليوم الآخر ببصيرة ~~صافية عن غشاوة الشك والامتراء، وقلب فارغ عن مرض العناد والمراء. # ولما تركوا وصية ربهم، ونصيحة رسولهم، ونسوا يوم الآخرة، وركنوا ~~الى الدنيا، توقدت بينهم نيران العداوة والبغضاء الى يوم القيامة، ~~فيلعن بعضهم بعضا، ويكفر بعضهم بعضا، ويطعن بعضه على بعض، بحرقة في ~~قلوبهم، وألم في نفوسهم، كما حكى الله عن أهل الجحيم بقوله: # كلما دخلت أمة لعنت أختها # [الأعراف:38 - 39]. وقالوا: # ربنا هؤلاء أضلونا # [الأعراف:38 - 39] يعني: من كان بينهم رئيسا ومقتدى في رأيهم ms0215 في ~~الضلال، وقيل لهم: # فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون # [الأعراف:38 - 39]. # وبظهور هذه الآراء الفاسدة، والبدع الخبيثة، والأهواء الردية، انطمس ~~أهل الحق وضاعت السير الفاضلة، وغابت العلوم الإلهية من بين الخلق، ~~وصارت كأن لم تكن شيئا مذكورا. # وهذه الآراء والأهواء كثيرة كلها من هذا القبيل، وستعلم وجه بطلانها ~~مع هذه الشهرة العظيمة للقائلين بها، والرواج لها، حيث ترى الكتب ~~الكلامية وغيرها مشحونة بذكرها وذكر نظائرها، ونسبة قائلها الى الفضل ~~والبراعة، والخوض في تحقيق أصول الشريعة وفروعها بهذه الكلمات الواهية ~~والآراء العاطلة. # فكانوا يتصدون في المجالس، ويتفاخرون على الأماثل، ويعينون ~~بالأنامل، وبضاعتهم في العلم والمعرفة، ورأس مالهم في الفضيلة أمور لا ~~تفيد علما ولا تنتج فائدة. مثل كلامهم في الطفرة والتفكيك، وسكون ~~المتحرك، والتداخل، وشيئية المعدوم وإعادته، ونفي الجزء وإثبات الخلاء، ~~وإنكار الروح، ونفي التوحيد، وإثبات الكثرة على الله، وتجويز الرؤية له، ~~وخلق الأعمال، ونفي القدرة عن العبد، ونفي الوجود الذهني؛ وانكار عالم ~~الملكوت والنشأة الباقية، وجوهرية الطعوم والروائح بل رؤيتها، الى غير ~~ذلك من المسائل المموهة المزخرفة التي لا حقيقة لها ولا وجود إلا في ~~الأوهام الكاذبة، لا تصح لمدع فيها حجة ولا لسائل عنها برهان. # وثلة من الأولين منهم قد بقوا في هذا الزمان، شاهدناهم يخوضون في ~~الثواني والمعقولات، وهم لا يعرفون الأوائل والمحسوسات، ويتعاطون ~~البراهين من غير ممارسة علم المنطقيات، ويتكلمون في الإلهيات، وهم ~~يجهلون الطبيعيات، وإذا سئلوا عن أشياء مقرون بها عند أكثر الناس، لا ~~يحسنون أن يجيبوا عنها. # وإذا استقصى عليهم السؤال والبحث، فكلامهم فيها أوهن من بيوت العنكبوت، ~~ويأبون أن يقولوا: لا ندري، الله ورسوله وأولياؤه أعلم، بل يلجون في ~~خيالاتهم الواهية وهي طغيانهم يعمهون. # فلنرجع الى تحقيق القول في هذه المسألة، وتوهين ما قرروه، والجواب عما ~~ذكروه وكشف الفضيحة عما تصوروه، في فصلين نذكر فيهما فساد القولين ~~وبطلان المذهبين: الجبر والاختيار. # فصل # [رد احتجاجات المجبرة] # أما قول المجبرة بجواز تكليف المحال، والجبر للعبد في الأفعال من جهة ~~علم الله بحقيقة الأحوال، أو إخباره عن كفر ms0216 طائفة ونكالهم في الآخرة ~~والمآل، ففي غاية السخافة والوهن، فإن العلم والجبر لا يسلبان عن ~~العباد القوى والقدرة، بل القدرة ثابتة للعبد، والتمكن من أفعاله ~~وأقواله مبذول له، والتصرف في قواه الإدراكية - كالمسع والبصر - ~~وأعضائه التحريكية - مثل اليد والرجل - متى شاء وكيف شاء مفوض إليه ~~ميسر له، والعلم بوجوه النفع والضر، والخير والشر ممنون عليه من قبل ~~الله، لأن هذه المبادي والقوى القريبة خلقت موجبة لأفاعيله وحركاته، ~~مقتضية لآثاره وتبعاته، جعلها الله خادمة للقلب، مسخرة له، وهو ~~المتصرف فيها بقوته المدبرة، وهي مجبولة على طاعة القلب، لا يستطيع ~~له خلافا ولا عليه تمردا. # وفائدة التكليف له والإنذار كالابتلاء وغيره، عائدة إليه ولو قليلا، ~~وإلى غيره كثيرا، ولا يلزم أن تكون فائدة التكليف لأحد بشيء، نفس ذلك ~~الشي؛ إذ ربما يترتب على التكليف فائدة اخرى، غير ما كلف به، فلي لهم ~~أن يقولوا بنفي الأعراض وبطلان الدواعي واثبات التعطيل، والعبث في فعل ~~العبد، ذلك ظن الذين كفروا من المجوس والثنوية، النافين لاختيار العبد، ~~المثبتين لإجباره، ولهذا المعنى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " القدرية مجوس هذه الأمة ". # ومن الحكايات المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك، ما رواه ~~جماعة من علماء الإسلام أنه قال (صلى الله عليه وآله): # " لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا، قيل: ومن القدرية يا رسول ~~الله؟ قال: قوم يزعمون ان الله سبحانه قدر عليهم المعاصي وعذبهم ~~عليها ". # ومنها أيضا ما رواه صاحب الفائق محمود الخوارزمي وغيره من العلماء، عن ~~محمد بن علي المكي باسناده قال: # " إن رجلا قدم على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): أخبرني بأعجب شيء رأيته، قال: رأيت قوما ينحكون ~~أمهاتهم وأخواتهم، فإذا قيل لهم: لم تفعلون؟ قال: قضى الله تعالى ~~وقدره. فقال: سيكون في أمتي أقوام يقولون مثل مقالتهم، أولئك مجوس ~~أمتي ". # ومنها أيضا ما ذكره صاحب الفائق وغيره من علماء الاسلام، عن جابر بن ~~عبد الله أنه قال: يكون في آخر الزمان ms0217 قوم يعملون بالمعاصي ويقولون: إن ~~الله قد قدرها عليهم، الراد عليهم كشاهر سيفه في سبيل الله. # ومن الحكايات في هذا الباب ما يروى من ان أبا حنيفة اجتاز على موسى بن ~~جعفر الكاظم (عليهما السلام) فقال سائلا: المعصية ممن؟ فقال له موسى ~~الكاظم (عليه السلام): اجلس حتى اخبرك، فجلس أبو حنيفة، فقال (عليه ~~السلام): لا بد أن تكون المعصية من العبد أو من الله تعالى أو منهما ~~جميعا، فإن كانت من الله تعالى، وهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده الضعيف، ~~ويؤاخذه بما لم يفعله، وإن كانت المعصية منهما، فهو شريكه، والقوي ~~أولى بإنصاف عبده الضعيف، وإن كانت المعصية من العبد وحده؛ فعليه وقع ~~الأمر وإليه توجه النهي، وله حق الثواب والعقاب، ووجبت له الجنة ~~والنار، فقال أبو حنيفة: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. # وقد نظم هذا بعض شعرائهم: # لم تخل أفعالنا اللاتي نلام بها # إحدى ثلاث خصال حين نأتيها # إما نفرد بارينا بصنعتها # فيسقط اللوم منا حين نبديها # أو كان يشركنا فيها، فيلحقه # ما سوف يلحقه من لائم فيها # أولم يكن لإلهي في جنايتها # ذنب، فما الذنب إلا ذنب جانيها # ومنها ما رواه جماعة من العلماء، أن الحجاج بن يوسف كتب الى الحسن ~~البصري والى عمرو بن عبيد والى واصل بن عطاء والى عامر الشعبي: أن يذكروا ~~ما عندهم وما وصل اليهم في القضاء والقدر. فكتب اليه الحسن البصري: إن ~~من أحسن ما انتهى الينا ما سمعت عن امير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام) أنه قال: أتظن أن الذي نهاك دهاك؟ إنما دهاك أسفلك ~~وأعلاك، والله بري من ذاك. # وكتب إليه عمرو بن عبيد: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر، قول أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): لو كان الوزر في الأصل ~~محتوما، كان الوزر في القصاص مظلوما. # وكتب إليه واصل بن عطاء: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): أيدلك على الطريق ويأخذ عليك ms0218 ~~المضيق؟ # وكتب إليه الشعبي: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين ~~علي يبن أبي طالب (عليه السلام): كلما استغفرت الله منه فهو منك، ~~وكلما حمدت الله تعالى عليه فهو منه، فلما وصلت كتبهم الى الحجاج ~~ووقف عليها قال: لقد أخذوها عن عين صافية. هذا مع ما كان عنده من ~~الفضاضة والأمور الواهية. # ومما روي أيضا أن رجلا سأل جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) عن ~~القضاء والقدر؟ فقال: ما استطعت أن تلوم العبد عليه فهو فعله، وما لم ~~تستطع أن تلوم العبد عليه، فهو فعل الله يقول الله للعبد: لم عصيت ~~لم فسقت لم شربت الخمر لم زنيت؟ فهذا فعل العبد، ولا يقول: ~~لم مرضت؟ لم قصرت؟ لم ابيضضت؟ لم اسوددت؟ لأنه من فعل الله ~~في العبد. # ومن الحكايات أيضا: أن الفضل بن سهل سأل علي بن موسى الرضا (عليهما ~~السلام) بين يدي المأمون؛ فقال: يا أبا الحسن، الخلق مجبورون؟ فقال: ~~الله تعالى أعدل من أن يجبر خلقه ثم يعذبهم، قال فمطلقون؟ قال: ~~الله تعالى أحكم من يهمل عبده ويكله الى نفسه. # ومنها: أن رجلا وقف على جماعة من المجبرة فقال لهم: أنا ما أعرف ~~المجادلة والإطالة في الكلام؛ لكني أسمع في القرآن قوله تعالى: # كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله # [المائدة:64]. ومفهوم هذا الكلام عند كل عاقل، أن الموقد للنار غير ~~المطفئ. فانقطعوا ولم يردوا جوابا. # وقيل لجبري: نرى الله يقول: # قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها # [الشمس:9 - 10] من هذا الذي قد خاب؟ فلم يكن له من ذلك جواب. # وقال معتزلي لجبري: ممن الحق؟ فقال: من الله. قال له: فمن المحق؟ ~~قال: هو الله قال له: فممن الباطل؟ قال: من الله. فقال له: فمن هو ~~المبطل؟ فانقطع المجبر ولم يقدم على أن يقول: إن الله - تعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا- هو المبطل. وكان يلزمه ذلك على مذهبه. # ومن عجائب ما يعتقده المجبرة ويلزمهم أيضا، أنه يجوز من الله في ~~عقولهم مع عدله وحكمته، أن يجمع الأنبياء ms0219 والمرسلين والملائكة ~~المقربين وعباده الصالحين، فيخلدهم في الجحيم والعذاب الأليم أبد ~~الآبدين، ويجمع الكفار والملحدين والزنادقة والمنافقين وإبليس ~~والشياطين، ويخلدهم في الجنة والنعيم دهر الداهرين، وزعموا ذلك إنصافا ~~منه وعدلا، وركبوا في ذلك مكابرة وجهلا ولعله قد كان لهم سلف صدرت ~~منهم كلمات على سبيل الزمر والإشارة وما بلغت عقول هؤلاء على كنه أقوال ~~أولئك الأوائل، أو كان في عقول طائفة من رؤسائهم جهل وسفه أوجب مثل ~~هذا الاعتقاد، وجاء الخلف مقلدا للسلف، محبا للمنشأة وسنة الآباء، ~~كما حكى الله عن أشباههم من الأخلاف الذين قلدوا آراء الأشياخ والأسلاف، ~~حيث ذكر: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مهتدون # [الزخرف:22] # أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة:170]. # وإن كان ذلك كذلك، فأي عذر بقي للمتأخرين من الأحياء والأبناء في ~~اتباع السلف والآباء على الضلال في أمر لا يخفى على أدنى العقلاء؟ فما ~~أحسن ما يقرؤونه في كتابهم: # وما قدروا الله حق قدره # [الأنعام:91] لا والله ما قدروا الله حق قدره، ولا هذا قدر جلالته ~~وعظمته، ولا جزاء إحسانه ونعمته. # والعجب، أنهم زعموا أن هذا ما عليه أكابر العرفاء ومحققو الصوفية من ~~القول بالتوحيد الأفعالي، وليس كذلك، كما يظهر من تتبع كلماتهم وتصفح ~~مقالاتهم، قال الشيخ العظيم محيي الدين الأعرابي في الباب التاسع عشر ~~وثلاثمأة من الفتوحات المكية: " إن رافع الأسباب سيء الأدب مع الله، ~~ومن عزل من ولاه الله تعالى فقد أساء الأدب وكذب في عزل ذلك ~~الوالي، فانظر ما أجهل من كفر بالأسباب وقال بتركها، ومن ترك ما ~~قرره الحق، فهو منازع لا عبد، وجاهل لا عالم واني أعظك أن تكون من ~~الجاهلين، وأراك في مذهب الجبر تكذب نفسك في ترك الأسباب، فإني أراك في ~~وقت حديثك معي في تركها ورميها يأخذك العطش، فتترك كلامي وتجري الى ~~لماء فتشرب منه لتدفع بذلك الم العطش، وكذلك إذا جعت تناولت الخبز، ~~وغايتك أن لا تتناوله بيدك حتى تجعل في فيك، فما حصل في فمك مضغته ~~وابتلعته فما اسرع ms0220 ما اكذبت به نفسك بين يدي. # وكذلك إذا أردت أن تنظر الى شيء افتقرت الى فتح عينك، فهل فتحها ~~إلا سبب، فكيف تنفي الأسباب بالأسباب؟ أترضى لنفسك بهذه الجهالة؟ ~~فالأديب الإلهي العالم من اثبت ما اثبته الله في الموضع الذي أثبته، ~~وعلى الوجه الذي أثبته، ثم تكذب نفسك في عبادة ربك. أليست عبادتك ~~سببا في سعادتك وأنت تقول بترك الأسباب؟ فلم لا تقطع العمل. # أرأيت أحدا من رسول ولا نبي ولا ولي ولا مؤمن ولا كافر ولا شقي ~~خرج قط عن رق الأسباب مطلقا، أدناها التنفس؟ فيا تارك السبب لا ~~تتنفس؛ فإن التنفس سبب لحياتك فأمسك نفسك حتى تموت فتكون قاتل ~~نفسك فتحرم عليك الجنة. وإذا فعلت هذا فأنت تحت حكم السبب... " # " فما اظنك عاقلا إن كنت تزعم أن ترفع ما نصبه الله وأقامه علما ~~مشهودا، ودع عنك ما تسمع من كلام أهل الله، فإنهم لم يردوا بذلك ما ~~توهمته، بل جهلت ما أرادوا بقطع الأسباب، كما جهلت ما أراد الحق ~~بوضع الأسباب، ولقد ألقيت بك على مدرجة الحق، واتيت لك الطريقة التي ~~وضعها لعباده وأمرهم بالمشي عليها فاسلك: # وعلى الله قصد السبيل ومنها جآئر ولو شآء ~~لهداكم أجمعين # [النحل:9]. # وقال في الباب السادس والتسعين ومائتين: " ولقد نبهني الولد العزيز ~~العارف شمس الدين إسماعيل بن سودكين التوري على أمر كان عندي من غير ~~الوجه الذي نبهنا عليه هذا الولد؛ وهو التجلي في الفعل، هل يصح أو لا ~~يصح؟ فوقتا كنت أنفيه بوجه، ووقتا كنت اثبته بوجه يقتضيه ~~التكليف، إذ كان التكليف بالعمل لا يمكن أن يكون من حكيم يقول: " ~~اعمل وافعل " لمن يعلم انه لا يعمل ولا يفعل، إذ لا قدرة له عليه. # وقد ثبت الأمر الإلهي بالعمل للعبد، مثل قوله تعالى: # وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة # [البقرة:43] و # اصبروا وصابروا ورابطوا # [آل عمران:200] # وجاهدوا # [التوبة:41]. # فلا بد أن يكون له في المنفعل عنه تعلق من حيث الفعل فيه، فيسمى به ~~فاعلا وعاملا، وإذا كان هذا، فبهذا القدر من النسبة يقع ms0221 التجلي فيه، ~~فبهذا الطريق كنت أثبته، وهو طريق مرضي في غاية الوضوح، يدل على أن ~~القدرة الحادثة لها نسبة تعلق بما كلفت عليه لا بد من ذلك، ~~ورأيت حجة المخالف واهية في غاية من الضعف والاختلال. # ولما كان يوما فاوضني في هذه المسألة هذا الولد فقال لي: وأي دليل ~~أقوى على نسبة الفعل إليه والتجلي فيه، إذا كان من صفته من كون الحق ~~خلق الإنسان على صورته، فلو جرد عنه الفعل، لما صح أن يكون على ~~صورته، ولما قبل التخلق بالأسماء، وقد صح عندكم وعند أهل الطريق بلا ~~خلاف، أن الإنسان مخلوق على الصورة، وقد صح التخلق بالأسماء؟ # فلا يقدر أحد أن يعرف ما يدخل علي من السرور بهذا التنبيه، فقد يستفيد ~~الاستاذ من التلميذ أشياء من مواهب الحق تعالى لم يقض الله للاستاذ أن ~~ينالها إلا من التلميذ، كما يعلم قطعا انه قد يفتح للإنسان الكبير في ~~أمر يسأله عنه بعض العامة، فيرزق العالم في ذلك الوقت لصدق اللسان علم ~~تلك المسألة، ولم يكن عنده قبل ذلك عناية من الله بالسائل ان حصل للمسؤول ~~علما لم يكن عنده، ومن راقب يجد ما ذكرناه. فالحمد لله استفدنا من ~~أولادنا مثل ما استفاد منا شيوخنا أمورا كانت أشكلت عليهم " انتهى ~~كلامه. # فصل # فيما يرد على المعتزلة # القائلين باستقلال العبد في أفعاله وحركاته # فمما يرد عليهم أنهم اشركوا بالله في أفعاله، ولم يتفق لهم التوحيد ~~الأفعالي، كما لم يبق للأشاعرة - المثبتين للصفات - التوحيد الوصفي. # ويرد عليهم أيضا؛ انهم منكرون لقضاء الله وقدره في كل شيء، ولم ~~يذعنوا ان الخيرات والشرور كلها بقضائه وقدره. أما الخير فهو مقضي ~~بالذات، وأما الشر فهو مقضي بالعرض. ومذهبهم في صدور الأفاعيل من ~~العباد قريب من مذهب بعض الطبيعيين والأطباء الذين جعلوا مبدأ فعل ~~الآدمي طبيعته ومزاجه، ولم يرتفع نظرهم الى ما فوق الدهر والطبيعة من ~~الملكوت الأعلى والأسباب القصوى، ولم يعلموا أن كل ما يقع في هذا ~~العالم من الحوادث والأكوان والأفعال والإرادات والحركات والسكنات، ~~مقدر ms0222 بهيئته وزمانه في عالم آخر قبل؛ كما دلت عليه البراهين العقلية ~~والمشاهدات الذوقية والمنامات الصادقة، والإلهامات، والكلمات ~~الإلهية، والأحاديث النبوية، منها قوله تعالى: # وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير ~~مستطر # [القمر:52-53]. # ومنها قوله تعالى: # ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام:59]. ومنها قوله تعالى: # ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه ~~في إمام مبين # [يس:12]. وكذا قوله: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون # [الجاثية:29]. وقوله: # مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا ~~في كتاب من قبل أن نبرأهآ # [الحديد:22]. الى غير ذلك من الآيات. # ومن الأحاديث النبوية قوله عليه وآله الصلاة والتحية: # " جف القلم بما هو كائن " # " اعلموا فالكل ميسر لما خلق ". # ومنها قوله: # " إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ~~ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله ملكا فينفخ فيه الروح فيؤمر ~~بأربع كلمات فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، فوالله الذي لا ~~إله غيره، إن أحدكم ليعمل عمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبين ~~الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم الله له بعمل أهل النار ~~فيدخلها، وإن أحدكم ليعلم بعمل أهل النار حتى [ما] يكون ما بينه ~~وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم الله له بعمل أهل الجنة ~~فيدخلها ". # وقريب من هذا ما ورد من طريق أهل البيت (عليهم السلام)، رواه رئيس ~~المحدثين محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله عن عدة من أصحابه، مسندا ~~الى أبي عبد الله (عليه السلام)، أنه قال: " يسلك بالسعيد في طريق ~~الأشقياء حتى يقول الناس ما أشبهه بهم بل هو منهم، ثم تتداركه ~~السعادة. وقد يسلك بالشقي طريق السعداء حتى يقول الناس ما أشبهه ~~بهم، بل هو منهم. ثم يتداركه الشقاء. إن من كتبه الله سعيدا وإن لم ~~يبق من الدنيا إلا فواق ناقة ختم له بالسعادة ". # ونقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " اعلموا علما يقينا أن الله ~~لم يجعل ms0223 للعبد وإن عظمت حيلته وقويت مكيدته واشتدت طلبته، أكثر ~~مما سمى له في الذكر الحكيم ". # وفي طريقتهم أيضا رواه الكليني عن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: " ~~إن مما أوحى الله الى موسى (عليه السلام) وأنزل عليه [في] التوراة: ~~إني أنا الله لا إله إلا أنا، خلقت الخلق وخلقت الخير وأجريته ~~على يدي من أحب فطوبى لمن أجريته على يديه، وأنا الله لا إله إلا ~~أنا خلقت الخلق وخلقت الشر وأجريته على يدي من أريده، فويل لمن ~~أجريته على يديه " وعن أبي عبد الله (عليه السلام): " ما من قبض وبسط ~~إلا ولله فيه [مشيئة وقضاء وابتلاء ". # وعنه (عليه السلام): " إنه ليس شيء فيه] قبض أو بسط مما أمر الله به ~~أو نهى عنه، إلا وفيه لله عز وجل ابتلاء وقضاء ". # وعنه (عليه السلام) أيضا في كتاب الكافي انه قال: " لا يكون شيء في ~~الأرض ولا في السماء إلا بهذه الخصال السبع: بمشيئة، وإرادة، وقدر، ~~وقضاء، وإذن، وكتاب وأجل؛ فمن زعم انه يقدر على نقض واحدة فقد ~~كفر ". # وعنه أيضا (عليه السلام) مثله بسند آخر. وفيه أيضا عن أبي الحسن موسى ~~بن جعفر (عليهما السلام) قال: " لا يكون شيء في السموات ولا في الأرض ~~إلا بسبع: بقضاء، وقدر وإرادة، ومشيئة، وكتاب وأجل، وإذن، ~~فمن زعم غير هذا فقد كذب على الله ". # ومن طريقه فيه باسناده عن محمد بن عبد الرحمن [عن أبيه] رفعه الى من ~~قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: # " قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين الف سنة ~~". # ومن طريقه رحمه الله في كتاب من لا يحضره الفقيه مسندا الى اسماعيل بن ~~مسلم انه سأل جعفر الصادق (عليه السلام) عن الصلاة خلف رجل يكذب ~~بقدر الله عز وجل؟ قال: " ليعد كل صلاة صلاها خلفه ". # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: # " خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي يده كتابان، فقال للذي في ~~يده اليمنى: " هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء ms0224 أهل الجنة وأسماء ~~آبائهم وقبائلهم، ثم اجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا " ~~ثم قال للذي في شماله " هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار ~~وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم اجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ~~أبدا ". ثم مال بيده فنبذهما ثم قال: " فرغ ربكم من العباد، فريق ~~في الجنة وفريق في السعير " ". # ومن الحكايات التي نقلها أهل الإسلام في كتب الحديث عن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)، مناظرة آدم وموسى (عليهما السلام)، وهي انه قال ~~(صلى الله عليه وآله): " احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، ~~قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ~~ملائكته، وأسكنك في الجنة، ثم أهبطت الناس بخطيئتك الى الأرض فقال ~~آدم: أنت موسى الذي اصطفاك برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان ~~كل شيء، وقربك نجيا، فبكم وجدت الله كتب التوارة قبل أن أخلق؟ ~~قال موسى: بأربعين عاما. قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه ~~فغوى؟ قال: نعم قال: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي أن ~~أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): فحج آدم موسى (عليه السلام) ". # والمعتزلة طعنوا في هذا الحديث من وجوه: # أحدها: أن هذا الخبر يقتضي أن يكون موسى قد ذم آدم على الصغيرة، ~~وذلك يقتضي الجهل في حق موسى (عليه السلام)، وذلك غير جايز. # وثانيها: إن الولد كيف يشافه الوالد بالقول الغليظ؟ # وثالثها: إنه قال: " أنت أشقيت وأهبطت الناس من الجنة " وقد علم ~~موسى أن شقاء الناس وإخراجهم من الجنة لم يكن من جهة آدم، بل الله ~~أخرجه منها. # ورابعها: إن آدم احتج بما ليس حجة. إذ لو كان حجة، لكان لفرعون ~~وهامان وسائر الكفار أن يحتجوا به، ولما بطل ذلك، علمنا فساد هذه ~~الحجة. # وخامسها: إن الرسول صوب آدم في ذلك، مع أنا بينا أنه ليس بصواب، ~~إذا ثبت هذا وجب حمل الحديث على أحد ms0225 ثلاثة أوجه: # أحدها: إنه (صلى الله عليه وآله) حكى ذلك عن اليهود - لا انه حكاه عن ~~الله أو عن نفسه - واشتبه على الراوي. # وثانيها: انه قال: " فحج آدم - منصوبا - أي: إن موسى جعله محجوجا. # وثالثها: وهو المعتمد أنه ليس المراد من المناظرة الذم على ~~المعصية، ولا الاعتذار منه بعلم الله، بل موسى سأله عن السبب الذي ~~حمله على تلك الزلة حتى خرج بسببها من الجنة، فقال آدم: إن ~~خروجي منها لم يكن بسبب تلك الزلة، بل بسبب أن الله تعالى كان قد كتب ~~علي أن أخرج إلى الأرض وأكون خليفة فيها، وهذا المعنى كان مكتوبا في ~~التوارة، فلا جرم كانت حجة آدم قوية، وصار موسى في ذلك كالمغلوب. # واعلم أن الكلام يؤدي الى التطويل، وإلا لأجبت عن تلك الوجوه ~~الخمسة متفصيا، ولناقضت لهذه الوجوه الثلاثة مفصحا عن فسادها، ~~فاضحا لقصور قائلها، كاشفا عن اختلال أحواله، وبطلان مقاله، واعوجاج ~~سبيله، وانبتات سلوكه لفقدان دليله، حيث لا حجة ولا برهان، ولا حديث ولا ~~قرآن، ولا عقل ولا ايمان. # قال بعض أكابر الحكماء في وصفهم عندما نقل بعضا من الآراء السخيفة ~~عنهم في إثبات شيئية المعدوم وثبوت الأحوال: " وهؤلاء قوم نبغوا في ~~ملة الإسلام وما كانت لهم أفكار سليمة، ولا حصل لهم ما حصل للصوفية ~~من الأمور الذوقية، ووقع بأيديهم مما نقل جماعة في عهد بني امية، من ~~كتب قوم كانت أساميهم تشبه أسامي الفلاسفة، فظن القوم أن كل اسم ~~يوناني [هو] اسم فيلسوف، فوجدوا فيها كلمات استحسنوها وذهبوا عليها ~~وفرعوها رغبة في الفلسفة، وانتشرت في الأرض وهم فرحون بها، وتبعهم ~~جماعة من المتأخرين وخالفوهم في بعض منها، إلا ان كلهم إنما غلطوا ~~بسبب ما سمعوا أسامي يونانية لجماعة صنفوا كتبا يتوهم ان فيها فلسفة ~~- وما كان فيها شيء منها - فقبلها متقدموهم، وتبعهم فيها المتأخرون، ~~وما خرجت الحكمة عن يونان، إلا بعد انتشار أقاويل عامة اليونان ~~وخطبائهم وقبول الناس لها. # ولنرجع الى طريق العقل في هدم قاعدة الاعتزال، بعد أن ذكرنا من طريق ms0226 ~~السمع ما يليق بذلك من الأقوال. # تبصرة عقلية # [علمه تعالى وقضاؤه] # قد علمت أن جميع الأشياء صادرة من الله تعالى وهو عالم بصدورها عنه ~~راض بذلك غير كاره، وهذا معنى مختاريته الخالي عن النقص والقصور ~~والتغير. وقد ثبت في العلوم اليقينية: أن العلم بالسبب التام يستلزم ~~العلم بالمسبب، فإذا كان تعالى عالما في الأزل بجميع الموجودات ~~الروحانية والجسمانية، والعلوية والسفلية على ما هي دفعة واحدة من ~~غير تجدد وانفعال في علمه - وهو معنى قضائه - ويكون مخرجا إياها من ~~القوة الى الفعل شيئا بعد شيء على سبيل التجدد والانقضاء على ~~التفصيل - وهو معنى قدره -، وقد ثبت أن كلما لم يجب لم يوجد، فقضاؤه ~~نافذ في قدره، حاكم على كل أحد من هذا العالم في نفعه وضره وخيره ~~وشره، فالإيمان بالقدر واجب من هذه الجهة، والرضا بالقضاء فرض متحتم ~~من هذا البرهان. # كما ورد في الحديث الإلهي: # " من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليبعد ربا سوائي وليخرج من ~~أرضي وسمائي ". # ومن الأحاديث المستفيضة الشائعة بين طوائف العلماء المتفق عليها، ما ~~رواه محمد بن عقوب الكليني رحمه الله في باب الجبر والقدر والأمر بين ~~الأمرين منه عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، وإسحق بن محمد، وغيرهما ~~رفعوه، قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) جالسا بالكوفة بعد منصرفه ~~من صفين إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه، ثم قال له: يا أمير المؤمنين، ~~أخبرنا عن مسيرنا الى أهل الشام، أبقضاء من الله وقدر؟ فقال له أمير ~~المؤمنين (عليه السلام): أجل يا شيخ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن ~~واد إلا بقضاء من الله وقدر، فقال له الشيخ، عند الله أحتسب عنائي يا ~~أمير المؤمنين فقال له: مه يا شيخ، فوالله لقد عظم الله لكم الأجر في ~~مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي منصرفكم وأنتم ~~منصرفون. ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين، ولا إليه مضطرين. # فقال له الشيخ: وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه ~~مضطرين، ms0227 وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا؟ فقال: أو ~~تظن أنه كان قضاء حتما وقدرا لازما إنه لو كان ذلك كذلك، لبطل ~~الثواب والعقاب، والأمر والنهي، والزجر من الله وسقط معنى الوعد ~~والوعيد. فلم يكن لائمة للمذنب، ولا محمدة للمحسن، ولكان المذنب ~~أولى بالإحسان من المحسن، وكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، تلك ~~مقالة إخوان عبدة الأوثان، وخصماء الرحمن، وحزب الشيطان، وقدرية هذه ~~الأمة ومجوسها، إن الله تبارك وتعالى كلف تخييرا، ونهى تحذيرا، ~~وأعطى على القليل كثيرا، ولم يعص مغلوبا، ولم يعط مكرها ولم يملك ~~النبيين مبشرين ومنذرين عبثا: # ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # [ص:27]. فانشأ الشيخ: # أنت الإمام الذي نرجو بطاعته # يوم النجاة من الرحمن غفرانا # أوضحت من أمرنا ما كان ملتبسا # جزاك ربك بالإحسان إحسانا # ومما رواه أيضا عن علي بن إبراهيم [عن أبيه] عن اسماعيل بن مرار، عن ~~يونس بن عبد الرحمن قال: قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): يا يونس، ~~لا تقل بقول القدرية، فإن القدرية لم يقولوا بقول أهل الجنة، ولا ~~بقول أهل النار، ولا بقول إبليس؛ فإن أهل الجنة قالوا: # الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي ~~لولا أن هدانا الله # [الأعراف:43]. وقال أهل النار: # ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضآلين # [المؤمنون:106]. وقال إبليس: # قال رب بمآ أغويتني # [الحجر:39]. الحديث. # وروى أيضا عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي ~~الوشا، عن حماد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: " من زعم أن الله يأمر بالفحشاء فقد كذب على الله. ومن زعم أن ~~الخير والشر إليه فقد كذب على الله " - الظاهر أن الضمير في " إليه ~~" راجع الى الموصول. # وعن الحسين، عن معلى، عن الحسن بن علي الوشا، عن أبي الحسن الرضا ~~(عليه السلام) قال: سألته فقلت: الله فوض الأمر إلى العباد؟ قال: ~~الله أعز من ذلك، قلت: فجبرهم على المعاصي؟ قال: الله أعدل وأحكم ~~من ذلك، ثم قال الله: ms0228 يا ابن آدم، أنا أولى بحسناتك منك. وأنت أولى ~~بسيئاتك مني، عملت المعاصي بقوتك التي جعلت فيك. # وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): من زعم أن الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم ~~أن الخير والشر بغير مشيئة الله، فقد أخرج اله من سلطانه. ومن زعم أن ~~المعاصي بغيره قوة الله، فقد كذب على الله. # وعن أبي عبد الله (عليه السلام) سأل عنه رجل قال: قلت: أجبر الله ~~العباد على المعاصي؟ قال: لا، قال: قلت: ففوض إليهم الأمر؟ قال: لا، ~~قلت: فماذا؟ قال: لطف من ربك بين ذلك. # عقدة وحل # [اختيارنا في أفعالنا] # ولما ثبت وتحقق مما ذكر من الكلام أن كل ما يقع في هذا العالم أو ~~سيقع مقدر مكتوب بهيئته وزمانه ووضعه ومكانه في عالم آخر، فإن اشتبه ~~عليك أيها القدري حال الأفعال المنسوبة الى الاختيار، وتخيل لك أنها ~~على هذا التقدير واقعة بالاضرار والإجبار؛ فما بالنا نتصرف فيها ~~بالتدبير والتغيير، ونصرفها بالتقديم والتأخير، ونجد الفرق بين المجبور ~~عليه والمخير، والمختار والمضطر في جريان الأمر الإلهي في مجاري ~~القضاء والقدر. # وتفكر في ترتيب سلسلة الأسباب والعلل، واعلم أن قدرة العبد وإرادته ~~وعلمه وشوقه من الأسباب القريبة لفعله، وهي مستندة بأسباب أخرى متوسطة، ~~وأخرى بعيدة، حتى تنتهي الى قدرة الله وعلمه وإرادته ومشيئته وقضائه ~~وقدره. # فالقضاء والقدر، إنما يوجبان ما يوجبان بتوسط أسباب وعلل بعضها ~~مقدمات مدبرات، كالملائكة السماوية، عقلية كانت أو نفسية، قلمية ~~كانت أو لوحية وبعضها فاعلات محركات وموجبات مقتضيات، كالمبادي العالية ~~من الجواهر الفلكية والصور المنطبعة، وبعضها قوابل واستعدادات ذاتية ~~وعارضية. # والصور اللاحقة المادية والأوضاع الفلكية والأمور الاتفاقية كالإدراكات ~~والإرادات الإنسانية، والحركات والسكنات الحيوانية، تختص بحال دون حال، ~~وبصورة دون صورة، ترتبا وانتظاما معلوما في القضاء السابق. # فاجتماع تلك الأسباب والشرائط، مع ارتفاع الموانع، سبب تام يجب بها ~~وجود ذلك الأمر المدبر المقضي المقدر، وعند تخلف شيء منها، أو حصول ~~مانع، يبقى في حيز الإمكان ms0229 أو الامتناع، فإذا كان من جملة الأسباب - ~~وخصوصا القريبة - وجود هذا الشخص الإنساني وعلمه وإرادته وقدرته ~~وتشوقه وتفكره وتخيله اللذان هما مختار أحد طرفي الفعل والترك، كان ~~ذلك الفعل اختياريا واجبا وقوعه بجميع تلك الأمور التي هي علة تامة ~~لوجود المقدور، ممكنا بالنسبة الى كل واحد منها، فوجب الفعل لا ينافي ~~اختياريته. كيف! وقد مر أن الشيء ما لم يجب لم يوجد. # فإن قلت: مع حصول القدرة والإرادة إن كان الترك ممكنا، لم يكن الفعل ~~واجبا، وإن لم يكن ممكنا لم يكن العبد مختارا؟ # قلت: الترك غير ممكن، ولا يلزم من ذلك أن يكون مختارا، فإن الفعل ~~الاختياري ما يكون الاختيار من جملة أسبابه، ويكون صدوره موقوفا ~~بالاختيار، لا ما يكون ممكنا على تقدير تحقق علته التامة التي من ~~جملتها الإرادة. # عقدة وحل # [لمية التكليف] # ثم إذا رجعت إلينا ثانيا وقلت: فما فائدة التكليف على هذا التقدير؟ ~~لأنه إذا كانت الأسباب العالية مقتضية، والقوابل السفلية حاملة، ~~والاستعدادات المادية مهيئة، أو متأبية معوقة؛ فصدور الفعل إما واجب ~~او مستحيل، وعلى أي الوجهين فالتكليف بالأفاعيل عبث. # وأي فائدة للتكليف بالطاعات، وبعثة الأنبياء بالمعجزات والآيات، وأي ~~تأثير للسعي والجهد وأي توجيه للوعيد الوعد، وما معنى الابتلاء في قوله: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [هود:7] إذا كان الكل بالتقدير والقضاء؟ إذ مدار التكليف والسعي ~~والجهد والوعيد والوعد على الاختيار، لا على الإجبار والاضطرار. # قلنا: فائدة التكليف والوعد الوعيد، تحصيل الشوق الذي هو مبدأ الإرادة ~~للأفعال الجميلة، فإن المراد ها هنا بالإرادة: هي العزيمة الثابتة ~~الباعثة الجازمة على الفعل أو الترك، فإذا أدركنا شيئا وعلمناه؛ فإن ~~اعتقدنا ملائمة أو منافرة لنا دفعة بالتوهم أو ببديهة العقل، انبعث منه ~~شوق الى جذبه او دفعه يتبعه إرادة، فإذا انضمت الى المقدرة، انبعثت تلك ~~القوة لتحريك الأعضاء ليحصل الفعل بالاختيار، وإن لم نعتقد بالضرورة، ~~الملائمة والمنافرة، أعملنا الروية، واستعملنا القوى الدراكة لطلب ~~الترجيح بإرادة عقلية أو وهمية. # فربما كان ملائما ببعض الوجوه، غير ملائم ببعضها، أو ملائما للحس، ~~غير ms0230 ملائم للعقل، أو بالعكس، أو نافعا في العاجل غير نافع في الآجل، أو ~~بالعكس، ويحدث بسبب كل ملائمة داع، وبحسب كل منافرة صارف، ويترجح ~~عزم أحد طرفي الفعل والترك بحسب ترجيح دواعيه، وعند تعارض الدواعي ~~وتكافؤ الأشواق، يقع التحير، ونستعمل القوة الفكرية حتى يسنح ما يرجح ~~أحد الطرفين، فنفعل بحسبه. # فنقول: كما تفطنت أن الأشياء الداخلة في وجود الإنسان كالعلم ~~والقدرة والإرادة من جملة أسباب الفعل، فاحدس أن هذه الأمور الخارجة ~~أيضا من جملتها، فالدعوة والتكليف، والإرشاد والتهذيب، والوعد والترغيب، ~~والإيعاد والتهديد، أمور جعلها الله مهيجات الأشواق، ودواعي الى ~~الخيرات والطاعات، واكتساب الفضائل والكمالات، ومحرضات على أعمال حسنة، ~~وعادات محمودة، وملكات مرضية، وأخلاق فاضلة نافعة لنا في معاشنا ~~ومعادنا، يحسن بها حالنا في دنيانا ويحسن بها سعادة عقبانا. # أو محذرات عن أضدادها من الشرور والقبائح والذنوب والرذائل، مما يضرنا ~~في العاجل، ونشقى بها في الآجل. # وكذلك السعي والجد والتدبير والحذر، إذا قدرت مهيئة لمطالبنا، موصلة ~~إيانا الى مقاصدنا، مخرجة لكمالاتنا من القوة الى الفعل، فجعلت ~~أسبابا لما يصل إلينا من أرزاقنا، وما قدر لنا من معايشنا، أو هيىء ~~لنا في آخرتنا، أو لما يصرفه الله عنا من المكاره ويدفع عنا من المضار ~~والمفاسد، لم يحصل ذلك إلا بها، وكانت تلك الوسائط أيضا مقدرة لنا، ~~واجبة باختيارنا، كما قال عليه وآله السلام لمن سأله: # " هل يغني الدواء والرقية من قدر الله؟ قال: الدواء والرقية أيضا من ~~قدر الله ". # ولما قال (عليه السلام): جف القلم بما هو كائن، قيل: ففيم العمل؟ ~~فقال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق. # ولما سئل: أنحن في أمر فرغ منه؟ قال: في أمر مفروغ منه وفي أمر مستأنف. # ومن هذا علم أن كل ما يصدر عنا من الحركات والسكنات، والحسنات ~~والسيئات، محفوظة مكتوبة علينا، واجب صدورها عنا مع كونها ~~باختيارنا، كما قال: # وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير ~~مستطر # [القمر:52 - 53] وغير ذلك من الآيات التي نقلناها. # فهذه معرفات لسعادتنا وشقاوتنا في العقبى، ليست بموجبات، وكذلك ما ms0231 يصل ~~الينا من الرغائب والمكاره، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله): # " واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء ~~قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء ~~كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ". # تحقيق حكمي # [لا جبر ولا تفويض] # وإذا ثبت وتحقق ان جميع الممكنات، وسلسلة الأسباب التي من جملتها قدرة ~~العبد وإرادته وعلمه، وشوقه ومشيئته، مستندة الى مشيئة الله وعلمه، مثبتة ~~في قضائه وقدره، وأن من الأسباب القريبة الظاهرة لأفاعيلنا إنما هي ~~قدرتنا وإرادتنا فمن نظر اليها قاصرا نظره الى هذه الأسباب القريبة، ~~قال بالقدر والتفويض، أي واقعة بتقديرنا، مفوضة الى تدبيرنا. # قال النبي (صلى الله عليه وآله): # " القدرية مجوس هذه الأمة " # ، لأنهم يثبتون مبدأين كالمجوس القائلين بيزدان، , وأهرمن. # ومن نظر الى السبب الأول، وعلم كون تلك الأسباب والوسائط بأسرها ~~مستندة على الترتيب المعلوم في سلسلة العلل والمعلولات الى الله استنادا ~~واجبا وترتيبا معلوما على وفق القضاء والقدر، وقطع النظر عن ~~الأسباب القريبة مطلقا، قال بالجبر، وخلق الأفعال، ولم يفرق بينها ~~وبين أفعال الجمادات. # وكلاهما أعور يبصر بإحدى عينيه. أما القدرية فبالعين اليمنى - أي ~~النظر الأقوى الذي به يدرك الحقائق - وأما الجبرية فباليسرى - أي الأضعف ~~الذي به يدرك الظواهر - فأما من نظر حق النظر فأصاب، فقلبه ذو عينين، ~~يبصر الحق باليمنى فيضيف الأفعال إليه خيرها وشرها، ويبصر الخلق ~~باليسرى فيثبت تأثيرهم في الأفعال به سبحانه لا بالاستقلال، ولا بمعنى ~~الاشتراك كما توهم بل بمعنى آخر يعلمه العارف الحكيم، وأشار اليه الصادق ~~(عليه السلام) " لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين " ، فيذهب اليه ~~ويتذهب به وذلك هو الفضل الكبير. # روى صاحب الكافي رحمه الله، عن علي بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى، عن ~~يونس عبد الرحمن [عن غير واحد] عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما ~~السلام) قالا: إن الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم ~~يعذبهم عليها، والله أعز من أن يريد ms0232 أمرا فلا يكون. # قال: فسئلا (عليهما السلام): هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا: ~~نعم أوسع مما بين السماء والأرض. # وعن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن صالح بن سهل، عن بعض ~~أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام): سئل عن الجبر والقدر؟ فقال: لا ~~جبر ولا قدر ولكن منزلة بينهما، فيها الحق التي بينهما؛ لا يعلمها ~~إلا العالم أو من علمها إياه العالم. # وأما من أضاف الأفعال الى الله تعالى بنظر التوحيد، وإسقاط الإضافة، ~~ومحو الأسباب والمسببات كما هي عليها عند الغايات، وعند فناء الممكنات، ~~لا بمعنى خلق الأفعال فينا، أو خلق قدرة وإرادة جديدتين مستقلتين عند ~~صدور الفعل عنا - كما عليه المجبرة -، فهو الذي طوى بساط الكون، وخلص ~~عن مضيق البون، وخرج من البين والأين وفني في العين، لكنه تروح في ~~المحو، ولم يجئ الى الصحو، مستغرقا في عين الجمع، محجوبا بالحق عن ~~الخلق، ما زاغ بصره عن مشاهدة جماله وسبحات وجهه وذاته، الى ملاحظة ~~صفاته، فاضمحلت الكثرة في شهوده، واحتجب التفصيل عن وجوده، وذلك هو ~~الفوز العظيم. # فإذا رجع الى الصحو بعد المحو، نظر الى التفصيل في عين الجمع، غير ~~محتجب برؤية الحق عن الخلق، ولا بالخلق عن الحق، ولا مشتغلا بوجود ~~الصفات عن الذات، ولا بالذات عن الصفات، فذلك هو الولي المحق، والصديق ~~المحقق، صاحب التمكين والتحقيق، ينسب الأفعال الى الله بالايجاد، ولا ~~يسلبها بالكلية عن العباد، كما في قوله تعالى: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال:17]. وذلك هو الفوز العظيم والمن الجسيم. # عقدة وحل # [بماذا يتفاضل السعيد على الشقي] # ولعلك تضطرب أيها القدري وتصول، فتقول: إذا كانت الفضائل والرذائل ~~والمحاسن والقبائح، والطاعات والمعاصي، وبالجملة الخيرات والشرور كلها ~~مقدرة مكتوبة علينا قبل صدورها منا، معجونة فينا، مربوطة بأوقاتنا التي ~~تصدر فيها عنا، فما بالنا لا نتساوى فيها ولا نتعادل؟ ولم لا نتشاكل ~~فيها ونتماثل؟ وكيف نحترز عما يجب الاحتراز عنها، فننجو من وبالها ~~وتبعاتها؟ وبأي شيء يتفضل السعيد على الشقي ms0233 وقد تساويا فيما قدر ~~لهما؟ وأين عدل الله فينا وقد قال تعالى: # ومآ أنا بظلام للعبيد # [ق:29]. # فنجيبك أيها القدري بما قد مر ذكره في تفسير قوله تعالى: # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة:6] من أن الاستعدادات مختلفة، والصور النوعية الفائضة عليها ~~من جهة الوسائط العقلية التي (هي) مظاهر الأسماء الإلهية متنوعة، ~~فالأرواح الإنسية بحسب الفطرة الأولى متباينة، وفي درجات القرب والبعد ~~من الله تعالى متفاوتة، وفي مراتب الصفاء والنورية والكدورة والظلمة ~~متخالفة. # والمواد السفلية التي هي بإزائها أيضا متفاوتة في القرب والبعد من ~~الاعتدال الحقيقي، فقابليتها لما يتعلق بها من الأرواح متباينة، وقد ~~قدر الله بإزاء كل روح فيضها في قضائه، ما يناسبها من المواد، وحصل من ~~مجموعها استعدادات مناسبة لبعض العلوم والادراكات دون بعض، موافق لبعض ~~الأعمال والصناعات دون بعض، على ما قدر لها في العناية الأولى والقضاء ~~السابق، كما قال: " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " وتتفاوت ~~العقول والإدراكات، والأشواق والإرادات، بحسب اختلاف الطبائع والغرائز، ~~فينزع بعضهم بطبعه الى ما ينفر عنه الآخر، ويستحسن أحدهما بهواه، ما ~~يستقبحه الثاني. والعناية الإلهية تقتضي نظام الوجود على أحسن ما يمكن. # وأما كيف السبيل الى الاحتراز عما يجب الاحتراز عنه، فإن شريف النفس، ~~نجيب الجوهر، طيب الأصل؛ قلما يهم بشيء مما ليس في فطرته، ولم يقدر ~~له من الفواحش والرذائل لعدم المناسبة، وإذا هم نادرا لغلبة صفة من ~~صفات نفسه وقواه، ولاستيلاء داعية من دواعي الوهم وهيجان من شهوة، زجره ~~زاجر من عقله. وهذا كما قال تعالى في حق يوسف (عليه السلام): # ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ~~ربه # [يوسف:24]. # فإذا كان دون ذلك في صفاء الاستعداد، فلا ينزجر الا بزجر زاجر من ~~الشرع والسياسة، والناصح والأديب وغير ذلك، ويستحيي منه، وإذا هم بشيء ~~مما فطربه من المحاسن، وجد باعثا من عقله ودرايته، وناصرا من توفيقه ~~وهدايته، فيقدر عليه بشوقه وشغفه لمناسبته إياه، لا ينتهي عنه بدفع ~~دافع ولا يمنعه منع مانع، وإن كان دون ذلك، احتاج الى محرض باعث ms0234 ~~ومشوق من خارج. # والخسيس النفس، الخبيث الجوهر، الردي الأصل، بالعكس، وكل يشتاق ~~الى ما يفعله بطبعه وبحبه ويستحسنه، وإن كان الثاني يعمل أن ضده أجود ~~وأحسن، كمحبة الزنجي ولده مع قبحه، دون الغلام التركي مع علمه بحسنه، ~~وأما حديث السعادة والشقاوة فيسأتي تحقيقه. # عقدة اخرى وحل # [لماذا الثواب والعقاب] # ثم لعلك تعود وترجع الى حال الثواب والعقاب فتقول: إذا كان الكل بقضاء ~~الله وكتابه، فلماذا يعاقب من ساقه القدر الى ارتكاب خطيئة أو اقتراف ~~سيئة؟ # فنجيبك يا أخا القدري: بأن العقاب على فعل السيئات والخطيئات، ليس ~~لمنتقم خارجي غضبان يريد أن ينتقم من عدوه نيلا لما يطلبه من إزالة ~~ألم الغيظ؛ أو التشفي عن حرقة لهب الغضب، بل النفس العاصية الخاطئة، ~~هي حمالة حطب نيرانها الى يوم القيامة. # فإنها ستحترق بنيران عقائدها الباطلة، وشهواتها الكامنة، وتلتدغ بحيات ~~وعقارب منبعثة عند الآخرة من سموم أخلاقها وعاداتها الردية. # فمن ساء عمله، وأظلم جوهر نفسه، وكدر مرآة فطرته، وأخطأ في اعتقاده ~~واحتجب عن مراده بحسب ما اقتضاه في أصل استعداده، فقد ظلم نفسه بظلمة ~~جوهره، وبطلان استعداده، فكان أهلا للشقاوة في مرجعه ومعاده، ينادى على ~~لسان المالك: " مهلا، فيداك أوكتا وفوك نفخ " كما قال سبحانه: # ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم # [البقرة:225] وقوله: # وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل:33]. # فثبت وتحقق، أن ترتب العقوبات ومقابلاتها من المثوبات، هي ثمرات ~~ولوازم، وتبعات وعوارض لأمور موجودة فينا بالقوة، تخرج اليوم الآخر من ~~القوة الى الفعل، بل هي مطوية في نفوسنا في هذه النشأة، مكمونة في ~~مكامن الطبيعة وغشاوات المادة، فإذا قامت القيامة وكشف الغطاء، وحشرت ~~النفوس، ونشرت الصحائف، أظهرها الله وأبرزها، بحيث تترتب عليها ~~المثوبة والعقوبة، وتنبعث منها النعمة والنقمة، والراحة والمصيبة، ~~والنعيم المقيم والعذاب الأليم. # عقدة اخرى وحل # [الخلود في النار] # ولك أن تقول: إن الذي بقي من الإشكالات المتعلقة بهذا المقام، والعقود ~~المفصلة الغير المنحلة الى الآن عند جمهور العلماء وأهل النظر والكلام - ~~إلا من نور الله بصيرته بنور الكشف - إعضال خلود ms0235 الكفار في النار ~~بالعذاب الدائم، فإن شيئا مما ذكر من الأسباب الفاعلة، والمدبرات ~~العالية، لا يوجب ذلك - لأنها مبرأة عن الشرور والنقائص - ولا شيئا من ~~القوابل المادية يحتمل التعذيب الدائم والانفعال الغير المتناهي - كما ~~بين في مقامه - والرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء تنافي التعذيب ~~الدائم - كما مرت الإشارة إليه عند قوله تعالى: # غير المغضوب عليهم ولا الضآلين # [الفاتحة:7]. # وهذه إحدى المسائل التي من مواضع الخلاف بين علماء الكشف وعلماء الرسوم، ~~بل هي موضع الخلاف بين علماء الكشف بعضهم مع بعض أيضا، فإنهم اختلفوا ~~على يسرمد العذاب عليهم الى ما لا نهاية له، أو يكون لهم نعيم بدار ~~الشقاء، فينتهي عذابهم الى أجل مسمى؟ مع الاتفاق للجميع على عدم خروج ~~الكفار من دار البوار ومحل الأشرار، وأنهم ماكثون. # قلنا: كل ما ذكرت في باب الاستحالة في صدور التعذيب الأبدي والايلام ~~السرمدي، وقبولهما من الجهات الفاعلة والقابلة، ومخالفة ذلك للرحمة ~~والعناية المقتضيتين لحفظ النظام، وإقامة القوام، وإبقاء الأنواع ~~بالديمومة السرمدية بتعاقب الأفراد وتوارد الأعداد، إنما يقتضي ~~الاستحالة والامتناع، إذا كان المعذب واحدا شخصيا، على صورة واحدة، ~~واستعداد واحد لقابل واحد. # وأما إذا كانت الصور متواردة على قابل واحد، والاستعدادات متعاقبة ~~لمادة واحدة ضعيفة الوحدة واهنة الوجود ما بين صرافة الوجود الفعلية، ~~ومحوضة العدم والقوة، كما فصح عنه قوله تعالى: # لا يموت فيها ولا يحيى # [طه:74] فتوارد العقوبات الإلهية، وتعاقب التعذيبات والنقمات ~~الجبارية، على حسب توارد الصور المستقبحة، وتعاقب الاستعدادات ~~الظلمانية في أزمنة متمادية الى ما لا نهاية له، كما قال تعالى: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء:56]. مما لا ينافي شيئا من الأصول الحكمية والقواعد ~~العقلية والسمعية. # فأهل الحجاب الكلي والشقاء الطبيعي، مما لا طريق لهم إلا طريق جهنم، ~~ومسلك الطبيعة والهوى، وانسدت عليهم سبل الاهتداء والاتقاء من هذه ~~الهاوية السفلى، ولا يفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة والمنزل ~~الأعلى، والأصول الحكمية دالة على أن القسر لا يدوم على طبيعة واحدة، ~~وأن لكل موجود غاية يصل اليها ms0236 يوما، وأن الرحمة الإلهية نائلة لكل ~~أحد، واسعة على كل شيء، كما قال تعالى: # عذابي أصيب به من أشآء ورحمتي وسعت كل شيء # [الأعراف:156]. # وعندنا أيضا أصول دالة على أن الجحيم وآلامها وشرورها دائمة بأهلها، ~~كما أن الجنة ونعيمها وخيراتها دائمة بأهلها، إلا ان الدوام في كل ~~منهما على معنى آخر، ولكل من الدارين عمار من أهلها. ولهذا المقام ~~شروح كثيرة وتحقيقات لطيفة واستبصارات شريفة، ذكرنا طرفا منها في ~~آخر سورة الفاتحة، وشطرا صالحا في كتاب الشواهد الربوبية، وسنستقصي ~~القول فيها في مواضع متفرقة من هذا التفسير، إن ساعدتني المشية ~~الإلهية النافذة في التقدير، وفيما ذكرنا كفاية ها هنا، ولنرجع الى ما ~~نحن بصدده، مستعينين بالله وتوفيقه وتسديده. ### || [2.7] # لما وصف الله تعالى الكفار بأخص صفاتهم التي كانوا عليها، وهو عدم ~~تأثرهم عند الانذار والنصيحة، والتهذيب والتعليم للإيمان، بين في هذه ~~الآية السبب الذي لأجله لا ينجع فيهم الانذار ولا يؤثر فيهم التعليم، ~~وهو الختم على القلوب، للقساوة والفظاظة الأصلية، والغشاوة على الأسماع ~~والأبصار، للصمم والبكم الفطرية. وأنت تعلم أن نظام الدنيا لا ينصلح ~~إلا بنفوس غليظة، وقلوب قاسية، وطبائع جاسية. # فلو كان الناس كلهم سعداء بنفوس خائفة من عذاب الله، وقلوب خاشعة ~~خاضعة لآياته، وطبائع لطيفة منفعلة، لاختل النظام بعدم القائمين بعمارة ~~هذه الدار من النفوس الغلاظ الشداد، كالفراعنة والدجاجلة، والنفوس ~~المكارة كشياطين الانس، والنفوس البهيمية كجهلة الكفار. # وفي الحديث الرباني: إني جعلت معصية آدم سببا لعمارة العالم، وقال ~~سبحانه: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين # [السجدة:13]. # فكون الناس على طبقة واحدة، ينافي الحكمة والعناية، وهو إهمال سائر ~~الطبقات الممكنة الوجود في مكمن الإمكان، من غير أن تخرج من القوة الى ~~الفعل، وخلو أكثر مراتب هذا العالم عن أربابها، فلا يتمشى النظام، ولا ~~تنصلح العمارة إلا بوجود الأمور الخسيسة والنفوس الدنية المحتاج اليها ~~هذه الدار، التي يقوم بها أهل الظلمة والحجاب ويتنعم بها أهل الذلة ~~والقسوة وسائر الأنعام والدواب، ms0237 المبعدين عن دار الكرامة والنور، ~~المطرودين عن عالم المحبة والسرور. # فوجب في العناية الأولى والحكمة الكبرى، التفاوت في الاستعدادات ~~لمراتب الدرجات، في الشرف والخسة، والصفاء والكدورة، والعلو والدناءة. # وثبت بموجب القضاء اللازم النافذ في القدر المتحتم، الحكم بوجود ~~السعداء والأشقياء جميعا، والمؤمنين والكفار والمنافقين كلا. # قال بعض المكاشفين: يدخل أهل الدارين؛ السعداء بفضل الله في دارهم، وأهل ~~النار بعدل الله فيها، وينزلون فيهما بالأعمال، ويخلدون فيهما بالنيات. ~~وفي المقام أسرار أخرى تركناها الى مقام آخر. # تبصرة # [الختم وقول الأشاعرة فيه] # الختم والكتم؛ أخوان لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه ~~كتما له، والغشاوة: الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه. وهذا البناء ~~لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة. # واختلف الناس في هذا الختم، أما القائلون بالقضاء والقدر في الكل، فهو ~~من فعل الله من جهة خصوصية بعض القوابل المتخالفة الطبائع والصور كما ~~مر، ولهم قولان: # منهم من قال: إن الختم هو خلق الكفر في قلوب الكفار، ومنهم من قال: ~~خلق الداعية التي إذا انضمت الى القدرة، صار مجموع القدرة معها سببا ~~لوقوع الكفر. # والحق، أن الختم موجود لبعض الكفار لا للجميع، وهو بمنزلة طبيعة ~~جبلية لذلك البعض، مستحيل الانفكاك عنه، وتقريره: أن الذي يحصل منه ~~الكفر، إما أن لا يكون قادرا على تركه، أم يكون. # فعلى الأول، كان مبدأ الكفر صفة لازمة لا من غير اختياره وعلى الثاني ~~كانت نسبة قدرته الى فعل الكفر وتركه على السواء، فإما أن تكون ~~صيرورتها مصدرا لأحد الطرفين دون الآخر، يتوقف على انضمام مرجح ~~أولا، وعلى الثاني، يلزم صدور الممكن من غير مرجح، وتجويزه يؤدي الى ~~القدح في الاستدلال بالممكن على المؤثر، وينسد منه باب اثبات الصانع، ~~وذلك باطل. # وعلى الأول: إما أن يكون المرجح من فعل الله، أو من فعل العبد. ~~وعلى الثاني يلزم التسلسل في الأفعال الاختيارية للعبد، وهو محال، وعلى ~~الأول، وهو كون المرجح - ولنسمه الختم - من فعل الله، يلزم المطلوب. # فنقول: إذا انضم ذلك المرجح الى تلك القدرة، فإما أن ms0238 يصير صدور الكفر ~~واجبا، أو جائزا، أو ممتنعا. والأخيران باطلان، فتعين الأول. أما ~~بطلان كونه جائزا: فلأنه لو كان جائزا، لكان يصح صدوره في وقت ~~وتركه في وقت آخر. فلنفرض وقوعه - إذ المفروض جوازه والجائز ما لا يلزم ~~من فرض وقوعه محال - فذلك المجموع، تارة يترتب عليه الأثر، وأخرى لا ~~يترتب عليه، واختصاص أحد الوقتين بترتبه عليه، إما أن يتوقف على ~~انضمام قرينة إليه أولا يتوقف، فإن توقف، كان المرجح هو ذلك المجموع ~~مع هذه القرينة الزائدة، لا ذلك المجموع، والمفروض خلافه، هذا خلف. # وايضا، فيعود التقسيم في هذا المجموع الثاني، فإن توقف على قيد آخر، ~~لزم التسلسل، وهو محال، وإن لم يتوقف، حصل ذلك المجموع، بحيث يكون ~~مصدرا تارة للأثر، وأخرى لا يكون كذلك مع انه لم يتميز أحد الوقتين ~~بأمر لا يكون في الوقت الآخر عنه، فيكون هذا قولا بترجح الممكن لا عن ~~مرجح، وهو محال. # فثبت أن عند حصول ذلك المرجح، يستحيل أن يكون صدور ذلك الأثر جائزا، ~~وأما انه لا يكون ممتنعا فظاهر، وإلا لكان مرجح الوجود مرجحا ~~للعدم، وهو محال. وإذا بطل القسمان فثبت أن عند حصول مرجح الوجود يكون ~~الأثر واجب الوجود عن المجموع الحاصل من تلك القدرة ومن ذلك المرجح. # وإذا عرفت هذا، كان خلق الداعية موجبة للكفر، أو الأمر الجبلي ~~الموجب له، ختما على القلب، ومنعا عن قبول الإيمان، فهذا هو السبب ~~الفاعلي، والذي ذكرنا في الفصل المتقدم هو السبب الغائي لوجود الختم ~~وأشباهه، كالطبع والرين والغشاوة والصمم والبكم وغيرها، فإنه تعالى ~~لما حكم بأنهم لا يؤمنون، ذكر عقيبه ما يجري مجرى السبب الموجب له، ~~لأن العلم بالعلة يفيد العلم بالمعلول، والعلم بذي السبب لا يكمل ~~إلا من جهة العلم بسببه، فهذا قول من أضاف جميع المحدثات الى الله على ~~ترتيب الأسباب والمسببات، وأما الأشاعرة، فهم بمعزل عن ذكر المرجح ~~والعلة ها هنا؛ لانكارهم القول بالعلة والمعلول مطلقا. # فصل # [اقوال المعتزلة في المراد من الختم] # وأما المعتزلة، فلما لم يجوزوا بناء على ms0239 أصولهم خلق الكفر وما يشبهه ~~وما يستدعيه من قبل الله تعالى، لا يجوز عندهم إجراء هذه الآية على ~~ظاهرها من المنع من الإيمان، سيما وقد ذم الله كفارا قالوا: إن على ~~قلوبنا أكنانا وغطاء وفي آذاننا وقر، فقد التجأوا الى حمل الختم ~~والغشاوة على أمور أخرى. قالوا: لأن إسناد الختم الى الله - مع كونه ~~دالا على المنع من قبول الحق والتوصل اليه بطرقه - إسناد أمر قبيح اليه ~~تعالى، والله يتعاظم عمن فعل القبيح علوا كبيرا، لعلمه بقبحه، ~~وعلمه بغناه عنه، وقد نص على تنزيه ذاته عنه بقوله: # ومآ أنا بظلام للعبيد # [ق:29]. # ولكن كانوا هم الظالمين # [الزخرف:76]. # إن الله لا يأمر بالفحشآء # [الأعراف:28]. ونظائر ذلك. فذكروا في الآية وجوها من المحامل ~~والتأويلات: # أحدها: القصد الى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها، وأما إسناد الختم ~~الى الله، فللتنبيه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها، ~~كالشيء الخلقي غير العرضي، ولهذا قال: # بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون # [النساء:155]. ألا ترى الى قولهم: فلان مجبول على كذا، مفطور عليه؟ ~~يريدون أنه بليغ في الثبات عليه. # وثانيها: إنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، والشيطان هو الخاتم ~~بالحقيقة، أو الكافر. إلا ان الله تعالى لما كان هو الذي أقدرهم على ~~ذلك، أسند اليه الختم كما يسند الفعل الى المسبب. # قال صاحب الكشاف: إن للفعل ملابسات شتى، يلابس الفاعل والمفعول به، ~~والمصدر والزمان والمكان والمسبب، فإسناده الى الفاعل حقيقة، والى ~~غيره استعارة، لمضاهاتها الفاعل في ملابسته، فيقال: عيشة راضية، وشعر ~~شاعر، ونهاره صائم، وطريق سائر، وبنى الأمير المدينة. # وثالثها: إنهم أعرضوا عن التدبر ولم يصغوا الى الذكر، وكان ذلك عند ~~إيراد الله تعالى الدلائل، فأضيف ما فعلوا الى الله تعالى، لأن حدوثه ~~إنما اتفق عند ايراده تعالى دلائله عليهم، كقوله تعالى في أهل التوراة: # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [التوبة:125]. أي ازدادوا بها كفر الى كفرهم. # ورابعها: أن يكون ذلك حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكما به في ~~قولهم: # قلوبنا في أكنة مما ms0240 تدعونا إليه وفي آذاننا ~~وقر ومن بيننا وبينك حجاب # [فصلت:5]. # ونظيره في الحكاية والتهكم قوله: # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة # [البينة:1]. # وخامسها: إن المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله ~~خالية عن الفطن، أو قلوب مقدرة ختم الله عليها. ونظيره: سال به الوادي: ~~إذا هلك، وطارت به العنقاء: إذا طالت غيبته. # وسادسها: إن المراد من الختم من الله على قلوب الكفار، وهو الشهادة منه ~~عليهم بأنهم لا يؤمنون، وعلى قلوبهم بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل ~~الحق، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي الى الحق، كما يقول الرجل لصاحبه: ~~أريد أن يختم على ما يقوله فلان أي يصدقه ويشهد بأنه حق، فأخبر ~~الله تعالى في الآية الأولى بأنهم لا يؤمنون، وأخبر في هذه الآية أنه ~~قد شهد بذلك وحفظه عليهم. # وسابعها: ما قال بعضهم: إنها جاءت في قوم مخصوصين من الكفار، فعل ~~الله بهم هذا الختم والطبع في الدنيا عقابا لهم في العاجل، كما عجل ~~لكثير من الكفار عقوبات في الدنيا، كما قال تعالى: # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ~~فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين # [البقرة:65]. وقال تعالى # قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون ~~في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين # [المائدة:26]. # ونحو هذا من العقوبات المعجلة، لما علم الله فيها من العبرة للعباد ~~والمصلحة لهم. فيكون من هذا ما فعل بهؤلاء من الختم والطبع. إلا أنهم ~~إذا صاروا بذلك الى أن لا يفهموا، سقط عنهم التكليف كسقوطه عمن مسخ. ~~وقد أسقط الله التكليف عمن يعقل بعض العقل كمن قارب البلوغ. ولسنا ~~ننكر أن يخلق الله في قلوب الكافرين مانعا يمنعهم عن الفهم والاعتبار، ~~إذا علم أن ذلك أصلح لهم، كما يذهب بعقولهم ويعمي أبصارهم، ولكن لا ~~يكونون في هذا الحال مكلفين. # وثامنها: يجوز أن يفعل هذا الختم بهم في الآخرة، وإنما أخبر عنه ~~بالماضي لتحققه وتيقن وقوعه، كما قد أخبر أنه يعميهم، قال: # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ms0241 عميا ~~وبكما وصما # [الإسراء:97]. وقال: # ونحشر المجرمين يومئذ زرقا # [طه:102]. وقال: # لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون # [الأنبياء:100]. # وتاسعها: ما حكوه عن الحسن البصري، - وهو اختيار أبي علي الجبائي ~~والقاضي-: أن المراد بذلك علامة وسمة وسم بها قلوبهم وسمعهم، يعرفها ~~الملائكة ويعرفونهم بها أنهم كفار، فيبغضونهم وينفرون عنهم، كما لا يبعد ~~أن يكون في قلوب المؤمنين علامة يعرف الملائكة بها كونهم مؤمنين عند ~~الله، كما قال تعالى: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة:22] وحينئذ يحبونهم ويستغفرون لهم، والفائدة في تلك العلامة، ~~مصلحة تعود الى الملائكة. # وقالوا: وإنما خص السمع والقلب بذلك، لأن أحدهما للأدلة السمعية، ~~والأخرى للعقلية. # وهؤلاء لم يحملوا الغشاوة في البصر أيضا على معنى العلامة والسمة، ~~كما حملوا الختم عليه، محافظة على مقتضى اللغة من غير مانع في الختم، ~~إذ لا مانع من حمله على معناه، بخلاف الغشاوة، لأنها الغطاء المانع عن ~~الإبصار، ومعلوم من حال الكفار خلاف ذلك، فلا بد فيه من حمله على ~~المجاز، وهو تشبيه حالهم بحال من لا ينتفع ببصره في باب الهداية. # وعاشرها: إن أعراقهم لما رسخت في الكفر واستحكمت، بحيث لم يبق لهم طريق ~~الى تحصيل ايمانهم سوى الإلجاء والقسر، ثم لم يقع الإلجاء والقسر ~~إبقاء على غرض التكليف، عبر عن تركه بالختم، فإنه سد لإيمانهم ~~وفيه إشعار على ترامي أمرهم في الغي والضلال، وتناهي انهماكهم في ~~البطلان والوبال. # فهذا مجمع ما ذكروه في هذا المقام. # فصل # [وعلى سمعهم وعلى أبصارهم...] # أكثر المفسرين على أن قوله: { وعلى سمعهم } معطوف على قوله: ~~{ على قلوبهم } ، وفاقا لقوله تعالى: # وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره ~~غشاوة # [الجاثية:23], ولما مر من أن الأدلة السمعية لا تستفاد إلا من طريق ~~السمع، والأدلة العقلية لا تستفاد إلا من طريق القلب، ولأنهما لما ~~اشتركا في الإدراك من جميع الجوانب، جعل ما يمنعهما من خاص فعلهما، ~~الختم الذي يمنع من جميع الجهات، وإدراك الأبصار لما اختص بجهة المقابل، ~~جعل المانع عن فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة. # والفائدة في ms0242 تكرير الجار في قوله: { وعلى سمعهم } ، لاستقلال ~~كل منهما بالحكم، ولأنها لما اعيدت في السمع، كان أدل على شدة الختم ~~في الموضعين، وإنما وحد السمع للأمن من اللبس، كما يقال: أتاني برأس ~~كبشين، وكقوله (عليه السلام): " كلوا في بعض بطنكم " ولأن السمع مصدر في ~~أصله، والمصادر لا تجمع، فروعي الأصل، دل عليه جمع الأذن في قوله: # وفي آذاننا وقر # [فصلت:5]. # ووجه ثالث: وهو تقدير مضاف محذوف، أي وعلى حواس سمعهم، ووجه رابع ~~إنه محفوف بين الجمعين فيراد به الجمع أيضا، كما قال تعالى: # يخرجهم من الظلمات إلى النور # [البقرة:257]. # عن اليمين وعن الشمال # [ق:17]. وقرأ ابن أبي عبلة: وعلى أسماعهم. # والأبصار: جمع بصر، وهو إدراك العين، وقد يطلق على القوة الباصرة، ~~وعلى العضو، كما يطلق العقل - وهو إدراك الكليات - على القوة الناطقة، ~~وعلى الشخص المحسوس، وهذا ليس من باب المجاز كما زعموه، بل لعلاقة ~~اتحادية بين الفعل والفاعل، والقوة وذي القوة، كما بين العقل والعاقل، ~~والنفس والبدن، كما ذهب اليه بعض أعاظم الفلاسفة المسمى " بفرفوريوس " ، ~~ودل عليه كلام استاذه معلم الفلسفة القديمة " أرسطاطاليس " في كتابه ~~الموسوم بمعرفة الربوبية. # وكذا الكلام في السمع، حيث يطلق على الإدراك وقوته ومادته، واختلف ~~الناس في كون أيهما أفضل، فقيل: السمع، لأن الله حيث ذكرهما، قدمه على ~~البصر، والتقديم علامة التفضيل، ولأنه شرط النبوة بخلاف البصر، ولهذا ~~ما بعث نبي أصم، وقد كان فيهم مبتلى بالعمى، ولما مر من كونه ~~متصرفا في الجهات دون البصر، ولأنه متى بطل، بطل النطق، والعين إذا ~~بطلت لم يبطل النطق، ولأن بالسمع تصل نتايج العقول بعضها الى بعض، فهو ~~كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف، والبصر لا يوقفك إلا على المحسوسات. # أقول: وفي هذا الوجه محل نظر، وكأن مراد القائل، إن الواسطة بين ~~السمع والعقل أقل مما بين البصر والعقل، فإن العقل يفهم المعاني من ~~النقوش والكتابة بواسطة دلالتهما على الألفاظ، ودلالة الألفاظ على الصور ~~العقلية، ويفهمهما من النقوش السمعية لدلالتها على الصور العقلية بلا ~~واسطة، وكأن الهواء بما فيه ms0243 من صور الألفاظ صحيفة مكتوبة يدل على ~~المعاني من غير توسط الألفاظ، لأنها نفس الألفاظ. # وقيل: بأن البصر أقدم، لأن آلة القوة الباصرة أشرف، ولهذا يقال لهما: ~~كريمتان. وفي الحديث: # " من أحب كريمتاه لا يكتبن بالعصر " # ، ولأن متعلق القوة الباصرة هو النور، ومتعلق القوة السامعة هو ~~الريح. # أقول: ولأن البصر يعم إدراكه القريب والبعيد الى فلك البروج، والسمع ~~لا يتعدى إدراكه عن كرة البخار، ولأن إدراك البصر دفعي وإدراك السمع ~~زماني تدريجي، والأول أشرف، لكونه يشبه إدراك العقل والثاني يشبه ~~الحركة والاستحالة، ومعلوم أن العقل أشرف من الحركة، لأنه أشرف ~~الجواهر، وهي أخس الأعراض، والشبيه بالأشرف أشرف من الشبيه بالأخس، ~~فالبصر أشرف من السمع. # فصل فيه ذكر مشرقي # [السمع أشرف من البصر] # لعلك كنت ناظرا فيما ذكرنا من قبل في المفاتيح الغيبية، الفرق بين ~~كلام الله وكتابه، وان احدهما - لكونه من عالم الأمر والإبداع - أشرف ~~من الآخر - لكونه من عالم الخلق والتقدير -. # فاعلم أن للنفس الإنسانية المخلوقة على صورة الكمال، وهي على بينة من ~~ربها، كتابا وكلاما وهما يدلان على كلام الله وكتابه، يشهدان عليهما، ~~الكلام على الكلام والكتاب على الكتاب، وكل منهما غير صاحبه بوجه، وعينه ~~بوجه آخر، كما مر بيانه. # فكلام الحق يدرك بالسمع الباطني، وكتابه يدرك بالبصر الباطني. # وأما كلام النفس وكتابها، فهما يدركان بهذا السمع وهذا البصر الحسيين ~~الظاهرين. # فإذا تقرر هذا، ظهر وجه كون السمع أقدم من البصر في الشرف ~~والفضيلة، ولهذا قدم ذكره على ذكر البصر في القرآن كما مر. # ومما يزيدك استيضاحا، أن النفس الإنسانية متى استيقظت من نوم ~~الجهالة وسنة الغفلة، وتجاوزت حدود البهيمية، فأول ما أدركته هو ~~العدد، وبه صارت عادة ماسحة، والعدد والمساحة من الخواص الشاملة ~~للنفس الناطقة، لارتفاع الملائكة العقلية عنها، وانحطاط النفوس ~~الحيوانية عن نيلها. # فالنفس الآدمية هي العادة الماسحة، كما تقرر عند القوم؛ فهي في بداية ~~أمرها عرفت مراتب العدد، لتعلم بها مراتب الملكوت الباطنة، ولكل ~~مرتبة منها اسم يخصه، فتولدت من مراتب العدد أساميها، لكن بحكم ms0244 أن ~~الكلام إنما يتأتى من جهة السمع، فالحروف والأصوات صارت محصلة لتلك ~~الأسامي تحصيل البسيط للمركب، فكما أن الأسامي المركبة دالة على أشخاص ~~وأعداد مركبة، سواء كان في عالم الحس كزيد وعمرو، أو في عالم العقل ~~كالمعقول من الإنسان، والفرس والياقوت والعسل وغيرها، فكذا الحروف ~~المبسوطة، دالة على أعداد بسيطة، كالعقل والنفس والطبيعة والهيولى. # وأسبق الحروف هي حروف المد سيما الألف، فلذلك صارت حرف أول الموجودات ~~البسيطة الذوات، ثم تحصل المركبات من هذه البسائط، كما تتألف الأسامي ~~من الحروف الوحدان، وأسامي المفردات وأرقامها من أرقام المفردات بتركيب ~~مفردات كل من هذه العوالم العقلية العددية، والسمعية اللفظية، ~~والحسية الرقمية. # فالأعداد دلائل على عالم العقل، والحروف بأصواتها دلائل على عالم ~~المثال البرزخي، والأرقام المادية دلائل على عالم الحس والشهادة. # فالعدد وجوده في لوح النفس، والحروف وجودها في صحيفة الهواء النفسي ~~المتحرك بسبب قوة التكلم، وإنما يدركها السمع لا البصر. والبصر يدرك ~~نقوشا كتابية للحروف والأسامي الدالة عليها، وعلى ما في النفس، ~~فللأشياء وجود في النفس، ووجود في النفس الإنساني، وهو الهواء اللطيف ~~الخارج من باطنه، بإزاء النفس الرحماني المبعث من فيض وجود الحق، ~~المنبسط على هياكل الماهيات وصحائف القابليات، ووجود في الكتابة. # فالأول ليس بمداخلة وضع وتعمل، بخلاف الأخيرين، والأول قول النفس، ~~والثاني كلامها والثالث كتابها. # فعلى ما قررنا من المقدمات، ثبت أن الكلام أشرف من الكتابة، كما أن ~~القول أشرف من الكلام، فقد تحقق وتبين أن السمع أشرف من البصر. # فصل # [اللغة والقراءة] # ذكر صاحب الكشاف: قرأ " غشاوة " بالكسر والنصب، و " غشاوة " بالضم ~~والرفع، و " غشاوة " بالفتح والنصب، و " غشوة " بالكسر والرفع، و " ~~غشوة " بالفتح والرفع والنصب، و " عشاوة " بالعين غير المعجمة والرفع ~~من " العشاء ". # والغشاوة: هي الغطاء، ومنه الغاشية، ومنه غشي عليه، أي زال عقله، ~~والغشيان: كناية عن الجماع. # والعذاب: مثل النكال بناء ومعنى، لأنك تقول: أعذب عن الشيء إذا أمسك ~~عنه، كما تقول: نكل عنه، ومنه العذب، لأنه يقمع العطش ويردعه، بخلاف ~~الملح فإنه يزيده، ويدل عليه تسميتهم إياه ms0245 نقاخا لانه ينقخ العطش، ~~أي: يكسره، وفراتا، لأنه يرفته عن القلب. ثم اتسع فيه فسمي كل ألم ~~قادح عذابا، وإن لم يكن نكالا، أي عقابا يرتدع به الجاني عن ~~المعاودة. # والفرق بين العظيم والكبير: أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض ~~الصغير، فكأن العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير، ويستعملان ~~في الجثث والأحداث جميعا تقول: رجل عظيم وكبير، تريد جثته أو خطره، ~~ومعنى التنكير: أن على أبصارهم نوعا من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، ~~وهو غطاء التعامي عن آيات الله، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا ~~يعلم كنهه إلا الله. # فصل # [عذاب الكفار وخلودهم في النار] # اتفق أهل الإسلام، على أنه يحسن من الله تعذيب الكفار وقال بعضهم: لا ~~يحسن، أما الفرقة الأولى، فمستندهم ادلة سمعية كالكتاب والخبر ~~والإجماع، وأما الفرقة الثانية فمستندهم دلائل عقلية. # الأول: انه سبحانه هو الخالق للدواعي التي توجب المعاصي، وذلك لحكمة ~~النظام ومصلحة الخلائق، لما مر من أن الناس لو كانوا كلهم صلحاء ~~مؤمنين خائفين من عقاب الله، لاختل نظام الدنيا، وبطلت أسباب المعيشة، ~~ولما بينا ان صدور الفعل عن قدرة العبد، يتوقف على انظمام الداعية من ~~العلم والإرادة وغيرها، وبعد انضمام الداعي يجب صدور الفعل، وحصول الداعي ~~ليس بقدرته، وإلا لكان للداعي داع آخر، ويعود الكلام جذعا فيتسلسل، ~~وهو محال، أو ينتهي الى داع حصل بخلق الله لا بقدرة العبد، فإذا كان ~~الله هو الخالق للدواعي الشيطانية التي توجب المعاصي، فيكون هو الملجئ ~~إليها فيقبح منه أن يعاقب عليها. # وربما قرروا هذا بوجه آخر وقالوا: إذا كانت التكاليف الشرعية قد جاءت ~~الى شخصين، فقبلها أحدهما فأثيب، وخالفها الآخر فعوقب، فإذا سئل: ~~لم أطاع هذ وعصى الآخر؟ # فيجاب: لأن المطيع أحب الثواب وحذر العقاب، والعاصي لم يحب ولم ~~يحذر، أو لأن هذا أصغى الى من وعظه وفهم عنه مقالته، فأطاع، وهذا لم ~~يصغ ولم يفهم، فعصى. # فيقال: ولم أحب الخير هذا وأصغى وفهم، ولم يكن الآخر كذلك ولم يفهم؟ # فيجاب: لأن هذا ms0246 حازم لبيب فطن، وذاك أخرق جاهل غبي. # فيقال: ولم خص هذا بالعقل والفطنة دون ذاك؟ ولا شك أن الفطنة ~~والبلادة من الأحوال الغريزية، فإذا تناهت التعليلات الى أمور خلقها ~~الله اضطرارا، فعلم أن سبب الطاعة والعصيان، والتوفيق والحرمان، من ~~الأشخاص، أمور واقعة عليها بقضاء الله وتقديره. # وعند هذا يقال: أين من العدل والرحمة أن يخلق في عبد من الفظاظة ~~والقساوة والغباوة والطيش والخرق ما يوجب عنه صدور العصيان، ثم يعاقب ~~عليه، وهذه مما هو مجبول عليه، كما جبل على أضدادها الطائع. # وأين من العدل أن يسخن قلب العاصي ويقوي غضبه ويلهب دماغه ويكثر طيشه، ~~ولا يرزقه ما يرزق المطيع من أستاذ سليم، ومؤدب عليم، وواعظ مبلغ، ~~وناصح شفيق، بل يقيض له أضداد هؤلاء في أفعالهم وأخلاقهم، فيكتسب منهم ~~ما يكسبه المطيع، ثم يؤاخذه بما يؤاخذ به اللبيب الحازم العالم، البارد ~~طبيعة الراس، الصبور، المعتدل مزاج القلب، الزكي، اللطيف الروح، الدراك، ~~يقظان النفس، الحازم. ما هذا من العدل والكرم والرحمة، فثبت بهذا أن ~~القول بالعقاب على خلاف قضية العقول. # الثاني: أن التعذيب في الآخرة ضرر خال من جهات المنفعة، أما أنه ~~ضرر فظاهر، وأما انه خال عن جهات النفع، فلأن تلك المنفعة إما عائدة ~~الى الله او الى غيره، والأول باطل، لتعاليه عن وسمة التغير والانفعال. ~~والثاني أيضا باطل، لأنها إما عائدة الى المعذب، أو الى غيره، أما ~~اليه فهو محال، لأن الإضرار لا يكون عين الانتفاع وأما الى غيره فهو ~~محال، لأن دفع الضرر أولى بالرعاية من ايصال النفع، فايصال الضرر الى ~~شخص لغرض ايصال النفع الى آخر ترجيح للمرجوح على الراجح، وهو باطل. # وأيضا، فلا منفعة يريد الله ايصالها الى أحد إلا وهو قادر عليه بوجوه ~~شتى، فالإضرار عديم الفائدة. # فثبت أن التعذيب ضرر خال عن جميع جهات المنفعة، وأنه معلوم القبح ~~بديهة، بل قبحه أجلى في العقول من قبح الكذب الغير الضار، والجهل ~~الغير الضار، بل من قبح الكذب الضار والجهل الضار؛ لأن الكذب ~~الضار وسيلة الى الضرر، ms0247 وقبح وسيلة الضرر دون قبح نفس الضرر. # وإذا ثبت قبح التعذيب، امتنع صدوره من الله تعالى، لأنه حكيم، ~~والحكيم لا يفعل القبيح. # الثالث: انه كان عالما بأن الكافر لا يؤمن، كما اخبر عنه في الآية ~~السابقة، فمتى كلف لم يظهر منه إلا العصيان، وهو يكون سببا للعقاب ~~فكان ذلك التكليف مستعقبا لاستحقاق العذاب، أما لأنه تمام العلة، أو ~~لأنه شطرها. فوجب أن يكون ذلك التكليف قبيحا لكونه مستعقبا للضرر ~~الخالي عن النفع، والحكيم لا يفعل القبيح، فوجب أحد الأمرين: إما عدم ~~التكليف أو عدم العقاب وعلى أيهما فالمطلوب حاصل. # الرابع: إنه سبحانه، إنما كلفنا النفع لعوده إلينا، لأنه تعالى قال: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء:7]. فإذا عصينا فقد فوتنا على أنفسنا تلك المنافع، فهل يحسن ~~في العقول أن يأخذ الحكيم إنسانا ويقول: إني أعذبك العذاب الشديد لأنك ~~فوت على نفسك بعض المنافع، فإنه يقول له: إن تحصيل النفع مرجوح ~~بالنسبة الى دفع الضرر، فهب اني فوت على نفسي أدون المطلوبين، فأنت ~~تفوت علي لأجل ذلك أعظمها، أو هل يحسن من السيد أن يأخذ عبده ويقول: ~~إنك قدرت على أن تكتسب دينارا لنفسك لتنتفع به خاصة من غير أن يكون ~~لي فيه شيء ألبتة، فلما لم تفعل، فأنا أعذبك وأقطع اعضاءك إربا ~~إربا. لا شك أن هذا نهاية السفاهة، فكيف يليق بأحكم الحاكمين؟! # ثم قالوا: هب أنا سلمنا هذا العقاب، فمن أين القول بالدوام، وذلك ~~لأن أقسى الناس قلبا وأشدهم غلظة وبعدا عن الخير والرحمة؛ إذا أخذ ~~من بالغ في الإساءة إليه عذبه يوما أو شهرا أو سنة، ثم إنه يشبع ~~منه ويمل، ولو بقي مواظبا عليه يلومه كل أحد ويقال: هب أنه بالغ في ~~الإساءة والإضرار بك، ولكن الى متى هذا التعذيب؟ فإما أن تقتله وتريحه، ~~وإما أن تخلصه، فإذا قبح هذا من الإنسان الذي يلتذ بالانتقام، فالغني ~~عن الكل كيف يليق به هذا الدوام الذي يقال؟! # الخامس: أنه تعالى نهى عباده من استيفاء الزيادة، فقال تعالى: ms0248 # فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا # [الإسراء:33]. # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40]. # ثم إن العبد هب أنه عصى طول عمره، فأين عمره من الأبد، فيكون ~~العذاب المؤبد ظلما؟ # السادس: إن العبد لو واظب على الكفر طول عمره فإذا تاب ثم مات؛ عفى ~~الله عنه وأجاب دعاءه وقبل توبته. أترى هذا الكرم العظيم ما بقي في ~~الآخرة، أو عقول اولئك المعذبين ما بقيت، فلم يتوبون عن معاصيهم، ~~وإذا تابوا فلم لا يقبل الله توبتهم؟ ولم لا يسمع دعاءهم ولم ~~يخيب رجاءهم، ولم كان في الدنيا في الرحمة والكرم الى حيث قال: # ادعوني أستجب لكم # [غافر:60]. # أمن يجيب المضطر إذا دعاه # [النمل:62]. وصار في الآخرة بحيث كلما كان تضرعهم إليه أشد، فانه لا ~~يخاطبهم إلا بقوله: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون:108]؟! # قالوا: فهذه الوجوه مما توجب القطع بعدم العقاب. # واعلم أن أكثرها مبنية على أصول المعتزلة من التحسين والتقبيح ~~العقليين، وأن الأصلح واجب على الله، ولا محيص لهم عنها من جهة العقل. # والأشاعرة أجابوا عن هذه الشبه بمنع صحة تلك الأصول، وبما تواتر من ~~الآيات والأخبار المنقولة من الرسول (صلى الله عليه وآله)، الورادة في ~~باب خلود الكفار في عذاب النار. # وأما على أصولنا الحكمية الإيمانية، فالجواب عنها بما مر من أن ~~العقوبة إنما لحق الكفار، لا من جهة انتقام منتقم خارجي، يفعل الإيلام ~~والتعذيب على سبيل القصد وتحصيل الغرض، حتى يرد السؤال في الفائدة وعدم ~~الفائدة او في كون المنفعة عائدة إليه تعالى أو الى العبد، بل العقوبة ~~إنما تلحقهم من باب اللوازم والتبعات والنتايج والثمرات، فهذا هو ~~الجواب بحسب الأصول الحقة عن الإشكال الوارد على أصل العقاب. # وأما الإشكال الوارد على دوام العذاب وأبديته للكفار، فوروده من جهة ~~أخرى غير جهة التحسين والتقبيح، فلذلك كان موجب تحير الحكماء ودهشة ~~أفاضل العرفاء، حتى أن الشيخ العارف السبحاني محيي الدين الأعرابي ~~وتلميذه الشيخ صدر الدين القونوي قدس سرهما، صرحا القول بانتهاء مدة ~~العقاب وعدم تسرمد العذاب، وتبعهما غيرهما من شراح الفصوص ms0249 ومن يحذو ~~حذوهم. # قال في الفص الإسماعيلي: " الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد، والحضرة ~~الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات فيثني عليها بصدق الوعد لا بصدق ~~الوعيد بل بالتجاوز: # فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله # [إبراهيم:47]. ولم يقل: ووعيده: بل قال: # ونتجاوز عن سيئاتهم # [الأحقاف:16] مع انه توعد على ذلك. # وقال في الفص اليونسي من فصوص الحكم بعدما بين فضيلة الإنسان وشرفه ~~بهذه العبارة: " ولا بد أن يكون في الإنسان جزء يذكر الحق به، ويكون ~~الحق جليس ذلك الجزء، فيحفظ باقي الأجزاء بالعناية، وما يتولى الحق ~~هدم هذه النشأة بالمسمى موتا، فليس بإعدام، وإنما هو تفريق، فيأخذ ~~اليه وليس المراد إلا أن يأخذه الحق اليه، واليه يرجع الأمر كله، فإذا ~~أخذه الحق اليه، سوى له مركبا من جنس الدار التي ينتقل اليها، وهي دار ~~البقاء لوجود الاعتدال، فلا يموت أبدا، أي لا تفترق أجزاؤه، وأما أهل ~~النار، فمآلهم الى النعيم، ولكن في النار، إذ لا بد لصورة النار بعد ~~انتهاء مدة العذاب أن تكون بردا وسلاما على من فيها، وهذا نعيمهم، ~~فنعيم أهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل الله (عليه السلام) حين ~~ألقي في النار " - انتهى. # وقال في الباب الثامن والخمسين " وأما كتاب الفجار ففي سجين، وفيه ~~أصول السدرة التي هي شجرة الزقوم فهناك تنتهي أعمال الفجار في أسفل ~~السافلين، فإن رحمهم الرحمن من عرش الرحمانية بالنظرة التي ذكرناها، ~~جعل لهم نعيما في منزلهم فلا يموتون فيه ولا يحيون، فهم في نعيم النار ~~دائمون مؤبدون كنعيم النائم بالرؤيا التي يراها في حال نومه من السرور، ~~وربما يكون في فراشه مريضا ذا بؤس وفقر، ويرى نفسه في المنام ذا سلطان ~~ونعمة وملك. # فإن نظرت الى النائم من حيث ما يراه في منامه ويلتذ به، قلت: إنه في ~~نعيم وصدقت، وإن نظرت إليه من حيث ما تراه في فراشه الخشن ومرضه ~~وبؤسه وفقره وكلومه، قلت: إنه في عذاب. # هكذا يكون أهل النار، (لا يموت فيها ولا يحيى) أي لا يستيقظ أبدا من ms0250 ~~نومته، فتلك (هي) الرحمة التي يرحم الله بها أهل النار الذين هم أهلها ~~وأمثالها، كالمحرور منهم يتنعم بالزمهرير، والمقرور منهم يجعل في ~~الحرور. # وقد يكون عذابهم توهم وقوع العذاب بهم، وذلك كله بعد قوله: # لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون # [الزخرف:75] ذلك زمان عذابهم وأخذهم بجرائمهم قبل أن تلحقهم الرحمة ~~التي سبقت الغضب الإلهي، فإذا اطلع أهل الجنان في هذه الحالة على أهل ~~النار ورأوا منازلهم في النار، وما أعد الله فيها، وما هي عليه من قبح ~~المنظر، قالوا: معذبون، وإذا كوشفوا على الحسن المعنوي الإلهي في خلق ~~ذلك المسمى قبحا ورأوا ما هم فيه من نومتهم، وعلموا أحوال أمزجتهم، ~~قالوا: منعمون، فسبحانه القادر على ما يشاء، لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم، فقد فهمت قول الله تعالى: # لا يموت فيها ولا يحيى # [طه:74]. # وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " أما أهل النار الذين هم أهل فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون " # انتهى. # وقال في الباب الثامن والخمسين وثلاثمائة من الفتوحات المكية: اعلم - ~~أسعدنا الله وإياك بسعادة الأبد - أن النفس الناطقة سعيدة في الدنيا ~~والآخرة، لا حظ لها في الشقاء، لأنها ليست من عالم الشقاء، إلا ان ~~الله ركبها هذا المركب البدني المعبر عنه بالنفس الحيوانية، فهي لها ~~كالدابة، وهي كالراكب عليها، وليس للنفس الناطقة في هذا المركب ~~الحيواني إلا المشي بها على الصراط المستقيم الذي عينه لها الحق، فإن ~~أجابت النفس الحيوانية لذلك، فهي المركب الذلول المرتاض، وإن أبت، ~~فهي الدابة الجموح، كلما أراد الراكب أن يردها الى الطريق، جمحت ~~وحرنت عليه، وأخذت يمينا وشمالا لقوة رأسها، وسوء تركيب مزاجها. # فالنفس الحيوانية، ما تقصد المخالفة ولا تأتي المعصية انتهاكا لحرمة ~~الشريعة، وإنما تجري بحسب طبعها، لأنها غير عالمة بالشرع، واتفق انها ~~على مزاج لا يوافق راكبها على ما يريد منها. # والنفس الناطقة، لا يتمكن لها المخالفة، لأنها من عالم العصمة ~~والأرواح الطاهرة، فإذا وقع العقاب يوم القيامة، فإنما يقع على النفس ~~الحيوانية، كما يضرب الراكب دابته إذا جمحت ms0251 وخرجت عن الطريق الذي ~~يريد صاحبها أن يمشي بها عليه. # ألا ترى الحدود في الزنا والسرقة والافتراء، إنما محلها النفس ~~الحيوانية البدنية، وهي التي تحس بألم القتل وقطع اليد وضرب الظهر، ~~فقامت الحدود بالجسم، وقام الألم بالنفس الحساسة الحيوانية التي يجتمع ~~فيها جميع الحيوان المحس للآلام. # فلا فرق بين محل العذاب من الإنسان، وبين جميع الحيوان في الدنيا ~~والآخرة. # والنفس الناطقة على شرفها مع علمها في سعادتها دائمة، ألا ترى أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) قد قام لجنازة يهودي فقيل له: إنها ~~جنازة يهودي؟! فقال: أليست نفسا فما علل بغير ذاتها، فقام إجلالا ~~وتعظيما لشرفها ومكانتها. # وكيف لا يكون لها الشرف وهي منفوخة من روح الله، فهي من العالم الأشرف ~~الملكي الروحاني، عالم الطهارة. فلا فرق بين النفس الناطقة الموجودة ~~لكل أحد، وانها ما عصت، وإنما النفس الحيوانية ما ساعدتها على ما طلبت ~~منها، وان الحيوانية خوطبت بالتكليف فتتصف بطاعة أو معصية. # فاتفق أن كانت جموحا اقتضاه طبعها لمزاج خاص، فاعل ذلك. وان الله ~~يعم برحمته الجميع لأنها سبقت غضبه لما تجاريا الى الانسان " انتهى ~~كلامه. # وقال في الباب الخامس وثلثمائة من الفتوحات أيضا: واعلم أن من الأحوال ~~التي هي الأمهات من هذا الباب.... أحوال الفطرة التي فطر الله الخلق ~~عليها، وهو أن لا يعبدوا إلا الله، كما قال: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء:23] فبقوا على تلك الفطرة في توحيد الله، فما جعلوا مع الله ~~مسمى آخر هو الله بل، جعلوا آلهة على طريق القربة الى الله، ولهذا قال: # قل سموهم # [الرعد:33]، فإنهم إذا سموهم بان أنهم ما عبدوا إلا الله، فما ~~عبد عابد إلا الله في محل الذي نصب الألوهية له، فصح بقاء التوحيد ~~لله الذي أقروا به في الميثاق، وان الفطرة مستصحبة. # والسبب في نسبة الألوهية لهذه الصور المعبودة؛ هو أن الحق لما ~~تجلى لهم في أخذ الميثاق، تجلى لهم في مظهر من المظاهر الإلهية، ~~فذلك الذي أجرأهم على أن يعبدوه في الصور. # ومن قوة ms0252 بقائهم على الفطرة، أنهم ما عبدوه على الحقيقة في الصور، ~~وإنما عبدوا الصور لما تخيلوا فيها من رتبة التقرب كالشفعاء، ~~وهاتان الحقيقتان إليهما مال الخلق في الدار الآخرة، وهما الشفاعة ~~والتجلي في الصور على طريق التحول. # فإذا تمكنت هذه الحالة في قلب الرجل، وعرف من العلم الإلهي ما الذي ~~دعى هؤلاء الذين صفتهم هذا وانهم تحت قهر ما إليه يؤولون، تضرعوا الى ~~الله في الدياجير، وتملقوا له في حقهم وسألوه أن يدخلهم في رحمته إذا ~~أخذت منهم النقمة حدها، وإن كانوا عمار تلك الدار فيجعل لهم فيها ~~نعيما به إذا كانوا من جملة الأشياء التي وسعتهم الرحمة العامة، وحاشى ~~الجناب الإلهي من النقمة وهو القائل بأن رحمته سبقت غضبه، فلحق ~~الغضب بالعدم فإن كان شيئا فهو تحت إحاطة الرحمة الإلهية الواسعة. # وقد قال (صلى الله عليه وآله): # " إن الأنبياء (عليهم السلام) يوم القيامة إذا سئلوا في الشفاعة ~~قالوا: إن الله قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده ~~مثله " # ، وهو من أرجى حديث يعتمد عليه في هذا الباب أيضا، فإن اليوم المشار ~~اليه - وهو يوم القيامة - هو يوم قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، ~~وفيه يكون الغضب من الله على أهل الغضب، وأعطى حكم ذلك الغضب الأمر ~~بدخول النار، وحلول العذاب والانتقام من المشركين وغيرهم من القوم الذين ~~يخرجون بالشفاعة، والذين يخرجهم الرحمن كما ورد في الصحيح، ويدخلهم ~~الجنة إذا لم يكونوا من أهل النار - الذين هم أهلها - ولم يبق في النار ~~إلا أهلها الذين هم أهلها، فعم الأمر بدخول النار كل من دخل فيها من ~~أهلها ومن غير أهلها لذلك الغضب الإلهي الذي لن يغضب مثله بعده، فلو ~~سرمد عليهم العذاب لكان ذلك عن غضب أعظم من غضب الأمر بدخول النار. # وقد قالت الأنبياء: إن الله لا يغضب بعد ذلك مثل ذلك الغضب، ولم يكن ~~حكمه إلا الأمر بدخول النار، فلا بد من حكم الرحمة على الجميع، ويكفي ~~من الشارع التعريف بقوله: " وأما أهل النار الذين ms0253 هم أهلها " ولم يقل ~~أهل العذاب. # ولا يلزم من كان من أهل النار الذين يعمرونها أن يكونوا معذبين بها، ~~فإن أهلها وعمارها مالك وخزنتها، وهم ملائكة، وما فيها من الحشرات ~~والحيات وغير ذلك من الحيوانات التي تبعث يوم القيامة - ولا واحد منها ~~يكون النار عليه عذابا - كذلك من يبقى فيها، لا يموتون فيها ولا يحيون، ~~وكل من ألف موطنه كان به مسرورا، وأشد العذاب مفارقة الوطن، ولو ~~فارق النار أهلها، لتعذبوا باغترابهم عما أهلوا له، وأن الله قد ~~خلقهم عل نشأة تألف ذلك الموطن. # فعمرت الداران، وسبقت الرحمة الغضب، ووسعت كل شيء - جهنم ومن ~~فيها - والله أرحم الراحمين كما قال في نفسه. # وقد وجدنا في نفوسنا ممن جبلهم الله على الرحمة، أنهم يرحمون جميع ~~عباد الله، حتى لو حكمهم الله في خلقه لأزالوا صفة العذاب من العالم، ~~مما تمكن حكم الرحمة من قلوبهم، وصاحب هذه الصفة أنا وأمثالي - ونحن ~~مخلوقون أصحاب أهواء وأغراض - وقد قال عن نفسه جل علاؤه: انه ارحم ~~الراحمين، فلا يشك أنه أرحم منا بخلقه، ونحن عرفنا من نفوسنا هذه ~~المبالغة في الرحمة فكيف يتسرمد العذاب عليهم وهو بهذه الصفة العامة؟ ~~إن الله أكرم من ذلك، ولا سيما وقد قام الدليل العقلي على أن ~~الباري لا تنفعه الطاعات ولا تضره المخالفات، وأن كل شيء جار بقضائه ~~وقدره وحكمه، وأن الخلق مجبورون في اختيارهم. # وقد قام الدليل السمعي على أن الله يقول في الصحيح: " يا عبادي " ~~فأضافهم الى نفسه، وما أضاف قط العباد الى نفسه إلا من سبقت له ~~الرحمة، وأن لا يؤبد عليهم الشقاء فقال: # " يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا على أتقى قلب ~~رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ~~وإنسكم وجنكم اجتمعوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص من ملكي شيئا ~~". # فقد أخبر بما دل عليه العقل، أن الطاعات والمعاصي ملكه، وأنه على ما ~~هو عليه لا يتغير ولا يزيد ولا ينقص ms0254 ملكه مما طرأ عليه وفيه، فإن الكل ~~ملكه وملكه. # ثم قال من تمام هذا الخبر الصحيح: يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل واحد منكم مسألته، ما ~~نقص ذلك من ملكي شيئا. الحديث. # وما نشك انه ما من أحد إلا وهو يكره ما يؤلمه طبعا، فما من أحد ~~إلا وقد سأله أن لا يؤلمه، وأن يعطيه اللذة في الأشياء، ولا يقدح ما ~~أومأنا اليه في الحديث إذا تعلق به المنازع في المسألة إدخال " لو " في ~~ذلك، فإن السؤال من العالم قد علم وقوعه بالضرورة من كل مخلوق، فإن ~~الطبع يقتضيه، والسؤال قد يكون قولا، وحالا، كبكاء الصغير الرضيع وإن ~~لم يعقل عند وجود الألم الحسي بالوجع أو الألم النفسي لمخالفة الغرض ~~إذا منع من الثدي، وقد أخذت المسألة حقها. والأحوال التي ترد على ~~قلوب الرجال لا تحصى كثرته، وقد أعطيناك منها في هذا الباب أنموذجا على ~~هذا الأسلوب ". انتهى كلامه. # وقال العلامة القيصري في شرح الفص الهودي من الفصوص: اعلم أن من ~~اكتحلت عينه بنور الحق، يعلم أن العالم بأسره عباد الله، وليس لهم ~~وجود وصفة وفعل إلا بالله وحوله وقوته، وكلهم محتاجون الى رحمته، ~~وهو الرحمن الرحيم، ومن شأن من هو موصوف بهذه الصفات، أن لا يعذب أحدا ~~عذابا أبديا، وليس ذلك المقدار من العذاب أيضا إلا لأجل ايصالهم الى ~~كمالاتهم المقدرة لهم، كما يذاب الذهب والفضة بالنار لأجل الخلاص ~~مما يكدره وينقص عياره، وهو متضمن لعين اللطف والرحمة كما قيل: # وتعذيبكم عذب وسخطكم رضى # وقطعكم وصل وجوركم عدل # والشيخ - رضي الله عنه - إنما يشير في أمثال المواضع، الى ما فيه من ~~الرحمة الحقانية، وهو من المطلعات المدركة بالكشف، لا انه ينكر وجود ~~العذاب وما جاءت به الرسل من أحوال جهنم، فإن من يبصر بعينه أنواع ~~التعذيب في النشأة الدنيوية بسبب الأعمال القبيحة، كيف ينكر في النشأة ~~الأخروية، وهو من أكبر ورثة الرسل صلوات الله عليهم، فلا ينبغي أن يسيء ~~أحد ms0255 ظنه في حق الأولياء الكاملين الكاشفين لأسرار الحق بأمره ". # انتهى. # وقال في موضع آخر من شرحه للفصوص: اعلم أن المقامات الكلية الجامعة ~~لجميع العباد في الآخرة ثلاثة، وإن كان كل منها مشتملا على مراتب ~~كثيرة لا تحصى وهي: الجنة والنار، والأعراف الذي بينهما، على ما نطق ~~به الكلام الإلهي. # ولكل منها اسم حاكم عليه يطلب بذاته أهل ذلك المقام لأنهم رعاياه، ~~وعمارة الملك بهم، والوعد شامل للكل، إذ وعده في الحقيقة عبارة عن ~~ايصال كل واحد منا الى كماله المعين له أزلا، فكما أن الجنة موعود ~~بها، كذلك النار والأعراف موعود بهما. والإيعاد أيضا شامل للكل؛ فإن ~~أهل الجنة إنما يدخلونها بالجاذب والسائق، قال تعالى: # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق:21]. والجاذب: المناسبة الجامعية بينهما بواسطة الأنبياء والأولياء، ~~والسائق: هو الرحمن بالإيعاد والابتلاء بأنواع المصائب والمحن. # كما ان الجاذب الى النار: المناسبة الجامعة بينها وبين أهلها، والسائق: ~~الشيطان، فعين الجحيم موعود لهم لا متوعد بها. # والوعيد: هو العذاب الذي يتعلق بالاسم المنتقم، وتظهر أحكامه في خمس ~~طوائف لا غير. لأن أهل النار إما مشرك أو كافر أو منافق أو عاص من ~~المؤمنين، وهو ينقسم بالموحد العارف الغير العامل والمحجوب. وعند تسلط ~~سلطان المنتقم عليهم، يتعذبون بنيران الجحيم كما قال تعالى: # أحاط بهم سرادقها # [الكهف:29] وقالوا: # يمالك ليقض علينا ربك # [الزخرف:77]. # فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون # [البقرة:86] وقال: # إنكم ماكثون # [الزخرف:77]. # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون:108]. فلما مرت عليهم السنون والأحقاب، واعتادوا بالنيران ~~ونسوا نعيم الرضوان، قالوا: # سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص # [إبراهيم:21] فعند ذلك تعلقت الرحمة بهم ورفع عنهم العذاب. # مع أن العذاب بالنسبة الى العارف الذي دخل فيها بسبب الأعمال التي ~~تناسبها، عذب من وجه، وإن كان عذابا من آخر كما قيل: وتعذيبكم عذب - ~~البيت. # لأنه يشاهد المعذب في تعذيبه، فيصير التعذيب سببا لشهود الحق، وهو ~~أعلى ما يمكن من النعيم حينئذ في حقه. # وبالنسبة الى المحجوبين الغافلين عن اللذات الحقيقة أيضا، ms0256 عذب من ~~وجه، كما جاء في الحديث: إن بعض أهل النار يتلاعبون فيها بالنار. ~~والملاعبة لا تنفك عن التلذذ وإن كان معذبا، لعدم وجدانه ما آمن به ~~من جنة الأعمال التي هي الحور والقصور. # وبالنسبة الى قوم يطلب استعدادهم البعد من الحق والقرب من النار - ~~وهو المعني بجهنم - أيضا عذب وإن كان في نفس الأمر عذابا، كما يشاهد ~~ها هنا ممن تقطع سواعدهم وترمى أنفسهم من القلاع مثل بعض الملاحدة. # وقد شاهدت رجلا سمر في أصول أصابع إحدى يديه خمسة مسامير، غلظ كل ~~مسمار مثل غلظ القلم، واجتهد المسمر ليخرجه من يده فما رضي بذلك، ~~وكان يفتخر به وبقي على حاله الى أن استدركه الأجل. # وبالنسبة الى المنافقين الذين لهم استعداد الكمال واستعداد النقص وإن ~~كان أليما لإدراكهم الكمال وعدم إمكان وصولهم إليه، ولكن لما كان ~~استعداد نقصهم أغلب؛ رضوا بنقصانهم، وزال عنهم تألمهم بعد انتقام ~~المنتقم منهم بتعذيبهم، وانقلب العذاب عذبا، كما يشاهد ممن لا يرضى ~~بأمر خسيس أولا، ثم إذا وقع فيه وابتلي به وتكرر صدوره منه، تألف به ~~واعتاد فصار يفتخر به بعد أن كان يستقبحه. # وبالنسبة الى المشركين الذين يعبدون غير الله من الموجودات، فينتقم منهم ~~لكونهم حصروا الحق في ما عبدوه، وجعلوا الإله المطلق مقيدا، وأما من ~~حيث ان معبودهم عين الوجود الحق الظاهر في تلك الصورة، فما يعبدون إلا ~~الله، فرضي الله عنهم من هذا الوجه، فينقلب عذابهم عذبا في حقهم. # وبالنسبة الى الكافرين أيضا، وإن كان العذاب عظيما، لكنهم لم يتعذبوا ~~به لرضاهم بما [هم] فيه، فإن استعدادهم يطلب ذلك كالأتوني الذي يفتخر ~~بما هو فيه، وعظم عذابه بالنسبة الى من يعرف ان وراء مرتبتهم مرتبة، ~~وان ما هم فيه عذاب بالنسبة إليها. # وأنواع العذاب غير مخلد على أهله من حيث إنه عذاب، لانقطاعه بشفاعة ~~الشافعين، وآخر من يشفع هو أرحم الراحمين، كما جاء في الحديث الصحيح، ~~ولذلك ينبت الجرجير في قعر جهنم لانطفاء النار وانقطاع العذاب، وبمقتضى ~~" سبقت رحمتي غضبي " فظاهر الآيات ms0257 التي جاءت في حقهم بالتعذيب، كلها ~~حق، وكلام الشيخ لا ينافي ذلك، لأن كون الشيء من وجه عذابا لا ينافي ~~كونه من وجه آخر عذبا. وإنما بسطت الكلام لئلا ينكر على هذا الخاتم ~~المحمدي فيما أخبر، فإن الأولياء - رضوان الله عليهم - ما يخبرون إلا ~~ما يشاهدونه يقينا من أحوال الاستعدادات في الحضرة العلمية، وعوالم ~~الأرواح والأجساد، لعلمهم بالحقائق وصورها في كل عالم. والله أعلم " ~~انتهى كلامه بألفاظه. # ومما يدل أيضا على نفي تسرمد العذاب، حديث: سيأتي على جهنم زمان ~~ينبت في قعرها الجرجير، وذكر البغوي المشهور بمحيي السنة، في معالم ~~التنزيل، في تفسير قوله تعالى: # الذين سعدوا # [هود:108] أنه قال ابن مسعود: ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد، ~~وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا. # فصل # [احتجاجات القائلين بالخلود في النار والنافين له] # واعلم أن القائلين بنفي تخليد الكفار في العذاب، زعموا أن لا دليل ~~يفيد القطع واليقين في تخليدهم في العذاب، أما التمسك بالدلائل اللفظية، ~~فلا يفيد اليقين، بل يفيد الظن. والدلائل العقلية في مقابلها تفيد ~~اليقين، والمظنون كيف يعارض المقطوع؟ وإنما قلنا: " إن الدلائل اللفظية ~~لا تفيد اليقين " لأنها مبنية على أصول كلها ظنية، والمبني على الظني ~~لا يكون إلا ظنيا. # وإنما قلنا إنها ظنية، لأنها مبنية على نقل اللغات ونقل النحو ~~والتصريف. ورواة هذه الأشياء لا يعلم بلوغهم الى حد التواتر، فكانت ~~روايتهم مظنونة. # وأيضا، فهي مبنية على عدم الاشتراك، وعدم التخصيص، وعدم الاضمار ~~بالزيادة والنقصان، وعدم التقديم والتأخير، وكل ذلك أمور ظنية، وأيضا ~~فهي مبنية على عدم المعارض العقلي، فإن بتقدير وجوده لا يمكن القول ~~بصدقهما ولا بكذبهما معا، ولا يمكن ترجيح النقل على العقل، لأن العقل ~~أصل النقل، فالطعن في العقل يوجب الطعن في النقل والعقل معا، لكن عدم ~~المعارض العقلي مظنون. هذا إذا لم يوجد، فكيف [وقد] وجدنا ها هنا ~~دلائل عقلية على خلاف هذه الظواهر. # فثبت أن دلالة هذه الدلائل النقلية ظنية، وأما أن الظني لا يعارض ~~فلا شك فيه. # الثاني: هو إن التجاوز ms0258 عن الوعيد مستحسن فيما بين كما مر في كلام ~~صاحب الفصوص، قال الشاعر: # فإني إذا أوعدته أو وعدته # لمخلف معيادي ومنجز موعدي # بل الإصرار على تحقيق الوعيد كأنه يعد لؤما. وإذا كان كذلك وجب أن لا ~~يقبح من الله تعالى وهذا بناء على حرف، وهو أن كثيرا من أهل الإسلام ~~جوزوا نسخ الفعل قبل مضي مدة الامتثال، وحاصل حرفهم فيه، أن الأمر ~~يحسن تارة لحكمة تنشأ من نفس المأمور به، وتارة لحكمة تنشأ من نفس ~~الأمر، فإن السيد قد يقول لعبده: إفعل الفعل الفلاني غدا وإن كان ~~يعلم في الحال انه سينهاه غدا، ويكون مقصوده من ذلك الأمر أن يظهر ~~العبد الانقياد لسيده، ويوطن نفسه على طاعته، وكذلك إذا علم الله من ~~العبد أنه سيموت غدا، فإنه يحسن عند هؤلاء القوم أن يقول: صل غدا إن ~~عشت. ولا يكون المقصود من هذا الأمر تحصيل الأمور به لأنه ها هنا محال، ~~بل المقصود حكمة تنشأ من نفس الأمر فقط. وهو حصول الانقياد والطاعة وترك ~~التمرد. # وإذا ثبت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يقال: الخبر أيضا كذلك، فتارة ~~يكون منشأ الحكمة من الإخبار هو الشيء المخبر، وذلك في الوعد، وتارة ~~يكون منشأ الحكمة هو نفس الخبر، لا المخبر عنه؛ كما في الوعيد، فإن ~~الإخبار على سبيل الوعيد، مما يفيد الزجر عن المعاصي والإقدام على ~~الطاعات، فإذا حسن هذا المقصود، جاز أن لا يوجد المخبر وعند هذا قالوا: ~~إن وعد الله الثواب حق لازم، أما توعيده بالعقاب فغير لازم، وإنما قصد ~~به صلاح المكلفين، مع رحمته الشاملة لهم كوالد يهدد ولده بالقتل ~~والسل والقطع والضرب، فإن قبل الولد أمره فقد انتفع، وإن لم يقبل؛ ~~فما في قلب الوالد من الشفقة يرده عن قتله وعقوبته. # فإن قيل: فعلى جميع التقادير ذلك كذبا، والكذب قبيح. # قلنا: لا نسلم أن كل كذب قبيح، بل القبيح هو الكذب الضار، أما ~~الكذب النافع فلا، ثم - إن سلمنا - لكن لا نسلم انه كذب. # أليس أن جميع عمومات القرآن ms0259 مخصوصة ولا نسمي ذلك كذبا؟ أليس أن كل ~~المتشابهات مصروفة عن ظواهرها وعند الأكثر لا يسمى ذلك كذبا؟ فكذا ها ~~هنا. # الثالث: أليس أن آيات الوعيد في حق الكفار مشروطة بعدم التوبة، وإن لم ~~يكن هذا الشرط مذكورا في صريح النص، فهي أيضا عندنا مشروطة بعدم ~~العفو، وإن لم يكن هذا الشرط مذكورا صريحا. # أو نقول: معناها: أن العاصي يستحق هذه الأنواع من العقاب، فيحمل الإخبار ~~عن الوقوع الى الإخبار عن استحقاق الوقوع، فهذا جملة ما يقال في تقرير ~~هذا المذهب. # وأما الذين أثبتوا وقوع العذاب، فقالوا: إنه نقل إلينا على سبيل ~~التواتر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقوع العقاب، فإنكاره يكون ~~تكذيبا للرسول صلوات الله عليه وآله، وتفتيحا لأبواب القدح في نصوصية ~~القرآن، فغير مسموع، والله الهادي الى سبيل الصواب وبيده مفاتيح الأبواب. ### || [2.8] # اتفق المفسرون على أن ذلك وصف المنافقين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ~~ولم تؤمن قلوبهم. # واعلم أن الناس بحسب العاقبة، ستة أصناف، لأنهم إما سعداء؛ وهم ~~أصحاب اليمين، وإما أشقياء وهم أصحاب الشمال، وإما السابقون المقربون. ~~قال الله تعالى: # وكنتم أزواجا ثلاثة # [الواقعة:7]. الآيات. # وأصحاب الشمال: إما المطرودون الذين حق عليهم القول، وهم أهل الظلمة ~~والحجاب الكلي، المختوم على قلوبهم أزلا كما قال تعالى: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~لهم قلوب لا يفقهون بها # [الأعراف:179]، الآية. # وفي الحديث الإلهي الرباني المتفق عليه نقلا: # " هؤلاء خلقتهم للنار ولا أبالي ". # وأما المنافقون الذين كانوا مستعدين بحسب الفطرة، قابلين للنور في ~~الأصل والنشأة، لكن احتجبت قلوبهم بالرين المستفاد من اكتساب ~~الرذائل، وارتكاب المعاصي، ومباشرة الأعمال البهيمية والسبعية، ~~ومزاولة المكائدة الشيطانية، حتى رسخت الهيئات الغاسقة والملكات المظلمة ~~في نفوسهم، وارتكمت على أفئدتهم، فبقوا شاكين حيارى تائهين، قد حبطت ~~أعمالهم، وانتكست رؤوسهم، فهم أشد عذابا وأسوأ حالا من الفريق الأول، ~~لمنافاة مسكة استعدادهم لحالهم، والفريقان هم أهل الدنيا. # وأصحاب اليمين، إما أهل الفضل والثواب، الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~للجنة، راجين لها راضين بها، فوجدوا ما عملوا حاضرا ms0260 على تفاوت ~~درجاتهم مما عملوا. # ومنهم أهل الرحمة، الباقون على سلامة نفوسهم وصفاء قلوبهم، المتبوئون ~~درجات الجنة على حسب استعداداتهم من فضل ربهم، لا على حسب كمالاتهم من ~~ميراث عملهم. # وإما أهل العفو، الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وهما ~~قسمان: المعفو عنهم رأسا لقوة اعتقادهم، وعدم رسوخ سيئاتهم لقلة ~~مزوالتهم اياها، أو لمكان توبتهم عنها: # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان:70]. # والمعذبون حينا بحسب ما رسخ فيهم من المعاصي، حتى خلصوا عن درن ~~ما كسبوا فنجوا، وهم أهل العدل والعقاب، والذين ظلموا من هؤلاء ~~سيصيبهم سيئات ما كسبوا، لكن الرحمة تتداركهم وتنالهم بالآخرة. # والسابقون وهم العرفاء بالله واليوم الآخر خاصة اما محبون وإما ~~محبوبون، فالمحبون؛ هم الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وأنابوا اليه ~~حق إنابته، فهداهم سبله. # والمحبوبون؛ هم أهل العناية الأزلية، الذين اجتباهم وهداهم الى صراط ~~مستقيم. والصنفان هما أهل الله ومآلهما واحد، لأن أهل المحبة الخاصة ~~ينجر سلوكهم بالأخرة الى الجذبة، ولهذا جعلناهما في التقسيم قسما ~~واحدا. # اذا علمت هذا، فاعلم أن الله سبحانه لما افتتح بشرح حال الكتاب، وأشار ~~الى أنه منزل من عالم الكرامة والغيب، مشتمل على العلوم التي لا ~~تعتريها وصمة شك وريب، وموجب للهداية لمن وفق له بالتقوى، وساق ~~لبيانه ذكر المؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، ~~واندرج فيهم الأقسام الخمسة، سوى الفريقين اللذين هما من قسم الأشقياء. # فإن القرآن ليس هدى للفريق الأول من الأشقياء، لامتناع قبولهم ~~للهداية، لعدم استعدادهم، ولا للثاني، لزوال استعدادهم، ومسخهم وطمسهم ~~بالكلية لفساد اعتقادهم، فهما جميعا أهل الخلود في النار. # ولفظ " هدى للمتقين " ، وإن عم الأصناف الخمسة - لأن المراد ~~بهم في هذا الموضع هم المستعدون الذين بقوا على فطرتهم الأصلية، ~~واجتنبوا رين الشرك والشك لصفاء قلوبهم وبقاء نورهم الفطري فلم ينقضوا ~~عهد الله في الميثاق، فلهم نصيب من القرآن كل بوجه - إلا أنه تعالى ~~خص بالإشارة صنفين منهم الى أحوالهما، لمزيد منزلتهما وحالهما. # أحدهما: أهل الفضل والثواب من أصحاب اليمين المشار إليهم بقوله: ms0261 # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون # [البقرة:3]. # والثاني: السابقون المقربون، المشار اليهم بقوله: # والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من ~~قبلك وبالآخرة هم يوقنون # [البقرة:4]، فقد علم من أحوالهم أنهم من أهل الرسوخ العلمي. # ولما ذكر المؤمنين بقسيمه - أي العاملين والعالمين - ثناهم بأضدادهم ~~الذين محضوا الكفر لسانا وضميرا، ظاهرا وباطنا، ولم يلتفتوا لغة ~~الايمان رأسا بقوله: # إن الذين كفروا # [البقرة:6] -الآيتين. # وهم الفريق الأول من الأشقياء، الذين هم أهل القهر الإلهي، لا ينجع ~~فيهم الإنذار، ولا ينفع لهم التذكار، ولا خلاص لأحدهم من النار، # كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا ~~أنهم لا يؤمنون # [يونس:33]. # وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا ~~أنهم أصحاب النار # [غافر:6]. سدت عليهم الطرق، وأغلقت عليهم الأبواب، إذ القلب هو ~~المشعر الإلهي الذي هو محل الإلهام، ومنزل الكرامة، فحجبوا عنه ~~بختمه. # والسمع والبصر هما مشعران للإنسان، اللذان هما بابا الفهم والاعتبار، ~~فحرموا عن جدواهما لامتناع نفوذ المعنى فيهما الى القلب، فلا سبيل لهم ~~في الباطن القلبي الى عالم العلم الإلهي الكشفي، ولا في الظاهر السمعي ~~والبصري الى الباطن القلبي والعلم التعليمي الكسبي. # فحبسوا في سجون الظلمات، وحبوس التعلقات، وقيود الجحيم والسلاسل ~~والأغلال، والعذاب المقيم، فما أشد عذابهم. # ولما ذكر تعالى أوصاف القسمين، أعني المؤمنين والكافرين مطلقا، ثلث ~~بذكر القسم الثالث، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، تكميلا ~~للتقسيم، وهم أخبث قلبا من الكفرة، وأبغضهم الى الله لأنهم موهوا ~~الكفر بالإيمان، فخلطوا به خداعا واستهزاء، ولذلك طول في بيان ~~خبثهم وجهلهم واستهزائهم، وتهكم بأفعالهم، وسجل على عمههم وطغيانهم، ~~وضرب فيهم الأمثال وأنزل فيهم: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء:145] لأنهم مع ادعائهم للإيمان بقولهم: { آمنا بالله ~~وباليوم الآخر } سلب عنهم الايمان وما هم بمؤمنين. # لأن حقيقته العلم بحقائق الأمور الإلهية، ومحله هو القلب لا اللسان: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات:14]. ومعنى قولهم: { آمنا بالله وباليوم الآخر ~~} ادعاؤهم لعلمي التوحيد والمعاد ms0262 للذين هما أصل الدين وأساسه، أي لسنا ~~من المشركين المحجوبين عن الحق، ولا من أهل الكتاب المحجوبين عن الدين ~~والمعاد، لأن اعتقاد أهل الكتاب ليس مطابقا للحق والصواب. # واعلم أن الكفر هو الاحتجاب كما مر، والاجتجاب إما عن الحق، فهو كما ~~للمشركين، وإما عن الدين، كما لأهل الكتاب، والمحجوب عن الحق محجوب عن ~~الدين الذي هو طريق الوصول اليه بالضرورة. # وأما المحجوب عن الدين، فقد لا يحجب عن الحق، فهؤلاء ادعوا رفع ~~الحجابين، فكذبوا بسلب الإيمان عن ذواتهم لمخادعتهم لله وأوليائه، ~~ومماكرتهم وزيادة المرض في قلوبهم مع الهلاك الأخروي، فهؤلاء أسوأ مآلا ~~وأشد نكالا من عامة الكافرين. # ولهذا فرق الله بين العذابين بالعظم والألم، لأن عذاب المطرودين في ~~الأزل - وإن كان أعظم - لنزولهم في مهوى الحشرات والدواب والأنعام، فلا ~~يدركون شدة عذابهم، ولا يجدون غمهم وألمهم لعدم صفاء إدراك قلوبهم ~~بواسطة كثافة الحجاب، وغلظة النقاب، كحال العضو الميت أو المفلوج أو ~~الخدر بالنسبة الى ما يجري عليه من القطع والكي وغير ذلك من الآلام. # وأما المنافقون، فلثبوت استعدادهم في الأصل، وبقاء إداركهم، يجدون شدة ~~الألم، فلا جرم كان عذابهم أليما مسببا عن المرض العارض المزمن الذي ~~هو الكذب والخديعة والحسد والنفاق، والجهل المشفوع بالإصرار واللداد ~~وغيرها، وإذا نهوا عن الفساد في الجهة السفلية، أنكروا وبالغوا في ~~إثبات الصلاح والإصلاح لأنفسهم، كما حكى الله عنهم فيما بعد، إذ يرون ~~الصلاح في تنظيم أسباب المعيشة وتيسير أمور الدنيا لأنفسهم خاصة، وإن ~~كان مؤديا الى خسران العاقبة، لتوغلهم في محبة الدنيا وميل الجاه ~~والثروة، وانهماكهم في اللذات والراحات البدنية، واحتجابهم بالمنافع ~~الجزئية والملاذ الحسية عن المصالح العامة واللذات العقلية، وهم لا ~~يشعرون بذلك، وإن كان معلوما بالمشاهدة الحسية، لأن محبة الدنيا سلبت ~~عقولهم وأعمت قلوبهم، واصمت نفوسهم، ولذا قيل: " حبك للشيء يعمي ~~ويصم ". # فصل # [المنافق والكافر أيهما أسوأ حالا] # قد علمت تحقيق الفرق بين المنافق والكافر الأصلي، تصريحا وتلميحا في ~~مواضع متعددة، لكن القوم اختلفوا في أن أيهما أسوأ فعلا وأقبح ~~حالا. # قال ms0263 قوم: قبح الكافر الأصلي أقبح، لأنه جاهل بالقلب، كاذب باللسان، ~~والمنافق جاهل بالقلب، صادق باللسان. # وقال آخرون، بل المنافق أيضا كاذب باللسان، فإنه يخبر عن كونه على ~~ذلك الاعتقاد مع انه ليس عليه، ولذلك قال تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا # [الحجرات:14]. وقال: # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون:1]. ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة: # الأول: إنه قصد التلبيس، والكافر ما قصد ذلك. # الثاني: إن الكافر على طبع الرجال، والمنافق على طبع الخنوثة. # أقول: الكائن على طبع الرجال هم المؤمنون حقا، لا الكفار، فالأولى ~~أن يقال: الكافر على طبع الأنوثة والمنافق على طبع الخنوثة. وطبع ~~الخنوثة أقبح من الأنوثة. وذلك لأن الآخرة دار المبادئ الفعالة، ~~والدنيا موضع القوابل المنفعلة، فموطن المؤمن - أي عالم القدس - موطن ~~الرجال، وموطن الكافر - أي الدنيا وهي عروسه غدارة رعناء - موطن ~~النسوان. # والمنافق ذو الوجهين لا من هذا ولا من ذاك، فعاقبته البوار والهلاك، ~~وانقطاع النتيجة والبقاء النوعي العقلي في النشأة الدائمة. # الثالث: إن الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه، ولم يرض إلا ~~بالصدق، والمنافق رضي بذلك. # الرابع: إن المنافق ضم الى كفره الاستهزاء، بخلاف الكافر. ولأجل غلظ ~~كفره قال: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء:145]. # الخامس: قال مجاهد: إنه تعالى ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات، ثم ~~ثنى بذكر الكافرين في اثنتين، ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة ~~آية. وذلك يدل على أن المنافقين أعظم جرما. # وهذا بعيد لأن كثرة الاقتصاص بخيرهم لا يوجب كون جرمهم أعظم؛ فإن ~~عظم فلغير ذلك، وهو ضمهم الى الكفر وجوها من المعاصي؛ كالمخادعة، ~~والاستهزاء، وطلب الغوائل الى غير ذلك. # ويمكن أن يجاب عنه: بأن كثرة الاقتصاص بخبرهم يدل على أن الاهتمام ~~بدفع شرهم أشد من الاهتمام بدفع شر الكفار، وذلك يدل على أنهم أعظم ~~جرما من الكفار. # فصل # يستفاد من هذه الآية أمران: # أحدهما: إن من لا يعرف الله لا يكون مؤمنا وإن أقر به لسانا، لقوله ~~تعالى: { وما ms0264 هم بمؤمنين } خلافا للكرامية. # والثاني: بطلان قول من زعم من المتكلمين، إن جميع المكلفين عارفون ~~بالله، وإن من لم يكن عارفا به لا يكون مكلفا، وذلك لأن غير العارف ~~لو كان معذورا لما ذم الله هؤلاء على عدم العرفان، فبطل قولهم: إن من ~~لا يعرف هذه الأمور فهو معذور، وهذا المقام يحتاج الى تحقيق عميق لا يسع ~~هذا الوقت ذكره. # فصل # اختلفوا في اشتقاق لفظ " الإنسان " الى وجوه: # الأول: ما يروى عن ابن عباس: إنه من النسيان. لأنه عهد إليه فنسي. # قال أبو الفتح البستي: # نسيت وعدك والنسيان مغتفر # فاغفر فأول ناس أول الناس # الثاني: إنه من الأنس، لاستيناسه بمثله. # الثالث: إنه سمي إنسانا لظهورهم وأنهم يؤنسون - أي يبصرون - قال ~~تعالى: # آنس من جانب الطور نارا # [القصص:29]. أي: أبصر. كما سمي " الجن " لاجتنانهم. # واعلم أنه لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقا من لفظ آخر، وإلا لتسلسل ~~الى ما لا نهاية. # والناس أصله اناس، بدليل قولهم: إنسان وإنسي وأناسي، فحذفت الهمزة ~~تخفيفا كما حذف في لوقة لأن أصلها ألوقة. وعوض عنها حرف التعريف، ولذلك ~~لا يكاد يجمع بينهما إلا شذوذا كقوله: إن المنايا تطلعن على الاناس ~~الآمنينا. # وناس: اسم جمع على زنة فعال. لأن الوزن يكون على الأصول، ولذلك تقول ~~في وزن قه افعل وليس معك إلا العين وحدها، وهو من أسماء الجمع ~~كرجال، وأما نويس، فمن المصغر الآتي على خلاف مكبره كانيسيان ~~ورويجل - كذا في الكشاف. # فصل # لام التعريف في " الناس " إما للجنس أو للعهد، والمعهود هم الذين ~~كفروا، المار ذكرهم، و " من " على الأول تكون موصوفة كأنه قيل: ومن ~~الناس ناس يقولون آمنا. كقوله: # من المؤمنين رجال # [الأحزاب:23]. # وعلى الثاني؛ تكون موصولة، كقوله: # ومنهم الذين يؤذون النبي # [التوبة:61] أي ومن هؤلاء الذين كفروا من يقول - وهم عبد الله بن ~~أبي وأصحابه ومن في طبقتهم - فإن وقوعهم لأجل النفاق تحت جنس ~~الكفار المختوم على قلوبهم، ودخولهم في أبواب الكفر، لا ينافي ~~اختصاصهم بزوائد زادوها على أصل الكفر؛ من ms0265 الخديعة والاستهزاء والأمراض ~~القلبية وغيرها، ولا يخرجهم عن حده وإن يكونوا بعضا من جنسه، فإن ~~الأنواع إنما تنوعت بزوائد على طبيعة الجنس بما هي مجرد طبيعته، أي ~~بالمعنى التي هي مادة، وتلك الزوائد لا تأبى الدخول مع ما يزيد عليه تحت ~~الجنس، وصدقه على المجموع بالاعتبار الذي هو به جنس، وإن لم يصدق ~~بالمعنى الذي هو به مادة فتفطن. # فصل # اعلم أن اختصاص (بالله وباليوم الآخر) بالذكر، تخصيص لما هو ~~المقصود الأعظم والكمال الأتم, وهو العلم بأحوال المبدأ والعلم بأسرار ~~المعاد، وتسجيل بأنهم مع خستهم ودناءة طبعهم، ادعوا إثبات أمر شريف ~~عال لأنفسهم. وهو الحيازة للإيمان من جانبيه، والإحاطة بكلا قطريه. # وها هنا دقيقة اخرى؛ وهي الكشف عن إفراطهم في خبث الباطن وفساد الضمير، ~~وتماديهم في قبح الباطن وسوء السريرة، حيث كان قولهم: آمنا بالله ~~وباليوم الآخر، خبثا متضاعفا، وكفرا متراكما، لأن القوم كانوا ~~يهودا، وكانوا يعتقدون في الله التشبيه واتخاذ الولد، وفي اليوم ~~الآخر أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، وأن النار لا ~~تمسهم إلا أياما معدودة - الى غير ذلك - فإيمانهم بالله واليوم الآخر ~~كلا إيمان، فهم منافقون فيما يظنون أنهم مخلصون، فكيف بما يقصدون به ~~النفاق ويرون المؤمنين أنهم آمنوا مثل إيمانهم، فهم في خبث الباطن ~~وسوء الضمير بحيث لو صدر منهم هذا القول لا على وجه الخداع والنفاق ~~وعقيدتهم، لم يكن ايمانا، فلم يكونوا صادقين، كيف وقد صدر منهم تمويها ~~على المسلمين وتهكما بهم. # ولفظة " من " صالحة للجمع كما للواحد. كقوله تعالى: # ومنهم من يستمعون إليك # [يونس:42]، فإنه موحد اللفظ مجموع المعنى، والعائد إليه يرجع عند ~~التوحيد الى اللفظ وعند الجمع الى المعنى، ففي قوله: من يقول آمنا، ~~حصل فيه الأمران. # وتكرير الباء يدل على أن علم المبدأ وعلم المعاد كلا منهما علم شريف ~~برأسه، ولا يلزم أن يكون داخلا في مقول قولهم، وإن كان داخلا، فالمعنى ~~ادعاؤهم الإيمان بكل واحد مفصلا على الاستحكام. # و " القول " مصدر معناه التلفظ بما يفيد، وقد يطلق ms0266 على القضية ~~الملفوظة، وعلى صورتها الذهنية، وعلى الرأي والمذهب. # وفي ايراد { وما هم بمؤمنين } ، بدل " وما آمنوا " كما يستدعيه ~~المقابلة من التصريح بشأن الفعل دون الفاعل لا العكس، انكار لما ادعوه ~~وردع لما انتحلوه بأبلغ وجه وآكده في التكذيب لهم، حيث أخرج ذواتهم من ~~عداد المستعدين لاقتناء أنوار الإيمان واليقين مطلقا. # ولذلك أكد النفي بالباء، ونحوه قوله تعالى: # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين # [المائدة:37]. وترك تقييد الايمان في الثاني بما قيد به في الأول، إما ~~لأنه دل عليه المذكور أولا، لأن هذا جوابه، وإما للإشعار بأنهم ~~ليسوا من الايمان في شيء أصلا. # تنبيه فيه تذكير # [اليوم والليلة] # والمراد من اليوم، إما الزمان الذي لا حد له، وهو الأبد الدائم الذي ~~لا مقطع له، وإما الوقت المحدود من النشور الى أن يدخل أهل الجنة ~~الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة وما بعده فلا ~~حد له. # وانما سمي زمان الآخرة يوما، لظهور شمس الحقيقة حينئذ، وطلوعها من ~~أفق الأكوان ومطالع الحقائق الروحية، كما انه قد اختفى ما دام الكون ~~الدنيوي في مغارب الصور الحسية، وفي القيامة تصير تلك الصور بعينها ~~مظاهر أنوار الإلهية، ومشاهد أسرار الربوبية. فكأن مدة الدنيا ليل ~~نهاره يوم الآخرة، وصباحه عند قيام الساعة، والله أعلم بأسراره. ### || [2.9] # إن للمنافقين قبائح كثيرة من رذائل القلب وخبائث النفس، ذكر الله أربعة ~~منها في هذه الآيات: أحدها: ما ذكره في هذه الآية وهي المخادعة مع الله ~~والمؤمنين. # والخدع: أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه في نفسك من المكروه، ~~لتصرفه عما هو بصدده من قولهم: خدع الضب: إذا توارى في جحره وضب ~~خادع وخدع إذا أوهم الحارس إقباله عليه ثم خرج من باب آخر. # وأصله الإخفاء. ومنه المخدع: للخزانة. والأخدعان: لعرقين خفيين في ~~العنق. فهو ضرب من النفاق والغرور والرياء في الأفعال الحسنة. وكل ذلك ~~بخلاف ما يقتضيه دين الله وطريقه، لأن الدين يوجب الاستقامة والعدول ~~عن الغرور والتدليس والمكر والإساءة، كما يوجب الاخلاص: # ألا لله الدين ms0267 الخالص # [الزمر:3]. # وأما أنهم كيف خادعوا الله ولا تخفى عنه خافية، وكيف خادعهم الله، ~~والمؤمنون - كما تقتضيه صيغة المفاعلة - والخدعة صفة مذمومة؟ فالمراد ~~من الأول أحد أمور خمسة: # أولها: أن يكون ذلك على معتقدهم وظنهم أن الله ممن يرضى عنهم ~~بصورة الأعمال الصادرة عنهم سمعة ورياء، مع أن القصد منهم بما لم يكن ~~إلا أغراض النفس والهوى، ومحبة الجاه والثروة ومتاع الدنيا؛ وذلك ~~لاغترارهم وجهلهم بأن الناقد بصير، والطريق اليه خطير، والبضاعة معيبة ~~مموهة، ولا يقبل عند الله إلا العمل الخالص، وكيف، ومن كان ادعاؤه ~~الإيمان بالله واليوم الآخر نفاقا، لم يكن قد عرف الحق وصفاته، وأن له ~~تعلقا بكل معلوم، وله غنى عن كل ما سواه. فلم يبعد عن مثله تجويز ~~أن يكون الله في زعمه مخدوعا من وجه خفي، وربما يوجد في الناس - بل في ~~أكثر الأكياس منهم - من كان هذا شأنهم مع الله، وقد شاهدناهم وصحبناهم ~~كثيرا. # وثانيها أن يقال: صورة صنيعهم مع الله - حيث يتظاهرون بالإيمان ~~ويستبطنون الكفر - صورة صنيع الخادعين. # وثالثها: أن المراد من " يخادعون الله " ، المخادعة مع رسول الله، ~~إما على حذف المضاف، أو على أن معاملة الرسول معاملة الله من حيث إنه ~~خليفته في أرضه، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده، وهو مع ذلك خارج ~~عن مقام بشريته، ذاهب الى الله وملكوته، واصل بكليته في بحبوحة قربه ~~ومطالعة جماله وجلاله، مستغرق في شهود إلهيته، كما قال تعالى # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء:80]. وقوله: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح:10]. وقال (صلى الله عليه وآله): # " من رآني فقد رأى الحق " # وفي الحديث القدسي: # " من بارز وليا فقد بارزني. ومن عاداه فقد عادني ". # ورابعها: ما ذكره صاحب الكشاف، وهو أن يكون من قبيل قولهم: " أعجبني ~~زيد وكرمه " فيكون المعنى: يخادعون الذين آمنوا بالله، وفائدة هذه ~~الطريقة، قوة الاختصاص. # وله نظائر ذكرها. # وخامسها: ما في الكشاف أيضا، وهو أن يقال، عنى به " يخدعون " إلا انه ~~أخرج في زنة المفاعلة للمبالغة، لأن الزنة في ms0268 أصلها للمبالغة، والفعل ~~متى غولب فيه فاعله كان أبلغ وأحكم منه إذا زاوله من غير مقابلة معارض، ~~ويعضده قراءة من قرأ " يخدعون " ، ولأنه بيان: ليقول، ويحتمل الاستيناف، ~~لذكر ما هو الغرض من دعواهم الإيمان كذبا. # والمراد من الثاني هو أن صورة صنع الله معهم صورة صنع الخادع، حيث ~~أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده أخبث الكفار، وأهل الدرك ~~الأسفل من النار، استدراجا لهم، وتلطفا في إغفالهم عما أعد ~~لأوليائه، وردعهم وطردهم من جناب قدسه ومحل كرامته من حيث لا يشعرون، ~~مجازاة لهم بمثل صنيعهم. # وكذا صورة صنع الرسول والمؤمنين معهم من حيث امتثالهم أمر الله في ~~إخفاء حالهم، وإجراء الإسلام عليهم، وربما كانوا ولاة في البلاد، وقضاة ~~في دار الإسلام يحكمون على أموال المسلمين وفروجهم ودمائهم، ويجب على ~~الناس الاقتداء بهم في الصلاة، والامتثال لأمرهم ونهيهم تقية ومداراة ~~معهم، كما أخبر عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله: سيكون بعدي ~~اثرة، وقال للاصحاب: إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم ~~القيامة. # وعن أبي ذر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " كيف أنتم وأئمة من بعدي يستأثرون بهذا الفيء؟ قلت: أما والذي بعثك ~~بالحق، أضع سيفي على عاتقي، ثم أضرب به حتى القاك، قال: أولا ~~أدلك على خير من ذلك؟ تصبر حتى تلقاني ". # فصل # الداعي لهم على الخديعة مع المؤمنين يحتمل مقاصد وأغراضا شتى: # منها: أنهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفار؛ من قتل نفوسهم، ونهب ~~أموالهم، وسبي ذراريهم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ". # ومنها: قبولهم عند أهل الاسلام وإجراؤهم مجرى المؤمنين في التعظيم ~~والإكرام. # ومنها: أنهم ربما التمسوا من النبي (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين ~~إفشاء أسراره واسرارهم لينقلوها الى أعدائهم من الكفار. # ومنها: أنهم طمعوا الاقتسام من أموال الغنائم - الى غير ذلك من المقاصد ~~والأغراض. وليس لك أن تقول: لما كان الله قادرا على أن يوحي الى نبيه ~~محمد (صلى الله عليه وآله) جميع ms0269 ما قصدوه وأضمروه في نفوسهم ليدفع ~~شرهم وخداعهم وإفسادهم، فلم لم يفعل ذلك ولم يهتك أسرارهم؟ # قلنا: وإنه أيضا قادر على استيصال إبليس وذريته أجمعين، ولكنه ~~أبقاهم وقواهم وأجراهم مجرى الدم في عروق الآدميين، لأن في ذلك الحكمة ~~والمصلحة ما لا يعلم غوره إلا الله ومن اهتدى بنوره، واطلع على وحيه ~~من أهل الرسالة والولاية. # فصل فيه حكمة مشرقية # [كيف يخدع الانسان نفسه] # قوله: { وما يخدعون إلا أنفسهم } ، أي خداع المنافقين لا ~~ينجع إلا في أنفسهم بإهلاكها وتخسيرها، وايراثها الوبال والنكال بازدياد ~~الظلمة والكفر والنفاق، واجتماع أسباب البعد من الله والشقاء عليها، كما ~~في قوله تعالى: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر:43]. # وكذا خداع الله المتسبب عن خداعهم، يؤثر في أنفسهم أبلغ تأثير، ~~ويوبقهم أشد إيباق لقوله تعالى: # ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين # [آل عمران:54]. وهم من غاية تعمقهم في جهلهم، ما يحسون بذلك الأمر ~~المكشوف الظاهر، إذ الشعور: علم الشيء إذا حصل بالحس، من الشعار، - ~~ومشاعر الإنسان حواسه - عنى به أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، لكنهم ~~لتماديهم في الغفلة، كالذي به خدر لا يحس، والمراد من النفس: ذات ~~الشيء وحقيقته، ولا يختص بالأجسام لقوله تعالى: # تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك # [المائدة:116]. وقد يطلق على جوهر مفارق عن الأجسام ذاتا وحقيقة، ~~مقارن لها فعلا وتأثيرا، ثم قيل للقلب: نفس، لأنه خليفة النفس في ~~البدن، كما ان الصدر خليفة الطبيعة. # ويقال للدم: نفس، لأن قوام حياتها البدنية بالدم، وللماء: نفس لفرط ~~حاجتها إليه، قال تعالى: # وجعلنا من المآء كل شيء حي # [الأنبياء:30]. وللرأي في قولهم: فلان يوامر نفسه: إذا تردد في الأمر ~~واتجه له رأيان وداعيان، كأنهم أرادوا داعيي النفس وناجييها، ~~فسموهما نفسين، لصدورهما عن النفس، أو تشبيها لهما بمبشرين يأمر ~~أحدهما وينهى الآخر، وستطلع على هذا السر. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: وما يخادعون. والباقون: يخدعون، وحجة ~~الأولين التطابق في اللفظ بين الكلامين. # وحجة الباقين: أن المخادعة إنما تكون بين اثنين، فلا ms0270 يكون الإنسان ~~الواحد مخادعا لنفسه. # أقول: وكذلك الخداع لا يكون إلا بين اثنين. والفرق بينهما: بأن الفعل ~~في الأول من الجانبين، وكذا الانفعال، وفي الثاني: الفعل من جانب، ~~والانفعال من جانب آخر، فالإنسان الواحد، كما لا يخادع مع نفسه، كذلك لا ~~يخدع نفسه أيضا، فما هو الجواب لذاك، فهو الجواب لهذا. # فالأولى أن يراد حقيقة المخادعة، أي وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث ~~يمنونها الأماني الباطلة، ويحدثونها بالأكاذيب، من الإيعاد بالخير، ~~والوعد بالشر، وغير ذلك، وكذلك أنفسهم تعدهم وتمنيهم وتحدثهم بالأماني. # وتحقيق ذلك يبتني على معرفة النفس الإنسانية وهي: أن للنفس الإنسانية ~~نشآت ومقامات متعددة، كالحسية والخيالية والعقلية، ولها مراحل ومنازل ~~متفاوتة، كالدنيا والبرزخ والآخرة، وأكثر الناس ما داموا في الدنيا، ~~فمقام نفوسهم بالفعل عالم الحس، ولها بالقوة نشأة الروح والعقل، وذلك ~~إذا لم يبطل استعدادها لحصول النشأة الباقية، وأما إذا بطل ذلك، بمسخ ~~باطنهم وطمسه بالكلية، فليست نفوسهم هي أرواحا ولا عقولا لا بالفعل ~~ولا بالقوة، ولا لها نشأة إلا نشأة الحس فقط كنفوس سائر الحيوانات. # وبعض الناس، ممن خرجت نفسه من القوة الى الفعل في نشآته الثلاث - ~~كالكمل من العلماء الإلهيين والأولياء - فلهم من الأحدية الحقة ما ~~حازوا به الأكوان الثلاثة، ولا يشغلهم شأن عن شأن ولا يمنعهم موطن عن ~~موطن. # فإذا تقرر هذا فنقول: النفس بحسب كل مقام ونشأة، هي غيرها بحسب مقام ~~آخر ونشأة أخرى، وبواسطة مزاولة أفعال تناسب النشأة الدنيوية ~~وتكريرها تقوي الجنبة السافلة منها وتضعف الجنبة العالية، وبالعكس عند ~~مزاولة أفعال تناسب النشأة الآخرة وتكريرها. # وعند الرسوخ في الأفعال الشهوية والغضبية، والأعمال البهيمية ~~والسبعية، تبطل النشأة العقلية والحياة الملكية بالكلية، بحيث لا ~~يرجى إمكان عودها، وذلك هو الخسران المبين، لأن النفس خسرت ذاتها ~~الباقية ونشأتها العقلية، وعوضت عنها بهذه النشأة الفانية والحياة ~~الحسية كما قال: # خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون # [الأنعام:12]. بتضييع رأس مالهم، وهو الفطرة السليمة والعقل السليم. # ومن هذا القبيل، وقوع المخادعة بين النفس وذاتها، لكونها ذات وجهين: ~~وجه الى الحس والشهوة ms0271 والدنيا والشيطان، ووجه الى العقل والعدالة ~~والعقبى والملك، ولكل من الوجهين أسباب ومهيجات، ودواعي وأغراض، وأشخاص ~~من جنود الشيطان وجنود الملك، والمنازعة [بين القبيلين] والمطاردة قائمة ~~في عرصة باطن الإنسان وميدان صدره، ومعركة قلبه عند بلوغ الإنسان الى ~~مرتبة التمييز وصيرورته مكلفا، والمملكة الإنسانية - وهي البنية بما ~~فيها من القوى والمشاعر والأجزاء - مشتركة بين الخصمين الى أن ينفتح ~~لأحدهما ويتخلص عن الآخر. # وأكثر الناس ممن انفتحت عرصة باطنه ومملكة ظاهره للهوى والشيطان، وبقي ~~لمقابلهما من العقل والملك اجتياز واختلاس وعبور فيها على الندرة، إلا ~~من عصمه الله وقوى الملكية على نفسه الشيطانية. # فإذا ثبت حكم المحاربة بين النفس وذاتها باعتبار كونها ذات الوجهين، ~~فكذلك حكم المخادعة بينها وبين ذاتها. كيف والحرب خدعة، فالمحاربة لا ~~تخلو عن المخادعة، ومن هذا الباب حكم الآيات الدالة على مغايرة النفس ~~لذاتها كقوله: # أن الله يحول بين المرء وقلبه # [الأنفال:24] وقوله: # ونهى النفس عن الهوى # [النازعات:40]. وقوله: # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم:6]. وقوله: # عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم # [المائدة:105]. وقول موسى: # ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم # [البقرة:54] الآية، وقوله: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة:111]. # فاعلم ما ذكرنا، فإنه مفتاح من مفاتيح معرفة النفس، التي بها تفتح أبواب ~~خزائن علم القرآن إنشاء الله. # وقرئ: " وما يخدعون " بالتشديد من خدع، ويخدعون بفتح الياء بمعنى ~~يختدعون، ويخدعون ويخادعون على صيغة المجهول. ### || [2.10] # إعلم أنه كما ان للأبدان صحة ومرضا ودواء وغذاء، فكذلك للقلوب ~~صحة ومرض ودواء وغذاء. وذلك لأن الصحة عبارة عن صفة توجب صدور ~~الأفعال عن موضوعها مستقيمة سليمة، والمرض له صفة توجب وقوع الأفعال ~~عنه مختلة؛ ولما كنت حياة القلب إنما هي بنور الإيمان بالله واليوم ~~الآخر، كما ان حياة البدن بقوة الحس والحركة، وكان الفعل الخاص به: ~~إنما هو ذكر الله وطاعته وعبوديته، كما إن الفعل الخاص بالبدن: الحس ~~والحركة - كالأكل والشرب والجماع والمشي وغيرها - فإذا وقع في القلب من ~~الصفات ما صار مانعا له من هذه ms0272 الآثار، كانت تلك الصفات أمراضا، وتلك ~~الصفات بعضها سموم قتالة: كالجهل المركب، والنفاق، والجحود، والشك، ~~والعناد، والحسد، واللداد وغير ذلك من الصفات المهلكات، فإنها اذا ~~استحكمت ورسخت في القلب، فهي غير قابلة للعلاج. # وبعضها ليست كذلك، كالصغائر من السيئات، والتفاريق من الخطئيات. # واعلم أن الدنيا دار المرض، وليس على ظهر الأرض إلا المرضى، كما ليس ~~في بطنها إلا الأموات، وإنما توجد الصحة والسلامة المطلقة في العالم ~~الأعلى من طبقات الجنان، قال تعالى: # إلا من أتى الله بقلب سليم # [الشعراء:89]. # ومرضى القلوب ها هنا أكثر من مرضى الأبدان، والعلماء أطباء القلوب، ~~وحكام الشريعة قوام دار المرضى. وكل مريض لم يقبل العلاج بمداواة ~~العالم، سلم الى الحاكم ليكف شره عن باقي الناس، كما يسلم الطبيب ~~المريض الذي لا يحتمي، أو الذي غلب علي الجنون الى القيم ليقيده ~~بالسلاسل والأغلال، ويكف شره عن سائر الناس. # وإنما صار مرض القلوب أكثر من مرض الأبدان لثلاث علل: # أحدها: أن صاحب القلب المريض لا يدري أنه مريض. # وثانيها: أن عاقبته غير مشاهدة في هذا العالم، بخلاف مرض البدن ~~فإن عاقبته - وهي موت البدن -، مشاهدة تنفر الطباع منه، وما بعد الموت ~~غير مشاهد لقلة النفرة عن موت القلب الذي هو عاقبة مرضه، وإن علمها ~~مرتكب الأمراض القلبية والكبائر الموبقة، فلذلك نراه يتكل على فضل ~~الله، ويجتهد في علاج البدن. # وثالثها: وهو الداء العضال، وهو إما فقد العلماء الذين هم الأطباء، ~~كما في هذه الأعصار، أو فقد الإيمان بما يقول الطبيب، كما في عصر النبي ~~(صلى الله عليه وآله)، وأعصار ورثته (عليهم السلام). # فنقول: يحتاج المريض الى التصديق بأمور: # الأول: أن للمرض والصحة أسبابا يتوصل اليها بالاختيار على ما رتبه ~~مسبب الأسباب. وهذا هو الايمان بأصل الطب، فإن من لا يؤمن به لا يشتغل ~~بالعلاج، فيزداد مرضه الى أن يلحق به الهلاك، وهذا وزانه في مرض القلوب ~~هو الإيمان بأصل الشريعة، وهو أن للحياة الأخروية والسعادة الدائمة ~~سببا هو الطاعة، وللموت الأخروي والشقاوة الأبدية سببا هو المعصية، ~~وهذا ms0273 - وهو الإيمان بأصل الشرايع - لا بد من حصوله إما عن تحقيق أو ~~تقليد، وكلاهما من جملة الإيمان. # الثاني: أنه لا بد أن يعتقد المريض في طبيب معين أنه عالم بالطب، ~~حاذق فيه، صادق فيما يخبر به ويعبر عنه، لا يلبس ولا يكذب. فإن ~~ايمانه بأصل الطب لا ينفعه بمجرده دون هذا الإيمان. ووزانه فيما نحن ~~فيه: العلم بصدق الرسول (صلى الله عليه وآله)، والإيمان بأن كل ما ~~يقوله حق وصدق، ولا كذب فيه ولا خلف. # الثالث: أنه لا بد أن يصغي الى الطبيب فيما يحذره من تناول الفواكه ~~والأشياء المضرة على أكله، حتى يغلب عليه الخوف في ترك الاحتماء، فتكون ~~شدة الخوف باعثا له على الاحتماء، ووزانه من الدين: الإصغاء الى ~~الآيات والأخبار المشتملة على الترغيب في التقوى، والترهيب من ارتكاب ~~الذنوب واتباع الهوى، والتصديق بما يلقى الى سمعه من ذلك من غير شك ~~وريبة، حتى ينبعث به الخوف المقوي على الصبر، الذي هو الركن في العلاج. # والركن الآخر: هو العلم بما ذكره الطبيب، فإن الشفاء لا يحصل إلا ~~بالدواء، ولا يقف على الدواء من لا يقف على الداء، إذ لا معنى للدواء ~~إلا مناقضة أسباب الداء، فكل داء حصل من سبب، فدواؤه رفع ذلك السبب ~~وحله وإبطاله، ولا يبطل الشيء إلا بضده، والضدان متساويان في المعرفة ~~والجهالة، فلا سبب للإصرار بالمعاصي إلا الجهل والغفلة، والشهوة والهوى، ~~ولا يضاد الغفلة إلا العلم، ولا يضاد الهوى إلا الصبر على قطع ~~الأسباب المحركة للهوى، والغفلة رأس الخطايا، قال الله تعالى: # وأولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة ~~هم الخاسرون # [النحل:108 - 109]. # فلا دواء إذن لأمراض القلوب إلا معجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة ~~الصبر، كما يجمع في السكنجبين بين حلاوة السكر وحموضة الخل، ويقصد ~~بكل واحد منهما غرض آخر في العلاج، بمجموعهما تنقمع الأسباب المهيجة ~~للصفراء، فهكذا ينبغي أن يفهم علاج القلب عن مرضه، فإنه لا بد فيه ~~أصلان: العلم والتقوى، والقرآن كله في بيانهما كما لا يخفى على أهل ~~البصيرة. # وقد ms0274 مر أن فائدة الأعمال الشرعية كلها - وجودية كانت أو عدمية - ~~تصفية القلب عما يكدره ويمرضه ويحجبه عن مطالعة الحق والعلم بالله ~~وصفاته وأفعاله، هي الغاية القصوى لوجود الانسان وسائر الأكوان. # فصل # [مبدأ الخير والشر] # لما كانت الزيادة من جنس المزيد عليه، وقد علمت أن مرض القلب هو الصفات ~~المضادة لأفعاله وآثاره الخاصة، التي أصلها الإيمان بالله، والمعرفة ~~بآياته وكتبه وملائكته ورسله واليوم الآخر، فرئيس الأمراض القلبية هو ~~الكفر بالله، والجهل بهذه الأمور، فقوله: { فزادهم الله مرضا ~~} محمول على الكفر والجهل؛ فيلزم أن يكون الله فاعلا للكفر والجهل. # وهذا مما استشكله جماعة كالثنوية والمجوس، الذين جعلوا فاعل الشرور ~~مبدعا آخر غير فاعل الخيرات، وقالوا بأصلين قديمين، هما عندهم: النور ~~والظلمة، أو يزدان وأهرمن. لأن هذا الإشكال بعينه هي الشبهة ~~المشهورة، وهي: أن في العالم خيرات وشرورا، والموجود الممكني لا بد ~~فيه من مؤثر، وينتهي الى مؤثر قديم دفعا للدور والتسلسل؛ والمؤثر في ~~الخيرات والشرور لا يمكن أن يكون مبدأ واحدا، وإلا لكان أمر واحد ~~خيرا وشريرا معا. # فخالق الأنوار والخيرات هو القديم المسمى بالنور عندهم، أو يزدان، ~~وخالق الظلمات والشرور، هو القديم المسمى بالظلمة عندهم، أو أهر من وقال ~~تعالى دفعا لهذا الاعتقاد: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور # [الأنعام:1]. وهكذا قالت القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة أن في هذا ~~العالم يوجد الكفر والمعاصي كما يوجد الإيمان والطاعات، والله تعالى ~~منزه أن يكون خالق الكفر والمعصية، فكل معصية وكفر فمنشأ صدروها ~~وفاعلها وخالقها هو الشيطان أو العبد، وإن الله تعالى هو فاعل ~~الإيمان والطاعات، وقال تعالى ردا عليهم: # والله خلقكم وما تعملون # [الصافات:96]. وقوله: # ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس:7 - 8]. # وأما حل الشبهة فهو أن الفائض من الباري جل اسمه ليس إلا نور ~~الوجود والرحمة، وهذا النور ينقلب ظلمة من جهة خصوصية بعض القوابل ~~المظلمة بواسطة هيئات ردية غاسقة، كالشمس التي شأنها الإضاءة والتنوير ~~للأشياء المحاذية لها، وإفادة الحياة وإنعاش الحرارة الغريزية ~~للمركبات، لكنها قد توجب ms0275 اسوداد بعض الأجسام، وتعفين بعض المواد ~~الفاسدة، لخصوصية عروض الهيئات المفسدة العائقة لها عن قبول الصلاح ~~والاعتدال، والحكماء ذكروا في رفع شهبة الثنوية ان الأشياء على خمسة ~~احتملات. # أحدها: الخير الذي لا شر فيه أصلا. # والثاني: الشر الذي لا خير فيه أصلا. # والثالث: ما تكون خيريته غالبة على الشرية (فيه). # والرابع: عكس ذلك. # والخامس: ما يتساوى فيه الأمران. وذات الواجب الخير، لما لم يجز أن ~~يصير مبدءا للشرور، وجب أن لا يصدر عنه من هذه الأقسام إلا قسمان، أي ~~الأول الذي لا شرية فيه، والقسم الثالث الذي خيريته غالبة على شريته، ~~لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير. # فنقول: الثنوية القائلة بأن الله لا يصير مبدءا لما فيه شر، أمكن ~~إلزامهم، وقد تفاخر أرسطو وزير إسكندر الرومي الملقب عندهم بالمعلم ~~الأول بذلك الكلام. # فإن قال قائل: انه فقد جاز أن يصدر عن الأول تعالى خير محض مبرأ عن ~~الشر؟ # فيقال: إن هذا لم يكن جائزا في مثل هذا القسم من القسمين المذكورين، ~~وإن كان جائزا في الوجود المطلق، على أنه ضرب منه غير هذا الضرب، وذلك ~~مما قد فاض عنه تعالى: كالموجودات العلوية، والملائكة السماوية، ~~والنفوس الشريفة، والعقول القادسة، وبقي هذا النمط في الإمكان، ولم يمكن ~~ترك ايجاده لأجل ما يخالطه من الشر، لما علمت من أن تركه شر الشرين، ~~فكونه خير الشرين فالكل من عند الله. # وقد مر في المفاتيح انه من الواجب في الحكمة أن يكون في العالم مظاهر ~~جميع الصفات الإلهية، فلا بد لكل من الوصفين المتقابلين من مظهر، ~~فالكفر ونتائجه ومباديه: كالشياطين ومن ضاهاهم من الأشرار، مظاهر القهر ~~والغضب، والإيمان ونتائجه ومباديه: كالملائكة ومن والاهم من الأخيار، ~~ومظاهر اللطف والمحبة. ثم لا اعتراض في تخصيص كل بما يخصه، لأن هذا ~~الترتيب من لوازم الوجود والإيجاد. # فإن قلت: ما ذكرته من التوحيد في الأفعال متحقق ظاهر مهما ثبت ان ~~الوسائط والأسباب مسخرات، وكل ذلك ظهر إلا في أفاعيل الإنسان وحركاته، ~~فإنه يتحرك إن شاء، ويسكن ms0276 إن شاء، فكيف يكون مسخرا في فعله؟ # فنقول: اعلم أنه لو كان الإنسان مع هذا بحيث يشاء إن شاء، ولا يشاء إن ~~لم يشأ، لكان هذا مزلة القدم وموضع الغلط، ولكن علمته أنه يفعل إذا ~~شاء، وما يشاء يشاء، شاء أم لم يشأ فليست المشية إليه إذ لو كانت إليه ~~لافتقرت الى مشيئة أخرى وتسلسل الأمر الى غير النهاية، وإذا لم تكن ~~المشية اليه، بل مهما وجدت المشية التي شأنها تصريف القدرة الى ~~مقدورها، انصرفت القدرة لا محالة؛ ولم يكن لها سبيل الى المخالفة، ~~فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة، والقدرة محركة ضرورة عند انجزام المشية، ~~والمشية تحدث ضرورة في القلب، فهذه ضروريات مترتبة بعضها على بعض، ~~وليس للعبد أن يدفع وجود المشية، ولا انصراف القدرة وانبعاثها الى ~~المقدور بعدها، ولا وجود بعث المشية للقدرة، فهو مضطر في الجميع. # فإن قلت: فهذا جبر محض، والجبر يناقض الاختيار، وأنت لا تنكر الاختيار ~~وكونه سببا للفعل، لا كما زعمته الأشاعرة القائلين بوجود الاختيار من ~~غير أن يكون سببية، وهو المسمى عندهم بالكسب. # قلت: لو انكشف لك الغطاء، لعرفت أن الإنسان في عين الاختيار مجبور، ~~فهو إذن مجبور على الاختيار، وأنه مضطر في صورة مختار. وهذا كما ورد ~~في الحديث الذي مر ذكره عن الصادق (عليه السلام): " لا جبر ولا تفويض ~~بل أمر بين أمرين " وهذا معنى ما قيل: الوجوب بالاختيار لا ينافي ~~الاختيار، بل يؤكده، يعني: أن الاضطرار في الاختيار يؤكد وجود ~~الاختيار؛ لأن الشيء ما لم يجب وجوده لا يوجد، فالاختيار أيضا من جملة ~~الأشياء الممكنة التي في وجودها أن تصير أولا واجبا حتى تتحقق، وإذا ~~وجب الاختيار حتى يوجد، فقد سبقه الاضطرار المؤكد لوجوده. # وإن أردت أن تفهم معنى الاختيار؛ - فإن أكثر الناس جاهلون بمعناه - ~~فلنشرح إياه شرحا وجيزا فنقول: لفظ الفعل يطلق في الإنسان على ثلاثة ~~أوجه، إذ يقال: الإنسان يكتب بالإصبع، ويتنفس بالرئة والحنجرة، ويخرق ~~الماء إذا وقف عليه بجسمه، فهذه أنحاء من أفاعيله في هذا العالم - عالم ~~الشهادة - وله ms0277 ضروب أخرى من الفعل في عالم الغيب، ليس هذا المقام موضع ~~بيانه، فإذن ينسب اليه ها هنا الخرق في الماء، والتنفس والكتابة، ~~وهذه الثلاثة في حقيقة الاضطرار والجبر واحد، ولكنها تختلف وراء ذلك في ~~أمور أخرى، فأعرب لذلك عنها بعبارات ثلاث: فسمي خرقه للماء - عند ~~وقوعه على وجهه - فعلا طبيعيا، وسمي تنفسه فعلا إراديا، وسميت ~~كتابته فعلا اختياريا، والجبر ظاهر في الفعل الطبيعي، لأنه مهما وقف ~~على وجه الماء انخرق لا محالة، فيكون الخرق بعد التخطي من سطع الماء الى ~~الماء ضروريا، والتنفس في معناه، فإن نسبة حركة الحنجرة الى ارادة ~~التنفس كنسبة خرق الماء الى ثقل البدن، فمهما كان الثقل موجودا وجد ~~الانخراق بعده، وليس الثقل اليه، فكذلك ليست الإرادة، ولذلك إذا قصد عين ~~الإنسان بابرة طبق الأجفان بالاضطرار، ولو أراد أن يتركها مفتوحة لا ~~يقدر، مع ان تغميض الأجفان فعل إرادي، لأنه مسبوق بشعور وإرادة، ولكنه ~~إذا تمثل صورة الإبرة في مشاهدته بالإدراك، حديث الإرادة للتغميض ضرورة، ~~وحدثت الحركة بها، ولو أراد أن يترك، لم يقدر عليه مع انه فعل بالقدرة ~~والإرادة، فقد التحق هذا بالفعل الطبيعي في كونه ضروريا. # وأما الثالث: وهو المسمى بالاختياري - ويقال له القصد - فهو مظنة ~~الالتباس كالكتابة والمشي. وهو الذي يقال فيه: إن شاء فعل وإن لم يشأ لم ~~يفعل، وتارة يشاء وتارة لا يشاء. # فيظن من هذا أن الأمر إليه، ومبناه الجهل بمعنى الاختيار، فليكشف عنه، ~~وبيانه أن الإرداة مع العلم الذي يحكم بأن الشيء موافق لك، فإن ~~الأشياء تنقسم الى ما تحكم مشاهدتك الظاهرة أو الباطنة بأنه يوافقك من ~~غير تردد وتحير، والى ما يتردد العقل فيه، فالذي يقطع به من غير تردد ~~- كما يقصد عينك بابرة أو بدنك بسيف - فلا يكون في علمك تردد في أن دفع ~~ذلك خير وموافق لك، فلا جرم تنبعث الإرادة بالعلم، والقدرة ~~بالإرادة، وتحصل حركة الأجفان بالدفع، وحركة اليد بدفع السيف، وذلك من ~~غير روية وفكر. # ومن الأشياء ما يتوقف التمييز والعقل فيه، فلا يدري ms0278 أنه موافق أم لا، ~~فيحتاج الى روية وفكر حتى يتبين أن الخير في الفعل أو الترك، فإذا ~~حصل بالفكر ان أحدهما خير، التحق ذلك بالذي يقطع به انه خير من غير ~~روية وفكر، وانبعثت الإرادة ها هنا كما تنبعث لدفع حوالة السيف والسنان ~~من غير روية وفكر. # فإذا انبعثت الإرادة للفعل الذي ظهر للعقل انه خير، سميت هذه الإرادة ~~اختيارا، مشتقا من الخير، أي هو انبعاث الى ما ظهر للعقل انه خير، ~~وهو عين تلك الإرادة ولم ينتظر في انبعاثها إلا الى ما انتظرت تلك ~~الإرادة، وهو ظهور خيرية الفعل في حقه، إلا أن الخيرية في دفع السيف، ~~ظهرت من غير روية بل على البديهة، وهذا افتقر الى الروية. # فالاختيار عبارة عن إرادة خاصة، هي التي انبعثت بإشارة العقل فيما له ~~في إداركه توقف، ولا يمكن أن تنبعث الإرادة إلا بحكم الحس والتخيل، ~~كما في القسم الأول منها، أو بحكم جزم من العقل كما في الثاني، فداعية ~~الإرادة - وهي كون الفعل موافقا - مسخرة لحكم العقل أو الحس، والقدرة ~~مسخرة للداعية، والحركة مسخرة للقدرة، والكل يصدر بالضرورة فيه من حيث ~~لا يدري، فإنما هو محل ومجرى لهذه الأمور، فأما أن يكون فاعلا فكلا. # فإذا معنى كون الإنسان مجبورا؛ أن جميع ذلك وارد عليه حاصل فيه من ~~غيره لا منه، ومعنى كونه مختارا؛ أنه محل الإرادة لا غير، فاذا هو ~~مجبور على الاختيار. ففعل النار جبر محض، وفعل الله اختيار محض، لأن ~~الاختيار والداعي فيه عين ذاته، وفعل الإنسان منزلة بين المنزلتين فإنه ~~جبر على الاختيار. # [التوحيد الافعالي] # فإن قلت: فهل تقول: إن العلم ولد الإرادة، والإرادة ولدت القدرة، ~~والقدرة ولدت الحركة، وإن كل متأخر حدث من المقدم؟ # فإن قلت ذك، فقد حكمت بحدوث شيء لا من قدرة الله، وإن أبيت ذلك، فما ~~معنى ترتب البعض من هذا على البعض. # فاعلم أن الفرق حاصل بين ما منه الشيء وما به الشيء، فإن أجزاء الحركة ~~والزمان حصل بعضها من بعض، ولم يحصل بعضها ms0279 بسبب بعض، وكذلك المركب - ~~كالمعجون - حاصل من أجزائه، وليس بحاصل بسبب أجزائه. # فالقول بأن بعض تلك الأمور حصل بسبب بعض آخر منها، جهل محض، سواء عبر ~~عنه بالتولد أو بغيره، بل حوالة جميعها على المعنى الذي يعبر عنه ~~بالقدرة الأزلية، وهو الأصل الذي لم يقف كافة الخلق على كنه معناه ~~إلا الراسخون، وليس عند غيرهم منه إلا مجرد لفظه، مع نوع تشبيه له ~~بقدرتنا، وهو بعيد عن الحق، وبيان ذلك يطول ولكن لا يتقدم متقدم ولا ~~يتأخر متأخر إلا بالحق واللزوم فكذلك جميع أفعال الله المترتبة، ~~فإن لها ضربا آخر من التقدم لبعضها على بعض، غير التقدم المسمى عند ~~الفلاسفة بالتقدم بالطبع، وغير الذي سموه التقدم بالعلية، فإنهما ~~متحققان بين المهيات بعضها مع بعض بواسطة، وهذا الذي كلامنا فيه، تقدم ~~وتأخر بين الموجودات التي هي أنوار مترتبة في الإفاضة عن الحق، أو ~~بين مراتب تنزلات الحق الأول، وقد سميناهما التقدم والتأخر بالحقيقة ~~بالاعتبار الأول، والتقدم والتأخر بالحق بالاعتبار الثاني، وهذا مما ~~لا يظهر إلا للخواص المكاشفين بنور الحق، ولا ينفع ذكره للحمقى ~~الجاهلين المجانين، إلا فتنة وتحريكا لسلسلة جنونهم، وحلا لعقائد ~~ظواهر الشريعة عن ألسنتهم وأيديهم. # وبالجملة، فلولا الترتيب بين الموجودات، لبطل النظام، ولم تكن الغايات ~~مترتبة على الأشياء، ولكان فعل الله على ذلك التقدير الذي توهمه ~~جماعة من الناس - كأصحاب أبي الحسن الأشعري وغيرهم - عبثا وتهذارا ~~وهباء ولعبا، قال تعالى: # وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ~~* ما خلقناهمآ إلا بالحق # [الدخان:38 - 39]. # فكل ما بين السماء والأرض على ترتيب واجب وحق لازم، لا يتصور أن يكون ~~إلا كما حدث، وعلى الترتيب الذي حدث، فما تأخر متأخر إلا لانتظار ~~ما يتوقف عليه ويشترط به، والموقوف بعد الموقوف عليه، والشرط قبل ~~المشروط. # وعكس هذا الترتيب وخلافه محالان، والمحال لا يوصف بكونه مقدورا، فلا ~~يتأخر العلم عن النظر إلا لفقد شرط الحياة، ولا تتأخر عنها الارادة بعد ~~العلم إلا لفقد شرط العلم، وكل ذلك على منهاج الواجب وترتيب الحق، ليس ~~في شيء ms0280 من ذلك لعب واتفاق، بل كل ذلك بحكمة وتدبير. # وتفهيم ذلك عسير، على الأفهام غير يسير، وللفرق بين سبب به وسبب منه، ~~وإطلاق الفاعل على كل من هذين المعنيين، نسب الله الأفعال في القرآن ~~مرة الى الملائكة، ومرة الى العباد، ونسبها مرة الى نفسه، فقال في ~~الموت: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة:11] ثم قال: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر:42]. وقال: # فأرسلنآ إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا # [مريم:17]. ثم قال: # فنفخنا فيها من روحنا # [الأنبياء:91]. والنافخ جبرائيل. وقال: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي # [الحجر:29]. وقال: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم # [التوبة:14]. والتعذيب هو عين القتل، بل صرح وقال: # فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم # [الأنفال:17]. ثم قال: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال:17]. وهو جمع بين النفي والإثبات ظاهرا، لكن معناه: رميت ~~بالمعنى الذي يكون العبد راميا، وما رميت بالمعنى الذي يكون الحق ~~راميا، إذ هما معنيان مختلفان. وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ~~وصف ملك الأرحام أنه يدخل الرحم فيأخذ النطفة بيده: ثم يصورها ~~جسدا، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى أسوي أم معوج؟ فيقول الله ما شاء، ~~ويخلق الملك. # وفي لفظ آخر: ويصور الملك فيها الروح بالسعادة والشقاوة. # وقال بعض السلف: إن الملك الذي يقال له الروح، هو الذي يولج الأرواح ~~في الأجسام، وإنه يتنفس بوضعه، فيكون كل نفس من أنفاسه روحا تلج في ~~جسم. # وقال بعض العرفاء: ما ذكره من مثل هذا الملك صفته، فهو حق بمشاهدة ~~أرباب القلوب ببصائرهم، وأما كون الروح عبارة عنه، فلا يمكن أن يعمل إلا ~~بالنقل. والحكم به تخمين مجرد. # وكذلك ذكر الله في القرآن الأدلة والآيات في الأرض والسموات وقال: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت:53]. # ثم قال: # أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد # [فصلت:53]. # وقال: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران:18]. # فبين أنه الدليل على نفسه. # وليس ذلك بمتناقض، بل طرق الاستدلال، ms0281 فكم من طالب عرف الحق بالنظر الى ~~الموجودات، وكم من طالب عرف الحق بالنظر إليه، وبه كل الموجودات. كما ~~قال بعضهم: عرفت ربي بربي، ولولا ربي لما عرفت ربي. # وقد وصف الله نفسه بأنه المحيي والمميت، ثم فوض الموت والحياة الى ~~ملكين، ففي الخبر: إن ملك الموت وملك الحياة تناظرا، فقال ملك ~~الموت: أنا أميت، وقال ملك الحياة: أنا أحيي الأموات. فأوحى الله ~~إليهما: كونا على عملكما وما سخرتما له من الصنع. فإني أنا المميت ~~وأنا المحيي. لا مميت ولا محيي سواي. # فالمحقق أضاف الكل الى الله، لأنه عرف الحق والحقيقة. # ولما جرى بيت لبيد على لسان بعض الأعراب، قصدا أو اتفاقا، صده ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) فقال: أصدق بيت قاله شاعر، قول لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # أي كل ما لا قوام له بنفسه، وإنما قوامه بغيره، فو باعتبار نفسه ~~باطل، وإنما حقيته وحقيقته بغيره لا بنفسه، فإذا لا حق بالحقيقة إلا ~~القيوم الحق الذي ليس كمثله شيء، فإنه قائم بذاته، وكل ما سواه قائم ~~بقدرته، فهو الحق وما سواه باطل، ولنرجع الى ما كنا بصدده. # فصل # [رد احتجاجات المعتزلة] # إعلم أن المعتزلة لما كان أصل اعتقادهم أن فاعل الكفر والجهل ~~والظلمة وسائر الشرور الواقعة في هذا العالم هو غير الله؛ أشكل عليهم ~~قوله: { فزادهم الله مرضا } ، قالوا: لا يجوز أن يكون مراد ~~الله منه الكفر والجهل لوجوه مذكورة في التفسير الكبير من غير جواب، ~~ونحن نذكرها ونجيب عنها: # الأول: أن الكفار كانوا في غاية الحرص على الطعن في القرآن، فلو كان ~~المعنى ذلك، لقالوا للنبي (صلى الله عليه وآله): إذا فعل الله الكفر ~~فينا، فكيف يأمرنا بالإيمان؟ # والجواب: أولا: بالنقض، لأن ما ذكروه جار بعينه في مثل قوله: # وأضله الله على علم # [الجاثية:23]. وقوله: # يضل من يشآء ويهدي من يشآء # [فاطر:8] وقوله: # إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا # [الكهف:57]. إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنه تعالى أبعد الكفار ms0282 ~~والمنافقين عن دار كرامته، وصدهم عن سبيله، وجنبهم عن الجنة. # وثانيا: إن المنافقين إذا قالوا ذلك، فللبني (صلى الله عليه وآله) أن ~~يقول: إنما طرأ عليكم من الله الظلمة والحجاب، لشؤم ما فعلتم أولا ~~من الانكار والجحود والتمادي على الجهل والكفر، كما قال تعالى: # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ~~أو أشد قسوة # [البقرة:74]. وقوله: # بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا # [النساء:155]. وقوله: # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم ~~قاسية # [المائدة:13]. # الثاني: إنه تعالى لو كان فاعلا للكفر، لجاز منه إظهار المعجزة على يد ~~الكاذب، فكان لا يبقى كون القرآن حجة. # والجواب: منع هذه الملازمة. وأي علاقة لزومية بين ايجاد الكفر في ~~النفوس المظلمة الجاحدة لآيات الله، وبين اظهار المعجزة على يد الكاذب؟ # الثالث: إنه تعالى ذكر هذه الآيات في معرض الذم لهم على كفرهم، فكيف ~~يذمهم على شيء خلقه فيهم؟ # والجواب: إن هذا بعينه مصادرة على المطلوب الأول، فإن أصل الكلام في ~~أن الله فاعل الكل أم لا. # الرابع: قوله تعالى: { ولهم عذاب أليم } ، فإن كان تعالى خلق ~~ذلك فيهم كما خلق لونهم وطولهم، فأي ذنب لهم حتى يعذبهم؟ # والجواب: بما مر سابقا، أن العقوبات للجرائم، من باب التوابع والثمرات ~~لبذور المعاصي والسيئات، والله منزه عن الانفعال والتغير في الصفات، ~~كالغضب ونحوه، فكان حاصل الجواب عن قول من قال " إذا كان الكل به ومنه ~~وإليه، فكيف غضب على نفسه وذم فعله "؟ ما قد ذكر سابقا من تقسيمه عباده ~~وبحسب المشية الى ما سبق لغاية الحكمة، والى من استوقف دونها، فاستعير ~~للنسبة الأولى اسم الرضاء، وللثانية عبارة الغضب، وأردف الأول بخلعه ~~الثناء زيادة في القبول والرضاء. وأردف الثاني بنقمة اللعن والذم ~~زيادة في النكال، فهو المعطي للجمال والمثني، وهو المعطي للنكال ~~والمردي، فيكون بالحقيقة هو المجمل والمثني والمثنى عليه في جميع ~~الأحوال، والحمد لله على كل حال. # الخامس: إنه تعالى أضافه اليهم بقوله: { بما كانوا يكذبون } ، ~~وعلى هذا وصفهم تعالى بانهم مفسدون في الأرض، وأنهم ms0283 هم السفهاء، إذا ~~خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم، فدل على أن المراد منه شيء آخر. # والجواب: بمثل ما مر، وهو أن إظلام قلوبهم وتسويدها بالكفر، مسبب عن ~~كذبهم وتكذيبهم للرسول (صلى الله عليه وآله)، وإفسادهم في الأرض، ~~واستهزائهم بالمؤمنين، وهذه أيضا أسباب لاشتداد مرضهم وازدياد كفرهم. # فصل # [تأويلات المعتزلة] # ثم قالت المعتزلة: إذا ثبت أن المراد ليس ما هو الظاهر من قوله تعالى: ~~{ فزادهم الله مرضا } ، فلا بد من التأويل فيه، وهو من وجوه: # الأول: بحمل المرض على الغم لأنه يقال: مرض قلبي من أمر كذا، والمعنى: ~~أن المنافقين لما رأوا ثبات أمر النبي (صلى الله عليه وآله) واستعلاء ~~شأنه يوما فيوما وذلك كان يؤثر في زوال رياساتهم، فهؤلاء لما اشتد ~~عليهم الغم وصف الله تعالى ذلك، أي زادهم غما على غمهم بما يزيد في ~~أمر الرسول وتعظيم شأنه. # الثاني: إن مرضهم وكفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكاليف، وتكرير ~~الوحي، وتضاعف النصر، فهو كقوله تعالى في سورة التوبة: # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [التوبة:125]. والسورة لم تفعل ذلك، ولكنهم ازدادوا رجسا عند نزولها ~~لما كفروا بها قبل ذلك. وكقوله: # وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا # [المائدة:64]. وقوله: # فلما جآءهم نذير ما زادهم إلا نفورا # [فاطر:42]. وكقولك لمن نصحته فلم يقبل وتمادى في فساده: ما زادتك ~~نصيحتي الا شرا وفسادا. # فكذا هؤلاء المنافقين، لما كفروا وازداد كفرهم عند التكليف والدعوة من ~~الله الى شرائع دينه، اضيفت زيادة كفرهم إليه تعالى. # الثالث: أن يراد ما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخوف لأن قلوبهم ~~كانت قوية، إما لقوة طمعهم فيما كانوا يتحدثون به ان ريح الإسلام ~~تهب حينا ثم تسكن، ولواءه يخفق أياما ثم يقر، فضعفت حين ملكها ~~اليأس عند إنزال الله على رسوله النصر، وإظهار دينه الحق على الدين كله. ~~وإما لجرأتهم وجسارتهم في الحرب فضعفت جبنا، حين قذف في قلوبهم ~~الرعب، وشاهدوا شوكة المسلمين وامد الله لهم بالملائكة. # ومعنى الزيادة: أنه كلما زاد الله رسوله نصرة وتبسطا ms0284 في البلاد، ~~ازدادوا حسدا وبغضا، وازدادت قلوبهم ضعفا ويأسا عما طمعوا فيه، ~~وجبنا وخورا، وأن يحمل المرض على تغير مزاج القلب وتألمه، وذلك لأن ~~الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه، فإذا دام به ذلك؛ ~~فربما صار ذلك سببا لتغير مزاج قلبه ومرضه، قالوا: وحمل اللفظ على هذا ~~الوجه حمل له على حقيقته، فكان أولى من سائر الوجوه. # فصل فيه حكمة عرشية # [اللذة والألم] # قوله: { ولهم عذاب أليم } ، قال صاحب الكشاف: يقال: ألم فهو ~~اليم، كوجع فهو وجيع، وهذا على طريقة قولهم، جد جده، والألم في ~~الحقيقة للمؤلم، كما أن الجد للجاد. # أقول: إن المؤلم بالحقيقة، هو الألم الحاصل في القلب دون السبب ~~الخارجي، كما ان صورة اللذة الحاصلة في النفس عند إدراك الملائم النفسي ~~أو البدني، هي الملذة بالحقيقة، لا ما خرج عن التصور، وليس الملذ ~~والمؤذي بالحقيقة إلا المرتسم في القلب، - أعني النفس - لا الموجود في ~~الخارج، وكلما ارتسمت في النفس صورة العذاب أو مقابلها يفعل فعلها وإن ~~لم يكن سبب من خارج، فإن السبب الذاتي هو هذا المرتسم، والخارج سبب ~~بالعرض، أو سبب السبب، فالأول: كما في اليقظة، فإن الصور الملذة أو ~~المؤذية المرتسمة في النفس تبتدئ من الصور المادية الخارجية، وقد ثبت ~~في العلوم الحقيقية، أن تأثيرها على سبيل الاتفاق والإعداد، وانها ~~أسباب بالعرض، والثاني: كما في النوم، فإن الصور الملذة أو المكرهة قد ~~تبتدئ من داخل باطن النفس إليها حتى تنتهي الى مشهد الحس المشترك، ~~فتدركها النفس، وقد لا تكون كذلك، بل تنتقل صور مخزونات النفس بعضها الى ~~بعض، فإذا ابتدأت من داخل النفس، فيكون سبب ارتسامها من عالم الغيب، ~~والأسباب الموجودة في عالم الغيب سببيتها تكون ذاتية، فيكون الملذ ~~والمؤذي في النوم أو ما يجري مجراه كالموت والبرزخ، هي الصورة المرتسمة ~~في النفس، وسبب ارتسامها ملذ ومؤلم بالواسطة. # فصل # [في قوله تعالى: بما كانوا يكذبون] # قوله: { بما كانوا يكذبون } ، صريح في أن عذابهم الأليم ~~معلل بكذبهم، على قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وذلك يقتضي ms0285 أن يكون كل ~~كذب قبيحا حراما. # وفيه رمز آخر الى قبحه، حيث علل به استحقاق العذاب، وترتب عليه دون ~~الكفر مع وجوده، ونحوه قوله تعالى: # مما خطيئاتهم أغرقوا # [نوح:25]. وانهم كانوا كفرة إلا انه خصت الخطيئات بالسببية، ~~استعظاما لها، وتنفيرا عن ارتكابها. # والكذب: هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به، وهو حرام كله، أما ~~ما يروى عن إبراهيم (عليه السلام) أنه كذب ثلاثة كذبات، فالمراد ~~التعريض، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به. # والمراد بكذبهم قولهم: # آمنا بالله وباليوم الآخر # [البقرة:8]، والجاحظ لا يسميه كذبا إلا إذا علم كون المخبر عنه على ~~خلافه، وهذه الآية حجة عليه. # وقرأ الباقون: يكذبون، من كذبه، نقيض صدقه، لأنهم كانوا يكذبون ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) بقلوبهم، وإذا خلوا الى شياطينهم. # أو من كذب الذي هو مبالغة كذب، كما بولغ في صدق فقيل صدق مشددا، ~~ونظيرهما: بان الشيء وبين. وقلص وقلص، أو بمعنى الكثرة كقولهم: موتت ~~البهائم وبركت الإبل. ### || [2.11] # الجملة معطوفة إما على: " يكذبون " ، وإما على: " يقول آمنا " ، ~~فيكون التقدير: ومن الناس من إذا قيل لهم، والأول أولى، والقائل هو ~~الله تعالى، أو الرسول (صلى الله عليه وآله)، أو بعض المؤمنين، ولكل ~~قائل، والكل محتمل. # والأقرب أن القائل لهم من شافههم ممن يختص بالدين والنصيحة، وكثيرا ~~ما كان المنافقون إذا عوتبوا عادوا الى إظهار الإسلام والندم، وكذبوا ~~الناقلين عنهم، وحلفوا بالله عليه، كما أخبر تعالى عنهم في قوله: # يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة ~~الكفر # [التوبة:74] وقال: # يحلفون لكم لترضوا عنهم # [التوبة:96]. # وما وري عن سلمان " إن أهل هذه الآية لم يأتوا بعد " ، فلعله أراد به ~~أن أهلها ليس مقصورا على الذين كانوا فقط، بل وسيكون من بعد من كان ~~حالهم هذا الحال، لأن الآية متصلة بما قبلها بالضمير الذي فيها. # والفساد: عبارة عن خروج الشي عن كونه منتفعا به، ونقيضه: الصلاح، وقد ~~يطلق على زوال الصورة، ونقيضه: الكون، وأما كون الفساد فسادا في الأرض، ~~فيستدعي أمرا زائدا وفيه ms0286 أقوال: # أحدها: قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: إن المراد به إظهار معصية ~~الله. وتقريره ما ذكره القفال، وهو أن إظهار معصية الله إنما كان ~~فسادا في الأرض، لأن الشرائع الإلهية سنن وطرق موضوعة بين العباد، ~~فإذا تمسكوا بها زال العدوان، ولزم كل أحد شأنه، فحقنت الدماء وسكنت ~~الفتن، فكان فيه صلاح الأرض، وأما إذا تركوا التمسك بالشرائع، وأقدم كل ~~أحد على ما يهواه بطبعه، لزم الهرج والمرج والاضطراب، ويهيج الحروب ~~والفتن والفساد في الزروع والمواشي، وانتفاء المنافع، الدينية ~~والدنيوية، ولذلك قال الله تعالى: # فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم # [محمد:22] وقال: # وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل # [البقرة:205]. نبأهم الله تعالى على أنهم إذا أعرضوا عن الطاعة، لم ~~يحصلوا إلا على الإفساد في الأرض به. # الثاني: أن يقال: ذلك الفساد، هو مداراة المنافقين للكافرين ومخالطتهم ~~معهم، لأنهم لما مالوا الى الكفار مع أنهم في الظاهر مؤمنون، أوهم ~~ذلك ضعف الرسول (صلى الله عليه وآله) وضعف أنصاره، وكان ذلك يجرئ ~~الكفار على عداوة الرسول (صلى الله عليه وآله) ونصب الحرب لهم وطمعهم ~~في الغلبة، فلما كان صنيعهم ذلك مؤديا الى الفساد، قيل لهم: لا ~~تفسدوا، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك، ولا تلق نفسك في النار، إذا ~~أقدم الى أمر هذه عاقبته. # الثالث: إن المنافقين كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على ~~المسلمين، بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم، وذلك مما يؤدي الى هيج ~~الفتن بينهم، وفيه فساد عظيم في الأرض. # الرابع: قال الأصم: كانوا يدعون في السر الى تكذيبه، وجحد الإسلام، ~~وايقاع الشبه في قلوب الناس من ضعفاء العقول والإيمان، فيرتدون على ~~أعقابهم. # فصل # وقوله: { قالوا إنما نحن مصلحون } ، كالمقابل لما ذكر، ~~وهو جواب ل " إذا " ، ورد للقائل الناصح على سبيل المبالغة، لأن " ~~إنما " لقصر الحكم على شيء كقولك: إنما يكتب زيد، ولقصر الشيء على حكم ~~كقولك: إنما زيد كاتب، فالمعنى أن صفة الإصلاح مقصورة عليهم متمحضة ~~لهم، وعند ذلك يحتمل وجهان: # أحدهما: إنهم ms0287 اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب وكان سعيهم لأجل تقوية ~~ذلك الدين، لا جرم قالوا: { إنما نحن مصلحون }. # وثانيهما: إن مداراتنا مع الكفار سعي في الإصلاح بينهم وبين المسلمين، ~~وذلك كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: # إن أردنآ إلا إحسانا وتوفيقا # [النساء:62]. ### || [2.12] # رد لما ادعوه، وإنكار لما صوروه من الانتظام في جملة المصلحين، ~~بأبلغ رد وأشد إنكار، وأدله على سخط عظيم، حيث وقع الاستيناف ~~والتصدير: (بألا) و (إن) حرفي التأكيد والتحقيق، وعرف الخبر ووسط ~~الفصل مع الاستدراك " بلا يشعرون " ، فإن الأولى منهما مركبة من حرفي ~~الاستفهام والنفي لافادة التحقيق كقوله: # أليس ذلك بقادر # [القيامة:40] ولكونها في هذه المرتبة من التحقيق، لا يكاد تقع الجملة ~~بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم، واختها " أما " التي هي من ~~طلائع اليمين ومبادئ القسم، والثانية هي المقررة للتنبيه والتحقيق. # تنبيه # [الجهال المنتسبون الى العلم] # إعلم أن هؤلاء المنافقين الذين ذكرهم الله، كانوا من المنتسبين ظاهرا ~~الى العلم والصلاح، مع وفور الجهل، وقلة الورع، ورداءة الاعتقاد، وسوء ~~الخلق، وعند أنفسهم - لغاية الحمق والسفاهة - أنهم من أهل الصلاح ~~والاصلاح لنفسهم ولغيرهم، ونظائرهم موجودون في كل زمان، مضادون في ~~أطوارهم وآرائهم لأهل الحق في كل أوان، واكثرهم من مجادلة أهل الكلام، ~~والمتعصبة لمذاهب أخذوها تلقفا وتقليدا من غير بصيرة. وليس من ~~الطوائف المنتسبة الى العلم والأدب شر على العلماء المحقين، ولا أضر ~~على الأنبياء الهادين، ولا أشد عداوة للمؤمنين بالحقيقة، ولا أفسد ~~للعقول السليمة، من كلام هؤلاء المجادلة، وخصوماتهم وتعصباتهم في الآراء ~~والمذاهب. # وذلك لأنهم إن كانوا في زمن الأنبياء (عليهم السلام)، فهم الذين لا ~~يصدقون ولا يؤمنون كسائر الناس، بل يطالبونهم بالحجج والمعجزات، ~~ويعارضونهم بالخصومات، ويشوشون عقائد المسلمين بابداء الشبهات، ~~ويزيفون قلوبهم بالضلالات، مثل ما قالوا لنبينا (صلى الله عليه ~~وآله): # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا [* ~~أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر ~~الأنهار خلالها تفجيرا *] أو تسقط السمآء كما ~~زعمت علينا كسفا # [الإسراء:90 - 92] وما قالوا لنوح: # وما نراك ms0288 اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي # [هود:27]. # وهم الذين كانوا إذا مروا بالمؤمنين يتغامزون، وقال تعالى في ذمهم ~~وتوبيخهم: # ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون # [الزخرف:58]. فهذه حال من كان منهم في زمان الأنبياء (عليهم السلام). # وأما إذا كانوا في غير أزمانهم، فهم الذين يجادلون أهل الدين والورع ~~بالشبهات، وينبذون كتب الله وراء ظهورهم، ويفرغون الى الآراء والمذاهب ~~بعقولهم السخيفة، وآرائهم الفاسدة، ويضعون لمذاهبم قياسات متناقضة، ~~واحتجاجات مغالطية مموهة، فيضلون العقول السليمة عن سنن الحق ومسلك ~~الدين، والعلة في ذلك أسباب شتى: # منها: شدة تعصبهم فيما اعتقدوه تقليدا من غير بصيرة، وأخذوه من ~~آبائهم وأسلافهم في أوائل العمر. # ومنها أعجابهم بأنفسهم في حالهم وعلمهم. # ومنها: اعتقادهم لأصول خفي فيها خطأوها عليهم وهي ظاهر الشناعة فيما ~~يترتب عليها ويتفرع عنها، فيلتزمون تلك الشناعات في الفروع، مخافة أن ~~تنتقض عليهم الأصول، ويطلبون لها وجوها من المراوغة من التزام الحجة، ~~تارة بالشغب، وتارة بالتمويه، وتارة بالمنازعة هربا عن الجواب ~~والإقرار بالحق، وتأنفا عن أن يقولوا: لا ندري الله وروسوله أعلم، ~~إقتداء بأدب الله كما قال: # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله # [الشورى:10] # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم # [النساء:83]. # وانك لتجد من فيهم جودة عبارة، وفصاحة بيان، وسحر كلام، ما يقدر أن ~~يصور الباطل في صورة الحق بالوصف البليغ، ويصور الحق في صورة الباطل، ~~وهو مع ذلك جاهل القلب، ميت النفس عن إدراك حقائق الأشياء، بعيد الذهن ~~عن فهم المعارف العقلية، كما قال تعالى: { ولكن لا يشعرون ~~}. وقوله: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل:80]. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه كان يقول: # " أخوف ما أخاف على أمتي منافق القلب، عليم اللسان، غير حكيم ~~القلب، يغترهم بفصاحة بيانه، ويضلهم بجهله ". # وتجد فيهم من يجادل ويحتج وهو عاقل في أشياء كثيرة من أمور الدنيا، ~~فإذا فتشت عن اعتقاده في أشياء اعتقادية متعلقة بأمور الدين، وجدت ~~رأيه واعتقاده أسخف وأقبح من رأي كثير من ms0289 الصبيان والعلة ما ذكرنا أولا. ### || [2.13] # ومن قبائح أعمال المنافقين: أنهم يستنكفون عن قبول التعليم، وعن ~~التقليد للغير، والتسليم لأمره، ولا يرضون بمشاركة الناس ترفعا ~~لمقامهم، ومقامهم أدنى من كل أحد، ممن يقبل التعليم والتأديب والإرشاد ~~والتهذيب. # ولما كان كمال الإنسان منوطا بمجموع أمرين: ترك ما لا ينبغي، وإتيان ~~ما ينبغي. لذلك نهاهم الله في الآية المتقدمة عن الفساد في الأرض، ~~وأمرهم في هذه الآية بالإيمان ولفظة قوله: " آمنوا " مفعول لم يسم ~~فاعله؛ لمعنى قوله: " قيل " ، والإسناد الى صورة الفعل ولفظه جائز، ~~والممتنع هو الإسناد الى معناه، فهو مثل قولك: ركب " ضرب " من ثلاثة ~~أحرف. # وقوله: { آمنوا كمآ آمن الناس } ، في حيز النصب على ~~المصدرية، و " ما " مصدرية، مثلها في " بما رجعت " ، أو كافة مثلها في ~~" ربما ". # والتعريف في " الناس " للجنس، أي كإيمان سائر الناس، واستدل به على ~~قبول توبة الزنديق، وان الإقرار باللسان إيمان، وإلا لم يفد هذا ~~التقييد. # أو المراد به الكاملون في الإنسانية، العاملون بمقتضى العقل، فإن اسم ~~الجنس كما يطلق على مسماه مطلقا، كذلك يستعمل لما يستجمع المعاني ~~المخصوصة به والمقصودة، والمعاني المختصة بالإنسان التي يمتاز بها عن ~~سائر الأكوان وسائر الحيوان، هي الإيمان والمعرفة والعفة والعدالة ~~والصبر والتقوى والرضا بما أمر الله، وغير ذلك، فكل من أخل بشيء من ~~ذلك، فقد نقص في الإنسانية بحسبه، وكل من قصر عنها فصح سلب ~~الانسانية عنه فيقال: زيد ليس بإنسان، وإن كان في قالب الإنسانية، ومن ~~هذا الباب قوله تعالى: # صم بكم عمي # [البقرة:18]، ونحوه، وقد جمع الشاعر بين المعنيين في قوله: # إذ الناس ناس والزمان زمان # ويمكن أن يكون للعهد، والمراد به الرسول (صلى الله عليه وآله) ومن معه ~~أو من آمن من أهل جلدتهم كابن سلام وأصحابه والمعنى: آمنوا كسائر الناس، ~~أو كإيمان الخواص ايمانا مقرونا بالإخلاص، متمحضا عن شوائب النفاق. # والقائل: إما رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو بعض المؤمنين. وكان ~~من جوابهم أن سفهوا الناصح لفرط سفههم، وجهلوه لتمادي جهلهم وغرورهم. # ومنشأ غرورهم ms0290 وتسفيههم لأهل الدين أحد أمرين؛ لأن الكفار على ضربين، ~~فمنهم من غرته الحياة الدنيا، ومنهم من غره بالله ~~الغرور. # أما الذين غرتهم الحياة الدنيا، فهم الذين لهم زينة في الحياة الدنيا، ~~ورياسة في قومهم وجمعية ويسار، ورأوا أكثر المؤمنين فقراء تحت ذل ~~المسكنة واليأس والبؤس، فاغتروا بالدنيا وقالوا: النقد خير من النسيئة، ~~والدنيا نقد، فتكون خيرا من الآخرة لأنها نسية، فلا بد من ايثارها. # وربما قالوا أيضا: اليقين خير من الشك، ولذات الدنيا يقين، ولذات ~~الآخرة شك، فلا يترك اليقين بالشك، فهو هو الباعث لهم على نسبة السفاهة ~~الى المؤمنين. # وهذه أقيسة فاسدة، دالة على أن الملفق لها المعول عليها سفيه العقل ~~جاهل القلب، ولهذا أظهر الله تعالى حال باطنهم وسفاهة عقلهم بقوله: { ~~ألا إنهم هم السفهآء ولكن لا يعلمون }. # وذلك لأن قياسهم فاسد يشبه قياس إبليس، ولكنهم وقعوا فيه واغتروا ~~به لأنهم ما علموا وجه فساده. # وعلاجه أحد أمرين: إما بالبرهان. وإما التصديق بمجرد الايمان بما أخبره ~~الله تعالى من قوله: # وما عند الله خير وأبقى # [القصص:60] # والآخرة خير وأبقى # [الأعلى:17]. # وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور # [آل عمران:185]. ونحو ذلك. # وأما المعرفة بالبرهان، فهو أن يعرف وجه فساد قياسهم الذي يظنه الشيطان ~~وفيه أصلان: الأول؛ صحيح والآخر: وهو قوله: النقد خير من النسية، محل ~~التلبيس، إذ لو كان النقد مثل النسية في القدر والشرف والمنزلة، فهو ~~خير وإلا فلا. وعند هذا يفزع الشيطان إلى القياس الآخر، وهو أكثر ~~فسادا من الأول، لأن كلا أصليه باطل، إذ اليقين خير من الشك إذا كان ~~مثله في المقصود، وإلا فإن التاجر في تعبه ومشقته على يقين، وفي ربحه ~~على شك، والمتفقه في اجتهاده وتعبه على يقين، وفي ادراكه رتبة العلم على ~~شك، وكذا سائر النظائر في هذا الباب. # فكذلك من شك في الآخرة، ينبغي له بحكم الجزم أن يقول: " الصبر أياما ~~قلائل قريب بالاضافة الى ما يقال من أمر الآخرة، فما قيل فيه إن كان ~~كذبا فلا يفوتني إلا التنعم اليسير ms0291 في أيام حياتي، وإن كان صدقا ~~فأبقى في النار أبد الآباد وهذا لا يطاق ". ولذلك قال أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) لبعض الملحدين: " إن كان ما قلته حقا فقد تخلصت ~~وتخلصنا، وإن كان ما قلنا حقا، فقد تخلصنا وهلكت ". # وما قال (عليه السلام) هذا عن شك في أمر الآخرة، ولكن كلم الملحد ~~على قدر عقله، فبين أنه مغرور سفيه. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الآخرة شك، فهو أيضا خطأ، بل ذلك يقين ~~عند العارفين والمؤمنين، وليقينه مدركان: # أحدهما: الإيمان والتصديق تقليدا للأنبياء والأولياء، وذلك أيضا يزيل ~~السفه والغرور، وأكثر أهل الدين اطمأنوا به كما تطمئن نفس المريض الى ~~تصديق قول الأطباء الحذاق في الدواء، ولو اعتمد أحد قوله وترك قول ~~الأطباء، كان سفيها معتوها، وهذا القدر من الإيمان كاف لجملة الناس، ~~لأنه اعتقاد جازم يستحث على العمل، وإليه الإشارة بوجه في قوله: { ~~آمنوا كمآ آمن الناس }. # وأما المدرك الثاني لمعرفة الآخرة: فالوحي للأنبياء، والإلهام للأولياء، ~~ولا تظن أيها الحبيب - هداك الله - ان معرفة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) لأمر الآخرة ولأمر الدين ولسائر المعارف الإلهية، كانت تقليدا ~~لجبرائيل بالسماع منه والرواية، كما ان معرفتك تقليد للنبي تكون معرفتك ~~كمعرفته، وانما يختلف المقلد فقط. # هيهات، فإن التقليد ليس معرفة، بل هو اعتقاد صحيح، والأنبياء عارفون. ~~ومعنى معرفتهم أنهم كشف لهم حقيقة الأشياء كما هي عليها، فشاهدوها ~~بالبصيرة الباطنة، كما تشاهد أنت المحسوسات بالبصر الظاهر، فيخبرون عن ~~مشاهدة، لا عن سماع وتقليد. # وأما الذين غرهم بالله الغرور، فمنشأ اغترارهم بالله ما قال بعضهم في ~~أنفسهم أو بألسنتهم: إنه إن كان لله تعالى معاد ولنا عود إليه، فنحن ~~أحق به وبالسعادة عنده من غيرنا، لأنا أعظم منزلة وأوفر حظا وأسعد ~~حالا، كما أخبر الله تعالى من قول الرجلين المتحاورين في القرآن بقوله: # ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي ~~لأجدن خيرا منها منقلبا # [الكهف:36]. وقال تعالى ردا على أمثاله: # أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا # [مريم:78]. كلا فهذا من الغرور بالله. # ويشبه ms0292 القياس من أقيسه إبليس، وذلك بأنهم ينظرون مرة الى نعم الله ~~تعالى عليهم في الدنيا، ويقيسون نعم الآخرة عليه، وينظرون مرة الى ~~تأخير الله العذاب عنهم فيقيسون عذاب الآخرة عليه، ومرة ينظرون الى ~~الفقراء المؤمنين وهم شعث غبر وكان منهم في زمان النبي (صلى الله عليه ~~وآله) موالي كصهيب وبلال وخباب، فيزدرونهم ويستحقرونهم، ويسفهونهم، ~~وكان بعض المنافقين يقول لبعض: أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان وسفيه بين ~~فلان؟! # وكانوا يقولون: # أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ # [الأنعام:53]. ويقولون: # لو كان خيرا ما سبقونآ إليه # [الأحقاف:11]. وهذا كله أيضا لحمقهم، وسفه عقولهم، وجهلهم بأحوال ~~الدنيا والآخرة، فإن ترتيب القياس الذي رتبه إبليس في قلوبهم انهم ~~قالوا: قد أحسن الله إلينا بنعيم الدنيا، وكل محسن فهو محب، وكل محب ~~لأحد فهو يحسن إليه في المستقبل أيضا كما قال الشاعر: # لقد أحسن الله فيما مضى # كذلك يسحن فيما بقي # والتلبيس تحت ظنه أن كل محسن محب، لا بل تحت ظنه أن انعامه عليه ~~في الدنيا إحسان، فقد اغتر أنه كريم عند الله بدليل لا يدل على ~~الكرامة، بل عند ذوي البصائر يدل على الهوان، لأن نعيم الدنيا مهلكات ~~مبعدات من الله، وإن الله يحمي عبده الدنيا وهو يحبه، كما يحمي أحدكم ~~مريضه الطعام والشراب وهو يحبه. # وفي الخبر: إن أرباب البصائر، إذا أقبلت عليهم الدنيا حزنوا وقالوا: ذنب ~~عجل لنا عقوبته، ورأوا إمارة المقت والإهمال، وإذا أقبل الفقر قالوا: ~~مرحبا بشعار الصالحين. # والسفيه المغرور بوساوس الشيطان بعكس ذلك، كما اخبر الله تعالى بقوله: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن وأمآ إذا ما ابتلاه ~~فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن # [الفجر:15 - 16]. # فبين ان ذلك لجهله وسفاهته. # فكذلك المراد بقوله: { ألا إنهم هم السفهآء } ، يجوز أن ~~يكون ذلك بيانا لغرورهم وجهلهم بفساد ما تخيلوه من صورة أقيستهم ~~الفاسدة الأصول، الباطلة النتيجة، فإن من باع آخرته بدنياه بقياس ~~مغالطي ألقاه الشيطان، فهو السفيه، ومن خالف طريق الأنبياء والأولياء ~~كلهم، فهو السفيه. ms0293 # وإنما قال في هذه الآية: " لا يعلمون " ، وفيما قبلها: " لا ~~يشعرون " ، لأن الوقوف على أن طريق الإيمان حق وطريق الكفر باطل، ~~أمر عقلي نظري، وأما الوقوف على النفاق وما فيه من البغي والفساد في ~~الأرض، فأمر ضروري يجري مجرى المحسوس، لأنه يشاهد من أقوالهم وأفعالهم، ~~ولأن ذكر السفه - وهو نقص العقل وخفته - مكان ذكر العلم، أحسن طباقا ~~من مكان ذكر الشعور. # واصل السفه الخفة. يقال: سفهت الريح الشيء: إذا حركته، قال ذو ~~الرمة: # جرين كما اهتزت رياح تسفهت # أعاليها مر الرياح الرواسم # وفي الآية تسلية للعالم فيما يلحقه في التعليم والنصيحة من سفاهة ~~الجاهل وصوته المستنكر، وقوله الباطل، واعتقاده الفاسد، وإعجابه بنفسه. ### || [2.14] # هذا هو النوع الرابع من أنواع الأفعال والأقوال القبيحة للمنافقين ~~المذكورة في هذه الآيات، ولهم أنواع كثيرة من القبائح مذكورة في مواضع ~~من القرآن. # منها: ما ذكره بقوله: # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون # [الزمر:45]. وبقوله: # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين ~~يتلون عليهم آياتنا # [الحج:72]. # ومنها ما وصفهم الله به في قوله: # وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ~~فحسبه جهنم # [البقرة:206]. # ومنها: تقليدهم للآباء والمشايخ وإن كانوا على الباطل، كما وصفهم الله ~~في مواضع بمثل قوله: # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا أولو كان الشيطان ~~يدعوهم إلى عذاب السعير # [لقمان:21]. # ومنها: اتباعهم للهوى: # واتبع هواه # [الكهف:28]. الآية. # ومنها: انكارهم واستكبارهم عن طلب الحق وقبوله: # فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم ~~مستكبرون # [النحل:22]. # ومنها: غمزهم للمؤمنين: # وإذا مروا بهم يتغامزون # [المطففين:30]. # ومنها: الهمزة واللمز: # ويل لكل همزة لمزة # [الهمزة:1]. # ومنها: تنابزهم بالألقاب: # ولا تنابزوا بالألقاب # [الحجرات:11]. # ومنها: تفاخرهم بالأنساب: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # [الحجرات:13]. # ومنها: تزكيتهم أنفسهم: # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله ~~يزكي من يشآء # [النساء:49]. # ومنها: افتراؤهم على الله: # ومن أظلم ممن افترى على الله # [الأنعام:93]. # ومنها: كتمانهم ما أنزل ms0294 الله: # إن الذين يكتمون مآ أنزلنا # [البقرة:159] الى قوله: # ويلعنهم اللاعنون # [البقرة:159]. # ومنها: أكلهم أموال اليتامى ظلما: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # [النساء:10]. الآية. # ومنها: أكلهم الأموال بالباطل من جهة التشبث بالدين: # إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل # [التوبة:34]. # ومنها: غرورهم بالدين: # وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون # [آل عمران:24]. # ومنها: # إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة ~~يفرحوا بها # [آل عمران:120]. # ومنها: # والذين ينفقون أموالهم رئآء الناس # [النساء:38]. # ومنها: # الذين يتخذون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة ~~لله جميعا # [النساء:139]. # ومنها: # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية # [الأنفال:35]. # ومنها: # اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن ~~سبيله # [التوبة:9]. # ومنها: # والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا ~~بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ~~من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله ~~يشهد إنهم لكاذبون # [التوبة:109]. # ومنها: إنهم يجعلون لله ما يكرهون من الصفات التشبيهية، والانفعالات، ~~كالغضب والانتقام على النحو الذي تخيلوه. # ومنها: سعيهم في تحصيل العلوم الظاهرية طلبا للدنيا والاشتهار، ~~وانكارهم للعلوم الخفية الإلهية: # الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا * أولئك الذين ~~كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم ~~فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا # [الكهف:104 - 105]. # ومنها: مجادلتهم في الله من غير معرفة وبصيرة: # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع ~~كل شيطان مريد * كتب عليه أنه من تولاه ~~فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير # [الحج:3 - 4]. # ومنها: انهم زين لهم سوء عملهم: # أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له ~~سوء عمله واتبعوا أهواءهم # [محمد:14]. # ومنها: ارتدادهم عن الهدى بحسب سرهم: # إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما ~~تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى ~~لهم # [محمد:25] الى قوله: # والله يعلم إسرارهم # [محمد:26]. # ومنها: استنكافهم عن صحبة الصلحاء: # يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل # [المنافقون:8]. # ومنها: كثرة يمينهم وحلفهم في إثبات الدواعي والدعاوي: # ولا تطع كل حلاف مهين # [القلم:10]. ms0295 الآيات. قال تعالى: # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم # [البقرة:224]. وقيل: إيمان المرء يعرف من أيمانه. # ومنها: توليهم عن ذكر الله الى الدنيا: # فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحيوة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم # [النجم:29 - 30]. # ومنها: الاستدارج من الله لهم: # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم ~~من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين # [القلم:44 - 45]. # ومنها: إعراضهم عن الآيات والحكمة، ونسيانهم ذكر الله: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى # [طه:124 - 126]. وقوله: # فأنساهم ذكر الله # [المجادلة:19]. وقوله: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة:67]. # ومنها: انهم يضحكون من طور أهل العلم والورع، وينسبونهم الى الضلال، ~~قوله تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون # [المطففين:29 - 32]. إلى غير ذلك من أقوالهم القبيحة، وأطوارهم النكيرة، ~~وآرائهم المردية، وأهوائهم الشيطانية التي يطول الكلام بذكرها، بل هي ~~خارجة عن الضبط. # وقرئ: " إذا لاقوا ". وقوله: { آمنا } المراد به أخلصنا بالقلب، وما ~~صدرت به القصة كان بمعنى " أقررنا " ، فلا تكرار. والدليل على ما ذكرنا ~~أمران: # أحدهما: أن الإقرار باللسان كان معلوما منهم فما احتاجوا الى بيانه، ~~انما المشكوك فيه منهم هو الإخلاص بالقلب، فاحتاجوا الى إظهاره. # وثانيهما: أن قولهم للمؤمنين: { آمنا } يجب أن يحمل على نقيض ما ~~كانوا يظهرونه لشياطينهم، فادعاؤهم هناك كان تكذيبا قلبيا، فها هنا ~~ينبغي أن يكون تصديقا قلبيا. # وقيل: هذا بيان معاملتهم مع الطرفين، والذي ذكر في صدر القصة، فلبيان ~~مذهبهم وتمهيد كفرهم ونفاقهم، فليس بتكرير. # وقوله: { وإذا خلوا } ، في الكشاف: إنه من " خلوت بفلان، ~~وإليه ": إذا انفردت معه، أو من " خلا " بمعنى: مضى. و " خلاك ذم " ~~أي: عداك ومضى عنك. ومنه " القرون الخالية ". أو من " خلوت به " ~~اذا سخرت منه. وعدي ب " إلى " لتضمين معنى الانتهاء، والمراد أنهم ~~انهوا السخرية بالمؤمنين الى ms0296 شياطينهم كما تقول: أحمد إليك فلانا ~~وأذمه اليك. # فصل فيه إشراق # وأما: { شياطينهم } ، فهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم ~~وعصيانهم واستبدادهم بالرأي، وإنكارهم للحق، وإبرازهم الباطل بصورة ~~الحق. # واعلم أن كل منافق فهو شيطان بالحقيقة وبحسب الباطن، وإن كان ظاهره ~~ظاهر الإنسان، إذ لا عبرة به، إنما العبرة بالقلب وأحواله، وما حشر إليه ~~في يوم الآخرة، ويكون حشر المنافقين يوم القيام من قبورهم الى الشياطين، ~~لغلبة صفة الشيطنة على قلوبهم، من المكر والحيلة والخديعة، وسوء ~~الاعتقاد، والإغواء للخلق، وحب الاستيلاء والتمرد والتجبر، وغير ذلك. # بيانه: أن في الإنسان قوة علمية وقوة عملية. والعلمية منقسمة الى ~~عقلية ووهمية. والعملية منقسمة الى شهوية وغضبية، وسعادته منوطة بتكميل ~~القوة النظرية والبصيرة الباطنية بتكرير النظر الى حقائق الأشياء، ~~والمطالعة للأمور الإلهية على وجه الحق والصواب، وبتسخير قواه الإدراكية ~~والتحريكية وسياستها إياها لتصير مقهورة تحت أمرها ونهيها، ولا تكون ~~متمردة عاصية، ولتلك القوى رؤوسا ثلاثة: # الوهم للادراكية، والشهوة والغضب للتحريكية، إذ كل منها متشعبة الى ~~فروع كثيرة، وخوادم هي جنودها، ففي الإنسان ما دام كونه الدنيوي أربع ~~شوائب: العقل والوهم والشهوة والغضب. # والأول ملك بالقوة. والثاني شيطان بالقوة. والثالث بهيمة بالقوة. ~~والرابع سبع بالقوة. # وكل منها إذا قوي بتكرير أعمال وأفعال تناسبه، يصير ذلك الشيء الذي كان ~~هو هو بالقوة، بالفعل، ويكون الحكم له في الإنسان ويحشر إليه. # فمن غلب عليه في الدنيا إدراك المعارف، والميل الى الطاعات، والتجرد عن ~~الوساوس والعادات، والتوحش عن الدنيا والخلائق، يكون معاده الى عالم ~~الملكوت الرباني صائرا ملكا ربانيا محشورا اليه مع الملائكة ~~المقربين، قال تعالى: # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم:85]. # ومن غلب عليه إدراك الوهميات الباطلة، وإبداء الشبهات والأقيسة ~~الفاسدة، والميل الى المكر والحيلة والخديعة، والسمعة والرياء، ~~والاستهزاء والسخرية للعباد، والشهرة في البلاد، والاستبداد بالرأي، ~~والاتباع للهوى، ومخالفة أهل الحق، والإغواء للناس، فيكون معاده الى ~~عالم الشياطين، صائرا شيطانا مريدا ملعونا محشورا مع الشياطين، كما ~~قال تعالى: # فوربك لنحشرنهم والشياطين # [مريم:68]. # ومن غلب عليه حب الشهوات؛ ms0297 من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من ~~الذهب والفضة، وغير ذلك من مشتهيات البطن والفرج، فمعاده الى عالم ~~البوار، وحشره الى الحشرات كما قال: # وما من دآبة في الأرض # [الأنعام:38] الى قوله: # ثم إلى ربهم يحشرون # [الأنعام:38]. # وكذا من غلبت عليه صفات السبعية من التهجم والايذاء، والعداوة ~~والبغضاء، والظلم والوقاحة، وغير ذلك، فيحشر مع السباع والوحوش كما قال: # وإذا الوحوش حشرت # [التكوير:5]. # فعلم ان حشر الخلائق إلى أحد هذه الأجناس الأربعة، التي لا يخلو عنها ~~شيء من الجواهر الحية المدركة والمحركة. # فقد ثبت وتحقق بهذا البيان والبرهان، أن اطلاق الشياطين على ~~المنافقين، بالحقيقة واليقين، لا بالمجاز والتخمين، لأن مدار نفاقهم ~~على المكر وايهام الحق، وترويج الباطل، والتشبه بأهل الإيمان والعلم، ~~وادعاء الصلاح، فقد صارت بواطنهم، بكثرة أعمالهم الشيطانية الوهمية، ~~انقلبت الى حقيقة الشياطين بالفعل، وخرجت عن القوة والاستعداد لها ~~ولغيرها، وتمني الرجوع منهم الى اصل الفطرة كما في قولهم: # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا # [السجدة:12] تمني امر مستحيل الوقوع، فلأجل ذلك قال تعالى: { وإذا ~~خلوا إلى شياطينهم } ، إذ المراد بهم أكابر المنافقين، ~~والراسخون في الكفر والنفاق، وهؤلاء المترددون اليهم تارة والى ~~المؤمنين أخرى من الأصاغر. # فصل # قوله: " إنا معكم " ، أي في الضمير وعقيدته، وقد خاطبوا المؤمنين ~~بالجملة الفعلية، وخاطبوا الشياطين بالجملة الإسمية المؤكدة " بإن " ~~لأنهم قصدوا بالأولى إحداث الإيمان، وبالثانية تحقيق ثباتهم على ما ~~كانوا عليه، ولأن أنفسهم لا تساعدهم على أن يكون ما خاطبوا به المؤمنين ~~جديرا بكونه أقوى الكلامين؛ لركونهم الى أهل البطالة والشهوة؛ وكراهتهم ~~بالطبع عن لقاء الله وأهله والقول الصادر عن الكراهة والنفاق. قلما تحصل ~~معه المبالغة، فادعوا عندهم حدوث الإيمان لإكمال تحققه، بخلاف ما صدر ~~عنهم عند إخوانهم، لعلمهم أيضا بأن ادعاء الكمال في الإيمان، لا يروج ~~على المؤمنين. # وأما كلامهم مع إخوانهم في إنكار الشريعة، فعلموا انه مقبول عندهم بأي ~~وجه كان من التأكيد، فأكدوا القول فيه. # قوله جل اسمه: إنما نحن مستهزئون # كأنه جواب عن سؤال الشياطين بأن قالوا إنا معكم: إن صح ms0298 ذلك منكم، فما ~~بالكم تترددون الى المؤمنين وتوافقونهم في الكلام، وتدعون الإسلام؟ # فأجابوا بأنا مستهزئون بهم. أو تأكيد لما قبله؛ لأن المستهزئ بالشيء ~~مصر على خلافه. أو بدل منه، لأن من حقر شيئا فقد عظم نقيضه. # والاستهزاء: هو السخرية والاستخفاف يقال: هزأت واستهزأت بمعنى واحد، ~~كأحببت واستجبت. وأصله الخفة، من الهزء. وهو القتل السريع يقال هزأ فلان ~~إذا مات على مكانه، وناقته تهزأته أي تسرع وتخف. ### || [2.15] # قوله تعالى: الله يستهزىء بهم # ذكروا في تأويل نسبة الاستهزاء إليه تعالى حيث لا ينفك معناه عن التلبيس ~~- وهو على الله محال - وعن الجهل لقوله تعالى: # قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون ~~من الجاهلين # [البقرة:67]. والجهل على الله محال، وجوها خمسة: # أحدها: إنه من باب صنعة المشاكلة. فسمي ما يفعله الله جزاء ~~لاستهزائهم، استهزاء، كما في قوله: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40]. وقوله: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # [البقرة:194]. # وفي الحديث عنه (عليه السلام) أنه قال: تكلفوا من الأعمال ما تطيقون، ~~فإن الله لا يمل حتى تملوا وأنه قال (عليه السلام) ايضا اللهم إن ~~فلانا هو يعلم أني لست بشاعر فاهجه اللهم والعنه عدد ما هجاني. # وثانيها: إن ضرر استهزائهم راجع اليهم غير ضائر بالمؤمنين، فيصير كأن ~~الله استهزأ بهم. # وثالثها: إن آثار الاستهزاء من الهوان والحقارة لحقت بهم من الله، فذكر ~~اللازم وأريد به الملزوم تجوزا. # ورابعها: إن الله ينعمهم في الدنيا بأنواع النعم، ويظهر عليهم منه ~~تعالى خلاف ما يفعل بهم في الآخرة، كما انهم أظهروا للنبي (صلى الله ~~عليه وآله) أمرا كان الحاصل معهم في السر خلافه، وفيه نظر. # وخامسها: إنه تعالى يعاملهم معاملة المستهزئ، أما في الدنيا فلأنه يطلع ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) على أسرارهم، مع أنهم بالغوا في كتمانها ~~عنه، ويجري عليهم أحكام المسلمين، ويستدرجهم من حيث لا يشعرون، ويمهلهم ~~مدة في النعمة والتمادي على الطغيان. # وأما في الآخرة، فقال ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون ~~النار، فتح الله تعالى من الجنة بابا الى ms0299 الجحيم الذي هو مسكن ~~المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب المفتوح، أخذوا يخرجون من الجحيم ~~ويتوجهون الى الجنة، وأهل الجنة ينظرون إليهم، فإذا وصلوا الى باب ~~الجنة، فهناك يغلق دونهم الباب، فذاك قوله تعالى: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون # [المطففين:34]. وهذا هو الاستهزاء. # وإنما استؤنف الكلام ولم يعطف، ليدل على أن الله تعالى هو الذي يتولى ~~الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين الى أن يعارضوهم ~~باستهزاء مثله، وللإشعار بأن استهزاءهم بالمؤمنين لا يعبأ به في مقابلة ~~ما يفعل الله بهم. # وإنما لم يقل: " الله مستهزئ بهم " ليطابق قولهم، لأن المضارع يفيد ~~الحدوث وقتا فوقتا، والتجدد حينا بعد حين، وهكذا كانت نكايات الله ~~فيمن سلك النفاق وباع آخرته بالدنيا، كما قال: # أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو ~~مرتين # [التوبة:126]. # وأيضا، فما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستارهم، وتكشف ~~أسرارهم، واستشعار خوف وحذر من أن يرد عليهم عذاب، أو تنزل فيهم آية ~~تفضحهم كما قال: # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ~~تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله ~~مخرج ما تحذرون # [التوبة:64]. # بصيرة # إعلم أن للإيمان مراتب متفاوتة في الكمال والنقص، فرب مؤمن يكون له ~~من المعرفة بالله وباليوم الآخر، ما لا يمكن له إظهاره وكشفه للمؤمنين؛ ~~كما لا يمكن للكافرين، فهو يداري مع الطرفين، ويعمل على التقية في ~~الجانبين، فيتكلم مع كل منهما على قدر عقولهم، وهو مع الله لا يبرح ~~ناظرا في عباده بعين الرضا، وهذا ضرب من النفاق، لكنه غير مذموم، بل ~~واجب كما دل عليه قوله (صلى الله عليه وآله): # " كلموا الناس على قدر عقولهم ". # قال بعض العرفاء: إعلم أن الإنسان ذو وجهين: وجه الى ذاته، ووجه الى ~~ربه، ومع أي وجه توجه غاب عنه وجهه الآخر، وكل منهما غير وجه ربك ~~ذي الجلال والاكرام، فكل من وجهيه هالك داثر إذا لم يستحكم ~~علاقته مع وجه ربه، فإذا انقلب إليه، فني عنه وجهه فصار غريبا في ~~الحضرة، يستوحش فيها، ويطلب وجهه ms0300 الذي كان يأنسه به فلا يجده، فيبقى في ~~عذاب وحسرة. # وأما إذا استحكمت علاقته مع الحق تعالى، فإذا توجه الى وجه ربه؛ أقبل ~~عليه ولم يكن له مؤنس سواه، ولا مشهود إلا إياه، فصار الحق له وجها ~~وسمعا وبصرا، ففرح لبقائه وعاد الأنس الأعظم، ويتذكر الأنس الماضي ~~به، فيزيد أنسا الى أنس، ويرى عنده وجه ذاته ولا يفقده، لأنه أصله، ~~فيجمع بين الوجهين في صورة واحدة، فيجد الأنس لاتحاد الوجهين فيعظم ~~السرور والابتهاج، وهذه حالة جمعية برزخية، لكونها جمعت بين الطرفين، ~~فمن جمع بينهما في الدنيا، حرم ذلك في الآخرة كالمنافق، فإنه يريد أن ~~يكون برزخا جامعا بين المؤمن والكافر، فإذا انقلب، تخلص الى أحد ~~الطرفين وهو طرف الكفر، إذ لم يستحكم علاقته بالإيمان، ولم يتخلص له؛ ~~فلو تخلص هنا الى الإيمان ولم يكن برزخا، كان إذا انقلب، انقلب الى ~~الله كما ذكرناه من جمعه بين الطرفين، فاحذر ها هنا من صفة النفاق فإنها ~~مهلكة، ولها في سوق الآخرة نفاق اقتضى ذلك الموطن، وما أخذ المنافق ها ~~هنا إلا لأمر دقيق لا يشعر به كثير من العلماء، وقد نبه الله لمن ألقى ~~السمع وهو شهيد، وذلك ان المنافقين ها هنا: # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا # [البقرة:14]، لو قالوا ذلك حقيقة لسعدوا. لكنهم قالوا لا عن حقيقة ~~واعتقاد. # وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم # [البقرة:14]، لو قالوا ذلك وسكتوا ما أثر فيهم الذم الواقع. وانما ~~زادوا: # إنما نحن مستهزئون # [البقرة:14] فشهدوا على أنفسهم انهم كانوا كافرين. # فما أخذوا إلا بما أقروا به، إذ بناء المؤاخذة والعذاب على ضرب من ~~الاستعداد والشعور به، وبه تتم الحجة لله. وإلا لو أنهم بقوا على صورة ~~النفاق من غير زيادة في البغي وتماد في العصيان، لسعدوا. # ألا ترى الله لما أخبر عن نفسه في مؤاخذته إياهم كيف قال: { الله ~~يستهزىء بهم } ، فما أخذهم بقولهم: # إنا معكم # [البقرة:14]، وانما أخذهم بما زادوا على النفاق. وهو قوله: # إنما نحن مستهزئون # [البقرة:14]. # وما عرفك الله بالجزاء ms0301 الذي جازى به المنافق، إلا لتعلم من أين أخذ ~~حتى تجتنب موارد الهلاك. # وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): إن مداراة الناس صدقة، فالمؤمن ~~يداري الطرفين مداراة حقيقية ولا يزيد على المداراة، بخلاف المنافق، ~~فإنه يجني ثمرة الزائد - كان ما كان - فتفطن. # فقد نبهتك على سر عظيم من أسرار القرآن وهو واضح ووضوحه أخفاه، وانظر ~~في صورة كل منافق تجده ما أخذ إلا بما زاد على النفاق، وبذلك قامت عليه ~~الحجة، ولو لم يكن كذلك، لحشر على الأعراف مع أصحاب الأعراف. # والمؤمن المداري منافق، وهو ناج، وهو فاعل خير، فإنه إذا انفرد مع ~~أحد الوجهين أظهر له الاتحاد ولم يتعرض لذكر الوجه الآخر الذي ليس بحاضر ~~معه، فإذا انقلب الى الوجه الآخر كان معه أيضا بهذه المثابة، والباطن في ~~الحالتين مع الله، فإن المقام الإلهي هذه صورته، فإنه لعباده بالصورتين، ~~فنزه نفسه وشبه، فالمؤمن الكامل بهذه المثابة، وهذا عين الكمال، فاحذر ~~من الزيادة، وكن متخلقا بأخلاق الله. # وقد قال تعالى ممتنا على رسوله (صلى الله عليه وآله): # فبما رحمة من الله لنت لهم # [آل عمران:159]. واللين: خفض الجناح والمداراة ألا ترى الى الحق ~~تعالى يرزق الكافر على كفره ويمهل له في المؤاخذة عليه؟ # وقال عز وجل لموسى وهارون في حق فرعون: # فقولا له قولا لينا # [طه:44]. وهذا عين المداراة. ومن هذا المقام: # قوله جل اسمه: # { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } (15) # في الكشاف: من مد الجيش وأمده: إذا زاده، وألحق به ما يقويه ~~ويكثره، وكذلك مد الدواة وأمدها: زادها ما يصلحها، ومددت السراج ~~والأرض، اذا استصلحتهما بالزيت والسماد. ومدة الشيطان في الغي وأمده: ~~إذا واصله بالوسواس حتى يتلاحق غيه ويزداد انهماكا فيه وقال بعضهم: ~~مد يستعمل في الشر، وأمد في الخير، قال الله تعالى: # ونمد له من العذاب مدا # [مريم:79]. وقال في النعمة: # وأمددناكم بأموال وبنين # [الإسراء:6]. وقال: # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين # [المؤمنون:55]. # ومن الناس من زعم انه من المد في العمر والإملاء والإمهال ويخدشه ~~أمران: قراءة ابن ms0302 كثير وابن محيص: ويمدهم، وقراءة نافع: # وإخوانهم يمدونهم في الغي # [الأعراف:202] فإنه يدل على أنه من المدد دون المد، وكون الذي بمعنى " ~~أمهله " إنما هو " مد له " ك " أملى له ". # والطغيان، هو الغلو في الكفر وتجاوز الحد في العتو، قال تعالى: # إنا لما طغا المآء # [الحاقة:11]. أي: جاوز قدره. وقال: # اذهب إلى فرعون إنه طغى # [طه:24]. أي أسرف. وقرئ: طغيانهم " بالكسر ". # والعمه: كالعمى، لكنه عام في البصر والرأي والعمه في الرأي خاصة، ~~وهو التردد والتحير. # وعند المعتزلة لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها لوجوه: # أحدها: انه اضيف مثل هذا الفعل الى الشيطان في قوله: # وإخوانهم يمدونهم في الغي # [الأعراف:202]. # فكيف يضاف الى الله؟ # وثانيها: أن الله ذمهم على هذا الطغيان، فكيف يذمهم الله على ما هو ~~فعل له بالحقيقة؟ # وثالثها: أنه لو كان فعلا له، لبطلت النبوة والإنذار، وبطلت فائدة ~~نزول القرآن، فكان الاشتغال بتفسيره عبثا. # ورابعها: أنه أضاف إليهم الطغيان بقوله: { في طغيانهم ~~يعمهون } ، فدل على أنه ليس مخلوقا لله، ومصداقه انه حين اسند ~~المد الى الشياطين، اطلق " الغي " ولم يقيده بالإضافة اليهم في قوله: # وإخوانهم يمدونهم في الغي # [الأعراف:202] فذكروا للآية تأويلات اعتزالية: # الأول: لما منحهم الله تعالى الطاقة التي يمنحها المؤمنين، وخذلهم بسبب ~~كفرهم وإصرارهم عليه، وسد على أنفسهم طرق التوفيق، فتزايدت بسببه قلوبهم ~~رينا وظلمة، كما تزايدت قلوب المؤمنين انشراحا ونورا، وهذا تأويل ~~الكعبي وأبي مسلم الإصفهاني. # الثاني: انه لما مكن الشيطان من إغوائهم وخلى بينه وبين إغواء عباده، ~~فزادهم طغيانا، اسند ذلك إليه تعالى إسناد الفعل الى المسبب، وأضاف ~~الطغيان إليهم لئلا يتوهم أن إسناد الفعل إليه على الحقيقة. # والثالث: أن يحمل على منع القسر والإلجاء، كما قيل: السفيه متى لم ينه ~~فهو مأمور. # والرابع: أن يكون يمدهم معناه: يمد عمرهم وهم مع ذلك في طغيانهم ~~يعمهون. # أقول: جميع ما ذكروه في الاشكال والتأويل ضعيف قاصر عن الصواب، أما ~~الوجوه المذكورة في الإشكال، # فالجواب عن الأول منها: أن نسبة كل فعل الى مصدره المباشر، ms0303 غير ~~نسبته الى المبدإ الفياض، والله خالق كل شيء ومع هذا ينسب البعض الى ~~غيره، كالإحراق الى النار، والتبريد الى الماء، والإضاءة الى الشمس، ~~والمطر الى السماء، أولا ترى انه نسب الإضلال الى الشيطان في مواضع ~~من القرآن، ثم قال: # وأضله الله على علم # [الجاثية:23]. وقوله: # ومن يضلل الله فما له من هاد # [الزمر:23]. وكذا نسب الوسواس الى الشيطان في قوله: # يوسوس في صدور الناس # [الناس:5]. وكذلك الهداية منسوبة اليه في آيات كثيرة مثل قوله: # والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم # [البقرة:213]. وقد ينسب الى غيره كما في مثل قوله: # وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف:181]. وكذا نسب التوفي تارة الى ملك الموت كما في قوله: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة:11]. وتارة الى نفسه مثل قوله: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر:42]. وكذا في كثير من النظائر. فليكن ها هنا من هذا القبيل. ~~والوجه في الجميع واحد كما سنذكره. # وعن الثاني: أن الذم في الفعل القبيح يرجع الى المباشر: لانفعاله به ~~وتأثره عنه، ولا يرجع الى فاعل الكل، لتقدسه وبراءته عن الانفعال ~~والتغير، ولكونه يفعل الأشياء لأجل الخير والحكمة والرحمة الواسعة، من ~~غير أن يعود إليه خيرها أو شرها. # ومما يبين ويحقق هذا، أن نسبة السواد مثلا الى الفاعل الموجد له، ~~آكد وأشد من نسبته الى القابل لأن نسبته الى الفاعل بالإيجاب والإقتضاء، ~~ونسبته الى القابل بالإمكان والصحة، ومع ذلك لا يقال لموجد السواد: إنه ~~أسود، كما يقال لقابله، وذلك لوجود التأثر والانحصار ها هنا دون هناك، ~~وكذا لا يطلق على موجد اللون والطعم الصابغ والطاعم بالمعنى الذي يطلق ~~على المباشر. فلا يقال للباري: إنه صباغ مع أنه موجد جميع الأصباغ ~~والألوان على أحسن الوجوه، كما في قوله: # ومن أحسن من الله صبغة # [البقرة:138]. وكذا لا يقال للباري جل اسمه: إنه نجار أو بناء بالمعنى ~~الذي يقال للإنسان، وذلك لأنه يفعل النجر والبناء على وجه أعلى وأشرف مما ~~يفعله النجار والبناء، لأن الفعل وقع ms0304 منهما على سبيل المباشرة، ومنه ~~تعالى على وجه الابداع والعناية. ومثال ما ذكرناه النفس الإنسانية، ~~فإنها على بينة من ربها، من عرفها فقد عرف ربه، أولا ترى ان النفس ~~مع تجردها ووحدتها، وكونها من عالم علوي، تفعل في البدن جميع الأفاعيل ~~المنسوبة في غيره من الأجساد النباتية والجمادية الى القوى الجسمانية، ~~مثل الهضم والطبح والنضج، ودفع الفضلات وسائر الاستحالات، وسائر الأفاعيل ~~الجمادية والنباتية، ومع ذلك ليست بجماد ولا نبات؟ # وكذلك تلمس وتشم وتذوق وليست لامسة ولا شامة ولا ذائقة، بل هي خارجة ~~عن عالم البصر والسمع، بل عن عالم التخيل والوهم، ولا يخلو عنها عضو ~~من الأعضاء وقوة من القوى. # وهناك يظهر معنى قوله (صلى الله عليه وآله): # " إنه فوق كل شيء وتحت كل شيء، قد ملأ كل شيء عظمته، فلم يخل منه أرض ~~ولا سماء، ولا بر ولا بحر ولا هواء، هو الأول ليس قبله شيء وهو الآخر ~~ليس بعده شيء؛ وهو الظاهر ليس فوقه شيء وهو الباطن ليس دونه شيء، فلو دلى ~~على الأرض السفلى لهبط على الله ". # وسر قول أمير المؤمنين (عليه السلام): هو عين كل شيء لا بمزاولة وغير كل ~~شيء لا بمزايلة. # وعن الثالث: ما مر أن فائدة البعثة والإنزال ترجع الى اهل الإيمان ~~بالتنوير والتكميل لقلوبهم الصحيحة، والى المنافقين بتنقية قلوبهم ~~المريضة والتبعيد والطرد لهم، وتبليغ الحجة عليهم، كما أن فائدة ضوء ~~الشمس إنما ترجع الى العيون السليمة، ولا تزيد الخفافيش إلا فرارا ووحشة ~~ونفورا، ثم تكون عليهم حسرة وعلى نفورهم حجة. # وعن الرابع: بمثل ما مر. # وأما الوجوه التي ذكروها في التأويل، فالجواب عن أولها: أنه إذا اعيد ~~السؤال بأنه ما السبب المرجح في تخصيص اللطف منه تعالى للمؤمنين والمنع ~~له عن المنافقين، مع أن اللطف واجب عليه تعالى على اصولهم بالنسبة الى ~~الجميع؟ فإن أجابوا عنه بأن سبق الكفر والإصرار أوجب ذلك من الله عليهم، ~~فلقائل أن يقول: ما الباعث لهؤلاء على الكفر والإصرار دون المسلمين، مع ~~تساوي غرائزهم وفطرهم، وتساوي نسبة ms0305 اللطف والإنذار والتخويف والإرشاد ~~والنصيحة وجميع ما هو من قبل الله وآياته وكتبه ورسله لهم ولغيرهم؟ # فلم يبق لهم مهرب إلا الرجوع الى الأمور الإلهية، من اختلاف الغرائز ~~بسحب الفطرة الأولى، وأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وأن الشقي ~~منهم شقي في الأزل، والسعيد منهم سعيد لم يزل، كما قال تعالى: # فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي ~~النار... خالدين # [هود:105 - 107]. الآية. # وعن ثانيها: أن تمكين الشيطان من إغوائهم، والتخلية بينه وبينهم دون ~~غيرهم، مع أن الكل عباد الله محتاجون الى رحمته في الدنيا والآخرة، ينافي ~~أصولهم، كوجوب الألطاف، واستحالة الترجيح من غير مرجح، وفيه من النظر ~~والجواب ما مر. # وعن ثالثها: أن تفسير الإمداد في العمى والطغيان بعدم القسر والإلجاء ~~على فعل الخير والطاعة، في غاية البعد، فلا يصار إليه من غير ضرورة، ~~ولا ضرورة ها هنا كما علمت. # وعن رابعها: انه بعيد من وجهين: # الأول: عدم مساعدة اللغة كما مر من أن تفسير يمدهم بالمد في العمر، خطأ. # والثاني: انه على تقدير صحته من جهة اللغة يفيد أنه تعالى يمد عمرهم ~~لغرض أن يكونوا في طغيانهم يعمهون، فيعود الإشكال.. # وأجاب بعضهم - كالقاضي - عن ذلك بأنه ليس المراد ذلك، بل المراد أنه ~~يبقيهم ويلطف لهم في الطاعة فيأبون إلا أن يعمهوا. # وقد علمت أن مثل هذا الكلام في اختلاف صنع الله مع عباده مع تساوي ~~الكل في الغرائز والفطر في قبول اللطف من الله، لا يفي بدفع الإشكال ~~على من التزم المحافظة على قضايا العقل التي عليها، يعني إثبات الواجب ~~تعالى، وإثبات الشريعة فلا بد للعاقل في دفع هذا ونظائره إما الى الرجوع ~~الى مسلك أهل الله والراسخين في العلم، حتى ينكشف عليه سر المقال وحقيقة ~~الحال، وإما الى صريح مخالفة العقل وإنكار الحكمة، والقول بالسبب والعلة ~~والغاية، وأنه سبحانه بحيث لا يسئل عما يفعل - تعالى عن فعل المجانين ~~والسفه والتعطيل كما زعموا علوا كبيرا-. # إضاءة واشراق # قال الشيخ العارف في الفتوحات: " اعلم أن الكل من عند الله، ولكن ms0306 لما ~~تعلق ببعض الأفعال لسان ذم، فما كان في الأفعال من باب شر وقبح فدينا ~~بنفوسنا ما ينسب الى الحق من ذلك، وقاية وأدبا مع الله. وما كان من ~~خير وحسن رفعنا نفوسنا من البين وأضفنا ذلك الى الله، حتى يكون هو ~~المحمود بكل ثناء. أدبا مع الله وايقاعا لحقوقه. فإنه لله بلا شك مع ما ~~فيه من الاشتراك، كما دل عليه قوله: # والله خلقكم وما تعملون # [الصافات:96]. وقوله: # مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن نفسك # [النساء:79]. مع قوله: # قل كل من عند الله # [النساء:78]. فأضاف العمل وقتا إلينا، ووقتا إليه، فلهذا قلنا: فيه ~~رائحة اشتراك. قال تعالى: # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # [البقرة:286]. فأضاف خيرنا وشرنا إلينا. وقال: # فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس:8]. فله الإلهام وقد خلق العمل. # فهذه مسألة لا يتخلص فيها توحيد أصلا، لا من جهة الكشف ولا من جهة ~~الخبر، فالأمر الصحيح من ذلك، انه مربوط بين حق وخلق، غير مخلص لأحد ~~الجانبين، فإنه على ما يكون من النسب الإلهية أن يكون الحق عين الوجود ~~الذي استفادته الممكنات، فما ثم إلا وجود عين الحق، والتغيرات الظاهرة ~~في هذه العين، أحكام أعيان الممكنات، فلولا العين ما ظهر الحكم، ولولا ~~الممكن ما ظهر التغيير، فلا بد في الأفعال من حق وخلق ". انتهى كلامه. # أقول: ليس مراده " قدس سره " من قوله: " فلهذا قلنا فيه رائحة اشتراك " ~~انه يعتقد أن فاعل أفاعيل العباد مركب من أمرين: حق وخلق، وكذا قوله: " ~~فهذه مسألة لا يتخلص فيها توحيد أصلا " الى قوله: " غير مخلص لأحد ~~الجانبين " ، ليس المراد ما توهمه ظاهر العبارة، وكذا ما ورد في ~~أحاديث أئمتنا الأطهار (عليهم السلام) " إنه أمر بين أمرين " ليس ~~المعنى ما توهمه المحجوبون: أن الفعل واقع بين الرب والعبد غير مخلص ~~لأحدهما، كيف وهذا شرك محض، وظلم عظم يخالف البرهان والكشف والنقل ~~عن أئمتنا (عليهم السلام)، بل مقصوده " قدس سره " مما ذكره، ومرادهم ~~(عليهم السلام)، من قولهم بأنه أمر بين أمرين: ms0307 ان الأفعال كلها مخلوقة ~~لله تعالى من غير اشتراك أصلا؛ وكذا الفعل الصادر عن العبد، هو بعينه ~~صادر عن الحق من غير اشتراك، بل لأن وجود العبد بعينه شأن من شؤون الله، ~~وقد ذكرنا فيما مر أن للفعل نسبة الى الفاعل المزاول، وله بعينه نسبة ~~الى الفاعل المفارق، والذمائم والنقائص في الأفعال، راجعة الى نسبة ~~المزاول لا نسبة المفارق، والمذكور ها هنا أدق وأعلى في التحقيق، وأغمض ~~وأدق في المسلك، لا يفهمه إلا ذو بصيرة ثاقبة، وكشف تام، ويد باسطة في ~~الغيب. # فالفعل، من حيث هو واقع بقدرة العبد، واقع بعينه بقدرة الله بلا اشتراك، ~~تعالى الله عنه علوا كبيرا، وهذا هو مراده " قدس سره " من الاشتراك لا ~~غير، حاشاه عن ذاك وسائر الأولياء الموحدين، ناهيك به قوله: فإنه أعلى ما ~~يكون من النسب الإلهية أن يكون الحق هو عين الوجود الذي استفادته ~~الممكنات، ثم قال: وفي مذهب بعض العامة، أن العبد محل ظهور أفعال الله ~~وموضع جريانها، فلا يشهدها الحس إلا من الأكوان ولا يشهدها ببصيرتهم إلا ~~من الله من وراء حجاب، هذا الذي ظهرت على يدي المريد لها، المختار فيها، ~~فهو لها يكتسب باختياره. # وهذا هو مذهب الأشاعرة. # ومذهب بعض العامة؛ أن الفعل للعبد حقيقة، ومع هذا فربط الفعل عندهم بين ~~الحق والخلق لا يزول، وإن هؤلاء يقولون: القدرة الحادثة في العبد التي ~~يكون بها هذا الفعل من الفاعل، أن الله خلق له القدرة عليها، فما يخلص ~~الفعل للعبد إلا بما خلق الله فيه من القدرة عليه، فما زال الاشتراك، ~~وهذا مذهب أهل الاعتزال، فهؤلاء ثلاثة: أصحابنا والأشاعرة والمعتزلة ما ~~زال منهم وقوع الاشتراك، وهكذا أيضا حكم مثبتي العلل، لا يتخلص لهم ~~اثبات المعلول الذي لعلته التي هي معلولة لعلة اخرى فوقها الى أن تنتهي ~~الى الحق في ذلك الذي هو عندهم علة العلل، فلولا علة العلل، ما كان معلول ~~عن علة، إذ كل علة دونه معلولة، والاشتراك ما ارتفع على مذهب هؤلاء وما ~~عدا هؤلاء الأصناف من ms0308 الطبيعيين والدهريين، فغاية ما يؤل اليه أمرهم، أن ~~الذي نقول نحن فيه إنه الإله، يقول الدهرية: إنه الدهر، والطبيعية إنه ~~الطبيعة، وهم لا يخلصون الفعل الظاهر منا دون أن يضيفوا الى الدهر أو ~~الطبيعة، فما زال وجود الاشتراك في كل نحلة ومذهب، وما ثم عقل يدل ~~على خلاف هذا، ولا خبر إلهي في شريعة يخلص الفعل من جميع الجهات الى ~~أحد الجانبين فلنقره كما أقره الله على علم الله فيه، وما ثم الا كشف ~~وعقل وشرع، وهذه الثلاثة ما خلصت ولا تخلص أبدا دنيا وآخرة جزاء بما ~~كنتم تعملون، فالأمر في نفسه - والله أعلم - ما هو إلا كما وقع ما يقع ~~فيه تخليص، لأنه في نفسه غير مخلص، إذ لو كان في نفسه ملخصا لا بد أن ~~كان يظهر على بعض الطوائف، ولا يتمكن لنا أن نقول: الكل على خطأ. فإن في ~~الكل الشرائع الإلهية، ونسبة الخطأ اليها محال، وما يخبر الأشياء على ~~ما هي عليه الا الله، وقد أخبر، فما الأمر إلا كما أخبر، فاتفق الحق ~~والعالم في هذه المسألة على الاشتراك، فهذا هو الشرك الخفي والجلي وموضع ~~الحيرة، انتهى كلامه. # أقول: حاشا الجناب الإلهي عن الشرك في الأفعال، كما حاشاه عن الشرك في ~~الذات والصفات، بل الأمر ما قررناه وذكرناه مرارا، وما نقله من اولئك ~~الطوائف، فصادق أن فيها دلالة على الاشتراك، لكن قوله: " فما زال وجود ~~الاشتراك في كل نحلة ومذهب وما ثم عقل يدل على خلاف هذا ولا خبر ~~إلهي في شريعة " الى آخره، غير موجه بظاهره ولا مسلم، فها هنا مذهب ~~أولياء الله الموحدين، الذين لم يروا في الوجود إلا الله وأسماءه ~~وأفعاله. وأما الخبر الإلهي، وهو المشار اليه في مثل قوله: # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # [البقرة:286] وما جرى مجراه، فالمراد منه ما يوافق مسألة التوحيد ~~الخاصي، لا ما هو الظاهر، على ما يستفاد من مثل قوله تعالى: # فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم # [الأنفال:17] وقوله: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم # [التوبة:14] وليس المراد أن ms0309 الحق والعبد متشاركان في الفعل، ولا أن ~~العبد بمنزلة الآلة كالسيف القاطع للحق، أو اليد الضاربة له، لاستغنائه ~~عن الآلة في فعله، ولا أن العبد علة متوسطة بين الباري وفعل العبد، كما ~~زعمه الظاهريون من الفلاسفة، وما يجري مجراهم في إثبات الوسائط في ~~الإيجاد، ولا ما زعمه الخاصون منهم، كأتباع الرواقيين، من أن الوسائط ~~شروط معدة لا دخل لها في الإيجاد بل في الإعداد، بل الحق في هذه ~~المسألة مما لا يدرك إلا بنور البصيرة المستفاد من عالم الملكوت لمن ~~انفتحت كلا عينيه، عينه اليمنى لمشاهدة فعل الحق، وعينه اليسرى ~~لمشاهدة الخلق، فيشاهد فعل الحق في عين يشاهد فعل الخلق فيتحقق له سر ~~قوله: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال:17]. وسر قوله: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء:80]. ومعنى قوله: # ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون # [الأنفال:21]. مع كونهم سمعوا. # فانظر الى هذا الذم كيف أشبه غاية الحمد فيمن كان الحق سمعه وبصره، فمن ~~كان الحق سمعه، فقد سمع ضرورة، إلا انه لم يسمع الا به، فهو سامع لا ~~بنفسه بل به، ومن لم يكن كذلك، فهو سامع بنفسه لا بالحق، فوقع الذم عليه ~~والمدح على الأول، مع أن الفعل في كل منهما لا يصدر إلا من شخص امكاني. # وهذا التفاوت فيهما راجع الى الشهود وعدمه دون الوجود، إذ الوجود في ~~الواجب كما هو هو، كان لم يزل ولا يزال، وفي الممكن كما هو هو في التجدد ~~والزوال، وكلمة " كنت " في الحديث الإلهي # " فإذا أحببته كنت سمعه " # الى آخره، تدل على أن الأمر كان على هذا وهو لا يشعر، وكانت الكرامة ~~التي أعطاها هذا التعريف، الكشف والعلم، بأن الله كان سمعه، فهو كان ~~يتخيل انه يسمع بسمعه، وهو يسمع بربه، كما كان يسمع الإنسان في حال حياته ~~بروحه وهو يظن انه يسمع باذنه الغضروفي لجهله؛ وفي نفس الأمر إنما يسمع ~~بربه، فالحق يسمع كلامه بالسمع المعنوي دون غيره من غير تجدد ولا زوال في ~~حقه، ms0310 وإن كانت الحروف والأصوات متجددة زائلة، وكذا الكلام في البصر ~~والكلام والقدرة وغير ذلك، ولنمسك عنان الكلام عن زيادة التجوال في هذا ~~المقام، ولنرجع الى ملاحظة كلام الله المفضل المتعال. ### || [2.16] # تحقيق الآية يبتني على مقدمات: # إحداها: أن الإنسان ما دام كونه الدنيوي بمنزلة مسافر يسافر للتجارة، ~~أما كونه مسافرا، فأمر قد جبل عليه كل ما هو متعلق الوجود بالطبيعة ~~الجمسانية والكون الدنيوي، إذ قد حقق في مقامه بالبرهان الذي لاح لنا ~~بفضل الله، أن الطبائع الجسمانية أبدا في التحول والانتقال والتجدد ~~والزوال من حال الى حال، استحالة جوهرية وانتقالا ذاتيا وتوجها ~~جبليا الى نشأة اخرى، وأما كونه تاجرا فمما فيه لاختياره مدخل، إذ ~~الفائز بسعادة الربح الأخروي، إنما يفوز به بأعمال صحالة اختارية، ~~والممنو بشقاوة الخسران الأبدي، إنما يبتلى به بأعمال فاسدة اختارية، ~~كما قال تعالى: # جزآء بما كانوا يكسبون # [التوبة:95]. وقوله: # فبما كسبت أيديكم # [الشورى:30]. وقوله: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة:7-8]. # المقدمة الثانية: انه لما كان كل مسافر للتجارة لا بد له من رأس مال، ~~وقد ثبت أن الإنسان مسافر للتجارة، فلا بد له من رأس مال، ورأس ماله هو ~~الفطرة الأصلية التي قد فطره الله عليها، وهي القوة الاستعدادية لأجل ~~الوصول الى الدرجات العاليات، والفوز بالمنازل والسعادات، وهذه القوة ~~الفطرية، هي المعبر عنها في هذه الآية بالهدى، إذ الهدى عبارة عن كون ~~السالك على الطريق الذي يؤدي الى مطلوبه ويقابله الضلال، وهو كونه جائرا ~~منحرفا عن ذلك الطريق، فعلى ما فسرنا الهدى به، ليس لأحد أن يقول: ~~كيف اشتروا الضلالة بالهدى، وما كانوا على هدى قط؟ # لأن كل واحد من الناس، في أول نشأته وحداثة وجوده على رأس الطريق منه ~~الى الله، فهو على هدى بحسب الفكرة، وإنما يقع الجور بحسب ما يكتسبه من ~~الأفعال والاعتقادات، كما ورد في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ". # المقدمة الثالثة: أن ms0311 الربح والخسران ليسا بأمرين عارضين لغاية هذا ~~السفر، ممكني الانفكاك عن منازل هذه الحركة، بل الوصول الى كل منزل من ~~منازل الآخرة يلزمه ما يخصه من ربح أو خسران، أو نعيم أو حرمان، أو راحة ~~أو عذاب، بل الربح هنا بنفس الوصول الى المنزل الأسنى والمقام الأعلى، ~~وكذا الخسران بنفس الوصول الى الهوى الأدنى. # سئل بعض أهل الله عن عذاب القبر، فقال: القبر كله عذاب، إشارة الى أن ~~العذاب عبارة عن الانحباس في مضيق البرازخ السفلية، والتقيد بقيود ~~المؤذيات الحيوانية، والتألم بآلام العقارب والحيات النفسانية، كما أن ~~النعيم والراحة بالخلاص عنها والفوز بالدرجات العاليات، لأن ما فيها كله ~~روح وريحان وجنة ورضوان، وما في البرازخ السفلية كله آلام ومحن ~~ومؤذيات وعقارب وحيات وسموم ونيران وحميم وزقوم. # فإذا تقررت هذه المقدمات، فنقول: قد حكى الله تعالى عن المنافقين ~~والمغترين بلوامع سراب الدنيا من أهل الكتاب وغيرهم، الذين تفقهوا لغير ~~الدين، وعملوا بغير عمل أهل اليقين، طلبا للحطام ومصيدة للعوام؛ بأنهم ~~اشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا الآخرة بالأولى والدرر الفاخرة بالثمن ~~الأوكس الأدنى، واستبدلوها به حيث إنهم أخلوا بالهدى الذي جعلهم الله في ~~أصل الفطرة التي فطر الناس عليها، محصلين الضلالة التي ذهبوا اليها، ~~واختاروا الضلالة واستحبوها على الهدى، فجاورا عن القصد وفقدوا الاهتداء. # وأصل الاشتراء: بذل الثمن أو ما يجري مجراه، لتحصيل ما يطلب من الأعيان، ~~سواء كان عينا محسوسا أو غيره كما في قوله: # أخذت بالجمة رأسا أزعرا # وبالثنايا الواضحات الدردرا # وبالطويل العمر عمرا جيدرا # كما اشترى المسلم إذ تنصرا # فإن كان أحد العوضين ناضا، تعين من حيث انه لا يطلب لعينه أن يكون ~~ثمنا وبذله اشتراء، وإلا فأي العوضين تصورته بصورة الثمن، فباذله ~~يكون مشتريا وآخذه يكون بائعا، ولذلك عدت الكلمتان من الأضداد. # وقوله: { فما ربحت تجارتهم } ، ترشيح للمجاز، لما استعمل ~~الاشتراء في معاملتهم أتبعه ما يشاكله تمثيلا لخسارتهم كما قيل: # ولما رأيت النسر عرى ابن دأية # وعشش في وكريه جاش له صدري # وأما إسناد الربح الى التجارة - والحال انه ms0312 لأربابها - فهو على سبيل ~~الاتساع، لتلبسها بالفاعل، أو لمشابهتها اياه من حيث إنها سبب الربح ~~والخسران. # فصل # وأما قوله: { وما كانوا مهتدين } ، فمعناه: أن الذي يقصده ~~التاجرون في أسفارهم ومتصرفاتهم أمران: سلامة رأس المال، والربح، وهؤلاء ~~قد أضاعوا الأمرين وفاتوا المقصدين؛ لأن رأس مالهم هو الفطرة الصافية عن ~~المزاحمات، واللوح الصافي النفساني، والعقل الهيولاني، فلما اعتقدوا هذه ~~الآراء الخبيثة، وانتقشت نفوسهم بهذه النقوش المزخرفة، وانفعلت عقولهم عن ~~هذه العقائد الباطلة. فخرجت فطرتهم عما كانت عليها، وبطل استعدادها ~~لتحصيل ما هو موجب حياتها في معادها، وزينة ذاتها وسبب عيشها في الآخرة، ~~فهؤلاء مع انهم لم يربحوا فقد خسروا، وأفسدوا رأس مال العقل السليم ~~المهتدي الى طريق الحق، والفوز بالنعيم، فلهم الحسرة والعذاب الأليم. # وقال قتادة في معنى هذه الآية: انتقلوا من الهدى الى الضلال، ومن الطاعة ~~الى المعصية، ومن الجماعة الى الفرقة، ومن الأمن الى الخوف، ومن السنة ~~الى البدعة. # أقول: والكل صحيح، لأنها من لوازم الخروج عن الفطرة الساذجة بالعقيدة ~~الفاسدة في باب المبدإ والمعاد، فإن بناء الحسنات والخيرات كلها على ~~معرفة الحق والسلوك بما يوجبه، وبناء السيئات والشرور على الجهل به ~~والحيد عن صراطه. ### || [2.17-18] # تحقيق الآية يستدعي تمهيد مقدمات. # إحداها: هي إن العوالم متطابقة والنشآت متحاذية، نسبة الأعلى إلى الأدنى ~~كنسبة الصافي إلى الكدر، ونسبة اللب الى القشر. ونسبة الأدنى إلى الأعلى ~~كنسبة الفرع إلى الأصل، ونسبة الظل إلى الشخص، ونسبة الشخص إلى الطبيعة، ~~ونسبة المثال إلى الحقيقة. # فكل ما في الدنيا لا بد له في الآخرة من أصل، وإلا لكان كسراب باطل ~~وخيال عاطل، وكل ما في الآخرة لا بد له في الدنيا من مثال، وإلا لكان ~~كمقدمة بلا نتيجة وشجرة بلا ثمرة، وعلة بلا معلول، وجواد بلا جود، لأن ~~الدنيا عالم الملك والشهادة، والآخرة من عالم الغيب والملكوت، ولكل ~~إنسان دنيا وآخرة، وأعني بدنياك: حالتك قبل الموت، وبآخرتك: حالتك بعد ~~الموت. # فدنياك وآخرتك، من جملة أحوالك ودرجاتك، يسمى القريب الداني منها ~~دنيا، وما بعده المتأخر آخرة، ms0313 وكون الدنيا متقدمة على الآخرة، ليس ~~بحسب الأمر في ذاته، بل بالإضافة إلينا، من جهة أن الإنسان أول ما يحدث، ~~يكون في عالم الحس والشهادة، ثم يتدرج قليلا قليلا في قوة الوجود، ~~حتى ينتقل من هذا العالم إلى عالم الغيب والآخرة عند قيامة. # فبالقياس إليه، تكون الدنيا أولاه والآخرة أخراه، كما أن الصورة في ~~المرآة تابعة لصورة الناظر في رتبة الوجود، وثانية لها، وهي وإن كانت ~~ثانية في رتبة الوجود؛ فإنها أول في حق رؤيتك؛ فإنك لا ترى نفسك، وترى ~~صورتك في المرآة أولا، فتعرف بها صورتك التي هي قائمة بك ثانيا على ~~سبيل المحاكاة، فانقلب التابع في الوجود متبوعا في حق المعرفة، وانقلب ~~المتأخر متقدما. # وهذا النوع من الانعكاس والانتكاس، ضرورة هذا العالم، وكذلك عالم ~~الشهادة محال لعالم الغيب والملكوت. # ومن الناس من يسر له نظر الإعتبار، فلا ينظر في شيء من عالم الملك ~~إلا ويعبر به إلى عالم الملكوت، فيسمى عبوره عبرة؛ وقد أمر الخلق ~~به، قال سبحانه: # فاعتبروا يأولي الأبصار # [الحشر:2] ومنهم من عميت بصيرته فلم يعبر، فاحتبس في عالم الملك ~~والشهادة، وتنفتح إلى حبسه أبواب جهنم، وهذا الحبس ممتلئ نارا شأنها أن ~~تطلع على الأفئدة، إلا أن بينه وبين إدراك المها حجاب، فإذا رفع ~~الحجاب بالموت، أدرك. # وعن هذا أظهر الله الحق على لسان قوم استنطقهم بالحق فقالوا: الجنة ~~والنار مخلوقتان. ثم إنا نحن الآن: نتكلم أو نخاطب في الدنيا من في ~~الآخرة. # والغرض من إنزال القرآن، أكثره شرح أحوال الآخرة، وخصوصا في هذه الآية، ~~فإن الغرض شرح أحوال طائفة من المنافقين بحسب باطنهم وآخرتهم، والآخرة ~~من عالم الملكوت، ولا يتصور شرح عالم الملكوت في عالم الملك إلا بضرب ~~الأمثال، ولذلك قال سبحانه: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # [العنكبوت:43]. # وهم الذين جردوا صور المحسوسات عن قشورها المادية، وأحضروها عند عقولهم ~~العابرة عن عالم الأمثلة الحسية إلى عالم الحقائق والملكوت، وعالم ~~الأمثلة الحسية بالقياس إلى عالم الحقائق، كنشأة النوم بالقياس إلى عالم ~~الملكوت، ولذلك ms0314 قال عليه السلام: " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ". # وما سيكون في اليقظة لا يبين لك في النوم إلا بضرب الأمثال المحوجة ~~إلى التعبير، وكذلك ما سيكون في يقظة يوم القيامة، لا يبين لك في ليالي ~~حجب الدنيا إلا في كسوة الأمثال، وأعني بكسوة الأمثال، ما تعرفه من علم ~~التعبير، فإن شأن علماء التعبير أن يعبروا من الأمثلة إلى الحقائق. # ولنذكر لك ثلاثة أمثلة من تعبيرات ابن سيرين تكفيك إن كنت فطنا لفهم ~~معنى المثال ونسبته إلى الحقيقة. # فقد جاء رجل إليه وقال: رأيت كأن في يدي خاتما أختم به أفواه الرجال ~~وفروج النساء. فقال: إنك مؤذن توذن في رمضان قبل الفجر فقال: صدقت. # وجاء آخر فقال: رأيت كأني أصب الزيت في الزيتون. فقال: إن كان تحتك ~~جارية اشتريتها ففتش عن حالها فإنها أمك، لأن الزيتون أصل الزيت، فهو ~~رد إلى الأصل، فنظر فإذا جاريته كانت أمه وقد سبيت في صغره. # وقال آخر له: كأني أعلق الدر في أعناق الخنازير، فقال: إنك تعلم ~~الحكمة غير أهلها - وكان كما قال -. # فالتعبير من أوله إلى آخره مثال لعرفان طريق الأمثال، وليس للأنبياء ~~عليهم السلام أن يتكلموا مع الخلق إلا بضرب الأمثال، لأنهم كلفوا أن ~~يكلموا الناس على قدر عقولهم، وقدر عقولهم أنهم في النوم، كما ورد: " ~~الدنيا دار منام، والعيش فيها كأحلام ". # والنائم لا ينكشف له شيء إلا بصورة المثل، فإذا ماتوا انتبهوا ووصلوا ~~إلى تعبير منامهم، وعرفوا أن المثل المضروب لهم كان صادقا كله. # وإنما نعني بالمثل؛ أداء المعنى، أو وجوده في صورة إن نظر إلى معناه ~~وباطنه وجد صادقا، وإن نظر إلى صورته وظاهره وجد كاذبا. # المقدمة الثانية: إن موجودية الممكنات بحقيقة الوجود الفائض من الحق ~~الأول، وقد علمت فيما سبق، أن الوجود في كل شيء هو نحو وجوده، وهو صورة ~~ذاته دون المسمى بالماهية، إلا أن صورة الوجود في بعض الأشياء ~~كالمفارقات، وضرب من الملائكة والمدبرات العلوية، قائمة في أنفسها بذات ~~باريها وموجدها. وفي بعض الأشياء كالطبائع وضرب من الملكوت ms0315 والمدبرات ~~السفلية، قائمة لا في أنفسها، بل بتبعية المحال والمقادير، وكل من ~~قسمي الوجود، أعني القائم بالذات والقائم بالمقدار، نور من أنوار الله ~~الفائضة عنه في سموات الأرواح وأراضي الأشباح، وهو من إسمه: العليم ~~والنور، إذ هو عالم الغيب والشهادة، والله نور السموات والأرض، ~~بل الوجود على مراتبه كله نور والله نور الأنوار. # والإنسان بالقوة، مشتمل على كل قسم من النور، وأشرف أنواره المكمونة ~~بالقوة في ذاته بحسب أصل الفطرة، هو النور العقلي المدرك للحقائق، ~~الفعال للصورة العقلية والنفسانية والحسية عند تفرده بذاته، وخروجه ~~من القوة إلى الفعل، واتصاله بحضرة الحق الأول، وإنما يخرج من القوة ~~إلى الفعل، عند استكماله بسلوك سبيل الحق وانقياد الشريعة الإلهية ~~بالإيمان والعمل الصالح، وصرف قواه الإدراكية؛ كالحواس الظاهرة ~~والتحريكية، كالقدرة والإرادة والشهوة والغضب، فيما خلقت هي لأجله. # وهذه القوى أيضا ضروب من الأنوار الوجودية التي أنعمها الله علينا ~~للإستعمال في التوصل بها إليه تعالى والتقرب منه، وهي أيضا في أول ~~النشأة، ضعيفة خامدة في مادة البدن، سيما الباطنية منها، كالوهم ~~والخيال من القسم الأول، والهوى وحب الجاه والرياسة من القسم الثاني، ~~وهذه الأنوار الحسية، وكذا محسوساتها ومتعلقاتها، صور مكمونة في مواد ~~الأجسام، سيما العنصرية، كالصورة النارية في الفحم، إذ جميع هذه ~~الأجسام التي تلينا وما حولنا بمنزلة الفحم والزغال، وأنوار صور الحقائق ~~مندمجة فيها، وإنما تظهر من البطون وتبرز من الكمون لنا بسبب حركات ~~ورياضات في كورة الدنيا وعالم الطبيعة، هي بمنزلة النفاخات الواقعة في ~~كورة الحدادين. # وأول ما يخرج إلى الفعل من القوة، وإلى البروز من الكمون، هو صورة ~~الحس والمحسوس، إذ كل إدراك، سواء كان حسا أو تخيلا أو وهما أو ~~تعقلا أو تألها، فهو بضرب من التجريد، ومراتب التجريدات في الشدة ~~والضعف، كمراتب الإدراكات في الكمال والنقص، فأقل التجريدات، التجريد ~~الحاصل في الحس، فإن الحس يجرد الصورة القائمة بالمادة المغشاة ~~بالغواشي المادية من أصل تلك المادة، ولكن لا يجردها من الغواشي، بل ~~هي معها، مع اشتراط أن يكون لمحلها من الحس ms0316 نسبة وضعية جسمانية إلى تلك ~~المادة المنتزعة هي عنها، حتى أنه لو غابت تلك المادة غابت الصورة أيضا ~~عن الحس. # وأما الخيال، فيجرد الصورة عن المادة تجريدا أتم، وإلى أفق ~~المفارقات تقريبا أشد، فإنه يجردها عن المادة، وعن ملابسها وغواشيها ~~الجسمانية من غير اشتراط حضور المادة أيضا، لكن بشرط بقاء تخصصها ~~وتعينها المشابه لتعينها المادي في عالم التمثل الخيالي. # وأما الوهم، فيجرد الصورة تجريدا أتم من تجريد الحس والخيال جميعا ~~بحيث يتصور المعاني الحاصلة في الأجسام، ويجردها عن المواد وعن صفاتها ~~المكتنفة بها، لكن لا يمكن للوهم تجريد المعنى بالكلية عن المواد ~~الشخصية، وعن صفاتها جميعا حتى عن اضافتها إلى الشخص، بل يتصور كلا من ~~المعاني مضافا إلى شخص بعينه، إذ الوهم نفسه أيضا كذلك، لأنه عبارة عن ~~قوة عقلية مضافة إلى جوهر جسماني، حتى لو تجرد عن هذه الإضافات، صار ~~الوهم عقلا، والشيطان ملكا، والجزبرة حكمة. # وأما العقل فشأنه تجريد الصور عن المواد تجريدا أتم وأقوى من جميع ما ~~سبق، لأنه كما يجردها عن المواد وملابسها، يجردها عن أنحاء التعلقات ~~والإضافات كلها، فيصيرها لبا خالصا صافيا مقدسا مطهرا عن ~~الأرجاس والأدناس، لائقا بحضرة القدس وحظيرة الإنس، وذلك ما أردناه. # المقدمة الثالثة: إن هذه القوى من الإنسان من فروعات جوهره العقلي، ~~بمنزلة أشعة وأنوار لازمة لجوهر نواني متعلق بالبدن، كمصباح في بيت تقع ~~منه أنوار وأشعة على جدرانه وسقوفه وزواياه وأكنافه وكل من هذه القوى، ~~ينفعل ويستنير ويخرج من القوة إلى الفعل بواسطة صور محسوسة تخصها، ~~فالبصر بالمبصرات كالألوان، والسمع بالمسموعات كالأصوات. # وبالجملة، الحس بالمحسوس يستنير ويخرج وجوده من القوة إلى الفعل، ~~والخيال بالصور المتخيلة، يستنير ويقوى ويصير من حد النقص إلى حد ~~الكمال، وقد علمت أن كل كمال ونور إنما يحصل بضرب من التجرد والبعد عن ~~المادة، وكل نقص وظلمة إنما يحصل بواسطة لصوق بالمادة وقرب منها. # وعلمت أن مراتب الكمالات حسب مراتب التجريدات، ووجود هذه القوى متقدم ~~بحسب الحدوث على وجود القوة العقلية تقدما زمانيا وبالطبع، ووجود ~~القوة ms0317 العقلية متقدم بقاء على وجودها تقدما ذاتيا وبالعلية والشرف، ~~لأنها من فروعها ومعاليلها عند تجوهر العقل وحصوله بالفعل، فالعاقلة ~~مفتقرة إليها في أول النشأة، وعند أوان الاستكمال والحركة إلى المبدء ~~الفعال، وهي مفتقرة إليها في النشأة الثانية وبقاء الآخرة. # فمن استكمل ذاته ما دام الكون الدنيوي بنور الإيمان واليقين، قامت مع ~~روحه جميع قواه، وتنورت بنوره يوم الدين، وحشرت معه يوم حشر الخلائق ~~أجمعين. # ومن لم يستكمل ذاته ههنا بنور الإيمان، ولم تنفتح بصيرة باطنه إلى عالم ~~الروح والريحان، لفرط جهالته، وتراكم غشاوته، وكثرة حجابه، وكثافة ~~نقابه، سلبت في الآخرة عنه قواه وحواسه، وبقيت نفسه في ظلمات الهاوية ~~وأدخنة السعير أصم وأبكم وأعمى قائلا بلسان الحال: # لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى # [طه: 125 - 126]. # المقدمة الرابعة: إن الوجودات الفائضة من الحق، بعضها من عالم النور، ~~وبعضها من عالم النار، وبعضها من عالم الظلمة والدخان. # أما التي هي من عالم النور، فهي العقول القادسة، والنفوس الزكية، ~~والملائكة العلوية، والأخيار من الجن. # وأما التي هي من عالم النار، فهي النفوس الخبيثة، والشياطين والأشرار ~~من الجن. # وأما عالم الظلمة والدخان، فهي مواد هذا العالم من الأفلاك، ولهذا قال ~~تعالى: # يوم تأتي السمآء بدخان مبين # [الدخان:10]. وقال: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان # [فصلت:11]. وقال: # والفجر وليال عشر # [الفجر:1 - 2]. إشارة إلى مواد الأفلاك التسع ومادة العناصر. وقال: # جعل الشمس ضيآء والقمر نورا # [يونس:5]. وقال: # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح # [الملك:5]. فلولا ضوء الشمس ونور القمر ومصابيح الكواكب، لكان هذا ~~العالم في ظلمة محضة لا أوحش منها. # فاستنار هذا العالم بتلك الأنوار الحسية المتعلقة، وأما عالم الآخرة، ~~فلا يمكن أن يستنير بشيء من هذه الأنوار الحسية، بل لا بد في استنارته ~~من نور آخر من ضروب الأنوار المعنوية. # إما العلمية فكما للمقربين. وإما العملية فكما لأصحاب اليمين. كما ~~قال تعالى: # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم # [الحديد:12]. وقال: # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ms0318 ~~انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم ~~فالتمسوا نورا # [الحديد:13]. # وأما عالم النار، فليست ناره من جنس هذه النارالتي في الدنيا، فإن هذه ~~ليست نارا محضة، بل نارا مع مادة مقدارية كالحطب ونحوه، ومع هيئة ~~نورية حسية، ووضع وشكل محسوسين، وأما النار المحضة، فلا يكون معها هذا ~~الصفاء والإشراق والتلألؤ واللمعان، فإن هذه كلها مسلوبة عن نار جهنم، ~~بل هي سوداء مظلمة كما ورد في الخبر. # وإنما تثبت هذه الأوصاف لهذه النيران الدنيوية، لأنها ليست نيرانا ~~محضة، بل في مادتها نار ونور سانح كما مر، وأما التي هي نار محضة، ~~فتمامها أنها صورة جوهرية حارة بالذات، محركة للمواد، محللة مذيبة ~~للأجساد، محرقة مؤذية مهلكة، قطاعة نزاعة مفسدة للصور الإتصالية، ~~وفساد الصور بوارها، فدار البوار هي محل ظهور سلطان النار. # وأما عالم النور، فهو محل ظهور الحقائق من حيث إنها حقائق وبقاؤها ~~وسلطانها، والأبواب إليها منسدة إلا من قبل آثارها، ومن ناحية صورها ~~المحسوسة، ولهذا قيل: من فقد حسا فقد علما. # ومن تأمل علم إن النيران التي عندنا، فمحل ناريتها الحقيقية في ~~الحقيقة دار البوار لا دار القرار، لأن النار هي المحللة المفرقة، وهذا ~~المحسوس من النار ليس محرقا حقيقة، والذي يباشر الإحراق والتفريق حقا ~~وحقيقة هي نار مستورة عن هذه الحواس، خارجة عن فكر الناس والقياس، مرتبطة ~~بهذا المحسوس وبغيره ارتباطا، وهذا شيء يوافقنا فيه علماء النظر، ~~لاعترافهم بأن الأثر لا يبقى بعد وجود ما هو الفاعل له حقيقة، وإنما ~~الذين يبقى بعده الأثر فهو فاعل في علم الطبيعة، وباصطلاح الطبيعيين، ~~وذلك يسمى في علم ما بعد الطبيعة وباصطلاح الإلهيين: " معدا " ، لا ~~فاعلا مفيدا. # فقد تبين واتضح أن نارية النار - أي كونها محللة مزيلة للصورة - ~~ليست حاصلة فيما يفارقه، وأن نار الله الكبرى لا مستقر لها سوى دار ~~البوار، لأن حقيقتها منبعثة عن تنزلات الأنوار الإلهية والعقلية عند ~~هبوطها عن عالم النور إلى عالم الاستحالة والدثور، فالطبيعة النارية ~~سارية في كل المستحيلات الجوهرية. # وعندنا أن جميع الجواهر المادية - سماوية كانت ms0319 أو أرضية - سيالة في ~~ذاتها، قابلة للاستحالة الجوهرية والتجدد والذوبان بتأثير نيران ~~الطبائع الغير المحسوسة، وهي نيران أخروية كامنة في بواطن الأجسام ~~الدنيوية، والنفس الأمارة بالسوء أيضا نار موقدة تطلع على الأفئدة، ~~وهي كلها مؤلمة، إلا أن بين الناس وبين إدارك المها حجابا. # والجحيم، وجودها معلوم لبعض العلماء، يدرك مرة بإدراك يسمى: " علم ~~اليقين " ، ومرة بادراك يسمى ب " عين اليقين " ، وعين اليقين لا يكون ~~إلا في الآخرة، وعلم اليقين قد يكون في الدنيا، ولكن للذين وفي حظهم ~~من نور اليقين، فلذلك قال تعالى: # كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم # [التكاثر:5 - 6]. أي: في الدنيا، # ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر:7]. أي: في الآخرة. # والدليل على كون النار الأخروية كامنة في جميع الأجرام الدنيوية التي ~~هي بمنزلة الوقود والحشيش لها - سواء كانت حارة يابسة كالنار، أو باردة ~~رطبة كالماء - قوله تعالى: # أغرقوا فأدخلوا نارا # [نوح:25]. وقوله: # والبحر المسجور # [الطور:6]. وقوله: # فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة # [البقرة:24]. # والأحاديث في هذا الباب كثيرة: # منها: ما يروى أنه قال صلى الله عليه وآله: # " لا يركبن رجل بحرا إلا غازيا أو معتمرا، فإن تحت البحر ~~نارا. أو تحت النار بحرا ". # ومنها: أنه قال صلى الله عليه وآله: # " البحر كله نار في نار ". # وعن ابن عباس: إن النار تحت سبعة أبحر مطبقة. # ومنها: # " ما ورد في حديث المعراج أنه رأى في السماء الدنيا آدم أبا البشر، ~~وكان عن يمينه باب يأتي من قبله ريح طيبة، وعن شماله ريح منتنة، ~~فأخبره جبرئيل أن أحدهما هو الجنة والآخر هو النار ". # ومنها: ما في حديث الكسوف، أنه قال صلى الله عليه وآله: # " ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار وذلك ~~حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من نفخها (الحديث) ". # ومنها أيضا ما يدل على أن النار في السماء كما ذكره مجاهد والضحاك في ~~قوله تعالى: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون # [الذاريات:22] أن المراد هو الجنة والنار، وكما يروى في حديث المعراج ~~أيضا: إنه ms0320 صلى الله عليه وآله رأى في السماء الدنيا مالكا خازن النار، ~~وفتح له طريقا من طرق النار لينظر إليها حتى ارتقى من دخانها وشررها وما ~~عن يساره من الباب. # إذا تمهدت هذه المقدمات فنقول: إن الله تعالى أراد أن يكشف عن حال ~~المنافقين الذين كانوا مشتغلين باكتساب الظواهر، والإغترار ببعض الآثار، ~~ولم يباشر الإيمان قلوبهم، واقتصروا على البحث والتكرار، وصرفوا كدهم في ~~الصرف والنحو والأشعار، وحفظ قوالب الأحاديث والأخبار، طلبا لحطام هذه ~~الدار، وتقربا إلى السلاطين والأشرار، بحال من استوقد نارا، وهي نار ~~النفس الوقادة، التي تستوقد أولا من أشعة المدارك الحسية المتنورة ~~بنور الصور المحسوسة، وهذه الأنوار الحسية التي تنفعل منها الحواس، ~~وتخرج بها من القوة إلى الفعل، أنوار حادثة متجددة زائلة عند فتور ~~القوى ودثورها حين استيلاء المرض والهرم عليها، وإنما الفائدة فيها ~~تنبه النفس بصور هذه المدركات، لتنتقل منها إلى إدراك صورها العقلية ~~وأنوارها المعنوية الحاصلة في عالم الأنوار، وبها تخرج قوتها العاقلة ~~إلى الفعل، وتستسعد بالسعادة الأخروية. # فمن اقتصر حاله في استعمال هذه القوى لا لأجل تحصيل المعارف الإلهية ~~والتنور بأنوارها الدائمة، فهو كمن استوقد نارا واستضاء ما حول نفسه ~~بتلك النار، وهي القوى الحساسة والمحركة، وحين أضاءت النار ما حوله من ~~القوى والمدارك الخارجة عن ذاته قبل أن يبلغ أثر الضوء إلى نفسه، ذهب ~~الله بنورهم، أي بنوره وبنور من يحذو حذوه، لأن الأنوار المحسوسة كلها ~~زائلة داثرة تنقص وتندثر، عند عروض الشيب والموت، ثم لم يبق لهم نور ~~أصلا، لا نور الحواس لزوالها عند الموت؛ ولا نور الإيمان والمعرفة، ~~لعدم اكتسابهم له، فلا جرم تركوا في ظلمات الموت والجهالة وغيرها، كظلمة ~~الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة الضلال، وظلمة سخط الله، وظلمة يوم القيامة ~~وظلمة عذاب السرمد، كأنها ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض، فلا يبصرون ~~شيئا، وسلبت قواهم وجوارحهم كلها، فلا سمع ولا نطق ولا بصر، كما لا ~~أذن ولا لسان ولا عين، فهم صم بكم عمي لا يرجعون، لأن الرجوع ~~إلى الفطرة الأولى من الممتنعات، ms0321 والممتنع لا يكون مقدورا أصلا. # فالآية مثل ضربه الله لمن آتاه ضربا من الهدى فأضاعه، ولم يتوصل به ~~إلى نعيم الأبد وسعادة السرمد، فبقي متحيرا متحسرا في ظلمة لا ~~أوحش منها، مسلوب الحواس والآلات تقريرا وتوضيحا لما تضمنته الآية ~~الأولى. # ويدخل تحت عمومه هؤلاء المنافقين، وكل من آثر الضلالة على الهدى ~~المجعول له بالفطرة الأولى، ويمكن أن يكون المراد من قوله: { فلما ~~أضاءت ما حوله } ، أن الرجل المنافق قد يكون من أهل الوعظ ~~والتذكير، يستضيء بنور وعظه وتذكيره حواليه من المستمعين، وهو نفسه لا ~~ينتفع بما يقوله ولا يعمل به، كما قيل: " مثل العالم بأمر الله غير ~~العالم بالله، كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء غيره " وفي الحديث عنه: # " إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ". # فهذا ما تيسر لنا في فهم هذه الآية بفضل الله، ولنرجع إلى حل الألفاظ ~~وما ذكره المفسرون إنشاء الله. # فصل # ما هو ضرب المثل # قالوا: إن المقصود من ضرب المثال أنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره ~~وصف الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض (من المثل) تشبيه الخفي بالجلي، ~~والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقا للعقل، ~~وذلك هو النهاية في الايضاح، ألا ترى إن الترغيب بالإيمان والتزهيد عن ~~الكفر مجردين عن ضرب المثل، لا يتأكد تأثيرهما في القلب، وإذا مثل ~~الإيمان بالنور، والكفر بالظلمة، يتأكد تأثير حسن الإيمان وقبح الكفر ~~في القلب؟ # ولهذا أكثر لله في كتابه المبين وفي سائر كتبه ضرب الأمثال، وقال: # وتلك الأمثال نضربها للناس # [العنكبوت:43] ومن سور الإنجيل: " سورة الأمثال ". # أقول: قد علمت أن حقيقة التمثيل ما هو، ودريت أن الغرض ليس مجرد ~~التأثير والوقع في النفس، بل بيان حقيقة الأمر وملاكه وروحه، أو لا ترى ~~أن الألفاظ المذكورة في هذه الآية، من النار والاستيقاد والإضاءة والنور ~~والذهاب والظلمات وغيرها، كلها محمولة على الحقيقة، مشهودة بنظر ~~البصيرة، بل هي حقيقة أحوالهم الباطنة، والتي هم عليها من الأحوال ~~والأفعال الظاهرة هي مثال لتلك الأحوال، كما قررنا من أن ما ms0322 في الدنيا ~~أمثلة لما في الآخرة، لكن المماثلة لما كانت من الجانبين، يجوز ~~استعمالها في كل من الطرفين، إذ المثل في أصل كلامهم بمعنى المثل، وهو ~~النظير، يقال: مثل ومثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه، ثم قيل للقول ~~السائر الممثل مضربه بمورده: مثل، وربما اشترط أن يكون قولا فيه غرابة ~~بوجه. # ثم ذكروا في الآية سؤالات وأجوبة. # أحدها: إن مستوقد النار اكتسب لنفسه نورا، والله تعالى أذهب بنوره ~~وتركه في ظلمات، والمنافق لم يكتسب خيرا، وليس له نور، فما وجه ~~التشبيه؟ # والجواب بوجوه: # الأول: بما قال السدي: إن ناسا دخلوا في الإسلام عند وصول النبي صلى ~~الله عليه وآله إلى المدينة، ثم نافقوا، فهم بايمانهم اكتسبوا نورا، ثم ~~بنفاقهم ثانيا أبطلوا ذلك النور، ووقعوا في حيرة عظيمة. # أقول: وهذا ليس بشيء، لأن الإيمان إن كان مجرد الإقرار باللسان، فليس ~~بنور، وإن كان العرفان الحقيقي الحاصل بالبرهان، فليس بقابل للزوال. # والثاني: بما ذكره الحسن: وهو انهم لما أظهروا الإسلام فقد ظفروا بحقن ~~دمائهم، وسلامة أموالهم عن الغنيمة، وأولادهم عن السبي، وظفروا بغنائم ~~الجهاد وسائر أحكام المسلمين، عد ذلك نورا من أنوار الإيمان، ولما كان ~~ذلك بالإضافة إلى العذاب الدائم قليل القدر، شبههم بمستوقد النار الذي ~~انتفع بضوءها قليلا، ثم سلب ذلك، فدامت حيرته وحسرته للظلمة التي جاءت ~~في أعقاب النار. وكان يسير انتفاعهم في الدنيا يشبه النور، وعظيم ضررهم ~~في الآخرة يشبه الظلمة. # الثالث: أن يقال ليس وجه الشبه أن للمنافق نورا، بل شبه حاله في ~~تحيره وظلمته في القيامة، بحال المستوقد الذي زال نوره وبقي متحيرا في ~~طريقه المظلم. # الرابع: أنه صار ما يظهره المنافق من كلمة الإيمان ممثلا بالنور، ~~وذهابه هو ما يظهره لأصحابه من الكفر والنفاق، وإنما سمي مجرد القول ~~بتلك الكلمة نورا، وإن كان القائل بها أظهر في تلك الساعة خلافها، لأنه ~~قول حق في نفسه. # الخامس: أنه سمي إظهار الكلمة نورا، لأنه يتزين به ظاهره، ويصير ~~ممدوحا بسببه فيما بينهم، ثم إن الله ذهب بذلك النور، بهتك ms0323 ستر ~~المنافق بتعريف نبيه صلى الله عليه وآله والمؤمنين حقيقة أمره، فيظهر ~~له اسم النفاق، فبقي في ظلمة لا يبصر، إذ النور الذي كان قد زال بما كشف ~~الله تعالى أمره. # السادس: إن المشبه به هو مستوقد نار لا يرضاها الله، فشبه الفتنة ~~التي حاول المنافقون إثارتها بهذه النار، لأن فتنتهم كانت قليلة البقاء، ~~ألا ترى إلى قوله: # كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله # [المائدة:64]. # السابع: قال سعيد بن جبير: نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج النبي صلى ~~الله عليه وآله، واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلما خرج كفروا به، ~~فكان انتظارهم لخروجه صلى الله عليه وآله كإيقاد النار، وكفرهم به بعد ~~خروجه كزوال ذلك النور. # السؤال الثاني: إن الآية تقتضي تشبيه المثل بالمثل، فما مثل ~~المنافقين ومثل المستوقد نارا حتى شبه أحدهما بالآخر. # الجواب: إنه قد استعير " المثل " للقصة أو الصفة إذا كان لها شأن ~~وفيها غرابة، كأنه قيل: " قصتهم العجيبة كقصة الذي استوقد نارا ". ~~وكذا قوله: # مثل الجنة التي وعد المتقون # [الرعد:35]. # ولله المثل الأعلى # [النحل:60]. والمعنى: وصفهم وشأنهم المتعجب كحال من استوقد نارا. # السؤال الثالث: كيف مثلت الجماعة بالواحد؟ # والجواب عنه بوجوه: # أحدها: إنه يجوز وضع " الذي " موضع " الذين " كقوله: # وخضتم كالذي خاضوا # [التوبة:69]. إن جعل مرجع الضمير في قوله: { بنورهم } وإنما جاز ذلك ~~ولم يجز وضع " القائم " موضع " القائمين " ، لكون " الذي " وصلة إلى ما ~~بعده من الجملة التي هي صلته، فلا قصد إلى مطابقته بالموصوف جمعا ~~وإفرادا، ولكثرة وقوعه في كلامهم، وكونه مستطالا بصلته استحق التخفيف، ~~ولذلك بولغ فيه، فحذف ياؤه ثم كسرته، ثم اقتصر على " اللام " في ~~أسماء الفاعلين والمفعولين، ولأنه ليس باسم تام، بل هو كجزء منه، فحقه ~~أن لا يجمع، كما لا تجمع اخواتها وليس " الذين " جمعه المصحح، بل ذو ~~زيادة زيدت لزيادة المعنى، ولذلك جاء بالياء أبدا على اللغة الفصيحة ~~التي عليها التنزيل. # الثاني: إن المراد جنس المستوقدين: أو بتأويل الجمع، أو الرهط الذي ~~استوقد نارا. # الثالث: إن المراد من " مثلهم " ، مثل كل ms0324 واحد منهم، كقوله تعالى: # نخرجكم طفلا # [الحج:5]. أي نخرج كل واحد منكم. # الرابع:- وهو الأصوب والأقوى - إن التشبيه وقع بين القصة والقصة، لا ~~بين الذوات والذوات. وهذا كما قال تعالى: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا # [الجمعة:5]. وكقوله: # ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت # [محمد:20]. # السؤال الرابع ما الوقود؟ وما النار؟ وما الإضاءة؟ وما النور؟ وما ~~الظلمة؟. # الجواب: وقود النار سطوعها وارتفاع لهبها. والنار جوهر لطيف، مضيء، ~~محرق، حار، واشتقاقها من " نار، ينور " إذا نفر، لأن فيها حركة ~~واضطرابا. # والنور: مشتق منها، وهو ضوءها. والمنار: العلامة. والمنارة: هي الشي ~~الذي يؤذن عليه. ويقال أيضا لما يوضع السراج عليه. ومنها النورة، لأنها ~~تظهر البدن. # والإضاءة: هي فرط الإنارة، ومصداقه قوله تعالى: # جعل الشمس ضيآء والقمر نورا # [يونس:5]. # والظلمة: عدم النور عما من شأنه أن يستنير. والظلم في أصل اللغة ~~بمعنى النقصان. # قال تعالى: # آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا # [الكهف:33] أي: لم تنقص. وفي المثل: " من أشبه أباه فما ظلم " ، أي ~~ما نقص حق الشبه. والظلم: الثلج، لأنه ينقص بسرعة. والظلم: ماء ~~السن وطراوته وبياضه تشبيها له بالثلج. قال ابن الفارض: # عليك بها صرفا وإن شئت مزجها # فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم # و { أضاءت } ، يجوز كونها متعدية ولازمة، والأقرب ههنا هو الأول، ~~وعلى الثاني تكون مستندة إلى: " ما حوله " ، والتأنيث، للحمل على ~~المعنى، لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء. ويعضده قراءة ابن عبلة " ~~ضاءت ". # ويجوز إسنادها إلى ضمير: " النار " ، وتكون: " ما " موصولة منصوبة على ~~الظرفية، أو مزيدة، و " حوله " ظرفا. # والحول: الدور المتصل. وتأليفه للدوران. وقيل للسنة: حول. لأنها ~~تدور. والحوالة: إنقلاب الحق من شخص إلى آخر. والحول: إنقلاب العين. ~~والمحاولة: طلب الفعل بعد أن لم يكن طالبا له. # وقوله: { ذهب الله بنورهم } جواب " لما " ، والضمير للذي، ~~وإنما جمع حملا على المعنى، ولم يقل: " ذهب الله بنارهم " ، لكون ~~النور هو المراد من ايقادها. # ويحتمل أن يكون الجواب محذوفا كما في قوله: # فلما ذهبوا به # [يوسف:15] ms0325 لاستطالة الكلام مع أمن الالتباس للدلالة عليه، كأنه قيل: ~~فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على ~~فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار. # وعلى هذا يكون: { ذهب الله } كلاما مستأنفا أجيب به اعتراض ~~سائل: " ما بالهم شبهت حالهم بحال مستوقد انطفت ناره؟ " ، أو يكون ~~بدلا من جملة التمثيل على سبيل البيان؛ والضمير على هذين الوجهين، ~~للمنافقين، وعلى الأول، للموصول، لكونه في معنى الجمع، وأما توحيده في: { ~~حوله } فللحمل على اللفظ. # السؤال الخامس: هلا قيل: " ذهب الله بضوئهم " لقوله: { فلمآ ~~أضاءت ما حوله }. # الجواب: هذا أبلغ، إذ في الضوء زيادة، والغرض إزالة النور بالكلية، ~~ونفي الأشد لا يوجب نفي الأضعف، أو لا ترى كيف عقبه بقوله: { ~~وتركهم في ظلمات } والظلمة عدم النور وانطماسه بالكلية، وقد ~~جمعت ونكرت ثم اتبعت زيادة في التأكيد بقوله: { لا يبصرون }. # تنبيه: # إسناد الإذهاب إلى الله تعالى؛ أما في الممثل له: فلأن الكل واقع ~~بقضائه وقدره، أو لأن الاطفاء وقع بسبب أمر خفي، أو أمر سماوي كريح أو ~~مطر. # وأما في الممثل: فقد علمت مما ذكر، أن ذهاب أنوار الحس والخيال ~~والوهم وسائر القوى من النفس الغير المنورة بنور الإيمان، أمر ضروري ~~حاصل عند الموت بقضاء الله - لا صنع لأحد غيره فيه -، ولهذا قال: { ~~ذهب الله بنورهم } ، ولم يقل: " أذهب الله نورهم " ، لما في ~~الأول من الاستصحاب والاستمساك. # كما في قوله تعالى: # إذا لذهب كل إله بما خلق # [المؤمنون:91]. يقال: " ذهب السلطان بماله " إذا أخذه وأمسكه، " وما ~~يمسك الله فلا مرسل له " ، فهو أبلغ من الإذهاب. وفيه ستر آخر. # وقرء اليماني: " أذهب الله نورهم ". # و " ترك " في الأصل، بمعنى طرح وخلى، وله مفعول واحد، وإذا ضمن ~~معنى " صير " علق بشيئين فجرى مجرى أفعال القلوب. ومنه قوله { ~~وتركهم في ظلمات } أصله: " هم في ظلمات " ثم دخل " ترك " ~~فنصبهما. # ومفعول: { لا يبصرون } ، من قبيل المتروك المطرح، لا من قبيل ~~المقدر المنوي، إذ الغرض سلب الإبصار، لا سلب تعلقه بشيء، كما في ~~قوله: # ويذرهم ms0326 في طغيانهم يعمهون # [الأعراف:186]. # تذكرة فيها تبصرة # قد علمت تباين المسلكين في تحقيق الآية، وتفارقهما في تبيينها من حمل ~~الألفاظ في أحدهما على الحقيقة الباطنية، وفي الآخر إما على التجوز أو ~~الاستعارة. وكذلك قالوا جريا على طريقتهم في قوله تعالى: { صم بكم ~~عمي } ، إنه لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون وينطقون ~~ويبصرون، امتنع حمل الآية على الحقيقة، فلم يبق إلا تشبيه حالهم - لشدة ~~تمسكهم بالعناد، وإعراضهم عما يطرق سمعهم من القرآن، وما يظهره الرسول ~~صلى الله عليه وآله من الأدلة والآيات - كمن هو أصم في الحقيقة، فلا ~~يسمع، وإذا لم يسمع لم يتمكن من الجواب، فلذلك جعله بمنزلة الأبكم، وإذا ~~لم ينتفع بالأدلة، ولم يبصر طريق الرشد، فهو بمنزلة الأعمى، فحملوا هذه ~~الألفاظ الثلاثة في حقهم على المجاز والتشبيه لحالهم بحال من أيفت ~~مشاعره وانتفت قواه كقوله: # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به # وإن ذكرت بسوء عندهم أذن # وكانت على طريقة قولهم: " هم ليوث " للشجعان، " وهم بحور " للأسخياء؛ ~~وما حملوها على الحقيقة لكونهم مسلوبي القوى والمشاعر الأخروية التي هذه ~~المشاعر الدنيوية قشورها وظواهرها، فإن للنفس في ذاتها سمعا وبصرا ~~ونطقا وغير ذلك، أولا ترى أن الإنسان عند نومه - الذي هو أخو موته - ~~يسمع ويبصر وينطق. # والمسلوب عن الكفار والمنافقين، هو مشاعر الآخرة، لأن وجودها تابعة ~~لوجود العقل المنور بنور الإيمان كما مر. # ثم اختلفوا في أن إطلاقها عليهم استعارة أو تشبيه بليغ، فالمحققون ~~منهم على أنه تشبيه بليغ وليس باستعارة، لأن من شرطها أن يطوى ذكر ~~المستعار له بحيث يمكن حمل الكلام على المستعار منه لولا القرينة، كقول ~~زهير: # لدى أسد شاكي السلاح مقذف # له لبد أظفاره لم تقلم # ومن ثمة ترى المفلقين السحرة منهم يتناسبون التشبيه، ويضربون عن ~~توهمه صفحا، كما قال أبو تمام: # ويصعد حتى يظن الجهول # بأن له حاجة في السماء # وها هنا - وإن طوي ذكره - لكنه في حكم المنطوق به، ونظيره: # أسد علي وفي الحروب نعامة # فتخاء تنفر من صفير الصافر # وقيل: هذا إذا ms0327 جعل الضمير للمنافقين على أن الآية فذلكة للتمثيل ~~ونتيجة له، وإن جعل للمستوقدين، فهي على حقيقتها، والمعنى: أنهم لما ~~أوقدوا نارا، ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات هائلة أدهشتهم بحيث ~~اختلت حواسهم وانقضت قواهم. # وقرئت الثلاثة بالنصب على الحال من مفعول تركهم. ### || [2.19-20] # قد مثل الله تعالى حال المنافقين والكافرين بهذين التمثيلين باعتبار ~~فساد القوتين. # أما التمثيل الأول، فهو باعتبار فساد قوتهم العلمية التي من شأنها ~~مشاهدة أنوار الحقائق، وأما هذا التمثيل، فهو باعتبار بطلان قوتهم ~~العملية التي من شأنها سلوك طريق الحق بها. # فقوله: { كصيب من السمآء } إما عطف على: الذي استوقد أي ~~كمثل ذوي صيب، بقرينة قوله { يجعلون أصابعهم } أو عطف على ~~المثل، أي مثلهم وحالهم كصيب، فلا بد من تقدير ضمير يعود إليه. # وكلمة " أو " في الأصل، للتساوي في الشك، ثم اتسع فيها فاستعمل ~~للتساوي من غير شك، مثل جالس الحسن أو ابن سيرين، ومنه قوله تعالى: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان:24]. والمراد منع الخلو دون منع الجمع، فالمعنى: أن قصة ~~المنافقين مشبهة بهاتين القصتين، وأنهما سواء في صحة التشبيه بهما ~~باعتبار الجهتين، وأنت مخير في التمثيل بهما جميعا، أو بأيهما شئت، ~~وكان الممثل له في التمثيل الأول، حال المنافقين المنتسبين بأهل العلم ~~لحفظ ظواهر الأقوال، المغترين بإبداء الشبهات، وهم الذين إذا جاءتهم ~~البينات يفرحون بما عندهم من العلم. وفي هذا التمثيل حال المنافقين ~~الذين هم من أهل النسك وأهل التقليد من غير بصيرة تامة وإياهما عني في ~~قوله صلى الله عليه وآله: # " قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك ". # وعن أمير المؤمنين عليه السلام: قطع ظهري رجلان من الدنيا: رجل عليم ~~اللسان فاسق، ورجل جاهل القلب ناسك، هذا يصد بلسانه عن فسقه، وهذا ~~بنسكه عن جهله، فاتقوا الفاسق من العلماء والجاهل من المتعبدين، ~~أولئك فتنة كل مفتون... " # فوجه المماثلة ههنا؛ أن المراد من المطر هو الإيمان، أو القرآن لكونه ~~منشأ الحياة المعنوية والأرزاق الأخروية. والظلمات هي الشبهات ~~والمتشابهات التي يخفى وجهها على الجهال والأرذال ms0328 ويضلون في إدراكها، ~~كما قال: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به ~~إلا الفاسقين # [البقرة:26]. # والرعد والبرق والصواعق، هي التكاليف الشاقة، بعضها من باب الأعمال ~~وبعضها من باب الاعتقادات، كفعل الصلاة وال صيام والحج، وترك الرياسات، ~~والمجاهدة مع الآباء والأمهات، وترك الأديان القديمة، والاعتقاد بحقية ~~هذا الدين والانقياد له. # فكما أن الإنسان يبالغ في الإحتراز عن المطر الصيب، الذي هو أشد ~~الأشياء نفعا بسبب هذه الأمور المقارنة، فكذا المنافق الجاهل، يحترز عن ~~الإيمان أو القرآن بسبب هذه الأمور، زعما منه أن الغرض منها ايلامه ~~وتخويفه وتشديد الأمر عليه، بحيث تكاد توجب هلاكه، ولم يعلم أن فيها ~~شفاء لما في الصدور، وتنويرا للقلوب، وإحياء للنفوس المريضة بداء ~~الجهالة، ورحمة للذين آمنوا، وهدى للعالمين. # والمراد من قوله: { يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق حذر الموت } أن الجاهل المنافق كثيرا ما يتصامم ~~عن ذكر الآيات والحجج والبينات، حذرا عن سماع ما يوجب فساد عاقبتهم، ~~ويظهر عليهم مآل ما هم عليه من النفاق والفسق ولا يعلم السفيه الأحمق ~~أن التصامم والتعامي لا يدفع الداهية والموت، كما أن الصاعقة لو أتت إلى ~~شخص لا يمكن له دفعها بجعل إصبعيه في أذنيه. # وقوله: { يكاد البرق يخطف أبصارهم }: إشارة إلى أن ~~لمعات القرآن أو الإيمان، وأنواره الباهرة، تكاد تخطف أبصار بصائر ~~الناظرين فيه، حتى كأنهم لضعف بصائرهم عن احتمال شوارقها ولوامعها، ~~كالمبهوتين المتحيرين. # والمراد من قوله: { كلما أضآء لهم مشوا فيه } أنه متى ~~ظهر لهم، أو نقل إليهم شيء من خوارق العادات والكرامات، أو متى حصل لهم ~~شيء من المنافع كحصول الغنائم، أو التوقير والتقديم في المجالس، أو تولية ~~الأمور كضبط الأموال وحفظ الأمانات، وسعاية الزكوات والحسبة والشهادة ~~وغيرها، فإنهم يرغبون في الدين ويجهدون في العمل. وإذا أظلم عليهم، أى ~~متى لم يجدوا شيئا من الكرامات أو من المنافع، فحينئذ يقفون عن العمل، ~~ويكرهون الإيمان، ولا يرغبون فيه. هذا ما ظهر في معنى الآية. # ويقرب منه ما قيل: شبه الايمان والقرآن وسائر ما أوتي الإنسان ms0329 من ~~المعارف التي هي سبب الحياة الأبدية بالصيب الذي به حياة الأرض، وما ~~ارتكبت بها من الشبه المبطلة، واعترضت دونها من الاعتراضات المشكلة ~~لأهل البدع بالظلمات، وما فيها من الوعد والوعيد بالرعد، وما فيها من ~~الآيات الباهرة بالبرق، وتصاممهم عما يسمعون من الوعيد بحال من يهوله ~~الرعد فيخاف صواعقه فيسد أذنه عنها، مع أنه لا خلاص لهم منها، وهو ~~معنى قوله: { والله محيط بالكافرين }. واهتزازهم لما يلمع لهم ~~من رشد يدركونه أو رفد تطمح إليه أبصارهم بمشيهم في مطرح ضوء البرق ~~كلما أضاء لهم، وتوقفهم في الأمر حين تعرض لهم شبهة أو تعن لهم ~~مصيبة بتوقفهم إذا أظلم عليهم، وأشير بقوله: { ولو شآء الله ~~لذهب بسمعهم وأبصارهم } إلى أنه سبحانه جعل لهم ~~السمع والأبصار ليتوسلوا بهما إلى الهدى والفلاح ويتسببوا بهما إلى ~~تحصيل السمع المعنوي والبصيرة الباطنية، لدفع الشبهات وإزالة الظلمات في ~~طريق الهداية، وسلوك الآخرة، طلبا للحياة الباقية، وتقربا إلى الله ~~معطي الخيرات الأبدية، ثم إنهم صرفوها إلى الحظوظ العاجلة، وسدوها ~~عن الفوايد الآجلة، وهذه المدركات مع مداركها، أمور ذاهبة زائلة، ولو ~~شاء الله لجعلهم عادمين للسمع والأبصار كما هم عليه في القيامة يوم لا ~~نور إلا نور المعرفة والإيمان. # فصل # [التشبيه هنا مركب، أم مفرق] # قد يقال: وقع في التمثيلين تشبيه أشياء بأشياء؛ فأين ذكر المشبهات ~~فيهما؟ وما المشتبه بالصيب، والظلمات، والرعد، والبرق، والصواعق ههنا؟ ~~وهلا صرح بها، كما في قوله: # وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا ~~النور ولا الظل ولا الحرور # [فاطر: 19 - 21]. وكقول امرؤ القيس: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا # لدى وكرها العناب والحشف البالي # فيجاب: بأنه يجوز كون المشبه في المفردات مطويا ذكره على سنن ~~الإستعارة من قوله تعالى: # وما يستوي البحران هذا عذب فرات سآئغ شرابه ~~وهذا ملح أجاج # [فاطر:12]. # ولعلماء البيان في هذا الموضع قولان: # أحدهما: ما سلكنا سبيله وأوضحنا طريقه، وهو تشبيه مفرق معناه أن يكون ~~الممثل مركبا من أمور، والممثل له أيضا كذلك، ويكون كل واحد من آحاد ~~أحدهما شبيها ms0330 بما يوازنه من الآخر، من غير اشتراط أن يكون جميع أعداد ~~المركب للمشبه مذكورا صريحا، كما علمت من التطبيق الذي مر ذكره. # والثاني: ما اختاره صاحب الكشاف قائلا: إن الصحيح الذي عليه علماء ~~البيان لا يتخطونه إن التمثيلين جميعا من جملة التمثيلات المركبة، دون ~~المفرقة لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به، وهو القول الفحل ~~والمذهب الجزل، أراد به أن يشبه كيفية منتزعة من مجموع أمور تضامت ~~أجزاؤه وتلاصقت حتى صارت شيئا واحدا بأخرى مثلها، كما في قوله تعالى: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا # [الجمعة:5] مثل حال اليهود في حملهم بما معهم من التوراة بحال الحمار ~~في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد ~~غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئا واحدا، فلا، فكذلك لما وصف وقوع ~~المنافقين في ضلالتهم، وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة، شبهت حيرتهم ~~وشدة الأمر عليهم، بما يكابد من طفيت ناره بعد ايقادها في ظلمة ~~الليل وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من ~~الصواعق. # والبحث فيه من وجهين: # أحدهما: إن الهيئة الإنتزاعية الحاصلة من أمرين أو أمور، إذا كانت ~~واحدة يجب أن تكون الأمور المنتزعة هي منها أيضا متماثلة متشابهة من ~~الوجه الذي به يصلح للانتزاع. لما تقرر في العلوم العقلية، أن المعنى ~~الواحد، لا يمكن أن ينتزع من أشياء متخالفة الحقائق من جهة يخالفها، سواء ~~كانت بسائط أو مركبات، مثلا: الهيئة الإنسانية المحسوسة المنتزعة من ~~تركيب أجزاء الإنسان، لا يكمن أن تنتزع من تركيب أجزاء الفيل وغيره إلا ~~على نحو ضعيف المشابهة لها. # وثانيهما: إن المواضع التي ذكرها من القرآن وغيره، وادعى فيها تشبيه ~~المركب بالمركب من دون تشبيه الأفراد، لا نسلم أن الأمر فيها كما ~~زعمه، بل لا تخلوا المواضع عن المشابهة بين الأفراد، ففي قوله تعالى: # مثل الذين حملوا التوراة # [الجمعة:5] الآية، كما حصل تشبيه حال اليهود - وهو جهلهم بما في التوراة ~~- بحال الحمار - وهو جهله ms0331 بما حمل عليه، فكذلك قد حصلت المشابهة بين ~~اليهود والحمار في الحمق والجهالة، فإن حقيقة الحمارية وروحها هي ~~الجهالة المفرطة، سواء كانت مقترنة مع شكل الحمار أو شكل الإنسان، وليس ~~الإنسان إنسانا بشكله وصورة خلقته، بل بمعنى الإنسانية، وروح ~~الناطقية التي هي عبارة عن إدراك المعارف. # وكذا بين التوراة وأسفار الحكمة، لاتحادهما فيما يؤدي إلى التعليم ~~والهداية من العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية، وكذا وقع تشبيه حمل. ~~الألفاظ والظواهر وعدم حمل الأسرار والمعاني منهم، بحمل أوقار الصحف، ~~وعدم الشعور بما فيها. ثم لا يخفى على ذوي النهى، أن هذا القسم ألطف ~~وأحكم وأبلغ فيما هو المقصود من التمثيل وأدل على القدرة؛ فينبغي حمل ~~الآيات عليه مهما أمكن، ونحن لا ننكر وجود القسم الثاني في القرآن وغيره. # فصل # [نظر في العلة الفاعلية] # فإن قيل: ما الفائدة في قوله: من السمآء، مع أن الصيب لا يكون ~~إلا من السماء؟ # قلنا فيه فائدتان: # الأولى: ما مر من دلالة تعريف السماء وتنكير الصيب على أنه مطبق آخذ ~~بآفاق السماء. # والثانية: إن من الناس من قصر نظره عن الأسباب العالية المنبعثة من ~~قدرة الله وحكمته فقال: إن المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من ~~الأرض إلى الهواء، فتنعقد هناك من شدة البرودة الزمهريرية، ثم تنزل مرة ~~أخرى على هيئة القطرات، فذاك هو المطر، ثم إن الله أبطل ذلك المذهب ~~ههنا بأن ذلك الصيب نزل من السماء. # وكذلك قوله تعالى: # وأنزلنا من السمآء مآء طهورا # [الفرقان:48]. # وينزل من السمآء من جبال فيها من برد # [النور:43]................................ لأن أسباب هذه الأمور ~~منبعثة من عالم السماء. # واعلم أن العلم بحقائق الموجودات بعضها فوق بعض، وكذا العلماء بحسبها، ~~ذوو درجات متفاضلة متعالية، كما قال تعالى: # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف:77]. وقال: # ورفع بعضكم فوق بعض درجات # [الأنعام:65]. # مثاله: أن الطبيعي والحكيم قد يتشاركان في النظر في كثير من الأشياء؛ ~~لكن الطبيعي يأخذ الأوسط في حجته من الطبيعة السارية في الأجسام بأمر ~~الله، والحكيم يأخذ العلة من العالم العلوي والمفارق ms0332 المحض، والعلة ~~الغائية التي هي الخير الأعلى والعلة القصوى للوجود، فالطبيعي يعطي ~~برهانا لميا، ما دامت المادة القابلة والطبيعة الفاعلة موجودتين، ~~والحكيم يعطي البرهان اللمي مطلقا. # وبالجملة، فإذا أعطي البرهان من الأسباب المقارنة، كان من العلم ~~الأسفل، وإن أعطي من العلل المفارقة العالية، كان من العلم الأعلى، ~~والعلل المقارنة هي الهيولى والصورة، والعلل المفارقة هي الفاعل والغاية. # وأما العارف المتألة، فنظره أدق وأبصر، وعلمه أعلى وأشرف من جميع ~~العلوم، حيث يقع نظره في معرفة كل الأشياء الى الحق الأول، ويأخذ علة ~~مقاصده ووسط براهينه من أسماء الله الحسنى وآياته الكبرى، وليس لغيرهم ~~هذا الشأن، ولا برهانهم هذا البرهان، وأكثر الناس مقصور النظر؛ إما على ~~عالم الشهادة كالظاهريين، أو على عالم الباطن كالباطنيين، وكلاهما ينظران ~~بالعين العوراء. # مثال ذلك العلم بمنشأ الرعد والبرق. # فالرعد، هو الصوت الذي يسمع من السحاب، كأن أجرام السحاب تصطدم وتضطرب ~~وترتعد إذا جذبها الريح، فتصوت عند ذلك من الارتعاد، والبرق: الذي يلمع ~~من السحاب، من برق الشيء بريقا. # واللفظان مصدران في الأصل، ولذلك لم يجمعا. # وقيل: " الرعد هو ملك موكل بالسحاب يسبح " روي ذلك عن ابن عباس ~~ومجاهد، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام. # وقيل: " إن الرعد صوت ملك يزجر السحاب ". روي: " إنه يزعق كما يزعق ~~الراعي بغنمه ". # وقيل: " البرق مخاريق الملائكة من حديد، تضرب به السحاب فتنقدح عنه ~~النار " وهو المروي عن علي عليه السلام. # وقيل: " سوط من نور يزجر به الملك السحاب " عن ابن عباس. # وقيل: " هو مصع ملك " عن مجاهد. والمصاع. المجالدة بالسيوف وغيرها. # وقيل: إنه نار تنقدح من اصطكاك الأجرام. والكل صحيح حسب مراتب ~~المشاهدة لمراتب العوالم. # فإذا سمعت أيها العاقل الطبيعي، أن ملكا يسوق السحاب بالزجر والصوت ~~زجره يسمع زجل الرعود، وإذا سجت به خفيفة السحاب التمعت صواعق البروق، ~~وأنت تحكم بعقلك أنه اصطكاك الأجرام من الحرارة الدخانية والبرودة ~~البخارية الواقعة فوقها، فالذي أدركته بعقلك قضية صحيحة، لو لم تنكر ما ~~فوقها، ولكن حرمت القضية الأخرى، أنه ملك يسوق السحاب ولم ms0333 تكد تراها ~~لأنه يدرك بنور البصيرة، وأنت في ظلمة الغشاوة وبك زمانة الجهالة، لا ~~سبيل لك إلى سلوك عالم النور. # وقس عليه سائر التأثيرات العلوية في الأمور السفلية، كالزلازل ~~والهدات وغيرها، فأما ما ورد في باب الخسوف والكسوف، أنه من تخويف ~~الله عباده، وإظهار قدرته، مع ما ثبت بالهندسة لك أن خسوف القمر لحجب ~~نور الشمس عن جرمه لحيلولة الأرض، وأن كسوف الشمس يكون بحجاب جرم القمر ~~نورها عن الأبصار، فأهل الإيمان لا ينكرون ما دلت عليه البراهين ~~الهندسية، ولكن الجاحدين لأنوار الشريعة، ينكرون أحكام الغيب ولم ~~يتفكروا في قوله تعالى: # يؤمنون بالغيب # [البقرة:3]. وقوله: # ولله غيب السموات والأرض # [هود:123] وقوله: # عالم الغيب والشهادة # [الأنعام:73]. # يحرفون الكلم عن مواضعه # [النساء:46]. # فما بالك أيها الأعور، هلا نظرت بالعينين وأثبت العالمين، فالله ~~أظهر الملك والشهادة لقضية اسمه الظاهر، والغيب والملكوت لقضية اسمه ~~الباطن، فلو كنت أدركت العالمين، لجمعت بين الفلك والملك، وأثبت ~~المعقول والمنقول. على أن في نظر العارف المحقق، الفلك ملك متمثل، ~~والمنقول معقول ينتقل إلى عالمك الذي أنت فيه، والشرع عقل ظاهر، والعقل ~~شرع باطن، فالجسماني للفلك والروحاني للملك، فمن حكم بأن الفلك له ~~إرادة وقدرة فلم يدر أن الإرادة والقدرة للملك الموكل به، وصورة ~~الفلك من عالم التقدير والتسخير، لا من عالم الحكمة والتدبير، وهكذا ~~الكواكب وما يضاف إليها من التأثيرات والتدبيرات، هو من الملائكة ~~الموكلين بعالم السماء، وهي في ذواتها موات. # فصل # قوله: { فيه ظلمات } ، إن أريد بالصيب المطر، فظلماته تكاثفه ~~أي تتابعه وظلمة غمامه مضمومة إليهما ظلمة الليل. # وإن أريد به السحاب، فظلمته سحمته وتطبيقه إذا كان اسحم مطبقا. # وارتفاعها بالظرف - وفاقا - لاعتماده على موصوف، وكون الصيب - بمعنى ~~المطر - مكانا للرعد والبرق، لأنهما في أعلاه وأسفله. ولأن التعلق ~~بين المطر والسحاب قوي كالتداخل، جاز إجراء أحدهما مجرى الآخر فيما هو ~~من باب الوضع. # وقيل: ضمير { فيه } راجع إلى " السماء " ، لأن المراد بها السحاب ~~وهو مذكر. # وإنما لم يقل: " رعود وبروق " ، كما قيل: { ظلمات } لأن أنواعا ~~متخالفة من ms0334 الظلمة قد اجتمعت، فاحتيجت إلى صيغة الجمع بخلاف صاحبيها. # وإنما جاءت الثلاثة منكرات، لأن المراد ضروب خاصة منها، كأنه قيل: " ~~ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف ". # والضمير في: { يجعلون } لأصحاب الصيب، والمرجع وإن كان محذوفا ~~لفظا لكنه باق معنى، فيجوز أن يعول عليه. والجملة استيناف كأنها ~~وقعت في جواب من قال: " فكيف حالهم مع مثل هذه الشدة والهول؟ ". # وإنما ذكر: " الأصابع " موضع " الأنامل " للمبالغة، أو لأن المراد ~~بعضها، وقوله: { من الصواعق } متعلق ب " يجعلون " أي: من ~~أجلها. # والصاعقة: قصفة رعد شديد معها جوهر ناري قوي النارية، لا تمر ~~بشيء إلا أتت عليه، بقي بحاله إن كان متخلخلا لطيفا، وأذابته أو ~~دكته بسرعة إن كان متكاثفا صلبا. وهي مع قوتها سريعة الخمود ~~والجمود، و " التاء " فيها للمبالغة كالراوية، أو مصدرية كالعاقبة. # وقوله: { حذر الموت } نصب على العلة. والموت: زوال الحياة ~~وعدمها عما فيه قوة قبولها. وقيل: صفة تضاد الحياة، تمسكا بقوله: # خلق الموت والحياة # [الملك:2]. # ودفع: بأن " الخلق " ههنا بمعنى التقدير، والأعدام مقدرة وإن لم ~~تكن مجعولة. # ومعنى إحاطته تعالى بالكافرين: شمول قدرته عليهم وإحاطة أمره ونقمته بهم ~~لقوله: # وإن جهنم لمحيطة بالكافرين # [العنكبوت:54]. # وقيل: المعنى إنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط، لا يخلصهم ~~الخداع والحيل. والجملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب. # و " الخطف ": الأخذ بسرعة. وقرء مجاهد: " يخطف " - بكسر الطاء - ~~والفتح أفصح؛ وعن ابن مسعود والحسن: " يخطف " - بفتح الياء والخاء - ~~على أنه " يختطف " فأدغمت التاء في الطاء بعد نقل حركتها إلى ما ~~قبلها. وعنه " يخطف " - بكسر الخاء - لالتقاء الساكنين واتباع الياء ~~لها. # وعن زيد بن علي عليه السلام: " يخطف " من خطف. وعن أبي: " يتخطف " من ~~قوله: # ويتخطف الناس من حولهم # [العنكبوت:67]. # وقوله: { كلما أضآء لهم مشوا فيه } استيناف ثالث، ~~كأنه جواب لمن يقول: " كيف يصنعون في حالتي ظهور البرق وخفائه "؟ فأجيب ~~بذلك. # و { أضآء } إما متعد، والمفعول محذوف. بمعنى: " كلما نور لهم ~~ممشى أخذوه " ، أو لازم بمعنى: " كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره " ، ~~ويعضده قراءة ms0335 ابن أبي عبلة " كلما ضاء ". # وكذلك { أظلم } فإنه جاء متعديا إلى مفعول من " ظلم الليل " ، ~~ويشهد له قراءة " أظلم " على البناء للمفعول. # وإنما قال مع الإضاءة " كلما " ، ومع الإظلام " إذا " ، لكونهم ~~حراصا على المشي. فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، وليس كذلك الوقوف، ~~ولو شاء الله في قصف الرعد فأصمهم وفي ضوء البرق فأعماهم. # ومفعول { شآء } محذوف لدلالة الجواب عليه، ولقد تكاثر حذفه في " ~~شاء " و " أراد " حتى لا يكاد يذكر إلا في الشيء المستغرب كقوله: " ~~ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ". # تنبيه: # قال في التفسير الكبير: " إن المشهور أن كلمة " لو " تفيد انتفاء ~~الشيء لانتفاء غيره، ومنهم من أنكر ذلك، وزعم أنها لا تفيد إلا الربط، ~~واحتج بالآية والخبر. # أما الآية: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال:23]. فلو أفادت ذلك لزم التناقض، لأن قوله: # لو علم الله فيهم خيرا # [الأنفال:23] مقتضاه أنه ما علم فيهم خيرا، وقوله: # ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال:23] مفاده أنه تعالى ما أسمعهم، وهم [ما] تولوا، لكن [عدم] ~~التولي خير، فيلزم أن يكون قد علم الله فيهم خيرا؛ وما علم فيهم ~~خيرا. # وأما الخبر: فقوله (صلى الله عليه وآله): # " نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه " # فعلى مقتضى قولهم يلزم أنه خاف الله وعصاه، وذلك متناقض. # فعلمنا أن كلمة " لو " لا تفيد ألا الربط " - انتهى كلامه. # وفائدة هذه الشرطية على المذهب المشهور، إبداء المانع لذهاب سمعهم ~~وأبصارهم الظاهريتين مع قيام ما يقتضيه، والتنبيه على أن تأثير الأسباب ~~في مسبباتها مشروط بمشية الله تعالى وإن كان وجودها مرتبطا بأسبابها ~~منوطا بآجالها وأوقاتها والكل واقع بقدرته. وقوله: { إن الله ~~على كل شيء قدير } كالتصريح به، والتقرير له، وفائدتها على ~~المذهب الأخير، الإخبار عن ذهاب الحاستين عنهم في الحقيقة، مع أن الناس ~~يزعمون أنهما موجودتان لهم، فهم صم وعمي في الحقيقة. # وعند أهل الكشف، مع وجود الآلتين فيهم كأنهم أموات لا يشعرون عند الله ~~وعند أوليائه، كما قال: # إنك لا ms0336 تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء # [النمل:80]، مع أنهم يحسون ويتحركون كالأحياء، وهذا من عجائب قدرة ~~الله تعالى في خلق الآدمي. # فصل # اعلم إن الشيئية وإن كانت بحسب المفهوم أعم من الوجود، إلا إنها ~~تساوق الوجود بحسب التحقق، وجماعة ممن جعلها أعم تحققا منه، خرجوا ~~إلى خيالات عجيبة فقالوا: المعدوم الممكن شيء، وهو ثابت، لكونه محكوما ~~عليه بأحكام صادقة توجب تمييزه عن غيره، وليس بموجود فيكون ثابتا، ~~وسلموا أن المحال منفي، وأنه لا واسطة بين النفي والإثبات، وربما ~~أثبتوا واسطة بين الموجود والمعدوم مما سموه حالا، وبناء هوساتهم على ~~الغفلة عن عالم الغيب وما فيه من الأمور الذهنية الغائبة عنهم، ولم ~~يعلموا أن التفرقة بين المعدومين عن الأعيان، باعتبار ما أضيف إلى ~~المتصور الموجود في الذهن من مفهوميهما، فإن ما ليس له وجود لا في ~~الذهن ولا في العين، فالتصديق عليه تحكم وهذيان، والإخبار عنه ممتنع. # ومما يفتضحون به أن يقال لهم: إذا كان الممكن معدوما، فوجوده هل هو ~~ثابت أو منفي، فإنه باعترافهم لا يخرج الشيء عن النفي والإثبات، فإن ~~كان منفيا - وكل منفي عندهم ممتنع - فالوجود الممكن يصير ممتنعا، هذا ~~خلف، وإن كان ثابتا، وكل صفة ثابتة للشيء يجوز أن يوصف بها الشيء، ~~فالمعدوم يصح أن يوصف في حال عدمه بالوجود، فيلزم التناقض، وهو محال. # ثم من العجب أن الوجود عندهم يفيده الفاعل، وهو ليس بموجود ولا معدوم، ~~فلا يفيد الفاعل وجود الوجود - مع أن الكلام يعود إليه - ولا يفيد ~~ثباته، فإنه كان ثابتا بامكانه في نفسه، فما أفاد الفاعل للماهيات شيئا ~~فهؤلاء عطلوا العالم عن الصانع. # ومنهم من استدل بهذه الآية على أن المعدوم شيء، قال: لأنه تعالى أثبت ~~القدرة على الشيء، والموجود لا قدرة عليه، لاستحالة ايجاد الموجود وتحصيل ~~الحاصل، فالذي عليه القدرة معدوم، وهو شيء، فالمعدوم شيء. # والجواب: بالحل والنقض. أما الأول؛ فلأن ايجاد الموجود بنفس هذا ~~الايجاد، وكذا تحصيل الحاصل بنفس هذا التحصيل، غير مستحيل، بل هو واقع، ~~لأن الإيجاد هو الاستتباع في الوجود، ms0337 والممكن يفتقر في بقائه إلى ~~العلة، كما يفتقر في حدوثه. # وأما الثاني؛ فلأنه لو صح هذا الكلام، لزم أن ما لا يقدر الله عليه ~~أن لا يكون شيئا، فالموجود لما لم يقدر الله عليه، وجب أن لا يكون ~~شيئا، وهو شيء عندهم. # واحتج جهم بهذه الآية على أن الله تعالى ليس بشيء. قال: " لأنها تدل ~~على أن كل شيء مقدور لله تعالى، و " الله " ليس بمقدور له، فوجب أن لا ~~يكون شيئا " واحتج أيضا بقوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى:11]. قال: " لو كان شيئا لكان مثل نفسه، فكان يكذب قوله، ~~فوجب أن لا يكون شيئا لئلا يتناقض كلامه. # والجواب: إن هذه اطلاقات عرفية، وتجوزات لا يجوز التعويل عليها في ~~أصول الإيمان والاعتقاد، فبطل ما صنعوه وتخيلوه. # وهو كما استدل بعض الأشاعرة على أن الشيء يختص بالموجود، لأنه في ~~الأصل مصدر " شاء " أطلق تارة بمعنى " شاء " - اسم الفاعل - وحينئذ ~~يتناول الباري تعالى، كما قال: # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله # [الأنعام:19]. وتارة بمعنى مشيء - اسم مفعول - أي مشيء وجوده، وما شاء ~~الله وجوده فهو موجود في الجملة، وعليه يحمل قوله: { إن الله ~~على كل شيء قدير } [البقرة:20] # الله خالق كل شيء # [الزمر:62]. فهما على عمومهما بلا مثنوية. # فصل # القدرة هي التمكين من ايجاد الشيء. وقيل: صفة تقتضي التمكين. وقيل صفة ~~تؤثر وفق الإرادة فخرج ما لا تأثير له من الصفات، وإن توقف تأثير القدرة ~~عليها كالعلم في بعض القادرين، وما يؤثر لكن لا على وفق الإرادة كالطبائع ~~المسخرة العنصرية مثل صورة النار في إحراقها. # وقيل: قدرة الحيوان، كيفية نفسانية بها يتمكن من الفعل والترك، وهي ~~في الحقيقة قوة إمكانية نسبتها إلى الطرفين سواء، وقدرة الله، كون ذاته ~~تعالى من غير اعتبار الإرادة أو انضمامها بحيث يصح عنه صدور الفعل وعدمه، ~~والمشهور عن الحكماء، أن الله قادر على كل شيء، بمعنى إن شاء فعل ~~وإن لم يشأ لم يفعل، سواء شاء ففعل، أو لم يشأ فلم يفعل، إذ ليس صدق ~~الشرطية متعلقا ms0338 بصدق طرفيها. # والإرادة صفة ترجح تعلق القدرة بأحد طرفي المقدور، وهي تنبعث عن ~~الداعي، فقيل إنها شوق متأكد، وقيل إنها مغايرة للشوق، لأنها هي ~~الإجماع وتصميم العزم، إذ قد يشتهي الإنسان ما لا يريده، كالمحرمات ~~الشهوية عند المؤمن العفيف، وقد يريد ما لا يشتهيه، كالأدوية البشعة ~~النافعة. وربما يفرق بينهما، بأن الإرادة ميل اختياري، والشوق ميل ~~طبيعي ولهذا يعاقب المكلف بإرادته المعاصي، ولا يعاقب بإشتهائها، وفي ~~كون الإرادة من الأفعال الإختيارية نظر. وإلا لأدى إلى التسلسل، ~~لاحتياجه إلى إرادة أخرى، هكذا قيل، وللكلام عليه مجال ليس ههنا موضعه. # واعلم أن الداعي على فعل الباري عند المحققين، ليس بأمر زائد على ~~ذاته وقدرته، كالإرادة، لأنه عندهم عبارة عن كون ذاته عالما بالنظام ~~الأعلى للعالم، والأشاعرة لم يقولوا بالداعي، لتجويزهم ترجيح المختار ~~أحد مقدوريه بالإرادة من غير مرجح، وتخصيص أحد المتساويين من غير مخصص، ~~والمعتزلة، وكذا أصحابنا الإمامية، قائلون بالداعي، لشهادة عقولهم ~~باستحالة الترجيح بلا مرجح مع استلزامه للترجيح بلا مرجح إذا نقل ~~الكلام في تحقق الإرادة وعدمها، وذلك بديهي الإمتناع عند كافة ~~العقلاء، لكن المعتزلة قالوا بزيادة الداعي على ذاته تعالى وعلى علمه، ~~فمنهم من يقول - موافقا لبعض أصحابنا - إنه مصلحة راجعة إلى شخص شخص ~~من أشخاص الموجودات، ومنهم من يقول: إنه ذات الوقت، ومنهم من يقول ~~بامتناع وجود العالم في غير ذلك الوقت، إذ لا وقت قبله، وهذا المقام مما ~~لم تثبت فيه قدم راسخ إلا لمن نور الله بصيرته، فإنه من مزال أقدام ~~الأقوام. # واشتقاق " القدرة " من " القدر " ، لأن القادر يوقع الفعل على ~~مقدار قوته، أو مقدار ما تقتضيه مشيته. # واستدل بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور الله تعالى؛ لأن مقدور ~~العبد شيء، وكل شيء مقدور له تعالى - خلافا لأبي هاشم وأبي علي -، ~~وعلى أن المحدث حال حدوثه مقدور. لأن المحدث حال حدوثه " شيء " ، وكل ~~شيء مقدور - خلافا للمعتزلة - فإنهم قائلون: بأن الاستطاعة قبل الفعل ~~محال. # واستدل من قال بتقدمها على الفعل بوجهين: # أحدهما: أنه لو تحقق قبل ms0339 الفعل، لكان تكليف الكافر بالإيمان تكليف ~~العاجز، وهو غير واقع بالإتفاق، كما قال تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة:286]. # وثانيهما: أن القدرة يلزمها كونها محتاجا إليها في الفعل، ومع الفعل ~~لا يبقى الاحتياج، وقد مر وجه اندفاعه، لأن الحصول لا ينافي الحاجة إلى ~~العلة. # وأجيب عن الأول: بأن تكليف الكافر بايقاع الإيمان في ثاني الحال، أعني ~~وقت حصول الاستطاعة، وهي مع الفعل. # ويرد عليه أنه لو استمر على الكفر، لم تتحقق القدرة أصلا بناء على ~~أنها مع الفعل، والتالي باطل بالاتفاق. # تتمة: # من كان المؤثر في وجود الأشياء ليس عنده إلا الباري تعالى كالمحققين ~~من الحكماء، حيث يجعلون غيره من الأسباب من قبيل الشروط والمعدات ~~والروابط والمقدمات. وكذا الأشاعرة القائلون بنفي العلية والمعلولية ~~والتقدم والتأخر بين الأشياء، فالآية باقية على عمومها لجميع الممكنات، ~~سواء كانت موجودة بالفعل أو معدومة. # وأما المعتزلة، فمنهم من عممها وقال إن قدرته على ثلاثة أوجه: على ~~المعدومات بأن أوجدها، وعلى الموجودات بأن يفنيها؛ وعلى مقدور غيره بأن ~~يقدر عليه ويمنع منه. # ومنهم من خصصها في مقدوراته دون مقدور غيره، لاستحالة كون مقدور واحد ~~بين قادرين، لأنه يؤدي إلى أن يكون الشيء الواحد موجودا ومعدوما وهو ~~تناقض محال، وتخصيص العام جائز في الجملة، وواجب بدليل العقل، لأن ~~قوله: # والله على كل شيء قدير # [البقرة:284]، يقتضي أن يكون قادرا على نفسه، ثم خص بدليل العقل، ~~وذلك لا يوجب الكذب على الله والطعن في القرآن، لأن لفظ الكل، كما ~~انه مستعمل في المجموع، فقد يستعمل في الأكثر، وذلك مجاز مشهور في ~~اللغة، لم يكن استعمال اللفظ كذبا. # وههنا تحقيق آخر، وهو أن الشيئية معناها غير الوجود، فإن كل ممكن ~~موجود فللعقل أن يحلله إلى وجود هو له في غيره، وإلى مهية هي له في ~~نفسه؛ فالشيئية غير الوجود، إلا أنها لا تنفك عن الوجود كما مر، ~~خلافا للمعتزلة، أما الباري جل ذكره، فإذ لا مهية له سوى الوجود ~~البحت، فلا شيئية له غير شيئية الوجود. # فإذا ms0340 تقرر هذا فنقول: نسبة الباري جل ذكره إلى المهيات كلها ~~بالقدرة، وإلى الوجودات بالإيجاد والإضافة بالفعل، لأن معنى القدرة؛ ~~صحة الفعل والترك، والمهية في نفسها قابلة للوجود والعدم على ~~التساوي دائما، سواء كان حين الوجود أو قبله أو بعده، فالمقدورية ~~ثابتة لها دائما. # وأما الوجودات، فحقيقتها أنها موجودة بالفعل بايجاد الله، وليست هي في ~~أنفسها جائزة العدم، لأنها عين جهات رحمته وجوده، وامكاناتها عبارة ~~عن كونها مفتقرة الذوات إليه تعالى، مجعولة بجعله وابداعه، والضرورة ~~الوجودية الثابتة لها ضرورات ذاتية ما دامت الذات، وليست ضرورة أزلية، ~~والفرق بين الوجوبين ثابت عند أهل الميزان المستقيم، فالله على كل شيء ~~قدير، فاعلم هذا فإنه من العلوم الشريفة المحرمة على غير أهلها. ### || [2.21-22] # إعلم أن في هذه الآية نكات لطيفة، ومسائل غامضة، وعلوما شريفة، وحكما ~~عقلية، وأنوارا إلهية، وأسرارا ربوبية: # أما النكات: # فأولاها: إن من عادة الله سبحانه في هذا الكتاب، أن يخاطب جمهور ~~المكلفين ب " يا أيها الناس " ، وأهل المعرفة والإيمان منهم ب " يا ~~أيها الذين آمنوا " ، وأهل الولاية والقرب ب " يا عبادي " ، تنبيها ~~على تفاوت الدرجات، وتباين الرتب والمقامات؛ فإن لنوع الإنسان درجات ~~متفاوتة في الحقيقة والذات عند أهل الشهود. # فمن الناس من هو في طبقة النفس الحيوانية، إلا أنه قابل للترقي ~~بالتكليف - وهم أكثر الناس -، ومنهم من تجاوزها وبلغ حدود النفس ~~الناطقة، - وهم العلماء - ومنهم من بلغ إلى مرتبة العقل بالفعل، - وهم ~~عباد الله الربانيون -، فهذا الخطاب متوجه إلى جميع الناس مؤمنهم ~~وكافرهم - إلا من هو خارج عن حدود التكليف من الأطفال والمجانين، لأن ~~حالهم أنزل من حال الحيوان الغير المكلف. # ويؤيد ذلك، ما روي عن ابن عباس والحسن: إن ما في القرآن من: { ~~ياأيها الناس } فإنه نزل بمكة، وما فيه من: { ياأيها ~~الذين آمنوا } فإنه نزل بالمدينة. # وذلك لا يوجب تخصيص الخطاب بالكفار والجاهلين، ولا أمرهم بالعبادة دون ~~غيرهم، فإن الأمر متوجه إلى الكل ما داموا في دار التكليف، لعدم خلوهم ~~عن نفس حيواينة حرية للحمل والتكليف والرياضة والتأديب، وإلا ms0341 لجمحت. # والمأمور به، هو المشترك بين بدء العبادة وزيادتها، والمواظبة عليها ~~وأصلها وكيفيتها، فالمطلوب من الكفار هو الشروع فيها، بعد الإتيان بما ~~يجب تقديمه من المعرفة والإقرار بالصانع، فإن من لوازم وجوب الشيء ~~مطلقا، وجوب ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدورا، وكما أن ~~تحقق الحدث لا يمنع وجوب الصلاة، فالكفر لا يمنع وجوب العبادة، بل يجب ~~رفعه والاشتغال بها عقيبه، والمطلوب من المؤمنين ازديادهم كما وكيفا ~~فيها، وثباتهم ودوامهم عليها. # وثانيها: إن الله تعالى لما قدم أحكام فرق المكلفين من المؤمنين ~~والكفار والمنافقين، وذكر صفاتهم وأفعالهم البدنية والقلبية، ومجاري ~~أمورهم العاجلية والآجلية، أقبل عليهم بالخطاب، وهو من جملة الإلتفات ~~التي تورث الكلام رونقا وبهاء، وتزيد السامع هزة ونشاطا. # وما يختص منه بهذا المقام من اللطائف؛ إنه كما انك تشكو من أحد - ~~مخاطبا لصاحبك -: " إن فلانا فعل كذا وكذا " ، ثم تتوجه إليه مخاطبا ~~إياه: " يا فلان ألزم الطريقة الحسنة، واكتسب السيرة المرضية " ، فهذا ~~الانتقال منك، والالتفات من الغيبة إلى مواجهة المقال، يؤثر في قلبه ما ~~لا يؤثر فيه استمرارك على لفظ الغيبة. # ومنها: كأنه تعالى يقول: إني قد جعلت واسطة بيني وبينك أولا، والآن ~~أزيد في إكرامك وتقريبك، فأخاطبك من غير واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على ~~الأدلة شرف المخاطبة والمكالمة، وفيه إشعار بأنه لنفوذ نوره ورحمته، ~~أقرب من كل قريب بالشخص - وإن كان الشخص بعيدا منه لحجابه -. # ومنها: أنه مشعر بأن العبد إذا اشتغل بالعبادة، زاد قربا وحضورا ~~وأنسا وحبورا، وذلك لوقوع الانتقال من الغيبة إلى الخطاب. # ومنها: إن في العبادة كلفة ومشقة فلا بد من راحة، وهي تحصل بأن يرفع ~~ملك الملوك الواسطة من البين، ويخاطبهم بذاته ويقول: " أريد منكم الخدمة ~~" ، فيستطاب التكليف وتستلذ العبودية. # ومنها: ما لأهل الإشارة أن يقولوا في تحقيق ذلك، وهو أن الله يخاطب ناسي ~~عهوده يوم الميثاق والإقرار بربوبيته وشهوده ومعاهدته: " أن لا تعبدوا ~~إلا إياه " ، فخالفوا، ونقضوا عهده، وعبدوا الطواغيت من الأصنام، ~~والدنيا، والنفس، والهوى، والشيطان، فزل قدمهم عن جادة ms0342 التوحيد، ووقعوا ~~في ورطة الشرك والهلاك. فبعث إليهم الرسول وكتب إليهم الكتاب، وأخبرهم عن ~~حالهم، وشكى عن فعالهم، ثم واجههم بالخطاب من الغيبة، ودعاهم إلى ~~التوحيد والعبودية كفاحا، لعلهم يتقون عن شرك عبادة الغير، ويوفون ~~بعهد الربوبية وينجون من عذاب الدركات. # وثالثها: " يا " حرف وضع لنداء البعيد، وقد ينادي به القريب تنزيلا له ~~منزلة البعيد، إما لعظمته - كقول الداعي: " يا رب " و " يا الله " ، وهو ~~أقرب إليه من حبل الوريد - أو لغفلته وسوء فهمه، أو للاعتناء بالمدعو له ~~وزيادة الحث عليه. # وهو مع المنادى جملة مفيدة، لأنه نائب مناب فعل ك " أدعو " ونحوه، ~~وليس بمعنى " أدعو زيدا " ، أو " أنادي زيدا " - كما توهم - لفساده ~~من وجوه: # أحدها: إن ذلك خبر يحتمل الصدق والكذب، وهذا لا يحتملهما لكونه إنشاء. # وثانيها: إن النداء يقتضي صيرورة " زيد " في الحال، وقولنا: " أنادي ~~زيدا " لا يقتضي ذلك. # وثالثها: إن " يا زيد " يقتضي صيرورة " زيد " مخاطبا بهذا الخطاب، و " ~~أنادي زيدا " لا يقتضي ذلك، لجواز أن يخبر إنسانا آخر بأني أنادي ~~زيدا. # رابعها: إن " أنادي زيدا " إخبار عن النداء، والإخبار عن النداء غير ~~النداء كما لا يخفى. # نكتة ههنا لأهل الإشارة: # وهي أن أقوى الكلمات مرتبة الاسم، وأضعفها الحرف، فظن قوم انه لا ~~يأتلف الاسم بالحرف، فكذا أعظم الموجودات هو الحق الأول، وأضعفها البشر، ~~حيث قال: # وخلق الإنسان ضعيفا # [النساء:28]. فقالت الملائكة: أي مناسبة بينهما: # أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة:30]. فقيل: قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء، فكذا البشر ~~يصلح لخدمة الرب حال النداء والتضرع: # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم # [غافر:60]. # واعلم أن " أي " إسم مبهم يقع على أجناس كثيرة، لكنه لابهامه لا يتم ~~إلا بأن يوصف، كما أن المعنى الجنسي لا يتم إلا بفصل من الفصول، وصفته ~~لفظة دالة على ما دل عليه " أي " مخصصة له، اتحادهما في المعني ~~كاتحاد المبهم والمحصل، فلا بد وأن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه ~~يتصف به، حتى يصير وصلة إلى ندائه، فالذي يعمل فيه حرف ms0343 النداء " أي " ~~، فهو منادى مفرد معرفة، إلا انه يبنى لأنه وقع موقع حرف الخطاب. # وإنما بني على الحركة - مع أن الأصل في البناء السكون - ليعلم أنه ليس ~~بعريق في البناء، وإنما حرك بالضم، لأنه كان في أصله التنوين، فلما ~~سقط التنوين في البناء أشبه " قبل " و " بعد " من الأسماء المقطوعة ~~الغايات، فارتفع، وفيه وجوه أخر توجد في مظانها. # والإسم التابع له صفته، فهو مرفوع تبعا له على حركة لفظه، ولا يجوز ها ~~هنا النصب - وإن كانت أوصاف المنادى المفرد المعرفة يجوز فيها الوجهان - ~~لأن ههنا المنادى هو الصفة في الحقيقة، و " أي " ذريعة إليه لتعذر ~~الجمع بين حرفي التعريف، فإنهما كمثلين - إلا عند المازني وذلك خطأ منه ~~كما قيل -، يدل على ذلك لزومها حرف التنبيه قبل الصفة، فصار ذلك كايذان ~~باستيناف نداء، وأن لا يجوز الاقتصار على المنادى قبله - كما جاز في غيره ~~-، فالتزم رفعها، وأقحمت بينهما " هاء " التنبيه تأكيدا وتعويضا عما ~~يستحقها " أي " من المضاف إليه. # وإنما كثر في كتاب الله النداء على هذه الطريقة، للايذان بهذه ~~التأكيدات والمبالغات بأن كل ما نادى الله به عباده من الأوامر ~~والنواهي، والوعد والوعيد، واقتصاص أخبار المتقدمين أمور عظام وأشياء ~~مهمة يجب التفطن لها والاهتمام باستماعها والإقبال عليها بقلوبهم، ~~وأكثر الناس عنها غافلون أحقاء بأن ينادى بآكد النداء. # ورابعها: إن الجموع وأسمائها المحلاة باللام للعموم حيث لا عهد، ~~واستدلوا عليه بصحة الإستثناء منها، والتوكيد بما يفيد العموم، كقوله ~~تعالى: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون # [الحجر:30]. وباستدلال الصدر الأول بعمومها شائعا ذائعا من غير نكير؛ ~~فثبت أن الناس يعم الموجودين وقت النزول لفظا، ومن سيوجد معنى لما ~~تواتر من دين محمد (صلى الله عليه وآله)، ان مقتضى خطابه وأحكامه شامل ~~للعصر الأول ولمن سيوجد إلى قيام الساعة، وإن قلنا: إن الخطاب لمشركي مكة ~~- كما وقع الإسناد عن ابن عباس أو علقمة، فيدخل سائر الناس بالتبيعية. # تبصرة: # وفي هذا المقام كلام محقق، وهو أنه قد ثبت بالبراهين النيرة وشواهد ~~أهل البصيرة، إن الكمية الإتصالية الزمانية، ms0344 وهوياتها الامتدادية، وما ~~يطابقها وما يوازيها من الحوادث والزمانيات، وما معها من الجواهر ~~والأعراض، والصور والأشخاص، كلها حاضرة عند الباري جل اسمه وأهل القرب ~~منه، وكلها مساوية الحضور لديه، متوافقة المثول بين يديه، لا تقدم ولا ~~تأخر ولا تفاوت لها في القرب والبعد الزمانيين، ولا في الحضور والغيبة ~~المكانيين، فكل ما ثبت مالها بقياس بعضها إلى بعض، بالقياس إلى علمه ~~المحيط بالكل الموجب لحضور الجميع عنده على نسبة واحدة، فالخطاب منه ~~تعالى موجه إلى الجميع (و) إن كان ظهوره بلسان جبرئيل عليه السلام ~~مختصا بزمان الرسول (صلى الله عليه وآله) - وهذا مما لا يكشف إلا ~~لأهل البصيرة -. # فصل # وأما المسائل: # الأولى: إن قوله تعالى: { ياأيها الناس اعبدوا } أمر للكل ~~بالعبادة، فهل هو أمر بكل العبادة - أم لا؟ # المختار عندنا أنه أمر بما تيسر من العبادة، كما قال: # فاقرءوا ما تيسر من القرآن # [المزمل:20]. وهو متفاوت حسب تفاوت المكلفين قوة وضعفا، لقوله ~~تعالى: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى # [التوبة:91] - الآية. وقوله: # ليس على الأعمى حرج # [النور:61] - الآية. # " ولوجوب صلاة الليل على النبي (صلى الله عليه وآله) واستحباب صوم ~~الوصال له دون غيره، لقوله (صلى الله عليه وآله): " لست كأحدكم " ". # واستدل على عدم دلالة الأمر على وجوب كل المأمور به، بأن معنى " ~~اعبدوا " مثلا ادخلوا هذه الماهية في الوجود، لأن الفعل يتضمن مفهوم ~~الحدث ومعناه لا غير، فإذا أتى المكلف بفرد من أفراد المهية، فقد ~~أدخل المهية في الوجود، لأن كل فرد مركب من المهية مشتمل عليها، ~~لأن كل فرد مركب من المهية وقيد، ومتى وجد المركب فقد وجد جزءآه، ~~فالآتي بفرد من العبادات آت بالعبادة، فهو آت بما اقتضاه قوله: { ~~اعبدوا } فقد خرج عن العهدة فيما هو مقتضى هذا الأمر بحسب الدلالة ~~عليه. # ولك أن تقول - إن أردت تعميمه حسبما مرت الإشارة إليه -: إن الأمر ~~بالعبادة لا بد وأن يكون لأجل كونها عبادة، لأن ترتيب الحكم على الوصف ~~مشعر بعلية الوصف، لا سيما إذا كان مناسبا للحكم، كإظهار الخضوع ~~والتعظيم ms0345 لله ههنا المناسب لهذا الحكم، فإذا ثبت عليه الوصف، فأينما حصل ~~وجب حصول الحكم لا محالة. # المسئلة الثانية # إن الحكم بدخول الكفار تحت الأمر بالعبادة فيه إشكال، وهو أن كون ~~الإنسان عابدا متوقف على كونه مؤمنا، فالتكليف بالعبادة للكفار متوقف ~~على كونهم مأمورين بالإيمان، لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة، وذلك ممتنع، ~~والموقوف على الممتنع ممتنع أيضا، فكونهم مأمورين بالعبادة ممتنع. أما ~~وجه امتناع الأول، فلأن الأمر بمعرفة الله لهم، إما حال كفرهم وجهلهم، ~~أو حال عرفانهم؛ فالأول يوجب التناقض، والثاني تحصيل الحاصل - وكلاهما ~~محالان. # أما وجه امتناع الثاني، فهو ظاهر، لتحقق الملازمة بينهما. # وأيضا، يستحيل أن يكون هذا الخطاب مع المؤمنين لأنهم يعبدون الله، ~~فأمرهم بالعبادة تحصيل الحاصل. # والجواب: إن مراتب الإيمان مختلفة متفاوتة كمراتب العبادة، وأقلها ما ~~هو حاصل لكل أحد بالفطرة الأولى التي فطر الناس عليها، وذلك يكفي ~~لتوجه الخطاب وورود التكليف وقيام الحجة، فالأمر التكليفي بالعبادة ~~متوجه إلى الكفار مشروطا بتقديم المعرفة المستأنفة، كاشتراط الصلاة ~~للمحدث بتقديم الطهارة، واشتراط أداء الدين للمديون بالسعي إليه، فكما أن ~~الطهارة والسعي واجبان على من وجب عليه الصلاة محدثا، وأداء الدين ~~ساكنا، فكذا الكافر، يصح أن تجب عليه العبادة بهذا التكليف، وشرط ~~الإتيان بها الإيمان أولا، ثم الإتيان بها. # وكذا هذا الأمر متوجه إلى المؤمنين بفعل الزيادة لها، والاستمرار فيها، ~~والمواظبة عليها، والاجتهاد في استخراج أدلتها، والتوسل بها إلى زيادة ~~المعرفة والقرب، ومعلوم أن كل ذلك عبادة. # المسئلة الثالثة # إن لمنكر التكاليف وجوها من الشبه، ها نحن نذكرها مع الإشارة إلى ~~الجواب عنها: # الأولى: إن التكليف (إما أن يتوجه) حال استواء دواعي العبد إلى الفعل ~~والترك، أو حال رجحان دواعي أحدهما؟ فعلى الأول، يستحيل وقوع المأمور به، ~~والتكليف غير واقع ولا جائز عند الأكثر، لأن الممكن ما لم يترجح وجوده ~~لم يقع، إذ من تجويز الترجيح من غير مرجح ينسد اثبات الصانع، وعلى ~~الثاني، فالمرجوح ممتنع الوقوع، وإلا لزم ترجيح المرجوح، فالراجح واجب ~~الوقوع، فالتكليف بالراجح تكليف بايجاد ما يجب ms0346 وقوعه، وبالمرجوح بما ~~يمتنع وقوعه، وكلاهما مستحيلان. # والثانية: أن المكلف به، إن علم الله في الأزل وقوعه، فخلاف معلومه ~~محال، فلا فائدة في ورود الأمر، وإن علم لا وقوعه، فالتكليف به تكليف ~~بالمحال، وكلاهما عبث وسفه، والله منزه عنهما، وإن لم يعلم - لا هذا ~~ولا ذاك - فهو قول بالجهل في حقه، فهو باطل. # والثالثة: إن ورود الأمر بالتكليف إما لفائدة، أو لا لفائدة؛ فإن كان ~~الأول، فهي عائدة إلى المعبود، أو إلى العابد؛ والأول محال، لأنه كامل ~~الذات بذاته لا بغيره؛ وإن كان الثاني، فهي إما عاجلة أو آجلة؛ والأول ~~باطل، لأن التكاليف كلها مشاق وآلام في الدنيا؛ والثاني عبث، لأن جميع ~~الفوائد محصورة في دفع الألم وحصول اللذة، والله قادر على تحصيلهما للعبد ~~ابتداء من غير توسيط العبادة والمشقة، فيكون توسيطها عبثا، وهو ممتنع ~~على الحكيم؛ وكذلك حكم الشق الثاني. # والرابعة: إن العبد غير موجد لأفعاله، لما تقرر أن المؤثر في ~~الوجود هو الله، ولأن العبد غير عالم بتفاصيل ما يفعله، ومن لا يعلم ~~شيئا بتفاصيله لا يكون موجدا له، فالأمر له بذلك تكليف بالممتنع، وهو ~~محال. # ولكل من هذه الشبه جواب تحقيقي عقلي مذكور في طي مسائل أخرى سابقة، ~~فعليك باستخراجه. # والأشاعرة أجابوا عن الكل، بأنه يحسن عندنا من الله كل شيء سواء كان ~~تكليفا بما لا يطاق أو غيره، لأنه خالق مالك، والمالك يتصرف في عبده ~~حيث يشاء، ولا اعتراض لأحد عليه في ملكه. # وأجيب أيضا: بأن أصحاب هذه الشبه أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التكليف، ~~فهذا تكليف بعدم التكليف، وإنه متناقض. # الخامسة: إن المقصود من التكليف، إنما هو تطهير القلب - على ما دلت ~~عليه ظواهر القرآن - فلو قدرنا إنسانا مشتغل القلب دائما بالله تعالى، ~~بحيث لو اشتغل بهذه التكاليف الظاهرة لصار ذلك عائقا له عن الاستغراق في ~~معرفة الله تعالى، وجب أن يسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة، فإن الفقهاء ~~القياسيين قالوا: إذا لاح المقصود والحكمة في التكاليف، وجب اتباع ~~الحكم المعقول، لا اتباع الظواهر. # والجواب عنه: ms0347 أن المقصود من التكليف، وإن كان تطهير القلب وجلاءه ~~لتجلي صورة المعرفة الإلهية، إلا أن الإنسان لا سبيل له إلى ذلك إلا ~~بسبق أفعال وأعمال دينية توجب ذلك، وكل أحد نفسه مغمورة في أول الكون في ~~عمق بحر الطبائع، والجة في غياهب ظلمات الدنيا، مغشاة بأغشية الحجب ~~الجسمانية، ملطخة بالأخباث النفسانية، كالشهوة والغضب والأكل والجماع ~~والنوم والهم والغم، وما يجري مجراها من خطرات الوهم وهواجس النفس، ~~وغير ذلك. # وليس أيضا اشتغال القلب بالله، والتشوق إليه، مما يمكن حصوله إلا ~~عقيب العبادات، وبعد إطالة النظر في تحصيل المعارف الإلهية، لا كما زعمه ~~عوام الصوفية وغيرهم، فأنى يتيسر ذلك إلا بعد إقامة مراسم ~~العبودية، وإطاعة أوامر الشريعة ونواهيها. # المسئلة الرابعة # إن مخالفة التكاليف وترك العبادات من العبد، لماذا يصير منشأ للعذاب ~~وباعثا له تعالى على العقاب، مع أن ذاته مستغن عن طاعة العبد، منزه ~~عن لذة الإنتقام، متعال عن الغرض الحاصل له من تعذيب المجرم والإيلام؟ # والجواب: إن تكليف الله عباده، يجري مجرى تكليف الطبيب، فإذا غلبت عليه ~~الحرارة أمره بشرب المبردات، وهو غني عن شربه، لا يضره مخالفته ولا ~~ينفعه موافقته، كما اعترف به المعترض، ويساعدنا عليه، ولكن النفع والضر ~~يرجعان إلى المريض ويلزمان لأفعاله، وإنما الطبيب مرشد فقط، فإن وفق ~~المريض حتى وافق الطبيب، يشفى ويتخلص من ألم المرض، وإن لم يوفق وخالف، ~~تمادى به المرض وهلك؛ وبقاؤه وهلاكه سيان عند الطبيب لاستغنائه عن بقائه ~~وفنائه. # فكما أن الله خلق للشفاء سببا مفضيا إليه، فكذلك للسعادة الأخروية ~~سببا وهو الطاعة، ونهي النفس عن الهوى بالمجاهدة المزكية لها عن رذائل ~~الأخلاق، ورذائل الأخلاق مشقيات للنفس، مهلكات في الآخرة، كما أن رذائل ~~الأخلاط ممرضات للبدن في الدنيا، والمعاصي بالإضافة إلى حياة الآخرة، ~~كالسموم بالإضافة إلى الحياة الدنيا، وللنفوس طبيب كما أن للأجساد ~~طبيبا، والأنبياء عليهم السلام أطباء النفوس، يرشدون الخلق إلى طريق ~~الفلاح بتمهيد التكاليف المزكية للقلوب، كما قال تعالى: # قد أفلح من زكها وقد خاب من دسها # [الشمس:9 - 10]. # ثم نقول: إن ms0348 المريض إذا خالف أمر الطبيب وتمادى به المرض، فبالحقيقة لم ~~يتماد مرض الممراض بمخالفة الطبيب لأجل عين المخالفة، بل لأنه سلك غير ~~طريق الصحة الذي أمره الطبيب به، فكذلك التقوى التي أشار إليها قوله ~~تعالى: { لعلكم تتقون } هي الاحتماء الذي ينفي عن القلوب ~~أمراضها، وأمراض القلوب تفوت حياة الآخرة، كما تفوت أمراض الأجساد ~~حياة الدنيا. # فهكذا ينبغي أن يفهم أمر التكاليف، فإن الطاعات أدوية نافعة، والمعاصي ~~سموم ناقعة، وتأثيرها في القلوب كتأثير هاتين في الأبدان، لا ينجو إلا ~~من أتى الله بقلب سليم. كما لا يسعد ههنا إلا من أتى بمزاج معتدل، وكما ~~يصح قول الطبيب للمريض: " قد عرفتك ما يضرك وما ينفعك، فإن وافقتني ~~فلنفسك، وإن خالفتني فعليها " ، كذلك قال تعالى: # من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما ~~يضل عليها # [الإسراء:15]. # وأما العقاب على ترك الأوامر وارتكاب الخطيئات، فليس ذلك من الله غضبا ~~وانتقاما على نحو غضبنا وانتقامنا، بل لأنه رتب الأسباب على ~~المسببات، فخلق نفس الإنسان على وجه تكملها وتنجيها الفضائل، وتهلكها ~~وتشقيها الرذائل، والله تعالى غير عاجز عن الإشباع من غير أكل، والإرواء ~~من غير شرب، والإنشاء للولد من غير مضاجعة ووقاع، ولكن قد رتب الأسباب ~~والمسببات لحكمة خفية لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم. # هذا ما ذكره بعض العلماء، وبه يخرج الجواب أيضا عن الشبهة الثالثة ~~لمنكري التكاليف. # المسئلة الخامسة # لما كانت الفائدة في قوله تعالى: { الذي خلقكم } أنه لا ~~يستحق العبادة إلا بذلك، فما الفائدة في قوله: { والذين من ~~قبلكم } ، وخلق الله من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة لهم؟ # قلنا فيه وجوه: # أحدها: إن المراد تعدد منشأ العلم بالصانع ومأخذه، لا إثبات مقتضى ~~العبادة وموجبها. # وثانيها: إن من قبلكم كالأصول والأسباب لوجودهم، فخلقها يجري مجرى ~~الإفضال على الفروع، فكأنه يقول: كنت منعما عليك قبل أن وجدت بألوف ~~سنين بخلق آبائك وأصولك. # وثالثها: إزالة شبهة أن الموجد للناس آباؤهم وأمهاتهم. # ورابعها: إزالة شبهة عبدة الملائكة والهياكل العلوية. # المسئلة السادسة # إن كلمة " لعل " في قوله ms0349 { لعلكم تتقون } للترجي أو ~~الإشفاق، ولا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة، وهو على الله محال، فلا ~~يجوز رجاء الله تقواهم، لأنه عالم الغيب والشهادة. # وأجيب: إن الترجي راجع إلى العباد، لا إلى الله كقوله تعالى: # لعله يتذكر أو يخشى # [طه:44]. أي اذهبا أنتما إلى فرعون على رجائكما وطمعكما في ايمانه، ثم ~~الله عالم بما يؤول إليه أمره، أي اعبدوا ربكم راجين للتقوى. # أقول: الأولى أن يقال: " لعل " أينما وقع في القرآن، كان واقعا على ~~أنه من لسان الرسول (صلى الله عليه وآله)، أو بحسب علمه تعالى التفصيلي ~~الواقع في أخيرة المراتب، فإن لعلمه تعالى مراتب، كما إن لقدرته مراتب ~~أعلاها ما هو عين ذاته، لأن ذاته بذاته مبدء انكشاف جميع الأشياء على ~~ذاته في الأزل على وصف الوجوب الذاتي مقدسا عن التغير، وأدناها ما هو ~~عين الممكنات، ويجري فيه التغير والإمكان، والإختيار والإبتلاء وغيرها ~~من سمات الحدثان، ولكن بالقياس إلى ما في هذه الدرجة من الموجودات - لا ~~بالقياس إلى ذاته الأخدية -. # وهذا مما يحتاج دركه على التحقيق إلى علوم كثيرة مع نور بصيرة، ويمكن ~~إدراكه على سبيل التقريب، بأن الله عز وجل، خلق عباده ليستعبدهم ~~بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات، وأزاح العلة في اقدارهم ~~وتمكينهم، وهداهم النجدين، ووضع في أيديهم زمام الإختيار، وأراد منهم ~~الخير والتقوى، فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا لترجيح خيرهم على ~~شرهم، وهم مختارون بين الطاعة والعصيان، كما ترجحت حال المرتجي بين أن ~~يفعل وأن لا يفعل، ومصداقه قوله تعالى: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [هود:7]. وإنما يبلو ويختبر من تخفى عليه العواقب، ولكن لما كان بناء ~~الأمر على الإمكان والإختيار والقوة والصحة - دون الإلجاء والإضطرار -، ~~أطلق لفظ " الترجي " من هذا الوجه، وإن كان بناء أمرهم بحسب الأسباب ~~القصوى وصورة ما في الكتاب والقضاء هو التحقيق. # وهذا مستقيم، سواء تعلق قوله: " لعلكم " ب " خلقكم " أو ب " اعبدوا ~~" ، وحمله على " أن يخلقكم راجين للتقوى " ليس بسديد أصلا. # وقيل: " لعل " قد يجيء بمعنى " كي " ووجه بأنها للإطماع، وقد ms0350 جاءت ~~على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن، ولكن لأنه إطماع من كريم رحيم إذا ~~أطمع في فعل يجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به، وأيضا فمن ديدن ~~الملوك أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم لانجازها، على أن ~~يقولوا: عسى ولعل، مثل قوله تعالى: # عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء:79]. وحينئذ لا يبقى لطالب ما عندهم شك في الفوز والنجاح ~~بالمطلوب. # أو جاء على طريق الإطماع دون التحقيق، لئلا يتكل العباد مثل: # توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن ~~يكفر عنكم سيئاتكم # [التحريم:8]. وهذه مجازات والتحقيق ما انفلق صبح نوره. # قال القفال: في " لعل " معنى التكرير والتأكيد، إذ اللام فيه للتأكيد، ~~كما في نحو قولهم: " لقد " ، ولقولهم: " علك أن تفعل كذا " و " عل " ~~يفيد التكرير، ومنه " العل بعد النهل " ، فقول القائل: " افعل كذا ~~لعلك تظفر بحاجتك " معناه: افعل فإن فعلك له يؤكد طلبك ويقويك عليه. # المسئلة السابعة # إذا كانت العبادة تقوى، فقوله: { لعلكم تتقون } جار مجرى ~~قوله: اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون و " اتقوا ربكم لعلكم تتقون. # والجواب: المنع من اتحاد مفهوميهما، وذلك لأن أصل لفظ " التقوى " في ~~اللغة هو " الوقوى " بالواو، وهو مصدر كالوقاية، فأبدلت " الواو " " ~~تاء " كما هو في " الوكلان " و " التكلان " ونحوهما، فقيل: " تقوى " ~~فإذا لما حصلت وقاية بين العبد وبين المعاصي والشرور من قوة عزمه، ~~وتوطين قلبه على تركها، فيوصف حينئذ بأنه متقي، ويقال لذلك العزم ~~والتوطين: " تقوى ". # والتقوى، أطلق في القرآن على ثلاثة أشياء: # أحدها: بمعنى الهيبة والخشية، قوله تعالى: # وإياي فاتقون # [البقرة:41]. وقال: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة:281]. # والثاني: بمعنى الطاعة والعبادة قوله: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران:102]. وقال ابن عباس: " أطيعوا الله حق إطاعته ". وقال ~~مجاهد: " أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر ~~". # الثالث: بمعنى التنزيه للقلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى دون ~~الأولين، ألا ترى أن الله تعالى يقول: # ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك ms0351 هم الفآئزون # [النور:52]. ذكر الطاعة والخشية ثم التقوى، فعلمنا أن حقيقة التقوى ~~سوى الطاعة والخشية، وهو تنزيه القلب عما ذكر. # وعند أهل الله: تنزيه القلب عن الإلتفات بغير الله. # وقال بعض الشيوخ: منازل التقوى ثلاثة، تقوى عن الشرك، وتقوى عن البدعة، ~~وتقوى عن المعاصي الفرعية؛ ولقد ذكرها الله تعالى في آية واحدة وهو قوله: # ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا ~~الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا # [المائدة:93]. فالتقوى الأولى تقي القلب عن الشرك، والإيمان الذي ذكر في ~~مقابله التوحيد؛ والتقوى الثانية عن البدعة، والإيمان ذكر معها اقتداء ~~الشريعة واجتماع الأمة؛ والتقوى الثالثة عن المعاصي الفرعية والإقرار في ~~هذه المنزلة، فيقابلها الإحسان - وهي الطاعات والإقامة عليها -. # وقد جاءت التقوى بمعنى اجتناب فضول الحلال، وهو ما روي في المشهور عن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنه قال: # " إنما سمي المتقون متقين لتركهم ما لا بأس به حذرا عما به بأس " # فإن أردت أن تجمع بين تلك المعاني وبين ما جاء في الخبر في حد جامع ~~ومعنى بالغ، فلك أن تقول: التقوى هي الاجتناب عما يخاف منه ضرر في ~~الدين؛ ثم الذي يخاف الضرر منه في أمر الدين قسمان، محض الحرام والمعصية، ~~وفضول الحلال - لأن الانهماك فيه أيضا يجر إلى الحرام المحض، لأنه ~~يوجب شره النفس وطغيانها وتمردها وعصيانها -، فمن أراد أن يأمن الضرر ~~في أمر دينه، فليجتنب عن فضول الحلال لئلا يقع في الحرام، حتى يصير ذلك ~~وقاية له عن كل شر. # والشر ضربان: شر بالإصالة كالمحرمات، وشر لا بالإصالة كالشهوات ~~المباحة، فالتقوى عن الأولى تقوى فرض يجب بتركها عذاب النار، والثانية ~~تقوى زجر وأدب يلزم بتركها الحبس والحساب الطويل، واللوم والتعيير. # فصل # وأما العلوم الشريفة، فبيان استدعاء الآية لها واشتمالها عليها؛ أن الله ~~لما أمرنا بعبادة الرب، أردفه بما يدل على وجود الصانع، وهو خلق ~~نفوسنا، وخلق من سبق وجوده على وجودنا، وهذا مما يدل على أنه لا طريق ~~إلى معرفة ms0352 الله، إلا بالنظر والاستدلال والتدبر في مبادئ المطالب، ~~وأوائل البراهين، والعلم بكيفية وجود الخلائق، والإطلاع على حقائق ~~الآفاق والأنفس. # وطعن قوم من المعطلة والحشوية في هذه الطريقة وقالوا: " الاشتغال ~~بنمط البراهين لتحقيق اليقين بدعة " ، وقوم منهم أنكروا هذا العلم، ~~وزعموا أن الإنسان مكلف بالعمل لا بالمعرفة، ولا ينكرون سائر العلوم، ~~بل جعلوا بعضها واجبة وبعضها مستحسنة. ونحن بحمد الله تعالى خالفنا ~~سيرتهم، وهدمنا بنيانهم، وكسرنا أصنامهم الجاهلية في رسالة سميناها كسر ~~أصنام الجاهلية، فلنذكر في بيان صحة طريقنا وجوها نقلية وعقلية في ~~عدة إشراقات. # الاشراق الأول: # في بيان فضل هذا العلم على سائر العلوم وهو من وجوه: # الأول: إن أجل العلوم رتبة، وأعلاها منزلة، وأرفعها درجة، وأعظمها ~~ثمرة، العلم بذات الله الجليلة، وصفاته العالية، وأسمائه الحسنى، لأن ~~العلم تابع للمعلوم، والمعلوم إذا كان أشرف الموجودات، فالعلم بذلك أشرف ~~العلوم، وليس في المعلومات - موجودا كان أو معدوما - أشرف وأعلى من ذات ~~الله القديمة، وصفاته وأسمائه، فيجب أن يكون العلم بها أشرف العلوم - ~~وهذا مما لا شبهة فيه -. # الثاني: إن العلم إما ديني أو غير ديني، ولا شك أن الديني أشرف؛ ~~والعلم الديني؛ إما علم بالأصول أو بالفروع؛ والأول أشرف، إذ ما عداه ~~يخدمه وتتوقف صحته على علم الأصول؛ لأن المفسر يبحث عن معاني كلام ~~الله المجيد، وذلك فرع على وجود الصانع واختياره وعلمه وقدرته وكلامه، ~~وأما المحدث، فإنه إنما يبحث عن كلام الرسول (صلى الله عليه وآله)، ~~وكل ذلك فرع على العلم بوجود الرسول، والعلم بكيفية نبوته ورسالته ~~وصدقه؛ والفقيه، إنما يبحث عن أحكام الله تعالى، وذلك فرع على التوحيد ~~والنبوة؛ فثبت أن هذه العلوم كلها مفتقرة إلى العلم بالأصول، وظاهر أن ~~علم الأصول غني عنها. # وإن سألت الحق، فجميع العلوم مفتقرة إلى العلم الكلي الإلهي، وهو غير ~~مفتقر إليها، فهو علم حر مخدوم الكل، وسائر العلوم عبيده وخدمه، لأن ~~موضوعات العلوم تكون مسلمة فيها على سبيل الوضع، وإنما يقام البرهان ~~على وجودها ووجود مباديها في العلم الأعلى. # قال المحققون: مسائل ms0353 كل علم بمنزلة قياسات استثنائية تثبت مقدماتها ~~الاستثنائية في العلم الأعلى، فهو أشرف العلوم. # الوجه الثالث: إن شرف كل علم وعمل، وجلالة كل درك وفعل، إما بشرف ~~موضوعه، وإما بحسن صورته، وإما بفضيلة فاعله، وإما بكمال غايته ونباهة ~~الثمرة الحاصلة له؛ وهذا العلم مشتمل على الكل. # وذلك لأن علم الهيئة - مثلا -، أشرف من الطب نظرا إلى الموضوع، لأن ~~موضوع الهيئة هو الأجرام الكريمة البسيطة الرفيعة عن أرجاس العنصريات، ~~وموضوع الطب، هو بدن الإنسان المركب من الأخلاط العفنة والأضداد ~~المستحيلة، القابل للأمراض والأوجاع، المتسارع إلى الموت والفساد، فيكون ~~موضوع الهيئة أشرف من موضوع الطب. # والفقه أشرف منهما، باعتبار الغاية - وإن كان أدون منهما بحسب الموضوع، ~~لأن موضوعه فعل المكلف - ومن الهيئة بحسب الأدلة والمبادئ، لأن ~~أدلتها مقدمات يقينية وأدلة الفقه ظنية. # ثم لا شك أن الأسباب الأربعة في المعارف الربوبية: ففاعلها القوة ~~النظرية والبصيرة العقلية المنورة بنور الله، المؤيدة من عنده، وهي ~~أشرف أجزاء الجوهر النطقي المضاهي عند صيرورتها منورة بالفعل في التقدس ~~والتنور لجواهر الملائكة العقلية، وهم سكان حظائر القدس، المجاورون ~~للحضرة الإلهية والجنة العقلية. # وغايتها الوصول إلى الحضرة الإلهية والقرب من بارئ الكل، ومحرك ملكوت ~~السموات والأرض بالتشويق العقلي والمحبة الإلهية. # وأما موضوعها، فهو ذات الباري وذوات الملائكة والكتب والرسل، ولا شبهة ~~أنها أشرف الموضوعات العلمية والعملية. # وأما الصورة، فهي هيئة المعرفة الراسخة في النفس الإنسانية والقلب ~~المعنوي، الحاصلة من حضور صورة الكل - التي بها يصير الإنسان عالما ~~عقليا مضاهيا للعالم بجميع أجزائه الكلية وأسبابه القصوى، آخذا من ~~المبدء الأعلى إلى الجواهر العقلية، ثم النفسية، ثم الاجرام الكلية، ~~والأنواع الحاصلة بفيض الإبداع، العائدة إليه؛ سيما النوع الإنساني ~~المشتمل على النفوس النبوية والولوية العائدة إلى الله تعالى بعد ~~مرورها على الطبقات والوسائط - حضورا عقليا مقدسا عن وصمة التغير ~~والزوال والاضمحلال أبد الآبدين ودهر الداهرين، مرتبطا وجودها بوجود ~~الخير الأعظم، والجمال الأتم، والجلال الأرفع، مستهلكا وجودها في ~~وجوده، مضمحلا نورها في نوره الساطع وضوئه الشامخ - تعالى كبرياؤه -. # الوجه الرابع: إن شرف ms0354 الشيء قد يظهر بواسطة خساسة ضده - فكلما كان ~~الشيء أخس ضدا كان أشرف وجودا - وضد علم الأصول وعلم الإلهيات هو ~~الكفر والبدعة والسفسطة، وهي من أخس الأشياء بعد العدم، فوجب أن يكون ~~هذا العلم من أشرف الأشياء بعد الوجود المبرأ عن شوب النقص والعدم - وهو ~~وجود الباري جل اسمه -. # الوجه الخامس: إن هذا العلم، مما لا يتطرق إليه النسخ والتغيير، ولا ~~يختلف باختلاف الأزمنة والدهور، ولهذا اتفق عليه جميع الأنبياء عليهم ~~السلام، ولم ينقل من أحد منهم خلاف في هذه الأصول، فجميعهم متفقون في ~~إثبات المبدء وإثبات المعاد، وحقية الملائكة، والكتب والرسل والأولياء ~~لله - بخلاف سائر العلوم -، فوجب أن يكون أشرف العلوم. # الوجه السادس: إن الآيات المشتملة على مطالب هذا العلم وبراهينها، أشرف ~~من الآيات المشتملة على المطالب الفقهية والعلوم السياسية، وهذا مما ~~لا يخفى على من له اطلاع على علم القرآن، ويدل عليه أنه جاء في فضائل: # قل هو الله أحد # [الإخلاص:1]، و: # آمن الرسول # [البقرة:285]، وآية الكرسي، وآية السخرة، وسورة الحديد، ويس، وما ~~يشابهها، ما لم يجئ مثله في آية الحيض وآية المداينات وآيات القتال؛ وذلك ~~يدل على فضيلة العلم الإلهي. # الوجه السابع: إن عدد الآيات الواردة في الأحكام قليل لا يبلغ إلى ~~ستمائة آية، وأما البواقي ففي بيان التوحيد، والنبوة، وإثبات المعاد، ~~والرد على عبدة الأوثان وأصناف المشركين؛ وأما الواردة في القصص، ~~فالمقصود منها معرفة حكمة الله وقدرته كما قال: # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب # [يوسف:111]. فدل على أن هذا العلم أشرف وأفضل. # الوجه الثامن: إن الله أول ما دعى المكلفين من خلقه، إنما دعاهم إلى ~~النظر والإعتبار الموصل إلى توحيد ذاته، ومعرفة صفاته بالدلالات الواصلة ~~والعلامات الباهرة الزاهرة، الدالة على وحدانيته، وتنزيه ذاته وصفاته ~~عن مشابهة خلقه، وقطع عذرهم، وأزاح علتهم، وأمر بالنظر والإعتبار في ~~كتابه المنزل من السماء بأكثر من أربعمائة آية تصريحا وتلويحا، ومدح ~~الناظرين والمباحثين والمجادلين الذين عرفوه وبينوه للخلق، وقمعوا ~~شبه المعاندين، ودعوا الناس إلى معرفته بآياته، فقال عز وجل: ms0355 # وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم # [آل عمران:7]. - على قراءة العطف - إخبارا عن رفع مراتبهم، وقال: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم # [آل عمران:18]. وقال: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # [العنكبوت:43]. وقال: # ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ~~ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد # [سبأ:6] تنبيها على أن غير الذي أوتي العلم والحكمة من عند الله، ليس ~~ممن يرى حقية الرسالة وطريقة الهداية. # وحكى أيضا عن خيار رسله وأمناء وحيه إلى خلقه، استعمالهم النظر ~~والبحث والمجادلة مع من ضل وترك الطريق الأمثل. # فقد حكى في قصة نوح عليه السلام عن الكفار قولهم: # ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا # [هود:32]. ومعلوم أن تلك المجادلة، ما كانت في تفاصيل الأحكام ~~الشرعية، بل كانت في التوحيد والنبوة، فالمجادلة في نصرة الحق في هذا ~~العلم هي حرفة الأنبياء عليهم السلام. # وقال في قصة إبراهيم: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آته ~~الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن ~~الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم ~~الظالمين # [البقرة:258]. قال تعالى في اخباره عن نظره واعتباره: # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ~~ربي فلمآ أفل قال لا أحب الآفلين # [الأنعام:76]. الآيات - فرد المثل إلى المثل، والنظير إلى النظير، ~~فأخرج هذه الأجرام عن الربوبية بعلة اشتراكها في الأفول، والإمكان، ~~والزوال والانتقال في الأحوال، وسمى استدلاله حجة، وأضافه إلى نفسه ~~فقال عز وجل: # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه نرفع ~~درجات من نشآء # [الأنعام:83]. انه تعالى بهذا العلم، رفع بدرجة إبراهيم عليه السلام، ~~فقد ظهر من القرآن أن له عليه السلام مقامات: # أحدها: مع نفسه وهو قوله: # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا # [الأنعام:76] الآيات. وهذه طريقة استدلال الحكماء والمتكلمين بإمكانها، ~~أو بتغيرها وحدوثها، على حاجتها إلى من فطرها وأقام وجودها، فمدح الله ms0356 ~~عليه بقوله: # وتلك حجتنآ # [الأنعام:83] - الآية. # وثانيها: حاله مع أبيه وهو قوله: # يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا # [مريم:42]. # وثالثها: حاله مع قومه، تارة بالقول والتعليم، وأخرى بالزجر والتوبيخ؛ ~~أما بالقول فقوله: # ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون # [الأنبياء:52] وأما بالفعل بقوله: # فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه ~~يرجعون # [الأنبياء:58]. # ورابعها: حاله مع ملك زمانه في قوله: # ربي الذي يحيي ويميت # [البقرة:258]. - الآية - وكل من سلمت فطرته، علم أن علم الأصول ليس ~~إلا تقرير هذه الأدلة، ودفع الأسئلة والمناقضات عنها. # فهذا كله بحث ابراهيم عليه السلام في المبدء، وأما بحثه في المعاد ~~فقوله: # رب أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة:260]. إلى آخره - ويندرج فيما قصده جميع علوم المعاد. # وأما موسى عليه السلام، فانظر إلى مناظرته مع فرعون في التوحيد ~~والنبوة، أما التوحيد، فاعلم أن موسى عليه السلام إنما كان يقول في أكثر ~~الأمر على دلائل آبراهيم عليه السلام، وذلك لأنه تعالى حكى في سورة طه: # قال فمن ربكما يموسى قال ربنا الذي أعطى ~~كل شيء خلقه ثم هدى # [طه:49-50]. وهذا هو الدليل الذي ذكره ابراهيم عليه السلام: # ربي الذي يحيي ويميت # [البقرة:258]، فلما لم يكتف فرعون بذلك، وطالبه بشيء آخر، قال موسى: # رب المشرق والمغرب # [الشعراء:28] فهذا هو الذي قال ابراهيم عليه السلام: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب # [البقرة:258]، فهذا ينبهك على أن التمسك بهذه الدلائل، حرفة هؤلاء ~~المعصومين، وأنهم كما استفادوها عن عقولهم، فقد توارثوها من أسلافهم ~~الطاهرين. # وأما استدلال موسى عليه السلام على النبوة بالمعجرة، ففي قوله: # أولو جئتك بشيء مبين # [الشعراء:30]. وهذا هو الاستدلال بالمعجزة على الصدق. # فقد ظهر لك ان طريقتهم التمسك بالحجة والبرهان، ولذلك أمر الله بذلك ~~رسوله المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وقال: # بل ملة إبراهيم حنيفا # [البقرة:135]. وقال: # ملة أبيكم إبراهيم # [الحج:78]. فيقتضي أمره تعالى أن يحتج كما يحتج، ويستدل كما يستدل؛ ~~وقال أيضا عز وجل لرسوله ابتداء: # ادع إلى سبيل ms0357 ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل:125]. # أما اشتغال نبينا بالدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد، فأظهر من أن ~~يحتاج فيه إلى التطويل، فإن القرآن مملوء منه، ولقد كان رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) مبتلى بجميع فرق الكفار: # الأولى: الدهرية، الذين كانوا يقولون بدهر هذا العالم قالوا: # وما يهلكنآ إلا الدهر # [الجاثية:24]، والله تعالى أبطل قولهم بأنواع الدلائل. # والثانية: الذين ينكرون القادر المختار، والله تعالى أبطل قولهم بحدوث ~~أنواع النبات، وأصناف الحيوانات، مع اشتراك الكل في الطبائع بتأثيرات ~~الأفلاك، وذلك يدل على وجود القادر. # الثالثة: الذين أثبتوا شريكا مع الله، وذلك الشريك، إما أن يكون ~~علويا أو سفليا؛ أما الشريك العلوي، كمثل من جعل الكواكب مؤثرات في ~~هذا العالم، كالصابئة، والله تعالى أبطله بدليل الخليل عليه السلام في ~~قوله: # فلما جن عليه الليل # [الأنعام:76]، وأما الشريك السفلي فالنصارى، قالوا بإلهية المسيح، ~~وعبدة الأوثان قالوا بإلهية الأوثان؛ والله تعالى أكثر من الدلائل ~~على فساد قولهم. # الرابعة: الذين طعنوا في النبوة، وهم فريقان: # أحدهما: الذين طعنوا في أصل النبوة، فهم الذين حكى الله تعالى عنهم ~~أنهم قالوا: # أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء:94]. # والثاني: الذين سلموا أصل النبوة، وطعنوا في نبوة محمد (صلى الله ~~عليه وآله)، وهم اليهود والنصارى، والقرآن مملوء من الرد عليهم، ثم ~~إنهم طعنوا تارة بالطعن في القرآن، فأجابه بقوله: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها # [البقرة:26]. وتارة بالتماس سائر المعجزات بقوله: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # [الإسراء:90]. وتارة بأن هذا القرآن ينزل نجما نجما وذلك لطرق ~~التهمة إليه، فأجاب الله عنه بقوله: # كذلك لنثبت به فؤادك # [الفرقان:32]. # الخامسة: الذين نازعوا في الحشر والنشر، والله تعالى أورد على صحة ~~ذلك، وعلى إبطال قول المنكرين أنواعا كثيرة من الدلائل. # السادسة: الذين طعنوا في التكليف، تارة بأنه لا فائدة فيه، فأجاب الله ~~تعالى عنه بقوله: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء:7]. وتارة بأن الحق هو الجبر، وأنه ينافي ms0358 صحة التكليف، ~~وأجاب الله تعالى عنه بأنه: # لا يسئل عما يفعل # [الأنبياء:23]. # فثبت أن هذه الحرفة هي حرفة كل الأنبياء والرسل عليهم السلام، وعلم ~~أن الطاعن فيها إما كافر أو جاهل. # وكذلك أمر الله أمة نبينا بايضاح الحجة، ونهاهم عن التقليد، وذمهم ~~عليه، فقال لكافة المؤمنين: # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن # [العنكبوت:46]. فأمره سبحانه وأمته بايضاح طريق الحق بالجدال، وكشف ~~بطلان أهل الضلال، والفصل بين الحق والباطل بالعلم، ونهى عن التقليد، ~~وذم أهله، وأمرهم بالمسير إلى النظر والمعرفة في قوله: # أولم ينظروا # [الأعراف:185]. # أولم يتفكروا # [الروم:8]. وأمرهم بالمسافرة لطلب العلم واليقين، وخوفهم بالزجر عن ~~اتباع أسلافهم الماضين، والقول في دينه بغير دليل، فقال جل جلاله: # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا أولو كان الشيطان ~~يدعوهم إلى عذاب السعير # [لقمان:21]. وقال أيضا في إخباره عن أمثال هؤلاء وردهم ما أتي به ~~النبيون بقولهم: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون # [الزخرف:23]. فعيرهم الله ووبخهم به، وجعله من أعظم ذنوبهم. # فثبت بذلك أن المعرفة الإلهية أجل أنواع العلوم، وأعلاها كلها درجة، ~~وأعظمها، ولأن معرفة الله أصل الدين الذي يتحد طريقه، ويؤمن سالكه، ~~ويكفر تاركه، ولا يعذر من أخطأ في اجتهاده وعدل عنه. # ولهذا قال (صلى الله عليه وآله): # " افترقت بنو اسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث ~~وسبعين كلها في النار إلا واحدة " # وقال (صلى الله عليه وآله) في فروع الدين: # " الاختلاف بين أمتي رحمة " # وقال: # " اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له " # وقال: # " من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ". # ففرق صلوات الله عليه وآله بين أصل الدين من الخطر العظيم والثواب ~~الجسيم - ومن طلب العظيم خاطر العظيم -، ولا يكون في هذا العلم كل ~~مجتهد مصيبا، ولا المخطئ في اجتهاده مأجورا - بل يكون مأزورا باتفاق ~~العلماء -، بخلاف فروع الدين. # وإنما كان كذلك، لأن الاختلاف في أصول الدين، إنما يرجع إلى ذات ~~واحدة، فمحال ms0359 أن تكون الذات الواحدة على صفات يقولها الصفاتية، وعلى ما ~~يقوله المعتزلة، وعلى التي يقولها المشبهة، وعلى ما يقوله المعطلة، ~~ومحال أيضا أن يرد الشرع بالاعتقاد لكل فريق على الوجه الذي ذهب إليه ~~كل فريق، ولهذا قال (صلى الله عليه وآله): # " الناجية منها واحدة " # وهي التي قد أصابت الحق. # ولا كذلك [ال] فروع، لأن التكليف في ذلك يرجع إلى أعمال العباد، فيجوز ~~أن تختلف التكاليف في حق كل واحد منهم، ويرد الشرع ابتداء بذلك، كصوم ~~يوم واحد من رمضان. يجب على واحد أن يصوم، ويتحتم عليه صومه كالصحيح ~~المقيم، ويجب على الآخر أن يفطر، ويتحتم عليه افطاره كالحائض، ويخير ~~الآخر بين الصوم والافطار، كالمسافر عند جمع، والمريض أيضا، واليوم يوم ~~واحد، ويختلف حكمه باختلاف أحوال المكلفين من غير تناقض وتضاد -، كذلك ~~حكم المجتهدين من العلماء، إذا أدى اجتهاد كل واحد منهم في حكم الحادثة ~~التي لا نص فيها إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاد الآخر، فيكون كل واحد ~~منهم متعبدا مكلفا فيما أدى إليه اجتهاده باتفاق الأمة، ولهذا ~~المعنى كانت شرائع الرسل صلوات الله [عليهم] مختلفة، وأديانهم في التوحيد ~~والمعاد متفقة، وإذا ثبت ذلك، فثبت أن هذا العلم أشرف من سائر علوم ~~الدين - فضلا عن سائر العلوم -، وأن اقتناءه فرض عين، فمن شأن العاقل ~~أن يحتاط لنفسه، ويطلب ماله فيه نجاة العقبى، والفوز بالدرجة القصوى، فإن ~~أمور الدنيا زائلة، وعذاب الله شديد - نسأل الله العصمة والتسديد. # الإشراق الثاني # في أن هذا العلم هو الفرض على العين لا على الكفاية، وسائر العلوم إما ~~فرض على الكفاية، أو ليس بفرض أصلا، وأن المراد من قوله (صلى الله عليه ~~وآله): # " طلب العلم فريضة على كل مسلم " # وقوله: # " اطلبوا العلم ولو بالصين " # هو هذا العلم دون غيره. # وقد وقع الاختلاف بين الناس في العلم الذي هو فرض عين، وتحزبوا ~~أكثر من عشرين فرقة، ويطول الكلام بتفصيلها، وحاصله أن كل فريق نزل ~~الوجوب العيني المستفاد من الحديث على ما هو بصدده، فقال المتكلم: " هو ~~علم ms0360 الكلام، إذ به يدرك التوحيد ويعلم ذات الله وصفاته ". # وقال الفقيه: " هو علم الفقه، إذ به تعرف العبادات وما يحرم ويحل في ~~المعاملات ". وقال المفسرون والمحدثون: " هو علم الكتاب والسنة، إذ ~~بهما يتوصل إلى العلوم كلها ". # وقال المتصوفة: " هو هذا العلم " ، وقال بعضهم: " هو علم العبد بنفسه ~~وبحالها ومقامها من الله ". وقال بعضهم: " هو العلم بالإخلاص وآفات ~~النفوس، وتمييز لمة الملك من لمة الشيطان ". وقال أبو طالب المكي: " ~~هو العلم بما تضمنه الحديث الذي فيه مباني الإسلام، وهو قول الرسول: # " بني الإسلام على خمس " # لأن الواجب هذه الخمس، فيجب العلم بكيفية العمل فيها ". # قال بعض العلماء: الذي ينبغي أن يقطع المحصل ولا يستريب فيه العاقل، هو ~~أن العلم ينقسم إلى علم معاملة وعلم مكاشفة، وليس المراد بهذا العلم إذا ~~عم وجوبه إلا علم المعاملة، فهي التي كلف العبد العاقل البالغ إياها. # وهي على ثلاثة أقسام: اعتقاد، وقول، وفعل، فإذا بلغ الرجل العاقل ~~الاحتلام والسن أول نهار مثلا، فأول واجب عليه تعلم كلمتي الشهادة ~~وفهم معناها، وليس يجب عليه كشف ذلك لنفسه بالنظر والبحث وتحرير الأدلة، ~~ويكفيه أن يصدق به ويعتقد جزما من غير اختلاج وريب واضطراب نفس، وذلك ~~قد يحصل بمجرد التقليد والسماع من غير بحث وبرهان؛ إذ اكتفى رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) من أجلاف العرب بالتصديق والإقرار من غير تعلم ~~دليل، فإذا فعل ذلك، فقد أدى واجب وقته وفرض عينه في المعرفة. # ثم يجب عليه العلم بكيفية ما يجب عليه ويحرم في كل وقت، كالصلاة وهي ~~حاضر الوقت، والصيام وهو ممكن التراخي إلى سنة، والزكاة، والحج، ~~والجهاد، وكل منها يمكن أن لا يجب على العبد في مدة عمره، فلا يجب عليه ~~العلم بكيفيتها وجوبا عينيا؛ وأما الاعتقادات وأعمال القلوب، فيجب ~~علمها عليه بحسب الخواطر والسوانح. # وما ذكره الصوفية من فهم خواطر العدو ولمة الملك فهو أيضا [يجب] ~~ولكن في حق من يتصدى له، وإذا كان الغالب أن الإنسان لا ينفك عن أمراض ~~القلب ودواعي الشر - من الحسد ms0361 والرئاء وهواجس الشيطان ووساوس الهوى - ~~فيلزمه أن يتعلم ما يرى نفسه محتاجا إليه، وكيف لا يجب وقد قال (صلى ~~الله عليه وآله): # " ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه " # ، ولا ينفك عنها بشر، فإزالتها فرض عين، ولا يمكن إلا بمعرفة حدها ~~وأسبابها وعلاماتها، ومعرفة معالجتها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو ~~واجب، فالعلم بجميع ما ذكرناه من فروض الأعيان، وقد تركه كافة الناس ~~اشتغالا بما لا يعني. # ومما ينبغي أيضا أن يبادر إليه: الإيمان بالجنة والنار، والحشر ~~والنشر، حتى يؤمن ويصدق به، وهو ممن يتمم كلمتي الشهادة، فإنه بعد ~~التصديق بكونه رسولا، ينبغي أن يفهم الرسالة التي هو مبلغها، وهو أن ~~من أطاع الله فله الجنة، ومن عصاه فله النار؛ وإذا تنبهت لهذا التدريج، ~~علمت أن المذهب الحق هو هذا، فإذن تبين أنه المراد بالعلم المعرف ~~باللام في الحديث المذكور " - انتهى كلامه. # ثم ذكر بيان العلم الذي هو فرض كفاية؛ فقسم أولا العلوم إلى الشرعية ~~وغير الشرعية، وجعل كلا منهما منقسما إلى ما هو فرض كفاية، وإلى ما ~~هو فضيلة وليس بفرض، وجعل الفقه من الأولى، والطب من الثانية من فروض ~~الكفايات، وجعل كلا منهما مندرجا تحت علوم الدنيا، وجعل الفقهاء ~~كالأطباء من علماء الدنيا، واستدل على ذلك ببيانات صحيحة واضحة حيث ~~قال: # " فإن قلت: فلم ألحقت الفقه بعلم الدنيا وعلماءه بعلماء الدنيا؟ # فاعلم أن الله أخرج آدم من التراب، وأخرج ذريته من سلالة من طين، ومن ~~ماء دافق، وأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومنها إلى الدنيا ثم إلى ~~القبر، ثم إلى العرض، ثم إلى الجنة والنار، فهذا مبدؤهم وهذه منازلهم؛ ~~وخلق الدنيا زادا للمعاد ليتناول الناس ما يصلح للتزود، فلو تناولوها ~~بالعدل انقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء، لكنهم تناولوا بالشهوات فتولدت ~~منها الخصومات، فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم، وإلى قانون يسوسهم به، ~~فالفقيه هو العالم بقانون السياسة، ولعمري هو متعلق بالدين، ولكن لا ~~بنفسه، بل بواسطة الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة ". # ثم قال: " فإن قلت: هذا - إن ms0362 استقام - ففي ما سوى ربع العبادات، فما ~~تقول فيها؟ # فاعلم أن أقرب ما يتكلم الفقيه فيه من الأعمال التي من أعمال الآخرة ~~ثلاثة: الإسلام والصلاة والحرام والحلال؛ فإذا تأملت منتهى نظر الفقيه ~~فيها، علمت أنه لا يتجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة، فإذا عرفت الأمر في ~~هذه الثلاثة ففي غيرها أظهر. # أما الإسلام: فيتكلم الفقيه فيما يصح منه ويفسد، وفي شروطه، وليس يلتفت ~~فيه إلا إلى اللسان، وأما القلب فخارج عن ولاية الفقيه بعزل رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) أرباب السيوف والسلطنة عنها حيث قال: # " هلا شققت عن قلبه؟ " # في الذي قتل من تكلم بالإسلام معتذرا بأنه " كان ذلك من الخوف " ، ~~بل يحكم الفقيه بصحة إسلام مثله، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ فإذا قالوها فقد ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم " # ، وجعل (صلى الله عليه وآله) أثر ذلك في الدم والمال، وأما الآخرة فلا ~~تنفع فيها الأقوال، بل أنوار القلوب وأسرارها، وليس ذلك من فن الفقيه، ~~وإن خاض فيه كان كما لو خاض في علم خارج عن فنه كالطب والكلام. # وأما الصلاة: فالفقيه يفتي بالصحة إذا أتى بصورة الأعمال وظاهر الشروط ~~- وإن كان غافلا من أولها إلى آخرها، مشغولا بالفكر في حساب معاملاته ~~في السوق إلا عند التكبير - وهذه الصلاة لا تنفع في الآخرة. # وأما الزكاة: فالفقيه ينظر إلى ما يقطع مطالبة السلطان، حتى أنه إن ~~امتنع فأخذ السلطان منه، فهو حكم بأنه برئت ذمته. # وحكي أن أبا يوسف كان يهب ماله لزوجته في آخر الحول، ويستوهب مالها ~~لإسقاط الزكاة، فذلك من فقهه في الدنيا، ولكن مضرته في الآخرة أعظم من ~~كل خيانة، ومثل هذا العلم هو الضار. # وأما الحلال والحرام: فالورع عن الحرام من الدين، وله مراتب؛ أدناها: هو ~~الاحتراز عن الحرام الظاهر الذي يشترط في عدالة الشهود. # الثانية: ورع الصالحين، وهو التوقي من الشبهات، قال (صلى الله عليه ~~وآله): # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " # وقال: # " الإثم خوان ms0363 القلوب ". # الثالثة: ورع المتقين، وهو ترك الحلال المحض الذي يخاف أداؤه إلى ~~الحرام، قال (صلى الله عليه وآله): # " لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس " # وذلك مثل التورع عن أكل الشهوات خيفة من هيجان النشاط والبطر المؤدي ~~إلى المحظور. # الرابعة: ورع الصديقين، وهو الإعراض عما سوى الله، خوفا من صرف ساعة ~~من العمر إلى ما لا يفيد زيادة قرب عند الله. # فهذه الدرجات كلها خارجة عن نظر الفقيه إلا الأول - وهو ورع الشهود ~~والقضاة - فإذن، جميع طرق الفقه ترتبط بالدنيا، ومن تعلمه لا ليعمل - ~~بل ليتقرب بتعاطيه إلى الله - فهو مجنون ". # " فإن قلت: فصل لي علم الآخرة تفصيلا يشير إلى تراجمه وإن لم ~~يمكن استقصاء تفاصيله؟ # فاعلم أنه قسمان: علم مكاشفة، وعلم معاملة. # أما الأول؛ فهو علم الباطن، وذلك غاية العلوم، فقد قال بعض العارفين: ~~من لم يكن له نصيب من هذا العلم، أخاف عليه سوء الخاتمة؛ وأدنى النصيب ~~منه التصديق به والتسليم لأهله، وأقل عقوبة من ينكره أنه لا يرزق منه ~~شيئا، وهو علم الصديقين والمقربين - أعني علم المكاشفة -، فهو عبارة ~~عن نور يظهر في القلب عند تطهره وتزكيته من صفاته المذمومة، وتنكشف من ~~ذلك النور أمور كان يسمع من قبل أسماءها ويتوهم لها معاني مجملة غير ~~متضحة، فيتضح إذ ذاك، حتى تحصل المعرفة بذات الله وأسمائه وبكلماته ~~التامات، وبأفعاله، ومعنى الوحي، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين، وكيفية ~~معاداة الشياطين للإنسان، وكيفية ظهور الملك للأنبياء، وكيفية وصول ~~الوحي إليهم، ومعرفة ملكوت السموات والأرض، ومعرفة القلب؛ وكيفية تصادم ~~جنود الملائكة والشياطين فيه، ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة ~~الشيطان، ومعرفة الآخرة، والجنة والنار، وعذاب القبر، والصراط، ~~والميزان، والحساب، ومعنى قوله: # كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء:14]. ومعنى قوله: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت:64]. ومعنى " لقاء الله " ، و " النظر إلى وجهه الكريم " ، ~~ومعنى القرب منه، والنزول في جواره، ومعنى مرافقة الملأ الأعلى ومقارنة ~~النبيين، ومعنى تفاوت الدرجات في الجنان حتى ms0364 يرى بعضهم بعضا، كما يرى ~~الكواكب اللاتي في جو السماء، إلى غير ذلك مما يطول تفصيله ". # ثم قال: " وأما علم المعاملة، وهو من علم أحوال القلب، ومعرفة ما ~~يحمد وما يذم من صفاته، وكيفية إزالة الذمائم والأمراض منه حتى يزول ~~عن مرآة القلب صداها وخبثها بقاذورات الدنيا، وترفع عنها الأغطية ~~والأغشية، وتتضح له جلية الحق في الأمور التي تتعلق بعلم المكاشفة ~~اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه. # وهذا ممكن في حق الإنسان، فالعلم بهذه المعاملة هو فرض عين في فتوى ~~علماء الآخرة، والمعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما إن ~~المعرض عن الأعمال الظاهرة، هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء ~~الدنيا، فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى إصلاح الدنيا، وهذا ~~بالإضافة إلى إصلاح الآخرة. # ولو سئل فقيه عن هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلا، أو عن التوكل، أو ~~عن وجه الاحتراز عن الرئاء، لتوقف فيه، مع أنه فرض عينه الذي في إهماله ~~هلاكه في الآخرة، ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق بالرمي والرهانة، ~~لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج ~~إلى شيء منها، وإن احتيج لم يخل البلد عمن يقوم به، فلا يزال يتعب ليله ~~ونهاره في حفظه ودرسه، ويغفل عما هو مهم نفسه في الدين، وإذا روجع فيه ~~قال: " اشتغلت به لأنه علم الدين وفرض الكفاية " فيلبس على نفسه وعلى ~~غيره في تعلمه. # والفطن يعلم أنه لو صدق لاشتغل بعض الاشتغال بسائر فروض الكفايات ~~التي كانت أهم من ذلك، ولم يفت عنه كثير من فروض الأعيان، فهل لهذا ~~سبب إلا أن غير ما هو بصدده ليس يتيسر التوصل به إلى تولي ~~الأوقاف والوصايا، وحيازة مال الأيام، وتقلد القضاء والحكومة، والتقدم ~~به على الأقران، والتسلط به على الأعداء؟! هيهات، قد اندرس علم الدين ~~بتلبيس علماء السوء، فنعوذ بالله من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن، ويضحك ~~الشيطان ". # ثم قال: " كان جمع من علماء الظاهر مقرين بفضل علماء الباطن وأرباب ~~القلوب، وكان ms0365 الشافعي يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يقعد الصبي في ~~المكتب، ويسأله: " كيف يفعل في كذا وكذا "؟ فيقال له: " مثلك يسأل هذا ~~البدوي؟! " فيقول: " هذا وفق لما علمناه ". # وكان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يختلفان إلى معروف الكرخي، ولم يكن في ~~علم الظاهر بمنزلتهما، فكانا يسألانه: " كيف نفعل؟ ". # انتهى ملخص ما ذكره في هذا المقام، تأييدا لما نحن بصدده من تحقيق ~~المرام، وإزالة الشكوك والأوهام عن ضمير الطلبة، ممن سلمت فطرته من ~~اللجاج والتعند والتعصب للأقوام، دون المطرودين من باب دار السلام، ~~ومن حق القول عليهم من الله ذي الجلال والإكرام. # الإشراق الثالث: # في دفع شبه الخصوم واعتراضاتهم على وجوب النظر ولهم في ذلك مقامات: # الأول: إن النظر لا يفيد العلم؛ واستدلوا عليه بوجوه: # أحدها: إنا وجدنا العلماء قد تفكروا واجتهدوا فحصلوا عقيب أنظارهم ~~علوما جزموا بها، ثم ظهر لهم ولغيرهم أنها كانت أغلاطا باطلة؛ فعلى هذا ~~لا يمكن الجزم بصحة ما يستفاد من النظر؛ وحكاية الإمام الرازي مع بعض ~~الصوفية مشهورة..................... والنظم الذي صدر منه في أواخر عمره ~~دال على ذلك هو قوله: # نهاية اقدام العقول عقال # وأكثر سعي العالمين ضلال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا # سوى أن جمعنا فيه قيل وقال # وثانيها: أن المطلوب إن كان مشعورا به استحال طلبه، وتحصيل للحاصل، وإن ~~كان غير مشعور به فطلب المجهول المطلق محال. # والجواب: إنه معلوم بوجه وهو منشأ الطلب، ومجهول من وجه وهو الذي يؤدي ~~إليه الطلب. # وثالثها: إن العلم بكون النظر مفيدا للعلم، إن كان ضروريا، وجب اشتراك ~~العقلاء فيه بلا خلاف - وليس كذلك -، وإن كان نظريا، يلزم إثبات جنس ~~الشيء وماهيته بفرد منه، ومن أنكر الماهية أنكر كل فرد منها، وذلك محال، ~~لاستلزامه إثبات الشيء من نفسه؛ ويلزم اجتماع النفي والإثبات في شيء واحد ~~أيضا، لأنه من حيث إنه وسيلة إليه معلوم، ومن حيث إنه مطلوب حاصل منه ~~غير معلوم، والتناقض محال. # والجواب عنه: - بعد اختيار الشق الثاني -، أنا لا نسلم لزوم ما ذكر، ~~لأن ms0366 الدعوى إن النظر يفيد المطلوب، وهذا حكم تصديقي وليس أمرا تصوريا ~~حتى يكون جنسا أو غيره، ولو سلم، فلا نسلم أنه ماهية ما فرض ~~مصداقا له، بل يجوز أن يكون خارجا لازما من لوازمه، وإثبات اللوازم ~~بإثبات بعض ملزوماتها غير مستنكر. # ورابعها: إن الآلة التي تستعملها النفس في الفكر والانتقال من المقدمات ~~إلى النتائج، إن كانت عقلية كلية فكيف تنتقل وتتحرك من صورة إلى صورة ~~- والحركة مختصة بما هو كائن في الجسم كما اعترف به الفلاسفة -، وإن ~~كانت جزئية فكيف تدرك المعاني والحدود الوسطى والقضايا الكلية لكبريات ~~القياس؟ # والجواب: إن القوة الفكرية في الإنسان ذات جهتين، يدرك الكليات بوجهه ~~الذي يلي العقل، ويتحرك في الصورة المخزونة في الخيال بوجهه الذي يلي ~~المادة. # قال أبو علي بن سينا في بعض رسائله: " القوة العقلية، إذا اشتاقت إلى ~~شيء، وهو الصورة المعقولة، تضرعت بالطبع إلى المبدء الواهب، فإن ساحت ~~عليها على سبيل الحدس، كفت المؤنة، وإلا فزعت إلى حركات من قوى أخرى من ~~شأنها أن تعدها لقبول الفيض لتأثير ما مخصوص بالنفس منها، ومشاكلة بينها ~~وبين شيء من الصور التي في عالم الفيض؛ فيحصل لها بالاضطراب ما كان لا ~~يحصل بالحدس " انتهى كلامه. # وخامسها: وهو قول من سلم أن النظر في الجملة يفيد العلم، لكن النظر في ~~الإلهيات لا يفيد، واحتج بوجهين: # الأول: إن حقيقة الإله غير متصورة فاستحال التصديق بثبوته، أو ثبوت صفة ~~من صفاته، لأن التصديق بشيء يتوقف على تصور موضوعه. # والثاني: إن أظهر الأشياء عندنا حقيقتنا التي نشير إليها ب " أنا " ، ~~ثم الناس تحيروا في ماهية هذا المشار إليه بقولي: " أنا " ، فمنهم من ~~يقول: " هو هذه البنية " ، ومنهم من يقول: " هو المزاج " ، ومنهم من ~~يقول: " بعض الأجزاء الداخلية في البنية " ، ومنهم من يقول: " لا داخل ~~البدن ولا خارجه " ، فإذا كان الحال في أظهر الأشياء كذلك، فما ظنك ~~بأبعد الأشياء مناسبة عنا وعن أحوالنا كالباري وصفاته؟! # والجواب عن الأول: إن ذاته تعالى وإن لم تكن متصورة بحسب الحقيقة ~~المخصوصة التي له، ms0367 لكنها متصورة بحسب لوازمها الخاصة - ككونه واجب ~~الوجود، ومبدء سلسلة الممكنات - فيظهر لنا من النظر في الممكنات ~~بالبرهان، افتقارها إلى مبدء وحداني الذات، يلزمه الوجوب والتنزيه ~~والدوام، فنحكم على هذا المتصور بأنه كذا - إلى سائر الصفات والأفعال -، ~~وهذا القدر يكفي للتأمل في صفاته وآلائه، ثم ينجر إلى زيادة الكشف، ~~وتصير هذه المعرفة بذر المشاهدة في الآخرة. # وعن الثاني: إن النفس وإن كانت أظهر الأشياء عندنا وجودا لكنها - ونحن ~~في دار البدن، وظلمة الطبيعة، وغشاوة شواغل الدنيا -، أخفى الأشياء علينا ~~حقيقة؛ لأن هذه الحجب وقعت بيننا وبين أنفسنا، وحجاب الشيء عن نفسه، أصعب ~~من حجابه عن غيره، لأن الإنسان إذا نسي غيره يمكنه الاسترجاع له، وإذا ~~نسي ذاته لا يمكنه الاسترجاع لها. # وربما يجاب عن هذه الوجوه ونظائرها؛ بأن الوجوه التي ذكروها ليست ~~ضرورية بل نظرية؛ فهم أبطلوا كل النظر ببعض أنواعه، وهو متناقض. # المقام الثاني: إن تحصيل العلم غير مقدور لنا بوجوه: # الأول: تحصيل التصورات غير مقدور، فالتصديقات البديهية غير مقدورة، ~~فجميع التصديقات غير مقدورة. # أما الأول: لأن طالبها إن كان عارفا بها، استحال طلبها، لكونه تحصيلا ~~للحاصل، وإن كان غير عارف بها، فكذلك، لكون الطلب فعلا اختياريا لا ~~بد فيه من تصور المطلوب، والجواب بكونه معلوما من وجه مجهولا من وجه، ~~غير مفيد، لأن الوجه الذي يصدق عليه انه معلوم، غير الذي يصدق عليه انه ~~مجهول، لاستحالة صدق النفي والإثبات على شيء واحد، فيعود المحذورات ~~عليها. # وأما الثاني: فلأن حضور طرفي التصديق، أما أن يكفي للتصدق البديهي، ~~ويلزم جزم الذهن بإسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي أو الإثبات، أو لا يلزم؛ ~~فإن لم يلزم، لم تكن القضية بديهية، وإن لزم، كان التصديق واجب الحصول ~~عندهما، وممتنع الحصول عند عدمهما، وما يكون واجب الدوران نفيا واثباتا ~~مع أمر غير مقدور نفيا واثباتا، وجب أن لا يكون مقدورا؛ فثبت أن ~~التصديقات البديهية غير مقدورة. # وأما الثالث: فالبيان جار فيه بمثل ما مر، فوجب أن لا يكون شيء من ~~العلوم مكسوبا للعبد؛ فهذه ms0368 شبهة ذكرها العلامة الرازي في هذا المقام ~~في أكثر كتبه. # والجواب: أما عما ذكره في باب التصور، فالتحقيق في باب كون الشيء ~~معلوما من وجه، هو أن وجه الشيء قد يؤخذ ويعتبر على وجه يصير عنوانا ~~لموضوع القضية المتعارفة، وقد يؤخذ ويعتبر لا على ذلك المنوال، بل على ~~أن يصير عنوانا للقضية الطبيعية، ففي الأول، يصير عنوانا للأفراد، ~~ومرآة لملاحظة الجميع أو البعض، ولهذا يسري الحكم إليها كما في قولك: " ~~كل كاتب متحرك الأصابع " " وبعض الكاتب كذا " وفي الثاني يصير الوجه ~~متصورا ومرئيا فقط ولا يصير مرآة لها. # فقد تحقق الفرق بين تصور الشيء بوجهه، وبين تصور وجهه، وفي كلا ~~الاعتبارين وإن كان المتصور بالذات وبالحقيقة هو الوجه دون ذي الوجه، ~~إلا أن في الأول يكون ذو الوجه متحدا معه، متصورا بتصوره بالعرض ~~وعلى سبيل التبعية، وذلك القدر يكفي لتوجه النفس إلى تحصيله من غير ~~لزوم أحد المحالين - لا تحصيل الحاصل ولا توجه النفس نحو المجهول المطلق ~~-، فافهم إنشاء الله. # وعما ذكره ثانيا: إن الإدراك التصديقي نحو آخر من الإدراك مبائن ~~بالنوع المتصور - كما هو التحقيق -، فلا يلزم من مجرد حضور الطرفين في ~~الذهن الاذعان بثبوت أحدهما للآخر ونفيه عنه، وإن كان التصديق بديهيا، ~~والبداهة في التصديق لا تنافي التأخر عن حضور الطرفين، فربما احتاج إلى ~~قصد من النفس، أو التفات إلى إخطاره بالبال، ثم لا يخفى على أحد أن ~~الجمع بين التصورين، وضم أحدهما بالآخر، غير وجود كل منهما في النفس، ~~وغير وجودهما جميعا، فهذا الجمع أمر غير واجب بل ممكن مقدور. # فقس على ما ذكرناه فساد ما ذكره في عدم اكتساب النظريات التصديقية من ~~البديهيات، لأن الأصل إذا بطل، كان ما يبتني عليه باطلا أيضا. # الثاني: إن الموجب للنظر إما ضرورة العقل، أو نظره، أو السمع؛ والكل ~~باطل. # أما الأول: فلأنه لو كان بديهيا لما اختلف العقلاء فيه - وليس كذلك ~~-. # وأما الثاني: فلأن العلم بوجوبه إذا كان نظريا لا يمكن حصوله إلا ~~بعد النظر، فالتكليف قبله يكون تكليفا ms0369 بالمحال، وبعده يكون عبثا لا ~~فائدة فيه. # وأما الثالث: فلأن قبل النظر لا يكون متمكنا من معرفة وجوب النظر، ~~وبعده لا يمكن ايجابه لعدم الفائدة، وإذا بطلت الأقسام ثبت نفي الوجوب. # والجواب: - بعد تسليم بطلان الأول، وامتناع خفاء الضروري على بعض ~~العقلاء -، بأن ما ذكره في بطلان الثاني والثالث، مبناه على أن التصديق ~~قبل حصوله لا يمكن تصوره، وليس كذلك، إذ يجوز حصول صورة التصديق النظري ~~أو البديهي في العقل قبل نفسه، كما إذا قلت لأحد: " صدق بأن زيدا ~~قائم وأذعن بذلك " ، فيتصور أولا ما أمرت به من التصديق ثم يوقعه. # لا يقال: قد تقرر إن العلم والمعلوم متحدان ذاتا، مختلفان بالإعتبار، ~~فصورة كل شيء في الذهن عين ماهيته، وقد تقرر أيضا كون التصور والتصديق ~~نوعان متخالفان من العلم، فعلى ما ذكرت، يلزم كون صورة التصديق تصديقا ~~قبل حصول نفس التصديق، فيلزم كون تلك الصورة تصديقا وليس بتصديق معا، ~~فيلزم التناقض وهو محال. # لأنا نقول: المعلوم إذا كان ماهية شيء فله صورة مطابقة له متحدة معه، ~~وإن كان وجودا - سواء كان وجودا عينيا أو وجودا ظليا - فلا صورة ~~مطابقة له، لأن كل صورة ذهنية تقبل الاشتراك بين كثيرين، وليست الهويات ~~الوجودية كذلك، فلا صورة لها في الذهن، بل هي نفس الصور، بل لها وجوه ~~واعتبارات يدرك بها إدراكا ضعيفا، وإدراكها التام لا يمكن إلا بشهود ~~نفسها ونيل هويتها، فكذلك حكم تعلق التصور بنفس التصديق، إذ هو حالة ~~وجدانية وكيفية نفسانية لا يمكن استيفاء تصورها إلا بوجه واعتبار ~~غير حقيقتها، فتبصر إنشاء الله. # ولهاتين الشبهتين ونظائرهما جواب جدلي، وهو أن التمسك بشيء منها في ~~أن النظر غير مقدور فاسد، لأن القائلين بها مختارون في استخراج تلك ~~الشبه بالنظر، فبطل قولهم: " إنها ليست اختيارية " " وبأن النظر ليس ~~إختياريا ". # المقام الثالث: # إن النظر وإن فرض كونه مفيدا للعلم ومقدورا للعبد لكنه يقبح من الله ~~التكليف به وبيانه من وجوه: # الأول: إن النظر يفضي بصاحبه في أكثر الأمور إلى الجهل، وما يفضي إلى ~~القبيح ms0370 فالإقدام عليه قبيح، والله لا يأمر بالقبيح. # والثاني: إن الواحد منا - مع نقصه وضعف الخاطر وما يعتريه من الشبهات - ~~لا يجوز أن يعتمد على عقله في التمييز بين الحق والباطل، بأنا رأينا ~~أرباب المذاهب والأقوياء لهم كلمات متناقضة، وذلك يدل على عجز العقل عن ~~ادراك هذه العقائد. # الثالث: إن مدار الدين لو كان على النظر في الدلائل، لوجب أن لا يستقر ~~الإنسان ساعة على الدين، لأنه إذا خطر بباله سؤال في مقدمة من مقدمات ~~دليل الدين، فيصير بسببه شاكا في دينه، فيلزم أن يخرج الإنسان في كل ~~ساعة عن دينه بسبب ما يختلج بباله من الأسئلة والمباحثات. # الرابع: إنه اشتهر في الألسنة أن: " من طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن ~~طلب الدين بالكلام تزندق " وذلك يدل على أنه لا يجوز فتح الباب فيه. # وهذه الوجوه مما ذكرها الإمام الرازي ولم يجب عنها إلا بمثل ذلك ~~الجواب الجدلي؛ وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن التعويل على النظر ~~قبيح، فهي متناقضة، يلزمهم أن يكون ايرادهم لهذه الشبه التي ذكروها ~~قبيحا، وأنت تعلم أن ما ذكره لا يدفع هذه الشبه، إذ مبناها على أن ~~الله لا يكلف العبد بالقبيح، لا أن العبد لا يفعل القبيح مطلقا. # بل الصواب غير ما ذكره، وهو أن يجاب: # أما عن الأولى: فبأنا لا نسلم ما ذكره. بل صاحب النظر إذا تحرى ~~طريق الصواب، وتحرز عن الخطأ بصدق النية وصفاء الطوية، مع فطرة صافية، ~~يصير في أكثر الأمور فائزا بمقام الفضيلة والعلم، متخلصا عن رذيلة ~~الحمق والجهالة. # وأما عن الثاني: فبأن أرباب المذاهب المتعارضة، إن كان المراد منهم ~~رؤساءها، فما نقل عنهم الأتباع والمقلدون، ووقع بأيديهم مما لا اعتماد ~~على ذلك. فلعل المنقول عنه قد كان له وجه صحيح، ولكن وقع التحريف عنه؛ ~~وإن كان المراد أتباعهم ومقلديهم، فالتعارض في أقوالهم لهم يحصل من ~~مجرد النظر، بل لأمور أخر يطول شرحها. # وأما عن الثالث: فبأن الإنسان إذا كرر النظر وردد الفكر شطرا من ~~الزمان في أصول الدين ودعائمه، ms0371 يحصل في القلب نور ينشرح به قلبه، ثم ~~بعد ذلك لا ينطفي ذلك النور بسبب القدح في شيء من المقدمات، لأنها ~~بمنزلة معدات للمطلوب، لا أنها علل موجبة ليجب وجودها معه. # وأما عن الرابع: فبأن علم الكلام حسن تعلمه لأجل التمرن والاعتياد ~~لتدقيق النظر وتشحيذ الذهن، واستعماله للاحتجاج على خصماء الدين وأعداء ~~الشريعة، وهو من الفروض الكفايات، وأما النظر المؤدي إلى الكشف ~~واليقين، فليس ذلك مما يتعلق بعلم الكلام، بل هو صنعة أخرى وليس من ~~صنائع المتكلمين في شيء، وإنما هو شأن علماء الآخرة المتدبرين في ~~آيات الله، الناظرين في ملكوت السموات والأرض. # المقام الرابع: إنه وإن لم يقبح من الله ورسوله التكليف به لكنه ما ~~أمرا به، والدليل عليه: أن العلم بالأدلة والبراهين المؤدية إلى هذه ~~المقاصد، إن كان ضروريا غنيا عن التعلم، لوجب أن يحصل لجميع الناس - ~~وتجويز ذلك مكابرة -. # وإن لم يكن كذلك، بل احتاج إلى تدبر واستفادة من الكتب، واستعانة من ~~الأساتذة، فذلك لا يحصل إلا في السنين المتطاولة بعد الممارسة الشديدة ~~والمباحثة الكثيرة، فلو كان الدين مبنيا عليه، لوجب أن لا يحكم الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) بصحة إسلام الرجل إلا بعد أن يسأله عن هذه ~~المسائل، ويجربه في معرفة الدلائل؛ ولو فعل ذلك لاشتهر - لتوفر ~~الدواعي على نقل مثله -، فلما لم يشتهر - بل المشهور المنقول عنه ~~بالتواتر أنه كان يحكم بإسلام من يعلم من حاله أنه لا يخطر بباله شيء ~~من ذلك -، فعلمنا أن ذلك غير معتبر في صحة الدين. # والجواب: أن الإسلام - وهو الإقرار اللساني بالشهادتين - غير الإيمان، - ~~وهو العلم بأصول الدين - وهذا يوجب النجاة عن عذاب الله دون الأول، ~~والنبي (صلى الله عليه وآله) ما حكم بإيمان من لم يعرف ذلك بالحقيقة، بل ~~حكم بإسلامه الموجب لحقن دمه وماله، وبإسلام من خالف لسانه قلبه ~~أيضا كالمنافقين # " أوما سمعت أنه لما قال حارثة الأنصاري: " أصبحت مؤمنا حقا " في ~~جواب قوله (صلى الله عليه وآله): " كيف أصبحت؟ " قال (صلى الله عليه ~~وآله): " لكل حق ms0372 حقيقة، فما حقيقة ايمانك؟ " ولما عرض عليه حقيقة ~~ايمانه بما دل على عرفانه قال: " أصبت فالزم " # ، فلم يحكم على ايمانه بالحقيقة ما لم يفتش عن عرفانه، أولا ترى أن ~~القرآن مشحون بالأمر بالنظر والتدبر والاعتبار والتفكر؟ # المقام الخامس: # إن الاشتغال بعلم الكلام بدعة، والدليل عليه: القرآن، والخبر، ~~والاجماع، وقول السلف، والحكم. # أما القرآن، فقوله تعالى: # ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون # [الزخرف:58]. ذم الجدل. وقوله: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره # [الأنعام:68]. فأمر بالإعراض عنهم عند خوضهم في آيات الله. # وأما الخبر: فقال (صلى الله عليه وآله): # " تفكروا في الخلق، ولا تفكروا في الخالق " # وقوله (صلى الله عليه وآله): # " عليكم بدين العجائز " # وقوله: # " إذا ذكر القدر فامسكوا ". # وأما الإجماع: فهو أن هذا علم لم يتكلم فيه الصحابة، فيكون بدعة، ~~فيكون حراما. # وأما الأثر: فقال مالك بن أنس: " اياكم والبدع " قالوا يا: " أبا عبد ~~الله وما البدع؟ " قال: " أهل الدين يتكلمون في أسماء الله وصفاته ~~وكلامه، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون ". # وسئل سفيان عن الكلام؟ فقال: " اتبع السنة، ودع البدعة ". # وقال الشافعي: " لأن يبتلي الله أحدا بكل ذنب سوى الشرك، خير له من ~~أن ألقاه بشيء من الكلام ". وقال: " لو أوصى رجل بكتبه العلمية، وكان ~~فيها كتب الكلام، لا تدخل تلك الكتب في الوصية ". # وأما الحكم، فإنه لو أوصى للعلماء، لا يدخل المتكلم فيه. # والجواب: أما قوله تعالى: # ما ضربوه لك إلا جدلا # [الزخرف:58]، فهو محمول على الجدل الباطل، توفيقا بينه وبين قوله ~~تعالى: # وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل:125]. # وأما قوله تعالى: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا # [الأنعام:68]، فالخوض المراد فيه ليس هو النظر، بل اللجاج والاستهزاء ~~ونحوهما. # وأما قوله (صلى الله عليه وآله): # " تفكروا في الخلق " # ، فذلك إنما أمر به ليستفاد منه معرفة الخالق، وهو لنا، لا علينا. # وأما قوله (صلى الله عليه وآله): # " عليكم بدين العجائز " # ، فليس المراد إلا تفويض الأمور كلها إلى الله، والاعتماد في ms0373 الأمور ~~عليه. # وأما قوله (صلى الله عليه وآله): # " إذا ذكر القدر فأمسكوا " # ، فالاستدلال به ضعيف، لأن النهي الجزئي لا يفيد النهي الكلي، ولأن ~~النهي عن الإمساك غير النهي عن النظر والتدبر. # وأما الإجماع؛ فإن عنيتم أن الصحابة لم يستعملوا ألفاظ المتكلمين ~~واصطلاحاتهم فمسلم، ولا يلزم منه القدح في الكلام، كما أنهم لم ~~يستعملوا ألفاظ الفقهاء ولا يلزم منه القدح في الفقه، وإن عنيتم أنهم ما ~~عرفوا الله بالدليل، فبئس ما قلتم. # وأما تشديد السلف على الكلام، فهو محمول على أهل البدع. # وأما مسئلة الوصية، فهي معارضة بما لو أوصى لمن كان عارفا بذات الله ~~وصفاته وبأفعاله وأنبيائه ورسله، لا يدخل فيه. # الاشراق الرابع # في تأكيد القول بوجوب المعرفة # اعلم أن الله لما أمر بعبادته، وعلم أنها موقوفة على العلم بوجوده ~~وعلمه وقدرته، وأن ذلك ليس بضروري بل هو نظري استدلالي، وقد بين في ~~العلوم العقلية أن الطريق إلى إثبات وجوده بغيره إما الإمكان، وإما ~~الحدوث، وإما مجموعهما؛ وكل ذلك، إما من وجود الجواهر، أو الأعراض، ~~فالطرق إلى الله من ستة جهات لا مزيد عليها، والقرآن مشتمل عليها: # الأول: إمكان الذوات، وإليه الإشارة بقوله تعالى: # والله الغني وأنتم الفقرآء # [محمد:38]. وبقوله حكاية عن خليله عليه السلام: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء:77]. وبقوله: # وأن إلى ربك المنتهى # [النجم:42]. وقوله: # ففروا إلى الله # [الذاريات:50]. وقوله: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد:28]. # الثاني: الاستدلال بإمكان الصفات كقوله: # خلق السموات والأرض # [الأنعام:73]. وقوله ههنا.....................: { الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا والسماء بنآء } [البقرة:22]، كما سيأتي ~~تقريره. # والثالث: بحدوث الأجسام، وإليه الإشارة بقوله: # لا أحب الآفلين # [الأنعام:76]. # والرابع: بحدوث الأعراض، وهذه الطريقة أقرب إلى افهام الخلق، وذلك ~~محصور في دلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والكتب الإلهية في الأكثر مشتملة ~~على هذين البابين، فكل ما ذكر من الآيات في حدوث أحوال الإنسان ~~وانقلاباته في الأطوار، وتغيراته في الأحوال، يكون من دلائل الأنفس، ~~وإليه الإشارة بقوله: { الذي خلقكم والذين من قبلكم } ~~[البقرة:21]، وحاصلها يرجع إلى أن كل أحد ms0374 يعلم بالضرورة أنه لم يكن من ~~قبل فصار الآن كائنا، فيفتقر إلى موجد، وليس موجده نفسه، ولا ~~أبواه، ولا سائر الخلق، لعجزهم عن مثل هذا التركيب بديهة، فلا بد ~~من موجد يخالفهم في الحقيقة - يتعالى عن أن يشابههم -، حتى يصح منه ~~ايجاد هذه الأشخاص. # ثم لقائل أن يقول: " لم لا يجوز أن يكون الموجد المدبر طبائع ~~الفصول والأفلاك والنجوم؟ " فأشار إلى رد هذا الاحتمال، بافتقارها إلى ~~المحدث الموجد بقوله: { الذي جعل لكم الأرض فراشا }. # وكل ما ذكر في تغيرات الأوضاع السماوية والأرضية، هو المراد من ~~دلائل الآفاق، ويندرج فيها الرعد والبرق والرياح والسحاب، واختلافات ~~الأمزجة والفصول، وحاصلها يرجع إلى أن حدوث هذه الحركات والصفات يفتقر ~~إلى سبب محدث، وذلك السبب، إن كان جسما فلكيا أو عنصريا، فلا يجوز ~~كونها - ولا شيئا منها - مبدء أولا لغيرها. وذلك لأنها مشتركة في أصل ~~الجسمية، والمشترك فيها إما ماهية جنسية تفتقر في وجودها وقوامها إلى ~~الفصول المنوعة، أو ماهية نوعية تفتقر في وجودها ودوامها إلى العوارض ~~المشخصة، وما يفتقر في وجوده ودوامه إلى مقارنات، كيف يكون سببا ~~لغيرها؟ ثم لا يجوز أن تكون تلك المقارنات كالفصول والمشخصات، علة ~~لوجود تلك الماهية الجنسية أو النوعية، وبتوسطها لوجود غيرها من ~~اللواحق والحوادث، وذلك لافتقارها أيضا في لوازمها وتشخصاتها إلى ما هي ~~مقومة لها. # فثبت أن الكل مفتقر إلى سبب منفصل الذات عنها، وذلك السبب، إن كان ~~جسما أو جسمانيا، عاد الكلام إليه، فهو مجرد عن الجسمية وعوارضها، ~~ففاعليته إن كانت بالإيجاب بلا علم وإرادة، لم يكن اختصاص بعض الأجسام ~~ببعض الصفات دون بعض أولى في الحكمة من العكس، إذ لا علم ولا حكمة في ~~الفاعل الموجب، فلا بد أن يكون عالما فيكون قادرا مختارا، فثبت ~~بهذه الدلالة، افتقار الأجسام كلها إلى مؤثر قادر ليس بجسم ولا جسماني، ~~وعند هذا ظهر أن الاستدلال بحدوث الأعراض لا يكفى إلا بعد الاستعانة ~~بإمكان الأعراض والصفات. # وإنما أكثر الله تعالى في كتابه الكريم هذا النمط من الاستدلال، لكونه ~~أقرب إلى ms0375 الأفهام، وأسهل مأخذا، وأقوى في إفحام الجاحدين؛ وإلا فمسلك ~~الصديقين - الذين يستشهدون بوجود الحق على وجود الخلق - أسد وأوثق ~~وأشرف وأحكم كما أشار إليه بقوله: # أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد # [فصلت:53]. وقد مرت الإشارة إليه سابقا، ونحن قد قررنا طريقهم بوجه ~~سديد لا مرية فيه ولا مزيد عليه في كتبنا العقلية. # تذكرة # واعلم أن لأئمتنا المعصومين صلوات الله عليهم، ولمن يقتدي بهم من ~~السلف الصالحين، طرقا لطيفة في هذا الباب. # ففي كتاب التوحيد من كتب الكافي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال ~~أمير المؤمنين عليه السلام: " اعرفوا الله بالله، والرسول بالرسالة، ~~وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان ". # وعن أبي ذبيحة مولى الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: " سئل أمير ~~المؤمنين عليه السلام بم عرفت ربك؟ قال: مما عرفني نفسه. قيل: ~~وكيف عرفك نفسه؟ قال: لا تشبهه صورة، ولا يحس بالحواس، ولا يقاس ~~بالناس ". # وعن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني ناظرت ~~قوما فقلت لهم: إن الله جل جلاله أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه، بل ~~العباد يعرفون بالله. فقال: رحمك الله. # منها: ما يروى أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق عليه ~~السلام فقال: هل ركبت البحر؟ قال: نعم. قال: هل رأيت أهواله؟ ~~قال: بلى، هاجت يوما رياح هائلة، فكسرت السفن، وغرقت الملاحين، ~~فتعلقت ببعض ألواحها، ثم ذهب عني ذلك اللوح، فإذا أنا ~~مدفوع في تلاطم الأمواج حتى دفعت إلى الساحل. # فقال عليه السلام: قد كان اعتمادك قبل على السفينة والملاح وعلى ~~اللوح بأنه ينجيك، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك، هل أسلمت نفسك ~~للهلاك، أم كنت ترجو السلامة بعد؟ قال: بل رجوت. قال: ممن ترجوها؟ ~~فسكت الرجل فأسلم على يده. # وبمثل هذا أشار في قوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف:87] وقوله: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين # [غافر:84]. # ومنها: أنه جاء في كتاب ديانات العرب، # " أن النبي (صلى الله عليه ms0376 وآله) قال لعمران بن الحصين: كم لك من ~~إله؟ قال: عشرة. قال: فمن نعمك وكرمك ودفع الأمر العظيم الذي ~~نزل بك من جهتهم؟ قال: الله تبارك وتعالى. قال النبي (صلى الله عليه ~~وآله): مالك من إله إلا الله. " # ومنها روى الكليني رحمه الله عن محمد بن إسحق قال: إن عبد الله ~~الديصاني سأل هشام بن الحكم فقال له: ألك رب؟ قال: بلى. قال: ~~أقادر هو؟ قال: نعم - قادر قاهر. قال: يقدر أن يدخل الدنيا كلها ~~البيضة - لا تكبر البيضة ولا تصغر الدنيا -؟ قال هشام: النظرة. قال ~~له: قد أنظرتك حولا. # ثم خرج عنه، فركب هشام إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال: يا بن رسول ~~الله، أتاني الديصاني بمسئلة لبس المعول فيها إلا على الله وعليك. # فقال له عليه السلام: عما ذا سألك؟ فقال: كيت وكيت. # فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا هشام، كم حواسك؟ قال: خمس. قال: ~~أيها أصغر؟ قال: الناظر. [قال]: وكم قدر الناظر؟ قال: مثل العدسة أو ~~أقل منها. # فقال له: يا هشام، فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى. فقال: أرى ~~سماء وأرضا ودورا وقصورا وبراري وجبالا وأنهارا. # فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إن الذي قدر أن يدخل الذي تراه ~~العدسة أو أقل منها، قادر أن يدخل الدنيا كلها في البيضة لا تصغر ~~الدنيا ولا تكبر البيضة. # فأكب هشام عليه وقبل يديه ورجليه وقال: حسبي يابن رسول الله، وانصرف ~~إلى منزله. # ومنها: انه دخل هذا الديصاني [على] أبي عبد الله عليه السلام فقال له: ~~يا جعفر، دلني على معبودي؟ فقال له: اجلس، وإذا غلام له صغير في كفه ~~بيضة يلعب بها، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا غلام، ناولني البيضة. ~~فناوله اياها، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا ديصاني، حصن مكنون له ~~جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة ~~وفضة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة، ولا الفضة ~~الذائبة تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها، لم ms0377 يخرج منها خارج مصلح ~~فيخبر عن صلاحها، ولا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها، لا يدرى للذكر ~~خلقت أم للأنثى. تنفلق عن مثل ألوان الطواويس. أترى لها مدبرا؟ فأطرق ~~مليا ثم أسلم. # ومنها: سئل الشافعي: " ما الدليل على الصانع؟ " فقال: ورقة الفرصاد، ~~طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم؟ قالوا: نعم. فتأكلها دودة القز ~~فيخرج منها الإبريسم؛ والنحل، فيخرج منها العسل؛ والشاة، فيخرج منها ~~البعرة؛ وتأكلها الظباء فينعقد في نوافجها المسك الأذفر؛ فمن الذي جعلها ~~كذلك مع أن الطبع واحد؟! # وأما ما تمسك به أحمد بن حنبل من قوله: " قلعة حصينة ملساء لا فرجة ~~فيها، ظاهرها كالفضة [المذابة] وباطنها كالذهب الابريز، ثم انشقت ~~الجدران وخرج من القلعة حيوان سميع بصير، فلا بد من الفاعل " ، فهو ~~بعينه مأخوذ من كلام الإمام الناطق بالحق جعفر الصادق عليه السلام بعبارة ~~أخرى، مع حذف بعض الفوائد - أراد بالقلعة: البيضة، وبالحيوان: الفرخ -. # ومنها: سئل أبو نواس عنه فقال: # تأمل في نبات الأرض فأنظر # إلى آثار ما صنع المليك # عيون من لجين ناظرات # بأحداق لها الذهب السبيك # على قضب الزبرجد شاهدات # بأن الله ليس له شريك # ومنها: سئل أعرابي عن الدليل فقال: البعرة تدل على البعير، والروث على ~~الحمير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ~~وبحار ذات أمواج أما تدل على العالم القدير. # ومنها: قيل لطبيب: بم عرفت ربك؟ قال: بإهليلج مجفف أطلق، ولعابها ~~ملين أمسك. # وقال آخر: عرفته بنحلة بأحد جوفيها عسل، وبالآخر لسع - والعسل مقلوب ~~اللسع -. # واعلم أن هذه الوجوه كلها، وإن لم تكن برهانية تتنور بها قلوب ذوي ~~البصائر الناظرين، وتسكن لديها حركة بواطن المتفكرين المسافرين إلى الله ~~بقدم الصدق واليقين، لكنها وجوه حسنة للتفهيم والتعليم، ولإفحام ~~المنكرين. # ومن هذا القبيل، قول بعض المحققين من العلماء، حيث استدل على وجود ~~الباري وقدرته، بأن جرم الشمس وغيرها يرى في الأفق أعظم مما يرى في ~~وسط السماء، مع أن البرهان الهندسي دال على أن الكوكب متى كان في وسط ~~السماء، كان أقرب ms0378 إلى موضع الناظر منه عند كونه في الأفق، فلما كان ~~الحال على خلاف ما هو مقتضى طبيعة تلك الأجرام، فقد دل على وجود فاعل ~~مختار يفعل ما يريد. # فهذا قياس مقبول عند الأكثر، أمكن به إلزام الجاحد، وربما كان مثله أكثر ~~نفعا من كثير من البراهين. # فصل # وأما الحكم العقلية: # فاعلم أولا أن الله تعالى ذكر ههنا خمسة أنواع من الدلائل: إثنين من ~~الأنفس، ومما خلقهم وخلق أصولهم، وثلاثة من الآفاق: جعل الأرض ~~فراشا، والسماء بناء، وخلق الأمور الحاصلة من مجموعهما - وهي إنزال ~~الماء من السماء، وإخراج الثمرات رزقا لنا ولسائر الحيوانات. # وسبب هذا الترتيب، إما لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، ثم ما منه ~~منشأه، ثم الأرض التي هي مكانه ومستقره، يقعدون عليها وينامون يتقلبون ~~كما يتقلب أحدكم على فراشه، ثم السماء التي كالقبة المضروبة والخيمة ~~المبنية على هذا القرار. # ثم ما يحصل من شبه الازدواج بين المقلة والمظلة - من إنزاله الماء ~~عليها، والإخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان، ألوان الغذاء ~~وأنواع الثمار رزقا لبني آدم. # وإما لأن كل ما في السماء والأرض من الدلائل على وجود الصانع، فهو ~~حاصل في الإنسان بزيادة الشهوة والغضب والدواعي النفسانية والأطوار ~~الباطنية، ولما كانت الدلالة فيه أتم، كان تقديمه في الذكر أهم. # وأيضا، خلق المكلفين أحياء قادرين أصل جميع النعم، وأما الإنتفاع ~~بوجود الأرض والسماء والماء، فذلك إنما يكون بشرط حصول الخلق والحياة ~~والقدرة والشهوة، فلا جرم قدم ذكر الأصول على الفروع بالنسبة إليه. # وأقول: ولك أن تحمل قوله تعالى: { الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم } على سبب وجوب العبادة وعلتها. وقوله: { الذي جعل ~~لكم الأرض } - إلى آخره - على دلائل المعرفة، لتوقف العبادة ~~عليها، وتوقفها على الدلائل، لأن الله لما أنعم علينا باعطاء الوجود، ~~وإعطاء ما يتوقف عليه الوجود، استحق العبادة، وهي متوقفة على ~~المعرفة، فذكر من الدلائل خمسة هي مجامع سائر الدلائل وجملها؛ وإلا فما ~~من ذرة في الأرض ولا في السماء ولا فيما بينهما، إلا وفيها من عجائب ~~القدرة ms0379 وبدائع الفطرة، ما تظهر به الدلالة على وجود الصانع وعلمه وحكمته. # إثنان من تلك الخمسة هما الأرض والسماء - اللتان بمنزلة الآباء ~~والأمهات -، وثلاثة منها هي المواليد. # أولها: الجماد، ومنه الماء النازل من السماء، واختصاصه بالذكر لكونه سبب ~~حدوث غيره. # وثانيها: النبات، ومنه الثمرات، وخصت بالذكر لكونها غاية النبات. # وثالثها: الحيوان، وأفضله الإنسان المشار إليه بقوله: " رزقا لكم " ~~، وإنما خص هو بنسبة المرزوقية - وإن كان غيره من الحيوان مرزوقا من ~~الثمرات - لكون علة غائية لوجود الثمرات ونحوها دون سائر الحيوان، بل ~~هي أيضا كالأثمار مخلوقة لانتفاع الإنسان. # ثم السبب في ترتيب هذه الثلاثة ظاهر، لأنه بحسب ترتيبها في الحدوث؛ ~~وكذا في تقديم الأولين عليها، وأما تقديم ذكر الأرض على ذكر السماء، ~~فلأن الأرض أقرب إلينا من السماء، ونحن أعرف بحال الأرض - لكونها محسوسة ~~بأكثر الحواس بل بكلها على وجه - منا بحال السماء، لكونها غير محسوسة، ~~والمحسوس بحس البصر منها ليس إلا الكواكب، وإنما تحصل المعرفة بوجودها ~~من جهة الحركات المستديرة المتفقة والمختلفة، الدالة على وجود جرم عظيم ~~مستدير شامل لها، ومن جهة الحركات المستقيمة الدالة على وجود محدد ~~للجهات بالصفة المذكورة. # فلننظر في الحكم والمنافع المنبعثة في خلق هذه الأشياء الخمسة، ولنذكر ~~لبيانها خمسة إشراقات: # الإشراق الأول: # اعلم أن الرحمة الإلهية، لما لم يجز وقوفها عند حد يبقى وراءها ~~الإمكان الغير المتناهي لأشياء ممكنة الوجود، من غير أن يخرج وجودها من ~~القوة إلى الفعل أبدا، فيلزم التعطيل في جوده، والإمساك عن الاعطاء ~~والكرم من فضل وجوده - كما زعمه اليهود - كما حكى الله عنهم بقوله حيث ~~قالوا: يد الله مغلولة # ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف ~~يشآء # [المائدة:64]. وليس ذاته أيضا محلا لارادات متجددة وحوادث متعاقبة - ~~سواء كانت متناهية كما ذهب إليه المعتزلة، أو غير متناهية كما ذهب إليه ~~بعض المتفلسفة كأبي البركات البغدادي وغيره، أثبتوا على واجب الوجود ~~إرادات متجددة متعاقبة غير متناهية، وزعموا أنه يفعل شيئا ثم يريد بعده ~~شيئا آخر، فينفعل، ثم يريد فيفعل، وله إرادة ثابتة ms0380 أزلية، وإرادات ~~متجددة لا تتناهى، وخالفوا في ذلك البرهان والقرآن جميعا، كما فصل في ~~مقامه، وألزم عليهم أن يكون إله العالمين جسما متحركا على الدوام، ~~متأثرا عن غيره كسائر الأجرام، تعالى عما يقوله الجاهلون علوا ~~كبيرا - فلا جرم لما كانت قوته وقدرته غير متناهية، وجوده وكرمه غير ~~واقف عند حد ليحصل منه قدر متناه من الموجودات الممكنة، فوجب أن يكون ~~من جوده وجود أمر دائم الحركات، وأمر دائم التأثر والانفعالات. # وذلك يوجب انفتاح أبواب البركات، ورشح فنون الخيرات إلى ما شاء الله، ~~لأنه لم يكن الفاعل على الفيض بضنين، فيحصل الفيض على أهل الاستحقاق ~~بحسب استحقاقه وقوة احتماله، حتى أن النملة مع حقارتها، لو كانت مستعدة ~~لقبول العقل والعرفان، لوجب أن يفيض عليها الواهب المنان بلا مهلة. # فلا جرم يجب في العناية الربانية وجود جرم مستدير متحرك على ~~الدوام، مؤثر فيما تحته إلى أن يشاء الله، وجرم آخر ساكن منفعل متأثر ~~منه كذلك كحركة الآباء على الأمهات، لتولد البنين والبنات، فينبعث من ~~حركة الفلك على وجه الأرض، وإنزال الماء منه إليها، أعداد المواليد، ~~وأفضلها أفراد الإنسان المشابهة بحسب الروح النفساني للأب العلوي ~~الجسماني، وبحسب الروح الأمري للأب المعنوي والروح القدسي، فإذا كملت ~~منها نفس بالعلم والعمل، عادت إلى الموطن الأصلي عند باريها وجنة أبيها، ~~ومتى لم يكمل بأحدهما، مكثت زمانا طويلا أو قصيرا في طبقات الجحيم - ~~كما فصل في مقامه -. # الإشراق الثاني: # أما ما يتعلق بخلق الأرض من عجائب الحكمة وغرائبها، فلا يمكن الاستقصاء ~~فيها، لكن النبذ القليل منها، أن الله جعل الأرض في مركز الفلك ووسط ~~الكل، فإنها لو كانت مجاورة للأجرام العلوية لاحترقت، لشدة تسخين ~~الحركة الدائمة فصارت نارا محضة، وعلى تقدير بقائها أرضا، ما كان يمكن ~~أن يتكون عليها حيوان، ولا أن ينبت منها نبات، وذلك ينافي ما ذكرناه من ~~الرحمة الشاملة. # ومن رحمته أيضا، جعلت الطبقة النارية مجاورة للسماء بعيدة عن الأرض، ~~وإلا لتضاعف التسخين بتوسيطها بين الأرض والهواء، إذ لو جاورت الهواء من ~~تحت، لأحالتها ms0381 بدوام مجاورتها وسخنها الفلك أيضا بسرعة حركته، فاحترقت ~~بواقي العناصر وصار الكل نارا، فانفسدت العناصر والمركبات كلها. # ولما كانت العناية مقتضية لوجود نفوس إنسانية شريفة مستكلمة بالعلم ~~والطهارة، ولا يمكن ذلك بدون أبدان حيوانية ونباتية يغلب على أكثرها ~~العنصر اليابس، الذي يمسكها ويحفظ الصور والأشكال عليها، وأيضا لحاجة ~~الحيوان لتنفسه بل النبات أيضا لتبسطه، إلى أن يستقر على مكان يحيط ~~بجوانبه الهواء، ولا يغرق في جسم متراكم، فلا بد أن يكون موضع أفراد ~~الحيوان والنبات جسم بارد يابس متماسك الأجزاء، فخلق الله الأرض كذلك ~~ليجاورها وليستقر عليها الحيوان والنبات الغالب عليهما الأرضية. # وإليه الإشارة بقوله: { جعل لكم الأرض فراشا } إذ " الفراش ~~" في اللغة إسم لما يفرش عليه، ك " المهاد " اسم لما يمهد، " ~~والبساط ": لما يبسط. فليس ذلك دليل على أن الأرض مسطحة وليست بكروية، ~~ولا يلزم إلا أن الناس يفترشونها ويفعلون بها ما يفعلون بالمفارش، ~~سواء كانت على شكل المستوي أو الكروي، فالافتراش عليها غير مستنكر ولا ~~مرفوع، لعظم جرمها وتباعد أكنافها وأطرافها، ولكن لا يتم الافتراش ~~عليها إلا بشروط: # أحدها: أن لا تكون في غاية اللين، كالماء الذي تغوص فيه الرجل - كما ~~وقعت إليه الإشارة -، ولا في غاية الصلابة، كالحجر، فإن النوم عليه ~~مما يؤلم البدن، لتعذر أخذ الأثواب والأكيسة منه، وأيضا فلو كانت من ~~الذهب - مثلا - لم تمكن الزراعة عليه، ولا اتخاذ الأبنية منه. # وثانيها: أن لا تكون في غاية الشفيف واللطافة، وإلا لما استقر عليه ~~النور، ولم يقبل التسخن من الكواكب، فكان باردا جدا لا يصلح أن يكون ~~فراشا للحيوانات؛ فمن لطف الله تعالى، أن جعل الأرض ذات لون غبراء ~~ليستقر عليها ساطع الضياء. # وثالثها: أن تكون بارزة من الماء، لأن طبع الأرض أن تكون غائصة في ~~الماء، فكان يجب أن تكون البحار محيطة بالأرض، ولو كانت كذلك [لم تكن] ~~فراشا - هذا هو السبب الغائي -. # وأما السبب الفاعلي: فهو ما يحدث في قعر البحر بسبب أمواجه الحاصلة من ~~الرياح من شبه الأخاديد والوهدات، والمواضع المرتفعات، فينحدر منها ms0382 إلى ~~الوهدات فيبرز الأعلى منها، فصار مجموع الأرض والماء كرة واحدة، يدل على ~~ذلك فيما بين الخافقين، تقدم طلوع الكواكب وغروبها للمشرقيين على طلوعها ~~وغروبها للمغربيين، وفيما بين الشمال والجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر ~~للواغلين في الشمال، وبالعكس للواغلين في الجنوب، وتركب الاختلاف لمن ~~يسير على سمت بين السمتين، إلى غير ذلك من الأعراض الخاصة بالاستدارة، ~~يستوي في ذلك راكب البر وراكب البحر، ونتوء الجبال - وإن شمخت - لا ~~يخرجها عن الاستدارة، لأنها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا ~~في استدارتها. # ورابعها: أن تكون ساكنة، إذ لو تحركت فإما على الاستقامة، أو على ~~الاستدارة، وكلاهما باطل ينافي الافتراش. # أما الاستقامة: فلأنها لو تحركت بكليتها حركة مستقيمة، لكانت إلى ~~جانب السفل - لا غير - لثقلها الطبيعي، فإذا تحركت هي كذلك، لم يمكن ~~استقرار ثقيل آخر عليها لأنه هاو، والأرض هاوية، وهي أثقل، والثقيلان ~~إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما في النزول، والأبطأ في النزول لا يلحق ~~الأسرع، فلا يمكن وصول الإنسان إلى وجه الأرض حتى يفترشها. # وأما الاستدارة: فلأنها لو تحركت بالاستدارة إلى جانب الغرب - كما ~~توهمه من زعم أن هذه الحركة الأولى الشرقية منسوبة إلى الأرض - ~~والإنسان يريد أن يتحرك إلى جانب الشرق، فلا يمكنه الوصول إلى حيث يريد ~~لسرعة حركتها وبطء حركته بما لا نسبة بينهما، والوجود يكذبه ويشهد ~~بخلافه، فالمفروض باطل. # ثم الناس اختلفوا في سكون الأرض وسببه، فمنهم من زعم أنها هاوية إلى ~~غير النهاية بلا مهبط، وهذا باطل لما مر، ولتناهي الأبعاد الثابت ~~بالبرهان. # ومنهم من زعم أن شكلها كنصف كرة موضوع على الماء، حدبتها إلى فوق ~~وقاعدتها إلى أسفل، ومن شأن الثقيل إذا انبسط أن يندعم على الماء ~~كالسفينة؛ وفيه - بعد تجويز مثل ذلك الشكل عليها - أن الكلام عائد في سبب ~~وقوف الماء. # ومنهم من قال: سبب سكونها جذب الفلك إياها من جميع الجوانب على نسبة ~~واحدة. وهو باطل، وإلا لكانت المدرة المنفصلة عنها أسرع إنجذابا - ~~لصغرها - إلى الفلك، فما بالها لم تنجذب!؟. # ومنهم من جعل سببه ms0383 دفع الفلك لها من كل الجوانب، كما إذا جعل شيء من ~~التراب في قنينة، ثم أديرت على قطبها إدارة سريعة، فإنه يجتمع التراب ~~ويقف في وسطها لتساوي الدفع من الجوانب؛ وهذا أيضا باطل بوجوه كثيرة ~~مذكورة في محلها. # ومنهم - كأبي هاشم - زعم أن النصف الأسفل من الأرض [فيه] اعتمادات ~~صاعدة، والنصف الأعلى فيه اعتمادات هابطة، فيتدافع الاعتمادان، فيلزم ~~الوقوف. # وهو أيضا فاسد، لعدم اختصاص كل من النصفين بصفة يوجب ما ذكره، بل ~~الأرض بتمامها لا تستدعي إلا أمرا واحدا. # ومنهم من ذهب إلى أن الأرض تطلب بالطبع وسط الكل وجهة التحت، لأن ~~الثقيل بالطبع يميل إلى السفل، كما أن الخفيف بالطبع يميل إلى الفوق، ~~والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء، والتحت المركز، وكما يستبعد صعود ~~الأرض فيما يلينا إلى جهة السماء، فليستبعد هبوطها في مقابلة ذلك، لأن ~~ذلك المسمى بالهبوط صعود بالحقيقة إلى جهة السماء أيضا، فإذن لا حاجة ~~في سكون الأرض وقرارها في حيزها إلى علاقة من فوقها، ولا إلى دعامة من ~~تحتها، بل يكفي في ذلك ميلها الطبيعي إلى تحت، وهذا هو رأي أرسطاطاليس ~~وجمهور أتباعه، الذين التزموا القوانين العقلية، وتحاشوا عن القول بالظن ~~والتخمين، وعن المجازفة بالتقليد. # واعترض عليه الإمام الرازي بأن هذا أيضا ضعيف، لأن الأجسام متساوية في ~~الجسمية، فاختصاص البعض بالصفة التي تطلب لأجلها تلك، لا بد وأن يكون ~~أمرا جائزا، فيفتقر إلى الفاعل المختار. # أقول: والعجب من هذا المتبحر، مع استغراقه وتبحره في الأفكار، كيف ~~يشتبه عليه الأمر في تجويزه ترجيح الفاعل المختار أحد الأمرين أو الأمور ~~المتساوية من غير مرجح، مع أن كل عاقل إذا راجع وجدانه حكم بفساده. # ثم لم يعلم أن تجويز مثل هذا الفاعل المختار - الذي أثبته هو وأصحابه ~~من أتباع الشيخ الأشعري زعما منهم أن في ذلك تقوية الدين ونصرة الشريعة ~~- ينفسخ أصل الدين، وينسد طريق إثبات الصانع باليقين، وكذا إثبات جميع ~~المطالب والأصول الحقة البرهانية؛ فكل مختار لأحد طرفي أمر، أو لأحد ~~أشياء متساوية النسبة، لا بد ms0384 أن يترجح عنده أحدهما أو واحد منها، فإنه ~~إن لم يترجح، فنسبته الشيء إليه إمكانية، فلا يقع الممكن دون مرجح. # فالذي يقال: " إن الإرادة تخصص أحد الجانبين بالوقوع، لا بناء على ~~أولوية، بل لأن من خاصية الإرادة تخصيص أحد المثلين أو الأمثال من دون ~~الحاجة إلى مرجح، ولا يسئل عن اللمية، فإن لوازم الماهية لا تعلل " ~~كلام لا حاصل له، فإن الإرادة إذا كان الجانبان أو الجوانب بالنسبة ~~إليها سواء، لا يتخصص بها شيء منها إلا بمرجح، إذ لا يقع الممكن إلا ~~بمرجح، وأما الخاصية التي يقولونها فهو هوس؛ أليس لو اختارت الجانب ~~الآخر - الذي فرض مساويا لهذا الجانب - كانت تحصل هذه الخاصية. # ثم تعلق الإرادة بشيء، مع أن النسبة إلى الجانبين سواء، هذيان، فإن ~~الإرادة ما حصلت أولا إرادة ثم تعلقت، فإن المريد لا يريد إلا ما تميز ~~في علمه، فلا يكون له إرادة غير مضافة إلى شيء أصلا، ثم يعرض لتلك ~~الإرادة تخصيص ببعض جهات الإمكان، بلى إذا وقع إدراك، وحصل تصور يرجح ~~أحد الجانبين، تحصل إرادة متخصصة بأحدهما، فالترجح مقدم على الإرادة. # وأعجب من ذلك، تعويله في أكثر الأمر في إثبات مثل هذا الفاعل المختار ~~الذي تصوره بهذه الإرادة الجزافية، التي جعلوها فاعلة للأشياء لمصالح ~~أدلتهم واحتجاجاتهم واعتذاراتهم من كل ما جهلوه، على أن الأجسام ~~متساوية في الجسمية، حتى يلزم سلب ما يوجب تخصيص بعض أنواعها بما ~~يستوجب به رجحان تعلق أمر الله وإرادته به في صدور بعض الآثار منه ~~لذاته، دون سائر أنواع الأجسام. # وقد جهل - أو تجاهل -، عن أن فصول الأجسام أو صورها، التي هي مبادي ~~فصولها، أمور محصلة للجسمية المشتركة، وهي في درجة التقرر والوجود ~~متقدمة على أصل الجسمية، واستناد أمر واحد مشترك لازم، أو جنس، لأمور ~~متخالفة الذوات غير مستنكر، فالسؤال في اختصاص كل جسم كالأرض أو السماء، ~~بصورة تخصصه، وطبيعة تنشأ منها آثاره المتخصصة، غير وارد ولا إشكال ~~فيه، إذ الجسمية تابعة للطبيعة المخصوصة دون العكس. # فههنا نقول: جسمية الأرض من لوازم ms0385 طبيعتها المقومة لها، لكنها من ~~اللوازم المشتركة بين طبيعة الأرض وغيرها من الطبائع العنصرية ~~والفلكية. # فإذا سئلنا بأن الأرض لماذا صارت في وسط الأجسام؟ # قلنا: لأن الله بقدرته التي تمسك السموات والأرض أن تزولا، جعلها ذات ~~طبيعة تقتضي ميل جسمها إلى تحت مطلقا. # وإن سئلنا: لم صار الجسم ذا هذه الطبيعة؟ # قلنا: لأن هذه الطبيعة اقتضته واستلزمته. # ثم إن سئلنا بأن هذه الطبيعة لم صارت هذه الطبيعة؟ فلا يستحق الجواب، ~~إذ كل شيء هو هو، والجعل لا يتخلل بين الشيء وذاته. # وإن سئلنا: بأنه لماذا وجدت هذه الطبيعة؟ # قلنا: لإرادة الله وأمره المنبعثين عن علمه بوجه الخير في جميع الأشياء، ~~التي من جملتها هذه الطبيعة على ترتيب ونظام لائق، وهو عين قدرته النافذة ~~في جميع الأشياء، على ترتيب تقدم وتأخر ونظام، فبقدرته التي تمسك ~~السموات والأرض أن تزولا، يمسك الأرض في الموضع الذي أثبته، من غير علاقة ~~من فوق أو دعامة من تحت، كما أمسك السماء أن تقع على الأرض من غير علاقة ~~وضعية، أو اعتماد جسماني، ولكل شيء مقام معلوم لا يتعداه، ولا يتقدم ~~عليه ولا يتأخر عنه، هكذا يجب أن يتصور العارف إرادته وقدرته، ليأمن ~~عن اعتقاد التغير في ذاته، والتعطل في صفاته، والجور في أحكامه. # فإن قلت: هل في قدرة الله أن يخلق هذه الأشياء النازلة في هذا العالم من ~~غير أن يخلق الوسائط والأسباب؟ # قلت: نعم، لأن المصحح للمقدورية؛ الإمكان، فمن قدر على خلق الأعلى، ~~يقدر على خلق الأدنى، ومن قدر على ايجاد الجواهر الشريفة، فهو أقدر على ~~الجواهر الخسيسة، كما قال: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر:57] إلا أن ذلك ممتنع من جهة العلم والحكمة، لا من جهة العجز ~~والنقيصة، إذ ليس من الحكمة تقديم الأخس الأدنى على الأشرف الأعلى، ~~فخلاف الحكمة ممتنع من الله - لا لأنه غير مقدور -. # الإشراق الثالث: # في ذكر آيات قرآنية تشير إلى منافع الأرض: # واعلم أن في خلق السماء والأرض آيات كثيرة، وأنوارا لطيفة تهدي إلى ~~سبيل الحق ms0386 وتشير إلى طريق القدس وعالم الحقيقة الإلهية، لكن أكثر الناس ~~عن آيات ربهم لغافلون، وعن فهم أنوار الحكمة وأسرار الحق معرضون؛ كما ~~قال سبحانه: # وكأين من آية في السموات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف:105]. وإن الله تعالى قد أكثر في الآيات القرآنية ذكر السماء ~~والأرض، لما في كل منهما من عجائب الصنعة وغرائب الحكمة، فذكر للأرض ~~منافع كثيرة وصفات عديدة: # منها: قوله: # وفي الأرض قطع متجاورات # [الرعد:4]. وقوله: # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي ~~خبث لا يخرج إلا نكدا # [الأعراف:58]. إشارة إلى أقاليمها المختلفة، ومواضعها وبقاعها المتفاوتة ~~في الرخاوة والصلابة، والسبخية والرملية، والوعورة والخشونة، والحزونة ~~والسهولة. # ومنها: قوله: # ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود # [فاطر:27]، إشارة إلى اختلاف ألوانها من الحمرة والبياض والسواد والصفرة ~~والغبرة والرمادية. # ومنها: قوله: # والأرض ذات الصدع # [الطارق:12]. لانصداعها بالنبات والعيون. # ومنها: قوله: # وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في ~~الأرض # [المؤمنون:18]. وقوله: # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # [الملك:30]. إشارة إلى كونها خازنة للماء، ينبوعا له. # ومنها: قوله: # وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء ~~موزون # [الحجر:19]. # إشارة إلى ما يتولد فيها من الجبال والمعادن والفلزات، بل غيره من صور ~~الكائنات التي هي أصنام الحقائق، وأمثلة أربابها النورية؛ ولهذا بين ~~ذلك بقوله: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر:21]. # ومنها: قوله: # يخرج الخبء في السموات والأرض # [النمل:25]. إشارة إلى إخراج ما يخبأ فيها من الحب والنوى. # ومنها: قوله: # كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة # [البقرة:261] إشارة إلى أن لها طبع الكرم، تقبل منك حبة، وتردها ~~عليك سبعمائة، وذلك لسر إلهي أودع فيها. # ومنها: قوله تعالى: # أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز ~~فنخرج به زرعا # [السجدة:27] إشارة إلى أن فيها قوة النماء. # ومنها: قوله: # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها # [يس:33]. إشارة إلى أن فيها قوة الحياة بعد الموت، وهذا مما أثبته بعض ~~الحكماء الأقدمين. ms0387 # ومنها: قوله: # وبث فيها من كل دآبة # [البقرة:164]. إشارة [إلى] أن فيها مع بساطتها قوة قبول جميع الصور ~~الحيوانية على اختلاف صورها وأشكالها وأفعالها. # ومنها: قوله: # وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج # [ق:7]. إشارة إلى ما فيها من النبات المختلف ألوانه وأنواعه ومنافعه، ~~فاختلاف ألوانها دلالة، واختلاف طعومها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، ~~واختلاف أشكالها دلالة؛ فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم؛ ثم قال: # كلوا وارعوا أنعامكم # [طه:54]. ومنها الطعام، ومنها الادام، ومنها الدواء، ومنها الفاكهة؛ ~~قال: # وقدر فيهآ أقواتها # [فصلت:10]. وقال: # وفاكهة وأبا # [عبس:31]. # ومنها كسوة البشر - نباتية كالقطن والكتان، وحيوانية كالشعر والصوف ~~والأبريسم والجلود - وإليه الإشارة بقوله: # ألم نجعل الأرض كفاتا أحيآء وأمواتا # [المرسلات:25 - 26]............................... فقد جعلها الله ~~ساترة لأبداننا في الحياة، ولفضائحنا بعد الممات. # ومنها الأحجار المختلفة، بعضها للزينة وبعضها للأبنية، فانظر إلى الحجر ~~الذي تستخرج منه النار مع كثرته، وإلى الياقوت الأحمر مع عزته؛ ما أكثر ~~النفع بهذا الحقير، وما أقل النفع بذلك الخطير! # ومنها ما أودع الله فيها من المعادن الشريفة كالذهب والفضلة وغيرهما. # ثم تأمل أن البشر استنبطوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة، ~~واستخرجوا السمك من قعر البحر، واستنزلوا الطير من أوج الهواء، لكن عجزوا ~~عن اتخاذ الذهب والفضة عناية من الله، لأن معظم فائدتهما يرجع إلى ~~الثمنية؛ وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة، والقدرة على اتخاذها ~~تبطل الحكمة، فلذلك ضرب الله دونها بابا مسدودا؟ ولهذا اشتهر في ~~الألسنة: " من طلب المال من الكيمياء أفلس ". # ومنها الحطب والأشجار الصالحة للبناء والسقف، إلى غير ذلك ما لا يمكن ~~ضبطها، وأعظم هذه الأمور، أنها مادة خلقة الإنسان المنبعث منها النفس، ~~ومنها القلب، ومنها الروح، ومنها سر الولاية والنبوة كما قال عقيب ~~الآية السابعة: # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل:8] إشارة إلى خلق أطوار ونشئآت كثيرة منها لا نعلمها نحن، ثم إنه ~~تعالى جمع هذه المنافع العظيمة للأرض ومن الله بها على عباده في قوله: # سخر لكم ما في الأرض # [الحج:65]. # قال بعضهم: لما خلق الله تعالى الأرض، وكانت كالصدف ms0388 والدرة المودعة ~~فيها آدم، ثم علم أصناف حاجاته، فكأنه قال: يا آدم لا أحوجك إلى شيء غير ~~هذه الأرض التي هي لك كالأم؛ فقال: # أنا صببنا المآء صبا ثم شققنا الأرض شقا # [عبس:25 - 26]. - الآية - { وأنزل من السمآء مآء فأخرج ~~به من الثمرات رزقا لكم } يا عبدي؛ إن أعز الأشياء ~~عندك الذهب والفضة، ولو أني خلقت الأرض منهما هل كان يحصل منها هذه ~~المنافع؟! ثم إني جعلت هذه الأشياء في الدنيا مع أنها سجن لك، فكيف ~~الحال في الجنة؟! # فالحاصل، أن الأرض أمك، بل أشفق منها، لأن الأم تسقيك نوعا واحدا ~~من اللبن، والأرض تطعمك ألوانا من الأطعمة، ثم قال: # منها خلقناكم وفيها نعيدكم # [طه:55]. معناه: نردكم إلى هذه الأم، وليس هذا بوعيد، لأن المرء لا ~~يتوعد بأمه، وذلك لأن مقامك من الأم التي ولدتك، أضيق من مقامك ~~من الأرض، ثم إنك كنت في بطن الأم تسعة أشهر وما مسك جوع ولا عطش، ~~فكيف إذا دخلت بطن أمك الكبرى، ولكن بشرط أن تدخل بطن الأم الكبرى كما ~~كنت في بطن الأم الصغرى، ما كانت لك زلة - فضلا من أن تكون لك كبيرة ~~-، بل كنت مطيعا لله، فحيث دعاك مرة بالخروج إلى الدنيا خرجت إليها ~~بالرأس طاعة منك لربك، واليوم يدعوك سبعين مرة إلى الصلاة فلا تجيبه ~~برجلك. # فإذا تأمل العاقل في هذه العجائب والغرائب، يسافر بعقله من هذه النشأة ~~إلى باب مدبر حكيم، ومقدر عليم - إن كان ممن يسمع بقلبه، ويبصر ويعي ~~بعقله ويعتبر -. # الإشراق الرابع: # في بيان حكم الله تعالى ودلائل صنعه وقدرته في خلق السماء، وكونها ~~بناء: # " البناء " مصدر، سمي به المبني - بيتا كان أو قبة أو خباء - ~~وأبنية العرب أخبيتهم، ومنه: " بنى بامرأته " ، لأنهم إذا تزوجوا ~~ضربوا عليها خباء جديدا. # قال الجاحظ: " إذا تأملت هذا العالم، وجدته كالبيت المعد فيه كل ما ~~يحتاج إليه؛ فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم ~~منضودة كالمصابيح، والإنسان كمالك البيت المتصرف فيه بعقله وفكره، ~~وضروب النبات مهيأة لمنافعه، وصنوف الحيوان مصرفة في ms0389 منافعه، فهذه ~~جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل، وتقدير شامل ". # تنبيه # لما دريت أن تجدد الحوادث والأبدان، وتعاقب الأكوان في الأزمان، لا بد ~~له من جسم دائم الحركة، وآخر دائم السكون، فالله تعالى خلق السماء فوق ~~الأرض، وجعلها مشتملة على أجرام بعضها منيرة كالكواكب، وبعضها شفافة ~~كالأفلاك الكلية والجزئية، لتؤثر أنوارها في الأرضيات وتمتزج بها، ~~وتخرج منها اللطائف، والبخارات، وتنشأ منها الكائنات، ويتكون بها ~~الحيوان والنبات رزقا للعباد، ووسيلة لارتقاء الكلمات الطيبات إليه ~~تعالى. # ولو كانت الفلكيات كلها نورية، لاحترق بالشعاع ما دونها من عالم ~~الكون والفساد، ولو كانت عرية عن النور، لبقي في مهوى ظلمة شديدة لا ~~أوحش منها، فجعل الله الكواكب مضيئة والسماء شفافة، إذ لو كانت ملونة ~~لوقف الضوء على سطوحها كما يقف على الاجرام الملونة الكثيفة. # ولو كانت الكواكب النيرة ثابتة غير متحركة، بأن يكون مكان أكثرها أو ~~معظمها كالشمس يلي القطب، لأحرقت ما قابلها من الأرض، ولم يلحق أثرها ما ~~غاب عنها، فيؤدي إلى شدة البرد وجمود المياه والرطوبات، الموجب لهلاك ~~الحيوان والثمرات، ولو كانت الكواكب النيرة - سيما الشمس - متحركة ~~بالحركة البطيئة، فعلت ما فعله السكون من افراط الجمود والبرودة في ~~المواضع الخارجة عن سمتها، ولو كانت مع تحركها بالحركة السريعة ~~اليومية بوجه لازمت دائرة واحدة، لأحرقت ما سامتته الدائرة، ولم يصل ~~أثر الشعاع إلى باقي النواحي والأقطار. # فجعل للكواكب - مع حركة الكل السريعة - الحركات الأخر البطيئة، ليميل ~~بها إلى النواحي شمالا وجنوبا، ليحصل من ذلك الفصول الأربعة التي بها ~~يتم الكون، وباختلافها تنصلح أمزجة البلاد، وتتكون النفوس الصالحة من ~~العباد للمعاد. # وهذا هو الجلي من حكمة أوضاع السماء وما فيها، والذي يعرفه أكثر الناس؛ ~~ولها في هيئاتها وأوضاعها الخفية - من خصائص مواضع أوجاتها وحضيضاتها، ~~وجوزهراتها وغيرها - منافع عظيمة ومصالح كثيرة، يطلع على نبذ منها أهل ~~الهيئة والهندسة ليس ههنا موضع بيانه. # ثم لا يخفى أن تخالف الحركتين لا يكفي في ترتب النفع، [ما] لم تكن جهة ~~الحركات في أواسط السماء، وجهة ms0390 أقطابها في نواحي الأفق - كما في معظم ~~المعمورة -، إذ لو كان الوضع بعكس ذلك - كما في عرض تسعين درجة وما يليه ~~من الآفاق التي حكمها حكمه - فلم يكن فيها كثير نفع من الأنوار، لميلانها ~~الكثير عن سموت رؤوسهم. # فانظر في تمام نعمة الله في طلوع الشمس وغروبها، فكما أن النعمة في ~~طلوعها عظيمة فكذا في غروبها، فتأمل النفع في غروبها حيث لو لم يكن، لم ~~يكن للناس هدوء ولا قرار ولا استراحة، ولكان حرص الناس يحملهم على ~~المداومة على العمل، فتستولي الحرارة على أمزجتهم، واحترقت أدمغتهم، ~~فصارت الشمس بحكمة الله تطلع في وقت وتغيب في وقت، بمنزلة سراج يوضع لأهل ~~بيت بمقدار حاجتهم، ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا، فصار النور ~~والظلمة على تضادهما متعاونين على ما فيه صلاح أهل العالم. # وإليه الإشارة في قوله تعالى: # أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا ~~إلى يوم القيمة من إله غير الله يأتيكم ~~بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون # [القصص:72]. ثم قال: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيمة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون # [القصص:71]. وقال: # هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا # [يونس:67]. # ثم لأجل أن مدار حركات الكواكب لا تدوم على سمت واحد، قال تعالى: # والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره # [الأعراف:54]. أي بالحركة طالعة تارة وغاربة أخرى، وشمالية مرة ~~وجنوبية أخرى، وكذلك أوجية وحضيضية. # وسائرة في بروج مشيدة ثابتة ومنقلبة وذوات الجسدين، وغير ذلك من أحوال ~~الكواكب - كالرجوع، والإقامة، والإستقامة، وكونها في البيوت التي لها ~~شرفها وهبوطها - وأمثال [ذلك] مما هو مذكور في كتب الأحكاميين على ~~الإجمال والتخمين، ولا يحيط بتفاصيلها إلا الباري وخواص عبيده، الذين ~~هم أنواره العقلية وأشعته الروحانية، وبذلك كله يحصل النظام في العالم ~~كله، ويدوم الكون والفساد الذي هو أصل النعمة وتمام الرحمة. # فسبحانه من إله قدير، بدأ الوجود أولا بأنوار عقلية، وملائكة قدسية ~~عارية عن المواد، عالية عن القوة والاستعداد، وثناها باختراع أجسام ~~مستديرة دائمة الحركات، وكرات مستنيرة ms0391 ذوات أنوار وشعاعات، نور الله بها ~~البقاع والأطراف والأصقاع، وجعلها منورة بأنوار النفوس، مصورة بغرائب ~~النقوش، باقية على نسقها بلا اختلال، قواعد ثابتة على أصولها بلا انحلال، ~~إلى أن يأتي أجلها، فجعلها إذا جاء أجلها كالدخان، ووردة كالدهان، فصارت ~~يوم القيامة كالمعطل وكالمضمحل: # يوم نطوي السمآء كطي السجل # [الأنبياء:104]. # الإشراق الخامس: # في فضل السماء: # أما حقيقة فضلها وشرفها، فلا يمكن لأحد أن يعرفها ما دام كونه في هذه ~~الهاوية المظلمة مقرونا بمصاحبة المؤذيات، وإنما يعرف ذلك بعد الارتقاء ~~إلى فضاء ملكوت السموات، والصعود إلى منازل السعادات. # وأما المعلوم من حالها لبعض المتفكرين في خلقها، فهو أن أبدعها وما فيها ~~على أشرف الأشكال - وهو المستدير -، وأفضل الألوان - وهو المستنير -، ~~آمنة من الكون والفساد الحاصلين من جهة تغير المزاج، الحاصل بالامتزاج، ~~غير قابلة للأضداد والأنداد، لعدم الخلل والنقصان في أنواعها المستدعيين ~~لتكثير الأفراد وتوليد الأعداد من الأشخاص؛ وقسمها إلى نجوم زاهرة ~~باهرة، وأفلاك عديدة دائرة غير ظاهرة؛ وحركها بحركات مختلفة تشوقا ~~وتقربا إلى الله طاعة لملكوته، مستتبعة لآثار عجيبة في أوقات مختلفة في ~~هذا العالم، يتيسر بها نشوء الحيوان والنبات، وخلق الأبدان لمواطن ~~النفوس والكلمات. # فسبحان من أبدع السماء كأنها حديقة خضراء أنبتت فيها زهراء نضراء، ~~وخلق خلال رياضها من أنواع الثمرات وألوان الأزهار والأنوار، في أواسطها ~~أنهار تجري على حصاة كأنها الدر والياقوت والمرجان، فيها بيوت عالية، ~~وقصور شاهقة فيها سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، يطاف عليها ولدان وغلمان، ~~وحور حسان، وفيها أنواع الطعوم اللذيذة، والروائح الطيبة، والفواكه ~~والثمرات العجيبة. # وبالجملة، كل ما يوجد في الأرض فيوجد في السماء على وجه ألطف وأصفى، فمن ~~بركات تلك الحديقة اللطيفة وما لها من الثمرات تستمر حياة هذه الكائنات، ~~ويتيسر نشوء الحيوان والنبات، أعني بحسب اختلاف أوضاعها العلوية، وإبانة ~~مناطقها وأطرافها تظهر الفصول، وتمتزج الأركان والأصول، وتتنوع ~~الاستعدادات من الأمهات القابلة السفلية، ويتنور الممتزج ويختلط ~~المظلم بنور ظلي فائض من منبع النور ومنبع البركات. # وعند ذلك غلبت قوة الأمهات، وظهرت الأنوثة في طبع النبات، وعند ms0392 ~~التكاثر ينبت النبات المنور بتباشير صبح الحياة؛ وتتولد الحيوانات عند ~~غلبة قوة الآباء، وتستضيء هياكلها بأنوار الحواس، ثم بآثار الذكاء، وعند ~~قيامها على ميزان الاعتدال وأفق الاستواء ومشرق أنوار السماء، تقع عليها ~~أضلال بل عكوس أنوار من العلم والقدرة وغيرها من عالم الأسماء، وعند ~~الناطقة العالمة بعلم الأسماء، يقف ترتيب الفيض والجود، وبمبدأها ترجع ~~دائرة الوجود. # فصل # قد اختلفوا في أن السماء أفضل، أم الأرض؟ # أما أهل الكشف والشهود، فلهم وجوه دقيقة لطيفة في فضيلة الأرض على ~~السماء، لا يمكن لغيرهم فهم تلك المعاني، لغموضها، وعلو سمكها عن درجة ~~افهام الخلائق. # وأما الحكماء، فالفضل بينهما عندهم ثابت للسماء. # وأما المتكلمون، وسائر العلماء، فمنهم من ذهب إلى أن السماء أفضل من ~~الأرض، ومنهم من قال بالعكس، وكل من الفريقين قد تشبثوا بوجود نقلية ~~متعارضة. # أما وجوه أفضلية السماء: فهي أن السماء معبد الملائكة، وما فيها بقعة ~~عصي الله فيها، وأنه لما أتى آدم عليه السلام في الجنة بتلك المعصية ~~قيل: " اهبط من الجنة " وقال: " لا يسكن في جواري من عصاني ". # وقوله تعالى: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء:32]. وقوله: # تبارك الذي جعل في السمآء بروجا # [الفرقان:61], وقوله: # وحفظناها من كل شيطان رجيم # [الحجر:17]. # وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله): # " ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد " # وأنه تعالى جعل السماء قبلة الدعاء، فالأيدي اليها ترفع، والوجوه ~~تتوجه نحوها، وهي منزل الأنوار ومحل الضياء والطهارة والعصمة عن الخلل ~~والفساد. # وأما وجوه أفضلية الأرض: فهي أن الله وصف بقاعا من الأرض بالبركة ~~بقوله: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا # [آل عمران:96]. وقوله: # في البقعة المباركة من الشجرة # [القصص:30]. وقوله: # إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله # [الإسراء:1]. ووصف أرض الشام بالبركة فقال: # مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها # [الأعراف:137]........................... ووصف جملة الأرض بالبركة ~~فقال: # وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها # [فصلت:10]. # قيل: " وأي بركة في المفاوز المهلكة؟ ". وأجيب: بأنها مساكن الوحوش ~~ومرعاها، ومساكن الناس إذا احتاجوا اليها، ومساكن خلق لا ms0393 يعلمهم إلا ~~الله. # ولهذه البركات قال: # وفي الأرض آيات للموقنين # [الذاريات:20] تشريفا لهم لأنهم هم المنتفعون بها، كما قال: # هدى للمتقين # [البقرة:2]. # وإن خلق الأنبياء من الأرض: # منها خلقناكم وفيها نعيدكم # [طه:55]. وأكرم نبيه المصطفى (صلى الله عليه وآله) فجعل له الأرض ~~كلها مسجدا، وترابها طهورا، فإذا كانت الأرض كلها مسجدا له - ~~والمساجد بيوت الله، وبيوت الله أكرم البيوت لإضافتها إلى الله -، فكيون ~~أكرم من بناء السماء. # ومن ههنا يظهر فضل هذه الأمة على سائر الأمم، إذ قد ورد في الخبر ما ~~لمن يلازم المساجد من الفضل عند الله، وأمته لا تبرح في مسجد أبدا، ~~لأن الموت انتقال لأبدانهم من ظهر الأرض إلى بطنها، وملازم المسجد جليس ~~الله في بيته، فهذه الأمة جلساء الله حياة وموتا. # وأما قوله تعالى: { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم } فاعلم أنه تعالى لما ذكر الأرض ~~والسماء، بين ما فيهما من شبه عقد النكاح بإنزال الماء من السماء الأرض، ~~والانخراج به من بطنها أشباه النسل الحاصل من الحيوان ومن ألوان الثمار، ~~رزقا لبني آدم، ليتفكروا في أنفسهم، وفي أحوال ما فوقهم وما تحتهم، ~~ليعرفوا أن شيئا من هذه الأشياء لا يقدر على تكوينها وتخليقها إلا من ~~كان مخالفا في الذات والصفات، لما ثبت وتحقق في العلوم العقلية: " أن ~~المتفقات في الحقيقة والذات، لا يمكن أن تكون متفاوتة في العلية ~~وعدمها، والتقدم والتأخر، والقوة والضعف ". # فإن قلت: هل تقولون إن الله يخلق هذه الثمرات عند وصول الماء بمجرى ~~العادة، أم الله يخلق في مادة النبات من الأرض عقيب إنزال الماء قوة ~~مغذية، وأخرى منمية، وأخرى مولدة، فإذا اجتمعت القوى الفاعلية ~~والمواد المنفعلة، حصل الأثر من تلك القوى التي خلقها؟ # قلنا: لا ذاك - كما هو مذهب الأشاعرة -، ولا هذا - كما هو مذهب أهل ~~الحكمة -، بل شيء آخر أشرنا إليه من قبل، وهو أن الله يفعل الكل بتقدم ~~وتأخر، ولكن الله قادر على أن يخلق هذه الثمار من غير هذه الوسائط، ~~لأن المصحح للمقدورية ms0394 هو الإمكان - كما مر -، ويؤكد هذا القول ~~من الدلائل النقلية ما ورد في الخبر، " إن الله تعالى يخترع نعيم أهل ~~الجنة للمثابين من غير هذه الوسائط " ، فقدرته على خلقها ابتداء، لا ~~تنافي قدرته عليها بواسطة خلق هذه القوى المؤثرة والقابلة في الأجسام. # وظاهر قول أكثر المتكلمين إنكار ذلك، ولا بد لهم فيه من دليل؛ ثم ~~إنهم حيث لم يأخذوا العلوم من أهل بيتها وأربابها، ولم يأتوا البيوت من ~~أبوابها، أشكل عليهم الأمر، من جهة أنه تعالى، لما كان قادرا على خلق ~~هذه الثمار بدون هذه الوسائط، فما الوجه في خلقها بهذه الوسائط في هذه ~~المدة الطويلة؟ # ثم أجابوا عن ذلك، تارة بالجواب العامي المشترك فيه لجميع ما يشكل ~~عليهم،- كمن يعبد الله على حرف -، وهو " أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد " - وليتهم اكتفوا به!، وتارة بما ذكروا من الأجوبة الخاصة: # أحدها: إنه تعالى إنما أجرى العادة بأن لا يفعل إلا على ترتيب وتدريج، ~~لأن المكلفين إذا تحملوا المشقة في الحرث والغرس طلبا للثمرات، ~~وكدوا أنفسهم في ذلك حالا بعد حال، علموا أنهم لما احتاجوا إلى تحمل ~~هذه المشاق لطلب المنافع الدنيوية، فلأن يتحملوا أقل من هذه ~~المشاق لطلب المنافع الأخروية - التي هي أجل وأعظم - كان أولى. # وثانيها: إنه تعالى لو خلقها دفعة بلا هذه الوسائط، لحصل العلم ~~الضروري بإسنادها إلى القادر الحكيم، وذلك ينافي التكليف والابتلاء. # وثالثها: إنه ربما كان للملائكة ولأهل الاستبصار عبر في ذلك وأفكار ~~صالحة - هذا.. # واعلم أن الدنيا دار التجدد والارتحال، وعالم الحركة والانتقال، ~~والأشياء فيها تحصل على سبيل الاستحالة والتمزيج، وتتكون عقيب الانفعال ~~والتدريج، وأما الآخرة فهي دار القرار، ومحل الراحة والاستقرار، فلو ~~حصلت صورة هذه الثمار وغيرها من صور الحيوان والأشجار من غير مادة ~~مستحيلة - بل بمجرد المشية والإرادة - بلا واسطة مادة ومدة، لكانت ~~الدنيا آخرة، والتعب راحة، والحركة سكونا، والاضطراب طمأنينة، لأن من ~~خصائص الجنة، حضور الفاكهة والطير - وسائر ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين - لأهل الجنة دفعة بلا فتور، وهي دار الخلد، يطوف ms0395 عليهم ولدان ~~مخلدون على هذه الهيئة المرودة المرادة لهم، وكل ما فيها من الثمرات ~~غير مقطوعة ولا ممنوعة، وفيها صور مطهرة من الأدناس، قرة أعين أخفيت ~~للناس جزاء بما كانوا يعملون؛ وسيأتي تحقيقها إن شاء الله تعالى. # أبحاث لفظية: # كلمة " من " الأولى إبتدائية، لأن المطر ابتداء نزوله من السماء. # فإن قلت: ليس الأمر كذلك، فإن الأمطار إنما تتولد من أبخرة ترتفع من ~~الأرض إلى الطبقة الباردة الهوائية، فتتكاثف بسبب البرد هناك، وتنزل بعد ~~اجتماع قطرات بسبب الثقل. # قلنا: إن أريد ب " السماء " ما اشتق من " السمو " ، فذاك، فإن ما ~~علاك فهو سماك، فكل ما نزل من السماء فقد نزل من السماء؛ وإن أريد ~~بها " الفلك " ، فلأن أسباب حدوث الأمطار وغيرها، إنما تنبعث من أمور ~~سماوية وأنوار كوكبية، تقع بحركتها، على مواضع من الأرض والبحار، فتثير ~~الأجزاء اللطيفة من أعماق الأرض وأطراف البحر إلى جو الهواء، فيعقد هناك ~~سحابا ماطرا. # و " من " الثانية للتبعيض، بدليل قوله تعالى: # فأخرجنا به ثمرات # [فاطر:27]. ولأن المكتنفين به - أعني " ماء " و " رزقا " - منكران، ~~والتنكير يفيد البعضية، فكأنه قال: " وأنزلنا من السماء بعض الماء، ~~فأخرجنا به بعض الثمرات، ليكون بعض رزقكم " ، والواقع هكذا، إذ لم ينزل ~~من السماء كل الماء، ولا أخرج بالمطر كل الثمر، ولا جعل الثمرات كل ~~أنحاء المرزوق - فإن من الرزق ما هو غيرها -. # ويحتمل التبيين، ويكون " رزقا " مفعولا بمعنى " المرزوق " ، كقولك: " ~~أنفقت من الدراهم ألفا " وعلى الأول كان مصدرا، انتصابه بأنه مفعول ~~له. # وإنما لم يقل: " الثمر " و " الثمار " - جمع الكثرة - والموضع ~~موضعها تنبيها على قلة ثمار الدنيا، واشعارا بتعظيم نعيم الآخرة، أو ~~أنه أراد بالثمرة جماعة الثمرة، كما في قولك: " أدركت ثمرة بستانه " ، ~~ويؤيده قراءة من قرء " الثمرة " - على التوحيد -، أو لأن الجموع يتعاور ~~بعضها موقع بعض، كقوله تعالى: # كم تركوا من جنات # [الدخان:25]. وقوله: # ثلاثة قروء # [البقرة:228]. أو لأنه لما كانت محلاة باللام، أفادت الكثرة وخرجت عن ~~حد القلة. # وقوله: " لكم " صفة " رزقا " ، إن أريد به المرزوق، ومفعوله إن أريد ms0396 ~~به المصدر، يعني: " رزقا اياكم ". # وقوله: " فلا تجعلوا " متعلق إما بقوله: " اعبدوا " على أنه نهي ~~معطوف عليه، أو نفي منصوب بإضمار " أن " جواب له؛ وإما بقوله " ~~لعلكم " ، والمعنى: " خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلا تجعلوا ~~له ندا " ، فيكون منصوبا كنصب " اطلع " في قوله: # لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات ~~فأطلع # [غافر:36-37]، الحاقا لها بالأشياء الستة لاشتراكها في أنها غير ~~موجبة، وإما ب " الذي جعل " والمعنى: " من خصكم بهذه النعم ~~الجسام والآيات العظام ينبغي أن لا يشرك به " ، على أن يكون نهيا وقع ~~خبرا على تأويل " مقول فيه: لا تجعلوا ". # و " الفاء " للسببية، أدخلت عليه لتضمن الإبتداء معنى الشرط. # و " الند " بمعنى المثل المنازع، وناددت الرجل: نافرته؛ من " ند، ~~ندودا " إذا نفر. خص بالمخالف في التشخص، المماثل في الذات؛ كما ~~خص " المشابه " بالمماثل في الكيف، و " المساوي " بالمماثل في الكم. # فإن قيل: الكفرة لم يزعموا أن الأصنام تنازع الله ولا أنها تماثله؟ # قلنا: لما تركوا عبادة الرب إلى عبادتها؛ وسموها " آلهة " ، شابهت ~~حالهم حال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات، قادرة على أن تدفع عنهم بأس ~~الله وتمنحهم ما لم يرد الله بهم، فأطلق عليها " الأنداد " تهكما بهم، ~~وتشنيعا عليهم، ولهذا قال موحد زمان الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل: # أربا واحدا أم ألف رب # أدين إذا تقسمت الأمور # تركت اللات والعزى جميعا # كذلك يفعل الرجل البصير # وقوله: " وأنتم تعلمون " ، حال من ضمير: " فلا تجعلوا " ، ومفعوله ~~مطروح في مثل هذا المقام، لأن المراد: " إنكم من أهل العلم والنظر، ~~وأرباب الرأي والفكر، فلو تأملتم أدنى تأمل، لتسارع عقلكم إلى إثبات ~~موجد للممكنات، منفرد بوجوب الذات، متعال عن صفات المخلوقات وعن مشابهة ~~المصنوعات ". # أو مقدر منوي، وهو: إن شركاءكم لا تماثله أو لا تقدر على مثل ما ~~يفعله، كقوله: # هل من شركآئكم من يفعل من ذلكم من شيء # [الروم:40]. والمقصود منه التوبيخ والتثريب، لا تقييد النهي بالجملة ~~الحالية وقصره عليها، فإن التكليف عام للعالم والجاهل المتمكن منه، ~~لا يختص بالعلماء، وإن كان الأمر عليهم ms0397 أشد، والحجة عليهم أقوى. # فصل # وأما الأنوار الإلهية والأسرار الربوبية المندمجة في طي ألفاظ هاتين ~~الآيتين فكثيرة # منها: أن الخطاب ب " يا أيها الناس " يستدعي حضورهم كلهم دفعة واحدة ~~- كما هو مفاد الخطاب لاسم الجمع المحلى باللام -، وأين للمعدوم الغائب ~~منهم وجود حاضر، وسمع يسمع به الخطاب؟! # والسر فيه، أن للإنسان نحوا آخر بل أنحاء أخرى من الوجود قبل دخوله في ~~عالم الحس والشهادة، كما أن له نشأة أخرى، بل نشئات أخر بعد خروجه من ~~هذا العالم. # ومنها: أن صيغة الأمر كما تحتمل الأمر التشريعي، تحتمل الأمر التكويني، ~~كما في قوله تعالى: # ينار كوني بردا وسلما # [الأنبياء:69]. وقوله: # يجبال أوبي معه والطير # [سبأ:10]. والتخلف عن الأمر بالمعنى الأول محرم، وعنه بالمعنى الثاني ~~مستحيل؛ فقوله. " اعبدوا " إن كان أمر تكوين يجب وقوع مقتضاه. # وهو كذلك، إلا أن العبادة أيضا على ضربين: أحدهما: ما لا تكلف فيه - ~~وهو الامتثال الوجودي والطاعة بحسب الجبلة، فجميع الأشياء بذواتها ~~وطبائعها مطيعة لله تعالى. # والثاني: ما لا يخلو عن تكلف وتعمل، وهو مخصوص بنوع الإنسان، ومعناه ~~تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة؛ فالعبادة لله تعالى بالمعنى ~~الأول حاصلة للجميع، بلا فتور وتعب وقصور، قال الله تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء:23]. ولهذا جميع عبدة الأصنام وغيرها، إنما عبدوها لظنهم ~~معنى الإلهية فيها؛ فهم إنما ضلوا في المصداق لا في الحقيقة. # ومنها: إن الله تعالى كأنه يقول: " إني خلقتكم لأجلي، وخلقت كل شيء ~~لأجلكم، وجعلت لكل شيء حظا من العبودية والمحبة، وجعلت حظكم محبتي ~~ومعرفتي بلا حجاب غيري وواسطة أحد سواي، فلا تنقطعوا عن طريق حظكم، ولا ~~تتولوا مجرمين إلى ملاحظة الوسائط، ولا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ~~علم الأسماء الذي لا يعلمه أحد من الملائكة وغيرهم، فكيف تولون وجوهكم ~~نحو غيري وأنتم أعلم بي منه، وأقرب بحسب النوع ". # ومنها: أن " جعل " يحتمل ثلاثة معان: # بمعنى صار وطفق، فلا يتعدى؛ كقوله: # فقد جعلت قوص ابني سهيل # من الأكوار مرتعها قريب # وبمعنى أوجد، فيتعدى إلى مفعول واحد، ms0398 كقوله تعالى: # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام:1]. # وبمعنى صير - ويتعدى إلى مفعولين - وخير الأمور أوسطها -. # فيجوز أن يكون " جعل " في قوله: { جعل لكم الأرض فراشا } ~~بمعنى " أوجد " أي: أوجد لكم الأرض. بأن يكون: " فراشا " حالا من ~~المفعول، ويكون: " لكم " صلة لجعل - " لا لفراشا " - ويؤيده قوله ~~تعالى: # خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة:29]. # وكذا الكلام في قوله: { والسماء بنآء } ، لكونه معطوفا على ~~سابقه، أي وجعل لكم السماء بناء. أي: وأوجدنا لأجلكم السماء حال كونها ~~بيتا. ويؤيده قوله: # سخر لكم ما في السموات وما في الأرض # [لقمان:20]. # ومن ههنا يعلم أن الإنسان غاية جميع الموجودات العلوية والسفلية، ~~ويظهر سر الخلافة الإلهية له، كما في قوله: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة:30] وسر سجدة الملائكة أجمعين لأبينا عند تمام التسوية والنفخ ~~فيه من روح الله، كما في قوله # إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة ~~كلهم أجمعون * إلا إبليس # [ص:71 - 74]. # ولكن علامة سر الخلافة، واستحقاق المسجودية للملائكة، وتحقيق كونه ~~غاية ايجاد ما في الكونين، إنما يظهر ويصدق إذا تحقق وتبين فيه مفاد ~~قوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه ~~على كل شيء شهيد # [فصلت:53]. # ومنها: أنه تعالى أراد من هذه الآية - مع ما دل عليه الظاهر وسبق فيه ~~الكلام - الإشارة إلى تفصيل خلق الإنسان، وما أفاض عليه من المعاني ~~والصفات على سبيل التمثيل، فمثل البدن بالأرض، والنفس بالسماء، والعقل ~~بالماء، وما أفاض عليه من الفضائل العملية والنظرية المحصلة بواسطة ~~استعمال العقل للحواس، وازدواج القوى النفسانية والبدنية، بالثمرات ~~المتولدة من ازدواج القوى السماوية الفاعلة والأرضية المنفعلة بقدرة ~~الفاعل المختار، فإن لكل آية ظهرا وبطنا، ولكل حد مطلعا. # ومنها: أن الإنسان لما كان كالقرآن له ظهر وبطن، وظهره في هذا ~~العالم، وبطنه في عالم الآخرة، فكذلك ما جعله الله رزقا له في الدنيا ~~من الثمرات وغيرها، فهي ستنقلب في مكامن باطنه، وأطوار نشأته رزقا له في ms0399 ~~دار الآخرة، فإن كان من أهل الجنة، فسيصير له من طعوم الجنة وثمارها ~~وفواكهها ولحوم طيورها # أولئك لهم رزق معلوم # [الصافات:41]. وإن كان من أهل النار، فسيصير عليه حميما وزقوما من # شجرة تخرج في أصل الجحيم * طلعها كأنه ~~رءوس الشياطين # [الصافات:64 - 65]. # وكذلك إنزال الماء من هذه السماء - وهو مادة الحياة الدنيوية - باطنه ~~إنزال ماء العلم من سماء القدس، وهو منشأ الحياة الأخروية كما أشار إليه ~~في قوله تعالى: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها # [الرعد:17]. - الآية -، فكذلك لما كانت كرة الأثير، وأشعة الشمس ~~بحرارتها تؤثر في نضج الثمرات وطبخ الفواكه والمولدات والمعادن، فهي ~~كلها رحمة، مع كونها نارا مسخنة محرقة مؤذية. # كذلك من عرف نشأة الآخرة، وموضع الجنة والنار، وما في فواكه الجنة من ~~النضج الذي يقع به الالتذاذ لآكلية من أهل الجنة، وما في طعوم النار من ~~[الغلي] الذي يتأذى به الآكلون منها، فمالئون منها البطون؛ علم أين ~~النار، وأين الجنة، وان نضج فواكه الجنة سببها حرارة نار الخشية ~~والخوف، وحرقة القلب من بأس غضب الله، ومنبتها حرارة النار التي تحت ~~مقعر أرضها، فيكون بها صلاح ما في الجنة من المأكولات. # والقلب أيضا - وهو مقعر أرض الروح - كالقدر لطبخ طعام الآخرة كما ~~ورد: " إنه كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي وفي قلبه أزيز ~~كأزيز المرجل " ، وما لا ينضج بها وبقيت فجة نية، فتحتاج إلى طبخ ~~آخر في النار، فحرارة الأثير وأشعة الشمس والقمر وغيرها، كحرارة النار ~~تحت القدر، فإن مقعر أرض الجنة هو سقف النار، والشمس والقمر والنجوم ~~كلها في النار. # وعن أحكامها أنها أودع فيها ما كانت منافع للإنسان بالثمرات والحيوانات ~~في الدنيا، فكذلك أودع فيها ما كانت منافع له في الآخرة بثمرات الجنة ~~وفواكهها، فيفعل بالأشياء هناك علوا، كما يفعل ههنا سفلا، وكما هو ~~الأمر ههنا، كذلك ينتقل إلى هناك، وإن اختلفت الصور وتخالفت النشأتان، ~~ولهذا من الله بخلق السماء والأرض، وإنزال الماء، وخلق الثمرات على ~~الإنسان، فافهم هذا إن كنت من أهله. # فصل ms0400 # في مذاهب الذين جعلوا لله أندادا # واعلم أن أهل الأهواء والنحل كثرة، وهم الذين لا يسمعون كلام الله من ~~أهل النبوة والولاية، ويتبعون أهواءهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ~~وكلهم عبدة الشهوات والأهواء بالحقيقة، وهم على طبقات: # فمن معطل بطال لا يرد عليه فكره بطائل، ولا يرجع عقله وفهمه به ~~إلى حاصل، ولم يؤد نظره إلى اعتقاد، ولا يرشد خياله وذهنه إلى معاد، قد ~~ألف المحسوس، وركن إلى هذا المنزل المدروس، وظن أن لا عالم سوى عالم ~~هذه الديدان والحشرات، ولا فائدة فيه سوى الاشتغال بالمطاعم والمناكح ~~واللذات. # فهؤلاء هم الطبيعيون والدهريون ومن يجري مجراهم من الأطباء ~~والمنجمين، فلا يثبتون عالما آخر وراء الطبيعة وفوق المحسوس. # ومن محصل نوع تحصيل، قد ترقى عن المحسوس وأثبت المعقول، وأثبت المبدء ~~والمعاد، لكنه لا يقول بحدود وأحكام شرعية تؤدي إلى صلاح حال الآخرة، ~~وهؤلاء هم جمهور المتفلسفة، الذين لا دين لهم سوى اتباع العقل الناقص ~~الغير المطهر من شوائب آفات النفس والشيطان. # ومن قوم يقولون بحدود وأحكام عقلية، وربما أخذوا أصول أقوالهم ~~وقوانينها من مؤيد بالوحي، إلا أنهم اقتصروا على الأول منهم وما ~~تعدوا إلى الآخرة، وهؤلاء هم الصابئون واليهود والنصارى. # أما الصابئة: فهم قائلون بأغا[ثا] ذيمون وهرمس - وهما شيث وادريس ~~عليهما السلام - ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء. وأما اليهود والنصارى ~~فوقفوا على موسى وعيسى عليهما السلام، وما تعديا إلى القول بمحمد (صلى ~~الله عليه وآله). # وكلهم ممن جعل لله أندادا، لأنهم عبدوا غير الله، سواء كان محسوسا ~~كالأصنام، أو معقولا كالروحانيات؛ إلا أن عبدة المحسوسات صريحا تسمى ~~بعبدة الأشخاص، وهم الذين يعكفون على أصنام يصنعونها ويعملونها بأيديهم، ~~وعبدة المعقولات بوجه تسمى باسم الصابئة، وهم الذين يعبدون أرواح ~~الكواكب. # واعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكا مساويا له في ~~الوجوب والعلم والقدرة والحكمة، لكن الثنوية - وهم أقرب الكفار - ~~يثبتون إلهين - حكيما يفعل الخير، وسفيها يفعل الشر - أما اتخاذ ~~معبود سوى الله ففي الذاهبين إليه كثرة كما ذكرنا. # الفريق ms0401 الأول: عبدة الكواكب - وهم الصابئة - يقولون: الروحانيات قد ~~جبلوا على الطهارة وفطروا على التقديس والتسبيح، فهم أشرف من أفراد ~~الإنسان، فنحن نعبدها ونجعلها أربابا لنا، وإنما أرشدنا إليه معلمنا ~~اغاثاذيمون وهرمس، فنحن نتقرب إليهم ونتوكل عليهم، وهم آلهتنا ~~ووسائلنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فالواجب علينا أن ~~نطهر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى ~~الشهوية والغضبية، حتى تحصل مناسبة ما بيننا وبينهم، فحينئذ نسأل ~~حاجاتنا ونطلب مراداتنا فتستجاب دعوتنا بواسطتهم من إله الآلهة. # وكان اليونانيون قبل خروج اسكندر، عمدوا إلى بناء هياكل لهم معروفة ~~بأسماء القوى الروحانية والأجرام النيرة، واتخذوها معبودات أو معابد ~~لهم على حدة، وقد كان هيكل العلة الأولى - وهي عندهم الأمر الإلهي - ~~وهيكل العقل الصريح، وهيكل السياسة المطلقة، وهيكل النفس والصور كلها ~~مدورات؛ وكان هيكل زحل مسدسا وهيكل المشتري مثلثا، وهيكل المريخ ~~مستطيلا، والشمس مربعا، والزهرة مثلثا في جوفه مربع، وهيكل عطارد ~~مثلثا في جوفه مستطيل، وهيكل القمر مثمنا. # الفريق الثاني: عبدة الأوثان، ولا دين أقدم من دين عبدة الأوثان، لأن ~~عقل جمهور الإنسان في أوائل الحال كان في مرتبة الحس لم يعرف غير ~~المسحوس. # والدليل على ذلك، أن أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا تأريخهم هو نوح ~~عليه السلام، وهو إنما جاء بالرد عليهم: # وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا # [نوح:23]. ودينهم باق إلى الآن. # والدين الذي هذا شأنه، يستحيل أن يعرف فساده بالضرورة، لكن العلم بأن ~~الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماء والأرض، ~~ضروري؛ فيمتنع إطباق الجمع العظيم [عليه]، فوجب أن يكون لهم غرض آخر ~~سوى ذلك، والعلماء ذكروا فيه وجوها: # أحدها: ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي أن كثيرا من ~~أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته، ويعتقدون أنه جسم ذو صورة ~~كأحسن ما يكون من الصورة، وكذا الملائكة؛ وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا ~~بالسماء، وأن الواجب أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر على الهيئة التي ms0402 ~~كانوا يعتقدونها من صور الإله وملائكته، فيعتكفون على عبادة الأصنام ~~قاصدين به طلب الزلفى إلى الله تعالى وملائكته، فعلى هذا، السبب في عبادة ~~الأوثان هو اعتقاد التشبيه. # وثانيها: ما ذكره أكثر العلماء، وهو أن الناس لما رأوا تغيرات أحوال ~~العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، واعتقدوا أن السعادة والنحوسة في ~~الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، بالغوا في تعظيمها. # فمنهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها، وهي التي خلقت هذه ~~العوالم؛ ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة لله الأكبر، إلا أنها خالقة لهذا ~~العالم، وأنها الوسائط بين الله والبشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها ~~والخضوع لها؛ ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار، ~~اتخذوا لها أصناما، وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادة تلك ~~الأجرام العالية، ومتقربين إلى أشباحها الغائبة، ولما طالت المدة، ~~تركوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك التماثيل، فهم بالحقيقة عبدة ~~الكواكب كالصابئة، إلا أنهم أدون منزلة منهم، نسبتهم إلى الصابئة نسبة ~~الطبيعية إلى الدهرية. # وثالثها: أن أصحاب الأحكام يرتقبون أوقاتا في السنين المتطاولة نحو ~~الألف والألفين، ويزعمون أن من اتخذ طلسما في ذلك الوقت على وجه خاص، ~~فإنه ينتفع به في أوقات مخصوصة نحو السعادة والخصب، ودفع الآفات، وكانوا ~~إذا اتخذوا ذلك الطلسم عظموه، لاعتقادهم أنهم ينتفعون به، فلما ~~بالغوا في ذلك التعظيم، صار ذلك كالعبادة، ثم نسوا مبدء الأمر بتطاول ~~المدة واشتغلوا بعبادتها. # ورابعها: أنه متى مات منهم رجل كبير، يعتقدون فيه أنه مجاب الدعوة ~~ومقبول الشفاعة عند الله، اتخذوا صنما على صورته، وعبدوه على اعتقاد أنه ~~ذلك الإنسان يكون شفيعا لهم يوم القيامة عند الله تعالى و # يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله # [يونس:18]. # وخامسها: لعلهم اتخذوها قبلة لصلواتهم وطاعاتهم ويسجدون إليها - لا ~~لها -، كما أنا نسجد إلى القبلة - لا للقبلة -، ولما استمرت هذه ~~الحالة، ظن جهال القوم أنه تجب عبادتها. # وسادسها: لعلهم كانوا من المجسمة، فاعتقدوا جواز حلول الرب فيها، ~~فعبدوها على هذا التأويل. # فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل مذهبهم عليها، حتى لا تصير بحيث ms0403 يعلم ~~بطلانها بالضرورة. # تنبيه # واعلم أن الحكيم هرمس العظيم - المحمود آثاره، المرضي أقواله ~~وأفعاله، الذي يعد من الأنبياء الكبار، ويقال هو ادريس النبي عليه ~~السلام كما مر - هو الذي وضع أسامي البروج والكواكب السيارة، ورتبها ~~في بيوتها، وأثبت لها الشرف والوبال، والأوج والحضيض، والمناظرة بينها ~~بالتثليث والتربيع والتسديس، والمقابلة والمقارنة، والرجعة والإقامة ~~والإستقامة، وبين تأثير الكواكب. # وأما الأحكام المنسوبة إلى هذه الاتصالات، فغير مبرهن عليها عند الجميع، ~~وللهند والعرب طريقة أخرى في الأحكام أخذوا من خواص الكواكب - لا من ~~طبائعها - ورتبوها على الثوابت - لا على السيارات -. # وأما أصحاب الهياكل وأصحاب الأشخاص، فهم من فرق الصابئة، والفرق بينهما ~~كما أشرنا إليه، وهو أن أصحاب الروحانيات، لما عرفوا أن لا بد للإنسان ~~من متوسط، ولا بد للمتوسط من أن يرى فيتوجه إليه ويتعرف ويستفاد ~~منه، فزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات، وكانوا يسمونها أربابا ~~وآلهة، والله تعالى رب الأرباب وإله الآلهة. # ومنهم من جعل الشمس إله الآلهة ورب الأرباب، وكانوا يتقربون إلى ~~الهياكل تقربا إلى الروحانيات تقربا إلى الباري تعالى، لاعتقادهم ~~بأن الهياكل أبدان الروحانيات، ونسبتها إلى الروحانيات نسبة أجسادنا ~~إلى أرواحنا، فهم الأحياء الناطقون بحياة تلك الأرواح، ولا شك أن من ~~تقرب إلى شخص فقد تقرب إلى روحه؛ ثم استخرجوا من عجائب الحيل ~~المرتبة على عمل الكواكب، ما كان يقضي منه العجب، من الطلسمات ~~والنيرنجأت وغيرها - من السحر والكهانة والتنجيم والتعزيم والخواتيم من ~~الصور - وهذه كلها من علومهم. # وأما أصحاب الأشخاص فقالوا: إذا كان لا بد من متوسط يتوسل به، وشفيع ~~يتشفع إليه، والروحانيات وإن كانت هي الوسائل، لكنا إذا لم نرها ~~بالأبصار، ولم نخاطبها بالألسن، لم يتحقق التقرب إليها لا بهياكلها؛ ~~ولكن الهياكل قد ترى في وقت ولا ترى في وقت - لطلوعها وأفولها، وظهورها ~~بالليل وخفائها بالنهار - فلا بد لنا من صور وأشخاص موجودة قائمة منصوبة ~~نصب أعيننا، نعكف عليها، ونتوسل بها إلى الهياكل، فنتقرب بها إلى ~~الروحانيات، وبها إلى الباري، فنعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. # فاتخذوا أصناما وأشخاصا على ms0404 مثال الهياكل السبعة، كل شخص في مقابلة ~~هيكل، وصنعوها من الأجساد السبعة المتطرقة من الحديد والنحاس وغيرهما، ~~فراعوا في ذلك: الزمان، والوقت، واليوم، والساعة، والدرجة، والدقيقة، ~~وجميع الأوصاف النجومية؛ فتقربوا إليه في يومه وساعته وتبخروا ببخوره، ~~وتختموا بخاتمه، ولبسوا لباسه، وتضرعوا بدعائه، وعزموا بعزائمه، وسألوا ~~حاجاتهم منه. # فيقولون: كانت تقضى حوائجهم بعد رعاية هذه الإضافات، وذلك هو الذي أشار ~~إليه قوله: { فلا تجعلوا لله أندادا } ، فأصحاب الهياكل هم ~~عبدة الكواكب إذ قالوا بإلهيتها - كما مر -، وأصحاب الأشخاص هم عبدة ~~الأوثان إذ سموها آلهة في مقابل الآلهة السماوية وقالوا: # هؤلاء شفعاؤنا عند الله # [يونس:18]. # وقد ناظر الخليل - على نبينا وآله وعليه السلام - هؤلاء الفريقين، ~~فابتدء بكسر مذاهب الأشخاص، وذلك قوله تعالى: # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه # [الأنعام:83]. وتلك الحجة أن كسرهم قولا، لقوله: # أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما ~~تعملون # [الصافات:95-96]. # ولما كان أبوه آذر هو أعلم القوم بعمل الأشخاص والأصنام، ورعاية ~~الإضافات النجومية - حق الرعاية -، ولهذا كانوا يشترون منه الأصنام - ~~لا من غيره -، كان أكثر الحجج معه، وأقوى الإلزامات عليه، إذ قال عليه ~~السلام: # لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك ~~وقومك في ضلال مبين # [الأنعام:74]. # ثم عدل إلى كسر مذاهب أصحاب الهياكل، وكما أراه الله الحجة على قومه، ~~قال: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين # [الأنعام:75]. فاطلعه على ملكوت الكونين، وسر العالمين، تشريفا له ~~على الروحانيات وهياكلها، وترجيحا لمذهب الحنفاء على مذهب الصابئة، ~~وتقريرا بأن الكمال في الرجال. # فأقبل على إبطال مذاهب أصحاب الهياكل: # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ~~ربي # [الأنعام:76]. على وزان إلزامه على أصحاب الأصنام: # بل فعله كبيرهم هذا # [الأنبياء:63] وإلا فما كان الخليل كاذبا في هذا القول، ولا مشركا ~~ولا شاكا في تلك الإشارة. # ثم استدل بالأفول والزوال، والتغير والإنتقال بأنه لا يصح أن ~~يكون إلها، فإن الإله القديم لا يتغير، وإلا لاحتاج إلى مغير. وعن ~~هذا ما استدل عليهم بالطلوع، - وإن كان الطلوع أقرب إلى الحدوث من الأفول ms0405 ~~- فإنهم انتقلوا إلى عمل الأشخاص لما اعتراهم من التحير بالأفول، ~~فأتاهم الخليل عليه السلام من حيث تحيرهم؛ فاستدل عليهم بما اعترفوا ~~بصحته، وذلك أبلغ في الاحتجاج. # فإن قلت: لما رجع حاصل مذاهب عبدة الأصنام - بل عبدة الأوثان - إلى ~~الوجوه التي ذكرت، فما وجه المنع عنها؟ # قلنا: لما تقربوا إليها، وعظموها، وسموها " آلهة " ، جرت أحوالهم ~~مجرى من يعتقد أنها آلهة مثله، قادرة على مخالفته ومضادته، شنع عليهم ~~واستفظع شأنهم، سيما إذا كانوا محاربين لأهل الحق، مخاصمين للأنبياء ~~عليهم السلام؛ فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم بأن جعلوها أندادا كثيرة ~~لمن لا يصح أن يكون له ند واحد فقط، ولا يفيد في عبادته إلا الحنيفية ~~والإخلاص ورفع الوسائط من البين. # تتمة # زعم أصحاب التأريخ أن عمرو بن لحى لما ساد قومه وترأس على طبقاتهم، ~~وولي أمر البيت الحرام، اتفقت له سفرة إلى البلقاء، فرأى قوما يعبدون ~~الأصنام، فسألهم عنها فقالوا: " هذه أرباب نستنصر بها فننصر، ونستسقي ~~بها فنسقى " ، فالتمس منهم أن يكرموه بواحدة منها؛ فأعطوه الصنم المعروف ~~ب " هبل " ، فسار به إلى مكة، ووضعه في الكعبة، ودعا الناس إلى ~~تعظيمه - وذلك في أول ملك سابور ذي الأكتاف -. # واعلم أن من بيوت الأصنام المشهورة غمدان الذي بناه الضحاك على اسم ~~الزهرة بمدينة صنعاء، وخربه عثمان. # ومنها نوبهار بلخ، الذي بناه منوشهر الملك على اسم القمر. # ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل ود بدومة الجندل، وسواع لبني ~~هذيل، ويغوث لمذحج، ويعوق لهمدان، ونسر بأرض حمير لذي الكلاع، ~~واللات بالطائف لثقيف، ومناة بيثرب للخزرج، والعزى لكنانة بنواحي ~~مكة، وأساف ونائلة على الصفا والمروة. # وكان قصي - جد رسول الله (صلى الله عليه وآله) - ينهاهم عن عبادتها، ~~ويدعوهم إلى عبادة الله سبحانه؛ وكذلك زيد بن عمرو بن نفيل - حتى فارق ~~قومه - وقد نقلنا شعره الدال على توحيده الباري -. ### || [2.23] # اعلم أن الله سبحانه، لما أقام الدلائل الباهرة والحجج القاهرة على ~~اثبات التوحيد وتحقيقه، وإبطال الإشراك، وهدم قواعد الأنداد والأعداد، ~~وعرف العقول بأن من أشرك فقط عطل ms0406 ميزان عقله عن الاستعمال، وباع رأس ~~مال فطرته باتباع الأرذال وتقليد الجهال، وغطى ما أنعم الله عليه من ~~نور العقل والتمييز بظلمات الوهم والخيال، عطف على ذلك ما هو الحجة على ~~إثبات النبوة لنبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، المبعوث على كافة ~~البرية، وما يدحض به الشبهة في كون القرآن معجزة، وأراهم ما يلجئهم إلى ~~الاعتراف بذلك. # وإلا فقد حرم الله تعالى شرب ماء حياة القرآن، وذوق مشارب الإيمان ~~وحقائق العرفان على أهل هذه الظلمات ومقابر الأموات، والراقدين في مراقد ~~الجهالات، فإنه تعالى قد جعل إعراض المعرضين عن مطالعة كتابه، واعتراض ~~المعترضين على سيد أحبائه حجابا من حجب غيرته، وسرادقا من سرادقات ~~عزته لحبيبه المرسل وكتابه المنزل؛ فلا يشاهد المعرضون عن الله ~~حبيبه، ولا يطالع المعترضون على الله كتابه. # فلم يزدهم بيان النبي (صلى الله عليه وآله) وإعجاز القرآن إلا ريبا ~~على ريبا وخسارا على خسار؛ كما قال الله تعالى: # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس:101]. # فلما حجبوا عن مشاهدة أنوار الحبيب، ومنعوا عن مطالعة آيات الكتاب، ~~أقام عليهم الحجة البينة إعلاما لبعدهم عن المحجة، وايذانا ~~بانحرافهم عن الصراط المستقيم، وتنكبهم عن الطريق القويم، وأراهم كيف ~~يتعرفون ما أتى به عبده؛ أهو من عند الله - كما يدعي -، أم هو من عند ~~نفسه - كما يدعون -. # ونفوس البشر - بما هي نفوس البشر - متماثلة، وإنما التفاوت والتفاضل ~~بأمور أخروية فائضة عليها من الله، فلو كانت النبوة كسبية، أو كان ~~القرآن آلفاظا تأليفية، لماع عجزوا عن آخرهم عن اكتسابها ومعارضته. # فأرشدهم إلى أن يجربوا أنفسهم، ويمتحنوا أذواق طباعهم - وهم أبناء ~~جنسه وأهل جلدته -، هل يقدرون على الإتيان بمثل ما أتى به؟ وإن كانوا ~~من مصاقع الخطباء من العرب العرباء، مع كثرتهم وإفراطهم في المضادة ~~والمضارة، وتهالكهم على المعازة والمعارة؛ فعرفهم ما يتعرف به ~~اعجازه، ويتيقن أنه من عند الله كما يدعيه عبده. # وإنما سماه " عبدا " مطلقا مقيدا ب " ه " ولم يسم غيره من ~~الأنبياء عليهم السلام إلا بالعبد المقيد المقرون باسمه ms0407 - كما قال: # واذكر عبدنآ أيوب # [ص:41] # واذكر عبدنا داوود # [ص:17]. وغيرهما -، وذلك لأن كمال العبودية ما تهيأ لأحد من العالمين ~~إلا لحبيبه - صلوات الله عليه وآله -، لأنه يحصل في كمال الحرية عما ~~سوى الله بقطع منازل الخل والأمر كلها، وطي معارج الملك والملكوت، ~~والخروج عن مكامن أطوار الإنية ومطاوي أستار الأنانية، إلى فضاء ~~مشاهدة الأحدية وعرصة القيامة اللاهوتية. # وهو المختص بهذه الكرامة كما أثنى الله عليه بذلك: # إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما ~~طغى # [النجم:16 - 17]. فلما اختص بهذه الحرية، أكرم بهذه العبودية، ~~وسمي باسم العبد المطلق، كما قال: # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم:10]. وهو المقدم في رتبة التشريف في التشهد على الرسالة. # وإنما ذكره في هذه الآية ب " عبدنا " ، لأنه أمر في الآية ~~المتقدمة بالعبودية خالصة لله بترك الأنداد ورفض الأحباب - من الدنيا، ~~والهوى، والنفس وشهواتها من المراتع الحيوانية والملاذ النفسانية -، ~~وما صح لأحد من العالمين من العبودية الخالصة، كما صح له (صلى الله ~~عليه وآله)، فذكره في هذا المعرض، وسماه به، وأضافه إلى ذاته تنبيها ~~على منزلته فقال: { وإن كنتم في ريب مما } أنعمنا على ~~عبدنا محمد (صلى الله عليه وآله)، بحسن الطاعة والخدمة، وكمال العبودية ~~والاستعداد بإنعام الوحي وإنزال القرآن { فأتوا بسورة من ~~مثله }. # وإنما قيل: " نزلنا " - على لفظ " التنزيل " دون " الإنزال " -، لأن ~~المراد نزوله على نهج التدريج والتنجيم، وهو الحري بمكان التحدي، ~~لأنهم كانوا يقولون: لو كان هذا من عند الله لم ينزل هكذا نجوما - سورة ~~بعد سورة، وآيات غب آيات -، على سنن أهل الخطابة والشعر، حيث صدر عنهم ~~وسنح ببالهم مضامين الأشعار والخطب، حسب ما عن لهم من الأحوال، وتجدد ~~عليهم سوانح الحاجات، ولم يلق الناظم ديوان شعره دفعة، ولم يرم الخطيب ~~مجموع خطبه ورسائله ضربة، كما حكى الله عنهم: # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة # [الفرقان:32]. ثم بين الحكمة في ذلك بقوله: # كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا # [الفرقان:32]. # وذلك لأن الله بين حجة نبيه بأوضح وجه وآكده، ms0408 فأزاح علتهم، وأدحض ~~حجتهم بأنه إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، ~~فهاتوا بمثل نجم من نجومه، وقسم من أقسامه، وسورة من سوره، أو آيات ~~مفتريات. # وهذا غاية الإلزام ونهاية التبكيت، التي لم يبق للمحجوج المعاند مجال ~~الكلام إلا باتيان المثل أو ما يقرب منه، لو وجد عنده، أو أخذه من ~~أقرانه وأعوانه، كما قال: # ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا # [الإسراء:88]. وإذا لم يأت بمثله ولا بما يقرب منه، فقد علم عجزه. # فهذا أوضح الطرق للدلالة على أن القرآن معجزة، وذلك لأنه لا يخلو حاله ~~من أحد وجوه: إما أن يكون مساويا لكلام سائر الفصحاء، أو زائدا عليه ~~بقدر لا ينقض العادة، أو زائدا عليه بقدر ينقض العادة. والأولان باطلان، ~~فتعين الثالث. # أما بطلانهما: فإنه (صلى الله عليه وآله) تحدى بالقرآن، ودعى إلى ~~الإتيان بسورة مثله مصاقع البلغاء والفصحاء مع [كثرتهم] كثرة رمال ~~الدهناء وحصاء البطحاء، وكانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين ~~الفصاحة في الغاية، [و] كانت شهرتهم بغاية العصبية والعناد والحمية ~~الجاهلية واللداد فوق النهاية، وكان تهالكهم على المباهاة والمبالاة، ~~والدفاع عن الأحساب وركوب الشطط في هذا الباب خارجا عن الحد والحساب؛ ~~فعجزوا حتى آثروا المقارعة على المعارضة، وبذلوا المهج والأرواح دون ~~المدافعة. # فلو قدروا على المعارضة بالمثل - أو بالأقل منه تفاوتا غير فاحش -، ~~لعارضوا بمقارعة اللسان - لا بمعارضة السيف والسنان -، ولم يرتكبوا ضروب ~~المهالك والمحن، ولم يبذلوا النفوس والأموال في الحروب والفتن - إذ ~~المعارضة أقوى القوادح -، ولو عارضوا لاشتهر وتواتر نقله إلينا ~~لتوفر الدواعي وعدم الصارف. # والعلم بجميع ذلك يجري مجرى الضروريات كسائر علوم العاديات، ولا يقدح ~~فيه احتمال أنهم تركوا المعارضة مع القدرة عليها، أو عارضوا ولم ينقل ~~الينا لمانع - كعدم المبالاة وقلة الالتفات والاشتغال بالمهمات -. # وإذ تبين بطلان القسمين، فثبت أن القرآن لا يماثل كلام سائر الفصحاء، ~~وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتا معتادا، فهو إذا تفاوت خارج ~~عن العادة، بالغ حد الإعجاز؛ فالقرآن إذن معجز. # فصل # في بيان جهة ms0409 اعجاز القرآن # اعلم أن الناس اختلفوا في وجه إعجاز القرآن، فالجمهور على أن ذلك لأجل ~~كونه في الطبقة العليا من الفصاحة، والدرجة القصوى من البلاغة على ما ~~يعرفه فصحاء العرب بسليقتهم، وعلماء الفرق بمهارتهم في البيان، وإحاطتهم ~~بأساليب الكلام. # هذا مع اشتماله على الإخبار عن المغيبات الماضية والآتية، وعلى دقائق ~~العلوم الإلهية وغوامض المعارف الربانية، وأحوال المبدء والمعاد، ~~والإرشاد إلى مكارم الأخلاق وإلى فنون الحكمة العملية والمصالح ~~الدينية والدنيوية - على ما يظهر للمتدبرين ويتجلى للمتفكرين؛ وعلى ~~ما هو فوق هذا كله ووراء طور العقول - مما لا يظهر إلا للراسخين في ~~علوم الأذواق، والمبتهجين بأنوار عالم الإشراق. # وذهب من علمائنا الإمامية السيد المرتضى - رضي الله عنه وعنهم - طباقا ~~لكثير من المعتزلة: [إلى] أن إعجازه بالصرفة، وهي ان الله صرف همم ~~المتحدين عن معارضته مع اقتدارهم عليها - وذلك إما بسلب قدرتهم، أو صرف ~~دواعيهم، أو سلب العلوم التي لا بد منها في الإتيان بمثل القرآن - بمعنى ~~أنها لم تكن حاصلة لهم، أو بمعنى انها كانت كاملة حاصلة، فأزالها الله. ~~والأخير هو المختار عند المرتضى. # واحتجوا على ذلك أولا: بأنا نقطع بأن فصحاء العرب كانوا قادرين على ~~التكلم بمثل مفردات السورة ومركباتها القصيرة، - مثل: # الحمد لله # [الفاتحة:2] ومثل: # رب العالمين # [الفاتحة:2] وهكذا إلى الآخر، فيكونوا قادرين على الإتيان بمثل السورة. # وثانيا: بأن الصحابة عند جمع القرآن، كانوا يتوقفون في بعض السور ~~والآيات إلى شهادة الثقاة، وكان ابن مسعود قد بقي مترددا في الفاتحة ~~والمعوذتين؛ ولو كان نظم القرآن معجزا بفصاحته لكان كافيا في الشهادة. # والجواب عن الأول: إن حكم الجملة قد يخالف حكم الأجزاء، وهذه بعينها ~~شبهة من نفى قطعية الإجماع والخبر المتواتر، ولو صح ما ذكر، لكان كل ~~من آحاد العرب قادرا على الإتيان بمثل قصائد فصائحهم - كامرئ القيس ~~وأضرابه - واللازم قطعي البطلان. # وعن الثاني: بعد صحة الرواية، وكون الجمع بعد النبي (صلى الله عليه ~~وآله) لا في زمانه، وكون كل سورة مستقلة بالإعجاز -، إن ذلك كان ~~للاحتياط والاحتراز عن أدنى تغيير ms0410 لا يخل بالإعجاز، وأن اعجاز كل سورة ~~ليس مما يظهر لكل أحد، بحيث لا يبقى له تردد أصلا. # وقيل: إعجازه بنظمه الغريب المخالف لما عليه كلام العرب في الرسائل ~~والأشعار والخطب. # وقيل: بسلامته عن الاختلاف والتناقض. # وقيل: باشتماله على دقائق العلوم وحقائق المصالح والحكم. # وقيل: بإخباره عن المغيبات. # ورد الأول: بأن حماقات مسيلمة ومن جرى مجراها أيضا على ذلك النظم. # والثاني: بأنه كثيرا ما يسلم كلام البلغاء عن الاختلاف والتناقض. # والثالث: [بأنه] قد يشتمل كلام الحكماء على دقائق العلوم والحقائق. # والرابع: بأن الإخبار عن المغيبات لا يوجد إلا في قليل من الآيات. # فصل # في وجه شبه الطاعنين في القرآن # واعلم أن أشراف العرب وكبراءهم - مع كمال حذاقتهم في أسرار بلاغة ~~الكلام، وفرط عداوتهم للإسلام - لم يجدوا فيه للطعن مجالا، ولم يوردوا ~~في القدح مقالا ونسبوه إلى السحر - على ما هو دأب المحجوج المبهوت -، ~~تعجبا من فصاحته، وحسن نظمه وبلاغته، واعترفوا بأنه ليس من جنس خطب ~~الخطباء وأشعار الشعراء، وأن له حلاوة وعليه طلاوة، وأن أسافله مغدقة ~~وأعاليه مثمرة، فآثروا المنازعة والمقاتلة على المقاولة، وأبى الله إلا ~~أن يتم نوره على كره من المشركين، ورغم أنوف المعاندين، وحين انتهى ~~الأمر إلى من بعدهم من أعداء الدين، وفرق الملحدين، اخترعوا مطاعن ~~ليست إلا هزءة للساخرين، وضحكة للناظرين. # منها: إن فيه كلمات غير عربية - كالاستبرق والسجيل، والقسطاس، ~~والمقاليد - فكيف يصح أنه # عربي مبين # [النحل:103] # ورد بأن ذلك من توافق اللغتين، والمراد أنه عربي النظم والتركيب، ~~أو الكل عربي على سبيل التغليب. # ومنها: إن فيه خطأ من جهة الإعراب، مثل # إن هذان لساحران # [طه:63]. و # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون # [المائدة:69]. و # لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون ~~يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك ~~والمقيمين الصلاة # [النساء:162]. ورد بأن كل ذلك صواب على ما بين في علم الإعراب. # ومنها: إن فيه ما يكذبه، حيث أخبر بأنه لا يتيسر للبشر - بل للإنس ~~والجن - مثل سورة منه، وأقل السورة ثلاث آيات، ثم حكى ms0411 عن موسى عليه ~~السلام - مع اعترافه بأن هرون أفصح منه - مقدار إحدى عشرة آية منه؛ وهو ~~قوله: # قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري # [طه:25 - 26] إلى قوله: # إنك كنت بنا بصيرا # [طه:35]. # ورد بأن المحكي لا يلزم أن يكون بهذا النظم بعينه، على أن المختار ~~عند البعض في المتحدى به سورة من الطوال، أو عشر من الأوساط. # ومنها: إن فيه متشابهات يتمسك بها أهل الغواية - كالمجسمة بمثل: # الرحمن على العرش استوى # [طه:5]. # ورد بأنها لنيل المثوبة بالنظر والاجتهاد في طلب المراد؛ ولفوائد ~~لا تحصى في الرجوع إلى الراسخين في العلم. # ومنها: إن فيه عيب التكرار - كإعادة قصة فرعون في عدة مواضع، ~~وكإعادة: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن:13] و # ويل يومئذ للمكذبين # [المرسلات:15] في سورة الرحمن والمرسلات. # ورد بأنه إنما يكون من محاسن الكلام على ما يقرره علماء البيان فيما ~~وقع منه في الآخرة. # ومنها: إن فيه قوله: # لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء:82]، وأنت تجد فيه من الإختلاف المسموع من أصحاب القراءة ما ترى ~~على اثني عشر ألفا. # ورد بأن الاختلاف المنفي هو التفاوت في مراتب البلاغة، بحيث يكون ~~بعضه قاصرا عن مرتبة الإعجاز، أو مشتملا على تناقض في الأحكام أو ~~الأخبار. # لا يقال: تقرير الطعن فاسد من أصله، لأنه استدلال بثبوت اللازم على ~~ثبوت الملزوم. # لأنا نقول: لا. بل هو مبني على أن كلمة: " لو " في اللغة تفيد انتفاء ~~الجزاء لانتفاء الشرط، بمعنى أن عدم وجدان الاختلاف بسبب أنه ليس من ~~عند غير الله. أما لو حملت كلمة " لو " في الآية على ما هو قانون ~~الاستدلال - كما في قوله: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء:22]، فهو استدلال بنفي اللازم على نفي الملزوم. أي: " لكن لم ~~يوجد فيه الاختلاف، فلم يكن من عند غير الله ". # ومنها: إن فيه التناقض، كقوله: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن:39]. # مع قوله: # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # [الحجر:92 - 93]. وكقوله: # ليس لهم طعام ms0412 إلا من ضريع # [الغاشية:6]. مع قوله: # ولا طعام إلا من غسلين # [الحاقة:36]. إلى غير ذلك من مواضع يتوهم منها تنافي الكلامين. # ورد بمنع وجود شرائط التناقض - وقد بين ذلك في التفاسير -. # ومنها: إن فيه الكذب المحض، كقوله تعالى: # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم # [الأعراف:11]. للقطع بأن الأمر بالسجود لم يكن بعد خلقنا وتصويرنا. # ورد بأن المراد خلق أبينا آدم وتصويره. # ومنها: إن فيه الشعر من كل بحر؛ وقد قال: # وما علمناه الشعر # [يس:69]. # فمن الطويل: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف:29]. # ومن المديد: # واصنع الفلك بأعيننا # [هود:37]. # ومن البسيط: # ليقضي الله أمرا كان مفعولا # [الأنفال:42]. # ومن الوافر: # ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم ~~مؤمنين # [التوبة:14]. # ومن الكامل: # والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم # [البقرة:213]. # ومن الهزج: # تالله لقد آثرك الله علينا # [يوسف:91]. # ومن الرجز: # ودانية عليهم ظلالها # [الإنسان:14]. # ومن الرمل: # وجفان كالجواب وقدور راسيات # [سبأ:13]. # ومن السريع: # قال فما خطبك يسامري # [طه:95]. # ومن المنسرح: # إنا خلقنا الإنسان من نطفة # [الإنسان:2]. # ومن الخفيف: # أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع ~~اليتيم # [الماعون: 1 - 2]. # ومن المضارع: # يوم التناد * يوم تولون مدبرين # [غافر:32 - 33]. # ومن المقتضب: # في قلوبهم مرض # [البقرة:10]. # ومن المجتث: # المطوعين من المؤمنين في الصدقات # [التوبة:79]. # ومن المتقارب: # وأملي لهم إن كيدي متين # [الأعراف:183]. # ورد بأن مجرد كون اللفظ على هذه الأوزان لا يكفي، بل لا بد من ~~تعمد الوزن - وعند البعض من التقفية -، على أن في كثير مما ذكر نوع ~~تغيير؛ ولو سلم فالتغليب باب واسع. # أقول: المراد من الشعر المنهي عنه، هو التخيلات والمبالغات في تحسين ~~الأشياء وتقبيحها مع مراعاة النظم وغيره، وإلا فمجرد النظم الواقع في ~~الكلام المطابق للحق، مما ليس به بأس أصلا. # فصل # في معنى السورة # قيل: هي إما مستعارة من " سور المدينة " لأحاطتها بما تضمنته من أصناف ~~المعارف والأحكام، كاحاطة السور بما يحتوي عيه. أو مجاز مرسل من " ~~السورة " أي المرتبة العالية والمنزلة الرفيعة، ومنه قول النابغة: # ألم تر أن ms0413 الله أعطاك سورة # ترى كل ملك دونها يتذبذب # إذ لكل واحدة من السور الكريمة مرتبة في الفضل عالية، ومنزلة في الشرف ~~رفيعة؛ أو لأنها توجب علو درجة تاليها وسمو منزلته عند الله سبحانه، ~~فكأن القاري يرتفع من كل منزلة إلى منزلة أخرى، إلى أن يستكمل القرآن ~~ويرتفع به، كما ورد عنه (صلى الله عليه وآله): # " اقرأ وارق ". # وقيل: " واوها " مبدل من " الهمزة " ، آخذا من السؤر بمعنى: ~~البقية، والقطعة من الشيء. # واختلفوا في رسمها عرفا؛ فقيل: طائفة من القرآن مصدرة بالبسملة الا ~~براءة، فأورد على طرده الآية الأولى من كل سورة. # فزيد: " متصل آخرها فيه بإحداها ". فأورد على عكسه " سورة الناس ". # فزيد: " أو غير متصل بشيء منه " فورد عليه بعض أجزاء سورة النمل. # وقيل: " طائفة من القرآن مترجمة بترجمة خاصة " ونقض طرده بآية الكرسي. # ورد بأن المراد بالترجمة الإسم، وتلك إضافة محضة. وأنت خبير بأن ~~القول ببلوغ سورتي الإسراء والكهف مثلا حد التسمية - دون آية الكرسي - ~~لا يخلو من صعوبة. # وقيل: الأولى أن يراد بالترجمة ما يكتب في العنوان، ومنه " ترجمة الكتاب ~~" ، والمراد بها هاهنا ما جرت العادة برسمه في المصحف المجيد عند أول تلك ~~الطائفة من لقبها، وعدد آياتها، ونسبتها إلى أحد الحرمين الشريفين. # أقول: والأمر في تحقيق أمثال ذلك هين. # تذكرة: # قد ذهب جماعة من قدماء الأمة، إلى أن " الضحى " ، و " ألم ~~نشرح " سورة واحدة، وكذا " الفيل " و " لإيلاف " وهو مذهب جماعة من ~~فقهائنا - رضوان الله عليهم -. # قال شيخنا بهاء الحق والدين - رحمه الله -: هذا القول وإن قال به جمع من ~~السلف والخلف، إلا أن الحق خلافه، واستدلالهم بالارتباط المعنوي ~~[بين] كل وصاحبتها، وبقول الأخفش والزجاج " إن الجار في قوله عز وعلا: # لإيلاف قريش # [قريش:1] متعلق بقوله جل شأنه: # فجعلهم كعصف مأكول # [الفيل:5]، وبعدم الفصل بينهما في مصحف أبي بن كعب، ضعيف؛ لوجود ~~الإرتباط بين كثير من السور التي لا خلاف في تعددها، فليكن هذا من ذاك. # وكلام الأخفشين لا ينهض حجة في أمثال هذه المطالب، وتعلق الجار بقوله ms0414 ~~سبحانه: # فليعبدوا رب هذا البيت # [قريش:3] لا مانع عنه، وعدم الفصل في مصحف أبي لعله سهو منه؛ على ~~أنه لا يصلح معارضا لسائر مصاحف الأمة. # وأما ما ذكره جماعة من مفسري أصحابنا الإمامية - رضوان الله عليهم - ~~كشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي في التبيان، وثقة الإسلام أبي علي الطبرسي ~~في مجمع البيان، من ورود الرواية بالوحدة عن أئمتنا عليهم السلام - فهذه ~~الرواية لم نظفر بها، وما اطلعنا عليه من الروايات التي تضمنتها ~~أصولنا، لا تدل على الوحدة بشيء من الدلالات، بل لعل دلالة بعضها على ~~التعدد أظهر. وأقصى ما يستنبط منها جواز الجمع بينهما في الركعة ~~الواحدة؛ وهو عن الدلالة على الوحدة بمراحل. # وما تشرفنا بمشاهدته في مشهد مولانا وإمامنا أبي الحسن الرضا عليه ~~السلام من المصاحف، التي قد شاع وذاع في تلك الأقطار أن بعضها بخطه عليه ~~السلام، وبعضها بخط آبائه الطاهرين - سلام الله عليهم أجمعين - [يدل] على ~~ما قلنا من التعدد، فإن الفصل في تلك المصاحف بين كل من تلك السور ~~الأربع وصاحبتها على وتيرة الفصل بين البواقي - انتهى كلامه. # فإن قيل: ما فائدة تقطيع القرآن سورا؟ # قلنا: ذكرت فيه وجوه: # منها: ما لأجله بوب المصنفون كتبهم أبوابا وفصولا موشحة الأوائل ~~بالتراجم والعنوانات لسهولة الأخذ والضبط، ولأن الجنس إذا حصل تحته ~~أنواع، كان أفراد كل نوع عن صاحبه أحسن، ففيه إفراد الأنواع، وتلاحق ~~الأشكال، وتجاوب النظم. # ومنها: أن القاري إذا ختم سورة أو بابا من كتاب الله، ثم أخذ في آخر، ~~كان أنشط له. # ومنها: أن الحافظ إذا حذق طائفة مستقلة بنفسها، فيجل في نفسه ذلك ~~ويغتبط به، ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل؛ ففيه ~~تنشيط القاري، وتسهيل الحفظ والترغيب فيه والتنفيس - كالمسافر إذا علم ~~أنه قطع ميلا أو طوى فرسخا أو انتهى إلى رأس بريد، نفس ذلك عنه ونشط ~~للسير، ومن ثمة جزء القراء القرآن أسباعا وأجزاء وعشورا. # وقيل: إن في القرآن ميادين، وبساتين، ومقاصير، وعرائس، وديابيج، ~~ورياضا، وخانات؛ فالميمات ميادين القرآن، والراءات بساتينه، والحامدات ms0415 ~~مقاصيره، والمسبحات عرائس القرآن، والحاميمات ديباج القرآن. # والمفصل رياضه، والخانات ما سوى ذلك. # فإذا دخل القاري في الميادين، وقطف من البساتين، ودخل المقاصير، وشهد ~~العرائس، ولبس الديباج، وتنزه في الرياض، وسكن غرف الخانات، استغرقه ~~ذلك عما سواه، فلم يكن شغله عن تفكره وتدبره فيه شاغل. # نكتة # قد وقع التحدي بالقرآن بوجوه وتارات؛ تارة بقوله: # فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى # [القصص:49]. وتارة بقوله: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن # [الإسراء:88]. وتارة بقوله: # فأتوا بعشر سور مثله مفتريات # [هود:13]. وتارة بقوله: # قل فأتوا بسورة مثله # [يونس:38]. وذلك لكون التحدي بشيء على عدة مراتب متنازلة يكون أقوى ~~وأبلغ. # نظيره كمن يتحدى صاحبه بتصنيفه فيقول: " إيتني بمثله، إيتني بنصفه، ~~ايتني بربعه، ايتني بمسئلة مثله " ، هذا هو النهاية في إزالة العذر ~~وإزاحة الشبهة. # واعلم أن هذا دال على أن القرآن، وما هو عليه، من كونه سورا هو ~~على حد ما أنزل الله - لا كما اشتهر من أنه وقع الترتيب في أيام عثمان ~~- # فصل # الضمير في " مثله " عائد إلى " ما نزلنا "؛ و " من " للتبعيض ~~أو التبيين، وزائد عند الأخفش؛ أي: فأتوا بسورة مماثلة للقرآن في الفصاحة ~~وحسن الترتيب. # وقيل: إلى " عبدنا " ، و " من " للابتداء، أي: " فأتوا بسورة ~~كائنة ممن هو على حاله من كونه بشرا أميا لم يقرء الكتب ولم يأخذ من ~~العلماء ". أو صلة " فأتوا " والضمير للعبد. # ورجح الأول بوجوه: # أحدها: إنه المطابق لسائر آيات التحدي - لا سيما ما في سورة يونس -: # فأتوا بسورة مثله # [يونس:38]. # والثاني: إن الكلام مسوق في المتحدى به - لا في المنزل عليه -، فوجب ~~صرف الضمير إليه ليتسق الترتيب ويحسن النظم. # والثالث: إن مخاطبة الجماعة الكثيرة بأن يأتوا بمثل ما أتى به واحد من ~~أمثالهم في البشرية، أبلغ وأقوى في التحدي من أن يقال لهم: " ليأت آخر ~~مثله بنحو ما أتى به هذا ". # الرابع: إن القرآن معجز في نفسه، كامل في حقيقته، كما قال سبحانه: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل ms0416 هذا القرآن لا يأتون بمثله # [الإسراء:88]. وعند عود الضمير إلى محمد (صلى الله عليه وآله)، يفيد أن ~~كونه معجزا، إنما يكمل ويتم عند تقدير ما يوهم نقصا في حقه - من ~~كونه أميا بعيدا من العلم -، حاشى الجناب المصطفوي الختمي - على ~~القائم به وآله الصلاة والسلام - عما يوهم خطأ في حقه أو نقصا في ~~نفسه؛ بل كما تشرفت ذاته بالقرآن بعد النزول، تشرفت قبل نزوله بعلوم ~~إلهية وأنوار عقلية، كان يتهيأ ويستعد بها من بين الخلائق كلهم ~~لمشاهدة الوحي الإلهي، وتلقي القرآن من لدن حكيم عليم. # وليس كما زعمه أكثر الناس - ممن لا اطلاع لهم على معنى النبوة وحقيقة ~~الرسالة - من أنه قبل البعثة لم يكن من أولي العلم - حاشاه عن ذلك -، ~~كيف، ولا شرف ولا فضيلة بالحقيقة لنفس الإسنان إلا بالعلم والمعرفة، ~~وبذلك يتميز عن الأقران، ويفوق على سائر الأكوان. # وكونه (صلى الله عليه وآله) أميا لا ينافي أفضليته على الخلق، لأن ~~علم الخط والكتابة ليس من الفضائل الكلية والكمالات العقلية، بل هو من ~~الصنائع الجزئية الوضعية المتعلقة بإدراك الحواس، وأنها كسائر العلوم ~~الجزئية داثرة باندراس الحواس، وكل ما من شأنه الدثور والزوال، فليس ~~في شيء من الشرف والكمال. # الخامس: إن رد الضمير إليه - لا إلى المنزل -، يوهم إمكان صدوره عمن ~~لم يكن مثله (صلى الله عليه وآله) في كونه أميا، ولو صرف إلى المنزل، ~~لدل على امتناع صدوره من البشر مطلقا؛ فهذا أولى وأوفق بقوله: { ~~وادعوا شهدآءكم من دون الله }. # فصل # " الشهداء " جمع شهيد، من " الشهود " وهو الحضور، سواء كان في العين أو ~~في العلم، بالذات أو بالتصور. ومنه قيل للمقتول في سبيل الله: " شهيد " ، ~~لأنه يحضر ما كان يرجوه، أو الملائكة حضروه، ويطلق على القائم بالشهادة، ~~والناصر، والإمام، فكأنه سمي به لأنه يحضر النوادي وتبرم بمحضره ~~الأمور. # والمراد من الشهداء؛ إما من ادعوا فيه الإلهية من الأوثان، وإما ~~أكابرهم ورؤساؤهم لأنهم يشتركون في أنهم كانوا يعتقدون فيهم كونهم ~~أنصارا وأعوانا. # ومعنى " دون " ، أدنى مكان من الشيء، ومنه " تدوين ms0417 الكتب " ، لأنه ~~إدناء البعض من البعض، و " دونك هذا " أي: خذه من أدنى مكان منك. ثم ~~استعير للرتب فقيل: " زيد دون عمرو في الشرف " ، ومنه " الشيء الدون ". ~~ثم استعمل اتساعا في تجاوز حد إلى حد، وتخطي أمر إلى غيره. قال الله ~~تعالى: # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين # [آل عمران:28]. أي: لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين. ~~وقال أمية: # " يا نفس مالك دون الله من واق ". # أي إذا تجاوزت وقاية الله فلا يقيك غيره. # و " من دون الله " متعلق إما ب " شهداءكم " أو ب " ادعوا ". # وعلى الأول ففيه معنيان: # أحدهما: ادعوا للمعارضة الذين زعمتموهم آلهتكم من دون الله، وشهداء لكم ~~يوم القيامة على أنكم محقين. # وثانيهما: ادعوا شهداءكم من دون أولياء الله وغير المؤمنين ليشهدوا لكم ~~أنكم أتيتم بمثله. # ففي الأول، حيث وقع الأمر لهم بأن يستظهروا بالجمادات في معارضة ~~[القرآن] غاية التهكم بها والتبكيت؛ وفي الثاني، إشعار بأن شهداءهم ~~لما كانوا فرسان الفصاحة، تأبى عليهم طباعهم السليمة الرضا بالشهادة ~~الكاذبة لأولئك المدعين. # وأما الثاني: ففيه أيضا معنيان: # أحدهما: ادعوا للإتيان بسورة منه كل من حضركم، أو تصورتم معونته من ~~إنسكم وجنكم وأعوانكم وأنصاركم وآلهتكم غير الله، فإنه لا يقدر أحد ~~مما سوى الله أن يأتي بمثله. # وثانيهما: ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم على مثله، ~~ولا تستشهدوا بالله، فإن من ديدن المبهوت العاجز وهجيره أن يقول: " ~~الله يشهد أني لصادق " ، وهذا تعجيز لهم، وبيان لانقطاعهم عن البحث إلا ~~بمثل هذا القول. # مسئلة: # اعلم أن هذا التحدي يبطل مذهب الجبر - كما ذكره القاضي - لأنه مبني ~~على تعذر مثله ممن يصح وقوع الفعل منه، فمن ينفي كون العبد فاعلا ~~أصلا، لم يمكنه إثبات التحدي أصلا، ويلزم منه إبطال الاستدلال ~~بالمعجزات، لأن تعذر وقوعها عن الغير يكون لفقد القدرة، ويستوي في ~~ذلك ما يكون معجزا وما لا يكون. # وأيضا، فإذا كانت الأفعال كلها من الله، فكل ما ينسب إلى العبد من ~~التحدي يرجع في التحقيق ms0418 إلى أن الله متحد لنفسه، وهو قادر على الإتيان ~~بمثله من غير شك، فيجب أن لا يثبت الإعجاز على هذا القول. # وأيضا، إن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يحتج بأن الله قد خصه ~~بالقرآن تصديقا له في دعوى الرسالة، فلو لم يكن من قبله تعالى، لم يكن ~~داخلا في الإعجاز، وعلى القول (بالجبر)، لم يبق فرق بين المعتاد وغيره، ~~لأن الكل لا يكون إلا من عند الله. # هذا هو المذكور في هذا المقام، وهو حجة قوية الإلزام، وأجاب عنه ~~صاحب الكبير بقوله: " إن المطلوب من التحدي [إما] أن يأتي الخصم ~~بالمتحدى به قصدا، أو أن يقع ذلك منه إتفاقا؛ والثاني باطل، لأن ~~الإتفاقيات لا تكون في وسعه، وعلى الأول، إتيانه بالمتحدى به موقوف ~~على أن يحصل في قلبه قصد إليه، فذاك القصد إن كان منه لزم التسلسل - وهو ~~محال -، وإن كان من الله، فحينئذ يعود الجبر، ويلزمه كل ما أورده علينا، ~~فيبطل كل ما ذكره. # وأقول - ومن الله الهداية والعصمة -: إن هذا النحرير بطول عمره في ~~البحث والتحرير، لم يفرق بعد بين ما هو مذهب الأشعري وأتباعه، وما هو ~~مذهب القائلين بالعلة والمعلول، و " أن الشيء ما لم يجب لم يوجد " ، و ~~" أن ترجيح أحد المتساويين محال إلا لداع " ، و " أن الممكن من حيث ~~إمكانه يستحيل وجوده وعدمه إلا بسبب ". # وذلك لأن بناء هذا الإلزام من إبطال التحدي على رأي أصحابه - النافين ~~للأسباب والعلل -، من جهة أن نسبة المتحدي وغير المتحدي إلى المتحدى ~~به واحدة، وليس - ولا واحد منهما - مما له مدخل في وجود ذلك الأمر بوجه ~~من وجوه المدخلية - ككونه فاعلا أو غاية أو شرطا أو معدا أو غير ~~ذلك من الأسباب والشروط -، فلا معنى للتحدي بأمر غير مختص بواحد دون ~~واحد. # وأما إذا كان ورود الفضائل والكمالات، وفيضان العلوم والخيرات من الله ~~على بعض النفوس والذوات دون بعض، من جهة أعماله السابقة المقربة، ~~ونياته المتقدمة والمهيئة، وفكره وذكره وطاعته وعبادته، فلا يرد ذلك ~~أصلا، لأن تلك السوابق، ms0419 مخصصات للعبد باستحقاق منقبة خاصة. # وتلك السوابق، وإن كانت كلها أيضا واردة عليه من قبل الله ورحمته - ~~لا منبعثة من ذات العبد -، إلا أنها تقربه وتزلفه إلى الله، ~~وتخصصه لقبول العناية الإلهية، فيصح لأحد على هذا الوجه دعوى النبوة، ~~واثباتها بالتحدي بفضيلة زائدة على فضائل سائر الناس، ومنقبة فائقة على ~~مناقبهم، خارجة عن حد طاقتهم ووسع قوتهم وقدرتهم. # ولا يمكن حينئذ لأحد إبطال قوله؛ بأن هذا المتحدى به ليس فعلك - بل من ~~فعل الله -، فأي اختصاص له بك؟ وأي منقبة حصلت لك منه دون أقرانك ~~وأمثالك؟ لأن له أن يقول: إن جميع الأمور، وإن كانت حاصلة بقضاء الله ~~وتقديره، إلا أن قضاءه وقدره يوجبان ما يوجبان بتوسيط مقدمات وسوابق، ~~وأسباب وبواعث، كلها راجعة إليه أيضا. # ومن جملة تلك الأسباب إرادة العبد وطاعته وذكره وعبادته، فسوابق ~~الطاعات، ومقدمات العبادات من عبد توجب له التقرب إلى الله زلفى، وهذا ~~التقرب قرب معنوي ودنو عقلي بحسب الشرف والفضيلة الذاتية - لا بحسب ~~الوضع والرتبة المكانية -، وأفراد البشر وإن كانت متساوية في الجسمية ~~والبشرية، لكنها بعد انتقالاتها وحركاتها إلى الأعراض، وتطويرها في ~~الأطوار، واكتسابها للخيرات والشرور، واقتنائها للفضائل والرذائل، تصير ~~متخالفة الذوات والصفات بحسب البواطن والقلوب. # فمن القلوب ما هو أبيض منير كالشمس، ومنها ما هو أسود مظلم كالقير، فهل ~~هذا التفاوت إلا بأمور ذاتية مجعولة من الله، حاصلة من مواهبه وعطاياه؟ ~~وليست أفراد الإنسان متساوية فيها، كما قال تعالى: # هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر:9]. # فالنبوة، وإن لم تكن مكسوبة للعبد، إلا انها فائضة من الله على قلب ~~مطهر بطهارة الأخلاق والرياضات، منور بنور المعارف والخيرات، كمن يكنس ~~من جملة عبيد السلطان بيته من الأرجاس والأخباث والكثائف، وينظفه بفنون ~~التنظيفات، ويطيبه بأنواع الطيب والبخورات الحسنة انتظارا لقدومه - بما ~~لم يفعل سائر العبيد والخدام - فليس من الحكمة والعدالة السلطانية، أن ~~لا ينزل في بيته وينزل في بيت غيره - مع تساوي نسبة قدرة السلطان إلى ~~الجميع -. # فهكذا قلب النبي (صلى الله عليه وآله)، كان ms0420 طاهرا كالسقف المرفوع من ~~جميع الخبائث السفلية النفسانية، والصفات البشرية، منورا كالبيت ~~المعمور بأنوار العلوم والطاعات، فصار بيت الله مورد آيات بينات منه، فيه ~~مقام ابراهيم من التوحيد وسائر المقامات. # فأقبل أولا إلى أهل بيته عليهم السلام، فأمطر عليهم من سماء علمه ~~أمطار العلوم، وأضاء قلوبهم بأضواء المعارف، فارتوى بالعلم والهدى ظاهرهم ~~وباطنهم، ثم أقبل على الأمة بقلب كالبحر مواج بمياه العلوم، فاستقبلته ~~أودية العقول وأنهارها، وجداول الفهوم وسواقيها، وجرى من بحره في كل ~~واد وجدول وساقية من قلوب العلماء قسط ونصيب لائق، وذلك القسط الواصل ~~إلى الفهوم، هو الفقه في الدين. # وبالجملة، فليس بناء أمر العالم - من تعظيم العالم، وإهانة الجاهل، ~~وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، والهداية والضلالة، وإعلام طريقي الخير ~~والشر، وسبيلي الطاعة والمعصية، وسائر ما ينوط بذلك - على مجرد التخمين ~~والجزاف، والعبث والاتفاق، من غير حق لازم وقضاء ثابت، حتى يمكن انقلاب ~~كل شيء إلى ضده، وترتب كل أثر على نقيض مؤثرة - تعالى الله عن سفه ~~المعطلين وبطالة البطالين علوا كبيرا. # وقوله: " إن كنتم صادقين " قضية شرطية جوابها محذوف، لدلالة ~~ما قبلها عليه أي: " إن كنتم صادقين في أن القرآن كلام البشر، والإتيان ~~بمثله ممكن فأتوا بمثل سورة منه ". # و " الصدق ": هو الإخبار عما يطابق الواقع، والمراد من الواقع ما في ~~نفس الأمر. أي: وجود الشيء في نفسه - لا بتعمل الوهم واختراعه - ف " ~~الأمر " بمعنى الشيء. # واعترض عليه: بأن بعض الأشياء كالقضايا الذهنية مما لا وجود [له] إلا ~~في الذهن، فصدق الحكم فيها على الشيء حكما ايجابيا، يستدعي مطابقا ~~خارجيا، وليس لها مطابق خارجي أصلا - كالحكم بأن التناقض محال. ~~والعدم تفي محض -. # وأجيب: بأن المغايرة بين المطابق والمطابق لا يجب أن تكون حقيقة، بل ~~مطلق المغائرة الشاملة للحقيقية والاعتبارية بينهما كاف في صدق الخبر، ~~فههنا مغائرة اعتبارية، بمعنى أن هذه النسبة الموجودة في الذهن، ~~مطابقة لنفسها من حيث أنها موجودة في نفسها لا بتعمل العقل -، فهي من ~~حيث وجودها في الذهن، مغاير لها من حيث وجودها في نفسها. ms0421 # وتفصيله - كما ذكره بعض أهل التحقيق - أن النسبة إذا وجدت في الذهن كان ~~لها وجود ذهني - سواء كان باختراع العقل وتعمله، كالحكم بزوجية ~~الثلاثة أو بدون اختراعه كما في الصوادق -. # فالأولى ليست موجودة في حد ذاتها، بل باختراع وتعمل من العقل. ~~والثانية موجودة في نفسها مع قطع النظر عن اختراعه وتعمله، وإن كان ~~وجودها في نفسها لا يكون إلا في الذهن، إلا إنها موجودة فيه بدون ~~تعمله، فهي من حيث إنها موجودة في الذهن، مطابقة لها من حيث أنها ~~موجودة فيه مطلقا بلا تعمل؛ فالوجود بالاعتبار الأول مطابق - بالكسر - ~~وبالاعتبار الثاني مطابق - بالفتح. # فالمنظور إليه في الاعتبار الأول، الوجود الذهني؛ وفي الاعتبار الثاني، ~~مطلق الوجود في حد ذاته - سواء كان في الذهن أو في الخارج - فالنسبة ~~الذهنية للصوادق مطابقة لما في نفس الأمر بالمعنى المذكور، حتى أنها ~~لو فرضت موجودة في الخارج أيضا، كانت المطابقة لها بحالها؛ بخلافها في ~~الكواذب، إذ لا مطابق لها ولا وجود لها في نفسها، أي: بلا تعمل واختراع ~~أصلا، لا في الخارج ولا في الذهن. # وذهبت الحكماء إلى أن نفس الأمر عبارة عن العقل الفعال عندهم، فالمراد ~~ب " الأمر " هو المعنى المقابل ل " لخلق " ، فيكون مرادهم من الموجود ~~في نفس الأمر، الموجود في عالم الأمر. # قالوا: إن ما في أذهاننا من الأحكام، إن كانت مطابقة لما في العقل ~~الفعال، كانت صادقة مطابقة لما في نفس الأمر - وإلا فكانت كاذبة -. # واعترض عليه: بأنه لو كان معنى صدق الحكم ما ذكروه، لم يمكن لنا العلم ~~بصدق خبر من الأخبار، ما لم نعلم أنه مطابق لما ارتسم في العقل الفعال، ~~ورب إنسان علم يقينا " أن الواحد نصف الإثنين " ، ولم يعرف العقل ~~الفعال - بل ينكر وجوده -. # وبأن ما ذكروه من الاستدلال على ارتسام صور المعقولات في جوهر مفارق - ~~هو خزانة معلومات النفس الناطقة-، هو بعينه جار في الأحكام الكاذبة، ~~فيجب عليهم القول بارتسامها فيه أيضا. # بيان ذلك: أنهم استدلوا على ذلك بالفرق بين حالتي الذهول والنسيان، ~~بأنه عند الذهول ms0422 تزول الصورة التي أدركها الإنسان من قوته المدركة دون ~~الحافظة؛ وعند النسيان، تزول عنهما جميعا؛ فهما قوتان إحداهما ذات ~~الإنسان. والأخرى جوهر آخر مفارق، فيه المعقولات دائمة بالفعل، وزوال ~~الصورة عن حافظة النفس عند النسيان، عبارة عن بطلان استعدادها للاتصال به ~~من هذه الجهة. # ثم إن الذهول والنسيان كما يجريان في الصوادق، يجريان في الكواذب، فلو ~~كان المطابق لما ارتسم في الجوهر الذي هو خزانة المعقولات صادقا ~~موجودا في نفس الأمر، لكانت تلك الكواذب أيضا صادقة موجودة في نفس ~~الأمر، واللازم باطل، فكذا الملزوم. وذكر العلامة الحلي - طاب ثراه -: " ~~اني ذكرت هذا السؤال للأستاذ نصير الحق والدين فلم يأت بكلام مشبع ". # وبأن صدق الخبر وصحة الحكم، إن كان بمطابقته لما في نفس الأمر، بمعنى " ~~عالم الأمر " من النسب الحكمية، فما يكون في عالم الأمر من الأحكام، ~~يلزم أن لا تكون صادقة، إذ لا تغاير بينها وبين ما في نفس الأمر، فلا ~~مطابقة بينهما. # ويمكن الجواب: عن الأول، بأن حقيقة الصدق وملاكه هو غير عنوانه ورسمه، ~~وكثيرا ما يكون الشيء خفي الماهية وظاهر الإنية - كحقيقة الزمان ~~والجسم وغيرهما -. # والعالم بصدق الخبر بشيء من الخواص والعلامات، لا يلزم أن يكون عالما ~~بحقيقتهما. # وعن الثاني: بأن المطابق لما ارتسم فيه من حيث تصديقه واذعانه، صادق، ~~وتلك الكواذب - وإن كانت مرتسمة فيه -، لكن لا بوجه التصديق بها والاذعان ~~- بل بوجه الحفظ -، فإن الحافظ لا يلزم أن يكون مذعنا بما يحفظه. # لا لما قاله بعض الأفاضل: " إن الحافظ لا يجب أن يكون مدركا لما يحفظه ~~" ، ومثل ذلك بحافظة الإنسان وخياله، حيث إن الخيال خزانة الصور وليس ~~مدركا لها؛ لأن حافظة الصور، سواء كانت عقلية أو حسية، لا تنفك عن ~~المدركة، وإن كانت جهة الحفظ غير جهة القبول في بعض الأشياء، الا ان ~~الحافظ والمدرك لهما ذات واحدة. # بل لأن اللازم من انحفاظ صور الكواذب، وسائر ما يوجد في هذا العالم من ~~الشرور والآلام وغيرها، تصور العقل الفعال لها بوجه من وجوه التصور ~~اللائق به، أو ms0423 لا ترى أنهم ذهبوا إلى أن العلم بجميع الأشياء ~~السفلية حاصل للمراتب العالية، وفيها صورة النقائص، والشرور، والآفات، ~~والأمراض، والأوجاع، والقبائح الموجودة ههنا، وهي في ذلك بريئة منها ~~بالكلية، لبراءة عالم الأمر عن الشر مطلقا. # فكما لا يلزم من تعقل المرض والآفة والشر، أن يكون العالم بها ~~مريضا، مأوفا، شريرا؛ فكذا لا يلزم من تعقل الكذب، أن يكون ~~العالم به كاذبا؛ لأن الكاذب هو المذعن بالكذب - لا المتصور له -، ~~فصورة الكذب في العقل ليست كذبا، كما أن صورة الحركة والحرارة في ~~العقل ليست حركة وحرارة؛ فارتسام صور الكواذب في عالم الأمر، يستلزم ~~كونه عالما بها من حيث التصور على وجه عقلي، ولا يستلزم منه حصول ~~التصديق بها والإذعان. # وعن الثالث: بأن صدق الخبر وصحة الحكم الذي في الجوهر العقلي المسمى ~~عندهم بالعقل الفعال، لا يكون لكونه مطابقا لما في نفس الأمر، بل يكون ~~لكونه عينه، فيكون صدق الخبر أعم من كونه نفس الأمر، أو مطابقا له؛ ~~ففي التعريف الذي ذكروه من المطابقة، نوع مسامحة من باب عموم المجاز. # وقد وجد في كلام بعض الحكماء كأرسطو في أثولوجيا، ما يفهم منه أن علم ~~المبادي أجل من أن يوصف بالصدق، وإنما هو الحق - بمعنى أنه الواقع، ~~لا المطابق للواقع - فلا حاجة إلى ارتكاب التجوز أصلا. # واعلم أن الحكماء أرادوا بالعقل الفعال، عالم الأمر كله، وهو بعينه ~~عند التحقيق ما فيه صور علم الله من اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه ~~صورة ما في السموات وما في الأرض بيد القدرة الإلهية؛ فالأولى أن يقال: ~~إن الصدق بمطابقة الخبر لما في علم الله، والحق هو عين علمه ~~بالأشياء على وجهه. # وقيل: لا يكفي في صدق الخبر المطابقة فقط، بل لا بد معها من اعتقاد ~~المخبر انه كذلك عن دلالة أو أمارة، لأنه تعالى كذب المنافقين في قولهم: # إنك لرسول الله # [المنافقون:1]. لما لم يعتقدوا مطابقته. # ورد: بأن التكذيب انصرف إلى قولهم: # نشهد # [المنافقون:1] لأن الشهادة إخبار عن تحقق العلم، وهم ما كانوا عالمين ~~بحقية ms0424 الرسول، لأن ذلك بالبرهان شأن أولي العلم والدراية، وبالتقليد ~~شأن أهل السلامة للقلوب، والصفاء للصدور من الجهل والعناد والاستكبار، ~~وكلاهما مفقودان عنهم. ### || [2.24] # لما بين الله لهم طريق الاهتداء إلى معرفة أحوال الرسول (صلى الله ~~عليه وآله)، وأرشدهم إلى قانون يعرف منه صحة ما جاء به من فساده، ويمتاز ~~بذلك حقه من باطله، أمرهم بتقوى النار المعدة للكفار. # معناه: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، وقد تظاهرتم أنتم وشركاؤكم وأعوانكم ~~من فصحاء العرب وبلغائهم مع كثرة عددهم كحصى البطحاء، وتبين لكم عجزكم ~~وعجز غيركم، وعلمتم أن الإتيان ببعض قليل منه ليس في مقدرة البشر، فلا ~~تقيموا على التكذيب به والإعراض عنه، فاتقوا النار واحذروا أن ~~تصلوها بتكذيبكم للحق وإعراضكم عن الحق. # وعامل الجزم في " تفعلوا " " لم " - دون " إن " - لأنها الأصل ~~فيه، واجبة الإعمال، مختصة بالمضارع، متصلة بمعمولها؛ ولأنها لما ~~صيرته ماضيا صارت كالجزء منه، وحرف الشرط كالداخل على المجموع، وكأنه ~~قال: " فإن تركتم الفعل " ولذلك جاز اجتماعهما. # وقوله: " ولن تفعلوا " جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب، ~~معناه: " ولن تأتوا بسورة من مثله أبدا " ، لأن: " لن " نفي على ~~التأبيد في المستقبل، أو على التأكيد فيه. # وفيه مع ما مر في الآية السابقة، دلالة على حقية النبوة من وجوه: # أحدها: ما فيهما من التحدي والتحريض على الجد، وبذل الوسع، وجمع ~~العدد والعدد في المعارضة بالتقريع، والتحديد، وتعليق الوعيد على عدم ~~الإتيان بما يعارض أقصر سورة من القرآن؛ ثم إنهم مع كثرتهم واشتهارهم ~~بالفصاحة، وتهالكهم على المضادة، لم يتصدوا لمعارضته، والتجأوا إلى ~~جلاء الوطن والعشيرة، وبذل الأرواح والمهج؛ وهذا من أقوى الدلائل على ~~اعجاز القرآن، لأنهم - وهم فرسان اللسان -، لو كان في امكانهم ومقدرتهم ~~الإتيان بمثله أو بمثل سورة منه، لأتوا به، وحيث ما أتوا به ظهر العجز ~~وعلم المعجز. # وثانيها: إنه (صلى الله عليه وآله) وإن كان متهما عند الأشرار ~~والكفار فيما يتصل بأمر النبوة، فقد كان معلوم الحال في وفور العقل ~~وكمال الفضل والحزم في معرفة العواقب، فلو تطرق الشك ms0425 أو التهمة إلى ما ~~ادعاه من النبوة، لما استجرء في دعواه، ولم تتبادر نفسه إلى أن ~~يتحداهم بالغا في التحدي نهايته، وفي التقريع للخصوم غايته، بل كان ~~خائفا من وقوعه في فضيحة يعود وبالها على جميع أموره - حاشاه من ذلك ~~(صلى الله عليه وآله) -، فلولا كان على بصيرة من أمره، وتثبت في قول ~~ربه، ومعرفة بعجزهم وأمثالهم عن المعارضة، لما اجترء على أن يحملهم على ~~المعارضة بأبلغ وجه وآكده. # وثالثها: إنه [لو] لم يكن قاطعا بصحة نبوته، لما قطع في الخبر ~~بأنهم ونظرائهم من أفراد البشر، لن يأتوا أبدا بمثل القرآن، فإن ~~الشاك المجوز لوقوع خلاف ما ادعاه، لا يقطع في الكلام هذا المبلغ، ~~مخافة أن يظهر خلاف دعواه، فتدحض حجته، وقد أوجد الله مصداق ما أخبره ~~ومطابق ما وعده رسوله، حيث إنه من أوان رسالته (صلى الله عليه وآله) إلى ~~هذا العصر، لم يخل وقت من الأوقات من أعادي الدين وخصماء الإسلام، ومن ~~يشتد دواعيه في الوقيعة فيه والإطفاء لنوره. # ثم إنه مع ذلك لم توجد المعارضة قط، إذ لو عارضه معارض بشيء لامتنع ~~خفاؤه عادة بأن لا يتواصفه حملة الأخبار، ولا يتناقله الحكوية - سيما ~~والطاعنون فيه أكثف عددا من الذابين عنه في كل عصر وزمان -. # واعلم أن هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) لم يكن محتجا بالأدلة العقلية، وأن القرآن خال عنها، لأن ~~الله تعلى قد احتج على الكفار بما ذكره في هذه الآية، وألزمهم به تصديق ~~نبيه - عليه وآله السلام -، وقررهم بأن القرآن كلامه إذ قال: " إن كان ~~هذا القرآن كلام محمد (صلى الله عليه وآله) فأتوا بسورة من مثله، لأنه ~~لو كان كلام البشر لجاز وتهيأ لكم - مع تقدمكم في البلاغة والفصاحة - ~~الإتيان بمثله أو ببعضه مع قوة دواعيكم إليه؛ فإذ لم يتأت لكم، ~~فاعلموا بعقولكم أنه كلام الله تعالى، لا كلام البشر ". # وهذا بعينه احتجاج عقلي على صورة قياس شرطي استثنائي يستنتج فيه، يثبت ~~أولا صحة الملازمة ms0426 بين مقدم القضية الشرطية وتاليها، ثم باستثناء ~~نقيض التالي نقيض المقدم. # و " الوقود " - بالفتح -، إسم ما توقد به النار، وبالضم هو المصدر، ~~وجاء فيه بالفتح أيضا - كما نقل عن سيبويه -، لكن الضم فيه أكثر ~~وقوعا، ولا يبعد أن يكون المضموم مصدرا سمي به، كما تقول " فلان فخر ~~قومه وزين بلده ". وقد قرء بالضم عيسى بن عمر الهمداني، والإسم أظهر، ~~وهو الحطب. # وإن أريد به المصدر، يكون من قبيل قولك " حياة المصباح السليط " أي: به. ~~أو على حذف مضاف، أي: وقودها احتراق الناس والحجارة. # و " الحجارة " جمع حجر، كجمالة - جمع جمل. # قال في الكشاف: " معناه: أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران بأنها ~~لا تتقد إلا بالناس والحجارة، وبأن غيرها إن أريد احراق الناس بها، أو ~~إحماء الحجارة، أوقدت أولا بوقود، ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو ~~إحماؤه، وتلك - أعاذنا الله منها برحمته الواسعة - توقد بنفس ما يحرق ~~ويحمى بالنارن وبأنها - لإفراط حرها وشدة ذكائها - إذا اتصلت بما لا ~~تشتعل به نار اشتغلت وارتفع لهبها ". # أقول: إن نار جهنم ممتازة عن سائر النيرانات بأمور شتى: # منها: انها أخروية غير محسوسة بهذه الحواس الفانية، إلا بعد انقلابها ~~إلى النشأة الآخرة، فعند ذلك يشاهدها الإنسان بعين اليقين، والعارف ~~يشاهدها الآن بعلم اليقين، كما دل عليه قوله تعالى: # كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ~~ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر:5 - 7]. # ومنها: أنها كامنة أولا في بواطن الأشياء التي هي وقودها، ثم تبرز من ~~الباطن إلى ظاهرها، وسائر النيران تستولي أولا على ظاهر الحطب وما يجري ~~مجراه، ثم تنصرف إلى باطنه. # وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: # كلما خبت زدناهم سعيرا # [الإسراء:97]. # ولم يقل: " زدناها " ، دل على أنه كلما خبت - يعني النار المتسلطة ~~على أبدانهم -، زدناهم - يعني نفوس المعذبين - سعيرا؛ فمعناه أن النار ~~تغلب أولا على بواطنهم، ثم يسري العذاب بها إلى ظواهرهم. # ويحتمل أن يكون المراد: كلما خبت النار في ظواهرهم، ووجدوا الراحة من ~~حيث أبدانهم، سلط الله عليهم الفكرة في حالهم وعاقبتهم ms0427 فيما كانوا فيه ~~من الأمور التي لو عملوا بها ولم يعملوا بأضدادها، لنالوا السعادة العظمى ~~والغبطة الكبرى، فيزداد بذلك عذابهم المعنوي، أشد من حلول العذاب ~~المقرون بتسليط النار المحسوسة على أجسادهم. # ومنها: أن فعل المعاصي والشهوات واللذات، يولدها ويقويها، وفعل ~~التوبة يطفئها وينفيها، ويفعل بها ما يفعله صب الماء على هذه النيران. # ومنها: أنها كما تستولي على الأجسام، تستولي على النفوس أيضا، قال ~~تعالى: # نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة # [الهمزة:6 - 7]. بخلاف نيران الدنيا، فإنها لا يبلغ أثر حرها إلى ~~النفس ولا يتعدى عن الجسد. # فالنار الأخروية ناران - وإن كان تحت كل منهما أنواع كثيرة -: نار ~~الله، ونار الجحيم؛ فأما نار الله، فهي نار حرها القطيعة من الله ~~تعالى، بها يعذب قلوب المنافقين والمحجوبين عن الحق، مع مكنة ~~استعدادهم لدركه، كما قال: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم ~~إنهم لصالوا الجحيم # [المطففين: 15 - 16]. # وأما نار الجحيم، فهي نار الشهوات والمخالفات على الغفلة والجهالات، فهي ~~تحرق الجلود، كما قال تعالى: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما # [النساء:56]. ولا تخلص هذه النار إلى لب القلوب. وان عذاب حرقة الجلود ~~بالنسبة إلى عذاب حرقة القلوب، كنسيم الحياة وسموم الممات - كما قيل: # ففي فؤاد المحب نار هوى # أحر نار الجحيم أبردها # وقيل أيضا: # النار ناران: نار كلها لهب # ونار معنى على الأرواح تطلع # وهي التي ما لها سفع ولا لهب # لكن لها الم في القلب ينطبع # ومنها: أن نار الدنيا نوع واحد لا يختلف في الحقيقة، وله طبقة واحدة، ~~ونار الآخرة - كما سنشير إليه -، أنواع كثيرة متخالفة الحقائق، ولها ~~طبقات سبع، إلى كل منها باب على حدة، على عدد مشاعر الإنسان - الوهم، ~~والخيال، والحواس الخمس -. # وأبواب الجنة ثمانية، يزيد عليها بواحد هو باب القلب - المغلق على ~~أكثر الناس، سيما الكفار والمنافقين -، وغيره من السبعة يقع الإشتراك ~~فيه بين الطريقتين، على شكل الباب الذي إذا فتح إلى طريق منزل، انسد به ~~طريق منزل آخر، فعين غلقه ms0428 لمنزل عين فتحه لمنزل آخر. # وأما أسماء أبوابها السبعة: فباب جهنم، وباب الجحيم، وباب ~~السعير، وباب سقر، وباب لظى، وباب الحطمة، وباب سجين، ~~والباب المغلق - وهو الباب الثامن الذي لا يفتح الحجاب -. # ومنها: أن طبقة من طبقاتها - وهي التي تسمى سجين -، كتاب مرقوم كما ~~قال تعالى: # ومآ أدراك ما سجين * كتاب مرقوم # [المطففين:8 - 9]. وليس شيء من هذه النيران كتابا. # ومنها: أنها تحوي على الأجسام الحارة والباردة جميعا، وهذه النار ~~يختص احتواؤها بالجسم الحار، دل على ذلك قوله تعالى: # والبحر المسجور # [الطور:6] وقوله: # أغرقوا فأدخلوا نارا # [نوح:25]. # ومنها: أن اشتدادها وتسلطها على أحد يلذ وينفع له في الدنيا، ويؤلم ~~ويضر به في الآخرة، كما أشير إليه بقوله: # وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم ~~قليلا * إن لدينآ أنكالا وجحيما * وطعاما ذا ~~غصة وعذابا أليما # [المزمل:11 - 13]. # ومنها: أن موقد هذه النار هو جسم آخر كالإنسان ونحوه، بحركاته وتحريكاته ~~من تمويجه للهواء وغيره، وأما مهاد النار الأخروية فهم ملائكة العذاب، ~~وسدنة النيران باستخدام الله إياهم، وهم على عدد معين عند أهل الإيمان ~~واليقين، كما قال تعالى: # عليها تسعة عشر # [المدثر:30]. # وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة # [المدثر:31]. - إلى قوله - # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر:31]. # ومنها: أن هذه النار تحرق كلما يلقى فيها من الكتب - سواء كان المكتوب ~~فيها حقا أو باطلا -، بخلاف تلك النار، فإنها تحرق كتاب الفجار ~~فقط دون كتاب الأبرار، إذ يمتنع عليها احراق كتاب أهل الحق، ويمتنع ~~عليه أن يحترق، لأن المرقوم فيه علوم باقية أبد الدهر، لا تحرقها ~~النار، ولا يمحوها الماء. # وفي الحديث: # " لا يأكل محل الإيمان التراب ". # ومنها: أن هذه النار تحرق كل من ألقي فيها - مؤمنا كان أو كافرا -، ~~بخلاف النار الأخروية، فإنها لا تحرق جسد المؤمن، بل تنطفي بوروده ~~عليها، كما ورد في الحديث: # " إنها تقول: جزني يا مؤمن فإن نورك أطفأ لهبي ". # ومنها: أن الصراط، الذي لا بد لكل أحد من المرور عليه ليدخل الجنة، ~~هو واقع على متن ms0429 نار جهنم، بحيث وقوع الإنحراف والعدول عنه يقتضي ~~الوقوع فيها، إلا أن يعفو الله عنه، بخلاف هذه النار، إذ ليس الصراط ~~واقعا عليها، ولا العدول عن الصراط يوجب الوقوع فيها. # إلى غير ذلك من الخواص والمميزات، التي يمكن استفادتها والاستبصار بها ~~من اقتباس أنوار الآيات القرآنية، وأسرار الأحاديث النبوية. # وقيل: هي حجارة الكبريت، وذلك تخصيص بلا دليل، - بل فيه ما يدل على ~~فساده -، لأن الغرض ههنا تعظيم تلك النار، والايقاد بحجارة الكبريت ~~معتاد، فلا يدل الايقاد بها على قوة النار، أما لو حملناه على سائر ~~الحجارة، دل على عظم أمر النار لأنها مطفية لنيران الدنيا، ونار ~~الآخرة تتعلق بها وتوقد منها. # إشارة: # قال بعض أهل الكشف: إن النار مخلوقة من صفة غضب الله، ومن الاسم " ~~المنتقم " ومن تجلى قوله في حديث قدسي عنه: # " جعت فلم تشبعني، وظمأت فلم تسقني، ومرضت فلم تعدني " # وهذا أعظم نزول الحق، فلذلك تجبرت على الجبابرة وقصمت المتكبرين، ~~وجميع ما يخلق فيها من الآلام التي يجدها الداخلون فمن صفة الغضب الآلهي، ~~ولا يكون ذلك إلا عند دخول الخلق فيها، قال الله تعالى: # ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل ~~عليه غضبي فقد هوى # [طه:81]. فإن الغضب ههنا عين الألم. # وقال بعضهم: " وجميع ما تفعله النار بالكفار من باب شكر المنعم ~~وإنعامه، حيث أنعم عليها بأنواع الوقود والحطب، فما تعرف منه سبحانه ~~إلا النعمة المطلقة التي لا يشوبها ما يقابلها، والناس غالطون في شأن ~~خلقها ". وسنزيدك بيانا إن شاء الله تعالى. # فصل # في الإشارة إلى كون نار الآخرة ذات حقائق متخالفة # قال في الكشاف: " فإن قلت: أنار الجحيم كلها موقدة بالناس والحجارة، ~~أم هي نيران شتى منها نار بهذه الصفة؟ # قلت: بل هي نيران شتى، منها نار توقد بالناس والحجارة، يدل على ذلك ~~تنكيرها في قوله؛ # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم:6]. # فأنذرتكم نارا تلظى # [الليل:14]. ولعل لكفار الجن وشياطينهم نارا وقودها الجن ~~والشياطين، كما إن لكفرة الإنس نارا وقودها هم، جزاء لكل جنس بما ~~يشاكله من ms0430 العذاب - انتهى -. # أقول: قد تكلم بكلام حسن في بابه يشبه كلام أهل الكشوف. # وكأنه مما أنطق الله بالحق لسانه، وأجرى على وفقه بيانه؛ فإن التحقيق ~~أن الملذ والمؤذي لكل جنس هو ما يجانسه ويجانس آلة إدراكه، فللبصر ~~من باب المبصرات، وللسمع من باب المسموعات، وكذا للشم والذوق واللمس من ~~أبوابها، وللخيال من بابه، وللوهم من بابه، وهذه الأبواب سبعة أجناس، ~~تحت كل [جنس] منها أنواع شتى، وتحت كل نوع أفراد لا تحصى. # ثم إنه قد تقرر في مقامه، أن فعل كل قوة من القوى - حتى الوهم ~~والخيال -، لا يتم إلا بحرارة تخص بها، وهذه الحرارة ليست اسطقسية، ~~لأنها حرارة غريزية، والحرارة الغريزية فائضة من عالم السماء، ~~والأسطقسية بخلافها. # فإذا تقرر هذا، فيشبه أن يكون قياس أفنان نيران الآخرة هذا القياس، ~~وكل نار لها وقود خاص، ولكل وقود نار مخصوصة، النوع للنوع، والشخص ~~للشخص، فهي متعددة الأفراد التي فيها، بل إنها متعددة بتعدد مدارك ~~الشهوات والآلام، متفننة على حسب فنون المعاصي والآثام. # بقي الكلام في أنه سبحانه لم قرن الناس بالحجارة؟ # فأكثر المفسرين وجهوا ذلك بأنهم لما قرنوا بها أنفسهم في الدنيا ~~حيث نحتوها أصناما، وجعلوها لله أندادا، وعبدوها من دونه، فجمع الله ~~بينهم وبينها في الآخرة بالعذاب والإلقاء في النار والإيقاد، قال الله ~~تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء:98]. # والقرآن مما يفسر بعضه بعضا، فهذه الآية مفسرة بتلك ف # إنكم وما تعبدون # [الأنبياء:98] بمعنى { الناس والحجارة } ، و # حصب جهنم # [الأنبياء:98] في معنى { وقودها } ، وقد تأكد هذا بما في الحديث: # " حتى أنه لو أحب أحدكم حجرا لحشر معه ". # وقيل: المراد الذهب والفضة التي كانوا يكنزونهما ويغترون بها، ويشحون ~~بها ويمنعونها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها ~~جباههم وجنوبهم وظهورهم - فإن أصل المعادن من الأحجار - وعلى هذا، لم ~~يكن لتخصيص اعداد هذا النوع من العذاب وجه. # وقيل: هي حجارة الكبريت؛ وهو تخصيص بغير دليل. # وههنا وجه آخر: إن أدنى المركبات القابلة للانفساد هو الجماد، ms0431 ~~وأعلاها رتبة هو الإنسان؛ ففي الآية إشارة إلى احتواء النار للجميع، ~~واستيلائها على الكل بذكر طرفيها الأقصيين، وهما الأخس والأشرف. # وفي قوله: { أعدت للكافرين } - أي: هيئت لهم وجعلت عدة ~~لعذابهم - إشارة لطيفة [إلى] أن المقصود بالذات من خلق النار، تعذيب ~~الكفار لأنهم عمارها الباقون فيها أبدا، لا يمكنهم الخروج عنها كما ~~قال تعالى: # لا تفتح لهم أبواب السمآء ولا يدخلون ~~الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك ~~نجزي المجرمين # [الأعراف:40]. وكقوله: # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها # [السجدة:20]. # لهم فيها دار الخلد جزآء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون # [فصلت:28]. # وليس فيه اختصاص الكافرين بها، بل يجوز أن يكون لغيرهم أيضا دخول فيها ~~على التبعية كالأحجار وغيرها، كما قال في الجنة: # أعدت للمتقين # [آل عمران:133]. لأن بناءها على التقوى والطهارة عن الأدناس، ومع ذلك ~~يدخلها الأطفال والحيوانات، والحور والغلمان، والمجانين والنسوان. # والجملة استيناف، أو حال باضمار: " قد " من " النار " ، لا من ~~الضمير الذي في " وقودها " ، وإن جعل مصدرا لوقوع الفصل بينهما ~~بالخبر. # لمعة شرقية: # قال أهل الإشارة وأصحاب البشارة: { وقودها الناس والحجارة ~~} يعني بالناس أنانية الإنسان، التي وقع بتعينها وخصوصيتها والإحتجاب ~~بها نسيان العهد القديم لله، الجامع لجميع النعوت الإلهية والتجليات ~~الربانية، كما أشير إليه بقوله: # ولقد عهدنآ إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه:115]. وبالحجارة - كالذهب والفضة - وما يجري مجراهما من الأجساد ~~المعدنية والنباتية والحيوانية، التي بها تحصل مرادات النفس وشهواتها، ~~وتميل اليها بالهوى عن الهدى. # أقول: ويحتمل أيضا أن يراد ب " الناس " ، أنانية الإنسان التي بها ~~تعينه الخاص، أعني نفسه المشعور بها دائما، ما دامت غير فانية عن ~~ذاتها، وب " الحجارة " جسده المركب من العظام الصلبة جمعا بين النفس ~~والبدن في العذاب - عذاب نار القطيعة للقلوب، وعذاب نار الجحيم للجلود -. # أو يراد بها مادة قلبه القاسي، المشارك لسائر الأحجار في الجسمية ~~والكدورة والصلابة، كما في قوله [تعالى]: # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة # [البقرة:74].................................... وعلى أي الوجوه ~~الثلاثة، فكل من الناس والحجارة وقود ms0432 نار على حدة من نيران الآخرة. # ولا يظنن أحد، أن مثل هذه التحقيقات يدل على إبطال ما هو المفهوم من ~~ظاهر الآية، وإهمال ما قاله العلماء، - كلا -، ولكن تصديقا لقوله عليه ~~وآله السلام " إن للقرآن ظهرا وبطنا " ، فظاهره دال على ما فسر ~~به العلماء الظاهريون؛ وباطنه على ما حققه وتحقق به المحققون ~~المحقون بالكشف، بشرط أن يكون موافقا للكتاب والسنة، ويشهدان عليه ~~بالحق، فإن كل دعوى لم يشهد عليه واحد منهما، فهو من تفاريع العبث ~~والجزاف، وشعب الفسوق والكفر والخلاف. # تتميم: # وقد بقي ههنا سؤالات: # أحدها: إن إنتفاء إتيانهم بسورة معلوم حتم، فهلا جيء ب " إذا " الذي ~~للوجوب، دون " إن " الذي للشك؟ # والجواب بوجهين: # الأول: أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم، وأنهم كانوا بعد غير ~~جازمين بالعجز عن المعارضة، لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم [على ~~الكلام]. # الثاني: أن يتهكم بهم، كما يقول الموصوف بالقوة، الواثق من نفسه عمن ~~يقاومه: " ان غلبتك لم أبق " وهو يعلم انه غالبه - تهكما به -. # وثانيها: لم قال: " فإن لم تفعلوا " ولم يقل: " فإن لم ~~تأتوا بسورة من مثله "؟ # الجواب: لأن هذا أخصر. # وثالثها: ما حقيقة " لن " في باب النفي، وما أصله؟ # الجواب: قد مر معناه. وفي أصله ثلاثة أقوال: ألف -: أصله " لا أن " وهو ~~قول الخليل. ب -: " لا " أبدلت ألفها نونا؛ وهو قول الفراء. ج -: حرف ~~ينتصب، لتأكيد نفي المستقبل؛ وهو قول سيبويه، وإحدى الروايتين عن الخليل. # ورابعها: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء اتيانهم بسورة من ~~مثله؟ # والجواب: إذا ظهر عجزهم، صح عندهم حقية النبي (صلى الله عليه وآله) ~~في دعوى الرسالة، وإذا صح ذلك ثم لازموا العناد والإنكار والاستكبار، ~~استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد والحسد واللداد، ~~فوضع " فاتقوا النار " موضع " فاتركوا العناد " للتلاصق بينهما ~~والتلازم، لأن متقي النار تارك المعاندة والإنكار، فأنيب منابه وأبرز ~~في صورته، منضما إليه تهويل صفة النار، وتفظيع شأنها في الإحراق ~~والإحماء. # وخامسها: صلة " الذي " وأخته يجب أن يكون حكما معلوما، فكيف علم ~~أولئك أن ms0433 نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ # والجواب: ليس يبعد أن يتقدم لهم [بذلك] سماع من أهل الكتاب، أو قرع ~~سمعهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو سمعوه قبل هذه الآية في ~~سورة التحريم من قوله تعالى: # نارا وقودها الناس والحجارة # [التحريم:6]. لأنها مكية وهذه مدنية. # وسادسها: فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة هناك منكرة، وههنا ~~معرفة؟ # الجواب: لسبق المعرفة ههنا بوقوع الجملة صلة هناك، فيجب أن تكون قصتها ~~معلومة ههنا دون هناك، لأن تلك الآية لما نزلت بمكة - زادها الله شرفا ~~وتعظيما - فعرفوا منها نارا موصوفة بهذه الصفة، ثم نزلت هذه بالمدينة ~~المنورة مشارا بها إلى ما عرفوه أولا. ### || [2.25] # اعلم - هداك الله إلى حقائق الإيمان - أن أصول الدين وأركان اليقين، هي ~~العلم بأحوال المبدء - من توحيده وعدله - وأسرار المعاد - من الرجوع إليه ~~والجزاء - وسر النبوة وما يتعلق بها؛ والله سبحانه لما تكلم في ~~التوحيد والنبوة، تكلم بعدهما في المعاد، من عقاب الكفار وثواب ~~الأبرار، وإنما أخره عن إثبات النبوة، لتأخر وقوعه، ولأن العلم ~~به لا يحصل إلا من جهة اتباع الوحي والنبوة، لقصور العقول البشرية ~~عن إدراك أحواله. # ومن عادة الله تعالى، أنه ذكر آية في الوعيد، عقبها بآية في الوعد، ~~وإذا أخبر بالإنذار والترهيب، شفعه بالبشارة والترغيب، فلما ذكر ~~الكفار وأعمالهم، وأوعدهم بالعقاب، شفعه ببشارة عباده الذين جمعوا بين ~~العلم والعمل، والتصديق والطاعة. # واعلم أن أحوال المعاد نوعان: روحاني وجسماني: # والأول: يمكن إثبات وقوعه بالعقل على وجه ضعيف ناقص، وبالشرع على وجه ~~قوي تام. # والثاني: يمكن إثبات إمكانه بالعقل جملة، بتصديق الرسالة، وخبر ~~النبوة. وأما إثبات وقوعه تفصيلا فلا يمكن بالعقل، لكن الإعتقاد به ~~تسليما وايمانا يحصل لكل مسلم منقاد لأحكام النبوة. # وأما العلم بثبوت أحوالهما عرفانا وكشفا فيحتاج إلى إحكام طريق ~~المتابعة وتأكيد الإخلاص في اقتباس أنوار النبوة من مشكاة القرآن ~~والحديث، بالعبودية التامة، والتدبر في آيات السموات والأرض وغاياتها، ~~وعواقب المكونات ونهاياتها، والإطلاع على أحوال النفس الإنسانية ~~وتطوراتها في الحالات، وتقلباتها في النشئآت. # ثم إنه ms0434 تعالى ذكر مسئلة المعاد في آيات لا تحصى، لصعوبة فهمها على ~~الأفهام، وكثرة الشبه والشكوك الواردة فيها من الأوهام، وذكر إثباتها ~~على وجوه مختلفة: # فتارة ذكرها بعد حكاية إنكار المنكرين للحشر والنشر، وحكم بأنه واقع ~~كائن من غير ذكر الدليل، لجواز إثبات ما [لا] يتوقف اثبات النبوة ~~عليه بالدليل النقلي، والاعتقاد بهذه المسئلة على وجه تكلف به جمهور ~~الخلق، ويكفي لصحة العمل من هذا القبيل، فجاز إثباتها بالنقل. # مثاله، ما حكم ههنا بإثبات النار للكفار والجنة للأبرار، وما أقام ~~عليه دليلا، بل اكتفى بالدعوى، وإن كانت فيه إشارة لأهل الإستبصار إلى ~~أنوار الهداية لأسباب وجود الجنة والنار، وكيفية نشؤهما في الآخرة من ~~الأعمال والنيات، فإن " تعليق الحكم بالوصف مشعر بالسببية ". # فالبصير المحدق، والعارف المحقق، يبصر ويعرف بنور بصيرته عين عرفانه، ~~أن جحود الجاحدين للحق بعد وضوحه، وريب المنكرين للقرآن عند سطوع نوره ~~وإشراقه، وايقادهم نار الفتنة والعداوة بحرقة في صدورهم، وقساوة في ~~قلوبهم، يذهب بهم طريق الأشرار، ويسلك بهم عن سبيل الأبرار. ويعذبهم في ~~الآخرة بعذاب الكفار، ويجعلهم بقلوبهم وجلودهم وقود النار، التي كمنت ~~فيهم أولا في حياتهم الدنيا، ثم قويت شيئا فشيئا بإذابة كبريت ~~الشهوات، وإضافة قوة نار الحسد وضرام العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، ~~فتبرز غاية البروز، وتشتعل بهم غاية الاشتعال، فتبتدي من بواطنهم ~~وقلوبهم، ثم تتعلق بظواهرهم وجلودهم، وكلما نضجت جلودهم بدلهم الله ~~جلودا غيرها ليذوقوا العذاب، وهكذا يفعل الله بهم إلى أن يقضي الله ~~أمرا كان مفعولا. # وكذا القياس في سببية الإيمان والعمل الصالح من نفوس المؤمنين ~~للارتقاء بها إلى عالم الأنوار، وجنة الأبرار، كما في قوله: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر:10] فقلوبهم في مقاعد الصدق واليقين ساكنة، وأبدانهم في بساتين ~~دار الحيوان سائرة، وهكذا يفعل الله بقلوبهم وبأبدانهم فعل صاحب المنزل ~~بالضيف ودابته، حيث يقعده بقربه، ويسرح دابته في بستانه. # وطريقة أخرى: # ذكرها مشفوعة بالقسم، لقصور افهام الأكثرين عن فهم الدليل، فقال في ~~سورة النحل: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله ms0435 من ~~يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون # [النحل:38]. وقال في [سورة] التغابن: # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم # [التغابن:7]. # وطريقة أخرى: # أثبت امكان الحشر والنشر، بناء على كونه تعالى قادرا على أمور تشبه ~~الحشر والنشر، وقد فرق الله تعالى هذه الطريقة على وجوه، أشملها وأجمعها ~~ما جاء في سورة الواقعة، فإن المذكور فيها عدة من آيات المعاد، بعضها ~~لدفع الشبه في استحالة وقوعه، كقوله حكاية عن الكفار وأصحاب الشمال: # وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أئنا لمبعوثون # [الواقعة:47] فهذه شبهة واحدة، وقوله: # أو آبآؤنا الأولون # [الواقعة:48]. شبهة أخرى، فأجابهم الله تعالى عن هاتين الشبهتين جميعا، ~~تعليما لنبيه (صلى الله عليه وآله) بقوله: # قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # [الواقعة: 49 - 50]. # وقد بينا تقرير الشبهتين، وفسرنا الجواب مطابقا لكل منهما على وجه ~~لم تبق معه ظلمة شك ولا رين، فليطلب من هناك. # وبعضها لإمكان جمع المتفرقات من أجزاء بدن الإنسان، كقوله تعالى: # أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون # [الواقعة:58 - 59]. # وجه الاستدلال به - كما في التفسير الكبير للإمام الرازي - أن المني ~~إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع، وهو كالطل المنبث في آفاق أطراف ~~الأعضاء، ولهذا تشترك الأعضاء في الالتذاذ بالوقاع، ويجب غسلها كلها عن ~~الجنابة لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله قد سلط قوة الشهوة ~~على البنية، حتى انها تجمع تلك الأجزاء الطلية المتفرقة في أوعية ~~المني. # فالحاصل، أن تلك الأجزاء كانت متفرقة جدا أولا في أطراف العالم، ~~ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، منبثة في أطراف بدنه، ثم ~~جمعها بقوة المولدة في أوعية المني، ثم أخرجها ماء دافقا إلى قرار ~~الرحم؛ فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها، وكون منها ذلك الشخص، ~~فإذا تفرقت بالموت مرة أخرى، فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى؟! # فهذا تقرير هذه الحجة في هذا المنهج، وأن الله ذكر هذا المنهج في مواضع ~~من كتابه الكريم، منها ms0436 في سورة الحج: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # [الحج:5] إلى قوله: # وترى الأرض هامدة # [الحج:5]. وقال: # ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى ~~وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ~~ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور # [الحج:6 - 7]. # وقال في لا أقسم: # ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة ~~فخلق فسوى # [القيامة:37 - 38]. # وقال في قد أفلح بعد ذكر مراتب الخلقة: # ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم ~~القيامة تبعثون # [المؤمنون:15 - 16]. # وقال في الطارق: # فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من مآء دافق # [الطارق:5 - 6] إلى قوله: # إنه على رجعه لقادر # [الطارق:8]. # أقول: ونحن بتأييد الله ونور توفيقه وإحسانه، قررنا آيات هذا المنهج ~~على وجه أسد وأحكم، وأنور وأقوم، وأدل على سر المعاد وحشر الأجساد، ~~كما سيأتي بيانه من ذي قبل، حيث يحين حينه إن شاء الله تعالى. # وبعضها للدلالة على قدرة الحكيم المريد، القدير على ما يشاء ويريد، ~~كقوله: # أفرأيتم ما تحرثون * ءأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة:3 - 64]. وقوله: # أفرأيتم المآء الذي تشربون * ءأنتم أنزلتموه ~~من المزن أم نحن المنزلون # [الواقعة:68 - 69]. وقوله: # أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم ~~شجرتهآ أم نحن المنشئون # [الواقعة:71 - 72] ولكل منها وجوه من البيان ليس ههنا موضع ذكرها. # ووجه الإمام الرازي الإستدلال بالأول على هذا المطلب؛ بأن الحب ~~وأقسامه - على اختلاف طبائعه وأشكاله - إذا وقع في الأرض الندية واستولى ~~عليه الماء والتراب، فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفن ويفسد، ثم إنه لا ~~يفسد، بل يبقى محفوظا وينمو ويزداد، يغوص بأصوله وعروقه في أعماق الأرض ~~ويصعد بأفنانه وأوراقه إلى جهات السماء، ثم يخرج ثماره وينتج أمثاله. # ووجه الإستدلال بالثاني؛ بأن الماء جسم ثقيل بالطبع، وإصعاد الثقيل أمر ~~على خلاف الطبع، فلا بد من قادر قاهر يقهر الطبع، ويبطل الخاصية، ويصعد ~~ما من شأنه الهبوط والنزول، وكذا الحكم في اجتماعها بعد تفرقها، ~~وتسييرها بالرياح الهابة، وإنزالها في مظان الحاجة، والأرض الجرز - ~~وكل ذلك يدل على جواز الحشر ms0437 -. # ووجه الإستدلال بالثالث؛ بأن النار صاعدة بالطبع والشجرة هابطة؛ ~~وأيضا النار لطيفة نورانية والشجرة كثيفة ظلمانية؛ وهي حارة يابسة، ~~وهذه باردة رطبة؛ فإذا أمسك الله تعالى في داخل الشجرة تلك الأجزاء ~~النورانية النارية، فقد جمع بقدرته هذه الأشياء المتنافرة، فإذا لم ~~يعجز عن ذلك، فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها. وإنه تعالى ذكر ~~هذه الدلالة في سورة يس فقال: # الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا # [يس:80]. - انتهى كلامه -. # ولا يعجبني شيء من هذه الوجوه التي ذكرها في بيان الاستدلال بتلك الآيات ~~على المعاد، لأن مبناها على إثبات القدرة بإبطال الحكمة، والاستدلال ~~على صحة موارد النقل بهدم قواعد العقل، وتبديل سنة الله في جريان ~~الأشياء، وليس ذلك مما يليق بأهل البصيرة والتحقيق، بل الحكمة تقتضي ~~البعث، والطبيعة تجري إلى غايات وتنتهي ببعض الأشياء - كالإنسان - إلى ~~نشئآت، والحكماء الراسخون قد أثبتوا للطبائع غايات، وللأعمال مجازاة، ~~وعليها مكافأة. # ولكل من الآيات المذكورة وجه وجيه حسن سنتكلم فيه إن شاء الله ~~[تعالى]. # والطريقة الرابعة: # قد هدى الناس فيها إلى حقية المعاد، بذكره مرتبا على ذكر المبدء، ~~وهذا باب واسع لأهل الاستبصار في تحقيق أحوال المعاد من أحوال المبدء، ~~لما حقق في مقامه، أن سلسلة ترتيب الأشياء بداية، كسلسلة ترتيبها ~~نهاية، فبازاء كل مرتبة من مراتب إحداها، مرتبة نظيرته من الأخرى - على ~~التكافؤ التعاكسي -، إذ الوجود كله كدائرة ينعطف على نفسه ويدور على ~~أصله، فمن إحدى النشأتين تعرف النشأة الأخرى، وبأحد العينين ينظر إلى ~~ما في الثانية بما في الأولى. # فلا تنظر - أيها الناظر في الأشياء - بالعين العوراء، كي تتجلى لك ~~جلية الحال في أسرار المبدء والمآل، وتهتدي بنور الفطرة والهداية إلى ~~تحقيق الأحوال، لا بنقل الأقوال في طي مراحل الجدال إلى ظلمات اسكندر ~~الخيال. # وقد ذكر الله تعالى هذا النوع من الدلالة في مواضع من كتابه الكريم: # منها في البقرة: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون # [البقرة:28]. # ومنها قوله في الإسراء: # وقالوا ءإذا كنا عظاما ورفاتا ms0438 ءإنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا * قل كونوا حجارة # [الإسراء:49 - 50] إلى قوله: # قل الذي فطركم أول مرة # [الإسراء:51]. # ومنها في العنكبوت: # أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده # [العنكبوت:19]. # ومنها في الروم قوله [تعالى]: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه وله المثل الأعلى # [الروم:27]. # ومنها في يس: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس:79]. # والطريقة الخامسة: # الاستدلال باقتداره على خلق السموات على اقتداره على حشر الأجساد ~~وايجادها في النشأة الثانية. # ووجه الاستدلال بها؛ إن أقوى الشبه للمنكرين لاعادة الأجسام وبعثها ~~يوم القيامة بعد فسادها ودثورها، أنهم يقولون: لا بد لكل كائن من مادة ~~وحركة استعدادية، وسبق أسباب مادية، والله تعالى أزال هذا الوهم، بأن ~~حدوث الأجسام قد يكون على سبيل التكوين من جسم آخر، ولا بد فيها من ~~استحالة وحركة وقابل يتحرك في الكيفيات الاستعدادية، إلى أن يتلبس ~~بالكامنة، وتنخلع عن الكائنة - كما قرروه -، وقد يكون على ضرب آخر لا من ~~حركات المواد وتبدل الصور عليها بالإعداد والاستعداد، بل بمجرد جهات ~~فاعلية؛ من تصور المبادي الفعالة وغير ذلك؛ ألا ترى أن تخيلك للحموضة ~~يفعل صورة مائية في الفم، وتوهمك للوقاع يحدث في البدن مادة المني، ~~وصدور الأجرام السماوية بموادها وصورها من عالم القدرة الإلهية بمجرد ~~علمه تعالى وإرادته من هذا القبيل؛ وبذلك يرتفع الإشكال الوارد على حشر ~~الأجساد في عالم آخر. # فإذا أراد الله ايجاد الآخرة، وإنشاء النشأة الآخرة، يأمر ملائكة ~~الأجسام وأتباع إسرافيل بخلقها مرة أخرى عند القيام، بمجرد النفخ في ~~الصور، فيحضرها يوم النشور بنفخة واحدة، من غير تجدد وتراخ بينها في ~~الحضور، كما قال تعالى: # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون # [يس:53]. # وهذه الطريقة مما ذكرها الله تعالى في مواضع عديدة في كتابه؛ منها في ~~سورة الإسراء ومنها في يس. ومنها في الأحقاف: # أولم يروا أن الله الذي خلق السموات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى # [الأحقاف:33]. # وفيه تنبيه على أن " الإعياء " إنما يحدث للفاعل، إذا كان فعله ms0439 ~~بالحركة، وبمعاونة جهات التغير والانفعال، وبمشاركة المادة، وعند تصادم ~~جهتي الإرادة والطبيعة، وتعارض قوتي القابل والفاعل؛ وليس من هذا الباب ~~فعل القوي القدير على ما يشاء، الذي يفعل الأشياء ويخلق الأرض والسماء ~~بالإرادة المحضة، من غير أن يتحرك بمعاونة الآلة والمادة حتى يلزمه ~~الإعياء. # واعلم أن الفاعل باصطلاح الطبيعيين، ما هو يفعل بالحركة، وباصطلاح ~~الإلهيين، ما يفعل على سنة الإنشاء والإبداع؛ وفاعل الطبيعيين عند ~~هؤلاء يسمى بالمعد، ثم إن الله ينشئ النشأة الآخرة على طريقة ~~الإبداع. # ومنها قوله: # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد # [ق:15]. # الطريقة السادسة: # الاستدلال على البعث والحشر من جهة وجوب المجازاة، وإثابة المحسن وتعذيب ~~العاصي، وتمييز أحدهما عن الآخر، ليتم عدل الله وحكمته في باب العباد، ~~ولولا الحساب والعقاب، والجزاء والثواب، للزم الجور، وبطل العدل، وضاعت ~~الحقوق عن أربابها، واستقرت الظلامات على أصحابها، ولم يبق فرق بين ~~إحسان المحسن وإساءة المسيء؛ بل لكان النفع ضرا والضر نفعا، فإن ~~الخير والإحسان في أكثر الأمر يوجب المشقة والمضرة، ونقصان القوة، ~~وفوات المال واللذة بحسب الدنيا؛ والشر والإساءة على خلاف ذلك بحسبها؛ ~~فلا بد من نشأة أخرى تقع فيها المجازاة على أعمال الناس، وانتقام ~~المظلوم من الظالم، وايصال ذوي الحقوق إلى حقوقهم. # منها في يونس: # إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه ~~يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات بالقسط # [يونس:4]. # ومنها في طه: # إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس ~~بما تسعى # [طه:15]. ومنها قوله: # ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى # [النجم:31]. # ومنها قوله تعالى في سورة ص: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار * أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # [ص:27 - 28]. # وهذه الطريقة عند التحقيق، ترجع إلى طريقة إثبات الغايات للموجودات، ~~فإن للأشياء الطبيعية غايات تتوجه إليها في حركاتها وانقلاباتها، وهي ~~نهاياتها الذاتية، وتلك النهايات أيضا موجودات طبيعية تتوجه إلى ~~غايات ms0440 ذاتية أخرى، وهكذا لكل غاية غاية أخرى، حتى يحصل الانتقال من ~~دار الزوال إلى دار القرار، ومن الطبايع إلى الحقائق - كل يرجع إلى ~~أصله -، ومن الحركة إلى السكون، يومئد لا يتساءلون: # وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا # [طه:108]. ومن الخلق إلى الحق: # ألا إلى الله تصير الأمور # [الشورى:53]. ومن الظلم إلى العدل: # لا ظلم اليوم # [غافر:17]. ومن الاشتباه والتشابك إلى الامتياز والتفرق: # يومئذ يتفرقون # [الروم:14]. وأما اليوم فيتشابه فيه النقيضان، ويتشابك المختاصمان. # الطريقة السابعة: # الاستدلال بإحياء الموتى في الدنيا على صحة الحشر والنشر في الأخرى، ~~فمنها خلقة آدم ابتداء من غير مادة لأب وأم. # ومنها قصة البقرة في هذه السورة، وهي قوله: # فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى # [البقرة:73]. # ومنها قصة الخليل عليه السلام: # رب أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة:260]. # ومنها قوله تعالى: # أو كالذي مر على قرية # [البقرة:259]. # ومنها قصة يحيى وعيسى عليهما السلام، فإنه استدل على إمكان وجودهما ~~بعين ما استدل على جواز الحشر حيث قال: # وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا # [مريم:9]. # ومنها قصة أصحاب الكهف حيث قال: # ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ~~ريب فيها # [الكهف:21]. # ومنها قصة أيوب وهي قوله: # وآتيناه أهله ومثلهم معهم # [الأنبياء:84]. يدل على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا. # ومنها ما أظهر الله على يد عيسى عليه السلام من إحيا الموتى حيث قال: # وأحي الموتى # [آل عمران:49]. وقال: # وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ~~فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني # [المائدة:110]. # ومنها قوله تعالى: # أولا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم ~~يك شيئا # [مريم:67]. # وهذه الطريقة أيضا، ترجع إلى أنه تعالى في اختراعه لما يريد، لا يفتقر ~~إلى جهات المادة والاستعداد، والتحريك والإعداد، وليست فاعليته في وجود ~~الآخرة كفاعلية الفواعل الناقصة، التي لا تؤثر إلا في حركات المواد ~~والآلات بعد انتقال - يطرأ لذواتها الطبيعية والنفسانية - من ما تحتها ~~من المتجددات. # فهذه أصول طرق الدلائل على حقية المعاد، وبعث العباد، وحشر الأجساد، ~~وسيأتي الاستقصاء في كل ms0441 طريق طريق عند ذكر آيات الحشر والإعادة. # ولا يخفى أن منكر البعث وإحياء الأموات وقيام الساعة، كافر عقلا ~~ونقلا، أما من جهة العقل، فلإنكاره قدرة الله [تعالى] في معظم الأمور، ~~وأشرف العالمين وإبقاء الكونين، وإنكاره النبوة والكتاب. # وأما من جهة النقل، فلقوله تعالى: # ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن ~~تبيد هذه أبدا # [الكهف:35] إلى قوله: # أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة # [الكهف:37]. # فصل # قد وقع الاختلاف في أن الجنة والنار مخلوقتان، أم لا؟ وهذه الآية ~~صريحة في كونهما مخلوقتين؛ أما النار فلأنه تعالى قال في صفتها: # أعدت للكافرين # [البقرة:24] وهذا صريح في وجودها. # وأما الجنة، فقال في آية أخرى: # أعدت للمتقين # [آل عمران:133]، وأيضا قوله ههنا { وبشر الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أن لهم جنات } دال على وجودها، ~~لأنه إخبار عن وقوع هذا الملك، وحصول الملك في الحال يقتضي وجود المملوك ~~في الحال، فدل على أن الجنة والنار مخلوقتان. # وكذلك قوله تعالى: # وإن جهنم لمحيطة بالكافرين # [العنكبوت:54]. يدل على وجود النار، ووجود النار دال على وجود الجنة، ~~لعدم القول بالفصل. # قال الشيخ محيي الدين في الباب الحادي والستين من الفتوحات المكية في ~~معرفة جهنم وأعظم المخلوقات عذابا فيها: " اعلم عصمنا الله وإياك - أن ~~جهنم من أعظم المخلوقات، وهي سجن الله في الآخرة... وسميت جهنم لبعد ~~قعرها، يقال: " [بئر] جهنام " إذا كانت بعيدة القعر، وهي تحوي على ~~حرور وزمهرير، ففيها البرد على أقصى درجاته، والحرور على أقصى ~~درجاته، وبين أعلاها وقعرها خمس وسبعون ومائة من السنين. # واختلف الناس في خلقها " هل خلقت بعد أم لم تخلق؟ " والخلاف مشهور ~~فيها. وكذلك اختلفوا في الجنة، وأما عندنا وعند أصحابنا أهل الكشف ~~والتعريف، فهما مخلوقتان، غير مخلوقتين. # فأما قولنا: " مخلوقة " ، فكرجل أراد أن يبني دارا، فأقام حيطانها ~~كلها الحاوية عليها خاصة، فيقال: " قد بنى دارا " فإذا دخلها لم ~~يرد إلا سورا دائرا على فضاء وساحة، ثم بعد ذلك ينشئ بيوتها على ~~أغراض الساكنين فيها، من بيوت وغرف وسراديب ومهالك ومخازن، ms0442 وما ينبغي أن ~~يكون فيها مما يريد الساكن أن يجعل فيها من الآلات التي تستعمل في عذاب ~~الداخل فيها. # وهي دار حرورها هواء محترق لا جمر لها سوى بني آدم والأحجار المتخذة ~~آلهة، والجن لهبها، قال تعالى، # وقودها الناس والحجارة # [البقرة:24]. وقال: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء:98]. وقال تعالى: # فكبكبوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس ~~أجمعون # [الشعراء:94 - 95]. وتحدث فيها الآلات بحدوث أعمال الجن والإنس الذين ~~يدخلونها. # وأوجدها الله بطالع الثور، ولذلك كان خلقها في صورة الجاموس، هذا الذي ~~يعول عليه عندنا، وبهذه الصورة رآها أبو الحكم بن برجان في كشفه، وقد ~~تمثل لبعض أهل الكشف في صورة حية... # ولما خلقها الله كان زحل في الثور، وكانت الشمس والأحمر في القوس، ~~وكان سائر الدراري في الجدي؛ وخلقها الله من تجلي قوله في حديث عنه: " ~~جعت فلم تطعمني - الحديث "... ولا تكون الآلام فيها إلا عند دخول ~~أهلها فيها، وإلا فلا ألم فيها في نفسها، ولا في نفس ملائكتها. ومن ~~فيها من زبانيتها في رحمة الله منغمسون ملتذون، يسبحون لا يفترون. # فصل # " وبشر " عطف إما على الجملة السابقة، وليس انعطافه من جهة صورته ~~وكونه أمرا حتى يطلب له مشاكل في الصورة من أمر أو نهي يعطف عليه، ~~إنما المقصود عطف حال من آمن بالقرآن وعمل بمقتضاه، وكيفية ثوابه، ~~على حال من كفر به وأنكر لما فيه، وكيفية عقابه، كما تقول: " زيد ~~يعاقب بالقيد والضرب، وبشر عمرا بالعفو والاطلاق ". # وإما على قوله: " فاتقوا " ، كما تقول: " يا بني تميم احذروا عقوبة ~~ما جنيتم، وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم " ، وذلك لأنهم إذا لم ~~يأتوا بما يعارضه بعد التحدي، ظهر اعجازه، وإذا ظهر ذلك، فمن كفر به ~~استوجب العقاب، ومن آمن استحق الثواب، وذلك يستدعي أن يخوف هؤلاء ~~بالنار، ويبشر هؤلاء بالجنة. # وقرء زيد بن علي عليه السلام: " وبشر " - على صيغة المبني للمفعول - ~~فيكون كلاما مستأنفا معطوفا على: " أعدت ". # والمأمور بفعل هذه البشارة هو الرسول (صلى الله عليه وآله)، أو عالم ms0443 ~~كل عصر، أو كل من يقدر على البشارة، كما في قوله (صلى الله عليه وآله) # " وبشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة " # ، ولم يخاطبهم بالبشارة كما خاطب الكفرة، تفخيما وتكريما لشأنهم، ~~وايذانا بأن الأمر لعظمته وفخامة شأنه، حقيق بأن يبشر به كل من قدر ~~على البشارة. # وهو الخبر الذي يقتضي السرور ويظهر أثره في البشرة، ولذلك أفتى ~~الفقهاء بعتق المخبر الأول من عبيد من قال لهم: " أيكم يبشرني بقدوم ~~فلان فهو حر " فبشروه فرادى عتق أولهم، (لأنه هو الذي أفاد خبره السرور) ~~ولو قال: " أيكم يخبرني " عتقوا جميعا. # ومنه " البشرة " لظاهر الجلد، وتباشير الصبح: ما ظهر من أوائل ضوئه. # وأما قوله: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران:21]، فعلى التهكم والاستهزاء الزائد للمغتاظ، كما يقول الرجل ~~لعدوه: " ابشر بقتل ذريتك ونهب مالك " ، أو على طريقة قوله: " تحية ~~بينهم ضرب وجيع ". # ولأهل الإشارة فيه كلام، لا يجوز التصريح به لقصور الأفهام وشنعة ~~اللئام. # فصل # قوله: { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } اللام فيها ~~للجنس، وهي جمع " صالحة " ، وهي كالحسنة من الصفات الغالبة التي تجري ~~مجرى الأسماء، وهي من الأعمال ما سوغه الشرع وحسنه؛ وتأنيثها على تأويل ~~الخصلة، أو الخلة. # وعطف " العمل " على " الإيمان " ، دال على خروجه عن الإيمان، لثبوت ~~التغائر بين المعطوف والمعطوف عليه، وإلا لزم التكرار كلا أو جزءا، ~~وهو خلاف الأصل، والجمع بينهما مرتبا للحكم عليهما، إشعار بسببية مجموع ~~الأمرين والشفع بين الخلتين لاستحقاق هذه البشارة، كسببية مجموع ~~الوالدين والازدواج بينهما لحصول النتيجة، فإن الإيمان - الذي هو عبارة ~~عن التحقيق والتصديق -، أس، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناء بأس ~~لا بناء عليه، ولذلك قلما ذكرا مفردين. # واعلم أن قوام الروح الإنساني وإن كان بأصل الإيمان، لأن صورة ذاته ~~إنما تتحقق بالعلم، وبه يصير خارجا من القوة إلى الفعل، لكن العمل ~~الصالح يخلصه من العوائق، ويمحضه عن عذاب التعلقات، فلا بد للسعادة ~~المطلقة من حصولهما جميعا. # ومن الناس من أجرى هذه الآية على ظاهرها فقال: " كل من أتى بالإيمان ~~والأعمال الصالحة ms0444 فله الجنة ". فإذا قيل له: " فما قولك فيمن كفر بعد ~~ذلك؟ ". قال: " هذا ممتنع - لأن فعل الإيمان والطاعة يوجب استحقاق ~~الثواب الدائم، وفعل الكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم، والجمع بينهما ~~محال ". # وذكر في بيان الاستحالة وجوها ثلاثة عقلية ذكرها الإمام الرازي في ~~تفسيره الكبير، ثم فرع ذلك على فساد القول بالإحباط، ثم أجاب الإمام ~~الرازي فيه عن قوله بقولين: # " أحدهما: قول من اعتبر الموافاة، وهو أن شرط حصول الايمان أن لا يموت ~~على الكفر، فلو مات على الكفر علمنا أن ما أتى به أولا كان كفرا. قال: ~~" إن هذا قول ظاهر السقوط ". # وثانيهما: إن العبد لا يستحق على الطاعة ثوابا، ولا على المعصية ~~عقابا - استحقاقا عقليا واجبا - وهو قول أهل السنة والجماعة، ~~واختيارنا، وبه يحصل الخلاص عن هذه الظلمات ". # أقول: أنظروا معاشر المسلمين، هل يفعل الصديق الجاهل بصديقه ما يفعله هو ~~وأهل سنته وجماعته بالكتاب والشريعة! وليته هو وأصحابه سكتوا عما سكت ~~عنه الصحابة والتابعون، ولم يخوضوا في أعماق هذه المسائل الدينية، ~~واكتفوا بالتقليد حتى يسلموا عن هذه المضائق التي لا جولان لأمثالهم ~~فيها، ولا نجاة لأحد منها إلا بالعقل المستقيم أو القلب السليم، كما قال ~~تعالى: # لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير # [الملك:10]. # فالبصير السيار، يسلك سبيل النجاة بنور عينيه، وقوة قدميه، فيفوز ~~بالغبطة الكبرى، والأعمى الزمن الذي له قائد وحامل، فهو على سبيل ~~النجاة وطريق الخلاص، وهو أدنى إلى الخلاص وأقرب إلى النجاة من الأعمى ~~الراجل، الذي لا قائد له، أو من البصير المقعد الذي لا حامل له، وهما ~~جميعا أقربان إلى السعادة من الأعمى السيار الذي لا قائد له. # فالأول؛ مثال العالم العامل بعلمه، والثاني؛ مثال الجاهل المقلد ~~المقتدي بغيره في العلم والعمل، والثالث؛ الجاهل الناقص في العمل، ~~والرابع؛ العالم المقصر في العمل، والخامس؛ الجاهل الناسك بمقتضى جهله ~~هذا، إذا كان الجهل بسيطا والسير حركة في الظاهر. # وأما إذا كان الجهل مركبا والسير حركة باطنية، فهو قسم سادس، هو أسوء ~~الجميع، وهما جميعا ms0445 ما شكى عنهما النبي (صلى الله عليه وآله) في قوله: # " قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك " # كما مر ذكره. # واعلم أن القول ببطلان الاستحقاق العقلي، وعدم الارتباط الذاتي بين ~~الأشياء، وتمكين الإرادة الجزافية في الاعتقاد، كما زعمته الأشاعرة، ~~واختاره هذا الفاضل المفسر في كتبه التي رأيناها، مما يؤدي إلى خلل ~~عظيم في أركان الدين، وتزلزل في أكثر قوانين اليقين - بل كلها -. # لأن مبنى جميع البراهين في اثبات الأصول الإيمانية، والقواعد ~~اليقينية، على إثبات العلة والمعلول، ولا أدري العاقل كيف يرضى عن نفسه ~~القول بما ينهدم به أصل جميع أحكام العقل! ولعل مشايخ السلف، إنما ~~ارتكبوا هذا المذهب حسما لمادة البحث مع الجهال، وغلقا لباب المقال ~~مع من لا يزيده التعمق في وجوه الاستدلال على هذه المسائل إلا الغي ~~والضلال. # وأما نحن، فبفضل الله وتوفيقه، وقد ورثنا من علمائنا وسادتنا وأئمتنا ~~أهل بيت النبوة والولاية - سلام الله عليهم أجمعين -، من أنوار الهداية ~~واليقين، ما يفي لانقشاع سحب هذه الظلمات عن شمس الحقيقة، وانجلاء حجب ~~هذه الأوهام عن وجه البصيرة. # واعلم أن القول: " بأن الآتي بالايمان والعمل الصالح [فله الجنة] " ~~مما له وجه وجيه - لو علم قائله بمعنى هذا القول -، وذلك لأن الإيمان ~~الحقيقي عبارة [عن] اعتقاد يقيني حاصل بالبرهان، وكل اعتقاد يقيني حاصل ~~بالبرهان، فهو غير قابل للزوال - كما تحقق في العلوم الحقيقية، من أن ~~مقتضى البرهان الدائم، المؤلف من المقدمات الضرورية الدائمية، لا ~~يزول ولا يتغير دنيا وآخره -، فالإيمان بالأركان نور عقلي يوجب أن ~~تخرج به النفس الإنسانية من الظلمات إلى النور، ومن حد القوة إلى ~~الفعل، ويدخل من دار الغرور وضنك القبور إلى دار النعيم والسرور. # فعلى هذا يمكن تأويل ما ذكره ذلك القائل - في جواب الاعتراض عليه في باب ~~من أتى بالإيمان والطاعة ثم كفر -، من قوله: " هذا ممتنع، لأن فعل ~~الإيمان والطاعة يوجب استحقاق الثواب الدائم، وفعل الكفر يوجب استحقاق ~~العقاب الدائم، والجمع بينهما محال " إلى الذي ذكرناه وبيناه. # ولكن الذي يظهر من الوجوه الثلاثة الذي ms0446 ذكرها في بيان استحالة الاجتماع ~~بينهما، يدل على أنه محجوب عن حقيقة هذا الأمر بمراحل، لكونه سالكا ~~مسلك أهل الجدال وأرباب القيل والقال. # وأما الوجه الأول منها، فهو أن الاستحقاقين إما أن يتضادا، أو لا ~~يتضادا؛ فإن تضادا، كان طريان مشروطا بزوال الباقي، وكان زوال ~~الباقي معللا بطريان الطاري، فلزم الدور - وهو محال -، وإن لم يتضادا، ~~فلا يضر طريان أحدهما لبقاء الآخر. # والجواب عنه بوجهين: # أحدهما: النقض بجميع أقسام المتضادين - كالسواد والبياض، والحرارة ~~والبرودة وغيرهما - لجريان هذا الوجه فيهما. # وثانيهما: بالحل، وهو أن كل واحد من الإيمان والكفر قابل للشدة ~~والضعف، لأن الإيمان نور في القلب يشتد ويضعف، وغاية ضعفه هو الاعتقاد ~~الحاصل بالتقليد من غير برهان ولا بصيرة كشفية، وغاية قوته ما يصير حق ~~اليقين بعد أن يكون علم اليقين وعين اليقين. # والكفر أيضا ظلمة قابلة للاشتداد والتضعف؛ هذا إن أريد به الاعتقاد ~~المخالف للحق، كالاعتقاد بالشرك، وبمعبودية الأصنام والأوثان، وإن أريد ~~به مجرد عدم الإيمان، فهو كسائر الأعدام غير قابلة للكمال، والنقص، ~~وتقابله مع الإيمان يكون تقابل العدم والملكة. # فإذا تقرر هذا، فقوله: " والجمع بينهما محال " ، إن أراد به الجمع ~~بينهما في آن واحد، فهو مما لا خلاف لأحد فيه، ولا تحتاج دعوى الاستحالة ~~إلى ما ذكره من الوجوه الثلاثة، لأنهما إما متضادان، أو متقابلان ~~تقابل الملكة والعدم. # وإن أراد به الجمع بينهما في ذات واحدة - وإن لم يكن في آن واحد -، فما ~~ذكره لا يدل على استحالة التعاقب بينهما، فإن أحدهما إذا ضعف شيئا ~~فشيئا حتى انمحى أو بطل دفعة - إما بزوال أسباب الحصول تدريجا أو ~~دفعة -، أمكن طريان الآخر - سواء كان الآخر عدميا كالجهل البسيط من ~~ضربي الكفر، أو وجوديا كالجهل المشفوع بالعناد والاعتقاد المخالف للحق ~~منهما، سيما إذا قوي الآخر أيضا تدريجا أو دفعة بحصول سببه القوي، أو ~~تراكم أسبابه الضعيفة وعلله الناقصة حتى صارت تامة كاملة -، وهكذا الحال ~~في تعاقب كل متضادين أو متقابلين تقابل الملكة والعدم في موضوع واحد. # وأما الوجه الثاني: فهو ms0447 أن المنافاة حاصلة من الجانبين، فليس زوال ~~الباقي بطريان الطاري أولى من اندفاع الطاري بقيام الباقي؛ فإما أن ~~يوجدا معا - وهو محال -، أو يتدافعا، فحينئذ يبطل القول بالمحافظة. # والجواب، باستبانة ما مر من احتمال الشدة والضعف فيهما، فالأشد يقهر ~~الأضعف ويدفعه، فالقول بعدم الأولوية لأحدهما في دفع الآخر عن الآخر في ~~دفعه، ممنوع، فلا يلزم وجودهما معا، ولا تدافعهما معا. # وأما الوجه الثالث: فهو يجري مجرى الأولين اشكالا وانحلالا - فلا ~~نطول الكلام بذكرهما -. # فصل # قوله: " أن لهم " منصوب بنزع الخافض وافضاء الفعل إليه، أو مجرور ~~باضماره مثل قولك: " الله لأفعلن ". # و " الجنة ": البستان، وأصله المرة من " الجن " ، وهو مصدر " ~~جنة " إذا ستره، والتركيب دائر على معنى الستر كالجن، والجنان، ~~والأجنة، والجنة؛ فإن كلها غير منفكة عن الاستتار والاحتجاب. سمي ~~بها البستان من النخل والشجر، والمتكاثف المظلل لالتفاف أغصانه، ودار ~~الثواب، لما فيها من الجنان، ولاستتارها وما أعد الله فيها للبشر في ~~الدنيا عن الأبصار والحواس، كما قال تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة:17]. # فإن سألت: لم نكرت وجمعت " الجنات " وعرفت " الأنهار "؟ # نجيبك: أما عن الأول، فبأنها اسم لدار الثواب، وهي مشتملة على جنات ~~كثيرة مترتبة على استحقاقات العاملين، لكل طبقة منهم جنة منها. # وهي كما ذكره ابن عباس سبع: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ~~ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعلييون. # وفي كل واحدة منها أيضا مراتب ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال ~~والعمال. # وأما عن الثاني: فبأن المراد من الأنهار جنسها، كما يقال: " لفلان ~~بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب " ، والمراد منها الأجناس التي في ~~علم المخاطب. # أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله: # أنهار من مآء غير آسن وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه # [محمد:15] - الآية - وهي التي قيل إن أمثلتها في الدنيا النيل والفرات ~~والسيحون والجيحون، كما وقعت الإشارة إليه في الحديث. # " من تحتها ": أي من تحت أشجارها، كما تراها جارية تحت الأشجار ~~النابتة على شواطئها، فإن أعيان أمور الدنيا ms0448 أمثال وأشباح لما في الآخرة ~~من الأعيان، وكذا القياس في النسب والأوضاع كما يقتضيه التطابق بين ~~العالمين. # وأنزه البساتين منظرا ما كانت أشجاره مظللة، والأنهار في خلالها ~~مطردة، بل لا تبهج الأنفس تمام البهجة، ولا تسرها أوفر السرور، حتى ~~يجري فيها الماء، وإلا كانت أشجارها كتماثيل لا أرواح فيها، وأعيانها ~~كصور لا حياة فيها، ولذلك ما جاء الله بذكر الجنات إلا مشفوعا بذكر ~~الأنهار الجارية من تحتها، كأنهما متصاحبين في الوجود، متقارنين في ~~التصور. # وعن مسروق: " إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود " ، هذا هو الحق ~~المكشوف، لأن الحاجة إلى الأخاديد منشأها الثقل الطبيعي والميعان لهذا ~~الماء، والثقل منتف عن مياه الجنة. # و " النهر " - بفتح النون وسكون الهاء أو فتحها وهو الغالب -، المجرى ~~الواسع، فوق الجدول ودون البحر، والتركيب للسعة، والمراد بها ماؤها على ~~طريقة الاضمار أو المجاز، أو نفسها؛ فيكون التجوز في إسناد الجري إليها ~~كما في: " سال الوادي ". # إشارة: # ولأهل الإشارة أن يحملوا الأنهار الجارية، على القوى الحيوانية ~~الموجودة في الأجسام الحية المستمرة الحياة ما شاء الله - كالأفلاك ~~والكواكب -، فإن قواها الحيوانية لما كانت سارية في أجسامها، متجددة ~~الوجود، متعاقبة الكون حسب تجدد أزمنتها وأوقاتها، فهي شبيهة بالمياه ~~الجارية لتجددها ومنشئيتها للحياة، فيكون الغرض من ذلك، أن لهم جنات ~~هو فوق سماء هذا العالم وكواكبها وقواها التي هي منشأ حياة الكائنات. # فصل # قوله: { كلما رزقوا منها من ثمرة } إما صفة ثانية ~~لجنات، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة؛ والغرض فيه رفع الاشتباه ~~عن قلب السامع في جنة، بعد ما قرع سمعه وصفها الأول المشابه لجنات ~~الدنيا وأشجارها التي تجري تحتها الأنهار، فكأنه لما ذكر الوصف الأول، ~~اختلج بباله ووقع في خلده أن ثمار تلك الجنات أشباه ثمار الدنيا، فأزيح ~~بذلك. # والمعنى: كل حين رزقوا مرزوقا مبتدء من الجنان، مبتدء من ثمرة قالوا: ~~هذا. # و " كلما " منصوب على الظرفية، و " رزقا " مفعول به، و " من " ~~الأولى وكذا الثانية واقعة موقع الحال؛ قيد " الرزق " بأولوهما ~~وأولاهما بثانيتهما، فصاحب الحال ms0449 الأولى " رزقا " ، وصاحب الحال ~~الثانية ضميره المستكن في الأولى. # وليس المراد ب " الثمرة " التفاحة الواحدة أو الرمانة الفذة، ~~وإنما المراد النوع من أنواع الثمار، ويحتمل أن تكون الثانية بيانا لها ~~كما في قولك: " رأيت منك أسدا تريد " أنت أسد " ، فيراد بالثمرة النوع ~~من الثمار، والجنات الواحدة. # وقوله تعالى: { هذا الذي رزقنا } في صحته ثلاثة وجوه: # أحدها: إن " هذا " إشارة إلى نوع ما رزقوا، كقولك مشيرا إلى نهر ~~جار: " هذا الماء لا ينقطع " ، لا تريد به العين المشاهدة منه، بل النوع ~~المعلوم المستمر بتعاقب الجزئيات والأمثال، وإن كانت الإشارة إلى عينه، ~~لكن يراد بها نوعه، ووحدته النوعية واستمرارها، لا ينافي كثرته العددية ~~وتجددها. # وثانيها: إنه لما اتحدا في الماهية - وإن تغايرا بالعدد - صح أن ~~يقال: " هذا هو ذاك " فإن الكثرة العددية للأشخاص، لا تنافي اتحادها ~~معنى وحقيقة. # وثالثها: إنه لما اشتدت المشابهة بين ما رزقوا منها وبين ما رزقوا من ~~قبل، صح لهم هذا القول، كما تقول فيمن تشتد مشابهته لأبيه: " إنه الأب ~~". # ثم اختلفوا في أن المتحد به أو المشبه به الذي كان: " رزقهم قبل ذلك ~~" هل هو من أرزاق الدنيا أم من أرزاق الجنة؟ والقول الأول هو عن ابن ~~عباس وابن مسعود، والثاني عن الحسن وواصل وأبي عبيدة ويحيى بن كثير. # إلا أن الحسن وواصل وجها الآية بأن معناها: هذا الذي رزقناه من قبل ~~في الجنة كالذي رزقنا؛ وهم يعلمون أنه غيره، ولكنهم شبهوه به في طعمه ~~ولونه وطيبه وجودته. # وإن الثانيين وجهاها؛ بأن ثمار الجنة إذا جنيت من أشجارها عاد ~~مكانها مثلها، فيشتبه الأمر عليهم فيقولون: هذا الذي رزقنا من قبل، كما ~~روى أنه - عليه وآله السلام - قال # " والذي نفس محمد بيده، إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها، ~~فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل الله مكانها مثلها ". # وأسد القولين قول ابن عباس وابن مسعود - وهو أن المرزوق السابق من ~~أرزاق الدنيا - بوجهين: # أحدهما: ما نقل عن شيخ الطائفة الإمامية أبي جعفر - رحمه الله - أنه ~~قال ms0450 طباقا لغيره من علماء التفسير، إن قوله: " كلما رزقوا منه " عام ~~يتناول جميع المرات، فيتناول المرة الأولى، فهم في المرة الأولى من ~~أرزاق الجنة لا بد وأن يقولوا: { هذا الذي رزقنا من قبل ~~} ، ولا يتأتى لهم هذا القول في أول ما أوتوا به، إلا أن يكون إشارة إلى ~~ما تقدم رزقه في الدنيا. # وثانيهما: إن الإنسان بالمألوف آنس، وإلى المعهود أميل، فإذا رأى ما لم ~~يألفه نفر عن طبعه، ثم إذا ظفر بشيء من نوع معهوده ومألوفه على وجه ~~أشرف وأبهى مما ألفه، عظم ابتهاجه وسروره، فأهل الجنة إذا أبصروا ما ~~ألفوه في الدنيا ثم وجدوه أشرف وأبهى، كان فرحهم به أشد وأعظم. # ثم القائلون: بالقول الثاني اختلفوا، فمنهم من يقول: الاشتباه يقع في ~~المنظر والمطعم وغيرهما، ومنهم من يقول: الاشتباه وإن حصل في اللون ~~لكنها تكون مختلفة في الطعم، كما حكي عن الحسن: إن أحدهم يؤتى بالصحفة ~~فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى، فيقول الملك " كل - ~~فاللون واحد والطعم مختلف ". # هداية: # واعلم إن في تحقيق الآية طريقين آخرين، أحدهما مسكل الحكماء ذوي ~~الإعتبار، والثاني مسلك أهل الكشف والاستبصار. # فمعناها على لسان الحكمة، أن السعادة القصوى ليس إلا في معرفة ذات ~~الله عز وجل، ومعرفة صفاته، ومعرفة أفعاله من الملائكة الكروبية ~~والروحانية، وطبقات الأرواح وعالم ملكوت السموات والأرض؛ وبالجملة، ~~بحيث يصير روح العارف كمرآة مجلوة يحاذي بها لعالم القدس. # ثم إن هذه المعارف تحصل في الدنيا، ولا يحصل بها كمال الالتذاذ ~~والابتهاج، لكون العلائق البدنية عائقة عن ظهور تلك السعادة واللذة، ~~فإذا زالت هذه العوائق، حصلت السعادة الكبرى والغبطة العظمى، لأن ~~المعرفة انقلبت مشاهدة، والعلم صار عيانا. # فحينئذ نقول: كل سعادة روحانية يجدها الإنسان بعد الموت، فيقول هذه ~~هي التي كانت حاصلة لي في الدنيا، لكن اشتدت لذتها في الآخرة لما ~~اشتد وجودها ظهورا لزوال العائق. # ومعناها على لسان أهل الكشف: أن جميع ما في الدنيا من الثمار وغيرها، هي ~~قشور وقوالب وأمثلة لما في الآخرة، وما في ms0451 الآخرة لبوب وحقائق لما في ~~الدنيا، لتطابق العوالم بعضها لبعض، وتحاذيها حذو النعل بالنعل. # ولما كان وجود الصور المحسوسة التي في الدنيا هي بعينها مبادي حضور ~~الصور التي يدركها الإنسان في باطنه وخياله - لما تقرر أن فاقد الحس ~~لشيء فاقد التصور له -، والإنسان إذا أدرك واختبر لذات هذا العالم ثم ~~زهد فيها - أو تناولها بقدر الحاجة ولم يسرف -، حصلت في نفسه بواسطة ~~التقوى قوة عظيمة، يكاد بها أن يحضرها عند نفسه متى شاء، لكن القوة غير ~~شديدة ما دام كونه في هذا العالم وشواغله، فإذا خرج عن هذا العالم، وزال ~~العائق، يجد في الآخرة ما تشتهي نفسه وتلذ عينه لقوة الشهوة وشدة ~~الرغبة، وكون الافاضة والرحمة من الله مبذولة والعوائق مرتفعة؛ فكل ما ~~اشتهاه في الدنيا، يجده مرزوقا عنده في الآخرة فيقول: { هذا الذي ~~رزقنا من قبل }. # فهذا المسلك لإثبات الجنة الجسمانية، والأول لإثبات الروحانية؛ ~~والأولى جنة العلوم، والثانية جنة الأعمال؛ والأولى للروح العقلي، ~~والثانية للنفس العملية. # قوله تعالى: { وأتوا به متشابها } موقعه موقع الجمل التي ~~تساق في الكلام معترضة للتقرير، كقولك: " نعم ما فعل زيد ورأى وكان ~~صوابا " تصديقا لرأيه. # والضمير على الأول راجع إلى ما رزقوا في الدنيا والآخرة، والمرجع نوع ~~المدلول عليه بقوله: { هذا الذي رزقنا من قبل } ، أو شخصه ~~من حيث الماهية، ونظيره قوله تعالى: # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما # [النساء:135]. أي بنوعي الغني والفقير؛ وعلى الثاني إلى الرزق. # ولقائل أن يقول: التشابه هو التماثل في الكيفية والصفة، وهو مفقود بين ~~ثمرات الدنيا وثمرات الآخرة، كما قال ابن عباس: " ليس في الجنة من ~~أطعمة الدنيا إلا الأسماء ". # فنقول: الاشتراك حاصل بينهما في الماهية المشتركة مع التفاوت العظيم في ~~الشرف والخسة، والقوة والضعف، فإن ما في الدنيا خسيسة الوجود ~~ضعيفتها، لاقترانها بالمادة، وتلوثها بأرجاسها وأخباثها، وما في الآخرة ~~شريفة الوجود قائمة بفاعلها - لا بمادتها -، مطهرة عن ألواث الأرجاس ~~وأدناس الأخباث، والاشتراك في الماهية مناط الإسم، وهو كاف في اطلاق ~~التشابه. # وبالجملة، الحقيقة الوجودية مختلفة ms0452 بينهما كما قال ابن عباس، ~~والماهية مشتركة بينهما، وهو كاف لإطلاق الإسم وثبوت التشابه. # وقيل: " التشابه بينهما حاصل في الهيئة التي هي مناط الإسم - دون ~~المقدار والطعم " ، وفيه ما فيه! فإن الأسامي للمعاني والماهيات - لا ~~للأشكال والهيئات -. # وههنا وجهان: الأول عقلي والآخر كشفي: # أما الأول: فهو أن السعادة عند الحكماء على ضربين: الحقيقية المحكمة، ~~والظنية المتشابهة. فالسعادة الحقيقية، عبارة عن الاتصال بالعقليات ~~الدائمة، ومجاورة الحق الأول، والخير المحض، وملائكته المقربين ~~النازلين في مقاعد الصدق ومنازل القدس، والسعادة الظنية، هي التلذذ ~~بالشهوات، والتنعم بنعم الجنات؛ وتلك اللذات الحيوانية الموجودة في ~~دار الحيوان، وجنة النفوس من الإنسان، هي أشباه اللذات الحقيقية ~~الموجودة في عيون الحياة ومنابع الخيرات وينابيع السعادات؛ والأولى ~~للمقربين، والثانية لأصحاب اليمين. # فالمذكور ههنا ما لأصحاب اليمين من مواريث أعمالهم الصالحة، وهي أشباه ~~ما حصلت للمقربين؛ ولهذا قال: { وأتوا به متشابها } أي بما ~~في عالم القدس. # وأما الثاني: وهو أن مستلذات أهل الجنة، في مقابلة ما رزقوا في الدنيا ~~من الثمرات المتفاوتة في الطعم واللذة، من جهة تفاوتها في النضج وعدمه، ~~وفي الصحة والفساد، والسلامة والآفة، ومن جهة تفاوت حال الأكل، وتغير ~~مزاجه وأحواله وشهوته ونفرته وغير ذلك - وهذه كلها منتفية في الجنة عن ~~الآكل والمأكول -، فيكون المراد من تشابهها: تماثلها في الشرف والمزية، ~~وعلو الطبيعة وشهوة الأكل وقوته. # ويحتمل أيضا أن يكون المراد من: { هذا الذي رزقنا من ~~قبل } ما رزقوا في الدنيا من المعارف والطاعات، والمراد ثوابه - على ~~حذف المضاف -، ويكون تشابهها، تماثلها في الشرف وعلو الطبقة، فيكون هذا ~~في الوعد نظير قوله: # ذوقوا ما كنتم تعملون # [العنكبوت:55]، في الوعيد. # وستجيء آيات وأنوار مشرقة، ينكشف بأنوارها وإشراقاتها أن جميع ما ~~يتنعم به الإنسان في الجنان، أو يتعذب به في النيران، هي نتائج الأعمال ~~وغاياتها، وثمرة الأخلاق والملكات ونهاياتها. # فصل # قوله [تعالى]: { ولهم فيهآ أزواج مطهرة } أي مما ~~تتلوث به النساء وتتدنس من أحوالهن وأقذارهن - كالحيض، والنفاس، وكثافة ~~الطبع، وسوء الخلق والرذالة -، فإن التطهر، كما يستعمل في الأجسام عن ms0453 ~~الأخباث والأقذار، يستعمل أيضا في النفوس عن الخبائث والسيئات والأنجاس ~~الإعتقادية - كالكفر وأمثاله -، وحمل اللفظ على المعنى الشامل للقسمين ~~أولى. # قال أهل الإشارة: الآية دالة على وجوب التوبة لوجوه: # أحدها: إن المرأة إذا حاضت، نهاك الله عن مباشرتها بقوله: # قل هو أذى فاعتزلوا النسآء في المحيض # [البقرة:222]. فإذا منعك عن مباشرتها لنجاستها التي هي معذورة فيها، ~~فإذا كانت الأزواج اللاتي في الجنة [مطهرات] فلأن يمنعك عنهن حال كونك ~~متلوثا بنجاساتك المعاصي مع أنك غير معذور فيها، كان أولى. # وثانيها: إن من قضى شهوته من الحلال، فإنه ممنوع من الدخول في المسجد ~~الذي يدخل فيه كل بر وفاجر، فمن قضى شهوته من الحرام، كيف يمكن من ~~دخول الجنة التي لا يسكنها إلا المطهرون، ولذلك لما أتى آدم عليه ~~السلام ما أتى أخرج منها. # وثالثها: إن من كان على ثوبه [ذرة] من النجاسة لا تصح صلاته، فمن كان ~~على قلبه من نجاسات المعاصي، كيف تقبل صلاته ويصح ذكر الله منه. # حكاية: # عن مالك بن دينار، أنه كان رأى في أزقة البصرة جارية من جواري الملوك ~~ومعها الخدم، قال: " أيبيعك مولاك "؟ فضحكت، وأمرت به أن يحمل إلى دار ~~مولاها؛ فأخبرته. فضحك، وأمر أن تدخل به إليه، فلما دخل، ألقيت له الهيبة ~~في قلب السيد، فقال: " ما حاجتك؟ " قال: " بعني جاريتك ". # قال: أوتطيق إذا ثمنها؟ قال: قيمتها عندى نواتان مسوستان. فضحكوا ~~وقالوا: كيف؟ # قال: " لكثرة عيوبها، فإنها إن لم تتعطر زفرت، وإن لم تستك بخرت، وإن ~~لم تتمشط وتدهن قملت وشعثت، ذات حيض وبول وأقذار، وحزن وغم ~~وأكدار، ولعلها لا تودك إلا لنفسها، ولا تحبك إلا لتنعمها؛ لا تفي ~~بعهدك، ولا تصدق في ودك، وأنا أجد بدون ذلك الثمن جارية خلقت من سلالة ~~الكافور، ومن المسك والجوهر والنور، لو مزج بريقها أجاج لطاب، ولو دعي ~~بكلامها ميت لأجاب، ولو بدا معصمها للشمس لأظلمت دونه وكسفت، ولو بدا ~~وجهها في الظلمات لأنارت به وأشرقت، ولو واجهت الآفاق بحليها وحللها ~~لتعطرت بها وتزخرفت، لا تخلف عهدها، ms0454 ولا تبدل ودها؛ فأيهما أحق ~~برفع الثمن؟ ". # قال السيد: " التي وصفت، فما ثمنها؟ ". # قال: " اليسير المبذول لنيل الخطير المأمول، ركعتان تخلصهما لربك ~~والليل داج، وترفع همك عن دار الغرور ". # فقال الرجل: " يا جارية - أنت حرة لله، وضيعة كذا وكذا صدقة عليك، ~~وسائر الضياع والخدم وجميع مالي صدقة في سبيل الله "؛ ولبس خشنا ساترا. # فقالت الجارية: " لا عيش بعدك "؛ لبست خشنا وخرجت معه، فودعهما ابن ~~دينار ودعا لهما، وأخذ طريقا وأخذا، فتعبدا جميعا حتى جاءهما الموت ~~راجعين إلى الله تعالى. # إشارة أخرى على لسان أهل المعرفة: # وهو أن نسبة النفوس إلى الأرواح العلوية، نسبة الزوجات إلى الأزواج، ~~وكنسبة حوا إلى آدم عليهما السلام، فقوله تعالى: { أزواج ~~مطهرة } أي للأرواح المقدسة الكاملة في العلم والعمل، المتحلية ~~بفضيلة الإيمان والإصلاح، والنفوس المطمئنة الساكنة في مقعد القدس، نفوس ~~مطهرة عن كثائف الأبدان، ونقائص الحدثان، سائحة في جنات الأعمال، سائر ~~في رياض الرضوان. # و " الزوج ": يقال للذكر والأنثى، وهو في الأصل لما له قرين من جنسه، ~~كزوج الخف، واطلاقه على أحدهما كما في قوله تعالى: # فيهما من كل فاكهة زوجان # [الرحمن:52]، من جهة أن لكل منهما مدخلا في الزوجية، وكان له حصة ~~منها، وكذا المتممان في كل من أفلاك السيارات، إذ لكل منهما دخل في ~~التتميم. # وقرئ: " مطهرات " ، بدل " مطهرة " ، وكلتاهما فصيحتان، يقال: " النساء ~~فعلت " و " فعلن " و " هي فاعلة " و " فواعل " ، فالجمع على اللفظ، ~~والإفراد على تأويل الجماعة. # وقرئ: " مطهرة " ، بمعنى " متطهرة " ، والأولى أبلغ منها ومن " ~~الطاهرة " ، للإشعار بأنها مطهرات بتطهير الله عز وجل على وفاق قوله ~~تعالى: # إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا # [الأحزاب:33]. # فصل # في قوله [تعالى]: { وهم فيها خالدون } # واعلم أن الذين يريدون أن يقتنصوا حقائق المعاني من الألفاظ والمباني، ~~اختلفوا في معنى الخلود، " هل هو بمعنى الزمان الممتد مطلقا، أو بمعنى ~~الدوام المؤبد ". # فالمعتزلة على أنه بمعنى الثبات اللازم، والبقاء الدائم الذي لا ينقطع، ~~مستدلين بقوله تعالى: # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد # [الأنبياء:34]. فنفى الخلد ms0455 عن البشر مع تحقق العمر الطويل لبعضهم، ~~فالمنفي غير المثبت. # والأشاعرة على أنه بمعنى الثبات المديد - دام، أم لم يدم - واحتجوا ~~بقوله [تعالى]: # خالدين فيهآ أبدا # [النساء:57]. ولو كان التأبيد داخلا في معنى الخلود، لكان ذلك تكرارا؛ ~~ولذلك قيل للأثافي والأحجار " خوالد " ، وللجزء الذي يبقى من الإنسان ~~على حاله ما دام حيا " خلد " ، ويستعمل أيضا فيما لا دوام له، ~~كقولهم: " وقف مخلد " ، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، ولا يلزم شيء ~~منهما إذا كان موضوعا للأعم فاستعمل في الأخص، من جهة اندراجه تحت ~~الأعم، كاطلاق الجسم على الإنسان. # والمراد به ههنا المعنى الأخص، لدلالة الآيات والأخبار وشهادة العقل ~~على أنه بمعنى الدوام الذي لا ينقطع، وإلا لكان خوف الانقطاع ينغص ~~عليهم تلك النعمة، وكلما كانت النعمة أعظم كان خوف انقطاعه أشد، فيلزم ~~أن لا ينفك أهل الثواب البتة عن الغم والحسرة؛ والجهل بسوء العاقبة أو ~~عدمها غير جائز عليهم، لأن الدار دار اليقين لا دار الشك والتخمين - ~~فضلا عن اعتقاد خلاف الحق -. # واعترض ههنا: بأن الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية، معرضة ~~للاستحالات والانقلابات المؤدية إلى الانفكاك والانحلال، فكيف يعقل ~~خلودها في الجنان؟ # وأجاب بعضهم عنه: بأنه تعالى يعيدها بحيث لا تعتريها الاستحالة، ولا ~~يعتورها الانفساد، بأن يجعل أجزاءها متقاومة في الكيفية متساوية في ~~القوة، لا يقوى شيء منها على إحالة الآخر، متعانقة لا ينفك بعضها عن ~~بعض، كما يشاهد في بعض المعادن. # وهذا الجواب في غاية الضعف، فإن تجويز كون الأجزاء العنصرية غير قابلة ~~للاستحالة والانقلاب، خروج بها عن طبائعها الأصلية، واستحكامها في ~~المزاج - كبعض المعدنيات - لا يفيد التأبيد، والتساوي في الكيفية ~~والقوة بحسب الاعتدال الحقيقي - على تقدير إمكانه وحدوثه -، مما يستحيل ~~بقاؤها أبدا لتناهي الأفاعيل والانفعالات القوى الجسماينة - كما برهن في ~~مقامه -، لا سيما وقد حققنا في موضعه أن الجواهر الطبيعية المادية ~~كلها لازمة السيلان والتجدد، غير منفكة عن الانتقال والحدثان في كل آن ~~بحسب جوهرها وطبيعتها، كما في قوله [تعالى]: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # [النمل:88]. ms0456 # نعم؛ يمكن دوامها من جهة الإمداد العلوي والايجاد الفاعلي، إمدادا بعد ~~إمداد، وايجادا بعد ايجاد. # والحق أن الحافظ للمزاج - أيضا -، والمديم لأجزاء المركب عن التبدد ~~والافتراق، ليس صور تلك الأجزاء، كلا، لأنها متداعية إلى الانفكاك، ~~مقتضية للحركة إلى أحيازها الطبيعية، وإنما هي مجبورة بقسر قاسر، ~~وجبر جابر سلطه الله عليها، يجبرها على الالتيام، ويمنعها عن ~~الافتراق والانهزام، وهي صورة، أو نفس، أو ملك جسماني متعلق بها، حافظ ~~لها ومبق إياها - لا بالعدد، بل بالنوع -، ونوعيتها وتجددها العددي، ~~لا ينافي شخصية المركب وبقائه بالصورة، لأن مناط الشخصية بالصورة لا ~~بالمادة. # فالحيوان - مثلا -، بدنه في التحلل والذوبان، لعكوف الحرارة الغريزية ~~والغريبية، ونار الطبيعة على تحليلها وإذابتها ما دامت حياته، ومع ذلك ~~شخصيته باقية تلك المدة بالصورة الحيوانية، وهي نفسه أو أمر آخر؛ لكن ~~الفاعل المديم، إن كان أمرا قائما بالجسم في وجوده أو في فاعليته، فلا ~~يمكن دوامه بالشخص - وإلا فيمكن -، ولهذا يجب الحشر فيما يحتمل البقاء ~~من النفوس. # فالصواب أن يقال في كيفية بقاء الأبدان الأخروية، وصيرورة هذه تلك مع ~~انحفاظ الشخصية بالعدد: إن العبرة في ذلك بالنفس - لا بالبدن -، فالنفس ~~باقية، حافظة للبدن. # أما في الدنيا فبإيراد البدل عليه، لانضياف الأجسام الغذائية إليه. # وأما في الآخرة، فبإنشاء النشأة الآخرة بمجرد التصورات والجهات ~~الفاعلية، فإن إنشاء الجسم وتصويره - لا عن مادة وحركة بل بمجرد ~~التصور -، من ديدن القوى المجردة، فإن وجود الأفلاك عن مباديها من ~~الملائكة الفعالة بإذن الله، من هذا القبيل، وكذا الحكم في ما تحضره نفس ~~الإنسان في عالم باطنه وغيبه من الأجسام العظيمة، والأشكال العجيبة التي ~~لم تعهد من هذه الأجساد، والبساتين النزهة التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد، فإن جميعها حصلت من جانب الفاعل بلا مشاركة القابل. # وسينكشف لك إنشاء الله، سر المعاد وحشر الأجساد على وجه لم يبق لأحد ~~فيه مجال الشك والارتياب، ويزول به التشوش في الكلام والاضطراب. # والحق، أن قياس أمور الآخرة وأحوالها، على ما يجده الإنسان ويشاهده من ~~هذا العالم، من نقص العقل، ms0457 وقصور الحكمة، وضعف البصيرة - والله أعلم -. # تتمة: # لما كان معظم اللذات الحسية المساكن والمطاعم والمناكح، وكان ~~ملاك السرور بها كلها الدوام وعدم الإنصرام - وإلا لكانت منغصة غير ~~صافية عن شوائب الآلام بالتمام -، بشر الله المؤمنين بالجنان، وبما ~~رزقوا فيها من المطاعم والمناكح، وآمنهم من خوف الفوات بوعد الخلود ~~زيادة في البشارة، وتكميلا لبيان السعادة. ### || [2.26] # لما أثبت الله حقية القرآن وإعجازه بالدليل، ووقع الايعاد للمنكرين ~~له، والوعد للمؤمنين به على أتم وجه وأبلغه، أراد أن يشير إلى رد شبه ~~الكافرين والمنافقين في ذلك " وهي أن ذكر الأشياء الحقيرة الخسيسة لا ~~يليق بكلام الفصحاء، فالقرآن لاشتماله عليها - كالنحل والذباب والعنكبوت ~~والنمل -، لا يكون فصيحا - فضلا عن كونه معجزا -. # فأجاب: بأن الحقارة لا تنافي التمثيل بها، إذ الشرط في المثال أن يكون ~~على وفق الممثل له من الجهة التي يستدعي التمثيل به كالعظم والحقارة، ~~والشرف والخساسة، لا على وفق من يوقع التمثيل ويضرب المثال، لأن الغرض ~~الأصلي منه ايضاح المعنى المعقول، وإزالة الخفاء عنه، وإبرازه في صورة ~~المشاهد المحسوس ليساعد فيه الوهم العقل ولا يزاحمه، فإن العقل الإنساني ~~ما دام تعلقه بهذه القوى الحسية، لا يمكنه إدراك روح المعنى مجردا عن ~~مزاحمة الوهم ومحاكاته، لأن من طبعه كالشياطين الدعابة في التخييل وعدم ~~الثبات على صورة. # ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية، وفشت في عبارات الفصحاء من ~~العرب وغيرهم، وكثرت في إشارات الحكماء ومرموزاتهم، وصحف الأوائل ~~ومسفوراتهم - سيما في العلوم الهندسية -، تتميما للتخيل بالحس، فهناك ~~يضاعف في التمثيل، حيث يمثل أولا المعقول بالمتخيل، ثم يمثل المتخيل ~~بالمرسوم المحسوس المهندس المشكل. # ونحن نرى الإنسان، إذا ذكر معنى وحده، أدركه العقل ولكن مع منازعة ~~الخيال، فإذا ذكر التشبيه معه، أدركه العقل مع معاونة الخيال، ولا شك أن ~~الثاني يكون أكمل، وذلك لأن من طبع الخيال المحاكاة، فلا يلوح معنى كما ~~ينبغي إلا إذا ذكر مع المثال الصحيح. # وهذا مما لا تخفى استقامته ولا تغبى صحته على من به أدنى مسكة، لكن ~~ديدن المحجوج المبهوت، والمحجوب ms0458 المقطوع عن عالم الملكوت، لفرط الحيرة ~~والعجز، يعول على المكابرة حيثما ينضغط في مضائق المغالطة لدى المناظرة ~~أن يدفع الواضح المستقيم، لسوء فهمه، وآفة طبعه السقيم. # وكم من عائب قولا صحيحا # وآفته من الطبع السقيم # فليس بمستنكر من الله سبحانه أن يمثل الحقير بالحقير، كما يمثل الخطير ~~بالخطير، وإن كان الممثل بالمحاكي أعظم من كل عظيم، بل لغاية عظمته يحيط ~~بالصغير كما يحيط بالعظيم، ولا يعزب عن عمله ذرة واحدة مما في الأرض ~~والسماء، ودقيقة من دقائقها، كما لا تعزب عنه عظائم الأشياء وجلالها؛ ~~لأنه مع كل شيء لا بمزاولة، وغير كل شيء لا بمزائله، وهو أعلى من كل ~~عال في علوه، وأدنى من كل دان في دنوه، فلا يستحيي أن يضرب مثلا ما ~~بعوضة فما فوقها في الحقارة والقلة. # فمن زعم أن التمثيل بهذه الأشياء الحقيرة، لا يليق بالله، فذلك لجهله ~~بالأحكام الإلهية، والأوصاف الربوبية، ورحمته الواسعة، لأنه تعالى هو ~~الذي خلق بحكمته الكبير والصغير، ورحمته في كل ما خلق وبرء عام لأنه ~~أحكم جميعه، وليس الصغير أخفى وأخف عليه من العظيم، ولا العظيم أجلى له ~~وأصعب عليه من الصغير، بل الكل بمنزلة واحدة. # فليس الكبير أولى بأن يضرب به مثلا - كالفيل والبعير - إذا كان الأليق ~~بحال الممثل له تمثيله بالحقير - كالذباب والعنكبوت -. # فإن كان المراد تقبيح عبادة الكفرة للأصنام، وعدولهم عن عبادة الرحمن، ~~صلح أن يضرب لها المثل بالذباب في عدم اقتدارهم على دفع المضرة عنهم، ~~وببيت العنكبوت في وهن عقائدهم الباطلة، وضعف أصولهم الفاسدة؛ وفي هذا ~~المقام، كلما كان المضروب به المثل أضعف، كان المثل أقوى وأحكم. # وقد ضرب الله الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة، فمثل غل الصدور ~~بالنخالة، والقلوب القاسية بالحصاة، ومخاطبة السفهاء بإثارة الزنابير، ~~ومثل بالزوان - وهو حب يخالط البر -، وبالخردل والمنخل والأرضة والدود. # قال تعالى: " مثل ملكوت السماء، كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة ~~نقية، فلما نام الناس، جاء عدوه فزرع الزوان، [فلما نبت الزرع وأثمر ~~العشب غلب عليه الزوان] فقال عبيد الزارع: ms0459 يا سيدنا، أليس حنطة جيدة ~~نقية زرعت في قريتك؟. # قال: بلى. قالوا: فمن أين هذا الزوان؟ # [قال لهم: هذا فعل العدو. قالوا: أتريد أن نذهب ونقلع الزوان؟] قال: ~~لعلكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان تقلعوا معه الحنطة، دعوهما يتربيان ~~جميعا [حتى الحصاد] فأمر الحصادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة، وأن ~~يربطوه حزما، ثم يحرق بالنار، ويجمعوا الحنطة إلى الخزائن. # وأفسر لكم ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة، وهو أبو البشر، والقرية ~~هي العالم، والحنطة الجيدة النقية هو نحن أبناء الملكوت الذين يعملون ~~بطاعة الله، والعدو الذي زرع الزون هو إبليس، والزوان: المعاصي التي ~~زرعها إبليس وأصحابه، والحصادون هم الملائكة، يتركون الناس حتى تدنوا ~~آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت الله، وأهل الشر إلى الهاوية. # وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار، كذلك رسل الله وملكوته، يلتقطون من ~~ملكوته المتكاسلين وجميع عمال الإثم، فيلقونهم في أتون الهاوية، ~~فيكون هنالك البكاء وصريف الأسنان، ويكون الأبرار هنالك في ملكوت ربهم، ~~من كان له أذن تسمع فليسمع ". # قال: " وأضرب لكم مثلا آخر يشبه ملكوت السماء: إن رجلا أخذ حبة خردل ~~- وهي أصغر الحبوب -، فزرعها في قرية، فلما نبتت حتى صارت كأعظم شجرة ~~من البقول، وجاء طير من السماء فعشش في فروعها، فكذلك الهدى، من دعا ~~إليه ضاعف الله أجره وعظمه ورفع ذكره، ونجا به من اهتدى ". # وقال: " لا تكونوا المنخل، يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة، كذلك ~~أنتم، تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم ". # قال: " قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار، ولا يلينها الماء، ولا ~~تنسفها الرياح ". # وقال: " لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها. ولا في البرية ~~حيث اللصوص والسموم، فتسرقها اللصوص، وتحرقها السموم. ولكن ادخروا ~~ذخائركم عند الله ". # وقال: " تحفر، فتجد دوابا عليها لباسها، وهناك رزقها وهن لا تغزلن ~~ولا تحصدن، ومنهن ما في جوف الحجر الأصم، أو جوف العود، ومن يأتيهن ~~بلباسهن وأرزاقهن إلا الله - أفلا تعقلون ". # وقال: " لا تثيروا الزنابير فتلدغكم، كذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم ~~". # فصل # وأما العرب ms0460 فقد اشتهر منهم التمثيل بالمحقرات وبأحقر الأشياء، فقالوا: ~~فلان أسمع من قراد، وأطيش من فراشة، وأعز من مخ البعوضة، وأطير من ~~جرادة، وأفسد منها، وأجرء من الذباب، وألج منه، وأشبه به منه، وأجمع ~~من الذرة، وأضبط منها. # ومثلوا أيضا بما لا شيء أصغر منه كالجزء الذي لا يتجزى، وبما لا ~~يدرك لتناهيه في الصغر إلا اللطيف الخبير، أو بالمعدوم - وهو أخس من كل ~~شيء، لأنه لا شيء محض -، فقالوا: " هذا أصغر مقدارا من الجزء الذي لا ~~يتجزى " و " هذا أقل من اللاشيء في العدد ". # وأما العجم، فكتاب كليلة ودمنة وأشباهه شاهدة على ذلك، وفي بعضها: " ~~قالت البعوضة - وقد وقعت على نخلة عظيمة عالية وأرادت أن تطير عنها -: يا ~~هذه، استمسكي، فإني أريد أن أطير. فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك، ~~فكيف أشعر بطيرانك "؟! # والعجب أن الجاهل المحجوج، والغافل المبهوت، لا يتعجب من دقائق لطف ~~الله وعنايته وإحسانه في خلق البعوضة والعنكبوت، وجعل يتعجب في التمثيل ~~بها في الحقارة لشيء! أولا يرى عجائب البقة أو النملة أو النحل أو ~~العنكبوت في اهتدائها إلى بناء مسكنها، وفي حذقها في هندسة بيتها، وفي ~~جمعها الغذاء، وادخارها لنفسها، وفي إلفها لزوجها، وحزمها واحتياطها في ~~خصائص أمورها وحاجاتها. # فترى العنكبوت تبني بيتها على طرف، فتطلب أولا موضعين متقاربين، بينهما ~~فرجة بمقدار ذراع فما دونه، حتى يمكنه أن يصل بالخيط بين طرفيه، ثم ~~يبتدي فيلقي اللعاب الذي هو خيطه إلى جانب فيلتصق به، فتعدو إلى الجانب ~~الآخر، فيحكم الطرف الآخر من الخيط، ثم تحكم كذلك ثانيا وثالثا، وتجعل ~~بينهما تناسبا هندسيا، حتى إذا أحكم معاقد القمط ورتب الخيوط ~~كاللحمة، اشتغل بالتسدية، فيضيف السدى إلى اللحمة، ويحكم العقد على ~~موضع التقاء السدى باللحمة، ويراعي في جميع ذلك تناسب الهندسة، ويجعل ذلك ~~شبكة يقع فيها البق والذباب، ويقعد في زاوية مترصدا لوقوع الصيد في ~~الشبكة فإذا وقع بادر إلى أخذه وأكله. # فإن عجز عن الصيد كذلك، طلب لنفسه زاوية من حائط، ووصل بين طرفيها ~~بخيط، ثم علق نفسه ms0461 منها بخيط آخر، وبقي متمسكا في الهواء ينتظر ذبابة ~~تطير، فإذا طار ذباب رمى نفسه إليه فأخذه، ولف خيطه على رجله، وأحكمه، ~~ثم أكله. # أفترى أن العنكبوت يعلم هذه الصنعة من نفسه وحدسه، أو علمه آدمي، أو ~~لا هادي له ولا معلم؟! أفيشك ذو بصيرة أنه مسكين عاجز عن الفكر؟! # وكذا النحل وعجائب الحكمة في بناء بيوته أكثر، وما من حيوان صغير إلا ~~وفيه من هذه العجائب مما لا يحصى. # وذكر في الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحاد إلا تحركها، ~~فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثم إذا لوحت لها بيدك حادت عنها وتجنبت ~~مضرتها؛ أفلا يشهد هذا الحيوان الضعيف بهويته وشكله وصورته وهدايته ~~وعجائب صنعه، لعناية الباري، وتعلق رحمته وإحسانه به؟! # فصل # اختلفوا في سبب نزول هذه الآية على أقوال: # الأول: ما روي عن ابن عباس وابن مسعود: إن الله لما ضرب المثلين قبل ~~هذه الآية للمنافقين - يعني قوله: # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا # [البقرة:17] وقوله: # أو كصيب من السمآء # [البقرة:19]، قال المنافقون: " الله أعلى وأجل من أن يضرب الأمثال " ~~فأنزل هذه الآية. # أقول: ويحتمل أن المنافقين الذين كانوا في عهد رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) - لقصور حالهم واتباعهم لقضايا عقولهم الناقصة، أو لتشبثهم ~~بأذيال المتفلسفة النافين لعلمه بالجزئيات المتغيرة -، زعموا أن التمثيل ~~بهذه الأشياء الجزئية لا يجوز ولا يمكن إلا بآلات ومشاعر جزئية، فكيف ~~يتصور أن يقع الوحي بها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) عند عروجه بروحه ~~إلى المقام الأعلى من عالم الحس والتخيل، وتلقيه للمعارف، فوقعت ~~الإشارة إلى دفع ما زعموه بأن التمثيل بها - وبما هو أقل قدرا وأنزل ~~مرتبة منها -، واقع من الله، ولكن العلم بحقية ذلك، وبكيفية الوحي ~~والإنزال، لا يمكن إلا لمن آمن بالله وآياته، وعرف بكيفية تلقي النبي ~~(صلى الله عليه وآله) القرآن من لدنه، فيهتدي بذلك؛ وأما الجاهل ~~المغرور بعقله، فيقع لأجله في الضلالة. # الثاني: عن قتادة والحسن: لما ضرب الله المثل بالذباب والعنكوبت، ~~تكلم فيه قوم من المشركين، وعابوا ms0462 ذكره، فأنزلت. # الثالث: عن ابن عباس أن هذا الطعن وقع من اليهود، فإنه لما نزل # يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له # [الحج:73]. فطعن في أصنامهم بأنها كالذباب، وشبهت عبادتها ببيت ~~العنكبوت، قالت اليهود: " أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله بهما ~~المثل "؟ فنزلت. # قال القفال: " الكل محتمل، أما اليهود فلما في آخر هذه الآية: { ~~وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ينقضون عهد ~~الله } ، وهذه صفتهم كما دلت عليه قصتهم؛ وأما الكفار والمنافقون ~~فقد ذكر في المدثر: # وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذآ ~~أراد الله بهذا مثلا # [المدثر:31] الآية. وهما المشار إليهما لأن السورة مكية، فقد جمع ~~الفريقان، فإذا ثبت هذا، فالكل محتمل في هذه الآية، لأن الثلاثة كانوا ~~متوافقين في ايذاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد مضى في هذه ~~السورة إلى ههنا ذكر الثلاثة جميعا ". # ثم قال القفال: " وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب، لأن معناه ~~مفيد في نفسه ". # فصل # [الحياء وكيفية نسبته إلى الله تعالى] # " الحياء ": صفة انفعالية تعتري الإنسان، تنقبض معها النفس عن ظهور ما ~~يشبه القبيح عند طائفة مخافة أن يعاب به ويذم - وإن لم يكن قبيحا في ~~نفسه -، وهو من الصفات المحمودة في الإنسان، لتوسطه بين طرفين مذمومين - ~~وهما الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح، والخجل الذي هو قصور النفس ~~وانحصارها عن الفعل الحسن -. # واشتقاقه من " الحياة " ، لأنه انكسار للقوة الحيوانية، فيمنعها عن ~~أفعالها، فيقال " حيى الرجل " أي: انكسرت نفسه، كما يقال: " حشي الحيوان ~~ونسي " إذا اعتلت حشاه ونساه. # واعلم أن كل صفة تتصف بها نفس الآدميين بمشاركة البدن، فهي مذمومة ~~في الحقيقة، كالشهوة والغضب، والإحساس والتحريك، والأكل والشرب، والضحك ~~والبكاء، والخجل والوجل والحياء، لأن جميعها مما يعتريها النقص والفساد ~~لأجل التضاد، إلا أن المتوسطة منها بين أطراف هذه الأوصاف والحالات - ~~كالعفة والشجاعة والحياء -، لما كانت بمنزلة الخالي عنها - كالماء ~~الفاتر بين الحار والبارد يقال له: لا حار ولا بارد. وهو بعد غير خارج ~~عن جنس الأضداد، بل له حصة ms0463 من كل منهما -، عدت محمودة لأنها شبيهة ~~بالقوة، غير مقتضية لاشتغال النفس بها وانكبابها عليها، فإن النفس ~~كلما لم تنفعل عن موجبات القوى ودواعيها، فهي أقهر على قمعها باكتساب ~~الهيئة الاستعلائية عليها، بها يسهل لها الانقطاع عن هذا العالم، ~~والاتصال بأجنحة الكروبيين. # فقد علم أن الحياء وما يجري مجراه من الصفات، ليس من الكمالات ~~الحقيقية للنفس - فضلا عما فوقها - وإله الكل أحق بأن ينزه عما ~~يوجب الانفعال والانقهار، وهو الواحد القهار. # ولكنه قد ورد في الأحاديث عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله): # " إن الله حيي كريم، يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما ~~صفرا حتى يضع فيهما خيرا " # وقد جاء في الحديث أيضا: # " إن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه " # ، فلا بد فيه من تأويل؛ وقيل فيه وجهان: # أحدهما - وهو القانون في أمثال ذلك -، وهو أن يراد بها نفي المقابلات ~~لتلك الصفات ومباديها، أو إثبات الغايات لها بدون تلك المبادي، فإن كل ~~صفة محمودة تثبت للنفس الإنسانية بمشاركة الجسم، فلها مبدء انفعالي ~~وغاية فعلية وأضداد قبيحة. # فالحياء - مثلا -، حالة وصفة عارضة للإنسان، ولكن لها مبدء ومنتهى ~~وضد، أما المبدء، فهو التغير النفساني، والانفعال الجسماني الذي ~~يعتريه من خوف أن ينسب إلى القبيح؛ وأما النهاية: فهي أن يترك الفعل ~~المنوط به؛ وأما الضد: فهو الوقاحة أو الخجل. # فإذا ورد الحياء في حق الله، فليس المراد ذلك الخوف الذي هو مبدء الحياء ~~ومقدمته ومعده، بل إما نفي ضده الذي هو الوقاحة، أو ثبوت غايته الذي ~~هو ترك الفعل المنوط به، فقوله: { لا يستحيي } أي: لا يدع ولا ~~يمتنع، لا كأحدنا إذا استحيى من شيء تركه وامتنع من فعله. # وكذلك الغضب، له مبدء هو شهوة الانتقام في النفس، وغليان دم القلب في ~~البدن، وله غاية هي إنزال العقاب بالمغضوب عليه، وله ضد هو الخوف ~~والرضاء، فإذا وصفنا الله تعالى بالغضب، فليس المراد ذلك المبدء - أعني ~~شهوة الانتقام وغليان الدم -، بل إما عدم الخوف، كما ms0464 في قوله تعالى: # ولا يخاف عقباها # [الشمس:15] أو عدم الرضاء، كما في قوله: # ولا يرضى لعباده الكفر # [الزمر:7]. أو إنزال العقوبة. # وثانيهما: أن لله تعالى وسائط منبعثة من ذاته إلى العباد - كالملائكة ~~والرسل -، وهم مستغرقون في شهود جلاله، مستضيئون بنور وجهه وجماله، لا ~~التفات لهم إلى ذواتهم - فضلا عن غيرهم -، فهم خلفاء الله إلى عباده، ~~ونوابه في سمائه وأرضه وبلاده، من حيث أن وجودهم له، وفعلهم فعله، من ~~أطاعهم فقد أطاع الله، ومن أبغضهم فقد أبغض الله، كما في قوله سبحانه: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران:31]. وكما في قوله (صلى الله عليه وآله): # " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أبغضني فقد أبغض الله " # وكما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أيضا أنه قال: # " من رآني فقد رأى الحق ". # وهذا باب شريف ينتفع به في معرفة كثير من الآيات القرآنية، وبه ~~يصحح كثير من المسائل الدينية - كاثبات الغضب والانتقام. والحياء ~~والرحمة، وكمسئلة البداء، وإثبات الإرادة المتجددة، وسنوح المشيئات ~~المتغيرة في قضاء الحاجات، وإجابة الدعوات، وتنجية الغرقى وإغاثة ~~الملهوفين، وإنزال الزلازل والعقوبات الإلهية من القحط والسنة وغيرها ~~على الأعداء، ومحاربة الكفرة والفراعنة، إلى غير ذلك من الحوادث ~~المتجددة بالإرادات المتغيرة. # فعلى هذا يكون معنى: غضب الله عليهم " أنه غضب ملائكة الله عليهم، ~~ومعنى: " فينتقم الله منهم " أنه تنتقم ملائكة العذاب وسدنة الجحيم ~~منهم، وهكذا قياس غيرهما. # وههنا وجه ثالث أدق من الوجهين الأولين، وهو أن لكل موجود في هذا ~~العالم من الجواهر والأعراض، عوالم متعددة فوق هذا العالم، نسبة الأسفل ~~إلى الأعلى، نسبة الشهادة إلى الغيب، ونسبة البدن إلى الروح، ونسبة ~~الظل إلى الشخص. # مثاله: صورة المحسوس في الخارج: كثيف، مادي، قابل للإنقسام؛ فإذا ارتسم ~~في القوة الباصرة زال عنه كثير من النقائص، وبقي الكثير - كأصل ~~المقدارية واللون، والحاجة إلى المحل المركب من الأضداد، وشرائط ~~المقابلة والوضع إلى ما أخذ منه أو ما في حكمه -، وإذا ارتفع إلى عالم ~~الخيال، خلص عن بعض النقائص والعيوب، وبقي البعض. ms0465 # ثم إذا جاء إلى عالم العقل، تجرد وتطهر عن النقائص والعيوب كلها إلا ~~الإمكان والحدوث، فإذا رجع إلى ما في علم الله، وعالم الأسماء الإلهية، ~~وصورة الأعيان الثابتة التي هي غير مجعولة، تقدس عن جهات الكثرة ~~والإمكان كلها، فإن صورة علم الله - من حيث هي صورة علمه -، واجبة ~~بوجوبه. # وكذا الحال في جميع الذوات والصفات، لأن العوالم المترتبة في الشرف ~~والدناءة، كلها صور ما في علم الله، ومنازل صفاته وآياته، وهذه النقائص ~~والشرور إنما لحقتها في هذا العالم، وفي المراتب النازلة، لبعدها عن ~~منابع الخيرات. # فصورة الغضب إذا وجدت في عالم الأبدان، عبارة عن ثوران دم القلب، ~~وانتشار العروق وارتفاعها بها إلى أعالي البدن، كما ترتفع النار الذي ~~يغلي في القدر، فيحمر الوجه والعين، والبشرة تحكي ما وراءها من حمرة ~~الدم، كما تحكي الزجاجة لون الشراب الذي فيها. # وإذا وجدت في عالم النفس، فهي عبارة عن حالة نفسانية توجب اشتعال نار ~~الطبيعة، وإحراق مواد البدن ورطوباته، وتفعل بها ما تفعل النار المحسوسة ~~بالحطب اليابس، ويتصاعد عند شدة ناره دخان مظلم إلى معدن الفكر، ~~فتستولي ظلمته على نور العقل، وينطفي وينمحي في الحال بدخان الغضب. # وربما يتعدى الإظلام إلى معادن الحس، فتظلم عين الرجل حتى لا يرى ~~بعينه، وتسود عليه الدنيا بأسرها، ويكون دماغه ككهف، كأتون أضرمت فيه ~~نار فاسود جوه وحمي مستقره، وامتلأت بالدخان جوانبه، ولا يسكن عن ~~ذلك بالموعظة وغيرها، بل يفعل ذلك إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق. # وربما يشتد بحيث يفني الرطوبة التي بها حياة البدن، فيموت صاحبه غيضا، ~~كما تقوى النار في الكهف فيشقق فتنهد أعاليه على أسافله، وذلك لإبطال ~~النار ما في جوانبه من القوة الممسكة الجامعة لأجزائه. # فهذا حال الغضب الناشئ من النفس، ولا ينفك عن انفعالات وكدورات وآلام ~~يعود إليها، حيث إنه يسري حكم الغضب أولا في البدن والمملكة وجنودها ~~وقواها، وبواسطتها يسري إلى عدوها. # وأما إذا وجدت صورة الغضب في عالم العقل، فحقيقتها هي القهر على ما دون ~~عالمه، قهرا يوجب ms0466 خضوع النفوس التي هو فوقها، وطاعة الطبائع والأجرام ~~التي هي تحته من غير تغير ولا شوب انفعال، لبراءة عالم العقل عن سنوح ~~التغيرات والانفعالات. # وأما الغضب الإلهي، فإنما هو صفة قهاريته على الكل، وغلبة نور ~~أحديته وفردانيته، التي لا مجال لوجود الكثرة والإمكان عنده، ولا لظهور ~~يتشارك في صفة الوجود لديه، فيهلك كل شيء يوم القيامة لدى غضب الله ~~الواحد القهار، ويضمحل كل ظل وفيء عند غلبة ظهور نور الأنوار، وقد ~~ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله): # " إن الله يغضب اليوم غضبا لم يغضب مثله ". # واعلم أن النار - سيما نار الآخرة - صورة من صور غضب الله الساري في ~~العوالم، وشرر من شرارة ناره، ومظهر من مظاهر قهره، وكذا شر إبليس ~~وشرور جنوده وأولاده مظهر آخر فوقها، والهاوية مظهر دونها؛ كما أن ~~الماء - سيما ماء الحياة والكوثر - صورة رحمته، والعرش الذي على الماء ~~محل استواء الرحمن صورة فوق ذلك. والمادة الأولى دونه، والنبي الخاتم ~~- صلوات الله وسلامه عليه وآله - لكونه رحمة للعالمين، هو المظهر ~~الجامع لشؤون الرحمة الإلهية، كما أن في مقابله إبليس هو الجامع لجميع ~~الشرور، الحاوي هو وأولاده وجنود إبليس أجمعين لمظاهر الغضب وشؤونه إلى ~~يوم الدين. # وبالجملة، ما من شيء في هذا العالم، إلا وينتهي أصله وسره إلى حقيقة ~~إلهية وسر سبحاني، وأصل رباني، ومطلع أسمائي، ومشرق قيومي، ويكون نحو ~~وجوده في عالم الوحدة الجمعية الإلهية معرى عن كل كثرة وشوب، مبرأ عن ~~كل نقص وعيب. # وهكذا في جميع ما ينسب إليه تعالى من الصفات التشبيهية - كالحياء والغضب ~~والانتقام والرحمة، والرضا، والصبر، والشكر، والقبض والبسط، والسمع ~~والبصر، والشوق، واللطف -، وما أشبهها. # وكذلك اليد، واليمين، والقبضة، والقلم، واللوح، والكتابة، والذهاب، ~~والمجيء، والجنب، والقدم، والوجه، والعين، والأعين - وما يجري مجراها -، ~~فمن عرف ما ذكرناه، فتح على قلبه باب عظيم من علوم المكاشفات. # فصل # في تتمة القول في معنى قوله تعالى: # { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا } # قيل: يجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: " أما ms0467 يستحيي ~~رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت؟! " فجاء هذا الكلام على ~~سبيل إطباق الجواب على السؤال - وهذا فن بديع من الكلام. # واعلم أن ما لا يجوز عليه تعالى من المثالب والنقائص، فيجب أن يسلب عنه ~~تعالى، ولا يجوز إطلاق ذلك السلب عليه على طريق الايجاب العدولي، ولا ~~على ايجاب سلب المحمول، مثلا، لا يجوز عليه الجسمية، فيجب أن تسلب هي ~~عنه ويقال: " ليس هو بجسم " ولا يقال: " هو لا جسم " أو " هو ليس بجسم ". # لأن اثبات المعنى العدولي له، وكذا ايجاب المفهوم السلبي عليه، يستدعي ~~اتحاده به، وذلك يستلزم أن يكون ذلك المعنى إما عين ذاته - إن كان ذاته ~~بذاته مصداق ذلك المعنى ومطابق حمله عليها -، وهو محال، لكون ذاته ~~تعالى حقيقة الوجود المجهولة التصور؛ وإما عارضة لذاته إن لم يكن كذلك، ~~فيلزم التكثر في صفاته، وهو أيضا مستحيل، كما بين في مقامه. # ثم إنه قال القاضي: ما لا يجوز على الله من هذا الجنس إثباتا، فيجب أن ~~لا يطلق على طريق النفي أيضا عليه، وإنما يقال إنه لا يوصف به، فأما أن ~~يقال: " لا يستحيي " ويطلق ذلك عليه فمحال، لأنه يوهم نفي ما يجوز ~~عليه، وما ذكره تعالى في كتابه من قوله: # لا تأخذه سنة ولا نوم # [البقرة:255]. # لم يلد ولم يولد # [الاخلاص:3]. فهو بصورة النفي، وليس بنفي على الحقيقة، وكذلك قوله: # ما اتخذ الله من ولد # [المؤمنون:91]. وقوله: # وهو يطعم ولا يطعم # [الأنعام:14]. # وليس كل ما ورد في القرآن اطلاقه جائز أن يطلق في المخاطبة، فلا يجوز ~~أن يطلق ذلك إلا مع بيان أن ذلك محال. # فإن قيل: أليس هذه الصفات منتفية عن الله تعالى، فكان الإخبار عن ~~انتفائها دالا على صحتها عليه؟ # فنقول: هذه الدلالة ممنوعة، وذلك لأن تخصيص هذا النفي بالذكر، لا يدل ~~على ثبوت غيره، بل لو قرن اللفظ بما يدل على انتفاء الصحة أيضا، لكان ~~أحسن من حيث المبالغة في البيان، وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون قبيحا. # و: " أن يضرب " مجرور ms0468 المحل عند الخليل بإضمار الجارة ك " من " ، ~~ومنصوب عند سيبويه بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها. # وقيل: فيه لغتان " استحييته " و " استحييت منه " وهما محتملان. # وفي الكشاف: ضرب المثل: اعتماده وتكوينه؛ من " ضرب اللبن " و " ضرب ~~الخاتم ". # وفي مجمع البيان: " إن الضرب يقع على جميع الأعمال إلا قليلا، يقال: ~~" ضرب في التجارة " ، و " ضرب في الأرض " ، و " ضرب في سبيل الله " ، و ~~" ضرب بيده إلى كذا " ، و " ضرب فلان على يد فلان " ، إذا أفسد عليه ~~أمرا أخذ فيه؛ وضرب الأمثال إنما هو جعلها لتسير في البلاد، فيقال: " ~~ضربت القول مثلا " ، و " أرسلته مثالا " ، وما أشبه ذلك ". # فصل # قوله تعالى: { مثلا ما بعوضة } # قيل: " ما " إبهامية تزاد للابهام، والشيوع والعموم، وانسداد طرق ~~التقييد، كقولك: " أطعمني طعاما ما " أي: أي طعام شئت، أو مزيدة ~~للتأكيد، كالتي في قوله تعالى: # فبما رحمة من الله # [آل عمران:159]. # ولا نعني بالمزيد، اللغو الضائع - حاشا الكتاب الإلهي عن ذلك، بل كله ~~هدى وتبيان لقوله تعالى: # هدى للناس # [البقرة:185]. وقوله: # تبيانا لكل شيء # [النحل:89]. وإنما يعنى به ما لم يوضع لمعنى مراد منه، وإنما وضعت لأن ~~يذكر مع غيره فيفيد له وثاقة وقوة، فهو زيادة في الهدى غير قادح فيه. # و " بعوضة ": عطف بيان ل " مثلا " ، أو مفعول ل " يضرب " ، و ~~" مثلا " حال تقدمت عليه لأنها نكرة. أوهما مفعولاه لتضمنه معنى ~~الجعل. وقرئت بالرفع على أنه خبر مبتدء محذوف؛ وعلى هذا يحتمل في " ما " ~~وجوه أخر: # أن تكون موصولة حذف صدر صلتها، كما حذف في قوله ( " تماما " على ~~الذي أحسن). # وموصوفة بصفة كذلك - ومحلها النصب بالبدلية على الوجهين. # واستفهامية هي المبتدأ، كأنه لما رد استبعادهم ضرب الله الأمثال ~~قال بعده: " ما البعوضة فما فوقها حتى لا يضرب بها المثل، بل له أن ~~يمثل بما هو أحقر من ذلك " ، ونظيره: " فلان لا يبالي بما يهب، ما ~~دينار وديناران؟ ". # والبعوض: أصله صفة على فعول من " البعض " ، وهو القطع كالبضع ~~والعضب، غلب استعماله على هذا النوع من الحيوان. # وقوله: { فما فوقها ms0469 } ، عطف لى " بعوضة " أو " ما " - إن جعل ~~اسما -. # واختلفوا في ملاك هذه الفوقية: أهو الحقارة. أو الجثة؟ # فقال بعضهم: المراد ما فوقها في الصغر والقلة، كقولك لمن يقول: " فلان ~~أسفل الناس وأنزلهم ": هو فوق ذلك. تعني به أبلغ وأعرق فيما وصف به من ~~السفالة والخساسة. # والمحققون على هذا، لأن المقصد تحقير الأوثان، فكلما كان المشبه به ~~أحقر، كان المقصود أكمل، ولأنه تعالى في بيان أنه لا يمتنع من التمثيل ~~بالشيء الحقير، فما هو أشد حقارة كان أولى بالبيان؛ ولأن الشيء كلما ~~كان أصغر، كان الاطلاع على أسراره المودعة فيه من الله أدل على لطفه ~~وعنايته، فالتمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من الدلالة بالشيء ~~الكبير. # أولا ترى أن البعوضة من عجائب خلق الله، فإنها صغيرة جدا، ~~وخرطومها في غاية الصغر، ثم إنه مع ذلك مجوف، ثم الخرطوم مع فرط صغره ~~وكونه مجوفا، يغوص في جلد الفيل والجاموس - على ثخانته -، كما يضرب ~~الرجل إصبعه في الخبيص، وذلك لما ركب الله تعالى في خرطومه السم. # قال الربيع بن أنس: إن البعوضة تحيا ما جاعت فإذا سمنت ماتت، فكذلك ~~القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل، إذا امتلأوا من الدنيا ريا أخذهم ~~الله عند ذلك، ثم تلا: # حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة # [الأنعام:44]. # وروي عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: " إنما ضرب الله ~~المثل بالبعوضة، لأن البعوضة على صغر حجمها، خلق الله فيها جميع ما ~~خلق في الفيل - مع كبره -، وزيادة عضوين آخرين، فأراد الله سبحانه أن ~~ينبه بذلك المؤمنين على لطف خلقه وعجيب صنعه ". # وربما قيل: كيف يضرب الله المثل بما دون البعوضة وهي نهاية في القلة؟ # فيقال: " جناحه أصغر منها بكثير " ، وقد ضرب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) مثلا للدنيا في قوله: # " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى منها الكافر شربة ~~ماء " # ، وفي خلق الله حيوانات كثيرة أصغر منها - كما مر. # وقال الآخرون: المراد فما هو أعظم منها في ms0470 الجثة - كالذباب والعنكبوت ~~والحمار والكلب، فإن القوم أنكروا تمثيل الله بكل هذه الأشياء، واحتجوا ~~بأن لفظ " فوق " يدل على العلو. فإذا قيل: " هذا فوق ذلك " فمعناه، أنه ~~أكبر منه. # ويروى أن رجلا مدح أمير المؤمنين عليا عليه السلام - والرجل متهم ~~فيه -، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: " أنا دون ما تقول، وفوق ما ~~في نفسك ". # ثم إن ما يجري فيه الاحتمالان هو ما روي أيضا # " أن رجلا بمنى خر على طنب فسطاط، ودخل رهط من قريش على عايشة وهم ~~يضحكون، قالت [عائشة]: " ما يضحككم؟ ". # قالوا: " فلان خر على طنب فسطاط فكادت عينه أو عنقه أن تذهب ". # فقالت: " لا تضحكوا - إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ما ~~من مسلم يشاك شوكة فما فوقها، إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها ~~خيطئة " ". # فما عدا الشوكة وتجاوزها في الألم، كالخرور على طنب الفسطاط، وما زاد ~~عليها في القلة، نحو نخبة النملة - وهي عضتها - لقوله (صلى الله عليه ~~وآله): # " ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة " # ، فقوله (صلى الله عليه وآله): " فما فوقها " يحتمل المعنيين. # فصل # قوله تعالى: { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه } # " أما ": كلمة تجيء في شيئين أو أشياء، يفصل القول بينهما، ويؤكد ما ~~يصدر بهما، كقولك: " أما زيد فمحسن، وأما عمرو فمسيء " ، ف " زيد " ~~مبتدأ، و " محسن " خبره، وفيها معنى الشرط والجزاء، ولذلك يجاب بالفاء. ~~وتقديره عند سيبويه: " مهما يكن من شيء فزيد محسن " أي: هو محسن ألبتة، ~~وأن الإحسان منه عزيمة، ثم أقيم: " إما " مقام الشرط، فصار " أما ~~فزيد محسن " ، ثم أخر الفاء إلى الخبر لكراهة وقوع ما شأنه التعقيب في ~~أول الكلام. # فقوله: { فأما الذين آمنوا } مبتدأ و { يعلمون } خبره، ~~وكذلك قرينه، وفي تصدير الجملتين بها تعظيم لأهل الإيمان واعتداد بشأنهم ~~وعلمهم، وذم بليغ وإهانة للكافرين على ما قالوا، وإسقاط لقولهم عن درجة ~~الإعتبار، والضمير في " إنه " للمثل، او ل " أن يضرب ". # و " الحق ": القول الصادق الذي لا يسوغ إنكاره، أو الفعل الصائب ms0471 الذي ~~لا يجوز تخطئته، أو العين الثابت الذي لا يحتمل زواله، من قولهم: " حق ~~الأمر " إذا ثبت ووجب، و # حقت كلمة ربك # [يونس:33]، ومنه " ثوب محقق " أي: محكم النسج. # يعني أن العرفاء بالله وتوحيده وملكوته، وكيفية إنزال الوحي منه على ~~رسله، يعلمون حقية الوحي والإنزال، وأن أكثره من باب ضرب الأمثال ~~للناس، وتصوير المعاني الكلية في قوالب الأمثلة الجزئية لكي يهتدي به ~~الخلائق إلى طريق معرفة الحقائق، كما في قوله: # ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ~~ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد # [سبأ:6]. وكقوله: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # [العنكبوت:43]. # وقوله: " ماذا " إما كلمة واحدة منصوبة المحل على أنها مفعول قدم ~~على فعله، كقولك: " ماذا قال زيد؟ " وهو حينئذ بمعنى " ما " وحده. # أو كلمتان مجعولتان إسما واحدا، أولاهما مرفوعة المحل على الإبتداء؛ ~~وثانيتهما لكونها اسما موصولا، بمعنى الذي يكون مع صلته خبرا لهما. # فصل # [تحقيق في إرادته تعالى] # قد مر تحقيق الإرادة، وأنها في الحيوان كيفية نفسانية من جنس ~~المحبة والكراهة وسائر الأمور النفسانية، ودرجتها في الوجود بعد العلم ~~وقبل القدرة، واختلفوا في أنها عين الشوق أو غيره. # أقول: الحق أن الشوق في الحيوان الحسي، صورة الإرادة في الحيوان ~~النطقي، كما أن الشهوة والغضب في النفس الحساسة، صورتان للمحبة ~~والكراهة في النفس العاقلة، وصورتهما في المادة الحيوانية الجذب للملائم ~~والدفع للمنافر، وقد أشرنا إلى أن لكل صورة نفسانية مواطن كثيرة فوقها ~~وتحتها، وكلما كانت أشد نزولا، صارت إلى الكثرة والتفرقة أقرب، وكلما ~~كانت أعلى رتبة بحسب الوجود، صارت إلى جهة الوحدة أميل، وعن عالم ~~الكثرة والتفرقة أبعد. # فالإرادة في الواجب تعالى، عين علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره، والجميع ~~عين ذاته بذاته. # وقال الإمام الرازي في تفسيره الكبير: الإرادة ماهية يجدها العالم من ~~نفسه، ويدرك التفرقة البديهية بينها وبين علمه وألمه ولذته، وإذا كان ~~الأمر كذلك، لم يكن تصور ماهيتها محتاجا إلى التعريف. # وقال المتكلمون: إنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر ms0472 - ~~لا في الوقوع، بل في الإيقاع - واحترزوا بالقيد الأخير عن القدرة. # واختلفوا في كونه تعالى مريدا، مع اتفاق المسلمين على اطلاق هذا اللفظ ~~على الله تعالى. # فقال النجار: إنه معنى سلبي، معناه أنه غير مغلوب ولا مستكره. # ومنهم من قال: إنه أمر ثبوتي، وهؤلاء اختلفوا؛ فقال الجاحظ والكعبي ~~وأبو الحسين البصري: معناه علم الله باشتمال الفعل على المصلحة أو ~~المفسدة، ويسمون هذا العلم بالداعي أو الصارف. وقال أبو الحسن الأشعري ~~وأتباعه وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهما: إنه صفة زائدة على العلم. # ثم القسمة في تلك الصفة أنها إما أن تكون ذاتية، وهو القول الثاني ~~للنجار، وإما أن تكون معنوية؛ وذلك المعنى إما أن يكون قديما، وهو قول ~~الأشعرية، أو محدثا؛ وذلك المحدث اما أن يكون قائما بالله تعالى، ~~وهو قول الكرامية؛ أو قائما بجسم آخر، وهذا القول لم يقل به أحد؛ أو ~~يكون موجودا لا في محل، وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأتباعهما " - انتهى ~~ما ذكره. # وفي كتاب الأربعين ذكر تقسيم المذاهب في ارادته تعالى هكذا: إما أن يكون ~~نفس ذاته وهو قول ضرار، وأما أمرا سلبيا - أي كونه غير مغلوب ولا مكره ~~- وهو أحد قولي النجار، وإما أمرا ثبوتيا - إما معللا بذاته وهو ~~القول الآخر له، وإما بمعنى قديم، وهو مذهب أصحابنا، وإما بمعنى حادث، ~~إما قائم بذاته تعالى وهو قول الكرامية، أو موجود لا في محل وهو قول ~~الجبائية وعبد الجبار من المعتزلة، أو قائم بذات غير الله ولم نر أحدا ~~ذهب إليه. # ثم أبطل القول الأول؛ بأنا نعلمه ونشك في كونه مريدا، والثاني، بلزوم ~~كون الجماد مريدا، والخامس والسادس؛ بلزوم التسلسل في الإرادات، والخامس ~~- خاصة -؛ بأنه لا يقوم الحادث بذاته، والسادس؛ بأنه يلزم عرض لا في ~~محل، وبأن نسبة ما لا محل له إلى جيمع الذوات سواء، وكون ذاته تعالى ~~لا يوجب اختصاصه به. # أقول في كل ما ذكره في بطلان هذه الأقوال نظر: # أما ما ذكره أولا، فغير مناف لعينية الإرادة لذاته، لأن مراده من ms0473 ~~العلم به تعالى، إن كان بالكنه فغير واقع، وإن كان بوجه، فلا ينافي ~~العلم بوجه الشيء الشك في ثبوت ما هو عينه في الواقع له. # وأما ما ذكره في ابطال الثاني، فمدفوع؛ بالفرق بين السلب والسلبي، إذ ~~معنى كون الإرادة سلبية، أنها عبارة عن سلب العجز مطلقا أو المغلوبية، ~~أو كونه مكرها كذلك كما ذكره أولا، فعلى هذا لا يصدق على الجماد. # وأما ما ذكره في إبطال الخامس والسادس؛ فلهم أن يرتكبوا التسلسل في ~~الإرادات، لأنها معدات بعضها لبعض، والفاعل لها جميعا هو الله، ولا ~~يسد بذلك دليل اثبات الصانع، للفرق بين الفاعل والمعد، فالحاجة إلى ~~المرجح والمخصص المعد، لا يدفع الحاجة إلى الصانع المريد المفيد، ~~كما أن الفلاسفة - مع كونهم ذهبوا إلى مثل هذا التسلسل في الحوادث ~~المعدة - أبطلوا القول بالتسلسل في العلل الموجبة، وأثبتوا به الصانع، ~~لكن لزم عليهم ما لا يلزم على هؤلاء المتكلمين، وهو اثبات محل قديم ~~لتلك الحوادث المتسلسلة غير الباري تعالى. # والذي يلزم على هؤلاء شيء آخر، وهو لزوم كونه تعالى محل الحوادث التي ~~هي الإرادات المتجددة، واستحالة ذلك غير مقطوعة عندهم، بل مما له وجه ~~وجيه، يمكن بيانه بحيث لا تنثلم به قاعدة التوحيد الإلهي، وتنضبط ~~أحديته عن وصمة التغير والتجدد والتكثر في ذاته - تعالى عنها علوا ~~كبيرا -، وليس ههنا موعد بيانه. # وذكر الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني في باب المشيئة ~~والإرادة من كتاب التوحيد من كتب الكافي عن أبي الحسن عليه السلام: " إن ~~لله إرادتين ومشيئتين: إرادة حتم، وإرادة عزم. ينهي وهو يشاء، ~~ويأمر وهو لا يشاء. أوما رأيت أنه نهى آدم وزوجته أن يأكلا من ~~الشجرة وشاء ذلك، ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة ~~الله تعالى، وأمر إبراهيم أن يذبح إسحق - ولم يشأ أن يذبحه -، ولو ~~شاء لم غلبت مشيئة ابراهيم مشيئة الله تعالى ". # وبذلك خرج الجواب عما ذكره في ابطال الخامس خاصة. # وأما ما ذكره في ابطال السادس خاصة فنقول في دفعه: إن الإرادة ms0474 كالعلم ~~والقدرة وغيرهما من الصفات، ليس المراد بها المعنى المصدري، بل كما أن ~~العلم عبارة عما به ينكشف المعلوم لدى العالم، فكذا الإرادة، ما به ~~يترجح أحد طرفي الشيء المقدور عند القادر، أو أحد المقدورين المتساويين ~~عنده في المقدورية، وكما ان لعلمه تعالى مراتب ومنازل، وأخيرة مراتبه ~~وجود الموجودات الزمانية المكانية، بمعنى أن وجودها بعينه نحو ~~معلوميتها، ونحو علمه تعالى بها هذا العلم الزماني، فكذلك لإرادته - جل ~~ذكره - مراتب ومنازل، وأخيرة مراتب الإرادة، هي بعينها ذوات الموجودات ~~الحادثة، بمعنى أن كلا منها بهويته مراد الله، وبه يريد الله غيره، ~~لأن به يتخصص وجود ذلك الغير ويترجح على عدمه، فكل منها ارادة ومراد ~~باعتبارين، كما أنه علم ومعلوم باعتبارين. # فمراتب إرادته تعالى مضاهية لمراتب علومه، بل هي هي عند التحقيق، ~~وإدراك هذا المقام يحتاج إلى تصفية الذهن، وتجريده عن أنظار المعطلين ~~وأقاويل المبتدعين. # ولعل ما ذكرناه في توجيه كلامهم، مما غفلوا عنه غفلة تامة، وذهلوا ~~عنه ذهولا عريضا، إلا أن غرضنا في ذلك كشف الحق ودفع الباطل بأي وجه ~~كان. # ولا يبعد أن كان لهؤلاء القوم أشياخ متقدمون، وكانت لهم علوم صحيحة ~~غامضة عن أفهام هؤلاء الآخرين، ولهم كلمات متوافقة المعاني والرموز، ~~متخالفة الظواهر لاختلاف عاداتهم في طريق التعليم وبيان الرمز، ~~والمتأخرون حيث لم يبلغوا شأوهم ولم يصلوا إلى مقامهم، حرفوا الكلم عن ~~مواضعه، وذهبوا إلى ما ذهبوا، وسلكوا طريق الجدال، وشحنوا كتبهم بمثل هذه ~~الأقوال، زعما منهم أن في ذلك نصرة الدين، إلا أنهم حركوا سلسلة ~~الشياطين، وخذلوا وأذلوا أولياء اليقين، وأضاعوا سيرة السالكين في ~~مناهج الآخرة، ومسالك الدين. # واعلم أن الكلام في صفاته تعالى طويل، وتحقيق عينيتها لذاته تعالى، أو ~~غيريتها له تعالى، غامض دقيق، قد مرت إليه إشارة في المفاتيح الغيبية، ~~وسيقع الرجوع إلى تحقيقها مرة بعد أخرى زيادة في التوضيح وإبلاغا في ~~التذكير والتنقيح. # قوله جل اسمه: { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ، ~~يحتمل أن يكون جوابا ل " ماذا " على أنهما مصدران، أي: إضلال كثير ~~وهداية كثيرة؛ ms0475 وإنما وضع الفعل موضع المصدر، للإشعار بالحدوث ~~والتجدد، فإنه لما حكى الله عنهم استحقارهم لكلام الله بقوله: { ~~ماذآ أراد الله بهذا مثلا } أجاب عن ذلك بهذا القول. # ويحتمل أن يكون بيانا للجملتين المصدرتين ب " أما " ، وتسجيلا بأن ~~العلم بكونه حقا هدى وبيان، والجهل به والإنكار لحسن مورده ضلال ~~وإضلال، وكثرة كل من الفريقين في أنفسهم لا تنافي وصف المهتدين بالقلة ~~بالقياس إلى أهل الضلال، كما قال تعالى: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ:13]. وربما قيل: " القليل من المهتدين عددا كثير في الشرف ~~والفضيلة " ، فسموا بها ذهابا إلى الحقيقة؛ وكثرة الضالين من حيث ~~العدد قلة لهم في الحقيقة. # عن ابن مسعود: " السواد الأعظم هو الواحد على الحق " ، فالمهتدون أكثر ~~حقيقة لأنهم على الحق، والضالون على الباطل، فهم أقل حقيقة، وإن ~~كانوا أكثر عددا كما قيل: # قليل إذا عدوا، كثير إذا شدوا # وقيل أيضا: # إن الكرام كثير في البلاد وإن # قلوا، كما غيرهم قل وإن كثروا # واعلم أن هذا كلام محقق ومعنى مبرهن عليه، إذ قد حقق في مقامه ~~بالبرهان، وذهب إليه جمع من أهل الحكمة والعرفان، أن العقل الواحد بالفعل ~~كل الموجودات التي دونه، وأن الحقيقة النوعية الموجودة في عالم العقل ~~مع وحدتها العقلية، تحيط بجميع الأعداد والجزئيات التي دونها، وأن ~~النفس الناطقة على وحدتها وتجردها، هي عين جميع قواها المدركة ~~والمحركة على كثرتها وتخالفها وتفاوت مراتبها ونشآتها. # فصل # (في الهداية والاضلال) # اعلم إن مسألة الإضلال وما يجري مجراه إلى الله في هذه الآية وفي غيرها، ~~صارت معارك للآراء ومصارع للأهواء، غرقت في بحارها أفهام الأكثرين، ولم ~~ينج من مهاوي أنظارها إلا أقل الأقلين، فلنتكلم ههنا في تحقيق ~~الإضلال كلاما مشبعا يكشف نقاب الارتياب والامتراء، ويتجلى به وجه ~~المطلوب عن مكمن الاحتجاب والاختفاء، ليكون تحقيقه دستورا لغيره من ~~الصفات الجارية مجراه، وأصلا مرجوعا إليه فيما يجيء من معاني الآيات ~~النازلة من هذا الباب. # ولنذكر أولا ما ذكره أرباب الأفكار وأصحاب الأنظار من البحث والإلزام ~~والرد والإبرام، ثم نضيف اليها ما هو طريقة ms0476 أهل الحكمة والتحقيق، ثم ~~نذيل ذلك بايراد لمعة من بوارق نور التجريد، وقطرة من بحار عالم ~~التأييد. # فنقول: قد ذكر أهل اللغة أن همزة الإفعال، قد تجيء لتعدية غير المتعدي، ~~كما في " خرج " و " أخرج ". وقد تجيء لعكس ذلك فينقل المتعدي إلى غير ~~المتعدي كما في " كببته فأكب " ، وقد يجيء لمجرد الوجدان، تقول: " ~~أتيت أرض فلان فأعمرتها " أي: وجدتها عامرة. # إذا ثبت هذا، فقولنا، " أضله الله " ، لا يمكن حمله إلا على وجهين: # أحدهما: صيره ضالا. # والثاني: أنه وجده ضالا. # فعلى الأول، إما أن يراد به " صيره ضالا عن الدين " ، أو " صيره ~~ضالا عن الجنة ". ثم إن معنى الإضلال عن الدين في عرف اللغة، عبارة ~~عن الدعاء إلى ترك الدين وتقبيحه في عينه، أو ايقاع الوسوسة في قلبه، ~~وهذا هو الإضلال الذي أضافه الله تعالى إلى الشيطان فقال: # إنه عدو مضل مبين # [القصص:15]. وقال حكاية عنه: # لأضلنهم ولأمنينهم # [النساء:119]. وقال: # وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا ~~من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا # [فصلت:29]. إلى غير ذلك من الآيات التي أضاف الله فيها الإضلال إلى ~~إبليس؛ وأضاف الإضلال إلى فرعون وغيره أيضا كما في قوله: # وأضل فرعون قومه وما هدى # [طه:79]. وقوله: # وأضلهم السامري # [طه:85]. # ثم إن الإجماع متحقق من هذه الأمة - بل من الأمم كلها -، على أن ~~الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على الله، لأنه ما دعى أحدا إلى الكفر، بل ~~نهى عنه وزجر وتوعد بالعقاب عليه، كما أنه رغب في الهداية وأمر ~~بالهدى ووعد بالثواب، وعند هذا افتقر أهل الجبر والقدر إلى التأويل، ~~وفتحوا باب التصرف في الأقاويل. # أما أهل الجبر وأصحاب أبي الحسن الأشعري، فلعدم التزامهم قاعدة التحسين ~~والتقبيح العقليين، ولا محافظتهم على القوانين العقلية، حملوا الإضلال ~~المنسوب إليه تعالى على كونه خالق الضلال والكفر فيهم، فصدهم عن الايمان ~~وحال بينهم وبينه؛ وربما قالوا: " هذا هو حقيقة اللفظ بحسب اللغة، لأن ~~الإضلال عبارة عن جعل الشيء ضالا، كما أن الإخراج والإدخال عبارتان عن ~~جعل الشيء خارجا وداخلا ". # وقالت ms0477 المعتزلة: هذا التأويل غير جائز لغة وعقلا؛ أما اللغة فلوجوه: # أحدها: أنه لا يقال لمن منع غيره عن سلوك الطريق جبرا: " أنه أضله " ~~، بل يقال " صرفه ومنعه " ، وإنما يقال: " أضله " ، إذا أغواه ولبس ~~عليه. # وثانيها: أنه وصف ابليس وفرعون وغيرهما بالإضلال، وهم ما كانوا خالقين ~~للضلال في قلب أحد بالاتفاق، مع إن إطلاق لفظ " المضل " عليهم، على ~~سبيل الحقيقة اللغوية دون المجاز # وثالثها: أن الإضلال في مقابلة الهداية، فكما صح أن يقال: " هديته فما ~~اهتدى " ، وجب صحة أن يقال: " أضللته فما ضل " وإذا كان كذلك، استحال ~~حمل الإضلال على خلق الضلال. # أقول: وهذه الوجوه الثلاثة في غاية السقوط والاندفاع عند من أحاط بمذاهب ~~الفريقين وأغراضهما: # أما اندفاع الأول: فلأن غرضهم من خلق الضلال فيهم، ومنعهم وصدهم عن ~~السبيل، هو إنشاء الوسوسة في قلوبهم، كما في قوله تعالى: # ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس:7 - 8]. فعندهم هو الموسوس بالحقيقة. # وأما إندفاع الثاني: فلأن نسبة كل فعل عندهم إليه تعالى بالخلق، وإلى ~~غيره بالكسب؛ ولا اختصاص لذلك بهذا اللفظ، فالحال في: " أضل الله " ، ~~و: " أضل فرعون " ، وغيره، كالحال في: " هدى الله " ، و: " هدى ~~رسوله وأولياؤه " ، وفي غيرهما من الأفعال المنسوبة إليه تعالى تارة ~~وإلى غيره أخرى. # وأما إندفاع الثالث: فبأن " هديته فما اهتدى " و " أضللته فما ضل " ، ~~إنما يصحان فيما إذا كان الهادي والمضل من الممكنات، وأما إذا كان ~~الفاعل هو الله، بلا مدخلية أحد، فالتخلف عما أوجبه محال. # وأما أدلتهم العقلية: # فأولها: إنه تعالى لو خلق الضلال في العبد، ثم كلفه بالإيمان، ~~لكان قد كلفه بالجمع بين الضدين، وذلك سفه وظلم، وهما محالان عليه ~~تعالى. # وثانيها: لو كان تعالى خالقا للجهل، وملبسا على المكلفين، لما كان ~~مبينا لما كلف به العبد، والإجماع متحقق على كونه تعالى مبينا. # وثالثها: إنه لو كان كذلك، لم يكن لانزال الكتب وبعثة الرسل إليه ~~فائدة، بل كان عبثا وسفها. # ورابعها: إنه على مضادة كثيرة من الآيات، نحو قوله تعالى: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر:49] و: ms0478 # ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى # [الكهف:55]. وقال: # فأنى تصرفون # [يونس:32]. و # فأنى تؤفكون # [الأنعام:95]. # وخامسها: إنه تعالى ذم إبليس وحزبه ومن سلك سبيله في الإضلال ~~والإغواء، وأمر بالاستعاذة منهم بقوله: # قل أعوذ برب الناس... من شر الوسواس # [الناس:1 - 4] # وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين # [المؤمنون:97]. # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله # [النحل:98]. فلو كان الله فاعل الضلال، لوجبت الاستعاذة منه كما وجبت ~~منهم، ولاستحق المذمة كما استحقوا، وأن يتخذوه عدوا كما وجب اتخاذ ~~إبليس عدوا - بل حصته تعالى في جميع ذلك أكثر، فإنه المؤثر في ~~الضلال، بل يلزم تنزيه إبليس عن هذه القبائح كلها واحالتها على الله، ~~فيكون الذنب منقطعا عنه بالكلية وعائدا إلى الله تعالى - سبحانه عما ~~يقوله الظالمون علوا كبيرا. # وسادسها: إنه تعالى أضاف الإضلال عن الدين إلى غيره، وذمهم لأجله، ~~فقال: # وأضل فرعون # [طه:79]. # وأضلهم السامري # [طه:85]. # إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد # [ص:26]. وهكذا في كثير من الآيات، فإن كان المضل الحقيقي أو المشارك ~~القوي في الإضلال هو الله، فكيف ذمهم عليه؟! # وسابعها: إنه تعالى يذكر هذا الضلال جزاء لهم على سوء صنيعهم، وعقوبة ~~عليهم، فلو كان المراد به ما هم عليه من الضلال، لكان ذلك عقوبة ~~وتهديدا بشيء هم عليه مقبلون، وبه ملتذون ومغتبطون، ولو جاز ذلك، لجاز ~~العقوبة بالزنا على الزنا، وبشرب الخمر على شرب الخمر - وهذا غير جائز ~~-. # وثامنها: إن قوله تعالى: { وما يضل به إلا الفاسقين * ~~الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } ~~[البقرة:26-27]، صريح في أن هذا الإضلال فعل بهم بعد فسقهم ونقضهم عهد ~~الله باختيار أنفسهم، فيكون مغائرا لفسقهم وكفرهم. # وتاسعها: إنه تعالى ذكر أكثر الآيات التي فيها ذكر الضلال منسوبا إلى ~~العصاة الضلال على ما قال { وما يضل به إلا الفاسقين } و # يضل الله من هو مسرف مرتاب # [غافر:34]. فلو كان المراد بالضلال المضاف، هو ما هم فيه، كان ذلك ~~إثباتا للثابت، - وإنه محال -. # فهذه هي الوجوه التي ذكرها صاحب التفسير الكبير عنهم، ms0479 ولم يجب عنها مع ~~كونه أشعري المذهب، بعيدا عن الإعتزال. # وأقول في الجواب عنها: # أما مجملا، فهو أنها مكررة لا خصوصية لها بهذا المقام، بل تجري في ~~جميع الأفعال الجارية مجرى الإضلال، كالختم والطبع والإعماء والإصمام ~~وغيرها - المنسوبة تارة إلى الله وتارة إلى العبد -، وما من فعل يحدث ~~في هذا العالم - وهو عالم الظلمات والشرور، وعالم الجهل والغرور -، إلا ~~ويعتريه نقص وآفة وقصور، ويصحبه شر وفتنة وفتور، والعالم الذي ~~كله خير ونور، عالم آخر فيه دار السرور. # وأما تفصيلا، فلكل من هذه الوجوه وجه دفع - إما بالنقص، وإما ~~بالمعارضة، وإما بالحل -. # أما الجواب عما ذكروه. # أولا: فبأن التكليف للكل بالإيمان ظاهرا على لسان الرسول والكتاب، ~~لا ينافي الشقاوة الأزلية الثابتة للبعض بالقول الحتم، والقضاء الحاكم ~~بإبعاد من هو أهل للطرد والرجم، بحسب الفطرة النازلة والقلب القاسي، ~~والجوهر المظلم الردي. # وأما عن الثاني: فبأن نور التبيين والهداية من قبله تعالى، عام ~~لجميع صحائف القلوب، كنور الشمس الذي من قبلها عام شامل لجميع صفحات ~~القابليات، لكن الجهل والالتباس، كالظلمة والكدورة، ناشيان من تراكم ~~الحجب والقساوة والكثافة والظلمة. # وأما عن الثالث: فبأن فائدتهما بالذات، راجعة إلى أهل الإيمان، بتنوير ~~قلوبهم نورا فوق نور، وإصعادهم بالحبل المتين، والعروة الوثقى، عن هاوية ~~الجهل والغرور، وظلمات مضائق هذه القبور؛ وفائدتهما بالقياس إلى ~~المطرودين بالعرض، إعراضهم عن الذكر الحكيم، زيادة في بعدهم وطردهم ~~ومعاداتهم لأهل اللطف والكرامة، ليفرحوا بما هم عليه من عمارة هذه الدار، ~~والسعي في تحصيل الأرزاق والأقوات، وصرف العمر في المعاملات والزراعات، ~~خدمة لأهل الحق من حيث لا يشعرون. # وأما عن الرابع: فبأن الآيات الواردة على موافقته، ليست بأقل من ~~الآيات الواردة على مضادته بحسب الظاهر، فالاعتضاد والتأييد بها، ليس ~~بأقل من القدح والجرح بما يقابلها في ظاهر الأمر، وتلك مثل قوله ~~[تعالى]: # وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه ~~وجعل على بصره غشاوة # [الجاثية:23]. وقوله: # فمن يهدي من أضل الله # [الروم:29]. قوله: # ومآ أنت بهادي العمي عن ضلالتهم # [النمل:81]. # لقد حق القول ms0480 على أكثرهم فهم لا يؤمنون # [يس:7]. # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس:101]. # ومآ أنت بمسمع من في القبور # [فاطر:22]. إلى غير ذلك من آيات كثيرة في هذا الباب. # وأما عن الخامس: فبأن المعنى الواحد كما تختلف أحواله بحسب اختلاف ~~المحال والقوابل، كذلك تختلف بحسب اختلاف المبادي والفواعل، بل هذا أشد ~~في الاختلاف - كما تقرر في مقامه -، فالشيء الواحد، ربما يذم ويمدح ~~بالنظر إلى قابلين، وكذا يقبح ويحسن بالقياس إلى فاعلين. # أولا ترى أن إهلاك قوم مؤمنين وإيلامهم مدة في الدنيا، قبيح من ~~الإنسان، حسن من الله واقع منه، فلا منافاة بين كون الإضلال مذموما ~~فعله من غيره تعالى، وممدوحا منه، لأن ذاته بريء من الأغراض الفاسدة، ~~والأوصاف الرديئة، فكل ما يفعله هو محض الخير والصلاح، ورعاية حال ~~الأنام، وملاحظة حسن النظام. # فمن قال: " القبيح ليس منه بقبيح " ، كأنه أراد ما ذكرناه، لأن كل ما ~~يفعله ففيه مصلحة الكل، وحكمة الإيجاد، وخير العباد والبلاد، وسياقة ~~الخلق إلى منزل الرشاد وطريق المعاد. # وأما عن السادس: فبمثل ما ذكرناه من أن الذم راجع إلى العباد، لأن فعل ~~القبيح يؤثر فيهم بالتغيير والتصريف لما هم عليه من ضعف الوجود وقوة ~~القابلية، فيغيرون خلق الله، ويتغيرون عن الفطرة التي كانوا عليها، ~~ويعدلون عن الصراط المستقيم إلى طريق الهاوية والجحيم. # وأما عن السابع: فبأن سبق الأعمال القبيحة، والمعاصي المظلمة والإعراض ~~عن الحق، والخوض في الباطل، يؤدي بالشخص إلى أن يسود باطنه ويقسو ~~قلبه بالكلية، فينتهي حال من هو كذلك، إلى أن لا تؤثر فيهم الهداية ~~والإرشاد، ولا تنجع لهم الآيات والنذر، فيقعون في الضلال البعيد في ~~الدنيا، ويحترقون بنار الوعيد في الآخرة جزاء لما كانوا عليه، وذلك بما ~~كسبت قلوبهم. # وأما عن الثامن: فبأن الفسق ونقض العهد، وإن كانا من جملة ما استحقوا ~~به ظلمة في القلب، وضلالا عن الطريق، لكن الدوام عليهما، وعدم التوبة ~~عنهما، أوجب عليهم تسببهما لظلمة زائدة وضلال بعيد، وهذا التسبب ليس ~~بمعنى الفاعلية والايجاد، بل بمعنى الوسيلة والإعداد، ms0481 فالفاعل الحقيقي ~~عندهم هو الله، والأفعال السابقة مقربات ومعدات، أو علامات ومناسبات. # وأما عن التاسع: فبأن الضلال للفاسقين والمسرفين حاصل بنفس الإضلال ~~المنسوب إليه تعالى، وإثبات الثابت ليس بمستحيل إذا كان بنفس ذلك ~~الإثبات، لا بإثبات مجدد، وقد تقرر في العلوم العقلية، أن تحصيل ~~الحاصل بنفس التحصيل الأول غير مستحيل. # فهذه هي التي سنحت في جواب أدلة المعتزلة واعتراضاتهم على بطلان تأويل ~~الجبرية، وسيأتي تمام الاستبصار، وما يهتدي به أهل الاعتبار. # ثم لما ذكروا تلك الاعتراضات على بطلان تأويلهم قالوا: فوجب المصير ~~إلى وجوه أخرى من التأويل، وذكروا تلك الوجوه: # الأول: إن الرجل إذا ضل باختياره عند حصول شيء، من غير أن يكون لذلك ~~الشيء أثر في إضلاله، فيقال لذلك الشيء: " إنه أضله " ، قال تعالى في ~~الأصنام: # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس # [إبراهيم:36]. أي ضلوا بهن؛ وقال: # ولا يغوث ويعوق ونسرا * وقد أضلوا كثيرا # [نوح:23 - 24]. أي ضل بهم كثير من الناس؛ وكذلك قوله: # فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا # [نوح:6]. وقوله: # وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم # [التوبة:125]. فالإضلال على هذا المعنى، يجوز أن ينسب إلى الله تعالى ~~على معنى أن الكافرين ضلوا بسبب الآيات المشتملة على الامتحانات. # والثاني: إن الإضلال هو التسمية بالضلال، فيقال: " أضله " أي: سماه ~~ضالا، وحكم عليه به، و " أكفر فلانا " إذا سماه كافرا. قال الكميت: # وطائفة قد أكفروني بحبكم # وطائفة قالوا: مسيء ومذنب # وقال طرفة: # وما زال شربي الراح حتى أضلني # صديقي وحتى ساءني بعض ذالكا # أراد: سماني ضالا، وهذا الوجه ما ذهب إليه قطرب وكثير من المعتزلة، ~~ومن أهل اللغة من أنكره. # ويجاب عن هذا التأويل؛ بأنه مع كونه في غاية البعد، لا يفي بدفع ~~الإشكال، فإن من سماه بذلك وحكم به عليه، فلو لم يأت بالضلال، لانقلب ~~علمه جهلا، وخبره كذبا، وذلك محال، فالمفضي إلى المحال - وهو عدم ~~إتيان المكلف به -، يكون محالا، فإتيانه بالضلال يكون واجبا؛ وهذا عين ~~الجبر الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم لا محالة، وبه يخرج الجواب ms0482 عن الوجه ~~الأول لهم كما يعرف بالتأمل..................................، مع أن ~~كل عاقل يعلم ببديهة عقله سقوط الوجهين. # والثالث: أن يكون الإضلال هو التخلية، وترك المنع بالقهر والجبر. فيقال: ~~" أضله " أي: خلاه وضلاله، كما يقال: " أفسد فلان ابنه " إذا لم ~~يتعهده بالتأديب. # وأجيب عنه: إن التخلية وترك المنع من الولد، إنما يسمى إضلالا، إذا ~~كان الأحسن به أن يمنعه عن ذلك، وههنا الأمر بخلاف ذلك، لأنه تعالى لو ~~فعل بالمكلف خلاف ما فعله - بأن منعه جبرا عن هذه المفسدة -، لأدى ~~إلى مفسدة أخرى أعظم من الأولى، سيما على قاعدة أن الأصلح واجب عليه ~~تعالى - كما ذهبوا إليه - فكيف يقال: إنه تعالى أفسد المكلف وأضله ~~بالمعنى المذكور؟! # والرابع: إن الضلال والإضلال هو العقاب والتعذيب، بدليل قوله تعالى: # إن المجرمين في ضلال وسعر * يوم يسحبون في ~~النار # [القمر:47-48]. فوصفهم الله بالضلال يوم القيامة، وذلك لا يكون إلا ~~عذابهم، وقال تعالى: # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * في ~~الحميم # [غافر:71-72] # كذلك يضل الله الكافرين # [غافر:74]. فسر ذلك العذاب بالضلال. # والجواب عنه: إنا لا نسلم مجيء الضلال بمعنى العذاب، أما قوله تعالى: # إن المجرمين في ضلال وسعر # [القمر:47]، أي في ضلال عن الحق في الدنيا، وفي سعر في الآخرة، ~~وهكذا القياس في غيره كما ذكره القفال وغيره. # والخامس: أن يحمل الإضلال على الإهلاك والإبطال، كقوله تعالى: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل ~~أعمالهم # [محمد:1]. قيل: أهلكها وأبطلها من قولهم: " ضل الماء في اللبن " إذا ~~صار مستهلكا فيه، وقوله تعالى: # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق ~~جديد # [السجدة:10]. # والجواب: بأن هذا التأويل غير لائق بهذا الموضع، لأن مقابلة قوله: { ~~ويهدي به كثيرا } يمنع عنه. # قالوا: فهذه الوجوه الخمسة إنما ذكرت إذا حمل الإضلال على الإضلال عن ~~الدين. # والسادس: أن يحمل الإضلال على الإضلال عن الجنة، قالوا: هذا في الحقيقة ~~ليس تأويلا، بل هو حمل على الظاهر، فإن الآية تدل على أنه تعالى ~~يضلهم، وليس فيها دلالة على أن الإضلال عما ذا يكون، فنحن نحمله ms0483 على ~~أنه عن طريق الجنة، وهو اختيار الجبائي. # أقول: لا يخفى على من له بصيرة دينية، أن طريق الجنة هو بعينه طريق ~~المعرفة واليقين، والضلال عنه بعينه ضلال عن الدين، وكذا المشي على صراط ~~الجنة هناك، هو نفس السلوك لسبيل الحق ههنا، والتفاوت بينهما ليس إلا ~~في الكون والبروز، والخفاء والكشف. # السابع: أن تحمل الهمزة لا على التعدية، بل على الوجدان كما مر إبتداء. # وأجيب: بالمنع، وبأن إثبات هذه اللغة مما لا دليل عليه، سيما وقد ~~عدي بالباء، والإضلال بمعنى الوجدان لا يتعدى به. # الثامن: أن يكون هذا القول في تمام قول الكفار، كأنهم قالوا: ماذا ~~أراد الله بهذا التمثيل الذي لا تظهر فيه فائدة؟- ثم قالوا: - يضل ~~به كثيرا ويهدي به كثيرا، ذكروه تهكما، ثم قال تعالى جوابا لهم: ~~وما يضل به إلا الفاسقين. أي ما أضل إلا الفاسق. وأجيب عنه ~~بوجهين: # أحدهما: إنه يوجب تعليل النظم، لأن قوله: { وما يضل به إلا ~~الفاسقين } كلام الله من غير فصل بينهما، بل مع واو العطف، على أن ~~الفاعل فيه ضمير مستتر عائد إليه تعالى، و " الفاسقين " مفعوله، وضمير " ~~به " راجع إلى " أن يضرب مثلا " أو إلى المثل نفسهن فالإشكال باق. # وثانيهما: هب أنه ههنا كذلك، لكن ما يصنعون بقوله في المدثر: # كذلك يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء # [المدثر:31]. إذ لا شك إنه قول الله تعالى؟ # قالت الجبرية في هذا المقام - مداراة مع أهل الاعتزال -: لقد سمعنا ~~كلامكم، واعترفنا بجودة الإيراد وحسن الترتيب وقوة الكلام، ولكن ماذا ~~نعمل ولكن أعداء ثلاثة يشوشون عليكم هذه الوجوه الحسنة؟ # أحدها: مسألة الداعي، وهي أن القادر على العلم والجهل والاهتداء والضلال ~~لم فعل أحدهما ولم يفعل الآخر؟ # وثانيها: مسألة العلم، وهو أن خلاف ما علمه الله في الأزل محال؛ فكما ~~اعترفنا لكم بقوة الذكاء وحسن الكلام، فأنصفوا أيضا، واعترفوا بأنه لا ~~وجه لكم عن هذين الوجهين، فإن التعامي والتغافل لا يليق بالعقلاء. # وثالثها: إن فعل العبد لو كان باختياره، لما فعل إلا الذي أحبه ms0484 ~~وأراده، لكن أحد لا يريد إلا تحصيل العلم والاهتداء، ويحترز كل الاحتراز ~~عن الجهل والضلال، ثم حصل عنه خلاف ما قرره. # فإن قيل: اشتبه عليه الكفر بالايمان، والعلم بالجهل، فلذلك فعل ما ~~فعل. # قلنا: ظنه في الجهل أنه علم، إن كان باختياره أولا، فقد اختار الجهل ~~والخطأ لنفسه، وذلك غير ممكن، وإن اشتبه عليه ذلك بسبب ظن آخر متقدم ~~عليه، لزم أن يكون قبل كل ظن ظن - إلى لا نهاية - وهو محال. # إشراق نور قرآني طلع من أفق عالم رحماني # [كلام أهل التحقيق في القدر وأفعال العباد] # اعلم يا حبيبي - أيدك الله بنور تأييده، وسددك بقوة تسديده - أن ~~الكلام من أهل الكلام قد بلغ إلى هذا المقام، ولم يبق لأحد من الجانبين ~~لهم من السهام إلا ورماه إلى الآخر طلبا للإفحام، فتلاطم حينئذ أمواج ~~بحري الجبر والقدر، وانكسرت سفائن البحث والنظر، وغرقت فيها أكثر العقول ~~والأفهام، وضاعت دون الفلاح بضاعة أفكار الأقوام، ولم ينجح ولم يتنقح هذا ~~المبحث لأحد من المناظرين، ولم ينفتح هذا الباب المغلق بمفاتيح أنظار ~~أولئك المتفكرين. # وذلك لأنهم سلكوا في طلب المقاصد لأعلى مسالكها، ودخلوا بيوتا ~~علمية لم يأتوا من أبوابها؛ فمسلك العلم واليقين، ليس كمسالك الظن ~~والتخمين، وباب حقائق الإيمان ومعارف القرآن، ليس باب تحصيل البراعة في ~~التكلم والبيان، ولا يفي بذلك الإحاطة بالمشهورات والمتداولات، وحفظ ما ~~يستحسنه جمهور الناس من المنقولات، بل بالتجرد والإخلاص، وطول المهاجرة ~~عن الخلق، واليأس عما في أيديهم، والخلوة مع الله بالذكر القلبي، والفكر ~~اللطيف، ودوام الصحبة مع أنوار القرآن، وكثرة التشوق إلى عالم الملكوت، ~~والتماس الاطلاع على غرائب أسرار الإيمان. # فإذا بقي الإنسان على مثل هذه الحالات، فيوشك أن تأتيه أنوار متتالية ~~عقلية أشرقت على قلبه من سماء الملكوت، ولوامع متواردة طلع ت عليه من ~~أفق الجبروت، فتنكشف له بها جملة من خبايا حقائق أنوار الإيمان - كثرت ~~أو قلت -، واطلع على طائفة من خفايا أسرار العلم والعرفان - نقصت أو ~~كملت -. # واعلم أن كلام أهل الحقيقة في هذا المقام بلغ ms0485 منتهاه، وأقدام أرباب ~~البصيرة والكشف رسخت في مستقره ومرتقاه، وكان نصيبهم فيه من الكأس ~~الأوفى والقدح المعلى، فشربوا من برد عين اليقين، وأفاضوا جرعه للعطاش ~~السالكين. # فقالوا - كما وقعت الإشارة إليه -: إن الله تعالى متجل للخلق بجميع ~~صفات كماله وأسمائه، ومفيض على عباده وعوالمه بكل نعوت جماله وجلاله، ~~فأول ما تجلى تجلى في ذاته لذاته، فظهر من تجليه عالم أسمائه وصفاته، ~~فهي أول حجب الأحدية؛ ثم تجلى بها على عالم الجبروت، فحصلت من تجليه ~~أنوار عقلية وملائكة مهيمية قدسية، وهي سرادقات جبروته؛ ثم تجلى من ~~خلف حجب تلك الأنوار على عالم الملكوت الأعلى والأسفل، ثم على أشباحها ~~الغيبية والمثالية، ثم على عالم الطبيعية السماوية والأرضية. # ولكل من هذه العوالم والحضرات منازل وطبقات متفاوتة، وكلما وقع ~~النزول أكثر، قلت الأنوار الأحدية بكثرة هذه الحجب الإمكانية أكثر، ~~وتراكمت النقائص والشرور بمصادمات الاعدام والقصورات أشد وأوفر. # أولا ترى أن كلا من الصفات السبعة الإلهية - التي هي أئمة سائر ~~الصفات وأصول الكمالات -، تكون في الذات الأحدية بريئة من النقيصة ~~والإمكان والكثرة والحدثان، ثم إذا وقعت ظلالها في هذا العالم الأدنى، ~~صحبتها الآفات والشرور، ولزمتها الأعدام والنقائص والقصور والدثور، ~~وإذا ارتفعت هذه الصفات بارتفاع موصوفاتها وذواتها عن عالم الأجسام إلى ~~عوالم النفوس والعقول، زالت عنها الشوائب والنقائص بقدر ارتفاعها، وعلى ~~حسب درجات وجوداتها تخليصا وتطهيرا، وإذا رجعت إلى عالم الأسماء، ~~وجاوزت بكلماتها الطيبات وصحائفها العاليات الى الحضرة الإلهية، تطهرت ~~عن الشوائب كلها، وبلغت حد الكمال، وخلصت عن الكثرة والانحلال، وعادت ~~إلى إقليم الوحدة والوصال، والانخراط في صف أنوار الجمال والجلال، ~~والاضمحلال في سطوة قهر المهيمن المتعال. # إذا تقرر هذا، فلنرجع إلى تحقيق الجبر والقدر فأقول: إن نسبة أفعال ~~العباد كلها إلى الله، إن وقع من العارف المحقق، فهو حق وصواب، وإن ~~وقع من الجاهل المتكلم، فهو باطل وخطأ، وكذا تنزيه الله عنها جميعا، ~~إن وقع من السابقين الأولين والحكماء الشامخين، والعرفاء الراسخين فهو ~~أدب وتجريد، وإن وقع من الحكيم الباحث، أو المتكلم القوال من أهل ms0486 ~~الاعتزال، فهو سوء أدب وتعطيل، وفتح باب التأويل في أكثر الآيات، وسد ~~عظيم لطريق الاهتداء بأنوار التنزيل. # أما نسبة البعض كالخيرات إليه تعالى، والبعض الآخر كالشرور إلى غيره، ~~فمما له وجه عند الطائفتين الأوليين، كل بحسب حاله ومقامه، وأما لو ~~وقع من غيرهما من أصحاب الفكر أو الرواية، فيوشك أن يكون فيه قرع باب ~~الثنوية في الاعتقاد، ولا يأمن قائله من أن يحجب عن نور الحق يوم ~~المعاد. # وأما المقلد العامي المسلم السليم، فهو أدنى إلى النجاة في معاده من ~~جهة اعتقاده، وأقرب إلى السلامة لاقتصاده، بل هو مسلم معذور، وليس ~~بمفتون ممكور. # فالأشاعرة، حيث نسبوا الأفعال إلى الله تعالى، فقد أساؤوا الأدب ~~وتجاسروا في حق الحق، وما عرفوا حكمة الايجاد وترتيب النظام وجهلوا ~~علم التكليف، فكيف أجابوا عمن سئلهم من المكلف الذي قيل له: " افعل ~~" أو " لا تفعل "؟ وبمن تعلق الأمر والنهي؟ وإلى من توجهت الشريعة ~~النبوية؟ فكانت الشريعة كلها هباء وعبثا، وغاية السعي والطاعة ضائعا ~~وهذرا. # وليس متعلق التكليف ما يسمونه بالكسب، إذ لا تأثير له عند من يقول ~~به، بل الذي يتعلق به التكليف، وتناط به الشريعة، اقتدار لطيف من ~~العبد مندرج في الاقتدار الإلهي، كاندراج نور الكواكب والسراج في نور ~~الشمس، فيعلم بالدليل أن للكوكب نورا منبسطا على وجه الأرض، لكن ما ~~ندركه لسلطان نور الشمس، كما يعطي الحس في أفعال العباد أن الفعل لهم ~~حسا وشرعا، وأن الاقتدار الإلهي مندرج فيه يدركه العقل بالبرهان، ولا ~~يدركه الحس، كاندراج نور الشمس في نور الكوكب - وهو عين نور الشمس ~~والكوكب لها مجلى -. # فالنور كله للشمس، والحس يجعل النور للكوكب، وعلى الحقيقة لا نور ~~إلا نور الشمس، فاندرج نوره في نفسه، إذ لم يكن ثمة نور غيره، ~~والمرائي - وإن كان لها أثر - فليس ذلك من كونها نورا، فالنور له أثر ~~من كونه نورا بلا واسطة، ويكون له أثر آخر في مرآة تجليه يحكم بخلاف ~~حكمه من غير واسطة؛ فنور الشمس إذا تجلى في البدر، يعطى من الحكم ما ms0487 لا ~~يعطيه منه بغير الواسطة، ولا شك في ذلك. # وكذلك الاقتدار الإلهي إذا تجلى في العبيد، فظهرت الأفعال على الخلق، ~~وهو وإن كان بالاقتدار الإلهي، ولكن يختلف الحكم، لأنه بواسطة هذا ~~المجلى الذي كان مثل المرآة بتجليه. # وكما ينسب النور الشمسي إلى البدر في الحس - والفعل لنور البدر وهو ~~للشمس -، فكذلك ينسب الفعل إلى الخلق في الحس، والفعل انما هو لله في ~~نفس الأمر، ولاختلاف الأثر تغير الحكم النوري في الأشياء، كذلك يختلف ~~الحاكم في أفعال العباد. # ومن ههنا يعرف التكليف إلى من توجه وبمن تعلق، وإذا كان الأمر بين ~~الشمس والبدر بهذه المثابة من الخفاء، وأنه لا يعلم ذلك كل أحد، فما ~~ظنك بالأمر الإلهي في هذه المسألة مع الخلق من الخفاء. # فمن وقف على هذا العالم، فهو من أعلى علامات السعادة، ومن فقد مثل ~~هذا فهو من علامات الشقاوة، وأريد بهذا سعادة الأرواح وشقاوتها المعنوية، ~~وأما السعادة الحسية والشقاوة الحسية، فعلاماتها الأعمال المشروعة ~~بشرطها - وهو الاخلاص -، قال الله تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين # [البينة:5]. وقال: # ألا لله الدين الخالص # [الزمر:3]................................. والأعمال التي بخلافها. # فمن عرف نسبة العقل - الذي هو أمير المشاعر والحواس - إليها، عرف نسبة ~~الاقتدار الإلهي إلى إقتدار الناس، وسر # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان:30]. # وروى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني - رحمه الله - في كتاب التوحيد ~~من كتب الكافي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام # " قال الله: يابن آدم - بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، ~~وبقوتي أديت [إلي] فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعا ~~بصيرا قويا، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من مصيبة فمن ~~نفسك، وذلك إني أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني، ~~وذلك اني لا أسئل عما أفعل وهم يسئلون ". # ولعلك إن كنت ذا بصيرة، تستفيد من هذا الحديث القدسي حقية ما ذكرنا لك ~~سابقا، أن النقائص والقصورات اللازمة في هذا العالم لبعض الصفات ~~المنسوبة إلى الحق تارة، وإلى الخلق أخرى، إنما نشأت ولزمت ms0488 من ~~خصوصية هذا الموطن، فعادت إلينا لا إلى الصفة الإلهية، وهو معنى قوله ~~تعالى: " أنت أولى بسيئاتك مني ". ومعنى قوله: " لا أسئل عما أفعل " ~~إن الأفعال الصادرة منه بلا واسطة، وكذا الصفات الإلهية الثابتة له في ~~مقام التوحيد قبل عالم الكثرة، ليست فيه شائبة النقص والقبح حتى يرد ~~فيها السؤال، لأن عالم الإلهية كله نور وكمال، وليس معناه - كما ~~توهمه قوم - أن صدور القبيح منه حسن، وأن السؤال عن قبحه حرام وبدعة، ~~لأن العالم ملكه، وملكه، له أن يفعل في ملكه كلما يريد - وإن كان قبيحا ~~-. # هذا ما زعمته الأشاعرة، وهو عندنا أكثف الاعتقادات وأفحشها - تعالى ~~وتقدس كبرياؤه عما يقوله الظالمون المتجاسرون في حقه علوا كبيرا -. # تمثيل: # ذكره بعض أصحاب القلوب تقريبا للطبائع والأفهام، وتسهيلا لفهم التوحيد ~~الأفعالي على العقول فيما يضاف إلى الجمادات والأعجام، فإن الحجاب عن ~~إدراك هذا التحقيق أمران: # أحدهما: إختيار الإنسان والحيوان. # وثانيهما: ما ينسب إلى الجمادات وسائر الأجرام. # أما الأول: أن نسبة ارادة الإنسان إلى مشيئة الله، كنسبة إدراك الحواس ~~إلى إدراك العقل، كما في قوله: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان:30]. ونسبة مصادر أفاعيلها من الأبدان والأعضاء، كنسبة الجوارح ~~إلى القلب الذي هو أمير الجوارح، كما دل عليه قوله [تعالى]: # يد الله فوق أيديهم # [الفتح:10]. وقوله: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم # [التوبة:14]. وقوله: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال:17]. # وأما الثاني: فقد انكشف لدى البصائر المستنيرة، أن الشمس والقمر، ~~والغيم والمطر، والأرض وكل حيوان وجماد، مسخرات بأمره، ومقبوضات بقبضة ~~قدرته، كالقلم الذي هو مسخر للكاتب، وعلمه وارادته وقدرته وقوته التي في ~~عصبه وأصبعه، كما أن علمه ومشيئته واردتان عليه من خزائن غيب الملكوت ~~وكتابة قلم اللاهوت - على ترتيب ونظام، وتقدم وتأخر، من الأعلى ~~فالأعلى، إلى ا[لا] دنى فالأدنى، حتى انتهى أثر القدرة من احدى حاشيتي ~~الوجود إلى الأخرى، ومن القلم الأعلى إلى القصب الأدنى. # وهذا مما يشاهده من انشرح صدره بنور الله، ويسمع بسمعه المنور من يدرك ~~ويفهم تسبيح الجمادات وتقديسها، وشهادتها ms0489 على أنفسها بالعجز والمسخرية ~~بلسان ذلق أنطقها الله به، الذي أنطق كل شيء بلا حرف وصوت، ما لا يسمعه ~~الذين هم عن السمع لمعزولون. # فقال بعض الناظرين من هذا المشكاة للكاغد - وقد رآه أسود - لم ~~تسود وجهك، وتشوش بياضك بهذا السواد؟ # فقال بلسان الحال: سلوا هذا المداد الذي ورد علي وغير هيئتي ~~وجبلتي. # فقال للمداد: لم فعلت ذلك؟ # فقال: كنت مستقرا في قعر الدواة، لا صعود لي بنفسي عن ذلك المقعر، ~~فوردت علي قصبة تسمى " القلم " ، فرقاني من مقعري، ولولا نزوله ما ~~كان لي صعود. # فقال للقلم: لم فعلت ذلك؟ # فقال: كنت قصبا نابتا في بعض البقاع، لا حركة مني ولا سعي، فورد ~~علي قهرمان سكين بيد قاطع، فقطعني عن أصلي، ومزق علي ثيابي وشق ~~رأسي، ثم غمسني في سواد الحبر ومرارته. # فقال للسكين: لم فعلت؟ فأشار إلى اليد. # فاعترض عليها فقال: ما أنا إلا لحم ودم وعظم، حركني فارس يقال له ~~القدرة، فاسألها. # فلما سألها عن ظلمها وتعديها على اليد فأشارت إلى الإرادة. # فقال لها: ما الذي قواك على هذه القدرة الساكنة المطمئنة؟ # فقالت: لا تعجل لعل لنا عذرا وأنت تلوم، فإني ما انبعثت ولا انتهضت ~~بنفسي، ولكن بعثني حكم حاكم وأمر جازم من حضرة القلب، وهو رسول العلم ~~على لسان العقل بالإشخاص للقدرة، والإلزام لها في الفعل، فإني مسكين ~~مسخر تحت قهر العلم والعقل، فلا أدري بأي جرم سخرت لهما، والزمت لهما ~~الطاعة، لكني أدري أن تسخيري إياها بأمر هذا الحاكم العادل أو الظالم. # فأقبل على العلم والعقل والقلب، مطالبا لهم ومعاتبا اياهم ~~على سبب استنهاض الإرادة وإنهاضها للقدرة. # فقال العقل: أما أنا فسراج ما اشتعلت بنفسي، ولكني أشعلت. # وقال القلب: أما أنا فلوح ما انبسطت، ولكني بسطت، وما انتشرت ولكني ~~نشرني من بيده نشر الصحائف. # وأما العلم فقال: إنما أنا نقش في منقوش، وصورة صورت في بياض لوح ~~القلب لما أشرق العقل، وما انخططت بنفسي، فكم كان هذا اللوح قبلي خاليا ~~فسل القلم عني، واسأله عن هذا. ms0490 # فرجع إلى القلم تارة أخرى بعد قطع هذه المنازل والبوادي، وسير هذه ~~المراحل والمقامات، فوقع في الحيرة حيث لم يعلم قلما إلا من القصب، ولا ~~لوحا إلا من العظم والخشب، ولا خطا إلا بالحبر، ولا سراجا إلا من ~~النار، وكان يسمع في هذا المنزل هذه الأسامي ولا يشاهد شيئا من مسماها. # فقال له العلم: زادك قليل وبضاعتك مزجاة، ومركبك ضعيف، فالصواب لك أن ~~تؤمن بهذه المسميات ايمانا بالغيب، وتنصرف وتدع ما أنت فيه. # فلما سمع السالك ذلك، استشعر قصور نفسه، فاشتعل قلبه نارا من حدة ~~غضبه على نفسه لما رآها بعين النقص، ولقد كان زيته في مشكاة قلبه يكاد ~~يضيء، ولو لم تمسسه نار لقوة استعداده وكبريتية في مادته، فلما نفخ ~~فيه العلم بحدته اشتعل زيته، فأصبح نورا على نور، فقال له العلم؛ اغتنم ~~الفرصة وافتح بصرك، فلعلك تجد على هذه النار هدى. # ففتح بصره، فرأى القلم الإلهي كما سمع نعته من العلم إنه ليس من قصب ولا ~~خشب ولا له رأس وذنب، وهو يكتب على الدوام في صحائف قلوب الأنام أصناف ~~العلوم والحقائق، وكان له في كل قلب رأس، ولا رأس له، فقضى منه العجب، ~~فودع عند هذا العلم وشكره، وقال: لقد طال مقامي عندك، إني عازم على ~~السفر إلى حضرة القلم. # فلما جاءه وقص عليه القصص وسأله: " ما بالك تخط على الدوام في القلوب ~~من العلوم ما تبعث به الإرادات إلى أشخاص القدرة، وصرفها إلى المقدورات؟ ~~" فقال: لقد نسيت ما رأيت في عالم الملك، وسمعته من جواب القلم عن ~~سؤالك؟ # قال: لم أنس. # فقال: جوابي مثل جوابه، لتطابق عالمي الملك والملكت، إنما سمعت: " إن ~~الله خلق آدم على صورته " ، فاسأل عن شأن الملقب ب " يمين الملك " ، ~~فإني مقهور في قبضته مسخر، فلا فرق بين قلم الآدمي والقلم الإلهي في ~~معنى التسخير، إنما الفرق في ظاهر الصورة والتصوير. # قال: ومن يمين الملك؟ # قال القلم: أما سمعت قوله تعالى: # والسماوات مطويات بيمينه # [الزمر:67]. هو الذي يرددها، فاسأل اليمين عن شأنه ms0491 وتحريكه للقلم. # [فسافر السالك من عنده إلى اليمين، حتى شاهده ورأى من عجائبه ما يزيد ~~على عجائب القلم.. فسأل اليمين عن شأنه وتحريكه للقلم] فقال: جوابي ما ~~سمعت من اليمين الذي في عالم الشهادة، وهو الحوالة على القدرة. # فلما سار إلى عالم القدرة، فرأى فيه من العجائب ما استحقر عندها ما ~~قبل ذلك، فسألها عن تحريك اليمين. فقالت: أنا صفة، فاسأل " القادر " إذ ~~العهدة على الموصوفات لا على الصفات. # وعند هذا كاد أن يزيغ ويتنطق بالجرأة على السؤال، فثبت بالقول ~~الثابت، ونودي من سرادقات الحضرة: # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [الأنبياء:23]؛ فغشيته الحضرة، فخر صعقا، فلما أفاق قال: سبحانك ~~ما أعظم شأنك، تبت إليك وتوكلت عليك، آمنت بأنك الملك الجبار ~~الواحد القهار، فلا أخاف غيرك ولا أرجو سواك، ولا أعوذ إلا بعفوك من ~~عقابك، وبرضاك من سخطك وبك منك، فأقول: اشرح لي صدري لأعرفك، ~~واحلل عقدة الصمت من لساني لأثني عليك. # فعند هذا رجع السالك، واعتذر عن أسئلته ومعاتبته، فقال لليمين والقلم ~~والعلم والإرادة والقدرة وما بعدها: اقبلوا عذري، فإني كنت غريبا في ~~بلادكم، ولكل داخل دهشة، فما كان إنكاري عليكم إلا عن قصوري وجهلي، ~~والآن قد صح عندي عذركم، وانكشف لي أن المتفرد بالملك والملكوت، والعزة ~~والجبروت، هو الواحد القهار، والكل تحت تسخيره، وهو الأول والآخر، ~~والظاهر الباطن. # فهذا هو الكلام في تفسير الإضلال. # فصل # قوله: { ويهدي من يشآء } # قد مر الكلام في معنى الهداية، وقد جاء الهدى على وجوه: # أحدها: الدلالة والبيان: قوله [تعالى]: # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان:3]. # وتانيها: الدعوة إلى الحق. # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى:52]. أي: لتدعوا. # ولكل قوم هاد # [الرعد:7]. أي: داع يدعوهم إلى ضلال أو هدى. # وثالثها: التوفيق بالألطاف المشروعة للمؤمنين بسبب ايمانهم، في مقابلة ~~الإضلال بمعنى الخذلان للكافرين بكفرهم، كما في قوله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى # [محمد:17]. وقوله: # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى # [مريم:76]. # والله لا يهدي القوم الظالمين # [البقرة:285]. وقوله: # يثبت الله الذين آمنوا بالقول ms0492 الثابت في ~~الحيوة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين # [ابراهيم:27]. # ورابعها: الهدى إلى طريق الجنة. قوله: # يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ~~ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم # [المائدة:16]. # وخامسها: التقديم. يقال: " هدى فلان [فلانا] " إذا قدمه أمامه. ~~وهوادي الخيل: أعناقها، لأنها تتقدمها. # وسادسها: هداه، أي: سماه مهتديا وحكم عليه. قوله: # إن الهدى هدى الله # [آل عمران:73]. وقوله: # من يهد الله فهو المهتدي # [الأعراف:178]. أي: من حكم الله عليه بالهدى فهو المستحق بأن يسمى ~~مهتديا. # فهذه هي الوجوه التي ذكرها المعتزلة، وقد انكشف عليك حالها فيما تقدم ~~في باب الاضلال. # وعند الجبرية للهداية وجه آخر، وهو كون الهدى بمعنى خلق الهداية ~~والعلم، في مقابلة الإضلال، بمعنى [خلق] الضلالة والجهل، كما أن الله ~~هو المحيي والمميت، بمعنى خالق الحياة والموت. # قالت المعتزلة: إن هذا غير جائز لغة، إذ لا يقال لمن حمل غيره على ~~سلوك الطريق جبرا وكرها: " إنه هداه إليه " ، وإنما يقال: " رده إلى ~~الطريق المستقيم ". وذكروا وجوها أخرى مكررة الايراد والاندفاع لا ~~نطول الكلام بذكرها تفصيلا. # ويكفي للجميع جواب واحد، وهو أنا نعلم يقينا بالقواطع البرهانية، أن ~~خالق الأشياء كلها هو الله - إما بلا واسطة، أو بواسطة -، والتي تمسكتم ~~بها وجوه لغوية أو نقلية قابلة للاحتمال، والمحتمل لا يعارض القاطع، ~~فوجب المصير إلى ما يقضي به العقل المنير؛ أو ما يسمع بالقلب السليم ممن ~~عنده علم من الذكر الحكيم، كما قال تعالى: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل:43]. # قوله جل اسمه: { وما يضل به إلا الفاسقين } # الفسق، أصله الخروج، من قولهم: " فسقت الرطبة من قشرتها " أي: ~~خرجت، فكأن الفاسق هو الخارج عن الطاعة، وتسمى الفأرة " فويسقة " ~~لخروجها لأجل المضرة. # وعند الخوارج أنه كافر، وعند المعتزلة أنه لا مؤمن ولا كافر، لأن ~~الإيمان عندهم عبارة عن مجموع التصديق والإقرار والعمل، والكفر تكذيب ~~الحق وجحوده، فجعلوه قسما ثالثا نازلا بين منزلتي المؤمن والكافر، ~~لمشاركته كلا منهما في بعض الأحكام. # واحتج المخالف بقوله تعالى: ms0493 # بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان # [الحجرات:11]. وقال: # حبب إليكم الأيمان وزينه في قلوبكم وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان # [الحجرات:7] وصاحب الكشاف - لاعتزاله - فسر الفاسقين بالخارجين عن حد ~~الايمان، معتضدا بقوله تعالى: # إن المنافقين هم الفاسقون # [التوبة:67]. وتبعه البيضاوي جريا على عادته في الاتباع. وهذه ~~المسئلة طويلة مذكورة في الكلام. # ومرتكب الكبيرة فاسق خارج عن أمر الله بالاتفاق، وله درجات: # الأول: الذي لا يميز بين الحق والباطل، والجميل والقبيح، ساذجا عن ~~العقائد الرديئة، غير مستمر الشهوة؛ وهو سريع القبول للعلاج، قريب ~~المبادرة إلى التوبة. # الثاني: أن يكون قد عرف ذلك، لكنه يتعاطاه انقيادا لشهوته، وإعراضا ~~عن صواب رأيه، لاستيلاء الداعية الشهوية عليه، بل زين له سوء عمله، لكن ~~علم تقصيره فأمره أصعب، ورجوعه أبعد. # الثالث: أن يعتقد في قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق أنها مستحنسة، وأن ~~ما يعتقده ويفعله حق وجميل، وتعود ارتكابها والإنهماك فيها من غير ~~مبالاة بها، فهذا يكاد يمتنع اصلاحه، ولن ترجى توبته إلا على الندور، ~~وذلك لتضاعف أسباب الضلال. # والرابع: أن يكون مع إدامته على الفسوق ورسوخه في العصيان، يرى الفضيلة ~~فيما يفعله من كثرة الشر واستهلاك النفوس، ويعتقد أن ذلك موافق للشريعة، ~~ويباهي به، ويظن أن ذلك يرفع في قدره. وهذا أصعب المراتب وأشدها غورا ~~وتعمقا في الباطل. # فقيل للأول من هؤلاء: " ضال " فقط. وللثاني: " ضال وفاسق ". ~~وللثالث: " ضال وفاسق وظالم ". وللرابع: " ضال وفاسق وظالم ~~وشرير " أي: شيطان مريد. والثلاثة الأول ممن لا يسلب عنهم اسم ~~الايمان، لأتصافهم بالتصديق الذي هو مسمى الإيمان، وربما جازت التسمية ~~به للرابع عند طائفة تمسكا بظاهر قوله تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات:9]. # وتخصيص الإضلال بالفساق، يدل على تعليقه بالوصف، وترتبه على فسقهم ~~وخروجهم عن دائرة أهل الايمان والصلاح، فأدى بهم العدول عن منهج الحق ~~والصواب، إلى الإصرار على الباطل والخطأ، وصرفهم إلى الضلال البعيد ~~والإضلال. # وقرئ: " يضل " على البناء للمفعول، و " الفاسقون " بالرفع. ### || [2.27] # أراد أن يذكر صفة الفاسقين كشفا عن حالهم، وايضاحا لسبب ضلالهم، ~~وتقريرا لرسوخهم فيما هم ms0494 عليه، ليدل على نكالهم في مآلهم من الخسران ~~العظيم والعذاب الأليم. # و " النقض " في اللغة: فسخ التركيب وفكة. وإنما ساغ وشاع استعماله ~~في إبطال العهد، تشبيها له بالحبل على سبيل الاستعارة، لما فيه من ربط ~~أحد المتعاهدين بالآخر؛ ثم إن ذكر المشبه به - وهو الحبل - كان ~~ترشيحا للمجاز، وإن أطلق مع المشبه - وهو العهد - كان رمزا إلى ما هو ~~من روادفه، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر المستعار، ~~ويرمزوا بذكر شيء من روادفه، فينبهوا على مكانه، كقولك: " شجاع يفترس ~~أقرانه " تنبيها على أنه أسد في شجاعته. و: " عالم يغترف منه " ~~تنبيها على أنه بحر في علمه وإفادته. # ومن قبيل الأول قول ابن التيهان في بيعة العقبة: " يا رسول الله، إن ~~بيننا وبين القوم حبالا ونحن قاطعوها، فنخشى إن الله [عز وجل] أعزك ~~وأظهرك [على قومك] أن ترجع إلى قومك ". # و " العهد ": الموثق، وجاز استعماله في كل ما من شأنه أن يتعاهد ~~ويتحفظ به، كالوصايا والايمان والنذور والأوقاف؛ ويقال للدار من حيث ~~إنها يراعى بالرجوع إليها، وللتأريخ لأنه يحفظ. # [ما هو " عهد الله "؟] # ثم اختلفوا في المقصود من هذا العهد على أقوال: # الأول: ما ركز في العقول من قوة الإستعداد لإدراك الحجج القائمة ~~الدالة للعباد على صحة توحيده وصدق رسوله. وهذا معنى قوله: # وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى # [الأعراف:172]. وعليه يحمل قوله: # أوفوا بعهدي أوف بعهدكم # [البقرة:40]؟ # الثاني: أن يعنى به ميثاقا أخذه من الناس وهم على صورة الذر، وأخرجهم ~~من صلب آدم عليه السلام كذلك، وهو معنى قوله: # وأشهدهم على أنفسهم # [الأعراف:172] الآية. # أقول: وهذا عند التحقيق راجع إلى الوجه الأول. # والثالث: أن يعنى به ما دل عليه بقوله: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جآءهم ~~نذير ما زادهم إلا نفورا # [فاطر:42]. فلما لم يفعلوا ما حلفوا عليه، ولم يهتدوا، فقد نقضوا عهدهم ~~وميثاقهم. # وهذا مرجوح، لاختصاصه بطائفة مخصوصة يرد عليهم الذم فيما التزموا ~~باختيارهم من أنفسهم، بخلاف ms0495 الأول، فإنه عام في كل من ضل وكفر، ~~ويلزمهم الذم لأنهم نقضوا عهدا أبرمه الله تعالى، وأحكمه بما أنزله من ~~دلائل الآفاق والأنفس، وشواهد الكتب والرسل بالحجج البينة، مع ما أودع ~~في العقول. # قال المتكلمون في إنكار الوجه الثاني وإسقاطه: كيف يحتج الله تعالى ~~على عباده بعهد وميثاق لا يشعرون به، كما لا يؤاخذهم بما أذهب علمه عن ~~قلوبهم بالسهو والنسيان، فكيف يجوز أن يعييهم بذلك ويذمهم. # أقول: إن الكلام في تحقيق إخراج الذرية من صلب آدم على صورة الذر، ~~عميق خارج عن طور أهل البحث خروجا شديدا؛ وبعدت أذهانهم عن دركه ~~بعدا بعيدا، وقد وقعت الإشارة إليه، حيث ذكرنا أن للإنسان أنحاء من ~~البعث والحشر. # واعلم أن طوائف العلماء ذكروا في توجيه الخطاب الإلهي والكلام الرباني ~~إلى المعدوم في حال عدمه وجوها: # أحدها: ما ذكره القائلون بثبوت المعدومات، وشيئية الماهيات قبل ~~وجوداتها، كالمعتزلة القائلين بثبوت المعدوم ثبوتا خارجيا، وكبعض ~~المتصوفة القائلين بثبوته ثبوتا علميا في الأزل، وهو أن الخطاب مع ~~أفراد البشر حين ثبوتها في الخارج أو في علم الله، وقد أقيمت البراهين ~~على [بطلان] شيئية المعدوم في الكتب العقلية، وزيف القول بها بما لا ~~مزيد عليه. # وثانيها: ما يبتني إما على قول بعض الحكماء القائلين بقدم الأرواح ~~الإنسانية، أو على القول بتقدمها على الأبدان بألفي عام، كما ورد في ~~الحديث النبوي - على قائله وآله السلام - وفي رواية # " خلق الله الأرواح قبل الأجسام بأربعة آلاف سنة " # وأن الخطاب والعهد وقعا على الأرواح الإنسانية قبل تعلقها بالأبدان ~~العنصرية. # وهذا أيضا مقدوح - لدلالة البراهين القائمة على بطلان تقدم النفوس ~~بأنحاء وجوداتها المختصة على الأبدان -، فضلا عن قدمها. # وقد ذكر معلم الفلاسفة وجوها من البراهين على أن حدوثها بحدوث ~~الأبدان، وذلك لأن المفارقات عن الأجسام وعلائقها لا تغير ولا تجدد ~~لها، ولا تسنح لها حالة غريبة الجأتها عن مفارقة عالم القدس والطهارة، ~~واقليم الخير والسعادة الى هذا المهوى الذي هو منبع الشرور والآلام، ~~ومعرض الأمراض والهموم والأعدام. # وحمل بعضهم الأرواح والأجسام المذكورتين ms0496 في الحديث المذكور، على الأرواح ~~الكلية والأجرام الكلية، ونحن قد علمنا في شرح هذا الحديث، وتعيين ~~المذكور فيه على كلتا الروايتين رسالة على حدة. # وثالثها: قول المحققين من أهل التوحيد، وهو أن الخطاب بقوله تعالى: # ألست بربكم # [الأعراف:172] في أخذ الميثاق، كان لحقيقة الإنسان الموجودة في العالم ~~الإلهي والصقع الربوبي، فإن لكل نوع طبيعي حقيقة عقلية، وصورة ~~مفارقة، ومثالا نوريا في عالم الحقائق العقلية والمثل الإلهية، هي ~~صور ما في علم الله عند الحكماء الربانيين والعرفاء الأقدمين، وهم ~~كانوا يسمونها بأرباب الأنواع، زعما منهم أن كلا منها ملك موكل ~~بإذن الله، يحفظ باقي أشخاص ذلك النوع الذي هو صورتها عند الله في عالم ~~الصور المفارقة، والمثل النورية العقلية، ونسبته إليها نسبة الأصل إلى ~~الفروع، ونسبة النور إلى الأظلال. # والفرق بين الحقيقة الإنسانية وسائر الحقائق، بأن كلا منها مربوب اسم ~~واحد من الأسماء الإلهية، وهذه الحقيقة مظهر الاسم " الله " ، المتضمن ~~لسائر الأسماء ومربوبه، وبأن ليس لأفراد غيرها التنزل عن المرتبة التي ~~هي عليها، ولا الترقي من مقام إلى مقام، حتى تنتهي إلى الحضرة الإلهية، ~~بخلاف هذه الحقيقة الإنسانية المستعدة بصورتها الكونية للخلافة ~~الربانية، وبصورتها العقلية للوفاء بالميثاق في النهاية، كما للقبول ~~لأخذه وعقده في البداية. # وهذا مما هو محقق عند القائلين بأن للإنسان صعودا وهبوطا بحسب ~~تطوره في الأطوار؛ ففي الهبوط نزل من عالم القدس والجنة بأمره تعالى، ~~وقوله: # اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين # [البقرة:36]. وفي الصعود يرتقي إلى جوار الله ومقام قاب قوسين ومقام ~~المكالمة الحقيقية، وإلى حيث يقول: # " من رآني فقدر رأى الحق " # ويقول: " لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ". # ثم لا يخفى على أولى النهى، أنا لا نجد ولا ندري ان الله تعالى ذكر ~~أنه كلم أحدا وهو بعد لم يجئ إلى عالم الكون، إلا بني آدم، فإنه ~~كلمهم وهم بعد غير موجودين في العالم، وأجابوه وهم لم يتولدوا ولم ~~يحدثوا بعد، فجرى لهم بالجود الرباني ms0497 ما جرى - لا بالوجود الإنساني - ~~وإلى ذلك المقام سينتهي المنتهى بأن يكون سمعه وبصره ولسانه، كما قال في ~~الحديث القدسي: # " كنت له سمعا وبصرا ولسانا، فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق " # ، وإلى هذا أشار الجنيد حين سئل: " ما النهاية؟ " فقال: " الرجوع إلى ~~البداية ". # وأما معنى قطع هذا الميثاق ونقض العهد الواقع في البداية، فهو أن تلك ~~الحقيقة الإنسانية الموجودة قبل هذه الأكوان الترابية في عالم الحضرة ~~الربوبية، كانت ذات جهات وحيثيات عقلية، تضاعفت عليها من تضاعيف ~~الإشراقات النورية الواجبية، وتضاعيف النقائص الإمكانية، وكثرة ~~الإزدواجات الحاصلة بين جهات النور والظلمة، والوجوب والإمكان والكمال ~~والنقصان. # فهذه الجهات العقلية، هي أسباب كثرة الأكوان لأفراد الإنسان، وهي ~~المعبر عنها بالذرات المستخرجة بحسب الفطرة، فإنه استخرج الله من ~~ظهر آدم ذرات بنيه، واستخرج أيضا من ظهورهم ذريات ذرياتهم المودعة ~~فيها إلى يوم القيامة. # إذا تصورت هذا، فاعلم أن المستمعين منهم للخطاب، كانوا على ثلاث طبقات: ~~السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال؛ وجعل الله لكل منهم سمعا ~~وبصرا وفؤادا - على حسب حاله ومقامه -. # ثم نظر إلى السابقين بنظر المحبة، وجعلهم قابلين لنور المحبة، كما في ~~قوله: # يحبهم ويحبونه # [المائدة:54]. ونور سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم بأنوار اللطف والكرامة ". ~~فلما قال لهم: # ألست بربكم # [الأعراف:172] فسمعوا الخطاب بالسمع المنور، وشاهدوا الجمال بالأبصار ~~المنورة، وأحبوا لقائه بالقلوب المنورة، فأجابوه بلسان المحبة ~~يقينا حقا، وايمانا وتسليما، وتعبدا ورقا. # وأما أصحاب اليمين، فسمعوا الخطاب بسمع القابلية، وأبصروا الشواهد ~~بالأبصار الخالية عن الغشاوة، وفهموا تعريف الوحدانية بالقلوب الصافية، ~~فأجابوه بلسان الايمان تعبدا ورقا، وقالوا: { بلى } أنت ربنا ~~ومعبودنا. # وأما أصحاب الشمال، فامتحنوا بإظهار العزة والعلى، واحتجبوا برداء ~~الغيرة والكبرياء، فسمعوا الخطاب من وراء الحجاب، وعلى السمع وقر ~~البعد، وعلى الأبصار غشاوة الحجب الظلمانية، وفي القلوب ختم الظلمة ~~لأنها في أكنة العزة، فلم يسمعوه بسمع القبول والطاعة، فأجابوا بلسان ~~الإقرار جبرا واضطرارا، ودهشة وافتقارا. # فقد انكشف لك أن لأفراد البشر قبل ورودهم إلى الدنيا هويات عقلية ~~مستخرجة من ظهر أبيهم العقلي، فتجلى الله عليهم قبل ms0498 وجودهم، ورباهم، ~~وشاهدوه بلاهم، وسمعوا خطابه، وأجابوه اقرارا بوحدانيته وربوبيته في ~~نشأة سابقة على هذه النشأة لهم. # فصل # واعلم أن لله تعالى عهدا عاما أخذه على جميع الموجودات، وهو أن ~~يطيعوه ويعبدوه ويسبحوه ويعظموه، لأن الكل حي قائم ناطق بحياة ~~سارية في الأشياء من الحي القيوم، ونور يفيض عليها من نور الله الفائض ~~على السموات والأرض. وعهودا مخصوصة وهي ثلاثة أجناس: # عهد أخذه على جميع ذرية آدم، بأن يقروا بربوبيته لسانا واعترافا، ~~كما أقروا به فطرة وحقيقة وشهودا عقليا، كما أخبر عنه تعالى بقوله: # قالوا بلى شهدنا # [الأعراف:172]. # وعهد خص به النبيين أن يقيموا الدين، ولا يتفرقوا، ويبلغوا الرسالة ~~إلى الخلق أجمعين، كما في قوله: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم # [الأحزاب:7]. # وعهد خص به العلماء بأن ينصوا الحق ولا يكتموه، وهو قوله: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه # [آل عمران:187]. # فصل [تأويل قوله تعالى: { مآ أمر الله به أن يوصل } ] # الضمير في قوله: { من بعد ميثاقه } راجع إلى العهد. # و " الميثاق " صيغة مصدر أريد بها ما تقع به الوثاقة، أي الإحكام، ~~والمراد به: أما من قبل الله فبما وثق الله به عهده من إنزال الآيات ~~والكتب، وأما من قبلهم فبما وثقوه من القبول والالتزام والاستعداد، ~~ويحتمل أن يراد بها المعنى المصدري. # وكلمة " من " ابتدائية، لأن إبتداء النقض كان بعد الميثاق، إذ لو كان ~~قبله لم يستحقوا الذم هذا المبلغ، وفيه إشارة إلى أن أولئك الضالين، ~~بعد أن حصلوا مقدمات علم التوحيد، ووصلوا إلى مرتبة يستعدوا بها لإدراك ~~المعرفة واليقين، رجعوا إلى مقام الجحود والإنكار طلبا للرياسة والجاه، ~~وترفعا عن قبول التعلم، وإعراضا عن سماع الآيات، وانهماكا في طلب ~~اللذات، حتى صاروا قواطع طريق الحق. # فقوله: { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } معناه: ~~إنهم كانوا يقطعون على من هو بصدد السلوك على طريق الحق، والمشي على ~~صراط التوحيد سبيلهم، بإفساد عقائدهم بالشبه المضلة، وانكار المعجزات ~~النبوية، والقدح في حقية العلوم الإلهية والآيات، والحال أنهم أمروا ms0499 ~~أن يوصلوا طريق الحق والتوحيد، ويصلوا رحم القرابة الإيمانية والرابطة ~~الإلهية، فإن للوجود الحقيقي رباطا وحدانيا، وللقرابة المعنوية ~~الإيمانية صلة منشأوها الرحمة الرحمانية، كما أن للوجود الصوري ~~اتصالا، وللقرابة الصورية صلة منشأوها الرحم الرحمن الانعطافي. # بيان ذلك: أن الإنسان حيث هبط بأمر الله عن عالم الوحدة الإلهية إلى ~~جنة أبيه آدم عليه السلام، ثم نزل بأمر # اهبطوا # [الأعراف:24] إلى أرض البشرية، وانقطع عن عالمه الأصلي إلى دار الفرقة ~~والتشتت. ثم هو مأمور بحسب الأمر التكويني والأمر التشريعي، بأن يرتقي ~~عن هذا العالم، ويتجرد عن قشور الخلقية، ويتخلص عن علائق الطبيعة، ~~ويستبق الخيرات، ويسابق إلى الجنة، إلى أن يصل إلى عالم الرحمة ~~والمعرفة، وهو قوله: # فاستبقوا الخيرات # [البقرة:148]. وقوله: # سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~كعرض السمآء والأرض # [الحديد:21]. وقوله: # وأنيبوا إلى ربكم # [الزمر:54]. وقوله: # ارجعوا إلى أبيكم # [يوسف:81]. فعند وصول الروح الإنساني إلى درجة أبيه المقدس، يتصل آخر ~~دائرة الوجود بأولها، ويزول عنه الفرقة الكونية باللحمة المعنوية ~~الوجودية. # وكما أن في البداية كان عقلا، ثم نفسا، ثم صورة، ثم جسما؛ ففي ~~العود إلى النهاية صار بدنا، ثم صورة بشرية، ثم قلبا معنويا، ثم ~~روحا منفوخا إسرافيليا قائما بذاته، ناظرا إلى ملكوت الأشياء لقوله: # ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون # [الزمر:68]. ثم روحا إلهيا أمريا لقوله: # ونفخت فيه من روحي # [الحجر:29]، وقوله: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء:85]. # فهذا تأويل قوله: { مآ أمر الله به أن يوصل } ، فما أمر ~~الله بوصله، هو عين الروح الأمري الذي أمرنا الله في ايجاده ايانا أمرا ~~تكوينيا، بأن يصل إلى مقام الروح بالعلم والتقوى، والمعرفة والهدى. # وقيل: يحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى كقطيعة الرحم، والإعراض عن ~~موالاة المؤمنين والعلماء، والتفرقة بين الأنبياء والكتب في التصديق، ~~وترك الجماعات المفروضة، وسائر ما فيه ترك خير أو تعاطي شر، فإنه يقطع ~~الوصلة بين الله وبين العبد، المقصودة بالذات من كل وصل وفصل. # وهذا عند التحقيق راجع إلى ما ذكر أولا. # و " الأمر ": هو ms0500 القول الطالب للفعل. وقيل: " مع العلو والاستعلاء ". ~~واطلاقه على الأمر الذي هو واحد الأمور، تسمية للمفعول به بالمصدر، فإنه ~~مما يؤمر به، كما قيل له: " شأن " وهو الطلب والقصد، يقال: " شأنت شأنه ~~" أي: قصدت قصده. # ثم الأمور كلها في هذا العالم - عالم الخلق - حاصلة بأمره تعالى ~~وقوله، وهو عالم الأمر كله، لأن أمره وقوله وكلمته ليس من جنس الأصوات ~~والحروف والحركات؛ بل أمره التكويني جوهر الروح، كما قال: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء:85]. # وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه # [النساء:171]. وما يحصل منه بواسطة أمره التكويني، هو عالم الخلق، وإذا ~~قطع النظر عن ترتيب الوسائط والأسباب، ونسب الكل إليه ابتداء، كان كل ~~شيء أمره الايجادي، لعدم المغايرة بين أمره تعالى والمأمور بأمره تعالى ~~في الأمر الايجادي، بخلاف الأمر التشريعي منه، أو الأمر الصادر من غيره، ~~فإن الآمر والمأمور به فيهما متغايران، كما وقعت إليه الإشارة سابقا. # فصل # { ويفسدون في الأرض } # فسادهم إما متعد أو لازم: # فالأول: كمنعهم عن طاعة الرسول، واتباع شريعته (صلى الله عليه وآله)، ~~لأن تمام صلاح أهل الأرض بطاعة الله والتزام شرائعه، إذ بهذا الإلتزام ~~يندفع الجور والظلم، ويبقى الحرث والنسل، وتحفظ الأنواع فيها، ويظهر ~~العدل الذي به قامت السموات. # والثاني: هو عزل القوى عما خلقت لأجله، وعدم استعمالها فيه، فيجب تمكين ~~الدواعي النفسانية، واستيلاء الشهوة والغضب، وغلبة الوهم على العقل، ~~فيفسد في أرض البدن التي خلقت هي وقواها لأن يعبدوا الله فيها وأنابوا ~~إليه. # وقوله: { أولئك هم الخاسرون }: # يعني: من فعل ذلك فهو الخاسر، وذلك إما لأنهم باعوا اللذات العلى ~~والسعادات القصوى الباقية بهذه اللذات الخسيسة البدنية الفانية، أو لأن ~~لكل أحد في الجنة أهلا ومنزلا، فإن أطاع الله وجده، وإن عصاه ورثه ~~المؤمنون، فذلك قوله: # إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم ~~يوم القيامة # [الزمر:15]. # أو لأنهم خسروا حسناتهم التي عملوها، والآية في اليهود - وكانت لهم ~~أعمال بحسب شريعتهم -، وفي المنافقين - ولهم أعمال ظاهرة عملوها رياء ~~واتقاء للناس، فحبط ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون ms0501 -. # قال القفال: الخاسر: إسم عام يقع على من عمل عملا لا يجزى عليه، ~~كالرجل إذا عنى نفسه، وصرف وقته في أمر فلم يأت بنفع قيل: " خائب خاسر ~~" ، لأنه كمن أعطى شيئا ولم يأخذ بإزائه ما يقوم مقامه، فسمي الكفار ~~الذين يسعون في الحياة الدنيا بالمعاصي خاسرين، قال تعالى: # إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات # [العصر:2 - 3]. وقال: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحيوة الدنيا # [الكهف:103 - 104]. # أقول: اعلم أن أعظم الخسران خسران النفس، لأن وجدان كل شيء بعد وجدان ~~الذات وبسببه، فإذا هلكت هلك عنها كل شيء، كما في قوله: # هلك عني سلطانيه # [الحاقة:29]. # وتحقيق ذلك: أن الأفراد الإنسانية مشتركة في أن لكل منها نفس مدركة ~~للجزئيات بالوهم والخيال، وهذه النفوس نفوس بالفعل، عقول بالقوة، فإذا ~~خرجت من القوة إلى الفعل، صارت عقولا بالفعل بالروح الإضافي المنفوخ ~~فيها من الله، وإنما تخرج من القوة النفسانية إلى الفعل الروحي الأمري، ~~بمزاولة أعمال دينية، وتحصيل علوم حقيقية، وللإنسان بإزاء هاتين ~~المنزلتين حياتان أخرويتان: # إحداهما: حياة الذين يرزقون عند الله من الأرزاق المعنوية العلمية، ~~فرحين بما آتاهم الله من فضله من الأنوار العقلية الأبدية. # وثانيتهما: حياة حيوانية، يدرك بها إما نعيم السعداء مما تشتهيه ~~الأنفس، أو جحيم الأشقياء مما تتعذب به النفوس الشقية، كما في قوله: # فمنهم شقي وسعيد * فأما الذين # [هود:105 - 106] الآية. # إذا ثبت هذا فنقول: إن الإنسان إذا صرف قواه في هذه الحياة الدنيا - ~~التي هي حركة ما جبلية إلى النشأة الآخرة - إلى غير ما خلقت لأجله وهو ~~تحصيل الروح الأمري الذي هو باق عند الله -، ثم ضاعت عنه القوة ~~الاستعدادية التي كانت له بمنزلة رأس المال، وانقلبت صورة ذاته إلى أن ~~صار الإنسان أضل من الأنعام، وأنزل درجة من الحشرات والديدان، فقد خسر ~~ذاته ونفسه، فهذا هو الخسران المبين. ### || [2.28] # لما ذكر الله سبحانه دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، أراد أن يشير إلى ~~أن الفاعل والغاية معا في وجود الإنسان هو ذاته تعالى، فقوله: { ~~كنتم أمواتا ms0502 فأحياكم ثم يميتكم } إشارة إلى بداية ~~أحوال الإنسان، { ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } إشارة ~~إلى نهاية حاله وعاقبة أمره. # و " كيف " في الأصل، سؤال عن الكيفية والحال، كما يتضح ذلك في ~~الجواب، فإنك إذا سألت أحدا: " كيف رأيت زيدا؟ " فيقول: مسرورا، أو ~~مهموما، وما أشبههما من الأحوال، ف " كيف " سؤال عن الحال، فيجاب عنه ~~بكل ما يليق من الأحوال، كما أن " كم " سؤال عن المقدار والعدد، و " ~~ما " سؤال عن تمام الماهية، و " أي " عن المميز الذاتي أو العرضي، و ~~" من " عن حقيقة الشخصية إن كان من العقلاء، و " أين " و " متى " ~~عن نسبة زمانه ومكانه - وهذه الاستفهاميات -. # " كيف " قد يجيء للتوبيخ والإنكار، فكيف ههنا مثل " الهمزة " في ~~قوله: " أتكفرون بالله " ، والفرق بينهما بأن الهمزة إنكار لأصل ~~الفعل، وكيف؛ إنكار للحال التي يقع عليها الفعل، لكن حال الشيء تابعة ~~لأصله وذاته، فإذا امتنعت امتنع، واذا جاز جازت، فيكون إنكار حال الكفر ~~التابع لأصله الرديف لذاته على سبيل الكناية أبلغ وأقوى، لأنه بيان ~~للشيء ببرهانه. فإنك إذا نفيت كل صفة يوجد عليها " زيد " ، فقد نفيت ~~وجود زيد بوجه برهاني، فيكون آكد وأقوى من انكار وجوده لا بينة، وذلك ~~لأن وجود الشيء بلا صفة من الصفات، وحال من الحالات، ممتنع. # فثبت مما ذكر أن: " كيف تكفرون " أبلغ في إنكار الكفر من: " ~~أتكفرون " ، وأوفق بما بعده، وتقديره " أمتعلقين بحجة وملابسين ببرهان ~~تكفرون بالله؟ " فيكون { وكنتم أمواتا } وما بعده منصوب الموضع ~~على الحال، والعامل فيه " تكفرون " أي: تكفرون عالمين بهذا البرهان، ~~فيكون من قبيل وضع الحد موضع المحدود، ووضع الشيء مكان عنوانه واسمه. # وبهذا يندفع ما أورد عليه، من أن الحال يجب أن يكون وجوده مع وجود ما ~~يقيد به، وههنا ليس كذلك، فإن الكفر حاضر لهم، وكونهم أمواتا ماض ~~ولا يجدي نفعا. # الجواب عنه: بأن الواو الحالية لم تدخل على " كنتم أمواتا " فقط، ~~بل على جملة الكلام إلى قوله: " ترجعون " ، أي: كيف تكفرون وقصتكم ~~وحالكم هذه أنكم [كنتم] كذا وستصيرون كذا. لأن بعض ms0503 القصة والحال ماض، ~~وبعضها مستقبل، وكلاهما لا يصح وقوعهما حالا، إذ المركب من الفائت ~~المنقضي والغائب المنتظر، لا يكون موجودا حاضرا، نعم، العلم بهذه ~~القصة موجود حاضر، فكأنه قيل: كيف تكفرون وأنتم عالمون بتمام هذه ~~القصة من بدوها إلى غايتها. # فقد رجع إلى التوجيه الذي سبق ذكره، من أنكم كيف تكفرون ملابسين بما ~~يبرهن به على إثبات المبدء والمعاد. أي: ما أعجب كفركم في جميع أحوالكم ~~مع علمكم بحالكم ومآلكم. # لا يقال: علمهم بما سبق من كونهم أمواتا فأحياهم ثم أماتهم، لم يتصل ~~بما لحقهم من الإحياء الثاني والرجوع؟ # لأنا نقول: ضرب من العلم بهما حاصل بكل أحد وإن عاندوا وجحدوا، ~~ومع قطع النظر عن ذلك، تمكنهم من العلم بهما بحسب ما نصب الله لهم من ~~الدلائل الموصلة إليه، وكثرة شهادات المخبرين من الأنبياء والأولياء ~~عليهم السلام عنهما، يجري مجرى علمهم في إزاحة العذر، سيما وفي الآية ~~تنبيه على ما يدل على صحتهما وهما أمران: # أحدهما: إن الله لما قدر أن أحياهم أولا، قدر أن يحييهم ثانيا، ~~فإن إبداء الخلق ليس بأهون من إعادته ثانيا. # وثانيهما: إنه لو لم يكن للإنسان بقاء أخروي، لكان وجود العقل فيه، ~~والقدرة على استخراج العلوم الحقيقية بالأنظار، والتمكن من كسب المعاني ~~العقلية المتعقلة بمعرفة الله وذاته وصفاته بالأفكار، عبثا وهباء، ~~والحكيم لا يفعل العبث، وغاية المعرفة والعلم يمتنع أن يكون في هذا ~~العالم، لأن كلما يوجد في هذا العالم، يكون من قبيل المحسوسات، ~~والمحسوس - بما هو محسوس - لا يكون غاية للمعقول، لأن الغاية أبدا ~~تكون أشرف من ذي الغاية. # فصل # [تحقيق في الموت والحياة] # قيل: إن الخطاب كان إما مع الذين كفروا، لما وصفهم الله بالكفر وسوء ~~المقال وخبث الفعال، خاطبهم على طريقة الالتفات، ووبخهم على كفرهم مع ~~علمهم بحالهم المقتضية خلاف ذلك. # وإما مع الطائفتين جميعا، فإنه لما بين دلائل التوحيد والنبوة، ~~ووعدهم على الايمان وأوعد على الكفر، أكد ذلك بأن عدد عليهم النعم ~~العامة والخاصة، واستقبح صدور الكفر منهم، واستبعد عنهم مع ms0504 تلك النعم ~~العظيمة، فإن جلالة النعمة تقتضي زيادة الشكر، وبازائها عظم العقوبة على ~~عصيان المنعم، فمن هذا الموضع إلى قوله: # يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم # [البقرة:40] في شرح النعم التي عمت جميع المكلفين، وفي ضمنها ما يختص ~~بالخواص. # لا يقال: كيف يعد الإماتة من النعم المقتضية للشكر؟ # لأنا نقول: لما كانت وصلة إلى الحياة الأبدية كانت نعمة عظيمة. وأما ~~مع المؤمنين خاصة لتقرير المنة عليهم، وتبعيد الكفر عنهم على معنى: كيف ~~يتصور منكم الكفر وكنتم جهالا فأحياكم الله بما أفادكم من نور الإيمان ~~واليقين؟ على طباق قوله: # أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا # [الأنعام:122]. ثم يميتكم الموت المعروف، ثم يحييكم الحياة الحقيقية، ~~ثم إليه ترجعون [فيثيبكم] بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر. # واعلم أنهم ذكروا وجوها في الموت والحياة المذكورتين في هذه الآية ~~مرتين. # فعن قتادة: إنهم كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم - يعني: نطفا - ثم ~~أحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم ~~بعد الموت في الآخرة. # وعن ابن عباس وابن مسعود: إن معناه لم تكونوا شيئا فخلقكم، ثم ~~يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة. # وقيل: معناه { كنتم أمواتا } يعني خاملي الذكر { فأحياكم ~~} بالظهور { ثم يميتكم } عند تقضي آجالكم { ثم يحييكم } ~~للبعث. والعرب تسمي كل أمر خامل " ميتا " وكل مشهور " حيا ". قال: # فأحييت من ذكري وما كان خاملا # ولكن بعض الذكر أنبه من بعض # والوجه الرابع: إن معناه: كنتم نطفا في أصلاب آبائكم وبطون أمهاتكم ~~- والنطفة موات - فأخرجكم إلى دار الدنيا { فأحياكم، ثم ~~يميتكم } [في الدنيا { ثم يحييكم } في القبر للمسائلة { ~~ثم إليه ترجعون } أي يبعثكم يوم الحشر للحساب والمجازاة على ~~الأعمال. # وسمي رجوعا إليه، لأنه رجوع إلى حيث لا يتولى الحكم فيه أحد غير ~~الله، كما يقال: " رجع القوم إلى الأمير " أي أمر القوم إلى حكمه. # فهذه هي الوجوه التي ذكرها علماء التفسير، وسيأتيك كشف بعض ما فيها. # والوجه في كون العطف الأول ب " الفاء " والثواني ms0505 ب " ثم " ، لأن ~~الأول متصل بما عطف عليه غير متراخ عنه بخلاف الأعقاب. # وتقديم نعمة الحياة في الذكر على سائر النعم المذكورة، لتقدمها طبعا، ~~ولكونها ما يتمكن به الإنسان من الانتفاع والالتذاذ بغيرها. # ثم إن الإتفاق، مع أنه قد وقع على أن المراد من قوله: { وكنتم ~~أمواتا } إما التراب - كما في خلق آدم أبي البشر -، وإما النطف - ~~كما في خلق أولاده ما خلا عيسى عليه السلام - ولكن اختلفوا في أن اطلاق ~~اسم الميت على الجماد حقيقة أو مجاز؟ والأكثرون على أنه مجاز، لأنه ~~شبه الموات بالميت، لأن الموت عدم الحياة عما من شأنه أن يقبل الحياة ~~بما فيه من اللحمية والرطوبة، والحمل على الحقيقة أولى، كما دل عليه ~~ظاهر هذه الآية وغيرها، إذ لا داعي للعدول عن الحقيقة، وأما القوة ~~المأخوذة في أعدام الملكات، فهي قد تكون بحسب الجنس، كما في عمى ~~العقرب، فجنس الجماد والنبات - وهو الجسم الطبيعي - فيه قوة قبول ~~الحياة. # واعلم إن الحياة في المشهور عند الجمهور، حقيقة في القوة الحساسة أو ما ~~يقتضيها، وبها سمي الحيوان " حيوانا " ، وتطلق على القوة النامية ~~مجازا، لأنها من طلائعها ومقدماتها، وعلى ما يختص بالإنسان من ~~الفضائل كالعقل والعلم والايمان من حيث إنه غايتها وكمالها. # والموت بإزائها يطلق على ما يقابلها في كل مرتبة؛ قال تعالى: # قل الله يحييكم ثم يميتكم # [الجاثية:26]. وقال: # اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها # [الحديد:17]. وقال: # أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي ~~به في الناس # [الأنعام:122]. وإذا وصف بها الباري سبحانه، أريد بها صحة اتصافه ~~بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوة فينا، أو معنى قائم بذاته يقتضي ذلك. # هذا ما ذكر - والحق أن الحياة ليست مما تخص حقيقتها للقوة الحساسة ~~التي في هذه الحيوانات أو مبدئها فقط - كما توهم -، بل لكل شيء حياة ~~تخصه بها يسبح الله ويمجده، وبإزائها موت، هو عدم تلك الحياة عنه كما ~~قال تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء:44]. وذلك لأن لكل شيء وجودا ms0506 يخصه، به ينفعل عما فوقه ~~ويفعل فيما دونه، وهذا الانفعال والفعل في هذه الحيوانات، هو الإحساس ~~والتحريك، وفي الإنسان هما التعقل والروية، وفي النباتات، هما التغذي ~~والتوليد؛ وهكذا القياس فيما علا وما سفل، حتى يرجع في إحدى الحاشيتين ~~الفعل إلى الانفعال كما في الهيولى، وفي الأخرى بالعكس، لأنه محض ~~الوجود والفعلية. # وأصل جميع الموجودات كلها هو الله، من اسمه " النور " ، فهو نور ما علا ~~- وهو السماء - وما سفل - وهو الأرض -، فتأمل في إضافة النور اليهما في ~~قوله: # الله نور السماوات والأرض # [النور:35]. وجميع الأجسام عند أهل اكلشف شفافة نورية، حتى الأرض مع ~~كثافتها، فإنها مثل الزجاج الصافي، إذا خلصت وصفت من كدورة رملها ~~تعود شفافة، ومن هذا الباب، أكوان الجلي من الأحجار والنيران الكامنة ~~فيها وفي الأشجار. # وههنا دقيقة، وهي أن أجزاء الأرض تتحرك وتستحيل إلى النبات، والنبات في ~~استكمالاته يتوجه إلى غاية هي وجود اللبوب، وما من لب إلا وله دهن ~~فيه نور بالقوة ولولا النورية التي في الأجسام الكثيفة، ما صح للمكاشف ~~أن يكشف ما خلف الجدران، ولا كان قيام الميت في قبره، والتراب عليه لا ~~يمنعه من كشف أحواله، وإن كان الله قد أخذ بأبصارنا عنه ويكشفه المكاشف ~~منا. # وقد ورد في ذلك أخبار كثيرة، ومن خواص الهدهد المذكور في قصة سليمان - ~~على نبينا وآله وعليه السلام -، أن الأرض شفافة في نظره، فيرى مواضع ~~العيون تحتها. # أوما سمعت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يدرك ما خلف حجاب ~~ظهره، كما كان يدرك أمامه، ولم يحجبه كافة عظم الرأس وما يحويه من ~~العروق والعصب والمخ وما عليها. # والسر في سريان نور الحياة فيها وفي سائر الأجسام، أن أول موجود أوجده ~~الله هو القعل، وهو نور إبداعي إلهي، وأوجد عنه النفس - وهي دون العقل في ~~النورية - ومنه الطبيعة، ومنها الجسم؛ وهذه بسائط أجناس العالم، وما ~~زالت الأشياء تكشف حتى انتهت إلى الأركان والمواليد، ولما كان لكل موجود ~~وجه خاص إلى موجده - وهو الله -، كان سريان نور الحاية ms0507 فيه، ولما كان ~~له وجه إلى سببه، كان فيه من الظلمة والكثافة والعدم والموت. # فتأمل إن كنت عاقلا، فلهذا كان الأمر كلما نزل أظلم وأكثف، فأين منزلة ~~الأرض من منزلة العقل. # ثم لا يخفى على المحقق، أنه قد ثبت في مقامه أن لكل نوع جسماني صورة ~~مفارقة منه موجودة في عالم الملكوت الأعلى الرباني، وفي علم الله، وهو ~~اسم من أسمائه وهو مدبر لهذا النوع ذو عناية [به]، وهو بالحقيقة لسانه ~~عند الله بالتسبيح والتقديس، وهو سمعه وبصره، وبه حياته، فكل جسم حي ~~عند التحقيق. # إشارة وتنبيه: # قال بعض المحققين من أهل الكشف في هذه الآية: " إنه لما كان الموت ~~سببا لتفريق المجموع، فمعناها كنتم متفرقين في كل جزء من عالم ~~الطبيعة فجمعكم وأحياكم، ثم يميتكم، أي يردكم متفرقين، أرواحكم مفارقة ~~لصور أجسادكم، ثم يحييكم الحياة الدنيا، ثم إليه ترجعون بعد مفارقة ~~الدنيا، وإن الله سيذكر عباده يوم القيامة بما شهدوا به على أنفسهم في ~~أخذ الميثاق، فيقولون: # ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ~~فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل # [غافر:11]. فطلبوا من الله أن يمن عليهم بالرجوع إلى الدنيا ليعملوا ~~ما يورثهم دار النعيم. # وحين قالوا هذا، لم يكن الأمد المقدر لعذابهم قد انقضى، ولما قدر أن ~~يكونوا أهلا للنار، وأنه ليس لهم في علم الله دار يعمرونها سوى النار، ~~قال [تعالى]: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام:28]. حتى يدخلوا النار باستحقاق المخالفة، إلى أن يظهر سبق ~~الرحمة الغضب، فيمكثون في النار مخلدين لا يخرجون منها أبدا على الحالة ~~التي قد شاء الله أن يقيمهم عليها، وفيها يرد الله الذرية إلى أصلاب ~~الآباء، إلى أن يخرجهم الله إلى الحياة الدنيا على تلك الفطرة، فكانت ~~الأصلاب قبورهم إلى يوم يبعثون من بطون أمهاتهم، ومن ضلع آبائهم في ~~الحياة الدنيا، ثم يموت منهم من شاء أن يموت، ثم يبعث يوم القيامة كما ~~وعد " - انتهى ما ذكره. # أقول: إن في كلامه أمورا تخالف الظاهر ينبغي التنبيه عليها: # منها: أن كون أفراد ms0508 البشر في صورة الذر عند عهد الميثاق، عبارة عنده ~~عن الأجزاء الصغيرة المتفرقة في أطراف العالم، الحاضرة في علم الله ~~أنها ستصير أحياء بواسطة اقتران الأرواح الإنسانية بها. # ومنها: أن الحياة الثانية تكون في الدنيا أيضا كما دل عليه قوله: { ~~ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } ، وهذا مما يدل بظاهره ~~على تناسخ الأرواح، إلا أن تحمل الحياة الأولى المشار إليها بقوله: " ~~فجمعكم وأحياكم " على الحياة الحيوانية التي تكون للجنين قبل ~~تعلق النفس الناطقة بالبدن، والموت الذي بإزائها، انتقال البدن من ~~الحيوانية إلى الإنسانية، وهذا ليس بتناسخ مستحيل. # ومنها: أن الصوفية وإن كانوا قائلين ببطلان التناسخ، لكنهم جوزوا ~~بروز بعض الأرواح في بعض الأشباح، بواسطة اتصال روحه بذلك الروح، فعليه ~~يحمل ما يشعر بالتناسخ في هذا الكلام، لئلا يقع من أحد سوء ظن بهذا ~~الشيخ العظيم. # ومنها: إن ضلع الآباء وبطون الأمهات في كلامه، إشارة إلى جهتي ~~الفاعلية والقابلية، بأن الضلع الأيسر من الفاعل، إشارة إلى الجنبة ~~السافلة التي بها يفعل فيما تحته، كما أن الضلع الأيمن منه، هو الجنبة ~~العالية التي بها ينفعل عما فوقه، وبطن الأم عبارة عن القوة ~~الاستعدادية التي للقابل، لأن القوة أمر عدمي منشأه صفة وجودية، ~~فكأن القابل أمر ذو تجويف كبطن الأم، فضلع الأب وبطن الأم استعارتان ~~لطيفتان لذينك المعنيين. # تذكرة فيها تبصرة # [خلق الأعمال] # ذكر صاحب التفسير الكبير من المعتزلة وجوها دالة على أن الكفر من ~~قبل العباد، ولم يقدر على حلها لصعوبتها، بل أجاب عنها بوجهين جدليين. # أما الوجوه فأحدها: إنه تعالى لو كان هو الخالق للكفر، لما جاز قوله: { ~~كيف تكفرون بالله } موبخا لهم، كما لا يجوز أن يقول: " ~~كيف تسودون وتبيضون وتسقمون وتصحون؟ " لأن الجميع من خلقه. # وثانيها: إذا كان خلقهم أولا للشقاء والنار، وما أراد منهم إلا ~~الكفر، فكيف يوبخهم عليه؟ # وثالثها: كيف يليق بالحكيم ايجاد الكفر فيمن يقول لهم: { كيف ~~تكفرون } توبيخا، ومنع الايمان عمن يقول في حقهم: # وما منع الناس أن يؤمنوا # [الإسراء:94]. # فما لهم لا يؤمنون # [الإنشقاق:20]. وأنى ms0509 يصح أن يقول: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر:49]. # فأنى تؤفكون # [يونس:34]. و # فأنى تصرفون # [يونس:32]. وهو يخلق فيهم الإعراض والإفك والصرف، لأنه مما يشبه ~~السخرية دون الحكمة أو الإلزام. # ورابعها: إن الله إذا قال للعبيد: { كيف تكفرون بالله } ~~احتجاجا عليهم، فلهم أن يقولوا: حصلت في حقنا أسباب كثيرة موجبة للكفر، ~~أولها قضاؤك النافذ الحتم. وثانيها: قدرك اللازم. وثالثها: إرادتك. ~~ورابعها: خلقك الكفر فينا، وخامسها: خلقت فينا قدرة عليه. وسادسها: ~~إرادة موجبة له. وسابعها: حركة متوجهة إليه والايمان أيضا يتوقف على ~~نظائر هذه الأسباب السبعة - وهي كلها مفقودة -، فقد حصل لعدم الايمان ~~أربعة عشر سببا، كل منها مستقل بالمنع عن الايمان، فمع قيام هذه ~~الأسباب الكثيرة، كيف يعقل أن يقال: كيف تكفرون؟ # وخامسها: إنه تعالى قال: كيف تكفرون بالله الذي أنعم عليكم هذه ~~النعم العظيمة مثل الحياة وما قبلها وما بعدها؟ وعلى قول الجبرية لا ~~نعمة له عليهم، لأن كل ما فعله بهم، كان لاستدراجهم وسوقهم إلى النار ~~جبرا وقهرا. # وهذا كمن قدم إلى رجل صحفة فالوذج مسموم، فإن ظاهره وإن كان لذيذا ~~ويعد نعمة، لكن عند التحقيق، لا يعد نعمة لكونه مهلكا، ومعلوم أن ~~العذاب الدائم أشد ضررا من ذلك السم، فلا يكون لله نعمة على الكافر، ~~فكيف يقول لهم: كيف تكفرون بمن أنعم عليكم هذه النعم العظيمة. # وأما الجوابين اللذين ذكرهما: # أحدهما: إن هذه الوجوه يرجع إلى التمسك بالحسن والقبح، والثواب ~~والعقاب، فنحن أيضا نقابلها بأن الله علم أنه لا يكون، فلو وجد ~~لانقلب علمه جهلا - وهو محال، ومستلزم المحال محال الوقوع - مع أنه ~~قال: { كيف تكفرون }. # وثانيهما: إن القدرة على الكفر، إن كانت صالحة للإيمان، امتنع كونها ~~مصدرا له إلا لمرجح، وذلك المرجح، إن كان من العبد، عاد السؤال، وإن ~~كان من الله، امتنع حصول الكفر؛ وإذا حصل ذلك المرجح وجب؛ وعلى هذا كيف ~~يعقل قوله: { كيف تكفرون }؟ # قال: " واعلم أن المعتزلي إذا طول في الكلام، وفرع وجوهه على المدح ~~والذم، فعليك بمقابلتها بهذين الوجهين، فإنهما يهدما ms0510 جميع كلماته، ~~ويشوشان كل شبهاته ". # أقول: قد ظهر وتبين مرارا حال هذه المسئلة، وهي في غاية الوضوح ~~والتنقيح والإنارة عند من جعله الله أهلا لها، وجعل له نورا يمشي به في ~~الظلمات، وشرح صدره بنور الإسلام: # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السمآء # [الأنعام:125]. # وهذا الفاضل متحير شاك في هذه المسئلة، ولم يتنقح له بعد وجه صحتها، ~~ولذلك قال في موضع: " إن القول باثبات الصانع الإله يلجيء إلى القول ~~بالجبر، لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية، لزم وقوع الممكن من ~~غير مرجح - وهو نفي الصانع - [ولو توقفت لزم الجبر]، واثبات الرسول ~~يلجيء إلى القول بالقدر، لأنه لو لم يقدر العبد على الفعل، فأي ~~فائدة في بعث الرسل وإنزال الكتب؟ أو نقول: لما رجعنا إلى الفطرة ~~السليمة، وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه لا يترجح أحدهما ~~على الآخر إلا لمرجح - وهذا يقتضي الجبر -، ونجد تفرقة ضرورية بين ~~حركات الإنسان وسكناته، وبين حركات الجمادات والحركات الاضطراريات، وهذا ~~يقتضي مذهب الإعتزال، فلذلك بقيت هذه المسئلة في حيز الأشكال " - ~~انتهى. # ومن كان هذا حاله في مثل هذه المسئلة التي هي إحدى قواعد الايمان، ~~وعليها مبنى كثير من المقاصد التي يضر الجهل بها للإنسان، فمعلوم من ~~حاله أنه متحير في جل المقامات اليقينية - بل كلها -، فما الفائدة ~~له في تكثير التصانيف وتطويل المباحث والأقاويل، ونحن نعلم يقينا أن ~~الله لم يجعل طلب العلوم والمعارف مركوزا في جبلة الخلق إلا لغاية ~~يترتب عليها؛ هي تنوير القلوب بأنوار المعارف، وتنجية النفوس عن ظلمات ~~الجهالات، وسياقها إلى دار القدس والكرامة، ولأجلها بعث الله الرسل وأنزل ~~الكتب. # وفي الحديث: # " من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت من قلبه على لسانه ينابيع ~~الحكمة " # وقد سمى الله نبيه (صلى الله عليه وآله) نورا وهاديا، وجعل كتابه ~~نورا وهدى في قوله: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم ms0511 ~~من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم # [المائدة:15 - 16]. وقال: # ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده # [المائدة:88]. فمن حاول العلم مدة مديدة وصرف عمره في تحصيله، ثم لم ~~يكن على بصيرة، ولم يأت بحاصل، ولم يرجع إلى طائل، فضل سعيه في الحياة ~~الدنيا وماله في العلم واليقين نصيب. # فذلك لأنه لم يكن مخلصا لله في كسبه وتحصيله، طالبا لمرضاته في طلبه ~~وسعيه، بل كان سعيه لهوى النفس وحب الدنيا، وتحصيله لطلب الترفع على ~~الأقران، وبسط الاشتهار والصيت في البلدان، وكونه مشارا إليه بالأنامل، ~~معدودا من الأكابر والأماثل. # هذه غاية قصودهم، وفيه صرف مجهودهم، ولذا وصلوا إليها في الأكثر، ~~وحرموا من جدوى العلم، محجوبين يومئذ عن النعيم الأنور، محرومين من ~~أشعة أنوار الله يوم العرض الأكبر. # وأما اندفاع الشبه التي ذكرها من طريقة أهل الاعتزال، ففي غاية ~~السهولة عند اللبيب المتفطن بما مضى من المقال، أو العارف الواقف بأسرار ~~الحقيقة بنور الأحوال، فإن تلك الشبه مقتضاها نسبة الكفر والمعاصي إلى ~~إرادة العبد واختياره، وهي حق وصدق. كيف - ولو لم يكن للعبد إرادة ~~وقدرة، لم يمكن توجيه الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولا طلب الخير ~~والتحرز عن الشر، ولا فائدة في الدعاء والعبادة والرياضة، وكسف العلوم ~~والآداب، لكن كل ذلك عند التحقيق لا ينافي الجبر، بل الإنسان في عين ~~اختياره مجبور، كما ورد في حديث الصادق (ع): " لا جبر ولا تفويض، بل أمر ~~بين أمرين ". # وليس معناه - كما زعمه أكثر من نظر في هذا الحديث - أن للعبد حالة بين ~~الجبر والتفويض خارجا عن حقيقتهما، كما أن الفلك لا حار ولا بارد؛ ولا ~~أن له حالة ممتزجة عنهما متوسطة بين كمال كل من طرفي الجبر والتفويض، ~~كالماء الفاتر الممترج من مائين منكسري السورتين، يقال له: " لا ~~حار ولا بارد " ، إذ ليس شيء منهما هو المقصود من هذا الحديث - لا ذاك ~~ولا ذا - بل إن اختيار الإنسان عين اضطراره، وجبره عين تفويضه؛ فهو ~~مضطر في عين الاختيار، ومختار في عين الجبر، ms0512 لأن لكل شيء صفة لازمة ~~هي كماله الثاني، وهو صورة كماله الأ,ل الذي به قوام ذاته - كالحرارة ~~للنار، والبرودة للماء واليبوسة للأرض، والرطوبة للهواء - وصفة الإنسان ~~في هذا العالم - وما يجري مجراه من الحيوان، هو الاختيار لماله أن يفعل ~~بهذا الاختيار بالنسبة إلى الإنسان. # فعلى هذا - فالجواب عما ذكروه أولا بالمنع عن قولهم: " لم تكفرون؟ ~~" بمنزلة: " لم تسودون؟ " وذلك لأن الكافر الأسود، ليس في اسوداده ~~مختارا في عين الإجبار كما في كفره، فإن كفره وقع باختياره، بخلاف ~~سواده. # وعما ذكروه ثانيا: إن الله لم يرد من عباده أولا وبالذات الكفر - بل ~~ثانيا وبالعرض - كما قال: # ولا يرضى لعباده الكفر # [الزمر:7]. وقوله: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # [البقرة:185]. # فقد ثبت بالحكمة إن الخير برضاه وقضاه جملة وتفصيلا، والشر بقضائه ~~جملة وبقدره تفصيلا، فالإرادة الأولية الرضائية تؤدي إلى الخير ~~الكلي والنظام الأعلى بالقياس إلى العوالم كلها بحسب الأنواع، ~~والإرادة الثانوية القدرية الجزئية تؤدي إلى الخير والسعادة لطائفة ~~بالقياس إلى عالم، وإلى الشر لطائفة أخرى بالقياس إلى عالم آخر، كما ~~في الحديث الإلهي: # " هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي " # وقوله تعالى: # ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم # [هود:118 - 119]. # وأما التوبيخ والتخويف والزجر والايعاد وما يقابلها - من التحسين ~~والنصيحة والتعظيم والبشارة والوعد وغير ذلك - فهي من جملة الأسباب ~~القدرية ومن المهيجات للدواعي والأشواق، والبواعث على الأغراض والحركات ~~كسائر الأمور القدرية الواقعة تحت الأسباب القريبة التي للاختيار فيها ~~مدخل - كما مر مرارا. # وأما عما ذكروه ثالثا: فبأن هذه الأفعال - كالكفر والإفك والصرف ~~والإعراض - لها وجهان: وجه إلى الأسباب والدواعي الكلية العالية، ووجه ~~إلى الدواعي والأسباب القريبة، كإرادة العبد وقدرته وشوقه وداعيته، سيما ~~قدرته التي يتساوى بالنسبة إليها الطرفان. # فالسؤال بكيف، ولم وأين وأنى، وبسائر الكلمات الإستفهامية عمن ~~لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماء والأرض، ولا يخرج عن قدرته وسلطانه ~~شيء من عالمي الملك والملكوت، إنما يكون بالقياس إلى الأسباب القريبة ~~المكتنفة بفعل العبد، وبالنظر إلى العلوم الحادثة الزمانية ms0513 المتجددة ~~حسب تجدد، الأحوال والآجال، والأمكنة والأوضاع؛ وأما بالقياس إلى ذات ~~الله القيوم، وعلمه المحيط بالكل، فلا كيف ولا أين ولا متى ولا ~~وضع ولا لمية، لأن هناك اضمحلت الكثرات، وطاحت الأيون والإشارات، ~~وهلكت الأوضاع والكيفيات، فيصير الكل كلا شيء، والأمكنة تتضاءل من ~~قهره كنقطة واحدة، والازمنة تنزوي بعضها إلى بعض من سطوته وهيبته، فتصير ~~كآن واحد. # وأما عن الرابع: فبمثل ما وقع الجواب عن شبه إبليس المذكورة عنه، ~~المنسوبة إليه في شرح الأناجيل الأربعة، فإنه قد ذكر هناك: " قد أوحى ~~الله إلى ملائكته عليهم السلام قولوا له: إنك غير صادق فيما تقول: ولا ~~مخلص، إذ لو صدقت أني إله العالمين، ما تحكمت علي بلم ". # فههنا أيضا نقول: لو علم - هذا المفروض كافرا - أن علم الله ~~وإرادته وقدرته ومشيئته وقضاءه وقدره وخلقه، هي جارية في هذا العالم، ~~حاكمة على كل شيء، وأن الله تعالى لا راد لحكمه، ولا مهرب من قضائه ~~وحكومته، ولا منجي من سطوته ولا ملجأ من سلطانه، فلم يكن هذا المفروض ~~كافرا كافرا، بل مؤمنا حقا، فإن من علم كيفية جريان إرادة الله ~~وقضائه في عالمنا هذا بوجه عقلي برهاني، فلم يكن ممن ينسب الكفر ~~والمعاصي والشرور - من حيث هي شرور وأعدام ونقائص وقوى وملكات - إلا ~~إلى الأسباب القريبة الجسمانية، والاستعدادات الرديئة الظلمانية. # لأن من أساء علمه، أو أخطأ في اعتقاده، فإنما ظلم نفسه بظلمة جوهره ~~وسوء استعداده، وكان أهلا للشقاوة في معاده - كما سبق -، لكن يعلم بقوة ~~ايمانه أن سلسلة الأسباب لا بد وأن تعود إلى الأمور الإلهية القضائية، ~~كما قال تعالى: # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون # [يس:7]. وقوله: # ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود:119]. # فالكفر والمعاصي منسوبة إلى العبد، لا بمعنى خلق الأفعال، وهي منسوبة ~~إليه تعالى، لا بمعنى الالجاء والقسر - بل كما عرفت مرارا -. # وأما عن الخامس: فإن الوارد من الله على الخلق كلهم، أمر واحد وفيض ~~[فارد]، والإختلاف إنما يكون بحسب القوابل والمستعدات، وإن ms0514 النازل ~~كله نور ورحمة، ولكن ينقلب في حق بعضهم ظلمة وآفة ومحنة، مثل ~~قوله: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها # [الرعد:17]. وقوله: # يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون # [الرعد:4]. # وكل ما فعله الله أولا بأهل الايمان، فعله بأهل الكفر، من نعمة ~~الخلق والإحياء والعقل والتكليف والهداية والدعوة بالآيات، وإرادة طريقي ~~الخير والشر، والنفع والضر وغير ذلك، فصار الكل سببا لقرب هؤلاء، ~~ومنشأ لبعد هؤلاء - ولا يزالون مختلفين - فما صنعه تعالى بهما لقرب ~~هؤلاء، ومنشأ لبعد هؤلاء - ولا يزالون مختلفين - فما صنعه تعالى بهما ~~جميعا في الدنيا، هو معدود من نعم الله التي أعطاها لعباده - وإن ~~انقلب بعضها في حق البعض نارا محرقة وسموما مهلكة -، لحرقة في قلوبهم ~~-، وتغيظا وزفيرا في صدورهم، ولهذا صح قوله تعالى فيهم: { كيف ~~تكفرون } ، وتعذبون بالنار وقد أنعم الله عليكم بمثل هذه النعم ~~العظيمة التي أنعمها على المتقين، وقد صارت وقاية لهم من عذاب الجحيم ~~وألم الحميم. # وأما الجوابان اللذان ذكرهما من قبل الأشاعرة، فإنهما وإن حصل بهما ~~الإلزام للمعتزلة، لكن لا يفي بدفع الإشكال، وحل عقدة الإعضال عنهم ~~أنفسهم، لأن الذي ذكره أولا، من أن علمه تعالى اقتضى وجود المعلوم على ~~وجهه، أو أن خلاف مقتضاه محال، هو خلاف مذهب الأشاعرة، إذ لا ايجاب ولا ~~علية عندهم، بل يجوز منه تعالى على أصولهم ويصح أن يفعل خلاف ما كان ~~قرره وعلمه أولا. # وكذا الذي ذكره ثانيا، فإن القدرة والإرادة - سواء كانتا من الله أو ~~من العبد - غير متوقفتين عندهم على علة موجبة وداعية مقتضية لأحد طرفي ~~المقدور، بحيث يمتنع مقابلها ويستحيل خلافها. # فالوجوه الخمسة المذكورة كلها وارد عليهم، والجواب بإنكار الحسن ~~والقبح العقليين - مع ما فيه مما يستلزم سد جميع أبواب البراهين، وما ~~يبتنى عليه من أصول العقائد الحقة -، وكذا الجواب بقوله تعالى: # لا يسأل عما يفعل # [الأنبياء:23]. غير منجح لهم، لأن معناه لو كان المراد منه نفي ~~اللمية عن أفعاله كما فهموه، وإن كانت ms0515 واقعة منه تعالى في هذا ~~العالم، بعد مراتب كثيرة ووسائط عديدة، وأسباب جعلها الله مبادى مرتبطة ~~بها، وذلك لأنه لو كان المراد ما ذكروه، لم يصح منه تعالى أن يقول: # لم تكفرون بآيات الله # [آل عمران:70] # لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف:2]. # فلم تقتلون أنبيآء الله # [البقرة:91]. وغير ذلك مما فيه سؤال ب " لم " عما هو عندهم من ~~أفعال الله، والتالي باطل، فكذا المقدم. # فقد علم أن الذي لا تجري فيه اللمية، ولا يجوز عنه السؤال، هو الفعل ~~المطلق له تعالى، أو الفعل الواقع منه تعالى بغير توسط، أو الأفعال ~~المتأخرة لكن من وجهها الخاص الذي يكون به إليه تعالى، فإن لكل ممكن ~~وجها خاصا إليه تعالى، به يكون قابلا لفيض أصل الوجود ولوازمه. # فصل # إن ذكر الإماتتين والإحيائين في هذه الآية، وعدم ذكر غيرهما، لا يدل ~~على نفي ما سواهما، فانفسخ ما احتج به قوم على نفي عذاب القبر وسؤاله. # وأيضا - لأحد أن يحمل قوله: { ثم يحييكم } ، على الحياة التي ~~تكون في القبر، لأنها ليست بدائمة، وقوله: { ثم إليه ترجعون ~~} على الحياة الدائمة الأخروية، فتكون الآية دليلا على إثبات الحياة في ~~القبر. # وقال الحسن: المراد من الآية حال العامة، وأما بعض الناس فقد أماتهم ~~ثلاث مرات وأحياهم كذلك، كما في قوله: # فأماته الله مئة عام ثم بعثه # [البقرة:259]. وكقوله: # فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم # [البقرة:243]. وكقوله في قصة بني إسرائيل: # ثم بعثناكم من بعد موتكم # [البقرة:56] وكقوله: # فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى # [البقرة:73].......................................... وكقوله في قصة ~~أيوب عليه السلام: # وآتيناه أهله ومثلهم معهم # [الأنبياء:84]. # فصل # تمسكت المجسمة بقوله تعالى: { ثم إليه ترجعون } على ~~المكانية؛ ورد بأن المراد رجوعهم إلى حكمه. # والرد كالمردود ضعيف، والحق أن أشخاص الإنسان يرجعون إلى الله ~~رجوعا جبليا بحركة ذاتية إنية، لا رجوعا مكانيا عرضية أينية، ~~وهذا ما حققه المحققون القائلون بأن للانسان من مبدء نشوءه إلى غاية ~~كماله انقلابات في ذاته، وتطورات في جوهره، فكان ترابا، ثم نطفة، ثم ~~صورة لحمية ms0516 وعظمية، ثم صورة حيوانية، ثم صورة إنسانية، ثم صورة ~~ملكية، ثم صورة مفارقة، ثم ما شاء الله. # فصل # إعلم أن في هذه الآية إشارات وتنبيهات إلى أسرار عقلية: # أحدها: إن في إسناد الإماتات والإحياءات إلى الله، إشارة لطيفة إلى أن ~~هذه التحولات والانتقالات، أمور طبيعية صادرة بتسخير الله تعالى جوهرا ~~شأنه هذه التقليبات والتحريكات؛ لا أنها أمور اتفاقية صادرة بأسباب ~~اتفاقية، أو أن المؤثر في الحياة والموت طبائع الأفلاك والكواكب أو ~~الأمزجة والأركان، - كما هو قول أهل الطباع والدهرية - على ما حكى الله ~~عنهم بقوله: # ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنآ إلا الدهر # [الجاثية:24]. ولا أن الإنسان من بدو ولادته إلى أوان موته، على جوهر ~~واحد وهوية واحدة، من غير تحول وارتحال - كما زعمه الناس -. # وثانيها: إن الآية دالة على أن الموت طبيعي لكل أحد، وان معناه ومنشأه ~~ليس كما فهمه الأطباء والطبيعيون، من أنه أمر يعرض أولا للبدن من جهة ~~نفوذ قوته الطبيعية، وزوال حرارته الغريزية، ثم بواسطته ينقطع تعلق النفس ~~عنه، وما ذكروه ليس بمعتمد عليه ولا هو بحق. # بل الحق أن الموت الطبيعي عبارة عن تمام توجه النفس من هذه النشأة إلى ~~عالم الآخرة بالذات، وإعراضها عن البدن، فيطرأ عليه الهلاك لأجل ذلك ~~الإعراض بالعرض، فزوال الحرارة، وبطلان قوة الحس والحركة عن البدن، ~~مسبب عن توجه النفس حركة جبلية إلى ما عند الله، لا أن الأمر بالعكس ~~- كما هو المشهور -. # قال بعض المحققين من أهل الكشف والعرفان: اعلم أن القوى التي في ~~الإنسان وفي كل حيوان من قوى الحس والحركة وغيرها - كالخيال والحفظ ~~والمصورة كلها المنسوبة إلى سائر الأجسام علوا وسفلا - إنما هي ~~للروح، تكون بوجوده وإعطائه الحياة لذلك الجسم، وينعدم فيه ما ينعدم ~~بتوليه عن ذلك الجسم من ذلك الوجه الذي يكون عنه تلك القوة الخاصة - ~~فافهم. # فإذا أعرض الروح عن الجسم بالكلية، زال بزواله جميع القوى والحياة، ~~وهو المعبر عنه بالموت، كظلام الليل بمغيب الشمس. # وأما النوم، فليس بإعراض كلي، وإنما هو ms0517 حجب أبخرة تحول بين القوى ~~وبين مدركاته الحسية مع وجود الحياة في النائم، كالشمس إذا حالت السحب ~~بينها وبين موضع خاص من الأرض، يكون الضوء موجودا كالحياة، وإن لم يقع ~~إدراك الشمس لذلك الموضع، فكما أن الشمس إذا فارقت هذا الموضع من الأرض ~~وجاء الليل بدلا منه ظهر في موضع آخر بنوره أضاء به ذلك الموضع، كذلك ~~الروح إذا أعرض عن هذا الجسم الذي كان حياته به تجلى على صورة من الصور ~~الذي هو البرزخ، وهو بالصاد جمع " صورة " ، فحييت به تلك الصورة في ~~البرزخ، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله) في نسمة المؤمن: # " إنه طير أخضر " # فذلك الطير كالجسم هيهنا حييت بهذا الروح الذي كان يحيى به هذا الجسم، ~~وكما تطلع الشمس في اليوم الثاني علينا فتستنير الموجودات بنورها، كذلك ~~الروح تطلع في اليوم الآخر على هذه الأجسام الميتة فتحيى بها، فذلك هو ~~البعث والنشر. # وثالثها: إنها دالة على صحة البعث، مع التنبيه العقلي على صحته ~~ووجوبه جميعا. # أما الصحة والإمكان، فإن من قدر على الإحياء أولا قدر عليه ثانيا. # وأما الوجوب والحقية، فإن من الناس من حمل الموتة الأولى على مادة ~~البدن، كالعناصر والأغذية والأخلاط والنطف والمضغة - مخلقة وغير ~~مخلقة -. وحمل الحياة الأولى على الأرواح الحيوانية التي بها السمع ~~والبصر، كما في قوله: # فجعلناه سميعا بصيرا # [الإنسان:2]. ويقع فيها الاشتراك بين الإنسان وسائر الحيوان. وحمل ~~الموتة الثانية على حامل القوة الحيوانية الذي يعرض له الموت لا محالة ~~عند تقضي الآجال، لكونه دائم الاستحالة والدثور في الأحوال. وحمل ~~الحياة الثانية على الروح الإنساني القابل للبقاء الأخروي، المشار إليه ~~بقوله: # ثم أنشأناه خلقا آخر # [المؤمنون:14]. # فعلى هذا، قد انكشف أن للإنسان استحالات من حالة إلى أخرى، وأن في ~~ذاته جوهرا سالكا بحسب الفطرة التي فطره الله عليها، منتقلا من صورة ~~إلى صورة، ولكل صورة تصور بها غاية حقيقية انتقل إليها من تلك الصورة. # وقد ثبت في العلوم الإلهية، أن للأشياء الجوهرية الفطرية غايات ~~يتوجه إليها، وتلك الغايات يجب أن ms0518 تكون من جنس ذويها وأشرف منها. # فلا بد أن تكون للروح الإنساني غاية يتوجه إليها بحسب ما أودع الله ~~في جبلتها، ويجب أن تكون غايتها من جنسها وأشرف منها كما مر. # وهي لا تتحقق إلا في نشأة أخرى. وذلك لأن النفس الإنسانية آخر درجات ~~هذا العالم الشهادي الحسي، وأول درجات العالم الغيبي الأخروي، ~~فكأنها برزخ جامع بين العالمين، حجاب حاجز بين الدارين، وباب في سور ~~مضروب به بين النشأتين، فتمامها وغايتها لا بد وأن تحصل لها من الارتحال ~~من هذه النشأة إلى أخرى، فلها انسياق جبلي من الدنيا إلى العقبى. # وإلى هذا الانسياق أشار بقوله: # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق:21]. أي سائق يسوقها إلى محشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها، وفي ~~الآخرة درجات متفاضلات، ومنازل متفاوتات لمن هو أهلها. # ورابعها: إنها دالة على وجوب الزهد في الدنيا لأنه قال: { ~~فأحياكم ثم يميتكم } فبين أنه لا بد من الموت، ثم ~~أنه لا يترك على هذا الموت بل لا بد من الرجوع إليه. # أما إنه لا بد من الموت، فقد أشار إليها في كثير من الآيات التي ذكر ~~فيها بدايات خلقة الإنسان. # وفي كلام أمير المؤمنين وإمام الموحدين - عليه السلام منا ومن ~~الملائكة أجمعين -: " أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم، والمبلية ~~لأجسادكم، وإنما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا، فكأنهم قد ~~قطعوه، وأموا علما فكأنهم قد بلغوه، وما عسى أن يكون بقاء من له ~~يوم لا يعدوه، وطالب حثيث من الموت يحدوه ومزعج في الدنيا حتى يفارقها ~~رغما، فلا تنافسوا فإن عزها إلى انقطاع، ونعيمها إلى زوال، وبؤسها إلى ~~نفاد، وكل مدة فيها إلى انتهاء، وكل حي فيها إلى فناء ". # وأما أنه لا بد من الرجوع إلى الله تعالى، فلأنه يأمر بأن ينفخ في ~~الصور: # فصعق من في السماوات ومن في الأرض # [الزمر:68]، ثم ينفخ # فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون # [الزمر:68]. # يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب ~~يوفضون # [المعارج:43]. ثم يعرضون على الله كما قال: # وعرضوا على ربك صفا # [الكهف:48]. ms0519 فيقومون خاشعين كما قال: # وخشعت الأصوات للرحمن # [طه:108]. # فقد ظهر وتبين أن للإنسان بعد أطوار الدنيا ومقاماتها مقامين ~~أخرويين، أحدهما عند الموت، والآخر عند الرجوع. # أما المقام الأول، فحال الإنسان فيه كما قال يحيى بن معاذ الرازي: " ~~يمر أقاربي بحذاء قبري كأن أقاربي لا يعرفوني. وكأني بنفسي وقد أضجعوها ~~في حفرتها، وانصرف المشيعون عن تشييعها، وبكى الغريب عليها لغربتها، ~~وناداها من شفير القبر ذو مودتها، ورحمتها الأعادي عند جزعتها، ولم ~~يخف على الناظرين عجز حيلتها، فما حيلتي ولا رجائي - إلهي - إلا أن ~~تقول: ملائكتي انظروا إلى فريد قد نأى عنه الأقربون، ووحيد قد جفاه ~~المحبون، أصبح مني قريبا وفي اللحد غريبا، وكان لي في الدنيا داعيا ~~ومجيبا، ولإحساني إليه عند وصوله إلى هذا البيت راجيا، فاحسن إلي يا ~~قديم الإحسان، وحقق رجائي فيك يا واسع الغفران. # وأما المقام الآخر، فكما قال بعضهم: " إلهنا - إذا قمنا من ثرى الأجداث ~~مغبرة رؤوسنا من شدة الخوف شاحبة وجوهنا، من هول القيامة، مطرقة ~~رؤوسنا، وجائعة لطول القيامة بطوننا، وبادية لأهل الموقف سؤآتنا، وموقرة ~~من ثقل الأوزار ظهورنا، وبقينا متحيرين في أمورنا، نادمين على ذنوبنا، ~~فلا تضعف المصائب علينا بإعراضك عنا، ووسع رحمتك ورضوانك وغفرانك ~~[لنا] - يا عظيم الرحمة، ويا واسع المغفرة. ### || [2.29] # هذه الآية من أعظم الدلائل على شرف الإنسان، ومن أقوى الوسائل إلى ~~معرفة الرحمن. أما دلالتها على شرفه فبوجهين: # أحدهما: ما وجهه المفسرون؛ وهو أنها بيان لنعمة أخرى بعد النعمة ~~الأولى مرتبة عليها، فإن الأولى كانت خلقهم أحياء قادرين مرة بعد ~~أخرى، وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم النوعي بعد الشخصي، ويتم به ~~معاشهم المبتني عليه معادهم. # وما أحسن رعاية هذا الترتيب منه تعالى، فإن الإنتفاع بالأرض والسماء ~~وما في كل منهما، إنما يكون بعد حصول الحياة، فلهذا ذكر الله أمر ~~الحياة أولا، ثم أردفه بذكر الأرض والسماء. # وقوله: { لكم } ، يدل على أن المذكور بعد قوله: { خلق } ، لأجل ~~انتفاعنا في الدين والدنيا، أما في الدنيا، فلمصالح أبداننا، ولنتقوى ~~على الطاعات، وأما في ms0520 الدين، فللتفكر فيها، والتدبر في آيات الأرض ~~والسماء، وعجائب فطرة الله فيهما، فهذا دال على فضيلة الإنسان حيث خلق ~~الله لأجل انتفاعه وجميع ما في الأرض والسماء، كما قال: # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض # [الجاثية:13]. # واستشكل ههنا بأن الله لا يفعل فعلا لأجل غرض، لأنه لو كان كذلك ~~لكان تعالى مستكملا بذلك الغرض، والمستكمل بغيره ناقص بذاته؛ وذلك ~~على الله [تعالى] محال، لأنه منبع كل خير وكمال. # وهذا أصل مستحكم الأساس عند الحكماء الأوائل، فإنهم أشد الناس ~~إثباتا لهذا الأصل، فقالوا: " إن العالي لا يلتفت إلى السافل " ، لكن ~~حجب هذا الأصل طائفة من الناس عن كثير من الحقائق الدينية والقوانين ~~الشرعية مثل مسئلتنا هذه. # لا يقال: إن فعله تعالى معلل بغرض لا يعود إليه - بل إلى غيره -. # لأنا نقول: عود ذلك الغرض إلى ذلك الغير، هل هو أولى به [تعالى] من ~~عدمه، أوليس بأولى؟ فإن كان أولى به تعالى، فيعود المحذور المذكور. ~~وإن لم يكن تحصيله غرضا مؤثرا أصلا - والمفروض إنه غرض معلل به ~~فعله تعالى. # وأيضا، كل من فعل فعلا لغرض، كان قاصرا عاجزا عن تحصيل ذلك الغرض ~~إلا بواسطة ذلك الفعل، والقصور والعجز محالان على الله تعالى. # فهذه وغيرها هي وجوه دالة على خلاف ما يستفاد من هذه الآية، وكثير من ~~الآيات، ويبتنى عليه القوانين الدينية، وبه ترتبط المسائل المعادية من ~~الحشر والجزاء والثواب والعذاب، والجنة والنار، وما أشبهها، ولم أر ~~أحدا ذكر شيئا مفيدا لحل هذا الإعضال وفك هذا الإشكال. # والذي يخطر بالبال في هذا المقام لدفع هذه العقدة من الأوهام: إن فعل ~~الله ليس فعلا واحدا، بل أفعال كثيرة حسب كثرة الموجودات الممكنة، ~~والذي قامت البراهين على أنه لا يكون معللا بغيره، ولا ذا غاية سواه، ~~هو فعله الخاص الذي صدر عنه أولا وبالذات، أو فعله المطلق، فإن ما هو ~~أحد هذين، فالفاعل والغاية فيه ذاته الأحدية الصمدية، وأما فعله الذي ~~صدر بعد ذلك، فهو معلل بغرض، وهكذا لكل فعل ذي غرض غرض، ms0521 حتى تنتهي ~~الدواعي والأغراض والغايات إلى غاية لا غاية لها، وداع لا داعي له، وهو ~~ذاته الذي هو غاية الغايات، ومنتهى الدواعي والرغبات. # فالتراب - مثلا -، فعل من أفاعيله الصادر عنه باستخدام فاعل طبيعي ~~يسمى الطبيعة الأرضية، وهي ملك من ملائكة التسخير، يتسخدمه فاعل فوقه ~~يسمى ملك الأرض، وهو ملك من ملائكة التدبير، وفوقه ملك آخر من ~~ملائكة الإفاضة والتنوير اسمه قابض الأرواح، وهو تحت اسمه تعالى " القابض ~~" ، ولكل منها في فعله غاية فوقه، حتى ينتهي إلى الله تعالى. # وهذه الغايات والأغراض، هي التي فوق الأكوان. وأما التي تكون تحت ~~الأكوان، فغاية التراب، والغرض من خلقه أولا هو المركبات الأرضية ~~كالمعدنية، ثم البذور وقواها النباتية، ثم النطف والأغذية، ثم ~~الأخلاط الدموية، ثم الأمشاج والأعضاء اللحمية، ثم الأرواح البخارية، ~~ثم النفوس الحيوانية، ثم الغرض منها الأرواح الأنسية الصاعدة إلى ~~الدرجات السماوية، والغرض منها معرفة الله، والانقطاع عن العوالم ~~بالكلية، والإتصال إلى الحضرة الأحدية. # فبهذا المعنى صح أن يقال: إن لأفعاله تعالى أغراضا عائدة إليه، بشرط ~~أن يدرك تحقيقه على وجه لا يؤدي إلى إنثلام قاعدة التوحيد والتنزيه، بل ~~تتحفظ قاعدة: " إن العالي لا ينفعل عن منفعله، ولا يستكمل الفاعل من ~~فعله ". # ومن لم يهتد إلى هذا التصوير، ولم يتنور باطنه بهذا التنوير، تكلم في ~~هذا " اللام " والتي في قوله: # جعل لكم # [البقرة:22]. والتي في قوله: # لتهتدوا # [الأنعام:97] وفي قوله: # ليعبدون # [الذاريات:56]. ونظائرها الكثيرة في القرآن، فقالوا: " إنه تعالى لما ~~فعل، ما لو فعله غيره لكان فعله لذلك الشيء لأجل الغرض، لا جرم أطلق ~~الله تعالى لفظ الغرض بسبب هذه المشابهة ". # هذا غاية أفكارهم في هذا المقام - والله ولي الهداية والإنعام -. # والآية تقتضي أن الأصل إباحة الانتفاع بكل ما في الأرض للإنسان، إلا ~~ما خرج بدليل، ولا يمنع تخصيص بعضها ببعض، ولا تحريم بعضها على بعض، ~~لأنها دلت على أن الكل للكل، لا أن كل واحد لكل واحد. # وقوله: { ما في الأرض } يعم كل ما فيها، ولا يشملها، إلا إذا ~~أريد من الأرض ms0522 الجهات السفلية - لا الغبراء -، كما يراد بالسماء الجهات ~~العلوية - لا الخضراء -، فيصدق على الأرض وما فيها جميعا أنها واقعة في ~~السفل. # وقوله: { جميعا } نصب على الحال من الموصول الثاني. # فصل # قوله: { ثم استوى إلى السمآء فسواهن سبع ~~سماوات } من الآيات التي اختص بمعرفتها أهل القرآن خاصة، وليس ~~لغيرهم نصيب إلا مثل نصيب الأكمه لخبر النور، أو لحرارته. # أما يتعلق بظاهر اللفظ: # ف " الإستواء " أصله طلب السواء، واطلاقه على الاعتدال والاستقامة ~~لما فيهما من تسوية وضع الأجزاء، فيقال. استوى العود - إذا قام واعتدل، ~~ثم نقل فقيل: " استوى إليه " كالسهم المرسل إذا قصد [ه] قصدا مستويا من ~~غير أن يلوى على شيء آخر، وأما ما وجدوه من معناه فهو قولهم: " أي قصد ~~إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض، من غير أن يريد فيما بين ~~ذلك خلق شيء آخر ". # والمراد بالسماء جهات العلو، كأنه قيل: " ثم استوى إلى فوق ". # وقيل: استوى بمعنى: استولى وملك، كما قال: # قد استوى بشر على العراق # من غير سيف ودم مهراق # ومعنى: سواهن " ، عدلهن وخلقهن مصونة عن العوج والفطور، إلا عند قيام ~~الساعة # إذا السمآء انفطرت # [الإنفطار:1]. # والضمير في { فسواهن } ، ضمير مبهم يفسره { سبع سماوات } ~~كقولهم: " ربه رجلا ". وقيل: راجع إلى السماء، لأنها في معنى الجنس. ~~وقيل: إن " السماء " جمع ومفردها " السماءة ". والأول هو الأوجه في ~~العربية، والمراد بالسماء هذه الأجرام العلوية. # ثم وقع ههنا لهم إشكال من جهتين: # آحداهما: إن كلمة " ثم " تعطي معنى التراخي والمهلة، فيناقض ما فسر به ~~معنى الاستواء كما سبق. # وثانيتهما: إن المستفاد ههنا تناقض قوله: # والأرض بعد ذلك دحها # [النازعات:30]. # وأجيب عن الأول بأن " ثم " كما يكون للتراخي بين الشيئين بحسب الزمان، ~~فقد يكون للتفاوت بينهما في الشرف والفضيلة، و " ثم " ههنا لفضيلة خلق ~~السموات على خلق الأرض - لا للتراخي في الوقت -، كقوله: # ثم كان من الذين آمنوا # [البلد:17]. وكقول الرجل: " أليس أعطيتك النعمة العظيمة، ثم رفعت ~~قدرك؟ " ولعل ما أخره في الذكر متقدم في الوجود. على أن التراخي أيضا ms0523 ~~لا يناقض ذلك، لأن معناه أنه حين قصد إلى السماء بعد فراغه عن خلق ما ~~في الأرض، لم يخلق خلقا آخر فيما بين ذلك. # وعن الثاني: بأن جرم الأرض، وإن تقدم خلقه خلق السماء، لكن دحوها ~~متأخر عنه، لأن التدحية هي البسط. # ولقائل أن يقول: هذا مشكل من وجهين: # الأول: إن الأرض جسم عظيم، فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية، وما مع ~~المتأخر متأخر، فإذا كانت التدحية متأخرة، فلزم منها كون خلقها أيضا ~~متأخرا عن خلق السماء. # والثاني: أن قوله: { خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم ~~استوى إلى السمآء } يدل على أن خلق الأرض وخلق كل ما فيها ~~متقدم على خلق السماء، لكن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن، إلا إذا ~~كانت مدحوة، فكونها مدحوة تكون قبل السماء، وحينئذ يثبت التناقض. # وذكر بعضهم للتفصي عن هذا الإشكال بأن قوله: # والأرض بعد ذلك دحها # [النازعات:30] يقتضي تقدم خلق السماء على الأرض، ولا يقتضي أن تكون ~~تسويتها متقدمة على خلق الأرض، فإذن لا تناقض. # وأنت تعلم أن قوله: # ءأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها * رفع سمكها ~~فسواها # [النازعات:27 - 28]. يقتضي أن يكون خلقها وتسويتها جميعا متقدمين على ~~تدحية الأرض، لكن تدحيتها - كما مر - لخلق ذاتها، فحينئذ ذات السماء ~~وتسويتها متقدمان على ذات الأرض، فيعود المحذور. # هذا تمام ما ذكروه في هذا المقام، ولم يتنقح حال هذه المسئلة بقوة ~~افهام أولئك الأقوام، بل لا بد لدركها من الاهتداء بأنوار الكلام، ~~والاعتصام بقوة من بيده إفاضة العلم والحكمة والإنعام. # قاعدة مشرقية # [تقدم الغاية على الفاعل وتأخره عنها] # كل ماله كمال منتظر، وقد تقدم على شيء في الوجود بحسب الفاعلية ~~والمبدئية، فهو متأخر عنه في كمال الوجود والتمامية، وهذا مما أقيم ~~عليه البرهان، وطابقه الكشف والوجدان، ويؤكده الاستقصاء في الاستقراء، ~~والاستيفاء في التتبع من أهل البصيرة والايقان. # فالنبات مثلا، أوله لب وبذر، وآخره بذر ولب، والحيوان - بما هو ذو ~~نمو واغتذاء - أوله نطفة حاصلة عن غذاء، وآخره نطفة حاصلة عن أواخر ~~هضوم الغذاء. وبما هو ذو ms0524 حس وتخيل، كلما يحس به أو يتخيله أولا، ~~يصل إليه أخيرا، فإن من أراد الأكل، احضرت في حسه بسبب وجود الجوع ~~صورة المأكول، وفي خياله صورة الشبع، فحاول أن يستكمل صورة المأكول التي ~~في حسه بالأكل، وصورة الشبع التي في خياله بإدخاله من حد التخيل إلى ~~حد العين، فالشبعان تخيلا هو الذي يأكل ليصير شبعان وجودا، فالشبعان ~~تخيلا هو العلة الفاعلية، والشبعان وجودا هو العلة الغائية. # وكذلك الباني بيتا للسكنى، يحضر في خياله أولا صورة البناء على وضع ~~يصلح لسكناه، فيسكن فيه أولا، ثم يتحرك في ضرب اللبنات وصنع الآلات، ~~ويأخذ في صنعه شيئا فشيئا إلى أن يتم، فإذا تم وكمل يسكن فيه، فكان أول ~~البغية آخر الدرك، وآخر البغية أول الدرك. # فهكذا الحال في كل ماله فاعل وغاية في الأمور الزمانية والمكانية. # حكمة عرشية # [الإنسان في دائرة النزول والصعود] # إذا قرع سمعك ما قرأناه بتوفيق الله، واهتديت بما اهتدينا به، فأحسن ~~إعمال رويتك فيه، وقس على ذلك نظائرها الباقية، وتدبر في هذه الآية ~~من آيات ربك، وانظر فيها بنظر الإمعان والاعتبار، وحدق بصر بصيرتك في ~~ملاحظة ما أنزل معها من أنوار عالم الأسرار، فقد ذكر الله فيها إن الله ~~{ خلق لكم ما في الأرض جميعا } ، وقال في موضع آخر ~~تأكيدا وتنويرا لهذا: # وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض # [الجاثية:13]. وقوله: مخاطبا للملائكة الأرضية والسماوية: # اسجدوا لآدم # [البقرة:34]. فسجد الملائكة كلهم أجمعون وقوله: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت:53]. # فظهر وتبين من هذه الآيات والحجج البينات، أن الإنسان غاية جميع ~~الأكوان، وثمرة وجود الأفلاك والأركان، وظاهر أن ابتداء هبوطه من العالم ~~الأعلى والجنة التي فيها آدم وزوجته، فهبط منها مارا لى جميع ~~الطبقات، لقوله: # اهبطوا منها جميعا # [البقرة:38]. فإذا نزل بساحته منسلخا عن الفطرة كثيرا، وقيل لهم: # اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين # [الأعراف:24]. # ومعلوم عند أرباب الحكمة والعرفان، أن آخر منازل كل متحرك سلك بحسب ~~الجبلة، ms0525 هو أول مواطنه، فالإنسان حيث نزل من عالم الجنة الإلهية، ~~فلا بد في عروجه بحسب المنزلة الحقيقية النوعية أن يصعد إليها، ~~والصعود إلى أعلى المراتب يمتنع، إلا بعد المرور على كل درجة يكون ~~بينها وبين ابتداء الرجوع. # فصعود الإنسان بحسب كماله النوعي أو الشخصي إلى طبقات ملكوت السموات، ~~مما لا بد من وقوعه في السير الرجوعي إلى ربه، كما قال تعالى: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين # [الأنعام:75]. ورب شخص إنساني وصل إلى بعض الطبقات، ووقف هنالك إلى ~~أن يشاء الله، قال تعالى: # ولكل درجات مما عملوا # [الأنعام:132]. # قاعدة أخرى مشرقية # [خلق السماء مقدم على الأرض من وجه ومؤخر من وجه] # ثم اعلم أن الإنسان بحسب سيره الباطني، كلما وصل إلى درجة من درجات ~~الكون، اتحد بها واتصف بصفاتها وأحكامها، وصدر منه أفعالها وآثارها ~~المختصة، أو لا ترى أنه منذ أخذ في السلوك من أول تكونه من التراب، - ~~وهو أنزل مراتب الأكوان -، ومن النطفة، - وهي أوهن الصور الجمادية ~~الحاصلة من امتزاج الأركان -، فكل مرتبة وصل إليها من النبات والحيوان، ~~تحقق بحقيقتها واتحد بماهيتها، حتى وصل إلى الألطف فالألطف من الأكثف ~~فالأكثف. # فوصل في جسميته إلى جرم دخاني هو أشبه الأجرام بالسماء، وفي روحانيته ~~إلى عقل يدرك به كليات الأشياء، فلا يزال يتصفى ويترقى روحا وبدنا، ~~إلى أن يتحد بعقله العقل الفعال، وبجسمه صورة السماء المبرأة عن ~~تفاسد الأضداد والأمثال، وهكذا يترقى - إذا ساعدته الهداية - من سماء ~~إلى سماء [عليا]، ومن عقل أدون إلى عقل أعلى، حتى يصل إلى سدرة ~~المنتهى، عندها جنة المأوى، كما قال تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر:10]. # وبما ذكر من هذه المقدمات، يتذكر اللبيب البصير، ويتمكن من أن يذعن، ~~بأن الله بنى ملك السموات وملكوتها تارة أخرى، وعمرها بأعمال بني آدم، ~~وزين بيوتها وبروجها وسقوفها وحيطانها بمصابيح أنوار عقولهم، واسم ~~السماء إنما أطلق عليها بعد سمو قدرها بارتقاء أرواحهم إليها، ~~واتصالهم بها، وتعمير الله إياها بزينة أعمالهم ومحاسن نياتهم، وكان ms0526 ~~اسمها فلكا ومجرى للكواكب والدراري. # وبناء هذه المقاصد أيضا، على أن الطبائع متجددة سيالة، متوجهة من ~~أنقص المراتب إلى أعلاها، وأن الكل بحسب ما ارتكز في جبلاتهم وغرائزهم ~~- إن لم يعقها عائق - متوجهون نحو الحضرة الإلهية، فولى الله وجوههم ~~شطره، وقلوبهم نحوه، - إن لم يعدلوا عن طريق الحق، ولم ينسلخوا عن ~~الفطرة بإغواء الشياطين الطاغية، واضلال النفوس المردة المردودة إلى ~~أسفل سافلين -. # فقد انكشف وتبين من تضاعيف هذه الأسرار اللطيفة، أن السموات كانت ~~مقدمة على الأرض وما فيها من وجه، وهي أيضا متأخرة من وجه آخر. # وهذان الوجهان، كما يجريان فيها بحسب مراتب الإنسان وبداياته ونهاياته، ~~كذلك يجريان فيها بحسب أنفسها، فإن لكل فلك صورة نفسانية، ينبعث منها ~~جوهر مادتها، وتبتدئ منها حركة جرمها بحسب استكمالاتها وتصوراتها ~~وتشوقاتها، فلكل منها صورة نفسانية مشتاقة إلى جوهر كامل عقلي، لا بد ~~أن يصل إلى كمالها وغايتها، وإلا لكان ما أودع الله فيها من التشوق ~~إليه، والتوسل به إلى تقرب الباري للكل جل شأنه هباء وعبثا - والله ~~منزه عن فعل العبث والجزاف -. # فعلم من هذا سر كلامه: # أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما # [الأنبياء:30]. فارتتاق كل منهما؛ كان ابهامه وعمومه، وقصور حاله، وعدم ~~امتيازه عن غيره في خاص أفعاله، وانفتاقه، تحصل ذاته، وتقومه بنفسه، ~~وقيامه بخاص أفعاله، وبلوغه إلى كماله اللائق بحاله. # تأييد استبصاري # [الإنسان في دائرة النزول والصعود] # إن في كلام سيد الأولياء وخليفة الأنبياء، أمير المؤمنين وأخي خاتم ~~النبيين - سلام الله عليهم وعليه وأخيه وأولاده أجمعين - ما يؤكد ما ~~قررناه، وينور ما صورناه، حيث قال عليه السلام في بعض خطبه، مشيرا إلى ~~الأكوان المتجددة في سلسلة العود، الراجعة إلى مبدءها الألى من المنزلة ~~السفلى: # " ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء وشق الأرجاء وسكائك الهواء، فأجرى ماء ~~متلاطما تياره، متراكما زخاره، حمله على متن الريح العاصفة، والزعزع ~~القاصفة، فأمرها برده، وسلطها على شده، وقرنها إلى حده، الهواء من ~~تحتها فتيق، والماء من فوقها دفيق ". # " ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها وأدام مربها، وأعصف ms0527 ~~مجراها، وأبعد منشأها، فأمرها بتصفيق الماء الزخار، وإثارة موج البحار، ~~فمخضته مخض السقاء، وعصفت به عصفها بالفضاء، ترد أوله على آخره، ~~وساجيه على مائره، حتى عب عبابه، ورمى بالزبد ركامه، فرفعه في هواء ~~منفتق وجو منفهق، فسوى منه سبع سموات، جعل سفلاهن موجا مكفوفا، ~~وعلياهن سقفا محفوظا، وسمكا مرفوعا، بغير عمد يدعمها ولا دسار ~~ينظمها ". # " ثم زينها بزينة الكواكب وضياء الثواقب، وأجرى فيها سراجا مستطيرا، ~~وقمرا منيرا، في فلك دائر، وسقف سائر، ورقيم مائر ". # " ثم فتق ما بين السموات العلى، فملأهن أطوارا من ملائكته، منهم ~~سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون ". # وجعل عليه السلام يصف أطوار الملائكة وقبائلهم بفنون نشأتهم وأفاعيلهم ~~ورسالاتهم بين الله وبين عباده، إلى آخر كلامه في هذا الباب، ففي ما ذكره ~~- على أخيه وعليه وآلهما الصلاة والسلام - نص صريح بأن خلق السموات بعد ~~خلق الأرضين، مع أن الدلائل العقلية والنقلية قائمة على خلاف ذلك أيضا، ~~فالوجه كما مرت الإشارة إليه. # وقال العارف المتحقق في الباب الواحد والسبعين وثلاثمأة [في الفتوحات]: ~~" ولما خلق الأرض سبع طباق، وجعل كل أرض أصغر من الأخرى ليكون على ~~كل أرض قبة سماء، ولما خلق الأرض وقدر فيها أقواتها، وكسى الهواء صورة ~~النحاس الذي هو الدخان، فمن ذلك الدخان خلق سبع سموات طباقا أجساما ~~شفافة، وجعلها على الأرض كالقباب، على كل أرض سماء أطرافها عليها نصف ~~كرة، والأرض لها كالبساط، فهي مدحية دحاها من أجل السماء أن تكون فمادت ~~فعادت بالجبال عليها فثقلت، فسكنت بها، وجعل في كل سماء منها كوكبا - ~~وهي الجواري... ". # "... فلما سبحت الكواكب كلها، ونزلت بالخزائن التي في البروج، ووهبتها ~~ملائكة البروج من تلك الخزائن ما وهبتها، أثرت في الأركان ما توارى فيها ~~من جماد ونبات وحيوان، وآخر مولود الإنسان خليفة الإنسان الكامل، وهو ~~الصورة الظاهرة التي جمع حقائق العالم، وهو الذي أضاف إلى جمعية حقائق ~~العالم حقائق الحق الإلهي، التي بها صحت له الخلافة الإلهية " - انتهى ~~قوله. # وقال تلميذه المحقق صدر الدين القونوي قدس سرهما: إن أول الإنسان ms0528 ~~ومبدءه هو حال تعلق الإرادة الإلهية باظهار تخصصه الثابت أزلا في علم ~~الحق، ثم اتصال حكم القدرة لإبرازه في تطورات الوجود، وامراره على ~~المراتب الإلهية والكونية، وله في كل حضرة وعالم يمر عليه صورة تناسبه ~~وحال يخصه ووديعة يأخذها، يتفاوت ذلك بحسب استعداده حال التصوير. # فكم بين من باشر الحق تسويته وتعديله، وجمع له بين يديه المقدستين، ~~ثم نفخ فيه من روحه نفخا استلزم معرفة الأسماء، وسجود الملائكة أجمعين، ~~وبين من خلقه بيده الواحدة، أو بواسطة ما شاء، وكون الملك هو الذي ينفخ ~~فيه الروح بالاذن. # كما ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " يجمع الله أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما ~~علقة، ثم أربعين يوما مضغة، ثم يؤمر الملك فينفخ فيه الروح فيقول: يا ~~رب أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ وما رزقه؟ وما أجله؟ ما عمله؟ ~~فالحق يملي والملك يكتب ". # فأين هذا من قوله: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر:29]. شتان بينهما! ". # " فلا يزال الإنسان الكامل، الذي خلق للنهاية، مباشرا في سائر مراتب ~~الاستيداع من لدن إقرار الإرادة في مقام القلم الأعلى، ثم في مقام اللوح ~~النفسي، ثم في مرتبة الطبيعة، ثم في العرش المحدد للجهات مستوى الاسم ~~" الرحمن " ، ثم في الكرسي مستوى الاسم " الرحيم " ، ثم في أجرام ~~السموات السبع، ثم في العناصر والمولدات إلى حين استقراره بصفة صورة ~~الجمع بعد استيفاء أحكام مراتب الاستيداع ". # قال: " فكما هو الأمر أولا، كذلك هو الأمر آخرا، بل الخاتمة عين ~~السابقة فافهم " - انتهى ما ذكره. # وظهر منه أن الإنسان الكامل بكل مرتبة مر عليها عند نزوله من عالم ~~الوحدة، لا بد وأن يتلبس بها، ويتصور بصورة تلك المرتبة عند صعوده إلى ~~ذلك العالم، ثم يخلع عنه لباسها، فيرد الودائع، ويؤدي الأمانات إلى ~~أهلها إن كان هو من أهل النهاية والكمال الأتم. # حقيقة مثالية # [الإنسان الكامل فيه صورة السموات والأرض] # إن الإنسان الكامل، مظهر جمعية الكل، وجوده بحسب الكون الزماني كصورة ms0529 ~~آدمي مستلقي، رجله إلى جانب الماضي منذ أوان خلق آدم عليه السلام، ~~ورأسه إلى جانب المستقبل في أوان بعث الخاتم عليه وآله السلام؛ فكان ~~الإنسان منذ خلق الله أول آدمي إلى خلق محمد (صلى الله عليه وآله)، كان ~~متدرجا في الاستكمال وتصفية الأحوال، حتى بلغ إلى غاية الفطرة، ومخ ~~رأس الآدمية، وأم دماغ الإنسانية، بوجود محمد (صلى الله عليه وآله) - ~~هذا بحسب الزمان وهو سبعة آلاف سنة -. # وأما بحسب المكان؛ فالإنسان الكامل، كشخص قائم عند الله، ثابت في الأرض ~~قدماه، خارج عن أكناف السماوات عنقه، بالغ إلى حد العرش العظيم عظام ~~رأسه، كما وصف أمير المؤمنين، سيد الموحدين عليه السلام قبيلة من ~~الملائكة بقوله: " ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من ~~السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم ~~العرش أكتافهم، ناكسة دونه تعالى أبصارهم متلفعون تحته بأجنحتهم، لا ~~يتوهمون ربهم بالتصوير، ولا يجرون عليه تعالى صفات المصنوعين، ولا ~~يحدونه بالأماكن، ولا يشيرون إليه بالنظائر " - انتهى كلامه عليه ~~السلام. # وههنا وجه آخر؛ وهو أن قوله: { ثم استوى إلى السمآء ~~فسواهن سبع سماوات } ، إشارة إلى تسويته تعالى باطن ~~الإنسان وسماء عقله سبع درجات باطنية معروفة عند أهل الحقيقة، وهي: ~~النفس والقلب، والعقل، والروح، والسر، والخفي، والأخفى. # وتوجيه ذلك، بأنه تعالى لما ذكر في الآية السابقة: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون # [البقرة:28]، مشيرا إلى أنه تعالى أخرج خلق الإنسان من أدنى المراتب، ~~وصوره صورة بعد صورة، وأحياه حياة بعد كل ممات، وكمالا بعد كل نقص، ~~حتى رجع إليه تعالى، وعاد إلى ما بدأ منه، كما قال تعالى: # كما بدأنآ أول خلق نعيده # [الأنبياء:104]. أراد إلى كيفية هذا الرجوع وبيان هذه الإعادة على ضرب ~~من التفصيل بعدما أجمل فيه، فقال: { هو الذي خلق لكم ما ~~في الأرض جميعا } ، إشارة إلى طيه في السلوك إلى الله تعالى جميع ~~الدرجات الأرضية - من الجمادية والنباتية والحيوانية -، { ثم ~~استوى إلى السمآء } أي قصد بإرادته إلى سماء عقله ms0530 { ~~فسواهن } سبعة أطوار { وهو بكل شيء عليم } إذ قد جمع ~~علم الأسماء كلها في هذا النائب الرباني، والخليفة السبحاني تأييدا ~~وتنويرا لقوله: # وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض # [الجاثية:13]. وقوله: # وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة # [لقمان:20]. وقوله: # ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر ~~والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم ~~على كثير ممن خلقنا تفضيلا # [الإسراء:70]. # ثم يأتي بعد هذه الآية شرح ماهية الإنسان، وبيان خلافته لله تعالى، ~~وسر مسجوديته للملائكة أجمعين، لارتباطه بهذا المقصود، من كون الإنسان ~~سالكا بقدمي العلم والعمل إلى خدمة المولى المعبود. # فصل # [السماوات السبع] # إن ما ذكر في القرآن من عدد السموات لا يزيد على السبع، وأما أهل ~~الهيئة وأصحاب التعاليم الرصدية، فزعموا أن الأفلاك الكلية تسعة: سبعة ~~للسيارات - كل في فلك - وثامنها للكواكب الثابتة في أوضاعها، البطيئة ~~في حركتها الخاصة بها. وأما الفلك التاسع فهو الفلك المحيط بالكل، ~~المحرك للكل حركة سريعة يخالف في الجهة لحركات البواقي. # وذلك لأنهم وجدوا كل كوكب متحركا بحركة سريعة شرقية مشتركة، وبحركة ~~بطيئة غريبة مختصة به، وهم قد ذكروا في كتبهم وجه انحصارها وترتيبها ~~المشهور. # أما وجه انحصار الأفلاك الكلية في تسعة - ومعنى الفلك الكلي عندهم ما ~~تنتظم به إحدى الحركات المحسوسة المعلومة بالنظر الجليل بحسب الرصد - فهو ~~أنهم في بادئ نظرهم رأوا تسع حركات مختلفة، فأثبتوا تسعة أجرام متحركات ~~فلكية. # وهذا الوجه ضعيف، إذ يمكن أن تستند إحدى هذه الحركات - إما الشرقية ~~السريعة أو البطيئة الشاملة - لحركات الأوجات والجوزهرات، لا إلى جرم ~~مختص، بأن تتعلق بمجموع الأفلاك الثمانية نفس تحركها إحدى تينك الحركتين، ~~بل لا حاجة إلى الثامن - كما ذكره صاحب التحفة من المتأخرين -، وقد ~~استفاده من بعض من تقدم عهده، لإمكان أن يتعلق نفس بمجموع السبعة ~~يحركه بإحدى الحركتين، وأخرى بالسابع يحركه بالأخرى. # هذا في جانب القلة؛ وأما في جانب الكثرة، فتجويز الزيادة مما لا مانع ~~عنه، بل يجوز أن تكون حركات الكواكب الغير السيارة متفاوتة المقدار ~~كلها، تفاوتا قليلا لا يدركه الحس، فيكون على ms0531 أصولهم كل منها في فلك ~~آخر. # بل هذا الاحتمال جار في هذه الحركة الشرقية السريعة الشاملة للكل، إذ ~~يجوز أن يكون لكل من الأفلاك من هذه السريعة، حركة غير ما للأخرى بتفاوت ~~يسير، لا يبلغ في ألوف من السنين إلى قدر يدركه الإنسان بحسب الأرصاد ~~السابقة واللاحقة، على أن تساوي الحركات، لا يوجب وحدة الجرم المتحرك ~~بها. # ثم إنهم اضطروا إلى اثبات أفلاك أخرى من جهات: # منها: حديث الإقبال والإدبار في الفلك، الذي وجده بعض أرباب الطلسمات ~~وغيرهم، زاعمين أن غاية كل منهما ثمانية درجات، يتم كل من الغايتين في ~~ستمائة وأربعين سنة. # ومنها وجدان الميل الأعظم بين المنطقتين متناقضا عما وجده أصحاب ~~الأرصاد القديمة، فإن أهل الهند منهم وجدوه أربعة وعشرين جزءا، وكان ~~هذا في القدماء رأيا شائعا، وقالوا: " بسبب ذلك استخرج إقليدس في كتابه ~~شكلا ذا خمسة عشر ضلعا في الدائرة، بسبب أن كل ضلع منه وتر هذه الحصة ~~من الدور، ثم وجد بعد بطلميوس بالحلقتين الموصوفتين في أول المجسطي، أقل ~~من ذلك مطابقا لما وجده أبرخس وهو " كحناك " ، ثم وجد بعد ذلك بإرصاد ~~المأمون أقل منه، ووافقه رصد بني موسى بدار السلام، ثم وجده جماعة ~~كأبي الوفاء وأبي حامد الصغاني أقل مما وجده المأمون، ثم رصد الخجندي ~~في أيام فخر الدولة بآلة لم يستعملها أحد إلى هذه الغاية سماها " السدس ~~الفخري " فوجده ثلاثة وعشرين ونصف جزء، بزيادة دقائق ثلاثة تقريبا. # ومنها اختلافات أخرى عديدة، توجب عليهم إثبات أفلاك أخر غير ما اشتهر ~~- كعدم تشابه حركات المتحيرة حول مراكز أفلاكها الخارجة، وكتشابه حركة ~~خارج المركز للقمر حول مركز العالم، وكميول ذرى تداوير المتحيرة ~~وحضيضاتها عن صفحة ما فيها مراكزها، وكانحراف القطر المار بالبعدين ~~الأوسطين للزهرة وعطارد -. # وأما الترتيب فيها على الوجه المقرر عندهم، فذكروا في بيانه أن المحرك ~~للكل يجب أن يكون محيطا به على ما تشهد به الفطرة السليمة، وإن بعض ~~الثوابت ينكسف بزحل، المنكسف بالمشتري، المنكسف بالمريخ، المنكسف ~~بالزهرة، المنكسفة بعطارد، المنكسف بالقمر، الكاسف للشمس؛ ولا ms0532 شك أن فلك ~~المنكسف فوق فلك الكاسف. # لكنه بقي الأمر في كون فلك الشمس تحت فلك المريخ، وفوق فلك الزهرة، فما ~~تيقنوا في ذلك، إذ طريقة الكسف لا تتمشى بين الشمس وغير القمر من ~~الكواكب، لاضمحلالها تحت الشعاع عند مقارنتها اياها. # فعلم الأول بطريقة أخرى هي اختلاف المنظر، فإن المريخ ليس [له] اختلاف ~~منظر أصلا بخلاف الشمس، فيكون فوقها، وبقي الثاني، بل كونها فوق عطارد ~~أيضا مشكوك فيه إلى الآن، فإن الآلة التي بها استعملوا اختلاف المنظر ~~إذا استعملوها وهي ذات الشعبتين تنصب في سطح نصف النهار، وهما عند ~~وصولهما إليها غير مرئيتين في معظم المعمورة، لأن كلا منهما لا يبعد عن ~~الشمس بمقدار يمكن ظهورهما في نصف النهار عند اختفاء الشمس. # فاضطروا في توسطهما بين المريخ والزهرة إلى طريقة الاستحسان، من كونها ~~بين السبعة كشمسة القلادة، وتأكد ذلك الرأي بما حكي عن جماعة منهم الشيخ ~~أبو علي أنهم رأوا الزهرة كشامة على وجه الشمس، أو اياها مع عطارد ~~كشامتين على وجهها. # وهذا أيضا ضعيف، لأن منهم من زعم أن في وجه الشمس شامة، كما إنه حصل ~~في وجه القمر المحو. # ثم إن أباريحان البيروني قال في تلخيصه لفصول الفرغاني: " إن اختلاف ~~المنظر لا يحس إلا في القمر " ، فبطل ما عولوا عليه، وبقي موضع الشمس ~~مشكوكا فيه. # وظن بعض المتأخرين كمؤيد الدين العرضي وقطب الدين الشيرازي بدليل ~~لاح لهم في الأبعاد، أن فلك الشمس بين فلكي زهرة وعطارد. # هذا خلاصة ما ذكروه في الترتيب، فعلم أن طريقة الرصد والحس على ما هو ~~مسلك التعلميين ناقصة في إدراك الأمور السماوية، بل لا يحيط به إلا ~~مبدعها ومنشئها، فوجب الاقتصار فيها على طريقة السمع، فإنها تدل على ~~تحقق سبع سموات، وتحقق جسمين عظيمين غيرهما: أحدهما العرش، والآخر ~~الكرسي - إن لم يكن المراد بهما العقل الكلي والنفس الكلية، أو اللوح ~~والقلم، أو القضاء والقدر -. # فصل # [علم الله تعالى] # قوله: { وهو بكل شيء عليم } ، يدل [على] أن ذاته تعالى لما ~~كان سببا لجميع ما ms0533 في الأرض والسماء، وذاته عالمة بذاته - لكونه غير ~~محتجب عن ذاته بسبب أغشية ولواحق غريبة، بها يغيب الشيء عن نفسه، لتجرده ~~عنها، وتقدمه على سائر الأشياء -، فهو غير مكتنف بأمر غريب عن صورة ذاته ~~الإلهية، فيكون عالما بذاته، والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول، فيكون ~~عالما بكل شيء. # لكن علمه بذاته لما كان عين ذاته، فعلمه التفصيلي بما سواه، يجب أن ~~يكون نفس ذوات ما سواه، لأن ذاته سبب لما سواه، وعلمه بذاته سبب لعلمه ~~بما سواه، والعلتان - وهما ذاته وعلمه بذاته - واحدة بالذات، فيجب أن ~~يكون المعلولان - وهما ما سواه وعلمه بما سواه - واحدا بالذات، فيكون ~~علمه بكل شيء عين وجود ذلك الشيء، فعلمه بكل شيء على وجه جزئي، خلافا ~~لما اشتهر من شرذمة من المتفلسفة - خذلهم الله - أنه لا يعلم الجزئيات ~~المادية. # واعلم [أن] علمه تعالى بالأشياء علمان: واجب وممكن. # فالأول: علم كمالي فعلي هو عين ذاته المقدسة، فإن ذاته حقيقة ينشأ ~~منها جميع الحقائق، كما أن العقول البسيطة عندنا علة يصدر منها مفصل ~~المعقولات. # والثاني: علم تفصيلي، هو صورة كل واحدة واحدة من الحقائق الامكانية، ~~سواء كانت مقارنة لذاته - كما ذهب إليه الحكماء المشاؤون وأتباعهم كأبي ~~نصر وأبي علي -، أو مبائنة عنه تعالى - كما عليه الإشراقيون وغيرهم -، أو ~~غير زائدة على أسمائه وصفاته - كما رآه آخرون من العرفاء. # قال بعض الحكماء من أتباع أرسطو مشيرا إلى هذين العلمين: " واجب الوجود ~~مبدء كل فيض، وهو ظاهر، فله الكل من حيث لا كثرة فيه، فهو من حيث هو ~~ظاهر [فهو] ينال الكل من ذاته، فعلمه بالكل بعد ذاته، وعلمه بذاته نفس ~~ذاته، فيكثر علمه بالكل كثرة بعد ذاته، ويتحد الكل بالنسبة إلى ذاته، ~~فهو الكل في وحدة " - انتهى. # واعلم أن تحقيق القول في علمه تعالى، يحتاج إلى خوض عظيم في بحر علوم ~~المكاشفة، ولا يكفي في ذلك مقروعات الأسماع من غير بصيرة قلبية بعين ~~اليقين. # قال صاحب التفسير الكبير " هذه الآية تدل على فساد قول الفلاسفة ~~القائلين بعدم علمه بالجزئيات، ms0534 وصحة قول المتكلمين في اثبات علمه بها، ~~واستدلوا على ذلك بأنه تعالى فاعل لهذه الأجسام على نهج الإتقان ~~والإحكام، وكل ما هو كذلك يكون عالما بما فعله. وهذه الدلالة بعينها ~~ذكرها الله تعالى في هذا الموضع، لأنه ذكر خلق السموات والأرض، ثم فرع ~~على ذلك كونه عالما. فثبت أن قول المتكلمين مطابق للقرآن مذهبا ~~واستدلالا. # ويدل أيضا على فساد قول المعتزلة، لدلالته على أن موجد كل فعل لا بد ~~وأن يكون عالما به على سبيل التفصيل، فلما لم يكن الإنسان عالما بكنه ~~ما يصدر منه، علمنا انه غير موجد له ". # أقول: أما الفلاسفة فلم ينفوا علمه تعالى بالجزئيات بحسب شخصياتها، ~~إلا أنهم قالوا: " ليس نحو علمه تعالى بها من الإحساس والتخيل " ، ~~ومناط الجزئية والامتناع عن الصدق على كثيرين عندهم أحد هذين الأمرين - ~~سواء كانوا مصيبين في ذلك أو مخطئين -. # ولعمري، إن خطأ الحكماء وجهلهم في باب المعرفة، أولى من إصابة ~~المتكلم من غير بصيرة. ويؤيد ما ذكره، قول معلمهم ومقدمهم أرسطاطاليس ~~حيث قال في كتابه المعروف بالمعرفة الربوبية بمثل هذه العبارة " إن ~~العقل يجهل ما فوقه - وهي العلة الأولى - [ولا يعرفها] معرفة تامة، ~~وإلا لكان هو فوقها، ومحال أن يكون الشيء فوق علته وعلة لعلته، وهذا ~~قبيح جدا، والعقل يجهل ما تحته أيضا، لأنه لا يحتاج إلى معرفتها، ~~لأنها فيه وهو علتها، وجهل العقل ليس عدم المعرفة، بل [هو] المعرفة ~~القصوى، وذلك أنه يعرف الأشياء لا كمعرفة الأشياء نفسها، بل فوق ذلك ~~وأفضل وأعلى، لأنه علتها، فمعرفة الأشياء بأنفسها عند العقل جهل، ~~لأنها ليست معرفة صحيحة ولا تامة، فلذلك قلنا إن العقل يجهل الأشياء ~~التي تحته، نعني بذلك أنه يعرف [الأشياء التي] تحته معرفة تامة، لا ~~كمعرفتها بأنفسها، ولا حاجة له إلى معرفتها، وكذلك النفس تجهل معلولاتها ~~بالنوع الذي ذكرناه آنفا، ولا تحتاج إلى معرفة [شيء من الأشياء] إلا ~~إلى معرفة العقل والعلة الأولى لأنهما فوقها ". # وأما المعتزلة، فهم لا يقولون بأن العبد خالق لحقائق ما صدرت عنه، بل ~~هو ms0535 بإرادته مبدأ لحركات وسكنات كالأكل والشرب، والقيام والقعود وغيرها، ~~وله من العلم بها ما يكفي لرجحان أحد جانبي الحركة أو السكون على الآخر، ~~وهما الوقوع واللاوقوع. # وحاشا من له أدنى مسكة من العقل، أن لا يعقل أن الصباغ - مثلا - منا ~~ليس موجدا لحقيقة الصبغ، ولا لحقيقة الكرباس، ولا لصيروة الكرباس قابلا ~~للصبغ، ولا لكونه مصبوغا بالفعل - أي منفعلا عن تأثير الصبغ فيه - فإن ~~من اشتبه عليه ذلك، فهو خارج عن حدود أهلية البحث والنظر، بل الخلاف ~~في أن حركات الصباغ كالجمع بين الكرباس والصبغ، وكتفريق الصبغ عليه من ~~فعل العبد أولا، وكذلك في سائر الأبواب كالبناء، والتوليد، ~~والكتابة، والزراعة وغيرها. # ثم قال: قالت المعتزلة: " إذا وقع الجمع بين هذه الآية وبين قوله: # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف:76]. ظهر أنه تعالى عالم بذاته ". # والجواب إن قوله تعالى: # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف:76] عام؛ وقوله: # أنزله بعلمه # [النساء:166]. خاص، والخاص مقدم على العام. # أقول: الأول مبين، لدلالته على أن في الوجود عليما يفوق على سائر ~~العلماء، ويكون علمه عين ذاته، إذ لو كان ذا علم - أي عالما بعلم زائد ~~-، لكان فوقه عليم آخر فيلزم التسلسل. # والثاني مجمل، لاحتماله أنه أنزله بعلمه الذي هو نفس ذاته، أو ~~بعلمه الذي هو زائد عليه؛ والمبين مقدم على المجمل. # تذييل تقديسي # [شمول علمه تعالى الجزئيات] # اعلم أن علمه تعالى كسائر صفاته مجرد - أي غير عارض لماهية -، لأنه ~~تعالى منزه عن الماهية، صمد حق؛ وكل فرد مجرد، لأنه يجب أن ~~يكون قد خرج فيه إلى الفعل جميع كمالاته الحقيقية، لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها. لأنه لا جهة له سواها. # ونحن قد حققنا في مقامه " أن كل بسيط الحقيقة يجب أن يكون كل ~~الموجودات " ، وأقمنا عليه البرهان. وما كله الشيء، فهو الشيء كله، وإلا ~~كان الشيء قاصرا عن ذاته - وهو محال -، وما هذا شأنه، يستحيل فيه ~~التعدد، فإن كل الشيء لا يتعدد. # فالعلم هناك واحد، ومع وحدته يجب أن يكون علما بكل شيء، إذ ms0536 لو بقي شيء ~~ما لا يكون ذلك العلم علما به، ولا شك أن العلم به من جملة مطلق العلم، ~~فلم يخرج جميع العلمية في ذلك إلى الفعل، لكنا بينا أن ذلك واجب. # والكلام في سائر الصفات على هذا القياس، ومن أشكل عليه أن يكون علم ~~الحق عز وجل مع وحدته علما بكل شيء، فذلك لأنه ظنه واحدا وحدة ~~عددية، وليس كما ظن، إذ كما أن وحدته ليست كسائر الوحدات، ولا ~~كالآحاد، فكذلك وحدة صفاته، وهذا من غوامض الإلهية. # واعلم أن نحو العلم هنالك، على عكس نحو العلم عندنا، لأن المعلوم ~~هنالك من العلم يجري مجرى الظل من الأصل، فما عند الله هو الحقائق ~~المتأصلة التي تنزل الأشياء منها منزلة الصور والأشباح. # قال بعض المحققين: إن ما من الأشياء عند الله أحق بها مما عند ~~أنفسها. والعلم هناك في شيئية المعلوم وتحققه، أقوى من المعلوم في ~~شيئية نفسه وتحققها، فإنه محقق الحقيقة ومشيء الشيء؛ والشيء مع ~~نفسه بالإمكان، ومع مشيئه ومحققه بالوجوب، وتأكد الشيء فوق ~~الشيء، وكمال الوجود فوق الوجود. # وهذا مما يحتاج دركه إلى تلطف شديد، وصفاء أكيد، والله على ما أقول ~~شهيد، وخاب كل جبار عنيد. ### || [2.30] # اعلم أن هذه الآية، إشارة إلى معرفة النفس الإنسانية، وشرح ماهيتها ~~وإنيتها، وكيفية نشؤها من الأرض وسر خلافتها، وذلك لأن معرفة النفس ~~أم الفضائل، وأصل المعارف - كما جاء في الوحي الإلهي: " اعرف نفسك يا ~~إنسان تعرف ربك " وفي كلام النبي (صلى الله عليه وآله): # " أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه " # وفي كلام بعض الأوائل: " من عرف ذاته تأله ". # وذلك لأنها إذا عرفت، كانت مفتاح خزائن المعرفة، وباب حكمة رب ~~العالمين، وصراط الحق واليقين، وميزان يوم الحساب، ونور المارين إلى ~~الجنة؛ وإذا جهلت، كانت ظلمة القبور وضيقها، ووحشة الصدور وضنكها؛ وعرضة ~~الهلاك والعمى والدثور، وعذاب الآخرة يوم النشور. # فقوله: { وإذ } وضع - كما قيل - لزمان نسبة ماضية وقعت فيه أخرى، كما ~~أن " إذا " وضع لزمان نسبة مستقبلة تقع فيه أخرى، ومحلهما النصب أبدا ~~بالظرفية لفعل مضمر ms0537 ك " اذكر " ونحوه، أو مذكور ك " قالوا " في هذه ~~الآية، وإنما أضمر " اذكر " فيما أضمر، لأنه جاء عاملا له صريحا في ~~كثير من مواضع القرآن. وعن معمر: إنه مزيد. # اعلم أن قول الله [تعالى] فعلي عند المحققين كما مر، وهو عبارة عن ~~إنشاء أمر يستفاد منه مشيئة الله تعالى في خلقه، فقوله للملائكة: { ~~إني جاعل في الأرض خليفة } إعلامه إياهم ذلك بأحد وجهين؛ ~~إما بافاضة صور الحقائق التي هي من مبادئ النشأة الإنسانية عليهم؛ أو ~~باطلاعهم على شيء من عالم أمره تعالى، المشتمل على جميع الأقوال ~~المتعلقة بالأكوان الخلقية. # و " الجعل " على ضربين: ابداع نفس حقيقة الشيء، وتأييسه أو تصييره شيئا ~~آخر. والأول أعلى في باب الجاعلية من الثاني، ف { جاعل } إن كان ~~بالمعنى الأول، كان بمعنى مبدع أو خالق، فلا يستدعي مجعولا إليه، وإن ~~كان بالمعنى الثاني، كان له مجعول ومجعول إليه - وهما المفعول الأول ~~والمفعول الثاني باصطلاح النحاة -، وهما " في الأرض " و " خليفة "؛ ~~وإنما عمل فيهما، لأنه بمعنى الاستقبال، ومعتمد على مسند إليه. # و " الخليفة " من يخلف غيره وينوب عنه لأجل مناسبة تامة يستحق بها ~~للخلافة لا توجد في غيره، وإلا لكان وضعا للشيء في غير موضعه، و " ~~الهاء " فيه للمبالغة. # وقد تحيرت العقول في أن استحقاقية آدم للخلافة الإلهية بماذا؟ فقيل: ~~لتحمله التكليف. وقيل: لطاعته مع وجود الصوارف البدنية كالشهوة والغضب ~~عنها. وقيل: لجامعيته بين صفات الملائكة وصفات البهائم. وأسد الأقوال ~~كونه جامعا لجميع المظاهر الأسمائية. # واعلم أن لله خلفاء في كل عالم ونشأة، ولخلفائه أيضا خلفاء، وبهذا ~~جرت سنته، لا لحاجة له إلى من ينوبه في فعله، لتعاليه عن القصور في ~~فعله، لكونه تمام كل حقيقة، وكمال كل وجود؛ بل لقصور المستخلف عليه عن ~~قبول فيضه وتلقي أمره من لدنه بغير واسطة، ولذلك لم يستنبئ ملكا من ~~الملائكة العالين في الأرض كما قال: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام:9]. # ألا ترى أن الأنبياء - سلام الله عليهم -، لما قويت قواهم، وفاقت ~~عقولهم وخمدت ms0538 نار هواهم تحت نور هداهم، واشتعلت قريحتهم الوقادة بنور ~~الهداية بحيث يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، أرسل إليهم الملائكة، ~~ثم من كان منهم أعلى رتبة، كلمه ربه بلا واسطة، كما كلم موسى عليه ~~السلام في الميقات، ومحمدا (صلى الله عليه وآله) ليلة المعراج. # ومما يؤيد ما ذكرنا، ما أخبر (صلى الله عليه وآله) في تفاوت درجات ~~أخذه عن الله العلوم بحسب أحواله المتفاوتة، وترقياته في مراتب العقول ~~المفارقة، بعد تجاوز المقامات الفلكية ونفوسها العلية، فكان يخبر ~~أحيانا أنه يأخذ عن جبرئيل عليه السلام، وأن جبرئيل يأخذ عن ميكائيل، ~~وهو عن إسرافيل، وإسرافيل يأخذ عن الله. ويخبر أحيانا أنه يأخذ عن ~~ميكائيل دون واسطة جبرئيل. وأخبر أنه كان يلقي إليه أحيانا إسرافيل، ~~فيأخذ دون واسطة الملكين عليهما السلام، وأخذ أحيانا عن الله من غير ~~واسطة أحد من الملائكة، وليس وراء الله مرمى. # ونظير ذلك في الطبيعة: أن النفس متوسطة بين العقل والطبيعة، وهي ~~متوسطة بينها وبين الروح البخاري، المتوسط بين القوى الطبيعية وبين ~~الأعصاب والغضاريف، وهي بينها وبين الأعضاء والأمشاج. # والمراد ههنا آدم عليه السلام، لأنه خليفة الله في أرضه، أو خليفة من ~~سكن الأرض قبله، أو هو وذريته، لأنهم يخلفون من قبلهم؛ وإفراد اللفظ؛ ~~إما للإستغناء بذكره عن ذكر بنيه - كما استغني عن ذكر أبي القبيلة عن ~~ذكرهم في قولهم: " مضر وهاشم " - أو على تأويل من يخلف، أو خلفا ~~يخلف. # وأما خليفته في العالم كله، فهو محمد (صلى الله عليه وآله)، عند بلوغه ~~إلى المقام المحمود. # إشراق كمالي # [لزوم وجود الخليفة] # اعلم أنه لما اقتضى حكم السلطنة الواجبة للذات الأزلية والصفات ~~العلية بسط مملكة الألوهية، ونشر لواء الربوبية، بإظهار الخلائق ~~وتحقيق الحقائق، وتسخير الأشياء وإمضاء الأمور، وتدبير الممالك وإمداد ~~الدهور، وحفظ مراتب الوجود ورفع مناصب الشهود؛ وكانت مباشرة هذا الأمر من ~~الذات القديمة بغير واسطة بعيدا جدا، - لبعد المناسبة بين عزة القدم ~~وذلة الحدوث -، حكم الحكيم سبحانه بتخليف نائب ينوب عنه في التصرف ~~والولاية، والحفظ والرعاية. # وله وجه ms0539 إلى القدم يستمد به من الحق سبحانه، ووجه إلى الحدوث يمد ~~به الخلق، فجعل على صورة خليفة يخلف عنه في التصرف، وخلع عليه جميع ~~أسمائه وصفاته. # ومكنه في مسند الخلافة بإلقاء مقادير الأمور إليه، وإحالة حكم الجمهور ~~عليه، وتنفيذ تصرفاته في خزائن ملكه وملكوته، وتسخير الخلائق لحكمه ~~وجبروته، وسماه انسانا، لإمكان وقوع الانس بينه وبين الخلق برابطة ~~الجنسية، وواسطة الأنسية، وجعل له بحكم اسمه: " الظاهر والباطن " حقيقة ~~باطنة، وصورة ظاهرة، ليتمكن بهما من التصرف في الملك والملكوت. # فحقيقته الباطنة هي الروح الأعظم، وهو الأمر الذي يستحق به الإنسان ~~الخلافة، والنفس الكلية وزيره وترجمانه، والطبيعة الكلية عامله ورئيسه، ~~والعملة - من القوى الطبيعية وكذلك إلى آخر الروحانيات - جنوده ~~وخدمه. # وأما صورته الظاهرة: فصورة العالم من العرش إلى الفرش، وما بينهما من ~~البسائط والمركبات. # فهذا هو الإنسان الكبير المشير إليه قول المحققين: " إن العالم إنسان ~~كبير ". وأما قولهم: " الإنسان عالم كبير " ، أرادوا به أنواع البشر، وهو ~~خليفة الله في أرضه، كما أشير إليه في هذه الآية. وأما خليفة الله في ~~السماء والأرض، وهو الإنسان الكبير، والإنسان البشري نسخة منتخبة من ~~الإنسان الكبير الإلهي، ونسبته إليه نسبة الولد الصغير من الوالد الكبير، ~~فله أيضا حقيقة باطنية وصورة ظاهرة. # أما حقيقته الباطنة: فالروح الجزئي المنفوخ فيه من الروح الأعظم، والعقل ~~الجزئي، والنفس والطبيعة الجزئيتان. # وأما صورته الظاهرة: فنسخة منتخبة من صورة العالم، فيها من كل جزء من ~~أجزاء العالم لطيفها وكثيفها قسط ونصيب، فسبحانه من صانع جمع الكل ~~في واحد كما قيل: # ليس من الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد # وصورة كل شخص إنساني نتيجة صورة آدم وحواء عليهما السلام، ومعناه ~~نتيجة الروح الأعظم والنفس الكلية، اللذين هما أيضا آدم كلي وحواء ~~كلية. ومن هذا يصح أن يقال لبعض من كمل أولادهما حقيقة: # وإني وإن كنت ابن آدم صورة # فلي فيه معنى شاهد بأبوتي # فصل # [الملائكة والأقوال فيها] # الملائكة جمع ملأك - على الأصل - كالشمائل في جمع شمأل، والتاء لتأنيث ~~الجمع. وهو مقلوب " مألك " من ms0540 الألوكة وهي الرسالة، لأنهم وسائط بين ~~الله وبين الناس، فهم رسل الله أو كالرسل إليهم، ولهذا لا يسمى " ~~ملكا " من لا رسالة له، يسمى " روحا " أو شيئا آخر: # واختلفت العقلاء في حقيقتهم، بعد اتفاقهم على أنها ذوات موجودة وجودا ~~جوهريا صوريا لا كوجود الأعراض، فذهب أكثر أهل الإسلام إلى أنها أجسام ~~لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، مستدلين بأن الرسل عليهم ~~السلام كانوا يرونها كذلك. وقالت طائفة من النصارى: " هي النفوس الفاضلة ~~البشرية المفارقة للأبدان، كما أن الجن أيضا عندهم هي النفوس الخبيثة ~~الشريرة المفارقة ". # وزعم الحكماء أن ضربا منها جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في ~~الحقيقة، وضربا آخر متعلقة بالأجرام الكلية والجزئية بأنحاء من ~~التدبير والتصريف، فهي عندهم منقسمة إلى قسمين: # قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق، والتنزه عن الاشتغال بغير ملاحظة ~~جماله وجلاله، وهم العليون، والملائكة المقربون، كما وصفهم الله في ~~محكم تنزيله بقوله: # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء:20]. # وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء، وجرى به ~~القلم الإلهي: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم:6]. # وهم المدبرات أمرا؛ فمنهم سماوية، ومنهم أرضية - على تفصيل ذكره في ~~المفاتيح الغيبية -. # واعلم أنهم اختلفوا في أن المقول لهم كل الملائكة، أم ملائكة الأرض، ~~والحق إن المراد من الخليفة إن كان آدم عليه السلام أو الإنسان الصغير، ~~فالمقول له هم الملائكة الأرضية، وإن كان الإنسان الكبير المحمدي عليه ~~وآله السلام، فالمخاطب كل الملائكة أجمعين. # وقيل: هم إبليس ومن كان معه في محاربة الجن، فإنه تعالى أسكنهم في ~~الأرض أولا فأفسدوا فيها، فبعث إليهم إبليس في جند من الملائكة، ~~فدمرهم وفرقهم في الجبال والجزائر. # مثال ذلك قوى مملكة الإنسان في أرض بدنه، فإن مادة بدنه كانت أولا ~~قبل تعلق النفس الوهمية بيد قوى الحيوانية الشهوية والغضبية الساكنة ~~في أوسط مواضعه وأعدل بقاعه - كتجويف القلب وما يحويه -، وكانت عاصية ~~ظالمة فاعلة للأمور بمقتضى الطبيعة - لا بحكم قوة إدراكية باطنية -، ~~ثم إذا فاضت عليها النفس ms0541 الوهمانية بأمر الله، قهرتها وسخرتها، ~~وأبعدتها عن مقر الدماغ والقلب إلى أطراف البدن وأكنافه، بحكم مد ~~أديم البدن ودحوة أرضه بالقوة النامية، فجعل مواضع الحواس الظاهرة ~~أطراف البدن، ومواضع القوى: الشهوة والغضب، المعدة والكبد والأنثيين ~~والمرارة ونحوها. # ثم جعل الله القوة الناطقة المطيعة لأمر الله، السميعة لأحكامه، ~~المسلمة له ولرسله وملائكته، خليفة في أرض البدن، وأمر جميع القوى ~~المدركة بانقيادها وطاعتها وتسليمها، والسجود لها، والايتمار بأمرها، ~~والانتهاء بنهيها، فأصبحت كلها ساجدة مطيعة لأمر الله خاضعة له، إلا ~~إبليس، القوة الوهمية، لغلبة نارية النفس على طبيعتها، وقلة نورية ~~الإدراك العقلي على فطرتها. # فصارت لشدة أنانيتها النارية، وقلة نوريتها العقلية، وعدم بصيرتها ~~بحال الجوهر الإنساني المخمر طينته عن التراب المشتعل نور فطرته في وادي ~~القدس عن نور رب الأرباب، عاصية متمردة عن الطاعة، زاعمة أن حقيقة ~~الإنسان ليس إلا هذا الجسد الأرضي الفاسد، الذي إن أصابه حر ذاب، وإن ~~أصابه برد جمد، وإن أنتبه لا يشعر، وإن حرك لا يحس بذاته، وإن لم ~~يطعم ذبل، وإن أطعم امتلأ من الدم والنجاسات، كأنه مذبح مجصص ظاهره، ~~مملو باطنه من القاذورات. أو كقبر متحرك في جوفه أنواع من المؤذيات ~~والهوام كالحيات والعقارب والديدان. # فصل # [الأسرار في خلق الإنسان] # إن قولهم هذا يدل على معان مختلفة: # منها: أن الله أنطقهم بهذا القول، ليتحقق لنا أن هذه الصفات الذميمة في ~~طينتنا مودعة، وفي جبلتنا مركوزة، فلا نأمن عن مكر أنفسنا الأمارة ~~بالسوء، ولا نعتمد عليها وما نبرئها كما قال تعالى عن قول يوسف عليه ~~السلام: # ومآ أبرىء نفسي # [يوسف:53]. # ومنها: لنعلم أن كل عمل صالح نعمله، ذلك بتوفيق الله تعالى إيانا ~~وفضله ورحمته، وكل فساد وظلم نعمله، هو من شؤم طينتنا وخاصية طبيعتنا، ~~كما قال تعالى: # مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن نفسك # [النساء:79]. وكل فساد لا يجري علينا ولا يصدر منا، فذلك من حفظ الحق ~~وعصمته ورحمته، لقوله تعالى: # إلا ما رحم ربي # [يوسف:53]. # ومنها: لنعلم أن استعداد أمر عظيم ms0542 فينا، وفينا شأو جسيم ليس للملائكة به ~~علم، وهو سر الخلافة، فلا نتغافل عن هذه السعادة، ولا نتقاعد عن هذه ~~السيادة، ونسعى في طلبها حق السعاية. # ومنها: لنعلم أن الله تعالى - من فضله وكرمه - قد قبلنا بالعبودية ~~والخلافة، وقال من حسن عنايته في حقنا مع الملائكة المقربين: { ~~إني أعلم ما لا تعلمون } ، لكيلا نقنط من رحمته، وننقطع ~~من خدمته. # ومنها: أن الملائكة { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدمآء } ، لأنهم نظروا إلى جسد آدم قبل نفخ الروح فيه، ~~فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق، من العناصر الأربعة ~~المضادة، صفات بشريته البهيمية والسبعية التي تتولد من تركيب أضداد ~~العناصر، كما شاهدوها في أجساد الحيوانات والسباع الضاريات، بل عاينوها ~~- فإنها خلقت قبل آدم -، فقاسوا عليها أحواله بعد أن شاهدوها وحققوها. # وهذا لا يكون غيبا في حقهم، وإنما يكون غيبا لنا، لأننا ننظر ~~بالحس، والملكوت يكون لأهل الحس غيبا، ومنا من ينظر بالنظر الملكوتي، ~~فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحاني، كما قال تعالى: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض # [الأنعام:75]. وقال: # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض # [الأعراف:185]. وحينئذ لا يكون غيبا. # فالغيب ما غاب، وما شاهد فيه فهو شهادة؛ فالملكوت للملائكة شهادة، ~~والحضرة الإلهية لهم غيب؛ وليس لهم الترقي إلى تلك الحضرة؛ وإن ~~للإنسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة، وروحا من عالم الغيب ~~الملكوتي، وسرا مستعدا لقبول فيض النور الإلهي بلا واسطة؛ فبالتربية ~~يترقى من عالم الشهادة إلى عالم الغيب - وهو الملكوت -، وبسر المتابعة ~~وخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت إلى عالم الجبروت والعظموت - وهو ~~غيب الغيوب -، فيشاهد بنور الله المستفاد من سر المتابعة أنوار الجمال ~~والجلال، فيكون في خلافة الحق عالم الغيب والشهادة، كما أن الله عالم ~~الغيب والشهادة: # فلا يظهر على غيبه أحدا # [الجن:26] أي الغيب المخصوص - وهو غيب الغيب - أحدا - يعني من الملائكة # إلا من ارتضى من رسول # [الجن:27]، يعني من الإنسان. # فهذا هو السر المكنون، المركوز في استعداد الإنسان، الذي كان الله ~~يعلمه منه، والملائكة لا يعلمون كما ms0543 قال: { إني أعلم ما لا ~~تعلمون }. # ومنها: أن الملائكة لما نظروا إلى كثرة طاعتهم، واستعداد عصمتهم، ~~ونظروا إلى نتائج الصفات النفسانية، استعظموا أنفسهم واستصغروا آدم ~~وذريته، فقالوا: { أتجعل فيها } - أي: في الأرض - خليفة مع أنه { ~~يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك } ، فنحن مع هذه الصفات، أحق بالخلافة منه، كما قال ~~بنو إسرائيل حين بعث الله لهم طالوت ملكا: # قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق ~~بالملك منه ولم يؤت سعة من المال # [البقرة:247] فأجابهم الله تعالى بأن استحقاق الملك إنما هو بالاصطفاء ~~والبسطة في العلم والجسم وقال: # إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم ~~والجسم والله يؤتي ملكه من يشآء # [البقرة:247]. # فكذلك ههنا أجابهم الله بقوله: { إني أعلم ما لا تعلمون ~~} إجمالا، ثم فصله بقوله: # إن الله اصطفى آدم ونوحا # [آل عمران:33]. وبقوله: # وعلم آدم الأسمآء كلها # [البقرة:31]. وبقوله # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [ص:75]. ليعلموا أن استحقاق تلك الخلافة ليس بكثرة الطاعة، ولكن مالك ~~الملك يؤتي الملك من يشاء. # ولما تفاخر الملائكة بطاعتهم على آدم، من الله تعالى على آدم بعلم ~~الأسماء، ليعلموا أنهم أهل الطاعة والخدمة، وأنه أهل الفضل والمنة؛ ~~وأين أهل الخدمة من أهل المنة؟! فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له، ~~ليعلموا أنه مستغن عن طاعتهم، وبمنته على آدم صار مسجودا له، ليعلموا ~~أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. # فصل آخر # [كان الملائكة سائلين، لا معترضين] # قوله: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدمآء }؛ استكشاف عما خفي عليهم وجه حكمته، كأنهم قالوا: " إلهنا - ~~أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه، فما وجه الحكمة في جعل جوهر أرضي خليفة ~~فيها وهو مصحوب لقوة شهوية شأنها الشر والإفساد، ولقوة غضبية شأنها ~~الإهلاك وسفك الدماء، فان النفس اذا انقادت لاحداهما سلكت بها مسلك ~~الفساد والجور والظلم؟ # أو تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها مع وجود من ~~هو بريء من الشرور والمفاسد بالكلية، كطبقة الملائكة المعصومين عن ~~المعاصي، المسبحين ms0544 بحمده والمقدسين له. وليس هذا باعتراض على الله في ~~فعله، أو طعن في بني آدم على وجه الغيبة، أو تزكية لأنفسهم على وجه ~~الافتخار والازراء بغيراهم، - حاشا ملائكة الله عن ذلك - وقد وصفهم الله ~~بأنهم # عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون # [الأنبياء:26 - 27]. # وأما علمهم بما ذكروه، وحكمهم بذلك على بني آدم، فليس مما استنبطوه ~~بالقياس -، كما توهم من أنهم قاسوا أحد الثقلين على الآخر، حيث ~~أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة، لتعاليهم عن الظن ~~رجما بالغيب، بل إنما عرفوا ذلك بوحي الله، أو باطلاعهم على ما في ~~اللوح المحفوظ، أو بما ارتكز في عقولهم من أن العصمة من المعاصي والشرور ~~كلها من خواصهم، فأجابهم الله عما استخبروه بقوله: { إني أعلم ~~ما لا تعلمون }. # حكمة مشرقية # [سر خلافة الإنسان لله تعالى] # واعلم إن سر خلافة الإنسان لله، من غوامض العلوم التي لم يمكن ~~الإطلاع عليها إلا بتوقيف الله عباده عليها بالوحي أو ما ينتمي إليه. # ويمكن تقرير شبهة الملائكة، واستخبارهم على وجه آخر، وهو أن الإنسان قد ~~اختص بتشريف الخلافة ومسجودية الملائكة من بين سائر الموجودات من ~~الأملاك والأفلاك، وجميع من في طبقات السموات والأرض والجبال، وهو مع ~~ذلك مخلوق من التراب، وفي أول خلقته، كان أنزل رتبة من الجواهر السماوية ~~والأرضية، وما في المعادن والجبال، إذ كان أضعف وجودا وأخس جوهرا من ~~كل جوهر عقلي أو نفساني أو طبيعي، فكيف فاق على الأقران، وجاوز رتبة ~~النبات والحيوان، ومر على طبقات السموات بنفوسها وعقولها حتى صار خليفة ~~الرحمن، واسطة بين الله وبين ما سواه - بعد أن كان في عداد الحشرات ~~والديدان، ممنوا بآفة الشهوة والغضب كالأسد والأرنب -؟! وكيف اختص هو ~~بذلك الشرف والقرب - دون غيره -، وما من غير إلا وقد كان مثله وقتا؟ # أما المعادن، فقد كان الإنسان مثلها وقتا؛ وأما النباتات، فقد نزل ~~قبل الحيوانية في درجتها؛ وأما الحيوانات، فهو بما هو حيوان من ~~أصنافها، وإنما فاز بالنفس الناطقة بعد التجاوز عما في مرتبتها؛ وأما ~~السماويات، فما ms0545 من طبقة من طبقاتها إلا وقد مكث فيها الإنسان الكامل ~~قليلا أو كثيرا، ثم جاوزها حتى بلغ منتهاها، ووصل إلى غاية مثواها ~~ومبتغاها، فما سبب تجاوزه عن كل مرتبة ذكرناها إلى فوقها دون صاحب تلك ~~المرتبة؟ مثلا، إذا نزل في عالم النفوس الفلكية، فبأي سبب أمكنه ~~التجاوز عن رتبة تلك النفوس كلها، حتى صار عقلا محضا مفارقا عن الكل ~~في مقام القرب الإلهي، ولم يمكن لواحدة منها ذلك في مدد متمادية إلى أن ~~يشاء الله؟ # فهذا تقرير هذا الإشكال على هذا المنوال، وجوابه بأن شأن من خلق ~~للنهاية أن لا يمكث في حدود الطريق إليها. # وبعبارة أخرى؛ إن المتحرك - بما هو متحرك - يجب أن يكون حاله ما بين ~~صرافه الفعل ومحوضة القوة. # وبعبارة أخرى؛ إن الموت عن كل نشأة يوجب الحياة في نشأة ثانية فوقها. # وبعبارة أخرى؛ لكل صورة من الصور، وطبقة من الطبقات، وملك من ~~الملائكة مقام معلوم لا يتعداه لقوة وجودها وشدة فعليتها، والذي خلق ~~للنهاية لضعف وجوده الإبتدائي، لا مقام له كما في قوله تعالى: # يأهل يثرب لا مقام لكم # [الأحزاب:13]. # وتفصيل ذلك؛ إن الموجود إما بالفعل من جميع الوجوه، أو بالفعل من بعض ~~الوجوه وبالقوة من بعضها، ولا يمكن أن يكون بالقوة من كل الوجوه، وإلا ~~لم يكن موجودا - وقد فرض موجودا -. # أما القسم الأول، فهو الباري - جل اسمه -، وضرب من الملائكة ~~المقربين، والفرق بأن الباري موجود بوجوده باق ببقاء نفسه، والمقربون ~~موجودون بوجود الله باقون ببقاء الله - لا ببقاء أنفسهم -، وغير ~~المقربين باق بابقاء الله اياه؛ وفرق بين بقاء الشيء بنفسه كما في ~~الواجب الوجود لذاته، وبين الباقي ببقاء غيره، كما في صور ما عند الله، ~~وبين الباقي بابقاء غيره، كما في سائر الممكنات الموجودة الباقية. # وأما القسم الثاني؛ فهو ما يكون مزدوج الحقيقة من أمر يكون به بالفعل - ~~كالصورة وما في حكمها -، ومن أمر يكون به بالقوة - كالمادة وما في ~~حكمها -. # ثم هذا القسم أيضا، ينقسم إلى قسمين: قسم لا يجوز له الانتقال من ms0546 صورة ~~إلى صورة، وقسم يجوز له ذلك، فالأول؛ كالأجرام السماوية في جواهرها وفي ~~أعراضها القارة، كالكم والكيف والشكل - لا في نسبها العارضة -، ~~والثاني؛ كغيرها مثل الأجسام العنصرية. # ثم الجائز له الانتقال في التجوهر والصورة؛ إما أن يتأتى له ذلك على ~~سبيل الصعوبة والعسر، أو على سبيل السهولة واليسر؛ فالأول؛ كالجبال ~~والمعادن مثل الذهب والفضة واليواقيت وغيرها، والثاني؛ كالإنسان ~~والحيوان والنبات. # وهو أيضا؛ إما أن يقف بحركته وانتقاله عند حد لا يتعداه إلى الغاية ~~القصوى ألبتة، أو لا يقف عنده، بل يجوز له البلوغ إلى النهاية التي لا ~~غاية وراءها، فالأول كالإنسان، والثاني كالنبات والحيوان. # ثم الإنسان الذي في حقيقة هذا البلوغ، إما أن يبلغ بالفعل الى ~~النهاية، أو يمنعه مانع، الأول، هو خليفة الله في العالم، والثاني، إما ~~من أهل السلامة - إن لم يكن الغالب فيه صورة هذه النشأة بحسب كسبه -، أو ~~من أهل الشقاوة، إن كان الغالب عليه صورتها. # فإذا تقرر هذا فنقول: أما انتقال صورة الإنسان من حدود الجمادية إلى ~~مرتبة النبات والحيوان، فلوهن صورته النطفي، وقوة استعداده للنمو، ~~وقبول الحيوانية، وأما تجاوزه عن حدودهما، فلضعف النباتية والحيوانية ~~فيه مع اعتدال المزاج، كما قال تعالى: # وخلق الإنسان ضعيفا # [النساء:28]. # وأما تجاوزه عن حدود الأفلاك والأملاك، فلأن كلا منهما كانت مبدعة في ~~أول نشأتها على غاية كمالها النوعي، الذي لا أتم منه بحسب النوع، فكل ~~واحد من أشخاص كل من القبيلين، لا يمكنه - لتمامية ذاته، وتمامية ~~صورته، وفعلية جوهره، وعدم ورود ضد عليه أصلا - المزايلة عن نشأته ~~وحاله إلى نشأة ثانية له، إذ ليس حصول كل واحد منها بحسب الجهات ~~الإنفعالية القابلية، بل الكل منها فائضة عن الحق بواسطة جهات ~~وجوبية فاعلية، ولهذا انحصر نوع كل منها في شخصه، لكون التشخص فيه ~~لازما للنوع، وإنما الحاجة في أحد القسمين - أي الأفلاك - إلى المادة، ~~لأجل بعض أعراضها الخارجة عن التجوهر، البعيد عن ذات الشخص، كالنسب ~~الوضعية، وهي أسهل عرض وأيسر غرض، فمن كن وجوده على هذا النمط من ~~الإحكام والوثاقة ms0547 أو أرفع منه، فلا يمكنه الفناء والموت عن نشأته إلى ~~نشأة إلا عند القيامة الكبرى، ونفخ الصور المستوعب لفناء الكل، وذوبان ~~الجميع عند ظهور سلطان الأحدية التامة، وكبرياء قهر الواحد القهار. # وأما الإنسان المخلوق للبلوغ إلى النهاية، فهو لا يزال في الضعف ~~والانكسار، والعجز والافتقار، مع حفظ الله اياه عن البطلان، وتبليغه ~~اياه من دار إلى دار، فما دام الشيء في مقام الحاجة والعجز، ترد عليه ~~الواردات الإلهية والخلع النورانية، وما دام في مقام الأنانية ~~والافتخار، يمنعه عن المزيد ويقيمه على العتيد، أو يفسد عليه حاله إلى ~~أدون ما كان عليه. # فبهذا العجز والضعف، استعد هو من بين الأجسام الصلبة - كالأرض والجبال ~~-، والجواهر القوية - كالسبع الشداد -، لتحمل الأمانة المشار إليها ~~في قوله تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب:72]. # وتلك الأمانة، هي النور الإلهي المشار إليه في قوله (صلى الله عليه ~~وآله): # " إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره " # ، فما أصابه ذلك النور فقد اهتدى، فكان عرض ذلك النور المسمى بالأمانة ~~من صفات الحق، فلا يتملكه أحد عاما على المخلوقات، وإصابته مختصة ~~بالإنسان الكامل المتحمل للأمانة الإلهية، فبذلك النور صحت له الخلافة ~~الإلهية المختصة به من بين المخلوقات ذوات الأرواح. # فهذا هو الجواب الرباني عن شبهة الملائكة المستفاد من قوله تعالى: { ~~إني أعلم ما لا تعلمون } ، إشارة إلى ذلك النور المشار ~~إليه، ومن قوله: # وعلم آدم الأسمآء كلها # [البقرة:31]، إشارة إلى مروره على كل العوالم واتصافه بمظاهر ~~الأسماء، ومن قوله: # إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب:72] إشارة إلى صفتي الغضب والشهوة، الموجبتين لعجزه وقصوره، ~~المستدعيتين عند وقاية شرهما لعبوره، وهما اللذان جعلهما الملائكة من ~~أسباب حرمانه عن التكريم والخلافة في قوله: { أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدمآء } ، أي من من شأنه هذين الأمرين ~~بمقتضى تينك الصفتين - وقد جعلهما الله من أسباب الإنابة إليه والرجوع ~~إلى دار الكرامة -. # واعلم أن شبهة الملائكة عليهم السلام ms0548 في باب خلافة الإنسان حيث قالوا: { ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } قريب المأخذ من شبهة ~~الشيطان اللعين في باب مسجوديته حيث قال: # خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف:12]. إلا أنهم ذكروها استكشافا واستعلاما، وذكرها اللعين ~~استكبارا وافتخارا، واستبدادا بالرأي والقياس في مقابلة النص. # وبالجملة، فضيلة الإنسان على الملائكة والجان، ليس من جهة الصورة كما ~~تصوره الملائكة، ولا من جهة المادة كما توهمه الشيطان؛ بل من جهة ~~الغاية والعاقبة كما أشير إليه بقوله: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي # [الفجر:27 - 30]. # وقرئ ويسفك - بضم الفاء - ويسفك ويسفك - من باب الإفعال ~~والتفعيل. # وفي البيضاوي: " السفك والسبك والسفح والشن أنواع من الصب، ~~فالسفك يقال في الدم والدمع. والسبك في الجواهر المذابة. والصفح في ~~الصب من أعلى. والشن في الصب عن فم القربة ونحوها، وكذلك السن. # وقرئ يسفك - على البناء للمفعول -، فيكون الراجع إلى " من " - سواء ~~جعل موصولا أو محذوفا - أي: يسفك الدماء فيهم ". # فصل # قوله تعالى: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } # قال صاحب الكشاف: " التسبيح تبعيد الله عن السوء، وكذلك تقديسه. من ~~سبح في الأرض والماء، وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد. و { ~~بحمدك } في موضع الحال، أي: نسبح حامدين لك ومتلبسين بحمدك، لأنه ~~لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك " - انتهى. # وقيل: تداركوا به - أي: بحمدك - ما أوهم إسناد التسبيح إلى أنفسهم. # و { نقدس لك } ، أي نطهر نفوسنا لأجلك، كأنهم قابلوا الفساد ~~المفسر بالشرك عند قوم بالتسبيح، وسفك الدماء - الذي هو أعظم الأفعال ~~الذميمة - بتطهير النفس عن الآثام. # وقيل: اللام زائدة، أي نقدسك. # وقال بعضهم: إن هذه الجملة حال مقررة لمضمون وجه الإشكال، والمعنى: ~~أتستخلف من شأنه صدور دواعي الشهوة والغضب منه، ونحن معصومون من هذه ~~الآفة أحقاء بذلك، كقولك: " أتحسن إلى أبا عدك وأنا من أقربائك ~~"؟!. # وقد مر أن مقصودهم الاستخبار والاستعلام، فإنهم لما علموا أن المجعول ~~خليفة ذو ثلاث قوى، عليها مدار أمره ودوام عمره: الشهوية والغضبية: - ~~وهما يدعوانه ويؤديان ms0549 به إلى الفساد وسفك الدماء -، والعقلية: - وهي ~~تدعوه إلى المعرفة والطاعة، ونظروا إلى أحوال هذه القوى مفردة مفصلة - ~~لا على النظم الوحداني -، قالوا: " ما الحكمة في استخلاف من يصحب تينك ~~القوتين، وهما مما لا يقتضي الحكمة ايجاد من يصحبهما، فكيف استخلافه؟ ~~وأما باعتبار القوة العقلية، فنحن نقيم ما يتوقع منه سليما عن ~~معارضة تلك المفاسد " وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت ~~مهذبة مطواعة للعقل، متمرنة على الخير، كالعفة والشجاعة، ومجاهدة ~~الهوى ورعاية الانصاف، ولم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد، ~~كالإحاطة بالجزئيات، واستنباط الصناعات، واستخراج منافع الكائنات من ~~القوة إلى الفعل، الذي هو المقصود من الاستخلاف، وإليه أشار تعالى ~~إجمالا بقوله: { قال إني أعلم ما لا تعلمون }. # أقول: منشأ خلافة الإنسان، إما من جهة القرب والشرف، أو من جهة الكمال ~~والمناسبة، وإن كان مرجع هذين إلى أمر واحد، فإن الأقرب إلى الله ~~وجودا، يكون أكثر كمالا وأشد مناسبة له من غيره، إلا أن المشهور ~~أنهما متغائران حيثية واعتبارا. # فنقول: إن كان منشأها القرب، فالوجه في تقرير الإشكال وتقرير الجواب ~~كما سبق، وذلك يناسب آراء الحكماء وأصولهم. وإن كان منشأها المناسبة ~~والطاعة وعدم المعصية، فالوجه كما ذكره هذا القائل إشكالا وجوابا، وهذا ~~يناسب أطوار الصوفية وأغراضهم، فإن مناط الخلافة الإلهية عند هؤلاء، ~~باستجماع الكمالات والاتصاف بجميع أصناف صفات الملائكة والجان والحيوان، ~~وعند الحكماء بالبراءة عن الشرور والنقائص من جهة العلم والعرفان. # وهذا، لأن الحقيقة الواجبية عند الحكماء، منزهة عن صفات التشبيه، ~~كالسمع والبصر والكلام وغيرها، وعند هؤلاء متصفة بها أيضا على وجه يليق ~~بذاته، فكذلك حكم من ينوب عنه ويتوسط بينه وبين الخلائق؛ فالملائكة ~~يعرفون الحق الأول بما يغلب عليهم من صفات التسبيح والتقديس، فتسبيحهم ~~في مقام العبودية: " سبوح قدوس رب الملائكة والروح "؛ والأنبياء - ~~صلوات الله عليهم - يعرفون الحق بما يظهر لهم من صفات التمجيد والتشبيه ~~جميعا، فذكرهم: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [سورة يونس:10]. # ومعرفة الحكماء بحسب مقام العقل لله، تشبه معرفة الملائكة ms0550 المجردتين؛ ~~ومعرفة أكابر الصوفية له تعالى في مقام المتابعة والاقتباس من نور ~~النبوة، تشبه معرفة الأنبياء الكاملين - سلام الله عليهم أجمعين -، كل ~~بحسب ما هو نصيبهم من شهود التجلي الإلهي والفيض الوجودي. # قال الشيخ العربي: " إذا تجلى الحق تعالى في صورة مثالية أو حسية، ~~ترده العقول المحجوبة بواسطة أنها دائمة منزهة للحق ببراهين عقلية ~~يواظب عليها، إذ المواظبة والمثابرة على الشيء، توجب انكار ما وراه، ~~والعقل وإن كان ينزه الحق عن التشبيه، فهو يشبهه في عين التنزيه ~~بالمجردات وهو لا يشعر، والحق تعالى منزه عن التشبيه والتنزيه جميعا ~~بحسب ذاته، وهو موصوف بهما في مراتب أسمائه وصفاته ". # وقال أيضا: " واعلم أن الرد والإنكار إنما يقع في التجليات ~~الإلهية، لأن الحق تارة يتجلى بالصفات السلبية فتقبله العقول، ~~لأنها منزهة مسبحة عما فيه شائبة التشبيه والنقصان، وينكره كل من هو ~~غير مجرد كالوهم والنفس المنطبعة وقواها، لأن من شأنهم إدراك الحق في ~~مقام التشبيه والصور الحسية، وتارة يتجلى بالصفات الثبوتية فتقبله ~~القلوب والنفوس المجردة، لأنها مشبهة من حيث تعلقها بالأجسام، ~~ومنزهة باعتبار تجردها، وتنكره العقول المجردة لعدم إعطاء شأنها ~~إياها، بل تنكر تلك الصفات أيضا بالأصالة. # وفي هذا التجلي، قد يتجلى بصور كمالية كالسمع والبصر والإدراك ~~وغيرها، وقد يتجلى بصورة ناقصة من صور الأكوان، كالمرض والاحتياج والفقر، ~~كما أخبر الحق عن نفسه بقوله: # " مرضت فلم تعدني، واستطعمت فلم تطعمني " # وقوله: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه # [البقرة:245]. - وأمثال ذلك -، فيقبله العارفون مظاهر الحق، وينكره ~~المؤمنون المحجوبون، لاعتقادهم بأن الحق ما يتنزل عن مقامه الكمالي؛ ~~فيقبل كل منهم ما يليق بحاله ويناسبه من التجليات الإلهية، وأنكر ما ~~لم يكن يعطيه شأنه، والإنسان الكامل هو الذي يقبل الحق في جميع تجلياته ~~ويعبده فيها. # ولما كانت العقول الضعيفة عاجزة عن إدراك التجليات الإلهية في كل ~~موطن ومقام، والنفوس الأبية طاغية غير معظمة لشعائر الله، أوجبت إسناد ~~الصور الكمالية إليه تعالى، ورد ما يوجب النقصان عنه؛ مع أنه هو ~~المتجلي في كل شيء، والمتخلي ms0551 عن كل شيء " - انتهى. # فقد ظهر أن كل واحد من الممكنات يعرف معبوده بما غلب على نشأته، ~~فالملائكة لكونهم مجردين عن صفات الأجسام، يصفون الحق بصفات التسبيح ~~والتقديس، ولهذا ذكر مجاهد في تفسير قوله: { ونقدس لك } " أي: ~~نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء مرضاتك ". وبعض الناس - ~~كالظاهريين - يصفونه تعالى بصفات التشبيه، كالاستواء والمجيء والنزول ~~والغضب وغيرها، وكذا القياس في غيرهم، كل يصفه بما هو مقامه في الشهود، ~~فأهل الحواس بالمحسوسية، وأهل الخيال بالموهومية، وأهل العقل ~~بالمعقولية، والكل مصيب من وجه ومخطئ من وجه، والله تعالى - وهو أعرف ~~بذاته مما سواه -، وقد وصفه بالصفات المتضادة والأسماء المتقابلة. # فقد علم أن الكل عاجزون عن درك جمال صفاته، قاصرون عن معرفة كمال ~~ذاته - إلا من علمه ربه بتعليم الأسماء، وهداه إلى معرفته بقصر نظره ~~إليه في مقام الفناء عما عداه -. ### || [2.31] # وقرئ: " وعلم آدم " - على البناء للمفعول. # اعلم أن الملائكة لما سألوا الله عن وجه الحكمة في جعل الإنسان خليفة ~~في الأرض دونهم، وأجاب بوجه اجمالي؛ أراد أن يزيدهم بيانا وكشفا، أخبر ~~عن وجه الحكمة في ذلك تفصيلا لميا؛ فبين لهم جهة فضيلة الإنسان ~~عليهم، وذلك بأن علمهم معرفة الأسماء - إما بخلق علم ضروري أو إلقاء في ~~روعه، ولا يفتقر إلى سابقه اصطلاح - وإلا لتسلسل. # هذا إذا كان المراد من الإسم ما غلب عليه العرف العام الطارئ من اللفظ ~~الموضوع لمعنى - سواء كان مركبا أو مفردا، وسواء كان المركب خبرا أو ~~انشاء؛ والمفرد مخبرا عنه أو به أو رابطة بينهما، أو الاصطلاح النحوي من ~~المفرد الدال على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة -، وأما ~~إذا كان المراد منه باعتبار اشتقاقه من " السمة " - ما يكون علامة للشيء ~~ودليلا يرفعه إلى الذهن، سواء كانت ألفاظا، أو صفات أو أفعالا، كما هو ~~عند العرفاء -، فليس منحصرا فيما للوضع فيه مدخل، بل يشمله وغيره. # والظاهر أن المراد من تعليم الأسماء، ليس مجرد تعليم الألفاظ الموضوعة ~~بحسب دلالتها على المعاني كما في التعريفات اللفظية، بل إفادة ms0552 العلم ~~بحقائق الأشياء وماهياتها، وإن كان الأول أيضا مستلزما للعلم ~~بمدلولاتها بوجه من الوجوه؛ وذلك لأن معرفتها من جهة اللغات ليست كمالا ~~يعتد به، إنما الكمال الأتم في الحكمة والمعرفة. # فالمعنى: أنه تعالى خلق آدم عليه السلام من أجزاء مختلفة، وقوى ~~متبائنة، مستعدا لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات ~~والمتخيلات، لاشتماله على جميع النشئات الدنيوية والمثالية ~~والأخروية، وألهمه معرفة ذوات الأشياء وحقائقها الكلية والجزئية، ~~وخواصها وأسماءها، وأصول العلوم وقوانين الصناعات، وكيفية اتخاذ ~~الآلات، حتى صار في نفسه عالما تاما منفردا منفصلا عن العوالم ~~كلها، ذا هيئة جمعية ونظام وحداني مضاهيا للعوالم الثلاثة. # وآدم عليه السلام - على وزن أفعل - اسم أعجمي ك " آذر " و " شالخ ~~" ، واشتقاقه من " الأدمة " بمعنى السمرة. أو من الأدمة - بالفتح - ~~بمعنى الأسوة. أو من أديم الأرض، لما روي عنه (صلى الله عليه وآله): # " إنه تعالى قبض قبضة من جميع الأرض - سهلها وحزنها - فخلق منها ~~[آدم]، فلذلك يأتي بنوه أخيافا " # ولو كان وزنه فاعلا لانصرف. # وليس مشتقا من الأدم والأدمة بمعنى الالفة، كاشتقاق إدريس من الدرس، ~~ويعقوب من العقب، وإبليس من الإبلاس. # إشارة عرفانية # [معنى الإسم والمقصود من تعليم الأسماء] # قد مر في المفاتيح الغيبية إن ذاته تعالى باعتبار صفة من الصفات أو ~~تجل من التجليات سمي ب " الاسم " عند العرفاء، وهذه الأسماء الملفوظة ~~هي أسماء الأسماء، وهي معان معقولة في غيب الوجود الحق، تتعين بها ~~شؤونه وتجلياته. # وليست بموجودات عينية. # وقد تطلق الأسماء عندهم على الموجودات العينية، باعتبار كونها مظاهر ~~لتلك الأسماء التي هي معان غيبية، وذلك لاتحادهما في المفهوم - وإن ~~اختلفا في الوجوب والإمكان -، مثلا: للعلم حقيقة ذاتية هي كونه عين ~~هوية الحق الأول، وحقيقة أسمائية هي معنى عقلي انتزاعي من شؤون ~~الحق وتجلياته، وحقيقة إمكانية هي ذوات العقلاء؛ فكل واحد من العقول ~~المجردة عندهم إسم عليم من مراتب اسم الله " العليم " ، وهكذا في جميع ~~الأسماء. # فعلى هذا؛ حقائق العالم كلها من أسماء الله تعالى، فتعليمه تعالى أسماء ~~الأشياء لآدم، إراءته الأجناس التي خلقها، وإلهامه إياه ms0553 معرفة أحوالها ~~وما يتعلق بها من اللوازم والآثار. # فصل # قوله [تعالى] { ثم عرضهم على الملائكة } # وقرء عبدالله: " عرضهن " وقرء أبي: " ثم عرضها ". # وفي الكشاف " أي: عرض المسميات. وإنما ذكر لأن في المسميات ~~العقلاء فغلبهم " - انتهى. # وقيل: الضمير للمسميات المدلول عليها ضمنا، إذ التقدير أسماء ~~المسميات، فحذف المضاف إليه لدلالة المضاف عليه، وعوض عنه اللام، كقوله ~~[تعالى]: # واشتعل الرأس شيبا # [مريم:4]. لأن الغرض السؤال عن أسماء المعروضات، فلا يكون المعروض نفس ~~الأسماء؛ سيما إن أريد به الألفاظ. والمراد به ذوات الأشياء أو مدلولات ~~الألفاظ، وتذكيره لتغليب ما اشتمل عليه من العقلاء. # [المثل النورية والأسماء الإلهية] # أقول: قد علمت بما سبق من مسلك العرفاء، الاستغناء عن مثل هذه ~~التكلفات في معنى الاسم، فلا حاجة إلى ما ذكروه. # وأما تذكير الجمع، فليس من باب التغليب والمجاز، بل على الحقيقة. # بيان ذلك: أن لكل حقيقة نوعية - كالإنسان والفرس والغنم والبقر والرطب ~~الحنطة والشعير والياقوت واللعل والفيروزج والأرض والماء والهواء - ~~جوهرا عقليا نوريا عاقلا لذاته، ومعقولا لذاته، موجودا في ~~العالم الأعلى الإلهي، حاضرا في علم الله والحضرة الإلهية. فهذه العقول ~~المفارقة والصور المجردة العلمية، هي بالحقيقة أسماء الله أو أسماء ~~أسمائه، وهي موجودة أزلا وأبدا، لأن ما عند الله باق لا يزول؛ وليست ~~من جملة العالم لتتصف بالحدوث والتجدد، والزال والدثور. والبرهان على ~~وجودها مذكور في كتبنا العقلية. # وتقريره: أن الباري - جل ذكره - كما أنه فاعل كل شيء - إما بوسط أو ~~بغير وسط -، فهو غاية كل شيء، بوسط أو بغير وسط، لأنه خير محض لا ~~شرية فيه أصلا، وكل ما هو خير محض، يطلبه كل شيء طبعا وإرادة، وهذا ~~مركوز في جميع الجبلات والغرائز، فكل موجود سافل إذا تصور الوجود ~~العالي، فلا محالة يطلبه ويشتاقه طبعا جبليا أو اختياريا ~~اضطراريا، وهذا الطلب والشوق، لو لم يكن له غاية حقيقية، لكان ارتكازه ~~في الجبلية عبثا معطلا - ولا معطل في الوجود، والله بريء عن فعل ~~العبث -. # فلكل سافل إمكان الوصول إلى العالي، وهذا الإمكان إما ذاتي أو ms0554 ~~استعدادي، ففي الإبداعيات، إذا وجد الإمكان الذاتي، حصل المقصود لعدم ~~المانع والقاسر، وفي المكونات، إذا حصل الاستعداد وزال المانع فكذلك. # ثم المانع الغير الزائل، لا يكون إلا بحسب الأمر الأقلي النادر، لأن ~~الخارج عن الطبيعة النوعية للشيء، أو عن لوازمها الذاتية، يكون أمرا ~~عارضا إتفاقيا، والأسباب الإتفاقية لا تدوم - كما ثبت في موضعه -، ~~وكلامنا فيما تقتضيه طبيعة كل نوع بحسب ذاته، وقد ثبت أن ذلك إما لازم ~~الوقوع، أو أكثري الوقوع؛ فالطبائع الكلية كلها من حيث ذواتها واصلة ~~إلى كمالاتها، وكذا كل طبيعة جزئية في حركاتها وتشوقاتها إلى ما هو ~~أعلى منها. # ثم الغاية في طبيعة جزئية أن كانت طبيعية جزئية أخرى، فلا بد بالآخرة ~~أن تصل إلى طبيعة عقلية - وإلا لتسلسل الأمر إلى غير نهاية -، والغاية ~~في طبيعة عقلية طبيعة عقلية فوقها، ولا بد في الكل أن تكون موصلة ~~إلى غاية الغايات ومنتهى الخيرات، - وهو الباري جلت أسمائه - دفعا ~~للدور والتسلسل. # فإذا تقرر هذا فنقول: إن لكل طبيعة حسية - سواء كانت فلكية أو ~~عنصرية - طبيعة أخرى عقلية في العالم الإلهي هي كمالها وغايتها وتأكد ~~وجودها، وهي الصور المفارقة الإلهية منها، لأنها صور ما في علم الله، ~~وحقائق ما عند الله الباقية ببقاء الله؛ وكأنها هي التي سماها أفلاطون ~~وشيعته بالمثل الإلهية. # وهي حقائق متأصلة، نسبتها إلى هذه الصور الحسيات الداثرات نسبة الأصل ~~إلى المثال، والشخص إلى الظل؛ وإنما هي أصول هذه الأشباح الكائنة ~~المتجددة، لأنها حقيقتها وفاعلها وغايتها وصورتها العقلية المعقولة ~~بالفعل لبارئها دائما؛ وأما هذه فهي ناقصة غير خالية عن القوة ~~والإمكان، سائلة زائلة بحسب وجودها الكوني، لكنها في وجودها الكوني ~~التجددي، سالكة مشتاقة إليها، عائدة محشورة إلى ذلك العالم. # وأما تلك الصور العقليات، والمثل النوريات، والعلوم الإلهيات، فهي ~~أبدا ملحقة بفاعلها وغايتها، ملاحظة لجمال بارئها ومبدعها، لم ترجع ~~إلى ذواتها طرفة عين، إذ لا ذات لها منفكة عن ذات مبدعها، إذ الامكان ~~هناك لا يفارق الفعلية، والقصور لا يباين التمام، فهي أبدا مستهلكة ~~الذوات في ذات حبيبها ms0555 الأول، لا فرق بينها وبين حبيبها كما ورد في الخبر ~~القدسي، ولا مجال لها في الأنانية والغيرية. # وأما إبليس وجنوده، فليسوا منها ولا من حزبها، وإلا لما وقع من هؤلاء ~~الإباء والأنانية. # فإذا انكشف هذا، فقد وضح وتبين سر قوله تعالى: { ثم عرضهم ~~على الملائكة } - بضمير جمع ذوي العقول -، فإن هذه الصور ~~المفارقة - كما ثبت - أسماء إلهية وعقلاء ربانية، وجودهم فوق وجود ~~الملائكة السماوية، وللإنسان الكامل الذي هو مظهر الأسماء كلها، أن ~~يتصل بعد سلوكه إلى الله بقدم العبودية - لا الأنانية - وعبوره على ~~المراتب والمنازل الأرضية والسماوية، وأن يطلع على تلك الحقائق، ~~ويتخلق بأخلاق خلاق الخلائق - وذلك هو الفوز العظيم والمن الجسيم -. # وأما غير الإنسان الكامل - سواء كان ملكا أو إنسانا أو حيوانا أو ~~شيطانا - فليس له إلا مقام واحد، ولا عبودية له إلا لاسم واحد هو ~~مربوبه خاصة لا يتعداه، لأنه أبدا تحت تربية ذلك الاسم الواحد. # فصل # قوله: { فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء } # أي: فنبههم على قصورهم عن معرفة أسماء الموجودات، أي حقائقها، لأن ~~حقيقة الشيء هي علامته ووجهه عند أهل الحقيقة. أو أسماء الحق أي: ~~مظاهرها ومربوباتها، وإنما قال ذلك، تبكيتا لهم، واظهارا لعجزهم عن ~~أمر الخلافة والنيابة الإلهية، وليس أمرا تكوينيا، وإلا لكان ~~مؤثرا في صيرورتهم كذلك، ولا أمرا تكليفيا، وإلا لكان من التكليف ~~بالمحال. # " الإنباء ": إخبار فيه إعلام، ولذلك يجري مجرى كل واحد منهما، والمراد ~~ههنا: كونوا بحيث توجد فيكم حقائق الإنباء وملكوت الأشياء، كما في ~~الإنسان الكامل بحسب تطوره في الأطوار، ومروره على كل العوالم ~~والنشئات، ومظهريته لجميع الأسماء، إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم ~~أحقاء بالخلافة، وأن استخلاف الإنسان لا يليق بالحكمة، وهو مصحوب ~~لهاتين الصفتين: إفساد القوة الشهوية، وسفك القوة الغضبية. # وهذا الزعم، وإن لم يصرحوا به، لكنه لازم من مقالهم، والتصديق، كما ~~يتطرق إلى الكلام باعبتار منطوقه، [كذلك] قد يتطرق إليه بعرض ما يلزم ~~مدلوله من الأخبار، وبهذا الاعتبار يعتري الانشائيات. # إشارة نورية # قد ظهر لك فيما مر ذكره مرارا، أن أسماء ms0556 الله تعالى أصل حقائق ~~الممكنات، وأن عالم الأسماء الإلهية أصل هذا العالم بجميع ما فيه من ~~الصور الكونية السماوية أو الأرضية، وأن هذه الصور الكونية، كعكوس ~~وأظلال لحقائق تلك، حتى أن العرفاء الشامخين، والأولياء الكاملين، ~~يشاهدون بأنوار بواطنهم عالم الأسماء وترتيبها، وتقدم بعضها على بعض ~~وتسلطه عليه، وتأخر بعضها عن بعض وانقهاره له، ترتيبا سببيا ~~ومسببيا، وكثرة جمعية لا تقدح في وحدة الذات. # فإن أردت كشفا وايضاحا لما قد سبق ذكره، فاسمع أنموذجا من علم ~~الأسماء واجعل بالك له، ولا تتوهم الكثرة في ذات الله تعالى، ولا تعدد ~~القدماء، ولا الإجتماع الوجودي في عالم النسب المعقولة، فإن الذات ~~الواجبية واحدة بالحقيقة، كثيرة بالأسماء. # قال لسان التحقيق في كشف هذا المقصد العميق: " إن الممكنات في حال ~~عدمها الإمكاني سألت الأسماء الإلهية سؤال ذلة وافتقار، وقالت لها: إن ~~العدم قد أعمانا عن إدراك بعضنا بعضا، وعن معرفة ما يجب لكم من الحق ~~علينا، فلو أنكم أظهرتم أعياننا وكسوتمونا حلة الوجود، أنعمتم علينا ~~بذلك، وقمنا بما ينبغي لكم من الإجلال والتعظيم، وأنتم أيضا كانت ~~السلطنة تصح لكم بظهورنا بالفعل، وأنتم [اليوم] علينا سلاطين بالقوة ~~والصلاحية؛ فهذا اليوم نطلبه هو في حقكم أكثر مما في حقنا. # فقالت الأسماء: إن هذا الذي ذكرته الممكنات صحيح، فاتفقت بحضرة ~~المسمى ونظرت في حقائقها ومعانيها، فطلبت ظهور أحكامها حتى تتميز ~~أعيانها بآثارها، فإن الخلاق والمقدر والعالم، والمصور والمدبر، ~~والمفصل والبارئ، والرزاق والمحيي والمميت، وجميع الأسماء الإلهية ~~نظروا في ذواتهم، ولم يروا مخلوقا ولا مقدورا ولا معلوما ولا ~~مصورا ولا مدبرا ولا مفصلا ولا مرزوقا. فقالوا: كيف العمل حتى ~~تظهر هذه الأعيان التي تظهر أحكامنا فيها فيظهر سلطاننا؟ فجاءت الأسماء ~~الإلهية التي تطلبها بعض حقائق العالم بعد ظهور عينه إلى الإسم البارئ، ~~فقالوا: عسى [أن] توجد أعيان هذه الأحكام لتظهر أحكامنا، إذ الحضرة التي ~~نحن فيها لا تقبل تأثيرنا. # فقال الباري: ذلك راجع إلى الإسم القادر، فإني تحت حيطته. فلما لجأوا ~~إلى القادر قال: أنا تحت حيطة المريد، فلا ms0557 أوجد عينا منكم إلا ~~باختصاص، ولا يمكنني الممكن من نفسه إلا أن يأتيه أمر الآمر من ربه، ~~فإذا أمره بالتكوين وقال له: " كن " ، يمكنني من نفسه، وتعلقت ~~بايجاده، فكونته من حينه، فالجأوا إلى الإسم المريد، عسى أنه يرجح ~~ويخصص جانب الوجود على جانب العدم، فحينئذ نجتمع أنا والآمر والمتكلم ~~ونوجدكم. # فالتجأوا إلى الإسم المريد فقالوا له: إن الإسم القادر سألناه في ~~ايجاد أعياننا، فأوقف أمر ذلك عليك، فما ترسم؟ فقال المريد. صدق القادر، ~~ولكن ما عندي خبر ما حكم الإسم العالم فيكم - هل سبق علمه بايجادكم ~~فاخصص، أولم يسبق؟ - فأنا تحت حيطة الإسم العالم، فسيروا إليه واذكروا ~~[له] قضيتكم. # فساروا إلى الإسم العالم، وذكروا له ذلك، فقال العالم، قد سبق علمي ~~بايجادكم، ولكن الأدب أولى، فإن لنا حضرة مهيمنة علينا وهي الإسم الله، ~~فلا بد من حضورنا عنده، فإنها حضرة الجمع. # فاجتمعت الأسماء كلها في حضرة الإسم الله، فقال: ما بالكم؟ فذكروا له ~~الخبر، فقال: أنا إسم جامع لحقائقكم، وإني دليل على مسمى، وهو ذات ~~مقدسة له نعوت الكمال والتنزيه، فقفوا حتى ادخل على مدلولي. # [فدخل على مدلوله] فقال له ما قالته الممكنات وما تحاورت فيه الأسماء. # فقال: اخرج وقل لكل واحد من الأسماء يتعلق بما تقتضيه حقيقته في ~~الممكنات، فإني الواحد الأحد لنفسي، والممكنات إنما تطلب مرتبتي ~~وتطلبها مرتبتي، والأسماء الإلهية كلها للمرتبة - لا لي -، إلا الواحد ~~خاصة. وهو اسم خصيص [بي] لا يشاركني في حقيقته من كل وجه أحد، لا من ~~الأسماء، ولا من المراتب، ولا من الممكنات. # فخرج الإسم " الله " ومعه الإسم " المتكلم " ، يترجم عنه للممكنات ~~والأسماء فذكر لهم ما ذكره المسمى، فتعلق العالم والمريد والقادر، ~~فظهر الممكن الأول من الممكنات بتخصيص المريد وحكم العالم، فلما ظهرت ~~الأعيان والآثار في الأكوان، وتسلط بعضها على بعض، وقهر بعضها بعضا، ~~بحسب ما يستند إليه من الأسماء، فأدى إلى منازعة وخصام، فقالوا: إنا ~~نخاف علينا أن يفسد علينا نظامنا، ونلحق بالعدم الذي كنا أولا فيه، ~~فنبهت الممكنات الأسماء بما ألقى ms0558 إليها الإسم العليم والمدبر، وقالوا ~~أنتم - أيها الأسماء -، لو كان حكمكم على ميزان معلوم وحد مرسوم بإمام ~~ترجعون إليه يحفظ علينا وجودنا، ونحفظ عليكم تأثيراتكم فينا، لكان أصلح ~~لنا ولكم، فالجأوا إلى الله عسى أن يقدم من يحدد لكم حدا تقفون عنده، ~~وإلا هلكنا وتعطلتم. # فقالوا: إن الإسم " المدبر " ينهي أمركم، فانتهوا إلى المدبر ما ~~قالته الممكنات، فقال: أنا لها، فدخل وخرج بأمر الحق إلى الإسم " الرب ~~" وقال له: افعل ما تقتضيه المصلحة في بقاء أعيان هذه الممكنات. فاتخذ ~~وزيرين يعينانه على ما أمره به الوزير الواحد الإسم المدبر، والآخر ~~الإسم المفصل - قال [تعالى]: # يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقآء ربكم ~~توقنون # [الرعد:2]. الذي هو الإمام، فانظر ما أحكم كلام الله تعالى حيث جاء بلفظ ~~مطابق للحال الذي ينبغي أن يكن الأمر عليه. # فجاء إسم الرب فرتب لهم الحدود، ووضع لهم المراسم لإصلاح المملكة، ~~وليبلوهم أيهم أحسن عملا، وجعل الله ذلك قسمين: قسم يسمى سياسة ~~حكمية ألقاها في فطر نفوس الأكابر من الناس، بحسب ما تدركه عقولهم ~~وآراؤهم، فحدوا حدودا، ووضعوا نواميس رسمية بحسب ما يقتضيه صلاح كل ~~إقليم وكل زمان، وانحفظت بذلك أموال الناس ودماؤهم وأهلوهم وأرحامهم ~~وأنسابهم، وسموها نواميس. # وقسم يسمى شريعة إلهية، يجيء بها الوحي الإلهي إلى من اصطفاه الله ~~وارتضاه من خلقه، ولم يكن قبل هذا الوحي يعلم أحد بأن الله فرض على ~~عباده أمورا مقربة إلى الله، تورث جنة وحريرا، وأخرى مبعدة منه، ~~تورث نارا وزمهريرا، ولا علموا قبلهم أن ثمة آخرة وبعثا محسوسا ~~بعد الموت في أجساد طبيعية، ودارا فيها أكل وشرب ولباس ونكاح، ~~ودارا فيها عذاب وآلام. # ثم بعث الله رسولا بعد رسول، ولم يخل الأرض عن خليفة هو مظهر الإسم ~~الله، إذ به تنتظم أمور الخلق بماله من الجمعية الإلهية والعدالة ~~الحقيقية، التي يرجع بها إليه كل الخلائق في حوائجهم وانتظام أمورهم ~~ومعايشهم، كما في الإسم " الله " من المقام الجمعي الإلهي، الذي ترجع ~~إليه الأسماء كلها، فهذا سر الخلافة وتعليم الأسماء في ms0559 الإنسان الكامل، ~~وعدم استحقاق غيره لهما. # مثال ذلك في العالم الصغير الإنساني: # أولا ترى أن كل قوة من القوى، إذا تفردت بخاص فعلها، فهي محجوبة ~~بنفسها عن غيرها، لا ترى أفضل من ذاتها - كالملائكة التي نازعت في آدم ~~-، كالعقل والوهم والخيال والحس، فإن كلا منها يدعي السلطنة على هذا ~~العالم الصغير الإنساني، ولا يذعن ولا ينقاد لغيره. # إذ العقل يدعي أنه محيط بالكليات، مدرك لجميع الحقائق والماهيات على ~~ما هي عليه بحسب القوة النظرية. وليس كذلك؛ ولهذا احتجب أرباب العقول ~~عن الحق وصفاته، وسر المعاد، وحشر الأجساد، لتقليدهم عقولهم، وغاية ~~عرفانهم، العلم الإجمالي بأن لهم موجدا ربا منزها عن الصفات ~~الكونية، ولا يعلمون من الحقائق إلا لوازمها وخواصها. # وأرباب التحقيق وأهل الطريق، علموا ذلك مجملا، وشاهدوا تجلياته ~~وظهوراته مفصلا، فاهتدوا بنوره، وسروا في الحقائق سريان تجليه فيها: ~~وكشفوا عنها وخواصها ولوازمها كشفا لا تمازجه شبهة، وعلموا الحقائق ~~علما لا تطرء عليه ريبة، فهم عباد الرحمن الذين يمشون في أرض الحقائق ~~هونا، وأرباب النظر عباد عقولهم لا يقبلون إلا ما أعطته عقولهم. # وكذا الوهم، يدعي السلطنة ويكذب العقل في كل ما هو خارج عن طور ~~إدراكه للمعاني الجزئية دون الكلية، وكذا غيرهما من المدارك الجزئية، ~~وكذا القوى التحريكية - كالشهوة والغضب عند هيجانهما وتغاليبهما -. # وأما القلب المنور بنور المحبة والعشق، فهو الذي يدرك بحقيقته كل ~~شيء بأمر ربها لا يرى فيها عوجا ولا أمتا، وذلك لكون حقيقته متصفة ~~بجميع الكمالات، جامعة لحقائقها الموجودة قبل وجوده، حتى كان يمر عند ~~تنزلاته عليها، فيتصف بمعانيها طورا بعد طور من أطوار الروحانيات ~~والسماويات والعنصريات. إلى أن يظهر في صورته النوعية الحسية النازلة ~~عليه من الحضرات الأسمائية، ما لا بد أن يمر على هذه الوسائط أيضا، ~~إلى أن يصل إليه ويكمله. # وذلك المرور لتهيئته استعداده بأطوار الملكات للكمالات اللائقة، ~~ولاجتماع ما فصل من المقام الجمعي الإلهي من الحقائق والخصائص ~~التفصيلية الواقعة في مقام التفرقة الكونية، وللاشهاد والاطلاع على ما ~~أريد أن يكون خليفة عليه، ولهذا لا ms0560 يجعل خليفة إلا عند انتهاء السفر ~~الثالث، ولولا هذا المرور لما أمكن العروج للكمل، إذ الخاتمة مضاهية ~~للسابقة وبه تتم الحركة المعنوية. # وما يقال: " إن علم الأولياء والأنبياء عليه السلام تذكري لا ~~تفكري ". وقوله (صلى الله عليه وآله): # " الحكمة ضالة المؤمن " # ، إشارة إلى هذا المعنى، لا إلى أنه وجد في النشأة العنصرية مرة ~~أخرى، ثم عرض له النسيان بواسطة التعلق بنطفة أخرى، ومرور الزمان عليه ~~إلى أوان تذكره - كما على رأي التناسخية - فهو مفسوخ الصحة بالبرهان ~~العرشي. # فصل # [لا شيء أفضل من العلم] # وهذه الآية من أدل الدلائل على فضيلة العلم، وعظم شأن حامله، فإنه ~~تعالى ما أظهر كمال حكمته في خلقة آدم، وجعله خليفة في الأرض أولا، ~~ومسجودا للملائكة في السماء، إلا بأن أظهر علمه بالأسماء، فلو كان شيء ~~أشرف من العلم، لكان من الواجب اظهار فضله بذلك الشيء - لا بالعلم -. # فاعلم أنه يدل على فضيلة العلم دلائل من العقل والكتاب والسنة. # أما العقل: فاعلم أن العلم عبارة عن صورة الشيء المجردة عن مادته، ~~وكل صورة مجردة عن المواد فهي موجودة بوجود عقلي، وكل موجود عقلي، ~~فهو إما معقول لذاته - فيكون عاقلا وعقلا لذاته -، فلا يصحبه شر ~~وآفة وعدم وزوال؛ لأن الشرور والآفات والأعدام، من لوازم المواد ~~والأجسام والجسمانيات، فيكون كمالا لذاته، وسعادة لنفسه، لا توجد مثل ~~تلك السعادة فيما لم تكن صورته مجردة عن المادة وعلائقها. # وإما أن يكون معقولا لغيره، بأن يكون وجوده العقلي حاصلا لذلك الغير، ~~فيكون ذلك الغير من الموجودات المجردة عن المواد، لاستحالة أن تكون ~~الصورة المجردة حاصلة لما ليس بمجرد، إذ كل صورة مادية يصحبها مقدار ~~خاص ووضع خاص وشكل خاص، وهيئات جسمانية مانعة عن احتمال كونها ~~معقولا كليا صادقا على كثيرين، وقد علمت أن كل مجرد عن المواد ~~وعالم الأضداد، فهو سعيد، غاية السعادة الممكنة في حقه. # طريق آخر: # إن السعادة على ضربين: بدنية وعقلية. والبدنية ما تدرك بالمشاعر ~~الجسمانية كالسمع للمسموعات، والبصر للمبصرات، والذوق للمذوقات، ~~والخيال للمتخيلات والعقلية ما تدرك بالقوة ms0561 العاقلة، كادراك العقل ~~للمفارقات كذات الباري وصفاته وأسمائه وملائكته العلوية. والحكماء ~~الإلهيون والأولياء الربانيون، رغبتهم في إصابة هذه السعادة أعظم من ~~رغبتهم في اصابة اللذات والخيرات البدنية الدنيوية أو الأخروية بل ~~كأنهم لا يلتفتون إلى تلك، وإن أعطوها على وجه الدوام والاستمرار - كما ~~في الآخرة - ولا يستعظمونها في جنبة هذه السعادة التي هي إدراك الصور ~~العقلية المفارقة الذوات عن المحسوسات وما يليها. # وبيان ذلك بالتفصيل، أنه يجب أن يعلم أن لكل قوة من قوى النفس ~~الإنسانية لذة وخيرا يخصها، وأدى وشرا يخصها. مثاله: أن لذة ~~الشهوة وخيرها أن تتأدى إليها كيفية محسوسة ملائمة من المدركات الخمسة ~~المشهورة، ولذة الغضب الظفر بالإنتقام، ولذة الوهم الرجاء، ولذة ~~الحافظة تذكر الأمور الموافقة الماضية. وأذى كل واحدة منها ما يضاده. # وتشترك كلها - نوعا من الشركة -، في أن الشعور بموافقتها وملائمتها هو ~~الخير واللذة الخاصة بها، وموافق كل منها هو وجود الكمال الذي هو ~~بالقياس إليه كمال بالفعل؛ والإنسان جامع لجميع هذه القوى والغرائز، ~~فلكل قوة وغريزة منه لذة وألم بإزائها، ولذتها في نيلها بمقتضى طبعها ~~الذي خلقت له، وهي سعادتها، فإن هذه الغرائز ما ركزت في الإنسان عبثا ~~ولا هزلا. # ثم إن هذه القوى، وإن اشتركت في هذه المعاني، إلا إن مراتبها في ~~الحقيقة مختلفة، ودرجاتها متفاوتة. فالذي كماله أفضل وأتم، والذي ~~كماله أكثر وأدوم، والذي كماله أوصل وأحصل له، والذي هو في نفسه أكمل ~~فعلا وأفضل، والذي هو في نفسه أشد إدراكا: فاللذة والسعادة اللتان له ~~أبلغ وأشد، وأوفر وآكد. # فإذا تقرر هذا فنقول: وكذلك للإنسان غريزة تسمى بالنور الإلهي في ~~قوله: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر:22]. وتسمى بالقوة العاقلة، والبصيرة الباطنة. وهي تدرك ~~المعاني التي ليست متخيلة ولا محسوسة، كادراكها حدوث العالم وافتقاره ~~إلى مدبر حكيم موصوف بصفات الإلهية، فاعل للحقائق الأسمائية، وخلقت ~~لأن تدرك حقائق الأشياء. # وكمالها الخاص بها، الذي به سعادتها الأصلية، التي هي فوق سعادة ~~قواها وغرائزها الحسية والخيالية والوهمية، هو أن تصير ms0562 في ذاتها ~~عالما عقليا موجودا فيه صور الكل، والنظام المعقول في الكل، والخير ~~الفائض في الكل، مبتدءة من مبدء الكل، وسالكة إلى الجواهر الشريفة ~~الروحانية المطلقة، ثم النفسانية المتعلقة، ثم الأجسام العلوية ~~بقواها وهيئاتها، ثم كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة الوجود كله، ~~فتنقلب عبدا مطيعا لله، متقربا إليه، مشاهدا لما هو الحسن المطلق، ~~والخير المطلق، والجمال الحق المطلق، ومتحدة به، ومنتقشة بمثاله ~~وهيئته، ومنخرطة في سلكه وصائرة [إليه] وبذلك فليعمل العاملون، وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون، ويفتخر المفتخرون، ويباهي المباهون، لأنه إذا قيس ~~هذا بالكمالات المعشوقة التي للقوى الأخرى، ولمن في طبقتها من الأشخاص، ~~وجد هذا بالمرتبة التي يقبح معها أن يقال: " إنه أفضل وأتم منها "؛ بل ~~لا نسبة لها إليه بوجه من الوجوه تماما، وفضيلة، وكثرة، وسائر ما يتم ~~به الذاذ سائر المدركات واسعادها. # أما الدوام، فكيف يقاس دوام الأبدي بدوام المتغير الفاسد؟ وأما شدة ~~الوصول، فكيف يكون حال ما وصوله بملاقاة السطوح، بالقياس إلى ما هو سار ~~في جوهر قابله حتى يكون كأنه هو بلا انفصال؟ إذ العقل والعاقل والمعقول ~~شيء واحد - كما هو عند التحقيق - أو قريب من الواحد كما عليه الجمهور. # وأما أن المدرك في نفسه أكمل، فأمر لا يخفى. وأما أنه أشد إدراكا، ~~فأمر أيضا تعرفه بأدنى تذكر منك لما مضى بيانه، فإن البصيرة ~~الإنسانية أكثر عدد مدركات وأشد استقصاء للمدرك، وأشد تجريدا له عن ~~الزوائد الغير الداخلة في معناه إلا بالعرض؛ ولها أيضا الخوض في باطن ~~المدرك وظاهره ولبه وقشره. # بل كيف يقاس هذا الإدراك العلمي بذلك الإدراك الحسي، أو تقاس هذه ~~السعادة العقلية بتلك اللذة الحسية والبهيمية والغضبية؟ # بل لا يخفى أن في العلم والمعرفة لذة لا تكافيها لذة، ونحن في ~~عالمنا وبدننا هذين، ولانغمارنا في بعض الرذائل، لا نحس بتلك اللذة ~~ولا نحن إليها؛ لكنا لو خلعنا ربقة الشهوة والغضب واخواتهما عن ~~أعناقنا، نفضنا آثارها عن أذيالنا، وطالعنا شيئا من تلك اللذة فحينئذ ~~ربما تخيلنا خيالا طفيفا ضعيفا - وخصوصا عند انحلال المشكلات، ms0563 ~~وإزالة الشبهات، واستيضاح المطلوبات النفسية - من تلك السعاة التي كلامنا ~~فيها، ومع ذلك نجد منها لذة نستحقر بها سائر اللذات. # ومما يوضح أن اللذات العقلية، والكمالات العلمية، أعظم وأقوى، أن ~~كل قوة باطنة فبقدر بطونها ألذ كمالا وأقوى بهجة من كل قوة ~~ظاهرية، حتى أن العالم بالشطرنج - على خسته - لا يطيق السكوت عن ~~التعليم، وينطلق لسانه بذكر ما يعلمه. # وأنت تعلم أنك إذا تأملت عويصا يهمك، وعرضت عليك شهوة وخيرت بين ~~الظفرين، استخففت بالشهوة إن كنت عالي النفس كريم الهمة، والأنفس ~~العامية أيضا فإنها تترك الشهوات المعترضة، وتؤثر الغرامات والآلام ~~الفادحة بسبب افتضاح أو خجل أو تعبير أو سوء مقالة، ولو خير الرجل بين ~~لذة الهريسة والدجاج المسمنة واللوذينج، وبين لذة الرياسة والحكومة ~~وقهر الأعداء ونيل درجة الاستيلاء، فإن كان المخير خسيس الهمة، ميت ~~القلب، شديد البهيمية، اختار الهريسة والحلاوة؛ وإن كان عالي الهمة، ~~كامل العقل، اختار الرياسة، وهان عليه الجوع والصبر عن ضرورة القوت ~~أياما كثيرة. # نعم؛ الناقص الذي لم تكمل معانيه الباطنية كالصبي، أو الذي ماتت قواه ~~الباطنية كالمجنون والمعتوه، لا يبعد أن يؤثر لذة المطعومات على لذة ~~الرياسة والكرامة. # وبهذا يتبين أن العلم بالله وأسمائه وملائكته وكتبه ورسله وتدبيره من ~~منتهى عرشه إلى تخوم الأرضين، أقوى اللذات والسعادات، وأعلى الابتهاجات ~~على من جاوز نقصان الفطرة والصبا، وقصور الخليقة. وأن لذة مطالعة جمال ~~الحضرة الإلهية، والنظر إلى أسرار الأمور الربانية، ألذ من كل حكومة ~~ورياسة، ومن كل شهوة وانتقام. # ولا يمكن فهم هذه اللذة لغير الحكماء الراسخين؛ وغاية العبارة عنها أن ~~يقال كما قال الله [تعالى]: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة:17]. " وانه أعد لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر ". # وهذا مما لا يعرفه الآن إلا من ذاق اللذتين جميعا - أي لذة ~~الرياسة - وهي فوق اللذات الحيوانية، ولذة المعرفة الإلهية. فإنه لا ~~محالة يؤثر التبتل والتفرد، والفكر والذكر، وينغمس في بحار المعرفة؛ ~~ويترك الرياسة، ويستحقر الخلق الذين ms0564 يرأسهم، لعلمه بفناء رياسته وفناء ~~من عليه رياسته؛ وكونه مشوبا بالكدورات التي لا يتصور الخلو عنها، ~~وكونه مقطوعا بالموت الذي لا بد من إثباته مهما أخذت زخرفها وازينت ~~وظن أهلها أنهم قادرون عليها. # فتشغله لذة معرفة الله تعالى، ومطالعة صفاته وأفعاله، ونظام مملكته من ~~أعلى عليين إلى أسفل سافلين، فإنها خالية عن المتزاحمات والمكدرات، ~~متسعة للمتواردين عليها لا تضيق عنهم بكثرتها، وإنما عرضها من حيث ~~التقدير السماوات والأرضون. # وإذا خرج النظر عن المحدودات والمقدورات، فلا نهاية لعرضها، فلا يزال ~~العارف الرباني بمطالعة معلوماته في جنة عرضها السموات والأرض؛ يرتع ~~في رياضها ويقطف من ثمارها، وهو آمن من انقطاعها، إذ ثمار هذه الجنة ~~غير مقطوعة ولا ممنوعة، ثم هي أبدية سرمدية لا يقطعها الموت، إذ الموت ~~لا يهدم محل معرفة الله، لأن محلها الروح الذي هو أمر رباني وسر ~~أسمائي ونور إلهي، إنما الموت يغير أحوالها، ويقطع شواغلها وعوائقها، ~~ويخليها ودارها ومنزلها ومعادها، وأما أن يعدمها فلا. # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بمآ آتاهم ~~الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا ~~بهم # [آل عمران:169 - 170] الآية. # ولا تظنن أن هذا مخصوص بالمقتول في المعركة، فإن للعارف بكل نفس ~~درجة ألف شهيد، وفي الخبر: # " إن الشهيد يتمنى في الآخرة أن يرد إلى الدنيا ليقتل مرة أخرى لعظم ~~ما يراه من ثواب الشهادة، وإن الشهداء يتمنون أن يكونوا علماء لما يرون ~~من علو درجة العلماء ". # فإذا جميع أقطار ملكوت السموات والأرض ميدان العارف، يتبوء منها حيث ~~يشاء، من غير حاجة إلى أن يتحرك اليها بجسمه وشخصه، فهو من ملاحظة جمال ~~الملكوت في جنة عرضها السموات والأرض، وكل عارف فله مثلها من غير أن ~~يضيق بعضهم على بعض أصلا، إلا أنهم يتفاوتون في سعة متنزهاتهم بقدر ~~تفاوتهم في اتساع نظرهم وسعة معارفهم: # هم درجات عند الله # [آل عمران:163].............................. ولا يدخل في الحصر تفاوت ~~درجاتهم ومقاماتهم. # وقد ظهر أن لذة وهي باطنة أقوى في ذوي الكمال من ms0565 لذات الحواس كلها، ~~وأن هذه اللذة لا تكون لبهيمة ولا صبي ولا معتوه، وأن لذة المحسوسات ~~والشهوات تكون لذوي الكمال مع لذة الرياسة، ولكن يؤثرون الرياسة. # فأما كون معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله وملكوت سمواته، وأسرار ~~ملكه، أعظم لذة من الرياسة، فهذا يختص بمعرفته من نال رتب المعرفة ~~وذاقها، ولا يمكن اثبات ذلك عند من لا قلب له، لأن القلب معدن هذه ~~القوة؛ كما أنه لا يمكن إثبات رجحان لذة الوقاع على لذة اللعب ~~بالصولجان عند الصبيان، ولا رجحانه على لذة شم البنفسج عند المزكوم، ~~لأنه فاقد الصفة التي تدرك بها هذه اللذات، ولكن من سلم من آفة ~~العنة، وسلمت حاسة شمه، أدرك التفاوت بين اللذتين، وعند هذا لا ~~ينبغي إلا أن يقال: " من ذاق عرف ". # ولعمري إن طلاب العلوم - وإن لم يشتغلوا بطلب معرفة العلوم الإلهية - ~~فقد استنشقوا رائحة هذه اللذة عند انكشاف المشكلات، وانحلال الشبهات ~~التي قوي حرصهم على طلبها، فإنها أيضا معارف وعلوم، وإن كانت ~~معلوماتها غير شريفة شرف المعلومات الإلهية، فأما من طال فكره في معرفة ~~الله سبحانه، وقد انكشف له من أسرار ملك الله - ولو الشيء اليسير -، ~~فإنه يصادف في قلبه - عند حصول الكشف - من الفرح ما يكاد يطير به ~~ويتعجب من نفسه في ثباته واحتماله لقوة فرحه وسروه - وهذا مما لا يدرك ~~إلا بالذوق -. # فهذا القدر ينبهك على أن معرفة الله ألذ الأشياء وأعظم السعادات، لا ~~سعادة فوقها، وأن لا شقاوة ولا نقصان فوق شقاوة الجهل ونقصانه - سيما ~~إذا كان مشفوعا بالاستكبار والافتخار -. # تنبيهات عقلية # واعلم أن كون العلم صفة شرف وكمال، وكون [الجهل] صفة نقصان، أمر معلوم ~~للعقلاء بالضرورة، ومما يدل على فضيلة العلم، أنه إذا سئل الواحد منا ~~عن مسألة علمية قد علمها، وقدر على الجواب الصواب فرح بذلك وابتهج به، ~~وإن جهلها نكس رأسه حياء من ذلك، وهذا أمر فطري. # وذلك يدل على أن اللذة الحاصلة بالعلم، أكمل اللذات، والشقاوة ~~الحاصلة بالجهل، أشنع أنواع الشقاء. # وأيضا، لو قيل للرجل العالم: " يا ms0566 جاهل " ، فإنه يتأذى بذلك، وإن ~~كان يعلم كذب ذلك. ولو قيل للرجل الجاهل: " يا عالم " ، فرح بذلك، مع ~~علمه بكذب ذلك. # وأيضا، فالعلم أينما وجد، كان صاحبه معظما محترما، حتى أن ~~الحيوان إذا رأى الإنسان، احتشمه بعض الإحتشام، وانزجر به بعض الانزجار، ~~وإن كان ذلك الحيوان أقوى بكثير من الإنسان. # والعلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء بالطبع على من دونهم بالعلم، وإن ~~كثيرا مما كانوا يعاندون رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويريدون ~~قتله، كانوا إذا وقع بصرهم عليه، ألقى الله في قلوبهم الرعب، فهابوه ~~وانقادوا له - شعر -: # لو لم يكن فيه آيات مبينة # كانت بداهته تغنيك عن خبر # وما فضل الإنسان على سائر الحيوان إلا لاختصاصه بالمزية النورانية ~~واللطيفة الربانية، التي لأجلها صار مستعدا لإدراك حقائق الأشياء، ~~والاشتغال بعبادة الله تعالى. # والجاهل، كأنه في ظلمة شديدة إذا أخرج يده لم يكد يراها، والعالم كأنه ~~يطير في أقطار الملكوت، ويسبح في بحار المعقولات، فيطالع الموجود ~~والمعدوم، والواجب والممكن والمحال. ثم يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر ~~والعرض، والجوهر إلى البسيط والمركب؛ ويبالغ في تقسيم كل منها إلى ~~أنواعها، وأنواع أنواعها، وأجزائها، وأجزاء أجزائها، والجزء الذي به ~~يشارك غيره، والجزء الذي به يمتاز عن غيره ويعرف أثر كل شيء ومؤثره، ~~ومعلوله وعلته؛ ولازمه وملزومه، وكليه وجزئيه، فيصير كالنسخة الشريفة ~~التي فيها صور المعلومات بتفاصيلها، وكالصحيفة المنشورة، وكالكتاب المبين ~~الذي فيه آيات مبينات من أسرار الملكوت، وإن الجوهر العاقل منه في عالم ~~الأرواح، كالشمس في عالم الأجسام، لكونه كاملا ومكملا، وواسطة بين الله ~~وبين عباده. # توضيح برهاني # [شرف العلم وتأثر النفوس من العقل الفعال] # لو أردت أن تسمع كلاما في بيان أن نسبة الجوهر العاقل من الإنسان إذا ~~خرج من القوة إلى الفعل، كانت نسبته إلى المعاني العقلية والمفهومات ~~الكلية في عالم الأرواح، كنسبة هذه الشمس المحسوسة إلى الأنوار ~~العرضية والأضواء الشمسية في عالم الأجسام - فاسمع: # إن الإنسان في أول نشأته يكون عقلا بالقوة، ومعقولا بالقوة، وإن كان ~~حيوانا محسوسا بالفعل، لكونه آخر ms0567 المعاني الجسمانية وأول المعاني ~~الروحانية، كبرزخ متوسط بين العالمين، وسور واقع بين الدارين # له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله ~~العذاب # [الحديد:13]. # فأول ما يحدث في قوة نفسه الحساسة، رسوم المحسوسات من القوى الحاسة ~~التي هي روازن، ثم تجتمع المحسوسات المختلفة الأجناس، المدركة بأنواع ~~الحواس الخمسة، ويحدث عن المحسوسات الحاصلة في القوة الحاسة الرئيسية، ~~رسول المتخيلات في قوة نفسه المتخيلة. # فتبقى هنالك محفوظة بعد غيبتها عن مباشرة الحواس لتجردها عن المادة ~~ضربا من التجرد، فيحكم فيها بالجمع والتفريق، والتركيب والتفصيل، فيفرد ~~بعضها عن بعض، ويركب بعضها إلى بعض، فيحلل الأشخاص إلى الأنواع، ~~والأنواع إلى الأجناس، والأجناس إلى أجناس الأجناس، وكذا يستخرج بالتحليل ~~فصولها القريبة والبعيدة. # ثم تركب الأجناس بالفصول، وتحصل الأنواع، وأنواع الأنواع، كل ذلك ~~بحسب صورتها الجزئية المثالية. # ثم ينتبه بواسطة قوة النفس الناطقة للعقليات والكليات، فترتسم في ~~هذه القوة صور المعقولات التي هي في جواهرها عقول بالفعل، ومعقولات ~~بالفعل، وهي الأشياء البريئة من المادة، ومنها صور المعقولات التي هي ~~ليست بجواهرها معقولة بالفعل - مثل الحجارة والشجر والفرس -، وبالجملة ما ~~هو جسم، أو صورة في جسم ذي مادة، والمادة نفسها، وكل شيء قوامه بها؛ ~~فإن هذه ليست عقولا بالفعل، ولا معقولات بالفعل، ولا القوة النفسانية ~~التي في الإنسان في أول حاله عقل ولا معقول ولا عاقل بالفعل؛ وإنما ~~تصير عقلا بالفعل إذا حصلت فيها المعقولات. # فهي محتاجة كالمعقولات بالقوة إلى شيء آخر ينقلها من حد القوة إلى أن ~~يصيرها إلى الفعل، والفاعل [الذي] يجعلها بالفعل، هو جوهر عقلي ~~بالفعل دائما، غير محتاج إلى شيء آخر يصيرها بالفعل، وإلا لعاد الكلام ~~ويتسلسل. # وذلك العقل يعطي العقل الهيولاني - الذي هو بالقوة عقل -، شيئا ما، ~~بمنزلة الضوء الذي يعطيه الشمس البصر، لأن منزلته من العقل الهيولاني ~~منزلة الشمس من البصر، وإن البصر هو قوة وهيئة ما في مادة، وهو من قبل ~~أن يبصر مبصرة ومريئة بالقوة، وليس في جوهرها كفاية في أن تصير مبصرة ~~بالفعل، وإذا أعطت الشمس اياها ضوءا تقبله، ms0568 وأعطت الألوان ضوءا تقبله ~~بها، فيصير البصر بالضوء الذي استفاده من الشمس مبصرا بالفعل، وتصير ~~الألوان بذلك الضوء مبصرة مرئية بالفعل - بعد أن كانت مبصرة مرئية ~~بالقوة -. # كذلك هذا العقل الذي يفيد العقل الهيولاني شيئا ما يرسمه فيه، منزلة ~~ذلك الشيء منه منزلة الضوء من البصر، وكما أن البصر يبصر الضوء نفسه ~~متصلا به، ويدرك الشمس التي هي سبب الضوء فيه متصلا بها كأنه هي، ~~ويبصر بالفعل الأشياء التي كانت مبصرة بالقوة متصلا بها؛ فكذلك العقل ~~الهيولاني، إذا استفادت العقل بالفعل وصارت مصورة بها، منورة بنور ~~ربها، يعقل نفس ذلك النور العقلي، وبه يعقل العقل بالفعل، الذي به تصير ~~الأشياء المعقولة بالقوة بالفعل متصلة به صائرة إياه. # فنسبته إلى المعقولات، نسبة الشمس إلى المبصرات؛ وفعله في عقلنا ~~المنفعل، فعل الشمس في القوة الباصرة، فلذلك سمي عند الأوائل من ~~الحكماء بالعقل الفعال، وحصوله للإنسان، هو السعادة التي بها يصير ~~الإنسان من الكمال الوجودي إلى حيث تكون منزلته منزلة الملائكة ~~المقربين، الذين هم الصف الأعلى من الملكوت. # وذلك أن يصير في جملة الأشياء البريئة عن المواد والأجسام، وعن ~~إضافاتها وتعلقاتها الإنفعالية، في سعادة لا انقطاع، لها ولا تجدد ~~يعتريها، ومثل هذه النفس الصائرة عقلا بالفعل، كانت ملكا بالقوة، ~~فصارت ملكا بالفعل، وإليه أشير في قوله تعالى: # ينزل الملائكة بالروح من أمره # [النحل:2]. وقوله: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه # [المجادلة:22]. # وكما أن البدن بلا روح، ميت فاسد، فكذلك الروح بلا علم، هالك ~~معذب، ونظيره قوله تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى:52]. فالعلم روح الروح، ونور النور، ولب اللب. # ثم إن الذي يدركه العالم ويشاهده من التصورات الكلية، من خواصها ~~أن تكون بالله آمنة من التغير والفناء، لا يتطرق إليها الزوال والفساد، ~~لكونها غير متغيرة في أنفسها، ولا واقعة في عالم التجدد - إلا بالعرض ~~-، فإذا كانت صفات العالم غير متغيرة، فذاته أولى باستحالة الدثور ~~والفساد، وإنما يجوز له الفناء إلى البقاء الذي يستهلك فيه كل شيء، ~~ويعود إليه حياة ms0569 كل حي، ويبطل في نوره كل ظل وفيء. # وأيضا فالأنبياء - صلوات الله عليهم - ما بعثوا إلا للدعوة إلى الحق ~~ومعرفته، قال الله تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة # [النحل:125] الآية. وقال: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني # [يوسف:108]. # ثم انظر وخذ من أول الأنبياء عليهم السلام، فإنه تعالى لما قال: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة:30] فلما قالت الملائكة: # أتجعل فيها # [البقرة:30]، قال تعالى: # إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة:30]، فأجابهم بكونه عالما؛ فلم يجعل سائر الصفات جوابا لهم ~~وموجبا لسكوتهم؛ وذلك يدل على أن سائر الصفات - كالقدرة وأمثالها -، ~~وإن كانت بأسرها في نهاية الشرف، إلا أن صفة العلم أشرف من غيره. # ثم إنه تعالى لما أظهر علمه، جعل مسجودا للملائكة، وخليفة للعالم ~~السفلي، وذلك يدل على أن تلك المنقبة إنما استحقها آدم عليه السلام ~~بالعلم. # ثم إن الملائكة افتخرت بالتسبيح والتقديس، فأظهر الله تعالى علم آدم ~~بالأسماء، في مقابلة تسبيحهم وتقديسهم، مع أن التسبيح والتقديس أيضا من ~~بركات العلم، وإلا لكان إما نفاقا - والنفاق من أخس المراتب لقوله ~~تعالى: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء:145]. - أو تقليدا - وهو مذموم لا يوجب الافتخار -. # فثبت أن فضيلة آدم عليهم، إنما كانت بعلمه بسائر الأشياء الكلية ~~والجزئية التي لم يكن من شأنهم الإحاطة بها جميعا، لانحصارهم في مقام ~~واحد معلوم. # ثم انظر إلى إبراهيم - على نبينا وآله عليه والسلام -، كيف اشتغل في ~~أول أمره بطلب العلم، منتقلا بفكره من ملاحظة أحوال السماويات، ~~والانتقال من بعضها إلى بعض، حتى انتقل من الأنوار الكوكبية الحسية إلى ~~النفسية القمرية، ومنها إلى الأضواء العقلية الشمسية، إلى أن وصل ~~بالدليل الباهر والبرهان النير الزاهر إلى المقصود الأصلي، والدين ~~الحنيفي، وأعرض عن الشرك لقوله: # وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا ~~ومآ أنا من المشركين # [الأنعام:79]. # ثم إنه (ع) بعد الفراغ من معرفة المبدء، اشتغل بمعرفة المعاد، كما قال ~~تعالى: # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة:260]. # ثم ms0570 لما فرغ من العلم، اشتغل بالمحاجة والتعليم: تارة مع أبيه: # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر # [مريم:42]. وتارة مع قومه: # ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون # [الأنبياء:52]. وأخرى مع ملك زمانه: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه # [البقرة:258] الآية. وقوله: # أف لكم ولما تعبدون # [الأنبياء:67]. وتارة كان مع الله فانيا عما سواه: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء:77]. # ثم انظر إلى أحوال موسى علسه السلام مع فرعون، ووجوه دلائله وحججه ~~عليه، وقد مر أن طريقته طريقة الخليل في المقامات العلمية. # ثم انظر إلى عيسى عليه السلام في قوله: # رب أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة:260]، وكان مقصوده العلم بأحوال المعاد، بعد أن حصل له العلم ~~بأحوال المبدء. # ثم انظر إلى نبينا (صلى الله عليه وآله)، كيف من الله عليه بالعلم ~~مرة بعد أخرى في قوله: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى:7]. وقوله: # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان # [الشورى:52]. وقوله: # ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك # [هود:49]. وقوله: # وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء:113]. وهو - صلوات الله عليه - كان أبدا يقول: " رب أرني ~~الأشياء كما هي ". # فلو لم يظهر للإنسان بهذه الأمور التي ذكرناها شرف العلم وفضله، ~~لاستحال أن يظهر له شيء بشيء أصلا - وستأتيك زيادة في الاستبصار -. # فصل # في الشواهد القرآنية على أن رتبة العلم ومنزلة العلماء كانت عظيمة عند ~~الأنبياء - سلام الله عليهم أجمعين - # أما محمد (صلى الله عليه وآله)، فقد قال الله تأديبا وتعظيما له: # وقل رب زدني علما # [طه:114]. وفيه أدل دليل على عظيم رتبة العلم ونفاسته، وعلو منزلته ~~وكرامته، وفرط محبة الله إياه، حيث أمر حبيبه (صلى الله عليه وآله) ~~بالازدياد منه خاصة دون غيره. وقال تعالى امتنانا عليه وتكريما له: # وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ~~عظيما # [النساء:113]. # وأما كليم الله: فقد قال بعض المفسرين: " لو اكتفى أحد من العلم ~~وساغ له القنوع منه، لاكتفى موسى عليه السلام ولم يقل للخضر عليه ~~السلام: # هل أتبعك على أن تعلمن ms0571 مما علمت رشدا # [الكهف:66]. # وأما داود: فلما ذكر من حاله مع أحوال الأنبياء عليهم السلام، قدم ~~العلم أول الأقوال، حيث قال: # داوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث # [الأنبياء:78] إلى قوله: # وكلا آتينا حكما وعلما # [الأنبياء:79]. ثم إنه ذكر بعد ذلك ما يتعلق بأحوال [الدنيا]، فدل ~~على أن شرف العلم أشرف. # وأما سليمان عليه السلام: فكان له من ملك الدنيا ما كان، حتى أنه قال: # رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعدي # [ص:35]. ثم إنه لم يفتخر بالمملكة، وافتخر بالعلم حين قال: # يأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من ~~كل شيء # [النمل:16]. فافتخر بكونه عالما بمنطق الطير، فإذا حسن من سليمان ~~الافتخار بذلك، فبأن يحسن بالمؤمن أن يفتخر بمعرفة رب العالمين وصفاته ~~وأسمائه، وكيفية أفعاله وملكوت سماواته، وكتبه ورسله، والايمان بيوم ~~القيامة وحشر الخلائق إليه، ومعاد الكل ورجوع الجميع إليه، كان أحسن. # ولأنه قدم ذلك على قوله: # وأوتينا من كل شيء # [النمل: 16]. # وقال بعضهم: الهدهد - مع انه في نهاية الضعف، ومع انه كان في موقف ~~المعاتبة - قال # أحطت بما لم تحط به # [النمل:22]. فلولا أن العلم أشرف الأشياء، وإلا فمن أين لمثله أن ~~يتكلم في مجلس سليمان بمثل هذا الكلام؟! وما ذاك إلا ببركة العلم. # وأيضا، فإن سائر كتب الله المنزلة على الأنبياء عليهم السلام ناطقة ~~بفضل العلم. # أما التوراة فقال تعالى لموسى عليه السلام: (عظم الحكمة، فإني لا ~~أجعل الحكمة في قلب عبد إلا وأردت أن أغفر له، فتعلمها، ثم اعمل بها، ~~ثم ابذلها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة). # وأما الزبور، فقال تعالى: (قل لأحبار بني اسرائيل ورهبانهم: حادثوا ~~من الناس الأتقياء، فإن لم تجدوا فيهم تقيا فحادثوا العلماء، وإن لم ~~تجدوا عالما فحادثوا العقلاء، فإن التقي والعلم والعقل ثلاث مراتب، ~~ما جعلت واحدة منهن في أحد من خلقي وأنا أريد هلاكه). # قال بعض العلماء: إنما قدم الله التقى على العلم، لأن التقى لا ~~يوجد بدون العلم، كما بين في المفاتيح الغيبية من أن ms0572 الخشية لا تحصل ~~إلا مع العلم، والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأحدهما، ولهذا السر ~~أيضا قدم العالم على العاقل، لأن العالم لا بد وأن يكون عاقلا - ~~دون العكس -، والعقل كالبذر، والعلم كالشجرة، والتقى كالثمرة. # وأما الإنجيل: فقد قال تعالى في السورة السابعة عشرة: " ويل لمن سمع ~~بالعلم فلم يطلبه! كيف يحشر مع الجهال إلى النار! اطلبوا العلم ~~وتعلموه، فإن العلم إن لم يسعدكم لم يشقكم، وإن لم يرفعكم لم يضعكم، ~~وإن لم يغنكم لم يفقركم، وإن لم ينفعكم لم يضركم، ولا تقولوا: نخاف أن ~~نعلم ولا نعمل. # ولكن قولوا: نرجوا أن نعلم فنعمل. فالعلم يشفع لصاحبه، وحق على الله ~~أن لا يخزيه، إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا معشر العلماء، ما ~~ظنكم بربكم؟ فيقولون: ظننا بربنا أن يغفر ويرحمنا. # فيقول: إني قد فعلت، إني أستودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم بل لخير ~~أردته بكم، فادخلوا في صالح عبادي إلى جنتي برحمتي. # وقال مقاتل بن سليمان: وجدت في الإنجيل أن الله تعالى قال لعيسى عليه ~~السلام: عظم العلماء واعرف فضلهم، فإني فضلتهم على جميع خلقي إلا ~~النبيين والمرسلين، كفضل الشمس على الكواكب، وفضل الآخرة على الدنيا، ~~وكفضلي على كل شيء. # قيل: " إن الله علم سبعة نفر سبعة أشياء: # أ - علم آدم عليه السلام أسماء الأشياء لقوله: { وعلم آدم ~~الأسمآء كلها }. # ب - علم الخضر عليه السلام علم الفراسة: # وعلمناه من لدنا علما # [الكهف:65]. # ج - علم يوسف عليه السلام علم التعبير: # رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث # [يوسف:101]. # د - علم داود عليه السلام صنعة الدرع: # وعلمناه صنعة لبوس لكم # [الأنبياء:80]. # ه - علم سليمان عليه السلام منطق الطير: # وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير # [النمل:16]. # و - علم عيسى عليه السلام علم التوراة: # ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل # [آل عمران:48]. # ز - علم سيدنا محمدا (صلى الله عليه وآله) علم الشرع والتوحيد: # وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء:113]. # ويعلمهم الكتاب والحكمة # [الجمعة:2]. # الرحمن علم القرآن # [الرحمن:1 - 2]. # فعلم آدم، كان سببا في حصول ms0573 السجدة والتحية، وعلم الخضر، كان سببا ~~لأن وجد تلميذا مثل موسى ويوشع عليهما السلام، وعلم يوسف عليه السلام، ~~كان سببا لوجدان الأهل والمملكة، وعلم داود عليه السلام، كان سببا ~~لوجدان الرياسة والدرجة، وعلم سليمان عليه السلام، [كان سببا] لوجدان ~~بلقيس وتسخير الجن، وعلم عيسى عليه السلام، لزوال التهمة عن أمه، وعلم ~~محمد - صلوات الله عليه وآله - كان سببا لحصول الشفاعة ". # قال بعض العلماء: من علم أسماء المخلوقات وجد التحية من الملائكة، ~~فمن عرف ذات الخالق وصفاته وحقائق أفعاله أما يجد تحية الملائكة؟ بل ~~تحية الرب؟ # سلام قولا من رب رحيم # [يس:58]. # والخضر عليه السلام وجد بعلم الفراسة صحبة موسى عليه السلام، فأمة ~~الحبيب - صلوات الله وسلامه عليه -، كيف لا يجدون بعلم الحقيقة صحبة محمد ~~(صلى الله عليه وآله): # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم # [النساء:69]. # ويوسف عليه السلام بتأويل الرؤيا نجى من حبس الدنيا، فمن كان عالما ~~بتأويل كتاب الله، كيف لا ينجو من حبس الشبهات: # يهدي من يشآء # [البقرة:142]. # وأيضا: فإن يوسف عليه السلام ذكر منة الله على نفسه حيث قال: # وعلمتني من تأويل الأحاديث # [يوسف:101]. فأنت يا عالم، أما تذكر منته على نفسك حيث علمك تفسير ~~كتابه، فأي نعمة أجل مما أعطاك الله حيث جعلك مفسرا لكلامه المجيد، ~~وسميا لنفسه، ووارثا لنبيه، وداعيا لخلقه وعباده، وسراجا لأهل ~~بلاده، وقائدا للخلق إلى جنته وثوابه، ورادعا لهم عن ناره وعقابه، كما ~~جاء في الحديث: # " العلماء ورثة الأنبياء " # " العلماء سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة " # - الحديث -. # وأيضا؛ فإن الله تعالى سمى العلم في كتابه الكريم بالأسماء الشريفة: ~~فمنها الحياة: # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام:122]، وثانيها الروح: # أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى:52]. وثالثها النور: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين # [المائدة:15]. # فصل # في الشواهد النبوية من الأحاديث والأخبار على شرف العلم # فمن طريقة أصحابنا - رضوان الله عليهم - وجوه: # عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ~~إن الله تعالى يقول: # " تذاكر العلم بين عبادي مما ms0574 تحيى عليه القلوب الميتة إذا هم ~~انتهوا [فيه] إلى أمري ". # وعن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: رحم الله عبدا ~~أحيى العلم. - قال -: قلت: وما إحياؤه؟ قال أن يذاكر به أهل الدين وأهل ~~الورع. # وعن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " لا خير في العيش إلا لرجلين، عالم مطاع ومستمع واع ". # وعن أبي جعفر عليه السلام إنه قال........................: " عالم ~~ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد " # وعن أبي عبدالله عليه السلام: " طلب العلم فريضة. ألا وإن الله ~~يحب بغاة العلم ". # وعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: " إن الناس آلوا بعد رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) إلى ثلاثة: آلوا إلى عالم لى هدى من الله قد أغناه ~~الله بما علم عن علم غيره. وجاهل مدع للعلم لا علم له معجب بما عنده ~~قد فتنته الدنيا وفتن غيره. ومتعلم من عالم على سبيل هدى من الله ~~ونجاة. ثم هلك من ادعى وخاب من افترى ". # وعن أبي عبدالله عليه السلام، قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ~~" إن من حق العالم أن لا تكثر عليه السؤال، ولا تأخذ بثوبه، وإذا ~~دخلت عليه وعنده قوم فسلم عليهم جميعا، وخصه بالتحية دونهم، واجلس ~~بين يديه، ولا تجلس خلفه، ولا تغمز بعينك، ولا تشر بيدك، ولا تكثر ~~من القول " قال فلان، وقال فلان " خلافا لقوله، ولا تضجر بطول ~~صحبته؛ فإنما مثل العالم مثل النخلة، تنتظرها [حتى] يسقط عليك منها ~~شيء. والعالم أعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله ". # وعن الفضل بن أبي قرة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله): # " قال الحواريون لعيسى عليه السلام: " يا روح الله - من نجالس؟ " ~~قال: " من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في ~~الآخرة عمله " ". # منصور بن حازم، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): # " مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة ". # إلى غير ms0575 ذلك من أحاديثهم عليهم السلام في فضيلة العلم، وقد ذكرنا شطرا ~~منها في المفاتيح، واختصرنا ههنا على هذا القدر، فمن أراد المزيد ~~فليراجع إلى كتب الكافي وغيره في هذا الباب. # وأما من طريقة غيرهم فوجوه: # قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " يقول الله تعالى للعلماء: إني لم أضع علمي فيكم وأنا أريد أن ~~أعذبكم، ادخلوا الجنة على ما كان فيكم ". # قال ابن عباس: # " خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطبة بليغة قبل وفاته - وهي ~~آخر خطبة بالمدينة خطبها -، فقال: " من تعلم العلم، وتواضع في ~~العلم، وعلمه عباد الله - يريد ما عند الله - لم يكن في الجنة أفضل ~~ثوابا ولا أعظم منزلة منه، ولم يكن في الجنة منزلة ولا درجة رفيعة ~~نفيسة، إلا كان فيها له أوفر النصيب وأشرف المنازل " ". # وعنه (صلى الله عليه وآله): # " إذا كان يوم القيامة، حفت منابر من ذهب عليها قباب من فضة مفضضة ~~بالدر والياقوت والزمرد، خلالها السندس والاستبرق، ثم ينادي منادي ~~الرحمن: أين من حمل إلى أمة محمد (صلى الله عليه وآله) علما يريد ~~به وجه الله؟ اجلسوا على هذه المنابر لا خوف عليكم حتى تدخلوا الجنة ". # وعن عيسى بن مريم عليهما السلام: " إن في أمة محمد (صلى الله عليه ~~وآله) علماء حكماء، كأنهم في الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من ~~الزرق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل، ويدخلون الجنة بلا إله إلا ~~الله ". # وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " من اغبرت له قدمان في طلب العلم، حرم الله جسده على النار، واستغفر ~~له ملكاه، وإن مات في طلبه مات شهيدا، وكان قبره روضة من رياض الجنة، ~~ويوسع له في قبره مد بصره، وينور على جيرانه؛ أربعين قبرا عن يمينه ~~وأربعين عن يساره وأربعين من خلفه، وأربعين من أمامه. ونوم العالم ~~عبادة، ومذاكرته تسبيح، ونفسه صدقة، وكل قطرة نزلت من عينيه ~~تطفئ بحرا من جهنم ". # فمن أهان العالم فقد أهان العلم، ومن أهان العلم فقد أهان النبي (صلى ~~الله عليه وآله)، ms0576 ومن أهان النبي (صلى الله عليه وآله) فقد أهان ~~جبرئيل عليه السلام، ومن أهان جبرئيل عليه السلام فقد أهان الله تعالى، ~~ومن أهان الله تعالى أهانه يوم القيامة. # وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " ألا أخبركم بأجود الأجواد؟ قالوا: نعم - يا رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) قال: الله تعالى أجود الأجواد، وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم ~~من بعدي رجل عالم ينشر علمه، فيبعث يوم القيامة أمة واحدة، ورجل ~~جاهد في سبيل الله حتى يقتل ". # فصل # في ألفاظ دالة على العلوم الحقيقية واشتبهت على الناس بغيرها # اعلم أنه قد التبست العلوم الحقيقية المحمودة الشرعية بغيرها من جهة ~~تحريف الأسامي المحمودة عن وضعها الأول، وتبديلها ونقلها بسبب الأغراض ~~الفاسدة إلى معاني غير ما أراد بها الصدر الأول والسلف الصالح، وهي خمسة ~~ألفاظ - كما ذكره صاحب إحياء العلوم وفصل القول في كيفية تحريفاتها - ~~الفقه والعلم، والتوحيد والتذكر، والحكمة - ونحن أيضا نقتفي كلامه في ~~هذا الفصل مع اختصار وتلخيص: # فاللفظ الأول: الفقه: فقد تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل، ~~إذ قد خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوي، والوقوف على دقائق ~~عللها، واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلقة بها؛ فمن كان أشد ~~تعمقا فيها وأكثر اشتغالا بها فهو الأفقه. # وهذا ضرب من التحريف. فلقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على ~~علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفس، ومفسدات الأعمال، وقوة ~~الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الأبرار، واستيلاء الخوف ~~على القلب، كما يدلك عليه: # ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا # [التوبة:122]. # وما به الإنذار والتخويف هو هذا العلم، دون تفريعات الطلاق واللعان ~~والعتاق والسلم والإجارة، فذلك لا يحصل به إنذار وتخويف، بل التجرد له ~~على الدوام يقسي القلب، وينزع الخشية منه كما يشاهد من المتجردين له. ~~وقال تعالى: # لهم قلوب لا يفقهون بها # [الأعراف:179]. وأراد به معاني الآيات - دون الفتاوى -. # وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " لا يفقه الرجل كل الفقه، حتى يمقت الناس في ذات الله، وحتى ms0577 يرى ~~للقرآن وجوها كثيرة ". # وسئل الحسن البصري عن مسئلة فأجاب، فقال له السائل: " إن الفقهاء ~~يخالفونك " ، فقال الحسن: " ثكلتك أمك - وهل رأيت فقيها بعينك؟! إنما ~~الفقيه؛ الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بذنبه، المداوم ~~[على] عبادة ربه، الورع الكاف عن أعراض الناس، العفيف عن أموالهم، ~~الناصح لجماعتهم " ، ولم يقل في جميع ذلك " الحافظ لفروع الفتاوى ". # اللفظ الثاني: العلم: وقد كان مطلقا على العلم بالله وبآياته وأفعاله ~~في عباده وخلقه، وقد تصرفوا فيه بالتخصيص حتى حولوه وشهروه في الأكثر ~~لمن يشتغل بالمناظرة مع الخصوم في المسائل الخلافية وغيرها، فيعد من ~~فحول العلماء، فيقال: " هو العالم بالحقيقة، وهو الفحل فيه " ، مع عريه ~~عن العلوم الحقيقية كلها، وجهله بحقائق علم القرآن وأسرار الآيات ~~وتأويل الأحاديث، وصار ذلك شيئا مهلكا لخلق كثير من الطلبة. # اللفظ الثالث: التوحيد: وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام، ومعرفة ~~طرق المجادلة وفنون البحث، وكيفية مناقضات الخصوم، والقدرة على تكثير ~~الأسئلة وإثارة الشبهات والإلزامات، حتى لقبت طوائف منهم بأهل العدل ~~والتوحيد، وعلماء ذلك، مع أن جميع ما هو خاصية هذه الصناعة، لم يكن ~~يعرف منها شيء في العصر الأول، بل كان يشتد النكير منهم على من يفتح ~~أبواب الجدل والمماراة، وكان التوحيد عندهم عبارة عن معنى آخر لا يفهمه ~~أكثر المتكلمين، وهو أن يرى الأمور كلها من الله رؤية يقطع التفاته عن ~~الوسائط والأسباب. # وهذا مقام شريف، إحدى ثمراته التوكل والرضا والتسليم بحكم الله، وأن ~~يعبده عبادة يفرده بها فلا يعبده غيره، ويخرج من هذا التوحيد أتباع ~~الهوى، فكل متبع هواه فقد اتخذ معبوده هواه، قال الله تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية:23]. وقال (صلى الله عليه وآله): # " أبغض إله عبد في الأرض عند الله هو الهوى ". # وعلى التحقيق، من تأمل عرف أن عابد الصنم ليس يعبد الصنم، إنما ~~يعبد هواه، إذ نفسه مائلة إلى دين آبائه فيعبد ذلك الميل. # وبالجملة، فقد كان التوحيد عندهم عبارة عن ذلك المقام، وهو من مقامات ~~الصديقين، فانظر إلى ماذا حول؟ ms0578 وبأي قشر قنع الإنسان؟ وكيف اتخذ ~~هواه معتصما في التمدح والتفاخر بما اسمه محمود، مع الإفلاس عن المعنى ~~الذي يستحق به الحمد الحقيقي؟ # اللفظ الرابع: الذكر والتذكير: وقد قال الله تعالى: # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # [الذاريات:55]. وقد ورد في مجالس الذكر أخبار كثيرة كقوله (صلى الله ~~عليه وآله): # " إن لله ملائكة سياحين في الهواء سوى ملائكة الخلق، إذا رأوا مجالس ~~الذكر ينادي بعضهم بعضا: هلموا إلى بغيتكم. فيأتوهم ويحفون بهم، ~~ويستمعون. ألا - فاذكروا الله وذكروا بأنفسكم ". # فنقل ذلك إلى ما ترى أكثر الوعاظ يواظبون عليه في هذا الزمان، وهو ~~القصص والأشعار، والشطح، والطامات. # واللفظ الخامس: الحكمة: فإن اسم " الحكيم " صار يطلق على الطبيب ~~والشاعر والمنجم، حتى على الذي يدحرج القرعة على أكف السوادية في شوارع ~~الطرق؛ والحكمة هي التي أثنى الله عليها فقال: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة:269]. وقال (صلى الله عليه وآله): # " كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا [وما فيها] " ". # فانظر ما الذي كانت " الحكمة " عبارة عنه، وإلى ماذا نقل؟! وقس به ~~بقية الألفاظ، واحترز به عن الاغترار بتلبيسات علماء السوء، فإن ~~شرهم على الدين أعظم من شر الشياطين، إذ الشياطين بوساطتهم تتذرع إلى ~~انتزاع الدين من قلوب الخلق، ولهذا # " لما سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن شر الخلق أبى وقال: " ~~اللهم غفرا ". حتى كرر وقال: " شرهم علماء السوء " ". # فقد عرفت العلم المحمود والمذموم، ومثار الإلتباس، وإليك الخيرة في أن ~~تنظر لنفسك فتقتدي بالسلف، أو تتدلى بحبل الغرور، وتتشبه بالخلف، ~~فكل ما ارتضاه السلف من العلم فقد اندرس، وما أكب عليه الجمهور ~~فأكثره مبتدع، وقد صح قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء ". فقيل: ~~" من الغرباء؟ " فقال: " الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي، والذين ~~يحيون ما أماتوه من سنتي " # وفي خبر آخر: # " هم المتمسكون بما أنتم عليه اليوم " # وفي حديث آخر: # " الغرباء ناس قليل صالحون، بين ناس كثير ". # وقد صارت ms0579 تلك العلوم غريبة بحيث يمقت ذكر اسمها، ولذلك قال: " إذا رأيت ~~العالم كثير الأصدقاء فاعلم أنه مخلط، لأنه إن نطق بالحق أبغضوه ". # فصل # في العلم المحمود والعلم المذموم # قال صاحب الإحياء: " إن العلم بهذا الإعتبار ثلاثة أقسام: قسم مذموم ~~قليله وكثيره، وقسم محمود كله، وكلما كان أكثر فهو أفضل، وقسم يحمد ~~بقدر الحاجة ولا يحمد الفاضل عليه والاستقصاء فيه؛ وهو مثل أحوال البدن: ~~فمنه ما يحمد قليله وكثيره كالصحة والجمال، ومنه ما يقابله كالقبح وسوء ~~الخلق، ومنه ما يحمد الاقتصاد فيه كبذل المال، فإن التبذير فيه لا يحمد؛ ~~وكالشجاعة، فإن التهور لا يحمد فيها وإن كان من جنس الشجاعة. # فكذلك العلم، فالقسم المذموم كله ما لا فائدة فيه في دين أو دنيا، كعلم ~~السحر والطلسمات والنجوم، فبعضه لا فائدة فيه، وصرف العمر فيه اضاعة أنفس ~~ما يملكه الإنسان، واضاعة النفائس مذموم. # وأما القسم الممدوح إلى أقصى غاية الاستقصاء، هو العلم بالله وبصفاته ~~وأفعاله، وجريان سنته في خلقه، وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا. فإن ~~هذا العلم علم مطلوب لذاته، والتوسل به إلى سعادة الآخرة، وبذل المقدور ~~فيه إلى غاية الجهد، قصور عن حد الواجب، فإنه البحر الذي لا يدرك ~~غوره، وإنما يحوم الحائمون على سواحله وأطرافه بقدر ما يسر لهم، وما ~~خاض أطرافه إلا الأنبياء والأولياء الراسخون في العلم - على اختلاف ~~درجاتهم - بحسب اختلاف قوتهم، وتفاوت تقدير الله في حقهم. # وهذا هو العلم المكنون الذي لا يسطر في الكتب، ويعين على التنبه له ~~التعلم ومشاهدة أحوال علماء الآخرة في أول الأمر، وتعين عليه في الآخرة ~~المجاهد[ة] والرياضة، وتصفية القلب وتفريغه عن علائق الدنيا، والتشبه ~~بأنبياء الله عليهم السلام وأوليائه، - رضي الله عنهم - ليتضح لكل ساع ~~بقدر رزقه - لا بقدر جهده -، لكن لا غناء فيه عن الاجتهاد، فالمجاهدة ~~مفتاح الهداية. # وأما العلوم التي لا يحمد منها إلا مقدار مخصوص، فهي التي أوردت في ~~فروض الكفايات، فكن أحد رجلين: إما مشغولا بنفسك، وإما متفرغا إلى ~~غيرك بعد الفراغ من نفسك، وإياك أن ms0580 تشتغل بما تصلح به غيرك قبل إصلاح ~~نفسك، فإن كنت المشغول بنفسك، فلا تشتغل إلا بالعلم الذي هو فرض عينك. # وإنما الأهم الذي أهمله الكل؛ علم صفات القلب، وما يحمد منها وما ~~يذم، والاشتغال بمداواته، وإهمال ذلك مع الاشتغال بالأعمال الظاهرة، ~~يضاهي الاشتغال بطلاء ظاهر البدن عند التأذي بالجرب والدماميل، ~~والتهاون باخراج المادة بالفصد والإسهال، وحشوية العلماء يشيرون ~~بالأعمال الظاهرة، كما يشير الطرقية من الأطباء بطلاء ظاهر البدن، ~~وعلماء الآخرة لا يشيرون إلا بتطهير الباطن، وقطع مواد الشر بإفساد ~~منابتها وقطع مغارسها، وهي في القلب. # وإنما فرغ الأكثرون إلى الأعمال الظاهرة عن تطهير القلوب، لسهولة أعمال ~~الجوارح، واستصعاب أعمال القلوب؛ فإن كنت مريدا للآخرة وطالبا للنجاة، ~~فاشتغل بعلم العلل الباطنة وعلاجها، ثم ينجز بك ذلك إلى المقامات ~~المحمودة، فلا تشتغل بالفروض الكفايات - لا سيما وفي الخلق من قام به ~~-، فإن مهلك نفسه في طلب صلاح غيره سفيه، فما أشد حماقة من دخلت ~~الأفاعي والعقارب داخل ثيابه، وهمت بقتله، وهو يطلب مذبة يدفع بها ~~الذباب عن غيره ممن لا يغنيه ولا ينجيه بما يلاقيه من تلك الأفاعي ~~والحيات والعقارب اذ هممن بقلته؟! " - ### || [2.32] # لما علموا قصورهم عن معرفة الأسماء وحقائق ما هي خارجة عن مقامهم ~~ونشأتهم، اعترفوا بالعجز، وأقروا بالقصور. # [علوم الملائكة، وفضل الإنسان عليهم] # واعلم أن العلوم بعضها فطرية، وبعضها كسبية، وبعضها موهبية. والعلوم ~~الفطرية؛ كعلم الشيء بذاته، وصفاته اللازمة لذاته، وبأفعاله الناشئة عن ~~ذاته، وبفاعله من الجهة التي هي وجهه الخاص إليه، وبه. والعلمان الآخران ~~لا يخلو كل منهما من سعي العبد في تحصيله واجتهاده في ابتغاء ذلك، سواء ~~كان بالفكر، كما في طريقة النظار، أو بالتصفية للباطن والتطهير له عن ~~الشوائب العادية، كما في طريقة أولي الأبصار. # وعلوم الملائكة من قبيل القسم الأول، لعدم إمكان التغير والاستحالة من ~~طور إلى طور فيهم، ولا لها كمال منتظر، ولا تجدد أحوال ولا تهيؤ ~~واستعداد من جانب القابل المتبدل، ولا حيثية كمالية إلا ما حصلت لهم ~~من جهة المبدع الفاعل؛ وإليه ms0581 الإشارة بقوله [تعالى]: { لا علم لنآ ~~إلا ما علمتنآ }. # والمقصود أن علوم الملائكة منحصرة فيما يكون حصولها لهم بحسب الفطرة ~~الأولى، من أوائل علومهم الحاصلة من الأسباب الفاعلية من غير مداخلة ~~قابل، أو تعمل، أو اكتساب، أو استعمال للقوة القابلية - إما بالحدس أو ~~بالروية -، وإلا فجميع العلوم ليست إلا بتعليم الله من غير اختصاص ~~لعلومهم بذلك. # والغرض أن الإنسان مختص متميز عن الملائكة وغيرهم بجامعية العلوم ~~والنشآت، ومظهرية جميع الأسماء والصفات، والانتقال من أسفل سافلين إلى ~~أعلى العليين، لأجل لحوق المزائلة عما كان أولا، وحصول الموت الطبيعي ~~أو الإرادي له عن كل نشأة، للانتقال به إلى نشأة أخرى فوقها. # ومثل هذه الاستحالات والانقلابات، لا توجد في غيره - سيما الملائكة ~~العلوية -، فمنهم سجود لا يركعون، ومنهم ركوع لا ينتصبون، وصافون لا ~~يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول. ~~ولا فترة الأبدان، هكذا في كلام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج ~~البلاغة. # والثبات على حالة واحدة - وإن كان معدودا من صفات الكمال، وتشبها ~~بالمبدء الفعال -، إلا إنه يمنع من المزيد، ويحبس العبد على الحاضر ~~العتيد، والتجدد في الأحوال - وإن كان معدودا من صفات النقص، كالموت ~~والعدم والقوة -، إلا إنه كالموت الذي هو تحفة المؤمن، قد يبلغ ~~بالرجال من أدنى المراتب إلى أرفع الأحوال وأعلى درجات الكمال، وبهذا ~~يفوق الإنسان على غيره. # والملائكة عليهم السلام، لما بان لهم من فضل الإنسان، وجهة فضيلته على ~~سائر الأكوان، وعلموا وجه الحكمة في ايجاده واخراجه من مكامن القوة ~~والإمكان، ومطاوي الأفلاك والأركان، فعظموا جلال الحق، ومجدوه وسبحوه ~~تعجبا وشكرا لنعمته، بما عرفهم من مكنون علمه، وكشف لهم عن مرآة ~~جماله وجلاله، ومجلى أحوال صفاته وأنوار كماله. # و " سبحان ": مصدر كغفران، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا ~~باضمار فعله ك " معاذ الله " ، وقد أجري علما للتسبيح بمعنى التنزيه ~~على الشذوذ. # وقيل: تصدير الكلام به، اعتذار عما وقع لهم من الاستفسار والجهل بحقيقة ~~الحال، إشعارا بأن سؤالهم لم يكن اعتراضا. # وقد جعلت هذه الكلمة ms0582 مفتاح التوبة والإنابة، فقال موسى - صلوات الله على ~~نبينا وآله وعليه -: # سبحانك تبت إليك # [الأعراف:143]. وقال يونس عليه السلام: # سبحانك إني كنت من الظالمين # [الأنبياء:87]. وكذا في قوله تعالى تعليما لعباده: # ما يكون لنآ أن نتكلم بهذا سبحانك هذا ~~بهتان عظيم # [النور:16]. # وفي هذه الآية دلالة على أن العلم وسائر الكمالات فائضة من الله، وهو ~~المعطي لها؟ سواء كان على طريقة الإبداع - كما في أكثر علوم الملائكة -، ~~أو على طريقة التكوين بحسب القوابل والأوقات - كما في أكثر علوم الناس -. # وقوله: { إنك أنت العليم الحكيم } ، إشعار بأن معطي ~~الكمال الذي لا يوجب تكثرا ولا تغيرا، أولى بذلك الكمال، وكذلك ~~العلم والحكمة، فإن كلا منهما صفة كمالية لمطلق الوجود، ولا يقتضي ~~عروضه للشيء تجسما ولا تكثرا ولا تخصصا بأمر جزئي أو انفعال مادي، ~~فإذا وجد شيء منهما في المخلوق والمبدع، فوجوده في الخالق المبدع ~~أولى وأليق وأشد وأوثق. # فهو العليم الذي لا تخفى عليه خافية، والحكيم الذي يفعل كل شيء لحكمة ~~وغاية، لا بمجرد إرادة جزافية لا غاية لها، ولا مراعاة فيها للأحكام ~~الأتقن - كما زعمه أكثر المتكلمين -، كيف! وجميع الخيرات فائضة من ~~لدنه، وكل الأشياء متوجهة إليه، مائلة إلى ما عنده، نائلة من بحار جوده ~~وكرمه، فما أضل أقواما زعموا أن إرادته خالية عن الداعي، عارية عن ~~العناية بأحوال الخلق؟! نعم، لا داعي لفعله خارجا عنه، ولا مرجح لجوده ~~سواه، لأنه خير الخيرات وأصل الدواعي والطلبات. # ثم اعلم إن " العليم " صيغة مبالغة في العلم، والمبالغة التامة فيه ~~لا تتحقق إلا باستجماع أمور: # أحدها: كونه فعليا سببا لوجود الشيء المعلوم - لا انفعاليا مسببا ~~عنه -. # والثاني: كونه قطعيا حقا - لا ظنيا أو وهميا -. # والثالث: كونه محيطا بجميع المعلومات الكلية والجزئية. # والرابع: كونه أزليا دائما غير واقع تحت الحركة والزمان، مصونا عن ~~التغير والتجدد والحدثان، وما ذاك إلا هو الله، فلا جرم ليس العليم ~~المطلق إلا هو، فلذلك قال: { إنك أنت العليم الحكيم } - ~~على سبيل الحصر -. # ثم إن " الحكيم " يستعمل على وجهين: # أحدهما: العليم ms0583 الذي يعلم منافع الأمور ومصالحها وخيراتها - فيكون من ~~صفات الذات -. # وثانيهما: الفاعل الذي لا حلل في فعله، ولا اعتراض لأحد عليه - فيكون من ~~صفات الفعل، ولهذا لا يقال: إنه حكيم في الأزل -. # والأولى حمله ههنا على المعنى الثاني، ليكون أبعد عن التكرار. # وعن ابن عباس: إن مراد الملائكة من " الحكيم " أنه هو الذي حكم، فجعل ~~خليفة في الأرض. # ولا يبعد أن يقال: إن الملائكة لما نظروا إلى نشأة الإنسان واشتماله ~~على سائر الأكوان، وكونه ثمرة عالم الأجسام، من الأفلاك والأركان، قالوا: ~~{ إنك أنت العليم الحكيم } ، لأنه علم بعلمه الأزلي من ~~الإنسان حين ما هو متصف بآفات دواعي الشهوة والنقصان، ما يصل به إلى ~~نشأته الباقية التي بها فاق على جميع الأكوان، ثم صنع له واودع فيه ~~بحكمته جميع آلاته وقواه، التي بها سلك الدار الآخرة، والتقرب إلى الله، ~~حتى انخرط في سلك ملائكته المقربين وعباده المكرمين. # فصل # [الحكمة والحكيم] # اعلم أن الحكيم عندنا؛ عبارة عمن جمع العلم الإلهي والطبيعي والرياضي ~~والمنطقي والخلقي، وليس ولا ثمة إلا هذه العلوم، والطريق مختلف في ~~تحصيلها بين الفكر والوهب. وهو الفيض الإلهي، وعليه طريقة أهل الكشف ~~والشهود. # وغيرهم - أصحاب الأفكار والأنظار والفكر - لا ينسرح إلا فيما يستفاد من ~~أحكام الأجسام وأحوالها، ومباديها ولواحقها، وأما فيما وراء المحسوسات، ~~وعجائب الملكوت، وأحوال الآخرة، وغايات النفوس ودرجاتها يوم القيامة، ~~فليس للفكر فيها كثير جولان، ولا بد في إدراكها ونيلها من سلوك طريق ~~النبوة والولاية، لأن إدراكها فوق طور العقل. وأصحاب تلك المعارف، أصحاب ~~المشاهدات والمكاشفات القلبية، دون العباد والزهاد، ولا مطلق الصوفية، ~~إلا أهل الحقائق والتحقيق منهم، فهؤلاء هم الحكماء بالحقيقة. # ذكر الشيخ شهاب الدين المقتول صاحب الحكمة الاشراقية: " إني كنت ~~زمانا شديد الاشتغال، كثير الفكر والرياضة، وكان يصعب علي مسئلة العلم، ~~وما ذكر في الكتب لم يتنقح لي، فوقعت ليلة من الليالي خلسة في شبه نوم ~~لي، فإذا أنا بلذة غاشية وبرقة لا معة ونور شعشعاني، مع تمثل شبح ~~انساني، فإذا هو إمام الحكماء أرسطاطاليس، فشكوت ms0584 إليه من صعوبة هذه ~~المسئلة ". # وحكى ما جرى بينه وبين ذلك الحكيم من إفادته إياه، وتحقيقه له مسئلة ~~العلم على وجه انكشف له مقصوده منها، ثم قال: # " إنه أخذ بعد ذلك يثني على أستاذه أفلاطن ثناء تحيرت فيه. فقلت: ~~وهل وصل إليه من فلاسفة الإسلام واحد؟ فقال: ولا إلى جزء من ألف جزء من ~~رتبته ". # " ثم كنت أعد جماعة أعرفهم، فما التفت إليهم. ورجعت إلى أبي يزيد ~~البسطامي، وأبي محمد سهل بن عبد الله التستري وأمثالهما، فكأنه استبشر ~~وقال: أولئك هم الفلاسفة والحكماء حقا، ما وقفوا عند العلم الرسمي، بل ~~جاوزوا إلى العلم الحضوري الاتصالي. وما اشتغلوا بعلائق الهيولى، فلهم ~~الزلفى وحسن مآب. فتحركوا عما تحركنا، ونطقوا بما نطقنا ". # " ثم فارقني، وخلفني أبكي على فراقه. # فوالهفي على تلك الحالة ". - انتهى كلامه. # واعلم أن أرسطاطاليس المذكور، أحد الموصوفين بالحكمة، المذكورين بالفضل ~~والتعظيم، وهم خمسة: هو وأستاذه أفلاطون الإلهي، وأشياخه الثلاثة ~~الإلهيون - سقراط وفيثاغورس وأنباذقلس -، فلقد كانت أنوار الحكمة في ~~قديم الزمان منتشرة في العالم بسعيهم، وكانوا كلهم قائلين بالتوحيد، ~~وحدوث العالم الزماني، وثبوت المعاد للأنفس والأبدان. ونحن قد كشفنا عن ~~رموزهم، وبينا مقاصدهم وعلومهم، سيما إثبات المثل الإلهية والصور ~~المفارقة التي أثبتوها. # وكان باب هذا العلم مغلقا بعدهم على هؤلاء المشهورين بالحكمة وكلما ~~جاؤوا اعترضوا على أفلاطون في إثباته هذه المثل النورية الإلهية، أو ~~ذكروا فيها تأويلات صرفوا بها الكلام عن مقصوده ومقصود أولئك المعظمين ~~الأساطين، وكذا اتحاد النفس الإنسانية بعالم العقل - كما نقل من بعض ~~تلامذة أرسطاطليس - وغيرهما من مسائل شريفة نورية استفدناها من القرآن ~~والحديث. # وكان أرسطاطليس هو معلم اسكندر المعروف بذي القرنين المذكور في القرآن ~~ممدوحا مكرما، وكان ملازما لأفلاطون قريبا من عشرين سنة لاقتباس ~~الحكمة، وكان يسمى في حداثته روحانيا لفرط ذكائه، ويسميه أفلاطون ~~عقلا؛ وهو الذي صنف الكتب المنطقية وجعلها آله للعلوم النظرية، ورتب ~~الأبواب الطبيعية والإلهية، وصنف لكل باب منها كتابا على حدة ~~محافظا على الولاء في أيامه، وأسرف الملك لذي القرنين فانقمع به الشرك ms0585 ~~في بلاده. # فهؤلاء الخمسة المذكورون كانوا يوصفون بالحكمة. ثم لم يسم أحد بعد ~~هؤلاء " حكيما " ، بل كل واحد منهم ينسب إلى صناعة من الصناعات، أو ~~سيرة من السير، مثل بقراط الطبيب، وأوميروس الشاعر، وأرشميدس المهندس، ~~وديوجانس الطبيب، وذيمقراطيس الطبيعي. # وقد تعرض جالينوس في زمانه حين كثرت تصانيفه لأن يوصف بالحكمة، - أعني ~~أن ينقل عن لقب الطبيب إلى لقب الحكيم -، فقالوا: عليك بالمراهم ~~والمسهلات وعلاج القروح والحميات، فإن من شهد على نفسه على أنه شاك ~~في العالم " أقديم، أم حادث؟ " ، وفي المعاد " أحق هو أم باطل " ، ~~وفي النفس " أجوهر، أم عرض؟ " ، تتضع درجته من أن يسمى حكيما. # قال بعض العلماء: " والعجب من أهل زماننا أنهم متى رأوا انسانا قرء ~~كتاب اقليدس، وضبط أحوال المنطق، وصفوه بالحكمة - وإن كان خلوا من ~~العلوم الإلهية -، حتى أنهم ينسبون محمد بن زكريا الرازي لمهارته في ~~الطب اليها. # ولقد كان أحمد بن سهل البلخي - مع براعته في أصناف المعارف وأبواب الدين ~~-، متى نسبه أحد من موقريه إلى الحكمة، يشمئز منه ويقول: " يا لهفي ~~من زمان ينسب فيه ناقص مثلي إلى شرف الحكمة، كأنهم لم يسمعوا قول ~~الله عز اسمه: # من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب # [البقرة:269]. ### || [2.33] # وقرئ: " أنبيهم " بقلب الهمزة ياء، و " أنبهم " بحذفها. والهاء ~~مكسورة فيهما. # إن الله أمر آدم عليه السلام بأن يخبرهم عن أسماء الأشياء، وهي صور ما ~~في علم الله الموجودة بأنحاء متفاوتة بعضها فوق بعض، فإن حقائق الأشياء ~~لها وجود في مراتب: # أولها: في عالم الأسماء الإلهية - كما ذهب إليه قوم من العرفاء -. # وثانيها: في عالم علم الله التفصيلي، المسمى - " الصور الإلهية " و " ~~المثل العقلية " وهي ذوات مجردة، هي ملائكة الله المدبرة للأنواع ~~الطبيعية، فإن لكل نوع طبيعي ملك رباني عقلي، هو تمام حقيقة ذلك ~~النوع، ومثاله عند الله، وكل منها مصون عن التكثر التعددي، كما رآه ~~بعض الأقدمين من أكابر الحكماء، ونحن - بفضل الله - قد أحكمنا بنيانهم، ~~وأوضحنا سبيلهم في إثبات هذه المثل ms0586 النورية. # وثالثها: في عالم المثل المقدارية المتوسطة بين العالمين: عالم ~~المفارقات وعالم الماديات. # ورابعها: في عالم الأجسام المادية، وهي الصور النوعية المقومة ~~للمواد الطبيعية، وفي هذين الوجودين - سيما الأخير -، تتكثر الأشخاص ~~لنوع واحد، إلا أن في الأول بحسب الجهات الفاعلية، وفي الأخير بحسب ~~الجهات القابلية من الانقسامات والاستحالات وغيرها. وهو عليه السلام، ~~لجامعية نشأته، أخبر كلا منهم بما فيه وبما في غيره من الحقائق ~~والمعاني للأسماء. # وضمير: { أسمآئهم } راجع إلى الملائكة، لما قد أشرنا إليه، من ~~كونهم بأجمعهم حقائق الأشياء الطبيعية ومسميات الإلهية، وأن كلا ~~منهم صورة اسم واحد، وحقيقة نوع واحد. # وقوله: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات ~~والأرض } الهمزة للانكار، دخلت على حرف الجحد، فأفادت الإثبات ~~والتقرير، وهو تأكيد لقوله: # إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة:30]، على وجه أبسط، يكون كالبرهان عليه احتجاجا به عليهم، ~~فإنه تعالى، لما علم ما خفي عليهم من الأمور العالية والسافلة، وما ~~علن فيهم من أحوالهم الظاهرة، وما بطن فيهم من أسرارهم الخفية [علم ما ~~لا يعلمون]، وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى، وهو توقفهم في ~~أمر آدم عليه السلام مترصدين لأن يبين لهم من أحواله. # وقيل: " ما تبدون " ، إشارة إلى قولهم: { أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدمآء } ، و " ما تكتمون " إشارة ~~إلى استبطانهم في أنفسهم أنهم أحقاء بالخلافة الإلهية، وأنه تعالى لا ~~يخلق خلقا أفضل منهم. # وقيل: " ما تبدون " هو قولهم لإبليس لما قال لهم: ماذا ترون إن ~~أمرتم بطاعة آدم فعلتم؟: " نمتثل أمر ربنا ". و " ما كنتم ~~تكتمون " ما أسره الخبيث من قوله: " لئن سلطت عليه لأهلكته، ~~ولئن سلط علي لأعصينه ". # وقيل: روي إنه تعالى لما خلق آدم عليه السلام، رأت الملائكة خلقا ~~عجيبا، فقالوا: " ليكن ما شاء، فلن يخلق ربنا خلقا إلا كنا ~~أكرم عليه منه " ، فهذا هو الذي كتموا. # ويجوز أن يكون هذا القول سرا أسروه عن غيرهم بينهم، فأبداه بعضهم ~~لبعض، وأسروه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. # حكمة آدمية # [حقيقة الإنسان غيب ms0587 السموات والأرض وصورة علم الله تعالى] # يحتمل أن يكون قوله: { أعلم غيب السموات والأرض } ~~إشارة إلى حقيقة الإنسان الذي هو غاية وجود الأكوان، وثمرة شجرة الأفلاك ~~والأركان، بل صفوة عالم الإمكان. # فإن سلسلة الموجودات، كما هي مرتبة من المبدأ الأول وما يتلوه من ~~الأنوار العقلية القاهرة، ثم النفسية المدبرة، ثم الطبايع العلوية ~~والفلكية والكوكبية، والصور النوعية العنصرية على مراتبها في النزول من ~~الأشرف فالأشرف إلى الأخس فالأخس، - حتى انتهت إلى ما لا أخس منه، وهي ~~الهيولى الأولى والهاوية القصوى -، فكذلك هي مترتبة في الترقي من أدنى ~~الوجود وأنزل المراتب إلى أعلاها، ومن الأخس فالأخس إلى الأشرف ~~فالأشرف، على التكافؤ التعاكسي، حتى تنتهي إلى ما هبط منه، وهو غاية ~~الغايات ونهاية الوجودات - أعني الباري -. # فالوجود، بمنزلة دائرة بلغت إلى حيث فارقت منه؛ فأقرب الموجودات ~~الصادرة من المبدأ الأعلى في سلسلة الايجاد، هو العقول المقدسة ~~والملائكة المهيمة، سيما الأول منهم. وأقرب الموجودات إليه في سلسلة ~~العود والرجوع، هم العقلاء الكاملون في الولاية والمعرفة، سيما النبي ~~الخاتم أشرف البرية - صلوات الله عليه وآله -، وهم السابقون علما ~~واللاحقون وجودا، كما في العلة الغائية. # فالإنسان الكامل حيث ابتدأ وجوده من أدنى الأشياء - من تراب ومن ماء ~~مهين - وقد أنشأه الله لأن ينتهي إلى أعلى المقامات، فلا بد من مروره ~~على سائر الدرجات عند أداء الأمانات. وغاية كل شيء لا تظهر إلا عند ~~بلوغ ذلك الشيء إلى تلك الغاية؛ فغاية كل [شيء] غيب ذلك الشيء، وقد ثبت ~~أن الإنسان الكامل غاية ما في الأرض والسماء بحسب الأجناس [و] الدرجات، ~~فهو إذن غيب السموات والأرض، والله عالم به قبل خلقه وبلوغه إلى مقام ~~قرب أو أدنى. # وأما قوله: { وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } ~~فيحتمل أن يكون إشارة إلى حقيقة الإنسان، فإنه صورة علم الله، وهو كتاب ~~جامع، ونسخة مجموعة لظاهر الملك وباطن الملكوت، والملائكة المدبرة ~~أرواح العالم ومكنوناته، وظواهرهم أجرام العالم وشهاداته. # قال بعض الفضلاء العارفين: " إن الحق يتجلى بحكم: # كل يوم هو في شأن # [الرحمن:29]. ms0588 كل لحظة لعباده، فينزل الأمر الإلهي من الحضرة الأحدية، ~~ثم الواحدية إلى المراتب العقلية الروحية، ثم اللوحية، ثم ~~الطبيعية الكلية، ثم الهيولى الجسمية، ثم العرش، ثم الكرسي ~~والسموات، منحدرا من المراتب الكلية إلى الجزئية، إلى أن ينتهي إلى ~~مادة الإنسان، منصبغا بأحكام جميع ما مر عليه في آن واحد، من غير ~~تخلل زمان، كذلك إذا انتهى إليه وانصبغ بالأحكام الغالبة عليه، ينسلخ ~~منه انسلاخا معنويا، ويرجع إلى الحضرة الإلهية. # فإن كان المنتهى إليه من الكمل، فالنازل يكون قد أتم دائرته وصارت ~~آخريته عين أوليته، لأنه مظهر المرتبة الجامعة الإلهية. وإن كان من ~~السائرين الذين قطعوا بعض المنازل والمقامات، أو الباقين في أسفل ~~السافلين والظلمات، فيكون قطع نصف الدائرة أو أكثر، ثم انسلخ ورجع إلى ~~الحضرة بالحركة المعنوية، فهو المبدء والغاية " انتهى كلامه. # وههنا سر آخر وهو أن الإنسان، لما كان غاية سلسلة الأكوان وخليفة ~~الله، لكونه أبدع ما في عالم الإمكان، فيكون علمه لمعة من نور علم الله، ~~كما أن وجوده مرآة لشمس وجود الله، ففي قوله: { إني أعلم غيب ~~السماوات } بعد قوله: { فلمآ أنبأهم بأسمآئهم } ~~ايماء لطيف بأن آدم من شأنه أن يعلم غيب السموات والأرض، ومن شأنه أن ~~يقول: " إني أعلم ذلك " لإعطاء نشأته علم ذلك. # وكذا الكلام في قوله: { وأعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون } ، فإنه لما أنبأ الملائكة بمعاني أسماء الموجودات ~~العلوية والسفلية، والظاهرة والباطنة - لاحتواء نشأته الجمعية عليها ~~-، فكأن الحق سبحانه قال بلسانه هذا الكلام، نظيره ما ورد في الخبر: " ~~إن الله سبحانه يقول بلسان عبده: سمع الله لمن حمده ". # قال بعض بعض أهل المكاشفة والتحقيق: " لما شاء الحق سبحانه من حيث ~~أسماؤه الحسنى - التي لا يبلغها الإحصاء - أن يرى أعيانها - وإن شئت قلت: ~~أن يرى عينه - في كون " جامع يحصر الأمر، لكونه متصفا بالوجود، ويظهر ~~به سره إليه "... " وقد كان الحق أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا ~~روح فيه، فكان كمرآة غر مجلوة، ومن شأن الحكم الإلهي، أنه ما سوى ~~محلا إلا ولا ms0589 بد أن يقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو ~~إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض المتجلي ~~الدائم، الذي لم يزل ولا يزال، وما بقي ثمة إلا قابل، والقابل لا يكون ~~إلا من فيضه الأقدس، فالأمر كله منه ابتداؤه وإليه انتهاؤه، وإليه يرجع ~~الأمر كله كما ابتدء منه. # فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم [عليه السلام] عين جلاء تلك ~~المرآة، وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة المسواة ~~التي هي صورة العالم، المعبر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير، ~~وكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية. # وكل قوة منها محجوبة بنفسها، لا ترى أفضل من ذاتها، وإن فيها - فيما ~~تزعم - الأهلية لكل منصب عال ومنزلة رفيعة عند الله، لما عندها من ~~الجمعية الإلهية بين ما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، وإلى جانب ~~حقيقة الحقائق، وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف، إلى ما تقتضيه طبيعة ~~الكل التي حصرت قوابل العالم كله - أعلاه وأسفله. # قال: " فأما انسانيته - فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها، وهو للحق ~~بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظر، وهو المعبر عنه ~~بالبصر، فلهذا اسمي إنسانا فإنه به نظر الحق إلى خلقه فرحمهم، فهو ~~الإنسان الحادث الأزلي، والنشء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، ~~فتم العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم الذي هو محل ~~النقش، والعلامة التي بها يختم الملك على خزائنه. # وسماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ خلقه، كما يحفظ الختم ~~الخزائن. فما دام ختم الملك عليها، لا يجسر أحد على فتحها إلا باذنه، ~~فاستخلفه في حفظ العالم، فلا يزال العالم محفوضا ما دام فيه هذا الإنسان ~~الكامل، ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا، لم يبق فيها ما اختزنه ~~الحق فيها، وخرج ما كان فيها، والتحق بعضه ببعضه، فانتقل الأمر إلى ~~الآخرة، فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا. # فظهر جميع ما في الصورة الإلهية من الأسماء في هذه النشأة ms0590 الإنسانية، ~~فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على ~~الملائكة "... " فإنها لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت ~~مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فانه ما يعرف أحد من الحق ~~إلا ما يعطيه ذاته. # وليس للملائكة جمعية آدم، ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها ~~وسبحت الحق بها وقدسته، وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها اليها، ~~فما سبحته بها ولا قدسته، وحكم عليها هذا الحال. فقالت من حيث النشأة: # أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة:30] وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم ". # قال: " وعند آدم الأسماء من الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما ~~سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه؛ فوصف الحق لنا ما ~~جرى لنقف عنده، ونتعلم الأدب مع الله تعالى " انتهى كلامه. # واعلم إن ههنا إشكالا، وهو أن الملائكة لما لم تكن نشأتهم مقتضية ~~للعلم بمعاني سائر الأسماء، فمن أين علموا صحة ما أنبأهم آدم عليه ~~السلام حتى اعترفوا بتقدمه وفضله عليهم، وقصورهم عن بلوغ شأوه؟ # والجواب عنه: إن العلم بالشيء على ضربين - لأنه إما أن يكون عين وجود ~~ذلك الشيء الخارجي، وإما أن يكون صورة ذهنية مطابقة له، فكل ما هو من ~~أجزاء ذات العالم وقواه وأفعاله، فعلمه بها؛ عبارة عن اشتماله عليها ~~ووجودها له. # ومثولها بين يديه؛ وكل ما خرج عن هذه الأمور، فيكون العلم بها بحصول ~~أشباحها وصورها لدى العالم. # فإذا تقرر ذلك فنقول: لكل واحد من الملائكة علم شهودي بما تقتضيه ~~نشأته، وأما علمه بغير ما تقتضيه نشأته من معاني سائر الأسماء، فيجوز له ~~استفادة ذلك من غيره على سبيل التمثيل؛ فالملائكة استفادوا علم سائر ~~الأسماء، من اطلاعهم على نشأة آدم عليه السلام، لكون نشأته جامعة لجميع ~~الحقائق، وإنما فضيلته عليهم، بأن سائر العلوم له حضورية حالية؛ ولهم ~~حصولية إنبائية. # قال السيد الأجل المرتضى - رضي الله عنه -: " وفي هذه الآية سؤال لم ~~أجد أحدا من المفسرين تعرض له، وذلك ms0591 أن يقال: من أين علمت الملائكة ~~صحة قول آدم، ومطابقة الأسماء للمسميات، وهي لم تكن عالمة بذلك من قبل؟ ~~والكلام يقتضي أنهم لما أنبأهم آدم بالأسماء علموا صحتها ". # " والجواب: إنه غير ممتنع أن يكون الله فعل لهم العلم الضروري بصحة ~~الأسماء ومطابقتها للمسميات، إما عن طريقه، أو ابتداء بلا طريق، فعلموا ~~بذلك تمييزه واختصاصه ولم يكن في علمهم ذلك ". # " ووجه آخر - وهو أنه لا يمتنع أن تكون للملائكة لغات مختلفة، فكل ~~قبيل منهم يعرف أسماء الأجناس بلغته، فلما أراد الله [تعالى] التنبيه على ~~نبوة آدم، علمه جميع تلك الأسماء، فلما أخبرهم بها، علم كل فريق ~~مطابقة ما أخبر به من الأسماء للغته، وعلم مطابقة ذلك لباقي اللغات بخبر ~~كل قبيل ". # إشارة قرآنية # اعلم أن في هذه الآية إشارات لطيفة إلى أمور وتنبيهات عجيبة عليها: # الأول: الدلالة على شرف الإنسان على الملائكة، الذين هم سكان طبقات ~~السموات والأرضين، دون الأعالي المهيمين، الذين هم أجل قدرا وأعلى ~~منزلة من أن يكون لهم التفات الى غير الله، وشهود جلاله وجماله، فإن ~~مزية أشراف نوع الإنسان عليهم غير معلوم من هذه الآية، وفي تحقيق ~~التفاضل بين أشراف الإنسان وبينهم كلام سيأتي من ذي قبل إن شاء الله ~~[تعالى]. # والثاني: على مزية العلم وفضله على العبادة، وأنه شرط في الخلافة، بل ~~هو العمدة - وقد مر من الكلام ما فيه كفاية في هذا الباب -. # والثالث: إن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة. والحكماء منعوا ~~ذلك في الطبقة العليا منهم - الذين لا تعلق لهم بالأجرام -، وعليه حملوا ~~قوله تعالى: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات:164]. # والتحقيق؛ إن هؤلاء الملائكة المدبرين، وإن جاز لهم قبول الإزدياد في ~~العلوم والأشراف، لكن لا يستفيدون علما إلا من الأمر الأعلى، دون ~~الأسباب الإتفاقية كالمعلم الخارجي والقوى والآلات الفكرية ~~والخيالية. # واعلم أن القسمة اقتضت أمورا أربعة، لأن الشيء إما أن يكون كاملا بحسب ~~الفطرة الأولى، أو ناقصا. والكامل إما تام أو فوق التمام. # والناقص إما مستكف أو غيره. # فالتام الذي هو فوق ms0592 التمام، هو الباري جل اسمه، لأنه كامل الذات، ~~ويفضل من كماله كمالات سائر الأشياء. والتام هو الضرب الأعلى من ملائكته ~~المقربين. وأما المستكفي: فهم الملائكة المدبرون، الساكنون في طبقات ~~السموات. وأما الناقص الغير المستكفي، فما سوى هذه الأقسام الثلاثة، ~~سواء جاز كماله بعد النقصان، أم لا. # وأما حقيقة الإنسان، فقد وجد فيه بحسب أشخاصها جميع هذه الأقسام ما سوى ~~فوق التمام. فالكامل منهم هو الذي كمل في العلم إلى حد صار عقلا ~~مستفادا، وفي العمل إلى أن تجرد عن علائق البدن وعوائق النفس، ثم مات ~~وحشر إلى الله. # وأما المستكفي منهم، فهم الكاملون الذين هم بعد في هذا العالم، ولم ~~يرتحلوا إلى الدار الآخرة. # وأما الناقصون، فما سواهما، وهم أكثر الناس. # الرابع: إن في الآية تخويفا عظيما، فإنه تعالى لا يخفى عليه شيء من ~~أحوال السرائر ومكنونات الضمائر، فيجب أن يجتهد المرء في عمارة باطنه ~~وتصفية سره عن الخبائث والرذائل، وتنوير قلبه بأنوار العلوم والطاعات، ~~ثم تخلية البيت عن دخول ما سوى صاحبه. # قال سليمان بن علي لحميد الطويل: " عظني ". فقال: " إن كنت إذا عصيت ~~الله خاليا ظننت أنه يراك، فقد اجترأت على أمر عظيم. وإن كنت ظننت ~~أنه لا يراك، فقد كفرت ". # وقال حاتم الأصم: " طهر نفسك في ثلاثة أحوال: إذا كنت عاملا ~~بالجوارح فاذكر نظر الله إليك، وإذا كنت قائلا فاذكر سمع الله إليك، ~~وإذا كنت ساكنا عاملا بالضمير، فاذكر علم الله بك، إذ هو يقول # إنني معكمآ أسمع وأرى # [طه:46]. # الخامس: إن في الآية رجاء عظيما، فإن الله قد علم من عنايته من أول ~~الأمر في حق الإنسان، مع كونه أنزل خلق الله - حيث خلق من طين لازب ومن ~~ماء مهين وهما أدون الأجسام وأسفلها وأكدرها -، لأنه فضله على الملائكة ~~الذين هم من سكان السموات وأعلى المكانات تفضلا، وجعله مسجودا لهم ~~تعظيما وتكريما، ويبعد من كرمه [و] جوده، أن يكرم ويشرف أبينا آدم عليه ~~السلام في أول الأمر، ثم يعذب أولاده ويخزيهم في آخر الأمر. # السادس: إن ms0593 في الآية دلالة على أن العبد يجب عليه أن لا يأمن مكر ~~الله، كما يجب عليه أن لا ييأس من روح الله، لأنه لا اطلاع لأحد على ~~عواقب الأمور، وأسرار حكمة الله في خلقه، فالملائكة وقع نظرهم على الفساد ~~والقتل، ولكنهم سيأتون بعدها بالإنابة والرجوع بقولهم: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف:23]. وإن إبليس وإن أتى بالطاعات، لكنه سيأتي بعدها بالإباء ~~والاستكبار وبقوله: # أنا خير منه # [الأعراف:12]. فمن شأن العاقل أن لا يعتمد على عمله، وان يكون أبدا ~~متوكلا على الله، خائفا وجلا. # فقوله: { إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ~~ما تبدون وما كنتم تكتمون } ، معناه: إني أنا الذي أعرف ~~الظاهر والباطن، والعلن والسر، والبداية والنهاية، ومن يرونه عابدا ~~مطيعا سيكفر، ويبعد عن حضرتي ودار كرامتي، ومن يرونه فاسقا بعيدا ~~سيقرب من خدمتي، وينيب إلي، ويفوز بثوابي، ويتبوء دار كرامتي حيث ~~يشاء. # فالخلق لا يمكنهم أن يخرجوا عن حجاب الغفلة والجهل، ولا يتيسر لهم أن ~~يخرقوا أستار العز، فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. # ثم إنه تعالى حقق من مكامن الغيب عجز الملائكة عن تحقيق الأمور، بأن ~~أظهر من البشر كمال العبودية، ومن أسد ساكني السموات عبادة كمال ~~الكفر والجحود، لئلا يغتر أحد بعلمه وعبادته، ويفوضوا معرفة الأشياء ~~إلى حكمة الخالق، ويزيلوا الإعتراض بالقلب واللسان عن مصنوعاته ومبدعاته. # السابع: التنبيه على اخلاص العمل عن شوب الرياء والسمعة، لكونه تعالى ~~علام الغيوب وكشاف أسرار القلوب. # روى عدي بن حاتم، أنه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " " يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها، ~~ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها، نودوا أن ~~انصرفوا عنها لا نصيب لكم فيها، فيرجعون بها حسرة ما رجع أحد بمثلها، ~~ويقولون: يا ربنا - لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك، ~~وما أعددت فيها لأوليائك، كان أهون علينا ". # " فنودوا: ذلك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا ~~لقيتم الناس لقيتم مخبتين، تراؤون الناس ms0594 بخلاف ما تضمرون عليه في ~~قلوبكم. هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس ولم تجلوني، وتركتم ~~المعاصي للناس ولم تتركوها لي، كنت أهون الناظرين عليكم، فاليوم أذيقكم ~~عذابي مع ما حرمتم من النعيم " ". ### || [2.34] # هذه نعمة رابعة من نعم الله في حق الإنسان، المعدودة في هذه الآيات ~~التي أولاها ما في قوله: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا # [البقرة:28] - الآية -. # وثانيتها: ما في قوله: # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة:29]. # والنعمة الثالثة: ما في قوله: # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة # [البقرة:30]. # والظرف معطوف على الظرف السابق إن نصبته بمضمر، وإلا فهو معطوف بما ~~يقدر عاملا فيه على الجملة المتقدمة، بل القصة بأسرها على القصة ~~الأخرى. # لما أنبأ آدم (عليه السلام) الملائكة بالأسماء الحسنى بحسب مقامه ~~الجمعي، وعلمهم ما لم يعلموا - إذ لم تعط نشأتهم ذوقا ووجدانا- ، ~~أمرهم الله بالسجود له عندما سواه ونفخ فيه من روحه، وكان الأمر به ~~إياهم قبل تسويته ونفخ الروح فيه، لقوله تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر:29]. وسبب ذلك أنه كان امتحانا لهم، وإظهارا لفضله عليهم من ~~جهة استجماع مقامه الجمعي الكمالي لجميع مقامات مظاهر الأسماء. # معنى السجدة وسبب مسجودية آدم # والسجود في الأصل تذلل وانقياد مع تطأطؤ الرأس. يقال: سجد البعير ~~وأسجد: طأطأ رأسه لراكبه. قال الشاعر: # " وقلن له اسجد لليلى فأسجدا " # وقال: # " ترى الأكم فيها سجدا للحوافر " # أي تلك الجبال الصغار كانت مذللة لحوافر الخيل، ومنه قوله تعالى: # والنجم والشجر يسجدان # [الرحمن:6]. # وفي الشرع وضع الجبهة على الأرض قصدا للعبادة. # والمراد منه هاهنا إما المعنى اللغوي، وهو التواضع لآدم تحية ~~وتعظيما له، كسجود إخوة يوسف وأبويه له، أو التذلل والانقياد بالسعي في ~~تحصيل ما تناط أمور معاشهم، وتتم به أحوال كمالهم بحسب معادهم، لأنهم ~~وسائط تدبيرات هذا العالم، وتحريكات الأجرام، واستحالاتها، وانقلاباتها ~~حتى تتكون منها الكائنات التي غايتها خلقة الإنسان، لأن من أفراده ~~عرفاء الرحمن. # وإما المعنى الشرعي: فهاهنا يحتمل السجود وجوها ثلاثة: # إما ms0595 أن يكون المسجود له هو الله تعالى. # فحينئذ إما أنه جعل آدم قبلة لسجودهم كالكعبة تفخيما لشأنه. # وإما أن آدم كان سببا لوجوب السجدة، فكأنه تعالى لما خلقه بحيث ~~كان أنموذجا للمبدعات كلها - بل للموجودات بأسرها - وجعله نسخة مختصرة ~~لما في العالم الروحاني والعالم الجسماني، وذريعة للملائكة إلى ~~استيفاء ما قدر لهم من الكمالات الفعلية، وفاض عليهم من الإشراقات ~~النورية من جهة تحريكاتهم الكلية، ووصلة إلى ظهور ما صدر عنهم من ~~الخيرات وترتب عليهم من وجود الأكوان الصورية والحوادث الأرضية ~~بواسطة الحركات السماوية، فأمروا بالسجود تذللا لما رأوا من عظيم قدرة ~~الله، وباهر آياته في نظم العالم من الأعلى إلى الأسفل، ثم من الأسفل ~~إلى الأعلى بواسطة الإنسان، الذي به ترتقي سلسلة الوجود - الهابط إلى ~~أسفل السافلين - إلى أعلى عليين، وشكرا لما أنعم الله عليهم بواسطته. # فاللام فيه كاللام في قول حسان في مدح أمير المؤمنين (عليه السلام): # ما كنت أعرف أن الأمر منصرف # عن هاشم، ثم منها عن أبي حسن # أليس أول من صلى لقبلتكم # وأعرف الناس بالقرآن والسنن # أو في قوله تعالى: # أقم الصلاة لدلوك الشمس # [الإسراء:78]. # وإما أن يكون المسجود له هو الإنسان، لكن [لا] من حيث هويته الإمكانية ~~ليلزم الإشراك، بل من حيث بلوغه إلى مقام القرب الإلهي، ورجوعه وحشره إلى ~~الحضرة الإلهية، وفناؤه عن ذاته، وبقاؤه ببقاء الله لا ببقاء غيره، ففي ~~هذا المقام يصير الروح الإنساني كمرآة مصقولة لا لون فيه، انعكس عليه وجه ~~الله الباقي على نهج التجلي - لا على وجه الحلول والاتحاد، تعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا - فسجودهم لآدم (عليه السلام) من هذه الجهة سجود لله لا له. # ومما يوضح ذلك: أن كل من عبد الله وسجد له، لا بد أن يتصوره في ~~ضميره بوجه من الوجوه، ويشاهده في باطنه، إذ العبادة والسجدة للمجهول ~~المطلق محال، ولهذا قد ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله). # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ". # ثم إنك كل ما تصورته أو تخيلته عن الله فهو ms0596 سبحانه وراء ذلك، ~~فإن نظرت إليه بما هو صورة معينة لها صفات معينة إمكانية أو ~~مكانية، فقد عبدت غير الله وسجدت لسواه: وإن نظرت إلى الحق ~~وجعلتها مرآة لملاحظة المعبود الحقيقي، ولم تجعل النظر نظرين - نظرا ~~إلى المرآة، ونظرا إلى المرئي - فقد عبدت الله مخلصا محسنا. # فإذا جاز أن تكون الصورة المعقولة أو المتخيلة وجها من وجوه الحق ~~المسجود له، فلم لا يجوز أن [تكون] الصورة الآدمية، التي هي مظهر ~~أسماء الله الحسنى ومجلى صفاته كلها، مسجودا للملائكة على وجه لم يكن ~~المنظور إليه والمعبود غير الذات الأحدية؟ # فصل فيه شرح # الأقوال في سجود الملائكة لآدم # أجمع المسلمون على أن السجود بمعنى العبادة لغير الله كفر، والكفر ~~لا يكون مأمورا به. ثم اختلفوا بعد ذلك على ثلاثة أقوال: # الأول: إن ذلك السجود كان لله، وآدم (عليه السلام) كان كالقبلة. ~~واعترض عليه بوجهين: # أحدهما: إن السجدة إذا نسبت إلى ما هو كالقبلة عديت بغير اللام ~~فلا يقال: صليت للقبلة أو للمسجد. بل إلى القبلة، وفي المسجد. فلو ~~كان آدم قبلة لهذا السجود لوجب أن يقال: اسجدوا إلى آدم. وإذ ليس ~~فليس. # والثاني: إن قول إبليس: " أرأيتك هذا الذي كرمت على " وغير ذلك ~~ما صدر منه الإباء، والاستكبار، والإغواء، لأولاده، والعداوة ~~والبغضاء إلى يوم الدين يدل على أنه أعظم حالا من الساجد، ولو كان ~~قبلة لما حصلت له هذه الدرجة التي انبسطت شهرتها في مجامع القدس، ~~ومصاقع الجبروت، وقرعت أصواتها السوامع في صوامع الملكوت. # وأيضا كان محمد (صلى الله عليه وآله) يصلي إلى الكعبة ولم يلزم أن ~~تكون أفضل منه (ص). # وأجيب عن الأول: بتجويز أن يقال: " صليت للقبلة ". كما يقال: " ~~صليت إلى القبلة " والاستشهاد عليه بالقرآن والشعر كما مر. # وعن الثاني: بأن ابليس شكى تكريمه، وذلك التكريم لا نسلم أنه حصل ~~بمجرد كونه مسجودا، بل لعله حصل بذلك مع انضمام أمور أخرى. # وكلا الجوابين لا يخلو عن ضعف: # أما الأول: فلا شبهة في ندرة وقوع اللام في مثلها. والظاهر أنها ليست ms0597 ~~بمعنى " إلى " أو " في ". # وأما الثاني: فإن الظاهر الواضح أن منشأ عصيان ابليس وتمرده، ومبدأ ~~كفره وجحوده، هو مسجودية آدم، كما دل عليه قوله [تعالى]: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء:61]. # وقوله: # لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال # [الحجر:33]. # القول الثاني: إن السجدة كانت له (عليه السلام) تعظيما له وتحية، ~~كالسلام عليه منهم، وكانت الأمم السالفة يحيون ملوكهم وأنبياءهم ~~كتحية المسلمين بعضهم بعضا. # قال قتادة في قوله تعالى: # وخروا له سجدا # [يوسف:100] كانت تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض. # وعن صهيب: إن معاذ لما قدم من اليمن سجد للنبي (صلى الله عليه ~~وآله)، فقال: يا معاذ ما هذا؟ فقال: إن اليهود تسجد لعظمائها، ورأيت ~~النصارى تسجد لقسيسيها وبطارقتها قلت: ما هذا؟ قالوا: تحية الأنبياء. ~~فقال صلوات الله عليه وآله: # " كذبوا على أنبيائهم ". # وعن الثوري، عن سماك بن هاني، قال: دخل الجاثليق على على ابن أبي طالب ~~(عليه السلام)، فاراد أن يسجد له، فقال له علي (عليه السلام): اسجد ~~لله. ولا تسجد لي، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " لو أمرت أحدا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ~~لعظم حقه عليها ". # القول الثالث: إن السجود في الآية كان على المعنى الذي له في أصل اللغة، ~~وهو الانقياد والخضوع. # وقد علمت ضعف القول الأول، وأما القول الثالث فضعيف أيضا، لأن ~~السجود لا شك في أن لفظه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، ~~فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك، لأن الأصل عدم التغيير. # فإن قلت: السجود عبادة، والعبادة لغير الله غير جائزة. # قلنا: لا نسلم أن السجدة عبادة. لم لا يجوز أن يكون في بعض الأوقات، ~~أو بحسب بعض العادات سقوط الإنسان على الأرض، وإلصاقه الجبين عليها ~~مفيدا لضرب من التواضع والتعظيم، وإن لم يكن ذلك عبادة، وإن كان ذلك فلا ~~يمتنع أن يأمر الله تعالى ملائكته بذلك إظهارا لرفعته وإشعارا بكرامته. # وأيضا السلطان قد يأمر بعض مقربيه من عبيده أن يخدم ويطيع رجلا ms0598 ~~فقيرا، أو ضعيفا، وهم يفعلون ذلك ويخدمونه، ويرجع ما فعلوه في الحقيقة ~~إلى خدمة السلطان وطاعته، فسجود الملائكة لآدم (عليه السلام) كان في ~~الحقيقة سجودا لله، وطاعة لأمره. # وقد علمت وجها آخر ألطف من كل ما قيل، أو يقال في دفع هذا الإشكال. # فصل # إبليس من الملائكة أم لا؟ # اختلفوا في أن إبليس - لعنه الله - هل كان من الملائكة، أم لا؟ فذهب قوم ~~إلى أنه كان منهم، وروي عن ابن عباس " إن من الملائكة ضربا يتوالدون ~~يقال لهم: " الجن " ومنهم إبليس. وهو المروي عن ابن مسعود وقتادة، ~~واختاره الشيخ أبو جعفر الطوسي - قدس الله روحه - قال: " وهو المروي عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام) ". # ثم اختلف من قال " إنه كان من الملائكة ". فمنهم من قال: " إنه كان ~~خازن طبقات الجنة ". ومنهم من قال: " كان له سلطان سماء الدنيا وسلطان ~~الأرض ". ومنهم من قال: " إنه كان يوسوس ما بين السماء والأرض ". # وقال الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان - قدس الله ~~سره -: " إنه كان من الجن، ولم يكن من الملائكة " قال: " وقد جاءت ~~الأخبار بذلك متواترة عن أئمة الهدى، وهو مذهب الإمامية ". # وهو المروي عن الحسن البصري، وهو قول البلخي وغيره. # واحتجوا عن صحة هذا القول بأشياء: # أحدها: قوله تعالى: # إلا إبليس كان من الجن # [الكهف:50]. # وثانيها: قوله تعالى: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم:6]. نفى المعصية عنهم نفيا عاما. # وثالثها: إن إبليس له نسل وذرية، قال تعالى: # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو # [الكهف:50] قال الحسن: إبليس أبو الجن، كما أن آدم (عليه السلام) أبو ~~الإنس. # وإبليس مخلوق من النار، والملائكة روحانيون خلقوا من الريح في قول ~~بعضهم. ومن النور في قول الحسن، لا يتناسلون، ولا يطعمون، ولا يشربون. # ورابعها: # جاعل الملائكة رسلا # [فاطر:1] ولا يجوز على رسل الله الكفر، ولا الفسق. ولو جاز عليهم ~~الفسق لجاز عليهم الكذب. # وذكروا في توجيه الاستثناء وجوها: # أحدها: ما ذكره صاحب الكشاف: " إن هذا استثناء ms0599 متصل، لأنه كان جنيا ~~واحدا بين أظهر الألوف من الملائكة مغمورا بهم، فغلبوا عليه في قوله: ~~{ فسجدوا } ، ثم استثني منهم استثناء واحد منهم ". # وثانيها: إنه كان مأمورا بالسجود معهم، فلما دخل معهم في الأمر جاز ~~إخراجه بالاستثناء منهم. # وثالثها: إن هذا الاستثناء منقطع كقوله: # ما لهم به من علم إلا اتباع الظن # [النساء:157]. # ويؤيد هذا القول ما رواه الشيخ أبو جعفر ابن بابويه - رحمه الله - في ~~كتاب النبوة بإسناده عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام)، قال: سألته عن إبليس، أكان من الملائكة، أو كان يلي ~~شيئا من السماء؟ فقال: " لم يكن من الملائكة، ولم يكن يلي شيئا من ~~السماء، وكان من الجن، وكان مع الملائكة يرى أنه منها، وكان الله ~~سبحانه يعلم أنه ليس منها، فلما أمر بالسجود لآدم كان منه الذي كان " ~~وكذا رواه العياشي في تفسيره. # وأما من قال: إنه كان من الملائكة، فإنه احتج بأنه لو كان من غيرهم ~~لما كان ملوما بترك السجود. # والجواب: إنه كان من جملة المأمورين بالسجود وإن لم يكن من جملة ~~الملائكة. دل على كونه مأمورا قوله تعالى: # ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف:12]. # وهؤلاء الزاعمون أنه كان من الملائكة أجابوا عن الاحتجاج الأول وهو ~~قوله: { كان من الجن }. بأن الجن جنس من الملائكة، سموا بذلك ~~لاجتنانهم عن العيون، وقال تعالى: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات:158] أراد بها الملائكة، لأنهم قالوا: " الملائكة بنات الله ~~". # وأجابوا عن الثاني - وهو قوله: # لا يعصون الله مآ أمرهم # [التحريم:6] بوجهين: # أحدهما: أن من الملائكة من ليس بمعصوم - وإن كان الغالب فيهم العصمة ~~- كما أن من الإنس معصومين، والغالب فيهم عدم العصمة؛ ولعل ضربا من ~~الملائكة لا يخالفهم بالذات، وإنما يخالفهم بالعوارض والصفات، كالبررة ~~والفسقة من الإنس والجن يشملهما، وكان إبليس من هذا الصنف كما قاله ابن ~~عباس، فلذلك صح عليه التغير من حاله والهبوط عن محله، كما أشار إليه ~~تعالى بقوله: # كان من الجن ففسق عن ms0600 أمر ربه # [الكهف:50]. # ثانيها: بأنه صفة لخزنة النيران لا لجميع الملائكة، فلا توجب عصمة ~~لغيرهم من الملائكة. # وأجابوا عن الثالث: بأنه يجوز أن يكون الله تعالى ركب في إبليس شهوة ~~النكاح تغليظا عليه في التكليف، وإن لم يكن ذلك في باقي الملائكة، ويجوز ~~أن يكون الله لما أهبطه إلى الأرض تغيرت حاله عن حال الملائكة. # قالوا: كيف يصح ذلك والملائكة خلقت من نور # وخلق الجآن من مارج من نار # [الرحمن:15]؟ # فأجيب: بأنه كالتمثيل لما ذكر، فإن المراد بالنور الجوهر المضيء، أو ~~النار كذلك، غير أن ضوءها مكدر مغمور محذور منه بسبب ما يصحبه من فرط ~~الحرارة والإحراق، فإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور، ومتى نكصت عادت ~~الحالة الأولى جذعة، ولا تزال تتزايد حتى ينطفئ نورها ويبقى الدخان ~~الصرف. # وهذا أشبه بالصواب وأوفق للجمع بين النصوص. وقد مر كلام كل من ~~الفريقين في المفاتيح مستقصى. # واعلم أن لا شبهة لأحد في أن الملك، والشيطان، متخالفا اللوازم، والآثار ~~الذاتية. كيف! وأحدهما: بطباعه ملهم الخير والطاعات؛ والثاني: بطباعه ~~موسوس الشرور والمعاصي. واختلاف اللوازم والآثار الذاتية دليل اختلاف ~~الملزومات والمؤثرات بالذات. # نعم كلا الجنسين متفقان في أنهما روحانيان غائبان عن الأبصار ~~والحواس، لا نراهما وقبيلهما إلا عند تجسمهما، وتمثلهما بصورة من ~~الصور، بل وجودهما كوجود الموجودات الأخروية لا ينكشف لأبصارنا إلا عند ~~غيبوبتنا عن هذا العالم - كما يقع للمكاشفين - أو لفساد مزاج البدن ~~بواسطة غلبة اليبوسة على الدماغ فتتعطل بها الحواس عن الشواغل، ~~فتستولي قوة الخيال على المحاكاة الخيالية - كما للممرورين أو بواسطة ~~تمثلهما في العين، أو تصورهما بصورة محسوسة جسمانية. # والظاهر من الأخبار والآثار أن مواطن الملائكة عالم السماوات ودرجاتها ~~على سبيل التعلق والمباشرة، وأما تعلقها بعالم الأرضيات فعلى سبيل ~~الإمداد والاستخدام للقوى الأرضية، وأن مواطن الشياطين والجن عالم ~~الأرضيات على سبيل التعلق والمباشرة. # وأما عالم السماء فلها اجتيازات على نهج العبور والاستراق للسمع - دون ~~الولوج في سموكها - لأن عالم السماء كعالم قلب المؤمن بيت معمور مطهر ~~بطهارة القدس والتسبيح، وعمارة الذكر ms0601 والحمد، لا يمكن أن يتصرف فيه إلا ~~جوهر مقدس، ولا سبيل للخبيث اللعين إليه إلا اختلاسا واجتيازا في بعض ~~الساعات، كأوقات الكسوفات، والخسوفات، وغيرها، استراقا للسمع. # وبالجملة: مواطن الشياطين والجن هذا العالم الطبيعي، وليس لواحد منهم ~~درجة العلم والمعرفة بالمقاصد الكلية، والأمور الإلهية سواء كانوا ~~كفارا كالشياطين، أولهم ضرب من الإسلام كطائفة من الجن ذكرت في ~~القرآن. # وأما قولكم: " إن الجن يطعمون ". فقد جاء عن العرب ما يدل على أنهم لا ~~يطعمون ولا يشربون. أنشد ابن دريد: # ونار قد حضأت بعيد وهن # بدار ما أريد بها مقاما # سوى ترحيل راحلة وعين # أكالثها مخافة أن تناما # أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟ # فقالوا: الجن. قلت: عموا ظلاما # فقلت: إلى الطعام. فقال منهم # زعيم: نحسد الإنس الطعاما # لقد فضلتم بالأكل فينا # ولكن ذاك يعقبكم سقاما # فهذا يدل على أنهم لا يأكلون ولا يشربون لأنهم روحانيون، وقد جاء في ~~الأخبار المنهي عن التمسح بالعظم والروث؛ لأن ذلك طعامهم وطعام ~~دوابهم. وقد قيل: إنهم يتشممون ذلك. # وأجابوا عن الرابع - وهو قوله تعالى: # جاعل الملائكة رسلا # [فاطر:1] بأن هذه الآية معارضة بقوله تعالى: # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # [الحج:75]. لأن " من " للتبعيض. # وكلا القولين مروي عن ابن عباس، فروي عنه أنه قال: إن الملائكة كانت ~~تقاتل الجن، فسبي إبليس، فلذلك قال تعالى: # إلا إبليس كان من الجن # [الكهف:50]. # روى مجاهد وطاوس عنه أيضا أنه قال: " كان إبليس قبل أن يرتكب المعصية ~~ملكا من الملائكة اسمه " عزازيل " وكان من سكان الأرض. وكان سكان ~~الأرض من الملائكة يسمون " الجن " ولم يكن من الملائكة أشد اجتهادا ~~ولا أكثر علما منه، فلما تكبر على الله وأبى السجود لآدم وعصاه ~~لعنه وجعله شيطانا مريدا وسماه إبليس. # قال الشيخ محيي الدين ابن عربي في الباب الحادي والخمسين من الفتوحات ~~المكية: " إعلم أن الجان هم أصل العالم الطبيعي، ويتخيل جليسهم بما ~~يخبرونه من حوادث الأكوان وما يجري في هذا العالم بما يحصل لهم من ~~استراق السمع من الملإ الأعلى، فيظن جليسهم ms0602 أن ذلك من كرامة الله به ~~هيهات لما ظنوا. # ولهذا ما ترى أحدا قط جالسهم فحصل عنده منهم علم بالله جملة واحدة، ~~وغاية الرجل الذي تعتني به أرواح الجن أن يمنحوه من علم خواص النبات، ~~والأحجار، والأسماء، والحروف، وهو علم السيمياء، فلم يكتسب منهم إلا ~~العلم الذي ذمته ألسنة الشرائع الإلهية. # ومن ادعى صحبتهم وهو صادق في دعواه فاسأله عن مسألة في العلم الإلهي ~~ما تجد عنده من ذلك ذوقا أصلا، فرجال الله يفرون من صحبتهم أشد ~~فرارا منهم من الناس، فإنه لا بد أن تحصل صحبتهم في نفس من يصحبهم ~~تكبرا على الغير وازدراء بمن ليس له في صحبتهم قدم. # وقد رأينا جماعة ممن صحبوهم حقيقة وظهرت لهم براهين على صحة ما ~~ادعوه من صحبتهم، وكانوا أهل جد واجتهاد - ولكن لم يكن عندهم من جهتهم ~~شمة من العلم بالله ورأينا فيهم اغترارا وتكبرا، فما زلنا بهم حتى ~~حلنا بينهم وبين صحبتهم لإنصافهم وطلبهم الأنفس. كما رأينا أيضا ضد ~~ذلك منهم، فما أفلح ولا يفلح من كان هذه صفته إذا كان صادقا، وأما ~~الكاذب فلا نشتغل به. # وقال في موضع آخر من هذا الباب: " ومنهم من يجالسه الروحانيون من ~~الجان، ولكن دون الجماعة في الرتبة إذا لم يكن له حال سوى هذا، لأنهم ~~قريب من الإنس في الفضول. # والكيس من الناس من يهرب منهم كما يهرب من الناس، فإن مجالستهم ردية ~~جدا قليل أن تنتج خيرا، لأن أصلهم نار والنار كثيرة الحركة، ومن ~~كثرت حركته كان الفضول أسرع إليه في كل شيء، فهم أشد فتنة على جليسهم ~~من الناس، فإنهم قد اجتمعوا مع الناس في كشف عورات الناس التي ينبغي ~~للعاقل أن لا يطلع عليها، غير أن الإنس لا تورث مجالسة الإنسان إياهم ~~تكبرا، ومجالسة الجن ليست كذلك، فإنهم بالطبع يؤثرون في جليسهم ~~التكبر على الناس وعلى كل عبد لله، وكل عبد رأى لنفسه شغوفا على غيره ~~تكبرا فإنه يمقته الله في نفسه من حيث لا يشعر وهذا من المكر ms0603 الخفي. # وقال أيضا فيه: " ومنهم من نفس الرحمن عنه بمجالسة الملائكة، ونعم ~~الجلساء هم، هم أنوار خالصة لا فضول عندهم، وعندهم العلم الإلهي الذي ~~لا مرية فيه، فيرى جليسهم في مزيد علم بالله دائما مع الأنفاس. # فمن ادعى مجالسة الملإ الأعلى، ولم يستفد في نفسه علما بربه، فليس ~~بصحيح الدعوى، وإنما هو صاحب خيال فاسد " - انتهى كلامه. # تفصيل كلام لتحقيق مقام # في المفاضلة بين الملك والبشر # اعلم أن الناس اختلفوا في التفاضل بين الملائكة وأخيار البشر على ~~طائفتين، وهذا الاختلاف كان مستمرا قبل دورة الإسلام وبعده إلى يومنا. # وتحقيق معرفة هذا الأمر لا يكون إلا بنور المكاشفة، وأكثر ما يوردونه ~~في هذا الباب كلام أهل الحجاب الذين فضلوا الإنسان على الملك، لأن أكثر ~~ما يحتجون به على ذلك يرجع إلى أمور عادية، ومقدمات جمهورية، لا ~~يمكن التعويل عليها لصاحب البصيرة. # ونحن نذكر أولا ما احتجت به كل طائفة من الذين فضلو الملائكة، ~~والذين فضلوا أخيار البشر - سواء كانوا قبل الإسلام أو بعده - ونقدم في ~~الذكر كلمات الأوائل وأحوالهم قبل ظهور نور الإسلام؛ ثم نذكر أقوال ~~المتكلمين الإسلاميين وما ذكروه من الجانبين نقضا أو إبراما؛ ثم ما ~~يرد على كل كلام اعتراضا وجوابا؛ ثم نشير إلى سر الكلام وأصله، وروح ~~المقام وفصله، وذلك في فصول: # الفصل الأول # في ذكر أقوال الأوائل # ومعظمها أقوال الصابئة في تفضيل جانب الملائكة، وأقوال الحنفاء في تفضيل ~~جانب البشر في مقابلة أقوالهم. # والصابئون هم الذين قالوا بنبوة اغاثاذيمون وهرمس - وهما شيث وإدريس ~~(عليهما السلام) - ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء - صلوات الله عليهم ~~أجمعين - ونسبتهم إلى الحنفاء كنسبة فلاسفة الإسلام إلى الصوفية بوجه، ~~إلا أنهم زادوا على التفضيل للملك على أهل النبوة (عليهم السلام) إلى ~~حيث تركوا طاعتهم وانقيادهم، وجعلوا الملائكة قبلة طاعتهم ومنشأ نجاتهم ~~وهدايتهم، وربما يسمون بأصحاب الروحانيات. # ومذهبهم: أن للعالم صانعا، حكيما، مقدسا عن سمات الحدثان، والواجب ~~علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنما يتقرب إليه بالمتوسطين ~~المقربين لديه وهم الروحانيون المطهرون، المقدسون ms0604 جوهرا، وفعلا، ~~وحالة. # أما الجوهر: فهم المطهرون عن المواد الجسمانية، المبرءون عن القوى ~~الجسدانية، المنزهون عن الحركات والتغيرات الزمانية، قد جبلوا على ~~الطهارة، وفطروا علىالتقديس والتسبيح، فنحن نتقرب إليهم ونتوكل عليهم، ~~وهم أربابنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب. # فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعية، ونهذب ~~أخلاقنا عن علائق القوى الشهوية والغضبية، حتى تحصل بيننا وبينهم ~~مناسبة، فيفيض علينا بعض أنوارهم، وفضائلهم، وعلومهم. # قالوا: والأنبياء أمثالنا في النوع، وأشكالنا في الصورة، يشاركوننا في ~~الحاجة إلى المادة، يأكلون مما نأكل، ويشربون مما نشرب، ويساهموننا في ~~الصورة، أناس بشر مثلنا، فمن أين لنا طاعتهم، وبأية مزية لهم لزم ~~متابعتهم؟ # وأما الفعل: فهم الأسباب المتوسطون في الاختراع والإيجاد وتصريف ~~الأمور من حال إلى حال، وتوجيه المخلوقات من مبدإ إلى كمال، يستمدون ~~القوة من الحضرة القدسية، ويفيضون الفيض على الموجودات السفلية. # فمنها: مدبرات الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها، وهي هياكلها. فلكل ~~روحاني هيكل ولكل هيكل فلك، ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به ~~نسبة الروح إلى الجسد، فهو ربه، ومدبره، ومديره. # ففعل الروحانيات تحريك الأجرام على قدر مخصوص؛ ليحصل من حركاتها ~~انفعالات في الطبائع السفلية والعناصر، فيحصل من ذلك تركيبات، فيتبعها ~~قوى جسمانية؛ ويركب عليها نفوس روحانية، ثم قد تكون التأثيرات ~~كلية صادرة عن روحاني كلي، وقد تكون جزئية صادرة عن روحاني جزئي، فمع ~~جنس المطر ملك، ومع كل قطرة أيضا ملك. # ومنها: مدبرات الآثار العلوية الظاهرة في الجو مما يصعد من الأرض، ~~فينزل مثل الأمطار، والثلوج، والبرد، والرياح، ومما ينزل من السماء ~~مثل الصواعق والشهب، وما يحدث في الجو من الرعد، والبرق، والسحاب، ~~والضباب، والمياه وقوس قزح، وذوات الأذناب، والهالة، والمجرة، وما ~~يحدث في الأرض من الزلازل، والهدات، والمياه، والخسف إلى غير ذلك. # ومنها: متوسطات القوى السارية في جميع الموجودات، ومدبرات الهداية ~~الشائعة في جميع الكائنات، حتى لا يرى موجود ما خاليا عن قوة وهداية ~~إذا كان قابلا لهما. # وأما الأحوال: فأحوال الروحانيات من الروح، والريحان، والنعمة، ~~واللذة الدائمة، والراحة، والبهجة، ms0605 والسرور في جوار رب العالمين كيف ~~يخفى، ثم طعامهم وشرابهم التسبيح، والتقديس، والتهليل، والتمجيد، ~~وأنسهم بذكر الله وطاعته، فمن قائم لا يركع، وراكع لا يسجد، وساجد ~~لا ينتصب على حسب مقاماتهم في القرب والمنزلة لا تتبدل حالهم لما هم فيه ~~من البهجة والسرور، فمن خاشع بصره لا يرفع، ومن ناظر لا يغمض، ومن ~~ساكن لا يتحرك، ومن متحرك لا يسكن حركة لا تعب فيها، ولا إعياء، ولا ~~نصب، ومن كروبي في عالم القبض، ومن روحاني في عالم البسط # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم:6]. # فهذا مذهب الصابئة، وقد جرت بينهم وبين الحنفاء مناظرات ومفاوضات ~~في المفاضلة بين الروحاني المحض، والبشرية وذكرها صاحب كتاب الملل ~~والنحل على شكل سؤال وجواب، وفيها فوائد لا تحصى، فنوردها ملخصة عن ~~الزوائد ليحيط الناظر بما فيها وعليها. # فصل # فيما ذكره الصابئون في تفضيل الملائكة على الأنبياء وما أجاب به عنها ~~الحنفاء. وهي وجوه: # الأول: إن الروحانيات أبدعت إبداعا لا من شيء - لا مادة ولا هيولى ~~- وهي كلها جوهر واحد على سنخ واحد، وجواهرها أنوار محضة لا ظلام فيها، ~~وهي من شدة ضيائها لا يدركها الحس، ولا ينالها البصر، ومن غاية لطافتها ~~يحار فيها العقل،ولا يجول فيها الخيال. # ونوع الإنسان مركب عن العناصر الأربعة، مؤلف من مادة وصورة، ~~والعناصر متضادة، ومزدوجة بطبائعها، ومن التضاد يصدر الاختلاف ~~والهرج، ومن الازدواج يحصل الفساد والمرج، فما هو مبدع لا من شيء ~~لا يكون كمخترع من شيء، والمادة والهيولى سنخ الشر، ومنبع الفساد، ~~فالمركب منها ومن الصورة كيف يكون كمحض الصورة؟ والظلام كيف يساوي النور؟ ~~والمحتاج إلى الازدواج، المضطر في هفو الاختلاف كيف يرقى إلى درجة ~~المستغني عنها؟ # أجابت الحنفاء عنه: بم عرفتم وجود هذه الروحانيات؟ والحس ما دلكم ~~عليه، والدليل ما أرشدكم إليه؟ # فإن قالوا: عرفنا وجودها وتعرفنا أحوالها من اغاثاذيمون وهرمس - [يعني] ~~شيث وإدريس -. # قال الحنفاء: فقد ناقضتم مذهبكم في نفي المتوسط البشري، فصار نفيكم ~~إثباتا، وإنكاركم إقرارا. # ثم من الذي يسلم أن المبدع من ms0606 لا شيء أشرف من المخترع من شيء؟ بل ~~جانب الروحاني أثر واحد، وجانب الجسماني أثران: أحدهما: نفسه وروحه، ~~والآخر: جسمه وجسده. فهو من حيث الروح مبدع بأمر الباري تعالى، ومن ~~حيث الجسد مخترع بخلقه، ففيه أثران: أمري وخلقي، قولي ~~وفعلي. فهذه المرتبة في الخلقة أفضل. # وإن فاضلتم بين الروحاني المجرد والجسماني المجرد فالصدق معكم، ~~ولكن المفاضلة بين الروحاني المجرد والمجتمع من الجهتين، فلا يحكم ~~عاقل بأن الفضل هنا للمجرد. # الثاني: نوع الإنسان لا يخلو من قوتي الشهوة والغضب، وهما تنزعان إلى ~~البهيمية والسبعية، وتنازعان النفس إلى طباعهما من الحرص والأمل ~~لأحدهما، والكبر والحسد للآخر، وغير ذلك من الأخلاق الذميمة. # فكيف يماثل من هذه صفته نوع الملائكة المطهرين عنهما وعن لوازمهما ~~ولواحقهما من النوازع الحيوانية والقواطع البشرية بأسرها؟ لم يحملهم ~~الغضب على حب الجاه والشهرة، ولا حملتهم الشهوة على حب المال ~~والثروة، بل طباعهم مجبولة على المحبة والموافقة، وجواهرهم مفطورة ~~على الاتحاد والألفة. # أجابت: بأن هذه المغالطة مثل الأولى حذو النعل بالنعل، فإن في ~~طرف البشرية نفسين: نفس حيوانية لها قوتان: شهوية وغضبية. وأخرى ~~إنسانية لها قوتان: علمية وعملية. وبتينك القوتين لها أن تجمع ~~وتمنع، وبهاتين القوتين لها أن تقسم الأمور وتفصل الأحوال. # ثم تعرض على العقل، فيختار بقوته التي هي له كالبصر النافذ من العقائد، ~~الحق دون الباطل، ومن الأقوال: الصدق دون الكذب، ومن الأفعال، الخير ~~دون الشر. # ويختار بقوته العملية من لوازم القوة الغضبية، الشجاعة، والحمية، ~~دون الذلة والهوان، ومن لوازم القوة الشهوية: التودد، والتآلف دون ~~الشره والخساسة، فيكون من أشد الناس حمية على خصمه وأعداء دينه، ~~ومن أرحم الناس تذللا وتواضعا لوليه وصديقه، فإذا بلغ هذا الكمال فقد ~~استخدم القوتين، واستعملهما في جانب الخير. # وليس الكمال والشرف في فقدان القوتين كحكم العنين والعاجز، وإنما ~~الكمال في استخدامهما أولا في جانب الخير، ثم الترقي إلى إرشاد ~~الخلائق في تزكية النفوس عن العلائق، وإطلاقها عن قيد الشهوة والغضب، ~~فنفس النبي (صلى الله عليه وآله) كنفوس الروحانيين فطرة ووضعا وبذلك ~~الوجه ms0607 وقعت الشركة وفضلها وتقدمها باستخدام القوى والنفوس التي ~~دونها، واستعمالها في جانب الخير والنظام - وهو الكمال. # الثالث: إن الروحانيات صور مجردة عن المواد، عارية عن القوة ~~والاستعداد، وإن قدر لها أشخاص تتعلق بها تصرفا وتدبيرا، لا ممازجة ~~ومخالطة، فأشخاصها نورانية، والمتوسط لا بد أن يكون كاملا حتى يكمل ~~غيره، وأما الموجودات البشرية فهي إما صور في مواد، أو نفوس متعلقة ~~بها حاصلة من المزاج والامتزاج. # والفرض أنها موجودات بالقوة لا بالفعل، ناقصة لا كاملة، والمخرج من ~~القوة إلى الفعل يجب أن يكون أمرا بالفعل غير محتاج إلى الخروج، فإن ~~ما بالقوة لا يخرج بذاته من القوة إلى الفعل - بل بغيره - ~~والروحانيات هي المحتاج إليها في أن تخرج الجسمانيات إلى الفعل، ~~فالمحتاج إليه كيف يساوي المحتاج في درجة الوجود؟ # أجابوا: إن هذا الحكم - وهو كون الروحانيات بالفعل - غير مسلم على ~~الاطلاق، إذ منها ما هو وجوده بالقوة، أو ما فيه وجود بالقوة، ويحتاج ~~إلى مخرج يخرجه إلى الفعل، فإن النفس لها استعداد القبول (من العقل) ~~عندكم، والعقل له إعداد لكل شيء وفيض عليه، وأحدهما بالقوة، والآخر ~~بالفعل. # وهذا لضرورة الترتيب في الموجودات العلوية، فإن من لم يثبت الترتب ~~فيها لم تتمش له قاعدة عقلية أصلا، فإذا ثبت الترتيب فقد أثبت الكمال ~~في جانب، والنقصان في جانب، فليس كل روحاني كاملا من كل وجه، ولا كل ~~جسماني [ناقصا من كل وجه]، فمن الجسمانية أيضا ما وجوده كامل ~~بالفعل، وسائر النفوس محتاجة إليه. وذلك أيضا لضرورة الترتيب في ~~الموجودات السفلية. # قالوا: لنا أن هذا العالم الجسماني في مقابلة ذلك العالم الروحاني، ~~وإنما يختلفان من حيث إن ما في هذا العالم من الأعيان فهو آثار ذلك ~~العالم. وما في ذلك العالم من الصور فهو مثل هذا العالم - ~~والعالمان متقابلان كالشخص والظل - فإذا أثبتم في ذلك العالم موجودا ~~ما بالفعل كاملا ويصدر عنه سائر الموجودات وجودا ووصولا إلى الكمال، ~~فيجب أن تثبتوا في هذا العالم أيضا موجودا ما بالفعل كاملا تاما ~~حتى يصدر عنه سائر ms0608 الموجودات تعلما ووصولا إلى الكمال. # ومن العجب أن عند الصابئة أكثر الروحانيات قابلة منفعلة، وإنما ~~الفاعل الكامل واحد، وعن هذا صار بعضهم إلى أن الملائكة إناث أخبر ~~التنزيل عنهم به. # وإذا كان كذلك فنقول: في الموجودات السفلية النفوس البشرية كلها ~~قابلة الوصول إلى الكمال بالعلم والعمل، فيحتاج إلى مخرج ما فيها ~~بالقوة إلى الفعل، والمخرج هو النبي (صلى الله عليه وآله). # ثم يكون بين الرسول والروح مناسبة وملاقاة عقلية، فيكون الروح الأول ~~مصدرا، والرسول مظهرا، ويكون بين الرسول وسائر البشر مناسبة وملاقاة ~~حسية، فيكون الرسول مؤديا والبشر قابلا. # أقول: إن لفظ " القوة " يطلق بالاشتراك اللفظي على ما هو بمعنى الإمكان ~~الاستعدادي، والقوة الانفعالية التجددية، وعلى ما يكون بمعنى الإمكان ~~الذاتي والاستحقاق الفطري. والأول لا يجامع الفعلية، بخلاف الثانية، ~~فالإبداعيات كمالاتها فطرية، والجسمانيات كمالاتها تجددية كسبية. ~~وأما النفس فلها إمكان ذاتي في ذاتها، ولها إمكان استعدادي به تنتقل من ~~حالة إلى أخرى - ولكن بحسب تعلقها إلى المادة الجسمانية -. # فالأولى أن يجاب عن استدلال الصابئة الذي من هذا النمط، على أن أشرف ~~الروحانيات أشرف من الأنبياء: بأن النفوس البشرية يجوز أن تتدرج في ~~الاستكمال، وترتقي إلى جانب علو الكمال بعد الهبوط والنقصان، بحيث تنتهى ~~درجتهم إلى درجة الروحانيين، أو أعلى منهم بحسب الفطرة الثانية، وإن لم ~~يكونوا كذلك في الفطرة الأولى. # هذا إذا كان المراد من الفطرة الأولى لهذه النفوس ما لها في أول ~~تكونها الجسماني، وإن اريد بها ما عبر عنها بفطرة الله التي فطر ~~الناس عليها، فهي أيضا غير قاصرة عن درجة فطرة الروحانيين. وسيأتي لهذا ~~وضوح وانكشاف. # الرابع: أن الروحانيات نورانية علوية لطيفة، والجسمانيات ظلمانية ~~سفلية كثيفة. فكيف تتساويان؟ والاعتبار في الشرف والفضيلة بذوات الأشياء ~~وصفاتها، ومراكزها، ومحالها، فعالم الروحانيات، العلو لغاية النور ~~واللطافة، وعالم الجسمانيات، السفل لغاية الكثافة والظلمة، ~~والعالمان متقابلان. والكمال للعلوي والصفتان متضادتان، والشرف للنور ~~لا للظلمة. # الجواب: لسنا نوافقكم أولا: على أن الروحانيات كلها نورية، ولا ~~نساعدكم ثانيا، أن الشرف للعلو، ولا نسالمكم ثالثا: أن ms0609 الاعتبار في ~~الشرف بذوات الأشياء. # أما بيان الأول: فقد حكمتم على الروحانيات حكم التساوي وما اعتبرتم ~~فيها التضاد والترتيب، وإذا كانت الموجودات كلها على قضية الترتيب ~~والتضاد فلم أغفلتم الحكمين هاهنا. فإن من قال: " الروحاني ما ليس ~~بجسماني " فقد أدخل جواهر الشياطين، والأبالسة والجن في جملة ~~الروحانيات. # ثم من الجن من هو مسلم، ومنها من هو ظالم، ومن قال " الروحاني ~~هو - المخلوق روحا " فمن الأرواح ما هو خير، ومنها ما هو شرير؛ ~~والأرواح الخبيثة أضداد للأرواح الطيبة؛ فلا بد إذن من إثبات تضاد ~~وتنافر بين القسمين، فلم قلتم: إنها كلها نورانية. # وعندنا - معاشر الحنفاء - الروح هو الحاصل بأمر الله، الباقي على ~~مقتضى أمره، فمن كان لأمر الله أطوع، وبرسالات رسله أصدق، كان ~~الروحانية فيه أكثر، والروح عليه أغلب، ومن كان لأمره تعالى أنكر، ~~وبشرائعه أكذب، كانت الشيطنة عليه أغلب. # هذه قاعدتنا في الروحانيات، فلا روحانية أبلغ في الروحانيات من ذوات ~~الأنبياء (عليه السلام). # وأما قولكم: " إن الشرف للعلو " إن عنيتم به جهة العلو فلا شرف فيه ~~وكم من عال جهة، سافل جهة، وعلما، وذاتا، وطبيعة. وبالعكس. # وأما قولكم: " إن الاعتبار في الشرف بذوات الأشياء، وصفاتها، ومحالها ~~" فليس بحق. وهو مذهب اللعين الأول، حيث نظر إلى ذاته وذات آدم (عليه ~~السلام) ففضل ذاته - إذ هي مخلوقة من النار وهي علوية نورانية - على ~~ذات آدم وهو مخلوق من طين - وهو سفلي ظلماني. # بل عندنا الاعتبار في الشرف بالأمر وقبوله، ومن كان أقبل لأمره ~~تعالى، وأطوع لحكمه، وأرضى بقضائه فهو أشرف، ومن كان على خلاف ذلك ~~فهو أبعد، وأخس، وأخبث. # فأمر الباري تعالى هو الذي يعطي الروح: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء:85] وبالروح يحيا الإنسان الحياة الحقيقية، وبالحياة يستفيد ~~العقل الغريزي وبالعقل تكتسب الفضائل، ويجتنب عن الرذائل، ومن لم يقبل ~~الأمر الإلهي فلا روح له ولا حياة ولا فضيلة، ولا شرف. # أقول: قد رجع هذا الكلام إلى الاعتراف بأن الشرف والفضيلة إنما هو ~~بأمر جوهري، فإن حقيقة الأمر الإلهي الذي بقبوله يصير ms0610 الإنسان ذا روح، ~~وعقل، وحياة دائمة هو الذي به يتجوهر الإنسان تجوهرا روحانيا، ويتذوت ~~ذاتا عقلية دائمية. # وأما خطأ اللعين فليس لأجل حكمه بأن النار أشرف من الطين، بل لأجل ~~زعمه أن حقيقة الإنسان هي البدن المخلوق من التراب، أو لأجل توهمه أن ~~شرف الذات والصورة تابع لشرف الجسمية والمادة فهاهنا مغالطة بأخذ ما ~~بالعرض مكان ما بالذات. # الوجه الخامس: إن الروحانيات أشرف بقوتي العلم والعمل من ~~الجسمانيات. أما العلم: فلا ينكر إحاطتهم بمغيبات الأمور عنا، ~~واطلاعهم على مستقبل الأحوال الجارية علينا، ولأن علومهم كلية وعلوم ~~الجسمانيات جزئية، وعلومهم، فعلية وعلومها انفعالية، وعلومهم فطرية ~~وعلومها كسبية، فمن هذه الوجوه تحقق لهم الشرف عليها. # وأما العملية: فلا ينكر أيضا عكوفهم على العبادة، ودوامهم على الطاعة # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء:20] ولا يلحقهم كلال ولا سآمة، ولا يرهقهم ملال ولا ندامة. ~~فتحقق لهم الشرف من هذه الجهة. وكان أمر الجسمانيات بالخلاف من ذلك. # أجابوا عن هذا بجوابين: # أحدهما: التسوية بين الطرفين، وإثبات زيادة في جانب الأنبياء. # والثاني: بيان ثبوت الشرف في غير العلم والعمل. # أما الأول: فقالوا: علوم الأنبياء (عليهم السلام) كلية وجزئية، ~~وفعلية وانفعالية، وفطرية وكسبية. فمن حيث ملاحظة عقولهم عالم الغيب ~~منصرفة عن عالم الشهادة، تحصل لهم العلوم الكلية فطرة دفعة واحدة، ثم ~~إذا لاحظوا عالم الشهادة حصلت لهم العلوم الجزئية اكتسابا بالحواس ~~على ترتيب وتدريج. # فكما أن للإنسان علوما فطرية - هي المعقولات - وعلوما حاصلة ~~بالحواس - هي الحسيات والتجربيات - فعالم المعقولات بالنسبة إلى ~~الأنبياء كعالم المحسوسات بالنسبة إلى سائر الناس، فنظرياتنا فطرية ~~لهم، ونظرياتهم لا نصل إليها قط. بل ومحسوساتنا مكتسبة لهم ولنا بكواسب ~~الجوارح. # فأمزجة الأنبياء - صلوات الله عليهم - أمزجة نفسانية ونفوسهم نفوس ~~عقلية، وعقولهم عقول أمرية فطرية. ولو وقع حجاب في بعض الأوقات فذاك ~~لموافقتنا ومشاركتنا كي يزكي هذه العقول، وتصفى هذه الأذهان والنفوس ~~وإلا فدرجاتهم وراء ما يقدر. # وأما الثاني: فإنهم قالوا: ومن العجب أنهم لا يعجبون بهذا العلم بل ~~ويؤثرون التسليم على البصيرة، والعجز على ms0611 القدرة، والتبري من الحول ~~والقوة على الاستقلال، والفطرة على الاكتساب. و # مآ أدري ما يفعل بي ولا بكم # [الأحقاف:9] على # إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص:78]. # ويعلمون أن الملائكة والروحانيات باسرها وإن علت إلى غاية قوة نظرها ~~وإدراكها ما أحاطت بما أحاط به علم الباري جل جلاله، بل لكل منهم مطرح ~~نظر، ومسرح فكر، ومجال عقل، ومنتهى أمل، ومطار وهم وخيال، وإنهم إلى ~~الحد الذي انتهى نظرهم إليه مستبصرون، وما وراء ذلك الحد إلى ما وراء ~~ما لا يتناهى مسلمون مصدقون، وإنما كمالهم في التسليم لما لا يعلمون، ~~والتصديق لما يجهلون # ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك # [البقرة:30] ليس كمال حالهم، بل # سبحانك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ # [البقرة:32] هو الكمال. فمن أين لكم أن الكمال في العلم والعمل، لا في ~~التسليم والتوكل؟ # وإذا كانت غاية العلوم هذه الدرجة، فجعلت نهاية أقدام الملائكة ~~والروحانيين بداية أقدام السالكين من الأنبياء والمرسلين # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله # [النمل:65]. # فعالم الروحانيات بالنسبة إليهم شهادة، وبالنسبة إلينا غيب، وعالم ~~الجسمانيات بالنسبة إلينا، شهادة وبالنسبة إليهم غيب، والله تعالى هو ~~الذي يعلم السر وأخفى. # قالوا: من علم أنه لا يعلم فقد أحاط بكل العلم، ومن اعترف بالعجز عن ~~أداء الشكر فقد أدى كل الشكر. # الوجه السادس: إن الروحانيات لها اختيارات صادرة من الأمر، متوجهة ~~إلى الخير، مقصورة على نظام العالم، وقوام الكل لا يشوبها. البتة ~~شائبة الشر، وشائبة الفساد، بخلاف اختيارات البشر، فإنه متردد بين طرفي ~~الخير والشر. لولا رحمة الله في حق البعض، وإلا فوضع اختيارهم كان ~~ينزع إلى جانب الشر والفساد، إذ كانت قوتا الشهوة والغضب المركوزتان ~~فيهم تجرانهم إلى جانبهما، وأما الروحانيات فلا ينازع اختيارهم إلا ~~التوجه إلى وجه الله، وطلب رضاه، وامتثال أمره، فلا جرم كل اختيار هذا ~~حاله لا يتغير ولا يتعذر عليه ما يختاره، وكلما أراده وقصده، وجده ~~مختاره حسب مراده، وكل اختيار ذلك حاله يتعذر عليه ما يختاره، فلا يوجد ~~المراد ولا يحصل ms0612 المختار. # أجابوا عنها بجوابين: # أحدهما: نيابة عن جنس البشر، وهو أن اختيار الروحانيات إذا كان ~~مقصورا على أحد الطرفين، محصورا عليه، كان في وصفه مجبورا، ولا شرف ~~في الجبر، واختيار الشر مردد بين طرفي الخير والشر. فمن جانب يرى ~~آيات الرحمن، ومن طرف يسمع وساوس الشيطان، فتميل به تارة دعوة الحق ~~إلى امتثال الأمر، وتميل به طورا داعية الشهوة إلى اتباع الهوى. # فإذا أقر طوعا وطبعا بوحدانية الله تعالى واختار من غير جبر وإكراه ~~طاعته وصير اختياره المتردد بين الطرفين مجبورا تحت أمر الله باختيار ~~من جهته من غير إجبار، صار هذا الاختيار أشرف وأفضل من الاختيار المجبور ~~فطرة، كالمكره فعله كسبا، الممنوع عما لا يحب جبرا، ومن لا شهوة له ~~فلا يميل إلى المشتهى، كيف يمدح عليه؟ وإنما المدح - كل المدح - لمن ~~زين له المشتهى ونهى النفس عن الهوى. # فتبين أن اختيار البشر أفضل من اختيار الروحانيات. # والثاني: نيابة عن الأنبياء، وهو أن اختيار الأنبياء مع ما أنه من جنس ~~اختيار البشر من وجه فهو متوجه إلى الخير، مقصور على الصلاح الذي به ~~نظام العالم وقوام الكل، صادر عن الأمر، صائر إليه لا يتطرق إلى ~~اختياراتهم ميل إلى الفساد، بل درجتهم فوق ما يبتدر إلى الأوهام، فإن ~~العالي لا يريد أمرا لأجل السافل، من حيث هو سافل بل إنما يختار ما ~~يختار لنظام كلي، وأمر أعلى من الجزئي. # ثم يتضمن ذلك حصول نظام في الجزئي تبعا - لا مقصودا - وهذا الاختيار ~~والإرادة على جهة سنة الله تعالى في اختياره، ومشيئته للكائنات، لأن ~~مشيئته كلية متعلقة بنظام الكل، غير معللة بعلة، واختيار الرسول ~~المبعوث من جهته ينوب عن اختياره، كما ان أمره ينوب عن أمره فيسلك سبل ~~ربه ذللا، ثم يخرج من قبضة اختياره نظام حال، وقوام أمر مختلف ألوانه، ~~فيه شفاء للناس. # ومن أين للروحانيات هذه المنزلة؟ وكيف يصلون إلى هذه الدرجة؟ كيف وكل ~~ما يذكرونه فموهوم، وكل ما يذكره النبي (صلى الله عليه وآله) فمحقق ~~بمشاهدة وعيان. # الوجه السابع: ms0613 إن الروحانيين متخصصون بالهياكل العلوية مثل زحل، ~~والمشتري وسائر الكواكب من السبعة، وهذه السيارات كالأبدان والأشخاص ~~بالنسبة إليها، وكل ما يحدث من الموجودات ويعرض من الحوادث فكلها مسببات ~~هذه الأسباب وآثار هذه العلويات، فيفيض على هذه العلويات من ~~الروحانيات تصريفات وتحريكات إلى جهات الخير والنظام، ويحصل من حركاتها ~~واتصالاتها تركيبات وتأليفات في هذا العالم، ويحدث في المركبات أحوال ~~ومناسبات. فهم الأسباب الأول، والكل مسبباتها، والمسبب لا يساوي ~~السبب، والجسمانيون مشخصون بالأشخاص السفلية والمتشخص كيف يماثل ~~الغير المتشخص. # وإنما يجب على الأشخاص في أفعالهم وحركاتهم اقتفاء آثار الروحانيات في ~~أفعالها وحركاتها، حتى يراعى أحوال الهياكل وحركات أفلاكها زمانا ~~ومكانا، وبخورا وتعزيما، وتنجيما ودعاء وحاجة خاصة بكل هيكل، فيكون ~~التقرب إلى هيكل من الهياكل تقربا إلى الروحاني الخاص به، الموكل ~~عليه، ومنه تقربا إلى رب الأرباب، ومسبب الأسباب، حتى يقضي حاجته، ~~ويتم مسألته. # أجابوا بأن قالوا: الآن نزلتم عن نيابة الروحانيات الصرفة إلى نيابة ~~هياكلها، وتركتم مذهب الصبوة الصرفة، فإن الهياكل أشخاص الروحانيين، ~~والأشخاص هياكل الربانيين، غير أنكم أثبتم لكل روحاني هيكلا ~~خاصا، له فعل خاص لا يشاركه فيه غيره. # ونحن نثبت أشخاصا رسلا، كراما، تقع أوضاعهم وأشخاصهم في مقابلة كل ~~الكون الروحاني والهياكل، وحركاتهم في مقابلة حركات جميع الكواكب ~~والأفلاك، وشرائعهم مراعاة حركات أسندت إلى تأييد إلهي، ووحي سماوي، ~~موزونة بميزان العدل، مقدرة على مقادير الكتاب الأول؛ ليقوم الناس ~~بالقسط، ليست مستخرجة بالآراء المظلمة، ولا مستنبطة بالظنون الكاذبة إن ~~طابقتها على المعقولات تطابقتا، وإن وافقتها بالمحسوسات توافقتا. # كيف ونحن ندعي أن الدين الإلهي هو الموجود الأول، والكائنات تقدرت ~~عليه، وأن المناهج التقديرية هي الأقدم، ثم المسالك الخلقية، والسنن ~~الطبيعية توجهت إلينا، ولله تعالى سنتان في خلقه وأمره، والسنة ~~الأمرية أقدم وأسبق من السنة الخلقية، وقد اطلع خواص عباده على ~~السنتين # ولن تجد لسنة الله تحويلا # [فاطر:43] هذا من جهة الخلق # فلن تجد لسنة الله تبديلا # [فاطر:43] - هذا من جهة الأمر-. # والأنبياء (عليهم السلام) متوسطون في تقرير سنة الأمر، والملائكة ~~(عليهم السلام) ms0614 متوسطون في تقرير سنة الخلق، والأمر أشرف من ~~الخلق، فمتوسط الأمر أشرف من متوسط الخلق، فالأنبياء أفضل من ~~الملائكة. # وهذا عجيب؛ حيث صارت الروحانيات الأمرية متوسطات في الخلق، وصارت ~~الأشخاص الخلقية متوسطين في الأمر، ليعلم أن الشرف والكمال في التركيب ~~لا في البساطة، وأن اليد للجسماني لا للروحاني، والتوجه إلى التراب أولى ~~من التوجه إلى السماء، والسجود لآدم من إبليس أفضل له من التسبيح ~~والتقديس. # وليعلم أن الكمال في إثبات الرجال - لا في تعيين الهياكل والظلال - ~~وأنهم هم الآخرون وجودا وعملا، والسابقون فضلا وعلما، وأن آخر العمل ~~أول الفكرة، وأن الفطرة لمن له الحجة، وأن المخلوق بيديه لا يكون ~~كالمكون بحرفيه، كما قال تعالى: وعزتي وجلالي لا أجعل من خلقته ~~بيدي كمن قلت له " كن " فكان. # الوجه الثامن: إن الناس متماثلون في الحقيقة الإنسانية والبشرية، ~~ويشملهم حد واحد، وهو " الحيوان الناطق المائت " والنفوس والعقول ~~متساوية في الجوهرية، فحد النفس بالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان، ~~والحيوان، والنبات أنه " كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة ". ~~وبالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان والملائكة " أنه جوهر غير جسم، هو كمال ~~الجسم، محرك له بالاختيار عن مبدإ نطقي أي عقلي بالفعل أو بالقوة ". ~~فالذي هو بالفعل خاصية النفس الملكية، والذي بالقوة هو فصل النفس ~~الإنسانية. # وأما العقل فقوة أو هيئة لهذه النفس، مستعدة لقبول ماهيات الأشياء، ~~مجردة عن المواد، والناس في ذلك على استواء من القدم، وإنما الاختلاف ~~يرجع إلى أحد أمرين: أحدهما اضطراري - وذلك من جهة المزاج والاستعداد - ~~والثاني: اختياري، من حيث الاجتهاد، المؤثر في رفع الحجب المادية، ~~وتصقيل النفس عن الصدإ المانع لارتسام الصور المعقولة، حتى لو بلغ ~~الاجتهاد إلى غاية الكمال تساوت الأقدام، وتشابهت الأحكام، فلا يتفضل ~~بشر على بشر بالنبوة، ولا يتحكم أحد على أحد بالاستتباع. # أجابوا: التماثل والتشابه في الصور البشرية مسلم لا مرية فيه، وإنما ~~التنازع بيننا في النفوس والعقول قائم، فإنها عندنا على التضاد ~~والترتيب. # وذلك أن النفس - كما علم من كلامكم أيضا - لفظ مشترك يطلق تارة ms0615 ~~لمعنى بين الإنسان والحيوان، وتارة لمعنى بين الإنسان والملك - على ~~مساق حدودكم - فهلا زدتم قسما ثالثا - وهو النفس النبوية - حتى ~~يتميز به عن الملكية، كما يتميز الملكي عن الإنساني؟! فإن عندكم ~~المبدأ النطقي للإنسان بالقوة، والمبدأ العقلي للملك بالفعل، فقد ~~تغايرا من هذا الوجه، ومن جهة أن الموت الطبيعي يطرأ على الإنسان، ولا ~~يطرأ على الملك، وذلك تمييز آخر. # فليكن في النفس النبوية مثل هذا الترتيب. # وأما الكمال الذي تعرضتم له، فإنما يكون كمالا للجسم المختار إذا كان ~~اختيار المحرك محمودا، وأما إذا كان مذموما من كل وجه صار الكمال ~~نقصا، وبذلك يقع التضاد بين النفس الخيرة والشريرة، حتى تكون إحداهما ~~في جانب الملكية، والأخرى في جانب الشيطانية، فيحصل التضاد المذكور، ~~كما حصل الترتيب المذكور. # وأما ما ذكره المتكلم الصابي من حد العقل: " أنه قوة أو هيئة للنفس ~~مستعدة لقبول ماهيات الأشياء مجردة عن المواد ". فغير شامل لجميع ~~العقول عنده، ولا عند الحنيف، بل هو تعرض للعقل الهيولاني دون سائر ~~العقول من العقل النظري، والعملي، وما بالملكة، والذي هو بالفعل، والذي ~~هو المستفاد، والذي هو الفعال للعلوم التفصيلية، التي وجودها نفس ~~معقوليتها، ولا خلاف بينهم في أن هذه العقول قد اختلفت حدودها، وتباينت ~~فصولها. # فأخبرني أيها الحكيم من أي عقل تعد عقلك أولا؟ هل ترضى أن يقال ~~لك: " تساوت الأقدام في العقول، حتى يكون عقلك بالفعل والاستفادة، كعقل ~~غيرك بالقوة والاستعداد، بل واستعداد عقلك لقبول المعقولات كاستعداد عقل ~~غبي غوي لا يرد عليه برادة ولا ينفك الخيال عن عقله، كما لا ينفك ~~الحس عن خياله. # وإذا كانت الأقدام متساوية فما هذا الترتيب في الأقسام؟ وإذا ثبت ~~ترتبا في العقول فبالضرورة أن ترتقي في الصعود إلى درجة الاستقلال ~~والإفادة، وتنزل في الهبوط إلى درجة الاستعداد والاستفادة. # الوجه التاسع: قالت الصابئة: إذا أبطلتم تساوي العقول والنفوس بإثبات ~~الترتيب والتضاد، فقد لزم الاتباع، فأخبرونا ما رتبة الأنبياء ~~بالنسبة إلى نوع الإنسان؟ وما رتبتهم بالنسبة إلى الملك والجن وسائر ~~الموجودات؟ # ثم ما مرتبة النبي ms0616 (صلى الله عليه وآله) عند الباري سبحانه؟ فإن ~~عندنا الروحانيات أعلى مرتبة من جميع الموجودات، وهم المقربون في ~~الحضرة الإلهية، والمكرمون لديه. ونراكم تارة تقولون: " إن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) متعلم من الروحاني " ونراكم تارة تقولون: " إن ~~الروحاني يتعلم من النبي (صلى الله عليه وآله) "؟ # أجابت الحنفاء: بأن الكلام في المراتب صعب، ومن لم يصل إلى رتبة؛ ~~كيف يمكنه أن يستوفي الكلام في أقسامها، لكنا نعرف أن رتبة النبي (صلى ~~الله عليه وآله) بالنسبة إلينا كرتبتنا بالنسبة إلى من هو دوننا في ~~الجنس - كالحيوانات - وكما أنا نعرف أسامي الموجودات ولا يعرفها ~~الحيوانات، كذلك هم يعرفون حقائق الأشياء ووجوه المصالح في الحركات، ~~وحدودها وأقسامها، ونحن لا نعرفها. # وكما أن النوع الإنساني يستخدم الحيوانات ويملكها بالتسخير، فالأنبياء ~~ملوك الناس بالتدبير، وكما أن حركات الناس معجزات الحيوان، كذلك حركات ~~الأنبياء (عليهم السلام) معجزات الناس، فالحيوانات لا يمكنها أن تبلغ ~~إلى الحركات الفكرية حتى تميز الحق من الباطل، ولا الحركات القولية ~~حتى تميز الصدق من الكذب، ولا الحركات الفعلية حتى تميز الخير من ~~الشر. # فكذلك قياس حركات الأنبياء (عليهم السلام)، لأن منتهى فكرهم لا غاية ~~له، وحركات أفكارهم في محال القدس مما تعجز عنها قوة البشر حتى يسلم: ~~" لهم مع الله وقت لا يسعهم فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ". # وكذلك حركاتهم القولية والفعلية، لا تبلغ إلى غاية انتظامها وجريانها ~~على سبق الفطرة حركة كل البشر، وهم في الرتبة العلياء والدرجة الأولى ~~من درجات الموجودات كلها، قد أحاطوا علما بما أطلعهم الرب تعالى على ~~ذلك دون غيرهم من الملائكة والروحانيين، ففي الأول يكون حالهم حال ~~المتعلم # علمه شديد القوى # [النجم:5]. وفي الآخر حالهم حال التعليم، وذلك في حق آدم (عليه ~~السلام): # يآءادم أنبئهم بأسمآئهم # [البقرة:33]. حين كان الأمر على بدء الظهور والكشف، فانظر كيف يكون ~~الحال في نهاية دور الظهور. # وأما إضافتهم إلى جناب القدس فالعبودية الخالصة: # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # [الزخرف:81]. قالوا: " إنا عباد مربوبون وقولوا في فضلنا ms0617 ما شئتم " ~~أحق الأشياء لهم وأخص الأحوال بهم " عبده ورسوله " لا جرم كان أخص ~~التعريفات بجلاله تعالى بأشخاصهم: إله إبراهيم. وإله إسمعيل وإسحق. وإله ~~موسى وهارون. وإله عيسى. وإله محمد - صلى الله عليه وآله وعليهم. # وكما أن من العبودية ما هو عام الإضافة، ومنها ما هو خاص الإضافة، ~~كذلك التعريف إلى الخلق بالإلهية والربوبية، والتجلي للعباد ~~بالخصوصية منه ما له عموم # رب العالمين # [الفاتحة:2]. ومنه ما له خصوص # رب موسى وهارون # [الأعراف:122]. # فهذه نهاية مذهبي الصابئين والحنفاء في باب المفاضلة بين الملائكة ~~والبشر، وفيها فوائد لا تحصى، ولهذا وقع في الرواية هذا التطويل، ~~وليعذرنا فيه أهل الدراية والتحصيل. # فصل # في أقوال علماء الإسلام القائلين بأن الملك أفضل من البشر # إعلم أن جماعة من أهل الشريعة كأكثر الأشاعرة موافقا لمذهب أصحابنا ~~الإمامية كالشيخ المفيد، والسيد المرتضى، وأبي جعفر الطوسي - رضوان ~~الله عليهم - احتجوا بأمر الله للملائكة بالسجود لآدم (عليه السلام) على ~~أنه أفضل منهم، فذهبوا إلى أن الأنبياء (عليهم السلام) أفضل من ~~الملائكة، وقالت المعتزلة، وأبو بكر الباقلاني من الأشاعرة وأبو عبد الله ~~الحليمي من فقائهم: " بل الملائكة العلوية أفضل ". ولكل من الطائفتين ~~وجوه من الاحتجاج والاستدلال، نذكرها تلخيصا وتهذيبا. # فحجة القائلين بأن الملائكة أفضل من وجوه: # الأول قوله تعالى: # ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته # [الأنبياء:19] إلى قوله: - # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء:20] والاستدلال به من وجهين: # أحدهما: أن هذه العندية معلوم أنها ليست مكانية - لتعاليه سبحانه ~~عن المكان والجهة - فيكون عندية شرفية، ودنوا معنويا، فعلم أن ~~للملائكة هذا القرب والشرف حاصل - دون غيرهم -. # وقد عورض هذا بقوله في صفة المؤمن بحسب الآخرة: # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر:55]. وأما في الدنيا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حكاية ~~عن الله تعالى: # " أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي " # وهذا أكثر إشعارا بالتعظيم، لأن كون الله عند أحد أعظم إجلالا من ~~كونه عند الله. # وثانيهما: أنه تعالى احتج بعدم استكبارهم على أن غيرهم وجب أن لا ~~يستكبر وهذا الاستدلال ms0618 إنما يتم إذا كانوا أفضل من البشر كما لا يخفى. # ولأحد أن يقول: لا نزاع في أن الملك أشد قوة وقدرة من البشر، ويكفي ~~في صحة الاحتجاج هذا القدر من التفاوت، إنما النزاع في الأفضلية بمعنى ~~الشرف والقرب، أو كثرة المثوبات. # الثاني: عبادات الملائكة أشق من عبادات البشر، فيكونون أكثر ثوابا من ~~البشر. أما الصغرى فلوجوه: # أحدها: أن ميلهم إلى التمرد أشد، لأن العبد السليم الآفات، المستغني ~~عن طلب الحاجات، يكون أميل إلى التنعم والالتذاذ من المنغمر في الحاجات، ~~فيكون كالمضطر إلى عبادة مولاه والالتجاء إليه ولهذا قال تعالى: # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # [العنكبوت:65]. # ومعلوم أن الملائكة سكان السماوات، وهي جنان وبساتين ومواضع نزهة، ~~وهم آمنون من الفقر والحرص، ثم إنهم مع ذلك أبدا مذ خلقوا مشغولون ~~بالعبادة، خاشعون، وجلون، كأنهم مسجونون، لا يلتفتون إلى نعيم الجنان ~~واللذات، بل مقبلون على الطاعات الشاقة، موصوفون بالخوف الشديد، والفزع ~~العظيم، وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوما واحدا، ~~ويؤيده قصة آدم وحواء (عليهما السلام)، وتناولهما لما نهيا عن أكله. # وأما الكبرى فلما ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله): # " أفضل الأعمال أحمزها " # أي أشقها. # وثانيها: إن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر أروح له، ~~وأسهل عليه من الادامة على عمل واحد، ولهذا السبب جعلت التصانيف مقسومة ~~بالأبواب والفصول، وجعل كتاب الله مقسوم الأبواب بالسور والأعشار ~~والأخماس، ثم إن الملائكة كل منهم مواظب على عمل واحد لا يعدل إلى ~~غيره - كما مر - فعبادتهم في نهاية المشقة، فيكون ثوابهم أفضل، لما ~~مر. # ولقائل أن يقول على الوجهين: هب أن مشقتهم أكثر، فلم قلتم: " فيكون ~~ثوابهم أكثر؟ ". وذلك لأنا نرى بعض المتصوفة يتحملون من المشاق، ~~والمتاعب في طريق مجاهدتهم ما نقطع بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~لم يتحمل شطر ذلك، مع أنا نقطع بأن درجتهم لا تبلغ جزءا من ألف جزء ~~من درجة النبي ms0619 (صلى الله عليه وآله). # فعلم أن كثرة المشقة في العبادة لا تقتضي زيادة الثواب، بل مبناها على ~~الدواعي والقصود، فلعل الفعل الواحد يأتي به المكلفان على السواء، ~~والثواب لأحدهما أعظم بكثير من الآخر، لأن إخلاص أحدهما أشد. # على أنا لا نسلم أن عبادات الملائكة أشق، وما ذكرتم في بيانه " من ~~أن السماوات كالبساتين النزهة، والمواضع الطيبة، وأن أسباب التنعم إذا ~~كانت كثيرة صعب تركها اشتغالا بالعبادة " معارض بأن أسباب البلاء ~~مجتمعة على البشر، ومع ذلك لا يمنعهم ذلك، ويرضون بقضاء الله ويواظبون ~~على العبادة، وهذا أدخل في استحقاق الأجر والثواب. # وأما قولهم: " المواظبة على نوع واحد شاقة ". معارض بأن الشيء إذا ~~صار عادة صار كالأمر الطبيعي في نهاية السهولة، وكان خلافه صعبا، ~~ولهذا قيل: " العادة كالطبيعة الثانية ". ولذلك نهى النبي (صلى الله ~~عليه وآله) عن الوصال في الصوم، وقال أفضل الصوم صوم داود (عليه ~~السلام)، وهو أن يصوم يوما ويفطر يوما. # أقول: العبادة والتسبيح منهم كالغذاء والتنفس منا ليس يعود عليهم لأجل ~~ذلك تعب ومشقة. # الثالث: قالوا: عبادات الملائكة أدوم، فكانت أفضل: أما الأول فلقوله: # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء:20]. وأما الثاني: فلأن الأدوم أشق، والأشق أفضل - كما ~~مر تقريره -. # وفيه أيضا ما سبق، ولأنه قال (صلى الله عليه وآله): # " أفضل العباد من طال عمره، وحسن عمله " # وقال عليه وآله السلام: # " الشيخ في قومه كالنبي في أمته " # وهذا يقتضي أن يكونوا في البشر كالنبي في الأمة. وذلك يوجب فضلهم على ~~البشر. # ولقائل أن يجيب عنه بالنقض والحل: # أما النقض: فلأن كثيرا من الأنبياء (عليهم السلام) كانوا أطول عمرا ~~من محمد (صلى الله عليه وآله)، فلزم أن يكونوا أفضل منه، وهو باطل ~~بالاتفاق. # أما الحل: فلأن المراد من الحديث الأول أن العباد إذا كانوا ~~متساوين في الإيمان، والإخلاص، وسائر ما يناط بالعبودية، ثم كان بعضهم ~~أدوم عبادة كان أفضل، دل عليه قوله: " وحسن عمله ". # ومن الثاني: أن الشيخ في قومه إذا كان مثلهم، أو أزيد منهم في رتبة ~~العلم والعمل ms0620 كان كذلك. # الرابع: إنهم أسبق السابقين في كل العبادات، لا خصلة من الخصال إلا ~~وهم أئمة متقدمون فيها، وهم المنشئون العامرون لمساجد الله، والممهدون ~~لطرق الدين، والسبقة في العبادة جهة تفضيل وتعظيم لقوله: # والسابقون السابقون أولئك المقربون # [الواقعة:10 - 11]. وكذا التمهيد لها، لقوله (صلى الله عليه وآله): # " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة " # فهذا يقتضي أن يكون قد حصل للملائكة من الثواب كل ما حصل للأنبياء مع ~~زيادة. # أقول: هذا الوجه قوي جدا، ولهذا لم يذكر أحد جوابا عنه. والجواب كما ~~يعرفه المحققون ويتحققه المكاشفون أن ذوات الأنبياء (عليهم السلام) ~~بما لهم من الزلفى عند الله هي نتائج عبادات الملائكة وجزاء أعمالهم، ~~وغاية مساعيهم العائدة إليهم، والغاية أفضل من ذي الغاية كما ثبت في ~~الحكمة الإلهية. # الخامس: إن الملائكة رسل الله إلى الأنبياء (عليهم السلام)، والرسول ~~أفضل من الأمة. أما الأول فلقوله: # علمه شديد القوى # [النجم:5]. وقوله: # نزل به الروح الأمين على قلبك # [الشعراء:193 - 194]. وأما الثاني فبالقياس على الأنبياء من البشر، ~~فإنهم أفضل من أممهم، فكذا هاهنا. # ولقائل أن يقول: أفضلية الأنبياء على أممهم لا نسلم أنها من جهة ~~الرسالة وتبليغ الأمر، بل لما علم من حالهم وقربهم بما أبدوه من ~~المعجزات والكرامات. # بل ربما قيل: إن السائس للدواب خادم لها من هذا الوجه، والخادم - بما ~~هو خادم - أنقص منزلة من مخدومه، إلا أن لخادم الدابة جهة إنسانية ~~في نفسه بها يكون فضيلته على الدابة، فكذا حال النبي (صلى الله عليه ~~وآله) مع الأمة، قال (صلى الله عليه وآله): # " تناكحوا وتناسلوا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ". # السادس: الملائكة أنقى من البشر، فوجب أن يكونوا أفضل منهم. # أما تقواهم، فلأنهم مبرؤون عن الزلات وعن الميل إليها، وأما الأنبياء ~~فإنهم وإن كانوا معصومين عن الكبائر - بل وعن الصغائر أيضا كما ذهبت ~~إليه الإمامية - لكنهم لم يخلوا عن الميل إليها بحسب الطبيعة البشرية، ~~فثبت أن تقوى الملائكة أشد. # وأما كون الأتقى أفضل، لقوله تعالى: # إن أكرمكم ms0621 عند الله أتقاكم # [الحجرات:13]. # فالجواب: لا نسلم أن تقواهم أشد، وذلك لأن التقوى مشتق من الوقاية، ~~وكلما كانت الدواعي والشهوات أكثر كانت التقوى عنها أشد، ولما كان ~~المقتضي للمعصية في حق البشر أكثر، كانت تقوى المتقين منهم أكثر. # فإن قيل: لا نسلم عدم الداعية فيهم أصلا، لكن لا شهوة لهم إلى الأكل ~~والشرب والمباشرة، ولهم شهوة التقدم والرياسة. # قلنا: هذا لا يضرنا لأن هذه الشهوة مشتركة بين الفريقين، وقد حصلت ~~للبشر أنواع أخر من الشهوات الصارفة عن الطاعات، كشهوة البطن، والفرج، ~~وغيرهما فيكون فضيلة التقوى في البشر أشد وأقوى. # السابع: قوله تعالى: # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون # [النساء:172] وجه الاستدلال به أن قوله: # ولا الملائكة المقربون # [النساء:172]. خرج مخرج التأكيد للأول، ومثل هذا التأكيد إنما يكون ~~بذكر الأفضل، كما في قولك: " هذه الخشبة لا يقدر على حملها العشرة، ~~ولا المأة ". وكذا في كثير من الأمثلة. # ولقائل أن يقول: هذه الآية إن دلت فإنما تدل على فضل الملائكة ~~المقربين على المسيح (عليه السلام)، لا على من هو أفضل منه - وهو نبينا ~~(صلى الله عليه وآله)، وموسى، وإبراهيم (عليهما السلام) - وبالجملة، فلو ~~ثبت أن المسيح أفضل من كل الأنبياء (عليهم السلام) كان مقصودهم ~~حاصلا، وإلا فلم يحصل. # ثم نقول: قوله: { ولا الملائكة } ليس فيه إلا واو العطف، التي ~~لمطلق الجمعية، والأمثلة الجزئية غير مفيدة في الدعوى الكلية، على ~~أنها معارضة بأمثلة أخرى، كقولك: " ما أعانني على هذا الأمر زيد ~~ولا عمرو " فهذا لا يفيد أفضلية عمرو من زيد. # سلمنا أنه يفيد التفاوت - أما أنه من جميع الوجوه، أو من جهة كثرة ~~الثواب فغير مسلم. والسند أن النصارى لما شاهدوا من المسيح، ~~إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، أخرجوه من العبودية إلى ~~المعبودية بسبب هذا القدر من القدرة، فقال تعالى: إن عيسى لا يستنكف ~~بسبب هذا القدر من القدرة عن عبوديتي، بل ولا الذين هم فوقه في القوة، ~~والقدرة، والاستيلاء على عالم السماوات والأرضين، فعلى هذا الوجه دلت ~~الآية ms0622 على أنهم أفضل من البشر في القوة والشدة، لا في كثرة الثواب كما ~~هو المقصود. # وهاهنا وجهان آخران في الجواب: # أحدهما: إن الآية دلت على أن مجموع الملائكة أفضل من المسيح (عليه ~~السلام) لا كل واحد. # وثانيهما: لعل خطاب الله كان مع أقوام اعتقدوا فضل الملك على البشر، ~~فأورد الكلام على حسب معتقدهم، كما في قوله تعالى: # وهو أهون عليه # [الروم:27]. # الثامن: قوله تعالى حكاية عن إبليس: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين # [الأعراف:20]. وهذا وإن كان قول إبليس - وهو ليس بحجة - إلا أن آدم ~~وحواء (عليهما السلام) لو لم يكونا معتقدين، " أن الملك أفضل من البشر ~~" لم يكن إبليس يغترهما بذلك، ولا كانا اغترا بذلك. # والجواب: أولا: إن آدم (عليه السلام) لم يكن نبيا حينئذ، فلم يثبت ~~فضل الملائكة على الأنبياء من كونهم أنبياء. # وثانيا: إن ما ذكر لا يدل على كون الملك أفضل عاقبة وأعظم مثوبة ~~عند الله، بل إن لهم ضروبا من الفضيلة غير ذلك، ولا شبهة لأحد في أن ~~لهم جهات فصل بالفعل على نوع البشر كالقوة، والقدرة، والحسن، ~~والجمال، والصفاء، والنقاء من الكدورات المزاجية، والأمراض، ~~والعاهات، وغيرها، فلأجلها رغب آدم (عليه السلام) في أن يكون مثلهم في ~~العاجل وإن كان أفضل منهم في الآجل. # التاسع: قوله تعالى: # قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول لكم إني ملك # [الأنعام:50]. لم يرد به نفي الصورة، إذ لا يفيد الغرض، وإنما نفى ~~أن يكون له مثل ما لهم من الصفات الكمالية. # والجواب: إن الصدق حاصل بنفي المماثلة في الصفات من كل الوجوه، ولا ~~دلالة فيه على وقوع التفاوت بينهما في كل الصفات. # العاشر: قوله: # ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم # [يوسف:31]. # والجواب: إن المراد المشابهة في الصورة الظاهرة أو في المجموع من ~~الصورة الحسنة والسيرة الكريمة، ولا يلزم منه أن يكون المشبه به أقوى ~~في الأخيرة، سيما ما يكون بمعنى كثرة الثواب. # الحادي عشر: قوله تعالى: # وفضلناهم ms0623 على كثير ممن خلقنا تفضيلا # [الإسراء:70]. وظاهر أن ما عدا هذا الكثير المفضل عليه، لا يمكن أن ~~يكون إلا الملائكة، لسقوط غير المكلف عن درجة الاعتبار، وانحصار جنس ~~المكلف في أربعة أنواع، ولا شك أن الإنس أفضل من الجن والشياطين، ~~فلو كان أفضل من الملك أيضا لكان أفضل من جميع المخلوقات، وحينئذ لم ~~يبق للتقييد بالكثير فائدة فعلم أن الملك أفضل من البشر. # وأجيب عنه بجوابين: # أحدهما: أن في الكلام تمسكا بدليل الخطاب، وهو ضعيف لا يعول عليه ~~في العقائد الكلية. # وثانيهما: إنه لا يلزم منه إلا تفضيل الجنس على الجنس لا تفضيل الكل ~~على الكل. # الثاني عشر: إن الأنبياء (عليهم السلام) ما استغفروا لأحد إلا بدؤوا ~~بالاستغفار لأنفسهم، ثم للمؤمنين. قال آدم: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف:23]. وقال نوح: # رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا # [نوح:28]. وقال إبراهيم: # ربنا اغفر لي ولوالدي # [إبراهيم:41]. وقال موسى: # رب اغفر لي ولأخي # [الأعراف:151]. وقال تعالى لمحمد (صلى الله عليه وآله) وعليهم وآلهم: # واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات # [محمد:19]. # أما الملائكة فلم يستغفروا إلا لغيرهم من المؤمنين، كما حكى الله عنهم ~~بقوله # فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم ~~عذاب الجحيم # [غافر:7]. وقال: # ويستغفرون للذين آمنوا # [غافر:7]. ولو كانوا محتاجين إلى الاستغفار، لبدؤوا أولا لأنفسهم ثم ~~لغيرهم، لأن دفع الضرر عن النفس مقدم على دفعه عن الغير، لقوله (صلى ~~الله عليه وآله) # " إبدأ بنفسك " # فهذا يدل على أنهم أفضل من البشر. # والجواب - بعد تسليم دلالة عدم الاستغفار على عدم الزلة - لا نسلم ~~أن التفاوت في ذلك مناط الأفضلية كما تقدم، ومنهم من قال إن ~~استغفارهم للبشر كالعذر لما طعنوا فيهم. # الثالث عشر: قوله تعالى: # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين # [الانفطار:10 - 11]. وهذا عام للجميع، فيدخل فيهم الأنبياء (عليهم ~~السلام) وغيرهم. وجه دلالته على أفضليتهم بوجهين: # أحدهما: إن الحافظ للشيء يجب أن يكون أبعد من الخطإ، والزلة، ~~والمعصية، من المحفوظ، فيكون أفضل. # وثانيهما: إنه تعالى جعل كتابتهم حجة للبشر وعليهم في الطاعات ~~والمعاصي، فقولهم أقوى بالقبول ms0624 من قول البشر، فهذا يدل على أنهم أعظم ~~قدرا. # وقد أجيب بمنع كلا الوجهين، مسندا بأن الملك قد يوكل بعض عبيده على ~~حفظ ولده، فلا يلزم أن يكون الحافظ أشرف من المحفوظ، وبأن الشاهد قد ~~يكون أدون حالا من المشهود له وعليه. # أقول: وكلا المنعين مكابرة في الأفاعيل الذاتية الطبيعية. قياسا على ~~الأفاعيل الصناعية الكسبية. # الرابع عشر: قوله تعالى: # يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون # [النبأ:38]. والمقصود من ذكر أحوالهم شرح عظمته تعالى يوم الآخرة، ولو ~~كان في الخلق طائفة، قيامهم وتضرعهم أقوى في ذلك من قيامهم لكان ذكرهم ~~أولى. # وأجيب بمثل ما مر من أن المزية لهم من بعض الوجوه، لا ينافي ~~المفضولية من جهة الشرف والمثوبة. # الخامس عشر: قوله تعالى: # والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله # [البقرة:285]. بين أنه لا بد في صحة الإيمان الاذعان بوجود هذه ~~الأشياء، ثم بدأ بنفسه، وثنى بالملائكة، وثلث بالكتب، وربع بالرسل. ~~وكذا في قوله تعالى: # شهد الله أنه # [آل عمران:18]. الآية والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الدرجة. # وأجيب: بأن الحجة ضعيفة، لأنها منقوضة بكثير من المواضع، منها ~~تقديم " سورة تبت " على " سورة التوحيد ". # السادس عشر: قوله تعالى: # إن الله وملائكته يصلون على النبي # [الأحزاب:56]. فجعل صلواتهم كالتشريف للنبي، فيكونون أشرف. # وأجيب: بأنه منقوض بقوله: # يأيها الذين آمنوا صلوا عليه # [الأحزاب:56]. # السابع عشر: يتكلم في المفاضلة بين جبرائيل ومحمد (صلى الله عليه ~~وآله)، فيدل على تفضيل جبرائيل قوله تعالى: # إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون # [التكوير:19 - 22]. # وصف جبرائيل (عليه السلام) بستة أوصاف شريفة من أوصاف الكمال. ووصف ~~محمدا (صلى الله عليه وآله) بصفة واحدة - هي عدم آفة الجنون - ولو كانا ~~متساويين في الكمال، لكان وصفه (صلى الله عليه وآله) بهذه الصفة الواحدة، ~~بعد وصف جبرائيل بهذه الصفات، حطا لشأنه، وتحقيرا لمنصبه، وابطالا ~~لحقه؛ وهو غير جائز عليه تعالى، فدلت الآية على كون جبرائيل أفضل منه ~~(صلى الله عليه وآله). ms0625 # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون تلك النعوت لمحمد (صلى الله عليه وآله)؟ # قلنا: لأن قوله: # ولقد رآه بالأفق المبين # يدفع هذا الاحتمال. # والجواب: إنكم توافقونا في أن لمحمد (صلى الله عليه وآله) فضائل ~~أخرى، لم تذكر في هذا الموضع، فلم لا يجوز أن يكون هو بتلك الفضائل ~~أفضل من جبرائيل؟ فإنه تعالى كما وصف جبرائيل هاهنا بهذه الصفات الست، ~~وصف محمدا صلوات الله عليه وآله بصفات ست في قوله: # إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # [الأحزاب:45 - 46]. # وبالجملة - فإفراد أحد الشخصين بالوصف في مقام لا يدل على انتفاء تلك ~~الأوصاف عن الثاني. # الثامن عشر: المعلم أعلم من المتعلم، والأعلم أفضل، سيما في العلوم ~~المتعلقة بذات الله تعالى، وصفاته، وآياته، كالعلم بأحوال العرش، ~~والكرسي، والسماوات واللوح والقلم، والجنة والنار، وأصناف الملائكة ~~والجن، وأنواع الحيوانات وغيرها. # ثم العلوم قسمان: قسم لا يعرف إلا بالوحي، فهو لم يحصل لمحمد (صلى ~~الله عليه وآله) إلا من جهة الملك - سيما جبرائيل (عليه السلام) - ~~فيستحيل أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله)، أفضل من جبرائيل (عليه ~~السلام)، بل هو الواسطة بين الله وبينه (صلى الله عليه وآله)، ولكونه ~~عالما بجميع الشرائع الماضية والحاضرة، وعالما أيضا بشرائع ~~الملائكة، وأديانهم، وسننهم، فيكون أكثر علما، فيكون أفضل، لقوله ~~تعالى: # هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر:9]. # وقسم يمكن تحصيله بالعقل، فلا شك أيضا أن جبرائيل (عليه السلام) أعرف ~~فيها، لطول عمره، وكثرة مشاهدته إياها، فكان أفضل فيها. # والجواب: إن كون المعلم - من جهة كونه معلما - أفضل من المتعلم وقت ~~التعليم - وإن كان مسلما - لكن يجوز أن يصير المتعلم في مقام آخر، ~~ووقت آخر أعلم وأفضل من المعلم. # ولا نسلم أيضا أن الملائكة أعلم من البشر في معرفة الأشياء وخواصها، ~~بدليل استفادتهم علوم الأسماء من آدم (عليه السلام)، كما في قوله تعالى: # يآءادم أنبئهم بأسمآئهم # [البقرة:33]. # ثم إن سلمنا مزيد علمهم ولكن ذلك لا يقتضي كثرة الثواب، لأن مبناه ~~على الإخلاص في العمل، ms0626 ولا نسلم أن إخلاص الملائكة أكثر. # أقول: إنكار أن يكون زيادة العلم المتعلق بأحوال المبدإ والمعاد، ~~مقتضية لزيادة الشرف والثواب مكابرة صرفة، فإن هذا النحو من العلم ~~اينما تحقق فهو عين الشرف والثواب، وكان الإخلاص من لوازمه الضرورية، ~~فلا حاجة إلى التقييد بها. والأولى في الجواب الاكتفاء بمنع كون الملائكة ~~أكثر علما، فيما يتعلق بأحوال المبدإ والمعاد من الأنبياء (عليهم ~~السلام). # التاسع عشر: قوله تعالى: # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم # [الأنبياء:29]. دلت الآية على أنهم بلغوا في الرتبة إلى حد أنهم لو ~~خالفوا أمر الله لما خالفوه إلا بادعاء الإلهية - لا بشيء آخر من ~~متابعة الشهوات - وذلك يدل على نهاية جلالتهم. # وأجيب: بأن علو درجتهم في القوة والجلالة، والتبري عن آفات الشهوة ~~مسلم، لكن الخلاف معكم في كثرة الثواب. # العشرون: قول النبي (صلى الله عليه وآله) رواية عن الله تعالى: # " وإذا ذكرني عبد في ملإ ذكرته في ملإ خير من ملئه " # وهذا يدل على أن الملائكة العلوية أشرف. # وأجيب عنه بوجهين: # أحدهما: إنه خبر واحد لا يعول عليه في الأصول. # وثانيهما: إن هذا يدل على أن ملأ الملائكة أفضل من ملإ البشر، وملأ ~~البشر ومحتشدهم عبارة عن مجمع العوام - لا الأنبياء - فلا يلزم من كون ~~الملائكة أفضل من عوام البشر كونهم أفضل من الأنبياء (عليهم السلام). # أقول: هذا الخبر وإن كان آحاديا، إلا أنه مع انضمام سائر الأخبار ~~والآيات يؤثر تأثيرا عظيما في كون الملك أفضل من البشر. # وأيضا مؤيد بما ذكره الشيخ محيي الدين الأعرابي في الفتوحات، وهو ~~عندنا من أهل المكاشفة: # " إني سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك في الواقعة، فقال ~~لي: إن الملائكة أفضل. # فقلت: يا رسول الله - فإن سئلت: " ما الدليل على ذلك؟ فما أقول؟ # فأشار إلي: " أن علمتم أني أفضل الناس، وقد صح وثبت عندكم فهو صحيح ~~أني قلت عن الله إنه قال: " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ~~ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ ms0627 خير منهم " وكم ذاكر لله تعالى في ملإ أنا ~~فيهم، فذكره الله تعالى في ملإ خير من ذلك الملإ الذي أنا فيهم ". # فما سررت بشيء سروري بهذه المسألة " - انتهى. # ويعلم من كلامه تفضيل آحاد الملائكة على آحاد الأنبياء، لا المجموع على ~~المجموع فقط. # فهذا آخر الكلام في الدلائل النقلية في ترجيح الملك وما فيها وستسمع ~~منا بيان التحقيق في هذه المسألة ورجحان جانب الأنبياء (عليهم السلام)، ~~على معنى لا ينافي أمثال هذه الأخبار والآيات المذكورة. # فصل # في حجة القائلين بفضل الأنبياء عليهم السلام على الملائكة # وهي من وجوه: # أحدها - وهو العمدة - إن الله أمر الملائكة بالسجدة لآدم (عليه ~~السلام)، وثبت أنه لم يكن كالقبلة، بل كانت السجدة في الحقيقة له، وهي ~~نهاية التواضع، وتكليف الأشرف بنهاية التواضع للأدني مستقبح في العقول، ~~فدل ذلك على أن آدم أفضل منهم. # وأجيب: # تارة بما قال بعض الناس - كما سبق - إن المراد من السجود هو التواضع ~~لا وضع الجبهة على الأرض. # وتارة - كما سبق أيضا - بأن السجود منهم وإن كان بذلك المعنى لكنه ~~كان لله، لا لآدم. وكان آدم كالقبلة للسجود. # وتارة بأن السجود - وإن كان لآدم - لكن مع ذلك لا يدل على كونه أفضل ~~وأشرف منهم، وذلك لأن الحكمة قد تقتضي ذلك كسرا من عجب الأشرف، ~~وإظهارا لانقياده وطاعته، فإن للسلطان أن يعظم أقل عبيده ويأمر ~~الأكابر بخدمته - إظهارا لكونهم مطيعين له في كل الأمور، منقادين له في ~~جميع الأحوال، فلم لا يجوز أن يكون الأمر هاهنا كذلك؟ # وتارة بما ذهب إليه أكثر المتكلمين من نفي الداعي، وسلب التعليل في ~~فعل الله، وعدم الاعتراض عليه في خلق الكفر والضلالة في الإنسان. ~~وتعذيبه أبد الآباد، فيجوز عليه تقديم المفضول وترجيح المرجوح، وعلى هذا ~~الأصل يبنى كثير من قواعدهم، فليكن هذا من جملتها. # أقول: فيه ما مر مرارا. # وثانيها: إن آدم (عليه السلام) كان أعلم، والأعلم أفضل وقد مر بيانه. # وأجيب بعدم تسليم كونه أعلم منهم، غاية الأمر، أنه كان عالما بتلك ~~اللغات، وهم ما ms0628 علموها، ولعلهم كانوا عالمين بسائر الأشياء مع أنه ~~عالما بها. # سلمنا أنه كان أعلم منهم ولكن لم لا يجوز أن يقال: إن طاعتهم ~~أكثر إخلاصا من طاعة آدم (عليه السلام)، فلا جرم كان ثوابهم أكثر. # أقول: قد مر أن هذا القول منشؤه الجهل بمعنى الثواب، والمنزلة عند ~~الله، فإن جميع الخيرات، والعبادات، إذا لم تؤثر في تنوير القلب، ~~وإعداده لنور المعرفة بالله وآياته وأفعاله، فهي من تفاريع العبث، ~~وشعب الرفث. # وثالثها: إن الله تعالى جعل آدم (عليه السلام) خليفة في الأرض، والمراد ~~منه الولاية، لقوله تعالى: # يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق # [ص:26]. # ومعلوم أن أعلى الناس منصبا عند الملك، من كان قائما مقامه في ~~الولاية والتصرف، وخليفة له، فدل هذا على أن آدم أشرف الخلائق. # وهذا متأكد بقوله: وسخر لكم ما في البر والبحر، ثم أكد هذا التعميم ~~بقوله: # خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة:29]. فبلغ آدم في منصب الخلافة إلى أعلى الدرجات. # فالدنيا خلقت متعة لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، وصارت الشياطين ~~ملعونين بسبب التكبر عليه، والجن رعيته، والملائكة في طاعته وسجوده ~~والتواضع له، ثم صار بعضهم حافظين له ولذريته، وبعضهم منزلين لرزقه، ~~وبعضهم مستغفرين لزلاته. ثم إنه تعالى يقول مع هذه المناصب الرفيعة # ولدينا مزيد # [ق:35]. # فإذا لا غاية لهذا الكمال والجلال. # وأجيب عنه: بأن آدم، إنما جعل خليفة في الأرض، فهذا يقتضي أن يكون ~~أشرف ما في الأرض من الحيوان، والنبات، والجماد. # فإن قيل: فلم لم يجعل واحدا من الملائكة خليفة فيها؟ # قلنا: لوجوه: # منها: أن البشر لا يطيقون رؤية الملائكة. # ومنها: أن الجنس إلى الجنس أميل. # ومنها: الملائكة في نهاية الطهارة، والعصمة، والبراءة عن النقائص، وهذا ~~هو المراد من قوله تعالى: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا # [الأنعام:9]. # ورابعها: قوله تعالى: # إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل ~~عمران على العالمين # [آل عمران:33]. والعالم عبارة عن كل ما سواه كما تقدم من أنه مشتق ~~من العلم، أو العلامة، فمعنى الآية: " إن ms0629 الله اصطفاهم على كل ~~المخلوقات " والملائكة من المخلوقات: فكانوا أفضل من الملائكة. # واعترض: بأنه منقوض بقوله: # يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأني فضلتكم على العالمين # [البقرة:122]. فإنه يستلزم أن يكونوا أفضل من محمد (صلى الله عليه ~~وآله). # وأجيب عنه: بأن هذا الخطاب كان قبل وجوده (صلى الله عليه وآله)، ~~وجبرائيل كان موجودا حينئذ، فيلزم أن يكون قد اصطفاهم الله على الملائكة ~~- دون محمد (صلى الله عليه وآله). # وأيضا هب أن تلك الآية قد دخلها التخصيص لقيام الدلالة، وأما هاهنا ~~فلا دليل يوجب ترك الظاهر، فوجب إمضاؤها على ظاهرها في العموم. # وخامسها: قوله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء:107]. والملائكة من جملة العالمين، فكان (صلى الله عليه ~~وآله) رحمة لهم، فوجب أن يكون أفضل منهم. # وأجيب: بأن كون محمد (صلى الله عليه وآله)رحمة لهم، لا يلزم منه أن ~~يكون أفضل منهم، كما في قوله: # فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتهآ # [الروم:50]. ولا يمتنع أن يكون رحمة لهم من وجه، وهم يكونون رحمة له ~~من وجه. # وسادسها: إن عبادة البشر أشق، فوجب أن يكونوا أفضل. # بيان كون عباداتهم أشق لوجوه: # منها: كثرة الموانع لهم إلى الطاعات، وكثرة الدواعي والأشواق فيهم إلى ~~المعاصي، والفعل مع المعارض القوي أشد منه بدون المعارض، والمبتلى بكثرة ~~الدواعي والشهوات تكون الطاعة عليه أشق. # ومنها: إن شبهاتهم أكثر، والحجب بينهم وبين المعبود أكثر، فاحتاجوا ~~إلى الاستدلال، والاجتهاد. # ومنها: إن الشيطان مسلط على البشر بالوسوسة، جار في عروقهم مجرى ~~الدم، ولا سبيل له إلى وسوسة الملائكة، وذلك منشأ تفاوت عظيم في المشقة، ~~وإذا ثبت ذلك، كانوا أكثر ثوابا من الملائكة، لقوله (صلى الله عليه ~~وآله): # " أفضل العبادات أحمزها ". # وأجيب: بما مر من أن ملاك الأمر في باب العبادة ومعظمه الإخلاص، دون ~~المشقة، لما نرى من كثرة المشقة في عبادات جهال المتصوفة، ونسمع من ~~رياضات كفرة الهند، وبعض الملاحدة مع أنا نعلم يقينا أن منزلتهم ~~خسيسة دنية. # وسابعها: إن الله تعالى خلق الملائكة ms0630 عقولا، وخلق البهائم شهوات بلا ~~عقول، وخلق الآدمي، وجمع فيه الأمرين، فصار الآدمي بسبب العقل فوق ~~البهيمة بدرجة لا حد لها، فوجب أن يصير بسبب الشهوة دون الملائكة، ثم ~~وجدنا الآدمي إذا غلب هواه عقله - حتى صار يعمل بهواه دون عقله - فإنه ~~يصير دون البهائم، فيجب أن يقال: إنه إذا غلب عقله هواه حتى صار لا ~~يعمل شيئا إلا بمقتضى عقله، وبهداه - لا بمقتضى نفسه وهواه - وجب أن ~~يكون فوق الملائكة، اعتبارا لأحد الطرفين بالآخر. # وأجيب: بأن هذا جمع بين الطرفين من غير جامع. # وثامنها: إن الملائكة حفظة، وبني آدم محفوظون. والمحفوظ أعز وأشرف من ~~الحافظ، فيجب أن يكون بنو آدم أشرف من الملائكة. # والجواب: بالمنع من كلية هذه الدعوى، فإن الأمير الكبير قد يكون ~~موكلا على المتهمين من الجند. # وتاسعها: ما روي أن جبرائيل (عليه السلام) أخذ بركاب محمد (صلى الله ~~عليه وآله) حتى أركبه البراق ليلة المعراج، ولما وصل إلى بعض المقامات ~~تخلف عنه جبرائيل وقال: " لو دنوت أنملة لاحترقت ". # وأجيب: بأنه خبر واحد. # وعاشرها: روي أنه (صلى الله عليه وآله) قال: # " إن لي وزيرين في السماء " # وأشار إلى جبرائيل وميكائيل. # وأجيب: بالمنع عن ثبوته وصحته. # فصل # في وجوه عقلية ذكرتها واعتمدت عليها الفلاسفة المتأخرون المتفقون ~~على أن الأرواح السماوية المسماة بالملائكة أفضل من الأرواح الناطقة ~~البشرية # وأكثر تلك الوجوه مما مر ذكرها في وجوه الصابئة، ونحن ذاكروها مع ~~غيرها، والأجوبة المذكورة عنها، زيادة في الاستيضاح وتتميما للاستبصار ~~بها وبما فيها. # فالأول: إنذ الملائكة بسيطة الذوات مبرأة عن الشرور والآفات، والبشر ~~مركب من النفس والبدن، والنفس مركبة من القوى الكثيرة، والبدن مركب ~~من الأجزاء، والأعضاء، والمركب معلول للبسيط، وأسباب العدم له أكثر، ~~ولذلك كانت الفردانية من صفات الربوبية. # وعورض: بأن المستجمع للروحاني والجسماني أفضل. # والثاني: إن الجواهر الروحانية مبرأة عن الشهوة والغضب اللذين هما ~~منبع الفساد وسفك الدماء. والخالي من الشر مطلقا، أو البعيد عنه أفضل من ~~المبتلى به. # الثالث: إنها بريئة عن طبيعة القوة والاستعداد، لأن كلما ms0631 كان ممكنا ~~لها بحسب أنواعها المنحصرة في أشخاصها قد خرج إلى الفعل، والأنبياء ليسوا ~~كذلك، ولهذا قال (صلى الله عليه وآله): # " إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مأة مرة " # ولا خفاء أن ما بالفعل التام الذي خرجت كمالاتها من القوة إلى الفعل ~~اشرف مما بالقوة. # الرابع: إن الروحانيات أبدية الوجود، مبرأة عن التغير والفناء، ~~والنفوس البشرية ليست كذلك. # الخامس: إنها نورانية، علوية، لطيفة. والنفوس العنصرية ظلمانية، ~~سفلية كثيفة. فأين أحدهما من الآخر. # السادس: الأرواح السماوية تفضل الأرضية بقوى العلم والعمل. أما ~~العلم: فبالاتفاق على أن الأرواح السماوية يحيطون بالمغيبات، ولأن ~~علومهم فطرية، كلية، تامة، وعلوم البشر بالضد من ذلك. وأما العمل؛ ~~فلقوله تعالى: # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء:20]. # السابع: إن الروحانيت لها قوة على تقليب الأجسام، وقواهم ليس من ~~القوى المزاجية حتى يعرضها الكلال واللغوب، وإنك ترى الخاصة اللطيفة ~~من النبات في بدر نموها تفتق الحجر، وتشق الصخرة الصماء، وما ذلك ~~إلا لقوة نباتية فاضت عليها من الجواهر العلوية، فما ظنك بتلك ~~الجواهر أنفسها. # والأرواح السفلية ليست كذلك، وما يحكى عن قوة الشياطين على الأمور ~~الصعاب فممنوع. وإن سلم فالأرواح العلوية أقدر، لأنهم يصرفون قواهم ~~في مناظم العالم السفلي، لا فيما هو شر له. # الثامن: إن الملائكة لهم اختيارات فائضة عن أنوار جلال الله، متوجهة ~~إلى الخيرات، واختيارات البشر مترددة بين جهتي العلو والسفل، والخير ~~والشر، وإنما يتوجه بإعانة الملك على ما ورد في الأخبار من أن لكل ~~إنسان ملكا يسدده ويهديه. # التاسع: إن الأفلاك كالأبدان والكواكب كالقلوب، والملائكة كالأرواح، ~~فنسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأبدان إلى الأبدان، وكما أن اختلاف ~~أحوال الأفلاك مبادئ لحصول الاختلافات في هذا العالم، فيجب أن تكون ~~أرواح العالم العلوي مستولية على أرواح العالم السفلي، بل تكون ~~عللا ومبادئ لها، فهذه هي الآثار، وهناك المنابع والمعادن، فكيف يليق ~~بالعقل ادعاء المساواة فضلا عن الزيادة؟! # العاشر: الروحانيات الفلكية مبادئ لروحانيات هذا العالم ومعادنها، ~~منها نزلت، فتوسخت بأوضار الجسمانيات، ثم تطهرت بالأخلاق الزكية، ~~وصعدت إلى عالمها، ms0632 ومصدر الشيء ومصعده أشرف. منه المبدأ، وإليه المنتهى. # الحادي عشر: أليست الأنبياء لا ينطقون إلا عن الوحي؟ أليس أن الملائكة ~~يعينونهم في المضائق، ويهدونهم إلى المصالح - كما في قصة لوط - وكيوم ~~بدر وحنين، وكما في قصة نوح من نجر السفينة فمن اين لكم تفضيل ~~الأنبياء، مع افتقارهم إلى الملائكة في كل الأمور؟ # الثاني عشر: القسمة العقلية - بأن الأحياء إما خيرة محضة، وهم ~~الملائكة أو شريرة محضة، وهم الشياطين. # أو خيرة من وجه شريرة من وجه، وهم البشر - تحكم بأفضلية الملك. # وكذا التقسيم بالناطق المائت، وهو الإنسان. والناطق غير المائت، وهو ~~الملك. والمائت غير الناطق، وهي البهائم يرشد إلى أن الإنسان متوسطة ~~الرتبة بين الكمال والنقصان. فالقول بأنه أفضل قلب القسمة العقلية ~~ونزاع في ترتيب الوجود. # وأما الجواب عن هذه الوجوه من جانب القائلين بتفضيل الأنبياء - صلوات ~~الله عليهم - على الملائكة (عليهم السلام). # فعورض: # الأول: بأن المستجمع للروحاني والجسماني ينبغي أن يكون أفضل مما له ~~طرف الروحاني فقط. ولهذا جعل أبو البشر مسجودا للملائكة. # ورد الثاني: بأن الخدمة مع كثرة العلائق أدل على الإخلاص. # وأيضا من البين أن درجتهم حينما قالوا: # لا علم لنآ إلا ما علمتنآ # [البقرة:32]. أعلى منها حين قالوا: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء # [البقرة:30]. وما ذلك إلا بسبب الانكسار الحاصل من الزلة، وهذا في ~~البشر أكثر. ولهذا قال (صلى الله عليه وآله) حاكيا عن ربه: # " أنين المذنبين أحب إلي من زجل المسبحين ". # ورد الثالث: بأن بعض الأمور فيها لعلها بالقوة، ولهذا قيل: إن ~~تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعقلات من القوة إلى الفعل، ~~كالتحريكات العارضة لأرواحنا، الحاملة لقوى الفكر والتخيل. # أقول: هذا المنع لا يجري في الملائكة المقربين، المسماة عندهم بالعقول ~~المجردة، وإنذما يجري في النفوس الفلكية. # والرابع: بأنه لا قديم في الوجود إلا الله. # ولئن سلم أنها وإن كانت ممكنة الوجود، فهي واجبة الوجود بمبادئها ~~عورض بما عليه كثير من المحققين من أن النفوس البشرية أيضا أزلية ~~بمبادئها، وكانت كأظلال تحت العرش يسبحون بحمد ربهم، ms0633 إلا أن المبدأ ~~الأول أمرها بالنزول إلى عالم الأجساد، وشبكات المواد، فلما تعلقت ~~بها استحكم إلفها، فبعث من تلك الظلال أشرفها، وأكملها إلى هذا العالم، ~~ليحتال في تخليص تلك الأرواح عن هذه الشبكات، وهذا هو المراد من " باب ~~الحمامة المطوقة " من كتاب كليلة ودمنة. # والخامس: بأن الشرف ليس بالمادة، وإنما هو بالقرب من رب العالمين، ~~والانقياد له. # والسادس: بأن المواظب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذ بها كما ~~يلتذ المبتلى بالجوع، فلا يكون لذة الملائكة بالعلم والعمل كلذة ~~البشر، لعروض الفترات لهم في أكثر الأوقات بسبب العلائق الجسمانية، ~~والحجب الظلمانية، فهذه المزية في اللذة مما يختص بها البشر، ولذلك ~~قالت الأطباء: إن الحرارة في حمى الدق اشد منها في حمى الغب، لكن ~~الحرارة في الدق، لما دامت واستقرت بطل الشعور بها، فهذه اللذة ~~لعلها ليست للملائكة لأجل الاستمرار، ولا لغير الإنسان لعدم الاستعداد، ~~فكان الإنسان لها بالمرصاد. # وأجيب عن: # السابع: بأنه لا مانع من أن تتفق نفس ناطقة مستولية على الأجرام ~~العنصرية بالتقليب والتصريف. # وعن الثامن: بما يحتمل أن يقال: فيكون إذن أعمالهم أشق، فيكون أجرهم ~~وجزاؤهم أعظم. # وعن التاسع: بأن لا مؤثر في الوجود إلا الله عندنا. # أقول: القائلون بأن لا مؤثر إلا الله، إما الأشاعرة النافين للعلة ~~والمعلول فلا معنى لهم، ومعهم للخوض في المعقولات أصلا، وإما جماعة من ~~المحققين، القائلين بترتيب الوجود فهذا الجواب لا يضر، إذ المتقدم في ~~باب الاستفاضة للوجود خير من المتأخر فيه. # وعن العاشر: بأن هذا مبني على عدم حشر الأجساد، وبعثها في المعاد، ~~ودون ذلك خرط القتاد. # وعن الحادي عشر: بأن أول الفكر آخر العمل، ولا يلزم من كون الشيء ~~واسطة أفضليته. # وعن الثاني عشر: بأنه كلام اقناعي، وبما اعتمدوا عليه مرارا من أن ~~الكلام في أكثرية الثواب. # فهذا تمام ما وجدناه من كلام الفريقين في هذا المقام، ولنشر إلى طرف ~~مما هدانا إليه بفضله ربنا المفضل المنعام. # فصل # في تحقيق الحق في كيفية المفاضلة بين الملك والبشر # وبيانه متوقف على ذكر ms0634 أصول: # الأول: إن أصول الموجودات هي الجواهر، دون الأعراض. وأصول الجواهر هي ~~المجردات التي هي من عالم الأمر، دون الماديات والجسمانيات التي هي ~~من عالم الخلق. وأصول المجردات هي العقول المسماة بالأرواح الكلية، ~~دون النفوس، سواء كانت سماوية أو أرضية. وأصول الأرواح الروح الكلي ~~الذي لا واسطة بينه وبين الحق. # فهذه أصول الموجودات، ولا موجود خارج عن هذه الأجناس، وما يتفرع ~~عليها. # الأصل الثاني: إن كل ما هو أقرب في سلسلة العلية والمعلولية إلى ~~واجب الوجود، فهو اشرف وأكرم، لأن فيض الوجود الفائض منه تعالى على كل ~~موجود يصل إليه أولا، ثم يمر عنه إلى ما هو أبعد منه، فلا تصغ إلى ~~قول من يقول: " إن الخسيس أكثر ثوابا من الشريف " بل إلى من يقول: ~~" الخسيس يمكن أن ينتقل جوهره من الخسة إلى أن يصير أشرف من الشريف ~~". # الأصل الثالث: إن الإنسان وإن كان بحسب صورته البشرية نوعا واحدا من ~~جملة أنواع الحيوانات، متفق الأشخاص في تمام حقيقتها النوعية، إلا ~~أنه بحسب قوته النفسانية المصورة بالصورة الباطنية الأخروية، ~~قابل لأن يصير أنواعا كثيرة لحقائق متخالفة، بعضها من جنس الملك، ~~وبعضها من جنس الشيطان، وبعضها من جنس السبع، وبعضها من جنس البهيمة، ~~وبعضها مما هو أسفل من البهيمة. # وبالجملة ما من نوع من أنواع الموجودات - من أعلاها إلى أدناها - إلا ~~ويمكن أن ينقلب إليه بعض الأشخاص الإنسانية، كما قال تعالى: # إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في ~~نار جهنم خالدين فيهآ أولئك هم شر البرية ~~إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم ~~خير البرية # [البينة:6 - 7]. # الأصل الرابع: إن الموجودات كما هي مترتبة في سلسلة النزول الايجادي ~~الصدوري من الأعلى فالأعلى، إلى الأدنى فالأندنى - وهي المادة ~~الجسمانية - كذلك مترتبة في سلسلة الصعود الاعدادي من الأدنى فالأدنى، ~~إلى الأعلى فالأعلى. # ففي سلسلة الإبداع والافاضة، كل ما كان أقدم في الوجود فهو أشرف وأفضل، ~~وفي سلسلة التكوين، والاعداد للغايات، كل ما هو آخر فهو أشرف، لأن ~~الأكوان الابداعية لكمال وجودها متفضلة راشحة بالخير ms0635 الدائم على ما ~~دونها، والأكوان الحادثة متوجهة في الاستفاضة للخير عما فوقها، سالكة ~~في طلب التمام والكمال إلى غاياتها. # وقد ثبت أن للأشياء الطبيعية غايات، ولا يخلو موجود ناقص إلا وقد ~~أودع الله فيه قوة طبيعية محركة، أو شوقا جبليا يسلك به إلى طلب ~~الكمال، وتوصله إلى الغاية والتمام. ولهذا جزم الحكماء الإلهيون ~~بسريان نور العشق والشوق إليه تعالى في جميع الموجودات، ما من موجود ~~إلا وهو عاشق له، أو مشتاق ساكن إليه أو سالك، والله الباقي وكل شيء ~~هالك. # واعلم أن هذه القشور الكثيفة، وإن كانت خسيسة في الغاية، شبيهة ~~بالعدم، لكن إعادة ترتيب الحدوث من هذه الحسيات الزائلة إلى العقليات ~~الدائمة، ليس بأصعب على من له الخلق والأمر من ابتدائه بالسياق عن ~~العقليات الدائمة إلى الحسيات الدائرة، وليس القشر المتكاثف - وإن ~~تناهى في الاظلام والكثافة - بممتنع عن قبول الأثر عن الجوهر اللطيف. # بل الأرض وإن تمكنت بالاستفالة والاستقلال، واشتدت قوتها بمبالغ ~~الانزال، فإنها بتأثير قوة الشمس فيها، وإشراقها عليها تستجلب ~~اللطافة، وتصير مادة للغذاءات والأقوات ومنشأ لتوليد النبات. # ولو كان القشر المتكاثف ممتنعا عوده إلى اللطافة، أو مصيرة مادة ~~لتوليد اللباب فيه، أو منه، لما كان في جوهره وطبيعته قوة قابلة منفعلة، ~~بل لم يكن القشور من الحبوب المزروعة ليصير قوتا للحيوانات، ولم يكن ~~الثفل الكدر من الأشياء المأكولة ليصير مادة النبات. # الأصل الخامس: إن الإنسان يختص من بين الموجودات، بأن له أن يتحرك ~~وينقلب من أدنى الموجودات إلى أعلاها، ويسلك من بعضها إلى بعض، ويتبدل ~~من طور إلى طور، وهو في الحركة إلى الكمال أبعد مسافة، وفي السلوك إلى ~~المعاد والمرجع أعظم قوسا للرجوع، وإن ابتداء حركته أدنى وأخس من ~~ابتداء حركة غيره، وانتهاء رجوعه أعلى وأرفع من انتهاء رجوع الكل. # فله أن يتصور أولا بصورة خسيسة أدنى من كل خسيس، ثم يأخذ في ~~الاستحالة والإنابة والرجوع، ويتصور بصورة شريفة متعاقبة، حتى يصير ~~أشرف الشرائف، وأحسن الحسنات، وأفضل الممكنات، وسبب ذلك ما نذكره الآن ~~وهو هذا: # الأصل ms0636 السادس: إعلم أن منشأ انتقال الموجود من وجود أدنى إلى وجود ~~أعلى، انتقالا بحسب انتقال الطباع والغريزة، إنما هو ضعف الصورة، ونقص ~~المادة وعناية الفاعل. # وقد مر أن جميع الموجودات كلها طالبة للكمال، والذي يسكنها عن ~~طلب كمال أعلى ويوقفها عنه، تأكد ما لها من الكمال بالفعل، فإن غلبة ~~ما بالفعل مما يبطل الاستعداد لأجل الذي هو بالقوة. # أو لا ترى أن أجرام كواكب الأفلاك لتمامية صورتها لا يصير مادة لصورة ~~أصلا، ولا عنصرا لمركب سماوي أو أرضي، ولا أجساد السبع الشداد مما ~~يقبل الانصداع، والانفطار، ولا الانشقاق والافتراق إلا بعد انقضاء ~~الدنيا وبوار العالم الأدنى، وحشر الخلائق، وانتقالها إلى النشأة الآخرة ~~يوم طي السماوات، وانشقاق القمر، وانطماس نور الشمس وتكويرها، ونثر ~~الكواكب وإظلامها وذلك يوم آخر ليس من أيام الدنيا. # ولا - أيضا - يصير واحد منها موضوعا لأعراض مختلفة متضادة، ولا ~~لصفات متبدلة مستحيلة، إلا ما هو أضعف الأعراض من باب الوضع النسبي، ~~فلها قوة قبول أضعف الأعراض المادية، لكون صورتها أقوى الصور الجرمية. # وإن أجرام العناصر لقصور صورتها الطبيعية، تصير مادة لصور هي أكمل من ~~صورتها، وموضوعة لأعراض قارة، وكيفيات تشتد وتضعف، فيحصل من موادها ~~صور معدنية، ونباتية، وحيوانية. # ونوع الإنسان من جملة أنواع الحيوانات، وإن كان متميزا عن الكائنات ~~بصورة حيوانية. إلا أنها أضعف الصور الحيوانية، وأفراد البشر تكون ~~ضعيفة الحيوانية في باب الحس والحركة، لا يمكنها الاكتفاء في الملابس ~~بإهاب طبيعي يحفظه عن الحر والبرد، ولا في باب إصلاح المطاعم وإنضاجها ~~بمطبخ طبيعي كالمعدة والكبد بل يحتاج في كل ذلك إلى معاون خارجي، ~~وهذا لضعف قواه الحيوانية، كما قال تعالى: # وخلق الإنسان ضعيفا # [النساء:28]. # وهذا الضعف هو منشأ الانتقال والارتحال من حاله الأدني إلى حال أعلى، ~~وبهذا يستعد لأن ينتقل من مقام الحيوانية الحسية، إلى مقام الملكية ~~العقلية، وأنت لو تأملت في أحوال الموجودات، لوجدت الجميع إما ~~واقفة في مقاماتها التي لها، أو بطيئة في توجهها إلى نحو الغاية ~~المطلوبة، والسالك السريع الحركة نحوها منحصر في بعض ms0637 أفراد الناس. # أما الملائكة المقربون، فلا حاجة لهم إلى الاستكمال والحركة نحو ~~الكمال، لأنهم دائمي القرب والوصول إلى معبودهم الأعلى - جل ذكره -. # وأما الملائكة السماوية، فلكل منهم مقام في العبودية الدائمة، لا ~~باعث لهم في الخروج عما هم عليه، لدوام إشراقاتهم المتوالية، وقوة ~~حالاتهم، ووفور ابتهاجاتهم ولذاتهم، كأحوال أهل الجنة في طبقاتهم، ~~ومنازلهم، ومقاماتهم. # وأما الشياطين، فلقوة ناريتهم، ورسوخ أنانيتهم، وحب رياستهم، لم ~~ينقادوا للعبودية والانكسار، ولم يتغيروا عما فطروا عليه من الاستكبار ~~والافتخار. # ويقرب من حالهم أحوال الجن، وإن كان بعض منهم أخيارا مسلمين، إلا ~~أنهم كلهم مخلوقون من النار، والنار أقوى العناصر وأبعدها عن قبول ~~التأثير. # وأما الجمادات التي ليست واقعة في حدود المادة الإنسانية، فهي إما ~~قوية الجمادية كالأحجار واليواقيت فلصلابتها لا تنقلب إلى غيرها. وإما ~~أن تكون ملائم الجوهر لصورة أخرى، لكنها ما قبلت صورة صلبة فوقفت ~~عندها، فهي صعب الانقلاب إلى غيرها، وكذا الحكم في سائر النباتات ~~والحيوانات. # وأما الإنسان الذي خلق لبلوغ النهاية فهو أبدا في الحركة والرجوع ~~والإنابة والسلوك، لكونه ما بين صرافة القوة، ومحوضة الفعلية. # والعجب أن الذين فضلوا الملائكة على الإنسان - كالصابئة وغيرهم - ~~جعلوا اشتمال الإنسان على القوة والنقصان، منشأ انحطاط درجته عن درجة ~~الملائكة، وهذه الصفة بعينها تصير منشأ لأن يتفضل عليهم، ويتجاوز عن ~~مراتبهم. # الأصل السابع: إن كل ما يتعلق بالبدن سواء كان صورة، أو نفسا ~~حيوانية، أو إنسانية، أو فلكية، بالقوة والاستعداد، محتاج إلى جوهر ~~عاقل يكمله ويخرجه من القوة إلى الفعل، وكماله عبارة عن صيرورته عقلا، ~~وعاقلا بالفعل، ومعقولا بالفعل، وكلما صار عقلا بالفعل يصير كل ~~الموجودات. # لأن كل موجود من شأنه أن يعقل، فهو إما بتغير من جانب المعقول، ~~كالصور المادية المعقولة بالقوة، المحتاجة في أن يصير معقولة بالفعل ~~إلى مغير يغيرها، ومجرد يجردها وينتزعها من المادة. وإما ~~بتغير من جانب العاقل إذا صار عاقلا بالقوة، فيحتاج إلى حركات ~~فكرية يسافر من بعض الصور الخيالية إلى بعض، حتى ينتهي إلى العقول ~~الصريحة، كالعقول القادسة وما فوقها. ms0638 # فكل ما هو كامل بالفعل، لزمه أن لا يخلو عنه شيء من المعقولات، بل يجب ~~أن يكون عقلا بسيطا هو صورة الكل في وحدة. ومثل هذا الموجود يجب أن ~~يكون مكملا للنفوس. # ويجب أيضا أن لا يكون المتعلق بالبدن سببا قريبا لتكميل النفوس ~~المستعدة، إلا على سبيل الاعداد والتعليم البشري، دون الافاضة والتكميل ~~العقلي، كالمعلم من البشر إذا حاول التعليم، يعد نفس المتعلم لأن ~~يقبل ما يلهمه المعلم العقلي الروحاني الذي هو عقل بالفعل، ويفيض ~~عليه من عالم الغيب كماله الحقيقي. # ولو كان المتعلق بالبدن ما دام كذلك، سببا مفيضا على النفوس صورا ~~عقلية لكان متساوي النسبة إلى الكل، وكيف يكون من تعلق ببدن خاص ~~وتعمل بتوسط آلاته قواه، متساوي النسبة إلى جميع الخلائق أجمعين حاضرهم ~~وغائبهم، أولهم وآخرهم. # نعم انتهاء النفوس الإنسانية يكون لا محالة إلى نفس شريفة هي أكملها، ~~وأقبلها للفيض العلوي العقلي، ثم الإلهي؛ بحيث - وهي بعد في عالم ~~البدن - قد صارت متجاوزة بحسب قوة انفعالها عن المبادئ بل عن البادئ، ~~عن حدود النفوس إلى حدود العقول، بل إلى الطبقة العالية منهم - لا بما ~~هي نفس، ولا حين ما هي في هذه الحياة الدنيا - بل من حيث المقام العقلي ~~الذي ستنقلب إليه بعد الخروج عن زيارة هذه المقابر الحسية. # وبالجملة قد يكون من النفوس الإنسانية ما قد انقلب باطنها إلى رتبة ~~العقول فصارت عقولا بالفعل، بمعنى أنها متى خرجت من قالب هذا الأدنى ~~وصلت إلى مقامها الأعلى. # ومن هذه العقول الإنسانية ما هو أفضل الأفاضل، ومقامه أعلى المقامات ~~العقلية، وقوته القدسية أشرف القوى القدسية، يكاد زيت قوته القدسية ~~يضيء بنور ربها، ولو لم تمسسه نار العقل الفعال، فلما مسها صار ~~نورا على نور يهدي الله لنوره من يشاء كما قال جل اسمه: # يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # [الأحزاب:45 - 46]. # الأصل الثامن: إن الموجودات الممكنة الصادرة عن الحق، لا بد وأن يقع ~~منها سلسلتان: سلسلة البدو والصدور، وسلسلة العود والرجوع. ولا ms0639 بد ~~أن تكونا متكافئتين عكسا. # أما سلسلة البدو، فمما لا شبهة في تحققها، وحصولها على المبدإ على ~~سنة الأمر والإبداع، لعدم الباعث على الامساك والتعطيل، واستحالة ~~تحقق المضاد المدافع للجود، المانع عن الخير والافاضة، فيصدر منه ~~الأشرف فالأشرف، فالترتيب المعنوي فيها، يقتضي أن يكون كل ما هو أقرب ~~إلى عالم الصور، والقشور، والأجسام فهو أبعد من الحقيقة الأحدية، ~~والهوية الصمدية، لأن تلك الحقيقة حقيقة الحقائق، ومعنى المعاني ~~كلها. # فأول ما صدر منه، أو تجلى له، أو ظهر فيه - على اختلاف ا لاعتبارات ~~والاصطلاحات - هي العين الواحدة المسمى عند بعضهم بالعقل الأول، ~~المعبر عنه بالحقيقة المحمدية، والاسم الأعظم، والعقل الكلي، وعالم ~~العقول. # ثم النفس الكلية، وعالم النفوس المجردة المدركة للحقائق الكلية ~~بالذات - أي بنور العقل الكلي - وللجزئيات بالآلات - أي بأنوار الحواس ~~- ثم النفس الخيالية المجردة عن الأجسام لا عن الأجرام. ثم النفس ~~المنطبعة المدركة للجزئيات بذاتها المثالية. ثم قواها المنطبعة. ثم ~~النفوس النباتية من حيث حقائقها ونوعياتها الطبيعية، ثم الجواهر ~~المعدنية، من تلك الحيثية. ثم الصور العنصرية. ثم الهيولى التي هي ~~أخس الجواهر وأدونها، ومنها يتصاعد الوجود بعد تنزلها الأقصى. # وأما سلسلة العود والرجوع إلى الكمال بعد الهبوط إلى أنزل المنازل ~~والأحوال فوجودها أيضا محقق لا شبهة فيه، بناء على ما ذكرنا مرارا من ~~أن التوجه إلى الغايات في جبلة كل ناقص. وأن كل حادث من الحوادث، ~~كما لا بد فيه من فاعل ومادة وصورة، كذا لا بد لصورته من غاية، ~~والكلام في غايته كالكلام في نفسه، فلغايته غاية أخرى. # ولا تتسلسل الغايات الذاتية إلى غير النهاية، بل تنتهي إلى غاية لا ~~غاية لها، ويجوز في الغايات العرضية التعاقب الغير المنقطع إلى غاية ~~أخيرة عند جمهور الفلاسفة، كما يجوز ذلك عندهم في السوابق العرضية ~~المسماة بالمعدات. # ولكن كلامنا في الغاية الذاتية التي وجد الشيء لأجلها، وهي التي تقدمت ~~على المعلول في التصور العلمي، وتأخرت عنه في الوجود العيني، عندما يقع ~~المعلول تحت الحركة والكون، إذا لم يكن التصور العلمي له عين ms0640 وجوده ~~العيني، وأما فيما ارتفع وجوده عن عالم الحركات والانفعالات، فالغاية ~~له سابقة عليه علما، وعينا. # فالموجودات الصورية مما يجب أن تترتب ترتبا ذاتيا، رجوعيا غائيا ~~على عكس الترتب الذاتي الابتدائي من الأدنى إلى الأعلى، فالوجود الذي ~~يتصاعد في الشرف يظهر أولا في المعدن، ثم في الحيوان، ثم في الإنسان. # والصورة الإنسانية آخر المعاني الجسمانية، وأول المعاني الروحانية، ~~كالبرزخ الجامع بين العالمين. وهي باب الله المؤتى منه إلى عالم القدس ~~والرحمة. وهي آخر باب لسور حاجز بين النار والجنة، وبعد مرتبة الإنسان ~~البشري مراتب كثيرة في الصعود حتى يبلغ الوجود إلى النهاية. # واعلم أن النفوس الإنسانية كما أنها تكون متفاوتة في النهاية، كذلك ~~كانت متفاوتة في البداية، واختلافها من اختلاف معادنها الأصلية " الناس ~~معادن كمعادن الذهب والفضة ". كما أخبر عنه سيد الأنبياء عليه وآله ~~وعليهم السلام والصلاة، وقد خلق الله في كل نفس معنى مخصوصا، وقوة ~~محركة مخصوصة يجرها إلى معدنها الأصلي، ولا يقف بها دونه. قال تعالى: # كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا ~~كنا فاعلين # [الأنبياء:104]. وقال أيضا: # قد علم كل أناس مشربهم # [البقرة:60]. # وحركات الجوارح آثار تلك المعاني المحركة التي أودعتها القدرة في ~~النفوس، إتماما للحكمة، وإظهارا لكمال الرحمة، فالنفوس التي لا تكون ~~بينها وبين الأول تعالى واسطة تنجذب إلى جنابه طبعا، كانجذاب إبرة من ~~حديد إلى مغناطيس غير متناهي القوة. وقوله: # يحبهم ويحبونه # [المائدة:54]. كناية عن هذا الجذب والانجذاب، كما أن قوله: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة:67]. كناية عن الطرد والدفع عن جناب القدس إلى جانب البعد. # وبالجملة نهاية كل واحد رجوعه إلى البداية، وإلى هذا المعنى أشار ~~العارف الرباني صاحب منازل السائرين، عبد الله الأنصاري: " إلهي تلطفت ~~لأوليائك فعرفوك، ولو تلطفت لأعدائك لما جحدوك ". # فحكم النفوس التي لم تكن بين مصدرها وبين الأول تعالى واسطة، أن ~~يعرفوها ويصلوا إليها راجعين، راضين مرضيين. وأما النفوس التي بينها ~~وبين الأول حجب العزة، ووسائط القدرة فتحشر إلى طبقات مختلفة المراتب ~~في الصعود، والهبوط، # ولكل درجات مما عملوا # [الأنعام:132]. ms0641 وربما صارت بعض النفوس أبخس مما كانت في أول الأمر، ~~فيكون مرجعها إلى المهاوي النازلة، وليس هذا الموضع محل بيانه. # فإذا تمهدت هذه الأصول نقول: قد تبين وانكشف أن الإنسان يمكن أن ~~يصير في آخر مقاماته أشرف من الملائكة، إذ كما أن للملائكة طبقات ~~متفاوتة في الوجود النزولي وأشرفها طبقة الأرواح المهيمة التي هي ~~باصطلاح الحكماء تسمى العقول الفعالة فكذلك للإنسان درجات متفاوتة في ~~الصعود إلى الله، وأشرفها وأكملها درجة الأرواح النبوية هي التي أيضا ~~عقول بالفعل، وعند القيام إلى الله تعالى تكون فعالة للعلوم العقلية، ~~مكملة للنفوس، شفعاء للخلائق إلى الله تعالى. # وكما أن أول الأرواح العقلية من لا واسطة في الشرف بينه وبين الله، ~~كذلك آخر الأرواح النبوية من لا واسطة بينه وبين الله، كما قال (صلى ~~الله عليه وآله): # " لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل " # وهذا لا ينافي كون جبرائيل أو غيره من الملائكة معلما له في بعض ~~الأحوال، لما علمت أن الإنسان ذو نشآت متفاوتة. # فجميع ما ذكروه من الدلائل الدالة على تفضيل الملائكة على البشر حق ~~وصدق، ولا ينافي كونه أشرف منهم في آخر أمره، وحق المقام أن تقع ~~المفاضلة بين الملك وبين آخر مقام الإنسان، وأن يعتبر مع كل صنف من ~~الملك صنف من الناس الذين يكونون بإزائهم، ويقعون في عالمهم. # وكما أن الملائكة أنواع كثيرة بعضهم ملائكة العلوم، وبعضهم ملائكة ~~الأعمال. وملائكة الأعمال بعضهم ملائكة الجنة والرحمة، وبعضهم ملائكة ~~النار والعذاب كالزبانية ولكل منهم منازل ومراحل كثيرة فكذلك أصناف ~~البشر بعضهم من أهل العلم والمعرفة والقرب، وبعضهم من أهل العمل. فمنهم ~~مطيعين، وهم أصحاب الجنات. ومنهم عاصين، وهم أهل النار. والكفرة بإزاء ~~أهل العلم مخلدة في الجحيم. # فإذا سئل عن التفاضل بين ملائكة الأعمال، وأصحاب الأعمال من البشر ~~فالفضل للملك، لأنهم أقدر على الطاعات. وإذا سئل عن ملائكة العلوم ~~وأهل الولاية والنبوة من البشر، فالفضل للأنبياء والأولياء (عليهم ~~السلام) لكونهم جمعوا بين العلم والعمل، وكانوا متصفين بصفات ms0642 الخلائق ~~كلها، متخلقين بأخلاق الله، عارفين بجميع الأسماء، لأنهم كانوا أولا ~~في عالم المحسوسات والجسمانيات، ثم في عالم المتخيلات والمثاليات ~~ثم في عالم الحقائق والمعقولات. # فلهم الجامعية الكبرى، فاستحقوا للخلافة الإلهية مدة في عالم الأرض ~~لقوله: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة:30]. ثم في عالم السماء " لولاك لما خلقت الأفلاك ~~". ثم في عالم الأسماء، كاسم الله الأعظم الجامع لجميع الأسماء: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء:80]. وقوله (صلى الله عليه وآله): # " من أطاعني فقد أطاع الله ". # وبالجملة: الإنسان الكامل الواصل إلى مقام الملك، مساو معه في الشرف ~~والقرب، لكنه أتم كمالا من الملك باعتبار جمعيته، واحتوائه على ~~سائر المقامات، ومروره عليها. # وأما ما ذكره العلامة القاشاني - صاحب الاصطلاحات - من " أن ~~الملائكة المقربين باعتبار ارتفاع الوسائط بينهم وبين الله، يكونون أشرف ~~من الإنسان الكامل، وهو أكمل منهم باعتبار الجامعية " فليس بجيد، وذلك ~~لما ثبت وتحقق عند المعتبرين من الحكماء المتألهين وانكشف لدى أذواق ~~العرفاء المكاشفين، أن النفس الإنسانية إذا تجاوزت عن حد العقل ~~الهيولاني، وما بالملكة، وما بالفعل تتحد بالعقل الفعال، وتصير هي هو ~~بعينه في المقام الجمعي المسمى عندهم بالعقل البسيط الفعال للعقول ~~التفصيلية النفسانية. # وهذا الاتحاد بين العقل الإنساني والعقل الفعال في المقام الجمعي ~~العقلاني لا ينافي امتيازه عنه بالعادات النفسانية، والأخلاق والملكات ~~الحسنة البشرية المكتسبة بواسطة تهذيب القوى، وتكميل الذوات، وتعديل ~~الصفات. # ثم العجب أن العقل الفعال - مع كونه فاعلا مقدما مكملا ~~للنفوس محييا لها بإذن الله بالحياة السرمدية - هو بعينه غاية أخيرة ~~مترتبة على استكمالاتها، وثمرة حاصلة عن شجرة وجودها. # وهذا أمر عجيب غريب؛ لكنه حق لا مرية فيه لنا، وهو مما ساقنا ~~إليه البرهان، وألهمنا به بفضل الله العظيم المنان. # فهذا ما حضرنا الآن في هذه المسألة، ولها زيادة تفصيل ذكرناها في تفسير ~~آية النور، يظهر لمن أراد ذلك بالمراجعة إليه والله أعلم. # فصل # مسألة الجبر والتفويض في هذه الآية # استدل القاضي بهذه الآية على بطلان قول المجبرة من حيث أنها دالة ~~على أن الشيطان ms0643 كان قادرا على السجدة، ولم يسجد من غير عذر من وجوه: # أحدها: قوله: { أبى } فإن من لم يقدر على شيء لا يقال له: " أباه ~~". # والثاني قوله: { استكبر } ولا يقال لمن لم يقدر على الفعل: " أنه ~~استكبر " بل: " لم يفعل ". # والثالث: قوله: { وكان من الكافرين } ولا يجوز إسناد الكفر ~~إلى أحد من جهة أنه لم يفعل ما لم يقدر عليه. # والرابع: إن إباه، واستكباره، وكفره خلق من الله، فهو بأن يكون ~~معذورا أولى من أن يكون مذموما. # ثم قال: " من اعتقد مذهبا يقيم العذر لإبليس فهو خاسر الصفقة ". # وأجاب عنه صاحب التفسير الكبير بالمعارضة بقوله: " إن كان صدور ذلك ~~الفعل عن قصد وداعية فمن أين حصل ذلك القصد؟ أوقع عن فاعل هو ~~العبد أيضا بقصد آخر وهكذا فيتسلسل إلى لا نهاية، ويسد إثبات الصانع. ~~وإن وقع عن فاعل هو الله فيعود عليك كل ما أوردته علينا وإن قلت: وقع ~~ذلك الفعل عنه لا عن قصد وداع فقد ترجح الممكن من غير مرجح، وهو سد ~~باب إثبات الصانع. # وأيضا فإن كان ذلك كان وقوع ذلك الفعل اتفاقا، والاتفاق لا يكون في ~~وسعه واختياره، فكيف يؤمر به وينهى عنه؟ ". # ثم قال: " فيا أيها القاضي ما الفائدة بالتمسك بالأمر والنهي، ~~وتكثير الوجوه التي يرجع حاصلها إلى حرف واحد وهو " وقوع الأمر والنهي ~~من الله على العبد ". مع أن مثل هذا البرهان القاطع القالع خلفك ~~يستأصل عروق كلامك، ولو اجتمع الأولون والآخرون على هذا البرهان، لما ~~تخلصوا إلا بالتزام وقوع الممكن لا عن مرجح به وحينئذ يسند باب ~~إثبات الصانع - أو بالتزام أن يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد وهو ~~جوابنا ". # أقول: قد مر تحقيق هذا المقام مرارا على وجه لا يلزم عنه شيء من ~~المفاسد، ولا ينافي أصلا من الأصول والمقاصد، فلا نعيد الكلام بذكره، ~~إذ المستقيم السلوك المهتدي بالنور يكفيه أقل من ذلك، والغوي المنحرف ~~المطيع للوهم لا ينتفع بالأكثر منه # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور:40]. ms0644 # فصل # الكفر والإيمان، والأقوال في كفر إبليس # وأما قوله: { وكان من الكافرين }. فمعناه: كان كافرا في ~~الأصل متظاهرا بصورة الأعمال الحسنة، مترائيا بالطاعات الظاهرة في ~~مجامع أهل الملكوت، حتى أظهر الله ما كمن في باطنه على رؤوس الاشهاد من ~~التمرد، والإباء، والعصيان، والجحود والانكار لأهل الله، والطغيان، ~~والحسد، واللداد، والتكبر والعناد، كما هو دأب متابعيه من أهل النفاق، ~~المغترين بلامع سراب الأعمال الظاهرة في ظلمات الهوى، وتيه الجهالة ~~والردى. # واختلفت الفقهاء في قوله تعالى: { وكان من الكافرين }. على ~~قولين: # أحدهما: إن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقا، كافرا. واستدلوا ~~في تقرير هذا القول بدليلين مر ذكرهما في المفاتيح. # أحدهما: ما نقل عن شارح الأناجيل الأربعة من شبهات إبليس السبعة، على ~~شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود. # والثاني: التمسك بقول أصحاب الموافاة، وعليه أكثر أصحابنا الإمامية من ~~أن الجمع بين الكفر والإيمان في شخص واحد مستحيل - ولو في زمانين - ~~وذلك لأن أحدهما يوجب استحقاق الثواب الدائم، والآخر يوجب استحقاق ~~العقاب الدائم، والجمع بين الثواب الدائم والعقاب الدائم محال، فكذا ~~الجمع بين الاستحقاقين معا محال، فطريان كل منهما إما أن يكون ~~مزيلا للآخر، أو كاشفا عن عدمه رأسا. # والأول باطل - لأن القول بالإحباط باطل - فبقي الثاني وهو المطلوب، ~~فإذا فرض كون واحد مؤمنا، ثم ظهر منه الكفر بعد ذلك، علم أن ~~المفروض محال، فإذا كانت الخاتمة لواحد على الكفر، علمنا أن الصادر ~~منه أولا لم يكن إيمانا. فهكذا الحال في إبليس. # أقول: للباحث المتكلم أن يمنع أن مجرد الإيمان في أي وقت كان يوجب ~~استحقاق الثواب الدائم، بل بشرط أن يكون مستمرا عليه إلى خاتمة العمر. ~~وكذا له أن يمنع أن مجرد الكفر يوجب ما ذكره، إلا أن يكون ~~استمراريا أو ارتداديا عن فطرة. # واعلم أنه يمكن تصحيح ما ذهبت إليه أصحاب الموافاة بوجه مناسب لمذهب ~~الحكماء، وهو إن الإيمان الحقيقي ليس مجرد القول بالشهادتين، بل عبارة ~~عن اعتقادات مخصوصة يقينية، وعلوم حقة برهانية، أو كشفية. وقد ثبت ~~أن العلم ms0645 الحاصل للنفس بالبرهان، ليس يمكن الزوال عنها، فكل من تحلت ~~نفسه بالإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتب، والرسل، ~~والشهداء، فلا يمكن زوال إيمانه على التحقيق. # وكذا الكفر الحقيقي عند التحقيق، ليس عبارة عن عدم النطق بالإيمان، أو ~~عدم الاعتقاد فقط، أو خطور صورة باطلة بالبال مقابلة لأصل من الأصول. بل ~~عبارة عن اعتقاد الشرك مع الرسوخ فيه، والجحود لقول الحق وقول الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) وأئمة الدين (عليهم السلام). وإلا فمجرد الجهل ~~البسيط بأصول اللإيمان، لا يوجب استحقاق العذاب الدائم، بل يوجبه الجهل ~~المركب المشفوع بهيئة نفسانية، وملكة ظلمانية، يتأكد في النفس سدا ~~بين يدي القلب، وغشاوة على البصيرة. # فإذا تقرر ما ذكرناه، ظهر لقول أصحاب الموافاة وجه صحيح، وصورة ~~علمية يستحسنها ذوق أرباب التحقيق. # الثاني: إن إبليس كان مؤمنا، ثم طرأ عليه الكفر. # واعلم أن هذا القول مما يستكرهه العارف بآيات رحمة الله، وآثار لطفه ~~وعنايته، ومما يسيء الظن برب العباد وحكمته، وإحكام صنعه، وإتقان ~~فعله، فإن تجويز أن أحدا كان مؤمنا مخلصا لله في عبادته سنين ~~متطاولة، وأحقابا كثيرة متمادية، ثم تغير حاله وانصرف قلبه عما ~~كان مستمرا عليه، راسخا فيه في تلك السنين والأحقاب المتطاولة بأدنى ~~شيء يستلزم أن لا يبقى لأحد اعتماد على اليقينيات، ولا اعتقاد بشيء من ~~الأصول المثمرة للسعادات، فيكون كل أصل من الأصول اليقينية ممكن الزوال، ~~جائز الاضمحلال، فيكون مدار الاعتقادات على الظن والتخمين، وبناء الأمور ~~على البخت والاتفاق. # والحق # إن الله لا يضيع أجر المحسنين # [التوبة:120]. # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة # [إبراهيم:27]. # ولن تجد لسنة الله تبديلا # [الأحزاب:67]. # واعلم أن الإيمان الحقيقي صورة في نفس المؤمن، أحكم وأتقن من صورة ~~الشمس والقمر، وصورة سائر الأجرام الفلكية. بل لا نسبة في الإحكام بين ~~صورة المؤمن، وصورة تلك الأجرام العظيمة، الراسخة، الشامخة، لأن صورتها ~~زائلة منكسفة النور يوم القيامة، واهية يومئذ، وصورة المؤمن قائمة ~~عند ربه، مشرقة، ضاحكة، مستبشرة أبد الآبدين، ودهر الداهرين. # ثم القائلون بهذا القول ms0646 اختلفوا في تفسير قوله: { وكان } فمنهم من ~~قال: كان في علم الله من الكافرين: أي كان الله عالما في الأزل أنه ~~سيكفر. فصيغة " كان " باعتبار العلم، لا باعتبار المعلوم. # ومنهم من قال: إنه بعد مضي كفره صدق عليه أنه كان من الكافرين في ~~ذلك الوقت، ومتى صدق المقيد، صدق المطلق؛ لأنه جزء المقيد، فصدق ~~عليه أنه كان من الكافرين. # ومنهم من قال: المراد من " كان " معنى " صار " أي: صار بعد إبائه عن ~~الإتيان بالسجدة لآدم من الكافرين. # فصل # إبليس أول من كفر # إن كلمة " من " في قوله: { من الكافرين } للتبعيض، فظاهر ~~الكلام يدل على وجود قوم آخرين من الكافرين قبل إبليس في ذلك الوقت، ~~ولهذا وقع الاختلاف في ذلك. # فمنهم من قال: بأنه وجد قبله جمع من الكافرين. ويؤيده ما روي عن ~~أبي بريدة أنه قال " إن الله تعالى خلق خلقا من الملائكة، ثم ~~قال لهم: # إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين # [ص:71 - 72] فقالوا: لا تفعل ذلك. فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم. ~~وكان إبليس من أولئك الذين أبوا ". # ومنهم من قال: معنى الآية أنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك ~~وهو قول الأصم. # ومنهم من قال: إن هذا من باب إضافة فرد من أفراد الماهية إلى تلك ~~الماهية، وصحة هذه الإضافة لا تقتضي وجود تلك الماهية كما أن الحيوان ~~الذي خلقه الله أولا يصدق عليه أنه فرد من أفراد الحيوان لا بمعنى ~~أنه واحد من الحيوانات الموجودة في خارج الذهن، بل بمعنى أنه واحد ~~من أفراد هذه الحقيقة، أعم من أن تكون الأفراد محققة، أو مقدرة. # والحق عندنا: أن إبليس أول من كفر الله؛ وأول من سن كل كفر، ~~وبدعة، ومعصية وقعت في العالم، أو ستقع إلى يوم القيامة، وهذا رأي ~~الأكثرين. # ثم: إنه هل هو أكفر الكفرة، وأعند المنافقين، أم لا؟ فيه تأمل. # ثم على تقدير أنه أكفر الكفرة، هل هو أشد الكفار عذابا يوم ~~الآخرة، أم لا؟ فيه ms0647 أيضا موضع تأمل من ذي بصيرة. # هل العاصي كافر؟ # واعلم أن المعصية عند أصحابنا الإمامية، وعند المعتزلة، والأشاعرة، ~~لا توجب الكفر، وأما عند الخوارج: فكل معصية كفر، وهم تمسكوا ~~بهذه الآية، قالوا: إن الله كفر إليس بتلك المعصية الواحدة، فدل على ~~أن كل معصية كفر. # وهذا الاستدلال في غاية الضعف. إذ على تقدير أن يكون منشأ كفره تلك ~~المعصية، لا يثبت به مطلوبهم؛ لأنه ربما كان لبعض المعاصي خصوصية لا ~~توجد في غيره. # على أنا نقول: إنما لاستقباحه أمر الله إياه بالسجود لآدم، ~~ولاستكباره، واعتقاده كونه محقا في ذلك التمرد لأنه أفضل منه - ~~والأفضل لا يحسن أن يكون مأمورا بالتخضع للمفضول، والتوسل - واستبداده ~~برأيه واستدلاله على ذلك بقوله: # أنا خير منه # [الأعراف:12] جوابا لقوله: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت ~~أم كنت من العالين # [ص:75]. وعمله بقياسه المغالطي - المختل الأصل والفرع - في مقابلة ~~النص. # ثم على القول بأنه " كان كافرا من أول الأمر، منافقا حين اشتغاله ~~بالعبادة " يكون هذا الاستدلال ساقطا رأسا. # واعلم أن من فوائد هذه الآية استقباح الاستكبار، وأنه قد يفضي ~~بصاحبه إلى الكفر، وكونه علامة لظلمة كامنة في النفس، باعثة على الفرقة ~~والأنانية. # والحث على الطاعة والائتمار - وإن لم يعلم سر الأمر - وترك الخوض في ~~البحث. # وأن الأمر يكون للوجوب. # وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر، هو الكافر على ~~الحقيقة - لأن علم الله بالأشياء هو عين حقائقها - لأن العبرة ~~بالخواتيم، وإن كان بحكم الحال مؤمنا. وهو الموافاة المنسوبة إلى ~~أصحابنا رضوان الله عليهم. # فصل # في أن المأمورين بسجدة آدم عليه السلام هل كانوا جميع الملائكة، أم ~~بعضهم؟ # فالأكثرون على الأول، واستدلوا بوجهين: # الأول: صيغة الجمع المحلى بلام التعريف تفيد العموم، سيما وقد قورنت ~~بأبلغ تأكيد في قوله: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون # [الحجر:30]. # والثاني: وجود الاستثناء من الجمع دال على أن ما عدا المستثنى كان ~~داخلا في الحكم. وقوله: { إلا إبليس } دل على أن الملائكة ~~كلهم سجدوا لآدم، فدل على أنهم كلهم ms0648 كانوا مأمورين بالسجود. # ومن الناس من أنكر ذلك وقال: " المأمورون بالسجدة هم ملائكة الأرض " ~~واستعظموا لأن يكون أكابر الملائكة مأمورين بسجدة آدم. # والمشهور من آراء الباحثين من الحكماء مثل هذا، لأن الملائكة ~~السماوية - وهي الجواهر الروحانية المحركة للأجرام العالية عندهم - ~~يستحيل على أصولهم أن تكون منقادة للنفوس الناطقة الأرضية، فلهذا ذهب ~~أكثرهم إلى أن المراد من الملائكة المأمورين بسجدة آدم هي القوى ~~البشرية، المطيعة للنفس الناطقة، الخادمة إياها طبعا. # أو يكون المراد منها النفس الحيوانية، والنباتية، المنقادة للإنسان ~~حيث سخرها الله له بما أعطاه من قوة تسخيره إياها، وتصرفه فيها ~~لمصالح معاشه، ومعاده، وإليه ذهب صاحب إخوان الصفا. # والحق إن المأمور بالسجود، والانقياد لآدم جميع الملائكة السماوية، ~~والأرضية، كما دل عليه قوله تعالى: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون # [الحجر:30]. إلا أن الملائكة الأرضية في وقت ومقام، والملائكة ~~السماوية في وقت ومقام آخر. فإن للإنسان درجات ومقامات بحسب سيره إلى ~~الله. # فما دام كونه في مقام النفسية، وعدم عروجه إلى عالم القدس العقلي، فلا ~~معنى لكون أكابر الملائكة - وهم المحركون للأجرام السماوية - مطيعة له، ~~لأنهم إنما يطيعون أمر الله، وعالم الأمر، ويلتمسون الأنوار العقلية، ~~ويتشوقون إلى الاتصال بالملإ الأعلى، وهم القاعدون في صوامع الجبروت، ~~ومصاقع الربوبية، ومجامع الإلهية. # وأما إذا خرج عن مقام النفسية إلى مقام العقلية الصرفة، وخلص عن ~~التلونات، والتغيرات إلى المرجع والمآب، واستقر في مقعد من مقاعد ~~الأنس والرحمة، منخرطا في سلك المقربين المهيمين، فحينئذ يطيع له ~~ملائكة السماء طاعتهم للملإ الأعلى؛ لأنه صار معهم في مقام الوحدة ~~الجمعية، والسعادة الكبرى، والبهجة العظمى التي يكل اللسان عن وصفها، ~~وتضيق الأسماع والأذهان عن سمعها وفهمها. # وأما الملائكة المهيمون - وهم الذين لا تعلق لهم بعالم الأجسام ~~لاستغراقهم بمشاهدة جمال الأحدية - فظاهر أنهم خارجون عن أمر السجدة ~~لغير الله، والانقياد لما سواه، ولا يشكل هذا بعموم قوله # فسجد الملائكة كلهم أجمعون # [الحجر:30]. لأن إطلاق الملائكة بناء على أنه مشتق من " الألوكة " ~~بمعنى الرسالة - كما مر - إنما شاع على من له رسالة من ms0649 الله إلى خلقه، ~~والأرواح المهيمة مقامهم فوق ذلك. والدليل على ذلك قوله تعالى: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص:75]. أي الملائكة المرتفعين عن الالتفات لهذا العالم مطلقا - والله ~~أعلم بأسرار خلقه، وآثار أمره. ### || [2.35] # [مقامات الإنسان] # إعلم أن للإنسان الكامل درجات، ومقامات، في بدايات أحواله، ومبادئ ~~وجوده؛ كما أن له درجات، ومقامات في نهايات أموره، وعوائد بقائه. # فأول مقاماته في البداية، كونه مقدرا في علم الله، وفيضه الأقدس، ~~أن يكون خليفة لله في الأرض؛ وهو مقام عينه الثابت الذي قيل: " إنه غير ~~مجعول ". وهو مقام أخذ الميثاق. # ثم مقام مسجوديته للملائكة؛ وذلك في جنة الأرواح وعالم القدس، وفيه ~~صور الأسماء الإلهية كلها. # والمقام الثالث: هو أول تعلق روحه بالبدن في عالم السماء، بعد عالم ~~الأسماء بواسطة لطيفة حيوانية متوسطة بين الروح العقلاني وهذا البدن ~~الكثيف الظلماني. والإنسان بواسطة تلك اللطيفة الحيوانية التي تكون على ~~صورته في عالم الأشباح له أن يدخل دار الحيوان وجنة الأبدان، فقوله ~~تعالى: { ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة } إشارة إلى هذا ~~المقام. # والمقام الرابع: هو مرتبة هبوطه إلى عالم الأرض، وتعلقه بهذا البدن ~~الكثيف الظلماني، المركب من الأضداد، المنشأ للعداوة والفساد، والحسد ~~والعناد، المحجوب عن عالم المعاد، وهذا غاية النزول عن الفطرة الأصلية. # ثم يقع بعد ذلك الرجوع إلى الفطرة، والعود إلى المبدإ بالسير ~~الرجوعي على عكس السير النزولي، بالخلاص عن هذه القيود، والتبري عن هذا ~~الوجود، ورد الأمانات إلى أهلها، والخروج عن كل حول وقوة إلى حول ~~الله وقوته، ففي هذا لرجوع أيضا مقامات ودرجات، كما هو مذكور في أحوال ~~الآخرة. # جنة آدم أهي الجنة الموعودة، أم غيرها؟ # واختلفوا في أن الجنة التي خرج منها آدم وزوجته، بعينها الجنة ~~الموعودة، ودار الثواب، وجنة الخلد؟ أم هي جنة أخرى غيرها؟ # قال بعض العرفاء: الجنة التي تكون الأرواح فيها بعد المفارقة من ~~النشأة الدنياوية، غير التي بين الأرواح المجردة وبين الأجسام، لأن ~~تنزلات الوجود ومعارجه دورية. والمرتبة التي قبل النشأة الدنياوية، هي ~~من مراتب التنزلات ولها الأولية، ms0650 والتي بعدها من مراتب المعارج ولها ~~الأقربية. # وأيضا الصور التي تلحق الأرواح في البرزخ الأخير، إنما هي صور ~~الأعمال، ونتيجة الأفعال السابقة في النشأة الدنياوية بخلاف صور الجنة ~~الأولى، فلا يكون كل منهما عين الآخر. لكنهما تشتركان في كونهما ~~عالما حيوانيا، وجوهرا نورانيا غير متعلق الوجود بالمادة ~~الظلمانية، مشتملا على أمثلة ما في العالم. # وقد صرح صاحب الفتوحات المكية في الباب الحادي والعشرين وثلاثمأة من ~~كتابه، بأن هذا البرزخ غير الأول. ويسمى الأول بالغيب الإمكاني. ~~والثاني بالغيب المحالي. لإمكان ظهور ما في الأول في الشهادة، وامتناع ~~رجوع ما في الثاني إليها، إلا في الآخرة. # " وقليل من يكاشفه بخلاف الأول. ولذلك يشاهد كبراؤنا، ويكاشف البرزخ ~~الأول، فيعلم ما يريد أن يقع في العالم الدنيوي من الحوادث، ولا يقدر ~~على مكاشفة أحوال الموتى " انتهى. # واحتجوا على المغايرة بينهما أيضا بوجوه: # أحدها: إن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب، لكانت جنة الخلد، وكان ~~من دخلها لم يخرج منها، لقوله تعالى: # وما هم منها بمخرجين # [الحجر:48]. وقد خرج آدم وزوجته منها، فليست هي بجنة الخلد. # أقول: هذا ضعيف؛ لأن ذلك إنما يكون إذا استقر أهل الجنة فيها ~~للجزاء، والثواب، والوصول إلى الغاية والنهاية، فأما قبل ذلك فإن كل ~~شيء هالك إلا وجهه. # الثاني: إن آدم لو كان في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس ~~بقوله: # هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى # [طه:120]. ولما سمع قوله: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين # [الأعراف:20]. # أقول: استحالة ذلك في بداية الأمر وقبل خروج النفس من القوة إلى الفعل ~~ممنوع، فإن الإنسان ما لم يقع في دار التكليف والابتلاء، فهو بعد سريع ~~القبول للوقائع. # الثالث: إن إبليس لما امتنع من السجود لعن، فما كان يقدر مع غضب ~~الله عليه على أن يصل إلى جنة الخلد. # أقول: كما استحال عقلا أن يدخل إبليس بعد طرده ولعنه جنة الآخرة، ~~كذلك استحال دخوله في الجنة السابقة، إلا أن العلماء ms0651 ذكروا كيفية ~~دخوله على سبيل الاختلاس، والاجتياز في أوقات قليلة نادرة، كسارق يريد ~~أن يدخل دار السلاطين، ويختطف منها شيئا، ولذا قالوا: ويجوز أن يكون ~~وسوسة إبليس من خارج الجنة من حيث يستمعان كلامه. # الرابع: إن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها، لقوله تعالى: # أكلها دآئم # [الرعد:35]. وقوله: # عطآء غير مجذوذ # [هود:108]. أي غير مقطوع فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم فلم ~~يخرج منها آدم وزوجته لكنهما قد خرجا منها. # أقول: هذا كالوجه الأول ويرد عليه شبه ما مر، والتحقيق الذي عليه ~~التعويل، أن الدارين واحدة بالذات، متغايرة بالاعتبار، وكذا جميع ~~بدايات المقامات، بالقياس إلى نظائرها من النهايات، فعليه يحمل أقوال ~~أهل المعرفة واختلافهم. # وأما أهل النكرة والحجاب، فمنهم من قال: إن هذه الجنة التي خرج منها ~~آدم كانت في الأرض - لا في السماء - وهو قول أبي القاسم البلخي، وأبو ~~مسلم الاصفهاني، وبه قال بعض أصحابنا، فحملوا الاهباط على الانتقال من ~~بقعة، إلى بقعة كما في قوله: # اهبطوا مصرا # [البقرة:61]. # وربما عين وقيل: " إنه بستان كان بأرض فلسطين. أو بين فارس وكرمان ~~واستدل على ذلك بأنه لا نزاع في أن الله خلق آدم (عليه السلام) في ~~الأرض، ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد ~~نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر لأن نقله من الأرض إلى السماء من ~~أعظم النعم، فدل على أن ذلك لم يحصل وذلك يوجب أن المراد من الجنة ~~التي قال الله: { اسكن أنت وزوجك الجنة } ليس في غير ~~الدنيا. # ومنهم من قال: إن تلك الجنة كانت في السماء السابعة. والدليل عليه ~~قوله { اهبطوا } وهو قول الجبائي. قالوا: " إن الاهباط الأول كان ~~من السماء السابعة إلى السماء الأولى. والاهباط الثاني كان من السماء إلى ~~الأرض ". # ومنهم من قال: إن هذه الجنة هي دار الثواب، بدليل أن الألف واللام ~~في لفظ - الجنة - لا يفيدان العموم، لأن سكون جميع الجنان محال. فلا ~~بد من صرفهما إلى المعهود السابق إلى ms0652 الفهم. والجنة التي هي المعهود ~~المعلوم بين المسلمين هي دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها وهو قول ~~المفسرين، والحسن البصري، وعمرو بن عبيدة، وواصل بن عطاء وكثير من ~~المعتزلة، وأصحاب أبي الحسن الأشعري. وهو المختار عند الإمام الرازي في ~~تفسيره الكبير. # ومنهم من قال: إن الكل: ممكن، والأدلة النقلية ضعيفة، ومع ضعفها ~~متعارضة فوجب التوقف، وترك القطع. # فصل # في تعيين الوقت الذي خلقت فيه زوجة آدم (ع) # لا شبهة لأحد في أن ذلك كان بعد أن كرمه الله تعالى بكرامة تعليم ~~الأسماء، وأمر الكل بالسجود له تعظيما، وسجدة الملائكة له انقيادا ~~وتسليما، وإباء إبليس عنه عنادا واستكبارا، وعتوا، وافتخارا، ~~وصيرورته ملعونا طريدا مريدا، وقبل هبوطه إلى الأرض، لقوله: { ~~اسكن أنت وزوجك الجنة }. # فالثابت المحقق هو أن خلقتها كان في مقام الجنة، وهو ميلاد النفوس ~~عند نزوله عن عالم القدس العقلي إلى النشأة النفسانية. # ويؤيد ما ذكرناه ما رواه السدي، عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من ~~الصحابة: إن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة، وأسكنها آدم بقي ~~فيها وحده، ما كان معه من يستأنس به، فخلقت حواء ليسكن إليها. # وروي: أن الله تعالى ألقى عليه النوم، ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من ~~شقه الأيسر، ووضع مكانه لحما، وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد ~~عنده رأسه امرأة قاعدة، فسألها: من أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم ~~خلقت؟ قالت: لتسكن إلي. فقالت الملائكة: ما اسمها؟ قال: حواء. ~~قالوا: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. # فعندها قال الله تعالى: { اسكن أنت وزوجك الجنة }. # وعن ابن عباس - أيضا - قال: " بعث الله جندا من الملائكة، فحملوا ~~آدم وحواء (عليهما السلام) على سرير من ذهب، كما يحمل الملوك، ولباسهما ~~النور، وعلى كل واحد منهما إكليل من ذهب، مكلل بالياقوت واللؤلؤ، وعلى ~~آدم منطقة مكللة بالدر والياقوت حتى أدخلا الجنة ". # فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل ادخال الجنة، والخبر الأول دل ~~على أنها خلقت في الجنة. # ثم من الأخبار ما يدل على ms0653 أنهما جميعا خلقا في الأرض. ففي كتاب ~~النبوة " إن الله تعالى خلق آدم من الطين، وحواء من آدم. # فهمة الرجال الماء والطين، وهمة النساء الرجال ". # ووجه التوفيق بين الكل معلوم عند أهل الهداية والمعرفة. # واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد من الزوجة حواء وإن لم يتقدم ~~ذكرها في هذه السورة، وفي سائر القرآن ما يدل على ذلك، فإنها مخلوقة ~~منه. # ففي سورة النساء: # خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها # [النساء:1]. وفي الأعراف: # وجعل منها زوجها ليسكن إليها # [الأعراف:189]. # وروى الحسن عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " إن المرأة خلقت من ضلع الرجل، فإن أردت تقويمها كسرتها، وإن ~~تركت انتفعت بها واستقامت ". # واعلم أن كل شهادة مطابق لغيب، وكما المرأة هاهنا مخلوقة من الضلع ~~الأيسر للرجل، أو من بقية مادة منوية فضلية حصلت هناك منه، فكذلك في ~~عالم الأرواح حصلت النفس وهي جوهرة انفعالية من الجنبة السافلة للعقل، ~~وهو جوهر فعال بالفعل، مخرج للنفس من القوة إلى الفعل. # وكما أن الرجل إذا تفرد هاهنا بذاته عمن يسكن إليها من زوجته ~~يتوحش، ويضطرب، حاله في الخلوة والوحدة عناية من الله لتكثير النوع ~~بحصول الأفراد، كذلك العقل إذا لم يتوجه إلى تربية النفس، والسكون ~~إليها، وأراد التفرد بذاته عن فعله يلزم عليه التعطيل، ويلحقه الاضطراب ~~في قرب نهار الأحدية الإلهية قبل أوانه، كما يلحق أبصار الخفافيش من نور ~~الشمس عند رفع حجاب الليل، ويعتريه الذوبان تحت سطوع النور الإلهي ~~الواجبي، كذوبان الجليد عند طلوع الشمس عليه من غير حجاب. # فهذا نكاح معنوي وقع بين العقل والنفس، والعاقد بينهما هو الله، وهكذا ~~جرى الازدواج بين كل قوة فاعلة ومادة منفعلة كما بين الطبايع والصور ~~الجسمانية وبين موادها القابلة بحكم النكاح الأول، الساري في جميع ~~الذراري، ومن هذا قيل: " كل ممكن زوج تركيبي ". # وذكر الشيخ الجليل محمد بن علي بن بابويه القمي - رحمهما الله - في ~~الفقيه رواية عن زرارة بن أعين، أنه قال: سئل أبو عبد الله (عليه ~~السلام) عن خلق حواء، ms0654 وقيل له: إن أناسا عندنا يقولون: " إن الله عز ~~وجل خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى ". # فقال: " سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا من يقول هذا؟! إن ~~الله تبارك وتعالى لم يكن له القدرة أن يخلق لآدم زوجة من غير ضلعه؟ ~~ويجعل للمتكلم من أهل التشنيع سبيلا إلى الكلام أن يقول: " إن آدم كان ~~ينكح بعضه بعضا " إذا كانت من ضلعه؟! ما لهؤلاء! حكم الله بيننا ~~وبينهم ". # ثم قال (عليه السلام): إن الله تعالى لما خلق آدم من طين، وأمر ~~الملائكة فسجدوا له ألقى عليه السبات. ثم ابتدع له حواء، فجعلها في ~~موضع النقرة التي بين وركيه. # - وذلك لكي تكون المرأة تبعا للرجل - فأقبلت تتحرك، فانتبه ~~لتحركها فلما انتبه نوديت أن تنحي عنه، فلما نظر إليها نظر إلى ~~خلق حسن يشبه صورته. فكلمته بلغته " - في حديث طويل في آخره -. # " والخبر الذي روي أن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر صحيح، ومعناه ~~من الطينة التي فضلت من ضلعه الأيسر. فلذلك صارت أضلاع الرجال أنقص من ~~أضلاع النساء ". # فصل # قوله تعالى: { وقلنا } # قال بعض المفسرين: هذه نون الكبرياء والعظمة لا نون الجمع. # وأقول: كأنه إشارة إلى الجمعية الإلهية، المحتوية بحسب الأسماء والصفات ~~على جميع العقول والذوات. # و " السكنى " من السكون. لأنها نوع من اللبث والاستقرار. # و { أنت } تأكيد للمستكن في " اسكن " ليصح العطف عليه. # و { زوجك } معطوف على موضع أنت. ولو عطف على الضمير المستكن لكان ~~يشبه في الظاهر عطف الاسم على الفعل، فأتى بالمنفصل وعطف عليه. # و { رغدا } منصوب لأنه صفة لمصدر محذوف، كأنه قال: " أكلا رغدا ~~" أي: واسعا كثيرا. ويجوز أن يكون مصدرا وضع موضع الحال من قوله: { ~~كلا } ويقال: قوم رغد، ونساء رغد، وعيش رغد. فعلى هذا ~~يكون تقديره: " وكلا منها متوسعين في العيش ". # و { حيث } يبنى على الضم كما تبنى الغايات: لأنه منع عن الإضافة ~~إلى مفرد كما منعت هي من الإضافة، فما يأتي بعده جملة اسمية أو فعلية ~~في تقدير المضاف إليه. وهو للمكان المبهم، ms0655 أي: " أي مكان شئتما من ~~الجنة " على وجه التوسعة البالغة، من جهة أنه لم يحظر عليهما بعض ~~الأكل، ولا بعض المواضع، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة ~~من أشجارها الكثيرة الفائتة للحصر. # والنكتة في عطف قوله: { كلا } على قوله: { اسكن } بالواو هاهنا، ~~وبالفاء في الأعراف هي أن الفاء للسببية، والواو للجمعية، فكلما كان ~~المعطوف عليه شرطا للمعطوف عطف بالفاء، وإن لم يكن شرطا عطف بالواو. # ثم قول القائل: " أسكن " قد يكون بمعنى " أدخل " وقد يكون بمعنى " ~~إلزم مكانك الذي دخلته " والأكل مشروط بالأول - دون الثاني - فإذا ~~أريد منه المعنى الأول ينبغي العطف للأكل عليه بالفاء كما في قوله: # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها ~~حيث شئتم رغدا # [البقرة:52]. إذ الأكل في موضع مشروط بالدخول فيه. # وإذا أريد منه المعنى الثاني، فينبغي العطف عليه بالواو المفيد ~~للجمعية فقد - دون الترتيب - إذ الأكل في موضع غير مشروط بالدوام فيه، ~~فبحسب اختلاف الاعتبارين اختلفت الكلمة العاطفة في السورتين والله أعلم. # فصل # اختلف المفسرون في هذا الأمر. فقيل: إنه أمر تعبد. وقيل: هو إباحة، ~~لأنه ليس فيه مشقة، وما لا مشقة فيه فلا تكليف به. # وأما قوله: { وكلا } فهو إباحة بالاتفاق. وكذا { ولا تقربا } ~~تعبد بالاتفاق. وهو مجزوم بالنهي، والألف ضمير الفاعلين. # وقوله: { فتكونا } يحتمل أمرين: # أحدهما: أن يكون جوابا للنهي، فيكون منصوبا بإضمار " أن " وأن مع ~~الفعل في تأويل المفرد، فيكون عطفا على المصدر والتقدير: " لا يكن منكما ~~قرب لهذه الشجرة فتكونا من الظالمين " فالكلام حينئذ جملة واحدة، لكون ~~المعطوف من جملة المعطوف عليه. وإنما سمي جوابا لمشابهة الجزاء بحسب ~~المعنى، أي: إن تقربا هذه الشجرة تكونا من الظالمين. # والثاني: أن يكون معطوفا على النهي، فيكون مجزوما. فالفاء عاطفة جملة ~~على جملة فكأنه قال: " فلا تكونا من الظالمين ". # ومعنى { ولا تقربا هذه الشجرة }: لا تأكلا منها. وهو ~~المروي عن الباقر (عليه السلام) وحاصله: لا تقرباها بالأكل. ولهذا إنما ~~وقعت المخالفة بالأكل بلا خلاف - لا بالدنو منها - ولهذا قال: ms0656 # فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما # [طه:121]. # واختلف في هذا النهي، فقيل: " إنه نهي التحريم. وقيل: نهي التنزيه، دون ~~التحريم. كمن يقول لغيره: " لا تجلس على الطريق " وهو مذهب أصحابنا، ~~وموافق لأصولنا العقلية كما سيجيء بيانه. # فعندهم أن آدم (عليه السلام) كان مندوبا إلى ترك التناول من الشجرة، ~~فكان بالتناول منها تاركا نفلا وفضلا. ولم يكن آتيا بقبيح، وفاعلا ~~لمحرم، لأن الأنبياء لا يجوز عليهم القبائح صغيرها وكبيرها. # وقالت المعتزلة: كان ذلك صغيرة من آدم (عليه السلام) على اختلاف بينهم ~~في أنه وقع منه على سبيل العمد، أو السهو، أو التأويل. # واستدل صاحب مجمع البيان على امتناع مواقعة المعصية على الأنبياء ~~(عليهم السلام) بأن الفعل القبيح ما يستحق فاعله الذم والعقاب، ~~والمعاصي كلها كبائر عندنا، وإنما تسمى صغيرة باضافتها إلى ماهو أكبر ~~عقابا منها؛ لأن الاحباط قد دل الدليل عندنا على بطلانه، وإذا بطل ذلك ~~فلا معصية إلا ويستحق فاعلها الذم والعقاب، وإذا كان الذم والعقاب ~~منفيين عن الأنبياء، وجب أن ينفى عنهم سائر الذنوب. # ولأنه لو جاز عليهم لنفر عن قبول قولهم. والمراد بالتنفير أن النفس ~~إلى قبول قول من لا يجوز عليه شيء من المعاصي أسكن منها إلى من يجوز ~~عليه ذلك، ولا يجوز عليهم كل ما يكون منفرا عنهم من الخلق المشوهة، ~~والهيئات المستكرهة. # وإذا صح ما ذكر علمنا أن مخالفة آدم (عليه السلام) لظاهر النهي كان ~~على الوجه الذي بيناه هذا كلامه وهو المذكور في الكتب الكلامية من ~~قبل أصحابنا القائلين بعصمة الأنبياء (عليهم السلام) مطلقا، وللبحث في ~~بعض مقدماته مجال. # وإنما قلنا إنه موافق لأصولنا العقلية من جهة أنه قد صح عندنا ~~أن للإنسان نشآت ثلاث بحسب البداية والنهاية: نشأة الروح، ونشأة النفس، ~~ونشأة الطبيعة، وهذه دار التكليف والاختيار، ودار الابتلاء والاختبار. # ومورد الأمر والنهي التشريعيين، وعليهما مدار الطاعة والعصيان، والعصمة ~~والخذلان، والشكر والكفران. # وأما قبل هذه النشأة فالأمر فيها أمر قضاء وتكوين. والنهي فيها نهي ~~إشعار وتحريص، وليس فيها مجال القدرة للعبد والاختيار، ولا يسع ms0657 له ~~التدبير والحزم والاجتهاد، ولهذا قال بعض أصحاب القلوب، إن سبب النهي ~~هناك هو الدلال الذي تقتضيه غاية الجمال ولو لم ينه عنها فلعله ما فرغ ~~لها لكثرة أنواع المرادات النفسانية فذكرها كان كالتحريص عليها، فإن ~~الإنسان حريص على ما منع. # واعلم أن كل ما في هذا العالم فهو في العالم الأعلى على وجه ألطف ~~وأصفى، فالمعصية هاهنا هي مخالفة الأمر الشرعي، المنافية للعصمة الثابتة ~~للأنبياء (عليهم السلام)، وأما في عالم الغيب، فهي عبارة عن النقيصة ~~الإمكانية المتفاوتة كثرة وقلة في الممكنات بحسب مراتب درجاتها عند الله ~~قربا وبعدا، فكلما كان القرب منه تعالى أكثر كان جهات الإمكان أقل، ~~وكلما كان البعد منه أكثر تضاعف جهات النقائص والإمكانات أوفر. ~~وبالعكس. # وبعض تراكم الإمكان على العقل يوجب نزوله في عالم النفس كالجنة ~~ومنازلها، وغاية تضاعف الإمكان في النفس تودب تعلقها بعالم الأبدان ~~العنصرية كما أن غاية المعصية - وهي الكفر - توجب خلود النفس في دار ~~العذاب. # وأيضا التخاصم، والتباغض هاهنا من صفات الحيوانات، يجب تنزيه ~~الملائكة العلوية عنه. ولكن ورد في القرآن أن الملأ الأعلى يختصمون، ~~فيجب حمل الخصومة فيهم على معنى ألطف وأشرف مما في الحيوانات، وهو ~~كاختلاف إشراقاتهم العقلية، وتباين تعيناتهم الوجودية. ومن هذا القبيل ~~صفة التنازع المذكور لأهل الجنان في قوله تعالى: # يتنازعون فيها كأسا # [الطور:23]. # الشجرة المنهية # ثم اختلف في الشجرة المنهي عنها. فعن ابن عباس: " هي السنبلة " ، ~~وعن ابن مسعود والسدي: " هي الكرمة ". وعن ابن جريح: " التينة ". # وقيل: " هي شجرة الكافور ". وهو المروي عن علي (عليه السلام). # وقيل: " هي شجرة العلم علم الخير والشر " وعن ابن جدعان " هي شجرة ~~الخلد التي كانت تأكل منها الملائكة ". # وقال الربيع بن أنس: " كانت شجرة من أكل منها أحدث، ولا ينبغي أن يكون ~~في الجنة حدث ". # ولكل منها وجه تأويل، والموافق للحكمة أن يكون فيها إشارة إلى شجرة ~~الطبيعة المتشعبة أفنانها، المتفننة قواها وفروعها، وهي # شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رءوس ~~الشياطين # [الصافات:64 - 65]. # والحكمة تقتضي أن يخرج الإنسان أولا ms0658 من الجنان بأكل هذه الشجرة، ويسقط ~~من عالم الفطرة إلى عالم التركيب والطبيعة، ثم يأخذ منها زاد الآخرة، ~~ويفطم نفسه عن طيبات الدنيا التي هي خبيثات الآخرة - فطام الصغير عن ~~رضعة أمه - ليلحق بدار الكرامة التي خرج منها. # ومن لم يزهد في الدنيا ولم يفطم نفسه عن تناول الطبيعة ومشتهياتها، فلا ~~نصيب له في الآخرة، ولا طعام له إلا من الحميم، والغسلين. ويكون غذاء ~~أهل الجحيم في الدار الآخرة من غسالات الطبايع، وأكدارها، وأوزارها، كما ~~ان غذاء أهل الجنة من الصفايا واللطائف، وغذاء أهل القرب منهم من ~~المعارف الإلهية والعلوم الربانية. # تأييد استبصاري # في تأويل معصية آدم # إعلم أن للإنسان همة عالية، وحرص شديد بحسب الجبلة، فلا يزال تقول ~~نار طبيعته وجهنم حرصه: " هل من مزيد ". ولا تمتلي حتى يضع الجبار قدمه ~~فيها. # ثم إنه ابيح له ولزوجته مشتهيات النفس كلها، فيها ما تشتهي الأنفس ~~وتلذ الأعين وقيل لهما: " اقتنعا بها ولا توقدا نار الفتنة " وهي نار ~~الطبيعة التي شأنها تحليل المواد والتصرف فيها، وقد كانت كامنة في ~~النفس، ولم تخرج من الكمون إلى البروز. أو لا ترى أن الإنسان إذا أخذ ~~في تناول المطعوم انبعثت من طبيعته حرارة طابخة ونضجت مادة الغذاء؟ فأصل ~~النار من النفس، ثم من الطبيعة. # ولا تقربا شجرة الطبيعة السفلية إن كنتما طالبين للسلامة عن المصيبة ~~والمحنة، فارغين عن حرقة المحبة، وإلا فتكونا من الظالمين على النفس ~~بتوريطها في ورطات الهلاك التي قلت النجاة عنها، وإحراقها بنار ~~المحبة والمحنة، وألم البعد والفرقة، وتعب السفر في الدنيا لربح ~~الآخرة. وقد غرقت في بحارها طوائف كثيرة، انكسرت فيها سفائنهم ومراكبهم. # وحمل " الظلم " على هذا المعنى أوفق بالمحافظة على قاعدة عصمة ~~الأنبياء (عليهم السلام) وكل مذهب أفضى إلى انحفاظ عصمتهم كان أولى. وذلك ~~كما في قوله تعالى: # وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب:72]. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # قال بعض أولي البصائر: إنه تعالى قد وسع على آدم (عليه السلام) أسباب ~~الانبساط أولا، ثم ضيق عليه ms0659 الأمر آخرا. وأنشد: # وأدنيتني حتى إذا ما فتنتني # بقول يحل العصم سهل الأباطح # تجافيت عني حين لا لي حيلة # وغادرت ما غادرت بين الجوانح # خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة في ~~جواره، وزوجه حواء. حتى شاهد جمال الحق في مرآة وجهه، وأنبت ~~شجرة المحبة بين يديه ثم منعه، وكان في ذلك المنع تحريص وتذكير أيضا. ~~ثم عاتبه بقوله: { فتكونا من الظالمين }. # وهذا كما أسكر موسى (عليه السلام) بأقداح الكلام، وأذاقه لذة شراب ~~السماع، وقربه نجيا، حتى اشتاق إلى جماله، وطمع في وصاله قبل أوانه، ~~وقال: { رب أرني } فعاقبه بسطوة # لن تراني # [الأعراف:143]. # وذلك أن الولاء والبلاء توأمان، والمحبة والمحنة رضيعا لبان، ~~والمطلوب كلما كان أدفع كان أعز وأمنع، والجمال لا بد له من الدلال، ~~وبه يتميز العاشق الصادق من المدعي المحتال، فلما ذاقا شجرة الغرام ~~خرجا من دا ر السلام، فما لأهل السلام ودار الغرام، وأين الفارغ السالي ~~من المحب الغالي. # وبالجملة فلما جاء القضاء ضاق الفضاء، فلم يمس بعد ما كان مسجود ~~الملك، محسود السماك إلى السمك، مشمول الرعاية، موفور العناية، ~~حتى نزعه لباس الأمن والفراغ، وبدل باستيناسه الاستيحاش، يدفعونه ~~الملائكة بعنف، أن اخرج من غير مكث ولا بحث. # فأزلتهما يد التقدير بحسن العناية والتدبير، وكان الشيطان من جملة أسباب ~~التقدير، فصار هدف سهام الطعن والطرد، فلما وقعا من القربة في ~~الغربة، ومن الألفة في الكلفة استوحشا من كل شيء. وهكذا شرط المحبة ~~عداوة ما سوى المحبوب، فكما أن ذاته لا تقبل الشركة في التعبد، كذلك ~~لا تقبل الشركة في المحبة " انتهى كلامه. # ويمكن تطبيقه على القوانين البرهانية، وإن كان ظاهره كلمات خطابية. # فصل # إن الذين جوزوا الذنوب على الأنبياء (عليهم السلام)، حملوا النهي ~~في قوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } كقوله: # ولا تقربوهن حتى يطهرن # [البقرة:222]. وقوله: # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # [الأنعام:152]. وكما أن هذين للتحريم، فكذا الأول. # والثاني: قال تعالى: { فتكونا من الظالمين }. أي: إن أكلتما ~~منها ظلمتما ms0660 أنفسكما، ولذلك لما أكلا قال: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف:23]. # الثالث: إن هذا النهي لو كان نهي تنزيه لما استحق آدم بفعله ~~الاخراج من الجنة، ولما وجبت التوبة عليه. # والجواب عن الأول: إن النهي وإن كان في الأصل للتنزيه أو للقدر ~~المشترك، لكنه قد يجعل للتحريم لدلالة منفصلة. # وعن الثاني: إن قوله: { فتكونا من الظالمين }. أي: فتظلما ~~أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه، لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من ~~الجنة - التي لا تظمآن فيها ولا تجوعان ولا تضحيان ولا تعريان - إلى ~~موضع ليس لكما فيه شيء. من هذا. # وعن الثالث: إنا لا نسلم أن الاخراج من الجنة كان لهذا السبب، بل ~~لحكمة سابقة وقعت الاشارة فيها وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى. ### || [2.36] # هذا هو آخر درجات النزول لآدم (عليه السلام) من عالم القدس، ودار ~~الكرامة، وذلك أن آدم (عليه السلام) لما كان مستصلحا لعمارة الدارين، ~~وأراد الله بحكمته الكاملة منه عمارة الدنيا كما أراد عمارة الآخرة ~~والجنة، كونه من التراب تكوينا، وركبه تركيبا يناسب عالم الحكمة ~~والشهادة، وهي هذه الدار الدنيا. # وما كانت عمارة الدنيا تأتي منه وهو غير مخلوق من أجزاء أرضية سفلية ~~بحسب قانون الحكمة، فمن التراب كونه، وأربعين صباحا خمر طينته - ~~كما ورد في الحديث القدسي - ليبعد بالتخمير أربعين صباحا أربعين حجابا ~~من الحضرة الإلهية، كل حجاب هو معنى مودع فيه يصلح لعمارة الدنيا، ~~ويتعوق به عن الحضرة الإلهية ومواطن القرب. إذ لو لم يخرج عنها ولم ~~يتنزل إلى الدنيا لم يصلح لعمارة الدارين جميعا، ولخلافة الله في أرضه، ~~ثم لأن يكون زينة للعالم الأعلى وملكا في الآخرة ملكا كبيرا. # فبالتبتل إلى طاعة الله، والرجوع إليه بالعلم والعمل، والاقبال عليه، ~~والانتزاع عن التوجه إلى السفليات، يخرج كل وقت عن حجاب أمر مودع فيه ~~عند التركيب، وعلى قدر زوال كل حجاب ينجذب إلى مقام نزل منه، ويتخذ ~~منزلا في القرب من الحضرة الإلهية، التي هي مجمع الأنس ومنبع العلوم، ~~ومصدر الحقائق. # فإذا تم السلوك والتبتل، وزالت الحجب، انصبت ms0661 على القلب مياه العلوم ~~والمعارف، كما في قوله (صلى الله عليه وآله): # " من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت من قلبه على لسانه ينابيع ~~الحكمة " # فهذه الأربعين صباحا في التمحيص والتطهير في مقابلة تلك الأربعين ~~صباحا في التخمير والتركيب. # ثم اعلم أن العلوم الحقيقية والمعارف هي بعينها أعيان صورية في ~~عالم الحس والشهادة، انقلبت بإكسير نور العظمة الإلهية بها، كما أن ~~هذه الصور أصولها أيضا أعيان علية، وصور مفارقة عند الله صارت متمثلة ~~في هذا العالم بتقدير الله. فلكل غيب شهادة، ولكل ظاهر باطن. فنزولها ~~وصعودها على وفق هبوط آدم (عليه السلام) وعروجه تكميلا للحكمة وإظهارا ~~للقدرة. # فصل # قال بعض الحكماء في لمية إخراج النفوس من جنة الأرواح لجناية وقعت: ~~إن النفوس الجزئية لما هبطت من العالم الذي كانت، وسقطت عن مراتبها ~~العالية لجناية وقعت من أبيها وأمها، غرقت في بحر الهيولى وغاصت في قعر ~~أمواج الأجسام وقيل لها: # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب # [المرسلات:30]. فتفرقت في هياكل الأجسام وتمزقت بعد وحدتها وجمعيتها؛ ~~وتشتت شملها، ووقعت بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، كما قال ~~تعالى: { اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين }. # وعرض لها عند ذلك من الأهوال، والدهش، والمصائب مثل ما عرض لقوم ~~ركاب البحر لما اشتدت بهم الريح، واضطرب بهم البحر، وهاجت بهم ~~الأمواج، وانكسرت منهم السفينة، وغرقوا في بحر الطبيعة، وغاصوا في ~~ظلمات الماء، وتفرقوا في كل فج عميق من الجزائر والسواحل. # فكما أن أولئك القوم في الوقت الذي انكسرت منهم السفينة تراهم بين ~~غائص، وطاف، أو متعلق بخشبة أو بحبل، أو راكب بعضهم كتف بعض، ~~كل واحد يقول: " نفسي، نفسي " من شدة الأهوال، لا يفكر بغيره، ولم ~~يرد النجاة إلا لنفسه، ولا همه سواه، ولا يفكر فيما كانت فيه فهكذا ~~حال النفوس في هذا العالم وكونها مع هذه الأجساد. فمن هذه الأشياء نسيت ~~النفوس عالمها ودارها الحيواني، ولا نذكر شيئا مما كانت فيه من أمر ~~عالمها، ومعادها، كما قال تعالى: # وإذا ذكروا ms0662 لا يذكرون وإذا رأوا آية ~~يستسخرون # [الصافات:13 - 14]. # ثم قال: إن النفس إذا انتبهت من نوم الغفلة، ورقدة الجهالة، واستبصرت ~~ذاتها، وعرفت جوهرها، وتحققت بغربتها في عالم الأجسام، وغرقها في ~~بحر الهيولى، وأسرها بالشهوات الطبيعية، وعاينت عالمها، واستبان ~~لها فضل نعيمها على هذه اللذات الكدرة الظلمانية وتنسمت بروح ~~عالمها وريحانها؛ اشتاقت إلى هناك وملت الكون مع هذه الأجسام، وزهدت ~~في نعيم الدنيا، وتمنت الموت لهذا الجسد، والخروج من ظلمته، فيكون ~~مثلها مثل جماعة خرجوا من الحبوس والمطامير مع ضوء الصبح، فشاهدوا ~~هذا العالم دفعة واحدة. # فأما النفس الغير المستبصرة فمثلها كمثل العميان سواء عندهم ضوء ~~النهار وظلمة الليل. # وسئل بعض الحكماء العارفين: " إنا من أي موضع جئنا إلى هذا ~~العالم؟ " # فقال في الجواب: " اعلم إنا جئنا إلى هذا العالم من ذلك العالم. ~~وحد هذا العالم من فوق فلك البروج سدرة المنتهى، تحت الفلك ~~المستقيم إلى هذه الأرض وحد ذلك العالم من فوق الفلك المستقيم إلى تحت ~~مرتبة القلم الإلهي، وهو العقل الكلي. ومجيئنا من ذلك العالم إنما هو ~~من الجنة، جنة الله التي هي حظيرة القدس التي بها قدس المقدسون، وتلك ~~هي فوق ذلك العالم. # فأما هذا العالم فهو دار عمل، وذلك العالم دار حساب والجنة هي دار ~~جزاء المحسنين. # واعلم إنا جئنا من جنة القدس إلى ذلك العالم، ومن ذلك العالم إلى ~~هذا العالم، ومن هذا العالم نذهب إلى فلك البروج، ومن فلك البروج نذهب ~~إلى ذلك العالم الذي هو موضع الحساب، ومن موضع الحساب يرجع من أحسن ~~عمله إلى جنة الله، وبقي بقاء سرمديا، ويبقى من أساء عمله تحت ذل ~~الطبيعة، ونار الجحيم في دار جهنم، # ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك إن ~~ربك فعال لما يريد # [هود:107]. # واحتاجوا إلى العمل من غير إرادة منهم، ليصلوا إلى الصور الموافقة ~~لأرواحهم في الجنة، وهم ينالون من تلك الصور التي في الطعام والشراب ~~لذة، ويجدون سكونا إلى الدنيا تحت الطبع والطبيعة. # وكذلك يكونون في قيد الطبيعة، يدخلون كارهين من ms0663 غير إرادة تحت قيد ~~العقل الذي بذره العقل العملي الذي جاء به الرسل (عليهم السلام) مما ~~يشهد به شرائعهم حتى تستأنس النفس، وتطمئن بتلك الصور العملية، ~~والعقلية، وتجد بها قرارا، لأن أصلها أيضا من جنة الله تعالى، ~~وبتلك الاستفادة يضيء لها طريق الصراط وقت ذهابها إلى معادها، ويخف ~~حسابها، وتثقل موازينها. # فقد تبين الآن أن البشر بتقدير الابتداء، ومقام الاباء، فوق العقل ~~والطبع، لكنهم اليوم محبوسون تحت الطبيعة، مقيدون بالعقل العملي، ~~وخلاصهم يكون عند إطلاقهم عن وثاقهم، وخروجهم عن قيد العقل، وليس يخلصون ~~عن قيد العقل إلا حين يخرجون من سجن الطبع والطبيعة. وهذه معان منغلقة ~~يفتحها الشرع للمستحقين، وإنها محرمة على الجاهلين. # ثم سئل مسألة ثانية هي: إنا لأي شيء جئنا إلى هذا العالم، بعد أن ~~كنا مغبوطين؟ # فأجاب: إعلم إن مجيئنا إلى هذا العالم لم يكن باختيارنا وإرادتنا، ~~لكن بالقهر جئنا، وبالقهر نمسك، وبالقهر نخرج. وإنا جئنا للتمحيص، ~~والتطهير # وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين # [آل عمران:141]. وطهارة النفس إنما تكون بالعمل الشرعي، والعلم ~~الإلهي، وبهذين تتم الطهارة والتوجه إلى المعاد، وكما أن طهارة الجسد ~~يكون بالماء، أو بالتراب عند عدم الماء، كذلك طهارة النفس بالعلم الذي ~~هو بمنزلة الماء، والعمل الذي هو بمنزلة التراب، فكل من أتى بالعمل ~~الشرعي حتى يصل إلى العلم الإلهي، فيعلم حقيقته، ويعرف نفسه. فإنه ~~يخلص عند مفارقته هذه الدنيا، التي هي سجن المؤمن، وجنة الكافر. # إشارة مشرقية # واعلم أن حكاية هبوط العقل الإنساني، والنفس الآدمية من عالم القدس ~~إلى موطن الطبيعة الجسمانية، مما كثرت في مرموزات الأنبياء (عليهم ~~السلام)، وإشارات الأولياء والحكماء. # ففي القرآن المجيد قد ذكر هبوط النفس وصعودها في آيات عديدة، كقوله: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه ~~أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات # [التين:4 - 6]. وكقوله: # قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني ~~هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # [البقرة:38]. وكقوله: # قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين ms0664 قال فيها تحيون وفيها ~~تموتون ومنها تخرجون # [الأعراف:24 - 25]. وكقوله: # ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر # [التكاثر:1 - 2] إلى قوله: # ثم لتسألن يومئذ عن النعيم # [التكاثر:8]. وكقوله: # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين ~~فيها جثيا # [مريم:71 - 72]. وكقوله: # كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق ~~عليهم الضلالة # [الأعراف:29 - 30]. وكقوله: # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة # [الأنعام:94]. # وفي كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): " رحم الله امرئا أعد ~~لنفسه، واستعد لرمسه، وعلم من أين؟ وفي أين؟ وإلى أين؟ ". # وفي كلامه (عليه السلام) أيضا: " وليحضر عقله، وليكن من أبناء ~~الآخرة، فإنه منها قدم، وإليها ينقلب ". # وفي كلامه (عليه السلام) أيضا في بيان ماهية النفس ومبدئها ومعادها: " ~~إعلم أن الصورة الإنسانية هي أكبر حجج الله على خلقه، وهي الكتاب ~~الذي كتبه بيده، وهي الهيكل الذي بناه بحكمته، وهي مجموع صور العالمين، ~~وهي المختصر من اللوح المحفوظ، وهي الشاهد على كل غائب، والحجة على كل ~~جاحد، وهي الطريق المستقيم إلى كل خير، وهي الصراط الممدود بين الجنة ~~والنار ". # وفي كلمات الحكماء الراسخين إشارة لطيفة، ورموز شريفة إلى هبوط النفس ~~وصعودها، وحكايات مرشدة إلى ذلك. # ومنها قصة سلامان وأبسال التي ذكرت في مقامات العارفين، ومنها قصة ~~الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة، ومنها حكاية الطير ~~المذكورة في رسالة لأبي علي بن سينا، ومنها حكاية حي بن يقظان. يفهم من ~~كل منها أن للنفس قبل وجودها في هذا العالم وجودا سابقا، وفطرة ~~أولية أصلية في المراتب المتقدمة، وأن لها بعد هذا الوجود رجوعا ~~وعودا إلى ما هبطت منه إن لم يعقها عائق عن الرجوع إلى أصلها. # قال بعض الحكماء مشيرا إلى ذلك: إني كنت في هورقليا مع الخلان، ~~والرفقاء، والاخوان، والآباء، في فضاء فسيح شديد البهاء، كثير الضياء، ~~أبدع الله بعلمه القديم صور الكائنات في أحسن تقويم، فيها رياض خضر ~~كان بينها نسج ديباج من الزهر، والنور، والزعفران، في أواسطها أنهار تجري ~~على حصاة كأنها الدر، والياقوت، والمرجان، فيها بيوت ms0665 علاية، وقصور ~~شاهقة، فيها سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي ~~مبثوثة يطاف عليها ولدان وغلمان، وحور حسان لم يطمثهن قبلهم إنس ولا ~~جان. وقد استعمل أبي الفلاحة في الأصقاع وتزيين البقاع بالعمارة. # فبعثني يوما لتعمير قطر، فإذا أنا بحمام كدر وغار مظلم منقوش ~~بصورة العالمين، استقر فيه أبناء الجن والشياطين العارفين بعلم ~~السيمياء، القادرين على إراءة الأشياء لا على ما هي عليها. # فشاهدت عجائب عديدة وغرائب كثيرة. منها أن رجلا في مزبلة عليها سماد ~~طرية، وجيف منتنة، ويسأل الله أن يثبته على هذه الحالة أبدا. ومنها ~~أن رجلا ضعيفا عاجزا به أوجاع وجراحات لا تحصى كثرة في خربة من ~~المغارة المنقوشة يزعم ويدعي أن تلك الخربة عمارات، وتلك الجراحات وتلك ~~النقوش والصور خدمه، وحشمه، وهو ملك عظيم قدير، يعاقب من يشاء، ويرحم ~~من يشاء. فابتليت بصحبتهم طويلا، وخرجت عن الفطرة كثيرا. # فنسيت ما كنت عليه، فحسبت النار نورا، والظل حرورا، والقبيح ~~حسنا، والحسن قبيحا، والموت حياة، والحياة موتا، والسراب شرابا، ~~والذلة لذة، والراحة جراحة. حتى نبهني بعض آبائي الكرام، الذي ~~زينوا حافات تلك الظلام من أنوارهم بمصابيح، وجعلوها رجوما لأولئك ~~الشياطين، ومن انتمى إليهم من المردة الملاعين، ووضعوا فيها سلاليم ~~ليسهل بها الرجوع والعروج، ومفاتيح ينفتح بها أبواب الخروج، فأرسلوا من ~~حبل شعاعهم خيوطا ليعرج بها من مهاوي عالم الزور والغرور إلى معارج ~~عالم النور والسرور، وذكروا أمورا بها يتذكر معاهد القدس فيجانس ~~الإنس. # فتذكرت وعلمت أن أولئك الشياطين عارفين بالسيمياء، قادرين على ~~تغيير حقائق الأشياء في المرائي الموضوعة، فيخيلون النور ظلاما، ~~والصحة سقاما، فينسون أمر النفس وعهدها القديم، ويحيلون بين المرء ~~ومطلوبه. فأعرضت عن هؤلاء وتتبعت لأنوارهم، واقتفيت لآثارهم، وتعجبت ~~من تبدل الحالات، وتغير الخيالات. # وقال بعض آخر: إن النفس قطرة انفصلت من البحر، أو شعلة انقطعت من ~~النار، فعادت واتصلت بما كان، وطارت بأجنحة الكروبيين. # ومنها ما ذكره انباذقلس الحكيم، وهو: إن النفس إنما كانت في المكان ~~العالي الشريف، فلما أخطأت سقطت إلى هذا العالم، وإنما صارت ms0666 إلى هذا ~~العالم فرارا من سخط الله، لأنها لما انحدرت غلى هذا العالم صارت ~~غياثا للأنفس التي قد اختلطت عقولها، فصارت كالإنسان المجنون. نادى ~~الناس بأعلى صوته وأمرهم أن يرفضوا هذا العالم وما فيه، ويصيروا إلى ~~عالمهم الأول الشريف، وأمرهم أن يستغفروا الإله عز وجل لينالوا ~~بذلك الراحة والنعمة التي كانوا فيها. # ومنها ما قاله أفلاطون الرباني في كتاب له يدعى " فاذان ": " علة ~~هبوط النفس إلى هذا العالم سقوط ريشها، فإذا ارتاشت ارتفعت إلى ~~عالمها الأول ". # ومنها ما قال هو - أيضا - في بعض كتبه الذي يدعى: " طيماوس ": إن علة ~~هبوط النفس إلى هذا العالم أمور شتى. وذلك أن منها ما هبطت لخطيئة ~~أخطأها، وإنما هبطت إلى هذا العالم لتعاقب وتجازى على خطاياها. ~~ومنها ما هبطت لعلة أخرى ". # غير أنه اختصر في قوله: وذم هبوط النفس وسكناها في هذه الأجسام. # وقال في موضع آخر من طيماوس: إن النفس جوهر شريف سعيد، وإنما ~~صارت في هذا العالم من فعل الباري الخير، فإن الباري لما خلق هذا ~~العالم أرسل إليه النفس، وصيرها فيه ليكون العالم حيا ذا عقل، لأنه ~~لم يكن من الواجب إذا كان هذا العالم متقنا في غاية الاتقان أن يكون ~~غير ذي عقل، ولم يكن ممكنا أن يكون العالم ذا عقل وليست له نفس. فلهذه ~~العلة أرسل الباري النفس إلى هذا العالم وأسكنها فيه. ثم أرسل ~~أنفسنا وأسكنها في أبداننا، ليكون هذا العالم تاما كاملا، ولئلا ~~يكون دون ذلك العالم في التمام والكمال. فينبغي أن يكون في العالم ~~الحسي من أجناس الحيوان ما في العالم العقلي. # ثم قال: إن هذا العالم مركب من هيولى وصورة، وإنما صور الهيولى ~~طبيعة هي أشرف من الصور، وهي النفس العقلية، وإنما صارت النفس تصور ~~في الهيولى بما فيها من قوة العقل الشريف، وإنما صار العقل مقويا ~~للنفس على تصوير الهيولى من قبل الانية الأولى، التي هي علة الانيات ~~العقلية، والنفسانية، والهيولانية، وسائر الأشياء الطبيعية، وإنما ~~صارت الأشياء الطبيعية حسنة بهية من أجل الفاعل الأول، ms0667 غير أن ذلك ~~الفعل إنما هو بتوسط العقل والنفس. # ثم قال: إن الانية الأولى الحق هو الخير المحض، وهو الذي يفيض على ~~العقل الحياة أولا، ثم على النفس، ثم على الأشياء الطبيعية. # ومنها ما قاله أرسطاطاليس وهو المحمود اسمه ونعته في شريعتنا، حتى أنه ~~نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال في حقه: # " هو نبي من الأنبياء جهله قومه " # وقال لعلي (عليه السلام): # " يا أرسطاطاليس هذه الأمة " # وفي رواية أخرى: # " يا علي أنت أرسطاطاليس هذه الأمة وذو قرنيها " # وبرواية: " أنا ذو قرنيها ". وقد روي أنه ذكر في مجلس النبي (صلى ~~الله عليه وآله) أرسطاطاليس، فقال (صلى الله عليه وآله): # " لو عاش حتى عرف ما جئت به لاتبعني على ديني " # فلقد تكلم في باب النفس الكلية وهبوطها كلاما يشبه الرمز، وهو هذا: # " إني ربما خلوت بنفسي، وخلعت بدني جانبا، وصرت كأني جوهر مجرد ~~بلا بدني، فأكون داخلا في ذاتي راجعا إليها خارجا من سائر الأشياء ~~فأكون العلم والعالم والمعلوم جميعا فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء ما ~~أبقى له متعجبا بهتا. # فلما أيقنت بذلك رقيت بذهني من ذلك العالم إلى عالم العلية ~~الإلهية، فصرت كأني موضوع فيها، متعلق بها، فأكون فوق العالم ~~العقلي كله، فأرى كأني واقف في ذلك الموقف الشريف الإلهي، فأرى هناك من ~~النور والبهاء ما لا يقدر الألسن على صفته، ولا تعيه الأسماع، فإذا ~~استغرقني ذلك النور والبهاء ولم أقو على احتماله هبطت من العقل إلى ~~الفكر والروية، فحجبت الفكرة عني ذلك النور، فأبقى متعجبا أني كيف ~~انحدرت من ذلك الموضع الشامخ الإلهي... الذي هو علة كل نور وبهاء. # ومن العجب أني رأيت ذاتي ممتلئة نورا، وهي في البدن كهيئتها وهي غير ~~خارجة منه غير أني أطلت الفكرة وأجلت الرأي فصرت كالمبهوت، ~~وتذكرت عند ذلك أرقليطوس، فإنه أمر بالطلب والبحث عن جوهر النفس، ~~والحرص على الصعود إلى ذلك العالم الشريف الأعلى وقال: إن من حرص على ~~ذلك وارتقى إلى العالم الأعلى جوزي هناك أحسن الجزاء اضطرارا، ms0668 فلا ~~ينبغي لأحد أن يفتر عن الطلب، والحرص في الارتفاع إلى ذلك العالم وإن ~~تعب ونصب، فإن أمامه الراحة التي لا تعب بعدها ولا نصب. وإنما ~~أراد بقوله هذا تحريصا على طلب الأشياء العقلية لتجدها كما وجد، ~~وتدركها كما أدرك ". # ولأرسطاطاليس في كتاب المعروف باثولوجيا - معناه معرفة الربوبية - ~~تصريحات وإشارات على أن صورة الإنسان قبل هذه النشأة الحسية كانت في ~~العالم العقلي موجودة على وجه أعلى وأشرف من هذا الوجود المادي ~~الظلماني. # فقال في موضع منه: " إن الإنسان الحسي صنم للإنسان العقلي، والإنسان ~~العقلي روحاني، وجميع أعضائه روحانية، ليس موضع العين غير موضع ~~اليد، ولا مواضع الأعضاء كلها مختلفة، لكنها كلها في موضع واحد ". # وقال في موضع آخر منه: " إن في الإنسان الجسماني، الإنسان النفساني، ~~والإنسان العقلي، ولست أعني أنه " هو هما " لكني " أعني أنه يتصل بهما ~~لأنه صنم لهما، وذلك لأنه يفعل بعض أفاعيل الإنسان العقلي وبعض أفاعيل ~~الإنسان النفساني ففي الإنسان كلمات الإنسان العقلي وكلمات الإنسان ~~النفسي، فقد جمع الإنسان الجسماني كلتي الكلمتين، إلا أنهما فيه ~~قليلة، ضعيفة، نزرة، لأنه صنم للصنم. # فقد بان أن الإنسان الأول حساس إلا أنه بنوع أعلى وأشرف من الحس ~~الكائن في الإنسان السفلي، وهو إنما ينال الحس من الإنسان الكائن في ~~العالم الأعلى العقلي كما بيناه " انتهى كلامه. # وكلامه في النشآت الثلاث للإنسان يطابق القرآن كما وقعت الاشارة إليه، ~~فإن الإنسان العقلي هو الإنسان التام الكامل، الذي كانت الملائكة كلهم ~~مأمورين بسجوده وطاعته، والإنسان النفسي هو الذي كان في الجنة قبل ~~هبوطه إلى هذا العالم، لأن الجنة من مسارح النفس ومراتعها، وفيها ما ~~تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، والإنسان السفلي هو المخلوط من التراب، ~~المعرض للموت والفساد، والشر، والعداوة، والخصومة كما في قوله: { ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين }. # فصل # قوله تعالى: { فأزلهما الشيطان عنها } # الزلة، والخطيئة، والمعصية، والسيئة بمعنى واحد بحسب العرف. ~~وضد الخطيئة: الاصابة. يقال: " زلت قدمه زلا " و " زل في ~~مقالته زلة " والمزلة: المكان الدحض. ms0669 والأصل في ذلك الزوال. ~~فالزلة زوال عن الحق وتحول عنه. # قال صاحب الكشاف: " معناه: فأصدر الشيطان زلتهما عنها ولفظة " عن " ~~في هذه الآية كهي في قوله: # وما فعلته عن أمري # [الكهف:82]. # ومن قرأ: " أزالهما " فهو من الزوال عن المكان. # وقال بعض العلماء: أزلهما الشيطان، أي: استزلهما. وهو من قولك: " ~~زل في دينه، أو دنياه " نسب الازلال إلى الشيطان لما وقع بدعائه ~~ووسوسته وإغوائه عنها أي: عن الجنة وما كانا فيه من عظيم الرتبة ~~والمنزلة. # والشيطان المراد به إبليس. فأخرجهما مما كانا فيه من النعمة والدعة. # ويحتمل أن يكون المراد أخرجهما من الجنة حتى أهبطا. أو من الطاعة إلى ~~المعصية. وأضاف الاخراج إليه لأنه كان السبب فيه. كما يقال: " صرفني ~~فلان عن هذا الأمر ". # واختلف في كيفية وصول إبليس إلى آدم وحواء حتى وسوس إليهما وإبليس ~~كان قد أخرج من الجنة حين أبى السجود، وهما في الجنة. # فقيل: إن آدم كان يخرج إلى باب الجنة، وإبليس لم يكن ممنوعا من ~~الدنو منه. # فكان يكلمه. عن أبي علي الجبائي. # وقيل: كان إبليس يدنو من السماء فيكلمهما. # وقيل: قام عند الباب فنادى. # وروي أنه " أراد الدخول فمنعته الخزنة، فدخل في فم الحية حتى ~~دخلت وهم لا يشعرون ". وهذا يشبه قول القصاص. ويحتمل أن يكون الحية ~~إشارة إلى بعض قوى النفس الإنسانية التي بوسيلتها يوقع الشيطان ~~الوسوسة في قلب الإنسانية، فكأنه دخل بوسيلتها في روضة قلبه. # وروي أيضا ما يقرب من هذا، وهو أن إبليس دخل الجنة في صورة دابة. # واختلفوا أيضا في أن إبليس هل باشر خطابهما، أو يقال: إنه أوصل ~~الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه. وقوله تعالى: # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف:21]. # وكذا قوله: # فدلاهما بغرور # [الأعراف:22]. يقتضي المشافهة. # ودليل الثاني: إن آدم وحواء كانا يعرفانه، ويعرفان ما عنده من العداوة ~~والحسد، فبعيد في العادة أن يقبلا قوله، وأن يلتفتا إليه، فينبغي أن ~~يكون وسوسته بالواسطة. # فصل # قوله: { اهبطوا } # خطاب للجمع. وفيه وجوه: # أحدها: أنه خاطب آدم وحواء وإبليس، وهو ms0670 اختيار الزجاج، وبه قال ~~جمع من المفسرين، وهذا غير منكر وإن كان إبليس قد أخرج قبل ذلك بدلالة ~~قوله: # فاخرج منها فإنك رجيم # [ص:77]. فجمع الخبر للنبي (صلى الله عليه وآله) لأنهم قد اجتمعوا في ~~الهبوط وإن كانت أوقاتهم متفرقة، كما يقال: " أخرج جميع من في الحبس ~~" وإن أخرجوا متفرقين. # والثاني: إنه أراد آدم وحواء والحية وفيه بعد. # والثالث: إنه أراد آدم وحواء وذريتهما. لأن الوالدين يدلان على ~~ذريتهما وتتعلق بهما. # والرابع: - وهو الأولى - أن يكون الخطاب يختص بآدم وحواء، والمراد هما ~~وذريتهما، لأنهما كانا أصلي الإنس ومتشعبهم، جعلا كأنهما الإنس ~~كلهم. والدليل عليه قوله: # قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو # [طه:123]. وهو من قبيل قوله: # فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة:38]. # والخامس: إن المراد هو آدم وحواء فقط، وخاطب الاثنين على الجمع كما ~~هو عادة العرب، وعليه قاعدة علم الميزان، وذلك لأن الاثنين أول الجمع. ~~قال تعالى: # إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين # [الأنبياء:78]. أراد حكم داوود وسليمان (عليهما السلام). وقد تأول قوله ~~تعالى: # فإن كان له إخوة # [النساء:11]. على معنى فإن كان له أخوان. # والسادس: آدم وحواء والوسوسة - عن الحسن - وهذا ضعيف. # سر هبوط آدم # واعلم أن إخراج آدم وحواء من الجنة وإهباطهما إلى الأرض لم يكن على ~~وجه العقوبة، لأن الدليل قد دل على أن الأنبياء لا يجوز عليهم ما يوجب ~~الذم والعقاب لهم عليه. ومن أجاز العقاب للأنبياء (عليهم السلام) فقد ~~أساء عليهم الأدب، وأعظم الفرية على الله، وذلك لأن مقامهم بحسب ~~الباطن عالم القدس العقلي، ومحل العصمة عن الشرور، والطهارة عن الخبائث ~~الطبيعية، والأرجاس البدنية. # وإنما أخرج الله آدم من الجنة لأن المصلحة قد اقتضت تناوله من ~~الشجرة، والحكمة الإلهية قد قدرت إهباطه إلى الأرض، وابتلاءه ~~بالتكليف والمشقة تكميلا للسعادات، واخراجا للذريات من ظهره، ~~وبثا للخيرات، وانفتاحا لأبواب البركات، فإن الرحمة الإلهية لما ~~لم يجز وقوفها عند حد، يبقى وراءها الإمكان الغير المتناهي. لأن قوته ~~غير متناهية، وجوده ms0671 غير محصور عند حل ليكون الفائض من رحمة وجوده ~~قدر متناه. # ثم أشرف الحوادث البدنية هي الأرواح الإنسية، المتعلقة بالقوالب ~~البشرية، ولا يمكن خروج جميع النفوس الناطقة من القوة إلى الفعل دفعة ~~واحدة على سنة الابداع، لا مع الأبدان. # فلا بد من تكثير هذا النوع الإنساني الذي تعلقت العناية الأولية ~~بتدبير أفرادها، وتكثير أفرادها من التوالد والتناسل قرنا بعد قرن إلى ~~يوم القيامة، ففي كل مدة يفيض من عالم القدس الإلهي نفوسا إنسانية، ~~يرجع ما كمل منها بالعلم والتقوى إلى الوطن الأصلي، والمكان العالي، وما ~~لم يكمل يمكث في بعض البرازخ السفلية أزمانا طويلة، أو قصيرة، ~~وأحقابا كثيرة، وقليلة بحسب كثرة العوائق والأوزار وقلتها، وإذا كان ~~الاعتقاد فاسدا، والجهل راسخا، كان العقاب أبديا والخلاص مستحيلا. # فصل # في بيان عصمة الأنبياء عليهم السلام وما ذكر فيها على طريقة المتكلم # لا شبهة في أن النبي لا بد في إثبات نبوته ورسالته من معجزة، تقتضي ~~صدق دعواه للنبوة، وما يتعلق بها من التبليغ وشرعية الأحكام، فما ~~يتوهم صدوره عن الأنبياء من القبائح إما أن يكون منافيا لما تقتضيه ~~المعجزة كالكذب فيما يتعلق بالتبليغ أولا. والثاني: إما أن يكون ~~كفرا، أو معصية غيره. والثاني: إما أن يكون كبيرة كالقتل والزنا، أو ~~صغيرة. والثانية: إما أن تكون منفرة كسرقة لقمة، أو التطفيف بحبة. أو ~~غير منفرة ككذبة، أو همة بمعصية. كل ذلك إما عمدا أو سهوا. بعد ~~البعثة، أو قبلها. # والجمهور من الإسلاميين اتفقوا على وجوب عصمتهم عما ينافي مقتضى ~~المعجزة وما يتعلق بالتبليغ - وإلا لارتفع الوثوق بالأداء - واتفقوا ~~على أن ذلك كما لا يجوز عمدا، لا يجوز سهوا. وقد جوزه القاضي سهوا ~~زعما منه أنه لا يدخل في التصديق بالمعجزة. # واتفقوا أيضا على وجوب عصمتهم عن الكفر، وقد جوزه الأزارقة من ~~الخوارج، بناء على تجويزهم الذنب، مع قولهم بأن كل ذنب كفر. وجوز بعض ~~فرق الشيعة إظهاره تقية واحترازا عن إلقاء النفس في المهلكة. ورد ~~بأن أولى الأوقات بالتقية ابتداء الدعوة، لضعف الداعي وشوكة ms0672 المخالف. # وكذا عن تعمد الكبائر بعد البعثة، فعند الأشاعرة سمعا، وعند غيرهم ~~عقلا وجوزه الحشوية إما لعدم دليل الامتناع لهم، وإما لما سيجيء من ~~شبه الوقوع. # وكذا عن الصغائر المنفرة لإخلالها بالدعوة إلى الاتباع. # وكذا ذهب كثير من المعتزلة إلى نفي الكبائر قبل البعثة أيضا. # وذهب الإمامية إلى نفي الصغائر قبل البعثة وبعدها، مطلقا، لا عمدا، ~~ولا سهوا، وذهب الأشاعرة إلى نفي الكبائر بعد البعثة مطلقا، والصغائر - ~~عمدا لا سهوا - لكن لا يصرون ولا يقرون، بل ينهون وينتهون. # وذهب إمام الحرمين منهم، وأبو هاشم من المعتزلة إلى تجويز الصغائر ~~عمدا. # لنا: لو صدر عنهم الذنب لزم أمور كلها فاسدة بالدلائل العقلية ~~والسمعية: # أحدها: حرمة اتباعهم. لكن النبي واجب الاتباع بالاجماع وبقوله ~~تعالى: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران:31]. # الثاني: رد شهادتهم. لقوله تعالى: # إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا # [الحجرات:6]. # الآية لكن التالي منتف للقطع بأن من يرد شهادته في القليل من متاع ~~الدنيا، لا يستحق القبول في أمر الدين القائم إلى يوم الدين. # الثالث: وجوب منعهم وزجرهم، لعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. لكنه منتف لاستلزامه إيذاءهم، وهو محرم بالاجماع، وبقوله ~~تعالى: # الذين يؤذون الله ورسوله # [الأحزاب:57]. الآية. # الرابع: استحقاقهم العذاب، والطعن، واللعن، واللوم، والذم، لدخولهم ~~تحت قوله: # ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم # [الجن:23]. وقوله: # ألا لعنة الله على الظالمين # [هود:18]. وقوله: # لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف:2]. وقوله: # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # [البقرة:44]. لكن كل ذلك منتف عنهم بالاجماع. لكون وقوعها من أعظم ~~المنفرات. # الخامس: عدم نيلهم عهد النبوة لقوله تعالى: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة:124]. فإن المراد به النبوة، أو الإمامة. # السادس: كونهم غير مخلصين، لأن المذنب قد أغواه الشيطان، والمخلص ليس ~~كذلك، لقوله تعالى حكاية عن إبليس: # ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين # [الحجر:39 -40]. لكن اللازم منتف بالاجماع، وبقوله تعالى في إبراهيم ~~وإسحق ويعقوب: # إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار # [ص:46]. وفي يوسف: # إنه من عبادنا المخلصين # [يوسف:24]. # السابع: ms0673 كونهم حزب الشيطان ومتبعيه، واللازم قطعي البطلان. وذلك ~~لأنه تعالى قسم الخلق صنفين فقال في أحدهما: # أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم ~~الخاسرون # [المجادلة:19]. وقال في الآخر: # أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون # [المجادلة:22] ولا خفاء في أن حزب الشيطان من يفعل ما يرتضيه وهو ~~المعصية. # الثامن: عدم كونهم مسارعين في الخيرات، معدودين عند الله من المصطفين ~~الأخيار، إذ لا خير في الذنب لكن اللازم منتف لقوله تعالى في حق بعضهم: # يسارعون في الخيرات # [الأنبياء:90] # وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار # [ص:47]. ولفظ " الخيرات " للعموم، فيتناول الكل، والثاني أيضا يتناول ~~جميع الأفعال والتروك، بدليل جواز الاستثناء فيقال: " فلان من المصطفين ~~الأخيار، إلا في فعله الفلاني " والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه ~~لدخل تحته. فثبت أنهم أخيار في كل الأمور، وذلك ينافي الذنب عنهم. # وقال تعالى: # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # [الحج:75]. وقال: # إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل ~~عمران على العالمين # [آل عمران:33]. وقال في إبراهيم (عليه السلام): # ولقد اصطفيناه في الدنيا # [البقرة:130]. وفي موسى: # إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي # [الأعراف:144]. وقال تعالى: # واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي ~~الأيدي والأبصار إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى ~~الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار # [ص:45 - 47]. فكل هذه الآيات دالة على كونهم موصوفين بالاصطفاء ~~والخيرية، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. # التاسع: إن النبي أفضل من الملك - كما مر - والملائكة، معصومون عن ~~المعصية، لقوله تعالى: # لا يعصون الله مآ أمرهم # [التحريم:6]. وإذا كان الملك معصوما وجب أن يكون المساوي له في ~~الفضيلة معصوما - فضلا عن الأفضيل - وذلك لقوله: # أم نجعل المتقين كالفجار # [ص:28]. # والعاشر: قوله تعالى في حق إبراهيم: # إني جاعلك للناس إماما # [البقرة:124]. والإمام من يؤتم به، ولو صدر عنهم الذنب لوجب ~~الائتمام بهم في ذلك الذنب، وذلك تناقض. # وللمخالف في كل ما ذكرناه محل بحث وهو أن وجوب الاتباع والإئتمام ~~إنما هو متعلق بالشريعة وتبليغ الأحكام، وبالجملة فيما ليس بذلة ولا ~~طبع. ورد الشهادة ms0674 إنما يكون بكبيرة أو إصرار على صغيرة من غير إنابة ~~ورجوع. ولزوم الزجر والمنع، واستحقاق العذاب، واللوم إنما هو على تقدير ~~التعمد وعدم الإنابة، ومع ذلك فلا يتأذى به النبي، وبمجرد كبيرة ~~سهوا، أو صغيرة - ولو عمدا - لا يعد المؤمن من الظالمين على الاطلاق، ~~ولا من الذين أغواهم الشيطان، ولا من حزب الشيطان، سيما مع الانابة، ~~وعلى تقدير كون الخيرات لعموم كل فعل، وترك مسارعة البعض إليها لا ينافي ~~صدور ذنب عن آخر سيما سهوا ومع التوبة. # وبالجملة فدلالة الوجوه على نفي الكبيرة سهوا، والصغيرة الغير المنفرة ~~عمدا - على ما هو المتنازع فيه - محل نظر. # واحتج المخالف بما نقل من أقاصيص الأنبياء، وما شهد به ظاهر كتاب ~~الله من نسبة المعصية والذنب إليهم، ومن توبتهم واستغفارهم وأمثال ذلك. # والجواب عنه - أما إجمالا - فهو أن ما نقل آحادا فمردود، وما نقل ~~متواترا، أو منصوصا في الكتاب، فمحمول إما على ترك الأولى - كما ~~عندنا - أو على السهو والنسيان - كما عند من جوزهما عليهم - أو كونه قبل ~~البعثة - كما عند من جوز المعصية عليهم قبل البعثة - أو غير ذلك من ~~المحامل والتأويلات. # وأما تفصيلا فهو مذكور في التفاسير، وفي الكتب المصنفة، وسيأتي ~~ذكرها في تفسير تلك الآيات على الاستقصاء، ونشير إلى معاقدها هاهنا. # أما ما ورد في قصة آدم فأمران: # أحدهما: ما ورد في التنزيل من أنه عصى وخالف النهي عن أكل ~~الشجرة، واعترف على نفسه وعوتب قولا وفعلا أما قولا: فبقوله تعالى: # ألم أنهكما عن تلكما الشجرة # [الأعراف:22]. وأما فعلا فبنزع اللباس والإخراج من الجنة ثم ~~تاب الله عليه واجتباه وبالجملة ففي قصته سبع دلالات على عدم عصمته: # الأول: كونه عاصيا، لقوله: { وعصى }. # والثاني: ألغي لقوله تعالى: { فغوى }. # وهو ضد الرشد. # والثالث: التوبة. لقوله تعالى: # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه # [البقرة:37]. وهي لا تكون إلا من الذنب. # الرابع: ارتكابه المنهي في قوله: # ألم أنهكما عن تلكما الشجرة # [الأعراف:22]. # الخامس: سماه ظالما في قوله: # فتكونا من الظالمين # [البقرة:35]. وهو سمى نفسه ms0675 ظالما في قوله: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف:23]. والظالم ملعون لقوله تعالى: # ألا لعنة الله على الظالمين # [هود:18]. ومن استحق اللعن لولا التوبة كان صاحب كبيرة. # السادس: كونه خاسرا لولا مغفرة الله، لقوله: # وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين # [الأعراف:23]. وذلك يقتضي كونه ذا كبيرة. # السابع: إنه أخرج من الجنة جزاء على ما أقدم عليه من طاعة الشيطان. # ولكل من هذه الوجوه جواب تفصيلي سيأتي. والجواب إجمالا من وجوه: # أحدها: وهو المختار - إن النهي، للتنزيه، وإنما سمي ظالما ~~وخاسرا، لأنه ظلم نفسه، وخسر حظه بترك ما هو الأولى له. وأما إسناد ~~الغي والعصيان إليه فسيأتي. وإنما أمر بالتوبة تلافيا لما فات عنه، ~~وجرى عليه ما جرى معاتبة له على ترك الأولى، لأن مثله عن مثلهم عظيم " ~~حسنات الأبرار سيئات المقربين " ووفاء بما قاله للملائكة قبل ~~خلقه. # وثانيها: إنه فعله عن نسيان، لقوله تعالى: # فنسي ولم نجد له عزما # [طه:115]. ولكنه عوتب بترك التحفظ عن أسباب النسيان، وترك اليقظة، ~~والتنبه لإصابة المراد، ولعل النسيان - وإن حط عن الأمة - لم يحط عن ~~الأنبياء لعظم قدرهم، كما قال: " أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم ~~الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل ". # وثالثها: إنه أدى فعله إلى ما جرى عليه على طريقة السببية المقدرة ~~دون المؤاخذة، كتناول السم على الجاهل بشأنه، وفيه مصلحة باقية. # لا يقال: إنه باطل، لقوله تعالى: # ما نهاكما ربكما # [الأعراف:20]. # وقاسمهمآ # [الأعراف:21]. الآيتين لأنه ليس فيهما ما يدل على أن تناوله حينما ~~قاله إبليس، فلعل مقاله أورث فيه ميلا طبيعيا، ثم إنه كف نفسه عنه ~~مراعاة لحكم الله، إلى أن نسي ذلك وزال المانع، فحمله الطبع عليه ~~بتقدير الله. # ورابعها: قيل إنه أقدم عليه بسبب اجتهاد أخطأ فيه، فإنه ظن أن ~~النهي للتنزيه، أو الإشارة إلى عين تلك الشجرة، وتناول من غيرها من ~~نوعها، وكان المراد بها الإشارة إلى النوع كما روي أنه (صلى الله عليه ~~وآله) أخذ حريرا وذهبا بيده وقال: # " هذان محرمان على ذكور أمتي، حل لإناثها " # وإنما جرى عليه ما ms0676 جرى تفظيعا لشأن الخطيئة ليجتنبها أولاده. # وثانيهما: قوله تعالى: # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها ~~زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها # [الأعراف:189]. إلى قوله: # جعلا له شركآء فيمآ آتاهما # [الأعراف:190]. قالوا: هذه الكنايات كلها عائدة إليهما، فيقتضي صدور ~~الشرك عنهما. # والجواب: أنه لم يقل أحد في حق الأنبياء (عليهم السلام) الشرك في ~~الألوهية مطلقا، فالوجه أن يقال: لا نسلم أن النفس الواحدة هي آدم، ~~وليس في الآية ما يدل عليه. # بل قيل: الخطاب لقريش، وهم " آل قصي ". والنفس الواحدة " قصي ". ~~ومعنى # وجعل منها زوجها # [الأعراف:189] جعلها من جنسها زوجة عربية قرشية. واشراكهما فيما ~~آتاهما الله تسمية أولادهما بعبد مناف، وعبد العزى، وعبد الدار، وعبد ~~قصي. # أو يقال: إنه على حذف المضاف، أي جعل أولادهما شركاء له. بدليل قوله: # فتعالى الله عما يشركون # [الأعراف:190]. # أو المراد، ما وقع له من الميل إلى طاعة الشيطان ووسوسته ميلا ~~نفسانيا. # وأما الشبهة في حق نوح (عليه السلام) هو قوله تعالى: # ينوح إنه ليس من أهلك # [هود:46]. تكذيبا له في قوله: # إن ابني من أهلي # [هود:45]. # والجواب: إنه ليس للتكذيب، بل للتنبيه على أن المراد بالأهل في الوعد ~~هو الأهل الصالح. أو المعنى: إنه ليس من أهل دينك بحسب القرابة ~~المعنوية، وإن أضفته إلى نفسك بحسب البنوة الصورية. # وقيل: إنه كان ابن امرأته، فالمعنى: إنه أجنبي منك، وكنت سميته ~~بابنك لاختلاطه بأبنائك، والأجنبي إنما يعد من آل النبي إذا كان له ~~عمل صالح وهو عمل غير صالح. # وأما الشبهة في حق إبراهيم - صلوات الله عليه - فهو إنه كذب في قوله # هذا ربي # [الأنعام:76]. # بل فعله كبيرهم # [الأنبياء:63]. و # إني سقيم # [الصافات:89]. # والجواب: # إن الأول: على سبيل الفرض والتقدير، كما يوضع الحكم الذي يراد ابطاله، ~~أو على الاستفهام، أو على أنه كان في مقام النظر والاستدلال. # والثاني: على سبيل التعريض والاستهزاء. # والثالث: على أن به مرض الهم والحزن من عنادهم أو الحمى - على ما قيل ~~-. # وأما الشبهة في حق يوسف فمن جهة يعقوب الإفراط، والمحبة، ms0677 والحزن ~~الشديد، والبكاء. # والجواب: إنه لا معصية في ميل النفس، سيما إلى من يلوح منه آثار ~~الخير والصلاح، وأنواع الكمال. ولا في بث الشكوى والحزن إلى الله في ~~مصائب يكون من جهة العباد، سيما قد قال: إنه كان من خوف أن يموت ~~يوسف على غير دين الإسلام. # ومن جهة الاخوة ما فعلوا بيوسف وما قالوا: من الكذب. # والجواب: إنهم لم يكونوا أنبياء. # ومن جهة يوسف الهم المشار إليه بقوله: # ولقد همت به وهم بها # [يوسف:24]. وجعل السقاية في رحل أخيه، والرضا بسجود إخوته وأبويه. # والجواب: إن المراد: # وهم بها لولا أن رأى برهان ربه # [يوسف:24] والبرهان هو ما عنده من الصوارف العقلية الزاجرة للنفس عن ~~فعل القبيح. أو المراد من " الهم " الميل الشهوي الحيواني الموجود في ~~الطبائع البشرية، ولولا الزاجر الشرعي لما انتهى عن كل ما يمكنه من ~~القبائح، ولولا المعرفة الكاملة للقوة العقلية المنورة بحقيقة التقوى ~~لوقع منه فعل ما لا ينبغي أحيانا. وليس المراد الهم بالمعصية والقصد ~~إليها. # وقيل: هو من باب المشارفة، أي: شارف أن يهم. وبالجملة فلا دلالة هاهنا ~~على العزم والقصد إلى المعصية - فضلا عما يذكره الحشوية من الحشويات ~~- ولهذا ورد في هذا المقام من الثناء على يوسف (عليه السلام) ما ورد، ~~من غير أن يبقى عليه زلة، أو يذكر له استغفار وتوبة. # وأما جعل السقاية في رحل أخيه: فقد كان بإذنه ورضاه - بل بإذن الله - ~~ونسبة السرقة إلى إخوته تورية عما كانوا فعلوا بيوسف، ومما يجري ~~مجرى السرقة. أو هو قول المؤذن. # والسجدة كانت عندهم تحية وتكرمة، كالقيام والمصافحة. أو كانت مجرد ~~انحناء وتواضع لا وضع الجبهة على الأرض. # وأما الشبهة في قصة موسى (عليه السلام) بقتل القبطي وتوبته عنه، ~~واعترافه بكونه من عمل الشيطان فمحمول عندنا على أنه لترك ما هو الأولى. ~~وقيل إنه كان خطأ وقبل البعثة. # وإذنه للسحرة في إظهار السحر بقوله: # ألقوا مآ أنتم ملقون # [يونس:80]. ليس رضا به، بل الغرض إظهار بطلانه أو إظهار معجزته، ولا ~~يتم إلا به. ms0678 وقيل: لم يكن حراما. # وإلقاء الألواح كان عن دهشة وتحير لشدة غضبه. # والأخذ برأس هارون وجره إليه لم يكن على سبيل الايذاء، بل يدنيه إلى ~~نفسه ليتفحص منه حقيقة الحال، فخاف هارون أن يحمله بنو إسرائيل على ~~سبيل الايذاء، ويفضي إلى شماتة الأعداء، فلم يثبت بذلك ذنب له ولا ~~لهارون، فإنه كان ينهاهم عن عبادة العجل. # وقوله للخضر: # لقد جئت شيئا نكرا # [الكهف:74]. أي: عجبا. وما فعله الخضر كان بإذن الله تعالى، فلم يثبت ~~لهما ذنب أصلا. # وأما الشبهة في قصة داود (عليه السلام) فلم يثبت سوى أنه خطب امرأة ~~كان قد خطبها أوريا، فزوجها أولياؤها داود - دون أوريا - أو سأل أن ~~ينزل عنها فيطلقها، وكان ذلك عادة في عهده، فكان زلة منه لاستغنائه ~~بتسعة وتسعين. # والخصمان كانا ملكين أرسلهما الله إليه لينبهاه، فلما تنبه استغفر ~~ربه وخر راكعا. وسياق الآيات يدل على كرامته عند الله، ونزاهته عما ~~ينسب إليه الحشوية، إلا أنه بالغ في التضرع، والتحزن، والبكاء، ~~والاستغفار استعظاما للزلة بالنظر إلى ما له من رفيع المنزلة. # وتقرير الملكين تمثيل وتصوير للقضية، لا إخبار بمضمون الكلام ليلزم ~~الكذب ويحتاج إلى ما قيل: " إن المتخاصمين كانا لصين دخلا عليه ~~للسرقة، فلما رآهما اخترعا الدعوى. أو كانا راعيي غنم ظلم أحدهما ~~الآخر، والكلام على حقيقته ". # وأما الشبهة في قصة سليمان على نبينا وعليه السلام فأمور: # أحدها: ما يشير إليه بقوله تعالى: # إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد # [ص:31]. إلى آخره وذلك أنه اشتغل باستعراض الأفراس حتى غربت الشمس، ~~وغفل عن العصر - أو ورد كان له وقت العشي - فاغتم لذلك واسترد ~~الأفراس فعقرها. # والجواب: إن ذلك كان لأجل الاستغراق في الالتفات إلى أسباب الدنيا، أو ~~كان على سبيل النسيان - كما قيل - وعقر الجياد، وضرب أعناقها، كان ~~لإظهار الندم، وقصد التقرب إلى الله، والتصدق على الفقراء من أحب ما ~~له. # على أن من المفسرين من قال: المراد حبه للجهاد وإعلاء كلمة الله، ~~وضمير { توارت } للجياد لا للشمس. وإنما طفق مسحا بالسوق والأعناق ~~تشريفا ms0679 لها وامتحانا، وإظهارا لاصلاح آلة الجهاد. # وثانيها: ما أشير إليه بقوله: # ولقد فتنا سليمان # [ص:34]. الآية فإن كان ذلك ما روي " أنه ولد له ابن، وكان يغذوه في ~~السحابة خوفا من أن تقتله الشياطين أو تخبله، فما راعه أن ألقي على ~~كرسيه ميتا فتنبه لخطئه في ترك التوكل، فاستغفر وتاب " فهذا مما لا ~~بأس به، وغايته ترك الأولى، إذ ليس في التحفظ ومباشرة الأسباب ترك ~~الامتثال لأمر التوكل، على ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " إعقلها وتوكل ". # وكذا ما روي أنه قال: " لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة ~~تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله " ولم يقل: " إن شاء الله " فلم تحمل إلا ~~امرأة واحدة جاءت بشق ولد له عين واحدة، ويد واحدة، ورجل واحدة، ~~فألقته القابلة على كرسيه. # وأما ما روي من حيث الخاتم، والشيطان، وعبادة الوثن في بيته، وجلوس ~~الشيطان على كرسيه فعلى تقدير صحته يجوز أن يكون اتخاذ التماثيل غير ~~محرم في شريعته، وعبادة التمثال في بيته غير معلوم الوقوع. # وثالثها: ما يشعر به قوله تعالى: # وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي # [ص:35] من الحسد، وعدم إرادة الخير للغير. # والجواب: إن ذلك لم يكن حسدا، بل طلبا للمعجزة على وفق ما غلب في ~~زمانه ولاق بحاله، فإنهم كانوا يفتخرون بالملك والجاه، وهو كان ماشيا ~~في بيت الملك والنبوة ووارثا لهما، أو إظهارا لإمكان طاعة الله ~~وعبادته مع هذا الملك العظيم. # وقيل: أراد ملكا لا يورث منه، وهو ملك الدين - لا الدنيا - أو ~~ملكا لا أسلبه ولا يقوم فيه غيري مقامي، كما وقع ذلك مرة. وقيل: ~~ملكا خفيا لا ينبغي للناس وهي القناعة. وقيل: كان ملكا عظيما، ~~فخاف أن لا يقوم غيره بشكره، ولا يحافظ فيه على حدود الله. # وأما الشبهة في قصة يونس (عليه السلام) بما يشعر به قوله تعالى: # وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر ~~عليه # [الأنبياء: 87]. رزقه فلا يوجب شكا في قدرته لأن المراد: ذهب ~~مغاضبا لقومه، فظن ms0680 أي: استيقن أن لن نقدر عليه أن لن نضيق ~~رزقه. ومنه قوله تعالى: # فقدر عليه رزقه # [الفجر:16]. أي ضيق وقتر. # ومعنى الظلم في قوله: { إني كنت من الظالمين } ترك الأفضل. ~~وهو مثل هذه العبارة التي فرغ لها في بطن الحوت. هذا هو المروي عن الرضا ~~علي ابن موسى (عليه السلام) في الجواب عن سؤال المأمون في هذا الموضع. # وأما في حق نبينا (صلى الله عليه وآله) فمثل: # واستغفر لذنبك # [غافر:55]. و # لقد تاب الله على النبي # [التوبة:117]. و # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح:2]. فمحمول على ترك الأفضل. # قال الرضا (عليه السلام) في جواب المأمون عن قوله: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح:2]. " إنه لم يكن أحد عند مشركي مكة أعظم ذنبا من رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)، لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمأة وستين ~~صنما، فلما جاءهم (صلى الله عليه وآله) بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ~~ذلك عليهم وعظم، وقالوا: # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ~~وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا فى ~~الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق # [ص:5 - 7]. فلما فتح الله على نبيه (صلى الله عليه وآله) مكة قال: يا ~~محمد # إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح:1 - 2] عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم ~~وتأخر ". # فقال المأمون لما سمع هذا الجواب بعد الأجوبة عن سائر السؤالات ~~الموردة على عصمة الأنبياء (عليهم السلام): " لقد شفيت صدري يا ابن ~~رسول الله وأوضحت لي ما كان ملتبسا، فجزاك الله عن أنبيائه وعن دين ~~الإسلام خيرا. # وأما قوله: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى:7] فمعناه فقدان الشرائع والأحكام. وقيل: إنه ضل في صباه في ~~بعض شعاب مكة، فرده أبو جهل إلى عبد المطلب. وقيل: ضل في طريق الشام ~~حين خرج به أبو طالب - وبالجملة - لا دلالة على العصيان والميل عن ms0681 طريق ~~الحق. ولذا قال تعالى: # ما ضل صاحبكم وما غوى # [النجم:2]. # وأما قوله: # ووضعنا عنك وزرك # [الشرح:2]. فهو تمثيل لما كان يثقل عليه من حمل أعباء النبوة في ~~أوائل البعثة، أو من تهالكه على إسلام أهل العناد وتلهفه. # وأما قوله تعالى: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة:43]. تلطف في الخطاب، وعتاب على ترك الأفضل، وإرشاد إلى تدبير ~~الحرب والاحتياط. # وأما قوله تعالى: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى # [الأنفال:67] إلى قوله: # لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيمآ أخذتم ~~عذاب عظيم # [الأنفال:68]. عتاب على ترك الأفضل، وهو أن لا يرضى باختيار أصحابه ~~الفداء. # وكذا الكلام في قوله: # لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم:1]. وقوله: # عبس وتولى أن جآءه الأعمى # [عبس:1 2]. # وأما ما روي أنه قرأ بعد قوله: # أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة ~~الأخرى # [النجم:19 - 20]. " تلك الغرانيق العلى. وإن شفاعتها لترتجى " فلما ~~أخبره جبرائيل بما وقع منه حزن وخاف خوفا شديدا فنزل قوله: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته # [الحج:52]. تسلية له. # فالجواب: إنه كان من إلقاء الشيطان في خياله لا تعمدا منه. # وقيل: بل الغرانيق هي الملائكة. وكان هذا قرآنا فنسخ. # وقيل: معنى " تمني النبي ". حديث النفس. وكان يوسوس إليه الشيطان غير ~~الهدى، فينسخ الله وساوسه من نفسه ويهديه إلى الصواب. # وأما قوله تعالى: # وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس ~~والله أحق أن تخشاه # [الأحزاب:37]. عتاب على أنه أخفى في نفسه عزيمة تزويج زينب عند تطليق ~~زيد إياها، خوفا من طعن المنافقين، ولا خفاء في أن إخفاء أمر دنيوي ~~خوفا من طعن أعداء الدين ليس من الصغائر - فضلا عن الكبائر - بل غايته ~~له ترك للأولى. وكذا ميلان القلب لو ثبت. # وأما مثل قوله: # يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين # [الأحزاب:1]. # ولا تطرد الذين يدعون ربهم # [الأنعام:52]. # فلا تكونن من الممترين # [يونس:94] # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر:65] # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل ms0682 الذين ~~يقرءون الكتاب # [يونس:94]. # فجوابه: إن الأمر لا يقتضي سابقة تركه، ولا النهي سابقة فعله، ولا ~~الشرط وقوع مضمونه. # فظهر أن جواز الصغيرة على الأنبياء (عليهم السلام) عمدا - فضلا عن ~~الكبيرة - مما لم يثبت بقاطع. وقد دلت الدلائل على وجوب عصمتهم. وأما ~~وقوعها عنهم سهوا أو نسيانا فهو موضع اجتهاد. # فإن قيل: ما بال زلات الأنبياء (عليهم السلام) قد حكيت حيث يقرء بأعلى ~~الصوت على وجه الزمان مع أن الله غفار ستار أمر بالستر على من ارتكب ~~ذنبا؟ # قلنا: ليدل على صدق الأنبياء (عليهم السلام)، وكون ما يتلقون بأمر من ~~الله، من غير إخفاء لشيء، وليكون امتحانا للأمم كيف بأنبيائهم بعد ~~الاطلاع على زلاتهم. وليعلموا أن الأنبياء (عليهم السلام) مع جلالة ~~أقدارهم، وكثرة طاعاتهم كيف التجأوا إلى التضرع والاستغفار في أدنى ~~زلة، وأقل تقصير. # فصل # قوله تعالى: { اهبطوا } # اختلفوا في أن هذا الأمر هل هو أمر تعبد أو إباحة؟ والأشبه عند قوم ~~أنه أمر تكليف، لأن فيه مشقة شديدة، لأن مفارقة ما كانا فيه من ~~الجنة إلى موضع لا يحصل المعيشة فيه إلا بالمشقة والكد من أشق ~~التكاليف. وإذا ثبت هذا فبطل ما يظن أن ذلك كان عقوبة، لأن التشديد في ~~التكليف لا يكون إلا لأجل الثواب، فكيف يكون عقابا مع ما يترتب عليه ~~من النفع العظيم، والثواب الجزيل. # وعند قوم من أهل المعرفة أن أمره " إهبطوا " أمر تكوين لهما ~~ولذريتهما، وذلك لأن الهبوط إلى الدنيا، أو الأرض من الجنة، أو السماء ~~ليس واقعا تحت الاختيار، وكل ما ليس للعبد فيه اختيار فلا معنى للتكليف ~~به. وأيضا قوله: { بعضكم لبعض عدو } حكم يعم الناس كلهم، ~~معناه ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض. والقول بأن ~~" الذرية ما كانوا موجودين في ذلك الوقت فكيف تناولهم الخطاب؟ " ساقط ~~عند العارف بخطاب الله، وبأن الأزمنة كلها في حكم زمان واحد عند الله، ~~وبأن السامع لأمر التكوين وقول " كن " يسمع الخطاب بسمع ذاتي عقلي، ~~قبل هذا السمع الظاهري. # إشارة مشرقية # قد مر ms0683 أن للإنسان نشآت ثلاث بحسب البداية النزولية، وكذلك بحسب ~~النهاية الصعودية للكمل. وله هبوطان وصعودان. وهذه النشأة الدنيوية آخر ~~منازل الهبوط، وأول منازل الصعود وهي دار التضاد والتفاسد، وعالم ~~التغالب والتعادي، لضيق عرصتها الوجودية، وانحصار لذاتها الكونية، ~~وقصور خيراتها من أن يسع للجميع، فلذلك ينبعث فيها حب التغالب المؤدي ~~إلى العداوة. فقوله: { بعضكم لبعض عدو } إشارة إلى ما هو من ~~خواص هذه النشأة التي هي مهبط آدم وأولاده. # ولهذا احتاج كل من في هذا العالم إلى قوة غضبية يذب بها عن نفسه ~~الآفة والشر، وإلى قوة شهوية يجلب بها إلى نفسه النفع والخير، والحكمة ~~في وجود هاتين القوتين في الحيوان عموما وفي الإنسان خصوصا هو ما سبق ~~ذكره. # وفيه أيضا إشارة إلى وجوب وجود خليفة من الله في الأرض في حفظ هذا ~~النوع الإنساني، وعدم جواز أن يترك الناس وآراؤهم، إذ لا بد لهم من ~~الشركة في الماء والطين - كما لا يخفى - ولا يتم المشاركة إلا ~~بالمعاملة، ولا المعاملة - وهي مثار الخصومات ومنبت العداوات - إلا ~~بسنة وعدل. فإن لم يكن سنة سان، وعدل معدل منصوب من قبل الله، ~~مخصوص بمعجزات وكرامات يدل على صدقه حتى يسمع دعوته، وينقاد حكمه، ~~ويتبع قوله ورأيه، لأدت العداوات والخصومات إلى الفساد وسفك الدماء، ~~والهرج والمرج. # وقيل: يعني بقوله: { بعضكم لبعض } آدم وذريته، وإبليس ~~وذريته، ولم يكن من آدم إليه ما يوجب عداوته إياه، ولكن حسده الملعون ~~وخالفه، فنشأت بينهما العداوة، ثم إن عداوة آدم له إيمان وحكمة، ~~للخلاص من شره. وعداوة إبليس كفر وحيلة. # وقال الحسن: بين بني آدم وبني إبليس. # وليس ذلك بأمر بل هو تحذير، لأن الله لا يأمر بالعداوة. فالأمر مختص ~~بالهبوط، والعداوة تجري مجرى الحال. لأن الظاهر يقتضي أنه أمرهما ~~بالهبوط في حالة عداوة بعضهم بعضا. # فصل # قوله تعالى: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع } # المستقر: إما بمعنى المصدر، كقوله: # إلى ربك يومئذ المستقر # [القيامة:12]. أو بمعنى المكان الذي يستقر فيه، كقوله: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا # [الفرقان:24]. وقوله: # فمستقر ومستودع ms0684 # [الأنعام:98]. فالأكثر على أن المراد هاهنا هو المعنى الثاني، أي ~~أنها مستقركم حالتي الحياة الدنيا والموت. # وعن ابن عباس، أن المستقر هو القبر، أي يكون قبوركم فيها. # وقيل: الأول أولى، لأنه تعالى قرن المتاع به وهو لا يليق إلا بحال ~~الحياة. # أقول: يحتمل أن يكون المستقر للأموات، والمتاع للأحياء، وفيه الإشارة ~~إلى حال السائرين إلى الله، والواقفين في هذا المهبط. # وقوله: { إلى حين } أي: إلى يوم القيامة - إن أريد الخطاب للجميع ~~- أو إلى ساعة الموت - إن أريد لكل واحد - فإن نسبة يوم القيامة - أي ~~الكبرى - إلى الكل كنسبة حالة الموت - وهي القيامة الصغرى - إلى واحد ~~واحد. ### || [2.37] # { تلقى }: أي قبل وأخذ وتناول آدم على سبيل الطاعة من ربه ~~ورب كل شيء: كلمات. والمراد فجعلها وسيلة. أو سأله بحقهن. # وإنما اكتفى لدلالة ما بعده عليه. ولأن معنى التلقي يفيد ذلك وينبئ ~~عما حذف من الكلام اختصارا. ولذلك قال: { فتاب عليه } بالفاء ~~الدالة على الترتيب، لأنه لم يتب ولا يتوب عليه إلا يسأله بتلك ~~الكلمات، وكان الله قد علمه طريق الإنابة، وعرفه وجوب التوبة، وهداه ~~إلى التوسل بتلك الكلمات. # وقرأ ابن كثير { آدم } بالنصب و { كلمات } بالرفع، ومعناه غير ذلك، ~~وهو أن الكلمات تداركته بالنجاة والرحمة. # ويحتمل أن يقال: إن التلقي لما كان من المعاني الإضافية - وكان من ~~تلقى رجلا فتلاقيا كل واحد صاحبه، وأضيف الاجتماع إليهما معا ~~- صلح أن يشتركا في الوصف بذلك فيقال: كلما تلقيته فقد تلقاك، ~~فجاز أن يقال: " تلقى آدم كلمات " أي: أخذها واستقبلها. وجاز ~~بالنصب. أي: جاءت من الله وتلقته كلمات. على مثل قوله: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة:124]. في قراءة ابن مسعود. # وتلك الكلمات هي كلمات الله التي لا تبيد ولا تنفد أبدا، وهي الجواهر ~~العالية الموجودة بأمر الله، بل هي نفس أوامر الله، وصور ما في علم ~~الله. وبمعرفتها، والاتصال بها، والاعتصام بعراها التي لا انفصام لها ~~نجت النفس الآدمية عن عذاب يوم الآخرة. # وفي الأدعية النبوية: " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما ذرء ms0685 ~~في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء ". # واختلف في تلك الكلمات ما هي: فقيل: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف:23] - الآية - وهو المروي عن الحسن، وقتادة، وعكرمة، وسعيد بن ~~جبير، وأن في ذلك اعترافا بالخطيئة، فلذلك وقعت موضع الندم، ~~وحقيقته الإنابة. # وقيل: هي قوله: " لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك رب اني ~~ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك ~~وبحمدك رب اني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين. اللهم لا إله ~~إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب اني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت ~~التواب الرحيم " عن مجاهد، وهو المروي عن أبي جعفر الباقر (عليه ~~السلام). # وقيل: بل هي " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ~~". # وعن ابن مسعود: إن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا حين اقترف ~~السيئة: " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك؛ لا إله إلا ~~أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ". # وروي عن أهل البيت (عليهم السلام): " إن آدم رأى مكتوبا على العرش ~~أسماء مكرمة معظمة، فسأل عنها. # فقيل له: هذه أسماء لأجل الخلق منزلة عند الله تعالى والأسماء: " ~~محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين (عليهم السلام) " فتوسل آدم إلى ~~ربه بهم في قبول توبته ". # وعن ابن عباس: قال آدم: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: ألم ~~تنفخ في الروح من روحك؟ قال: بلى قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: ~~يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. # أقول: وفي كل من هذه الأقوال إشارة إلى ما أولناه أولا، فإن روح ~~التسبيح والتحميد إنما يحصل للإنسان إذا توجه بقلبه إلى عالم التقديس، ~~والتحميد بالبراءة عن أدناس عالم الطبيعة وذمائمها. وروح التوبة ~~والإنابة إنما يحصل عند رجوعه إلى الحضرة الإلهية بالتجرد عما ~~سواها، وليس في تحريك اللسان والشفتين بتلك الأدعية والأوراد كثير ~~فائدة، ما لم يكن معها حركة باطنية، ورجوع معنوي إلى الجنة العالية ~~التي كانت موطن أبينا ms0686 المقدس. # فالمعنى فيها: إن آدم ترك الخلق وأم الحق ملتجئا إليه باطنا ~~وظاهرا، باكيا، طالبا منه التوبة والرجوع، فتاب عليه ورجع. # وفيما روي عن أهل البيت (عليهم السلام) إشارة إلى مقامات هؤلاء الأخيار، ~~ودرجات هذه الذوات المكرمة، والنفوس المطهرة في عالم عرش الله قبل بداية ~~هذا الكون الدنيوي، وبعد رجوعهم عن هذه الدار، واتصالهم بتلك الكلمات ~~التي لا تبيد ولا تنفد. # وفيما روي عن ابن عباس إشارة إلى أن المراتب اللاحقة هي أعيان ~~المراتب السابقة، وأن كل أحد يمكن وصوله إلى المقام الذي كان فيه بحسب ~~الفطرة الأصلية، إن ساعده التوفيق. # فقوله: " ألم تخلقني بيدك " إشارة إلى مقامه السابق الربوبي ~~الأسمائي. وقوله " ألم تنفخ في الروح من روحك " إشارة إلى مقامه ~~السابق الروحي في عالم العقل المحض. وقوله: " ألم تسكني جنتك " إشارة ~~إلى مقامه السابق النفسي في عالم الحياة النفساني الجناني، وهو عالم ~~الجنة والمغفرة. # وقال النخعي: أتيت ابن عباس، وقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم ~~وحواء، من ربه؟ قال: علم الله آدم وحواء أمر الحج. فحجا، وهي ~~الكلمات التي يقال في الحج، فلما فرغا من الحج أوحى إليهما بأني قبلت ~~توبتكما. # وروي لما أراد الله أن يتوب على آدم طاف بالبيت سبعا، والبيت يومئذ ~~ربوة حمراء، فلما صلى ركعتين قال: " اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي، ~~فاقبل معذرتي. وتعلم حاجاتي، فأعطني سؤلي. وتعلم ما في نفسي، فاغفر لي ~~ذنوبي. اللهم إني أسئلك إيمانا يباشر قلبي، ويقينا صادقا حتى أعلم ~~أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي والرضا بما قسمت لي " فأوحى الله إلى ~~آدم: " يا آدم قد غفرت لك ذنبك، ولم يأتني أحد من ذريتك فيدعوني بمثل ~~الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه، وكشفت همومه وغمومه، ونزعت الفقر من ~~بين عينيه. # وجاءته الدنيا وهو لا يريدها ". # فصل # قوله: { فتاب عليه } أي: رجع عليه بالرحمة، وقبول التوبة فإن ~~العبد كلما توجه بوجهه إلى الله توجه تعالى بوجهه إليه. " من كان ~~لله كان الله له ". وفي الحديث الإلهي: # " من تقرب إلي شبرا ms0687 تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ~~ذراعا تقربت إليه باعا ". # وإنما رتبه بالفاء على تلقي الكلمات لتضمنه معنى التوبة، وهو الرجوع ~~إلى الله بالقلب النقي، والعلم بقبح المعصية. وقد علمت أن توبة الرب ~~متوقفة على توبة العبد، والاعتراف بالذنب والندم عليه، والعزم على أن لا ~~يعود إليه. # وإنما اكتفى بذكر آدم لأن حواء كانت تبعا له في الحكم، ولذلك طوي ~~ذكر النساء في أكثر القرآن والسنن. # { إنه هو التواب الرحيم } أي: الرجاع على عباده ~~بالمغفرة، أو الذي يكثر اعانتهم على التوبة. وأصل التوبة - كما مر - ~~الرجوع. # قال القفال: " التوبة كالأوبة معنى. يقال: توب، كما يقال: أوب. ~~قال تعالى # قابل التوب # [غافر:3]. فقولهم: " تاب يتوب توبا وتوبة ومتابا، فهو ~~تائب وتواب " كقولهم: " آب يئوب أوبا وأوبة، فهو آئب ~~وأواب ". # والتوبة لفظ مشترك فيها الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد، فالمعنى: ~~رجع إلى ربه. لأن كل عاص هو في معنى الهارب من ربه، فإذا تاب فقد ~~رجع من هربه، فيقال: تاب إلى ربه، والرب تاب على عبده. وقد يفارق ~~الرجل خدمة رئيس فيقطع الرئيس معروفه عنده، ثم يراجع خدمته، فيقال: ~~فلان عاد إلى الأمير، والأمير عاد عليه بإحسانه ومعروفه " انتهى ~~كلامه. # فبالحقيقة رجوع العبد إلى الحق عبارة عن الخروج من قيد النفس بترك ~~المعاصي والتعلقات، وتصفية القلب عن درن الشهوات، ليستعد للقاء الله ~~والجنة. ورجوع الحق إلى العبد عبارة عن كشف الحقيقة له بإفاضة الخيرات ~~عليه، وانزال البركات إليه. # وبالجملة كما ان بعد العبد عن الحق عنه - مع أنه مع كل شيء، وهو ~~أقرب إليه من كل قريب فكذلك قرب العبد من الحق برفع الحجب الظلمانية، ~~يستلزم قرب الحق منه بتجلي ذاته له بنور وجهه، لا بمعنى أن يحصل له ~~تغير انتقال، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # وهذا كما يقوله الفلاسفة في صيرورة الجوهر المفارق العقلي خزانة ~~لمعلومات النفس بعد أن لم يكن، من غير لزوم تغير في ذات تلك الخزانة، ~~بل من حيث كونها خزينة. وذلك لأجل تغير حدث في النفس. ms0688 حيث استعدت ~~للاتصال بها والاستفاضة منها. # و { الرحيم } هو المبالغ في الرحمة، حيث يقبل التوبة من العبد وإن ~~كانت المعصية شديدة والذنب عظيما. وفي الجمع بين هذين الوصفين، وعد ~~للتائب بالإحسان مع العفو، وإتيانهما بصيغة المبالغة دال على أن العبد ~~لو تاب ثم عصى وتاب مرارا يتوب الله عليه ويرحمه مرارا كما وردت به ~~الآيات والأخبار والآثار، وقام عليه الدليل العقلي. # الآيات والأخبار في قبول التوبة # أما الآيات: فمثل: # توبوا إلى الله توبة نصوحا # [التحريم:8]. ومعنى النصوح الخالص لله، الخالي عن الشوائب. وقوله # إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين # [البقرة:222]. وليس فيها تخصيص بوقت دون وقت. # وأما الأخبار فكثيرة: # منها قوله (صلى الله عليه وآله): # " التائب حبيب الله " و: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له ". # ومنها ما روى أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني في الكافي مسندا عن ~~محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: " يا محمد بن مسلم ~~ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة، فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد ~~التوبة والمغفرة. أما والله إنها ليست إلا لأهل الإيمان ". # قلت: " فإن عاد بعد التوبة والاستغفار في الذنوب، وعاد في التوبة "؟ # فقال: " يا محمد بن مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر ~~الله منه ويتوب، ثم لا يقبل الله توبته "؟ # قلت: " فإنه فعل ذلك مرارا يذنب، ثم يتوب ويستغفر "؟ # فقال: " كلما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة، عاد الله عليه ~~بالمغفرة، وإن الله غفور رحيم، يقبل التوبة ويعفو عن السيئات، فإياك ~~أن تقنط المؤمنين من رحمة الله ". # وروى أيضا في كتاب الكافي حديثا متفقا عليه عن أبي عبيدة، قال: ~~سمعت أبا جعفر (عليه السلام) - يقول: " الله تعالى أشد فرحا بتوبة عبده ~~من رجل أضل راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها، فالله أشد فرحا ~~بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها ". # وهذا الحديث مما هو منقول من غير هذا الطريق عن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) بزيادة ألفاظ أخر، وهو أنه قال (صلى الله عليه وآله): # " الله تعالى ms0689 أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض ~~مهلكة معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، ~~فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش ~~- أو ما شاء الله - قال: " أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأقيم حتى أموت ~~" فوضع يده على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها طعامه ~~وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد من هذا براحلته ". # وفي بعض الألفاظ: فقال من شدة فرحه إذا أراد شكر الله " أنا ربك، ~~وأنت عبدي " ، # وروي أيضا فيه مسندا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله تعالى ~~أوحى إلى داوود أن: ائت عبدي دانيال، فقل له: " إنك عصيتني فغفرت لك، ~~وعصيتني فغفرت لك، وعصيتني فغفرت لك. # فإن أنت عصيتني الرابعة لم أغفر لك " فأتاه داوود فقال: " يا دانيال ~~إني رسول الله إليك، وهو يقول: يا دانيال إنك عصيتني فغفرت لك، ~~وعصيتني فغفرت لك، وعصيتني فغفرت لك. فإن أنت عصيتني الرابعة لم ~~أغفر لك " فقال له دانيال: " قد بلغت يا نبي الله " فلما كان في ~~السحر قام دانيال فناجى ربه فقال: " يا رب إن داوود نبيك أخبرني ~~عنك أني قد عصيتك فغفرت، وعصيتك فغفرت، وعصيتك فغفرت لي. وأخبرني ~~عنك إن عصيتك الرابعة لم تغفر لي. وعزتك وجلالك لئن لم تعصمني ~~لأعصينك، ثم لأعصينك، ثم لأعصينك ". # وروي أن رجلا سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الرجل، يذنب ثم ~~يستغفر، ثم يذنب ثم يستغفر، ثم يذنب ثم يستغفر؟ فقال (عليه السلام): ~~" ثم يستغفر أبدا حتى يكون الشيطان هو الخاسر. فيقول: لا طاقة لي معه ~~". # وقال علي (عليه السلام): " كلما قدرت أن تطرحه في ورطة وتتخلص ~~فافعل ". # وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة " # وفي رواية: " ليران " بدل " ليغان ". و " سبعين مرة " بدل " مأة ~~مرة ". # واعلم أن " الغين " شي يغشى القلب فيغطيه بعض التغطية، وهو كالغيم ~~الرقيق الذي يعرض في الهواء، فلا يحجب عين الشمس، ولكن يمنع ضوءها. ms0690 # قال القاضي البيضاوي في شرح المصابيح: " الغين " لغة في الغيم. وغان ~~كذا أي: غطا عليه. وقال أبو عبيدة في معنى الحديث: أي يتغشى ما يلبسه. ~~وقد بلغنا عن الأصمعي أنه سئل عن هذا الحديث، فقال للسائل: عن قلب من ~~تروي هذا؟ فقال: عن قلب النبي (صلى الله عليه وآله). فقال لو كان غير ~~قلب النبي (صلى الله عليه وآله) لكنت أفسره لك. # والعلماء ذكروا في تأويل هذا الحديث وجوها: # الأول: إن الله أطلع نبيه (صلى الله عليه وآله) على ما يكون في ~~أمته بعده من الخلاف وما يصيبهم، فكان إذا ذكر ذلك وجد غينا في قلبه، ~~فاستغفر لأمته. # الثاني: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان ينتقل من حالة إلى ~~حالة أرفع من الأولى، فكان الاستغفار لذلك. # الثالث: وهو تأويل أرباب الحقيقة - إن الغين عبارة عن السكر الذي ~~كان يلحقه في طريق المحبة الإلهية، حتى يصير فانيا عن نفسه ~~بالكلية. فإذا عاد إلى الصحو بعد المحو كان الاستغفار من ذلك ~~الصحو. # الرابع: وهو تأويل أهل الظاهر " إن القلب لا ينفك عن الخطرات ~~والخواطر والشهوات، وأنواع الميل والارادات، فكان يستعين بالرب في دفع ~~تلك الخواطر ". # قال القاضي في ذلك الشرح: " ولله در الأصمعي في انتهاجه منهج الأدب، ~~وإجلاله القلب الذي جعله الله موقع وحيه، ومنزل تنزيله، فإنه مشرب ~~سد عن أهل اللسان موارده، وفتح لأهل السلوك مسالكه. وأحق من يعرب أو ~~يعبر عنه مشايخ الصوفية، الذي بارك الحق أسرارهم، ووضع الذكر عنهم ~~أوزارهم، ونحن بالنور المقتبس من مشكاتهم نذهب ونقول: # لما كان قلب النبي (صلى الله عليه وآله) أتم القلوب صفاء، وأكثرها ~~ضياء، وأعرفها عرفانا، وكان (صلى الله عليه وآله) معتنيا مع ذلك ~~لتشريع الملة، وتأسيس السنة، ميسرا غير معسر، ولم يكن له بد من ~~النزول إلى الرخص، والالتفات إلى حظوظ النفس، مع ما كان ممتحنا به من ~~أحكام البشرية، فكان إذا تعاطى شيئا من ذلك أسرعت كدورة ما إلى القلب، ~~لكمال رقته وفرط نورانيته، فإن الشيء كلما كان أرق ms0691 وأصفى كان ورود ~~الكدورات عليه أبين وأهدى، وكان (صلى الله عليه وآله) إذا أحس بشيء من ~~ذلك عده على النفس ذنبا فاستغفر منه " انتهى كلامه. # ولا يخفى أن التأويل الثاني والثالث أولى بأن ينسب غلى أهل الحقيقة ~~مما ذكره وجعله منسوبا إليهم، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) من ~~فرط الجامعية، وكمال المرتبة كان بحيث يسع قلبه الحق والخلق ~~جميعا، ويفي قوته بضبطه الجانبين، ولم يكن بحيث إذا تعاطى شيئا من ~~أمور السياسة أسرع إلي قلبه كدورة، لأن ذلك شأن ضعفاء العقول ~~أمثالنا. # فصل # وأما الدليل العقلي على أن الإنسان متى تاب عن ذنبه فقد قبل الله منه ~~وغفر له فهو مما يتوقف إثباته على تحقيق معنى التوبة، ومعنى وجوبها ~~على الفور، ولنذكر نقاوة ما ذكره المحققون من علماء الإسلام، وحكماء ~~هذه الشريعة التي أتانا بها سيد الأنام - عليه وآله السلام والتحية ~~والإكرام - في معناها، وهو: # إن التوبة لا تحصل إلا بأمور ثلاثة: أولها، معرفة ضرر الذنوب، وكونها ~~حجابا بين العبد ومحبوبه، وسموما قاتلة لمن يباشرها. # فإذا عرف ذلك وتيقنه حصل له من ذلك حالة ثانية، هي التألم لفوات ~~المحبوب، والتأسف من فعل الذنوب. وهذا التألم والتأسف هو المعبر ~~عنه بالندم. # وإذا غلب هذا التألم حصل حالة ثالثة هي القصد إلى أمور ثلاثة: ~~أولها: تعلق بالحال، والاستقبال، والمضي. فالمتعلق بالحال هو ترك ما ~~هو مقيم عليه من الذنوب. والمتعلق بالاستقبال هو العزم على عدم العود ~~إليها إلى آخر العمر. والمتعلق بالماضي تلافي ما يمكن تلافيه من قضاء ~~الفوات، والخروج من المظالم، فهذه الثلاثة أعني المعرفة، والندم، والقصد ~~إلى المذكورات أمور مترتبة في الحصول، وقد يطلق على مجموعها إسم التوبة. ~~وكثيرا ما يطلق على الثاني - أعني الندم - وحده، وقد يطلق على مجموع ~~الأخيرين: الندم والعزم. # قال صاحب إحياء العلوم: اعلم أن التوبة معنى منتظم من ثلاثة أمور ~~مترتبة: علم وحال وفعل. # .. أما العلم وهو مطلع هذه الخيرات، وأعني به الإيمان واليقين... ~~بأن الذنوب سموم مهلكة... فيثمر نور هذا الإيمان متى أشرق ms0692 على القلب ~~نار الندم، فيتألم القلب به حيث يبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار ~~محجوبا عن محبوبه، كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فسطع ~~النور بانقشاع سحاب، أو انصراف حجاب، فرأى محبوبه قد أشرف على ~~الهلاك، فتشتعل نيران الحب في قلبه، فتنبعث بتلك النيران إرادته ~~للانتهاض للتدارك. # فالعلم والندم والقصد المتعلقة بالترك في الحال والاستقبال، ~~والتلافي للماضي، ثلاثة معان مترتبة في الحصول، يطلق اسم التوبة على ~~مجموعها، وكثيرا ما يطلق على معنى الندم وحده، ويجعل العلم كالسابق ~~والمقدمة، والترك كالثمرة والتابع... فيكون النجم محفوفا بطرفيه، ~~مثمرة بثمرته. فهذا معنى التوبة. # وأما إثبات وجوبها على الفور: فاعلم أن وجوب التوبة كما أنه ظاهر ~~بالآيات والأخبار، فهو واضح بنور البصيرة عند من انفتحت بصيرته، وشرح ~~صدره بنور الإيمان، حتى اقتدر أن يسعى بنوره الذي بين يديه في ظلمات ~~الجهل، مستغنيا عن قائد يقوده في كل خطوة. فالسالك إما أعمى لا ~~يستغني عن القائد في خطوة، وإما بصير يهدى إلى أول الطريق، ثم يهتدي ~~بنفسه، وكذلك الناس في طريق الدين ينقسون هذا الانقسام. # فمن قاصر لا يقدر على مجاوزة التقليد في خطوة، فيفتقر إلى أن يسمع ~~في كل قدم نصا من كتاب الله، أو سنة نبيه، وربما يعوزه ذلك ~~فيتحير، فسير هذا - وإن طال عمره وعظم جده - مختصر، وخطاه ~~قاصرة. # ومن سعيد شرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربه، يتنبه ~~بأدنى إشارة لسلوك طريق معوصة، وعقبات متعبة، فيشرق في قلبه نور ~~القرآن ونور الإيمان، وهو لشدة نور باطنه يجتزئ بأدنى بيان، أو كأنه # يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار # [النور:35] فإذا مسته نار فهو # نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء # [النور:35] فهذا لا يحتاج إلى نص منقول في كل واقعة. # فمن هذا حاله إذا أراد أن يعرف وجوب التوبة فينظر أولا بنور ~~البصيرة إلى التوبة ما هي؟ ثم إلى الوجوب ما معناه؟ ثم يجمع بينهما، ~~فلا يشك في ثبوته لها. وذلك بأن يعلم أن معنى ms0693 الواجب ما هو واجب في ~~طريق الوصول إلى سعادة الأبد والنجاة من هلاك السرمد... ومعنى قول القائل ~~" صار واجبا بالايجاب حديث محض " فإن ما لا غرض لنا عاجلا وآجلا ~~في فعله وتركه فلا معنى لاشتغالنا به، أوجبه غيرنا، أو لم يوجبه. # فإذا عرف الوجوب، وأنه الوسيلة إلى سعادة الأبد، وعلم أن لا سعادة ~~في دار البقاء إلا لقاء الله عز وجل، وأن كل محجوب عنه فشقي لا ~~محالة، يحول بينه وبين ما يشتهيه، محترق بنار الفراق ونار جهنم، وعلم ~~أن لا مبعد عن لقاء الله عز وجل إلا اتباع الشهوات، والأنس بما في هذا ~~العالم الفاني، والاكباب على حب ما لا بد من فراقه، وعلم أن لا مقرب ~~من لقاء الله إلا قطع علاقة القلب عن زخرف الدنيا، والاقبال بالكلية ~~على الله طلبا للأنس بذكره، والمحبة بمعرفة جماله وجلاله على قدر ~~طاقته، وعلم أن الذنوب التي هي إعراض عن الله، واتباع لمحاب ~~الشياطين أعداء الله، المبعدين عن حضرته بكونه محجوبا مبعدا عن الله ~~فلا يشك في أن الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب، ~~وإنما يتم الانصراف بالعلم، والندم، والعزم، فإنه ما لم يعلم أن ~~الذنوب أسباب البعد عن المحبوب لم يتألم، ولم يتندم، وما لم يتندم ~~ولم يتوجع فلا يرجع، ومعنى الرجوع: الترك والعزم. # فلا شك في أن المعاني الثلاثة ضرورية للوصول إلى المحبوب. فهكذا ~~يكون الإيمان الحاصل عن نور البصيرة. # وأما من لم يترسخ لمثل هذا المقام المرتفع ذروته عن حدود أكثر ~~الخلق، ففي التقليد والاتباع له مجال رحب يتوصل به إلى النجاة من ~~الهلاك، فليلاحظ فيه قول الله وقول رسوله (صلى الله عليه وآله) والأئمة ~~من بعده، وقد سبق بعض من الأخبار والأحاديث وهي كثيرة لا تحصى. # قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حاكيا عن الله يقول لملائكته: # " إذا هم عبدي بالحسنة فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها ~~بعشر أمثالها، وإذا هم بالسيئة فعملها فاكتبوها سيئة واحدة، ~~وإن تركها فاكتبوها له حسنة ". # وروي أن إبليس ms0694 قال: يا رب إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه ~~عداوة، فسلطني عليه. فقال الله تعالتى: جعلت صدورهم مساكن لك. ~~فقال: رب زدني. فقال: لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة. قال: ~~رب زدني. قال: تجري منه مجرى الدم. قال: رب زدني. قال: اجلب ~~عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد. # قال: فشكى آدم إبليس إلى ربه، فقال: يا رب إنك خلقت إبليس ~~وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطته علي، وأنا لا أطيقه إلا ~~بك. فقال الله: لا يولد لك ولد إلا وكلت له ملكين يحفظانه من ~~قرناء السوء. قال: رب زدني. قال: الحسنة بعشر أمثالها. قال: رب ~~زدني. قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر. # وبالجملة الأخبار كثيرة في هذا الباب، والاجماع منعقد من الأمة على ~~وجوبها لكن قد تدهش الغفلة عنه، فمعنى هذا العلم إزالة هذه الغفلة، ولا ~~خلاف في وجوبها. ومن معانيها ترك المعاصي في الحال، والعزم على تركها في ~~الاستقبال، وتدارك ما سبق من التقصير في سابق الاحوال، وذلك لا يشك في ~~وجوبه. وأما الندم والتحزن عليه فواجب، وهو روح التوبة بعد العلم، ~~وبه تمام التلافي. # فكيف لا يكون واجبا، بل هو نوع ألم يحصل لا محالة عقيب حقيقة المعرفة ~~بما فات من العمر، وضاع في سخط الله. # فإن قلت: تألم القلب أمر ضروري لا يدخل تحت الاختيار، فكيف يوصف ~~بالوجوب؟ # فاعلم أن سببه تحقق العلم بفوات المحبوب. وللعبد سبيل إلى تحصيل ~~سببه، وبمثل هذا المعنى دخل العلم تحت الوجوب لا بمعنى أن العلم ~~بخلقة العبد وحدوثه في نفسه، فإن ذلك محال، بل العلم، والندم، ~~والفعل، والارادة، والقدرة، والقادر، كلها من خلق الله وفعله # والله خلقكم وما تعملون # [الصافات:96]. هذا هو الحق عند ذوي البصائر، وما سوى هذا ضلال ووبال. # وقد مر مرارا تحقيق نسبة الأفعال إلى الله، وأن الكل بقضائه ~~وقدره، لا بالمعنى الذي ذهب إليه الأشاعرة. ولا بالمعنى الذي زعمه ~~المعتزلة، ولا الذي اشتهر من الحكماء. بل بالمعنى الذي هو ms0695 محجوب إلا ~~على قوم شرح الله صدورهم، وباشر قلوبهم نور الحق. # فإذا تقررت هذه المقدمات فنقول: كل توبة إذا استجمعت شرائطها فهي ~~مقبولة لا محالة. # اعلم أنك إذا فهمت معنى القبول لم تشك في أن كل توبة صحيحة فهي ~~مقبولة، فالناظرون بنور البصائر، المستمدون من نور القرآن، علموا أن ~~كل قلب سليم مقبول عند الله، ومتنعم في دار الآخرة في جوار الله، ~~ومستعد لأن ينظر بعينه الباقية إلى وجه الله. علموا أن القلب ~~الإنساني خلق في أصل الفطرة سليما، فكل مولود يولد على الفطرة ~~وإنما يفوته الإسلام بكدورة ترهق وجهه من غبرة الذنوب وظلمتها، ~~وعلموا أن نار الندم تحرق تلك الغبرة، وأن نور الحسنة تمحو عن ~~وجه القلب ظلمة السيئة، وأنه لا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات، ~~كما لا طاقة لظلام الليل مع نور النهار. بل كما لا طاقة لكدورة الوسخ مع ~~بياض الصابون. # فكما أن الثوب الوسخ لا يقبله الملك لأن يكون لباسه، فكذلك القلب ~~المظلم لا يقبله الله تعالى لأن يكون في جواره، وكما أن استعمال الثوب ~~في الأعمال الخسيسة يوسخ الثوب، وغسله بالصابون والماء الجاري ينظفه ~~لا محالة، فكذلك استعمال القلب في الشهوات يوسخ القلب، وغسله بماء ~~الدموع، وحرقة الندم ينظفه ويطهره ويزكيه وكل قلب زكي طاهر فهو ~~مقبول، كما أن كل ثوب نظيف فهو مقبول، وإنما عليك التزكية والتطهير، ~~فأما القبول فمبذول، وقد سبق به القضاء الأزلي الذي لا مرد له، وهو ~~المسمى فلاحا في قوله تعالى # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون:1]. وقوله: # قد أفلح من زكاها # [الشمس:9]. # ومن لم يعرف على سبيل التحقيق معرفة أجلى وأقوى من المشاهدة بالبصر أن ~~القلب يتأثر بالمعاصي والطاعات تأثرا متضادا يستعار لأحدهما لفظ " ~~الظلمة " - كما يستعار للجهل - ويستعار للآخر لفظ " النور " - كما ~~يستعار للعلم - وأن بين النور والظلمة تضادا ضروريا لا يتصور ~~الجمع بينهما، فكأنه لم يعرف من الدين إلا قشوره، ولم يعلق بقلبه إلا ~~أسماؤه، وقلبه في غطاء كثيف عن حقيقة الدين، بل عن حقيقة نفسه. # ومن جهل ms0696 بنفسه فهو بغيره أجهل. وأعني به قلبه، إذ بقلبه يعرف غير ~~قلبه. فكيف يعرف غيره، وهو لا يعرف قلبه؟ # فمن يتوهم أن التوبة تصح ولا تقبل كمن يتوهم أن الشمس تطلع ~~والظلام لا يزول، والثوب يغسل بالصابون والوسخ لا يزول إلا أن يغوص ~~الوسخ لطول تراكمه في تجاويف الثوب وخلله، فلا يقوى الصابون على ~~قلعه. # فمثال ذلك أن تتراكم الذنوب حتى تصير طبعا ورينا على القلب، ~~فمثل هذا القلب لا يرجع ولا يتوب، نعم قد يقول باللسان: " تبت " ~~فيكون ذلك كقول القصار: " قد غسلت الثوب ". وذلك لا ينظف الثوب ~~أصلا ما لم يغير صفة الثوب باستعمال ما يضاد الوصف المتمكن منه. # فهذا حال امتناع أصل التوبة، وهو غير بعيد، بل هو الغالب على كافة ~~الخلق، المقبلين على الدنيا، المعرضين عن الله بالكلية. # فهذا البيان كاف عند ذوي البصائر في قبول التوبة، ولكنا نعضد جناحه ~~بنقل الآيات والأخبار - كما مر ذكرها - فكل استبصار لا يشهد له الكتاب ~~والسنة لا يوثق به. # فقال تعالى: # هو الذي يقبل التوبة عن عباده # [الشورى:25]. وقال: # غافر الذنب وقابل التوب # [غافر:3]. إلى غير ذلك من الآيات. # وقال (صلى الله عليه وآله): # " لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء ثم ندمتم لتاب الله عليكم ". # وقال (صلى الله عليه وآله) أيضا: # " إن العبد ليذنب الذنب فيدخله الجنة ". قيل: وكيف ذلك يا رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: " يكون نصب عينه تائبا فارا منه ~~حتى يدخل الجنة ". # وقال (صلى الله عليه وآله): # " لله أفرح بتوبة العبد - الحديث - " # والفرح وراء القبول، فهو دليل على القبول وزيادة. # وقال (صلى الله عليه وآله): # " إن الله عز وجل يبسط يده بالتوبة لمسيء الليل إلى النهار، ~~ولمسيء النهار إلى الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها " # فبسط اليد كناية عن طلب التوبة. والطالب وراء القابل، فرب قابل ليس ~~بطالب. # وقال (صلى الله عليه وآله): # " إن الحسنات يذهبن السيئات، كما يذهب الماء الوسخ " # ويروى: # " إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة. فأنظره إلى يوم ~~القيامة. ms0697 قال: " وعزتك لا خرجت من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح ". ~~فقال تعالى: " وعزتي وجلالي لا منعته التوبة ما دام فيه الروح ". # روى أبو سعيد الخدري، قال النبي (صلى الله عليه وآله): # " كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا. فسأل عن أعلم أهل ~~الأرض، فدل على راهب. فأتاه فقال هل للقاتل من توبة؟ فقال: لا. ~~فقتله، فكمل به مأة. ثم سال عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم. ~~فقال له: إنه قتل مأة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم. ومن يحول ~~بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها ناسا يعبدون الله، ~~فاعبد معهم ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء. فانطلق حتى أتى نصف ~~الطريق فأتاه الموت. فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقالت ~~ملائكة الرحمة: جاء تائبا، مقبلا بقلبه إلى الله تعالى. وقالت ~~ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي ~~وتوسط بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أدنى فهو له. ~~فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد أن يسير إليها، فقبضته ملائكة ~~الرحمة ". # وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " إن عبدا إذا أصاب ذنبا قال: يا رب أذنبت ذنبا، فاغفر لي. فقال ~~ربه: إن عبدي علم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به. فقال له ~~ربه: غفرت لعبدي فليعمل ما شاء " # - أخرجاه في صحيحهما -. # أبو أيوب، قال: كنت كتمتكم شيئا سمعت من رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) يقول: # " لولا إنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون، ثم يغفر لهم " # رواه مسلم. # قال عبد الله: بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أقبل ~~رجل عليه كساء، وفي يده شيء قد التف عليه، فقال: # " يا رسول الله إني مررت بغيضة شجر، فسمعت فيها أصوات فراخ طائر، ~~فأخذتهن فوضعتهن في كسائي، فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي. فكشفت لها ~~عنهن، فوقعت عليهن فلففتهن معها ". # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ms0698 ضعهن عنك ". فأبت أمهن إلا ~~لزومهن. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتعجبون لرحم أم الفراخ ~~فراخها "؟ قالوا: " نعم يا رسول الله " قال: " فوالذي بعثني بالحق لله ~~عز وجل أرحم بعباده من أم الفراخ بفراخها. ارجع بهن حتى تضعهن من حيث ~~أخذتهن وأمهن معهن " # فرجع بهن. # وعن أبي إدريس الخولاني. عن أبي ذر، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~عن جبرائيل، عن الله عز وجل: # " يا عبادي إني حرمت على نفسي الظلم، وجعلته محرما بينكم، فلا ~~تظالموا. يا عبادي الذي تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب ولا ~~أبالي، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ~~فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسيكم. ~~يا عبادي لو أن أولكم، وآخركم، وانسكم، وجنكم، كانوا على قلب أتقى ~~رجل منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم، وآخركم، ~~وانسكم، وجنكم، كانوا على قلب أفجر رجل منكم لم ينقص ذلك من ملكي ~~شيئا. يا عبادي لو أن أولكم، وآخركم، وانسكم، وجنكم، اجتمعوا في صعيد ~~واحد، فسألوني، وأعطيت كل إنسان منكم ما سأل، لم ينقص ذلك من ملكي ~~شيئا إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمسة واحدة. يا عبادي ~~إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن إلا نفسه ". # قال: وكان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثى على ركبتيه اعظاما له. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: # " من استفتح أول نهاره بالخير، وختمه بالخير، قال الله تعالى ~~لملائكته: " لا تكتبوا على عبدي ما بين ذلك من الذنوب ". # وروي أن جبرائيل سمع إبراهيم (عليه السلام) يقول: يا كريم العفو. قال ~~جبرائيل: وتدري ما كريم العفو؟ فقال: لا يا جبرائيل. قال: أن يعفو عن ~~السيئة ويكتبها حسنة. # وفي الكافي مسندا عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~يقول: قال الله تعالى: # " إن العبد من عبيدي المؤمنين ليذنب الذنب العظيم مما ms0699 يستوجب به ~~عقوبتي في الدنيا والآخرة، فأنظر له فيما فيه صلاحه في آخرته، فأعجل له ~~العقوبة عليه في الدنيا لأجازيه بذلك الذنب، وأقدر عقوبة ذلك الذنب، ~~وأقضيه وأتركه عليه موقوفا غير ممضي، ولي في امضائه المشية، وما يعلم ~~عبدي به. فأتردد لذلك مرارا على امضائه، ثم أمسك عليه فلا أمضيه كراهة ~~لمساءته، وحيدا عن ادخال المكروه عليه، فأتطول عليه بالعفو عنه، ~~والصفح، محبة لمكافأته، لكثير نوافله التي يتقرب بها إلي في ليله ~~ونهاره، فأصرف ذلك البلاء عنه وقد قدرته، وقضيته، وتركته موقوفا ولي في ~~امضائه المشية، ثم أكتب له عظيم أجر نزول ذلك البلاء، وأدخره وأوفره ~~له أجره، ولم يشعر به، ولم يصل إليه أذاه. وأنا الله الكريم الرؤوف ~~الرحيم ". # وفي الكافي أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): # " من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته. ثم قال: إن السنة ~~لكثير. من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته. ثم قال: إن الشهر ~~لكثير، من تاب قبل موته بجمعة قبل الله توبته، ثم قال: إن ~~الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بيوم، قبل الله توبته. ثم قال: ~~إن يوما لكثير، من تاب قبل أن يعاين قبل الله توبته ". # فصل # اعلم أن المراد بقبول التوبة هو ما أشرنا إليه، والمراد به عند الجمهور ~~اسقاط العقاب المترتب على الذنب، وهو في الحقيقة من لوازم ما وقعت إليه ~~الإشارة، وسقوط العقاب بالتوبة الصحيحة مما أجمع عليه أهل الإسلام. # وإنما الخلاف في أنه هل يجب على الله؟ حتى لو عاقب بعد التوبة كان ~~ظلما. أو هو تفضل يفعله الله سبحانه كرما منه بعبده؟ # فالمعتزلة على الأول، والأشاعرة على الثاني، وإليه ذهب الشيخ أبو جعفر ~~الطوسي - ره - في كتاب الاقتصاد، والعلامة الحلي في بعض كتبه ~~الكلامية، وتوقف المحقق الطوسي - طاب ثراه - في التجريد. وقال شيخنا ~~البهائي - رحمه الله - في أربعينه: " إن مختار الشيخين هو الظاهر، ودليل ~~الوجوب مدخول ". # أقول: الوجوب بالمعنى الذي ذكرناه قطعي لا ريب ms0700 فيه. # فإن قلت: ما معنى قبول التوبة؟ أفتقول كما قاله المعتزلة بأن كذا واجب ~~على الله؟ # قلنا: إنا لا تعني به ولا نريد إلا ما يريده القائل بقوله: " إن ~~الثوب إذا غسل بالصابون وجب زوال الوسخ. وإن العطشان إذا شرب وجب ~~زوال العطش، وإنه إذا منع الماء مدة وجب العطش وإذا دام العطش، وجب ~~الموت " وليس في شيء من ذلك ما يريده المعتزلة، ولا ما يريده الأشاعرة إذ ~~لا علاقة، ولا سببية بين الأشياء عندهم. بل نقول خلق الله الطاعة ~~مكفرة للمعصية، والحسنة ماحية للسيئة، كما خلق الماء مزيلا للعطش، ~~والقدرة متسعة لخلاف ذلك، ولكن ما سبقت المشية إلا بذلك، فلا واجب ~~على الله، لكن كل ما سبقت به إرادته الأزلية فواجب كونه لا محالة. # فإن قلت: ما من تائب إلا وهو شاك في قبول توبته، والشارب لا يشك في ~~زوال عطشه؟ # قلنا: شكه في القبول كشكه في وجوب شرائط الصحة، فإن للتوبة أركانا ~~وشروطا دقيقة، وليس يتفق وجود جميع شروطها، كالذي يشك في دواء شربه ~~للاسهال في أنه هل يسهل، وذلك لشكه في حصول شروط الاسهال في الدواء ~~باعتبار الحال، والوقت، وكيفية خلط الدواء وطبخه، وجودة عقاقيره ~~وأدويته، فهذا وأمثاله موجب للخوف بعد التوبة وللشك في قبولها. # هذا ما قاله بعض أكابر الكشف والتحقيق. # وأما ما قاله أبو علي الطبرسي في تفسيره المسمى بمجمع البيان عند قوله ~~تعالى: # فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك # [غافر:7]. " إن في هذه الآية دلالة على أن اسقاط العقاب عند التوبة ~~تفضل من الله؛ إذ لو كان واجبا لكان لا يحتاج فيه إلى مسألتهم، بل كان ~~يفعله سبحانه لا محالة " ففيه نظر، لما مر من أن العبد ربما يشك في ~~ذلك القبول مع أنه كان واجبا، لعدم احاطته بأسبابه، إذ الضرورة ~~الذاتية لشيء لا تنافي الشك، والإمكان العقلي، وهو تجويز العقل لخلافه. ~~ولأن السؤال قد يكون للأمر الواقعي، والغرض اظهار الانكسار، والمذلة، أو ~~بسط الكلام مع المحبوب، وعرض الافتقار لديه، كما قالوا في قوله تعالى: ms0701 # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا # [البقرة:286]. على بعض الوجوه. # فصل # في شروط التوبة # سئل ذو النون المصري رحمه الله عن التوبة، فقال: " إنها اسم جامع ~~لمعان ستة: أولهن الندم على ما مضى. والثاني:العزم على ترك الذنوب في ~~المستقبل. الثالث: أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله. الرابع: ~~رد المظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم. الخامس: اذابة كل لحم ~~ودم نبت في الحرام. السادس: اذاقة البدن ألم الطاعات كما ذاق حلاوة ~~المعصية ". # وهذا الذي ذكره ذو النون من الأمور الستة هو مما رواه الشيخ أبو علي ~~الطبرسي في تفسيره عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذه العبارة: " ~~التوبة يجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة. وللفرائض ~~الاعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم. وأن تعزم على أن لا تعود. وأن ~~تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية. وأن تذيقها مرارة ~~الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي ". # وأورد السيد الرضي في كتاب نهج البلاغة، إن قائلا قال بحضرته: " ~~أستغفر الله " فقال له عليه السلام: " ثكلتك أمك. أتدري ما ~~الاستغفار؟ إن الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معان ~~الحديث ". # وفي كلام بعض أكابر الكشف: " إنه كما لا يكفي في جلاء المرآة قطع ~~الأنفاس والأبخرة، كذلك لا يكفي في جلاء القلب من ظلمات المعاصي ~~وكدوراتها مجرد تركها وعدم العود إليها. بل يجب محو آثار تلك الظلمات ~~بأنوار الطاعات، فإنه كما يرتفع إلى القلب من كل معصية ظلمة وكدورة، ~~كذلك يرتفع إليه من كل طاعة نور وضياء. # والأولى محو ظلمة كل معصية بنور طاعة يضادها، بأن ينظر التائب إلى ~~سيئاته مفصلة، ويطلب لكل سيئة منها حسنة تقابلها، فيأتي بتلك الحسنة ~~على قدر ما أتى بتلك السيئة، فيكفر استماع الملاهي مثلا باستماع ~~القرآن والحديث، ومس خط المصحف جنبا باكرامه، وكثرة تقبيله، ~~وتلاوته، والمكث في المسجد جنبا بالاعتكاف فيه وأمثال ذلك. وكذا في ~~حقوق الناس كما يعالج الطبيب الأمراض بأضدادها. # فصل # ومن المسائل في باب التوبة أنها هل تصح عن بعض الذنوب، أم ms0702 لا إلا عن ~~الجميع؟ # واعلم أن هذا مما اختلفت أقوال العلماء فيه، فقال كثير من العلماء ~~منهم المحقق الطوسي في التجريد: " إن هذه التوبة غير صحيحة ". وقال ~~الآخرون: " إنها صحيحة ". # وقال صاحب الاحياء: " إن المقام لا بد فيه من تفصيل، ولا يجوز اطلاق ~~الصحة مجملة في شيء من الطرفين، بل نقول - لمن قال: " لا تصح " -: إن ~~عنيت به أن تركه بعض الذنوب لا يفيد أصلا، بل وجوده كعدمه. فهذا ~~خطأ بلا شبهة، فإنا نعلم أن كثرة الذنوب سبب لكثرة العقاب، ~~وقلتها سبب لقلته. # ونقول - لمن قال: " إنها تصح " -: إن أردت أن التوبة عن بعض الذنوب ~~توجب قبولا يوصل إلى النجاة والفوز، فهذا أيضا خطأ. بل استحقاق النجاة ~~والفوز يكون بترك الجميع. # هذا حكم الظاهر ولسنا نتكلم في خفايا أسرار عفو الله. # اعلم أن القائل بأن " التوبة عن البعض غير صحيحة " حجته أن ~~التوبة عبارة عن الندم عن المعصية لقبحها - لا لشيء آخر - وإلا لما ~~كانت توبة، والقبح مشترك بين جميع المعاصي، فمن توجع وندم عن السرقة ~~لكونها معصية - لا لخصوص كونها سرقة - استحال أن يندم عليه دون الزنا، ~~لأن العلة شاملة لهما. إذ من يتوجع على قتل ولده بالسيف، يتوجع ~~على قتله بالسكين، لأن توجعه بفوات محبوبه - سواء كان بالسيف أو ~~السكين - فكذلك المعاصي توجب للعبد فوات محبوبه، والندم إنما يكون على ~~فعل ما يوجب فوات محبوبه من حيث إنه قبيح. فلا معنى للتندم على بعض ~~المعاصي دون بعض، لاشتراكها في كونها حجابا بين العبد ومقصوده. # هذا ما ذكروه وهو بظاهره موجه، إلا أن فيه تفصيلا ينكشف به ~~الغطاء. فنقول: إن الأشياء قد تشترك في معنى واحد يتحقق ذلك المعنى ~~فيها على وجه الكمال والنقص، والقوة والضعف، فيكون في بعضها أعظم وأشد، ~~وفي بعضها أصغر وأضعف. ومن هذا القبيل المعاصي والذنوب، فإن الجميع ~~مشتركة في معنى واحد - هو القبح أو الظلمة أو الحجاب - لكن بعضها أكبر ~~قبحا وظلمة وحجابا، وبعضها أصغر. # فإذا تقرر هذا فنقول: التوبة عن بعض الذنوب إما ms0703 أن تكون عن الكبائر ~~دون الصغائر، أو عن الصغائر دون الكبائر، أو عن كبيرة دون كبيرة. # أما الأول: فممكن. لأنا نعلم أن الكبائر أعظم عند الله وأجلب لسخط ~~الله ومقته، والصغائر أقرب إلى العفو عنها، فلا يستحيل أن يتوب عن ~~الأعظم ويتندم عليه بحسب استعظامه، وكونه مبعدا عن الله. وهذا مما ثبت ~~وجوده في الشرع، فقد كثر التائبون في الأعصار، ولم يكن واحد منهم ~~معصوما. فلا تستدعي العصمة. والطبيب قد يحذر المريض العسل تحذيرا ~~شديدا، ويحذره السكر تحذيرا أخف منه على وجه يشعر بأنه ربما لا ~~يظهر ضرر السكر أصلا. فيتوب المريض بقوله من العسل دون السكر. فهذا ~~غير محال وجوده. # الثاني: أن يتوب عن بعض الكبائر دون بعض، وهذا أيضا ممكن لاعتقاد أن ~~بعض الكبائر أشد وأغلظ عند الله، كالذي يتوب عن القتل، والنهب، والظلم، ~~ومظالم الناس، لعلمه بأن حقوق الناس لا تترك، وما بين الله وبينه يسارع ~~العفو إليه. وكذلك قد يتوب عن بعض الكبائر التي لا تتعلق بالعباد دون ~~بعض لكونها متفاوتة في أنفسها، وفي اعتقاد مرتكبها. # الثالث: أن يتوب عن صغيرة أو صغائر، وهو مصر على كبيرة يعلم أنها ~~كبيرة - كالذي يتوب عن الغيبة، وعن النظر إلى غير المحرم، وما يجري ~~مجراه، وهو مصر على شرب الخمر - فهذا أيضا ممكن. # ووجه امكانه أنه ما من مؤمن إلا وهو خائف على معاصيه ونادم على فعله ~~- ندما قويا، أو ضعيفا - ولكن يكون لذة نفسه في تلك المعصية أقوى من ~~ألم الخوف منه لأسباب توجب ضعف الخوف - من الجهل والغفلة وأسباب قوة ~~الشهوة - فيكون الندم موجودا، ولكن لا يكون مليا بتحريك العزم، ولا ~~قويا عليه، فإن سلم عن شهوة أقوى منه، بأن لم يعارضه إلا ما هو أضعف ~~قهر الخوف الشهوة وغلبها وأوجب ترك المعصية. # وقد تشتد ضراوة الفاسق بالخمر فلا يقدر على الصبر عنه، لعدم مقاومة ~~خوفه ضراوته، لضعف الخوف وقوة الضراوة. ويكون له ضراوة بالغيبة، ~~واستماع الملاهي، والنظر إلى الغير المحرم، وخوفه من الله قد بلغ ~~مبلغا ms0704 يقاوم هذه الشهوة الضعيفة ويقمعها، ولا يقاوم شهوة أقوى من هذه ~~الشهوة، كشهوة شرب الخمر. # بل لهذا الفاسق أن يقول: " إن غلبني الشيطان بواسطة غلبة هذه الشهوة ~~القوية فلا ينبغي أن أخلع العذار وأرخي العنان بالكلية، بل أجاهده في ~~بعض المعاصي، فعساني أغلب عليه فيكون قهري له في البعض كفارة لبعض ~~ذنوبي ". # ولو لم يتصور هذا لما صح من الفاسق أن يصلي ويصوم. وقيل له: " إن ~~كانت صلاتك لغير الله فلا تصح، وإن كانت لله فاترك الفسق لله. فإن أمر ~~الله فيه واحد، فلا يتصور أن تقصد بصلاتك التقرب إلى الله ما لم تقترن ~~بترك الفسق " وهذا باطل، بل له أن يقول: " إن لله علي أمرين، ولي على ~~المخالفة عقوبتان، وأنا ملي في أحدهما بقهر الشيطان عاجز عنه في الآخر، ~~فاقهره فيما أقدر عليه، وأرجو بمجاهدتي فيه أن يكفر عني ما عجزت ~~عنه بفرط شهوتي " فكيف لا يتصور هذا. وهو حال كل مسلم. إذ لا مسلم إلا ~~وهو جامع بين طاعة الله ومعصيته. ولا سبب له إلا هذا. # وإذا فهم هذا فهم أن غلبة الخوف على الشهوة في بعض الذنوب ممكن ~~وجوده، والخوف إن كان من فعل ماض أورث الندم، والندم يورث العزم. وقد ~~قال (صلى الله عليه وآله): # " الندم توبة " # ولم يشترط الندم عن كل ذنب. وقال (صلى الله عليه وآله): # " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " # ولم يقل: التائب من الذنوب كلها. # وبهذه المعاني تبين سقوط قول القائل: إن التوبة عن أفراد الذنوب إذا ~~كانت متماثلة في حق الشهوة، وفي حق التعرض لسخط الله غير ممكنة. نعم، ~~يجوز أن يتوب على الكثير دون القليل، لأن لكثرة المعصية تأثيرا في كثرة ~~العقوبة. # فصل # إن في هذه الآية حثا على التوبة، وتنبيها على أن العبد لا بد وأن ~~يكون دائم الرجوع والانابة إلى الله تعالى، كما أنه دائم المغفرة ~~والرحمة، وأنه ما من درجة في الخير والسعادة تحصل للعبد إلا وينبغي ~~له أن يتوب عنها بتحصيل درجة فوقها لذاته، ms0705 فإن الإنسان جوهر متجدد ~~الذت، له في كل وقت حجاب من هويته. وقد قيل: " وجودك ذنب لا يقاس به ~~ذنب " فيجب له في كل وقت توبة عن ذنب وجوده، واستغفار عن غشاوة ~~هويته. # قال بعض الحكماء: " إن لك منه غطاء فضلا عن لباسك من البدن فاجهد أن ~~ترفع الحجاب وتتجرد، فحينئذ تلحق فلا تسأل عما تباشره ". # وقال أيضا: " انفذ إلى الأحدية تدهش إلى الأبد. وإذا سألت عنها فهي ~~قريب، وذلك لأن مراتب القرب إلى الله غير متناهية، لعدم تناهي ~~التجليات الأسمائية الصفاتية، والشؤونات الإلهية، ولكونه تعالى وراء ~~ما لا يتناهى بما لا يتناهى، شدة، وقوة، وهو مع ذلك العلو، والرفعة ~~والورائية رجاع إلى عبده، تواب رحيم عليه، قريب إليه يسمع نداءه، ~~ويجيب دعاءه، ويقضي حاجاته، ويقول: # إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان # [البقرة:186] وينزل كل ليلة في الثلث الأخير منه إلى سماء الدنيا، ~~فيقول: " هل من داع؟ هل من مستغفر؟ ". # ويروى أن في بني إسرائيل شاب عبد الله عشرين سنة، ثم عصاه عشرين ~~سنة، ثم نظر في المرآة فرأى الشيب في لحيته، فساءه ذلك. فقال: " إلهي ~~أطعتك عشرين سنة، ثم عصيتك عشرين سنة، فإن رجعت إليك أتقبلني؟ " ~~فسمع قائلا يقول - وهو لا يرى شخصا -: " أحببتنا فأحببناك. وتركتنا ~~فتركناك. وعصيتنا فأمهلناك وإن رجعت إلينا قبلناك ". # وقال ذو النون المصري: " إن لله عبادا نصبوا أشجار الخطايا نصب ~~روامق قلوبهم، وسقوها بماء التوبة فأثمرت ندما وحزنا، فجنوا من غير ~~جنون، وتبلدوا من غير عي ولا بكم، وإنهم لهم البلغاء الفصحاء، ~~العارفون بالله ورسوله، ثم شربوا بكأس الصفاء فورثوا الصبر على البلاء، ~~ثم تولهت قلوبهم في الملكوت، وجالت فكرهم بين سرايا حجب الجبروت، ~~واستظلوا تحت رواق الندم، وقرءوا صحيفة الخطايا، فأورثوا أنفسهم الجزع، ~~حتى وصلوا إلى علو الزهد بسلم الورع، فاستعذبوا مرارة الترك ~~للدنيا،واستلانوا خشونة المضجع، حتى ظفروا بحبل النجاة وعروة السلامة، ~~وسرحت أرواحهم في العلا، حتى أناخوا في رياض النعيم، وخاضوا في بحر ~~الحياة، وعبروا جسور الهوى، وردموا ms0706 خنادق الجزع، حتى نزلوا بفناء ~~العلم، واستقوا من غدير الحكمة، وركبوا سفينة الفطنة، وأقلعوا بريح ~~النجاة في بحر السلامة، حتى وصلوا إلى رياض الراحة ومعدن العز ~~والكرامة ". # وقال بعض الفضلاء في وصف السالكين إلى الله، الراجعين إلى حضرة الجبروت ~~كلمات مسجعة تشير إلى مقاماتهم وأحوالهم، وهي هذه: " لما جاءتهم عناية ~~الفضل تركوا الفضول، وسافروا إلى منازل الوصول، وركب السادات على خيل ~~السعادات، واستعانوا في سفرهم على سلوك الطريق بزاد التقوى، المعجون بماء ~~التوفيق، وراضوا خيلهم في رياض الرياضة، وضمروها، وألجموها بلجام منع ~~الالتفات إلى غير مولاها، وزجروها وضربوها بسيوط الخوف، وحركوها ~~بإعمال أعمال السوق، وركضوها إلى غاية المنى في ميدان الشوق، وذبحوا ~~نفوس الهوى بسيوف المخالفة، وطعنوا فرسان الطبع برماح ترك العادات ~~السالفة، وطهروها بماء الدموع الطهور لنجاسات الذنوب، والعيوب، وسائر ~~الشرور، حتى صحت لهم العبادة المفتقرة إلى الطهارة كالصلاة، وداووا ~~قلوبهم من أمراض حب الدنيا والجاه، وأحرقوا أشجار خشبها بنار حزن ~~القلب الأواه، وأحيوا ميتها بذكر الله. # واعجبا منا كيف نعرف تلك المواهب والأحوال ولا نتداوى من الداء العضال ~~الذي بيننا وبينها حال. لقد عجزنا وملنا إلى الهوى والف العادة، لم ~~نخرج عن الرغبات والطباع التي خرجت عنها السادة، ولم نتعظ بوعظ لسوء ~~حظ لم تساعدنا السعادة " انتهى كلامه. # أقول: بقي في هذا الزمان من هذه المعاني حكاياتها، ومن حقائق العلم ~~واليقين ألفاظها وعباراتها، بقي أقوال بلا أعمال، وأشخاص كالتماثيل ~~بلا روح العلوم والأحوال. # وسئل عابد حين يبكي: " ما يبكي العابد؟ " فقال: " ما لي لا أبكي، وقد ~~توعرت الطريق، وقل السالكون فيها. وهجرت الأفعال، وقل الراغبون فيها ~~وأهل الحق. ودرس هذا الأمر، ولا أراه إلا في لسان كل بطال ينطق ~~بالحكمة ويفارق الأعمال وقد افترش الرخصة وتمهد التاويل، واعتل بزلل ~~العاصين ". ثم جعل يقول: " واغماه من فتنة العلماء! واكرباه من حيرة ~~الأدلاء! أين الأبرار من العلماء؟ بل أين الأخيار من الزهاد؟ ". ### || [2.38-39] # لا بد في تكرار الأمر بالهبوط من نكتة فذكروا في ذلك وجهين: # أحدهما: قول الجبائي، وهو إن ms0707 الهبوط الأول غير الثاني، فالأول كان من ~~الجنة إلى سماء الدنيا، والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض. # الوجه الثاني: إن التكرار للتأكيد. # واعترض الإمام الرازي على أول الوجهين من وجهين: # أحدهما: إنه قال في الهبوط الأول: # ولكم في الأرض مستقر # [البقرة:36]. فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ~~ذكره عقيب الأمر بالثاني أولى. # وثانيهما: إن ضمير { اهبطوا منها } عائد إلى الجنة: وذلك يقتضي ~~كون الهبوط الثاني من الجنة. # أقول: للمناقشة في كلا البحثين مجال: # أما الأول: فإن الاستقرار المذكور وإن لم يحصل إلا بعد الهبوط ~~الثاني، لكن يجوز ذكره سابقا عليه لفوائد أخرى كالتشديد، والمبالغة في ~~الاخراج، كمن يقول لأحد يريد اخراجه من داره " أخرج فإنك لا تليق ~~بهذه الدار، ومكانك ينبغي أن يكون في بلاد الهند ". # ويؤيد قول الجبائي ما ورد في حكاية آدم وخروجه من الجنة أنه " لما ~~أمر بالخروج أتى إلى باب الجنة ليخرج منها، فلما أراد أن يضع قدمه ~~خارجا قال { بسم الله الرحمن الرحيم } فلما سمع جبرائيل منه ~~أوقفه انتظارا للرحمة، فقال " إلهي ارحم عليه، فقد ذكر كلمة عظيمة " ~~فأعاد الله الأمر بالهبوط، ونبه على أن له في هذا الأمر رحمة آجلة ~~أعظم وأوسع من هذه الرحمة العاجلة " فالقصة دالة على أنه وقع لآدم ~~وقفة في سور الجنة المضروب بينها وبين سماء الدنيا. # والمراد من السماء الدنيا على طريقة التوصيف مجموع عالم السماء، لأنها ~~بالقياس إلى الجنة دانية، فالأمر بالهبوط الثاني كان متعلقا بنزول آدم ~~من السماء إلى الأرض بعد خروجه من الجنة بالأمر الأول إلى بابها الذي ~~هو في عالم السماء. # وأما الثاني: فعود الضمير إلى الجنة إنما وقع لأن ابتداء الهبوط ~~كان منها، وليس قوله { منها } داخلا في المأمور به. # ثم قال: " وعندي وجه ثالث أقوى من الوجهين، وهو أن آدم وحواء لما ~~أتيا بالزلة أمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر بالهبوط. فأعاد الله الأمر ~~بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب ~~الزلة حتى يزول بزوالها، ms0708 بل هو باق بعد التوبة، لأن الأمر بالهبوط كان ~~تحقيقا للوعد المتقدم في قوله: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة:30]. # وقيل: سبب التكرار اختلاف المقصود في الأمرين. فإن الأول: دل على أن ~~هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني: أشعر بأنهم ~~أهبطوا للتكليف فمن اهتدى نجا، ومن ضل هلك، كما يقال: " اذهب سالما ~~معافيا، اذهب مصاحبا " وإن كان الذهاب واحدا لاختلاف الحالين. # وهاهنا وجه آخر، وهو أنه يحتمل أن يكون الهبوط الأول إلى البدن، ~~والهبوط الثاني إلى الدنيا. ومنشأ الأول حاجة النفس لتكميلها إلى ~~قواها، ودواعيها، كالشهوة، والغضب التي في البدن، ومنشأ الثاني حاجتها ~~بواسطة تكميل البدن ومنافعه ومضاره إلى الأمور الخارجة عنه. # ومما روي في الأخبار والحكايات: أن آدم (عليه السلام) أهبط بالهند ~~وحواء بجدة، وإبليس بموضع من البصرة، والحية باصبهان. # إشارة قرآنية # كراهية الإنسان للهبوط ثم للعروج # ثم إن في الآية اشعارا لطيفا بأعجب أحوال الإنسان، فإن من عجيب ~~أحواله أن مفارقته عالم القدس والرحمة، وبعده عن درجة المقربين، ~~وهبوطه إلى دار الدنيا، كان صعبا عليه في أول الأمر بمقتضى صفائه ~~الذاتي، وفطرته الأصلي، ولم يرض بالكون في هذا العالم بل استكرهه ~~واستوحشه، حتى صدر الأمر بهبوطه مرة بعد أولى، ثم إذا وقع في هذه ~~الدار - دار الغربة والوحشة - ومضت عليه برهة من الزمان، نسي موطنه ~~الأصلي، وداره، وأحباءه الذين صحبهم فيها، وألف هذا المنزل وتثبط ~~فيه، وكره الخروج منه، واستأنس بأهل الدنيا، واستصعب مفارقتهم. # وللشيخ أبي علي بن سينا قصيدة يومئ إلى هذا المعنى وإلى بعض أحوال ~~النفس من تجردها وتعلقها، هذه بعض أبياتها قال: # هبطت إليك من المحل الأرفع # ورقاء ذات تعزز وتمنع # محجوبة عن كل مقلة عارف # وهي التي سفرت ولم تتبرقع # وصلت على كره إليك وربما # كرهت فراقك وهي ذات تفجع # أنفت وما سكنت فلما واصلت # كرهت مفارقة الخراب البلقع # وأظنها نسيت عهودا بالحمى # ومنازلا بفراقها لم تقنع # و " المحل الأرفع ". هو العالم الأعلى النوري المجرد بالكلية عن ~~ملابسة الأجساد، وهو أرفع ms0709 درجة ومكانة من عالم الجنان، لأن الجنة ~~جسمانية، وعالم النور المحض مجرد عقلي. # وقد سبق أن النفس الآدمية كان معدنها الأصلي أولا عالم العلم ~~الإلهي، والقضاء الرباني حيث كان مقدرا في علمه تعالى، أنه جاعل في ~~الأرض خليفة، والعلم بالشيء هو نحو من وجود ذلك الشيء، ثم نشأت بقدرته ~~تعالى في عالم الأرواح العقلية حينما صارت منفوخا فيها روح الله، ~~ومسجودا لملائكته، ثم سكنت بأمر الله في الجنة، وتناولت من ثمارها ~~وأشجارها، ثم هبطت بعد ذلك إلى القالب، وبالقالب إلى هذا العالم. # و " الورقاء " حمامة خضراء يشبه لونها لون السماء. شبه النفس ~~الإنسانية بالورقاء لكثرة استئناسها بصورة الإنسان، وشدة ميلها بالعود ~~إلى المحل المعتاد الذي يتحقق به المعاد، وأصل التشبيه لها بالطير ~~مطلقا لصفة تجردها عن البدن، وهو بمنزلة القفص للطير، والمشابهة لصفة ~~الطيران. وإنما شبهت بالطائر الأخضر اشعارا بأنها من عالم السماء ~~وقد ورد في الحديث: # " إن الأرواح بعد البدن تكون في قوالب طيور خضر " # وورد أيضا في الحديث: # " إنها في قناديل معلقة تحت العرش ". # ويمكن أن يكون المراد بالأرواح ما هو أرفع من النفوس، وهي العقول. ~~والمراد من الطيور الخضر النفوس التي في عالم البرزخ، ومن القناديل ~~المعلقة تحت العرش ما هي بمنزلة الأبدان هناك، وهي المثل المعلقة في ~~عالم الأشباح المثالية. # و " الكاف " في قوله: " إليك " إن أريد بها نفسك، فالمراد من " الورقاء ~~" الروح. ومن " المحل الأرفع " عالم القدس العقلي، وإن أريد بها بدنك، ~~فالورقاء هي النفس، والمحل الأرفع هو عالم الجنة، والثاني أنسب بما ~~بعده. # و " السفر " في قوله: " سفرت " كشف الوجه. و " التبرقع " ستره. ~~وتقديم لفظ " الكل " عليها لرعاية الوزن. والمراد منه: أن النفس ~~لتجردها محجوبة، متبرقعة عن الأبصار، ولنوريتها واسفرار وجهها ~~مكشوفة، على البصائر و " هي ذات تفجع " أي: ذات جزع وفزع. # و " البلقع " أي: الخالي. والمراد به عالم الأجسام، لخلوها في نفسها ~~عن الصور والهيآت، لأنها فائضة عليها من عالم العقل والنفس. أو البدن ~~فإنه من حيث هو خراب خال عن القوى الروحانية، ms0710 والنفسانية. # وحاصل القول: أن العناية الإلهية قد جرت في الأزل وتعلقت بهبوط ~~النفس الإنسانية من عالم الأرفع النوري إلى الهيكل المزاجي الانسي، ~~بواسطة وجود الاعتدال فيه، الذي هو ضرب من الوحدة الحقيقية وظل منها. # فنزلت النفس من جو الفضاء العقلي، والمصعد الأعلى السماوي إلى مستوكر ~~البدن الظلماني على سبيل الكراهة والصعوبة، لأن مفارقة الوطن الأصلي - ~~سيما عالم القدس النوري - تكون صعبة، ومجاورة الأضداد والأعداء أصعب ~~منها. لكن بحكم التقدير الأزلي والقضاء الإلهي - حيث لا مرد لقضائه ولا ~~مانع لحكمه - فارقت العالم الأعلى كرها وتعلقت بالمستوكر الأدنى ~~جبرا وقهرا. وانفصلت عن الطهارات والتقدسات الروحية النورية، ~~وتعلقت بالأدناس، والألواث البدنية، والقاذورات الطبيعية وهبطت في ~~مقر السعير الظلماني، ومهوى الحضيض الجسماني، والجحيم النفساني، مقيدة ~~بالسلاسل والأغلال في سجون التعلقات، أسيرة بأيدي الشياطين والأغوال ~~لشجون الأوهام والخيالات، محترقة بنيران الشهوات، ملسوعة بسموم العقارب ~~والحيات. # فلما قيدت كالحمامة بشبكة البدن وحبوب القوى، أنست بها بعد ما ~~كرهتها وألفت بها بعدما أنفت، ونسيت عالمها بعد ما ذكرت، كما قال ~~تعالى: # فنسي ولم نجد له عزما # [طه:115]. وقوله: # نسوا الذكر # [الفرقان:18]. وقوله: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة:67]. ورضيت بهذه الحياة الدنيا واطمئنت بها ويئست من الآخرة، ~~وأخلدت إلى الأرض، واتبعت هواها، كما قال تعالى: # إن الذين لا يرجون لقآءنا ورضوا بالحياة ~~الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا ~~غافلون # [يونس:7]. وقال: # يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب ~~القبور # [الممتحنة:13]. # فلما جهل أبناء الدنيا عن أحوال الآخرة ومقاماتها، اشتغلوا عند ذلك ~~بطلب الدنيا، ونعيمها، ولذاتها، وشهواتها، وتمنوا الخلود فيها، لأنها ~~محسوسة لهم يشاهدونها بحواسهم - وتلك الدار ونعيمها ولذاتها ومشتهياتها ~~غائبة عنهم وعن ادراك حواسهم - فتركوا البحث عنها، والرغبة فيها، والطلب ~~لها، والسعي إلى ذكر الله وذكر الآخرة، فلا جرم احتاجت عند ذلك نفوسهم ~~إلى من يذكرها العهد القديم، ويجدد عليها الذكر الحكيم، ويشوقها إلى ~~ما عند الله، ويسوقها من دار الدنيا إلى الدار الآخرة. # فالرحمة الإلهية أجادت بإرسال الرسل إليها، وإنزال الكتب عليها، فمنهم ~~من آمن لبقاء ms0711 نور الفطرة في قلبه، ومنهم من صد عنه لانطماس نور فطرته ~~ومسخه، وتراكم الظلمة على قلبه، واسوداده بالمعاصي، ولذلك قال: { ~~فإما يأتينكم مني هدى } الآيتين. # فصل # سر الاتيان هنا بحرف الشك # " إن " للشرط، و " ما " مزيدة أكدت بها إن، ولهذا حسن تأكيد الفعل ~~بالنون وإن لم يكن فيه معنى الطلب، وجواب الشرط الأول الشرط الثاني مع ~~جوابه، كقولك: " إن جئتني، فإن قدرت أحسنت إليك " والمعنى: " إن ~~يأتينكم مني هدى بإنزال أو إرسال فمن تبعه منكم نجا من قيد ~~الدنيا وعذاب الآخرة في الجحيم، وفاز بالجنة والنعيم، ومن كفر وكذب ~~بالهدى والآيات فهو من أهل النار والعذاب الدائم، فقوله: { والذين ~~كفروا وكذبوا } - إلى آخره - عطف على الجملة السابقة قسيم ~~لها، فالمجموع بمنزلة قضية شرطية متصلة، تاليها بمنزلة منفصلة مانعة ~~الجمع، مركبة من شرطيتين متصلتين. # وإنما وقع الكلام بحرف الشك والتردد، والحال أن اتيان الهدى إلى ~~كافة الناس كائن لا محالة، لأن ذلك أمر غير واجب لا لما ذهبت إليه ~~الأشاعرة من نفي الوجوب والايجاب العقليين بل لدقيقة علمية هي أن ~~أسباب الأكوان وغاياتها بعضها علل ذاتية، وبعضها علل غير ذاتية لتلك ~~الأكوان، ويقال للقسم الثاني: " العلل الاتفاقية " فكل ما لزم من الصفات ~~والأفعال للأنواع في أوائل طبيعتها الأصلية، وبحسب كمالها الأول فهو ~~ناشئ من الأسباب الذاتية، وكل ما لحقها في فطرتها الثانية وبحسب ~~كمالها الثاني، فهو من الأسباب الاتفاقية كاستعداد مادة، أو مصادفة ~~حالة غريبة، أو معاونة أمر مبائن. # إذا تقرر هذا فنقول: إن الإنزال والإرسال، والترغيب والترهيب، ~~والموعد والوعيد، كلها أمور غريبة طارية على أفراد الإنسان، ليست ~~ناشئة من عللها الذاتية المقتضية لأصل ذاتها ووجودها، وإلا لما انفك ~~منها واحد من أفراد الناس. نعم هي تفضلات واحسانات من قبل الله إلينا، ~~بعد وجود المبادئ والأسباب الذاتية، وإن كان الكل من فضله وجوده، وهي ~~نافلة لوجوده، لكن الكلام بعد تحقق العلل الضرورية، وإن كانت ~~الاتفاقيات أيضا منجرة إلى أمور ضرورية، لكونها مستندة إلى ما في ~~علم الله وعالم قضائه الحتمي. # ولكن ms0712 السبب الذاتي لشيء قد يكون غريبا لشيء آخر وكذا الشيء قد يكون ~~بالنسبة إلى أسبابه القريبة اتفاقيا، وبالقياس إلى البعيدة لزوميا - ~~كما مر في مسألة اختيار العبد - وإذا كان الأمر غير ضروري حسن الاتيان ~~به بلفظ دال على الامكان والشك، فإن الشك في التصور بازاء الامكان في ~~الوجود. # ومن هذا يعلم أن لا يقين في الحوادث والمتغيرات إلا من جهة العلم ~~بأسبابها الذاتية الضرورية، ولهذا قالت الحكماء: " العلم بذي السبب ~~لا يحصل إلا من جهة العلم بسببه ". # وقال صاحب الكشاف في وجه المجيء بكلمة الشك: " إنه للايذان بأن ~~الإيمان بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثة الرسل، وإنزال الكتب، وأنه إن ~~لم يبعث رسولا ولم ينزل كتابا كان الإيمان به وتوحيده واجبا بما ركب ~~فيهم من العقول، ونصب لهم من الأدلة، ومكنهم من النظر والاستدلال ". # أقول: ما ذكره يوجب تخصيص الهدى والإرسال والإنزال، وهو تخصيص بغير ~~دليل، لأن المراد منه كما ذكره بعضهم كل دلالة وبيان، فيدخل فيه غرائز ~~العقول وقيام الأدلة، والقدرة على النظر والاستدلال، وكل كلام نزل على ~~كل نبي. # فصل # إعلم أن الآية تدل على أمور: # الأول: التنبيه على جليل عناية الله وعظيم رحمته في حق آدم وذريته. إذ ~~كأنه يقول: " إني وإن أهبطتكم إلى الأرض، وأوقعتكم إلى الدنيا من ~~المنازل العالية فقد، عظمت عليكم الرحمة، وأنعمت عليكم بما يؤديكم ~~مرة أخرى إلى الجنة على وجه أتم وأدوم زمانا، وأكثر عددا، لأن آدم ~~وحواء لو لم يهبطا إلى الأرض، وبقيا في الجنة ابتداء من غير ابتلاء، ~~لكان كثير غير محصور من الكمالات، والخيرات فيهما في حد القوة، من ~~غير أن يخرج إلى الفعل - مع امكان الخروج - ولم يدخل معهما في الجنة ~~أعداد نفوس غير محصورة من أولادهما، فعلم أن خروجهما من الجنة متضمن ~~لخيرات كثيرة، ونعم جليلة لهما ولذرياتهما. # الثاني: إنه تعالى بين أن من اتبع هداه بحقه علما وعملا - ~~بالاقدام على ما يلزم، والاحجام عما يحرم - فإنه يبلغ إلى منزلة لا ~~يعتريه فيها خوف من المآل، ولا ms0713 حزن في الحال. وهذا متضمن لجميع ما ~~أعد الله لأوليائه، لأن زوال الخوف يتضمن السلامة من جميع الآفات، ~~وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات. # لا يقال: هذا يستلزم أن يتساوى جميع أهل الهداية في السعادات، ولا ~~يتفاوت فيها بين الأنبياء والأمم. # لأنا نقول: كل واحد من أهل السعادة ينال جميع ما يستلذه، ويسلم من ~~جميع ما يستكرهه، وهم مع ذلك متفاوتون في السعادات، لتفاوتهم في الشهوات ~~وتفاوت ادراكاتهم للخيرات، وكل ينال بقدر قوة وجوده وعلمه سعادة تليق ~~بحاله وكماله. # الثالث: الآية تدل على أن المؤمن المتبع للهدى، المعرض عن آفة ~~الهوى لا يلحقه خوف أصلا لا في القبر، ولا عند البعث، ولا عند حضور ~~الموقف، ولا عند تطاير الكتب، ولا عند نصب الموازين، ولا عند الصراط، ~~كما قال سبحانه: # لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة ~~هذا يومكم الذي كنتم توعدون # [الأنبياء:103]. # ومنهم من استدل بعموم قوله: # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت # [الحج:2]. وسائر العمومات الواقعة في أحوال القيامة وشدائدها، على أن ~~أهوالها كما تصل إلى الكفار والفجار كذلك تصل إلى المؤمنين والأخيار. # والجواب: إن قوله: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء:103] خاص، وقوله: # يوم ترونها # [الحج:2] وأمثاله عام، والخاص مقدم على العام عند التعارض. # والرابع: إن الهدى قد يثبت ولا اهتداء، لأن الأول فعل الله وسنته، ~~ولا تبديل لسنة الله. والثاني فعل العبد، وهو في معرض التجدد ~~والانفكاك. فلذلك قال: { فمن تبع هداي }. # والخامس: بطلان القول بأن المعارف ضرورية. # السادس: ابطال التقليد فيها، لأن الآية دلت على أن الخلاص من الخوف ~~والحزن إنما يترتب على اتباع الهدى، والمقلد لا يصدق عليه أنه ~~اتبع الهدى، لأن ذلك يتوقف على البصيرة في المقلد. # السابع: إن بمجرد اتباع الهدى يحصل استحقاق الجنة، لأن قلب ~~الانسان في نفسه لطهارته الأصلية صالح للوصول إلى عالم الجنان، وإنما ~~عاقته عن ذلك كدورة الظلمات، والجهالات، وثقل الأوزار، والتعلقات، ~~وباتباع الهدى عاد إلى فطرته الأصلية مع زيادة نور العلم والعبادة، ~~فيستحق الجنة أتم استحقاق. # وقرئ ms0714 " هدي " على لغة هذيل - بقلب الألف ياء - وقرأ يعقوب { فلا ~~خوف عليهم } بنصب الفاء في جميع القرآن. والباقون بالرفع ~~والتنوين. # فصل # { والذين كفروا وكذبوا } الآية # قد جعل الله الكفر والتكذيب بالآيات في مقابلة الاتباع للهدى، وعلم ~~أن المراد من الهدى الآيات، وجعل الكفار والمكذبين قسيما للمؤمنين ~~المتبعين للآيات، فأوعد هؤلاء بالعذاب الدائم، والخلود في النار كما ~~وعد أولئك بالأمن من العذاب والحزن. # و " الآية " في اللغة العلامة. ومنه قوله تعالى: # عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك # [المائدة:114]. أي: علامة لاجابتك دعاءنا، ويقال للمصنوعات من حيث ~~دلالاتها على وجود الصانع وعلمه وقدرته، ولكل بعض من كتاب الله ~~المتميز بفصل عنه غيره لدلالته على معرفة من معارف الله. # وهي مشتقة من " أي " لأنها تبين أيا من أي، أو من " أوى إليه " ~~واصلها " أية " أو " أوية " كتمرة، فأبدلت عنها على غير قياس أو " ~~أيية " أو " أوية " كرمكة فأعلت أو " آيية " كقائلة. فحذفت ~~الهمزة كذا في البيضاوي. # والمراد من الآيات: المنزلة - كالكتب والرسل - أو ما يعمها ~~والمعقولة. وعند التحقيق مرجعهما واحد، لأن معاني الكتب عين البراهين ~~العقلية، وذوات الرسل عين مبادئها التي هي عقول بالفعل. والكل شواهد ~~الجمال، وآيات العظمة والجلال، والاعراض عن معرفتها، وعن الاهتداء بها ~~يوجب العذاب والنكال، والسقوط عن درجة الكمال، والانحطاط إلى مهوى ~~الأرذال، ومهبط النزال. # وأما الكلام في أن العذاب هل يحسن من الله، أم لا؟ وبتقدير حسنه: هل ~~يحسن على الدوام، أم لا؟ فقد مر ذكره في تفسير قوله: # ختم الله على قلوبهم # [البقرة:7]. # واعلم أن الله سبحانه بين حال طائفتين من طوائف الناس بحسب ~~العاقبة، لكون كل منهما في طرف التضاد في الآخر إحداهما: الكاملون في ~~السعادة، والأخرى: الكاملون في الشقاوة، ولم يبين حال الأوساط إما ~~لأن حالهم يستفاد من أحوال هاتين الطائفتين بوجه، وإما لأن المقام لا ~~يقتضي تفصيل مراتب الناس بحسب العاقبة، لأن الكلام مسوق هاهنا في أحوال ~~مبادئ نشأة الإنسان، وأوائل فطرته، وإنما انجر إلى ذكر نبذ من أحوال ~~النهاية تبعا وإجمالا. والتفصيل فيها موكول ms0715 إلى مواضع أخرى من القرآن، ~~مثل قوله تعالى: # وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما ~~يتوب عليهم والله عليم حكيم # [التوبة:106]. وكقوله: # وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله ~~غفور رحيم # [التوبة:102]. # والحق أن الموجب للعذاب الدائم ضرب من الكفر، وهو الذي يكون مع أهل ~~النفاق المكذبين المعاندين، حيث يتركب فيهم الجهل مع الاستكبار ~~والرسوخ فيه. # وأما الكفر بمعنى الصفة العدمية هي عدم الإيمان بالله ورسوله بواسطة ~~قصور النفس عن درجة هذا الكمال، وانحطاطها عن اكتساب هذا النور، فلا يوجب ~~ذلك إلا دوام الكون في النار، وعذابا أدنى من عذاب أهل الشرك والظلم ~~نعوذ بالله. # وهاهنا آخر الآيات الدالة على أحوال مبادئ نعم الله على الإنسان، ~~وكيفية تكونه أولا في عالم القدس والأنس، ونزوله ثانيا من أعلى ~~المراتب إلى أدنى المنازل ليستعد بذلك النزول للبلوغ إلى السعادة ~~القصوى، والمملكة العظمى في النهاية. # ويستفاد منه الدلالة على التوحيد، والنبوة، والمعاد: # أما التوحيد فمن حيث إن المبدع المنشئ له في أكمل النشأة، وأحسن ~~التقويم، والمردد له في محال الجبروت، ومنازل الملكوت، والمقلب له في ~~أطوار الخلقة، وأحوال الفطرة، قادر، حكيم، فاطر، عليم، محيط بكل ~~شيء، وله الخلق والأمر. # وأما الدلالة على النبوة فمن حيث إن محمدا (صلى الله عليه وآله) ~~أخبر عن هذه العلوم الغيبية التي عجزت عن كنه ادراكها عقول الحكماء ~~المتفكرين، وقصرت أفهامهم عن تحصيلها من ماهية الروح الإنسانية، ~~وترددها في مكامن الغيب قبل مظاهر الشهادة - من غير تعلم من أستاذ ~~بشري، بل بوحي إلهي وعلم لدني. وهؤلاء بدقة أفكارهم لم يعلموا من الروح ~~الإنساني إلا ما حدث عن مزاج البدن في الشهر الرابع من تكون النطفة في ~~الروح، ولم يعلموا من بقائها إلا استمرار وجودها على نعت واحد وجوهرية ~~واحدة، غير مطلعين على نشآتها السابقة على الكون في الرحم، ولا على تمام ~~نشآتها اللاحقة بعد الموت، وتفاصيلها كالقبر والبعث، والحشر، ~~والصراط، والحساب، والميزان، والجنة، والنار والرؤية، واللقاء. # وأما الدلالة على المعاد ms0716 فمن حيث إن القادر الذي يخلق بدايات خلقة ~~الإنسان لا بد وأن يخلق نهايات خلقه وغاياته فإن كل ما له بداية فله ~~نهاية، والإنسان لجامعية ذاته، وشموله على الطبع، والحس، والنفس، ~~والروح والسر المنفوخ، فله بحسب كل منها بدايات متتابعة، ونهايات ~~متلاحقة. وهذا بيان برهاني له شرح وتفصيل سيأتي إن شاء الله. # وأما ما قيل في اثبات المعاد في مواضع عديدة " إنه من قدر على خلق ~~هذه الأشياء ابتداء قدر على خلقها اعادة " فهو بمجرده لا يثبت وجوب ~~المعاد - بل إمكانه - إلا أن يضم إليه سائر الأدلة. ### || [2.40] # لما عمم الله تعالى جميع الخلق بالحجج الواضحة، الدلالة على ~~التوحيد، والنبوة، والمعاد، وذكرهم ما أنعم عليهم في أبيهم آدم (عليه ~~السلام)، ونبههم على مكامن خلقتهم، ومبادئ، نشأتهم عقبها بإزالة ~~شبه المنكرين، وقمع أوهام المعاندين، باقامة الحجة على طائفة ~~مخصوصين، وهم اليهود الذين كانوا بالمدينة، لأنهم أكثر الناس انكارا ~~للنبوة، كما أن كفار قريش كانوا أكثر الناس انكارا للتوحيد. وقيل: ~~الخطاب لليهود والنصارى، وهم جميعا من أهل الكتاب، المحجوبين عن الدين، ~~بل عن الحق مطلقا، واليقين. # فشرع أولا في ذكر الانعامات الخاصة على أسلاف اليهود وآبائهم، ~~تذكيرا لنعمه، وعظيم مننه عليهم، واستمالة لقلوبهم، وتنبيها على ما ~~يدل على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) من حيث اخباره عن المغيبات، ~~والأحوال الماضية، والأديان السابقة، ثم أمرهم بايفاء عهد الله من ~~الاقرار بالربوبية، والاعتراف بتمام نعمته في بعثة نبيه الخاتم ~~للرسل، وانزال كتابه الجامع للكلم، والحاوي للحكم، المفصح المعرب عن ~~كل دقيق وجليل، المصدق لما بين أيديهم من التوراة والانجيل، ليكافئهم ~~الله بإيفاء عهدهم من حسن الجزاء وسعادة المسرى، ثم حذرهم ورهبهم ~~عن التعرض لما يوجب سخطه، ويحجب عن رحمته من انكار الحق وكتمانه، ~~وتلبيسه بالباطل، أو ترويج الباطل وابرازه في صورة الحق لاتباع الهوى ~~وطلب العادلة وترك الآجلة. # فالكلام من هذه الآية إلى أوائل الجزء الثاني مسوق مع طائفة أهل الكتاب ~~ومتكلمي اليهود والنصارى، احتجاجا عليهم وإنذارا لهم على أبلغ وجه ~~وآكده. ومن ms0717 تأمل في تضاعيف ما ذكر في هذه الآيات من الإشعار بفنون نعم ~~الله العامة، والخاصة لطائفة أهل الكتاب، ثم اردافها بالترغيب البالغ ~~بقوله: # وأني فضلتكم على العالمين # [البقرة:47] مقرونا بالترهيب البالغ بقوله: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا # [البقرة:48] - إلى آخر الآية - علم أن هذا هو النهاية في حسن الترتيب ~~لمن يريد الدعوة وتحصيل الاعتقاد في قلب المستمع. # ولنرجع إلى تفسير الألفاظ: # { يابني إسرائيل }: يا أولاد يعقوب. الابن، والولد، ~~والنسل، والذرية، متقاربة المعاني، إلا أن " الابن " للذكر، و ~~" الولد " يقع على الذكر والأنثى و " النسل " و " الذرية " يقعان على ~~جميع ذلك. وأصل " ابن " من " البناء " ، وهو وضع الشيء على الشيء، ~~لأنه يبنى على الأب لأنه الأصل، والابن فرع له منسوب إليه، كما ينسب ~~المصنوع إلى صانعه. فيقال: " أبو الحرب " وكأن اطلاق الأب على العلة ~~الموجدة، والإبن على المعلول في بعض ألسنة القدماء من هذه الجهة، لأن ~~العلة الموجدة للشيء هي أصل وجوده، ووجود المعلول فرعه، فكانوا يسمون ~~المبادئ بالآباء، يقولون للباري جل مجده: " أب الآباء " أعني علة ~~العلل، لا بالمعنى الذي زاغت النصارى لأجل ذلك وصلت أفهامهم من قول ~~المسيح (عليه السلام): " إني ذاهب إلى أبي وأبيكم " أي: ربي ~~وربكم. # وإسرائيل لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - على نبينا وعليهم السلام - ~~وقيل: أصله مضاف، معناه بالعبرية: صفوة الله. أو: عبد الله. لأن " اسر ~~" معناه: عبد و " إيل " هو: الله في لغة العبرانيين، فصار مثل " عبد ~~الله " مركبا اضافيا، وكذلك جبرائيل ومكائيل. والقراءة المشهورة " ~~إسرائيل " مهموز، ممدود، مشبع الياء. وقرئ " إسرإل " بحذف الياء. و " ~~إسراييل " بقلب الهمزة ياء. و " إسرال " بحذفها و " إسرائين " بالنون. ~~قال أبو علي: " العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه ". # و " الذكر " الحفظ للشيء. وضده النسيان. والحق أن الذكر هو ~~إدراك الشيء المحفوظ أولا، ولا بد فيه من قوتين باطنيتين: الواهمة، ~~والحافظة، و " الاسترجاع " أخص منه، إذ لا بد فيه من قوى ثلاث - هما ~~والمتصرفة - فالذاكرة من الإنسان وكذا المسترجعة ليست قوة بسيطة، بل ~~قوة مركبة ms0718 من القوتين أو أزيد، فلا يلزم بسببها اثبات قوة أخرى في ~~الإنسان غير الخمس الباطنية. # وربما يطلق " الذكر " على جري لفظ الشيء على لسانك، وهو ليس بذكر ~~للشيء حقيقة، كما أن لفظ الشيء ليس وجوده، بل ذكر الشيء عبارة عن احضار ~~معناه في حضرة النفس. قال تعالى: # " أنا جليس من ذكرني " # فلو كان المراد به ذكر اللسان دون القلب يلزم أن يكون الله جليس هذا ~~الجرم المخصوص. # وأما القلب الذاكر للحق فليس المراد به هذا العضو العنصري ~~المتخصص بالوضع والأين. بل الذي أشير إليه في الحديث الإلهي: # " لا يسعني أرضي ولا سمائي، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن الوادع ". # و " الذكر " قد يكون بمعنى ما يتذكر، فيطلق على الكتاب الذي فيه ~~تفصيل الدين # إنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف:44]. فكل كتاب من كتب الأنبياء (عليهم السلام) ذكر. # و " الذكر " هو الصلاة والدعاء، وفي الأثر: " كانت الأنبياء إذا ~~حزنهم أمر فزعوا إلى الذكر " أي: إلى الصلاة. # تقول: " وفيت بعهدك وفاء " و " أوفيت " لغة تهامة. # والعهد: الأمر والوصية. # والرهبة: الخوف. وضدها الرغبة. وفي المثل: " رهبوت خير من رحموت ~~". أي: لأن ترهب خير من أن ترحم. # فصل # قوله تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } # أراد بذلك النعم التي أنعم بها على أسلافهم من تكثير الأنبياء فيهم، ~~والكتب، وانجائهم من فرعون وجنوده، ومن الغرق على أعجب الوجوه، وانزال ~~المن والسلوى عليهم، وكون الملك منهم في زمن سليمان (عليه السلام)، ~~وغير ذلك. # وعد النعمة على آبائهم نعمة عليهم، لأن الأولاد يتشرفون بفضيلة ~~الآباء. وهذا كما يقال في المفاخرة: " قتلناكم يوم الفخار، وهزمناكم ~~يوم ذي قار، وغلبناكم يوم النسار ". # وذكر النعمة بلفظ الواحد، والمراد به النعم الواصلة إليهم مما اختصوا ~~به أو اشتركوا مع آبائهم، حتى تناسلوا فصاروا من أولادهم، ومن ذلك ~~خلقه إياهم على وجه يمكنهم اكتساب المعرفة بالله، والاستدلال على ~~توحيده، والوصول إلى مكاشفة أسمائه وصفاته وملكوته وآياته، فيشكروا ~~نعمته، ويستحقوا ثوابه وجنته. # واعلم أن " النعمة " يعبر بها عن كل خير، ومنفعة، ولذة، سواء كان ~~في ms0719 الدنيا أو في الآخرة. و " الخير " هو المؤثر المختار بحسب الواقع. # و " المنفعة " ما يكون وسيلة إلى الخير بالذات، فهي تكون خيرا بالعرض، ~~و " اللذة " قد تطلق بمعنى الشهوة، وهي التي تكون مختصة بادراك ~~الحواس، كلذة البطن، والفرج، والمال، والجاه. وقد تطلق بمعنى ادراك ~~الملائم سواء كان للعقل أو الحس. والأول تكون خيرا، إلا أنها يمكن ~~أن تكون منفعة، وذلك إذا كانت على وجه يؤدي إلى الخير الحقيقي. # وكل واحد من هذه المعاني الثلاثة يمكن أن يصدق على بعض أفراد الآخرين، ~~فإن الشيء يمكن أن يكون خيرا، ولذيذا، ومنفعة، كالعلم بمسألة إلهية ~~يؤدي إلى العلم بمسألة أخرى منها، فإن العلوم الإلهية كلها خير، ~~لأنه كمال عقلي باق دائما، وكل موجود باق دائما فهو خير، وهو أيضا ~~وسيلة إلى خير آخر فيكون منفعة، وهو نفسه لذيذ عند العالم به، وإن لم ~~يكن لذيذا عند فاقد القوة التي بها تدرك المعارف الإلهية. والله ~~سبحانه أحب الأشياء عند العرفاء الأحباء، وهم أيضا أحب الأشياء عنده، ~~كما يدل عليه قوله # يحبهم ويحبونه # [المائدة:54]. وهو أبغض الأشياء عند المبعدين المنكرين وبالعكس، كما ~~في قوله (صلى الله عليه وآله): # " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ومن أنكر لقاء الله ~~أنكر الله لقاءه ". # وحد القوم " النعمة " بأنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى ~~الغير، أما كونها منفعة فلأن المضرة المحضة لا يجوز أن يعد نعمة، ~~وأما التقييد بكونها مفعولة على جهة الإحسان: فلأنه لو كان نفعا ولكن ~~لم يقصد الفاعل نفعه - بل ضره - لم يكن نعمة عليه، كمن أحسن إلى أحد ~~وأراد به اختداعه أو استدراجه إلى ضرر. # إذا عرفت هذا فاعلم أن جميع ما خلقه الله لعباده فهو نعمة منه، لأنه لا ~~يخلو عن أمرين: إما خير، وإما منفعة أي: وسيلة إلى ما هو الخير ~~بالذات. أما الخير بالذات: فيرجع حاصله مع انشعاب أقسامه إلى الإيمان، ~~وحسن الخلق، وينقسم الإيمان إلى علوم المكاشفة، وهي العلم بالله، ~~وملائكته، وكتبه، ورسله، وأوليائه، وعلم المعاد واليوم الآخر. # وإلى ms0720 علوم المعاملة: وهي تحصيل حسن الخلق. # والأولى عد علوم المعاملة من جملة المنافع، لأنها وسيلة إلى حسن ~~الخلق الذي هو عبارة عن سلامة القلب، وطهارة النفس، وصفاء الضمير، وشيء ~~منها ليس خيرا بالذات، لأنها عدمية، والعدم لا يكون خيرا بالذات، ~~وإنما هو وسيلة إلى قبول الخير، وهو صورة المطلوب - أي الحضرة الإلهية ~~وأفعاله وآثاره -. # فعلوم المعاملة من المنافع المؤدية إلى الخير الحقيقي، والسعادة ~~الأخروية، إذ لا سبيل إلى سعادة الآخرة إلا بالعمل والسعي في طريقها و # ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم:39] وليس لأحد في العقبى إلا ما تزود في الدنيا. # وهي تنقسم إلى عفة وهي سياسة قوة الشهوة، حتى لا تكون مستولية ولا ~~مطموسة وإلى شجاعة، وهي تعديل قوة الغضب، حتى لا يكون الإنسان من جهتها ~~متهورا ولا جبانا مقهورا، بل يكون اقدامه واحجامه بمقتضى العقل ~~المنور بنور الإيمان، وإلى حكمة، وهي اصلاح القوة الادراكية حتى لا ~~تكون جربزة مكارة كالشيطان في استنباط دقائق الحيل في الدنيا، ~~والتفريعات الجزئية من العلوم التي ضرها أكثر من نفعها. ولا يكون أيضا ~~بليدا غير مرو في الأشياء النافعة. # وهذه الحكمة غير الحكمة التي أثنى عليها كتاب الله بقوله: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة:269]. فإنها كلما كانت أكثر فهي أجل وأشرف. # ومن تعديل هذه الثلاثة - أعني ملكة العفة، والشجاعة، والحكمة - تحصل ~~للنفس ملكة أخرى تسمى بالعدالة، وهي ميزان أنزله الله تعالى على لسان ~~رسوله، إذ قال: # ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ~~ولا تخسروا الميزان # [الرحمن:8 - 9]. فمن أخصى نفسه لترك شهوة الجماع، وترك النكاح مع ~~الاستطاعة والأمن من الغائلة، أو ترك الأكل حتى ضعف عن العبادة والفكر ~~فقد أخسر الميزان، ومن انهمك في الشهوات فقد طغى في الميزان، وإنما ~~العدل أن يخلو الوزن والتقدير عن الطغيان والخسران، وتتعادل كلتا كفتي ~~الميزان، وفي ذلك تحصل النجاة عن عالم الأضداد وخلاص النفس عن أسر ~~عفاريت الظلمات، وأفاعي الشهوات، فإن التوسط بين الأطراف بمنزلة الخلو ~~عنها. # فهذه هي الفضائل والخيرات المحضة، وهي ms0721 سعادة الآخرة، ويرجع حاصلها إلى ~~أربعة أمور: بقاء لا فناء له، وسرور لا غم فيه، وعلم لا جهل معه، وغنى لا ~~فقر معه، وهي النعمة الحقيقية. ولذلك قال (صلى الله عليه وآله) # " لا عيش إلا في الآخرة " # وصدر هذا القول منه (صلى الله عليه وآله) مرتين: مرة في الشدة تسلية ~~للنفس، وذلك في وقت حفر الخندق في شدة الضر، ومرة أخرى في السرور ~~منعا للنفس من الركون إلى سرور الدنيا وذلك عند احداق الناس به في ~~حجة الوداع. # وقال رجل: # " إني اسألك تمام النعمة " فقال (صلى الله عليه وآله): " وهل تعلم ~~ما تمام النعمة؟ " قال: " لا ". قال: " دخول الجنة ". # وأما المنفعة - أعني النعمة التي هي وسيلة إلى ما هو خير حقيقي - ~~فتنقسم إلى الأقرب الأخص بالخير، كفضائل النفس، وهي كما مر: عفة ~~وشجاعة، وحكمة وعدالة. وإلى ما يليه في القرب، كفضائل البدن، وهو ~~الثاني. وإلى ما يلي هذا في القرب، كالأسباب المطيفة بالبدن من المال، ~~والأهل، والعشيرة، وإلى ما يجمع بين هذه الأسباب الخارجة عن النفس، وبين ~~الحاصلة لها كالتوفيق والهداية. # فجميع نعم الله التي هي دون الخير الحقيقي، والشرف الذاتي وهو المعرفة ~~بالله، وأفعاله، من ملائكته، وكتبه، ورسله، ومعرفة النفس، ومواطنها، ~~وغاياتها - المعبر عنهما بالإيمان بالله واليوم الآخر، كما مرت إليه ~~الإشارة - منحصرة مع عدم تناهيها وعدم امكان العد والاحصاء فيها كما ~~قال: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم:34]. في أربعة أنواع: # النوع الأول منها: هي الفضائل النفسانية التي ترجع إلى سلامة القلب، ~~وطهارة النفس. وهي الأربعة المذكورة - العفة، والشجاعة، والحكمة، ~~والعدالة - وهذه الفضائل لا تتم إلا بالنوع الثاني منها، وهي الفضائل ~~البدنية، وهي أيضا أربعة: - الصحة، والقوة، والجمال، وطول العمر - ~~ولا تتهيأ هذه الأمور الأربعة إلا بالنوع الثالث، وهي النعم الخارجة ~~المطيفة بالبدن - وهي أربعة: المال، والأهل، والجاه، وكرم العشيرة - ولا ~~ينتفع بشيء من هذه الأسباب الخارجية البدنية إلا بالنوع الرابع وهي ~~الأسباب التي تجمع بينها وبين ما يناسب الفضائل النفسانية الداخلة - وهي ~~أيضا أربعة: هداية الله، ms0722 ورشده، وتسديده، وتأييده - وقد مر شرح هذه ~~المعاني في تفسير الفاتحة. # فمجموع هذه النعم ستة عشر قسما وهذه الجملة يحتاج بعضها إلى بعض، إما ~~حاجة ضرورية أو نافعة. # أما الحاجة الضرورية فكحاجة سعادة الآخرة إلى حسن الخلق، وسلامة ~~القلب، وكذلك حاجة الفضائل النفسانية - ككسب العلوم وتهذيب الأخلاق - ~~إلى صحة البدن ضرورية. # وأما الحاجة النافعة على الجملة، كحاجة هذه النعم النفسية، والبدنية ~~إلى النعم الخارجية مثل المال، والعز، والأهل، فإن ذلك لو عدم ربما ~~تطرق الخلل إلى بعض النعم الداخلية، أو لا ترى أن الفقير في طلب العلم ~~والكمال الذي ليس معه كفاية كساع إلى الهيجا بغير سلاح، أو كباز ~~يروم الصيد بغير جناح. # ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): " نعم المال الصالح للرجل الصالح ~~" وقال (صلى الله عليه وآله): # " نعم المال المال الصالح للرجل الصالح " # وقال (صلى الله عليه وآله): # " نعم العون على تقوى الله المال " # وكيف، ومن عدم المال مستغرق الأوقات في طلب القوت، وتهيئة اللباس، ~~والمسكن، وضرورات المعيشة، ثم يتعرض لأنواع الأذى من الأدنى حتى يشغله ~~عن الفكر، والذكر، ويحرم من فضيلة الحج، والصدقات، وافاضة الخيرات. # سئل بعض الحكماء، وقيل: ما النعيم؟ فقال: الغنى، فإني رأيت الفقير لا ~~عيش له. قالوا: زدنا؟ قال: الأمن، فإني رأيت الخائف لا عيش له. ~~قالوا: زدنا؟ قال: العافية، فإني رأيت المريض لا عيش له. قالوا: ~~زدنا؟ قال: الشباب، فإني رأيت الهرم لا عيش له. # وكأن ما ذكره اشارة إلى نعيم الدنيا، ولكنه من حيث إنه معين على ~~الآخرة فهو نعمة. ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): # " من أصبح معافى في بدنه آمنا في سر به، وله قوت يومه، فكأنما ~~حيزت له الدنيا بحذافيرها ". # وأما الأهل والولد الصالح فلا يخفى وجه الحاجة إليهما، إذ قال (صلى الله ~~عليه وآله): # " نعم العون على الدين المرأة الصالحة " # وقال في الولد: # " إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له الحديث ~~". # وأما العز والجاه فبه يدفع الإنسان عن نفسه الذل والضيم، ولا ~~يستغني ms0723 عنه مسلم، فإنه لا ينفك عن عدو يؤذيه، وظالم يشوش عليه عامة ~~عمله وفراغه، ويشغل قلبه، وقلبه رأس ماله، وإنما تندفع هذه الشواغل ~~بالعز والجاه. ولذلك قيل: الدين والسلطان توأمان # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض # [البقرة:251]. # ولا معنى للجاه إلا ملك القلوب، كما لا معنى للغنى إلا ملك ~~الدراهم، وعلى هذه القصد كان الأنبياء الذين لا ملك لهم ولا سلطنة ~~يراعون السلاطين، ويطلبون ما عندهم وكذلك كان أئمتنا سلام الله عليهم ~~يتوجهون إلى الأمراء، ويقصدون التناول من خزانتهم، والاستيسار، ~~والاستكثار في الدنيا بملاقاتهم، ومعاشرتهم، ولا تظنن أن نعمة الله على ~~رسوله (صلى الله عليه وآله) حيث نصره، وأكمل دينه، وأعزه في الأرض، ~~وأظهره على جميع أعدائه، ومكن له في القلوب حتى اتسع عزه، وجاهه، كان ~~أقل من نعمته عليه حيث كان يؤذى ويضرت حتى افتقر إلى الهرب والهجرة. # وأما كرم العشيرة فهو أيضا من النعم الجليلة، ولذلك من الله تعالى ~~على بني إسرائيل في هذه الآية، وفي قوله...، وقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): # " الأئمة من قريش " # ولذلك كان (صلى الله عليه وآله) من أكرم أرومة في نسب آدم (عليه ~~السلام)، ولهذا المعنى قال (صلى الله عليه وآله): # " تخيروا لنطفكم " # وقال: # " إياكم وخضراء الدمن " فقيل: " وما خضراء الدمن؟ " قال: " المرأة ~~الحسناء في المنبت السوء ". # فهذا أيضا من النعم، وليس المراد منه الانتساب إلى الأشرار، والظلمة، ~~وأرباب الدنيا، بل الانتساب إلى أكابر الأخيار كشخص رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، والعلماء والشهداء، والصالحين. # فإن قلت: فما منفعة الفضائل البدنية وغناؤها؟ # فنقول: لا خفاء في شدة الحاجة إلى الصحة، والقوة، وإلى طول العمر، ~~ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): # " أفضل السعادة طول العمر في عبادة الله ". # وإنما يستحقر من جملتها أمر الجمال. فيقال: يكفي أن يكون البدن ~~سليما من الأمراض الشاغلة عن تحري الخيرات. نعم الجمال قليل الغناء. ~~ولكن لعمري إنه من الخيرات أيضا. أما في الدنيا فلا يخفى نفعه فيها، ~~وأما في الآخرة فمن ms0724 وجهين: # أحدهما: إن القبيح مذموم، والطباع عنه نافرة، وحاجات الجميل إلى ~~الإجابة أقرب، وجاهه في الصدر أوسع، فكأنه من هذا الوجه جناح مبلغ كالمال ~~والجاه، إذ هو نوع قدرة، إذ يقدر جميل الوجه على تنجز حاجات لا يقدر ~~عليها القبيح، وكل معين على حاجات الدنيا، فهو معين على الآخرة ~~بواسطتها. # الثاني: إن الجمال في الأكثر يدل على فضيلة النفس، لأن نور النفس إذا ~~تم إشراقه، تأدى إلى البدن، فالمنظر والمخبر كثيرا ما يتلازمان، ~~ولذلك عول أصحاب الفراسة في معرفة مكارم النفس على هيآت البدن، وقالوا: ~~الوجه والعين مرآة الباطن، ولذلك يظهر فيه أثر الغضب، والسرور، ~~والغم، ولذلك قيل: " طلاقة الوجه عنوان ما في النفس ". # واستعرض المأمون جيشا، فعرض عليه رجل قبيح المنظر فاستنطقه، فإذا هو ~~ألكن. فأسقط اسمه من الديوان. وقال: " الروح إن أشرقت على الظاهر ~~فصباحة وإن أشرقت على الباطن ففصاحة، وهذا ليس له ظاهر ولا باطن " وقد ~~قال (صلى الله عليه وآله): # " أطلبوا الخير عند حسان الوجه " # وقال الفقهاء: " إذا تساوت درجات المصلين فأحسنهم وجها أولاهم ~~بالإمامة " وقال سبحانه ممتنا بذلك: # وزاده بسطة في العلم والجسم # [البقرة:247]. # وليس المراد بالجمال ما يحرك الشهوة، فإن ذلك أنوثة مذمومة، وإنما ~~يعنى به ارتفاع القامة في الاستقامة مع الاعتدال في اللحم، وتناسب ~~الأعضاء، وتناصف خلقة الوجه، بحيث لا تنبو الطباع عن النظر إليه. # فإن قلت: كيف يكون المال، والجاه، والنسب، والأهل، والولد في حيز ~~النعم وقد ذم الله تعالى المال، والجاه، وكذا رسوله صلى الله عليه ~~وأهل بيته عليهم السلام وقال: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم # [التغابن:14] وقال تعالى: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [التغابن:15]. وقال: # وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم # [الحجرات:13]. وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): " الناس أبناء ما ~~يحسنون، وقيمة كل امرئ ما يحسنه " وقيل: " المرء بنفسه لا بأبيه " ~~فما معنى كونها نعمة - مع كونها مذمومة شرعا -؟. # فاعلم أن من يأخذ العلوم من الألفاظ المنقولة المأولة، والعمومات ~~المخصصة كان الضلال عليه أغلب، ما لم يهتد ms0725 بنور الله تعالى إلى إدراك ~~الأمور على ما هي عليها، ثم تبين النقل على وفق ما ظهر له منها ~~بالتأويل مرة، وبالتخصيص أخرى. # فهذه نعم معينة على الآخرة لا سبيل إلى جحدها، إلا أن فيها فتنا ~~ومخاوف، فمثال المال مثال الحية التي فيها ترياق نافع وسم ناقع: ~~فإن أصابها المعزم الذي يعرف وجه الاحتراز عن سمها، وطريق استخراج ~~ترياقها النافع كانت نعمة، وإن أصابها سوادي فهي عليه هلاك وبلاء. # وهو مثل البحر الذي تحته أصناف الجواهر واللآلي فمن ظفر بالبحر، فإن ~~كان عالما بالسباحة، وطريق الغوص، وطريق الاحتراز عن مهلكات البحر، فقد ~~ظفر بنعمه، وإن خاضه جاهل بذلك فقد هلك. # ولذلك مدح الله المال وسماه خيرا: ومدحه رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) فقال: # " نعم العون على تقوى الله المال الطيب " # وكذلك مدح الجاه والعز، إذ من الله على رسوله (صلى الله عليه ~~وآله) أن أظهره على الدين كله، وحببه في قلوب الخلق، وهو المعني ~~بالجاه. # ولكن المنقول في مدحهما قليل، والمنقول في ذمهما كثير، حيث ذم الرياء ~~وهو ذم الجاه. إذ الرياء المقصود فيه اجتلاب القلوب، ومعنى الجاه ملك ~~القلوب وإنما كثر هذا وقل ذلك، لأن الناس أكثرهم جهال بطريق الرقية ~~لحية المال، وطريق الغوص في بحر الجاه، فوجب تحذيرهم، فإنهم يهلكون ~~بسم المال قبل الوصول إلى ترياقه، ويهلكهم تمساح بحر الجاه قبل العثور ~~على جواهره، ولو كانات في أعيانهما مذمومين بالإضافة إلى كل أحد لما ~~تصور أن ينضاف إلى النبوة الملك - كما كان لرسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) - ولا أن ينضاف إليه الغنى - كما كان لسليمان (عليه السلام) - ~~والناس كلهم صبيان والأموال حيات، والأنبياء والعارفون معزمون وقد ~~يضر الصبي ما لا يضر المعزم. فإذن النعم الدنيوية كلها مشوبة، وقد ~~امتزج داؤها بدوائها، ومرجوها بمخوفها ونفعها بضرها، فمن وثق ببصيرته، ~~وكمال معرفته، فله أن يعرف منها فسادها، ويستخرج دواءها، وإلا فالفرار ~~الفرار، والبعد كل البعد عن مظان الأخطار، فلا تعدل بالسلامة شيء في ~~حق هؤلاء، وهم الخلق كلهم ms0726 إلا من عصمه الله تعالى، وهداه لطريقه. # فهذه مجامع نعم الله وأجناسها الكلية، ولكل منها أعداد لا تحصى، وأسباب ~~لا تتناهى، بل كل ما يوجد من الله تعالى في الدنيا، فهي مما يصدق عليه ~~بوجه من الوجوه أنه نعمة، لأنه إما خير، وإما وسيلة إلى الخير. ~~والشر مما لا ذات له، لأنه إما عدم ذات، أو عدم كمال لذات، فالموت، ~~والكفر، والجهل، والفقر، وأمثالها التي هي شرور بالذات أمور عدمية، ~~وأما الظلم والجحود، والقتل المحرم، والفسق والتكبر، والعناد، والجهل ~~المركب، وأمثالها، فهي شرور بالعرض، لأنها مؤدية إلى ما هو شر ~~بالذات، أعني عدم الحياةالأخروية، أو عدم كمال تلك الحياة. ولهذا شرح ~~وتفصيل يليق بموضع آخر غير هذا الموضع. # هداية # لماذا ينسب الخير إليه تعالى والشر إلينا؟ # اعلم أن كل ما يصل إلينا في كل وقت ولحظة من آناء الليل والنهار من ~~النفع أو دفع الضر، فهو من الله تعالى على ما قال # وما بكم من نعمة فمن الله # [النحل:53]. وأما الشرور والآفات فهي من أنفسنا، ومن قصور قابلياتنا، ~~وسوء استعداداتنا، التي هي أيضا منتهية بوجه الخير إلى الله، وبوجه ~~الشر إلى الإمكانات، ولوازم الماهيات الناشئة من قصور الموجودات، فإن ~~وجود المعلول لا ينفك عن نقص، وإلا لم يكن فرق بين المفيض والمفاض ~~عليه. # فجميع ما في العالم على التحقيق - إما نعمة، أو متنعم به نفع، أو ~~منتفع به خير، أو ما يؤدي إلى الخير، بل يمكن أن يقال: إن جميع ما في ~~العالم. مما لا حد له ولا احصاء، هي نعمة من الله في حق الإنسان، إذ ~~ما من شيء إلا وله الانتفاع. # أما التي أودعها فينا من المنافع، واللذات، والجوارح، والآلات، فظاهر ~~انتفاعنا بها، لأنا نستعملها في جر المنافع، ودفع المضار الدنيوية، ~~والأخروية. # وأما التي خلقها الله تعالى خارجة عنا فهي أيضا إما نستلذ بوجودها، ~~أو ننتفع لمعرفتها، والاستدلال بها على وجود الصانع، وحكمته، وجوده، ~~ولطفه، فهي كلها منافع منتفع بها إما حالا أو مآلا، فإنها وسائل إلى ~~المعرفة ms0727 والحكمة، وهي إما نفس السعادة واللذة الدائمة، أو وسيلة إليهما ~~فصح أن جميع مخلوقات الله نعم على العبد، وهي غير متناهية لا يمكن ~~عدها ولذا قال تعالى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم:34]. # فإن قلت: إذا كانت النعم غير متناهية فكيف يمكن الانتفاع بها؟ وأيضا ~~إذا كانت غير متناهية لا يمكن علم العبد بها فكيف أمر الله إياه ~~بتذكرها في قوله: { اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم }؟ # والجواب عن الأول أن المراد بالنعمة ما يمكن الانتفاع به - سواء ~~انتفع به أحد، أم لا - فكل واحد من الأمور المخلوقة مما يمكن الانتفاع ~~به للعبد، فيكون نعمة في حقه. # وأما عن الثاني: فإن الأشخاص غير متناهية، والطبائع النوعية ~~متناهية، ويمكن لنا العلم بالطبائع والعنوانات، والحكم بها على وجه يسري ~~في أشخاصها الغير المتناهية مجملة، كما في القضايا الكلية، مثل قولنا: " ~~كل إنسان له قوة الكتابة " ففي هذا الحكم تصورنا طبيعة العنوان - أي ~~ماهية الإنسان - بالكنه، وتصورنا أفراده كلها بالوجه، وحكمنا عليها ~~بقوة الكتابة. وهذا ضرب من العلم، وهو يكفي للتذكر الذي يفيد العلم ~~بوجود الصانع، وحكمته عن آثار صنعه وأنوار حكمته. # فقد ثبت أن جميع ما في العالم من المخلوقات، فهو نعمة في حق ~~الإنسان، وقد مر أنها كلها خيرات بالقصد، شرور بالتبع. # هذا على ما هو مذهب أهل الحق، وأما على مذهب أهل السنة فيجوز من الله ~~خلق الشرور وايلام البري، من غير أن يكون القصد فيه إلى اصلاح حالهم، أو ~~مآلهم ثم اختلفوا في أنه هل لله تعالى نعمة على الكافر في الدنيا، أم ~~لا؟ # فمنهم من قال: هذه النعم في الدنيا لما كانت مؤدية إلى الضرر الدائم ~~في الآخرة لم يكن تلك نعمة، فإن من جعل السم في الحلوى لم يعد النفع ~~الحاصل من أكل الحلوى نعمة، لما كان وسيلة إلى الضرر العظيم. # ولهذا قال تعالى: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران:178]. # ومنهم من قال: إنه تعالى وإن لم ms0728 ينعم على الكافر بنعمة الدين، لكن ~~أنعم عليه في الدنيا - وهو قول الباقلاني - وهذا أقرب إلى الصواب. # لكن الإشكال المذكور في مثال الحلوى المسمومة باق، لا يمكن حله بقوة ~~فكر المتكلم، وصنعته وتلفيقه للكلام، وإنما ينحل وينكشف بقوة نور ~~البصيرة الكاشفة لأسرار حكمة الله في خلق الكفار، وتنعيمهم مدة لعمارة ~~هذه الدار، وتعذيبهم في دار القرار، فهذا التنعيم بعينه إما عين ذلك ~~التعذيب، أو منجر إليه. قال تعالى: # فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب ~~من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم ~~والجلود ولهم مقامع من حديد كلمآ أرادوا أن ~~يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها # [الحج:19 - 22] وقيل لهم: # ذوقوا عذاب الحريق # [الحج:22]. # أي الذين انقطعوا عن الله وعالم ملكوته، أعرضوا عن أصحاب القدس ~~والتجريد، وأهل الروح والعقل باتباع الهوى، والشهوة، والطبيعة، قطعت ~~لهم بتقطيع خياط القضاء ثياب من نار القدر على قدر نفوسهم، المحترقة ~~بنار الهوى، وكبريت الشهوة، وحطب الطبيعة، وهي ثياب أخلاق ذميمة، نسجت ~~من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبيعة. ويصب من فوق ~~رؤوسهم - أي من مبدإ الإفاضة عليهم - حميم الشهوات النفسانية؛ لسوء ~~قابليتهم لماء الإفاضة، فيصير حميما في حقهم على ما قيل: # ومن يك ذا فم مر مريض # يجد مرا به الماء الزلالا # فيذاب به ما في بطونهم وقلوبهم، ويخرج ما في نفوسهم من الملكات ~~والأخلاق من القوة إلى الفعل يوم تبلى السرائر، فتصير مصورة بصور ~~مؤلمة معذبة للروح، ولهم مقامع من حديد قلوبهم، وهي الملكات الذميمة ~~الراسخة، كلما أرادوا أن يخرجوا من دار الجحيم، وسعير الهوى، ونار ~~الهاوية من غم ما هم فيه أعيدوا فيها بمقامع تلك الأخلاق؛ لغلبة الجهل، ~~واستيلاء الحرص عليهم، وقيل لهم: " ذوقوا عذاب ما أحرقت منكم نار ~~الشهوات، وأذابت سموم الأخلاق المهلكات من محاسن الاستعدادات " كما قال ~~(صلى الله عليه وآله): # " الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ". # ومما يدل على أن نعمة الله شاملة للكفار آيات كثيرة في هذا الباب، ~~كقوله تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ms0729 فأحياكم # [البقرة:28]. وقوله: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا والسماء بنآء # [البقرة:21 - 22]. وقوله: { يابني إسرائيل اذكروا ~~نعمتي التي أنعمت عليكم } وهذا نص صريح في أن الله ~~تعالى أنعم على الكفار، لأن المخاطب بذلك هم كفرة أهل الكتاب. # وقوله: # قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه ~~تضرعا وخفية # [الأنعام:63]. إلى قوله: # ثم أنتم تشركون # [الأنعام:64]. وقوله: # ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها ~~معايش قليلا ما تشكرون # [الأعراف:10]. وقوله: # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها # [الأنفال:53]. وهذا صريح وقوله: # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار # [إبراهيم:28]. إلى غير ذلك من دلائل النعمة العامة، وشواهد الرحمة ~~الواسعة، التي وسعت كل شيء من غير اختصاص بأهل الإيمان. # وأما حديث العذاب الدائم والخلود في النار للكفار فقد مضى لذلك ما فيه ~~كفاية للمستبصر، وشكاية للمحجوب المستنكر. # فصل مشرقي # فضل هذه الأمة على بني إسرائيل # اعلم أن في الآية إشعارا لطيفا بانحطاط درجة هؤلاء المخالفين من أهل ~~الكتاب عن منازل المحببن والمقربين حيث خاطبهم الله بذكر النعمة، ~~واستمالهم وجذب قلوبهم بهذه الملاذ الدنيوية، والمقاصد النفسانية، ~~كإنزال المن والسلوى لهم في التيه، وتظليل الغمام عليهم، وتفجير العيون ~~الإثني عشر، واعطائهم الحجر الذي كرأس الرجل يسقيهم ما شاءوا من الماء ~~متى أرادوه، فإذا استغنوا عن الماء رفعوه، فاحتبس، واستنقاذهم مما ~~كانوا فيه من البلاء من فرعون وقومه، وتخليصهم من العبودية، وتنجيتهم من ~~الغرق، وجعلهم ملوكا بعد أن كانوا عبيدا لآل فرعون والقبط، وإيراثهم ~~أرضهم وديارهم كما قال: # وأورثنا بني إسرائيل # [غافر:53]. وإعطائهم عمودا من نور ليضيء لهم الليل، وكانت رؤوسهم لا ~~تتشعث، وثيابهم لا تبلى. # وهذه كلها من النعم الدنيوية ولو كانوا من أهل القلوب المنورة بأنوار ~~المحبة والمعرفة لما احتاجوا في تعلم مسالك الدين، والاهتداء بهدى ~~المؤمنين إلى تذكر أحوال النعم، بل كان المهم فيهم تذكر أحوال المنعم، ~~وكيفية صفات جماله وجلاله، وآيات ملكوته وجبروته، وقد قال ms0730 بعض العارفين: ~~" عبيد النعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون ". # فانظر إلى التفاوت بينهم وبين هذه الأمة المرحومة، حيث قال لهم: { ~~اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } وقال لهذه الأمة ~~بقوله: # فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون # [البقرة:152]. ولم يقل: " فاذكروا نعمتي " أو " اشكروا نعمتي " أو " ~~لا تكفروا نعمتي ". # وفيه أيضا إشارة إلى أن ذكر خواص هذه الأمة لله من نتائج خواص ذكر ~~الله إياهم في الأزل بوجهين: # أحدهما: إن ذكره عبارة عن عمله، وعلمه بالعبد متقدم على إيجاده ~~المتقدم على ذكره لله. # وثانيهما: إنه سبحانه أمرهم بالذكر مع " فاء التعقيب " فقوله: { ~~فاذكروني أذكركم } فيه تقديم وتأخير معناه " أذكركم فاذكروني ~~" وهذا كقوله: # رضي الله عنهم ورضوا عنه # [المائدة:119]. فإن رضاءهم عنه تعالى نتيجة رضاه عنهم، وكقوله: # يحبهم ويحبونه # [المائدة:54]. # الذكر ومراتبه وخواصه # واعلم أيها الحبيب أن للذكر مراتب. وللذاكر أيضا مراتب، ونتيجة كل ~~ذكر بما يوازيه ويناسبه في الفضل والثواب، ذكر اللسان، وذكر الأركان، ~~وذكر النفس، وذكر القلب، وذكر الروح، وذكر السر. # فذكر اللسان الإقرار: فاذكروني أذكركم بالأمان. وذكر الأركان باستعمال ~~الطاعات: فاذكروني بالطاعات، أذكركم بالكرامات. وذكر النفس بالاستسلام ~~للأوامر والنواهي: فاذكروني بالاستسلام، أذكركم بنور الإسلام، وذكر القلب ~~بتبديل الأخلاق الذميمة، وتحصيل الملكات الكريمة: فاذكروني بالأحوال ~~والمقامات أذكركم بالاستغراق في المشاهدة. وذكر الروح بالتفريد ~~والمحبة: فاذكروني بالتفريد والمحبة. أذكركم بالتوحيد والقربة، وذكر ~~السر ببذل الوجود والفناء: أذكروني ببذل الوجود والفناء أذكركم بنيل ~~الشهود والبقاء. # وهذا حقيقة قوله تعالى في الحديث الرباني: # " وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي " # والذكر الحقيقي هو أن يجعل الذاكر مذكورا، والمذكور ذاكرا. بل يكون ~~الذكر والذاكر والمذكور واحدا، كما قال سبحانه: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر:16]. كما قال قائلهم: # رق الزجاج ورقت الخمر # فتشابها وتشاكل الأمر # فكأنه خمر ولا قدح # وكأنها قدح ولا خمر # وهذا الدعوى - أي فناء العبد عن نفسه وبقاؤه بنور الحق على ما هو ~~مشهود العارفين بالعيان - مما أقيم عليه البرهان، وهو معلوم من علم ~~النفس، وكيفية تطوراتها في الأطوار، واتحادها في مدارج ms0731 الاستكمال ~~بالعقل الفعال، كما هو مذهب كثير من الحكماء الأقدمين منهم فرفوريوس، ~~مثاله حال الفراش مع الشمع واشتعاله بشعلة الشمع، فلما بذل الفراش ~~للشمع وجوده نال من وجود الشمع مقصوده، كما قيل: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # نحن روحان حللنا - إلى آخره - # ومثال آخر: الحديدة الحامية بالنار، حيث إنها لا تزال تتقرب وتشبه ~~بالنار حتى تزول عنها الهوية الحديدية، وتصير فانية في هوية النارية، ~~وتفعل فعلها من الإحراق والإضاءة. # فلا تتعجب من النفس إذا استشرقت بنور الله، واتصلت بعالم الربوبية، ~~وتخلقت بأخلاق الله، ففعلت ما فعلت بقدرة الله - لا بقدرتها - وسمعت ~~بسمع الله، وبصرت ببصره، فلها أن تقول: " من رآني فقد رأى الحق ". # وهذا تحقيق قوله: " تخلقوا بأخلاق الله " وقوله تعالى: # " لا يزال يتقرب العبد إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت ~~له سمعا، وبصرا، ويدا، ومؤيدا. فبي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، ~~وبي يبطش، وبي يمشي ". # فصل # قوله تعالى: { وأوفوا بعهدي } # هذا العهد هو عهد الإقرار بالربوبية المأخوذة عن الفطرة وهو الإيمان ~~بالله وبتوحيده على وجه يستعلم من دين محمد (صلى الله عليه وآله)، ~~والطاعة له ولرسوله، فإن الإيمان بالله واليوم الآخر من العبد، وتقربه ~~إلى الحضرة الإلهية كان متدرجا في الاستكمال من ابتداء الخلق إلى بعثة ~~محمد (صلى الله عليه وآله)، فعند بعثته (صلى الله عليه وآله) بلغ إلى حد ~~الكمال الذي لا أكمل منه،. والتمامية التي لا غاية فوقها، كما قال ~~تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي # [المائدة:3]. أي: دين الإسلام ونعمة الإيمان. # فهذه النعمة التامة الإيمانية هي بعينها من جنس النعمة التي أمر الله ~~بني إسرائيل بتذكرها، ليعلموا من تذكرها أن كمالها وتمامها لا يكون ~~إلا بهذه الملة البيضاء المحمدية، والنعمة الحقيقية الإيمانية، فإن ~~درجات المعرفة بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر كانت متفاوتة ~~في كل زمان بحسب الكمال والنقص، والقوة والضعف، وكلما قرب من عصر ~~نبينا (صلى الله عليه وآله) كانت أكمل، وأقوى، وأنور، وأصفى. فكانت هذه ~~المعارف في الأمم السابقة على ms0732 هذه الأمة - الذي هم خير الأمم - مشوبة ~~بالحس، والخيال، والوهم، والعقل. # فكانت العقائد حسية في زمن آدم (عليه السلام) وما يقربه، لغلبة نور ~~الحس على تلك الأمة، فكانوا أصحاب الأرصاد الفلكية والكوكبية، ~~وأكثرهم كانوا عبدة الأصنام، ولم يقدروا على تجريد معارف الدين، وأصول ~~اليقين عن الأجسام، فكانوا يعبدون الله ويؤمنون به وبملائكته في قوالب ~~الأصنام، وأمثلة الأجسام. # وأما أمة موسى (عليه السلام) فكانت عقائدهم خيالية لغلبة نور الخيال ~~على تلك الأمة بقوة كرامات موسى (عليه السلام). وكان كتابهم الألواح ~~التعليمية، ولم يقدر نبيهم على تجريد عقائدهم عن الخيال، ولذلك طلبوا ~~منه رؤية الله، وكان يبشرهم برسول آخر الزمان (صلى الله عليه وآله). # وأما أمة عيس روح الله (عليه السلام) فكان الغالب عليها نور العقل، ~~والحكمة، والتجريد لا نور الحقيقة والتوحيد، وكانوا يعرفون الله وملكوته ~~مجردا منزها عن العالم وأعيانه، والأجسام وأعراضه، إلا أنه لم تصل ~~قوة إيمانهم إلى حيث يجردون الله وملكوته عن التجسيم والتنزيه جميعا، ~~وعن المزاولة والمزايلة مطلقا، كما في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): ~~" مع كل شيء لا بمزاولة، وغير كل شيء لا بمزايلة ". # فهذا نور الحقيقة وهو فوق نور الحس ونور الخيال ونور العقل، وطوره وراء ~~هذه الأطوار الثلاثة من الأنوار، وأنواعها الفائضة، كل منها على قوم، ~~وهي كلها حجب إلهية نورية، كما أشير إليها في قوله (صلى الله عليه ~~وآله): # " إن لله سبعين حجابا من نور ". # وتلك الحجب كانت كلها موجودة في الأمم السابقة غير مرفوعة عنهم، وهي ~~موجودة في هذه الأمة متفرقة، وبها افترقت إلى ثلاث وسبعين، كما أخبر ~~عنه النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله: # " ستفترق أمتي الحديث " # ، ولم يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب، إلا وظن أنه قد وصل. # وإليها الإشارة بقول إبراهيم الخليل، وهو فاتح باب التوحيد، وشيخ ~~الموحدين، وأبو العارفين - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - فعبر عن ~~نور الحس بالكوكب، وعن نور الخيال بالقمر، وعن نور العقل بالشمس، ثم ~~عبر عنها وجاوزها جميعا قائلا: # وجهت وجهي للذي فطر السماوات ms0733 والأرض حنيفا ~~ومآ أنا من المشركين # [الأنعام:79]. وأشار إلى خواص هذه الأمة في دعائه بقوله: # ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك # [البقرة:128]. # وبالجملة كان هذا النور الأحمدي في أصلاب عقائد العقول المتقدمة، ~~وأرحام استعدادات النفوس الماضية، منتقلا من طور إلى طور، ومن حالة إلى ~~حالة مبشرين ومنذرين به، حتى استقر إلى غايته، وبلغ نهايته، ووصل إلى ~~المبدإ الذي فارقه واتصل به آخر القوس الصعودية من دائرة الوجود إلى ~~مبدإ القوس النزولية منها، فكان قاب قوسين أو أدنى. # فهذا هو معنى العهد الذي أخذ الله الميثاق به على الأنبياء (عليهم ~~السلام)، وقد أثبت على طبقه في الكتب المتقدمة من وصف نبينا (صلى ~~الله عليه وآله) وأنه سيبعثه الله في آخر الزمان، على ما صرح به في ~~سورة المائدة: # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل وبعثنا ~~منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم # [المائدة:12] إلى قوله: # لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات # [المائدة:12]. # وقال في الأعراف: # ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل # [الأعراف:156 - 157]. # قال ابن عباس: " إن الله تعالى كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة ~~أني باعث من بني إسماعيل نبيا أميا، فمن تبعه وصدق بالنور الذي ~~يأتي به غفرت له ذنبه، وأدخلته الجنة، وجعلت له أجرين: أجرا ~~باتباع ما جاء به موسى، وجاءت به أنبياء بني إسرائيل، وأجرا باتباع ~~ما جاء به محمد النبي الأمي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في القرآن في ~~قوله تعالى: # الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون # [القصص:52] إلى قوله: # أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا # [القصص:54]. # واعلم أنه قد وقعت في كتب الأنبياء المتقدمين المنقولة إلى العربية، ~~المشهورة بين أممهم بشارات وإنذارات ناصة على بعثة نبينا (صلى الله ~~عليه وآله). # فمنها: ما جاء في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: " إن الرب الهكم ~~يقيم لكم نبيا مثلي من بينكم ومن إخوانكم ". # وفي هذا الفصل: " إن ms0734 الرب تعالى قال لموسى: " إني مقيم لكم نبيا ~~مثلك من بين إخوانكم، وأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك ~~الرجل باسمي أنا أنتقم منه " والمراد ب " بني إخوة إسرائيل " هو إسماعيل ~~على ما هو المتعارف فلا يصرف إلى من بعد موسى من أنبياء بني إسرائيل ~~(عليهم السلام)، ولا إلى عيسى، لأنهم لم يكونوا من بني إخوتهم، ولا مثل ~~موسى في كونه صاحب شريعة مستأنفة فيها بيان مصالح الدارين. فتعين محمد ~~(صلى الله عليه وآله). # ومنها ما جاء في الفصل العشرين من هذا السفر: " إن الرب تعالى جاء في ~~طور سيناء وطلع لنا من ساعير، وظهر من جبال فاران، وصف عن يمينه عنوان ~~القديسين، فمنحهم العز وحببهم إلى الشعوب، ودعا لجميع قديسيه ~~بالبركة ". # يريد الاخبار عن إنزال التوراة على موسى (عليه السلام) بطور سيناء، ~~وإنزال الإنجيل على عيسى (عليه السلام) بساعير، فإنه كان يسكن من سيعير ~~بقرية تسمى " ناصرة " وإنزال القرآن على محمد (صلى الله عليه وآله) ~~بمكة، فإن " فاران " في طريق مكة قبل العدن بميلين ونصف وهو كان ~~المنزل، وقد بقي اليوم على يسار الطريق من العراق إلى مكة. # قال اليهود: إن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضا، ~~وكذا من جبل فاران أيضا، فانتشرت المواضع. # وما ذكروه باطل، لأن الله لو خلق نارا في موضع فإنه لا يقال: " جاء ~~الله من ذلك الموضع " إلا إذا تبع تلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع، ~~أو ما شابه ذلك، وعندكم أنه لم يتبع ظهور النار وحي ولا كلام إلا من ~~طور سيناء، فما كان ينبغي إلا أن يقال: " جاء الله من طور سيناء فقط " ~~فأما أن يقال: " ظهر من ساعير ومن جبل فاران " فلا يجوز وروده، كما لا ~~يقال: " جاء الله من الغمام " إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران، كما ~~يتفق في الربيع. # وتصديق ذلك ما في كتاب حبقوق، وهو: جاء الله من طور سيناء، والقدس من ~~جبال فاران، لقد انكشفت السماء من بهاء محمد ms0735 (صلى الله عليه وآله)، ~~وامتلأت الأرض من حمده، يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزة؛ تسير ~~المنايا أمامه، ويصحب سباع الطير أجناده، قام فمسح الأرض، وتأمل الأمم، ~~وبحث عنها، فتضعضعت الجبال القديمة، واتضعت الروابي الدهرية، وتزعزعت ~~سور أهل مدين، وركبت الخيول، وعلت مراكب الانقياد والغوث وستنزع في فيك ~~إغراقا نزعا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء، تخور الأرض ~~بالأنهار، ولقد رأتك الجبال فارتاعت، وانحرف عنك شؤبوب السيل، ونفرت ~~المهاوي نفيرا ورعبا ورهبا، ورفعت أيديها وجلا وخوفا، وتوقفت الشمس ~~والقمر عن مجراهما، وسارت العساكر في برق سهامك ولمعان بيانك تدوخ الأرض ~~غضبا، وتدوس الأمم زجرا، لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراث آبائك ~~". # هكذا نقل علي بن رزين الطبري إمام النصارى. # قال أبو الحسين في كتاب الغرر: وإني رأيت في نقولهم: " وظهر من جبال ~~فاران، لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود، وترتوي السهام بأمرك ~~المحمود لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ مسيحك ". # فظهر أن المراد بقوله تعالى: " ظهر الرب من جبل فاران " ليس ظهور ~~بالنار، بل ظهور شخص موصوف بتلك الصفات، وليس إلا محمد (صلى الله عليه ~~وآله)، فإن قالوا: المراد مجيء الله تعالى، ولهذا قال في آخر الكلام ~~وإنقاذ مسيحك ". # قلنا: لا يجوز وصف الله تعالى بأنه يركب الخيول، وبأنه جاء للمساعي ~~القديمة. # وأما قوله: " وإنقاذ مسيحك " فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنقذ ~~المسيح من كذب اليهود والنصارى. # ومنها: ما جاء في السفر الأول: إنه تعالى قال لإبراهيم (عليه ~~السلام): إن هاجر تلد، ويكون من ولدها من يكون يده فوق الجميع، ويد ~~الجميع، مبسوطة إليه بالخشوع. # ومنها: ما جاء في كتاب أشعياء في الفصل الثاني والعشرين منه: قومي ~~فأزهري مصباحك، يريد مكة، قد دنا وقتك، وكرامة الله طالعة عليك، قد ~~تجلل الأرض الظلام وغطى على الأمم الضباب، والرب يشرق عليك ~~إشراقا ويظهر كرامته عليك، تسير الأمم إلى نورك، والملوك إلى ضوء ~~طلوعك، ارفعي بصرك إلى ما حولك وتأملي فإنهم مستجمعون عندك ويحجونك، ~~ويأتيك ولدك من بلد بعيد وتتزين ms0736 بناتك على الأرائك والسرر، وحين ترين ذلك ~~تسرين وتبتهجين من أجل أنه تميل إليك ذخائر البحر، ويحج إليك عساكر ~~الأمم، وتساق إليك كباش مدين، ويأتيك أهل سبأ ويتحدثون بنعم الله ~~ويمجدونه، وتسير إليك أغنام فاران، ويدفع إلى مذبحي ما يرضيني، وأحدث ~~حينئذ لبيت محمدتي حمدا ". # قوله: " وأحدث لبيت محمدتي حمدا " معناه أن العرب كانت تلبي قبل ~~الإسلام فتقول: " لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك. تملكه وما ملك ثم ~~صار في الإسلام لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك " فهذا هو الحمد ~~الذي جدده الله لبيت محمدته. # ومنها: أنه روى السمان في تفسيره: إن في السفر الأول من التوراة " ~~إن الله أوحى إلى إبراهيم (عليه السلام) فقال: " أجبت دعاءك في إسماعيل، ~~وباركت عليه، فكبرته وعظمته جدا، وسيلد إثني عشر عظيما وأجعله لأمة ~~عظيمة ". # ودلالة هذا الكلام أنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لأمة عظيمة غير ~~نبينا (صلى الله عليه وآله). # ومنها: دعاء إبراهيم وإسماعيل لرسولنا (صلى الله عليه وآله) وعليهما ~~لما فرغا من بناء الكعبة، وهو قولهما: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم # [البقرة:129]. # ولهذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: # " أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى " # وهو قوله تعالى: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد # [الصف:6]. # ومنها ما ورد في الإنجيل: # فمنها: ما ورد في الإصحاح الرابع عشر منه: أنا أطلب لكم إلى أبي حتى ~~يمنحكم ويعطيكم فارقليطا، ليكون معكم إلى الأبد. # وروي بهذه العبارة: أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا ~~يتكلم من قبل نفسه، إنما يقول كما يقال له " وتصديق ذلك # إن أتبع إلا ما يوحى إلي # [الأنعام:50]. # وقوله: # قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي # [يونس:15]. # وقيل في تفسير فارقليط وجوه: # أحدها: روح الحق واليقين. # وثانيها: الشافع المشفع. # وثالثها: قال بعض النصارى: معناه الفارق بين الحق والباطل، وكان الأصل ~~" فاروق " ، كما يقال: ms0737 " راووق " للذي يروق به. وأما " ليط " فهو ~~التحقيق في الأمر، وهو ك " أست " في لغة العجم. # رابعها: إنه مشتق من الحمد. # وهذا الاسم ليس إلا لنبينا (صلى الله عليه وآله)، فإن اسمه محمد ~~وأحمد ومحمود، ويقال: إن صفته في التوراة: ان مولده بمكة، ومسكنه ~~بطيبة، وملكه بالشام، وامته الحمادون. # ومنه: ما في الإصحاح الخامس عشر: " فأما فارقليط روح القدس الذي يرسله ~~أبي باسمي، هو يعلمكم ويمنحكم جميع الأشياء، وهو يذكركم ما قلته لكم، ~~ثم قال: " وإني قد أخبرتكم بهذا قبل أن يكون، حتى إذا كان ذلك تؤمنوا ~~به " وقوله: " باسمي " يعني بالنبوة. # ومنه ما في السادس عشر: " أقول لكم الآن حقا يقينا إن انطلاقي عنكم ~~خير لكم، فإن لم أنطلق عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط، وإن انطلقت ~~أرسلت به إليكم، فإذا جاء هو يفيد أهل العالم، ويدينهم، ويوبخهم، ~~ويوقفهم على الخطيئة والبر ". ثم قال: " إذا جاء روح الحق واليقين ~~يرشدكم ويعلمكم ويزيدكم بجميع الحق، لأنه ليس يتكلم بدعة من تلقاء ~~نفسه ". # ومنها ما في الزبور، قال داود (عليه السلام): " اللهم ابعث جاعل ~~السنة حتى يعلم الناس أنه بشر " يعني: إبعث محمدا حتى يعلم ~~الناس أن عيسى بشر. # قال بعض العلماء: وأمثال هذا كثير في كتب الأنبياء المتقدمين، يذكرها ~~المصنفون الواقفون على كتبهم، ولا يقدر المخالف على دفعها أو صرفها إلى ~~ملك أو نبي آخر، ولا على أن يكتمها، ولقد جمع أبو الحسين البصري في ~~كتاب غرر الأدلة ما تفرقت من نصوص التوراة على صحة نبوة محمد (صلى الله ~~عليه وآله). # فصل # قوله تعالى: { أوف بعهدكم } # المراد من هذا العهد عند المعتزلة هو ما دل عليه العقل، من أن الله ~~يجب عليه إيصال الثواب إلى المطيع، فصح وصف ذلك الوجوب بالعهد، لأنه ~~بحيث يجب الوفاء به. # وأما عند الأشاعرة فحيث لا وجوب ولا إيجاب عندهم على الله، فإما أن ~~يكون إطلاقه عليه تعالى تجوزا، من باب صنعة المشاكلة، كقوله: # يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء:142]. # ومكروا ومكر الله # [آل عمران:54]. وذلك ms0738 لأن معناه الأمر بمعنى المأمور به، والموصوف به هو ~~العبد، دون الله. أو يقال: إنه لما وعد بالثواب - والكذب على الله محال ~~- فكل ما وعد به استحال أن لا يوجد، لأنه لو لم يوجد لانقلب خبره ~~الصدق كذبا والمفضي إلى المحال محال. فايفاء ذلك العهد - أي: مدلول ذلك ~~الخبر - واجب الوقوع. وذلك آكد مما ثبت باليمين أو النذر هذا تلخيص ما ~~ذكره الإمام الرازي في تفسيره. # أقول: فيه بحث لأن نسبة الوجوب إليه تعالى إما على سبيل " عليه " أو ~~على سبيل " عنه ". فالأول: مذهب المعتزلة، والثاني: مذهب الحكماء. وشيء ~~منهما لا يقول به الأشاعرة. فقولهم: " لما أخبر تعالى بالثواب فيجب وقوعه ~~" ما معنى هذا الوجوب؟ إن كان أحد المعنيين المذكورين، فلا يصح إطلاقه ~~عندهم على فعله تعالى، وإن كان معناه أمرا ثالثا غير ذينك المعنيين، ~~فما لم يبين لا يمكن إثباته ولا نفيه، فالآية حجة عليهم. # والحق في تفسيره أن يقال: لما تقرر وسبق إليه الإشارة: أن المراد من ~~هذا العهد هو النور النبوي الرباني المعبر عنه بالأمانة المعروضة على ~~السماوات والأرض، الذي كلف الإنسان بتحمله، وكان ذلك النور محتجبا ~~بالحجب الكونية في أوائل الخليقة، ثم لا يزال يظهر شيئا فشيئا بحسب ~~ارتفاع الحجب الظلمانية والنورانية في كل زمان، وخروج النفوس الإنسانية ~~من حدود القوة إلى حدود الفعل في كل أوان، حتى ظهر بعض ذلك النور في ~~زمن سائر الأنبياء كإبراهيم، وموسى، وعيسى (عليهم السلام)، وظهر تمامه ~~في زمن خاتم الأنبياء عليه وآله السلام. # فإيفاء العبد بهذا العهد هو معرفة هذا النور الذي أنزل الله على قلب ~~رسوله (صلى الله عليه وآله)، بل هو بالحقيقة رسول الله، كما دل عليه ~~قوله: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين # [المائدة:15]. # فالنور هو لوح ضميره الذي هو نور من أنوار الله، وسر من أسراره. وأما ~~الكتاب فهو كلام الله النازل عليه، الدال على معرفة الحق الأول، ~~وآياته، وملائكته، وكتبه العقلية، والنفسية، وأحكامه القضائية ~~والقدرية، وكيفية تعلق علمه وقدرته بجميع الموجودات، وكيفية عنايته ms0739 ~~وحكمته في خلق السماوات والأرض وانبساط نور وجوده على صفحات الماهيات، ~~وهياكل الممكنات، ومعرفة المعاد، وكيفة حكمه برجوع الأشياء كلها يوم ~~القيامة إلى الواحد القهار، والإيمان بجميع هذه المعارف إيمانا ~~يقينيا شهوديا. # فمن آمن بهذه المعارف إيمانا بالغيب مع إصلاح الجزء العملي من القلب ~~فقد سعد ونجا من العذاب، ومن عرفها عرفانا شهوديا راسخا فقد فاز ~~فوزا عظيما، وكاد أن يكون من المقربين مشاهدا لما هو الخير ~~المطلق، والحسن المطلق، والجمال المطلق الحق منخرطا نوره في سلك نوره. # وأما إيفاء الله عهد العبد فهو إفاضة أنوار الرحمة عليه في كل مرتبة من ~~مراتب عبوديته، وبحسب كل مقام من مقامات سلوكه إلى الله، حتى إذا قطع ~~المنازل والمراحل الحسية، والخيالية، والعقلية، وبلغ الحد الأقصى ~~فاض عليه من نور جماله الأزلي، وصيره من المحبوبين بعدما كان من ~~المحبين، وجعله من الواصلين إلى العين، بعد ما كان من السامعين للأثر، ~~فصار علمه عينا، وإيمانه عيانا، وقراءته قرآنا، وكلامه متكلما. # فصل # قوله: { وإياي فارهبون } # معنى " الرهبة " هو الخوف والخشية، وهي حالة تحدث في القلب من قبيل ~~الخواطر، وكذا الرجاء. # والمقدور للعبد مقدماتهما. # والخوف عند العلماء على ظن مكروه تناله، والخشية نحوه، لكن الخشية تقتضي ~~ضربا من الاستعظام والمهابة. وضد الخوف الجرأة، لكن قد يقابل بالأمن، ~~فيقال: " خائف وآمن " " خوف وأمن " لأن الأمن يوجب الجرأة على ~~الله فبالحقيقة الجرأة تضاده. # قال المتكلمون: الخوف منه تعالى هو الخوف من عقابه وأما أهل المعرفة: ~~فالخوف عندهم كما يكون من العقاب يكون من القرب. قال الله تعالى: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر:28]. # والحق أن عذاب الآخرة إنما يصل إلى الكفار وأهل النار بواسطة ~~أنهم صاروا في الدنيا مبعدون عن مقام القرب، فإذا بطلت هذه الحياة ~~الدنيا، وانكشف الغطاء، وبعثوا إلى الآخرة، وجاء الحق للحساب والميزان، ~~لم يتحملوا سطوة القهارية فيتعذبون بسطوع شمس الآخرة على رؤوسهم، ~~ويعاقبون بنار الجحيم، وتذوب بها أبدانهم وجلودهم. # بل كل عذاب وألم - سواء كان في الدنيا أو في الآخرة - إنما يرجع إلى ms0740 ~~عذاب القرب لمن لم يكن مستعدا له، لأن جميع ما يعد عند الناس من جملة ~~المؤذيات، والمولمات، فإنما هو من مظاهر رحمته وجوده، ومن منازل عنايته ~~وحكمته، والتضاد الحاصل بينها إنما يقع من لحوق الأعدام والنقائص بها، ~~التي منشؤها البعد عن المقامات الإلهية. فما يتعذب متعذب، أو يتضرر ~~من شيء مؤلم مضر إلا بواسطة تضاد بين المتألم وما يؤلمه، والمتضرر ~~وما يتضرر به، ومنشأ التضاد بين الشيئين - كما علمت - فقد وجود ~~أحدهما لما في وجود الآخر، وقصوره عن رتبة الجمعية بينهما. # أو لا ترى أن كثيرا من الهيآت والكيفيات المتضادة والقوى ~~المتخالفة قد اجتمعت في الحقيقة الإنسانية بواسطة القوة الجمعية، التي ~~فاضت على الإنسان من عالم الأمر؟ فالنار، والماء، والأرض، والهواء، مع ~~كونها أمورا متضادة إلا أنها قد اجتمعت في المركب بواسطة الوحدة ~~الاعتدالية التابعة للصورة الوحدانية الحافظة للمزاج، وكلما كانت ~~الصورة أقوى جوهرا، وأقرب منزلة إلى عالم الحافظة للمزاج، وكلما كانت ~~الصورة أقوى جوهرا، وأقرب منزلة إلى عالم الأمر الواحد، فهي أوسع ~~جمعية للمتضادات إلى أن ينتهي إلى العقل البسيط، المدرك بذاته للأشياء ~~التفصيلية إدراكا حضوريا، وشهودا نوريا، وإحاطة جمعية شمولية. # وهذا ما قاله بعض الحكماء: " إن العقل كل الموجودات " فالإنسان ما لم ~~يصل إلى مقام العقل يجوز في حقه أن يتعذب ببعض أنوار القهارية وسطوات ~~الإلهية، ومن لم يعرف هذه المعاني صار يتعجب من معنى عذاب القرب ~~وخوفه، مع أن الحق تعالى محض الرحمة. وأما العلماء الراسخون فإنهم ~~يخشون الله - دون عقابه - ولا يخشون شيئا آخر، ولهذا قال تعالى: { ~~وإياي فارهبون } دلالة على الحصر، وأن المرء يجب أن لا يخاف ~~أحدا إلا الله، فكل خوف يرجع إلى خوف جلاله. # وإذا ثبت هذا في الرهبة والخوف ثبت في الرغبة والرجاء، فيجب أن ~~لا يرجو أحدا إلا الله، لأن كل محبة ورجاء يرجع إلى حب الله ~~ورجائه، إذا كان المنظور إليه في كل شيء كونه أثرا من آثار قدرته، ~~ولمعة من لمعات نور جماله. # قال بعض العرفاء: الخوف خوفان: خوف ms0741 العقاب، وخوف الجلال. والأول: ~~نصيب أهل الظاهر، والثاني: نصيب أهل القلب. والأول: يزول. والثاني: لا ~~يزول. # أقول: وهكذا ينقسم الرجاء إلى الثواب ورجاء الله. الأول نصيب أهل ~~الحجاب، والثاني نصيب أهل اليقين. أما خوف أهل القلب فهو قوله تعالى: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر:28]. وقوله: # ذلك لمن خشي ربه # [البينة:8]. وقوله # ويحذركم الله نفسه # [آل عمران:30]. وقوله: # وإياي فاتقون # [البقرة:41]. # وقد جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين خوف العقاب، وخوف الجلال، ~~وخوف الجمال ومقابل كل منها في دعائه، حيث كان يقول # " اللهم إني أعوذ بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك وبك منك " # تنبيها على منازل الخلق وتفاوت أحوالهم في الرغبة والرهبة. # وأما خوف الظاهر، فقوله: # ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد # [إبراهيم: 14]. # وأما رجاء أهل اليقين فقوله: # يرجو الله واليوم الآخر # [الأحزاب:21]. # وأما رجاء أهل الظاهر، فقوله: # وآخرون مرجون لأمر الله # [التوبة:106]. # واعلم أن الخوف والرجاء يجب أن يكونا مجتمعين في القلب، غير منفك ~~أحدهما عن صاحبه. # فمن آيات الخوف هذه الآية، وقوله: # وإياي فاتقون # [البقرة:41]. وقوله: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون # [المؤمنون:115]. وقوله: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى # [القيامة:36]. وقوله: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت:2]. وقوله: # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوءا يجز به # [النساء:123]. وقوله: # وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا # [الكهف:104]. وقوله: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان:23]. # وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون # [الزمر:47]. # ومن آيات الرجاء قوله: # لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا # [الزمر:53]. وقوله: # ومن يغفر الذنوب إلا الله # [آل عمران:135]. # غافر الذنب وقابل التوب # [غافر:3]. # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن ~~السيئات # [الشورى:25] # كتب ربكم على نفسه الرحمة # [الأنعام:54]. # ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون # [الأعراف:156]. # إن الله بالناس لرءوف رحيم # [البقرة:143]. # وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " يقول الله عز وجل أخرجوا من ms0742 النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ~~الإيمان " # ثم يقول الله: # " وعزتي وجلالي لا أجعل من آمن بي في ساعة من ليل أو نهار كمن لا ~~يؤمن بي ". # ومن آياته اللطيفة الجامعة بين الخوف والرجاء، قوله تعالى: # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم # [الحجر:49 - 50]. لئلا يستولي عليك الرجاء بالمرة، وقوله # شديد العقاب # [غافر:3] عقبه بقوله: # ذي الطول # [غافر:3]. لئلا يستولي عليك الخوف بالمرة. # وأعجب من ذلك قوله تعالى: { ويحذركم الله نفسه } ثم قال ~~في عقبه: # والله رؤوف بالعباد # [آل عمران:30]. # وأعجب من ذلك وألطف قوله تعالى: # من خشي الرحمن بالغيب # [ق:33]. علق الخشية بالرحمن، دون اسم الجبار، والمنتقم، ~~والمتكبر، ونحوه، لتكون الخشية مع ذكر الرحمة، لئلا تكون الخشية تطير ~~قلبك بالمرة، فيكون تخويفا في تأمين، وتحريكا في تسكين. وفي ذلك ~~أيضا إشارة إلى ما سبق من أن وجوده تعالى رحمة للمطيعين وعذاب للعاصين ~~كما قيل في الفرس: # أي نوش لبان جو زهرنابى بر من # أي راحت ديكران عذابي برمن # وقال سهل التستري: " الخوف ذكر، والرجاء أنثى " أي منهما يتولد ~~حقائق الإيمان. وقيل: " إن الله تعالى جمع للخائفين ما فرقه على ~~المؤمنين، وهو الهدى والرحمة والعلم والرضوان، فقال تعالى: # هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون # [الأعراف:154]. وقال: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر:28]. وقال: # رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ~~ربه # [البينة:8]. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " رأس الحكمة ~~مخافة الله ". وروي عنه (صلى الله عليه وآله): " إنه كان داوود النبي ~~(عليه السلام) يعوده الناس يظنون أن به مرضا وما به مرض إلا خوف ~~الله والحياء منه ". وقال سهل: " كمال الإيمان بالعلم، وكمال العلم ~~بالخوف " وقال أبو علي الرودباري: " الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا ~~استويا استوى الطير وتم في طيرانه ". # فصل # أسباب الخوف والرجاء # واعلم أن النظر في أفعال الله ومعاملاته مع الخلق، كما يؤدي إلى ~~الرجاء العظيم كذلك النظر فيها يؤدي إلى خوف شديد. # أما جانب الرجاء: فمن تأمل ms0743 لطائف نعم الله بعباده في الدنيا، وعجائب ~~حكمته التي راعاها في فطرة الإنسان، حتى أعد له كل ما هو ضروري له في ~~دوام الوجود كآلات الغذاء، والنمو، وغيرها، وما هو محتاج إليه في طلب ~~الفضيلة، وما هو زينة له كاستقواس الحاجبين وحمرة الشفتين، وتقعير الأخمص ~~من القدمين، وغير ذلك مما لا ينثلم بفقده غرض مقصود - وإنما يفوت به من ~~الجمال - فالعناية إذا لم يقصر عن عباده في أمثال هذه الدقائق حتى لم ~~يرض لعباده أن يفوتهم المزايد والمزايا في الزينة والحاجة، فكيف يرضى ~~بسياقتهم إلى الهلاك المؤبد؟ فسنة الله لا تجد لها تبديلا. # فالغالب أن أمر الآخرة على هذا القياس يكون، فهذا إذا تأمله أحد ~~قوى أسباب رجائه. وكذا التأمل في أنه يهب كفر سبعين سنة بإيمان ~~سنة، بل بإيمان ساعة. # وقوله: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال:38]. # وفي أنه كيف عاتب إبراهيم (عليه السلام) في دعائه على المجرمين ~~بالهلاك. # وكيف عاتب موسى (عليه السلام) في أمر قارون، فقال له: " استغاث بك ~~مرارا فلم تغثه، فوعزتي لو استغاث بي مرة لأغثته وعفوت عنه ". # وكيف عاتب يونس في شأن قومه: " إنك تحزن على شجرة من يقطين أنبتها ~~في ساعة وأيبستها في ساعة، ولا تحزن على مأة ألف أو يزيدون ". # ثم كيف قبل عذرهم وصرف عذابه الأليم عنهم بعد ما أضلهم. # ثم كيف عاتب سيد المرسلين فيما روي أنه دخل من باب بني شيبة، ~~فرأى قوما يضحكون. فقال لهم: # " أتضحكون! لا أراكم تضحكون " حتى إذا كان عند الحجر رجع إليهم ~~القهقرى وقال: " جاءني جبرائيل فقال: " يا محمد إن الله يقول: يا ~~محمد لا تقنط عبادي من رحمتي. نبئ عبادي أني الغفور ~~الرحيم ". # وهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: # " الله أرحم بالعبد من الوالدة الشفيقة بولدها " # وفي الخبر المشهور عن النبي (صلى الله عليه وآله) # " إن لله مأة رحمة، فواحدة منها قسمها بين الإنس والجن والبهائم، ~~فيها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وذخر منها تسعة وتسعين لنفسه يرحم ms0744 بها ~~عباده يوم القيامة ". # وإذ قد أعطاك من الرحمة الواحدة كل هذه العطايا الكريمة العزيزة من ~~معرفته والكون من هذه الأمة المرحومة. ثم غير ذلك من النعم الباطنة ~~والظاهرة، فمرجو من فضله العميم أن يتم ذلك الأمر، فان من بدأ ~~بالإحسان والإكرام فعليه الاتمام، ويجعل لك من تسعة وتسعين رحمة الحظ ~~الوافر فأسأله أن لا يخيب آمالنا بفضله وكرمه. # وأما من جانب الخوف فأولا: إن إبليس عبده ثمانين ألف سنة فلم يترك ~~- فيما قيل - موضع قدم إلا وسجد لله تعالى فيه سجدة، ثم ترك له ~~أمرا واحدا، فطرده من بابه، وضرب بوجهه عبادة ثمانين ألف سنة، ~~ولعنه إلى يوم الدين، وأعد له عذابا أليما أبد الآبدين، حتى روي أن ~~الصادق الأمين صلوات الله عليه وآله، رأى جبرائيل متعلقا بأستار ~~الكعبة وهو يتضرع: " إلهي لا تغير اسمي، ولا تبدل جسمي ". # ثم آدم صفي الله، خلقه بيده وأسجد له ملائكته وحمله على أعناقهم ~~إلى جواره فأكل أكلة واحدة لم يؤذن فيها، فنودي " ألا! لا يجاورني ~~من عصاني " فأمر الملائكة الذين حملوا سريره يرمونه من سماء إلى سماء، ~~حتى أوقعوه بالأرض، ولم يقبل توبته - فيما روي - حتى بكى على ذلك مأة ~~سنة، ولحقه من الهوان والبلاء ما لحقه وبقيت ذريته في تبعات ذلك أبد ~~الآبدين. # ثم إن نوحا - شيخ المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين - احتمل في أمر ~~دينه ما احتمل، لم يقل إلا كلمة واحدة على غير وجهها، إذ نودي: # لا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن ~~تكون من الجاهلين # [هود:46]. حتى روي في بعض الأخبار أنه لم يرفع رأسه إلى السماء حياء ~~من الله سبحانه وتعالى أربعين سنة. # ثم إن إبراهيم الخليل - صلوات الله عليه - لم يكن منه إلا هفوة ~~واحدة، فكم خاف وتضرع وقال: # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين # [الشعراء:82]. حتى روي أنه كان يبكي من شدة الخوف، ويرسل الله إليه ~~الأمين جبرائيل فيقول: " يا إبراهيم هل رأيت خليلا يعذب خليله بالنار ~~"؟ فيقول: " يا جبرائيل ms0745 إذا ذكرت خطيئتي نسيت خلتي ". # ثم موسى بن عمران (عليه السلام) لم يكن منه إلا لطمة واحدة عن حدة، ~~فكم خاف واستغفر وقال: # رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي # [القصص:16]. # ثم في زمانه بلعم بن باعورا كان بحيث إذا نظر يرى العرش وهو ~~المعني بقوله تعالى: # واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ # [الأعراف:175]. ولم يقل: " آية واحدة " مال إلى الدنيا وأهلها ميلة ~~واحدة، وترك لولي من أوليائه خدمة واحدة، سلب عنه معرفته، وجعله بمنزلة ~~الكلب المطروح، فقال: # مثله كمثل الكلب # [الأعراف:176] فأوقعه في بحر الضلالة والهلاك إلى الأبد، حتى كان بعض ~~العلماء يقول: " كان أمره بحيث يكون في مجلسه اثنى عشر ألف محبرة من ~~المتعلمين يكتبون عنه، ثم صار بحيث كان أول من صنف كتابا " أن ليس ~~للعالم صانع " نعوذ بالله، ثم نعوذ بالله من سخطه وخذلانه - فانظر ~~إلى الدنيا وشؤمها وما يحدث للعلماء - فتنبه. # ثم إن داوود (عليه السلام) خليفته في أرضه وقع منه شيء، فبكى على ~~ذلك حتى نبت العشب من دموعه وقال: " إلهي أما ترحم بكائي وتضرعي؟ " ~~فأجيب: " يا داود، قد نسيت ذنبك وذكرت بكاءك ". # ونقل مجاهد: إنه بكى داوود (عليه السلام) أربعين يوما ساجدا - لا ~~يرفع رأسه - حتى نبت المرعى من دموعه، حتى غطى رأسه، فنودي: " يا ~~داوود أجائع أنت فتطعم؟ أم عار فتكسى "؟ فنخب نخبة هاج العود فاحترق ~~من حر خوفه. ثم أنزل الله عليه التوبة والمغفرة. فقال: " يا رب اجعل ~~خطيئتي في كفي " فصارت خطيئته مكتوبة في كفه، وكان لا يبسط كفه لطعام ~~ولا لشراب ولا لغيره إلا رآها فأبكته، وكان يؤتى بالقدح - ثلثاه ماء - ~~فإذا تناول أبصر خطيئته، فما يضعه على شفتيه حتى يفيض القدح من ~~دموعه. # وروي أنه ما رفع رأسه إلى السماء حتى مات - حياء من الله - وكان ~~يقول: " يا إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت علي الأرض برحبها، وإذا ~~ذكرت رحمتك ارتدت إلي روحي ". # ثم يونس غضب غضبة واحدة في غير موضعها فسجنه في بطن الحوت تحت قعر ~~البحر أربعين ms0746 يوما، وهو ينادي # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء:87] وسمعت الملائكة صوته، فقالوا: " إلهنا وسيدنا صوت ~~معروف في مكان مجهول " فقال الله تعالى: " ذلك عبدي يونس " فشفعت ~~الملائكة. # ثم مع ذلك كله غير اسمه فقال: # وذا النون إذ ذهب مغاضبا # [الأنبياء:87]. فنسبه إلى سجنه، ثم قال: # فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من ~~المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون # [الصافات:142 - 144]. ثم ذكر منته ونعمته فقال: # لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعرآء ~~وهو مذموم # [القلم:49]. فانظر إلى هذه السياسة أيها المسكين. # وكذلك هلم جرا إلى سيد المرسلين أكرم خلقه (صلى الله عليه وآله) # فاستقم كمآ أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا ~~إنه بما تعملون بصير # [هود:112]. حتى كان يقول: # " شيبتني سورة هود وأخواتها " # قيل: عنى هذه الآية وأشكالها في القرآن، قال الله تعالى: # واستغفر لذنبك # [محمد:19]. إلى أن من الله تعالى عليه بالغفران، فقال: # ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك # [الانشراح:2 - 3]. وقال: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح:2]. # فكان بعد ذلك يصلي الليل حتى تورمت قدماه، فيقولون: # " أتفعل هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ ~~فيقول: " أفلا أكون عبدا شكورا " وكان يصلي بالليل ويبكي ويقول في ~~سجوده: " أعوذ بعفوك من عقابك، وبرضاك من سخطك، وبك منك، لا أحصي ~~ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ". # كان بعض العلماء يقول: " لا تأمن من قطع من ربع دينار خير عضو منك أن ~~يكون عذابه هكذا غدا " نسأل الله الكريم أن لا يعاملنا إلا بفضله، إذ ~~لا طاقة لنا بعدله. # وفي الأدعية السجادية في الصحيفة الكاملة - على قائلها وآبائه السلام ~~والتحية -: " اللهم إن تشأ تعف عنا فبفضلك، وإن تشأ تعذبنا ~~فبعدلك، فسهل لنا عفوك بمنك، وأجرنا من عذابك بتجاوزك، فإنه ~~لا طاقة لنا بعدلك ولا نجاة لأحد منا دون عفوك ". # قال صاحب كتاب الإحياء بعد ذكر مخاوف الأنبياء (عليهم السلام): " فهذه ~~مخاوفهم ونحن أجدر بالخوف ms0747 منهم، لكن ليس الخوف بكثرة الذنوب، بل ~~بصفاء القلوب وكمال المعرفة، وإلا فليس أمننا لقلة ذنوبنا، وكثرة ~~طاعتنا، بل قادتنا شهواتنا، وغلبت علنيا شقوتنا، وصدتنا عن ملاحظة ~~أحوالنا غفلتنا وقسوتنا، فلا قرب الرحيل ينبهنا، ولا كثرة الذنوب ~~تحركنا، ولا مشاهدة أحوال الخائفين تخوفنا، ولا خطر العاقبة يزعجنا، ~~فنسأل الله تبارك وتعالى أن يتدارك بفضله وجوده أحوالنا فيصلحنا، إن ~~كان تحريك اللسان بمجرد السؤال دون الاستعداد ينفعنا. # ومن العجائب أنا إذا أردنا المال في الدنيا زرعنا، وغرسنا، واتجرنا، ~~وركبنا البحار، والبراري، وخاطرنا، وإن أردنا طلب رتبة العلم تفقهنا، ~~وتعبنا في حفظه، وتكراره وسهرنا، ونجتهد في طلب أقواتنا، ولا نثق بضمان ~~الله، ولا نجلس في بيوتنا فنقول: " اللهم ارزقنا " ثم إذا طمحت أعيننا ~~نحو الملك الدائم المقيم، قنعنا بأن نقول بألسنتنا: " اللهم اغفر لنا ~~وارحمنا " والذي إليه رجاؤنا وبه اغترارنا ينادينا ويقول: # أن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم:39] فما هذه إلا محنة هائلة إن لم يتفضل الله علينا بتوبة ~~نصوح... فنسأل الله أن يسوق إلى التوبة سرائر قلوبنا ". # تذكرة # اعلم أن في الآية دلالة على أن كثرة النعم يعظم المصيبة وعلى أن ~~تقدم العهد يعظم المخالفة، وعلى أن الخطب في العلماء والتشديد عليهم ~~في باب الذنوب أعظم، وعلى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما كان ~~مبعوثا إلى العرب، كان مبعوثا إلى بني إسرائيل. # وفي قوله: { وإياي فارهبون } دلالة على أن الكل بقضاء الله، ~~ولا استقلال للعبد في فعله، وإلا لوجب أن لا يخاف إلا من نفسه، لأن ~~مفاتيح ثوابه بيده - لا بيد الله -. # وفيها أيضا دلالة على وجوب معرفة الله على وجه يعلم به كون الكل ~~بقضائه، وأن لا تأثير لأحد في حكمه ولا راد لقضائه، وهذا متوقف على ~~علوم كثيرة، ومسائل شريفة يجب الخوض فيها، لأنها مما لا يتم هذا ~~الواجب إلا بها، ومقدمات الواجب واجبة، فالعلم به تعالى، وبصفاته، ~~وبكيفية أفعاله بقدر الطاقة واجب، والله أعلم بأسراره. # قرئ: " اذكروا " وهو من باب الافتعال. وقرئ: " نعمتي " بإسكان الياء ms0748 ~~واسقاطها في الدرج، وهو مذهب من لا يحرك الياء المكسورة ما قبلها. ~~وقرئ " اوف " بالتشديد للمبالغة. ### || [2.41] # أمرهم بالإيمان بعد ما أمرهم بإيفاء عهد الله تنبيها على أنه العمدة ~~في ذلك، بل لأحد أن يقول: إن الإيمان بما أنزل الله على رسوله هو عين ~~الإيفاء بعهد الله على التأويل الذي سبق ذكره في معنى العهد، وهو النور ~~الذي تتنور به القلوب، ويسلك به سبيل الآخرة، وينكشف به حقائق الأمور، ~~ويطلع به الإنسان على الحضرة الإلهية، وأفعاله، وآثاره، ولطفه، وحكمته ~~في الدنيا والاخرة، قال تعالى: { قد جآءكم من الله نور ~~وكتاب مبين }. # فالنور هو جنس معاني القرآن، والكتاب آيات ألفاظه، وهو أي القرآن منزل ~~من الله إلى قلب النبي (صلى الله عليه وآله) إن اريد به المعاني. ومنزل ~~من السماء الدنيا على سمعه الشريف إن أريد به ألفاظه. # وكلاهما عند غيبته عن إدراك هذه الحواس الدنيوية، فإن السمع الذي كان ~~به يسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلامه، والبصر الذي كان يبصر ~~به شخص جبرائيل (عليه السلام) كانتا بوجه غير هاتين الحاستين ~~العنصريتين، وإن كانتا بوجه عينهما. # أمرهم بالتصديق بهذا القرآن المنزل، وأخبرهم أن في تصديقهم بالقرآن ~~تصديقا منهم للتوراة والإنجيل؛ لأن الذي في القرآن مصدق لهما، ومؤكد ~~للإيمان بهما من حيث إنه مطابق لهما في القصص، والمواعيد، والدعاء إلى ~~التوحيد، والأمر بالعبادة، والعدل بين الناس، والنهي عن المعاصي، ~~والفواحش، وفيما يخالفها من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في ~~المصالح، من حيث إن كل واحد منها حق بالإضافة إلى زمانه، مراعى فيها ~~صلاح الأنام، ومن خوطب بالكلام من الله، حتى لو نزل المتقدم من ~~الأحكام في أيام المتأخر منها لكان على وفقه بأبلغ وجه ولذلك قال (صلى ~~الله عليه وآله): # " لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ". # وقيل: معناه أنه تصديق بالتوراة والإنجيل، لأن فيهما الدلالة على ~~أنه حق، وأنه من عند الله. وفيهما البشارة ببعثة محمد (صلى الله عليه ~~وآله)، وبيان نعوته، وصفاته، فكان الإيمان بمحمد (صلى الله ms0749 عليه وآله) ~~وبالقرآن تصديقا للتوراة والإنجيل، وتكذيبه (صلى الله عليه وآله) ~~تكذيبا لهما. # والتفسير الثاني أولى لأن يكون حجة عليهم، إذ على التفسير الأول لقائل ~~أن يقول: التوافق في بعض المعاني لا يوجب أن يكون القرآن من عند الله، ~~فلا يلزم عليهم وجوب الإيمان به. # وأما على الثاني فيلزم عليهم الإيمان بحقية القرآن، وتصديق الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) إذا اشتمل الكتابان على كون محمد (صلى الله عليه ~~وآله) صادقا، فالإيمان بهما يوجب الإيمان بما يقوله (صلى الله عليه ~~وآله). ومعلوم أن الآية إنما نزلت احتجاجا عليهم، ودلالة لهم على ~~وجوب الإيمان بمحمد (صلى الله عليه وآله). وبالجملة فالدال على إثبات ~~نبوته هاهنا وجهان: # أحدهما: شهادة كتب الأنبياء (عليهم السلام) عليه، وهي لا تكون إلا ~~حقا. # والثاني: إخباره عما في كتبهم، ولم يكن له معرفة بما فيها إلا من قبل ~~الوحي. # وقوله: { مصدقا } حال منتصب ب { آمنوا } كأنه قال: " آمنوا ~~بالقرآن مصدقا " و { معكم } صلة { لما } والعامل فيه الاستقرار، ~~أي للذي استقر معكم والضمير في { به } عائد إلى الموصول في قوله: { ~~بما أنزلت } أو في قوله: { لما معكم } على التفسير الثاني. # وقوله: { ولا تكونوا أول كافر به } أي: أول فريق، أو فوج ~~كافر به، أو: ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به كقولك: " كسانا حلة ~~" أي: كل واحد منا. والمعنى: " لا تكونوا أول كافر من أهل الكتاب ~~بالقرآن " لأن قريشا قد كانت كفرت به بمكة قبل اليهود. # وعن أبي العالية: معناه " لا تكونوا السابقين إلى الكفر به، فيتبعكم ~~الناس. أي: " لا تكونوا أئمة الكفر " وهذا متوجه، فإن الناس في ~~المذاهب، والملل يتبعون أهل الكتاب والعلم في أكثر الأزمنة. ومعلوم ~~أن الخطاب في الآية مع أئمة أهل الضلال وعلمائهم، الذي شأنهم كتمان ~~الحق، الذي في الكتب، وتلبيسه بالباطل، وتحريف الكلم عن مواضعه - كما هو ~~عادة علماء السوء -. # وعن أبي جريح: معناه: ولا تكونوا أول جاحدين صفة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) في كتابكم فعلى هذا تعود " الهاء " في { به } إلى ms0750 النبي (صلى ~~الله عليه وآله). # قيل: معناه ولا تكونوا مثل أول كافر به. يعني: من أشرك من أهل مكة، ~~أي: لا تكونوا وأنتم تعرفونه مكتوبا في التوراة والإنجيل مثل من لم ~~يعرفه وهو جاهل، مشرك، لا كتاب له. # وقيل: ضمير { به } راجع إلى الكتاب. أي: لا تكونوا أول كافر ~~بكتابكم. أي لا تكونوا أول من كذب كتابكم من أمتكم، لأن تكذيبكم ~~لمحمد (صلى الله عليه وآله) تكذيبكم لكتابكم. # وقيل: معناه، ولا تكونوا أول من جحد مع المعرفة، لأن قريشا لم تكن ~~مع المعرفة. # وقيل: معناه لا تكونوا أول الكافرين به عند السماع، بل تثبتوا، ~~وراجعوا عقولكم، وتدبروا في معانيه حتى يظهر لكم حقيته وصدقه. # وقيل معناه: لا تكونوا أول كافر به من كفار اليهود، لأن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) قدم المدينة وكانت بها القريظة والنضير، فكفروا به، ثم ~~تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر. # وقال المبرد: هذا الخطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم، فقيل لهم: لا ~~تكفروا بمحمد (صلى الله عليه وآله)، فإنه سيكون بعدكم الكفار، فلا ~~تكونوا أول الكفار. # واعلم أنه إنما عظم أول الكفر؛ لأنهم إذا كانوا أئمة لهم، وقدوة ~~في الضلالة كانت ضلالتهم أعظم، وكفرهم أشد، إذ كما أن السابقين إلى ~~الإيمان كانوا أعظم قدرا في الثواب، وأشد قربا إلى الله، لقوله: # والسابقون السابقون أولئك المقربون # [الواقعة:10 - 11] كذلك السابقون إلى الكفر، كانوا أعظم ذنبا ممن ~~بعدهم، وأشد ضلالا وأكثر بعدا عن الحق. # ولما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): # " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ~~ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة ". # وقيل: إن الأولية موجبة لمزيد القبح والإثم، وذلك لأنهم إذا سبقوا ~~إلى الكفر، فإما أن يقتدي بهم غيرهم فيه أو لا، فالأول: يوجب أن يكون ~~لهم وزر ذلك الكفر، ووزر من كفر إلى يوم القيامة. والثاني: يوجب أن ~~يجتمع فيه أمران، السبق إلى الكفر، والتفرد به، ولا شك في ms0751 أنه منقصة ~~عظيمة. # فصل # ليس في نهيه تعالى: عن أن يكونوا أول كافر به دلالة على أنه يجوز أن ~~يكونوا آخر كافر به، لأن المقصود النهي عن الكفر على كل حال، وخص ~~الأول بالذكر لما ذكر من عظم موقعه، وكما أن قوله تعالى: # رفع السماوات بغير عمد ترونها # [الرعد:2]. لا يدل على وجود عمد لا يرونها. وقوله: # وقتلهم الأنبياء بغير حق # [النساء:155]. لا يدل على جواز قتلهم بحق وقوله، عقيب هذه الآية: { ~~ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } لا يدل على إباحة ذلك ~~بالثمن الكثير. وكما قال الشاعر: # من أناس ليس في أخلاقهم # عاجل الفحش ولا سوء الجزع # وليس يريد أن فيهم فحشا آجلا. فكذا هاهنا. بل الغرض من هذه السياقة ~~التنبيه على استعظام كفر من قرأ في الكتب نعت محمد (صلى الله عليه ~~وآله)، ثم جحد به. ولأن في قوله: { وآمنوا بمآ أنزلت ~~مصدقا لما معكم } دلالة على أن كفرهم أولا وآخرا محظور، ~~لأن تحقق وجود الشيء موقوف على ارتفاع جميع أنحاء عدمه أو ضده، وكذا ~~تحقق الإيمان بما أنزل في كل وقت متوقف على ارتفاع جميع أنحاء الكفر به ~~في ذلك الوقت، ولأن الإيمان نوع من نور اليقين، فإذا حصل في القلب لا ~~يمكن رفعه، فكل من آمن أولا إيمانا بالحقيقة فهو مؤمن أخيرا لا ~~يزال. # فصل # قوله: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } # أي: ولا تستبدلوا الإيمان بالرسول، وتعلم الحكمة، والاطلاع على آيات ~~الله بثمن قليل من مال الدنيا وجاهكم الحقير عند أبنائها. # وفي الكشاف: " الثمن القليل هو الرئاسة التي كانت لهم في قومهم، خافوا ~~عليها الفوات لو أصبحوا أتباعا لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~فاستبدلوها - وهي بدل قليل ومتاع يسير - بآيات الله، وبالحق الذي ~~كل كثير إليه قليل، وكل كبير إليه حقير. فما بال القليل الحقير! وقيل: ~~كانت عامتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم، ويهدون إليهم الهدايا، ~~ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلم وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من ~~الشرائع، وكان ملوكهم يدرون عليهم الأموال ليكتموا ويحرفوا ". # واعلم ms0752 أن العادة جارية في كل زمان بأنه إذا ظهر واحد من أهل الحق ~~وأولياء الله، فأول من يسعى في ابطال حقه ويريد إطفاء نوره في أكثر ~~الأمر هم علماء السوء ورؤساء حملة الكتاب، أو المغترون بالشريعة التي ~~كانوا عليها، وذلك لأن ظهور حاله يوجب كشف نقائصهم وجهالاتهم على الناس، ~~وفي ذلك انحطاط منزلتهم عند الخلق، ونقصان جاههم، وسقوطهم عن أعين ~~السلاطين، وجميع ذلك هو مطمح أنظارهم في اكتساب العلوم والديانة. # فالله سبحانه أشار إلى أن محافظتهم على هذه الأمور الدنيوية في ترك ~~متابعتهم الرسول (صلى الله عليه وآله) وإن كان ثابتا إلا أن لهم في ~~ذلك تفويت للسعادة الأخروية بتحصيل مقامات العلم واليقين. # فإن كمال النفس الإنسانية بتحصيل ما عليه الواجب من صيرورتها جوهرا ~~عقليا مضاهيا للجواهر القدسية والملائكة العقلية، فإذا ترك ذلك ~~التحصيل واشتغل بتحصيل اللذات الدنيوية وحفظ الرياسات الحيوانية، فكأنه ~~باع الملك، واشترى الحيوان، وباع البهجة القصوى، والسعادة الأبدية ~~باللذة الحيوانية الفانية ولا شك أنه باع أمرا جليلا بثمن قليل، ~~لأن لذة الدنيا بحذافيرها بالنسبة إلى نعيم الآخرة قليلة جدا، بل ~~كنسبة المتناهي إلى غير المتناهي. # والثمن والعوض والبدل نظائر وبينها فروق: # و " الثمن " هو البدل في البيع، وكذا " القيمة ". والبدل أعم في ~~ذلك. والفرق بين الثمن والقيمة أن الثمن قد يكون وفقا، وقد يكون ~~بخسا، وقد يكون زائدا، والقيمة لا تكون إلا مساوية من غير زيادة ولا ~~نقصان. # قال الفراء: إنما أدخل الباء في " الآيات " دون " الثمن " وفي سورة ~~يوسف أدخله في الثمن في قوله: # وشروه بثمن بخس # [يوسف:20] لأن العروض كلها أنت مخير فيها، إن شئت قلت: " اشتريت ~~الثوب بكساء " وإن شئت قلت: " اشتريت بالثوب كساء " أيهما جعلت ~~ثمنا لصاحبه جاز. فإذا جئت إلى الدراهم والدنانير وضعت " الباء " في ~~الثمن كقوله: # وشروه بثمن بخس # [يوسف:20] لأن الدراهم ثمن أبدا. # قيل: المعنى { لا تستبدلوا بآياتي } أي: بما في التوراة ~~والإنجيل من بيان صفة محمد (صلى الله عليه وآله) ونعته { ثمنا ~~قليلا } أي: عرضا يسيرا من الدنيا. # وروي ms0753 عن أبي جعفر (عليه السلام) في هذه الآية أنه قال: " كان حيي ابن ~~أخطب، وكعب بن أشرف، وآخرون من اليهود لهم مأكلة من اليهود في كل سنة، ~~فكرهوا بطلانها بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) فحرفوا لذلك آيات في ~~التوراة فيها صفته وذكره، فذلك الثمن الذي أريد في الآية ". # وروي عن ابن عباس أيضا: أن رؤساء اليهود مثل كعب بن الأشرف، وحيي ~~بن أخطب، وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهدايا، وانهم لو ~~اتبعوا محمدا لانقطعت عنهم تلك الهدايا، فأصروا على الكفر لئلا ~~ينقطع عنهم ذلك القدر المحقر. # واعلم أن خطاب الله في القرآن ينبغي أن يحمل على العام الشامل لكل ~~أحد، وإن كان منشأ النزول مخصوصا، حتى تكون علوما كلية باقية أبد ~~الدهر فقوله: { ولا تشتروا بآياتي } أي بمعرفتها { ثمنا ~~قليلا } يجب أن يكون حكما عاما يكون به النهي عن صنع كل من ~~ترك تعلم آيات الحكمة واليقين بواسطة محافظته على دنياه، وخوفه عن زوال ~~جاهه عند الخلق، وسقوط منزلته لديهم. # فمن هاهنا يعلم أن كل من جحد حقا من حقوق الله، وأنكر علما من ~~المعارف اليقينية، والعلوم الربانية حذرا من أن يلزم عليه اتضاع من ~~أمر دنياه بظهور علم هو فوق علمه - كالعلم الأعلى بالقياس إلى العلوم ~~الجزئية - أو خمول في شهرته وصيته، أو كساد في مجمع وعظه ومدرسة علمه ~~الناقص، فهو داخل في جنس أولئك المخاطبين بهذه الآية. # فصل # قوله: { وإياي فاتقون } # أي بالإيمان واتباع الحق، والاعراض عن الدنيا، ويقرب معناه مما تقدم ~~من قوله { وإياي فاتقون }. # والفرق بين الرهبة والتقوى بالتأكد والضعف، وكان الوجه أن الأولى ~~مقدمة للثانية ولهذا أوردت الرهبة في الآية السابقة، والتقوى في ~~اللاحقة. وأيضا لما عم الخطاب في الآية الأولى العالم والمقلد ~~جميعا وقع الأمر فيها بالرهبة التي هي مبدأ السلوك، وحيث خص أهل ~~العلم أمرهم بالتقوى التي هي منتهاه. # علماء السوء وما ورد فيهم # واعلم أنه قد وردت في علماء السوء تشديدات عظيمة دلت على أنهم أشد ~~الناس عذابا يوم القيامة. ms0754 والمراد بعلماء السوء الذين قصدهم من العلم ~~التنعم بالدنيا، والتوصل إلى الجاه والمنزلة عند أهلها، والأحاديث ~~الدالة على أن هؤلاء أشد الناس عذابا يوم القيامة، وأن لزوم الحجة ~~عليهم أشد كثيرة: # فمن طريق أهل البيت عليهم السلام ما رواه محمد بن يعقوب الكليني رحمه ~~الله بسنده المتصل عن سليم بن قيس الهلالي، قال: سمعت أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) يحدث عن النبي (صلى الله عليه وآله)، أنه قال في كلام ~~له: " العلماء رجلان: رجل عالم آخذ بعلمه، فهذا ناج. وعالم تارك ~~لعلمه فهذا هالك. وإن أهل النار ليتأذون عن ريح العالم التارك ~~لعلمه. # وإن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا إلى الله، فاستجاب له ~~وقبل منه فأطاع الله، فأدخله الله الجنة. وأدخل الداعي إلى النار ~~بتركه علمه، واتباعه الهوى، وطول الأمل. أما اتباع الهوى فيصد عن ~~الحق. وطول الأمل ينسي الآخرة ". # وروى أيضا عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه رفعه ~~قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له خطب به على المنبر: " ~~أيها الناس إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون. # إن العالم العامل بغيره وفي نسخة: " بغير بصيرة " بدل: " بغيره " - ~~كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله، بل قد رأيت أن الحجة عليه ~~أعظم، والحسرة أدوم على هذا العالم، المنسلخ عن علمه، منها على هذا ~~الجاهل المتحير في جهله، وكلاهما حائر بائر ". # روى أيضا بسنده المتصل عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " من طلب ~~العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه ~~الناس إليه، فليتبوأ مقعده من النار ". # وروى أيضا مسندا عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~" قال يا حفص يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد ~~". # وبهذا الإسناد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام)، قال: قال عيسى ابن ~~مريم: " ويل لعلماء السوء، كيف تلظى عليهم النار ". # وروى أيضا مسندا عن جميل بن دراج، قال: سمعت أبا عبد ms0755 الله (عليه ~~السلام) يقول: " إذا بلغت النفس هاهنا - وأشار بيده إلى حلقه - لم يكن ~~للعالم توبة " ثم قرأ: # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة # [النساء:17]. # وروى أيضا عن علي بن إبراهيم، رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، ~~قال: " طلبة العلم ثلاثة، فاعرفوهم بأعيانهم وصفاتهم: صنف يطلبه للجهل ~~والمراء، وصنف يطلبه للاستطالة والختل، وصنف يطلبه للفقه والعقل. # فصاحب الجهل والمراء موذ، ممار، متعرض للمقال في أندية الرجال ~~بتذاكر العلم، وصفة الحلم، قد تسر بل بالخشوع، وتخلى من الورع، فدق ~~الله من هذا خيشومه، وقطع منه حيزومه. # وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق، يستطيل على مثله من أشباهه، ~~ويتواضع للأغنياء من دونه، فهو لحلوائهم هاضم، ولدينه حاطم، فأعمى ~~الله على هذا خبره، وقطع من آثار العلماء أثره. # وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة، وحزن، وسهر، قد تحنك في برنسه وقام ~~الليل في جندسه، يعمل ويخشى وجلا، داعيا، مشفقا، مقبلا على شأنه، ~~عارفا بأهل زمانه، مستوحشا من أوثق إخوانه، فشد الله من هذا أركانه، ~~وأعطاه يوم القيامة أمانه ". # وأما من طريق غيرهم فوقع في الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) ~~أنه قال: # " إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ". # وقال أيضا: # " العلم علمان: علم على اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم. وعلم في ~~القلب، فذلك العلم النافع ". # وقال أيضا: # " لأنا من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال " فقيل: " وما ذاك؟ " ~~فقال: " أئمة مضلون ". # وقال أيضا: # " من ازداد علما ولم يزدد هدى، لم يزدد من الله إلا بعدا ". # وقال عيسى (عليه السلام): " إلى متى تصفون الطريق للمدلجين وأنتم ~~مقيمون مع المتحيرين؟! ". # فهذا وغيره من الأخبار يدل على عظيم العلم، وأن العالم إمأ متعرض ~~لهلاك الأبد أو لسعادة الأبد، وأنه بالخوض في العلم قد حرم السلامة إن ~~لم تدركه السلامة. # وأما الآثار: فقال الحسن: " لا تكن ممن يجمع علم العلماء، وطرائف ~~الحكماء ويجري في العمل مجرى السفهاء ". # وقال أيضا: " عقوبة العلماء موت القلب " وأنشد: # عجيب لمبتاع الضلالة ms0756 بالهدى # ومن يشتري دنياه بالدين أعجب # وقال أسامة بن زيد: # " سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يؤتى بالعالم، فيلقى في ~~النار، فتندلق أقتابه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا. فيطوف ~~به أهل النار فيقولون " مالك؟ " فيقول: " كنت آمر بالخير ولا آتيه، ~~وأنهى عن الشر وآتيه " ". # وإنما يضاعف عذاب العالم في معصيته لأنه عصى عن علم، ولذلك قال ~~تعالى: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء:145]. لأنهم تعدوا بعد العلم، وجعل اليهود شرا من ~~النصارى، مع أنهم ما جعلوا لله ولدا، ولا قالوا: # إن الله ثالث ثلاثة # [المائدة:73] ولكن كفروا وأنكروا بعد المعرفة، وقال تعالى: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله ~~على الكافرين # [البقرة:89]. وقال تعالى في قصة بلعم ابن باعورا: # واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ ~~منها # [الأعراف:175] حتى قال # فمثله كمثل الكلب # [الأعراف:176]. فكذلك حكم العالم الفاجر، فإن بلعم أوتي كتاب ~~الله، فأخلد إلى الشهوات، فشبهه بالكلب. أي: سواء أوتي الحكمة أو لم ~~يؤت، فهو مخلد إلى الشهوات. # وقال عيسى (عليه السلام): " مثل علماء السوء كمثل صخرة وقعت على ~~فم النهر لا هي تشرب ولا تترك الماء تخلص إلى الزرع. ومثل علماء ~~السوء مثل قناة الحش ظاهرها خضر وباطنها نتن، ومثل القبور ظاهرها ~~عامرة وباطنها عظام الموتى ". # وفي المثنوي للمولى الرومي - رحمه الله - أبيات جيدة في بيان حالهم، ~~وكشف عوارهم، فهذه الأخبار والآثار تدل على أن العالم الذي هو من ~~أبناء الدنيا أخس حالا، وأسوأ عاقبة، ومآلا، وأشد عذابا من الجاهل ~~السليم القلب. وأن الفائزين المقربين هم علماء الآخرة. # فصل # علامات علماء الآخرة # فإن قلت: كيف يمكن لأحد أن يعرف علماء الآخرة حتى يقتدي بهم، والعلم ~~الحقيقي حالة باطنية؟ وبماذا يمتازون عن علماء الدنيا؟ # قلت: إن لهم علامات ذكرها بعض المحققين: # منها: أن لا يطلب الدنيا بعلمه. فإن أقل درجات العالم أن يدرك حقارة ~~الدنيا وخستها، وكدورتها، وانصرامها، وعظم الآخرة ودوامها، وصفاء ~~نعيمها، وجلالة ملكها، ويعلم أنهما متضادان، كالضرتين، مهما أرضيت ~~إحداهما ms0757 أسخطت الأخرى،... وأنهما كالمشرق والمغرب، متى قربت من ~~أحدهما بعدت عن الآخر إذ الآخرة عالم النور والقصور، والدنيا عالم ~~الظلمة والقبور، وأنهما ككفتي الميزان متى رجحت إحداهما خفت ~~الأخرى، كما قال أبو نصر الفارابي في نظم له: # عابوا علي خصاصتي فأجبتهم # حظ وعلم كيف يجتمعان # رجحان ذا خسران ذا وكلاهما # يتخالفان ككفتي ميزان # حاز الجهول الرزق بالسبب الذي # وقع اللبيب به على حرمان # فمن لم يعلم حقارة الدنيا وكدورتها، وامتزاج لذتها بألمها، ثم ~~انصرام ما يصفو منها فهو فاسد العقل. فإن المشاهدة والتجربة ترشد إلى ~~ذلك، فكيف يكون من العلماء من لا عقل له؟! ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة ~~ودوام نعيمها وجحيمها فهو كافر مسلوب الإيمان، فكيف يكون من العلماء من ~~لا إيمان له؟! ومن لا يعلم مضادة الدنيا للآخرة، وأن الجمع بينهما ~~طمع في غير مطمع، فهو جاهل بشريعة الأنبياء كلهم - صلوات الله عليهم ~~- بل هو كافر بالقرآن من أوله إلى آخره، فكيف يعد من زمرة العلماء؟! ~~ومن علم هذا كله ثم يؤثر الدنيا وجاهها ورياستها على الآخرة، فهو ~~أسير الشيطان مغلول بغله، مقيد بحبله، قد أهلكته شهوته وغلبت عليه ~~شقوته، فكيف يعد من أحزاب العلم من هذه درجته؟! # وفي أخبار داود: " إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على ~~محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي ". # وقال مالك بن دينار: " قرأت في بعض الكتب، إن الله عز وجل يقول: # " إن أهون ما أصنع بالعالم إذا أحب الدنيا أن أخرج حلاوة مناجاتي ~~من قلبه ". # وقال عيسى (عليه السلام): " كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى ~~الآخرة وهو مقبل على دنياه؟ وكيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ~~ليخبر به - لا ليعمل به -؟ ". # وقال صالح بن حميان: " أدركت الشيوخ وهم يتعوذون بالله من الفاجر ~~العالم بالسنة ". # وروى أبو الدرداء، أنه (صلى الله عليه وآله) قال: # " أوحى الله إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير الدين، ويتعلمون ~~لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون مشوك الكباش، ~~وقلوبهم كقلوب الذئاب، ms0758 ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من ~~الصبر: اياي يخادعون، وبي يستهزئون! لأفتحن لهم فتنة تذر الحكيم ~~حيرانا ". # وروى الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه الله علما فبذله للناس، ولم يأخذ ~~عليه طمعا، ولم يشتر به ثمنا، فذلك يصلي عليه طير السماء، وحيتان ~~الماء، ودواب الأرض، والكرام الكاتبون. يقدم على الله سيدا ~~شريفا حتى يرافق النبيين. ورجل آتاه الله تعالى علما في الدنيا ~~فضن به على عباد الله عز وجل وأخذ عليه، واشترى به ثمنا، يأتي يوم ~~القيامة ملجما بلجام من نار، ينادي مناد على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن ~~فلان آتاه الله تعالى في الدنيا علما فضن به على عباد الله تعالى وأخذ ~~عليه طمعا، واشترى به ثمنا قليلا. يعذب حتى يفرغ الله من حساب ~~الخلائق ". # وأشد من هذا ما روي: إن رجلا كان يخدم موسى (عليه السلام)، فجعل ~~يقول: " حدثني موسى صفي الله حدثني موسى نجي الله، حدثني موسى كليم ~~الله " حتى أثرى وكثر ماله، ففقده موسى، فجعل يسأل عنه فلا يحس له ~~أثرا، حتى جاءه رجل في يده خنزير وفي عنقه حبل أسود. فقال له موسى: ~~" أتعرف فلانا "؟ قال: " نعم هو هذا الخنزير ". فقال موسى: يا رب: ~~أسألك أن ترده إلى حاله حتى أسأله فيما أصابه هذا. فأوحى الله إليه: " ~~لو دعوتني بالذي دعا به آدم فمن دونه، ما أجبتك. ولكن أخبرك لم صنعت ~~به هذا. لأنه يطلب الدنيا بالدين ". # وأغلظ من هذا ما ورد عن معاذ بن جبل: أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) قال: فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع. وفي ~~الكلام تنميق وزيادة، ولا يؤمن على صاحبه الخطأ، وفي الصمت سلامة وعلم. # ومن العلماء من يخزن علمه فلا يحب أن يوجد في غيره، فذلك في الدرك ~~الأول من النار. ومن العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان، فإن يرد ~~عليه شيء من علمه، أو تهون بشيء من علمه ms0759 غضب، فذلك في الدرك الثاني ~~من النار. ومن العلماء من يجعل علمه وغرائب حديثه لأهل الشرف، ولا يرى ~~أهل الحاجة أهلا له، فذلك في الدرك الثالث من النار. ومن العلماء من ~~ينصب نفسه للفتيا، ويفتي بالخطأ والله يبغض المتكلفين، فذلك في الدرك ~~الرابع من النار، ومن العلماء من يتكلم بكلام اليهود والنصارى ليغزر ~~علمه، فذلك في الدرك الخامس من النار. ومن العلماء من يتخذ علمه مروة ~~ونبلا وذكرا في الناس، فذلك في الدرك السادس من النار. ومن العلماء من ~~يستفزه الزهو والعجب، فإن وعظ عنف، وإن وعظ أنف، فذلك في الدرك ~~السابع من النار. فعليك بالصمت، فيه تغلب الشيطان، وإياك أن تضحك من ~~غير عجب، أو تمشي في غير أرب. # وفي الخبر: # " إن العبد لينشر له من الثناء ما بين المشرق والمغرب، وما يزن عند ~~الله جناح بعوضة ". # وقال (صلى الله عليه وآله): # " العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان، فإذا ~~فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل. فاحذروهم واعتزلوهم ". # وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " شرار العلماء الذين يأتون الأمراء، وخيار الأمراء الذين يأتون ~~العلماء ". # وقال أبو ذر لسلمة: " يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين، فإنك لا تصيب من ~~دنياهم شيئا إلا وأصابوا من دينك أفضل منه ". # وهذه فتنة عظيمة للعلماء، وذريعة صعبة للشيطان عليهم، لا سيما من له ~~لهجة مقبولة وكلام حلو، إذ لا يزال الشيطان يلقي إليه أن في وعظك ~~لهم، ودخولك عليهم ما يزجرهم عن الظلم ويقيم شعائر الشرع إلى أن يخيل ~~إليه أن الدخول عليهم من الدين. # ومن علامات علماء الآخرة أن لا يكون أحدهم متسرعا إلى الفتوى، بل ~~يكون متوقفا محترزا ما وجد إلى الخلاص سبيلا، فإن سئل عما يعلمه ~~تحقيقا بنص كتاب، أو بنص حديث، أو إجماع، أو دليل قاطع، أجاب. وإن سئل ~~عما شك فيه، قال: " لا أدري ". وإن سئل عما يظنه باجتهاد وتخمين ~~احتاط، ودفع عن نفسه، وأحال على غيره - إن كان في غيره غنية - هذا هو ~~الحزم، لأن ms0760 تقلد خطر الاجتهاد عظيم. وفي الخبر: # " العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة قائمة، ولا أدري ". # وقال الشعبي: " لا أدري نصف العلم. ومن سكت حين لا يدري لله تعالى ~~فليس أقل أجرا ممن نطق، لأن الاعتراف بالجهل اشد على النفس ". # وهكذا كانت الصحابة. قال عبد الرحمن ابن أبي ليلى: " أدركت في هذا ~~المسجد مأة وعشرين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ما منهم من ~~أحد يسأل إلا ود أن أخاه كفاه ذلك ". وفي لفظ آخر: " كانت المسألة ~~تعرض على أحدهم، فيردها إلى الآخر حتى يعود إلى الأول ". # كان ابن عمر إذا سئل عن الفتوى قال: " اذهب إلى الأمير الذي تقلد ~~أمور الناس " وكان يقول: " تريدون أن تجعلونا جسرا تعبرون علينا إلى ~~جهنم ". # وقال ابن مسعود: " ليس شيء أشد على الشيطان من عالم يتكلم بعلم ~~ويسكت بعلم، يقول: أنظروا إلى هذا، سكوته أشد علي من كلامه ". # ووصف بعضهم " الأبدال " فقال: أكلهم فاقة، وكلامهم ضرورة ". # ومر أمير المؤمنين (عليه السلام) وعبد الله بن مسعود برجل يتكلم على ~~الناس، فقال: " هذا يقول: اعرفوني ". # وقال بعضهم: " إذا كثر العلم قل الكلام ". # ومن علاماتهم أن يكون أكثر اهتمامهم بعلم الباطن، ومراقبة القلب، ~~ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه، والرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة ~~ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة، والجلوس مع الله في الخلوة مع حضور ~~القلب بصافي الفكرة، والانقطاع إلى الله عما سواه. فذلك مفتاح الإلهام، ~~ومنبع الكشف، فكم من متعلم طال بعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة، ~~وكم من مقتصر على المهم في التعلم، ومتوفر على العمل، ومراقبة القلب ~~فتح الله عليه من لطائف الحكم ما يحار فيه عقول ذوي الألباب. # ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ". # وفي بعض الكتب: " يا بني إسرائيل لا تقولوا: العلم في السماء من ينزل ~~به؟ ولا في تخوم الأرض، من يصعد به؟ ولا من وراء البحار، من يعبر فيأتي ~~به؟ العلم مجبول في قلوبكم، تأدبوا بين ms0761 يدي بأدب الروحانيين، ~~وتخلقوا إلي بأخلاق الصديقين. أظهر العلم من قلوبكم حتى يغطيكم ". # فكم من معان دقيقة من أسرار القرآن تخطر على قلب المتجرد للذكر ~~والفكر تخلو عنها كتب التفاسير، ولا يطلع عليها أذكياء المفسرين. وإذا ~~انكشف ذلك للمراقب، ويعرض على المفسرين استحسنوه وعلموا أن ذلك من ~~تنبيهات القلوب الزكية، وألطاف الله تعالى بالهمم العالية المتوجهة ~~إليه. وكذلك في علوم المكاشفة، وأسرار علوم المعاملة، ودقائق علم النفس، ~~وخواطرها، وهواجسها، فإن كل علم من هذه العلوم بحر لا يدرك غوره، ~~وإنما يخوضه كل طالب بقدر ما رزق، وبقدر ما وفق بحسن العمل. # وروي في الإسرائيليات إن حكيما من الحكماء صنف ثلاثمأة وستين ~~مصحفا في الحكمة، حتى وصف بالحكيم، فأوحى الله إلى نبيهم: " قل ~~لفلان قد ملأت الأرض نفاقا، ولم تردني شيئا من ذلك. وإني لا أقبل من ~~نفاقك شيئا " فندم الرجل وترك ذلك وخالط العامة في الأسواق، وواكل بني ~~إسرائيل وتواضع في نفسه، فأوحى الله إليه: " قل له: الآن وافقت رضائي ". # ومنها: أن يكون أكثر بحثه في علم الأعمال عما يفسدها، ويشوش القلب، ~~ويهيج الوسواس، ويثير الشر. فإن أصل الدين التوقي من الشر. ولذلك ~~قيل: # عرفت الشر لا لش # شر لكن لتوقيه # ومن لا يعرف الشر # من الناس يقع فيه # ولأن الأعمال البدنية لا تتم إلا بالقصود والنيات، وإنما الشأن في ~~معرفة ما يفسدها ويشوشها، وهذا مما تكثر شعبه ويطول تعريفه، وكل ذلك مما ~~يغلب مسيس الحاجة إليه، وتعم البلوى به في طريق سلوك الآخرة. # وأما علماء الدنيا فإنهم يتبعون غرائب التفريع في الأقضية والحكومات، ~~ويتعبون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع، وإن وقع ذلك فإنما يقع ~~لغيرهم - لا لهم - فإذا وقع كان في العالمين به كثرة، ويتركون ما ~~يلازمهم ويتكرر عليهم آناء الليل وأطراف النهار من خواطرهم، ووساوسهم، ~~وأعمالهم. # وما أبعد عن السعادة من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر ~~ايثارا للقبول والقرب من الخلق على القرب من الله، وحرصا على أن ~~يسميه البطالون من أبناء الدنيا فاضلا، ms0762 عالما بالدقائق. وجزاؤه من ~~الله أن لا ينتفع في الدنيا بقبول الخلق، بل يتكدر عليه صفوه بنوائب ~~الزمان، ثم يرد القيامة مفلسا متحسرا على ما يشاهده من ربح العاملين، ~~ونور المقربين. # وهذا هو الخسران المبين. # فهذه عدة علامات جلية يمكن تعريفها لكل من أراد، ذكرها صاحب كتاب ~~الإحياء. ولهم علامات أخرى باطنية لا يعرفها إلا ذو بصيرة كشفية. # ومن علاماتهم أيضا ما ذكر صاحب كتاب إخوان الصفا بقوله: # فمن إحدى علامات أولياء الله المنبعثين من موت الجهالة ورقدة الغفلة، ~~المستبصرين بعين اليقين ونور الهداية، العارفين بحقائق الدنيا: أنهم ~~قوم تستوي عندهم الأماكن والأزمان، وتغاير الأمور وتصاريف الأكوان. فقد ~~صارت الأيام كلها عندهم عيدا واحدا، وجمعة واحدة، وصارت الأماكن ~~كلها لهم مسجدا واحدا، والجهات كلها قبلة ومحرابا واحدا، وصارت ~~حركاتهم كلهم عبادة لله، وسكناتهم كلهم طاعة، واستوى عندهم مدح ~~المادحين وذم الذامين، لا يأخذهم في الله لومة لائم، قياما لله ~~بالقسط شهداء وهم على صلاتهم دائمون، وتحققوا بقوله تعالى: # فأينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة:115]. # وإنما استوت عندهم الأماكن كلها وصارت محرابا ومسجدا وقبلة واحدة ~~لتصديقهم قول الله تعالى: # فأينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة:115] وصاروا شهداء لمشاهدتهم له وتصديقهم لقوله: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا ~~أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم ~~بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء ~~عليم # [المجادلة:7]. # وإنما استوت عندهم الأيام كلها فصارت كلها جمعة وعيدا لمشاهدتهم ~~يوم القيامة الذي هو أول البعث لمحمد (صلى الله عليه وآله) إلى تمام ~~ألف سنة، كما قال (صلى الله عليه وآله): # " بعثت أنا والساعة كهاتين ". # وإنما استوت عندهم تصاريف الأحوال وتغاير الأمور لتصديقهم قول الله ~~تعالى: # مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا ~~في كتاب من قبل أن نبرأهآ إن ذلك على الله ~~يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا ~~بمآ آتاكم # [الحديد:22 - 23]. وصار دعاؤهم مستجابا لأنهم لا يسألون ms0763 إلا ما يكون، ~~ولا يكون إلا ما قدر في سابق العلم. فقلوبهم في راحة من التعلق ~~بالأسباب، وأبدانهم فارغة من التكلف فيما لا يعني، ونفوسهم ساكنة عن ~~الوسواس، وهم في راحة من أنفسهم، والناس منهم في راحة وأمان، لا يريدون ~~لأحد سوء، ولا يضمرون لأحد شرا - عدوا كان أو صديقا - كما قال علي ~~(عليه السلام): " والله ما دنياكم عندي إلا كعفطة عنز ". ### || [2.42] # عطف على ما قبله، وقوله تعالى: # وآمنوا بمآ أنزلت # [البقرة:41] أمر بترك الكفر والضلال. وقوله: { ولا تلبسوا ~~الحق بالباطل } إشارة إلى الأول، لأنه تشويش الدلائل على ~~الحق. وقوله: { وتكتموا الحق } إشارة إلى الثاني، لأنه منع ~~للوصول إلى الدلائل. # و " اللبس ": الخلط. # و " الباء " التي في " الباطل " إما للاستعانة كقولك " كتبت بالقلم " ~~وكان المعنى: " ولا تلبسوا الحق بسبب ابداء الشبهات على السامعين " ~~وإما للصلة كقولك: " لبست كذا بكذا " وكان المعنى: " ولا تجعلوا الحق ~~ملتبسا عليهم بسبب الباطل الذي تكتبونه في خلاله، أو تذكرونه في تأويله ~~". أو " لا تكتبوا في التوراة ما ليس منها، حتى لا يتميز، فيختلط الحق ~~المنزل بالباطل الذي تخترعونه أو تكتبونه ". # وقوله: { وتكتموا الحق } جزم داخل تحت حكم النهي، كأنهم ~~أمروا بالإيمان، وترك الضلال، ونهوا عن الاضلال بالتلبيس على من سمع ~~الحق، والاخفاء على من لم يسمعه. أو منصوب باضمار " أن " و " الواو " ~~بمعنى الجمع، أي: لا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق " كقولك: ~~" لا تأكل السمك وتشرب اللبن " ويؤيده أنه في قراءة ابن مسعود: " ~~وتكتمون " بمعنى " كاتمين " ، فإنه إشعار بأن استقباح اللبس لما ~~يصحبه من كتمان الحق، ولا شك في أن كلا منهما مما يمكن وقوعه ~~وجدانا، وإن الجمع بينهما أقبح، وهم يفعلونهما جميعا. # وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في شأن محمد (صلى الله ~~عليه وآله) بعضها بحيث يمكن اخفاء دلالتها - إذ فيها نوع خفاء، فكانوا ~~يكتمونها - وبعضها في الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على العقول السليمة ~~وجه دلالتها، إذا لم يشوشها شبهة مضل وتلبيس ملبس مجادل، فكانوا ~~يشوشون وجه الدلالة ms0764 على المتأملين الناظرين بسبب ابداء الشبهات ~~والمجادلات. فهذا هو المراد بقوله: { وتلبسوا الحق ~~بالباطل } وهو المذكور أيضا في قوله: # وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق # [غافر:5]. # وقوله: { وتكتموا الحق } إشارة إلى القسم الأول. وقوله: { ~~وأنتم تعلمون } وقع حالا. أي: عالمين بأنكم لابسون، ~~كاتمون. فإنه أقبح، إذ الجاهل ربما يتصور له عذر. والتقييد به لا يدل ~~على جوازهما حال عدم العلم. بل على أن الاقدام على الفعل الضار مع ~~العلم بكونه ضارا أفحش من الاقدام عليه عند الجهل بكونه ضارا. فلما ~~كانوا عالمين بما في التلبيس من المفاسد، كان إقدامهم عليه أقبح. # وبالجملة، الخطاب متوجه إلى رؤساء أهل الكتاب، وهم يجحدون ما يعلمون، ~~وجحد المعاند أعظم من جحد الجاهل. # وقيل معناه: " وأنتم تعلمون البعث والجزاء ". # وقيل معناه: " وأنتم تعلمون ما أنزل وسينزل ممن كذب على الله تعالى ". ~~وقيل معناه: " وأنتم تعلمون ما نزل ببني إسرائيل من المسخ وغيره ". # والآية دالة على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره، ويحرم عليه ~~كتمانه. # فإن قيل: كيف يجوز أن يكون هؤلاء عارفين بنبوة محمد (صلى الله عليه ~~وآله)، وذلك مبني على معرفة الله تعالى؟ وعندكم: إن من عرف الله لا ~~يجوز أن يكفر. وهؤلاء صاروا كفارا وماتوا على كفرهم؟ # قلت: للعلم مراتب: الظن، واليقين، والمشاهدة. والعلم الذي هو ~~منشأ السعادة الأخروية، والخلاص من العقاب الدائم هو اليقين الحاصل من ~~البرهان الضروري الدائم، وهو بذر المشاهدة الباطنية الدائمة، وأما ~~الظن فلا يغني من الحق شيئا. ولكن يكفي لصحة العمل، وابلاغ الحجة. ~~فلا يمتنع أن يكونوا عارفين بالله وبالتوراة وبصفات النبي (صلى الله عليه ~~وآله) على وجه لا يستحق به الثواب، لأن الثواب مترتب على العلم إذا ~~عمل بمقتضاه. # وعند بعض أصحابنا، القائلين بالموافاة، إن استحقاقهم الثواب على ~~إيمانهم مشروط بالموافاة، فإذا لم يوافوا بالإيمان لم يستحقوا الثواب. ~~فعلى هذا يجوز أن يكونوا عارفين، وأن يكونوا مستحقين للثواب، لابطالهم ~~ذلك بالكفر. والمعتمد هو الأول. # فصل # في ترهيب علماء السوء # قال الإمام الرازي في التفسير الكبير: " هذا الخطاب - وإن ms0765 ورد فيهم - ~~فهو تنبيه لسائر الخلق، وتحذير من مثله، فصار الخطاب وإن كان خاصا في ~~الصورة فإنه عام في المعنى: انتهى قوله. # واعلم أن أكثر من يوجد فيه تلبيس الحق بالباطل، أو كتمانه من العلماء ~~هم الفقهاء، الذين غلبت على أنفسهم الأهواء، كحب الجاه، والتقرب من ~~الملوك والسلاطين، وطلب المال. فإنهم لما غلبت عليهم الأهواء، وطلب ~~المراتب عند الملوك تركوا المحجة البيضاء، وجنحوا إلى التأويلات ~~البعيدة، ليمشوا بها أغراض الملوك، وأعراضهم فيما لهم فيه هوى نفس، ~~ليستندوا في ذلك إلى أمر شرعي، مع كون الفقيه ربما لا يعتقد ذلك ويفتي ~~به. # وذكر الشيخ العارف المحقق محيي الدين الأعرابي في الفتوحات: " إنا ~~رأينا جماعة من الفقهاء والقضاة على هذا الشأن ". # وقال: " لقد أخبرني الملك ظاهر بن الملك صلاح الدين - وقد وقع بيني ~~وبينه كلام في مثل هذا - فنادى بمملوك وقال: جئني بالجرمدان. # فقلت: ما شأن الجرمدان؟ فقال: أنت تنكر علي ما يجري في بلدي ومملكتي من ~~المنكرات والظلم. وأنا - والله - أعتقد مثل ما تعتقد أنت فيه من ذلك. ~~فعليهم لعنة الله. ولقد أفتاني فقيه هو فلان - وعين لي أفضل فقيه ~~عنده في بلده في الدين والتفشف - بأنه لا يجب علي صوم شهر رمضان هذا ~~بعينه. بل الواجب علي شهر في السنة. والاختيار لي فيه أي شهر شئت من ~~الشهور قال السلطان: فلعنته في باطني ولم أظهر له ذلك، وهو فلان ~~وسماه لي رحم الله جميعهم. # وليعلم أن الشيطان قد مكنه الله من حضرة الخيال وجعل له السلطان ~~فيها. فإذا رأيت الفقيه يميل إلى هوى تعرف أنه تردى عند الله، زين ~~الله له سوء عمله بتأويل غريب يمهد له فيه وجها، فحسنه في نظره، ~~فإذا مهد له هذا السبيل جنح إلى نيل هواه وشهوته بوجه شرعي في زعمه، فلا ~~يزال هكذا فعله " انتهى كلامه. # واعلم أن علماء العلوم الحقيقية آمنين سالمين من هذه الأمراض ~~والفتن، فإن علومهم وحالاتهم مختفية عن العوام والحكام، وإنما يعرض ~~هذه الأمراض والفتن - أكثر ما يعرض - للوعاظ والفقهاء ms0766 الذي اقتصروا ~~على علم الفتاوى والحكومات، والمعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق ~~لمصالح المعايش، وخصصوا علم الفقه بها وسموه علم المذهب وعلم الدين، ~~فربما ضيعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة فلم يتفقدوا الجوارح، ولم ~~يحرسوا اللسان عن الغيبة، والبطن عن الحرام، والرجل عن المشي إلى ~~السلطان، وكذا سائر الجوارح. ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر، والحسد، ~~والرياء، وسائر الملكات المهلكات. # قال الغزالي في كتاب الإحياء مشيرا إليهم: " هؤلاء هم المغرورون من ~~وجهين: أحدهما من حيث العمل والآخر من حيث العلم. # أما من حيث العمل: فمثلهم كمثل المريض، إذا تعلم نسخة الدواء واشتغل ~~بتكراره وتعليمه - لا - بل مثلهم كمثل من به علة البواسير أو البرسام، ~~وهو مشرف على الهلاك، محتاج إلى تعلم الدواء واستعماله، واشتغل بتعلم ~~دواء الاستحاضة وبتكرار ذلك ليلا ونهارا، مع علمه بأنه رجل لا يحيض ~~ولا يستحيض، ولكن يقول: ربما يقع علة الاستحاضة بامرأة تسألني عنها. ~~فذلك غاية الغرور. # فكذلك المتفقه المسكين قد تسلط عليه حب الدنيا واتباع الشهوات، ~~والحسد والكبر والرياء وسائر المهلكات الباطنة، وربما يختطفه الموت قبل ~~التوبة والتلافي، ويلقى الله وهو عليه غضبان، فترك ذلك كله واشتغل بعلم ~~السلم، والاجارة، والظهار، واللعان، والجراحات، والديات، والدعاوى ~~والبينات، وبكتاب الحيض. ولا يحتاج إلى شيء من ذلك في عمره لنفسه، وإذا ~~احتاج غيره كان للمفتين كثرة. # فيشتغل بذلك ويحرص عليه لما فيه من الجاه والرياسة. وقد دعاه الشيطان ~~ولا يشعر، إذ المغرور يظن أنه مشغول بفرض دينه، وليس يدري أن ~~الاشتغال بفرض الكفاية قبل الفراغ عن فرض العين معصية. # هذا لو كانت نيته صحيحة كما قال: وقد قصد بالتفقه وجه الله، وأما ~~غروره من حيث العلم فحيث اقتصر على علم الفتاوى وظن أنه علم الدين، ~~وترك علم كتاب الله وسنة رسوله، وترك أيضا علم تهذيب الأخلاق وترك ~~الفقه في الله بإدراك جلاله وعظمته، وهو العلم الذي يورث الخوف والهيبة ~~والخشوع، ويحمل على التقوى. # فتراه آمنا من الله، مغترا به، متكلا على أنه لا بد أن يرحمه، ~~فإنه قوم دينه، وإنه ms0767 لو لم يشتغل بالفتاوى لتعطل الحلال والحرام، ~~فقد ترك العلوم التي هي أهم، وهو غافل مغرور، وسبب غروره ما سمع في ~~الشرع من تعظيم الفقه، ولم يدر ان ذلك الفقه هو الفقه في الله، ومعرفة ~~صفاته المخوفة والمرجوة، ليستشعر القلب بلازم التقوى، إذ قال الله ~~تعالى: # فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم # [التوبة:122]. # والذي يحصل به الانذار غير هذا العلم، فإن مقصود هذا العلم حفظ الأموال ~~بشروط المعاملات، وحفظ الأبدان بالأموال، وبدفع القتل والجراحات. والمال ~~في طريق الله آلة، والبدن مركب. وإنما العلم المهم هو معرفة سلوك ~~الطريق، وقطع عقبات القلب التي هي الصفات المذمومة. فهي الحجاب بين الله ~~وبين العبد، فإذا مات ملوثا بتلك الصفات كان محجوبا عن الله. # فمثاله في الاقتصار على علم الفقه مثال من اقتصر من سلوك طريق الآخرة ~~على علم حرز الراوية والخف. ولا شك في أنه لو لم يكن لتعطل الحج، ~~ولكن المقتصر عليه ليس من الحج في شيء. # ومن هؤلاء من اقتصر من علم الفقه على الخلافيات، ولم يهمه إلا طريق ~~المجادلة، والالزام، وافحام الخصوم، ودفع الحق لأجل الغلبة والمباهاة، ~~فهو طول الليل والنهار في التفتيش عن مناقضات أرباب المذاهب، والتفقد ~~لعيوب الأقران، والتلقف لأنواع الشبهات المؤذية للقلوب. # وهؤلاء هم سباع الإنس، وطبعهم الإيذاء، وهمهم السفه، ولا يقصدون العلم ~~إلا للمباهاة. فكل علم لا يحتاجون إليه في المباهاة - كعلم القلب، وهو ~~علم سلوك الطريق إلى الله بمحو الصفات المذمومة وتبديلها بالمحمودة - ~~فإنهم يستحقرونه ويسمونه التزويق وكلام الوعاظ. # وأما التحقيق فهو عندهم معرفة تفاصيل العربدة التي تجري بين ~~المتصارعين في الجدل. ### || [2.43] # لما أمرهم أولا بما يتعلق بالعلوم الدينية كالإيمان بالمعارف ~~الإلهية المنزلة على النبي (صلى الله عليه وآله) في القرآن، ثم نهاهم ~~ثانيا عن الكفر بها طلبا للعاجل، وعن المغالطة وتلبيس الحق بالباطل، ~~وكتمان دلائل النبوة، فكلفهم بعد ذلك بالتزام الأعمال الشرعية، وذكر ~~من جملتها ما هو كالدعائم والأصول فيها - وهو الصلاة التي هي ms0768 أعظم ~~العبادات البدنية، والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية - أعني صلاة ~~المسلمين وزكاتهم، وأن غيرهما كلا صلاة ولا زكاة، وبالجملة أمرهم ~~بفروع الإسلام العملية كما أمرهم بأصوله العلمية. # وفيه دليل على أن الكفار مأمورون بالفروع وإن لم يصح منهم إلا بعد ~~الإيمان. # الصلاة # واعلم أن لفظ الصلاة من الأسماء الشرعية، ولا شيهة في أنها عربية، ~~فلا يجوز أن يكون الشرع ارتجلها ابتداء من غير نقل، وإلا لم يصح قوله ~~تعالى: # إنآ أنزلناه قرآنا عربيا # [يوسف:2]. فلا بد أن يكون له في اللغة معنى آخر. فاختلفوا في أصله: # فقيل: الدعاء. قال الأعشى. # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي # نوما فإن لجنب المرء مضطجعا # أي: دعوت. وقيل: اللزوم. قال الشاعر: # لم أكن من جناتها - علم # الله - وإني بحرها اليوم صال # أي: ملازم بحرها. فكان معنى الصلاة ملازمة العبادة على الحد الذي أمر ~~الله به. # وقيل: أصلها من " الصلا " وهي: عظم العجز. لرفعه في الركوع والسجود. # وقيل: مأخوذة من " المصلي " وهو الفرس الذي يتبع غيره. # وعلى القول الأول أكثر العلماء، إذ لا صلاة إلا ويقع فيها الدعاء أو ما ~~يجري مجراه. وربما تخلو صلاة عن متابعة الغير، وإذا عم وجه الشبه في كل ~~الصور كان أولى مما يختص ببعضها. وأيضا اطلاق اسم الجزء على الكل ~~أمر شائع مشهور، فالحمل عليه أولى. # قال بعض الصوفية: اشتقاق الصلاة قيل من " الصلى ". وهي النار. والخشبة ~~المعوجة إذا أرادوا تقويمها تعرض على النار ثم تقوم. وفي العبد اعوجاج ~~لوجود نفسه الأمارة بالسوء، وسبحات وجه الله الكريم التي لو كشف حجابها ~~لأحرقت من أدركته، يصيب بها المصلي من وهج السطوة الإلهية والعظمة ~~الربانية ما يزول اعوجاجه، بل يتحقق به معراجه. فالمصلي كالمصطلي ~~بالنار. ومن اصطلى بنار الصلاة وزال بها اعوجاجه لا يعرض على نار جهنم. # وروى أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني - ره - في الكافي، والصدوق في ~~كتاب من لا يحضره الفقيه: أنه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " ما من صلاة يحضر وقتها إلا نادى ملك بين ms0769 يدي الناس: أيها ~~الناس قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم، فاطفؤها ~~بصلاتكم ". # وقد ورد: # " إن الله إذا تجلى لشيء خضع له " # ومن يتحقق بالصلة في الصلاة تلمع له طوالع التجلي فيخشع، والفلاح ~~للذين هم في صلاتهم خاشعون، وبانتفاء الخشوع ينتفي الفلاح، وشهد القرآن ~~المجيد بالفلاح للمصلين. # وروى ابن عباس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " لما خلق الله تعالى جنة عدن، وخلق فيها ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال لها: تكلمي. قالت: { قد أفلح ~~المؤمنون } [المؤمنون:1] ثلاثا ". # وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " إن العبد إذا قام إلى الصلاة فإنه بين يدي الرحمن، فإذا التفت ~~قال له الرب: إلى من تلتفت؟! إلى من هو خير لك مني؟ إبن آدم أقبل ~~إلي، فأنا خير لك مما تلتفت إليه ". # وأبصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا يعبث بلحيته في الصلاة، ~~فقال له: # " لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه ". # وقال بعضهم: " الصلاة في اللغة هي الدعاء. فكأن المصلي يدعو الله ~~بجميع جوارحه، فصارت أعضاؤه كلها ألسنة، يدعو بها ظاهرا وباطنا، ~~وتشارك الظاهر والباطن بالتضرع والتقلب في الهيئات والتملقات، ~~تملق متضرع سائل محتاج. فإذا دعا بكليته أجابه مولاه، لأنه وعد فقال: # ادعوني أستجب لكم # [غافر:60]. أمرهم بالدعاء، ووعدهم بالاجابة، وليس بينهما شرط. # " والاستجابة والاجابة هو نفوذ دعاء العبد. وإن الداعي الصادق، العالم ~~بمن يدعوه بنور يقينه تخرق دعوته الحجب، وتقف الدعوة بين يدي الله ~~متقاضية للحاجة ". # " وإذا كانت الصلاة للذكر فكيف يسع فيه النسيان، قال الله تعالى: # لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون # [النساء:43]. فمن قال، ولا يعلم كيف يصلي - وقد نهاه الله عن ذلك - ~~فالسكران يقول الشيء لا بحضور عقلي، وكذلك الغافل الذي يصلي لا بحضور ~~القلب فهو كالسكران ". # " وقيل في غرائب التفسير في قوله تعالى لموسى (عليه السلام) # اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى # [طه:12] أي: " همك بامرأتك وغنمك ". فالاهتمام بغير الله سكر في ~~الصلاة. # " وقيل: إن أصحاب ms0770 رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانوا يرفعون أبصارهم ~~يمينا وشمالا. فلما نزلت: # الذين هم في صلاتهم خاشعون # [المؤمنون:2]. جعلوا وجوههم حيث يسجدون. وما رئي بعد ذلك أحد منهم ~~ينظر إلا إلى الأرض. # وخص الله هذه الأمة بانزال فاتحة الكتاب، وفيها تقديم الثناء على ~~الدعاء ليكون أسرع إلى الاجابة، وهي تعليم الله عباده كيفية الدعاء. ~~وفاتحة الكتاب هي السبع المثاني والقرآن العظيم. # وقيل: سميت مثاني لأنها نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~مرتين. مرة بمكة، ومرة بالمدينة. وكان له (صلى الله عليه وآله) بكل ~~مرة نزلت منها فهم آخر. بل كان له بكل مرة قرأها - على الترداد مع ~~طول الزمان - فهم آخر. # وهكذا أهل التحقيق من المصلين من أمته، ينكشف لهم عجائب أسرارها، ~~ولوامع أنوارها، ويقذف لهم كل مرة درر بحارها. # وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أنه قال: " إذا قام أحدكم إلى ~~الصلاة فليسكن أطرافه، ولا يتميل تميل اليهود، فإن سكون الأطراف من ~~تمام الصلاة ". # وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، تعوذوا بالله من خشوع النفاق. ~~وقيل: وما خشوع النفاق؟ قال: خشوع البدن ونفاق القلب. # واليهود يتميلون في الصلاة. قال بعض الصوفية: سببه أنه كان موسى ~~(عليه السلام) يعامل بني إسرائيل على ظاهر الأمور، لقلة ما في باطنهم ~~من نور المعرفة، وكان يهيب الأمور في أعينهم ويعظمها، ولهذا المعنى ~~أوحى الله أن يحلي التوراة بالذهب. # ووقع لي - والله أعلم - أن موسى (عليه السلام) كان يرد عليه الوارد ~~في صلاته ومحال مناجاته، فيتموج به باطنه كبحر ساكن يهب عليه، ~~فتتلاطم الأمواج، فكان تمايل موسى (عليه السلام) لتلاطم أمواج بحر القلب ~~إذا هبت عليه نسيمات الفضل. وربما كانت الروح يتطلع إلى الحضرة ~~الإلهية، فيهم بالاستعلاء، وللقلب بها تشبه وامتزاج، فيضطرب القالب ~~ويتمايل، فيرى اليهود ظاهره، فتمايلوا من غير حظ لبواطنهم من ذلك. # ولهذا المعنى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " انكارا على أهل الوسوسة: هكذا خرجت عظمته من قلوب بني إسرائيل، حتى ~~شهدت أبدانهم، وغابت قلوبهم. ms0771 لا يقبل الله صلاة امرئ لا يشهد فيها قلبه ~~كما يشهد به بدنه. وإن الرجل على صلاته دائم لا يكتب له عشرها إذا كان ~~قلبه ساهيا لاهيا ". # تنبيه # فضل الصلاة # واعلم أن الله تعالى أوجب الصلوات الخمس وقد قال (صلى الله عليه وآله) # " الصلاة عماد الدين " # و # " من ترك الصلاة فقد كفر " # وعنه (صلى الله عليه وآله) في طريق أهل البيت (عليهم السلام): # " ما تقرب العبد إلى الله تعالى بشيء بعد المعرفة أفضل من الصلاة ~~" # الصلاة تحقيق العبودية، وأداء حق الربوبية وسائر العبادات وسائل إلى ~~تحقيق سر الصلاة. # قال سهل بن عبد الله التستري: يحتاج العبد إلى السنن الرواتب لتكميل ~~الفرائض، ويحتاج إلى النوافل لتكميل السنن، ويحتاج إلى الآداب لتكميل ~~النوافل، ومن الأدب ترك الدنيا. # وقد ورد في الأخبار: إن العبد إذا قام إلى الصلاة رفع الله تعالى ~~الحجاب بينه وبينه، وواجهه الكريم، وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى ~~الهواء يصلون بصلاته ويؤمنون على دعائه، وإن المصلي لينثر عليه ~~البر من أعنان السماء إلى مفرق رأسه، ويناديه مناد: لو علم المصلي ~~من يناجي لما التفت، أو ما انفتل ". # وقريب من هذا ما رواه أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن مسلم، ~~عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنه قال: " للمصلي ثلاث خصال: إذا هو قام ~~في صلاته حفت به الملائكة من قدميه إلى أعنان السماء، وتناثر البر ~~عليه من أعنان السماء إلى مفرق رأسه، وملك موكل به ينادي: لو يعلم ~~المصلي من يناجي ما انفتل ". # وقيل: قد جمع الله تعالى للمصلين في كل ركعة ما فرق على أهل ~~السماوات فلله ملائكة في الركوع مذ خلقهم الله، لا يرفعون رؤوسهم من ~~الركوع إلى يوم القيامة وهكذا في السجود والقيام والقعود. والعبد ~~المتيقظ يتصف في ركوعه بصفة الراكعين منهم. وفي السجود بصفة الساجدين ~~منهم. وفي كل هيئة هكذا. ويصير كالواحد منهم وبينهم. # وقيل: في الصلاة أربع هيآت، وستة أذكار. فالهيآت: القيام والقعود ~~والركوع والسجود. والأذكار: هي التلاوة والتسبيح والحمد والاستغفار ~~والدعاء ms0772 والصلاة على النبي وآله. فصارت عشرة كاملة، يتفرق هذه العشرة ~~إلى عشرة صفوف من الملائكة، كل صف عشرة آلاف، فيجتمع له في الركعتين ما ~~يتفرق على مأة ألف من الملائكة. # وفي طريق أصحابنا الإمامية - رضوان الله عليهم - أحاديث كثيرة في فضل ~~الصلاة وأسرارها، نقلها جميعا يؤدي إلى التطويل: # منها: إنه قال النبي (صلى الله عليه وآله): # " مثل الصلاة مثل عمود الفسطاط، إذا ثبت العمود ثبتت الأطناب، ~~والأوتاد، والغشاء، وإذا انكسر العمود لم ينفع طنب، ولا وتد، ولا ~~غشاء ". # وقال (صلى الله عليه وآله): # " إنما مثل الصلاة فيكم كمثل السري - وهو النهر - على باب أحدكم، ~~يخرج إليه في اليوم والليلة، ويغتسل منه خمس مرات ". # وقال الصادق (عليه السلام): " من قبل الله منه صلاة واحدة لم يعذبه ~~". # أقول: وذلك لأن الصلاة مشتملة على معرفة الله، وصفاته، وتوحيده، ~~واليوم الآخر، وكل من أداها بشروطها، عارفا بأصولها وأركانها، فهو من ~~أهل القرب والولاية، فكيف تمسه النار، وهو في بحبوحة القرب. # وقال الصادق (عليه السلام): أقرب ما يكون العبد إلى الله عز وجل وهو ~~ساجد قال الله تعالى # واسجد واقترب # [العلق:19]. # وقال أبو جعفر (عليه السلام): ما من عبد من شيعتنا يقوم إلى الصلاة ~~إلا اكتنفته بعدد من خالفه ملائكة يصلون خلفه، ويدعون الله عز وجل له ~~حتى يفرغ من صلاته. # فصل # في الزكاة # وأما الزكاة فهي في اللغة بمعنى النماء قال: " زكى الزرع " إذا نمى. ~~وبمعنى التطهير، قال تعالى: # أقتلت نفسا زكية # [الكهف:74]. أي: طاهرة وقال: # قد أفلح من زكاها # [الشمس:9]. أي: طهرها. وقال # ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه # [فاطر:18]. أي تطهر بطاعة الله. ولعل اخراج نصف دينار من عشرين ~~دينارا - مثلا - سمي في الشرع " زكاة " نظرا إلى هذين الوجهين. # فعلى الوجه الأول: يستجلب الزكاة بركة في المال، وفضيلة في النفس، فهي ~~نماء في المعنى، وإن كان نقصان في الصورة، لأن في هذا الإعطاء يدفع الله ~~البلاء عن المال، ويزيد في قوة النفس بترك الحرص في الحال طلبا للثواب ~~في المآل. # ولهذا قال رسول ms0773 الله (صلى الله عليه وآله): # " عليك بالصدقة، فإن فيها ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة. ~~فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق، وتكثر في المال، وتعمر الديار. ~~وأما التي في الآخرة فتستر العورة، وتصير ظلا فوق الرأس، وتكون سترا ~~من النار ". # وعلى الوجه الثاني فتطهر المال من الوسخ والخبث، وتطهر النفس ~~من الرذيلة والبخل. قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله): # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # [التوبة:103]. # واعلم أن سر الزكاة وعلة وجوبها تطهير النفس من محبة المال، وفي ~~كلام سقراط الحكيم: " محبة المال وتد الشر " وقال (صلى الله عليه ~~وآله): # " حب الدنيا رأس كل خطيئة " # قرأ بعض الفضلاء هذا الحديث هكذا: " حب الدينار أس كل خطيئة ". # وأما مواساة الفقراء: فهي واقعة بالعرض، ولا تضيق قدرة الله عن أن ~~يرزقهم من وجه آخر، غير ايجاب الزكاة على الأغنياء. # وروى أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني - رحمه الله - عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) أنه قال: " مانع الزكاة يطوق بحية قرعاء تأكل من دماغه ~~". وذلك قول الله عز وجل: # سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة # [آل عمران:180]. # وروي عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) يوما لأصحابه: # " ملعون كل مال لا يزكى. ملعون كل جسد لا يزكى ". # وبرواية أخرى عن الصادق (عليه السلام): " ملعون ملعون مال لا يزكى ~~". # وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: " ما من عبد ~~منع من زكاة ماله شيئا إلا جعل الله ذلك يوم القيامة ثعبانا من ~~نار مطوقا في عنقه، ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب، وهو قول الله ~~تعالى: # سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة # [آل عمران:180] # وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القامة شجاعا ~~أقرع. له زبيبتان يطوقه، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شحمة الأذن ثم يقول: ~~أنا مالك. أنا كنزك. - ثم تلا-: { ولا ms0774 يحسبن الذين ~~يبخلون بمآ آتاهم الله من فضله } [آل عمران:180] " # الآية. # وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم ~~القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فتكوى بها ~~جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة فيرى سبيله، إما إلى الجنة، أو إلى النار ". # وقال (صلى الله عليه وآله): # " ولا صاحب ابل لا يؤدي منه حقها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها ~~بقاع قرقر - أرض مستوية - أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلا واحدا، ~~تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، ~~في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما ~~إلى الجنة. وإما إلى النار. # ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة ~~بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا ~~عضباء تنطحه بقرونها، وتطأه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها رد عليه ~~اخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى ~~سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار ". # وروي أيضا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " ما من رجل يكون له ابل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها، إلا أتي ~~بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه، تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها، ~~كلما جازت أخراها، ردت عليه أولاها، حتى يقضى بين الناس ". # واعلم أن هذه التمثيلات المشاهدة يوم القيامة، كما ورد في هذه ~~الأحاديث كلها حق وصدق يجب الإيمان بها، ولكني أراك - يا حبيبي - ~~عاجزا عن فهمها، وسر حقائقها، وروح معانيها، لأنك ونظرائك عاكفون ~~على أصنام الأجسام الدنيوية لا تجاوزونها في باب الاعتقاد. # ولو نظرتم إلى هذه الأجسام الدنيوية المشاهدة لهذه الحواس أيضا ~~لعلمتم أن أصلها نشأت من المعاني والجهات العقلية، التي اقتضت ~~وجودها اقتضاء ذاتيا، كعلوم الباري جل ذكره، ms0775 أو ادراكات المبادئ ~~المقومة إياها، فهذه الأجسام كأنها معان تجسمت، وتكونت، وانحصرت في ~~مضائق الأبعاد والأحياز، وكأنها أرواح تجسدت، وعقول تشكلت، إلا أن ~~بعضها وجدت على سبيل الحركة والاستعداد بمشاركة انفعال من المواد، ~~وبعضها نشأت على سنة الإبداع في الإيجاد. # وأما الدار الآخرة - وهي دار القرار ودار جلال الله وكبريائه - فالقدرة ~~فيها أوسع، وأقوى، فبأن يتكون به الأشكال، والأمثال، والأبعاد والأجرام ~~من المعاني، والاعتقادات، والأفكار، والملكات، كان أليق وأولى. # فليعلم أن هذا الثعبان المطوق في عنق مانع الزكاة، والحية ~~القرعاء التي تأكل من دماغه، والشجاع الأقرع المتمكن من أن يأخذ ~~بلهزمتيه - المتمثل له يوم الآخرة - وكذا الابل، والبقر، والغنم، التي ~~ستطأه يوم القيامة بأخفافها، وتنطحه بقرونها، ليست بأمور خارجة عن ذات ~~الميت - أعني ذات روحه، لا ذات جسده، فإن الروح هي التي تتألم ~~وتتنعم - بل هي مما كانت معه قبل موته متمكنة من صميم باطنه: لكنه لم ~~يكن يحس بلذعها، وكيها، ووطئها، ونطحها، لخدر، وسكر، كانا فيه؛ لغلبة ~~الشهوات والشواغل الملهية عن ذكر الآخرة، المنسية للقاء عالم المعاني ~~والحقائق المتمثلة بصورها الأصلية. # فإن لكل معنى صورة أصلية هي مثال ذاتها بالحقيقة وصورة مجازية لها ~~تعلق ما بتلك الصورة الأصلية، فيه مثال المثال. # فالأشكال الأخروية هي مثالات المعاني والحقائق، والأجسام الدنيوية ~~هي أمثال وضعية تمثلت بتوسط الحركات والانفعالات، فهي كالنسخة ~~الثانية لكتاب الحقائق، ولهذا مما يقع فيها الخطأ في الحكاية عنها لمن ~~قلت ممارسته لقراءة الكتب، فيرى الظلمة نورا، والظل حرورا، ~~والهاوية قصورا، والمحنة سرورا، والعذاب راحة، والنقمة نعمة، والقبيح ~~حسنا، والحسن قبيحا. # فجميع ملاذ الدنيا ينقلب آلاما في الآخرة، وذلك مما يشاهده أهل ~~البصيرة بعيون قلوبهم الصافية عن غشاوة الشك والامتراء، فهم يشاهدون كيف ~~تتمثل هذه الهيئات النفسانية وتتجسم يوم القيامة، ويقرؤون كتابهم ~~وكتاب غيرهم قبل نشر الكتب، ويحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا. # فيعلمون أن جميع ما ورد في باب مانع الزكاة حق وصدق، ويعلمون سر ~~قوله تعالى: # فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم ms0776 تكنزون # [التوبة:35] وسر قوله: # ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على ~~الآخرة # [النحل:107]. وقوله: # أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها # [الأحقاف:20] الآية. # ولو كانت هذه الأمور المؤلمة المعذبة عند الموت خارجة عن ذات الميت - ~~كما يظنه الظاهريون - لكانت أهون، إذ ربما يتصور أن ينحرف عنه ~~الثعبان، أو ينحرف هو عنه، أو يقع بينهما حاجز، لا بل هو متمكن من ~~صميم فؤاده، يلذعه لذعا أعظم مما يفهمه من لذع هذه الثعابين، وهو بعينه ~~صفته التي كانت معه في الدنيا أي محبته للمال التي منشأ تألمه بفقده ~~في المآل. # فصل # قوله تعالى: { واركعوا مع الراكعين } # أي: صلوا مع المصلين المسلمين. فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد ~~بسبع وعشرين درجة. # وفي رواية أصحابنا: " صلاة الرجل في جماعة تفضل صلاة الفرد بأربع وعشرين ~~صلاة. فيكون خمسا وعشرين صلاة " لما فيها من تظاهر النفوس. # وعبر عن الصلاة بالركوع تسمية للكل بأشهر أجزائه. لأن الركوع أول ما ~~يشاهد من الأفعال التي يستدل بها على أن الإنسان يصلي. فعلى هذا لا ~~تكرار لفظا ولا معنى. لأن في الأول أمر باقامتها، وفي الثاني أمر ~~بفعلها مع الجماعة. # وقيل: كأنه كرر لفظ الصلاة تأكيدا. ويحتمل أيضا أن يكون الأول: ~~إشارة إلى مطلق الصلاة، أو الصلاة التي تعرفونها. والثاني: إشارة إلى ~~الشرعية. وقيل: خص الله الركوع بالذكر، لأن صلاة اليهود لا ركوع ~~فيها. ففيه تكليف لهم بصلاة المسلمين. وقيل: المراد من الركوع: الخضوع ~~والانقياد لما يلزمهم الشارع. قال الشاعر: # لا تذل الضعيف علك أن # تركع يوما والدهر قد رفعه # فكأنه تعالى لما أمرهم بالصلاة والزكاة أمرهم بعد ذلك بالانقياد، ~~والخضوع، وترك التمرد. كما قال الله في مقام المدح: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة:54]. وقد وقع هكذا في قوله تعالى: # إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون # [المائدة:55]. ### || [2.44] # الهمزة للتقرير مع التقريع والتعجيب. # البر - في اللغة - والإحسان والصلة نظائر. يقال: فلان بار، ~~وصول، محسن. وضد البر: العقوق. والبر، والبر، لغتان. وقولهم: " ~~لا ms0777 يعرف الهر من البر " قال الأخفش: " معناه لا يعرف من يهر عليه ~~ممن يبر عليه ". وقال المازني: " الهر: السنور. والبر: الفأرة أو ~~دويبة تشبهها ". # والبر اسم جامع لأعمال الخير، ومنه " بر الوالدين " و " عمل مبرور ~~". وقد يكون بمعنى الصدق، كما يقال: " بر في يمينه " أي: صدق ولم ~~يحنث. وقيل: البر التوسع في الخير، من البر - وهو الفضاء الواسع - ~~يتناول كل خير. ولذلك قيل: " البر ثلاثة: بر في عبادة الله، وبر ~~في مراعاة الأقارب، وبر في معاملة الأجانب ". # والنسيان، والسهو، والغفلة، متقاربة في المعنى، والتفاوت بينهما ~~بالشدة والضعف، كما أن للذكر مراتب متفاوتة: ما بالفعل، وما بالقوة ~~القريبة، أو البعيدة. # { وأنتم تتلون الكتاب } أي تقرؤون التوراة وتدرسونها، ~~وتعلمون ما فيها، من الحث على أفعال البر، والاعراض عن أفعال الإثم. أو ~~أنتم من أهل التلاوة والدراسة والمذاكرة للكتب العلمية، ولستم من العوام ~~والجهال { أفلا تعقلون } قبح ما تفعلون؟! # والعقل، والفهم، والمعرفة، واللب، نظائر. وضد العقل الحمق. # والعقل في الأصل: الحبس والربط. والعقال: الرباط. يقال: " عقلت ~~البعير أعقله عقلا " إذا شددت يده بالعقال. فسمي به الادراك ~~الإنساني، لأنه يحبسه عن فعل ما يقبح، ويعقله عن فعل ما يحسن، ثم ~~تسمى به القوة التي بها النفس تدرك هذا الادراك. # وقيل: العقل مجموع علوم لأجلها يمتنع الحي من كثير من المقبحات، ويفعل ~~كثيرا من الواجبات. وإنما سميت تلك العلوم " عقلا " ، لأنها تعقل عن ~~فعل القبيح، ولا يوصف القديم تعالى بأنه عاقل، لأنه لا يعقله شيء عن ~~فعل القبيح، وإنما لا يختاره لغناه عنه، وعلمه بقبحه، ولعلمه بوجوه ~~الحكمة والمصلحة المقتضية لفعل الخير علما ذاتيا. # وقيل: العقل هو العلم الذي يزجر عن قبيح الفعل، ومن كان زاجره أقوى فهو ~~أعقل. وقيل: العقل معرفة يفصل بها بين القبيح والحسن في الجملة. وقيل: هو ~~التمييز الذي فارق به الإنسان سائر الحيوان وهذه الأقوال متقاربة ~~المعاني. # ولفظ " العقل " يطلق في عرف الحكماء على معاني أخرى: منها قوة في ~~النفس تسمى عقلا نظريا ومنها قوة أخرى فيه تسمى عقلا علميا ms0778 - ~~ولكل منهما مراتب أربعة يطلق عليها اسم العقل - ومنها جوهر مفارق في ~~الوجود والتأثير عن الأجسام وما يتعلق بها، وهو أشرف أقسام الممكنات ولا ~~واسطة بينه وبين الباري جل ذكره. # فصل # واختلفوا في أن المراد من { البر } في هذه الآية ماذا؟ # فعن ابن عباس: إنها نزلت في أحبار المدينة، كانوا يأمرون الناس سرا ~~باتباع محمد (صلى الله عليه وآله) ولا يتبعونه. # وعن السدي: كانوا يأمرون بطاعة الله وينهونهم عن معصيته، وهم كانوا ~~يتركون الطاعة ويقدمون على المعاصي. # وعن ابن جريح: إنهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة، وهم ~~يتركونهما. # وعن الزجاج: كانوا يأمرون الناس ببذل الصدقة، وكانوا يشحون بها. لأن ~~الله تعالى وصفهم بقساوة القلوب، وأكل الربا، والسحت. # وعن أبي مسلم: إن جماعة من اليهود كانوا قبل مبعث رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) يخبرون مشركي العرب أن رسولا سيظهر منكم، ويدعوكم إلى ~~الحق، وكانوا يرغبونهم في اتباعه، فلما بعث الله محمدا (صلى الله ~~عليه وآله) حسدوه وكفروا به. # وفيه وجوه أخرى مذكورة في التفسير الكبير وغيره، واقتصرنا عنها بما هو ~~أولى وأقرب. # وفي قوله: { أفلا تعقلون } توبيخ عظيم أي: كأنكم في عدم ~~تفطنكم لقبح ما أقدمتم عليه - وهو غير خاف على أوائل العقول وبداياتها ~~- مسلوبوا العقول. وإلا فلا وجه لصدور مثله عمن يعقل ويميز بين الحسن ~~والقبح. ونحوه قوله تعالى # أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا ~~تعقلون # [الأنبياء:67]. # وفيه حجة اعتزالية وله جواب أشعري. والتحقيق خارج عما يدركه كل ~~من الفريقين بإحدى العينين. # وقيل معناه: أفلا تعلمون أن الله يعذبكم ويعاقبكم على ذلك. قيل: أفلا ~~تعلمون أن ما في التوراة حق، فلم لا تصدقون محمدا (صلى الله عليه ~~وآله) ولا تتبعونه. # فصل # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # ولك أن تقول: إذا كان فعل البر واجبا، والأمر به واجبا، فلماذا ~~وبخهم الله تعالى على الأمر بالبر؟ # والجواب: لم يوبخهم على الأمر بالبر. وإنما وبخهم على ترك فعل ~~البر المضموم إلى الأمر به، لأن ترك البر ممن يأمر به أقبح ms0779 من تركه ~~ممن لا يأمر به. كقول الشاعر: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم # ومعلوم أنه لم يرد به منعه عن النهي عن الخلق المذموم، وإنما نهاه ~~عن اتيان مثله، فالمراد بالآية حث الواعظ على تزكية النفس، والاقبال ~~عليها بالتكميل، ليقوم فيقيم، ويكمل فيكمل. لا منع الفاسق عن الوعظ - ~~كما توهم - فإن الاخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الاخلال ~~بالآخر. # وقال بعضهم: ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل يجب أن ~~لا يكون الآمر والناهي مرتكبا للمحرمات، واشترط العدالة محتجا بالنقل ~~والعقل: # أما النقل: فهذه الآية، وقوله تعالى: # لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون # [الصف:2 - 3]. وما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من ~~أنتم؟ فقالوا: كنا نأمر بالخير ولا نأتيه. وننهى عن الشر ونأتيه ". # وأما المعقول: فهو أنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن ينكر ~~عليها على كشف وجهها في أثناء الزنا. ومعلوم أن ذلك مستنكر عقلا. ~~وأن هداية الغير فرع الاهتداء، والإقامة بعد الاستقامة. ولهذا قيل: " ~~إن الاصلاح زكاة نصاب الصلاح ". # والجواب: إن المكلف كما هو مأمور بفعل المعروف، مأمور بالأمر به للغير. ~~وكما هو مأمور بترك المعصية، مأمور بمنع الغير عن فعلها مطلقا. ثم ~~المنع عن الجمع بين فعل المعصية ومنع الغير عنها، أو أمرهم بالطاعة ~~يتصور على وجهين، لكونه ذا جزئين. وفساد المركب من الجزئين إما أن يكون ~~لفساد أحد جزئيه بخصوصه، أو لفساد انضمام أحدهما بالآخر. # فهاهنا ثلاثة احتمالات، لكن أحدها - وهو كون المنع متعلقا بفعل الطاعة ~~- ظاهر البطلان بالاتفاق. فبقي احتمالان آخران: # أحدهما: أن يكون المنع متوجها إلى فعل المعصية، كنسيان النفس فيما نحن ~~فيه. # والثاني: أن يكون متوجها إلى الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر مع ~~فعل المعصية. فيكون المنع هاهنا عن ترغيب الناس بالبر مع نسيان النفس، ~~والحق في معنى الآية ms0780 عندنا هو الأول - لا الثاني - فسقط احتجاج الخصم ~~بالآيتين، وبما تضمنه حديث الاسراء. # وأما احتجاجه العقلي بما ذكره من المثال، فلا نسلم ان مجرد إنكاره ~~عليها على كشف وجهها مستقبح عقلا. بل الاستقباح والاستنكار على مجموع ~~الزنا والانكار عند التحليل يرجع إلى فعل الزنا لا إلى ذلك الانكار # وأما حديث الفرعية، فكلام شعري كما لا يخفى. # وأيضا: فالصغائر النادرة لا تخل بالعدالة، ولفاعلها أن ينهى عن ~~المنكر بالاتفاق مع اندراجه في الآيتين والحديث، وما هو جوابكم فهو ~~جوابنا. # وأيضا: لو تمت دلائلكم لاقتضت عدم وجوب الأمر والنهي إلا على المعصوم ~~فينسد باب الحسبة. # بقي في هذا المقام شيء، وهو أن من أمر بالخير ولا يعمل به، أو نهى ~~عن الشر وأتى به، قد علم من حاله أنه مستاهل في دينه، ذو وهن في ~~اعتقاده، وإلا فما كان يفرغ من توبيخ نفسه إلى نصيحة غيره. # فصل # الوعظ دون اتعاظ الواعظ # اعلم أن المقصود من الوعظ، والترغيب بالطاعة، والتحذير عن المعصية ~~إرشاد الغير، وهدايته إلى طلب الخير، ودفع الشر، وتحصيل السعادة، والحذر ~~عن الشقاوة. ولا شبهة لأحد من العقلاء في أن الإحسان إلى النفس أولى من ~~الإحسان إلى الغير، فمن وعظ ولم يتعظ، ومن أمر بالإحسان ولم يحسن إلى ~~نفسه، فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل، ولهذا قال: { أفلا ~~تعقلون }. تعجيبا لأن يقع مثل ذلك عن العقلاء. # وأيضا من وعظ كان غرضه أن يصير وعظه مؤثرا في القلوب، والاقدام ~~على المعصية مما ينفر القلوب، فكأن من عصى كان مقصوده أن لا يصير ~~وعظه مؤثرا في القلوب. # فالجمع بين الوعظ والمعصية جمع بين الضدين، وهو غير لائق بالعقلاء. # ولهذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " قصم ظهري رجلان: عالم ~~متهتك، وجاهل متنسك " وذلك لأن من وعظ وأظهر علمه للخلق ثم ~~نسي نفسه ولم يتعظ وفعل المعصية، صار وعظه وإظهاره للعلم سببا ~~لرغبة الناس في المعصية، لأنهم يقولون: " إن هذا رجل عالم، لو أنه ~~اطلع على ضرر المعصية لما أقدم عليها، ولولا أنه اطلع ms0781 على أنه لا أصل ~~لهذه التخويفات لما اجترأ على فعل المعصية ". # فقد صار وعظه داعيا للناس إلى التهاون بالدين، والجرأة على المعاصي، ~~سيما والنفوس مجبولة على الحرص بالمنكرات والشهوات، إذا لم يكن رادع ~~شرعي أو عقلي، فإذا كان غرض الواعظ الردع والزجر ثم أتى بما يوجب ~~الرخصة والترغيب، فكأنه فعل شيئا متناقضا، وهو من العاقل موضع ~~العجب. # فصل # الوعاظ الغير المتعظين # أكثر ما تعتري هذه الصفة - أي اصلاح الناس والأمر لهم بالبر مع نسيان ~~النفس وإصلاحها وعدم تفقد أحوال القلب - للمقتصرين على العلوم الظاهرة ~~من غير تحقيق فيها، والناقلين للأخبار والروايات من غير دراية. لما فيها ~~من جلب خواطر الناس، والشهرة، وطلب الرياسة، والإمامة. # فالواعظ يجد في وعظه وتأثر قلوب الناس به حلاوة ولذة لا يوازيها لذة، ~~فإذا غلب ذلك على نفسه مال طبعه إلى كل كلام مزخرف يروج عند العوام ~~- وإن كان باطلا - ويفر عن كل كلام يستثقله العوام - وإن كان حقا - ~~ويصير مصروف الهمة بالكلية إلى ما يحرك قلوب العوام، ويعظم منزلته ~~عندهم، فلا يسمع حديثا وحكمة إلا ويكون فرحه بها من حيث إنه يناسب ~~أن ينقل في محفل الناس أو يذكر على رأس المنبر. # وهذه فتنة عظيمة، فمن لا باعث له في الوعظ والحسبة إلا طلب الجاه، ~~والمنزلة، والتفاخر، فهو منافق مطرود عن باب الله، لأنه باع آجل ~~آخرته، واشترى به ثمنا قليلا من عاجل دنياه، ولو كان له حظ من ~~العلم لعلم أن لذة الدنيا بالقياس إلى لذة المعرفة بالله شيء ~~حقير خسيس. # فمن اشتغل بالأمر والنهي يجب عليه أن يكون فرحه بحفظ العلوم من حيث عرف ~~بها طريق النجاة، وطلب السعادة، وطريق سلوك الدين، ليعمل بها أولا، ~~ويهذب نفسه، ويحصل له اليقين. ثم إذا فرغ من أمر نفسه اشتغل بغيره، ~~شكرا لله بأن يقول: " إذا أنعم الله علي بهذه النعمة فأقضيها ليشاركني ~~في نفعها إخواني ". # فمن لا باعث له إلا طلب الجاه والثروة، فينبغي أن يتركه، ويخالف الهوى ~~فيه إلى أن يرتاض نفسه، ويقوي دينه ms0782 ويقينه، ويأمن عن فتنة نفسه، فعند ~~ذلك يشتغل باصلاح غيره من وعظ أو قضاء أو تدريس. # فالمعلوم من حال من صرف أوقاته لنقل الأقوال وحفظ الروايات وغرضه ~~عرضها على الناس مع عدم اصلاح نفسه بتهذيب الأخلاق، واقتناء العلوم ~~الحقيقية، التي ليس فيها شهرة، وتفاخر، وكسب منزلة عند الناس - أنه ~~غير معتن بأمر الدين، ولا ذو اهتمام بتحصيل المنزلة عند الله بطلب ~~المعرفة واليقين، وتجريد النفس عن شواغل الهوى، وشهوات الدنيا. ولهذا ~~ورد أخبار كثيرة في مذمة أمثاله: # قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له خطب به: " أيها الناس إذا ~~علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون... وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم ~~لربه، وأغشكم لنفسه أعصاكم لربه ". # وعن مصعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وعلي بن إبراهيم عن ~~أبيه، عن ابن محبوب - رفعه - عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: ~~" إن من أبغض الخلق إلى الله عز وجل لرجلين: رجل وكله الله إلى ~~نفسه، فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلامه بدعة، قد لهج بالصوم ~~والصلاة. فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدى من كان قبله، مضل ~~لمن اقتدى به في حياته وبعد موته، حمال خطايا غيره، رهن بخطيئته. # ورجل قمش جهلا في جهال الناس، عان بأغباش الفتنة، قد سماه أشباه ~~الناس عالما ولم يغن فيه يوما سالما، بكر فاستكثر، ما قل منه ~~خير مما كثر، حتى ارتوى من آجن، واكتنز من غير طائل، جلس بين الناس ~~قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، وإن خالف قاضيا سبقه لم ~~يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده، كفعله بمن كان قبله، وإن نزلت به ~~إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشوا من رأيه ثم قطع به. # فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت، لا يدري أصاب أو أخطأ. لا ~~يحسب العلم في شيء مما أنكر، ولا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهبا، إن ~~قاس شيئا بشيء لم يكذب نظره، وإن أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من ms0783 ~~جهل نفسه، لكيلا يقال له: " لا يعلم " ثم جسر يقضي. فهو مفتاح ~~عشوات، ركاب شبهات، خباط جهالات، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ولا ~~يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم، تبكي ~~منه المواريث، وتصرخ منه الدماء، ويستحل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم ~~بقضائه الفرج الحلال. # وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " إن في النار ~~رجلا يتأذى أهل النار بريحه ". فقيل: " من هو يا رسول الله "؟ فقال: ~~عالم لا ينتفع بعلمه ". # وقال (صلى الله عليه وآله): # " مثل الذي يعلم الناس ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه ". # وفي الخبر: # " يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار، فيقولون لم دخلتم ~~النار وإنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم؟! فقالوا: إنا كنا نأمر ~~بالخير ولا نفعله ". # وقيل: " من وعظ بقوله ضاع كلامه. ومن وعظ بفعله نفذت سهامه " وقيل: # يا معشر الوعاظ يا ملح البلد # ما يصلح الملح إذ الملح فسد # وقال الثوري: " إن فتنة الحديث أشد من فتنة الأهل المال والولد. ~~وكيف لا يخاف فتنته وقد قيل لسيد البشر # لولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا # [الإسراء:74]. # وكتب رجل إلى أخ له في الدين: " إنك قد أوتيت علما فلا تطفئن نور ~~علمك بظلمة الذنوب، فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم ". # وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول لعلماء الدنيا: " يا أصحاب العلم ~~قصوركم قيصرية، وبيوتكم كسروية، وأبوابكم طالوتية، وأخفافكم ~~جالوتية، ومراكبكم قارونية، وأوانيكم فرعونية، ومذاهبكم شيطانية، ~~ومآثمكم جاهلية. فأين المحمدية؟ وأنشد: # وراعي الشاة يحمي الذئب عنها # فكيف إذ الرعاة لها ذئاب # وقال سفيان بن عيينة: " أجهل الناس من ترك العمل بها علم، وأعلم ~~الناس من عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم وأخشاهم لله ". وهذا قول ~~صحيح يحكم بأن العالم إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم، فلا يغرنك ~~تشدقه واستطالته، وحذاقته، وقوته في المناظرة والمجادلة، فإنه جاهل ~~القلب عليم اللسان. وشره أعظم. # فصل # التعرف بعلماء الآخرة # إن العالم في ms0784 الحقيقة هو العارف الصوفي المخلص لله دينه عن شوائب ~~أغراض الدنيا وشهواتها، فإن أردت تحقيق هذا أصور لك مثالا ينكشف به ~~للمعتبر فضل العالم العارف بصفات نفسه على العالم الظاهري المغرور ~~بكثرة روايته: إذا دخل عالم مجلسا وقعد وميز لنفسه مجلسا يجلس فيه ~~كما في نفسه من اعتقاده بمحله وعلمه، فدخل داخل من أبناء جنسه وقعد ~~فوقه، فانقبض العالم وأظلمت عليه الدنيا، ولو أمكنه لبطش بالداخل. # فهذا عارض عرض له، ومرض اعتراه، وهو لا يفطن أن هذه علة غامضة، ~~ومرض يحتاج إلى المداواة، ولا يتفكر في منشإ هذا المرض، ولو علم منشأه ~~لاشتغل بمداواته، وإنما منشأ ذلك عدم ممارسته العلوم الحقيقية، وعدم ~~اطلاعه على معرفة النفس وأحوالها ومراتبها. فإنها أم الفضائل وأصل ~~الحكمة، ومفتاح سائر المعارف - وجهله بأن هذه نفس ثارت وظهرت بجهلها، ~~وتفرعنت لوجود كبرها، وبقايا كفرها، وأنانيتها برؤية نفسها خيرا من ~~غيرها، وتكبرها باظهار ذلك بفعل أو قول. # وأما العالم الصوفي الزاهد فلا يميز نفسه بشيء دون المسلمين، فلا يرى ~~نفسه في مقام يميزها بمجلس مخصوص مميز. ولو قدر أن يبتلى بمثل هذه ~~الواقعة، وينقبض من تقديم غيره عليه وترفعه يرى حال النفس وظهورها، ~~ويرى أن هذا داء يحتاج فيه إلى الدواء، وأنه إن استرسل فيه بالاصغاء ~~إلى النفس، صار ذلك بالرسوخ مرضا مهلكا. # فيرفع في الحال داءه إلى الله، ويشكو إليه ظهور نفسه، ويحسن الانابة ~~بقطع دابر ظهور النفس، ويرفع القلب إلى الله مستغيثا من النفس، ويشغله ~~في طلب دوائها. # وربما أقبل على من قعد فوقه بمزيد التواضع والانكسار تكفيرا لذنبه ~~الموجود، وتداويا لدائه الحاصل. # فينكشف ويتبين بهذا الفرق بين الرجلين، وهذا من أوائل علوم الصوفية ~~ومبادئ أحوالهم. فما ظنك بنفائس علومهم وشرائف أحوالهم. # وفي وصايا لقمان لابنه: " يا بني لا يستطاع العمل إلا باليقين، ولا ~~يعمل المرء إلا بقدر يقينه، ولا يقصر عالم حتى يقصر يقينه فكان اليقين ~~أفضل من العلم، لأنه أدعى إلى العمل، وما كان أدعى إلى العمل كان أدعى ~~إلى العبودية، وما كان ms0785 أدعى إلى العبودية كان أدعى إلى القيام بحق ~~الربوبية وإلى كمال الحظ من اليقين. # أقول: قد تبين من كلامه أن العلم هو الأول والآخر، والفاعل ~~والغاية. وذلك لأن العمل يترشح من العلم، والعلم هو ثمرة العمل. # والعلماء الأخرويون أدلاء الأمة، وأعمدة الدين، وسرج ظلمات ~~الجهالات الجبلية، ونقباء ديوان الإسلام، ومعادن أحكام الكتاب والسنة، ~~وأمناء الله في خلقه وأطباء العباد من أمراض الجهالات. فهم # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان:63]. وأما غيرهم من علماء الدنيا، الراغبون إلى المناصب، ~~والترفعات، والرياسات فهم عبدة طاغوت الهوى وأولياء الشيطان. # روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " سيكون عليكم أمراء تعرفون، منهم وتنكرون. فمن أنكر فقد برئ، ~~ومن كره فقد سلم. ولكن من رضي وتابع أبعده الله ". # وقال سفيان: " في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزوار للملوك ". # وقال حذيفة: " إياكم ومواقع الفتن ". قيل: " وما هو؟ " قال: أبواب ~~الأمراء يدخل أحدكم على الأمير، فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه ". # وقد كان علماء التابعين فيهم من هو أقوم بعلم الفتوى والأحكام من ~~بعضهم. وكانوا إذا سئلوا عن فتوى أحالوه إلى غيرهم من الصحابة، وكانوا ~~يردون إليهم في علم الفتاوي والأحكام، فيعلمونهم حقائق اليقين ودقائق ~~المعرفة، لأنهم كانوا أقوم بذلك من التابعين. إذ قد صادقهم طراوة ~~الوحي المنزل، وغمرهم غزير العلم المجمل والمفصل. # روي أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن شيء يقول: " سلوا سعيد ابن ~~المسيب " وكان عبد الله بن عباس يقول: " سلوا جابر بن عبد الله، لو ~~نزل أهل البصرة على فتياه لوسعهم ". وكان أنس بن مالك يقول: " سلوا ~~مولانا الحسن، فإنه قد حفظ ونسيناه ". # وقد ورد في الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " إن الشيطان ربما يسوفكم بالعلم " قلنا: " يا رسول الله وكيف ذلك؟ " ~~قال: " يقول: أطلب العلم ولا تعمل، حتى تعلم. فلا يزال للعلم قائلا ~~وللعمل مسوفا حتى يموت وما عمل ". # فصل # علماء الكشف وعلومهم # واعلم أن هذه الآفات ms0786 ونظائرها إنما تعتري علماء اللسان، وأرباب ~~المناظرات والبحوث، وأصحاب المنقولات، وطلاب الفتاوى والحكومات. # وأما علماء العلوم الكشفية والمعارف الإلهية، فعلومهم يؤدي إلى ~~الأحوال، وأحوالهم مستتبع الآداب والأعمال: لأنهم تأدبوا بين يدي الله ~~بآداب الروحانيين وتخلقوا بأخلاق الصديقين. فلذلك كان العلم المجبول في ~~قلوبهم منكشفا عليهم، فحصروا نفوسهم عن تقاضي جبلاتها، وقمعوها عن ~~هواها بصريح العلم في كل قول وفعل. ولا يصح إلا لمن لطف سره، وزكا ~~روحه، وسلك به إلى الحضور بين يدي الله. # قال بعض أصحاب المعارف في العوارف: " إن نفوس العلماء الزاهدين بعد ~~الأخذ مما لا بد لهم منه في أصل الدين وأساسه من الشرع، أقبلوا على ~~الله وانقطعوا إليه، وخلصت أرواحهم إلى مقام القرب منه، فأفاضت أرواحهم ~~على قلوبهم أنوارا، تهيأت بها قلوبهم لإدراك العلوم. # فأرواحهم ارتفعت عن حد إدراك العلوم الجزئية بعكوفها على العالم ~~الأزلي، وتجردت عن وجود يصلح أن يكون وعاء للعلم، وقلوبهم بنسبة وجهها ~~الذي يلي النفس صارت أوعية وجودية، فتألفت العلوم. وتالفتها العلوم ~~بمناسبة انفصال العلوم باتصالها باللوح المحفوظ، والمعني بالانفصال ~~انتقاشها في اللوح المحفوظ لا غير. وانفصال القلوب عن مقام الأرواح لوجود ~~انحذابها إلى النفوس، فصار بين المنفصلين نسبة اشتراك موجب للتألف، ~~فحصلت العلوم لذلك. وصار العالم الرباني راسخا في العلم... ". # "... قال ابن مسعود: وليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم الخشية ". ~~وقال: " إن الله لا يعبأ بذي علم ورواية، إنما يعبأ بذي فهم ودراية ~~". # وقال صاحب العوارف أيضا: " علوم الوراثة مستخرجة من علوم الدراسة ومثال ~~علوم الدراسة كاللبن الخالص السائغ للشاربين، ومثال علوم الوراثة كالزبد ~~المستخرج منه، فلو لم يكن لبن، لم يكن زبد. ولكن الزبد هو الدهنية ~~المطلوبة من اللبن، والمائية في اللبن جسم قائم به روح الدهنية. ~~فالمائية به القوام. قال الله تعالى: # وجعلنا من المآء كل شيء حي # [الأنبياء:30]. و " الشيء " يعم الموجودات كلها. فعلوم الإسلام علوم ~~اللسان، وعلوم الإيمان علوم القلب، وله مراتب: علم اليقين، وعين ~~اليقين، وحق اليقين. # وقال أيضا بعد ما ذكر جملة من تفاصيل علوم ms0787 النفس: " وهذا كله علوم من ~~ورائها علوم، عمل بها وظفر بمقتضاها علماء الآخرة. وحرم ذلك علماء ~~الدنيا. الراغبون فيها. وهي علوم ذوقية لا يكاد النظر يصل إليها إلا ~~بذوق ووجدان، كالعلم بكيفية حلاوة السكر لا يحصل بالوصف، فمن ذاقه ~~عرفه. # وينبئك عن شرف علم الصوفية وزهاد العلماء، أن العلوم كلها لا يتعذر ~~تحصيلها مع محبة الدنيا، والإخلال بحقائق التقوى، وربما كان محبة ~~الدنيا عونا على اكتسابها لأن الاشتغال بها شاق على النفوس، فجبلت ~~النفوس على محبة الجاه والرفعة، حتى إذا استشعرت حصول ذلك بحصول العلم ~~أجابت إلى تحمل الكلف، وسهر الليل والصبر على الغربة والأسفار، ~~وتعذر الملاذ والشهوات. وعلوم هؤلاء القوم لا تحصل مع محبة الدنيا، ~~ولا تنكشف إلا بمجانبة الهوى، ولا تدرس إلا في مدرسة التقوى. قال الله ~~تعالى: # واتقوا الله ويعلمكم الله # [البقرة:282]. جعل العلم ميراث التقوى وغير علوم هؤلاء القوم ميسر من ~~غير ذلك بلا شك. # فعلم فضل علماء الآخرة، حيث لم يكشف النقاب إلا لأولي الألباب. وأولوا ~~الألباب حقيقة هم الزاهدون في الدنيا. قال بعض الفقهاء: " إذا أوصى رجل ~~بماله لأعقل الناس يصرف إلى الزهاد، لأنهم أعقل الخلق ". # قال سهل بن عبد الله التستري: " للعقل ألف اسم ولكل اسم منه ألف اسم، ~~وأول كل إسم منه ترك الدنيا ". # ثم ذكر حكاية لطيفة، قال: " حدثنا فلان، عن فلان - وذكر السند إلى ~~أبي عبد الله الخواص، وكان من أصحاب حاتم الأصم - قال: دخلت معه الري، ~~ومعه ثلاثمائة وعشرون رجلا، يريدون الحج، وعليهم لباس الصوف، ليس معهم ~~جراب ولا طعام، فدخلنا الري على رجل من التجار متنسك يحب المتقشفين ~~فأضافنا تلك الليلة، فلما كان من الغد قال لحاتم: يا أبا عبد الرحمن ~~ألك حاجة؟ فإني أريد أن أعود فقيها لنا هو عليل؟ فقال حاتم: إن كان ~~لكم فقيه عليل فعيادة المريض لها فضل، والنظر إلى الفقيه عبادة فأنا ~~أيضا أجيء معك - وكان العليل محمد بن مقاتل، قاضي الري - قال: سر بنا ~~يا أبا عبد الرحمن. # فجاء إلى الباب، فإذا ms0788 باب مشرف حسن. فبقي حاتم متفكرا يقول: " باب ~~عالم على هذا الحال " ثم أذن لهم فدخلوا. فإذا دار فوراء، وإذا بزة ~~وستور وغلمان. فبقي حاتم متفكرا. ثم دخلوا إلى المجلس الذي هو فيه، ~~فإذا هو بفرش وطيئة وإذا هو راقد عليها وعند رأسه غلام وبيده مذبة. # فقعد الرازي فسلاه وحاتم قائم، فأومى إليه ابن مقاتل: أن اقعد. فقال: ~~لا أقعد. # فقال له ابن مقاتل: لعل لك حاجة؟ قال: نعم. # قال: وما هي؟ قال: مسألة أسالك عنها. # قال: سلني. قال: فقم واستو جالسا حتى أسألكها. # فأمر غلمانه فأسندوه. فقال له حاتم: علمك هذا من أين جئت به؟ # قال: الثقاة حدثوني. # قال: عمن؟ قال: عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله). # قال: ورسول الله من أين جاء به؟ قال: عن جبرائيل. # قال حاتم: فيا أداه جبرائيل عن الله إلى رسول الله، وأداه رسول الله ~~إلى أصحابه، وأداه أصحابه إلى الثقات وأداه الثقات إليك، هل سمعت في ~~العلم من كان في داره أمير أو منعته أكثر، كانت له المنزلة عند الله ~~أكثر؟ قال: لا. # قال: فكيف سمعت؟ قال: من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة وأحب المساكن، ~~وقدم لآخرته كان له عند الله المنزلة أكثر. # قال حاتم: فأنت بمن اقتديت؟ بالنبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه، أم ~~بفرعون ونمرود أول من بنى بالجص والآجر؟! يا علماء السوء مثلكم يراه ~~الجاهل، الطالب للدنيا، والراغب فيها، فيقول: العالم إذا كان على ~~هذا الحال لا أكون أنا شرا منه. # وخرج من عنده. فازداد ابن مقاتل مرضا. فبلغ أهل الري ما جرى بينه وبين ~~ابن مقاتل. فقالوا له: أبا عبد الرحمن: " بقزوين عالم أكبر شأنا من هذا ~~" وأشاروا به إلا الطنافسي. # قال: فسار إليه متعمدا، فدخل عليه، فقال: رحمك الله أنا رجل أعجمي ~~أحب أن تعلمني أول مبتدأ ديني، ومفتاح صلاتي، كيف أتوضأ للصلاة؟ # قال: نعم - وكرامة - يا غلام هات إناء فيه ماء فأتى به فقعد الطنافسي ~~فتوضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال: هكذا فتوضأ فقعد فتوضأ ms0789 حاتم ثلاثا ~~ثلاثا، حتى إذا بلغ غسل الذراعين غسل أربعا. فقال له الطنافسي: " ~~يا هذا أسرفت ". # فقال له حاتم: " فيماذا أسرفت؟ " قال: غسلت ذراعيك أربعا ". # قال حاتم: " يا سبحان الله أنا في كف ماء أسرفت. وأنت في هذا الجمع ~~كله لم تسرف؟! " فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك، ولم يرد منه التعلم، ~~فدخل البيت، ولم يخرج إلى الناس أربعين يوما وكتب تجار الري وقزوين ما ~~جرى بينهما. # فلما دخل بغداد. اجتمع إليه أهل بغداد فقالوا له: يا أبا عبد الرحمن ~~أنت رجل ألكن أعجمي ليس يكلمك أحد إلا قطعته. # قال: معي ثلاث خصال، بهن أظهر على خصمي. # قالوا: أي شيء هي؟ قال: " أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ ~~نفسي أن لا أجهل عليه ". # فبلغ ذلك أحمد بن حنبل، فجاء إليه فقال: " سبحان الله ما أعقله ". ~~فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا عبد الرحمن ما السلامة من الدنيا؟ ". # قال حاتم: يا أبا عبد الرحمن لا تسلم من الدنيا حتى يكون معك أربع خصال: ~~أن تغفر للقوم جهلهم، وتمنع جهلك عنهم، وتبذل لهم شيئك، وتكون من شيئهم ~~آيسا. فإذا كان هذا سلمت. ثم سار إلى المدينة. # قال الله تعالى: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر:28]. ذكر بكلمة " إنما " فتنفي العلم عمن لا يخشى الله، فلاح ~~لعلماء الآخرة أن الطريق مسدود إلى أنصبة المعارف، ومقامات القرب إلا ~~بالزهد والتقوى. # .. فبصفاء التقوى وكمال الزهد يصير العبد راسخا في العلم. # قال الواسطي: الراسخون في العلم هم الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب، ~~وسر السر. فعرفهم ما عرفهم، وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب الزيادات ~~فانكشف لهم من مدخور الخزائن... فنطقوا بالحكم "... # ... وقال الخزاز: " هم الذين كملوا في جميع العلوم، وعرفوها، واطلعوا ~~على همم الخلائق أجمعين ". وهذا القول من أبي سعيد لا يعني به أن الراسخ ~~في العلم ينبغي أن يقف على جزئيات العلوم ويكمل فيها... بل المراد إن ~~المتقي حق التقوى والخشية من الله، صفا باطنه وانجلى مرآة قلبه، ووقعت ~~له محاذاة بشيء ms0790 من اللوح المحفوظ. فادرك بصفاء الباطن أمهات العلوم ~~وأصولها، فيعلم منتهى همم العلماء في علومهم وغاية أقدامهم فيها... ~~والعلوم الجزئية متجزية في النفوس بالتعلم والممارسة، فلا يغنيه علمه ~~الكلي من أن يراجع في الجزئي أهله، الذين هم أوعيته، فنفوس هؤلاء امتلأت ~~من الجزئي واشتغلت به، وانقطعت بالجزئي عن الكلي. والعالم الرباني ~~بخلاف ذلك كما سبق ذكره وكل ميسر لما خلق له. # قيل للشبلي - رحمه الله - عند النزع: " قل: لا إله إلا الله ". فقال: # إن بيتا أنت ساكنه # غير محتاج إلى السرج ### || [2.45] # " الصبر " في اللغة منع النفس محابها وكفها عن هواها، ولا بد ~~للصبر من قوة في الإنسان بها يصبر عن الملذات، ويصبر على المعاصي؛ ~~لأن لكل فعل وأثر مبدأ لا محالة، ومبدأ الأفعال والانفعالات يسمى عند ~~أهل الحكمة " قوة ". ففي الإنسان قوة تسمى بالصبر، تسمية للشيء باسم ~~سببه، كما أن له قوة تسمى بالشهوة، وهاتان متقابلتان تقابل التضاد ~~وسيأتي تحقيق التضاد بينهما. # قال سهل بن عبد الله: الصبر انتظار الفرج من الله، وهو أفضل الخدمة ~~وأعلاها. # وقال بعضهم: الصبر أن تصبر على الصبر بأن لا تطالع فيه الفرج. # ومن أقسامه الصبر على المعصية، بكف الصابر نفسه عن الجزع، ويقال: " ~~فلان قتل صبرا " وهو أن ينصب للقتل ويحبس عليه حتى يقتل. # وفي الحديث: # " أقتلوا القاتل، واصبروا الصابر " # وذلك فيمن أمسكه حتى قتله آخر، فأمر بقتل القاتل وحبس الممسك. # والخشوع، والخضوع، والاخبات، نظائر. وضد الخشوع: الاستكبار، و " خشع ~~الرجل " إذا رمى ببصره إلى الأرض. و " اختشع " إذا طأطأ رأسه كالمتواضع ~~وهو قريب المعنى بالخضوع إلا أن الخضوع في البدن والأعضاء، والخشوع في ~~الصوت والبصر. قال سبحانه # خاشعة أبصارهم # [القلم:43] و # خشعت الأصوات للرحمن # [طه:108]. أي: سكنت. # واختلف في من نزلت الآية؟ فقوم قالوا: المخاطبون هم المؤمنون، إذ لا ~~صلاة لغيرهم ولا صبر يتصور لهم على أمور وعن أمور لم يعرفوا أحكامها عن ~~دين محمد (صلى الله عليه وآله). # وهذا ضعيف، لتعبد غيرهم بصلاة وصبر في الجملة، وإن لم يتعبدوا بهما ~~على ms0791 هذه الكيفية، لأن كل أحد يعلم بعقله الذي هو حجة الله عليه أن ~~الصبر على ما يجب الصبر عليه حسن، وأن الصلاة التي هو التواضع، ~~والتذلل للمعبود الأول، والاشتغال بذكره، وعرفانه، تريح القلب عن ~~محن الدنيا وآفاتها. # وقوم قالوا: هم اليهود، وتتناول المسلمين على وجه التأديب. # والأولى أن تكون خطابات القرآن غير مختصة بقوم دون قوم، لتكون قوانينه ~~كلية عقلية - كما مر -. # فمن خصص الخطاب باليهود قال: إن حب الرياسة والترفعات التي تكون ~~لعلماء الدنيا، الراغبين في المناصب - كالقضاء، والحكومة، والإمامة، ~~والشيخوخة، والوعظ، والحسبة، وغيرها - كانت تمنعهم عن اتباع النبي (صلى ~~الله عليه وآله)، لأنهم خافوا زوال الرئاسة إذا اتبعوه، فأمرهم الله ~~تعالى بالاستعانة فقال: { واستعينوا } على الوفاء بعهدي الذي ~~عاهدتكم في كتابكم عليه في طاعتي، واتباع أمري، وترك ما نهيتكم عنه، ~~والتسليم لأمري، واتباع رسولي محمد (صلى الله عليه وآله) { بالصبر ~~} على ما أنتم فيه من ضيق المعاش، وفوت الجاه الذي تأخذون الأموال من ~~عوامكم بسببه. # والمروي عن أئمتنا (عليهم السلام) ان المراد بالصوم الصبر. # وجاء في الحديث: # " وهو شهر الصبر " # لشهر رمضان، لأن الصائم يصبر نفسه ويكفها عما يفسد الصيام، فيكون ~~فائدة الاستعانة به أن يذهب بالشره وهوى النفس، فإن سد آفة الشهوة ~~بالجوع يوجب سد سائر الآفات، كآفة الغضب، والتكبر، وحب الجاه، ~~وغيرها، إذ الجميع مما يتقوى بقوة البدن من الطعام والشراب. # ولذلك ورد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " الصوم وجاء " # وقال: # " سدوا مجاري الشيطان بالجوع " # إذ الشيطان مركبه الدم، كما ورد في قوله (صلى الله عليه وآله): # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " # ولا شك في أن تقليل الغذاء يوجب تقليل الكيموس الصالح للدم، وبقلة ~~الدم يضعف جنود الشيطان، كالشهوة، والغضب، والتكبر، والرياسة، وسائر ~~المهلكات. # وفائدة الاستعانة بالصلاة، أن هذه الآفات كلها، منشؤها الاحتجاب عن ~~عالم النور وما عند الله من الخير والسعادة، بالانكباب إلى عالم ~~الظلمة والزور، وعند الاشتغال بالصلاة يتلى فيها ما يذكر العهد القديم، ~~ويرغب إلى ms0792 ما عند الله، ويزهد في الدنيا، وحب الرياسة. قال سبحانه: # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت:45]. # ولأنها تتضمن التواضع والتذلل لله بوضع الجبهة التي هي أشرف الأعضاء ~~على الأرض، فيدفع حب الجاه والرئاسة عن القلب، وكان رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) إذا حزبه أمر من أمور الدنيا يستعين بالصوم والصلاة، ويقول: # " أرحنا يا بلال ". # ومن قال: " إن الخطاب بها للمسلمين " قال: المراد به { استعينوا ~~} على تحصيل الآخرة، وما تنجز وعده للمؤمنين من الدرجات العالية، ~~والمقامات الرفيعة، أو على مشقة التكاليف الدينية { بالصبر } أي ~~بحبس النفس على الطاعات، وحبسها عن المعاصي والشهوات وب { الصلاة } ~~لما فيهما من مجامع العبادات القلبية، والبدنية، من الطهارة البدنية ~~عن الأخباث والأرواث، والطهارة النفسانية عن نجاسة العقائد الفاسدة، ~~كالكفر وقصد الرياء، وستر البدن بالثوب الساتر للسوئتين، وكف النفس عن ~~الأطيبين، وصرف المال في الطهور والساتر، والتوجه بالبدن إلى بيت ~~الله، وبالقلب إلى وجه الله، والعكوف للعبادة باخلاص النية، وخشوع ~~الجوارح، واتعابها، وتسخير القوى واستعمالها في سبيل الطاعة، ومجاهدة ~~جنود الشيطان، وأبناء الظلمات في التقرب إلى نور الأنوار، ومناجاة الحق ~~بخطابه وقراءة كتابه، والتدبر في آياته، وذكر مصير الخلق إليه ورجوعهم ~~إلى دار ثوابه أو دار عقابه، والاقرار بتوحيده، وحقية رسوله بالشهادتين ~~والصلاة عليه وآله. فليس في العبادات شيء أفضل من الصلاة لكونها أجمع ~~الحسنات والقربات. # وقال بعضهم: ليس في أفعال القلوب أعظم من الصبر، ولا في أفعال الجوارح ~~أعظم من الصلاة، فالأمر بالاستعانة بهما. # وروي عن جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه ~~غم من غموم الدنيا أن يتوضأ، ثم يدخل المسجد فيركع ركعتين يدعو الله ~~فيهما. # أما سمعتم قوله تعالى: { واستعينوا بالصبر والصلاة } ~~وقوله: { وإنها لكبيرة }. # قيل في إعادة هذا الضمير وجوه: # أحدها - وهو قول الأكثرين -: إنه عائد إلى الصلاة لأنها الأقرب، ~~ولعموم جدواها، وشمول فرضها واستجماعها ضروبا من الصبر، وتأكيد حالها، ~~وتفخيم شأنها. # وثانيها: إنه عائد إليها ظاهرا. والمراد به الاثنان وإن كان الضمير ~~واحدا، ويشهد لذلك ms0793 قوله تعالى: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله # [التوبة:34]. وقوله: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة:11]. وقوله: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة:62]. وكقول القائل: " أنت بما عندك وأنا بما عندي راض ". # وثالثها: إنه عائد إلى الاستعانة التي يدل عليها قوله { ~~واستعينوا }. # ورابعها: إنه عائد إلى جميع الأمور التي سبق ذكرها مما أمر بها بنو ~~إسرائيل ونهوا عنها من قوله: # اذكروا نعمتي التي # [البقرة:40] إلى قوله: { واستعينوا }. # وخامسها: أن يكون عائدا إلى محذوف، وهو الاجابة للنبي (صلى الله عليه ~~وآله) - عن الأصم - أو مؤاخذة النفس بهما، أو تأدية ما تقدم، أو تأدية ~~الصلاة، أو ضروب الصبر عن المعاصي. وهذه الوجوه الأخيرة ضعيفة، لأنه لم ~~يسبق لها ذكر. # وربما قيل: إن العربي قد يضمر الشيء اختصارا، ويقتصر فيه على الايماء ~~إذا وثق بعلم المخاطب به، كما في قوله تعالى: # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة # [فاطر:45]. ولا ذكر للأرض. وكقول القائل: " ما عليها أفضل من فلان " ~~يعني الأرض. أو كقوله: " ما بين ساكنيها أعلم من فلان " يعني المدينة. # فصل # في الكشف عن ماهية الصبر محاذيا لما ذكره بعض المحققين # اعلم أن الصبر منزل من منازل السالكين، ومقام من مقامات الدين، وجميع ~~مقامات الصالحين إنما ينتظم من ثلاثة أمور: معارف، وأحوال، وأعمال. ~~فإن القلب الإنساني بمنزلة مرآة بالقوة. فالأعمال بمنزلة تصقيلها ~~وتنقيتها عن الريون، والأخباث، والطبائع، والكدورات، والأحوال بمنزلة ~~صفائها ونقائها ومواجهتها للمطلوب، والمعارف عبارة عن حضور صور الحق ~~المطلوب فيها. فالأعمال تراد للأحوال، والأحوال تراد للمعارف - هذا نظر ~~المحققين -. # وأما المحجوبين: فزعموا عكس ما ذكرناه، وهو أن تحصيل العلوم للأحوال، ~~وثمرة الأحوال الأعمال: لما سمعوا أن العلم بدون العمل وبال، وما ~~ورد في الخبر: # " نعوذ بالله من علم لا ينفع " # وأمثال ذلك. ولم يعلموا أن المراد منه علوم الأعمال - لا علوم ~~المكاشفات الحاصلة من الأحوال - ولم يتدبروا في قوله تعالى: # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # [الحجر:99]. وقوله (صلى الله عليه ms0794 وآله): # " رب زدني علما " # وقوله: # " نعوذ بك من أن أقول في العلم بغير علم، وأن أعمل في الدين بغير ~~يقين " # وقوله (عليه السلام): # " قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك ". # نعم المعارف هي الأصول، وهي تورث الأحوال. # والأحوال توجب الأعمال. فالمعارف كالأشجار بقواها الأصلية، كالغاذية، ~~والمنمية. والأحوال كالأغصان والألوان. والأعمال كالنتائج والأثمار. # وهكذا النظر في جميع مقامات الدين، ومنازل السالكين، واسم الإيمان تارة ~~يخص بالمعارف، وتارة يطلق على الكل لاستلزامها الأحوال والأعمال. # فكذلك الصبر. فإنه لا يتم إلا بمعرفة سابقة، وبحالة قائمة، وبعمل ~~لاحق. والصبر على التحقيق عبارة عن الأوليين، والعمل كالنتيجة الحاصلة ~~لهما، بل الانتظام من الأمور الثلاثة حاصل في كل مقام من المقامات ~~الحيوانية أيضا - كالشهوة، والغضب والتكبر، والرياسة، والعجب - ~~وغيرها. # فإن في الشهوة - مثلا - علم بالمشتهى كالتخيل ونحوه - هذا بمنزلة ~~المعارف - وفيها رغبة وميل إليه - وهذا من باب الأحوال - وفيها أيضا ~~حركة كالأكل والجماع - وهي من جملة الأعمال - واللائق باسم الشهوة هما ~~الأولان، والحركة من النتائج لهما. # وقد مرت الاشارة إلى مثل هذا في الشكر، من أن العلم بالمنعم وانعامه ~~هو أصل الشكر. وأن من علم أنه يعجز عن الاتيان بشكر نعم الله فقد ~~أدى غاية الشكر لله. فأصل الصبر معرفة ما لأجله الصبر على الشدائد، ثم ~~توطين النفس على ذلك، ثم حبسها على الآلام وعن الشهوات. قال تعالى ~~مخاطبا لنبيه: # واصبر وما صبرك إلا بالله # [النحل:127]. # وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام): " أمر الله تبارك وتعالى أنبياءه ~~(عليهم السلام) بالصبر، وجعل الحظ الأعلى لرسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) حيث جعل صبره بالله - لا بنفسه - فقال: { وما صبرك إلا ~~بالله }. # وما ذكرنا من الترتيب في باب معاني الصبر - أي: علمه وحاله وعمله - لا ~~يعرفه إلا من عرف الترتيب بين الملائكة والإنس والبهائم، فان الصبر من ~~خاصية الإنس، ولا يتصور ذلك في البهائم والملائكة. أما في البهائم ~~فلنقصانها. وأما في الملائكة فلكمالها. # فالملائكة مخلوقة من عقل بلا شهوة. والبهائم مخلوقة من شهوة بلا عقل. ~~والإنسان بين ms0795 شهوة وعقل. وقد خلقه الله ذا أطوار، كما قال تعالى: # وقد خلقكم أطوارا # [نوح:14]. ولم يقل: " ذوي أطوار " ليدل على أن انتقال الإنسان في ~~أطواره الذاتية انتقال جوهري، وحركة ذاتية معنوية بنفسه في نفسه. ~~وبيانه يفتقر إلى كلام طويل وخوض عميق في التحقيق لا يناسب هذا المقام. # وبالجملة فقد أعطاه الله قوة له أن ينتقل بها من حد البهيمة إلى حد ~~الملك ويسمى باعثا دينيا. # وبيانه: إن البهائم سلطت عليها الشهوات - كما ذكر - وصارت مسخرة لها، ~~فلا باعث لها على الحركة والسكون، إلا الشهوة الداعية لها إلى المشتهيات، ~~وليس لها قوة أخرى تصادم قوة الشهوة وتسخرها وتردها عن مقتضاها، حتى ~~يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى تلك الشهوة " صبرا ". # وأما الملائكة، فإنهم جردوا للمعرفة والشوق إلى الحضرة الربوبية، ~~والابتهاج بدرجة القرب منها، ولم يسلط عليها شهوة صارفة عنها حتى يحتاج ~~إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر يغلب الصوارف. # وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الحداثة والصبا ناقصا مثل البهيمة، ~~لم يخلق فيها إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليها في حيوانيته وحياته ~~الدنيا، ثم تحدث فيه شهوة اللعب والزينة، ثم شهوة النكاح على الترتيب؛ ~~ثم شهوة التفاخر والتكاثر. قال تعالى: # أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر ~~بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد # [الحديد:20]. # وليس له في الابتداء قوة الصبر البتة، إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في ~~مقابلة جند آخر، قام القتال بينهما لتصادم مقتضياتهما ومطالبهما، وليس في ~~الصبي إلا جند الهوى كما في البهائم، ولكن الله بفضله، وسعة جوده كرم ~~ابن آدم، وفضله على كثير ممن خلقه، ورفع درجته عن درجة البهائم. # فوكل عند تمام شخصه لمقارنة البلوغ ملكين: أحدهما يهديه، والآخر ~~يقويه، فتميز بمعونة الملكين عن البهائم. واختص بصفتين. # إحداهما معرفة الله ومعرفة رسوله، ومعرفة اليوم الآخر، ومعرفة المصالح ~~المتعلقة بالعواقب، والنجاة عن العذاب في الدار الآخرة - وكل ذلك حاصل ~~من الملك الذي إليه الهداية والتعريف - والبهيمة لا معرفة لها ولا ~~هداية لها إلى ms0796 معرفة العواقب، بل إلى مقتضى شهوتها في الحال فقط، فلذلك ~~لا تطلب إلا اللذيذ، وأما الدواء النافع مع كونه كريها مضرا في ~~الحال، فلا تعرفه ولا تطلبه، فصار الإنسان يعرف بنور الهداية أن اتباع ~~الشهوات لها معقبات مكروهة في العاقبة. # ولكن لم تكن هذه الهداية كافية ما لم تكن له قدرة على ترك ما هو مضر، ~~وحبس الشهوة عنها. فكم من مضر يعرفه الإنسان كالمرض النازل به مثلا، ~~ولكن لا قدرة له على دفعه، فافتقر إلى قدرة وقوة يدفع بها في نحر ~~الشهوات فيجاهدها بتلك القوة حتى يقطع عداوتها عن نفسه، فوكل الله به ~~ملكا آخر يسدده ويقويه بجنود لم تروها، وأمر هذا الجند بقتال جنود ~~الشهوة، فتارة يضعف هذا الجند، وتارة يقوى ذلك بحسب امداد الله عبده. ~~كما أن نور الهداية أيضا يختلف في الخلق اختلافا لا يحصر. # فلنسم هذه الصفة التي بها فارق الإنسان البهائم باعثا دينيا. ~~ولنسم مطالبة الشهوات بمقتضاها باعث الهوى وليفهم أن القتال قائم ~~بين باعث الدين وباعث الهوى، والحرب بينهما سجال، ومعركة هذا القتال قلب ~~العبد، ومدد باعث الدين من الملائكة، الناصرين لحزب الله تعالى. ومدد ~~باعث الهوى من الشياطين الناصرين لأعداء الله. # فالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة، فإن ثبت حتى ~~قهره واستمر على مخالفة الشهوة، فقد نصر حزب الله والتحق بالملائكة. ~~وإن تخاذل وضعف حتى غلبت الشهوة ولم يصبر على دفعها التحق بأتباع ~~الشياطين، فإن ترك الأعمال المشتهاة عمل يثمرها حال يسمى الصبر. # وهو ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى، وذلك الثبات حال يثمرها ~~المعرفة بالله واليوم الآخر بعداوة الشهوات ومضادتها لأسباب السعادات في ~~الدنيا والآخرة. # فإذا قوي يقينه - أعني المعرفة التي تسمى إيمانا - وعلم بكون الشهوة ~~عدوا قاطعا لطريق الله قوي ثبات باعث الدين. وإذا قوي ثباته تمت ~~الأفعال على خلاف ما تتقاضاه الشهوة فلا يتم ترك الشهوة إلا بقوة باعث ~~الدين، المضاد لباعث الشهوة وقوة المعرفة، والإيمان بقبح تبعة الشهوات ~~وسوء عاقبتها. # وهذان الملكان هما ms0797 المتكفلان بهذين الجندين بإذن الله تعالى وتسخيره ~~إياهما، وهما من الكرام الكاتبين، وبهما الاستعانة في العلم والعمل، ~~والصوم والصلاة. أحدهما ملك الصوم، لأن بقوته تكف النفس عن الشهوات ~~المفطرات، والآخر ملك الصلاة، لأن بهدايته تعرف كيفية الصلاة. # ولذا قال تعالى: { واستعينوا بالصبر والصلاة } وقال: { ~~وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون ~~أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون } تنبيها ~~على أن الأصل في الصبرر والصلاة خشوع القلب، ويقينه بالآخرة، وبالخشوع ~~لله، والرغبة إليه، وإلى دار كرامته وجنته، والخوف منه ومن عذابه في دار ~~نقمته وسجنه، يصبر الإنسان عن الشهوات، ويقهر عليها، وبنور معرفته، وعلمه ~~بلقاء ربه ورجوع الكل إليه يهتدي إلى محاربة الأعداء، وقهر الشياطين ~~لينخرط في سلك المقربين. # وإذا عرفت أن رتبة الملك الهادي أعلى من رتبة الملك المقوي، وان ~~الصلاة أشرف من الصوم، ولهذا ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) في ~~الصلاة: # " إنها معراج المؤمن " # وفي الصوم: # " إنه جنة من النار " # وقال النبي (صلى الله عليه وآله): # " قرة عيني في الصلاة " # وقال: # " الصوم وجاء " # لم يخف عليك أن جانب اليمين الذي هو أشرف الجانبين من جنبتي الدست ~~ينبغي أن يكون مسلما له، فهو إذن صاحب اليمين، والآخر صاحب الشمال. وعند ~~القيامة يتلاقيان كما في قوله تعالى: # إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد # [ق:17]. # ثم للعبد طوران في الغفلة والفكر، وفي الاسترسال والمجاهدة. فهو ~~بالغفلة معرض عن صاحب اليمين ومسيء إليه، فيكتب عليه اعراضه سيئة، ~~وبالفكر مقبل عليه ليستفيد منه الهداية، فهو به محسن، فيكتب له حسنة. ~~وكذا بالاسترسال معرض عن صاحب اليسار، تارك للاستمداد منه، فهو به مسيء ~~إليه، فيكتب عليه سيئة، وبالمجاهدة مستمد من جنوده فيكتب له به حسنة. # وإنما تثبت هذه الحسنات والسيئات باثباتهما، ولهذا سميا " كرام ~~الكاتبين ". أما الكرام فلكرامتهما وانتفاع العبد بكرمهما وبرهما - ~~والملائكة كلهم كرام بررة - وأما الكاتبين فلإثباتهما الحسنات ~~والسيئات. # وإنما يكتبان في صحائف مطوية في سر القلب، ومطوية أيضا عن سر ~~القلب، حتى لا يطلع عليه في هذا العالم، ms0798 لانغماره في البدن انغمار ~~صحيفة مكتوبة في تراب الأرض، واستتارها تحته عن الأبصار ما لم يبرز عنه، ~~وكذلك صحيفة القلب ينشر يوم القيامة من غبار البدن على البصائر يوم كشف ~~السرائر. # فالملكان، وكتبهما، وخطهما، وصحائفهما، وجملة ما يتعلق بهما من عالم ~~الغيب والملكوت - لا من عالم الشهادة - وشيء من الملكوت لا تدركه ~~الأبصار في هذا العالم، ثم تنشر الصحائف عن القلب مرتين: مرة في ~~القيامة الصغرى، ومرة في القيامة الكبرى. # وأعني بالقيامة الصغرى حال الموت، إذ قال (صلى الله عليه وآله): # " من مات فقد قامت قيامته " # وفي هذه القيامة يكون العبد وحده. وعندها يقال: # لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة # [الأنعام:94]. وفيها يقال: # اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء:14]. # أما في القيامة الكبرى - الجامعة لكافة الخلق - لا يكون وحده، بل ربما ~~يحاسب على ملإ من الخلق ورؤوس من الأشهاد. وفيها يساق المتقون إلى ~~الجنة، والمجرمون إلى النار زمرا - لا آحادا - وأهوالها أعظم. ~~وسيأتيك بيانها إن شاء الله تعالى. # فصل # في تتمة القول في الصبر وأقسامه # اعلم أن الصبر دواء مر، وشربة كريهة، يجلب إليك كل منفعة، ويدفع ~~عنك كل مضرة. فإذا كان هذا الدواء بهذه الصفة، فالإنسان العاقل يكره ~~النفس على شربه وتجرعه، ويصبر على مرارته وحدته، وهو يقول: " مرارة ~~ساعة، وراحة سنة ". # وقيل: " لكل شيء جوهر، وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر ". # والصبر جار في الصابر مجرى الأنفاس، لأنه يحتاج إلى الصبر عن كل منهي، ~~ومكروه، ومذموم ظاهرا وباطنا. ولا يتم ذلك إلا بالعلم. # وقيل: " أشد مراتب الصبر وأقسامه كف الباطن عن حديث النفس " وإنما ~~يشتد ذلك على من يفرغ له، بأن يقمع الشهوات الظاهرة، وآثر العزلة، ~~وجلس للمراقبة، والذكر، والفكر. فإن الوسواس لا يزال يجاذبه من جانب ~~إلى جانب. وهذا لا علاج له إلا قطع العلائق بالكلية بالفرار عن الأهل، ~~والأولاد، والرفقاء، والأصدقاء. # ولا يكفي ذلك أيضا ما لم يجعل الهموم هما واحدا - وهو الله - ثم إذا ~~غلب ذلك على القلب فلا يكفي ما لم ms0799 يكن له مجال في الفكر، وسير بالباطن في ~~ملكوت السماوات، والأرض، وعجائب صنع الله، وسائر أبواب معرفة الله، حتى ~~إذا استولى ذلك على قلبه دفع اشتغاله بذلك مجاذبة الشيطان ووسواسه. # وإن لم يكن له سير بالباطن فلا ينجيه إلا الأوراد المتواصلة، والصلوات، ~~والأذكار الظاهرة المترتبة في كل لحظة، ويحتاج مع ذلك إلى تكليف القلب ~~الحضور، فإن التفكر الباطني، ومناجاة السر مع الله هو الذي يستغرق ~~القلب في الشهود، دون الأوراد الظاهرة. # ولذلك قال: { واستعينوا بالصبر والصلاة } أي: استعينوا ~~في طلب السعادة الحقيقية بالانقطاع عن الخلق، وعن الدواعي الدنيوية ~~والعلائق كلها، وبالمناجاة بالسر مع الله، وهي روح الصلاة، كما روي عنه ~~(صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " المصلي مناج ربه ". # فبالانقطاع عن العلائق كلها يسلم له الوقت، ويقع له الفرصة فيصفو القلب ~~وينتشر الفكر، وتحصل له المناجاة بالمكالمة الحقيقية مع الله، وحينئذ ~~ينكشف له من أسرار الله، وخفايا نوره. وحكمته في ملكوت السماوات والأرض ~~ما لا يقدر على شيء منه في زمان طويل، لو كان مشغول القلب بالعلائق، ~~والانتهاء إلى هذا المقام غاية ما يمكن تحصيله بالاكتساب، وأن ينال ~~بالجهد. # فأما مقادير ما ينكشف، ومبالغ ما يرد من لطف الله في الأحوال والأعمال، ~~فذلك يجري مجرى الصيد. وهو بحسب الرزق، والمعول فيه على جذبة من جذبات ~~الحق - فإنها توازي عمل الثقلين - ولا مدخل للعمل والاختيار. # نعم للاختيار مدخل في أن يتعرض العبد لتلك الجذبة، بأن يقطع عن قلبه ~~جواذب الدنيا، فإن المجذوب إلى أسفل السافلين، لا ينجذب إلى أعلى ~~عليين. وكل منهوم بالدنيا فهو منجذب إليها. فقطع العلائق الجاذبة عن ~~القلب هو المراد بقوله (صلى الله عليه وآله): # " إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها ". # وهو التهيئة لها، وتنقية أرض القلب عن حشايش التعلقات، وبث بذر ~~المعرفة والإيمان فيها، انتظارا لرحمة الله، وتعرضا لمهاب رياح الجود ~~والكرم في الأوقات الشريفة، ومظان الاجابة، واستدرارا لأمطار ~~المكاشفات، ولطائف مياه المعارف من خزائن الملكوت عند اجتماع الهمم، ~~وتساعد القلوب كما في يوم ms0800 عرفة، ويوم الجمعة، وأيام رمضان. # كما ينتظر الزارع الذي يصلح الأرض وينقيها من الحشيش، ويبث البذر ~~فيها. إذ كل ذلك لا ينفعه إلا بمطر، ولا يدري متى يقدر الله أسباب ~~المطر، إلا أنه يثق بفضل الله وتحريكه أسباب السماوات للرزق بأمره ~~على من يشاء، إذ قال: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون # [الذاريات:22]. # فهذا هو علاج الصبر على الوساوس والشواغل، وهو آخر درجات الصبر، وإن ~~الصبر عن العلائق كلها مقدم على الصبر عن الخواطر، وأشد العلائق على ~~النفس علقة رياسة الخلق وحب الجاه فإن لذة الرياسة والاستعلاء ~~والاستتباع أغلب اللذات في الدنيا على نفوس العقلاء. # قال الغزالي: " وكيف لا يكون أعلى اللذات ومطلوبها صفة من صفات الله ~~تعالى وهي الربوبية والربوبية مطلوبة ومحبوبة بالطبع للقلب، لما فيه من ~~المناسبة للأمور الربوبية، وعنه العبارة بقوله تعالى: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء:85]. وليس القلب مذموما على حبه ذلك، وإنما هو مذموم على ~~غلط وقع له بسبب تغرير الشيطان اللعين المبعد عن عالم الأمر، إذ حسده ~~على كونه من عالم الأمر، فأضله وأغواه. # وكيف يكون مذموما عليه، وهو يطلب سعادة الآخرة، وليس يطلب إلا بقاء لا ~~فناء فيه، وعزا لا ذل فيه، وأمنا لا خوف فيه، وغناء لا فقر فيه، ~~وكمالا لا نقصان فيه. # وهذا كلها من أوصاف الربوبية. # وليس العبد مذموما على طلب ذلك... ولكنه آجل، وقد خلق الإنسان عجولا ~~راغبا في العاجلة. فجاء الشيطان وتوسل إليه بواسطة العجلة التي في ~~طبعه، فاستغواه بالعاجلة، وزين له الحاضرة، وتوسل إليه بواسطة الحمق، ~~فوعده بالغرور في الآخرة، ومناه مع ملك الدنيا ملك الآخرة، كما قال ~~(صلى الله عليه وآله): # " والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله " # فانخدع المخذول بهذا الغرور، واشتغل بطلب عز الدنيا، كما قال تعالى: # كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة # [القيامة:20 - 21]. فالمؤمن باليوم الآخر يصبر عن اللذة العاجلة. # قال الجنيد: " المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل على المؤمن، وهجران ~~الخلق في جنب الحق شديد، والمسير من النفس إلى الله صعب ms0801 شديد. والصبر ~~مع الله أشد ". # فذكر شدة الصبر عن شواغل القلب، ثم شدة هجران الخلق، لأن المراد ~~به ترك خاطر الجاه والرياسة على الخلق. فأشار إلى أن الصبر عنه أشد ~~من الصبر من شواغل الدنيا، ثم شدة الصبر مع الله، لأن غلبة نوره يدهش ~~الروح، ويذيب القلب، كما تفعل نور الشمس بالأبصار الضعيفة وحرارتها ~~بالجمد. # قيل: وقف رجل على الشبلي، فقال: أي الصبر أشد على الصابرين؟ فقال: ~~الصبر في الله تعالى. فقال: لا. فقال: الصبر لله. فقال: لا. فقال: الصبر ~~مع الله. فقال: لا. فغضب الشبلي، فقال: ويحك أي شيء هو؟ فقال الرجل: ~~الصبر عن الله. فصرخ الشبلي صرخة كاد أن يتلف روحه. # قال صاحب العوارف: " وعندي في معنى الصبر عن الله وجه، ولكونه من أشد ~~الصبر على الصابرين وجه: وذلك أن الصبر عن الله يكون في أخص مقامات ~~القرب والمشاهدة، يرجع العبد عن مولاه استحياء واجلالا، وتنطبق بصيرته ~~خجلا وذوبانا، ويتغيب في مفاوز استكانته، وتخفيه لاحساسه بعظيم أمر ~~التجلي. # وهذا من أشد الصبر، لأنه يود استدامة هذا الحال تأدية لحق الجلال، ~~والروح تود استدامة هذا الحال باستلماع نور الجمال، وكما أن النفس ~~منازعة في عموم حال الصبر، فالروح في هذا الصبر منازعة، فاشتد الصبر عن ~~الله تعالى لذلك. # وقال أبو الحسن بن سالم: " هم ثلاثة: متصبر، وصابر، وصبار. ~~فالمتصبر من صبر في الله. فمرة يصبر، ومرة يجزع. والصابر من صبر ~~في الله لله ولا يجزع، ولكن يتوقع منه الشكوى، وقد يمكن من الجزع. ~~وأما الصبار فذلك الذي صبره في الله، وبالله. فهذا لو وقع عليه جميع ~~البلايا لا يعجز ولا يتغير من جهة الوجود والحقيقة لا من جهة الرسم ~~والخلقة " واشارته في هذا إلى ظهور حكم العلم فيه مع ظهور صفة الطبيعة. # فصل # قوله تعالى: { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } # الفناء في الله بالصبر عن النفس وهواها وجاهها ومآلها. والبقاء بالله ~~بالصلاة والمناجاة معه صعب شديد إلا مع خشوع القلب، وانكساره، وافتقاره، ~~وعبوديته لتصحيح نسبة الامكان، وهو قصارى مجهود ms0802 العابدين، فإن كل سالك ~~طبيعي أو ارادي لو نظرت إليه لوجدت أن بناء انتقاله من حالة إلى حالة ~~أخرى، وانقلابه من صورة إلى صورة أشرف وأقوى هو ضعف نشأته الأولى، وزوال ~~رسوخه، وشدة فعليته، وحصول حالة امكانية استعدادية شبيهة بالعدم. # فالعناصر مثلا ما لم تنكسر منها شدة كيفياتها، وتأكد صورها ~~النوعية، حتى صار كل منها كأنه متوسطة بين أن تكون، وبين أن لا ~~تكون، فلم تقبل صورة أخرى أشرف من صورها - وهي صورة الجمادية -. # ثم من الجماديات ما هو أقوى صورة، فأبعد من أن ينقلب نباتا، ~~كاليواقيت والفلزات، وما ينقلب منها نباتا فهو كالبذور وغيرها، التي ~~يستولي عليها الوهن والقصور في صورتها الجمادية، ويكاد أن يضمحل ~~ويستحيل في مكانها عائدة إلى الفساد لولا عناية الله لها بالامداد، ~~ونقلها إلى صورة النبات من حدود الجماد. # وكذا الحال في النطف الصائرة حيوانا وإنسانا، كل ذلك لأجل امكاناتها ~~التي هي كصورة الخشوع والخضوع لما فوقها، ولما يقهرها ويسخرها، فحركاتها ~~إلى الله، وتوجهها نحوه تعالى بالاضطرار، والافتقار إلى الواحد القهار. # فكذلك الحكم في أفراد الإنسان، فكل من خشع قلبه وخضع لله بالمحبة ~~والانقياد، وجاوز عن حد نفسه وهواه طلبا لمولاه، انفتح عليه أبواب ~~الرحمة، وفاض عليه أنوار الإلهية، ووصل إليه خلع الكرامة، وكل من وقف ~~في مقام نفسه وأنانيته وطلب هواه، فهو مطرود عن باب الله، محجوب عن ~~لقائه بيد سدنة النيران وحجاب القهرمان. # فمن خشع قلبه لله سهل عليه ترك هوى النفس، والصبر عن الدنيا وما فيها ~~بالصوم عنها. كما قيل: " صم عن الدنيا واجعل فطرك الموت " وبالقدوم ~~على الله بالصلاة التي روحها عرفان الحق، والتعبد له ظاهرا وباطنا. # وملاك الأمر كله معرفة الله، ومعرفة النفس، وحشرها إليه تعالى، ~~والتصديق بلقاء الله، ولذلك وصف الخاشعين بقوله عز اسمه: { الذين ~~يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه ~~راجعون }. ### || [2.46] # أي يتوقعون لقاء الله ونيل ما عنده، ويتيقنون أنهم يحشرون إلى الله. ~~فالظن هاهنا بمعنى العلم، كما في قوله تعالى: # إني ظننت أني ملاق حسابيه # [الحاقة:20]. ms0803 ويؤيده أن في مصحف ابن مسعود " يعلمون " وأن الظن ~~هو الاعتقاد الراجح الذي يقارنه تجويز النقيض، وذلك يقتضي أن صاحبه غير ~~جازم بيوم القيامة، وذلك كفر فكيف يمدح الله لهم عليه. # وعلاقة التجوز أنه شابه العلم في الرجحان، ولتضمين معنى التوقع. # ومن حمل اللفظ على ظاهره، وجعل ملاقاة الرب مجازا عن الموت، فإما أن ~~يقول: المراد " الذين يظنون الموت في كل لحظة فإنهم لا يفارق قلوبهم ~~الخشوع فهم يتبادرون إلى التوبة، لأن خوف الموت من دواعي التوبة ". ~~وإما أن يفسر " ملاقاة الرب " بملاقاة ثوابه، وذلك مظنون غير معلوم، أو ~~يقول: إن المعنى: " يظنون أنهم ملاقوا بذنوبهم " فإن الإنسان الخاشع ~~لا وقع لطاعاته عنده، فيغلب على ظنه أنه يلقى الله بذنوبه، فعند ذلك ~~يتسارع إلى التوبة، والانابة، والصبر، والصلاة. # وهاهنا وجه آخر، وهو أن العلم بكيفية المعاد، وبأن أفراد الإنسان ~~وغيرهم ملاقون ربهم يرجعون إليه بالحقيقة علم شريف، غامض، لا يحصل لأحد ~~على وجه اليقين إلا للكمل من العرفاء، وليس لعامة أهل الإيمان إلا ~~مرتبة الظن به على سبيل التخيل، والتسليم. # ولأجل غموضه، وعلو سمكه عن مدارك العقول، كرر ذكره في القرآن، وكثر ~~المنكرون له في كل زمان، حتى أنك ترى كثيرا من العقلاء القائلين ~~بوجود الصانع للعالم وتوحيده، منكرين للمعاد، وحشر الخلائق إليه تعالى، ~~فالظن به حاصل لكل مؤمن خاشع لله، وذلك الظن كاف في أن يبعث له على ~~الصبر، والصلاة، وسائر العبادات. # وأما مرتبة علم اليقين بلقاء الله، والرجوع إليه، فهي ثمرة العبادات، ~~وغاية الصبر، والصلاة. # فصل # كلام في رؤيته تعالى # قال الإمام الرازي في تفسيره: استدل بعض الأصحاب بقوله تعالى: { ~~ملاقو ربهم } على جواز رؤية الله. # وقالت المعتزلة: لفظ " اللقاء " لا يفيد الرؤية. والدليل عليه الآية ~~والخبر والعرف: # أما الآية فقوله تعالى: # فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه # [التوبة:77]. والمنافق لا يرى ربه. وقوله: # ومن يفعل ذلك يلق أثاما # [الفرقان:68]. وقال تعالى في معرض التهديد # واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه # [البقرة:223]. فهذا يتناول المؤمن والكافر. والرؤية لا ms0804 تثبت للكافر. ~~فعلمنا أن اللقاء ليس عبارة من الرؤية. # وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وآله: # " من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان ~~" # وليس المراد " رأى الله " لأن ذلك وصف أهل النار. # وأما العرف فهو كقول المسلمين " من مات لقى الله " ولا يقولون: " رأى ~~الله " وأيضا: فاللقاء يراد به القرب ممن يلقى على وجه يزول الحجاب ~~بينهما، ولذلك يقول إذا حجب عن الأمير: " ما لقيته بعد ذلك " وإن كان قد ~~رآه، وإذا أذن له في الدخول عليه يقول: " لقيته " وإن كان ضريرا. # ويقال: " لقي فلان جحدا شديدا " و " لقيت من فلان الداهية " و " لقي ~~فلان جماعة ". وكل ذلك يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية، ويدل ~~عليه قوله تعالى: # فالتقى المآء على أمر قد قدر # [القمر:12]. # ثم قال: " قال الأصحاب: " اللقاء " في أصل اللغة عبارة عن وصول أحد ~~الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه بسطحه. يقال: " لقي هذا ذاك " إذا ماسه ~~واتصل به، ولما كانت الملاقاة بين الجسمين المذكورين سببا لحصول ~~الإدراك. فحيث يمتنع اجراء اللفظ على المماسة وجب حمله على الإدراك، ~~لأن اطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز، فثبت أنه يجب ~~حمل أنه يجب حمل اللقاء على الإدراك. # أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض الصور لدليل يخصه، ~~فوجب اجراؤه في البواقي على الإدراك وعلى هذا التقدير زالت السؤالات ~~انتهى كلامه. # أقول: من أراد أن يقتنص حقائق المعارف الإلهية - خصوصا العلم بهذه ~~المسألة الغامضة، التي تحيرت فيها مدارك أهل الفكر والنظر، وعجزت عن ~~ادراكها عقول الأوائل والأواخر إلا من أيده الله بنوره، وفتح بصيرته ~~لمشاهدة عالم الآخرة - بوسيلة الألفاظ الوضعية، والاطلاقات العرفية، ~~فالضلال أسرع إليه من الهدى. # واعلم يقينا أن من فارق طريق التسليم، والقبول، والإيمان بالغيب - ~~كسائر الضعفاء - وخاض في مثل هذه الأدلة الكلامية في باب معرفة الله، ~~ومعرفة لقاء الله يوم الآخرة، فقد تعرض لخطر عظيم من سوء العاقبة، ~~فإنه إذا جاء وقت حضور ms0805 الموت، وكشف الغطاء، ظهر عليه بطلان ما اعتقده، ~~وفساد الأدلة التي لفقها ونسجها كبيت العنكبوت، واعتمد عليها في حياته ~~تعصبا وجهلا. # إلا إذا جاوز من حدود معقولة إلى نور المكاشفة الذي يشرق في عالم ~~النبوة والولاية والقرب، ويقع اشراقه على قلب من توجه بمرآة باطنه ~~إلى باطن النبوة، وحاذى بها شطره، وصحح نسبته إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله بإحكام المحبة، وسلوك طريق المتابعة له. ولآله عليهم السلام، حتى ~~نال شيئا مما نالوه، ووقف على شيء مما وقفوه، وشرب من ماء عين اليقين ~~كما شربوه. وحينئذ لاح له أحوال الملكوت، وأسرار القيامة، ولقاء الله، ~~ومعنى رجوع الكل، وذلك هو الكبريت الأحمر، والفاروق الأكبر، لا يقع إلا ~~بيد ملوك الآخرة وسلاطينها، وليس يحصل للأسراء المحبوسين في عالم الحس ~~والمحسوسات، المقيدين بقيود التعلقات إلا اسم ورسم فالاسم لعوامهم، ~~والرسم لعلمائهم، لأنهم المقتصرون على السمعيات والرسوم، وما يلفقون ~~بأفكارهم منها، فلذلك أمرهم دائر في هذه المسألة بين اعتقاد رؤيته ~~تعالى بهذا البصر الدائر في اليوم الآخر، وبين حمل اللقاء على لقاء ~~الثواب، وكل منها بمعزل عما هو معلوم أولي الألباب. # واعلم أنك لو أردت أن تكون عالما ربانيا مفسرا للكلام الإلهي من ~~دون أن تتعب نفسك، وتداوم على الأمور المقربة للقدس - من الرياضة، ~~والخضوع، والخشوع، والصبر والصلاة، وتجريد الذهن عن الخواطر، وسد أبواب ~~المشاعر، ودوام النظر في الإلهيات - فقد حدثت نفسك يممتنع، أو شبيه ~~بالممتنع. # والناس يجتهدون في طلب أمر باطل، أو تحصيل موهوم خيالي غاية الاجتهاد، ~~ويرتكبون الأمور الشاقة وترك المألوفات لا لغرض شريف. فقبيح لطالب ~~الحق أن يرضى بالقعود ولا يجتهد في السعي إلى ذكر الله ودرك ما عند ~~الله. # فإن طلبت واجتهدت لا تلبث زمانا طويلا إلا ويأتيك بارقة نورانية، ~~ثم تتوالى عليك حتى يصير وروده لك ملكة، فتعلم أن فيك نورا ~~شارقا لذيذا، تعلم باشراقه أن جميع الأشياء متوجهة نحو الأول ~~تعالى توجها جبليا، سالكة إليه سلوكا جوهريا ذاتيا ولها رجوع إليه ~~تعالى كما تكرر ذكره في القرآن، وساعده ms0806 البرهان. # وأنت قبل أن يحصل لك الارتقاء إلى هذا المقام، يجب أن تعتقد أن جميع ~~الموجودات بحسب مالها من الكمالات - عقلية كانت، أو نفسانية، أو ~~طبيعية - طالبة لكمالاتها الثانية، ومتشبهة بعللها ومباديها في تحصيل ~~ذلك الكمال بحسب ما يتصور في حق كل منها ويليق به، وأن لكل نوع من ~~الأنواع المفارقة، والأثيرية، والعنصرية كمال ما، وعشق إلى ذلك ~~الجمال، وإن تصور فقد ذلك الكمال، فشوق ارادي لماله حياة ظاهرة، ~~أو طبيعي لما ليس له حياة ظاهرة. والكل عند أهل الله حيوان، فاهم، ~~عاقل. ولولا عشق العالي لانطمس السافل. # وإذا ثبت هذا، وثبت أن لكل موجود غاية في وجوده كما أن له فاعلا، ~~وأن لكل فاعل في فعله غرض ولفعله غاية، ولو كان لكل غاية غاية من ~~غير أن تنتهي إلى غاية الغايات لتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية - وهو محال ~~- ويلزم أيضا بطلان الغاية بالكلية - كما لا يخفى - فلا بد أن يكون ~~لجميع الموجودات غاية أخيرة تنتهي إلى الغايات بأسرها، ولا بد أن تكون ~~عين المبدإ الأول للكل وإلا لزم تعدد الباري، فإن الغاية الذاتية ~~للشيء يجب أن تكون دائما متقدمة على وجوده، وهي نفس ما هو الفاعل ~~بالحقيقة. # وأما التقسيم الذي وقع في كلام الحكماء " وهو أن ما لأجله الشيء قد ~~يكون في بعض الأمور في نفس الفاعل، كالفرح، والغلبة، وقد يكون في بعضها ~~في غير الفاعل وذلك تارة في القابل، مثل آخر الحركات التي تصدر عن فكر، ~~أو طبيعة كصورة الكرسي في الخشب - وتارة في شيء ثالث - كمن يفعل ~~فعلا ليرضى به فلان، فيكون رضى فلان غاية خارجة عن الفاعل والقابل ~~". # والتحقيق أن هذا التقسيم إنما يجري فيما هو غاية بالعرض، وأما الغاية ~~بالذات فلا تكون خارجة عن ذات الفاعل أبدا. فإن من فعل فعلا ليرضى به ~~فلان إنما غرضه الأصلي حصول راحة، أو لذة تعود إلى نفسه، وإلا لما ~~فعله. # فالغاية الذاتية بالحقيقة ما اتصل بالفاعل، أو وصل إليه الفاعل، فإن ~~محصل صورة الكرسي في الخشب بعمل، ms0807 وقاصد رضاء فلان بفعل، ليس غرضه ~~إلا طلب أولوية تعود إلى نفسه. وكذا الباني في بناء بيت للاستقرار، أو ~~للأجرة، لا يبنيه إلا لحصول غاية أخيرة، وهي الأولوية العائدة إلى ~~نفسه. # ومما يجب أن تعلم أن في الغاية أشياء ثلاثة: # أحدها: الغاية بمعنى ما يجعل الفاعل فاعلا ويسمى " علة غائية " ~~وهي علة فاعلية لفاعلية الفاعل. ولا شبهة في تقدمه على الفعل - بل ~~على الفاعل من حيث هو فاعل - وهذا في الفاعل الأول - أي صانع العالم - ~~عين ذاته، فإن ذاته بعينه فاعل للأشياء، وعلة غائية، لأجل علمه بوجوه ~~الخير، الذي هو الداعي لايجاد الخير في العالم، وذلك الداعي هو عين ~~ذاته. # وثانيها: الغاية بمعنى ما يترتب على الفعل وينتهي إليه الفعل ترتبا ~~وانتهاء ذاتيا - كصورة الخشب والسيف، التي انتهت إليه حركة النجار ~~والسياف -. # وثالثها: الغاية بمعنى الضروري اللازم لما هو الغاية الأخيرة من غير ~~أن يتوجه إليه الفعل والحركة، كالدكنة الحاصلة في السيف مثلا. ~~والذبول والموت من هذا القبيل، فإن الحرارة مستولية على البدن للأفاعيل ~~النباتية، أو الحيوانية، لأجل الغايات المطلوبة منها، فإذا استولت ~~تقلل الرطوبات الغريزية شيئا فشيئا لأجل تلك الغايات، فيحصل للمادة ~~الذبول بالعرض. وكذا يطرأ على البدن الموت بهذا السبب، أو لأجل تمامية ~~النفس، وانصرافها، وتوجهها إلى النشأة الثانية. ويقال لهذا القسم: " ~~غاية اتفاقية ". # وقد تكون الغاية الاتفاقية لشيء غاية ذاتية لشيء آخر، فلها سبب ~~اتفاقي، والسبب الاتفاقي يجوز أن يتأدى إلى غاية ذاتية. وقد يجوز أن ~~لا يتأدى، مثل الحجر الهابط من الجبل إذا شج، فربما هبط إلى مهبط، ~~وربما لم يهبط. فإن وصل إلى غايته الطبيعية، يكون بالقياس إليها سببا ~~ذاتيا، وبالقياس إلى الغاية العرضية سببا اتفاقيا. وأما إذا لم ~~يصل إليها كان بالقياس إلى الغاية الذاتية باطلا. # والاتفاق من حيث هو اتفاق لا يكون دائميا ولا أكثريا. بل يقع على ~~سبيل الندرة، لما علمت أن ما هو اتفاق بالقياس إلى سبب فهو ذاتي ~~بالقياس إلى سبب آخر، فالأسباب الطبيعية، أو الإرادية متقدمة على السبب ~~الاتفاقي ms0808 - تقدم ما بالذات على ما بالعرض - وجميع الأمور الطبيعية، ~~والاتفاقية، متوجهة نحو غايات بالذات لا بالعرض، وأن الاتفاق طار ~~عليها، وأن الغايات الاتفاقية، غايات بالعرض وأما وجودها فهو بالذات، ~~وله غاية أيضا بالذات. # فثبت وتحقق أن وجود العالم بأسره ليس على سبيل الاتفاق، وإن كان ~~للاتفاق فيه مدخل، وذلك بالقياس إلى بعض أفراد العنصريات، حيث لا تعتبر ~~الأسباب المقتضية المكتنفة، ولا يقاس إلى الأسباب القصوى للكل، وإلى ~~السبب الأول، والغاية العظمى، وغاية الغايات. # وكذا وجود العالم خير كله، وقع من فاعل هو خير محض. والشر واقع ~~بالعرض بعلة عرضية منتهية إلى عدم، أو نقص، أو ذات ناقصة، كإبليس ~~ونحوه. # فبطل ما حكاه قوم عن انباذقلس، أو ذيمقراطيس من القول بالاتفاق، وكذا ~~ما قالت الثنوية القائلة بوجود مبدإ آخر للشرور بالذات، وكذا ما زعمه ~~أقوام من أن الباري يفعل الأشياء ويتركها من غير نظام، وغاية، وداع. ~~فان ما زعموه يجري مجرى القول بالاتفاق، أو القدر الذي قاله الثنوية ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وقد ذكر الحكماء في كتبهم ابطال هذه المذاهب الخبيثة ببيانات، ودلائل ~~موضحة، من جملة تلك الدلائل أن البقعة الواحدة إذا سقط فيها حبة ~~بر، وحبة شعير، أنبت البر برا، والشعير شعيرا البتة. # ومنها: إن الغايات الصادرة عن الطبائع الأصلية في حال ما تكون غير ~~معوقة كلها كمالات. وإنها إذا تأدت إلى أمور ضارة كان ذلك في ~~الأقل. فلهذا ما يقال: لم لا ينبت الشعير برا؟ ولم لا يتولد شجرة ~~مركبة من تين وزيتون؟ ولم لم تبق الأنواع محفوظة على الأكثر. # ومنها: إنا إذا أحسسنا بقصور من الطبيعة نعينها بالصناعة. وإذا طرأ ~~وهن، أو آفة، أو مرض يعوق الطبيعة عن فعلها. نعالجها بالدواء، كما ~~يفعله الطبيب معتقدا أنه إذا زال العارض، وصلح القابل، واشتدت ~~القوة، توجهت الطبيعة إلى فعلها من الصحة، وليس للروية، والفكر مدخل ~~في حصول الغاية. # فليس إذا عدمت الروية وجب أن لا تكون الطبيعة لفعلها غاية. فإن ~~الروية لا تجعل الفعل ذا غاية، بل لها ms0809 مدخل في تعيين الفعل الذي يختاره ~~من بين أفعال يمكن صدورها عنا، لكل منها غاية تخصه، فإن لكل فعل يلزمه ~~غاية بالضرورة لا بفعل فاعل، وليس الفاعل يجعل الفعل ذا غاية، بل الغاية ~~مما يجعل الفاعل ذا فعل يفعله لأجل تلك الغاية. # ولو كانت النفس مسلمة من المعارضات لكانت يصدر عنها فعل متشابه على نهج ~~واحد طلبا لما هو كمال لها، وحال السماويات وملكوتها هكذا، لكونها ~~سليمة عن المعارضات، والقواطع للطريق، فلا جرم هي مؤدية إلى غاياتها. # وقد علمت أن الغاية غير خارجة عن ذات الفاعل، فيكون الفعل الصادر عن ~~فاعله مؤديا وواصلا إليه، متقلبا إليه، بل منقلبا إياه وقد صار ~~أعلى وأشرف مما كان. # وكذا الكلام في الغاية، حيث إن لها غاية أيضا. والكلام في غاية ~~الغاية كالكلام في الغاية، بل غاية الغاية إذا كان وجودها وجودا ~~إمكانيا أولى بأن يكون لها غاية، كما أنها أولى بأن يكون لها فاعل. ~~لأن وجودها أقوى، وأشرف، وأدوم. فكيف يكون عبثا بلا غاية، أو اتفاقا، ~~أو جزافا؟ فسلسلة الغايات تنتهي إلى واجب الوجود. # هذا في غير الإنسان. وأما في الإنسان فقد ينتهي بعض من أفراده من ~~أدنى المراتب إلى أعلى الغايات لكونه مختصا من بين سائر الأنواع ~~بالاستحالة إلى الحالات والتطور في الأطوار والنشآت، فرجوع الأشياء إلى ~~الباري نحو آخر، ورجوع السالك الإنساني المجذوب إليه نحو آخر. # وذلك لأن سائر الأشياء - ما سوى الممكن الأشرف والعقل الأول - معنى ~~انتهائها، ورجوعها إلى الرب تعالى، إما عبارة عن انتهاء مبادئها، ~~وغاياتها، وأسبابها إليه تعالى. فهي راجعة إلى الوسائط، والوسائط متأدية ~~إلى الممكن الأشرف المتوسط بينها وبين سائر الممكنات، وهو منته راجع ~~إليه تعالى دائما، لأنه تعالى غايته ولا غاية له سواه. وإما عبارة عن ~~معية الحق الأول لكل موجود - معية قيومية - لشمول نور وجوده ~~للأشياء. # وأما معنى رجوع العبد وعوده إليه تعالى، فهو عبارة عن وصوله إلى ~~الحضرة الإلهية بعد طي منازله، ومقاماته البعيدة والقريبة، فمن ابتداء ~~حركته الرجوعية إلى وصوله إلى لقاء الله ms0810 تعالى قد قطع جميع القوس ~~العروجية، وهي نصف دائرة الوجود من المادة الأرضية إلى الحضرة ~~المقدسة، وهو بإزاء النصف النزولي منها، وهو من الحضرة المقدسة الهوية ~~الأولى إلى الهاوية السفلى. # والعجب من بعض الحكماء - كأبي علي وأتباعه - كيف أنكروا على بعض ~~المتقدمين فيما ذهب إليه من القول بأن النفس الإنساني تتحد بالعقل ~~الفعال عند الاستكمال. وقد بالغ الشيخ أبو علي في الرد على مقدم ~~المشائين بعد أرسطو المسمى بفرفوريوس وهو عندي أعظم تلامذة ذلك الحكيم ~~الموحد الرباني لوثاقة قوله، ومتانة رأيه، وحسن سماعه، واهتدائه بكلام ~~معلم القوم بالتوحيد، والمعاد ما لم يسمع غيره، ولم يهتد به من سواه ~~من شركائه في التعليم، والصناعة، كالإسكندر الافروديسي، وثامسطيوس، ~~وغيرهما من شراح كلماته وأسراره، ونقلة كتبه وأسفاره، وحفظة علومه ~~وأخباره. # ووجه العجب أنه كيف خفي الحال على مثل أبي علي ومن يحذو حذوه ~~حتى شنعوا على القول باتحاد العقل المنفعل بالعقل الفعال؟! وقد ~~شاهدوا من الإنسان الانتقال في الصور والأحوال. # فكان قد أتى عليه شيء من الدهر لم يكن شيئا إلا القوة والاستعداد، ~~والحامل لها الهيولى التي هي أخس المواد، ثم اكتسى بصورة العنصرية، بل ~~الأرضية التي هي أظلم الأجساد - فإنها الغالب على مادة بدنه - ثم ~~تصور بصورة المنوية - وهي من أوهن الأشياء وأضعفها - وهكذا تدرج في ~~الاستكمال حتى صار حيوانا سميعا بصيرا. # ثم استكمل وصار قابلا للاهتداء إلى طريق الحق - إما عارفا مهتديا، ~~وإما جاهلا ضالا - كما أشار تعالى إليه بقوله: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر # [الإنسان:1] إلى قوله: # إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان:3]. # فمن جوز صيرورة اللاشيء - كالمادة الأولى - شيئا أي صورة بناء، على ~~ما هو التحقيق من الاتحاد بين المادة والصورة المقومة إياها، ~~اتحادا في الوجود، وإن كانا مختلفين في المعنى والمفهوم، كالاتحاد بين ~~الجنس والفصل، لأن الجنس والفصل هما عين المادة والصورة بالذات وغيرهما ~~بالاعتبار وكذا جوز صيرورة الجماد كالنطفة حيوانا، والحيوان جوهرا ~~عاقلا بالقوة. كيف أنكر صيرورة العاقل بالقوة عاقلا بالفعل؟ أو ~~صيرورة العقل المنفعل عقلا ms0811 فعالا؟! فإن المباينة هناك ليست بأقل من ~~المباينة هاهنا. # فإن قال قائل: إن المادة ما صارت صورة قبلتها، فإن الإنسان من مبدإ ~~تكونه في الرحم عند الشهر الرابع أو من حين استقرار النطفة فيه إلى آخر ~~كماله في العلم والولاية شيء واحد بعينه في الوجود والجوهرية بالذات، ~~وقد طرأ عليه صفات وأعراض، حتى لم يكن فرق بين أجهل الناس كأبي جهل ~~وأعقلهم كمحمد (صلى الله عليه وآله) فقد كابر مقتضى عقله وفطرته. # بل الإنسان أبدا في التحول إلى النشآت والأطوار، إلى أن ينقلب إلى ~~الدار الآخرة. وهذا عام لكل أحد، سواء أتم حركته التحولية في القوس ~~الرجوعية - حتى إذا وصل منتهاه، وبلغ إلى مناه، وفاز بلقاء مولاه - أو ~~قصر في ذلك فضل عن الطريق، وهوى في هاوية الهوى، أو نزل إلى أفق ~~البهائم، وترك الترقي إلى أفق الملإ الأعلى، وخان في الأمانة التي ~~أودعها الله فيه، وأنعم بها عليه. # بل هو أسوأ حالا من البهيمة، لأنها تتخلص بالموت، وأما هو فلا بد له ~~من الرجوع. لأن عنده أمانة سترجع إلى مودعها، وكانت تلك الأمانة في مبدإ ~~الفطرة قبل نزولها إلى القالب مشرقة زاهرة كالشكس، فإذا هبطت إليه وغربت ~~فيه مدة ستطلع من مغربها، وستعود إلى مبدئها وبارئها إما مظلمة منكسفة، ~~وإما مشرقة زاهرة. # والمشرقة غير محجوبة عن الحضرة الإلهية. والمظلمة أيضا راجعة إليه مع ~~الحجب الظلمانية. لما أشرنا إليه أن الأشياء كلها راجعة إليه، ~~صائرة إليه تعالى بوجه آخر، إذ المرجع والمصير للكل إليه. إلا أن ~~النفوس المجرمة الشقية ناكسة رؤوسها عن جهة ربها إلى جهة الهوى ~~والهاوية، كما قال تعالى: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم # [السجدة:12]. فانقلبت وجوههم إلى أقفيتهم، وانتكست رؤوسهم من جهة أعلى ~~عليين إلى جهة أسفل سافلين، وذلك حكم الله فيمن حرمه التوفيق، وأضله ~~الهوى عن طريق الهدى نعوذ بالله من سوء العاقبة. # فصل # في زيادة الاستبصار في تحقيق المصير إلى لقاء الله في دار القرار # اعلم أنه كما أفادنا النظر في الوجود ms0812 وعلله اثبات فاعل أول، كذلك ~~أفادنا فيه إلى اثبات غاية أخيرة له، ويجب أن تكون تلك بعينها ما فرضناه ~~فاعلا، إذ الغاية ما يجعل الفاعل فاعلا ويكمله إذا كان مما يعتريه ~~قصور، أو نقص. # وأما الفاعل التام الذي فوق الكل ووراء الوراء فليس له كمال منتظر ~~يبلغ، بل الأشياء مما يصير به تاما كاملا، إذ به تمام كل شيء، وكمال ~~كل ذي كمال، فما سواه ناقص بذاته كامل به. # فالله هو الأول الذي لا أول له، وهو الآخر الذي لا آخر له، ليس ~~كمثله شيء لأنه أصل الوجود، ومنه ابتداء الأمر، وإليه ينساق الوجود، ~~وهو العلة الفاعلية للوجود، والعلة الغائية له. # فإن قيل: كيف يكون ما هو العلة الفاعلية علة غائية، والعلة ~~الفاعلية قبل الشيء لينبعث منه الشيء، والعلة الغائية يجب أن تكون ~~متأخرة الوجود عن الشيء ليستتبعها الشيء؟ # فالجواب: إن العلة الغائية - إن تأملت - فهي في الحقيقة عين العلة ~~الفاعلية دائما - لا في هذا الموضع خاصة - فإن الجائع إذا أكل ليشبع، ~~فإنما أكل ليشبع لأنه تخيل الشبع، فحاول أن يستكمل له وجود ~~الشبع، فيصير من حد التخيل إلى حد العين. فهو من حيث إنه شبعان ~~تخيلا هو الذي يأكل ليصير شبعان وجودا، فالشبعان تخيلا هو العلة ~~الفاعلية، والشبعان وجودا هو الغاية. # فالأكل صادر من الشبع، ومصدر للشبع، فالشبع هو الذي كان علة فاعلية ~~للأكل، وعلة غائية له، ولكن باعتبارين مختلفين، فهو باعتبار الوجود ~~العلمي فاعل، وباعتبار الوجود العيني غاية. # والأمر فيما نحن فيه على عكس ذلك بوجه. فإن الله عز وجل حيث أنبأنا عن ~~غاية وجود العالم، قال: # " كنت كنزا مخفيا، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق لأعرف " # فدلنا على أن غاية وجود العالم هو الله معروفا، فهو موجودا علة ~~فاعلية للعالم، وهو مشهودا علة غائية. # فهذا وجه من تحقيق هذا الكلام، وهاهنا وجه آخر أدق من هذا، فغاية ~~الوجود هي لقاء الله عز وجل، لذلك بني العالم، ولأجله نظم النظام، ~~وإلى ذلك ينساق الوجود. و # أن إلى ربك المنتهى ms0813 # [النجم:42]. # تتمة # غاية سير الأشقياء والسعداء # واعلم أن هاهنا غايات وهمية مجعولة للأوهام، زينت لطوائف من الناس، ~~فهم سالكون إليها في لبس وعماية من غير بصيرة ولا دراية، وهم كل الناس، ~~إلا عباد الله المخلصين. # واعلم أن هؤلاء الطوائف ليسوا بمحل نظر ولي الوجود، ولا يعبأ الله ~~بهم، فإنهم مع ولي الوجود في شقاق بعيد، فإنهم متوجهون إلى غير ما ~~وجه الله إليه الوجود، ونظم له النظام، فهم في شق والوجود في شق. ~~فهم ليسوا بعباد الله، ولا الله مولاهم وسيدهم، وإنما أولياؤهم ما ~~تولوا إليه من الهوى والشهوات، # قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعآؤكم فقد ~~كذبتم فسوف يكون لزاما # [الفرقان:77]. وإذ لما هم عليه من الهوى نظام جزئي، فله لا محالة ~~ولي وهو شيطان من الطواغيت. فإن شئت سمهم عبدة الهوى، وإن شئت ~~سمهم عبدة الطواغيت فقد نزل بكل ذلك القرآن. # فمن تولى الله وأحب لقاءه وجرى على ما أجرى عليه النظام الحقيقي، ~~تولاهم وهو يتولى الصالحين. ومن تعدى ذلك فطغى وتولى الطواغيت، واتبع ~~الهوى - ولكل نوع من الهوى طاغوت - ولاه الله ما تولاه، فشخص لكل ~~معبوده، ووجه إليه. # وإنك لتعلم أن النظامات الوهمية، والغايات الجزئية، تضمحل ولا ~~تبقى حتى هلاك هذه الدار، انتقل الأمر إلى الواحد القهار، فمن كان ~~وليه الطاغوت - والطاغوت من جوهر هذه النشأة الدنيوية - فكلما أمعنت ~~هذه النشأة في العدم والدثور ازداد الطاغوت في الاضمحلال. # فطاغوت الإنسان من حين مات الإنسان يأخذ متحركا في العدم، والإنسان ~~يتبعه، لأن الله تعالى يولي كلا ما تولاه. وهذا منه عدل، فيذهب به ~~الطاغوت ممعنا في وروده العدم، متقلبا به في الدركات حتى يحله دار ~~البوار لا يموت فيها ولا يحيى. # لا يموت، لأن ذلك عند خراب الدنيا بالكلية، وإذا خربت فتح الله ~~خزائن الحياة، وأفاض بكل النور، ومسح به البرية مسحة، التحم بها ~~وجودهم التحاما لا يداخلهم الفساد بعد ذلك. ولا يحيى لأنه استقبل ~~بوجهه الطاغوت، والطاغوت عدم وباطل، والمسحة النورية الوجودية إنما ~~تأتيه من وراء ظهره، ms0814 وانما تأتي من قبل الوجه عباد الله الذين ~~استقبلوا الله بوجوههم. # فإذا حل دار البوار اشتعل فيه النار، وأحاط به سرادقها. لأن نار ~~النيران قد خلقها عز وجل وأسكنها دار البوار. وهي نار الله الموقدة ~~التي تطلع على الأفئدة، والعذاب الأكبر للذي قدم من ذنوبه العذاب الأدنى ~~فافهم ما تلوناه عليك فإنه لباب المعرفة. # نتائج ما مضى من التحقيق # وبما حقق به المقام وفسر به الكلام انفسح احتجاج المجسمة بهذه الآية ~~على تجسم الإله - تعالى عن ذلك - من أن الرجوع إلى غير الجسم محال. # واضمحل أيضا احتجاج التناسخية بها من أن الرجوع إلى شيء يقتضي ~~السابقة إليه، فدل على كون النفوس قديمة في عالم الروحانيات، إذ قد ~~علمت أن هذا الرجوع رجوع معنوي بعد تطور النفس في الأطوار، وطي ~~مراتب الأكوان في النشآت الطبيعية، والحسية، والخيالية، والوهمية، ~~والعقلية. وأن هذا الرجوع رجوع غائي، وحكم السابقية فيه على محاذاة ~~حكم اللاحقية. # غاية الأمر أن للنفس نحوا من الحصول سابقا - ولو باعتبار صورتها ~~العقلية، أو العلمية، أو الاسمية كما عليه العرفاء - وأين هذا من ~~التناسخ، وبينهما من الفرق كما بين الأرض والسماء، والظلمة والضياء. ~~فظهر فساد قول المجسمة والتناسخية. # وظهر أيضا ضلال الثنوية، لما علمت أن توجه الأشياء إلى ما هو ~~الخير الحقيقي. # وقد علمت أيضا فساد رأي القائلين بالبخت والاتفاق. وظهر لك أيضا ~~كذب الطباعية، والدهرية من أوساخ البرية القائلين: بأن ليس لطبائع ~~الأنواع كالأفلاك والعناصر وما فيهما غاية أخرى يؤدي إليها. # ولما دريت امتناع " تكون الأشياء عنه تعالى حاصل من غير داع وغاية هي ~~عين الفاعل الأول " علمت فساد رأي الأشاعرة النافين للداعي والحكمة. # وعلمت أيضا بطلان رأي المعتزلة لاثباتهم الداعي له تعالى في فعله أمرا ~~مغايرا لذاته، كذات الوقت، أو الأصلح بحال العبد، أو ما يجري مجراهما، ~~وذهلوا عن أن ذلك يؤدي إلى القول بنقصانه تعالى في ذاته عما هو الأولى ~~له، والأليق به، واستكماله بالممكن - تعالى عن ذلك علوا كبيرا -. # فبقي أن يكون المذهب المنصور هو الذي عليه ms0815 أهل الله وأهل اليقين، ~~المنتمون إلى أهل بيت الولاية والعصمة سلام الله عليهم أجمعين. ### || [2.47] # إن الله تعالى قد كرر الخطاب معهم، وأعاد هذا الكلام عليهم مرة أخرى ~~توكيدا للحجة، وتفصيلا بعد الاجمال، لأنه أوقع في النفوس، وتذكيرا ~~لنعمة التفضيل الذي هو أجل النعم على الخصوص، وتحذيرا من ترك اتباع ~~محمد (صلى الله عليه وآله). # قال القفال: النعمة - بكسر النون - صفة المنعم. أي ما ينعم به ~~الرجل على صاحبه. قال تعالى: # وتلك نعمة تمنها # [الشعراء:22]. - وأما النعمة - بفتح - النون - فهو بمعنى ما يتنعم ~~به في العيش. قال تعالى: # ونعمة كانوا فيها فاكهين # [الدخان:27]. # وقوله: { أني فضلتكم } منصوب المحل عطفا على { نعمتي } ~~أي اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم على العالمين. # ولا يلزم أن يكونوا أفضل من محمد (صلى الله عليه وآله) لوجوه: # أحدها: ما ذكر في الكشاف: " إن المراد به التفضل على الجم الغفير من ~~الناس، كقوله تعالى: # باركنا فيها للعالمين # [الأنبياء:71] وكما تقول: " رأيت عالما من الناس " والمراد منه الكثرة ~~لا الكل. # واعترض عليه في التفسير الكبير بأن هذا ضعيف، لأن لفظ " العالم " ~~مشتق من العلم. وهو الدليل.فكل ما كان دليلا على الله أو كان عالما ~~فكان من العالم. وهذا تحقيق قول المتكلمين: " إن العالم كل موجود سوى ~~الله " وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم ببعض المحدثات. # أقول: وهذا غير وارد، إذ ليس مراد الزمخشري أن مدلول لفظ " العالم " ~~حقيقة مختص ببعض المحدثات، بل إنه اريد به كثير من العالم مجازا، ~~أو بحسب العرف الطارئ. # وثانيها: ما قاله ابن عباس: إنه أراد به عالمي زمانهم، لأن امتنا ~~أفضل الأمم بالاجماع، كما ان نبينا أفضل الأنبياء. وبدليل قوله تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران:110]. # وثالثها: أن المراد تفضيلهم في أشياء مخصوصة، وهو إنزال المن والسلوى ~~وما أرسل الله فيهم من الرسل، وأنزل عليهم من الكتب - إلى غير ذلك من ~~النعم العظيمة - كإغراق فرعون، والآيات الكثيرة التي يسهل معها ~~الاستدلال، ويهون بها المشاق. وتفضيل الله إياهم في أشياء مخصوصة لا ms0816 ~~يوجب أن يكونوا أفضل الناس على الإطلاق. # وهاهنا وجه آخر لا يبعد القول به: وهو أن هذا التفضيل من جملة النعم ~~العامة عليهم وعلى غيرهم من أفراد نوعهم والتي جاءت من بعد النعم ~~الخاصة لهم، فيكون إشارة على فضيلة البشرية كما في قوله تعالى: # ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر ~~والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم ~~على كثير ممن خلقنا تفضيلا # [الإسراء:70]. غاية الأمر، أن كان المراد من العالمين غير الملائكة ~~والأشخاص الكريمة العلوية ليكون على وفاق قوله: { كثير ممن ~~خلقنا }. # واعلم أنه قال في التفسير الكبير: إن قوله: { وأني فضلتكم ~~على العالمين } يدل على أن رعاية الأصلح لا تجب على الله تعالى ~~- لا في الدنيا، ولا في الدين - لأن قوله: { وأني فضلتكم ~~على العالمين } يتناول جميع نعم الدنيا والدين، فذلك التفضيل إن ~~كان واجبا لم يجز جعله منة عليهم، لأن من أدى واجبا فلا منة له ~~على أحد. # وإن لم يكن واجبا مع أنه قد خصص البعض بذلك دون البعض فهذا يدل على ~~أن رعاية الأصلح غير واجبة لا في الدنيا، ولا في الدين. # أقول: فيه نظر لأن الوجوب من وجه لا ينافي عدمه من وجه آخر. # ثم إنا لا نسلم أن المؤدي للواجب إلى أحد لا يجوز له المنة على ~~المؤدى إليه. فإن الأب يجب عليه تأديب الولد، ونفقته، وكسوته، ورعاية ~~أحواله، ومع ذلك لو من عليه بها لم يكن هذا قبيحا منه. وكذا المعلم ~~لأحد في المعارف الإلهية لو من على من خرج بهدايته من ظلمة الضلالة، ~~وعمه الحيرة، وجهنم الجهالة، إلى نور الهدى، وبصيرة اليقين، وجنة ~~العرفان، لكانت المنة له عليه عظيمة. # على أن الحق في هذه المسألة ما ذهب إليه المحققون، من أن الأشياء ~~إنما تجب بإيجاب الله تعالى، لأن الأشياء وجبت عليه، أو أوجبت شيئا ~~آخر عليه. ### || [2.48] # قرأ أهل مكة والبصرة { لا تقبل } بالتاء، والباقون بالياء. # لما بين سبحانه نعمه العظام عليهم أنذرهم في كفرانهم بيوم القيامة. ~~واتقاؤه عبارة عن اتقاء ما يكون ms0817 فيه من الشدائد والأهوال، وإلا فنفس ~~اليوم لا يتقى. كيف ولا بد أن يرده أهل الجنة والنار جميعا، ولكن ليس ~~انتصابه انتصاب الظروف، بل انتصاب المفعول به، لأن معناه " اتقوا هذا ~~اليوم واحذروه " وليس معناه " اتقوا في هذا اليوم " لأن يوم القيامة ~~لا يؤمر فيه باتقاء شيء، بل إنما يؤمر في غيره باتقائه أو اتقاء ما ~~يقع فيه. # و " الجزاء " عند أهل اللغة المكافأة والمقابلة. يقال: " جزى يجزي ~~جزاء " و " جازاه مجازاة " ومنه الحديث أنه قال (صلى الله عليه وآله) ~~لأبي بردة في الجذعة التي أمره أن يضحي بها: # " ولا تجزي عن أحد بعدك " # وقال (عليه السلام): # " البقرة تجزي عن سبعة " # أي: تقضي وتكفي. فقوله: { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } أي ~~لا تقضي عنها شيئا من الحقوق فيكون مفعولا به أو شيئا من الجزاء فيكون ~~نصبه على المصدرية. # وقرئ: " ولا تجزئ " من " أجزأ عنه " إذا أغنى عنه، فعلى هذا لا يكون ~~إلا مصدرا بمعنى شيئا من الإجزاء. وقرأ أبو السرار القنوي " لا تجزي ~~نسمة عن نسمة شيئا ". # وتنكير الجزاء والجازي والمجزي عنه للتعميم والاقناط الكلي عن غير ~~الله. والجملة منصوبة المحل صفة ل " يوما " والعائد فيها محذوف، ~~تقديره: " لا تجزي فيه نفس " ومنهم من لم يجوز حذف الضمير المجرور، ~~لأنك لا تقول " هذا رجل قصدت " أو " هذه واد سكنت " وأنت تريد " إليه ~~" أو " فيها ". فقال: اتسع فيه فأجري مجرى المفعول به، فحذف عنه ~~الجار، ثم حذف الضمير كما حذف في قوله: # فما أدري أغيرهم ثناء # وطول العهد، أم مال أصابوا؟ # و " الشفاعة " أن يستوهب أحد لأحد شيئا أو يطلب له، وهي بمعنى ~~الوسيلة والوصلة، والقربة. وأصلها من " الشفع " الذي هو ضد " الوتر ~~" كأن المشفوع كان فردا، فجعله الشفيع شفعا بضم نفسه إليه. # والضمير في { ولا يقبل منها } راجع إلى النفس الثانية العاصية ~~أي: لو جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها. ويجوز عوده إلى الأولى أي: لو ~~شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزي عنها شيئا. # و " العدل " هاهنا: ms0818 الفدية. وقيل: البدل. والفرق بين العدل ~~والعدل أن العدل هو مثل الشيء من جنسه، والعدل هو بدل الشيء. # وقد يكون من غير جنسه. قال سبحانه: # أو عدل ذلك صياما # [المائدة:95]. وأصله التسوية سميت به الفدية لأنها سويت بالمفدى. # ونظير هذه الآية قوله تعالى: # ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم ~~القيامة # [الزمر:47]. وقوله تعالى: # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيامة ما تقبل منهم # [المائدة:36]. وقوله: # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به # [آل عمران:91]. وقوله تعالى: # وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ # [الأنعام:70]. # و " النصرة " هي المعونة، وقيل: النصرة أخص من المعونة ~~لاختصاصها بدفع الضر. قال القفال: والنصر يراد به المعونة، وفيه ~~معنى الاغاثة. تقول العرب: " أرض منصورة " أي: ممطورة. والغيث ينصر ~~البلاد إذا أنبتها، فكأنه أغاث أهلها. ويسمى الانتقام نصرة ~~وانتصارا. قال تعالى: # ونصرناه من القوم # [الأنبياء:77]. قالوا معناه: فانتقمنا له. # فقوله: { لا ينصرون } يحتمل هذه الوجوه. فإنهم يوم القيامة لا ~~يغاثون، وإذا عذبوا لم يجدوا من ينتقم لهم من الله. وبالجملة النصر ~~يتضمن دفع الشدائد، فأخبر تعالى أنه لا دافع هناك عن عذابه. # والضمير في { لا ينصرون } لما دلت عليه النفس الثانية، لكونها ~~نكرة واقعة في سياق النفي، يعني النفوس الكثيرة. وتذكيره لأنها بمعنى ~~العباد والأناسي. # فصل # حث الآية على العمل # اعلم أنه تعالى وصف يوم القيامة بأشد الشدائد، وأعظم الأهوال، وذلك ~~لأنه إذا وقعت على أحد واقعة، أو دفع إلى كريهة، وحاولت أعوانه، ~~وأصدقاؤه دفاع ذلك عنه، بدأت بما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية، ~~وذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته. فإن رأى من لا طاقة له ~~بممانعته، عاد بوجوه الضراعة، وصنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر ~~عنه بالمخاشنة، فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة والمعونة لم يبق ~~بعده إلا فداء الشيء ms0819 بمثله، من جنسه، أو ببدله من غير جنسه. فإن لم تغن ~~هذه الثلاثة، تعلل بما يرجوه من نصر الناصرين، أو انتقام المنتقمين، ~~فأخبر تعالى أنه لا يغني في الآخرة شيء من هذه الأمور عن المجرمين. # ففي هذه الآية أعظم تحذير للإنسان عن المعاصي، وأقوى ترغيب له في التوبة ~~والتلافي، لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك، ولا شفاعة، ولا ~~نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة. # والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي بحسب المعنى تعم المكلفين كلهم، ~~لأن الأوصاف المذكورة فيها هي التي يوصف بها اليوم، فيعم كل من يحضر ~~في ذلك اليوم. # فصل مشرقي # واعلم أن البيان الكشفي للسبب اللمي، والسر العقلي في إثبات هذه ~~الأوصاف، والأحكام ليوم الآخرة، أن المؤثر على قسمين: # الأول: أن يكون تأثيره بمشاركة الوضع، ومصادفة المادة بعضها بعضا. # والثاني: أن لا يكون تأثيره كذلك، بل بمجرد الذات، والذي يؤثر في ~~الشيء بالذات - لا بمشاركة المواد والأوضاع - إما السبب الفاعلي، أو ~~الغائي، أو الصوري، لأنه لا تأثير للسبب المادي بالاقتضاء والإيجاب، إذ ~~ليس شأنها إلا القبول والانفعال. # إذا تقرر هذا فجميع هذه الأمور المعدودة في الآية - من المكافأة، ~~والشفاعة، والفدية، والنصرة - هي من التأثيرات التي وقعت بين الأشخاص ~~المتشاركين في الأوضاع والأمكنة، فتؤثر فيهم هذه الأسباب المعدة، ولهم ~~أيضا جهة القبول والانفعال من جهة المادة المنفعلة التي يؤثر فيها كل ~~شيء. # وأما الآخرة ففيها هذه الأسباب والأنساب منقطعة، والذي يكون هناك معه ~~المهمات ويطلب منه الاقتراحات - أعني الباري جل ذكره - لا يؤثر فيه ~~شيء، ولا ينفعل عن شيء، لأنه القاهر على كل شيء. فالمؤثر هناك في شيء ~~منحصر في سبب صوري للشيء، أو فاعلي له، أو غائي له. # فالصورة كالإيمان، والكفر، والخلق الحسن والخلق الردي. وأما ~~الفاعل فهو الله بلا واسطة، أو بواسطة بعض عباده المقربين، الذين هم ~~بأمره يفعلون، لأنهم من عالم الأمر، ويفعلون ما يؤمرون. وأما الغاية ~~فهو الله بالحقيقة، أو ما ينعكس من نور جماله لمن يعجز ms0820 عن إدراكه، ~~والعلة الصورية معلولة للفاعل والغاية، لأنها العلة المباشرة، وهما ~~علتان مفارقتان. # فجميع اللذات الروحانية - كلقاء الله، ومجاورة مقربيه - والجسمانية ~~- كالجنة، والحور، والقصور، والأنهار، والأشجار، وغيرها - متسببة عن ~~الله تعالى بواسطة صورة الإيمان والإحسان. وجميع الآلام الروحانية، ~~والجسمانية - كالاحتجاب عن الرب تعالى وملكوته، والتعذب بالجحيم، ~~والزقوم، والعقارب، والحيات، وغيرها - متسببة عنها بواسطة صورة الكفر ~~والإساءة. # فلا سبب ولا نسب هناك إلا ما ذكرناه، ولا وسيلة هناك لأحد عنده، ولا ~~شفيع، ولا ظهير، ولا معاون، ولا نصير، لعدم انفعاله وتأثره عن الغير. ~~ولا مكافئ له، ولا ممانع، ولا مدافع، ولا منتقم منه، إذ لا مساوي له ~~في القوة، إذ لا واجب الوجود غيره، والوجود يفيض منه، ويترشح على غيره، ~~فكيف يساويه في القوة، أو يزيد عليه حتى يدافعه، أو ينتقم منه، بل هو ~~الغالب على أمره، والقاهر فوق عباده. # وبالجملة لا وسيلة لأحد من أحد في أمره، ولا رابطة بين أحد وأحد إلا ~~بالروابط الذاتية. قال تعالى: # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله # [الانفطار:19]. وقال: # واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود ~~هو جاز عن والده شيئا # [لقمان:33]. ثم هاهنا سؤالان: # أحدهما: إن الباري - جل شأنه - كما أنه موجد الآخرة وما فيها كذلك ~~موجد الدنيا وما فيها، فما وجه أن الوسائط والأسباب هاهنا موجودة ~~مؤثرة، والإنسان ينتفع بها في جلب الملاذ، ودفع المضار، وفي الآخرة لا ~~تأثير لها، ولا وجود للوسائط؟ # وثانيهما: إن النصوص دالة على أن الشفاعة ثابتة للملائكة، والأنبياء، ~~والكاملين من أهل الإيمان، وقال تعالى: # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ~~ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك # [غافر:7]. # وبالجملة - الأمة مجتمعة على أن لمحمد (صلى الله عليه وآله) شفاعة ~~مقبولة في الآخرة، وإن اختلفوا في كيفيتها. فعند المحققين هي مختصة ~~بدفع المضار، واسقاط العقاب عن مستحقيه من مذنبي المؤمنين. وقال ~~المعتزلة: هي في زيادة المنافع للمطيعين والتائبين دون العاصين. وهي ~~ثابتة ms0821 عندنا للنبي (صلى الله عليه وآله)، ولأصحابه المنتجبين، وللأئمة من ~~أهل بيته الطاهرين، ولصالحي المؤمنين, والملائكة، وينجي الله بشفاعتهم ~~كثيرا من الخاطئين. # ويؤيده الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول، وهو قوله (صلى الله عليه ~~وآله): # " ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " # وما جاء في روايات أصحابنا - رضي الله عنهم - مرفوعا، إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله) أنه قال: # " أشفع يوم القيامة فأشفع، ويشفع علي فيشفع ويشفع أهل بيتي ~~فيشفعون. وإن أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع في أربعين من إخوانه كل قد ~~استوجب النار ". # وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " يدخل الجنة بشفاعة رجل من امتي أكثر من بني تميم ". # وقال (صلى الله عليه وآله): # " إن من امتي من يشفع للفئة، ومنهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع ~~للعصبة، ومنهم من يشفع للرجل، حتى يدخلوا الجنة ". # وعن أبي جعفر (عليه السلام) - في باب فضيلة النكاح -: " إن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) قال: # " تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم غدا في القيامة، حتى أن السقط ~~يجيء محبنطيا على باب الجنة، فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: لا ~~حتى يدخل أبواي ". # فهذه النصوص تنافي الآيات الدالة على نفي الشفاعة، والنصرة، وما يجري ~~مجراهما، كما في مثل قوله: { ولا يقبل منها شفاعة } فإنه ~~نكرة في سياق النفي، فيعم جميع أقسام الشفاعة. وقوله: { ولا هم ~~ينصرون } يدل على نفي النصرة. وكقوله تعالى # من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة # [البقرة:254]. تقتضي نفي الشفاعة بالكلية. # والجواب عن الأول: إن الدار الدنيا واقعة في آخر منازل الوجود، فإن ~~الوجود نزل إلى جوهر مادي ينفعل عن كل مؤثر يصادفه؛ لكونه محض القوة ~~والاستعداد، ومنه تنشأ الحركات والاستحالات، وهي حالة بين صرافة القوة ~~ومحوضة الفعل. # فمبدأ الحوادث في هذا العالم هي الهيولى والحركة، فإن الهيولى ~~بأوضاعها المستفادة من الحركة تحدث فيها من المبدإ الجواد، والوسائط ~~الوجودية، موجودات حادثة في أزمنة معينة، وتحصل منها سلسلة عرضية من ~~المتجددات الزمانية، والمكانية، وأما الدار الآخرة فهي أقرب ms0822 إلى الله ~~من هذه الدار، وما فيها من الموجودات - وإن كانت جسمانية الحقيقة - ~~لكنها أشبه بالصورة بحسب وجودها منها بالمادة، وإليه الإشارة بقوله ~~تعالى: # وكلهم آتيه يوم القيامة فردا # [مريم:95]. وقوله: # ونرثه ما يقول ويأتينا فردا # [مريم:80]. لأن ملائكة الموت قد توفتها، ونزعت أرواحها وصورها عن هذه ~~القوالب المادية. # ولهذه الأرواح في النشأة الثانية قوالب مناسبة لأرواحها في الدوام ~~والتجدد، ولا يؤثر فيها تأثير غريب. بل أرواح ذلك العالم يؤثر في ~~أشباحها بالايلام والتنعيم، بحسب ما كسبت وحصلت في الدنيا لنفوسها من ~~صور الأخلاق، وهيآت الملكات الحسنة النورانية، أو القبيحة الظلمانية. # فكل ما يصل من اللذات والآلام إلى كل أحد، فهو إنما يصل إليه من ~~نفسه بوسيلة ذاته من جهة العلل الذاتية، لا من جهة الأسباب العرضية، ~~والعلل الاتفاقية الكونية، لكونها منقطعة مسلوبة يوم القيامة. قال ~~تعالى: # أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ~~إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب # [البقرة:165 - 166] وقوله: # فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون # [المؤمنون:101]. # وقد تكرر وتكثر في القرآن ذكر هذا المعنى، والتنبيه عليه، كقوله ~~تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس:34 - 37]. وقوله: # هل تجزون إلا ما كنتم تعملون # [النمل:90]. وقوله: # إنكم لذآئقو العذاب الأليم وما تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون # [الصافات:38 - 39]. وقوله: # إنما تجزون ما كنتم تعملون # [الطور:16]. وقوله: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف ~~يرى # [النجم:39 - 40]. وقوله: # فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون # [يس:54]. وقوله: # ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الأعراف:43]. إلى غير ذلك من الآيات. # وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله): # " إنما هي أعمالكم ترد عليكم ". # كل ذلك اعلام واشعار بأن الثواب والعقاب في القيامة بنفس الأخلاق، ~~والصفات، التي ترسخت أصولها في القلب بواسطة تكرر الأعمال، والأفعال ~~الواقعة في الدنيا من أفراد الناس، وسينكشف كيفية تجسم الأعمال في ~~الآخرة عند تفسير بعض ms0823 الآيات المشيرة على أحوال البعث. # وأما الجواب عن الثاني: إن جميع ما ورد في باب الشفاعة يوم القيامة ~~يرجع إلى أسباب ذاتية وأمور داخلية. # فإن معنى كون الرسول (صلى الله عليه وآله) شفيعا أن الإيمان بحقيته، ~~والاعتراف برسالته، يوجب هيئة في النفس، بها يستحق لنور الرحمة، والنجاة ~~من عذاب النار، والمؤثر في الشفاعة صورة النبي، الحاصلة في النفس ~~العارفة به صلوات الله عليه وآله، وليست أمرا منفصلا عن ذات المؤمن، ~~وكذا الحال في سائر الشفعاء والأخلاء يوم الدين. # والمنفي في هذه الآية وفي غيرها كقوله تعالى: # ولا خلة ولا شفاعة # [البقرة:254]. وقوله: # ولا شفيع ولا حميم # [غافر:18] وقوله: # لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب ~~سليم # [الشعراء:88 - 89]. وقوله: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف:67]. عن الدار الآخرة من الشفاعة وما يشبهها، غير الثابت منها ~~في الآيات، والأخبار، بالمعنى والحقيقة، لأن المنفي منها أمور خارجية، ~~والثابت منها أمور داخلية من باب الصور المشهودة للإنسان في عالم ~~الباطن. # فإن القيامة حضورها في داخل حجب السماوات والأرض وباطنها، لا في ظهرها ~~وخارجها، ورؤية الأشياء هناك كرؤية الصور والألوان في باطن المرآة من ~~جهة صقالة وجهها، ورؤية الأشياء هاهنا كرؤية الصور والألوان على ظهر ~~المرآة. # وبالجملة الأسباب العرضية والاتفاقية مسلوبة في القيامة، والأسباب ~~الذاتية الداخلية ثابتة. فالآيات والأخبار الدالة على نفي الشفاعة، ~~والوسيلة، والقرابة، وغيرها، إنما تحمل على نفي ما هو منها من قبيل ~~القسم الأول. والتي تدل على إثباتها تحمل على إثبات ما هو منها من ~~قبيل القسم الثاني. # فمن قبيل الأول ما في قوله تعالى: # ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع # [غافر:18]. وقوله: # وما للظالمين من أنصار # [البقرة:270]. وقوله: # فما تنفعهم شفاعة الشافعين # [المدثر:48]. ومن قبيل الثاني المستثنى الواقع في قوله تعالى: # يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه # [يونس:3]. # فالنفي متعلق بما هو من قبيل الأول. والاستثناء بما هو من قبيل الثاني. ~~وكذا قوله: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء:28]. وقوله: # من ذا ms0824 الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة:255]. فإن لفظ " الإذن " أينما وقع في القرآن كان إشارة إلى ~~السبب الفاعلي الذاتي - دون العرضي الجسماني - فافهم واستقم. # فصل # الخلود في النار، والخلاص منها # استدلت المعتزلة القائلون بخلود مرتكب الكبيرة - ولو مرة واحدة - في ~~النار بهذه الآية وعلى إنكار الشفاعة بوجوه ثلاثة: # أحدها: بقوله: { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } ولو أثرت ~~الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئا. # والثاني: بقوله: { ولا يقبل منها شفاعة } لكونها نكرة في ~~سياق النفي، فيعم كما مر. # والثالث: { ولا هم ينصرون } إذ الشفاعة ضرب من النصرة، ونفي ~~الأعم يستلزم نفي الأخص. # وأجيب بوجهين: # أحدهما: إن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم يشفعون لهم فالآية نزلت ~~فيهم. لا يقال: العبرة بعموم الحكم، لا بخصوص السبب. لأنا نقول: خصوص ~~السبب مما له مدخل في احتمال التخصيص، وذلك كاف في سند المنع. # والثاني: إن الآية وإن كان ظاهرها العموم إلا أنها قابلة للتخصيص. # واعلم أن مسألة إثبات الوعيد لأهل الكبائر إذا لم يتوبوا موضع خلاف ~~لأهل القبلة. فالمعتزلة، والخوارج، قاطعون بوعيدهم مؤبدا. وطائفة ~~قاطعون بوعيدهم منقطعا - لا مؤبدا - وهو قول البشر المريسي، ~~والخالدي. # وذهب بعضهم بأنه لا وعيد لهم. وينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر، ~~وإليه ذهب بعض المرجئة. # والذي عليه أصحابنا الإمامية، والمنقول عن أئمتنا (عليهم السلام)، ~~وعليه رأي أكثر الصحابة، والتابعين، والصوفية، ووافقهم الأشاعرة في ~~إثبات العفو عن بعض العصاة. # للقطع بأن الله يعفو عن بعض السيئات، وإن لم يتب عنها، وأنه إذا ~~عذب أحدا من أصحاب الكبائر، فلا يعذبه أبدا. لكنا نتوقف في حق ~~البعض المعفو عنه، والبعض المعذب على التعيين. # وقال بعض ضلال المتفلسفة: إن الأرواح وإن تكدرت بقبائح أعمال الأشباح ~~إلا أنها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير إلى حظائر القدس، ~~ولا يزاحمها شيء من نتائج الأعمال إلا أياما معدودة بقدر فطام الأرواح ~~عن لبان التمتعات الحيوانية. ثم يتخلص من العذاب ويرجع إلى حسن ~~المآب. # ومنهم من زعم أن استيفاء اللذات الحسية ms0825 يقلل التعلقات ~~الدنيوية، ويسهل عروج الروح إلى عالمه العلوي. # وطائفة من المتصوفة زعموا أن السالك إذا بلغ حد المعرفة التامة ~~لم تضره المعاصي. # وكل هذه الثلاثة خيال فاسد ومتاع كاسد، وإنها قول من لم يجرب ~~نفسه، ولم يعرف مكر الله فأمن منه، ولم يجد من نفسه أنها كيف تتدنس ~~بالأخلاق الذميمة، البهيمية، والسبعية، وكيف تتطهر، وتتصفى، بالأخلاق ~~الحميدة الروحانية الملكية، فقد تصدأ مرآة القلب بحيث لا يبقى فيه شيء ~~من الصفاء الفطري # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين:14] فلا يجلوها إلا مرور الدهور، وكرور الأعصار، وقد ينضم ~~الكفر إلى تلك الأخلاق بأن يتأدى رسوخ الصفات الظلمانية إلى حيث يزول ~~عن القلب قابلية نور الإيمان والمعرفة، فيبقى خالدا مخلدا في النار ~~في ويل طويل وزفير وعويل نعوذ بالله من الحور بعد الكور. # واعلم أنه يمكن أن يتحمل للقول الأول من هذه الثلاثة وجه يندفع به ~~فساده، وهو أن المراد بالأرواح مرتبة غير النفوس التي هي مورد المقت ~~والعذاب، وموضع الآلام والأسقام. فإن الروح إذا أريد به جوهر قدسي من ~~عالم الأمر له تعلق بالنفوس البشرية فهو سعيد في الدنيا والآخرة. # وقد وقعت الإشارة إلى هذا المعنى فيما سبق من أن نسبة الروح الحيواني ~~إلى الروح النطقي كنسبة الدابة إلى راكبها، وأن التي قامت الحدود بها ~~وتحس بألم القتل، والضرب، هي النفس الحساسة، وأن النفس الناطقة على ~~شرفها مع عالمها في سعادتها دائمة. # وقد سبقت أيضا الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) # " أنه قام لجنازة يهودي فقيل له: " إنها جنازة يهودي " فقال (صلى ~~الله عليه وآله): " أليست نفسا؟ " # أراد (صلى الله عليه وآله) بها نفسه الناطقة، فقام تعظيما لشرفها، ~~ومكانتها لأنها منفوخة من روح الله، فهي من عالم القدس والطهارة لا ~~يكدرها شيء من الأرجاس. بل إن من النفس الحيوانية محل الشقاء في ~~الدنيا، والآخرة، وهي في الإنسان باقية بعد البدن، محشورة في الآخرة كما ~~أقيم عليه البرهان، وهو من العرشيات المختصة بهذا العبد عناية من ~~الله. # وأما ms0826 ما ذهب إليه مقاتل بن سليمان وبعض المرجئة " من أن عصاة ~~المؤمنين لا يعذبون، وإنما النار للكفار " تمسكا بالآيات الدالة ~~على اختصاص العذاب بالكفار مثل قوله تعالى: # قد أوحي إلينآ أن العذاب على من كذب ~~وتولى # [طه:48]. وقوله: # إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين # [النحل:27]. فجوابه: إن المراد من العذاب ما هو على وجه الخلود. وكذا ~~المراد من الخزي والسوء. # وأما تمسكهم بمثل قوله (صلى الله عليه وآله): # " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " # وفي رواية: # " وجب عليه الجنة " # فهو ضعيف، لأنه إنما ينفي خلود النار لا الدخول فيها. # واعلم أن الإيمان إذا كان حقيقيا بالغا إلى حد علم اليقين، يمكن ~~القول بعدم دخول صاحبه في النار، ولكن قل ما يحصل هذا المقام لأحد إلا ~~مع اجتنابه عن الكبيرة، وذلك لكونه متوقفا على صفاء كامل في القلب، ~~وتجرد بالغ عن أغراض النفس ولذاتها الحيوانية. # والذي يدل على أن الإيمان القوي يمنع صاحبه عن دخول النار، ما جاء عن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه يقال يوم القيامة: # " اخرجوا من النار من في قلبه مثقال من الإيمان، ونصف مثقال، وربع ~~مثقال، وشعيرة، وذرة " # كل ذلك تنبيه على تفاوت درجات الإيمان، وأن هذه المقادير لا يمنع دخول ~~النار. # وفي مفهومه أن من كان إيمانه يزيد على مثقال فإنه لا يدخل النار. وأن ~~من في قلبه ذرة من الإيمان لا يستحق الخلود في النار - وإن دخلها -. # ولا خفاء في أن درجات الإيمان مختلفة في القوة والنورية، كالتفاوت ~~بين الأنوار المحسوسة في الإضاءة والإشراق، فصح أن يقال إيمان واحد من ~~الناس - كالنبي والولي - لو وزن مع إيمان سائر الخلائق لرجح. كما يصح ~~أن يقال: " لو وزن نور الشمس بنور السرج كلها لرجح " فإيمان آحاد العوام ~~نوره كنور السراج، وإيمان الأولياء والصديقين كنور القمر ونور النجوم، ~~وإيمان الأنبياء كنور الشمس. وإليه الإشارة في قوله (صلى الله عليه وآله) # " ليس شيء خيرا من ألف مثله إلا الإنسان " # إشارة إلى تفضيل قلب المؤمن العارف ms0827 على غيره من العوام. # فصل # أدلة المعتزلة على قولهم بالخلود وجواباتها # وأما المعتزلة فاستدلوا بالعمومات الواردة في وعيد الفساق، وبالآيات ~~الدالة على الخلود المتناولة للكافر وغيره، كقوله تعالى: # ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها # [النساء:14]. وليس المراد تعدي جميع الحدود بارتكاب المعاصي كلها ~~وإثباتا، فإنه محال، لما بين البعض من التضاد، كاليهودية، ~~والنصرانية، والمجوسية. فيحمل على مورد الآية من حدود المواريث. # وقوله: # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا ~~فيها # [النساء:93]. وقوله: # وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلمآ ~~أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها # [السجدة:20] ومثل هذا مسوق للتأبيد ونفي الخروج. # ومثل قوله: # إن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما ~~هم عنها بغآئبين # [الانفطار:14 - 16]. وعدم الغيبة عن النار خلود فيها. # وقوله: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # [البقرة:81]. وقوله: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء:10]. # وبالعمومات الدالة على نفي الشفاعة، كقوله تعالى: # ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع # [غافر:18]. والظالم هو الآتي بالظلم، وذلك يعم الكافر وغيره. # وقوله تعالى: # من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة # [البقرة:254] وقوله: # وما للظالمين من أنصار # [البقرة:270]. ولو كان الرسول (صلى الله عليه وآله) شفيعا من أمته، ~~لكان ناصرا لهم. # وقوله تعالى: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء:28] والفاسق ليس بمرتضى عند الله، وإذا لم يشفع الملائكة فكذا ~~الأنبياء إذ لا قائل بالفرق. # وقوله: # فما تنفعهم شفاعة الشافعين # [المدثر:48]. وبقوله تعالى: # ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا ~~سبيلك # [غافر:7]. ولو كانت الشفاعة حاصلة للفاسق لم يكن لتقييدها بالتوبة ~~ومتابعة السبيل معنى. # وبالأخبار الدالة على الوعيد، كقوله (صلى الله عليه وآله): # " من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب حرمها في الآخرة " # وقوله (صلى الله عليه وآله): # " من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة ". # وقوله (صلى الله عليه وآله): # " الذي يشرب في آنية ms0828 الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار ~~جهنم " # وقوله (صلى الله عليه وآله): # " لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا دخل النار ". # وقوله (صلى الله عليه وآله): # " يا كعب بن عجرة - اعيذك بالله من امارة السفهاء. إنه سيكون أمراء ~~من دخل عليهم فأعانهم على ظلمهم، وصدقهم بكذبهم، فليسوا مني ولست ~~منهم، ولن يردوا علي الحوض - الحديث - يا كعب، لا يدخل الجنة لحم ~~نبت من حرام ". # وعن أبي هريرة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " لألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول ~~الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئا. قد بلغتك ". # وعنه، قال (صلى الله عليه وآله): # " ثلاث أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصيمه خصمته: رجل أعطى بي ~~ثم غدر. ورجل باع حرا فأكل ثمنه. ورجل استأجر أجيرا فاستوفى ~~منه ولم يوف أجرته ". # فهذه وجوه متمسكهم في القطع بالوعيد ونفي الشفاعة، والجواب عنها ~~بالمنع من أن هذه الصيغ للعموم، بدليل صحة ادخال " الكل " أو " البعض ~~" عليها. نحو: " كل من دخل داري فله كذا " أو " بعض من دخل داري فله كذا ~~" ولا يلزم منه تكرير ولا تناقض. ولأن الأكثر قد يورد بلفظ " الكل ". # وبعد تسليم كون الصيغ للعموم فاحتمال المخصصات قائم، فإن العموم غير ~~مراد في الآية الأولى، للقطع بخروج التائب وأصحاب الصغائر، وصاحب الكبيرة ~~الغير المنصوصة - إذا أتى بطاعات يزيد ثوابها على عقوباته - فليكن مرتكب ~~الكبيرة من المؤمنين أيضا خارجا بما سيجيء من الآيات والأدلة. # وبالجملة فالعام المخرج منه البعض لا يفيد القطع وفاقا، ولو سلم ~~فغايته الدلالة على استحقاق العذاب المؤبد لا على الوقوع - كما هو ~~المتنازع فيه - لجواز الخروج بالعفو. # ويجاب عن الآية الثانية بأن معنى { متعمدا } مستحلا قتله - على ~~ما ذكره ابن عباس - والتعمد على الحقيقة إنما يكون من المستحل. أو ~~بأن التعليق بالوصف مشعر بالحيثية التعليلية، فيختص بمن قتل المؤمن ~~لإيمانه. أو بأن " الخلود " ، وإن كان ظاهرا في الدوام، فالمراد هنا ~~المكث الطويل جمعا بين الأدلة. # لا يقال: " الخلود ms0829 " حقيقة في التأبيد، لتبادر الفهم إليه. ولقوله ~~تعالى: # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد # [الأنبياء:34]. ولأنه يؤكد بلفظ التأبيد مثل # خالدين فيهآ أبدا # [الجن:33]. وتأكيد الشيء تقوية لمدلوله. ولأن العمومات المقرونة ~~بالخلود متناولة للكفار، والمراد في حقهم التأبيد بالاتفاق. وكذا في ~~حق الفساق، لئلا يلزم إرادة المعنى المشترك، أو المعنى الحقيقي ~~والمجازي معا. # لأنا نقول: لا كلام في أن المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق، والشائع في ~~الاستعمال هو الدوام، لكن قد يستعمل في المكث الطويل ك " سجن مخلد " ~~و " حبس مخلد " فيكون محتملا. على أن في جعله لمطلق المكث الطويل ~~نفيا للمجاز والاشتراك، فيكون أولى. # ثم إن المكث الطويل - سواء جعل معنى حقيقيا أو مجازيا - أعم من ~~أن يكون مع دوام - كما في حق الكفار - أو انقطاع - كما في حق الفساق - ~~فلا محذور في إرادتهما جميعا. وحينئذ فلا نسلم أن التأبيد تأكيد - بل ~~تقييد - ولو سلم، فالمراد تأكيد لطول المكث. إذ قد يقال: " حبس مؤبد " ~~و " وقف مؤبد ". # ويجاب عن الثالثة: بأنها في حق الكافرين المنكرين للحشر، بقرينة قوله # ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون # [السجدة:20]. مع ما في دلالتها على الخلود من المناقشة، لجواز أن يخرجوا ~~عند عدم إرادتهم الخروج باليأس أو الذهول أو نحو ذلك. # وعن الرابعة بعد تسليم افادتها النفي عن كل فرد، ودلالتها على دوام عدم ~~الغيبة إنها مختصة بالكفار. جمعا بين الأدلة. # وكذا الخامسة والسادسة حملا للمحدود على حدود الإسلام، ولإحاطة الخطيئة ~~غلبتها بحيث لا يبقى معها الإيمان. هذا مع ما في الخلود من الاحتمال وعلى ~~هذا القياس الجواب عن سائر أدلتهم النقلية على وجه التفصيل. # وللمعتزلة أيضا أدلة عقلية على ثبوت مذهبهم: # منها: إن الفاسق لو دخل الجنة لكان باستحقاق - لامتناع دخول غير ~~المستحق كالكافر - واللازم منتف لبطلان الاستحقاق بالإحباط، أو ~~الموازنة. # والجواب: بمنع المقدمتين، وبطلان الإحباط والموازنة. # ومنها: إنه لو انقطع عذاب الفاسق، لانقطع عذاب الكافر قياسا عليه ~~بجامع تناهي المعصية. # والجواب - على تقدير علية التناهي - بمنع تناهي الكفر قدرا، ومنع ~~اعتبار ms0830 القياس في مقابلة النص في الاعتقادات. # ومنها: إن الوعيد بالعقاب الدائم لطف بالعباد لكونه أزجر عن المعاصي ~~فإن منهم من لا يكترث بالعذاب المنقطع عند الميل إلى المستلذات ثم لا ~~بد من تحقيق الوعيد تصديقا للخبر وصونا للقول عن التبديل. # والجواب: منع انحصار اللطف في وعيد الدوام، فإن من يكترث باللبث في ~~الجحيم أحقابا، فلا يستكثر الخلود فيها عقابا، وإذ قد كان كل وعيد ~~لطفا، ولا شيء من الوعيد لطفا للكل، فليكن لطف الخلود في النار ~~مختصا بالكفار، وكفى بوعيد النيران - بل وعد الجنان - لطفا ومزجرا ~~لأهل الإيمان. # فصل # احتجاجات القاطعين بعدم خلود أهل الكبائر # وأما القاطعون بنفي العقاب عن أهل الكبائر فاحتجوا بقوله تعالى: # إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين # [النحل:27]. # يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله # [الزمر:53]. # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم # [الرعد:6]. # لا يصلاهآ إلا الأشقى الذي كذب وتولى # [الليل:15 - 16]. # وبالعمومات الواردة في الوعد، مثل: # والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من ~~قبلك # [البقرة:4] الآية. حكم بالفلاح على كل من آمن. # فصل # احتجاجات القائلين بعفو بعض العصاة # وأما القاطعون بثبوت العفو في حق البعض، والتوقف في حق البعض، وهم ~~أصحابنا رضوان الله عليهم، وأهل السنة فقد تمسكوا بنحو قوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء:48] وبقوله عز من قائل حكاية عن عيسى: # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة:118]. # وظاهر أن هذه الشفاعة وردت في حق المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة، إذ ~~لو كان كافرا لا يليق الشفاعة في حقه لنبي، ولو كان صاحب صغيرة، أو ~~تائبا عن الكبيرة، لم يجز منه تعالى عذابه عقلا. وإذا صحت الشفاعة ~~لعيسى (عليه السلام) صح القول بها في حق محمد (صلى الله عليه وآله) ~~بالضرورة. # وبقوله تعالى حكاية عن الخليل (عليه السلام): # فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم # [إبراهيم:36]. بمثل البيان المذكور. # ومما يؤكد دلالة هاتين ms0831 الآيتين على هذا المطلب ما روي أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) تلا قول إبراهيم: { ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم } وقول عيسى: { إن تعذبهم فإنهم عبادك } ثم ~~رفع يديه وقال: " اللهم - امتي، امتي " وبكى. فقال الله: # " يا جبرائيل - اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسله: " ما يبكيك؟ " ~~فأتاه جبرائيل (عليه السلام) فسأله. فأخبره رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) - قال: " يا جبرائيل - اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في ~~أمتك: ولا نسؤك " # - رواه مسلم في صحيحه. # ومما يدل على ذلك قوله تعالى: # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق ~~المجرمين إلى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة ~~إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا # [مريم:85 - 87]. أي المجرمون لا يستحقون أن يشفع لهم إلا إذا كانوا قد ~~اتخذوا عند الرحمن عهدا، فكل من اتخذ عهدا عنده وجب دخوله في ~~الآية، وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهد التوحيد والإسلام، فوجب أن ~~يكون داخلا. وأما اليهود فنترك العمل بها في حقهم لضرورة الإجماع. # ومن ذلك قوله تعالى في صفة الملائكة: # لا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء:28]. بيانه إن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله من حيث إيمانه ~~وتوحيده، وكل من هو مرتضى عنده بحسب هذا الوصف صدق عليه أنه مرتضى ~~عنده، لأن مفهوم المطلق جزء مفهوم المقيد، فمتى صدق المقيد صدق ~~المطلق، فثبت أن المؤمن الفاسق مرتضى عند الله، فهو داخل في شفاعة ~~الملائكة، ومن دخل في شفاعتهم دخل في شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله)، ~~إذ لا قائل بالفرق. # لا يقال: إن الفاسق ليس بمرتضى من حيث فسقه، وإذا لم يكن مرتضى من ~~وجه لم يكن مرتضى، فوجب أن لا يكون أهلا للشفاعة بالبيان المذكور. # لأنا نقول: قد تقرر في العلوم العقلية أن المهملتين لا تتناقضان، ~~فقولنا: " الفاسق مرتضى " لا يناقض قولنا: " إنه ليس بمرتضى " لجواز ~~أن يكون مرتضى من وجه، غير مرتضى من وجه آخر. فمتى ثبت أنه مرتضى بحسب ~~إسلامه ثبت كونه مرتضى، وإذا كان المستثنى مجرد كون أحد مرتضى، فوجب ~~دخوله تحت المستثنى ms0832 وخروجه عن المستثنى منه، فثبت أنه من أهل الشفاعة ~~وهو المطلوب. # ومن ذلك قوله تعالى: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم # [الرعد:6]. وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) # " لم يزل يسأل في أمته حتى قيل له " أما ترضى وقد أنزلت عليك هذه ~~الآية: { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ~~} [الرعد:6]. وفي تفسير قوله: { ولسوف يعطيك ربك فترضى ~~} [الضحى:5]. قال: " لا يرضى محمد (صلى الله عليه وآله) وأحد من امته ~~في النار ". # وكان أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) يقول: أنتم أهل العراق ~~تقولون: أرجى آية في كتاب الله عز وجل قوله: # يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر:53] الآية ونحن أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله قوله ~~تعالى: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى:5]. # وأما الأخبار: فقد روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة، عجل عقابها في ~~الدنيا الزلازل والفتن. وإذا كان يوم القيامة رفع إلى كل رجل من امتي ~~رجل من أهل الكتاب، فقيل: هذا فداؤك من النار ". # وفي الخبر: # " لو لم يذنبوا لخلق الله خلقا يذنبون ليغفر لهم " # وفي لفظ آخر: # " لذهب بهم وجاء بخلق آخر يذنبون فيغفر لهم، إنه هو الغفور الرحيم ~~". # وفي الخبر: # " لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو شر من الذنوب " # قيل: " ما هو؟ قال: " العجب ". # وقال (صلى الله عليه وآله): # " والذي نفسي بيده لله أرحم بعبده المؤمن من الوالدة الشفيقة بولدها ~~". # وفي الخبر: # " ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة ما خطرت قط على قلب أحد، حتى ~~أن إبليس ليتطاول رجاء أن يصيبه ". # وفي الحديث الطويل: # " إن الأعرابي قال: يا رسول الله من يلي حسنات الخلق؟ فقال: الله ~~تبارك وتعالى. قال: هو بنفسه؟ قال: نعم. فتبسم الأعرابي، فقال (صلى ~~الله عليه وآله): مم ضحكت يا أعرابي؟ فقال: إن الكريم إذا قدر عفى، ~~وإذا حاسب سامح. فقال (صلى الله عليه وآله): صدق. ألا ولا كريم أكرم من ~~الله، هو أكرم الأكرمين ثم ms0833 قال: فقه الأعرابي ". # وفي الخبر المشهور: # " إن الله كتب على نفسه قبل أن يخلق الخلق: " إن رحمتي تغلب غضبي " ~~". # وفي الحديث: # " من كان آخر كلامه " لا إله إلا الله " لم تمسه النار " # و # " من لقي الله لا يشرك به شيئا حرمت عليه النار ". # وفي خبر آخر: # " لو علم الكافر سعة رحمة الله ما أيس من جنته أحد ". # ولما تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } [الحج:1] فقال: " ~~أتدرون أي يوم هذا؟ يوم يقال لآدم: قم فابعث نصيب النار من ذريتك ". ~~فقيل: " من كم؟ " قال: " من كل ألف تسعمأة وتسعة وتسعين إلى النار، ~~،وواحدا إلى الجنة ". # قال: فأيس القوم وجعلوا يبكون يومهم وتعطلوا عن الأشغال والعمل، فخرج ~~عليهم رسول الله وقال: " ما لكم لا تعملون؟ " قالوا: " ومن يشتغل بالعمل ~~بعد ما حدثتنا بهذا "؟ قال: " كم أنتم في الأمم؟ أين يأجوج ومأجوج امم ~~لا يحصيها إلا الله تعالى؟ إنما أنتم في سائر الامم كالشعرة البيضاء في ~~جلد الثور الأسود، وكالرقمة في ذراع الدابة ". # وفي رواية أبي سعيد، عن النبي (صلى الله عليه وآله): # "....ثم تضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم ~~سلم... فيمر المؤمن كطرفة العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد ~~الخيل والركاب. فناج مسلم، ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم. حتى إذا ~~خلص المؤمنون من النار. # فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة في استقصاء الحق من ~~المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا ~~يصومون معنا، ويصلون، ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم ~~على النار. فيخرجون خلقا كثيرا. # ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به. فيقول: ارجعوا، فمن ~~وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقا كثيرا. ثم ~~يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون ~~خلقا كثيرا. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير ~~فأخرجوه. فيخرجون خلقا كثيرا. # ثم يقولون. ربنا لم ms0834 نذر فيها خيرا... فيقول الله: شفعت الملائكة، ~~وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين. فيقبض قبضة من ~~النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط، قد عادوا حمما، فيلقيهم ~~في نهر في أفواه الجنة - يقال له: نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة ~~في حميل السيل... فيخرجون كاللؤلؤ، في رقابهم الخواتم. فيقول أهل الجنة: ~~هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه ~~". # ومما رواه الثقات بروايات مختلفة أخصرها لفظا، أنه قال (صلى الله عليه ~~وآله): # " إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض. فيأتون آدم، فيقولون: ~~اشفع إلى ربك. فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم (عليه السلام) فإنه ~~خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم (عليه السلام)، فيقول: لست لها، ولكن عليكم ~~بموسى (عليه السلام)، فإنه كليم الله. فيأتون موسى، فيقول: لست لها، ~~ولكن عليكم بعيسى (عليه السلام) فإنه روح الله وكلمته، فيأتون عيسى ~~(عليه السلام) فيقول: لست لها. ولكن عليكم بمحمد (صلى الله عليه وآله). # فيأتونني، فأقول: أنا لها. فأستأذن على ربي، فيؤذن لي ويلهمني محامد ~~أحمده بها لا تحضرني الآن. فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجدا. فيقال: ~~يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. # فأقول: يا رب امتي، امتي. # فيقال: انطلق، فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان. # فأنطلق، فأفعل. ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا. ~~فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. # فأقول: يا رب أمتي، أمتي. فيقال: انطلق وأخرج من كان في قلبه مثقال ~~ذرة أو خردلة من إيمان. # فأنطلق، فأفعل. ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر ساجدا. ~~فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. ~~فأقول: يا رب أمتي، أمتي. فيقال: انطلق وأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى ~~مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار. # فأنطلق فأفعل، ثم أعود إليه الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر ~~له ساجدا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، ms0835 وقل تسمع، وسل تعط، واشفع ~~تشفع. # فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال " لا إله إلا الله " قال: ليس ذلك لك. ~~ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لاخرجن منها من قال: لا إله إلا ~~الله ". # إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على ثبوت الشفاعة من النبي (صلى الله ~~عليه وآله)، وثبوت العفو منه تعالى أكثر منها، وهي أكثر من أن تحصى. # فصل # إن المعتزلة - القاطعين بنفي العفو والشفاعة - ذكروا في آيات الرجاء، ~~وأحاديث الشفاعة تمحلات شديدة وتعسفات عنيفة، وقيدوا الحكم في كثير من ~~الآيات باشتراط التوبة، وقالوا: في هذا الحديث ونظائره من أحاديث يوم ~~القيامة وجوها من الايراد: # منها: إن هذه الأخبار أخبار طويلة جدا، فلا يمكن ضبطها بلفظ الرسول ~~(صلى الله عليه وآله). فالظاهر أن الراوي إنما رواها بلفظ نفسه، وعلى ~~هذا التقدير لا يكون شيء منها حجة # ومنها: إنها مشتملة على التشبيه وذلك باطل، فيتطرق بسببه التهمة ~~إليها. # ومنها: إنها وردت على خلاف ظاهر القرآن، وذلك أيضا مما يطرق التهمة ~~إليها. # ومنها: إنها خبر عن واقعة عظيمة تتوفر الدواعي على نقلها، فلو كان ~~صحيحا لوجب بلوغه حد التواتر، وحيث لم يكن كذلك تطرقت التهمة إليها. # ومنها: إن الاعتماد على خبر الواحد الذي لا يفيد إلا الظن في المسائل ~~العلمية غير جائز، وهذه المسألة علمية لا يعول فيها على الظن. # والجواب عن هذه المطاعن بأن كل واحد من هذه الأخبار، وإن كان مرويا ~~بالآحاد، ولكن القدر المشترك بين مجموعها - لأنها كثيرة - فهو متواتر ~~المعنى، فيكون حجة علمية. # وذكروا أيضا في استدلال القاطعين بثبوت الشفاعة بقوله (صلى الله عليه ~~وآله): # " ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " # وجوها من الإشكال: # أحدها: إنه خبر واحد على مضادة القرآن، فإنا بينا ان كثيرا من ~~الآيات تدل على نفي هذه الشفاعة، وخبر الواحد إذا ورد على خلاف القرآن ~~وجب رده. # وثانيها: إنه يدل على أن شفاعته ليست إلا لأهل الكبائر، وهذا غير ~~جائز، لأنه يقتضي حرمان أهل الثواب عن هذا النصيب. # وثالثها: إن المراد الاستفهام ms0836 الانكاري، كقوله تعالى حكاية عن الخليل: # هذا ربي # [الأنعام:77]. أي: " أهذا ربي؟ " فالمراد: ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر ~~من أمتي؟ # ورابعها: إن لفظ الكبيرة غير مختص بالمعصية، بل يتناول الشفاعة كما ~~قال تعالى: # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # [البقرة:45] فلعل المراد منه أهل الطاعات الكبيرة. # وخامسها: إنه يصدق عليهم بعد التوبة أنهم من أصحاب الكبائر لأن صدق ~~المشتق لا يقتضي دوام الاتصاف بمبدإ الاشتقاق، فنحن نحمل الخبر على أهل ~~المعاصي الكبيرة بعد التوبة، ويكون تأثير الشفاعة في أن يتفضل الله ~~عليهم بما انحبط من ثواب طاعاتهم المتقدمة على فسوقهم. هذه وجوه أجوبتهم ~~وكلها تعسفات. # وجوه أخرى في تأييد مسألة الشفاعة # واعلم أن هاهنا وجوها أخرى نقلية وعقلية يمكن التمسك بها لهذا ~~المطلب: # الأول: إن الآيات والأخبار الدالة على أن المؤمنين يدخلون الجنة ~~البتة كثيرة، وليس ذلك قبل دخول النار إن كان، فتعين أن يكون إما ~~بعده، وهو مسألة انقطاع العذاب أو بدونه، وهو مسألة العفو التام كقوله: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة:7]. و # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فأولئك يدخلون الجنة # [غافر:40]. # وكقوله (عليه السلام): # " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " # وما يجري مجراه. # وبالجملة: إذا دلت الآيات والأخبار على الوعد والوعيد، فلا بد من ~~التوفيق بينهما، فإما أن يصل العبد إلى دار الثواب، ثم إلى دار العقاب ~~- وهو باطل بالاجماع - أو يصل إليه العقاب، ثم ينقل إلى دار الثواب ~~ويبقى مخلدا وهو المطلوب هاهنا. # الثاني: النصوص المشعرة بالخروج من النار، كقوله: # النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله # [الأنعام:128]. # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز # [آل عمران:185]. # وكقول النبي (صلى الله عليه وآله): # " يخرج من النار قوم بعد ما امتحشوا وصاروا فحما وحميما، فينبتون كما ~~ينبت الحبة في حميل السيل ". # الثالث: إن من واظب على الإيمان والعمل الصالح مأة سنة، وصدر عنه في ~~أثناء ذلك، أو بعده جريمة واحدة، كشرب جرعة من الخمر، فلا يحسن من ~~الحكيم أن يعذبه ms0837 أبد الآباد، ولو لم يكن هذا ظلما فلا ظلم، أو لم ~~يستحق بهذا ذما، فلا ذم. # الرابع: إن المعصية متناهية زمانا - وهو ظاهر - وقدرا - لما يوجد من ~~معصية أشد منها - فجزاؤها يجب أن يكون متناهيا، بخلاف الكفر فإنه لا ~~يتناهى قدرا، وإن تناهى زمانه. # الخامس: إن صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضل الخيرات - وهو الإيمان - ولم ~~يأت بما هو أقبح القبائح - وهو الكفر - فلا يهدمه ما سوى الكفر من ~~المعاصي. # ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: " إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر ~~سبعين سنة، فتوحيد سبعين سنة كيف لا يهدم معصية سنة؟ إلهي لما كان ~~الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر ~~معه شيء من المعاصي ". # وأما التمسك بأن " الخلود في النار أشد العذاب، وقد جعل جزاء لأشد ~~الجنايات - هو الكفر - فلا يصح جعله جزاء لما هو دونه كالمعاصي " فهو ~~ضعيف إذ ربما يدفع بتفاوت مراتب العذاب في الشدة، وإن لم يتفاوت في عدم ~~الانقطاع. # فصل # سر الخلود في النار # واعلم أن تكرر المعاصي إذا تأدى إلى رسوخ ملكات سبعية، أو بهيمية، ~~أظلمت مرآة القلب بها، ومنعت عن قبول نور الرحمة الإلهية، أو نور ~~الشفاعة النبوية، أمكن القول بأن صاحب هذه الكبيرة مخلد في النار. # وهذا هو المشار إليه في قوله تعالى: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته # [البقرة:81]. أي: صارت ملكة راسخة تصورت نفسه في القيامة بصورة حيوان ~~غلبت عليه تلك الصفة، فحشرت نفسه بصورة القردة والخنازير. # وكذا صدور بعض المعاصي - ولو مرة - كقتل المؤمن متعمدا كاشف عن كون ~~مرتكبه غير معتن بشأن الدين، ولا معتقد بأمر الآخرة. # فصل # في سر معنى الشفاعة # إن نسبة افاضة نور الوجود والرحمة إلى نور الأنوار - جلت عظمته - ~~كنسبة افاضة النور المحسوس على وجه الأرض إلى الشمس. والقوالب كالقوابل، ~~فهو سبحانه تام الفيض، عام الجود، فحيث لا يحصل، فإنما لا يحصل لعدم ~~القابلية. # فكما أن النور الحسي الوارد من الشمس على سطوح الأجسام قد ms0838 يكون ~~استقاميا، وقد يكون انعكاسيا الأول: كوجه ظاهر الأرض في النهار. ~~والثاني: كداخل البيوت إذا انعكس شعاع الشمس إليه من سطح الماء، أو ~~الحائط الصقيل، أو كوجه الأرض في الليل إذا كان البدر موجودا، فإن نور ~~القمر من نور الشمس، وقع فيه، وانعكس منه على وجه الأرض فكذلك فيض الرحمة ~~الإلهية يقع على قوابل الماهيات استقاميا، وانعكاسيا. # فإن من الجائز أن لا يكون الشيء مستعدا لقبول فيض الوجود عن واجب ~~الوجود لبعد مناسبته في ذاته، إلا أن يكون مستعدا لقبول ذلك الفيض ~~من شيء كان قبله عن الواجب جل ذكره، فيكون ذلك الشيء كالمتوسط بين ~~الواجب تعالى وبين ذلك الشيء الأول. فأرواح الأنبياء (عليهم السلام) ~~كالوسائط بين نور الأنوار وبين أرواح العوام من الخلق في وصول نور ~~الرحمة إلى الأرواح العامية، وهذا معنى الشفاعة. # فالإيمان بشفاعة الأنبياء لأممهم واجب - لأنها - كما علمت - نور ~~يشرق من الحضرة الإلهية على جواهر النبوة، وينتشر منها إلى كل جوهر ~~استحكمت علاقة مناسبتها مع جوهر النبوة لشدة المحبة والمتابعة، وكثرة ~~المواظبة على السنن، وكثرة الذكر له بالصلاة عليه. وجوهر النبوة هو ~~بعينه جوهر الروح القدسي الإلهي المسمى عند الفلاسفة بالعقل الفعال. # فكما أن المناسبات الوضعية بين المنير بالذات، والواسطة، ~~والمستنير بها تقتضي الاختصاص بانعكاس النور الحسي - كما إذا وقع نور ~~الشمس على الطست من الماء، وينعكس منه إلى موضع مخصوص من حائط البيت - لا ~~على غيره - لمناسبة بينه وبين الماء في الوضع، وتلك المناسبة مسلوبة عن ~~سائر أجزاء الحائط، وذلك الموضع هو الذي إذا خرج منه خط إلى ظاهر سطح ~~الماء وحصلت بينه وبين ذلك السطح زاوية، هي بعينها مساوية لزاوية حصلت ~~من الخط الخارج من موقع ذلك الخط إلى قرص الشمس وذلك السطح فكذلك ~~المناسبة المعنوية إذا حصلت بين روح من الأرواح البشرية وبين جوهر ~~النبوة تقتضي حصول فيض الرحمة بواسطة ذلك الجوهر. # فمن استولى عليه التوحيد والعرفان، فقد تأكدت مناسبته مع الحضرة ~~الإلهية، وأشرق عليه النور من غير واسطة، ومن استولى عليه السنن، ms0839 ~~والاقتداء بالرسول (صلى الله عليه وآله)، وأهل بيت النبوة والولاية ~~(عليهم السلام)، ومحبتهم، ولم يترسخ قدمه في ملاحظة الوحدانية لم ~~يستحكم مناسبته إلا مع الواسطة، فافتقر إلى واسطة في اقتباس النور. كما ~~يفتقر الحائط الذي ليس بمكشوف للشمس إلى واسطة الماء المكشوف للشمس إلى ~~مثل هذا. # فهذا هو سر الشفاعة والكلام وإن كان في صورة التمثيل، لكنه مما أقيم ~~عليه البرهان، ولا شبهة فيه لأهل اليقين والعرفان. ### || [2.49] # لما قدم تعالى ذكر نعمته على بني إسرائيل إجمالا في قوله # اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم # [البقرة:40]. بين بعد ذلك تفصيل تلك النعم؛ ليكون أوقع في التذكير، ~~وأبلغ في الحجة عطفا عليه، كأنه قال: " اذكروا نعمتي، واذكروا إذ ~~أنجيناكم، وإذ فرقنا بكم البحر " كعطف جبرائيل، وميكائيل على الملائكة ~~في قوله: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة:98]. # والإنجاء والتنجية بمعنى واحد وهو التخليص. ولهذا قرئ: { ~~وأنجيناكم } ويقال للمكان المرتفع: " نجوة ". لأن الصائر إليه ~~ينجو من كثير من المضار، ولأن المكان العالي بائن مما انحط عنه، ~~فكأنه متخلص منه. وربما يفرق بينهما بأن الإنجاء يستعمل في الخلاص قبل ~~وقوعه في المهلكة، والتنجية يستعمل في الخلاص بعد وقوعه في المهلكة. # وفي الكشاف: " أصل " آل " أهل. ولذلك يصغر بأهيل - ابدل هاؤه ألفا ~~- وخص استعماله بأهل الخطر والشأن كالملوك وأشباههم. ولا يقال: آل ~~الأسكاف والحجام ". # وحكى الكسائي: " اويل " فزعموا أنها ابدلت، كما قالوا: " هيهات " و " ~~ايهات ". وقيل: " لا - بل هو أصل بنفسه ". وقال علي بن عيسى: " الأهل ~~أعم من الآل. يقال: أهل الكوفة. وأهل البلد. وأهل العلم. ولا يقال: آل ~~الكوفة. وآل البلد. وآل العلم ". قال أبو عبيدة: " سمعت أعرابيا فصيحا ~~يقول: أهل مكة آل الله. فقلنا: ما تعني بذلك؟ قال: أليسوا مسلمين؟ ~~المسلمون آل الله ". وقال ابن دريد: " آل كل شيء شخصه. وآل الرجل أهله ~~وقرابته ". # والظاهر الآل مأخوذ من الأول - وهو الرجوع - فكل من يؤول إلى أحد ~~بنسب أو قرابة جسمانية أو معنوية فهو آله. وأهله: كل من يضمه بيته. # قال بعض الأفاضل: " آل النبي كل ms0840 من يؤول إليه. وهم قسمان: الأول: من ~~يؤول إليه مآلا صوريا جسمانيا، كأولاده ومن يحذو حذوهم من أقاربه ~~الصوريين، الذي يحرم عليهم الصدقة. والثاني: من يؤول إليه مآلا معنويا ~~روحانيا، وهم أولاده الروحانيون من العلماء الراسخين، والأولياء ~~الكاملين، سواء سبقوا بالزمان أو لحقوه. # ولا شك أن النسبة الثانية آكد من الأولى، وإذا اجتمعت النسبتان كان ~~نورا على نور، كما في الأئمة المشهورين من العترة الطاهرة - صلوات الله ~~عليهم أجمعين -. # وكما حرم على الأولاد الصوريين الصدقة الصورية، " حرم على الأولاد ~~المعنويين الصدقة المعنوية، أعني تقليد الغير في العلوم والمعارف " ~~انتهى كلامه تلخيصا. # وآل الخيمة: عمده. وآل السفينة: ألواحه. وآل الجبل: أطرافه ونواحيه. # وفرعون: اسم لملك العمالقة. كما يقال لملك الروم: قيصر، ولملك ~~القرس: كسرى، ولملك الترك: خاقان، ولملك اليمن: تبع. # فهو على هذا بمعنى الصفة. ولعتوهم اشتق منه " تفرعن الرجل " إذا ~~عتى. ويقال لهم: الفراعنة. # وقيل: إن اسم فرعون مصعب بن ريان، وقيل: هو ابنه، واسمه وليد ابن مصعب ~~من بقايا عاد، وفرعون يوسف: ريان، وكان بينهما أكثر من أربع مأة سنة. ~~وقال وهب: " انهما واحد " وهو غير صحيح. وذكر ابن منبه: أن أهل ~~الكتابين قالوا: اسمه قابوس. وكان من القبط، وربما ينسب إلى العلم ويسمى ~~" افلاطون القبط ". وقال ابن اسحق: هو من أشد الفراعنة. # { يسومونكم } أي يبغونكم. من سامه خسفا إذا أولاه ظلما. وأصله ~~من السوم، وهو الذهاب إلى طلب السلعة. # { سوء العذاب }: أفظعه، فإنه يقبح بالقياس إلى سائره، وهو مصدر ~~" ساء، يسوء ". ونصبه على المفعول. والجملة حال من الضمير في { ~~أنجيناكم } أو من { آل فرعون } لأن فيها ضمير كل منهما. # واختلف أهل التفسير في العذاب الذي نجاهم الله تعالى منه، فقال بعضهم: ~~ما ذكر في الآية وهو قوله: { يذبحون أبنآءكم ويستحيون ~~نسآءكم } بيانا ل { يسومونكم } ولهذا لم يعطف. # وقال بعضهم: إنه جعلهم خولا وخدما، وجعلهم في أعماله أصنافا. فصنف ~~كانوا يخدمونه، وصنف يحرثون له، وصنف يزرعون له، ومن لا يصلح منهم ~~للعمل ضربوا عليهم الجزية. وكانوا مع ذلك يذبحون ms0841 أبناءهم، ويستحيون ~~نساءهم ويدل عليه قوله تعالى في سورة إبراهيم: # يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبنآءكم ~~ويستحيون نسآءكم # [إبراهيم:6]. فعطفه على ذلك دلالة على التغاير. والمعنى: " يقتلون ~~أبناءكم ويستبقون بناتكم " أي يدعونهن أحياء ليستعبدن، وينكحونهن على ~~وجه الاسترقاق وهذا أشد من الذبح. # وإنما لم يقل: " بناتكم " لأنه سماهن بالإسم الذي يؤول حالهن إليه. ~~وقيل: إنما قال { نسآءكم } على التغليب، فإنهم كانوا يستبقون ~~الصغار والكبار منهن. # وقرئ يذبحون - بالتخفيف -. # وقيل: أراد بقوله: { يذبحون أبنآءكم } الرجال البالغين دون ~~الأطفال، ليكون في مقابلة النساء لأنهن البالغات، وذلك لأنهم الذين ~~يخاف منهم الخروج والتجمع دون الأطفال. # وأكثر المفسرين على أن المراد بالآية الأطفال - دون الرجال - وهو أولى ~~بوجوه من التأييد: لحمل اللفظ على ظاهره. وللشهرة. ولتعذر قتل جميع ~~الرجال على كثرتهم، ولحاجة فرعون وقومه إليهم في صنائعهم الشاقة الصعبة ~~قال السدي: كان قد جعلهم في الأعمال القذرة الصعبة، ككنس المبرز، وعمل ~~الطين، ونحت الجبال ولأنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى (عليه ~~السلام) في التابوت حال صغره معنى. # وأما وجه مقابلة الأبناء مع النساء فقد مرت الإشارة إليه، وهي أن ~~البنات لما لم يقتلن، ووصلن إلى حد النساء، صح عليهن إطلاق النساء ~~حقيقة ومجازا، باعتبار ما يؤلن. وأما البنين فلما قتلوا حال الطفولية ~~ولم يبلغوا لم يصح إطلاق الرجال عليهم لا في الحال، ولا بحسب المآل. # فصل # سبب قتل الأبناء، وسره # لا بد في قتل الأبناء من سبب صوري داع لفرعون عليه - لأنه كان من ~~العقلاء والعاقل لا يختار شيئا إلا لمرجح باعتقاده - ومن سبب حكمي، ~~فإن الله تعالى لا يقضي بقتل طائفة إلا لحكمة: # أما الأول فذكروا فيه وجوها: # الأول: إن فرعون رأى في المنام كأن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى ~~اشتملت على بيوت مصر، فأحرقتها وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل. فهاله ~~ذلك ودعا السحرة والكهنة، فسألهم عن رؤياه. فقالوا: إنه يولد في بني ~~إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك وتبديل دينك. فأمر فرعون ~~بقتل كل غلام يولد في بني ms0842 إسرائيل عن السدي. # الثاني: قول ابن عباس: إنه وقع إلى فرعون وتبعته ما كان الله وعد ~~إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء ملوكا. فخافوا واتفقت كلمتهم على ~~إعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا ~~إلا ذبحوه. فلما رأوا أن كبارهم يموتون وصغارهم يذبحون فخافوا ~~الفناء، فحينئذ لا يجدون من يباشر الأعمال الشاقة، فصاروا يقتلون عاما ~~دون عام. فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها فترك. وولد موسى ~~في السنة التي يذبحون فيها. # الثالث: إن المنجمين أخبروا فرعون بذلك، وعينوا له السنة، فلهذا كان ~~يقتل أبناءهم في تلك السنة. # وخير هذه الأقوال أوسطها، لأن الذي يستفاد من علم التعبير، وعلم النجوم ~~لا يكون أمرا مفصلا، وإلا قدح في كون الإخبار عن الغيب معجزا. بل ~~يكون أمرا مجملا تخمينيا. والظاهر من حال الرجل العاقل أن لا يقدم على ~~مثل هذا الأمر العظيم بسببه. # فإن قيل: إن فرعون - مع كفره - كيف أقدم على هذا الأمر بسبب اخبار ~~إبراهيم (عليه السلام)؟ # يقال: لعله كان عارفا بالله، وبصدق رسله، إلا انه كان كافرا - ~~كفر الجحود والعناد - أو كان شاكا في دينه، مجوزا لصدق ذلك، ففعل ما ~~فعل احتياطا. # وأما الثاني: فقد أشار بعض أصحاب الكشف والمعرفة إلى هذه اللمية بقوله ~~في الفص الموسوي من كتابه المسمى بفصوص الحكم: " حكمة قتل الأبناء ~~من أجل موسى (عليه السلام) ليعود إليه بالإمداد حياة كل من قتل من ~~أجله، لأنه قتل على أنه موسى - وما ثم جهل - فلا بد أن تعود ~~حياته إلى موسى، أعني حياة المقتول من أجله، وهي حياة طاهرة على الفطرة، ~~لم تدنسها الأغراض النفسية، بل هي على فطرة " بلى " ، فكان موسى مجموع ~~حياة من قتل على أنه هو، فكل ما كان مهيئا لذلك المقتول مما كان ~~استعداد روحه له كان في موسى (عليه السلام)، وهذا اختصاص إلهي بموسى لم ~~يكن لأحد قبله " - انتهى كلامه -. # واعلم أن أرواح الكمل من الأنبياء والأولياء كلية لا بمعنى أنها ~~مفهومات كلية بل بمعنى ms0843 أن كلا منها مع شخصيته ووحدته، له مقام جمعي، ~~يجمع شؤونات الأفراد، لقوة وجوده، وكماله، وتمامه، فالوجود كلما قرب ~~إلى الوحدة الجمعية الإلهية، صار أكثر حيطة، وأجمع أعدادا، كما أن ~~الإنسان الواحد له نفس واحدة جامعة لجميع القوى النباتية والحيوانية، ~~وذلك لأن وجودها أعلى مرتبة من وجود النفوس النباتية والحيوانية، ~~فيحيط بها، ويستحفظها، ويستخدمها. وكذلك حال أرواح الأنبياء بالقياس إلى ~~أرواح أممهم. # فإذا وقع في العالم وباء، أو موتان. أو قتل عام، يحدث عند ذلك شخص ~~عظيم من عظماء النبوة، أو الملك، أو الحكمة، لرجوع قوى نفوسهم إلى ~~قوة نفس واحدة، كما إذا وقع فساد في بعض القوى الحساسة والمحركة في ~~الإنسان، يرجع قوته إلى ما سواه من القوى بالإمداد والجمعية، بل ~~الوجود كله من عين واحدة - يجمع تارة وينتشر أخرى -. # فهذه هي الحكمة التي ذكروها في هذا المقام. قال الشيخ العطار: # صد هزاران طفل سر ببريده شد # تاكليم الله صاحب ديده شد # قال بعض المحققين: " اعلم أن التعينات اللاحقة للوجود بعضها كلية ~~معنوية كالتعينات الأولية اللاحقة للوجود بحسب الفطرة الأولى، وهي ~~التي يتعين بها أسماء الله الحسنى أولا، سواء كانت جنسية أو ~~نوعية، وبعضها شخصية كتعينات الطبائع النوعية الواقعة بحسب الفطرة ~~الثانية في عالم الحركات، وهي التي منشؤها اختلاف العوارض، والاستعدادات ~~اللاحقة للإعداد من جهة استعداد المواد. # والتعينات الأولية تقتضي في عالم الأرواح حقائق روحانية مجردة، ~~وطبائع كلية، وأولها وأقدمها التعين الأول، والمسمى بالعقل الأول، ~~وام الكتاب والقلم الأعلى، والنور المحمدي، لقوله (صلى الله عليه ~~وآله): # " أول ما خلق الله العقل " # وقوله (صلى الله عليه وآله): # " أول ما خلق الله نوري ". # وهو يتفصل بحسب التعينات والتنزلات الأولية الروحانية إلى العقول ~~السماوية، والأرواح العلوية، والكروبيين، وأرواح الكمل من الأنبياء ~~والأولياء (عليهم السلام). # فالعقل الأول تعين كلي، يشمل جميع هذه التعينات، التي كل منها أيضا ~~كلي بالإضافة إلى ما دونها، ويمدها ويفيض عليها النور والحياة، وقياس ~~احاطته الوجودية لتلك العقول والأرواح الكلية، كقياس الإحاطة العمومية ~~لجنس الأجناس بالنسبة إلى سائر الأجناس ms0844 والأنواع التي تحته. # وقد علمت أن الكلية في هذا المقام تستعمل بمعنى آخر، فلا تخلط ولا ~~تخبط، فإن الأرواح المتعينة بالتعينات الكلية الأسمائية، من ~~المجردات العقلية، والنفوس الملكية، والفلكية، والأرواح النبوية، ~~ممدات ومفيضات لما تحتها من الأرواح الجزئية، المتعينة بالتعينات ~~البشرية، وحاكمة عليها، وسائسة لها سياسة الأنبياء (عليهم السلام) ~~أممها. فنفوس الأمم بالنسبة إليها كالقوى الجسمانية، والنفسانية، ~~بالنسبة إلى أرواحنا المدبرة لأبداننا. # وإذا تقرر هذا فنقول: أرواح الأنبياء هي المتعينة بالتعينات الكلية ~~في الصف الأول، وأرواح أممهم - بل كثير من الملائكة والأرواح والنفوس ~~الفلكية - كالقوى، والأعوان، والخدم بالنسبة إليهم. # ومن هذا يعرف سجود الملائكة لآدم أبي البشر (عليه السلام)، وسر طاعة ~~الجن والإنس لسليمان (عليه السلام)، وسر امداد الملائكة لمحمد (صلى ~~الله عليه وآله) في قوله: # ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من ~~الملائكة # [آل عمران:124]. # فعلى هذا كانت الأبناء الذي قتلوا في زمان ولادة موسى (عليه السلام)، ~~هي الأرواح التي كانت تحت حيطة روح موسى (عليه السلام)، وفي حكم أمته، ~~وأعوانه، وخدمه. # فلما أراد الله تعالى اظهار آيات الكلمة الموسوية، ومعجزاتها، وحكمها، ~~وأحكامها، قدر الأسباب العلوية والسفلية من الأوضاع الفلكية، ~~والحركات العلوية، المعدة للمواد السفلية، والامتزاجات العنصرية، ~~وكان علماء القبط، وحكماؤهم، أخبروا فرعون وقومه، أنه يولد في هذا ~~الزمان مولود من بني إسرائيل، يكون هلاك فرعون، وذهاب ملكه على يده. ~~فأمر فرعون بقتل كل من يولد في هذا الزمان من الأبناء، حذرا مما قضى ~~الله تعالى وقدر، ولم يعلم أن لا مرد لقضائه، ولا معقب لحكمه. # فكان ذلك سببا لاجتماع تلك الأرواح في عالمها، وانضمامها إلى روح ~~موسى، وعدم تفريقها، وانبثاثها عنه بالتعلق البدني، فيتقوى بهم، ويجتمع ~~فيه خواصهم. وكل ذلك اختصاص من الله لموسى، فما ولد موسى إلا وهو ~~مجموع أرواح كثيرة باتصال تلك الأرواح متوجهة إليه بمحبتها، ~~ونوريتها، خادمة له، ولهذا كان محبوبا إلى كل من يراه، لنوريته، ~~بتشعشع أنوار تلك الأرواح منه " انتهى كلامه. # أقول: ولا يتوهمن أحد أن المراد من هذا الكلام أن أرواح ms0845 المواليد ~~المقتولين انتقلت بعد القتل، وصارت بعينها مجتمعة في عالم الأرواح، ~~وحصل من اجتماعها روح موسى (عليه السلام) - كما يوهمه ظاهر الكلام - ~~فإن ذلك ليس بصحيح، إذ الأرواح ليست كالأجسام - تقبل الافتراق والاجتماع ~~- وأيضا انتقالها من أبدانهم إلى بدن موسى (عليه السلام) يقتضي التناسخ، ~~وهو مستحيل عندنا. # بل الغرض أن القوة النورية الفائضة من الله تعالى بوساطة الأسباب ~~العلوية، المنبسطة على المواد العنصرية في كل زمان، كأنها مبلغ ~~واحد قوة وشدة، لا كمية ومقدارا. # وهذه القوة إذا صادفت قوابل كثيرة، واستعدادات مختلفة متفننة، انصرفت ~~بإذن الله إليها، وتفرقت تفرقا معنويا حسب تفريق المواد الصالحة ~~لها، وإذا بطلت المواد الكثيرة، ورجعت قواها، وأرواحها الجزئية إلى ~~عالمها ومرجعها، ثم حصل في الوجود قابل صالح لفيضان تلك القوة ~~النورية الوجودية، انصرفت بكليتها إليه، فصارت القوة الفائضة كأنها ~~مجموع تلك القوى والأرواح، لا أنها هي هي بعينها من حيث هوياتها ~~المتعينة الشخصية وإلا لزم التناسخ كما علمت. # فصل # قوله تعالى: { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } # { بلاء } أي محنة، إن اشير ب " ذلكم " إلى صنيعهم من قتل الأبناء، ~~واستحياء النساء، لما في كل منهما من المحنة العظيمة. أو نعمة، إن اشير ~~به إلى الإنجاء من الله. # وأصل البلاء الاختبار، لكن لما كان اختبار الله عبادة تارة بالمحنة، ~~وتارة بالمنحة، أطلق على كليهما. فالمراد من { بلاء من ربكم ~~} إما بتسليط فرعون وقومه عليكم. وإما ببعث موسى وتوفيقه لتخليصكم ~~بإيحاء الله إليه للإنجاء. # و { عظيم } صفة بلاء. # وقيل: في هذه الآية تنبيه بليغ للعبد المؤمن على أن ما يصيبه من خير أو ~~شر فهو اختبار من الله تعالى، فعليه القيام بالشكر على مساره، وبالصبر ~~على مضاره، ليكون من خير المختبرين، وحاله أحسن الحسنين. وإياه ~~والغرور بالمسار، والشكاية من المضار، ليكون شر المختبرين، وحاله أقبح ~~القبيحين. ### || [2.50] # هذه هي النعمة الثانية من الله على بني إسرائيل، المذكورة في هذا ~~الموضع. # قوله: { فرقنا } أي فلقناه وفصلنا بين أبعاضه حتى حصلت فيه مسالك ~~لكم، إذ الفرق هو الفصل بين ms0846 شيئين إذا كانت بينهما فرجة، والفرق: ~~الطائفة من كل شيء ومن الماء إذا تفرق بعضه عن بعض، فكل طائفة من ذلك ~~فرق. ومنه قوله تعالى: # فكان كل فرق كالطود العظيم # [الشعراء:63] وقرئ: إذ فرقنا - بالتشديد - قال ابن جني: فرقنا ~~أشد تفريقا ن فرقنا. فمعنان: شققنا بكم البحر، لأن المسالك كان ~~إثنا عشر على عدد الأسباط. # وقوله: { بكم } الباء إما للسببية الفاعلية، أي حصلت فيه فرق، ~~ومسالك بسلوكهم فيه كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما، أو ~~الغائية، أي بسبب إنجائكم ولأجله. أو للملابسة، ويكون في موضع الحال، أي ~~فرقناه متلبسا بكم، كقول الشاعر: # " تدوس بنا الجماجم والتريبا " # أي: تدوسها ونحن راكبوها. # والنجاة: ضد الغرق، كما أنها ضد الهلاك. و " أغرق في الأمر " إذا جاوز ~~الحد فيه. # والمراد من { آل فرعون } هو وقومه، فاختصر لدلالة الكلام عليه، ~~لأن الغرض مبني على إهلاك فرعون وقومه، كقولك: " دخل جيش الأمير ". ~~ويكون الظاهر أنه معهم. ويجوز أن يراد بآل فرعون شخصه، كقوله تعالى: # آل موسى وآل هارون # [البقرة:248]. يعني موسى، وهارون. # وقوله: { وأنتم تنظرون } أي تشاهدون غرقهم، وإطباق البحر ~~عليهم. وهذا أبلغ في الشماتة، وإظهار المعجزة، أو انفلاق البحر عن طرق ~~يابسة مذللة. وقيل: جثثهم التي قذفها البحر إلى الساحل. وقيل: معناه ~~ينظر بعضكم بعضا، بحدوث الكوى والروازن في فرق البحر. وقيل معناه: ~~وانتم بمشهد ومنظر منهم، حتى لو نظرتم إليهم لأمكنكم ذلك. وهو قول ~~الزجاج. # ولا يخفى ضعفه، إذ لم يكن لأصحاب موسى (عليه السلام) ما يشغلهم عن ~~الرؤية، فإنهم قد جاوزوا البحر، وأقوال المفسرين متظاهرة على أنهم ~~رأوا انفراق البحر، والتطام أمواجه بآل فرعون حتى غرقوا. فلا وجه ~~للعدول عن الظاهر. # قصة غرق فرعون # والقصة - كما روي عن ابن عباس: إن الله تعالى أوحى إلى موسى أن يسري ~~ببني إسرائيل من مصر. فسرى بهم ليلا، فأتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى ~~الإناث. وكان موسى في ستمأة ألف وعشرين ألفا. فلما عاينهم فرعون قال: # إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا ~~لغآئظون وإنا ms0847 لجميع حاذرون # [الشعراء:54 - 56]. # فسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فإذا هم برهج ~~دواب فرعون فقالوا: " يا موسى # أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا # [الأعراف:129] هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه ". # فقال موسى (عليه السلام): # عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في ~~الأرض فينظر كيف تعملون # [الأعراف:129]. فقال له يوشع بن نون: " بم امرت "؟ قال: " امرت ان ~~أضرب بعصاي البحر " قال: " إضرب ". # وكان الله تعالى أوحى إلى البحر " أن أطع موسى إذا ضربك " قال: فبات ~~البحر أفكل - أي رعدة - لا يدري في أي جوانبه يضربه. فضرب بعصاه ~~البحر فانفلق. وظهر اثنا عشر طريقا، لكل سبط منهم طريق. # فقالوا: " إنا لا نسلك نديا " فأرسل الله ريح الصبا حتى جففت ~~الطريق، كما قال تعالى: # فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا # [طه:77]. فجروا فيه. # فلما أخذوا في الطريق قال بعضهم لبعض " مالنا لا نرى أصحابنا " فقالوا ~~لموسى: " أين أصحابنا "؟ فقال: " في طريق مثل طريقكم " فقالوا: " لا ~~نرضى حتى نراهم " فقال موسى (عليه السلام): " اللهم أعني على أخلاقهم ~~السيئة ". فأوحى الله إليه أن أشر بعصاك هكذا وهكذا - يمينا وشمالا - ~~فأشار بعصاه يمينا وشمالا، فظهر كالكوى ينظر منها بعضهم إلى بعض. # فلما انتهى فرعون إلى ساحل البحر - وكان على فرس حصان أدهم - فهاب ~~دخول الماء، تمثل له جبرائيل على فرس انثى وديق، وتقحم البحر. فلما ~~رآها الحصان تقحم خلفها، ثم تقحم قوم فرعون، فلما خرج آخر من كان مع ~~موسى من البحر ودخل آخر من كان مع فرعون البحر، أطبق الله عليهم الماء ~~فغرقوا جميعا، ونجا موسى ومن معه. # فصل # اعلم أن هذه القصة قد تضمنت نعما كثيرة دنيوية ودينية، والدينية ~~في حق قوم موسى، وقوم محمد صلى الله عليهما وآلهما. # أما الدنيوية لهم: # فمنها: نجاتهم عن الغرق، وإهلاك عدوهم وقومه. # ومنها: اختصاصهم بهذه المعجزة الباهرة، والكرامة الظاهرة. # ومنها: استئصال عدوهم من جهتهم. وأصل الخلاص من مثل هذا البلاء نعمة ~~عظيمة، فكيف إذا قورن بالإكرام العظيم وإهلاك ms0848 العدو. # ومنها: أن أورثهم أرضهم، وديارهم، ونعمهم، وأموالهم. # ومنها: أنه كما غرق العدو وهلك، غرق آله جميعا وهلكوا، وإلا لكان ~~الخوف بعد باقيا من حيث إنهم ربما اجتمعوا، واحتالوا بحيلة وقع منها ~~الضرر بهؤلاء، ولكن لما أهلكم الله جميعا فقد حسم مادة الخوف ~~بالكلية. # ومنها: أنه وقع ذلك بمحضر من الأولياء والأعداء جميعا، حتى لا يخفى ~~على أحد منهم، وهذا يوجب ابتهاجا عظيما، وإليه الإشارة بقوله: { ~~وأنتم تنظرون } إلى غير ذلك من النعم الدنيوية. # وأما النعم الدينية في حق قوم موسى عليه السلام: # فمنها: أنهم لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة حصل لهم العلم الضروري ~~على وجود الصانع الحكيم، وعلى صدق موسى (عليه السلام)، وزالت عنهم ~~الشكوك، فكأنه تعالى رفع عنهم كلفة النظر الدقيق، والاستدلال الشاق. # ومنها: أنهم لما عاينوا ذلك لزمهم الانقياد والطاعة لموسى (عليه ~~السلام) وقبول قوله، ولهم في ذلك سعادة الدارين. # ومنها: عرفوا أن الأمور كلها جارية على قضاء الله وقدره، فإنه لا ~~عزة في الدنيا أكمل من عزة فرعون، ولا شدة أشد مما كانت لبني ~~إسرائيل، ثم الله تعالى قلب الأمر في ساعة واحدة، فجعل العزيز ذليلا، ~~والذليل عزيزا، وذلك يوجب انقطاع القلب عما سوى الله، والاقبال بالكلية ~~إلى خدمته، وطاعته، والتوكل عليه. # وأما النعم الحاصلة لهذه الأمة المرحومة منها فكثيرة: # أحدها: أنها جاءت حجة لنا على أهل الكتاب، لأنه كان معلوما من حال ~~نبينا أنه كان اميا لم يقرأ ولم يكتب. فإذا أخبرهم بما لا يعلم إلا ~~من الكتب علموا أنه أخبر عن الوحي، فصار دينه حقا. # وثانيها: أنا إذا تصورنا ما جرى لهم وعليهم من هذه الأمور العظيمة ~~علمنا أن من أطاع الله فقد سعد في الدنيا والآخرة، ومن خالفه فقد ~~استحق غضب الله عليه في الدنيا والآخرة، فصار ذلك مقربا لنا من الطاعة ~~ومبعدا عن المعصية. # وثالثها: أن أمة موسى (عليه السلام) مع هذه المعجزات الباهرة، ~~والكرامات المحسوسة الظاهرة، خالفوه في أمور حتى قالوا له: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف:138] وأما هذه ms0849 الأمة فمع كون معجزتهم هي القرآن الذي خفي ~~اعجازه، ولا يظهر إلا بالنظر الدقيق انقادوا للنبي (صلى الله عليه وآله) ~~في كل الأحكام، وما خالفوه في شيء البتة، وهذا يدل على أنهم أفضل من ~~أمة موسى (عليه السلام). # وبهذا يخرج الجواب عن اشكال ربما خطر بالبال، وهو أن يقال: كيف لم يعط ~~الله تعالى نبينا (صلى الله عليه وآله) مثل ما أعطى موسى (عليه السلام) ~~من الآيات الباهرات، لتكون الحجة أظهر، والشبهة أسقط؟ # لأنا نجيب: بأن الله أعطى كل نبي معجزة مناسبة لقومه وعلى حسب ~~صلاح حالهم، فنصب الأعلام الباهرة، والمعجزات القاهرة لاستصلاح أمة موسى ~~(عليه السلام)، وقد كان في قومه من فظاظة القلب، وبلادة النفس، ~~وكلالة الحدس، ما لم يمكنهم معه الاستدلال بالآيات الخفية، والبراهين ~~العقلية. ألا ترى أنهم لما عبروا النهر وأتوا على قوم يعكفون على ~~أصنام لهم، قالوا - بعد ما شاهدوا من هذه الآيات -: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم ~~تجهلون # [الأعراف:138]. # وكان في العرب والعجم من أمة نبينا (صلى الله عليه وآله) من جودة ~~القريحة، وحدة الفطنة، وذكاء الذهن، ما كان يمكنهم معه الاستدلال ~~بالفكر، واقتناص الحقائق بالنظر الدقيق، والتفطن بما يحتاج إلى التأمل ~~والتدبر، والاستفادة بنور العقل الفعال في ملاحظة الآيات، فجاءت ~~آياتهم مشاكلة لقرائحهم المتوقدة، ومجانسة لأذهانهم من الدقة والحدة. # على أن في جميعها من الحجة الظاهرة، والبينة الزاهرة ما ينفي خلاج ~~الشك عن قلب الناظر المستبين، ويفضي به إلى فضاء العلم اليقين، ويوضح ~~له مناهج الصدق، ويولجه موالج الحق، وما يستوي الأعمى والبصير. # ولا ينبئك مثل خبير. # فصل # سؤال آخر: وهو إن فرعون - كما هو المشهور - كان من أهل الفكر والبحث، ~~وقد لقب ب " أفلاطون القبط " فلما شاهد فلق البحر - وكان من ~~العقلاء - فلا بد وأن يعلم أن ذلك من فعل الله، ومن فعل عالم قادر ~~لما يشاء، مخالف لسائر القادرين، فكيف بقي على الكفر مع ذلك؟ # وأجيب: بأنه كان عارفا بربه، إلا أنه كان كافرا على سبيل الجحود ~~والعناد. ms0850 # ورد بأنه إذا عرف ذلك بقلبه، فكيف استجاز تورط نفسه في الهلاك ~~واقتحم البحر؟! # وأجيب: بأن حب الشيء يعمي ويصم، فحبه للجاه والتلبيس، حمله على ~~اقتحام تلك المهلكة. # وهذا الجواب ليس بشيء. والأولى أن يقال: إن اقتحام البحر لم يكن ~~باختياره، بل وقع ذلك باقتحام حصانه الذي ركبه، كما مر في القصة. أو ~~يقال: إنه لم يجزم بهلاك نفسه عند دخوله في البحر حتى إذا أدركه الغرق، ~~ولهذا قال عند الغرق: # آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل # [يونس:90]. # إيمان فرعون مقبول، أم لا؟ # واعلم أنه للعلماء خلاف في أن إيمان فرعون حين موته مقبول أم لا؟ ~~فذهب بعض المحققين على الأول، والأكثر على الثاني كما هو المشهور. # وقال الشيخ ابن عربي في الباب السابع والستين ومأة من الفتوحات: # " لما حال الغرق بينه وبين أطماعه، لجأ إلى ما كان مستسرا في ~~باطنه من الذلة والافتقار... فقال: آمنت بالذي آمنت به بنو ~~إسرائيل وأنا من المسلمين كما قالت السحرة # آمنا برب العالمين رب موسى وهارون # [الشعراء:47 - 48]. وقوله: { وأنا من المسلمين } خطاب منه ~~للحق، لعلمه أنه تعالى يسمعه ويراه، فخاطبه الحق بلسان العتب، ~~وأسمعه { آلآن } أظهرت ما كنت تعلمه # وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين # [يونس:91] في اتباعك. وما قال له: { وكنت من المفسدين } فهي ~~كلمة بشرى له عرفنا بها؛ لنرجو رحمته مع اسرافنا واجرامنا، ثم قال # فاليوم ننجيك ببدنك # [يونس:92] فبشره قبل قبض روحه # لتكون لمن خلفك آية # [يونس:92] يعني: لتكون النجاة لمن يأتي بعدك آية علامة إذا قال ما قلته ~~تكون له النجاة مثلما كانت لك. # وليس في الآية أن بأس الآخرة لا يرتفع، ولا أن إيمانه لم يقبل ~~وإنما في الآية أن بأس الدنيا لا يرتفع عمن نزل به إذا آمن في حال ~~رؤيته إلا قوم يونس. فقوله: # فاليوم ننجيك ببدنك # [يونس:92] إذ العذاب لا يتعلق إلا بظاهرك، وقد أريت الخلق نجاته من ~~العذاب، فكان ابتداء الغرق عذابا، فصار الموت فيه شهادة خالصة بريئة لم ~~تتخللها ms0851 معصية، فقبضت على أفضل عمل، وهو التلفظ بالإيمان - كل ذلك - ~~حتى لا يقنط أحد من رحمة الله. # والأعمال بالخواتيم. فلم يزل الإيمان بالله يجول في باطنه، وقد حال ~~الطابع الإلهي الذاتي في الخلق بين الكبرياء واللطائف الإنسانية، فلم ~~يدخلها قط كبرياء. # وأما قوله تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر:85] فكلام محقق في غاية الوضوح، فإن النافع هو الله، فما ~~نفعهم إلا الله. # وقوله: # سنت الله التي قد خلت في عباده # [غافر:85]. يعني الإيمان عند رؤية البأس الغير المعتاد. وقد قال تعالى: # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها # [الرعد:15] فغاية هذا الإيمان أن يكون كرها، وقد أضافه الحق إليه. ~~والكراهة محلها القلب، والإيمان محله القلب. والله لا يأخذ العباد ~~بالأعمال الشاقة عليه من حيث ما يجده من المشقة فيها، بل يضاعف له فيها ~~الأجر. وأما في هذا الموطن، فالمشقة فيه بعيدة، بل جاء طوعا في ~~إيمانه، وما عاش بعد ذلك كما قال في راكب البحر عند ارتجاجه # ضل من تدعون إلا إياه # [الإسراء:67]. فنجاهم، فلو قبضهم عند نجاتهم لماتوا موحدين وقد ~~حصلت لهم النجاة، فقبض فرعون ولم يؤخر في أجله في حال إيمانه لئلا ~~يرجع إلى ما كان عليه من الدعوى. # وأما قوله تعالى: # فأوردهم النار # [هود:98]. فما فيه نص أنه يدخلها معهم، بل قال: # أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر:46] ولم يقل: " أدخلوا فرعون وآله " ، ورحمة الله أوسع من أن ~~لا يقبل إيمان المضطر إذا دعاه. وأي اضطرار أعظم من اضطرار فرعون حال ~~الغرق، والله يقول: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء # [النمل:62]. وهذا آمن بالله خالصا، وما دعاه في البقاء في الحياة ~~الدنيا خوفا من العوارض، أو يحال بينه وبين هذا الإخلاص، فرجح جانب ~~لقاء الله على البقاء بالتلفظ بالإيمان، وجعل ذلك الغرق نكال الآخرة ~~والأولى فلم يكن عذابه أكثر من غم الماء الأجاج وقبضه على أحسن صفة. # هذا ما يعطي ظاهر اللفظ. وهذا معنى قوله: # إن في ذلك لعبرة لمن يخشى # [النازعات: ms0852 26]. يعني في أخذه نكال الآخرة والأولى. وقدم ذكر الآخرة ~~ليعلم أن ذلك العذاب - أي الغرق - نكال الآخرة، وهذا هو الفضل العظيم ~~" انتهى كلامه. # ويفوح من هذا الكلام رائحة الصدق، وقد صدر من مشكاة التحقيق، وموضع ~~القرب والولاية. # تنبيه # قد ذكر هاهنا إشكال: وهو أن فلق البحر بضرب عصا من موسى (عليه ~~السلام) والدلالة على وجود الصانع وقدرته كالأمر الضروري، فكيف يجوز ~~فعله في زمان التكليف؟ # والجواب: أما على طريقة الأشاعرة فظاهر. وأما على طريقة المعتزلة: فقد ~~أجاب الكعبي بأن عامة بني إسرائيل كانت بعيدة العهد عن الفطنة ~~والذكاء، ممنوة بالبلادة، والفظاظة، وقصور الفهم. فلا جرم ~~احتاجوا في التنبه على حقية الإيمان بالله، ورسله، إلى معاينة الآيات ~~العظام، كفلق البحر، ورفع الطور فوقهم، وإحياء الموتى. # ألا ترى أنهم مع ذلك لم يقنعوا بهذه الدلائل الباهرة، فتارة قالوا: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف:138]. وتارة قالوا: # ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة # [البقرة:55]. وأخرى: # اتخذوا العجل # [النساء:153]. إلها لهم. وأخرى: # كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ~~بغير الحق # [البقرة:61]. كل ذلك لغلبة الكثافة على طبائعهم، والغشاوة على بصائرهم، ~~والطبع والرين على قلوبهم. # وأما هذه الأمة فلذكاء عقولهم، وصفاء قلوبهم، كانوا على خلاف ذلك، ~~فلا جرم وقع الاقتصار معهم على الآيات الدقيقة، والمعجزات العقلية. # وأما على طريقتنا فنقول: ليس في فلق البحر، وقلب العصاء حية، وما ~~يجري مجراهما، زيادة على الدلالة على صدق موسى (عليه السلام) في جميع ما ~~يدعيه، من إثبات الإله الحق، وادعاء النبوة، وغير ذلك بالدليل العقلي، ~~وأما كون ذلك من الضروريات التي لا حاجة معها إلى البرهان النير ~~العقلي فغير مسلم، كيف وقد ثبت في علم الميزان: " إن المحسوس - بما هو ~~محسوس - لا يكون كاسبا لشيء ولا مؤديا إلى مطلوب " فليس من المحسوس ~~حد لشيء، ولا برهان على شيء، كما ليس له حد ولا عليه برهان. # وهذا أمر محقق عند أئمة الحكمة والتحقيق، ولذا قال بعض: " الدين ~~الحاصل بالمعجزة دين اللئام " ، وحاشا المؤمن المتيقن أن يكون ms0853 بناء ~~إيمانه ويقينه على رؤية المعجزة الفعلية من الرسول. بل بناء ذلك على ~~البرهان العقلي، أو الشهود الباطني الذي لا يعتريه وصمة شك، وشوب ~~ريب. وأما انفلاق البحر وغيره فمما للشبهة فيه مجال - كما لا يخفى ~~على أهل البحث -. # ثم إن العلم الضروري، والكشف الحاصل للإنسان يوم القيامة، نحو آخر من ~~العلم لم يحصل مثله من انفلاق البحر وغيره، لأن ذلك مما يحصل برؤية ~~الأسباب والعلل. ومشاهدتها وظهور الأسباب بأعيانها ليس مثل العلم بها من ~~جهة آثارها. ### || [2.51] # الوعد، والموعد، والوعيد والعدة، والموعدة مصادر. والفعل يتعدى ~~إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما. والمفعول الثاني فيه إما { ~~أربعين ليلة } أو المقدر، وهو أن يعطيه الله التوراة ونحو ذلك، ~~لأنه لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون، ولم يكن لهم كتاب ينتهون ~~إليه، وعد الله موسى أن ينزل عليهم التوراة. # و { وعدنا } قراءة أهل البصرة وأبي جعفر، وقرأ الباقون { واعدنا ~~} - بالألف - وكذا في الأعراف، وطه. # أما حجة من قرأ بغير الألف فواضح، لأن الوعد كان من الله، ~~والمواعدة لا تكون إلا من الجانبين. وأما حجة الباقين فوجوه: # أحدها: إن الوعد وإن كان من الله، فقبوله كان من موسى (عليه السلام)، ~~وقبول الوعد يشبه فعل الوعد. وهذا كما يطلق أهل الميزان النقيض لكل ~~واحدة من القضيتين اللتين أحدهما سلب للأخرى، مع أن نقيض الشيء رفعه، ~~فيكون السالبة نقيضا للموجبة - دون العكس - إلا أنه أطلق عليهما ~~المتناقضتان باعتبار أن أحدهما رفع، والأخرى مرتفعة به، ففيها أيضا ~~معنى الرفع في الجملة، وبهذا القدر صح إطلاق المتناقضتين عليهما، وإن لم ~~يصح إطلاق النقيضين على كل منهما بانفراده، وكذا الحكم في الزوجين ~~والمتممين، حيث إن لكل منهما مدخلا في الزوجية والتتميم. # وثانيها: إنه لا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله تعالى، بمعنى أنه ~~يعاهد الله. # وثالثها: إن الله تعالى وعده الوحي، وهو وعد الله المجيء للميقات ~~إلى الطور وهذا أقوى. والقراءتان جميعا قويتان. # و { موسى } اسم مركب من اسمين بلغة القبط، ف " مو " هو الماء. و ms0854 ~~" سى " الشجر. سمي بذلك لأن التابوت الذي كان جعلت أم موسى إياه فيه ~~- حين خافت من فرعون، وألقته في البحر، فدفعته الأمواج بين أشجار عند بيت ~~فرعون - وجدته جواري آسية امرأة فرعون عند الماء والشجر، وقد خرجن ~~ليغتسلن بذلك المكان، فسمي (عليه السلام) باسم المكان الذي وجد فيه، ~~وهو الماء والشجر. # وهذا أصح الأقوال. وفيه وجهان آخران مقدوحان: # أحدهما: إن وزنه " فعلى " ، والميم فيه أصلية من " ماس، يميس، ~~موسا " إذا تبختر في مشيه. وكان (عليه السلام) كذلك. # وثانيهما: إن وزنه مفعل، من " أوسيت الشجرة " إذا أخذت ما عليها من ~~الورق. فكأنه سمي بذلك لصلعه. # ووجه انقداحهما أن بني إسرائيل والقبط ما كانوا يتكلمون بلغة العرب، ~~وأيضا إن هذا الاسم علم، والعلم لا يفيد معنى غير الذات الشخصية. # وهو (عليه السلام) موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي ابن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم - صلوات الله على نبينا وعليهم أجمعين -. # وانتصاب { أربعين } إما بالظرفية، أو على أنه مفعول ثان. # والثاني أولى، لأن الوعد ليس فيها كلها، كما في جواب " كم " ولا في ~~بعضها كما في جواب " متى " بل يقضي الأربعين، فيكون انتصابه بوقوعه موقع ~~المفعول الثاني، فالتقدير: وعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة. أو تمام ~~أربعين ليلة على حذف المضاف، كقولهم: " أربعين يوما منذ خرج فلان " أي: ~~تمام الأربعين. # و { ليلة } منتصبة على التمييز للعدد " أربعين " ، وهو شهر ذي ~~القعدة، وعشر ذي الحجة. # ويحتمل أن يكون المراد، أنه تعالى وعد موسى قبل هذا الأربعين أن يجيء ~~إلى الموعد - أي الطور - بعد انقضاء هذا الأربعين، حتى تنزل عليه ~~التوراة ويحتمل أن يكون المراد، أنه أمر بأن يجيء إليه هذا الأربعين، ~~ووعد بأنه ينزل بعد ذلك التوراة، وهذا الثاني هو المؤيد بالأخبار. # وعبر عنها بالليالي، لأنها غرر الشهور، فإن أول كل شهر إنما ~~يبين بليله الذي يظهر فيه هلاله. وقيل: لأن الظلمة سابقة على النور ~~وفيه تأمل. # فصل # كانت المواعدة ثلاثين ليلة أو أربعين؟ # واعلم أن قوله تعالى هاهنا يدل أن المواعدة ms0855 كانت من أول الأمر على ~~الأربعين، وفي الأعراف حيث قال: # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر # [الأعراف:142]. يفيد أن المواعدة كانت أولا على ثلاثين ليلة، ثم بعد ~~ذلك واعده بعشر، فلا بد في التوفيق بينهما من نكتة. # قال الحسن: ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة، ثم بعد ذلك وعده ~~بعشر، لكنه وعده أربعين ليلة جميعا، وهو كقوله تعالى: # ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك ~~عشرة كاملة # [البقرة:196]. # هذا ما في التفسير. وذكر بعض العلماء أنه روي أن موسى (عليه السلام) ~~وعد بني إسرائيل - وهم بمصر - أن الله تعالى إذا أهلك عدوهم فرعون، ~~وقومه، واستنقذهم من أيديهم، يأتيهم بكتاب من عند الله فيه بيان الحلال ~~والحرام، والحدود والأحكام فلما فعل ذلك، وأهلك فرعون سأل موسى ربه ~~الكتاب. فأمره الله تعالى أن يصوم ثلاثين يوما - وهو ذو القعدة -. # ولم يكن صوم موسى (عليه السلام) ترك الطعام في النهار وأكله بالليل. بل ~~طوى الثلاثين من غير أكل. فلما تمت ثلاثون ليلة أنكر خلوف فمه. ~~فتسوك بعود خرنوب فقالت الملائكة: " كنا نشم من فيك رائحة المسك ~~فأفسدته بالسواك " فأمره الله تعالى أن يصوم عشرة أيام من ذي الحجة. ~~وقال له: " أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك "؟ # واعلم أنه قد حصل لموسى (عليه السلام) في هذه المدة المضروبة له من ~~الله استعداد المكالمة له مع الله بواسطة انقطاعه عن الطعام والشراب، ~~واجتنابه عن اللذات، والشواغل الحسية. # وكذلك استفاضة العلوم اللدنية، والمعارف الإلهية، وهي ضرب من المكالمة ~~- لأن حقيقة التكلم إظهار ما يدل على المعاني الغائبة عن الحواس، ~~سواء كان بخلق الألفاظ، أو بإفاضة صور الحقائق على النفس - لا تحصل ~~إلا بتخلية المدارك والحواس عن الاشتغال بشواغل الدنيا وأغراضها، ~~وتخلية الجوف عن الطعام، ومنع اللسان عن الكلام إلا بذكر الله، وعدم ~~اشتغال القلب بما سوى الحق، فإن جميع ذلك مما يعد النفس الشريفة ~~الزكية للمكالمة الحقيقية مع الله تعالى، وإفاضة صور الحقائق عليها. # ولا يختص ذلك بمدة دون ms0856 أخرى. غير أن تعيين الأربعين والحكمة في ذلك ~~لا يطلع عليه إلا الأنبياء والكمل من الأولياء (عليهم السلام). # وذكر بعض العرفاء نكتة لطيفة في بيان ذلك وهي: " إن الله سبحانه لما ~~أراد تكوين آدم (عليه السلام) من التراب، قدر التخمير بهذا القدر من ~~العدد، كما وردت " خمرت طينة آدم بيده أربعين صباحا ". فكان آدم (عليه ~~السلام) لما كان مستصلحا لعمارة الدارين؛ لكونه مركبا من جوهرين: # أحدهما: ملكوتي أخروي وهو روحه. # والآخر: ملكي دنيوي وهو قالبه، فأراد الله منه عمارة الدنيا وعمارة ~~الجنة، فكونه من التراب تكوينا يناسب عالم الحكمة والشهادة أولا، ~~ويناسب عالم الغيب والرحمة ثانيا. # وما كانت عمارة النشأة الأولى تتأتى منه إلا ويكون خلقته من أجزاء ~~أرضية وقوى سفلية، بحسب قانون الحكمة. فمن التراب كونه، وأربعين ~~صباحا خمر طينته، وأودع فيه بحسب كل تخمير مرتبة من القوى والآلات، ~~وطبقة من التجسم والأعضاء والأدوات، يوجب كل مرتبة وطبقة منها نوعا من ~~البعد عن الحضرة الإلهية في القوى النزولية. # فاحتجب عن عالم القدس والوحدة، بالتوجه إلى عمارة الدنيا، وزينة ~~التركيب لبعده بالتخمير أربعين صباحا بأربعين حجابا عن الحضرة ~~الإلهية، كل حجاب معنى مودع فيه يصلح لعمارة الدنيا وزينتها، من القوى ~~النفسانية، والحيوانية، والنباتية، والطبيعية. ويتعوق به عن مراتب ~~القرب. # ولو لم يتعوق الآدمي بهذه الحجب والكثائف عن عالم القدس، ومواطن ~~القرب ما تعمرت الدنيا. فمنشأ بعده عن مقام القرب لعمارة الدنيا، وفي ~~ذلك من لطائف صنع الله والحكمة ما لا يخفى. # فالتبتل إلى طاعة الله، والاقبال إليه، والرجوع عن أمر المعاش، وما ~~يتعلق بالدنيا كل يوم يخرج عن حجاب من هذه الحجب، ويتخذ منزلا في ~~القرب في القوس العروجية من الحضرة الإلهية - التي هي مجمع العلوم، ~~ومنبع المكاشفات ومصدر الحقائق - فإذا تمت الأربعون زالت الحجب ~~بالكلية، وانصبت إلى قلبه أنهار العلوم والمعارف انصبابا. # ففي كل يوم بإخلاصه في العمل لله تعالى يكشف له طبقة من طبقات الحجب ~~الجسمية، والأغشية الظلمانية، والنشأة الترابية الطبيعية، ويزول عنه ~~طور من الأطوار الكونية الخلقية ms0857 المبعدة له عن الله، ويظهر عليه سلطان ~~النشأة الأخروية، إلى أن ينكشف باستعمال الأربعين أربعين طبقة من أطباق ~~حجابه وأطوار بعده عن الله، واشتغاله بعمارة الدنيا، ولذلك ورد في ~~الحديث: # " من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت من قلبه على لسانه ينابيع الحكمة ~~". # فهذا أصل يستفاد منه سر تعيين الأربعين في الخلوة والرياضة والعلم عند ~~الله. # عقدة وحل # الغرض من تعمير الدنيا # ولعلك تقول: إن الحكمة في تعلق الروح الإنساني بهذا القالب الكثيف لو ~~كانت لمصلحة تعود إلى الكائنات الأرضية لكان يلزم منها استخدام العالي ~~للسافل. # وأيضا في تبعيد الروح الإنساني عن عالم القدس والقرب إلى عالم ~~الظلمة، والكدورة، والعاهات، ضرب من التعذيب له، والتخريج عما فطر له ~~من الروح والراحة. فأي فائدة في تعذيب أشرف الجواهر الحيوانية، لأجل ~~صلاح سائر المركبات الحيوانية، والنباتية، والمعدنية؟! # وهذا الإشكال مما لا يخلو الجواب عنه عن صعوبة، لتوقفه على تحقيق ~~مهية الإنسان ومعرفة أطواره ونشآته، وذلك متعلق بعلوم كثيرة من علوم ~~المكاشفات. وقد مرت إشارة إلى سر نزول الروح الإنساني إلى هذا العالم ~~فيما سبق عند قوله تعالى: # وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في ~~الأرض مستقر ومتاع إلى حين # [البقرة:36]. # والذي نذكر هاهنا في دفع هذا الاشكال هو أن المراد بتكوين الإنسان ~~عامرا لهذه النشأة وزينة للكائنات، هو تعميره على وجه تعود فائدة ~~التعمير إليه، فإن الإنسان الكامل ذو أجزاء كثيرة، وأطوار متعددة، له ~~بحسب كل قوة منها كمالية وتمامية لا تحصل إلا بها، وليس الغرض من ~~خلافته في الأرض وتعميره للدنيا إلا تبقية شخصه ونوعه، وتكميل ذاته ~~على وجه يصير مظهرا للأسماء الإلهية، وجامعا للحقائق الكونية ~~والأسرار الربوبية، خليفة لله في الأرض والسماء، وزينة للنشأة الباقية ~~بعد الأولى. # وأما تكون سائر الأكوان من النبات والحيوان بسببه فهو إما لأجل ~~انتفاعه بها واستخدامه لها كما دل عليه قوله في حق الجميع: # خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة:29]. وقوله تعالى في باب الأنعام والدواب: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما ms0858 فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس:71 - 72]. وقوله في باب النباتات: # ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل ~~والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية ~~لقوم يتفكرون # [النحل:11]. وقال في باب المعادن والجمادات: # وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم ~~سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم # [النحل:81]. وغير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المطلب. # وإما لأجل أن لا يكون ضائعا مهملا ما بقي من فضالة مادة الإنسان، ~~وكثائف طينته التي صرفت لطائفه في تخمير قالبه، فكما أن البناء ~~يستعمل الخشب في غرضه فما فضل لا يضيعه، بل يتخذه قسيا وخلالا ~~وغير ذلك، فكذلك الغاية القصوى في إيجاد هذا العالم وتمامه خلقة ~~الإنسان الذي من شأنه أن يعرج بالعلم والتقوى إلى جوار الله وملكوته. # وأما تكون سائر المكونات، فلئلا يفوت حق كل عنصر ومادة، ويصل إلى ~~كل مخلوق من الخير والسعادة قدرا يليق به، وشرح هذا المقام مما يطول. # فصل # قوله تعالى: { ثم اتخذتم العجل } # أي: اتخذتموه إلها ومعبودا، لأن بمجرد فعلهم لتصويره لا يكونون ~~ظالمين، لأن فعل التصوير ليس بمحظور، وإنما هو مكروه عند أكثر الفقهاء. ~~وأما الخبر الذي روي " إنه عليه وآله الصلاة والسلام لعن المصورين ~~" فالمراد من شبه الله بخلقه، أو اعتقد أنه صورة جسمانية. # وقوله: { من بعده } أي: من بعد خروج موسى وغيبته، أو من بعد وعد ~~الله إياكم بالتوراة، أو من بعد غرق فرعون وهلاك قومه، أو من بعد ما ~~رأيتم من الآيات الباهرات. # { وأنتم ظالمون } في اتخاذكم العجل معبودا وإصراركم على ~~ارتكاب الباطل، ومتابعة الهوى والظلمات. # روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: كان السامري رجلا اسمه موسى بن ~~ظفر - وقيل: اسمه " ميحا " - وكان من قوم يعبدون البقر، فكان حب عبادة ~~البقر في نفسه، وقد كان أظهر الإسلام في بني إسرائيل، فلما قصد موسى ~~إلى ربه، وخلف هارون في بني إسرائيل، قال هارون لقومه: " قد حملتم ~~أوزارا من زينة القوم " - أي آل فرعون - " فتطهروا منها، فإنها نجس " ~~يعني: إنهم استعاروا من ms0859 القبط حليا واستبدوا بها، فقال هارون: " ~~طهروا أنفسكم منها فإنها نجسة " وأوقد لهم نارا فقال: " اقذفوا ما ~~كان معكم فيها " فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الأمتعة والحلي، ~~فيقذفون فيها. # وكان السامري رأى أثر فرس جبرائيل، فأخذ ترابا من أثر حافره، ثم أقبل ~~إلى النار، فقال لهارون: " يا نبي الله ألقي ما في يدي "؟ قال: " نعم " ~~وهو لا يدري ما في يده. ويظن أنه مما يجيء به غيره من الحلي والأمتعة. ~~فقذف فيها وقال: " كن عجلا جسدا له خوار " فكان البلاء ~~والفتنة. # فقال: # هذآ إلهكم وإله موسى # [طه:88] فعكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوا مثله شيئا قط. # قال ابن عباس: " فكان البلاء والفتنة " لم يزد على هذا. وقال الحسن: " ~~صار العجل لحما ودما ". وقال غيره: " لا يجوز ذلك، لأنه من معجزات ~~الأنبياء ". # ومن وافق الحسن قال: " إن القبضة من أثر الملك، وكان الله قد أجرى ~~العادة بأنها إذا طرحت على أي صورة كانت حييت، فليس ذلك بمعجزة، إذ ~~سبيل السامري فيه سبيل غيره " ومن لم يجز انقلابه حيا تأول الخوار ~~على أن السامري صاغ عجلا، وجعل فيه خروقا يدخله الريح، فيخرج منها ~~صوت كالخوار، ودعاهم إلى عبادته، فأجابوه وعبدوه كذا عن الجبائي. # تذكرة # السامري والعجل # ذكر بعض العلماء أن هذه الواقعة على الوجه المنقول مما يأبى العقل عن ~~إذعانها، لأن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أن الصنم المتخذ من الذهب، ~~الذي لا يتحرك، ولا يحس، ولا يعقل، يستحيل أن يكون إلها في السماوات ~~والأرض، وهب أنه ظهر منه خوار، ولكن هذا القدر لا يصلح أن يكون شبهة ~~في قلب أحد من العقلاء في كونه إلها. # ولا يمكن تصحيح هذه الواقعة إلا على وجه، وهو أن السامري ألقى إلى ~~القوم أن موسى إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى ~~فلكية، فأنا أتخذ لكم طلسما مثل طلسمه، وروج عليهم ذلك بأن جعله ~~بحيث يخرج عنه صوت عجيب، فأطمعهم في أن يصيروا مثل موسى (عليه السلام) ~~في ms0860 الإتيان بالخوارق، ولعل القوم كانوا مجسمة وحلولية، فجوزوا حلول ~~الإله في بعض الأجسام. # وذكر العارف المحقق محيي الدين الأعرابي في فصوص الحكم: " إن من خصائص ~~الأرواح أنها لا تطأ شيئا إلا حيي ذلك الشيء وسرت الحياة فيه، ~~ولهذا قبض السامري قبضة من أثر الرسول الذي هو جبرائيل (عليه السلام) - ~~وهو الروح -. # وكان السامري عالما بهذا الأمر، فلما عرف أنه جبرائيل، عرف أن ~~الحياة قد سرت فيما وطئ عليه، فقبض قبضة من أثر الرسول - بالضاء أو ~~بالصاد، أي: بملء، أو بأطراف أصابعه - فنبذها في العجل، فخار العجل، ~~إذ صوت البقر إنما هو خوار، ولو أقامه صورة أخرى، لنسب إليها اسم الصوت ~~الذي لتلك الصورة، كالرغاء للإبل، والثؤاج للكباش، واليعار للشياه، ~~والصوت للإنسان أو النطق أو الكلام. فذلك القدر من الحياة السارية في ~~الأشياء يسمى " لاهوتا " و " الناسوت " هو المحل القائم به ذلك الروح ~~" - انتهى. # تبصرة # بماذا نعرف الرسول؟ # اعلم أن طريق الإيمان بالله، ورسله، وآياته عند العرفاء، وأرباب ~~اليقين، ليس مما يحصل بالنظر في المعجزة، وخرق العادة الواقع من الرسل، ~~فإني قد آمنت بصدق نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) في جميع ما أتى ~~به، وبصدق موسى (عليه السلام)، لا بشق القمر وقلب العصا حية، بل ~~باعلامات إلهية، وإلهامات ربانية في القلب التي لا يتطرق إليها شائبة ~~شك وريب، ولا يقربها وصمة شبهة وعيب. # وهي موزونة مع ذلك بميزان صحيح العيار من موازين القسط ليوم الحساب الذي ~~وضعه الله من السماء العقلية في أرض القلب الإنساني، الموضوع تحت سماء ~~العقل المرفوع، وأمر باقامته كما دل عليه قوله تعالى: # والسمآء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في ~~الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان والأرض وضعها للأنام # [الرحمن:7 - 10]. # وقد أقمت هذا الميزان الصحيح كما أمر الله به، ووزنت به جميع المعارف ~~الإلهية، بل أحوال المعاد، وسر حشر الأجساد، وعذاب أهل الفجور، وثواب ~~أهل الطاعة، فوجدت جميعها مطابقة لما في هذا القرآن الذي هو تنزيل من ~~الله العزيز المنان، ولما في الأحاديث الواردة من ms0861 النبي وآله (صلى الله ~~عليه وآله)، وتيقنت أن جميع ما صح عن رسول الله وآله (صلى الله عليه ~~وآله) حق وصدق. # وأما طريق النظر في المعجزة، فذلك مما يتطرق إليه التباس كثير، فلا ~~يوثق به كل الوثوق بل من بنى إيمانه على قلب العصا ثعبانا، يكفر ~~بخوار عجل السامري، فإن التعارض في عالم الحس والشهادة كثير جدا، ~~والعالم الذي هو عالم العصمة والطهارة عن الخبط والغلط، هو عالم ~~القلب، وأما عالم البدن فالخطأ والالتباس فيه كثير. # وأكثر الناس اعتمادهم على ما تدركه الحواس، وعكوفهم على ما ينتمي إلى ~~الأوضاع الحسية، ولهذا يغلطون كثيرا، ولو لم يكن لهم قائد يقتدون به، ~~يسلك بهم كمن يقود الأعمى في الليل المظلم، لوقعوا في الحميم، وسلكوا ~~طريق الجحيم، وهؤلاء طائفة لا يعرفون الحق إلا بالرجال. # وأما العرفاء الإلهيون فهم يعرفون أهل الحق بالحق، كما قال أمير ~~المؤمنين وإمام العارفين (عليه السلام): " لا تعرف الحق بالرجال، إعرف ~~الحق تعرف أهله " فكانت معرفة العارفين المحققين بصدق النبي (صلى الله ~~عليه وآله) ضرورية، كمعرفتك إذا رأيت رجلا عربيا يدعي الفقه، ~~ويناظر في مسألة من مسائل الفقه، ويحسن في البحث عنه، ويأتي بالفقه ~~الصحيح الصريح، فإنك لا تتمارى في أنه فقيه، ويقينك الحاصل بفقهه من ~~مناظرته أوضح من اليقين الحاصل به لو قلب ألف عصا ثعبانا، لأن ذلك ~~يتطرق فيه احتمال السحر، والطلسم، والتلبيس بغيره، ويحصل به إيمان ضعيف ~~هو إيمان العوام والمتكلمين، فأما إيمان الناظرين من مشكاة الملكوت، ~~فلا يتطرق إليه تلك الاحتمالات، وهذا النحو من العلم والإيمان إنما ~~يحصل بتعليم من الله ومن جبرائيل بواسطة الرسول (صلى الله عليه وآله). # وهذا أوضح من الاعتقاد الذي يحصل من النص أو بالمعجزة، فإن ثلاثة أنفس ~~لو ادعوا عندك أنهم يحفظون القرآن، فقلت: " ما برهانكم "؟ # فقال أحدهم: إنه نص علي الكسائي أستاذ المقرئين. أو نص على ~~أستاذي فلان وأستاذي نص علي، فكأن الكسائي نص علي. # وقال الثاني: برهاني أني أقلب العصا حية - وقد قلب العصا حية -. # وقال الثالث: برهاني ms0862 أن أقرأ القرآن بين يديك من غير مصحف - وقرأ - ~~فليت شعري أي هذه البراهين أوضح؟ وقلبك بأيها أشد تصديقا؟ لا شك ~~أنك بالذي قرأ القرآن، فهو غاية البرهان، وبه يحصل غاية الإيمان إذ لا ~~يخالج فيه ريب. # أما نص أستاذه عليه، ونص الكسائي على أستاذه، فيتصور أن يقع ~~فيه أغاليط، سيما عند طول الأزمنة وبعد الأسفار. وأما قلب العصا حية: ~~فلعل ذلك لحيلة وشعبذة، وإن لم يكن كذلك فغايته أنه فعل أمرا ~~عجيبا، ومن أين يلزم أن من قدر على فعل عجيب ينبغي أن يكون حافظا ~~للقرآن؟! # تنبيه # ذكر نكات تلمح إليها الآية # اعلم - أيها العاقل الفهيم - أن في هذه الآية تحذيرا بليغا من ~~التقليد والجهل بالدلائل والبراهين، فإن أولئك القوم لو عرفوا الله ~~بالحجج الواضحة، والشواهد الباطنة معرفة تامة لما وقعوا في شبهة ~~السامري. # وفيها أيضا دلالة على أن أمة محمد (صلى الله عليه وآله) خير ~~الأمم، لأن أولئك اليهود مع أنهم شاهدوا تلك المعجزات الباهرة ~~اغتروا بهذه الشبهة الركيكة، وأما هذه الأمة فإنهم مع حاجتهم في ~~معرفة اعجاز القرآن إلى الأدلة الدقيقة لم يغتروا بالشبهات القوية، ~~وذلك يدل على أن هذه الأمة أكمل عقلا، وأزكى خاطرا، وأشد تعمقا ~~في الحق من غيرهم. # وفيها أيضا تسلية لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مما كان يشاهد من ~~مشركي مكة والمنافقين وأمر له بالصبر على مخالفتهم، كما صبر موسى (عليه ~~السلام) في هذه الواقعة المنكرة من قومه، وقد خلصهم (عليه السلام) من ~~فرعون، وأراهم المعجزات القوية، فاغتروا بهذه الشبهة الركيكة. # وفيها أيضا دلالة على مذمة الاقتداء بالأسلاف والآباء من غير بصيرة، ~~فإن أشد الناس مجادلة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعداوة للذين ~~آمنوا هم اليهود، وكانوا يتفاخرون بأسلافهم ويلتزمون دين أشياخهم ~~وآبائهم، فكأنه تعالى قال: " هؤلاء إنما يتفاخرون بأسلافهم ويقتدون ~~على آثارهم. ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة وسخافة العقل والغباوة ~~إلى هذا الحد، فكيف من يقتدي بهم ويقتفي آثارهم "؟! # وفيها أيضا تنبيه يستفاد من قوله: { وأنتم ظالمون } على ms0863 أن ~~ضرر الكفر والمعاصي لا يعود إلا إلى صاحبه، لأنهم ما استفادوا بذلك ~~إلا أنهم ظلموا أنفسهم وحرفوها عن جوار الله ودار كرامته إلى ~~الهاوية ودار الهوان والعذاب، وذلك يدل على أن جلال الله منزه عن ~~الاستكمال بطاعة العباد والانتقاص بمعصيتهم. ### || [2.52] # العفو، والصفح، والمغفرة، والتجاوز نظائر. قال ابن الأنباري: # عفا الله عنك # [التوبة:43]. معناه: محى الله عنك. مأخوذ من قولهم: " عفت الريح الأثر ~~" إذا درسته ومحته. فعفو الله محوه الذنوب عن العبد. # والظاهر أن المراد من قوله: { عفونا عنكم } تركنا معاجلتكم ~~بالعقاب في الدنيا { من بعد } اتخاذكم العجل إلها { لعلكم ~~تشكرون } أي: تعرفون الله ورسوله. فإن تمام الشكر بأفضل أجزائه، ~~وهو المعرفة. # لما وقعت إليه الإشارة سابقا من أن كل مقام من مقامات الدين ينتظم ~~بأمور ثلاثة -: العلم، وهو أعلاها، والحال، وهو أوسطها. والعمل، وهو ~~أدناها - فالشكر لله عبارة عن اعتقاد كونه خالقا، ورازقا للعباد، ~~ومنعما عليهم في الدنيا والآخرة بواسطة الملائكة والأنبياء. ويلزم ذلك ~~الاعتقاد الفرح بذكر الله، ومعرفته، وحب لقائه، وخلوص القلب عن الالتفات ~~بغير الله، وتصفيته عن كل خاطر رديء، ويلزمه أيضا العمل بالأركان ~~والجوارح بقدر ما يتيسر ويطاق. # واسم " الشكر " تارة يقع على الثلاثة، وتارة يخص بالأول - نظرا ~~إلى سره، وروحه، وباطنه - وتارة يخص بالآخر - نظرا إلى ظاهره المكشوف ~~للحس - كما أن اسم الإيمان تارة يقع على الاعتقاد بالله، واليوم ~~الآخر، والملائكة، والكتب، والرسل، والأئمة (عليهم السلام)، مع الإقرار ~~باللسان، والعمل بالأركان. وتارة يقع على نفس الاعتقاد الصحيح، وهو النور ~~الباقي للمؤمن إلى يوم القيامة، يسعى بين يديه وعن يمينه. # وقالت المعتزلة - ومنهم صاحب الكشاف -: " معنى قوله: { ثم عفونا ~~عنكم من بعد ذلك } أي: غفرنا لكم بسبب إتيانكم بالتوبة التي هي ~~قتلكم أنفسكم ". وفيه بحث من وجهين: # الأول: إن قبول التوبة واجب عقلا. وأداء الواجب لا يكون إنعاما. فلو ~~كان المراد ذلك فلا يحسن عده في معرض الإنعام والامتنان. والآية مسوقة ~~في تعديد نعم الله على بني إسرائيل. # والثاني: إن العفو اسم لإسقاط العقاب عن ms0864 المستحق، فأما إسقاط ما يجب ~~إسقاطه فلا يسمى عفوا. فعلم أن ذلك المعنى الذي حملوا الآية عليه ~~ضعيف عقلا ولغة. # تنبيه # اعلم أن هذه الآية دالة على بطلان قول المعتزلة أن " لا عفو عن ~~الكبائر " إذ لا كبيرة أكبر من اتخاذ العجل إلها، وإذا ثبت أنه ~~سبحانه عفى عن كفر قوم موسى (عليه السلام) ولم يؤاخذهم على شركهم، ~~فبأن يعفو عن فسق أمة محمد (صلى الله عليه وآله) كان أحق وأحرى. # تنبيه آخر # قد دلت الآية أيضا على أن الله تعالى لم يرد من العباد إلا الخير ~~والطاعة، ولا يريد منهم الشر والعصيان. فإنه تعالى لما بين أنه ~~إنما عفى عنهم ولم يؤاخذهم لكي يشكروا، فلم يرد منهم في هذا العفو إلا ~~الشكر، وهو أعظم الطاعات. # وأما ما ذكره صاحب التفسير الكبير من قوله: " لو أراد الله منهم الشكر ~~لأراد ذلك إما بشرط أن يصل للشاكر داعية الشكر، أو لا بهذا الشرط. ~~والأول باطل، لأن تلك الداعية إن كانت من فعل العبد لافتقر هذه ~~الداعية إلى داعية أخرى، والكلام فيها عائد. وإن كانت من الله فحيث خلق ~~الله الداعي حصل الشكر لا محالة. وحيث لم يخلق استحال حصول الشكر منه من ~~غير هذه الداعية. والثاني أيضا باطل، وإلا فقد أراد منه المحال، لأن ~~حصول الفعل بدون الداعي محال، وطلب المحال محال على أصولهم ". # فمندفع، لأنا نختار أن حصول الشكر من العبد بالاختيار مشروط بحصول ~~الداعية فيه سواء كانت بالاختيار، فيستدعي داعية أخرى، أو بالاضطرار، ~~فيكون من فعل الحق، وعلى أي الوجهين ينتهي بالأخرة إلى حصول داعية ~~ليست هي من فعل العبد، بل من فعل الله الحاصل في العبد اضطرارا. # وقد مر مرارا أن اختيار العبد ينتهي آخر الأمر إلى ما هو حاصل فيه ~~بالاضطرار فإن علم الإنسان وداعيته مخلوقان لله بالاتفاق، والنزاع ~~ليس إلا في ترتب هذه الأمور وافتقار بعضها إلى بعض أو في عدم الترتيب. ~~فإن الأشاعرة ومن يحذو حذوهم أنكروا حكمة الله في هذا الترتيب، ~~ونفوا القول بالعلة ms0865 والمعلول، ولهذا أسندوا القبائح والشرور كلها إلى ~~الله أولا وبالذات تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # حكمة قرآنية # معنى " لعل " في القرآن # اعلم أن في لفظة " لعل " - وهي من كلمات الترجي والإمكان - إشارة ~~بليغة إلى أن فعل الشكر إنما يحصل من العبد باختياره، فإن أفعال ~~العباد من جهة نسبتها إلى مبادئها القريبة واقعة باختياره على سبيل ~~الاحتمال والإمكان. ومن جهة نسبتها إلى السبب الأول ومبادئها البعيدة - ~~من قضاء الله وقدره وعلمه وقدرته - واقعة من العبد على سبيل البت ~~والوجوب. # ففعل العبد من جهة وقوعه باختياره يحكم عليه ب " القدر والتفويض " ~~أي: بكونه واقعا بقدرتنا، مفوض إلينا - ومن جهة وقوعه بمشية الله ~~وقضائه وقدره، والوسائط المترتبة المستندة - على ترتيبها في سلسلة ~~العلل والمعلولات - إلى الله، يحكم عليه ب " الجبر " كما سبق. # فلفظة " لعل " كلما جاءت في القرآن فهي بحسب الاعتبار الأول، وهو ~~وقوع الأمور من أسبابها القريبة. # فصل # الفرق بين الحمد والشكر # اعلم أن العلماء فرقوا بين الحمد، والشكر، ومعناهما، وحكمهما، وملخص ~~الفرق المستفاد من أقوالهم: إن الحمد من أشباه الأذكار كالتسبيح ~~والتهليل، فيكون من المساعي الظاهرة، والشكر من أشباه النيات والأخلاق، ~~كالصبر والتفويض والرضا. فيكون من المساعي الباطنة، لأن الشكر يقابل ~~الكفران. والحمد يقابل اللوم. ولأن الحمد أعم وأكثر، والشكر أخص ~~وأقل. # كما قال تعالى: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13]. فثبت أنهما معنيان متميزان. # ثم الحمد - كما هو المشهور من كلام الجمهور - هو الثناء على أحد بالفعل ~~الجميل. # وأما الشكر فقد تكلموا في معناه وأكثروا القول فيه: # فعن ابن عباس أنه قال: " هو الطاعة بجميع الجوارح لرب العالمين في ~~السر والعلانية ". وهذا كما اشتهر على ألسنة الجمهور: " أنه عبارة عن ~~صرف العبد جميع ما أنعمه الله فيما خلق لأجله " وإلى نحوه ذهب بعض ~~المشايخ، فقال: " إنه أداء الطاعات في الظاهر والباطن ". # وقال بعضهم: " اجتناب المعاصي ظاهرا وباطنا ". وقال غيره: " الاحتراس ~~عن اختيار معاصي الله ". أي: تحترس على قلبك ولسانك وأركانك، حتى لا تعصي ~~الله بشيء من هذه الثلاثة. # وقال آخر: " الشكر ms0866 تعظيم المنعم على مقابلة نعمته، على حد يمنعه من ~~جفاء المنعم وكفرانه ". ولو قيل: " تعظيم المحسن على مقابلة إحسانه " ~~ليصح أن يكون من الله الشكر للعبد المحسن. # فإن قلت: فما موضع الشكر؟ # فاعلم أن موضعه النعم الدينية والدنيوية مطلقا. # وأما الشدائد والمصائب الدنيوية في النفس، أو الأهل، أو المال، فقال ~~بعضهم: لا يلزم العبد الشكر عليها، وإنما يجب عليها الصبر. # وأما الشكر فهو على النعمة خاصة. # وقال بعضهم: لا شدة إلا وفي جنبها نعم الله. فيلزم الشكر على تلك ~~النعم المقترنة به، دون نفس الشدة. # وقال بعضهم - وهو الأولى -: إن شدائد الدنيا مما يلزم العبد الشكر ~~عليها، لأن تلك الشدائد نعم بالحقيقة، لأنها تعرض للعبد بمنافع عظيمة، ~~ومثوبات جزيلة وأعواض كريمة، في العاقبة، تتلاشى في جنبها مشقة هذه ~~الشدائد. مثال ذلك من يسقيك دواء كريها مرا للداء الشديد، فيؤدي ~~ذلك إلى صحة النفس وصفوة العيش فيكون إيلامه إياك بمرارة الدواء منة ~~بالغة بالحقيقة، وإن كان في صورة مكروهة. # فالحاصل من هذا الكلام رجع إلى أن البلية والشدة يجب الشكر عليها من ~~حيث إنها نعمة، لأنها توجبها لا من حيث إنها بلية وآفة، فلا شكر على ~~الشرور والأعدام من حيث إنها شرور وأعدام. # هذا هوالتحقيق، وعلى هذا يحمل قوله (صلى الله عليه وآله): # " الحمد لله على كل حال ". # ثم إن النعمة قسمان: دنيوية، ودينية: # فالدنيوية ضربان: نفع، ودفع. فنعمة النفع - وهي المصالح والمنافع - ~~ضربان: الخلقة السوية في سلامتها وعافيتها، وما سلامة البدن موقوفة ~~عليها من المطاعم، والمشارب، والملابس، والمناكح وغيرها من فوائدها. ~~وأما نعمة الدفع فهي أن صرف عنك المفاسد والمضار. وهي ضربان أحدهما: في ~~النفس بأن سلمك من زمانتها، وسائر آفاتها، وعللها. والثاني: دفع ما يلحقك ~~من ضرب من أنواع العوائق أو يقصدك بسوء من إنس، أو جن، أو سباع، أو ~~هوام، أو نحوها. # وأما النعم الدينية فضربان: نعمة التوفيق ونعمة العصمة، فنعمة التوفيق ~~أن وفقك الله أولا للإسلام، ثم الطاعة. ونعمة العصمة أن يعصمك أولا ~~عن الكفر والشرك، ثم ms0867 عن البدعة والضلالة، ثم عن سائر المعاصي وتفصيل ~~ذلك لا يحيط به إلا السيد الحكيم الذي أنعم عليك كما قال جل جلاله # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم:34]. # فصل عرشي # اعلم أن تحقيق الشكر، والعلم بكيفية حصوله من الإنسان، يستدعي معرفة ~~أصول عظيمة عقلية، ومسائل شريفة علمية، منها معرفة النفس الإنسانية، ~~وهي أم الفضائل ومفتاح العلوم الحقيقية، ولنذكر هاهنا استقصاء يسيرا ~~مما وجدناه من كتب العرفاء، لما فيه من عظيم الجدوى. # فنقول: قد علمت سابقا أن الشكر من جملة مقامات السالكين، ومنزل من ~~منازل أهل الدين، وكل مقام ومنزل لهم ينتظم من، علم، وحال، وعمل. العلم ~~هو الأصل، فيورث الحال، والحال يورث العمل. # أما العلم هاهنا فهو معرفة المنعم وإنعامه. وأما الحال فيه فهو ~~الابتهاج الحاصل فيه بإنعامه. وأما العمل فيه فهو القيام بما هو مؤد ~~إلى مقصود للمنعم وغاية إنعامه. ويتعلق ذلك العمل بالقلب والجوارح ~~واللسان. ولا بد من بيان جميع ذلك ليحصل بمجموعه الإحاطة بحقيقة ~~الشكر. # فالأصل الأول العلم: # وهو متعلق بثلاثة أمور: بعين النعمة، ووجه كونها نعمة في حقه، وبذات ~~المنعم، ووجود صفاته، التي بها يتم الإنعام، وبصدور الإنعام منه عليه، ~~فإنه لا بد من منعم، ومنعم عليه، يصل إليه النعمة من المنعم بقصد ~~وإرادة. # فهذه الأمور لا بد من معرفتها في حق غير الله، فأما في حق الله فلا ~~يتم إلا بأن يعرف أن النعم كلها منه، وهو المنعم بالحقيقة، والوسائط ~~مسخرون من جهته، فهذه المعرفة هي معرفة أن " لا مؤثر في الوجود إلا ~~الله " وهو توحيد الأفعال. وهذه المعرفة وراء التقديس، والتوحيد في الذات ~~الواجبية، إذا دخل هذا التوحيد والتقديس فيها، بل الرتبة الأولى في ~~معارف الإيمان التقديس. # ثم إذا عرف ذاتا مقدسة عن النقائص الإمكانية - فضلا عن المثالب ~~المادية والمكانية - فيعرف أنه لا مقدس إلا واحد، وما عداه غير ~~مقدس وهو التوحيد. # ثم يعلم أن كل ما في العالم فهو موجود من ذلك الواحد فقط، والكل ~~نعمة منه، فتقع هذه المعرفة في الرتبة ms0868 الثالثة - أي بعد المعرفتين ~~الأوليين - فينطوي فيها مع التقديس والتوحيد: كمال القدرة والانفراد ~~بالفعل. # وعن هذا عبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث قال: # " من قال " سبحان الله " فله عشر حسنات. ومن قال: " لا إله إلا الله ~~" فله عشرون. ومن قال: " الحمد لله " فله ثلاثون حسنة ". # وقال (صلى الله عليه وآله): # " أفضل الذكر " لا إله إلا الله " وأفضل الدعاء " الحمد لله ". # وقال (صلى الله عليه وآله): # " ليس شيء من الأذكار يضاعف ما يضاعف الحمد ". # ولا تظنن أن هذه الحسنات بإزاء تحريك اللسان بهذه الكلمات، من غير ~~حصول معانيها في القلب. ف " سبحان الله " كلمة تدل على التقديس، و " ~~لا إله إلا الله " كلمة تدل على التوحيد. و " الحمد لله " على معرفة ~~النعمة من الواحد الحق. فالحسنات بإزاء هذه المعارف، التي هي من أنوار ~~الإيمان واليقين. # واعلم أن تمام هذه المعرفة ينفي الشرك في الأفعال، فمن أنعم عليه ~~ملك من الملوك بشيء فإن رأى المنعم عليه لوزيره، أو وكيله دخلا في ~~تيسير ذلك، وإيصاله إليه فهو إشراك به في النعمة، فلا يرى النعمة من ~~الملك من كل وجه، بل منه بوجه، ومن غيره بوجه. فيتوزع فرحه عليهما. ~~فلا يكون موحدا في حق الملك. # نعم لا ينقص عن توحيده في حق الملك وكمال شكره أن يرى النعمة الواصلة ~~إليه بتوقيعه الذي كتبه بقلمه، وبالكاغد الذي كتب عليه، فإنه لا يفرح ~~بالقلم والكاغد ولا يشكرهما، لأنه لا يثبت لهما دخلا من حيث هما ~~موجودان بأنفسهما بل من حيث هما مسخران تحت قدرة الملك. وقد يعلم أن ~~الوكيل الموصل والخازن أيضا مضطران من جهة الملك في الإيصال، وأنه لو ~~رد الأمر إليهما، ولم يكن من جهة الملك أمر حتم وقضاء جزم لما ~~سلما. # فإذا عرف ذلك كان نظره إلى الخازن والوكيل كنظره إلى القلم والكاغد، فلا ~~يورث شركا في توحيده من إضافة النعمة إلى الملك. # فكذلك من عرف الله، وعرف أفعاله، علم أن الشمس، والقمر، والنجوم ~~مسخرات بأمره - كالقلم مثلا في يد الكاتب ms0869 - وأن الحيوانات التي لها ~~اختيار مسخرات في نفس اختيارها، فإن الله تعالى هو المسلط للدواعي ~~عليه، شاءت أو أبت أي من حصول الداعي كالخازن المضطر الذي لا يجد سبيلا ~~إلى مخالفة الملك، ولو خلي ونفسه لما أعطاك ذرة مما في يده. # فكل من وصل إليك نعمة الله تعالى على يده فهو مضطر، إذ سلط الله عليه ~~الإرادة، وهيج عليه الدواعي، وألقى في قلبه أن خيره في الدنيا والآخرة ~~هو أن يعطيك ما أعطاك. وبعد خلق الله له هذا الاعتقاد فلا يجد سبيلا ~~إلى تركه، فهو إذن إنما يعطيك لغرض نفسه لا لغرضك ولو لم يكن غرضه في ~~العطاء لما أعطاك. فالمنعم عليك بالحقيقة هو الذي سخره لك، وألقى في ~~قلبه من الاعتقادات والإرادات ما صار به مضطرا إلى الإيصال إليك. # فإن عرفت الأمور كذلك فقد عرفت الله، وعرفت فعله، وكنت موحدا، ~~وقدرت على شكره، بل كنت بهذه المعرفة بمجردها شاكرا، ولذلك قال موسى ~~(عليه السلام) في مناجاته: " إلهي خلقت آدم بيدك، وإذا سويته فنفخت ~~فيه من روحك وفعلت، وفعلت، فكيف شكرك؟ " فقال: " علم أن ذلك مني، فكانت ~~معرفته شكرا ". # فإذن لا شكر إلا بأن تعرف أن الكل منه، فإن خالجك ريب في هذا لم ~~تكن عارفا إلا بالنعمة - لا بالمنعم - فلا تفرح بالمنعم وحده، بل ~~بغيره. فبقدر نقصان معرفتك ينقص حالك في الفرح، وبنقصان فرحك وابتهاجك ~~بالمنعم ينقص عملك. فهذا بيان هذا الأصل. # الأصل الثاني: # الحال المستثمر من أصل المعرفة، وهو الفرح بالمنعم مع هيئة الخشوع ~~والتواضع، وهذا أيضا شكر في نفسه، كما أن المعرفة شكر، ولكن إنما يكون ~~شكرا إذا كان جامعا لشروط: # أحدها: أن يكون فرحك بالمنعم - لا بالنعمة، ولا بالإنعام - ومثاله: ~~أن الملك إذا أنعم بفرس على إنسان، تصور فرحه بالفرس من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يفرح به من حيث إنه فرس، وانه مال ينتفع به، ومركوب ~~يوافق غرضه، وانه جواد نفيس ولو وجده في صحراء وأخذه لكان فرحه مثل ~~هذا الفرح. # والثاني: أن يفرح به من ms0870 حيث إنه يستدل به على عناية الملك وشفقته ~~عليه، حتى أنه لو وجده في صحراء لم يفرح به أصلا، لاستغنائه عنه أو ~~لاستحقاره بالإضافة إلى ما هو مطلوبه من نيل المحل في قلب الملك. # الثالث: أن يفرح به ليركبه ويخرج به في خدمة الملك؛ لينال بخدمته رتبة ~~القرب عنه، ويرتقي إلى درجة الوزارة من حيث إنه لم يقنع بأن يكون ~~محله في قلب الملك أن يعطيه فرسا، ولا يكتفي بهذا القدر من العناية، ~~بل هو طالب لأن لا ينعم الملك على أحد إلا بواسطته، ثم إنه لا يريد ~~من الوزارة الوزارة أيضا، بل مشاهدة الملك والقرب منه، حتى أنه لو ~~خير بين الوزارة دون القرب، وبين القرب دون الوزارة لاختار القرب. # فهذه ثلاث درجات: فالأول لا يدخل فيه معنى الشكر أصلا، لأن نظر ~~صاحبه مقصور على الفرس لا بمعطي الفرس فهذا حال كل من فرح بنعمة من ~~حيث إنها لذيذة وموافقة لغرضه، فهو بعيد من معنى الشكر. # والثانية داخلة في معنى الشكر من حيث إنه فرح بالمنعم، ولكن لا من حيث ~~ذاته، بل من حيث معرفة عنايته التي يستحثه على الإنعام في المستقبل، ~~وهذا حال الصالحين، الذين يعبدون الله ويشكرونه خوفا من عقابه ورجاء ~~لثوابه. # وإنما الشكر التام في الفرح الثالث، وهو أن يكون فرح العبد بنعم الله ~~من حيث إنه يقتدر بها على التوسل إلى القرب منه، والنزول في جواره ~~والنظر إلى وجهه على الدوام فهذه الرتبة العليا، وأمارته أن لا يفرح من ~~الدنيا إلا بما هو مزرعة الآخرة ومعينة عليها. # ويحزن بكل نعمة تلهيه عن ذكر الله تعالى، وتصده عن سبيله لأنه ليس ~~يريد النعمة لأنها لذيذة. # ولذلك قال الشبلي: " الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة " وقال الخواص ~~" شكر العامة على المطعم والملبس، وشكر الخاصة على واردات القلوب ". # وهذه رتبة لا يدركها كل من انحصرت عنده اللذات في البطن، والفرج، ~~ومدركات الحواس، وخلا عن لذة القلب، فإن القلب - أعني الروح - لا ~~يلتذ في حال الصحة والسلامة إلا بذكر ms0871 الله تعالى ومعرفته ولقائه، ~~وإنما يلتذ من غيره إذا مرض بسوء العادات، كما يستلذ بعض الناس بأكل ~~الطين، وكما يستبشع بعض المرضى الأشياء الحلوة، ويستحلي الأشياء ~~المرة، فإذن هذه شرائط الفرح بنعمة الله. # الأصل الثالث: # وهو العمل. وصرف الجوارح وسائر النعم في المصارف التي خلقها الله ~~وأنعمها لأجلها، وذلك لأمرين: # أحدهما: لدوام النعمة. # زالثاني: لحصول الزيادة. # فأما دوام النعمة فلأن الشكر قيد المنعم، به تدوم وتبقى، وبتركه تزول ~~وتحول، ولما علمت أن كل نعمة - بل كل عين، أو صفة، أو قوة - فهي ~~مخلوقة لأجل غاية وفائدة هي مصرفها، فإذا صرفت في مصارفها دامت، وإلا ~~زالت. كما قال الله تعالى: # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم # [الرعد:11]. # وقال: # فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف # [النحل:112]. وقوله: # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم # [النساء:147]. وفي الحديث أنه قال: # " إن النعم أوابد كأوابد الوحوش، فقيدوها بالشكر ". # وأما الزيادة فلأن الشكر لما كان قيد النعمة فهو يثمر الزيادة، وصرف ~~الشيء في مصرفه الطبيعي يوجب اشتداده وازدياده كما قال تعالى: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم:7]. وقوله: # والذين اهتدوا زادهم هدى # [محمد:17]. ألا ترى أن السيد الحكيم إذا رأى العبد قد قام بحق نعمة ~~يمن عليه بأخرى ويراه أهلا لها، وإلا فيقطع عنه ذلك؟ # تذييل # فإن قلت: هل لنا أن نشكر الخلق على إحسانهم إلينا للنعم الواصلة إلينا ~~من الله بأيديهم - وقد ذكر أن الوسائط مسخرون ولا تأثير لهم في الإفادة ~~أصلا -؟ # قلنا: نعم تأدبا بأدب الله وأدب رسوله (صلى الله عليه وآله)، فإن ~~شكر المحسن على الإحسان والدعاء له من شعار الصالحين، وأخلاق العارفين، ~~وذلك منهم مع كمال توكلهم على ربهم وصفاء توحيدهم في الأفعال، وقطعهم ~~النظر عن الأغيار في التأثير والآثار ورؤيتهم النعم كلها من المنعم ~~الجبار، فإنهم يفعلون ذلك اقتداء برسول الله (صلى الله عليه وآله) كما ~~ورد في كثير من الأحاديث والأخبار. # وبيان ذلك أن الناس على ثلاثة أقسام: # فالعامة حجبوا عن الله بالخلق في المنع ms0872 والعطاء. والصوفيون السالكون ~~في الابتداء حجبوا بالله عن الخلق ورأوا الأشياء من الله، حيث طالعوا ~~ناصية التوحيد، وخرقوا الحجاب الذي منع الخلق عن صرف التوحيد، فلم ~~يثبتوا للخلق منعا ولا عطاء. # وأما الكمل من العلماء الإلهيين فحيث ارتقوا إلى ذروة التوحيد شكروا ~~الخلق بعد شكر الحق، وأثبتوا لهم وجودا وتأثيرا في المنح والعطاء، ~~بعد أن رأوا وشاهدوا السبب الأول أولا. # وذلك لسعة علمهم وقوة معرفتهم بحيث يسع علمهم للجانبين، ولا يحجب ~~نظرهم بأحد من الخلق والحق عن الآخر، فلا يحجبهم الخلق عن الحق ~~كعامة المسلمين الساكنين في مقام التسليم، ولا يحجبهم الحق عن الخلق ~~كأرباب الإرادة والمبتدئين من السالكين، بل شاهدوا الحكمة والترتيب ~~ونفوذ نور الحقيقة في مطاوي الممكنات، ومكامن الماهيات، فيشكرون الخلق ~~لأنهم الوسائط والأسباب. # روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " أول ما يدعى إلى الجنة الحمادون، الذين يحمدون الله في السراء ~~والضراء " # وقال (صلى الله عليه وآله): # " من عطس أو تجشى فقال: " الحمد لله على كل حال " رفع الله بها عنه ~~سبعين داء أهونها الجذام " # وقال (صلى الله عليه وآله): # " ما من عبد ينعم عليه نعمة فحمد الله إلا كان الحمد أفضل منها ". # فقوله (صلى الله عليه وآله): # " كان الحمد أفضل منها " # يحتمل أنه رضي الحق بها شكرا، ويحتمل أن الحمد أفضل منها نعمة، ~~فيكون نعمة الحمد أفضل من النعمة التي حمد عليها، فإذا شكروا المنعم ~~الأول يشكرون الواسطة المنعم من الناس، ويدعون. # وعنه (صلى الله عليه وآله) أنه إذا أفطر عند قوم قال: # " أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، ونزلت عليكم السكينة ~~والوقار " # وعنه (صلى الله عليه وآله): # " من قال لأخيه: " جزاك الله خيرا " فقد أبلغ في الثناء ". ### || [2.53] # هذه هي النعمة الرابعة عليهم من الله تعالى # الفرقان والقرآن # والفرقان في اللغة مصدر فرقت بين الشيئين فرقا وفرقانا، يطلق على ما ~~به يحصل الفرقان، والمراد به هاهنا إما نفس التوراة باعتبار كونه فارقا ~~بين الحق والباطل، أو شيئا داخلا فيه، أو خارجا عنه. ms0873 # فالأول: قول ابن عباس. وإنما صح العطف لتغاير اللفظين، بل لتغاير ~~المفهومين فإن مفهوم " الكتاب " يغاير مفهوم " الفارق " فهو كقولك: " ~~رأيت الغيث والليث " تريد الرجل الجامع بين الجود والشجاعة، ونظيره قوله ~~تعالى: # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا # [الفرقان:48]. يعني الجامع بين هذه الأوصاف. # والثاني: يكون إشارة إلى بعض ما في التوراة، كبيان أصول الدين وفروعه. # وأما الثالث: فقيل: إن المراد به انفراق البحر الذي آتاه موسى (عليه ~~السلام). # وقيل: الفرق الحاصل بين أهل الحق - وهم موسى وأصحابه المؤمنون - وبين ~~أهل الباطل - وهم فرعون وأصحابه الكافرون - وذلك بأشياء كثيرة منها: نجاة ~~هؤلاء، وغرق هؤلاء - هذا بحسب الظاهر. وأما بحسب الباطن فهؤلاء نجوا من ~~غرق بحر الطبيعة التي هي بحر مسجور، فخلصوا من عذاب نيرانها في القيامة، ~~وهؤلاء غرقوا فيها واحترقوا بنار جهنم في القيامة، وقد قال سبحانه: " ~~هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي " وهذا الفرق المعنوي ~~بعينه حاصل إلى الآن بين المحقين والمبطلين، مشهود لأرباب الشهود ~~الباطني. # وقيل: الشرع الفارق بين الحلال والحرام. # وقيل: النصر الذي فرق بينهم وبين عدوهم، كقوله: # يوم الفرقان # [الأنفال:41]. يريد يوم بدر. # وقيل: إن المراد بالفرقان: القرآن. ويكون تقديره: " وآتينا موسى ~~التوراة، وآتينا محمدا الفرقان، لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب ". وهو قول ~~الفراء وقطرب وثعلب. وهذا تعسف شديد، لأن فيه حمل القرآن على مثل ~~هذا المجاز من غير ضرورة، مع أنه تعالى أخبر أنه آتى موسى الفرقان. # إشارة # الفرقان والقرآن عند أهل الله # وهاهنا دقيقة أخرى لأهل الله في معنى الفرقان، والتمييز بينه وبين معنى ~~القرآن، وهو أن للنفس الناطقة ضربين من العلوم الإلهية: # أحدهما: ما يقال له: " العلم الإجمالي، والقضائي، والعقلاني " ويسمى ~~عند قوم من الحكماء ب " العقل البسيط " ويتصف به العقل الفعال، وهو ~~من صفات المقربين، ومن الملائكة المقدسين، والأنبياء، والأولياء ~~الكاملين. # وثانيهما: ما يقال له: " العلم التفصيلي، والقدري والنفساني " ويتصف ~~به العقل المنفعل، وهو من صفات المتفكرين في الآفاق والأنفس. # فإذا تقرر هذا فنقول: إن القرآن عند أهل ms0874 الله خاصة - وهم أهل القرآن ~~- عبارة عن العقل البسيط، والعلم الإجمالي. والفرقان عندهم عبارة عن ~~العلوم الانفعالية التفصيلية الحاصلة من ذلك العقل البسيط، فذلك العقل ~~القرآني مبدأ لحصول الصور العلمية الفكرية للنفس. # إذا علمت هذا فاعلم أن الله خصص نبينا حبيب الله (صلى الله عليه ~~وآله) من بين سائر الأنبياء (عليهم السلام) بإنزال القرآن والفرقان ~~جميعا، ولهذا وصف ما أنزل الله عليه بهما جميعا، كما أنه (صلى الله ~~عليه وآله) اختص من بينهم بإنزال الكلام وتنزيل الكتاب جميعا، والمنزل ~~على سائر الأنبياء (عليهم السلام) فرقان فقط وليس بقرآن، كما أن المنزل ~~عليهم كتاب فقط وليس بكلام. # ومن هذا الوجه يعلم فضيلة هذه الأمة على سائر الأمم، لأن فائدة ~~الإنزال والتنزيل ترجع إلى الأمم، فبقدر فضيلة الكتاب يعلم فضيلة المنزل ~~عليهم، فيستفاد من هذا البيان أنه يوجد في هذه الأمة جماعة تكون ~~درجتهم درجة إدراك العقل البسيط القرآني، وأنه لم توجد هذه الدرجة في ~~سائر الأمم، بل في أنبيائهم خاصة، وإلا لكان كتابهم المنزل عليهم من ~~مثل هذا القرآن، وليس كذلك. # وقد مر الفرق أيضا بين كلام الله وكتابه من أن الكلام من عالم ~~الأمر، والكتاب من عالم الخلق. ومن أن الكلام منزل على قلب حبيب الله ~~(صلى الله عليه وآله) بالحق، وكتب سائر الأنبياء (عليهم السلام) ~~نازلة عليهم في الألواح والصحف، وبين الإنزالين بون بعيد وفرق عظيم. # وقد ذكرنا أيضا فرقا آخر بين الكلام والكتاب، بأن أحدهما يكون صفة ~~نفسانية وخلقا، والآخر يكون فعلا وأثرا مبائنا. وكذلك العقل البسيط ~~الإجمالي القرآني صفة ذاتية للعالم به، بل ربما يكون عين العالم. ~~وأما الصور والعلوم التفصيلية فهي من قبيل الآثار، والأفعال، بالقياس ~~إلى العقل الكامل الفعال. فلهذا كان القرآن خلق نبينا (صلى الله ~~عليه وآله) كما هو المروي. # قوله تعالى: { لعلكم تهتدون } أي بتدبر الكتاب والتفكر في ~~آياته. ### || [2.54] # هذا هو الإنعام الخامس من الله لهم، وذلك لأنه نبههم على عظيم ذنبهم، ~~ثم نبههم على طريق تخلصهم من عذاب يوم القيامة، وذلك ms0875 من أعظم ~~النعم في الدين، ثم إنه تاب عليهم قبل فنائهم بالكلية، فكان ذلك ~~نعمة في حق الباقين. # يعني: أذكروا يا أهل الكتاب { إذ قال موسى لقومه } الذين ~~عبدوا العجل عند رجوعه من الوعد الذي وعده ربه: { ياقوم ~~إنكم ظلمتم أنفسكم }. أي نقصتم أنفسكم الثواب الواجب ~~بالإقامة على عهد موسى (عليه السلام)، أو أضررتم بها حيث وضعتم العبادة ~~غير موضعها { باتخاذكم العجل } إلها. # والمفعول الثاني محذوف لدلالة القرينة عليه، فإن الظلم إما بمعنى ~~النقص، أو الإضرار الذي ليس بمستحق ولا فيه نفع، ولا رفع مفسدة لا ~~علما ولا ظنا، فلما عبدوا العجل فقد نقصوا أنفسهم عن تمام ~~الإنسانية، فإن الإنسان إذا كفر بالله انسلخ عن الفطرة، وانخرط في ~~سلك البهائم والحشرات. أو كانوا أضروا بأنفسهم لأن لا ضرر أعظم مما ~~يؤدي إلى عذاب الأبد، ولذلك قال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان:13]. # { فتوبوا إلى بارئكم } أي: ارجعوا وأنيبوا إلى خالقكم ~~بالطاعة والتوحيد. # والفرق بين " البارئ " و " الخالق " أن الباري هو المبدع المحدث، ~~والخالق هو المقدر الناقل من صورة إلى صورة، ومن حال إلى حال. وأصل ~~التركيب في اللغة لخلوص الشيء عن غيره إما على سبيل التقصي، كقولكم: " ~~برئ المريض من مرضه، والمديون من دينه " أو على سبيل الإنشاء، ~~كقوله: " برأ الله آدم من الطين ". # سؤال: لم اختص هذا المقام بذكر هذا الاسم دون غيره من الأسماء ~~الحسنى؟ # جواب: لأن الباري هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت لقوله تعالى: # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت # [الملك:3]. ومتميزا بعضه من بعض بصور متباينة وأشكال مختلفة، فكان فيه ~~تقريع لهم بما وقع منهم من ترك عبادة العالم الخبير، الذي برأهم بلطف ~~حكمته على الأشكال والصور المختلفة، وأبرياء من التفاوت إلى عبادة ~~البقرة التي هي مثل في الغباوة والبلادة وفي أمثال العرب: " أبلد من ~~ثورة " حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله. # قوله: { فاقتلوا أنفسكم } تتميما لتوبتكم، إما بترك ~~الشهوات واللذات وإماتة القوى الحيوانية، بمنعها عن دواعيها كما قيل: ~~" من لم يعذب نفسه لم ms0876 ينعمها، ومن لم يقتلها لم يحيها " وفي كلام بعض ~~أعاظم الحكماء: " مت بالإرادة تحيى بالطبيعة ". وفي الحديث النبوي على ~~قائله وآله أشرف سلام الله: # " موتوا قبل أن تموتوا " # وروي أنه قال أيضا: # " من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي فلينظر إلي " # أو بالبخع، أو بقتل بعضكم بعضا فإن الأقوال فيه مختلفة. # وقال قوم من المفسرين - كالقاضي عبد الجبار وغيره -: لا يجوز أن يراد ~~به قتل كل من التائبين نفسه، واحتجوا عليه بوجهين: # أحدهما: إنهم ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ولو كانوا مأمورين به لعصوا ~~بتركه. # وثانيهما: إن القتل اسم لنقص البنية بفعل مزهق للروح في الحال، وأما ~~ما يؤدي إلى الزهوق وقتا آخر فإنما سمي قتلا على سبيل المجاز. فإذا ~~كان كذلك فلا يجوز من الله الأمر بقتل الإنسان نفسه، لأن الأوامر ~~الإلهية والتكاليف الشرعية إنما وقعت لمصلحة للمكلف به في المستقبل، ~~ولا يتصور وجودها بعد عدمه. # وفي هذه المقدمات مواضع نظر، على أن المصلحة لا يجب أن تعود إليه، بل ~~ربما تعود مصلحة قتله لنفسه إلى غيره، بأن ينتفع به ذلك الغير، ثم الله ~~يوصل العوض العظيم إليه. ثم على تقدير عودها إليه لا يلزم أن يكون في ~~الدنيا بل تكون في العقبى. # سلمنا أنه يلزم عودها إليه في الدنيا. لكن لم لا يجوز أن يكون علمه ~~بكونه مأمورا بهذا القتل، وامتثاله للأمر مصلحة له في هذا الآن، أو ~~الزمان القليل؟ كما أنه لو أمر بأن يقتل نفسه غدا، فإن علمه بذلك ~~يصير داعيا له إلى ترك المعاصي من ذلك الزمان إلى ورود الغد، فالوجه ~~الأول أقوى، ولهذا عول عليه المفسرون. # فعلى هذا يجب صرف الآية عن ظاهرها إما إلى ما ذكرنا أولا، أو إلى ~~غيره وهو اثنان: # أحدهما: أن يقال: أمر سبحانه التتائبين أن يقتل بعضهم بعضا وهو قول ~~ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم وهذا كقوله سبحانه: # فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم # [النور:61]. أي ليسلم بعضكم على بعض. وكقوله: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء:29] ومعناه لا يقتل ms0877 بعضكم بعضا. # وتحقيق ذلك أن المؤمنين كنفس واحدة، بخلاف غيرهم من الكفار ~~والمنافقين، فإنهم ذو آراء متناقضة، ومذاهب متخالفة، وأخلاق متشتتة ~~بعضها: بهيمية، وبعضها سبعية، وبعضها شيطانية. ولذلك حشروا إلى صور ~~مختلفة بحسب ما غلب واستولى على نفوسهم من الأخلاق كما هو معلوم من ~~مباحث علم المعاد. أما نفوس أهل الإيمان والتوحيد فقد ثبت في موضعه ~~أنها ستصل بعالم القدس. # ومذهب بعض أئمة الحكمة والتوحيد من الأقدمين أن النفس العارفة العاقلة ~~عند خروجها عن القوة إلى الفعل في باب العاقلية والمعقولية تتحد بروح ~~القدس المسمى عندهم بالعقل الفعال، فعلى هذا صح القول بأنها كنفس ~~واحدة. # وكذا على مذهب أفلاطن ومن وافقه من عظماء الحكماء في باب، أن لكل نوع ~~صورة مفارقة في عالم الأرواح العالية هي حقيقة ذلك النوع وتمامه، وهي ~~جوهر واحد قائم عند الله ماثل بين يديه. ومع وحدته هو تمام كل واحد من ~~أفراد ذلك النوع، وكذلك لنوع الإنسان وأفراده صورة واحدة في عالم ~~الربوبية هي تمام جوهر الإنسانية، وأن أفراد الناس إذا لم ينسلخوا عن ~~الفطرة الإنسانية بالكفر ونحوه، يكونون متحدين في تمام حقيقتهم، وكمال ~~وجودهم العقلي الباطني بجوهر قدسي واحد، هو نفس حقيقة الجميع، وكانت هذه ~~النفوس البشرية أجزاء لذلك الجوهر، لأنه الأصل. # وهذه هي الفروع الصادرة منه، العائدة إليه عند تمامها وكمالها. # وإليه الإشارة بقوله تعالى: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة # [النساء:1]. وقوله: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان:28]. ولذا قيل في قوله: # ولا تلمزوا أنفسكم # [الحجرات:11]. أي إخوانكم من المؤمنين. وفي قوله: # لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا # [النور:12]. أي بأمثالهم من المؤمنين. # ثم قال المفسرون القائلون بهذا القول: إن أولئك التائبين برزوا ~~صفين فضرب بعضهم بعضا إلى الليل. # وثانيهما: إن الله أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة وأمر ~~التائبين أن يسلموا للقتل، وهذا أقرب هذين الوجهين. # وعن ابن إسحاق والجبائي أن معنى { فاقتلوا أنفسكم } ~~استسلموا للقتل. فجعل استسلامهم للقتل قتلا منهم لأنفسهم ms0878 على وجه ~~التوسع. # واعلم أن الروايات مختلفة في باب المأمورين بالقتل، ففي بعضها أن ~~موسى (عليه السلام) أمرهم أن يقوموا صفين، فاغتسلوا ولبسوا أكفانهم، ~~وجاء هارون باثني عشر ألفا ممن لم يعبد العجل، ومعهم الشفار ~~المرهفة، وكانوا يقتلونهم، فلما قتلوا سبعين ألفا تاب الله على ~~الباقين، وجعل قتل الماضين شهادة لهم. # وفي بعضها: إن السبعين الذين كانوا مع موسى في الطور هم الذين قتلوا ~~ممن عبد العجل سبعين ألفا، فما تحركوا حتى قتلوا ثلاثة أيام ذكره ~~محمد بن إسجاق. # وفي بعضها: - وهي رواية الكلبي -: لما أمرهم موسى (عليه السلام) ~~أجابوا، فأخذ عليهم المواثيق ليصبرن على القتل، فأصبحوا مجتمعين كل ~~قبيلة على حدة. # فأتاهم هارون بالإثني عشر ألفا الذين ما عبدوا العجل، وبأيديهم ~~السيوف وقال التائبون: إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف، ~~فاتقوا الله واصبروا، فلعن الله رجلا قام من مجلسه، أو مد طرفه ~~إليهم، أو اتقاهم بيد أو رجل، يقولون " آمين " فجعلوا يقتلونهم إلى ~~السماء، وقام موسى وهارون يدعوان الله ويقولان: " البقية، البقية يا ~~إلهنا " فأوحى تعالى إليه: " قد غفرت لمن قتل. وتبت على من بقي " ~~قالوا: وكان القتلى سبعين ألفا. # وفي بعضها: إن بني إسرائيل كانوا قسمين: منهم من عبد العجل، ومنهم من ~~لم يعبده، ولكن لم ينكر على من عبده، فأمر من لم يشتغل بالإنكار ~~بقتل من اشتغل بالعبادة. # وفي الكشاف وغيره: روي أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه، ~~فلم يمكنهم المضي لأمر الله، فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا ~~يتباصرون تحتها، وأمروا أن يحتبوا بأفنية بيوتهم، فقتلوا إلى المساء، ~~حتى دعا موسى وهارون، فقالا: " يا رب هلكت بنو إسرائيل، البقية ~~البقية " فانكشفت السحابة ونزلت التوبة، وسقطت الشفار من أيديهم. # وقوله: { ذلكم خير لكم عند بارئكم } أي: فعل ~~التوبة، أو القتل من حيث كونه طهارة عن الشرك، أو وصلة إلى الحياة ~~الأبدية، والبهجة السرمدية، خير لكم عند خالقكم، فإن حالتهم كانت ~~دائرة بين ضرر الدنيا ونعيم الآخرة أبدا، وبين التمتع في الدنيا ~~أياما قليلة، والعذاب ms0879 في الآخرة أبدا، وضرر الدنيا أولى بالتحمل، ~~لأنه متناه من ضرر الآخرة، لأنه غير متناه، ونعيم الآخرة أولى ~~بالإيثار من نعيم الدنيا لأنه دائم وهذا منقطع. ولأن الموت واقع لا ~~محالة، فليس في تحمل القتل إلا تقديم أمر ضروري الوقوع لا محالة، وفي ~~عدم تحمله تأخيره، وأما النجاة من العقاب الدائم والفوز بالثواب ~~الدائم، فهو سعادة لا أعظم منها. # وقوله: { فتاب عليكم } أي: قبل توبتكم. # واعلم أنه قد تقرر عند أهل المعرفة والشهود، وثبت بالأخبار ~~المتكثرة المتظافرة أن الإنسان كلما قرب من الحق قرب هو تعالى منه، ~~وكلما رجع إلى الله رجع إليه. وفي الحديث الإلهي: # " من قرب إلي شبرا قربت إليه ذراعا، ومن قرب إلي ذراعا قربت ~~إليه باعا ". # قوله: { إنه هو التواب الرحيم } أي قابل التوبة عن عباده ~~مرة بعد أخرى، كثير العطوفة عليهم، يمحو السيئات ويغفر الخطيئات. ### || [2.55-56] # هذا هو الإنعام السادس عليهم من جهة مكافأتهم على ما قالوا في الدنيا ~~بالصاعقة ثم إحيائهم بعد الموت ليتوبوا. ولأهل التفسير في هذه القضية ~~قولان: # الأول: إن هذه القضية كانت واقعة بعد أن كلف الله عبدة العجل ~~بالقتل. # قال محمد بن إسحاق: لما رجع موسى (عليه السلام) من الطور إلى قومه ورأى ~~ما هم فيه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال، وحرق العجل ~~وألقاه في البحر، اختار من قومه سبعين رجلا، فلما خرجوا إلى الطور ~~قالوا لموسى (عليه السلام): " سل ربك حتى يسمعنا كلامه ". فسأل موسى ~~(عليه السلام) ذلك فأجابه الله إليه، فلما دنا إلى الجبل وقع عليه ~~عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ذلك، ودنا من موسى ذلك الغمام حتى ~~دخل فيه. فقال للقوم أدخلوا وعوا. وكان موسى (عليه السلام) متى كلمه ~~ربه وقع على جبهته نور ساطع، لا يستطيع أحد منهم النظر إليه، وسمعوا ~~كلام الله مع موسى (عليه السلام)، يقول له: " إفعل كذا، ولا تفعل كذا " ~~فلما تم الكلام انكشف عن موسى (عليه السلام) الغمام الذي دخل فيه فقال ~~القوم بعد ذلك { لن نؤمن ms0880 لك حتى نرى الله جهرة } ~~فأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعا وقام موسى (عليه السلام) رافعا يديه إلى ~~السماء يدعو ويقول: إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلا ليكونوا ~~شهودي لقبول توبتهم، فأرجع إليهم وليس معي واحد، فما الذي يقولون في؟ ~~فلم يزل مشتغلا بالدعاء حتى رد الله إليهم أرواحهم. فطلب توبة بني ~~إسرائيل من عبادة العجل. فقال: " لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم ". # القول الثاني: إن هذه الواقعة كانت بعد القتل. # قال السدي: ولما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم ~~أمر الله تعالى أن يأتيه موسى (عليه السلام) في ناس من بني إسرائيل ~~يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلا، فلما أتوا ~~الطور قالوا: { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ~~فأخذتهم الصاعقة وماتوا، فقام موسى (عليه السلام) يبكي ويقول: " يا رب ~~ماذا أقول لبني إسرائيل؟ فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بقيتهم ~~هؤلاء، فلما رجعت إليهم ولا يكون معي منهم أحد ماذا أقول لهم؟ " فأوحى ~~الله إلى موسى " إن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلها ". فقال ~~موسى: # إن هي إلا فتنتك # [الأعراف:55] إلى قوله: # إنا هدنآ إليك # [الأعراف:56]. ثم إنه تعالى أحياهم، فقاموا، ونظر كل واحد منهم إلى ~~الآخر كيف يحييه الله تعالى، قالوا: يا موسى إنك لا تسأل الله شيئا ~~إلا أعطاك، فادعه ليجعلنا أنبياء. فدعا موسى (عليه السلام) بذلك. # فأجاب الله بذلك. # واعلم أن كل واحد من القولين محتمل ولا ترجيح لأحدهما على الآخر.. # قال صاحب الكبير: " وليس في الآية ما يدل على أن الذين سألوا الرؤية ~~هم المتخذوا العجل إلها أو غيرهم ". # أقول: وجدنا في الفسير المنسوب إلى مولانا حسن بن علي العسكري (عليه ~~السلام) ما يدل على الثاني لأنه فيه أن معنى قوله تعالى: { ~~فاقتلوا أنفسكم } أي: " فليقتل بعضكم بعضا. فقتل من لم يعبد ~~العجل من عبده " فظهر أن المقتولين هم العابدون للعجل. فالسائلون ~~للرؤية غيرهم. # وفي التفسير المذكور أيضا: " إن القوم كانوا ستمائة ألف، كلهم قتلوا ~~إلا اثني عشر ألفا، وهم ms0881 الذين لم يعبدوا العجل ". # وقوله: { جهرة } أي: عيانا. قال صاحب الكشاف: " هي مصدر من قولك: ~~" جهر بالقراءة وبالدعاء " كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية، والذي يرى ~~بالقلب مخافت بها. وانتصابها على المصدرية، لأنها نوع من الرؤية فنصبت ~~بفعلها كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس. أو على الحال بمعنى " ذوي جهرة ~~" وقرئ " جهرة " - بفتح الهاء - وهي إما مصدر ك " الغلبة " وإما جمع " ~~جاهر ". # وقال القفال: أصل الجهرة من الظهور. يقال: " جهرت الشيء " إذا كشفته، ~~و " جهرت البئر " إذا كان ماؤها يغطى بالطين فنقيته حتى ظهر الماء. ~~ويقال: " صوت جهير " و " رجل جهوري الصوت " إذا كان صوته عاليا. ~~وإنما قالوا { جهرة } لئلا يتوهم أن المراد بالرؤية العلم ~~والتخيل، كما يراه النائم. # وفي هذا المقام موضع أبحاث عقلية: # الأول: إن بعض المتكلمين من أصحابنا الإمامية - رضوان الله عليهم - ~~وسائر المعتزلة استدلوا بقوله تعالى: { فأخذتكم الصاعقة } ~~على امتناع الرؤية عليه. # تقريره: أنها لو كانت جائزة فكانوا التمسوا أمرا مجوزا، فوجب أن لا ~~ينزل عليهم العذاب، كما لم ينزل بهم العقوبة لما التمسوا النقل من طعام ~~إلى طعام. # وقال بعضهم: ما ذكر الله سؤال الرؤية في كتابه إلا وقد استعظمه، منها ~~هذه الآية. ومنها قوله: # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة # [النساء:153]. ومنها قوله: # وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في ~~أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا # [الفرقان:21]. فالرؤية لو كانت جائزة لما كان سائله مستحقا للصاعقة، ~~ظالما ومستكبرا في نفسه وعاتيا عتوا كبيرا. فدلت الآيات على أن ~~رؤية الله ممتنعة على عباده. # ولقائل أن يقول: لا نسلم دلالتها على امتناع الرؤية، وليس كل عقوبة ~~وجب أن يكون واردة على طلب أمر محال في ذاته، فربما كان سبب العقوبة ~~كونهم ادعوا لنفسهم منصبا عاليا يستحيل حصوله لهم؛ لانحطاط درجتهم عن ~~استحقاق لذلك غاية الانحطاط، وإن كان الأمر في نفسه ممكنا. # ولأنه لما تمت الدلائل الباهرة، والمعجزات الجلية ms0882 على صدق المدعى، ~~كان طلب دليل آخر زائد تعنتا ولجاجا، والمتعنت اللجوج يستوجب المقت ~~والعذاب. # ولأنه يجوز أن يعلم الله في زجر الخلق عن طلب الرؤية مصلحة مهمة، كما ~~علم أن في إنزال الكتاب من السماء، وإنزال الملائكة منها عليهم مفسدة ~~عظيمة، لا جرم زجرهم عن ذلك واستنكره، ولغير ذلك من الوجوه. # واستدل بعض المجوزين للرؤية بأن الله قد أجرى إنزال الكتاب من السماء ~~مجرى الرؤية في كون كل منهما عتوا، فكما أن إنزال الكتاب أمر ممكن ~~في نفسه فكذا الرؤية. ومن هذا القبيل استدلال بعضهم على إمكانها بأن ~~الله علق رؤيته على استقرار الجبل في قوله: # فإن استقر مكانه فسوف تراني # [الأعراف:143]. من أن استقرار الجبل أمر ممكن في نفسه، والمتعلق على ~~الممكن ممكن، فإن المحال لا علاقة له بشيء، فتكون رؤية الله جائزة. # والجواب: أن إنزال الكتاب على وجه اقترحوه أمر محال لما حقق في ~~العلوم الحقيقية من كيفية نزول الكلام والكتاب، وقد سبق في المفاتيح ما ~~يوضح ذلك لأهل البصيرة. وكذا نقول استقرار الجبل حين التجلي أمر محال. # وأما الذي أجاب به بعضهم " من أن الظاهر يقتضي كون كل واحد من نزول ~~الكتاب والرؤية ممتنعا، لكن ترك العمل به في إنزال الكتاب، فيبقى ~~معمولا به في الرؤية " ففي غاية السخافة كما لا يخفى، لأنه ما أقام ~~دليلا على أن الاستعظام لا يتحقق إلا إذا كان المطلوب ممتنعا، ~~وإنما وقع التعويل على ضرب الأمثلة والمثال لا يقنع به في هذا الباب، ~~والعمل بالظاهر إنما يصح - حيث يصح - في الأحكام الفرعية دون العقائد ~~الأصلية. # البحث الثاني: # إن الرؤية - على أي وجه كانت - هل هي ممكنة للعباد؟ أم هي ممتنعة؟. # اعلم أن أكثر الناس يتنازعون في مسألة لا يعرفون بعد موضوعها ولا ~~محمولها، فقبل تحرير محل النزاع يخاصم بعضهم بعضا، ويكفر بعضهم ~~بعضا. وهذه المسألة من هذا القبيل، فإن الواجب أولا على كل مسلم أن ~~يعرف ربه ويعرف نفسه، ثم يتكلم في هذا المقام. # وهذان العلمان من العلوم الغامضة التي ms0883 لا تتيسر إلا بجهد جهيد، ~~وخوض شديد، مع ذهن صاف وصدر منشرح، وقلب منور مشتعل في الصدر كالمصباح ~~في القنديل. وأكثر الناس غلاظ الطبائع قساة القلوب. فإذا من حصل له علم ~~بماهية نفسه وعرف ربه بصفاته اللائقة به من العلم، والقدرة ~~والإرادة، والحياة، وغير ذلك وعرف الصفات على وجه تصح نسبتها إلى الذات ~~الإلهية، وعلم تنزيه الله عن النقائص والعيوب والتشبيهات: ثم علم معنى ~~الرؤية إذا نسبت إلى الحق، ومعنى الرؤية إذا نسبت إلى الخلق، فحينئذ ~~لم يبق له مجال شك، ولا يسع لأحد محل خصومة وخلاف في هذه المسألة. # قال تعالى: # وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ~~ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من ~~أبوابها # [البقرة:189]. والقوم تركوا وصية ربهم، واستدلوا على هذا المطلب ~~الشريف الشامخ الإلهي، بالعمل بالظاهر من الوقائع، والحكايات، والأمثال ~~المشهورة، وهذا بعينه اتيان البيت من ظهره وسطحه. ولذلك علومهم ~~وكمالاتهم دائما ظاهرية سطحية، وهم المسمون عند أهل المعرفة الحقة ~~بالظاهريين وعلماء القشر. # فإذا تقررت هذه المقدمات فنقول: رؤية الله تعالى إما أن يراد بها رؤيته ~~بهذه الآلة المخصوصة، أو بعين القلب. وكل منها إما أن يتعلق بذاته ~~تعالى من حيث ذاته أو بمظهر خاص من المظاهر. فهذه أربعة أقسام بحسب ~~الاحتمال العقلي قبل إقامة البرهان. # أما الأول: وهو أن يرى الإنسان بهذه الباصرة الداثرة ذاته الأحدية، ~~فلا شبهة لذي بضاعة علمية في أن ذلك من الممتنعات، لأن الإحساس بالشيء ~~حالة وضعية للجوهر الحاس بالقياس إلى المحسوس الوضعي، ففرض ما لا وضع ~~له ولا جهة له محسوسا، كفرض ما لا جهة له في جهة، أو ما لا وضع له ذا ~~وضع، وهذا فرض أمرين متناقضين، فيكون المفروض - بل الفرض - محالا. # وأما الثاني: وهو أن يرى بهذا البصر الجسماني مظهرا من مظاهر ذاته، ~~ومجلى ومثالا للحق تعالى، سواء علم كونه مثالا ومظهرا له، أو لم ~~يعلم فهذا أمر جائز، بل واقع، لقوله (صلى الله عليه وآله): # " من رآني فقد رأى الحق " # وقوله تعالى: # إن الذين يبايعونك ms0884 إنما يبايعون الله # [الفتح:10]. وقوله: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء:80]. # وأما معنى كون الشيء مثالا ومظهرا له تعالى فيحتاج تحقيقه إلى علوم ~~كثيرة باطنية ليس هاهنا موضع بيانها وسنشير إلى لمعة منها. # وأما القسم الثالث: هو أن يرى بعين القلب مظهرا مثاليا. ولا تنفك ~~هذه الرؤية من العلم بكون المظهر مثالا له تعالى، فهذا مما لا يمكن ~~وقوعه من العبد في الدنيا. # وأما ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أو عن غيره " أنه رأى في ~~صورة كذا وكذا " فذلك لظهور سلطان الآخرة، وتجرد الروح عن الدنيا وما ~~فيها، فإن للنفس في ذاتها سمعا، وبصرا، ويدا، ورجلا، وجميع ~~الحواس والجوارح المستورة عن مشاعر هذا العالم، وهذه الحواس والقشور ~~حجب، وأغشية ظلمانية على تلك الحواس، والقوى، والأعضاء، وهي المقبورة ~~المحشورة من الخلق عند قيام الساعة. # وأما القسم الرابع: وهو أن يرى بالعين الباطنة ذات الله تعالى - فهذا ~~مختص بالعلماء الراسخين، سيما الأنبياء والأولياء منهم (عليهم السلام) ~~- سواء كانوا في الدنيا أو ارتحلوا إلى الآخرة، فإن هذه رؤية بحقائق ~~الإيمان لا بجوارح الأبدان. # والدليل على هذا ما رواه محمد بن يعقوب الكليني في الكافي، ومحمد بن ~~علي بن بابويه القمي في كتاب التوحيد - طاب ثراهما - عن أبي عبد الله ~~جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) إنه قال: " جاء حبر إلى أمير ~~المؤمنين علي (عليه السلام)، فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين ~~عبدته؟ قال: فقال: ويلك ما كنت أعبد ربا لم أره؟ قال: وكيف الرؤية؟ ~~قال: ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار. # ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ". # والذي يدل أيضا على تحقيق رؤية الله بالمعنى الثاني أو الرابع في ~~الدنيا، ما روى محمد بن علي بن بابويه عليه الرحمة في كتاب التوحيد ~~مسندا عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أخبرني عن ~~الله عز وجل، هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم وقد رأوه قبل يوم ~~القيامة، فقلت: متى؟ قال: حين قال لهم: # ألست ms0885 بربكم قالوا بلى # [الأعراف:172] ثم سكت ساعة. ثم قال: وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا ~~قبل يوم القيامة: ألست تراه في وقتك هذا؟ قال أبو بصير: جعلت فداك ~~فأحدث بهذا عنك؟ فقال: لا لأنك إذا حدثت به فأنكره منكر جاهل ~~بمعنى ما تقوله ثم قدر أن ذلك تشبيه كفر، وليست الرؤية بالقلب ~~كالرؤية بالعين، تعالى عما يقوله المشبهون والملحدون. # البحث الثالث: في معنى كون الشيء مثالا ومظهرا لأمر: # اعلم أن الله منزه عن المثل، إذ لا ماهية له، والمماثل للشيء هو ~~المساوي له في النوع. ولأن كل ما سواه ممكن الوجود في ذاته مستفيد ~~الوجود منه تعالى، والبرهان قائم على أن أفراد ماهية واحدة لا يمكن كون ~~بعضها علة، وبعضها معلولا. # ولكن لا ينزه عن المثال وهو عبارة عن أمر إذا عرف، عرف الممثل له. ~~وإذا شوهد، شوهد. وذلك لأجل رابطة وجودية بينهما، فإن من رأى صورة رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) فقد رأى حقيقته المقدسة، فإن الشيطان لا ~~يتمثل به، كما ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله). وليس المعنى ~~أن من رآه رأى شخصه الذي مات ودفن في روضة المدينة، لاستحالة خروج ~~شخصه الجسماني من القبر وحضوره في مواضع كثيرة غير محصورة في لحظة ~~واحدة، إذ ربما رآه ألف نائم في أمكنة مختلفة بصور مختلفة في العظم ~~والصغر، والشيب والشباب، وغير ذلك في وقت واحد، ووجود جسم واحد في ~~مكانين - فضلا عن الأمكنة الكثيرة - مستحيل، ومن جوز ذلك فقد خرج عن ~~حد العقل الإنساني، ودخل في حدود البهيمية. # فقد علم أن المراد من رؤيته في المنام رؤية حقيقته المقدسة، التي هي ~~حامل جوهر النبوة، وحامل الرسالة، في صورة مثالية يصدق عليها أنها هي ~~هو بعينه (صلى الله عليه وآله). كما أن من رأى زيدا فقد رأى الحقيقة ~~الإنسانية، التي هي ماهية، كلية، عقلية، توجد في عالم العقل، وفي كل ~~شخص إنساني، فتوجد تلك الحقيقة الواحدة في أماكن متعددة وأزمنة متخالفة، ~~وتتحد بأشخاص غير متناهية، فتكون عين تلك ms0886 الأشخاص بوجه، وغيرها بوجه؛ ~~لأنها ليست من حيث هي هي متكممة، ولا متحيزة، ولا مشكلة ولا ~~ملونة، ولا في أين، ولا في زمان. # ومع ذلك فهي موجودة بعين وجودات هذه الأشخاص كلها، متحدة بها مع ~~اتصاف الأشخاص بهذه الصفات الكونية، والتضاد الواقع بينها، كالسواد، ~~والبياض، والحرارة، والبرودة، والعلم، والجهل، وغير ذلك. # والسبب في هذا أن نحو وحدة الحقيقة الكلية نحو آخر من الوحدة، وكذا ~~وجودها ضرب آخر من الوجود، فلها سعة وجودية بها تسع هذه الوجودات ~~الشخصية العدد مع عدم حاجتها في ذاتها إلى شيء منها. # فعلى هذا القياس الحقيقة النبوية، لأن حقيقة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) حقيقة مقدسة شريفة، وله مقام كلي مع الله لا يسعه أحد - لا ملك ~~مقرب ولا نبي مرسل - كما ورد من قوله (صلى الله عليه وآله): # " لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل " # - والذي كان له وقتا صار له مقاما، إذ الفرق بين الوقت والمقام في عرف ~~أهل الله كالفرق بين الحال والملكة النفسانيين في عرف أهل النظر. فذات ~~النبي (صلى الله عليه وآله) مع الله البتة، ولكن توجد مع ذلك في مظاهر ~~ومجالي بحيث من رأى مثال حقيقته فقد رآه بالحقيقة - لا بالمجاز -. # وكذلك ذات الله تعالى منزه عن الشكل والصورة، ولكن ينتهي تعريفه للعبد ~~بواسطة مثال محسوس إلى حيث يصلح أن يكون مثالا لجماله الحقيقي، الذي لا ~~شكل، ولا صورة، ولا لون له، ويكون ذلك المثال صادقا حقا، وواسطة في ~~المعرفة. فيقول الرائي النائم: " رأيت الله في المنام " لا بمعنى أنه ~~رأى ذاته الأحدية، مجردة عن الأشباح والأمثلة. بل بمعنى أنه رأى مثال ~~ذاته والمثال غير المثل. # وهم وإزالة # ولعلك تقول: إذا أمكنت رؤية الله بضرب مثال، فلماذا لما طلب موسى ~~(عليه السلام) الرؤية لقومه أخذتهم الصاعقة؟! ولما طلب لنفسه قال: # لن تراني # ؟! [الأعراف:143] فهلا أظهر له - أو لهم - مثالا صادقا يرونه ~~شاهدين؟. # فنقول: إن الرؤية المثالية له تعالى على أنحاء متفاضلة، وفي عوالم ~~متفاوتة في ms0887 القرب والبعد منه تعالى، فرب مثال بالنسبة إلى مثال آخر ~~كالحقيقة بالنسبة إلى مثال. ألا ترى أن حقيقة جبرائيل حقيقة عقلية، ~~وكان جبرائيل قد يتمثل أحيانا في هذا العالم بصورة شخص أعرابي، ~~وكثيرا ما كان متمثلا بصورة دحية الكلبي، وكان رجلا حسن الوجه، ~~وقد يتمثل له (صلى الله عليه وآله) في عالم آخر بصورة هي بالحقيقة ~~صورته وقد طبق الخافقين، وذلك أنه سأله رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) أن يريه نفسه على صورته، فواعده ذلك سحرا، فطلع جبرائيل، فسد ~~الأفق إلى المغرب. # والمشهور أنه رآه بصورته الحقيقية مرتين، مرة ما ذكرنا. ومرة أخرى ~~عند سدرة المنتهى كما دل عليه قوله تعالى: # ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها ~~جنة المأوى # [النجم:13 - 15]. وكان ما يراه غالبا في صورة الآدمي. # فإذا تقرر هذا نقول: أما الذي طلبه موسى (عليه السلام) من رؤية الله ~~فهو رؤية لا يمكن تحققها إلا بالصعق، والاندكاك، والموت، وما يجري ~~مجراه. ولذلك وقع النهي والعقاب لأن ذلك لا يمكن بهذا العين البالية ~~الدائرة. # فصل # في معنى الصاعقة # قد اختلفوا في معنى " الصاعقة ": هل هي بمعنى الموت؟ أو الشيء الذي هو ~~سبب الموت؟ # فالقول الأول - وهو أنها هي الموت - قاله الحسن وقتادة، محتجين بقوله ~~تعالى: # فصعق من في السماوات ومن في الأرض # [الزمر:68]. # وحجة القائل بالثاني ما وقع في سورة الأعراف: # فلما أخذتهم الرجفة # [الأعراف:155]. وهذا أولى لوجوه: # أحدها: قوله تعالى: { وأنتم تنظرون } لامتناع كونهم ناظرين حين ~~تحقق الموت. # وثانيها: قوله تعالى في حق موسى (عليه السلام): # وخر موسى صعقا # [الأعراف:143]. والاتفاق حاصل على أنه لم يمت حينئذ، ولأنه قال: # فلمآ أفاق # [الأعراف:143] و " الافاقة " تكون عن الغشي - لا عن الموت -. # وثالثها: إن الصاعقة هي التي توجب الصعق، فلو فرض كون معنى الصعق هو ~~الموت، فهي سبب الموت. # ولا يبعد القول: بأنهم لما طلبوا الرؤية، أخذهم شبه الغشي ~~والسقوط، وكانوا ينظرون بعيون قلوبهم جمال الله في عالم آخر مثالي، ثم ~~بعثهم الله بدعاء موسى (عليه السلام) عن ms0888 هذا الصعق الشبيه بالموت، ولفظ " ~~الموت " ومرادفه قد يطلق على مثل هذه الحالة من النوم وغيره، كما في ~~قوله تعالى: # وهو الذي يتوفاكم بالليل # [الأنعام:60]. وكقوله تعالى في حق عيسى (عليه السلام): # إني متوفيك ورافعك إلي # [آل عمران:55] وكذا لفظ " البعث " يطلق على مقابل هذا المعنى، كقوله ~~تعالى: # ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى # [الأنعام:60]. وكقوله في أصحاب الكهف: # ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما ~~لبثوا أمدا # [الكهف:12]. # ثم القائلون بأن الصاعقة المراد بها هي سبب الموت اختلفوا في أنها أي ~~شيء كانت هي؟ # فمنهم من قال: " إنها نار وقعت من السماء فأحرقتهم ". ومنهم من قال: " ~~إنه أرسل الله جنودا سمعوا بحسيسها، فخروا صعقين ميتين يوما وليلة ~~". # ولقائل أن يقول: الإنسان إذا مات قطع تعلق النفس عن بدنه وفسد البدن ~~عن صلاحية تعلقها. فإذا فرض إحياؤه، كان ذلك بتعلق النفس مرة أخرى ~~ببدن في هذا العالم. فكان ذلك نسخا والتناسخ محال، بخلاف الحشر فإنه ~~في عالم آخر؟ # والجواب: إن التناسخ إنما يلزم لو تعلقت النفس من بدن إلى آخر مباين ~~في هذا العالم - كما ذكرت - ولكن البدن إذا كان واحدا، وكان التعلق ~~متعددا فلا يلزم ذلك. # ولعل الأبدان - فيما نحن فيه - لم تفسد بالكلية، ولم تخرج عن صلوح ~~تعلق النفس بها. # فصل # قوله تعالى: { ثم بعثناكم } # قال صاحب الكبير: " فإن قلت: هل دخل موسى (عليه السلام) في هذا الكلام؟ ~~قلت: لا. لأنه خطاب مشافهة، فلا يلزم تناوله لموسى (عليه السلام). ~~ولأنه لو تناوله أيضا لوجب تخصيصه بقوله تعالى: # فلمآ أفاق # [الأعراف:143] لأن لفظة " الافاقة " لا تستعمل في الموت ". # أقول: قضية صعق موسى (عليه السلام) غير هذه القضية، فلا يجب هذا ~~التخصيص. ولا يلزم بطلان قول من قال كابن قتيبة: " إن موسى قد مات ". # وقوله تعالى: { لعلكم تشكرون } لفظ " الشكر " يتناول جميع ~~الطاعات والتكاليف، ولهذا قال تعالى: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ:13]. فالمراد بعثكم بعد الموت لتتمكنوا من فعل الطاعات، ~~والتلافي لما صدر عنكم من السيئات. # وفي الكبير: " فإن قيل: ms0889 كيف يجوز أن يكلفهم الله وقد أماتهم، ولو جاز ~~ذلك فلم لا يجوز أن يكلف أهل الآخرة إذا بعثهم بعد الموت؟ # قلنا: الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة ليس هو الإماتة ثم الإحياء. ~~وإنما يمنع من ذلك لأنه قد اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته ومعرفة ما في ~~الجنة من اللذات وما في النار من الآلام. وبعد العلم الضروري فلا ~~تكليف، فإذا كان المانع هو ذاك فلم يمتنع التكليف في حقهم، ويكون موتهم ~~ثم الإحياء بمنزلة النوم أو الإغماء ". ### || [2.57] # هذا هو الإنعام السابع لبني إسرائيل، وقد ذكره الله هاهنا وفي سورة ~~الأعراف بهذه الألفاظ. # والاظلال من الظلة. وهي والغمامة، والسترة، نظائر. # و { الغمام } السحاب، والقطعة منها غمامة. وإنما سمي غماما ~~لأنه يغم السماء، أي: يسترها. وكل ما ستر شيئا فقد غمه، والغمة: ~~الغطاء على القلب، من الغم. و " فلان في غمة من أمره " إذا لم يهتد ~~له. # و { المن } أصله الإحسان إلى من لا يستثيبه، والاسم: المنة. # و { السلوى } طائر كالسماني. قال الأخفش: هو للواحد والجمع ~~كالدفلى. وقيل: واحده " سلواة ". # والمعنى: جعلنا لكم الغمام ظلة وسترة تقيكم حر الشمس في التيه، ~~وأنزلنا عليكم المن - وهو الترنجبين - وبعثنا إليكم السلوى. # روي أنه سخر الله لهم السحاب، يسير بسيرهم، يظلهم من الشمس، وينزل ~~بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه، وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى. # { وأنزلنا عليكم المن } وهو الترنجبين، وكان ينزل عليهم ~~مثل الثلج من طلوع الشمس لكل إنسان صاع، ويبعث الجنوب فتحشر عليهم ~~السلوى - وهي السماني - فيذبح الرجل منها ما يكفيه. # قال الطبرسي في مجمع البيان: " المن فيه وجوه: # أحدها: إنه المن الذي يعرفه الناس، يسقط على الشجر عن ابن العباس. # وثانيها: إنه شيء كالصمغ، كان يقع على الأشجار، طعمه كالشهد والعسل عن ~~مجاهد. # وثالثها: إنه كالخبز المرقق، عن وهب. # ورابعها: إنه جميع النعم التي آتاهم الله، مما من الله تعالى به ~~عليهم، مما لا تعب فيه ولا نصب. # والسلوى، قيل: وهو السماني. وقيل هو طائر أبيض يشبه السماني، عن ms0890 ابن ~~عباس ". # قوله: { كلوا } على إرادة القول. # { وما ظلمونا } بأن كفروا هذه النعم. يعني: فظلموا بأن كفروا هذه ~~النعم، وما ظلمونا. فوقع الاختصار لدلالة الكلام على هذا الحذف. وهذا ~~دليل على أن الله لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضره معصية من عصاه، ~~وإنما تعود منفعة الطاعة إلى المطيع، ومضرة المعصية إلى العاصي. # وكيفية قصتهم أنه لما ابتلاهم الله بالتيه إذ قالوا لموسى (عليه ~~السلام): # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون # [المائدة:24]. حين أمرهم بالسير إلى بيت المقدس وحرب العمالقة، فوقعوا ~~في التيه، فصاروا كلما ساروا تاهوا في قدر خمسة فراسخ أو ستة، فكلما ~~أصبحوا ساروا غادين، فأمسوا فإذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه كذلك ~~حتى تمت المدة، وبقوا فيها أربعين سنة، وفي التيه توفي موسى وهارون ~~(عليهما السلام) ثم خرج يوشع بن نون، ولما حصلوا في التيه ندموا على ما ~~فعلوا، فألطف الله تعالى لهم بالغمام لما شكوا حر الشمس. # ومما روى أصحابنا الإمامية في هذه القصة عن الصادق (عليه السلام) أنه ~~كان ينزل عليهم المن من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فمن نام في ذلك ~~الوقت لم ينزل نصيبه، فلذلك يكره النوم في هذا الوقت. # وعن ابن جرير: وكان الرجل منهم إن أخذ من المن والسلوى زيادة على طعام ~~يوم واحد فسد، إلا يوم الجمعة، فإنه لم يفسد إذا أخذوا منها ليوم ~~الجمعة والسبت، لأنهم لا يأتيهم يوم السبت. # وكانوا يخبزونه مثل القرصة، فيوجد له طعم كالشهد المعجون بالسمن، وكان ~~إذا ولد فيهم مولود يكون عليه ثوب يطول بطوله كالجلد. # وفي هذه القصة أسرار عجيبة، وما أشبه حال قوم موسى (عليه السلام) في ~~التيه بحال البقر والغنم والله أعلم. ### || [2.58] # هذا هو الإنعام الثامن، فإن الآية معطوفة على الآيات المتقدمة المذكورة ~~فيها النعم المتقدمة التي آخرها تظليل الغمام عليهم، وإنزال المن ~~والسلوى. فأردف بنعمة أخروية. # والدخول، والولوج، والاقتحام نظائر. إلا أن الاقتحام دخول على ~~صعوبة. # والقرية والبلدة، والمدينة نظائر. # والسجود: الانحناء الشديد. # و " حطة " مصدر، ms0891 ك " ردة " و " جدة ". وهي خبر مبتدإ محذوف. أي ~~سؤالنا حطة الذنوب. وأصله النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما ~~رفعت لتعطي معنى الثبات، كقوله تعالى: # فصبر جميل # [يوسف:18]. وقيل معناه: أمرنا حطة. أي: أن نحط هذه القرية ونستقر ~~فيها. # قال صاحب الكشاف: والأجود أن تكون منصوبة بإضمار فعلها، وينتصب محل ذلك ~~المضمر ب { قولوا }. # والغفران والصفح والعفو نظائر. والغفر في اللغة: الستر. يقال: " ~~غفر الله له غفرانا " أي: ستر الله على ذنوبه. والخطيئة والزلة ~~والمعصية نظائر. # والمحسن: الفاعل للإحسان، أو للحسن. يقال: " أحسن إلى غيره " و " ~~أحسن في فعله ". والفرق بينهما أن الأول لا يقال إلا في النفع بخلاف ~~الثاني، وحد الحسن من طريق الحكمة هو الفعل الذي يدعو إليه العقل. وضده ~~القبيح، وهو الفعل الذي يزجر عنه العقل. # فصل # القرية التي أمروا بدخولها # اختلف المفسرون في أن المراد من هذه القرية أي قرية؟ فالأكثر على ~~أنها بيت المقدس. ويؤيده قوله تعالى في موضع آخر: # ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم # [المائدة:21]. ولا شك أن المراد منهما واحد. # وعن ابن عباس وابن زيد أنها " أريحا " وهي قرية قرب بيت المقدس، وكان ~~فيها بقايا من قوم عاد، وهم العمالقة، رأسهم عوج بن عنق. # وقيل: إنها نفس مصر. # واعترض على الأول بأن الفاء في قوله تعالى: # فبدل الذين ظلموا # [البقرة:59] يقتضي التعقيب، فوجب أن يكون هذا التبديل وقع منهم عقيب هذا ~~الأمر في حياة موسى (عليه السلام). # والجواب بأنه ليس في الآية ما يدل على أن هذا القول من الله وقع على ~~لسان موسى (عليه السلام)، أو على لسان يوشع، وإذا حملنا على لسان يوشع ~~زال الإشكال. # وقوله: { كلوا } أمر إباحة. أي: كلوا منها أنى شئتم { رغدا } أي: ~~موسعا عليكم، مستمتعين بما شئتم من طعام القرية بعد المن والسلوى. # وأما قوله: { وادخلوا الباب } فهو أمر تكليف حتم. ومن هاهنا ~~يعلم أن قوله: { ادخلوا هذه القرية } أيضا أمر تكليف ~~لأن دخول الباب مشروط به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو ms0892 واجب. وأيضا ~~قوله تعالى في المائدة: # ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم # [المائدة:21]. يدل على الوجوب. ولا شك أن المراد من الدخول في ~~الآيتين واحد. # قوله تعالى: { وادخلوا الباب سجدا } اختلفوا في الباب على ~~وجوه: فعن ابن العباس، والضحاك، ومجاهد، وقتادة: أنه باب يدعى " باب ~~حطة " من بيت المقدس. # وحكى الأصمعي عن بعضهم أنه عنى بالباب جهة من جهات القرية، ومدخلا ~~إليها. # واختلفوا في المراد بالسجود. فقال الحسن: أراد به نفس السجود الذي هو ~~وضع الجبهة على الأرض. وهو بعيد، لمعنى الحالية فيه، فيمتنع الدخول حين ~~السجود. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن المراد هو الركوع. لأن الباب كان ~~صغيرا يحتاج فيه إلى الانحناء للولوج. وهذا أيضاف بعيد لعدم الحاجة فيه ~~إلى الأمر. # والأقرب أن المراد الخضوع، لأنه لما امتنع حمله على حقيقة السجود ~~فيجب حمله على التواضع، لأنهم إذا أخذوا في الخضوع تائبين، والتائب من ~~الذنب لا يخلو عن خشوع واستكانة. # وأما قوله تعالى: { وقولوا حطة } فالوجه فيه أن التوبة صفة ~~قلبية، فلا يطلع عليها الغير. وهي وإن كانت تتم من غير حاجة فيها إلى ~~قول - كما في الأخرس - لكن لأجل أن يعرف الغير عدوله من الفسق إلى ~~التوبة، ولإزالة التهمة عن نفسه يحتاج فيها إلى القول، ألا ترى أن من ~~كان معروفا بمذهب باطل، ثم استبصر وعدل إلى الحق، فإنه يلزمه أن ~~يعرف إخوانه الذين عرفوه بالخطأ، لزوال التهمة ولعودهم إلى موالاته بعد ~~معاداته، ولنصرة الحق وتقويته في إظهار شعائر الدين، فلأجل ذلك أمروا ~~بأن يدخلوا الباب خاضعين بقلوبهم، ذاكرين بلسانهم، حتى يكونوا جامعين ~~بين عمل الجنان بالندم، وعمل الأركان بالخضوع أو الانحناء، وعمل اللسان ~~بالاستغفار وهذا أجود الوجوه. # وعن الأصم: ان هذه اللفظة من ألفاظ أهل الكتاب، لا يعرف معناها في ~~العربية. # وعن أبي مسلم الإصفهاني معناه: أمرنا حطة. أي نحط في هذه القرية ~~ونستقر فيها. وزيفه القاضي بأن قوله: { نغفر لكم خطاياكم ~~} يدل على أن الغفران متعلق به، ولو كان الوجه ما ms0893 ذكره لم يكن ~~للمغفرة تعلق بقولهم حطة. وفيه ما لا يخفى. # فصل # هل كان التكليف بالتوبة متعلقا بذكر هذه اللفظة؟ # أم مطلق قول دال على الندم والخضوع؟ # فالمروي عن ابن عباس أنهم كانوا مأمورين بهذه اللفظة بعينها، وهو ~~محتمل، لكنه بعيد من وجوه: # أما أولا: فلأن هذه اللفظة عربية. # وأما ثانيا: فلأنهم كانوا مأمورين بالتوبة والخضوع، والمقصود حاصل ~~بغير هذه اللفظة. # وأما ثالثا: فلأن التوبة تحط الذنوب - سواء قيل هذا اللفظ، أم لا - ~~فذكره بعينه لا فائدة فيه. # وروي عن ابن عباس أيضا: أمروا أن يقولوا: " هذا الأمر حق ". # وقال عكرمة: أمروا أن يقولوا: " لا إله إلا الله " لأنها تحط ~~الذنوب. وبالجملة كل ما يحط الذنوب فصح أن يترجم عنه ب " حطة ". # وروي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: " نحن باب حطتكم ". # قوله تعالى: { وسنزيد المحسنين } أي: من كان محسنا منكم ~~كانت كلمة الاستغفار له زيادة في ثوابه، ومن كان مسيئا كانت له مغفرة ~~لذنوبه. # وقيل: سنزيدهم على ما يستحقونه من الثواب تفضلا، كقوله تعالى: # ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله # [فاطر:30]. وكقوله: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس:26]. # وقيل: المراد به أن يزيدهم الإحسان على ما سلف من الإحسان، بإنزال المن ~~والسلوى، وتظليل الغمام وغير ذلك، فإن الزيادة الموعودة يمكن أن تكون ~~من منافع الدنيا، كما يمكن أن تكون من منافع الآخرة. # فصل # القراءة في { نغفر لكم } مختلفة. فقرأ ابن المبارك بالنون وكسر ~~الفاء. ونافع بالياء وفتحها. والباقون من أهل المدينة بالتاء، وضمها، ~~وفتح الفاء. والحسن وقتادة وأبو حياة بالياء وضمها، وفتح الفاء. # قال القفال: والمعنى في القراءات كلها واحد، لأن الخطيئة إذا غفرها ~~الله فقد غفرت، وإذا غفرت فقد غفرها الله. والفعل إذا تقدم الاسم ~~المؤنث وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث. كقوله تعالى: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # [هود:67]. و: أخذت الذين. # فصل # لأهل الإشارة أن يأولوا الآية: ادخلوا أيها السالكون إلى المنازل، ~~والمقامات، حسب تطورات النفوس، وتقلبات القلوب هذه الأرض المقدسة، ~~التي هي عالم القدس والملكوت، بقدم ms0894 الصدق واليقين في العلم والعمل، ~~وكلوا من طيبات الأغذية العلمية والأرزاق المعنوية. وادخلوها من ~~بابها الذي هو الحقيقة الإنسانية، والإنسان المعنوي. فإنه لا يمكن ~~الدخول إلى ذلك العالم القدسي الإلهي إلا بالولوج في هذا الباب الذي ~~باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب. مخبتين ساجدين لله، محبين ~~لجماله، فانين في جلاله عن هذه الأنانية، قائلين: " حط يا إلهي عنا ~~أوزارنا، ونح عنا وساوس نفوسنا الحيوانية، واغفر لنا ذنوب ~~وجوداتنا، وجرائم قوانا المجرمة الظلمانية بنور تقديسك وتطهيرك ". # ويؤيد هذا التأويل ما ورد من طريق أهل بيت النبي عليه وعليهم السلام ~~أنهم قالوا: " نحن باب حطتكم " وقوله (صلى الله عليه وآله): # " أنا مدينة العلم وعلي بابها " # وروي أيضا عن الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) أنه قال: " مثل ~~الله على الباب مثال محمد (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) ~~وأمرهم أن يسجدوا تعظيما لذلك المثال، ويجددوا على أنفسهم العهد القديم ~~من موالاتهما ". ### || [2.59] # قيل: الرجز - بكسر الراء -: العذاب في لغة أهل الحجاز، وهو غير الرجس. ~~لأن الرجس: النتن. وقال الزجاج: " إن الرجز والرجس معناهما واحد ". # والظاهر أن الرجز قد يجيء بمعنى العذاب، كما في قوله تعالى: # ولما وقع عليهم الرجز # [الأعراف:134]. يعني: العقوبة. وكذا قوله: { ويذهب عنكم رجز ~~الشيطان }. وهو نجاسة معنوية. كما أن التوبة طهارة قلبية. ~~والرجس في الأصل ما يعاف عنه. # والمعنى خالفوا الأمر وبدلوا ما أمروا به من التوبة والاستغفار، فلم ~~يفعلوا ولم يقولوا قولا دالا على التوبة طلبا لما اشتهوا من أغراض ~~الدنيا ودواعي النفس والهوى. فقالوا غير ذلك، فاستحقوا العذاب. فأنزلنا ~~عليهم العقوبة من السماء بظلمهم وفسقهم. # ومن هاهنا علم أن المأمور به لم يكن لفظا بعينه، وهو لفظ " الحطة " ~~فجاؤوا بلفظ آخر، وذلك لأنه لو فرض أنهم جاؤوا بلفظ آخر يفيد هذا ~~المعنى مستقلا بمعنى ما أمروا به لم يستحقوا المؤاخذة والعذاب، ولم ~~يكونوا ظالمين بوضع لفظ في غير موضعه. كما لو قالوا مكان لفظ " حطة ": " ~~نستغفرك ونتوب إليك " أو: " اللهم اغفر لنا ذنوبنا واعف ms0895 عنا ~~سيئاتنا " وما يجري مجراه. # واختلف في ذلك الغير، فقيل: إنهم قالوا بالسريانية: " هطا شمقاتا ". # في تفسير مولانا الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام): إنهم دخلوها ~~مستقبليها بأستاهم وقالوا: " هيطا شمقاتا " أي حنطة حمراء نتقوتها أحب ~~إلينا من هذا الفعل وهذا الأمر. # وقيل: قالوا: " حنطة " تجاهلا واستهزاء. # وقيل: كانوا قد أمروا أن يدخلوا الباب سجدا، وقد صغر لهم الباب ~~توطئة لذلك، فدخلوه راجعين على أستاهم، فخالفوا في القول والدخول ~~جميعا. # وهم # ومن الناس من يحتج بهذه الآية على وجوب التوقيف في الأدعية الواردة، ~~وعدم تبديلها بلفظ آخر. # والجواب: إنهم إنما استحقوا العذاب لتبديلهم القول إلى قول آخر مضاد ~~له في المعنى، فمن بدل لفظا بلفظ آخر مع بقاء المعنى، لم يظهر من هذه ~~الآية استحقاقه للذم. # فصل # واعلم أن هاهنا سؤالات: # الأول: لم قال في سورة البقرة: { إذ قلنا } وقال في الأعراف: # وإذ قيل لهم # ؟ [الأعراف:161]. # الثاني: لم قال هاهنا: { وإذ قلنا ادخلوا } وفي الأعراف: # اسكنوا # ؟ [الأعراف:161] # الثالث: لم قال هاهنا: { فكلوا } بالفاء، وفي الأعراف: { وكلوا ~~} بالواو؟ # والرابع: لم قال هاهنا: { نغفر لكم خطاياكم } وفي ~~الأغراف: # نغفر لكم خطيئاتكم # ؟ [الأعراف:161] # والخامس: لم ذكر قوله: { رغدا } هاهنا، وحذفه في الأعراف؟ # السادس: لم ذكر هاهنا: # وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة # [البقرة:58] وفي الأعراف قدم المؤخر؟ # السابع: لم قال هاهنا: # وسنزيد المحسنين # [البقرة:58] مع الواو. وفي الأعراف بدونها؟ # الثامن: قال في الأعراف: { فبدل الذين ظلموا قولا } ~~وهاهنا بدون لفظ { منهم } فما الفائدة في هذه الزيادة؟ # التاسع: لم قال هاهنا: { فأنزلنا } عليكم { رجزا من ~~السمآء } وفي الأعراف: # فأرسلنا عليهم # ؟ [الأعراف:162] # العاشر: لم قال هاهنا: { بما كانوا يفسقون } وفي الأعراف: # بما كانوا يظلمون # ؟ [الأعراف:162] # والجواب عن الأول: إن الله تعالى صرح في أول القرآن بأن قائل هذا ~~القول هو الله إزالة للإبهام. ولأنه ذكر في أول الكلام: # اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم # [البقرة:40] فالمناسب بهذا المقام أن يقول: # وإذ قلنا # [البقرة:58] وأما في الأعراف فلا يبقى إبهام هناك بعد التصريح المقدم. # وعن الثاني: إن الدخول ms0896 مقدم على السكون ولا بد منه، فذكر " الدخول " ~~في السورة المتقدمة و " السكون " في المتأخرة. # وعن الثالث: إن كل فعل عطف على شيء وكان الفعل بمنزلة الجزاء، وذلك ~~الشيء بمنزلة الشرط عطف بالفاء دون الواو، وأما إذا لم يكن مشروطا به ~~فعطف بالواو. ولما كان الأكل منها هاهنا قبل الدخول فيها، مشروطا ~~بحدوثه، وبعده غير مشروط بحدوثه - بل بالكون فيها - لا جرم للإشعار ~~بالمعنيين تارة عطف بالفاء، وتارة بالواو. كما في قوله تعالى: # اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها # [البقرة:35] فإنه عطف في البقرة بالواو، وفي الأعراف بالفاء. فإن " ~~اسكن " قد يقال لمن لم يدخل دارا فيراد منه الدخول، ويقال لمن دخل ~~فيراد منه اللزوم والبقاء. # وعن الرابع: ان الخطايا جمع الكثرة - دون الخطيئات لأنها جمع السلامة ~~- ففي البقرة لما أضاف القول إلى نفسه قرن به ما يناسب جوده وكرمه. # وعن الخامس: مثل ما ذكرناه. # وعن السادس: إن الواو للجمع المطلق، والمخاطبون يحتمل أن يكون بعضهم ~~مذنبين وبعضهم غير مذنبين، والمذنب لا بد وأن يكون اشتغاله بحط الذنب ~~مقدما على اشتغاله بالعبادة، لأن التخلية مقدمة على التحلية، فلا جرم ~~كلف المذنبين أن يقولوا أولا: " حطة " ثم يدخلوا الباب سجدا. ~~وأما غير المذنب، فالأولى به أن يشتغل بالعبادة ساجدا لله أولا، ~~ويقول " حطة " ثانيا. فلما احتمل كون أولئك المخاطبين على هذين ~~النوعين، لا جرم ذكر حكم كل منهما في سورة أخرى. # وعن السابع: إن هاهنا أمران التوبة والعبادة - أعني مفادي لفظتي السجدة ~~والحطة - وذكر بأزائهما جزاءان: المغفرة والزيادة. فقوله: { نغفر ~~لكم خطاياكم } بأزاء التوبة التي هي الحطة. وقوله: { ~~وسنزيد المحسنين } بأزاء العبادة التي هي السجدة. فترك الواو ~~يفيد كون كل واحد من الجزاءين متوزعا على واحد من الشرطين كما في ~~الأعراف، وإيرادها يفيد كون المجموع جزاء واحدا لمجموع الفعلين. # وعن الثامن: إن في الأعراف لما وقع في أول القصة ما يدل على التخصيص ~~والتبعيض، حيث قال: # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف:159]. فعلم أن منهم من هو على ms0897 هذه الصفة. فلما عد صنوف ~~إنعامه عليهم، وأوامره لهم قال في آخر القصة: # فبدل الذين ظلموا منهم # [الأعراف:159] فذكر لفظ " من " التبعيض. كما ذكره في أول القصة، ~~ليكون الآخر مطابقا للأول، فيكون الهادون من أمة موسى (عليه السلام) ~~غير الظالمين منهم. وهاهنا لم يذكر في الآيات السابقة ما يدل على ~~التخصيص، ولم يذكر إلا الأمة الجائرة، فلا حاجة إلى هذا التبعيض. # وعن التاسع: إن الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر دفعة، والارسال يفيد ~~الدوام والاستمرار، ويشير إلى الاستيلاء عليهم والسلطنة الموجبة ~~لاستئصالهم بالآخرة. ### || [2.60] # الاستسقاء: طلب السقيا. ويقال: " سقيته وأسقيته " بمعنى. وقيل: ~~أسقيته: دللته على الماء. # وعصا وعصوان وثلاث أعص. وجمعه عصي - بكسر العين والصاد، وتشديد ~~الياء -. # والانفجار: الانشقاق. والانبجاس أضيق منه. # والعين: من الأسماء المشتركة، ويمكن أن يكون استعمالها في بعض المعاني ~~على سبيل المجاز والتشبيه. فالعين في الحيوان مشبهة بالعين في الماء في ~~خروج الدمع منها كخروج الماء. وبالعين في الشمس في خروج الشعاع منها. # والأناس جمع لا واحد له من لفظه. # { ولا تعثوا } أي: لا تفسدوا ولا تطغوا. # وقرئ: اثنتا عشرة - بكسر الشين وبفتحها - وهما لغتان، أولاهما لغة أهل ~~الحجاز. لكن القراء السبعة بأجمعهم على إسكان الشين لأنه أخف. # والمعنى: أذكروا نعمة أخرى أنعمها الله عليكم مضافة إلى النعم السابقة. ~~وهي النعمة التاسعة منه تعالى على بني إسرائيل، جامعة للنشأتين. أما ~~الدنيا فلشدة حاجتهم إلى الماء عند الظمإ في التيه، وأما الآخرة ~~فلكونها من أظهر الدلائل على وجود صانع، عليم، حكيم، رؤوف، رحيم، وعلى ~~صدق نبيهم موسى (عليه السلام). # { وإذ استسقى موسى } أي: سأل الله أن يسقي قومه ماء، وذلك ~~في الحال التي تاهوا في التيه، فشكوا إلى الله الظمأ، فأوحى الله إليه أن ~~اضرب بعصاك الحجر، وهو عصاه المعروف، وكان من آس الجنة دفعه إليه شعيب، ~~وكان آدم (عليه السلام) حمله من الجنة معه إلى الأرض، وكان طوله عشرة ~~أذرع على طول موسى، وله شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، وبه ضرب البحر ~~فانفلق، وهو الذي صار ms0898 ثعبانا. # واللام في الحجر إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم، إذ روي أنه ~~حجر طوري حمله معه، وكان مربعا له أربعة أوجه تنبع من كل ثلاثة ~~أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى ذلك السبط، وكانوا ستمائة ألف، ~~وسعة المعسكر إثني عشر ميلا. وكانوا لا يرتحلون منقلة إلا وجدوا ذلك ~~الحجر منهم بالمكان الذي كان به منهم في المنزل الأول. # وقيل: أهبطه آدم (عليه السلام) من الجنة، فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب ~~(عليه السلام)، فدفعه إلى موسى (عليه السلام) مع العصا. # وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة، ففر ~~به فقال جبرائيل: يقول الله تعالى: # " ارفع هذا الحجر، فإن لي فيه قدرة، ولك فيه معجزة " # فحمله في مخلاته. # وإما للجنس أي: اضرب الشيء الذي يقال له الحجر. وعن الحسن: لم يؤمر أن ~~يضرب حجرا بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة، وأبين في القدرة. # وروي أنهم قالوا: " كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة " فحمل ~~حجرا في مخلاته، فحيث ما نزلوا ألقاه. # وقيل: كان يضربه بعصاه فيتفجر، ويضربه بها، فييبس. # فقالوا: لو فقد موسى عصاه متنا عطشا. فأوحى الله إليه: " لا تقرع ~~الحجارة وكلمها تعطك ". # واختلفوا في صفته. فقيل: كان من رخام. وكان ذراعا في ذراع. وقيل: مثل ~~رأس الإنسان. # وقوله: { فانفجرت } الفاء متعلقة بمحذوف. أي: فضرب فانفجرت. أو: ~~فإن ضربت فقد انفجرت. كما في قوله: # فتاب عليكم # [البقرة:54] وهي على هذا التقدير فاء فصيحة. # ولا منافاة بين قوله: { فانفجرت } هنا، وبين قوله: # فانبجست # [الأعراف:160] في سورة الأعراف. لأن الانبجاس هو ضرب من الانفجار، إلا ~~أنه أقل. وقيل: إنه لا يمتنع أن يكون أول ما يضرب عليه العصا كان ~~ينبجس الماء، ثم يكثر حتى يصير انفجارا. # وقيل: كان ينبجس عند الحاجة، وينفجر عند الحاجة. # وقيل: كان ينبجس عند الحمل وينفجر عند الوضع. # وقوله: { قد علم كل أناس مشربهم } أي: علم كل سبط ~~وكل فريق منهم موضع شربهم. وإنما علموا ذلك؛ لأنه كان بأزاء ms0899 كل عين ~~جدول لسبط من الأسباط. ولا يبعد كون كل جدول منقسما إلى جداول صغار حسب ~~تعدد الطوائف والفرق الداخلة تحت كل سبط. وكون كل إنسان مأمورا بأن ~~لا يشرب إلا من جدول معين، لئلا يقع بينهم التشاح والتنازع. # وأما إضافة المشرب إليهم فإنه لما كان الماء مباح الأصل، وقد عين ~~لكل سبط وطائفة ما ظهر من الشق الذي يليه، والجدول الذي يخصه صار ذلك ~~كالملك. فصحت الإضافة إليهم. # وقوله تعالى: { كلوا واشربوا } على إرادة القول. أي: قلنا لهم، ~~أو قال موسى لهم. وفي الكلام حذف. أي: " كلوا من المن والسلوى ~~واشربوا من ماء العيون ". أو المراد: " كلوا ما يتكون من الماء من ~~الأغذية، وما ينبت من الأرض من جهة سقي الماء " فإنه لما أنعم الله ~~عليهم بإخراج العيون، وجري المياه، فقد أنعم عليهم بالمآكل الحاصلة منها. # وهذه الآية حجة للمعتزلة على أن الرزق هو الحلال، لأن الأمر بالأكل ~~من الرزق وقع من الله. وهذا الأمر إن لم يكن للوجوب، فلا أقل للإجابة. ~~فلو تحقق رزق حرام، لزم كونه مباحا وحراما. وهذا غير جائز. # وقوله: { لا تعثوا } أي: لا تتمادوا ولا تعتدوا حال إفسادكم. لأن ~~العثي ليس إلا الفساد. # فصل # في البحث العقلي # للقائل أن يقول: كيف ينفجر ذلك الماء الكثير من ذلك الحجر الصغير؟ # والجواب: ان الله قادر على جميع الممكنات، وذلك من آيات الله الباهرة. ~~والأعاجيب الظاهرة، الدالة على صدق أنبيائه ورسله (عليهم السلام)، ~~لكونها معجزة لهم لوقوعها عند سؤالهم. فيظهر منها أشد ظهور أنه هو ~~المنشئ للأشياء، الفاعل لما يشاء. الذي يتذلل له الصعاب، ويتسبب له ~~الأسباب، فلا عجب من ظهور أمور غريبة في بعض الأزمنة، دالة على بدائع ~~صنعه، وغرائب حكمته، وصدق أنبيائه. # ومثل هذا الأمر الغريب بل أغرب وأعجب منه قد وقع من نبينا (صلى الله ~~عليه وآله) في بعض الغزوات وقد ضاق بهم الماء، فوضع يده في ميضاة، ففار ~~الماء بين أصابعه حتى استكفوا. # وإنما قلنا هذه المعجزة أعظم غرابة من معجزة موسى (عليه ms0900 السلام)، ~~لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة بخلاف نبوعه من الأصابع. # فمن أنكر أمثال ذلك من الملاحدة، والدهرية الذين ما عرفوا الصانع ~~العالم بالكليات والجزئيات، # وما قدروا الله حق قدره # [الأنعام:91] فالكلام معهم إنما يكون في أصل إثبات الصانع، وعلمه، ~~وقدرته، وشمول علمه لجميع المعلومات، وسعة قدرته لجميع المقدورات، ولا ~~معنى للتشاغل معهم في الفروع بعد ما خالفوا في الأصول. # بقي الكلام في إمكان هذا الأمر، إذ المحال لا يكون مقدورا، لأنه لا ~~شيئية ولا ذات له حتى يكون مقدورا. فنقول: # هاهنا أربعة شقوق: # أحدها: وجود ذلك الماء العظيم مع عظمه في باطن الحجر. # والثاني: وجوده فيه مع تداخل أجزائه بعضها في بعض. # والثالث: تكونه فيه شيئا فشيئا وخروجه منه على التدريج. # والرابع: تكونه لا من أسباب طبيعية ومدد جسماني، بل من أسباب ~~نفسانية وتصورات وهمية. والشقان الأوليان باطلان، والأخيران جائزان. # أما بطلان الشق الأول - وهو كون ذلك الماء مع عظمه مستكنا في ذلك ~~الحجر، ثم ظهر خارجا عنه - فلأن الظرف الصغير لا يحوي الجسم العظيم، ~~لاستلزامه أن لا يكون الكل أعظم من جزئه. وهو محال. # وأما بطلان كونه موجودا فيه على نحو التداخل فللدلائل الدالة على ~~استحالة التداخل، سيما على وجه التضاعف. # وأما إمكان الشق الثالث فلأن مادة العناصر قابلة لأن يتكون منها ~~الصور الغير المتناهية على التعاقب، فيجوز أن يستحيل بعض أجزاء الحجر ~~ماء، أو ينقلب الهواء المجاور له إلى الماء بعد نفوذه إليه من المسامات ~~الضيقة، كما يجتمع قطرات الماء على الطاس المكبوب على الجمد، بسبب ~~انقلاب الهواء إليه، بحيث كلما زيل عن ظهر الإناء ينزل ويجري بدله لأجل ~~برودة الإناء. # وأما إمكان الشق الرابع فلما بين في موضعه، من تأثيرات النفوس ~~القوية في مادة الكائنات بتصويرها أية صورة أرادوا، لا من أسباب ~~طبيعية واستعداد مادي، بل بمجرد إنشاء اختراعي، يبرز من مكمن الغيب ~~إلى عالم الشهادة - كما بين وحقق في مسائل النبوات -. # ومن اعتبر أحوال نفسه، وبدنه، هان عليه دفع هذا الاستبعاد، فإن من ms0901 ~~شأن مادة بدننا، وعالمنا الصغير، أن يحدث ويتكون فيها الحوادث الكونية ~~من وجهين: # أحدهما: على مجرى الأمور الطبيعية، فيتكون فيه أمر من قبل أسباب على ~~نحو الإعداد في مادة قبل مادة. # وثانيهما: على سياق آخر غير مجرى الطبيعة، بل من جهة فاعلية وتصوير ~~نفساني تؤثر في مادة البدن. كالغضب الشديد. # وهو هيئة نفسانية تؤثر في تسخين البدن وتحليل الرطوبات، وربما يحرق ~~الأخلاط. وكالخوف فإنه برودة في الأعضاء وربما تبطل بسببه الحرارة ~~الغريزية، وكالشهوة فإنها تحدث ريحا وماء، لا عن امتلاء طبيعي ~~وانتفاخ طبيعي. فعلى هذا قياس نفس العالم الكبير عند بدنه. # فإن قلت: كيف يكون الشق الأول وهو وجود الجسم العظيم في المكان الصغير ~~ممتنعا غير مقدور، وقد روى محمد بن علي بن بابويه القمي - ره - في كتاب ~~التوحيد بسنده المتصل: أنه جاء رجل إلى الرضا (عليه السلام) فقال: " ~~هل يقدر ربك أن يجعل السماوات والأرض وما بينهما في بيضة؟ " قال: " ~~نعم. وفي أصغر من البيضة. قد جعلها كلها في عينك، وهي أقل من البيضة. ~~لأنك إذا فتحتها عاينت السماء والأرض وما بينهما، ولو شاء لأعمال ~~عنها ". # وروى أيضا محمد بن يعقوب الكليني - ره - حديثا آخر مثله عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام)، عند سؤال عبد الله الديصاني عن ذلك. # قلت: لا منافاة بين ما ذكرنا وبين المروي عنهما (عليهما السلام)، فإن ~~كون الأجسام في المشاعر والمرائي نحو آخر من الوجود، والذي حكمنا ~~بامتناعه هو وجود العظيم في الصغير في نشأة. فإن وجود الأجسام المرئية ~~في آلة النفس وجود إدراكي يختص ظهورها به للمدرك لها دون غيره، بخلاف ~~وجود الأجسام في موادها الكونية. # وتحقيق هذا المقام يفتقر إلى تحقيق معرفة النفس وأحوالها، وكيفية علم ~~النفس بالأشياء الخارجة عن ذاتها. ومن أمعن في كيفية الإبصار - سيما ~~على الوجه الذي حققناه موافقا للشواهد السمعية من الكتاب والسنة، ~~ومحققا لمسألة المعاد، وحشر الأجساد - لقضى آخر العجب من ظهور قدرة ~~الله وعجائب صنعه عليه، وسيأتي ذكره عند كلامنا في تفسير آيات المعاد. # والذي يدل ms0902 على صحة ما حملنا الرواية المذكورة عليه ما رواه ابن بابويه ~~أيضا في الكتاب المذكور مسندا عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قيل ~~لأمير المؤمنين (عليه السلام) " هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة ~~من غير أن يصغر الدنيا أو يكبر البيضة؟ " فقال (عليه السلام): " إن الله ~~تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز، والذي سألتني لا يكون ". # فهذا الحديث صريح في أن الذي سأله ذلك القائل ممتنع بالذات غير مقدور ~~ولا كائن. فلو لم يكن معنى الرواية الأولى ما أولناها إليه لكان بين ~~الروايتين تدافع، وجلت أحاديث أئمتنا (عليهم السلام) أن يكون بعضها ~~يناقض بعضا، لعصمتهم عن الخطإ. # وروي أيضا فيه مسندا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: جاء ~~رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: " أيقدر الله أن يدخل الأرض ~~في بيضة ولا يصغر الأرض ولا يكبر البيضة؟ " فقال له: " ويلك. # إن الله لا يوصف بالعجز. ومن أقدر ممن يلطف الأرض ويعظم البيضة ". # فدلت هذه الرواية على أن دخول العظيم في الصغير في نشأة الدنيا لا ~~يمكن إلا بأن يصغر العظيم بالتكاثف، ويعظم الصغير بالتخلخل، وأن ~~تصغير الأرض إلى حد يكون مقدارها أقل من البيضة، أو تعظيم البيضة إلى ~~حد يكون مقداره أكبر من الأرض. غاية القدرة. # تنوير فيه تنبيه # ليس للمتفلسف أن يمنع تكون الماء من ذلك الحجر في مقدار من الزمان ~~متعاقبا، بعد ما يرى أن الأرض لها مقدار معين ممسوح بمساحة معلومة ~~العدد بالذراعات، والذي يتكون من الأرض على التعاقب من أفراد الإنسان، ~~وغيره من الحيوانات، والنباتات، لا يمكن حصرها وعدها، سيما على مذهبه ~~من قدم العالم، وتسرمد الأنواع المتوالدة، وعدم تناهي أفرادها في ~~الجانبين. فلا نسبة لما يتكون من الحجر إلى الحجر في جنب ما يتكون من ~~الأرض إلى الأرض. # فإن قال قائل: إن ما يتكون من الأرض من المواليد الثلاثة، فإنها ~~تعود جثتها وأجسادها إليها إذا استحالت ترابا، فلا ينقص مقدارها. # قلنا: وهاهنا أيضا مثل ما ذكرت على طريق الأولى. ms0903 # تتمة: # ذكر في التفسير الكبير وجوه دلالة ذلك الانفجار على الإعجاز: # أحدها: نفس ظهور الماء من الصماء. # وثانيها: خروج الماء العظيم من الحجر الصغير. # وثالثها: خروجه بقدر حاجتهم. # ورابعها: خروجه عند ضرب العصا. # وخامسها: انقطاعه عند الاستغناء. # فالكل من أعظم الدلائل على قدرة الله وحكمته وتصديق رسله (عليهم ~~السلام). ### || [2.61] # قرأ أهل المدينة النبيئين بالهمزة، والباقون بغير الهمزة. # والطعام: ما يتغذى به. والطعم - بضم الطاء -: الأكل. والطعم من ~~الكيفيات المحسوسة بحاسة الذوق، والمراد من تلك الكيفيات المسماة ~~بالمحسوسات هي الموجودة في الخارج. وأما التي وجدت منها في المشاعر من ~~صورها المطابقة لها، فهي بحسب ذلك الوجود الصوري ليست عندنا داخلة في ~~هذا الجنس بل في جنس الكيفيات النفسانية كالشهوة والغضب، والإرادة ~~والكراهة، والعلم والجهل. # وفي ذلك سر المعاد وحشر الأجساد، فإن لهذه الموجودات وأشكالها ~~ومقاديرها، وألوانها، وطعومها، وروائحها، وأصواتها، وجودا في عالم ~~النفس، غير هذا الوجود المادي، الدنيوي، الدائر الفاسد. # والدعاء أصله النداء. ويستعمل في قول القائل لمن فوقه: " إفعل كذا ". # والإنبات: إخراج النبات، لكن الله لا يباشر هذا الفعل الدني إلا ~~باستخدام بعض الملائكة الأرضية، بعد استخدامه للملائكة السماوية. # والبقل: ما ينبت في الربيع من الخضراوات التي ليس لها ساق. يقال: " ~~بقلت الأرض " و " أبقلت " وهما لغتان فصيحتان. # و " القثاء " فيها لغتان: ضم القاف وكسرها. والثاني أجود لأنه لغة ~~القرآن. وقرئ في الشواذ بالضم. # والفوم: الحنطة عن ابن عباس، وقتادة، والسدي. وهو المروي عن أبي ~~جعفر الباقر (عليه السلام) وقال الفراء، والأزهري: هو الحنطة والخبز. ~~قال العرب: " فوموا لنا " أي: اختبزوا لنا. وقال قوم: هو الحبوب التي ~~تخبز. وقال الكسائي: هو الثوم. أبدل " ثاؤه " " فاء ". قال الفراء: ~~هذا أشبه بما ذكره بعده من البصل. وقال الزجاج: وهذا بعيد، لأنه لا ~~يعرف " الثوم " بمعنى " الفوم ". # قال الطبرسي - ره - " وهو ضعيف. لأنه قد روي في الشواذ عن ابن مسعود ~~وابن عباس: وثومها ". # وفيه نظر. لأن الذي روي من قراءة " ثومها " بدل " فومها " لا يدل على ~~كونهما مترادفين قطعا. # وقوله: { أدنى } أي ms0904 أقرب وأدون. فيكون من الدنو، ويجوز أن يكون من ~~الدناءة بمعنى الخسة. # والمصر: البلد العظيم. وأصله الحد بين الشيئين، وقد يراد به العلم. ~~وتنوينه وصرفه لسكون الوسط. أو على تأويل البلد. وقيل: أصله: مصيرائيم ~~باليائين فعرب. # و { ضربت عليهم الذلة } أي: فرضت، ووضعت وألزموها، كما ~~في قولهم: ضرب الإمام الجزية على أهل الذمة، وضرب الأمير على ~~الرعية الخراج. # و " المسكنة " مصدر المسكين، وهي الفاقة والحاجة. # { وبآءو بغضب من الله } أي: انصرفوا ورجعوا. أو استووا. من ~~قولك: " باء فلان بفلان " إذا كان حقيقا بأن يقتل به لمساواته له ~~ومكافأته. أي صاروا أحقاء بغضبه. و " باء " لا يستعمل إلا في ~~الشر. # والنبي من " النبأ " بمعنى الخبر، أو من " نبأ " بمعنى ارتفع، أو منقول ~~من " النبي " بمعنى الطريق. والكل مناسب لمعناه العرفي. وهو إنسان ~~مبعوث من الله إلى عباده. فالنبي (صلى الله عليه وآله) مخبر عن الله، ~~مرتفع عنده. وهو طريق إلى وصول الحق ورضوانه. # والمعنى: وإذ قال أسلافكم: يا بني إسرائيل بعد ما أنعم عليهم من ~~النعم والإحسان التي منها المن والسلوى وهما من الأطعمة اللذيذة، ~~قالوا من سوء الاختيار وكفران النعمة: يا موسى لن نصبر على طعام واحد - ~~أي ما رزقوا في التيه - وهما وإن كانا اثنين، لكن وحدتهما عبارة عن عدم ~~تبدلهما، واختلافهما كقولهم: " مائدة الأمير واحدة " أي: لا تختلف ~~ألوانها، وإن كانت ألوانها كثيرة. ولذلك سئموا. أو المراد أنهما ضرب ~~واحد، فإنهما معا من طعام أهل التلذذ والمترفين. ونحن قوم فلاحون أهل ~~زراعة، ولا نريد إلا ما ألفناه. # { فادع لنا } أي: فاسأل ربك لأجلنا { يخرج } أي: يوجد ~~ويظهر، مما تنبته الأرض من الخضروات. # فقال تعالى أو قال موسى (عليه السلام): { أتستبدلون الذي ~~هو } أقرب منزلة وأدون قدرا: وأسهل وجودا، بالذي هو خير منه وأعلى ~~قدرا، وأعز وجودا؟ يريد: أتستدعون الأدون بدلا من الأفضل: اهبطوا ~~مصرا من الأمصار. وقرئ بضم الباء أي: انحدروا إليه من التيه. يقال: " ~~هبط الوادي " إذا نزل و " هبط منه " إذا خرج. # وبلاد التيه ما بين ms0905 بيت المقدس إلى قنسرين، وهي إثنى عشر فرسخا في ~~ثمانية فراسخ. # ويحتمل أن يراد به العلم، وإنما وقع منصرفا مع اجتماع السببين - ~~التعريف والتأنيث - لسكون وسطه. كقوله: نوحا ولوطا وفيهما العجمة ~~والتعريف. فإن أريد به البلد فما فيه إلا سبب واحد. # وفي مصحف عبد الله، وقرأ به الأعمش: " إهبطوا مصر " بغير تنوين. كقوله: ~~{ وادخلوا مصر }. # واختلفوا في قوله: { اهبطوا مصرا } فروي عن ابن مسعود وأبي بن ~~كعب ترك التنوين، وقال الحسن: " ألف " في مصرا زيادة من الكاتب. ~~فحينئذ تكون معرفة. فيجب أن يحمل على ما هو المخصص بهذا الاسم، وهو ~~البلد المعروف الذي كان فيه فرعون. # وأما الذين قرؤوا بالتنوين فقد اختلفوا. فمنهم من قال: البلد الذي كان ~~فيه فرعون، وانصرافه لما مر وقال الآخرون: أي بلد كان. فإن الذي ~~سألتم من هذه الأمور يوجد في الأمصار. # إشارة # قرب أحوال القوم من الحيوانات # قد تقرر أن الغذاء شبيه بالمغتذي، ومن هاهنا أيضا يعلم مع القرائن ~~الآخرة كعبادتهم العجل، وكونهم أربعين سنة في الصحراء، وكون أبدانهم ~~قابلة لأن يقرض منها أجزاؤها بالمقاريض من غير أن يجرح لضخامة أبدانهم، ~~وكون أثوابهم كالجلود كانت تزيد بزيادة قدهم، وغير ذلك - أن أقوام بني ~~إسرائيل كانت خارجة في المزاج عن عرض المزاج الإنساني الذي نشأ في ما بعد ~~زمانهم، وكانت طبائعهم قريبة الشبه من طبائع الأنعام، وأغذيتهم كأغذيتها ~~مما تنبت الأرض من قشور الأغذية، وكثافتها، ونخالتها، كالعلف والتبن، ~~لا من لبوبها ولطافتها كالحبوب، والأدهان، والدسومات، والحلاوات، التي ~~يختص بالتغذي بها الإنسان دون غيره من الحيوان. # ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى في تشبيههم بالحمار: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا # [الجمعة:5]. # فصل # واختلف في سؤالهم هذا: هل كان معصية؟ فقيل: لم يكن معصية، لأن الأول ~~كان مباحا، فسألوا تبديله بمباح آخر. وقيل: بل كان معصية لأنهم لم ~~يرضوا بما اختاره الله لهم، ولذلك ذمهم. وهذا أوجه. # وربما رجح الأول بأنه لو كان السؤال معصية لكانت الإجابة إليه ~~معصية، وهي غير جائزة ms0906 على الأنبياء (عليهم السلام). # والجواب: لا نسلم أن موسى (عليه السلام) دعا ربه لإجابة مسؤولهم عنه. ~~بل لما أبوا شيئا اختار الله لهم أعطاهم عاجل ما سألوا، كما في قوله: # ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها # [الشورى:20]. # ثم اختلف في الأمر في قوله: { اهبطوا } للوجوب، أو للندب، أو ~~للتخيير؟ والظاهر أنه للتخيير والإباحة. يعني: إذا لم تصبروا على ما هو ~~خير لكم اهبطوا مصرا فإن ما سألتم يوجد في الأمصار. # أما قوله: { وضربت عليهم الذلة } أي: صارت محيطة بهم، ~~مشتملة عليهم، كالقبة المضروبة على جماعة. أو لزمتهم ضربة لازم، كما ~~يضرب الطين على الحائط، فيلزمه. ولأجل هذا يكون اليهود أذلاء صاغرين، ~~أهل مسكنة وخسة. إما في الحقيقة، وإما لتفاقرهم، وتصاغرهم خيفة أن ~~يضاعف عليهم الجزية. # ومن العلماء من عد هذا من معجزات نبينا (صلى الله عليه وآله)، ~~لأنه أخبر من ضرب الذلة والمسكنة عليهم، ووقع الأمر على طبق ما ~~أخبره، فكان هذا إخبارا عن الغيب، فيكون معجزا. # وأما الاستدلال بهذه الآية على فضيلة الأغنياء على الفقراء، - لأنه ~~تعالى ذمهم على الفقر - فغير موجه، لأن المراد به خسة الذات، وفقر ~~القلب، وهوان النفس. لأن كثيرا ما يوجد في اليهود مياسير ومتمولين، ~~ولكن لا يوجد يهودي غني القلب، مترفع النفس. قال النبي (صلى الله ~~عليه وآله): # " الغنى غنى النفس ". # وقوله: { وبآءو بغضب من الله } أي: رجعوا منصرفين ~~متحملين غضب الله، قد نزل بهم العذاب، ووجب عليهم الغضب، وحل بهم ~~السخط، لكونهم أحقاء بذلك، فبدل الله اليهود بالعز ذلا، وبالنعمة ~~بؤسا، وبالرضاء عنهم غضبا عليهم جزاء بما كفروا بآياته، وقتلوا ~~أنبياءه (عليهم السلام). وكفرهم بآيات الله عبارة عن جحودهم حجج الله ~~وبيناته، وإنكارهم لما رأوا من الدلائل الباهرة، والشواهد الظاهرة. # وقيل أراد ب " آيات الله " ما في التوراة، والإنجيل، والقرآن. # وقيل: آيات الله صفة محمد (صلى الله عليه وآله). # وقوله: { ويقتلون النبيين بغير الحق } أي: بغير ~~جرم، كزكريا، ويحيى، وغيرهما. # فصل # في هذه الآية سؤالات: # أحدها: لم وقع تقييد القتل بكونه بغير ms0907 الحق، وقتل النبي لا يكون ~~إلا بغير الحق؟ # والجواب من وجهين: # الأول: ان هذا خرج مخرج الصفة اللازمة إشعارا باللزوم، كما في قوله ~~تعالى: # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له # [المؤمنون:117]. ومعناه: أن ذلك لا يمكن أن يكون عليه برهان. وأمثاله ~~كثيرة في كلام العرب. # والثاني: إن الإتيان بالباطل، قد يكون الآتي به اعتقده حقا لشبهة ~~وقعت له في قلبه، وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلا. ولا شك أن هذا ~~القسم أقبح. # وثانيها: قوله: { يكفرون } داخل تحته قتل الأنبياء، فلم أعاد ~~كرة أخرى؟ # والجواب: إن الكفر بآيات الله معناه هو الجهل بها، والجحود والإنكار ~~لها، فلا يدخل تحته قتل الأنبياء. # وثالثها: كيف يجوز التخلية بين الكفار وقتل الأنبياء؟ # والجواب: إنما جاز ذلك لينال أنبياء الله من رفيع الدرجات، وسني ~~المقامات، ما لا ينالونه بغير القتل، وليس ذلك بخذلان لهم. كما أن ~~التخلية بين المؤمنين والأولياء وبين قاتليهم ليست بخذلان لهم. # ورابعها: إن الحق وقع معرفا في هذه الآية وبغير التعريف في آل عمران ~~وهو قوله تعالى: # ويقتلون النبيين بغير حق # [آل عمران:21]. # والجواب: إن الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل، كما في ~~قوله (صلى الله عليه وآله): # " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى معان ثلاثة: كفر بعد إيمان. وزنا ~~بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق " # فالحق المذكور بلام التعريف إشارة إلى هذا. وأما الحق المنكر غيره. ~~ففيه تأكيد. أي: لم يكن هناك حق، لا هذا المعروف بين المسلمين ولا غيره ~~أصلا. # فصل # وأما قوله: { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } أي: ذلك ~~الغضب، وضرب الذلة والمسكنة، لأجل عصيانهم واعتدائهم في السبت. # وقيل: المراد اعتداؤهم في قتل الأنبياء، فهو تأكيد لتكرير الشيء بغير ~~لفظه الأول، وهو كقول الرجل لعبده - وقد احتمل منه ذنوبا سابقة ~~فعاقبه عند آخرها -: " هذا بما عصيتني، وهذا بما خالفت أمري، وهذا بما ~~تجرأت علي وهذا بكذا " فيعد عليه ذنوبه المختلفة، أو يعد عليه ذنوبه ~~بألفاظ مختلفة تبكيتا. # ومعنى الاعتداء هاهنا: الظلم، ms0908 والتجاوز عن الحق إلى الباطل. # نكتة: # واعلم أن درجات المعصية متفاوتة، أقواها الكفر بالله وبعده الكفر ~~برسله وأنبيائه، وبعدهما الظلم من أحد على نفسه، وبعدها الظلم على غيره. # فاعلم أنه لما ذكر سبحانه إنزال العقوبة بهم، بين سبب ذلك فبدأ ~~أولا بما فعلوه في حق الله، وهو جهلهم بآياته، وكفرانهم لنعمه. ثم ~~ثناه بما يتلوه في العظم وهو قتل الأنبياء. ثم ثلثه بما كان يصدر ~~منهم من المعاصي التي تخصهم. ثم ربع ذلك بما يصدر منهم من المعاصي ~~المتعدية إلى الغير مثل الاعتداء في السبت وغيره وذلك في غاية حسن ~~الترتيب. ### || [2.62] # { هادوا } بضم الدال. وقرئ بالفتح. # والقراءة المعروفة في { الصابئين } وكذا { الصابئون } بإثبات ~~الهمزة في كل القرآن. وعن نافع والزهري بترك الهمزة. وعن أبي جعفر ~~بيائين خالصتين فيهما. وترك الهمزة يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون من " صبا، يصبوا " أي: مال إلى الشيء. # والآخر: قلب الهمزة ياء. # واختيار الهمزة أولى، لأنه قراءة الأكثر، ولأنه أقرب إلى معنى ~~التفسير، لأن أهل العلم قالوا: الصابي هو الخارج من دين إلى دين لم ~~يشرع له، فمن قرأ بغير الهمزة يحمل على قلب الهمزة. # واختلف في اشتقاق اسم " اليهود ". فقيل: هو من " الهود " أي: التوبة ~~لتوبتهم من عبادة العجل. وقيل: إنما سموا بذلك لانتسابهم إلى " يهودا ~~" أكبر أولاد يعقوب. وقيل لأنهم هادوا - أي: مالوا - عن دين الإسلام. ~~وقيل: لأنهم يتهودون - أي يتحركون - عند قراءة التوراة، ويقولون: " ~~إن السماوات والأرض تحركت حين آتى الله موسى (عليه السلام) التوراة ". ~~واليهود اسم جمع واحدهم " يهودي " ، كالزنج والزنجي. # و { النصارى } جمع نصران، كسكران وسكارى. ومؤنثه: " نصرانة " ~~والياء في نصراني للمبالغة. واختلفوا في اشتقاقه. فعن ابن عباس: هو من " ~~ناصرة " قرية كان يسكنها عيسى (عليه السلام). وقيل: إنما سموا بذلك ~~لقوله (عليه السلام): # من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار ~~الله # [آل عمران:52]. # و { الصابئون } جمع الصابي. وهو من انتقل من دين إلى دين آخر. ~~قال أبو علي قال أبو زيد: صبأ الرجل في دينه يصبو صبوءا إذا ms0909 كان ~~صابئا. وصبأ ناب الصبي، يصبأ صبأ: إذا طلع. وصبأت عليهم إذا طلعت ~~عليهم، وطرأت مثله. فمعنى الصابي التارك دينه الذي شرع له إلى دين غيره، ~~كما أن الصابئ على القوم تارك لأرضه، ومنتقل إلى سواها، لأنهم تركوا ~~دين التوحيد إلى عبادة روحانيات النجوم، وملائكة السماوات، أو تعظيمها ~~وجعلها وسائل وشفعاء لهم إلى الله. # وقال قتادة: وهم قوم معروفون، ولهم مذهب يتفردون به، ومن دينهم عبادة ~~النجوم، وهم يقرون بالصانع وبالمعاد، وببعض الأنبياء. # وقال مجاهد والحسن: الصابئون بين اليهود والمجوس لا دين لهم. # وقال السدي: هم طائفة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور. # وقال الخليل: هم قوم دينهم شبيه بدين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب ~~الجنوب حيال منتصف النهار، يزعمون أنهم على دين نوح (عليه السلام). # وعامة الفقهاء يجيزون أخذ الجزية منهم، وعند أصحابنا الإمامية لا ~~يجوز ذلك لأنهم لا كتاب لهم. # المعنى: # واعلم أن من عادة الله الرحيم بعباده، إذا ذكر وعيدا عقبه بضده، ~~لئلا ييئس عباده من رحمته، وإذا ذكر آية رجاء عقبها بآية الخوف، ~~لئلا يأمن عباده من مكر الله. # فهاهنا لما ذكر أحوال كفرة أهل الكتاب، وما نزل بهم من العقوبة، ~~أخبر بما وعد للمؤمنين من كل طائفة من الثواب الجزيل والأجر العظيم، ~~دالا على أنه سبحانه كما يجازي المسيء بإساءته يكافئ المحسن بإحسانه، ~~كما قال تعالى: # ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى # [النجم:31]. فقال: { إن الذين آمنوا }. # واختلفوا في المراد منهم. فقال قوم: هم الذين آمنوا بعيسى (عليه ~~السلام)، ثم لم يتهودوا ولم يتنصروا ولم يتصبأوا، وانتظروا خروج ~~محمد (صلى الله عليه وآله). # وقيل: هم طلاب الدين، منهم: حبيب النجار، وقس بن ساعدة، وزيد ابن ~~عمرو بن نفيل، والبراء الشني، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وبحيرا ~~الراهب، ووفد النجاشي. آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله) قبل مبعثه. ~~فمنهم من أدركه وتابعه، ومنهم من لم يدركه. # وقيل: مؤمنوا الأمم الماضية. وقيل: هم المؤمنون من هذه الأمة. # وقال السدي: هو سلمان الفارسي وأصحابه النصارى، ms0910 الذين كانوا قد تنصر ~~على أيديهم قبل مبعث الرسول، وكانوا أخبروه بأنه سيبعث، وأنهم يؤمنون ~~به إن أدركوه. # وسبب هذا الاختلاف قوله تعالى في آخر الآية: { من آمن بالله ~~واليوم الآخر } فإن ذلك يقتضي أن المراد من الإيمان في أول ~~الآية غير المراد به في آخرها ونظير هذا قوله: # يا أيها الذين آمنوا # [النساء:136]. # والأجود أن يكون معنى الإيمان في الأول، الإيمان الظاهري المعروف بين ~~الأمة، ومعناه في الثاني هو الإيمان الحقيقي، الذي هو عبارة عن عرفان ~~الله بوحدانيته، وصفاته الإلهية، وأفعاله المحكمة، وعرفان اليوم الآخر، ~~وحقيقته رجوع الأشياء إليه، وحشر الإنسان إلى الدار الآخرة كل ذلك على ~~وجه اليقين والتحقيق. # وهذا أمر في غاية العزة والشرف، وقل من المعروفين بالإيمان من تصور ~~هذه الأشياء، تصورا حقيقيا، أو بوجه خاص رسمي. والقرآن مشحون ~~بالإشعار بما ذكرناه، كقوله: # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف:106]. وقوله: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف:103]. وقوله: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا # [النساء:136]. # فالإيمان الحقيقي غير الإيمان الظاهري المجازي. فعلى هذا لا حاجة إلى ~~حمل قوله: { الذين آمنوا } على غير طائفة أهل هذه الملة ~~الإسلامية، بل هذه الأقوال لو ذكرت في قوله: { من آمن بالله ~~واليوم الآخر } لكان أولى بأن يقال: من الذين هم مؤمنوا بني ~~إسرائيل، ومن الذين هم مؤمنوا قوم عيسى (عليه السلام)، ومن مؤمني جماعة ~~الصابئين، ومن المؤمن بالله واليوم الآخر، من هؤلاء الطوائف، سواء كانوا ~~في سابق الزمان قبل ظهور الإسلام، أو في عهد الإسلام. ولكن الإيمان بهذا ~~المعنى الحقيقي أمر باطني لا يعرف الموصوف به إلا الله وأنبياؤه ~~وأولياؤه (عليهم السلام). # ويؤيد هذا التفسير قول سفيان الثوري، حيث نقل صاحب الكبير عنه: أنه ~~تعالى لما ذكر في أول هذه السورة طريقة المنافقين، ثم طريقة اليهود. # فالمراد من قوله تعالى: { إن الذين آمنوا } هم الذين يؤمنون ~~باللسان دون القلب، وهم المنافقون. فذكر المنافقين، ثم اليهود، ~~والنصارى، والصابئين. فكأنه تعالى قال: " أولئك المبطلون كل من أتى ~~منهم بالإيمان الحقيقي صار ms0911 من الفائزين عند الله بالأجر العظيم ". # ومن هاهنا يعلم أن المقصود الأصلي من بعثة الأنبياء، وإنزال الكتب، هو ~~الإيمان بالمبدإ والمعاد، مع العمل الصالح، حتى لو فرض أحد لم يكن يرى ~~نبيا من الأنبياء، ولم يصل إليه خبره، أو كان في أزمنة الفترات، وهو ~~مع هذا عالم بالله واليوم الآخر، عامل بالعمل الصالح، لكان من السعداء ~~الناجين. # وروي عن ابن عباس أن هذه منسوخة بقوله: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران:85]. وهذا بعيد لأن النسخ لا يجوز أن يرد على الخبر الذي هو ~~متضمن للوعد. وإنما يجوز دخوله في الأحكام الشرعية، التي يجوز ~~تغيرها، وتبدلها، بتغير المصلحة، فالأولى أن يمنع صحة هذا النقل عن ~~ابن عباس. # وذهب بعضهم إلى أن حكم الآية ثابت. والمراد بها: إن الذين آمنوا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم من المنافقين، واليهود، والنصارى، والصابئين ~~إذا آمنوا بعد النفاق، وأسلموا بعد العناد، كان لهم أجرهم عند ربهم، ~~كمن آمن في أول استدعائه إلى الإيمان، من غير نفاق، ولا عناد، لأن قوما ~~من المسلمين قالوا: " إن من أسلم بعد نفاقه وعناده كان ثوابه أنقص، ~~وأجره أقل " فأخبر الله بهذه الآية أنهم سواء في الأجر والثواب. # فصل # قوله: { بالله } متعلق بقوله: { آمنوا } أي: آمنوا بتوحيد الله، ~~وعلمه، وقدرته، وسائر صفاته الكمالية، وصفاته التقديسية، وعدله، ~~وحكمته. # وقوله: { واليوم الآخر } أي: بيوم القيامة، والبعث، والنشور، ~~والحساب، والكتاب، والجنة، والنار، وقوله: { عمل صالحا } أي: عمل ~~ما به يصلح لدخول الجنة، والقرب من الله من الطاعات والعبادات. وإنما ~~لم يذكر ترك المعاصي لأن تركها من جملة الأعمال الصالحة. # { فلهم أجرهم } أي: جزاؤهم معد وموجود لهم. وهذا يدل على أن ~~الأجر والثواب من النتائج اللازمة، والغايات التابعة، للإيمان والعمل ~~الصالح، كما أن الألم والعقاب من لوازم الكفر والمعاصي. # وقوله: { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } مضى تفسيره. ~~وقيل معناه: لا خوف عليهم فيما قدموا، ولا هم يحزنون على ما خلفوا. ~~وقيل: لا خوف عليهم في العقبى، ولا هم يحزنون على فوات ms0912 الدنيا. # فصل # ما هو الإيمان؟ # إعلم أن هذه الآية دالة على أن الإيمان هو التصديق والاعتقاد بالقلب، ~~لأنه تعالى قال: { من آمن بالله واليوم الآخر } ثم عطف ~~عليه بقوله: { وعمل صالحا } والعطف يدل على المغايرة. ومن حمل ~~ذلك على التأكيد، أو الفصل فقد ترك الظاهر بلا حجة، وكل موضع يذكر فيه ~~أمر ثم يذكر فيه ما يدخل تحته فهو محمول على التوسع والمجاز. مثل ~~قوله تعالى: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن:68]. وقوله: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب:7]. وغيرهما ولو لم يحمل على المجاز لقلنا: إنه ليس بداخل في ~~الأول. # واعلم أن من اعتبر في الإيمان عمل الأركان، كأنه رأى أن الإيمان من ~~لوازمه غالبا إتيان العمل الصالح، أو أراد بالإيمان الإيمان الظاهري، ~~فمن ادعى الإيمان وترك الصلاة والزكاة والحج، وغيرها فلا يعدونه من ~~جملة المؤمنين، لكن الإيمان الحقيقي يمكن أن يتحقق بدون العمل، كمن ~~استبصر، وتنور قلبه بنور العرفان، وقضى نحبه مقارنا بإيمانه، فهو ~~مؤمن عند الله حقا. ### || [2.63] # " الميثاق " مفعال من الوثيقة إما بيمين أو بعهد أو غير ذلك من ~~الوثائق كالعقل والفطرة. # و " الطور " في اللغة: الجبل. وقيل: اسم جبل بعينه ناجى الله عليه ~~موسى (عليه السلام). وهو المروي عن ابن عباس. وهذا هو الأقرب، لأن لام ~~التعريف حمله على معهود عرف كونه مسمى بهذا الاسم. والمعهود هو الجبل ~~الذي وقعت المناجاة فوقه، فقد يجوز أن ينقله الله إلى حيث هم، فجعله ~~فوقهم وإن كان بعيدا منهم، لأن القادر على أن يجعل الجبل فوق الهواء ~~قادر على قلعه ونقله من موضع بعيد إليهم. وسيجيء إعادة الكلام في ~~تحقيق هذا المرام. # وقال ابن عباس: أمر الله جبلا من جبال فلسطين، فانقلع من أصله حتى ~~قام فوقهم كالظلة، وكان المعسكر فرسخا في فرسخ. # والقوة هاهنا بمعنى القدرة. وهي في الأصل يقال لمبدإ التغير في شيء ~~آخر من حيث هو آخر. سواء كان فعلا أو انفعالا. وقد يقال لما به يمكن أن ~~يصدر عن الشيء فعل أو ms0913 انفعال وأن لا يصدر. وهي بهذا المعنى يقابل الفعل ~~بمعنى الحصول والتحقق. وقد يقال لما به يكون الشيء غير متأثر عن مقاوم، ~~ويقابله الضعف والوهن. والقوة الفعلية إذا كانت مع شعور وإرادة تسمى ~~قدرة، وهي المراد هنا. # واعلم أن أكثر المتكلمين على أنه ليست قدرة إلا لما من شأنه ~~الطرفين: الفعل والترك. وأما الفاعل الذي يدوم فعله - وإن كان ~~بمشيئته - فهم لا يسمونه قادرا والحق خلافه. فإن من فعل بمشيئة ~~وإرادة يصدق عليه أنه لو لم يشأ لم يفعل، سواء اتفق عدم المشيئة، أو لم ~~يتفق. لأن صدق الشرطية لا يتوقف على تحقق طرفيها. # واعلم أن القوة الفعلية قد تكون مبدأ الوجود، وقد تكون مبدأ التغير، ~~والإلهيون من الحكماء إنما يعنون بالفاعل مبدأ الوجود، والطبيعيون ~~يعنون به مبدأ التحريك. والأحق باسم الفاعل من يطرد العدم بالكلية عن ~~الشيء بالكلية، وما هو إلا الواحد الذي بقوته أخرج الأشياء من ~~الليس المطلق إلى الأيس. وأبدع الأشياء من غير مثال. وأما الذي جعله ~~الله واسطة للتهيؤات والاستعدادات، فالأولى أن لا يسمى بالفاعل، لكن ~~بالمحرك والسائق وما يجري مجراهما. # المعنى: # ثم عاد إلى خطاب بني إسرائيل بذكر إنعامه عليهم. وهذا هو الإنعام ~~العاشر من الإنعامات الواقعة عليهم. فقال: اذكروا { إذ أخذنا ~~ميثاقكم } أي: عهدكم. # والمفسرون اختلفوا في المراد من هذا الميثاق ما هو؟ فذكروا وجوها: # الأول: ما أودع في العقول وارتكز في الفطر من الدلائل على وجود ~~الصانع، وقدرته، وحكمته، وما نصب لهم من الحجج الواضحة، والبراهين ~~الساطعة على ذلك وعلى صدق الأنبياء والرسل (عليهم السلام). # وهذا النوع من الميثاق أقوى المواثيق والعهود، لأنها لا تحتمل الخلف، ~~والنقص، والتبدل، بوجه البتة. # والثاني: إن المراد به الذي أخذه الله على النبيين في قوله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه # [آل عمران:81] الآية. # الثالث: ما روي عن عبد الله بن عوف بن أسلم أن موسى (عليه السلام) لما ~~رجع من عند ربه ms0914 بالألواح قال لهم: " إن فيها كتاب الله وحكمته، فخذوها ~~" قالوا: " لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول: هذا كتابي " فأخذتهم ~~الصاعقة فماتوا. ثم أحياهم، ثم قال لهم بعد ذلك: " خذوا كتاب الله " ~~فأبوا. فرفع فوقهم الطور وقيل لهم: " خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم " ~~فأخذوه. # فرفع الطور هو الميثاق. وذلك لكون رفعه آية باهرة عجيبة توجب الانقياد ~~من التكذيب إلى التصديق. ومن الشك إلى اليقين. فأقروا لموسى (عليه ~~السلام) لأجله - مضافا إلى سائر الآيات - بالتصديق، ولله بالعبودية ~~والطاعة، وأعطوا العهد والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كانوا من عبادة ~~العجل، وأن يقوموا بالتوراة. فأخذوا التوراة وسجدوا لله تعالى ملاحظين ~~إلى الجبل، فمن ثم يسجد اليهود على أحد شقي وجوههم. # وهذا هو معنى أخذ الميثاق، لأنه عهد موثق جعلوه لله. وكان في حال رفع ~~الجبل فوقهم، لأن في هذه الحال قيل لهم: { خذوا مآ آتيناكم ~~بقوة } يعني: التوراة بقوة، أي: بجد ويقين لا شك فيه. وهو قول ~~ابن عباس والسدي. # وقريب منه ما روى العياشي أنه سئل جعفر الصادق (عليه السلام) عن قول ~~الله تعالى: { خذوا مآ آتيناكم بقوة } أبقوة الأبدان، أو ~~بقوة القلوب؟ # فقال: بهما جميعا. # وقيل: أخذه بقوة هو العمل بما فيه بعزيمة وجد. # والرابع: إن لله ميثاقين على عباده: الأول: حين أخرجهم من ظهر آدم ~~(عليه السلام) وأشهدهم على أنفسهم. الثاني: إنه ألزم الناس متابعة ~~الأنبياء. والمراد هاهنا هو هذا العهد. وهو قول ابن عباس. وعلى هذا يكون ~~" الواو " في قوله تعالى: { ورفعنا فوقكم الطور } للعطف، ~~وعلى تفسير غيره للحال. # قال القفال: إنما قال: " ميثاقكم " ولم يقل مواثيقكم لأنه أراد به ~~الدلالة على أن شيئا واحدا أخذ من كل واحد منهم كما أخذ من غيره. فلا ~~جرم كان كله ميثاقا واحدا. ولو قيل: " مواثيقكم " ، لاشتبه أن يكون ~~هناك مواثيق مختلفة أخذت عليهم - لا ميثاق واحد -. # وقوله: { واذكروا ما فيه } الضمير في " فيه " يعود إلى الموصول ~~- يعني التوراة - أي: احفظوا ما في التوراة، وادرسوه من أحكام الحلال ~~والحرام، ولا ms0915 تنسوه ولا تغفلوا عنه. # فإن قلت: هلا حملتموه على معنى أصل الذكر؟ # قلنا: لأن الذكر الذي ضد النسيان هو من فعل الله ليس بإرادة العبد. # فكيف يجوز الأمر به، ولذلك حملناه على المذاكرة، والمدارسة، والمحافظة ~~عليه. # فصل # كيف يمكن رفع الجبل؟ # من المتفلسفة من أنكر إمكان وقوف مثل الجبل ونحوه من الأثقال في الهواء ~~من غير دعامة ولا عماد. وأما مثل الصواعق، وذوات الأذناب، وغيرها ~~مما فيه حرارة مصعدة، أو أدخنة غليظة بقوة حرارتها تقاوم الهابط من ~~الجو، فيمكن وقوفها زمانا في الهواء. وكذا الأرض معلقة فيما بين ~~الهواء لأنها متدافعة من جميع الجوانب لتكافؤ ثقل أطرافها، فوقفت ~~بطبعها عند المركز. بخلاف وقوف الجبل في الهواء إذ لا سبب له. # والجواب من وجهين: # أحدهما: إن أسباب وقوف الثقيل في الهواء ليست منحصرة فيما ذكرتم من ~~الدعامة، أو الحراة المصعدة، أو تدافع الجوانب أو ما يجري مجراهما فإن ~~هاهنا أسبابا إلهية، سماوية، أو نفسانية، مقتضية لمثل هذه الأفاعيل ~~الغريبة، فإن للنفس أن تصعد الجسم الثقيل بمجرد الهمة والعزم. # ومن هذا القبيل وقوف الطير في جو السماء. كقوله تعالى: # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن # [الملك:19]. ومن هذا الباب صعود الحيوان إلى فوق بقوة نفسانية - لا ~~بدعامة جسمانية - ومنه قلع باب خيبر ورفعه، فإنه (عليه السلام) قال: ~~" قلعته بقوة ملكوتية، لا بقوة جسمانية " فإن نسبة النفوس ~~القوية، العالية، إلى غير بدنها من أجسام هذا العالم، كنسبة سائر ~~النفوس الضعيفة إلى بدنها، فلا جرم أثرت همة نفس موسى (عليه السلام) ~~بقوة استفادها من الله في رفع الجبل فوق قومه. # وثانيهما: إن للأجرام والأعظام نحوين من الوجود: أحدهما: وجود مادي ~~متعلق بمادة واستعداد خاص. والآخر: وجود صوري متعلق بالفاعل، غير ~~متعلق بمادة قابلة للحركة والفساد. # والذي يراه الإنسان في هذا العالم ويشاهده بحسه الظاهر على وجهين: # أحدهما: الشائع المتعارف الأكثري، وهو أن يأخذ الحس البصري صورة ما ~~يراه وينتزعها من مادته. # والآخر: أن ينحدر إلى حسه من جهة الباطن ms0916 - وهذا على سبيل الندرة - ~~ومن هذا القبيل رؤية النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه تمثل جبرائيل ~~(عليه السلام) لهم بصورة دحية الكلبي، وهذا باب من المعجزة. وقد يقع ~~لبعض الكهنة وغيرهم من هذا القبيل رؤية بعض الأجسام بأسباب باطنية. ~~ولهذا قد يصعب الفرق بين المعجزة والكهانة على النفوس العامية. # ومن وقف على حكاية الجوهري رأى عجبا من هذا الباب، حيث خرج بالعجين من ~~بيته إلى الخباز ليطبخ له الخبز في الفرن، وكانت عليه جنابة، فجاء ~~إلى شط النيل ليغتسل، فرأى - وهو في الماء - مثل ما يراه النائم، كأنه ~~تزوج في بغداد، وأقام مع المرأة ست سنين، وأولدها أولادا. ثم رد ~~إلى حاله - وهو في الماء - ففرغ من غسله، وخرج ولبس ثيابه وجاء إلى الفرن ~~وأخذ الخبز وجاء إلى بيته وأخبر أهله بما أبصره. # فلما كان بعد أشهر جاءت تلك المرأة التي رأى أنه تزوجها في تلك ~~الحالة تسأل عن داره، فلما اجتمعت به عرفها، وعرف الأولاد وما أنكرهم. ~~وقيل لها: متى تزوج؟ فقالت: " منذ ست سنين، وهؤلاء أولاده مني ". فخرج ~~في الحس ما رآه في الباطن أولا. # وهذه إحدى المسائل الستة التي أوردها ذو النون المصري، التي تحيلها ~~العقول المتفلسفة، والحكايات في هذا الباب كثيرة ذكرها يؤدي إلى ~~الإطناب. فعلى هذا لم يبق شك في جواز رفع جبل طور فوق بني إسرائيل معجزة ~~لموسى (عليه السلام)، فقد خص الله أولياءه بقوى شريفة، قوية، ~~نورانية، يقوى على مثل هذه الأحكام. فلا ينكره إلا جاهل بما ينبغي ~~للجناب الإلهي من الاقتدار. # وفي معراج رسول الله (صلى الله عليه وآله) كفاية في هذا المقام مع ~~خرقه للأفلاك، ونفوذه في مسافاتها البعيدة، التي قطعها في الزمان ~~القليل. كما سنوضح لك في تفسير سورة الإسراء إن شاء الله تعالى. ### || [2.64] # هذه الآية من أرجى الآيات، وأقواها دلالة على رحمته، وتجاوزه عن سيئات ~~عباده العاصين، لأن وقوع قوله: { فلولا فضل الله } إلى آخره ~~عقيب ذكر هذه القبائح الشنيعة، والآثام الردية كعبادة العجل، وكفران ~~النعمة، وجحود النبوة، ms0917 وإنكار المعجزات الجلية الواضحة، ونقض الميثاق ~~المؤكدة من قبل الله، وغير ذلك من صفات القلوب القاسية المظلمة يدل ~~على كمال رأفته وعفوه. # قال القفال: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور ~~أعرضوا عن التوراة، وتركوا العمل بها، ونزلوا عنها بأمور كثيرة، ~~فحرفوا التوراة، وقتلوا الأنبياء، وكفروا بهم، وعصوا أمرهم. ومنها ما ~~عمله أوائلهم. ومنها ما فعله متأخروهم، ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم ~~الأعاجيب ليلا ونهارا، يخالفون موسى (عليه السلام)، ويعرضون، ويلقونه ~~بكل أذى، ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك حتى أنه خسف الأرض ببعضهم، ~~وأحرقت النار بعضهم، وعوقبوا بالطاعون. وكل هذا مذكور في تراجم التوراة ~~التي يقرؤون بها. # ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس، ~~وكفروا بالمسيح وهموا بقتله. والقرآن وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا ~~به عن التوراة، لكن في الجملة معروفة. # وذلك إخبار من الله عن عناد أسلافهم، فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد ~~(صلى الله عليه وآله) من الكتاب وجحودهم لحقه، وقد ذكر تعالى من ~~أوصافهم ما ذكر. # المعنى: # و { لولا فضل الله عليكم ورحمته } بعد ما توليتم ~~عن كتابه عقيب تلك الآيات والحجج { لكنتم من الخاسرين } في ~~الدنيا والآخرة. ولكن بفضله ورحمته أمهلكم، وأدامكم، لترجعوا إلى ~~التوبة، وتعودوا إليه لعلكم تفلحون. # وقيل معناه: { فلولا فضل الله عليكم } بالتوبة بعد إذ ~~نكثتم الميثاق الذي واثقتموه، ونبذتم العهد الذي أخذناه عليكم وراء ~~ظهوركم، إذ رفع فوقكم الطور، وأنعم عليكم بالإسلام { ورحمته } التي ~~رحمكم بها، فتجاوز عنكم بمراجعتكم إلى طاعة ربكم { لكنتم من ~~الخاسرين }. # وقال أبو العالية: فضل الله الإيمان، ورحمته القرآن، فيكون معناه: لولا ~~إقداري لكم على الإيمان، وإزاحة علتكم فيه لكنتم من الخاسرين. # وقيل معناه: { فلولا فضل الله عليكم } في رفع الجبل ~~فوقكم للتوفيق. واللطف الذي تبتم عنده حتى زال العذاب عنكم، وسقوط ~~الجبل عليكم { لكنتم من الخاسرين } أي من الهالكين الذين ~~باعوا أنفسهم بنار جهنم. # ويحتمل أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله: { ثم توليتم من ms0918 ~~بعد ذلك }. ثم قيل: { فلولا فضل الله عليكم ~~ورحمته } رجوعا بالكلام إلى أوله. أي: لولا لطف الله بكم في إظهار ~~تلك الآيات من رفع الجبل وغيره لدمتم على ردكم الكتاب ولكنه تفضل ~~عليكم ورحمكم، فلطف لكم بذلك حتى تبتم. # فصل # الخير من الله والشر ليس إليه # قد تقرر في الأصول العقلية أن الخير ذاتي له، وهو المعبر عنه ~~بالرحمة. # والشرور ليست من قبل الله بالذات، بل لأجل قصور بعض الذوات عن قبول ~~الخير والرحمة، وانحرافها عن مسلك الهداية، ولذلك قال تعالى: { مآ ~~أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة ~~فمن نفسك }. # فحينئذ لقائل أن يستشكل ويقول: إن كلمة " لولا " تفيد انتفاء الشيء ~~لثبوت غيره، فهذا يقتضي أن انتفاء الخسران من لوازم فضل الله تعالى. ~~فحيث حصل الخسران وجب أن لا يحصل هناك لطف الله ورحمته. وهذا يقتضي أن ~~الله لم يفعل بالكافر شيئا من اللطف والرحمة. وهذا يخالف ما حققه ~~المحققون وما ذهب إليه بعض المتكلمين من أن لطف الله واجب، واقع في حق ~~المؤمن والكافر جميعا. # والجواب المنقول من الكعبي: " إنه تعالى سوى بين الكل في الفضل ولكن ~~بعضهم انتفع به دون بعض، فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى ~~بين أولاده في العطية فانتفع بعضهم: " لولا أن أباك فضلكم لكنت فقيرا ~~" وضعفه صاحب الكبير بأن " أهل اللغة نصوا على أن لولا يفيد انتفاء ~~الشيء لثبوت غيره، وهو يقتضي انتفاءه في نفسه لا عدم الانتفاء به مع ~~ثبوته. فكلام الكعبي ساقط ". # والذي به ينحل الإشكال أن يقال: إن الله فعله من قبله غير مختلف. ~~فالخير نازل من عنده، والجود مبذول، والرحمة واحدة بالنسبة إلى الخلق ~~أجمعين لا تبديل لسنة الله. ولكن الوصول مختلف، لاختلاف الغرائز ~~والفطر، لطافة، وكثافة، وسعة وضيقا. كالمعلم يفيد تعليما واحدا ~~وتختلف غرائز المتعلمين في قبول ذلك العلم، لتفاوت غرائزهم في الذكاء ~~والبلادة، والاستقامة والاعوجاج، والشمس شأنها في التنوير واحد، ومواضع ~~الأرض مختلفة في قبول الضوء. # ففعل الله ولطفه في المؤمن ms0919 كفعله ولطفه في الكافر. لكن قلب المؤمن ~~أبيض وأجرد، وقلب الكافر أسود وأكدر. ولفظ الجود، واللطف، والكرم - ~~وما يجري مجراها - قد يراد بها ما عند الفاعل، وقد يراد بها ما عند ~~القابل، والذي عند الفاعل واحد لا يختلف. والذي عند القوابل مختلفة. # فمن قال: " إن لطف الله شامل للمؤمن والكافر " أراد به أنه تعالى لا ~~يمسك من جوده ولطفه على أحد. ولم يرد " أن لطفه واصل حاصل عند الكافر، ~~ومع ذلك لا ينتفع به ". لأن ذلك محال، كما أن يقال: " إن ضوء الشمس ~~موجود في سطح من الأرض، ولكن ليس بمستضيء " أو " أثر حرارة النار موجود ~~في جسم كذا، ولكن ليس بمستسخن ". ولا شك في بطلانه. فكذا ما نحن فيه. # فعلم أن الخير مبذول، والرحمة فائضة، واللطف شامل. ألا ترى إلى قوله ~~تعالى مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله): # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص:56]. مع أن شأنه الهداية # إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء # [الروم:52]. إنك لا تسمع من في القبور مع أن شأنه الإسماع. ### || [2.65] # { اعتدوا } أي ظلموا وجاوزوا ما حد لهم. # و { السبت } من أيام الأسبوع. قال الزجاج: السبت قطعة من الدهر ~~يسمى به ذلك اليوم. وقال أبو عبيدة: سمي بذلك لأنه يوم سبت به خلق ~~كل شيء، أي قطع وقرغ. وقال قوم: إنما سمي بذلك لأن اليهود يسبتون ~~فيه، أي: يقطعون فيه الأعمال. وقال آخرون: سمي بذلك لما لهم فيه من ~~الراحة. لأن أصل السبت هو السكون والراحة. ومنه قوله تعالى: # وجعلنا نومكم سباتا # [النبأ:9]. ويقال للنائم " مسبوت " لاستراحته وسكون جسده. # والخاسئ: البعيد المطرود: يقال للكلب إذا دنا: " إخسأ " أي: تباعد، ~~وانصرف صاغرا. # والكلام فيه حذف مضاف، كأنه قال: " ولقد علمتم اعتداء من اعتدوا في ~~السبت " ليكون المذكور من العقوبة جزاء لاعتدائهم، لأن الجزاء يكون ~~للفعل لا للذات. # وحقيقة الاعتداء غير مذكورة هاهنا. والذي يدل عليه اللفظ هاهنا أنه ~~كان أمرا محرما فعله في السبت. وتفصيله مذكور في قوله تعالى: # وسئلهم عن القرية التي ms0920 كانت حاضرة البحر # [الأعراف:163]. الآية. # وعن ابن عباس: إن هؤلاء القوم كانوا في زمن داود (عليه السلام) ب " ~~إيلة " على ساحل البحر بين المدينة والشام، وهو مكان من البحر يجتمع إليه ~~الحيتان من كل أرض في شهر من السنة، حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي ~~ذلك الشهر في كل سبت خاصة. فحفروا حياضا عند البحر، وشرعوا إليها ~~الجدوال، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في ~~الحياض هو اعتداؤهم في السبت، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك، ~~وهم خائفون من العقوبة، فلما طال العهد عليهم ونشأت الأبناء فعلت ~~بسنة الآباء واتخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين ~~كرهوا الصيد في السبت، ونهوهم فلم ينتهوا وقالوا: " نحن في هذا العمل منذ ~~زمان، فما زادنا إلا خيرا " فقيل لهم: " لا تغتروا فربما نزل بكم ~~العذاب والهلاك " فأصبح القوم وهم قردة خاسئون، فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ~~ثم هلكوا. # وعن ابن عباس أيضا: وكانوا يتعاوون وبقوا ثلاثة أيام لم يأكلوا، ولم ~~يشربوا، ولم يتناسلوا، فأهلكهم الله تعالى، وجاءت ريح فهبت بهم، ~~وألقتهم في الماء، ولم يتناسلوا وما مسخ الله أمة إلا أهلكها. # فهذه القردة ليست من نسل أولئك الممسوخين. وإجماع المسلمين على أنه ~~ليس في القردة والخنازير من هو من أولاد آدم، ولو كانت من أولاد ~~الممسوخين لكانت من بني آدم. خلافا لأهل التناسخ. فإنهم زعموا أن من ~~الحيوانات كالكلب، والخنزير، والقردة، ما هو من أولاد الناس الممسوخين. # ومنهم من زعم أن جميع الحيوانات نشأت من الإنسان. قالوا: إنه باب ~~الأبواب. كل نفس تعلقت أولا ببدن إنسان، فإن استكملت بالعلم والعمل ~~تجردت إلى عالم الملكوت. # وإلا انتقلت إلى بدن حيوان تناسبه في الخلق، وترددت في الأبدان إلى ~~أن تزول عنها الهيآت، فتنجوا إلى ذلك العالم. # والغرض من ذكر هذه القصة - والله أعلم - أمران: # أحدهما: معجزة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأنه لم يخالط القوم ~~ولم يقرأ الكتب. فدل ذلك على أنه عرف من الوحي. # والثاني: الإنذار والتخويف، لئلا يغتر أحد ms0921 بالإمهال والتأخير في إنزال ~~العقوبة. # وقوله: { قردة خاسئين } قال صاحب الكشاف: " هما خبران أي: كونوا ~~جامعين بين القردية والخسؤ. وهو الصغار والطرد ". # فصل # واعلم أن الأمر من الله على ضربين: # تشريعي وهو المعروف، كقوله تعالى: # وكونوا مع الصادقين # [التوبة:119]. # وتكويني، كقوله: { كن فيكون }. والمراد هاهنا المعنى الثاني. ~~لأنهم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة، فيكون ~~أمرا تكوينيا. # ومن هذا القبيل كلمة الله قد يكون ألفاظا، وقد يكون ذواتا جوهرية. ~~كقوله: # وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه # [النساء:171]. وقد مر في المفاتيح تحقيق الكلمة والكلام مما لا مزيد ~~عليه. # فصل # هل الآية تنفي القول ببطلان التناسخ؟ # وهاهنا بحث عقلي وهو أن التناسخ ممتنع بالبراهين القوية، كما أوردنا ~~في الكتب الحكمية. فهاهنا إن كانت النفس باقية والصورة متبدلة، فهو ~~بعينه التناسخ - وهو محال كما عرفت - وإن كان الشخص الذي كان إنسانا قد ~~عدم ووجد شخص من القردة، فكان إهلاكا للبعض من الناس وإحداثا للبعض ~~من القردة. # وقد يدفع الإشكال بما روي عن مجاهد أنه سبحانه مسخ قلوبهم - بمعنى ~~الطبع والختم - لا أنه مسخ صورهم، وهو مثل قوله تعالى: # كمثل الحمار يحمل أسفارا # [الجمعة:5]. ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجع فيه ~~تعليمه: " كن حمارا ". # واحتج على امتناعه بأمرين: # الأول: إن الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المخصوصة المحسوسة: ~~فإذا أبطلها الله وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله، كان ذلك ~~إعداما للإنسان وإيجادا للقرد. وكان حاصل المسخ على أنه تعالى أعدم ~~الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنسانا، وخلق فيها الأعراض ~~التي باعتبارها كانت تلك الأجسام قردا. وبالجملة يكون إعداما وإيجادا ~~ولا يكون مسخا. # والثاني: لو جاز ذلك لما آمنا في كل ما نراه قردا، أو كلبا، أو ~~خنزيرا، أنه كان إنسانا عاقلا. وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات. # وكلا الوجهين في غاية السخافة، ولا يدفع بهما إمكان التناسخ. # أما الأول: فلأن الإنسان ليس عبارة عن الهيكل والشكل المحسوس، إذ ~~كثيرا ما يتبدل الهيكل بالنمو والذبول، ms0922 والسمن والهزال. والشخص بعينه ~~باق لا يتبدل، والباقي غير الزائل. فالإنسان وراء هذا الهيكل، سواء كان ~~أمرا جسمانيا ساريا في البدن، أو مختصا بعضو كقلب، أو دماغ. # أو أمرا غير جسماني كما يقوله الفلاسفة. وعلى التقادير فلا امتناع في ~~بقائه مع تبدل شكله إلى شكل آخر. # وأما الثاني: فلأن القدح في اليقينيات، والشك في المشاهدات، إنما ~~يلزم لو جوز أن هذا الكلب، أو القرد بالفعل إنسان عاقل. وأما كونه ~~إنسانا في وقت، وقد انسلخ عن الإنسانية وصار كلبا أو حيوانا آخر. ~~فهذا لا يوجب الشك في المشاهدات كيف وهذا - أي القول بالنسخ - مذهب جمع ~~كثير من الفضلاء، وينسب إلى أفلاطن وسقراط، والأقدمين. # وإن وجهنا نحن كلامهم إلى غير ما فهمه الجمهور منه، من أن ذلك بحسب ~~النشأة الآخرة، ودار القيامة والبعث، لا في الدنيا، فإن انسلاخ النفس عن ~~بدن طبيعي إلى بدن طبيعي آخر منفصل عن الأول ممتنع. وأما تقلب ~~القلوب، وتحول الباطن بحسب رسوخ الأخلاق، والملكات، من نشأة بشرية إلى ~~نشأة ملكية، أو شيطانية، أو سبعية، أو بهيمية، جائزة عند العرفاء ~~المحققين، والحكماء الكاملين. وعليه براهين كثيرة ليس هاهنا موضع ~~بيانها. # ومن لم يعرف حكمة الأقدمين من الحكماء، الذين أنوار حكمتهم مقتبسة من ~~مشكاة النبوة، حمل كلامهم في تناسخ الأرواح، وتصورها في الآخرة بصور ~~الأبدان، المناسبة لأخلاقها، المكتسبة في هذا العالم على مذهب ~~التناسخية المعروف. وشأنهم أرفع من هذا، بل مذهبهم يوافق مذهب الأنبياء ~~(عليهم السلام) في أن النفوس الإنسانية تحشر في الآخرة على صور أعمالهم ~~ونياتهم، ويحشر الناس على صور مختلفة، وعلى هذا يحمل آيات المسخ ~~والأحاديث الدالة على ثبوته. ولهذا قيل: " ما من مذهب إلا وللتناسخ فيه ~~قدم راسخ ". # فإذا تقرر ما ذكرناه فنقول: إن ما ذكره مجاهد - وإن كان غير مستبعد ~~جدا وله وجه حسن - لا ذكره بعض المفسرين كالإمام الرازي وغيره: " ~~بأنه مجاز شائع، فإن الإنسان إذا أصر على جهالة بعد ظهور الآيات، ~~ووضوح البينة، فقد يقال في العرف إنه حمار وقرد. وإذا كان هذا ms0923 المجاز ~~من المجازات المشهورة لم يكن في المصير إليه محذور البتة " - بل لما ~~أشرنا إليه من حقيقة المسخ بحسب الباطن والقلب، كما وجهنا إليه كلام ~~الأقدمين من الحكماء. ولكن مع ذلك لا حاجة بنا إلى العدول إلى ما ذكره ~~عن الظاهر المتعارف. # وذلك لمعنى لطيف نذكره، وهو أن مسخ الصورة وتبدلها على وجهين: # أحدهما: تنتقل النفس من بدن إنسان مثلا عند موته إلى بدن حيوان آخر حين ~~ولادته، وهو المسخ المعروف عند التناسخية وهذا باطل عند المحققين. # والثاني: أن يتحول شخص واحد من صورته إلى صورة حيوان آخر، كما وقع في ~~بني إسرائيل وهذا جائز لا دليل على استحالته. # والسبب فيه أن الأبدان تابعة للنفوس، والأشكال فائضة عليها من المبدإ ~~بوساطة النفوس. ولهذا ما ترى تغيرات البدن عند تغيرات النفس، من ~~الشهوة والغضب والخوف والفرح وغيرها، فإذن لا إستبعاد من كون بعض النفوس ~~في شدة خلقها الردي وتأكدها بحيث تؤثر في البدن تأثيرا شديدا ~~يشكل البدن بشكل يناسب ذلك الخلق، فيكون مسخ الظاهر تبعا لمسخ الباطن ~~على وجه الاتصال. # وهذا مما كان في أمة موسى (عليه السلام)، وسبب هلاك ذلك الممسوخ زوال ~~عقله، فلا يمكن تدبير بدنه بغذاء يناسبه، فيموت بعد ثلاثة أيام ونحوها. # ودليل استحالة التناسخ لا يجري في هذا النحو من المسخ المتصل، بل يجري ~~في المسخ المنفصل. # وإنما لم يكن هذا المسخ في أمة محمد (صلى الله عليه وآله) لعدم رسوخ ~~صفاتهم الردية النفسانية على ذلك الحد، أو لعدم قبول أبدانهم وأمزجتهم ~~ذلك التحول في الشكل لاعتدال مزاجهم. # واعلم أن مسخ الباطن كثير في هذه الأمة، فترى الصور صور الأناسي، ~~والباطن انقلب إلى غير تلك الصور من ملك، أو شيطان، أو صورة بهيمة، أو ~~سبع، وبالجملة صورة حيوان مناسب لما هو باطنه عليه من كلب، أو خنزير، ~~أو قرد، أو أسد. وكل ذلك يخالف ما فطر عليه الإنسان في مقام بشريته ~~الطبيعية إما عال أو سافل. # ومسخ البواطن قد كثر في هذا الزمان، كما ظهر المسخ في ms0924 الصورة الظاهرة ~~في بني إسرائيل، حين جعلهم الله قردة وخنازير. كما دلت عليه هذه الآية ~~وغيرها، ولا يجوز حملها على المجاز. وما ذكرنا من مسخ الباطن في هذه ~~الأمة مما يشاهده العارف البصير فيرى الصورة الأخروية بعين قلبه لذلك ~~الممسوخ في الباطن. # ولله في العالم أعين شاهدة لمثل هذه الصور المحجوبة عن أعين الناس، ~~كما نقله بعض الفضلاء، عن أستاذه أنه كان في غلبة الحال، إذ دخل عليه ~~شخص من عظماء البلد، فقال لخادمه: " أخرج هذا الحمار من البيت " ~~فتعجب التلميذ، وانفعل منه ذلك الرجل. ثم سئل الأستاذ: " لم قلت ~~كذا وهو فلان؟ " فقال: " إني ما قلت إلا كما رأيت ". # ويدل على هذا المسخ أيضا ما ورد في الحديث من قول النبي (صلى الله ~~عليه وآله) يخبر عن ربه في صفة قوم من أمته إنهم: " إخوان العلانية ~~أعداء السريرة، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر ". ### || [2.255] # ولما كانت الشواهد القطعية والدلائل العقلية والنقلية مطابقة متوافقة ~~على أن آية الكرسي سيدة آيات القرآن لما فيها من معنى السيادة، المأخوذ ~~في مفهومها المتبوعية، الثابتة لواحد من نوعه، والتابعية لغيره من أفراد ~~ذلك النوع أو الفضيلة والشرف له في المعنى المشترك بينه وبين أمور واقعة ~~تحت معنى نوعي أو جنسي، فسيد الإنسان ما يكون في باب الإنسانية المعتبرة ~~فيها معرفة الله وعبوديته كاملا غاية الكمال كنبينا (صلى الله عليه ~~وآله) وسيد الأنيباء من يكون له الأكملية في معنى النبوة كهو (عليه ~~السلام) وسيد الكواكب ما يكون نوره أقوى وأشد من أنوار الكواكب، إذ روح ~~الكواكب وملاكها هو النورية الحسية والإشراق، والشمس أشد الكواكب نورية ~~وإشراقا فتكون هي حرية بهذا الاسم فيما بينها. # وهكذا الحال في كل معنى مشترك يكون له فرد كامل شديد الكمال، سواء كان ~~إطلاق السيادة في الجميع على سبيل الحقيقة - وذلك إذا لم يعتبر فيها ~~العقل والشعور - أو على سبيل التشبيه في غير ذوي العقول، والتحقيق فيهم ~~لاعتبار ذلك فيها. # وإنما تحققت السيادة في آية الكرسي على سائر ms0925 الآيات لما فيها من تحقق ~~الأفضلية في المعنى، الذي هو روح القرآن ولبابه الأصفى، وسره ومقصده ~~الأقصى، وهو دعوة العباد الى الجبار، وسياقتهم إلى العزيز الغفار، وهذا ~~المطلب كأنه أمر مشترك جنسي، أو نوعي، منحصر في ستة أنواع، أو أصناف ~~بعضها كالدعائم والأصول المهمة، وبعضها كالروادف والتوابع المعينة ~~المتمة، أما الدعائم الأصولية فبعضها معرفة الحق الأول، المسلوك إليه، ~~المصمود به لما فيه من الصفات العظمى، والأسماء الحسنى، والأفعال القصوى، ~~وبعضها معرفة الصراط المستقيم، الذي يجب ملازمته في السلوك إليه، وبعضها ~~معرفة الحال عند الوصول إليه فهذه ثلاثة أقسام. # وأما الروادف المعينة: # فأحدها: معرفة أحوال المحبين للدعوة ولطائف صنع الله فيهم. # وثانيها: حكايات الجاحدين وكشف فضائحهم، وجهلهم بالمجادلة والمحاجة على ~~الحق. # وثالثها: معرفة منازل الطريق وكيفية أخذ الزاد والاستعداد. # والمقصود في الأول، إما التشويق والترغيب، أو الاعتبار والترهيب، وفي ~~الثاني إما الإيضاح، والتثبيت، والتقرير - وذلك في جنبة الحق - أو ~~الإفضاح، والتحذير، والتنفير - وذلك في جنبة الباطل - وفي الثالث: سرعة ~~الوصول إلى أصل الأصول، ورفع العوائق عن التوجه والسير إلى خلاق الخلائق ~~ومحقق الحقائق. # ثم القسم الأول من الأقسام الثلاثة الأصولية يتوزع على معارف ثلاث: ~~معرفة الذات، ومعرفة الصفات، ومعرفة الأفعال. # أما الأولى: فهي الكبريت الأحمر الذي لم يظفر بقدر يسير منها إلا ملوك ~~الآخرة وسلاطينها، الذين هم الأنبياء والأولياء صلوات الله عليهم أجمعين، ~~لكونها أضيق المعارف مجالا، وأعسرها مقالا، وأعصاها على الفكر، وأبعدها ~~عن قبول الذكر، ولا يطلع عليها إلا واحد بعد واحد من أكابر الأنبياء ~~والأولياء (عليهم السلام)، وذلك بعد فنائهم عن ذواتهم، واندكاك جبل ~~إنياتهم ولذلك لا يشتمل القرآن منها إلا على تقديسات وتنزيهات، وسلوب ~~نقائص وكثرات. # وأما الثانية: فالمجال في الصفات أفسح، ونطاق النطق فيها أوسع، وبلوغ ~~الأفهام إليها أسهل وأيسر، لكونها معاني كلية ومعقولات عامية يقع ~~الاشتراك فيها بوجه بين الحق والخلق، ويوجد ظل ضعيف من حقائقها فيما سوى ~~الواحد الأول، ولذلك أكثر آيات القرآن مشتملة على أمهاتها وهي العلم، ~~والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، والحكمة. # وأما ms0926 الثالثة: فبحرها أيضا متسع الأكناف، ولا تنال بالاستقصاء فيها ~~الأطراف، بل ليس في الوجود إلا الله وأفعاله، إذ ما سواه فعله من حيث ~~هو أثره، وكون وجوده تابعا له ظلا لنوره. لكن القرآن يشتمل على معرفة ~~الجلي منها الواقع في عالم الحس والشهادة ككليات الأجرام الشديدة ~~البنيان، ومعظمات الطبائع والأركان، حيث يذكر فيه خلق السماوات، ~~والكواكب، والأرض، والجبال، والبحار، والحيوان، والنبات، وإنزال الأمطار ~~والثلوج، وتصريف الرياح، وإثارة السحاب المسخر بين السماء والأرض إلى ~~غير ذلك من الآيات وسائر أسباب النشوء والحياة، إذ كل ذلك من الأمور ~~الجلية الظاهرة للحواس. # وأما الأمور الخفية منها فهي التي لا تصل إليها أفهام أكثر الناس، وهي ~~أعجبها ترتيبا، وأشرفها رتبة، وأعظمها جلالة، وأدلها على عظم مبدعها ~~وخالقها برهانا لكونها من عالم الملكوت والروحانيات. ولما كان الروح ~~الإنساني المسمى باللطيفة الربانية من جملة أجزاء الآدمي ومن سنخ الملكوت ~~وعالم الغيب، فيمكن له عند استكماله بالعلم، والتجرد عن الدنيا أن يدرك ~~بالبصيرة الباطنية خلائق عالم الملكوت الأعلى وحقائقها الغيبية، وهم على ~~مراتب متفاوتة، ودرجات مختلفة. # منها: الملائكة الأرضية الموكلة بجنس الإنس وهي التي سجدت لآدم. # ومنها: الشياطين المتمردون عن الطاعة المسلطون على أفراد الإنسان إلا ~~من أخلص لله سبحانه، وهي التي امتنعت عن السجود. # ومنها: الملائكة السماوية، وأعلى منهم الكروبيون وهم العاكفون على حظيرة ~~القدس، الذين لا التفات لهم إلى هذا العالم، لاستغراقهم في مشاهدة جمال ~~الحضرة الربوبية وجلال الساحة الإلهية. # واعلم أن إدراك أكثر الخلق مقصور على عالم الحس والتخيل، وهو النتيجة ~~الأخيرة من نتائج عالم الملكوت، والقشر الأقصى عن اللب الأصفى، ومن لم ~~يجاوز هذه الدرجة فكأنه لم يشاهد من الزمان إلا قشرية، ومن عجائب ~~الإنسان إلا بشرية. # فإذا تمهد ما ذكرناه من بيان أبواب القرآن وأقسامه - وأن الغرض من ~~الجميع والمقصود الذي هو روح القرآن وسره ولبابه هو سياقه الإنسان إلى ~~جوار رب الملائكة والإنس والجان - تحقق وتقرر أن لبعض آيات الكتاب ~~العزيز فضيلة وشرافة على غيره منه، وعلم حقية ما دلت عليه ms0927 الأخبار ~~والآثار النبوية والأحاديث المروية عن خير البرية عليه وآله الصلوات ~~الزكية والتسليمات المرضية، الدالة على شرف بعض السور على بعض من قوله ~~(صلى الله عليه وآله): # " فاتحة الكتاب أفضل القرآن ". # وقوله (صلى الله عليه وآله): # " قل هو الله أحد يعدل ثلث القرآن ". # وقوله (صلى الله عليه وآله): # " يس قلب القرآن ". # وكذلك الأخبار الدالة على فضيلة بعض الآيات من قوله (صلى الله عليه ~~وآله): # " آية الكرسي سيدة آي القرآن ". # وما وردت من الأخبار والآثار الدالة على تفضيل بعض السور، وتخصيص بعض ~~الآيات، وكثرة الثواب في تلاوتها والمنافع المذكورة في القوارع القرآنية ~~المذكورة على ألسنة الرواة، والمثبتة في كتب الأحاديث المروية بالأسانيد ~~العامية والخاصية المنتمية الى سادات الأمة ورؤساء العصمة والإمامة، وأهل ~~بيت النبوة والولاية (عليهم السلام) أكثر من أن تحصى. # ومن توقف بعد هذه الدلائل النقلية والقواعد العقلية العرفانية في تفضيل ~~بعض السور والآيات، وضعف نور بصيرته عن إدراك التفرقة بين آية الكرسي ~~وآية الزانيات، وسورة الإخلاص النازلة في معرفة الرب، وسورة تبت يدا أبي ~~لهب فحرام عليه أن ينسرح في ميدان معرفة الصانع بل يجب عليه أن يغض بصره ~~عن آثار رحمة الله، ولا ينظر إليها ويشتغل من لباب القرآن بالقشور ~~ويتوجه إلى القرطاس المنقوش من الرق المنشور، ويكتفي من العلوم الشرعية ~~التي تستنبط أصولها وفروعها من آيات الكتاب بنوادر الطلاق ودقائق علم ~~السلم، والرهانة، وغرائب النحو واللغة، وصنعة الكلام وطريقة المجادلة مع ~~الخصام التي هي متاع الأنعام " قد علم كل أناس مشربهم " " قوة كل طائر ~~على قدر حوصلته " نظم: # كر بيرد يشه جندانكه هست # كى كمال صرصرش آيد بدست # إذا لم تستطع أمرا فدعه # وجاوزه إلى ما تستطيع # فمن رجع إلى ملاحظة المقصود الأصلي من إنزال القرآن وروح المعنى المراد ~~منه والقدر المشترك بين أقسامه - الذي هو سياقة الخلق إلى جوار رحمة الله ~~سبحانه - وأنه مما يتفاوت في تلك الأقسام كمالا، ونقصا، وشدة، وضعفا، ~~إما لأجل التدرج في التعليم من مرتبة أخرى فوقها، أو التلطف في الهداية ~~من ms0928 جهة الانتقال من فن إلى فن لكيلا يلزم الإسهاب والإملال بسبب التكرار ~~والمواظبة على نهج واحد في المقال، وإما لأجل اختلاف القرائح والطبائع في ~~اللطافة والكثافة، والذكاء والغباوة. # فلكل إنسان بحسب عقله طور من الأطوار، كما أن لكل حيوان بحسب جسميته شكل ~~من الأشكال كالفرس، والحمار، والبعير، والإنسان، المتخالفة في الحركات ~~والآثار، فتفظن وتيقن أن المقصد الأقصى واللباب الأصفى من أقسام القرآن ~~وعلومه هي معرفة ذات الله تعالى، وصفاته، وأفعاله، ويعلم أن سائر الأقسام ~~مرادة لهذا القسم، وهو مراد لنفسه لا لغيره، فإن العلم الأعلى والحكمة ~~الإلهية هو رئيس سائر العلوم الحقيقية ومخدومها، لأن غاية العلوم الآلية ~~التي هي مقصودة لغيرها هي المعارف الربانية وهي ليست غاية لشيء آخر غيرها ~~بل غاية الغايات وآخر سير الأفكار ونهاية الحركات، وما عداها من العلوم ~~الكلية والجزئية هي خدمها، وتوابعها، وعبيدها، وهو السيد المطاع، والرئيس ~~المقدم، الذي تتوجه إليه وجوه الأتباع وتتولى شطره قلوب الخدم، فيحذون ~~حذوه، وينحون نحوه، ويخدمون غرضه. # وإذا تأمل الناظر المتفكر وتدبر بعين البصيرة في جملة المعاني التي ~~تشتمل عليها آية الكرسي من المعارف الإلهية والمطالب الربوبية - من ~~التوحيد والتقديس وشرح الصفات العليا والأفعال العظمى - لم يجدها مجموعة ~~في آية واحدة من آيات القرآن إلا هذه الآية، فلذلك لا تستحق السيادة ~~والرياسة على سائر آي القرآن إلا هي وحدها، فإن # شهد الله # [آل عمران:18] ليس فيه إلا التوحيد و # قل هو الله أحد # [الإخلاص:1] ليس فيه إلا التوحيد والتقديس و # قل اللهم مالك الملك # [آل عمران:26] ليس فيه إلا الأفعال وكمال القدرة " والفاتحة " فيها ~~مرامز إلى هذه الصفات من غير شرح، وهي مشروحة في آية الكرسي. # والذي يقرب منها في جميع هذه المعاني آخر الحشر وأول الحديد، إذ يشتمل ~~على أسماء وصفات كثيرة، ولكنها آيات لا آية واحدة، وهذه آية واحدة، فإذا ~~قابلتها بآحاد تلك الآيات وجدتها أجمع للمقاصد الإلهية، التي هي روح ~~القرآن فلذلك تستحق السيادة على الآي كلها، وتكون مصداقا لما ورد في ~~فضلها وشرفها من الأخبار ms0929 والآثار. # منها: ما ورد منه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " آية الكرسي سيدة آي القرآن ". # ومنها: أنه قال (صلى الله عليه وآله): # " ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوما، ولا ~~يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة ". # ومنها: ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " سمعت نبيكم وهو على ~~أعواد المنبر يقول: # " من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه عن دخول الجنة ~~إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ ~~مضجعه آمنه الله على نفسه، وجاره، وجار جاره، والأبيات حوله " ". # وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم أمير المؤمنين (عليه ~~السلام): " أين أنتم عن آية الكرسي؟ " - ثم قال: - قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): # " يا علي سيد البشر آدم وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الكلام القرآن، ~~وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي. يا علي إن فيها لخمسين ~~كلمة، في كل كلمة خمسون بركة ". # وعن أبي بن كعب قال: # " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أبا المنذر أي آية في كتاب ~~الله أعظم؟ قلت: " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " قال: فضرب في صدري ~~ثم قال: ليهنئك العلم والذي نفس محمد بيده ان لهذه الآية للسانا ~~وشفتين، تقدس الملك عند ساق العرش " # نقلها أبو علي الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان. # ومنها: ما وري عن أبي جعفر الباقر عليه الصلاة والسلام قال: " من قرأ ~~آية الكرسي مرة صرف الله عنه ألف مكروه من مكاره الدنيا وألف مكروه من ~~مكاره الآخرة أيسر مكروه الدنيا الفقر وأيسر مكروه الآخرة عذاب القبر ". # وعن أبي عبد الله (عليه السلام) " ان لكل شيء ذروة، وذروة القرآن آية ~~الكرسي ". # كيف وفيها " الحي القيوم " وهما من اسم الله الأعظم كما سيظهر لك لمعة ~~من أنواره ونكتة من أسراره، ويشهد له ما ورد في الخبر بأن: # " الإسم الأعظم في آية الكرسي وأول آل عمران ". # وعن أمير المؤمنين صلوات الله ms0930 عليه قال: # " لما كان يوم بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~أنظر ما يصنع قال فجئت فإذا هو ساجد يقول: " يا حي يا قيوم " لا يزيد ~~على ذلك، ثم رجعت إلى القتال، ثم جئت وهو يقول ذلك فلا أزال أذهب وأرجع ~~وأنظر إليه ولا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له ". # وناهيك إيقانا بهذا أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم وأشرف ~~المذكورات والمعلومات هو الله تعالى بل هو متعال عن أن يقال: " إنه هو ~~أشرف من غيره " لأن ذلك يقتضي نوع مجانسة ومشاكلة، وهو مقدس عن مجانسة ~~ما سواه ولما كانت الآية مشتملة من نعوت جماله وأوصاف كبريائه على ~~الأصول والمهمات فلا جرم وصلت في الشرف إلى أقصى الغايات. # فقد ثبت مجملا وتحقق بما أشرنا إليه قبل الخوض في بيانه أن لآية الكرسي ~~بخصوصها سيادة وشرافة على كل واحدة واحدة من آيات القرآن، لأنها أجمع من ~~كل منها وأشمل لمعان هي روح القرآن ولبابه الأصفى - من معرفة الذات، ~~والصفات، والأفعال - إذ ليست هذه المعاني مجموعة في غيرها من الآيات وهي ~~بأسرها مذكورة فيها، فإن قوله تعالى: { الله } إشارة إلى الذات ~~الموصوفة بالوجوب والغنى الذاتيين " والإلهية " إفادة الوجود وإعطاء ~~الكمال والخير والجود لغيره وقوله: { لا إله إلا هو } إشارة ~~إلى توحيد الذات، ونفي المماثل في الوجود، والشريك في الإيجاد، والشبيه ~~في الصفة. # وقوله: { الحي القيوم } إشارة إلى نعت الذات وجلالتها وعظمتها ~~لما فيه من معنى الحياة المأخوذ فيه العلم والقدرة وسائر ما يتعلق بهما ~~ويتعلق به (ومتعلقاته - ومتعلقا به - ن) إذ " الحي " هو الذي يدرك ~~ويفعل، ومعنى " القيومية " المستفاد منه جميع الصفات الكمالية والبراءة ~~عن جميع النقائص الإمكانية، فإن معنى " القيوم " هو الذي يقوم بنفسه ويجب ~~بذاته ويقوم به غيره، فلا يتعلق قوامه بشيء، وهو يسلتزم سلب النقائص ~~كلها، إذ ما من نقيصة إلا ومنبعه الافتقار الذاتي والإمكان، ويتعلق به ~~قوام كل شيء وهو يستلزم استجماع الخيرات والفضائل كلها ومنبعية كمالات ~~الأشياء ومقاصدها بأسرها التي ms0931 تتم بها قصوراتها وتجبربها نقصاناتها، وهذا ~~غاية العظمة والجلالة. # وقوله: { لا تأخذه سنة ولا نوم } من الصفات التقديسية ~~السلبية، لأنه تنزيه وتقديس له عما ينافي القدم والإلهية من صفات ~~الحوادث، وسمات المركبات. ولا شك أن التقديس عن وصمة التنقيص نوع من ~~العرفان بل أوضح أقسامه في حق من لا سبيل إلى اكتناه ذاته بالبرهان. # وقوله: { له ما في السماوات وما في الأرض } إشارة إلى ~~الأفعال كلها خلقها وأمرها، وعقولها ونفوسها، وأعاليها وسوافلها، وأن ~~جميعها يبتدي ويصدر منه، وينتهي ويرجع إليه. # وقوله: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } إشارة ~~إلى انفراد بالملك والأمر وتوحده بالوجود والتقوم، وفناء ذوات الكل عند ~~ذاته، واضمحلال أشعة نفوسهم عند سطوع النور الأول، وأن من يملك ~~الشفاعة والوساطة فإنما يملكها بتشريفه إياه والإذن فيه بالأمر التكويني ~~المتعلق أولا بذوات الوسائط المستمعة بآذان قابلياتها الواعية الصافية، ~~وقلوبها السامعة الفاهمة خطاب الحق يقول: " كن " وأمره في دخولها دار ~~الكون قبل غيرها، وإجابة دعوته تعالى وامتثال أمره في دخولها باستماع ~~الخطاب وإدخال غيرها باسماع كلامه تعالى إياه لقوله تعالى: # يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون ~~إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا # [النبأ:38]. # وقوله: { يعلم ما بين أيديهم } ، الآية إشارة إلى صفة ~~العلم على الوجه التفصيلي الذي هو آخر مراتب العلم ونفي صفة العلم ~~المساوق للحياة بل الوجود عن غيره، إلا من عطائه وموهبته حسب إرادته ~~ومشيئته. # وقوله: { وسع كرسيه السماوات والأرض } إشارة إلى عظمة ~~ملكه وبسطة قدرته. وفيه سر شريف ومعرفة غامضة سينكشف لك ما يحتمل سماعه ~~طاقة أمثالك عند إيضاحنا نبذا من شرح صفة الكرسي واتساعه السماوات ~~والأرض. # وقوله: { ولا يؤوده حفظهما } إشارة إلى كمال قدرته وعدم ~~تناهي قوته وتنزهها عن الدثور، والكلال، والنقصان، والزوال. # وقوله: { وهو العلي العظيم } إشارة إلى أصلين عظيمين في ~~الأسماء والصفات سنشير إلى شرحهما حسبما تحتمله الأسماع. # فمن تأمل جملة هذه المعاني من التوحيد، والتقديس، والجمال، والجلال، ~~والعظمة، والبسطة، والقهر، والملك، والملكوت، تأملا تاما، كاملا ~~وتفكر فيها تفكرا شافيا كافيا، ms0932 وجدها غاية مقصد السالكين، ونهاية ~~مطلوب المحتاجين، بحيث بها يمكن أن يصل كل ذي حاجة ومسكنة إلى مبتغاه ~~ومتمناه، وبها ينتهي كل طالب مشتاق إلى شيء مطلوب، وكل مشتهي متمني إلى ~~نفسه ومرغوب مناه ومهواه، إذ فيها أصل السعادات ومنشؤها، وغاية الخيرات ~~ومنتهاها. # فلنشرع في تفسير هذه المعاني وشرحها حسب ما ألهمنا الله بها، ومنحها على ~~قدر وسعنا وطاقتنا، ومبلغ استطاعتنا وقوتنا، لا على قدر جلالة تلك ~~المعاني وعظمتها، ومبلغ شرافتها وحقيقتها، ولنورد جملة هذه المعاني في ~~عدة فصول تكون هي للحقائق العلمية دعامات وأصول، مدرجا كل جملة من ~~المقاصد المتعلقة بكلام مفرد إسنادي خبري في مقالة واحدة ليسهل أخذها على ~~المتأمل الطالب، ويتيسر ضبطها على السالك الراغب، موردا في كل باب قبل ~~الإشارة إلى ما هو صريح الحق والصواب، وقرة عيون أولي البصائر والألباب، ~~طائفة من كلمات القوم وتأليفاتهم، وفوائدهم وتدقيقاتهم في الكتاب، ~~ملخصا لثمرات كلامهم، ومقربا لأبعاد مرامي سهامهم، ومقصرا لمسالك ~~أقدامهم، ومجاوزا عن ما يعدونه غاية مرامهم، وملتقطا من عقود نظامهم ~~فرائده من غير إخلال، ومجتنبا من عنقود ثمارهم فوائده من غير إهمال، ~~ليكون معوانا على ما نحن بصدده، ومعدا للناظر فيما يحتاج إلى مدده. # وها أنا أشرع فيما وعدناه، وأخوض فيما قصدناه، بإذن مبدإ الجود ومنتهاه، ~~وغاية الوجود ومبتغاه. # المقالة الأولى # فيما يتعلق باسمه تعالى " الله " # وفيه أبحاث وتحقيقات لفظية ومعنوية أوردناها في مسائل: # المسألة الأولى # في كيفية كتابة هذا اللفظ # يجب إبقاء " لام التعريف " في الخط على ما هو أصله في لفظ " الله " كما ~~في سائر الأسماء المعرفة وأما حذف " الألف " قبل " الهاء " فلكراهتهم ~~اجتماع الحروف المتشابهة في الصورة عند الكتابة، ولأنه يشبه " اللاة " ~~في الكتابة. # قال أهل الإشارة: الأصل في قولنا " الله " " الإله " وهو ستة أحرف ويبقى ~~بعد التصرف أربعة في اللفظ - ألف ولامان وهاء - فالهمزة من أقصى الحلق، ~~واللام من طرف اللسان، والهاء من أقصى الحلق، وهذا حال العبد يبتدئ من ~~النكرة والجهالة ويترقى قليلا في مقامات العبودية حتى يصل إلى آخر ~~مراتب ms0933 الوسع والطاقة ويدخل في عالم المكاشفات والأنوار، ثم يأخذ بالرجوع ~~قليلا قليلا حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد كما قيل: " النهاية ~~هي الرجوع إلى البداية ". # ومن اللطائف المتعلقة بمواد هذا الاسم وحروفه أنك إذا أسقطت " ~~الهمزة " بقي " لله " # ولله جنود السماوات والأرض # [الفتح:4]. فإن تركت من هذه البقية " اللام " الأولى بقيت البقية على ~~صورة " له " # له ما في السماوات والأرض # [البقرة:116]، وإن تركت " اللام " الباقية أيضا بقيت الهاء المضمومة ~~من " هو " # قل هو الله أحد # [الإخلاص:1]، و " الواو " زائدة حصلت من إشباع الضمة بدليل سقوطها في ~~التثنية والجمع " هما، هم ". # فانظر إلى تقدس هذا الاسم وتنزهه عما يشبه القوة والبطلان ويوهم ~~النقصان والإمكان، ولو بحسب مرتبة من مراتبه، وتفطن منه إلى صمدية ~~مسماه وترفعه عن التعطل والقصود في إفاضة الوجود والرحمة على ما سواه. # روي أن فرعون قبل أن يدعي الإلهية قصد أو أمر أن يكتب " بسم الله " ~~على بابه الخارج، فلما ادعى الإلهية وأرسل الله إليه موسى ودعاه فلم ~~ير به أثر الرشد وقال: " إلهي كم أدعوه ولا أرى به خيرا؟ " قال تعالى يا ~~موسى: " لعلك تريد إهلاكه، أنت تنظر إلى كفره، وأنا أنظر إلى ما كتبه ~~على بابه " فالنكتة فيه أن من كتب هذه الكلمة على بابه الخارج صار آمنا ~~من العذاب - وإن كان كافرا - فالذي كتبه على سويداء قلبه من أول عمره ~~إلى آخره كيف يكون. # المسألة الثانية # في كيفية التلفظ باسم الجلالة # إعلم أن القراء والمجودين استحسنوا تفخيم اللام وتغليظها من لفظ ~~" الله " بعد الفتحة والضمة دون الكسرة. # أما الأول: فللفرق بينه وبين لفظ " اللات " في الذكر، ولأن التفخيم ~~مشعر بالتعظيم، ولأن اللام الرقيقة تذكر بطرف اللسان والغليظة ~~تذكر بكل اللسان، فكان العمل فيه أكثر؛ فيكون أدخل في الثواب، وهذا كما ~~جاء في التوراة: " أجب ربك بكلك " وربما قال بعضهم بالوجوب مستدلا ~~بأنه أمر شائع فلا يجوز خلافه. # وأما الثاني: فلأن النقل من الكسرة إلى اللام الغليظة ثقيل على ~~اللسان لكونه كالصعود بعد الانحدار. # وربما ms0934 قيل بالتفخيم في الأحوال الثلاثة، ونقل ذلك عن بعض القراء. # وإنما لم تعد اللام الغليظة حرفا والرقيقة حرفا آخر كما عد ~~الدال حرفا والطاء حرفا آخر - مع أن نسبة الرقيقة إلى الغليظة كنسبة ~~الدال إلى الطاء، فإن الدال بطرف اللسان والطاء بكل اللسان - لاطراد ~~استعمال الغليظة مكان كل رقيقة ما لم يعق عائق الكسرة، وعدم اطراد الطاء ~~مكان كل دال. # أقول: وهاهنا وجه آخر وهو أن الوجدان يجد تفرقة بينهما سوى التفاوت ~~بالجزئية والكلية في المخرج، وهو التفاوت بالرخاوة والشدة، مع أن ~~كليهما من الحروف الشديدة عند القراء، وهي حروف " أجد قط بكت " إذ لا ~~شبهة لأحد أن جميع هذه الحروف ليست في درجة واحدة من الشدة، كما أن ~~الرخويات ليست متساوية في حد من الرخاوة. # وحذف الألف لحن تبطل به الصلاة، وإنما ورد في الشعر للضرورة، ولا ينعقد ~~به اليمين عند أصحابنا، إذ ليس حينئذ من الأسماء المختصة ولا الغالبة. # وأما الشافعية فاليمين لما كان عندهم على ضربين: الصريح - وهو الذي ~~ينعقد عندهم بمجرد التلفظ بالاسم من غير نية وهو الحلف بالأسماء المختصة ~~- والكنائي - وهو ما يحتاج فيه إلى النية بأن ينوي الحالف الذات ~~المقدسة وهو الحلف بالأسماء المشتركة كالحي والسميع، والبصير - فاليمين ~~بالاسم المذكور ينعقد عندهم مع النية. وأما على ما ذهب إليه أصحابنا ~~فاليمين لا ينعقد إلا بشرطين أحدهما: النية، والثاني: كونه من الأسماء ~~المختصة له تعالى وهو مفقود عند حذف الألف. # المسألة الثالثة # في أنه من أي لغة كان - عربي، أو عبري، أو سرياني - # وفي أنه اسم، أو صفة، جامد أو مشتق # قد اختلفت ألسنة الفحول، وتشعبت آراء أرباب العقول، وتفننت أنظار علماء ~~النقول وأصحاب الأبنية والأصول، واضطربت أقوالهم في لفظة الجلالة، كما ~~تاهت أفكار العقلاء في مدلولها وتحيرت أذهانهم في مفهومها، وكما ~~اضمحلت ذوات العارفين في حقية مسماها، واندكت جبال إنياتهم في هوية ~~الأول المحتجب بشدة ضوئه الأبهر، ونوره الأقهر عن عيون خفافيش العقول، ~~فكأنه قد وقعت رشحة من بحر تعززه وتمنعه، وعكست شعلة من ms0935 نار كبريائه ~~وجلاله على منصات ظهور جماله، حتى اللفظ الذي بإزاء هويته، فتلجلج ~~لسان الفصحاء عند بيانه، وتمجمج البلغاء في الإخبار عن شأنه. # فقيل: هو لفظ عبري. # وقيل: هو سرياني، وأصله " لاها " فعرب بحذف الألف من آخره، وأدخل ~~اللام والألف عليه. # وقيل: بل هو عربي وأصله " إله " حذفت الهمزة وعوض عنها بالألف ~~واللام، ومن ثم لم يجز إسقاطهما حال النداء ولا وصل الهمزة تحاشيا عن ~~حذف العوض أو جزئه. # فقيل: في النداء: " يا ألله " بالقطع كما يقال: " يا إله " وإنما خص ~~القطع به تمحيضا لهما في العوضية للاحتراز عن اجتماع أداتي التعريف - ~~وفيه ما فيه -. # و " الإله " من أسماء الأجناس كالرجل والفرس فيقع على كل معبود بحق أو ~~باطل ثم غلب على المعبود بحق كما غلب " النجم " على الثريا، و " السنة " ~~على عام القحط، و " البيت " على الكعبة. # وأما " الله " - بحذف الهمزة - فمختص بالمعبود الحق لم يطلق على غيره ~~فاختلفوا فيه هل هو اسم أو صفة؟ فالمختار عند جماعة من النحاة كالخليل ~~وأتباعه وعند أكثر الأصوليين والفقهاء أن لفظ الجلالة ليس مشتق وأنه اسم ~~علم له سبحانه لوجوه: # أحدها: إنه لو كان مشتقا لكان معناه كليا لا يمتنع نفس مفهومه من وقوع ~~الشركة فيه، وحينئذ لا يكون قولنا: " لا إله إلا الله " موجبا للتوحيد ~~المحض، ولا الكافر يدخل به في الإسلام، كما لو قال: " أشهد أن لا إله ~~إلا الرحيم " أو " إلا الملك " بالاتفاق. # ويرد عليه: أنه يجوز أن يكون أصله الوصفية، إلا أنه نقل إلى العلمية. # والثاني: إن الترتيب العقلي يقتضي ذكر الذات، ثم تعقيبه بالصفات، نحو " ~~زيد الفقيه الأصولي النحوي " ثم إنا نقول " الله الرحمن الرحيم " ولا ~~نقول بالعكس، فنصفه، ولا نصف به، فدل ذلك على أن " الله " اسم علم. # ويرد عليه: أن هذا لا يستلزم العلمية لجواز كونه اسم جنس أو صفة غالبة ~~يقوم مقام العلم في كثير من الأحكام، ويخدشه أيضا قوله تعالى: # صراط العزيز الحميد * الله الذي له ما في ~~السماوات # [إبراهيم:1 - 2] في قراءة حفص. ms0936 # وأجيب بأن قراءة حفص عند من قرأ بها ليست لأجل أنه جعله وصفا، ~~وإنما هو للبيان، كما في قولك: " مررت بالعالم الفاضل زيد ". # والثالث: قوله تعالى: # هل تعلم له سميا # [مريم:65]. وليس المراد الصفة وإلا لزم خلاف الواقع، فوجب أن يكون ~~المراد اسم العلم وليس ذلك إلا " الله ". # ولقائل أن يمنع تالي شق الأول مسندا بأن المراد من الصفة كمالها المعرى ~~عن شوب النقص. # والرابع: إنه سبحانه يوصف بصفات مخصوصة فلا بد له من اسم خاص تجري ~~عليه تلك الصفات، إذ الموصوف إما أخص أو مساو للصفة. # وفيه أولا: أن هذه مغالطة من باب الاشتباه بين أحكام اللفظ وأحكام ~~المعنى، فإن الاختصاص بالنعوت والأوصاف يوجب مساواة ذات الموصوف أو ~~أخصيتها بالقياس إلى الصفة لا وقوع لفظ مخصوص بأزاء الذات، والأول لا ~~يسلتزم الثاني. # وثانيا: إنه على تقدير التسليم لا نسلم لزوم العلمية، لأن الصفات ~~مفهومات كلية وأن تخصص بعضها ببعض لا ينتهي إلى التعين الشخصي، غاية ~~ما في الباب أن يصير كليا منحصرا في فرد، فيكفي لموصوفها عنوان هو أمر ~~كلي منحصر في فرد. # وثالثا: إنه يرد عليه ما ورد أولا على الثاني. # وأما القائلون بالاشتقاق فحجتهم أمور: # منها: قوله تعالى: # وهو الله في السماوات وفي الأرض # [الأنعام:3]. إذ لو كان علما لم يكن ظاهر هذه الآية مفيدا معنى ~~صحيحا - لا كما وجهه بعضهم من أنه يشعر بالمكانية لأن ذلك حديث آخر ~~يتعلق بعلم أرفع من مباحث الألفاظ ولعل الألفاظ المشعرة بالتجسم في ~~القرآن غير محصورة والسر في الجميع شي واحد ليس هذا الموضع محل بيانه - ~~بل لأن المعنى الجامد لا يصلح للتقييد بالظروف وغيرها بخلاف المعنى ~~الوصفي، فإنه لا يجوز أن يقال " هو زيد في البلد " وإنما يقال: " هو ~~العالم في البلد " أو " الواعظ في المجلس ". # والجواب: إن الاسم قد يلاحظ معه معنى وصفي اشتهر مسماه به فيتعلق ~~بالظرف كما في " أسد علي " لتضمنه معنى الصائل أو المقدم، فكذلك يلاحظ ~~هاهنا معنى المعبود بالحق لكونه لازما لمسماه مشتهرا في ms0937 ضمن فحواه. # ومنها: إنه لما كانت الإشارة ممتنعة في حقه تعالى كان العلم له ~~ممتنعا. # ومنها: إن العلم للتمييز، ولا مشاركة فلا حاجة إليه. # والجواب عن الوجهين: إن وضع العلم لتعين الذات المعينة ولا حاجة ~~إلى الإشارة الحسية، ولا يتوقف على حصول الشركة. # قال بعض العلماء: يشبه أن يكون النزاع بين الفريقين لفظيا غير مؤد إلى ~~فائدة لأن القائلين بالاشتقاق متفقون على أن " الإله " مشتق من " أله - ~~بالفتح - آلهته " أي: عبد عبادة. وأنه اسم جنس يقال على كل معبود، ثم ~~غلب على المعبود بحق كما مر، وأما " الله " بحذف الهمزة فمختص ~~بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره، ولم يفهم سواه وهذه خاصية العلم. # وقيل: اشتقاقه من " ألهت إلى فلان " أي: سكنت. وهذا المعنى أيضا لا ~~يتحقق إلا بالقياس إلى جنابه المقدس فإن النفوس لا تسكن إلا إليه ~~والعقول لا تقف إلا لديه لأنه غاية الحركات، ومنتهى الرغبات، كما برهن ~~في الحكمة الإلهية ولأن الكمال محبوب لذاته # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد:28]. # وقيل: من " الوله " وهو ذهاب العقل، وهو بالحقيقة ثابت للذوات بالنسبة ~~إلى قيوم الهويات وجاعل الإنيات، سواء فيه الواصلون إلى ساحل بحر ~~العرفان المستغرقون في لجة يم الإيقان، والواقفون في ظلمات الجهالة ~~والعميان المتزحزحون في تيه الخذلان. # وقيل: من " لاه " بمعنى ارتفع، وهو تعالى مرتفع عن شوب مشابهة الممكنات ~~ومتعال عن وصمة مناسبة المحدثات. # وقيل: من " أله في الشيء " إذا تحير فيه، لأن العقل وقف بين الإقدام ~~على إثبات ذاته - نظرا إلى وجود مصنوعاته - والتكذيب لنفسه؛ لتعالي ذاته ~~عن ضبط وهمه وحسه، ولذلك قال المحققون: السالك الواصل إلى درك الواجب ~~لذاته هو نحو البرهان المأخوذ عن معنى الوجود وأن له مبدءا قيوما ~~لذاته فهو الشاهد على ذاته وعلى كل شيء لا العقل، إذ ليس له إلا أن ~~يقر بالوجود والكمال مع الاعتراف بالعجز عن إدارك الجمال والجلال، فعجز ~~العقل هاهنا عن درك الإدراك إدارك. # وقيل: من " لاه يلوه " إذا احتجب. لأنه بكنه صمديته محتجب عن العقول ~~فإنه إنما ms0938 يستدل على كون الشعاع مستفادا من الشمس بدورانه معها ~~وجودا وعدما، وطلوعا وأفولا، وشروقا وغروبا، ولو كانت الشمس ثابتة ~~في كبد السماء لما حصل اطمئنان بكون الشعاع مستفادا منها، ولما كانت ~~ذاته باقية على حالها وكذا الممكنات التابعة له، فربما يخطر ببال ضعفاء ~~العقول أن هذه الأشياء موجودة بذواتها، وكثير منهم لا يمكنه تصور دوام ~~المجعول مع الفاعل التام مع أن البقاء لأحدهما بالأصالة والحقيقية، ~~وللآخر بالتبعية والمجاز إذ المهيات والأعيان مظلمة الذوات بذواتها ~~لازمة الفقدان والعدم بأنفسها، إلا أنها مرائي لحقيقة الأول ومجالي ~~لظهور نور الحق لم يزل فاختفى الحق بالخلق وظهر الخلق بنور الحق، فلا سبب ~~لاحتجاب نوره إلا كمال ظهوره، كما لا سبب لظهور الخلق إلا غاية بطونه ~~وبطلانه، فالحق محتجب والخلق محجوب. # وقيل: من " أله الفصيل " إذا ولع بأمه، لأن العباد يتضرعون إليه في ~~البليات # وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه # [الروم:33] هذا شأن الناقصين، وأما العارفون الكاملون فهم في بحر شهوده ~~مغرقون وهو جليسهم وأنيسهم. # شكى بعض المريدين كثرة الوسواس فقال له الشيخ: " كنت حدادا عشر سنين، ~~وقصارا عشرا، وبوابا عشرا " فقيل: " وكيف ما رأينا منك؟ " فقال: " ~~القلب كالحديد، ألنته بنار الخوف عشرا، ثم شرعت في غسله عن الأوضار ~~والأوزار عشرا، ثم وقفت على باب القلب عشرا أسل سيف لا إله إلا الله، ~~فلم أترك حتى يخرج منه حب غير الله تعالى، ويدخل فيه حب الله فلما خلت ~~عرصة القلب عن غيره وقويت محبته، سقطت من بحر عالم الجلال قطرة من النور ~~فغرق القلب فبقي في تلك القطرة، وفنى عن الكل، ولم يبق فيه إلا محض ~~سر لا إله إلا الله. # وقيل: من " أله الرجل يأله " إذا فزع من أمر نزل به، فآلهه أي آجره، ~~والمجير لكل الخلائق من كل المضار هو الله ولا يجار عليه. # كشف تحقيقي # الحق أن وضع الاسم المخصوص للذات الأحدية والهوية الغيبية مع قطع ~~النظر عن النسب والإضافات غير متصور أصلا لا لما قيل " إن ذاته تعالى من ms0939 ~~حيث هي غير معقول للبشر، فلا يمكن أن يدل عليها بلفظ ". إذ يرد عليه ما ~~ذكره بعض المحققين: إن أقصى ما يلزم منه عدم تمكن البشر من وضع الاسم له ~~جل شأنه، والمدعى أن ليس له تعالى علم أصلا، وقد صح أن أسماءه ~~توقيفية، فيجوز أن يضع هو لذاته المقدسة اسما، على أن القول بعدم تمكن ~~البشر من وضع العلم محل كلام، إذ يكفي في وضع الاسم تعقل المسمى بوجه ~~يمتاز عما عداه. # بل لأن الغرض من وضع الألفاظ والنقوش الكتابية ليس إلا الدلالة على ~~المعاني الذهنية الدالة على الحقائق الخارجية، إذ لو كانت الحقيقة بنحو ~~وجودها الخارجي حاضرا عند المخاطب سقط اعتبار اللفظ، بل لا يحتاج إلى ~~إشارة عقلية ولا حسية لكونها مدركة بصريح المشاهدة، ولما لم يتصور ~~لحقيقة الباري صورة ذهنية مطابقة لذاته، فلا يمكن الدلالة عليه بالألفاظ ~~الدالة على الصورة الذهنية المطابقة له، ولا اسم لذاته المخصوصة أيضا إذ ~~لا يمكن نيل ذاته المقدسة إلا بصريح ذاته وإشراق نور وجهه الكريم بعد ~~فناء السالك عن ذاته، واندكاك جبل إنيته، واضمحلاله في العين، وإماطة ~~أذى هويته في طريق الحق من البين، وحينئذ فلا اسم له، ولا رسم، ولا ~~نعت، ولا خبر عن الغيب المحض والمجهول المطلق، فالسالك ما دام في حجاب ~~وجوده وعينه فلا فائدة للألفاظ في حقه، ولا خبر عن الحق أصلا، وإذا وصل ~~إلى الشهود الحقيقي فلا أثر منه عند الغير كما قيل: # اين مدعيان در طلبش بيخبراند # كانرا كه خبر شد خبرى باز نيامد # ومن هاهنا يتبين ويتحقق أن وضع الألفاظ للمفهومات والصور الذهنية لا ~~للأعيان الخارجية، سواء كان الغرض تعرف أحوال تلك الأعيان وأحكامها أم لا ~~- كما في الأحكام الذهنية -. # ومما يؤكد أن وضع الألفاظ للصور الذهنية أنه قد ثبت في مقامه أن لا سبيل ~~للعلم بأنحاء الوجودات الخارجية للمهيات إلا بالحضور العيني والمشاهدة ~~الإشراقية، أو الإحساس، فعلى هذا كيف يتصور أن يفهم من مجرد إطلاق اللفظ ~~الهوية الخارجية، إلا بسبب سبق علم شهودي ms0940 أو إحساس بتلك الهوية، وإذا ~~لم يكن الأمر العيني مما يتصور في حقه المشاهدة الاكتناهية أو الإحساس ~~كذاته تعالى فلا فائدة لوضع الألفاظ لذاته المخصوصة بوجه أصلا. # فإن قلت: لا شبهة في أن للعلوم والصور الذهنية دلالات على المعلومات ~~والأعيان الخارجية - وإن لم يحضر الأمر الخارجي - فالعلم بها لا يتوقف ~~على حضورها. وأيضا لا شك أن الأحكام الخبرية ليست كلها جارية على مجرد ~~الصور العقلية، وإلا لكانت القضايا كلها ذهنيات فلم يبق قضية حقيقة أو ~~خارجية، فللحكم على الشيء لا بد من إدراكه. # قلنا: نحن لا ننكر أن للصورة العقلية دلالة على الشيء الخارجي بوجه من ~~الوجوه، لكنا نقول: هذه الدلالة على الأمر الخارجي بهويته المخصوصة لا ~~يمكن إلا بعد العلم الحضوري به، فاللفظ إذا دل عليه فإنما دل أولا ~~على الصورة الذهينة، وبتوسطها على الأمر الخارجي بالشرط المذكور، وأما ~~القضايا والأحكام الخارجية أو الحقيقية فالحاضر بالذات للعقل عند إطلاق ~~اللفظ في الحمليات مطلقا ليس إلا الصور الذهنية، إلا أنها قد تكون ~~مأخوذة على وجه يصير عنوانا لحقيقة خارجية، كما في المحصورات الخارجية، ~~فإن المحكوم عليه في قولنا " كل إنسان كاتب " هو الصورة العقلية للإنسان ~~المأخوذة من حيث هي هي على وجه يصير مرآة لملاحظة الأفراد على سبيل ~~الإجمال، بمعنى أن كل واحد واحد من الأفراد لو كان حاضرا مشهودا ~~بهويته العينية لكان متحدا مع تلك الصورة المأخوذة كذلك. # وهكذا الحكم في الأفراد المقدرة في القضية الحقيقية بخلاف الطبيعة ~~الذهنية، فإن المحكوم عليه فيها مجرد الصورة من حيث كونها متعينة، في ~~الذهن ففي القبيلين المدرك بالذات ليس إلا صورة الشيء الخارجي ووجهه ~~دون هويته وذاته، إلا أن في أحدهما اعتبر المطابقة مع ما في الخارج على ~~الوجه المذكور، وفي الآخر لم يعتبر، وهذا هو الفرق بين العلم بوجه الشيء ~~وبين العلم بالشيء من وجه، مع الاتفاق في كون المعلوم بالذات هو الوجه، ~~لا الكنه. # فقد استنار وانكشف أن حقيقته المقدسة باعتبار الأحدية الغيبية لا وضع ~~للألفاظ بأزائه، إذ لا يمكن ms0941 له إشارة عقلية كما لا يمكن إشارة حسية، وهذا ~~سر قوله عليه وآله الصلاة والسلام: # " إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإن الملأ الأعلى ~~يطلبونه كما أنتم تطلبونه ". # المسألة الرابعة # في أن موضوع لفظ الجلالة ماذا؟ # إعلم أن أقسام الأسماء الواقعة على المسميات تسعة: # أولها: إسم الشيء بحسب ذاته كزيد. # ثانيها: إسمه بحسب جزء من أجزائه كالحيوان على الإنسان. # ثالثها: إسمه بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته كالأسود والحار. # ورابعها: إسمه بصفة إضافية كالمالك والمملوك، والمتيامن والمتياسر. # وخامسها: إسمه بصفة سلبية كالجاهل والأعمى. # وسادسها: إسمه بصفة حقيقية مع إضافة لها إلى شيء كالعالم والقادر. # وسابعها: إسمه بصفة حقيقية مع صفة سلبية كإطلاق الجوهر بمعنى الموجود ~~بالفعل لا في الموضوع على ما له وجود زائد على مهيته. # ثامنها: إسمه بصفة إضافية مع صفة سلبية كالأول فإن معناه سابق غير ~~مسبوق. # تاسعها: صفة حقيقية مع إضافة وسلب. فهذه أقسام الأسماء المقولة على ~~الشيء ولا يكاد تجد اسما خارجا عنها سواء كان لله أو لمخلوقاته. # إذا تقرر هذا فلقائل أن يقول: لما تبين وتحقق أن حقيقته تعالى المقدسة ~~عن لوث الأفهام والأوهام بحسب هويته الغيبية (العينية - ن) غير قابلة ~~لاسم ولا رسم، ولا حد، ولا إشارة، وإنما ألفاظ الأسماء والصفات جارية ~~على ذاته باعتبار مفهومات هي نعوت كمالية أو إضافية أو سلبية فالاسم " ~~الله " لا يكون موضوعا للذات الأحدية بل لواحدة من الصفات الحقيقية أو ~~الإضافية سواء كانت مع السلوب أم لا. # لكن لقائل أن يعارض ذلك ويقول: إن الاسم " الله " لو لم يكن موضوعا ~~للذات لكان إما موضوعا لصفة كمالية بخصوصه - كالعالم مثلا أو القادر ~~أو غيرهما - فكان المفهوم من كلمة " الله " هو بعينه المفهوم من " العالم ~~" مثلا، ولم يكن لقولنا " الله عالم " معنى زائدا على معنى أحد جزئيه، ~~بل يكون مثل قولنا " الله الله " " والعالم عالم " حيث لم يفد المجموع ~~معنى غير ما أفاده أحد جزئيه، والتالي باطل فالمقدم مثله. # وإما أن يكون موضوعا لصفة إضافية محضة كالأولية، والسببية، ms0942 والآخرية، ~~والغائية وهو أيضا باطل بمثل البيان المذكور. وإما أن يكون موضوعا ~~للسلوب المحضة كالقدوسية، والفردية، والجلالة، وهو ظاهر الاستحالة، ~~لأنا لا نفهم من هذا اللفظ إلا تحصيل أمر حقيقي، أو إضافي، لا رفع ~~أمر. # وإما أن يكون موضوعا لجزء من الذات وهو أيضا مستحيل لاستلزامه تركب ~~الواجب تعالى عنه علوا كبيرا، والحال في كونه موضوعا للمركب من بعض ~~المعاني المذكورة مع بعض يعرف بما ذكرناه من الاستحالة. # فلم يبق من الاحتمالات التسعة المذكورة الحاصلة من وقوع الأسماء على ~~المسميات إلا واحد وهو كون الاسم " الله " واقعا على الذات دالا ~~عليها مطابقة لاستحالة غيره لما علمت من استحالة التوالي بأسرها عند فرض ~~المقدمات الثمانية المحتملة في بادئ النظر وأن فساد التوالي يستلزم ~~فساد المقدمات، وكذا استحالة المفهوم المردد بين التوالي يسلتزم استحالة ~~المفهوم المردد بين شقوق المقدم، واستحالته يوجب ثبوت نقيضه - وهو الذي ~~ادعيناه من كون لفظ الجلالة بأزاء الذات الأحدية المعراة عن الاعتبارات ~~- حقيقية كانت، أو إضافية، أو سلبية - وإلا يلزم كون هذا الاسم مع ~~جلالته مهملا غير موضوع لمعنى هو ظاهر البطلان. # وأقول في الجواب: إن هذا الاسم - في التحقيق الذي لا مجمحة فيه - من ~~الأعلام الجنسية للذات المستجمعة للصفات الكمالية بأسرها، المنزهة عن ~~النقائص الإمكانية برمتها، فهو علم لهذا المفهوم الجامع المقدس المنحصر ~~في ذات الواجب القيوم بذاته، وليس من أسماء الأجناس، إذ ليس إسم جنس ~~لذاته لعدم كونه تعالى كليا طبيعيا كما زعمته طائفة من المتصوفة - ~~تعالى عما يقوله الظالمون علوا كبيرا - ولا أيضا إسم جنس لصفة من ~~الصفات بخصوصها، أي صفة كانت، إيجابية، أو سلبية، كما مر ذكره. # فلم يبق من الاحتمالات إلا الذي ادعيناه، إذ لا يرد عليه شيء من ~~النقوض والإيرادات المذكورة وهو خارج عن الشقوق التسعة المشهورة، ودعوى ~~انحصار أقسام الأسامي فيما ذكر ممنوع، لأنه غير مستند إلى أمر عقلي بل ~~مجرد استقراء غير تام يكاد يوجد اسم خارج عن الجميع، سواء كان لله أو ~~لغيره، وسواء كان الواضع هو الله أو ms0943 غيره. # فإن قلت: هذا الاسم أشرف الأذكار وهو الاسم الأعظم عند بعضهم وإذا كان ~~كذلك فلا بد أن يكون مسماه الذات الأحدية؛ لأن شرف الذكر والاسم ~~بشرف المذكور والمسمى، كما أن شرف العلم بشرف المعلوم. # قلنا: قد مر أن ذكر الذات الأحدية باعتبار هويته الغيبية وكذا تسميته ~~بخصوصه والإشارة إليه بعينه والإشعار به غير متصور أصلا، بل أمر مستحيل؛ ~~لأنه من الحيثية المذكورة مجهول مطلق لما سوى ذاته تعالى - والمجهول ~~المطلق من حيث هو مجهول مطلق لا يخبر عنه، ولا يذكر، ولا يشاء إليه بوجه ~~من الوجوه. # وهذا لا القدح في كون هذا الاسم أشرف الأذكار وأعظم الأسماء، فإن ~~المذكور، والمسمى في كل ذكر وإسم من الأذكار والأسماء الحسنى معنى من ~~المعاني العقلية الاعتقادية الصادقة في حقه تعالى، اللائقة بجناب إلهيته ~~وقيوميته وليس شيء منها نفس ذي المقدسة؛ لتعاليه عن أن يحوم حول إدراكه ~~فكر أو قياس، أو ينال ذاته عقل ووهم أو حواس إلا أن ما يدل عليه هذا ~~الاسم باعتبار الاستجماع الذي أشار إليه لم يبعد أن يقال إنه أشرف ~~المذكورات الدالة عليها سائر الأسماء، فلو اتفق لعبد من عباده الوقوف ~~على ذلك الاسم على ما يكون - بأن تجلى له معناه وانكشف له فحواه أوشك أن ~~تنقاد له عوالم الجسمانيات والروحانيات. # ثم القائلون بأن الاسم الأعظم موجود اختلفوا فيه على وجوه: # منهم من قال: هو " ذو الجلال والإكرام " متمسكين بقوله (صلى الله عليه ~~وآله): # " ألظوا بياذا الجلال والإكرام ". # ورد: بأن الجلال من الصفات السلبية، والإكرام من الإضافية، ومن البين ~~أن الذات المأخوذة مع الصفات الحقيقية، أو الذات المطلقة المأخوذة بلا ~~قيد أشرف من السلوب والإضافات. # ومنهم من قال: إنه " الحي القيوم " لما مر سابقا من الروايات # " ولقوله (صلى الله عليه وآله) لأبي بن كعب: " ما أعظم آية في كتاب ~~الله تعالى؟ فقال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. فقال: ليهنئك العلم ~~يا أبا المنذر " # وعورض: بأن " الحي " هو الدراك الفعال، وهذا ليس فيه عظمة، ولأنه ~~صفة. وأما ms0944 " القيوم " فمعناه كونه قائما بنفسه مقوما لغيره، والأول ~~مفهوم سلبي وهو استغناؤه عن غيره، والثاني إضافي وسنذكر لك ما يليق بهذا ~~المقام وبيان كون هذين الاسمين من الأسماء العظام. # ومنهم من قال: إن أسماء الله كلها عظيمة لا يبغي أن يتفاوت بينها. # ورد: بما مر من أن اسم الذات أشرف من اسم الصفة. # وفيه: أن الذات البحتة لم يوضع لها اسم. # والأولى أن يقال: إن المفهوم من بعض الأسماء أشرف من بعض بكثير، إلا أن ~~القول بأن الاسم الأعظم غير منحصر في واحد أو اثنين غير بعيد عن الصواب ~~كما سنشير إليه وبه يندفع التدافع بين النصوص الواردة في أعظمية اسم ~~والواردة في أعظمية اسم آخر غيره. # ومنهم من قال: إن الاسم الأعظم " هو الله " وهو قول منصور، لأنك قد ~~علمت أنه علم للذات المستجمعة للصفات الكمالية والإلهية مع التقدس عن ~~جميع النقائص الكونية فهو يجري مجرى العلم للذات الحقيقية الأحدية وينوب ~~منابه فكأنه دال على ذاته المخصوصة الأحدية وهذا المقام غير متحقق لشيء ~~من الأسماء العظام لعدم دلالته على ما دل عليه هذا الاسم إلا على سبيل ~~الالتزام مع بيان وبرهان كما في " الحي القيوم ". # ويؤيده ما روي عن أسماء بنت زيد أنها روت عن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) أنه قال: # " اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: { وإلهكم إله واحد ~~لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } وفاتحة سورة آل ~~عمران: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } " # وعن بريدة: # " إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سمع رجلا يقول: اللهم إني ~~أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال: والذي نفسي بيده لقد سأل الله ~~باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى " # ولا شك أن الاسم " الله " في الآيتين، والحديثين أصل والصفات مترتبة ~~عليه. # والتحقيق: أن شرافة اسم على اسم باعتبار شرافة مدلوله بأحد الدلالات، ~~فمن نظر إلى ms0945 أن مدلول الاسم " الله " بحسب الدلالة المطابقية هو الذات ~~المستجمعة لجميع الصفات الجمالية والجلالية، ولا يوجد في الأسماء ما له ~~هذه الجامعية في الدلالة الوضعية إلا اسم " الله " حكم بأنه الأعظم، ومن ~~نظر إلى أن " الحي القيوم " يدل مفصلة على ما دل عليه اسم " الله " ~~مجملا من تلك الأوصاف والنعوت الإلهية الوجوبية لكن على بعضها دلالة ~~وضعية، وعلى بعضها دلالة عقلية، والدلالة التفصيلية أرجح في طلب القرب ~~والوصول من الدلالة الإجمالية، حكم بأن هذا أعظم الأسماء، ومن نظر إلى ~~أن كل واحد من الأسماء الحسنى يرشد إلى الآخر ويدل عليه دلالة عقلية عند ~~التأمل الصادق فيه والمواظبة على ذكره حكم بأنه لا رجحان لاسم على اسم ~~بل كل واحد منها إذا نظرت إليه فهو عين جميع الأسماء بحسب المفاد، كقوله ~~تعالى: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسمآء الحسنى # [الإسراء:110]. # المسألة الخامسة # في إعرابه ونظمه # هو مرفوع بالابتداء، وخبره إما محذوف وهو " موجود " أو " ثابت " أو " ~~واحد " بقرينة ما بعده، وهو " لا إله إلا هو " مؤكدا له، ويحتمل أن ~~يكون الجملة خبرا بنفسها لا تابعا، ويحتمل أن يكون " الله " خبر مبتدإ ~~محذوف أي: هو الله دون غيره. # ومعناه على الأول: أن الله بنفس ذاته موجود لا يزيد وجوده على هويته، ~~كما في الممكنات التي لها مهيات قابلة للوجود والعدم غير مقتضية لشيء ~~منهما بذواتها فيحتاج إلى ما يرجع أحد الطرفين فيها على الآخر، فتؤدي ~~سلسلة الافتقار إلى موجود لا يزيد على ذاته دفعا للدور والتسلسل، وكذا ~~يقاس كونه واحدا. # وعلى الثاني: أن الموجود الحق بنفس هويته إله للعالم لا بصفة زائدة على ~~ذاته، أي: صنعة الإلهية في الواجب ليست كصنائع ذوي الصناعات الإمكانية ~~التي صانعيتها إنما تتحقق بشيء زائد على ذاتها، كما أن لنا شيئين نتجوهر ~~بأحدهما - وهو النطق - ونكتب بالآخر - وهو صنعة الكتابة - وكذا النار ~~تتجوهر بصورتها المخصوصة وتحرق بحرارتها، وكذا الشمس تتذوت بشيء وتضيء ~~وجه الأرض بشيء، ثم لا يكفي في هذه المبادئ الفاعلية ms0946 الذات والصفة، بل ~~يحتاج مع ذلك إلى قابل وحركة حتى تظهر منها آثارها، لأن شأنها الإعداد ~~والتحريك لا الجود والإفاضة، وأما الإله المحض والجواد الحق فلا ينقسم ~~بشيئين، بأحدهما تجوهر ذاته وبالآخر إلهيته بل هو بذاته إله وبنفسه ~~خلاق، وإلا لاحتاج في إيجاد صفة إلهيته إلى إلهية أخرى، وهكذا حتى ~~يتسلسل أو يدور وكلاهما، ممتنع فهو الله بذاته، هو الرحمن الرحيم بنفسه ~~لا بصفة زائدة بها تحصل الإلهية. # أما ارتباطه بما سبق فهو أن من عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب ~~المجيد أنه يمزج هذه الأنواع الثلاثة بعضها ببعض - أعني علم التوحيد، ~~وعلم الأحكام، وعلم القصص - والمقصود من ذكر القصص إما تقدمة دلائل ~~التوحيد وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف، وهذا الطريق هو ~~الأحسن في الهداية واللائق بالإنسان، فإن الكلام في النوع الواحد كأنه ~~مما يوجب له الملال، فأما إذا وقع الانتقال من نوع من العلوم إلى نوع ~~فكأنه ينشرح به الصدر، ويفرح به القلب، وينشط به الذهن، وينتعش الطبع، ~~فيصير به الكلام أقرب إلى فهم معناه والعمل بمقتضاه، وإذ قد تقدم من علم ~~الأحكام والقصص ما اقتضى المقام إيراده ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد. # المسألة السادسة # في تحرير القول بأن هذا الاسم عين ذاته تعالى أو غيرها # إعلم أنه قد اختلفت كلمة أهل الكلام في أن الاسم مطلقا هل هو عين ~~المسمى أو غيره؟ فالأول: منسوب إلى الأشاعرة، والثاني: إلا المعتزلة. # والمتأخرون - عن آخرهم حتى النحارير - تحيروا في تحرير محل النزاع. ~~ومورد الخلاف بحيث يصير قابلا للمتقابلين قبل قيام الدليل، غير قطعي ~~الاستحالة (الدلالة- ن) في أحد الجانبين، وجزم بعضهم أن البحث فيه لفظي ~~أو عبث، وهو كذلك بحسب الظاهر على ما هو مصطلح أهل الكلام. # وأما على ما هو عرف العرفاء في الأسماء فالخطب فيه عظيم والبحث فيه ~~مهم كما سيلوح لك منه شيء، كيف ولا يشك عاقل في أن لفظ " الأسد " ليس ~~حيوانا مفترسا، ولا لفظ " الأسود " قابضا للبصر، ولا لفظ " النار " ~~محرقا، ولا التلفظ بالعسل والسكر ms0947 يوجب الحلاوة. # وربما استدل بعضهم على هذا الأمر الفطري بأن الاسم حاصل من أصوات غير ~~قارة، ومختلف باختلاف الأمم، ومتعدد تارة كالمترادفة، ومتحد أخرى ~~كالمشترك، والمسمى بخلافه في الأولين وبعكسه في الأخيرين، وبأنهما ~~متضايفان والمضافان متغايران - وفيه تأمل - وبأن اللفظ عرض ممكن والمسمى ~~قد يكون جوهرا بل واجبا. # واستدلت المعتزلة بقوله تعالى: # تبارك اسم ربك # [الرحمن:78] وبوقوع النكاح والطلاق شرعا بالحمل على الأسماء. # وأجيب عن الأول: بأنه كما يجب علينا تنزيه ذاته تعالى عن النقائص يجب ~~تنزيه اسمه عن الرفث وسوء الأدب، وبأنه قد يراد لفظ " الاسم " مجازا كما ~~في قول لبيد: " إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ". # وعن الثاني: بأن المراد الذات التي يعبر بهذا اللفظ. # هذا ما قيل في هذا المقام. # وأقول: الاسم في عرف المحققين من أكابر العرفاء المعتبرين عبارة عن ~~الذات المأخوذة مع بعض الشؤون والاعتبارات والحيثيات، فإن للحق سبحانه ~~بحسب # كل يوم هو في شأن # [الرحمن:29]. شؤونا ذاتية ومراتب غيبية يحصل له بحسب كل منها اسم أو ~~صفة حقيقية، أو إضافية، أو سلبية، ولكل منها نوع من الوجود حتى السلوب ~~فإنها مما يعرضها الوجود من وجه كما إذا تمثلت في ذهن من الأذهان، أو ~~يكون له مصداق ينتزع منه إذا قيس إلى الأمر المسلوب. # والفرق بين الاسم والصفة في اعتبار العقل كالفرق بين المركب والبسيط إذ ~~الذات معتبرة في مفهوم الاسم دون مفهوم الصفة، لأنها مجرد العارض، فالاسم ~~- الله - عبارة عن مرتبة الألوهية الجامعية لجميع الشؤون والاعتبارات ~~للذات المندرجة فيها جميع الأسماء والصفات التي ليست إلا تجليات ذاته، ~~وهي أول كثرة وقعت في الوجود وبرزخ بين الحضرة الأحدية الذاتية الغيبية ~~وبين المظاهر الخلقية، وهو بعينه جامع بين كل صفتين متقابلتين واسمين ~~متقابلين لما علمت أن للذات مع كل صفة معينة واعتبار تجل خاص من ~~تجلياته اسما، وهذه الأسماء الملفوظة هي " أسماء الأسماء ". ومن هاهنا ~~تحقق وانكشف أن المراد بأن الاسم عين المسمى ما هو. # وقد يقال الاسم للصفة، إذ الذات مشتركة بين الأسماء كلها والتكثر ms0948 فيها ~~بسبب تكثر الصفات، وذلك التكثر إنما يكون باعتبار مراتبه الغيبية التي ~~هي مفاتيح الغيب، وهي معان معقولة في عين الوجود الحق، بمعنى أن الذات ~~الإلهية بحيث لو وجدت في العقل أو أمكن أن يلحظها الذهن لكان ينتزع منها ~~هذه المعاني ويصفها بها، فهو في نفس الأمر مصداق لهذه المعاني من دون ~~حاجة إلى تحقق صفة في ذاته. # وهذا مراد المحققين من الحكماء وغيرهم أن صفاته غير ذاته، ومعنى كلام ~~أمير المؤمنين وإمام الموحدين (عليه السلام): " كمال التوحيد نفي الصفات ~~" لأن المدعي أن مجرد وجود الذات هو بعينه وجود الصفات بالعرض لا أن ~~لصفاته تعالى وجودا في أنفسها، ولذاته وجودا آخر في نفسه - كما في صفات ~~الممكنات - ليلزم فيه تعالى جهتا قبول وفعل ولا أيضا شيء من الذات بأزاء ~~صفة وشيء منها بأزاء صفة أخرى ليلزم التركيب في ذاته تعالى عن ذلك علوا ~~كبيرا، فصفاته الحقيقة، على كثرتها - موجودة بوجود واحد بسيط أحدي هو ~~وجود الذات، وهو بعينه مصداق تلك الصفات كلها وليس المدعى أن ليست الصفات ~~مفهومات متغايرة في الذهن وإلا لكانت مترادفة الألفاظ - وهو ظاهر الفساد ~~- فهي في أنفسها كسائر المفهومات الكلية ليست من حيث هي هي موجودة ولا ~~معدومة ولا عامة ولا خاصة، ولا كلية ولا جزئية بالذات بل بالتبعية، فتصير ~~كلية في الذهن جزئية في الخارج، موجودة في العقل معدومة في العين ولها ~~الحكم والأثر فيما له الوجود العيني، بل ينسحب عليها أحكام الوجود بالعرض ~~وهي تتنور بنوره وتتصبغ بصبغة من الوجوب والوحدة والأزلية، كما يجري ~~عليها أحكام الإمكان عند ظهورها في الأعيان الثابتة التي هي ناشئة منها ~~باعتبار تعينها في علم الحق. # وتحقيق هذا المرام يطلب من كتب العرفاء الكرام. # قال الشيخ محيي الدين بن عربي في الفص اليوسفي من كتابه: " الوجود الحق ~~هو الله خاصة من حيث ذاته وعينه لا من حيث أسماؤه، لأن أسماءه لها ~~مدلولان: أحدهما: عينه وهو عين المسمى والمدلول الآخر: ما يدل عليه مما ~~ينفصل الاسم به عن الاسم الآخر ms0949 ويتميز في العقل، فقد بان لك بما هو كل ~~اسم عين الاسم الآخر، وبما هو غيره، فبما هو عينه هو الحق، وبما هو غيره ~~هو الحق المتخيل الذي كنا بصدده فسبحان من لم يكن عليه دليل سوى نفسه ~~ولا ثبت كونه إلا بعينه " انتهى كلامه. # أقول: مراده من " الحق المتخيل " ما لوحنا إليه من أن كلا من مفهومات ~~الأسماء الإلهية وإن كانت بحسب نفس معناها عارية عن صفة الوجود الحقيقي - ~~من الوجوب، والقدم، والحقية، والأزلية - إلا أنها مما عليها تلك الأحكام ~~وتنصبغ بها بالعرض، وتقبلها بتبعية العين، وهذا النحو من الاتحاد ~~والعينية بالعرض فيما بين ذاته تعالى والأسماء الذي ذهب إليه محققوا ~~العرفاء ضرب من الاتحاد بالعرض غير ما ألفه الجمهور وشاع في الكتب ~~العقلية، إذ ليس هذا الاتحاد كاتحاد العرضيات والمشتقات مع ذات الموضوع ~~لها كاتحاد الأبيض والأعمى مع زيد مثلا، بمعنى أن الوجود المنسوب أولا ~~وبالذات إلى " زيد " هو بعينه منسوب إلى العرضي المشتق ثانيا وبالعرض - ~~أي على سبيل المجاز - مع جواز أن يكون لهذه العرضيات نحو آخر من الوجود ~~يناسبها في ذاتها مع قطع النظر عن عروضها للموضوع، فإن لمفهوم الأبيض ~~نحوا من الوجود في نفسه الذي يتحقق بعين وجوده الرابطي وهو جود العرض ~~فإن وجود العرض هو بعينه وجوده لمحله، وهذا غير الوجود بالعرض، فإن هذا ~~عندهم مجازي دون ذاك، وقد تبين الفرق بينهما في علم الميزان. # فالحاصل: أن اتحاد العرضيات بالموضوع اتحاد بالعرض، وموجوديتها به ~~موجودية مجازية لصدقها عليه بحسب مرتبة من الواقع بعد مرتبة وجود ~~الموضوع، وأما اتحادها بالأعراض التي هي مبادئ اشتقاقها فهو اتحاد بالذات ~~ووجودها كوجود تلك الأعراض وجود حقيقي لاتحاد العرض والعرضي بالذات كما ~~هو التحقيق عند المحققين. # وأما عينيه صفاته المقدسة وأسمائه الحسنى مع الذات الأحدية فليست من ~~هذا القبيل من المعية التي هي بين العرضي والذاتي في الطبائع الإمكانية ~~إذ ليست لصفاته نحو من الوجود غير ذاته تعالى ولا كمعية الذاتيات مع ~~الذات لأن الحق تعالى ليس ذا مهية ms0950 كلية أصلا - فضلا عن أن يكون مركبا ~~من مقومات متحدة في الوجود - بل حقيقته ليس إلا وجودا مقدسا بسيطا ~~صرفا لا اسم له ولا رسم ولا إشارة إليه إلا بصريح العرفان، ولا حد له ~~ولا برهان عليه وهو البرهان على كل شيء والشاهد على كل وجود. # فمعنى كون صفاته عين ذاته حسبما أشرنا إليه أن الذات الأحدية بحسب مرتبة ~~هويته الغيبية وإنيته العينية - مع قطع النظر عن انضمام أمر أو اعتبار ~~حيثية غير ذاته بوجه من الوجوه - بحيث يصدق في حقه هذه الأوصاف الكمالية ~~والنعوت الجمالية ويعرف منه هذه الأحكام ويستفاد منه هذه المعاني ويظهر ~~من نور ذاته هذه المحامد القدسية، ويتراءى في شمس وجهه هذه الشمائل ~~العلية وهي في حدود أنفسها مع قطع النظر عن نور وجهه لا شيئية لها ولا ~~ثبوت أصلا، فهي بمنزلة ظلال وعكوس لها تمثل في الأوهام والحواس. # وكذا الحكم في الأعيان الثابتة وسائر المعقولات والأعيان المعلومة، ما ~~هي إلا نقوش وعلامات دالة على أنحاء الوجودات الإمكانية التي هي رشحات ~~جود الحق، وأشعة نور الوجود المطلق، ومظاهر أسمائه وصفاته، ومجالي جماله ~~وجلاله، وأما نفس تلك الأعيان والمهيات مع قطع النظر عن الوجودات فلا ~~وجود لها بالذات لا عينا ولا عقلا كقوله تعالى: # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان # [النجم:23]. # ولعل الكلام انجر إلى ما لا يطيق تقريره أسماع الأنام بل يضيق عن فهمه ~~نطاق أكثر الأفهام، وتضعف عن سلوكه الأقدام. # المسألة السابعة # في أنه هل لمعنى هذا الإسم حد أم لا؟ # الحد عند الحكماء قول دال على تصور أجزاء الشيء ومقوماته فما لا جزء ~~له لا حد له، وما لا حد له لا برهان عليه، لأنهما متشاركان في الحدود ~~كما بين في الميزان، وإذا تقرر هذا فلا شبهة في أن ذات الباري تعالى ~~لتقدسه عن شوب التركيب - سواء كان من الأجزاء الوجودية، أو المقدارية، أو ~~الذهنية، أو التحليلية على ما اقتضاه برهان التوحيد - لا حد له ولا ~~برهان ms0951 عليه. # وأما أن مفهوم لفظ " الله " هل له حد أم لا؟ فالحق هو الأول، لأن ~~معناه الموضوع له معنى مجمل متضمن لمعاني جميع الصفات الكمالية، فكل منها ~~عند التفصيل جزء من مفهومه، والفرق بين الحد والمحدود ليس إلا بالإجمال ~~والتفصيل في نحوي الإدراك، فإن الألفاظ المذكورة في الحد تدل على ما ~~دل عليه لفظة المحدود بعينه بدلالة تفصيلية، وليس من شرط الحد أن يكون ~~تأليفه من جنس وفصل، بل من أجزاء الشيء، سواء كانت بعضها أعم من بعض ~~مطلقا أو متساوية، أو متباينة، أو لها أعمية من وجه، إلا أن المشهور ~~بين الجمهور أن الحد لا يكون إلا من جنس وفصل؛ لما رأوا أن الحقائق ~~المتأصلة التي لها طبيعة نوعية لا تكون إلا كذلك. # وبالجملة: كل لفظ وضع لمعنى إجمالي قابل للتحليل إلى معان متعددة يدل ~~عليها بألفاظ متعددة يكون الأول محدودا والثاني حدا وهكذا اسم " الله ~~" بالقياس إلى جميع الأسماء الحسنى، فإن نسبة المجموع إليه بحسب المعنى ~~نسبة الحد إلى المحدود، وهذا لا يضر بساطة الذات المقدسة وأحدية الوجود ~~القيومي تعالى عن التصور والتمثيل والتخيل والتعقل لغيره، فإن كل ما ~~يدركه العقل من معاني الأسماء بحسب مفهوماتها اللغوية والاصطلاحية فهي ~~خارجة عن ساحة العز والكبرياء، إنما يجد الذهن سبيلا إليها من ملاحظة ~~مظاهرها ومجاليها ومشاهدة مربوباتها ومحاكيها. # قال ابن عربي في الفص النوحي: " إن للحق في كل خلق ظهورا خاصا فهو ~~الظاهر في كل مفهوم، وهو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال إن العالم ~~صورته وهويته، وهو الاسم الظاهر، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر فهو الاسم ~~الباطن، فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبر للصورة فيؤخذ ~~في حد الإنسان مثلا باطنه وظاهره، وكذلك كل محدود، فالحق محدود بكل ~~حد، وصور العالم لا تنضبط ولا يحال بها ولا تعلم حدود كل صورة منها إلا ~~على قدر ما حصل لكل عالم من صورته فلذلك يجهل حد الحق فإنه لا يعلم حده ~~إلا بعلم حد كل ms0952 صورة. وهذا محال حصوله، فحد الحق محال. # ثم قال: " فحد الألوهية له بالحقيقية لا بالمجاز " انتهت ألفاظه. # ويتلخص من كلامه أن مسمى لفظ " الله " هو المنعوت بجميع الأوصاف ~~والنعوت الإلهية، ثم لما تقرر عندهم أنه ما من نعت إلا وله ظل ومظهر في ~~العالم وثبت أيضا أن الاشتراك بين كل اسم ومظهر ليس بمجرج اللفظ فقط ~~حتى يكون ألفاظ " العلم " و " القدرة " وغيرها موضوعة في الخالق بمعنى ~~وفي المخلوق بمعنى آخر وإلا لم تكن هذه المعاني فينا دلائل على تحققها ~~في الباري على وجه أعلى وأشرف - والمتحقق خلافه - فبطل كون الاشتراك فيها ~~بمجرد اللفظ، نعم هذه المعاني في المخلوق في غاية الضعف والقصور وفي ~~الحق تعالى في غاية العظمة والجلالة. # فتكون الأسماء الحسنى مع مظاهرها ومجاليها التي هي المهيات المسماة ~~بالأعيان مشتركة في أصل المعنى سواء كانت المظاهر من الصور المنوعة ~~الجسمانية المدركة بالحواس الظاهرة التي هي من عالم الشهادة وعالم الخلق ~~ومظهر الاسم " الظاهر " المشتمل على الأسماء الكثيرة التي تحت حيطته ولها ~~مظاهر مختلفة من هذا العالم الظاهر، أو كانت من الصور العقلية المجردة ~~الذوات المدركة بالمدارك الباطنة العقلية والروحية التي هي من عالم الغيب ~~ومظهر الاسم " الباطن " المشتمل على أسماء كثرة على اختلافها تحت حيطة ~~ذلك الاسم، كما أن مظاهرها المختلفة الأنواع مندرجة تحت عالم الأمر. # وحد الشيء كما عرفت عبارة عن صورة عقلية تفصيلية يدل عليها بألفاظ ~~متعددة دالة على ما يدل عليه لفظ واحد هو معنى إجمالي لذلك الشيء بل ~~معناها عين معناه، بأن يكون لحقيقة واحدة كالإنسان صورتان إداركيتان، ~~إحداهما: موجودة بوجود واحد إجمالي، والأخرى: موجودة بوجودات متعددة ~~تفصيلية فيقال للمفصلة " إنها حد " وللمجملة " إنها محدودة " فعلى هذا ~~يلزم أن يكون مفهومات جميع الأسماء ومظاهرها التي هي أجزاء العالم ظاهرا ~~وباطنا على كثرتها حدا حقيقيا لمفهوم اسم " الله ". # والمراد من لفظة " الحق " في قوله: " فالحق محدود بكل حد " هو مفاد لفظ ~~" الله " باعتبار معناه العقلي ومفهومه الكلي، لا باعتبار حقيقة معناه ~~التي هي الذات الأحدية ms0953 وغيب الغيوب، إذ لا نعت له، ولا حد، ولا اسم، ولا ~~رسم، ولا سبيل إليه للإدراك والتعقل، ولا ينال أهل الكشف والشهود لمعة من ~~نوره إلا بعد فناء هويتهم واندكاك جبل وجودهم. # ويؤيد ذلك ما قال في الفص الإسماعيلي: " إعلم أن مسمى " الله " أحدي ~~بالذات، كل بالأسماء، وكل موجود فما له من الله إلا ربه خاصة يستحيل أن ~~يكون له الكل، وأما الأحدية الإلهية فما لواحد فيها قدم لأنه ينال الواحد ~~منها شيئا والآخر منها شيئا لأنها لا تقبل التبعيض فأحديته مجموع كله ~~بالقوة " انتهى. # المسألة الثامنة # في تحقيق أن مسمى " الله " معبود للكمل من العرفاء دون غيرهم بحسب ~~الحقيقة # إعلم أن أكثر الناس لا يعبدون الله من حيث هو الله، وإنما يعبدون ~~معتقداتهم في ما يتصورونه معبودا لهم فإلههم في الحقيقة أصنام ينحتونها ~~ويتصورونها بقوة اعتقاداتهم العقلية والوهمية، وهذا هو الذي أشار إليه ~~عالم من أهل بيت النبوة والولاية سلام الله عليهم أجمعين: " كل ما ~~ميزتموه بأوهامكم وعقولكم في أدق معانيه فهو مصنوع مثلكم مردود إليكم " ~~- إلى آخر الحديث - أي: فلا يعتقد معتقد من المحجوبين الذين جعلوا الإله ~~في صورة معتقدهم فقط إلها إلا بما جعل في نفسه وتصوره بوهمه، فإلهه ~~مجعول لنفسه، منحوت بيد قوته المتصرفة، فلا فرق بين الأصنام التي اتخذت ~~آلهة وبينه في أنها مصنوعة لنفوسهم سواء كانت في خارجها أو في داخلها، ~~بل الأصنام الخارجية أيضا إنما عبدت من جهة اعتقاد الألوهية من عابدها ~~في حقها، فالصورة الذهنية معبودة حينئذ بالذات، والصورة الخارجية معبودة ~~بالعرض. # فمعبود عبدة الأصنام كلها ليست إلا صور معتقداتهم وأهواء أنفسهم كما ~~أشير إليه بقوله تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية:23] فكما أن أصحاب الأصنام الجسمية يعبدون ما عملوها بأيدهم، ~~فكذلك أصحاب الاعتقادات الجزئية في حق الحق يعبدون ما كسبته أيدي عقولهم # أف لكم ولما تعبدون من دون الله # [الأنبياء:67]. # وأما الكمل من العرفاء فهم الذين يعبدون الحق المطلق المسمى باسم " ~~الله " من غير تقييد باسم خاص وصفة مخصوصة، فيتجلى ms0954 لهم الحق تعالى ~~المنعوت بجيمع الأسماء، وهم لا ينكرونه في جميع التجليات الأسمائية ~~والأفعالية الآثارية بخلاف المحجوب المقيد الذي يعبد الله على حرف فإن ~~أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، وذلك لغلبة أحكام ~~بعض المواطن عليه واحتجاب بعض المجالي عن بعض في حقه. # ومن هذا الاحتجاب منشأ الاختلاف بين الناس فيكفر بعضهم بعضا ويلعن ~~بعضهم بعضا، وكل أحد يثبت للحق تعالى غاية ما يراه ويعتقده لائقا ~~بالربوبية من العظمة والجلالة وينكر غيرها وقد أخطأ وأساء الأدب معه ~~تعالى وهو عند نفسه أنه قد بلغ الغاية في المعرفة والتأدب. # وكذلك حال كثير من الملكوتيين والملائكة إلا الإنسان الكامل الذي علمه ~~ربه علم جميع الأسماء ومظاهرها، كما قال تعالى: # وعلم آدم الأسمآء كلها ثم عرضهم على ~~الملائكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن ~~كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنآ إلا ما ~~علمتنآ # [البقرة:31 -32] الآية. # فإذا تجلى الحق سبحانه بالصفات السلبية التنزيهية للعقول المسبحة ~~المنزهة تقبله تلك العقول ويمجدونه ويسبحونه وينكره كل من لا يكون ~~مجردا بل يكون كالوهم والخيال والنفوس المنطبعة، إذ ليس من شأنهم إدراك ~~الحق إلا في مقام التشبيه كأكثر الناس. # وإذا تجلى بالصفات الثبوتية فتقبله القلوب والنفوس الناطقة، لأنها مشبهة ~~من حيث تعلقها بالأجسام ومنزهة من حيث تجرد جوهرها، وينركه المحجوبون ~~بالتجرد المحض كأكثر الفلاسفة، فيقبل كل نشأة من النشآت العقلية ~~والنفسية والخيالية من التجليات الإلهية ما يناسبها ويليق بحالها، وأما ~~الإنسان الكامل والعارف الفاضل فهو الذي يقبل الحق ويهتدي بنوره في جميع ~~تجلياته ويعبده بجميع أسمائه وصفاته، فهو عبد الله في الحقيقة. # ولهذا سمي بهذا الاسم أكمل نوع الإنسان (صلى الله عليه وآله)، فإن ~~الاسم الإلهي كما هو جامع لجميع الأسماء وهي تتحد بأحديته كذلك طريقة ~~جامع طرق الأسماء كلها، وإن كان كل واحد من تلك الطرق مختصا باسم يرب ~~مظهره ويعبده ذلك المظهر من ذلك الوجه ويسلك سبيله المستقيم الخاص بذلك ~~المظهر، وليس الجامع لها إلا ما سلكه المظهر الجامع النبوي الختمي ~~المحمدي ms0955 صلوات الله عليه وآله وخواص أمته الذين كانوا خير أمة أخرجت ~~للناس، وهو طريق التوحيد الذي عليه جميع الأنبياء والأولياء، وهو الغرض ~~من بعثة الأنبياء ونصب الأولياء، وبه تحصل النجاة من عذاب نار القطيعة ~~وجهنم البعد، والاحتجاب عن رب الأرباب، مع أن كل أحد يرجع إلى ربه بوجه، ~~كما قال: # كل إلينا راجعون # [الأنبياء:93]. إلا أن أكثرهم ناكسة رؤوسهم، محجوبة عقولهم، مقيدة ~~أبدانهم بالسلاسل والأغلال، وجميع الطرق تتشعب وتتفرع من طريق التوحيد. # ويؤيد ذلك ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أراد أن يبين ~~ذلك للناس خط خطا مستقيما، ثم خط من جانبيها خطوطا خارجة من ذلك ~~الخط، وجعل الأصل الصراط المستقيم الجامع، والخطوط الخارجة منها جعل سبل ~~الشيطان كما قال الله تعالى: # ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام:153]. يعني السبيل التي لكم فيها السعادة والنجاة، وإلا ~~فالسبل كلها إليه، لأن الله منتهى كل سبيل فإليه يرجع الأمر كله، ولكن ~~ما كل من رجع إليه وآب سعد ونجى عن التفرقة والعذاب، فسبيل السعادة واحد: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني # [يوسف:108]. وأما جميع السبل فغايتها كلها إلى الله أولا ثم يتولاه ~~الرحمن آخرا، ويبقى حكم الرحمن فيها إلى الأبد الذي لا نهاية لبقائه. # وهذه مسألة عجيبة قل من استقام عقله عند سماعها، ودرك معناها، ووصل ~~فهمه إلى نيل فحواها، لكن المقصود من بيان هذه ونظائرها ليس كل من له ~~صلاحية المخاطبة العرفية دون المكاشفة الذوقية، بل من كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد، وإن كان نوع من الانتفاع عام لغيره، أو لا ترى أن الخطاب ~~في الكلام المجيد شامل لكل أحد والفهم يختص بمن شرح الله صدره للإسلام ~~فهو على نور من ربه؟ لقوله تعالى: # وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم # [آل عمران:7] - في قراءة الوصل - والدليل عليه قوله تعالى: # بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم # [العنكبوت:49]. وقوله: # إن في ذلك لذكرى لمن ms0956 كان له قلب # [ق:37]. وقوله: # إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء # [النمل:80] # وكما أن الأذواق مختلفة في الانتفاع والالتذاذ بالأرزاق الصورية ~~والأغذية الجمسانية بحسب سلامة القوة الذوقية ومراتب البعد من الأمراض ~~والمحذرات المزاجية، كذلك الفهوم والمدارك مختلفة في الانتفاع والاستمداد ~~بالأرزاق المعنوية والأغذية الروحانية بحسب سلامة الفطرة عن الأمراض ~~الباطنية ومراتب خلوص القلب عن الوساوس الوهمية والتعلقات النفسانية. ~~لقوله تعالى في حق الكل: # والله فضل بعضكم على بعض في الرزق # [النحل:71] وقوله في حق الأنبياء: # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض # [البقرة:253] وقوله: # ورفع بعضهم درجات # [البقرة:253] وقوله في حق الملائكة: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات:164]. # فظهر أن مشارب الناس وحظوظهم مختلفة، وأذواقهم متفاوتة في باب الأخذ عن ~~مشارع العلم ومنابع الحكمة # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة:269] # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور:40]. # المقالة الثانية # فيما يتعلق بقوله سبحانه: { لا إله إلا هو } # وفيه مشارع: # المشرع الأول # في نظمه بما سبق وما لحق # إعلم أن الغاية القصوى في القرآن عاما وفي هذه الآية خاصة توحيده تعالى ~~ذاتا، وصافتا، وأفعالا، إذ به يرتقي الإنسان من أسفل سافلين إلى أعلى ~~عليين. # وبحسب مراتب التوحيد له تعالى يكون تفاوت درجات الموحدين قربا وبعدا ~~وكمالا ونقصا، وفضيلة ورذيلة، وشرافة وخسة، قرب موحد فاز بتوحيد ~~الذات الواجبية بوجه ولم يفز بتوحيد الصفات والأفعال كأكثر المتكلمين وهم ~~أصحاب أبي الحسن الأشعري، ورب فائز بتوحيد الذات والصفات دون الأفعال ~~كجمهور الفلاسفة القائلين بعينية الصفات للذات، المثبتين للوسائط ~~الجاعلات، والعلل المؤثرات الموجبات، وهو نوع من الشرك إلا أن محققيهم ~~مطبقون على أن الفاعل الحقيقي هو الحق تعالى والوجود معلول له على ~~الإطلاق، والوسائط معدات وميهئات، وسوابق ومقدمات، قدمها الباري بمقتضى ~~نظمه البديع، وحكمته الأنيقة، لا أن لها دخلا في التأثير والإيجاد بل في ~~التهييء والإعداد. # إذا تقرر هذا فنقول: قوله " الله " إشارة إلى توحيد الذات، وقوله { لا ~~إله إلا هو } إشارة إلى توحيد الصفات، وقوله " الحي ms0957 القيوم " ~~إشارة إلى توحيد الأفعال. # أما بيان الأول: فلأن معنى اسم " الله " كما علمت هو الذات المستجمعة ~~للصفات الكمالية الذاتية الوجوبية، ولا شبهة في أن التركيب من الأجزاء ~~ينافي الوجوب الذاتي لكونه مستلزما لافتقار المركب إلى كل واحد من ~~الأجزاء، والافتقار ناشئ عن النقصان والإمكان الذاتيين، وهما منافيان ~~للكمال والوجوب الذاتيين، فمعنى الإلهية المستلزمة لكون الشيء مبدأ سلسلة ~~الوجود والإيجاد ينافي التركيب المستلزم للحاجة. # وأما بيان الثاني: فلأن التعدد في الصفات الكمالية الإلهية يسلتزم ~~التعدد في وجود الذات لافتقار كل صفة إلى موصوف، ولكون كل صفة لشيء فرع ~~وجود ذلك الشيء فيلزم من تعددها تعدده - ولو بحسب العقل - فلو تعددت ~~الصفات الخاصة بالواجب تعالى - كالإلهية للعالم، والقادرية على ما يشاء، ~~والعالمية بجميع الأشياء - يلزم تركب كل من الذات والصفة، والتركيب ~~ينافي الإلهية - تنافي الإمكان للوجوب -. # لا يقال: التركيب والتعدد في مجموع الذات والصفة لا ينافي بساطة الذات، ~~والواجب الوجود هو الذات فقط دون المجموع من الذات والصفة. # لأنا نقول: الكلام في الصفات الكمالية، فإذا لوحظ وجود الذات بحسب نفسه ~~وقطع النظر عن ما يزيد عليه " أهو موصوف بالصفة الإلهية الكمالية أم لا؟ ~~" لا سبيل إلى الثاني وإلا لزم افتقاره إلى الغير في كمال ذاته، ولم يكن ~~أيضا مبدأ لسلسلة الممكنات كلها سواء كانت صفاتا أو أفعالا والبرهان ~~قد دل على وجود أمر بسيط تفتقر إليه الأشياء - هذا خلف - فهو بنفس ذاته ~~المقدسة إله ومبدأ للكل، فمقوم ذاته هو بعينه مقوم إلهيته وكذلك سائر ~~الصفات التي تستوجبها الإلهية وتسحقها الواجبية - من الوجود والعلم ~~والقدرة والإرادة - فيجب أن يكون مصداق حملها جميعا على ذاته نفس هويته ~~البسيطة من غير تركب وتعدد، لا باعتبار مغايرة الصفات، ولا باعتبار ~~المغايرة بينها وبين الذات. # وبالجملة تأكد الوحدة في الذات الواجبية يستلزم استحالة التعدد في ~~الصفات الإلهية مطلقا، سواء كان مع تعدد الموصوف عينا كفرض إلهين ~~منفصلين، أو عقلا فقط كفرض صفات واجبة متعددة لموصوف واحد كما ذهب إليه ~~الصفاتيون تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ms0958 # واعلم أن الفساد والاستحالة في هذا الشق أشنع وأفحش والظلم فيه أشد عندي ~~إذ يلزم فيه فوق ما يلزم في الأول - من التركيب اللازم للتعدد المنافي ~~للوجوب - شيء آخر، وهو خلو الواجب في حد نفسه عن الواجبية والصفات ~~الكمالية بحسب أول الوضع، وهي مفسدة مختصة بهذا الشق دون الشق الأول إذ ~~لأحد أن يفرض واجبين يكون صفات كل منهما عين ذاته إلى أن يقوم البرهان ~~على استحالته، والبرهان وإن جميع بينهما في هذه الاستحالة أيضا لكن بحسب ~~التأدية والاستجرار، لا بمقضى الوضع صريحا من أول الأمر. # وكما أن فوق كل ذي علم عليم إلى أعلم العلماء وهو صاحب القوة القدسية ~~فكذلك تحت كل ذي جهل جهيل إلى أجهل الجهال وهو الجاهل بلزوم أحد النقيضين ~~للآخر إذ لزم من أول الوضع، وإن كانت جميع الجهالات مشتركة في التأدية ~~إلى الجهل بوضع شيء بعينه مع نقيضه، ومتفاوتة مراتبها بحسب مراتب سرعة ~~التأدية وبطئها، وطول مسافة المقدمات وقصرها إلى النتيجة، فالرسوخ في ~~الجهل يتحقق إما بعدم التفطن بفساد الشيء البين الفساد مع الإصرار به - ~~وهذا هو الغاية - أو بعدم العلم باندارج الأكبر للأصغر مع قلة الحدود ~~والوسائط بينهما مع اعتقاد نقيض النتيجة، وفي مقابله الرسوخ في العلم وهو ~~سرعة التفطن بالنتيجة مع كثرة الحدود والمبادئ الذي يقال له: " الحدس ~~الشديد " وغاية القوة القدسية التي للأنبياء والأولياء. # وعدم الرسوخ في كل منهما يعرف بمعرفة الرسوخ فيه إذ مراتب كل منهما، ~~لكونهما وجودين متقابلين مختلفة شدة وضعفا ورسوخا وفتورا. # وأما بيان الثالث: فلأن " القيوم " لكونه صيغة مبالغة يدل على كمال ~~الاستقلال في التقويم والإيجاد شدة وعدة، فلو كان في الوجود فاعل آخر - ~~سواء كان تاما في الفاعلية أو ناقصا مباينا أو مشاركا للأول - يلزم ~~خلاف المفروض وهو كونه تعالى ضعيفا في الفاعلية قاصرا فيها. # أما على تقدير كون الثاني تاما في الفاعلية والإيجاد، فلأنه يلزم أن ~~يكون بعض الممكنات خارجا عن صنعه وإيجاده، فلم تكن قدرته شاملة له ~~لامتناع توارد العلتين المستقلتين على معلول واحد ms0959 معين، فيكون عدد ~~مقدوراته ناقصا يمكن الزيادة عليه، فلم تكن قيوميته في الغاية بحسب ~~العدد. # وأما على تقدير كون الثاني مشاركا له في الفاعلية - سواء كان جزءا أو ~~معينا أو معدا، أو آلة، أو سببا غائيا، أو مصلحة، أو انتظارا لفرصة، ~~أو غير ذلك - لم يكن بحسب ذاته قويا (قيوما - ن) على ما تقوى عليه ~~ذاته مع الشريك. # فقيوميته تدل على أن لا فاعل غيره، كما أن ذاته تدل على أن لا واجب ~~سواه لقوله: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران:18]. # فهذه العلوم الثلاثة التوحيدية - أعني توحيد الذات، وتوحيد الصفات، ~~وتوحيد الأفعال - أعلى طبقات العلوم، وأعلى هذه وأشرفها هو علم الذات، ثم ~~علم الصفات، ثم علم الأفعال، ولهذا وقع بهذا الترتيب في قوله تعالى: { ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم } وكذا وقعت ~~الدلالة على هذه العلوم الثلاثة في قوله سبحانه: # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم # [البقرة:163] بهذا المنهج، فإن قوله " إلهكم إله واحد " توحيد للذات، ~~وقوله " لا إله إلا هو " توحيد الصفات على ما قررناه وقوله " الرحمن ~~الرحيم " أي رحمن الدنيا ورحيم الآخرة توحيد الأفعال. # هذا طريق التدرج في مسلك الإلهية. # وأما طريق التدرج في مسلك العبودية فبعكس هذا الترتيب، وهو الترقي من ~~الأفعال إلى الصفات، ومن الصفات إلى الذات، فكما أن طريق الإلهية يقتضي ~~التدرج النزولي إلى أدنى المراتب # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق:16] " أنا عند المنكسرة قلوبهم، أنا عند المندرسة قبورهم " " لو ~~دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط إلى الله " وذلك لأن كمال النورية ~~والظهور يوجب كمال القرب والدنو، ألا ترى أنه إذا كان في سطح واحد سواد ~~وبياض ترى البياض لوضوحه أقرب، والسواد لخفائه أبعد، ففي طريق العبودية ~~يقع التدرج الصعودي إلى أعلى المراتب، وهو مقام العندية " لي مع الله ~~وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ". # فوقع بيان هذه المراتب في كلام الله تعالى على سنة الإلهية كما علمت ~~وفي كلام الرسول (صلى الله ms0960 عليه وآله) على سنة العبودية، حيث قال: # " أعوذ بعفوك من عقابك " # فهذه ملاحظة توحيد الأفعال ثم قال: # " وأعوذ برضاك من سخطك " # هذا بملاحظة توحيد الصفات، ثم قال: # " وأعوذ بك منك " # هذا بملاحظة توحيد الذات فلم يزل إلى القرب يترقى من طبقة إلى طبقة ومن ~~مرتبة إلى مرتبة في الشرف والقرب حتى انتهى إلى النهاية، ثم عند النهاية ~~اعترف بالعجز والقصور، لأن الذات الأحدية ليس لأحد فيها قدم، فقال: " ~~لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ". # فهذا أدق العلوم وأشرفها، ومثله في الشرف والغموض علم الآخرة وعلم ~~المعاد وهو متصل بعلم المعرفة. # هذه العلوم الأربعة قد أودعنا في بعض كتبنا ورسائلنا شيئا من مجامعها ~~وأوساطها دون القدر الذي رزقنا منه مع قصر العمر، وطول الشواغل، وقلة ~~الأعوان والرفقاء، وكثرة الأضداد والمعاندين، ولم يشبع الكلام حسب ما ~~جعله الله قسطي لأنه مما تكل عنه أكثر الأفهام ويستضر به الضعفاء وهم ~~أكثر المترسمين بالعلم وإني ما رأيت في مدة عمري هذا وقد بلغ سنه إلى ~~نيف وأربعين من عند خير من علم الآخرة على وجه يطابق القرآن والحديث، ~~وعمل بمقتضى الكشف الصحيح بل قل من العلماء من أحكم ظواهر العلوم ~~الحقيقية ومبادئها فضلا عن أواخرها وأقاصيها، حتى ارتاضت نفسه، ~~واستقامت على سواء السبيل، فلم يبق له طلب وشوق إلا إلى الحق، وحرام في ~~العلم الأول الواجبي والقضاء السابق الإلهي أن يرزق شيء من هذه العلوم ~~الأربعة خصوصا معرفة الذات وعلم الآخرة، إلا مع رفض الدنيا، وطلب ~~الخمول، وترك الشهرة مع فطنة وقادة، وقريحة منقادة، وذكاء بليغ، وفطرة ~~صافية، وحدس شديد. # المشرع الثاني # في قراءة التهليل # إعلم أن " لا إله إلا هو " بالمد، وكذلك جميع التهليل. روى الهاشمي ~~عن ابن كثير المد الطويل مع أنه من جملة القراء الذين يقصرون المدات ~~المنفصلة وهي التي تحصل حيثما يكون حرف المد في كلمة وسببه وهو " ~~الهمزة " في كلمة أخرى، وذلك لورود الأثر في باب المد لهذه الكلمة، وهو ~~ما روي عن رسول الله (صلى ms0961 الله عليه وآله): # " من قال لا إله إلا الله ومدها غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ". # ومن العجب أن بعض المتشفعين (المتقشفين - ن) المعلنين بالذكر في المجالس ~~استدلوا بمثل هذا الحديث على فضيلة الجهر ورفع الصوت في الذكر، والصياح ~~في الدعاء والنداء وهو ظن فاسد ووهم كاسد، وقد ورد في القرآن ما ينادي ~~بخلافه كقوله تعالى: # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر ~~من القول # [الأعراف:205] ومثل ما ورد في الحديث عن النبي # " خير الذكر الخفي، وخير العبادة أخفاها، وخير المجالس أوسعها " # الحديث. # قال بعض أصحاب القلوب: يا رافع الصوت بالدعاء، ويا جهوري الصياح في ~~النداء أمن الضرب تتألم أو مع أكفائك تتكلم؟ أقسام جهل قسمك؟ أم رزاق ~~نسي اسمك؟ سبحان اله عما يصفون وتعالت ذاته عما يشركون، أنام من خلق ~~الأنام؟ أتظنون أن لا تأكلوا أرزاقكم دون أن ترفعوا أصواتكم انتهى. # ثم لا شبهة في أن لسان الحال أفصح، ورواح الرحمة أبسط وأفسح، وفائدة ~~الذكر والتهليل هو القرب من الحق الجليل، وهو إنما يحصل بمكالمة الباطن ~~بلسان الحال دون مقارعة الأسماع بآلة الاصطكاك بالمقال، وكلما كانت ~~العبادة اسر وأخفى فهي أبعد عن شائبة الرعونة والرياء، ولهذا المعنى ~~اختار المخلصون من أهل الله والسالكون سبيل العبودية الخلوة عن الخلق ~~للذكر والمناجاة، وآثروا العزلة عن الناس حذرا عن الوسواس، واستوحشوا من ~~رؤيتهم خوفا عن مزاحمة الأغيار، بل لا يحتملون الهمس من الخفيف في أوقات ~~انزعاجهم إلى الحق، كيلا يشوش حالهم ولا يتكدر عيشهم ومنالهم. # هذا حال المريدين السالكين قبل الوصول، وأما عند تحققهم بالوجود البقائي ~~بعد تمام حركاتهم ذاهبين إلى ربهم أولا ثم ذاهبين فيه أخيرا فلا يتفاوت ~~عندهم الخلوة والجلوة، والإسرار والإظهار، بل ربما كان لهم ولغيرهم في ~~الجهر والإعلان مصلحة دينية وحكمة شرعية ترجع إلى نفس الإنسان بشخصه أو ~~إلى إصلاح مدينة فاضلة كما في الجمعة والجماعات والأعياد والجيوش، وحيث ~~ما ورد في الشرع الأقدس من استحسان رفع الصوت والإعلان كما في الأذان وفي ~~مواضع من ms0962 الصلوات المكتوبة وغيرها. # ويناسب ذلك ما روي عن أهل الشرائع القديمة أنهم ندبوا في شريعتهم إلى ~~رفع الأصوات بالأذكار في معابدهم، وكذا ما قاله بعض قدماء الحكماء: ~~ارتفاع الأصوات في بيوت العبادات بحسن النيات وصفاء الطويات يحل ما ~~عقدته الأفلاك الدائرات والكواكب السائرات. # وما قال بعض أرباب القلوب في بعض مخاطباته للنفس: " أذكري أيتها المدينة ~~الفاضلة ربك بأصواتك المتجامعة والصياح، والتفخيم، والتعظيم، ما أبهاك ~~يا مدينة تحيي بذكر الله أسواقها ومشارعها وسككها وبيوتها وسطوحها عند ~~بلوغ رأس النيرات إلى مراسم التسبيح، وكبري تكبيرا جهريا تهزم به ~~جنود الشيطان، وتقهر عبدة الطاغوت، وترعد خبيثات النفوس، وتهز الأرواح ~~وتحرك الأشباح الصيحة الجمهورية فريضة في كتاب الله المسطور بالبنان ". # وبما قررنا ظهر أن كلا من الجهر والإخفات، والإعلان والإسرار مستحسن ~~بوجه وحيثية، واندفع التدافع الذي يتراءى بحسب الظاهر بين ما ورد في باب ~~كل منهما من الاستحسان والاستهجان، وذلك لأن ملاك الأمر في أعمال العبد ~~وأفعاله النية الخالصة، والتوجه التام إلى معبوده والإقبال بالكلية إلى ~~مقصوده، إذ العبادة والعمل بدون الإخلاص في النية معطل ومهمل، كجسد لا ~~روح فيه وبذر لا ثمرة منه، كقوله تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة:5]. فالأمر إنما تعلق بالعبادة بهذا الوجه. # فإذا كان تمام العمل بالإخلاص فالإنسان ما دام في هذه النشأة الدنيوية ~~ولم يطلق روحه عن أسر هذه القيود الجسمانية لا يأمن عما يشوش روحه ~~ويبعدها عن حاق النية الإلهية، فيحتاج غالبا في أوقات انزعاجه إلى الحق ~~إلى العزلة والخلوة والاستيحاش عن الخلق، والإسرار في العبادات والأذكار، ~~تخلصا عن فتنة السمعة والرياء في الإظهار، وتحفظا على إدامة مراسم ~~العبودية لله الواحد القهار، وإقامة لوظائف المذلة والتواضع والانكسار، ~~تقربا إلى العزيز الغفار لقوله: " أنا عند المنكسرة قلوبهم ". # وأما إذا قوى روحه بالعلم والعمل واستحكم أساس معرفته وإيمانه بالله عز ~~وجل، وفنى نفسه عما سوى الله بحيث يكون وجود الدنيا وما فيها في نظر ~~شهوده كظل وفيء - بل كلا شيء - فلا يتغير حاله عند تغير ms0963 الأحوال، ولم ~~يبرح عما هو عليه في كل حال فالأحسن لمثل هذا الإنسان أن يبرز من مكمنه ~~ويظهر للخلق مرتبته وحاله ليتأسوا به ويتبركوا بوجوده، ويتقيدوا به في ~~طريق السلوك، والعبادة، والطاعة، وهكذا كان دأب أكابر العلماء والمجتهدين ~~في البداية والنهاية. # المشرع الثالث # في حقيقة الوحدة المقصودة من كلمة التهليل # إعلم أن لفظ " الواحد " قد يكون اسما وهو الواحد بما هو واحد، وقد ~~يكون صفة وهو الشيء الواحد. # فالأول: هو الذي يتقوم منه العدد بتكريره. # والثاني: كقولك: " شخص واحد " وربما يوجدان في أمر واحد باعتبارين كعشرة ~~واحدة فإن الوحدة العارضة للعشرة غير الوحدات التي تتقوم هي منها. # ومطلق الوحدة معناه أنه لا ينقسم من جهة ما يقال إنه واحد، فالإنسان ~~الواحد يستحيل أن ينفسم من حيث هو إنسان إلى إنسانين، لأن صرف الشيء ~~وحقيقته لا يكون إلا معنى واحدا، فكلما فرضته ثانيا له، فإذا نظرت ~~إليه فهو بعينه هذا ولا يفارقه إلا لمعنى آخر غير حقيقته، فالإنسان ~~ينقسم إلى أبعاض وأجزاء ليس شيء منها إنسانا، أو إلى جزئيات وأشخاص ليس ~~تعددها في نفس الإنسانية بل بأمور عارضة ومشخصات لاحقة لنفس مهيتها، ~~وذلك من جهة أخرى. # ومن هاهنا يعلم ويتحقق أن الوحدة لازمة لكل حقيقة ولكل مهية، والكثرة ~~أمر لاحق لها من الخارج، كما أن الوجود فاش منبسط على كل شيء (عام ~~منبسط لكل شيء) من الأشياء حتى اللاوجود، فإنه من حيث له مفهوم ذهني ~~له نحو من الوجود العقلي، إذ هو بهذه الحيثية شيء من الأشياء لا باعتبار ~~أنه سلب للوجود، بل المعدوم المطلق، والمجهول المطلق لكل منهما عنوان ~~في الذهن بحمل ذلك العنوان على نفسه بالحمل الأولي الذاتي - وإن لم يحمل ~~بالحمل الشايع الصناعي لا على نفسه ولا على غيره لكن يحمل على نفسه نقيض ~~ذلك المفهوم، وهو الموجود في الجملة والمعلوم بوجه ما - فكذلك الوحدة ~~لشمولها وانبساطها تصدق على نفسها وعلى مقابلها أي الكثرة حيث يقال " ~~كثرة واحدة " و " عدد واحد " كما مر. # فالوحدة والوجود كأنهما رفيقان متصاحبان ms0964 أينما تحقق أحدهما تحقق ~~الآخر، بل الكشف والبرهان يحكمان بأنهما أمر واحد ذاتا وحقيقة. # وما قيل: من أن الوحدة تغاير الوجود لأن الوجود ينقسم إلى الواحد ~~والكثير والمنقسم إلى شيئين مغاير لما به الانقسام. # فالجواب: أن الكلام ليس في أن المفهوم من " الوحدة " عين المفهوم من " ~~الوجود " لأنه مستبين الفساد، وإلا لكانا مترادفين، ولكان قولنا: " ~~موجود واحد " غير مفيد لكونه بمنزلة قولنا: " موجود موجود " أو " واحد ~~واحد " ولكان قولنا: " موجود كثير " تناقضا والتالي باطل فكذا المقدم بل ~~المقصود أن حقيقة الوحدة عين حقيقة الوجود، وكل نحو من أنحاء الوجود ~~عين نحو من أنحاء الوحدة فحينئذ نقل: المقسم في هذا التقسيم مفهوم ~~الوجود المطلق العام لا حقيقته الخاصة، فكما أن الوجود بالمعنى العام ~~ينقسم إلى الواحد والكثير فكذا الوحدة بالمعنى العام الشامل للواحد ~~الحقيقي والكثير الحقيقي تنقسم إليهما؛ لما سبق أن الواحدة مما يعرض ~~للكثرة. # وبيان ذلك: أن الموجودات متفاوتة في درجات الوحدة، كما أنها متفاوتة في ~~فضيلة الوجود، وكما أن أحق الجميع بالموجودية الوجود القيومي، إذ هو صرف ~~الوجود الذي لا يتصور فيه عدم بوجه من الوجوه أصلا، لكونه موجودا بجميع ~~الاعتبارات، واجبا على جميع التقادير وجوبا أزليا أبديا، وضرورة ~~ذاتية أزلية - بخلاف سائر الضرورات الذاتية، أو الوصفية لتقيدها بما دام ~~الذات أو ما دام الوصف - وبعده الوجودات العارضة للمهيات - على تفاوت ~~مراتبها - فإن صدق الموجودية لها ضرورية مقيدة بما دام الوجود بإدامة ~~الجاعل التام إياها، ثم نفس المهيات الممكنة المعروضة للوجود في الخارج، ~~ثم الذهنيات الصرفة والفرضيات الكاذبة. # فكذلك أحق الأشياء بالوحدة نفس الواحد بما هو واحد، الذي صدق الواحد ~~عليه بالضرورة الأزلية فهو الواحد الحقيقي الذاتي الأزلي، ثم الوحدات ~~الحقيقية العارضة للبسائط أو للمركبات من جهة صورتها الطبيعية التي هي ~~جهة وحدتها، ثم الأمور التي لها كثرة حقيقية ولها وحدة جمعية اشتراكية من ~~جهة أخرى، وتلك الجهة إما مقومة أو عارضة، أو لا هذا ولا ذاك. # فالأول: قد يكون جنسا لكثير كاشتراك الإنسان والفرس في الحيوان، وقد ~~يكون ms0965 نوعا كاشتراك زيد وعمرو في الإنسان، ويساوقه الاتحاد في الفصل ~~أيضا. # والثاني: قد يكون محمولا لها وهو الواحد بالمحمول كالقطن والثلج ~~المتحدين في الأبيض المحمول عليهما، وقد يكون موضوعا كالكاتب والضاحك ~~المتحدين في الإنسان المحمولين عليه. # والثالث: وهو الواحد بالإضافة إلى شيء واحد. # ثم المشاركة في المحمول إن كانت في النوع تسمى " مماثلة " وفي الجنس " ~~مجانسة " وفي الكيف " مشابهة " وفي الكم " مساواة " وفي الوضع " مطابقة " ~~وفي الإضافة " مناسبة ". # وجهة الوحدة في هذه الأمور المذكورة إذا قيست إلى نفسها وإن كانت وحدتها ~~حقيقية بالمعنى الأعم لكنها ليست في مرتبة واحدة من الكمال، لأن وحدة ~~الجنس ليست كوحدة النوع، ووحدة الإضافة ليست كوحدة الذاتي المقوم وإن ~~كان الجميع عقليات لا وجود لها في الخارج بخلاف الوحدة الشخصية لأنها ~~خارجية، ثم الواحد الشخصي الذي لا ينقسم أصلا أحق بالوحدة من الذي ينقسم ~~بوجه. # والثاني: أيضا على مراتب، فإنه قد يكون واحدا بالاتصال وهو الذي ينقسم ~~بالقوة إلى أجزاء متحدة في تمام الحقيقة انقساما لذاته كالمقدار، أو ~~لغيره كالجسم الطبيعي الواحد البسيط، وقد يكون واحدا بالتركيب والانضمام ~~وهو ما يكون كثرته بالفعل، ويقال له: " الواحد بالاجتماع " ، وذلك على ~~ضربين: " تام " إن حصل فيه جميع ما يمكن حصوله فيه، " وغير تام " إن لم ~~يحصل فيه ذلك، ويقال له " كسر " ويسميه الناس " غير واحد " ، ثم التمامية ~~إما بحسب الوضع كالدرهم الواحد، أو الصناعة كالبيت التام، أو الطبيعية ~~كالإنسان التام الخلقة، والخط المستقيم لقبوله الزيادة إلى غير النهاية ~~ليس بواحد من جهة التمام بخلاف المستدير إذا تمت إحاطته بالمركز. # وأما الذي لا ينقسم في الخارج أصلا - أي لا بالقوة كالمتصل ولا بالفعل ~~كالمجتمع - فهو إما ذو وضع كالنقطة، أو غير ذي وضع كالعقل والنفس. # وإذا حققت الحقائق علم أن شرف كل موجود بغلبة الوحدة فيه، وشرف كل واحد ~~بغلبة الوجود فيه، وإن لم يخل موجود ما عن الوحدة حتى العشرة في عشريتها، ~~ولم تخل وحدة ما عن الوجود، كالأعداد الغير المتناهية والفرضيات العقلية، ~~فكل ما هو أبعد ms0966 عن الكثرة فهو أشرف وأكمل، وحيثما ارتقى العدد إلى أكثر ~~نزلت نسبة الوحدة إلى أقل. # فالأحق بالوحدة من أقسام الواحد الحقيقي بالمعنى الأعم هو ما لا ينقسم ~~أصلا لا في الكم ولا في الحد، ولا بالقوة ولا بالفعل، ولا ينفصل وجوده ~~عن مهيته بحسب العقل، ثم ما لا ينقسم في الكم أصلا لا بالفعل ولا بالقوة ~~وإن تصور انقسامه إلى أجزاء الحد ذهنا، ثم الواحد بالاتصال، ثم ~~الواحد بالاجتماع ثم الواحد العددي أحق بالوحدة من الواحد النوعي، لكون ~~وحدته كوجوه ذهنية، وهو أحق من الواحد الجنسي لشدة إبهامه وعدم تحصله، ~~وكذا الأجناس يتفاوت ضعفها في الوحدة بحسب مراتب عمومها وإبهامها وبعدها ~~عن الوحدة العددية الشخصية. # إنارة عقلية يزاح بها غشاوة وهمية # ولقائل أن يقول حسبما وجد في الكتب الحكمية الرسمية أن الوحدة مغايرة ~~للوجود، لأن الكثير من حيث هو كثير موجود، ولا شيء من الكثير من حيث هو ~~كثير بواحد، ينتج: فليس كل موجود بواحد. فإذا الوحدة مغايرة للوجود، نعم ~~يعرض لذلك الكثير وحدة وخصوصية لا أنه تعرض الكثرة لما عرضت له الوحدة. # فنقول له: إن أردت بالموصوف بالحيثية المذكورة في المقدمتين ما يراد ~~منه في مباحث المهية لأجل التمييز بين الذاتي والعرضي فالصغرى ممنوعة ~~لأن الكثير بهذا المعنى لا موجود ولا معدوم، بمعنى أن وصف الوجود ليس ~~بعينه وصف الكثرة. وإن أريد أن معروض الكثرة حين كونه معروضا للكثرة أو ~~بشرط اتصافه بها موجود سلمناها، لكن منعنا الكبرى إذ كما أنه موجود فهو ~~واحد أيضا، إذ ما من شيء إلا وله وحدة حتى الكثير في كثرته، فثبت ~~أن الوجود غير منفك عن الوحدة. # فإن رجع وقال بعد اختيار الشق الثاني: إن الوحدة هاهنا عرضت للكثرة لا ~~لما يعرض له الكثرة فموضوعاهما متغايران، مثلا العشرة عارضة للجسم ~~والوحدة عارضة للعشرة من حيث أنها عشرة فهاهنا شيئان " الكثرة وموضوعها ~~" فالكثرة للموضوع والوحدة لتلك الكثرة، فوحدة الكثرة لا تناقض وتلك ~~الكثرة لعدم اتحاد الموضوع بخلاف وحدة موضوع الكثرة فإنها تنافي كثرته مع ms0967 ~~اتحاد الزمان، ولا تنافي وجوده فثبت المغايرة بين الوجود والوحدة. # فنرجع ونقول: قد مر أن الوحدة كالوجود على أنحاء شتى وكل وحدة خاصة ~~يقابلها كثرة خاصة، والوحدة المطلقة يقابلها الكثرة، كما أن الوجود الخاص ~~الذهني أو الخارجي يقابله العدم الذي بأزائه، والعدم المطلق بأزاء الوجود ~~المطلق، والدعوى أن وحدة ما عين وجود ما بأي اعتبار أخذ. # فإذا تقرر ذلك فنقول: ما ذكره لا يدل على مغايرة الوحدة المطلقة للوجود ~~المطلق، إذ الكثير المقابل له مما لا وجود له أصلا، لأن كل موجود فله ~~جهة وحدة ولو بالاعتبار، فموضوع الكثرة - كالرجال العشرة مثلا من حيث ~~كونهم عشرة - ليس لهم وجود غير وجودات الآحاد إلا بالاعتبار العقلي لا ~~في الخارج، وإلا لم ينضبط شيء من التقاسيم، إذ كل ما ينقسم إلى شيئين ~~اثنين فإذا كان موضوع الاثنينية موجودا يكون منقسما إلى ثلاثة أشياء، ~~وهكذا ولم ينحصر أيضا المقولات في شعر، إذ موضوع هذه العشرة لو كان ~~موجودا خارجيا لكان مقولة أخرى غير إحدى المقولات العشر فقد علم أن ~~الكثير من حيث الكثرة لا وجود له إلا في الاعتبار العقلي، وكما أن ~~للعقل أن يعتبره موجودا فله أن يعتبره شيئا واحدا فأتقن في هذا المقام ~~لأنه مما زلت فيه الأقدام. # إذا تقرر ما ذكرناه فنقول: إن الواحد الحق لكونه مبدأ سلسلة الممكنات ~~يجب أن يكون وحدته هي الوحدة الحقيقية بالمعنى الأخص، بمعنى أن ذاته نفس ~~حقيقة الوحدة بلا شوب كثرة واثنينية، إذ لو كانت الوحدة عارضة لذاته ~~بذاته فلم تكن ذاته من حيث هي هي واحدة، ويكون الواجب في اتصافه بالوحدة ~~مفتقرا إلى سبب وذلك السبب إما ذاته أو غيره. # فعلى الأول: يلزم أن تكون ذاته موجودة واحدة قبل هذه الوحدة، لكونها علة ~~للواحد، وعلة الواحد واحدة، فينقل الكلام إلى الوحدة السابقة ويتسلسل أو ~~ينتهي إلى سبب واحد يكون وحدته عين ذاته وهذا خلف مع أنه المطلوب. # وعلى الثاني: يلزم افتقار الواجب في وحدته إلى الممكن وهو محال، لأن ~~الافتقار في الوحدة يسلتزم ms0968 الافتقار في الوجود، إذ الشيء ما لم يكن ~~واحدا متعينا لم يوجد، وأيضا يلزم الدور في افتقار الواجب في وحدته ~~إلى الممكن وبالعكس، لكون كل ممكن مفتقرا إلى علة تامة معينة، فثبت أن ~~وحدة الواجب كوجوده عين ذاته، ومن هاهنا يظهر للبيب العارف أن حقيقة ~~الوجود وحقيقة الوحدة أمر واحد. # فإن قيل: هذا الكلام يتوقف على أمرين: # أحدهما: أن الوحدة صفة ثبوتية. # والآخر: أنها متحققة في الخارج، ونحن لا نسلم كونها ثبوتية، لم لا يجوز ~~أن تكون سلبية معناها نفي الكثرة؟ ولو سلمنا كونها أمرا ثبوتيا فلا ~~نسلم أنها مما له ثبوت في العين - فضلا عن أن يكون له صورة عينية - وذلك ~~لأنه لو كانت للوحدة وجود عيني لكانت الوحدات متساوية في مهية الوحدة ~~ومتباينة بتعيناتها، فيكون للوحدة وحدة أخرى وهلم جرا، وذلك هو ~~التسلسل المحال. # فالجواب: أما عن الأول فهو أن المفهوم من الوحدة أمر ثبوتي لأنه لو ~~كان سلبيا كان سلبا للكثرة، فإن كانت الكثرة سلبية - وسلب السلب ثبوت - ~~فالوحدة ثبوتية وهو المطلوب، ولو كانت الكثرة ثبوتية ولا معنى لها إلا ~~مجموع الوحدات، فإن كانت الوحدة سلبية حصل من الأمور المعدومة أمر موجود ~~وهو محال، فثبت أن الوحدة صفة ثبوتية. # وأما عن الثاني: فلأنه لا يمكن أن يقال لا تحقق لها إلا في الذهن ~~لأنا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنه واحد قد كان واحدا في ~~نفسه قبل أن يوجد ذهننا واعتبارنا. # فثبت أن كون مهية ما واحدة، صفة ثبوتية زائدة على تلك المهية قائمة بها ~~مع قطع النظر عن الاعتبارات والنسب والحيثيات العقلية. # ثم إن كون الوحدة موجودة لا يستدعي إلا أن تكون واحدة، أعم من أن تكون ~~بنفس ذاتها أو بأمر عارض كما في سائر المشتقات - على ما هو التحقيق - بل ~~وزان الأمر في الوحدة كوزانه في الوجود، فإن كون الأشياء موجودة إنما ~~يكون بالوجود، وكون الوجود موجودا إنما هو بنفس الوجود لا بأمر زائد ~~عليه لاستغنائه عنه، فكذا الحكم في كون الوحدة واحدا. # على ms0969 أن المأخوذ في مفهوم المشتقات هو المعنى المصدري للشيء، وكلامنا في ~~إثبات حقيقة الوحدة، أي ما به الشيء واحد، لا في الواحدية المصدرية، فإذا ~~كان للوحدة حقيقة في الخارج لكانت واحدة، لكن لا يلزم أن تكون وحدتها ~~بغير نفسها قياسا على الأشياء الواحدة التي حقيقتها أمر غير الوحدة ~~فتحتاج في واحديتها إلى أن تقوم بها وحدة خارجة عن ذاتها، فوحدة الوحدة ~~وراء ذاتها ليست إلا واحديتها، كما أن وجود الوجود وراء حقيقته ليس ~~إلا نفس موجوديته، وبهذا يندفع التسلسل المذكور في مثل هذا المقام ~~لأن خطرات الأوهام لا تقف عند حد. # والعجب من بعض الحكماء كيف عول في نفي موجودية الوجود والوحدة وغيرهما ~~على مثل ذلك البيان مع أنه قد حقق الكلام في باب حقيقة النور أنها ظاهرة ~~بذاتها لا بضوء زائدة عليها، وكذا في الامتداد الجوهري الذي بنفس ذاته ~~ممتد، وامتداد أجزاء الزمان بأنفسها تقدمات وتأخرات وذوات تقدم وتأخر. # وخلاصة القول إن للوحدة كالوجود معنيين: # أحدهما: أمر عام مصدري وهو كون الشيء واحدا. # والثاني: هو منشأ الواحدية وهو قد يكون عين ذات الشيء وقد يكون زائدا ~~عليها، والواحد الحق من قبيل الأول لكونه أحق الأشياء بالواحدية، إذ ~~الكثرة منشأ الإمكان والنقص والقصور، ومن ضرورة كونه واحدا حقيقيا كونه ~~وجودا صرفا مقدسا عن المهية، وذلك لأنه لو كانت له مهية كلية لكانت ~~وحدته وحدة مبهمة مشوبة بالكثرة والانقسام، ولم تكن الوحدة عين ذاته، ~~لأن كل مهية - سواء كانت نوعية، أو جنسية - تكون الوحدة عارضة لها إذ ~~المهية من حيث هي هي ليست واحدة ولا كثيرة، فثبت أن ما حقيقته الوحدة لا ~~يمكن أن يكون ذا مهية كلية، فالواجب بحت الوجود ومحض الهوية. # وبهذا ثبت معنى كلمة التوحيد فإن معنى " لا إله إلا هو " على هذا ~~التحقيق (التقدير - ن) " لا إله إلا ما يكون ذاته هيوته " أي وحدته ~~العينية (الغيبية - ن) الحقيقية بخلاف غيره من الأشياء التي تكون ~~تعيناتها زائدة على أعيانها الثابتة. # ثم من ضروريات كون الحق واحدا بهذا المعنى ms0970 الذي يقال له " الأحدية ~~الصرفة " كونه واحدا بمعنى " عديم الشريك " ويقال له " الواحدية " و " ~~الفردانية " وذلك لأن الاشتراك في الإلهية والواجبية يوجب الاشتراك ~~في الذات، إذ الصفات الكمالية الواجبية قد مر أنها عين الذات ~~والاشتراك فيها اشتراك في نفس الذات فتكون وحدتها وحدة اشتراكية من قبيل ~~الوحدة النوعية أو الجنسية وقد مر أن وحدة المهية الكلية وحدة عارضة، ~~وأن حقيقة الوحدة لا يمكن أن تكون عارضة لشيء، فلو كان للواجب الحق شريك ~~- تعالى عن ذلك علوا كبيرا - يلزم أن تكون وحدته الحقة وحدة غير ~~حقيقية، فيلزم الخلف. # وهذا نمط جديد في البرهان على التوحيد يستنبط من نفس كلمة التوحيد ~~تحدسنا به إلهاما من الله والتأييد، على أن لنا برهانا عرشيا على هذا ~~المطلب العالي الشريف لم يسمح (لم يسنح - ن) بمثله أحد قبلنا حيث لم يرد ~~عليه شيء من الإيرادات والشبهات وخصوصا الشبهة المشهورة المنسوبة إلى ~~ابن كمونة الواردة على الدلائل المتداولة، قد كتبناه في أسفارنا الأربعة ~~من أراد ذلك فلينظر فيها. # المشرع الرابع # في كيفية التوصل إلى معنى التوحيد الحقيقي وطريق السير إلى عالم الوحدة ~~الحقة # إعلم أن النظر إلى مفهوم الوجود يؤدي إلى وجود قائم بذاته، واجب بنفسه، ~~وإلا لم يتحقق موجود ما أصلا، لأن الوجود مهيته أنه في الأعيان، ~~فإذا لم يكن ما هو في نفسه لنفسه بنفسه وجودا موجودا ثابتا لم يكن ~~لشيء من الأشياء وجود أصلا، كما أنه لو لم يكن في الوجود نور في ذاته لم ~~تكن لشيء من الأشياء صفة النورية أصلا، إلا أنه ليس من شرط كون الشيء ~~نورا أن يكون قائما بنفسه بلا علة بخلاف كون الشيء وجودا بنفسه فإنه ~~يلزم أن يكون وجودا صرفا، مقدسا، أحديا، بلا علة وفاعل، وغاية، ~~وتركب، وتكثر، وتحيز، وتجسم وحلول، وتعلق، لأنه إذا ثبت وجوب الوجود، ~~فهو يقتضي أن لا يكون الواجب لذاته مفتقرا في شيء من الأشياء إلى شيء من ~~الأشياء أصلا، وإلا لزمت فيه جهة إمكانية غير جهة الوجود - خارجة عن ~~حقيقة الوجود ms0971 - فيكون مركبا وكل مركب ممكن فلا يكون ما نفس حقيقته ~~الوجود الصرف إلا ما كان في غاية الجمال والعظمة والجلال والإكرام، ~~متبرئ الذات عن أنحاء التعلق بشيء والتركب من شيء ثم لا ريب في أن من ~~كمالات الجميل كونه عديم المثل والنظير، كما هو المشهور عند الجمهور. # وأما بحسب النظر العلمي فلأن الاشتراك مع الغير في الحقيقة مما يوجب ~~الإبهام وعدم الاستقلال في التحصل، وهذا ينافي كون الشيء وجودا حقيقيا ~~ذا هوية حقيقية، ويلزم تركب الوجود الصرف وهو خلاف المقدر. # هذا إذا كانت جهة الاشتراك أمرا مقوما، وأما إذا كانت صفة حقيقية فهو ~~أيضا محال؛ لما مر من أن حقيقة الوجود القائم بذاته كماله بنفس ذاته ~~لا بأمر زائد وأما إذا كانت صفة سلبية أو إضافية فالسلوب والإضافات ليست ~~في الحقيقة أشياء، يسلتزم الاشتراك فيها اشتراكا في صفة كمالية، بل هي ~~في الحقيقة سلب صفات، أو مجرد أمور اعتبارية محضة هذا. # أقول: ومن تحقق معنى حقيقة الوجود بنور الباطن وصفاء الضمير لم يشك في ~~وجود الواجب تعالى ولا في أن واجب الوجود لذاته واجب الوجود في جميع ~~صفاته الكمالية، ولا في أن واجب الوجود في جميع صفاته الكمالية واحد ~~بجميع حيثياته فرد عن جميع اعتباراته - حتى عن حمل مفهوم الوحدة عليه، ~~لأن طبيعة الحمل تقتضي الاثنينية ولو في العقل وهو منحط عن درجة الأحدية ~~وعن تصور ذاته. # وهاهنا حالة عجيبة فإن العقل ما دام يلتفت إلى الوحدة فهو بعد لم يصل ~~إلى عالم الوحدة فإذا ترك الوحدة فقد وصل إلى الوحدة. # فاعرف هذه الأسرار؛ لتخلص عن ظلمات شبهات الأشرار، وتفوز بمقامات ~~الأبرار، وتستغرق في بحار عالم الأنوار؛ بشروق نور الواحد الجبار. # المشرع الخامس # في نفي أنحاء الشركة عن الواحد الحقيقي مطلقا # لما تحقق وتقرر كونه تعالى واحدا بنفس ذاته في أعلى مراتب الوحدة ~~فلك أن تقول إنه لا مماثل له في ذاته، ولا مجانس له في حقيقته ولا مشابه ~~له في صفاته، ولا مقارن، ولا مكافئ ولا مساوي، ولا مطابق ms0972 ولا مناسب ولا ~~مع، لأن كلا من هذه المعاني يعرض لما يعرض له الكثرة مع جهة وحدة ما ~~ناقصة كما علمت، على أن المماثلة والمجانسة تعرضان لما له ماهية كلية ~~ونوعية أو جنسية - وحقيقة الوجود متقدس عنه - والمشابهة والمضاهاة ~~تعرضان لما له كيفية قائمة به وصفة كمالية زائدة عليه - والحق تعالى إنما ~~يتجمل بذاته ويتزين بنفسه لا بأمر آخر صفة كانت أو غيرها، والمساواة ~~والمحاذاة تعرضان لما له تكمم وتقدر والمطابقة تعرض لما له وضع وتجسم - ~~والله تعالى منزه عن أن يكون جسما أو جسمانيا - والمناسبة تعرض لما له ~~إضافة يتحد معه غيره فيها وإضافته تعالى إلى الأشياء ليست إلا قيوميته ~~لها وحيث لا قيوم سواه فلا مناسب له أصلا، والمعية والاقتران يعرضان ~~للزماني المتحد مع آخر في الزمان أو المكاني المتحد مع غيره في المكان، ~~والمكافأة تكون بين شيئين متفقين في درجة الوجود وفي رتبة العلية ~~والمعلولية وما سوى الحق الأول معلول له إما بواسطة أو بغير واسطة ~~والمعلول لا يكون في درجة الوجود مع علته. # وقس عليه جميع أنحاء الاشتراك والاتحاد، وقدس الحق الأول عن كل وحدة غير ~~حقيقية توجب نحوا من الشرك الخفي أو الجلي، وأزل عن قلبك رينها وشرها ~~(شركها - ن) بصيقل هذا التوحيد كي يتجلى عنه غبار وجود الأغيار، ويتجلى ~~له الحق الواحد القهار. # فإذا علمت وتحققت هذا المقام ظهر لك أن المناسبات التي أثبتها بعض ~~المتصوفة في حقه تعالى كلها أوهام مضلة، فما أبعد من درجة التوحيد قول ~~من توهم من هؤلاء أن نسبة الباري تعالى إلى العالم كنسبة نفوسنا إلى ~~أبداننا وذلك لأن نسبة النفس إلى البدن ليست نسبة القيومية، بل نسبة ~~التدبير والتصرف بالتعاون، فإنها وإن كانت مجردة عن المادة البدنية ~~ذاتا لكنها مزاولة لها فعلا بمعنى أن لا تأثير لها في شيء من الأشياء ~~إلا بتوسط البدن بحسب الوضع كسائر القوى الجسمانية التي تتوسط المادة ~~بينها وبين آثارها بالوضع، بل نسبة النفس إلى البدن وقواه في هذا العالم ~~كنسبة صاحب السفينة ms0973 إلى السفينة وآلاته في البحر لأنها مما تحتاج إليها ~~للجري في بحر الطبيعة لاقتناص جزيات هذا العالم لتنتفع منها وتتزود بها ~~في سفر الآخرة وتتجر بها تجارة لن تبور - وهي أن تسعد للقاء الله تعالى ~~ورضوان منه - وأيضا الارتباط الذي هو بين النفس والبدن ارتباط تعلقي ~~يوجب تأثر كل منهما عن صاحبه وافتقاره إليه بوجه يحل منهما نوع واحد ~~طبيعي والله تعالى مقدس عن لحوق معنى التأثر والانفعال به، متعال عن ~~ذلك علوا كبيرا. # وأسخف من هؤلاء اعتقادا وأردأهم مذهبا من ذهب إلى أن الحق تعالى ذات ~~واحدة مصورة بصور مختلفة وهيئات متغايرة هي حقائق الممكنات وصورها - ~~سبحانه سبحانه - هذا الذي تفوهوا به صفة الهيولى الأولى التي هي أظلم ~~الذوات وأخس الموجودات وأكدرها، التي تكون لغاية النقص والخسة والقصور ~~فعليتها محض القوة والفاقة ووجودها أدون مراتب الوجود لكونها شبيهة ~~بالعدم واللاوجود، لأن وجودها هو استعداد وجود الصور وذلك كفر صريح، ~~وأين هي من الله تعالى وهو محض الجمال، والفضيلة، والغنى والفعلية ~~والوجوب # لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن ~~منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا # [مريم:89-90] حيث يشبهون مجمع الكثافة والظلمة برب العزة - تعالى عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا -. # وجماعة منهم زعموا أن الحق تعالى قوة سارية في جميع العالم من أسفله ~~إلى أعلاه ويكون في كل شيء منشأ أثره الخاص، وهذا الذي افتروا به على ~~الله هي الطبيعة الكلية السارية في الأجسام وأين هو من رب العزة؟ سبحانه ~~سبحانه. # وجماعة منهم زعموا أن للعالم بجميع أجزائه ذاتا واحدة متصرفة فيه ~~مدبرة إياه مقلبة له كيف تشاء، وبها حياة كل جسم من الأجسام وحركته ~~الإرادية وتشوقه إلى الديمومة والبقاء وقالوا: " إن الباري عز اسمه هو ~~نفس العالم التي بها حياته وحركته " ولم يهتدوا بأن هذه صفة النفس الكلية ~~للجسم الكلي فإن العالم بجميع أجزائه حيوان له نفس واحدة كلية هي مجموع ~~النفوس، وهذه النفس هي عبد من عباده تعالى عالمها عالم اللوح والقدر - ~~وقد مر أن الله تعالى منزه عن ms0974 هذا الوهم تنزيها عظيما -. # وجماعة زعموا أن للعالم نورا كليا محيطا به علوا وسفلا يحرك ~~النفوس على سبيل التشويق والإمداد، وبه يستفيد الإنسان الكمالات من ~~العلوم والمعارف والإلهامات وهذه النسبة أيضا مما يجب تنزيه الحق عنها، ~~لأنها صفة عبد من عباده - وهو العقل الكلي الذي هو أول ما خلق الله. قال ~~له: " أقبل " فأقبل ثم قال له: " أدبر " فأدبر. هو قلم الحق، عالمه " ~~عالم القضاء الإلهي " وهو الممكن الأشرف، والعبد الأعلى، والمخلوق ~~الأعظم، لأنه تعالى قال: # " فبعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعظم منك، فيك أعطي وبك آخذ وبك أثيب ~~وبك أعاقب " # - كما وقع في الحديث النبوي (صلى الله عليه وآله). # وكونه أشرف الممكنات لا يضاد كون محمد (صلى الله عليه وآله) أشرف ~~المخلوقات - حتى الملائكة المقربين - وذلك لأن حقيقته هي الحقيقة ~~المحمدية، فهو عند الإقبال والبداية عقل أول هو أول الجواهر والعقول، ~~وقائد سلسلة العلة والمعلول، وفاتح باب الرحمة والجود، وواسطة فيض الحق ~~في الوجود. وعند الإدبار والنهاية عقل آخر هو زبدة العناصر والأصول وخاتم ~~كل نبي ورسول، وثمرة شجرة عالم الأضداد، وسائق العباد إلى منزل الرشاد ~~ودرجة السداد، وهادي الخلق إلى رضوان الله الملك الحق والمعبود المطلق. # فثبت وتحقق أن الحق تعالى كما أنه واحد فرد في ذاته، فكذلك في جميع ~~صفاته وإضافته وسلوبه؛ لأن جميع صفاته الحقيقية ترجع إلى صفة واحدة هي ~~وجوب الوجود، الذي هو عبارة عن الوجود المتأكد الصرف القائم بذاته وكذلك ~~جميع إضافاته من القادرية، والعالمية، والرزاقية، والمبدأية، والسببية، ~~والتقدم، ترجع إلى إضافة واحدة هي قيوميته تعالى للأشياء على الوجه الذي ~~يعرفها الكاملون في المعرفة والراسخون في العلم، وكذا سلوبه - كسلب ~~الجوهرية، والجسمية، والتحيز، والحلول، والعجز، والفتور، والتقصير، ~~والتغير - كلها ترجع إلى سلب الإمكان مطلقا - كما يظهر لمن تدرب في ~~الصناعة العلمية. # فإذ لا شريك له في هذا السلب فلا شريك له في السلوب كلها، وإذا لا شريك ~~له في قيوميته تعالى فلا شريك له في الإضافات كلها، فهو واحد فرد في ~~ذاته، وجماله، وأفعاله، ms0975 وجلاله. # فظهر أنه سبحانه كما أنه منزه عن المثل والشبيه فهو منزه عن المثال ~~والنظير، فما حكم به الغزالي وغيره " أنه تعالى منزه عن المثل لا عن ~~المثال " محل نظر، نعم هذه الأمثلة الواقعة في القرآن المبين والحديث ~~المتين وكلام أكابر الدين والأئمة المعصومين - سلام الله عليهم أجمعين - ~~الجارية في حق الله عند تفهيم الخلق وتقريب أفهامهم لدرك حقيقة نسبته ~~تعالى إلى العالم وكيفية نظمه للموجودات، وحكمته، وصنعه للأشياء، وإن لم ~~يكن شيء منها مثالا له بالحقيقة - لعدم اتحاد شيء من الأشياء معه تعالى ~~في إضافاته ونسبه إلى ما سواه - لكن كل منها شبيه بالمثال لكونه مقربا ~~من وجه، فإطلاق المثال عليه من باب الإطلاق على الشيء باسم شبيهه. # فإذا حققت الأمر واستقمت في توحيده تعالى على هذا الوجه المستدعي ~~لتقديسه وتنزيهه من الاثنينية والشركة في الإضافات - بل في السلوب ~~أيضا - فقد صرت من الفائزين بكرامة التحقيق واليقين، السالمين عين شين ~~الظن والتخمين، ولهذا المعنى قيل: " التوحيد إسقاط الإضافات ". # وهذه المرتبة من التوحيد تفضي السالك إلى مقام يقصر عنه البيان ولا يفيد ~~إلا المشاهدة والعيان، دون المشافهة مع العميان، ومن كشف له الغطاء صار ~~حيران، ومن طبع على قلبه وحرم على طبعه مني بالخذلان، وبعد عن حقيقة ~~الإيمان، وانحط عن درجة الإيقان وكل ميسر لما خلق لأجله متهيئ لسلوك ~~منهجه وسبيله. # المقالة الثالثة # فيما يتعلق بقوله سبحانه { الحي القيوم } # وفيه فصول: # الفصل الأول # في مفهوم هذا الاسم واشتقاقه # أما المفهوم من " الحي " فقيل: الحي هو الذي يصح أن يعلم ويقدر. أو ~~الدراك الفعال. # فأورد عليه: أن هذا لا يقتضي المدح لمشاركة أخس الحيوانات إياه في ~~ذلك. # ويمكن الجواب بأن مفهوم " الإدرااك " و " القدرة " مما يقبل الأشد ~~والأضعف، والمقول بالتشكيك مما يختلف صدقه على الأشياء بالكمال والنقص، ~~والأولوية وعدمها - وفي كل بحسبه - و " العلم " في حق الحيوان يكون هو ~~الإحساس، وفي حق الحق التعقل. # وكذا " الفعل " في الحيوان يكون من باب التحريك، وفي حقه تعالى من باب ~~الإبداع، فمعنى " الحي " وإن ms0976 كان مفهوما عاما إلا أنه ينصرف في ~~الحيوان إلى الحساس المتحرك، أي ما من شأنه أن يحس ويتحرك، وفي الواجب ~~إلى ما يكون عالما بالفعل بجميع الأشياء، قادرا بالذات على كل ~~الموجودات لتعاليه عن القوة والكلال، وارتفاعه عن التجدد والانتقال ولا ~~شك أن هذا مما يوجب المدح والثناء. # أقول: وعلى هذا التحقيق لا يحتاج إلى ما عدل إليه الخطيب الرازي وتبعه ~~النيسابوري من أن " الحي " في اللغة ليس عبارة عمن يوجد فيه هذه الصفة ~~من هذه الحيثية فقط، بل كل شيء يكون كاملا في جنسه فإنه يسمى " حيا ~~" ومن هاهنا صح أن يقال لعمارة الأرض الخربة " إحياء الموات " وقال ~~تعالى: # فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتهآ # [الروم:50]. وقال: # إلى بلد ميت فأحيينا # [فاطر:9] فإن كمال حال الأرض أن تكون معمورة فسميت حياة، وكمال حال ~~الأشجار أن تكون مورقة نضرة فسميت حياة، والصفة المسماة بالحياة في عرف ~~المتكلمين كمال للجسم، لأن كمال الجسم أن يكون حساسا متحركا، فلا جرم ~~سميت هذه الحالة حياة فثبت أن المفهوم من " الحي " هو " الكامل في جنسه ~~" والكامل في الوجود هو الذي يجب وجوده بذاته، فلا حي بالحقيقة إلا واجب ~~الوجود لذاته انتهى قوله. # وفيه من التعسف ما لا يخفى على الذوق المستقيم: # أما أولا: فلأن دعوى كون " الحياة " في اللغة لا بمعنى ذي الشعور ~~والفعل الإرادي بعيد عن الإنصاف كما يظهر لمن تتبع موارد استعمالات هذا ~~اللفظ. # وأما ثانيا: فلأن كمال كل شيء - في جنسه أو نوعه - لو كان حياته في ~~عرف اللغة لجاز أن يقال في اللغة لكل كامل في جنسه إنه حيوان، وليس ~~كذلك إذ لا يقال للذهب الكامل العيار إنه حيوان، وللثوب الكامل في نسجه ~~إنه حيوان وللدر الصافي إنه حيوان، وللسواد الشديد، والخط الطويل، ~~والدائرة التامة إنها حيوانات. # وأما ثالثا: فلأن تبادر معنى من اللفظ إلى الذهن من غير قرينة دليل ~~الحقيقة وعدمه دليل المجاز، ونحن إذا سمعنا لفظ " الحيوان " لم يتبادر في ~~ذهننا إلا ما له ms0977 صلاحية الإدراك والفعل الإرادي - وإن كان ناقصا في ~~جنسه أو نوعه -. # ثم من العجب أن كثيرا من علماء العربية ينكرون كون الأفلاك حية مع ~~أنها كاملة في الجسمية، لكونها كاملة البنيان عظيمة المقدار، رفيعة ~~المكان، بل هي مكرمة الذوات والصفات، مرفوعة عن أرجاس العنصريات، وذلك ~~لأن المعتبر عندهم في الحيوان هو التفنن في الإرادات والحركات بلا نسق، ~~أو الاختلاف في الدواعي والأغراض مع كلال وتعب، أو وجود رأس وذنب وشهوة ~~وغضب لأنهم ما عاهدوا من الحيوان إلا هذه الديدان الأرضية (كالأرضة - ~~ن) التي لا غذاء لها إلا من الأرضيات، ظنا منهم أن ليس لله تعالى ~~عالم غير هذه المدرة، وليس لها خلائق حية ناطقة إلا هذه الحيوانات ~~الحاصلة من العفونات صامتها وناطقها، ولم يعلموا بالطمأنينة العرفانية ~~أن له تعالى عالما آخر هو دار الحيوان بالحقيقة، لقوله تعالى: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت:64] وله سبحانه خلائق ملكوتيون حياتهم بالعقل الكلي والشوق ~~الإلهي، وغذاؤهم التسبيح والتقديس، والله يطعمهم ويسقيهم كقوله: # " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ". # وأما اشتقاقه: فالحي أصله " الحيي " كحذر وطمع، فأدغمت الياء في الياء ~~عند اجتماعهما وكلا اليائين أصل. وقال ابن الأنباري: أصله " الحيو " ~~بدليل الحيوان، فاجتمعت الواو والياء ثم كان السابق ساكنا فأدعمت الواو ~~في الياء فجعلتا ياء مشددة. وزيف بكونه عديم النظير، فإنه لم يوجد ما ~~عينه " ياء " ولامه " واو ". # وأما معنى " القيوم " في اللغة. # فقال الراغب: يقال: قام كذا، أي: دام، وقام بكذا، أي: حفظه. # " والقيوم " القائم الحافظ لكل شيء والمعطي له ما به قوامه. # وقيل عليه: إن الظاهر من عبارته أن القيام بمعنى الدوام، ثم بسبب ~~التعدية صار بمعنى الإدامة والحفظ، وحينئذ يتوجه عليه أن المبالغة ~~ليست من أسباب التعدية فإذا عرى " القيوم " عن أداة التعدية لم يكن إلا ~~بالمعنى اللازم فلا يصح تفسيره بالحافظ، ثم إن المبالغة في الحفظ كيف ~~يفيد إعطاء ما به القوام؟ # وأجيب: بأن الاستقلال بالحفظ إنما يتحقق بذلك، لأن الحفظ فرع ~~التقويم فلو كان التقويم بغيره لم ms0978 يكن مستقلا بالحفظ، وعلى هذا لا يرد ~~ما يورد على تفسير " الطهور " ب " الطاهر لنفسه المطهر لغيره " من أن " ~~الطهارة " لازم والمبالغة في اللازم لا يوجب التعدية. وذلك لأن المبالغة ~~في اللازم ربما يتضمن معنى آخر متعديا، بل المعنى اللازم قد يتضمن ~~بنفسه ذلك، كالقيام المتضمن لتحريك الأعضاء. # أقول: في كلام هذا القائل - سؤالا وجوابا - نظر: أما في السؤال فلأنا ~~لا نسلم أن المبالغة ليست من أسباب التعدية في الجملة، بمعنى أن الشيء ~~إذا اشتد كماله في معنى من المعاني أو صفة من الصفات يفيض منه شيء ~~ويتعدى إلى غيره، لست أقول: إن المبالغة من أسباب التعدية وضعا، أو ~~أن صيغة المبالغة في كل لازم وضعت للتعدية - كما هو شأن باب الإفعال ~~والتفعيل وحروف الجر - بل المراد أن الشيء إذا صار تاما في معنى من ~~المعاني واشتد تمامه فيه حتى صار فوق التمام يفضل منه ذلك المعنى على ~~غيره، فكذلك المبالغة في معنى القيام مما تستدعي - عقلا لا لفظا - ~~الإقامة والإدامة والحفظ. # والحاصل أن دلالة " القيوم " على " الحافظ المديم لكل شيء " دلالة ~~عقلية لا وضعية، وكثيرا ما يذكر في اللغة المعاني الالتزامية التي ~~صارت لكثرة الاستعمال بمنزلة المعنى المطابقي. # ثم لأحد أن يقول: لم لا يجوز أن يكون القيوم بالمعنى المذكور غير ~~مأخوذ من قام بالمعنى الذي مر، بل بمعنى آخر مناسب قد ترك استعماله فيه ~~ونظائره في اللغة كثيرة، مثال ذلك " يذر " و " يدع " المأخوذان من " وذر ~~" و " ودع " - على رأي - وأصلاهما مهجوران في الاستعمال. # وأما في الجواب: فلأن المبالغة في لفظ واحد لا تكون إلا مبالغة واحدة ~~في معناه الأصلي، فإذا سلم كون المبالغة في هذا اللفظ مما يجعل معنى ~~" القيام " معنى " الحفظ " فلم يحصل من المبالغة في القيام التي هي من ~~أسباب التعدية بحسب اللفظ - على ما تصوره وفرضه - إلا مجرد الحفظ، لا ~~الاستقلال فيه فمن أين حصل معنى " الاستقلال " من التعدية التي مفادها ~~الحفظ والإدامة ومنشؤها المبالغة في معنى القيام؟ ليتفرع عليه توقفه على ~~إعطاء ما ms0979 به القوام. # بل الحق أن يقال في هذا المقام: إن هذا المعنى أيضا يحصل من المبالغة ~~في أصل القيام، فإن الشدة والكمال فيه على الوجه الأبلغ الأوفى كما ~~يوجب الإقامة للغير يوجب الاستقلال في الإقامة أيضا، وهذا مما لا يحصل ~~إلا بإفادة أسباب كل شيء وإعطاء ما به قوام ذاته ووجوده، ولهذا حكموا ~~بأن لا مؤثر في الوجود إلا الله، وهذا أحد الوجوه لتوحيد الأفعال، وبه ~~تعلم أيضا وجها من وجوه عظمة هذا الاسم لدلالته على التوحيد، كما يدل ~~على غيره من الصفات الإلهية. # ثم إن لفظ " الطهور " ليس موضوعا للمبالغة، واعتبار التطهير فيه ليس ~~لما زعمه - من أنه ناشئ من المبالغة - بل هو اسم لما يتطهر به كالسحور ~~والفطور، والذي يتطهر به يلزمه غالبا الطهارة والتطهير، فيصدق عليه ~~أنه طاهر مطهر، فتعريف " الطهور " بهما تعريف باللازم لا أنه تفسير ~~لمفهوم اللفظ. # وأما اشتقاقه " فالقيوم " كان في الأصل " قيووم " على " فيعول " ، ~~فجعلت الياء الساكنة والواو الأولى ياء مشددة، ولو كان " قوووما " على " ~~فعوول " لقيل " قووم ". # وقرئ: الحي القيام، والقيم. # الفصل الثاني # في إثبات كونه تعالى هو الحي القيوم # بيانه أن كل جملة من علل ومعلولات لا بد وأن تنتهي إلى طرف هو علة ~~ليس بمعلول، لأن تلك الجملة إما متناهية، وإما غير متناهية، والثاني ~~باطل بالقواطع البرهانية المذكورة في موضعها، حيث ذكر أن كل مقدار أو ~~عدد ذي ترتيب بالطبع أو الوضع موجود معا فلا بد وأن يكون متناهيا، فكل ~~جملة مترتبة من علل ومعلولات لها مبدأ، وهو علة ما سواه وموجده ومبدعه. # ولأنه لو لم يكن لهذه الجملة طرف لم يصلح واحد من الآحاد للعلية ولا ~~للمعلولية، لأنهما معا ممكنان ولا مزية لأحد من الممكنات على الآخر من ~~حيث هي مهيات ممكنة، بخلاف ما إذا كان لها طرف يقتضي الاستغناء عن الغير ~~والتقدم للكل، فيكون ما هو أقرب إليه مستحقا لفضيلة التقدم على ما هو ~~أبعد منه فيكون علة له، وإذا لم يكن للجملة طرف خارج عن الممكنات واجب ms0980 ~~الوجود بذاته متقدم على غيره فلا تكون للمكنات نسبة قرب ولا بعد، ولم ~~يتميز من تلك الجملة شيء هو علة عن شيء هو معلول. # ولأن العلل والمعلولات كثيرة، وكل كثرة فالواحد الحقيقي موجود فيها لأن ~~كل كثرة لا يوجد فيها الواحد لا تتناهى أبدا - لا هي ولا جزء منها أصلا ~~- إذ كل جزء منه لا يخلو إما أن يكون واحدا أو لا، وعلى الثاني إما ~~أن يكون لا شيئا محضا أو كثيرا. فعلى الأول يستحيل أن يجتمع من لا شيء ~~شيء كثير، وعلى الثاني كان الكلام باقيا فينجر إلى غير النهاية، وهو جزء ~~من الكثير الأول فيلزم أن يكون ما لا يتناهى من الأعداد الموجودة ~~المترتبة معا جزءا مما لا يتناهى، فلم يكن حينئذ فرق بين كل من أجزاء ~~الكثير الأول وبينه، فلا فرق بين الجزء والكل وكلا الشقين باطلان. # فثبت من هذا القول أن الواحد موجود في كل كثرة لكن لا شيء من ~~المعلولات من جملة هذه الكثرة بواحد حقيقي، إذ كل معلول زوج تركيبي - ولو ~~بوجه - فهو واحد من وجه، ولا واحد من وجه، وإذا لم يكن في المعلولات واحد ~~- ولا بد في الكثرة من واحد - فيكون الواحد في الكثرة، وليس في ~~المعلولات، فلذلك الواحد هو العلة للجميع، وهو الواحد الحق الذي يفيد ~~سائر الأشياء الواحدية. # وهذا برهان شريف استفدناه من كلام بعض المتقدمين الربانيين على إثبات ~~الصانع ووحدته أيضا، ولهذا المطلب مسالك وطرق أخر تركنا ذكرها مفصلا ~~مخافة التطويل: # منها: مسلك الخليل (عليه السلام) وهو النظر في الحركات والأشواق ~~الكلية للأجرام العظام الفكلية المستلزمة للأفول في هوي الإمكان، وهو ~~مبغوض ممقوت للسالك الهارب عن النقص والفناء، الطالب للوجود والبقاء، ~~ولذلك قال لما رأى أفول الكواكب: # لا أحب الآفلين # [الأنعام:76]، وقال أيضا - على نبينا وعليه السلام -: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء:77] عند انزعاجه إلى المحبوب الأول وانقطاعه من الأسباب ~~والعلل. # ومنها: طريقة النفس الإنسانية من جهة قوامها لا بالبدن وتجردها عن ~~الأحياز والأمكنة، وعلمها بذاتها وكونها ms0981 مع تجردها مما لا يخلو عنها جزء ~~من أجزاء البدن - علوها وسفلها - فإمكانها يوجب الانتهاء إلى موجود ~~واجب الوجود مقدس عن الأجرام والأحياز والأمكنة والأقدار، ومع ذلك لا ~~يخلو عنه سماء ولا أرض، ولا بر ولا بحر، إذ موجد الشيء أولى بأن يكون ~~بريئا من النقائص التي يبرأ عنها المعلول. # وهذه طريقة نبينا لقوله (عليه السلام): # " من عرف نفسه فقد عرف ربه ". # وهي أشرف الطرق المسلوكة لغيره من الأنبياء والحكماء، وذلك لأن المسلك ~~فيها عين السالك فلا يمكن أحسن منها في الطرائق الإمكانية فما أشرفها ~~وأشرف سالكها ناهجها (صلى الله عليه وآله)، نعم هاهنا طريقة أخرى أشرف ~~الطرائق كلها، بل لا نسبة لها إلى غيرها وقد سلكها الرسول وسلكها ~~الصديقون من أهل بيته وأولاده - عليه وآله الصلاة والسلام - وسلكها ~~الشهداء الصالحون من أمته - التي هي خير أمة أخرجت للناس - وهي النظر ~~أولا في حقيقة الوجود المطلق الفطري التصور هوية، الضروري التصديق ~~هلية، لكونه أظهر من أن يستر وأجلى من أن يخفى، ثم الارتقاء منه إلى نيل ~~مرتبة الأحدية، ودرك حقيقة الواجبية، وهوية نور الأنوار، وإنية الواحد ~~القهار. # وهذا أشرف الطرق وأنورها وأفضلها مطلقا، لكون الوجود هو السالك فيها ~~بالحقيقة والمسلك المسلوك إليه جميعا، وخصاية هذه الطريقة هو فناء ~~السالك أولا في التوحيد، ثم بقاؤه بالوجود الحقاني كما أشير إليه بقوله: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم # [آل عمران:18]. # فانطر إلى الطريقة المحمدية، وقس إليها الطريقة الإبراهيمية لتجد بينهما ~~من التفاوت ما لا يحصى فإن طريقة الخليل (عليه السلام) التجريد المحض، ~~والسفر الأول، والسير إلى الله، لقوله: # إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات:99] والاحتجاب عن الخلق بالحق وترك ما سوى المرتبة الأحدية، ~~لقوله: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء:77] وهي مما يوجب الذهول عن لوازم الإلهية والمظاهر الأسمائية، ~~وطريقة الحبيب (صلى الله عليه وآله) حفظ الأدب مع الله تعالى والمواظبة ~~على العبودية في المواطن كلها، والجمع بين المحبة الذاتية والأسمائية ~~والأثارية وملازمة الحق في جميع الأسفار ms0982 الأربعة - إليه وفيه وبه منه - ~~وفي قوله تعالى: # وهو معكم أين ما كنتم # [الحديد:4] وهذه المعاني مشروحة مفصلة في مسفوراتنا وما ذكرناه يكفي ~~للمستبصر فيما نحن بصدده إن شاء الله. # فإذا ثبت أن مبدأ الممكنات موجود واجب بالذات ثبت كون الباري قيوما ~~لكونه قائما بذاته مقوما لغيره. # ثم إن المؤثر إما أن يكون مؤثرا على سبيل الجبر والتسخير وإما ~~مؤثرا على سبيل القدرة والاستقلال، لكن الانجبار والتخسير ينافيان ~~الوجوب الذاتي والمبدأية المطلقة، فيتعين أن يكون تأثيره بالقدرة، فأزيل ~~توهم كونه مجبورا في القيومية والإيجاد بقوله: { الحي القيوم ~~} فإن " الحي " معناه - كما سبق " الدراك الفعال " فقوله " الحي " دل ~~على كونه عالما قادرا، وقوله: " القيوم " دل على كونه قائما بذاته ~~ومقاما لكل ما عداه. # وعند من ذهب إلى أن كمال كل شيء حياته - كما مر - فالقيومية لما دلت ~~على كمال الوجود وتأكده كما أشرنا إليه فالقيوم يكون حيا لا محالة. # والنكتة في عد هذين الكلمتين اسما واحدا من أسماء الله تعالى كما ~~صرحوا به وقالوا: إنه من قبيل " بعلبك " - وهي توافقهما في المعنى قوة ~~أو فعلا وتداخلهما في المفهوم كلا أو بعضا، كما في أجزاء المركب ~~الطبيعي. # الفصل الثالث # في أن جميع المعارف الربوبية والمسائل المعتبرة في علم التوحيد تنشعب من ~~هذين الأصلين # منها: إن واجب الوجود بسيط الحقيقة غير مركب من الأجزاء الخارجية، ~~لافتقار كل مركب خارجي إلى أجزائه في الوجود العيني، والافتقار إلى شيء ~~ينافي القيومية. # ولا من الأجزاء العقلية لأن كل ما له جزء عقلي من جنس وفصل فله مهية ~~كلية غير الوجود، فلا يكون قيوما، لافتقاره في الوجود والقيام إلى جاعل ~~يجلعه موجودا قائما، وقد برهن على أن الوجود لا يمكن أن يكون لازما ~~لمهية من المهيات. # ولا من الأجزاء المقدارية وإلا لكان جسما أو جسمانيا، وشيء من الجسم ~~والجسماني لا يمكن أن يكون قيوما، أما الجسماني فلافتقاره إلى الجسم ~~بالحلول فيه، وأما الجسم فلتركبه وافتقاره إلى الأجزاء: إما من الجواهر ~~الفردة كما زعمه المتكلمون، أو من جوهرين ms0983 هيولى وصورة كما رآه جماعة من ~~الحمكاء، وإما من جوهر وعرض كما رآه آخرون. هذا بحسب المهية والحقيقة ~~وأما بحسب التشخص والعدد، فمن الجسمية واللواحق المشخصة كما ذهب إليه ~~الكل والمفتقر إلى الشيء لا يكون قيوما. # وإذا ثبت أن كل قيوم بسيط الحقيقة ثبت أن " القيوم " لا يكون إلا ~~واحدا وإلا فلو فرض وجودان قيومان لكانا مشتركين في حقيقة الوجود ~~القائم بذاته والاشتراك يوجب كون المشترك فيه أمرا كليا وكون كل من ~~المشتركين ذا مهية كلية، فلم يكن وجودا بحتا قيوما. وهو خرق الفرض ~~لأن كلا منهما بذاته قيوم لا بسبب عارض أو خارج. وأيضا يلزم كون ~~كل منهما مركبا مما به الاشتراك، وما به الامتياز إذ الاشتراك بشيء لا ~~ينفك عن الامتياز بشيء آخر لما مر من أن الوحدة الاتحادية إنما ~~معروضها الكثرة. # ومنها: إن واجب الوجود ليس حالا في شيء ولا عرضا في موضوع ولا صورة ~~في مادة؛ لأن الحال مفتقر إلى المحل، والمفتقر إلى الغير لا يكون قيوما ~~بذاته. # وليس في جهة من الجهات ولا في حيز من الأحياز، وإلا لكان جسما أو ~~جسمانيا وقد ثبت بطلانهما، وبطلان التالي يوجب بطلان المقدم. # وإذا لم يكن متحيزا لا يكون مشكلا ذا أعضاء - كما توهمه الحنابلة - ~~ولا ذا حركة وسكون لأنهما من عوارض الأجسام. # وإذا لم يكن متحركا لا يكون زمانيا، لأن الزمان كمية الحركة وعددها ~~من جهة التقدم والتأخر فلا يكون في حقه المضي والحال والاستقبال، فلا ~~يتجدد له حال ولا يعتريه انتقال وانفعال. # ومن هاهنا يثبت ما قاله العرفاء الحكماء: " إن واجب الوجود بالذات واجب ~~الوجود من جميع الجهات " إذ لو لم يكن واجب الوجود بحسب حيثية من ~~الحيثيات لكان إمكان وقوعه مستلزما لمحالين: # أحدهما: التجدد والانتقال. # والآخر: التركب من جهتي الفعل والانفعال كما هو مفصل محقق في مقامه. # ومنها: إنه عالم بذاته وذلك لأن العلم هو صورة حاضرة من المعلوم عند ~~من له صلاحية العالمية، والمعلوم إما معلوم بالقوة - وذلك إذا كان صورة ~~مغشوشة بغواش مادية ms0984 ولواحق جسمانية - وإما معلوم بالفعل - وذلك إذا كان ~~صورة مجردة قائمة بذاتها فالواجب تعالى لما كان قيوما بذاته لم يكن ~~ذاته صورة لمادة فيكون معقولا بالفعل لا بالقوة، وإذا كانت ذاته معقولا ~~بالفعل كان عاقلا بالفعل - إذ إثنينية في ذاته - فيكون العقل والعاقل ~~والمعقول فيه شيئا واحدا، وليس من شرط المعقول أن يكون غير ذات العاقل، ~~ولا من شرط العقال أن يكون غير ذات المعقول، والإضافة بينهما أمر ذهني لا ~~يوجب الاثنينية لا في الذات ولا في الاعتبار. # ومنها: إنه إذا كان قيوما - بمعنى كونه مقوما لغيره ومؤثرا فيما ~~سواه جميعا إما بواسطة أو بغيرها - وكان عالما بذاته، وقد ثبت أن ~~العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول، فوجب أن يكون عالما بجميع الأشياء ~~كلياتها وجزئياتها، معقولاتها ومحسوساتها، إذ ما من شيء إلا ويرتقي ~~إليه تعالى في سلسلة الأسباب، وهو عالم بأسبابها ومبادئها واستعداداتها ~~وارتباطاتها، والنسب الحاصلة فيها وحركاتها وأزمنتها، إلى غير ذلك من ~~الأمور التي تتأدى إليها الأسباب الكلية إلى أن ينتهي إلى وجود الأشخاص ~~الكائنة الفاسدة، فيعلم عين هذه الكائنات بنحو وجودها الجزئي، وتغيرها، ~~وتجددها، وزوالها، وانتقال المواد والموضوعات من صورة شخصية إلى صورة ~~أخرى شخصية، ومن عرض شخصي إلى عرض شخصي آخر، إلى غير ذلك من المعلومات ~~الشخصية والحوادث الجزئية، ومع ذلك فلا يتغير علمه بشيء ولا يخفى عليه ~~خافية في وقت من الأوقات، ولا يغيب عن إداركه ذرة من الذرات، ولا يعزب ~~عن علمه شيء في الأرض ولا في السموات. # ومنها: إن فاعليته للأشياء على سبيل العناية، لأنه لما كان حيا ~~قيوما كان شاعرا بذاته الفاعلة لما سواه، فيعلم (ذاته) من ذاته كيفية ~~صدور الأشياء عنه على الوجه الأفضل قبل حصولها، وذلك لأن ذاته بذاته دون ~~انضمام أمر إليه منبع نظام الخير، فلو لم يعلم ذاته على الوجه قبل إيجاد ~~العالم لم يكن عالما بذاته، فثبت أن وجود الأشياء عنه على هذا النحو ~~الذي هي عليه من ضرورات علمه بذاته، فيتحقق حينئذ القول بالعناية ~~والقضاء، أي وجود العوالم ms0985 قبل صدورها في العالم الربوبي والصقع الإلهي ~~وجودا على وجه أشرف وأعلى. # ومنها: إنه لما كان بذاته قيوما يلزم أن يكون حدوث العالم وفناؤه ~~أمرا لازما لهويته القاصرة عن قبول فيض الوجود أزلا وأبدا - لا لمنع ~~وتقتير أو تجدد وتغيير من جانبه تعالى - وإلا فالجود مبذول منه والعناية ~~ذاتية له والخير هجيراه، والقصور إنما يكون من القوابل من جهة عدم ~~استعدادها لقبول الوجود على الوجه الأكمل. # ومن هنا يعلم لمية تحقق الشرور في هذا العالم، على أن الشر بالذات ليس ~~إلا أمرا عدميا والعدمي لا يكون معلولا لأمر أصلا، بل يكفي في ~~ثبوته عدم تحقق علة ما هو عدم له. # وأما ما فرعه بعض الفضلاء على قيوميته تعالى من حدوث العالم " ووجه ~~ذلك بأنه لما كان قيوما لكل ما سواه، كان كل ما سواه محدثا، لأن ~~تأثيره في تقويم ذلك الغير يمتنع أن يكون حال بقائه لأن تحصيل الحاصل ~~محال فإما حال عدمه أو حال حدوثه، وعلى التقديرين وجب أن يكون الكل ~~حادثا " محل نظر، إذ قد تبين في مقامه أن الممكن مفتقر إلى العلة، ~~وعلة افتقاره إليها هي من جهة إمكانه، لا من جهة حدوثه شرطا أو شطرا ~~أو استقلالا، والإمكان حاصل للممكن دائما ما دام ذاته، لأنه من لوازمه ~~البينة، بخلاف الحدوث، وإذا كانت العلة دائمة كان المعلول دائما، ~~فالافتقار إلى المرجح ثابت للممكن حين بقائه كما هو ثابت له حين حدوثه، ~~فالعلة مؤثرة في رجحان وجود الممكن على عدمه حدوثا وبقاء. # وأما حديث تحصيل الحاصل: فالحق أن المحدث تحصيله بتحصيل ثان لا بنفس هذا ~~التحصيل، إذ لا محذور فيه، بل العلية لا تنفك عنه، على أن السبب المؤثر ~~في الشيء حدوثا وبقاء أقوى في السببية وأولى باسم السبب مما يكون ~~أثره نفس الحدوث دون الدوام، على أن العلية ليست إلا مجرد الاستتباع ~~في الوجود، كحال النير والضوء الحاصل منه في الأجسام القابلة، لا كنسبة ~~ذات الكاتب وكتابته، بل كنسبة المتكلم وكلامه. # والعجب أن أصحاب هذا الفاضل ممن ms0986 صرحوا القول بأن الباري سبحانه لو ~~جاز العدم عليه بعد إحداث العالم لما ضر وجود العالم. وهذا غاية الجهل ~~والفساد في النفس، حيث ارتكبوا هذا القول الشنيع والظلم الفظيع، وغفلوا ~~أن المعلول ليس وجوده إلا لمعة فائضة من المبدإ الأعلى، أو ظلا حاصلا ~~عن السبب الأقصى، وإنما حداهم إلى هذا القول القبيح والظلم الصريح أصول ~~فاسدة ارتكبوها تعصبا وعنادا من غير بصيرة كشفية، ولا معرفة حاصلة من ~~أصول صحيحة إلهية مقتبسة من مشكاة نبوية، أو حذرا من الاعتراف بالجهل ~~والقصور في إدارك الأسرار الإيمانية والمعارف الربوبية، وكيفية صدور ~~الأفعال الإلهية على الوجه الذي لا يوجب نقصا ولا نقضا، فإن ذلك مما ~~لا يتيسر إلا برفض الهوى والشهوات، وترك الجاه والترفعات، واختيار ~~الخمول والانزواء، وإيثار الفناء على الشهرة والرياء مع سلامة الفطرة ~~وشدة الذكاء. # ومنها: إنه تعالى إذا كان حيا كان سمعيا بصيرا، لأن الحياة ~~مصححة للإدراك بأنحائه إلا ما يوجب تكثرا أو تجسما، والمصحح للشيء ~~بمعنى الإمكان العامي في عالم الربوبية وعالم التجرد كاشف عن الضرورة ~~اللزومية، إذ لا جهة إمكانية في ذات الواجب لاستلزامها التركيب فيه من ~~الجهتين - الإمكان والوجوب - كما لا وجه هناك للإمكان بمعنى القوة ~~والاستعداد، لأنه من لواحق المادة الجسمانية - كما حقق في مقامه -. # وإنما قلنا: إن السمع والبصر مع كونهما نحوين مخصوصين من الإدراك لا ~~يوجبان نقصا ولا تكثرا لأن تخصصهما ليس باعتبار المحل ليوجب التجسم ~~- تعالى عنه علوا كبيرا - بل إما باعتبار المتعلق - فإن مدرك ~~أحدهما الأصوات والحروف ومدرك الآخر الأضواء والألوان - أو باعتبار نفس ~~الإدراك، فإنهما مما يعتبر فيهما المشاهدة الحضورية والانكاشف ~~الإشراقي النوري، بخلاف مطلق العلم بالمسموعات والمبصرات، إذ لا يقال له ~~السمع ولا البصر ما لم يكن بنحو المشاهدة، فيكون اتصافه تعالى بهذين ~~الوصفين بالحقيقة لا بالمجاز - كما ظن - وأما الجارحة المخصوصة فليست ~~معتبرة في مطلق السمع ولا في مطلق البصر، إذ لو فرض أن الله خلق الحالة ~~الإدراكية البصرية في الجبهة لكان الشخص بصيرا، وكذا الحال في السمع، ~~أو لا ms0987 ترى أن الإنسان في حالة النوم - وهو عبارة عن عدم استعمال النفس ~~حواسها الظاهرة لكلال وفتور يعرضها - يبصر ويسمع لا بهاتين الجارحتين ~~ولا بغيرها؟ بل بذاتها الحية السميعة البصيرة؟ فإن للنفس في ذاتها ~~سمعا، وبصرا، وذوقا، وشما، ولمسا، ويدا باطنة، ورجلا ماشية، وهذه ~~الحواس الظاهرة الجسمانية حجاب لها عن استعمال مشاعرها الداخلة، وقواها ~~وجنودها الباطنة، وعند رفض هذه العوائق - إما بالموت الإرادي أو الطبيعي ~~- تتحقق بذاتها وتتخلص في استعمال آلاتها الذاتية وجنودها الباطنية. # وإليه أشير في قوله تعالى: # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق:22] فاجعل النفس الإنسانية مقياسا لك في معرفة كثير من الصفات ~~الإلهية لأنه سبحانه خلقها لتكون معرفتها ذاتا وصفاتا وأفعالا مرقاة ~~لمعرفة باريها كذلك. # فإن قلت: فلماذا لم يستعمل في حقه تعالى أنه شام أو ذائق أو لامس؟ # قلنا: لإشعار هذه الثلاثة بالتجسيم دون الحالتين الأوليين، لأنهما ألطف ~~الحواس، ومحسوسهما ألطف المحسوسات - كما ذكره بعض الحكماء الإسلاميين في ~~رسالة له (قدس سره) -. # ومنها: إن كونه قيوما يوجب كونه حكيما جوادا غنيا، لأن حكمته ~~إيجاد الموجودات على أحكم وجه وأتقنه بحيث يترتب عليها المنافع ويندفع ~~عنها المضار، ولو لم يكن حكيما لكان في إيجاده للأشياء نوع خلل أو قصور ~~أو نقصان، فلم يكن قيوما بذاته إذ يتصور قيوم آخر غيره لم يكن فعله ~~ذا خلل وآفة - هذا خلف -. # فثبت أنه حكيم في أفعاله على الوجه المذكور، وهو إنما ينتظم بإبداعه ~~في كل شيء عشقا جبليا لما هو كامل منها لكماله - ليتحفظ به كماله - ~~وشوقا غريزيا لما هو ناقص منها إلى كماله ليتحرك نحو كماله الممكن في ~~حقه ويجبر بها نقصه، ولهذا قيل: " لولا عشق العالي لانطمس السافل ". # و " جوده " تعالى عبارة عن إعطائه لكل شيء ما يليق به من غير غرض ولا ~~عوض، سواء كان عينا أو ثناءا أو صيتا أو فرحا، وبالجملة " الجواد ~~الحقيقي " من لا يكون إعطاؤه شيئا لأجل أولوية حاصلة من العطاء عائدة ~~إلى ذاته، وإلا لم يكن إعطاؤه جودا محضا، بل معاملة واستفاضة، ms0988 فلم ~~يكن تاما في ذاته، لأنه عادم كمال يجبر بذلك الإعطاء نقصانه، وكلما ~~كان كذلك لم يكن قيوما بذاته وإلا لم يقتصر في تحصيل كماله إلى وسط، ~~فحيث يكون كمال بلا نقص، وتمام بلا قصور، وفعل بلا قوة، كان فعله منبعثا ~~عن ذاته بذاته، وكرمه ناشئا عن حاق حقيقيته غير معلل لغيره ولا مستند ~~إلى ما سواه، فيكون فعله جودا حقيقيا. # وإذا ثبت أنه جواد حقيقي لم يكن في ذاته ولا في فعله مفتقرا إلى ~~غيره، فيكون غنيا من جميع الوجوه، وكل ما سواه لإمكانه مفتقر إليه، كما ~~في قوله تعالى: # والله الغني وأنتم الفقرآء # [محمد:38]. # ومنها: إنه لما كان قيوما كان مالكا وملكا للموجودات الممكنة، ~~وتكون العوالم كلها ملكه لقوله تعالى: # وله الملك # [الأنعام:73]. ولقوله: # ولله ملك السماوات والأرض # [آل عمران:189] وذلك لأن القيوم - بمعنى المقوم لما سواه ذاتا ~~ووجودا - يلزمه أن يكون له وجودات الأشياء وذواتها، لأن المعلول - بما ~~هو معلول - إنما وجوده لعلته الموجبة له - وقد حققنا ذلك بما لا مزيد ~~عليه في موضعه - و " المالك للشيء " ما له ارتباط ما إليه، و " الملك ~~للشيء " ما له تصرف ما فيه، فإذا كانت ذات كل شيء للقيوم تعالى كان هو ~~المالك والملك بالحقيقة. # وأما التخصيص المفهوم من قوله تعالى: # ملك يوم الدين # [الفاتحة:4] ففيه وجه وجيه يعلمه الراسخون في العلم، ولا يمكن لهم كشفه ~~للمحجوبين مع أن ذكره يؤدي إلى شنعة الجهال المتشبهين بأهل العلم، ~~وكذلك القياس في إثبات سائر الصفات الإلهية والأحكام الوجوبية، فإنك إن ~~ساعدك التوفيق وتأملت في هذه المعاقد التي كشفنا القناع عن وجهها وأحسنت ~~إعمال رويتك؛ فيها علمت أنه لا سبيل إلى الإحاطة بشيء من المسائل ~~المتعلقة بالعلم الإلهي إلا بوسيلة كونه تعالى حيا قيوما، فلا جرم ~~لي ببعيد القول بأن الاسم الأعظم هو هذا. # وأما سائر الآيات الإلهية كقوله: # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو # [البقرة:163] وقوله: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران:18] ففيه بيان للتوحيد بمعنى نفي الضد ms0989 والند. # وأما قوله: # قل هو الله أحد # [الإخلاص:1] ففيه أيضا بيان التوحيد بمعنى نفي الضد والند، وبمعنى ~~أن حقيقته غير متألفة من الأجزاء. # وأما قوله: # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض # [الأعراف:54] ففيه بيان صفة الربوبية وليس فيه بيان الوحدة الحقيقية. # وأما قوله: " الحي القيوم " فإنه يدل على الكل، لأن كونه " قيوما ~~يقتضي أن يكون قائما بذاته وأن يكون مقوما لغيره، وكونه قائما بذاته ~~يقتضي اتصافه بالوحدة الحقيقية الموجبة لنفي الكثرة، وذلك يقتضي الوحدة ~~الانفرادية الموجبة لنفي الضد والند، ويقتضي نفي التحيز والحلول ونفي ~~الجهة والإشارة الحسية، وأيضا كونه قيوما بمعنى كونه مقوما لغيره ~~يقتضي حدوث كل ما سواه جسما كان أو نفسا، ويقتضي إسناد الكل إليه ~~وانتهاء جملة الأسباب والمسببات إليه، وذلك يوجب القول بالقضاء والقدر. # فظهر أن هذين اللفظين كالمحيطين بجميع مباحث العلم الإلهي، فلا جرم ~~بلغت هذه الآية في الشرف إلى المقصد الأقصى، واستوجب أن يكون هذا الاسم ~~من أعظم أسماء الله تعالى، ويشهد له ورود الخبر بأن الاسم الأعظم في آية ~~الكرسي وأول آل عمران، وقد وجهنا القول وبينا السر سابقا في كون هذا ~~الاسم أعظم الأسماء من وجه، وفي كون اسم " الله " أعظم من وجه آخر، وفي ~~كون كل من الأسماء عظيما من وجه آخر عند طائفة، فتذكره تعرف أنه إذا ~~تجلى الله للعبد بهاتين الصفتين انكشف للعبد عند تجلي اسمه " الحي " ~~معاني جميع أسمائه وصفاته، وعند تجلي اسمه " القيوم " فناء جميع ~~المخلوقات إذا كان قيامهم بقيومية الحق لا بأنفسهم. # وإذا جاء الحق وزهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا الحي القيوم، فنفى ~~التعدد وبقيت الوحدة، فمن ذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان ~~الفردانية فقد ذكره باسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ~~لأنه ينطق حينئذ بالله فيكون الحال كما جرى على لسانه، لكونه مطابقا ~~لما في القضاء، فأما الذكر عند غيبته من عظمة الوحدانية فبكل اسم دعاه لا ~~يكون الاسم الأعظم بالنسبة إلى حال غيبته، وعند شهود العظمة ms0990 فبكل اسم ~~دعاه يكون الاسم الأعظم كما سئل أبو يزيد عن الاسم الأعظم، فقال: " الاسم ~~الأعظم ليس له حد محدود، لكن فرغ قلبك لوحدانيته، فإذا كنت كذلك فاذكره ~~بأي اسم شئت ". # المقالة الرابعة # فيما يتعلق بقوله تعالى { لا تأخذه سنة ولا نوم } # وهي مقاصد: # المقصد الأول # في انتظامه بما سبق # وهو أنه تعالى لما بين أنه حي أراد أن يؤكد ذلك بإبطال نقيضه ~~مطلقا، وهو " عدم القيام بتدبير الخلق على الوجه الأتم الأحكم " وإنما ~~يثبت ذلك بملاحظة أن انتفاء العام بانتفاء جميع أفراده وتحققه بتحقق ~~فرد ما، لكن الأمر الكلي إذا كان مقولا بالتشكيك على أفراده المتفاوتة ~~بالكمال والنقص، فإن كان أمرا وجوديا فوجود الفرد الشديد عن الفاعل ~~كاشف عن إمكان وجود النحو الضعيف عنه واقتداره عليه بالطريق الأولى، ~~لأنه أهون عليه وأسهل، كما قال تعالى في باب إعادة الخلق يوم القيامة: # وهو أهون عليه # [الروم:27] لأن نفس الإيجاد مما يقبل الأشد والأضعف كالوجود، وإيجاد ~~الشيء ثانيا أسهل على الفاعل من إيجاده أولا، فاقتداره على الإبداء ~~كاشف عن اقتداره على الإعادة. # وهذا بخلاف تحقق الفرد الضعيف، فإنه ليس دليللا على تحقق الفرد ~~الشديد، فإن تحقق إعطاء الدرهم من زيد لا يدل على إمكان إعطاء الصرة ~~منه. # وفي جانب السلب بعكس ذلك، إذ سلب الفرد الضعيف عن شيء يدل على سلب الفرد ~~القوي أيضا بدون عكس، فإن حرمة الأف للأبوين دال على حرمة الضرب ~~والقتل دون العكس. # وسلب القيومية عن الشيء الواحد يتصور على أنحاء: إما برفع ذاته - ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وإما برفع أصل صفة الإيجاد ~~والإدامة، وإما بتحققها مع الفتور. ومراتب الفتور في الفاعلية أيضا ~~مختلفة كمالا ونقصا، وأضعف الجميع السنة، ثم النوم، لأن الفتور ~~الحاصل بفساد أسباب الفاعلية كصفة القدرة، أو الإرادة، أو العطوفة، أو ~~الرحمة، أو العلم برجحان الفعل، وغير ذلك أقوى وأشد. # ثم إن مراتب كل من السنة والنوم مختلفة كما وكيفا، فإن ~~السنة في السنة أشد في بابها من السنة في الشهر، وكذا ms0991 النوم في ~~اليوم أشد في بابه من النوم في الساعة، وأضعف الجميع " سنة ما " و " نوم ~~ما " على التنكير الإبهامي، إذ يكفي في تحققه لحظة ما وأقل منها، فإذا ~~انتفى هذا الفرد الضعيف عنه تعالى فلا بد أن يكون غيره من الأفراد ~~منتفية، وبانتفاء الجميع تنتفي طبيعة الأمر العدمي، أعني رفع القيومية، ~~هذا الرفع يتحقق قيوميته تعالى، لأن رفع الرفع يسلتزم الإيجاب، فقال ~~سبحانه: { لا تأخذه سنة ولا نوم } ليكون تأكيدا لقوله: { ~~الحي القيوم }. # والمعنى أنه تعالى لا يفتر عن تدبير الخلق لحظة، وإلا لتساقطت ~~السماوات والكواكب وفسدت الأرض ومن عليها وفيها، وبطلت الأزمنة والفصول، ~~وفنت المواد والأصول، ولا يمكن بعده إيجاد الموجودات، لأن الحدوث ~~التكويني من غير مادة مستحيل، وإعادة المعدوم بالمرة ممتنع، فالفتور في ~~تدبير الخلق ولو لحظة واحدة يوجب انسداد باب الصنع والإيجاد للموجود وقطع ~~الفيض والكرم والجود - تعالى عن ذلك علوا كبيرا -. # فإن قلت: فإذا كانت السنة عبارة عن مقدمة النوم، فإذا قال " لا تأخذه ~~سنة " فقد دل على أنه لا يأخذه نوم بطريق أولى، فكان ذكر النوم بعده ~~تكرارا؟ # قلنا: تقدير الكلام لا تأخذه سنة، فضلا عن أن يأخذه النوم. # المقصد الثاني # في معنى السنة والنوم # أما " السنة " فهو فتور وكلال ما في الحواس يتقدم النوم يسمى " ~~النعاس " و " النوم " ترك استعمال النفس حواسها الظاهرة لأجل صعود بخارات ~~غليظة من المعدة إلى الدماغ. # وإنما قيدنا بترك الاستعمال المذكور وعللناه بالصعود المذكور لئلا ~~يصدق على الموت، فإن النوم والموت أخوان مشتركان في عدم استعمال النفس ~~الحواس والآلات الظاهرة التي بها يقع الروح في هذا العالم، إلا أنهما ~~يختلفان في أن ترك الاستعمال المذكور في أحدهما - وهو النوم - إنما ~~يكون لعارض خارجي يمنع عن ذلك مع بقاء الاستعداد والتهيؤ في الحواس، ~~بمنزلة الكاتب الذي أدخلت يده في كمه أو قيدت بسلسلة، وفي الآخر - وهو ~~الموت - إنما يكون لأمر طبيعي لازم، هو بطلان الاستعداد رأسا، بمنزلة ~~الكاتب الذي زمنت يده وخرجت عن أن يكون لها صلاحية الكتابة، فإن ms0992 معنى " ~~الموت " في الحقيقة زمانه البدن كله، وأنت تعلم أن زمانة اليد خروجها ~~عن طاعة النفس مع وجود شخصها، لبطلان القوة التي بواسطتها تستعمل اليد. # فافهم إن كنت من أهله أن الموت زمانة مطلقة في جميع الأعضاء يبطلان ~~قواها، فيسلب الموت منك يدك ورجلك وعينك وسائر وحواسك وأنت باق أعني ~~حقيقتك التي بها أنت أنت، فإنك الآن الإنسان الذي كنت في الصبا ولعله ~~لم يبق منك من تلك الأجسام شيء، بل انحلت كلها وحصل بالغذاء بدلها وأنت ~~أنت، وجسدك غير ذلك الجسد. # فالحاصل أن للنفس في استعمالها القوى والحواس الظاهرة حالات أربعة: ~~قوة، واستعداد، وفعلية، وبطلان. # فالقوة: كما للجنين قبل خروجه إلى الدنيا. # والاستعداد: كما للنائم والسكران والمغمى عليه. # والفعلية: كما لليقظان. # والبطلان: كما للميت. # واعلم أن النوم والموت مشتركان أيضا في بقاء المدارك الباطنية للنفس ~~الناطقة - كالعقل والوهم والخيال -. # وتحقيق ذلك أن العوالم بكثرتها ثلاثة، والمدارك الإنسانية على شجونها ~~ثلاثة، والإنسان بحسب غلبة كل واحد منها يقع في عالم من هذه العوالم ~~والنشآت، فبالحس يقع في العالم الدنيوي، وبه ينال الصور الحسية الكائنة ~~الفاسدة الملذة والمؤلمة بسحب الملاءمة والمنافرة، وبالقوة الباطنية ~~الجزئية يقع في النشأة الثانية التي هي عالم الصور الأخروية المنقسمة إلى ~~الجنة والجحيم، وبالقوة الباطنة العقلية يقع في النشأة الثالثة التي هي ~~عالم الصور العقلية الإلهية الأفلاطونية. # فالناس أصناف ثلاثة: أهل الدنيا وهم أهل الحس كالأنعام والبهائم أو أضل ~~سبيلا، كما قال تعالى # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف:179] وأهل الآخرة وهم الصلحاء وأهل الاعتقادات التقليدية ~~الظنية الخيالية، وأهل الله وهم العرفاء بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ~~واليوم الآخر كما وقع في الحديث: # " الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا، وهما ~~حرامان على أهل الله تعالى ". # ولهذه المعاني بيانات علمية ذكرناها في تحقيق الآيات المشيرة إلى أحوال ~~القيامة والغرض هاهنا بيان ماهية النوم ليعرف بعد ذلك أنها مما يستحيل ~~على إله العالم. # المقصد الثالث # في بيان استحالة السنة والنوم على الله تعالى بوجه حكمي # إعلم ms0993 أن إقامة السماوات والأرض من الله سبحانه وتحريكه وتسكينه القوى ~~الفعالة السماوية والمنفعلة الأرضية بجميع ما فيها، ليست كاستعمال ~~النفس للبدن وقواه المحركة والمدركة الحساسة، لأنك قد علمت بالبرهان ~~الحكمي أن نسبة الحق الأول إلى العالم ليست كنسبة الروح إلى البدن ونحو ~~ذلك. # وبعد ذلك فنقول: إن الفتور العارض للنفس في استعمالها الحواس والقوى - ~~سواء كان في النوم أو غيره - إنما هو لتعصي جوهر البدن وقواه عن طاعة ~~النفس، فإنها لها بمنزلة آلات لذوي الصنايع، فتكون لها طبائع متخالفة ~~لجوهر النفس في الذات والاقتضاء، وإنما تجبرها النفس متسعملة إياها في ~~مقاصدها الإرادية، وهي مستدعية للخلاص عنها إلى ما يلائم طبائعها من ~~الميل إلى أحيازها الطبيعية بحسب الجزء الغالب على سمت خط واحد مستقيم، ~~ثم السكون بعد حصولها فيها، أو اللصوق بوجه الأرض إن لم يتيسر الوصول ~~إلى آخر ما يقتضيها الثقل الطبيعي من الجزئين الكثيفين الغالبين في بدن ~~الإنسان والحيوان، وكذلك حكم سائر القوى المتعلقة بأعضاء البدن. # وبالجملة التخالف والتصادم الواقعان بين الحركات والأفعال الإرادية ~~النفسانية الواقعة من النفس في الأغراض الشهوية والغضبية والفكرية، ~~وبين الحركات والأفعال الطبيعية من القوى الأسطقسية مما يوجب تعصي البدن ~~والحواس وخروجها عن طاعة النفس، إذ البدن العنصري ليس معلولا للنفس - ~~كما برهن عليه في علم النفس - حتى يكون موافقا لها في جميع الوجوه ~~والحيثيات فلا يعرض له كلال ولا للنفس ملال، بل بينهما علاقة عرضية ~~ستزول - أما بعضها فبالنوم، وأما كلها فبالموت. # فإذا تقرر هذا وظهر أن منشأ النوم كلال يعرض للبدن وملال يعرض للنفس ~~بما هي نفس، أي مستعمل له وقواه لأجل تخالفهما في الطبيعة والذات، وليس ~~للباري بالقياس إلى العالم هذه الحالة، فإن وجود كل ما في العالم تابع ~~لوجود الحق الأول، ليس فيها جهة تباين سوى جهة المخلوقية والعبودية ~~والطاعة، فإن وجودها من الباري كوجود الظل من ذي الظل - لو كان لذي الظل ~~علم بذاته الذي هو نفس ذاته وعلم بوجود ظله الحاصل من علمه بذاته -. # ولا شبهة في أنه إذا ms0994 كان وجود السماوات والأرض وما فيهما مع ما ~~يلزمهما من الحركات وغيرها عن الباري، كوجود الظل من الشخص ووجود النداوة ~~من البحر، لم يتصور عروض الكلال والكلفة والتعب للباري جلت قدرته في ~~صدورها عنه تعالى، كما لا يتصور عروض الوهن والكلال للشخص بثبوت الظل ~~عنه، وإذا لم يتصور الكلال والتعب في حقه، لم يتصور السنة والنوم ~~لأنهما من توابع الفتور الحاصل لمبدإ الحركة والإحساس. # وهاهنا مباحث أخرى متعقلة ببيان حالات تعرض للقوى الفعالة النفسانية ~~وهي التعب والملال والألم وغيرها، وبيان التفرقة فيها وتحقيق القول في ~~استحالة عروضها له سبحانه بوجه حكمي لمي ينكشف به على السالك أن ساحة ~~العظمة والكبرياء أرفع من أن يعتريها شيء من هذه الانفعالات والتغيرات، ~~أخرنا ذكرها إلى أن يحين حينها فيما سيأتي إن شاء الله من المعاني ~~المتعلقة بقوله تعالى: { ولا يؤوده حفظهما } لأنهما ألصق ~~وأربط بذلك المقام فانتظر مفتشا. # ومن الدلائل على نفي السنة والنوم والسهو والنسيان عن الله تعالى ~~واستحالة عروضها له، أن هذه المعاني إما عبارات عن أعدام العلم أو عن ~~أضداد العلم وعلى التقديرين فجواز طريانها عليه وعروضها له يقتضي جواز ~~زوال علم الله تعالى، فلو كان كذلك لكانت ذاته تعالى بحيث يصح أن يكون ~~عالما ويصح أن لا يكون عالما فحينئذ يفتقر في حصول صفة العلم له تعالى ~~إلى فاعل يجعله عالما. # وننقل الكلام إلى ذلك الفاعل هل هو عالم من جميع الوجوه في جيمع الأوقات ~~أو لا؟ فإن كان الأول فالباري جل ذكره هو بعينه ذلك الفاعل الذي لا ~~يجوز عليه الشين والنقص، إذ لا نعني بالباري إلا ما يجب وجوده ويجب ~~كمال وجوده، ويستحيل عليه عدم الذات وعدم كمال الذات وقد فرضنا غيره، ~~وإن كان الثاني فننقل الكلام إلى فاعل آخر يخرجه عن القوة إلى الفعل، ~~وهكذا إلى أن يدور أو يتسلسل وهما محالان. # فلا بد وأن يكون مبدأ سلسلة العلماء عالما يكون علمه بالفعل من جميع ~~الوجوه، ولا يكون فيه جهة غير جهة العقل (الفعل - ن) بالفعل، ms0995 فيكون ~~عاقلا في جيمع الأوقات بجميع الموجودات من جميع الحيثيات، وإذا كان كذلك ~~كان النوم والسهو والغفلة محالا عليه سبحانه. # فما أبعد من الصواب قول بعض المتفلسفين الذاهبين إلى نفي علمه تعالى ~~بالمتغيرات ظنا منهم أن العلم بالمتغيرات والزمانيات من حيث كونها ~~متغيرة زمانية لا يمكن إلا بآلة جسمانية، وأبعد منه اعتذارهم عن هذا ~~الظن الفاسد بأنه كما أن كثيرا من الأفاعيل نقص على الباري تعالى ~~فكذلك كثير من التعقلات. # وأنت - إن كنت من أهل المجاهدة العقلية مع كفرة أعداء الله تعالى من ~~القوى الوهمية والخيالية الجاحدة للحق، المتمردة عن طاعة الشريعة ~~العقلية والتدين بدين الله وطريق التوحيد الخاصي - تعلم بصفاء الذهن ~~وسلامة الفطرة أن استثناء شيء من الجزئيات بعد قيام البرهان على قاعدة ~~كلية عقلية في العقليات مما لا سبيل إليه. # فإذا ثبت أن الباري فاعل الكل وعلة الجميع - ومن قوانينهم المسلمة ~~والمبرهن عليها أن العلم التام بالعلة التامة يوجب العلم التام ~~بالمعلول - فإذا تحقق علمه تعالى بذاته، وتحقق كونه سببا للجميع، وتحقق ~~كونه بالفعل من جميع الوجوه من غير أن يكون فيه جهة قوة واستعداد وانفعال ~~لزم كونه عالما بجميع الأشياء. # وأما أن العلم بالمتغير - من حيث كونه متغيرا - متغير فهو ممنوع: أما ~~إذا كان حصوليا فلأنه يمكن تعلق العلم بالمتغير مع تغيره وحدوثه ~~وتجدده إذا لم يكن مستفادا من ذلك المتغير، بل حاصلا من جهة الإحاطة ~~بأسبابه وعلله المؤدية إليه، كل ذلك على الوجه الكلي، وأما إذا كان ~~حضوريا فلأن مرجعه إلى إضافة نورية إشراقية من العالم بالقياس إلى ~~المعلوم، والتغير في الإضافات - على فرض وقوعه - ولا يوجب التغير على ~~الذات. # لا يقال: منشأ نفي العلم بالجزئيات المتغيرة عنه تعالى منهم أنهم ~~ذهبوا إلى أن مناط التشخص هو كون الشيء محسوسا، فما لا يكون إدراكه ~~بالحس لا يعلم الأمر الشخصي بما هو شخصي. # لأنا نقول: هذا أيضا لا يستلزم ما ذكرتم، إذ كون المحسوسية مناط ~~الجزئية لا يوجب أن لا يكون ذات المحسوس بوصف محسوسيته وشخصيته مدركا ms0996 ~~لغير الجوهر الحاس، فكما أن المحسوس بخصوصه قد يكون مدركا بالإدراك ~~الخيالي - مع أن التخيل غير الإحساس - فكذلك قد يكون مدركا بالإدراك ~~العقلي، والحاصل أن الكلية والجزئية على هذا الأصل صفتان للإدراك لا ~~للمدرك، والتفاوت في الإدراك لا يوجب التفاوت في المدرك. # فالواجب الحق يعلم جميع الكليات والجزئيات بعلم يليق بشأنه من غير ~~فتور، وسهو، ونوم، ونسيان تعالى الله العزيز المنان عما يقوله أهل ~~الزور والبهتان، والبغي والطغيان. # المقصد الرابع # في ذكر حكاية مروية في هذا الباب # روي # " عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه حكى عن موسى بن عمران - على ~~نبينا وآله وعليه السلام - أنه وقع في نفسه: " هل ينام سبحانه أم لا؟ ~~وقيل: سأل الملائكة: " هل ينام ربنا؟ " فأوحى الله إليهم أن يوقظوه ~~ثلاثا ولا يتركوه ينام، ثم قال: " خذ بيدك قارورتين مملوئتين في كل يد ~~واحدة منهما " وأمره بالاحتفاظ بهما، فكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر ~~الأمر فاصطفقت يداه فضرب إحدى القارورتين على الأخرى فانكسرتا، فضرب الله ~~تعالى ذلك مثلا له في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السماوات ~~والأرضين ". # واعلم أن مثل هذا لا يجوز أن ينسب إلى الأنبياء (عليهم السلام) سيما ~~أولوا العزم من الرسل مثل موسى (عليه السلام) خصوصا على مذهب أصحابنا ~~الإمامية - رضوان الله عليهم - حيث لا يجوزون صدور الذنب منهم - صغيرا ~~كان أو كبيرا - وأي ذنب أكبر من الجهل بالصفات التي هي من لوازم الإلهية ~~ومن ضرورات الواجبية؟ وهي العلم التام بمبدعاته من غير خلل وفتور، ولا ~~سهو ولا قصور. # ومن جوز النوم عليه سبحانه أو كان شاكا في استحالته كان كافرا، فيكف ~~يجوز نسبة هذا إلى موسى (عيله السلام)، فهذه الرواية إن صحت وجب أن تنسب ~~إلى جهال قوم موسى كطلب الرؤية، فإن الجسمانية كانت غالبة على قومه ~~بحيث لم يمكنهم تصور أمر مفارق الذات والصفة عن المواد الجسمية لا في ~~الممكن ولا في الواجب، كالحنابلة من أمة نبينا (صلى الله عليه وآله) ~~الذين جعلوا إلههم ms0997 جسما مستويا على العرش، والأشاعرة وإن كانوا أرفع ~~قليلا من هؤلاء إلا أنهم يشاركونهم في نفي التجرد وإثبات التحيز لما ~~سوى الواجب تعالى، وهو عين الجهالة أيضا، فإن كون الواحد نصف الإثنين ~~ليس مفتقرا في تحققه لا هو ولا مفرداته إلى تحيز وتجسم، والداعي لهم ~~إلى نفي المجردات زعمهم أن تحقق أمر مجرد في غير الواجب تعالى يوجب ~~للواجب شريكا، ولم يعلموا أن التجرد سلب محض والاشتراك في السلوب لا ~~يوجب الاشتراك في معنى ذاتي أو عرضي، فيلزم التركيب أو النقص في حقه ~~تعالى كما مر في بيان توحيده تعالى في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله. # على أنك قد علمت مما قررنا أن السلوب الصادقة عليه تعالى كلها ترجع ~~إلى سلب واحد وهو سلب الإمكان، وهو المصحح لجميع السلوب، فسلب المادة - ~~أي مفهوم التجرد - ليس من صفات الله تعالى بالذات، بل من الضرورات ~~اللازمة من سلب الإمكان عنه (عليه - ن) والاشتراك في اللوازم العامة ~~لا يوجب الاشتراك في الملزومات ولا يلزم اشتراك الواجب والممكن في ~~الشيئية، والمفهومية، والإمكان العام اشتراكهما في الذات، فيسد بذلك ~~إثبات الواجب والعلم به تعالى للزوم الاشتراك بين الواجب والممكن في ~~الثبوت والمعلومية. # المقالة الخامسة # فيما يتعلق بقوله سبحانه: { له ما في السماوات وما في ~~الأرض } # وفيه مطالب: # المطلب الأول # في النظم # لما بين كونه قيوما وأكده بنفي ما ينافيه، أراد أن يترتب عليه ما ~~يتفرع عليه من وجود آثار القيومية وتوابعها، وقد تقرر في علم الميزان ~~أنه إذا أريد تعريف المبادئ البسيطة والقوى الفعالة، تعرف بأفاعيلها ~~ولوازمها وآثارها، وقد صرح بعض رؤساء المنطقيين، بأن تعريف الشيء ~~البسيط بآثاره المنبعثة عن نفس ذاته الناشئة عن حاق حقيقته ليس بأقل ~~إيضاحا وكشفا من التعريف بالحد للمركب، لإيصال هذا النحو من الخواص ~~إلى حاق خصوصية ما هو خاصة له، كإيصال الحد إلى حاق حقيقة المحدود. # مثلا: تعريف الجوهر النطقي - أي النفس الإنسانية - ب " إدراك الكليات ~~" ، وتعريف فصل الحيوان - أي النفس الحيوانية - ب " الحساس " ، وتعريف ~~الهيولى ب " المستعد " وأمثال ms0998 ذلك ليست أقل فائدة من التحديد، إذ كما ~~أن مفهوم الحد منتزع من نفس ذات المحدود وأثر حاصل منها، كذلك هذه ~~المفهومات حكايات لذوات تلك القوى والمبادئ الفصلية والجنسية. # فإذا تقرر هذا الكلام أقول: كنه ذات الواجب وهويته الأحدية وإن لم يكن ~~معلوما لأحد غيره ولا يمكن تعريفه أصلا - لا بالحد لعدم تركبه، ولا ~~بالخواص والآثار إذ لا شيء أجل نورية وانكشافا منه حتى يصير وسيلة ~~لانكشاف ذاته إذ المعرف للشيء يجب أن يكون أجلى منه، وسبب خفائه غاية ~~وضوحه وانكاشفه - لكن لنا سبيل إلى معرفة صفاته المختصة، مثل: الإلهية، ~~والقيومية، والخالقية المطلقة لأنها مفهومات عامة كلية متعلقة بذوات ~~الممكنات وهياكل الماهيات التي هي بمنزلة صفحات وسطوح مصيقلة وقعت عليها ~~أشعة هذه الصفات من النور الحقيقي والنير الإلهي الذي هو نور السماوات ~~والأرض. # فللعقل أن يتصورها ويدل عليها بألفاظ موضوعة لمعانيها الحاضرة في ~~الذهن، وإذا تصورها القعل بكنهها فقد تصور الذات الأحدية من هذا الوجه ~~لأنها صفات تنشأ من نفس ذات الحق وتنبعث من حاق حقيقتها، لا باعتبار قوة ~~أخرى قائمة بها. # وهذا التصور من العقل المكحل بنور الهداية والحكمة لهذه الصفات، ومن ~~استلزام تصور ما ينبعث - هي - عنه وينشىء من حيث كونه مبدأ لها ~~وينبوعها، لثبوتها لما ذكرنا من أن القوى تعرف بأفاعيلها وآثارها ~~المنبعثة عن صرف ذاتها إلا أن ذلك لا يستوجب أن يمكن لأحد أن يعرف ~~الذات الأحدية مع قطع النظر عن النسب والإضافات، لأن تعقل الحق الأول ~~باعتبار ذاته بذاته مستحيل قد أقيمت على استحالته البراهين القطعية، وأما ~~تعقله باعتبار أنه قيوم للعالم، وأنه مبدأ الموجودات، وخالق ما في ~~السماوات والأرض، أو أنه مسلوب الكثرة والاشتراك، واحد أحدي، فللعقل ~~سبيل إلى الاكتناه بهذه المعاني. # فحينئذ نقول: قوله سبحانه: { له ما في السماوات وما في ~~الأرض } وقع تأكيدا وتعريفا للحي القيوم، لأن معنى " القيوم " ~~إذا كان مقوم الممكنات وجاعل الماهيات وهي منحصرة في ما في السماوات ~~وما في الأرض - لأن الأول: عبارة عن الأجرام البسيطة المستديرة الأشكال ms0999 ~~والمستديرة الحركات الشوقية الإرادية، مع نفوسها المحركة القريبة ~~المتشوقة إلى نيل الكمال، المشتهية إلى المبدإ الفعال، وعقولها ~~المتحركة البعيدة المعشوقة لنفوسها تحريكا مقدسا عن المباشرة ~~والانفعال، منزها عن التجدد والانتقال. # وأما الثاني: فهو عبارة عن العناصر الأربعة والمواليد الثلاثة مع صورها ~~ونفوسها الثلاثة الأرضية، أعني النباتية والحيوانية والإنسانية - فإذا ~~لم تعرف إضافة هذه الأشياء إليه تعالى لم يعرف كونه قيوما. # فكما أن من لم يعرف ذاته تعالى من جهة الإلهية والقيومية فكأنه ~~لم يعرف شيئا من العالم الإمكاني لما تقرر في الميزان أن العلم التام ~~بذي السبب لا يحصل إلا من جهة العلم بسببه، فكذا العكس، فإن من لم ~~يعرف شيئا من العالم الإمكاني، فكأنه لم يعرف الإله القيوم أصلا. # ومن هنا يستتم ما ذكره ابن عربي في الفص الإبراهيمي: " إن بعض ~~الحكماء وأبا حامد ادعوا أن الله يعرف من غير نظر في العالم، وهذا ~~غلط، نعم تعرف ذات قديمة أزلية لا يعرف أنها إله حتى يعرف المألوه فهو ~~الدليل عليه " انتهى. # أقول: يشبه أن يكون النزاع بينه وبينهم لفظيا، إذ لا يبعد أن يكون ~~مرادهم من اسم الله تلك الذات القديمة الأحدية مع قطع النظر عن صفة ~~الألوهية، ولا شبهة للجميع في أن معرفة ذاته تعالى - من حيث ذاته المجردة ~~عن كل نعت وصفة - لا تتعلق بمعرفة العالم، لكن الخلاف في أن حقيقة ~~الواجب سبحانه أهي نفس الوجود القائم بذاته بشرط سلب الزوائد والقيود ~~الإمكانية عنه؟ أو الوجود المطلق المقدس عن الإطلاق والتقييد جميعا؟ # فالأول: هو مذهب الحكماء. # والثاني: هو مذهب ابن عربي ومتابعيه، ولهذا ذكر متصلا بكلام نقلناه منه ~~قوله: " ثم بعد هذا في ثاني الحال يعطيك الكشف أن الحق نفسه كان عين ~~الدليل على نفسه وعلى ألوهيته، وأن العالم ليس إلا تجليه في صورة ~~أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه، وأنه يتنوع ويتصور بحسب ~~حقائق هذه الأعيان وأحوالها، وهذا بعد العلم به منا أنه إله لنا ". # المطلب الثاني # في تحقيق الإضافة المستفادة من حرف " اللام " في قوله ms1000 " له " # قيل: المراد من هذه الإضافة الملك والخلق، وتقريره أنه لما كان واجب ~~الوجود واحدا، كان ما عداه ممكن الوجود لذاته، وكل ممكن الوجود فله ~~مؤثر، وكل مؤثر فهو معلول، محدث بإحداثه، مبدع بإبداعه فكانت هذه الإضافة ~~إضافة الملك والإيجاد. # أقول: المستفاد من هذا الكلام الوجود الارتباطي المنسوب إلى غيره، ~~والوجود المنسوب إلى غيره قسمان: # أحدهما: أن يكون الموصوف بذلك الوجود نفس ذات الوجود. # والآخر: أن يكون ماهية غير الوجود، وعلى التقديرين هذا الوجود النسبي ~~إما عين وجود الشيء في نفسه أم غيره فهاهنا أربعة احتمالات: # أحدها: الوجود المضاف الذي هو غير زائد على نفس الشيء الموجود ومع ذلك ~~وجود النسبي عين وجوده لأمر آخر وهذا كوجود الممكنات عند جمهور الحكماء ~~المنسوب إلى ماهياتها. # والثاني: الوجود المضاف الزائد على ماهية الشيء، المتحد مع وجوده في ~~نفسه كوجود الأعراض والصور لموضوعاتها وموادها. # قال بعض الحكماء: وجود الأعراض في أنفسها هو وجوداتها لموضوعاتها سوى ~~العرض الذي هو الوجود، فإنه لما كان مخالفا لها لم يصح أن يقال: " ~~إن وجوده في موضوعه هو وجوده في نفسه " بمعنى أن للوجود وجودا كما ~~يكون للبياض وجودا، بل بمعنى أن وجوده في موضوعه نفس وجود موضوعه، وغيره ~~من الأعراض وجودها في موضوعه وجود ذلك الغير أعني العرض. # والثالث: الوجود المضاف الذي لا يزيد على الماهية، ومع هذا وجوده النسبي ~~عين وجوده في نفسه، هذا كوجود الواجب المضاف إلى الممكنات بالإلهية ~~والقيومية. # الرابع: الوجود المضاف الزائد على الشيء المغاير لوجوده في نفسه، كوجود ~~الفرس للإنسان. # فإذا تقرر هذا فاعلم أن العقلاء اختلقوا في أن موجودية المعلول ~~بالقياس إلى جاعله التام - كموجودية ما في السماوات وما في الأرض له ~~تعالى - من أي قسم من هذه الأقسام الأربعة؟ # فقوم من العقلاء ذهبوا إلى أنه من قبيل القسم الثالث، لما شاهدوا بحسب ~~الظاهر أن لها وجودا منفصلا عن وجود باريها، فهي موجودات مستقلة في ~~الموجودية الزائدة على ذواتها الإمكانية - سواء كانت جواهر أو أعراضا - ~~ولها نسبة إلى الباري جل اسمه ms1001 بالمخلوقية، وهذا هو المشهور وعليه ~~الجمهور. # وذهب قوم إلى أن وجودها له تعالى كوجود الأعراض لموضوعاتها، وهم جماعة ~~من مقلدة أهل العرفان، والمتشبهين بالصوفية، المغترين بظواهر عباراتهم - ~~مثل أن نسبة الحوادث إليه تعالى كنسبة الأمواج للبحر - فتوهموا أن إله ~~العالم مادة الممكنات، جهلا بأن مادة الشيء أمر ناقص بالقوة، وجهلا بأن ~~الفاعل للشيء لا يمكن أن يكون قابلا مستعدا له. # وقوم آخرون ذهبوا إلى أن نسبة وجودات الممكنات إلى ذات الحق تعالى من ~~قبيل القسم الأول - وهم الراسخون في العلم من الحكماء، القائلين بأن ~~للموجودات الإمكانية تحصلا بحسب الخارج، غير مستفاد من تحصل الماهيات ~~بل الماهية تحتاج في تحصلها وتحققها إلى الوجود، وكل وجود يتقوم بوجود ~~علته الجاعلة إياه جعلا بسيطا، فيكون كونها في نفسها هو عين فيضانها ~~عن جاعلها الذي هو الوجود النسبي، وتحقيق ذلك يحتاج إلى بسط في الكلام في ~~صفاء تام، ولطف شديد في المدارك والأفهام. # المطلب الثالث # في كلمة " ما " # إعلم أن " ما " هاهنا هي الموصولة، والفرق بينها وبين " من " سواء ~~كانتا موصولتين أو استفهاميتين أن " من " إنما تستعمل في ذوي العقول ~~دون " ما " ولكن بينهما فرق آخر عندما استعملتا استفهاميتين: وهو أن ~~أحدهما سؤال عن ماهية الشيء وحقيقته، والآخر سؤال عن هويته ونحو وجوده. # وأما النكتة في إيراد لفظ " ما " في قوله: { له ما في ~~السماوات وما في الأرض } دون " من " في الموضعين، مع أن ~~الموجود في كل منهما مشتمل على ذوي العقول وغير ذوي العقول هي أنه لما ~~كان الغرض نسبة الموجودات إليه سبحانه بالمخلوقية والمملوكية، وكان ~~الغالب فيها ما لا يعقل، أجرى الغالب مجرى الكل، فأطلق القول وعبر عن ~~الجميع بلفظ " ما " تنبيها على أن المراد من هذه الإضافة مجرد ~~المخلوقية. # هذا ما قيل، لكن في الحكم بأن الغالب في السماويات ما لا يعقل محل نظر ~~وكذا في السماويات والأرضيات جميعا فإن الأفلاك وما فيها أحياء ناطقون ~~مسبحون لربهم عند الحكماء الإسلاميين، وما وقع في الحديث أنه # " ليس فيها موضع قدم إلا ويوجد ms1002 فيه ملك ساجد أو راكع " # يؤيد ذلك. # وفي بعض خطب أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - من كتاب نهج البلاغة ~~تصريحات بليغة ناصة على كون الأفلاك وما فيها من الملائكة مسبحون لربهم ~~وساجدون وراكعون بحيث لا يسأمون، إذ لا يغشاهم نوم العيون ولا فترة ~~الأبدان ولا شبهة في أن التسبيح والصلاة لا يصدران إلا من العقلاء، ~~وأيضا قوله تعالى: # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء:33] - حيث وقع بالواو والنون - يؤيد ما ذكرناه وينور ما ~~قررناه. # فالوجه أن يقال: إن هذه الآية لما كانت في مقام إثبات التوحيد ~~والجلالة والقهر له تعالى، وتوسيع ملك وجوده وتفسيح دائرة هويته بحيث ~~يقهر ويضمحل الكل عند عظمة كبريائه، ويفنى كل فيء وظل حين سطوع نور جلاله ~~وبهائه، فالمناسب فيه أن يجعل الكل - وإن كانوا عقلاء كاملين في وجوداتهم ~~- بمنزلة ذوي النقائص في الوجود. # أو لا ترى إلى قوله: { من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه } كيف يدل على حالة طلوع شمس الحقيقة وظهور الوحدة التامة ~~وفناء كل شيء ورجوعه إليه عند القيامة كذوبان الجميد بطلوع الشمس، كما ~~قال تعالى حكاية عن مثل هذه الحالة: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر:16]. مشيرا إلى ظهور دولة حكم المرتبة الأحدية، وكذا قوله: { ~~وهو العلي العظيم } يشير إلى هذا المقام، أي بروز الوحدة ~~التامة، وفناء الكثرات، وزال التعينات فإنه إذا ظهر علوه وعظمته فمن ~~ذا الذي يكون له رتبة الوجود في جنب عظمته وعلوه، ولذلك عبر عن الجميع ~~بلفظ " ما " الدالة على مطلق الشيئية العامة، التي تشمل المعدوم والموجود ~~والمحال والممكن، لكونها غريقا في الإبهام بعيدا عن التحصل والتعين. # ومما يدل على هذا - أي جعل ذوي العقول مستهلكة العقول في جنب عظمته ~~وسطوع نور جلاله وسطوته - قوله تعالى: # له ما في السماوات والأرض كل له قانتون # [البقرة:116]. حيث أتى أشياء بعينها في مقام واحد وهو مقام الأحدية ~~وظهور سلطان الذات وتجلي العظمة والجلال باسم الإبهام، وفي مقام آخر هو ~~مقام الكثرة وظهور سلطان الأسماء وتجلي صفات الرحمة والجمال باسم ms1003 ~~الجمعية الكمالية تنبيها على ما ذكرناه. # المطلب الرابع # في معنى كلمة " في " # إعلم أن بعض المتكلمين النافين لوجود ضرب من ملائكة الله المقربين ~~كالعقول والنفوس، تمسكوا بهذه الآية وأمثالها على نفي المجردات قائلين ~~بأن الله تعالى لما كان غرضه عرض ما يوجد في مملكته وسلطانه من ~~الموجودات وإظهار المالكية بجميع الممكنات، بحيث لا يخرج عن إقليم إيجاده ~~وخالقيته وملكه شيء أصلا، فلو كان في عالم القدرة شيء غير جسماني لكان ~~ينبغي أن يكون معدودا من جملة ما أضيف إليه تعالى بإضافة الإنشاء والخلق ~~والملك، ومنخرطا مع سائر المعدودات في الذكر، بل هو أولى بالذكر من غيره ~~لكونه أشرف وأعظم منها، فلما اقتصر على ما في السماوات وما في الأرض ~~ولم يذكر غيرها، علم من ذلك أن ليس للمجرد وجود، وذلك لأن لفظة " في " ~~موضوعة لنسبة الظرفية، وطرفا هذه النسبة وهو الظرف والمظروف كلاهما ~~جسمانيان، وكل ما في السماوات والأرض لا يكون إلا جسمانيا وهو ~~المطلوب. # وأما الجواب: فقبل الخوض فيه يجب أن يعلم كل أحد أن الحقائق الكلية ~~والعلوم الحقيقية لا يمكن أن تقتنص من الإطلاقات اللفظية، فإن لكل حقيقة ~~سبب خاص وعلة قريبة لا توجد إلا بها، وكما أن ذات كل حقيقة لا تحصل ~~إلا من وجه خاص. فكذا العلم بها أيضا لا يحصل إلا من جهة العلم ~~بمبادئها ومقدماتها، إذ العلم هو صورة المعلوم، فهذا هو طريق اليقين ~~والعرفان، وأما الظنون وسائر الإداركات فربما تحصل من غير هذا الوجه. # ففي مقام لا ينجح فيه إلا المعرفة التامة والكشف الصريح لا يمكن ~~استنباطه من الألفاظ، لأن دلالتها ليست قطعية، نعم في العمليات التي هي ~~أحكام خاصة والمقصود منها العملي خاصة أو الرياضة النفسية، أو المصلحة ~~النوعية والنظام الجملي، فمجرد الظن والرجحان كاف للعمل به، لأن العلم ~~هنا وسيلة العمل فلا يكون أشرف منه، وأما المعارف الإلهية كمعرفة الذات ~~ومعرفة الصفات ومعرفة كيفية الأفعال، فلا يصيح الاكتفاء فيها بالأخذ لها ~~من الألفاظ استقلالا، بل على سبيل التأييد والتنبيه، كما هو ms1004 دأب أكثر ~~المتكلمين. # وفي قوله تعالى: # إن الظن لا يغني من الحق شيئا # [يونس:36]. إشعار لطيف بما ذكر، إذ الحق عبارة عن الاعتقاد الصحيح الذي ~~يطابقه الواقع، فافهم تهتد. # فإذا تقرر هذا نقول: إن لفظة " في " استعمل في معان مختلفة تدل على ~~بعضها بالاشتراك وعلى بعضها بالتجوز، فإن كون الماء في الكوز، وكون ~~الشيء في الزمان، وكون الجزء في الكل وكون الشيء في المكان، وكون الخاص ~~في العام، وكون الكل في الأجزاء، وكون الكلي في الجزئيات، وكون الشيء في ~~الخصب والراحة، وكونه في الحركة، ليست لفظة " في " في جميعها بمعنى واحد ~~فكون الماء في الكوز ليس بمعنى كون الشيء في الشهر والسنة، وكون السواد ~~في الثوب ليس بمعنى كون الجسم في المكان، وكذلك كون الماهية في الخارج ~~ليس بمعنى كونها في الذهن، وكون اللفظ في المعنى ليس بمعنى كون النقوش في ~~الكتاب، بل لفظة " في " يختلف معناها في هذه المواضع وغيرها اختلافا ~~كثيرا لا يحصى ولا يجمع الكل إلا إضافة ما. # وليست نفس الإضافة متقضية لنسبة " في " فإن " مع " و " على " و " ~~اللام " وغيرها مما يدل على إضافة ما، وليست مترادفة ولا مرادفة لها، ~~والإضافة المكانية تغاير الإضافة الزمانية في ذاتها، وإذا لم تكن نفس ~~الإضافة مرادا بلفظة " في " وخصوص الإضافة مختلفة فيهما ولكل واحد مدخل ~~في معنى " في " فاللفظ واقع بينهما بالاشتراك. # وأما كون الكل في الأجزاء فهو بالتجوز أشبه، لأن الكل هو مجموع ~~الأجزاء والمغايرة شرط صحة الإضافة، ولا يكون في كل واحد أيضا، ويقال ~~أيضا: إن الجزء في الكل فلا يكون بمعنى واحد، وإلا يلزم اشتمال ~~الشيء على ما يشتمل عليه، وكذلك كون الشيء في نفس الأمر بالتجوز أشبه. # فإن قلت: يجمع الكل الاشتمال والإحاطة. # قلت: المرجع والمآل في الاشتمال والإحاطة أيضا إلى الظرفية، فإنه ليست ~~إحاطة الزمان وطرفيته للشيء الزماني كإحاطة المكان وظرفيته للمتمكن، ~~بمعنى ظرفية الماء في الكوز والمتمكن في المكان الحقيقي العرفي، سواء كان ~~سطحا أو بعدا مجردا. # فقد علم مما ذكر أن لفظة ms1005 " في " مستعملة في معان كثيرة الاختلاف لا ~~يجمعها معنى محصل نوعي، أو جنسي، فيحتاج في التخصيص بأحد المعاني إلى ~~قرينة، فقوله تعالى: { في السماوات } يشمل بحسب أصل الاستعمال ~~للأحوال القائمة بها - أعراضا كانت أو صورا - وللأجزاء المقدارية ~~المركوزة فيها كالكواكب والأفلاك الجزئية والعناصر، والأجزاء المعنوية ~~مثل المادة والصورة والنفس والأبدان، والأمور المتعلقة بها كالملائكة ~~المدبرة إياها والمحركة لها بأمر مبدعها القيوم، وكالنفوس والعقول ~~المقومة لها بقواها المنطبعة والمجردة. # فالمراد من لفظة " في " هنا إما جميع هذه المعاني المحتملة أو البعض، ~~فالأول أولى على ما هو سياق الآية كما ذكره القائل، إذ التخصيص خلاف ~~الأصل لاشتمال الجميع على قدر جامع كلي، وهو مثل إضافة التعلق ~~والارتباط. # المطلب الخامس # في دلالة هذه الآية على توحيد الأفعال كما مرت الإشارة إليه # إعلم أن بعضهم قد احتجوا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله ~~تعالى، قالوا: لأن قوله تعالى: { له ما في السماوات وما في ~~الأرض } يتناول كل ما يكون فيهما، ومن جملة ذلك أفعال العباد، فوجب أن ~~تكون منسوبة إليه تعالى انتساب الملك والخلق إلى الملك والخالق، لما مر ~~أن هذه الإضافة " إضافة الملك والإيجاد " ولاستحالة توارد الموجدين ~~الفاعلين على مفعول واحد بالعدد. # وكما أن اللفظ يدل على هذا المعنى فالعقل أيضا يؤكده، لأن كل ما سواه ~~فهو ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يترجح إلا بتأثير واجب الوجود لذاته، ~~وإلا لزم الترجيح من غير مرجح وهو محال. # واعلم أن هذا الدليل العقلي جدلي من قبل الأشاعرة الذاهبين إلى تجويز ~~الترجيح من غير مرجح، ولا يمكنهم أن يصححوا عقيدتهم في هذا الباب بهذا ~~الدليل، بل غرضهم إلزام المعتزلة، ومع ذلك فغير تام، إذ للمعتزلة أن ~~يمنعوا ذلك بالاستناد إلى أن الممكن يجوز أن يترجح بممكن آخر، وذلك ~~المرجح لإمكانه يترجح إما بممكن آخر او بواجب الذات، وعلى التقديرين لا ~~بد من الانتهاء إلى الواجب بالذات جل اسمه دفعا للتسلسل أو الدور. # فإذن ليس من شرط الممكن أن يكون مرجح ابتداء وجوده ابتداء هو ms1006 الواجب إذ ~~مجرد الإمكان لا يقتضي ذلك ولا خصوصية كل ممكن، بل خصوصية بعض الممكنات ~~يستدعي الاستناد بالواسطة كالماديات والمتغيرات والمركبات، فإن المركب ~~مثلا لا بد في وجوده من سبق وجودات الأجزاء لتقومه بها، فلا يمكن أن ~~يكون وجود الكل والجزء في درجة واحدة يكون كل منهما منسوبا إليه تعالى ~~بالجعل والإيجاد من غير توسط، وكذلك أفعال الحيوان - من الإحساس والتحريك ~~- وأفعال النبات - من التغذية والتنمية والتوليد - وكذلك الأفعال القبيحة ~~الإنسانية ومبادئها مثل الحسد، والكبر، والجهل المركب، والشهوة، والغضب، ~~ونظائرها لا يجوز أن تنسب إليه تعالى من دون وساطة المبادئ القريبة ~~لأنه منزه عن الفحشاء والمنكر والبغي. # واعلم أن مذهب الأشاعرة ليس من توحيد الأفعال في شيء، ولا أيضا ما ~~ذهب إليه المعتزلة من كون العباد خالقين لأفعالهم مستقلين في وجودها، بل ~~الحق الصحيح الذي ذهب إليه خواص الإمامية ومحققوهم، ويستفاد من أحاديث ~~الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، ويكون مطابقا لما عليه ~~متألهة الحكماء والرواقيون: أن فياض الوجود منحصر في الواجب بالذات، ~~والوسائط مكثرات لحيثيات (تجليات - ن) جوده وجهات فيضه. # وادعى المحقق الطوسي (رضوان الله عليه) اطباق الحكماء على ذلك، وذكر أن ~~ما يوجد في كلامهم من نسبة التأثير والإفاضة إلى بعض الممكنات - المتوسطة ~~بينه تعالى وبين المراتب النازلة - إنما يكون من باب المساهلة في ~~التعاليم في باب كيفية صدور الكثير عن الواحد الحقيقي بحسب الواسطة، من ~~غير أن يكون للوسائط دخل في الإيجاد، بل شأنها مجرد الإعداد، وتكثير ~~جهات الفيض للواهب الجواد. # ويؤيد ما ذكره قول بعض المشائين: الأول يبدع (مبدع - ن) جوهرا عقليا ~~هو بالحقيقة مبدع، وبتوسطه جوهرا عقليا وجرما سماويا. # وقوله بعض توابع الرواقيين: إن النور القوي لا يمكن الضعيف في ~~الإنارة، فالقوة القاهرة الواجبية لا تمكن الوسائط لشدة نوريتها وقهرها ~~للكل، ليس شأن ليس فيه شأنه تعالى. # وتحقيق هذا المقام أن لكل ممكن ماهية ووجودا به تتحقق ماهيته وتتحصل ~~والوجود في الجميع معنى واحد بسيط لا اختلاف فيه إلا بالشدة والضعف، ~~والكمال والنقص، وأما الاختلافات ms1007 النوعية والجنسية بين الممكنات وتخصيص ~~كل منها بنقائص وذمائم وخواص ولوازم فإنما هو من جهة ماهياتها، ومراتب ~~إمكاناتها الناشئة من تنزلات الوجود. # فالفائض من الواحد الحقيقي والقيوم الأحدي هو أمر واحد منبسط على ~~هياكل الممكنات وذلك الأمر هو محصلها ومخرجها من القوة إلى الفعل ومن ~~العدم إلى الوجود ومن الكمون إلى البروز، فالوجود أمر واحد مجعول للواحد ~~الحق، والمراتب المختلفة بالتقدم والتأخر والأولية (والأولوية - ن) ~~واللحوق ناشئة عن خصوصيات الماهيات الحاصلة من تنزلات الوجود. # فالوجود في كل مرتبة يقتضي ماهية خاصة، تلزمها خواص ولوازم حاصلة بلا ~~جعل جاعل وتأثير مؤثر، لأن ماهية لوازمها غير مجعولة، فعين الكلب مثلا ~~ماهية تقتضي النجاسة العينية من غير جعل وإفاضة يتعلقان بها، وإنما ~~الفائض من الباري جل ذكره هو وجودها، فليس له تعالى إلا إفاضة الوجود، ~~فإن نفس الوجود هو نور يفيض منه تعالى على القوابل حتى القاذورات ~~والأعيان النجسة - شخصية كانت أو نوعية - ومنشأ تخصصات الأفعال والآثار ~~خصوصيات الأعيان الثابتة التي ما شمت رائحة الوجود. # إذا عرفت هذا فقس عليه أفعال العباد واجعلها وقاية عن نسبة الشرور ~~والآفات إلى الحق الجواد. # فهذه صورة المسألة عند هؤلاء الأكابر، وأما البرهان اليقيني (المتعين - ~~ن) المناسب لأهل البحث على هذا المطلب الشريف فهو مثبت في بابه، ليس هنا ~~مجال بيانه، لأنه يطول به الكلام ويخرج عما نحن بصدده من المرام. # المقالة السادسة # في معنى قوله سبحانه: { من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه } # وفيه مشاعر: # المشعر الأول # في معنى " الشفاعة " # إعلم أن الشفاعة - أي ما به يصير الشخص شفيعا - هو نور يشرق من ~~الحضرة الإلهية على جواهر الوسائط بينه وبين النازلين في مهوى البعد ~~والنقصان، به يجبر النقائص الحاصلة من تضاعف (نقائص - ن) الإمكان، ~~فالمتوسطون في (من - ن) سلسلة البدو: هم العقول الفعالة، ثم النفوس ~~العمالة، ثم الطبايع النقالة الكلية. وفي سلسلة العود: الأنبياء، ثم ~~الأولياء، ثم العلماء. # فكما أن الأشخاص هناك تتقوم بالطبايع، وهي تتقوم بالنفوس، والنفوس ~~تتقوم بالعقول، ونور الوجود إنما يفيض من الحق ms1008 تعالى على الكل لكن على ~~العقول بالاستقامة وعلى غيرها بالانعكاس من بعض إلى بعض، فكذلك هاهنا ~~يتقوم الناس بحسب الحياة الأخروية والوجود العلمي المعادي بالعلماء، ~~والعلماء بالأولياء، والأولياء بالأنبياء، ونور الهداية الوجود المعادي ~~إنما يفيض منه تعالى على جوهر النبوة وينتشر منها إلى كل من استحكمت ~~مناسبته مع جوهر النبوة بالانعكاس لشدة المحبة وكثرة المواظبة على السنن، ~~وكثرة الذكر له بالصلاة عليه، كما قال تعالى حكاية عنه: # فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم # [آل عمران:31]. # ومثال ذلك نور الشمس إذا وقع على الماء، فإنه ينعكس منه إلى موضع ~~مخصوص من الحائط لا على جميع الحائط، وإنما يختص بذلك الموضع بالانعكاس ~~لمناسبة وضعية مخصوصة بينه وبين الماء توجب تلك المناسبة ارتباطا له ~~بالنير بواسطة الماء في الوضع، وتلك المناسبة مسلوبة عن سائر أجزاء ~~الحائط، وذلك هو الموضع الذي إذا خرج منه خط إلى موضع النور من الماء ~~حصلت منه زاوية متساوية للزاوية الحاصلة من الخط الخارج من الماء إلى قرص ~~الشمس، وهذا لايمكن إلا في موضع مخصوص من الجدار. # ومن هذا المثال يتفطن اللبيب أن المناسبة التي توجب استفاضة الكمال من ~~الله بتوسط النبي ليست أي مناسبة كانت، بل هي المناسبة المخصوصة التي لها ~~جهة اشتراك مع المناسبة التي بين النبي وبين الله كما في المثال، فإن ~~جميع أجزاء الجدار لها نسبة وضعية مع وجه الماء، ومع ذلك لا يستضيء من ~~تلك الأجزاء إلا جزء خاص، وذلك لاتحاد نسبتها إلى وجه الماء مع نسبة ~~وجه الماء إلى الشمس، لكونهما واقعين معا في سمت سطح واحد عمود على سطح ~~الماء. # وهكذا حال نسبة البصر مع الصورة الخارجة التي يراها الإنسان، فإن الخط ~~الخارج من البصر إلى المرآة والمنعكس من المرآة إلى الصورة الخارجة ~~دائما محيطان بزاوية يكون سطح تلك الزواية قائما على سطح المرآة، كما ~~يثبت في علم المناظرة وتشهد به التجربة، فكذلك حكم المناسبات المعنوية مع ~~النور الإلهي والوجود القيومي. # ومن هنا يظهر معنى قوله (صلى الله عليه وآله): # " من أطاعني ms1009 فقد أطاع الله، ومن أبغضني فقد أبغض الله " # فإن المناسبات المعنوية العقلية تقتضي للجواهر المعنوية استفاضة النور ~~العقلي بوسيلة من استولى عليه التوحيد، وتأكدت مناسبته مع الحضرة ~~الأحدية، وأشرق عليه النور الإلهي من غير واسطة، ومن لم يترسخ قدمه في ~~ملاحظة الوحدانية لتضاعف جهة الإمكانية، وضعف جهة الوحدة وغلبة التجسم، ~~والتثكر، والحجب، لم تستحكم علاقته إلا مع الواسطة، أو مع واسطة ~~الواسطة، فافتقر إلى واسطة، أو إلى وسائط، كما يفتقر الحائط الذي ليس ~~بمكشوف للشمس إلى واسطة المرآة المكشوف للماء المكشوف للشمس. # وعند اتحاد الجهة في الارتباط الموجب للشفاعة كما أشرنا إليه يكون حكم ~~الواسطة الثانية في الإشراق والإنارة كحكم الواسطة الأولى من غير تفاوت ~~إلا بالقوة والضعف مع الاتحاد في الماهية، كما أن حكم الواسطة الأولى ~~كحكم النير الحقيقي من غير تفاوت إلا بالأصالة والتبعية، ولهذا قال ~~(صلى الله عليه وآله): # " من أكرم عالما فقد أكرمني ". # وإذا تأمل أحد يعلم أن إلى مثل هذا ترجع حقيقة الشفاعة في الدنيا ~~أيضا فإن السلطان قد يغمض عن جريمة أصحاب الوزير ويعفو عنهم لا عن ~~مناسبة أصلية بينهم وبين الملك، بل لأنهم يناسبون الوزير المناسب للملك، ~~ففاضت العناية عليهم بالواسطة لا بالأصالة، ولو ارتفعت انقطعت العناية ~~عنهم بالكلية. # المشعر الثاني # في تعيين الشفعاء ومعنى " الإذن " # قد علمت مما سبق من تفسير الشفاعة أن " الشفيع " من يكون يوم القيامة ~~له مناسبة مع رب العالمين ومناسبة بينه وبين العباد المشفوع لهم فتشرق من ~~المولى عليهم رحمته بالواسطة. ومعنى " الإذن " عبارة عن جعله تعالى بعض ~~الممكنات مخصوصا بالقرب إليه والتوسط بينه وبين من ليس له هذه المرتبة، ~~وذلك التقديم والتأخير إنما يكون لأجل استحقاق ذاتي وتافوت جبلي حاصل ~~لبعض الأعيان والماهيات بالقياس إلى البعض بحسب الفيض الأقدس، وهو ثبوتها ~~في علم الله تعالى قبل وجودها الخارجي مع آثارها ولوازمها، فقوله تعالى: ~~{ من ذا الذي يشفع } استفهام إنكاري، أي: لا يشعف عنده إلا ~~بأمره. # وذلك لأن الكفرة والمشركين كانوا يزعمون أن الأصنام لهم شفعاء ~~مقربون كما ms1010 أخبر تعالى عنهم بقوله: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر:3]. وقوله تعالى: # هؤلاء شفعاؤنا عند الله # [يونس:18] ثم بين تعالى أنهم لا يجدون هذا المطلب لما علمت أن ~~الشفيع هو الواقع في سلسلة الإيجاد والعلة الطولية دون الأمور الخسيسة ~~الاتفاقية العرضية، فقال: # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم # [يونس:18]. فإن النافع للشيء هو ما يكون مؤثرا في وجوده أو كمال ~~وجوده بنحو من السببية، والضار هو عدم ذلك الشيء أو ما يساوقه، فأخبر ~~تعالى هاهنا أنه لا شفاعة عنده إلا من استثناه الله بقوله: { إلا ~~بإذنه } ونظيره قوله تعالى: # يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون ~~إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا # [النبأ:38]. # وعلم من هذا أن المأذون للشفاعة أولا وبالذات ليس إلا الحقيقة ~~المحمدية المسماة في البداية ب " العقل الأول " و " القلم الأعلى " و ~~" العقل القرآني " عند وجودها الصوري التجردي، وفي النهاية بمحمد بن عبد ~~الله وخاتم الأنبياء عند ظهورها البشري الجسماني، قال: " كنت نبيا وآدم ~~بين الماء والطين " " أنا سيد ولد آدم وصاحب اللواء وفاتح باب الشفاعة ~~يوم القيامة ". # ثم أقرب الأولياء إليه سلفا وخلفا بحسب التابعية المطلقة هو الحقيقة ~~العلوية المسماة في البداية ب " النفس الكلية الأولية " و " اللوح ~~المحفوظ " لما أفاده وكتبه القلم الأعلى و " أم الكتاب " الحافظ ~~للمعاني التفصيلية الفائضة عليه بتوسط الروح الأعظم المحمدي # وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم # [الزخرف:4]. وهو العقل الفرقاني، وذلك عند وجودها التجردي. وفي النهاية ~~بعيسى بن مريم وعلي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وهذا عند وجودها البشري ~~الجسماني. # ومن جملة المضاهاة الواقعة بينهما (عليهما السلام) أن كلا منهما ممن ~~وقع الشك في إلهيته. وذلك لغلبة أوصاف الوحدة والتجرد والولاية عليهما. # ثم الأقرب فالأقرب من العقول والنفوس الكلية بعد العقل الأول والنفس ~~الأولى، الظاهرة في صور الأنبياء والمرسلين سابقا وصور الأولياء والأئمة ~~المعصومين لاحقا سلام الله عليهم أجمعين. # ثم الحكماء والعلماء الذين منازلهم دون منازل الأنبياء والأولياء إذا ~~اقتبسوا أنوار علومهم من ms1011 مشكاة النبوة والولاية، وإلا فليسوا من ~~الحكماء والعلماء في شيء إلا بالمجاز، وذلك لأن باتباع الأنبياء ~~والأولياء صلوات الله عليهم أجمعين، إذ العقل لا يهتدى إليه اهتداء ~~تطمئن به القلوب ويرتفع عن صاحبه الريب والشك، ولا سبيل له في معرفة ~~الحق إلا بأن ينظر في الممكنات ويستدل بها على موجدها وهو الحق تعالى، ~~ثم على وحدته ووجوبه وعلمه وقدرته، ولا يعلم من صفاته الثبوتية إلا هذا ~~القدر ومن صفاته التقديسية إلا أنه ليس بجسم ولا جسماني ولا زماني ~~ولا مكاني وأمثال ذلك. # وليس هذا الاستدلال إلا من وراء الحجب إذ لا يحضر عنده إلا مفهومات ~~ذهنية ومعقولات ثانية لا تسمن ولا تغني من جوع، وهذا بعينه كمن أراد أن ~~يستغني بمفهوم الحلاوة عن السكر وبمفهوم السلطنة عن السطان، فأصحاب ~~العقول كلهم كالذين قال الله فيهم: # أولئك ينادون من مكان بعيد # [فصلت:44]. لأنهم يجعلون الحق بعيدا عن أنفسهم ويكتفون عن ذات الحق ~~الأول ومشاهدة الذوات المقدسة العقلية وملاقاة حقائق أهل الجبروت ~~والملكوت، القاطنين في طبقات الوجود، بمفهومات ذهنية وحكايات مثالية، ومع ~~هذا لا يجري لهم طريق الاستدلال إلا في الذهنيات والكليات التي هي طور ~~العقل، وأما في الأمور التي هي وراء طور العقل من أحوال الآخرة وأحكام ~~البرازخ فيثبت فيها عقولهم ويقف من غير أن يهتدي إليها إلا باتباع ~~الشريعة. # ولهذا اعترف شيخهم ورئيسهم بالعجز في إدارك المعاد الجسماني وصرح بأن لا ~~سبيل للعقل إليه إلا من جهة تصديق خبر النبوة التي أتى بها سيدنا ~~ومولانا محمد (صلى الله عليه وآله) ومن هنا يظهر معنى الشفاعة ومعنى كون ~~النبي (صلى الله عليه وآله) مأذونا فيها ومعنى كون الشفاعة منحصرا فيه ~~بالأصالة، فإن النجاة من العقاب الدائم لا يمكن للإنسان بحسب الكمال ~~العلمي للقوة النظرية - وهو المراد من الإيمان - إلا باستفاضة الحقائق ~~العلمية من معدن النبوة الختمية صلوات الله على الصادع بها وآله، إما ~~بغير واسطة - كما للأولياء - أو بواسطتهم كما للعلماء - أو بحسب الحكاية ~~والتمثيل كما للعوام المسلمين. # قال بعض المحققين ms1012 من العرفاء: " إن الإنسان الكامل هو سبب إيجاد ~~العالم وبقائه، أزلا وأبدا، دنيا وآخرة ". # وقال صاحب الفصوص الحكمية (رضي الله عنه - ن) " فهو الإنسان الحادث ~~الأزلي، والنشء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة ". # قال بعض الشارحين لكلامه: أما " حدوثه الذاتي " فلعدم اقتضائه من حيث هو ~~هو الوجود، وأما " حدوثه الزماني " فلكون النشأة العنصرية مسبوقة بالعدم ~~الزماني، وأما " أزليته " فبالموجود العلمي، فعينه الثابتة أزلية ~~وبالوجود الروحاني، فلأنه غير زماني متعال عن أحكامه مطلقا، إليه ~~الإشارة بقول النبي (صلى الله عليه وآله) # " نحن الآخرون السابقون " # وأما دوامه وأبديته فلبقائه ببقاء موجده دنيا وآخرة. # وأيضا كل ما هو أزلي فهو أبدي وبالعكس، وإلا يلزم تخلف المعلول عن ~~العلة أو التسلسل في العلل، لأن علته إن كانت أزلية لزم التخلف، وإن لم ~~تكن كذلك يجب استنادها أيضا إلى علة حادثة بالزمان، وحينئذ إن كان ~~للزمان فيها مدخل يجب أن يكون معلولها غير أبدي لكون أجزاء الزمان متجددة ~~متصرمة بالضرورة - والفرض بخلافه - وإن لم يكن فيها مدخل فالكلام فيها ~~كالكلام في الأول فيتسلسل، والتسلسل في العلل التي لا مدخل للزمان فيها ~~باطل، وإلا يلزم نفي الواجب. # فالأبديات مستندة إلى علل أزلية أبدية، كما أن الحوادث الزمانية مستندة ~~إلى علل متجددة متصرمة، والنفوس الناطقة الإنسانية حدوثها بحسب التعلق ~~بالأبدان لا بحسب ذواتها، والصور الأخروية كما أنها أبدية كذلك أزلية ~~حاصلة في الحضرة العلمية، والكتب العقلية، والصحف النورية، وإن كانت ~~ظهوراتها بالنسبة إلينا حادثة. # وأما كونه " كلمة فاصلة " فلتميزه بين المراتب الموجبة للتكثر والتعدد ~~في الحقائق، وأما كونه " جامعا " فلإحاطة حقيقته بالحقائق الإلهية ~~والكونية كلها علما وعينا " انتهى. # وأقول: غرض الشيخ الماتن (قدس سره) من قوله: " فهو الإنسان الحادث ~~الأزلي والنشء الدائم الأبدي " هو الذي أرادته الحكماء من قولهم: " ~~العلة الغائية متقدمة بحسب الوجود العقلي على ما هي علة له، ومتأخرة ~~عن وجوده بحسب الخارج " وقد ثبت عندهم أن العقول الفعالة لها جهة ~~الفاعلية للأشياء الكائنة، ولها جهة الغائية، فإذا كان روح النبي (صلى ~~الله عليه وآله) - أي ms1013 الحقيقة المحمدية - متحدا مع العقل الأول فيلزم ~~أن يكون أزليا وأبديا من حيث حقيقته، حادثا من حيث بشريته. # أما أزليته: فباعتبار مبدئيته للأشياء بحسب صورتها العلمية الثابتة في ~~علم الله. # وأما أبديته: فلكونها الثمرة القصوى لوجود الخلائق، أو لا ترى أن ~~جميع الموجودات العنصرية لها توجهات وحركات نحو الكمال، فالعناصر تتحرك ~~نحو الجماد والجماد يتوجه إلى النبات، والنبات إلى الحيوان، وهو إلى ~~الإنسان، وأول الإنسان ذو العقل (هو العقل) الهيولاني، وهو يتوجه في ~~تحصيل الكمال إلى العقل الفعال، بعد طي مراتب العقل بالملكة والعقل ~~بالفعل فيصير مرتقيا إلى ما ينزل منها، وذلك العقل الفعال صار ثمرة ~~شجرة هذا العالم بعد أن كان بذر هذه الشجرة، فما يكون بذرا صار ثمرة. # فانظر إلى حكمة الباري وقدرته كيف ينقل البذر في تقاليب الأطوار إلى أن ~~يبلغ مرتبة الثمار، فيبتدئ أوله وهو بذر يفسد لبه في الأرض ويفنى عن ~~نفسه في الأماكن الغريبة عن ذاته، يم يستحيل وينتقل بقوته النامية من ~~حال إلى حال ومن طور إلى طور، حتى ينتهي آخره إلى ما كان أولا ويصل إلى ~~درجة اللب التي كان عليها سابقا مع عدد كثير من نوع ذاته، وفوائد كثيرة ~~وخيرات جمة من فروع ذاته ولوازمها وقشور صفاته، وضروريات هي أرباح ~~تجارية وفوائد سفره من الأوراق المخضرة والأغصان المثمرة والأنوار ~~والأزهار، وجميع ما يسقط منه ويضمحل ويفسد، وهي التي بسببها تارة يكون ~~محبوسا عن المراد مقيدا بصحبة الأضداد، وتارة بمخالطتها وحراستها ~~محروسا عن الاضمحلال والفساد، وبمعاونتها وصيانتها مصونا عن العفونة ~~للمواد، فيخرج من بين فرث تلك الأوراق والحشائش، ودم العروق والأغصان، ~~دهنا خالصا، ولبا صافيا (ذهبا خالصا ولبنا صافيا - ن) وبذرا ~~سالما غانما بإذن الله وثمرة صالحة هي نتيجة المقدمات والانتقالات ~~موجودة باقية أبدية مع انفساخ أكثرها وزوالها ودثورها. # فأحسن إعمال رويتك بملاحظة هذا التمثيل وتطبيق قرائنه وحمل ألفاظه ~~لتظهر لكل كيفية كون الحقيقة المحمدية سببا داعيا لوجود العالم، ~~ونتيجة مترتبة عليه، وكل ما كان كذلك كان واسطة لوجود العالم سابقا ~~ولاحقا، ms1014 دنيا وآخرة، فتحقق معنى قوله: # " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " # ، وقوله: " لولاك لما خلقت الأفلاك " وقوله: # " نحن الآخرون السابقون " # فيكون شفيعا يوم القيامة وسراجا منيرا وهاديا، كما أنه كان وسيلة ~~وداعيا يوم الابتداء. # فيلزم مما ذكرنا أن تكون روحه (صلى الله عليه وآله) أو شيء تعلقت به ~~القدرة وإن سمي بأسماء مختلفة باعتبارات متكثرة بقوله: # " أول ما خلق الله نوري " # و # " أول ما خلق الله روحي " # وفي رواية: " العقل "......... وفي رواية: " القلم " وفي رواية: " ~~اللوح ". # قال بعض الكبراء: أول ما خلق الله على الإطلاق ملكا كروبيا يسمى " ~~العقل " وهو صاحب القلم بدليل توجه الخطاب إليه في قوله: " أقبل " فأقبل ~~ثم قال له: " أدبر " فأدبر كما جاء في الحديث المنقول في كتاب الكافي ~~وغيره، ولما سماه " قلما " قال له: " إجر بما هو كائن إلى يوم القيامة ~~" فبحسب كل صفة يسمى باسم آخر، فقد كثرت الأسماء المسمى واحد، فباعتبار ~~أنه كان درة صدف الموجودات سمي " درة " و " جوهرة " ، كما جاء في الخبر: # " أول ما خلق الله جوهرة مثل درة فنظر إليها فذابت، فخلق منها كذا وكذا ~~" # ، وباعتبار نوارنيته وظهوره بذاته وظهور الخلائق به سمي " نورا " ~~وباعتبار تجرد ذاته عن الأكوان وحضوره عند ذاته سمي " عقلا بالفعل " ، ~~وباعتبار غلبة الصفات الملكية والأخلاق الحسنة سمي " ملكا " ، ~~وباعتبار تصويره للحقائق مفصلة على ألواح النفوس الناطقة سمي " قلما ". # وإذا أمعنت النظر وجدت كلما وصف به العقل وحكي منه فهو خاصية من خواص ~~روحه - عليه وعلى آله الصلوات - وهو مثل قوله: " أول ما خلق الله العقل، ~~فقال له: أقبل، فأقبل. ثم قال له: أدبر، فأدبر " ، وهذا بعينه هو روحه، ~~إذ قال له: " أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين، فأقبل " ثم قال له: " أدبر، ~~فأدبر " ، أي: ارجع إلى ربك، فأدبر عن الدنيا وركع إلى ربه ليلة المعراج ~~ثم قال للعقل: " وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إلي منك " وفي رواية ~~" أعظم " وهذا هو حاله (صلى الله عليه وآله) لأنه كان حبيب الله وأحب ~~الخلق إليه وأعظمهم عنده، وقوله ms1015 تعالى للعقل: " بك أعرف وبك آخذ وبك ~~أعطي وبك أعاقب ولك أثيب ". فهذا كله حال النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، لأن من لم يعرف النبي بالنبوة والرسالة لم يعرف الله ولو كان له ~~ألف دليل على معرفة الله، كما يعلمه أهل الحق بالإيمان الكشفي الإشراقي - ~~بعد الإيمان الغيبي الاقتدائي التبعي -. # فمعنى الحديث عند أهل البصيرة: أن بمعرفتك أعرف أي: من عرفك بالنبوة ~~عرفني بالربوبية وبك آخذ أي: آخذ طاعة من أخذ منك ما آتيته من الدين ~~والشريعة وبك أعطي أي: بشفاعتك أعطي درجة أهل الدرجات، كما روي عنه ~~(صلى الله عليه وآله): # " الناس محتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم (عليه السلام) " # وبك أعاقب وبك أثيب وذلك لقوله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران:81]. وذلك لأن الله أخذ ميثاق كل نبي بعثه بأن يؤمن بمحمد ~~ويرضي أمته بالإيمان به ونصرة دينه، فمن آمن به من الأمم الماضية قبل ~~بعثته وبعد بعثته فهو من أهل الثواب، ومن لم يؤمن به من الأولين والآخرين ~~فهو من أهل العقاب، فصح فيه قوله: " بك أعاقب وبك أثيب " ومن هاهنا ~~ينكشف قوله (صلى الله عليه وآله): # " لو كان موسى في زمني لا يسعه إلا اتباعي ". # فكل ما ذكر في معرفة " الروح الأعظم " فهو حال النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، وناهيك في الاعتقاد بكونه (صلى الله عليه وآله) متحد الحقيقة مع ~~العقل الفعال والروح الأعظم البرهان من قوله تعالى: # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم # [الأحزاب:6]. وقوله في حديث غدير خم مخاطبا لأمته: # " ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى فقال: من كنت مولاه فهذا علي ~~مولاه ". # بيان ذلك: أن المراد بالمؤمنين هم العارفون الذين صارت نفوسهم عقولا ~~بالفعل، والعقل بالفعل هو الموجود الحقيقي، والحياة العقلية الأخروية، ~~والنبي بروحه المقدس سبب لوجوداتهم الحقيقية، ومبدأ لكمالاتهم ~~العرفانية ومنشأ لفيضين (لفيضان ms1016 - ن) الكمالين الأولي الأقدس والثانوي ~~المقدس، وعلة الشيء أولى بنفس ذلك الشي من نفسه، إذ الشي بالقياس إلى ~~علته بالوجوب حيث كان بالقياس إلى نفسه بالإمكان، فلو لم يكن روح النبي ~~(صلى الله عليه وآله) علة لوجوداتهم الحقيقية لم يكن أولى من أنفسهم، ~~فهو الأب الحقيقي لهم ولذلك كانت أزواجه أمهاتهم مراعاة لجانب الحقيقة. # فهو الوسط بينهم وبين الحق، ومبدأ فطرتهم في سلسلة الافتقار النزولي هو ~~المرجع في كمالاتهم في سلسلة الارتقاء الصعودي، ولا يصل إليهم فيض الحق ~~بدونه، لأنه الحجاب الأقدس والتعين (المتعين - ن) الأول، فلو لم يكن ~~أولى وأحب إليهم من أنفسهم لكانوا محجوبين بأنفسهم عنه فلم يكونوا ناجين ~~إذ نجاتهم إنما هي بالفناء فيه، لأنه المظهر الأعظم. # وهذه معان تحتاج إلى تفصيل في المقال، ليظهر جلية الحال على الذكي ~~المستبصر بأساليب الارتقاء إلى الكمال، بعد تصفية القلب من مشوشات الدنيا ~~وتجلية الذهن والبال، وتحصيل الاستعداد والاتصال بالعقل الفعال والله ~~الهادي إلى طريق الإصافة في الأقوال والأفعال، وبيده أزمة الأمور في ~~الآباد والآزال. # المشعر الثالث # في تعيين المشفوع له # وهو كل من صحت نسبته إليه من فقراء أمته، ولفظة " الصحة " يشمل ~~الإمكان الذاتي والاستعدادي جميعا، فالمراد من الأول: المطيعون من أهل ~~الإيمان، ومن الثاني: العاصون من أمته وإن اقترفوا الكبائر واللمم ما ~~لم يصر منشأ عصيانهم جهلا مستحكما أو ملكة ذميمة راسخة بحيث يمتنع ~~زوالها، فلا تنفعهم شفاعة الشافعين. # قال القفال نصرة لأهل الاعتزال: " إنه تعالى لا يأذن في الشفاعة لغير ~~المطيعين، إذ كان لا يجوز في حكمته التسوية بين أهل المعصية والطاعة " ~~وطول في بيان ذلك والعجب أن تعلق ضرب من الشفاعة بأهل المعاصي ليس ~~يقبح عند العقل، والمعتزلة قائلون بالتحسين والتقبيح العقليين، فكيف ~~يتأتى لأحد منهم أن يدعي أن تعلق الشفاعة والرحمة بأهل الكبائر والعفو ~~عن ذنوبهم قبيح في الحكمة؟ # وأما التسوية المذكورة فغير لازمة من جهة مجرد العفو والشفاعة، لأن ~~منزلة الكاملين في العلم والعمل ليس كمنزلة العصاة من أهل الرحمة ~~والشفاعة. # وإن أراد أنه ms1017 لا يجوز التسوية بين المطيع والعاصي في أمر من الأمور فهو ~~جهل محض، لأنه تعالى قد سوى بينهما في الخلق والحياة والرزق وإطعام ~~الطيبات وكثير من المرادات. # وإن كان المراد أنه لا يجوز التسوية بينهما في كل الأمور فهو مما لا ~~ينكره أحد، بل الجميع قائلون بموجبه - وكيف لا - والمطيع لا يكون له فزع ~~ولا يكون خائفا من العقاب، والمذنب يكون في غاية الخوف، وربما يدخل ~~النار ويتألم مدة مديدة ثم تتداركه الرحمة يخلصه الله عن ذلك العذاب ~~بشفاعة الرسول (صلى الله عليه وآله). # على أن أكثر المعتزلة - وهم البصريون منهم - ذهبوا إلى أن العفو عن ~~صاحب الكبيرة حسن في العقول، إلا أن السمع دال على عدم وقوعه، وإذا ~~كان كذلك كان الاستدلال العقلي على المنع من الشفاعة في حق العصاة خطأ ~~إلا ما اشتثناه - وهم الراسخون في الأوصاف الذميمة التي هي مبادئ ~~الأعمال القبيحة - على ما هو مبين في مقامه، نعم هذا الاستدلال لا ~~يستقيم على مذهب الكعبي إلا أن الجواب ما ذكرناه. # فعلم أن هذا القفال قليل الوقوف على مسلك الاعتزال، ناقص النصيب في ~~علم الكلام، مع رسوخه كالزمخشري في التعصب لهذا المذهب والمبالغة في ~~المنع عن جود الله في حق أهل الكبائر من الإسلام، والصد عن نيل رحمته ~~إياهم في دار السلام. # ويمكن الجواب عن شبهة القفال بوجه آخر على طريقة أهل الكلام، وهو أن ~~العقاب حق الله وللمستحق أن يسقط حق نفسه بخلاف الثواب فإنه حق العبد ~~فلا يكون لله تعالى أن يسقطه وهذا الجواب مما ذكره الإمام الرازي وهو من ~~علماء مذهب الأشاعرة، فكأنه ذكره على قانون الجدل إلزاما على ~~المعتزلة، وإلا فالأشاعرة ليسوا قائلين بالاستحقاق في العبد للثواب ولا ~~للعقاب. # واعلم أن الناس بحسب العاقبة ستة أصناف، لأنهم إما سعداء وهم أصحاب ~~اليمين، وإما أشقياء وهم أصحاب الشمال، وإما السابقون وهم المقربون، ~~قال الله تعالى: # وكنتم أزواجا ثلاثة # [الواقعة:7]. الآية. # وأصحاب الشمال: إما المطرودون الذين حق عليهم القول وهم أهل الظلمة ~~والحجاب الكلي، المختوم ms1018 على قلوبهم أزلا كما قال تعالى: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف:179] الآية، وقد روي في الحديث الإلهي الرباني: # " خلقت هؤلاء للنار ولا أبالي " # وإما المنافقون الذين كانوا مستعدين بحسب الفطرة، قابلين للنور في ~~الأصل والنشأة، لكن احتجبت بالرين المستفاد من اكتساب الرذائل وارتكاب ~~المعاصي. # وأصحاب اليمين: إما أهل الفضل والثواب، ومنهم أهل الرحمة الباقون على ~~سلامة نفوسهم وصفاء قلوبهم، المتبوئون درجات الجنة على حسب ~~استعداداتهم من فضل ربهم، وإما أهل العفو الذين خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا، وهم قسمان: المعفو عنهم رأسا؛ لقوة اعتقادهم وعدم رسوخ ~~سيئاتهم، والمعذبون حينا بحسب ما رسخ فيهم من المعاصي حتى خلصوا عن درن ~~ما كسبوا فنجوا، وهم أهل العدل والعفات (العقاب - ن) والذين ظلموا من ~~هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا لكن الرحمة تتدراكهم وتنالهم بالآخرة. # فهذه أصناف النفوس الإنسانية، والجميع محتاجون إلى شفاعة السيد (صلى ~~الله عليه وآله) يوم القيامة كما إنهم محاجون إلى هدايته في الدنيا، ~~لكن بعضهم ممتنع القبول للشفاعة في العقبى كما للهداية في الأولى، وبعضهم ~~ممكن القبول للشفاعة لهم بالإمكان العام الشامل للضرورة والإمكان الذاتي ~~والاستعدادي قريبا كان أو بعيدا. # وتفاصيل هذه الأمور وبيانها بالبرهان مما يطلب في كتب أهل الكشف ~~والعرفان، والله وليس الهداية والإتقان. # المقالة السابعة: # في قوله سبحانه: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } # وفيه مسائل: # المسألة الأولى # في العلم # " العلم " يطلق على معان بعضها من باب الكيف، وبعضها من باب الإضافة ~~وبعضها من مقولة المعلوم. # أما الأول: فهو حال بها تتميز الأشياء عند العقل. # وأما الثاني: فهو النسبة التي بين العالم والمعلوم يعبر عنه في لغة ~~الفرس ب " دانستن " وقيل: العالمية عبارة عن اتحاد الشيء مع مفهوم هذا ~~المشتق، أي " العالم " ومفهومه كسائر المشتقات أمر بسيط يعبر عنه في ~~الفارسية ب " دانا " والذات والنسبة خارجتان عن مفهوم المشتق. # وأما الثالث: فهو الصورة الموجودة للشيء المجرد عن المادة تجريدا ~~تاما أو ناقصا. # فالتامة في التجريد ما يكون مجردا عن المادة ولواحقها وإضافتها ~~جميعا - إما ms1019 بحسب الفطرة أو بسبب تجريد مجرد يجردها - فعلى أي ~~الوجهين يكون معقولا كليا أو شخصيا، معقولا لغيره أو لنفسه. # والناقصة في التجريد ما يكون مجردا عن المادة فقط دون لواحقها أصلا - ~~فيكون محسوسا - أو عنها وعن بعض لواحقها دون بعض آخر - فيكون متخيلا - ~~أو عنها وعن لواحقها جميعا دون إضافتها - فيكون موهوما -. # والمشهور أنه من باب الكيف وهو خطأ، بل قد يكون جوهرا بحسب الماهية ~~والوجود جميعا كعلم المجرد بذاته أو بحسب الماهية دون الوجود كعلمه ~~بغيره من الطبايع الكلية الجوهرية، فإنها جواهر الماهية المعلومة ~~الذهنية، عرض بحسب كونها حالة علمية شخصية خارجية وقد يكون مجرد ~~الوجود القائم بذاته غير داخل تحت مقولة أصلا، وهو علم الواجب لذاته ~~بذاته وبجميع ما عداه علما إجماليا، فإن ذاته تعالى لكونه في غاية ~~التجرد - لتجرده عن التعلق بغيره، سواء كان ماهية أو أمرا مباينا ~~يكون (لكونه - ن) حاصلا لذاته حصولا واجبا بالذات، إذ لا مغايرة لا ~~ذهنا ولا عينا - فيكون عاقلا لذاته، ولما كانت ذاته بذاته مبدأ جميع ~~الممكنات فيكون علمه بذاته مبدأ العلم بجميع الممكنات، إذ العلم التام ~~بالعلة التامة يوجب العلم التام بالمعلول، ولما كانت ذاته وعلمه بذاته - ~~وهما العلتان - شيئا واحدا فتكون ذوات المجعولات ومعلوميتها له تعالى ~~شيئا واحدا. # فتلك الذوات بأنفسها علم ومعلوم له تعالى، وهي من حيث كونها شخصا ~~واحدا له صورة واحدة علمية معلوم له تعالى بعلم واحد، متقدم عليها ~~ومقارن بها، ومن حيث كونها أمورا متكثرة متفاصلة يعلمها بعلوم تفصيلية ~~بعضها متقدم وبعضها متأخر ولها مراتب: # أولها: نفس ذاته تعالى، فإنه علم تفصيلي بذاته وعلم إجمالي بما عداه ~~بمعنى أن نسبته إليها نسبة صورة الشيء التي بها قوامة وتمامه، ونسبتها ~~إليه نسبة الحكاية إلى المحكي عنه لكونها مظاهر أسمائه، وقد مرت الإشارة ~~أيضا إلى أن الأعيان الثابتة مظاهر أسمائه المتكثرة، وأسماؤه على ~~كثرتها تفصيل مسمى لفظ " الله " ومعناه الكلي، وهو مع كليتها عين ذاته ~~الأحدية المتشخصة بنفسها، لكونه بحت الوجود القائم بذاته. # وثانيها: مرتبة " القلم " وهو ms1020 العالم العقلي المحيط على الجميع إحاطة ~~كلية إجمالية. # وثالثها: مرتبة اللوح المحفوظ المسمى ب " أم الكتاب " المشتمل على ~~الصورة الكلية على سبيل التفصيل، وعالمها " عالم القضاء الإلهي " الذي ~~جرى عليها القلم إلى يوم القيامة. # ورابعها: مرتبة لوح المحو والإثبات، وهي مرتبة الصور المثالية للكائنات ~~بأسرها، المنطبعة أو المتعلقة بالنفوس الجزئية الفلكية، المترائية في ~~مرايا أجرامها الصافية، معينة مقرونة بمخصصاتها الزمانية والمكانية على ~~نحو جزئي. # وخامسها: مرتبة الصور الخارجية المادية. # فالواجب يعلم بنفس ذاته جميع هذه المراتب - على كثرتها وتفاصيلها الكلية ~~والجزئية - بعين تلك الصور ومحيط بها على الوجه المقدس عن الزمان والمكان ~~حتى المرتبة الأخيرة مع تغيرها وتجددها، فإن الصورة الواقعة وإن كانت ~~في نفسها من حيث كونها مغشاة بأغشية هيولانية محسوسة لا معقولة، إلا ~~أن إحاطته تعالى بها من جهة قيوميتها، ومشاهدته إياها من جهة مشاهدة ~~أسبابها ومقوماتها المؤدية إليها، لا من جهة انفعال وتأثير منها له تعالى ~~عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # فالمعلومات الجزئية المتغيرة مع جزئيتها وتغيرها وفسادها معلومة له ~~تعالى على وجه ثابت دائم، مصون عن التغير والفساد وهذا مما يحتاج دركه ~~إلى لطف قريحة. # المسألة الثانية # في مرجع ضمير الجمع # الضمير لما في السماوات وما في الأرض، لأن فيهم العقلاء، فغلبوا، أو ~~لما دل عليهم " من ذا " من الملائكة، والأنبياء، والعالمين، والأولياء، ~~والصالحين، والشهداء، أو للمأذونين منهم في الشفاعة خاصة، ويحتمل أن يكون ~~للإنسان أو للحاضرين من أمته (صلى الله عليه وآله). # المسألة الثالثة # في أن القبلية والبعدية المستفادتين من الكلام بأي وجه كانتا؟ # قد ذكر المفسرون فيهما وجوها: # منها: أنه يعلم ما بين أيديهم أي ما كان قبلهم من أمور الدنيا وما خلفهم ~~أي ما كان بعدهم من أمور الآخرة عن مجاهد وعطا والسدي. # ومنها: يعلم ما بين أيديهم يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها وما خلفهم ~~يعني الدنيا، لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم عن الضحاك والسدي. # ومنها: يعلم ما بين أيديهم من السماء إلى الأرض، وما خلفهم يريد ما في ~~السماوات عن ابن عباس رواه ms1021 عطاء. # ومنها: ما ذكره الرازي في الكبير: يعلم ما بين أيديهم بعد انقضاء آجالهم ~~وما خلفهم أي ما كان من قبل أن يخلقهم. # ومنها: ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد ذلك. # ومنها: ما ذكره نجم الدين الداية في تفسير المسمى ب " بحر الحقائق ": ~~يعلم أي الذي يشفع عنده وهو محمد (صلى الله عليه وآله)، لأنه مأذون في ~~الشفاعة أصالة كما مر تحقيقه - ما بين أيديهم - من أوليات الأمور ~~ومقدماتها قبل خلق الخلائق، وهو عالم الأرواح التي خلقها الله قبل ~~الأجساد بألفي عام - وما خلفهم - من أحوال القيامة وأهوالها، وفزع الخلق، ~~وغضب الرب، ويطلب الشافعة من الأنبياء، وقولهم " نفسي، نفسي " ورجوعهم ~~بالاضطرار. # أقول: ويحتمل وجها آخر وهو أن يكون المراد مما بين أيديهم صور ~~المعلومات الجزئية الحسية أو البديهيات، وما خلفهم صور المعقولات الكلية ~~أو النظريات؛ لتقدم الأولى وتأخر الثانية بالقياس إلى الإنسان، وعدم حصول ~~الثانية له إلا بوسيلة سبق الأولى، كما قيل " من فقد حسا فقد علما ~~". # وحاصله: أنه تعالى عالم بجميع الأشياء - جزئية كانت أو كلية - ومن ~~جملتها الشافع والمشفوع له، والجهة التي بها يستحق الشفعاء للشفاعة، ~~والمشفوع لهم للاستشفاع دون غيره، حتى أن الشفعاء لا يعلمون من أنفسهم ~~أن لهم من الطاعة ما يستحقون هذه الدرجة الرفيعة، والمنزلة العظيمة عند ~~الله سبحانه، ولا يعلمون أنه سبحانه هل صيرهم مأذونين في الشفاعة أم ~~لا؟ بل يستحقون المقت والزجر فإن العزة لله جميعا، والممكن بحسب ~~ذاته متخمر من الكدورة والظلمة المنشأة عن ماهيته الإمكانية، وإنما ~~المنور لها والمخرج إياها من العدم والإبهام إلى الوجود والتحصيل، ومن ~~القصور والنقصان إلى التمام والتكميل، هو الحق تعالى القيوم بذاته، ~~الذي يعطي نور الوجود لما يشاء - كل بحسبه - ويصطفي من الملائكة والبشر ~~رسلا وأنبياء، ويكسيهم كسوة العزة والبهاء والقدرة والغنى، ومنزلة ~~الهداية والشفاعة في الأولى والعقبى. # المقالة الثامنة: # في قوله سبحانه: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا ~~بما شآء } # وفيه إشارات: # الإشارة الأولى # قال الرازي في الكبير: " إن المراد من " العلم " هنا. ms1022 " المعلوم " ~~كالخلق بمعنى المخلوق، وفي الأدعية: " اللهم اغفر لنا علمك فينا " ~~أي: معلومك. أو لا ترى أنه إذا ظهرت آية عظيمة قيل: " هذه قدرة الله " ~~أي مقدوره، والمعنى: أن أحدا لا يحيط بمعلومات الله تعالى ". # أقول: لما علم في القرينة السابقة أن جميع الموجوات - سواء كانت ~~كلية أو جزئية، معقولة أو محسوسة، صورا علمية أو محالا إداركية، أو ~~آلات ومشاعر - حاضرة عنده تعالى بحيث يكون نفس وجودها في أنفسها نفس ~~علميتها ومعلوميتها له تعالى من غير تضاعيف الصور الإداركية، فجميع ~~الموجودات يكون معلوما - أي صورا علمية ومعلومات بأنفسها لا بصورة ~~مستأنفة أخرى - فإذا كان الأمر كذلك تكون العلوم كلها معلوما له تعالى، ~~والمعلومات كلها معلومات وعلوما له تعالى معا، فكل ما يعلمه أحد منا ~~يكون بعضا من علومه تعالى - سواء كانت علوما لنا أو معلومات -. # فحينئذ لا يحتاج إلى ارتكاب المجاز، لكن لما كان العلم عند هذا ~~القائل مجرد الإضافة احتاج إلى ذلك؛ لأن الإحاطة لا تتعلق بالإضافة، ~~ولا التبعيض يناسبها. # الإشارة الثانية # إنهم لا يعلمون الغيب إلا من جهة إطلاعه تعالى بعض ملائكته، أو ~~أنبيائه على بعض الغيب، كما قال: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول # [الجن:26 - 27]. # الإشارة الثالثة # إنه لما ثبت أن لعلمه تعالى مراتب بعضها متقدم على بعض وعلة له، ~~وبعضها متأخر عن ومعلول له، والمتأخرات عين ذوات الأشياء فيكون علمه ~~تعالى بذوات المجعولات - التي هي من مراتب علمه بوجه - علما فعليا، ~~وهو المشيئة الإلهية أيضا، لأن علمه الذي هو في مرتبة ذاته عين إرادته ~~التي هي في تلك المرتبة بالذات، ويعبر عنها بالمشيئة الذاتية، وكذا كل ~~مرتبة من مراتب علمه عين إرادته في تلك المرتبة، إذ مراتب الإرادة على ~~وزان ما علمت في مراتب العلم، فلا محالة تكون علوم غيره " معللة عن ~~مشيئته الأصلية فلذا قال: { ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شآء } أي بسبب مشيئته لأن " الباء " سببية و " ما " ~~مصدرية، لا أنها صلة " يحيطون " كما يتبارد على ms1023 الأذهان أولا، وإن كان ~~له وجه أيضا، لأن ما ذكرناه ألطف وأربط بما سبق وأليق بكلام الحق، ~~لدلالته على أن مشيئته سبب لعلومهم، لا أن متعلقها متعلق علومهم. # الإشارة الرابعة # إن المناسبة بين الشيء والمشيئة مما تحقق مذهب القائلين بالجعل البسيط ~~بمعنى أن الجاعل بهويته وشيئيته علة لهويته المجعولية وشيئيته والآية ~~مشعرة بذلك لإشعاره بأنه تعالى بمشيئته التي هي ذاته وعين علمه بذاته، ~~يفيد شيئية علمه الذي هو عين معلومه، فتكون ذاته مشيئ الأشياء ومذوت ~~الذوات ومحقق الحقائق - كما عليه الرواقيون من الحكماء - بل ذات الذوات ~~وحقيقة الحقائق كما عليه المكاشفون الواصلون من العرفاء. # الإشارة الخامسة # أن يكون ضمير الجمع في " ولا يحيطون " راجعا إلى أهل المحبة والولاية، ~~الواصلين إلى مقام الاستغراق والمشاهدة، فيشاهدونه تعالى بالمشاهدة ~~العقلية ويشاهدون الأشياء بنور ذاته، فيكون الحق لهم سمعا وبصرا كما ~~وقع في الحديث المشهور، فالمعنى: لا يحيطون بشيء من علمه إلا بمشيته ~~التي هي ذاته، فبذاته يعلمون الأشياء وبه يسمعون وبه يبصرون، كما أن به ~~يقدرون على شيء مما كسبوا. # وذلك لفنائهم عن هوياتهم وقصر نظرهم عنها إلى ذاته، وتخلقهم بصفاته، ~~على ما يعلمه الراسخون في العلم والمعرفة من غير لزوم شيء من المحالات ~~كصيرورة صفاته تعالى - التي هي عين ذاته - صفات العبد، أو حلول ذاته في ~~ذات العبد كما توهمه المحجوبون عن نسبة القيومية التي لا يشابهها شيء ~~من النسب، لأنها ليست بالحالية والمحلية، ولا الاقتران والمزايلة، ولا ~~الاتحاد والمغايرة، ولا المماسة والمباينة (ولا الماسة أو المناسبة - ن) ~~ولا الملاصقة والمحاذاة، ولا المواصلة أو المفاصلة، بل هي نسبة مجهولة ~~الكنه يعبر عنها بأمثلة جزئية مقربة من وجوه ومبعدة من وجوه لمن يكون ~~من أهل المشاهدة فضلا عن الذين لا يكونون من أهل المشافهة كأهل الوقت، ~~حيث ليسوا ممن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فليسوا من الواصلين ~~للعين، ولا من السامعين للأثر. # المقالة التاسعة: # في قوله سبحانه: { وسع كرسيه السماوات والأرض } # وفيه لوامع: # اللمعة الأولى # " الوسع " بمعنى الطاقة، يقال: " وسع ms1024 فلان الشيء " إذا احتمله وأطاقه ~~وأمكنه القيام به وبلوازمه، " ولا يسعك هذا " أي: لا تطيقه ولا تحتمله، ~~ومنه قوله (صلى الله عليه وآله): # " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " # أي: لا يحتمل غير ذلك. # اللمعة الثانية # " الكرسي " في اللغة: كل أصل يعتمد (يحتمل - ن) عليه وكل شيء تراكب فقد ~~تكارس، من " الكرس " - بالكسر - وهو تراكب الشيء بعضه على بعض وتلبد جزء ~~منه على جزء. " والكرس ": أبوال الدواب وأبعارها يتلبد بعضها على بعض، ~~وقد أكرست الدار: إذا كثرت فيها الأبوال والأبعار يتلبد بعضها على بعض، و ~~" تراكس الشي ": إذا تركب ومنه: " الكراسة " وجمعها " الكراريس " لتراكب ~~(لتركب - ن) أوراقها بعضها على بعض، ومنه " الكرسي " الموضوع لهذه الهيئة ~~المعروفة المصنوع لما يجلس لتركب خشباته وقطعه، ويقال للعلماء " كراسي " ~~كما يقال لهم " أوتاد الأرض " لأن عليهم الاعتماد وبهم القوام في الدين ~~والدنيا. # اللمعة الثالثة # في تفسير لفظ الكرسي وغيره من الألفاظ التشبيهية # إعلم أن للناس في هذا اللفظ وفي سائر متشابهات القرآن والحديث مسالك: # أحدها: منهج أهل اللغة، وأكثر الفقهاء، وأرباب الحديث، والحنابلة، ~~والكرامية وهو إبقاء الألفاظ على مدلولها الظاهر ومفهومها الأول من غير ~~مراعاة التنزيه والتقديس في ذات الله تعالى وصفاته. # وثانيها: منهج أرباب العقل والتدقيق، وهو تأويل الألفاظ على وجه تطابق ~~قوانينهم النظرية ومقدماتهم العقلية تحفظا على تقديسه تعالى، وتنزيهه ~~عن صفات الإمكان ونقائص الأكوان. # وثالثها: منهج الراسخين في العلم والإيقان، وهو إبقاء الألفاظ على ~~مفهوماتها الأصلية من غير تصرف فيها، لكن مع تحقيق تلك المفهومات وتجريد ~~معانيها عن الأمور الزائدة، وعدم الاحتجاب عن روح المعنى بسبب اعتياد ~~النفس بهيئة مخصوصة يتمثل ذلك المعنى بها غالبا. # مثلا لفظ " الميزان " موضوع لما يوزن به الشيء، وهو أمر مطلق عقلي هو ~~بالحقيقة روح معناه وملاك أمره من غير أن يشترط فيه التخصص بهيئة مخصوصة، ~~وكل ما يقاس به شيء بأي خصوصية كانت، حسية كانت أو عقلية يصدق عليه أنه ~~ميزان، فالمسطرة والشاقول والكونيا والأسطرلاب والذراع وعلم النحو، ~~والعروض، والمنطق، والعقل كلها مقاييس ms1025 وموازين بها تقاس وتوزن الأشياء، ~~ولكل منها وزان ما تناسبه وتجانسه. # فالمسطرة ميزان الخطوط المستقيمة، والشاقول ميزان الأعمدة على وجه ~~الأرض، والكونيا ميزان ما يوازي الأفق من السطوح، والأسطرلاب ميزان ~~الارتفاعات وغيرها، والذراع ميزان كمية المقادير الخطية، والنحو ميزان ~~إعراب اللفظ وبنائه على عادة العرب، والعروض ميزان كمية الشعر، والمنطق ~~ميزان صحيح الفكر، والعقل ميزان الكل. # فالكامل العارف إذا سمع لفظ " الميزان " لا يحتجب عن معناه الحقيق بما ~~يكثر إحساسه ويتكرر مشاهدته من الأمر الذي له كفتان وعمود ولسان،وهكذا ~~حاله في كل ما يسمع ويراه، فإنه ينتقل إلى فحواه، ويسافر إلى روحه ~~ومعناه، وباطنه وأخراه، ولا يتقيد بظاهره وأولاه، وصورته ودنياه. # وأما المقيد بعالم الصورة فلجمود طبعه، وخمود ذهنه، وسكون قلبه إلى ~~أول البشرية وإخلاد عقله إلى أرض المحسوسية، يسكن إلى أوائل المفهوم ~~ويطمئن إلى مبادئ العقول، ولا يسافر عن مسقط رأسه ومنبت حسه، ولا يهاجر ~~من بيته إلى الله ورسوله حذرا من أن يدركه الموت المزيل للصورة الحسية ~~قبل الوصول إلى عالم المعنى، وذلك لعدم وثوقه بما وعده الله ورسوله ~~حقا، وقلة تدبره في معنى قوله سبحانه: # فقد وقع أجره على الله # [النساء:100]. # والحاصل: أن الحق الحقيق بالتصديق عند أهل الله وأرباب الحقيقة ~~والتحقيق هو حمل الآيات والأحاديث على مفهوماتها الأصلية من غير تأويل - ~~كما ذهب إليه محققوا أئمة الحديث وعلماء الأصول والفقه - لكن لا على وجه ~~يستلزم التشبيه والنقص والتجسيم في حقه تعالى وصفاته الإلهية. # قال بعض الفضلاء: المعتقد إجراء الأخبار على هيأتها من غير تأويل ولا ~~تعطيل. # أقول: مراده من " التأويل " حمل الكلام على غير معناه الموضوع له، " ~~والتعطيل " هو التوقف في قبول ذلك المعنى، وأكثرهم على أن ظواهر معاني ~~القرآن والحديث حق وصدق، وإن كانت لها مفهومات ومعان أخر غير ما هو ~~الظاهر، كما وقع في كلامه (صلى الله عليه وآله): # " إن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا " # كيف ولو لم تكن الآيات والأخبار محمولة على ظواهرها ومفهوماتها الأولى ~~من غير تشبيه وتجسيم لما كانت فائدة في ms1026 نزولها وورودها على الخلق كافة، ~~بل كان نزولها موجبا لتحيرهم وضلالهم وهو ينافي الرحمة والحكمة. # اللمعة الرابعة # في نقل وجوه المعاني بحسب كل منهج # فمن المنهج الأول: إنه جسم عظيم يسع السماوات والأرض من جهة الظرفية ~~والإحاطة المقدارية. # ثم القائلون بهذا المعنى اختلفوا: ففرقة ذهبوا إلى أن الكرسي هو نفس ~~العرش، وهما جسم واحد - وبه قال الحسن - واستدلوا بأن " السرير " قد ~~يوصف بأنه عرش لقوله تعالى: # ولها عرش عظيم # [النمل:23] # نكروا لها عرشها # [النمل:41] # قيل أهكذا عرشك # [النمل:42] وقد يوصف بأنه كرسي: # ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه ~~جسدا # [ص:34] ولكون كل منهما يصلح للتمكن. # وفرقة منهم ذهبوا إلى أن كلا منهما غير الآخر، ثم اختلفوا: فمنهم من ~~قال: إنه سرير دون العرش وفوق السماء السابعة وقد روي ذلك عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) رواه الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي (طاب ثراه) عنه ~~(عليه السلام) مرفوعا في مجمع البيان وقريب منه ما نقل عن عطاء أنه ~~قال: " ما السماوات والأرض عند الكرسي إلا كحلقة في فلاة، وما الكرسي ~~عند العرش إلا كحلقة في فلاة ". # وقال آخرون: إنه تحت الأرض وهو منقول عن السدي. # ومنهم من قال: إن السماوات والأرض جميعا على الكرسي، والكرسي تحت ~~الأرض كالعرش فوق السماء. # وروى الأصبغ بن نباتة أن عليا (عليه السلام) قال: " السماوات والأرض ~~وما فيهما من مخلوق في جوف الكرسي، وله أربعة أملاك ويحملونه بإذن الله، ~~ملك منهم في صورة الآدميين وهي أكرم الصور على الله وهو يدعو الله ~~ويتضرع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لبني آدم، والملك الثاني في صورة ~~الثور وهو سيد البهائم وهو يدعو الله ويتضرع إليه ويطلب الشفاعة والرزق ~~للبهائم، والملك الثالث في صورة النسر وهو سيد الطيور وهو يدعو الله ~~ويتضرع إليه ويطلب الشفاعة والرزق للطيور، والملك الرابع في صورة الأسد ~~وهو سيد السباع وهو يدعو الله ويتضرع إليه وطلب الشفاعة والرزق لجميع ~~السباع، قال: ولم يكن في جميع الصور صورة أحسن من الثور ولا أشد ~~انتصابا منه، حتى ms1027 اتخذ الملأ من بني إسرائيل العجل وعبدوه، فخفض الملك ~~الذي في صورة الثور رأسه استحياء من الله أن عبدوا من دون الله بشيء ~~يشبهه وتخوف أن ينزل به العذاب ". # واعلم أن هذا المنقول عنه (عليه السلام) حكمه حكم المتشابه من القرآن ~~في باب قصور الفهم (الفهوم - ن) عنه وتحير العقول في دركه، لأنه كلام ~~صدر عن معدن الولاية والتوحيد والعرفان، ولا يعرفه إلا الراسخون في علم ~~الأديان والله أعلم. # ومن أهل الهيئة من ذهب إلى أن الفلك الثامن هو الكرسي، والعرش هو ~~مجموع الثمانية، يتعلق به نفس تحركه بالحركة السريعة اليومية، وبه قال ~~العلامة الطوسي طاب ثراه. # وقال الفخر الرازي في الكبير: " إعلم أن لفظ الكرسي ورد في هذه الآية ~~وجاء في الأخبار الصحيحة أنه جسم عظيم تحت العرش وفوق السماء السابعة ~~ولا امتناع في القبول فوجب القبول، وأما ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس (رضي الله عنهما) أنه قال: " موضع القدمين " ومن البعيد أن يقول ~~ابن عباس موضع قدمي الله عز وجل وتقدس عن الجوارح والأعضاء بالقواطع ~~البرهانية الدالة على نفي الجسمية، فوجب رد هذه الرواية أو حملها على ~~أن المراد أن الكرسي موضع قدمي الروح الأعظم، أو ملك آخر عظيم القدر ~~عند الله ". # هذا كلامه وفيه موضع نظر علمي، وهو أنه كما يجب تنزيه ذاته تعالى ~~وصفاته عن وصمة التجسم وقبول الموجب للانعدام، فكذلك يجب تنزيه فعله ~~الخاص وأهل القرب والمنزلة عنده، فإن انقسام المعلول القريب مستلزم ~~لانقسام العلة المفيضة إياه، ولهذا حكموا بأن الأمر الثابت القار الذات - ~~كالطبيعة - لا يكون علة لأمر متغير الذات غير قار - كالحركة - إلا ~~ويلحقه ضرب من التغير لئلا يلزم فقدان المناسبة بين العلة والمعلول ~~والقريب. # فهكذا لا بد في صدور المتكثرات، والمغيرات، والمنقسمات من المبدإ ~~الأعلى الذي في غاية الوحدة والبساطة والتجرد من متوسط روحاني غير ~~جسماني، ليكون واسطة بين الباري تعالى وعالم الأجرام، بل بينه وبين عالم ~~النفوس المتوسطة بين الروح الأعظم وعالم الأجرام، فإذا كان كذلك يكون ms1028 ~~إثبات الأعضاء مستحيلا عليه كما استحال على مبدعه. # ثم العجب تجويز ذلك عليه مع تسميته " روحا أعظم " فإن الروحانية ~~تنافي التجسم، ولا أقل تنافي كون الشيء ذا أعضاء متمايزة في الأوضاع ~~متخالفة في الصفات، على أن تسمية الأطباء الجسم اللطيف البخاري المتشابه ~~" روحا " إما على ضرب من التجوز والتشبيه البعيد، أو بحسب اشتراك لفظ ~~اللطافة بين المعنى الذي يوجد في الجسم - وهو رقة القوام أو عدم الحجاب ~~عن البصر - وبين المعنى الذي يوجد في المجردات، وهو عدم حجابها عن ~~التعقل، أو نفوذ تأثيرها فيما دونها، على أن أعظمية الروح تنادي ~~بانتفاء كونه روحا حيوانيا. # ومن المنهج الثاني أقوال ثلاثة: القول الأول ما اختاره القفال، وهو أن ~~المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه. # وتقريره أنه تعالى خطاب عباده في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ~~ملوكهم وعظمائهم، فمن ذلك أنه جعل الكعبة بيتا له يطوف الناس به كما ~~يطوفون ببيوت ملوكهم، وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم، ~~وذكر في الحجر الأسود " أنه يمين الله في أرضه " ثم جعل موضعا للتقبيل ~~كما يقبل الناس أيدي ملوكهم، وكذلك ما ذكر في محاسبته العباد يوم ~~القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء ووضع الموازين، فعلى هذا ~~القياس أثبت لنفسه عرشا فقال: # الرحمن على العرش استوى # [طه:5] ثم وصف # عرشه على المآء # [هود:7] ثم قال: # وترى الملائكة حآفين من حول العرش # [الزمر:75] وقال: # ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية # [الحاقة:17] وقال: # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون # [غافر:7]. ثم أثبت لنفسه كرسيا فقال: { وسع كرسيه ~~السماوات والأرض }. # وإذا عرفت هذا فنقول: # كل ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه من العرش والكرسي فقد ورد مثلها ~~بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر، ولما توقفنا هاهنا على أن ~~المقصود تعريف عظمة الله وكبريائه مع القطع بأنه منزه عن أن يكون في ~~الكعبة، فكذا الكلام في العرش والكرسي انتهى كلام القفال. # وقد استحسنه كثير من العلماء المفسرين، وتلقاه بالقبول جم غفير من ~~الفضلاء المعتبرين، ms1029 منهم الزمخشري والرازي والنيشابوري والبيضاوي. # أما الزمخشري فحيث قال: وما هو إلا تصوير لعظمته تعالى وتخييل فقط، ولا ~~كرسي، ثم ولا قعود، ولا قاعد، كقوله: # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه # [الزمر:67] من تصوير قبضة وطي ويمين، وإنما تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسي ~~ألا ترى إلى قوله: # وما قدروا الله حق قدره # [الأنعام:91] - انتهى - وهذا بعينه خلاصة كلام القفال. # وأما الرازي فحيث قال مشيرا إلى ما ذكره: " وهذا جواب متين ". # وأما النيشابوري فحيث قال: " المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله ~~وكبريائه، ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد، كما اختاره جمع من ~~المحققين كالقفال والزمخشري، وتقريره أنه تعالى يخاطب الخلق في تعريف ~~ذاته وصفاته بكذا وكذا " وأخ في إيراد العبارة المنقولة عن القفال ~~بعينها إلى آخرها فعلم من ذلك كونه معتقدا لهذا الكلام حيث نقله تماما ~~من غير أن يسنده إلى قائله، ووصف المختارين لمؤداه بالمحققين. # وأما القاضي فلقوله: " هذا تصوير لعظمته وتمثيل مجرد، ولا كرسي في ~~الحقيقة ولا قاعد ". # فقد علم أن هؤلاء الفضلاء المفسرين البارعين من مذهبي الأشعرية ~~والاعتزال كلهم اقتفوا أثر كلام القفال وظني أن ما ذكره القفال ~~واستحسنه هؤلاء المعدودون من أهل العلم والكمال، غير مرضي عند المهيمن ~~المتعال، ورسوله المبعوث لهداية الخلق ونجاتهم من الضلال، من حمل هذه ~~الألفاظ القرآنية ونظائرها المذكورة في الكتاب والسنة على مجرد التخييل ~~والتمثيل، من غير حقيقة دينية وأصل إيماني، بل هو قرع باب السفسطة ~~والتعليل، وسد باب الاهتداء والتحصيل في آيات التنزيل، إذ يتطرق تجويز ~~مثل هذه التخييلات والتمثيلات من غير حقائق دينية [إلى] سد باب الاعتقاد ~~بالمعاد الجسماني، وعذاب القبر، والصراط، والحساب، والميزان، والجنان، ~~والنيران، والحور، والغلمان وسائر المواعيد الشرعية، إذ يجوز لأحد - على ~~التقدير المذكور - أن يحمل كلا من تلك الأمور على مجرد التخييل من غير ~~تحصيل حقيقة مخصوصة. # فكما جاز أن يحمل تعظيم العرش والكرسي، وحرمة بيت الله، وتقبيل الحجر ~~الأسود، وما في محاسبة العباد يوم القيامة من ms1030 حضور الملائكة، والنبيين، ~~والشهداء، ووضع الموازين، على مجرد التخييل، والتخويف، والإرجاء، ~~والإنذار، والترغيب، والترهيب، من غير أصل حقيقي محقق في الواقع فليجز ~~مثل ذلك في الجنة والنار، والرضوان والنعيم، والزقوم والحميم وتصلية ~~جحيم. # بل الحق المعتمد إبقاء صور الظواهر على هيأتها وأصلها إلا لضرورة ~~دينية إذ ترك الظواهر يؤدي إلى مفاسد عظيمة، نعم إذا كان الحمل على ~~الظواهر مناقضا لأصول صحيحة دينية، وعقائد حقة يقينية، فينبغي للإنسان ~~حينئذ أن يتوقف فيها، ويحيل علمه إلى الله ورسوله والأئمة المعصومين من ~~الخطأ، الراسخين في العلم (عليهم السلام)، لقوله تعالى: # وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم # [آل عمران:7] ثم يترصد الرحمة من عند الله، ويتعرض لنفحات كرمه وجوده ~~رجاء أن يأتي الله بالفتح، أو أمر من عنده، أو يقضي الله أمرا كان ~~مفعولا، امتثالا لأمره فيما روي عنه (صلى الله عليه وآله): # " إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ". # ثم إن الذوق الصحيح من الفطرة السليمة شاهد بأن متشابهات القرآن ليس ~~المراد منها مقصورا على مجرد أمور جسمانية يعرف كنهها كل أحد من الأعراب ~~والبدويين وعموم الخلق، وإن كان قشور من تلك الأمور مما لكل أحد منهم ~~نصيب منها، وليس المراد أيضا مجرد تصوير وتمثيل يعلمه كل من له قوة ~~التمييز في الأنظار، ويفهمه كل من يتصرف بعقله في الأفكار بحسب استعمال ~~الصناعة المنطقية في الأبحاث من غير مراجعة إلى سلوك سبيل الله ومكاشفة ~~الأسرار معاينة الأنوار، وإلا لما قال تعالى في باب المتشابه من ~~القرآن: # وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم # [آل عمران:7] ولما قال في الغامض منه: # لعلمه الذين يستنبطونه منهم # [النساء:83] ولما دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حق أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) بقوله: # " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " # فإن كان علم التأويل أمرا حاصلا بمجرد الذكاء الفطري، أو المكتسب ~~بطريق القواعد العقلية المتعارفة بين العقلاء لما كان أمرا خطيرا ~~وخطبا عظيما، حيث استدعاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالدعاء ms1031 من ~~الله تعالى لأحب خلقه إليه وهو علي (عليه السلام). # ومما يدل على أن أسرار التنزيل والإنزال أجل شأنا مما يعلم بقوة ~~تفكر مثل القفال وغيره من آحاد المتكلمين وأهل الاعتزال، ما رواه الشيخ ~~الجليل أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني - بسنده المتصل إلى أبي بصير - عن ~~أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: " نحن الراسخون في ~~العلم، ونحن نعلم تأويله ". # وفي رواية أخرى عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: " الراسخون في العلم أمير المؤمنين والأئمة من بعده (عليهم السلام) ~~". # وعن أبي جعفر محمد (عليهما السلام) برواية أبي بصير قال: " سمعت أبا ~~جعفر (عليه السلام) يقول في هذه الآية: { بل هو آيات بينات ~~في صدور الذين أوتوا العلم } فأومأ بيده إلى صدره ". # فقد تبين من هذه الأمور أن فهم متشابهات القرآن لا يتيسر لأحد إلا ~~باقتباس أنوار الحكمة من مشكاة النبوة والولاية، واستضاءة أضواء المعرفة ~~والهداية من جهة إحكام التابعية المطلقة، وتصفية الباطن بالعبودية ~~التامة، واقتفاء آثار الأئمة الهادين، وتتبع أنوار أهالي بيوت النبوة ~~والولاية، وأبواب مدائن العلوم والهداية - صلوات الله عليهم أجمعين - ~~لينكشف على السالك شيء من أنوار علوم الملائكة والنبيين، ويتخلص من ظلمات ~~نقوش أقاويل المتفكرين والمناظرين، وسنسمع أنموذجا مما وصلنا إليه بنور ~~المتابعة والاقتداء في هذا الباب، ليكون لك مقياس يمكنك أن تنظر من ثقبة ~~أسطرلابه إلى شيء من أنوار عالم الأسرار ومنزل الأبرار. # القول الثاني: إن المراد من الكرسي " العلم " فمعنى الآية: وسع علمه ~~السماوات والأرض عن ابن عباس ومجاهد، وروى هذا القول صاحب مجمع البيان ~~الشيخ أبو علي الطبرسي طاب ثراه مرفوعا عن أبي جعفر، وأبي عبد الله ~~(عليهما السلام)، وذلك لأن موضع العالم هو الكرسي، فسميت صفة الشيء ~~باسم مكان ذلك الشيء على سبيل المجاز، أو لأن العلم هو الأمر المعتمد ~~عليه والكرسي هو الشيء الذي يعتمد عليه، فجهة الوحدة في المشابهة بينهما ~~هي الاعتماد، فأطلق الكرسي على العلم تسمية للشيء باسم ما يشابهه، ومنه ms1032 ~~يقال للعلماء " الكراسي " كما يقال لهم " أوتاد الأرض ". # القول الثالث: وهو معتمد كثير من علماء التفسير، أن المراد من الكرسي ~~" السلطان " و " القدرة " فيكون المعنى: أحاط قدرته السماوات والأرض. أو ~~" الملك " تسمية للشيء باسم محله ومكانه، لأن كلا من هذه المصادر قد ~~يستعمل مبنيا للمفعول فيكون صفة له، ثم يقال تارة: الإلهية لا تحصل ~~إلا بالقدرة والخلق والإيجاد، والعرب تسمي الملك بالكرسي، لأن الملك ~~يجلس على الكرسي، فسمي الملك باسم مكان الملك. # فهذه جملة من الأقوال المنقولة عن العلماء النظار المتفكرين في كتاب ~~الله بقوة الأفكار، السائرين على أحد المنهجين إلى نيل نتائج الأنظار. # ثم لا يخفى على من له تفقه في الغرض المقصود من الإرسال والإنزال أن ~~مسلك الظاهريين الراكنين إلى إبقاء صور الألفاظ وأوائل المفهومات أشبه من ~~طريقة المأولين بالتحقيق، وأبعد من التصريف والتحريف، وذلك لأن ما ~~فهموه من أوائل المفهومات هي قوالب الحقائق التي هي مراد الله ومراد ~~رسوله. # وأما التحقيق فهو مما يستمد ويستنبط من بحر عظيم من علوم المكاشفات لا ~~يغني عنه ظاهر التفسير، بل لعل الإنسان لو أنفق عمره في استكشاف أسرار ~~هذا المعنى وما يرتبط بمدقاماته ولواحقه لكان قليلا، بل لا نقطع عمره ~~قبل استيفاء جميع لواحقه، وما من كلمة من القرآن إلا وتحقيقها يحوج إلى ~~مثل ذلك، وإنما ينكشف للعلماء الراسخين في العلم من أسراره وأغواره ~~بقدر غزارة علومهم وصفاء قلوبهم، وتوفر دواعيهم على التدبر، وتجردهم ~~للطلب ويكون لكل عالم منهم حظ - نقص أو كمل - ولكل مجتهد ذوق - كثر أو ~~قل - فلهم درجات في الترقي إلى أطواره وأغواره، وأما الاستيفاء والوصول ~~إلى الأقصى فلا مطمع لأحد فيه، ولو كان البحر مدادا والأشجار أقلاما ~~فأسرار كلمات الله لا نهاية لها، فنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله. # فمن هذا الوجه تتفاوت العقول في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر ~~التفسير الذي ذكره المفسرون، وليس ما حصل للراسخين في العلم من أسرار ~~القرآن وأغواره مناقضا لظواهر التفسير، بل هو استكمال له ووصول إلى ~~لبابه ms1033 عن ظاهره. # فهذا ما نريده لفهم المعاني لا ما يناقض الظواهر، كما ارتكبه القفال ~~وتبعه غيره من المفسرين من تأويل " الكرسي " إلى مجرد تصوير عظمته ~~وتخييل كبريائه، وكذا ما فعله غيره من تأويله إلى مجرد القدرة والسلطان، ~~أو إلى العلم، لأنها كلها مجازات بعيدة لا يصار إليها، إلا بحسب نقل ~~صريح عن الرسول (صلى الله عليه وآله) أو عن الأئمة المعصومين (عليهم ~~السلام). # ثم لا ضابط للمجازفات والظنون والأوهام، فلا بد للمفسر أن لا يعول ~~إلا على نقل صريح، أو على مكاشفة تامة ووارد قلبي لا يمكن رده ~~وتكذيبه وإلا فستلعب به الشكوك، كما لعبت بقوم تراهم أو ترى آثارهم ~~الفكرية من هذه القرون ومن القرون الخالية، وشر القرون ما طوي فيه طريق ~~الرياضة والمكاشفة، وانحسم باب الذوق والتصفية، وانسد طريق السلوك إلى ~~الملكوت الأعلى بأقدام المعرفة والتقوى، وشاع الجهل، والإصرار، والرعونة، ~~والاستنكار، وطلب الرئاسة، والشهرة عند الناس، والتقرب من السلاطين في ~~هذه الدنيا. # فإن هذه توجب سخط الله وسخط الرسول وأولياء الله، وتستلزم الاحتجاب ~~عنه تعالى، والحرمان عن الوصول إليه، والاحتراق بنار القطيعة والطرد ~~والبعد عنه تعالى، والعمى عن مشاهدة الأنوار التي يكاشفها المجردون عن ~~الأغراض النفسانية، الهاربون عن الخلق وعاداتهم ورسومهم الدنية إلى ~~الإقبال بشراشر الهمة إلى الحق، المعترضون لنفحات الله في أيام دهرهم، ~~المنتظرون لنزول الرحمة على سرهم، فهم في الحقيقة الواقفون على أسرار ~~القرآن دون غيرهم، سواء كانوا من الظاهريين المشبهين أو من العقلاء ~~المدققين، وكلاهما بمعزل عن فهم آيات القرآن، إلا أن الظاهريين أقرب ~~إلى الصواب من المأولين لما أشرنا إليه من كون مقاصدهم قوالب المعاني ~~القرآنية. # فقد ظهر وتبين لك أن لأرباب الأفكار التفسيرية والأفهام القرآنية ~~ثلاث مقامات: # فمن مسرف في رفع الظواهر كالقفال وكثير من المعتزلة انتهى أمرهم إلى ~~تغيير جميع الظواهر في المخاطبات التي تجرى في الشريعة الحقة - من منكر ~~ونكير، وميزان، وحساب، وصراط، وفي مناظرات أهل النار وأهل الجنة في ~~قولهم: # أفيضوا علينا من المآء # [الأعراف:50]. وزعموا أن ذلك لسان الحال. ms1034 # ومن غال في حسم باب العقل كالحنابلة أتباع أحمد بن حنبل، حتى منعوا ~~تأويل قول " كن فيكون " وزعموا أن ذلك خطاب بحرف وصوت يتعلق بهما ~~السماع الظاهري يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كل متكون، حتى نقل ~~عن بعض أصحابه أنه يقول: حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ: قوله ~~(صلى الله عليه وآله): # " الحجر الأسود يمين الله في الأرض " # وقوله (صلى الله عليه وآله): # " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن " # وقوله (صلى الله عليه وآله): # " إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن ". # ومن العلماء من أخذ في الاعتذار عنه أن غرضه في المنع من التأويل ~~رعاية إصلاح الخلق، وحسم الباب للوقوع في الرفض، والخروج عن الضبط، ~~فإنه إذا فتح باب التأويل وقع الخلق في الخرق والعمل بالرأي، فخرج ~~الأمر عن الضبط وتجاوز الناس عن حد الاقتصاد. # وقال الغزالي: " لا بأس بهذا الزجر، ويشهد له سيرة السلف، فإنهم كانوا ~~يقولون " إقرؤوها كما جاءت " حتى قال مالك لما سئل عن الاستواء: " ~~الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ~~". # وذهبت طائفة إلى الاقتصاد في باب التأويل، ففتحوا باب التأويل في المبدإ ~~وسدوها في المعاد، فأولوا في كل ما يتعلق بصفات الله من الرحمة، ~~والعلو، والعظمة، وغيرها، وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها ومنعوا ~~التأويل فيها، وهم الأشعرية - أصحاب أبي الحسن الأشعري - وزاد المعتزلة ~~عليهم حتى أولوا من صفات الله ما لم يأول الأشاعرة، فأولوا " السمع " إلى ~~مطلق العمل بالمسموعات، و " البصر " إلى العلم بالمبصرات، وأولوا " ~~المعراج " وزعموا أنه لم يكن بجسد، وأولوا " عذاب القبر " و " الميزان ~~" و " الصراط " وجملة من أحكام الآخرة، ولكن أقروا بحشر الأجساد، ~~والجنة واشتمالها على المأكولات، والمشروبات، والمنكوحات، والملاذ ~~الحسية، وبالنار واشتمالها على جسم محسوس يحرق الجلود، ويذيب الشحوم. # ومن ترقيهم إلى هذا الحد زاد المتفلسفون، والطبيعيون، والأطباء فأولوا ~~كلما ورد في الآخرة، وردها إلى آلام عقلية روحانية، ولذات عقلية ~~روحانية، وأنكروا حشر الأجساد، وقالوا ببقاء النفوس مفارقة إما معذبة ~~بعذاب أليم، وإما ms1035 منعمة براحة ونعيم لا يدرك الحس، وهؤلاء هم المسرفون عن ~~حد الاقتصاد، وحد الاقتصاد بين برودة جمود الحنابلة وحرارة انحلال ~~المأولة دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الراسخون في العلم والحكمة، ~~والمكاشفون الذين يدركون الأمور بنور إلهي، لا بالسماع الحديثي، ولا ~~بالفكر البحثي ". # أقول: كما أن اقتصاد الفلك في طرفي التضاد ليس من قبيل اقتصاد الماء ~~الفاتر الواقع في جنس الحرارة والبرودة بل الممتزج، منهما فكذا اقتصاد ~~الراسخين في العلم ليس كاقتصاد الأشاعرة، لأنه ممتزج من التأويل في ~~البعض والتشبيه في البعض، وأما اقتصاد هؤلاء فهو أرفع من القسمين، وأعلى ~~من جنس الطرفين، حيث انكشف لهم بنور المتابعة أسرار الأمور على ما هي ~~عليها من جانب الله بنور قذف في قلوبهم وشرح به صدورهم، ولم ينظروا إلى ~~هذه الأمور من السماع المجرد ونقل الألفاظ من الرواة ليقع بينهم الاختلاف ~~في المنقول فلا يستقر فيها قدم ولا يتعين موقف، وأما الذين نحن فيه الآن ~~فكشف الغطاء عن حد الاقتصاد فيه يحتاج إلى استئناف مسلك إلهي، ونمط ~~قدسي، وانقطاع عن الرسوم، وتوجه تام إلى الحي القيوم. # وأما الأنموذج الذي وعدناك ذكره من طريق العلماء الراسخين - الذين لا ~~يعلم بعد الله ورسوله متشابهات القرآن غيرهم - فهو مما أذكر مثالا ولمعة ~~منه إن شاء الله، لأني أراك قاصرا عن دركه وعاجزا عن فهم سره ~~وحقيقته، فإنه نبأ عظيم وأنتم عنه معرضون. # فاعلم أن مقتضى الدين والديانة أن لا يأول المسلم شيئا من الأعيان ~~التي نطق بها القرآن، والحديث، إلا بصورها وهيآتها التي جاءت، بل يكتفي ~~بظاهر الذي جاء إليه من النبي والأئمة سلام الله عليهم، ومشايخ المجتهدين ~~رضوان الله عليهم أجمعين، اللهم إلا أن يكون ممن قد خصصه الله بكشف ~~الحقائق والمعاني والأسرار، وإشارات التنزيل، وتحقيق التأويل، فإذا كوشف ~~بمعنى خاص أو إشارة وتحقيق قرر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الأعيان، ~~لأن ذلك من شرائط المكاشفة،إذ قد مر أن ألفاظ القرآن يجب حملها على ~~المعاني الحقيقية لا على المجاز، والاستعارات البعيدة، وكذا ms1036 ما ورد في ~~الشرع الأنور من لفظ الجنة، والنار، والميزان، والصراط، وما في الجنة من ~~الحور، والقصور، والأنهار والأشجار، والثمار، وغيرها من العرش، والكرسي، ~~والشمس، والقمر، والليل والنهار. ولا يأول شيئا منها على مجرد المعنى ~~ويبطل صورته، كما فعله في باب الأعيان المعادية كثير من العقلاء ~~المحجوبين بعقهلم وفطانتهم البتراء، التي كانت البلاهة أدنى إلى الخلاص ~~منها، بل يثبت تلك الأعيان كما جاء ويفهم منها حقائقها ومعانيها. # فالله تعالى ما خلق شيئا في عالم الصورة إلا وله نظير في عالم ~~المعنى، وما خلق شيئا في عالم المعنى وهو " الآخرة " إلا وله حقيقة في ~~عالم الحق وهو غيب الغيب، إذ العوالم متطابقة، الأدنى مثال الأعلى، ~~والأعلى حقيقة الأدنى، وهكذا إلى حقيقة الحقائق. # فجميع ما في هذا العالم أمثلة وقوالب لما في عالم الآخرة، وما في الآخرة ~~هي مثل وأشباه للحقائق والأعيان الثابتة، التي هي مظاهر أسماء الله ~~تعالى، ثم ما خلق في العالمين شيء إلا وله مثال وأنموذج في عالم ~~الإنسان، فلنكتف في بيان حقيقة العرش، وحقيقة الكرسي، بمثال لكل واحد ~~منهما في عالمنا الإنساني. # فاعلم أن مثال " العرش " في ظاهر الإنسان قلبه، وفي باطنه هو روحه ~~النفساني، وفي باطن باطنه هو نفسه الناطقة إذ هي محل استواء الروح - الذي ~~هو جوهر قدسي عقلي - عليه بخلافة الله في هذا العالم الصغير. # ومثال " الكرسي " في الظاهر هو صدره، وفي الباطن هو روحه الطبيعي الذي ~~هو مستوى نفسه الحيوانية، التي وسعت سماوات القوى الطبيعية السبعة - وهي ~~الغاذية، والنامية، والمولدة، والجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة - ~~وأرض قابلية الجسد كما وسع الصدر محال تلك القوى من الأعصاب والرباطات ~~وغيرها. # ثم العجب كل العجب أن العرش مع عظمته وإضافته إلى الرحمن بكونه مستوي ~~له بالنسبة إلى وسعة قلب المؤمن قيل: " إنه كحلقة ملقاة في فلاة بين ~~السماء والأرض " وقد ورد في الحديث: # " لا يسعني أرضي ولاسمائي، بل يسعني قلب عبدي المؤمن " # وقال أبو يزيد البسطامي: " لو أن العرش وما حواه وقع في زاوية من زوايا ~~قلب أبي ms1037 يزيد لما أحس به ". # فإذا علمت هذا المثال، وتحققت بالقول على هذا المنوال، فاجعله دستورا ~~لك في تحقيق الحقائق وميزانا تقيس به جميع الأمثلة الواردة على لسان ~~النبوات. # فإذا بلغك مثلا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " إن للمؤمن في قبره روضة خضراء ويرحب له قبره سبعين ذراعا، ويضيء ~~حتى يكون كالقمر ليلة البدر " # أو سمعت في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال في عذاب الكافر ~~في قبره # " يسلط الله عليه تسعة وتسعين تنينا لكل تنين - أي: حية - تسعة رؤوس ~~ينهشونه، ويلحسونه، وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون " # فلا تتوقف في الإيمان به صريحا من غير تأويل، ولا تحمله على المجاز أو ~~الاستعارة، بل كن أحد رجلين: إما المؤمن بظواهر ما ورد في الكتاب ~~والحديث من غير تصرف وتأويل، أو العارف الراسخ في تحقيق الحقائق والمعاني ~~مع مراعاة جانب الظواهر وصور المباني، كما شاهده أرباب البصائر ببصيرة ~~أصح من البصر الظاهري. # ولا تكن الثالث بأن تنكر الشريعة الحقة وما ورد فيها رأسا وتقول: " ~~إنها كلها خيالات سوفسطائية، وتمويهات وخدع عامية " نعوذ بالله وبرسوله ~~من مثل هذه الزندقة الفاحشة، ولا الرابع بأن لا تنكرها رأسا ولكن تأوله ~~بفطانتك البتراء، وبصيرتك الحولاء، إلى معان عقلية فلسفية، ومفهومات ~~كلية عامية، فإن هذا في الحقيقة إبطال للشريعة، لأن بناء الشرائع على ~~أمور يشاهدها الأنيباء مشاهدة حقيقية لا يمكن تلك لغيرهم إلا بنور ~~متابعتهم، وإن كان منشأ ذلك غاية القوة الباطنية العقلية. # فإن كنت من قبيل الرجل الأول فقد أمسكت بنوع من النجاة، لكن لا قيمة لك ~~في الآخرة إلا بقدر همتك في الدنيا، ولا مقدار لك في عالم المعنى إلا ~~على مبلغ علمك بحقائق العقبى، وإذ لا علم فلا رتبة هناك، لأن كمال ذلك ~~العالم هو عالم الحيوان، وقوامه بالنيات الحقة والعلوم الباقية، كالعلم ~~اليقيني بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فغير العارف ~~بمنزلة جسد بلا روح، ولفظ بلا معنى، ومع ذلك فالنجاة فوق الهلاك. # وذلك أيضا بشرط سلامة الفطرة عما ms1038 يغيرها من الأغراض النفسانية، وبشرط ~~أن لا يكون فيك استعداد التجاوز عن درجة العوام، وإلا فيكون تقصيرك ~~فيما تستدعيه بقوة استعدادك وسكونك عما تطلبه بلسان قابليتك لمرادك ~~موجبا لك سخط الباري في آخرتك ومعادك، وباعثا لعذابك بانقطاعك عن ~~مبتغاك ومناك. # وعلى أي الحالين فليس لك نصيب من القرآن إلا في قشوره، كما ليس ~~للبهيمة نصيب من البر إلا في قشره الذي هو " التبن ". # والقرآن غذاء الخلق كلهم على اختلاف أصنافهم، ولكن إغتذاءهم به على قدر ~~درجاتهم، وفي كل غذاء مخ ونخالة وتبن، وحرص الحمار على التبن أشد منه على ~~الخبز المتخذ من اللب، وأنت ونظراؤك شديد الحرص على أن لا تفارق درجة ~~البهائم، ولا تترقى إلى درجة الإنسانية - فضلا عن الملكية - فدونكم ~~والانسراح في رياض القرآن ففيه متاع لكم ولأنعامكم. # وإن كنت من قبيل الرجل الثاني فبسبب رسوخ قدمك في تحقيق الدين، وكشف ~~الحق واليقين، وانزعاجك عن درجة الناقصين، وتجاوزك عن مقام الظن ~~والتخمين، تيسر لك أن تعرف عرفانا كشفيا، أو علما ذوقيا، أن ~~التنين الذي أشار إليه الرسول (صلى الله عليه وآله) في الحديث المذكور، ~~ليس مجرد تخويف بلا أصل، ومحض تخييل بلا حقيقة، كما يفعله المشعبذون ~~فإن كلام الله وكلام رسوله أعظم وأجل من أن يحمل على مثل هذا المعنى ~~الذي حمله عليه بعض الغافلين المتفلسفين، وأن المزاح والعبث والجزاف ~~كلها ممقوت عند ذوي المجد، حتى قال الشبلي: " الوقت كله جد لا يحتمل ~~المزحة " فكيف كلام الله وكلام رسوله # وما هو بالهزل # [الطارق:14]. نعوذ بالله أن أكون من الجاهالين. # بل معنى الحديث النبوي إنما هو تفسير وشرح لقوله (ص): # " إنما هي أعمالكم ترد إليكم " # (عليكم - ن) وقوله تعالى: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # [آل عمران: 30] بل سر قوله سبحانه: # كلا لو تعلمون # [التكاثر:5] - إلى قوله -: # ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر:7] أي أن الجحيم باطنكم فاطلبوها بعلم اليقين. # بل هو سر قوله تعالى: # يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين # [العنكبوت:54]. ولم يقل " إنها ستحيط " بل ms1039 قال: هي محيطة بالكافرين ~~وقوله تعالى: # إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها # [الكهف:29] ولم يقل " يحيط بهم " وهو معنى قول من قال: " إن الجنة ~~والنار مخلوقتان " وقد أنطق الله لسانه بالحق ولعله لا يطلع على سر ما ~~يقوله. # فإن لم تفهم معاني القرآن كذلك فليس لك نصيب القرآن إلا في قشوره، ~~كما ليس للبهيمة نصيب من البر إلا في قشره الذي هو التبن، فتكون من قبيل ~~الشخص الأول وهو خرق الفرض. # فحينئذ نقول: إن هذا " التنين " موجود في الواقع، إلا أنه ليس ~~خارجا عن ذات الميت، بل كان معه قبل موته لكنه (لكن - ن) لم يحس بلدغه ~~لخدر كان فيه لغلبة الشهوات، فأحس بلدغة بعد موته، وكشف غطاء حياته ~~الطبيعية بقدر عدد أخلاقه الذميمة، وشهواته لمتاع الدنيا. # وأصل هذا التنين حب الدنيا، وتنشعب عنه رؤوس بعدد ما تنشعب الملكات عن ~~حب الدنيا من الحسد، والحقد، والعداوة، والبغضاء، والكبر، والرياء ~~والشره، والمكر، والخداع، وحب الجاه والمال، والنساء، والبنين، ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، ~~والحرث، وغير ذلك. # وأصل هذا التنين معلوم لذوي البصائر، وكذا كثرة رؤوسه، أما انحصار عدده ~~في " تسعة وتسعين " فإنما يقع الاطلاع عليه لهم بنور النبوة والاتباع ~~فهذا التنين متمكن من صميم فؤاد الكافر المنكر للدين، لا لمجرد جهله ~~بالله، وكفره بل بما يدعو إليه الكفر والجهل، كما قال الله تعالى: # ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على ~~الآخرة # [النحل:107]. # فكل ما يدعو إليه الجهل بالله وملائكته المقدسين وأنبيائه المرسلين ~~(صلوات الله عليهم أجمعين) من محبة الأمور الباطلة الزائلة، فهو بالحقيقة ~~والمعنى تنين يلسعه ويلدغه في أولاه وأخراه - سواء كان مع صورة مخصوصة ~~كما في عالم القبر بعد الموت، أو لم يكن كما في عالم الدنيا قبل الموت -. # وعند عدم تمثل هذا الأمر اللذاع اللساع على صورة تناسبه لا يعوزه ~~شيء من حقيقة التنين ومعنى لفظ بالحقيقة، إذ اللفظ موضوع للمعنى الكلي ~~وخصوصيات الصور خارجة عما وضع له اللفظ، وإن كان اعتياد الناس بمشاهدة ~~بعض الخصوصيات ms1040 يحملهم على الاقتصار عليه، والحكم بأن ما سواه مجاز كما ~~مر في " لفظ الميزان ". # على أنا نقول: يتمثل هذا التنين للفاسق الخارج عن الدين في عالم البرزخ ~~حتى يشاهده، وينكشف عليه صورته وكسوته، لكن لا على وجه يمكن لغيره - ممكن ~~يكون في هذا العالم بعد - مشاهدة تلك الصور وسائر الصور الأخروية. # وبهذا يندفع إنكار المنكر لعذاب القبر، إذ يقول: " إني نظرت في قبر ~~فلان، فما رأيت شيئا مما ورد في باب عذاب القبر " وذلك لأنه في عالم ~~الشهادة، ولا بد لمشاهدة عالم الغيب من الخروج عن غشاوة هذا العالم ~~وغباره، نعم الفاسق قد ينام فيتمثل له حاله في المنام، فربما يرى صورة ~~حية تلدغ صميم فؤاده، لأنه بعد قليلا عن عالم الشهادة فتتمثل له ~~حقائق الأشياء تمثلا محاكيا للحقيقة، منكشفا له من عالم الملكوت، ~~والموت أبلغ في الكشف من النوم، لأنه أقمع لنوازع الحس والخيال، وأبلغ ~~في تجريد جوهر الروح من غشاوة هذا العالم، فلذلك يكون التمثل تاما ~~محققا دائما لا يزول، فإنه نوم لا تنبه منه. # فكما أن المستيقظ الذي بجنب النائم - إن كان - لا يشاهد الحية التي ~~يلدغ النائم، وذلك غير مانع من وجود الحية في حقه وحصول الألم به في ~~نفسه، فكذلك الحاضر في قبر الميت بالقياس إلى حال الميت الذي يشاهدها في ~~قبره الحقيقي. # وهذا ملاك التحقيق في فهم متشابهات القرآن والحديث، وهو مسلك شريف قد ~~ذكره بعض علماء الإسلام كالغزالي في كتبه، إلا أن بيانه بوجه حكمي ~~برهاني، وتصحيحه بأوضاع ومقدمات علمية قطيعة تطابق عليها العقل والنقل، ~~وتقويمه يدفع شبه وأغاليط وهمية ووساوس شيطانية على النظم القياسي ~~المتألف من مواد حقة صحيحة وصور مستقيمة لازمة الإنتاج غير عقيمة ~~الازدواج موكول إلى بعض كتبنا العرفانية المبسوطة، المتكفلة لبيان الأصول ~~الحقة الإيمانية على مبلغ القوة والطاقة والله ولي الإفاضة والإلهام. # زيادة كشف وتبيين # بل نقول ما من شيء في هذا العالم إلا وهو مثال لأمر روحاني من عالم ~~الملكوت كأنه روحه ومعناه، وليس هو هو في صورته ms1041 وقالبه، والمثال ~~الجسماني مرقاة إلى المعنى الروحاني، ولذلك كانت الدنيا منزلا من منازل ~~الطريق إلى الله، فيستحيل الترقي إلى عالم الآخرة إلا من مثال عالم ~~الدنيا # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون # [الواقعة:62] " من فقد حسا فقد علما ". # والقرآن والأخبار مشحونة بذكر الأمثلة من هذا الجنس الذي مر ذكره، ~~فانظر إلى قوله (صلى الله عليه وآله) # " قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن " # فإن روح " الإصبع " القدرة على سرعة التقليب، وإنما يكون قلب المؤمن ~~بين لمة الملك ولمة الشيطان، هذا يغويه وهذا يهديه، والله سبحانه يقلب ~~قلوب العباد كما تقلب أنت الأشياء باصبعيك، فانظر كيف شارك نسبة الملكين ~~المسخرين إلى الله تعالى اصبعيك في روح الاصبعية وخالف في الصورة. # فاستخرج من هذا ما نقل عنه (صلى الله عليه وآله): # " إن الله خلق آدم على صورته " # فمهما عرفت معنى الاصبع أمكنك الترقي إلى القلم، واليد، واليمين، ~~والوجه والصورة، ووجدت جميعها حقائق غير جسمانية متمثلة بأمثلة ~~جسمانية، فتعلم أن روح القلم وحقيقته التي لا بد من ذكره إذا ذكر حد ~~القلب " هو الذي يكتب به " فإن كان في الوجود شيء يسطر بواسطته نقوش ~~العلوم في ألواح القلوب بأحرى به أن يكون هو " القلم " فإن الله # علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم # [العلق:4 - 5]. # وهذا هو القلم الروحاني، إذ فيه روح القلم ولم يعوزه إلا قالبه ~~وصورته، وخصوصية المادة - كما مر - غير داخلة في حقيقة الشيء، ولذلك لا ~~يؤخذ في حده الحقيقي، إذ لكل شيء حد وحقيقة وهي روحه، فإذا اهتديت إلى ~~الأرواح صرت روحانيا وفتحت لك أبواب عالم الملكوت وأهلت لمرافقة الملأ ~~الأعلى وحسن أولئك رفيقا. # ولا تستبعد أن يكون في القرآن إشارات من هذا الجنس، فإن كنت لا تقوى على ~~احتمال ما يقرع سمعك من هذا النمط ما لم يسند التفسير إلى قتادة. أو ~~مجاهد، أو السدي، فالتقليد غالب عليك، وكلامنا ليس إلا مع المستبصر، ~~ومع ذلك فانظر إلى معنى قوله تعالى ما ذكره المفسرون: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية ms1042 بقدرها # [الرعد:17] - الآية - وأنه كيف مثل العلم بالماء والقلب بالأودية ~~والينابيع، والضلال بالزبد، ثم نبهك في آخرها فقال: # كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد:17]. # ثم نقول: كل ما لا يحتمله فهمك فإن القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي ~~لو كنت في النوم مطالعا بروحك اللوح المحفوظ لتمثل لك، وذلك مثال مناسب ~~يحتاج إلى التعبير، ولذلك قيل: " إن التأويل يجري مجرى التفسير " ومدار ~~تدوار المفسرين على القشر، ونسبة المفسر إلى العارف المحقق المستبصر ~~كنسبة من يترجم معنى الخاتم والفروج والأفواه في مثال المؤذن الذي كان ~~يرى في المنام أن في يده خاتما يختم به فروج النساء وأفواه الرجال إلى ~~من يدرك أنه أذن قبل الصبح في شهر رمضان. # فإن قلت: لم أبرزت هذه الحقائق في هذه الأمثلة ولم تكشف صريحا حتى ~~وقع الناس في جهالة التشبيه وضلالة التمثيل؟ # فالجواب: إن الناس نيام في هذا العالم، والنائم لم ينكشف له غيب من ~~اللوح المحفوظ إلا بالمثال - دون الكشف الصريح - وذلك مما يعرفه من ~~يعرف العلاقة الحقة التي بين عالم الملك والملكوت. # فإذ عرفت ذلك عرفت أنك في هذا العالم نائم - وإن كنت مستيقظا عارفا ~~- " فالناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا " فينكشف لهم عند الانتباه بالموت ~~حقائق ما سمعوه بالمثال وأرواحها، ويعلمون أن تلك الأمثلة كانت قشورا ~~وأصدافا لتلك الأرواح ويتيقنون صدق آيات القرآن، وصدق قول الرسول ~~والأئمة الهداة (عليهم السلام) كما تيقن ذلك المؤذن صدق قول ابن سيرين ~~وصحة تعبيره للرؤيا، وكل ذلك ينكشف عن الاتصال بالموت ويعرف كل أحد ~~تأويل رؤياه، كما قيل في الفرس: # خواب نوشين بدانديش توخوش جندان است # كابن سرين قضا دم نزند در ت ويل # وحينئذ يقول الجاحد والغافل: # يليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا # [الأحزاب:66] # أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل # [الأعراف:53] # ليتني لم أتخذ فلانا خليلا # [الفرقان:28] # يليتني كنت ترابا # [النبأ:40] # يحسرتا على ما فرطت في جنب الله # [الزمر:56] إلى غير ذلك من الآيات المتعلقة بشرح المعاد والآخرة. # فافهم وتحقق من هذا إنك لما كنت نائما في ms1043 هذه الحياة وإنما تيقظك ~~بعد الموت، وعند ذلك تصير أهلا لمشاهدة صريح الحق كفاحا، وقبل ذلك فلا ~~تحمل الحقائق إلا مصبوبة في قالب الأمثال الخيالية، ثم لجمود نظرك على ~~الحس تظن أنه لا معنى له إلا المتخيل، وتغفل عن الحقيقة والسر كما ~~تغفل عن روح قلبك، ولا تدرك إلا قالبك # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور:40]. # المقالة العاشرة: # في قوله سبحانه: { ولا يؤوده حفظهما } # وفيه فوائد: # الأولى في اللغة # " لا يؤده " أي: لا يثقله ولا يشق عليه: يقال: آده، يؤوده، أودا: إذا ~~أثقله وأجهده. و: أدت العود، أودا: إذا اعتمدت عليه بالثقل حتى أملته. ~~و: [ادت العود] أؤده، فانآد. نحو: عجته فانعاج. و: الأود والأوداء على ~~وزن: الأعوج والعوجاء والمعنى واحد. والجمع: الأود كالعوج. والمعنى: لا ~~يثقله ولا يتعبه حفظ السماوات والأرض. # الثانية في النظم # لما عظم الله تعالى أمر السماء وما فيها والأرض وما فيها سابقا بأن ~~نسب وأضاف ما في كل منهما إلى ملكه وسلطانه، ثم عظم أمر الكرسي بأنه وسع ~~السماوات والأرض، إذ كما أن الكرسي بطبيعته الجسمية المحددة للأمكنة ~~والأزمنة محيط بما في داخله - لا كمجرد إحاطة الظرف بالمظروف محددا كان ~~المكان المحاط عليه أم لا، بل بأن لايتعين للمحاط عليه مكان أو حيز أو ~~وضع أو ما شئت فسمه إلا بسبب طبيعة جسمية بخصوصها - فكذلك بحقيقته ~~العقلية، والنفسية، وروحه، وقلبه، الذي هو مستوى الرحمن مؤثرة فيما ~~دونها من النفوس، والطبايع، الفلكية، والعنصرية، وملكوت العالم السفلي - ~~من الجماد والنبات والحيوان - ولذلك تنبعث الأرزاق والآجال من هناك ~~وترتفع الدعوات لطلب الحاجات إلى ذلك، فأراد أن يشير إلى أن ذلك لا يشق ~~عليه ولا ينوء به فقال: { ولا يؤوده حفظهما }. # أي: لا يتعب الكرسي ولا يشق على ظاهر حقيقته وباطن قلبه حفظ أجسام ~~السماوات والأرض، وحفظ نفوسها وطبايعها وصورها ان كان الضمير راجعا إلى ~~" الكرسي ". # أو لا يتعبه تعالى حفظهما بالكرسي على الوجه المذكور - إن كان الضمير ~~راجعا إليه سبحانه - كما لا يؤد ms1044 الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات ~~والأرض ومعانيها التي أودعها الله في السر الإنساني بقوله تعالى: # وعلم آدم الأسمآء كلها # [البقرة:31]. # وتحقيق هذا المطلب يحتاج إلى مزيد تقرير له ليظهر لك بالبرهان كيفية ~~دوام الممكن بدوام علته الفياضة، من غير تعب وملال وأودة وكلال، وهذا ~~هو الذي وعدناه آنفا، فاستمع وعه. # الفائدة الثالثة # إعلم أن للحق تعالى أسماء وصفات، ولكل منهما مجالي ومظاهر في كل من ~~العوالم، من أحصاها - أي عرفها، وعرف لوازمها، وآثارها، وبدايتها، ~~وغايتها - وجبت له الجنة، وهي الكمال العلمي العرفاني، أي العلم بحقائق ~~الأشياء كما هي عليها الموجب لمشاهدة المثل العقلية والأشباح الجنانية ~~الموعودة - إن شاء الله - جزاء لصالح العمل ومرضي السعي. # فكما أن عالم الجبروت من الملائكة العقلية - بجملة أعدادها الكثيرة ~~وضروبها التي لا يحيط بها غير الله - هو عالم قدرة الله تعالى ومظهر ~~جباريته ومستوى اسم " الجبار " كذلك " عالم الكرسي " بجملة ما فيها من ~~ملكوت السماوات والأرض " عالم رحموته " ومظهر رحمانيته ومستوى اسم " ~~الرحمن " إذ برحمته قامت السماوات والأرض، فالكرسي صورة رحمانية الله ~~تعالى على الخلائق وبها يعطف بعضهم بعضا بالترتيب الحكمي، والنظام ~~السببي والمسببي، فلكل سبب خاص عطوفة ورحمة على مسببه بإيجاده، وإقامته، ~~وحفظه، وإدامته. # ثم اعلم أن العلة الفاعلية بحسب المشهور على ضربين: # أحدهما: الفاعل الذي يحتاج في فاعليته إلى حركة وآلة وقابل - كالكاتب ~~والبناء - ومثل هذا الفاعل يقال له في عرف الإلهيين ب " المعد " و " ~~المحرك " وهي العلة بالعرض. # وثانيهما: الفاعل الذي لا يحتاج إلى حركة وآلة جسمانية وقابل - وهو ~~الفاعل في عرفهم وإن سألت الحق فليس الفاعل بالحقيقة إلا ما هو بريء ~~بالكلية عن جهة الإمكان، وما هو إلا الواحد الحق كما مرت الإشارة ~~إليه. # فالفاعل بالمعنى الأول لتعلقه بالمادة الجسمانية، وتحركه عند تحريكه ~~يلحقه لا محالة كلال وإعياء ودثور وفناء، لأن الجسمانيات متناهية ~~الذوات، متناهية القوى والانفعالات، كما أنها متناهية الامتدادات ~~والاتصالات، فيصحبها الكلال أولا ثم الزوال ثانيا، وقد صرح بعض ~~الحكماء بأن الفاعل الجسماني قابل في الحقيقة لفعله لمباشرته إياه، ms1045 وأما ~~القوى الفعالة المتقدسة عن شوب الانفعال المادي، المرتفعة عن حضيض ~~العالم السفلي فهي مسلوبة التغير عن حالها، ممتنعة التجدد في فعالها، ~~بريئة الذوات عن لحوق معنى عارض يوجب كلالها وملالها، أو مضاد مفسد ~~يقتضي فسادها وزوالها. # فهي وسائط فيض الحق وروابط جوده، ومكثر جهات رحمته، ومفنن شعوب فضله ~~وجوده، فهي بالحقيقة عباد الرحمن المؤتمرون بأمره، المنزجرون بنهيه ~~وزجره، كما وصفهم الله تعالى بقوله: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم:6]. # بخلاف الفاعل بالمعنى الأول، فإنه لوقوعه في عالم الأضداد وتصادم صور ~~المواد، ربما يعوق عن فعله المقصود لمانع، ويقطع عن طريقه المصمود إليه ~~لقاطع. # وإن أردت زيادة التوضيح فقد أودع الله تعالى في نفسك هذين الضربين من ~~التأثير، أي: الإبداع والتحريك وهو المسمى بالإحداث أيضا، لأن الحدوث ~~يعرض الحركة بالذات ولما يقترنه بالعرض. # ف " الإبداع " إيجاد شيء لا عن شيء، ومثاله فيك تصورك للأشياء بقوتك ~~المصورة ومثولها بين يديك في عالمك الخاص، على وجه يكون وجودها لك نفس ~~مشاهدتك إياها، و " الإحداث " هو جعل الشيء شيئا. ومثاله فيك تكلمك ~~وكتابتك بآلات وأسباب طبيعية أو غيرها. # ففي الضرب الأول لا يصرف منك شيء إلا مجرد الالتفات والعناية، وفي ~~الثاني يصرف منك المادة والآلة والزمان والقوة شيئا فشيئا، فيحصل منه ~~المفعول تدريجا، ويكمل عند انقضاء الحركة والزمان، وهما مقدار خروج ~~المادة إلى الفعل، وتوجه القوة والآلة نحو الكمال، تقربا إلى المبدإ ~~الفعال. # فإذا علمت هذين الضربين من الفاعلية، وعلمت خصوصية كل منهما وامتيازه عن ~~صاحبه بخواص ولوازم، ظهر لك أن التعب والمشقة والأودة، لا تعرض إلا ~~لفاعل جسماني لا يفعل إلا بأن ينفعل ويتحرك من حال إلى حال، ويكون ~~فاعليته على سبيل المباشرة. # وأما الذي فاعليته لشيء بحيث إذا أراد أن يقول له: " كن " فيكون، أي ~~يكون مجرد إرادة الفعل منه مقتضيا لحصول فعله من غير أمر زائد يكون ~~متوسطا بينه وبين فعله - كإيجاده تعالى عالم الأمر - أو يكون الوسط ~~حاصلا بأمره من غير مدخلية مادة واستعداد وحركة - كإيجاده ms1046 لجواهر ~~السماوات والأرض بواسطة أمره - أو مع مدخليتها - كإيجاده الحوادث الفلكية ~~والأرضية بإفادة الأسباب، وإفاضة الاستعدادات والحركات من غير تغير فيه ~~تعالى، وإليه أشار بقوله سبحانه: { ولا يؤوده حفظهما } أي لا ~~يتعبه إدامة جواهر ما في السماوات وما في الأرض هذا إذا كان ضمير المفعول ~~كناية عنه تعالى، وأما إذا كان راجعا إلى " الكرسي " فالحكم بعدم عروض ~~التعب والمشقة ثابت للكرسي، لأنه بحقيقته وذاته من وسائل جوده تعالى ~~وربانيته، وجهات كرمه ورحمانيته التي لا تبيد ولا تنقص أبدا فلا يلحق له ~~مشقة وتعب، وإذا لم يحصل له فاستحال حصوله للحق بالطريق الأولى. # وبالجملة كل ما هو علة لشيء بالحقيقة والذات - لا بحسب القسر للإعداد ~~والاستعداد - يكون المعلول من توابع ذاته ورشحات وجوده وبمنزلة الظل ~~للشخص، فكما لا يثقل ولا يشق وجود الظل على الشخص واستتباعه إياه، ~~فكذلك المعلول بالقياس إلى ما هو علة له بالذات، وهذه الأسباب التي يظن ~~الناس أنها علة إنما يؤدها وجود ما ينسب إليها، لأنها ليست عللا ~~بالحقيقة، بل بحسب المجاز، وما هو علة بالحقيقة لا يلحقه الفتور في ~~تأثيره، اللهم إلا أن يكون بحسب نفس الأمر (نفسه أمرا - ن) ناقصا ~~ضعيف الوجود. # فاعتبر بالكتابة الصادرة من الكاتب، فإن جوهر الإنسان كاتب بالعرض لا ~~بالذات، ولهذا يلحقه التعب والملال، وأما الكاتب بما هو كاتب - وهو أمر ~~مركب من جوهر الإنسان وأمور أخرى، بعضها نفسانية، وبعضها طبيعية، وبعضها ~~خارجية، من الآلة والحركة والقابل وغيرها - فلا يحصل التعب للمجموع إلا ~~من جهة تصادم وقع بين أجزائه، وتعارض قد حصل في العضو الواحد بين مقتضى ~~الطبيعة ومقصود الإرادة، فإن مقتضى الطبيعة التي في العضو الثقل - أي ~~الميل إلى مركز العالم - ومقصود الإرادة الحركة إلى جهات مختلفة فيحصل له ~~الإعياء، فيمل الإنسان من الكتابة قبل أن يحصل بها الاكتفاء وعنها ~~الغناء، وأما الأمور التي تجري مجرى التصورات المحضة والتمثلات، فحصولها ~~من الإنسان لا يشق عليه، لأنها إنما صدرت منه بجهة واحدة فاعلية ذاتية ~~من غير تعارض الجهتين، فيكون هناك نفس ms1047 التصور والإرادة الشوقية نفس ~~الحصول في صقع من النفس. # فمن هذا السبيل يجب أن يعتقد فاعليته تعالى للأشياء وفاعلية ملائكته ~~المقربين وملائكته المدبرين، فإن صدور الموجودات عنه تعالى - كلية ~~كانت أو جزئية روحانية كانت أو جرمية - نفس تعقله إياها كما حقق في ~~موضعه، وكذا فاعلية من هو في عالم جبروته وصقع ملكوته، فمن اعتقد فاعليته ~~تعالى على هذا الوجه وأعلى منه آمن من التجسم في حقه الموجب للعذاب ~~الأليم. # المقالة الحادية عشرة: # في قوله سبحانه: { وهو العلي العظيم } # وفيه لطائف: # اللطيفة الأولى # في كيفية نظمه بما سبق # وهو أنه سبحانه بعدما أثبت وأظهر المخلوقات من العرش، والكرسي، علوا ~~في المرتبة وعظمة في الخلقة، إظهارا لكمال القدرة والحكمة، تردى برداء ~~الكبرياء في العز والعلاء، واتزر بإزار العظمة في الرفعة والسناء، وهو ~~أولى وأحق بالمدحة والثناء، فقال تعالى: { وهو العلي العظيم ~~} أي: له العلو في الشأن والعظمة والسلطان، فمن علا في الآخرة فبإعلائه ~~قد علا، ومن عظم في الدنيا فبتعظيمه قد عظم واستولى، فسبحان ربنا ~~العظيم، وسبحان ربنا الأعلى. # اللطيفة الثانية # إعلم أن علو الحق وعظمته صفتان إضافيتان، ثابتتان له تعالى بالقياس ~~إلى اعتقاد العبد وتصوره وإثباته الوجود لغيره تعالى، وإلا فليس لما ~~سواه وجود في جنب وجوده تعالى حتى يتصف بالعلو بالقياس إلى غيره، نعم ~~الإنسان يتصور بقوته الوهمية لنفسه وجودا مستقلا، وبواسطة وجوده ~~الموهم يتوهم ويعتقد للعالم وأفراده وجودا مستقلا يقيس إليها وجود ~~الحق، فيصفه بالعلو والعظمة، ثم بقدر ما يظهر له قصور وجوده وضعفه وقصور ~~الوجودات الإمكانية وضعفها يزيد في نظره علو الحق وعظمته، ولهذا المعنى ~~قيل: " إن ظهور الإنسان سبب خفاء الحق في هذا العالم " فبقدر انكساره ~~وافتقاره ودثوره وفنائه يظهر له وجود الحق وبقاؤه وعلوه وكبرياؤه. # وقيل أيضا: إن هذا العالم عالم الخيال يتراءى فيه الأشياء على وجه ~~الانعكاس والانتكاس، فيرى المتبوع تابعا والتابع متبوعا، والمستور ~~ظاهرا والظاهر مستورا، بل الموجودات معدومة والمعدوم موجودا، فالحق ~~موجود والخلق مفقود، وفي الخيال يكون بعكس هذا، وكذا الحق ظاهر جلي ms1048 ~~والخلق مستور خفي، وفي الحس بالعكس. # فإذا أخذ الإنسان في النزول والنقصان والهبوط في منازل الإمكان، وعاد ~~قليلا إلى ماله بحسب ذاته من الخلل والفقدان، واستأنف للحق في شهوده ~~علوا وعظمة وجلالا وكبرياء، ففي كل فناء يظهر عليه للحق بقاء، وفي كل ~~تواضع ينكشف عليه للرب تعالى كبرياء، أو لا ترى أنك تقول في انحنائك ~~بالركوع: " سبحان ربي العظيم " وفي هويك بالسجود: " سبحان ربي الأعلى ~~" وهكذا قليلا قليلا إلى أن يضمحل وجوده بالكلية ويبقى الوجود ~~الحقاني للواحد القهار. # ومن هاهنا يعلم أن قصارى مجهود العابدين والعارفين في عبادتهم ~~وعلومهم، ليس إلا تصحيح نسبة الإمكان وحفظ مرتبة الفاقة والافتقار ~~والعجز والانكسار، لئلا يبقى في شهودهم وجود للأغيار، ولا يكون عندهم في ~~الدار غيره ديار، فقوله تعالى: { وهو العلي العظيم } بالنظر ~~إلى قوم لهم بقايا الوجود الوهمي وقوله تعالى: # وهو الواحد القهار # [الرعد:16]. بالنظر إلى قوم آخرين قبل ظهور الساعة، وقوله: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص:88] بحسب نفس الأمر أزلا وأبدا بالقياس إلى الخلائق جميعا. # اللطيفة الثالثة # إعلم أن " العلو " علوان: علو مكاني وعلو معنوي وجودي: # والأول: ذاتي للمكان وعرضي للجسم، ولذا قال سبحانه في حق إدريس (عليه ~~السلام) # ورفعناه مكانا عليا # [مريم:57] فوصف مكانه بالعلو، وأعلى الأمكنة مكان " المحدد للجهات " ~~والمحدد أعلى الأجسام مكانا، فكل ما هو أقرب منه كان أعلى في المكان ~~مما هو أبعد، ويقابله مكان الأرض وهو أسفل السافلين، والواقع فيه طبعا - ~~كالأرض - يكون تحت الأجسام، فكل ما هو أقرب منها كان أسفل. # وأما الثاني: فهو ذاتي للحق وهو حقيقة الوجود، وعرضي للماهيات ~~الموجودة، فإطلاق قولنا " الموجود " على الماهيات كما يطلب قولنا " ~~العالي " على الأجسام، وإطلاقه على الواجب عند العارفين كإطلاق " العالي ~~" على مكان (جرم - ن) المحدد، وإطلاقه على المعلول الأول عندهم أو على ~~الواجب عند جمهور المتكلمين كإطلاق " العالي " على جرم المحدد، وإطلاقه ~~على ما سوى المعلول الأول - وهو الحقيقة المحمدية كما مر - كإطلاق " ~~العالي " على غير المحدد. # وخرج من إطلاق الوجود بالفعل ماهية الهيولى، إذ ms1049 وجودها عبارة عن الهاوية ~~المظلمة، أي نفس السفل والقوة والهبوط، كما خرج من إطلاق العالي جسمية ~~الأرض ومكانها الذي هو أسل السافلين. # وقد وصف الله هذه الأمة المرحومة بالعلو المعنوي والمنزلة الوجودية ~~فقال: # وأنتم الأعلون والله معكم # [محمد:35] أي: في هذا العلو، وهو سبحانه مقدس عن العلو المكاني، فيكون ~~المراد العلو الوجودي، إذ موجودية الممكن إنما تحصل بمعية الواجب تعالى ~~معه - إما ابتداء أو بتوسط معيته بالأشياء الأخر، وهي العلل ~~المتوسطة بينه وبين المعلول الأخير - فإن معيته تعالى بكل متقدم في ~~الوجود أقدم من معيته إلى المتأخر، لكن المراد هاهنا من " المعية " ما ~~يكون بغير وسط لأنه في مقام المدح. # ووجهه أن الإنسان الكامل أعلى الموجودات، لأنه خرق (قد خرج - قد خرج ~~في - ن) الوجود وسلك سبيل الله وأحاط بالكل وصارت مرتبته جامعة لجميع ~~المراتب، فله المعية الذاتية بالنسبة إلى الباري جل اسمه والعلو في ~~المنزلة والمعنى، فيكون فوق الكل، فقد جمع له بالعمل العلو المكاني ~~لأن مكانه الجنة وهو أعلى الأمكنة، وبحسب العلم - الموجب للإحاطة ~~بالحقائق - المعنوي. # والملائكة المقربون لهم العلو بحسب الرتبة، لأنهم وسائط جود الحق ~~ورحمته، فقال لإبليس: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص:75]. لأن جوهر إبليس من الجواهر المتعلقة بعالم الظلمات، فمنزلته ~~دون منزلة الأنوار العقلية المرتفعة عن التعلق بغير الحق، فلها السلطنة ~~الكبرى على القوى المتعلقة بالعالم الأدنى. # فظهر أن الحق تعالى " علي " لذاته، لأن وجوده عين ذاته، والإنسان ~~الكامل " علي " بعلو الحق تعالى. # هذا في مقام الفرق والاشتراك في الوجود والعلو، وأما في مقام الجمع ~~فهو الواحد القهار لا غير، لأنه لا يوصف إلا بالصفات التنزيهية، فلا ~~علو كما لا سفل له، والاشتراك المذكور في أصل العلو في الجملة بين ~~العبد والرب في مقام الفرق، ولا بد من إعطاء حق الربوبية والعبودية من ~~العلو بأنه ذاتي للرب وعرضي للعبد، ولهذا أمر الله تعالى أشرف الممكنات ~~- وهو الذي له المنزلة العظمى في المعية للحق، والعلو المعنوي دون غيره ~~إلا بوسيلته - أن يتأدب بأدب العبودية ويسبح ms1050 الله عن النقص الإمكاني، ~~فقال مخاطبا إياه: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى:1] وظني أن منشأ استغفار رسول الله (صلى الله عليه وآله) - ~~كما ورد في الحديث - هو هذه المعية العالية التي هي مظنة الاشتراك بين ~~العبد والرب في العلو المعنوي، فيحتاج العبد الأعلى والملك المقرب في ~~كل حين إلى تذكر عظمة الله، وعلوه، والاستغفار عن ذنب وجوده الإمكاني، ~~لئلا يقع في السكر عن الشكر، وفي الكفر عن الإحسان، والنسيان عن الوجدان، ~~فيجرى على لسانه شيء من السكريات فينحط عن مقام القرب والمحبة إلى مقام ~~البعد والمذلة نعوذ بالله من الحور بعد الكور. # اللطيفة الرابعة # في بيان تقديسه تعالى عن العلو المكاني # وفيه دلائل كثيرة أوردنا اثنين منها: # أحدهما: أن علوه لو كان مكانيا لكان لا يخلو إما أن يكون جسما ~~متمكنا أو نفس المكان. # والأول: باطل لتركب كل جسم إما بحسب نفس الجسيمة المشتركة كما هو ~~مذهب جمهور الحكماء، وإما بحسب تعينه الخاص ونحو وجوده النوعي أو ~~الشخصي كما هو رأي الجميع، فإن كل نوع من الجسم مركب في الخارج إما ~~من جوهرين، أو جوهر وعرض - على اختلاف القولين في جوهرية الصورة النوعية ~~وعرضيتها - يكون أحد الجزئين يجري مجرى الجنس والآخر يجري مجرى الفصل، ~~والتركيب مطلقا ينافي الوجوب الذاتي كما علمت. # والثاني: لا يخلو إما أن يكون متناهيا في جهة فوق أو غير متناه، ~~والأول مستحيل لاستلزامه أن يكون المفروض فوقه أعلى منه فلا يكون هو أعلى ~~من كل ما عداه، بل كيون غيره أعلى منه مكانا هذا محال ضرورة، ويلزم ~~أيضا أن يحتاج في تعينه إلى ما يحدد جهته. # وإن كان غير متناه فيكون ممتنعا لامتناع اللاتناهي في المقدار ~~بالبراهين العقلية القاطعة الدالة على تناهي الأبعاد والمقادير. # ولنذكر من تلك البراهين ما هو أخف وأجود وأوثق وأنسب بهذا المقام وهو ~~أنه لو كان بعد غير متناه يمكن لنا أن نفرض ذلك البعد إلى جهة الفوق ~~ونفرض فيه نقط غير متناهية، فلا يخلو إما أن يحصل في تلك النقط نقطة ms1051 ~~واحدة لا نفرض فوقها نقطة أخرى وإما أن لا يحصل. # فإن كان الأول كانت هذه النقطة آخر النقاط فيكون طرفا لذلك البعد ~~فيكون ذلك البعد متناهيا - وقد فرضناه غير متناه هذا خلف -. # وإن لم يوجد فيها نقطة إلا وفوقها نقطة أخرى كان كل واحدة من تلك ~~النقط المفترضة في ذلك البعد سفلا، ولا يكون فيها ما يكون فوقا على ~~الإطلاق فحينئذ لا يكون لشيء من النقط المفروضة في ذلك البعد علو ~~مطلق، وإذا لم يكن " مطلق " لم يكن " مضاف " ، وذلك ينفي صفة العلوية، ~~وقد وصفنا أنه سبحانه علي بمعنى العلو المكاني - هذا خلف الدليل ~~الثاني. # الدليل الثاني: إن كل وصف يكون ثبوته لأحد الأمرين بذاته وللآخر ~~بتبعية الأول كان ذلك الحكم في الذاتي أتم وأكمل، وفي العرضي أقل وأضعف، ~~فلو كان علو الله تعالى بسبب المكان لكان علو المكان الذي بسببه حصل هذا ~~العلو لله تعالى صفة ذاتية له، ولكان حصول العلو لله سبحانه حصولا ~~بتبعية حصوله في المكان فكان علو المكان أتم وأكمل من علو ذات الله ~~تعالى، فيكون علو الله ناقصا وعلو غيره كاملا وذلك محال. # فهذان الدليلان قاطعان في أن علو الله تعالى يمتنع أن يكون بالجهة، ~~وما أحسن ما قال أبو مسلم بن بحر الأصفهاني في تفسير قوله تعالى: # لمن ما في السماوات والأرض قل لله # [الأنعام:12]. قال: " وهذا يدل على أن المكان والمكانيات بأسرها ملك ~~الله وملكوته ثم قال: # وله ما سكن في اليل والنهار # [الأنعام:13]. وهذا يدل على أن الزمان والزمانيات بأسرها ملك الله ~~تعالى وملكوته، فتعالى وتقدس على أن يكون علوه بسبب المكان وتقدمه ~~بسبب الزمان، إذ المكان والزمان كلاهما من مخلوقات الله الواقعة في أدنى ~~المراتب. # فتعالى ذاته وصفاته عن أن يكون مكانيا أو زمانيا، فبقي أن يكون علوه ~~بحسب وجوب الوجود والإلهية، وسرمديته بحسب القيومية الذاتية. # وعلى هذا القياس معنى عظمته، فإنها أيضا بحسب المهابة، والجلالة، ~~والقهر، والكبرياء، ويمتنع أن تكون بسبب المقدار والحجم، لأنه إن كان ~~غير متناه في كل ms1052 الجهات أو في بعض الجهات فهو محال، لما ثبت بالقواطع ~~البرهانية تناهي الأبعاد في كل الجهات، وإن كان متناهيا في الجهات كلها ~~كانت الأحياز المحيطة بذلك المتناهي أعظم منه فلا يكون مثل هذا الشيء ~~عظيما على الإطلاق، فالحق سبحانه وتعالى أعلى وأعظم من أن يكون من جنس ~~الجواهر والأجسام، تعالى عما يقوله الظالمون علوا كبيرا. ### || [2.256] # المقالة الثانية عشرة: # في قوله سبحانه: { لا إكراه في الدين } # وفيه أطوار: # الطور الأول # في اللفظ # " اللام " في " الدين " إما أنه لام العهد كما ذهب إليه بعض، أو أنه ~~بدل من الإضافة كما رآه آخرون، وهو مثل قوله تعالى: # فإن الجنة هي المأوى # [النازعات:41]. أي: مأواه، والمراد " في دين الله ". # و " الدين " معناه في الأصل: العادة والشأن، ودانه: أذله واستعبده، ~~يقال: دنته، فدان، ثم استعمل بمعنى الجزاء: دانه دينا، أي: جازاه، يقال: ~~" ما تدين تدان " أي: كما تجازي تجازى بفعلك وبحسب ما عملت، وقوله ~~تعالى: # أإنا لمدينون # [الصافات:53]. أي: مجزيون، ومنه: " الديان " في صفة الله، و " قوم ~~دين " أي: داينون، والمدين: العبد. والمدينة: الأمة كأنهما أذلهما العمل ~~ودنته: ملكته، ومنه سمي المصر " المدينة " ثم استعمل بمعنى الطاعة، ودان ~~له: أطاعه، ومنه " الدين " ، والجمع: " الأديان " وقد دان بكذا، ديانة ~~وتدين به، فهو دين ومتدين. # الطور الثاني # في المعنى # والتحقيق فيه: أن " الدين " في الحقيقة، هو التسليم والرضا الحاصلين ~~بسبب العقائد العلمية التي وقعت بإفاضة الله على القلب المطمئن بالإيمان ~~لمناسبة ذاتية، أو كسبية بمزاولة الأفكار والأنظار في طلب الكشف ~~واليقين، وكما أن العلوم الضرورية تحصل في القلب بمجرد الإفاضة من ~~غير إكراه وجبر، فكذلك العلوم النظرية والمعارف الإلهية إنما تحصل ~~عقيب المبادئ والمقدمات الإلهامية، أو التعليمية بمجرد الإلقاء في ~~الروع، والتأثير في الباطن، والقذف في القلب من غير إجبار في الظاهر ~~وإكراه في القالب. # وذلك لأن الدين أمر باطني، ولا تسلط لأحد على باطن الإنسان وقلبه ~~إلا للواحد الحق، من جهة المناسبات الذاتية، والقربات المعنوية، ~~والمواجيد الذوقية، والمكاشفات الشوقية، والتجليات الإلهية، وقد ورد ~~في الخبر: ms1053 # " إن الله تعالى إذا تجلى لشيء خضع له باطنه وظاهره ". # وفي الحديث النبوي عليه وآله أفضل الصلوات والتسليم: # " ليس الدين بالتمني ". # مع أن التمني نوع من الاختيار، فكيف يحصل بالإكراه - وهو الإجبار - ~~وذلك لأن الدين هو الاستسلام لأوامر الشرع ظاهرا، والتسليم لأحكام الحق ~~تعالى باطنا من غير حرج في الباطن، كقوله تعالى: # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران:19]. وقوله: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم # [النساء:65]. # الطور الثالث # فيما سنح لنا بالبال في تحقيق المرام وفي انتظامه بما سبق من الكلام # إن الله سبحانه وتعالى بعدما بين معارف التوحيد الذاتي، والصفاتي، ~~والأفعالي بوجه شاف كاف متعال، أراد أن يشير إلى طريق العبودية لهذا ~~المعبود الموصوف بغاية الجمال والجلال، المنزه عن المماثل في الكمال ~~والشريك في الأفعال، فأشار إلى " مقام الرضا " الذي هو من لوازم المعرفة، ~~واليقين، والبصيرة التامة، في أمر الدين، وهو أعلى مراتب العابدين قبل ~~حصول الفناء، وأجل مراتب العارفين الصديقين في هذه الحياة الدنيا حين ~~بقاء الوجود فيهم بعد، وعدم اندكاك جبل هويتهم في ملاحظ الهوية ~~الأولى، فقال: { لا إكراه في الدين }. # فإن من كان بعد متكلفا في الدين ثقيلا عليه حمل أعبائه، متأديا ~~بالعبادة غير منخشع القلب ولا سهل الانقياد سلس الإجابة للطاعة، ولا ~~طواعا للشريعة من غير كره وانقباض، فهو بعد أسير الهوى والرغبات، ~~عابد أصنام الشهوات، وإنما يعبد الله ويدعوه تقربا به إلى نيل مراده، ~~وجاعلا إياه وسيلة إلى راحة ذاته، فهو بالحقيقة مستخدم ربه، ومستعبد ~~معبوده تعالى الله عنه. # ومثل هذا الإنسان لا محالة غير عارف بالمبدإ الأعلى، بل حاله شاهد على ~~أن إلهه هواه ومعبوده نفسه، فما دام على هذه الحالة فهو غير واصل إلى ~~مرتبة العبادة والمعرفة، فتارة يعتريه الخوف، وتارة يسليه الرجاء، وفي ~~بعض أوقاته من الجفاء يلجأ إلى باب الصبر، وفي بعضها يستزيد النعم ~~بالشكر. # فإذا ارتقى من هذه المنزلة إلى درجة الرضا والتسلم، استراح من جميع ذلك، ~~فلم يحتج إلى جذب مطلوب له، أو دفع ms1054 مهروب عنه، فلا يبقى له كراهة في ~~الدين ولا أذية في سلوك طريق المسلمين، كما ورد في الحديث # " أول الإسلام إماطة الأذى عن الطريق " # يعني: أول درجات الإسلام الحقيقي مقام الرضا بالقضاء من غير إكراه، بأن ~~ينظر المرء إلى جميع المخلوقات بعين الرضا، ويجد في نفسه في جميع ما يسمى ~~بالتكاليف الدينية حالة الارتضاء، وذلك باب الله الأعظم، وبه يدخل السالك ~~في التدين بدينه الذي هو معرفة التوحيد المشار إليه آنفا والعمل ~~بمقتضاه. # وإنما قلنا " إنه أول الدرجات " لأن هذه المرتبة قاصرة عن مراتب ~~الكاملين الواصلين إلى أدنى حد من حدود الكمال، فإن الراضي يدعي أن ~~له وجودا مقابلا لوجود المرضي عنه، وله مجال تصرف قد تركه باختياره، ~~وذلك يستلزم دعوى الشركة في الوجود والتصرف، تعالى الله عن أن يكون له ~~شريك، أو معه متصرف. # فإن ارتقى من هذه الدرجة ووصل إلى مقام الفناء المحض، ومحو الأثر، الذي ~~هو منزل أهل الوحدة المطلقة - لا أقول التوحيد فإنه طلب وحدة قسرية، ~~ولا الاتحاد فإنه وإن كان بالطبع لا بالقسر لكن تفوح منه راحة الكثرة - ~~لا يتلفت مثله إلى مقام الرضا والتسليم، بل مقامه في العبودية والإخلاص ~~المحض، وأخلص من أن يكون له " ثبوت " حتى يمكن اتصافه بالكمال، وأن يكون ~~له " هوية " حتى يصير منعوتا بنعوت الجمال والجلال، بل هناك ينقطع ~~السلوك والسالك وينعدم الوصول والواصل # وأن إلى ربك المنتهى # [النجم:42] # إن إلى ربك الرجعى # [العلق:8]. # الطور الرابع # قال أبو مسلم والقفال المعتزلي: " ان الله ما بنى أمر الإيمان على ~~الإجبار والقسر، وإنما بناه على التمكن والاختيار ". # وفيه نظر: لأن الإيمان أصله الاعتقاد الثابت الجازم، وهو مما لا يكون ~~للاختيار فيه مدخل، لأنه نفس العلم، والعلم كسائر الأحوال القلبية يحصل ~~بإفاضة الله من غير فاعل متوسط، ولا يحصل بالاختيار - كما يحكم به ~~الوجدان الصحيح - ولا يلزم من كونه لا بالاختيار أن يكون حصوله بالإجبار ~~ليكون منافيا لما يستفاد من قوله تعالى: { لا إكراه في الدين ~~}. # وذلك لأن الروح الإنساني من عالم الأمر، ms1055 والتصورات الكلية والاعتقادات ~~اليقينية (القلبية - ن) أمور موجودة في عالم الأمر، وكل ما يكون في عالم ~~الأمر فهو أرفع وأجل من أن يكون حصوله بطريق الجبر والاخيار، بل على سبل ~~الرضا، والفعل الحاصل بالرضا ما يكون وجوده عين المشيئة، والمحبة، ~~والعشق، والشوق. # نعم يمكن الاعتذار من طرف هذا القائل بناء على مذهبه من الاعتزال، بأن ~~تكون الأعمال جزء الإيمان، وهي كفعل الطاعات - من الصلاة والصوم، ~~والزكاة، والحج، والكفارات، وغيرها وترك المناهي الشرعية - والكل أفعال ~~اختيارية لا إجبار فيه، لكن يرد عليه أن الإكراه غير الإجبار، لكون ~~أحدهما طبيعيا والآخر نفسانيا، فنفي أحدهما يستلزم نفي الآخر، بل ~~الأعمال الشرعية كالصلاة والزكاة وغيرهما - لو أهملها المكلف استحق ~~للإكراه والزجر، بل القتل، فكيف لا يجري فيها الإكراه، ولهذا قيل: " ~~الآية منسوخة ". # والأولى أن يقال: إن الله سبحانه لما بين دلائل التوحيد بيانا ~~شافيا قاطعا للعذر، قال بعد ذلك إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل ~~للكافر عذر في الإقامة على الكفر، إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه، ~~وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا - التي هي دار الابتلاء - إذ في القهر ~~والإكراه على الدين يبطل معنى الابتلاء والامتحان. # ونظير هذا قوله تعالى: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف:29]. وقال في سورة آخرى: # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين # [يونس:99]. وقال في سورة الشعراء: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء:3- 4]. # ومما يؤكد هذا القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية: { قد تبين ~~الرشد من الغي } يعني ظهرت البراهين وانكشفت الحجج والبينات، ~~ولم يبق بعدها إلا طريق القسر، والإكراه، والإلجاء، وذلك غير جائز ~~لأنه ينافي التكليف في هذه الدنيا. # الطور الخامس # في ذكر أقوال المفسرين فيه # وهي عدة أقوال: # الأول: إنه في أهل الكتاب خاصة، الذين يؤخذ منهم الجزية، لأنهم لما ~~قبلوا الجزية سقط القتل، وحكم المجوس حكمهم، لأن لهم شبه كتاب، وأما ms1056 ~~الكفار الذين تهودوا أو تنصروا فقيل: إنهم لا يقرون على ذلك ويكرهون ~~على الإسلام. # وقيل: يقرون على ما انتقلوا إليه ولا يكرهون. # الثاني: إنها نزلت في قوم خاص من الأنصار، فقيل: إنه رجل منهم كان له ~~غلام أسود يقال له: " صبيح " وكان يكرهه على الإسلام - عن مجاهد -. # وقيل: # " نزلت في رجل من الأنصار يدعى " أبا الحصين " وكان له ابنان، فقدم ~~تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الرجوع من المدينة ~~أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية، فتنصرا وخرجا إلى الشام، ~~فأخبر أبو الحصين رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأنزل الله سبحانه: { ~~لا إكراه في الدين } فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ~~أبعدهما الله، هما أول من كفر " # فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي (صلى الله عليه وآله) حين لم يبعث ~~في طلبهما، فأنزل الله سبحانه: # فلا وربك لا يؤمنون # [النساء:65] الآية. # وبطريق آخر روي أنه كان لأنصاري من بني سالم بن عوف ابنان فتنصروا قبل ~~أن يبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قدما المدينة فلزمهما ~~أبوهما وقال: " والله لا أدعكما حتى تسلما " فأبيا. فاختصموا إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) فقال الأنصاري: يا رسول الله يدخل بعضي النار ~~وأنا أنظر؟ فنزلت، فخلاهما. # القول الثالث: إنها في جميع الكفار، وكان هذا قبل أن يؤمن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) بقتال أهل الكتاب، ثم نسخ وأمر بقتال أهل الكتاب في سورة ~~براءة وهو قول السدي: وهكذا نقل عن ابن مسعود وابن زيد أنها منسوخة بآية ~~السيف وقال الباقون: إنها محكمة. # القول الرابع: إن معنى قوله تعالى: { لا إكراه } أي: لا تقولوا لمن ~~دخل في الدين بعد الحرب " إنه دخل مكرها " لأنه إذا رضي بعد الحرب، ~~وصح إسلامه فليس بمكره، ومعناه: لا تنسبوه إلى الإكراه، فيكون كقوله: # ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا # [النساء:94]. # القول الخامس: إن المراد ليس في الدين إكراه من الله سبحانه، ولكن ~~العبد مخير فيه، لأن ما هو دين ms1057 في الحقيقة هو من أفعال القلوب، إذا فعل ~~لوجه وجوبه، فأما ما يكره عليه من إظهار الشهادتين فليس بدين حقيقة، كما ~~أن من أكره على كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يكن كافرا، ~~والمراد الدين المعروف وهو الإسلام ودين الله الذي ارتضاه، وهذا الوجوب ~~قريب مما ذكرناه سابقا. # المقالة الثالثة عشرة: # في قوله سبحانه: { قد تبين الرشد من الغي } # وفيه رشحات: # الرشحة الأولى # في اللغة # يقال: " بان الشيء " و " استبان " و " تبين " إذا ظهر ووضح، ومنه ~~المثل: " قد تبين الصبح لذي عينين " وقال بعض العلماء: " عندي أن ~~الإيضاح والتعريف إنما سمي بيانا لأنه يوقع الفصل والبينونة بين ~~المقصود وغيره ". # والرشد في اللغة معناه إصابة الخير وفيه لغتان، رشد يرشد ~~رشدا، والرشاد مصدر أيضا كالرشد. والغي نقيض الرشد، يقال: غوى ~~يغوي غيا وغواية، إذا سلك غير طريق الرشد. # الرشحة الثانية # في انتظامه بما سبق # لما ذكر الدين وأنه لا يحصل بالإكراه شرع في شرح ماهيته وقال: { قد ~~تبين الرشد من الغي } أي: وضح انكشف مما ذكر سابقا من ~~شواهد المعرفة، أن الدين الحقيقي الذي هو سلوك سبيل الله، وقطع ~~المنازل، والمراحل التي بين العبد ومولاه المسمى بالرشد والهدى من " ~~الضلال الحقيقي " الذي هو سلوك سبيل الشيطان والهوى وهو المسمى بالغواية ~~والغي. # ووجه هذا التبين والانكشاف أن طريق الحق ليس إلا واحدا، وطرق أهل ~~الضلال وإن كانت مختلفة متكثرة لا يمكن إحصاؤها، لكن إذا عرف هذا ~~الواحد، وانكشف لدى العارف البصير بالبصيرة الباطنة أنه طريق الحق، يتبين ~~ويتحقق أن ما سواه طريق الضلال. # فجميع طرق الضلال تعرف بمجرد معرفة طريق الحق، إذ يصدق على كل منها ~~أنه غير الحق # فماذا بعد الحق إلا الضلال # [يونس:32] ولهذا ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): # " ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة والناجية منها واحدة " # وهذا العدد المعين لما سوى الفرقة الناجية إنما هو بحسب الأجناس ~~الكلية، وإلا فهي بحسب الخصوصيات غير محصورة كما مر، ومع هذا من عرف ~~طريق النجاة يعمل أن غيره ms1058 طريق الهلاك. # الرشحة الثالثة # في تحقيق معنى " التبين " في هذا المقام # إعلم أن معنى " تبين الرشد من الغي " تميز الحق من الباطل، والإيمان ~~من الكفر بحسب الواقع، وبما يلزم من الحجج والبينات الدالة، والبراهين ~~الواضحة عند من نظر وتدبر في تلك الأدلة والبراهين، لا أن كل مكلف ~~متنبه به، لأن ذلك خلاف ما هو المعلوم من حال أكثرهم، لأنهم إما ~~جهال محض وإما مقلدون والمقلد كالجاهل في عدم كونه عارفا بصيرا، ~~ويمتاز عنه في كونه معتقدا، ودرجة المعرفة فوق الاعتقاد، لأنها مما ~~يحصل معها الانشراح الباطني، والمشاهدة المعنوية دون اعتقاد المقلد، إذ ~~لا انشراح ولا اطمئنان معه للقلب، وإنما الفائدة فيه مجرد الاتباع ~~للقائد العارف في صورة الأعمال الشرعية والأوضاع الدينية، الموجبة ~~لرياضة القوى البدنية، وتطويع النفس الأمارة لئلا تصول على النفس ~~المطمئنة. # وبذلك يحصل للنفس الإنساني الامتياز عن سائر النفوس الحيوانية التي لا ~~معاد لها في الآخرة، وعن النفوس الشقية المتمردة عن طاعة الشريعة التي ~~لها العقوبة الأخروية، وذلك لأن الاقتداء بأهل الكمال - ولو في صورة ~~الأعمال - مع خلو النفس عن رذائل الأوصاف وقبائح الأعمال، وسذاجة القلب ~~عما يضاد، ونيل الرحمة من المبدإ الفعال مع صدق النية، وصفاء ~~الطوية، يوجب أن ينال المقتدي نصيبا من السعادة الأخروية، واللذات ~~الآجلية التي للعارفين، وأن تتنور ذاته بنور المتابعة لهم والانخراط في ~~سلكهم، والاستسعاد بسعادتهم على نهج التبيعة والعرض - لا على وجه ~~الاستقلال - إذ السعادة الحقيقية منوطة بالمعرفة الحقيقية، بل هي ~~عينها، فحيث لا استقلال في المعرفة لا استقلال في السعادة، ولكن بحسب " ~~من تشبه بقوم فهو منهم " كان للمتشبه بأهل الكمال - بقدر تشبهه بهم - ~~ضربا من السعادة في المآل. # والله الهادي إلى طريق الصواب وبه الاستعاذة من الضلالة والغواية في ~~سبيل الآخرة والمآب. # المقالة الرابعة عشرة: # في قوله سبحانه: { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها } # وفيه تحقيقات: # التحقيق الأول # في اللغة # قال النحويون: " الطاغوت " على وزن فعلوت، نحو جبروت ورحموت و " التاء " ~~زائدة فيه، وهي ms1059 مشتقة من " طغى " وتقديره طغووت إلا أن لام الفعل ~~قلب إلى موضع العين كعادة العرب في القلب نحو: الصاعقة والصاقعة، ثم قلبت ~~الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. # وصاحب مجمع البيان رحمه الله على أن أصلها " طغيوت " بدل من الياء يدل ~~على ذلك قوله تعالى: # في طغيانهم # [البقرة:15]. ثم إن " اللام " قدمت إلى موضع " العين " فصارت " طيغوت ~~" ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار " طاغوت " فوزنها ~~الآن بعد القلب " فلعوت ". # وجمع طاغوت: طواغيت وطواغت وطواغ - على حذف الزيادة - والطواغي - على ~~العوض مما يحذف -. # قال المبرد في الطاغوت: " الأصوب أنه جمع " قال أبو علي الفارسي: ليس ~~الأمر عندي كذلك بل هو مصدر كالرغبوت، والرهبوت، والملكوت، وكما أن هذه ~~الأسماء آحاد كذلك هذا الاسم مفرد وليس بجمع، ومما يدل على ذلك أنه ~~يفرد في موضع الجمع كما يقال " هم رضا " و " هم عدل " ولهذا قال تعالى: # أوليآؤهم الطاغوت # [البقرة:257]. # وقالوا: وهذا اللفظ يقع على الاحد وعلى الجمع، أما في الواحد فكما في ~~قوله تعالى: # يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ~~أن يكفروا به # [النساء:60]. وأما في الجمع فكما في قوله تعالى: # والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت # [البقرة:257]. # وقالوا: الأصل في التذكير، فأما قوله تعالى: # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها # [الزمر:17]. فإنما أنثت إرادة الآلهة. # ويقال: " استمسك بالشيء " إذا تمسك به. # و " العروة " واحدة العرا، نحو عروة الدلو، وعروة الكوز، وإنما سميت ~~بذلك لأن العروة عبارة عن الشيء الذي يتعلق به. # و " الوثقى " فعلى أوثق وهو من باب استعارة المسحوس للمعقول، لأن من ~~أراد إمساك شيء يتعلق بعروته، فكذا هاهنا من أراد إمساك هذا الدين تعلق ~~بالأدلة الدالة عليه على وجه اليقين، ولما كانت دلائل الإسلام أقوى ~~الدلائل وأوضحها، وأمتنها لا جرم وصفها سبحانه بأنها " العروة الوثقى ~~". # و " الفصم " هو كسر الشيء من غير إبانة، والانفصام: مطاوع الفصم يقال " ~~فصمته، فانصم " والمقصود منه المبالغة، لأنه إذا لم يكن للشيء انفصام ~~فبأن لا يكون لها انقطاع أولى. # التحقيق الثاني # في معنى الطاغوت ms1060 وفيه أقوال: # أحدها: إنه الشيطان عن مجاهد وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله جعفر ~~الصادق (عليه السلام). # وثانيها: إنه الكاهن عن سعيد بن جبير. # وثالثها: إنه الساحر عن أبي العالية. # ورابعها: إنه مردة الجن والإنس وكل من يطغى. # وخامسها: إنه الأصنام وما عبد من دون الله. # وعلى الجملة: من كفر بما خالف أمر الله ويؤمن بالله ويصدق بما جاءت به ~~رسله - صلوات الله عليهم - والوجه فيه أنه لما حصل الطغيان عند ~~الاتصال بهذه الأشياء فكانت أسبابا للطغيان كما في قوله تعالى: # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس # [إبراهيم:36]. # وسادسها: إنه هو النفس وهو أقرب المبادئ المغوية للإنسان، إذ ما أضله ~~مضل، وما أغواه مغو عن الصراط المستقيم إلا بواسطة ميله وهواه إلى ما ~~يرغب إليه ويعبده، بل لا يعبد الإنسان معبودا غير الله إلا بتبعية ~~عبادة عادته وهواه، كما في قوله تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية:23] وفيما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): # " ثلاث مهلكات، شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه " # إشارة إلى ما ذكر، حيث وصف الأوليان بالمطاع والمتبع، وأصرح من ذلك ما ~~روي عنه (صلى الله عليه وآله): # " ما عبد معبود في الأرض مثل الهوى ". # وسابعها: إنه عالم الهيولى ونشأة الدنية التي هي دار الشهوات المهلكة ~~ودار الغرور بالخيالات المغوية، والأماني التي لا حاصل لها إلا خسران ~~الآخرة: # كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء # [النور:39] الآية. # وثامنها: إنه جهة الإمكان والنقصان في الممكنات التي هي حال الماهيات ~~بحسب ذواتها - بخلاف جهة الوجوب والوجود التي هي حالتها الفائضة عليها من ~~المبدإ الأعلى تعالى - فالأوصاف الذميمة، والأفعال القبيحة كلها، إنما ~~نشأت من الممكن بواسطة الجهة التي له بالقياس إلى نفسه، والأخلاق الحسنة ~~والطاعات كلها إنما نشأت منه بواسطة الجهة التي له بالقياس إلى ربه، ~~فبحسب غلبة إحدى الجهتين كان الغالب الصفات والأفعال التي بواسطتها، ~~والمغلوب ما يقابلها. # فمن يكفر بالطاغوت - أي بالالتفات إلى محبة نفسه، والاهتمام بجلب ما ~~يلذها ودفع ما يكرهها - فقد استمسك بالعروة الوثقى ms1061 التي هي الإقبال إلى ~~جنبة الحق والإعراض عن جنبة الباطل، لأن ذلك يوجب وجدان روح الوصال ~~ونعيم الاتصال والخلاص عن ألم الافتراق وجهنم القطيعة والانفصال. # وهذا الوجه قريب المأخذ من السابع، كيف والهيولى أيضا منبعها الإمكان ~~لأنها إنما صدرت من الوسائط العقلية بواسطة جهة الإمكان فيها - على ما ~~ذكروا في ترتيب الوجود -. # والفرق بين الإمكان والهيولى بعد اشتراكهما في كونهما منبع النقائص ~~والآفات أن نفس الإمكان الذاتي مبدأ النقائص الفطرية التي بحسب أصل ~~الماهية النوعية مع قطع النظر عن خصوصيات الأشخاص، وأن النقصان الذي ~~منشؤه مجرد الإمكان - أو بحسب تضاعفه - الذي هو من لوازم الماهية التي ~~لا يمكن زوالها وانجبارها، ولهذا لا يعدونه شرا لكونه ملائما لتلك ~~الماهية غير غريب عنها، وليس كالآفة والمرض اللاحق، وأما الهيولى ~~والجسمية - التي تجري مجراه عند قوم - فهي مبدأ النقائص الشخصية ~~كالتشويهات في الخلقة أو ذمائم الصفات في النفس كالجهل والبخل والقساوة ~~وغيرها، أو قبائح الأفعال كالزنا واللواطة والسرقة وأمثالها، فإن منشأ ~~الكل هو التعلق بهذا البدن المادي، ولكن يمكن إزالتها بتهذيب النفس وفعل ~~الخيرات وتبديل السيئات بالحسنات، بقبول المواعظ والحكم، واستماع الآيات ~~والأحاديث على وجه التدبر فيها عن الإصغاء، وإجابة دعوة الأنبياء فيما ~~جاؤوا به، والاقتداء بالأئمة الهادين المهديين المعصومين عن الخطإ - سلام ~~الله عليهم من الملك الأعلى -. # وملاك الأمر في جميع ذلك هو قطع التعلق عن الدنيا، ورفض عالم الهيولي؛ ~~لتزين الروح بالمعارف الحقة الإلهية، والمعالم اليقينية الدينية التي هي ~~السعادة العظمى. # فقوله: { فمن يكفر بالطاغوت } إشارة إلى ذلك القطع والرفض، ~~{ ويؤمن بالله } إشارة إلى تزين النفس بمعرفة الحق الأول بما ~~له من نعوت جلاله وجماله، وكيفية صدور أفعاله وآثاره في البدو والإعادة، ~~فالأول تخلية والثاني تحلية. # فبهذين الوسيلتين أي التخلية والتحلية استمسك الإنسان بالعروة الوثقى ~~التي لا انفصام لها، وهو مجاورة الحق الأول والانخراط في سلك مقربيه من ~~أهل الجبروت والملكوت. # وتاسعها: القوة الوهمية التي هي أعظم جنود الشيطان، إذ بوسيلتها يتصرف ~~الشياطين بالإغواء والإضلال في نفوس الإنسان، وسيأتيك لهذا المعنى ms1062 وجه إن ~~شاء الله تعالى. # التحقيق الثالث # في معنى الإيمان بالله # إعلم أن المراد به الإيمان بحقيقة الله تعالى، وحقيقة ملائكته وكتبه، ~~ورسله واليوم الآخر لقوله تعالى: # آمن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله # [البقرة:285]. # وأما الاعتقاد بحقيقة الله فهو الإيمان بوجوده، وصفاته، وأفعاله، ~~وأحكامه. # أما الإيمان بوجوده: # فهو أن يعلم أن رواء المتحيزات بل الممكنات موجودا قديما قادرا - ~~أي واجبا بالذات صانعا للعالم - وذلك بالنظر إلى حقيقة الوجود المعلوم ~~بوجه ما، وأن له فردا موجودا بذاته، وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه، ~~أو وجود الممكن من غير سبب، إذ جميع الممكنات في حكم ممكن واحد في خلو ~~ذاته عما يوجب الاتصاف بالوجود، فبملاحظة خلو ذات الممكن وعريه عن ~~طبيعة الوجود ذاتا واقتضاء واستلزاما، وملاحظة استحالة كون المحال ~~قابلا للوجود، يحكم العقل الصافي عن المحذورات والأمراض النفسانية ~~بوجود القيوم المستغني عما سواه كما قال تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران:18] وكقوله: # أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد # [فصلت:53]. # وبالنظر إلى العالم وطبائع الحركات والمتحركات، ودقائق الصنع العجيب ~~والنظم الغريب في الممكنات، كما أرشده الله في القرآن - وليس فوق بيان ~~الله ورسوله بيان - فقال: # ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا # [النبأ:6- 7] - إلى قوله: - # وجنات ألفافا # [النبأ:16]. وقال تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل ~~والنهار.... يعقلون # [البقرة:164]. وقوله تعالى: # ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا * ~~وجعل القمر فيهن نورا # [نوح:15- 16] - إلى قوله: - # إخراجا # [نوح:18]. # وليس يخفى على من له أدنى مسكة إذا تأمل بأدنى فكرة، مضمون هذه الآيات ~~وأدار نظره على خلق السماوات والأرض وعجائب فطرة الحيوان والنبات - فضلا ~~عن خلقة الآدمي الكامل بالكمال العلمي والعملي - أن هذا الأمر العجيب، ~~والترتيب المحكم لا يستغني عن صانع يدبره، وفاعل يحكمه، بل تكاد فطرة ~~النفوس تشهد بكونها مقهورة تحت تسخيره ومصروفة بمقتضى تدبيره، ولذلك قال ~~تعالى: # أفي الله شك فاطر السماوات والأرض # [إبراهيم:10] فمن غفل عن هذا كان راكبا ms1063 على متن الجهل، وراكنا عن نهج ~~العقل. # وأما الاعتقاد بصفاته: # والصفات إما سلبية وإما ثبوتية: # فأما السلبية فهي أن تعلم أنه مجرد، مقدس عن جميع ضروب التركيب في ~~أي ظرف كان، لأن التركيب يستلزم الإمكان وينافي الوجوب، والواجب تعالى ~~كما أنه واجب الوجود بالذات - بحسب الواقع - فكذلك هو واجب الوجود في ~~جميع الشؤون والجهات والأوعية والنشآت الذهنية والخارجية، فيتقدس عن ~~الكثرة والتركيب - ولو من الأجزاء المحمولة - ويلازم الوحدة ولو في ~~العقل، على أنه يتعاظم عن أن يدخل في وهم أو عقل، ليتصرف فيه الذهن ~~بالتحليل والتقسيم. # ولاستلزام الأجزاء العقلية، الجنسية، والفصلية، كون الشيء ذا ماهية ~~كلية يعرضها الوجود - والواجب بحت الوجود كما مر - فليس مندرجا تحت نوع ~~أو جنس لكونه محض التعين الممتنع اشتراكه بين أمرين، فهو ليس كليا ولا ~~جزئيا إضافيا. # ومن هاهنا ينكشف أيضا أنه ليس بجوهر - سواء كان متحيزا أو مجردا ~~- ولا بعرض - سواء كان كما أو كيفا أو إضافة - فلا يكون حالا في شيء ~~وإلا لكان عرضا أو وصورة جوهرية. ولا يكون محلا وإلا لكان إما ~~مادة متقومة في تحصلها النوعي بما يحل فيها، أو موضوعا متقوما في ~~شخصيته، أو في كمال شخصيته بما يحل فيه. ولا متغيرا وإلا لكان جسما ~~متحركا زمانيا أو حالا فيه كالقوى، أو مباشرا له في التدبير والتحريك ~~مستكملا به كالنفوس والتوالي بأسرها باطلة فكذا المقدم. # والانفعالات والتغيرات التي يسندونها إلى ذاته تعالى كلها إطلاقات ~~مجازية تسند إليه تعالى باعتبار الغاية - كالرحمة والغضب، والعفو ~~والانتقام، والابتلاء والامتحان، وغير ذلك - فلو كان جائز الاتصاف بالغضب ~~- مثلا - لكان أزلا وأبدا غضبان، بل يكون عين الغضب، وعلى هذا يمتنع ~~عليه الرحمة المقابلة له مطلقا. # فإن قلت: هذا الاعتقاد يبتني على الإيمان بعالم الملكوت، فمن لا يفهم ~~ذلك - كالعوام - أو يجحده - كأهل الكلام - فما طريقه؟ # قيل: أما الجاحد فلا علاج له إلا أن يقال: " إنكارك لعالم الملكوت ~~كإنكارك لعالم الجبروت، كالذين حصروا العلوم فيما يدرك بالحواس الخمس ~~فأنكروا القدرة والإرادة والعلم، لأنها لا تدرك بالحواس ms1064 الخمس ولازموا ~~حضيض عالم الشهادة ". # فإن قال: وأنا منهم فإني لا أهتدي إلا إلى عالم الشهادة، ولا أعلم ~~شيئا سواه. # فيقال له: إنكارك لما شاهدنا مما وراء المحسوسات، كإنكار السوفسطائية ~~للحواس الخمس ومحسوساتها، فإنهم قالوا: " ما نراه لا نثق به، فلعلنا نراه ~~في المنام ". # فإن قال: وأنا من جملتهم فإني شاك أيضا في المحسوسات. # فيقال: هذا شخص فسد مزاجه وامتنع علاجه فيترك، فما كل مرض يقوى على ~~علاجه الأطباء، ولا كل داء له دواء، بل رب داء أعيت الأطباء في تحصيل ~~الدواء. # وأما الذي لا يجحد، فإن كانت عينه التي يشاهد بها عالم الملكوت صحيحة في ~~الأصل نزل فيها ماء أسود لاعتياده بملاحظة عالم الظلمات، فيمكن الاشتغال ~~بتنقيته - اشتغال الكحال بالعيون الظاهرة - وإن كان غير قابل للعلاج - ~~لكونه مختوما على قلبه - فلا يمكن أن يسلك فيه سبيل التوحيد العقلي، بل ~~يكلم معه بكلام التوحيد ويكلف بالتنطق بشهادة التوحيد ردا لذروة ~~التوحيد إلى حضيض فهمه، وهذا هو التوحيد اللائق بحال القاطنين في عالم ~~الشهادة، فإن للتوحيد مراتب، بحسب كل عالم مرتبة. # وتوحيد عالم الشهادة أن يعلم الرجل الحاسي أن المنزل يفسد بصاحبين ~~والبلد يهلك بأمرين، فيقال له على حد عقله الذي هو بمنزلة حس أهل ~~العلم: " إن إله العالم واحد إذ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ~~فيكون ذلك هو اللائق بقدر عقله، وقد كلف الأنبياء أن يكلموا الناس على ~~قدر عقولهم. # وأما الصفات الثبوتية: # فإن من يعلم أن الموجود الواجب نسبته إلى جميع الممكنات نسبة واحدة ~~لا يعجز عن بعض دون بعض - بل كلما كان أعظم وجودا وأعلى رتبة، صدر منه ~~أقدم مما يكون أضعف وأنقص على ترتيب أنيق ونظام بديع - يعلم بأنه قادر ~~على جميع الممكنات وعلى أي نظام وترتيب كان. # ثم من رأى أن هذا النظام أبدع النظامات وأحكمها يعلم بأنه مريد، وأن ~~إرادته على وجه الحكمة والجزم لا على نهج الجزاف والتردد، ويعلم أن ~~إرادته أجل من الاختيار والجبر جميعا، ففاعليته على سبيل العناية ~~الأزلية المسماة ms1065 بالعلم التام المقدم على الإيجاد، الذي هو أيضا من ~~مراتب علمه المسمى بالرضا، والكلام يحتاج بسطه إلى موضع أوسع من هذا ~~المقام. # وأما الاعتقاد بأفعاله: # وهو أن يؤمن بأن الله على كل شيء قدير وما سواه ممكن محدث، والممكن - ~~بما هو ممكن - محض القوة والفاقة، فلا يجوز أن يكون سببا لإخراج الشيء ~~من القوة إلى الفعل، وإلا لكان للعدم شركة في إفادة الوجود وهو فطري ~~الفساد عند ذوي البصيرة والسداد، فتكون قدرة الله تعالى عامة شاملة ~~لجميع الذرات، لأن مشنأ الافتقار عام فلا تأثير للوسائط، لأنها كلها ~~مسخرات، ومعدات، لا موجبات. # فهذا هو التوحيد في الأفعال إلا أنه وقع في البين حجاب يمنع أن يرى ~~هذا التوحيد بعين البصيرة، وهو أن الحوادث التي هي الأفعال الاختيارية ~~للحيوانات - وخصوصا الإنسان - الحكم مطرد فيها، لأنها ممكنة، فكل ممكن ~~لا بد من استناده إلى واجب الوجود، كيف وكل حادث - سواء كان فعلنا ~~الاختياري أم لا - إذا نظرنا إلى حدوثه وإمكانه أدانا النظر اضطرارا إلى ~~وجود الواجب بالذات، مع أنا نجد من أنفسنا أنا نتحرك إن نشأ، ونسكن إن ~~نشأ فكيف نكون مسخرين، والحال أن حركاتنا وسكناتنا بأنفسنا لا بغيرنا؟ # فنقول في الكشف عنه: إن حركاته وسكناتك بمشيئتك، إلا أن مشيئتك ~~ليست مشيئتك، بل بقضاء الله وقدره - إذ لو كانت كذلك لافتقرت تلك المشيئة ~~إلى مشيئة أخرى وهكذا إلى غير النهاية - فإذا لم تكن مشيئتك بمشيئتك فهي ~~لازمة لك من أسباب قدرية مؤدية إليها، فإذ لم تكن المشيئة إليك فمتى وجدت ~~المشيئة التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت، ولا سبيل لها إلى المخالفة ~~وإذا انصرفت لزمت الحركة ضرورة بالقدرة، والقدرة محركة ضرورة عند إنجزام ~~المشيئة، والمشيئة تحدث في القلب بالأسباب الخارجية المشاهدة، وهي تحدث ~~بالأسباب الغائبة عنا فهذه ضروريات مترتبة بعضها على بعض، وليس للعبد ~~أن يدفع وجود المشيئة، ولا انصراف القدرة إلى المقدور، ولا وجود بعث ~~المشيئة للقدرة، فهو مضطر في الجميع. # ولا يتوهمن أحد أن هذا خلق الأعمال الذي ذهبت إليه الأشاعرة ms1066 القائلين ~~بالجبر المحض من غير اختيار. # فإن قلت: ما ذكرت أيضا جبر، والجبر ينافي الاختيار، فكيف يكون إنسانا ~~واحد مضطرا ومختارا؟ # قلت: لو انكشف لك الغطاء عن عين البصيرة بنور الاهتداء لعرفت أنك مجبور ~~في عين الاختيار، وتحقيقه يفتقر إلى تحقيق معنى الاختيار، فاطلبه من كتب ~~أولي الأبصار ليظهر لك ما يظهر لهم: إنه لايتقدم متقدم ولا يتأخر ~~متأخر إلا بالحق واللزوم، فكل ما بين السماء والأرض حادث على ترتيب ~~واجب وحق لازم، ولا يجري في الملك والملكوت طرفة عين، ولا فلتة خاطر، ولا ~~لفتة ناظر، إلا بقضاء الله وقدره، وإرادته ومشيئته، لا راد لقضائه ولا ~~معقب لحكمه # يضل من يشآء ويهدي من يشآء # [النحل:93]. # كيف ولو لم يكن هكذا لكانت المعاصي والجرائم الصادرة من الأشقياء - إن ~~كان الله يكرهها ولا يريدها - فإنما هي جارية على وفق مراد إبليس - ~~أذلة الله - مع أنه عدو الله، ثم القبائح أكثر من الحسنات، والمعاصي ~~أكثر من الطاعات فيكون الجاري على وفق إرادة العدو أكثر من الجاري على ~~وفق إرادة الله تعالى، وهذا مما لا يليق برئيس قرية فكيف يليق بالملك ~~الجبار ذي الجلال والإكرام. # فقد علم أن الإرادة الأزلية تعلقت بنظام العالم على هذا الوجه العام، ~~وأما الأوامر والنواهي الشرعية فيه أمور مقربة للطاعات، مبعدة عن ~~المعاصي، وأسباب مهيجة للخيرات، دافعة للشرور والآفات، حسب ما يمكن ويليق ~~لكل أحد. # فإن قلت: إذا كان الواقع من المعاصي والشرور بقضاء الله وقدره، فلماذا ~~يعاقب من ساقه القدر إلى اقتراف خطيئة؟ # يقال: العقوبة من اللوازم والتبعات المتصلة من غير حاجة إلى معاقب منفصل ~~ومنتقم من خارج، ويدل عليه كثير من الآيات القرآنية كقوله تعالى: # سيجزيهم وصفهم # [الأنعام:139] # وإن جهنم لمحيطة بالكافرين # [العنكبوت:54] # ولكن أنفسهم يظلمون # [آل عمران:117]. # وأما مرتبة الإيمان بأحكامه: # فبأن يعتقد أنها غير معللة بالدواعي وأغراض زائدة على ذاته راجعة ~~إليه، لأن كل من كانت أحكامه معللة بعلة غير ذاته كانت ذاته ناقصة ~~بنفسها مستكلمة بغيرها، وذلك مستحيل على الواجب بالذات. # لكن يجب أن ms1067 يعلم أن الغاية تطلق على معنيين: # أحدهما: ما يرجح فاعلية الفاعل على تركها، وهو في الله علمه بالوجه ~~الأصلح، وذلك العلم غير زائد عليه تعالى لنفي الزائد مطلقا عند أهل ~~الحق. # وثانيهما: ما يترتب على الفعل سواء كان الفعل متوجها إليه وكان لأجله، ~~أو لا، بل يكون من ضروريات الفعل من غير أن تكون الطبيعة متوجهة إليه، ~~فالأول: كوجود المنافع والمصالح التي روعيت في وجود العالم على الوجه ~~الأتم الأبلغ في النظام، والثاني: كوجود الاتفاقيات اللازمة، ويكون لا ~~محالة أقلية والخيرات التي تقابلها أكثرية أو دائمة. # فقد ثبت أن أحكام الله وإن لم تعلل بعلة غائية غير ذاته تعالى إلا ~~أن لها غايات وفوائد وثمرات عائدة إلى الممكنات، والشرور المانعة عن ~~وصول بعض أفراد الممكن إلى كماله اللائق به أمر شاذ. # وهذا في غير الإنسان من الحيوانات أمر واضح لاختصاص وجودها بهذه النشأة ~~الفانية، فإذا قبض بعضها أو قتل أو جعل فداء وغذاء للإنسان الذي هو غاية ~~عالم الأضداد، وثمرة الفؤاد لم يكن كثير شر في حقها، لعدم احتمال ~~شخصياتها الوجود الدائم، فإيثار كونها غذاء وفداء للنوع الأشرف، وانتفاعه ~~بها على موتها بحتف أنوفها ليس ظلما وجورا في حقها، بل عدلا وقسطا ~~وتكريما لما هو المحقوق به. # وأما الشرور الإنسانية بحسب قواها العلمية، والعملية، والشهوية، ~~والغضبية - كالجهل والفسق والجور - فليعلم أن ليس كل جهل موجبا للحرمان ~~الدائم عن البقاء الأخروي، ولا كل رذيلة سببا للعذاب الأبدي، بل الجهل ~~المضاد لليقين مع العناد والإصرار، والرذيلة الراسخة الباتكة لعصمة ~~النجاة، وأما باقي الضروب من الجهالات فيه لا توجب الحرمان عن رحمة الله ~~بالغفران، فاعتقادنا في صاحب الكبيرة: أنه لا يجب على الله تعذيبه ~~وأنه مما يمكن لضرب منه أن ينال رحمة ربه - على ما مرت الإشارة إليه - ~~وأنه سبحانه يغفر لمن يشاء بفضله، ويعذب من يشاء بعدله. # وأما الإيمان بالملائكة فمن أربعة أوجه: # أولها: الإيمان بوجودها، وهذا مما لا خلاف لأحد من المسلمين بل ~~المليين كلهم، وأما البحث عن نحو وجودها وحقيقتها ms1068 - أنها روحانية محضة ~~أو جسمانية، أو مركبة من القبيلتين؟ (القسمين - ن) وبتقدير كونها روحانية ~~إما عقول صريحة، أو نفوس مدبرة للأجرام، أو مركبة من القسمين؟ وبتقدير ~~كونها جسمانية فهي أجسام لطيفة أو كثيفة؟ فإن كانت لطيفة فهي أجسام ~~نورانية أو هوائية؟ وإن كان كذلك فكيف يمكن أن تكون مع لطافة أجسامها ~~بالغة في القوة إلى الغاية القصوى؟ فذلك مقام العلماء الراسخين في علوم ~~الحكمة القرآنية والبرهانية. # الوجه الثاني: أن يعتقد أنهم معصومون مطهرون # يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون # [النحل:50] ولا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، فإن لذتهم بذكر ~~الله، وأنسهم بعبادته، وغذاؤهم التسبيح والتقديس، وكما أن حياتنا ~~الدنيوية بالنفس والاستنشاق فحياتهم بذكر الله والمعرفة والطاعة له. # ومنهم الملائكة السماويون، وأعلى منهم الكروبيون، وهم العاكفون في حظيرة ~~القدس، ولهم حالة الهيمان، بل حالهم الفناء عن أنفسهم، وعدم الالتفات إلى ~~ذواتهم وإلى هذا العالم والآدميين، لقصر نظرهم عن غير الله واستغقراقهم ~~بجمال الحضرة الإلهية وجلال ذاته الأحدية. # ولا يستبعد أن يكون في عباد الله من يشغله جلال الله عن الالتفات إلى ~~آدم وذريته فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " إن لله أرضا بيضاء مسيرة الشمس فيها ثلاثون يوما - هي مثل أيام ~~الدنيا ثلاثون مرة - مشحونة خلقا لا يعلمون أن الله يعصى في الأرض ولا ~~يعلمون أن الله خلق آدم وإبليس " # رواه ابن عباس (رضي الله عنهما). # فاستوسع مملكة الله ولا تغتر بكلام المتشبهين بأهل العلم، الجاهلين ~~بأكبر خلق الله وأشرفه، المقصرين بهمتهم الدنية على عالم الحس والخيال - ~~وإنهما النتيجة الأخيرة من مقدمات عالم الملكوت، وهما القشر الأقصى عن ~~اللب الأصفى - ومن لم يجاوز عن هذه الدرجة فكأنه لم يشاهد من الزمان ~~إلا قشريته ومن عجائب الإنسان إلا بشريته. # وأدنى منهم الملائكة العنصريون من أرباب الطبايع العنصرية من خزان ~~المطر، وزواجر السحاب، وصواعق البروق، ومشيعي الثلج والبرد، والهابطين مع ~~قطر المطر إذا نزل، والقوام على خزائن الرياح، والموكلين بالجبال ~~والمثقلين مثاقيل المياه والأرض. # ودونهم رسل الله المتوسطون من ms1069 الملائكة السماوية إلى أهل الأرض بمكروه ~~ما ينزل من البلاء، ومحبوب الرخاء، ومنهم السفرة الكرام البررة وحفظة ~~الكرام الكاتبين، ومنهم ملك الموت وأعوانه من النازعين للصور من المواد ~~الغير المستعدة، ومنهم منكر ونكير للأشقياء، ومبشر وبشير للسعداء ومنهم ~~الطائفون بالبيت العمور، ومنهم مالك وسدنة النيران ورضوان وخزنة الجنان، ~~ومنهم الزبانية، الذين إذ قيل لهم: # خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه # [الحاقة:30 - 31] ابتدروه سراعا ولم ينظروه. # وأدون من الجميع سكان الهواء والأرض والماء، وبالجملة ما من موجود إلا ~~ومعه ملكان: أحدهما على يمينه والآخر على شماله # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق:21] والسائق ملك يباشر التحريك إلى الدار الآخرة والشهيد ملك يدرك ~~به النفع والضر، والخير والشر. # وأكثر ما ذكرنا مقتبس من الصحيفة الملكوتية لمولانا وسيدنا زين الساجدين ~~والموحدين، وسيد العابدين والعارفين - سلام الله عليه وعلى جده وجد ~~أبيه وعمه وأبيه والأطهار من بيته قدس الله أرواحهم أجمعين -. # والوجه الثالث: أن يعلم بأنهم كلهم وسائط بين الله وبين الخلق، كل قسم ~~منهم موكل على قسم من أقسام هذا العالم، بل ما من نوع من الأنواع ~~الطبيعية إلا وله ملك موكل، هو واسطة رحمة الحق وجوده عليه، ذو عناية ~~بأشخاص ذلك النوع وهياكله وأصنامه، وهم المسمون عند قدماء الحكماء - ~~المقتبسون أنوار الحكمة من مشكاة نبوة الأنبياء سلام الله عليهم أجمعين ~~- ب " أرباب الأصنام " وعند أفلاطون (افلاطن - ن) ب " المثل النورية " ~~وإليهم الإشارة في قوله تعالى: # والصافات صفا * فالزاجرات زجرا # [الصافات:1 - 2]. وقال: # والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا # [الذاريات:1 - 2]. وقال: # والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا # [المرسلات:1 - 2]. وقال: # والنازعات غرقا * والناشطات نشطا # [النازعات:1 - 2]. # وفي تفسير هذه الآيات التي أقسم الله فيها بطوائف من الملائكة أسرار ~~شريفة عزيزة تدق عن أفهام أكثر العلماء - فضلا عن غيرهم - لا يكشف ~~المقال عن وجوهها قناع الإجمال لشرفها وعزتها. # والوجه الرابع: أن يعلم ويؤمن بأن كتب الله المنزلة إنما وصلت إلى ~~الأنبياء (عليهم السلام) بواسطة ضرب من الملائكة، كما قال الله تعالى: # إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين ms1070 * مطاع ثم أمين # [التكوير:19 - 21]. # فهذه الوجوه لا بد منها في حصول الإيمان بالملائكة، فكلما كان غوص ~~العقل في هذه المراتب أشد كان إيمانه بالملائكة أتم، وأكثر الخلق معرضون ~~عنه مع دعواهم الإيمان. # وأما الإيمان بالكتب فلا بد فيه من أمور أربعة: # أولها: أن يعلم أن هذه الكتب وحي من الله تعالى إلى رسوله، وأنها ليست ~~من باب الكهانة، وإلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة، ولا من باب السحر، ~~والفرق بين هذه الأمور خاف عن (على - ن) الجمهور. # وثانيها: أن يعلم أن الوحي وإن كان بواسطة الملائكة المقدسين فإن ~~الله لم يمكن أحدا من الشياطين من إلقاء شيء من ضلالاتهم في أثناء هذا ~~الوحي الظاهر، وعند ذلك يعلم أن من قال: إن الشيطان ألقى قوله: " تلك ~~الغرانيق العلى " في أثناء الوحي فقد قال قولا عظيما، وطرق الطعن ~~والتهمة إلى القرآن. # وثالثها: أن يعلم أن هذا القرآن لم يتغير ولم يحرف، ودخل فيه فساد ~~قول من قال: " إن ترتيب هذا القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان " ~~فإن من قال به أخرج القرآن عن كونه حجة. # ورابعها: إن القرآن مشتمل على محكم ومتشابه، وإن محكمه يكشف عن ~~متشابهه. # وأما الإيمان بالرسل: # فلا بد فيه من أن يعلم أنهم معصومون من الذنوب كلها - كبيرها ~~وصغيرها، عمدها وسهوها - وأن يعلم أن النبي (صلى الله عليه وآله) أفضل ~~من الملائكة السماوية والأرضية، وأما الكروبيون ففي تفضيل النبي (صلى ~~الله عليه وآله) عليهم خلاف بين العلماء، ولأرباب المكاشفات في ذلك مباحث ~~غامضة شريفة أوردناها في بعض كتبنا العرفانية. # وأن يعلم أن بعض الأنبياء أفضل من بعض لقوله تعالى: # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض # [البقرة:253]. ومن الناس من أنكر ذلك متمسكا بقوله تعالى: # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة:285]. وقد ذكر المفسرون وجوها من الجواب لا يطمئن بها القلب، ~~وقد حضر عندنا وجه وجيه لا أسمح بها حذرا من سوء فهم الناظرين. # وأن يعلم أنه تعالى بعث الأمي العربي محمدا (صلى الله عليه وآله) ~~برسالته إلى كافة ms1071 العرب والعجم، والجن والإنس، فنسخ بشريعته الشرائع، ~~وجعله سيد البشر وألزم الخلق تصديقه في جميع ما أخبر عنه في الدنيا ~~والآخرة، وألزمهم اتباعه والاقتداء به فقال: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر:7] فلم يغادر صلى الله عليه وآله شيئا يقربهم من الله تعالى ~~إلا أمرهم به وهداهم سبيله، ولا شيئا يبعدهم عن الله إلا نهاهم عنه ~~وعرفهم طريقه، ويعلم أن تلك الأمور لا يرشد إليها مجرد العقل ~~والذكاء، بل أسرار تكاشف بها من حظيرة القدس قلوب الأنبياء. # ويعلم أنه يجب عليهم أن ينصبوا بعدهم خليفة، وينصوا عليه نصا لا ~~يبقى لأحد مجال الشك فيه والطعن به، وذلك لعدم بقاء وجوده العنصري ~~دائما، والمادة التي تقبل صورة النبي (صلى الله عليه وآله) يقع في قليل ~~من الأمزجة على الشذوذ، فلا بد من الاستخلاف بالنص الجلي لوجود إمام ~~تقتدي به الأمة بعده. # ويشترط أن يكون الإمام معصوما من الذنوب، مؤيدا من عند الله بأوصاف ~~كمالية يندر اجتماعها - بل آحادها - في شخص واحد، فيكون بها يستحق خلافة ~~الله في العالم الأرضي، ثم السماوي، لكونه إنسانا إلهيا متصلا بالملإ ~~الأعلى، تكاد تكون عبادته عبادة الله، وذلك لجموم المناقب الربانية في ~~قلبه، ولكثرة ظهور الأفعال الإلهية من فمه وأسنانه، ويده ولسانه، وسيفه ~~وسنانه، كالعلم الأتم والقدرة الكاملة، والشجاعة والكرم، والزهد ~~والمروة، والفصاحة البالغة حد الإعجاز، ولخلوه وتقدسه من النقائص ~~والعيوب النفسانية المضادة للخلافة، والرذائل الخلقية المنافية للإمامة، ~~كالكفر والجهل، والسفاهة والفظاظة، والغلظة والكبر والنفاق، وعن العاهات ~~والأمراض الخلقية المنفرة لطبايع الأمة، كالعمى والعرج، والحكة ~~والأبنية، وغيرها من المعاصي كالظلم والفسق، وجمع المال للادخار. # ويجب أن يعتقد أن اجتماع تلك الفضائل والكمالات جملة، والتنزه عن تلك ~~النقائص والرذائل جميعا، لم يتفق لأحد بعد رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) إلا لأخيه وابن عمه علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، فيكون ~~هو الإمام والخليفة بعد الرسول - دون غيره - لقوله تعالى: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة:124]. ولما قال الله تعالى: # إنما وليكم الله ورسوله ms1072 والذين آمنوا ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون # [المائدة:55]. وقد نزلت الآية باتفاق المفسرين في حقه (عليه السلام) ~~ولما نص عليه النبي (صلى الله عليه وآله) بولاية الأمة في حجة الوداع، ~~وهو آخر عهده بالحديث المشهور، أو لأحاديث نبوية كثيرة متواترة الجهة ~~آحادية الأفراد، دالة على إمامته اللازمة لذاته، المستغنية عن البيعة ~~والإجماع. # وهكذا يكون وقوع المناصب الآتية من قبل الله، فكما أن النبي نبي ولو ~~لم تتفق عليه أمة، فكذا الإمام إمام وإن لم يبايعه أحد، والحكيم حكيم وإن ~~لم يعرف قدره الجهال، والعالم عالم سواء سئل أم لا، والعجب خفاء هذا ~~الأمر الجلي على العقلاء الذين جعلوا الخلافة والولاية - وهو أمر باطني - ~~على ميل الطبايع، واتفاق الجماعة على شخص، مع أن طبائعهم مجبولة على طاعة ~~الشهوات، راغبة عما به يحصل القربات، ويستحق للمثوبات. # ويجب أيضا أن يعلم ويعتقد أن الاستحقاق لهذا الأمر بعد علي (عليه ~~السلام) إنما وقع لأولاده المعصومين الموصوفين بالإمامة للأمة، ~~والطهارة والعصمة صلوات الله عليهم أجمعين، وذلك لتحقق الشرائط المذكورة ~~التي معظمها العلم بالأمور الباطنية، والأسرار الخفية، والاجتناب عن ~~زخارف هذه الدار الدنية، ولنص كل سابق على لاحق، وهلم جرا إلى صاحب ~~هذا العصر والزمان وهو المهدي القائم بالقسط والعدل على بواطن أهل العلم ~~والإيمان، ثم على ظواهر الخلائق من الإنس والجان في آخر الزمان، إذ به ~~يملأ الله الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا، فيكون وجوده ~~ثمرة هذا العالم وكماله، وإذا عدم عنه زال كل شيء بزواله، لما ثبت أن ~~وجود الإنسان الكامل علة غائية لوجود هذا العالم، لكونه الغرض الأصلي من ~~خلق الطبائع والأركان، ومن فضالته خلقت بواقي الأكوان، فإذا زالت العلة ~~زال المعلول. # وهذه المقاصد الشريفة إنما انكشفت لنا بطريق الاعتبار والاستبصار، ~~وتتبع الآثار والأخبار، لا بطريق الأبحاث الكلامية، والاستدلال بالمقال ~~عند مخاصمة الرجال، ومعارضة القيل والقال والله الهادي إلى سبيل السداد، ~~وبه الاستعاذة من الغواية في الاعتقاد. # وأما الإيمان باليوم الآخر: # فهو أن يعلم أنه يفرق بالموت بين ms1073 الأرواح والأجساد، ثم يعيدها إليها ~~عند الحشر والنشور، فيبعث من في القبور ويحصل ما في الصدور، فيرى كل ~~مكلف ما عمله من خير أو شر محضرا، ويصادف دقيق ذلك وجليله مستطرا في ~~كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ويعرف كل واحد مقدار عمله ~~بمعيار صادق يعبر عنه بالميزان، وإن لم يساو ميزان الأعمال ميزان ~~الأجسام الثقال، كما لا يساوي ميزان العلوم سائر الموازين كالعروض ~~والأسطرلاب والشاقول والشاخص وغيرها، ثم يحاسبون على أقوالهم، وأفعالهم، ~~وضمائرهم، ونياتهم، وعقائدهم مما أبدوه أو أخفوه فإنهم متفاوتون إلى ~~مناقش منعه في الحساب وإلى مسامح فيه، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب. # ثم يساقون إلى الصراط وهو جسر ممدود بين منازل الأشقياء والسعداء أحد ~~من السيف وأدق من الشعر، يخف عليه من استوى في الدنيا على الصراط ~~المستقيم، الذي يوازيه في الخفاء والدقة ويعثر به من عدل عن سواء السبيل ~~إلا من عفي عنه بحكم الكرم، وإنهم عند ذلك يسألون عن أديانهم ~~وأفعالهم فيسأل الله الصادقين عن صدقهم والمنافقين عن نفاقهم. # ثم يساق السعداء إلى الرحمن وفدا، والمجرمون إلى جهنم وردا، ثم يحكم ~~بإخراج الموحدين من النار بعد الانتقام، حتى لا يبقى في النار من في قلبه ~~مثقال ذرة من الإيمان، ويخرج بعضهم قبل تمام العقوبة والانتقام لشفاعة ~~الأنبياء، والعلماء، والشهداء ومن له رتبة الشفاعة. # ثم يستقر أهل السعادة في الجنة منعمين أبد الآبدين، ممتعين بالنظر إلى ~~وجه الله الكريم، ويستقر أهل الشقاوة الأبدية في النار مرودين تحت أنواع ~~العذاب، مطرودين مبعدين عن جمال الله ذي الجلال والإكرام. # وهذه العقائد مما ليست منكشفة إلا على العلماء الراسخين، وليس لغيرهم ~~منها شيء إلا الأسامي أو التقليد المجرد كالعوام من أهل الإسلام، ~~والعناد والاستنكار كما للمتحجبين بالإنكار عن متابعة ذوي البصائر ~~والأنوار ولا شك في أن الانقياد والتسليم لما أتى به الأنبياء ~~والأولياء صلوات الله عليهم، والتعويل على الفؤاد أدنى إلى النجاة من ~~الفطانة البتراء للعقول المحتجبة بالبصيرة الحولاء. # ولا يبعد أن يكون قوله: { فمن يكفر ms1074 بالطاغوت } إشارة إلى ~~ترك التعويل بسبب الاعتماد على فطانة العقل المشوبة بالهوى، المنبعثة عن ~~غلبة القوة الوهمية فيكون هذا - أي الوهم - أحد معاني الطاغوت، ويكون ~~الاستمساك بالعروة الوثقى إشارة إلى هذا الانقياد والتسليم والمتابعة ~~للأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، والتعويل عليهم في أمر الدين وخصوصا ~~فيما أفادوا من قبل الله في أمر المعاد، حيث لا سبيل للعقل بقوته الفكرية ~~إلى شيء منه. # تتمة # وقال بعض أرباب القلوب (القول - ن): " إن عروة الوثقى لكل طائفة من ~~المؤمنين شيء آخر: للعوام التوفيق للطاعة، وللخواص مزيد العناية بالمحبة ~~كما في قوله: # يحبهم ويحبونه # [المائدة:54]. ولخاص الخاص جذبات الألوهية التي تنفيه عن الظلمات ~~الوجودية بنور الربوبية، كما شرح الله تعالى حقيقة الآية بتاليها، ~~والمراد به أن السالك يبلغ عقيب الرياضات والأربعينات إلى مقام من ~~مقامات الفناء والبقاء لا يمكنه الرجوع منه، فلا يجري عليه أحكام تلونات ~~الرد والقبول، ولا أقسام تغيرات الفراق والوصال، بل يكون مستهلكا عن ~~الناسوتية متمكنا في اللاهوتية، فالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ~~على الحقيقة والتمام في هذه الجذبة الإلهية، التي أشير إليها في الحديث ~~النبوي (صلى الله عليه وآله): # " جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين " # إذ الثقلان وأعمالهما جسمانية فانية من عالم الحدوث، وجذبة الحق ~~روحانية باقية في (من - ن) عالم القدم، فلا يجوز عليها الانفصام ~~والانقطاع والنفاد، فالمجذوب لا يتخلص منها أبد الآباد ". # المقالة الخامسة عشرة: # في قوله سبحانه: { والله سميع عليم } # وفيه قولان: الأول: إنه يسمع قول من يتكلم بالشهادتين وقول من يتكلم ~~بالكفر، ويعلم ما في قلب المؤمن من المعارف الإيمانية والعلوم الربانية، ~~وما في قلب الكافر من العقائد الخبيثة والظنون الباطلة. # القول الثاني: روى العطاء عن ابن عباس قال: " كان رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود، الذي (التي - ن) كانوا حول ~~المدينة، وكان يسأل الله تعالى ذلك سرا وعلانية، لسانا وقلبا، فمعنى ~~قوله: { والله سميع عليم } انه سميع بدعائك - يا محمد - عليهم ~~بحرصك واجتهادك. # ويؤيد هذا ما روي أنه ms1075 (صلى الله عليه وآله) لما رأى عدم اهتدائهم ~~بنوره، وقبولهم لدعوته استشعر أنه من جهته لا من جهتهم، فزاد في الرياضة ~~والمجاهدة والفناء في المشاهدة، فأوحى الله تعالى إليه بأن هذه الصفات ~~(أي الطهارة من لوث البقية المانع من التأثير في النفوس وسلامة ~~الاستعداد، عن النقص في الأصل والكمال الشامل لجميع المراتب بالعلم هي ~~الصفات الكائنة في ذاتك، الثابتة في جوهر قلبك المقدس، المتصف بجميع ~~الصفات الملكوتية والأسماء اللاهوتية، المقتضية للعبودية التامة ~~والدعوات والمناجاة. # وكلها معلومة مسموعة له تعالى مشكورة عنده، سواء كانت موجبة لإسلامهم ~~وذلك عند الصلاحية والقبول بحسب الفطرة الأصلية والسعادة الأزلية أو لم ~~تكن، وذلك لعدم استعدادهم بحسب الفطرة رأسا أو لاحتجاب قلوبهم بالريون ~~المستفاد من اكتساب الرذائل الراسخة، والهيئات الغاسقة، والملكات المظلمة ~~المتراكمة على افئدتهم، فلا تهلك نفسك على عدم إيمانهم لشدة الرياضة، ~~فإنه من جهتهم إما لعدم استعدادهم لقبول الرشاد، وإما لوجود المانع ~~فيهم لشدة الاحتجاب وكثافة الحجاب، فيكفيك أن الله سميع بدعائك، عليم ~~بطهارة ذاتك وصفاتك. ### || [2.257] # المقالة السادسة عشرة: # في قوله سبحانه: { الله ولي الذين آمنوا } # وفيه لوائح: # اللائحة الأولى # في اللغة # الولي: فعيل بمعنى فاعل من " الولي " الذي هو القرب من غير فصل، وهو ~~الذي يكون أولى بالغير وأحق بتدبيره، ومنه يقال للمحب المعاون " ولي " ~~لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة ولا يفارقك، ومن ثم قالوا في خلاف الولاية ~~" العداوة " من " عدا الشيء " إذا جاوزه، فلأجل هذا كانت الولاية خلاف ~~العادوة. # ومنه " الوالي " لأنه يلي القوم بالتدبير وبالأمر والنهي. ومنه " ~~المولى " لأنه يلي أمر العبد بسد الخلة وما به إليه الحاجة. ومنه " ~~المولى " لابن العم، لأنه يلي أمره بالنصرة لتلك القرابة. ومنه " ولي ~~اليتيم " لأنه يلي أمر ما له بالحفظ والقيام عليه، والولي في الدين ~~وغيره لأنه يلي أمره بالنصرة والمعونة لما توجبه الحكمة فجميع هذه ~~المواضع معنى الأولي واللاحق ملحوظ فيها. # وولى عن الشيء: إذا أدبر عنه، لأنه زال عن أن يليه بوجهه. واستولى ~~على الشيء: إذا احتوى عليه، لأنه وليه بالقهر. ms1076 # والله سبحانه ولي المؤمنين على ثلاثة أوجه: # أحدها: إنه يتولاهم بالمعونة على إقامة الحجة والبرهان لهم في ~~هدايتهم. # وثانيها: إنه وليهم في نصرهم على عدوهم وإظهار دينهم على أديان ~~مخالفيهم كلها. # وثالثها: إنه وليهم، يتولاهم بالمثوبة على الطاعة والمجازة على ~~الأعمال الصالحة. # وهذه الوجوه الثلاثة مما ذكره الشيخ أبو علي الطبرسي في تفسيره الكبير ~~وسيأتيك تحقيق الحق إن شاء الله. # اللائحة الثانية # في النظم # لما ذكر الله تعالى المؤمن والكافر، أراد أن يبين ولي أمور كل منهما ~~وداعي أشواقهم، وإرادتهم، وحركاتهم، فقال: الله ولي الذين آمنوا أي: ~~نصيرهم ومعينهم في كل ما لهم إليه الحاجة، وما فيه الصلاح في أمور ~~دينهم، ودنياهم، وآخرتهم، ويشوقهم إلى منتهى قصدهم، ومرمى غرضهم ويوصلهم ~~إلى أعلى مقاماتهم وكراماتهم. # اللائحة الثالثة # في لمية اختصاص المؤمنين بولاية الله سبحانه # إعلم أن في هذا المقام إشكالا عظيما حله على ذوي الأفهام، لأنك ~~قد علمت من الأصول التي أفدناك فيما سبق - من تقديس الله تعالى عن وصمة ~~الكثرة، والتغير، والتفنن، في الإضافات، والاختلاف في النسب والإضافات - ~~أن وجوده عام ورحمته شاملة للكل على نسق واحد، أعطى كل ذي حق حقه ~~وأفاض على كل قابل ما يستحقه، فلو كانت لمادة البصل - مثلا - قوة قبول ~~الزعفران، ولنطفة البقر قبول صورة الإنسان لما ترك الواهب الأشرف الأفضل ~~وما فاض عليهما البقر والبصل. # فإذا تقرر ذلك، فولاية الله تعالى إن تعلقت بالمؤمنين قبل قبولهم دعوة ~~الإيمان، واستكمالهم بالعلم والعرفان، فإن ذلك ترجيح من غير مرجح، وإن ~~كانت بعده يلزم الدور لكون الإيمان مسببا عنها، كما يفصح عنه قوله ~~تعالى: { يخرجهم من الظلمات إلى النور } لأن منشأ ~~إيمانهم الذي هو عين تنورهم بنور المعارف وخروجهم إليه من ظلمات الجهل ~~والعمى هو هذه التولية، فلو كانت بعد الإيمان يكون دورا بالضرورة. # وهذا الإشكال صعب الانحلال عند من يحذو حذو أهل الاعتزال - القائلين ~~بالتحسين والتقبيح العقليين في الأفعال، واستحالة الترجيح من غير مرجح -. # وأما الأشاعرة المجوزون لإيجاد القبائح وترجيح أحد المتساويين فالأمر ~~هين عليهم، بل ms1077 هم احتجوا بهذه الآية على تصحيح مذهبهم، وأن ألطاف الله ~~تعالى في حق المؤمن فيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر، ~~قائلين إن الآية دلت على أنه تعالى ولي الذين آمنوا على التعيين، ~~ومعلوم أن الولي للشيء هو المتولي لما سيكون سببا لصلاح الإنسان ~~واستقامة أمره في الغرض المطلوب لأجله، كما قال تعالى: # يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أوليآءه ~~إن أوليآؤه إلا المتقون # [الأنفال:34]. فجعل القيم بعمارة المسجد وليا له، ونفى في الكفار أن ~~يكونوا أولياءه. # فلذلك كان الولي: المتكفل بالمصالح. # ثم إنه تعالى جعل نفسه وليا للمؤمنين على التخصيص، علمنا أنه تعالى ~~تكفل بمصالحهم فوق ما تكفل بمصالح الكفار. # قالوا: فهذه الآية مبطلة لقول المعتزلة ب " أن الله تعالى قد سوى ~~بين المؤمن والكافر في الهداية والتوفيق والألطاف ". # وربما يجاب من قبل القائلين بالاعتزال - كالزمخشري وغيره -: إن هذا ~~محمول على زيادة الألطاف كما في قوله سبحانه: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد:17]. وقوله: # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ~~وعلى ربهم يتوكلون # [الأنفال:2]. # وتقريره من حيث العقل: إن الخير والطاعة مما يدعو بعضه إلى بعض وذلك ~~لأن المؤمن إذا حضر مجلسا يجري فيه الوعظ فإنه يلحق قلبه خشوع وخضوع ~~وانكسار، ويكون حاله مفارقا لحال من قسى قلبه بالكفر والمعاصي، وذلك يدل ~~على أنه يصح في المؤمن من الألطاف ما لا يصح في غيره، فكان تخصيص ~~المؤمنين بأن الله وليهم محمولا على ذلك. # وهذا الجواب مما ذكره الإمام الرازي في التفسير الكبير نيابة عن ~~المعتزلة، وهو غير سديد من وجهين: # أحدهما: إنه غير حاسم لمادة الإشكال على الوجه الذي قررناه، إذ لأحد ~~أن يجري الكلام في سبب أصل الهداية والتوفيق وسياقتهما من الله في حق بعض ~~أفراد الإنسان حتى صار من أهل الإيمان. وسبب الضلالة والخذلان، وسياقتهما ~~منه في حق بعض آخر حتى صار من أهل الكفر والعصيان، فنقول: إذا كانت نسبة ~~الهداية والتوفيق واحدة من الحق تعالى ms1078 في الجميع على أصولكم، فما وجه ~~اختصاصهما ببعض الناس حتى يكون مؤمنا، واختصاص مقابل كل منهما ببعض آخر ~~حتى يكون كافرا؟ فحينئذ لا يتم الجواب، ولم يبق مهرب عن لزوم الترجيح ~~من غير مرجح في هذا الباب. # وثانيهما: إن للأشاعرة أن يقولوا لهم: إن زيادة الألطاف متى أمكنت ~~وجبت عندكم، ولا يكون لله في حق المؤمن إلا أداء الواجب، وهذا المعنى ~~بتمامه حاصل في حق الكافر، بل المؤمن فعل ما لأجله استوجب ذلك المزيد، ~~فيكون ولي المؤمن هو المؤمن نفسه الذي فعل ما لأجله استوجب من الله ذلك ~~المزيد من اللطف. هذا وستسمع منا لب التحقيق. # وربما يجاب عن أصل الإشكال بوجوه أخرى من المقال، جارية على نهج ~~الاعتزال: # أحدهما: إنه تعالى يثيبهم في الآخرة، ويخصهم بالنعيم المقيم، والإكرام ~~العظيم، فكان التخصيص محمولا عليه. # ويرد عليه مثل ما يرد على الوجه المذكور آنفا - تحقيقا وجدلا - بأن ~~يقال: ذلك الثواب واجب على الله تعالى على أصولهم، فولي المؤمن هو الذي ~~جعله مستحقا على الله ذلك الثواب، فيكون وليه نفسه. # وثانيها: إنه تعالى كان وليا للكل بمعنى كونه متكفلا بمصالح الكل ~~على السوية، إلا أن المنتفع بتلك الولاية هو المؤمن، فيصح تخصيصه بهذه ~~الآية كما في قوله: # هدى للمتقين # [البقرة:2]. # ويرد عليه أن هذا الأمر الذي به امتاز المؤمن عن الكافر في باب ~~الولاية، صدر عن العبد لا من الله تعالى، فكان ولي العبد - على هذا القول ~~- هو العبد نفسه لا غيره. # وثالثها: إنه تعالى وليهم، بمعنى أنه يحبهم، والمراد منه أنه يحب ~~تعظيمهم. # ويجاب: إن " المحبة " معناها: إعطاء الثواب: وذلك بعينه هو الوجه ~~الأول من هذه الوجوه وقد مر الإيراد عليه. # اللائحة الرابعة # في التخلص عن أصل الإشكال على طريقتي الحكماء والصوفية # أما على طريقة الحكماء فمثل ما يقولون في دفع الإشكال الوارد عليهم في ~~إثبات الصور النوعية للأجسام الطبيعية، فإنهم لما أثبتوا تلك الصور في ~~الأجسام بواسطة ثبوت الآثار واللوازم المختلفة فيها بأن قالوا: " ~~الجسمية أمر واحد في الجميع فلو ms1079 لم يوجد في بعض الأجسام صورة منوعة وفي ~~بعض آخر صورة منوعة أخرى يلزم في ترتب بعض الآثار لبعض منها - كالحرارة ~~في النار - وترتب بعض أخرى لبعض آخر - كالبرودة للماء - ترجيحا من غير ~~مرجح ". # أورد عليهم: أن هذا بعينه وارد عليكم عند إثبات تلك الصور أيضا، فإن ~~اختصاص جسمية النار بصورتها الخاصة دون غيرها، واختصاص جسمية غيرها بغير ~~تلك الصورة كجسمية الماء بصورته مع استواء الجميع في الجسمية المطلقة ~~المشتركة مما يوجب الترجيح من غير مرجح. # لكنهم أجابوا عن ذلك - بعدما أحكموا بيان تحققها وجوهريتها بوجوه أخرى - ~~إن اختلاف تلك الصور مستند إما إلى اختلاف الاستعدادات السابقة كما في ~~العنصريات، أو اختلاف المواد كما في الفلكيات، أو اختلاف الجهات ~~والحيثيات الحاصلة في المبادئ الفعالة العقلية سيما العقل الأخير كما ~~عند المشائين، أو اختلاف ذوات تلك المبادئ العقلية، كما عند الرواقيين ~~القائلين بكثرة العقول التي في الطبقة العرضية على حسب تكثر الأنواع ~~الجسمانية، أو اختلاف صورها العلمية الواقعة في عالم القضاء الإلهي، أو ~~القدر الرباني الموجودة في القلم الأعلى العقلاني، أو في اللوح المحفوظ ~~النفساني على الوجه المقدس عن التغير - بخلاف الصور الجزئية الواقعة في ~~القدر الانطباعي السماوي لتغيرها بالمحو والإثبات - أو اختلاف الصور ~~الربانية المسماة بالعناية الإلهية عند من جوز قيام علم الله تعالى ~~بذاته - أي العلوم التفصيلية. # فكذلك يقال في انحلال ذلك الإشكال، وإيراد السؤال عن لمية اختصاص ~~المؤمن بولاية الله تعالى والإكرام والإفضال، واختصاص الكافر بمقته ~~الموجب للنكال، من حوالة هذا التخالف بينهما في الهدى والضلال، ~~والسعادة والوبال، والثواب والعقاب، بعد الإيمان والكفر إلى أمور سابقة ~~موجبة، ومقدمات متأدية مقتضية، وهكذا إلى أن ينتهي إلى أمور قضائية ~~إلهية. # وهذه سنة الله التي لا تبديل لها، وحكمته التي لا مزيد عليها، ولا فتور ~~يعتريها من ربط الأشياء بالعلل والأسباب، وربط الأسباب بالمسببات، إلى أن ~~يبلغ إلى قدرته، وإرادته، وجوده، وحكمته الموجبة لإيصال كل شيء إلى خير ~~يليق به، وكمال يؤثر عنده، والحافظ لها (والمحافظة إياه - ن) عن كل شين ms1080 ~~ونقص يعتريه، وشر وآفة يلحقه بقدر الإمكان. # فالخير مرضي والشر مقضي، ولكل منهما طالب لا يسكن إلا لديه، ولا ينزعج ~~إلا إليه. # فهذا أنموذج لهذا المقام، وقد بقي بعد من الشكوك ما لا ينحل إلا ببسط ~~في الكلام مع اشتغال شديد من المريد السالك في تحقيق المرام، ليتجلى له ~~من الحق ما يتجلى للحكماء الكرام أو الأتقياء العظام. # وأما على طريقة أهل التصوف فبأن لله تعالى في ذاته وفي عالم إلهيته ~~شؤونا وحيثيات مسماة بأسماء وصفات - كما يعرفه أهل الله لا على وجه يقدح ~~في أحديته الحقة - وهو سبحانه مع تلك الشؤون والحيثيات، مبدأ للكل وعالم ~~بالأشياء وقادر على جميع الممكنات، ولو خرج شيء من الأشياء من علمه ~~وقدرته، وتأثيره، وإيجاده بواسطة أو بغير واسطة لم يصلح لمبدئية الكل، ~~وهو مع ذلك منزه عن فعل القبائح والشرور، ولكن لا بالوجه الذي بلغ فهم ~~المعتزلة إليه، وإلا لناقض كونه مبدأ للكل، وفي كونه مالك الملك. # بل الوجه أن يقال: وجود العالم بجميع أجزائه وأفراده المتكثرة ~~والمتخالفة على هذا الوجه المشاهد ظلال لأسمائه المتعددة المتخالفة، على ~~وجه كالأول، والآخر، والظاهر، والباطن، ولكل منها أثر خاص ومظهر ومعلول ~~معين كالمبدع والكائن، والمحسوس والمعقول. # وعلى هذا القياس فنقول: إنا لله سبحانه صفتي " لطف وقهر " ومن الواجب ~~في الحكمة أن الملك - ولا سيما ملك الملوك - يكون هذا، إذ كل منهما من ~~أسمائه الحسنى ومن أوصاف الكمال، ولا يقوم أحدهما مقام الآخر ومن منع ذلك ~~كابر وعاند، ولا بد لكل من هاتين الصفتين من مظهر. # فالملائكة ومن ضاهاهم من المؤمنين والأخيار مظاهر اللطف، والشياطين ومن ~~والاهم من الكفار والأشرار مظاهر القهر، ومظاهر اللطف هم أهل الجنة ~~والأعمال المستتبعة لها، ومظاهر القهر هم أهل النار والأعمال المعقبة ~~إياها. فخلق الله تعالى للجنة خلقا يعملون بعمل أهل الجنة، وللنار خلقا ~~يعملون بعمل أهل النار. # فكما أن وجود كل من صفتي اللطف والقهر مما لا بد فيه، فكذا لا بد من ~~وجود مظاهر كل منهما بحسب كل مرتبة، وكما ms1081 لا اعتراض لأحد عليه تعالى في ~~وجود أصل المظاهر والمعاليل لكونها من لوازم الإلهية وآثار الربوبية، ~~فكذا لا اعتراض لأحد عليه في تخصيص كل من الفريقين بما خصصوا به، فإنه لو ~~عكس الأمر لكان هذا الاعتراض بحاله. # ومن هاهنا تظهر حقيقة السعادة والشقاوة " فمنهم سعيد وشقي " والإيمان ~~والكفر " فمنهم مؤمن ومنهم كافر " وتظهر حقيقة كونه تعالى ولي الذين ~~آمنوا وعدو الذين كفروا - وإنما وليهم الطاغوت فالله سبحانه موصوفا ~~بصفة اللطف ولي المؤمنين وعدو الكافرين أيضا، وإن كان من جهة الرحمة ~~المطلقة والفيض العام، والجود التام، يوجدهم ويرزقهم ويعطيهم المال ~~والجاه، ويجيب دعاءهم ويسمع نداءهم. # وفي هذا المقام أسرار لا يجوز التصريح بها لأن ضرر سماعها للطبائع ~~الغير المرتاضة أكثر من نفعها. # فإذا تؤمل في ما بينا، يظهر أن هذا الترتيب والتميز في الوجود من ~~لوازم الترتيب والتميز الواقع فيما سبق من الأحكام الأزلية الناشئة من ~~معدن الإلهية والعلم السابق الإلهي، ويعلم أن ولاية المؤمن من الله قبل ~~إيمانه بالذات. # كما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ~~ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات، فيكتب ~~علمه، وأجله، ورزقه، وشقي أم سعيد ". # فإن قلت: إذا كانت السعادة والشقاوة بالقضاء، والإيمان والكفر بالقدر، ~~فأي فائدة في بعثه الرسل وإنزال الكتب؟ # قلت: فائدتهما بالحقيقة ترجع إلى المؤمنين، الذين جعل الله بعثهم ~~وإنزالها سببا وواسطة لاهتدائهم. # إنمآ أنت منذر من يخشاها # [النازعات:45]. كما أن فائدة نور الشمس تعود إلى أصحاب العيون الصحاح. # وأما فائدة ذلك بالنسبة إلى المختوم على قلوبهم فكفائدة نور الشمس ~~بالنسبة إلى الأكمه # وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون # [التوبة:125]. غاية ذلك إلزام الحجة وإقامة البينة عليهم ظاهرا # لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل # [النساء:165] # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا # [طه:134] وهو في الحقيقة للنفي ms1082 عليهم بأنهم في أصل الخلقة ناقصون ~~أشقياء. # أقول: فيه وجه آخر وهو أن لكل شيء بحسب قصده وغلبة الطبيعة أسباب وعلل ~~بها يتوجه إلى حيزه الطبيعي ومعاده الأصلي، فمن الأسباب المؤدية ~~للأشقياء إلى درك الشقاء، وهي بعينها الأسباب التي تسوق السعداء إلى ~~الدرجات العلى، إرسال الرسل وإنزال الكتب. # فإن هذين الأمرين - الإرسال والإنزال - كما يوجبان ظهور ما يكمن في ~~النفوس الشريفة - من آثار الكرامة، والعلم، والمروة، والتقوى، والصفات ~~الحسنة، والأفعال الجميلة - فكذلك موجبان للنفوس الخبيثة ظهور ما يكمن ~~فيها - من الحماقة، والجهالة، وحب الدنيا، والشهوات - فيوجبان للنفوس ~~الخبيثة زيادة في جحودهم واستنكارهم، وشدة في غيظهم واستكبارهم. # أما ترى أن بالوعظ والنصيحة ينكشف ويظهر من حال قساوة بعض القلوب التي ~~هي كالحجارة أو أشد قسوة ما لا يظهر قبل ذلك، فعند سماع الآيات يستحكم ~~لكل من القبليتين ما هو مركوز في جبلته من الصفات إن خيرا فخير وإن ~~شرا فشر. # كما دل عليه قوله تعالى: # قد جآءكم بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ~~ومن عمي فعليها ومآ أنا عليكم بحفيظ # [الأنعام:104] وقوله تعالى: # وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه ومن ضل فقل إنمآ أنا من المنذرين # [النمل:92]. فإن فيها إشارة إلى أن نور القرآن يظهر ويكشف جوهر ~~الهداية والضلالة في معدن قلب الإنسان السعيد والشقي، كما يظهر ويكشف ضوء ~~الشمس الذهب والحديد في المعادن. # وكذا قوله تعالى: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به ~~إلا الفاسقين # [البقرة:26]. وآيات كثيرة في هذا المعنى. # وقال عليه آله الصلاة والسلام # " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " # الحديث. # المقالة السابعة عشرة: # في معنى قوله سبحانه: { يخرجهم من الظلمات إلى النور ~~} # وفيه معارج: # المعراج الأول # في تحقيق الآية # إن الله سبحانه لما ذكرنا أنه يحب الذين آمنوا ومتولي إيمانهم، ~~ومعينهم في قبول الهداية، ومكمل قلوبهم بكمال العرفان المعبر عنه ~~بالإيمان، أراد أن يبين كيفية هذا التكميل والاستكمال، ولمية هذا الفعل ~~والانفعال، فأشار إلى أن كيفيته بأن يخرجهم من ظلمات الخلقة إلى نور ~~الهداية، ms1083 حتى اهتدوا وآمنوا، فإن كل واحد من الناس بحسب أصل طينته ~~وهيولانيته من سنخ الظلمات كالجسمية والطبيعية والحيوانية التي مقتضى ~~ذاتها أفعال توجب الطرد والبعد عن حرمة الله الخاصة الموجبة لدخول الجنة، ~~وإنما التفاوت بحسب تفاوت الأرواح والقلوب في الكدورة والصفاء ~~الفطريين، ثم بحسب العقائد والأعمال. # ويجوز أن يحمل قوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا # [مريم:71]. على ما يستوجبه الإنسان بحسب ما تقتضيه طينته الجمسانية ~~الظلمانية. # ويحتمل أن تأول " الظلمات " بالأوصاف النفسانية كالشهوة، والغضب، ~~والوهم، قبل أن يسخرها القلب ويستعملها فيما خلقت لأجله، ويستخدمها في ~~طاعة الله على وجه التعليل والتوسيط، فإن وجودها لا على الوجه المذكور ~~ظلمة ووبال على النفس الآدمية توجب لها الاستحقاق لعذاب الله بالجحيم، ~~والنار، والموت، والحرمان عن نعيم الأبرار، كما يدل عليه أيضا قوله ~~تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا # [الأنعام:122]. # فثبت أنه تعالى أخرجهم ذلك اليوم بإصابة رشاشة النور - كما ذكر في ~~الحديث المشهور - من ظلمات الطينة حتى اهتدوا اليوم فآمنوا، ولولا محبته ~~إياهم وتنويره قلوبهم، ومزيد العناية، وتوليته لهم بالنصرة والمعونة ~~فضلا منه ورحمة لما آمنوا وكانوا من الكافرين، كقوله تعالى: # فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من ~~الخاسرين # [البقرة:64]. ونظائره من الآيات الدالة على مزيد فضل الله لعباده ~~الصالحين. # فما أشد سخافة عقل من أنكر مزيد محبة الله وعنايته للمحبوبين المقربين ~~من الأنبياء والمرسلين والأبدال الواصلين، ويرى أن التوفيق، والهداية، ~~والمحبة من قبله تعالى مساوية (سواسية - ن) النسبة إلى أفضل خلق الله ~~وأحبهم إليه كخاتم المرسلين عليه وآله أفضل صلوات المصلين - وأرذل خلقه ~~وأبغضهم لديه - كالشيطان اللعين؟! بدون تفاوت ذواتهم في ابتداء الفطرة ~~بحسب صفاء جوهر القلب وظلمته وصفائه وكدورته، اللذان هما من مظاهر قهره ~~تعالى ورأفته، وآثار مقته ورحمته كما مر ذكره. # المعراج الثاني # في بيان طوائف (طبقات - ن) المؤمنين في الإيمان وكيفية إخراج كل طائفة ~~من الظلمة إلى النور، وأن مراتب الإيمان متفاوتة # المؤمنون فيه على ثلاثة مراتب لكونهم ثلاث طوائف: عوام ms1084 المؤمنين ~~وخواصهم، وخواص خواصهم. # فالعوام: يخرجهم الله من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية ~~كقوله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد:17]. # والخواص: يخرجهم من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور ~~الروحانية الربانية؛ لقوله تعالى: # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا ~~بذكر الله # [الرعد:28]. ومعرفته واطمئنان القلب بالذكر والمعرفة لم يكن إلا بعد ~~تصفيته عن الصفات النفسانية، وتحليته بالصفات الروحانية، وإلا فمن صفته ~~الاطمئنان بالحياة الدنيا وشهواتها، كقوله تعالى: # ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها # [يونس:7]. # فإذا استولى سلطان المعرفة على نفس المؤمن وقلبه، تنورت النفس بنور ~~الذكر، وخرجت عن ظلمة صفاتها، فتبدلت أخلاقها الذميمة بالحميدة، فيكون ~~اطمئنانها مع العلوم الإلهية وذكر الله بدل ما كان مع الدنيا، فتستحق ~~حينئذ أن يخرجها الله تعالى بخطاب: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك # [الفجر:27 - 28] من ظلمات الصفات الغير المرضية إلى نور صفة # راضية مرضية * فادخلي في عبادي # [الفجر:28 - 29]. أي مقام خواص عبادي # وادخلي جنتي # [الفجر:30]. أي المخصوصة المشرفة بإضافتها إلي، فهي خاصة لخواص ~~عبادي. # وخواص الخواص: يخرجهم من ظلمات حدوث الخلقة الروحانية بإفنائهم عن ~~وجودهم إلى نور تجلي صفة " القديم " لهم ليبقيهم به، كقوله تعالى: # إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * ~~وربطنا على قلوبهم إذ قاموا # [الكهف:13 - 14]. الآية نسبهم إلى الفتوة لما خطروا بأرواحهم في طلب ~~الحق، وآمنوا بالله وكفروا بالطاغوت دقيانوس. # فلما تقربوا إلى الله تعالى بقدم الفتوة، تقرب إليهم بمزيد العناية، ~~قال: # زادهم هدى # [محمد:17] تحقيقا لقوله (صلى الله عليه وآله): # " من قربني شبرا قربته ذراعا ". # فلما تنورت أنفسهم بأنوار أرواحهم اطمأنت إلى ذكر الله وأنست به، ~~واستوحشت عن صحبة أهل الدنيا وما فيها وأحبوا الخلوة مع الله، فقال ~~أكبرهم وشيخهم: # وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا ~~إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته # [الكهف:16]. فأووا إلى الغار ليخلوا مع الله ويطلبوه. # فإذا قاموا عن وجودهم وبذلوا جهدهم في طلبه، ومشوا إليه استقبلهم بجوده ~~هرولة، فبدل أوصافهم بألطافه كما قال: # وربطنا على قلوبهم # [الكهف:14] أي أفنيانهم عنهم ms1085 بنا بنشر رحمتنا عليهم، و " النشر " هو ~~الإحياء، فأفناهم عنم وأبقاهم به، وهو الولاية التي تكرم الله تعالى به ~~خواص عباده، إذ يخرجهم من ظلمات وجودهم إلى نور جوده (وجوده - ن) بعد ~~تربيتهم بالرفق، وإنامتهم نومة العروس بعزل الحواس لتصفية القلب، والفراغ ~~بالكلية إلى الحق عن الدنيا، لئلا تتأذى نفوسهم بنصب الرياضة وتعب ~~المجاهدة - وتقلبهم ذات اليمين وذات الشمال - أي: من صفات أصحاب الشمال ~~إلى صفات أصحاب اليمين وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد، لا يزاحمهم بدواعي ~~الحيوانية حتى تمت مدة تربيتهم في تبديل أوصاف البشرية بأخلاق الربوبية. # ومن علامة هذا المقام - الذي يصل إليه خلص عباد الله الكرام - ما أظهره ~~الله عليهم للاحترام هيبة من آثار صفات جلاله، كما قال سبحانه: # لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت ~~منهم رعبا # [الكهف:18]. وعداوة علماء الدنيا لأهل الله والعرفاء وغيظهم، إنما تنشأ ~~من غاية ما وجدوا من الهيبة والجلالة فيهم، ولهذا ملؤوا (لملؤوا - ن) ~~منهم غيظا كما ملؤوا رعبا. # المعراج الثالث # في إتقان القول بأن الله تعالى هو المبدأ الفعال في إخراج النفوس ~~الإنسانية من ظلمات الجهل والضلال إلى نور المعرفة والكمال، ودفع شبهة ~~المنكرين والجهال. # أجمع المفسرون على أن المراد هاهنا من " الظلمات والنور " هما " الكفر ~~والإيمان " وما يجري مجراهما من اللوازم والملزومات، فتكون الآية صريحة ~~في أن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من مرتبة الكفر - الذي هو ضرب ~~من الجهل - وأدخله إلى مرتبة الإيمان - الذي هو ضرب من العلم -. # والبرهان العقلي عليه هو أن الإنسان في مبدإ الفطرة خال عن العلوم ~~كلها، ثم قد يصير مؤمنا بالحقائق الربانية، عالما بالمعالم الإلهية، ~~ولا شك أن كل ما خرج من القوة إلى الفعل بحسب الكمال العلمي فلا بد ~~له من سبب يخرجه منها إليه، وذلك السبب إما أن يكون كاملا في ذاته، ~~عالما بالفعل من غير قصور، أو لا يكون كذلك - بل كان عالما كاملا بعد ~~ما لم يكن -. # فإن كان الأول: فهو إما واجب أو ممكن، فإن كان واجبا فهو المطلوب ms1086 وإن ~~كان ممكنا: فسببيته لتكميل هذا الإنسان إما بحسب حقيقة ذاته (حيثيته ~~الذاتية - ن) الممكنة، أو من جهة إفاضة الواجب تعالى نور العلم والكمال ~~عليه. # والأول محال - لأن الممكن بحسب ذاته الإمكانية عدم محض، وقوة صرفة، ~~فاستحال أن يصير سببا لوجود أو فعلية - فتعين الثاني وهو مطلوبنا. # وإن لم يكن كاملا كذلك ينقل الكلام إلى سببه المخرج إياه من النقص إلى ~~الكمال، ومن القوة إلى الفعل، فإما أن تذهب السلسلة إلى غير النهاية، ~~أو تدور، أو تنتهي إلى الواجب تعالى. والشقان باطلان، فتعين الثالث وهو ~~الحق. # فثبت أن الله هو الذي أفاض نور الإيمان على النفوس الساذجة الإنسانية ~~عنه بحسب الفطرة الأصلية، وأخرجه (أخرجها - ظ) عن ظلمات التعلقات ~~الدنيوية إلى نور القرب المعنوي الرباني. # وأما الذي ذكره جمع من معتزلة المتكلمين من وجهين: # أحدهما: أن الإخراج من الظمات إلى النور عبارة عن نصب الدلائل، وإرسال ~~الأنبياء، وإنزال الكتب، والحث والترغيب في الإيمان بأبلغ الوجوه، ~~والتحذير عن الكفر بأقصى الوجوه، وقد نسب الله الإضلال إلى الصنم في ~~قوله: # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس # [إبراهيم:36]. لأجل أن للأصنام سببية ما بوجه، فبأن يضاف الإخراج من ~~الظلمات إليه تعالى كان أولى. # والوجه الثاني: أن يحمل " الإخراج من الظلمات إلى النور " على أنه تعالى ~~يعدل بهم من النار الجنة، وهذا أدخل في الحقيقة، لأن ما يقع من ذلك في ~~الآخرة يكون من فعله تعالى - فكأنه فعله -. # فهو مفسوخ (منسوخ - ن) الضبط، مقدوح الحكم، وليت شعري بعد أن يكون ~~الإخراج عبارة عما ذكروه أفلا يكون بين الناس تفاوت واختلاف في المفهوم ~~والقرائح؟ حتى تفطن بعضهم للدلائل وتلقوها بالقبول، وأوقعت معانيها في ~~أذهانهم وقرائحهم بأبلغ وجه وآكده، بخلاف البعض الآخر حيث تبلدت أذهانهم، ~~وتعصت عن قبولها، كما قال سبحانه فيهم: # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة # [البقرة:7]. وكذا قوله: # سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون # [البقرة:6]. وقوله مخاطبا للرسول (صلى الله عليه وآله) # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص:56]. # فهذا ms1087 التفاوت في الفهم والذكاء بين النفوس على هذه الغاية - التي هي ~~أزيد مما بين الأرض والسماء، حيث يكون منهم البليد الذي لا يفلح أبدا في ~~فكره، ومنهم شديد الحدس قوي الذكاء إلى حيث يبلغ نفسا قدسية تعرف ~~الأشياء كما هي في زمان قليل العدد - أيكون حاصلا بمجرد التعلم والكسب ~~من غير تفاوت في أصل فطرة الجواهر؟ أم بفيض إليه قدري يجعل النفس مختلفة ~~الذوات صفاء وكدورة، متفاوتة القلوب لطافة وكثافة، لينا وقساوة؟ # لست أشك في أن أحدا من العقلاء لا ينكر هذا التفاوت الفطري ضميرا ~~واعتقادا - وإن عاند لسانا وقولا - فإذا بطل أن يكون ذلك بمجرد الكسب ~~من غير مدخل لعناية الله في حق البعض دون الآخر فقد ثبت أنه تعالى هو ~~الذي خلق الظلمات والنور، والجنة والنار، وخلق لكل منهما أهلا كما قال: # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن:2]. # فإذا تحقق هذا المقام بما ذكرناه من الكلام فلنشتغل بحل ما عقدوه، ~~والجواب عما ذكروه أما من الأول فمن وجهين: # أحدهما: إن هذه الإضافة حقيقة في الفعل ومجاز في الحث والترغيب، ~~والأصل حمل اللفظ على الحقيقة، على أن جواز إطلاق اللفظ في معنى لا يقتضي ~~ثبوت ذلك المعنى فلا يصح التعويل عليه في المقاصد الاعقتادية، وقد اشتهر ~~بين المحصلين أن الحقائق غير مقتنصة من الإطلاقات اللغوية أو العرفية. # وثانيهما: إن هذه الترغيبات إن كانت مؤثرة في ترجيح الداعية، صار ~~الراجح واجبا، والمرجوح ممتنعا، وحينئذ يبطل قولكم. وإن لم يكن لها ~~أثر في الترجيح لم يصح تسميتها بالإخراج. # وأما عن الثاني فمن وجهين أيضا: # الأول: قال الواقدي: " كل ما كان في القرآن من الظلمات والنور فإنه أراد ~~به الكفر والإيمان، غير قوله تعالى في سورة الأنعام: # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام:1] فإنه يعني به الليل والنهار - قال: - وجعل " الكفر " ظلمة ~~لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك، وجعل " الإيمان " نورا لأنه كالسبب ~~في حصول الإدراك ". # والثاني: إن العدول بالمؤمن من النار إلى الجنة أمر واجب على الله ~~تعالى عندكم فلا يجوز ms1088 حمل اللفظ عليه. # المعراج الرابع # في إزاحة وهم من يخص الآية بمن كان كافرا حينا من الدهر ثم أسلم # إن ظاهر لفظ " يخرجهم من الظلمات إلى النور " اقتضى أنهم كانوا في ~~الكفر، ثم أخرجهم الله من ذلك الكفر الذي عليه في حصة من الزمان إلى ~~الإيمان، قال جماعة من المفسرين: " إن الآية مختصة بمن كانوا من الكافرين ~~ثم قبلوا دعوة الإسلام " وهم ذكروا في سبب النزول روايات: # إحداها: قال مجاهد: " هذه الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى (عليه السلام) ~~وقوم كفروا به، فلما بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) آمن به من ~~كفر بعيسى (عليه السلام)، وكفر به من آمن بعيسى (عليه السلام) ". # وثانيتها: إن الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى (عليه السلام) على طريقة ~~النصارى، ثم آمنوا بعده بمحمد (صلى الله عليه وآله) فكان إيمانهم بعيسى ~~(عليه السلام) حين آمنوا به ظلما وكفرا، لأن القول بالاتحاد كفر، ~~والله تعالى أخرجهم من تلك الظلمات إلى نور الإسلام. # وثالثتها: إن الآية نزلت في كل كافر أسلم بمحمد (صلى الله عليه وآله) ~~وهذا التخصيص غير لازم، بل الأولى أن يحمل اللفظ على كل من آمن بالله ~~وبمحمد (صلى الله عليه وآله) وبما جاء به - سواء كان ذلك الإيمان بعد ~~الكفر بعدية زمانية أو لم يكن - وتقريره حسبما أشرنا إليه أنه لا يبعد ~~أن يقال: " يخرجهم (يقول بخروجهم - ن) من النور إلى الظلمات " وإن لم ~~يكونوا فيها البتة، ويدل على هذا الجواز النقل والعقل: # أما النقل فيدل عليه القرآن، والخبر، والعرف. # أما القرآن: فقوله تعالى: # وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم ~~منها # [آل عمران:103]. ومعلوم أنهم لم يكونوا قط في النار، وقوله: # لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي # [يونس:98]. وما كان نزل بهم عذاب البتة، وقال في قصة يوسف (عليه ~~السلام): # تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله # [يوسف:37]. ولم يكن فيها قط، وقال: # ومنكم من يرد إلى أرذل العمر # [النحل:70]. وما كانوا فيه قط. # وأما الخبر: # " فروي أنه (صلى الله عليه ms1089 وآله) سمع إنسانا يقول: " أشهد أن لا إله ~~إلا الله " فقال: " على الفطرة " فلما قال: " أشهد أن محمدا رسول ~~الله " فقال: " خرج من النار " ومعلوم أنه لم يكن فيها ". # وروي أيضا أنه (صلى الله عليه وآله) أقبل على أصحابه فقال: # " تتهافتون في النار تهافت الجراد، وها أنا آخذ بحجزكم " # ومعلوم أنهم ما كانوا متهافتين في النار. # وأما العرف: فهو أن الأب إذا أنفق كل ماله فالابن قد يقول له: " قد ~~أخرجتني من مالك " أي: لم تجعل لي فيه شيئا، لا أنه كان فيه فأخرجه منه. # وأما العقل: فالتحقيق فيه كما مر أن الإنسان وإن لم يكن في النار ~~ظاهرا، ولم يكن كافرا قط، إلا أنه كانت نفسه في أول الفطرة ناقصة في ~~معنى الإنسانية، خالية عن الكمالات العلمية والعملية، ومع ذلك مشارك ~~للحيوانات في الإغراض الشهوية والغضبية، بل أنزل رتبة وأضل سبيلا منها ~~في الدواعي النفسانية، والميل إلى الدنيا، والإخلاد إلى الأرض، فإن بقي ~~على هذه الحالة التي هي بعينها سبب دخول الجحيم وغضب الجبار، أو نفسها - ~~كما هو عند بعض - كان على شفير جهنم، فإذا تنورت ذاته بالإيمان اليقيني، ~~والمعارف الإيمانية، وعمل بمقتضاها، فقد حصل له ما هو سبب دخول الجنان، ~~ومجاورة الرحمن، أو عينها - كما هو عندهم -. # فمعنى هذه الآية وغيرها من النقول المذكورة هو ما ذكرنا، فإن العبد لو ~~خلي ساعة من توفيق الله تعالى لوقع في الظلمات مما توجبه الشهوات وغيرها، ~~فصار إمداد لطفه، وإفاضة نوره آنا فآنا سببا لدفع تلك الظلمات عنه، ~~وبين الدفع وبين الرفع مشابهة، فبهذا الطريق يجوز استعمال الإخراج ~~والإبعاد في معنى الدفع والرفع. # المقالة الثامنة عشرة: # في قوله سبحانه وتعالى: { والذين كفروا أوليآؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } # وفيه مطالع: # المطلع الأول # في اللفظ # " الطاغوت " بلفظ الواحد (الواحدان - الوحدان - ن) والأولياء بلفظ ~~الجمع، ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار للطاغوت لا من قبله ~~لهم، فلو كان من قبله، لقال: " وليهم الطاعوت " أو " الطاغوت وليهم " ~~وأما ما قرأه الحسن " أولياؤهم ms1090 الطواغيت " واحتج بقوله تعالى بعده: { ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور } فهو إسناد مخالف ~~للمصاحف، على أنه قد مر أن هذا اللفظ مفرد لا يجمع، ولهذا يقع في ~~موضع الجمع. # ومن الدلائل على ما حملناه - من كون الأولياء بمعنى المبني للمفعول بعد ~~كون الطاغوت بمعنى الشيطان قوله تعالى: # ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين # [البقرة:168] وقوله: # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا # [فاطر:6]. فإن كونه عدوا للإنسان جملة ينافي صيرورته وليا ولو في ~~بعض الأوقات. # والمراد بالطاغوت هاهنا إما الشياطين - وهو قول ابن عباس - وقيل: رؤساء ~~الضلالة - عن مقاتل - وقيل: الأصنام. وقيل: المشتهيات النفسانية والأغراض ~~الدنيوية. وقيل: النفس الأمارة بالسوء ولكل وجه بل المرجع فيها واحد ~~هو حب الدنيا لنقصان الجوهر وقصور الذات. # المطلع الثاني # قد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الكفر ليس بقضاء الله، لأنه ~~أضافه إلى الطاغوت. # والجواب: إن هذه الإضافة مجازية بالاتفاق، وخصوصا على قول من يكون ~~المراد به عنده " الصنم " كقوله تعالى: # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس # [إبراهيم:36]. فإذا كانت هذه الإضافة بالاتفاق مجازية بين الفرق فقد ~~خرجت عن أن تكون حجة لهم. # المطلع الثالث # كما أن ولاء الله للعباد منوط بولائهم إياه، فكذلك براءته تعالى ~~عنهم منوطة بمحبتهم الباطل، فالمراد هاهنا على حسب الوزان: إن الذين ~~كفروا أولياؤهم الطاعوت وبهذا الولاء للطاغوت صاروا مبعدين مطرودين عن ~~الله، ملعونين، مستوجبين للنار خالدين فيها. # ودليل ما ذكرنا قوله تعالى: # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله # [البقرة:165]. لأنه لو فسرنا الطاغوت بالأصنام فإنها بمعزل عن ~~الولاء والمحبة، وإن حملناه على الشيطان أو النفس فإنهم الأعداء لا ~~الأولياء، وإن حملناه على الرؤساء والمتقدمين فإن لهم فراغة من ولائهم ~~ومحبتهم، وإن كانوا يقطعون الطريق عليهم ويمنعونهم عن الإسلام، ويدعونهم ~~إلى الكفر، فهذا من العداوة لا من الولاء، فثبت إنهم أولياء الطاغوت لا ~~العكس. # ولهذا الفرق ذكر " الأولياء " بلفظ الجمع " والطاغوت " بلفظ المفرد كما ~~مر. # ولما كان في حق المؤمنين الولاء والمحبة من ms1091 الله تعالى ابتداء - لا ~~منهم - قال سبحانه: { الله ولي الذين آمنوا } دليله: # يحبهم ويحبونه # [المائدة:54]. بدأ بمحبته إياهم. # وأما قوله: { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } ~~فليس لكل طاغوت قدرة بالحقيقة على إخراج أحد من النور إلى الظلمات، كما ~~ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): # " بعث الشيطان مزينا وليس إليه من الضلالة شيء " # وإنما نفوس الإنسان تميل إلى ما يلائم هواها وشهوتها، فتسكن فيها ولاها ~~ومحبتها، فيتمنى نيل مرادها، وحصول مرامها من شيء، أو شخص، أو شيطان، أو ~~صنم يتشبث بذلك ويتعلق به ويتولاه، ويجعله طاغوتا يشغلهم عن الله ~~تعالى، وطلب القرب منه والارتقاء إلى عالم الروحانيين وجنة المقربين. # فلهذا ينسب الله الإخراج إليهم بقوله: " يخرجونهم " لكونهم منشأ للخروج ~~بوجه ما، فيكون نسبة الإخراج إليهم من باب نسبة المعلول إلى آلة الفعل، ~~كقوله تعالى حكاية عن دعاء خليله عن نبينا وعليه السلام: { واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن أضللن ~~كثيرا من الناس }. فالناس بواسطة محبتهم وعبادتهم ضلوا عن سبيل ~~الله لا بإضلالهن، وكذلك الكفار بتوليتهم الطاغوت أخرجوا من النور. # المطلع الرابع # في معنى " النور " هاهنا # إعلم أن معنى " النور " في هذا الموضع غير معناه الذي قد مر، فإن ~~معنى الآية: يخرجونهم من نور الروحانية والإيمان الفطري - المشار إليه ~~بقوله (صلى الله عليه وآله): # " كل مولود يولد على الفطرة " # أي: فطرة الإسلام - إلى ظلمات الصفات النفسانية والبهيمية والسبعية، ~~ظلمات بعضها فوق بعض ودركات بعضها تحت بعض، إلى أن تكدرت الأرواح، واظلمت ~~بهذه الصفات، وتخلقت بأخلاق النفوس الأرضية واتصفت بصفاتها. # فكما أن النفوس إذا تنورت بنور الإيمان والمعارف والأخلاق الروحانية، ~~وعلت إلى عالم الأرواح وأعلى عليين القرب مع كونها سفلية فبإكسير طاعة ~~الشرع والمجاهدات الدينية تصير بصفة العلويات، وتطير بأجنحة الروحانيين، ~~وتدعى بنداء # يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية # [الفجر:28 - 29]. فكذلك الأرواح العلوية لما اتصفت بصفات النفس ~~الأمارة، وانقلب جوهرها النوراني بإكسير الطبع الحيواني ظلمانية، أمرت ~~بالهبوط إلى أسفل سافلين البعد والطرد، دليله قوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في ms1092 أحسن تقويم # [التين:4]. بحسب روحه الذين هو من عالم النور # ثم رددناه أسفل سافلين # [التين:5] بإفساد الاستعداد الروحاني، بالكفر ومتابعة الهوى والطاغوت # إلا الذين آمنوا # [التين:6]. # شك وتحقيق # ولك أن تقول: إن الإنسان بحسب أصل فطرته، وأول خلقته لا يخلو إما أن ~~يكون نورانيا أو ظلمانيا، فإن كان الأول فما معنى قوله تعالى: { ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور }؟ حيث لم يكن في ظلمة ~~أصلا لا بحسب الواقع، ولا بحسب الفطرة الأصلية كالمؤمنين الذين ما كانوا ~~كفارا قط؟ وإن كان الثاني فما معنى قوله تعالى: { يخرجونهم ~~من النور إلى الظلمات }؟ # فنقول: إعلم أن الإنسان لكونه مركبا من عالمي الأمر والخلق فله ~~فطرتان: # إحداهما: روحاني نوراني علوي من عالم الأمر وهو الملكوت الأعلى. # وثانيتهما: نفس ظلمانية سفلية من عالم الخلق، ولكل منهما نزاع وشوق ~~إلى عالمه. # فقصد الروح وميله ورغبته وشوقه أبدا إلى عالمه، وهو جوار رب العالمين ~~ومصاحبة المقدسين، وميل النفس وقصدها إلى عالمها، وهو أسفل السافلين ~~وغاية البعد عن الحق. # وبين النفس والروح تجاذب وتنازع وتقالب وتقاوم، كل منهما يريد أن يسخر ~~صاحبه ويستخدمه ويستعبده في تحصيل مآربه ومطالبه. # ولكل منهما أولياء وجنود: فولي الروح هو الله، وجنوده أحزاب الملائكة ~~- وهي المعارف والأخلاق الحسنة والقوى الروحانية - وولي النفس الطاغوت، ~~وجنوده الجهالات والصفات الذميمة والقوى النفسانية، والمحاربة والمطاردة ~~قائمة بينهما في معركة القلب الإنساني إلى أن ينفتح القلب لأحدهما فيكون ~~له الحكم والغلبة في الإنسان، فيتمكن ويستوطن في قلبه ويجعله عشا له. # فإن كانت الغلبة لحزب الله بعلامات يعرفها أرباب القلوب في أنه حلق ~~للجنة لسابق التقدير وسابق القضاء، فيكون الله متولي أمره ومخرجه من ~~الظلمات - التي هي الدواعي النفسانية بحسب فطرة النفس - إلى نور العرفان ~~بتوفيق الطاعات وفعل الخيرات. # وإن كانت الغلبة لحزب الشيطان لكونه خلق للنار فيسر له أسباب المعصية ~~لحكمه إلهية، ومصلحة قدرية، يعرفها أهل الله، فيكون الشيطان وجنوده ~~أولياءه وأحباؤه ومتولي أمره، ومخرجه من النور الذي كان له بحسب فطرة ~~الروح، المشار إليه بقوله (صلى الله عليه ms1093 وآله): # " كل مولود يولد على الفطرة " # إلى الظلمات الدنيوية من الشهوات واللذات، ولا يرغبهم الطاغوت فيها، ~~لقوله تعالى: # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا # [النساء:120]. يعدهم بالتوبة، ويمنيهم بالمغفرة إلى أن يهلكهم بهذه ~~الحيل وما يجري مجراها. # كل ذلك غير خارج عن قضاء الله وقدره، كما قال: # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السمآء # [الأنعام:125]. وقوله: # إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ~~ذا الذي ينصركم من بعده # [آل عمران:160]. # فهو الهادي والمضل، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، خلق الجنة وخلق لها ~~أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا، وعرف الخلق - وخصوصا أولياءه - ~~علامة أهل النار وأهل الجنة، فقال: # إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار:13 - 14]. # ولما كان الغالب على أكثر الخلق جانب النفس والميل إلى الظلمات بعث ~~برحمته الأنبياء صلوات الله عليهم لتزكية النفوس عن ظلمة أوصافها وسوء ~~أخلاقها، وتحليها بحلية أنوار الأرواح، ليستحق بها جوار الحق وقربه في ~~زمرة الأرواح المقدسة، فتزكيتها في إخفاء ظلمة أوصافها بإبداء أنوار ~~أخلاق الروح عليها في تحليتها بها، وهذا مقام الأولياء مع الله يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور. # وبعث الشيطان إلى أوليائه - وهم أعداء الله - ليخرج أرواحهم من الروح ~~الروحاني إلى الظلمات النفسانية، بإخفاء أنوار أخلاقها في إبداء ظلمات ~~أخلاق النفس عليها لتستحق بها دركة أسفل السافلين، وغاية البعد عن الحق، ~~فيغفر لمن يشاء ويعذب العاصي بعقوبة نفسه بنار دركات السعير، وروحه بنار ~~الفرقة والبعد # والله على كل شيء قدير # [البقرة:284] من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الخلق والأمر. # المطلع الخامس # في تحقيق العلاقة العقلية والملازمة الذاتية بين الكفر وطاعة الشيطان ~~كما يستفاد من هذه الآية # إعلم أن الشيطان - كما حققناه في كتاب المبدأ والمعاد - جوهر مجرد ~~الذات جسماني، خلقت ذاته من الله تعالى بتوسط القعول الفعالة لأجل جهة ~~إمكانية ظلمانية، وذاته وإن كانت شرا محضا، إلا أنها وجدت بتقدير ~~الله لحكمة قضائية ms1094 ومصلحة قدرية، فهو وإن كان من شأنه الغلط والتغليط، ~~والضلال والإضلال، إلا أن نسبته إلى الملائكة المقربين نسبة الوهم ~~إلى القوى العاقلة. # وكما أن وجود الوهم في العالم الصغير الإنساني منشأ الغلط والكفر ~~والتغليط - إلا أنه ضروري الوجود في إدراك الجزئيات - ويدفع ضره ~~وشره بالحكمة والبرهان النير - فكذلك وجود الشيطان في العالم الدنيوي ~~ضروري يوجب تعمير هذه النشأة الدنيوية، ويدفع شره وضره بنور الإسلام ~~وطاعة الشريعة الإلهية. # ومن هاهنا ينكشف لدى العاقل البصير أن منشأ الكفر ليس إلا محبة ~~الباطل، ومنشؤها ليس إلا ترويج الباطل في صورة الحق، ولو نظر أحد بعين ~~(بنور - ن) التحقيق إلى حال الإنسان عند محبة كل ما يستلذه، أو يعتقده، ~~أو يطلبه من الأمور الباطلة الزائلة - كالزنا، وأكل مال اليتيم، وقتل ~~النفس المحرمة وعداوة أولياء الله، ومحبة أعداء الله - فليس يجده في ~~تلك الحال إلا زاعما - لغاية غروره - أن في ذلك كمالا وحقيقة، ~~ووجودا ودواما، فما لم يعم، ولم يصم عن مشاهدة بطلان المحبوبات ~~الباطلة، ودثور المرغوبات الزائلة لم يقدم على محبتها وطلبها ومباشرتها. # فمبدأ جميع القبائح يرجع إلى ترويج الباطل في صورة الحق، فالإنسان في ~~هذا الترويج يتبع الشيطان، وصار عقله مقهورا لوهمه عند ادعائه له في هذا ~~الترويج والتدليس، وكل من كفر بالله وآياته صار من أتباع الشيطان، ومحبيه ~~في هذا التغليط من الوهم للقوة العاقلة لصيرورة عقله مذعنا لوهمه. # والوهم من جنود الشيطان، لأن فعله الإغواء وتزيين الباطل وترويجه في ~~صورة الحق، وتابع التابع للشيء تابع لذلك الشيء، والتابع للشيء محب له، ~~فثبت ما ادعيناه من أن الكفر منشؤه ولاء الشيطان - بإضافة المصدر إلى ~~المفعول - كما حققناه. # ومن هاهنا يعلم أن إبليس وإن كان أصله من الملك، إلا أنه لم يكن ~~إلا منافقا، مغالطا جاهلا، كافرا، وما زعمه بعض الجماهير أن ~~الشيطان كان من أعلم العلماء فكلامه مزيف سخيف، وكأنهم لم يفرقوا بين ~~العلم والمغالطة، ولا بين الحكمة والسفسطة، وخصوصا على مذهب من يمنع ~~الإحباط كما ذهب إليه أصحابنا الإمامية - رضوان الله ms1095 عليهم -. # ومن الدلائل على سبق كفره قوله تعالى: # كان من الكافرين # [البقرة:34]. مما يؤيد ما ذكرناه من أن إبليس كان كافرا في أول الأمر ~~ما حكاه محمد ابن عبد الكريم الشهرستاني في أول " الملل والنحل " عن شارح ~~الأناجيل الأربعة شبه مناظرة بين إبليس والملائكة بعد الأمر بالسجود: # قال إبليس لعنه الله: إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق، عالم ~~قادر حكيم، إلا أن لي على مساق حكمته أسئلة: # الأول: إنه قد علم قبل خلقي أي شيء يصدر عني، فلم خلقني؟ وما الحكمة ~~في خلقه إياي؟ # الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيته، فلم كلفني بمعرفته ~~وطاعته؟ وما الحكمة في التكليف بعد أن لا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصية، ~~وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ # الثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة، فأطعت وعرفت ~~فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟ وما الحكمة في هذا التكليف على ~~الخصوص؟ فإذا لم أسجد فلم لعنني وأخرجني من الجنة، وأوجب عقابي مع ~~أنه لا فائدة له في ذلك، ولي فيه أعظم الضرر؟ # الرابع: لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة، ومن وسوسة ~~آدم بعد أن لو منعني من دخول الجنة استراح مني آدم، وبقي خالدا في ~~الجنة. # الخامس: إذ خلقني وكلفني عموما وخصوصا ولعنني ثم طرقني إلى الجنة ~~وكانت الخصومة بيني وبين آدم، فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث ~~لا يرونني، وتؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر في حولهم وقوتهم، وما الحكمة ~~في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة دون من يحتالهم عنها، فيعيشوا طاهرين ~~سامعين، طائعين، مطيعين، كان أحرى بالحكمة. # والسادس: سلمت هذا كله، فلم إذا استمهلته أمهلني؟ وما الحكمة في ذلك ~~بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني، وما بقي في العالم شر؟ ~~اليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه بالشر؟ # فقال شارح الأناجيل: فأوحى الله إلى الملائكة قولوا له: " أما تسليمك ~~الأول - أني إلهك ms1096 وإله الخلق - فغير صادق ولا مخلص إذ لو صدقت أني إله ~~العالمين، ما احتكمت علي ب " لم " ، فأنا الله الذي لا إله إلا ~~أنا، لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون " هذا مذكور في التوراة ومسطور ~~في الإنجيل. # وهذه الشبهات بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور، وليست تعدوها عقائد ~~فرق الزيغ والكفر، وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق، ويرجع جملتها إلى ~~إنكار الأمر بعد الاعتراف بالحق، وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص، ~~ولا جواب عليها بالحقيق إلا الذي ذكره الله تعالى. # فاللعين لما حكم عقله الوهماني على من لا يتحكم عليه العقل، لزمه ~~أن يجري حكم الخالق في الخلق، أو حكم الخلق في الخالق، فالأول: غلو ~~كالحلولية وكالغلاة، والثاني: تقصير كالمشبهة - وصفوا الخالق بصفات ~~الأجسام - وكالخوارج - نفوا تحكيم الرجال وقالوا " لا حاكم إلا الله " - ~~كقوله: ءأسجد لبشر خلقته من صلصال لا أسجد إلا لك. # فالشبهات كلها ناشئة من اللعين، وتلك في الأول مصدرها، وهذه في ~~الأخيرة مظهرها، ولهذا قال تعالى: # ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين # [البقرة:168] وشبه النبي (صلى الله عليه وآله) كل فرقة ضالة من هذه ~~الأمة بأمة ضالة من الأمم السالفة، فقال: # " القدرية مجوس هذه الأمة " # و " المشبهة يهود هذه الأمة " و " الغلاة نصاراها " وقال (صلى الله ~~عليه وآله) جملة: # " لتسلكن سبيل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل، حتى لو ~~دخلوا جحر ضب لدخلتموه ". # وأما الزاعمون بأن إبليس كان مؤمنا ثم كفر بعد ذلك، فقد اختلفوا في ~~توجيه ما ذكرناه من قوله تعالى: # كان من الكافرين # [البقرة:34]. فمن قائل معناه: كان من الكافرين في علم الله - أي كان ~~عالما في الأزل بأنه سيكفر - فصيغة كان متعلق بالعلم لا بالمعلوم. # ومن قائل: إن " كان " بمعنى " صار ". # وقيل: لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمنا، فبعد لحظة يصدق عليه ~~أنه كان من الكافرين، وإنما حكم بكفره على هذا القول الثاني ~~لاستكباره واعتقاده كونه محقا في ذلك التمرد بدليل قوله: # أنا خير منه # [الأعراف:12] وإلا فمجرد المعصية ms1097 لا توجب الكفر عندنا، وإن كانت ~~كبيرة، وكذا عند المعتزلة، وإن خرج عن الإيمان لم يدخل في الكفر، نعم عند ~~الخوارج الكبيرة موجبة الكفر على الإطلاق. # المطلع السادس # في توضيح الفرق بين محبة الله ومحبة الشيطان # إعلم أن المحبة نوعان بحسب المحب والمحبوب: محبة هي من صفات الإنسان ~~بحسب طبيعته البشرية - وهي من هوى النفس الأمارة بالسوء - ومحبة هي من ~~صفات الحق - وهي من آثارها الإرادة القديمة الإلهية التي اقتضت خلق ~~العالم بما فيه، كما قال تعالى: # " كنت كنزا مخفيا فأجيب أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف ". # وقال بعض الحكماء: " لولا عشق العالي لانطمس السافل " فمن وكل إلى محبة ~~(محبته - ظ) النفسانية تعلق بما يلائم هوى النفس من أصناف الأصنام التي ~~ينحتها الشيطان، ليسخر بها النفوس ويجعلها من جنوده المعادية المنازعة ~~(المتنازعة - ن) لجنود الرحمان، وجنوده أهل الدنيا المحبين لشهواتها ~~وزهراتها، سواء كانوا متسمين (متسلمين - ن) بالإسلام أو بالكفر، إذ لا ~~فرق عند أرباب الحقيقة بين عبدة الأصنام وعبدة الدنيا. # فكما أن الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها، وبعضهم يحبون العزى ~~ويعبدونها، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبون الأموال ويعبدونها، وبعضهم ~~الأولاد ويعبدونهم، وبعضهم يحب غير ذلك، كما قال سبحانه: # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله # [البقرة:165]. # ولهذا أعلم الله عباده عن فتنة هذه الأشياء وحذرهم عنها بقوله: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [التغابن:15]. وبقوله: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم # [التغابن:14]. يعني: فاحذورهم عن محبتهم، لأن محبتهم، تمنعكم عن محبة ~~الله، وهو الحبيب وإنهم العدو، لأنهم من توابع ما هو عدو بالأصالة - وهو ~~الهوى والطاغوت -. # وقال تعالى في موضع آخر في حق الذين ستروا أنوار روحانيتهم، ومحبة الله ~~بظلمات صفات نفسانيتهم، من هوى النفس، وجحود الحق، وإنكاره وحب الشهوات: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع ~~الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب # [آل عمران:14]. # يعني: ذلك متمتعات أهل الدنيا، والذين يأكلون الدنيا ويتمتعون بها ~~كما تأكل ms1098 الأنعام، وتتمتع بها فالنار مثوى لهم، ولخواص الله المقبولين ~~عنده بقبول العناية، المجذوبين لديه عن شهوات نفوسهم، والطبائع ~~الحيوانية بجذبات الهداية الربانية عنده حسن المآب، لدوام ابتهاجهم ~~بنور الحق ومشاهدة صفات جماله وجلاله، ومن وكل إلى محبة الله وكان في ~~الأزل أهلا لها فما وكل إلى محبة النفس وهواها، بل جذبته العناية ~~الأزلية، ونظمته في سلك الكناية المذكورة في بشارة " يحبهم ويحبونه " ~~فإنما لا تتعلق بغير الله، لأنها من عالم الوحدة فلا تقبل الشركة، كما ~~قال الله تعالى: # والذين آمنوا أشد حبا لله # [البقرة:165]. # ومما وقع في الفرس تفطنا لهذا المعنى حيث قيل: # بلى سلطان معشوقان غيوراست # زشركت ملك معشوقيش دوراست # نمى خواهد زانجام وز آغاز # در اين منصب كسى را باخودانباز # وذلك لأن أولياء الشيطان أحبوا الأنداد بمحبة فانية نفسانية، ~~وأحباء الله أحبوه بمحبة باقية ربانية، كما قيل شعرا: # قد طال إلى لقائكم أشواقي # والهجر وما أراق من آماقي # لو قطعني الفراق إربا إربا # في المهجة حبكم كما هو باق # بل أحبوه بجميع أجزائهم الفانية والباقية كما قيل: # الشوق أكثر أن يختص جارحة # كلي إليك على الحالات مشتاق # ولهذا احترزوا عن محبة غير الله، إذ لم يبق فيهم موضع محبة الغير، كيف ~~ومحبتهم تمنع عن محبة الله، وهو الحبيب الأول، وإنهم العدو، فمن أحب ~~الله يرى ما سواه بنظر العداوة، كما كان حال الخليل (عليه السلام)، فقال: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء:77]. # فكما أن لأرباب النفوس بغلبات الشهوات النفسانية حظوظ منبعثة من دركات ~~الجحيم - من النساء، والبنين، والذهب، والفضة، والخيل، والأنعام، والحرث ~~- على عدد أبوابها السبعة، ودركاتها التي كلها محفوفة بالشهوات كما قال ~~(صلى الله عليه وآله): # " حفت النار بالشهوات " # لكل دركة شهوة، لها سبعة أبواب لكل باب جزء مقسوم، منهم يتلذذون بها ~~عاجلا ويصلونها يوم الدين آجلا، كما قال: # وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار:14] - يعني الآن عاجلا - # يصلونها يوم الدين # [الانفطار:15] - يعني غدا آجلا - # وما هم عنها بغآئبين # [الانفطار:16]. فكذلك لأرباب القلوب بغلبات أوصافها الروحانية، وجذبات ms1099 ~~عناياتها الربانية، حظوظ من درجات الجنان ونعيمها، عاجلا ثم يدخلونها ~~آجلا، كما قال سبحانه وتعالى: # إن الأبرار لفي نعيم # [الانفطار:13]. نعيم الآثار والأفعال، وأما نعيم الذات والصفات فأشار ~~إليه بقوله: # والله عنده حسن المآب # [آل عمران:14]. وبقوله تعالى: # الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ~~ينيب # [الشورى:13]. # المقالة التاسعة عشرة: # في قوله سبحانه: { أولئك أصحاب النار } # وفيه بصائر: # البصيرة الأولى # في اللفظ # إسم الإشارة فيه يحتمل أن يرجع إلى الكفار والطواغيت جميعا، فيكون ~~زجرا للكل ووعيدا، لأن لفظ " أولئك " إذا كان جمعا وصح رجوعه إلى ~~كلا المذكورين وجب رجوعه إليهما معا، لكن الأرجح عندي أن يكون راجعا ~~إلى الكفار خاصة، ويكون المراد من أصحاب النار، أصحابها أصالة وجبلة - ~~وهم النفس والشيطان والطاغوت - فيكون معنى الآية: أرواح الكفار مع أصحاب ~~النار - بتقدير المضاف - هم فيها خالدون. أي: معهم فيها خالدون. # البصيرة الثانية # في المعنى # أيها الأرواح الساهية، الجاهلة، الكافرة، بأنعم الله، إنكم وإن لم ~~تكونوا في أول الفطرة من جنس أصحاب النار المبعد عن دار القرار، لكن لما ~~تشبهتم بهم " فمن تشبه بقوم فهو منهم " " من أحب قوما فهو منهم " ~~فكونوا معهم خالدين في النار # وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل:33]. # وفي هذا المقام تحقيقات نفيسة ذهل عنها الأكثرون، إلا من أيده اله ~~بنور منه، ولا يمكنني أن أجود بذكرها مفصلا للراغبين، وأسمح بالكشف ~~عنها للطالبين، لابتنائها على علوم جمة، ومقدمات كثيرة، بعضها برهانية ~~وبعضها كشفية، يطول الكلام بذكرها، ويخرج به عن أسلوب التفسير على طور ~~أهل الدقة من الجماهير، مع أن التعمق في الكشف عن الأسرار، غير ملائم ~~لطبائع أصحاب الأنظار، لكن مع ذلك لا ينبغي الإهمال عنها بالكلية، بل لا ~~بد أن أذكر إجمالا منه؛ لكونه مما يتوقف عليه معنى الآية على حسب ما ~~اخترناه. # وأصل المسألة صيرورة أرواح الكفار ومن يحذو حذوها بكثرة الانكباب إلى ~~اللذات من نوع ما يحبونه ويتشبهون به من الدواب والأنعام - بالحقيقة لا ~~بالمجاز - بعدما كانوا من سنخ الإنسان في أول ms1100 الأمر، فهم قد مسخوا قردة ~~وخنازير باطنا وسرا، وإن كانوا في صورة الإنسان ظاهرا، وتلخيص بيانه ~~على الوجه العقلي محافظا للقانون الحكمي حسب ما شرحناه وفصلناه في ~~مسفوراتنا، هو مما أذكره الآن،فاستمع لما يتلى عليكم من البيان. # البصيرة الثالثة # في تمهيد ما أصلناه وإجمال ما فصلناه # إعلم أن صيرورة أرواح الكفار من أصحاب النار بعد ما لم يكونوا منها من ~~جهة الفطرة الأصلية، يتوقف تحقيقها والعلم بها أولا على معرفة حقيقة ~~النار والجنة، ثم على حقيقة أصحابها وأربابها، ثم على كيفية انقلاب ~~النشأة الإنسانية من أصل فطرتها إما إلى فطرة الشياطين والسباع ~~والبهائم، أو إلى فطرة الملائكة والحور والغلمان. # وهذه أصول لا تنكشف حقائقها لأحد إلا لخواص العرفاء من الأولياء، ~~فلنذكر نبذا منها، وجملة من ماهيتها ومعرفتها على الكشف والتحقيق من ~~علامات أولياء الله التي بها يمتازون عن غيرهم، فإن معرفة الملائكة، ~~وكيفية إلهامها ومعرفة الشياطين وجنودها، وكيفية وسواسها من لطائف ~~علومهم، ودقائق معارفهم التي لا خبر عند غيرهم إلا بنور متابعتهم، كما ~~قال الله تعالى: # إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون * وإخوانهم يمدونهم ~~في الغي ثم لا يقصرون # [الأعراف:201 - 202]. # كمال أن من علاماتهم ودقيق علومهم، ولطيف أسرارهم التي يمتازون بها عن ~~غيرهم، معرفة البعث، والنشر، والقيامة، والحشر، والحساب، والميزان ~~والصراط والجواز، وذلك لأن أكثر علماء المذاهب وفقهائها، ومتكلميها ~~المتعبدين فيها، متحيرون في معنى الإبليسية، وحقيقة إبليس المخاطب، وأكثر ~~المتفلسفة منكرون قصته مع آدم وعداوته، وخطابه مع رب العالمين، ومواجهته ~~إياه بخشونة الخطاب مما ذكر في القرآن. # البصيرة الرابعة # في معرفة الجنة والنار # إعلم أن لكل منهما صورة وحقيقة، فصورة النار كما وصفها الله تعالى ~~بأوصاف متعددة من قوله: # الحطمة # [الهمزة:5]. # الكبرى # [الأعلى:12] # نزاعة للشوى * تدعو من أدبر وتولى * وجمع ~~فأوعى # [المعارج:16 - 18]. وقوله: # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب * لا ظليل ولا ~~يغني من اللهب * إنها ترمي بشرر كالقصر # [المرسلات:30 - 32]. وبقوله: # هاوية * ومآ أدراك ما هيه * نار حامية # [القارعة:9 - 11]. وبقوله: # نار الله الموقدة * التي ms1101 تطلع على الأفئدة # [الهمزة:6 - 7]. وصورة الجنة كما وصفها الله تعالى بقوله في عدة مواضع: # جنات تجري من تحتها الأنهار # [البقرة:25] # لهم فيها من كل الثمرات # [محمد:15]. # أما حقيقة النار: فلا يمكنني تحديدها والتنصيص عليها بما يساوقها إلا ~~على سبيل التقريب، فيشبه أن تكون حقيقتها هي البعد والنقصان، والقطيعة عن ~~الرحمن، لا المعنى المصدري، بل الجوهر الذي هو مشنأ البعد والطرد عن ~~الله، فإن للوجود درجات متفاوتة، ودركات متسافلة، إحدى حاشيته في غاية ~~الشرف والرفعة والجلالة - وهو الباري تعالى - والأخرى في غاية النزول، ~~والخسة، والدنو، وبينهما درجات، ومنازل، ومصاعد، ومهاوي. # وحقيقة الجنة: هي القرب من الله ومجاورة الحق الأول، لا المعنى المصدري ~~بل ما به يتقرب منه ويتجاور - على قياس ما أشرنا في معنى البعد عن رحمة ~~الله - فمن هاهنا يعمل معنى " جهنم " بالذات وهي الهاوية - لكونها في ~~غاية الهبوط والنزول، والبعد عن الله العلي العظيم - والنار - لكونها ~~قطاعة نزاعة للشوى - والحطمة الكبرى- لكونها يحطم ويهلك ما يقع فيها؛ ~~لوقوعها في حاشية العدم وليست بعدم محض؛ ليحصل بها الخلاص، وشأن ما يجاور ~~العدم وليس بعدم ما أشار إليه تعالى بقوله: # ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت # [إبراهيم:17]. وقوله: # ثم لا يموت فيها ولا يحيا # [الأعلى:13]. # فإذا علمت معنى " الجحيم بالذات " علمت معنى الجحيم بالإضافة، والقلب ~~الإنساني كأنه واقع بين طرفين - يمين وشمال - أو بمنزلة خط هندسي مشترك ~~بين الضوء والظل، وطبقات جهنم السبعة المتفاوتة في ملاك المعنى المشترك، ~~وكذلك قياس معنى الجنة بالذات والجنان المضافة ودرجاتها. # البصيرة الخامسة # في معرفة أصحابها # وإذا علمت معنى " جهنم " و " الجنان " وتفاوت مراتب كل منهما، بحسب ~~الذاتية والعرضية، يمكنك أن تعرف أصحاب كل من طبقات النيران من أتباع ~~الشيطان، وتعرف سكان كل من درجات الجنان من عباد الرحمن، بحسب الجوهر ~~والذات، وتعلم أيضا أن كل ما يقرب الإنسان إلى الحق الأول، ويشبهه ~~إلى الملائكة المقربين، فهو منشأ ثواب الله له، واستحقاقه رحمة الرحمن ~~ودخول الجنان، وكل ما يقربه من عالم المواد السفلية، ويدخله إلى ms1102 أبواب ~~الدنيا الدنية، وطلب مشتهايتها الخسيسة وترفعاتها، ورياستها الباطلة ~~الزائلة، فهو موجب مقت الله، وغضبه عليه، وسبب طرده، وبعده عن ملكوته ~~الأعلى. # فأفضل خلق الله وأولاهم برحمته، ورضوانه، ومجاورته، وغفرانه، وأقربهم ~~إليه مناسبة ومشابهة من لا حجاب بينه وبين الحق، وهم العقول القادسة ~~المفارقة عن الأجسام بالكلية - ذاتا وفعلا والتفاتا - سواء كانوا بهذه ~~المثابة في القدس بحسب أصل الفطرة - كضرب من ملائكة الله المقربين - أو ~~بحسب الاكتساب العلمي والعملي - كضرب من الأنبياء والأولياء المطهرين، ~~صلوات الله عليهم أجمعين، على تفاوت مراتبهم في قصر النظر إليه، وعدم ~~الالتفات إلى غيره. # فأجلهم مرتبة، وأحبهم لله عشقا من لا التفات له إلى ذاته العارفة ~~بالحق، المزينة بنور الله من حيث هي الذات، فضلا عن التفاته إلى غيرها، ~~فإن الالتفات إلى غير الله - وإن كان هو من الذات العارفة - بون ~~وهجران، وإيثار العرفان من جهة كونه عرفانا - وإن كان بالحق - بعد ~~وحرمان، وقصر النظر والالتفات إلى المعروف به فقط دون غيره، وصال وجنة، ~~ورضوان. # وبعد هذه المرتبة العشاق المشتاقين من أهل العرفان والإيمان، كملائكة ~~الله العمالة المدبرة للأجسام، والنفوس الكاملة من الإنسان، أما العشق ~~فلعرفانهم، وكمالهم، ومنزلتهم، وحالهم، وأما الشوق المستلزم لنار الحرمان ~~وعذاب المفارقة، فلبقايا وجودهم، والتفاتهم إلى غير الله، وبقايا ~~قصوراتهم الإمكانية المقتضية للتعلقات بالأجرام. # فهم لأجل عرفانهم وإيمانهم سكنوا درجات الجنان، واختلفوا في مراتب القرب ~~من الرحمن بحسب مراتب عرفانهم قوة وضعفا، ولأجل قصور ذواتهم عن تمام روح ~~الوصال تأذوا أنواع أذى، إلا أنهم حيث تنورت عقولهم بالمعرفة ~~والإيمان، ولم تتكدر ذواتهم بالجهل والعصيان، ولم يحتجبوا بظلمة الظلم ~~والطغيان، لم يكن لهم أذى أليم، بل أذاهم أذى لذيذ، لكونه من قبل ~~معبودهم، وهم عارفون بأن الأذى من قبله، والعاشق إذا علم يقينا أن ما ~~يناله من الأذى مما حصل من جهة (قبل - ن) معشوقه يفرح به، ويكون عين ~~الأذى لذيذا عنده؛ لأنه يتصور وصول أثر المعشوق به إليه، و " وصول الأثر ~~أثر الوصول " كما قيل. # وقد مثل بعض العرفاء هذا الأذى ms1103 اللذيذ في العقليات بأذى الحكمة والدغدغة ~~في الحسيات، والفرق بين القبيلين بعد كون أحدهما عقليا والآخر حسيا، ~~كما ذكره بعض المحققين، أن الأذى واللذة في الدغدغة متباينان وجودا ~~- وإن كان الحس لا يميز بينهما لتعاقبهما - وهاهنا هما متحدان وجودا. # فهاتان المرتبتان لأهل السعادة: # الأولى: منهما للمقربين الذين يقال لهم: " أهل الله ". # والثانية: لأصحاب اليمين الذين يقال لهم " أهل الفضل والثواب " # الذين آمنوا وعملوا الصالحات # [البقرة:25]. للجنة راجين لها راضين بها # ووجدوا ما عملوا حاضرا # [الكهف:49]. من ثمرات أعمالهم ونياتهم على تفاوت درجاتهم # ولكل درجات مما عملوا # [الأنعام:132]. # ومنهم أهل الرحمة الباقون على سلامة نفوسهم، وصفاء قلوبهم. بحسب الفطرة ~~الأصلية من غير أن يفظظها مباشرة الأمور الأرضية الجاسية، المتبوؤن درجات ~~الجنان لا على حسب كمالاتهم من ميراث عملهم بل على حسب استعداداتهم من ~~فضل ربهم ورحمته، التي يكفي لها مجرد صفاء القابل، وعدم المنافي. # وبعد هاتين المرتبتين مرتبة نفوس مترددة بين جهتي الربوبية والسفلية، ~~وهم الذين # خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا # [التوبة:102] وهم قسمان: # أما المعفو عنهم رأسا: لقوة اعتقادهم، وعدم رسوخ سيئاتهم - إما ~~لقلة مزاولتهم إياها، أو لمكان توبتهم عنها - # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان:70]. # وأما المعذبون حينا بحسب ما رسخ فيهم من المعاصي حتى خلصوا عن درن ما ~~كسبوا فنجوا، ويقال لهم أهل العدل والعفات (العقاب - ن) # والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما ~~كسبوا # [الزمر:51]. لكن الرحمة تتداركهم وتنالهم بالأخرة. # فهذه المراتب الثلاثة الكلية على حسب تفاوت درجات النفوس الواقعة في كل ~~مرتبة منها لأصحاب الجنان على تفاوت مراتبهم في القرب من الرحمن، والبعد ~~من الطاغوت والشيطان. # وأما أصحاب النار فهم ذو النفوس المنحوسة المغموسة في عالم الطبيعة التي ~~لا مفاصل لرقابها المنكوسة، ولا نجاة لقلوبها المطموسة، لكونها إما ~~جرمانية الذات فطرة أو اكتسابا، أو جرمانية الصفات والمتعلقات بحسب ~~مزاولة الأعمال الدنيويات. # البصيرة السادسة # في كيفية توزع الأرواح الإنسية إلى أصحاب الجحيم والدركات وأصحاب النعيم ~~والدرجات بقول إجمالي # واعلم أن الإنسان مركب بحسب نشأة حدوثه، من عالمي ms1104 الأمر والخلق، فله ~~روح نوراني علوي من عالم الأمر - وهو الملكوت الأعلى - وله نفس ظلمانية ~~سفلية من عالم الخلق. ولكل منهما نزاع وميل وشوق إلى عالمه. فقصد الروح، ~~وميله، ورغبته، وشوقه أبدا إلى عالمه وهو جوار رب العالمين، وميل النفس ~~وقصدها إلى عالمها وهو أسفل السافلين وغاية البعد عن الحق. # فبعث الله النبي (صلى الله عليه وآله) بصفة الرحمة واللطف ليزكي ~~النفوس عن ظلمة أوصافها، وسوء أخلاقها، ويحليها بحلية أنوار الأرواح، ~~لتستحق بها جوار الحق وملكوته، وقربه في زمرة الأرواح المطهرة، ~~فتزيكيتها وتقديسها بإخفاء ظلمات الأوصاف الحيوانية في إبداء أنوار ~~أخلاق الروح في تحليتها بها، ليغلب نور الروح على ظملة النفس، ويقهرها، ~~ويكتمها في كتم العدم والخفاء، فهذا مقام الأولياء مع الله { ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور }. # وبعث الشيطان بصفة العزة والكبرياء، والقهر إلى أوليائه - وهم أعداء ~~الله - ليخرج أرواحهم من النور الروحاني إلى ظلمات الصفات النفسانية ~~بإخفاء أنوار أخلاقها في إبداء ظلمات أخلاق النفس عليها، ليستحق بها دركة ~~أسفل السافلين وغاية البعد عن الحق. # فمنهم المطرودون الذين حق عليهم القول، وهم أهل الظلمة والحجاب الكلي، ~~المختوم على قلوبهم أزلا كما قال تعالى: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~لهم قلوب لا يفقهون # [الأعراف:179]. إلى قوله: # كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف:179] وقوله تعالى: # ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود:119]. # وقد ورد في الحديث الرباني: # " خلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي ". # ومنهم المنافقون الذين كانوا مستعدين في الأصل، قابلين للنور بحسب ~~الفطرة والنشأة، ولكن احتجبت قلوبهم بالرين، المستفاد من اكتساب ~~الرذائل، وارتكاب المعاصي، ومباشرة الأعمال البهيمية، والسبعية، ~~ومزاولة المكائد الشيطانية، حتى رسخت الهيآت الغاسقة، والملكات المظلمة ~~في نفوسهم، وارتكمت على أفئدتهم، فبقوا شاكين حيارى تائهين، قد حبطت ~~أعمالهم وانتكست رؤوسهم، فهم أشد عذابا، وأسوأ حالا من الفريق الأول، ~~لمنافاة مسكة استعدادهم، وقوة نفوسهم، لحالهم كما تقدم ذكره. # والفريقان هم أهل الجحيم والمتعلقون بالهيولى، أحدهما: أهل الحجاب ~~والآخر: أهل العقاب. # وقد أشار ms1105 سبحانه في أوائل القرآن إلى الفريق الأول بقوله: # إن الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم ~~وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب ~~عظيم # [البقرة:6 - 7]. وإلى الفريق الثاني بقوله: # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ~~وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا ~~وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في ~~قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم ~~بما كانوا يكذبون # [البقرة:8 - 10]. # فانطر كيف كشف الله عن حال هذين الفريقين من أصحاب النار، وبين وخامة ~~عاقبة كل من الطائفتين في عاقبة الدار، وأثبت لكل منهما نوعا يخصه من ~~الشر والوبال، وفساد ما يلزمه في الآخرة والمآل: # فالفريق الأول: لما كانوا من الأشقياء الذين هم أهل القهر الإلهي، لا ~~ينجح فيهم النصح والإنذار، ولا سبيل إلى خلاصهم من النار # كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا ~~أنهم لا يؤمنون # [يونس:33]. # وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا ~~أنهم أصحاب النار # [غافر:6]. # سدت عليهم الطرق، وأغلقت عليهم الأبواب، إذ القلب هو المشعر الإلهي ~~الذي هو محل الإلهام، فحجبوا عنه بختمه، والسمع والبصر هما المشعران ~~للإنسان اللذان هما بابان للفهم والاعتبار، فحرموا عن جدواهما، لامتناع ~~نفوذ المعنى فيها إلى القلب، فلا سبيل لهم في الباطن إلى العلوم ~~الحقيقية الكشفية، والمعارف الربانية الذوقية، ولا في الظاهر إلى ~~العلوم التعليمية والآداب الكسبية، فحبسوا في سجون الظلمات، وبقوا ~~حيارى في أيدي الشهوات المتراكمات، الموجبة للدثور والممات، فما أعظم ~~عذابهم وأغلظ جحابهم!. # وأما الفريق الثاني: من الأشقياء الذين سلب عنهم الإيمان مع ادعائهم له ~~بقوله: # آمنا بالله # [البقرة:8]. وذلك لأن محل الإيمان هو القلب المصفى، والروح المجرد ~~بالرياضة والمجاهدة، مع القوى المدركة والمحركة، وصرفها في الأفكار ~~القدسية، والأنظار الحكمية، لا اللسان بفصاحة البيان، وعلوم العربية ~~وغرائب النكت في محاسن الكلام، فإن الإيمان متعلق بعلم الحال لا ~~بطلاقة اللسان في المقال # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات:14]. # ومعنى قولهم " آمنا بالله ms1106 وباليوم الآخر " ادعاء علم التوحيد وعلم ~~المعاد، اللذين هما أصلان عظيمان من أصول الدين، وأساسان كبيران من معارف ~~الحق واليقين، أي: لسنا من المشركين المحجوبين عن الحق، ولا من أهل ~~الكتاب المحجوبين عن الدين والمعاد، لأن اعتقاد أهل الكتاب في باب ~~المعاد ليس مطابقا للحق. # وهؤلاء المنافقون قد غفلوا عن أن حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر، ~~ليس مما يتعلق بالأقوال، بل هي مما أنعمه الله من الحكمة على من سد على ~~نفسه باب وسوسة الشيطان، وأزال عن ضميره الشكوك والأوهام، ففتح على قلبه ~~باب المعرفة والرحمة والرضوان، وأفاض الله عليه أنواع كرامته عاجلا ~~وآجلا، فمن ذلك يفتح الله تبارك وتعالى بابا من خزائن حكمته، وهي مختصة ~~بمشيئته لا بمشيئة الخلق ودواعيهم، وجمعهم أسبابها - من الكتب والأسانيد ~~العالية من الأسانيد - فإنه تبارك وتعالى يؤتي الحمكة من يشاء. # وظن قوم من الفلاسفة وأرباب البحوث والأنظار، أن الحكمة تحصل بمجرد ~~التكرار، أم هي من نتائج الأفكار، وما فرقوا بين المعقولات والحكميات ~~الإلهيات، فالمعقولات مشتركة بين أهل الدين وأهل الكفر، وبين المقبول ~~والمردود. # فالمعقول ما يحكمه العقل ببرهان عقلي، وهذا ميسر لكل عاقل بالدراية ~~وبالقراءة والرواية، فمن صفى عقله من شوب الوهم والخيال يدرك المقعولات ~~بالبرهان دراية، ومن لم يصف عقله عن هذه الآفات فهو يدرك المعقول قراءة ~~بتفهم أستاذ مرشد. # فأما الحكمة الإلهية فليست من هذا القبيل، فإن العقول عن دركها ~~بذواتها محتجبة، والبراهين العقلية والنقلية عنها محتبسة، فإنها مواهب ~~الحق ترد على قلوب الأنبياء والأولياء عند تجلي صفات الأحدية، وفناء ~~أوصاف الخلقية، فتكاشف الأسرار بحقائق معاني أورثتها تلك الأنوار، كما ~~قال (صلى الله عليه وآله) # " أوتيت جوامع الكلم " # أي: الحكم، فأمارة صحتها معادلتها بحقائق القرآن، بل هي عينها كما قال ~~(صلى الله عليه وآله): # " أوتيت القرآن وما يعدله " # أشار بهذا إلى الحكمة. # وقد فسر سهل بن عبد الله التستري " الحكمة " وقال في تأويلها: " هي ~~السنة، فحقيقة الحكمة نور من أنوار صفات يؤيد الله به عقل من يشاء من ~~عباده، فيكون له كما ms1107 قال تعالى: # نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء # [النور:35]. فمن أكرم بهذا النور فقد أعطي كل حبور وسرور، وأوتي جوامع ~~الحكمة خيرا كثيرا، كما قال تعالى: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة:269]. # فافهم واغتنم واجتهد أن تتيقظ به، لتكون من ذوي الألباب، لأنه قال: # وما يذكر إلا أولوا الألباب # [البقرة:269]. وهم الذين لم يقنعوا بقشور العقول باكتساب ظواهر المنقول، ~~بل سعوا في طلب لبها بمتابعة الأنبياء (عليهم السلام). فأخرجوهم من ~~ظلمات قشور العقول الإنسانية إلى نو لب المواهب الربانية، فيتحقق لهم ~~أن # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور:40]. فانتبه يا مغرور المفتون بدار الغرور من مرقد الجهالة ~~الحاصلة من الشغف والسرور بما عندك من القشور، فلا يغرنك بالله الغرور. # ولنعد إلى ما قصدناه، ونرجع إلى ما فارقناه من شرح الفريق الثاني من أهل ~~العقاب، الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، حسبما كشف الله فضائحهم في الآية ~~الثانية المنقولة آنفا من الكتاب. # فاعلم أن الكفر هو الاحتجاب، والحجاب كما أشرنا إليه إما عن الحق ~~كما للمشركين، وإما عن الدين كما لأهل الكتاب، والمحجوب عن الحق محجوب ~~عن الدين الذي هو طريق إليه ضرورة، وأما المحجوب عن الدين فقد لا يحجب ~~عن الله، فهؤلاء المنافقون المخادعون لله وللمؤمنين ادعوا رفع الحجابين، ~~فكذبوا بسلب الإيمان عن ذواتهم، أي ليسوا بمؤمنين ما داموا كذلك. # ثم إن في الآية دقيقة وهي أن " المخادعة " لكونها صيغة مفاعلة: " ~~استعمال الخدع من الجانبين " وهو إظهار الخير واستبطان الشر، ومخادعة ~~الله مخادعة رسوله لقوله: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء:80] وقوله: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال:17]. ولأنه (صلى الله عليه وآله) " حبيب الله " وقد ورد في ~~الحديث # " لا يزال العبد يتقرب إلى الله " # - إلى آخر الحديث -. # فخداع المنافقين لله وللمؤمنين إظهار الإيمان والمحبة، واستبطان الكفر ~~والعداوة، وخدع الله والمؤمنين إياهم، مسالمتهم، وإجراء أحكام الإسلام ~~عليهم، بحقن الدماء، وحصن الأموال، وغير ذلك، وادخار العذاب الأليم، ~~والمآل الوخيم، وسوء ms1108 المعيشة لهم، وخزيهم في الدنيا لخسة حالهم وترددهم ~~[إلى] أبواب السلاطين لطلب الاشتهار، وتحملهم المشاق في الأسفار، والتعب ~~في الجمع والادخار، كل ذلك لافتضاحهم بإخبار الله تعالى وبالوحي، ~~وجحودهم العلوم الربانية، والأسرار المعادية. # لكن الفرق بين الخداعين أن خداعهم لا ينجع إلا في أنفسهم بإهلاكها ~~بموت الجهل وإيراثها الوبال والنكال، بازدياد الظلمة والحمق بالعناد ~~والنفاق، واجتماع أسباب الهلاك والبعد عن الرحمة؛ لطلب الرئاسة والإخلاد ~~في الأرض والركون إلى الشهوات. # وأما في نفس المؤمنين بالحق، فتوجب خداعهم إياهم زيادة في تنوير ~~قلوبهم، وتصفية ضمائرهم لتخليتهم في العبادات، وتجردهم إلى طلب الحق ~~بالطاعات، واشتغالهم بذكر الله في الخلوات، ومواصلة الأوراد على الدوام ~~في الساعات، وعدم التفاتهم إلى ما سوى الله تعالى للمحاجات اللازمة. ~~الاشتغال (للحاجات اللازمة للاشتغال - ن). # وخدع الله إياهم يؤثر فيهم أبلغ تأثير ويوبقهم أشد إيباقا لقوله تعالى: # ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين # [آل عمران:54]. وهم من غاية تعمقهم في جهلهم وحمقهم، مائجون بذلك الأمر ~~الظاهر؟ لمرض قلوبهم، وسكر نفوسهم، كما أشار إليه سبحانه في الآية ~~المنقولة: # في قلوبهم مرض # [البقرة:10]. أي: شك ونفاق # فزادهم الله مرضا # [البقرة:10] آخر أي حقدا، وحسدا، وغلا، وعذابا، بإعلاء كلمة الدين ~~نصرة الله (لنصرة الله - ن) للمؤمنين، وإذلاله للمنافقين، والرذائل كلها ~~أمراض القلوب، لأنها أسباب ضعفها وآفاتها في أفعالها الخاصة، إلا أن ~~الجهل أعظم الأمراض؛ لأنه مما يوجب الهلاك في العاقبة. # البصيرة السابعة # في توضيح القول بأن المنافقين أسوأ حالا وأشد عذابا من الكافرين، ~~وإن كان هؤلاء أخس رتبة وأدون منزلة منهم # إعلم أن الجهل المركب لكونه صفة وجودية يصحبها العدم له نوع رتبة، ~~وأما الجهل البسيط لكونه صفة عدمية منزلته منزلة الأعدام، والعدم شر محض ~~بالذات والوجود الذي يصحب العدم شر بالعرض مشوب بالخير، فبالنظر إلى ~~الواقع لا شر ولا خسة، أبلغ مما يكون الشيء عدما أو معدوما، وأما ~~بالنسبة إلى من يتعذب ويتألم بالأمر المؤلم الوجودي ففقده عنه أولى من ~~ثبوته له. # فشرارة المطرودين في الأزل، وإن كان أعظم - لكونهم أبعد ms1109 من منبع الخير ~~والجود، وأوغل في الشر والمصيبة، وأدخل في العدم، والخسة، والجهالة - ~~إلا أنهم لا يحسون بما يؤلمهم، ولا يجدون شرية ما يوبقهم ويعذبهم، ~~لعدم صفاء نفوسهم، وفعلية عقولهم كالعضو الميت، أو المفلوج والخدر ~~بالنسبة إلى ما يجري إليه من القطع، والكي، وغيرها من الآلام. # وأما المنافقون فلثبوت استعدادهم في الأصل، وبقاء إداركهم واستدعائهم ~~للكمال في هذه الدار، وتشوقهم إلى العلو والاستكبار، يجدون شدة الألم ~~باكتساب الأمر المؤذي المؤلم، فلا جرم كان عذابهم مؤلما سببا عما ~~اكتسبت قلوبهم من المرض العارض، المزمن، المؤلم، الذي هو الكذب بآيات ~~الله، والجهل بالمعارف الربوبية، ولوازم الإيمان، والكفر بحقائق القرآن ~~مع دعوى الكمال، بادعاء المعرفة بأسرار المبدإ المتعال، وتهييج الفتن، ~~والعداوة، والبغضاء بين الناس، وتنظيم أمور الدنيا لأنفسهم خاصة، ~~وانهماكهم في اللذات، وملازمة أبواب السلاطين والحكام؛ لطلب الحطام ~~والشهوات، واحتجابهم بالمنافع الجزئية، والمصالح البدنية، والملاذ ~~الحسية عن المصالح الكلية واللذات العقلية، وحرمانهم عما يرد على ~~قلوب السلاك، والواصلين من الحالات الكشفية الجنانية (الخيالية - ن)، ~~والواردات الذوقية الملكوتية. # إلى غير ذلك من الأفعال والأعمال، التي هي من عادات علماء السوء، الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب، واكتفوا بقشور من العلوم الجزئية، التي وصلت ~~إليهم بالنقل والرواية من أهل التكلم والخطاب، وقنعوا بصورة الأعمال من ~~غير تفقد القلوب، وإصلاح النفوس عن الوسواس، وتتبع آثار أئمة الكشف ~~والطهارة من أهل بيوت النبوة والولاية - صلوات الله عليهم أجميعين - ~~ومتابعة قلوبهم وضمائرهم في طلب مرضاة الله، والاجتناب عن محارمه، والزهد ~~عن هذه الدار ومنزل الأشرار؛ لطلب المنزلة عند الله، ومقربيه، وملكوته، ~~ومجاوريه، في دار القرار، ومعدن الأخيار والأبرار. # وأشار سبحانه في الآيتين المنقولتين إلى ما ذكر من كون الكافرين أعظم ~~عذابا، والمنافقين أشد ألما بوجه لطيف، حيث وصف عذاب الفرقة الأولى ب ~~" العظمة " وعذاب الفرقة الثانية ب " الإيلام ". # وفي المقام إشارة أخرى وهي أن الفرقة الأولى لكونهم أشد احتجابا، ~~وأعظم إبعادا عن الحق، فهم أشبه بأن يكونوا من جنس أصحاب النار، وأهل ~~جهنم بحسب الفطرة الأصلية، بخلاف الفرقة الثانية ms1110 فإن لهم جهة من القرب ~~والمنزلة بحسب جوهر الاستعداد، ولكن ظلموا أنفسهم باكتساب الرذائل، ~~والاعتياد بزخارف عالم الأضداد، فالنار للأولى كالمنزل والمأوى، وللثانية ~~كالسجن والمحبس؛ للمحنة والبلوى. # وبالجملة فرق بين كون الشيء من أصحاب النار وكونه معذبا بها، وليس من ~~ضرورة كون الشيء مصحوبا بالشيء المؤلم أن يكون متألما به، أو لا ترى ~~أن الزبانية ليسوا معذبين بالنار مع كونهم فيها، وهم تسعة عشر قبيلة، ~~من ملائكة العذاب الذين إذا قيل لهم: # خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه # [الحاقة:3]. ابتدروه سراعا ولم ينظروه، ولكل منهم أعوان وخدم من سدنة ~~جهنم من دون أن يتعذبوا بها وفيها، بل فيها نعيم وبهجتهم، وبمباشرة ما ~~أمرهم الله به حصلت سرورهم ولذتهم، لكون ذلك غايتهم وفائدتهم من تعذيب ~~المجرمين، وأخذهم، وتصليتهم الجحيم، وسقيهم ماء الحميم، وشرب الهيم. # البصيرة الثامنة # في الشكف عن صيروة الروح الإنساني من أصحاب النار بعد أن لم يكن منها، ~~بمزاولة أفعال الأشرار واكتساب ملكات الكفار والفجار، من الأعمال الشهوية ~~والغضبية والشيطانية، التي هي من صفات البهائم والسباع والشياطين # قال الله تعالى: # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ~~من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا ~~وأضل عن سوآء السبيل # [المائدة:60]. وأشار بقوله: # وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت # [المائدة:60] إلى أنهم مسخوا عن الطفرة الأصلية، وانسخلوا وانقلبوا كل ~~طائفة منهم إلى نوع ما غلبت فيها صفات ذلك النوع، حتى صارت حقيقتها ~~حقيقة واحدة (حقيقته - ن) وصورة ماهيتها صورته. # وهذا معنى اللعن والطرد والغضب عند العرفاء، أي: صيرورة النوع الشريف ~~نوعا خسيسا، ولهذا قال سبحانه: # أولئك شر مكانا وأضل عن سوآء السبيل # [المائدة:60] أي: عن طريق الحق، لأن القردة والخنازير إنما كانت ~~ضالة عن طريق طلب الحق لعدم الاستعداد، وأما هؤلاء الذين انسخلوا عن ~~الفطرة فإنهم كانوا مستعدين (كأنهم - ن) لطلب الحق وسلوك سبيله، فهم شر ~~مكانا كما قال: # إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون # [الأنفال:22]. وأضل سبيلا لإبطال ms1111 الاستعداد للوصول، كما قال: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف:179]. # وتحقيق هذا المقام: إن كل إنسان - بحسب الفطرة - روحه التي هي من عالم ~~القدس، والخير، والرحمة قابل للسعادة الأبدية، وإنما ينسلخ عن هذه ~~الفطرة بحسب أعمال قوى تخصه: قوة الشهوة، وقوة الغضب، وقوة الوهم ~~المنازعة للقوة العاقلة للروح مع كونها خادمة لها، خلقها الله تعالى لأن ~~تستعملها الروح في طريق سفرها إلى الله تعالى؛ لتحصيل المراد للمعاد ~~باستخدامها. # أما الشهوة فلجلب ما يتغذى به وينفعه لحفظ البدن، الذي بمنزلة المركب ~~لسفرها. # وأما الغضب فلدفع ما يضاده، ويمانعه، ويقطع طريقها. # وأما الوهم فتلحصيل العلوم الضرورية، والحدود الوسطية التي يتوقف ~~عليها كماله، وذلك الكمال معرفة نفسه التي هي أم الفضائل ومعرفة مبدئه ~~الذي منه بدو وجوده، ومعرفة اليوم الآخر الذي غاية رجوعه، ومعرفة ~~الملائكة والرسل صلوات الله عليهم، الذين هم وسائط جوده، ومعرفة كتب الله ~~والأئمة الطاهرين المهديين - سلام الله عليهم أجمعين - العارفين بحقائق ~~التنزيل، وأسرار التأويل (والأسرار - ن) التي هي واسطة كمال وجوده. # وقد أشار النبي (صلى الله عليه وآله) إلى هذا المعنى بقوله: # " إني بتارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي ". # تحقيق كون معرفة الأئمة والقرآن داخلة في قوام الإيمان مقومة لحقيقة ~~الإنسان مما حققناه في مقامه بوجه لا مرية فيه، ولا ريب يعتريه. # فالروح الإنساني متى كانت قواه الثلاث التي هي رؤساء جنوده الباطنية، ~~وخدمه، وحشمه، مسخرة له منقادة، مقهورة، مطيعة. لأوامره ونواهيه، يكون ~~حالته مستقيمة، وبصيرته سليمة من العمى، وسبيله مأمونة عن الغي والضلال، ~~وعاقبته محفوظة عن الشر والوبال. # ومتى كانت هي مستولية عليه، والشهوات غالبة فيه، والوسواس مضلة إياه، ~~والدنيا بزخارفها مزينة في نظره، مرغوبة لديه مؤثرة فيه مسترقة لرقبته، ~~والأغلال في عقنه، والأوزار مثقلة بظهره، والسلاسل والتعلقات في أيديه ~~وأرجله، كان أسيرا بيدها محكوما بحكمها، كل منها يجره في تيسير أسباب ~~ما يستدعيه، والتبدير فيما يشتقاه ويشتهيه. # فالشهوة تجره في تحصيل الشهويات المستلذات، والغضب يستعمله في أفعال ~~الانتقامات ودفع الخصومات، فصار الروح شيطانا مريدا بالفعل بعدما كان ms1112 ~~ملكا كريما بالقوة، يستعمل فكره وتمييزه الذين أعطاهما الله لتدبير ~~الآخرة والسعي لمرضاته في استنباط وجوه الشر، ويتوصل بها إلى الأغراض ~~بالمكر والحيلة والخداع، وإظهار الحقيقة في معرض البطلان، وتزويج الشر ~~في موضع الخير. # وكل إنسان ففيه شوب من هذه الأصول الأربعة أي: الملكية والشيطنة ~~والسبعية والبهيمية من جهة روحه ونفسه وشهوته وغضبه وكان المجموع في ~~عالم الإنسان خنزير، وكلب، وشيطان، وحكيم، فالخنزير هو صورة الشهوة في أي ~~مادة، ومقدار، ووضع، وشكل كانت، والكلب هو صورة الغضب في أي مادة كانت. # ونحن قد حققنا في مباحث الماهية لواحقها، أن حقيقة كل شيء هي صورته ~~التي بها هو هو، والمادة إنما تحمل ماهيته إذا كانت ضعيفة الوجود في ~~هذا العالم الأسفل الذي فيه دثور الأشياء، وعجزها، وضعف صورها؛ لأجل علوق ~~المواد والظلمات، وبينا أيضا بالوجوه الكشفية والبرهانية أن للأشياء ~~التي تكون في هذا العالم نشأة ثانية، ونحوا آخر من الوجود، وأن للصور ~~النوعية عالما آخر تكون وجوداتها في ذلك العالم مستغنية القوام عن ~~المواد العنصرية، بل قائمة بذواتها موجودة بوجود فاعلها ومنشئها ومبعثها ~~لا بوجود قابلها وميلها ومغنيها (ومعينها - ن). # وذلك الوجود الأخروي على ضربين: لأن تلك الصور إما عقليات صرفة ~~ومفارقات محضة مجردة عن المقدار والشكل، وإما صور مقداريات: فالأولى: ~~لكونها نورانية محضة تدرك بالعقول الصافية وهي جنة المقربين. وأما ~~الثانية: فلكونها تدرك بالحواس الأخروية الباطنية من السمع، والبصر، ~~والشم، والذوق، واللمس الأخرويات التي هي بواطن هذه الحواس الأوليات، ~~لأنها باقية بعد الموت وهذه فانية، كما يدل عليه قوله تعالى: # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق:22]. فبعضها نورانية - هي جنة السعداء من أصحاب اليمين - وبعضها ~~ظلمانية - هي جهنم الأشيقاء من أصحاب الشمال -. # وجمهور الفلاسفة والمتكلمون وأكثر علماء المذاهب ذاهلون عن هذين ~~العالمين، وفي الذهول عنهما ضرر عظيم بالإنسان، وفي الجهل بهما حجاب ~~كثيف، وغطاء غليظ له عن كشف معارف الإيمان وحقائق القرآن. # هذا ولنرجع إلى ما كنا فيه من أن الإنسان قد اصطحبت في عالمه ونظام ~~خلقته أربعة شوائب، ms1113 ولذلك اجتمعت عليه أربعة أصناف من الأوصاف: السبعية، ~~والبهيمية، والشيطانية، والملكية. فهو من حيث تسلط كل منها عليه يفعل ~~أفعال نوع تكون تلك الصفة لازمة لذاته ناشئة عن حقيقته، إلى أن تغلب عليه ~~إحدى هذه الصفات بأن يصير خلقا له، وملكه راسخة في نفسه صعبة الزوال، ~~فيكون الإنسان في آخر الأمر ومنتهى العمر حكمه حكم ذلك النوع بل تنقلب ~~حقيقته يوم الآخر إلى حقيقة ذلك، يكون صورته عند الحشر بعينها صورته كما ~~سنوضحه إن شاء الله تعالى. # ونريد أن نبين ذلك، وندل على تحقيقه بطرق ثلاث من الحكمة البرهانية، ~~والخطابية الظنية، وصنعة المجادلة الإلزامية، كما قال تعالى سبحانه: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل:125]. ولنستدرج في البيان من الأدنى إلى الأعلى: # فالأول: ما تستحسنه الجماهير، وتقبله الأسماع من النقول الواردة في باب ~~انقلاب صور الأشقياء وهيآتهم يوم الآخرة إلى ما يناسب أفعالهم ونياتهم ~~من القرآن والحديث والأخبار: # أما القرآن: فكقوله تعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف:179]. وليس المراد أنهم كذلك بحسب هذه النشأة، بل في النشأة ~~الآخرة التي هي دار ظهور الأشياء على ما هي عليها # يوم تبلى السرآئر # [الطارق:9]. وقوله: # ناكسوا رءوسهم # [السجدة:12]. وقوله: # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهى إلى ~~الأذقان فهم مقمحون # [يس:8]. وقوله: # أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي ~~سويا على صراط مستقيم # [الملك:22]. # ولا شك عند ذوي البصائر أن مجعولات الحق في الدار الآخرة من الأشكال ~~والهيآت إنما هي أمور طبيعية لازمة ليست كصناعيات (بصناعيات - ن) يمكن ~~زوالها وانفصالها، فيكون كالأعضاء في كونها طبيعية - لا كالألبسة القابلة ~~للانخلاع والانفصال - وإذا كان كذلك فاختلاف الأبدان في هيأة وأعضاء ~~وخلقة الأشكال دليل اختلاف النفوس في الحقائق. # وكقوله تعالى: # كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة # [المدثر:50 - 51] وقوله تعالى: # فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين # [البقرة:65] يعني بحسب النفس - مع بقاء البدن على صورته الظاهرة، وإلا ~~يلزم التناسخ المستحيل - فهم صاروا لانحطاطهم عن العالم العلوي الإنساني ~~إلى الأفق السفلي الحيواني قردة ms1114 مشابهين للناس في الصورة، وليسوا بهم ~~في النفس والعقل، خاسئين: أي بعيدين طريدين. # والمسخ في الحقيقة حق غير منكر في الدينا والآخرة، كما وردت به الآيات ~~والأحاديث، وقد روي عنه (صلى الله عليه وآله) المسوخ، ثم عدهم، وبين ~~أعمالهم، ومعاصيهم، وموجبات مسخهم، حاصلة: إن من غلب عليه وصف من أوصاف ~~الحيوانات، ورسخ فيه بحيث أزال استعداده الأصلي ويمكن (تمكن - ظ) في ~~طباعه، وصار صورة ذاتية له - كالماء الذي منبعه معدن الكبريت مثلا - ~~صارت طباعه طباع ذلك الحيوان، ونفسه نفسه، فاتصلت عند المفارقة ببدن ~~يناسب صفته، فصارت صفته صورته كما سيتضح. # وقوله: # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم # [الإسراء:97] أي على صورة الحيوانات المنتكسة الرؤوس. وقوله تعالى: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا # [فصلت:21] وقوله تعالى: # تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما ~~كانوا يعملون # [النور:24]. يعني أن صورة الكلب مثلا ولسانه - أي صورته الذي فعل ~~لسانه - تشهد بعمله الذي هو الشر، وكذا غيره من الحيوانات الهالكة تشهد ~~عليها أعضاؤها بأخلاقها الذميمة، وأفعالها السيئة. # وكقوله: # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سوآء محياهم ~~ومماتهم سآء ما يحكمون # [الجاثية:21]. ولفظ " الجعل " في كلام الله أكثر ما يستعمل في الذاتيات ~~دون العوارض، مثل قوله: # خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور # [الأنعام:1] # وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت # [المائدة:60] وكقوله: # يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر # [القمر:48]. وقوله: # يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام # [الرحمن:41]. # وفي هذه الآيات دلائل واضحات على أن المجرمين انقلبوا في صورهم إلى صور ~~الحيوانات العجم المنتكسة الرؤوس، التي فيها علامات الاحتجاب بالجحيم، ~~والانحباس في الظلمات عن لقاء الله ومعرفته، حيث لم يتحقق فيها علامات ~~الانفتاح، وطلاقة الوجه، وانكشاف الجسد كما في المسجونين والمحبوسين ~~بخلاف الإنسان، إذ فيه علامة أهل الجنة الذين هم جرد مرد مكلحون. # ثم إن من علامات أهل الجحيم التي توجد في أعجام الحيوانات عقد ثلاثة ~~أيضا، دالة على احتجابها، وتقييدها بالقيود والأغلال: # إحداها: عقدة العمى في الأعين عن مشاهدة آيات الله ms1115 في الآفاق والأنفس، ~~وعن رؤية كتاب الله وقراءته. # وثانيتها: عقدة الصمم في الآذان عن استماع البيان والبرهان لكلامه. # وثالثتها: عقدة الانتكاس لنفوسها، والانقلاب لأبدانها المعلقة إلى أسفل. # ولهذه العقد الثلاث عقد ثلاث أخرى شاهدة عليها: # إحداها: عقدة اللسان بشهادة صمم الأذن، فإن الأصم الفطري أبكم لا ~~محالة. # والثانية: عقدة اليدين، غلت أيديهم بما لعنوا، بشهادة عمى العين، فإن ~~الأعمى الفطري لا يمكن أن يكتب. # والثالثة: عقدة الاستلقاء في البدن بشهادة الانتكاس في النفس. # فهذه الأمور الثلاثة شواهد على تلك، إذ من المقرر عند الجمهور أن ~~اللسان خليفة الأذن، واليد الكاتبة خليفة العين، والبدن خليفة النفس، ~~فانقلابه دليل انتكاسها وانسخلاها عن الفطرة، كما أن انحناء الغلاف ~~دليل لانحناء السيف. # وأما الحديث: # فقد وري عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " يحشر الناس على وجوه مختلفة " # أي على صورة مناسبة لأخلاقهم، ونياتهم المختلفة. # وكقوله (صلى الله عليه وآله): # " كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون " # ولا خفاء في أن بعض الناس لا يعيشون إلا كالبهائم، وبعضهم كالسباع، ~~وبعضهم كالشياطين، فيكونون يوم المحشر على صور أعمالهم ومعاصيهم. # وروي أيضا عن النبي (صلى الله عليه وآله) ما معناه: # " إنه يحشر من خالف الإمام في أفعال الصلاة ورأسه رأس حمار " # فإنه إذا عاش في المخالفة مع الإمام - وهي عين البلاهة والحمارية - ~~تمكنت ورسخت فيه هذه الصفة، ولتمكن البلادة والحماقة فيه يحشر على صورة ~~الحمار. # وروي الشيخ الجليل عماد الإسلام محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله في ~~كتاب الكافي. بسنده المتصل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنه قال - ~~في حدث طويل -: # " فإن كان [الله] وليا أتاه أطيب الناس ريحا وأحبهم منظرا وأحسنهم ~~رياشا فقال: أبشر بروح وريحان وجنة ونعيم، ومقدمك خير مقدم. فيقول له: ~~من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح ". # ثم قال (عليه السلام): # " وإذا كان لربه عدوا فإنه يأتيه أقبح من خلق الله زيا وأنتنه ~~ريحا، فيقول: أبشر بنزل من حميم وتصلية جحيم ". # وروي أيضا في الكافي في حديث آخر عن الإمام أبي عبد الله ms1116 (عليه السلام) # " فيقول: أنا رأيك الحسن الذي كنت عليه، وعملك الصالح الذي كنت تعمله ". # وهذان الحديثان عن أهل البيت (عليهم السلام) صريحان في تجسم (تجسيم - ~~ن) العقائد والأعمال في النشأة الآخرة، والاعتقاد هو الأصل، ومنه يتمثل ~~ويتصور ذات الشخص، والعمل هو الفرع ومنه يحصل القرناء (القرباء - ن) ~~والأصحاب والحواشي (والحوامي - ن) والتوابع { إن خيرا فخير ~~وإن شرا فشر }. # ومما يدل على ما ذكرناه ما وري أيضا في الكافي في باب إدخال السرور ~~على المؤمن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال - في حديث طويل -: " إذا ~~بعث الله المؤمن عن قبره خرج معه مثال يقدمه أمامه، كلما رأى المؤمن ~~هولا من أهوال يوم القيامة قال له المثال: لا تفزع ولا تحزن وابشر ~~بالسرور والكرامة من الله تعالى. حتى يقف بين يدي الله فيحاسبه حسابا ~~يسيرا ويأمر به إلى الجنة - والمثال أمامه - فيقول له المؤمن: يرحمك ~~الله، نعم الخارج خرجت معي من قبري وما زلت تبشرني بالسرور والكرامة من ~~الله حتى رأيت ذلك. فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا السرور الذي كنت أدخلته ~~على أخيك المؤمن في الدنيا، خلقني الله منك لأبشرك ". # ومما ورد في روايات أصحابنا الإماميين رضوان الله عليهم أجمعين ما روي ~~عن قيس بن عاصم، قال: وفدت مع جماعة من بني تميم على النبي (صلى الله ~~عليه وآله) فدخلت عليه وعنده الصلصال بن الدلهمس، فقلت: " يا نبي الله ~~عظنا موعظة نتنفع بها فإنا قوم نسير في البرية ". # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " يا قيس إن مع العز ذلا، وإن مع الحياة موتا وإن مع الدنيا ~~آخرة، وإن لكل شيء رقيبا، وعلى كل شيء حسيبا، وإن لكل أجل كتابا، ~~وإنه لا بد لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي، وتدفن معه وأنت ميت، ~~فإن كان كريما أكرمك، وإن كان لئيما أسلمك، ثم لا يحشر إلا معك ولا ~~تحشر إلا معه، ولا تسأل إلا عنه، فلا تجعله إلا صالحا، فإنه إن ~~صلح أنست به وإن فسد لا تستوحش ms1117 إلا منه وهو فعلك ". # فقال: يا نبي الله أحب أن يكون هذا الكلام في أبيات من الشعر نفتخر به ~~على من بيننا من العرب وندخره. فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) من ~~يأتيه بحسان، فاستبان لي القول قبل مجيء حسان، فقلت: " يا رسول الله قد ~~حضرني أبيات أحسبها توافق ما تريد " فقلت: # تخير خليطا من فعالك إنما # قرين الفتى في القبر ما كان يفعل # فإن تك مشغولا بشيء فلا تكن # بغير الذي يرضى به الله تشغل # فلن يصحب الإنسان من بعد موته # ومن قبله إلا الذي كان يعمل # وفي هذا الحديث فوائد شريفة فوق ما نحن بصدده، من انقلاب الإنسان إلى ما ~~يوافق اعتقاده، ويناسب أعماله أسرار علمية لطيفة، ومعارف إلهية، ورموز ~~نوبية، لا يفي بكشفها وتوضحيها التعليم والبيان، بل لا يلوح تحقيقها ~~إلا لأهل الله من جهة الكشف والعيان لا بطريق الحجة والبرهان. # ثم مما يدل على هذا المطلب من الأخبار المشهورة ما روي: " إن الناس ~~تشحر على نياتهم " " وإن بعض الناس يحشر على صورة تحسن عندها القردة ~~والخنازير " فعليك بالقتوى ثم بالتقوى. # وأما الطريقة الثانية: # فكما ذكره صاحب إحياء العلوم حيث قال: " إن خاصية الإنسان العلم ~~والحكمة، وأشرف أنواع العلم هو العلم بالله وصفاته وأفعاله، فبه كمال ~~الإنسان وفي كماله سعادته وصلاحه لجوار حضرة الكمال والجلال، فالبدن ~~مركب للنفس والنفس محل للعلم، والعلم هو المقصود من الإنسان وخاصيته ~~التي لأجلها خلق [...] فإن الإنسان يشارك الحمار والفرس في أمور ~~يوافقها، ويفارقها في أمور هي خاصيته، وتلك الخاصية من صفات الملاكئة ~~المقربين. # والإنسان أولا على رتبة بين البهائم والملائكة [...] فمن يستعمل قواه ~~في العلم والعمل فقد شبه بالملائكة فحقيق بأن يلحق بهم وجدير بأن يسمى ~~ملكا وربانيا، كما قال تعالى: # إن هذآ إلا ملك كريم # [يوسف:31]. ومن صرف همته إلى اتباع اللذات البدنية يأكل كما تأكل ~~الأنعام، فقد انحط إلى حضيض أفق البهائم، فيصير إما أكولا كثور، إما ~~شرها كخنزير، وإما ضريا (جزعا - ن) ككلب، أو حقودا كجمل، أو ~~متكبرا ms1118 كنمر، أو ذا روغان كثعلب، أو يجمع ذلك كله كشيطان. # وقال: " فهو من حيث أن الله سلط عليه الغضب يتعاطى أفعال السباع، من ~~العداوة، والبغضاء، والتهجم على الناس بالضرب والشتم، ومن حيث سلط عليه ~~الشهوة يتعاطى أفعال البهائم، من الشره، والحرص، والشبق وغيره ومن حيث ~~سلط عليه الروح وهو أمر رباني كما قال الله تعالى: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء:85]. فإنه يدعي الاستعلاء على الأشياء بالحكمة، والمعرفة، ~~والإحاطة بحقائق الأمور، ومن حيث يختص من البهائم بالتمييز، والروية، ~~واستعمال الحيل والتدابير الجزئية، حصلت فيه شيطانية يستعمل الجربزة في ~~استنباط الشرور الحيوانية ويتوصل بها إلى الأغراض النفسانية فيتعاطى ~~أفعال الشيطان. # ففي باطن الإنسان أمور أربعة: خنزير، وكلب، وشيطان، وحكيم. فالخنزير هو ~~الشهوة، فإنه لم يكن الخنزير مذموما للونه وشكله وهيأته، بل لجشعه ~~وكلبه وحرصه. والكلب هو الغضب، فإن السبع الضاري، والكلب العقور ليسا ~~سبعا وكلبا باعتبار الهيئة واللون والشكل، بل باعتبار روح معنى السبعية ~~والضراوة والعدوان والعقر، وفي باطن الإنسان ضراوة السبع [وغضبه]، وحرص ~~الخنزير وشبقه. # فالخنزير يدعو بالشره إلى الفحشاء والمنكر، والسبع بالغضب إلى البغي ~~والظلم والإيذاء، والشيطان لا يزال يهيج شهوة الخنزير، وغيظ السبع يغري ~~أحدهما بالآخر، ويحسن لهما ما هما مجبولان عليه. # والحكيم الذي هو مثال العقل مأمور بأن يدفع كيد الشيطان، ويقطع وسوسته ~~ومغلطته بالبرهان، حتى ينكشف تلبيسه ببصيرته النافذة ونوره المشرق، وبأن ~~يكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه - إذ بالغضب يكسر سورة الشهوة ~~- ويدفع ضراوة الكلب بتسليط الخنزير عليه، ويجعل الكل مقهورا تحت ~~سياسته، فإن فعل ذلك وقدر عليه اعتدل الأمر، وظهر العدل في مملكة البدن، ~~وجرى الكل على صراط مستقيم، وإن عجز عن قهرها قهروه واستخدموه، لا يزال ~~في استنباط الحيل، وتدقيق الفكر، ليشبع الخنزير ويرضي الكلب، فيكون ~~دائما في عادة كلب أو خنزير. # وهذا حال أكثر الناس، وهم الذين كان أكثر همهم إما الفرج والبطن، أو ~~مناقشة الأعداء، والعجب، والتكبر، ثم العجب منه أنه ينكر على عبدة ~~الأصنام عبادتهم للحجارة، ولو كشف الغطاء ms1119 [عنه وكوشف] بحقيقة حاله، ومثل ~~له حقيقة حاله كما يمثل للمكاشفين، لرأى نفسه ماثلا بين يدي خنزير، ~~ساجدا له مرة وراكعا له أخرى، ومنتظرا لإشارته وأمره، ومهما هاج ~~الخنزير لطلب شيء من شهوته انبعث على الفور في خدمته بإحضار شهوته، أو ~~رأى نفسه ماثلا بين يدي كلب عقور، عابدا له، مطيعا لما يقتضيه ~~ويلتمسه، مدققا بالفكر في حيل الوصول إلى طاعته، وهو بذلك ساع في خدمة ~~شيطانه، فإنه الذي يهيج الخنزير، ويثير الكلب، ويبعثهما على استخدامه، ~~فهو من هذا الوجه يعبد الشيطان بعابدتهما. # فليراقب كل عبد حركاته وسكناته، ونطقه، وقيامه وقعوده، ولينظر بعين ~~البصيرة فلا يرى إن أنصف نفسه إلا ساعيا طول النهار في عبادة هؤلاء، ~~وهذا غاية الظلم إذ جعل المالك مملوكا، والرب مربوبا، والسيد عبدا، ~~إذ العقل هو المستحق للسيادة، والقهر، والاستيلاء على هذه الأشياء، وقد ~~سخره لخدمة هؤلاء الثلاثة، فلا جرم ينتشر إلى قلبه من طاعة هؤلاء ~~الثلاثة صفات تتراكم عليه حتى يصير طبعا (طابعا - ن) ورينا مهلكا ~~للقلب ومميتا له [...] ولا يزال تتراكم عليه الصفات السبعية، والبهيمية، ~~والشيطانية مرة بعد أخرى إلى أن يسود ويظلم، ويصير بالكلية محجوبا عن ~~الله، وهو الطبع والرين المذكور في قوله تعالى: # بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين:14]. وقوله: # ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون # [الأعراف:100]. انتهى. # ويظهر من هذا الكلام - الصحيح المقدمات - أن الإنسان إذا غلبت على ~~ذاته الصفات السبعية، والبهيمية والشيطانية - بعضها أو كلها - ويصير بحيث ~~لم تبق فيها آثار الملكية (الملائكة - ن) من العلم الإلهي، والزهد عن ~~الدنيا، والورع عن محارم الله، أو يوجد فيه بعض آثارها، ولكن تكون مقهورة ~~مغلوبة لغاية العلة والضعف مع عدم المعرفة - كبعض الأفعال الحسنة الصادرة ~~عن بعض الأشقياء اتفاقا أو رياء لا من جهة ملكة الإيمان والعرفان - فهذا ~~الشخص الإنساني لا محالة لا يكون بحسب الحقيقة في القيامة إلا بهيمة، ~~أو سبعا، أو حيوانا مركبا منهما، أو شيطانا محضا، إذ الآثار وجوه ~~(عنوان - ن) المؤثرات، والأفعال عنوانات الفواعل. # وقد ثبت ms1120 في العلوم الحقيقة أن القوى تعرف بأفاعيلها، أو لا ترى أن ~~المنطقيين جعلوا لوازم الفصول، والأجناس، بمنزلة الفصول والأجناس في حدود ~~الأشياء وجعلوا " الحساس " فصل " الحيوان " و " الناطق " فصل " الإنسان " ~~في تحديدهما، مع أن حقيقة الفصل في الحيوانات ليس إلا جوهر نفسه - ~~كما صرح به صاحب الشفاء -. # فإذا صار الإنسان بحيث استحكمت في نفسه صافت الهبائم والسباع، وصارت هذه ~~الذمائم خلقا له وملكة لها، وبطل الاستعداد الذي كان أولا في نفسه؟ ~~لتحصيل الكمالات العلمية والعملية قبل استحكام الدواعي البهيمية ~~والسبعية، وطبعت على قلبه الهيآت المظلمات، والملكات المسودات، فمن أين ~~وأنى يبقى له أثر من آثار الروح المجرد الذي شأنه العرفان بالله، ~~وملكوته، والتقدس عن البدن وناسوته؟ إذ الإنسان إنسان بروحه المقدسة، ~~وبحصة ملكيته التي فيه بالقوة، لا ببدنه الظلماني ونفسه الحيوانية، وإنه ~~بتقوية جانب الروح وإمدادها بالعلم والعمل يكون مرتفعا عن أفق ~~الحيوانات الهالكة، ويصير من جملة الملائكة المكرمة بالفعل بعدما كان ~~بحسب الفطرة ملكا بالقوة، وبإهمال جانب الروح وتقوية القوى الحيوانية، ~~يبطل استعداده الملكي (الملكية - ن) الذي به قوام الإنسان من حيث هو ~~إنسان. # فإذا بطل هذا الاستعداد فقد هلكت إنسانيته، ولكن لا ينعدم بالمرة، فيخلص ~~من العذاب الهون، لقيام البراهين الشرعية والعقلية على بقاء سنخ الإنسان ~~في النشأة الثانية، بل يبقى بقاء لا موت فيه ولا حياة ولا خلاص معه، ولا ~~نجاة، إذ ليست حياته المعرفة والقدرة، بل حياته الانفعال والغصة، والعذاب ~~والنكال فيبقى أسيرا في كرب السعير، محترقا بنار الشهوات، ملسوعا ~~بلسع الحيات # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء:65]. # وفي هذه الآية أيضا دلالة على أن نفوس الفجار انقلبت إلى الحيوانات في ~~تلك الدار، إذ لو بقيت معهم الروح الإنسانية التي هي محل معرفة الله لم ~~يتطرق إليهم الفساد والاضمحلال مرة بعد مرة، لنهوض. القواطع على أن محل ~~المعرفة جوهر قائم بذاته، ووجوده العقلاني (العقل - ن) يكون بالفعل أبدا ~~مخلدا، من غير تغير وزوال، وتجدد وانتقال فافهم. # وأما المنهج الحكمي البرهاني الكاشف عن الرموز ms1121 النبوية، والحقائق ~~القرآنية، ومسلك العقل الفوقاني الشارح لأسرار العقل القرآني: # فاعلم (يعلم - ن) أن النوع البشري في أول نشأته يكون جوهرا نفسانيا ~~سماه الحكماء ب " العقل الهيولاني " وهو الجوهر الذي به تمام الماهية ~~الإنسانية بحسب أول درجاتها في الإنسانية - وهو أول منزل من منازل سفره ~~إلى الحق - وهذا الجوهر من شأنه أن يقبل كل صورة، وحال، وحلية، وكمال، ~~فإن عسر عليه شيء فإما لأن ذلك الشيء في نفسه ضعيف الوجود شبيه بالعدم ~~- كالخلاء، واللانهاية، واليهولى، والزمان، والحركة - وإما لأنه ~~شديد الوجود، وقوي الظهور فيغلب عليه ويقهره. # وهذا الجوهر صورة تمامية لمواد هذا العالم، بمعنى أن الطبيعة بقوتها ~~القابلة الجسمانية، وصلت إلى هذه الصورة الإنسانية بعد طي مراتب الصور ~~الطبيعية، التي كانت دونها في هذا العالم، من صور العناصر، والمعادن، ~~والنباتات، والحيوانات. # وقد ثبت في العلوم البرهانية أن الطبيعة في المركبات وفي سلسلة ~~العائدات، التي هي من الهيولى التي (المادة - ن) للعنصريات إلى أشرف ما ~~يتصور من الصور التي في أنواع الأجسام ما لم تتخط (لم تنحط - لم تحفظ - ~~ن) النوع الأخس بشرائطه ولوازمه لم تدخل في النوع الأشرف، فما لم تستوف ~~درجات الجماد والنبات والحيوان، لم تنته نوبة الوجود إلى نوع الإنسان ~~بحسب أول درجته. # فالنفس الإنسانية هي كمال هذا العالم وزينته وتمامه وغايته، ولها وجهان ~~يكونان باعتبارها قوتان: # إحداها: وجهها إلى هذا العالم، به تدبر البدن وتحركه وتباشر الأفاعيل ~~الحيوانية المختصة بهذه الدنيا، يقال لها " القوة العملية " " العقل ~~العملي ". # وثانيها: وجهها إلى العالم الأعلى، به تنفعل عن المبادئ، وتعقل العلوم ~~والمعارف، وتترقى إلى الكمالات الأخروية، من المحبة الإلهية، والاشتياق ~~إلى لقاء الله وابتغاء مرضاته. # فهي بحسب القوة العملية أمر بالفعل، وصورة في البدن العنصري، وغاية ~~لانقلابات العنصريات والاستحالات الطبيعية، فكانت أولا قوة هيولانية، ثم ~~ترابا، ثم ماء مهينا، ثم علقة، ثم مضغة، ثم بدنا ذا عظام ولحوم ~~وأمشاج، ثم حيوانا سميعا بصيرا، إلى أن تبلغ جوهرا من شأنه قبول ~~معرفة (القبول لمعرفة - ن) الله تعالى وطاعته، إما شاكرا وإما ms1122 كفورا، ~~كما قال تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا # [الإنسان:1]. الآية. # وبحسب القوة العلمية النظرية أمر بالقوة، ومادة ساذجة صرفة عن الصورة، ~~ولوح غير منقوش، ومرآة مجلوة ليس فيها شيء من الصور والكمالات التي لا ~~تشاهد بهذه الحواس، ولا ترى بهذا العين من العلوم والأخلاق، سواء كانت ~~علوما حقة وأخلاقا حسنة أو كنت ملكات باطلة زائلة (رذيلة - ن). # فإن قلت: كيف يتصور وجود مادة لا صورة لها، وقوة محضة لا فعلية، ولا ~~قوام لها؟ إذ كل موجود له صورة مقومة؟ وثبت أيضا في التعاليم " إن تجرد ~~الهيولى من الصورة مستحيل "؟ # قلنا: قد أشرنا إلى أن الجوهر بحسب هذه النشأة صورة محضة، وبحسب النشأة ~~الأخروية مادة محضة، والمستحيل إنما هو وجود الهيولى المحضة التي ليست ~~لها صبورة بوجه من الوجوه وبحسب نشأة من النشآت. # فإن قلت: إن الحكماء أقاموا البراهين على أن البسيط الخارجي لا يمكن ~~أن يكون فعلا وقوة معا لعدم اختلاف الجهتين الخارجيتين، وبه أثبتوا ~~التركيب في الجسم - بما هو جسم - من مادة وصورة، فأثبتوا مادة سوى الجسم، ~~هي أبسط منه، ويتقوم منها ومن الجزء الصوري والجسم المطلق. # قلنا: ذلك مسلم في وجود واحد ونشأة واحدة، وأما كون شيء واحد صورة في ~~عالم أدنى ومادة في عالم أعلى فهو غير مستنكر، وخصوصا إذا كان لتلك ~~الصورة شوب قوة ما لأجل تعلقها بالمادة البدنية، بل نفس كونها صورة ~~جسمانية يسلتزم، نقصا، وقصورا، وضعفا، وإمكانا يستدعي غاية وتمامية ~~وصورة وتحت ذلك سر. # فإذا تحقق ما ذكرنا نقول: كل مادة - سواء كانت جمسانية أو روحانية - ~~فإنما تصير محصلة موجودة بالفعل بصورة تحصلها وتقومها. # فإن كانت مادة جسمانية من مواد هذا العالم قابلة للصورة الحسية، فهي ~~إنما تتقوم بصور محسوسة هي كمالها الأول وما يتبعها هو الكمال الثاني ~~كالصور العنصرية وما يتبعها من الكيفيات، وكالنفس الحيوانية وما يتبعها ~~من الشهوة، والغضب، والرجاء، والخوف، واللذة، والألم، وغيرها. # وإن كانت مادة روحانية فهي إنما تتقوم وتستكمل بالصورة الروحانية ~~والأخلاق ms1123 (الاخلاقات - ن) والملكات، وهي إما صورة عقلية، لمعلومات ~~مفارقة الذوات عن الأجسام وجودا وتأثيرا كالإله وضرب من الملائكة ~~المقربين - وأخلاق مناسبة لها - كالعبودية التامة، والزهد الحقيقي، ~~والفناء، والهيمان، والعشق الروحاني، والمحبة الإلهية وإما هي صورة ~~خيالية، وهي إما حكاية عن العقليات المحضة، أو مأخوذة عن الأمور ~~الجسمانية متعلقة بالمعلومات الجزئية، والصور الحسية فالأولى كما ~~للعرفاء، والثانية كما للصلحاء، والثالثة كما للعوام. # فإذا كانت النفس الإنسانية في أول تكونها هيولانية الذات بالقياس إلى ~~الصورة الغير المحسوسة، التي لا تشاهد بالحواس فما لم تصر مصورة بقوة ~~مقومة إياها لم تتحصل نوعا يمكن بقاؤه في عالم آخر غير هذا العالم ~~المحسوس بإحدى الحواس الظاهرة، لكونه من عالم الشهادة وعالم الغيب لا ~~يطالع بهذه المشاعر بل بمشاعر أخروية غير دائرة. # ثم إن تلبس المادة بقوتها الاستعدادية لكل صورة ناقصة يمنعها عن ~~التلبس بالصورة الكاملة كما نشاهد في مواد هذا العالم كالقوى الهيولانية ~~الإنسانية: كانت أولا مصورة بالصورة المنوية، ثم انقلبت عنها إلى ~~النباتية، ثم إلى الحيوانية، ثم إلى الصورة الإنسانية التي هي مرتبة ~~العقل (مرتبة العقل الهيولاني - ظ) وهي نهاية الجمسانيات في الشرف ~~والكمال وبداية الروحانيات، القابلة للعقل الفعال، فهو مجمع البحرين، ~~وطراز العالمين، وحد جامع، وبرزخ حاضر بين بحري الجسمانيات ~~والروحانيات، ويسمى ب " القلب " لهذا، لكونه ذو وجهين، وتقلبه بين ~~إصبعين من أصابع الرحمن. # فإن نظرت إلى ذات النفس وفعليتها في هذا العالم وجدتها مبدأ القوى ~~الجسمانية، ومستخدم الآلات الإحساسية والتحريكية، وتكون سائر الصور ~~الطبيعية الحيوانية، والنباتية، والجمادية، من آثارها ولوازمها، فهي صورة ~~الصور وغاية الغايات، وثمرة شجرة عالم العنصريات، بل الجسمانيات في عالم ~~الشهادة. # وإذا نظرت إليها بحسب نسبتها إلى الوجود الروحاني وجدتها قوة محضة وفاقة ~~صرفة، لا رتبة لها عند سكان عالم الغيب، وعالم الآخرة، نسبتها إلى الصورة ~~الأخروية نسبة البذر إلى الثمار، والنطفة إلى الحيوان، فإن البذر بذر ~~بالفعل ثمرة بالقوة، والنطفة نطفة بالفعل، حيوان بالقوة، والبذر ليس ~~ثمرة، والنطفة ليست حيوانا إلا بضرب من المجاز، فالعقل الهيولاني لا ~~وجود ms1124 له في عالم الآخرة ما لم يحصل له جهة فعلية روحانية، ولهذا ذهب بعض ~~الحكماء إلى بطلان النفوس الخيالية عن العلوم بعد بوار البدن وخراب ~~الدنيا. # فحال البصيرة بالإنسانية كحال البصر، ومنزلتها بالقياس إلى ما يفيد ~~وجودها بالفعل وإلى ما به يحصل (يحصل العالم - ن) بالفعل - بعد أن كانت ~~بالقوة - منزلة الباصرة بالقياس إلى جوهر الشمس، والنور الذي يفيده ~~وتصير مبصرة بالفعل، ومدركاتها من الألوان مرئية بالفعل بعد أن كانت هي ~~رائية بالقوة. # إذ كما أن البصر ليس في ذاته كفاية في أن يصير مبصرا بالفعل، ولا في ~~ذوات الألوان (الأنوار - ن) كفاية في أن تصير مرئية بالفعل، بل الشمس ~~تعطي البصر ضوءا، وتعطي الألوان ضوءا بذلك الضوء صارت هي مبصرة ~~بالفعل، والألوان مبصرة بالفعل، فكذلك إشراق الروح القدسي المسمى عند ~~الحكماء ب " العقل الفعال " وعند أئمة الفرس ب " روان بخش " تفيد العقل ~~الهيولاني، والصورة الهيولانية المخزونة في الخيال نورا روحانيا، ~~منزلته من العقل الهيولاني منزلة الضوء من البصر، وبه يعقل الأشياء التي ~~كانت معقولة بالقوة. # واعلم أن القوة في باب العاقلية والمعقولية - كسائر الأشياء التي تكون ~~بالقوة - قد تكون بعيدة وقد تكون قريبة، فالبعيدة في العاقلية كما في ~~العقل الهيولاني الذي هو جوهر متعلق بالمادة المحسوسة، وفي المعقولية كما ~~في الصور النوعية المادية التي من شأنها أن تصير معقولة للإنسان، وأما ~~القريبة فعندما يحدث فيه عن رسوم المحسوسات التي حفظتها في القوة ~~المتخيلة مقعولات أول، اشترك في نيلها جميع الناس لحصول بعضها بلا ~~تجربة، وقياس، واستقراء، أو بتجربة (وتجربة - ن) سهلة الحصول - كقولنا كل ~~أرض ثقيلة - فحصول هذه المدركات الأولية له يجلعه عقلا بالملكية يوجب ~~لها استعدادا قريبا؛ لصيرورته عقلا بالفعل، ولصيرورة الصور المادية ~~معقولة له بالفعل. # فحصول الأوليات كمال أول لما بالقوة، تؤدي إلى كمال ثان هو نور من أنوار ~~الله يقذف في قلب المؤمن المجاهد في سبيل الله مع أعداء الله من القوى ~~الجسمية والدواعي الظلمانية، وخصوصا القوة الوهمية التي تمانع الإنسان ~~في كثير من أركان الإيمان، ms1125 فلا بد له من مدافعتها بالقوة البرهانية، ~~لتصير مسلمة بيده العاقلة بتأييد الرحمن. # فهذا النور هو الخير الحقيقي والسعادة الحقيقة، وبه يصير الإنسان حيا ~~بالفعل بحياة ذاتية غير محتاج في قوامه إلى المادة (مادة - ن) وذلك ~~لصيرورته في جملة الأشياء البريئة عن المواد والاستعدادات باقيا أبد ~~الآبدين. # وهذا النور العقلي إنما يحصل للنفس الإنسانية بوسيلة أفعال وأعمال ~~يقربها إلى عالم القدس، بعضها من باب الحركات الفكرية والأعمال ~~الذهنية من الأنظار الدقيقة، والنيات الخالصة تقربا إلى الله، وبعضها ~~من باب الطاعات والأذكار مع هيأة خضوع وخشوع، وبعضها من باب التروك ~~كالصيام والصمت وترك الدنيا، والعزلة عن الناس، وجميع هذه الأمور يناسب ~~الأمر القدسي، المنبعث بسبب تكرر الإدراكات العقلية؛ الموجب لحصول العقل ~~بالفعل، الذي يقال له " العقل البسيط " وهو أمر جوهري نسبته إلى ~~المعقولات المفصلة نسبة الكيمياء إلى الدنانير. # وكذا الحال في تحصيل مبدإ طباعي بالقياس إلى الآثار الصادرة منه، أما ~~ترى الحديد الحامي كيف تحصل له من تكرر التسخنات بالنفاخات صورة نارية، ~~وقوة مسخنة تفعل التسخين لذاتها ويشابه فعلها فعل الصورة النارية، فلا ~~تتعجب من نفس حصل فيها لكثرة التشبهات بالمبادئ الإلهية، وتكرر صدور ~~الأفاعيل الرواحنية منها نور قدسي، وصورة عقلية تعقل المعقولات، كما يحصل ~~في الحديد المذاب قوة نارية تفعل فعل النار، لكثرة مجاورته وعكوفة على ~~باب النار. # وهكذا حال النفوس المتألهة في عكوفهم على باب الله ومواظبتهم على أفعال ~~تشبه أفعال الله من الشفقة، والعطوفة، والرحمة على خلق الله، ودعاء الخير ~~على كل ذي روح، والترفع عن (على - ن) الجسمانيات، والطاعة لله ولرسوله ~~ولأولي الأمر من الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، كل ذلك تشبها به ~~وتخلقا بأخلاقه، كما ورد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله): # " تخلقوا بأخلاق الله " # حتى يحصل لهم بكثرة (التعلقات - ن) وتكرر المشاهدات مبدأ صوري في ~~نفوسهم، وقوة عقلية مشرقة بنور الله هي مبدأ أنوار المعقولات، وفعال ~~صور المعلومات. # وبالجملة كل جوهر له قوة واستعداد لحصول أشياء مختلفة، فبحسب كثرة ~~الانفعالات حصلت له من نوع ms1126 صفة يحصل فيه صورة جوهرية هي مبدأ تلك الصفة، ~~أو لا ترى أن كثرة مجاورة النار وتكرر التسخينات توجب للحطب وغيره ~~صورة نارية تفعل فعلها، وكذا كثرة مجاورة الأرض يجعل الشيء ترابا صرفا ~~يفعل فعل التراب، وهذا مما لا شبهة فيه وخصوصا إذا كان الأمر المجاور " ~~المشبه " ذا قوة استعدادية سهل القبول والأمر المجاور له " المشبه به " ~~ذا صورة قوية التأثير كالحطب اليابس في مجاورة النار. # فإذا كان كذلك فلا شبهة في أن النفس الإنسانية في أول الفطرة قوة قابلة ~~استعدادية بالقياس إلى كل صورة وصفة - وهذا أمر بين - ولهذا تتصور كل ~~شيء - ولو بوجه ما - وتنفعل عن كل شيء، وذلك للطافتها وصفاء جوهرها ~~وصقالة ذاتها ومن هاهنا يكتسب الإنسان الصنائع ويتخذ الملكات الصناعية ~~كالكتابة والفلاحة والتجر وغيرها. # فإن كان ما يزاوله ويباشره من باب الأمور العقلية كالتعقلات والتصورات ~~الروحانية، والأفعال القدسية، ويكون كثير المراجعة إلى الله تعالى ~~بالتسبيحات، والتقديسات، والأوراد، والأذكار وسائر الأمور المقربة إليه، ~~وكثير التفكر في أمر آخرته، وقيامه عند الحق، ومثوله بين يدي الله، ~~وكثير التذكر للموت والساعة، وهكذا حاله مدة مديدة إلى أن تشتد فيه هذه ~~الصفة - فيحصل في نفسه الجوهر الصوري والنور الإلهي، الذي ذكرنا أنه ~~فعال للمعقولات النورية والصور الأخروية، الأفلاطونية، التي ذهب إلى ~~وجودها أفلاطون ومن تقدمه من أشياخه الكرام، وأنكرها من تأخر من الحكماء ~~الباحثين إلى يومنا هذا وقد من الله علينا بفضله وإحسانه بمكاشفة هذه ~~المثل النورية وأثبتناها في أسفارنا الإلهية. # وإن لم يكن كذلك، ولم تبلغ نفسه إلى هذه المرتبة، فلا يخلو إما أن ~~تكون كثيرة التأثير والانفعالات من اللذات الدنيوية، شديدة الاشتغال ~~بالأفعال الشهوية والغضبية، من محبة المال والجاه، ومحبة الترفع على ~~الناس، والتكبر والاستطالة على الخلق، والشهرة عند الناس، والركون إلى ~~الدنيا، والإخلاد إلى الأرض وغير ذلك من الأفعال الحيوانية التي بعضها ~~شهوية وبعضها غضبية. # فإن (فمن - ن) كان الغالب عليه مباشرة الأفعال الشهوية، توجب أن تحصل ~~للقوة القابلة النفسانية صورة بهيمية مشتاقة إلى فعل الشهوات دائما، ms1127 ~~سواء كانت آلات الشهوات موجودة معها أو مفقودة بالموت. # وإن كان الغالب عليه مباشرة الأفعال الغضبية - من الانتقام والترفعات - ~~تحصل للنفس صورة غضبية ظلامة نازعة إلى فعل الجفاء، والظلم، والجور، ~~والعنف - سواء كانت قادرة على ذلك أم لا - وعلى كلا التقديرين لا يخلو ~~إما أن يكون في نفسه شوق إلى العقليات، واستعداد نحو الكمال والخير - مع ~~جحوده للحق وإنكاره للحكمة - أم لا. # فإن كان الأول فهو أشد عذابا وأعظم مصيبة وأدوم إيلاما، لوجود الهيآت ~~المضادة للحق في نفسه، والفريقان جميعا من أهل النار وأصحاب الجحيم - ~~كما مر ذكره غيره مرة - وذلك لاحتجابهم عن العالم الأعلى بمباشرة أهل ~~النار، ومزاولة أفعال أصحاب الجحيم، واكتساب هيآتها السوأى آنا فآنا، ~~فانقلبت نفوسهم، وانتكست رؤوسهم إلى أقفيتهم، وصارت نفوسهم صورا حيوانية ~~بل أضل سبيلا من الأنعام، باكتساب الصفات (الصور - ن) الشيطانية، فصارت ~~شياطين مردودين مطرودين عن أفق الملائكة المقدسين، فبقيت في غصة وعذاب، ~~مغلولة مقيدة بسلاسل التعلقات، تلدغها عقارب الهيآت مادامت السماوات. # وكانت قد ناداها الحق فتغافلت، وأسمعها الرسول فتصاممت، وناصحها الأئمة ~~(عليهم السلام) فعاندت وعزت من أمر ربها، فأطفأت نورها، فحل عليها ~~غضب الحق، فهوت إلى درك الشقاء مهوى الأشقياء، فصاروا في ظلم الجحيم صم ~~بكم عمي، وقيل فيها: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى # [طه:124 - 126] ومن أعظم الألم # إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين:15]. وقد # ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين:14]. وأحاطت بهم خطيئاتهم # وإن جهنم لمحيطة بالكافرين # [العنكبوت:54]. فهم # في الدرك الأسفل من النار # [النساء:145]. متقاعدون # وحيل بينهم وبين ما يشتهون # [سبأ:54]. # وإن لم يكن شديد الانكباب على اللذات، كثير التعلق إلى الدنيا ~~والتمني في حياتها الفانية إما لضعف القوى الأمارة الحيوانية، أو ~~لسلامة النفس وقبول النصيحة، واستماع الآيات، وفهم الأخبار، والعمل ~~بمقتضاها على حسب وسعه وحوصلة ذاته؛ لإدراك الأمثلة الإيمانية والخيرات ~~المظنونة، فهؤلاء هم أهل الرحمة الباقون ms1128 على فطرتهم، المتبوئون منازل ~~الجنان، المستبشرون بالنعيم من الحور العين والكأس من ماء معين، والقصور ~~المرتفعة، والغرف المستعلية، والفواكه والأطعمة اللذيذة، والأشربة ~~الهنئية المريئة، وسقاهم ربهم شرابا طهورا، يلبسون فيها من سندس ~~واستبرق وحلوا أساور من فضة، متكئين فهيا على الأرائك لا يرون فيها ~~شمسا ولا زمهريرا، على حسب ما تشتهيه أنفسهم، وتلذ أعينهم، جزاء بما ~~كانوا يعملون، ووفاء بما كانوا يسمعون، وقيل لهم في الدنيا فينتظرون. # فهذا أنموذج في بيان صيرورة الأرواح الإنسية إما من الملائكة ~~المقربين والعباد الصالحين، وإما من البهائم والسباع والشياطين - ~~بمزاولة أعمال كل من هذه الموجودات - أو من أهل السلامة القابلة للمغفرة ~~والرحمة لبقائهم على الفطرة. # وجملة القول إن مراتب الموجودات الجوهرية بعد المبدإ الأول إما ~~ملائكة مهيمة، أو ملائكة عقلية فعالة، أو جواهر روحانية، او نفوس ~~ناطقة مدبرة، أو نفوس حيوانية بهيمية أو غضبية، أو نفوس شيطانية ~~وهمانية، حصلت منها قبائل من الجنة الغيلان وغيرها، أو طبيعية ~~جسمانية فلكية، أو عنصرية، أو مادة هيولانية، والقلب الإنساني ~~المسمى ب " الناطقة " متوسطة بين الطرفين، الروح وما فوقها، والنفس ~~الأمارة وما تحتها. # فهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، فينجذب إلى أحد الطرفين بحسب شدة ~~المناسبة إليه، وغلبة المحبة إياه، فإن كان الغالب عليه محبة الله، ~~وأنبيائه، وأوليائه، وملكوته، والشوق إلى دار الآخرة " من كان لله كان ~~الله له " فينجذب إلى عالم الملكوت انجذاب إبرة ضعيفة إلى مغناطيس غير ~~متناهي القوة { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور }. # وإن كان الغالب عليه محبة الباطل فنيجذب إلى الأسفل ويصير من أصحاب ~~النار { والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون } # وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون # [العنكبوت:40]. ذلك بما كسبت قلوبهم. # فالقلب الإنساني بمنزلة صراط ممدودة على متن جهنم # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله ~~الذي له ما في السماوات وما في الأرض # [الشورى:52- 53]. وهوأدق من الشعر وأحد من السيف. # أما الدقة فلأن الانحراف والتوجه منه إلى أحد ms1129 الطرفين - أعني في ~~العرض - يوجب الهلاك، لأن أطرافه - غير جهة العلو - أشخاص الجحيم، من ~~الأفاعي اللساعة، والعقارب اللداغة، والسباع الضواري، والكلاب ~~العواقر، كلها تهيأت لابتلاع الإنسان، ولدغة، ولسعه، # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار # [هود:113]. # وأما الحدة فلأن الوقوف عليه أيضا مما يقتضي الهلاك، ومن وقف عليه ~~شقه، فأهل الجحيم لأجل انحرافهم عن الصراط المستقيم، وضلالهم عن الطريق ~~القويم، يقعون في الحميم، وذلك لعدم التفاتهم إلى علم النفس وما فوقها، ~~وتركهم تهذيب الباطن عن رذائل النفس وما تحبها، وبإهمالهم وتقويتهم ~~معرفة النفس فاتت عنهم معرفة الرب، لأن " من عرف نفسه عرف ربه " # وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط ~~لناكبون # [المؤمنون:74]. # توضيح وتأكيد # قد ظهر أن كل صفة وملكة تغلب على باطن الإنسان لأجل تكرار الأفاعيل ~~الموجبة لحدوث الأخلاق والملكات تتصور في الآخرة بصورة تناسبها، ولا شك ~~أن أفاعيل الأشقياء المردودين إنما هي بحسب هممهم القاصرة عن الارتقاء ~~إلى عالم الملكوت، ومحبتهم المتعلقة بمراتب البرازخ الحيوانية، ~~المقتضية للأعمال الشهوية، والغضبية، البهيمية، والسبعية، فلا جرم ~~هممهم وتصوراتهم أغراض حيوانية تغلب على نفوسهم، فتحشر على صورة تلك ~~الحيوانات، كما يدل عليه قوله تعالى: # وإذا الوحوش حشرت # [التكوير:5]. وربما تحشر بعض النفوس (الناس - ن) على صورة جامعة لفنون ~~الرذائل الحيوانية، كما ورد أنه: " يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها ~~القردة والخنازير ". # ومما يؤكد هذا الحكم أن أصحاب الكشف والشهود للطاقة قلوبهم، وذكاء ~~باطنهم، وصفاء ذهنهم يتصور عندهم الأشقياء بصورهم الحقيقية الأخروية، ~~ويعاينون لهم في صقع باطنهم على أشكال وهيئات تقتضيها صفات النفوس وهيئات ~~الأرواح، وذلك لغلبة سلطان الآخرة، وظهورها على قلوب أهل الحق # إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون # [النمل:12]. # حتى قال بعض المكاشفين إني أرى فلانا إذا تكلم مازالت تفور من فيه ~~فوارة من الناس إلى أن يسكت، وذلك عند من كان مغتاظا يكون أكثر وأوفر. # وقال بعضهم في قوله تعالى: # ولا طعام إلا من غسلين # [الحاقة:36]. إني أراهم يأكلونه عيانا. # وقال العلامة الدواني: سمعت من أستاذي العالم العامل محيي ms1130 الملة ~~والدين محمد الأنصاري - نقلا عن بعض من لاقاه من الثقات -: أنه كان في ~~بعض نواحي فارس بعض من الأولياء، فدخل عليه ذات يوم واحد من أهل الدنيا، ~~وكان ذلك الوالي مستغرقا في حالته، فلما نظر عليه قال لخادمه: " أخرج ~~هذا الحمار " ولم يكن يرى منه إلا صورة الحمار التي هي صورته في ~~المواطن الأخروية، ثم بعد أن زال عن (عنه - ظ) هذا الحال أخبره الخادم ~~بما جرى، فقال: " ما قلت إلا ما رأيت، ولم أكن واقفا على ما تقول " ~~ومثل هذه الحكاية منقول عن كثير من المكاشفين. # المقالة العشرون: # في قوله تعالى: { هم فيها خالدون } # وفيه مناظر: # المنظر الأول # في فائدة لفظ " الخلود " هاهنا # إعلم أن بعض الممكورين بالعقل - من ضلال الملاحدة، وجهال الفلاسفة، ~~والطباعية وغيرهم - لفظ غفلتهم وغلبة مغاليط ظنونهم قد ظنوا أن قبائح ~~أعمالهم، وفضائح أفعالهم. # وأقوالهم، لا تؤثر في صفاء أرواحهم، وتغير أحوالهم، فإذا فارقت الأرواح ~~الأجساد يرجع كل شيء إلى أصله، فالأجساد ترجع إلى العناصر، والأرواح ترجع ~~إلى حظائر القدس، ولا يزاحمها شيء من نتائج الأعمال إلا أياما معدودة، ~~كما حكى الله عنهم في قوله: # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة:80]. الآية وذلك بقدر فطام الأرواح عن لبان التمتعات ~~الحيوانية. # وهذا ظن فاسد، وكفر صريح من وساوس الشيطان، وهواجس النفس وليس بمعقول، ~~لأن العاقل يشاهد حسا، وعقلا أن تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء ~~اللذات النفسانية، يورث الأخلاق الذميمة، من الحرص، والحقد، والحسد، ~~والبغض، والغضب، والبخل، والكبر، والكذب، وغير ذلك، وأن الذي ترتاض ~~نفسه بالمجاهدات، وترك الشهوات، ونهي الهوى عن المألوفات، والمستلذات، ~~ويمنعها من الأخلاق المذمومات، تورثه هذه المعاملات (الماقبلات - ن) ~~مكارم الأخلاق، وصفاء القلب، ودقة النظر، وصدق الفراسة، وإصابة الرأي، ~~ونور العقل، وعلو الهمة، وخلو السر عن محبة الباطل، وشوق الروح إلى ~~درك الحق، وتحننه إلى وطنه الأصلي، وغير ذلك من المقامات العلية ~~والأحوال السنية. # فالعاقل لا يشك في أن الروح المتبع للنفس الأمارة - كما يكون للعوام ~~- لا يكون مساويا بعد المفارقة مع الروح ms1131 المتبع لإلهامات الحق - كما ~~يكون للخواص - كقوله تعالى: # أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي ~~سويا على صراط مستقيم # [الملك:22]. # وبعضهم قالوا: وإن تكدرت الأرواح بقبائح أعمال الأشباح (الاشياع - ~~الاتباع - ن) وتدنست (ونزلت - ن) بقدر تعلقها بمحبوات طباعها فبعد ~~المفارقة بقيت في العذاب أياما معدودات على قدر انقطاع التعلقات عنها ~~وزوال الكدورات، ثم تتخلص من العذاب وترجع إلى حسن المآب. # وهذا أيضا وهم فاسد، وخيال كاسد، فكذبهم بقوله: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # [البقرة:81]. يعني من كسب سيئة يظهر بقدرها على مرآة قلبه رينا، فإن ~~تاب محي عنه، وإن لم يتب ويصر على السيئات حتى أحاطت بمرآة قلبه رين ~~سيئاته بحيث لا يبقى فيه صفاؤه الفطري، وخرج منه نور الإيمان، وضياء ~~الطاعات، فأحبط أعماله الصالحات، وأحاطت به الخطيئات، فهو خالد في النار ~~مؤبدا، يدل على هذا قوله: # بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين:14]. # المنظر الثاني # في بيان أن منشأ الخلود في النار هو الكفر لا غير خلافا للمعتزلة ~~القائلين بأن صاحب الكبيرة يخلد في النار # والتحقيق في هذا أن رؤساء أتباع الشيطان في خلقة الإنسان كما مر ~~ثلاثة: القوة الوهمية: التي هي رئيس المدارك الجزئية الحسية، ينبعث ~~منها الشوق إلى اللذات النفسانية، والقوة الشهوية: التي هي رئيس سائر ~~القوى الخيالية للمقاصد الحيوانية، الصارفة للنفس عن طريق الآخرة ~~والمطالب الأخروية، والقوة الغضبية: التي هي منشأ المؤذيات الضارة، ~~ومبدأ الجناية، والجور، والقهر، والغلبة، على بني النوع والجنس. # وكل منها يدعو الإنسان بحسب طبعها وناريتها المكمونة فيها، فإذن هي ~~كأنها نيرانات كائنة في أحجار كبريتية، وقودها المشتهيات من ملاذ ~~الدنيا ونعيهما، واستعمال تلك النيران عند الوقود كأنها حريق لا يطفأ، ~~ولهب لا يخمد، كأمواج بحر متلاطمة، أو كرياح عاصفة تدمر كل شيء. # أو لا ترى أن حرارة شهوة المأكولات عند الجوع كأنها لهيب نيران لا ~~يطفأ، وحرارة شهوة المنكوحات عند هيجان الحركة كأنها حريق نار ترمي بشرر ~~كالقصر، وحرارة نار الكبر والغضب ms1132 كأنها تدعي الربوبية، وحرارة نار ~~الافتخار والمباهاة كأنها أعلى موجود وأفضل معبود، والناس عبيد وخدم ~~لها. # إلا أن منبع جميع هذه النيرانات، وكبريت هذه الشعلات هي " القوة ~~الوهمية " التي هي مبدأ الغواية، والضلالة، والمغالطة، وسوء الظن، ~~والداعي إلى الشر بكفره، وغلطه، وتغليطه، ووسوسته، فإن " الوهم " ما لم ~~يروج الباطل في صورة الحق لم ينبض عرق الجاهلية والقباحة في شيء من ~~القوى، فهو أول من قرع باب الكفر، والإنكار، والجحود، والعناد، ~~والاستكبار، ثم عملت بوفقه القوى العمالة التي هي من توابعها، كما قال ~~الله تعالى: # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها ~~وبئس القرار # [إبراهيم:28 - 29]. # وإنما عظم الله تعالى أمر الأفعال القبيحة المنسوبة إلى المبدإ ~~الإدراكي الوهمي ما لم يعظم في قبائح أفاعيل القوى الغضبية كالقتل، ~~والشهوية كالزنا وأمثالهما، أو لا ترى أنه قد عظم أمر الإفك في ~~الوعيد ما لم يغلظ في غيره، حيث قال: # إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه # [النور:11]. الآية فبالغ عليه بما لم يبالغ في باب الزنا (الريا - ن) ~~وقتل النفس المحرمة، لأن عظم الرذيلة، وكره المعصية، إنما يكون على ~~حسب القوة التي هي مصدرها، فيتفاوت حال الرذائل في حجب صاحبها عن الحضرة ~~الإلهية، والأنوار القدسية، وتوريطه في المهالك الهيولانية، والمهاوي ~~الظلمانية، على حسب تفاوت مبادئها، فكلما كانت القوة التي هي مصدرها ~~ومبدؤها أشرف كانت الرذيلة الصادرة منها أردأ أو بالعكس، لأن الرذيلة ~~مما يقابل الفضيلة، فكلما كانت الفضيلة أشرف كان ما يقابلها من الرذيلة ~~أخس، والإفك رذيلة القوة الناطقة الوهمانية، والزنا رذيلة القوة ~~الشهوية، والقتل رذيلة القوة الغضبية، فبحسب فضل الأولى على الباقين ~~تزداد رداءة رذيلتها ودوام عقابها. # وذلك أن الإنسان إنما يكون إنسانا بالأولى وبها يكون ترقبه إلى ~~العالم العلوي، وتوجهه إلى الجناب الإلهي، وتحصيله للمعارف والكمالات، ~~واكتسابه للخيرات والسعادات، وإذا فسدت بغلبة الشيطان عليها واحتجبت عن ~~النور باستيلاء الظلمة، ونزلت عن رتبة الأرواح إلى درجة الشيطان، حصلت ~~الشقاوة ووجبت العقوبة بالنار الكبرى، وهو الرين ms1133 والحجاب الكلي # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * ~~كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين:14 - 15]. # ولهذا حكم على الكفار بالخلود في النار في قوله: { هم فيها ~~خالدون } فبان دوام العذاب وخلود العقاب بفساد الاعتقاد، دون فساد ~~الأعمال، فإن الصفات الناشئة من الأعمال وإن كانت نفسانية إلا أنها ~~كالعوارض، والفساد في العارض للشيء يرجى زواله، بخلاف سوء الاعتقاد في ~~الله، وحقائق الملكوت، وإنكار المعاد، وإنكار الأنبياء والأولياء، والجهل ~~بأحوالهم وطريقهم إلى الحق، فإنه داخل في قوام الروح كما قررناه، والفساد ~~في ذات الشيء وقوامه يوجب الهلاك، وموت الروح بالجهل لا ينافي بقاء النفس ~~المنكوسة لأجل خلود العقاب كما هو التحقيق عند أرباب الحكمة الإيمانية. # فرذيلة الناطقة النفسانية الإنسانية توجب خلود العقاب، بخلاف رذيلة ~~القوتين الباقيتين، كما قال الله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء:48]. # وذلك لأن رذيلة كل منهما إنما تصدر بظهورها على القوة النطقية، ثم ~~ربما محيت بانقهارها وتسخرها لك عند سكون هيجانها، وفتور سلطانها، ~~باستيلاء غلبة النور، وتسلطها عليها بالطبع، كحال النفس اللوامة عند ~~التوبة والندامة. # وإن فرض أنها بقيت في الإصرار وترك الاستغفار، ولكن لا تبلغ رذيلتها ~~مقام رذيلة الرواح الذي هو محل معرفة الله ومناجاة الرب، ولا تتجاوز حد ~~الصدر، ولاتصير الفطرة بها محجوبة، والحقيقة منكوسة، بخلاف رذيلة ~~الناطقة، ألا ترى أن الشيطنة المعنوية للأولى أبعد عن الحضرة الإلهية ~~من السبعية والبهيمية بما لا يقدر قدره. فالإنسان برسوخ الرذيلة النطقية ~~يصير شيطانا مريدا - والشيطان الذي هو إبليس إنما كان أبعد الخلق عن ~~الله تعالى، وموضع اللعن هو إبليس ومظهر إسم " المضل " لأنه كان ~~جبرائيل الأصل، فبالجهل المركب انقلب عن كونه ملكا كريما إلى كونه ~~شيطانا لعينا - وبرسوخ الرذيلتين الأخريين يصير حيوانا كالبهيمة أو ~~السبع، وكل حيوان أرجى صلاحا وأقرب فلاحا من الشيطان، ولهذا قال تعالى # هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل ~~على كل أفاك أثيم # [الشعراء:221 - 222]. وذلك لكونه أبعد عن قبول التغيرات والاستحالات، ~~بخلاف الحيوان ms1134 لكونه أقرب إلى أفق ما يتغير ويستحيل فينجوا عن العذاب. # فثبت مما ذكرنا أن ذنوب القوة النطقية ومعاصيها أعظم عند الله من ذنوب ~~القوة الجسمانية، وأما عند جمهور الناس حيث يكون نظرهم مقصورا على ~~الأمور المحسوسة فالأمر بعكس ذلك، ولهذا المعنى قال سبحانه في باب الإفك: # وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم # [النور:15]. # فعلم مما ذكرنا فاسد مذهب المعتزلة والزيدية القائلين بخلود صاحب ~~الكبيرة مطلقا في النار، وقد أشرنا سابقا أن ضربا من الكبائر التي ~~توجب للنفس رذيلة نطقية راسخة، وتكون نفس تلك المعصية كاشفة عن ذلك - ~~كصدور بعض المعاصي من بعض الناس في بعض الأمكنة والأزمنة، مثل شيخ كبير ~~السن في زمرة المنتسبين إلى العلم يباشر الملاهي والغناء عند جوار ~~الروضات المقدسات - فمثل هذه المعصية وإن كانت من ذنوب القوى الحيوانية ~~إلا أنها دالة على فساد الاعتقاد بحرمة الرسول وأولاده الأمجاد - ~~عليهم عظائم التسليمات من الملك الجواد - فمنشأ الخلود في العقاب ~~بالحقيقة ليس إلا رذيلة الناطقة كالكفر وما يوجبه. # المنظر الثالث # في تقرير الجواب عن حجة من يعتقد اشتراك أصحاب الكبائر مع الكفار في ~~الخلود في النار كالمعتزلة وغيرهم # إعلم أن في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر - غير الكفر بالله، وآياته، ~~وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر - إذا ماتوا قبل التوبة خلافا ~~لأهل القبلة وبين علماء الإسلام: # فمنهم من قطع لوعيدهم إما مخلدا - وهو قول جمهور المعتزلة، والخوارج ~~- وإما منقطعا - وهو قول البشر المريسي، والخالدي - ومنهم من قطع بأنه ~~لا وعيد لهم وينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر. # والذي عليه أكثر المحققين، والصحابة، والتابعين، وأصحابنا الإمامية وأهل ~~السنة القطع، لجواز العفو عنه تعالى، وبأنه سبحانه يعفو عن بعض ~~العصاة، وأنه إذا عذب أحدا منهم فلا يعذبه أبدا، ولكنا نتوقف في ~~حق البعض المعفو عنه، والبعض المعذب على التعيين. # أما المعتزلة كصاحب الكشاف وغيره فاستدلوا بأدلة سمعية كالعمومات ~~الواردة في وعيد الفساق كقوله تعالى: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # [البقرة:81]. وقوله: # ومن يعص الله ms1135 ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها # [النساء:14]. وقوله: # إن كتاب الفجار لفي سجين # [المطففين:7]. وقوله: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء:10]. # ومن الحديث: # " من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة ". # و # " من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة ". # " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ". # وعن أبي سعيد الخدري: قال (صلى الله عليه وآله): # " والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا دخل النار " # وإذا استحقوا النار ببغضهم فلأن يستحقوا بقتلهم أولى. # وأجيب بالمنع من أن هذه صيغ العموم، بدليل صحة إدخال الكل والبعض عليها، ~~نحو " كل من دخل داري فله كذا، وبعض من دخل " ولا يلزم تكريره ولا تناقض، ~~ولأن الأكثر قد يطلق عليه لفظ " الكل " ولاحتمال المخصصات. # والقاطعون بنفي العذاب من الكبائر، احتجوا بقوله تعالى: # إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين # [النحل:27]. # يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله # [الزمر:53]. # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم # [الرعد:6]. # لا يصلاهآ إلا الأشقى * الذي كذب وتولى # [الليل:15 -16] # وبالعمومات الواردة في الوعد مثل: # والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من ~~قبلك # [البقرة:4] - الآية - حكم بالفلاح على كل من آمن. # وعورض بالعمومات. # وأما المحققون الذين قطعوا بالعقو في حق البعض، فقد تمسكوا بنحو قوله ~~عز من قائل: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء:48]. وبأن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضتا فلا بد من ~~الترجيح لجانب الوعد بصرف التأويل، لأن العفو عن الوعيد مستحسن عند ~~العقل، والمعتزلة أيضا معترفون بأن العفو مستحسن عقلا إلا أن النقل ~~لم يساعده - على زعمهم - فإهمال الوعد يكون بالضد فترجيح الوعيد يوجب ~~ترجيح الجانب المرجوح. # وأيضا القرآن مملوء من نحو قوله: " غفورا، رحيما، كريما " وكذا ~~الأخبار في هذا المعنى تكاد تبلغ حد التواتر. # وأيضا إن صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضل الخيرات - وهو الإيمان - ولم ~~يأت بما ms1136 هو أقبح القبائح - وهو الكفر - فلا يهدمه ما سوى الكفر عن ~~المعاصي، ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: " إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم ~~كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين نسة كيف لا يهدم معصية سنة، إلهي لما كان ~~الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر ~~معه شيء من المعاصي ". # فإذا دلت الآيات على الوعد والوعيد فلا بد من التوفيق بينهما، فإما ~~أن يصل العبد إلى دار الثواب ثم إلى دار العقاب - وهو باطل بالإجماع - أو ~~يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب. # المنظر الرابع # في تقرير الإشكال في خلود العذاب بالنار لأهل النكال من الكفار والجواب ~~عن هذا السؤال حسب ما يتأتى لأحد من المقال # إعلم أن في تعذيب الله بعض عباده عذابا أبديا إشكالا عظيما، ~~خصوصا عند القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، فإن الله خالق العباد ~~وموجدهم ومبدئهم ومعيدهم، وشأن العلة الفاعلة الإفاضة والإيجاد على ~~معلولها، إذ ليس المعلول إلا رشحة من رشحات جوده، ولمعة من لمعات ~~وجوده، والتعذيب الأبدي منافي الإيجاد والعلية. # وأيضا فإن ذاته محض الرحمة والخير والنور، وكل ما يصدر عنه يجب أن ~~يكون من باب، الجود، واللطف، والكرم، ووجود العاهات والشرور إنما يكون ~~عنه بالعرض، وعلى سبيل الشذوذ والندور، ولأنه " سبقت رحمته غضبه " فإن ~~الرحمة ذاتية، والغضب أمر عارض، والعرض الاتفاقي لا يكون دائميا كما حقق ~~في مقامه. # قال العلامة القيصري في شرح الفصوص: " واعلم أن من اكتحلت عينه بنور ~~الحق يعلم أن العالم بأسره عباد الله، ولي لهم وجود وصفة وفعل إلا ~~بالله وحوله وقوته، وكلهم محتاجون إلى رحمته، وهو الرحمن الرحيم، ومن شأن ~~من هو موصوف بهذه الصفات أن لا يعذب أحدا عذابا أبديا ". # فهذا تقرير الإشكال، ولصعوبته أنكر الشيخ محيي الدين بن عربي الخلود في ~~العذاب من الله تعالى لأحد من العباد زاعما أنه ليس في شيء من الآيات ~~نصا لا يقبل التأويل في خلود التعذيب بالنار، بل في خلود ms1137 الكون فيها ~~للكفار. # قال في الفص اليونسي من فصوص الحكم: " وأما أهل النار فمآلهم إلى النعيم ~~ولكن في النار، إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العذاب أن تكون ~~بردا وسلاما على من فيها، وهذا نعيمهم، فنعيم أهل النار بعد استيفاء ~~الحقوق نعيم خليل الله (عليه السلام) حين ألقي في النار، فإنه (عليه ~~السلام) تعذب برؤيتها وبما تعود في علمه وتقرر من أنها صورة تؤلم من ~~جاورها من الحيوان، وما علم مراد الله فيها ومنها في حقه، فبعد وجود هذه ~~الآلام وجد بردا وسلاما مع شهود الصورة النارية في حقه، وهي نار في ~~عيون الناس، فالشيء الواحد قد يتنوع في عيون الناظرين ". # وغاية ما يتأتى لأحد أن يقول في التفصي عن هذا الأشكال: إن مراتب ~~العذاب مختلفة بالإضافة إلى الآحاد، فرب عذاب يكون شديدا لأحد ضعيفا ~~لغيره، ومراتب الشدة والضعف مختلفة باختلاف المشاعر والمدارك، كما تجد ~~هذه التفرقة في الأشخاص المعذبين في هذه الدنيا، بل رب عذاب لأحد يكون ~~راحة ولذة لآخر، كما ترى من اشتغال بعض الناس بأمور دنية، ومناصب ~~خسيسة، يكون فيها غاية الأم والعذاب للنفوس الشريفة، ومع ذلك يفتخرون بها ~~ويباهون على غيرهم. # كيف لا وجميع الشهوات واللذات الدنيوية عن أرباب المعارف الإلهية، تكون ~~من قبيل الآلام والغموم، ويكون مباشرتها والتلذذ بها كمباشرة الكناسي ~~والأتوني بالروث والسرقين وتلذذهم عن رائحتها، كما أن تنفر أكثر الناس ~~عن العلوم الحقيقية والمعارف الإلهية كنفر الجعل من روائح الورد. # ثم إن " العذاب " كما قد يراد منه المعنى المصدري - أي: التعذب - كذا ~~يراد منه اسم ما يتعذب به كالنار مثلا، وهذا غير مستلزم لذاك، فالنصوص ~~الواردة في الخلود في العذاب أيضا لو كانت مثل قوله تعالى: # لا يخفف عنهم العذاب # [البقرة:162]. يمكن أن يأول فيها " العذاب " بالمعنى الاسمي لا ~~المصدري، وإن كان الثاني أظهر بحسب اللفظ. # ثم لا يذهب على أحد أن الكون في الجحيم غير مستلزم للعذاب الأليم، فإن ~~الزبانية والسدنة من سكانها ليسوا معذبين بها كما مر ذكره آنفا، ms1138 ~~والقول بانتهاء مدة التعذيب للكفار، وإن كان باطلا عند جمهور الفقهاء ~~والمتكلمين، وبدعة وضلالة - لادعائهم تحقق النصوص الجلية في خلود العذاب، ~~ووقوع الإجماع من الأمة في هذا الباب - إلا أن كلا منها غير قطعي ~~الدلالة بحيث تعارض الكشف الصريح، أو البرهان النير الصحيح. # أما النص: فما من لفظ إلا ويمكن حمله على معنى آخر غير ما هو الموضوع ~~له بأحد الدلالات، وإن كان الأصل والمعتبر هو المعنى المطابقي، لكن ~~الكلام هنا ليس في الأصل والترجيح، كما في الفروعات الظنية التي يكفي ~~للعمل بها مجرد الأصل والرجحان، بل في اليقينيات التي لا ينجح فيها إلا ~~العلم بالبرهان، والشهود بالعيان. # وأما الإجماع - وخصوصا بالمعنى الذي ذهب إليه أصحابنا رضوان الله ~~عليهم أجمعين -: فليعلم أن إجماع علماء الظاهر في أمر يخالف مقتضى ~~الكشف الصحيح، الموافق للكشف الصريح النبوي، والفتح الصحيح المصطفوي، - ~~على الصادع به وآله أفضل الصلوات والتسليمات - لا يكون حجة عليهم، فلو ~~خالف من له هذه المشاهدة والكشف إجماع من ليس له (له على - ن) ذلك لا ~~يكون ملاما في المخالفة، ولا خارجا عن قانون الشريعة، لأخذه ذلك عن ~~باطن رسول الله (صلى الله عليه وآله). # فيجب على الطالب الإيمان بالله، وكتبه، ورسله، وأوليائه، واليوم الآخر، ~~والجنة، والنار، والحساب، والثواب، والعقاب، وعلى أن كل ما أخبروا به ~~فهو حق، وصدق لا شك فيه، ولا شبهة تعتريه، والعمل بمقتضى ما أمروا به، ~~والانتهاء عما نهوا عنه على سبيل التقليد، لتنكشف له حقيقة الأمر، ويظهر ~~له السر المصون في كل من المأمورات والمنهيات عن علم ويقين، بل عن ~~الشهود والعيان لا بمجرد التقليد والإيمان، فيتفطن إلى أمور أعلى منها ~~فيزيد في العبادة، كما كان يعبد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنه ~~قام الليل حتى تورمت قدماه، فقيل له في ذلك: " إن الله قد غفر لك ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر " فقال عليه وآله الصلاة والسلام: # " أفلا أكون عبدا شكورا ". # إعلم أن الفقهاء وإن كانوا عالمين بأحكام الله إلا أنهم في معرفة ~~الذات، ms1139 والصفات، والأفعال الإلهية كباقي المقلدين من المؤمنين، بخلاف أهل ~~التوحيد الشهودي، لشهودهم بالنور الإلهي الحق، وصفاته، وأفعاله، وكيفية ~~تصرفاته في الوجود لا تتطرق عليهم الشبهة، ولا تدخل في قلوبهم الريبة، ~~ولا تحكم عليهم الأوهام، ولا يطرأ على مرايا قلوبهم الرين والظلام، فهم ~~الموحدون حقا، والعارفون بربهم صدقا ويقينا - لا ظنا وتخمينا -. # فلا يظن أحد أن ورعهم في أمور الدين واحتياطهم في عدم القول في مسألة ~~شريعة بمجرد الظن والتخمين، يكون أقل من ورع غيرهم واحتياطه - هيهات ~~هذا من بعض الظن - إنما بلوغهم إلى هذه المرتبة التي كانوا عليها بطاعة ~~الشريعة، وخدمة الدين، واتباع سيد المرسلين عليه وآله أفضل صلوات ~~المصلين، بالذهن الصافي، والقلب النقي الخاشع عن الله، والضمير الخالص عن ~~كل شوب وغرض. # وأنى يوجد لغيرهم ما كان لهم، وهم في الحقيقة أولياء الله، وقوام ~~الدين، وفقهاء شريعة سيد المرسلين، والحكماء في معارف الحق واليقين، وهم ~~في الحقيقة ما وصفهم الله تعالى في آية: # يحبهم ويحبونه # [المائدة:54]. وهم الذين أمر الله رسوله (صلى الله عليه وآله) ~~بمجالستهم والصبر معهم في السراء والضراء في قوله: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم # [الكهف:28]. الآية وهم الذين رفع الله قدرهم عن سائر الأمة لقوله تعالى: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من ~~شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم ~~فتكون من الظالمين # [الأنعام:52]. # وهم الذين قال خاتم النبيين في حقهم تفخيما وتعظيما، وإجلالا ~~وتكريما لشأنهم: " إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن " وهم الذين وصفهم ~~أمير المؤمنين وسيد الأوصياء الموحدين في حديث كميل بن زياد بما وصفهم. # فإذا كان حالهم على هذا المنوال من العلم، والمعرفة، والورع، والتقوى، ~~فالقدح من أحد فيهم في مسألة اعتقادية دينية يدل على قصور رتبة القادح، ~~وسوء فهمه، وقلة إنصافه، بل الأولى له السكوت عما لا يصل إليه عقله من ~~درك مقالهم، وفهم حالهم - والله أعلم بسرائر عباده وبواطن أقوالهم -. # قال القيصيري: ms1140 " إعلم أن المقامات الكلية الجامعة لجميع العباد في ~~الآخرة ثلاث - وإن كان كل منها مشتملا على مراتب كثيرة لا تحصى - وهي: ~~الجنة، والنار، والأعراف الذي بينهما - على ما نطق به الكلام الإلهي - ~~ولكل منها اسم حاكم عليه يطلب بذاته أهل ذلك المقام، لأنه رعاياه ~~وعمارة ذلك الملك بهم. # والوعد شامل للكل إذ وعده في الحقيقة عبارة عن إيصال كل واحد منها إلى ~~كماله المعين له أزلا، فكما أن الجنة موعود بها كذلك النار والأعراف ~~موعود بهما. # والإيعاد أيضا شامل للكل، فإن أهل الجنة يدخلون الجنة بالجاذب ~~والسائق، قال الله تعالى: # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق:21]. والجاذب: المناسبة الجامعة بينهما بواسطة الأنبياء والأولياء، ~~والسائق: هو الرحمان بالإيعاد والابتلاء بأنواع المصائب والمحسن، كما ~~أن الجاذب إلى النار: المناسبة الجامعة بينها وبين أهلها، والسائق: ~~الشيطان، فعين الجحيم موعود لهم لا متوعد بها. # والوعيد: هو العذاب الذي يتعلق بالاسم " المنتقم " وتظهر أحكامه في خمس ~~طوائف لا غير، لأن أهل النار إما مشرك، أو كافر، أو منافق، أو عاص من ~~المؤمنين، وهو ينقسم إلى المواحد، العرف الغير العامل، والمحجوب، وعند ~~تسلط سلطان " المنتقم " عليهم يتعذبون بنيران الجحيم، كما قال تعالى: # أحاط بهم سرادقها # [الكهف:29]. # ونادوا يمالك ليقض علينا ربك # [الزخرف:77]. # لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون # [البقرة:162]. وقال: # إنكم ماكثون # [الزخرف:77]. # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون:108]. # فلما مرت عليهم السنون والأحقاب، واعتادوا بالنيران، ونسوا نعيم ~~الرضوان قالوا: # سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص # [إبراهيم:21]. فعند ذلك تعلقت الرحمة بهم، ورفع عنهم العذاب، مع أن ~~العذاب بالنسبة إلى العارف الذي دخل فيها بسبب الأعمال التي تناسبها ~~عذب من وجه، وإن كان عذابا من وجه آخر، كما قيل: # وتعذيبكم عذب وسخطكم رضى # وقطعكم وصل وجوركم عدل # لأنه يشاهد المعذب في تعذيبه، فيصير التعذيب سببا لشهود الحق، وهو ~~أعلى ما يمكن من النعيم حينئذ في حقه. # وبالنسبة إلى المحجوبين الغافلين عن اللذات الحقيقية أيضا عذب من ~~وجه. كما جاء في الحديث: # " إن ms1141 بعض أهل النار يتلاعبون فيها بالنار " # و " الملاعبة " لا تنفك عن التلذذ - وإن كان معذبا - لعدم وجدانه ما ~~أمن به من جنة الأعمال التي هي الحور والقصور. # وبالنسبة إلى قوم يطلب استعدادهم البعد من الحق والقرب من النار، وهو ~~المعني بجهنم أيضا عذب، وإن كان في نفس الأمر عذابا كما يشاهد هاهنا ~~ممن يقطع سواعده ويرمي نفسه من القلاع - مثل بعض الملاحدة، ولقد شاهدت ~~رجلا سمر في أصول أصابع إحدى يديه خمسة مسامير غلظ، كل مسمار مثل غلظ ~~القلم، واجتهد المسمر ليخرجه من يده فما رضي بذلك، وكان يفتخر به، وبقي ~~على حاله إلى أن أدركه الأجل. # وبالنسبة إلى المنافقين الذين لهم استعداد الكمال، واستعداد النقص، وإن ~~كان أليما؛ لإدراكهم الكمال، وعدم إمكان وصولهم إليه، لكن لما كان ~~استعداد نقصهم أغلب رضوا بنقصانهم، وزال عنهم تألمهم بعد انتقام " ~~المنتقم " منهم بتعذيبهم، وانقلب العذاب عذبا، كما نشاهد ممن لا يرضى ~~بأمر خسيس أولا، ثم إذا وقع فيه وابتلى به، وتكرر صدوره منه تألف به ~~واعتاد، فصار يفتخر به بعد أن كان يستقبحه. # وبالنسبة إلى المشركين الذي يعبدون غير الله من الموجودات فينتقم منهم " ~~المنتقم " لكونهم حصروا الحق فيما عبدوه، وجعلوا الإله المطلق مقيدا، ~~وأما من حيث أن مبعودهم عين الوجود الحق الظاهر في تلك الصورة فما ~~يعبدون إلا الله، فرضي الله عنهم من هذا الوجه، فينقلب عذابهم عذبا في ~~حقهم. # وبالنسبة إلى الكافرين أيضا وإن كان العذاب عظيما لكنهم لم يتعذبوا به ~~لرضاهم بما هم فيه، فإن استعدادهم بطلب ذلك، كالأتوني الذي يفتخر بما هو ~~فيه، وعظم عذابه بالنسبة إلى من يعرف أن وراء مرتبتهم مرتبة، وأن ما هم ~~فيه عذاب بالنسبة إليها. # وأنواع العذاب غير مخلد على أهله من حيث أنه عذاب، لانقطاعه بشفاعة ~~الشافعين " وآخر من يشفع هو أرحم الراحمين " كما جاء في الحديث الصحيح، ~~لذلك ينبت الجرجير في قعر جهنم لانطفاء النار وانقطاع العذاب، وبمقتضى " ~~سبقت رحمتي غضبي " فظاهر الآية التي جاء في حقهم بالتعذيب كلها حق، ~~وكلام ms1142 الشيخ - رضي الله عنه - لا ينافي ذلك، لأن كون الشيء من وجه ~~عذابا لا ينافي كونه من وجه آخر عذبا. # المنظر الخامس # في ذكر جملة من خواص أولياء الله وعلاماتهم وخواص أولياء الطاغوت ~~وعلاماتهم. ليعرف الإنسان أحوال المؤمن الحقيقي من أحوال المنافق، لنيكشف ~~لمية كون أحدهما من أهل الله وأهل النور، وكون الثاني من أهل الطاغوت ~~وأهل النار # أما أحوال أولياء الله - وهم المؤمنون حقا -: # فمنها: ما ذكره الله تعالى بقوله: # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ~~وعلى ربهم يتوكلون # [الأنفال:2]. معناه أن المؤمن الحقيقي والعارف اليقيني، الذي كتب الله ~~بقلم العناية في قلبه الإيمان، وأيده بروح منه فهو على نور من ربه، ~~فإذا ذكر الله وجل قلبه فإن وجل القلب عند سماع ذكر الله من خصوصية ~~المعرفة والحكمة بالله وصفاته وأفعاله، إذ الحكمة هي النور المنبسط ~~الإيماني الذي قذف الله في قلوبهم، ومن شأن نور الإيمان أن يرق القلب، ~~ويصفيه عن كدورات صفات النفس وظلمتها، ويلين قسوته فتلين إلى ذكر الله ~~ويحن شوقا إلى الله. # وهذا حال أهل البدايات، أما حال أهل النهايات فهي الطمأنينة والسكون ~~بالذكر، لقوله تعالى: # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد:28]. # وقال (صلى الله عليه وآله) - فيما روي عنه - # " إن أحب القلوب إلى الله أصلبها في دين الله وأصفاها عن الذنوب، ~~وأرقها على الإخوان، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا " # فجعل من شروط الإيمان الحاصل في القلوب ازيداده عن سماع القرآن وتلاوته، ~~لاشتماله على ذكر الله والمعارف الإلهية. # وذلك لأن الإيمان الحقيقي هو النور الواقع في القلوب، بقدر انفتاح ~~روزنة القلوب من أنوار تجلي شموس صفاته، وحقائق أفعاله، للقلوب ~~المشتاقة، فيكون وجوه قلوبهم الخالية (الناظرة - ن) من دنس حب الدنيا ~~بسبب ذلك النور إلى ربها وحبيبها ناظرة، فإن " الإيمان يجر بعضه إلى ~~بعض " و " بالمعرفة تكتسب المعرفة " فكلما تليت على أصحابها الآيات، أو ~~تلوها، أو ذكر الله، أو ذكروه، زاد انفتاح ms1143 (انفساخ - ن) روزنتها بقدر ~~صدقها، وشوقها، ومناسبتها، فيزيد فيها نور الإيمان فيزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم. # وعلى ربهم يتوكلون: يعني فحينئذ على ربهم يتوكلون، لا على الدنيا ~~وأهلها، فإن من شاهد جمال الحق وجلاله بنور الإيمان، فقد استغرق في بحر ~~سطوات جلاله، فيكون توكلهم عليه لا على غيره ومنهم (منها - ظ) ما وصفهم ~~الله بقوله # ومآ أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ~~ربهم # [هود:29]. يعني: أن المؤمن من يكون درجته درجة الملائكة المقربين، ~~الذين يلاقون ربهم من فوقهم، لا واسطة بينهم وبين ربهم، وذلك لارتقائهم ~~عن عالم الطبيعة بجناحي العلم والعمل إلى جوار الله. # ومن العاملات المختصة بهم ما ذكره تعالى مخاطبا لإبليس اللعين: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحجر:42]. وحكى أيضا قول إبليس محاربا لله جلت عظمته: # إلا عبادك منهم المخلصين # [الحجر:40]. # ومنها: ما وصفهم بقوله تعالى: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان:63]. إلى آخر السورة. # ومنها: ما أشار إليه بقوله: # إلا من أتى الله بقلب سليم # [الشعراء:89]. # وهذه عمدة صفاتهم، لأن الأصل في جميع الخيرات سلامة الصدر من الغل، ~~والغش، والدغل، والحسد، والبغض، والكبر، والحرص، والطمع، والمكر، ~~والزنا، والخديعة، والنفاق، وما أشبهها من الخصال المذمومة، التي أكثرها ~~ينشأ من التشبه بأهل العلم في الزي والمنطق من غير عرفان، وطلب الترفع ~~من غير استئهال وهو بذر النفاق والعناد ومادة السيئات. # ومنها: الخوف والخشية كما في قوله تعالى: # وهم من خشيته مشفقون # [الأنبياء:28]. وقوله: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر:28]. # فهذه وما أشببها خصال أولياء الله بحسب الملكات والأخلاق العملية. # وأما الأعمال، والأفعال الواجبة، أو المندوبة فجمعيها ترجع إلى تصفية ~~القلب، وهي أمر عدمي عبارة عن رفع المانع، وإزالة الحجاب عن الوصول إلى ~~الحق والحقيقة من الطبع والرين، الحاصل في مرآة القلب بحسب غبار الهيئات ~~المرتفعة إليه من عالم الحواس ومعدن الوسواس. # وأما علاماتهم وخصالهم العلمية التي هي غاية قصودهم، وثمرة وجودهم - ~~لأن الإيمان والعرفان بالله، وصفاته، وملائكته، وأفعاله، وكتبه، ورسله، ~~واليوم ms1144 الآخر، هي الغاية القصوى، والثمرة العليا من وجود الإنسان وبقائه ~~-. # فمنها: طريق تحصيلهم للمعارف، وسبيل سيرهم إلى الله، وهو الصراط الذي ~~وصفه الله بالمستقيم، وقال تعليما لعباده استدعاء ذلك من الله بقوله: # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة:6]. # وهو الصراط الذي سلكه جميع أنبيائه، وأوليائه، كما أشير إليه بقوله ~~تعالى: # وهذا صراط ربك مستقيما # [الأنعام:126]. وقوله: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى # [الشورى:13] الآية. وقوله: # كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله ~~العزيز الحكيم # [الشورى:3]. وقوله: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء:25]. وقوله: # إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم ~~وموسى # [الأعلى:18 - 19]. # وهو الطريق الذي لا يتطرق إليه نسخ وتغير، ولا فيه تخالف وتناقض، لكونه ~~من عند الله وبتوفيقه وإلهامه، لا من جهة التقليد والتعصب، واتباع ~~الآباء، وملازمة الأهواء، لقوله: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء:82]. # وهو مسلك التوحيد الذي سلكه أفضل الأنبياء عليه وعليهم السلام، ومتابعوه ~~وشيعتهم لقوله تعالى: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني # [يوسف:108]. # وهو الطريق المستقيم الذي أمر الله نبيه أن يعلم الناس سلوكهم ويهديهم ~~إليه ويأمرهم باتباعه ونهاهم عن سلوك طريق غيره، وهو في قوله تعالى: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون # [الأنعام:153]. # وذلك لأن استقامة الطريق يفضي سالكه إلى المقصد في أقرب زمان، ولا بد ~~للسالك أن يتحرى أقرب الطرقات، فإنه أسهلها مسلكا، وأقربها وصولا، ~~وهو الذي لا عوائق فيه، ولا عوج له، فلذلك ينبغي للقاصدين إلى الله بعد ~~تصفية نفوسهم عن درن الشهوات، والراغبين في نعيم الآخرة في دار السلام، ~~الذين يريدون الصعود إلى ملكوت السموات، والدخول في زمرة الملائكة ~~بالولادة الثانية، أن يتحروا أقرب الطرق إليه، وأسهلها مسلكا، وأوثقها ~~اعتمادا، كما في قوله تعالى: # فأولئك تحروا رشدا # [الجن:14]. # ونحن نريد أن ms1145 نبين الطريق المستقيم الذي أوصانا الله به، وأمرنا ~~باتباعه على ألسنة أنبيائه صلوات الله عليهم ما هو؟ وكيف ينبغي أن نسلكه ~~حتى نصل إلى ما وعدنا به ربنا؟ كما قال تعالى: # أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم # [الأعراف:44]. ولكن لا يمكننا بيان ذلك إلا بكلام موزون، وحكمة بالغة، ~~وبرهان نير، ودلائل واضحة: # أما البرهان النير: فبالنظر إلى حقيقة الوجود، وما يلزمه، وما يبدأ ~~منه، كما قال سبحانه: # أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد # [فصلت:53]. # وأما الدلائل الواضحة: فعلى مثل بيان الله وسنة أنبيائه وأوليائه ~~(عليهم السلام) بالوصف البليغ بسائر (لسائر - ن) آيات الله في الآفاق، ~~وفي أنفسنا حتى يتبين أنه الحق، كما قال تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل ~~والنهار... لآيات لقوم يعقلون # [البقرة:164]. وقوله: # وفي الأرض آيات للموقنين # [الذاريات:20] وفي قوله: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات:21] فإذا فعلوا ذلك فتحت أبواب العلوم المخزونة، والأسرار ~~المكنونة التي لا يمسها إلا المطهرون. # ومما يجب أن يعلم أن كل من أراد أن يتبع سبيل أولياء الله لا ينبغي أن ~~يتكلم في ذات الباري، ولا في صفاته، ولا في أفعاله - من حيث هي أفعاله - ~~بالحزر والتخمين، ولا قبل تصفية النفس، فإن ذلك يؤدي إلى الشكوك، ~~والحيرة، والضلال، كما قال تعالى: # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير # [الحج:8]. # ومن لطائف خواصهم العلمية أنهم في الكمالات العلمية إما في مرتبة ~~التام بذاته - وهي بحسب أرواحهم التي مرتبتها مرتبة العقول الفعالة - ~~وإما في مرتبة المكتفي بذاته - وهي بحسب نفوسهم التي في درجة نفوس ~~الأفلاك - بخلاف غيرهم من أولي العلوم، إذ لا يمكنهم الاكتفاء في علومهم ~~بالأسباب الداخلة (الداخلية - ن) والمقومات الداخلة، فإن علومهم ليست ~~من إفاضة الله فقط بتوسط الملائكة النورية، التي هي خزائن علم الله، بل ~~يحتاجون في انحفاظ علومهم إلى أسباب خارجية، وأوضاع حسية، وأسانيد ~~متقدمة، حتى إن فرض ارتفاع الأسانيد والأوضاع الخارجية الحسية، ms1146 التي ~~كانت جملتها من الأمور المتغيرة المتصرمة، لبطلت علومهم، وزالت ~~كمالاتهم. # فجميع المنتسبين إلى العلوم التي هي دون علوم الأولياء والعرفاء، ناقصون ~~في كمالاتهم العلمية، إذ ليسوا في مرتبة التمام كالعقول القادسة، ~~والملائكة العلمية الذين كمالاتهم بالفعل من كل الوجوه، ولا كمال منتظر ~~لهم، وليسوا أيضا في مرتبة المكتفين بذواتهم وذوات عللهم المقومة ~~الداخلية كالملاكئة العمالة بإذن الله في تحريك الأجرام العالية، ~~واستخراج الكمالات النفسية، من القوة إلى الفعل، بل هؤلاء يكونون أبدا ~~محتاجين إلى المشايخ والأسانيد، كالأعمى الذي يحتاج أبدا إلى قائد ~~خارجي، وإلى ما يسند إليه في سلوكه ومشيه. # ومعنى الوارثة في " كون العلماء ورثة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ~~" هو أن علوم الأنيباء مستفادة من الله بلا مفيد بشري، والمعلم ~~الإنساني يعني أن علومهم المختصة بهم وبوراثهم (بوراثتهم - ن) ما ~~كانت فائضة على قلوبهم من الله تعالى، حتى لو قطع النظر عن أسباب ~~التعاليم الخارجية، والأسانيد المنفصلة، لكانت علومهم بحالها كما كانت، ~~بل لا مدخلية لخصوصية هذه النشأة الدنيوية وغيرها من النشآت في بقاء ~~علومهم وثباتها، حيث ثبتهم الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا ~~والآخرة. # ومن علاماتهم العلمية كونهم موحدين للباري جل اسمه توحيدا لا يعرف ~~كنهه غيرهم، إذ ليست وحدته تعالى من قبيل الوحدة العددية التي تنشأ منها ~~الأعداد، ولا من النوعية والجنسية التي توجب الاشتراك، ولا من الشخصية ~~التي توجب الانفصال عن الأمور الواقعة مع الشخص تحت كلي، ولا هو واحد ~~بالوضع، ولا بالكيف، ولا بالكم، ولا بالإضافة - كما مر - فوحدته تعالى ~~خارجة عن جميع أقسام الوحدة التي عرفها الخلائق، فهم الذين عرفوا نحو ~~وحدته تعالى. # ومن دقائق علومهم معرفتهم للأسباب القصوى للموجودات، والغاية التي تنحو ~~نحوها الممكنات. # ومنها: معرفتهم الملائكة الروحانيين والجن والشياطين كما مر ذكره. # ومنها: معرفتهم لأصناف الناس - الشقي منهم والسعيد - ومعرفتهم غاية كل ~~فعل، وقول، وعمل، بحسب الدار الآخرة. # ومن خصائص علومهم التي يدركونها بصفاء قلوبهم كيفية نشوء الآخرة، ~~والجنة، والنار الجسمانيتين، والروحانيتين، وكيفية توزع النفوس إلى سكان ~~كل منها. # ومن ms1147 خصائص مشاهدتهم: يوم الحساب والميزان - كأن القيامة قد قامت في ~~حقهم، وكأنهم بعرش ربهم بارزون ومشاهدون لأهل الجنة منعمين، وأهل النار ~~معذبين - كما جاء في حديث حارثة لما سأله رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) عن حقيقة إيمانه فأجاب بما أجاب. # وإليه أشار جل ذكره: # وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ~~ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم ~~يدخلوها وهم يطمعون * وإذا صرفت أبصارهم ~~تلقآء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع ~~القوم الظالمين # [الأعراف:47]. وهم # رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور:37]. وهم الذين # لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون # [الزمر:61]. وهم أولياء الله وعباده المخلصون، الذين ليس للشيطان عليهم ~~سلطان، كما في قوله: # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص:83]. # واعلم أن الإخلاص في العمل، بلا شوب غرض، أو رياء لا يتصور لأحد، إلا ~~منهم ومن أتباعهم، لأنه يتفرع على المعرفة، وليس لغير العلماء ~~الربانيين معرفة يقينية بأحوال المبدإ وصفاته وأفعاله، وإن كان قد أحكم ~~سائر العلوم الغير الحقيقية، بل معارفهم بالله على الظن والتخمين، أو ~~مجرد التقليد، فإخلاصهم أيضا إخلاص تخميني أو تقليدي. # فهذه جملة من خصال أولياء الله وخواصهم وعلاماتهم، ويعرف منها صفات ~~أضدادهم بأضداد صفاتهم، إذ الأشياء قد تعرف بأضادادها. # قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): " صف العالم؟ " فوصفه، فقيل: " صف ~~الجاهل؟ " فقال: " فعلت ". # فالمنافقون، وأعداء الله، وأولياء الشياطين، صفاتهم بعكس هذه الصفات ~~المذكورة رأسا برأس، يعرفها من يعرف هذه بالقياس، إلا أنا نذكر بعضا ~~منها صريحا لأنها من جملة ما عرف الله بها الجاحدين والمنافقين، وكشف ~~بها فضائحهم، وجهلهم لعباده الصالحين، وبين وخامة عاقبتهم، وسوء حالهم ~~يوم الدين، ولما فيها من التنفر والتحذير عن الباطل للسالكين، والتثبت ~~والتقرير على الحق للمطيعين إن شاء الله. # فمن علاماتهم ما وصفهم الله بأزاء العلامة الأولى التي للأولياء في ~~قوله: # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا ~~هم يستبشرون # [الزمر:45]. وقوله تعالى: # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في ms1148 وجوه ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين ~~يتلون عليهم آياتنا # [الحج:72]. فإن الإعراض عن ذكر الحبيب الأول أول شاهد على كون المعرض ~~عدوا لله وليا لعدوه اللعين. # وهذا حال أكثر المغرورين المتجردين بعلم الأقضية والفتاوى، المعرضين عن ~~علم التوحيد، المكبين على غيره من العلوم التي يكون منشأ الشهرة والجاه ~~عند الخلق، كما في قوله تعالى: # وأكثرهم للحق كارهون # [المؤمنون:70]. وقد ورد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله): # " إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا ~~به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله ". # ومنها: ما وصفهم الله في قوله: # وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ~~فحسبه جهنم # [البقرة:206] - الآية - وهذا أيضا حال أكثر الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب من غير وجهه، كما يدل عليه قوله تعالى: # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم ~~يتولى فريق منهم وهم معرضون # [آل عمران:23]. استنكف عن النصيحة ومنعته الأنفة، وأخذته العزة، التي ~~زعمتها ثابتة لنفسه، لأجل كونه مغرورا بالله تعالى، معتقدا أنه من ~~العلماء، وأنه اللائق بالاقتداء، والحري بأن ينصب في مقام النصح ~~والإرشاد لغيره، لا أن غيره يرشده، فيغتاظ من هذا. # ولم يعلم أن ما يعلمه من غير الجهة التي وليها (ولى - ظ) أهل الحق ~~وجوههم شطرها والطريق المستقيم الذي سلكه العلماء بالله، والأتقياء ليس ~~له طائل، ولا يؤدي إلى حاصل، بل يكون بذر النفاق واللدار، ومنبت الكبر ~~والعناد، وستلعب به الشكوك حيرانا، وفات منه الكمال واستعداد تحصيله ~~جميعا، وخسر دنياه وأخراه رأسا، ويصير من # الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا # [الكهف:104] # وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون # [آل عمران:24]. # فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت ~~كل نفس ما كسبت # [آل عمران:25] من مزرعة الدنيا - أما من الدرجات العلى أو الدركات ~~السفلى # وهم لا يظلمون # [آل عمران:25] بوضعهم في غير موضعهم، بأن ينزل الجاهل الشرير في موضع ~~العالم النحرير ويسكن أهل ms1149 الدركات في الدرجات، وأهل الدرجات في الدركات، ~~كما في هذه الدار، لأنها دار اشتباه بخلاف اليوم الآخر # لا ظلم اليوم # [غافر:17] لأنه يوم الفصل باعتبار وإن كان يوم الجمع باعتبار آخر. # ومنها: ما وصفهم الله تعالى بقوله: # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا أولو كان الشيطان ~~يدعوهم إلى عذاب السعير # [لقمان:21]. الآية الإشارة فيه أنه لا عبرة في أمر الدين بتقليد ~~المشايخ السابقين، والآباء الماضين، واتباع مذهبهم، بل الواجب على العبد ~~اتباع ما أنزل الله إليه، بصدق النية في السعي والطلب، وخلوص الطوية ~~في الاجتهاد والعمل وقطع النظر عن تقليد الأسلاف، واتباع الأخلاف، فإن ~~الإيمان نور من الله يقذف في قلب المؤمن بواسطة المجاهدة والرياضة، ~~ويخرجه من ظلمات التقليد. # وفي قوله: # أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا # [البقرة:17] إشارة إلى أن آباءهم من أهل الأهواء والبدع، الذين لا ~~يعقلون شيئا ولا يهتدون سبيلا، وإنهم ميتون لا يعقلون شيئا، والميت ~~لا يصلح للاقتداء به والاهتداء، بل المتبع في المعارف الإلهية هو ~~الواردات الكشفية عقيب الأعمال الفرعية، والمجاهدات الدينية الحاصلة بنور ~~المتابعة لروح الإنسان الكامل، المتحد نوره بنور العالم العقلي، المصون ~~عن الفناء والموت، كما قيل: " أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن ~~الحي الذي لا يموت ". # وفي فحوى الآية الإشارة إلى أن من يكون على جادة الحق، وقدمه ثابتة على ~~جادة الشريعة، ومعرفة الطريقة، وسلوك مقامات الحقيقة، فيجوز الاقتداء به، ~~إذ هو من أهل الاهتداء إلى عالم الحقيقة دون من يدعي الشيخوخية بطريق ~~الإرث من الآباء والمشايخ، ولا حظ لهم عن طريق الاهتداء به، فإنهم لا ~~يصلحون للاقتداء. # وهذا كما نجد عند التعمق حال أكثر المدعين للشيخوخة في هذا الزمان ~~أصلح الله بالهم، وسدد أقوالهم، ثم إذا صادق بعضهم من عنده علم من الكتاب ~~استنكفوا عن التعلم منه لما رأوا ما عنده مخالفا لما أخذوه من معلميهم ~~تقليدا أو تعصبا، ولما لحقهم بذلك من ذل التعلم واتضاع القدر عند ~~العامة والمريدين. # كما ms1150 أشار إليه تعالى بقوله: # وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ ~~أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # [المائدة:104] وقال سبحانه: # وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون * قل أولو جئتكم ~~بأهدى مما وجدتم عليه آبآءكم قالوا إنا ~~بمآ أرسلتم به كافرون * فانتقمنا منهم فانظر ~~كيف كان عاقبة المكذبين # [الزخرف:23 - 25]. # فما أسخف عقلهم حيث تركوا ذكر الله ومعارف الحقائق خوفا من اتضاع قدرهم ~~عند الجهلة، فرجح عندهم ارتفاع الشأن عند الناقصين من العباد على علو ~~المنزلة عند الله، ومجاورة الملائكة المقربين، فتبا لجاههم الحقير، ~~وسحقا لحظهم اليسير، أما تلوا قوله سبحانه: # وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة ~~عند ربك للمتقين * ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~نقيض له شيطانا فهو له قرين * وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون # [الزخرف:35 - 37]. # ومنها: ما ضرب الله لهم مثلا بقوله: # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا ~~يسمع إلا دعآء وندآء صم بكم عمي فهم لا ~~يعقلون # [البقرة:171]. هذه الحالة لهم أيضا قريبة المأخذ من الحالة السابقة، ~~والغرض أنهم لا يزالون يتبعون، ويحدثون ظواهر الألفاظ، ولا يرون بواطن ~~المعاني والحقائق، ولم يعلموا بعد - ما أنهم سمعوا مرارا - أن امتياز ~~الإنسان عن سائر الحيوانات باستنباط الحقائق والمعارف، لا تتبع ~~الألفاظ، وتصحيح العبارات من غير ارتقاء عن مضيق المحسوسات، ومحبس ~~الحيوانات، واصطبل الدواب، إلى فسحة الأنوار الإلهية، وعالم المعارف ~~العقلية الإلهامية، ومستوكر الطيور السماوية. # فهم أبدا واقفون في عالم الألفاظ والصور، ولن يقصدوا إلى معرفة النفس ~~وما فوقها، ولا إلى إصلاح القلب، الذي هو محل النطق الباطني، الذي يخص به ~~الإنسان من سائر الحيوانات، وهو منبع المكاشفات والمكالمات مع الحق وقد ~~ذم الله تعالى الناقصين، الذين ليس لهم درجة المكالمة الباطنية مع الحق ~~لكونهم في مرتبة الحيوان الأعجمي بقوله: # ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة # [آل عمران:77]. ms1151 ومدح رسول الله (صلى الله عليه وآله) خواص أمته ~~وأولياءهم وحكماءهم بأنهم محدثون مكلمون. # وليس المراد من هذا التكلم والتحدث ما يكون بالحديث الظاهري والكلام ~~الحسي - الذي آلته جرم أحمر لحمي مركب من الأخلاط، فإنه من الدنيا، ولا ~~يكون شيء من الدنيا ممدوحا، ولا محبوبا إلا بقدر ما يعبر به ويجعل ~~الزاد للآخرة فإنها طريق الآخرة، بل الدنيا وما فيها مبغوضة ممقوتة ~~ملعونة عند الله وعند أوليائه كما قال (صلى الله عليه وآله): # " الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها " # وقوله (صلى الله عليه وآله): # " حب الدنيا رأس كل خطيئة ". # إنما المراد من المكالمة في قول الله # ولا يكلمهم الله # [آل عمران:77] وفي قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " إنهم محدثون مكلمون " # المكالمة الحقيقية بين الله وبين خواص عباده، وهي الإفاضات العلمية ~~المتواردة من الحق في المقاصد الربوبية، عقيب التأملات القدسية ~~الاستعدادية من العبد في المطالب الحكمية الإيمانية، بتوسط بعض ملائكة ~~الله العقلية، إما صريحا مشاهدا في عالم المشاهدة البصرية والسمعية ~~كما للأنبياء، أو لا كما لغيرهم. # أو لا ترى أن معنى " التكلم " في حقه تعالى - عند أصحابنا الإماميين ~~(رضوان الله عليهم) هو إيجاد القرآن أولا في قلب جبرائيل عند نزوله في ~~السماء الدنيا ثم منه على قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومنه ~~إلى قلوب حكماء أمته. # فالإشارة في هذه الآية أن مثل الذين كفروا الآن كان في الحقيقة، وفي ~~عالم الأرواح عند عهد الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله: " ألست بربكم " ~~كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، لأنهم كانوا في الصف ~~الأخير، إذ الأراح جنود مجندة في أربعة صفوف: # فكان في الصف الأول: أرواح الأنبياء (عليهم السلام)، وفي الثاني: أرواح ~~الأولياء والشهداء، وفي الثالث: أرواح المؤمنين، وفي الرابع: أرواح ~~الكافرين، فأحضرت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته، وأقيمت كل ~~ذرة بأزاء روحها، فخاطبهم الحق: " ألست بربكم؟ ". # فالأنبياء: سمعوا كلام الحق كفاحا بلا واسطة، وشاهدوا أنوار جماله بلا ~~حجاب، ولهذا استحقوا هاهنا النبوة، والرسالة، والمكالمة، ms1152 والوحي - الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته -. # والأولياء: سمعوا كلام الحق، وشاهدوا أنوار جماله من وراء حجاب أرواح ~~الأنبياء، ولهذا احتاجوا هاهنا بمتابعة الأنيباء، فصاروا عند القيام ~~بأداء حق متابعتهم مستحقين للإلهام، والكلام من وراء الحجاب. # والمؤمنون: سمعوا خطاب الحق وراء حجاب أرواح الأنبياء، وحجاب أرواح ~~الأولياء، ولهذا هاهنا آمنوا بالغيب، وقبلوا دعوة الأنبياء، وأن يبلغهم ~~من وراء حجاب رسالة جبرائيل، وحجاب رسالة الأنبياء (عليهم السلام)، ~~فقالوا: " سمعنا وأطعنا ". ومما يدل على هذه المراتب قوله تعالى: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا # [الشورى:51] يعني: الأنبياء # أو من ورآء حجاب # [الشورى:51] يعني: الأولياء # أو يرسل رسولا # [الشورى:51]. يعني المؤمنين. # وأما الكفار: فلما سمعوا من ذرات المؤمينن من وراء الحجاب لما ~~قالوا: " بلى " فقالوا بالتقليد والرياء: " بلى " ولهذا هاهنا قلدوا ما ~~ألفوا عليه آباءهم لقوله: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون # [الزخرف:23]. # فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد وتكدرت بكدورات الحواس والقوى ~~النفسانية، وأظلمت بظلمات الصفات الحيوانية، وران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون - من التمتعات البهيمية، والحركات السبعية، والأخلاق الشيطانية، ~~واللذات الجسمانية - فأصمهم الله وأعمى أبصارهم، فهم الآن " صم " عن ~~استماع دعوة الأنبياء بسمع القبول، " بكم " عن قول الحق والإقرار ~~بالتوحيد والمعارف اليقينية، " عمي " عن رؤية الآيات والمعجزات ~~الباطنية، فهم لا يعقلون، ولا يعقلون أنهم صم بكم لا يعقلون، إذ لم ~~يتصوروا من " الصمم " إلا ما يعرض القوة السمعية الحيوانية، ولا عن " ~~العمي " إلا ما يعرض للقوة العينية الحيوانية، ولا من " العقل " إلا ~~ما للعوام من تدبير المعاش بالحيل الشيطانية. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.24-35] # تمهيد # الإشارة في تحقيق هذه الآية يتمهد بأن لفظ " النور " ليس موضوعا - كما ~~فهمه المحجوبون من علماء اللسان وأصحاب الكلام - للعرض الذي يقوم ~~بالأجسام، وهو الذي عرفوه بأنه " لا بقاء له زمانين " وهو من الحوادث ~~الناقصة الوجود، بل هذا النور أحد أسماء الله تعالى، وهو منور الأنوار، ~~ومحقق الحقائق، ومظهر الهويات، وموجد الماهيات. # ومطلق " النور " يحمل عند الجمهور على معاني كثيرة، بعضها بالاشتراك ~~وبعضها بالحقيقة والمجاز، ms1153 كنور الشمس، ونور القمر، ونور السراج، ونور ~~العقل، ونور الإيمان، ونور التقوى، ونور الياقوت، ونور الذهب، ونور ~~الفيروزج. # وأما عند الإشراقيين ومن تبعهم - كالشيخ المقتول شهاب الدين، الكاشف ~~لرموزهم، والمخرج لكنوزهم، والمدون لعلومهم، والمبين لفهومهم، والمبرز ~~لمقاماتهم، والشارح لإشاراتهم - فهو حقيقة بسيطة ظاهرة لذاتها مظهرة ~~لغيرها، فعلى هذا يجب أن لا يكون لها جنس ولا فصل، لعدم تركبها من ~~الأجزاء، فلا لها معرف حدي، ولا لها كاشف رسمي، لعدم خفائها في ~~نفسها، بل هي أظهر الأشياء، لكونها تقابل الظلمة والخفاء - تقابل السلب ~~والإيجاب - فلا برهان عليه، بل هو البرهان على كل شيء. # لكن الخفاء والحجاب إنما يطرءان بحسب المراتب، كمرتبة النور القيومي، ~~لغاية ظهورها وبروزها، فإن شدة الظهور وغلبة التجلي ربما صارتا منشأي ~~الخفاء للمتجلي لفرط الظهور، وعلى المتجلي له لغاية القصور، كما يشاهد ~~من حال عيون الخفافيش عند تجلي النور الشديد الحسي الشمسي على أحداقها، ~~فإذا كان الحال هكذا في النور المحسوس، فما ظنك بالنور العقلي البالغ حد ~~النهاية في الشدة والقوة. # وكان النور عند أكابر الصوفية أيضا عبارة عن هذا المعنى - كما يستفاد ~~من مصنفاتهم ومرموزاتهم - إلا أن الفرق بين مذهبهم ومذهب الحكماء ~~الإشراقيين أن النور وإن كان عند أولئك الأكابر حقيقة بسيطة، إلا ~~أنها مما يعرض لها بحسب ذاتها التفاوت بالشدة والضعف، والتعدد والكثرة ~~بحسب الهيآت والتشخصات، والاختلاف بالواجبية والممكنية، والجوهرية ~~والعرضية، والغنى والافتقار. # وأما عند هؤلاء الأعلام من الكرام، فلا يعرض لها في حد ذاتها هذه ~~الأحكام، بل بحسب تجلياتها، وتعيناتها، وشؤوناتها، واعتباراتها، ~~فالحقيقة واحدة، والتعدد إنما يعرض بحسب اختلاف المظاهر، والمرائي، ~~والقوابل، ولا يبعد أن يكون الاختلاف بين المذهبين راجعا إلى التفاوت في ~~الاصطلاحات وأنحاء الإشارات، والتفنن في التصريح والتعريض منهم، والإجمال ~~والتفصيل مع الاتفاق بينهم في الدعائم والأصول. # وما ذكره الشيخ محمد الغزالي في مشكاة الأنوار موافق أيضا لقول أئمة ~~الحكمة وهو قوله: " النور عبارة عما به تظهر الأشياء ". # تذكرة تفصيلية # إن لقوله تعالى: { الله نور السماوات والأرض } وجوها ~~كثيرا من المعاني: # الأول: ما ms1154 ذكره أكثر مفسري الإسلام وعلماء العربية والكلام - ومستندهم ~~قراءة أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث يروى أنه قرأ { الله نور ~~السماوات والأرض } - بصيغة الماضي - يعني: ذو نور السماوات ~~وصاحب نور السموات - على مجاز الحذف، أو الحق نورهما على سبيل التشبيه. # قال صاحب الكشاف: " شبهه بالنور في ظهوره وبيانه، كقوله تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة:257] أي: من الباطل إلى الحق، وأضاف النور إلى السماوات والأرض ~~لأحد معنيين: إما للدلالة على سعة إشراقه، وفشو إضاءته حتى تضيء له ~~السماوات والأرض، وإما أن يراد " أهل السماوات والأرض " وأنهم يستضيئون ~~به " - انتهى قوله -. # فعلى هذا يكون معنى قراءة صيغة الماضي: إن الله نشر الحق وبسطه في ~~السماوات والأرض، أو نور قلوب أهلها بنور الحق. # وفي هذا الوجه يكون المراد من " مثل نوره " صفة الحق العجيبة الشأن التي ~~بثها الله في العالم، وهدى الخلق بها إلى طريق الخير، وتكون التشيبهات ~~التي وقعت ب " المشكوة " و " المصباح " و " الزجاجة " و " الزيت " ، ~~كلها لإثبات ظهور صفة الحق ووضوحها، كأنه قيل: الحق الذي به هدى النار ~~كنور في سراج، اشتعل مصباحه بزيت صاف، كان في قنديل زجاجي شفاف في غاية ~~اللطافة، بحيث يكون في لطافته وزهرته شبيها بإحدى الدراري المشهورة، ~~كالمشتري والزهرة، وكانت الزجاجة، في كوة غائرة في جدار غير نافذة، حتى ~~لا ينشر نور المصباح، فلا محالة يكون النور في غاية الإضاءة والظهور، ~~فكذلك الحق المنبث في العالم المنتشر في الخلائق. # ولا يبعد أن يراد بالنور - في هذا الوجه - القرآن، لأنه يبين الحق، ~~يعني هدى الله الخلق بكلامه المتين الذي هو حق مبين، وقد سماه الله " ~~نورا " حيث قال: # وأنزلنآ إليكم نورا مبينا # [النساء:174]. لأن القرآن مظهر نور الحق والعرفان، ومنور قلوب أهل ~~الإيمان، فيكون الحق نورا والقرآن مثله، وقد شبه ب " المصباح " ~~فالمصباح كلام الله، و " الزجاجة " قلب العارف بأنوار معانيه، و " ~~المشكوة " صدره، و " زيته " إمداد الفيض الإلهي الحاصل من الشجرة ~~المباركة النبوية، والنشأة المقدسة المصطفوية، التي لكمال اعتدالها ~~وجامعيتها ms1155 للنشأتين، وتجردها عن العالمين، غير مخصوصة بشرق عالم الأرواح، ~~ولا بغرب عالم الأشباح، بل جامعة للطرفين ومرتفعة عن الأفقين، وإمداده ~~وتنويره للقلوب بحيث يكاد أن ينورها ويكملها قبل أن يستنبطوا المعارف ~~من الكتاب بدقة عقولهم، ويقتبسوا أنوار العلوم من مشكاة صدور المعلمين ~~والمذكرين، فلغاية بسط فيض الحق، وشدة إنارته لقلوب السالكين المجذوبين، ~~ينور قلوبهم، ويضيء أرواحهم، وإن لم تمسسه نار التعليم البشري، أو نار ~~الدهن المتوقد من زند الطبع الزكي، ومقدحه الفكر. # الوجه الثاني: ما يوافق طريقه قدماء الصوفي، وأئمة السلوك والتصفية، ~~وهو المفهوم من فحوى الآية الكريمة، ومستندهم قراءة عبد الله بن مسعود ~~كما ذكره الواحدي في الوسيط رواية عنه أنه قرأ: " الله نور السموات ~~والأرض مثل نوره في قلب المؤمن ". # وعلى هذا الوجه يكون المراد من النور المذكور # " ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) " أنه لما نزلت آية: { ~~أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه } [الزمر:22]. وسئل عنه: " ما معنى هذا النور؟ " فقال (صلى ~~الله عليه وآله): " إن النور إذا قذف في قلب المؤمن، انشرح له الصدر ~~وانفسخ " قيل: " فهل لذلك من علامة؟ " قال: " نعم: التجافي عن دار ~~الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله " ". # فعلى هذا شبه الله نور قلب المؤمن بالمصباح، لأن المصباح قد حصل ~~واستنار من نور آخر، فكذا هذا النور قذف في قلبه، وحصل واستنار من النور ~~المطلق الإلهي والوجود القيومي، والقلب بمنزلة المشكاة، والأحوال ~~والمقامات الواردة فيه بإلهام الله المحصلة الممدة لهذا النور بمنزلة ~~الزيت، والأعمال والمعاملات الكثيرة البركات بمنزلة الشجرة المباركة، ~~ولكونها حاصلة بين شرق القلب وغرب البدن غير مختصة بأحدهما - والغضبية - ~~فلا يكون شرقية ولا غربية، والروح النفساني بمثابة الزجاجة. # فيكون نظم هذا الوجه: مثل نور هداية الله في قلب المؤمن كمصباح واقع في ~~زجاجة روحه النفساني، الواقع في مشكاة قلبه، يضيء المصباح من زيت الأحوال ~~والمقامات، التي تكاد تضيء في باطن وجود السالك، وإن لم تمسسه نار ~~التجلي، وهي منبعثة من شجرة الأعمال ms1156 الصالحة المباركة، وهذا النور الأخير ~~الذي هو نتيجة الأعمال الصالحة، وميراث المعاملات الخالصة، مضاعف من ~~النور الأول الذي هو نور الهداية، الواقع في البداية الداعي إلى العبودية ~~والطاعة، فإذا ضم نور النهاية إلى نور البداية يكون نورا على نور. # الوجه الثالث: ما ذكر متأخروا الصوفية موافقا لأصحاب المكاشفات، وأرباب ~~الأذواق والإشراقات، وهو مبني على قواعد الإشراقيين، وحكماء الفرس ~~والأقدمين، ويطابقه الحديث النبوي (صلى الله عليه وآله) حكاية عن معراجه ~~حيث سئل عن " الرؤية " فقال " نور أنى أراه " أي هو تعالى نور فيمتنع ~~تعلق الرؤية به تعالى، فأطلق النور عليه تعالى. # وقد أشرنا إلى تحقيق مذهبهم في النور وتوضيحه: أن النور المحسوس إنما ~~يطلق عليه هذا اللفظ لكونه ظاهرا بذاته ومظهرا لغيره، وأما خصوص كونه ~~محسوسا بالحس البصري، وكونه مظهرا للمبصرات فلا مدخلية له فيما يوضع ~~له لفظ " النور " فليس نفس النور المحسوس معنى هذا اللفظ ومفهومه، بل هو ~~أحد موضوعات هذا اللفظ، حتى أنه لو وجد في هذا العالم شيء آخر له هذه ~~الخاصية يطلق عليه اللفظ، ونظيره ما ذكر في معنى الميزان من أن معناه " ~~ما يوزن به الشيء " سواء كان له عمود وكفتان أم لا، لكن غلب استعماله في ~~هذا العالم على ما له عمود وكتفان. # فعلى ذلك يكون إطلاق " النور " عليه تعالى من جهة أنه مصداق معناه ~~وموضوع مسماه، لأن ذاته ظاهر بذاته مظهر لغيره مطلقا، ولهذا اصطلح ~~الإشراقيون على إطلاق نور الأنوار عليه تعالى. # و " النور " مع أنه أمر ذاتي غير خارج عن ذوات الأنوار المجردة ~~الواجبية، والعقلية، والنفسية، إلا أنه متفاوت في الكمال والنقص متدرج ~~في الشدة والضعف وإطلاقه على الذوات النورية على سبيل التشكيك، إذ لم ~~يقم برهان على استحالة كون الذاتي مقولا على أفرادها بالتشكيك، وهكذا ~~حقيقة النور لها مراتب متفاوتة في القوة والضعف، والكمال والنقص، وغاية ~~كمال النور الإلهي - وهو النور الغني - ثم الأنوار العالية المنقسمة إلى ~~العقلية والنفسية، ثم الأنوار السافلة المنقسمة إلى الأنوار الكوكبية ~~والعنصرية. # والحق أن حقيقة " النور " و ms1157 " الوجود " شيء واحد، ووجود كل شيء هو ~~ظهوره، فعلى هذا يكون وجود الأجسام أيضا من مراتب النور، لكن الإشراقيين ~~زعموا أن الأجسام غير ظاهرة بذواتها، بل بالنور المحسوس العارض، ولعل ~~السر فيه أن الموجود من الأجسام هو خصوصيات صورها النوعية، ونفوسها، ~~وهيأتها التي هي من باب الوجود لها تأمل فيه وسيأتيك مزيد توضيح، وتحقيق ~~هذه المباحث يحتاج إلى مجال أوسع ولا يعلمها إلا البارعون في الحكمتين ~~مع زوائد ألهمهم الله بها. # فعلى هذه القواعد يكون معنى قوله: { الله نور السماوات ~~والأرض } بمنزلة معنى قولهم: " نور الأنورا " و " وجود الوجودات " ~~لما علمت أن حقيقة كل شيء هو وجوده الذي هو نوريته، ف " زيد " مثلا ~~في الحقيقة هو وجوده الخاص، ونور هويته الذي به يكون ظاهرا بذاته مظهرا ~~لغيره. # لا يقال: إنه كيف يكون النور الممكني ظاهرا بذاته، مع أنه يحتاج في ~~وجوده إلى موجد يفيد له الوجود والنورية؟ # لأنا نقول: على قاعدة الإشراقيين تكون الأنوار الجوهرية والعرضية ~~مجعولة بالجعل البسيط الإبداعي، فالجاعل لا يجعل " النور " نورا - عندهم ~~- ولا يفيد النورية لما ليس بحسب جوهره وذاته نور، بل يفيد نفس الأنوار ~~وينشئها، فقولنا " زيد موجود " عندهم بمنزلة قولنا: " زيد زيد " في أن ~~القضية ضرورية، إلا أن الفرق بينه وبين قولنا: " الواجب موجود " أن هذه ~~ضرورة أزلية، وهي ضرورة ذاتية - وبين الضرورتين قد تبين الفرق في علم ~~الميزان - والإمكان في الوجودات معناه سلب الضرورة الأزلية - لا سلب ~~الضرورة الذاتية - فلا ينافي هذه الضرورة الافتقار إلى العلة الجاعلة. # - وبالجملة - السماوات والأرض عبارة عن وجوداتها الخاصة وأنوارها ~~المتعينة، فهي بالحقيقة أنوار متفاوتة المراتب، والله تعالى أشد مراتب ~~النور وأجل درجاتها، فيكون نور السماوات والأرض بمنزلة نور الأنوار، ~~وفلك الأفلاك. # وإذا سيق الكلام على طورهم يكون المشبه ب " المصباح " هو النور المتجلي ~~على جميع الحقائق الإمكانية، وب " المشكاة " هي الماهيات السفلية، وب " ~~الزجاجة " الماهيات العلوية وب " الزيت " النفس الرحماني الذي هو الوجود ~~المنبسط عن الحق على الخلق، والضوء الفائض منه على قوالب الأشياء وهياكل ~~الأرض والسماء ms1158 في سلسلة البدو الإبداعي، المسمى ب " الفيض الأقدس " ، ~~وب " الشجر المباركة " الوجود والنور الفائض منه على المركبات ~~والممتزجات حسب أوعية القابليات، وقامة (فاقة - ن) الاستعدادات في سلسلة ~~الرجوع الاستعدادي، المسمى ب " الفيض المقدس " ووجه تشبيهه بالشجرة ~~واضح، لأنه ذو شعب وجهات مختلفة، وشجون وأفنان متكثرة، وهذا الفيض غير ~~مختص بشرق الأحدية المحضة، ولا بغرب الأعيان والماهيات. # فنظم الآية على هذا الوجه: صفة نور الوجود الفائض من نور الأنوار ~~والموجود الحقيقي - الفائض على الممكنات - كمصباح مشتعل في زجاجة حقائق ~~الأرواح العالية، والجواهر النورية العقلية، التي تتنور به مشكاة الجواهر ~~السفلية والبرازخ الجسمية، واشتعال ذلك المصباح من زيت النفس الرحماني ~~المنبسط على مراتب الموجودات، وهو لغاية لطافته وقربه من منبع الخير ~~والجود ومعدن النور والوجود، يكاد يفيض الوجود والنورية على الأشياء، وإن ~~لم تمسسه نار الفيض الأقدس والمقدس. # والزيت المتوقد من شجرة مباركة - هي الفيض المقدس - الغير المختص بشرق ~~الأحدية، ولا بغرب الأعيان، وهذا النور المتجلي على حقائق الأشياء نور ~~على نور، لأنه نور عالي واجبي مفيض للنور السافل الممكني، يهدي الله ~~لنوره - أي لتجلي وجوده القيومي - من يشاء، فيتجلى له، ويخرجه من ظلمة ~~العدم البحت إلى نور الوجود الصرف. # وللآية وجوه نفيسة أخرى، سيرد عليك بيانه إن شاء الله عند تحقيق معاني ~~ألفاظها مفصلة، فانتظرها مقتبسا لأنوارها، مجتنبا لثمارها. # تفريع # فعلى الوجهين الأخيرين من هذه الوجوه الثلاثة، لا يكون إطلاق النور على ~~الواجب تعالى على سبيل التجوز والتشبيه - كما ذكره متكلموا الإسلاميين، ~~وجمهور المفسرين، من أنه شبه الحق بالنور، أو أريد بالنور هاهنا المنور. # على أنهم لو تفطنوا بمعنى هذا المشتق لحكموا أن كونه تعالى منورا ~~بالحقيقة مما يستلزم كونه نورا بالحقيقة، وذلك لأن كل فاعل بالذات ~~لمعنى كمالي وجودي، لا بد وأن يوجد فيه ذلك المعنى الكمالي - إذ المعطي ~~للكمال لا يكون قاصرا عنه كما حكم به الوجدان وطابقه البرهان - فإذا وجد ~~فيه معنى النور، فإما أن يكون عين ذاته أو زائدا على ذاته. # والثاني يوجب افتقاره تعالى إلى سبب ms1159 يفيض عليه معنى النور، لأن الاتصاف ~~بمعنى زائد إنما يكون بجهة القبول والاستفادة، وهو غير جهة الإيجاد ~~والإفادة، فلو كانت ذاته منورا لذاته لزم أن تكون ذاته قابلا وفاعلا ~~فلا يكون بسيطا حقيقيا - وقد ثبت بساطته، وأحديته، وتقدسه عن شوائب ~~التركيب كلها - وهذا خلف، وأيضا يلزم أن تكون ذاته أنور من ذاته وهو ~~محال. وإن كان مبدأ نورانيته غير ذاتية - وغير ذاته يكون ممكنا من ~~الممكنات - فيلزم افتقار الواجب إلى الممكن في صفة كمالية. # ومن أنكر كون النور كمالا للموجود بما هو موجود، فليداو عقله إن كان ~~متوفقا، وإن كان مكابرا فالله يجزيه جهنم خالدا فيها. على أن من تأمل ~~علم أن الوجود والنور متحدان في المعنى والحقيقة، ومتغايران في اللفظ، ~~ولا شك أن الوجود خير وكمال لكل موجود من حيث هو موجود، والواجب بحت ~~الوجود فيكون محض النور. # فقد ثبت وتحقق أن النور نفس حقيقة الواجب الوجود جل مجده. # فصل # وأما معنى إضافته إلى السماوات والأرض فهو بمنزلة قولك: " نور الأنوار ~~" و " وجود الوجودات " فإن وجود كل شيء عبارة عن نور به تظهر ماهية ذلك ~~الشيء وذاته، فالله منشىء الأنوار بنفس ذاته النورية وجاعلها جعلا ~~بسيطا، مفاده ترتب ذات المجعول وهويته التي هي عين إنيته، فعلى هذا كما ~~أن ذاته موجد الموجودات، فكذلك مشيىء الأشياء، ومذوت الذوات. # ثم لما كانت ذاته - موجد ذات كل ممكن - ليست إلا وجودا خاصا به يوجد ~~الماهية، وبه يطرد العدم عنها، ويتصف بالموجودية المصدرية عند العقل - ~~لما حقق في مظانه أن المتأصل في التحقق هو وجود كل شيء الذي هو حقيقته، ~~والماهية حالة انتزاعية عقلية منصبغة بصبغ الوجود، منورة بنوره - فموجد ~~الأشياء بالحقيقة موجد لوجداتها، ومنشئها، وجاعلها إنشاء بسيطا، وجعلا ~~مقدسا عن التركيب غير مستدع لأمرين: مجعول ومجعول إليه. # ثم إذا كانت موجودة الأشياء - كما علمت - ليست باتصاف الماهية بالوجود ~~بل بإبداع المبدإ تعالى وجوداتها، وتأييسه إياها - على النحو الذي مر ~~ذكره - فيكون الله تعالى وجود الوجودات فإذا كان الله وجود الوجودات فلا ~~يكون ms1160 للموجودات تحصل إلا به، ولا هوية لها إلا بهويته. # ثم ليست هوية الباري متقومة بها، وإلا لزم الدور وافتقار الواجب إلى ~~الممكن - وكلاهما محالان - فيكون الموجود بالحقيقة هو الحق تعالى لا غير، ~~ويكون موجودية غيره باعتبار أخذها معه، فتكون من قبيل الأظلال والأشباح ~~التي يتراءى في المرائي الصيقلية بتبعية الشخص الخارجي، فالماهيات كلها ~~بمنزلة المرائي التي تتراءى فيها صورة الوجود الحقيقي - لعدميتها كعديمة ~~لون المرآة -. # ولهذا المعنى قال الحلاج: " الله مصدر الموجودات " وقال بعضهم: " الله ~~وجود السماوات والأرض " وإليه يرجع قول الشبلي: " ما في الجنة أحد سوى ~~الله تعالى " كأنه أراد بالجنة هاهنا الوجود المتأصل الحقيقي، لأنه الخير ~~المحض يؤثر عند الكل، وإليه يشير قول أبي العباس: " ليس في الدارين إلا ~~ربي، وأن الموجودات كلها معدومة إلا وجوده تعالى ". # ويؤيد ذلك قول أمير المؤمنين وإمام الموحدين (عليه السلام): " لا أعبد ~~ربا لم أره " ويقوي ذلك قول خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله): # " لا راحة للمؤمن من دون لقاء الله ". # حكمة عرشية # كما أن الموجود حسبما قرع سمعك في الحكمة المشهورة - إما جوهر، ~~وإما عرض، وهما الجوهر والعرض المشهوران، فاعلم أن في الوجود جوهرا ~~وعرضا حقيقيين غير ذينك المشهورين، فإن ذينك المفهومين من أقسام ~~الماهيات والأعيان الثابتة التي ما شمت رائحة الوجود، وهذان من أقسام ~~الوجود. # ف " الجوهر " بحسب المشهور ماهية غير الوجود، حقها في أن تكون موجودة - ~~أي: متحدة مع مفهوم الوجود العقلي الذي من المفهومات العامة الشاملة - أن ~~لا تكون في موضوع. أي معناه ليس نعتا لمعنى آخر، و " العرض " هو الماهية ~~التي تكون بحسب وجودها العيني، وعند موجوديتها العينية نعتا لشيء آخر، ~~فهما مفهومان عامان وموضوعاهما ماهيتان عقليتان. # وأما الجوهر والعرض الحقيقيان: ف " الجوهر الحقيقي " هو الموجود ~~المستقل، الذي هو بذاته وهويته موجود وواجب لذاته من غير علاقة على شيء ~~آخر في كونه هو هو - وهو الله تعالى - و " العرض الحقيقي " هو الذي يكون ~~بحسب ذاته وهويته متعلقا بغيره، ومفتقرا في تجوهره إلى غيره، ويكون ~~تجوهره وتذوته بغيره، ms1161 فلا يكون في نفسه مع قطع النظر عن ما يقوم به ~~متصورا - فضلا عن أن يكون موجودا - فذاته عبارة عن " المتقوم بالغير " ~~لا أن له معنى يكون ذلك المعنى مما يوصف بالافتقار إلى الغير مطلقا - ~~كما كان في العرض بالمعنى المشهور - أو مادة - كما في الصورة الجوهرية ~~بالمعنى الأول - أو صورة - كما في المادة - أو هما جميعا - كما في ~~المركب منهما - أو فاعلا أو غاية - كما في سائر الأقسام -. # فالواجب جل ذكره جوهر بهذا المعنى حقيقة، وإن لم يطلق عليه اسمه تسمية ~~(لتسميته - ن) بحسب التوقيف، حيث لم يرد إطلاق هذا اللفظ عليه تعالى في ~~الشرع الأنور، وهو مفاد ما ذكرناه من المعنى وإن كان بعبارة أخرى. # والعرض - بالمعنى الحقيقي الذي ذكرناه - هو وجودات الممكنات كلها سواء ~~كان الممكن بحسب الماهية جوهرا بالمعنى المشهور أو عرضا، فإن تلك ~~الوجودات كلها أعراض قائمة بوجود الحق، لا بمعنى قيام معنى العرض بالجوهر ~~- حسبما هو المتعارف المشهور بين الجمهور - ليلزم كونه تعالى محل الحوادث ~~- كما ذهب إليه بعض المتكلمين - أو محل الصور العلمية - كما ذهب إليه ~~جمهور المشائين من الحكماء - بل هذا معنى آخر من القيام غير ما قيل أو ~~يقال، والعبارة قاصرة عن بيانه، والأمثلة الدائرة في لسان العرفاء غير ~~واردة على مضربها في شأنه. # وجملة القول فيه إن معنى " قيام الأشياء به تعالى " عبارة عن قيوميته ~~لها، فافهم، وتثبت، وتفطن، بمفاد ما روي عن كعب الأحبار في تفسير لفظة " ~~الله " حيث قال " إنه عبارة عن وجوده ولوازمه " ولوازمه أسماؤه الحسنى ~~ومظاهرها، أعني الماهيات، وأعيان الممكنات التي وقعت على هياكلها رشحات ~~وجود الحق، ولمعات نوره وظلاله، المعبر عنهما بالسماوات والأرض. # وقريب من هذا المعنى ما رأيت في مرموزات أهل الله، أن أصل السماء ~~والأرض وحقيقتهما عبارة عن نور محمد (صلى الله عليه وآله) ونار إبليس ~~لعنه الله وسيجيء شرح هذا المعنى إن شاء الله. # لمعة إشراقية # قد دريت أن النور حقيقة بسيطة معناها بحسب شرح الاسم: " الظاهر بذاته ~~المظهر لغيره " ودريت مما ms1162 ذكرناه أن حقيقة النور مما لا يظهر لأحد ~~إلا بالمشاهدة الحضورية، دون حصول صورة منها في الذهن، لأن كل صورة ~~ذهنية فهي تكون كلية أبدا - ولو تخصصت بألف مخصص -فيكون مبهما، والمبهم ~~لا يكون متعينا ظاهرا في نفسه، وعلى فرض تخصصه يحتاج في ظهوره وتعينه ~~إلى ذلك المخصص، فلا يكون ظهوره عين ذاته، فلا يكون ظاهرا بذاته مظهرا ~~لغيره هذا خلف. # وأيضا كل ما هو غير النور فهو خفي في ذاته، مظلم في جوهره، ظاهر بالنور ~~مستضيء به، فكيف يكون هو مظهرا للنور ومعرفا كاشفا له؟ # فتيقن أن الله تعالى هو ظاهر بذاته، إذ ذاته عين ظهور ذاته لذاته، ~~وعين ظهور جميع الأشياء له، كما أنه مظهرها من مكمن الخفاء وموجدها من ~~كتم العدم إلى عالم الوجود، فبذاته النيرة يتنور غسق الماهيات المظلمة ~~الذوات، وينتشر به النور في أهوية الهويات، وتطلع شمس عظمته على آفاق ~~حقائق الممكنات، ويطرد العدم والظلمة عن إقليم المعاني والمعقولات، فلو ~~لم يكن طلوع ذاته النيرة في آفاق هويات الممكنات، وإشراق نوره على ~~السماوات والأرض وما فيهما لم يكن لذرة من الذرات وجود، ولا لأحد من ~~الموجودات حصول - لا في العقل ولا في العين -. # وفي الحديث النبوي المصطفوي - على قائله وآله كرائم تسليمات الله -: # " إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره " # وبهذا في الحقيقة ينكشف معنى قوله سبحانه: # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض # [السجدة:5]. وقوله: # وأن الله علام الغيوب # [التوبة:78]. فإن التدبير من الله عين إشراق نور الوجود منه في إبداعه ~~للأشياء على وجه الحكمة والمصلحة، وكذا عالميته بالغيوب عين إيجاده ~~للأشياء المستورة في ذاتها المعقولة له، بنفس الإيجاد الذي هو ضرب من ~~التعقل في حقه - كما رآه الإشراقيون - إذ ليست وجودات الأشياء عنه ~~متراخية عن إرادته لها، ولا إرادته للأشياء التي هي عين علمه التفصيلي ~~لوجودها متأخرة عن وجودها، بل أوجد الموجودات مقعولة إياه، وعقل ~~المعقولات موجودة له تعالى، وهذا معنى كون " علمه فعليا " عندهم. # فالحاصل أن علمه الذي ms1163 هو عين ذاته سبب لوجودات الأشياء التي هي عبارة ~~عن معلوميتها له وإشراق نوره عليها، فهو الذي في السماء إله وفي الأرض ~~إله، فمن هذا أيضا انكشف معنى قوله تعالى: { الله نور }. # تأييد استكشافي # قال مشايخ هذا الطريق: " النور " هو الذي نور قلوب العارفين بتوحيده، ~~وأنار أسرار المحبين بتأييده. # وقيل: هو الذي كون الأشياء بالتصوير، والأسرار بالتنوير. # وقيل: هو الذي يهدي القلوب إلى إيثار الحق واصطفائه، ويهدي الأسرار إلى ~~مناجاته واجتبائه. # وإليه الإشارة بقوله سبحانه: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة:257]. أي: من الباطل إلى الحق، ومن العبد إلى الرب، ومن البعد ~~إلى القرب، ومن الأسفل إلى الأعلى، ومن الهاوية إلى الجنان. # كشف استناري # إعلم أن للحق تعالى أسماء متقابلة لازمة لذاته كالأول والآخر، والظهر ~~والباطن، والهادي والمضل، والمعز والمذل، فله بحسب أحدية وجوده ~~الواجبي من كل صفتين متقابلتين أشرفهما بحسب جمال ذاته وزينة وجهه، وإنما ~~يصدق الطرف المقابل عليه بحسب مقايسة عظمة ذاته وجلاله إلى من دونه، ~~وقهره على من سواه، فالأسماء والصفات الجمالية إنما تثبت له أولا ~~وبالذات، والأسماء والصفات الجلالية تصدق عليه ثانيا وبالعرض من باب ~~الضروري، الذي يذكر في بحث العلل الغائية التي هي الفاعل لفاعلية الفاعل. # وبذلك الأصل تنحفظ قاعدة استحالة كون الخير الحقيقي مبدأ للشرور، وبه ~~أزاح أستاد الحكماء ومقدم المشائين أرسطاطاليس شبهة الثنوية القائلة ~~بتعدد الفاعل الأول للكل، فكل ممكن مزدوج الحقيقة من جهة كمالية نورية ~~ناشئة من الصفات الجمالية النورية، ومن جهة نقصانية عدمية ظلمانية ناشئة ~~من الصفات القهرية الجلالية النارية، فمن هذين الأصلين نشأ النور المحمدي ~~والنار الإبليسسي، الساريتين في سماوات الأرواح والروحانيات، وأرض ~~الأجسام والجسمانيات. # والله تعالى منور الكل بنور وجوده وجماله، وبنار هيبته وجلاله، كما أشار ~~إليه بقوله: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة:257]. فالله نور السماوات والأرض بأنوار كواكب أسمائه النورية ~~الجمالية، المشرقة في سماء حقيقة ذاته، وأشعة نيران الجواهر النيرة في ~~آفاق ملكوته وجبروته، فالموجودات كلها مسخرة لهاتين الصفتين، ms1164 متقلبة بين ~~الإصبعين، فالعرش وما حواه بين صفتين من صفات السبحان، والقلب وما يهواه ~~بين إصبعين من أصابع الرحمان اللتين كانتا في مرتبتي صفتي لطف وقهر، وفي ~~مقام آخر جوهري عقل ونفس، وفي درجة أخرى حالتي بسط وقبض. # وظلاهما في العالم: سماء وأرض، وفي الكواكب: سعود ونحوس: وفي الآفاق شرق ~~وغرب، وفي الحيوان ذكر وأنثى، وفي الطعوم حلاوة ومرارة، وفي اللون سواد ~~وبياض، وفي الكم متصل ومنفصل، وفي المقدار قار وغير قار، وفي الخط ~~مستقيم ومعوج، وفي السطح مستو ومنحن، وفي العدد منطق وأصم، وفي المذهب ~~هداية وضلال، وفي الاعتقاد حق وباطل، وفي النفس إقبال، وإدبار، وفي القلب ~~بصيرة وعمى، وفي الآخرة نعيم وجحيم، وفي الدنيا دولة ونكبة، وفي الباطن ~~إلهام ووسوسة، إلى غير ذلك من المتزاوجات السارية في جميع الذراري، ~~النازلة من سماء عالم الوحدة، إلى أرض عالم الكثرة والهيولى، لقوله ~~تعالى: # ومن كل شيء خلقنا زوجين # [الذاريات:49]. # وقل من العلماء من لم تزل قدمه شرح تفاصيل هذه المراتب المزدوجة، ~~المتنزلة من شرف سماء العظمة والكبرياء إلى المبهط الأدنى، وحضيض الأرض ~~السفلى، ثم المرتقية إلى عالم الأسماء والقيامة العظمى، التي تحشر فيها ~~الأشياء إلى الرب الأعلى: # وكلهم آتيه يوم القيامة فردا # [مريم:95]. # فصل # في قوله جل اسمه: { مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ~~المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري } # حبذا عبد بلغ في عبوديته وسلوكه طريق الإنابة إلى مقام شاهد بالمشاهدة ~~القلبية نور وجه الله، ورآه كما رأى بالمشاهدة البصرية نور المصباح من ~~وراء زجاجة واقعة في مشكاة، فما هو بمنزلة زجاجة هذا النور هو محمد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، إذ لا يمكن مشاهدة النور الأحدي لغاية شدته ~~وقوته، التي تقهر البصائر وتبهر الألباب، إلا خلف حجاب الزجاج المحمدي، ~~إذ به يعرف مصباح نوره سبحانه قبل صباح ظهوره. # وإن أردت بيان نسبة المصباح إلى النور، والصباح إلى الظهور، فقل: " هو ~~الله أحد " فقولك " هو الله " لفظان: موضوع ومحمول، والحمل نحو من ~~الاتحاد في الذات والوجود، لكن لو ms1165 نظرت نظرا عقليا في مصداق هذا الحمل، ~~وجدت " هو الله " شيئا واحدا وذاتا واحدة، يعبر عنهما تارة بالوجود ~~الواجبي والذات الأحدية، وتارة بالمستجمع بجميع الصفات الكمالية ~~والأسماء الحسنى. # ومصداق الحيثيتين المذكورتين حقيقة بسيطة واحدة تكون بإحدى الحيثيتين ~~هوية، وبالأخرى إلهية، كما أنه بأحد الاعتبارين وجود، وبالاعتبار ~~الآخر اسم وصفة، وكما أن " المصباح " في عالم المشاهدة البصرية شيء ~~واحد ومحسوس واحد، لكنه عند التميز ينحل إلى أمرين، منه نور هو بمنزلة ~~الوجود المطلق، وحامل صنوبري هو بمنزلة معنى اسم الله في الواجب تعالى. # هذا إذا كان الممثل له في " المصباح " هو " الله تعالى " وأما إذا كان ~~ذاتا إمكانية - كذات الرسول (صلى الله عليه وآله) - فأحد الأمرين فيه ~~بمنزلة الوجود، والثاني بمنزلة الماهية في الممكن. # والفرق بين المواضع الثلاثة أن الصفة والمومصوف في المصباح - أي النور ~~والصنوبرة - متحدان حسا ووضعا، متغايران وجودا وعقلا، وما بأزائهما ~~في الممكن - أي الماهية والوجود - متحدان وجودا وعينا متغايران عقلا ~~وتسمية، وفي الواجب تعالى ما هو بمنزلة الوجود وعينا متغايران عقلا ~~وتسمية، وفي الواجب تعالى ما هو بمنزلة الوجود في الممكن، والنورية في ~~المصباح - وهو المسمى بالهوية - عين ما هو بمنزلة الماهية والحامل وهو ~~المسمى باسم " الله " لا فرق إلا في العبارة، فالمصباح مثال لله، ~~ونوره مثال للهوية الأحدية. # فلو لم يكن للنور المصباحي حامل ذو تعين وضعي، لما تشخص منه جهة قرب ~~وبعد في الهواء الذي يستنير منه شدة وضعفا، فلم يقع منه نور على شيء من ~~هواء البيت وجدرانه وسقفه، لعدم النسبة بالرجحان وعدمه، والأولية ~~وعدمها، ولاستحالة الترجيح من غير مرجح. # فكذلك لو لم يكن للحق أسماء يقع منها آثار مخصوصة على المظاهر والمجالي ~~- بحسب ما يقتضيه تعين كل اسم عن اسم آخر - لم يصدر عنه في عالم الإيجاد ~~شيء من الممكنات، إذ لا أولوية لممكن ما، ولا رجحان له على ممكن آخر ~~بحسب الجهة الإمكانية، فإن الماهيات الإمكانية والمعاني الكلية، التي ~~هي غير الوجود في درجة واحدة بحسب الذات في قبول نور الوجود وعدم ms1166 قبوله، ~~بل المعين لكل منها في مقام خاص ودرجة معينة إنما هو ذات الواجب بما ~~يلزمها من الأسماء والصفات، المنبعثة عن حاق هويته الإلهية وشمس حقيقة ~~الواجبية، النافذ نورها في جميع هياكل الممكنات، الباسط فيضها على بساط ~~جميع الماهيات. # ثم لما كان أول من قرع باب الاستنارة بنور الله، وأول من نطق ب " لا ~~إله إلا الله " هو العبد الأعلى، والعقل الأول، والممكن الأشرف، ~~والحقيقة المحمدية، فهو مصباح نور الله، وبتوسطه يقبل الاستضاءة ~~والاستنارة جميع الماهيات الواقعة في فضاء قابلية الوجود والهويات، ~~الساكنة في هواء بيوت أهل المحبة والعبودية، لمبدع الوجود الفائض لنور ~~الخير والجود، فذات النبي صلى الله عليه وآله كالمرآة المصقولة، التي ~~يحاذي بها وجه النير الأعظم، وتوازي شطر الحق، فتجلى لها وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام. # تفريع # فكل من صحت نسبته إليه من فقراء امته ولاحقا انعكس نور الحق منه ~~(صلى الله عليه وآله) إليه، وهذا معنى " الشفاعة " التي يكون جميع الناس ~~محتاجين إليها يوم القيامة حتى الأنبياء والأولياء سلفا وخلفا # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة:22 - 23]. # واعلم أن الغرض الأصلي من العبادات والرياضات، هو تصفية وجه الذات ~~والمحاذات بالقلوب الصافية شطر نور الحق الأحد خلف زجاجة محمد (صلى الله ~~عليه وآله) ليشاهد نور الله، ويقع عليه ضوء معرفة الله، وهذا معنى ما ~~قاله أويس القرني (رضي الله عنه): " للعبد أن يكون عيشه كعيش الرب " وإلى ~~ما ذكرنا يرجع حاصل معنى العبودية التامة. # وقد سئل بعض أصحاب القلوب: " ما العبودية التامة؟ " فقال: " إذا صرت ~~حرا فأنت عبد " معناه أنك إذا تجردت وخلصت عن التعلقات، وتصفي ~~قلبك عن الكدورات، فصرت عبدا لله، ملكا مقربا وملكا ومالكا لجميع ~~الأشياء، بعزة الله وقدرته وملكه # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم # [آل عمران:164]. # ومما # " ورد في هذا المعنى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خبر أهل ~~الجنة: أنه يأتي إليهم الملك بعد أن يستأذن منهم للدخول عليهم، فإذا دخل ~~ناولهم كتابا من عند ms1167 الله، فإذا في الكتاب لكل إنسان يخاطبه به: " من ~~الحي القيوم إلى الحي القيوم، أما بعد فإني أقول للشيء " كن " فيكون، ~~وقد جعلتك اليوم تقول للشيء " كن " فيكون فقال (صلى الله عليه وآله): " ~~فلا يقول أحد من أهل الجنة لشيء: " كن " إلا ويكون ". # تنبيه # ولكنك يا مسكين يجب أن تعلم التمييز بين المرآة والشخص، وتفرق الظل من ~~الأصل، وقد نبهناك عكليه قبل ذلك لئلا تقع فيما وقع فيه كثير من أهل ~~الضلال والنكال، وأصحاب الحلول والاتحاد، فما للتراب ورب الأرباب # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال:17]. فإذا خوطب سيد الأبرار وقائد الأخيار (صلى الله عليه ~~وآله) بقوله تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص:56]. فما يكون لأمثالك ونظرائك. # ثم في التعبير عن تلك المرتبة بالأمانة في قوله عز جلاله: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب:72]. إشعار لطيف بما ذكر، فإن الأمانة مردودة إلى صاحبها، بل ~~كل صفة وجودية وكمال نوري أفاضه الله على ممكن من الممكنات، وماهية من ~~الماهيات، فهو أمانة من الله عنده، وليس له إلا الانصباغ بنوره ~~والمجاورة معه والاحتفاف به، لا الاتصاف بالحقيقة، ولهذا ينخلع عنه عن ~~أداء الأمانات، ورجوع الكل إليه # ألا إلى الله تصير الأمور # [الشورى:53]. # وإلى هذا المعنى أشار أبو سعيد الخراز حيث قال: " علامة المريد في ~~الفناء ذهاب حظه عن الدنيا والآخرة إلا من الله سبحانه، ثم يبدو باد ~~أيضا، فيريه ذهاب وجود نفسه وحظ رؤيته من الله، ويبقى من رؤيته ما كان ~~لله من الله فينفرد العبد من فرديته، فإذا كان كذلك فلا يكون مع الله ~~غير الله، فبقي الله الواحد الصمد في الأبدية " كما كان في الأزلية هذا ~~كلامه وهو تام في فحواه لمن كان له سمع يسمع آياته، وعقل يفهم توحيده، ~~وبصر يرى قدرته ونفوذ أمره في عالم الملك والملكوت والغيب والشهادة. # طريق آخر # روي عن بعض السالفين من المفسرين: " إن المشكاة هو الصدر والزجاجة ms1168 هو ~~القلب، والمصباح هو الروح " وهذا إدراكه جلي واضح، لكن ينبغي أن يعلم، ~~أن لكل من هذه الثلاثة - أي: الصدر، والقلب، والروح - مراتب ثلاثة: # أولها: ظاهرة مكشوفة لكل أحد، لكونها من عالم الحس الظاهري. # وثانيها: مستورة عن الحس الظاهر، مكشوفة للحس الباطن. # وثالثها: مستورة عنها جميعا، مكشوفة للعقل النظري، ولها مراتب أخرى ليس ~~هاهنا موضع بيانها. # فالمرتبة الأولى: أما من الصدر، فهي هذا المركب من العظام والأغشية ~~والرباطات المحيطة بجرم الكبد، وكأن المراد به هو الكبد، لكونه محل ~~الروح الطبيعي، وأما من القلب فهو اللحم الصنوبري، وأما من الروح، فهو ~~جسم لطيف حار، هو مركب النفس الحيوانية المدركة للجزئيات لأجل الحركت ~~الشهوية والغضبية. # وأما المرتبة الثانية: من كل منها: فمن الصدر الروح الطبيعي، ومن القلب ~~الروح الحيواني المذكورة، ومن الروح الروح النفساني البشري الذي تيعلق ~~به، وتستعمله النفس الإنسانية المتفكرة في المقاصد الحيوانية، والروية ~~في التدابير البشرية، بحسب المعاش والمعاد والدنيا والآخرة، على ما ~~يقتضيه العقل العملي، المشترك فيه بين الناس، المتفق عليه العام والخاص، ~~عند تخليته عن العوائق والوساوس، وسلامته عن القواطع والنوازع. # فهذه الأرواح الثلاثة - أي الطبيعي، والحيواني، والنفساني - هي التي ~~يبحث عنها الأطباء، وتسمى عندهم بالأرواح، وتتميز عندهم بالقيود ~~الثلاثة، وبتفاوت جسميتها في اللطافة شدة وضعفا، وفي كمال الاعتدال ~~ونقصه. # ولكل منها مولد ومنشأ خاص: فمنبع الروح النفساني الدماغ - وهو أعدل ~~الأرواح - ومنشأ الروح الحيواني القلب الصنوبري - وهو متوسط في كمال ~~الاعتدال - ومولد الروح الطبيعي الكبد - وهو أخرجها عن الاعتدال -. # وهذه الأرواح الثلاثة أشرف الأجسام العنصرية، حتى كادت أن تشبه ~~الأفلاك، وأما عند العرفاء فأساميها ما ذكرنا - من الصدر، والقلب، والروح ~~- بحسب هذا الاستعمال في المرتبة المتوسطة. # وأما المرتبة الثالثة: فالصدر بحسب هذه المرتبة هي النفس الحيوانية التي ~~يستعملها القلب الإنساني، وهو في هذا المقام عبارة عن النفس الناطقة ~~المذكورة، والعقل العملي المذكور، والروح عبارة عن العقل المستفاد ~~المشاهد للمعقولات عند اتصالها بالعقل الفعال، وهو الملك المقدس، وهو ~~قلم الحق، كتب في ألواح قلوبنا حقائق الإيمان لقوله ms1169 تعالى: # اقرأ وربك الأكرم * الذى علم بالقلم * علم ~~الإنسان ما لم يعلم # [العلق:3 - 5]. # فهذه الثلاثة في هذه المرتبة تكون من عالم الآخرة، وعالم الغيب، وعالم ~~الملكوت، وفي المرتبة الأولى كانت من عالم الدنيا، وعالم الشهادة، وعالم ~~الملك، وفي المرتبة المتوسطة يقع متوسطا بين العالمين، برزخا بين ~~النشأتين، بمنزلة عالم الأفلاك الذي قيل: " إنه الأعراف ". # والقلب بهذا المعنى الأخير هو الذي يقال: " إنه عرش الله " و " مستوى ~~اسم الرحمن " لكونه محل معرفة الله وملكوته على سبيل الاستقامة، من غير ~~اعوجاج ولا إلحاد في عظمة ذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، وكتبه، ورسله، ~~واليوم الآخر، الذي هو يوم مراجعة الخلائق إليه، وإعادة الأرواح ومثولها ~~بين يديه. # والصدر هو الكرسي، ونسبة العرش إلى الكرسي كنسبة العقل إلى النفس، ~~والقضاء إلى القدر، إذ المعقولات كلها مجملة في القضاء، مفصلة في القدر، ~~وكذا الأنوار الكوكبية، متصلة واحدة في العرش - لغاية صفائه، ولطافته، ~~وكونه مصاقبا لأفق عالم المعنى والملكوت، وهي منفصلة متجزئة في الكرسي - ~~لكون الكواكب في اللطافة دون فلك العرش -. # فصل # في قوله عز اسمه: { يوقد من شجرة مباركة زيتونة ~~لا شرقية ولا غربية } # إعلم أن هذه الشجرة ليست من أشجار الدنيا وعالم الحس - كما ظنه ~~المحجوبون - وإلا لكانت في جانب من جوانب الدنيا، قابلة للإشارة ~~الحسية وأنها ليست كذلك، فليست في الدنيا، ولا في الآخرة أيضا - كما ~~ذهب إليه قوم آخرون -. # قال الحسن البصري: " لو كانت هذه الشجرة في الدنيا لكانت إما شرقية ~~وإما غربية: ولكن والله ما في الدنيا ولا في الجنة، إنما مثل ضرب الله ~~لنوره ". # وكثيرا ما يكون لشيء واحد أسامي كثيرة باعتبارات متعددة، يكون المقصود ~~من الكل معنى واحد وإن تعددت الألفاظ وتكثرت الحيثيات، وربما يكون ~~لحقيقة واحدة درجات متفاوتة في العوالم المتطابقة المتحاذية، بعضها فوق ~~بعض، كالقلب الذي ظاهره جسم مركب من العناصر الأربعة، ثم من الأخلاط ~~الأربعة، ثم من الأمشاج مثل الشحم، واللحم، والعصب، والعروق، وما شاكلها. # وظاهر ظاهره شكل صنوبري أحمر محسوس. وباطن ظاهره تجويف ظلماني أسود، ~~وباطنه روح ms1170 بخاري حاصل من لطافة الأخلاط وبخاريتها، كما أن هذا الظاهر ~~حاصل من كثافة الأخلاط وأرضيتها، ونسبة هذا إلى ذلك كنسبة الأرض إلى ~~السماء. # ولباطنه باطن - هو النفس الحيوانية - وهو قشر ظاهر للنفس الإنسانية ~~الناطقة، ونسبته إلى هذه النفس كنسبة البدن إليه، ثم لباطن باطنه باطن ~~آخر، يكون جميع ما سبق ذكرها قشورا بالقياس إليه، وهو محيط بها إحاطة ~~العرش بما فيه من السماء والفرش، وهو الجوهر العقلي الذي كان مفاضا على ~~النفس من المبدإ الفعال، وهو في أول تكونه كان بمنزلة المعاني ~~الذهنية، والمفهومات الكلية الهيولانية، ونسبته إلى العقل بالفعل ~~(الفعال - ن) نسبة المني إلى الرجال. # ثم يتدرج في قوة الوجود العقلي إلى درجة بالعقل بالملكة، التي يدرك بها ~~المقدمات الأوليات، ويتفطن للمشاركات والمباينات، ويتنبه للتصورات ~~والتصديقات المأخوذة من الحسيات، ثم إلى درجة العقل بالفعل، الذي يدرك به ~~النظريات، وحدود الماهيات، وبراهين الموجودات، ثم إلى درجة العقل ~~المستفاد المشاهد لصور المعقولات في القلم الأعلى واللوح المحفوظ، ثم ~~ينخرط في سلك الملائكة المقربين، والاتحاد معهم اتحادا نوريا مقدسا ~~من شوائب القصور والنقص فهذه كلها من جملة مراتب القلب الإنساني في ~~الصعود من أرض الجسمية إلى السماء اللاهوتية. # فعلى هذا قياس غيره من الحقائق المستعملة ألفاظها عند أهل الشريعة ~~والحقيقة مطلقا، وفي هذه الآية خاصة، فالشجرة الزيتونة عند المحجوبين - ~~المقتصرين على أول الدرجات للحقائق وأدنى العوالم للمعاني - هي شجرة ~~منبتها الشام وغيرها - وأجود الزيتون زيتون الشام وهي مباركة لأنها ~~كثيرة المنافع، أو لأنها تثبت في الأرض التي بوركت للعالمين أو بوركت ~~فيها، حيث دفن فيها أجساد سبعين نبيا منهم إبراهيم (عليه السلام). # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): # " عليكم بهذه الشجرة، زيت الزيتونة فتداووا به، فإنه مصححة من ~~الباسور ". # ومنبتها لا شرقية ولا غربية، لأن الشام متوسط بين شرق العالم وغربه، ~~أي: الربع المعمور للأرض، المكشوف من البحر الذي أحد جانبيه في الطول - ~~وهو نصف دائرة عظيمة في الأرض - الجزائر الخالدات، الواقعة في جانب ~~الغرب، وكانت مكشوفة في قديم الزمان من البحر ms1171 والآن مغمورة فيه والجانب ~~الآخر منتهى العمارة عند ساحل الحبر في جانب الشرق. # وقيل: لا في مضحى ولا في مقنأة، ولكن الشمس والظل يتعاقبان عليها وذلك ~~أجود لحملها وأصفى لدهنها، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " لا خير في شجرة في مقنأة، ولا نبات في مقنأة، ولا خير فيهما في مضحى ~~". # ويستفاد من هذين القولين أنها شجرة واقعة في أفق قبة الأرض، وهو في ~~اصطلاح أهل الهيئة والنجوم، موضع من الأرض طوله تسعون درجة، وعرضه عرض ~~وسط الأقاليم، أو منتصف الربع للدور - أعني خمسة وأربعين - إذ القول ~~الأول مشعر بتوسط موضعها في الطول بين مطلع الشمس ومغيبها في الأرض ~~المعمورة، والقول الثاني مشعر بكونه متوسطا في العرض، واقعا بين ارتفاع ~~الشمس في نصف النهار الأطول، وغاية انحطاطها فيه في المواضع المعمورة، أو ~~يكون النهار فيه متوسطا بين غاية الطول وغاية القصر في جميع السنة، ~~كمواضع خط الاستواء وما يليه. # فهذا بيان معنى " الشجرة الزيتونة " حسبما وصل إليه أفهام الجمهور بحسب ~~ظهورها في مظاهر هذا العالم، ووجودها في مهوى كدورة الأجرام، ومعدن ~~الظلام، وأما تحقيقها بحسب نشأة أخرى غير هذه النشأة، فوقع إليه إشارات ~~قرآنية، ورموز نبوية متفاوتة حسب مقامات العارفين، ودرجات المتذكرين، ~~فتارة يعبر عنها ب " شجرة طوبى " وتارة ب " سدرة المنتهى عندها جنة ~~المأوى ". وتارة بمقام " أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ". وتارة ب " شجرة ~~موسى ". # وشجرة تخرج من طور سينآء تنبت بالدهن وصبغ ~~للآكلين # [المؤمنون:20]. وهو دهن المطالب العلمية البرهانية النورانية، وصبغ ~~الخطابيات والمواعظ الحسنة المقبولة للعقول المتعارفة. # تظليل فرشي فيه تنوير عرشي # قد تبين لك بما قرع سمعك، أن للقوة الإنسانية التي تكونت أول نشأتها ~~في القلب اللحمي الصنوبري الشكل، المخروطي الوضع، درجات متفاوتة في ~~الارتقاء إلى الكمال، ولها تطورات في الأحوال، وإنما ينكشف ذلك بأن ~~تعتبر أولا القلب وأحواله، وهو بالحقيقة أول عضو يتكون في البدن ~~ويتحرك، وآخر عضو يفسد ويسكن، بل هو بالحقيقة البدن الحيواني الذي ~~تستعمله النفس بواسطة ما ينبعث عنه من البخار اللطيف، ms1172 وباقي الأعضاء يزاد ~~لأجله، ويولد لصيانته، لأنها بمنزلة الغلافات والقشور الصائنة للب ~~القلب، والآلات الخادمة له، الحافظة إياه، ولذلك يكون واقعا في وسط ~~البدن، وهو إن كان في الصورة محاطا لها، وفي الكمية أصغر منها إلا ~~أنه في القوة والمعنى محيط بها، مستعمل إياها، غاية لوجودها، وفاعل معط ~~لقواها. # ثم يتولد منه بخار لطيف هو " الروح الحيواني " عند الأطباء، ثم يتولد ~~منه روح آخر بخاري ألطف منه، وهو " الروح النفساني " ثم يتولد منه النفس ~~النباتية - وهي قوة ومبدأ للتغذية، والتنمية، والتوليد - ثم النفس ~~الحيوانية. # وأول مراتبها القوة اللمسية، كما في الدود والحلزونات ونظائرها من ~~الحيوانات العديمة الرؤوس ثم تتولد النفوس الحسية على طباقاتها، ثم ~~النفوس الخيالية على طبقاتها، ثم النفوس الوهمانية، وكذلك وهذه أقصى ~~درجات النفس الحيوانية بما هي حيوانية، ثم تتكون النفس الناطفة الملكية ~~وهي نور من أنوار الله المعنوية قد طلع عن أفق عالم الآخرة، وهي أول من ~~قرع باب الملكوت، فأول درجاتها العقل اليهولاني، وهو بذر شجرة العقل ~~والعرفان وحبة ثمرة المعرفة والإيمان، ثم يتكون منه العقل الاستعدادي، ثم ~~العقل بالفعل، ثم المستفاد المضيء في المعاد، ثم العقل الفعال ~~للمعقولات والأنوار، والفياض لوجد الحقائق والأسرار. # فإذا علمت هذا في مراتب الإنسان، وسفره وسلوكه في درجات الأبدان والنفوس ~~والعقول إلى أن بلغ في الارتقاء إلى أقصى الغايات التي نزل منها. فاعلم ~~هذا في مراتب ما يتغذى به ويتقوى منه، ويستكمل ويترقى، فله في كل مقام ~~أدوية وأغذية خاصة، وقرائن معينة، وأزواج معلومة بعضها من باب الأجسام ~~والجسمانيات، وبعضها من باب الحواس والمحسوسات، وبعضها من باب الأوهام ~~والخيالات، والظنون والاعتقادات، وبعضها من باب العقول والمعقولات وبعضها ~~من باب الشهود والمشاهدات. # فما دام الإنسان في عالم الدنيا والجسمية، فلا بد له من غذاء يشبه ~~المغتذي صورة، ومادة، وقوة، فتتغذى الصورة بالصورة، والمادة بالمادة، ~~والقوة بالقوة والحس بالمحسوس، ثم لكل عضو حصة من الغذاء يشابهه ويشاكله ~~بعد مراتب النضج والاستحالات بالقوة الغاذية، التي هي في البدن بمنزلة ~~القوة العاقلة في النفس، ms1173 فلا بد له أيضا في تجوهر نفسه وذاته من أغذية ~~علمية ومواد عقلية. # أو لا ترى أن مادة الغذاء إذا وردت البدن وحضرت عند تصرف الغاذية، ~~فتصرفت فيها وأحالها الهضم بقواه المسخرة لهذا الأمر، وصيرتها صافية عن ~~الفضلات بصنعة طبيعية تشبه صنعة الكيمياء، فيجعلها خالصة عن شوائب الغش ~~والغل، ومصفاة عن القشور في مراتب أربعة للهضوم والإحالات: # إحداها: في المعدة، فيتخلص ويتجرد في ذنوب بعض الفضلات والغشاوات، بهذا ~~التعذيب، وهذه الرياضة بحرارة جهنم المعدة، التي قيل لها: " هل امتلأت؟ " ~~فتقول: " هل من مزيد؟ " بيد زبانية القوى التي عليها تسعة عشر، ويتوب عن ~~خروجها قبل ذلك عن طاعة الله، وبعدها عن عالم الاعتدال والوحدة، ~~وانحرافها عن جادة الصراط المستقيم، ومروقها عن شريعة الطبيعة المدبرة ~~للأجسام على نهج الحكمة. # ثم إذا فرغت هذه القوى في خدمتها التي يخصها لهذا المسافر الغيبي في ~~هذا المنزل، وارتقى قليلا من هذه الهاوية المظلمة إلى طبقة أخرى فوقها، ~~وقع بيد قوى أخرى من هذا الصنف فعملوا فيه ما أمروا به، فانهضم في الكبد ~~مرة أخرى، وسقط منه بعض ما بقي فيه من الفضول، فصار أخلاطا أربعة، خلطوا ~~عملا صالحا وآخر سيئا، لخروجها عن تمام التعصي عن الطاعة، وقربها من ~~الصلاح والعبودية لأمر الله، المستعمل لها في عمارة بيت الله المعمور. # ثم إن أصلح هذه الرفقاء الأربعة هو الجوهر المسمى بالدم، فإذا وقع في ~~العروق، وخرج منه العرق وارتاض وسلك سبيل الطاعة للنفس. واشتغل في بيت ~~القلب للنسك الطبيعي، ومكث قدرا صالحا من الزمان للعابدة البدنية، صلح ~~لأن يلبس كسوة الصورة البدنية بيد القوة المصورة، مؤديا لشكر هذه ~~النعمة الجسيمة فضلة من الزائد عن الحاجة بيد القوة المولدة؛ لتصير مادة ~~البدن آخر مثله في النوع. # فإذا علمت حال استكمال البدن بما يكمله، ويزيده في المقدار والقوة إلى ~~أقصى ما له من الكمال، فاعلم أن حال استكمال النفس في أغذيتها ~~النفسانية والعقلانية بهذا المنوال، فإن النفس بقوتها الإدراكية أحضرت ~~عندها صورة محسوسة، فأول ما تصرفت فيها بقوتها المتصرفة ms1174 هو أن نزعتها عن ~~كدر المادة التي هي كالفضلة الأولى للغذاء، والهاوية لأهل العقوبة ~~والجزاء، فسمي هذا الفعل من النفس ب " الإحساس " وهو تصرف فعلي من ~~النفس، وهو كمال انفعالي للحواس. # ثم وقع منها تصرف آخر في تلك الصورة وهو تقشيرها مرة أخرى تقشيرا أتم، ~~حتى خلعت عنها الأغشية المادية، وهذا هو " التخييل " و " التصوير " ~~والصورة عند ذلك كمال للخيال وغذاء له، ونسبتها إليه نسبة المحسوس إلى ~~الحس. # ثم فعلت فعلا آخر بحيث انتزعت منها المادة وعوراضها بالكلية، إلا أنه ~~بقي لها علاقة إلى المادة، بحيث تضاف إلى مادة مخصوصة وهو " التوهم ". # ثم إذا عملت فيها عملا آخر، نفضت عنها آثار المادة وعوارضها، وعلائقها ~~وشواغلها، فصارت لبا خالصا سائغا للبيب العقل، الذي هو ملك من ملائكة ~~الله؛ لأنها تخلصت من الذنوب والجرائم المادية، والمعاصي الجرمانية ~~بالكلية، واستغفرت، وتابت، وأنابت، ورجعت، وآبت " والتائب من الذنب كمن ~~لا ذنب له ". # فانظر إلى حكمة الصانع كيف أبدع قوة عاقلة، تعمل في المحسوس عملا يجعله ~~معقولا وعاقلا. # فعلم مما ذكرنا أن لكل الأشياء سلوكا طبيعيا خاصا نحو الخير ~~الأقصى، والمقصد الأسنى، فلكل سافل سلوك نحو العالي، ولكل عال رحمة ~~وعناية بالسافل، تشبها بالمبدإ الأول في إفاضة الخيرات كلها، وعلم أن ~~الغذاء - مثلا - كالمغتذي يتطور بالأطوار، ويتسمى في كل طور وعالم باسم ~~خاص يناسبه. # فأدون المنازل وأدناها عنصر، ثم بعد الاستحالات جسم مركب جمادي، ~~كالحنطة، والخبز، والزيت، ثم بعد مراتب التصرفات، دم، وخلط صالح، ثم لحم، ~~وغضروف، وعصب، ثم بخار لطيف حار، ثم صورة حاسة ومحسوسة، ثم صورة خيالية، ~~ثم صورة وهمية أو عقلية، وهلم إلى درجة مشاهدة الأنوار الإلهية، ومعاينة ~~الصفات اللاهوتية والأسماء الربانية. # فيكون لها في كل مرتبة من المراتب الخلقية والأمرية، وبحسب كل كسوة ~~وخلقة من الأكسية والخلع النوارنية والظلمانية اسم خاص. # فضرب الله مثلا للذين آمنوا منك ودرجاتك في العرفان والارتقاء إليه - ~~إلى أن يصير نورا على نور - بشجرة الزيت، وارتقائها إلى غاية الكمال، ~~وسلوكها إلى سبيل الاهتداء بعالم النور المحسوس، ms1175 ووصولها إليه حتى تصير ~~نورا على نور. # فالشجرة الزيتونة بمنزلة نبات يثمر غذاء وطعاما لطيفا للإنسان الكامل، ~~الذي هو أشرف خلق الله وعبده الذاهب إل ربه كالخليل (عليه السلام) حيث ~~قال: # إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات:99] وكموسى (عليه السلام) حيث قال: # إني آنست نارا # [طه:10] وكنبينا (صلى الله عليه وآله) حيث قال تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد # [الإسراء:1]. " والزيتونة " بمنزلة الأطعمة والأغذية التي يتناولها ~~الإنسان ويدخلها في جوفه. # و " المشكاة " بمنزلة البدن الإنساني لكونها مطلمة في ذاتها، قابلة ~~للنور لا على التساوي؛ لاختلاف السطوح والثقب فيها، وهكذا حكم الجسد ~~الإنساني في قبوله لأنوار الحس والحركة لا على التساوي. # " والزجاجة " القلب باعتبار تجويفه الذي يكون مكانا للروح الحيواني، ~~الذي بمثابة دهن الزيت. # " والمصباح " هو الروح النفساني المنور بنور النفس الإنسانية. # وتلك الروح لغاية قربها من عالم الغيب والملكوت، يكاد زيتها يضيء ولو ~~تمسه نار من الخارج، لأن العلل الذاتية ليست أمورا خارجة عن ذوات ~~المعلولات، فالقابل لنور النفس وإن كان مفتقرا في الاستنارة بها إلى ~~العقل الفعال، لكنه غير مفتقر إلى سبب خارج عن ذاته، فكأنه مكتف بذاته ~~عن السبب. # وأما وصف " الزجاجة " بأنها " كوكب دري " فذلك لكون القلب في الحقيقة، ~~هو تجويفه الذي يملتئ بنور الروح الحيواني ويتنور به. # وأما كونه " متوقدا من شجرة مباركة " فلكون مادة روحه من الأشجار ~~والنباتات الغذائية الكثيرة البركات؛ لحصول الأرواح، ونفوسها، وعقولها ~~منها ومن موادها بعد استحالات وحركات كثيرة، كما أن الزيت إنما هو ~~يحصل من شجرة الزيتونة بعد تعصيرات شديدة. # وأما وصف الشجرة بأنها " لا شرقية ولا غربية " فإن ألطف الأغذية، ~~وأعدل الأمزجة؛ إنما يتكون في البلاد والبقاع التي كان في أوساط الربع ~~المكشوف من الأرض كما مر. # فصل تقديسي # هذا تأويل الآية في العالم الإنساني البدني - هو عالم صغير جسماني - ~~ولها تأويلان آخران أحدهما: في عالم الآفاق، والثاني: في عالم الأنفس: # أما الأول: فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة: العرش، والمصباح: الروح ~~الأعظم، والشجرة: هي الهيولى الكلية التي هي مادة ms1176 حقائق الأجسام وصورها ~~المختلفة؛ التي هي بمنزلة الأغصان والأوراق، وهي في نفسها أمر ملكوتي ~~عقلي، إلا أنها أخس الجواهر الملكوتية وأدناها، وهي نهاية عالم الأرواح ~~وبداية عالم الأجسام، فتكون غير منسوبة إلى شرق عالم العقول والأرواح، ~~ولا إلى غرب عالم الأجسام والأشباح. # يكاد زيتها - وهو عالم الأرواح النفسانية - يضيء بأنوار العقول ~~الفعالة، ولو لم تمسسه نار نور القدرة الأزلية، وذلك لقرب طبيعتها من ~~الوجود، نور على نور، فالأول: نور الرحمة الإلهية، والمعرفة الربانية، ~~والثاني: نورالروح الأعظم والعقل الفعال، إذ الأول نور العقل الفعال، ~~والثاني نور النفس الكلية، التي هي نور العرش، وهو مستوى نور الرحمة ~~الرحمانية العقلية، التي هي كصورة الرحمن، فيكون نورا على نور، كقوله ~~تعالى: # الرحمن على العرش استوى # [طه:5]. وفي قوله تعالى: { يهدي الله لنوره من يشآء } ~~إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله إيجاده من ~~العرش إلى الثرى. # فصل # وأما التأويل الآخر فهو الذي أفاده الشيخ أبو علي ابن سينا، وأوضحه شارح ~~إشاراته وموضح تنبيهاته (قدس سرهما) منزلا على مراتب النفس الناطقة في ~~ارتقائها إلى عالم الربوبية. # فكانت المشكاة العقل الهيولاني لكونها مظلمة الذات، قابلة للأنوار ~~العقلية على تفاوت استعداداتها قربا وبعدا، والزجاجة هي العقل بالملكة؛ ~~لأنها شفافة في ذاتها، قابلة للنور أتم قبول كالكوكب الدري. # و " الشجرة الزيتونة " هي القوة الفكرية والفكر؛ لأنها مستعدة لأن تصير ~~قابلة للنور بذاتها، لكن بعد حركة كثيرة وتعب. وكونها مباركة لما ~~يترتب عليها، ويحصل لها من حدود الأشياء، ونتائج البراهين الحقة، وكونها ~~لا شرقية ولا غربية لكون الفكر يجري في المعاني الكلية، والمفهومات ~~الذهنية - والقضايا المعقولة ليست من غرب الموجودات الحسية الهيولانية، ~~ولا من شرق العقول الفعالة القائمة بأنفسها -. # و " الزيت " هو الحدس لكونه أقرب إلى ذلك من الزيتونة، والذي يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار القوة القدسية، لأنها تكاد تعقل بالفعل و [لو] لم ~~يكن شيء يخرجها من القوة إلى الفعل. # و " نور على نور " هو العقل المستفاد، فإن الصور المعقولة " نور ms1177 " ~~والنفس القابلة لها " نور آخر ". # والمصباح: العقل بالفعل، لأنه منير بذاته من غير احتياج إلى نور ~~يكتسبه. و " النار " هو العقل الفعال لأن المصباح يشتعل منها. # كشف إشراقي # إعلم أن قوله تعالى: { لا شرقية ولا غربية } إذا حمل ~~" الشجرة الزيتونة " على الأمر العقلي، يكون معناه أنها خارجة عن جنس ~~الأمكنة والأحياز، كما يقال للفلك: إنه لا حار ولا بارد - أي: يكون ~~خارجا عن جنس هذه الكيفيات الملموسة. # وأما إذا حمل على الأمر الجسماني كالشجرة التي يحصل منها الزيت، والقلب ~~الصنوبري، فيكون معناه الأمر المتوسط مكانه بينهما، كما يقال للماء ~~الفاتر: إنه لا حار ولا بارد. # ويمكن حمل " الشرق " و " الغرب " على الآخرة والدنيا عند ما يراد من " ~~الشجرة " القوة الفكرية أو الهيولى، ومعنى سلب الطرفين عنهما حينئذ ~~يحتمل الوجهين: # إما التوسط بين هذين الضدين، أو الخروج عن جنسهما. # ويمكن حمل " الشرق " و " الغرب " على الوجوب والإمكان، فإن ذات الباري ~~سبحانه مطلع أنوار الوجودات، وعالم الإمكان مغيب تلك الأنوار، وفيه أفول ~~كواكب الحقائق الأسمائية، فحينئذ ينبغي أن يراد ب " المشكاة " الطبيعة ~~الكلية السارية المختلفة في الأجسام، و " الزجاجة " النفس الكلية المشفة ~~في ذاتها، القابلة للنور العقلي أتم قبول، و " الشجرة الزيتونة " هي ~~القدرة الإلهية المتشعبة إلى فنون إيجادات الحقائق المختلفة حسب اقتضاء ~~الأسماء الحسنى، وصور علم الله المتقدمة على مظاهرها المختلفة، ~~وموجوداتها المفصلة، والقدرة الإلهية لكونها أمرا نسبيا لازمة للذات ~~الأحدية، ليست شرقية ولا غربية بالمعنى المذكورة، و " الزيت " هو إرادة ~~الله، الموجبة للإضاءة والإشراق من غير افتقار إلى انضمام الداعي إليه؛ ~~لكونه تعالى تام الفاعلية والإيجاد، مستقل القوة والقدرة لإشراق نور ~~الوجود منه على العالم، وإن لم تمسسه نار العلة الغائية، والمصلحة ~~الخارجية. # و " المصباح " العقل الكلي - أي عالم العقول - لكونه نيرا بذاته لتقدسه ~~عن شوب القوة والاستعداد، ومتنورا بالنور الفائض عن الحق الجواد على ~~ذاته، عند مشاهدته للحق سبحانه، وشروق نور الله عليه، فكان نورا على ~~نور، يهدي الله لنوره من يشاء من عباده، وهو جميع الموجودات الممكنة ~~الذوات، ms1178 المهتدية بنور الوجود إلى غاياتها الذاتية بتوسط النور الأول ~~الإبداعي العقلي، الذي هو غاية عالم الإمكان. # نكتة عرشية # يمكن أن يرد ب " الشجرة الزيتونة " مجموع عالم الأجسام، فإنه كشجرة ~~زيتونة لا شرقية ولا غربية؛ لأن مجموع " المحدد للجهات وما حواه " من ~~حيث المجموع ليس واقعا في مكان ولا جهة. # و " زيتها " قوة الوجود المطلق والطبيعة السارية فيه، إذ لها الاستعداد ~~لقبول الاشتعال، والاستضاءة بمراتب الأنوار قوة وضعفا، حسب تفاوت زيت ~~المواد، وعظم الفتيلة وصغرها من الصور الجسمية، الفلكية والعنصرية. # و " المشكاة " هي الهيولى الكلية، أي مجموع الهيوليات. # و " المصباح " هو النفس الكلية، أي مجموع عالم النفوس المتعلقة بالأجسام ~~المختلفة في الاشتعال والنورية، و " نوره " العقل الكلي، أي: جملة العقول ~~المقدسة المنورة بنور المعرفة الإلهية - على تفاوت مراتبها -. # وكما أن أجزاء المصباح ومواضعها متفاوتة في الإنارة والإضاءة، وفي وسط ~~أجزاءه المتصلة موضع جزء هو أقوى الجميع قوة ونورية فكذلك في العقول ~~القادسة عقل أول هو أشرف الممكنات وجودا، وأقواها نورية وإشراقا، وهو ~~الحقيقة المحمدية المنورة بنور معرفة الله بلا واسطة، فيكون نورا على ~~نور، ولا يتنور من سواه بنور الحق وشهوده إلا بتوسطه، فصح قوله (صلى ~~الله عليه وآله): # " لو كان موسى في زمني ما وسعه إلا اتباعي ". # فصل # في قوله تعالى: { يهدي الله لنوره من يشآء } # هذه النور هو النور المحمدي الكاشف لحقائق الأشياء كما هي، والغاية ~~المترتبة على وجود السابقين الأولين من الأنبياء، لأنه بذر طوبى عالم ~~الإمكان، الذي غرسه يد الرحمن، والثمرة الحاصلة من شجرة وجود الأرض ~~والسماء، والصراط المستقيم إلى حضرة الرب تعالى، وفطرة الله التي فطر ~~الناس عليها، فالخلق مفطورون بقبول النور المحمدي، والنفوس مجبولة على ~~طاعة الشريعة النبوية للوصول إلى المقام المحمود، إذا لم يطرأ الضلال على ~~سلوك الطريق، والغواية عن الذهاب إلى الغاية المقصودة. # وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) # " أول ما خلق الله نوري ". # وعنه أيضا: # " إن الله خلق آدم على صورة الرحمن " # أي الحقيقة المحمدية خلقها على صورة اسم ms1179 " الرحمن " كما خلق إبليس من ~~صورة الاسم " المنتقم ". # وعنه أيضا: # " إن الله خلق نوري من نور عزته، وخلق نور إبليس من نار عزته " # ، وللإشعار بأن الروح النبوي الختمي (صلى الله عليه وآله) ليس من جنس ~~سائر الأرواح قوله (صلى الله عليه وآله): # " لست كأحدكم أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ". # فانظر يا مسكين وتنبه، إن من كانت أدنى أحواله وأنزلها كالبيتوتة ~~والطعم والشرب، واقعة منه عند الرب تعالى، كيف يكون من جنس من لا يكون ~~أشرف أحواله مثل المعرفة والفكر حاصلة عنده؟ فإن الجسمانيات والنفوس ~~الأرضية، بل النفوس السماوية أيضا بمراحل عن أن يصعد أعمالها إلى عالم ~~الإلهية. # وأما الروحانيات العقلية فهي متفاوتة في القرب والبعد، وما يصل إلى ~~الله ويقع مقبولا عنده تعالى بلا واسطة لا يكون إلا الطاعات المحمدية، ~~والعبودية الأحمدية من أنوار المعارف الإلهية، الفائضة على ذاته النيرة ~~من غير وساطة أحد، فلا يكون طاعة غيره (صلى الله عليه وآله) مثل طاعته ~~إلا بنور متابعته ووساطته # لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا # [النور:63]. # تذكرة: # قال سهل بن عبد الله التستري وشيبان الراعي: إنا سمعنا من الخضر (عليه ~~السلام) أنه قال: " خلق الله نور محمد (صلى الله عليه وآله) من نوره، ~~فصوره وصدره على يده، يبقى ذلك النور بين يديه تعالى مائة ألف عام، ~~فكان يلاحظ في كل يوم وليلة سبعين ألف لحظة ونظرة، يكسوه في كل نظرة ~~نورا جديدا وكرامة جديدة، ثم خلق منه الموجودات كلها " - انتهى. # وفيه إشارة إلى صدور الكائنات وصورها وآثارها كل لحظة عددا غير محصور ~~بتوسط نور وجود الإمكان الأشرف، والجهة المحمدية، والفيض الأقدس، الذي هو ~~بذر الموجودات، وسببها الذاتي الفاعلي المتقدم، وثمرة شجرة الممكنات، ~~وسببها الغائي المتأخر، فهو الأول والآخر لكونه لب الألباب، وللوجود ~~خاتمة الكتاب. # تمثيل عرشي # فانظر أيها العارف في حكمة الصانع البديع، وجود النافع المنيع الرفيع، ~~كيف بدأ بالعقل وختم بالعاقل، وبينهما أمور متفاضلة متواصلة. # فالعقل الأول بذر العقلاء ومبدأ الفضلاء، وما عداه من العقول المتقدمة ~~على الأجسام ms1180 سيقانه، والنفس الكلية أغصانه، والأجرام الفلكية عروقه ~~وأفنانه، والبسائط العنصرية أوراقه، والنفوس الأرضية أزهاره، والنفوس ~~الآدمية نفائس أثماره، والعقول المستفادة لبوب حبوبه وأنواره، والروح ~~المحمدي لب لبابه ودهنه وضوء سراجه. # فاعلم ما ذكر، وتحقق ما تلي عليك، وتدبر ولا تحمله على المجاز الشعري، ~~بل على التحقيق السري، واتل قوله تعالى: # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض # [السجدة:5]. وامتثل أمره فيما يقول: # كونوا ربانيين # [آل عمران:79]. وإن لم تقدر على ذلك بنفسك، فاستفده من غيرك فإن المؤمن ~~مرآة المؤمن. # قال بعض العرفاء في مناجاته: " إلهي ما الحكمة في خلقي؟ " فألهمه الله ~~في الجواب بقوله: " إن الحكمة في خلقك رؤيتي في مرآة روحك، ومحبتي في ~~قلبك ". فما أعظم رتبة العبد المؤمن وما أجلها حيث تصير صفحة قلبه مرآة ~~لوجه الحق، متى أراد أن يتجلى ذاته لذاته نظر إلى قلب المؤمن. # وقد ورد في الخبر: # " إن الله في كل يوم وليلة ثلاث مائة وستين نظرة إلى قلب المؤمن " # ويؤيد ذلك قوله (صلى الله عليه وآله): # " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم " # وقوله تعالى: # ألم يعلم بأن الله يرى # [العلق:14]. # وقد ورد في الحديث القدسي أنه قال تعالى: # " كنت كنزا مخفيا، فخلقت الخلق لكي أعرف ". # وهذه الثمرة للخلق والإيجاد - وهي معرفة الله - إنما تتحقق في العبد ~~المؤمن - أي العارف - لقوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات:56]. أي: ليعرفون. وقد ثبت أن الإنسان العارف غاية إيجاد ~~الأفلاك، والعناصر، والمركبات، لقوله تعالى في الحديث القدسي # " لولاك لما خلقت الأفلاك " # ويؤيد ذلك قوله سبحانه: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار # [الأنعام:103]. # وقوله: # ألا إنهم في مرية من لقآء ربهم ألا إنه ~~بكل شيء محيط # [فصلت:54]. # تنبيه وإشارة # لك أن تفهم من هذه الأسرار، أن إدراك ذات الحق تعالى بعلم مستأنف لا ~~يمكن لأحد إلا في مرآة قلب المؤمن المتقي (التقي - النقي - ن)، ولهذا ~~بني العالم، وخلق الكون، وأبدع النظام لقوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين ms1181 لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه ~~على كل شيء شهيد # [فصلت:53]. وقوله تعالى: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات:21]. # ومما ينور أيضا ما ذكرناه قوله (صلى الله عليه وآله): # " من رآني فقد رأى الحق " # وقوله سبحانه: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء:80]. وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله): # " واشوقاه إلى لقاء اخواني من بعدي " # وفيما رواه كميل بن زياد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مثل ذلك في ~~كلام طويل وقول النبي (صلى الله عليه وآله): # " أدبني ربي فأحسن تأديبي " # يشير إلى ذلك، وفي قوله سبحانه: # ونفخت فيه من روحي # [الحجر:29]. تنبيه بليغ عليه، وكذا في قوله تعالى: # وحملها الإنسان # [الأحزاب:72]. # وفي رموز بعض أصحاب القلوب في تفسير قوله تعالى: كنت كنزا مخفيا - ~~الحديث -: # " العبودية بغير الربوبية نقصان وزوال، والربوبية بغير العبودية محال ~~". # ومن الإشارات إلى هذا المقصد قوله تعالى: # وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها # [الفتح:26]. ومنها قوله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة:111]. ومن التأييدات اللطيفة لهذه الدعوى قوله تعالى: # إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب:72] وقوله: # إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات # [العصر:2 - 3]. إذ قد علم من جميع ذلك، أن اللائق بنظر الحق وشهوده ~~إنما هو معرفة الحق، لا الإنسان ولا غيره من موجودات عالم الإمكان، ~~وإلا فما للتراب ورب الأرباب. # وقريب من هذا ما قاله بعض المحققين من الحكماء: " إن القائل بأن الواجب ~~موجود والعاقد لهذه القضية من عالم الإمكان ليس هو ذهن من الأذهان، بل ~~نحو من أنحاء البرهان، فانظر إلى قوله: # والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ~~ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه ~~شديد القوى # [النجم:1- 5] وقوله: # فأوحى إلى عبده مآ أوحى * ما كذب الفؤاد ما ~~رأى # [النجم:10 - 11]. # كشف حال لتحقيق مقال # يا وليي أنظر إلى التفاوت بين مرتبة موسى (عليه السلام)، وبين مرتبة ~~سيدنا ونبينا (صلى الله عليه وآله)، فإنه خر مغشيا عليه عند ملاحظة ~~التجلي الواقع على ms1182 الجبل، # فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا # [الأعراف:143]. ثم تاب واستغفر من طلب ما لا يسع له درجته ووقته، وأن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) حكى أنه في ليلة المعراج وضع الله يده بين ~~كتفي، فوجدت برد أنامله بين ثديي. # وهذا الحديث مما يدل دلالة واضحة على عشقه تعالى لحبيبه، وإن كنت في ~~ريب مما ذكرنا فاضمم إليه ما سمعته من حديث " أبيت عند ربي " وحديث " من ~~رآني " وسائر ما نقلناه في هذا الباب؛ ليظهر لك حقيقة كلام أخيه وابن ~~عمه، ومساهمة في همه وغمه، ومشاركه في حظه وقسمه، ووارث حوضه، وباب مدنية ~~علمه، حيث قال سلام الله عليهما وآلهما: " رأى قلبي ربي ". وقوله أيضا: ~~" ما نظرت إلى شيء إلا ورأيت الله فيه " امتثالا لقوله تعالى: # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل # [الفرقان:45]. # إشارة # إعلم أيها الحبيب أنه لا يعرف قدر النور إلا النور، بل كل مرتبة منه ~~لا يعرفها إلا الواقع في جنس تلك المرتبة، فالنور الحسي يدرك النور ~~الحسي، والنفسي النفسي، والعقلي العقلي، فلا يدرك نور الكواكب إلا نور ~~البصر، ولا أنوار المحسوسات إلا أنوار الحواس بشرط فنائها عن كفياتها ~~المختصة بها. # فالقوة اللمسية من جنس الكيفيات الأربعة، التي هي أوائل الملموسات، ~~إلا أنها معتدل متوسط بينها، وقد علمت أن المتوسط بين الأطراف، ~~بمنزلة الخالي عنها، فلذلك تقبلها، وتدركها، وتحس بها، وكذا الرطوبة ~~اللعابية الفائضة في جرم اللسان مما لا طعم له في نفسه، لكن من شأنها ~~أن يتكيف بكيفية ذي الطعوم، فيدركها القوة الذوقية المساوية نسبة حاملها ~~إلى الطعوم، مع كونه واقعة في جنس الكيفيات الطعمية، وقس عليه الحواس ~~والمدارك، وهلم إلى عالم العقل والمعقول وما فوقه، وفي المثل: " لا ~~يحمل عطايا الملوك إلا مطايا الملوك " لا يعرف الله غير الله (إلا ~~الله - ن) ". # وقد سئل بعض المشايخ: " ما الدليل على الله؟ " فقال: " دليه هو الله " ~~وسأل العلامة الرازي فخر الدين الشيخ العارف نجم الدين: " بم عرفت ربك؟ ~~" فقال: " بواردات ترد على القلوب ms1183 فتعجز النفوس عن تكذيبها ". # ثم وراء العقل علم، يدق عن مدارك غايات العقول السليمة. # وقال بعض المحققين: " دليل معرفة الله للمبتدئ عشقه وإرادته، إذ هما ~~ينبعثان عن معرفة ما وإن كانت قليلة ضعيفة، نسبتها إلى المشاهدة التامة ~~نسبة البذر إلى الثمرة، فالمحرك للقلوب إلى الحق تعالى هو ذاته تعالى " ~~لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ". # قال بعض المشايخ إن الله تعالى أوحى إلى رسول الله في ليلة المعراج، يا ~~محمد كنت دائم الأوقات ناظرا ومستمعا، فأنا الله سامع وناظر، وأنت ~~القابل، والمنظور إليه # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم:10]. # فصل # في شرح ماهية الإنسان الكامل والعالم الصغير ومظهر اسم الله، الجامع ~~لمظاهر الأسماء كلها # وهو خليفة الله في أرضه، ومثال نور الله في سمائه، وهو الذي في السماء ~~إله وفي الأرض إله، قال سبحانه: # وعلم آدم الأسمآء كلها، ثم عرضهم على ~~الملائكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن ~~كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنآ إلا ما ~~علمتنآ إنك أنت العليم الحكيم # [البقرة:31 - 32]. # ليس على الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد # واعلم أن كل موجود من الموجودات التفصيلية، التي هي أجزاء هذا العالم ~~مظهر اسم خاص من أسماء الله تعالى، فكما أن أجزاء هذا العالم فيها ~~أجناس، وأنواع، وأشخاص، وجواهر وأعراض والأغراض كم، وكيف، ومتى، وأين، ~~ووضع، وإضافة، وفعل، وانفعال، وملك، فكذلك في الأسماء الإلهية أسماء ~~جنسية ونوعية، وجوهرية وعرضية، كمية وكيفية، وغيرها حذو القذ بالقذ، ~~وكذلك في الإنسان الكامل، والمظهر الجامع، يوجد جميع ما يوجد في عالم ~~الأسماء ومظاهر الآفاقية. # فكما أن الأسماء كلها، بحسب معانيها التفصيلية، مندمجة في معنى اسم " ~~الله " مجملة، فكذلك حقائق مظاهرها، التي هي أجزاء العالم الكبير ~~الآفاقية مجتمعة (محققة - ن) في مظهر اسم الله الذي هو " الإنسان الكامل ~~" والعالم الصغير باعتبار، والكبير بل الأكبر باعتبار آخر - وهو اعتبار ~~إحاطته العلمية، المنبعثة عن معدن علم الله بجميع الموجودات، ومبادئها، ~~وأسبابها، وصورها، وغاياتها، كما أشار إليه أمير المؤمنين وإما العارفين ~~ورئيس الموحدين (عليه ms1184 السلام): # وأنت الكتاب المبين الذي # بآياته يظهر المضمر # وتزعم أنك جرم صغير # وفيك انطوى العالم الأكبر # فنقول في تبيين ما ذكرناه من المقدمات وتوضيح ما ادعيناه من الحكايات: # أما أن كل ممكن من الممكنات مظهر اسم خاص، فلأن المناسبة يجب أن تكون ~~ثابتة بين المفيض والمفاض عليه، فتعدد الكمالات وكثرة صور المعلومات يدل ~~على تحقق تلك المعاني الكلية (الكمالية - ن) والخيرات في أسبابها، وعللها ~~على وجه أعلى وأتم، من غير لزوم تكثر وتجسم في علتها الأولى - كما ثبت ~~في الحكمة المتعالية -. # وليس المراد من كل اسم من أسماء الله إلا ذاته تعالى مأخوذة مع صفة ~~خاصة من الصفات الكمالية، أو السلبية، أو الإضافية، كالحي، والقادر، ~~والقدوس، فذاته تعالى متصفة بجميع الصفات الحسنة الكمالية، ومنزهة عن ~~جميع النقائص، والمثالب، والعيوب، وله الإضافة القيومية إلى كل ما سواه. # فبملاحظة اتصافها بما هو قبيل الأول منشأ الأسماء الجمالية اللطفية ~~الثبوتية، وبملاحظة تقدسها عما هو به من قبيل الثاني منشأ الأسماء ~~الجلالية القهرية السلبية، وبملاحظة إشراق نوره وشهوده وإفاضة جود ~~وجوده على الموجودات منشأ الإضافية التعقلية، ولما وجب تحقق المناسبة ~~بين المفيض والمفاض عليه، فكل ما كان أشد مناسبة كان أقرب في درجة ~~المعلولية. # وكل فاعل حقيقي للممكنات فهو علة غائية أيضا - كما حقق في موضعه - ~~فيجب أن يكون الصادر منه في سلسلة بحسب القرب والبعد النزولي، صاعدا ~~إليه في سلسلة أخرى بحسب القرب والبعد الصعودي. # وهذا أمر ظاهر بحسب الاستقراء التام في كل جملة إمكانية، صادرة عن فاعل ~~طباعي لأجل غاية ذاتية، وله بين تفصيلي يحتاج إلى استقصاء مباحث العلة ~~والمعلول، وأحكام العلة الغائية، التي مرجعها إلى تحقق العلة الفاعلية ~~على الوجه الأكمل الأتم، سواء كانت العلة الغائية متأخرة في الوجود عن ~~العلة الفاعلية - كما فيما تحت الكون - أم تكونان ذاتا واحدة - كما ~~فيما فوق الكون. # فإذا تقرر هذا فأشرف الموجودات الصادرة عنه تعالى في سلسلة الابتداء هو ~~" العقل الأول " والممكن الأشرف، ثم الأشرف فالأشرف إلى الأخس فالأخس ~~حتى انتهت نوبة الوجود إلى ms1185 الأجسام - وهي مواد الصنائع الإلهية بمنزلة ~~قطع الخشب للنجار - ثم يبتدئ منه الاستكمال بالصور، والارتقاء إلى غاية ~~الكمال، فيتصور بصورة بعد صورة، وبهيئة بعد هيئة كالصور والهيئات ~~المترادفة على الخشب، بفعل التشكيلات، والتخطيطات، المتواردة عليه من صنع ~~النجار، فيتعاقب الصور على المواد بحسب تكامل الاستعداد، من الأخس فالأخس ~~إلى الأشرف فالأشرف، والبراءة عن النقص والفتور، والتجرد عن الدثور ~~والقصور، إلى العقل المستفاد المتصل بالعقل الفعال، وهو أعلى مرتبة ~~الوجود في العالم الإمكاني؛ لكونه مشتملا على صور جميع الموجودات عقلية ~~وحسية، من حيث ذاته، ونفسه، وجسمه، كما سنشير إليه. # فبالعقل المستفاد عاد الوجود إلى المبدإ الذي ابتدأ منه، وارتقى إلى ~~ذروة الكمال بعد أن هبط منها # كما بدأنآ أول خلق نعيده # [الأنبياء:104]. # وكما أن العقل الأول مشتمل على جميع ما صدر منه - من الخيرات، ~~والوجودات والصور، والهيئات، بحسب الفطرة الأولى - فهكذا العقل الذي وقع ~~بأزائه، بل يكون عينه بوجه - كما أدى إليه نظر الواغلين في الرياضة، ~~والبرهان، والممعنين في التجرد والإيمان - مشتمل على جميع ذلك بحسب ~~التحصيل والاكتساب للفطرة الثانية الوجودية، المطابقة للفطرة الأولى ~~العلمية القضائية. # وهذا مفاد قول فاضل الفلاسفة أرسطاطاليس: " من أراد الحكمة فليستحدث ~~لنفسه فطرة ثانية " فإن الحكمة عندهم هي التشبه بالإله بحسب الطاقة ~~البشرية، وهي إنما تحصل بحصول العقل الفعال. # دقيقة إلهامية # وهاهنا دقيقة أخرى لا تقدر جماهير الفضلاء أن تدركها - فضلا عن غيرهم ~~من أسراء الوهم والخيال - وهو أن العقل الفعال مع أنه فاعل متقدم ~~على غيره من الممكنات، فهو بعينه ثمرة حاصلة من وجوداتها المترتبة في ~~الاستكمال والارتقاء إلى الكمال، وهذا من أعجب العجائب مع أنه حق لا ~~مرية فيه لهذا الفقير المنكسر البال، المشوش الحال. # إنارة تذكرية # إن أسماء الله تعالى مشتملة على جميع المعاني المنطقية والعينية، ~~وجميع الحقائق الجوهرية والعرضية، وكما أنك إذا نظرت في حقائق الأشياء ~~وجدت بعضها متبوعة مكتنفة بالعوارض، وبعضها تابعة، فنقول على المتبوعة ~~إنها " الجواهر " وعلى التابعة إنها " الأعراض " فاعلم أن معنى " ~~الجوهرية " باعتبار اشتراك الجواهر فيه واتحادها في ms1186 عين جمعه مظهر ~~للذات (الذات - ن) الإلهية من حيث قيوميتها، وتحققها بذاتها، وأن ~~الأعراض حسب اختلافها واشتراكها في مفهوم العرضية العارضة لها مظاهر ~~للصفات التابعة للذات، مع اشتراكها في كونها صفة تابعة لها من حيث ~~المفهوم والمعنى، وإن كان الوجود واحدا للذات والصفات. # ثم كما أن حقيقة الجواهر لا تزال مكتنفة بالأعراض، فكذلك الذات ~~الإلهية محتجبة عن غيره بالأسماء والصفات، وكما أن الجوهر مع انضمام ~~صفة من الصفات، يصير جوهرا خاصا مظهرا لاسم خاص، فكذلك الذات الإلهية ~~مع اعتبار صفة خاصة اسم خاص من الأسماء الكلية والجزئية. # وكما أن الصفات المخصصة للجواهر - كالفصول وغيرها - بعضها أعم وبعضها ~~أخص كالفصول القريبة والبعيدة وتوابعها، حتى يصير الجوهر بتضمينها، أو ~~انضمامها جنسا خاصا، أو نوعا، فكذلك من الصفات الإلهية ما هي أعم ~~وأكثر حيطة، ومنها ما هي أخص وأقل حيطة، فيكون الاسم الحاصل من انضمام ما ~~هي أعم، بمنزلة الجنس للاسم الحاصل من انضمام ما هي أخص، وهذا بمنزلة ~~النوع، مثال ما هو بمنزلة الجنس لما هو بمنزلة النوع " العالم " بالقياس ~~إلى " السميع " و " البصير ". # وكما أن من اجتماع الجواهر البسيطة يتولد جواهر أخر مركبة، كذلك ~~يتولد من اجتماع الأسماء الكلية أسماء أخر. # وكما أن الجوهر قد يكون نوعا بسيطا في الخارج مركبا في العقل بحسب ~~التحليل الذهني كالعقل والنفس وغيرهما - وقد يكون مركبا خارجيا من ~~أجزاء معنوية وجودية - كالمادة والصورة - أو أجزاء متخالفة الطبائع - ~~كالمركبات المعدنية، والنباتية، والحيوانية - فكذلك في أنواع الأسماء ما ~~هو بسيط عيني ذا حد تفصيلي ك " الحي " فإن مفهومه مركب من " الدرك ~~الفعال " وما هو مركب ك " الحي القيوم ". # وكما أن كليات الجواهر والأنواع منحصرة فكذلك كليات الأسماء منحصرة. # وكما أن أشخاص الجواهر غير متناهية، فكذلك فروع الأسماء غير متناهية، ~~وكما أن الجملة مشتركة في طبيعة واحدة وجودية - لأن الوجود الممكن ~~حقيقة واحدة وهي المسمى بالنفس الرحماني، والهيولى العقلية الكلية ~~الحاملة لصور الجواهر العقلية والحسية وحقائقها - كذلك الأسماء الكلية ~~تشملها ذات واحدة إلهية جامعة لجميع الأسماء على اختلاف ms1187 معانيها. # ثم لما كانت التجليات الإلهية المظهرة للصفات المتكثرة بحكم: # كل يوم هو في شأن # [الرحمن:29]. غير متناهية - مع تناهي ضوابطها المتكررة الوقوع - صارت ~~الأعراض متكثرة غير متناهية، وإن كانت الأمهات متناهية، وكما أن أمهات ~~الأعراض منحصرة في تسع مقولات، كذلك في أمهات الصفات وكلياتها توجد معان ~~تناسبها تلك المقولات. # فكل ما في الوجود دليل وآية على ما في الغيب ف " القيوم " مناسب ~~للجوهر، و " القدوس " للأنواع المجردة منه، و " المصور " للصور ~~الجوهرية، و " الأول والآخر " يناسب مقولة متى، و " الرافع والخافض " ~~يناسب مقولة أين، و " المتقدم والمتأخر " لمقولة وضع، و " المحصي " ~~للكم المنفصل، و " الكبير والعظيم والباسط " للكم المتصل، و " السميع ~~والبصير " للكيف النفساني، و " العلي الأعلى " للإضافة، و " مالك الملك " ~~للجدة، و " المبدع " للفعل، و " قابل التوب " للانفعال. # وعند الاستقصاء يظهر أن كل معنى من المعاني الموجودة في عالم الشهادة، ~~يكون ظلا دالا على ما في غيب عالم الأسماء، ثم في غيب عالم القضاء ~~الإلهي، - أعني القلم العقلي - ثم في عالم القدر النفساني- أعني لوح ~~العلوم القضائية، المسمى ب " ام الكتاب " - ثم في عالم الألواح ~~السماوية، ونفوسها الانطباعية، الخيالية، المسمى ب " كتاب المحو ~~والإثبات " و " الدفتين الزمردتين ". لقوله تعالى: # يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب # [الرعد:39]. # هداية # قد انكشف لك، ودريت مما سرد عليك أن هذه العوالم كلها كتب إلهية، ~~وصحائف رحمانية، لإحاطتها بصورة الحقائق والمعاني، واشتمالها على الأرقام ~~والخطوط الدالة على المحامد السبحانية، والأثنية الربانية، يتلوها ~~القارئ العارف، بقوة فكره، وصفاء سره، وسلامة طبعه عن كدورات هذه ~~التعلقات، وتجرد ذهنه، وجلاء عنيه عن علوق هذه الغشاوات، فيطالع ما فيها، ~~ويتدبر في معانيها، ويرتقي من بعضها إلى بعض، حتى يصل إلى منشئها، ~~وراقمها، وممليها، وناظمها، قائلا: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ~~لنريه من آياتنآ إنه هو السميع البصير # [الإسراء:1]. # كلمة جامعة # الإنسان الكامل كتاب جامع لآيات ربه القدوس، وسجل مطوي فيه حقائق ~~العقول والنفوس، وكلمة كاملة مملوءة من ms1188 فنون العلم والشجون، ونسخة مكتوبة ~~من مثال " كن فيكون " ، بل أمر وارد من " الكاف والنون " لكونه مظهر اسم ~~الله الأعظم الجامع لجميع الأسماء. # فمن حيث روحه وعقله، قلم مقدس مسمى ب " أم الكتاب " ، لكونه مشتملا ~~على معظم الحقائق العقلية الكلية على الوجه المقدس العقلي، ومن حيث قلبه ~~الحقيقي - أعني نفسه الناطقة - " كتاب اللواح المحفوظ " لكونه نقوشه ~~محفوظة أبدا بحفظ قلم الكاتب لهذه الأرقام، الفعال للمعقولات التفصيلية ~~في لوح قلبه، ومن حيث نفسه الحيوانية الممثلة للصورة المثالية " كتاب ~~المحو والإثبات ". # ومن حيث طبعه الجسماني القائم باللطيفة البخارية، المشابه لجرم السماء، ~~القابل لأنوار الحواس والضياء " دفتر جسماني " و " سجل هيولاني ". # والغرض في إيجاده وتكوينه لمجرد المشق والحساب، كالتخت والتراب، لفائدة ~~التمرن لطفل النفس قبل أن يبلغ مقام الرجال، مثل لوح الأطفال، ولهذا يمحو ~~ما فيه وينطوي سريعا، لكونه من جنس كتاب الفجار، الملقى في النار، وأما ~~ما سواه من الكتب الأربعة الأصول، فهي كلها صحف مرفوعة مطهرة، بأيدي ~~سفرة، كرام بررة، باقية إلى يوم الدين، ولا يمسها إلا المطهرون، من ~~الحجب الجسمانية، لكونها في عليين # ومآ أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده ~~المقربون # [المطففين:19 - 21]. # وهذا الكتاب الأخير المحاذي لصورة السماء، محترقة أوراقها بنار الطبيعة، ~~كما أن سجل دورات السماء مطوية يوم القيامة، لقوله تعالى: # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب # [الأنبياء:104]. ولكن بمقتضى # كما بدأنآ أول خلق نعيده # [الأنبياء:104] يعاد مثله يوم القيامة ويحشر، وهو البدن الأخروي، ~~المنبعث من هذا البدن الداثر الدنيوي، المقبور بعد الموت، ويبقى كتابه ~~يوم القيامة، وهو الكتاب الذي أشير إليه بقوله: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ ~~كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء:14]. # وهو الكتاب المنقسم إلى كتاب الفجار - الذي يلقى في النار - وإلى كتاب ~~الأبرار، الذي يأتي آمنا يوم القيامة لقوله: # أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة # [فصلت:40]. وهما المشار إليهما بقوله تعالى: # إن كتاب الفجار لفي سجين # [المطففين:7]. وقوله: # إن كتاب ms1189 الأبرار لفي عليين # [المطففين:18]. # نور جمعي ومظهر جامع إلهي # قد وقعت الإشارة إلى أن الإنسان الكامل كلمة جامعة، وأنموذج مشتمل على ~~ما في الكتب الإلهية، التي كلها أنوار مكتوبة بيد الرحمن، منقوشة على ~~صحائف الأكوان، مستورة عن أعين العميان، كما أن الروح الأعظم جامع ~~لجميع ما في العالم الكبير، لكونه مبدأ الكل، وصورة الكل، وغاية الكل، ~~وبذر العقول والنفوس، وثمرة شجرة الأفلاك، وما فيها من أنوار المعقول ~~والمحسوس. # فالآن نريد أن نشرح لك مراتب العالم الإنساني وأسماءه، ونبين أن الروح ~~الإنساني، والعقل الأخير الرباني، في درجة القرب عند الله في عالم ~~العود، والصمود، مماثل للروح الأعظم، والعقل الأول القرآني في عالم البدو ~~والنزول، وسلطانه يوم القيامة ويوم العمل كسلطان الروح الأعظم يوم الأزل، ~~لاشتمال كل منهما على جميع المراتب الموجودية. # بل العقل الأول والروح الأخير - وهو الحقيقة المحمدية - ذات واحدة ظهرات ~~مرتين، مرة في الإدبار إلى الخلق لتكميل الخلائق، ومرة في الإقبال إلى ~~الحق تعالى، لشفاعتهم، لقوله (صلى الله عليه وآله): # " أول ما خلق الله نوري " # وقوله: # " " أول ما خلق الله العقل، قال له: " أقبل " فأقبل، ثم قال له: " أدبر ~~" فأدبر، قال: " فبعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعظم منك، بك أعطي وبك ~~آخذ، وبك أثيب، وبك أعاقب " # ورواه الشيخ الجليل أمين الإسلام، ثقة المحدثين محمد بن يعقوب الكليني ~~في أول كتاب العقل من كتب الكافي، وهو حديث متفق على صحته الجميع. # فكما أن الروح الأعظم مشتمل على جميع الممكنات علما وعينا، فكذا هذا ~~الإنسان الكامل وخليفة الله في السماوات والأرض. # أما اشتمال الروح الأعظم عليها علما: فلما مر من أنه قلم الحق الأول، ~~الناقش لصور الحقائق على وجه مقدس عن الكثرة والتفصيل، ثم الكاتب لأرقام ~~الأسرار على ألواح الأقدار، ولأن اللوح المحفوظ بما فيه من الأرقام ~~والنقوش صادر عنه، وحاضر لديه، فهو مطالع لما فيه - مطالعة العقل للأفكار ~~الناشئة منه، المرتسمة في لوح النفس، ثم في لوح الخيال والحس. # وكذلك حكم سائر المشاعر الكلية، والمدارك الفلكية، الأرواح القدرية، ~~بما فيها ms1190 من الأرقام المثالية، والنفوس الجزئية الخيالية، الحاصلة في ~~النفوس المنطبعة السماوية، وكذا الصور الأرضية، المنقوشة على الألواح ~~الهيولية إذ كلها صادرة منه بإذن ربه، حاضرة عنده، يشاهدها بنور ربه، ~~الذي ينور به السماوات والأرض. # وأيضا كل واحد من الجواهر العقلية والنفسية، والصور السماوية الحسية، ~~والأنوار القمرية والشمسية عيون ناظرة، ومدارك ساطعة، ومرائي مجلوة، يدرك ~~بها الأشياء، وينال بها ما في عالم الأرض والسماء. # وأما اشتماله عليها عينا: فلأن ذاته صورة الكل، كما أنه فاعلها ~~وغايتها. والصورة في كل حقيقة تركيبية وماهية نوعية هي تمام تلك الماهية، ~~أو لا ترى أن " السرير " سرير بهيئته المخصوصة، لا بمادته الخشبية ~~الإبهامية، والحيوان بنفسه وحسه حيوان لا ببدنه وجسمه، وكذا العلة ~~الفاعلية تمام حقيقة المعلول، إذ المعلول رشح وفيض من وجوده، وهو من ~~العلة كالشعاع من الشمس، والحرارة من النار، والنداوة من البحر، كما ~~أوضحة الإلهيون في علومهم الربانية، وأما الغاية فهو تمام الفاعل بما هو ~~فاعل وكماله. # وأما اشتمال الروح العقلي للإنسان الكامل على جميع الممكنات، فلأنه كتاب ~~مبين مشتمل على أنموذجات العوالم، وحصصها، وجزئياتها، وأفرادها، وذلك قبل ~~اتصاله بالملإ الأعلى، والروح الأعظم، وأما عند الوصول، فلا فرق بينه ~~وبين قلم الحق الأول في اشتماله على الكل. # حكمة إلهية في كلمة آدمية # إن من عجائب صنع الله وبدائع فطرته خلقة الإنسان الذي فطره الله ~~عالما، مضاهيا للعالم الرباني، وأنشأه الله نشأة جامعة لجميع ما في ~~سائر العوالم والنشآت، بل ذاتا موصوفة بجميع نظائر ما وصف به ذاته ~~الإلهية، من النعوت الجمالية والجلالية، والأفعال والآثار، والعوالم ~~والنشآت، والخلائق، والقلم، واللوح، والقضاء والقدر، والملائكة والأفلاك، ~~والعناصر والمركبات، والجنة والنار، والرضوان والمالك. # وبالجملة أبدع الإنسان الكامل مثالا له تعالى ذاتا ووصفا وفعلا، ~~ومعرفة هذه الفطرة البديعة، والنظم اللطيف، والعلم بهذه الحكمة الأنيقة، ~~والأسرار المكنونة فيها، سر عظيم من معرفة الله، بل لا يمكن معرفته ~~تعالى إلا بمعرفة الإنسان الكامل، وهو باب الله الأعظم والعروة ~~الوثقى، والحبل المتين الذي به يرتقي إلى العالم الأعلى، والصراط ~~المستقيم، إلى ms1191 الله العليم الحكيم والكتاب الكريم الوارد من الرحمن ~~الرحيم، فيجب على كل أحد معرفة ما في هذا الكتاب المكنون، وفهم هذا السر ~~المخزون. # وهذا معنى وجوب معرفة النبي، ومعرفة الإمام (عليهم السلام) " من مات ولم ~~يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " لأن حياة الإنسان في النشأة ~~الدائمة، إنما هي بمعارف الحكمة الإلهية، والإنسان الكامل تنطوي فيه ~~الحكمة كلها، وهو مفاد قوله (صلى الله عليه وآله): # " من أطاعني فقد أطاع الله " # وقوله أيضا: # " من عرف نفسه فقد عرف ربه ". # والمراد به نفس النبي تحقيقا لقوله تعالى: # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم # [الأحزاب:6]. وذلك لأن الحقيقة النبوية، بنور هدايتها كملت نفوس ~~المؤمنين، ونور عقول الآدميين، وأخرجهم من القوة إلى الفعل، وأفاض عليهم ~~العلم النوري، وأفادهم الوجود الأخروي، فتكون ذاته علة لتحقق الحكمة ~~والإيمان فيهم، ومحصل ذواتهم بحسب الوجود البقائي، والثبوت السرمدي، ~~والعلة الفاعلية للشيء، أولى به من نفسه، لأن الشيء مع نفسه بالإمكان، ~~ومع علته ومكمله بالوجوب، والوجوب والكمال أولى بالشيء من الإمكان ~~والنقصان. # فافهم وتأمل في ما أفدناك، من معنى وجوب اتباع النبي والإمام، وكونهما ~~مقومين لذات المؤمن بما هو مؤمن، فإنه يتيمة الوقت، لا تجده في غير هذا ~~المقام، والله الهادي إلى دار السلام. # مرآة آدمية فيها آيات ربانية وأنوار رحمانية # ولنذكر أنموذجا من كتاب الحكمة الإلهية، ولبابا من المعاني القرآنية ~~المسطورة في هذه النسخة الآدمية، المكتوبة بخط معجز إلهي، وهو الكتاب ~~المبين، واللوح المنقوش بنقوش كرام الكاتبين، ليكون دستورا لك في ~~دراسة هذا الكتاب، الذي نالك الحق الأول فهم مقاصده، وهذا المزبور ~~المسطور المهدى إليك من جانب الرب الغفور، وفيه تحقيق المسائل الإلهية، ~~وتبيين المعارف الربوبية المستنبطة من أرقامه ومبانيه، فنقول: # إعلم أن الإنسان الكلي بحسب أصل ذاته التي بها هو هو موجود، بل وجوده ~~قائم بنفسه، مجرد عن الزمان والمكان، مقدس عن الحلول والإشارة الحسية ~~والانقسام، نور من أنوار الله المعنوية، وسر من أسراره العقلية، ووجه من ~~وجوه قدرته، وآية من آيات حكمته، وعين من عيون إلهيته، وكلمة ms1192 من كلمات ~~علمه وإرادته، وهذه الصفات الذاتية له كلها مأخوذة من الصفات الذاتية ~~الإلهية، والنعوت الجلالية الكبريائية، وقد ظهرت في عبد من عباده. # وأما بحسب أحواله وصفاته اللازمة والعارضة، فهو عالم، قادر مريد، سميع ~~بصير حي متكلم - إلى غير ذلك من الأوصاف - وهذه كلها تضاهي صفات الله ~~الجلالية (الكمالية - ن) والجمالية، لأنها كلها من كمال الموجود بما هو ~~موجود، فإذا وجد في المعلول، فلا بد وأن يوجد في العلة المفيضة على ~~وجه أعلى وأشرف. # وأما بحسب أفعاله: فأفعاله كأفعال الباري جل ذكره، وكما أن أفعاله ~~تعالى منقسمة إلى ما يدخل فيه الزمان، والمكان، والحركات، والمواد - وهي ~~المسماة بالكائنات - وإلى ما يدخل فيه الأمكنة والمواد، دون الأزمنة ~~والحركات - وهي الاختراعيات - وإلى ما يرتفع عنهما بالكلية - وهي المسماة ~~بالابداعيات - فكذلك الفعل الصارد عن جوهر ذات الإنسان، بعضه يشبه ~~الابداع - وهو ما لا يفتقر فيه إلى آله وحركة، كإدراكه المعارف الحقيقية ~~والأحكام الحقة اليقينية، وكإيمانه بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ~~وإذعانه ليوم الآخرة، ورجوع الخلائق إلى الخالق وذلك عند صيرورته عقلا ~~مستفادا عقيب تكرار الإدراكات وتكثر المشاهدات، حتى صار مستغنيا في ~~إحضار مخزوناته، وإفادة معقولاته عن الآلات، والحركات الفكرية، بل كلما ~~توجه إلى معقول حضر ذلك المعقول عنده ممثلا (ماثلا - ن) بين يدي ذاته ~~المجردة. # وبعضه يشبه الاختراع كالحال عند تمثل الصور له في الخيال، فإن إفادة ~~العقليات تشبه الإبداع، والخياليات تشبه الاختراع، وكذلك أفاعيله ~~الطباعية، الواقعة منه في البدن من غير فكر وروية كحفظ المزاج، وجذب ~~الغذاء، ودفعه، وتصوير الأعضاء وتشكيلها، بإذن الله وكلمته وتأييد من عند ~~الله بجنود لم تروها. # وبعضه يشبه التكوين وهو أفعاله الظاهر الحاصلة بإرادته، وقصده، وحركته، ~~كالكتابة، والأكل، والشرب، وسائر أفعاله البدنية، والنفسية، التي فيها ~~مصلحة أعضائه، وقواه، وجنوده الظاهرة، بحسب معاشه ودنياه، بحيث يؤدي ~~أولاه إلى إصلاح معاده، وأخراه يستعد بذلك للسعادة القصوى. # وأما من حيث مملكته، وعماله، وإجراء أوامره في عباده وبلاده، فعالمه ~~الصغير، أعني بدنه وما يرتبط به، يضاهي مجموع العالم الكبير، أعني ~~السماوات والأرض، ms1193 وما يتعلق بهما، وأمره في أفراد عالمه يضاهي أمر الحق ~~في أفراد العالم، فكما أن لأفعال الله سبحانه من لدن صدورها من مكامن ~~غيبها إلى مظاهر شهادتها أربع مراتب - وهي العناية، والقضاء، واللوح، ~~والقدر الخارجي - كما أشرنا إليه فكذلك لأفعال خليفة الله وصدورها أربع ~~مراتب. # لأن كلما يصدر عنه فقد وجد أولا في مكمن سره الذي هو غيب غيوبه، ~~وعقله الإجمالي، وكتابه القرآني، ثم ينزل إلى حيز قلبه الباطني، ونفسه ~~الناطقة، عند استحضاره بالفكر، وإخطاره بالبال، كإحضار التصورات الكلية، ~~والقضايا الكلية، أو كبريات القياس بمدد بعض ملائكة الله العلوية، عند ~~الطلب للأمر الجزئي، وتحصيله خارجا، وإحضاره من حد العلم إلى حد ~~العين، فينبعث عنه العزم على الفعل. # ثم ينزل على مخزن خياله متشخصة جزئية، وهو موطن التصورات الجزئية ~~وصغريات القياس، بيد بعض الملائكة المدبرة السفلية، ليحصل بانضمامها إلى ~~تلك الكبريات رأي جزئي ينبعث عنه القصد الجازم للفعل، ثم تتحرك أعضاؤه ~~عند إرادة إظهارها بيد بعض جنود الله المحركة، فيظهر ذلك الفعل المقدر ~~على وفق الإرادة التابعة للتصور والتفكر. # فالفعل (فالعقل - فالتعقل - ن) الأول بمنزلة العناية والقضاء الإجمالي، ~~- ومحله وهو الروح العقلاني بمثابة القلم - والصورة الثانية بمنزلة نقش ~~اللوح المحفوظ، والثالثة بمثابة الصورة في السماء، فإن الروح الدماغي ~~بمنزلة السماء، وجوهر الدماغ ومخه بمنزلة هيولاها، والقوة الخيالية ~~بمثابة نفس الفلك المنطبعة، والصور الخيالية بمنزلة صور الأشياء في عالم ~~السماء قبل وجودها في المواد الخارجية، والرابعة بمثابة الصور الحادثة في ~~المواد الخارجية العنصرية. # وعند ذلك تحرك الأعضاء بمنزلة حركة السماء، ووجود الكتابة وغيرها من ~~الإنسان في مادة خارجية عنه، موضوعة لفعله، وصناعته بمنزلة وجود الأكوان ~~الخارجية في المواد العنصرية، وسلطان العقل الإنساني في الدماغ كسلطان ~~الروح الأعظم في العرش، وظهور قلبه الحقيقي الذي هو نفسه الناطقة في ~~القلب الصنوبري، كظهور النفس الكلية الفلكية في الشمس التي هي مثال نور ~~الله تعالى في عالم الأجرام، لأنها نور السماوات والأرض في عالمنا. # فيكون على هذا نور الشمس بمنزلة " المصباح " و " زيتها " صورتها النوعية ~~التي ms1194 تكاد تضيء ولو لم تمسسه نار النفس المجردة الشمسية، والفلك ~~كالزجاجة والهيولى كالمشكاة، والقوة الطبيعية السارية في العالم الجسماني ~~هي الشجرة المباركة، وهي ليست من شرق الجواهر العقلية، ولا من غرب ~~الأبعاد المادية " يكاد زيتها يضيء " وينور الأنوار الجسمية " وإن لم ~~تمسسه " نار النفس الكلية المقومة لها، لكونها خليفة النفس في عالم ~~الطبائع، كما أن النفوس والعقول خلفاء الله في عالم الأرواح، و " نور ~~على نور " هو النور الحسي من الشمس، المنضم إلى نور نفسه المجردة، أو ~~نورها النفسي المقوم لنورها الحسي العالمي عليه. # فعلى هذا التأويل يكون النور الحسي للجرم الشمسي مثالا للنور ~~الواجبي، الذي هو بمثابة شمس الأنوار العقلية، وأما في سائر التأويلات ~~الحقيقية التي ذكرناها، فهي بمعزل عن أن يكون نورها الحسي معدودا من ~~نور السماوات والأرض، بل يكون معدودا من جملة الضلال، والرماد، والمداد ~~لكلمات الله المكتوبة من القلم العقلي، على الألواح النفسانية، أو ~~الأقدار الخارجية، كما ورد في النظم الفارسي: # دوده كندم دبير أنجم # از دود جراغ جرخ جارم # إشراقات وإشارات # قد انكشف لك مما فتحنا على قلبك بإذن الله أبوابه، وقرأنا عليك من كتاب ~~الحكمة لبابه، أسرار لطيفة في مسائل معرفة الله، وآيات عظيمة من صحائف ~~ملكوته، وبدائع فطرته وجوده، ونتائج رحمته، وأشعة شمس وجوده، ولو أخذت ~~الفطانة بيدك عند ملاحظة مملكة الآدمي، ونفوذ أمره في قواه وآلاته، ~~وإحاطة علمه بما هو في عالمه وطبقات مومجوداته، وسراية نوره في صوره ~~العلمية، ونقوشه الإدراكية الحاصلة في مرآة ذاته، ثم المرتسمة في ألواح ~~تصوراته التي هي بمنزلة عالم سماواته، ثم الحالة في محال جرمياته ~~ومادياته، التي هي بمنزلة عالم أرضه وكائناته، لرأيت بعين هذا الإشراق، ~~أن هويته الروحية هي مظهر الهوية الغيبية اللاهوتية، وأن هويته ~~النفسية هي مظهر إسم الله، ومثال نوره النافذ في سمائه وأرضه، فتحققت ~~بمعنى آية النور على أحكم طريق وأتقنه، وعلمت علما شهوديا نوريا، ~~وإشراقا كشفيا حضوريا، أن الله نور السماوات والأرض. # فإن جميع ما يوجد في مملكة الآدمي وعالمه، إنما وجودها ms1195 وظهورها بنور ~~هويته المستورة عن الخلق لغاية ظهور آثارها، وكثرة أفاعيلها وأنوارها، ~~فصارت أفعالها وآثارها حجبا للخق عن رؤية ذاتها، ومشاهدة جمالها ~~وجلالها، كما أن ظهور العالم الكبير ومظاهر أسمائه تعالى، حجب الخلق عن ~~مشاهدة الرب تعالى وجماله وجلاله، وبه أشرقت الأرض والسماء، وهو النور ~~الذي ظهرت به مظاهر الأسماء. # وكما أن بذاتك النيرة العقلية، حصلت وانكشفت وتنورت الصور ~~الإدراكية، العقلية، والنفسية، والخيالية، والحسية في مراتب مداركك ~~القضائية، والقدرية، واللوحية، والقلمية، فبذات القيوم الإلهي ~~تقوم وتنور كل ما في العوالم والنشآت، والألواح والأقدار، والأراضي ~~والسماوات تقوما ظهوريا شهوديا، وتنورا تحصليا وجوديا. # فاشكر ربك سبحانه في إعطائه لك مفتاحا لخزائن الرحمة والجود، # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام:59]. - الآية - بل كنزا مخفيا يحصل منه كل بغية ومقصود # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات:21] ودرا ثمينا يسهل به الوصول إلى كل موجود، ومرقاة للصعود ~~إلى معارج الحق المعبود # وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق # [فصلت:53]. # فما من مطلب إلا ويوجد فيه، وما من بغية إلا ويتيسر منه حصوله ~~لمتأمليه، فهو الطلسم الأعظم، والترياق الدافع للسم، والفاروق الأكبر، ~~وباب حكمة الله الأنور، والكتاب المبين، والسر المكتوم، والنبأ العظيم ~~الذي هم فيه مختلفون، ومعنى حرفي الكاف والنون، والقرآن المبين، والعروة ~~الوثقى، والحبل المتين، مطردة الشياطين، وليلة القدر، والاسم الأعظم، ~~ويوم الجمعة والمسجد الأقصى، والكعبة والحرم، والبيت المعمور، والسقف ~~المرفوع، والبحر المسجور، والرق المنشور إلى غير لك من أسمائه وصفاته ~~التي لا تعد ولا تحصى. # حكمة محمدية # إعلم أيها السالك، وتدبر، وتفكر، وانظر، ما سطر في هذا المسطور، ونور ~~بصرك بسواد أرقام هذا المزبور، وتيقن أن الصراط المستقيم، والسبيل إلى ~~الله الكريم ليس في الأرض ولا في السماء، ولا في البر ولا في البحر، ولا ~~في الدنيا ولا في الآخرة، بل في ذات السالك الذاهب منه فيه إلى ربه # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني # [يوسف:108]. # دواؤك فيك ولا تشعر # وداؤك منك ولا تبصر # وهو قلم الحق الأول، ms1196 المعلم للإنسان ما لم يعلم # وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء:113]. - الآية وهو لوح الله المأخوذ بيد الأنبياء والأوصياء، ~~لقوله تعالى: # أخذ الألواح وفي نسختها هدى # [الأعراف:154]. # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # [الحشر:7]. وهو القرآن المبين وحبل الله المتين، فإن القرآن خلق ~~الإنسان الكامل، كما # " وري عن بعض أزواجه (صلى الله عليه وآله)، أنها قالت حين سئلت عن ~~خلقه (صلى الله عليه وآله): " كان خلقه القرآن " ". # وكل ما في الأرض والسماء فهو في هذا المسمى بجيمع الأسماء، لأنه كتاب ~~مبين، لا رطب، ولا يابس، إلا فيه، ففيه النعيم ولذاته، ومنه الجحيم ~~وآفاته، فيك الموت والحياة، ولك الثواب والعقاب، وفيك روضة من رياض ~~الجنان، وفيك حفرة من حفرة النيران، كما قال في المثنوي: # درونى بود روضهء از بهشت # درونى بود حفرهء از كنشت # بود سنيهء كش عمارت كنند # بهر دم عزيزان زيارت كنند # دكر سينهء همجو قبر يهود # بر از لعنت ووحشت وجرك ودود # بر از فحش ووسواس وحرص ودروغ # نكيرد زانوار حكمت فروغ # يكى لوحى از مكتب علم غيب # يكى نامهء بر زوسواس وريب # بر اين ينسخه مكتوب حقه شد رقم # بر آن دست ابليس درزد قلم # اللهم إني أعوذ بك من القبر، ومنشأ عذاب القبر، وباعثه هي البشرية التي ~~كلها عذاب، فما لم يتخلص منها لم يتخلص من عذاب القبر، # وأنيبوا إلى ربكم # [الزمر:54]. # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم # [آل عمران:133]. - الآية - وسئل بعض الأكابر عن عذاب القبر فقال: " ~~القبر كله عذاب ". # واعلم أن أول درجة من درجات السير إلى الله هو الخروج من مضيق العالم ~~وقبر البشرية، وغبار الهيآت النفسانية، وفي الحديث عن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): # " من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي فلينظر إلي " # وأول ما ينكشف عليه من أحوال الآخرة، ويخبر بها منها هو أحوال الموتى، ~~وكشف القبور، وتحصل ما في الصدور، وما يتمثل للميت فيه من الحيات ~~والعقارب، والكلاب، والمؤذيات، والمعذبات، وسؤال المنكر والنكير. # وهذا أيضا مما صعب دركه على أكثر أرباب الدقة ms1197 والبحث، والعقول ~~الفلسفية، والطباعية، والدهرية، ولا يمكنهم الإيمان به، لكونه فوق ~~أطوار عقولهم، فلم يقنعوا كسائر الناس بالتقليد المحض فيه، لاعتيادهم ~~بعدم الإذعان بشيء إلا من جهة الدليل، وليس للدليل إلى الأمور ~~الشهودية والكشفية سبيل، فأخذوا في التعجب قائلين: " كيف يجوز أن يسأل ~~الإنسان ويخاطب في قبره، وينزل عليه ملكان يشهدهما الإنسان ويخاطبهما ~~ويسمع كلامهما، ولم يرهما غير الميت، ولم يسمع شيء منهما؟! " وفي هذا ~~المقام سر عظيم لا يجوز التصريح به إلا لمن ماتت رغبته في الدنيا، ~~وخرجت روحه عن هذه المقبرة السوداء. # والغرض أن الإنسان الكامل جامع جميع ما في العالم الكبير من الجواهر ~~والأعراض، والسماء والأرض والنجوم، والملك والجن والحيوان، والجنة ~~والنار والكتاب، والصراط والميزان وغيرها، فهو خليفة الله في الأرض ~~والسماء، فله جوهر ذاته، وأعراض صفاته، وسماء رأسه، ونجوم حواسه، وشمس ~~قلبه، وأرض بدنه، وجبال عظامه، وطيور قواه الإدراكية، ووحوش قواه ~~التحريكية، بل كل ما أوجده الله تعالى في عالمي الملك والملكوت، فهو ~~مأمور بطاعة الإنسان الكامل، وسجوده، لأنه خليفة الرب تعالى، ومظهر ~~جميع الأسماء لقوله: # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض # [الجاثية:13]. وقوله: # وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة # [لقمان:20]. فجميع ذرات الكونين يسبح له كما يسبح لله تعالى، وقد ورد ~~في الحديث: # " إن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في ~~البحر ". # فجملة أهل الملكوت والملك، وملائكة الله كلهم أجمعين، مأمورة من الله ~~لقوله: # اسجدوا لآدم # [البقرة:34]. بطاعة هذا النائب الرباني، والسر السبحاني، وله خلافتان: ~~خلافة صغرى، وخلافة كبرى، فالله تعالى لما أراد بقدرته التامة، وحكمته ~~الكاملة، أن يجعل خليفة من قبله في أرض الخلائق، ونائبا مبعوثا من ~~حضرته في إنشاء الحقائق، وإفشاء المعاني، وبث الخيرات على القاصي ~~والداني، سخر له ما في الأرض جميعا، ليجمع له أسباب السلطنة الصغرى ~~الظاهرة وقد قيل: " السلطان ظل الله في الأرضين ". # وسخر له ما في السماء ليجمع له أسباب السلطنة العظمى، فبنى له سريرا ~~جسمانيا في بيت معمور القلب، في مملكة البدن ms1198 وعالم القالب، ثم أمر ~~الملائكة السفلية بطاعته وانقياده، بقوله: # اسجدوا لآدم # [البقرة:34] فسجد تحت قدمه كل ما في أرض البدن وجبال العظام، ومياه الفم ~~والعين والأذن، وأقاليم الأعضاء السبعة الظاهرة - وهي اليدان، ~~والرجلان، والظهر، والبطن، والرأس - ونجوم الحواس، وجحيم المعدة، ~~وزبانية القوى الطبيعية، وعرش القلب، وكرسي الصدر، وسماوات الدماغ ~~المشحونة بالإلهامات العقلية، والمعاني الفكرية، من جهة اللطيفة ~~النورية، وهي بمثابة الملإ الأعلى لهذا الخليفة والملأ الأسفل بمنزلة ~~الشياطين وأعداء الله، والنفس الخارجة من باطنه بمنزلة الهيولى القابلة ~~لبسائط الصور ومركباتها، والحروف الهجائية بمنزلة الصور النوعية البسيطة ~~الفلكية والعنصرية، والكلمات الثلاث - وهي: الاسم، والفعل، والحرف - ~~بمنزلة المواليد الثلاثة: الجماد، والنبات، والحيوان. # فإذا تمت له الخلافة الصغرى، أيده الله تعالى بجنود لم تروها لأجل ~~الخلافة العظمى، وسخر له بهذه الجنود الروحانية جميع عالم الملك ~~والملكوت، لقوله تعالى: # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض # [الجاثية:13]. ثم أمر بطاعة هذا النائب الرباني، والسجود لهذا الخليفة ~~الإلهي جميع ملائكة الكونين، فسد له الملائكة كلهم أجمعون، فتم له الخلق ~~والأمر نيابة عنه تعالى { ألا له الخلق والأمر } ~~[الأعراف:54]. # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون:14]. # بسط كلام لتوضيح مقام # هذا الباب الرباني، والعبد المقرب السبحاني، والخليفة لله تعالى، ~~والمرآة لصورة الأشياء، إنما فاق على الكونين بشيئين: العلم التام ~~بحقائق الأشياء، والقدرة الكاملة على ما يشاء. # أما العلم: فعلمه منقسم إلى علم الظاهر وعلم الباطن: # فبعلمه الظهر يحيط بما يحتاج إليه في خلافته الظاهرة - من كيفية استنباط ~~الصنائع، واستخدام الطبائع، ومعرفة تسخير الحيوانات، واصطياد الوحوش، ~~والطيور، من الأرض والهواء، واستخراج الحيتان بقوة التدبير من قعور ~~البحار، فينزل الطير بدقة الفكر، وإصابة الرأي من أعلى الجو، ويصطاد ~~الوحوش بكثرة الحيل من قلة الطود والجبل، ويستنبط بفرط الذكاء ودقة ~~الفهم، مقادير الأفلاك وأبعادها، ويعلم بمعرفة المساحة، وقوة السباحة ~~بروج السماء، وتقاويم النجوم، ومقادير حركاتها وجهاتها، وأقاليم الأرض، ~~ومقادير الجبال، ويحكم بخسوف القمر، وكسوف الشمس في أوقات معينة، وآنات ~~معلومة، ويضع علوما كعلوم الآداب، والشرائع، والأخلاق، وعلم السياسة، ~~والحكومة، والنجوم ms1199 والطب، واللغة والشعر، والأخلاق، وعلم السياسة، ~~والحكومة، والنجوم، والطب، واللغة والشعر، والحساب والموسيقى، والفال ~~والزجر، والشعبذة والقيافة والحيل، وجر الأثقال، وإخراج القنوات، ~~ومعرفة الجواهر والمعدنيات، وعلم الأدوية والنباتات المفردة والمركبة، ~~وكيفية دفع السموم والأمراض، وعلم الدهقنة والفلاحة، وسائر علوم ~~الصناعات. # وأما علم الباطن فهو معرفة الروحانيات، ومكاشفة الملائكة العلويات، ~~والإحاطة بجواهر العقليات، والمثل الأفلاطونيات، والاطلاع على المبادئ ~~الأول، وما هو أول الأوائل، والغايات الأخر، وما هو غاية الغايات ~~وبالجملة العلم بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإحاطة ~~بصورة الوجود كله وبه يصير الإنسان، بحيث كأنه أحد سكان الصقع الربوبي، ~~وموضوع العالم العقلي. # وأما القدرة فتمامها إنما يظهر في النشأة الثانية، وهناك ينتج ما ~~يكتسب هاهنا و # فيها ما تشتهي أنفسكم # [فصلت:31]. وعند ذلك يشاهد انقياد الملائكة، وطاعتهم للإنسان الكامل ~~طاعة لله، كما في قوله تعالى: # اسجدوا لآدم # [البقرة:34] وفيها يتحقق خلافته لله بالحقيقة، وسر قوله تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر:29]. # أساس حكمي تبتني عليه أصول عرفانية # إن للحقائق المتأصلة عوالم ونشآت ومظاهر وتمثلات، وجميعها مما يوجد ~~في المسجد الجامع الإنساني، وهو صومعة أهل الذكر والتسبيح، ومعبد الخلائق ~~كلهم، فمنها الجنة، فإن حسن خلقه الواسع جنة عرضها كعرض السماء ~~والأرض، وسوء خلقه الضيق جحيمه، وأعماله الحسنة هي الصور الجنانية، من ~~الأنهار والحور والقصور، وأعماله القبيحة صورة النيران والحيات ~~والمؤذيات، والحميم والزقوم. # وهذه الصفات والملكات الجملية والرذيلة، والأعمال والآثار الحسنة ~~والقبيحة، إنما هي أصل ما يشاهده الإنسان في الآخرة، وبذر ما يوجد ~~ويتحقق في العقبى، وجودا وتحققا، أتم وأثبت من وجود هذه الصور المادية ~~الدنيوية فيتنعم بها السعداء، ويتعذب بأضدادها الأشقياء، ولأهل الجنة ~~اقتدار على إحضار ما يشتهون، واستحصال ما يذوقون، لهم فيها ما يدعون، ~~نزلا من غفور رحيم، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، حتى إن أدنى ~~أهل الجنان، وأبلههم يأكل في لحظة مقدار ما يأكل جملة أهل الدنيا من غير ~~ملال وكلال، ويوجد لهم في لقمة واحدة لذات سبعين طعاما من أطعمة الدنيا ~~وحلاواتها. ms1200 # وهذه جنة العموم - حتى البله وغيرهم - وأما جنة المحبين لله فهي ما عبر ~~عنها بقوله تعالى: # فادخلي في عبادي وادخلي جنتي # [الفجر:30] وقوله: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # والحاصل ان هذه الدرجات الجنانية العالية، ومقابلها من الدركات الجحيمية ~~النازلة، حاضرة مع هذا الإنسان في الدنيا، والخلق غافلون عنهما إلا من ~~أيده الله بالكشف التام، فيرى معهم وفي إهابهم ما لا ترى أنفسهم # أولئك ينادون من مكان بعيد # [فصلت:44]. # وأزلفت الجنة للمتقين * وبرزت الجحيم ~~للغاوين # [الشعراء:90 - 91]. # وما هم عنها بغآئبين # [الانفطار:16]. # واعلم أن الحق تعالى إله واحد، ورازق واحد، وباسط واحد. ينزل منه فيض ~~واحد، ينبسط على الكل بقدر واحد من جانبه، لكن يختلف باختلاف الأذواق ~~والمشارب، قوله تعالى: # فأنزلنا من السمآء # [الحجر:22]. وقوله: # يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل # [الرعد:4]. فمنه عذب فرات، لصفاء المحل وسلامة القلب، ومنه ملح أجاج، ~~لكدورة المحل، بسبب المعاصي والآثام. # والاسم الجامع للجنة والنار، العام لجيمع مراتبهما الموجود في العالم ~~الكبير والصغير وما فوقهما هو " الوصال للمحبوب " و " الفراق عنه " فجنة ~~السعداء في الحقيقة هي وصولهم إلى ما يشتهون ويحبون # وفيها ما تشتهيه الأنفس # [الزخرف:71]. وجحيم الأشقياء هي فراقهم عن مشتهيات الدنيا ولذاتها ~~الباطلة # وحيل بينهم وبين ما يشتهون # [سبأ54]. وأما جنة المقربين فمشاهدة معبودهم، ومقابلها وهو الاحتجاب ~~جحيم المبعدين # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين:15]. # قال بعض المحبين: " العشق هو الطريق، ورؤية المعشوق هي الجنة، والفراق ~~هو النار، نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ". # واعلم أن مذهب العشاق وطريقهم غير مذاهب الناس وطرائقهم، وحركة العشاق ~~وسعيهم غير حركات الناس ومساعيهم، فاعلا وغاية، حيث أن محرك العاشقين ~~جذبة الحق التي توازي عمل الثقلين. وغاية سعيهم وسفرهم ومنتهى حركاتهم ~~لقاء الله تعالى، وجحيمهم هو الاحتجاب عنه " الجار ثم الدار " وإنما ~~يريدون الجنة ما قرب إليها من قول وعمل. لما فيها ظلال وجهه، وأشعة نور ~~جماله. # ومما ينبه على هذا الدعوى أن ms1201 رؤية الشمس شيء ورؤية شعاعها شيء آخر، ~~إلا أن الشمس لا تعرف ولا يهتدى إليها إلا بالشعاع، وهذا مثال ~~إرادة العارف للأشياء، وطاعته لمن سواه، وهاهنا مثال آخر، أوضح من هذا ~~عند أصحاب الفكر والخيال: إن رؤية القمر في الماء شيء، ومعاينة وجه ~~القمر ليلة البدر شيء آخر، فمن رأى وجه القمر في الماء فقد رآه إلا ~~أنه رآه مع حجاب من وهمه، وهكذا قلب العارف كالمرآة التي يتراءى فيها ~~سر الله، كما قال بعضهم: " مثل القلب كالمرآة، إذا نظر فيها تجلى ربه ~~". # وكان في مصحف ابن مسعود (رضي الله عنه): " مثل نوره في قلب المؤمن ~~كمشكاة فيها مصباح " فانظر كم بين قلب منور يشاهد فيها نور وجه الله، ~~وبين قلب مسود منكوس كان عش الشيطان # وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دآبة من ~~الأرض تكلمهم # [النمل:82]. # ولنعد إلى ما كنا بصدده، وليعذرني أبناء العقول السليمة، فإن الكلام ~~يجر الكلام، وارتحلنا به إلى هذا المقام، وكان كلامنا أن للحقائق ~~أمثالا في العوالم، بل بناء كل عالم على وجود المظاهر والأمثلة، فإن ~~جميع صور هذا العالم أمثلة لما في العالم الأعلى، يظره للنفس الإنسانية ~~بواسطة مرائي الحواس، ومظاهر المشاعر، بل كل من كان في عالم من العوالم، ~~يكون ذلك العالم شهادة عنده، حاضر لديه، وغيره غيبا عنه محجوبا عن ~~نظره، والخلق وثوقهم واعتمادهم على ثبوت الصور الموجودة في هذا العالم، ~~دون غيرها من الصور الموجودة في عالم آخر أعلى من هذا العالم، لاختلاطهم ~~بالحواس، وامتزجهم بالمحسوسات، والعرفاء بخلافهم. # كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: " أنا أعرف بأحوال ~~السماء من أحوال الأرض " وقول النبي (صلى الله عليه وآله): # " أطت السماء وحق لها أن تئط ليس فيها موضع قدم إلا وفيه [ملك] ساجد ~~وراكع " # صريح في أنه (صلى الله عليه وآله) قد علم أحوال كل شبر من أشبار ~~السماء، وما تعلق بها من نفس وعقل عبر عنهما بالساجد والراكع. # والعامة والظاهريون من العلماء إنما اعتمادهم على صور هذا العالم، ~~لعدم ms1202 استطاعتهم على تجريد كل صورة عن جيمع خصوصيات المواد، فإذا تجردت ~~صورة عن بعض خصوصيات المادة التي عاهدوها فيوشك أن ينكروها، لإلفهم ~~بالمادة المخصوصة، واعتيادهم بالصور المحسوسة، وأما العالم الراسخ فكلما ~~كانت الصورة أخلص جوهرا من المواد، وأجود وجودا من الأغشية كانت أشد ~~تحققا عنده، وأقوم ثباتا، وأدوم بقاء. # تأييد # أما قرع سمعك ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " إن في الجنة سوقا تباع فيه الصور " # ونقل عن بعض الصلحاء أنه قال: " رأيت ربي في المنام على صورة أمي " ~~وعبر المعبر " الرب " بالآيات القرآنية، و " الأم " بالنبي (صلى الله ~~عليه وآله) وعنده أم الكتاب، وهذا ضرب من التمثيل ورؤية النبي (صلى ~~الله عليه وآله) جبرائيل تارة في وصرة أعرابي، وتارة في صورة دحية ~~الكلبي، وتارة في صورة عظيمة كأنه طبق الخافقين، كل ذلك من التمثيلات ~~المختلفة بحسب المقامات المتفاوتة، والنشآت المختلفة وإلا فجبرائيل ~~حقيقة واحدة، وإنما اختلافه بحسب اختلاف العوالم والنشآت. # وعلى هذا القياس، الحكايات الواردة في باب النبي (صلى الله عليه وآله) ~~ورؤيته ربه، ورؤية سائر الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) ربهم على ~~أنحاء مختلفة متفاوتة في الظهور والخفاء، بحسب ثخانة الحجاب ورقته. # ومن جملة الحجب هوية السالك - " وجودك ذنب لا يقاس به ذنب " - وتعينه ~~الموسوم بجبل موسى (عليه السلام)، فلما لم يفن السالك عن هويته، ولم ~~يرتفع من البين جبل تعينه، ولم يضمحل، اضمحلال الجمد وذوبان الثلج عند ~~استيلاء قهر شمس الحقيقة عليه، لم يشاهد ذات الحق تعالى، وأول ما يجب على ~~السالك الذاهب إلى الله بقدم الصدق والمعرفة، أن يرفع من طريقه أذى هويته ~~التي هي من جملة الآفلين، وإن تطورت في أطواره بصورة الطبيعة والنفس ~~والعقل، كالكواكب والقمر والشمس، حتى يصدق كالخليل في دعواه: # وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ~~ومآ أنا من المشركين # [الأنعام:79]. # ومن علامات ولاية الله تعالى تمني الموت كما قال سبحانه: # يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أوليآء ~~لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين # [الجمعة:6]. ms1203 # وممن شكى عن أذى هويته التي يجب على كل مسلم بمقتضى إسلامه إماطة أذاها ~~عن طريق المسلمين - من قلبه وروحه وسره السالكين إلى الله تعالى - هو ~~أبو يزيد البسطامي حيث قال: " البشرية ضد الربوبية، فمن احتجب بالبشرية ~~فاتته الربوبية " وكذا الحسين بن منصور: # اقتلوني يا ثقاتي # إن في قتلي حياتي # أو لا ترى أن المؤمنين حمدوا الله وشكروه على خلاصهم عن البشرية كما ~~حكى الله عنهم بقوله: # الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا ~~لغفور شكور # [فاطر:34]. # تذكرة # واعلم أن معرفة أحوال الموتى وذكر الموت من أعظم العبادات، لأن حجاب ~~البشرية أعظم الحجب، ورفعه من أهم الأمور، ولهذا امتحن الله قلوب الناس ~~بتمنيه في قوله: # فتمنوا الموت إن كنتم صادقين # [الجمعة:6]. وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله): # " إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، وجلاؤها ذكر الموت وتلاوة القرآن ". # وإن سألت الحق، فلا يزول رين البشرية، وعين التعين عن القلوب، إلا ~~بجذبة من جذبات الحق - التي توازي عمل الثقلين - فانظر في أنه إذا لم ~~تخل مرآة قلب سيد الكائنات، وأشرف الممكنات عن أصيدة الالتفاتات، وعيون ~~التوجهات إلى هذا العالم حتى احتاج لحفظ مقام القرب والعبدية إلى ~~الاستغفار في اليوم والليلة سبعين مرة - كما في الحديث المشهور - فمن ~~الذي خلصت مرآته، ونقيت ذاته عن أوصاف البشرية بالكلية بمجرد الاكتساب ~~والعمل من غير جذبة ربانية؟ # ولا بعد أن يكون قول بعض المشايخ حيث قال: " الصوفي هو الله " إشارة إلى ~~نحو هذا، أي: التصوف والتجرد عن رق النفس وعبودية الهوى، والإقبال ~~بالكلية إلى الحق، إنما يحصل بمحض جود الله، وإمداده في حق السالك ~~المعتصم بحبله المتين، مثل إلقاء الله الإلهامات المتتالية في قلبه، ~~وإفاضة المعارف المتواردة على سره، ليجره بالتعويد من عالم البشرية إلى ~~عالم الربوبية، وذلك معنى قوله: # وعلمناه من لدنا علما # [الكهف:65]. # ومن هاهنا ينكشف أن العبادة من غير العلم لا وزن لها ولا قيمة، وسعي ~~غير العارف، كحركات الأموات والجمادات لا قصد فيها، ولا معنى لها، ولا ~~طائل تحتها، ms1204 كالحركة بالعرض، فإن كل حركة تكون غايتها من جنس مبدئها كما ~~يظهر بالقياس والاستقراء، وقد ثبت أن الغاية هي عين الفاعل بوجه ~~الكمال، فمبدأ الحركة إن كان طبيعة يكون غايتها أمرا طبيعيا، كالوصول ~~إلى الحيز الطبيعي، وإن كان أمرا حيوانيا فغايته أمر حيواني كالأكل، ~~والشرب، والشهوة، والانتقام، وإن كان مبدأ روحانيا فغايته الوصول إلى ~~عالم الملكوت كالمعارف الأخروية وإن كان أمرا إلهيا، فغايته القرب ~~والمنزلة عند الله بفناء النفس عن ذاتها وبقائها بمدئها وغايتها. # فلو لم يأمر الله عبده ولا يأذن داعي الحق له في الدخول في بابه والوصول ~~إلى جنابه في مثل قوله: # يأيها المزمل # [المزمل:1]. فمن الذي يقوم من نومه للصلاة أكثر الليل، ويصوم كل النهار؟ ~~وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل البعثة يسهر ليله ويظمأ نهاره، ~~ويقوم للعبادة في جبل حراء، حتى تورمت قدماه، وكان يقول: " قرة عيني في ~~الصلاة " وذلك لغاية أنسه بذكر الله وعبادته، لأجل معرفته وعلمه بثمرة ~~العبودية، وهي غاية الربوبية # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # [الحجر:99] فالله سبحانه كان محركه وداعيه، ومربيه وراعيه، لا شيء آخر ~~دنيوي أو أخروي. # ولهذا سماه " يتيما " في قوله: # ألم يجدك يتيما فآوى # [الضحى:6] أي في جنة القدس وجوار الله وقربه، وإليه أشير بقوله (صلى ~~الله عليه وآله): # " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة " # وجمع بين السبابة والوسطى، وإلا فهذا العالم منزل الأنعام والدواب، " ~~وهذه الدنيا جيفة وطالبها كلاب " فكيف يكون مأوى أشرف خلق الله، وإنما ~~الدنيا كمنزل راكب وفيء زائل " وهذه دار من لا دار له " وفي الحديث عنه ~~(صلى الله عليه وآله): # " ما مثلي ومثل الدنيا، إلا كراكب استظل (قال - نزل - ن) في ظل شجرة، ~~ثم راح وتركها " # وإنما جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى هذا العالم لهداية ~~الخلق ونجاتهم # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين # [المائدة:15]. # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء:107]. # ذكر تنبيهي # بل نقول محرك جميع الموجودات هو الباري جل ذكره بعشقه الساري في جميع ~~الذرات، ولكن بعضها ms1205 بتوسط بعض، لقوله تعالى: # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي اليل ~~النهار يطلبه حثيثا.... رب العالمين # [الأعراف:54]. # واعلم أن العالم كله كشخص واحد رقاص على اختلاف أوضاعه، وفنون حركات ~~أعضائه، بعضها بالسرعة وبعضها بالبطؤ، وبعضها بالإيماء اليسير، وبعضها ~~بالسكون، فيرقص ظاهره ويهتز باطنه فنونا من الرقص والاهتزاز، بحسب ~~الحركة الطبيعية، والنفسية، والعقلية، لدواعي مختلفة، وأغراض متفاوتة، ~~متفاضلة في الدنو والعلو، تقربا إلى مبادئ مختلفة في العلو، والشرف، ~~والجمال، حتى ينتهي إلى الغاية الأخيرة الإلهية للمبدإ الأول الفعال، ~~البريء بالكلية من النقص والزوال في الموضوع القابل المحمدي عليه وآله ~~أفضل الصلاة وأكمل الرحمات، فالصلوات والرحمات بمنزلة الصور المترادفة ~~على موضوع الحركة، التي قيل في تعريفها: " إنها كمال أول لما هو بالقوة ~~من حيث هو بالقوة ". # وقس عليها حال الغاية، والفاعل، والقابل، فتحقق بقول من قال: " إن من ~~زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ". # إزاحة شك # وإذا تحققت بما ذكر زال عنك إشكال التناقض بوجه آخر بين قول النبي ~~(صلى الله عليه وآله): " نوراني أراه " وبين قول أمير المؤمنين (عليه ~~السلام): " رأيته فعبدته لم أعبد ربا لم أره " وكذا التخالف بين ظاهري ~~كلامين نقلا عنه (صلى الله عليه وآله) في باب الرؤية، أحدهما: قوله لبعض ~~أزواجه: " ما رأيت ربي على انيته وحقيقته " والآخر: قوله (صلى الله ~~عليه وآله): # " أول ما خلق الله نوري " # وقوله: # " من رآني فقد رأى الحق ". # وبما قررنا بيانه وأحكمنا بنيانه آنفا ظهر صدق قول أساطين الحكماء: " ~~إن القائل والحاكم بأن الله موجود هو نحو من البرهان الشبيه، باللم، ~~لا العقل " ويؤيده قوله (صلى الله عليه وآله): # " تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في ذات الله " # لأن الفكر لا يتسلط على بارئ الكل # ولا يحيطون به علما * وعنت الوجوه للحي ~~القيوم # [طه:110 - 111]. فذاته تعالى مما يستحيل لأحد الاكتناه والإحاطة به، ~~وليس لأحد فيها قدم - أي مقام - # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار # [الأنعام: 103] فلا يرى ذاته ms1206 إلا ذاته. # وفي الأدعية النبوية: " بك أحيى وبك أموت ". # ومن هذا ظهر قول ذي النون المصري: " رأيت ربي بربي، ولولا ربي لما قدرت ~~على رؤية ربي " وقول أبي الحسين المنصور: " ما رأى أحد ربي سوى ربي ". ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1] # فضل سورة السجدة # فهذه يا أخواني طائفة من رموز قرآنية، ومعاني نكات ربوبية، متعلقة بسورة ~~السجدة، أفاضها الله على قلب هذا المسكين، وهي قطرة من بحرها الزاخر، ~~ولمعة من بدرها الزاهر، فإن هذه السورة كأكثر أخواتها مشتملة على عظايم ~~المسائل الإلهية، التي هي غاية العلم والعرفان، وشرائف علوم النفس ~~الآدمية التي هي أساس السلوك إلى الله العزيز المنان، والنفس سلم ~~العروج إلى واجب الوجود، وصراط الوصول إلى الملك المعبود، وهي السالك ~~والمسلك، والعارج والمعراج، بحسب درجاتها وأدوارها ومراتبها وأطوارها، ~~وغاية مرتبتها الوصول إلى درجة النبوة، ومشاهدة الوحي الصريح والإلهام ~~الصحيح، وتلقي المعارف كفاحا من الملك الموحي، بالإلقاء السبوحي. # وقد ذكر فيها كيفية الوحي والتنزيل، التي هي أشرف أجزاء علم المعاد، ~~وعلم النبوات، ثم بين كيفية خلق السموات والأرض وما بينهما، التي هي ~~خلاصة علم السماء والعالم، وهو أحد المسالك المقررة في علم التوحيد ~~المشار إليه بقوله: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت:53]. # ثم أشار إلى استوائه على العرش، وتدبيره الأمر من السماء إلى الأرض ~~بإيجاده أسباب الكاينات من الحركات والاستعدادات لخلق المواليد من ~~الحيوان والنبات، وهو معظم أبواب الحكمة الطبيعية الموجبة لمعرفة دقايق ~~صنع الله في إيصال رحمته إلى كل موجود من الموجودات، وإحاطة علمه بكل ~~ذرة من الذرات، وقد وقع في كثير من الآيات الفرقانية الحث على التأمل ~~في هذه الصنايع، والتدبر في هذه المخلوقات العظيمة بقوله: # أولم يتفكروا # [الروم:8] ووقع أيضا فيه المدح العظيم لمتأمليها بقوله تعالى: # الذين... ويتفكرون في خلق السماوات والأرض # [آل عمران:191]. # ثم أشار إلى الغرض الأصلي من خلقه المركبات، وهو العروج إليه والوصول ~~إلى باب معرفته ومجاورة مقربيه، وأشار إلى بدء وجود النفس الإنسانية التي ~~هي الصاعدة إليه ms1207 بنور العلم والهدى، العارجة إلى بابه بقدم الصبر ~~والتقوى، بعدما أثنى على ذاته بأنه: # أحسن كل شيء خلقه # [السجدة:7]، لكونه أوجدها على وجه يؤدي إلى الخير التمام وحسن النظام، ~~وينتج وجودها وجود نوع الإنسان المهتدي بنور المعرفة إلى سبيل الله ~~المنان، الواصل إلى روضة الرضوان ونعيم الجنان ومجاورة الرحمن. # ثم أفاد وأفاض كيفية إرتقاء النفس إليه، وفنائها عما وقعت فيه من ~~الحياة العاجلة، وأشار إلى الملك المتوفي لها عن هذه الدار الفانية ~~المحيي إياها بإذن الله تعالى في الدار الآخرة، السائق لها بسوط " ارجعي ~~" إلى جوار ربها. # ثم أشار إلى أقسام النفوس بحسب السعادة والشقاوة الآجلتين، وهو عمدة علم ~~المعاد، الذي هو أجل معارف الإنسان، وأعظم قواعد الإيمان، بعد معرفة ~~المبدأ الديان، وهما أعظم دعائم الحكمة والعرفان، وأحكم أساطين العلم ~~بأسرار القرآن. # ثم أكد بيان هذه المعارف، كما هو دأبه سبحانه بتفصيل أحوال الأشقياء ~~والسعداء، وبيان الوعد والوعيد لزيادة الإهداء والحث على الإرتقاء من هذه ~~الوهدة الظلماء، والمقبرة الغبراء. # وقبل أن نخوض في غرض المرام، نمهد مقدمة تناسب المقام. # تمهيد فيه تشييد # إعلم أيها القارئ، أن القرآن، وسيما هذه السورة التي نحن بصدد تبيينها ~~إن شاء الله، هو نور يهتدي به في ظلمات البر والبحر، ودواء من كل داء ~~وضر، إذا رفع نقاب العزة عن وجهه، وكشف جلباب العظمة والكبرياء عن لبه ~~وحقيقته، وانقشع سحاب الاحتجاب ورفع الاختفاء والتمنع عن وجوه شموس آياته ~~ورموزه، وأنوار تجلياته وكنوزه، يشفي كل عليل داء الجهل والشقاوة، ويروي ~~كل غليل طلب الحق والسعادة، ويداوي كل مريض القلب بعلل الأخلاق الذميمة ~~المزمنة، وأسقام الجهالات المهلكة، وتنور بنور أبصار بصائر القلوب، ~~ويستعد للقاء الله علام السراير والغيوب، كما قال الله تعالى: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم ~~من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم # [المائدة:15 -16]. # وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " القرآن هو الدواء ". # وروي عنه (صلى الله عليه وآله ms1208 وسلم): # " القرآن غنى لا فقر بعده ". # والقرآن هو حبل الله المتين الذي نزل إلى العالم الأسفل، لنجاة ~~المحبوسين في سجن الدنيا، المقيدين بسلاسل التعلقات وأغلال الأثقال ~~والأوزار، من حب الأهل والولد والمال، وشهوة البطن والفرج والحرص ~~والآمال، وخسران الآخرة والمال لوجدان العاجل والحال، وهو مع عظمة قدر ~~حقيقته ومغزاه، ورفعه سره ومعناه، مما تلبس، بلباس الحروف والأصوات، ~~واكتسى بكسوة الألفاظ والعبارات، رحمة من الله وشفقة على عباده وتأنيسا ~~لهم، وتقريبا إليهم، وإلى أفهامهم، ومداراة معهم، ومنازلة إلى أذواقهم، ~~وإلا فما للتراب ورب الأرباب، ففي كل حرف من حروفه ألف غنج ودلال، وغمز ~~وجلب قلوب لأهل الأحوال، فوقع فيه النداء لتخليص الأسراء من قيد هذا ~~المهوى، وسجن هذه الدنيا، بقوله: # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # [الذاريات:55]. # فبسطت شبكة الحروف والأصوات، مع حبوب المعاني لاصطياد طيور السموات، ~~ولكل طير من طيور النفسانية رزق خاص معلوم، كما لكل ملك في السماء ~~والأرض مقام معلوم، يعرف ذلك منشئها ومبدعها، وإنما الغرض الأصلي من بسط ~~الشبكة في الأرض اصطياد نوع خاص منها برزق مخصوص معلوم من العلوم، ولب حب ~~خاص من لبوب الحبوب دون غيرها: # سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون # [البقرة:6] وإلا فما من رزق إلا ويوجد في القرآن نوع من لبه وقشره، ~~وأصله وفرعه، وسنبله وتبنه، متاعا لكم ولأنعامكم، لقوله تعالى: # ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام:59]. # فكما يوجد فيه من الحقائق الربانية القدسية، التي كانت معرفتها غذاء ~~للأرواح العالية العقلية، ففيه أيضا توجد المعارف الجزئية، والأحكام ~~السياسية، والقصص والأخبار، والحكايات التي ينتفع بها المتوسطون في درجة ~~النجاة من عامة أهل الإسلام، الذين لهم في النشأة الثانية ضرب من الحياة، ~~دون المرتبة التي للهداة المقربين، الأحياء بالحياة العقلية بالذات، ~~ففيه الأغذية الروحانية والجسمانية الأخرويتين، المبقية للحياتين ~~العقلانية والنفسانية، لأهل المنزلتين والجنتين، وفيه أيضا ما به صلاح ~~هذه النشأة الدنياوية، كالقصاص والديات والمواريث. # وقد نظمت أبياتا فارسية في وصف القرآن، وكونه غذاء سماويا يختص ~~الإغتذاء به لأرواح أهل المحبة ms1209 الإلهية من نوع الإنسان، أوردت بعضا منها ~~ها هنا، وهي هذه: # هست قرآن جون طعامى كزسما # كشته نازل از براى اغتذا # اغتذاى آدمش از لوح وقلم # اغتذا يابد دواب از راه فم # " في السماء رزقكم " كفته خدا # رزق انسان كشته نازل از سما # روزى انسان رسد از آسمان # روزى حيوان بود ازآش ونان # توز قرآن بنكرى افسانها # قشروكه بينى نه مغز ودانه ها # هست بهر آدمى دهن ولبوب # تبن وقشر ازبهر حيوان نى حبوب # توزقرآن مى نجوئى غير حرف # جان دهى بهر لغت يانحو وصرف # اندر سعيى هميشه باشتاب # كه نباشد فرق ازتو تا دواب # هيهات، أنك لست من أهل القرآن حتى ينكشف لك أسراره واغواره، لتعرف أنه ~~ما من شيء إلا وفيه بيانه وتبيانه، ولو كان من باطنك طريق إلى عالم ~~النور والملكوت القرآني، لتجلى لك قوله: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر:9]، ولكنت ذا خشية إلهية لازمة لإدراك عظمة الله، وذا خشوع قلبي ~~لازم لفهم عظمة كتابه القرآني ومعاني آياته لقوله: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله # [الحشر:21]. # وخطابات القرآن مما يختص بأحباء الله والمتألهين والمقربين، لا ~~المبعدين الناكرين الجاحدين، ممن ليس لهم نصيب في القرآن، ولا لهم اغتذاء ~~بلبوب معانيه وحقايقه المبقية للنفوس الملكوتية في دار الحيوان: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت:64]. كما قلت نظما. # جون غذا با مغتذى باشد شبه # كاو وخررا خوش نيايد جزكه كه # قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون # [العنكبوت:63]. وهم عن السمع لمعزولون. # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال:23]. # ومعظم الآفات الحاجبة للإنسان عن درك حقايق القرآن، الاغترار بظواهر ~~الأخبار، والاحتجاب بأوائل الأنظار، من دقائق العلوم الجزئية، ومعارف ~~الأحكام الفرعية، وإلا فما من شيء إلا وفي القرآن ما يكشف عن حقيقة ~~ذاته، ويسهل السبيل إلى نيل كنه صفاته، لكنك أيها المغرور المسرور بما ~~عندك من القشور، محجوب عنه لجحودك بما سوى ما سمعته ms1210 من المشهور، أو فهمته ~~من الزبور، فغاب عنك الخبر المبرور، والحظ الموفور، كل ذلك لإعراضك عن ~~العلوم الربانية، وأسرار التنزيل من الحكمة الإلهية التي من يؤتها فقد ~~أوتي خيرا كثيرا، وإغفالك عن أن حقايق الكتاب مما لا يعلمه إلا ~~الراسخون في العلم، لا المشتغلون بدقائق علم العربية، وفنون الصنائع ~~الأدبية، كالزمخشري وأترابه، فإنهم في واد، وأهل القرآن - وهم أهل الله ~~وخاصته - في واد. # ثم إنك أيها المغتر بفطانتك البتراء، لو أنصفت قليلا، وزالت عنك غشاوة ~~المراء والإمتراء، لعلمت أن المشار إليهم بقوله تعالى: # إنهم عن السمع لمعزولون # [الشعراء:212] كانوا عارفين بدقائق علم الألفاظ وفنون تأدية الكلام، على ~~ما يوافق المرام، لأنهم من العرب العرباء، وفصحاء الدهناء بل إنما ~~انعزالهم عنه لعدم استعدادهم للاهتداء بأنوار القرآن، والإرتقاء إلى ~~أعلام الحقيقة والعرفان، والاطلاع على أسرار المبدأ والمعاد، والوصول إلى ~~عالم الملكوت والتقرب بالحق الجواد. # ثم لا يخفى على أولي النهى، أن تولي مثل أبي لهب وأبي جهل وغيرهما عن ~~القرآن، وانعزالهم عن السمع، ليس من جهة عدم فهمهم ترجمة القرآن، أو عدم ~~اطلاعهم على ظاهر العربية وقواعد النحو والصرف وعلم البيان، ولا لأجل ~~الصمم في آذانهم الجسمانية، والعمى في أعينهم البدنية، والبكم في قلوبهم ~~الحيوانية، ولكن لأنهم كانوا من أهل الغفلة والحجاب الكلي، عمي القلوب ~~عن مشاهدة الحقايق، صم العقول عن سماع ذكر الحبيب، بكم الأرواح عن ~~قبول دعوة الإله، واستدعاء طلب التقرب إلى الحق بالإعراض عما سواه، كما ~~أخبر عنهم بقوله: # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # [البقرة:171]. # والقرآن غذاء للقلوب الصافية، وبلاء للنفوس المريضة بداء الجهالة لقوله ~~تعالى: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ~~أولئك ينادون من مكان بعيد # [فصلت:44]. # وليس المراد بالإيمان في هذا المقام، ما هو بحسب الظاهر، وإلا لما وقع ~~التكليف به للموصوفين بهذا الظاهر في قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ~~والكتاب الذي نزل على رسوله # [النساء:136]. ولا شبهة في أن المشتغلين بالدنيا المنهمكين ms1211 في اللذات، ~~ليسوا من أهل الاهتداء بنور القرآن، ولا يمكنهم الإرتقاء إلى نشأة ~~العرفان: # للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم ~~يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء ~~الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد * أفمن ~~يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو ~~أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب # [الرعد:18 - 19]. # وإلى ذلك أشير في قول سقراط - وهو أحد أساطين الحكماء، الذين اقتبسوا ~~أنوار الحكمة من مشكاة بواطن النبوة -: " البدن الذي ليس بالنقي كلما ~~غذوته فقد زدته شرا ووبالا ". وقد ذكر المفسرون لكلامه، أن المراد ~~منه الإشارة إلى كيفية اقتناء العلوم الربانية، التي يتوقف الاستكمال بها ~~على تصفية السر عن محبة الشهوات، وتخلية الباطن عن الوساوس والكدورات، ~~وهو أيضا دواء نافع للعقول السليمة، وسم ناقع للبواطن المؤوفة الشريرة ~~السقيمة بسقم الجهل المركب المشفوع بالعناد والجدل واللداد، وحب الجاه ~~والشهرة والاستيناس بالناس، الذي هو من علامة الإفلاس، ولذلك قال الله ~~تعالى: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به ~~إلا الفاسقين # [البقرة:26]. وأشير أيضا إلى أهل الحجاب الكلي بقوله تعالى # وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشيناهم فهم لا يبصرون # [يس:9]، وقوله تعالى: # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا # [الإسراء:45]. # وأشير إلى المعاندين الجاحدين للحق، وهم أسوأ حالا بقوله: # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم ~~يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب ~~أليم # [الإسراء:45]. # وقوله تعالى: # ويل لكل أفاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى ~~عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ~~فبشره بعذاب أليم * وإذا علم من آياتنا شيئا ~~اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين * من ~~ورآئهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ~~ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء ولهم عذاب ~~عظيم * هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم ~~لهم عذاب من رجز أليم # [الجاثية:7 - 11]. # وقد ذكر بعض أهل الحق، أن العلم علمان، علم باللسان، وعلم بالقلب. # وإني لأستعيذ بالله الرحمن، من رجل ms1212 شرير عليم اللسان، جهول القلب، ~~المترفع على الأقران لأجل تقرب السلطان، والاشتهار عند العوام، وهم ~~العميان عن فهم درجات أحوال الإنسان، والتفاوت في خلق الرحمن، فوامصيبتاه ~~من علماء الجهالة، وصلحاء الإفساد، الذين هم من علماء الدنيا وجهال ~~الآخرة، المتذكرين لآداب صحبة الخلق، الناسين لآداب صحبة الرب، المقبلين ~~إلى دقائق علوم الدنيا، المعرضين عن حقائق علوم الآخرة. # بل أقول: ما فتنة في الدين وخلل في عقايد المسلمين، إلا ومنشؤها ~~مخالطة العلماء الناقصين، مع حكماء الدنيا والسلاطين، ربنا افتح بيننا ~~وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين. # قد اختلفت كلمة المفسرين والمؤولين في حروف التهجي الواقعة في أوائل ~~السور من القرآن المبين، فقد ذكروا وجوها مذكورة في التفاسير المتداولة ~~المشهورة، وشيء منها لا يطمئن به القلب، ولا يسكن إليه الروع، ونعم ما ~~قال بعضهم: إن في كل كتاب سرا، وسر الله في القرآن حروف التهجي، وكأنه ~~قد أخذ بما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): إن لكل ~~كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. # وقال بعض أهل القرآن: الإشارة في الألف إظهار الوحدة مطلقا ذاتا وصفة، ~~والتفرد بالوجود الحقيقي أزلا وأبدا، كان الله ولم يكن معه شيء، فكون ~~الأشياء وهو كما كان، فلم تتغير وحدته في نفسه، ولا تفرده بالوجود ~~الحقيقي، وانه تعالى مصدر جميع الموجودات. # فوجه مناسبة المعاني الثلاثة في الألف، بأن (الألف) واحد في ذاته وصفاته ~~في وضع الحساب، متفرد بالأولية والانقطاع عن غيره في وضع الحروف، وتشير ~~استقامته وعدم تغيره في جميع الأحوال إلى عدم تغير المبدأ تعالى عن ~~الوجود الوحداني أزلا وأبدا، وبأن " الألف " مصدر جميع الحروف، فإن من ~~استقامة خطه يخرج كل حرف معوج، ثم في " اللام " و " الميم " المتصل كل ~~حرف منهما بالآخر إثبات أن كل موجود سوى الوحدة موصوف بالإثنينية، وانه ~~كمثل الوحدة في الوجود، فالصفوة المشار إليها في " الم " هي أن " الألف " ~~يشير إلى وجود حقيقي كامل في ذاته وصفاته، موجد للموجودات التي لها وجود ~~ناقص مفتقر إليه قائم به، وهو ms1213 الفاعل والحاكم والمتصرف فيها. # و " اللام " يشير إلى معنيين: إثبات ونفي، فالإثبات يشير إلى لام ~~التمليك، يعني: له ما في السموات وما في الأرض ملكا وملكا، فعلا ~~وصنعا، وبالنفي يشير إلى لاء النفي، يعني: لا وجود لشيء حقيقة إلا ~~له. # و " الميم " أيضا يشير إلى معنيين: نفي واثبات، فالنفي: يشير إلى ما ~~النفي، يعني: ما في الوجود حقيقة إلا هو، وبالإثبات يشير إلى اسمه ~~القيوم، يعني هو القائم بنفسه، والمقيم والقيام لغيره، فالغير محو في ~~إثبات قيوميته وديموميته، فهو على الحقيقة كاين كما كان، بلا مكان ولا ~~زمان، ودليل هذا التأويل للسر والصفوة في هذه الحروف، ما أظهره الله من ~~سره المكتوم فيما بعده في سورة آل عمران، وهو قوله: # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [آل عمران:2]. # وممن تصدى لاستكشاف أسرار هذه الحروف المقطعة، شيخ فلاسفة الإسلام أبو ~~علي بن سينا، في رسالة عملها لبيان هذا المرام، ولعمري أنه قد بالغ في ~~تطبيق رموز هذه الحروف على عظائم الأمور الإلهية التي ناسب ذكرها ~~وتعظيمها والإقسام بها في أوائل السور القرآنية. # وملخص ما ذكره بعد تمهيد الكلام - طوينا ذكره مخافة الإسهاب - هو أنه ~~ينبغي أن يدل بالألف الواقع أولا في الترتيب القديم، وهو ترتيب أبجد ~~هوز على الباري، لكونه أول الموجودات، وبالباء على العقل وعالمه لأنه ~~يتلوه في الموجود و " بالجيم " على النفس وعالمها، و " بالدال " على ~~الطبيعة وعالمها، هذا إذا أخذت هذه الموجودات بما هي ذوات، ثم بالهاء على ~~الباري، و " بالواو " على العقل، وبالزاي على النفس، وبالحاء على ~~الطبيعة، هذا إذا أخذت بما هي مضافة إلى ما دونها، ويبقى الطاء للهيولى ~~وعالمها، وليس لها وجود بالإضافة إلى شيء تحتها، وينفد رتبة إيجاد الآحاد ~~المبدعات، ويكون الإبداع وهو من إضافة الأول إلى العقل. والعقل ذات لا ~~يضاف إلى ما بعده، مدلولا عليه بالياء، لأنه من ضرب " ه " في " ب " ، ~~ولا يحصل لإفاضة الباري إلى العقل أو العقل إلى النفس عدد يدل عليه بحرف ~~واحد، لأن " ه " في " ج ms1214 " " يه " و " و " في " ج " " يح " ، ويكون ~~الأمر، وهو من إضافة الباري (الأول) إلى العقل مضافا مدلولا عليه ~~باللام، لأنه من ضرب " ه " في " و " ويكون الخلق وهو من إضافة الباري ~~(الأول) إلى الطبيعة من ضرب " ه " في " ح " ، لأن الحاء دلالة الطبيعة ~~مضافة. # ويكون التكوين، وهو من إضافة الباري إلى الطبيعة لأنه من ضرب " ه " في ~~" د " ويكون جميع نسبتي الأمر والخلق، أعني ترتيب الخلق بواسطة الأمر، ~~أعني اللام والميم مدلولا عليه بحرف " ع " وجميع نسبتي الخلق والتكوين ~~كذلك أعني الميم والكاف مدلولا عليه بالسين، ويكون مجموع نسبتي طرفي ~~الوجود والتكوين والخلق أعني اللام والكاف مدلولا عليه بالنون، ويكون ~~جميع نسب الأمر والتكوين والخلق أعني لام وميم وكاف مدلولا عليه بصاد، ~~ويكون اشتمال الجملة في الإبداع أعني " ي " في نفسه " ق " وهو أيضا من ~~جمع " ص " و " ي " ، ويكون ردها إلى الأول الذي هو مبدأ الكل ومنتهاه، ~~على أنه أول وآخر، أعني فاعلا وغاية، كما بين في الإلهيات مدلولا عليه ~~بالراء ضعف. # فإذا تقرر ذلك فالمدلول عليه ب { الم } ، هو القسم بالأول ذي الأمر ~~والخلق، وبالراء القسم بالأول ذي الأمر والخلق الذي هو الأول والآخر، ~~والأمر والخلق والمبدأ الفاعلي، والمبدأ الغائي جميعا. # وب # المص # [الأعراف:1]، القسم بالأول ذي الأمر والخلق، والمنشئ للكل. # وب # ص... # [ص:1]: القسم بالعناية الكلية. # وب # ق # [ق:1]: القسم بالإبداع المشتمل على الكل بواسطة إبداع الأنواع المتداولة ~~المساوي للعقل. # وب # كهيعص # [مريم:1]: القسم بالنسبة التي للكاف، أعني عالم التكوين إلى المبدأ ~~الأول، بنسبة الإبداع الذي هو " ي " ، ثم الخلق بواسطة الأمر وهو " ع " ، ~~ثم التكوين بواسطة الخلق والأمر وهو " ص " ، فبين " ك " و " ه " ضرورة ~~نسبة الإبداع، ثم نسبة الخلق والأمر، ثم نسبة التكوين والخلق والأمر. # و # يس # [يس:1]: قسم بأول الفيض وهو الإبداع، وآخره وهو الخلق والتكوين. # و # حم # [غافر:1]: قسم بالعالم الطبيعي الواقع في الخلق. # و # حم * عسق # [الشورى:1 - 2]: قسم بمدلول وساطة الخلق في وجود العالم الطبيعي وما ~~يخلق بينه وبين الأمر بنسبة الخلق ms1215 إلى الأمر، ونسبة الخلق إلى التكوين، ~~وبأن يأخذ من هذا ويرده إلى ذلك، فيتم به الإبداع الكلي المشتمل على ~~العوالم كلها، فإنها إذا أخذت على الإجمال، لم يكن لها نسبة إلى الأول ~~غير الإبداع الكلي الذي يدل عليه بق. # و # طس... # [النمل:1]: قسم بعالم الهيولى الواقع في التكوين، و " ن " قسم بعالم ~~التكوين وعالم الأمر أعني مجمع الكل، ولا يمكن أن يكون للحروف دلالة غير ~~هذا البتة - انتهى كلامه أعلى الله مقامه -. # دراية كشفية # إعلم أيها القارئ المكتسي بكسوة العبارات، العاري عن حلية ذوق ~~الإشارات، ان هذه الحروف المقطعة القرآنية، تسمى في عالم السر ولسان أهل ~~بيت النبوة وبلدة الولاية، العارفين بفهم منطق الطير " بالحروف ~~المجملة " ، و " حروف أبجد " ، وفي هذا العالم تصير الحروف المتصلة ~~منفصلة، لأنه يوم الفصل جمعناكم والأولين و " يوم الجمع " أيضا بوجه ~~آخر، فأهل الله إذا نظروا إلى حروف # يحبهم ويحبونه # [المائدة:54] يرونها متصلة، ولكن إذا انكشف الحجاب، وفتحت الأبواب، ~~وتجلى جمالها، يرونها بالبصيرة الباطنية هكذا: ي، ح، ب، و، ن، ه، م، ~~وإذا ارتفعوا عن ذلك المقام إلى مقام أعلى، يرونها نقاطا، وتصير الحروف ~~المفردة بالقياس إلى من في تلك الدرجة نقطا، وإذا وصلوا إلى مقام القرب، ~~رأوا النقاط كلها مستهلكة في نقطة باء بسم الله. # وأنت أيها الساكن في بيت حجابك، المقيد بقيود هواك ونفسك، أنك لم تخرج ~~حتى الآن قدما من عتبة بابك التي أنت معتكف فيها إلى طريق الحق، ولم ~~ترغب في طلب معرفته والاطلاع على أسرار ملكه وملكوته، ومطالعة كتابه الذي ~~ورد منه اليك، ولم تحصل بعد مفردات حروف الجمل في معلمة العشق ومدرسة ~~التقوى والعبودية، وإلهك ومعشوقك متوجه اليك من سماء عظمته، ناظر اليك ~~ليجذبك بجذبة إرجعي. # وإنك بعدما توجهت إليه بقلبك، فلا عبرة بما تقوله بلسانك: # وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض # [الأنعام:79] مع عدم موافقة الباطن وهو وجهك الحقيقي، لأنك مشغول بجميع ~~أسباب اللهو واللعب والهزل، مستغرق القلب بعمارة أرض بدنك، وتحصيل أرض ~~أخرى، وتزيين ترابك الذي يخصك ms1216 بإضافة تراب آخر إليه، وجمعه وادخاره بعد ~~تلوينه أو تصييره بكثرة الحيل في المعاملات، أو المداهنة في المعاشرات، ~~أو الدغل في الصناعات، بترويج ما كسد وإصلاح ما فسد، حتى صار ترابك ذهبا ~~وفضة، وما هما إلا ترابان ملونان بالصفرة والبياض، بتعمل طبيعي أو ~~صناعي، إما في نفسيهما أو في تعميلك وتحصيلك لصورتهما، أو أخذك لهما من ~~الناس بسبب الاستيناس بهم والمداراة معهم، وذلك كله علامة الإفلاس، وجميع ~~ذلك خدمة منك لفاسق وظالم جاحد، وطاعة لشيطان مارد من الدواعي الشهوية أو ~~الغضبية أو الوهمية. # فأول علامة من ارتفع عن هذا الأدنى، وخلص عن حجاب المشتغلين بالدنيا، أن ~~ينكشف عليه معرفة الحروف المنفصلة القرآنية وكيفية نزولها، كما رمز إليه ~~تعالى بقوله: # ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون # [القصص:51] إلى هذا القوم وأشار سبحانه إلى مرتبة قوم آخرين بقوله: # فصلنا الآيات # [الأنعام:97-98- و126]. # فقد انجلى لك أيها المسكين، أن ما ارتسم في لوح السالك المبتدي حروف ~~أبجد ليستعد بذلك الانتقاش بمفاد قوله تعالى: # اقرأ باسم ربك الذي خلق # [العلق:1] وعند ذلك يسهل عليه معرفة القرآن، وتعلم لفظه ومعناه ومنطوقه ~~وفحواه: # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # [القمر:17]. # وهذا التذكير لا يتيسر إلا لمن دارس وتعلم من مكتب: # " أول ما خلق الله نوري " # وكان معلمه وأستاذه مفاد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " أدبني ربي فأحسن تأديبي " # لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم، ويعلم ما لم يكن يعلم قبل ذلك بأسباب ~~أخر، من فكر أو سماع أو تعلم أو رواية، بل بأن يكتب الله القرآن بقلم ~~العقل على لوح نفسه: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه # [المجادلة:22]. # وربك الأكرم * الذى علم بالقلم * علم ~~الإنسان ما لم يعلم # [العلق:3-5]. # وحينئذ يظهر له هذا المكتب الذي لأطفال الأرواح وأولاد روح القدس، وهو ~~أبوهم ومعلمهم وأستاذهم، ما معنى اللوح والقلم، والنون وما يسطرون، فإن ~~العناية الربانية لما تعلقت بتربية الأطفال والأولاد الملكوتية، أفاد ~~لها ورزقهم من تحف ذلك العالم وهدايا الجنة في كسوة الحروف المفردة ms1217 ~~والظروف - ظ: حروف - المقطعة على طريق الرمز والإشارة، لئلا يطلع ~~عليها الأغيار، ممن ليس له قوة الإرتقاء إلى منزل الأخيار. # إعلم أيها القارئ العاري، أن القرآن أنزل إلى الخلق مع ألف حجاب، لأجل ~~فهم ضعفاء العقول والأبصار، فلو فرض أن باء بسم الله مع عظمته التي كانت ~~له نزل إلى العرش على حالته التي كانت عليها، لذاب العرش مع عظمته ~~واضمحل، وقوله: # لو أنزلنا هذا القرآن # [الحشر:21] - الآية - إشارة إلى ذلك. # رحم الله من قال كاشفا لهذا المعنى: " كل حرف في اللوح أعظم من جبل قاف ~~" ، وهذا القاف رمز إلى ما في قوله: # ق والقرآن المجيد # [ق:1]. # وجملة القول: إن من لم يظهر عليه سلطان الآخرة ظهورا تاما، ولم يقم ~~نفسه عن قبر هذه النشأة، لم يطلع على معاني رموز القرآن، ولم يحدث معه ~~حروفه المقطعة، ولم يتجل له وجه صاحبه وقائله، وعظمة منشئه ومبدعه ~~وممليه. واحسرتا على ما فرطنا في جنب الله. # انتبه يا مغرور! وقم من مرقدك يا ممكور، حتى نسافر معك في سبيل الله، ~~ونتجامع بالجمعية الوفاقية، فإن المسافر يحتاج إلى رفيق معه يصدقه أداء ~~لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " يد الله مع الجماعة " # ، وكن معنا في جميع ما هدانا الله إليه في سفرنا، وما هدانا إليه رسلنا ~~من رزق ربنا، حتى لا ينال بما يحيد عن المشهور، ويخالف ما عليه الجمهور ~~كما هو دأب المسافرين، واركب معنا في سفينة النجاة التي بسم الله مجراها ~~ومرساها، ولا تجلس مع هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجورا، وهم كالذين ~~وبخهم الله تعالى بقوله: # فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا # [النساء:78] واشتكى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ربه ~~بقوله: # يرب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا # [الفرقان:30]. # وقال بعض أصحاب القلوب: " انزل القرآن لتعملوا به فاتخذتم دراسته ". # وإليهم الإشارة في حديث أبان بن تغلب، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنه ~~سئل عن مسألة فأجاب فيها، فقال الرجل: إن الفقهاء لا يقولون هذا، فقال ~~(عليه السلام): يا ms1218 ويحك! وهل رأيت فقيها قط؟ ان الفقيه حق الفقيه، ~~الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المتمسك بسنة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # وروى عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث طويل - قال: ~~ما خالف العامة ففيه الرشاد. # رب رجل أديب أريب، له اطلاع تام على علم اللغة والفصاحة، والاقتدار على ~~صنعة البحث والمجادلة مع الخصام في علم الكلام، وهو مع براعته في فصاحته، ~~لم يسمع حرفا من حروف القرآن بما هو قرآن، ولا فهم كلمة واحدة، وكذلك ~~أكثر المشتغلين بالبحث البحت، المغترين بلا مع سراب الحكمة، المحرومين ~~من شراب المعرفة في كأس القرآن المبين، لكونهم صما بكما عميا لا ~~يعقلون شيئا ولا يهتدون سبيلا، لعدم حواسهم الباطنية التي تكون هذه ~~الحواس الدنيوية قشورا لها، وبالقشر لا ينال إلا القشر، وأما اللباب ~~فلا يناله إلا أولوا الألباب، وما يذكر إلا أولوا الألباب: إن في ذلك ~~لآيات لأولي الألباب. ### || [32.2] # خبر مبتدأ محذوف، أو هو مبتدأ خبره " لا ريب فيه " ويكون " من رب ~~العالمين " حالا من الضمير في " فيه " لأن المصدر لا يعمل فيما بعد ~~الخبر، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا، وعلى تقدير كون " تنزيل الكتاب " خبر ~~مبتدأ محذوف يجوز أن يكون " من رب العالمين " خبرا ثانيا، و " لا ريب ~~فيه " حال من الكتاب المنزل أو اعتراض. والأولى ان يرتفع " تنزيل " ~~بالإبتداء، وخبره: { من رب العالمين } ، ويكون { لا ريب ~~فيه } اعتراض لا محل له، كما وجهه صاحب الكشاف. # واعلم أن الضمير المجرور راجع إلى مضمون الجملة، أي لا ريب في كونه ~~منزلا من رب العالمين، ويدل عليه قوله: # أم يقولون افتراه # [السجدة:3] لأن هذا القول منهم في المفهوم، يساوق لإنكارهم كون القرآن ~~منزلا من الله تعالى، للتقابل الحقيقي بين كون الكلام مفترى، وبين كونه ~~منزلا من رب العالمين. # ويحتمل أن يكون معنى " تنزيل الكتاب " من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، ~~فيحتاج في تعلق ضمير " فيه " إليه إلى ارتكاب حذف مضاف، كالتنزيل ونحوه. # ويحتمل أن تكون الجمل الثلاث ms1219 أخبارا متبادلة لمبتدأ محذوف، وفي الآية ~~احتمالات أخرى بحسب الإعراب كما لا يخفى على أولي الآداب. # والمعنى - والله أعلم - أنه لا ريب لأهل الكشف واليقين العارفين بمقامات ~~الواصلين إلى مقام اللوح النفساني والقلم العقلاني والعلم السبحاني، ان ~~هذا الكتاب الذي هو العقل الفرقاني والوجود المحمدي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) الذي هو لوح المعارف الإلهية، وقلم العلوم اللدنية، فائض من ~~رب العالمين بلا وسيلة من خلقه، أو ذريعة من غيره، بل الله قد أنشأه ~~وأغناه من غيره، ورباه من مرتبة إلى مرتبة، وعرج به من عالم إلى عالم، ~~وأسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حتى بلغ الغاية ~~القصوى وارتفع إلى مقام أو أدنى، وحيث كانت مرتبته مشتملة على جميع مراتب ~~العوالم، لوروده على كل نشأة وعالم، فكان المربي له (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) رب العالمين، فوقعت الإشارة إلى هذه الدقيقة في قوله: { رب ~~العالمين } تعظيما لشأنه وتكريما لامتنانه. # فالكتاب إشارة إلى ذات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، المعبر عنه ~~تارة بالقرآن لمقامه الجمعي الإجمالي العقلي، وتارة بالفرقان لمقامه ~~الفرقي التفصيلي النفسي، وهما مقامان باطنيان فوق ساير المقامات النزولية ~~والإنزالية السماوية والدنيوية، وإطلاق الكتاب على الجوهر العقلي القلمي ~~القرآني، أو النفسي اللوحي الفرقاني شائع ذائع في كلام الله تعالى وكلام ~~انبيائه وأوليائه (عليهم السلام)، كقوله تعالى: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة:22] وقوله تعالى: # اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء:14] وكقول أمير المؤمنين (عليه السلام): # وأنت الكتاب المبين الذي # بآياته يظهر المضمر # وحقيقة القرآن عند المحققين من العرفاء، هو جوهر ذات النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وقد سئلت بعض أزواجه عن خلقه، فقالت في الجواب: " كان ~~خلقه القرآن ". # ومن تأمل وتدبر في ألقاب كتاب الله في عدة مواضع من المصحف، يعلم إن هذه ~~الأوصاف تكون لذات روحانية مجردة عن الأجسام بحسب مرتبة ذاته، فكما أن ~~الإنسان حقيقة واحدة، وله مراتب كثيرة وأسامي مختلفة يسمى في كل عالم ~~باسم خاص مناسب لمقامه الخاص في ms1220 الصعود، فكذلك القرآن حقيقة واحدة وله ~~مراتب كثيرة وأسامي مختلفة، يسمى في كل عالم باسم خاص مناسب لمقامه الخاص ~~في النزول. # أما أسامي القرآن: ففي عالم يسمى " بالمجيد ": # بل هو قرآن مجيد # [البروج:21] وفي عالم آخر اسمه " علي ": # وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي # [الزخرف:4] وفي نشأة أخرى اسمه " مبين ": # وكتاب مبين # [النمل:1] وفي مقام آخر اسمه " نور ": # والنور الذي أنزلنا # [التغابن:8] # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين # [المائدة:15] وفي منزل اسمه " عظيم ": # والقرآن العظيم # [الحجر:87] وفي مرتبة " عزيز ": # وإنه لكتاب عزيز # [فصلت:41]، وفي مظهر " كريم ": # إنه لقرآن كريم # [الواقعة:77] وفي طور " حكيم ": # يس * والقرآن الحكيم # [يس:1 - 2] وهل شاع إطلاق اسم الحكيم إلا على ذوي العقول؟ وكذا الكريم ~~والعلي والعزيز؟ # وأساميه غير محصورة، ولو كنت ذا سمع باطني في عالم العشق الحقيقي ~~والحكم الإلهية، لكنت ممن تسمع أسماءه وتنكشف لك بطونه، إن للقرآن ~~ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا كما ان للإنسان ظاهرا وباطنا، ولباطنه ~~باطن آخر إلى سبعة أبطن، وهي المقامات الباطنية الجملية المشهورة عند ~~العرفاء، هي الطبع والنفس والعقل والروح والسر والخفي والأخفى، وإلا ~~فتفاصيل المقامات وخصوصيات الأطوار الإنسانية غير محصورة في حد وعد، ~~فكذا قياس القرآن المساوق للإنسان الكامل في الكمال والنقصان، والصعود ~~والنزول، وفي المثنوي المولوي المعنوي قدس سره: # صورت قرآن جو شخص آدمى است # كه نقوشش ظاهر وجانش خفى است # نزد عاقل زان برى كه مضمر است # آدمى صد بار خود بنهان تر است # ومما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه قال: # " إقرؤا القرآن والتمسوا غرائبه ". # ومن تدبر في أسامي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأوصاف من كونه: ~~نورا وسراجا ومحمودا ومحمدا وأحمد وقاسما وحاشرا وماحيا وهاديا ~~ومبشرا وبشيرا ومنذرا ونذيرا إلى غير ذلك مما لا يمكن حصره - وجدها ~~بحسب المعنى والمفهوم مشتركة بينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين حقيقة ~~القرآن، واتحاد اللوازم يدل على اتحاد الملزوم، والأسماء المشتركة ~~بينهما لفظا، ومعنى كثيرة، كلفظ النور والهادي والسيد والرسول والنبي. # ولو تدبرت فيما ms1221 أفدناك سابقا من قاعدة اتحاد الموصوف بالصفة التي وصف ~~بها، ومن قاعدة اتحاد العاقل بالمعقول التي ذهب إليها أكثر الحكماء ~~المشائين الذين مقدمهم فرفوريويس، وهو أعظم تلامذة أرسطو، ومن قاعدة ذهب ~~إليها محققو أهل الإسلام وعرفاؤهم من صيرورة الإنسان بحسب النشأة الآخرة ~~عين حقيقة ما غلب على باطنه من الأخلاق والملكات، لانكشف عليك حقيقة ما ~~ذكرناه من كون باطن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كتابا إلهيا ~~مرسلا منزلا من الله لنجاة المقيدين في سجن هذا العالم الأدنى، وباطن ~~القرآن خلقه، وظاهره الملفوظ هو كظاهر شخصه المطهر المزكى. # ويستفاد من قوله تعالى: # ويعلمهم الكتاب والحكمة # [البقرة:129] أن صفته وخلقه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان تعليم الكتاب ~~والحكمة، فكان ذاته المقدسة عين الكتاب والحكمة. # وقد عبر قوم من أهل الله عن لفظ القرآن ومعناه بالوجه الحسن، والشعر ~~المستحسن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المكنى عنهما بقوله تعالى: # والضحى * والليل إذا سجى # [الضحى:1 - 2]. # والقرآن حبل الله المتين النازل من سماء الرحمة لنجاة المقيدين في ~~السجن، ولما كانت الدنيا مرآة الآخرة، والأرض حكاية الجحيم، فانظر كيف ~~روعيت الموازنة بين العالمين فيما وقع من الأخبار في أحوال الآخرة من ~~الجنة والنار، أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أذن له في الشفاعة ~~يوم القيامة، فورد في الجحيم لإخراج من في قلبه ذرة من الإيمان، فأخرج ~~منها ما شاء الله من عصاة أمته المؤمنين. ومما يؤيد كون الأرواح والقلوب ~~بمنزلة الكتب والصحائف، ويصحح إطلاق الكتاب والصحيفة عليها، قوله تعالى: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة:22]. # وهل الكتاب إلا ما كتب فيه شيء، سواء كان كتابه عقلية أو حسية، وهل ~~الكتاب إلا تصوير الحقائق، سواء كان بآلة القصب والمداد في قرطاس أو ~~جلد حيوان، أو بواسطة الملك الملهم الملقي للحقايق في صفحة الدماغ أو ~~النفس بمداد الفيض الإلهي، ومن يحجبه الظاهر المحسوس عن الباطن المستور ~~ولا يفهم من الميزان إلا ما له كفتان، ولا خبر له من موازنة ~~العالمين وتطابق النشأتين، فلا يمكنه التصديق ms1222 بوجود كتب الله المنزلة ~~على انبيائه تصديقا عرفانيا إيمانيا، بل تصديقا لسانيا أو تقليديا، ~~وشيء منهما لا يسمن ولا يغني، ويحرم أيضا عليه معرفة صحائف الناس يوم ~~العرض الأكبر، وكذا الفرق بين كتاب الأبرار الأخيار، وبين كتاب الفجار ~~الأشرار، المشار إليهما بقوله تعالى: # إن كتاب الفجار لفي سجين * ومآ أدراك ما ~~سجين # [المطففين:7 - 8] وقوله: # إن كتاب الأبرار لفي عليين * ومآ أدراك ما ~~عليون * كتاب مرقوم * يشهده المقربون # [المطففين:18 - 21]. # وأما قوله: { رب العالمين } ، ففيه إشارة إلى أن كل انسان كامل ~~حكيم عالم تام في نفسه، إذ فيه صور جميع ما في العالم على وجه ألطف، وقد ~~ذكر الحكماء في معنى الحكمة انها صيرورة الإنسان عالما معقولا مضاهيا ~~للعالم المحسوس، وقال أبو يزيد البسطامي: " لو أن العرش وما حواه دخل في ~~زاوية من زوايا قلب أبي يزيد لما أحس به " ، فكل عالم رباني في الآخرة ~~عالم تام لا يعوذه شيء من الأشياء، ولا يفتقر إلى شيء خارج عنه وعن ملكه ~~وعالمه وسلطانه، ولا يبعد أن يكون هذا سر إيراده بصيغة الجمع الموضوعة ~~لذوي العقول، فافهم وانتبه. ### || [32.3] # لفظة: " أم " ها هنا هي المنقطعة الكائنة بمعنى كلمة " بل " الإضرابية ~~والهمزة الإنكارية، كأنه تعالى لما أشار أولا إلى حقيقة القرآن وعظمته ~~الثابتة له في عالم اللوح والقلم وقضاء الله الأتم، ثم رتب عليه تنزيله ~~من رب العالمين، وأكد ذلك بنفي الريب عنه لأهل الله والعلماء الراسخين، ~~فأضرب عنه إلى ما يقولون فيه ويلحدون في حقيقته إلى خلاف ذلك، إنكارا ~~لقولهم وتعجيبا من جحودهم، فإن الأمر أظهر من أن يخفى على عقلائهم، ~~لظهور العجز في إتيان ثلاث آيات منه عن بلغائهم، ثم أضرب إلى إثبات ما هو ~~بصدده من إثبات أنه الحق المنزل من الرب تعالى. # ومثل صاحب الكشاف هذا الأسلوب الصحيح المحكم، بأن يعلل العالم في مسالة ~~بعلة صحيحة جامعة، قد احترز فيها أنواع الاحتراز، كقول المتكلمين: النظر ~~أول الأفعال الواجبة على الإطلاق، التي لا يعرى عن وجوبها مكلف، ثم يعترض ~~عليه فيها ببعض ms1223 ما وقع احترازه منه، فيرده بتلخيص أنه احترز من ذلك، ثم ~~يعود إلى تقرير كلامه، وتمشيته. ثم بين فائدة التنزيل، وهي إنذار قوم لم ~~يأتهم من قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك ان قريشا لم يبعث ~~الله إليهم رسولا قبله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كقوله: # مآ أنذر آبآؤهم # [يس:6] ترجيا من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لهدايتهم مثل ترجي ~~موسى وهرون، الواقع في قوله تعالى: # لعله يتذكر # [طه:44]. ويحتمل ان يكون لفظ الترجي مستعارا للإرادة فيكون من الله ~~تعالى. # مكاشفة # لما علمت ان نفي الريب في كون الكتاب منزلا من الله، إنما يكون من ~~القلوب الصافية الصحيحة، البريئة عن مرض الغواية وآفة الغباوة، لأن مميط ~~الريب ودافعه لازم للقرآن غير منفك عنه، وهو كونه بالغا حدا من الكمال ~~يعجز عنه بنو نوع البشر، وإنما هو أمر فائض من خالق القوى والقدر، وأما ~~قول من يقول: " إنه افتراه " فهو إما قول متعنت يجحد بآيات الله مع علمه ~~أنه من الله، أو جاهل بليد مختوم على قلبه في أصل الفطرة، أو غير مرتاض ~~بالنظر والتأمل فيسمع الناس يقولون شيئا فيتبعهم من غير روية فقال بما ~~قالوه قبل التدبر. فاعلم ان الذين لم يأتهم نذير في إقامة الحجة عليهم ~~وعدمها يوم القيامة أقسام: لأنهم إما مستعدون بحسب الفطرة لارتقاء طريق ~~السعادة والخير أم لا، وعلى الأول: إما أن يكونوا مقصرين فيما لا يدرك ~~إلا بالشريعة لعدم استقلال العقل به، وأما فيما سوى ذلك كمعرفة الله ~~وتوحيده وعلمه وحكمته، فالأولان لا يقام عليهما حجة، بخلاف القسم الثالث ~~لأن أدلة العقل وأسباب الهداية معه في كل وقت. # هذا بحسب ما اقتضاه الدليل العقلي الموافق لما ذهب إليه أهل الحق من ~~قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وأما الدليل النقلي، فالمستفاد من ~~الأحاديث المروية عن أئمة العصمة والهداية سلام الله عليهم أجمعين: # منها ما رواه صاحب كتاب الكافي الشيخ الجليل ثقة الإسلام أبو جعفر محمد ~~بن يعقوب الكليني طاب ثراه، عن أحمد بن محمد ms1224 بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، ~~عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن ابن الطيار، عن أبي عبدالله (عليه ~~السلام)، قال: " إن الله احتج على الناس بما آتاهم وعرفهم ". ### || [32.4] # { الله } مبتدأ وخبره كلمة { الذي } مع صلتها، والجمل الواقع ~~بينهما من باب حمل الحد على المحدود في القضية الطبيعية بالحمل الأولي ~~الذاتي، لا مجرد الاتصاف الاتحادي المعتبر في الحمل المتعارف، فإن ~~كون الواجب لذاته مبدأ وخالقا لشيء إنما يكون بنفس ذاته المقدسة، حتى أن ~~مبدئيته وخالقيته بما هو حقيقته وذاته، لا كصانعية غيره من المبادي التي ~~ليست مبدئيتها لشيء بما به ذاتها وحقيقتها، كالإنسان في كونه كاتبا، حيث ~~لا يكفي في ذلك حقيقته التي هو بها هو، بل مفتقر معه إلى صنعة الكتابة ~~وغيرها من الأسباب، كالآلة، والقابل، ورفع المانع، ووجود الداعي، كل ذلك ~~خارج عن الإنسان بما هو انسان، وكذا الشمس في إضاءتها وجه الأرض تفتقر ~~إلى وجود الأرض، ووجود المحاذاة بينها وبين الأرض، فليست هي بما هي شمس ~~مضيئة لوجه الأرض، بخلاف الواجب القيوم، فإن قيوميته وخالقيته ~~للسموات والأرض وما بينهما بنفس ذاته الذي هو داع ومريد وقادر. # واعلم أنا قد حققنا مفهوم هذه الكلمة الجلالية في تفسيرنا لآية الكرسي، ~~وبينا هناك أنها بحسب المفهوم قابلة للشرح الحدي، ويؤخذ في حده جميع ~~الموجودات الصادرة عنه بنفس ذاته، بيانا مقنعا من أراد أن يعلمه ~~فليطلبه من هناك. # والمراد من " اليوم " ها هنا اليوم الربوبي الذي مقداره ألف سنة مما ~~تعدون، ولما كان مدة تكون العالم من زمان آدم (عليه السلام) إلى زمان ~~نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) ستة آلاف سنة - على ما هو المشهور -، ~~فعبر عنها بستة أيام، مدة كل يوم منها ألف سنة، يسمى باسم من أسامي أيام ~~الأسبوع قبل يوم الجمعة، منسوب إلى أحد الكواكب السبعة سوى عطارد، وفيها ~~ميلاد واحد من الأنبياء العظام قبل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين. # وهذا موافق لما ms1225 قد اشتهر فيما بين الناس في جميع الأمصار، ان مدة الدنيا ~~سبعة آلاف سنة على عدد الكواكب، فكل ألف سنة يوم من أيام الله، لقوله: # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج:47] فالسنة منها هي التي خلق الله فيها السموات والأرض، لأن ~~الخلق حجاب الحق، فمعنى خلق اختفى بهما فأظهرهما وبطن، ويوم السابع هو ~~يوم الجمع وزمان الاستواء على العرش والظهور بالأسماء، وهذا الظهور يبتدئ ~~بالسابع من أول البعثة، ويزداد إلى تمام هذا اليوم، ويزول الخفاء بتمام ~~الظهور لقيام الساعة، التي قد طلع فجرها ببعثة نبينا (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كما ورد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه ~~قال: # " " بعثت أنا والساعة كهاتين " وجمع بين السبابة والوسطى ". # وقال: # " " بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه هذه " وأشار باصبعيه ~~السبابة والوسطى " # وليطلب تحقيق هذا المطلب في تفسيرنا لسورة الحديد بما لا يكون عليه ~~مزيد. # وهذا الاصطلاح في تقدير اليوم يستفاد من الأخبار أيضا، كما روي (ع) عنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: # " اني لأرجو ان لا يعجز أمتي عند ربها ان يؤخرهم نصف يوم أعني خمسمأة ~~سنة " # وروي أيضا أنه قال: # " إن استقامت أمتي فلها يوم وإن لم تستقم فلها نصف يوم ". # واعلم أني منذ الآن ما رأيت أحدا عنده علم تام بتصحيح كون السموات ~~والأرض وما فيهما مخلوقة في ستة أيام، ولا وجدت في كلام أحد المفسرين ~~وغيرهم ما يطمئن به القلب في بيان ذلك، فإن الأيام في مقادير الحركات، ~~وهي متأخرة عن وجود الأجرام الكلية، كالأفلاك وما فيها، سواء كانت عبارة ~~عن مقادير أدوار الحركة اليومية كما هو المتعارف بين الناس، أو عن مقدار ~~دورة القمر التي هي أسرع الدورات لكواكب السيارات، وهو الشهر في المشهور، ~~أو هو مقدار دورة الشمس وهي السنة في المشهور، أو غيرها كدورة الفلك ~~الثامن التي يكون مقدارها خمسة وعشرين ألف سنة تخمينا بحسب الأرصاد ~~الجديدة، أو غيرها من الأيام الإلهية التي بحسب الأدوار ms1226 القرآنية للكواكب ~~السبعة، فإن جميعها ليست إلا مقادير الحركات الكلية، وهي متأخرة عن ~~وجود الأجرام الكرية الدورية الحركات كالأفلاك وما فيها، فكيف يكون ظرفا ~~لوجود هذه الأجرام بأنفسها ومقدارا لاصل تكونها عنه تعالى. # وأكثر المشتغلين بالعلوم العقلية اعترفوا بالعجز عن تطبيق هذا الحكم على ~~القوانين الحكمية، لأن الحكماء أقاموا حججا فلسفية على ان وجود ~~الأفلاك والفلكيات ليس الا على سبيل الإنشاء الإبداعي، لا على نهج ~~التدرج في الحصول، ولا لأجل الأسباب الجسمانية، كاستعداد القوابل وتهيئة ~~الآلات، وكذا فناؤها ليس بالذبول والضعف والمرض، بل مجرد إرادة الصانع ~~البديع، فهذا الإشكال غير منحل إلى الآن. # وغاية ما ذكر ها هنا هو قول بعض المحققين من العرفاء في تأويل هذه ~~الآية وأمثالها، وهو ان يكون الخلق فيها بمعنى الاحتجاب، فقوله: { خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما } أي: احتجب بها في الأيام ~~الستة الإلهية، التي هي مدة دور الخفاء من لدن آدم (عليه السلام) إلى ~~دور محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # وأنت خبير بأن خروج الألفاظ القرآنية عن معانيها المتعارفة المشهورة، ~~توجب تحير الناظرين فيها، والقرآن نازل لهداية العباد وتعليمهم وتسهيل ~~الأمر عليهم مهما أمكن، لا للتعقيد والإشكال، فيجب ان تكون اللغات محمولة ~~على معانيها الوضعية المشهورة بين الناس، لئلا يوجب عليهم الإلتباس. # كشف إلهامي # قد من الله علينا في تحقيق هذه الآية ونظائرها بما يشفي العليل ويروي ~~الغليل من غير حاجة إلى صرف اللفظ عن مفهومه الظاهر، وهو يستدعي تمهيد ~~مقدمات: # أولاها: أن الأمور الصادرة عن الحق أقسام: # أولها: ما لا يحتاج في وجوده وتعقله إلى قابل وحركة وزمان، ومنها ما ~~يحتاج إليها في وجوده لا في تعقله، ومنها ما يحتاج إليها في الوجودين، ~~فالأول كالعقول، التي هي ضرب من ملائكة الله، ويقال لأمثالها الأمور ~~الإلهية، والثاني كالعدد والمقادير، ويقال لها الرياضيات، والثالث كأشخاص ~~الأجسام الطبيعية وغيرها، ويقال لها الطبيعيات. # وثانيها: ان لوجود كل من هذه الموجودات عالما آخر، فالدنيا للأمور ~~الطبيعية، وهي عالم الشهادة وعالم الحس، والآخرة للأمور المقدارية من غير ~~مادة، ms1227 ويقال لها: عالم الغيب وعالم الجزاء، وما هو فوقهما للأمور ~~الربانية، ولكل من هذه الموجودات مشعر آخر للإنسان، فبالحس يدرك الدنيا ~~وما فيها، وبالخاطر والعقل يدرك الأمور الأخروية، وبالروح والعقل النظري ~~يدرك الأمور الإلهية. # وثالثها: ان الشيء قد يكون بحسب حقيقته وماهيته من الأمور العقلية، ~~وبحسب تشخصه من الأمور المفتقرة إلى المادة وانفعالها، كالجواهر الصورية ~~التي تقوم المادة وعوارضها بحسب سنخ تجوهرها، وأما بحسب تعينها الخاص ~~وعوارض تعينها فهي مما تقومها المادة وانفعالاتها. # ورابعها: ان الأفلاك وما فيها تفتقر إلى المادة وعوارضها الانفعالية في ~~التشكل والمكان وغيرهما من المشخصات. # وخامسها: ان تشخص الشيء عبارة عن كونه مدركا بالإدراك الحسي، وأما ~~المحسوس بما هو محسوس - أي قابل لأن يناله الحسن - فوجوده إنما يتقوم ~~بانفعال المادة وعوارضها، وكذا الجوهر الحاس مفتقر في وجوده إلى مادة ~~محسوسة. # وسادسها: ان الأمر التدريجي الوجود من حيث هو كذلك، زمان بقائه عين زمان ~~حدوثه. # فإذا تمهدت المقدمات. فنقول: # لما اشتهر أن ابتداء وجود العالم مقارن لابتداء وجود بني آدم، لأنه من ~~الأنواع الشريفة التي لا ينفك العالم عن وجودها المستحفظ نوعها ببقاء ~~الأشخاص، وجميع العقلاء قائلون بان للكاينات ابتداء وانقضاء بحسب الأدوار ~~والأكوار والطوفانات العظيمة، حتى أن بعض الحكماء ذكر كيفية نشوء الإنسان ~~من غير توالد عند ابتداء الكائنات، وعلمت أن كيفية وضع السماء على هذه ~~الهيئة المخصوصة ليست الا بأمور زائدة على ذاتها، وتلك الأمور مفتقرة ~~إلى انفعال المادة وتغيراتها، والهيولى حقيقتها محض الانفعال والقوة ~~والدثور والتغير، حتى قيل إنها من باب الحركة في جوهرية الشيء. ثم ان اسم ~~السماء كأنه معتبر في معناه الفوقية، لأنه موضوع للحقيقة السماوية مع ~~هذا الشكل المخصوص المحسوس، وهذه الهيآت المخصوصة من الفوقية وغيرها، ~~والعرب يقولون: " سماء كل شيء سقفه " ، وكذا الفلك معتبر في معنى اسمه ~~الحركة الدورية، لأنه مأخوذ من فلكة المغزل، ولهذا يقال بالفارسية: " ~~آسمان " أي: المشابه للرحى. # فحينئذ وبحكم المقدمة الأخيرة، يكون حدوث السماء بما هي سماء حاصلا ~~بالتدريج المفتقر إلى زمان يقع فيه، وأما وجود ms1228 الزمان والحركة فهما ~~مفتقران إلى أصل حقيقة السماء، لا على وجه دوري مستحيل، بل على الوجه ~~الذي حققه الراسخون في العلم عند كيفية استناد كل متغير إلى ثابت، وهذا ~~أمر يحتاج تحقيقه إلى مقام آخر لبسط المقال، ومجال أوسع من هذا المجال. # فقد ثبت ان السماء بما هي شخصية محسوسة، وكذا غيرها من الأمور المحسوسة ~~المادية الموجودة في عالم الدنيا، أمر زماني الوجود، تدريجي الحصول، مدة ~~كونها البقائي عين مدة حدوثها الإنشائي، فهذه المدة المضروبة في الكلام ~~الإلهي هي مدة بقاء وجودها الذي هو عين الحدوث، ويشير إلى هذا قوله ~~سبحانه: # كل يوم هو في شأن # [الرحمن:29]. # وأما قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " # فهو بالقياس إلى عالم آخر فوق الدنيا وما فيها، ولو نظرت حق النطر إلى ~~حقيقة كل أمر متغير محسوس من حيث حقيقته الثابتة العقلية، وجدتها خارجة ~~عن الزمان والمكان، مرتفعة عن التجدد والتغير والحدثان، وعن قول " أين " ~~و " متى " ، فإن قولنا " الله عالم " و " الإنسان إنسان " و " الفلك ~~فلك " لا تعلق لها بهنا وهناك، ولا بغد وأمس، فكذا حكم جميع الصفات ~~الذاتية للأشياء ولوازم الماهيات، فلو ارتفعت الحواس منا لارتفعت ~~بارتفاعها جميع الاعتقادات الزمانية والمكانية الواقعة، وتبدلت الأرض غير ~~الأرض، والسموات غير السموات، لكونها مطويات بيمين الحق، كما قال بعض ~~الناظمين من حكماء الفرس، وهو السنائي المسمى بالإلهي. شعرا: # تازمين دل آدمى زايست # خيمه روزكار بر بايست # آدمى جون نها دسردر خواب # خيمه اوشودكسته طناب # فقد انكشف مما بينا بوجه حكمي، سر كون السموات والأرض وما بينهما ~~مخلوقة في ستة أيام من الأيام الإلهية، وهي من يوم السبت إلى يوم الخميس ~~يوم ولادة عيسى بن مريم (عليهما السلام)، وأما يوم الجمعة فابتداؤه ~~وصبيحته وقت بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو رسول آخر ~~الزمان، وإمام الجماعة من الأنبياء والأولياء، وخطيب يوم الجمعة، وداعي ~~الله والمنادي للصلاة في هذا اليوم، وفي ذكر الله تعالى وشهود وحدانيته، ~~لقوله ms1229 تعالى # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون # [الجمعة:9]. # وقد قلت أبياتا في هذا المعنى عند انشراح صدري وانفتاح قلبي في ذكري ~~وهي هذه. - شعر -: # جون ظهور دين بيغمبر شدى # دين توحيد خدا ظاهر شدى # مسجد جامع بانجام آمده # در يكى هفته باتمام آمده # روز اين هفته بود هر يك هزار # زين شمار دورهء ليل ونهار # " ان يوما عند ربك " را بخوان # بس ز آدم تا بخاتم هفته دان # روز جمعه جون شدى كاه نماز # شد خطيب أنبياء اندر نياز # در ميان روز آدينه يكى # ميشود قائم قيامت بى شكى # بانكك قد قامت بكوش مردمان # ميرسد بيش از قيامت يكزمان # مرتفع شد آفتاب معرفت # تابسمت الرأس زين عالى صفت # اين مؤذن كفته " قد قامت صلوة " # اول اين روز اعلامى بكاه # جذبة " فاسعوا إلى ذكر الله " است # دردرون هر كسى كاندر رهست # اول اين روز وقت بعثت است # كه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) رارسالت شدد رست # ازأذانش خفتكان آكه شدند # روح قدسى باملائك صف زدند # تو " زقد قامت " كجادارى خبر # كز قيامت نيست درجانت اثر # تبيان # قد تحيرت أفهام العقلاء وأفكار العلماء في معنى استوائه تعالى على ~~العرش، وانقسموا في متشابهات القرآن إلى مجسم كالحنابلة، وإلى مأول ~~كالمعتزلة، وإلى مقتصد - مجسم في البعض ومأول في البعض - كأصحابنا ~~الإماميين، ليسوا في مرتبة إسراف المؤولين في رفع الظواهر، ولا في مرتبة ~~تقصير المجسمة في حسم باب التأويل. # وهنا قسم رابع هم الراسخون في العلم المشار إليهم في قوله تعالى: # وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم # [آل عمران:7] على قراءة الوصل - وقد أشرنا إلى طريقتهم في تفسيرنا لآية ~~الكرسي، وذكرنا هناك أنموذجا من مقامهم في كلام الله الملك العلام ~~بمقتضى دينهم وديانتهم في ضبط الفاظ الكتاب المجيد عن التحريف والتحديد، ~~فإن مقتضى الدين والديانة ورعاية الضبط والأمانة، أن لا يؤول المؤمن ~~شيئا من الأعيان التي نطق ms1230 بها القرآن والحديث، الا بصورها كما جاء ~~وفسرها علماء التفسير الواقعين في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والأئمة الماضين المعصومين عن الخطأ سلام الله عليهم أجمعين. # اللهم إلا أن يكون محققا خصصه الله تعالى بكشف الحقايق والمعاني ~~والأسرار والإشارات في فهم التنزيل وتحقيق التأويل، فإذا كوشف بمعنى خالص ~~أو إشارة وتحقيق، وتقرر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الأعيان، مثل ~~الجنة والنار والميزان، وما في الجنة من الحور والقصور والأنهار ~~والأشجار، وما في النار من الحميم والزقوم وتصلية جحيم والمهل يشوي في ~~البطون كغلي الحميم، وغيرها من العرش والكرسي والشمس والقمر والليل ~~والنهار، لا يؤول منها شيئا على مجرد المفهوم ويبطل صورته، بل يثبت ~~تلك الأعيان كما جاء. ويفهم منها حقائقها ومعانيها، فإن الله تعالى ما ~~خلق شيئا في عالم الصورة إلا وله نظير في عالم المعنى، وما خلق شيئا ~~في عالم المعنى وهو الآخرة إلا وله حقيقة في عالم الحق، وهو غيب الغيب ~~فافهم جدا، وما خلق شيئا في العالمين إلا وله مثال وأنموذج في عالم ~~الإنسان. # فإذا عرفت هذا على الكشف واليقين، فقد اعتصمت بحبل متين من حبال القرآن ~~المبين، واستمسكت بعروة وثقى من عروة الدين - فالزم. # واعلم ان مثال العرش في العالم الصغير الإنساني قلبه، إذ هو محل استواء ~~الروح عليه بخلافة الله تعالى، فكما أن كون القلب - بل البخار اللطيف ~~الذي فيه - مستوي للنفس الإنسانية بل للروح العقلي، لا يوجب تجسما لها، ~~لأن حقيقة هذا الإستواء ليس كاستواء جسم على جسم، بل هذا تجل للروح ~~بواسطة قوتها العملية في القلب، وظهور منها عليه يوجب استعمالها له ~~وتحريكها إياه بحيث تكون آثارها في سائر الأعضاء وغيرها بواسطة القلب، ~~فما يفعل فعلا إلا ويظهر أولا أثر من الروح في قلبه، ثم يسري منه في ~~الأعضاء الآلية، ثم في الآلات الخارجية ان كان فعلا خارجيا يفتقر ~~إليها، ثم يوجد ذلك الشيء الذي يقال إنه أثر النفس، كالكتابة في مادة ~~خارجية كالمداد وصفحة القرطاس، فكذلك معنى استوائه ms1231 تعالى على العرش، ~~استعماله تعالى إياه بواسطة ملك مقرب هو مثال رحمانيته وتجليه له ~~وظهوره فيه، بحيث لا يتكون متكون في عالم العناصر الا ويظهر أصله في عرش ~~الله، ثم بواسطته يسري في عالم السموات التي هي بمنزلة الأعصاب والرباطات ~~للإنسان الكبير، ثم يوجد في هذا العالم صورة منه في هيولي العنصريات التي ~~هي مداد كلمات الله على صفحة الأرض، وهي المعبر عنه بالبحر المسجور ~~وإليها الإشارة في قوله تعالى: # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا # [الكهف:109]. # وها هنا أسرار عظيمة عزيزة أعز وأرفع من أن يمكن كشفها على غير أهلها ~~كما هو حقه، بها يتبين تمام المضاهاة بين فعل الآدمي داخل العالم الصغير ~~وخارجه، وفعل القدرة الإلهية داخل العالم الكبير وخارجه، فإن من لم ~~يعرف شمول جوهر النفس الآدمية جميع أفاعيلها الغيبية والشهادية، الداخلة ~~والخارجة، يرجع ويقول اغترارا بظواهر ما وصل إليه من كتب الحكماء، أو ~~فهمه من كتب الأطباء إن فعل النفس لذاتها ليس إلا إدراك المعقولات، ~~وأما الأفاعيل البدنية الداخلة فهي منسوبة إلى القوى كالهاضمة والجاذبة ~~والدافعة وغيرها، أما الأفاعيل الخارجة كالكتابة والحياكة والصياغة فهي ~~منسوبة إلى الأعضاء بواسطة الآلات الصناعية، فلم يتم في حقه كون النفس ~~مثالا للرب تعالى ذاتا وصفة وفعلا وآثارا، ولم يتم عنده التوحيد ~~الأفعالي المستفاد في هذه الآية من قوله: { ما لكم من دونه من ~~ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون } [السجدة:4]. # ثم لا يخفى أن المكونات العنصرية خارجة عن العالم الكبير الحيواني، ~~لما ثبت في مباحث الغايات لحركات السماويات أن لها في حركاتها أغراضا ~~علوية وما يترتب على فعل الأفلاك والسماويات ليس بالذات وجود العنصريات، ~~كما أن الفعل الذاتي للنفس هي الإرادات والتدبرات، ثم بواسطتها إنشاء ~~الحوادث في عالمها الخاص - أعني بدنها - وغاية فعلها ما يلحق إليها من ~~الحكم والمصالح والخيرات أو اللذات، وأما الفعل الخارجي فهو فعل تبعي، ~~وأما الغاية الخارجية كتسود وجه القرطاس، فهي غاية عرضية بأحد الوجوه ms1232 ~~المذكورة في بابها. # وبالجملة، فكما أن في الحيوان توجد أمور لا يسري إليها الحياة إلا ~~بالتبع كالظفر والشعر والظلف والقرن، فإن هذه كثائف تؤدي إليها ~~البخارات والأدخنة المزاجية، فينجمد عندها وينقطع دونها أثر تصرف النفس ~~في انشاء الروح الغريزي النفساني، الحامل للحياة والحس والحركة الإرادية، ~~فهي حية بحياة البدن بالعرض، فكذلك في الوجود أمور يقال لها في عرف ~~العرفاء " الآثار " ، وهي عبارة عن الموجودات العرضية التبعية، التي ~~ليست الطبيعة الكلية متوجهة إليها، ولا هي غايات ذاتية للحركات الكلية، ~~وهذه كالشخصيات العنصرية، فهي واقعة في الوجود اتفاقا بهذا المعنى الذي ~~ذكرناه، كما ان وجود الكثائف والأوساخ التي تحصل في دكة القصاب وينتفع ~~بها الذباب، ليس من الغاية الذاتية لصنعة القصابين، بل هي أمور ضرورية ~~اتفاقية لازمة للصنعة المذكورة، من غير توجه الفاعل إليها بالذات. # والله سبحانه عالم قادر بجميع الأشياء، لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ~~ولا في السماء، إلا أن غاية إيجاده للكائنات، وجود العقول النظرية ~~العارفة لذاته تعالى، لقوله: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات:56] وأما غيرها من الشخصيات الكائنة الفاسدة، فوجودها خارج عن ~~القصد الذاتي، لأنها طفيل ذات الإنسان الكامل. # ومن ها هنا استتم وجه من وجوه المضاهاة بين فعل النفس خارج البدن، وبين ~~فعل الله تعالى بواسطة العرش فيما دون السموات في كون كل منهما أثرا من ~~آثار فاعل قادر حكيم مدبر. # بسط حكمة رحمانية # إن استواءه تعالى على العرش بعد الفراغ من خلق الأنواع على نهج ~~الإبداع، تصرفه تعالى في العالم بواسطته، وتدبيره الأمور بوسيلة تحريك ~~السماء الموجب لحدوث الأشياء المتجددة، وإنما خص العرش بالإستواء، ~~لأنه مبدأ الأجسام (الأشياء - ن) اللطيفة القابلة للفيض الرحماني. # وعند بعضهم، العرش فلك عظيم مشتمل على جميع الأجرام الفلكية والكوكبية، ~~يحيط به سطحان: أحدهما: مقعر مائل القمر، والآخر: ما هو منتهى الإشارة ~~الحسية، أي جهة الفوق الحقيقي، وهو متحرك بالحركة اليومية السريعة ~~الحافظة للزمان، المحيطة بسائر الحركات المستديرة، وبه تتجدد الأبعاد ~~المكانية والزمانية، والحوادث والاستعدادات وغيرها، فما من حادث ms1233 من ~~الحوادث من الحركة والأجسام الكائنة والفاسدة، إلا وللعرش مدخل في ~~وجوده وعدمه، كما أن القلب الإنساني رئيس سائر الأعضاء، ولا تسري قوة ~~الحياة والحس والحركة الفائضة من النفس على البدن إلا بتوسط القلب، ~~فإنه أول ما يتحرك من أعضاء البدن، وآخر ما يسكن منها، فهو بحسب حقيقته ~~وذاته محيط بالبدن. # والنفس مستوية عليه على مثال استواء الرحمان على العرش، فإن الاستواء ~~صفة من صفاته تعالى لا يشبه استواء المخلوقين، كالعلم وساير الصفات، لا ~~اشتراك بينه تعالى وبين الخلق إلا بحسب الاسم والحكاية: # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى:11] وهذه الآية توجب نفي المثل وإثبات المثال، ولا مثال له ~~تعالى ذاتا وصفاتا وأفعالا في الوجود إلا النفس الآدمية بحسب جمعيته ~~الأحدية. # ولو أمعنت النظر في خصوصية خلافتك للحق تعالى، لعرفت نفسك فعرفت ربك، ~~وذلك إن الله تعالى لما أراد خلق شخصك من النطفة المودعة في الرحم، ~~استعمل روحك بخلافته ليتصرف في النطفة، وهو بذر شجرة عالمك وبدنك، كما أن ~~الهيولى الكلية المطلقة بذر شجرة العالم الجسماني التي أصلها ثابت وفرعها ~~في السماء، فتصرفت فيها أيام الحمل في أطوارها، فجعلها عالما صغيرا ~~مناسبا للعالم الكبير، فتكون المعدة بمثابة الأرض، والرأس بمثابة ~~السماء، والقلب بمثابة العرش، والصدر لمكان الكبد بمثابة الكرسي، وهذا ~~كله بتدبير الروح وتصرفه خلافة عن ربه. # ثم استوى الروح بعد فراغه من الشخص الكامل على عرش القلب، لا استواء ~~مكانيا، بل استواء ارتباطيا تعلقيا معنويا، ليتصرف في جميع أجزاء ~~الشخص، وتدبير أموره بإفاضة فيضه على القلب أولا، ثم من القلب على الكبد ~~والدماغ والأعضاء الشريفة الرئيسة ثانيا، ثم على سائر الأعضاء والجوارح ~~بتوسطها، فالعرش مقسم فيض الحق على العالم كله، كما ان القلب مقسم ~~فيض الروح إلى القالب كله. # فإذا تأملت في هذا المثال تأملا شافيا، وجدته في نفي التشبيه عن ~~الصفات المقدسة المنزهة كافيا، وتحققت بحقيقة قوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): # " من عرف نفسه فقد عرف ربه " # إن شاء الله. # تلويح عرشي # لا يستر على العارف ms1234 المكاشف، ان في الوجود وجوها من المشابهة والمماثلة ~~بين القلب الإنساني وعرش الرحمان، ذكرناها في بعض كتبنا العرفانية بوجه ~~تفصيلي ولا بأس بذكر جملة منها على وجه التلخيص، وهي خمسة: # الأول: انهما يشتركان في كونهما محل استواء الرحمان، أما العرش فلدلالة ~~هذه الآية ونظائرها على كونه كذلك، وأما قلب المؤمن العارف فلقوله تعالى ~~في القرآن: # وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون ~~بصير # [الحديد:4] وفي الحديث القدسي: # " يا داوود فرغ لي بيتا، انا عند المنكسرة قلوبهم ". # وروي أيضا أنه # " سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أين الله؟ فقال: " في قلوب ~~عباده " # ، فعليك ان تتفحص القلب الإنساني، فإذا وجدت وصرت ذا قلب فقد وجدت بيت ~~الله، لأن الروح محل معرفة الله، وقلب المؤمن عرش الله، وهو لطيفة صافية ~~تنبعث من صفوة الأخلاط الأربعة وبخاريتها ودخانيتها، كما ان السماء وهي ~~دخان حاصلة من صفو الأجرام ودخانيتها. # الثاني: كونهما بين اصبعين من أصابع الرحمان، والإصبعان هما النفس ~~والعقل، المحركان للأشياء، أحدهما بالمباشرة والتدبير، وثانيهما بالإمداد ~~والتشويق، وهما ملكان مقربان روحانيان، أحدهما عقلي والآخر نفسي، أما ~~كون العرش بينهما، فلما ثبت أن وجوده بعد القلم واللوح المعبران عن ~~العقل والنفس والقضاء والقدر، وأما كون القلب بينهما، فلكونه مسببا عن ~~القوة العاقلة والعاملة من الروح الإنساني. # الثالث: اشتراكهما في السعة والإحاطة، أما العرش فلقوله تعالى: # وسع كرسيه السماوات والأرض # [البقرة:255] والعرش وسع الكرسي، فيكون أوسع منه ومما يحويه ويسعه، ~~ولكثير من الأحاديث الدالة على ان العرش محيط بما في هذا العالم ~~الجسماني، وأما قلب العارف فلقوله تعالى في الحديث القدسي: # " لا تسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن ". # وأنت إذا تأملت في إحضارك لكل شيء تريده في قلبك، من الأفلاك العظيمة ~~والكواكب بأي مقدار وعدد شئت، وإخطارك الصحارى الوسيعة في بالك بأي سعة ~~شئت، والخلائق الكثيرة بأي كثرة شئت، فلا تتعجب في قول أبي يزيد ~~البسطامي: " لو أن العرش وما حواه ألف مرة دخل في زاوية من زوايا قلب أبي ms1235 ~~يزيد لما أحس به " وما قيل: إن العرش مع نسبته باستواء الرحمانية كحلقة ~~ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى وسعة قلب المؤمن. # الرابع: ان كلا منهما بمنزلة السرير للسلطان، تحته أربعة أركان، وفوقه ~~أربعة قوائم، أما الأربعة الفوقانية فهي: العقل العملي، والنفس، والروح ~~القدسي والطبع، وكل منها ملك عظيم، وأما الأربعة التحتانية فهي: الأرض ~~والماء والنار والهواء، ولكل صورة من صور العناصر حقيقة روحانية، وهو ملك ~~رباني يدبرها ويربيها بإذن مبدع الكل، فإذا اتصل كل مستفيض بمفيضه، ~~وانصب كل ماء بانائه، وانضم كل معلول إلى علته، وصار عرش الله بارزا، ~~وبرزت كل الحقايق لله الواحد القهار، تنضم هذه الأربعة الجسمانية بتلك ~~الأربعة الروحانية وتصير ثمانية: # ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية # [الحاقة:17] وهي الأنوار القاهرة القدسية، أرباب الأصنام العنصرية مع ~~طبايعها الأربعة التي هي الصور النوعية، تحمله بالاجتماع من الطرفين - ~~العلوي والسفلي - عند البعث والنشور من كل طرف أربعة، فيكونون ثمانية، أي ~~عند النشور. # ولهذا قال (صلى الله عليه وآله وسلم): على ما روي عنه: # " هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين، ~~فيكونون ثمانية ". # ولكون تلك الأملاك مختلفة الحقايق بحسب اختلاف اصنامها العنصرية، قال ~~بعضهم إنهم على صور مختلفة، ولكونها مستولية مستعلية على تلك الأجرام ~~شبهت بالأوعال وسميت بها تشبيها لأجرامها بالجبال، ولكونها شاملة لتلك ~~الأجرام بالغة إلى إفاضتها حيثما بلغت، لازمة لها، فاعلة أيضا فيها. # قال بعضهم: هي ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة، والعرش فوق ~~رؤوسهم، وهم مطرقون، مسبحون لله، والله أعلم بحقائق الأمور. # الوجه الخامس: ان كلا منهما نهاية الجسمانيات وبداية الروحانيات، وكل ~~منهما صورة الصور في هذا العالم ومادة المواد في عالم الآخرة، وكل منهما ~~برزخ جامع بوجه وحد فاصل بوجه، وخط واصل وصراط ممدود على متن جهنم، وطريق ~~مستقيم إلى الله تعالى، وكل منهما بمنزلة سور ذي بابين، باب داخلي إلى ~~عالم الرحمة والرضوان، لا يلج من يلج ملكوت السموات إلا من هذا الباب، ~~وباب خارجي إلى عالم المقت والنيران، ms1236 لا ينزل ما ينزل إلى منازل الشياطين ~~ومزابل الملاعين إلا من هذا الباب، كما أشير إليه في قوله تعالى: # فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب # [الحديد:13] والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. ### || [32.5] # { الأمر } هو وجود الأشياء في أنفسها، وتدبير الوجود المطلق من الله ~~تعالى هو إفاضته بالفيض الإيجادي المعبر عند بعض العارفين بالنفس ~~الرحماني، فإن علمه تعالى بالأشياء عين موجوديته لها. # وقوله: { من السمآء إلى الأرض } إشارة إلى الموجودات الواقعة ~~في سلسلة البدو، والصادرة على سنة الإبداع، من غير مدخلية الحركات ~~والاستعدادات، إذ الوجود ابتدأ منه بأن أبدع أولا عقلا قدسيا مع ما ~~يتلوه في الشرف من العقول القدسية، وعالمها عالم القضاء وعالم القلم ~~الأعلى، ثم أبدع نفسا كليا متعلقا بالفلك مع سائر النفوس الفلكية التي ~~دونها في الشرف، وعالمها عالم القدر وعالم اللوح المحفوظ، ثم الصور ~~النوعية وقواها وكيفياتها، ثم الصور الجرمية الامتدادية، ثم الهيوليات ~~الفلكية والعنصرية، واحدة للعنصريات، والتسع الباقية للفلكيات، لأنها ~~تسع جمل، كما بين عددها وترتيبها بالرصد والحساب في علم الهيئة. # وقوله تعالى { ثم يعرج إليه } إشارة إلى وجود سلسلة العود ~~إليه ورجوع الأشياء إلى فطرتها الأصلية، وذلك بتمزيج العناصر الحاصلة من ~~هيولى هذا العالم وتحصيل مزاج متوسط بين الأضداد، معتدل بعيد عن الفساد، ~~مظهر اسم الله الجامع المستحق لخلافته تعالى، فيبتدئ الوجود فيها من أخس ~~الموجودات رتبة إلى الأشرف فالأشرف، وهي الهيولى الأولى، ثم الجسم ~~المطلق، ثم المركب المعدني، ثم النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان، ثم ذو ~~العقل الهيولانى، ثم ذو العقل بالملكة، ثم ذو العقل بالفعل، وهلم جرا ~~إلى مرتبة الأنبياء والاولياء الواصلين إلى عالم الربوبية ومجاورة الحق ~~الاول والملائكة المقربين. # وقوله تعالى: { في يوم كان مقداره ألف سنة مما ~~تعدون } يحتمل أن يكون ظرفا لقوله: { يدبر الأمر } مع ما ~~يتلوه، أو لقوله: { ثم يعرج إليه } ، وعلى الوجهين، لا تفاوت ~~في التقدير، لأن التقدير بالزمان يختص بسلسلة العائدات، وأما البادئات ~~فوجودها عنه تعالى دفعي كلمح البصر لا ms1237 يتقدر بالزمان أصلا. # تبصرة # قيل: " الأمر " ، هو المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة، ينزله ~~مدبرا من السماء إلى الأرض، ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه ذلك المأمور به ~~خالصا كما يريده ويرتضيه، إلا في مدة متطاولة لقلة عمال الله والخلص ~~من عباده، وقلة الأعمال الصاعدة، لأنه لا يوصف بالصعود إلا الخالص، ودل ~~عليه قوله تعالى على أثره: # قليلا ما تشكرون # [السجدة:9] أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ~~أيام الله، وهو ألف سنة كما قال: # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج:47]. # { ثم يعرج إليه } أي يصير إليه ويثبت - عنده ويكتب في صحف ~~ملائكته كل وقت من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر ويدخل تحت ~~الوجود، إلى أن تبلغ المدة آخرها، ثم يدبر أيضا ليوم آخر وهلم جرا إلى ~~أن تقوم الساعة. # وقيل: ينزل الوحي مع جبرئيل (عليه السلام) من السماء إلى الأرض ثم يرجع ~~إليه ما كان من قبول الوحي أو رده مع جبرئيل (عليه السلام)، وذلك في وقت ~~هو بالحقيقة كألف سنة، لأن المسافة مسيرة ألف سنة في الهبوط والصعود، لأن ~~ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمأة سنة، وهو يوم من أيامكم لسرعة جبرائيل ~~(عليه السلام)، لأنه يقطع مسيرة ألف سنة في يوم واحد، وقيل: يدبر أمر ~~الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة ثم يعرج إليه ذلك الأمر ~~كله، أي يصير إليه ليحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة - وهو يوم ~~القيامة -. # وإني أقول - والعلم عند الله -: يحتمل أن يكون " الأمر " في قوله: { ~~يدبر الأمر } إشارة إلى الروح الإنساني لقوله تعالى # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء:85] وذلك لمروره على مراتب الموجودات عند خروجه عن مقام الفطرة ~~الأصلية، ونزوله في العالم الأرضي بحسب الانسلاخ عن عالمه الأعلى، ثم ~~عروجه من هذا العالم الأسفل بحسب العلم والعمل - إن ساعده التوفيق من ~~الأزل -، إلى مقامه الأصلي، لقوله سبحانه: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم ~~رددناه ms1238 أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون # [التين:4 - 6]. # وكون بدو وجود الروح الإنساني من عالم القدس لا ينافي قوله تعالى: # وبدأ خلق الإنسان من طين # [السجدة:7] لأن الخلق لكونه بمعنى التقدير، عبارة عن جسمية الإنسان ~~وقالبه، وفطرة الروح غير فطرة البدن، لأن بداية أحدهما من التراب، وبداية ~~الآخر من رب الأرباب، ما للتراب ورب الأرباب. # تفصيل تنبيهي # إن ما ذكرناه من مرور الحقيقة الإنسانية والفطرة الآدمية على جميع ~~العوالم والنشآت، واستجماعها لجميع الحقائق من أعلى سماء عالم القدس إلى ~~أسفل أرض التجسم، شيء استبشعه ذوق أرباب العلوم الرسمية، لعدم انطباقه ~~على ملفقات أفكارهم القياسية، وأما أرباب الحكمة المتعالية، والناظرون ~~بعقولهم المستفادة من الحق، وعيونهم المكحلة بنور التوحيد في الأسباب ~~الأول والغايات الأخيرة لموضوعات علومهم ومعارفهم، فهم عارفون بأن علة ~~الشيء كما أنها مقوم وجوده، فهي مقوم حده الحقيقي، وأن " ما هو " " ~~ولم هو " أمر واحد في كل وجود صوري يحتمل البقاء الأبدي، إذ المجعول ~~عندهم نحو وجود المعلول بالجعل البسيط، وهو عين هويته الخارجية التي هي ~~وجه من وجوه علته الجاعلة، والعلة الجاعلة تمام حقيقة المعلول وصورته ~~العقلية. # ثم إن كل موجود من الموجودات الكائنة في هذا العالم، له طور واحد من ~~الأطوار لا يتعداه، إلا الهوية الإنسانية، فإن لها قابلية الإرتقاء من ~~أسفل الأسافل إلى أعلى الأعالي. # وهذا أيضا يختص ببعض أفراد الإنسان المسافر إلى ربه في تمام القوس ~~الصعودية من دائرة الوجوب (ظ - الوجود)، دون غيره الذي لا يكون له هذه ~~السعة من القابلية، وإن قطع في سيره الضعيف مقدارا قليلا من تلك القوس ~~النصفية الصعودية منها كباقي الحيوانات، بل ربما يكون أضل سبيلا ~~وأضيق مجالا منها، كما نطق به التنزيل. # والسر في هذا أن مواطن أفراد الإنسان ومعاد كل صنف منه إلى ما هو مبدأ ~~وجوده - إن لم يمنعه عائق خارجي -، فرب إنسان يكون الحق علة وجوده ومباشر ~~تكوينه بيديه، فيكون إليه معاده كما منه بدؤه، ورب إنسان يكون مبدأ ~~وجوده القريب أحد ms1239 المبادي النازلة التي تكون في آخر المراتب. # بل ربما يكون وجوده بمدخلية بعض الشياطين، الذين هم من عمار عالم الشر ~~والوسواس، فيكون مثل هذا الإنسان الممسوس بنار الشيطان، راجعا إلى أصله ~~الذي نشأ منه، فيحترق بالنار التي هي أصل وجوده، مثل هذا الأشرار، فكم ~~بين من باشر الحق تسوية وجوده وتعديله وجمعه بين يديه المقدسين، ثم نفخ ~~بنفسه فيه من روحه نفخا استلزم معرفة الأسماء كلها، وسجود الملائكة له ~~أجمعين، وإجلاسه مرتبة الخلافة والنيابة عنه في الكون، وبين من خلقه ~~بيده الواحدة، أو بواسطة ما شاء من الوسائط الوجودية الواقعة في سلسلة ~~البدو، فلم يقبل من حكمي التسوية والتعديل ما قبله من اختير واصطفي ~~للخلافة. # وهذا الذي ذكرناه، من تفاوت خلقة الإنسان بحسب الفطرة الأصلية، مما ~~يستفاد من الأحاديث الكثيرة المختلفة الفحوى في الإخبار عن كيفية بدو ~~الإنسان، وبه أيضا يحصل التوفيق بين الجميع، لأن اختلاف المعاليل ~~والمسببات في الحقيقة مما يستدعي اختلاف الأسباب والعلل، فإن الذي ينفخ ~~فيه الروح وهو الملك بالأذن - كما يدل عليه بعض الأخبار - كيف يكون ~~مساويا في الحقيقة لمن باشر الحق إنشاءه بيده. # فانظر فيما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: # " يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما علقة، ~~ثم أربعين يوما مضغة، ثم يؤمر الملك فينفخ فيه الروح. فيقول: يا رب، ~~أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ ما رزقه؟ وما أجله؟ ما عمله، فالحق ~~يملى والملك يكتب ". # فأين هذا من قوله تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [ص:72]. وشتان ما بينهما؟ إذ هاهنا أضاف المباشرة إلى نفسه بضمير ~~الإفراد الرافع للاحتمال، ولذلك فرع بذلك من أبى واستكبر عن السجود له ~~ولعنه وطرده، وقال: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت ~~أم كنت من العالين # [ص:75]. # وأكد ذلك (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمور كثيرة رويت عنه، منها قوله: # " إن الله خلق آدم " على صورته " أو " على صورة الرحمن " # ولقوله # " إن الله ms1240 إذا خلق خلقا للخلافة مسح بيمينه على ناصيته " # فنبه على مزيد الاهتمام والتخصيص قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " لا تسبوا عليا فإنه ممسوس بنور الله " # ، فكيف يكون الممسوس بنور الله كالممسوس بنار الشيطان؟ # وفي حديث آخر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) # " إن الذي باشر الحق سبحانه إيجاده أربعة أشياء - ثم سردها فقال -: " ~~خلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده، وخلق آدم ~~بيده " ". # وقال أيضا: # " الإنسان أعجب موجود خلق " # فافهم. # تبيين مقال لكشف حال # فلا يزال الإنسان الكامل مباشرا في ساير مراتب الاستيداع، إلى أن ينزل ~~إلى أسفل عالم الاجتماع، فكان أولا متعينا تعينه الخاص في علم الله، ثم ~~انفرز بإرادته تعالى وظهوره في مقام القلم الأعلى، الذي هو العقل الاول ~~المشتمل على عالم العقول، ثم في المقام اللوحي النفسي، ثم في مرتبة ~~الطبيعة باعتبار ظهور حكمه في الأجسام، ثم في العرش المحدد للجهات مستوى ~~اسم الرحمان، ثم في الكرسي الكريم مستوى اسم الرحيم، ثم في السموات ~~السبع، ثم في صور العناصر المتعلقة بهيولى العنصريات، هذه غاية تدبير ~~الأمر النازل من سماء العقل الأول الأعلى إلى أرض الهيولى السفلى، التي ~~هي محض القوة والعدم، المشار إليها بقوله تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا # [الإنسان:1]. # ثم شرع في الصعود والإرتقاء إلى ما نزل منه والرجوع إلى ما بدأ منه، ~~فصار بالامتزاج وحصول المزاج طينا، ثم منيا فيه صورة حافظة للتركيب ~~كالمعادن، ثم صار مضغة قابلة للنمو كالنبات، ثم صار علقة قابلة لأن ~~تلجه الروح، ثم صار بشرا سميعا بصيرا، ثم رجلا بالغا انفتح بصره ~~قليلا إلى ما وراء هذا العالم، كما قال سبحانه: # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما ~~شاكرا وإما كفورا # [الإنسان:2 - 3]. وهلم إلى أن يبلغ درجة العقول، بل العقل الأعظم والقلم ~~الأعلى، لو لم تعقه العوائق وقواطع الطريق. # وأما كون زمان هذا الصعود ومدة هذا الإرتقاء يوما كان مقداره ألف ms1241 سنة، ~~فهو شيء لا يعلمه بخصوصه إلا علام الغيوب، أو من اصطفاه من رسوله، أو ~~من ينتمي إلى وصيه، فإن مكث الإنسان في كل عالم وحضرة يمر عليها بحسب ~~طول مسافة سفره، وتهيئة أسباب ارتحاله، وانتفاع كل عالم من وجوده، ~~واستتمام أهل كل نشأة ومرتبة به وبخدمته، وإمداده وحسن تلقيه أولا ~~ومشايعته ثانيا، هو بحسب ما يدركونه فيه من شيمة العناية وأثر الاختصاص ~~وشرف الاصطفاء، وما من عالم يمر عليه إلا وهو بصدد التعويق في الإنحراف ~~المعنوي، لغلبة صفة بعض الأرواح يتصل حكمه عليه، أو بعض الأفلاك الذي ~~ينوط به طالع ولادته البدنية، أو بحسب دولة بعض الأسماء الإلهية المدبر ~~له. # الذي هو طالعه الأسمائي قبل طالعه السمائي، فيعوق أو ينحرف عما يقتضيه ~~حكم الاعتدال الجمعي الاستقامي الذي هو شأن من يختار النهاية من الأنبياء ~~والاولياء (عليهم السلام)، ثم الأمثل فالأمثل. # فإذا دخل عالم المولدات، سيما من حين تعدى مرتبة المعدن إلى مرتبة ~~النبات وعالمه، إن لم تصحبه العناية بحسن المعونة والمرافقة والحراسة ~~والرعاية حيف (ظ - خيف) عليه، فإنه بصدد آفات كثيرة، لأنه عند دخوله عالم ~~النبات إن لم يكن محروسا معتنى به، قد ينجذب في بعض المناسبات التي ~~تشتمل عليها جمعيته، إلى نبات ردي لا يأكله حيوان ولا يأكله الأبوان أو ~~أحدهما، ويفسد ذلك النبات فيخرج منه إلى عالم العناصر، ويبقى فيه حائرا ~~عاجزا، حتى يعان ويتدارك بلطف جديد، ويؤذن له في الدخول مرة أخرى ~~بعد دخوله واتصاله بنبات صالح للتغذي، فربما عرضت له آفة من العناصر من ~~برد شديد، أو حر مفرط، أو رطوبة زائدة، أو يبس بالغ، فيتلف ويخرج يستأنف ~~دخولا آخر، هكذا مرارا شتى حسب ما شاء الله وقدر. # ثم على تقدير سلامته مما ذكرناه بسبب الرعاية والحراسة وباقي النعم التي ~~يستدعيها استحقاقه، ربما تم في صورة نبات، لكن تناوله حيوان ولم يقدر ~~للأبوين أكله أو أكل ذلك الحيوان لمانع من الموانع، لما لم يكن رزق الذين ~~سبق في علم الله أن يكونا أبويه، وإذا قدر ms1242 مواطأة كل ما ذكرنا، وتناوله ~~الشخصان المعينان في العلم أن يكونا أبويه أو أحدهما، وصار ذلك النبات ~~كيلوسا، ثم دما ثم منيا، فإنه قد يخرج على غير الوجه الذي يقتضي ~~تكوينه، فهو مفتقر إلى نعمة الحراسة الرعاية في كل مرتبة وحال إلى حال ~~مسقط النطفة مدخلا كريما، وحال انفصاله ونزوله عن الوالدة منزلا ~~مباركا، فإن لمسقط النطفة ومسقط الرأس في أمر الإنسان الكامل الجامع ~~للأسماء مدخلا عظيما من حيث ظواهره وباطنه. # وجملة القول: إنه ما من مرتبة من هذه المراتب التي ذكرت ولم تذكر، إلا ~~ويتصور للإنسان تعوقات عما بصدده من السلوك إلى عالم الربوبية بحسب أمور ~~شتى، من عدم توافق الأسباب الأرضية، وعدم اجتماع المعاونات الفلكية على ~~وضع يؤدي إلى وجود مثل هذا الإنسان الذي يستحق الإرتقاء إليه تعالى، وقطع ~~القوس الصعودية تماما، أو الحكم والمصالح التي تترتب على مكنته في ~~كل مرتبة وعالم من التي يعلمها علام الغيوب، حتى يخلص من الجميع ويصعد ~~إلى الله في الترقي من مقام إلى مقام، ومن عالم إلى عالم، بأن يترقى من ~~مقام الطبايع إلى مقام المعادن بالاعتدال، ثم إلى مقام النبات، ثم إلى ~~الحيوان، ثم إلى الإنسان في مدارج الانتقالات المترتبة بعضها فوق بعض، ثم ~~في منازل السلوك: كالإنتباه، واليقظة، والتوبة، والإنابة، إلى آخر ما ~~أشار إليه أهل السلوك من منازل النفس ومناهل القلب، ثم في مراتب الفناء ~~في الأفعال والصفات إلى الفناء في الذات بما لا يحصى كثرة. # ثم اعلم أنه ليس في قوله تعالى: { ثم يعرج إليه في يوم ~~كان مقداره ألف سنة } نص صريح على أن كل روح من الأرواح ~~المقدسة لا بد وأن تكون مدة مكثه نزولا وصعودا ما بين البدو والانتهاء ~~هذا المقدار، بل يحتمل أن يكون بعضها هكذا وبعضها يقطع المسافة العروجية ~~في أقل مدة تتصور، لأن ذلك يتفاوت في الناس بحسب مراتب جوهر أرواحهم، ~~لطافة وكثافة، ومراتب توافق المعاونات والمعدات كثرة وقلة، وتطابق ~~الأوضاع للطالع السماوي ومقتضيات الطالع الأسمائي من حيث توجه الحق إليه ms1243 ~~شدة وضعفا بحسب ضرب من أعداد من الأسماء التي تقتضي سرعة العود ~~لمظهرها إليها أو أقل منها أو بخلافها، فرب إنسان يقول: الآن في أذني قول ~~الحق في الأزل: # ألست بربكم # [الأعراف:172]، وذلك لقلة الحجاب وشدة الصفاء في الفطرة. # كشف استفادي # لا يبعد أن يكون اليوم المذكور المقدر بألف سنة من أيام الدنيا، إشارة ~~إلى آخر الأيام الأسبوعية الدنيوية التي ستة منها مضت وانقضت قبل هذا ~~اليوم الآخر المسمى بالجمعة، وهي الستة التي كان كل واحد منها ميلاد واحد ~~من الأنبياء العظام الستة، الذين بهم وبمتابعتهم صعدت النفوس الشريفة ~~الإنسانية من أسفل سافلين إلى أعلى عليين، وهم آدم ونوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وعليهم أجمعين)، وأما اليوم السابع وهو الذي ~~للمحمديين من أولاده المعصومين سلام الله عليهم أجمعين، ووراثة الراسخين ~~في العلم، الكاملين في العمل، القائمين بأمر الله، المعلنين كلمة الحق، ~~المستحفظين دينه إلى زمان ظهور المهدي (عليه السلام)، الذي به يكون غاية ~~ارتفاع نهار هذا اليوم، وغاية سطوع شمس الحقيقة في وسط سماء الاستقامة ~~الحقيقية، ومعدل النهار الاعتدال الجمعي الكمالي، فيه ظهور نور دين ~~التوحيد الإلهي، وانفلات ظلام الشرك الإبليسي، وانقماع الباطل الوهمي ~~بالكلية، إذ به يملأ الله الأرض قسطا وعدلا، بعدما ملئت ظلما وجورا، ~~وعند ذلك تقوم الساعة، لأن وجود الدنيا مبني على الحجاب والاحتجاب، وحيث ~~رفع النقاب وانقشع السحاب، فلا وجود للامع السراب، لشدة إشراق الحقيقة ~~الموجبة لاضمحلال الرسوم والأطلال والسحب والظلال، اضمحلال الجميد وذوبان ~~الثلوج عند ارتفاع الشمس في رابعة النهار. # وأما اليوم المقدر بخمسين ألف سنة في قوله تعالى: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج:4]، فهو يوم من أيام الله تعالى العلي بالذات، ذي المعارج ~~العلى التي يعرجها أهل القيامة الكبرى إلى حضرته الذاتية، وهي أيام السنة ~~السرمدية من ابتداء الأزل إلى انتهاء الأبد، وهو غير هذا اليوم، لأنه يوم ~~من أيام الرب، المقدر بألف سنة الذي وقت به التدبير في قوله تعالى: { ~~يدبر الأمر من ms1244 السمآء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ~~} ، ووقت به العذاب وانجاز الوعد في قوله تعالى: # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده # [الحج:47]، وهو اليوم الآخر (ظ - الأخير) من الأسبوع الذي هو مدة ~~الدنيا، المنتهية بنبوة خاتم الأنبياء (صلوات الله عليه) وظهور دينه ~~وانتشار نوره الذي يكمل في آخر الزمان لقوله تعالى: # ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون # [التوبة:32]، وإن كان أول بعثته في آخر اليوم السادس، وإلى هذا السابع ~~أشار بقوله: (صلى الله عليه وآله وسلم): # " إن استقامت أمتي فلها يوم وإن لم تستقم فلها نصف يوم " # مع قوله: # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # ، كما مر ذكره. # وبالجملة، فهذا يوم من الأيام الألوهية، وهو مقدار اقتضاء الربوبية ~~بظهور أسماء الله الغير المتناهية التي يندرج مع لا تناهيها في الأئمة ~~السبعة، وهي: الحي، العالم، القادر، السميع، البصير، المتكلم، المريد. ~~ولكل من هذه السبعة ربوبية مطلقة بالنسبة إلى ربوبيات الأسماء المندرجة ~~تحته، مقيدة بالنسبة إلى ربوبية كل واحد من إخوانه إلى انتهائه بالتجلي ~~الذاتي، وكما أن هذا اليوم المذكور سبع من أيام الدنيا، فمدة الدنيا ~~سبع من ذلك اليوم الإلهي، الحاصل من ضرب أيام الدنيا في عدد أسماء ~~الربوبية، وهو تسعة وأربعون سنة، وآخره الخميس (الخمسين - ن) الذي هو يوم ~~واحد من أيام الله، وهو يوم القيامة الكبرى، والله أعلم بحقائق الأمور. # تنوير تمثيلي # إعلم أن الله تعالى وضع العالم على هيئة مدينة كاملة، فيها مساجد ~~وبيع وصلوات، ولأهل الدين فيها مجالس ومجامع وجمعات وأعياد، وكما أن ~~للمدينة صناع وعمال لهم أجره وأرزاق، وفيها بيع وتجار يتعاملون ~~بموازين ومكائيل، ولهم مظالم وخصومات، ولهم فيها قضاة وحكام وعدول، ولهم ~~فقه وأحكام وفصول، وان من سنة القضاة والحكام البروز والجلوس لفصل ~~القضاء في كل سبعة أيام يوم واحد، فهكذا يجري حكم القضاء الإلهي في كل ~~سبعة آلاف سنة مرة، لعرض النفوس الجزئية لدى الملك الحق المبين، لفصل ~~القضاء بينها: # فلا تظلم نفس شيئا وإن كان ms1245 مثقال حبة من ~~خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء:47]. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: # " عمر الدنيا سبعة آلاف سنة بعثت في آخرها ألفا ". # وقال: # " لا نبي بعدي على هذه الأمة ". # يقوم القيامة وهو يوم العرض الثاني، كما أن يوم العرض الاول ما أشار ~~تعالى إليه: # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ~~شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين # [الأعراف:172]، وبين اليومين سبعة أيام، كل يوم كألف سنة مما تعدون. ### || [32.6-9] # { ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) ~~الذي أحسن كل شيء خلقه } # ذلك المدبر " عالم " يكون علمه عين إيجاده للأشياء على أحكم وجه وأتقنه، ~~وإيجاده للأشياء على أبلغ النظام والأحكام عين علمه وتدبيره، فيكون غيبه ~~شهادة وشهادته غيبا وهو العزيز في غاية العظمة والكبرياء، لبراءة ذاته ~~عن وصمة الحدوث والإمكان، وعن شوب الاشتراك والمماثلة مع الماهيات، " ~~الرحيم " الذي يصل نور فيضه وأثر جوده إلى كل عال وسافل، وقاص ودان، ~~لكونه في العلو الأعلى من جهة الذات والوجود، والدنو الأدنى من جهة ~~الفيض والجود، ولذا عقبه بقوله: { أحسن كل شيء خلقه } ، ~~فإن ذاته لما كانت في غاية الجلالة والعظمة، وكانت الموجودات كلها نتائج ~~ذاته وأشعة أنوار صفاته، فيكون في غاية ما يمكن من الحسن والجمال ~~والكمال، ولأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة ~~الإلهية، وأوجبته العناية الأزلية، فتكون جميع المخلوقات حسنة في غاية ~~الحسن المتصور في حقه، وإن تفاوتت وانقسمت إلى حسن وأحسن إذا قيس بعضها ~~إلى بعض، كما قال سبحانه: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين:4]. # أما الشرور والآفات التي يتراءى في نظر المحجوبين، فهي ليست شرورا ~~بالحقيقة، لأن الشر الحقيقي عدم أو عدمي لا وجود له، وأما الذي يؤدي إلى ~~عدم ذات أو عدم كمال الذات مما يسمى باسم الشر مجازا فهو إنما خلق لأجل ~~النفع في أشياء آخر، لا يهملها خالق القضاء والقدر، وما ms1246 يعد شرا، في ~~تركه شر أكثر بكثير منه، وهو أيضا لا يوجد إلا في جزء من وجه الأرض، ~~وهي حقيرة بالقياس إلى السماء الدنيا الخالية عن هذه الآفات مع حقارتها ~~بالنسبة إلى جملة السموات المقهورة، المطموسة تحت أشعة الأنوار القادسات ~~والقاهرات، الأسيرة كلها في قبضة الرحمن، ولا نسبة لعالم الإمكان الذي هو ~~مثار القصور والنقصان، إلى جناب الكبرياء الباهر برهانه على الضياء. # فقد لاح أن الوجود كله على أحسن ما يتصور من الحسن والنظام، ولنا ~~براهين نيرة على هذا المطلب أوردناها في مواضع من كتبنا على وجه البسط ~~والتحقيق، من أراد الوقوف عليها فليطلبها من هناك، والله ولي التوفيق. # وقيل: معنى { أحسن كل شيء خلقه } علم كيف يخلقه، كما قال ~~أمير المؤمنين (عليه السلام): " قيمة كل امرئ ما يحسنه ". وحقيقته بحسن ~~معرفته، أي يعرفه معرفة حسنة بتحقيق واتقان، وقرئ { خلقه } على ~~البدل، أي أحسن خلق كل شيء و " خلقه " على الوصف، أي كل شيء خلقه فقد ~~أحسنه. # { وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من ~~سلالة من مآء مهين (8) ثم سواه ونفخ فيه من ~~روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~قليلا ما تشكرون (9) } # لما وصف خلقه بالحسن، ولا ريب في أن حسن النظام بترتب الغاية المطلوبة ~~منه، وغاية إيجاد العالم - كما بين - ذاته تعالى معروفا ومعلوما كما ~~دل عليه الحديث القدسي من قوله تعالى: (كنت كنزا مخفيا فأحببت أن ~~أعرف فخلقت الخلق لأعرف)، وحامل معرفة الله من جملة الأكوان الحادثة هو ~~الروح الإنسانية التي هي نور من أنوار الله الفائضة على اللطيفة القلبية، ~~وسره الواردة من أمر " كن " على عرش الجسم البخاري القلبي، المشابه للجرم ~~السماوي المنعوت بقوله تعالى: # وهي دخان # [فصلت:11]، فأراد أن يشير عقيب ذكر إحسان خلق كل شيء إلى كيفية خلقة ~~الإنسان الذي هو الثمرة لوجود الخلائق. # ثم لما كانت حقيقة الإنسان ذات جهتين، مركبة من أصلين هما خلاصة ~~العالمين: بدن هو صفوة الأجسام العنصرية، وروح هي صفوة الأرواح - كما أن ~~العالم بتمامه منقسم إلى غيب ms1247 وشهادة -، كذلك الإنسان الذي هو على صورة ~~العالم، عالم صغير مشتمل على غيب وشهادة، أي روح وجسم، فأشار إلى أصل ~~تكون كل منهما، وقدم بيان نشوء البدن على بيان نشوء الروح، لكونه أظهر ~~وجودا وأجلى معرفة على المتوطنين في دار المحسوسات، فقال مشيرا إلى ~~انشاء البدن: { وبدأ خلق الإنسان من طين } ، هذا بحسب أصل ~~خلقته الحدوثية في أول شخص وجد كآدم (عليه السلام)، فإنه كان إنسانا ~~تولد من غير مادة باقية من شخص آخر أو شخصين، استعدت لوجود ذلك الإنسان ~~استعدادا قريبا. # ثم قال: " وجعل نسله من ماء مهين " ، وهذا بحسب وجوده البقائي التوالدي، ~~الحاصل من بقية أصل بدني، كان جزء من بدن مماثل للبدن اللاحق المسمى ~~بالنسل، أي الذرية، وإنما سميت ذرية الإنسان نسلا له، لأنها تنسل منه، ~~أي تنفصل منه وتخرج من صلبه، ونحوه قولهم للولد: " سليل " ، و " نجل ". # وقال مشيرا إلى انشاء الروح وإبداعها: { ثم سواه ونفخ فيه ~~من روحه } ، ونعم ما قال الزمخشري من قوله: وذلك بإضافة الروح إلى ~~ذاته على أنه خلق عجيب لا يعلم كنهه إلا هو، كقوله: # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ومآ ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء:85]. # واعلم أن الخطب في الروح العظيم، والكلام فيه طويل، قل من الحكماء من ~~حصل معناه، وقل من النظار من بلغ إلى فحواه، وليس هذا الروح المذكور في ~~هذا الموضع ما أثبته الأطباء، وهو الجرم الشبيه بالأجرام السماوية، ~~لصفائه واعتداله وتوسطه بين الكيفيات المتقابلة التي هي من أوائل ~~الملموسات، والأطراف المتضادة، والتوسط بين الكيفيات المتقابلات بمنزلة ~~الخلو عنها. # وليس المراد منه ما سماه الحكماء: " النفس الناطقة " ، التي هي جوهر ~~مدبر للبدن، مرتبتها مرتبة العقل الهيولاني، ولها استعداد الترقي إلى ~~مقام الروح الإلهي الذي هو من أمر الله، وكل ما كان من أمر الله وعالم ~~جبروته وقاهريته، فشأنه التأثير في الأشياء بالقهر والإبداع من غير ~~انفعال واستكمال بما تحته، فكيف يكون منفعلا عن البدن ويكون الحاصل منه ~~ومن المادة البدنية نوعا طبيعيا ذا ms1248 مادة وصورة، له تركيب اتحادي ~~بينهما، كما هو شأن النفس، والنفس إذا أثرت في شيء ما أثرت إلا بتأييد ~~هذا الروح المسمى عند بعضهم بالعقل الفعال. # وإليه أشار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: # " إن الله تبارك وتعالى خلق العقل من نور مخزون مكنون في سابق علمه الذي ~~لم يطلع عليه نبي مرسل ولا ملك مقرب، وهو أول ما خلق الله، قال له: " ~~أدبر " فأدبر. ثم قال له: " أقبل " فأقبل. فقال: " تكلم " فقال: ~~الحمد لله الذي ليس له ضد ولا ند، ولا شبيه ولا كفو، ولا عديل ولا مثل، ~~الذي كل شيء لعظمته خاضع ذليل. # فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك، ولا ~~أطوع لي منك، ولا أرفع منك، ولا أشرف منك، ولا أعز منك، بك أحيي وبك ~~آخذ، وبك أعطي وبك أوحد، وبك أعبد وبك أدعى، وبك أرتجى وبك ~~أبتغى، وبك أخاف وبك أحذر، وبك الثواب وبك العقاب. # فخر العقل عند ذلك ساجدا، فكان في سجوده ألف عام، فقال الرب تبارك ~~وتعالى: إرفع رأسك، وسل تعط، وأشفع تشفع. # فرفع العقل رأسه فقال: إلهي أسألك أن تشفعني فيمن خلقتني فيه. # فقال الله جل جلاله: أشهدكم اني قد شفعته فيمن أخلقه فيه ". # وهذا الحديث متفق عليه بحسب الفحوى، وإن كانت العبارات مختلفة النقل، ~~وإني اخترت هذا النقل لكونه أمتن وأوثق، وقد شرحت معنى الإدبار والإقبال ~~المنسوبان إلى العقل الفعال في تفسيرنا لآية الكرسي بما لا مزيد عليه، ~~وذكرنا هناك أن هذه الصفات كلها صادقة في حق النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بحسب المقام المحمود عند ربه. # إشارة # واعلم أن الروح البخاري الموضوع لمسائل علم الطب، ظل محاك للروح ~~الإلهي، ومحل استوائه عليه ومعسكر لقواه وجنوده، وهو أيضا حاصل بعد ~~تسوية العناصر وتعديلها وتوسطها في الكيفية بين الأطراف المتضادة، كما إن ~~هذا الروح الإلهي الذي هو موضوع لمعرفة الله وعلم المعاد، حاصل بعد تسوية ~~الأخلاق وحصول العدالة والتوسط في الصفات الأربعة بين أطرافها المتقابلة، ~~فإن ms1249 " العدالة " كيفية حاصلة من العفة المتوسطة بين إفراط القوة الشهوية ~~- المسماة بالفجور - وتفريطها - المسماة بالخمول -، ومن الشجاعة المتوسطة ~~بين إفراط القوة الغضبية وتفريطها - المسماتين بالتهور والجبن -، ومن ~~الحكمة المتوسطة بين طرفي القوة الإدراكية، المسماتين بالجربزة والبلاهة. # والعدالة أيضا متوسطة بين الظلم والانظلام، الحاصلتين من إفراط بعض تلك ~~القوى وتفريطها. # ومعنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " العلم علمان، علم الأبدان وعلم الأديان " # إشارة إلى أن كمال الإنسان بحسب النشأتين منوط بإصلاح هذين الروحين، إذ ~~بمعرفة الطب والعمل بمقتضاها ينصلح الروح الذي بدء خلقه من طين، لأن صفوة ~~العناصر الغالب عليها الأرض ومرجعه إليها، وبمعرفة العلم الإلهي والدين ~~الرباني ينصلح حال الروح الذي هو من الله ومرجعه إليه تعالى، فبإصلاح ~~أحدهما وتعديله ينصلح أمر المعاش في الدنيا، وبإصلاح الآخرة ينصلح أمر ~~المعاد في الآخرة، والأحوط عند الأكياس ترجيح صلاح المعاد على صلاح ~~المعاش، وعيش الآخرة على عيش الدنيا، بل # " لا عيش إلا عيش الآخرة " # كما ورد في الحديث، وعليه الأنبياء والاولياء والصديقون سلام الله ~~عليهم أجمعين. # تنبيه فرقاني # إعلم أن أكثر الألفاظ الواردة في الكتاب الإلهي كسائر الألفاظ الموضوعة ~~للحقائق الكلية، مجملة، يطلق تارة ويراد به الظاهر المحسوس، ويطلق تارة ~~ويراد به سره وحقيقته وباطنه، وتارة يطلق ويراد به سر سره وحقيقته وباطن ~~باطنه. # وذلك لأن أصول العوالم والنشآت ثلاثة: الدنيا، والآخرة، وعالم الإلهية، ~~وكلها متطابقة، وكل ما يوجد في أحد من هذه العوالم يوجد في الأخيرين على ~~وجه يناسب كل موجود لما في عالمه الخاص به. # فالروح مثلا، كما يطلق على الجسم البخاري، يطلق أيضا على النفس ~~الحيوانية أو الإنسانية، ويشترك جميع أفرد الإنسان في الاول والثاني، ~~وكذلك يطلق على الروح الإلهي الذي هو محل استواء الرحمان بلا واسطة ومحل ~~نفخه وفيضه، وله الخلافة الكبرى من الحق والسلطنة العظمى نيابة عنه ~~تعالى. # فمن تلك الألفاظ: السمع، والبصر، والفؤاد، فإن هذه الثلاثة ربما يراد ~~بها الأعضاء الثلاثة، كالأذن الغضروفي، والعين الشحمي، والقلب اللحمي، ~~وما يتعلق بها من الأعصاب والأرواح التي كلها ms1250 من عالم الخلق والتقدير ~~وعالم الشهادة والحس، وربما يراد بها القوة السمعية المدركة للأصوات ~~والألفاظ والنغمات، والقوة البصرية المدركة للأضواء والألوان، والقوة ~~القلبية المدركة للمفهومات وأوئل المعقولات والمسلمات المقبولات، وتارة ~~يراد بالسمع سماع المواعظ والحكم القرآنية، والآيات الإلهية، وبالبصر ~~مشاهدة أولياء الله وأحبائهم ومعارفهم وتصديق حالهم، وبالفؤاد الروح ~~القدسي الواصل إلى الله تعالى بنور العرفان. # وهذه المعاني الأخيرة، مما لا اشتراك لجميع الناس فيه، بل تختص ~~بالمقربين، وكذلك معانيها المتوسطة مما لا يشترك الجميع فيه، إلا أنها ~~أشمل وجودا من الأخيرة، بل تختص بالمتوسطين من الناس، وهم أصحاب اليمين ~~وأهل السعادة العملية، الفائزون بنعيم الآخرة بميراث عملهم، إن لم تكن ~~أعمالهم مشوشة مغشوشة بالجهل المركب والاستبداد بالرأي، والخروج عن صفو ~~الاستعداد المطلق بالأكدار الاعتقادية الباطلة الوهمية في أحوال المبدأ ~~والمعاد. # فإذا علمت هذا، فاعلم أن قوله: { وجعل لكم السمع ~~والأبصار } ، لما وقع في معرض الامتنان وإظهار الإحسان، فالظاهر أن ~~المراد بالسمع والبصر ها هنا ما يختص بأحباء الله والمتألهين ~~والمقربين، لا المبعدين الناكرين ممن ليس لهم نصيب من القرآن، وهم عن ~~السمع لمعزولون: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال:23]، ولا من الذين كانوا عمي القلب عن مشاهدة الحقائق كأبي لهب ~~وأبي جهل ونظرائهما في الجهل والعمى والصمم عن مشاهدة آيات الله وسماع ~~ذكر الحبيب. # ولو كان لفظ السمع والبصر والقلب - أينما وقع في القرآن - كان المراد ~~منه ما وقع فيه الاشتراك لجميع الناس من هذه المشاعر الحسية الدينوية، ~~لما سلب الله سبحانه معانيها عن أهل الكفر والجهل بقوله: # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # [البقرة:171]، مع وجود هذه الآلات فيهم، وكذا قوله: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بهآ أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف:179]، لعدم انتفاعهم بهذه الآلات بصرفها فيما خلقت لأجله ~~ليزيدهم بسبب شكر هذه النعم الدنيوية نعمة بواطن هذه المشاعر وحقائقها، ~~أو لعدم نصيبهم من تلك ms1251 النعم الباطنية، وزوال استعدادهم واستحقاقهم لها، ~~كما لا نصيب للأنعام منها، وإنما هم أضل، لبطلان استعدادهم بالمسخ ~~والطمس لعدم الشكر منهم لله على هذه النعم، والعمل بخلاف ما أعطيت له. # وفي قوله: { قليلا ما تشكرون } ، إشارة لطيفة إلى ان هذه ~~الظواهر نعم جليلة يجب الشكر عليها، ليصل إلى مقام أسرارها وحقائقها. # وقوله: { جعل لكم السمع والأبصار } ، وإن كان ظاهره ~~مشعرا بعموم هذه العطية، إلا أن الواقع في معرض الامتنان والإحسان ليس ~~إلا ما يختص بالقليل النادر من الناس من بواطن هذه الظواهر وغيوب هذه ~~الشواهد، لأن قوالب هذه الآلات بمجردها ليست من الأمور الشريفة الباقية ~~الأخروية حتى يلائم ذكرها بعد ذكر الروح الأمري الحاصل بالنفخ الإلهي، ~~وعدها في معرض ذكر الأفعال الإلهية، وبعد ذكر عظائم الأمور الصادرة من ~~الحق سبحانه. # ومن الدلائل القاطعة على أن أهل الحجاب الكثيف، وأصحاب التجسم والبعد ~~عن عالم الملكوت محرومون عن النظر إلى آيات الله وشهود أهل الله، مع وجود ~~هذه الباصرة الدنيوية، قوله تعالى: # وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون # [الأعراف:198] أي ينظرون اليك من حيث بشريتك، ولا يبصرونك من حيث ~~نبوتك، فإنهم لا يرون من أولياء الله وأحبائه ومحبوبيه إلا البشرية ~~المحسوسة، وليس لهم اطلاع على أعيان الآخرة وأهل القرابة الإلهية، ~~ولذلك حكى الله عن نكرهم وجهلهم وإنكارهم واستنكارهم لوجود الأنبياء ~~بقوله: # قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا # [يس:15]، وبقوله: # إن أنتم إلا بشر مثلنا # [إبراهيم:10]. # وإن سألت الحق فليس معنى الكفر الا هذه النكرة، والاحتجاب بهذه الحياة ~~الدنيوية، والالتباس بهذه الحواس الحسية، والإنسان ما لم يتجرد من هذه ~~الغشاوات والأسبال (لاسباب - ن)، لم يخرج إلى فضاء الإيمان ومعارفة أهل ~~الإيقان وأصحاب المشاهدة والعيان، فكن أحد الرجلين: إما سميعا بصيرا ~~بالسمع والبصر الأخرويين، عارفا بحقائق الأمور، شاهدا بحال أولياء الله ~~تعالى، وإما مقلدة متشبثا بذيل قائد يسمع آيات الله بسماع عقلي، ويرى ~~ملكوت السموات والأرض ببصيرة كشفية، فتكون بصيرا ببصره وسميعا بسمعه ~~ماشيا بمشيه، كقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) # " صلوا كما ms1252 رأيتموني أصلي " # ، ولو قال: # " صلوا كصلاتي " # من الذي قدر على مثل صلاته، فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلي ~~وفي قلبه أزيز كأزيز المرجل لهيبة الحضور من الرب سبحانه، ودهشته مشاهدة ~~ملكوته. # فالرجل الاول حي بالذات حياة طيبة، والثاني حي بالعرض كشعر الحيوان ~~وعظمه وظلفه. ### || [32.10] # قالوا - أي منكرو البعث والحشر، وقيل: القائل أبي بن خلف ولرضاهم ~~بقوله أسند إليهم جميعا. # أإذا ضللنا في الأرض، أي غبنا فيها وصرنا ترابا محضا، أو ذهبنا ~~مختلطين بتراب الأرض لا نتميز منه كما يضل الماء في اللبن، فإن كل شيء ~~غلب عليه غيره حتى يغيب فيه فقد ضل، وقيل معناه: غبنا في الأرض بالدفن ~~فيها، من قول الشاعر: # وآب مضلوه بعين جلية # وغودر في الجولان حزم ونائل # وعن قتادة ومجاهد: إن معنى " ضللنا ": " هلكنا ". # وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، " ضللنا " - بكسر اللام - يقال: ~~ضل يضل وضل يضل. # وقرأ الحسن: " صللنا " من: صل اللحم وأصل إذا أنتن، وربما يقال في ~~معناه: صرنا من جنس " الصلة " وهي الأرض. # { أإنا لفي خلق جديد }؛ استفهام إنكاري لغاية كونه ~~مستبعدا، بل مستحيلا عندهم، أي أنحن أحياء مبعوثون بعد الفساد ~~والاضمحلال؟ فالظرف في: { أإذا ضللنا } متعلق بما يدل عليه { ~~أإنا لفي خلق جديد } من نحيا أو نبعث أو نخلق مجددين. # { بل هم بلقآء ربهم كافرون }: أي إنكارهم للوعد والوعيد ~~والثواب والعقاب وكفرهم بجميع ذلك، إنما نشأ من كفرهم بلقاء ربهم وجحودهم ~~لبعثة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتكذيبهم لأصل النبوة، وإلا ~~فبعد تصحيح أصل التوحيد والرسالة، لم يبق لإنكار ما يخبر به المخبر ~~الصادق مجال، نعم ينبغي أن يزال ظاهره عن الاستحالة والامتناع، وهو كذلك ~~كما يظهر عند التأمل. # هذا ما سنح لهذا العبد، وظني أنه أولى مما ذكر في الكشاف بعد ما جعل ~~معنى: " لقاء ربهم " الوصول إلى العاقبة، أي تلقي ملك الموت وما ~~وراءه، وهو أنه لما ذكرهم كفرههم بالإنشاء، أضرب عنه إلى ما هو أبلغ في ~~الكفر، وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون ms1253 في العاقبة لا بالإنشاء وحده، ألا ~~ترى كيف خوطبوا بتوفي ملك الموت وبالرجوع إلى ربهم بعد ذلك بمعوثين ~~للحساب والجزاء. # حكمة قرآنية # إعلم أن علم المعاد من أعظم أمهات الإيمان وأصوله، وأشرف الحكمة ~~المتعالية وفصولها، قل من الحكماء من لم يزل قدمه في سلوك طريقه. ~~وندر من العلماء من بلغ فهمه إلى درك تحقيقه، وخاض في لجة بحر ~~تعميقه، فالناس في الاعتقاد بهذه المسألة بين مقلد محض وجاحد صرف، كم من ~~مجتهد في سائر المسائل إذا وصل هاهنا حمل قلادة التقليد على عنقه طاعة ~~للشرع المبين، وكم من باحث يسلم سائر المقدمات الإيمانية ويقبل بفهمه ~~جل الأصول الاعتقادية، متى استعرضت هذه المسألة على طبعه الوقاد جحد ~~وأنكر ونهج طريق الغواية، وانحرف عن جادة الحق واليقين. # ولأمر ما وقع التكرار والتكثار في القرآن المجيد لبيانها، ودفع الإنكار ~~والاستنكار عن الخصوم بطرق كثيرة لتبيانها، والاهتمام لتحريرها وتقريرها ~~أزيد من غيرها، وذكر جحود الجاحدين فيها أكثر من ذكر جحودهم في غيرها. # وإني لم إر أحدا من الفضلاء عنده خبر تحقيق في هذا المرام، الذي هو قرة ~~عيون الكرام، ولا وجدت في كلام أحد من فحول علماء الإسلام من السابقين ~~واللاحقين ما كان فيه شفاء لعليل هذا الداء العضال التي عيت أطباء ~~القلوب من الحكماء العظام، أو يكون به رواء غليل في حل هذا الإشكال التي ~~عمت داهيته الخاص والعام. وقليل من فحول أساطين الحكماء الربانيين من ~~حقق علم المعاد الجسماني على النهج اليقيني، والطمأنينة البرهانية ~~والسكون العرفاني، لأن المقدمات الحسية الدنيوية لا تنتج النتيجة ~~الأخروية، والقضايا الدائمة العقلية لا تستوجب المطلوب المثالي، فكيف يجد ~~الإنسان الطريق إلى مثل هذا المطلوب الذي هو أحد عمودي الاعتقاد، وهما ~~علم المبدأ وعلم المعاد؟ # والحكماء كأبي علي بن سينا ومن في طبقته، وإن بلغوا في تقديس المبدأ ~~وتنزيهه عما لا يجوز عليه من المثل والشبه والنظير إلى ما بلغوا، ووصلوا ~~في توحيده تعالى عن شوب الاثنينية والتركيب العيني والذهني والاعتباري ~~والتحليلي، وعن وصمة القصور والإمكان العقلي إلى ms1254 ما وصلوا، لكنهم قد ~~قصروا بأسرهم في علم المعاد، وقد اعترفوا عن آخرهم بالعجز والقصور عن ~~الاطلاع والعثور على أحوال الآخرة ونشأة القبور وحالة النشور. وكان هذا ~~المقصود مما لا يمكن الوصول إليه والاطلاع عليه إلا بنور متابعة أفضل ~~الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)، والاقتباس من مشكاة نبوته ~~والاستضاءة بنور أوليائه وأتباعه والاقتداء بهداهم. # لمعة الهية لإزاحة ظلمة شيطانية # إن ما حكى الله سبحانه عن الكفار بقوله: { أإذا ضللنا في ~~الأرض أإنا لفي خلق جديد } إشارة إلى أعظم شبهة يتمسك بها ~~الجاحدون للمعاد، واقوى ريبة يتشبث بها المنكرون للبعث يوم التناد، ~~وقوله: { بل هم بلقآء ربهم كافرون } ، إشارة إلى أجل ما ~~يصلح للجواب وأعلى ما يتصور في دفع الخطاب. # أما شرح تقرير الشبهة: فهو أن عمدة ما يشوش الذهن، ويتبلد الطبع في باب ~~المعاد، أنه يلزم من إعادة الإنسان بعد موته إما إعادة المعدوم - وإن كان ~~البدن المعاد هو بعينه البدن الذي كان في الدنيا - وذلك أمر مستحيل عند ~~العقل، وإما أن يكون المثاب والمعاقب غير الشخص الذي فعل الطاعة أو ~~المعصية بحسب العدد، فقوله { أإذا ضللنا في الأرض } - الآية ~~أي عدمنا وصارت أجسامنا مستحيلة إلى التراب وزالت هويتنا الشخصية، فعند ~~ذلك يتجدد لنا وجود آخر، والوجود يساوق التشخص، فكما أن شخصا واحدا لا ~~يكون له تعينان وهويتان، فكذا لا يكون له وجودان، وإلا لزم أن يكون ~~الواحد اثنين، وهذا بعينه هو ما حكى الله تعالى عن قول من يجحد الآخرة ~~بقوله: # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا # [مريم:66]. # وأما تفسير الجواب وتوضيحه على وجه تندفع هذه الشبهة ونظائرها، فهو مما ~~يستدعي تمهيد مقدمة هي: أن جميع الموجودات العالمية سيما الإنسان، كائنة ~~على وجه يتوجه نحو المبدأ بحسب الجبلة والفطرة، وهو الدين الإلهي الفطري ~~الذي لا يخلو عنه طبيعة ولا جسم، ولا عقل ولا نفس، ولا سماء ولا أرض، ولا ~~بر ولا بحر، ولا ملك ولا حيوان، إلا من غلب عليه الوهم من شياطين ~~الإنس والجن، فجميع ms1255 الموجودات متوجهة نحو المبدأ جل شأنه طبعا وإرادة ~~لقوله تعالى: # فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ ~~أتينا طآئعين # [فصلت:11]. # إلا أن الإنسان الكامل، ممن وصل في سيره الحثيث إلى المقصود الأصلي، ~~والمحبوب الأول العلي، وبلغ إلى الغاية التي يتوجه إليها بحسب فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها، ورجع وعاد إلى المبدأ الذي فارقه وصدر عنه، # كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق ~~عليهم الضلالة # [الأعراف:29 - 30] # ومن يهن الله فما له من مكرم # [الحج:18]. # فإذا علمت هذا، فاعلم أن هذه الحركة المعنوية الإنسانية من لدن كونه ~~منيا وجنينا إلى غاية كونه بالغا عاقلا ذكيا صبورا شكورا حكيما ~~وليا، وهلم إلى أن يصل إلى جوار الله وقربه، لا بد لها من موضوع باق من ~~أول الحركة إلى منتهاها، وإلا لم يكن الشاب ما كان طفلا صغيرا بعينه، ~~ولا الذي سيكون شيخا كبيرا، ومع ذلك فقد تبدل منه جميع ما كان له من ~~مقداره وكيفه وأينه ووضعه ومتاه وانفعاله وفعله وجميع ما يقال له في عرف ~~أهل النظر: العوارض المشخصة. # فقد علم أن من ظن أن هذه الأمور مفيدة للتشخص، أو هي بأعيانها مساوقة ~~للشخصية، فقد أخطأ خطأ فاحشا، بل أمثال هذه الأمور ما هي إلا أمارات ~~لشخص واحد، وآثار منسوبة إليه بوجه من الوجوه من غير علاقة لزومية بينها ~~وبينه، وإنما الهوية هي نحو وجوده الذي هو نصيبه من فيض الربوبية، ولكل ~~وجود من الوجودات الفائضة عنه تعالى شؤونات مختلفة متفاوتة في كثرة ~~التطورات وقلتها بحسب سعة قوته وبسط نشأته. # والوجود في غير الإنسان من موجودات هذا العالم، ليس له إلا مجال ضيق من ~~حد من النقص إلى حد من الكمال بحسب الدنيا، كالبذر الذي يصير ثمرة، كان ~~انتقاله من حد الجمادية إلى حد النباتية، أو كنطفة الحيوان التي تصير ~~حيوانا غير ناطق، فإن سعة سيره ومسافة سفره من حد الجسمية إلى حد ~~الحيوانية. # وأما وجود نوع الإنسان، فهو أوسع مجالا وأكثر آثارا وأفعالا، وأرفع ~~صعودا إلى جهة العلو، وأعظم ms1256 قوسا من النصف الصعودي من دائرة الوجود ~~الذي وقع فيه السفر إلى الله، والتوجه إلى جنابه للموجودات العالمية، ~~وذلك لأنه يرتحل في سيره الحثيث من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية ~~الدائمة، وينتقل في جوهره من نشأة إلى نشأة ثانية. # وهذا الارتحال والانتقال، أمر عام فاش مشترك بين سائر أفراد الإنسان، ~~يستوي فيه الشقي والسعيد، فإن التوجه الفطري إلى الله تعالى، لا ينافي ~~الشقاوة والكفر، لما ذكرنا أن الكل متوجهون إليه تعالى، وإلى الدار ~~الآخرة، لأن النفس الإنسانية منه تعالى بدؤها وإليه رجعاها: # إن إلى ربك الرجعى # [العلق:8] ومن الله شروقها وغروبها، فهبطت إلى هذا القالب الفاني، وغربت ~~فيه، وستطلع هذه الشمس عند خراب القالب من مغربها، وتعود إلى بارئها ~~وخالقها إلا أن نفوس السعداء شموس زاهرة مشرقة غير محجوبة عن الحضرة ~~الربوبية، وأن نفوس الأشقياء المردودين إلى أسفل السافلين، مظلمة منكسفة ~~ناكسة رؤوسها عن جهة أعلى عليين، كما في قوله: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم # [السجدة:12]. # فبين أن نفوس الأشقياء أيضا راجعة إلى ربهم متوجهة إليه فطرة ~~كالسعداء فطرة وإرادة، إلا أنهم لكراهة لقاء ربهم منكوسون منحوسون، قد ~~انقلبت وجوههم إلى أقفيتهم، وانتكست رؤوسهم عن جهة فوق إلى جهة أسفل، ~~وذلك لحكم الله وقضائه السابق فيمن حرمه توفيقه. # وأما تمام هذا السفر الجبلي والتوجه الفطري إلى الغاية الحقيقية ~~والمقصود الأصلي، فإنما يتأتى للكمل والأفراد والأقطاب والأوتاد، ~~الذين لأجلهم خلق العباد، وبهم رزق الورى ولهم يمطر السماء، فهم الذين ~~يرتقون بالمعراج المعنوي والميل الباطني الجبلي من حد الهيولانية ~~الجسمية والنطفية إلى عالم البشرية والفلكية والملكية، مارا على كل نفس ~~وعقل، حتى بلغوا إلى الغاية القصوى والمقصد الأسنى، قاطعا كلتي نصفي ~~دائرة الوجود نزولا وصعودا إلى مجاورة الحق المعبود، مسافرا من هذا ~~العالم الفاني الهيولاني الذي وقع في صف نعال مجلس الإفاضة والخير ~~والجود، منتهيا وأصلا بقدمي العلم والعمل إلى كعبة المقصود، وفي جميع ~~هذه المراتب والدرجات، هو شخص واحد تنحفظ وحدته وشخصيته بفاعله وموجده، ~~وتبقى هويته العينية ms1257 بنحو وجوده اللائق به - وإن تطور بهذه الأطوار ~~وتشأن بهذه الشؤون. # فإذا تبين وتحقق لك هذا، فاعلم أن قوله سبحانه: { بل هم بلقآء ~~ربهم كافرون } ، إشارة إلى رد شبهتهم، وفك عقدتهم من وجوه: # الأول: التنبيه على قصورهم عن درك هذا التوجه الفطري للعباد إلى عالم ~~الآخرة، ولقاء ربهم في المعاد. # الثاني: التنبيه على فساد قولهم: " إن الشخص المعاد في المعاد غير الذي ~~كان في الدنيا بحسب الشخصية والعدد مطلقا " ، بل هذا ذاك بحسب الباطن ~~والحقيقة، كما أن زيدا الشاب هو بعينه زيد الطفل، وإن تبدلت جثته وجميع ~~أعراضه وصفاته، وذلك لأن تشخص الشيء بفاعله ومقومه ونحو وجوده الذي هو ~~به هو، لا ببدنه وأعراضه المتبدلة، وإطلاق الشخص على الأعراض المكتنفة من ~~باب تجوز التسمية للشيء باسم سببه، وزوال الأثر والعلامة لا يستلزم زوال ~~المؤثر المعلوم به، - فتفطن -. # والثالث: الإشعار بأن إنكار المعاد، والجهل بوجود عالم آخر إليه رجعى ~~العباد، وفيه حشر الأجساد للحساب والميزان إنما نشأ للمغترين بعقولهم ~~القاصرة، المحجوبين بفطانتهم البتراء وبصيرتهم الحولاء، لعدم اهتدائهم ~~إلى أن وجود الإنسان ووقوعه في هذا العالم أمر عارض له بعد خروجه عن ~~فطرته الأصلية التجردية. ونزوله عن جنة آدم أبيه بجناية صدرت منه، وكل من ~~خرج من موطن ومعدن لأمر عارض، لا بد وأن يرجع إليه ولو بعد حين، ما دام ~~بقاؤه على فطرته الأصلية، وعدم مسخه وطمسه بالكلية، وكما أن معادن النفوس ~~مختلفة لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " # ، فكذلك غايات قصودهم، ومراكز حركاتهم، ونهايات أسفارهم، كما أشير إليه ~~في قوله تعالى: # قد علم كل أناس مشربهم # [البقرة:60]. # فالنفوس التي لا تكون بينها وبين الحق الأول واسطة تنجذب إلى جنابه ~~طبعا، كما تنجذب إبرة من حديد إلى مغناطيس غير متناهي القوة، وهذه ~~النفوس هي العارفة بالله وصفاته وأفعاله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأما ~~النفوس الصادرة عنه بواسطة الوسائط الفلكية، أو النفسية، أو العقلية، أو ~~البرازخ الجسمانية الجنانية، أو الجهنمية، فيقع لهم الانجذاب إلى معادنهم ~~الأصلية لحكمة ms1258 قضائية وقدرية، وإليه أشار الشيخ عبد الله الأنصاري في ~~قوله: " الهي تلطفت لأوليائك فعرفوك، ولو تلطفت لاعدائك لما جحدوك ". # فالنفوس التي لم يكن بينها وبين الأول حجاب من عقل أو نفس أو دنيا أو ~~آخرة، فهم الذين يكونون في الصف الأول في القرب، والعرفان بالوحي أو ~~الإلهام أو المشاهدة، لقوله تعالى: # والسابقون السابقون * أولئك المقربون # [الواقعة:10 - 11] وأما النفوس التي بينها وبينه حجاب وواسطة، فإما أن ~~يعرفوها من وراء حجاب أو حجب كالرسالة والإمامة، لقوله تعالى: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل رسولا # [الشورى:51]. فكل من هؤلاء له مرتبة معينة من الجنان، ودرجة خاصة من ~~مثوباتهم عن الرحمان، وإما أن يجحدوا لقاء الله تعالى والدار الآخرة، ~~فلا محالة ليست درجتهم فوق أن يصلوا إلى أدنى المنازل وأسفل السوافل، وهي ~~الجحيم التي هي حقيقة هذه الدنيا الفانية، وصورة الطبيعة التي هي الحطمة ~~الكبرى، وستصير مطلعة على الأفئدة، لقوله تعالى: # نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة # [الهمزة:6 - 7]. وستظهر صورتها الحقيقية منكشفة على من خرج من غبار هذا ~~العالم، كصورة الجنان لمستأهليها، لقوله: # وأزلفت الجنة للمتقين * وبرزت الجحيم ~~للغاوين # [الشعراء:90 - 91]. # فالنفوس الكافرة الجاحدة ليس لها وزن بعوضة عند الله، ولا لها نصيب إلا ~~من جنس هذه الدار التي ستبرز في صورة جهنم للأشرار، لقوله تعالى: # وبرزت الجحيم لمن يرى # [النازعات:36] فتصير معلومة لهم يوم القيامة بالشهود العياني، لقوله ~~تعالى: # كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ~~ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر:5 - 7]، وذلك لكشف الغطاء عن عين بصيرتهم، فصار بصر بصيرتهم ~~حديدا، لقوله: # لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك ~~فبصرك اليوم حديد # [ق:22] وإلا فهي موجودة معهم هاهنا وفي إهابهم، لقوله تعالى: # ذلك ما كنت منه تحيد # [ق:19]، # وإن جهنم لمحيطة بالكافرين # [التوبة:49]. # تتمة تنبيهية # إعلم أن في هذا المقام أبحاثا قوية وتحقيقات شافية تتكفل لدفع شكوك ~~وشبه أوردت على مسألة المعاد الجسماني وبعث الأبدان، ورد الأرواح إليها، ~~حسب ما نطقت به الآيات ms1259 القرآنية وجاءت به الشريعة النبوية على الصادع بها ~~وآله السلام والتحية، وإثبات وجود عالم آخر مقداري غير هذا العالم في ~~داخل حجب السموات والأرض، غائب عن شهود هذه الحواس الدنيوية، فيه جنة ~~السعداء وجحيم الأشقياء، ذكرناها في كتابنا المسمى بالمبدأ والمعاد، لولا ~~مخافة الخروج عن طور التفسير لأوردتها جملة، فمن أراد فليرجع إليها هناك، ~~لكن الواجب على المستبصر أن يعلم هنا هذا القدر الذي نذكره منها إجمالا، ~~وهو أن عمدة شبه المنكرين للمعاد الجسماني وإشكالاتهم أمور: # أحدها: هو الذي ذكره الله تعالى حكاية عنهم، وأزاح فساده ووقى شره في ~~عدة مواضع من القرآن. # منها: ما مر في هذه السورة سؤالا وجوابا. # ومنها: ما ذكره في سورة مريم بقوله: # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا * ~~أولا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك ~~شيئا # [مريم:66 - 67]. # ومنها: ما ذكره في سورة يس بقوله: # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس:78 - 79] وأسلوب إزالة الشبهة في الجميع واحد، كما مر ذكره. # وثانيها: ان القيامة والبعث والحشر والجنة والنار إذا وقعت وتحققت، فهي ~~في أي موضع تكون؟ أهي في السماء أو في الأرض أو فيما بينهما؟. # فإن كانت واقعة في وجه الأرض فكيف يسع وجه الأرض لجميع الخلايق كلها. # وقد برهن على قدر مساحتها بحيث لا يسع افراد الإنسان التي حصلت في مدة ~~ألف سنة إذا بقي التناسل وارتفع الموت، فكيف من اجتماع الأفراد الحاصلة ~~في مدة متطاولة ودهور غير محصورة في عدد؟. # وإن كانت في داخل أطباق السموات، فكيف يوافق هذا قوله تعالى: # وجنة عرضها السماوات والأرض # [آل عمران:133]. # وإن كانت فوق الأفلاك كلها، فيكون وجودها في لا جهة مع كونها ذات جهات. # والجواب عنه: إن الآخرة عالم تام برأسه ليست تنتظم مع هذا العالم في سلك ~~واحد، ولا هي واقعة في جهة من جهات هذا العالم، ولا في حيز من أحيازه، ~~لكونها نشأة ثانية غير هذه النشأة، كما أن ms1260 ما يراه الإنسان في نومه من ~~الأمور العظيمة والأفلاك والصحارى الواسعة، ليست واقعة في حيز من أحياز ~~هذا العالم الحسي، فهذا جواب إشكالهم من جهة المكان. # وثالثها: وهو الإشكال الناشئ من جهة الزمان والحركة، وبيانه: أن وجود ~~القيامة لا بد وأن يكون في زمان مستقبل يتجدد عقيب هذا الزمان الذي نحن ~~فيه، فيلزم أن يتصل زمان الدنيا مع زمان الآخرة في امتداد واحد، واتصال ~~الزمان يستلزم اتصال الحركة الحافظة له، واستمرار الجسم المتحرك حركة ~~سرمدية دورية غير متناهية الأعداد والأدوار والأكوار، وهذا يستلزم ~~استمرار هذه الدار، وبقاء الفلك الدوار، وهو مما يصادم القوانين الدينية ~~والقواعد الملية، لقوله تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر:16]، وقد أشار تعالى إلى تقرير هذه الشبهة المفصلة بقوله: # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # [يونس:48]. # والجواب الحق، ما وقعت الإشارة إليه بقوله سبحانه: # ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم ~~يخصمون # [يس:49]. # وتوضيحه على وزان ما علمت من المذكور في دفع الشبهة الواردة من جهة ~~المكان، فإن الزمان والمكان متوافقان في الأحكام، و " أين " و " متى " ~~متلازمان في نحو الوجود والقوام، منسلكان في سلك واحد من الانتظام، فكما ~~أن مكان الآخرة خارج عن أمكنة هذا العالم، فكذا زمانها خارج عن أزمنة هذه ~~الدار الفانية، بل هما محيطتان بهذين، نسبة كل منهما نسبة واحدة إلى ما ~~بأزائها من خصوصيات أمكنة هذا العالم وأزمنته. # أولا ترى أنه قد عبر عن زمان الآخرة بغاية العلة، لقوله: # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل:77]. تنبيها على فعلية الأشياء هناك، وكونها على غاية الكمال ~~والتمام. # وأنت إذا قست مبادي الحركات المتفاوتة قوة وضعفا وسرعة وبطوء بعضها إلى ~~بعض، كقوى الرامين سهاما نحو المرمى في مسافة واحدة، فوجدت كلما كان ~~أقوى قوة وأسرع حركة فهو أقل زمان حركة، حتى لو فرضت قوة مباشرة للتحريك ~~في غاية الشدة، كانت الحركة واقعة منها دفعة واحدة، فإذا أشير إلى زمان ~~الآخرة أشير إلى أقل ما يتصور من الأزمنة، وإذا ms1261 أشير إلى مكان الآخرة ~~أشير إلى أوسع ما يتصور من الأمكنة، كقوله: # وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين # [آل عمران:133]، وأمر الإعادة كأمر الإبداع # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر:50]، وشأن البداية كشأن النهاية حذو القذة بالقذة، وكل إنسان ~~يرجع في آخر أمره إلى فطرته الأصلية التي خرج منها، ورد إلى مبدئه الذي ~~صدر عنه ما لم تتغير فطرته الأصلية بالمسخ أو الطمس، نعوذ بالله من ~~الحور بعد الكور. # وقد اختلفوا في أن البرزخ الذي ستصير الأرواح إليها بعد المفارقة عن ~~الدنيا، هو عين البرزخ الذي بين الأرواح المجردة والأجسام الطبيعية أم ~~غيره؟. # والأكثر على أن أحدهما غير الآخر حقيقة، قائلين بأن تنزلات الوجود ~~ومعارجه دورية، مستدلين بأن الصور التي تلحق الأرواح في البرزخ الأخير، ~~إنما هي صور الأعمال ونتيجة الأفعال السابقة في النشأة الدنيوية، بخلاف ~~صور البرزخ الأول، فلا يكون أحدهما عين الآخر، لكنهما مشتركان في كونهما ~~عالما غير مادي وجوهرا غير طبيعي. # وأقول: فيه بحث كشفي لا يمكن عرضه لغير المكاشف على وجهه، إلا أنه يجب ~~أن يعلم كل سالك أن وحدة الجواهر العالية والمبادئ المتعالية ليست من ~~قبيل وحدة الأشخاص الطبيعية الواقعة في عالم التضايق والتصادم والتضاد، ~~ويعلم أيضا أن وحدة الموضوع التي اعتبرها المنطقيون في شرائط التناقض، ~~لا بد أن تختص بما يتحقق في الماديات، حتى يثبت التناقض بين الأمرين ~~المتناقضين، وإلا فكثيرا ما تجتمع المتناقضات في موضوع غير طبيعي موجود ~~في غير هذا العالم، فإن المتقابلات حاضرة عند المرتفعين عن حضيض هذا ~~الأدنى، وصدق الكلي الطبيعي على أفراده المتقابلة تنبهك على هذا، ~~وكذلك الحكم عندما يتصور العقل وجودا وعدما، وسوادا وبياضا لشيء ~~واحد. # ومما يدل على ما ذكرنا قوله تعالى: # هو الأول والآخر # [الحديد:3] وكذا قول الحكماء: إن الواجب تعالى مبدء الأشياء وغايتها، ~~وقولهم: إن العقل الفعال ثمرة العقل المستفاد، كما أنه مبدأ فاعلي له، ~~وكذا ما عليه المحققون من العرفاء، أن العقل الأول هو الحقيقة المحمدية ~~عند انبعاثه ووصوله إلى المقام المحمود المختص ms1262 به. # وبالجملة، إن العالم المتوسط البرزخي من جملة مبادئ الإنسان التي قد ~~نزلت حقيقته وماهيته منها، وسيقع رجوع النفس إليها، والكلام في وحدة ذلك ~~العالم وتعدده صدورا وورودا، كالكلام في سائر المبادئ المحصلة لماهية ~~الإنسان أولا، والمكملة لوجودها أخيرا. # فافهم واغتنم إن كنت من أهله، وإلا فأنت وشأنك. # والإشكال الرابع: إنه إذا صار إنسان معين غذاء لإنسان آخر، فالأجزاء ~~المأكولة إما أن تعاد في بدن الآكل، أو في بدن المأكول، وأيا ما كان، لا ~~يكون أحدهما بعينه معادا بتمامه. # وأيضا إذا كان الآكل كافرا والمأكول مؤمنا، يلزم تعذيب المطيع وتنعيم ~~العاصي، أو يلزم أن يكون الآكل كافرا معذبا، والمأكول مؤمنا منعما مع ~~كونهما جسما واحدا. # واندفاعه بما مهدناه؛ في إن تشخص كل إنسان إنما هو بنفسه، وأما بدنه من ~~حيث هو بدنه فليس له تشخص إلا بالنفس، بل ليس له من هذه الحيثية حقيقة ~~ولا ذات حتى يكون له في ذاته تعين بهذا الاعتبار وتوحد إلا بحسب ما ~~يتصرف فيه نفسه، ومن حيث إضافته إلى نفسه، وليس من شرط كون بدن زيد - ~~مثلا - محشورا، أن يكون الجسم الذي منه صار مأكولا لسبع أو إنسان من ~~حيث هو جسم معين له حقيقة في نفسه لحمية أو عظمية أو عصبية محشورا يوم ~~القيامة، أي بهذا الاعتبار، بل المحشور ليس إلا بدن زيد بما هو بدن زيد ~~بعدما انحفظت شخصيته بنفسه التي تكون جهة وحدته وتشخصه، وإن تبدلت بجميع ~~أجزائه وصفاته في نفسه، لا بأنها أجزاء بدن زيد من حيث هي أجزاء بدن زيد ~~بعينها، فاعتبر ببقاء شخصية زيد تمام عمره مع تبدل أجزائه كلا أو بعضا. # فاعتقادنا في حشر الأبدان يوم الجزاء؛ هو أن تبعث من القبور أبدان إذا ~~رأيت كل واحد منها لقلت هذا وفلان، وذاك فلان - اعتقادا مطابقا للواقع ~~-، لا أن تكون تلك الأبدان مثلا وأشباحا للأشخاص الإنسانية، وذلك لأن ~~المعلوم من الآيات والمفهوم من الشرايع والديانات، أن المعاد في المعاد ~~هو مجموع النفس والبدن بعينهما، دون مجرد النفس - كما ms1263 رآه المشاؤون - أو ~~مع بدن آخر عنصري - كما رآه بعض -، أو مثالي - كما ذهب إليه الإشراقيون ~~-، وهذا هو الاعتقاد الصحيح المطابق للعقل والشرع، الموافق للملة ~~والحكمة، فمن صدق وآمن بالمعاد بهذا، فقد آمن بيوم البعث والحساب ~~والجزاء، وقد أصبح مؤمنا حقا، والنقصان عن هذا خذلان، بل كفر وطغيان. # ولا يلزم من هذه أن يعتقد أن مشوه الخلق يجب أن يبعث مشوه الخلق، ~~ولا الأقطع والأشل والأعمى والهرم يجب أن يبعثوا كذلك، كيف وقد ورد ~~في الأحاديث خلاف ذلك، فعود الشكل والهيئة والمقدار عينا أو مثلا غير ~~لازم، كيف وقد ورد في الحديث: # " إن ضرس الكافر مثل جبل أحد " # " وإن أهل الجنة جرد مرد " # بل اللازم شكل ما وهيئة ما ومقدار ما، مع انحفاظ التشخص. # وليس بواجب في كل فرد من الإنسان أن يحشر مع بدن من الأبدان، بل ~~الكاملون في العلوم إنما يحشرون إلى الله، مفارقين عن الأجسام بالكلية، ~~منخرطين في سلك الملائكة المقربين، الذين طعامهم التسبيح وشرابهم ~~التقديس، وهم الذين من خشية ربهم مشفقون. ### || [32.11] # " التوفي " و " الاستيفاء " بمعنى واحد، فالمتوفي للنفوس والأرواح هو ~~المخرج لها كلها من الأبدان، بحيث لا يترك منها شيئا، من قولك: " توفيت ~~حقي من فلان " " واستوفيته " إذا أخذته وافيا كاملا من غير نقصان. # وفي الكشاف، نقلا عن مجاهد: " حويت لملك الموت الأرض وجعلت له مثل ~~الطست، يتناول منها حيث يشاء " ، وهذا تمثيل لتصرفه في جذب الأرواح إلى ~~الله تعالى من أصول الأشباح، كجذب الثمار بالقوة النامية من أسافل الشجر ~~إلى أعاليها، وقريب منه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: جعلت ~~الدنيا بين يدي ملك الموت مثل جام يأخذ منها ما شاء الله إذا قضى عليه ~~الموت من غير عناء، خطوته ما بين المشرق والمغرب. # وقيل: ملك الموت يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها. # وعن قتادة: يتوفاهم ملك الموت ومعه أعوان كثيرة من ملائكة الرحمة ~~وملائكة العذاب. # ووجه ذلك: ان نزع الصورة الشريفة من مادة غير لائقة، وقبض الروح من بدن ms1264 ~~إلى عالم آخر أعلى رتبة منه، رحمة بالقياس إلى الصورة المنتقلة، وعذاب ~~بالقياس إلى المادة المنتقلة هي عنها، فالملائكة النقالة والقوى ~~الفعالة موكلة من عند الله لايصال الرحمة إلى مستحقيها، والطبائع ~~المنفعلة والقوى الحافظة لصورة المادة السفلية المفارقة عن الأرواح ~~العالية، هي من سدنة العالم الأدنى، وهي المسماة بملائكة العذاب، وإن ~~كانت في فعلها رحمة ومصلحة بوجه آخر. # فعلى هذا المراد بملك الموت الجنس كما ذهب إليه جمع، ويدل عليه قوله: # توفته رسلنا # [الأنعام:61]. ونسبة القبض والتوفي إلى ملك الموت وأعوانه من قبيل نسبة ~~الفعل إلى الآلة، لئلا ينافي قوله تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر:42]، ويلائم ذلك قوله تعالى: { الذي وكل بكم } ، إذ ~~التوكيل تفويض الأمر إلى غيره للقيام به، وليس ها هنا تفويض محض، ولا جبر ~~محض، بل أمر بين أمرين أي وكل ملك الموت بقبض أرواحكم أجمعين، أو واحدا ~~واحدا حتى لا يبقى أحد منكم. # ثم إلى ربكم ترجعون بجذبة " ارجعي " ، وإن كان الواصل إلى حضرته هم ~~النفوس المطمئنة، فاختص هذا الخطاب بهم في قوله تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية # [الفجر:27 - 28]، والباقون يحشرون إلى جزاء ربهم من الثواب والعقاب. # وروى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " الأمراض والأوجاع كلها بريد الموت ورسل الموت، فإذا حان الأجل أتى ملك ~~الموت بنفسه، فقال: يا أيها العبد، كم خبر بعد خبر؟ وكم رسول بعد رسول؟ ~~وكم بريد بعد بريد؟ أنا الخبر الذي ليس بعدي خبر، وأنا الرسول. أجب ربك ~~طائعا ومكرها. # فإذا قبض روحه وتصارخوا عليه، قال: على من تصرخون وعلى من تبكون؟ فوالله ~~ما ظلمت له أجلا، ولا أكلت له رزقا، بل دعاه ربه، فليبك الباكي على ~~نفسه، فإن لي فيكم عودات وعودات حتى لا أبقي منكم أحدا ". # وهذا الحديث قد دل على ما بيناه، من كون القابض للأرواح إنما نصب من ~~الله لإيصال كل أحد إلى جوار الله ورحمته ودعوة ربه، لا للنقمة والعذاب، ~~إلا أن ms1265 النفوس الشقية الجاهلة بنعمة الله ورحمته، تستوحش من الحق لا ~~لفهم بهذا العالم وأنسهم بالحشرات واعتيادهم باللذات الخسيسة ومقارنة ~~المؤذيات، كما أشار إليه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " فليبك الباكي على نفسه ". # رموز قرآنية ولوائح ربانية # منها: أنه يستفاد للمتأمل في هذه الآية ونظائرها أنك قاصد إلى ربك منذ ~~يوم خلقت نطفة في الرحم وتعلقت بها نفسك، فإنك أبدا منتقل من حالة هي ~~أدون إلى حالة هي أعلى وأشرف، ومن مرتبة هي أنقص إلى أخرى هي أتم وأكمل، ~~وهكذا إلى أن تلقى ربك وتشاهده ويوفيك حسابك، فإن لم تتعلق بك أثقال ~~وأوزار من جنس هذه الدار الفانية، فتبقى عنده مخلدة مسرورة دهر الداهرين ~~مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وإلا ~~فتكون من الخاسرين والمنكوسين والمتردين إلى أسفل السافلين، ومما ينبه ~~على ذلك قوله سبحانه: # يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه # [الإنشقاق:6] - إلى قوله - # كان في أهله مسرورا # [الإنشقاق:13]. # ومنها: إن هذه الآية وقعت جوابا تفصيليا للشبهة المنقولة عن المنكرين ~~للمعاد وحشر الأجساد، بعد الجواب الأول الإجمالي على الوجه الذي أوضحناه ~~بفضل الله وإلهامه، إذ قد علمت أن توجه النفوس والأرواح إلى عالم المعاد ~~وقرب المبدأ الجواد أمر فطري فطر عليه العباد، لأن الموت نوع من ~~الاستكمال، لأنه بالقياس إلى الروح العلوي وجود وحياة، وبالقياس إلى ~~البدن العنصري المركب والهيكل المحسوس عدم وموت، ولكل استكمال بعد ~~استكمال، لا بد من وسائط بين الله وبين الخلق هي المسماة بملائكة الرحمة ~~وملائكة العذاب، وقد يختلفان بحسب الإضافات كما أشرنا إليه، فملك الموت ~~يقبض الأرواح من عالم أدنى إلى عالم أعلى، ونفس هذا القبض إماتة في هذا ~~العالم وإحياء في عالم الآخرة، ولهذا يسمى بأبي يحيى، لا بما ظن من أنه ~~من باب تسمية الشيء باسم ضده كما هو من عادة العرب، بل في تسميته بهذا ~~روعي كلا الوجهين بحسب النسبتين. # ووجه كون الآية بيانا وموضحا لمسألة الحشر الجسماني، أن أجناس العوالم ~~مختلفة بعضها فوق بعض، وقد ثبت في ms1266 الحكمة الإلهية، أن الطبيعة ما لم ~~تستوف النوع الأخس لم تقصد النوع الأشرف، وما لم تصل إلى العالم الأدنى ~~لم تتخط إلى العالم الأعلى، أولا ترى أن المني في الرحم يزداد كمالا ~~بعد كمال على الولاء حتى يصير إنسانا، فيصير أولا ذا نفس نباتية، ثم ~~حيوانية، ثم بشرية، من غير أن يطفر مرتبة من المراتب؟ # وإلى هذا المعنى أشار تعالى في كثير من الآيات الفرقانية كقوله: # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون # [الواقعة:62]. وكقوله: # أفرأيتم ما تمنون # [الواقعة:58]. # ثم لما كانت أجناس العوالم منحصرة في أربعة: اثنان منها روحانيان، وهما ~~عالما العقول والنفوس، واثنان منها جسمانيان، وهما عالما الغيب والشهادة، ~~فالأرواح الإنسانية لا بد أن ترتحل من هذه الدار الآخرة عند توجهها ~~الجبلي إلى الحق، واستكمالها الفطري بحسب النشئآت والحالات، فقوله: { ~~قل يتوفاكم ملك الموت } برهان مبين وبيان متين لإثبات ~~الحشر الجسماني عند من له توغل في القواعد الحكمية والقوانين العقلية. # ومنها: أنه يجب أن يكون محققا عندك أن ملك الموت وأعوانه لا يعدمان، ~~بل يفرق بينك وبين ما هو غير صفاتك وأجزاء ذاتك، لأن القواطع البرهانية، ~~والسواطع القرآنية، والإشارات النبوية، والكلمات المولوية قائمة على أن ~~محل الإيمان والمعرفة لا ينعدم، كما ورد في الحديث: # " أن الأرض لا تأكل محل الإيمان " # وورد أيضا # " خلقتم للبقاء لا للفناء ". # فإذا تيقنت هذا، فاعلم أن للإنسان الكامل في أيام كونه الدنيوي أربع ~~حياتات: النباتية والحيوانية والنطقية والقدسية، فالأوليان دنيويتان، ~~والأخريان عقبويتان. # مثال ذلك " الكلام " و " القول " ، فإن له حياة تنفسية كالنبات، وحياة ~~صوتية كالحيوان، وحياة معنوية كالنفس المفكرة، وحياة حكمية كالنفس ~~القدسية، فإذا خرج الكلام من جوف المتكلم ودنياه، دخل إلى باطن السامع ~~وأخراه، فورد أولا في جوفه - أي في صدره -، كما قيل: " صدور الأحرار ~~قبور الأسرار " ثم إلى قلبه الذي هو آخر منزله ومأواه، فإذا ارتحل من ~~عالم التكلم إلى عالم السمع، انقطع عنه الحياتان الأوليان - أي انقطع ~~النفس وفني الصوت. # ولا يخلو حاله بعد هذا عن أحد أمرين، لأنه إما أن ms1267 يقع في روضة من رياض ~~الجنة، وذلك إذا كان الجوف الذي دخل فيه صدرا منشرحا بأنوار معرفة الله ~~وإلهامات عالم ملكوته، فيكون قرين ملائكة الله وعباده الصالحين الزائرين ~~لهذا القبر، وإما أن يقع في حفرة من حفر النيران، وذلك إذا كان صدرا ~~منشرحا بالشر والفساد، ومعدنا للشياطين والظلمات، وموردا للعنة الله ~~ومقته أبدا مخلدا، لقوله تعالى: # من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ~~ولهم عذاب عظيم # [النحل:106]. # فإن من البواطن والصدور ما ينزل لزيارته في كل يوم وليلة ألف ألف من ~~الأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، لغاية صفائه ونقائه، وكونه مشحونا ~~بالمعارف الإلهية والعلوم الربانية، والعلم صورة المعلوم وحقيقته، فهو ~~روضة الجنان. # ومن الأجواف ما يقع فيه في كل يوم وليلة ألف مجادلة ومخاصمة مع الناس، ~~ويكون معدن الكذب والظلم والوسواس، ومنبع الوحشة والكدورة، والغصة ~~والعذاب الأليم واللعن المقيم، فهو بعينه كحفرة الجحيم. # فالقول والكلام إذا وقع في الصدر المنشرح بنور الإيمان والمعرفة، يتجرد ~~عن العوارض المادية، وينقشر عن الغواشي الظلمانية، فيصير لبا خالصا ~~معقولا لائقا لأن يتغذى به أولو الألباب، فقد وقع في دار الجنان. وإذا ~~هوى إلى جوف الرجل الجاهل والمستجن في صدره المنشرح بالكفر والخسران، فقد ~~وقع في دار الجحيم، واحترق بنيرانات ملتهبة من الحسد والشر والطغيان. # فإذا علمت هذا المثال، فاعلم أن الإنسان إذا مات وارتحل عن هذا العالم، ~~وانقطعت عنه حياته النباتية والحيوانية فقد بقيت له حياتان أخرويتان، ~~فيكون قبره الحقيقي الذي يدخل فيه إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر ~~النيران، وإطلاق القبر على ما يتعارفه الجمهور من باب التجوز على ما تدل ~~عليه ألسنة الشرائع الحقة، وتشير إليه الأحاديث الصحيحة الواردة في أحوال ~~الموتى وعذاب القبور، لأن قبر كل إنسان يناسب صفاته وأعماله، ولا يمكن ~~مشاهدة القبر الحقيقي بهذه الحواس الدنيوية، لأنه منزل من منازل الآخرة، ~~وإنما تنكشف أحوال القبور للمتجردين عن جلباب البشرية لغلبة سلطان الآخرة ~~على بواطنهم، وإنما قلنا: " انقطعت عنه الحياتان الدنيويتان " ، موضع: " ~~انعدمت " لأن الحقيق عندنا أن ms1268 ما وجد من الأشياء فلا يمكن انعدامه ~~بالحقيقة، وإلا فيلزم أن يكون مما خرج وزال وغاب عن علم الله، وقال ~~تعالى: # وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السمآء # [يونس:61]. # فإذا تحقق هذا، ظهر أن للجسد وجودا كما للنفس، وللقالب تكونا كما ~~للقلب، ولكل منهما قبرا حقيقيا. # فقبر الحياة الجسدانية النباتية والحيوانية، هو مقدار تكونها التدريجي، ~~ومدة حركتها الاستكمالية في دار الدنيا التي هي مقبرة ما في علم الله من ~~صور الأكوان الحادثة الموجودة سابقا ولاحقا في علمه تعالى: أما الوجود ~~الأول فقبل الورود في مقابر الدنيا بموتها الجسماني، وهو مفاد قوله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): # " خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام " # ، وأما الوجود الثاني فبعد مدة مكثها الدنيوي كما قال: # وإلى الله ترجع الأمور # [آل عمران:109]. # وأما قبر النفس والروح، فالى مأوى النفوس ومرجع الأرواح، كل يرجع إلى ~~أصله: # إنا لله وإنآ إليه راجعون # [البقرة:156]. # فالله سبحانه أبدع بقدرته الكاملة دائرة العرش وحقيقته العقلية ~~والنفسية، وجعلها مأوى القلوب والأرواح، وأنشأ بحكمته البالغة نقطة الفرش ~~وجعلها مسكن القوالب والأجساد، ثم أمر بمقتضى حكمته الأزلية، وقضائه ~~الحتمي الإجمالي، وصوره الإسرافيلي لتلك الأرواح والقلوب العرشية إن ~~تعلقت بالقوالب والأبدان الفرشية، وأمر بقدرته التفصيلية الاستعدادية أن ~~تقبل قابلية هذه القوالب بحسب إعداد المواد واستعداد هذه الأجساد، شطرا ~~من الأزمنة والإمداد قلوب العباد وأرواح أهل الحشر والمعاد وأصحاب الرجوع ~~إلى الله الجواد. # فإذا بلغ أجل الله الذي هو آت، وقرب موعد الممات للملاقاة والحياة، ~~رجعت الأرواح إلى رب الأرواح قائلين بلسان الحال والمقال: # إنا لله وإنآ إليه راجعون # [البقرة:156] وعادت الأشباح إلى التراب الرميم؛ # منها خلقناكم وفيها نعيدكم # [طه:55]. # وأما الأرواح المكدرة الظلمانية المنكوسة، والنفوس الشقية التي كفرت ~~بأنعم الله، وصرفها في غير ما خلقت لأجله، قصدت مع أثقالها وأوزارها من ~~حضيض الفرش إلى ذروة العرش بأجنحة مقصوصة وقلوب مقبوضة وأيدي مغلولة ~~بحبائل التعلقات، وأرجل مقيدة بقيود الشهوات و # كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق ~~الأرض ما لها ms1269 من قرار # [إبراهيم:24]، فصاروا ملعونين منكوسين معلقين بين العرش والفرش، لقوله ~~تعالى # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم # [السجدة:12]. # فظهر وتبين أن المقابر بعضها عرشية وبعضها فرشية، فالأولى للسابقين ~~المقربين وأصحاب اليمين، والثانية للأشقياء والمردودين إلى أسفل سافلين، ~~فثبت ما ادعيناه من أن الموت وارد على الأوصاف لا على الذوات، لأنه ~~تفريق وقطع، لا إعدام ورفع: # كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق ~~عليهم الضلالة # [الأعراف:29 - 30]، # ومن يهن الله فما له من مكرم # [الحج:18]. # فالعرش مقبرة الأرواح العرشية: " أول ما خلق الله جوهرة " الحديث والفرش ~~مقبرة الأجساد الفرشية، ونفوسها المنكوسة المتعلقة بها. # ولبعض الجهال المغترين بلامع سراب الأقوال أن يعترض ها هنا، بأن ما ~~ذكرت من البيان، يستلزم أن لا يكون للأجساد حشر في الآخرة، وهو يخالف ما ~~أحكمت بنيانه وأوضحت تبيانه فيما مر مع أن حشر الأجساد، وإعادة الرميم ~~من العظام من ضروريات الشرع المبين لقوله تعالى: # من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي ~~أنشأهآ أول مرة # [يس:78 - 79]. # فليعلم - إن كان جهله بسيطا قابلا للإصلاح والتعليم -، إن ما ذكرنا ~~هاهنا ليس مخالفا لما بينا سابقا ولا مبطلا حشر الأجساد، بل يحققه ~~ويصححه، لكن لغموضه ودقته يحتاج دركه إلى قلب سليم وفطرة صافية عن ~~كدورة التعصب والتقليد، وسمع خال عن غشاوة ما يتلقف من الأساتذة، أو ~~يطالع من كتب المشايخ من غير بصيرة ولا فهم جديد، وقد بينا تفاوت هذا ~~المطلب الشريف العالي، والدر الثمين الغالي في بعض كتبنا ورسائلنا ~~وتفاسيرنا لبعض السور والآيات القرآنية، وبرهنا على حقيقة المعاد ~~الجسماني في كتاب المبدأ والمعاد بمعنى إعادة الأشخاص الإنسانية بعين هذه ~~الأبدان، لا بمجرد أشباحها وأمثالها برهانا صحيحا سالما عن النقوض، ~~وبيانا شافيا مبتنيا على مقدمات عقلية جازمة، لا يعتريها شك وطعن على ~~ما هو دأب أهل الحكمة والمعرفة، لا مكتفيا فيه على ما يقبله الجمهور ~~ويستحسن في المشهور، وإن لم يكن مطابقا للواقع كما هو عادة أصحاب الجدل ~~في صنعة الكلام، ولا بدل لطالب اليقين أن يرجع ms1270 إلى ذلك الكتاب في مسألة ~~المعاد، لضيق المجال ها هنا عن تكثير المقال. # وأما القدر الذي يقع له التنبيه على هذا المطلب بوجه وجيه يقنع به ~~العاقل النبيه: أن الجسم المعين المحسوس، والبدن المشكل الملموس ~~كالإنسان مثلا، أمر مركب من جواهر متعددة تتقوم بها ذاته، وتظهر من ~~اجتماعها الأبعاد الثلاثة مع أعراض لازمة أو مفارقة. والعرض المفارق ~~الزماني لا يبقى زمانين: # بل هم في لبس من خلق جديد # [ق:15] لا على وجه قرره المتكلمون، بل على وجه قرره الحكماء في الأعراض ~~الانفعالية، ثم إذا بطل التأليف، رجع كل جوهر من جواهره إلى عالمه، ~~والجوهر يقوم بذاته أو بمقومات ذاته، والعرض قائم بغيره، ولا يجوز له ~~الانتقال والارتحال من موضوع الدنيا إلى موضوع الآخرة. # لما عرفت من أن العرض الزماني المستحيل مما لا يبقى زمانين، والأعراض ~~المحسوسة من الكميات والكيفيات الموجودة في جواهر هذا العالم متغيرة، لما ~~ثبت أن الأمور الطبيعية مستحيلة من حال إلى حال، متحركة في المقادير بحسب ~~النمو والذبول، وفي الكيفيات المحسوسة والاستعدادية والمختصة بالكميات ~~بحسب تجدد الانفعالات والاستعدادات من المواد المنفعلة عن آثار حركات ~~السماويات، المتأثرة عما يرد عليها من تجدد آثار العلويات وتصرفها ~~للسفليات، كل ذلك طاعة لباريها وجاعلها بحسب الشؤون الواقعة منه بحسب: # كل يوم هو في شأن # [الرحمن:29] التي تستدعيها إفاضة الخيرات وبث نعمة الكمالات بمقتضى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم:34]. # وأما بواقي الأعراض السبعة النسبية، فهي في وجودها وبقائها تابعة ~~لغيرها، لكونها معان انتزاعية، فتجدد ذلك الغير يوجب تجددها، وكل ما ~~يكون متغير متبدلا لا يمكن بقاؤه في دار القرار، وانتقاله بعينه من ~~الدنيا إلى عالم البقاء، فالعرض الذي شأنه التجدد والتغير شيئا فشيئا، ~~كالحركة وما يقع فيه من الزمان وما يطابقه ويوازيه لا يجوز أن يرتحل من ~~هذا العالم إلى عالم الثبات والدوام، وإلا لكان للحركة حركة وللموت موت، ~~فيلزم أن يكون دار البقاء دار الفناء، فتنقلب الآخرة دنيا، والقرار ~~فرارا، والحقيقة بطلانا، والثبات زوالا وهدرا وهباء، والكل مستحيل ~~باطل. ms1271 # فثبت أن عالم الآخرة غير هذا العالم بالحقيقة والماهية، وهو عالم مستقل ~~تام لا ينتظم مع هذا العالم في سلك واحد، ولا واحد منها مع الآخر في سمت ~~واحد، وفي اتصال واحد زماني أو مكاني موجود أو موهوم، ولا أحدهما جزء من ~~الآخر، ولا في جهة من جهاته، بأن أحدهما فوق الآخر أو تحته أو قدامه أو ~~خلفه أو عن يمينه أو شماله، وإلا لم يكن كل منهما عالما تاما له محدد ~~واحد للجهات المكانية والامتدادات الزمانية، بل كل أحدهما داخلا في ~~الآخرة، مشمولا كلاهما لمحدد واحد لمكانه وزمانه، وليس كذلك، هذا خلف. # ومحصل القول: ان الموت إذا فرق بين جواهر هذه الأجسام الدنيوية، وتلاشى ~~التركيب، بقيت الجواهر المفردة واضمحلت الأعراض والهيآت، ثم إذا جاء وقت ~~العود بأمر الله تعالى، ركب جسم من تلك الجواهر تركيبا محكما، ونشأت ~~نشأة ثانية باقية أبد الدهر، لكون الجسم الأخروي حاصلا من محض جهات ~~الفاعلية، كالإمكان الذاتي وغيره، لا من جهات القابلية كالإمكان ~~الاستعدادي وصلوح المادة وحصول المزاج لامتزاج العناصر، فالأجسام مجرد ~~الجواهر بلا أعراض هذه الدنيا، ولم يكن لها صفات مستحيلة متغيرة حاصلة من ~~انفعال المواد للاستعداد، بل كل جوهر من جواهر الآدميين، يكون في الآخرة ~~عالما تاما برأسه كجملة هذا العالم، فيكون كل إنسان هناك عالما تاما ~~في نفسه، لا ينتظم مع غيره في عالم واحد، مع أن كل إنسان سعيد في الآخرة ~~يحضر عنده كل ما يريد ويرغب في صحبته بلحظة عين وفلتة خاطر وخطرة قلب، ~~وهذا عام فاش لكل واحد من السعداء، وهو أقل مرتبة من مراتب أهل الجنان، ~~فالعوالم هناك عدد غير متناه، كل منها كعرض السموات والأرضين، من غير ~~تداخل ولا مزاحمة ولا مضايقة، كما يعرفه المكاشفون ويشاهده المقربون. # ومما ينبه على هذا، أن هذا العالم الدنيوي بجملة ما فيه، إذا أخذ ~~مجموعا واحدا، لا يحصل من الجواهر العقلية إلا على سبيل الإبداع بحسب ~~جهات عقلية فاعلية لا أنه قد حصل بتمامه من جهة استعداد قابل، ولا أيضا ms1272 ~~وجد في مكان ولا في زمان، إذ لا مكان للمكان ولا زمان للزمان، فليس لجملة ~~الأجسام مع ما منها وفيها زمان ولا مكان ولا جهة من الجهات، ولا يمكن أن ~~يقال: حدث في أي وقت، وفي أي مكان وجهة. # فهكذا؛ يجب أن يعلم ويتصور حال كل عالم من العوالم الأخروية المتعلقة ~~بواحد واحد من أهل السعادة من الجواهر الإنسانية، فقد علم من هذا وجه ~~كونه تعالى رب العالمين - بصيغة الجمع -، المختص بذوي العقل، لأن كل عالم ~~رباني عالم تام لا يعوزه شيء من الأشياء، ولا يفتقر إلى أمر خارج عنه وعن ~~ملكه وعالمه وسلطانه، فإذا لم يكن شيء من الأشياء إلا ويكون في ذلك ~~لعدم غيبة الكل عن الكل. فلا يفوته شيء: # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين # [الزخرف:71]. # فبعد حشر الأجساد لا يمكن لأحد أن يقول: هذا الجسد غير ذلك، وليس له ~~أيضا أن يقول: من كل وجه أن هذا ذاك، فإن هذا من الذهب وذاك من الرصاص. ~~بل له أيضا أن يقول: هذا كان ذلك، فإن الرصاص صار بالإكسير في كورة سجن ~~الدنيا أو جهنم الآخرة هذا، فإن كنت تستخبر عن أصل الذهب وسنخ جوهره، ~~فقلت: " هذا ذاك " ، وإذا استخبرت عن حقيقة الذهبية والصفاء واللطافة ~~والنورية، فقلت: ليس هذا ذاك، فجوهرية هذا العبد وروحه واحدة في الدنيا ~~والآخرة، لكنه كان في الدنيا دنيا، وفي الآخرة عليا: # قل كل يعمل على شاكلته # [الإسراء:84]. # ومنها بيان السر في اختلاف نسبة التوفي تارة إلى الله تعالى كما في ~~قوله: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر:42]، وتارة إلى رسله - أي ملائكته - كما في قوله تعالى: # حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم ~~لا يفرطون # [الأنعام:61] وتارة إلى ملك الموت، كما في هذه الآية. # ووجه ذلك: أن الإنسان نشأة جامعة روحا وبدنا، وقد بنى الله وجود كل ~~منهما من أصول أربعة - كما سبق القول فيه -، وقد ارتكز في عقول الجماهير ~~أن القابض لأجزاء بدنه هو المتوفي له القابض لروحه والجاذب له إلى ms1273 الحق ~~تعالى، فإن العلة المحدثة والمبقية شيء واحد في التحقيق إذا كانت فاعلية، ~~والجامع لأجزاء المني والحافظ أمر واحد بالنوع والماهية، وان كان متفاوت ~~الظهور. # وتفصيل المقام: أن الغاية الحقيقية في بناء هذا المسجد الجامع الإنساني، ~~الذي اجتمعت فيه أفراد الموجودات وأشخاص الكائنات، من كل طائفة وقوم، ~~خطابة خطيب العقل على منبر دماغه بشهادة أن لا إله إلا الله، ودلالته ~~بوجوده الجمعي (الحقيقي - ن) المتوحد في مرتبة ذاته وروحه البسيطة ~~الإجمالية، التي لها أحدية جمع الجمع يوم جمعة الحقايق على وحدانية الحق ~~سبحانه، وامتثال خلائق قواه الإدراكية التركيبية والتحريكية أمره ~~واستماعها في ندائه إذا نفذ إلى مسامعها صداه، ومشايعتها للروح وتركها ~~لاستعمال البدن وأغراضه ومعاملاته امتثالا لأمر الله، واجابة لداعي الحق ~~في قوله: # إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون # [الجمعة:9]، وقد مرت الإشارة إلى أن الموت أمر طبيعي، وسعي جبلي من ~~القلب والقالب جميعا. # ثم إنه قد وردت الروايات في باب المتولي لهذه العمارة، والآخذ لطينة ~~وجود هذا المسجد الجامع متفاوتة، ففي بعضها: أن الجامع لأجزاء بدنه ~~وترابه هم الملائكة، وفي بعضها: إن الآخذ لتراب قالبه هم رسل الله، ~~ليكونوا هم الرسالة إلى عباده، وفي بعضها: أن ملك الموت قد أخذ قبضة من ~~التراب، وفي بعضها: أن الله تعالى قبض بيده قبضة من أديم الأرض. # فهذه الروايات كلها صادقة الفحوى متوافقة المعنى عند الواقف على حقيقة ~~ذات الإنسان، فإن في ذاته وطينته أصولا أربعة، ففيها الطينة النباتية ~~لحياته النباتية من التغذية والتنمية والتوليد، وفيها الطينة الحيوانية ~~للإحساس والتحريك، وفيها المادة النفسانية والعقل الهيولاني الذي هو محل ~~الحياة العقلية بمعرفة الحقائق، وفيها الطينة القدسية التي هي محل معرفة ~~الله، وهي الفانية عن ذاتها والباقية ببقاء الله. # فأما الطينة النباتية: فهي التي قبضها الملائكة الموكلون بعمارة هذا ~~العالم العنصري، فأحياها الله بالماء، كقوله: # وجعلنا من المآء كل شيء حي # [الأنبياء:30]. # وأما طينته الحيوانية، فهي التي جاء بها رسل الله بأمره، ms1274 # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء:85]. أي حاصلة من عالم الأمر. # وأما حصة طينته التي ينشأ منها النفس النطقي، فهي التي تكون حياتها ~~بنفخه تعالى روحه فيها، لقوله: # ونفخت فيه من روحي # [الحجر:29]. # وأما حصة طينة من كان عبدا مؤمنا عارفا بالله، فانيا عن ذاته، ~~باقيا ببقائه تعالى، فهي التي قبضها الله تعالى وأحياها بروح القدس، ~~لقوله تعالى في حق عيسى - على نبينا وآله وعليه السلام -: # وأيدناه بروح القدس # [البقرة:253]. # ثم لما كان المتقرر عند ذوي البصائر والألباب - كما مر -، أن القابض ~~لطينة الإنسان هو المتوفي له والقابض لروحه، فتلك الطينة النباتية التي ~~قبضت الملائكة ترابها، وجعل الله حياتها من الماء، فتلك الملائكة تتوفاها ~~وتقبض روحها إلى الله لقوله تعالى: # تتوفاهم الملائكة # [النحل:28 و 32]. # وأما الخلقة الحيوانية الماشية التي قبضها الرسل، وأحياها الرب سبحانه ~~بأمره، فهم يأخذون روحها ويتوفونها، لقوله تعالى: # توفته رسلنا وهم لا يفرطون # [الأنعام:61]. # وأما السنخة الناطقة التي قبضها ملك الموت، وأحياها الله تعالى بنفخة ~~منه إسرافيلية، فيتوفاها ملك الموت لقوله في هذه الآية: { قل ~~يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم }. # وأما المادة القدسية والخميرة المقدسة الإلهية التي قبضها الله تعالى، ~~وأحياها بروح القدس، فهي التي يتوفاها ويرفعها إليه لقوله: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر:42] وقوله: # يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات # [المجادلة:11] وقوله: # ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات # [الزخرف:32]. فافهم واغتنم. # ومنها، أنه قد انكشف عند أهل الله ان العالم كله، أعني ما سوى الله، ~~حقيقة واحدة تشتمل على الخلق والأمر، لقوله تعالى: # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف:54] والأمر كله هو قلب العالم وروحه، لقوله: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء:85] لأن نسبة أحدهما إلى الآخر، كنسبة أحد جزئي الإنسان إلى ~~الآخر، أي روحه وبدنه، بل هما روح الإنسان وبدنه صارا بالنزول الإنسان ~~الجزئي، كما أن الإنسان الكامل يصير بالعروج عالما كبيرا، وهذا من ~~الأمور المستبينة المستوضحة عند الراسخين في المعرفة، ثم التعانق بين هذا ~~الأمر وهذا الخلق، والازدواج بين هذا العلوي ms1275 وهذا السفلي هو حياة العالم ~~الكبير، كما أن التعانق والازدواج بين روح الإنسان وبدنه هو حياة العالم ~~الصغير، فكذلك التفارق بينهما هو موت الإنسان الكبير والقيامة الكبرى: # لا أقسم بيوم القيامة # [القيامة:1]. كما أن الافتراق بين روح الإنسان وبدنه هو موت هذا العالم ~~الصغير، والقيامة الصغرى لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " من مات فقد قامت قيامته ". # وسبب حياة الجسد الإنساني، استكمال النفس وبلوغها إلى غايتها وكمالها، ~~ووصولها إلى عالمها ومعدنها، وسبب جسمية العالم، بلوغ روحها إلى عالم ~~الربوبية، واختصاص ملكها لله الواحد القهار، والله سبحانه خالق الموت ~~والحياة لقوله تعالى: # خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا # [الملك:2]. # فإذا وقعت الواقعة، وقامت القيامة، يرجع الأمر كله إلى الله: # وإليه يرجع الأمر كله # [هود:123]، # ذلك تقدير العزيز العليم # [الأنعام:96 و يس:38 و فصلت:12]، ويعود الخلق إلى الخالق، # منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى # [طه:55] هذا في القيامة الصغرى، فالأرواح كلها ترجع إليه تعالى: # ألا إلى الله تصير الأمور # [الشورى:53]، والأجساد كلها ترجع إلى العدم والكمون والبطون، لأن مبادئ ~~حصولها جهات العدم والقوة والإمكان. # ومن ها هنا يعمل سر شريف، هو أن الموت لا خبر له عن أن الخلق والأمر متى ~~تفارق كل منهما عن صاحبه، بل في الإنسان خلقة الحيوان والنبات مما قد فنت ~~وتلاشت وهي في الذوبان والاضمحلال دائما لقوله: # كل من عليها فان # [الرحمن:26] وبقيت حقيقة الإنسانية والملكية، أي حقيقة عقله وروحه، ~~لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " خلقتم للبقاء ولم تخلقوا للفناء ". # مثال ذلك الجوز، فله لبان: - لب ولب اللب - وقشران: - قشر وقشر القشر - ~~فاللبان: أحدهما بمنزلة العقل والآخر بمنزلة الروح القدسي، صالحان ~~للاغتذاء والدواء، كما أن الحياة الإنسانية والملكية من أهل الجنان وخدمة ~~الرحمان، والقشران بمنزلة النبات والحيوان، خلقتا للفناء والاحتراق بنار ~~الطبيعة. # فظهر من جملة هذا، أن النفوس الإنسانية تصير في الآخرة قوالب أهل الجنة، ~~مصورة بصورهم اللطيفة، وتكون أرواحهم من العقول القادسة، ويكون عقلهم من ~~نور الأنوار، وهذا المعنى مما لا ينكشف ms1276 إلا بالروح القدسي: # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور:40]. # فهذه النفس الإنسانية، هي جسم لطيف، وروحها القدسي جوهر مفارق من كل ~~الوجوه، وهذا النور الإلهي أرفع من أن يتصور في فكر أو عقل، لأن العقل ~~مأوى الصور الكلية والحقائق العقلية، وهو المسمى بالعرش عند قوم، وأما ~~القوة المفكرة، فهي منتهى التصورات النفسانية والعقول التفصيلية، ويقال ~~لها الكرسي، والصدر المعنوي عند طائفة. # وقد انتهى الكلام إلى ما عجز عن دركه جمهور الأنام، اللهم اجعل هذه ~~الكلمات محروسة عن ملاحظة الناقصين، واسترها عن أعين المغرورين، واجعل ~~لأصحاب القلوب الصافية نصيبا وافرا من دركها، ورغبة تامة في حفظها، ثم ~~في صونها عن الأغيار، ليكون مستقر هذه المعاني صدور الأحرار التي هي قبور ~~الأسرار، لتكون في روضة من رياض الجنان، ولا تجعلها في بطون الأشرار كيلا ~~تكون في حفرة من حفر النيران، وهم الظاهريون، الذين زينوا ظواهرهم ~~بالنقوش المزخرفة، والأقوال المزينة المليحة الحلوة، كالأطعمة والحلاوات، ~~وأهملوا بواطنهم، بل حشوها بالنفاق والجهل والاستكبار عن الحق والحقائق، ~~كبطون الفجار وقبور الكفار. # همجو كور كافران بيرون حلل # واندرون قهر خدا عز وجل # اللهم اجعل قبورنا روضة من رياض الجنان، ولا تجعلها حفرة من حفر ~~النيران. ### || [32.12] # جزاء " لو " محذوف، وهو مثل " لرأيت أمرا فظيعا " إن كانت امتناعية ~~كما عليه الأكثرون، والخطاب حينئذ إما للرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، أو لكل أحد، كما يقال: " فلان لئيم إن أكرمته أهانك " من غير ~~أن يقصد مخاطب مخصوص. # " ولو " " وإذ " وان كانتا للمضي، إلا أنه ساغ وشاع استعمالها في كلام ~~الله للترقب، لأنه بمنزلة المتحقق الوقوع. # وفيه سر آخر. ويحتمل أن يراد به التمني، ونسبة التمني ها هنا للرسول ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كنسبة الترجي له في قوله تعالى: # لعلهم يهتدون # [الأنبياء:31] لتجرعه منهم كاسات الغصص لأجل تكذيبهم إياه وعداوتهم ~~وضرارهم، فجعل الله له تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من انتكاس ~~رؤوسهم وحزنهم وغمهم وتأسفهم، ليشمت بهم. # هذا ما في الكشاف. وفيه: ms1277 أن هذا لا يلائم كونه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) رحمة للعالمين، وجلالة قدره أرفع من الشماتة والانتقام للتشفي ~~لسورة الغضب، لأن هذا من انفعالات القوى الجرمانية المتعلقة بالمواد، ~~وله مقام العندية إلى فوق كل غرض جزئي وجراحة قلبية، سيما وسياق الآية ~~يدل على كون المجرمين ممن لهم شائبة نور الإيمان، إذ لو سقطوا بالكلية عن ~~نور الفطرة واحتجبوا رأسا، وانطمست نفوسهم لغلبة الكفر، وزالت أنوارهم ~~العقلية بالرين، وانغلقت أبواب المغفرة في حقهم، لم يقولوا: " ~~أبصرنا وسمعنا " ، ولم يتمنوا الرجوع لأن يعملوا العمل الصالح، ولم ~~يكونوا موقنين، فهؤلاء وإن احتجبوا عن لقاء الله بسبب شدة ميلهم إلى ~~الجهة السفلية، وانتكاس رؤوسهم إلى الجرميات والظلمات، لكنهم لبقاء ~~الاعتماد بالمبدأ والمعاد، ومرتبة الرسالة الحاصلة لخير العباد، وتمنيهم ~~الرجوع للعمل الصالح، لا يخلدون في العقاب، كما توهمه المعتزلة كالزمخشري ~~وأترابه، بل يعذبون حينا بحسب رسوخ الهيآت، ثم يرجعون إلى الفطرة - كما ~~عليه أكثر الأمة وأصحابنا الإمامية رضوان الله عليهم -، وشأن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وعادته بالقياس إلى مثل هؤلاء ومن هو أبعد منهم عن ~~الحق، ما أفصلح الله عنه بقوله: # أما من استغنى * فأنت له تصدى # [عبس:5 - 6]. وقوله: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف:6]. # أثر تبصري # فإن قلت: إن هذا الانكشاف ربما يحصل للمجرمين بعد الموت عند مشاهدة ~~الأحوال ومعاينة الأهوال، فيعلمون بصدق الوعد والوعيد، ويصدقون خبر ~~الرسالة. # قلت: هذا القدر من الإيقان لا يحصل للكفار المطموسة أبصارهم وأسماعهم ~~بالكلية، المحتجبة نفوسهم بالرين والظلمة الدائمة، لقوله تعالى: # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا # [الإسراء:72]، فبحكم عكس النقيض: كل من كان في الآخرة بصيرا سميعا، ~~فله في الدنيا شيء من نور البصيرة الإيمانية، وان كان في غاية الضعف ~~والقصور والآفة والمرض والعمش والسبل، لا العمى والكمه. # سر إفاضي # إعلم أن الله تعالى لما ذكر مبدأ خلقة الإنسان بحسب كل من أصليه ~~الروحاني والجسماني، وبين كيفية معاده، بأن توجه معنوي لنفوسهم، وسلوك ms1278 ~~طريق في الباطن إليه تعالى، إما بالوصول والرجوع إليه تعالى وإلى رضوانه ~~- ان كانت من السعداء، وذلك يتوفى ملك موكل على جذب الأرواح إليه تعالى ~~بطريق مستقيم - وإما بالانحراف عن الصراط المستقيم، والانتكاس إلى أسفل ~~الجحيم، وذلك يتوفى ملائكة العذاب، فحسب إياها على ما ذكر، فأراد أن يبين ~~أن استيناف هذه الحركة المعنوية للنفوس الغير البالغة حد الكمال، هل هو ~~متصور أم لا؟ فكشف قناع الإبهام عن وجه هذه المسألة على وجه ظهر استحالة ~~رجوع النفس إلى مبدأ تكونها، كي ينقطع طمع بعض الناس في تجويز العود إلى ~~الدنيا مرة أخرى، كما ذهبت إليه طائفة من التناسخية. # وهذه الاستحالة لا تظهر حق الظهور إلا بنور الرسالة، وما ينتهي إليه، ~~لأن عقول العقلاء وأذهان جماهير الحكماء الغير المقتبسين أنوار حكمتهم من ~~مشكاة النبوة والولاية، قاصرة عنها، والدلائل على أبطال التناسخ غير ~~قاطعة، ولهذا وقع الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لاختصاصه ~~بمشاهدة أحوالهم على وجه يمتنع لهم الرجوع إلى الدنيا، لصيرورة نفوسهم ~~مصورة بهيآت ردية خرجت بها عن أصل الفطرة والاستعداد، وبقيت فيها داعية ~~الاستكمال مع بطلان الآلة المعدة للكمال. # ومما ينبهك على بطلان التناسخ واستحالة الرجوع إلى الحالة الأولى، ~~مقايستك حال النفس في تطوراتها وشؤوناتها بحال البدن في تدرجاته وترقياته ~~من حد الطفولية، بل من أول قرار المني في الرحم إلى غاية الشيخوخة، فكما ~~أن للبدن بعدما خرج من القوة والاستعداد اللذين كانا له حال كونه منيا ~~وفي كل حالة من حالات الطفولية والصبوية والمراهقية والشباب والكهولة ~~والشيخوخة طورا إذا بلغ إليه، يستحيل له بحسب الطبع أن يرجع إلى حالة ~~سابقة له، فكذلك قياس النفس في أوقات تكونها وبلوغها إلى مرتبة من ~~الفعلية بعد كونها أمرا ساذجا ولوحا صافيا وعقلا هيولانيا، يكون ~~بالقوة من كل الوجوه، فإذا خرجت عن الهيولانية وصارت بالفعل بسبب ~~اشتغالها بالبدن، وبسبب استعمالها للحواس والمشاعر والآلات، سواء فيما ~~خلقت لأجله، حتى تكون شاكرة، أم لا حتى تصير كفورة، فلا يمكن رجوعها إلى ~~حالتها التي كانت ms1279 بحسبها بالقوة. # وبهذا الأصل، دفعنا شبهة التناسخ بإذن الله وتأييده، فإن من جوز انتقال ~~النفس بعد موتها إلى جسد ما يتكون في الرحم من المني، يلزم عليه أن يكون ~~شيء واحد بالقوة وبالفعل في مرتبة واحدة، فتمني الرجوع إلى أول الخلقة ~~وحالة الترابية والهيولية للإنسان، كما وقع للكفار على ما حكى الله عنهم ~~بقوله: # يليتني كنت ترابا # [النبأ:40]، تمنى أمر مستحيل الحصول. # وفي قوله تعالى: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة:11] إشارة لطيفة إلى أن التوجه من هذه النشأة إلى نشآت أخرى، ~~أمر منوط بالأسباب القاصية الفاعلية، والعلل الذاتية السابقة القضائية، ~~فيكون التوجه إلى عالم الموت والنشأة الثانية أمرا طبيعيا، والحركات ~~الطبيعية المنوطة بالأسباب العالية يستحيل عليها الرجوع كما في حركات ~~الأفلاك. # ورأيت في خطب أمير المؤمنين صلوات الله عليه ما ترجمته هذا البيت ~~الفارسي: # سوى مرك است خلق را آهنك # دم زدن كام وروز وشب فرسنك ### || [32.13] # لما ظهر مما سبق، أن رجعة النفوس إلى فطرتها الأصلية بعد اكتسابها طريقة ~~الخذلان والشقاوة والحرمان أمر مستحيل، وقعت ها هنا للأذهان الوهمانية ~~مظنة شبهة هي: أنه لماذا لم تخلق النفوس كلها من الله سعداء من أهل ~~الهداية والرحمة؟ حتى لا يكونوا مجرمين محرومين عن درجات الجنان والسعادة ~~والرضوان؟ # فأزال تعالى هذا الوهم، وأزاح إمكان وقوعه في الخارج، لأن ما هو الواقع ~~على أشرف الإمكانات وترجيح الأخس على الأشرف، مستحيل الوقوع من الواهب ~~الحق، والمحال لا يكون مقدورا عليه، لأنه لا شيء محض لا ماهية له، وإنما ~~هو أمر يخترعه الوهم الكاذب. # فقال: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } ، بالتوفيق ~~والإيمان وإلجائها لسلوك سبيل الرحمة والرضوان، ولكنه ينافي الحكمة ~~والمصلحة الكلية المقتضية لحفظ النظام على أفضل ما يمكن من الوجود ~~والقوام، إذ لو كان الأمر كما توهم، لبقيت النفوس كلها على طبقة واحدة، ~~وفات بقاء سائر الطبقات المتصورة في حيز الإمكان من غير أن يخرج من ~~الكمون والبطون إلى منصة البروز والظهور، والرحمة مقتضية لايصال كل مستحق ~~إلى ما يليق ms1280 به، لئلا تخلو أكثر مراتب هذا العالم عن أربابها، فتبقى في ~~العدم أمور جمة غفيرة، ولا تتمشى الأمور الخسيسة، التي يحتاج إليها في ~~بقاء النفوس الشريفة، كيف ولو لم يكن الكناس والحجام في العالم، لاضطر ~~الحكيم إلى مباشرة الكنس والحجامة. # ولا بد أيضا في ظهور بعض صفات الله الجلالية من وجود أهل الحجاب والذلة ~~والقسوة والظلمة، البعداء عن الرحمة والمحبة والنور، وإلا فلا ينضبط ~~نظام العالم، ولا يتم صلاح المهتدين لوجود الاحتياج إلى سائر الطبقات، ~~كما لوحنا إليه من أن المظاهر لو كانت كلها أنبياء وأولياء وأخيارا ~~لاختل بقاؤهم بعدم النفوس الغلاظ والشياطين من الإنس والجن القائمين ~~بعمارة هذا العالم، ألا ترى إلى ما ورد في قوله تعالى: إني جعلت معصية ~~آدم سببا لعمارة العالم. # فوجب في الحكمة الحقة الإلهية، التفاوت في الاستعدادات بالقوة والضعف، ~~والصفاء والكدورة، وترتب الدرجات على حسبها، والحكم بوجود كل طبقة من ~~السعداء والأشقياء في الفضائل والرذائل، لتجلي الله سبحانه بجميع ~~الصفات، ويظهر منه جميع أسمائه الحسنى، فإن الغفور، والعفو، والعدل، ~~والمنتقم، والتواب، والمضل وأمثالها أسماء لا يتجلى الحق بها إلا ~~إذا جرى على العبد ذنب. # ولذلك وقع في الحديث: # " لولا أنكم تذنبون لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون " # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): # " أنين المذنبين أحب إلي من زجل المسبحين ". # وإليه الإشارة بقوله: { ولكن حق القول مني } أي بحسب ~~اقتضاء العناية الأزلية والقضاء السابق، وكثيرا ما أطلق القول والكتابة ~~من قبل الله سبحانه، ويراد الفعل من جهة ما يوجبه التقدير الأزلي المنوط ~~بالأسباب القصوى الإلهية، كقوله تعالى: # وحق عليهم القول # [فصلت:25]، وقوله: # كتب على نفسه الرحمة # [الأنعام:12]. # { لأملأن جهنم }: أي جهنم الطبيعة السفلية التي ستطلع نيرانها ~~ويبرز إيلام عذابها في الآخرة، فإن حقيقة نار الجحيم، إنما نشأت من هذا ~~العالم، وأما ظهورها على الأفئدة، فهو مختص بيوم الآخرة، فكما أن الدنيا ~~مملوءة من الكفار والفجار، فكذا جهنم الآخرة مملوءة من الجن والإنس ~~أجمعين، وهم أكثر عمار هذا العالم من النفوس المكارة الوهمانية ~~والأرضية ms1281 الجاسية الغليظة الطبايع لما مر أن النظام لا ينصلح إلا بأن ~~لا يكون هذا العالم مشحونا بالجهلة والأرذال والكفرة والمنافقين، وأن ~~أهل الله لا يكونون إلا الأقلين، مع أن غيرهم من أشخاص المواليد ما ~~خلقت إلا لأجلهم، لأنهم اللب الأصفى من شجرة الطبيعة، والباقي بمنزلة ~~القشور على مراتبها، فحقت عليهم كلمة العذاب، كما حق على العود ~~والحطب الاحتراق بالنار، لما صدر عنهم ما يؤدي إلى ذلك على وجه الاختيار ~~المنبعث عن الأسباب الغائبة لا على وجه الإلجاء والاضطرار، لأنهم ~~استحبوا العمى على الهدى، فوقعوا باختيارهم في المحنة والبلوى، والقوا ~~أنفسهم بأيديهم إلى الهلكى. # فإن قلت: إذا كان الكل بقضاء الله وقدره، فلماذا يعاقب الله من ساقه ~~القدر إلى ارتكاب الجرائم والخطيآت؟ # قيل: هذا السؤال منك ناش من جهلك بحقيقة العقوبات الإلهية، فإنك ~~لاعتيادك بأفاعيل الناقصين من المختارين، كإنعامهم على الصديق، وانتقامهم ~~من العدو، الناشئين من اعتقاد النفع ودفع الم الغضب والغيظ، تعتقد أن ~~العقوبات الأخروية من باب الانتقام للتشفي الحاصل منه للمنتقم، فيتخلص به ~~عن ألم التهاب نار الغضب، هيهات، إنما العقاب أمر يتعقب على فعل ~~الخطيات، وهو من اللوازم والتبعات التي يتأدى إليه اقتراف السيئات، ~~وبالحقيقة، النفوس العمالة في الدنيا هي بعينها حمالة حطب نيرانها يوم ~~الآخرة: " رب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا " ، بل نفس الشهوة ها هنا ~~تتصور بصورة النار المضرمة هناك. # وقد أفصح الله تعالى عن هذا المعنى في قوله: # سيجزون ما كانوا يعملون # [الأعراف:180]، وقوله: # فأصابهم سيئات ما عملوا # [النحل:34]، وقوله: # إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها # [الكهف:29]، وقوله: # " إنما هي أعمالكم ترد إليكم ". # ولهذا عقب هذه الآية بقوله سبحانه: # { فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ إنا ~~نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون } ~~[السجدة:14]. ### || [32.14] # فجعل ذوق العذاب نتيجة فعلهم من نسيان أمر المعاد، وقلة التأمل فيه، ~~وترك الاستعداد له. # " والنسيان " خلاف " التذكر " ، ونسبته إليه تعالى إما من باب صنعة ~~المشاكلة، كما في قوله سبحانه # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40]. # والمعنى: أن انهماككم في ms1282 الشهوات، أغفلكم وأنساكم عن معرفة الله وعلم ~~المعاد، فنسيناكم، أي جازيناكم جزاء نسيانكم. # وإما لأن علمه تعالى بالممكنات، لما كان ناشيا عن علمه تعالى بذاته ~~التي هي عين إيجاده لها، ويكون علمه بها تذكرا لها، لأنه علمها أولا في ~~مرتبة ذاتها علما كماليا إجماليا. ثم علمها في مرتبة متأخرة، هي عين ~~وجوداتها علما ثانيا، وعدم هذا العلم بشيء الذي هو النسيان، عبارة عن ~~عدم إيجاده إياها عدما ناشيا عن عدم الاستعدادات، وفقدان الأسباب ~~الموجبة إلى نحو كمالي من الوجود، فإن للوجود والحياة والنورية مراتب ~~متفاوتة، ومقابل كل مرتبة منها مرتبة من العدم والموت والظلمة. # فحياة أهل الإيمان مطلقا مرتبة لا تكون لغيرهم، لاختصاصهم بقوله (صلى ~~الله عليه وآله سلم): # " المؤمن حي في الدارين ". # وحياة الشهداء مرتبة أخرى فوقها لقوله تعالى: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بمآ آتاهم ~~الله من فضله # [آل عمران:169 - 170]. # وحياة الأولياء مرتبة فوق الجميع، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " # ، وهم الذين قال تعالى فيهم: # " من قتلته فأنا ديته " # أي حياته. # وفرق بين من يكون مرزوقا عند الرب تعالى، ومن يكون يطعمه ويسقيه ربه، ~~وكذا فرق بين من يكون حيا عند الرب، ومن تكون حياته بالحق تعالى. # وبإزاء كل من هذه الأقسام للحياة، قسم من الموت، كما قال الله تعالى ~~للكفار # لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا ~~كثيرا # [الفرقان:14]. # فالمراد بنسيان المجرمين إياه تعالى ها هنا موت الجهل، لأن معرفته ~~ومعرفة اليوم الآخر يؤديان إلى حياة الآخرة بلقاء الله، لأن ذات الله ~~تعالى مبدأ الأشياء وغايتها، والمعرفة هنا بذر المشاهدة هناك، لأن الدنيا ~~مزرعة الآخرة، ونسيانه تعالى إياهم لازم، لأنه عبارة عن عدم إفاضة نور ~~الحق عليهم، لعدم خروجهم عن غلاف البشرية، وحجب الشهوات والتعلقات ~~بالأجرام الكثيفة الدنيوية، حتى صاروا عين هذه الحجب. وقيل: النسيان هنا ~~بمعنى الترك، أي تركتم ذكر العاقبة، فتركناكم من الرحمة. # واعلم أن السعادة الإنسانية منوطة بشيئين: # بالعلم ms1283 الذي هو عبارة عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر. # وبالعمل: الذي حاصله تصفية مرآة القلب عن شواغل الدنيا ومستلذاتها. # وترك الأول يوجب السقوط عن درجة أهل القرب والسعادة، وانتكاس الرأس. # وترك الثاني يوجب العذاب الأليم. # فالله سبحانه قد راعى هذه الدقيقة، فجعل كلا من الشقاوتين منوطة بما ~~يوجبه. # والمعنى: فذوقوا ما أنتم فيه من نكس الرؤوس إلى عالم الجحيم والخزي ~~والحجاب الذائم، بسبب نسيان اللقاء، وذوقوا عذاب الخلد الأليم في دار ~~جهنم، بسبب ما عملتم من ترك النظر في أمر العاقبة، وفعل المعاصي الموبقة، ~~والكبائر المهلكة، والإخلاد إلى أرض الطبيعة السفلية، فالموت العقلي ~~والهلاك الأخروي من لوازم الكفر والجهل المركب، والخلود في عذاب الجحيم ~~ونار الحميم، من لوازم الإخلاد إلى شهوات الدنيا وحلاواتها التي هي ~~بعينها آلام مؤذية وسموم مهلكة. ### || [32.15] # لما ظهر من الآية السابقة كون الشقاوة الأبدية متسببة عن الكفر الذي هو ~~ضرب من الجهل بالله وآياته واليوم الآخر، وعن النقصان الذي يحصل من فعل ~~المعاصي وترك الطاعات، أراد أن يشير إلى أن أي مرتبة من المعرفة تحصل ~~منه السعادة العلمية، ويتخلص به من الشقاوة التي بأزائها، وأي مرتبة من ~~العمل الصالح توجب الفوز بنعيم الجنان، والنجاة من عذاب النيران. # ولما كان الإيمان اسما جامعا لمجموع هذين المعنيين، ذكر للمؤمن خواص ~~ثلاثة علمية قلبية، وخواص ثلاثة عملية بدنية، ليبين أن مجرد كلمة ~~الشهادة من غير معرفة برهانية أو كشفية لا توجب الخلاص من الشقاوة ~~الذاتية العلمية، ومجرد الأعمال البدنية من غير تهذيب الباطن وتصفية ~~القلب، لا توجب النجاة من العذاب الأليم. # فالأولى من الصفات العلمية: كون العبد بكثرة مزاولة المعارف الإلهية، ~~بحيث إذا ذكر بآيات الله، أي المعارف المذكورة في القرآن، أو أفيد ~~بالحقائق الإيمانية، أو وعظ بتقوى الله والزهد الحقيقي، تذكر بها ~~واتعظ بمواعظها واعتبر بأمثالها، وفهم دثور الدنيا وفنائها، خاضعا لآيات ~~الله، للين قلبه وصفاء فطرته، ساجدا فانيا فيها، نازلا مما كان قبل ~~ذلك من نشأته الحيوانية، وعما يعتقده من حوله وقوته وقدرته، وهذا ms1284 أخص ~~خواص المؤمن الذي لا يوجد لغيره، كما أفصح الله عنه بقوله: # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا # [الأنفال:2]. لأن هذه خاصية علمية لا توجد إلا في العارفين بالله ~~وآياته، وهي أساس الدين، وأصل سائر الحسنات. # والثانية: منها: ان يكون العبد مسبحا مقدسا ربه، حامدا له، وهو ~~عبارة عن تجريد ذاته عن صفات الأجسام، واتصافه بصفات الملائكة، وتشبهه ~~وتخلقه بأخلاق الله، فذلك هو تسبيح المؤمنين حقا، كما صرح به بعض أئمة ~~العلم والعرفان. # ووجه ذلك: ان كثرة مزاولة الفعل، والرسوخ في الاتصاف بصفة على الكمال، ~~يؤدي بصاحبه إلى صيرورته من حقيقة ذلك الفعل وجنس تلك الصفة، أو لا ترى ~~أن كثرة تسخن الحديد بمجاورة النار بواسطة النفاخات، تؤدي به إلى أن ~~يكتسي صورة النارية ويفعل فعلها، فلا تتعجب من صيرورة المؤمن الحقيقي ~~مفارقا محضا كالملائكة المقربين الذين شأنهم التسبيح والتقديس، لأن دأب ~~العرفاء والحكماء تجريد الحقائق عن الزوائد والمشخصات، وتنقيح المقاصد ~~عن الفضول والحشويات، والتفرقة بين الذاتي والعرضي في كل باب، كيف ~~والتعقل ليس معناه في مصطلح القوم إلا هذا التجريد والتوحيد، فبكثرة ~~فعل التجريد والتوحيد الواقعتين منهم دائما، بلغوا إلى مرتبة التجرد عن ~~الخلائق، والتوحيد عن الغواشي البدنية، حتى عرفوا وشاهدوا تنزيه الباري ~~وتوحيده وحمدوه حق حمده. # والثالثة: انهم لا يستكبرون عن سماع آياته، كما يستكبر عنه من يصر ~~مستكبرا كأن في أذنيه وقرا، لأنه لا يبلغ إلى مقام الإيمان إلا ~~بسماع العلوم والآيات، ونحوه قوله تعالى: # قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا * ويقولون سبحان ربنآ # [الإسراء:107 - 108]، ولا يتكبرون أيضا على أحد بظهور صفات النفس ~~والأنانية، وذلك لفنائهم ذاتا وصفة، واستغراقهم في شهود ذاته تعالى ~~وصفاته، كيف والوجود مقصور عندهم على ذاته تعالى وصفاته وأفعاله، فعلى من ~~يتكبرون؟ # وأما خواصهم الثلاثة العملية فهي التي ذكرها الله في قوله سبحانه: # { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا ومما رزقناهم ms1285 ينفقون } [السجدة:16]. ### || [32.16] # " التجافي عن المضاجع " ظاهرا، تنحي أبدانهم عن الفراش ومواضع النوم ~~لصلاة الليل، لأنهم المتهجدون بالليل القائمون عن مواضعهم للصلاة، عن ~~الحسن ومجاهد وعطا، وهو المروي عن أبي جعفر وابي عبد الله (عليه السلام). # وباطنا تنحي أرواحهم بحسب قواهم العملية عن الغواشي الطبيعية والشواغل ~~الجسمية، التي تلي الجنبة السافلة منها، والقيام عن المضاجع البدنية ~~والخروج عن عالم الأجسام بقطع التعلقات ومحو الآثار، أو عن عالم الإمكان ~~بمحو الصفات. # روى الواحدي باسناده # " عن معاذ بن جبل " قال: بينا نحن مع رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في غزوة تبوك، وقد أصابنا الحر فتفرق القوم، فإذا رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أقربهم مني، فدنوت منه فقلت: يا رسول الله! أنبئني ~~بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. # قال: سألت عن عظيم، وانه ليسير على من يسره الله تعالى عليه، تعبد الله ~~ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم ~~رمضان. # قال: وان شئت أنبأتك بأبواب الجنة؟ # قال: قلت: أجل يا رسول الله. # قال: الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل ~~يبتغي وجه الله تعالى - ثم قرأ هذه الآية - " ". # وقيل: نزلت في الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة. # وعن أنس: نزلت فينا معاشر الأنصار، كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا ~~حتى نصلي العشاء الآخرة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # وقيل: هم الذين يصلون ما بين المغرب والعشاء الآخرة، وهي صلاة ~~الأوابين. # وأما دعاؤهم ربهم: فهو توجههم إلى التوحيد ومقام العندية، وعبادتهم ~~بمقتضى العبودية خوفا من سخط الله والتردي في مهوى الطرد والبعد، أو من ~~جهة الاحتجاب بصفات النفس، وطمعا في بقاء ذاته - ان كان من المقربين -، ~~وفي رحمة الله وجناته، - ان كان من أهل العمل -. # وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد ينادي بصوت يسمع ~~الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم. # ثم يرجع فينادي: ليقم الذين ms1286 كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع، فيقومون ~~وهم قليل. # ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء، ~~فيقومون وهم قليل، فيسرحون جميعا إلى الجنة، ثم يحاسب سائر الناس ". # وأما إنفاقهم مما رزقوا: فهو إيتاؤهم الزكاة من المال، وتعليمهم ~~المعارف والحقائق على أهل الاستعداد. ### || [32.17] # أي لا تعلم نفس من النفوس - لا ملك مقرب ولا نبي مرسل - ما ادخر ~~الله لأولئك الموصوفين بالأوصاف المذكورة وأخفاه لهم عن جميع خلائقه، لا ~~يعلمه إلا هو مما يقر به عيونهم من جمال الذات ولقاء نور الأنوار، ~~فيجدون من اللذة والسرور ما لا يبلغ كنهه ولا يمكن وصفه، كما في الحديث ~~الرباني: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر " # ، جزاءا بما كانوا يعملون من الأعمال القلبية والتأملات القدسية، ~~المستلزمة للأعمال البدنية على وفق أحكام التجليات وشروق الإفاضات. # إشراق فرقاني # إعلم أن أسعد الخلق في الآخرة أقواهم حبا لله، وأشدهم شوقا للقائه، ~~فإن معنى الآخرة القدوم على الله ودرك سعادة لقائه، وما أعظم نعيم المحب ~~المستهتر إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه، وتمكن من دوام مشاهدته أبد ~~الآباد من غير مزاحم ومكدر ومنغص ورقيب وخوف الانقطاع، إلا أن هذا ~~النعيم على قدر الحب واستيلائه وشدته، وان لم ينفك عن أصل المحبة مؤمن، ~~كما لا ينفك عباده عن أصل المعرفة، وإلا لم يكن المؤمن مؤمنا - هذا ~~خلف -. # وإنما يحصل ذلك بشيئين: # أحدهما: قطع العلائق وإخراج حب الدنيا وما فيها من القلب، فبقدر ما يشغل ~~القلب بغير الله، ينقص منه حب الله، ويفرغ إناء قلبه عن ذكر الله بقدر ~~اشتغاله بغيره، لأن قلب كل أحد واحد: # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه # [الأحزاب:4]. والكفر؛ عبارة عن امتلاء القلب بمحبة الباطل، وكل ما سوى ~~الله باطل دون وجهه الكريم، والمحب التام المحبة لله، ومن امتلأ قلبه من ~~محبته، وإليه الإشارة بقوله # قل الله ثم ذرهم # [الأنعام:91]، بل هو معنى قول: # لا إله إلا الله # [الصافات:35] على ms1287 التحقيق، أي لا معبود ولا محبوب سواه، ولذلك قال: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية:23]، وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): # " أبغض اله عبد في الأرض الهوى " # ، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): # " من قال لا إله إلا الله مخلصا وجبت له الجنة " # ، ومعنى الإخلاص: أن يخلص قلبه لله، فلا يبقى فيه شركة لغير الله، ومن ~~هذا حاله فالدنيا سجنه، لأنها مانعة له عن مشاهدة محبوبه، وموته خلاصه من ~~السجن وقدومه على محبوبه. # والسبب الثاني لقوة المحبة، قوة المعرفة لله تعالى واتساعها واستيلاؤها ~~على القلب، وذلك بعد تظهيره من الشواغل، وهي بمنزلة وضع البذر في الأرض ~~بعد تطهيرها من الحشيش، فيتولد من هذا البذر شجرة المحبة والمعرفة، وهي ~~الكلمة الطيبة التي ضرب الله لها مثلا في قوله: # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء # [إبراهيم:24] وإليه الإشارة بقوله: # إليه يصعد الكلم الطيب # [فاطر:10]، فهي المعرفة، نعم، والعمل الصالح يرفعه ويحركه، ولذلك قال: { ~~جزآء بما كانوا يعملون } [السجدة:17]، لأن العمل الصالح ~~كالحامل (كالخادم - ن) له، وإنما فائدة العمل كله في تطهير القلب أولا ~~من الدنيا، ثم في إدامة طهارته، وأصل الطهارة والصفاء لكونه أمرا عدميا ~~لا يراد لنفسه، بل لهذه المعرفة، وكذا العلم المتعلق بكيفية العمل يراد ~~للعمل، فالعلم هو الأول والآخر. # تتمة # الواصلون إلى هذه النعمة العظيمة، ينقسمون إلى الأقوياء والضعفاء، ~~فالسابقون الأولون هم الذين درجتهم درجة العقول القادسة والملائكة ~~المهيمة، أول معرفتهم لله تعالى وبه يعرفون غيره، وإليه الإشارة بقوله ~~تعالى: # أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد # [فصلت:53]، وبقوله: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران:18]. # ومنه نظر بعضهم حيث قيل له: بم عرفت ربك؟ فقال: عرفت ربي بربي، ولولا ~~ربي ما عرفت ربي. # واللاحقون التالون هم الذين درجتهم درجة النفوس الكلية والملائكة ~~المدبرة، فيكون أول معرفتهم بالأفعال، ثم يترقون منه إلى صفات الله، ثم ~~إلى ذاته، فالله سبحانه غاية أفكارهم كما أن ms1288 الله فاعل أفكار الأولين، ~~والى هؤلاء الإشارة بقوله: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت:53]، وبقوله: # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض # [الأعراف:185]. وبقوله: # قل انظروا ماذا في السماوات والأرض # [يونس:101]، وبقوله: # الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من ~~فطور * ثم ارجع البصر كرتين # [الملك:3 - 4] - الآية -. # وهذا الطريق هو الأسهل على الأكثرين، وهو الأوسع على السالكين، ولهذا ~~وقعت دعوة القرآن إليه أكثر، والأمر بالتدبر والتفكر في بدائع الفطرة، ~~والاعتبار والنظر في آيات الآفاق والأنفس خارج عن الحصر، إذ النجاة من ~~العذاب الدائم موقوف على حب الله تعالى، وعدم الاشتراك فيه، وهو متوقف ~~على المعرفة، فطلبه واجب، لكونه مقدمة أمر واجب هو الخلاص من العقاب ~~الدائم، وما لا يتم واجب المطلق إلا به فهو واجب، فطلب المعرفة والعلم ~~بالله فريضة على كل مسلم ومسلمة. # إيضاح تفصيلي # لك أن تقول: إن كلا الطريقين وعر وصعب، فاوضح منهما ما يستعان به على ~~تحصيل المعرفة والتوصل بها إلى المحبة. # فاعلم أن الطريق الأعلى، والمشرب الأصفى عن شوب الإشراك، هو الاستشهاد ~~بالحق على سائر الخلق كما هو الواقع، فإن وجود الموجودات رشح وتبع ~~لوجوده، فينبغي أن يكون المعلوم المشهود على وفق الواقع الموجود، إلا ~~أنه غامض دقيق، والكلام فيه خارج عن فهم أكثر الخلائق، فلا فائدة في ~~إيراده في الكتاب والتعاليم. # وأما الطريق الأسهل الأدنى، فأكثره غير خارج عن حد الأفهام، وإنما قصرت ~~عنه أفهام الأكثرين لإعراضهم عن التدبر في الآيات، واشتغالها بشهوات ~~الدنيا وحظوظ النفس. # والمشتغلون بهذا الطريق الأسهل، إما أن يكون نظرهم في ما يقبل الفساد ~~والتغير والحركة والزمان، وموضوع علمهم الأجسام الطبيعية والفلكية ~~والعنصرية من الحيثية المذكورة، وبحثهم عن معرفة أنواعها وعوارضها ~~الذاتية بالبرهان المستفاد من العلة القريبة، كالمادة والصورة في الإدراك ~~التصديقي أو بالحد المستفاد من الجنس والفصل في الإدراك التصوري، فيسمى ~~علمهم علما طبيعيا، وهم الحكماء الطبيعيون الذين يصلون إلى معرفة الله ~~تعالى، والاعتقاد بوجود ms1289 ذاته وصفاته وأفعاله عن طريق الحركة وعوارضها، ~~وبهذا الطريق سلك الخليل (عليه السلام) على ما حكى الله عنه بقوله: # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ~~ربي # [الأنعام:76] الآية. # وإن كان نظرهم في حقائق الممكنات مطلقا، ومباديها وغاياتها الثابتة ~~الخارجة عن الحركة والزمان، وموضوع علمهم الموجود المفارق عن المادة ~~ولواحقها في الوجود والتعقل جميعا، وبحثهم عن إثبات أنواعه وعوارضه ~~بالبرهان الضروري الأزلي الدائم، المستفاد من فاعل الوجود وغايته، وبالحد ~~المستفاد منهما أيضا، إذ الصورة في المفارقات غير مفتقرة إلى علة ~~مقارنة، بل إنما يتقوم ذاته وماهيته مما يتقوم به وجوده، لما تقرر ~~هناك أن " لم هو " و " ما هو " في البسائط المفارقة شيء واحد، فيكون ~~معرفتهم هذه علما الهيا، وهم الحكماء الإلهيون، لأن غاية معرفتهم ~~وحكمتهم هي الوصول إلى الحق الأول ومجاوريه من الملكوت الأعلى. # بل غاية هذين العلمين جميعا وثمرتهما، معرفة الباري جلت أسماؤه، إلا ~~أن في الأدون منهما حصلت بتوسط معرفة النفس التي هي مرقاة معرفة الرب، ~~كما في الحديث المشهور، وفي الأعلى من غير توسطها. # وأما الطريقة التي هي فوق تينك الطريقتين، فهي التوصل إلى معرفة ذاته ~~تعالى بذاته، وذلك بأن ينظر أولا إلى نور الوجود المنتشر في أهوية ~~ماهيات الممكنات المنبسط على سطوح هياكل الممكنات، ثم يعرف من حقيقته ~~المطلقة التي هي أجلى من كل متصور وأول كل تصور، تقدمه على كل شيء له ~~ماهية غير الوجود، حتى يتكشف له ما نفس حقيقة الوجود المحض، المجرد عن كل ~~موضوع ومحل، والمستغني عن كل سبب فاعلي أو غائي، كالماهيات، أو مقوم ~~فصلي كالأنواع، أو مقسم كالأجناس، أو مشخص كالكلي مطلقا، أو صوري ~~كالمواد، أو مادي كالصور والأعراض، أو الجميع كالأجسام، لأن كلا من هذه ~~الأمور، تسقط أوليته وتقدمه فيعلم أنه بسيط الحقيقة من كل الوجوه، غني ~~عما سواه، مفتقر إليه ما سواه دفعا للدور والتسلسل. # فيعلم من هذا أن صفاته الكمالية عين ذاته، والجميع أمر واحد، فلا تكثر ~~[في] الواجب بالذات، فيكون الباري أحدي الذات والصفات ms1290 جميعا، فتكون ~~خالقيته بما هو ذاته ووجوده. # فإذا علم ذاته وصفاته على هذا الوجه، وعلم أن ذاته وصفاته [واحد] يعلم ~~أفعاله، وأنها نهج واحد مستمر لقوله: # ولن تجد لسنة الله تبديلا # [الأحزاب:62]. فيعلم أن أول ما صدر يجب أن يكون جوهرا قدسيا، ثم ~~جوهرا آخر كذلك إلى ما شاء الله من سلسلة الملائكة المقدسين، وبتوسط ~~أولئك المقربين سلسلة أخرى من النفوس المجردة ضربا من التجرد، وضربا من ~~التعلق بالأجرام الدوارة شوقا وطربا إلى لقاء الله، لورود الإشراقات ~~العقلية المتتالية على ذواتهم، لكل منها بواسطة علة مفارقة قريبة مختصة، ~~وذلك لاختلاف الحركات والآثار الدالة على اختلاف الوسائل لئلا تنثلم ~~وحدة الباري جل مجده. # وبالجملة ينتقل من كل عال إلى سافل، ويعرف من خاصية كل فاعل كيفية فعله ~~وأثره، إلى أن يستقصي الموجودات ويحيط بالعالم الموجود بنور مبدع الوجود، ~~وهذه طريقة الصديقين الذين يعرفون بنور الحق ما سواه، ولا يستدلون على ~~نور الوجود بهذا الظلام، ولا على صباح الفطرة بليالي هذه الأجسام. # تتمة # ثم إن قوله تعالى: { جزآء بما كانوا يعملون } ، قد حسم عرق ~~أطماع المتمنين، وقلع باب اغترارات المعطلين القاعدين عن تحصيل العلم ~~والعرفان، ظنا منهم أن مجرد دعوى الإيمان، أو التشبث بأئمة هذا ~~المذهب، أو صورة الأعمال الظاهرة، يؤدي إلى نعيم الجنان، أو رضوان من ~~العزيز الرحمان، من غير معرفة السبب المجازي، ومن غير تحقق الوجه الذي ~~يؤدي العمل به إلى حصول الثمرة الأخروية التي بذرها المعرفة الثابتة ~~في القلب أولا، وهذه الأعمال بمنزلة السقي لها. # إذ التحقيق: أن وجود الاعتقادات الإيمانية والمعارف الإلهية، إذا قوي في ~~الباطن، واشتد رسوخها في القلب، تؤدي بصاحبها إلى صورة النعيم الأخروي، ~~بل هذه ستصير هي إذا رسخت في الباطن، كما أن الميل إلى اللذات الحسية ~~والاعتقاد بوجودها وركون النفس إليها والإخلاد إلى عالمها، إذا تكررت ~~ورسخت في الباطن، تنجر إلى عذاب الجحيم كما أشرنا إليه سابقا. # وفي القرآن آيات كثيرة دالة على ثبوت هذا الإنجرار، كقوله تعالى في سورة ~~الأعراف: # ونودوا أن تلكم ms1291 الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الأعراف:43]. وكقوله تعالى في سورة يس: # فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون # [يس:54]، وفي سورة النجم: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف ~~يرى * ثم يجزاه الجزآء الأوفى * وأن إلى ~~ربك المنتهى # [النجم:39 - 42]. وكما في قوله تعالى: # سيجزيهم وصفهم # [الأنعام:139] وقوله تعالى: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # [آل عمران:30]. وقوله: # يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين # [العنكبوت:54]. وقوله في سورة الشورى: # ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع ~~بهم # [الشورى:22]. إلى غير ذلك من الآيات. # ومما يدل أيضا على أن السعادة الأخروية والقرب عند الله والوصول إلى ~~الخير الحقيقي منوطة بالحكمة والمعرفة، والله الهادي والموفق لهما، وأن ~~الصارف للإنسان عن طلبها والباعث على الإعراض عنها والرضاء بالجهل، هو ~~الشيطان اللعين الباعث لطلب الجاه والدنيا والشهرة عند الناس، والخوف من ~~زوال الثروة والعزة قوله سبحانه: # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع ~~عليم * يؤتي الحكمة من يشآء ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب # [البقرة:268 - 269]. # وكما أن السعادة الأخروية منوطة بالحكمة، فكذلك التوغل في الدنيا ~~والتوسع في لذاتها وشهواتها، مرتبطة بنسيان الحكمة وترك التدبر في ~~الآيات، وفهم المعارف والبينات، لقوله: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء # [الأنعام:44] الآية، وأما قوله تعالى: # والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما ~~كانوا يفسقون # [الأنعام:49] فهو إشارة إلى عاقبة هذه اللذات الدنيوية، فالإعراض عن ~~الحكمة والمعرفة، والتكذيب بالآيات البينات، مما يفتح على النفس أبواب ~~التنعمات في الدنيا، وحقيقة هذه الشهوات ليست في القيامة إلا صورة النار ~~والحسرة والندامة، والدنيا ها هنا متاع قليل، وفي الآخرة عذاب شديد، وذلك ~~قوله تعالى: # ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب ~~النار # [البقرة:126]. # وقس على ذلك أيضا قوله: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا # [طه:124] فإن المراد من تلك المعيشة الضنك ما هي بحسب النشأة الآخرة، ~~ولهذا ms1292 عقبه بقوله: # ونحشره يوم القيامة أعمى* قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى # [طه:124 - 126]. # والعاقل ينبغي أن يرجع إلى ذاته ويتأمل في نفسه، ويطرد عن باطنه التعصب ~~والعناد والاستكبار، والسكر الحاصل له بجاه مستحقر، واشتغال بعلوم جزئية، ~~فتنحصر عنده الآيات الدالة على حقيقة القرآن ووصفه، وماهية الرسول المنزل ~~إليه كتاب الله ونعته، بحسب ما هو الداخل في قوام كل منهما، غير الأوصاف ~~الخارجة عن ملاك الأمر فيهما، فيرى هل يجد فيها دلالة على فضلهما وشرفهما ~~إلا من جهة مزية علمية، وفضيلة حكمية، لهما على سائر الكتب وسائر ~~الناس، لا أظن عاقلا في مرية من هذا. # وهي كقوله تعالى في نعت القرآن: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم ~~من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم # [المائدة:15 - 16]. # وكقوله في نعت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين # [الجمعة:2]. # وقال سبحانه في صفة أهل الإيمان: # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم # [الحديد:12]. # ومما يدل على أن العلماء بالله ورسوله أهل الإيمان خاصة قوله تعالى: # ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ~~ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد # [سبأ:6]. وقوله: # أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق ~~كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب # [الرعد:19]. # كذلك من تصفح كلام الله وحديث رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وكلمات الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، يعرف أن رأس الشقاوة ~~كلها هو الكفر بالله وصفاته وأفعاله واليوم الآخر، وليس الكفر إلا ~~ضرب من الجهل المضاد للحكمة، كقوله سبحانه: # والذين كذبوا بآياتنا ولقآء الآخرة حبطت ~~أعمالهم # [الأعراف:147]. # ومما يدل على أن الجهل والنسيان منشأ العذاب في الآخرة قوله تعالى: # أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم ~~وأبصارهم وأولئك هم ms1293 الغافلون * لا جرم ~~أنهم في الآخرة هم الخاسرون # [النحل:108 - 109]. # وكقوله تعالى في مذمة أهل الجحود: # ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ~~* إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ~~ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال:21 - 23]. # وقوله سبحانه في مذمة المعرضين عن الحكمة: # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ~~ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم ~~إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا # [الكهف:57]. # وقد جعل الله سبحانه الرجس على النفوس الجاهلة الغير العارفة بحقائق ~~الإيمان في قوله: # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل ~~الرجس على الذين لا يعقلون # [يونس:100] والسر فيه: أن من لم يبلغ إلى درجة تصير نفسه عقلا بالفعل، ~~ولم يرد إلا ما يدركه الحواس، فهو متعلق الوجود بالأجساد الدنيوية ~~وأرجاسها الشهوية والغضبية، مثل الكلب والخنزير، والدنيا دار النجاسة، ~~وطلابها الأرجاس والأنجاس لقوله (عليه السلام): " الدنيا جيفة وطلابها ~~كلاب " وفي الحديث: # " الدنيا ملعونة وملعون ما فيها ". # والآيات الدالة على أن منشأ العذاب في الآخرة هو الجهل والإعراض عن تعلم ~~الحكمة والمعرفة، كثيرة لا تحصى، إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين. ### || [32.18] # وكلمة " من " في الموضعين مفرد لفظا مجموع معنى، فبالاعتبار الأول ~~أورد: " كان مؤمنا " و " كان فاسقا " محمولين على اللفظ، وأورد: " لا ~~يستوون " حملا على المفهوم كما يدل عليه قوله: " أما الذين آمنوا " ، " ~~وأما الذين فسقوا " ، ومثله قوله تعالى: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك # [محمد:16]. # والمراد " بالفاسق " هنا: الكافر، لخروجه عن الإيمان، لما في الآية ~~التالية من ذكر عدم الخروج والتكذيب. # قال ابن أبي ليلى: نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) ورجل من قريش. # وقال غيره نزلت هذه الآية إلى قوله: " لعلهم يرجعون " فيه (عليه السلام) ~~والوليد بن عقبة، فالمؤمن علي (عليه السلام) والفاسق الوليد، وذلك أنه ~~قال لعلي (عليه السلام): " أنا أبسط منك لسانا وأحد منك سنانا ~~" فقال ms1294 (عليه السلام): " ليس كما تقول يا فاسق ". # قال قتادة: " لا والله ما استويا، لا في الدنيا ولا عند الموت ولا في ~~الآخرة ". # مكاشفة # إنه لما علم مما سبق غاية خسة الكافر والفاسق، بحيث تنزل درجتهم عن ~~درجة الأنعام والبهائم لقوله: # وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون # [السجدة:14]، وغاية درجة المؤمن بحيث يعلو ويفوق على كثير من خلقه ~~تعالى، حتى ضروب من ملائكة الله لقوله تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ~~جزآء بما كانوا يعملون # [السجدة:17]، فيتوهم ها هنا للنفوس الغير المتدربة في العلوم الدقيقة ~~والأنظار اللطيفة العميقة، أن أفراد الإنسان لما كانت متساوية الحقيقة، ~~فيمتنع أن يصير بعضهم أعلى عليين، وبعضهم أسفل سافلين. # والجواب: بأن هذا التفاوت إنما يكون بالعوارض الغريبة التي لا مدخلية ~~لها في تقوم شيء من الافراد غير منجح (صحيح - ن)، ولا تقبله الطبائع ~~السليمة، كيف والسبب الاتفاقي لا يكون دائميا ولا أكثريا، فلا بد أن ~~يكون علة خلود المؤمن في الجنة، وعلة خلود الكافر في النار، أمرا داخلا ~~في تجوهر العبد وحقيقته وذاته، بل الحق الحقيق بالتصديق، إن الإنسان بحسب ~~النشأة الأخروية أنواع مختلفة حسب اختلاف الأخلاق والملكات الراسخة في ~~باطنه، وستظهر في القيامة بصورها المناسبة لمعانيها المتخالفة الحقائق. # وممن تفطن بهذا المطلب المنكشف بنور القرآن، واحد من الفلاسفة المعروف ~~بفرفوريوس، القائل باتحاد العاقل والمعقول، لكن لم يبلغ نظره إلى مرتبة ~~البالغين من رجال هذا الدين المتين، الذي هو صراط السالكين إلى عالم الحق ~~واليقين، فالله سبحانه رفع نقاب الاختفاء، وكشف غطاء الامتراء عن المحجة ~~البيضاء، وبين ها هنا نفي المماثلة بين المؤمن والكافر في الذات ~~والحقيقة، وسلب المساواة بين العارف والمنكر في درجة الماهية، كما في ~~قوله تعالى: # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر:9]. # وفي القرآن آيات كثيرة دالة على أن الإنسان بحسب النشأة الباطنية، ~~متخالف النوع متبائن الحقيقة والصورة، سيما التخالف بين المؤمن والكافر، ~~والعالم والجاهل، مثل قوله تعالى: # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس:59]. وكقوله: # إن الذين ms1295 كفروا من أهل الكتاب والمشركين في ~~نار جهنم خالدين فيهآ أولئك هم شر البرية ~~* إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم ~~خير البرية # [البينة:6 - 7]. وقوله تعالى: # أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف ~~تحكمون # [القلم:35 - 36]. # ومن الشواهد الدالة على هذا المطلب قوله سبحانه في حق المؤمنين: # يخرجهم من الظلمات إلى النور # [البقرة:257]. # وفي حق الكافرين: # يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون # [البقرة:257]. وكذا قوله في حق المؤمنين: # أصحاب الميمنة # [البلد:18] وفي حق الكافرين # أصحاب المشئمة # [البلد:19]، تنبيه بليغ على إثبات ما ادعيناه. # ومما يدل أيضا في الحديث قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " يحشر الناس على صور نياتهم " # وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القردة والخنازير ". # ولولا مخافة الإطناب، لأوردت ها هنا برهانا تفصيليا على هذا المطلب ~~مما ألهمني الله به، نبين منه كون الإنسان متخالف الماهية في الباطن ~~بحسب ما يخرج عقله الهيولاني من القوة إلى الفعل، وإن كان نوعا واحدا ~~في الظاهر بحسب ما تخرج مادته الجسمانية من القوة إلى الفعل، ويتبين أن ~~نفسه الناطقة صورة الصور في هذا العالم ومادة المواد في عالم آخر، إن هذا ~~لبلاغا لقوم عابدين. ### || [32.19-20] # { جنات المأوى }: نوع من الجنان، كل منها غاية ما يمكن لطائفة ~~من الناس أن يبلغ إليها بقوة الإيمان والعمل الصالح، لأن صيغة الجمع تدل ~~على أنها مراتب متفاوتة، قال جل عزه: # ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * ~~عندها جنة المأوى # [النجم:13 - 15]. # وقيل: سميت بذلك، لما روي عن ابن عباس، قال: تأوي إليها أرواح الشهداء، ~~وقيل: هي عن يمين العرش، وقرأ: { جنات المأوى } - على الإفراد ~~-. # و " النزل " عطاء النازل، ثم عمم. # والمعنى: لما فارق الحق سبحانه في الآية السابقة بين المؤمن والكافر في ~~الحقيقة والمرتبة، ونفى عنهما المساواة، أراد أن ينبه على ذلك بتفصيل ~~دواعي كل واحدة من هاتين الطائفتين عن الأخرى، والفرق بين أعراضهما وغاية ~~قصودهما ونهاية توجههما، لأنه تباين المأوى الطبيعي، يدل على تباين ms1296 ~~الطبيعة المقتضية، فإن لكل طبيعة حيزا طبيعيا، ولكل من الطيور مأوى ~~خاصا، والتعبير عن مقام كل من القبيلتين بالمأوى، تنبيه بليغ لمن وفق ~~لإدراك الإشارات القرآنية والآيات الإلهية. على أن السعيد مفطور على أن ~~يعمل عمل أهل الجنة، والشقي مفطور على أن يعمل أعمال أهل النار، وهما ~~طالبان بالاختيار لما قدر لهما في دار القرار. # وأما قوله في حق الكفار: { كلمآ أرادوا أن يخرجوا ~~منهآ - من غم - أعيدوا فيها }: فهو نعي لهم، وبيان لكيفية ~~ترديهم إلى عالم البوار، فإن أحد الداعيين المقتضيين إذا كان جبليا ~~والآخر عرضيا اتفاقيا، فلا محالة يغلب الأول على الثاني بالأخرة، أو ~~لا ترى أن عمال الدنيا وأهل الحرف والمتوغلين في الشواغل الحسية، كلما ~~بلغوا إلى صحبة الخائضين في العلوم، واستطابوا حالتهم، واستنشقوا ~~روائحهم، وتهوسوا الوصول إلى مرتبتهم، والخروج من ظلمة الجهالة وضيق ~~النقص وخسة الرذالة إلى نور العلم وفسحة الكمال وشرف العرفان، غلبت عليهم ~~شقوتهم، وقويت فيهم جواذب الطبيعة السفلية، وأهبطهم ثقل الأوزار ~~والأثقال والتعلقات مثل السلاسل والأغلال، حتى توصلهم إلى أسفل درك ~~الجحيم، لاستيلاء الميل السفلي عليهم، وقهر الملكوت الأرضي بسبب رسوخ ~~الهيآت الذميمة. # والآيات الدالة على أن أهل الحجاب الكلي، والمتوغلين في الحسيات، ~~اضطروا إلى التردي والتقلب في النار كثيرة، منها قوله تعالى: # وما هم بخارجين من النار # [البقرة:167]. وقوله: # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم # [المائدة:36]. وقوله: # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين # [المائدة:37]. وقوله: # أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ~~لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم # [المائدة:41]. وقوله: # ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب ~~النار وبئس المصير # [البقرة:126]. # والسبب العقلي فيه، إن الجحيم الأخروي من جنس هذه الدار، فكل من غلبت ~~عليه جهة الحس والمحسوسات، ولم يصدق بوجود عالم آخر ضميرا واعتقادا، ~~وإن أقر به قولا ولسانا، وليس له ربتة الوصول إلى حقائق الإيمان، ms1297 ~~ولا العمل بمقتضاه والسلوك على وفق مؤداه، ولا يخرج طير روحه أبدا من ~~قفص هذا العالم، فمآله إلى الجحيم وله عذاب مقيم. ### || [32.21] # اختلف المفسرون في ما هو المراد من العذاب الأدنى، فقيل: هو المصائب ~~والمحن في الأنفس والأموال، - عن أبي بن كعب وابن عباس وابي العالية ~~والحسن -. # وقيل: هو الأسر والقتل يوم بدر، - عن ابن مسعود وقتادة والسدي -. # وقيل: ما ابتلوا به من الجوع سبع سنين بمكة، حتى أكلوا الجيف والكلاب - ~~عن مقاتل -. # وقيل: هو الحدود - عن عكرمة وابن عباس -. # وقيل: هو عذاب القبر - عن مجاهد -. # وروي أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام). # والأكثر في الرواية عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام): إن ~~العذاب الأدنى الدابة والدجال. # وأما العذاب الأكبر، فهو عذاب الآخرة بالإتفاق. # { لعلهم يرجعون }: أي ليرجعوا إلى الحق ويتوبوا من الكفر. # وقيل: ليرجع الآخرون عن أن يذنبوا مثل ذنوبهم. # وقيل: لعلهم يرجعون، أي يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه، كقوله ~~تعالى: # فارجعنا نعمل صالحا # [السجدة:12]. # والظاهر أن هذا الوجه ناظر إلى كلام من وجه حمل العذاب الأدنى بعذاب ~~القبر - كما نقل عن مجاهد -، وهو ليس بشيء، لأنه يلزم تعليل فعل الله ~~تعالى بأمر عبثي لا فائدة فيه، فإن إرادة الرجوع منهم إلى الدنيا بعد ~~القيامة، إرادة أمر مستحيل الوقوع كما مر، فلا يجوز أن تكون إذاقة العذاب ~~إياهم من الله، معللة بتلك الإرادة الوهمية الجزافية، اللهم إلا ~~أن يقال: نفس تلك الإرادة نوع من الألم والعذاب فيهم - وهو كما ترى -. # ولا يبعد أن يراد من العذاب الأدنى نفس البقاء في الدنيا والبشرية، فإن ~~البشرية كلها عذاب، وهو منشأ عذاب القبر، بل القبر الحقيقي هو الكون في ~~حفرة هذا القالب الدنيوي، وهو موت الروح وعذابه. # وسئل بعض الأكابر عن العذاب في القبر، فقال: القبر كله عذاب، إلا أنه ~~قبر متحرك، كما قيل: # در حبس جرخ كور روانست اين تنم. # وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي ms1298 فلينظر إلي ". # مشكاة فيها مصباح # إن مفهوم الترجي المستفاد من لفظ: " لعلهم " ها هنا وفي مواضع كثيرة من ~~القرآن، مما استصعب القوم استناده إلى الله تعالى، لكونه يستعمل فيما لا ~~قطع لوجوده من الاحتمالات المرجوة الوقوع، والله محيط بالأشياء من غير ~~احتجاب وخفاء عليه، وأيضا " لعل " من الله إرادة، وإرادة الله إذا تعلقت ~~بشيء كان ثابتا ولم يمتنع تحققه، وتوبتهم مستحيلة الوقوع، وإلا لم ~~يكونوا ذائقين العذاب الأكبر، ولم أجد في كلام أحد من الناظرين في ~~الكلام، والباحثين في علم الكلام، ما به يطمئن القلب ويسكن الروع، وكنت ~~منتظرا حتى يأتي الله بأمر كان مفعولا [أما المذكور في أقوالهم فوجوه: # أحدها: إن الترجي راجع إلى العباد لا إلى الله تعالى كقوله: # لعله يتذكر أو يخشى # [طه:44]، أي: إذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما في إيمانه، ثم الله عالم ~~بما يؤول إليه أمره. # وثانيها: إن من ديدن الملوك أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون انفسهم ~~على إنجازها على أن يقولوا: " عسى ولعل " وحينئذ لا يبقى لطالب ما عندهم ~~شك في الفوز والنجاح بالمطلوب. # وثالثها: أنه جاء على طريق الإطماع دون التحقق، لئلا يتكل العباد مثل: # توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن ~~يكفر عنكم سيئاتكم # [التحريم:8]. # ورابعها: أنه وقع " لعل " موقع المجاز لا الحقيقة، لأن الله عز وجل خلق ~~عباده ليستعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات، وأزاح العلل في ~~إقدارهم وتمكنهم، وهداهم النجدين، وأراد منهم أن يتقوا ويتوبوا إليه ~~ليرجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان، كما ترجحت حال المرتجي ~~بين أن يفعل وأن لا يفعل، ونظيره قوله تعالى: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [هود:7]. # وقيل: " لعل " بمعنى " كي " ، ووجه بأنها للإطماع، والإطماع من الكريم ~~يجري مجرى المختار. # وخامسها: ما قال القفال، وهو أن في " لعل " معنى التكرير والتأكيد، إذ ~~اللام للابتداء، نحو " لقد " ، ولقولهم " علك " أي تفعل كذا، و " عل " ~~يفيد التكرير، ومنه العل بعد النهل، فقول القائل: " إفعل كذا لعلك تظفر ~~بحاجتك " معناه: إفعل فإن فعلك يؤكد طلبك ويقويك]. # وأما ms1299 ما ألهمني الله به وقذف في قلبي من نوره، هو أن لعلم الله تعالى ~~وإرادته مراتب متفاوتة في النزول، فكما أن لعلمه مرتبة كمالية هي نفس ~~ذاته بذاته، إذ بذاته يعلم جميع الأشياء الكلية والجزئية، وهذا العلم ~~ليس متكثرا بل علم واحد إجمالي، هو واجب بالذات، وهو مرآة كل الحقائق ~~ومجلي جميع الرقائق، وبعد ذلك مرتبة تفصيل المعقولات الكلية، وهو مرتبة ~~القضاء الإلهي، وهي مفاتيح الغيب، لقوله: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام:59]، وهو أيضا خزائن الرحمة لقوله تعالى: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه # [الحجر:21]، ثم بعده مرتبة الجزئيات والشخصيات المقدرة بأوقاتها ~~وأزمنتها المثبتة بهيآتها في كتاب لا يجليها لوقتها إلا هو، وهذه ~~المرتبة " عالم القدر " لقوله: # وما ننزله إلا بقدر معلوم # [الحجر:21]، وهذا هو " كتاب المحو والإثبات " ، كما أن السابق: " اللوح ~~المحفوظ " لقوله: # يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب # [الرعد:39]. # وبعد ذلك مرتبة وجودات المعلومات في موادها الخارجية الجزئية المكتوبة ~~بمداد الهيولى التي تسمى " بالبحر المسجور " ، و " الكتاب المبين " ، كما ~~أشير في قوله: # لو كان البحر مدادا لكلمات ربي # [الكهف:109] - الآية. وفي قوله: # ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام:59]. وهاتان المرتبتان قابلتان للتغيير، وبهاتين الأخيرتين ~~يتضح (يسترجع - خ) عروض التغير في علمه تعالى بالحوادث من حيث هو معلوم، ~~لا بما هو علم، وإن كانا أمرا واحدا بالذات، وهذا مما لا يعلمه إلا ~~المحققون المحقون، المتحققون بالشهود. # فكذلك الحكم في مراتب إرادته، فإن علمه تعالى بالأشياء بعينه إرادته، ~~بمعنى مراديته، لما ثبت بالبرهان والكشف من أن صفاته الكمالية كلها بعينه ~~حقيقة واحدة، وبمعنى واحد بلا اختلاف حيثيات ولا تعدد جهات إلا بمجرد ~~التعبير. # فإذا علمت هذا، اتضح لك حق الإيضاح من مشكاة هذا المصباح، كيفية نسبة ~~هذه المفهومات التجددية والمعاني الامتحانية الاختيارية، التي بإزاء بعض ~~الألفاظ الواردة في القرآن، المتكررة ذكرها كهذا اللفظ، وكلفظ " الابتلاء ~~" في قوله: # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع # [البقرة:155] وقوله: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين # [محمد:31]، وقوله # ونبلوا أخباركم ms1300 # [محمد:31]. وكلفظ " الدعاء " ، و " التعجب " ، و " الاستفهام " ، كقوله: # قتل الإنسان مآ أكفره # [عبس:17]. وقوله: # قاتلهم الله أنى يؤفكون # [التوبة:30]. # وأمثال هذه ونظائرها كثيرة في القرآن، فافهم واغتنم وتثبت فيها، ولا ~~تكن من الخابطين، ولا تتصرف في كتاب الله بإخراجها عن معانيها الأصلية من ~~غير ضرورة داعية، واحملها على الحقيقة، ولا تنكر ما لم تسمعه من أحد ولم ~~تبلغك بالنقول ولا وصل إليك من العقول، ولا تنحصر العلوم فيما سمعته أو ~~فهمته، فإن لله لطائف رحمة في قلوب عباده، وكمال بدائع صنع في أراضي ~~بلاده، فلا تتعجب من هبوب رياح رحمته، ونزول أمطار عنايته ورأفته على من ~~يشاء، وهو رؤوف رحيم، واتل قوله: # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف:76]. ### || [32.22] # أي لا أحد أظلم لنفسه من نبه على حجج الله وبيناته التي توصله إلى ~~درجة الكمال وقرب المهيمن المتعال، ثم أعرض عنها جانبا ولم ينظر فيها، ~~لأن منشأ الإعراض الجحود والإنكار والجهل والاستكبار، ولفظ " ثم " ~~، يستعمل في هذا الموضع للاستبعاد، والمعنى: إن هذا القسم من الإعراض ~~مستبعد في العقل، كما تقول لصاحبك: " وقع بيدك مثل تلك الفرصة ثم لم ~~تنتهزها " استبعادا لتركه، والله ينتقم منهم بأن يعاقبهم بما يستدعيه ~~إعراضهم عن آيات الله من العذاب الدائم والعقاب الأليم الحاصل من الطرد ~~والإبعاد والسقوط عن مقتضى الفطرة. # إيضاح فرقاني # مفهوم الآية يدل على أن المراد من لفظ الموصول هم المنافقون المستعدون ~~بحسب نفوسهم لتذكر الآيات، إلا النفوس الجرمانية الظلمانية الصم البكم ~~العمي الذين لا يعقلون، وهم المختوم على قلوبهم رأسا، فإن الإعراض عن ~~المعارف والحكم والآيات عند ذكرها، المستدعي لضرب من التذكر، إنما ~~يتصور فيمن له نوع من الفطانة التبراء والاستبداد بالرأي الذي قل ما ~~ينفك عنه المشتغلون بالأبحاث والعلوم الجزئية، وهؤلاء أشد عذابا يوم ~~القيامة من الذين لا يستعدون بحسب الفطرة إلى الإرتقاء إلى ذروة الكمال ~~من هبوط النقص والوبال ومزابل الجهال. # ومما يدل على هذا، ما سيذكره تعالى في الآية اللاحقة من السورة بقوله: # فلا تكن في مرية من لقآئه ms1301 # [السجدة:23]، فإن شأن هذه النفوس الإمتراء والمراء والبحث والمجادلة ~~وإيراد الشبهة والشكوك، وشأنه تعالى تثبيت عبده عند تزلزل الأقدام ~~بالشكوك والأوهام، وتأييده عند معارضة الجاحدين من الأقوام، كقوله: # ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا # [الإسراء:74] الآية. # وأكثر هذه الطائفة المعرضين عن حجج الله الناطقة والصامتة، إنما ~~اغتروا بفطانتهم لسماعهم وحفظهم بعض الأقوال من المشائخ والسابقين، من ~~غير فهم ودراية، بل بمجرد قول ورواية، وشكك اللاحق منهم في السابق، ~~وطعن الآتي منهم بالماضي، يغتاب بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا، ويغتاظ ~~بعضهم من بعض بحرقة قلوبهم وألم نفوسهم، وهم في العذاب مشتركون، أولهم مع ~~آخرهم كما ذكر الله تعالى: # كلما دخلت أمة لعنت # [الأعراف:38]، وهم الأشرار والمنافقون: # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف:106]، وهم أهل البدع والأهواء، شرهم كلهم على أهل الورع والدين، ~~وأضرهم على العلماء الربانيين، وأشدهم عداوة للذين آمنوا، هذه الطائفة ~~المجادلة والمخاصمة الذين يخوضون في الفروع والخلافيات، ويهملون الأصول ~~واليقينيات، ومع هذه البلية يدعون إنهم بهذه العقول السخيفة ينصرون دين ~~الله ويعرفون طريق الحق، نعوذ بالله من شرورهم على الدين وإفسادهم على ~~المؤمنين. ### || [32.23-24] # قرأ حمزة والكسائي ويونس عن يعقوب: لما صبروا - بكسر اللام -، ~~والباقون بفتح اللام وتشديد الميم، فعلى الأول " ما " مصدرية، والجار ~~متعلق " بجعلنا " أي: جعلنا منهم أئمة لصبرهم، وعلى الثاني " لما " ~~للمجازاة، وحذف الجزاء لإغناء الفعل المتقدم عنه. و " الكتاب " للجنس، ~~والضمير في " لقائه ": إما لموسى (عليه السلام)، أي من لقائك موسى ليلة ~~الإسراء. أو يوم القيامة. أو للكتاب، أي: من لقاء موسى الكتاب، يعني: إنا ~~آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، ~~فلا تكن في شك من لقائك مثل لقائه كقوله: # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك # [يونس:94]. ومثل قوله: " من لقائه " ، قوله: # وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم # [النمل:6]. وقوله: # ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا # [الإسراء:13]. # وقيل: " من لقائه " معناه: من لقاء موسى ms1302 إياك في الآخرة. # وقيل: معناه فلا تكن - يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) - في مرية من ~~لقاء موسى الكتاب، أي: من تلقيه بالرضاء والقبول - عن الزجاج -. # وقيل معناه: فلا تكن في شك من لقاء الأذى كما لقي موسى الأذى - عن ~~الحسن. # والضمير في " جعلناه " ، إما للكتاب، لما في التوراة من الأحكام وبيان ~~الحلال والحرام، أي: وجعلنا موسى هاديا لبني إسرائيل - عن قتادة -، أو ~~وجعلنا الكتاب هاديا لهم - عن الحسن -، وجعلنا منهم أئمة يهدون الناس ~~ويدعونهم إلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه لما صبروا عليه من مشاق ~~التكليف وتثبتهم على اليقين، كما نجعلن من أمتك أمه يهدون مثل تلك ~~الهداية لما صبروا عليه من نصرة الدين، وتثبتوا عليه من اليقين -. وعن ~~الحسن: صبروا عن الدنيا. # ونقل في الكشاف: إنما جعل الله التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة، ولم ~~يتعبد بما فيها ولد إسماعيل (عليه السلام). وهذا النقل أيضا يدل على أن ~~الغالب فيها الأحكام العملية التي يتطرق إليها النسخ والتغيير، دون ~~المعارف والربوبيات المحفوظة عنها. # مكاشفات سرية ونفثات روعية # إعلم أن الفرق بين القرآن المجيد وسائر كتب الله المنزلة على الأنبياء، ~~بأن القرآن كلام الله وكتابه جميعا، وغيره كتاب فقط، وكلام الله أشرف من ~~كتابه بوجوه: # أولها: إن كلامه تعالى قوله، وكتابه فعله، والقول أقرب إلى القائل من ~~الكتاب إلى الكاتب، فكلام الله أشرف من كتابه. # وثانيها: إن الكلام والقول من عالم الأمر: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل:40]، والكتاب من عالم الخلق، وعالم الأمر كله علوم عقلية وحقائق ~~معنوية، بخلاف عالم الخلق، لأن العلوم والمعاني زائدة فيه على صحائف ~~مداركها وألواح مشاعرها. # وثالثها: إن كلام الله نزل على قلب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وسره، وكتاب الله نزلت صورة ألفاظه على ألواح وقراطيس. # ورابعها: إن تلقي الكلام وتعلمه بأن تتجلى حقيقته وينور معناه على ~~قلب من يشاء من عباده، لقوله تعالى: # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي ms1303 به من نشآء من عبادنا # [الشورى:52]، ومن علمه الله تعالى القرآن بهذا التعليم، كان ذلك عليه ~~من الله فضلا عظيما، كما قال لحبيبه بعد تعليمه: # وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ~~عظيما # [النساء:113]. فتلقيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن من حيث هو ~~قرآن بأن يتخلق به، إذ كان القرآن خلقه، كما هو المروي عن بعض أزواجه ~~حين سئلت عن خلقه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن الله يقول: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم:4]، قالت: " كان خلقه القرآن ". وأما تلقي الكتاب وتعلمه ~~فبالدراسة والقراءة والتلاوة، فالأنبياء (عليهم السلام) يتدارسون الكتب ~~لقوله تعالى # كتب يدرسونها # [سبأ:44]. # وخامسها: إن تنزيل القرآن على قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ومكاشفة أسراره منه، وتجلي أنواره له، أمر بينه وبين الله لا يطلع ~~عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأما إنزال الكتب على سائر الأنبياء فهو ~~مما يقرؤه كل قارئ. # وسادسها: إن سائر الكتب يستوي في هداها الأنبياء ولأمم، لقوله في هذه ~~الآية: { وجعلناه هدى لبني إسرائيل } ، وقوله: # هدى للناس # [البقرة:185]. وأما القرآن من حيث هو كلام، فالرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) مخصوص بالهداية به عند تجلي أنواره في التنزيل على قلبه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، كما قال: # ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من ~~عبادنا # [الشورى:52]، وقال: # وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء:113]، أي خصصك بهداه وعلمه. # وسابعها: إن الكتب المنزلة عليهم كانت تصرف فيهم، بأن يكون الكتاب مع ~~أحدهم نورا من الله يجيء به إلى قومه ليكون هدى لهم، كما قال: # قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى نورا ~~وهدى # [الأنعام:91]، وأما تنزيل القرآن على قلب الخاتم (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، فكان تصرفه فيه بأن جعله نورا من الله، يجيء ذلك النور إلى الأمة ~~ومعه القرآن، كما قال تعالى: # قد جآءكم من الله نور # - وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) - # وكتاب مبين # [المائدة:15]. # وثامنها: قد فرق الله بين ما شرف النبي الخاتم (صلى ms1304 الله عليه وآله ~~وسلم) بإنزال الكلام على قلبه، وبين ما شرفوا به من إنزال الكتاب، فقال ~~تعالى تشريفا لموسى (ع): # وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة # [الأعراف:145]. وقال تعالى تشريفا لنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم): # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم:10]. وانظر وتدبر كيف قال: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة:22]. فشتان بين نبي تشرف بكتابه الموعظة له في الألواح، ~~وبين نبي تشرفت أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم. # وتاسعها: إن من خصائص إنزال القرآن بما هو كلام الله، أنه متى نزل على ~~قلب أحد صار خاشعا متصدعا من خشية الله لقوله سبحانه: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله # [الحشر:21]، ولما نزل على قلب الرسول صار قلبه خاشعا خاضعا من خشية ~~الله، حتى قال كما هو المروي عنه: # " أنا أعلمكم بالله وأخشاكم منه ". # وأما إنزال الكتب فليس من لوازمه الخضوع والخشوع والتخلق بأخلاق الله، ~~ولذا قيل: لو كانت التوراة أنزلت على قلب موسى (عليه السلام) لا في ~~الألواح، لعله ما ألقى الألواح في حال الغضب، وما احتاج إلى صحبة الخضر ~~(عليه السلام)، لتعلمه العلم كما حكى الله تعالى عنه بقوله: # هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * ~~قال إنك لن تستطيع معي صبرا # [الكهف:66-67]. ### || [32.25] # " الفصل ": هو ما يميز به الشيء عن غيره بحسب تجوهر ذاته وقوام ~~حقيقته، وكثيرا ما يطلق الفصل على بمدئه القريب، كالنفس الحيوانية ~~للحساس، والنفس الناطقة للناطق، فإنهما مبدآن قريبان لهذين الفصلين ~~المنطقيين المحمولين بوجه، وبوجه آخر هما عين هذين إذا أخذ كل منهما لا ~~بشرط شيء من التقييد والإطلاق، وربما يطلق على المبدأ العالي لحقيقة ~~الشيء وتحصله وتميزه، فإن الصور النوعية عند طائفة، هي الفصول المنوعات ~~للحقائق الجرمانية، وعند طائفة أخرى، تطلق الصور على المفارقات النورية ~~والجواهر العقلية الواقعة في عالم الصور المفارقة، كما هو عند أفلاطون ~~الإلهي، والرواقيين، وأئمتهم الأقدمين كسقراط وفيثاغورس وأنباذقلس ~~وأغاثاذيمون، وعند طائفة أخرى، هم أعلى مرتبة وأدق مسلكا (وأمتن) دليلا ms1305 ~~وأجل ذوقا وأوثق برهانا وأرفع نظرا، وهم الحكماء الإيمانيون، ~~والأفاضل الربانيون كأبي يزيد البسطامي، وسهل التستري، والجنيد ~~البغدادي، ومحي الدين الأعرابي وتابعيهم، أن أسماء الله تعالى بعينها ~~مبادئ الفصول الذاتية للحقائق الإمكانية، وما يحاذيها من الصور المجردة ~~في عالم العقول، أو الصور الحسية في عالم الجسم مستهلكة التأثير والأثر ~~تحت سطوع الأنوار الإلهية والأسماء الربوبية، استهلاك النور الضعيف في ~~النور الأقهر القوي، واضمحلال وجود السافل تحت وجود العالي. # فإذا علمت هذا، وتذكرت ما ادعيناه فيما سبق، من أن الإنسان بحسب الباطن ~~والنشأة الأخروية أنواع كثيرة حسب كثرة الأخلاق المتخالفة، والصفات ~~الغالبة الراسخة المتنوعة، أيقنت معنى كون " يوم القيامة " " يوم القضاء ~~" " ويوم الفصل بين الخلائق " ، فالله يقضي بينهم يوم القيامة بحسب ظهور ~~مظاهر أسمائه ومجالي شؤونه، ويفصل بينهم بالحق، ويميز المحق من المبطل في ~~ما يختلف فيه من الأديان والمذاهب، وقد مر منا نقل آيات دالة على أن ~~أنواع الإنسان كثيرة بحسب النشأة الآخرة، وظهور هذه الكثرة في حقائق ~~الإنسان، إنما يتوقف على قيام الساعة، لقوله تعالى: # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس:59]. # تذكرة # الدنيا دار اشتباه ومغالطة، متشابك فيها الحق والباطل، ويتعانق فيها ~~الخير والشر، والنور والظلمة، ويتقابل المتخاصمان، والآخرة دار الفصل ~~والتفريق، يتفرق المختلفان، # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون # [الروم:14]، ويتميز المتشابهان، ليميز الله الخبيث من الطيب، وينفصل ~~الخصمان، ويحق الحق ويبطل الباطل # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال:42]، وليحق الحق ويبطل الباطل، والآخرة دار جمع أيضا، ولا ~~منافاة بين هذا الفصل وذاك الجمع، بل هذا يوجب ذاك كما في قوله تعالى: # هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين # [المرسلات:38]. # و " الحشر " أيضا بمعنى الجمع: # وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # [الكهف:47]. وحشر الخلائق على أنحاء مختلفة حسب أعمالهم وملكاتهم، ~~فلقوم على سبيل الوفد: # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم:85]، ولقوم على وجه التعذيب: # ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار # [فصلت:19]، وبالجملة، يحشر كل أحد إلى ما يتوجه إليه باطنه ويعمل لأجله ~~ظاهره ويحبه بقلبه ويشتاقه بجنانه: ms1306 # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات:22]، # فوربك لنحشرنهم والشياطين # [مريم:68]، وفي الخبر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): # " لو أحب أحدكم حجرا لحشر معه ". # تذكرة أخرى # إعلم أن عجائب عالم الآخرة عظيمة، وأشخاصه وأنواعه كثيرة، وكل ما يوجد ~~في هذا العالم من الحيوانات يوجد نظيره في الآخرة، مع أنواع أخر لم تعهد ~~في الدنيا، وما سوى الإنسان لا ينتقل من هذه الدار إلى تلك الدار، وإنما ~~نشأت جميع الخلائق يوم القيامة من ماهية الإنسان وعقله الهيولاني. # ووجه ذلك: إن تكرر الأفاعيل والانفعالات البدنية يوجب حدوث الأخلاق ~~والملكات النفسانية، وكل صفة وملكة تغلب على باطن الإنسان تتصور في ~~الآخرة بصورة تناسبها، ولا شك أن أفاعيل الأشقياء المدبرين بحسب هممهم ~~القاصرة عن ارتقاء عالم الملكوت، النازلين بحسب دواعيهم الخسيسة في ~~البرازخ الحيوانية بالأعمال الشهوية والغضبية والوهمية البهيمية والسبعية ~~والشيطانية، فلا جرم تكون تصوراتهم مقصورة على أغراض حيوانية أو شيطانية ~~تغلب على نفوسهم، ويحشرون على صور تلك الحيوانات والشياطين في دار ~~الآخرة، كما في قوله: # وإذا الوحوش حشرت # [التكوير:5]. وقوله: # لنحشرنهم والشياطين # [مريم:68]. وقوله: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف:36]. وفي الحديث: # " يحشر الناس على نياتهم " # ، " يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القردة والخنازير " ، وهكذا ~~الناس يتصورون بصورهم الحقيقية الأخروية التي تقتضي ملكاتهم وأخلاقهم على ~~أهل الكشف وأصحاب الشهود، الذين غلب على باطنهم سلطان الآخرة، إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون. ### || [32.26] # " الواو " للعطف على معطوف عليه أمر منوي من جنس المعطوف، والفاعل في " ~~يهد " مضمر يدل عليه: " كم " ، أي كثرة إهلاكنا القرون، لا نفس " كم ~~" ، لأنها لا تقع فاعلة، فلا يقال: " جاءني كم رجل " ، ولأن " كم " في ~~محل النصب على تقدير الاستفهام الذي له صدر الكلام، لأنه مفعول أهلك، و " ~~يمشون " في محل النصب على الحال. ويحتمل أن يكون الفاعل نفس هذا الكلام ~~بحسب المحكي عنه، والمعنى كقولك: " يعصم لا إله إلا الله الدماء ~~والأموال " ، أو ضمير يرجع إلى الله بدليل قراءة زيد: " نهد " بصيغة ~~المتكلم. ms1307 # وقرأ يمشون - بضم الياء وتشديد الشين - أي: أو لم يبصرهم ويبين لهم ~~كم أهلكنا من القرون الماضية لكفرهم وعتوهم وارتكابهم المعاصي، فانتقمنا ~~منهم، يمشون هؤلاء القوم - يعني كفار قريش - في مساكنهم، ويمرون في ~~متاجرهم على ديارهم وبلادهم، ويرون آثارهم. # وقيل معناه: أنا أهلكناهم بغتة وهم مشغولون بصنايعهم ومشاؤون في ~~منازلهم، إن في ذلك دلالات واضحات على حقارة الدنيا والحث على طلب ~~الأمور الباقية، أفلا يسمع هؤلاء الكفار من أهل التواريخ والحكايات ~~ما يوعظون به من المواعظ والمنبهات. # مكاشفة إلهامية # " المشي في المساكن ": إشارة إلى وقوف قوم على أوائل الأنظار ومبادئ ~~الأفكار، وعدم خروجهم عن عتبة باب المحسوسات والأوليات مع غاية سعيهم ~~فيما لا يعني، ونهاية جدهم في طلب هذا الفاني، وهم يمشون في الحقيقة في ~~مساكنهم، ويجمعون تلفيقات أقوام بلا روية جمعا، وهم # الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا # [الكهف:104]. ومشاهدة هذا الحال في أكثر الجهال المتشبهين بأرباب ~~الكمال، المتورطين في مواقع الهلاك والوبال، الهائمين في أودية الشبه ~~والضلال، تنبيه بليغ وهداية واضحة ودلالة كاشفة لأهل الاستبصار والسلوك ~~إلى عالم الملكوت وقرب الحق المهيمن المتعال ذي الجمال والجلال، فيتفطن ~~اللبيب الذكي، أنهم في واد وأهل الآخرة في واد آخر، إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون. # نصيحة # أهل الاستبصار لا يستنكفون عن التعلم استبدادا بالرأي، ولا يجحدون الحق ~~استتباعا للنفس والهوى، أو تقليدا وتعصبا للمذاهب والآباء، ومما يؤيد ~~هذا الوجه، تعقيب هذه الآية بمثل وارد منه تعالى في غاية الملاءمة لما ~~كنا بصدده بحسب المضرب كما سنوجهه. ### || [32.27] # " السوق ": الحث على السير، و " الجرز " الأرض اليابسة التي جرز ~~نباتها، أي قطع، إما لعدم الماء، أو لأمر آخر كالرعي وغيره، ولا يقال ~~للتي لا تنبت ك السباخ: " جرز " كما دل عليه قوله: { فنخرج به ~~زرعا }. واشتقاق هذا اللفظ من قولهم: " سيف جراز " أي: قطاع لا يبقي ~~شيئا إلا قطعه، وفي " الجرز " أربع لغات: بضم الجيم والراء، وبفتحهما، ~~وبضم الجيم وإسكان الراء، وبفتح الجيم وإسكان الراء. # قد نبه ms1308 الله سبحانه الكفار بوجه آخر معطوف على الوجه السابق بقوله: { ~~أولم يروا أنا } أي: أو لم يعلموا أنا نسوق الماء بالأمطار ~~والثلوج أو الأنهار والعيون إلى الأرض اليابسة التي لا نبات فيها، وقيل: ~~نسوق الماء بالسيول إليها، لأنها مواضع عالية وهي قرى بين الشام واليمن - ~~عن ابن عباس -. وقيل: هي أبين. # فيخرج به زرعا تأكل منه - أي من ذلك الزرع - أنعامهم من عصفه، ~~وأنفسهم من حبه كما في قوله تعالى: # وفاكهة وأبا * متاعا لكم ولأنعامكم # [عبس:31 - 32]، فلا يبصرون بدائع صنعه، ولطائف رحمته في حق أنفسهم وفي ~~حق أنعامهم. # مكاشفة قرآنية # لما كانت الآية السابقة بحسب ما وجهناها وأولنا إليه، إشارة إلى ~~الحث والترغيب للإهتداء بأنوار كتاب الله تعالى، والإرتقاء إلى أعلام ~~الحقائق القرآنية، والزجر والتهديد والنهي والوعيد للقاعدين عن سلوك هذه ~~الدرجة العظيمة، بحكاية إهلاك قرون ماضية كانوا يمشون في مساكنهم ~~السفلية، ويترددون في منازلهم الحسية البدنية، لطلب الأغراض الخسيسة ~~والمقاصد الحيوانية، ففي هذه الآية إشارة تمثيلية إلى كون القرآن ماء ~~تحيى به أراضي القلوب الميتة بموت الجهالة والنقص، كما تحيى الأرض ~~الجرز بوابل السماء. # وتمثيل القرآن بماء المطر شائع في كتاب الله، كما في قوله: # والله أنزل من السمآء مآء فأحيا به الأرض ~~بعد موتهآ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون # [النحل:65]، وكقوله يعني أو لم يروا أنا نسوق ماء العلم القرآني من ~~سماء الملكوت العقلي وجو العالم الأعلى إلى أرض النفوس الساذجة المنقطعة ~~عن شواغل الدنيا وعوائق الهوى، فنخرج به زرع العلوم الكشفية الإلهية، ~~والآداب والأحكام العملية، تتغذى وتتقوى بالأولى روح الإنسان وباطنه ~~تكميلا للقوة العقلية، وتتروض وتتهذب بالثانية نفس الإنسان وظاهره ~~تكميلا للقوة العملية، فإن النفس بمنزلة المركب للروح العقلي، كما أن ~~البدن بمنزلة المركب للنفس الحيوانية، ولهذا استعير لفظ الرياضة الموضوعة ~~لمن يروض الحيوان، أي: يمنعه عن العلف لتقبل التأديب والتعليم، لأجل ~~النفس الحيوانية عند تسخير الروح العقلي إياها، وضبطه لها عن اللذات، ~~لتشايع قواها الروح في سلوكها طريق الحق وسيرها إلى الله. # فكما أن القرآن ms1309 يوجد فيه علوم الآخرة ومكاشفات الأسرار الإلهية والآيات ~~الربوبية، فكذلك يوجد فيه أحكام الحل والحرمة، وطريق المعاملات، وكيفية ~~المعاشرة مع الخلق، وعلم التمدن والسياسات، والجروح والقصاص، والأقضية ~~والحكومات، فتلك الآخرة، وهذه الدنيا على وجه تكون وسيلة للآخرة، فافهم ~~واغتنم. # أفلا يبصرون: آي آثار الحياة العقلية، وشواهد الأنوار الملكوتية في ~~القلوب المهتدية بآيات المعارف القرآنية، والنفوس التي أنبت الله فيها ~~بمياه الألطاف الروحانية (الرحمانية - ن) أشجار الكلمات الطيبات، التي ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وتلك ~~الأمثال نضربها للناس. ### || [32.28-29] # قال الفراء: المراد به فتح مكة، وقال السدي: " الفتح ": هو القضاء ~~بعذابهم في الدنيا، وهو يوم بدر، وقال مجاهد: هو الحكم بالثواب والعقاب ~~يوم القيامة. كان الكفار يسمعون المسلمين يستفتحون بالله عليهم، فقالوا ~~لهم: متى هذا الفتح، فأمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يقول ~~لهم وينبئهم على أن بعد الفتح لا ينفع إيمان من كان كافرا من قبل، كما ~~في قوله تعالى # يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ~~لم تكن آمنت من قبل # [الأنعام:158]، أي لا يمهلون ولا يؤخر عنهم العذاب. # هذا على تقدير أن يكون يوم الفتح القيامة، وأما على أحد الوجهين ~~الأخيرين ففيه إشكالان: # أحدهما: عدم مطابقة الجواب للسؤال في الظاهر. # والثاني: أنه قد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناسا يوم بدر. # والجواب عن الأول: أن مقصود السائلين عن وقت الفتح واستعجالهم به على ~~وجه التكذيب والاستهزاء، فوقع الجواب على حسب غرضهم وأسلوب استبعادهم له، ~~فقيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزئوا (تستبعدوه - ن)، فكأني بكم وقد ~~وجدتم في ذلك اليوم وآمنتم به، فلم ينفعكم إيمانكم يوم الحساب، ولا لكم ~~الاستمهال عن حلول العقاب. # وعن الثاني: أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل، كما لم ~~ينفع إيمان فرعون حين الغرق. # كشف تنبيهي # " يوم الفتح ": يطلق تارة على وقت الولادة المعنوية التي تنفتح مملكة ~~البدن وعساكر قواها البهيمية والسبعية والشيطانية للروح، وتارة يطلق على ~~القيامة الصغرى، ms1310 وهو الموت الطبيعي الذي يفتح باب حجاب البدن، وتارة يطلق ~~على يوم القيامة الكبرى بظهور المهدي (عليه السلام) وغلبته على الدجال ~~والدجالين، ولا ينفع حينئذ إيمان المحجوبين، لأنه لا يكون إيمانهم بحسب ~~الكشف والبرهان، بل بحسب حديث النفس واللسان والمجادلة والبحث والغلبة ~~والطغيان، فلا يغني عن هؤلاء المحجوبين عذاب الطرد والبعد والحرمان. ### || [32.30] # وانتظر يا محمد بوعدي لك ولقومك المؤمنين بالنصر على أعدائكم الجاحدين ~~والمكذبين، إنهم منتظرون حوادث الزمان فيكم من موت أو قتل أو غلبة منهم ~~عليكم، كما في قوله تعالى: # فتربصوا إنا معكم متربصون # [التوبة:52]. # وفي قراءة ابن السميفع " منتظرون " - بفتح الظاء -. وقيل في معناه: ~~وانتظر هلاكهم فإنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم، يعني: أنهم هالكون لا ~~محالة. # إشارة # يحتمل أن يكون المراد: انتظر الفتح الحقيقي، والخلاص من آلام الدنيا ~~وعداوة أهلها، وكيد الأعداء، وملاقاة الأصدقاء ومشاهدة أرواح الأنبياء ~~وملائكة الله في السماء، فإن الأرواح والملائكة ينتظرون قدومك عند ~~الإرتقاء إلى الملك الأعلى الذي بيده ملكوت الأشياء. # خاتمة # في فضل السورة وعدد آياتها وموقع نزولها # عن أبي بن كعب # " عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: من قرأ { الم * ~~تنزيل } [السجدة:1 - 2]، و { تبارك الذي بيده الملك } ~~[الملك:1] فكأنما أحيى ليلة القدر ". # وروى ليث عن جابر قال: # " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينام حتى يقرأ { الم ~~* تنزيل } [السجدة:1 - 2] و { تبارك الذي بيده الملك } ~~[الملك:1] " # ، قال ليث: فذكرت ذلك لطاووس، قال: فضلتا على كل سورة في القرآن، ومن ~~قرأهما كتب له ستون حسنة ومحي عنه ستون سيئة ورفع له ستون درجة. # وروى الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من قرأ ~~سورة السجدة في كل ليلة جمعة، أعطاه الله كتابه بيمينه، ولم يحاسبه بما ~~كان منه، وكان من رفقاء محمد وأهل بيته (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الكشاف أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من قرأ ~~{ الم * تنزيل } في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام. # وعدد ms1311 آياتها تسع وعشرون آية بصري وثلاثون عند الباقين، والاختلاف في ~~الآيتين: ألم - كوفي جديد، حجازي، شامي. # وهي مكية ما خلا ثلاث آيات منها، فإنها نزلت بالمدينة، وهي: # أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون # [السجدة:18] - إلى تمام الآيات. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1] # أي: يا إنسان - أعني محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك لأنه ~~الإنسان الحقيقي المعنوي، الذي اجتمعت فيه صور الأسماء كلها مفصلة، ~~كما في العقل الأول مجملة - لما روي عن ابن عباس: " إن معناه " يا ~~إنسان " في لغة طي " ، وقيل في توجيهه لفظا - إن صح النقل -: أن ~~يكون أصله " يا أنيسين " فكثر النداء به على ألسنتهم، حتى اقتصروا ~~على شطره، كما قالوا في القسم: " م الله " في " أيمن الله ". # وقد مرت الإشارة في سورة السجدة، إلى قاعدة كلية في الحروف المقطعة، ~~بها يمكن أن يستنبط معنى الإنسان الكامل، من كلمة " سين " فقط - إن ~~كان " يا " حرف النداء. ومن مجموع " ياء " و " سين " بوجه اخر - إن لم ~~يكن كذلك - فليرجع إليها. # وقرئ " ياسين " بالفتح، ككيف وأين، أو بالنصب، على " اتل يس " ، ~~وبالكسر على الأصل، وبالرفع على " هذه يس ". # واتفق أكثر المفسرين، على أن المراد منه النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وان اختلفت العبارات، وتعددت الإشارات، فقيل معناه: " يا إنسان ". ~~وهو قول ابن عباس. وقيل: " يا رجل ". عن الحسن وأبي العالية. وقيل: ~~معناه: " يا محمد " (صلى الله عليه وآله). عن سعيد بن جبير ومحمد بن ~~حنفية. وقيل معناه: " يا سيد الأولين والآخرين " وقيل: " هو اسم النبي ~~(صلى الله عليه وسلم)، عن علي وأبي جعفر الباقر (عليهما السلام). ولهذا ~~يقال لآله (عليهم السلام): " آل يس ". ### || [36.2] # المحكم عن الباطل والتحريف، أو: ذي الحكمة، لما فيه من الآيات الدالات ~~على العلوم الربوبيات. وفيه سر آخر، وهو أن يكون المراد به عقل الرسول، ~~الذي فيه صور معلومات الأشياء وحقائقها، كما في اللوح المحفوظ، وهو الذكر ~~الحكيم، وقد وقع الإصطلاح من أقوام، على تسمية العقل الذي فيه مبدء ~~تفاصيل المعقولات: " عقلا قرآنيا ms1312 ". وعلى تسمية العقل الذي فيه مبدء ~~تفاصيل المعقولات: " عقلا قرآنيا ". وعلى تسمية النفس التي استمدت منه ~~في حضور تلك التفاصيل: " عقلا فرقانيا ". فعلى هذا يكون هذا القسم من ~~قبيل " لعمرك ". # ومما يؤكد هذا المطلب، أن كل ما ظهر من الآثار الصادرة من الله في مظهر ~~خاص، بحسب ما يوجد فيه من ملكة قائمة، أو صفة راسخة، أو اتصال قوي ~~بالمبدء الفعال، فهو إنما كان من حقيقة ذلك المظهر، فالقرآن بحسب الذات ~~والماهية. كان خلق الرسول، وهذا أمر اتفقت عليه أذواق أهل الله. ### || [36.3] # من الحق إلى الخلق في السفر الثالث النزولي، بعد السفرين ~~الأولين: أحدهما: " المعراجي السمائي " والآخر: " الأسمائي " فإن ~~الرسالة من قبل ملك مسبوقة بالوصول إليه، والمعارفة التامة معه. ### || [36.4] # وهو الطريق الذي يفضي سالكه إلى الحق الأول، وهو الذي كان مسلوك جميع ~~الأنبياء ثم الأولياء ثم الحكماء، ثم الأمثل فالأمثل من دين التوحيد ~~الإلهي، وهو تهذيب النفس أولا، بالأعمال والآداب الشرعية عن أوساخ ~~الأفاعيل الشهوية والغضبية، الذي هو بمنزلة إماطة الأذى عن الطريق، ثم ~~صيانتها عن اغواء وساوس الوهم واضلال شياطين الجن والإنس، بالعلوم ~~الميزانية والتعليمية، وهو بمنزلة مدافعة قطاع الطريق، ثم تكميل افضل ~~اجزاء النفس، وهو القوة النظرية، بالعلوم الحقيقية والمعارف الالهية، ~~وعند ذلك يكون اوان الوصول إلى المقصود الاول، الذي اليه ينتهي سير ~~العقول # ألا إلى الله تصير الأمور # [الشورى:53]. والمتكفل لجميع هذه المعاني على اشرف وجه وآكده، هو القرآن ~~المجيد الذي # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد # [فصلت:42]. ### || [36.5] # وقرئ بالرفع على انه خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب على تقدير " أعني " ، ~~وبالجر على البدلية من " القرآن " ، أو من " الصراط " ، لأن القرآن ~~المبين، حبل الله المتين، وبه يسلك سبيل رب العالمين، ويعرج ~~إلى سماء الحق واليقين، والتنكير في " صراط مستقيم " ، دال على أنه من ~~بين الصرط المستقيمة، بحيث لا يكتنه وصفه ولا يحاط بحده. ### || [36.6] # ثم بين الغاية في إرسال الرسل، وتنزيل الكتاب بقوله: # { لتنذر }: # بهذا القرآن، وتعلم بهذا الكتاب ms1313 والحكمة. # { قوما مآ أنذر آبآؤهم }: # الأقدمون، وأشياخهم الماضون بهذه المعارف الغامضة، الأبية، والمقاصد ~~الشريفة الإلهية، خصوصا علم المعاد، وبعض أحوال المبدء مما لا تستقل به ~~العقول، ولا يدركه أحد إلا بمتابعة أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم). # { فهم غافلون } [6]: # عما وراء طور العقل، كما يغفل سائر عوام الناس وأصحاب الحواس، ~~عما يدركه الأكياس بدقة عقولهم، من غير استيناس بالقرآن ولا اقتباس. # وقوله: { قوما مآ أنذر آبآؤهم } صفة وموصوف، من باب وصف ~~الشيء بحال متعلقه، اي " قوما غير منذر آباؤهم " على نحو قوله: # لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك # [القصص:46]. # والمعنى - والله أعلم - أن الاديان والعلوم لم تكن في الازمنة الماضية ~~والامم السابقة، بهذه المثابة، من التمامية والكمال، والتقديس عن النقص ~~والشر والوبال، كما في قوله تعالى: # كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم ~~آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ~~ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون # [البقرة:151]. # وعن قتادة: لانهم كانوا في زمان الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام. ~~وعن الحسن: لم يأتهم نذير من أنفسهم وقومهم وان جاءهم من غيرهم. وقيل: ~~معناه: لم يأتهم من أنذرهم بالكتاب حسب ما أتيت، وهذا على قول من ~~قال: كان في العرب قبل نبينا صلى الله عليه وآله من هو نبي كخالد بن ~~سنان، وقس بن ساعدة، وهذا الوجه قريب مما ذكرناه أولا، فافهم. # ومنهم من جعل " ما " مصدرية، او موصولة منصوبة على المفعولية الثانوية، ~~فيكون الكلام على هذين الوجهين، لإثبات الإنذار السابق لا لنفيه، أي: ~~لتنذر قوما انذار آبائهم. او: لتنذر قوما ما انذر آباؤهم من العذاب ~~وغيره، فقوله: " فهم " متعلق على الاول بالنفي، يعني: عدم الانذار منشأ ~~غفلتهم وذهولهم. وعلى الثاني، متعلق بالانذار، من باب تعلق السبب ~~المستدعي لشيء به، كما تقول: عظ فلانا فإنه غافل، أو: فهو غافل. ### || [36.7] # لأن الإيمان عبارة عن صيرورة النفس، بحيث يعرف الله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر، ويعمل بمقتضاه، ويسلك بمؤداه، وينهى النفس عما ~~يهواه، ويعبد الله كأنه يراه، وهذا مما لا يتيسر ms1314 الا لنفس زكية، وقلب ~~لطيف قابل لتصوير الحقائق، واكثر الناس غلبت عليهم الجسمية ~~والكثافة، والنفاق والشيطنة، وكلاهما حجاب، إلا أن الاول، من باب ~~النقص الواقع بسبب التجسم في أول الفطرة، والثاني من باب المرض ~~المزمن الطاري. # فاذا تقرر ذلك، فاعلم أن القول قوله: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [السجدة:13] وهو عبارة عن حكمه القضائي، وتقديره الازلي، بأن نظام هذا ~~العالم وعمارته، وقوامه، ووجود العلماء المهتدين، وعبوديتهم، لا ينتظم ~~ولا يصلح، الا بأن يكون في العالم نفوس غلاظ وقلوب قاسية، وشياطين أنسية ~~مكارة بحسب ما غلب عليهم من طاعة الشهوة والغضب، وخدمة الهوى، والتردي ~~إلى أسفل درك جحيم الدنيا: # ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود:119]. فيتوجهون بتلك الدواعي والاغراض الخسيسة، الى عمارة الدنيا، ~~والسعي في طلبها، والإخلاد اليها، والعمل لأجلها، من الزراعة والعمارة، ~~وإخراج القنوات، وتحصيل المزروعات، وصنعة المكاسب الدنية، والصنائع ~~الكثيفة، كالحجامة والكنس والحياكة وغير ذلك، وسبيل عمارة الدنيا، ~~غير سبيل عمارة الآخرة، من تلطيف السر بالتقوى، وتنوير الروح بالعلم ~~والهدى، ألا ترى الى قوله تعالى في الحديث القدسي: # " إني جعلت معصية آدم سببا لعمارة العالم " # وفي الحديث: # " ان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ". # وقد اوردنا هذه المعاني والدلائل في تفسير سورة السجدة، عند قوله تعالى: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين # [السجدة:13]. # ومن تأمل في وضع الدنيا وأسبابها، علم أن التعيش لا يتصور إلا بأن ~~يكون أكثر الناس غليظي الطبائع، دنيي الهمم، بعيدين عن تذكر الدار ~~الآخرة، وعالم الملكوت، كما دلت عليه آيات كثيرة في هذا الباب كقوله: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف:103] وقوله: # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف:106] وكقوله: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~لهم قلوب لا يفقهون بها # [الأعراف:179] الآية. وكقوله: # وأكثرهم الكافرون # [النحل:83]. # وكقوله: # وأكثرهم للحق كارهون # [المؤمنون:70]. وقوله: # ولكن أكثرهم لا يشكرون # [يونس:60]. # وكل من توجه بقلبه إلى الدنيا، سهل ms1315 الله له طريقها، ومن توجه ~~سره إلى الآخرة وعالم الملكوت، سهل الله له سبيلها، وكل ميسر ~~لما خلق له، ومآل طالب الدنيا إلى الجحيم، ومآل طالب الآخرة إلى ~~النعيم، من كان لله كان الله له، ومن كان للدنيا كانت الدنيا سبيله ~~ومبتغاه ومولاه: # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وسآءت مصيرا # [النساء:115]. ### || [36.8] # ثم مثل تصميمهم على الكفر، وأنه لا سبيل إلى تعليمهم وإرشادهم ~~بقوله: # { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى ~~الأذقان }. # الضمير للأغلال، لأن طوق الغل في عنق المغلول، يكون في ملتقى طرفيه ~~تحت الذقن، حلقة فيها رأس عمود خارجا منها إلى الذقن، فلا يتمكن معه من ~~خفض رأسه أو قذاله. # { فهم مقمحون } [8]: # رافعون رؤوسهم، وغاضون أبصارهم، من " قمح البعير " إذا روي ~~ورفع رأسه، وقيل للكانونين: " شهرا قماح " لأن الإبل إذا وردت ~~الماء فيهما رفعت رأسها لشدة برده. # ومنهم من جعل الضمير للأيدي على سبيل الكناية، وإن لم تكن مذكورة، ~~لدلالة الأغلال والأعناق عليها، وذلك، لأن الغل يجمع اليد إلى ~~الذقن والعنق، ولا يجمع العنق إلى الذقن، وأكد ذلك بما روي عن ابن عباس ~~وابن مسعود أنهما قرءا: (إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا) وبقراءة ~~بعضهم: (في أيديهم). ورجح الأول بقوله: (فهم مقمحون)، حيث جعل الإقماح ~~نتيجة ما ذكر، وإلا لم يكن للسببية وجه ظاهر، وبأن الإضمار ضرب ~~من التعسف، وعدول عن الظاهر، وعلى الوجهين لا يتفاوت المعنى، لأن الغل ~~لا يكون في العنق دون اليد، ولا في اليد دون العنق. # والمقصود، تمثيل حال الجهلة الناقصين الكافرين، أو المعاندين ~~والمنافقين، المعرضين عن العلم واليقين، والحكمة والدين، في إعراضهم عن ~~استماع كلام أهل الحق، برجل غلت يداه إلى عنقه، لا يمكنه أن ~~يبسطهما إلى خير، وهو إشارة إلى قصور القوى العملية، التي هي بمنزلة اليد ~~اليسرى لها، عن فعل الخيرات، وترك اللذات، وبرجل طامح برأسه لا ~~يبصر مواطيء قدمه، وهو إشارة إلى استنكاف النفس العسوفة الجحودة العنودة، ~~المحجوبة ms1316 بفطانتها البتراء، المغترة ببصيرتها العمشاء عن قبول التعلم، ~~والاستكبار عن الحق، والاغترار بالعقل الجزئي، وذلك لأن المستكبر عند ~~استكباره، يكون رافعا رأسه، لاويا عنقه، شامخا بأنفه، لا ينظر إلى ~~الأرض. # وإنما أضاف الجعل إلى نفسه، إما لأن عند تلاوة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) القرآن عليهم، ودعوته إياهم، صاروا بهذه الصفة، فهو مثل قوله: # حتى أنسوكم ذكري # [المؤمنون:110]. وإما لأن الموجد لهذه النفس الشقية الجاهلة، التي ~~كفرت بأنعم الله، إنما خلقها لأجل تعمير هذه الدنيا الفانية، واستخدامها ~~لأمور حيوانية، وهو مما يستتبع لأوصاف وأخلاق ذميمة، وهيئات رديئة، ينشأ ~~منها هذه الحالات عند سماع الآيات، لأنها ما خلقت لأجل السعادة ~~الأخروية، بل خلقت لأشياء أخر، لو لم تكن هي لوقع الضرر في أشياء ~~شريفة، روعي جانبها ولفتها (لمها) فافهم. ### || [36.9] # هذا تمثيل لحالهم، بحسب ما توجبه الأسباب والعلل الخارجية، كما أن الأول ~~تمثيل لحالهم بحسب ما تؤدي إليه المبادئ والهيئات الداخلية، أي فمن هذه ~~صفتهم في إعراضهم عن الحق، وتمردهم عن قبول الإيمان والهداية وسلوك ~~الصراط المستقيم، فقد حل غضب الله عليهم وخذلانه إياهم، فكأنه قال: ~~تركناهم مخذولين، وطردناهم ملعونين، بأسباب تدعوهم إلى طريق الشر ~~والخذلان والطرد، إذ سد عليهم جوانبهم عن الوصول إلى دار النعيم، وضيق ~~عليهم الطريق إلا إلى الجحيم، لأنهم أشقياء مردودون إلى أسفل سافلين، ~~مقهورون بالقهر الإلهي لا ينجع فيهم الإنذار، ولا سبيل إلى خلاصهم من ~~النار، # كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا ~~أنهم لا يؤمنون # [يونس:33]. # وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا ~~أنهم أصحاب النار # [غافر:6]. # سدت عليهم الطرق، وأغلقت عليهم الأبواب، إذ القلب هو المشعر ~~الإلهي، الذي هو محل الإلهام، فحجبوا عنه بختمه وطبعه ورينه، ~~والسمع والبصر هما المشعران لإدراك الإنسان الكامل، خليفة الله في أرضه، ~~وهما بابان للفهم والإعتبار، فحرموا عن جدواهما لطمس عيونهم، وصمم ~~آذانهم، فلا يمكنهم الإنتفاع بهما، والاستعمال لهما فيما خلقا لأجله، ~~لامتناع نفوذ المعنى فيهما إلى قلوبهم، فلا سبيل لهم في الباطن إلى ~~العلوم الكشفية الإلهامية، ولا في ms1317 الظاهر إلى العلوم التعليمية الكسبية ~~الأدبية، فسدت عليهم الطريقتان. # فالسد الأول: الواقع من بين أيديهم، يوجب انسدادهم عن الوصول إلى عالم ~~الآخرة، وعالم الغيب والباطن، الذي تتوجه إليه النفوس بحسب الفطرة بالموت ~~الطبيعي. # والسد الثاني: الواقع من خلفهم يوجب انسدادهم عن الانتفاع بعالم ~~الأجسام، وصرف نعم الله، من الآلات والحواس الجسمانية فيما خلقت ~~لأجله، فحبسوا في سجون الظلمات، ووقعوا في شجون أودية الهوى والدركات، ~~مغشون بأغشية الهيئات الرديات، مغطون بأغطية الشواغل الماديات، ~~ولذا قال: { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } أي غطيناهم، ~~وجعلنا على أبصارهم غشاوة عن أن تطمح إلى مرئي، لأن شرط الرؤية مفقودة، ~~لأنهم في حجب ثلاثة، وظلمات ثلاثة: عمى القلب أولا، وعمى الشواغل ~~والتعلقات ثانيا، وعمى الجحود والعناد ثالثا، فما أعظم عذابهم وما أشد ~~حجابهم، حيث قال الله فيهم، اعراضا عنهم، وتسريحا إياهم في مرتع ~~الدواب خليعي العذار، وتسوية بينهم وبين الأنعام السائمة بلا قيد وعقال. ### || [36.10] # لأن الإيمان مرتبة من العلم بالمبدء والمعاد، والتقوى بموجبه، والزهد في ~~الدنيا، والتجرد عن دار الأضداد، والرضا بقضاء الله، والتوكل عليه في كل ~~المواد، وهي تفتقر إلى قريحة صافية وقادة، وقلب خاش خاضع لذكر الله، ~~متشوق إلى عبوديته، متواصل الفكر في طلب الحق، والوصول إلى دار القرار، ~~ومنزل المصطفين الأخيار، فكيف يتصور هذه الأمور، من قلوب هي كالحجارة أو ~~أشد قسوة، فلا ينجع فيهم الانذار، ولا ينفع لهم التعليم والتكرار، بل ~~الإنذار والتعليم، إنما ينفع للقلوب الرقيقة اللطيفة الخاشية لله، ~~الطالبة للحق، وتذكر الآيات والمعارف كما قال: # { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بالغيب } [يس:11]. ### || [36.11] # { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بالغيب }: # لكونه ذا فطرة صحيحة، وقلب خاضع خاشع لذكر الله، خاش من الرحمان في عالم ~~الغيب، وإنما أطلق هذا الاسم، للإشارة إلى أن خشية أهل العرفان، حاصلة من ~~إدراك العظمة لله، وشدة النورية الالهية، واشعة الرحمة اللامتناهية، ~~وليست الخشية منهم خشية العقاب، وإلا لناسب أن يذكر بدل اسم " الرحمان ~~" اسم " المنتقم " أو " القهار " أو " العدل ". # واعلم أن نفي ms1318 الإنذار هاهنا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~بالقياس إلى الأشقياء المردودين، كما يستفاد من كلمة " انما " الكائنة ~~للحصر، ليس بمناف لثبوته سابقا مع انتفاء الإيمان، وذلك لأن النفي ها ~~هنا باعتبار. نفي ترتب الغاية والبغية، لأن ثمرة الإنذار ترتب ~~الإيمان، فإذا انتفت الثمرة، فكأنه انتفى الإنذار، وأما الإثبات، فهو ~~باعتبار تحققه في نفسه، مع قطع النظر عن التأثير ووجود الأثر، فلا ~~يتنافيان، وهذا كالشمس المضيئة، التي شأنها إضاءة وجه الأرض، فإذا حجب ~~عنها حجاب، وحدث فوق الأرض سحاب، فلم يستضيء منها وجه الأرض، يصدق على ~~الشمس حينئذ إنها مضيئة، ويصدق أيضا أنها غير مضيئة، كل منهما باعتبار ~~آخر. # { فبشره بمغفرة }: # من الله له عن ذنوبه المتقدمة والمتأخرة، كوروده في جحيم الدنيا، ~~ومصاحبة مؤذياتها، وقبوله الصفات الهيولية مدة بشوم الإقتران مع أقران ~~السوء ورؤيتهم. # { وأجر كريم } [11]: # ونعيم جسيم، من جنة الأفعال والصفات، أو الذات، على حسب الدرجات. # ولما كان قبول دعوة الحق بالإنذار، والاهتداء بفهم الآيات والأنوار، ~~وطلب اليقين بحقائق الدين، يوجب أن يحيى القلوب بالحياة الأبدية ~~الأخروية، ويتنور بروح الحقائق والمعارف اليقينية. ويتخلص من موت ~~الجهالة، وينجو من عذاب الأخلاق الردية، وكل ما يخرج من القوة إلى ~~الفعل، فيحتاج إلى سبب يخرجه، والمخرج للنفوس الميتة بموت الجهل وعذاب ~~النقص والآفة، إلى روح العقل المستفاد، المضيء في دار المعاد، وفسحة ~~المعارف والأنوار، الواقعة في دار القرار، ومشاهدة الصور الحسان، ~~الموجودة في طبقات الجنان، إنما يكون مبدءا دراكا فعالا للمعقولات، ~~خلاقا للعلوم المفارقة عن هذه الماديات، وهو الباري سبحانه، أو ضرب ~~من ملائكته المقربين، إذ لو لم يكن حصول المعارف عنده، أو عند مقربيه، ~~بتأييده على سبيل الفعالية، لكان مفتقرا في إدراكه للمعارف والعلوم، ~~وخروجه من القوة إلى الفعل، إلى مبدء آخر أجل منه رتبة وفضيلة، فيلزم أن ~~يكون إله العالم ناقصا في رتبته، مفتقرا إلى غيره في كمال وجوده، وهو ~~ممتنع عليه - تعالى عما يقوله الظالمون علوا كبيرا - ### || [36.12] # فعقب ذلك بقوله: # { إنا نحن }: # أي هو تعالى، أو ضرب ms1319 من ملائكته المقربين المهيمين، الذين ~~فعلهم مطوي في فعل الحق، لفناء ذواتهم بغلبة سلطان النور الطامس ~~الأزلي على أنوارهم، واختفاء أشعة تأثيراتهم العقلية، تحت شعاع الضوء ~~القيومي. # { نحيي الموتى }: # من النفوس الهالكة في عالم الظلمات ومقبرة الدنيا، وقبور الهيئات ~~البدنية النائمة نوم الغفلة، وقصور الوجود بروح المعارف والعلوم، ~~ويقظة الكشف والشهود، ويؤيد هذا، ما ذكر عن الحسن: " إحياؤهم أن يخرجهم ~~من الشرك إلى الإيمان ". وقيل: " نحيي الموتى ببعثهم بعد مماتهم ~~". # { ونكتب ما قدموا وآثارهم }: # قيل: أي ما أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها، وما هلكوا عنه من ~~آثار حسنة: كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو بناء بنوه، من مسجد أو رباط ~~أو قنطرة، أو نحو ذلك، أو سيئة: كوظيفة وخراج أنشأها بعض الظلمة على ~~الناس، أو سكة أحدثها، فيها تخسيرهم، أو لهو فيه صد عن ذكر الله، من ~~ألحان وملاه، كالنرد والشطرنج، وكذلك كل سنة حسنة أو سنة سيئة ~~يستن بها، ونحوه قوله تعالى: # ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة:13] قدم من أعماله، أو أخر من آثاره. # قاعدة فرقانية فيها مكاشفة قرآنية # الاشارة في تحقيق هذه الآية: # إن كل من فعل فعلا، وتكلم كلاما، أو عمل عملا صالحا، أو ~~اقترف معصية، حصل من ذلك أثر في نفسه، وحدث فيها حال وكيفية ~~نفسانية، هي ضرب من الصورة والنقش، وإذا تكررت الأفاعيل، وتكثرت ~~الأقاويل، استحكمت الآثار في النفس، فصارت ملكات بعدما كانت أحوالا، و ~~" المقام " في لغة أهل التصوف، هو هذه الملكة، فيصدر بسببها الأفعال ~~المناسبة لها بسهولة من غير روية. # ومن هاهنا، يتأتى تعلم الصنايع، وتهيؤ المكاسب العلمية والعملية، ~~ولو لم يكن هذا التأثر للنفس، والاشتداد به فيها يوما فيوما، لم يكن ~~للإنسان تعلم الحرف والصنايع، بل يحتاج في كل تراخ وتعطل، إلى ~~تجشم كسب جديد، ولم ينجع التأديب والتهذيب في الإنسان، ولم يكن أيضا ~~في تأديب الأطفال وتمرينهم على الأعمال فائدة، فالآثار الحاصلة من ~~الأفعال والأقوال في القلوب، بمنزلة النقوش والكتابة في الألواح # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة:22] وتلك ms1320 الألواح النفسية يقال لها: " صحائف الأعمال ". # وتلك الصور والنقوش الكتابية، تحتاج في حصولها في تلك الألواح، إلى ~~مصورين وكتاب غير تلك الموضوعات، لما علمت، من استحالة كون كشيء واحد، ~~مصورا ومصورا ونقاشا ومنتقشا، ومعلما ومتعلما، وبالجملة ~~فاعلا وقابلا، واستحالة كون المعطي للكمال قاصرا عنه، فالمصورون ~~والكتاب يجب أن يكونوا أجل رتبة، وأشد تجردا، وأعظم كرامة من ~~النفوس القابلة، فهم " الكرام الكاتبون " ، وهم ضروب من ملائكة الله، ~~المتعلقة بأعمال العباد وأقوالهم، لقوله تعالى: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق:18]. # وهم على كثرة أصنافهم، حسب أصناف العباد قسمان: " ملائكة اليمين " وهم ~~يكتبون أعمال أصحاب اليمين، و " ملائكة الشمال " وهم يكتبون أعمال أصحاب ~~الشمال، وإليه الإشارة في قوله تعالى: # إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد # [ق:17]. # وفي الخبر: " كل من عمل حسنة يخلق الله منها ملكا يثاب به، ومن اقترف ~~سيئة يخلق الله منها شيطانا يعذب به " فالأول أشير إليه بقوله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * ~~نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة # [فصلت:30 - 31]. والثاني إليه الإشارة بقوله تعالى: # هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل ~~على كل أفاك أثيم # [الشعراء:221 - 222]، وقوله: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف:36]. # وفي كلام فيثاغورس، وهو من أساطين الحكماء، المقتبسين أنوار معارفهم ~~من مشكاة علوم الأنبياء (عليهم السلام): " اعلم أنك ستعارض بأقوالك ~~وأفعالك وأفكارك، وستظهر لك من كل حركة، فكرية أو قولية أو عملية، ~~صور روحانية وجسمانية، فإن كانت الحركة غضبية شهوية، صارت مادة ~~لشيطان يؤذيك في حياتك، ويحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك، وإن كانت ~~الحركة عقلية، صارت ملكا بمنادمته في دنياك، وتهتدي بنوره في أخراك، ~~إلى جوار الله وكرامته ". # وهذا النور هو ما يشار إليه بقوله تعالى: # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم # [الحديد:12] وأمثال هذا في كلام الله كثير، كما سيلوح لك بفضله إنشاء ~~الله. ms1321 # فإذا تقرر هذا، فقوله: " ما قدموا " إشارة إلى تلك الأحوال ~~النفسانية، والارتسامات المتتالية مرة بعد أخرى، قبل رسوخ تلك الصفات، ~~وصيرورتها ملكة يعسر زوالها. وقوله: " وآثارهم " إشارة إلى ~~الملكات الراسخة، التي هي أثر حاصل بعد انقضائها، وانقطاع الأعمال ~~المستدعية لها. # ثم لما كان هذا العالم دار التغير والزوال، وألواح النفوس المتعلقة به ~~قابلة للمحو والإثبات، يمكن فيها تبديل الصفات والهيئات، وإزالة ~~السيئات بالحسنات، والتوبة عن المعاصي قبل حصول الأخلاق والملكات، وسد ~~أبواب المغفرة عند استحكام الرين والظلمات، وأما عند ظهور الآخرة ~~فتستحكم الأخلاق، بحيث يصير كل خلق رديء (صورة) خلق آخر من الحيوانات، ~~فيحشر الناس على حسب هيئاتهم، كما ورد في الحديث، وهذا معنى قوله: # يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم * ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة:6 - 8]. # زيادة كشف # رسوخ الهيئات، وتأكد الصفات الحاصلة من تكرر أعمال الحسنات والسيئات، ~~هو المسمى عند الحكماء ب " الملكة " ، وفي لسان أهل النبوة والمشاهدة ~~ب " الملك " و " الشيطان " ، والمعنى واحد وإن اختلفت الإشارات، ولو لم ~~يكن لتلك الملكات النفسانية، من الثبات ما يبقى أبد الآباد، لم يكن ~~لخلود أهل الطاعة والمعصية، في الثواب والعقاب وجه، لأن منشأ الدوام، لو ~~كان نفس العمل أو الحالة الزائلة من النفس، يلزم بقاء المعلول مع زوال ~~العلة. # وأيضا، الفعل الجسماني الواقع في زمان متناه، ومكان خاص، كيف يكون ~~منشأ للجزاء الثابت في الزمان الغير المتناهي؟ ومثل هذه المجازاة، لا ~~تليق بالحكيم، وقد قال: # ومآ أنا بظلام للعبيد # [ق:29]. وقال: # ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم # [البقرة:225]. ولكن، إنما يخلد أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في ~~النار، بالثبات في النيات. # ومن ها هنا، ظهرت نكتة أخرى في قوله: { ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم } ، وهي بيان السبب الموجب للعقاب، من غير ظلم وجور ~~واعتساف وميل وحيف في الميزان والحساب، فكل من فعل مثقال ذرة من ~~الخير أو الشر، يرى أثره وملكوته في صحيفة ذاته، أو صحيفة أرفع من ذاته، ~~في كتاب لا يجليها إلا ms1322 لوقتها، وإذا حان وقت أن يقع بصره إلى وجه ~~ذاته عند كشف الغطاء، وفراغه عن شواغل هذه الأدنى وما يورده الحواس، ~~ويلتفت إلى صفحة باطنه وقلبه، وهو المعبر عنه بقوله: # وإذا الصحف نشرت # [التكوير:10]. فمن كان في غفلة عن ذاته، وحضور قلبه، يقول عند ذلك كما ~~حكى الله عنه بقوله: # مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ~~ربك أحدا # [الكهف:49]. وأشير إلى نشر الصحف أيضا بقوله تعالى: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا # [آل عمران:30]. # وفي الخبر أيضا: " أن من قال سبحان الله غرست له في الجنة شجرة " ~~ومن قال كذا وكذا حسنة، خلق الله له الحور العين، وقصورا وبيوتا ~~وأنهارا يتمتع بها أبدا مخلدا. # وكذا الحكم في جانب المعصية، فيخلق الله من سيئات المجرمين والمنافقين، ~~ما يكون سبب آلامهم دائما مخلدا، وقال تعالى في قصة ابن نوح (عليه ~~السلام): # إنه عمل غير صالح # [هود:46] وفي الخبر " خلق الكافر من ذنب المؤمن " ونظائر هذه كثيرة ~~في الآيات والأخبار. # ومنشأ ذلك، أن الدار الآخرة دار الحياة لقوله: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت:64] ومواد أشخاص الآخرة، هي التصورات الباطنة والتأملات ~~القلبية، لأن الدار الآخرة ليست من جنس الدار الدنيا، لأن هذه دار ~~الشهادة وهي دار الغيب، والإنسان إذا انقطع عن الدنيا، وتجرد عن مشاعر ~~هذا الأدنى، وكشف عنه الغطاء، يكون الغيب بالنسبة إليه شهادة وحضورا، ~~والعلم عينا، والخبر عيانا، والسر علانية. # فكل أحد يكون بعد كشف الغطاء، ورفع الحجاب، حديد البصر لقوله تعالى: # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق:22]. فيكون بصيرا بنتائج أعماله، مشاهدا لآثار أفعاله، قارئا ~~لصفحة كتابه، مطلعا على حساب حسناته وسيئاته لقوله تعالى: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ ~~كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء:13 - 14]. # فمن كان من أصحاب اليمين، وأهل المعرفة ms1323 واليقين، أوتي كتابه من الجهة ~~التي تناسبه، وهي جهة عليين # إن كتاب الأبرار لفي عليين * ومآ أدراك ما ~~عليون * كتاب مرقوم يشهده المقربون # [المطففين:18 - 21]. ومن كان من أصحاب الشمال، والمنكوسين الفجار، ~~وصاحب الأنظار الجزئية، والأفكار المتعلقة بالأعمال والآثار، فقد أوتي ~~كتابه بشماله لقوله تعالى: # وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يليتني ~~لم أوت كتابيه # [الحاقة:25] أو من وراء ظهره لقوله تعالى: # وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره * فسوف يدعو ~~ثبورا * ويصلى سعيرا # [الانشقاق:10 - 12] ويكون أيضا كتابه في سجين لقوله تعالى: # إن كتاب الفجار لفي سجين # [المطففين:7]، لأنه من جملة المجرمين المنكوسين لقوله تعالى: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم # [السجدة:12]. # ثم اعلم، أن جميع هذه الكتب والصحائف، إنما تنتسخ عن أصل مقدس ~~عظيم هي فروع له، وأبواب مأخوذة منه، وجداول منشعبة من بحره، وهو أم ~~النسخ وإمام الكتب، وهو كتاب عقلي مبين، فيه صور جميع الممكنات ~~على وجه أعلى وأرفع، لا يمسه إلا الملائكة المطهرون، والعقول ~~المقدسة عن أرجاس عالم الحواس، وأدناس الوهم والوسواس، ولذلك قال بعد ~~الإشارات إلى صحائف الأعمال، وكتب الأفعال لأصحاب الشمال: # { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } [12]: # أي عددنا كل شيء من الحوادث، في كتاب ظاهر الكتابة، لأن حقائق ~~الأشياء مسطورة أولا فيه، ثم تتفرع منه العلوم المفصلة، وتتشعب من ~~بحره أنهار الحقائق، وجداول المعارف، وهو " اللوح المحفوظ " ، و " لوح ~~القضاء الإلهي " ، النافذ حكمه في المدارك النفسانية، والألواح ~~القدرية، وعنده مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله، والراسخون في ~~العلم، وعنده خزائن العلوم والمعارف المتعلقة بالحوادث الكائنة والآتية، ~~لقوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام:59]، وقوله: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر:21]. وتلك المفاتح لخزائن العلوم والمعلومات، هي قلوب الملائكة ~~المقربين، المحفوظين بحفظ الله، وتبقيته وحراسته إياهم، عن الخلل ~~والنقصان والذهول، وعالمهم " عالم القضاء " السابق على عالم القدر ~~واللوح النفسي، وعالم اللوح الخارجي، - أي المادة بما فيها من الصور ~~العينية -. # قيل: الوجه في إحصاء كل ms1324 شيء في الكتاب الإلهي، اعتبار الملائكة به، إذ ~~قابلوا به ما يحدث من الأمور، فإن صدور الأنواع الكثيرة، يحتاج إلى جهات ~~كثيرة في عالم الألوهية، يوجب تكثر الفيض من الواحد الحقيقي، الذي ما ~~أمره إلا واحد كلمح بالبصر، ففي هذه دلالة على حصول صور الأشياء كلها، ~~في ذلك الكتاب، على وجه مفصل مرتب، يجمع ويرتقي إلى أمر واحد، وقد ~~بسطنا القول فيه بوجه تحقيقي في مقام آخر، ذكره يؤدي إلى التطويل، ويخرج ~~عن طور الكلام في التأويل. ### || [36.13] # { واضرب [يا محمد] لهم مثلا }: # أي: مثل لهم مثالا، من قولهم: " هؤلاء أضراب " أي: أمثال، و " هذه ~~الأشياء على ضرب واحد " أي: على مثال واحد. وقيل: " اذكر لهم مثلا ~~" أي: قصة عجيبة. # { أصحاب القرية }: # وهي أنطاكية - على رأي المفسرين - وأصحابها كانوا عبدة أوثان. # { إذ جآءها المرسلون } [13]: # وهم رسل عيسى (عليه السلام) إلى أهلها، أرسلهم داعين إلى الحق. ### || [36.14] # { إذ أرسلنآ إليهم اثنين }: # أي رسولين من رسلنا، وإنما أضيف الإرسال هاهنا إلى الله تعالى، ~~وإن كان عيسى (عليه السلام) هو الذي أرسلهما، لأن إرساله كان بأمر الله ~~- كما قيل -، أو لأنه لغاية قرب عيسى (عليه السلام) من الله، وتجرده عن ~~أغراض النفس، واستهلاك نوره في نور الحق، كان في مقام العبودية، فكان ~~فعله فعل الحق، من قبيل قوله تعالى: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال:17]. # ومثل قول النبي (صلى الله عليه وآله): # " من أطاعني فقد أطاع الله ". # وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " من رآني فقد رأى الحق ". # وكما في الحديث المشهور: # " لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحببته ". # وها هنا سر آخر، وهو أن الإنسان إذا بلغت منزلته في البراءة عن الهوى ~~والنفس، إلى أن مات عن نفسه، واتصل بعالم القدس، يصير بحيث يفيض عليه ~~نور الحق، بلا توسط ملك مقرب أو نبي مرسل، فإذا كان مأمورا باصلاح ~~النوع، كان لغاية استعداده وقربه من الحق، يقبل منصب الرسالة أو ~~الخلافة بلا واسطة، وإن كان حصول هذا المقام له بنور ms1325 المتابعة لمن ~~استخلفه، وهذا كما لأمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث كان إماما ~~للمؤمنين، وخليفة لرسول رب العالمين، بنص من الله، لأجل كرامته في ~~نفسه، وقربه من الله بحسب التابعية، كما تدل عليه أحاديث كثيرة، مثل قوله ~~(صلى الله عليه وآله): # " أنا وعلي من نور واحد " # وقوله: # " لا تسبوا عليا فإنه ممسوس بنور الله " # ، ونظائر ذلك. # وبالجملة، بعض المناصب لشرفها، لا بد وأن تكون من قبل الله، بلا ~~مشاركة أحد، لقرب الاستعداد، وإن كانت الأمور كلها من الله، إلا أن ~~بعضها مترتب على بعض، وبعضها فائض من الله بلا واسطة الخلق، وذلك ~~كالنبوة والرسالة والولاية، فإن " الولي " ولي بكرامة باطنية من الله، ~~وكذا " الحكيم " ، و " العارف " ، فإن كلا منهما فيض ورحمة من الله، لا ~~يمكن انتقاله من شخص إلى آخر باختيار العباد، وليست كذلك السلطنة ~~والحكومة، والقضاء والإمارة، وتولية الأوقاف وما يجري مجراها. # ولهذا، حكي في قصة رسولي عيسى (عليه السلام)، كما سننقل، أنهما قالا، ~~حين سألهما ملك القرية: " من أرسلكما؟ ": " أرسلنا الله الذي خلق كل ~~شيء " ومن ها هنا، علم أن أمثال هذه المناصب موهبة، وإن كان للكسب فيه ~~مدخل ما، على وجه الإعداد والتقدمة، بتوفيق من الله وتيسيره. # { فكذبوهما }: # أصحاب القرية: قال ابن عباس: " ضربوهما وسجنوهما ". # وشرح قصتهما - كما نقل -، أنهما لما قربا من المدينة، رأيا شيخا ~~يرعى غنيمات له، وهو حبيب النجار، صاحب يس، فسألهما عن حالهما فأخبراه، ~~فقال: " أمعكما آية؟ " فقالا: " نشفي المريض ونبريء الأكمه والأبرص؟ " ~~، وكان له ولد مريض من سنتين، فمسحاه، فقام، فآمن حبيب وفشا الخبر، فشفي ~~على أيديهما خلق كثير. # ورقي حديثهما إلى الملك، فقال لهما: " ألنا إله سوى إلهنا؟ " قالا: " ~~نعم، من أوجدك وآلهتك " فقال: " قوما حتى أنظر في أمركما " ~~فتبعهما الناس وضربوهما وقيل: حبسا. # ثم بعث إليهم عيسى (عليه السلام) رسولا آخر لقوله: # { فعززنا بثالث }: # أي: فقويناهما وشددنا ظهورهما برسول ثالث، يقال: " المطر يعزز ~~الأرض " إذا لبدها وشدها، و " تعزز لحم الناقة " وقريء بالتخيف، ~~مأخوذا من " العزة " و " المنعة " من " عزه، يعزه ms1326 " إذا غلبه وقهره، أي ~~فغلبنا وقهرنا بثالث، وهو شمعون. # وترك ذكر المفعول به، وإضماره، للإشعار، بأن الغرض ذكر المعزز، ~~وما لطف فيه من حسن التدبير، حتى قهر الباطل وأذل المنكر، وإذا انصب ~~الكلام في محط الغرض من سياقه، فلا ضير في طرح ما سواه ورفضه، كقولك: ~~" حكم الأمير اليوم بالحق " ، منن غير ذكر المحكوم له أو عليه. # وحكي، أنه لما أرسل شمعون إلى أهل القرية، دخل متنكرا، وعاشر ~~حاشية الملك، حتى استأنسوا به، ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به، فقال له ~~ذات يوم: " بلغني أنك حبست رجلين، فهل سمعت ما يقولانه؟ " # قال: " لا، حال الغضب بيني وبين ذلك ". # فدعاهما، فقال شمعون: " من أرسلكما؟ ". # قالا: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك ". # فقال: " صفاه وأوجزا ". # قالا: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد ". # قال: " وما آيتكما؟ ". # قالا: " ما يتمنى الملك ". # فدعا بغلام مطموس العينين، فدعيا الله حتى انشق له بصره، وأخذا بندقتين، ~~فوضعاهما في حدقتيه، فكانتا مقلتين ينظر بهما، فقال له شمعون: " ~~أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا، فيكون لك وله الشرف؟ ". # قال: " ليس لي عنك سر، ان إلهنا لا يبصر ولا يسمع، ولا يضر ولا ~~ينفع ". # وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع، ويحسبون أنه منهم، ثم ~~قال: " إن قدر الهكما على إحياء ميت آمنا به " فدعوا بغلام مات من ~~سبعة أيام، فقام وقال: " إني أدخلت في سبعة أودية من النار، وأنا ~~أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا، وقال: فتحت أبواب السماء، فرأيت ~~شابا حسن الوجه، يشفع لهؤلاء الثلاثة ". # قال الملك: " من هم؟ ". # قال: " شمعون وهذان ". # فتعجب الملك، فلما رأى شمعون أن قوله قد أثر فيه، نصحه فآمن، وآمن ~~قومه، ومن لم يؤمن، صاح عليهم جبرئيل صيحة فهلكوا. # { فقالوا إنآ إليكم مرسلون } [14]: # قال شعبة: " كان اسم الرسولين الأولين، شمعون ويوحنا، واسم الثالث ~~بولس ". وقال ابن عباس وكعب: " الأولان صادق وصدوق، والثالث سلوم ". ~~قالوا لهم: يا أهل القرية قد أرسلنا الله إليكم. ### || [36.15] # { قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا ms1327 }. # فلا تصلحون للرسالة، كما لا نصلح نحن لها، لأن أفراد البشر أفراد نوع ~~واحد، والطبيعة الواحدة النوعية، أفرادها متماثلة في استحقاقية شيء واحد ~~بحسب ذواتها، فكل ما جاز لأحد جاز للجميع، لكنا نعلم بديهة، أن ما ~~رأينا من الأمثال غير مستحقين لرسالة الله، لغاية انكبابهم على الدنيا، ~~وظلمة نفوسهم، وقساوة قلوبهم، فالجميع هكذا، ولذلك قالوا كما حكى الله ~~عنهم بقوله: # { ومآ أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا ~~تكذبون } [15]: # هذه غاية شبهة الجاحدين للحق، والمنكرين للبعثة والرسالة، ولا يبعد ~~أن تكون إحدى الفوائد والأغراض المسوقة إليها هذه القصة، هي حكاية هذه ~~الشبهة، وارتكازها في أوهام ضعفاء العقول، المنتسبة إلى الفلسفة، ~~المتشبهة بهم من الطباعية والدهرية والصبوية، وبراهمة الهند، ~~المنسوبة إلى برهمان الهندي، حيث إنهم بعد علمهم بأحوال المبدء، وتيقنهم ~~بوجوده وتنزهه وتقدسه، تحيروا في أحوال الآخرة والمعاد، واضطربت ~~أفكارهم في حقيقتها، وحقيقة الرسالة، وحقيقة الرسول المنذر بوقوعها، ~~وسعادتها وشقاوتها، ونيرانها وجنانها، وسلسبيلها وزقومها، ومالكها ~~ورضوانها، بل صرحوا بنفي المعاد بعد الممات، حيث ورد، أن الإنسان ~~المتكون من مزاج حاصل من أضداد عند امتزاج، مهما فسد، لا يرجى له ولغيره ~~فيه فائدة، فحكموا بأنه إذا مات، مات، ومعاده قد فات، كما حكى الله عنهم ~~بقوله: # ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنآ إلا الدهر # [الجاثية:24]. والإنسان عندهم كالعشب والمرعى، ينبت وينمو من الأرض، ~~فيصير غثاءا أحوى. # وعلى هذه الطريقة، جرى خصوم الخليل (عليه السلام) من الصابئة، على ما ~~حكى الله تعالى عنهم في مواضع جمة من كتابه، مثل قوله: # أبشر يهدوننا # [التغابن:6]. # ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل ~~عليكم # [المؤمنون:24] # يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون # [المؤمنون:33]. ومدار إنكارهم واستكبارهم على هذه الشبهة التي أشير ~~إليها في مواضع من الكتاب كما قال الله تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء:94]. فحصر الله مدار إصرارهم وجحودهم، على أن البشر لا ~~يصلح للرسالة، لأن أفراده مشتركون في الماهية، ms1328 فمن المحال أن يختص ~~واحد منها بخاصية دون بعض آخر. # هذه حجتهم الداحضة، وغاية إنكارهم الغامضة، إلا أنها مندفعة بوجهين ~~شريفين، قرآنيين، كل منهما في غاية الاستنارة والاستحكام: # الوجه الأول: ما وقعت الإشارة إليه ها هنا، حكاية عما ألهم الله ~~به رسل عيسى (عليه السلام)، جوابا عن إنكار أهل القرية رسالتهم، حيث ~~ما اغتروا به بفطانتهم البتراء، من الشبهة التي شرحناها، وهو قوله تعالى: ~~{ قالوا ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون } ~~[يس:16]. ### || [36.16] # لا على الوجه الذي فهمه الزمخشري ومن تبعه، وهو أن قوله: " ربنا ~~يعلم " جار مجرى القسم في التوكيد، كقولهم " شهد الله " ، و " ~~علم الله " ، لأن معنى الآية، دفع الشبهة العلمية المفصلة، فاستئناف ~~الدعوى مقرونة بالقسم غير منجح، والبيان القسمي غير نافع في المقامات ~~العلمية، التي لا يتوصل إليها إلا بالطمأنينة اليقينية، على أن ~~احتمال التورية في القسم قائم، ثم اعتذاره، بأن هذا القسم، لما كان ~~مشفوعا بالبينة الشاهدة، والآيات الواضحة، مستحسن، كما ترى. # وإنما حمله على هذا التوجيه في الآية أمران: أحدهما: وجود اللام ~~للتأكيد في " مرسلون " ، الثاني دون الأول. وثانيهما: المماثلة المعنوية ~~بين قولهم " ربنا يعلم " وقول الناس " شهد الله " ، و " علم الله " ، ~~الواقعين أحيانا في مقام القسم وكلا الوجهين ضعيف كما لا يخفى. # وأيضا لا على الوجه الذي فهمه أتباع الأشاعرة من قولهم: أن للفاعل ~~المختار، أن يرجح بعلمه وإرادته، بعض الأمور المتماثلة من غير مرجح، ~~لأن الألوهية إنما تتحقق، بأن يفعل ما يشاء ويختار ما يريد - أي من غير ~~مخصص -، قالوا: كما أن شأن الإرادة تخصيص أحد الطرفين المتساويين - كما ~~في قدحي عطشان وطريقي هارب - فكذا شأنها تخصيص احد المتساويين في ~~الماهية ولوازمها من غير افتقار مرجح وداع، وذلك، لأن إثبات الفاعل ~~المختار على هذا الوجه، مفسوخ الأصل مبرهن الفساد - كما حقق في مظانه -، ~~بل أن يكون المراد منه، أن الله تعالى بحسب عنايته الأزلية المتعلقة ~~بنظام هذا النوع الإنساني، وعلمه الأزلي بمصلحة الكائنات، يهدي من يشاء ~~من عباده، ويصطفي من الناس من يصلح للرسالة، ms1329 لا لمجرد اتفاق أو جزاف - ~~تعالى عن ذلك علوا كبيرا - بل بحسب اختلاف الأفراد في سبق ~~الاستعداد، وصلوح القوابل والمواد، وتفاوتهم في اللطافة والكثافة، وصفاء ~~القلب ونورية الفؤاد، وقلة الحجب وكثرتها عن المبدء الجواد. # فإن الأرواح الأنسية، بحسب الفطرة الأولى والثانية، مختلفة في الصفاء ~~والكدورة، والقوة والضعف، مترتبة في درجات القرب من الله، وكذا المواد ~~السفلية بإزائها، متفاوتة تفاوتا نوعيا أو صنفيا أو شخصيا، وقد ~~قدر بإزاء كل مادة ما يناسبها من الروح، فحصل من مجموعها استعدادات ~~مناسبة لبعض العلوم والأخلاق، والصفات والكمالات، فأعظم السعادات لأجود ~~الاستعدادات، وأكمل الكمالات لأشرف الأرواح، وهي أرواح الأنبياء ~~والأولياء (عليهم السلام)، في كل زمان، بحسب أوضاع كل وقت، وأشرف أرواح ~~الأنبياء، روح خاتمهم وسيدهم، سيد الكل في الكل، (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وبعده طبقة أولياء أهل بيته الطاهرين، المستمرة سلسلتهم إلى ~~زمان ظهور المهدي، ولي آخر الزمان، صلوات الله عليه وآبائه أجمعين. # وإنما وجب بلوغ الكمال في النوع، بحسب ملكه العلم والحال، إلى ~~مرتبة النبوة بأمرين: عناية من الله، وحاجة من الخلق في بقائهم الدنيوي، ~~وخلاصهم الأخروي، لما ثبت أن الإنسان مدني بالطبع. # أما الأول: فمن لم يهمل أخمص القدمين دون التصغير، مع قلة نفعه، ~~بل تكميلا للزينة المستغنى عنها، ولم يضع تقويس الحاجبين، موترا ~~بوتر أهداب العيون، وتسوية أشعارها مع حقارة فوائدها، فبأن لا يسوغ ~~الضن بإفاضة النبوة على روح من الأرواح البشرية، مع كونه رحمة للعالمين ~~كان أولى. # وأما الثاني: فمن نظر في العالم الصغير، الذي هو الهيكل الإنسي، ~~متى لم يكن رئيس مطاع لقواه وأعضاءه يسوي كل واحد منها على مكانه، ~~ويدبر لكل منها غذاء يناسبه، وقسطا من الحرارة الغريزية والروح ~~البخاري يلائمه، وغير ذلك من كميات مراتب الهضم والدفع، والنمو والتوليد، ~~لخرب سريعا، حيث أصبح كل منها مطاعا مطيعا، بل لا بد للكل من أمير ~~واحد، ورئيس واحد، يدبرها ويسوسها، ولو كان المدبر أكثر من واحد كان ~~البدن كما قيل: " خانه به دو كدبانو نارفته بماند ". # وإذا كان أمر ms1330 العالم الصغير، لا يتم ولا يتمشى دون قاهر أمير، فما ~~ظنك بعالم العناصر المثار لآثار الفتن، المكمن لأنواع المحن، بل ~~لا بد للخلق من الهداية إلى كيفية المصالح، وجلب المساعي والمناهج، ~~ووجود هاد للخلق مؤيد من عند الله، يأتمرون بأمره، وينزجرون بزجره # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر:7]. # فحاصل هذا الجواب عن شبهتهم، أن أفراد البشر وإن كانوا متماثلين بحسب ~~معنى الإنسانية النوعية، إلا أن بعضهم اختص بكرامة آلهية، وعناية ~~ربانية، لأجل استحقاق خفي، وعصمة باطنية لا يعلمها إلا الله، فلا بد في ~~العناية الأزلية من بعثه وإرساله، وهو مفاد قولهم { ربنا يعلم ~~إنآ إليكم لمرسلون } مثل قوله تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام:124]. وقوله: # الله يصطفي من الملائكة رسلا # [الحج:75]. وقوله تعالى: # الله يجتبي من رسله من يشآء # [آل عمران:179]. # الوجه الثاني: في حل شبهتهم ودفع حجتهم، هو أن أفراد الإنسان، وإن ~~كانت متماثلة في البشرية، إلا أنها متخالفة الحقيقة بحسب البواطن ~~والأرواح، ونشوء الآخرة من نفوسها - وقد مر تحقيق ذلك في تفسير سورة آلم ~~السجدة - والآيات الدالة على أن أرواح الإنسان محشورة يوم القيامة على ~~صور متخالفة في الحقيقة، كثيرة. # وهذا مما يحتاج دركه، بعد قيام البرهان العقلي والنقلي عليه، إلى ~~صفاء في القلب، وذوق شديد، وخوض عظيم في معرفة النفس، وكيفية اتحادها ~~بالمعقولات، وتقلبها في الأطوار والنشآت، لينكشف أن أفراد الإنسان، وإن ~~كانت متفقة في معنى نوعي، هو معنى الحيوان المدرك للكليات بالقوة، ~~لكنها بعد صيرورة عقولها الهيولانية، متحدة بما تخرج به من القوة إلى ~~الفعل من الهيئات والملكات، تصير متخالفة الحقائق. # والنفس، وإن كانت أمرا صوريا في عالم الحس والشهادة، مقوما للنوع ~~الخاص البشري، الذي اجتمعت فيه أنواع الصور الحسية، الطبيعية والنباتية ~~والحيوانية، إلا أنها في أول الفطرة، هي محض القوة والفاقة بالنسبة إلى ~~عالم الغيب والنشأة الآخرة، نسبتها إلى الصور الغيبية التي فيها، نسبة ~~الهيولى الأولى إلى الصور الحسية. # وكما أن الهيولى، واحدة نوعية، متماثلة في جميع الطبائع بحسب جوهريتها ~~الأولى، ms1331 متخالفة الجواهر، بانضمام الصور المقوية إياها جوهرية ثانية، ~~فكذلك النفوس الإنسانية بحسب فطرتها الأولى، متماثلة متحدة النوع، ~~وبحسب ما يخرج من القوة إلى الفعل، من الملكات والأخلاق الحاصلة لها، من ~~تكرر الأعمال والأفعال، متكثرة الأنواع، يناسب كل نوع منها، لنوع من تلك ~~الملكات والأخلاق، ولحيوان غلب عليه ذلك الخلق، فيحشر على صورته، ~~لكونها على صفته. # فعدد الحيوانات الحاصلة من الإنسان في النشأة الثانية بحسب النوعية، ~~أكثر من عدد أنواع الحيوانات في هذا العالم، لأنه سيظهر منها في القيامة ~~أقسام من الحيوانات، لم يعهد مثلها في هذه الدار، لحصولها بالمسخ ~~الحاصل لبعض النفوس، من امتزاج أوصاف حيوانات متعددة، اجتمعت في باطنها، ~~ورسخت بكثرة الأعمال المؤدية إليها بطول الزمان، أو بشدة التعلق من ~~تلك النفوس، بفنون دواعي تلك الحيوانات، وأغراضها ومقاصدها، فحشرت هي ~~في القيامة، على صورة تحسن عندها القردة والخنازير - كما ورد في ~~الحديث عن رسول الله - (صلى الله عليه وآله وسلم). # والتناسخ بهذا المعنى ثابت عند أئمة الكشف والشهود، مصرح به في مواضع ~~من الكتاب والحديث، وعلى هذا المعنى، يحمل كلام أساطين الحكماء ~~المتقدمين، القائلين بالنقل، لا على تعلق النفس من بدن عنصري إلى بدن ~~آخر، لنهوض البرهان القطعي، من العرشيات التي ألهمني الله تعالى بها ~~بفضله وكرمه، على استحالته، وقد أوردناه في كتاب المبدء والمعاد، ~~وأولئك الأقدمون، أجل شأنا من أن يغفلوا عن مفسدة القول بالتناسخ، بل ~~مقصودهم يوافق شريعتنا المصطفوية - على الصادع بها وآله أجزل الصلاة ~~والتحية -. # والحاصل، أن الإنسان بحسب الأعمال والأفعال، والأفكار والنيات المستنتجة ~~لحصول الأخلاق والملكات، يصير إما من جملة الملائكة، أو الشياطين أو ~~الحيوانات المنتكسة الرؤوس إلى جهة السفل، ولكل من هذه الأجناس الثلاثة، ~~أنواع كثيرة، يمكن أن يصير إليها أفراد الإنسان، بحكم المناسبة، ويحشر ~~في زمرتها، بمقتضى الميل والمحبة، ولهذا المعنى، قيل للإنسان، إنه " باب ~~الأبواب " كما نقل عن حكماء الفرس. # فإذا تقرر هذا فنقول: أرواح الأنبياء والأولياء - سلام الله عليهم ~~وتقديساته -، بمنزلة الملائكة المقربين، أي الكروبين الواقعين في الصف ~~الأول من صفوف ms1332 الملائكة، ومن بينهم نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~بمنزلة العقل الأول، وقد ذكرنا في تفسيرنا لآية الكرسي، كون المراد ~~من الحديث المتفق عليه عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): # " أول ما خلق الله العقل " # ، هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتمام ما ذكر فيه من " الإقبال ~~والإدبار، وبك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب " ~~شرح لأحواله (صلى الله عليه وآله وسلم)، منطبق عليه، صادق في حقه. # ثم كل طبقة من طبقات العرفاء والعلماء والصلحاء، بمنزلة طبقة من طبقات ~~الملائكة، وصف من صفوفهم الواقعة بعد الصف الأول، محشورة معها، ~~وعوام أهل الإيمان، بمنزلة عوام الملائكة. # ونفوس المنافقين، من أهل المكر والوسوسة والحيلة والجربزة، تحشر في ~~القيامة مع الشياطين لقوله تعالى: # لنحشرنهم والشياطين # [مريم:68]. ونفوس أهل الدنيا - الغالب عليها حب الشهوات، من النساء ~~والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وحب الرياسة، من ~~الخيل المسومة والأنعام والحرث - تحشر مع الأنعام والدواب. # فإذا كان التخالف بين أفراد الإنسان، بهذه المثابة من التخالف الجنسي - ~~فضلا عن النوعي -، فكيف يدعي أحد، أن نفس النبي (صلى الله عليه وآله)، ~~كنفوس عوام الناس؟ وقال (صلى الله عليه وآله): # " لست كأحدكم، أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " # ، والله سبحانه قد كفر من ذهب إلى مماثلة النبي مع سائر الناس، وقال ~~ببشريته، لقوله تعالى: # أبشر يهدوننا فكفروا # [التغابن:6] وأما قوله: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم # [الكهف:110]، فهو مماثلة بحسب النشأة الحسية، والإشتراك في الجسمية ~~المشتركة. # فالمماثلة التي ادعاها المنكرون للنبوة، المتمسكون بهذه الشبهة، إن ~~ادعوها بحسب المادة البدنية المشتركة، فالجواب، بعد تسليم هذه المقدمة، ~~أن اختصاص النبوة ببعض الأفراد، إنما يكون بكرامة لاحقة، وفضيلة فائضة من ~~الله، على حسب صفاء القابل ولطافة المحل، فلا يلزم تخصيص بلا مخصص ~~أصلا، كما مر في الوجه الأول. وإن ادعوها بحسب الأرواح والبواطن، ~~فالممثالة ممنوعة، بل الثابت المحقق خلافه، كما مر في الوجه الآخر، ~~فالشبهة من أصلها منقلعة منحسمة. # وللمتأمل أن يفهم من هذه الآية، إشعارا لطيفا بالوجه الثاني، من وجهي ~~الجواب ms1333 عن شبهة المنكرين لرسالة الرسل الثلاثة - على نبينا وآله ~~وعليهم السلام - بأن يكون المراد، أن جهة المخالفة النوعية الحاصلة بيننا ~~وبينكم، ليست مما يمكن أن تصل إلى إدراكه أفهامكم وافهام أمثالكم، لأنه ~~أمر خفي، لا يعلمه إلا الله، ولا يمكن الوصول إلى دركه إلا بإلهام ~~الله، وتعليمه من اختاره من عباده للهداية، لأن صفة النبوة والولاية، ~~أمر باطني، ونور عقلي، يحصل من الله تعالى، ويقذف منه في قلب من يشاء ~~من عباده وأوليائه، وإذا تنور الباطن بذلك النور، خرج عما كان عليه، ~~وانقلب نفسه عقلا مستفادا، وناره نورا مضيئا في المعاد. # وفي القرآن آيات كثيرة، وإشارات بليغة، وتلميحات لطيفة، دالة على أن ~~أرواح المؤمنين، مخالفة في الحقيقة لنفوس الكفرة والمنافقين، وعلى أن ~~أرواح الأنبياء، جواهرها مخالفة لأرواح غيرهم، وأن روح خاتم الأنبياء - ~~(عليه وآله الصلاة والسلام) من الملك الأعلى - فوق الجميع. # ولا يتوهمن أن قوله تعالى: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم # [الكهف:110]، ينافي ما ادعيناه، من مخالفة حقيقة الرسول (صلى الله ~~عليه وآله) لعامة الناس، لما دريت، أن الاشتراك والمماثلة بحسب ~~البشرية، التي هي متفقة المعنى بين الناس، والمخافة بحسب الباطن ومقام ~~العندية، وعلى هذين المقامين، يتوزع كل ما ورد في الاتفاق ~~والإختلاف له مع عامة العباد. # فكل ما كان من قبيل قوله تعالى: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم # [الكهف:110]، كان المراد به الإشارة إلى مقام البشرية والنزول في هذه ~~الدار، وكذلك قوله تعالى: # قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول لكم إني ملك # [الأنعام:50]. # ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما ~~مسني السوء إن أنا إلا نذير # [الأعراف:188] وقوله: # قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء:93]، وقوله: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم # [الجمعة:2]، وقوله: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة:128]، وقوله (صلى الله عليه وآله): # " اني ابن امرأة كانت تأكل القديد ". # وكل ما كان من قبيل قوله: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء:80]. وقوله: # قل إن كنتم تحبون ms1334 الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران:31]. وقوله: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء:107]، وقوله: # نور وكتاب مبين # [المائدة:15]، كان المراد به باطنه بحسب مقامه المحمود الموعود له ~~في قوله: # عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء:79]. # اللهم اجعلنا من التابعين له، الواردين معه، ومن أهل بيته المقدسين ~~الحوض، المحشورين معهم، الواقفين تحت لوائهم. ### || [36.17] # تحذير شديد، وإلزام بليغ لهم، وجواب بنمط آخر على كلامهم يناسب جمهور ~~الناس. # ووجه الاحتجاج بهذا القول عليهم، بعد القول الأول المناسب للخواص: أن ~~وجوب النظر أمر عقلي، كل عاقل يعلم من نفسه بحسب الغريزة العقلية التي ~~أعطاه الله، والفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها، ويكون حجة الله على ~~خلقه، والقاضي بينه وبينهم، أن شكر المنعم واجب، لأن في إهماله، خطر ~~سوء العاقبة، وفي فعله الأمن والسلامة، والعاقل لا يختار الخطر على ~~الأمن، ولا يرجح احتمال الضرر على تيقن السلامة. # نعم، ربما يغفل عن مقايسة الجانبين، ويذهل عن تصور الطرفين، لشدة ~~توغله في الشواغل، فيحتاج إلى منبه، والله تعالى، لغاية رحمته على ~~عباده، بعث الرسل إليهم من خارج، بعد أن أعطاهم عقلا من داخل، لتنبه ~~تلك الرسل عقولهم عن نوم الغفلة، ورقدة الجهالة، وسنة التقليد، ولذا ~~قيل: " العقل شرع من داخل والشرع عقل من خارج " ، فلو لم يكن الله قد ~~أفاض في الداخل العقول، لما كانت مهتدية، ولا لهم فائدة من بعثة ~~الرسول، فالمعنى: وليس يلزمنا إلا أداء الرسالة وتبليغ الأحكام. # وقيل معناه: وليس علينا أن نحملكم على الإيمان، فإنا لا نقدر عليه، لأن ~~الإيمان عطائي حاصل بإفاضة الله تعالى على القلب، ولا يمكن حصوله ~~بالإكراه والجبر، كقوله تعالى: # لا إكراه في الدين # [البقرة:256]. # ثم لما كان من عادة الجهال والأرذال بسبب محبتهم للدنيا والنفس والمال، ~~أن يخافوا من زوال شيء مما تلذذوا به غاية الخوف، فيتمنوا كل ما اشتهوه ~~وآثروه، وقبلته طباعهم، وتشاءموا بكل ما نفروا عنه وكرهوه، وحيث كانت ~~الدنيا مبلغ همتهم، وغاية قيمتهم، ورأوا أهل الدين والورع في وضع ~~البذاذة والتقشع، لتطليقهم الدنيا، ms1335 وإيثارهم الآخرة عليها تشوقا إلى ~~لقاء المولى، ورأوا المعرضين عن الحكمة والمعرفة بخلاف ذلك، فتطيروا ~~بأهل الدين وتشاءموا من مصاحبة أرباب العلم واليقين، وتيمنوا بخدمة ~~الظلمة والشياطين، وافتخروا بصحبة الحكام والسلاطين، فلو صاحبوا ~~أحدا من الصلحاء، فكل ما أصابهم من قبيل الآفة والنقص فتطيروا به، كما ~~حكى الله عن أهل القبط، وتشاؤمهم بأهل السبط بقوله: # وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # [الأعراف:131]، ومن مشركي أهل مكة، وتشاؤمهم بالنبي (صلى الله عليه ~~وآله) # وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك # [النساء:78]. فلذلك قال أصحاب القرية كما حكى سبحانه عنهم بقوله: # { قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا ~~لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم } ~~[يس:18]. ### || [36.18] # لما عجزوا عن إلزام الرسل، وسكتوا عن إقامة العذر عن قبول دعوتهم، ولم ~~يبق لهم مهرب عن ذلك، تشبثوا بذيل النفس والدنيا، وأقروا بالعجز عن ~~ترك هذا الأدنى، وتعللوا أعذارهم في عدم الإيمان بالرسل، وقبول دعوة ~~التكليف، بأن صحبة الهداة والمذكرين شؤم لهم. ثم ما اكتفوا بذلك، حتى ~~قابلوا أهل الله بالمجاهدة بالنزاع، والمخاصمة والرجم والإيلام الشديد. # وذلك كله لفساد العقل، ومحبة الباطل، وطاعة الهوى، وقبول دعوة الشيطان، ~~لأن الشيطان يعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء وسوء الظن بالله، وترك ~~التوكل وتكذيب الرسل، والاعراض عن الحق والإقبال على الخلق، وانقطاع ~~الرجاء من الله، ومتابعة الشهوات، ومواصلة السيئآت، وإيثار الحظوظ، وترك ~~العفة والقناعة، والتمسك بالملوك والظلمة، وتعلق القلب بحب الدنيا، ~~وهو رأس كل خطيئة، وبذر كل بلية. # فهذه كلها وأضعافها، من فروع وسوسة الشيطان، وترويجه الباطل في معرض ~~الحق، فمن فتح على قلبه باب وسوسة الشيطان وترويجه، ولم يقمع فساده وشره ~~عن قلبه، بالعقل الكامل، والبرهان النير القدسي، الدال على خسة الدنيا ~~وحقارة طالبيها، أو بالسماع من أهل الله وأصحاب القلوب، المذكورين لخساسة ~~الدنيا وزوالها، ووخامة عاقبة شهوة النفس ووبالها، فسوف يبتلى بهذه ~~الآفات، ويقع في عرضة هذه البليات، التي من جملتها التشؤم بصحبة الفقراء ~~وأهل الدين، الذين هم ملوك الآخرة وسلاطينها، وخدمتهم مفتاح أبواب ~~الرحمة والسعادة، والوصول إلى ms1336 صحبتهم مقصود الأولياء ومجهودهم في ~~الدعاء، كما في الصحيفة الملكوتية، لمولانا وسيدنا، زين العابدين، وسيد ~~الساجدين، علي بن الحسين (عليهما السلام) من قوله: " اللهم حبب إلي ~~صحبة الفقراء، وأعني على صحبتهم بحسن الصبر ". # وقد أمر الله سبحانه، حبيبه (صلى الله عليه وآله) بصحبتهم، وحسن ~~معاشرتهم، والصبر معهم، والإطالة في مجالستهم بقوله: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم # [الكهف:28] الآية. لأن في صحبتهم خير الدارين، وفي صحبة الجهال وأهل ~~الترفه والتنعم شر الدارين، وصرف العمر في هوى النفس وطاعة الشيطان، ~~وفساد الآخرة ووبالها، لشؤم اقتران عبدة الهوى والأوثان، ولهذا ~~قال حكاية عن جواب رسله لأعدائه: # { قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم ~~مسرفون } [يس:19]: ### || [36.19] # قريء " طيركم معكم " أي: سبب شؤمكم معكم، وهو الكفر، أو أسباب ~~شؤمكم معكم، وهو الكفر والمعاصي، فإن رأس الشقاوة الأبدية الكفر مع ~~الجحود، لأنه جهل مضاد لليقين، وبعده المعاصي والأعمال القبيحة، كما أن ~~رأس السعادات الأبدية، الإيمان الحقيقي، لأنه ضرب من العلم اليقيني ~~بالأمور الإلهية، وأحوال المبدء والمعاد، لأن معنى السعادة، إدراك الخير ~~والملائم، وخير الخيرات هو الله سبحانه، وملائكته ورسله، وأولياؤه وعباده ~~الصالحون، فإدراكه وإدراك مقربيه ومعتكفيه، ألذ الخيرات وأشرف السعادات، ~~وبعد هذه السعادة الذاتية، السعادة الحاصلة من فعل الحسنات، لأنها توجب ~~الفوز بدرجات الجنان، والنجاة من عذاب يوم القيامة والنيران. # فإذا تقرر أن السعادة والشقاوة، بحسب العلم والجهل، ذاتيتان أزلا ~~وأبدا، مخلدتان دائما سرمدا، وبحسب الأعمال والأفعال تترتب عليهما ~~المكافأة، والمجازاة، وتتقدر بحسبهما المثوبات والعقوبات بقوله: # جزآء بما كانوا يكسبون # [التوبة:95]. فلا شؤم كشؤم الكفر، ثم المعاصي. ولا خير كخير الإيمان، ~~ثم الحسنات، إلا أن هذه المسألة مع وضوحها وإنارتها، قد خفيت على أكثر ~~الأذهان، لاشتغالهم بما يلهيهم عن الذكر، وينسيهم عن طلب السعادة، وترك ~~الشقاوة، ولذا قال: " أئن ذكرتم " ، معناه إن تدبرتم عرفتم صحة ما ~~قلناه، وقيل معناه: " إن ذكرتم تطيرتم بما معكم ". # وقريء: " أإن ذكرتم " بهمزة الاستفهام، " وإن " الشرط. # وقريء: " آإن ذكرتم " - بألف بينهما - بمعنى " أتطيرون إن وعظتم ~~". # وقريء: " أأن ذكرتم ms1337 " - بأن الناصبة بعد الهمزة الاستفهامية - بمعنى " ~~أتطيركم لأن ذكرتم ". # وقريء: " أن " الناصبة بغير استفهام، فيكون إخبارا، أي " تطيرتم ~~بأنفسكم لأن ذكرتم ". # وقريء: " أين ذكرتم " - على التخفيف - أي شؤمكم لازم معكم، بحيث يسري في ~~كل مكان ذكرتم، وذلك يتصور بوجهين: إما بأن كانوا إذا ذكرت ~~اسماؤهم، لعنوا وشتموا وشئموا بهم، لقبح أفعالهم وسوء أعمالهم، ~~وابدائهم الظلم والبدعة كأمراء الجور، وإما بأن كان ذكرهم يؤدي إلى ~~الوحشة والغيبة والعداوة والبغضاء بين الناس، وإلا فصيرورة المكان ~~مشؤوما بمجرد ذكر طائفة - كما فسره صاحب الكشاف - حيث قال: " وإذا شؤم ~~المكان بذكرهم كانوا بحلولهم فيه أشأم " ، فلا وجه له ظاهرا، لأن المكان ~~لو شؤم بذكر الكفار والظلمة، فما من مكان ومجمع، كالمساجد والمساكن ~~الشريفة، إلا وقد يذكر فيها أحيانا الكفار الأشرار، خصوصا إذا كانوا ~~ملوكا وأمراء في الدنيا، فتذكر اسماؤهم في كل مجمع، بفنون من الذكر ~~مدحا وذما، فيلزم أن يكون أكثر المجامع مشؤوما. # ثم ذكر سبب شؤمهم، ومبدأ شرهم، وهو إفسادهم لفساد عقولهم بقوله: " بل ~~أنتم قوم مسرفون " ، لأن " الإسراف " في اللغة: الإفساد، ومجاوزة الحد " ~~والسرف ": الفساد، ومعناه: ليس فيها ما يوجب التشؤم بنا، ولكنكم متجاوزون ~~عن الحد في التكذيب والمعصية، فمن قبلكم أتاكم الشؤم، لا من قبل رسل ~~الله وتذكيرهم، أو (قيل): بل أنتم قوم مسرفون في ضلالكم، متمادون في ~~غيكم، حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك بهم، واستفاضة الخير من صحبتهم، من ~~رسل الله وأوليائه، المذكرين بالله، وسبيل العافية، والدار الآخرة، ~~فغاية منشأ الشؤم، التشؤم بما يجب التبرك به، كما أن غاية الجهل، عناد ~~أهل العلم والمعلمين، وغاية الضلال معاداة أهل الهداية والهادين. ### || [36.20] # هذا الرجل، هو " حبيب بن إسرائيل النجار " ، وكان في سابق الزمان ينحت ~~الأصنام، وهو كناية عن اشتغاله سابقا بالإعتقادات الجزئية، والصور ~~الخيالية والوهمية، التي يتصور وجودها في الخيال بتصرف القوة المتفكرة، ~~وهي التي من شأنها تصوير الحقائق في كسوة الحكاية الخيالية، وإنكار ~~العقائد الحقة الإلهية، إلا في صور المحسوسات، فصاحب العقيدة الوهمية، ~~لقصور علمه ما يعتقده إلها، وليس إلهه ms1338 ومعبوده - على حسب اعتقاده - إلا ~~ما يوجده بوهمه، ويصوره بقوته المتصرفة، فهو الذي ينحت صنما، ~~ويعتقده إلها، ويتخذه معبودا، كما في قوله تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية:23]. # وأكثر الناس - إلا من أيده الله بالتقديس الأتم، والتنزيه ~~الأكمل - عابدون لأصنام العقائد الجزئية، ومعتقدون للصور الوهمية، حتى ~~أن عبدة الأصنام الخارجية، الحجرية والخشبية والمعدنية، إنما عبدوها ~~لإعتقادهم معنى الالوهية في تلك الأجساد، من الجماد وغيره، فهم أيضا ~~بالحقيقة، قد عبدوا معتقداتهم، وما حصل في أوهامهم، فالهوى معبودهم ~~جميعا أولا وبالذات، والصنم الخارجي معبود لهم بالعرض، فعلى هذا، غير ~~الموحد العارف، لهم جميعا اشتراك في الإشراك، واتفاق في طلب الهوى ~~وعبادة غير الحق وما سوى. # وما من مؤمن، إلا وله عبور عن هذه الإعتقادات الجزئية، فورود ~~الصور الوهمية، أو الأصنام الخيالية، لا على وجه الإذعان، بل على ~~مسلك التفتيش وتصوير الاحتمالات البعيدة، ليقام على نفيها البرهان، ~~كما وقع للخليل - على نبينا وآله وعليه السلام - من العبور على آلهة عبدة ~~الكواكب، لزيادة الكشف واليقين، في تنزيه الحق الأول عن مماثلتها، ~~ولإقامة البرهان، على فساد توهم المحجوبين، وإخراج تلك الصور، التي ~~هي إله سائر المعتقدين، من المشركين والمعطلين، من أن تستأهل اعتقاد ~~الألوهية فيها، فإنه يوجب العذاب الأليم، ويستدعي عقوبة الاحتجاب من ~~الله، والتردي إلى أسفل درك الجحيم. # فقد ظهر أن أهل البصيرة الإلهية، يعبرون عنها في أسرع زمان، من غير ~~أن يتضرروا بها، كما قال واحد من أهل البيت (عليهم السلام): " جزناها وهي ~~خادمة " ، وإليه الإشارة في قوله سبحانه: # إن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر ~~الظالمين فيها جثيا # [مريم:71 - 72]. # فكان حبيب النجار، من جملة أهل البصيرة، الذين نور الله بواطنهم ~~بكشف الحقائق، والارتقاء من عالم الوهم والخيال، إلى عالم التقديس ~~بنور المعرفة والحال، وهو أحد السباق الثلاثة، المذكورة في قوله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): # " سباق الأمم ثلاثة، لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب، ~~وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون " # وفي تفسير ms1339 الثعلبي بزيادة قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " وعلي أفضلهم ". # وهم ممن آمن برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبينهما ستمائة سنة، ~~كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما، وهذه إحدى ~~خصائص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ لم يؤمن احد بنبي غيره إلا ~~بعد ظهوره، وفيه سر قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " كنت نبيا، وآدم بين الماء والطين ". # وها هنا سر آخر، وهو أنه قد ورد في الحديث عنه (عليه السلام): # " إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس " # فلعل ذلك لما قد ذكر الله فيها " حبيب " ، المشهور " بصاحب يس " ، ~~ووصفه بما يدل على قربه ومنزلته عند الله، من التوحيد والكرامة ~~والنصيحة لقومه، وهو ممن آمن بنبينا قبل بعثه بستمائة سنة، ففي ذلك آية ~~عظيمة لنبوته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكونه حبيب الله، الذي آمن به ~~حبيب قبل ظهوره هذا. # وقيل: كان في غار يعبد الله، فلما بلغه خبر الرسل، أتاهم، وأظهر ~~دينه لهم، وقاول الكفرة الجحدة، فقالوا: " وأنت تخالف ديننا؟ " فوثبوا ~~عليه فقتلوه، وقيل: توطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه، وقيل: رجموه وهو ~~يقول: " اللهم اهد قومي " ، وقبره في سوق انطاكية، فلما قتل، غضب الله ~~عليهم، وأهلكوا بصيحة جبرئيل (عليه السلام). # ويفهم أيضا من قوله تعالى: { وجآء من أقصى المدينة } ، ~~أنه ممن كان مستوحشا عن الخلق، مؤثرا للعزلة والخلوة. # وقيل: كان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان قد آمن بالرسل عند ~~ورود اثنين منهم القرية، كما نقلنا من قصتهما، وسبب إيمانه برسالتهما، ~~فلما بلغه أن قومه قد كذبوا الرسل وهموا بقتلهم، جاء يعدو ويشتد، قال: " ~~يا قوم اتبعوا المرسلين، الذين أرسلهم الله إليكم، وأقروا برسالتهم ". # وعن ابن عباس: أنه كان به زمانة وجذام فأبرأوه، فآمن بهم، وقيل أنه ~~إنما علم بنبوتهم لأنهم لما دعوه قال: " أتأخذون على ذلك أجرا؟ " ~~قالوا: " لا " ويؤيده قوله تعالى: # { اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون } ~~[يس:21]: ### || [36.21] # وهذه الآية، كلام تام في الترغيب إلى الإيمان بما ms1340 يقول الرسول، ونصيحة ~~جامعة في إعلام المحجوبين عن الوصول إلى معرفة حال الأنبياء، وحثهم على ~~الاهتداء بهداهم والإقتداء بقولهم، أي: لا يأخذون من دنياكم شيئا، حتى ~~تقع لكم الخسارة باتباعهم، ويوصلون إليكم الخير الكثير، والهداية إلى ~~طريق النجاة عن العذاب الأليم يوم القيامة، فلكم في اتباعهم، انتظام ~~خير الدنيا والآخرة، وهذا أقرب معالجة في دفع مرض الشك في صدق ~~الأنبياء، عن الناقصين في المعرفة واليقين. # ويقرب منه، ما قاله أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام)، لبعض من ~~قصر عقله عن فهم حقيقة الدين. وكان شاكا في صدق خبر المرسلين: " ~~إن صح ما قلت فقد تخلصنا جميعا، وإلا فقد تخلصنا وهلكت " أي ~~العاقل هو الذي يختار طريق الأمن في جميع الأحوال، فطريق ترغيب المنكرين ~~للشريعة والدين، كما يستفاد من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، حسب ~~ما شرحه بعض أعلام علماء المسلمين، أن يقال لهم: أن ما قال الأنبياء ~~والرسل، المؤيدون بالمعجزات، هل هو ممكن الصدق، أو ممتنع الصدق. # فإن قال قائل منهم: " إني أعلم أن ما يقولون أمر مستحيل كاجتماع ~~النقيضين، وحلول عرض واحد في محلين، وكون شخص واحد في آن واحد في ~~مكانين " ، فهو فاسد العقل مخروق، لا يوجد مثله في العقلاء، بل خارج عن ~~حد التكليف كالصبيان والمجانين. # وإن قال: " إني شاك فيما يقولونه " ، فيقال: " لو أخبرك شخص مجهول ~~عند تركك طعاما في بيتك لتأكله ساعة أخرى، " أنه قد ولغت فيه حية، ~~وألقت سمها فيه " ، وجوزت صدقه، فهل تأكل منه أم تتركه، وإن كان ~~ألذ الأطعمة عندك؟ " فتقول: أتركه لا محالة، لأنني إن قبلت قوله - ~~وكان كاذبا - فلا يفوتني إلا هذا الطعام، والصبر عنه وإن كان شديدا ~~فهو أقرب، وإن لم أقبل وكان صادقا، فتفوتني الحياة، وألم الموت ~~بالإضافة إلى ألم الصبر عن الطعام عظيم. # فيقال له: سبحان الله، كيف تؤخر صدق الرسل والأنبياء، والأولياء ~~والعلماء كلهم - مع ما ظهر معهم ولهم من المعجزات - عن صدق رجل واحد ~~مجهول الحال، لعل له غرضا فيما يقوله؟ فكيف ترجح قوله في التصديق، ms1341 على ~~قول أولئك الأخيار؟ بل جميع العقلاء وذوي الألباب قائلون باليوم الآخر. ~~وإن اختلفوا في كيفية كونه، روحانيا أو جسمانيا أو مجموعا، فإن صدق ~~الرسل والعلماء، وأنت معرض عن قبول ما يقولونه، فقد أشرفت على عذاب ~~يبقى أبد الآباد، وإن كذبوا، فلا يفوتك لوفاتك، إلا بعض شهوات هذه ~~الدنيا الفانية الكدرة. # فلا يبقى له توقف إن كان عاقلا مع هذا الفكر اليسير، أن يقبل دعوتهم، ~~إذ لا نسبة لمدة العمر إلى أبد الآباد، فإنا لو قدرنا الدنيا مملوءة ~~بالذرة، وقدرنا طائرا يختطف كل سنة واحدة منها، لفنيت، ولم ~~ينقص من أبد الآباد شيء، فكيف يغتر رأي العاقل في الصبر عن شهوة ~~الدنيا، لأجل سعادة تبقى أبد الآباد؟ ### || [36.22] # هذا نمط آخر له، في نصيحة الجاهلين من أهل القرية، وإيقاظ النائمين من ~~قومه، وهو التلطف لهم، والمواساة معهم، والتسوية بين نفسه وبينهم، فيما ~~اختار لنفسه، فأبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه قصدا لمناصحتهم، ~~وطلبا لصلاح حالهم، لغاية الشفقة عليهم، والمساهمة معهم، حيث لم يرد لهم ~~إلا ما أراد لروحه، ولهذه الرعاية في إثبات المشاركة والمساهمة وقع ~~قوله: { وما لي لا أعبد الذي فطرني } ، بدل قوله: " وما ~~لكم لا تعبدون الذي فطركم " ألا ترى، أنه كيف عاد عما ساق الكلام لهذه ~~الرعاية، إلى ما يستدعيه سوق الكلام لأصل المقصد، من الخطاب لهم للنصيحة ~~والإرشاد، واراءتهم سبيل السداد، فقال: " وإليه ترجعون " ، بعد قوله: " ~~الذي فطرني " ، إذ المقابلة بين المبدء والمرجع، مما يقتضي أن يكون ~~أحدهما مقيسا إلى ما يقاس إليه بعينه الآخر، ويقاس إلى أحدهما ما يقاس ~~بعينه إلى الآخر، ولما لم يلتفت لفت هذه المخاطبة على ما تستدعيه ~~المقابلة، بل نسب إلى المبدء بالخلق والإجادة، غير ما نسب إلى المعاد ~~بالرجوع والإعادة، فعلم أن تغيير الأسلوب، كان تنصيصا على المساهمة ~~وتأكيدا للمناصحة. # وقيل: إنه لما قال لهم: # اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون # [يس:21]، أخذوه ورفعوه إلى الملك، فقال له الملك: " أفأنت تتبعهم ~~"؟ فقال: { وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ms1342 ~~ترجعون } ، أي تردون عند البعث، فيجزيكم بكفركم، ثم أنكر اتخاذ ~~الأصنام وعبادتها. ### || [36.23-24] # أي كيف ساغ لي في اتخاذ الأصنام آلهة لي، إن أراد الله إهلاكي والإضرار ~~بي، لا تدفع عني شفاعتهم شيئا، بمعنى أن لا شفاعة لهم ولا ينقذوني، أي ~~لا يمكن لهم أن يخلصوني من ذلك الهلاك والضرر والمكروه، إني إن فعلت ذلك، ~~لفي عدول واضح عما فطرت عليه العقول. # والوجه في وقوعه على نمط الاحتجاج، أن العبادة لا يستحقها إلا المنعم ~~بأصول النعم، والمعطي للعبد ما به القوام، وما به يدفع عنه الهلاك ~~والآلام، وليس هو إلا القيوم الواحد الأحد، والغرض من مخاطبة النفس، ~~مجرد تصوير الدليل وتحقيق المقدمات، لا إظهار الندامة على ما سبق كما ~~توهم، أي كيف يجوز للعاقل أن يستحل عنده أن يتخذ آلهة من دون الله، ~~ويختار على عبادته عبادة أصنام لا يقدرون على دفع ضر وآفة عنه، ولو أراد ~~الرحمن بضر له، لم يتمكنوا على شفاعته، ولو شفعوا له، لم تنفع شفاعتهم ~~إياه، ولا أيضا يقدرون على انقاذه من شر الطبع والهوى بالشفاعة وغيرها، ~~كالملائكة والنبيين، انه في هذا الإختيار، لراكب متن الضلالة الظاهرة، ~~وساكن سفينة الإنحراف المبين، عن جادة العقل الرزين، ومنهج السبق اليقين، ~~ولا يبعد أن تكون هذه الآية، على مساق الآية المتقدمة، أي: أتتخذون من ~~دون الله أصناما آلهة أن أرادكم الرحمن بضر لا تغن عنكم شفاعتهم ~~شيئا، فأنتم إذا لفي غواية جلية وضلالة بينة. # وفي الكشاف: " وقد ساق الكلام إلى أن قال: # { إني آمنت بربكم فاسمعون } [يس:25]. ### || [36.25] # يريد: فاسمعوا قولي وأطيعوني، فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه، ~~أن العبادة لا تصح إلا لمن منه مبتدؤكم وإليه مرجعكم ". # وفيه بعد، والأرجح أن يكون هذا الكلام منه مع الرسل، إظهارا لعقيدة ~~قلبه، وإعلانا بكلمة التوحيد، واشهادا لهم على صحة إيمانه، أي اسمعوا ~~ذلك مني حتى تشهدوا لي به عند الله. # ويعتضد هذا، بما نقل انه لما نصح قومه أخذوا يرجمونه، فأسرع نحو الرسل ~~قبل أن يقتل، فقال ms1343 لهم: { إني آمنت بربكم فاسمعون } ~~عن ابن مسعود قال: ثم أن قومه لما سمعوا ذلك القول منه، وطئوه بأرجلهم ~~حتى مات، فأدخله الله الجنة، وهو حي فيها يرزق، أراد مثل قوله تعالى: # بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران:169]. وإلى ذلك أشار تعالى: # { قيل ادخل الجنة } [يس:26]. ### || [36.26-27] # { قيل ادخل الجنة }: # استئناف، كأنه وقع جوابا عن السؤال عن حاله بعد الشهادة، لأن المقام ~~مظنة المسألة عن حاله عند لقاء ربه، كيف صار بعد هذه المجاهدة في الدين، ~~ونصرة رسل الله، وعن قتادة، رجموه حتى قتلوه. وعن الحسن ومجاهد: أن ~~قومه لما أرادوا أن يقتلوه رفعه الله إليه فهو في الجنة لا يموت إلا ~~بفناء الدنيا وهلاك الجنة - وقالا -: إن الجنة التي دخلها يجوز هلاكها. ~~وقيل: أنهم قتلوه إلا أن الله سبحانه أحياه وأدخله الجنة، فلما دخلها: # { قال يليت قومي يعلمون [26] بما غفر لي ربي }: # أي سترني بنور رحمته، وكساني بكسوة الكرامة والعلم، ورباني ورقاني من ~~حد النقصان النفساني، إلى حد الكمال العقلاني، والتربية: تكميل الشيء ~~تدريجا، والله سبحانه يربي النفوس الإنسانية بالفضيلة، والحال من حد ~~النقص إلى حد الكمال، وذلك لأنها في أول خلقتها في غاية الضعف، لقوله: # خلق الإنسان ضعيفا # [النساء:28]، لأنها نشأت من اللاشيء كما قال: # لم يكن شيئا مذكورا # [الإنسان:1] ولا أضعف من اللاشيء، وتكونت من وسخ الطبيعة وظلمة الهيولى ~~كما أشار إليه بقوله: # يخرجهم من الظلمات إلى النور # [البقرة:257]، وإنما استكملت بالتدرج من حال إلى حال، وبلغت من مرتبة ~~العقل الهيولاني إلى عالم العقل الفعال، بتتالي إلهامات من الله، ~~وترادف كمالات عقيب رياضات من المبدء الأعلى، حتى زالت عنها العيوب ~~والقشور، وخلصت كالذهب الخالص من الأوساخ والأكدار، الباعثة لألم ~~الذوبان في الكور، والأغشية والظلمات الموجبة للثبور، والهيئات ~~والأغلال الموبقة المعقبة لعذاب القبور، والجهالات الحاجبة عن البلوغ إلى ~~عالم النور. # وهذا معنى التربية للنفس، المقتضي لها الشرف والكرامة، ولذا عقبه ~~بقوله: # { وجعلني من المكرمين } [27]: # وإنما تمنى علم قومه بحاله، ليكون علمهم بكماله، سببا لهم في ~~استحصال مثل ms1344 ذلك لأنفسهم، والرغبة منهم في سلوك طريقه، واكتسابهم العلم ~~والإيمان، وتوبتهم عن الكفر والعصيان، تكثيرا لأهل الخير والإحسان، ~~وسوقا لعباد الله إلى الجنة والرضوان، وفي الحديث: # " نصح قومه حيا وميتا ". # وفيه تنبيهات عظيمة على أسرار لطيفة، من وجوب كظم الغيظ، والصبر على كيد ~~الكافرين، والعطف على الجاهلين، وطلب الهداية لمن أوقع نفسه في الهلاك، ~~واستحصال الخلاص لمن تورط في الموبقات، واقتحم في نار الشهوات، كالفراش ~~المبثوث، والنصيحة لأهل البغي والعناد، والتشمر في تخليص أعدائه، ~~والتلطف في نجاة خصمائه، وتناسي ظلم الأعادي، وطلب انتقامهم، عوض ~~إيلامهم، والصفح عن زلاتهم وخصوماتهم، والذهول عن الشماتة بهم، والدعاء ~~عليهم بتمني الخير لقاتليه، وهم كفرة لئام، وطلب الرحمة لمهلكيه وهم ~~عبدة أصنام. # نظير ذلك ما حكي، أنه لما فعل بابن منصور ما فعل، سمع منه همهمة، فلما ~~أصغى إليه فإذا هو يقول في مناجاته: " إلهي أفنيت ناسوتيتي في ~~لاهوتيتك، فبحق ناسوتيتي على لاهوتيتك أن ترحم من سعى في قتلي ". # وقيل: يجوز أن يتمنى ذلك، ليعلموا أنهم كانوا على خطأ فاحش في أمره، ~~وأنه كان على صواب وحق، وكان الحق معه مريبا له، ومكملا نفسه بالعلم ~~والحال، وراقيا روحه إلى عالم الكرامة والجمال، وأن عداوتهم لم تورثه ~~إلا زيادة في شرفه وفضله. ولم تعقبه إلا فوزا بنصيبه الأعلى من ~~سعادته، لأن في ذلك تخليصا لذهبه عن الكدورات، وإصعادا له إلى عالي ~~الدرجات، مع زيادة لذة وسرور، وتضاعف عيش وحضور. # وقريء: " المكرمين " بالتشديد. # و " ما " في قوله: " بما غفر لي " ، إما مصدرية فعلية، والمعنى " ~~بمغفرة الله لي، وسترة ذنوبي النفسانية وعيوبي الجسمانية " ، وإما موصولة ~~اسمية، أي " بالذي غفر لي به " كالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ~~وإما استفهامية حرفية، أي " بأي شيء غفر لي "؟ كما يقال: " علمت بما ~~صنعت؟ وبم صنعت "؟ بإثبات الألف وحذفها، وإن كان الحذف في مثل هذا ~~المعنى أكثر وأشهر، يريد به ما وقع منه مع قومه، من المصابرة الشديدة، ~~وتجرع كاسات المحن الأليمة، وتوطين النفس على تحمل الضرب والطعن ~~والقتل، إعزازا لدين الله، وإعظاما ms1345 لأوليائه ورسله، حتى فارقت نفسه ~~البدن، وارتحلت عن دار الفتنة والمحن، إلى دار المغفرة والكرامة، منخرطة ~~روحه في سلك الملائكة، ومحشورة مع أرواح الأنبياء الكبار والأولياء أولي ~~الأبصار، منجذبا سره إلى نور الأنوار، انجذاب إبرة ضعيفة إلى مغناطيس ~~غير متناه في القوة والآثار، متلذذا بأشعة الأضواء العقلية، المنعكسة ~~إليه من طبقات العقول والأرواح، المستفيضة كل منها أنوارا بالإستقامة، ~~والإنعكاس من النور الأول وعلة العلل، بمنزلة مرايا متقابلة الوجوه ~~متعاكسة الأضواء والأنوار، المقابلة وجوهها جميعا لوجه الشمس. # ثم حكى سبحانه ما أنزله بقومه من العذاب والاستيصال، لما جرى من سنة ~~الله في اهلاك قوم أهلكوا موحد زمانهم، وولي الله في دورانهم فقال: # { ومآ أنزلنا على قومه من بعده من جند من ~~السمآء } [يس:28]. ### || [36.28] # { ومآ أنزلنا على قومه من بعده من جند من ~~السمآء }: # يعني: وما أنزلنا لإهلاك قومه من بعد قتله أو دفعه، جندا من السماء، ~~أي: وما احتجنا في إهلاك قرية فجرت وعتت عن أمر ربها، إلى إنزال ~~جند من قبلنا، كما احتاج الملوك في الغلبة على خصومهم، بأسباب ومعاونات ~~خارجية، وأشخاص وجنود وآلات واوزار للحرب، بل إنما أمرنا لشيء إذا ~~أردنا أن نقول له كن فيكون. لأن القدرة الإلهية، ألطف وأمتن من أن ~~تكون بواسطة أسباب محسوسة وأجناد مشهودة، إلا إذا اقتضت الحكمة إنزال ~~العذاب على طائفة بهيئة خاصة، وصورة معينة، فيها عبرة للناظرين، ومصلحة ~~للعابرين، فربما أوجبت المصلحة هلاك قوم على صورة دون أخرى، وهلاك قوم ~~غيرهم على وجه آخر. # أولا ترى إلى قوله تعالى: # فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من ~~أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض، ~~ومنهم من أغرقنا # [العنكبوت:40]، ولا يبعد أن يكون شدة البأس، وعظمة هيئة الغضب، على ~~طائفة شقية، بنسبة شقاوتهم وكفرهم، أو نسبة عظمة المبعوث عليهم، المنذر ~~لهم، من نبي أو خليفة له، ولهذا أنزل الله جنودا من السماء يوم بدر ~~والخندق، قال تعالى: # فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها # [الأحزاب:9]، # بألف من الملائكة مردفين # [الأنفال:9]. # بثلاثة آلاف من الملائكة ms1346 منزلين # [آل عمران:124]، # بخمسة آلاف من الملائكة مسومين # [آل عمران:125]، مع أنه كان يكفي في اهلاكهم ملك واحد، بل ريشة واحدة، ~~بل صيحة واحدة من صيحاته، بل إرادة واحدة منه بإذن ربه، فقد أهلكت ~~مدائن لوط، بريشة من جناح جبرئيل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة. # ولكن، لما كان نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، جامع شؤون ~~الأنبياء كلهم ظاهرا وباطنا، وحاوي شتات كمالاتهم وحالاتهم غيبا ~~وشهادة، فضله الله بكل شيء على كبار الأنبياء وأولي العزم من الرسل، ~~وأولاه من أسباب الكرامات والكمالات، ما لم يعطه أحدا، فأهلك خصومه ~~وجاحديه بفنون من الهلاك الجسماني والروحاني، كل بحسبه، فمن ذلك، أنه ~~أنزل جنودا من السماء، ومن ذلك ما أشار بقوله: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال:17]، ومنه قوله تعالى: # وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشيناهم فهم لا يبصرون # [يس:9] ومن ذلك قوله: # غلت أيديهم ولعنوا # [المائدة:64]. # وتفصيل وجوه العقوبات، على حسب مراتب الخصومات، لحبيب الله ورسوله، ~~الجامع لجميع الفضائل والخيرات مما يطول، وشرحه خارج عن حد العقول، ~~فلنكتف بمجمل هذا المقام، وهو أن لله نقمة جلية وخفية، كما أن له ~~نعمة ظاهرة وباطنة. # وقيل معنى الآية: وما أنزلنا على قومه بعده رسالة من السماء، قطع الله ~~عنهم الرسالة حين قتلوا رسلهم، وهو مروي عن مجاهد والحسن، والمراد أن ~~الجند هم ملائكة الوحي، الذين ينزلون على الأنبياء، وهو إشارة إلى ~~انقطاع الوحي عنهم، لسوء استعدادهم، وغلبة جحودهم وعنادهم لحامليه، وهذا ~~أشد مراتب العقوبة، حيث يوجب الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي، الحاصل من ~~فساد الإعتقاد، وبطلان الروح بانقطاع الأغذية الروحانية عنها، التي هي ~~الإيمان بالله، والطاعة، والعلم، والعبادة، وتوارد السموم المهلكة لها، ~~من الكفر والمعصية والجهل والغواية، وفي قوله تعالى: # { وما كنا منزلين } [28]: # إشعار لطيف بثبوت ضابطة كلية، وقانون إلهي، في إهلاك كل طائفة من ~~الكفرة الفجرة، بسبب مخصوص، يعني أن إنزال جنود من السماء، وألوف من ~~الملائكة، لانتصار خاتم الأنبياء، مما لا يؤهله غيره، والعقوبة بها لا ~~يناسبه ms1347 إلا أعداؤه، الذين هم أعند الناس للحق، وأجحدهم للحكمة والمصلحة. # وذلك لأن نزول العذاب والقهر على الأمم المكذبة، من آثار غضب نبيهم، ~~وتأثيره قوة قهره بحسب اتصافه بصفات الله، والنبي الخاتم، هو صاحب المقام ~~الجمعي، والمتصف بجميع صفات الله، المتخلق بأخلاقه كلها، فله جميع ~~أسمائه، والملائكة وفنونها وشعبها مظاهر أسمائية، فلما كان تأثير ذاته ~~الكاملة بجميع الأسماء، كانت الملائكة نازلة بحسب تلك الأسماء ~~وتأثيراتها، فيعينونه ويمدونه، وأما سائر الأنبياء، فلما كان ~~اتصافهم ببعض الأسماء، كان لا ينزل من قهرهم إلا بعض الملائكة بحسب ~~حالهم، وقوة تأثير كمالهم. # وها هنا دقيقة ينبغي أن لا تغفل عنها، وهو أن التأثير بجميع الأسماء، ~~حتى أسماء اللطف والرحمة، لا ينافي الغضب بها، ونزول العذاب بحسبها، ~~وبأيدي مظاهرها، التي هي ملائكة الرحمة، وذلك لأن النفوس الشقية الضالة، ~~مما تتأذى وتتعذب بالرحمة والهداية أكثر مما يتضرر بالغضب والنقمة، كمثال ~~الجعل ورائحة المسك، فافهم واغتنم. # فمعنى الآية: أن إنزال جنود الملائكة، من الاجرام الفلكية، من الخصائص ~~العظيمة، التي لم أفعله، وما كنا نفعله لغيرك، فضلا لحبيب النجار، ~~غضبا على قومه. # ثم بين سبحانه، كيفية اهلاكهم، ليعلم المتفكر المتدبر من كيفية ~~هلاكهم مرتبتهم في النقصان، فقال: # { إن كانت إلا صيحة واحدة } [يس:29]. ### || [36.29] # { إن كانت إلا صيحة واحدة } # أي ما كانت الأخذة أو العقوبة لأهل القرية، إلا صيحة واحدة، ~~أهلكوا بها دفعة واحدة، كفجأة ونحوها بنوع واحد من الهلاك بحسب ما ~~يستدعيه حالهم وأعمالهم. # وقرأ أبو جعفر المدني بالرفع، أي ما وقعت إلا صيحة واحدة، فتكون " كان ~~" على هذا الوجه تامة، لكن القياس والاستعمال. يقتضيان تذكير لفظ الفعل ~~التام، لأن معناه: ما وقع عليه شيء إلا صيحة واحدة، وقد اعتذر عنه صاحب ~~الكشاف. بأنه نظر إلى ظاهر اللفظ، وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل، ومثلها ~~قراءة الحسن، (فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم) ~~[الأحقاف:25] وبيت ذي الرمة: # " وما بقيت، إلا الضلوع الجراشع " # والأمر فيه هين. # وقراءة ابن مسعود: " الأزقية واحدة " من " زقا الطائر يزقو ويزقي " إذا ~~صاح، ومنه المثل: ms1348 " أثقل من الزواقي " ، وبالجملة، كان هلاكهم عن ~~آخرهم بأيسر أمر، صيحت عليهم بأجمعهم صيحة واحدة، حتى هلكوا جميعا. # { فإذا هم خامدون } [29]: # كما تخمد النار فتعود رمادا، قيل: إنهم لما قتلوا حبيب النجار، غضب ~~الله عليهم، فبعث جبرئيل حتى أخذ بعضادة باب المدينة، ثم صاح بهم صيحة، ~~فماتوا عن آخرهم، لا يسمع لهم حس كالنار إذا انطفأت. # وفي قوله تعالى: " خامدون " ، استعارة لطيفة، حيث شبه الروح الإنساني ~~القائم بالطبيعة البشرية، بنار اشتعلت من فتيلة، ثم أثبت له الخمود ~~الحاصل للفتيلة في بعض الأوقات، من النفخ الحاصل من الفم الإنساني، في ~~نحو الأنبوبة وغيرها، وربما يكون معه صوت، ولأجل ذلك، عبر عن إهلاك ~~النفوس بالنفخ، كما في قوله: # ونفخ في الصور # [يس:51] وكذا عن إحيائها، لأن بالنفخ كما تخمد النار كذلك قد تشتعل، على ~~حسب اختلاف أنحاء النفخ، وهذا من سوانح وقت كتابتي هذه، ولم أره في كلام ~~أحد. ### || [36.30] # { يحسرة على العباد }: # أي أنهم حقيقون بأن يتحسر عليهم المتحسرون، ويندم على أفعالهم ~~النادمون، أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة، وأهل الإيمان من الأنس ~~والجان، أو من جهة الله، إما على سبيل الإستعارة في فرط انكاره تعالى، ~~لما فعلوه، وتعظيمه ما جنوه على أنفسهم، أو باعتبار وقوع الحسرة من بعض ~~عباده المخلصين، من قبيل ما روي في حديث: " يا موسى مرضت فلم تعدني " ، ~~وكان المريض بعض الصالحين من عباده - تعالى عن النقص والشين علوا ~~كبيرا -. # ويؤيد هذا الوجه قراءة من قرء: " يا حسرتا " لأن المعنى: يا حسرة عليهم، ~~ثم الوجه في مثل هذا النداء، إنه عبارة عن إحضار صورة في الخيال، ~~احضارا قويا، حتى كأنها موجودة في العين، ثم الخطاب معها بالطلب ~~والدعاء، لأن الحال مما يستدعي حضور مثلها، فمعنى هذا النداء أن: " يا ~~حسرتا إحضري " فإن هذه الحال، من الأحوال التي يجب حضورك فيها، فحقك أن ~~تحضري فيها، وهي حال استهزاء العباد وأهل العناد بالرسل. # وقريء: " يا حسرة العباد " بالإضافة اليهم المفيدة للاختصاص بها من ~~توجهها اليهم. # وقريء: " يا حسرة ms1349 على العباد " بالهاء أجراء للوصل مجرى الوقف. # ثم بين سبب الحسرة، ومنشأ الندامة بقوله: # { ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ~~} [30]: # وسبب استهزاء الناقصين من الناس، والكفرة والمنافقين بالرسل والأولياء، ~~وكل من سلك سبيلهم في الاشتهار بذكر الله، والشتوق إلى معرفته، ومعرفة ~~ما ينتمي إليه، من ملائكته وكتبه ورسله وأوليائه وعباده المكرمين، ~~والإعراض عما أكب عليه الناس، من طلب الجاه والمال، ومعاشرة الخلق ~~والمداراة معهم، والخوض في أمورهم والمشاركة في دنياهم. # وذلك لأن الرسل (عليهم السلام) ومن تابعهم، هم رجال الله البالغون ~~في العقل والبصيرة، لا يؤثرون على لذة النظر إلى وجه ربهم لذة، ولا ~~يريدون غير الوصول إلى خدمته وطاعته نعمة وسرورا، ولا يكدرون شراب محبة ~~الحق الأول، برجاء نعيم أو خوف جحيم، وباقي الناس بمنزلة الأطفال ~~الناقصين عن درجاتهم، ومراتب نقصهم على حسب جهالاتهم. # فإن مثال الخلائق في لذاتهم ما نذكره، وهو أن الصبي في أول نشوئه وحركته ~~وتمييزه تظهر فيه غريزة بها يستلذ اللعب واللهو، ويكون ذلك عنده ألذ ~~الأشياء لقصور نظره وهمته عن إدراك ما عداه، والتشوق إليه، ثم تظهر بعده ~~لذة الزينة، ولبس الثياب، وركوب الدواب، فيستحقر منها اللعب، ثم يظهر ~~بعده لذة الوقاع وشهوة النساء، فيترك بها جميع ما قبله في الوصول إليها، ~~ثم يظهر بعد هذه الأمور لذة الرياسة والعلو والتفاخر والتكاثر، وهي آخر ~~درجات لذات هذه الدنيا، وأعلاها وأقواها، وآخر ما يخرج عن رؤوس السالكين ~~إلى الله. # وللإشارة إلى هذه المراتب في اللذات قال تعالى: # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر # [الحديد:20]. # ثم يظهر بعد هذه غريزة أخرى، يدرك بها معرفة الله تعالى، ومعرفة صفاته ~~وأفعاله، فيستحقر معها جميع ما قبلها، فكل متأخر فهو أقوى، وهذا هو ~~الأخير، إذ يظهر حب اللعب في سن الصبا، وحب النساء والزينة في سن البلوغ ~~الحيواني، وحب الرئاسة والعلو والتكاثر في سن العشرين، وحب العلوم ~~الحقيقية في قرب سن الأربعين - وهي الغاية العليا، ومرتبة رجال الله هذه ~~المرتبة -. # والناس كلهم بالقياس إلى هؤلاء، ms1350 في منزل واحد، هي الدنيا ومحبة ما فيها، ~~وكما أن الصبيان يضحكون عمن يترك اللعب ويشتغل بملاعبة النساء وطلب ~~الرئاسة ويستهزؤون بهم، فكذلك الرؤساء والمتصدرون في المجالس، ~~والمتقلدون في المناصب، يستهزؤون بمن ترك الدنيا وزينتها ورفعتها، ~~واشتغل بمعرفة الله واشتهر بذكر الله، والعارفون بالله يقولون: # إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون # [هود:38]. # ولهذا ذكر بعض أصحاب القلوب: " أن الإنسان إذا بلغ مرتبته في العلم ~~بالله، ومحبته بذكر صفاته وأفعاله الغاية العليا، رماه الناس بالحجارة ". ~~أي يخرج كلامه عن حد عقولهم، فيرون ما يقوله جنونا. # فقصد العارفين كلهم لذة معرفة الله تعالى، ووصله ولقائه فقط، فهي قرة ~~أعينهم التي لا تعلم ما أخفي لهم من قرة أعين، وهي التي لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإذا حصلت لهم لذة معرفة الله، ~~ومطالعة جمال الحضرة الربوبية، والنظر إلى أسرار الأمور الإلهية، تضمحل ~~منهم الرسوم، وتنقطع عنهم الهموم إلى غير طلب حبيبهم، فليس لهم عند ذلك ~~التشوق إلى شيء سوى الحق، سواء كان من باب الدرهم والدينار، أم من باب ~~الأراضي والعقار، أم من باب الترفع والافتخار، الذي هو أجل لذات هذه ~~الدار. # والناس إذا شاهدوا منهم ما يخالف أطوارهم وأفعالهم، من طلب الخمول ~~والإنزواء والاستتار، وترك التبسط والتزين والاشتهار، يعدونه إما من ~~السحر والمكر، وإما من السفه والبعث، فهم إما يعاندونه أو يستهزؤون به. # الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم ~~يعمهون # [البقرة:15]، لأن نظام هذا العالم وتعميره، لا يتصور إلا من المكبين ~~على الحسيات، الهالكين كالفراش في نيران الشهوات، المعرضين كالخفافيش عن ~~أنوار الحكم والعقليات، الجاحدين كالكمه الأضاليل لألوان المعارف ~~واليقينيات، المنكرين كالعنين للذات النفوس العاليات وكراماتهم، ~~والعقول القادسات في مناجاتهم. ### || [36.31] # " الرؤية " هنا بمعنى " العلم " أي: ألم يعلموا كثرة إهلاكنا القرون، ~~ويسمى أهل كل عصر " قرنا " لاقترانهم في الوجود - كذا في مجمع البيان -، ~~والظاهر أنه من باب حذف المضاف مثل: " واسئل القرية " ونظائره، والاسم ~~بحاله في الاستعمال لقطعة من الزمان من غير وضع ثان. ms1351 # ولفظة " كم " استفهامية كانت أو خبرية، وإن لم يعمل فيها عامل - أما في ~~الاستفهامية فظاهر، وأما في الخبرية فلأن أصلها الاستفهام فحكمها واحد - ~~إلا أن معنى العامل سار في معنى الجملة بنفسها سرايتها في مثل قولك " ~~ألم يروا أن زيدا لمنطلق " وان لم يعمل في لفظها، وهذا القدر كاف في ~~تعلق جملة " كم أهلكنا " بعامل " ألم يروا " وانتصابها به و " كم " ينتصب ~~بأهلكنا، وقوله: " أنهم إليهم " بدل من " كم أهلكنا " بحسب معناه من حيث ~~هو، لا بحسب لفظه. # والمعنى: ألم يعلم هؤلاء الكفار كثرة إهلاكنا القرون الماضية لجحودهم، ~~وإنكارهم لأهل الحق أنهم لا يرجعون؟ أي: كونهم غير راجعين إليهم؟ أي: لا ~~يعودون إلى الدنيا، أفلا يعتبرون بهم؟ ووجه التذكير بكثرة المهلكين أي: ~~أنكم ستصيرون إلى مثل حالهم، فانظروا لأنفسكم، واحذروا أن يأتيكم الهلاك ~~وأنتم في غفلة عريضة وغرة شديدة. # وعن الحسن: " إنهم " بالكسر، فيكون استئنافا لا بدلا، وفي قراءة ابن ~~مسعود: " ألم يروا من أهلكنا " فيكون البدل بدل اشتمال. # وفي الكشاف: " هذا مما يرد قول أهل الرجعة " ، وفيه نظر لا يخفى على ~~المنصف، فإن عدم رجعة قرون من الكفرة الناقصين الهالكين هلاك الأبد، لا ~~يدل على عدم رجعة غيرهم من النفوس الكاملة الحية بحياة العلم والعرفان، ~~فلا استحالة في إنزال الأرواح العالية بإذن الله وقدرته في هذا العالم، ~~لخلاص الأسارى والمحبوسين بقيود التعلقات من هذا السجن. # وأما ما نقله تأييدا لمذهبه من منع الرجعة من قوله: " ويحكى عن ابن ~~عباس أنه قيل له: أن قوما يزعمون أن عليا (عليه السلام) مبعوث قبل يوم ~~القيامة. فقال بئس القوم، نحن إذن نكحنا نساءه وقسمنا ميراثه " ، ~~فمدفوع: بأنه مجرد حكاية غير معلومة الصحة، وعلى تقدير صحة الرواية عنه ~~فالمروي ممنوع، فإن المتبع في الإعتقاديات إما البرهان وإما النقل الصحيح ~~القطعي عن أهل العصمة والولاية. # وقد صح عندنا بالروايات المتظافرة عن أئمتنا وساداتنا من أهل بيت ~~النبوة والعلم، حقية مذهب الرجعة ووقوعها عند ظهور قائم آل محمد (عليه ~~وعليهم السلام)، والعقل أيضا لا يمنعه، ms1352 لوقوع مثله كثيرا، من إحياء ~~الموتى بإذن الله بيد أنبيائه كعيسى وشمعون وغيرهما (على نبينا وآله ~~وعليهم السلام). # ثم يحتمل أن يرجع ضمير " أنهم " إلى الكفرة، وضمير " إليهم " إلى ~~القرون، ويكون معناه: أن هؤلاء لا يرجعون بحسب القوة والقدرة، أو الشوكة ~~والجاه، أو العدة والكثرة إليهم، فكيف لا يعتبرون بمن سبقهم. # ولا يبعد أن يكون المراد اهلاكهم بحسب موت الجهل والكفر والعناد هلاكا ~~سرمديا، فحينئذ معنى: " أنهم إليهم لا يرجعون " ، أي في شدة الجحود ~~والنفاق والاستكبار والإغترار بالظنون الفاسدة والعقائد الباطلة، كما هو ~~شيمة أصحاب الجدال وأهل المكر والاحتيال، الذين هم أعدى أعداء الله ~~ورسوله، كما ذكر وصفهم وذمهم في القرآن كثيرا، ويؤيد هذا الحمل، كون هذه ~~الآية عقيب قوله: # ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون # [يس:30]. فالمعنى أن هؤلاء لا يصلون في الاستهزاء بالرسول إلى من أهلكنا ~~قبلهم من المستهزئين بالرسل، الذين كانوا أشد منهم في الجحود والاستهزاء، ~~على وزان قوله تعالى: # كم أهلكنا قبلهم من القرون # [طه:128]، # كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروهآ ~~أكثر مما عمروها # [الروم:9]. ### || [36.32] # من شدد " الميم " في " لما " كعاصم وحمزة وابن عامر كانت عنده بمعنى " ~~إلا " كما في " نشدتك بالله لما فعلت " و " إن " نافية، والتقدير: ما ~~كل إلا لدينا محضرون. ومن خففها كالباقين كانت " ما " صلة للتأكيد و " ~~إن " مخففة من الثقيلة، وهي متلقاة باللام لا محالة، والتقدير: وإنه ~~كل لجميع لدينا محضرون. # والتنوين في " كل " عوض من المضاف إليه، والمعنى: أن كلهم من السابقين ~~واللاحقين محشورون مجموعون لدينا محضرون، أي مبعوثون يوم القيامة للحساب ~~والجزاء - كما عليه جمهور المفسرين - أو دائما، لأن علمه بجميع الجزئيات ~~والشخصيات حضوري، فجميع الموجودات حاضرة عنده مجموعا من غير تعاقب وتجدد ~~وغيبة لبعضها عن بعض، بالقياس إلى شمول علمه ونظره، وإحاطة سمعه وبصره، ~~فلا حاجة له في حضور الخلائق عنده إلى قيام الساعة وتبدل الدنيا ~~بالآخرة، إنما ذلك بالقياس إلى المحجوبين بالزمان والمكان، المحبوسين في ~~سجن الأفلاك والأركان، حيث يتحكم فيهم تبدل الأزمنة ms1353 والأقران، وتتسلط ~~عليهم انفعالات المواد والأبدان، وكل من لا تعلق له بعالم الزوال ~~والفناء، فلا انتظار له في حضور الأشياء ومثولها بين يدي خالق الأرض ~~والسماء، فالدنيا والآخرة سيان له، وعنده علم الساعة وإليه يحشرون. # وقيل: معنى " محضرون " معذبون. # ثم لما كانت مسألة المعاد وحشر الأجساد، وحضور العباد بأبدانهم الأخروية ~~عند المبدء الجواد، من عظائم أركان الإعتقاد، ولطائف مسائل الإجتهاد، وفي ~~إدراكها غموض شديد لا يمكن الوصول إليه بجهد جهيد، كرر الله ذكرها في ~~القرآن، ومهد لإثباتها وجوها كثيرة من الأمثلة الموضحة لها عند البيان. # منها: ما ذكرها في هذه السورة التي هي مشتملة على جملة ما في الكتب ~~الالهية من وجوه عديدة، أوضحها بيانا، وأجلها كشفا وبرهانا، ما ذكره ~~بقوله: # { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا ~~منها حبا فمنه يأكلون } [يس:33]. ### || [36.33] # ومن الآيات الواضحة، والحجج القاطعة لمنكري البعث والحشر - كالأطباء ~~والطبيعيين والدهريين والمتفلسفين، وطائفة من العوام المقلدين لهؤلاء، ~~المتشبثين بأذيال المتشبهين بالعلماء والحكماء، ظنا منهم أن الحكمة ~~توجب إبطال الشريعة - المبينة على ثبوت قدرة الله تعالى على حشر ~~الأجساد، واحياء الموتى من العباد، هي الأرض الميتة، لغلبة جمود ~~البرودة، وضعف قوة الحرارة، لفرط انحطاط الشمس عن سموت رؤوس بقاعها، فلا ~~ينبت شيء ولا تتحرك أجزاؤها الكامنة فيها إلى جهة العلو، طلبا للكمال ~~وارتفاعا إلى العالم الأعلى، كالميت المنقطع عن الروح بحرارتها ~~الغريزية، المستدعية للنمو والحس والحركة، لطلب الكمال اللائق بحاله. # أحييناها: أي الأرض المنقطع عنها أثر الحياة من الحرارة المنشئة للنبات، ~~بنفخ الحرارة السماوية، بارتفاع دائرة الشمس بشعاعها المخروطي الشبيه ~~بهيئة الصور الإسرافيلي، النافخ بإذن الله في النيران الكامنة في عروق ~~الأرض وأعماقها بالقوة، وأخرجنا منها ما كمن فيها من أنواع الأعشاب ~~والحبوب، التي يتقوتونه، مثل الحنطة والشعير والأرز وغيرها: فمنه ~~يأكلون. # فهذا ضرب من الاستدلال على ثبوت قدرة الله على إعادة الأمثال، وتوضيحه: ~~أن منكري المعاد، إنما أنكروا إحياء الموتى، لما توهموا أن إحياءها ~~يوجب إعادة المعدوم بعينه، وهو مما ثبت استحالته. # والجواب: أن المعاد في المعاد ms1354 هو الروح بعينها وهي باقية غير فانية مع ~~بدن محشور مثل هذا البدن لا نفسه، حتى يلزم إعادة المعدوم، فالتمثيل ~~بإنبات الربيع، وإخراج الحبوب من الأرض بعد يبسها، كما في هذه الآية ~~وغيرها، للإشعار بأن المعاد مثل البدن الأول كما دل عليه قوله تعالى: # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها ~~لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير # [فصلت:39]. # وهذا القدر في معنى المعاد مما اكتفى به جم غفير من علماء الإسلام منهم ~~الغزالي، واستدل شارح المقاصد عليه بأن النصوص دالة على إعادة المثل لا ~~الشخص بعينه من البدن، كقوله (صلى الله عليه وآله): # " أهل الجنة جرد مرد " # وكون # " ضرس الكافر مثل جبل أحد " # وبقوله تعالى: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها # [النساء:56] وبمثل قوله تعالى: # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم # [يس:81]. # واني لا أرتضيه كما بينته في مواضع من كتبنا وتفاسيرنا، بل المعاد ~~عندنا هو هذا الشخص بعينه، وهذا الوجه بعينه، وهذه اليد بعينها، وهذه ~~الأعضاء بشخصياتها وتحقيق هذا المعنى يحتاج إلى بسط عظيم خارج عن طور ~~التفسير وإن لم يمكن فهم بعض الآيات التي في بيان الحشر بدونه، وقد بسطنا ~~القول فيه في كتبنا، وسنذكر لمعة من أسرار المعاد في أواخر هذه السورة، ~~فليراجع إليه من أراد ذلك. # فالأولى أن يحمل الآية على أنها لدفع شبهة أخرى لهم في نفي المعاد، هي ~~أن استيناف الحياة في البدن يحتاج إلى استعداد سابق وقبول مادة مستعدة ~~حاصلة بالتوالد والإزدواج الحاصل من الأبوين، ثم حركة في الإنفعال وتدرج ~~في كمال بعد كمال، حتى يحصل الولد ويحيي المني المستعد، وهذه الأسباب ~~مفقودة بعد هلاك الكل، فكيف يوجد الخلائق الكثيرة العظيمة ويحيي عظامها ~~البالية الرميمة دفعة من غير تعاقب وتوالد وتدرج في الاستكمال، وحصول ~~أسباب وانفعالات وسبق استعدادات الكمال بعد كمال؟. # فالله سبحانه أزاح هذه الشبهة وأماط هذه الريبة بأن انشاء الموجودات في ~~النشأة الثانية إنما يكون بمجرد جهات فاعلية ms1355 وأسباب علوية إلهية لا ~~بحركات وانفعالات قابلية وأسباب هيولية، كما أن إنشاء الخلائق ابتداءا ~~لم يكن إلا بمجرد جود الله وإبداعه الأسباب الفاعلية، حتى تنزلت ~~بتأثيراتها وإنشاءاتها إلى آخر الموجودات النازلة السفلية من غير سبق ~~وسيلة وتقدمة استحقاق لقوله: # كما بدأكم تعودون # [الأعراف:29] وقوله: # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون # [الواقعة:62]. # فمثل الله تعالى لهذا المعنى بمثال إنشاء النبات والأشجار، وإحياء ~~الأرض بها كل سنة، بعد يبسها وموتها بالأسباب العالية، والأوضاع ~~السماوية، والقوى الفعالة، من قوة حرارة الشمس بارتفاعها، واستيناف ~~تأثيرها بحرها وشعاعها، لا بالأسباب الأرضية بقواها المنفعلة في صورة ~~الفاعلة - من بث البذور وإجراء المياه على الأرض وسقيها وإصلاحها - فإن ~~شيئا من هذه الأمور لا يجدي نفعا في حياتها، لكن إذا حان وقت إرادة ~~الله أحياها. # فكذلك الحال في وقت النشور، وإحياء الله تعالى حياة أخروية كل من في ~~القبور، كما بين الله تعالى، وأوضح هذا المعنى في عدة مواضع من القرآن، ~~كقوله: # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج * ذلك ~~بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه ~~على كل شيء قدير * وأن الساعة آتية لا ريب ~~فيها وأن الله يبعث من في القبور # [الحج:5 - 7]، وكقوله: # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها ~~لمحيي الموتى # [فصلت:39]. وكقوله: # والله أنزل من السمآء مآء فأحيا به الأرض ~~بعد موتهآ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون # [النحل:65]. # ولما مثل الله تعالى في إحياء الأموات عند النشور، وبعثة من في القبور، ~~بإحياء الأرض موتها ويبسها، أراد أن يشير إلى أن حشر الناس يوم القيامة، ~~ووقوع الواقعة، على أقسام من الصور والهيآت المختلفة، حسب الأعمال ~~والنيات، فمثل إنشاء الخلائق إذا نفخ في الصور، بإنشاء الأزهار والثمار ~~المتلونة بفنون من النباتات، والأشجار المختلفة حسب ما كمن فيها من ~~البذور والأصول، التي هي بمنزلة الأخلاق والإعتقادت الكامنة في الإنسان، ~~التي ستبرز وتظهر منه يوم حشر ما في القبور وتحصيل ما ms1356 في الصدور. # وفيه إشارة أيضا: إلى أنموذج من نعم الله الحاصلة من الأرض، لانتفاع ~~عباده منها، واغتذائهم بها، ليتقوتوا منها ويتهيئوا لشكر خالقهم ~~ومنشئهم، لأن جميعها مما لا يحيط به العد والحصر، فقال: # { وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب } [يس:34]. ### || [36.34] # { وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب }: # أي بساتين وحدائق يوجد فيها أنواع الأشجار المخضرة، والنباتات ~~المثمرة، فنونا من الثمار من نخيل وأعناب، وإنما خص القسمين لكثرة ~~أنواعهم ووفور منافعهم. # { وفجرنا فيها من العيون }: # أي: وفجرنا في تلك الأرض الميتة عيونا من الماء، ليسقوا بها الكرم ~~والنخيل، كانفجار عيون الملكات العلمية بالقوة الكامنة في أرض النفوس ~~الإنسانية، التي بها يتحقق يوم كشف الغطاء، نخيل المشاهدات وأعناب ~~المكاشفات. # وأصل مياه العلوم الكامنة فيها، هو مياه أمطار جود الله وإفاضته وتوفيقه ~~الهداية والتحصيل، فإذا اجتمع الماءان يوم الآخرة - ماء إفاضة الله، ~~وأمطاره علوم المشاهدة والمكاشفة من سحاب لطفه ورحمته على القلوب، وماء ~~ينبوع العلوم الكامنة في العقل وملكة حصول المعارف فيه - وهو العلم ~~الإجمالي الذي نسبته إلى العلوم النفسانية التفصيلية كنسبة الكيمياء إلى ~~الدنانير الغير المحصورة، ظهرت أنواع الصور الأخروية، ورطب استحلاء ~~المشاهدات، وعنب شراب التجليات، فالتقى الماء على أمر قد قدر. ### || [36.35] # أي ثمر النخيل، اكتفاء به لأنه علم أن الأعناب في حكم النخيل أو ثمر ~~أحد المذكورين، أو الجنات بالتأويل المذكور. # والنكتة في إثبات هذه الغاية فيما نحن بصدده، من تطبيق هذه الآية على ~~أحوال الأرواح الإنسية بحسب المعاد، هي أنه كما أن الغرض الأصلي من غرس ~~الأشجار وتحصيل الثمار، هو التقوت بها، والترقي إلى غاية النشوء الصوري ~~والأشد الظاهري، وكذلك الغرض من تحصيل المعارف والصور العلمية الحاصلة ~~بماء الإفاضة الفاعلية، وعين الإستفاضة القابلية، هو تكميل النشأة ~~الثانية الإنسانية، وبلوغها إلى غاية فطرتها الروحية وأشد حقيقتها ~~المعنوية. # وقريء " ثمره " بفتحتين وضمتين، وضمة وسكون. # وفي الكشاف: " الضمير لله تعالى، والمعنى: ليأكلوا مما خلقه الله من ~~الثمر، ومما عملته أيديهم من الغرس والسقي والآبار وغير ذلك من الأعمال، ~~إلى أن بلغ الثمر ms1357 منتهاه وابان أكله، يعني أن الثمر في نفسه فعل الله ~~وخلقه، وفيه آثار من كد بني آدم ". # وفيه أيضا: " أصله: " من ثمرنا، كما قال: " وجعلنا، وفجرنا " فنقل ~~الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريقة الإلتفات ". # { وما عملته أيديهم }: # وقريء: " ما عملت " من غير راجع، وهي في مصاحف الكوفيين، وعند قراء ~~الحرمين والبصرة والشام مع الضمير، و " ما " فيها موصولة عطف على " ~~ثمره " أي: والذي عملته أيديهم، من أنواع الأشياء المتخذة من النخيل ~~والعنب الكثيرة منافعها، وقيل: يعني الغروس والزروع التي عملتها أيديهم، ~~وقاسوا حراثتها. # ولك أن تجعل " ما " فيها نافية، يعني: هذه الثمار مع صورها ومنافعها ~~وخصائصها، ليست ما عملته أيدي الناس، بل هي فائضة من عالم قدرة الله ~~بواسطة ملائكته المسخرين لإنشاء الصور النوعية، يقال لها: " أرباب ~~الأصنام " في لسان الإشراق، وتسمى عندهم بأسامي " كخرداد " و " مرداد " ~~و " أردي بهشت " وأمثال هذه، ولها في لسان الشريعة أسامي: " كملك ~~المياه " و " ملك الجبال " و " ملك الرياح " ونظائرها. # وفيه أيضا إشارة إلى مسألة المعاد، ورد شبهة أهل الجحود والعناد، حيث ~~إن وجود الصور الأخروية، إنما كان بإنشاء الله بيد سدنة الجنان، وملائكة ~~الرحمة والرضوان، وكما أن أعمال يد الإنسان في غرس الأشجار وبث البذور ~~للثمار، مما لا دخل لها في إيجاد الصور النباتية، بل إنما كانت ~~نوعا من الحركة والرياضة مما له مدخلية في استجلاب رحمة الله، التي ~~يكفي فيها أدنى مرجح يخرج به من محض الإمكان للشيء المتساوي طرفا ~~وجوده وعدمه. # فكذلك التفكرات الإنسانية، والنيات والعقائد الحاصلة من القوة ~~المفكرة، التي هي بمنزلة يد معنوية للنفس الفاكرة، مما لا دخل لها في ~~توليد النتائج والصور الكسبية، ولا تحصل هي بتعمل أيدي القوة الناطقة، ~~بل إنما تفيض الصور من واهبها بإذن الله، والأفكار وتعملاتها معدات ~~للنتائج لا محصلات، وهذه الصور المحصلة العقلية (العلمية) والعقائد ~~الحقة، ستصير عند البعث والنشور صورا وأشخاصا عينية، على شكل وهيآت ~~حسية نورانية جنانية، يتنعم بها السعداء، أو قبيحة مؤلمة مؤذية ~~جحيمية، يتعذب بها الأشقياء، وهي أيضا ms1358 مما خلقها الله تعالى وأنشأها ~~وأبدعها بجهات فاعلية، من ملائكة الرحمة أو العذاب، بيد سدنة الجنان، أو ~~النيران، من غير تعمل بشري وتصرف حيواني. # فانظر كيف روعي في الكتاب العزيز هذه المناسبات، بين عالمي الغيب ~~والشهادة، والدنيا والآخرة، ثم كرر النظر وأعد التفكر أيها العارف ~~المستبصر في فوائد هذه الآية، ولطائف نكاتها، ودقائق أسرارها، لتظهر لك ~~حكمة بعد حكمة ونور بعد نور. # فتأمل كيف شبه الهيولانية الساذجة من العلوم، الميتة بموت الجهل ~~البسيط، المستعدة للحياة العقلية، الباقية في تلك الدار، القابلة لأنوار ~~العلوم وثمار الأسرار، التي هي بمنزلة صور الجنان وخيرات حسان، لم ~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، ولا يمسهن إلا المطهرون، من ~~أدناس عالم المواد والأركان، بالأرض اليابسة الميتة، لغلبة الجمود والبرد ~~واليبس، التي هي كالنفوس الجامدة الباردة الفظة الغليظة الساكنة من ~~الفكر، وشبه إحياءها بإفاضة مياه العلوم بإحياء الأرض بنزول الأمطار، ~~لأن من الماء كل شيء حي. # فالماء مطلقا يوجب الحياة مطلقا، وكل نوع منه يوجب نوعا مناسبا له ~~من الحياة، فالماء الجسماني يوجب الحياة الجسمانية، والماء الروحاني أي ~~العلم يوجب الحياة العلمية الأخروية. # واعلم أن " الماء " مادة الحياة، وأما صورتها فهو " النار " على ~~مراتبها، و " النور " من جملة مراتبها، ففي الحياة الأرضية النباتية، كما ~~لا بد من ماء سماوي كالأمطار، وماء أرضي كالعيون والأنهار، كذا لا بد ~~فيها من نار سماوية كأشعة الشمس وغيرها، ونار أرضية هي إحدى العناصر ~~الأربعة، المجتمعة بالإزدواج لحصول المزاج. # وهكذا في الحياة الأخروية على طبقاتها ودرجاتها، كما لا بد من مياه ~~العلوم الفائضة من العالم الأعلى، ومياه العلوم الكامنة في النفس ~~المتبوعة فيها بالمذاكرة والمراجعة، والكد والتعب، فكذلك لا بد من نار ~~علوية عقلية، هي شعاع العقل الفعال، ونار سفلية نفسية هي اشتعال النفس ~~الزكية، وقوة حدسها المتفاوتة في أفراد الناس، البالغة في بعضهم إلى غاية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار العقل الفعال، الذي هو نور، إذا اتصل ~~به العقل المستفاد كان نورا على نور. # ثم تأمل كيف أشار سبحانه ms1359 إلى إخراج العلوم الجزئية والمعارف الجمهورية، ~~التي بها يتعيش جمهور الناس ويحيا أوساطهم، من القلوب بالكد والتعب ~~والتكرار، بإخراج العيون من بطون الجبال والأحجار اليابسة، ونبوع الماء ~~الزلال من التربة الكدرة، فعلم بذلك أن من القلوب كحجارة يتفجر منه ~~الأنهار، أي أنهار العلوم والمعارف، كما أشار إليه بقوله تعالى: # وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار # [البقرة:74]. # وعلم أيضا، أن منها كحجارة أو أرض يتشقق فيخرج منه الماء، وهو قلب ~~يظهر عليه في بعض الأوقات عند انخراق حجب البشرية، فيظهر منه بعض لطائف ~~المعاني وأنوار العلوم. # ويعلم أيضا بالمقايسة، أن منها ما هو كالحجارة القاسية، التي لا ~~يتفجر منها أنهار العلوم، ولا يؤثر فيها شيء من الآيات والأخبار، ولا ~~يرققها بالتليين نكتة من الحكم والمواعظ وفي قلوب أكثر أهل الدنيا وعامة ~~الخلق، ومنها ما هو أشد قسوة وأصلب، وهي القلوب التي في الكدورة والصلابة ~~كالحديد البارد، لا يؤثر فيها شيء من النصيحة والتعليم للتليين، ولا ~~الزجر ولا الضرب للإنقياد والطاعة، إلا القتل والعذاب بنار الجحيم، ~~وهكذا الحديد يستعصي على قبول الطرق وطاعة الحداد، فيستحق بذلك دخول ~~النار وتليينها بإذن الله، فعند ذلك يقبل كل طارق يطرق منه، وها هنا ~~أسرار أخر لا يمكن التصريح بها. # ثم تأمل وتدبر كيف ضرب الله مثلا لروح الإنسان وقلبه، بجنات جعل ~~فيها من كل الثمرات من نخيل العلوم وأعناب المعارف، لكونه مخلوقا في ~~أحسن تقويم، مستعدا لجميع الكمالات والكرامات، قابلا لجميع الفضائل ~~وجملة الشمائل المحسنات، مكرما بعلم جميع الأسماء والصفات، منورا ~~بأنوار التجليات، الحاصلة له في مظاهرها العقلية والخيالية والحسية، من ~~عالم الصورة والمعنى والشهادة والغيب، كما في قوله تعالى: # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل ~~وأعناب # [البقرة:266]. # وفي القرآن آيات كثيرة، دالة على تمثيل ما يصل إليه الإنسان من ثمرات ~~عقائد الإيمان، ونتائج اكتساب العلم والعرفان في الآخرة عند رفع الحجاب ~~بالجنات والأنهار، والأشجار والحور العين والصور الحسان، وغيرها من ~~الأمثال التي لا يعلمها أحد من الخلق، إلا الراسخون في العلم، ms1360 كما قال: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # [العنكبوت:43]. وقوله: # { أفلا يشكرون } [35]: # إشارة إلى الحث والترغيب إلى معرفة هذه الأمثال والنعماء الإلهية، ووجه ~~ذلك، أن الشكر من جملة مقامات الدين، وأجزاء الإيمان واليقين، فإن ~~الإيمان ليس كما ظن بابا واحدا، بل هو نيف وسبعون بابا، أعلاها ~~شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، كما أن ~~الإنسان ليس موجودا واحدا، بل هو نيف وسبعون موجودا، أعلاها القلب ~~والروح، وأدناها إماطة الأذى عن البشرة، ككون الإنسان مقصوص الشارب، ~~مقلوم الأظفار، نقي البشرة عن الخبث، حتى يتميز عن البهائم المرسلة، ~~المتلوثة بأرواثها، المستكرهة الصور بطول مخالفها وأظلافها. # وهذا مثال مطابق للإيمان، ذكره بعض العارفين لأن الإيمان بالحقيقة محصل ~~حقيقة إنسان، بل هو عند الكاملين في الحكمة، والراسخين في المعرفة عين ~~الإنسان الحقيقي، ففي التطبيق يقال: الإيمان كالإنسان الحسي، وفقد ~~شهادة التوحيد منه يوجب بطلانه بالكلية، كما يوجب فقد الروح بطلان ~~الإنسان الحقيقي بالكلية، والذي ليس له إلا شهادة التوحيد وشهادة ~~الرسالة، هو كإنسان مقطوع الأطراف، فاقد العينين، فاقد الحواس، ليس فيه ~~إلا أصل الروح بالقوة. # وكما أن من هذا حاله قريب من أن يموت، فتزايله الروح الضعيفة الناقصة، ~~فكذلك حال من اكتفى بأصل الإيمان من غير تحصيل الأعمال المورثة للأخلاق ~~والملكات، من الصبر والشكر، والتوكل، والرضاء بالقضاء وغيرها من ~~المقامات، فهو قريب من أن تنقلع شجرة إيمانه بقواصف الرياح عند زلزلة ~~الساعة، أي القيامة الصغرى، التي تخصه، في مقدمة قدوم ملك الموت ومشاهدة ~~أهوالها وحالاتها، وعند القبر والبعث في القيامة الكبرى التي تعمه. # فكل إيمان لا يثبت في اليقين القلبي أصله، ولم تنتشر في الأعمال فروعه، ~~لم يثبت عند تصادم الأهوال وتزلزل الأحوال دوامه، وعند ظهور ناصية ملك ~~الموت، وطلوع صباح القيامة من مغربها قيامه، وخيف عليه سوء الخاتمة - ~~نعوذ بالله - إلا ما سقي بماء الطاعات، والتأملات القدسية على توالي ~~الأيام والساعات، والتعرض دائما لنفحات ألطاف الله، حتى رسخ وثبت أصلها ~~في أرض القلب، وفرعها في سماء ms1361 الأحوال والمقامات والدرجات، كما أشار إليه ~~بقوله: # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء # [إبراهيم:24] وقوله: # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة # [إبراهيم:27]. # إذا تقرر هذا، فالشكر كسائر المقامات، ينتظم من ثلاثة أمور: علم وحال ~~وعمل، وهكذا جميع المقامات، لأنها منتظمة من علوم وأحوال وأعمال، وهذه ~~الثلاثة إذا قيست بعضها إلى بعض، لاح للظاهرين من الناظرين، أن العلوم ~~تراد لأجل الأحوال، والأحوال تراد للأعمال، فالعمل هو الأفضل عندهم، ~~وهو الغاية لديهم. # وأما عند أرباب البصائر، فالأمر بالعكس من ذلك، فالأعمال تراد للأحوال، ~~والأحوال للعلوم، فالأفضل هي العلوم، ثم الأحوال، ثم الأعمال، لأن ~~الأعمال غايتها الأحوال، وهي ترجع إلى تصفية القلب عن العوائق، وتصقيل ~~وجهه عن الكدورات والحجب. # ثم نفس التصفية والتصقيل ليست كمالا وغاية مطلوبة، لأنها أمر عدمي، بل ~~تراد لأجل أن يتمثل فيها صورة الحق - وهي العلوم الحقيقية -. # وأما آحاد هذه الثلاثة: فالأعمال قد تتساوى وقد تتفاوت، إذا أضيف بعضها ~~إلى بعض، وكذا آحاد الأحوال، وكذا آحاد المعارف. وأفضل المعارف علوم ~~المكاشفة، أي علوم التوحيد من أحوال المبدء والمعاد، وأحوال الملائكة ~~والرسل والكتب، وأهل الإنتماء إلى الوحي (صلوات الله عليهم أجمعين). # وإذا ثبت أن الشكر كباقي مقامات السالكين، ينتظم من علم وحال وعمل، وأن ~~العلم هو الأصل المقصود من الأعمال والأحوال، فلأجله يكون الحال، ولأجل ~~الحال تكون الأعمال، وكما أنه المقصود الأصلي والغاية القصوى، فكذا هو ~~المورث المنتج لما سواه، فهو الأول والآخر، والمبدء والغاية، فهو يورث ~~الحال، والحال يورث العمل، فقوله تعالى: # لعلكم تشكرون # [البقرة:52] معناه الأصلي عند العارف العالم بأسلوب الدين، والفاهم ~~للسان القرآن المبين: لعلكم تعلمون علما ناشئا من حال ناش من عمل ~~مشروط بعلم مقدم. # إذ لا بد أولا في الشكر، من معرفة النعمة وأنها من المنعم، ثم الحال ~~ثانيا، وهو الفرح الحاصل بإنعامه، ثم العمل ثالثا، وهو القيام بما هو ~~مقصود المنعم ومحبوبه، ويتعلق ذلك العمل بالقلب، وبالجوارح وباللسان، ~~ولا بد ms1362 للإحاطة بحقيقة الشكر، من بيان هذه الأمور الثلاثة على وجه ~~الإجمال، لأن التفصيل فيها غير لائق بهذا المقام. # أما بيان العلم الذي هو الأصل، فهو أنه علم متعلق بثلاثة أمور: بعين ~~النعمة، ووجه كونها نعمة في حقه، وبذات المنعم، ووجود صفاته التي بها ~~يتم الإنعام ويصدر منه على من سواه، فإنه لا بد من نعمة ومنعم ومنعم ~~عليه، تصل إليه النعمة من المنعم بقصد وإرادة، فهذه الأمور لا بد من ~~معرفتها في حق غير الله. # وأما في حق الله، فلا يتم إلا بأن يعرف أن النعم كلها منه وهو المنعم، ~~والوسائط مسخرون من جهته، فيحتاج في مقام الشكر إلى العلم بتوحيد ~~الأفعال، بعد معرفتها على التفصيل والترتيب من العقول وترتيبها، والنفوس ~~الكلية وأغراضها ومراتبها، والأجرام الفلكية وأشواقها وحركاتها، ثم ~~الوسائط العنصرية بسائطها ومركباتها. # وهذه المعرفة وراء التوحيد والتقديس، إذ دخل التوحيد والتقديس فيها، ~~لأن المرتبة الأولى في معارف الإيمان التقديس، ثم إذا عرف ذاتا مقدسة ~~فيعرف أنه لا مقدس إلا واحد، وما عداه غير مقدس وهو التوحيد، ثم ~~يعلم أن كل ما عداه في العالم فهو موجود من ذلك الواحد فقط، فالكل نعمة ~~منه، فتقع هذه المرتبة في الرتبة الثالثة، إذ ينطوي فيها مع التقديس ~~والتوحيد، كمال القدرة المقتضي لأن لا مؤثر في الوجود إلا الله، فتمام ~~المعرفة في الشكر ينفي الشرك في الأفعال. # مثاله: أن من أنعم عليه ملك من الملوك بشيء، فإن رأى المنعم عليه ~~لوزيره أو ساعيه دخلا في إيصاله إليه، فهو إشراك به في النعمة، فلا ~~يرى النعمة منه مطلقا، بل بوجه منه، وبوجه آخر من غيره، فيتوزع شكر ~~فرحه وحاله عليهما، فلا يكون موحدا في حق الملك، نعم لا ينقص عن ~~توحيده في حقه وكمال شكره نعمته، أن يرى أنها وصلت بتوقيعه بالقلم على ~~الورق، ولا يشكرهما لعلمه بأنهما مسخران تحت قدرته، وكذا لو علم أن ~~الوزير والساعي الموصل والخازن أيضا، مضطرون من جهة الملك في الإيصال، ~~لأنه إذا عرف ذلك، كان نظره إليهم كنظره ms1363 إلى القلم والورق، فلا يورث ذلك ~~شركا في توحيده في إضافة النعمة إليه، فكذلك من عرف الله وعرف ~~أفعاله، علم أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، وكذا العقل والنفس ~~- اللذان هما فوق هذه الأمور - مسخران بيد قدرته، كالقلم والقرطاس في يد ~~الكاتب، وكذا الحيوانات لها اختيارات، في نفس اختيارها مسخرات له، فإذا ~~عرفت الأمور هكذا، فقد عرفت الله وعرفت فعله ونعمته عليك، وكنت ~~موحدا وقدرت على شكره، بل كنت بهذه المعرفة بمجردها شاكرا لله. # ومما يدل على أن أصل العلم بهذا الوجه شكر تام لله، ما ذكر أنه قال ~~موسى (عليه السلام) في مناجاته: " إلهي، خلقت آدم بيدك، وفعلت كذا وكذا، ~~فكيف شكرك؟ " فقال الله تعالى: " من علم أن ذلك مني فكانت معرفته ~~شكرا ". فإذن، لا شكر إلا بأن تعرف أن الكل منه، فإن خالجك ريب في ~~هذا لم تكن عارفا إلا بالنعمة لا بالمنعم، فلا تفرح بالمنعم وحده بل ~~بغيره، فبقدر نقصان معرفتك ينقص حالك في الفرح، وبنقصان فرحك ينقص ~~عملك، فهذا بيان هذا الأصل. # وأما بيان الأمر الثاني: فهو الحال المستمدة من أصل المعرفة، وهو الفرح ~~بالنعم مع هيئة الخضوع والتواضع، وهذا أيضا في نفسه مرتبة من الشكر، ~~لأنه فعل منبيء عن تعظيم المنعم، ولكن إنما يكون شكرا، إذا كان حاويا ~~شرطه، وشرطه أن يكون فرحك بالمنعم لا بالنعمة ولا بالإنعام، وهذا أيضا ~~أمر عظيم، وإمارته أن لا يفرح من الدنيا إلا بما هو مزرعة للآخرة، ~~ويعين على طاعة الله وطلب التقرب إليه، ويحزن بكل نعمة تلهيه عن ذكر ~~الله، وتصده عن سبيله. # ولهذا قال الشبلي: " الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعم " ، وقال ~~الخواص: " شكر العامة على المطعم والملبس والمشرب، وشكر الخاصة على ~~واردات القلوب ". # وهذه رتبة لا يدركها كل من انحصرت عنده اللذات في لذة البطن والفرج، ~~ومدركات الحواس من الألوان والطعوم والروائح، وخلا عن لذة القلب، لأن ~~القلب لا يلتذ في حال الصحة والسلامة إلا بذكر الله ومعرفته ولقائه، ~~وإنما يلتذ بغيره إذا مرض بسوء العادات ms1364 والإنحراف عن الصراط المستقيم، ~~كمن يلتذ بأكل الطين، لإنحراف مزاجه عن نهج الإستقامة، وكمن يستبشع ~~الحلاوات ويستحلي المرارات، لمرض عرض له، فهذا بيان الأمر الثاني. # وأما الأمر الثالث، فهو العمل بموجب العلم والحال على وجه يؤدي إلى ~~الكمال من العلم، فالعلم هو الأول وهو الآخر، لأن هذه الأمور الثلاثة ~~متعاكسة في الوجود الحدوثي والبقائي، أي الإبتدائي والرجوعي، وذلك لأن ~~العلم بالنعمة والأنعام وكونهما من المنعم، لو لم يكن أصلا، لم يترتب ~~عليه الفرح بالنعمة من حيث كونها من المنعم، وإذا لم يحصل الإنتعاش ~~والفرح لم ينبعث منه العمل. # فإذا علمت هذا في الإبتداء، فاعلم عكسه في الرجوع، فأن فائدة العمل ~~إصلاح القلب وصفاؤه عن المشوشات، واستقامته عن الإنحراف عن جادة الحق ~~والصراط المستقيم، وتوسطه بين الأطراف الموجبة لهواها في أسفل درك ~~الجحيم، وفائدة إصلاح القلب، أن ينكشف له جلال الله في ذاته وصفاته ~~وأفعاله. # فعلم من ذلك، أن ضربا من العلوم بمنزلة عبيد وخدم، يراد لأجل ~~الأعمال والأحوال، وهي العلوم العملية المتعلقة بكيفية الأعمال البدنية ~~والقلبية، وضربا منه بمنزلة الملوك والسلاطين، وهي المستخدمة منه ~~لغيرها، فأرفع العلوم " علوم المكاشفة " ، وهي معرفة الله سبحانه ~~والإيمان به وبصفاته وأفعاله، وهي الغاية القصوى التي تطلب لذاتها ~~وتنال بها السعادة العظمى، بل هي عين السعادة، ولكن قد لا يشعر القلب في ~~الدنيا بأنها عين السعادة، وإنما يشعر بها في الآخرة، فهي المعرفة ~~الحرة التي لا قيد لها ولا يتقيد بغيرها. # وهي مخدومة الجميع، وغيرها عبيد وخدم لها، فإنها إنما تراد لأجلها، ~~وكان تفاوتها بحسب نفعها بالإضافة إلى معرفة الله، فإن بعض المسائل ~~والمعارف يفضي إلى بعض، إما بواسطة أو وسائط، حتى ينتهي إلى العلم ~~الإلهي، فكلما كانت الوسائط بينه وبين معرفة الله أقل، كان أفضل. # وأما الأحوال، فيعنى بها أحوال القلب، من تصفيته وتطهيره عن شوائب ~~الدنيا وشواغل القلب، حتى إذا اطهر وصفا، اتضحت له حقيقة الحق، فإذن ~~فضائل الأحوال، بقدر تأثيرها في إصلاح القلب وتصفية لوحه، لأن يحصل له ~~المعارف الإلهية، وهكذا تترتب ms1365 الأعمال في تأكيد صفاء القلب وجلب الأحوال ~~ودفع الحجب والظلمات المانعة عن المكاشفات عنه. # فكما أن الحالة القريبة أو المقربة من صفاء القلب أفضل مما دونها لا ~~محالة، فكذا الأعمال بحسب مراتبها في التأثير في صفاء القلب، والدفع لما ~~يجذبه إلى زخارف الدنيا، والطاعة والمعصية عند المحققين بالعقائد الشرعية ~~والقواعد الدينية، اسمان موضوعان لباعث صفاء القلب، وباعث كدورته وظلمته ~~على درجاتها، إذ المعاصي من حيث التأثير في ظلمة القلب وقساوته، تكون ~~كبيرة وصغيرة متفاوتة جدا، وكذا الطاعات في تنوير القلب وتصفيته ~~وترقيقه، فدرجاتها بحسب تأثيراتها، وذلك يختلف باختلاف الأحوال. # فإن قلت: فقد حث الشرع على الأعمال وبالغ في ذكر فضلها. # قلنا: إن الطبيب إذا أثنى على الدواء لم يلزم منه أن الدواء مراد لعينه، ~~ولا على أنه أفضل من الصحة والشفاء الحاصلين به، ولكن الأعمال علاج لمرض ~~القلوب، ومرض القلب مما لا يشعر به غالبا، فالحث على الأعمال يوجب ~~إقدام العباد عليها، ولكل عمل خاصية في القلب، فيترتب على فعل الحسنات ~~وترك المحظورات، ما هو مقصود الشريعة من تصفية الباطن، الموجبة لسياق ~~الخلق إلى جوار الله ومعرفته وقربه. # فهذه خلاصة ما ذكره بعض علماء الآخرة وحجج الإسلام، نقلناها ليتحقق معنى ~~الشكر، ليتضح عند التدبر، أن العمدة في باب الشكر هو معرفة نعم الله ~~تعالى، وكيفية صدور أفعاله سبحانه، على وجه يتقدس ويتعالى عن التكثير ~~والتجسيم في البداية، وعن التعليل والتشريك في الغرض والنهاية، ويندرج ~~فيه تقديس الذات عن شوائب الإمكان، وتوحيده عن مثالب التركيب والنقصان. # ولهذا أشار سبحانه بعد الحث على الشكر، إلى ما يتوقف عليه، بل يتحقق ~~به، من العلم بأن أسباب النعم كلها منه، وكيفية صدور الأفعال عنه، على ~~وجه لا يوجب كثرة وإمكانا، ولا يقدح في وحدانية ذاته، ولا تقدس ~~صفاته بقوله: # { سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت ~~الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون } [يس:36]: ### || [36.36] # وقد نزه الله سبحانه ذاته وعظمها أولا، عن نسبة النقص في الذات، ~~والشين في الصفات، والفتور والتقصير في الأفعال، وأوضح ms1366 دليله ثانيا، ~~بأنه هو الذي يستحق منتهى الحمد وغاية الشكر، فيكون الكلام كدعوى الشيء ~~ببينته، أي تنزيها وتعظيما وبراءة عن الآفة والنقص والسوء، للذي ~~خلق الأنواع والأشباه والأشكال والأمثال من كل نوع، أي كل طبيعة ~~متكثرة الأفراد، كأنواع الكائنات من أصول ثلاثة، هي الموضوعات ~~والقوابل. # لأن الأنواع المتكثرة الأفراد، الحاصلة بالقوة والإستعداد، الناشئة في ~~سلسلة العائدات إلى الباري تعالى، المتعاكسة في الوجود لسلسلة الباديات ~~منه: لا بد لوجودها من مادة تقبل تكثر نوعيتها وتعدد أفرادها. # وذلك لأن التكثر في ماله حد نوعي، وتأحد طبيعي، يحتمل بحسب ~~الفرض، أن يكون اما بالماهية، أو لازمها، أو عارضها، والقسمان الأولان ~~يوجبان انحصار النوع في شيء واحد، وهو خلاف المفروض، فتعين القسم ~~الثالث، فلا بد من مادة قابلة، ينفعل عن الفاعل البريء عن التغير ~~أحوالا وأغراضا: حادثة تحتاج في حدوثها وتجددها إلى قوة إنفعالية، ~~وحركات استعدادية سفلية، تابعة لحركات ومحصلات فلكية لأغراض علوية، ~~تلحق تلك الحركات إلى فاعل غير متناهي القدرة في التأثير، وقابل غير ~~متناهي القوة في الإنفعال، فتنفتح أبواب نزول الرحمة والخيرات، وأسباب ~~ورود النعمة والبركات، لقوله تعالى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم:34] وقوله: # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي # [الكهف:109] الآية. # وهي على كثرة أفرادها وأنواعها منحصرة في ثلاثة أجناس: # أولها: ما لا شعور لها، ولا نفس حساسة فيها في حد حقيقتها، وهي مما تنبت ~~من الأرض، والمراد منها ما يندرج فيه المعادن والنباتات، إذ جميعها " مما ~~يخرج من الأرض " وينشأ منها. # وثانيها: ما له نفس شاعرة مريدة للحركات إقداما وإحجاما، جلبا ~~ودفعا، طلبا وهربا، شهوة وغضبا، ولا يخلو منه حيوان، إذ أدنى مراتب ~~الحيوانية فيما له قوة اللمس، وهذه القوة موجودة لكل حيوان حتى الدود ~~والخراطين التي تكون في الطين، فإنها إذا غرز فيها إبرة انقبضت للحرب، لا ~~كالنبات فإنه يقطع فلا ينقبض لعدم احساسه بالقطع، ومادة تكون الحيوان ~~وأصل خلقته إنما هي مواد فضلية منوية، موجودة في أبدان الحيوانات، ms1367 حاصلة ~~من فضلة الهضم الرابع، باستخدام النفوس الحيوانية للقوى النفسانية ~~والطبيعية، كالجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة المحركة للغذاء في عروق ~~البدن وأعماقه المخرجة للفضلة إلى أطراف البدن ومخارجها، مستقرة في قرار ~~مكين بوسيلة حركات وانفعالات جماعية، واقعة من نفوس الآباء والأمهات على ~~أغراض حيوانية، طلبا للشهوة واللذة التي هي الغاية القصوى لأفاعيلها، ~~فأشار إلى ذلك بقوله: " ومن أنفسهم ". # وثالثها: ما له إدراكات كلية، وهي عقول مجردة وموجودات مستقلة في الوجود ~~البقائي والكمال الأخروي، حاصلة من الأفكار والتأملات القدسية الواردة ~~على العقول الهيولانية، وإليها أشار بقوله: { ومما لا يعلمون ~~}. # واعلم أن جوهر الناطق الذي به تكون هوية الإنسان، ذو حالتين: حالة بها ~~يكون نفسا، وحالة بها يكون عقلا، فهو بحسب الحالة الأولى داخل في ~~النفوس الحيوانية، مبدؤه المزاج، ومنتهاه الموت بالإنحلال. وبحسب الحالة ~~الثانية داخل في قسم الملائكة المقربين والعقول المقدسين، فمبدء تكونه من ~~عالم الأمر ومرجعه إلى الله، فقوله: { ومما لا يعلمون }. إشارة ~~إلى مادة تكون الأرواح الإنسية الكاملة في العلم والعمل، لأنها ليست من ~~عالم الشهادة ومن مدركات الحواس، ولا مما يعلمه جميع الناس. # وأما كيفية تولدها من الأمور العقلية والأعمال المقربة لها من ~~الكمال، المخرجة إياها من القوة إلى الفعل، فهي مما يطول شرحه، وليس ~~لكل إنسان نصيب في فهمه، بل المغترون بظواهر العلوم، ممن يجحدون ~~وجود عالم الأمر، وبلوغ الإنسان إليه بوسيلة العلوم والتفكرات، جهلا ~~بأن هذا البلوغ هو الغرض الأعلى، والغاية القصوى في ارسال الأنبياء، ~~وإنزال الكتب عليهم من السماء. # وتلخيص القول، ان الله تعالى، كما يصور الجنين بصورة الحيوانية، ~~المرتبة على نطفة سقطت من الأب في الرحم بتدبير الأربعينات، فكذلك إذا ~~سقطت من صلب نبوة الأنبياء، وولاية الأولياء نطف العقائد الإيمانية، ~~في أرحام نفوس أهل الإيمان، بتربية تصرفات المعلمين والمشايخ، فالله ~~تعالى يحولها من حال إلى حال، ويكملها بكمال بعد كمال، ويقلبها من ~~مقام إلى مقام، حتى ينتهي إلى كمال التهيوء والإستواء، فيخلق بقدرته ~~وهدايته في رحم النفوس، صورة وليد القدس، وطفل خلفاء الله في أرضه، ms1368 على ~~الوجه الذي يليق لتحمل الأمانة، حسب إرادة الله ومشيئته لقوله تعالى: # هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء # [آل عمران:6] فيستحق الآن، أن ينفخ فيه الروح المختص بأنبيائه، ~~وأوليائه، وهو الروح القدسي، الذي هو مجعول إلقائه وصورة كتابته، كقوله: # يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده # [غافر:15] وكقوله: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه # [المجادلة:22]. # ولهذه الفائدة العظيمة، والنعمة الجسيمة، أهبط الأرواح من أعلى عليين ~~القرب إلى أسفل سافلين البعد كما قال: # اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى # [البقرة:38] فإذا نفخ فيه الروح القدسي، يكون آدم وقته، فيسجد له ~~بالخلافة الإلهية الملائكة كلهم أجمعون، تفهم إنشاء الله وتنبه. # والمحجوب عن غير هذا العالم كالظاهريين، فسر ما لا يعلمون بأزواج من ~~الحيوانات العفنية، والجمادات المعدنية، التي لم يجعل الله للبشر طريقا ~~إلى العلم بها، لأنه لا حاجة بهم في دينهم ودنياهم إلى ذلك العلم. # وفيه ما لا يخفى من التعسف، إذ سوق الآية يدل، على كون ما لا ~~يعلمون، خلقا عظيما وصنعا بديعا، أشرف مما وجد في البشر في هذا ~~العالم الأدنى، ونفي العلم به، والجهل بحقيقته، إنما هو بالنسبة إلى ~~جمهور الناس وعامتهم، لا الخلص الكاملين من عباده، وكثيرا ما يستعمل ~~نفي العلم، لأجل التعظيم بشيء والترغيب عليه، والمناقشة فيه، كما في ~~قوله تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة:17]. # وفي الحديث القدسي: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر ". # ويحتمل أن يكون كلمة " من " في المواضع الثلاثة بيانية، فتكون إشارة ~~إلى أعيان أجناس المخلوقات الثلاثة بذواتها، لا إلى موادها وقوابلها ~~وموضوعاتها، إعلاما بكثرة ما خلق وأنواعها وأصنافها وأعدادها، الخارجة ~~عن ما يحصره علم البشر، وعن ضبطه وإحصائه، دلالة على عظم قدرة باريها، ~~واتساع مملكة خالقها ومنشئها جل ذكره، وما ذكرنا أولى، لكون الحكمة ~~فيه أكثر، والفائدة فيه أشمل، ومعرفة الشيء بأسبابه وأصوله أوثق. ### || [36.37] # سلخ الشيء: إخراجه من لباسه، ومنه إخراج ms1369 الحيوان من جلده، يقال: " ~~سلخ جلد الشاة " إذا كشطه عنها وأزاله، ومنه: " سلخ الحية لخرشائها " ~~أي: جلدها، ومنه قوله تعالى: # فانسلخ منها # [الأعراف:175] أي: فخرج منه خروج الشيء مما هو لابسه، فوقع ها هنا ~~مستعارا لإزالة نور الشمس وكشفه بحركتها، عن سطوح الأجرام الأرضية ~~الكثيفة، أو أعماق الأجرام البخارية اللطيفة بوجه، أو المائية المعتضدة، ~~لأنها كلها مظلمة الذوات، قابلة للأنوار الكوكبية والعنصرية، التي أصلها ~~مستفاد من ضوء الشمس، فإذا غربت عنها الشمس، رجعت إلى ظلمتها الأصلية. # والظلمة ليست صفة وجودية - كما توهمه الناس -، ولا أيضا عدم ملكة، أي ~~عدم النور عما من شأنه قبول النور - كما زعمه المشاؤون - حتى يجوز أن ~~يكون بعض الأجسام خاليا عن النور والظلمة جميعا، بل هي مطلق عدم النور ~~من غير شرط وقيد، لأنا إذا أغمضنا بصرنا وفتحناه في هواء مظلم، لم نجد ~~فرقا بين الحالين، ولم نجد إلا زوال الإنكشاف وعدم الظهور، ولذا قال: ~~" فإذا هم مظلمون " أي: داخلون في الظلام عند انسلاخ النهار عن ليل ~~الأجسام، وزوال ضوء الشمس عن أبصار الأنام. # واعلم أن الغرض المسوق إليه هذه الآية، هو الدلالة على وجوب الصانع ~~البديع المبدع للإنسان ومعاده، حيث يظهر من تحقق الليل والنهار على وجه ~~التكافؤ، وولوج أحدهما في الآخر، ودخول الزيادة والنقصان عليهما على ~~ترتيب مخصوص، وكيفية وضع الارض، التي هي مقر الخلائق من النبات والحيوان ~~في وسط الأفلاك، ويستعلم منها، ومن وضع مدار الشمس التي نورها سبب وجود ~~الكائنات على هذا الوجه، عناية الباري سبحانه، وتربيته الموجودات على ~~الوجه الأكمل الأوفق. # أولا يرى، أنه لو لم تكن الأرض كثيفة قابلة للنور والظلمة، لم يقف ~~عندها ضوء النهار، ولو لم تكن أيضا في الوسط، لم يكن نظام الكائنات على ~~هذا المنوال، بل لأثر فيها النور، إما بالإفراط أو بالتفريط، لقربها ~~المفرط من الشمس، أو بعدها المفرط عنها. # وأيضا، لو لم تكن الشمس دوارة حول الأرض، لكانت دائمة التبريد أو ~~التسخين، فلم تفعل ما فعلته من التعديل والنضج. # وأيضا، لو لم يكن ms1370 النير الأعظم في وسط الأفلاك السبعة، كانت إما ~~بعيدة عن وجه الأرض بعدا مفرطا، أو قريبة منها قربا مفرطا، ففسدت ~~المركبات سيما الحيوانات المعتدلة الأمزجة، إما من غاية الحرارة ~~والتحليل، أو من فرط البرودة والتجميد. # وأيضا، لو لم تكن حركاتها العرضية الشرقية على هذا الوجه من ~~السرعة والسير الحثيث، لما فعلت اليوم والليلة بهذه المدة اليسيرة، ولما ~~اختلف الملوان علينا في قدر أربع وعشرين ساعة، بل كانت مدة اليوم بليلة ~~مقدار سنة، ففاتت المنافع والأغراض الضرورية المترتبة على تحقق الأيام ~~والليالي، وتبادلهما على التتالي، ولو لم يكن مدار حركتها السريعة، مائلة ~~عن مدار حركتها البطيئة، لبطلت الفصول الأربعة، ولكانت البقاع الواقعة ~~تحت مدارها شديدة الحر، ولم يصل أثر نورها إلى ما بعدت عن مدارها. # ففي وجود الليل والنهار على هذا الوجه المشاهد من المدار، دلالة عظيمة ~~على وجود الواهب البديع، وفيضان الخير الدائم منه على كل شريف ووضيع. # وفيها أيضا، إشارة إلى افتقار الماهيات المظلمة الذوات، المعراة في ~~أنفسها عن نور الوجود المنبث على هياكلها إلى نور الأنوار، وشمس عالم ~~الوجود ومنبع الخير والجود، لأن ذاته سبحانه، عين حقيقة النور الظاهر ~~بذاته، المظهر لغيره، والماهيات الإمكانية خفية في ذواتها، مكتومة في ~~أنفسها، والله تعالى مظهرها من مكمن الخفاء، وموجدها ومخرجها من سر العدم ~~إلى فضاء الشهود وسعة الوجود، فبذاته النيرة ينور غسق الماهيات المظلمة ~~الذوات، وينشر رحمته ونوره في أهوية الهويات، ويطلع شمس حقيقته من آفاق ~~حقائق الممكنات، ويطرد العدم والظلمة عن اقليم المعاني والمعقولات، فلو ~~سلخ من ليل ماهية الممكنات نهار الوجود الفائض منه عليها لحظة، لرجع ~~الخلائق كلهم إلى عدمهم الأصلي وفنائهم الفطري، فإذا هم مظلمون، كما هو ~~المشاهد من انسلاخ ضوء الشمس الحسي عن وجه الأجسام ودخولها في الظلام، ~~إلا ان المستنيرات الحسية، إذا زال عنها النور الحسي عدمت عن الحس، ~~وأما الممكنات المستنيرة بنور الوجود، فإنها إذا زال عنها فيض نور الحق ~~فعدمت في أنفسها، وهلكت بحسب حقيقتها وزالت عن العقل والخارج جميعا، ~~فوجود الليل والنهار، ms1371 وتبدل الضوء بالظلمة، آية عظيمة دالة على وجود ~~الحق المقيم للعالم، المديم للممكنات على الوجه الأتم الأدوم. ### || [36.38] # المستقر: هو الحد الموقت المقدر، الذي تنتهي إليه حركة الشمس ~~في فلكها آخر الدورة، كأول الحمل في كل سنة، عند من جعله أول الدور، أو ~~غيره عند آخرين، ويحتمل أن يراد به نقطة الأوج، التي فيها غاية بطء ~~الحركة، وبعد الشمس عن الأبصار، وصغر جرمها عند الأنظار، أو مقابلها من ~~نقطة الحضيض، أو يراد به نقطة المغرب، التي تتوجه إليها مدة حركتها فوق ~~الأفق، حتى تبلغ إليها في مسيرها كل يوم، ثم ترجع عنها في مرائي ~~عيوننا، أو نقطة مقابلها من المشرق، فإذا حركتها في أحد النصفين من ~~مدارها اليومي، تخالف حركتها في النصف الآخر، بالقياس إلى موضع الناظرين، ~~ولا بد فيما بين الحركتين المختلفتين من حد معين، ومستقر خاص تنتهي ~~إليه وتبتديء منه، كمنزل المسافر المعهود لاستقراره. # ويحتمل أن يراد به الحد، الذي فيه غاية ارتفاعها في منتصف النهار، عند ~~قطع نصف مدارها الصاعد، وهو حد بلوغها دائرة نصف النهار فوق الأفق، ~~أو مقابله من نقطة تقاطع مدارها مع دائرة نصف الليل تحت الأفق. # ويحتمل أن يكون مستقرها أجلها الذي أقر الله عليه مقدار جريها وكمية ~~سيرها، فاستقرت عليه من غير تغير عما فطر الله عليه، وهو مقدار السنة. # ويحتمل أيضا أن يراد منها، تشابه حركتها المختصة من غير رجوع وانعطاف، ~~ولا اختلاف في السرعة والبطء، فكأنها على مستقر واحد، أو يراد ثبات وضعها ~~من غير انحراف ولا استواء ولا سكون ولا هوى، إلى جانب السفل، ولا ارتفاع ~~إلى جانب العلو، ليدل ثبات وضعها، وتشابه حركتها، على تدبير حافظ مديم، ~~وتقدير عزيز عليم. # وفي قراءة ابن مسعود: " لا مستقر لها " أي: لا تزال تجري لا تستقر، ~~لأن داعي حركتها ليس غرضا حيوانيا شهويا أو غضبيا، ولا التفاتا ~~بالسافل وانتفاع الكائنات بها، بل تشوقا إلى بارئها، وتقربا إلى الله ~~زلفى، وطلبا لما عنده من الخيرات الدائمة والأنوار الغير المتناهية. # وقرئ أيضا: " لا ms1372 مستقر لها " على أن يكون " لا " بمعنى " ليس ذلك ". # وقيل: المستقر الوقت الذي يستقر فيه وينقطع جريها - وهو يوم القيامة - ~~ذلك الجري والسير الحثيث، في طلب المبدء الأول على ذلك التقدير، والوجه ~~الذي تكل في حسابه الدقيق دقائق الافهام، وتتحير في استنباطه العقول ~~والأوهام، وتترتب عليه مع نفع الكائنات السافلات، ونشوء الحيوان والنبات ~~على هذا النظام، غايته الأصلية، التي هي التشبه بالخير الأعظم، والتقرب ~~إلى القيوم المنور بنور الوجود والكرم لحقائق العالم، المخرج لها عن ~~ظلمة العدم، ما هو إلا بتقدير العزيز العليم، القاهر فوق عباده، والغالب ~~على كل مقدور، والمحيط علما بوجوه الخير والنظام في كل معلوم، وكل ما ~~كانت قدرته كاملة، وعلمه شاملا، فيجب أن تكون رحمته دائمة ونعمته باسطة، ~~ويكون وجود الموجودات منه على غاية الخير في النظام، ونهاية الفضيلة ~~والتمام والإستمرار والدوام. ### || [36.39] # " والقمر " قريء مرفوعا، إما على الإبتداء، أو عطفا على الليل، أي: ~~ومن آياته القمر، وقريء منصوبا بفعل يفسره " قدرناه " ، ولا بد حينئذ ~~من ارتكاب حذف مضاف، أي: قدرنا مسيره منازل، إذ لا معنى لتقدير نفس القمر ~~منازل. # والمقر جرم كروي غير مشف، مركوز في سخن فلكه، يستضيء أكثر من جرمه من ~~نور الشمس، لكثافته وصقالة سطحه، الواقع دائما في محاذاة الشمس من غير ~~حجاب، إلا عند مقاطرته الحقيقية أو ما يقرب منها مع الشمس، فتحجبه الأرض ~~عند ذلك عن مواجهة الشمس، ووقوع ضوئها عليه، فيرى مظلما منخسفا كله ~~أو بعضه. # وإنما هدى الناس الحكم بأستنارته من الشمس، مشاهدة التشكلات النورية، ~~والاختلافات الهلالية والبدرية، مع مشاهدة الخسوف له عند المقاطرة، فيعلم ~~بضرب من الحدس، أن نوره مستفاد من الشمس. # " والمنازل " ثمانية وعشرون منزلا، وهي التي يقطعها القمر في كل شهر ~~بحركته الخاصة لفلكه، فيرى كل ليلة نازلا بمحاذاة واحد منها، وهذه ~~المنازل، هي مواقع النجوم التي نسبت إليها العرب " الأنواء المستمطرة ~~" ، لأن " النوء " سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع ~~رقيبه من المشرق، يقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر ms1373 يوما، وكل ~~نجم منها هكذا إلى انقضاء السنة، ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما. # وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، فيقول: ~~" امطرنا بنوء كذا " والجمع " أنواء " وهي: الشرطان، البطين، الثريا، ~~الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، ~~الصرفة، العوا، السماك، الغفر، الزباني، الأكليل، القلب، الشولة، ~~النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ ~~الدلو المقدم، وفرغ الدلو المؤخر، الرشا. # وهذه الأسامي مشهورة فيما بين العرب، متداولة في محاوراتهم وعشقياتهم، ~~مذكورة في قصصهم وأشعارهم، وبها يتعرفون أوقات الليل وأقسام الفصول، فإن ~~سنينهم لما كانت مختلفة الأوائل، لكونها باعبتار الأهلة، حيث وقع أولها ~~تارة في وسط الصيف - مثلا - وتارة في وسط الشتاء، احتاجوا إلى ضبط السنة ~~الشمسية ليشتغلوا في استقبال كل فصل بما يهمهم في ذلك الفصل، فوجدوا ~~القمر يعود إلى وضعه الأول من الشمس، في قريب من ثلاثين يوما، فيسير في ~~المنازل الثمانية والعشرين من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين، ثم ~~يختفي في أواخر الشهر، ليلتين أو ما يقاربها إذا نقص الشهر، فأسقطوا ~~يومين من زمان الشهر، بقي ثمانية وعشرون، وهو زمان ما بين أول ظهوره ~~بالعشيات في أوائل الشهر، وآخر رؤيته الغدوات في أواخره، كما دل عليه ~~بقوله: { حتى عاد كالعرجون القديم } ، فقسموا أدوار الفلك ~~على ذلك، فكان كل قسم من الأقسام الثمانية والعشرين، اثنتي عشرة درجة ~~وإحدى وخمسين دقيقة، حاصلة من قسمة درجات تمام الدور - أعني ثلاثمائة ~~وستين درجة -، على عدد الأقسام المذكورة فسموا كل قسم منزلا، وجعلوا ~~لها علامات من الكواكب التي تقرب منطقة البروج، لانطباق مدار فلكه الكلي ~~عليها، ولهذا أصاب كل برج من البروج الإثني عشر منزلان وثلث منزل. # ثم توصلوا إلى ضبط السنة الشمسية، بكيفية قطع الشمس لهذه المنازل، ~~فوجدوها تقطع كل منزل في ثلاثة عشر يوما تقريبا، وذلك لأنهم رأوها تستر ~~دائما ثلاثة منها، ما هي فيه بشعاعها، وما قبلها بضياء الفجر، وما بعدها ~~بضياء الشفق، فوجدوا الزمان بين ظهوري كل منزلين ثلاثة عشر ms1374 يوم بالتقريب، ~~فأيام المنازل ثلاثمأة وأربعة وستون، لكن الشمس تعود إلى كل منزل بعد قطع ~~جميعها في ثلاثمأة وخمسة وستين، وهي زائدة على أيام المنازل بيوم، فزادوا ~~يوما في منزل " الغفر " ، وانضبطت لهم السنة الشمسية بهذا الوجه، وتيسر ~~لهم الوصول إلى زمان الفصول وغيرها من الأوضاع والأصول. # واعلم أن القمر إذا أسرع في سيره، فقد يتخطى منزلا في الوسط، وإن أبطأ ~~فقد يبقى ليلتين في منزل واحد، وقد يرى في بعض الليالي بين منزلين، فما ~~وقع في عبارة الكشاف وتبعه البيضاوي، من " أنه ينزل كل ليلة في واحد ~~منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه " ليس له وجه. # وإنما شبه الله تعالى القمر، عندما كان في آخر منازله " بالعرجون " ~~وهو " عود العذق " ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة، لدقته ~~واستقواسه، ووصفه " بالقديم " ، زيادة في وجه الشبه، فإنه إذا قدم ~~ازداد دقة، وانحناءا، واصفرارا، فشبه القمر به من وجوه ثلاثة. # وقريء " العرجون " بوزن " الفرجون " وهما لغتان كالبزيون والبزيون في ~~السندس. # وفي الكشاف: " قيل: إن أقل مدة الموصوف بالقدم الحول، فلو أن رجلا، ~~قال: " كل مملوك لي قديم فهو حر " أو كتب ذلك في وصية، عتق منهم من مضى ~~له حول أو أكثر ". # وفيه، أن هذا المنقول غير معلوم الثبوت بحسب اللغة، لأن أمثاله أمور ~~نسبية، فرب قديم بالقياس إلى أمر كان جديدا بالقياس إلى غيره، ثم ~~على تقدير صحته، إنما كان إذا لم يكن هناك قرينة دالة على تعيين المدة ~~تحقيقا أو تخمينا، كما في الأقارير والوصايا، ولهذا اختلف الفقهاء في ~~تعيين ما يطلق عليه اسم " القديم " ، واحتاجوا إلى المرجحات، فلو كان ~~أمرا ثابتا في اللغة، لما وقع منهم الاختلاف. # والظاهر أن فيما نحن فيه، ليس من هذا القبيل، كما دل عليه ما نقله ~~صاحب مجمع البيان أبو علي الطبرسي رحمه الله، وهو قوله: " قيل: إن العذق ~~يصير كذلك في كل ستة أشهر ". # ومن الشواهد المنقولة عن بعض ساداتنا وموالينا (صلوات الله عليهم ~~أجمعين) ما رواه علي بن إبراهيم بإسناده، قال: ms1375 دخل أبو سعيد المكاري - ~~وكان واقفيا - على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فقال له: أبلغ من ~~قدرك أنك تدعي ما ادعاه أبوك؟ فقال له أبو الحسن (عليه السلام): مالك ~~اطفأ الله نورك، وأدخل الفقر بيتك، أما علمت أن الله عز وجل، أوحى ~~إلى عمران: " إني واهب لك ذكرا يبريء الأكمه والأبرص " فوهب ~~له مريم، ووهب لمريم عيسى، فعيسى من مريم، ومريم من عيسى، وعيسى ~~ومريم شيء واحد، وأنا من أبي، وأبي مني، وأنا وأبي شيء واحد. # فقال له أبو سعيد: فأسألك عن مسألة. قال (عليه السلام): سل، ولا ~~أخالك تقبل مني، ولست من غنمي ولكن هلمها. # قال: ما تقول في رجل قال عند موته: " كل مملوك لي قديم فهو حر لوجه الله ~~"؟. # فقال أبو الحسن (عليه السلام): ما ملكه لستة أشهر فهو قديم وهو حر. # قال: وكيف صار كذلك؟ # قال: لأن الله تعالى يقول: { والقمر قدرناه منازل ~~حتى عاد كالعرجون القديم } ، سماه " قديما " ويعود كذلك ~~لستة أشهر. قال: فخرج أبو سعيد من عنده وذهب بصره، وكان يسأل على ~~الأبواب حتى مات. ### || [36.40] # { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا الليل ~~سابق النهار }: # دبر الله سبحانه أمر العالم الجسماني بهاتين الآيتين - آية الليل وآية ~~النهار -، كما دبر أمر العالم الروحاني بآيتين قدسيتين: آية النفس ~~وآية العقل، وعظم الله أمرهما، ليعرف الإنسان كيفية تدبيره تعالى ~~لباطن أحبائه وعباده الصالحين، بتوسط نشأتي النبوة والولاية في ~~العالم الإنساني، فإن موجودات هذا العالم ومظاهره، مرائي يدرك بها أحوال ~~العوالم المستعلية، فجعل لكل من هاتين الآيتين قانونا مضبوطا، وأجلا ~~معلوما ومدة معينة، فالشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، والقمر يقطع ~~فلكه في شهر، فكانت الشمس حرية بأن توصف بالإدراك لتباطؤ سيرها عن ~~سير القمر، والقمر جدير بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره. # وقيل: لما باين الله بين فلكيهما ومجراهما، فلا يمكن أن يدرك أحدهما ~~الآخر، ما داما على هذه الصفة، ولا تجتمع ليلتان ليس بينهما يوم، كما لا ~~يجتمع نهاران ليس بينهما ليل، وذلك لدورية ms1376 حركات الشمس بلا رجوع، وإحاطة ~~الفلك الذي مجراها جوانب الأرض فوق الأفق وتحته، وإلا لجاز أن يكون ~~الطالع في كل يوم شمس أخرى لها نهار آخر وليل آخر، فيجتمع ليل أحدهما مع ~~نهار الآخر، في وقت واحد لا يسبق عليه. # حكاية # روى العياشي في تفسيره، بالإسناد عن الأشعث بن حاتم، قال: كنت بخراسان، ~~حيث اجتمع الرضا (عليه السلام)، والفضل بن سهل والمأمون، في الإيوان ~~الحبري بمرو، فوضعت المائدة، فقال الرضا (عليه السلام): إن رجلا ~~من بني إسرائيل سألني بالمدينة، فقال: " النهار خلق قبل أم الليل، ~~فما عندكم؟ ". # قال: فأداروا الكلام، فلم يكن عندهم في ذلك شيء، فقال الفضل للرضا (عليه ~~السلام): " أخبرنا بها أصلحك الله ". # قال: " نعم، من القرآن أم من الحساب؟ " قال له الفضل: " من جهة الحساب ~~". # قال: قد علمت يا فضل، أن طالع الدنيا السرطان والكواكب في مواضع ~~شرفها، فزحل في الميزان، والمشتري في السرطان، والشمس في الحمل، ~~والقمر في الثور، فذلك يدل على كينونة الشمس في الحمل، في العاشر من ~~الطالع في وسط السماء، فالنهار خلق قبل الليل، وفي قول الله تعالى: لا ~~الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار، أي قد سبقه ~~النهار. # ثم في هذه الآية أسرار شريفة لا ينبغي كتمانها: # منها: أن الشمس لما كانت مثالا للعقل، وعلمه إجمالي بسيط، فعال ~~للتفاصيل، وفياض للعلوم النفسانية المتكثرة، والقمر مثال للنفس، لكونه ~~قابلا للنور الحسي الوارد عليه من النير الأعظم، كما أن النفس في ~~ذاتها خالية عن أنوار العلوم، وإنما يفيض عليها من المبدء العقلي الفعال ~~بإذن الله، حقائق الصور والكمالات، وعلومها تفصيلية متكثرة منتقلة من ~~معقول إلى مفعول، فناسب الحركة البطيئة لها، الحاصلة من دورة واحدة في ~~سنة واحدة تامة، جامعة لجميع أحوال الفصول الأربعة، المشتملة على حدوث ~~أشخاص كل نوع من الأنواع الطبيعية كالإناس والخيول، وناسب القمر الحركة ~~السريعة المشتملة على دورات كثيرة في كل سنة، وليس في دورة واحدة منها ما ~~يجمع سائر الآجال والفصول، ولا تفي مدتها بأن تسع ms1377 فيها نشوء ماله قدر ~~وخطر من المولدات، حتى الخضروات والبقول. # فانظر كيف جعل الله الشمس والقمر خليفتين عظيمتين في تدبير الكائنات، ~~وإنشاء النبات والحيوانات، في عالم الأشباح، كما جعلهما آيتين عظيمتين ~~للعقل الكلي والنفس الكلية، اللذين كل منهما خليفة الله في عالم ~~الأرواح. # وانظر كيف جعل أنورهما وأعظمهما آية النهار، وأصغرهما آية ~~الليل، كما جعل العقل الأعظم، آية نهار عالم الجبروت والقدرة والتأثير، ~~وهي أوائل الوجود، الفائضة حسب الإبداع من الحق المعبود، وجعل النفس ~~الكلية آية مساء عالم الملكوت والتأثر والقبول، وهي ثواني الوجود التالية ~~عن العقول، في قبول الرحمة والجود. # فقوله: " لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر " أي: لا تدرك آية ~~النهار آية الليل، في وصف الحركة والانتقال، والتجدد من حال إلى حال، ~~لكون القمر أقرب إلى عالم القوة والإنفعال، وضعف الأحوال، ومنبع الدثور ~~والزوال، وهي الهيولى الأولى، الواقعة في مهوى جحيم النكال، وأسفل درك ~~الخسة والوبال، بخلاف الشمس، فإنها أقرب إلى عالم الثبات والدوام ~~والإتصال، ومعدن الشرف والبقاء والكمال، وأجدر بمجاورة القيوم ~~المتعال، الغالب على أمره، والقاهر على كل شيء بالقدرة والجلال. # وقوله: " ولا الليل سابق النهار " أي: لا يسبق آية الليل آية النهار ~~في وصف النورية والشروق، وقوة الوجود والظهور، فإن الشمس نيرة لذاتها، ~~قاهرة للغسق بحسب فطرتها وجوهرها، تطرد الوحشة والظلمة عن هذا العالم، ~~كما يطرد ذات الباري تعالى العدم والإمكان عن العالم الأعلى، والقمر ~~يستعير النور من الشمس، ويكتسب ويستوهب الضياء والشروق عنها وبسببها، ~~وكيف يسبق المستعير الكاسب المستفيض المستوهب لصفة كمالية على المبدء ~~الفياض الواهب المعطي إياها؟ # وفي هاتين الآيتين، أسرار عظيمة لمن تأمل وتدبر في إبداعهما، ~~وتفكر في خلقهما وخلق عجائبهما، وعجائب غيرهما من أنوار الكواكب ~~والأفلاك، وملكوت عالم السموات والأرض، إذ في كل منها آثار عجيبة، وأنظار ~~دقيقة لمن نظر فيها وفي دورانها، وطلوعها وغروبها، واختلاف مراكزها ~~ومناطقها وأقطابها، ومحاورها ومشارقها ومغاربها ودؤوبها في الحركة على ~~الدوام، من غير فتور وتعب وقصور في الإنتظام، ولا ملال ولا كلال في الطلب ~~والشوق ms1378 إلى عبودية الله على الاتصال. # وعجائب السموات، مما لا مطمع في احصاء عشر عشير من جزء من أجزائها، ~~وما من كوكب إلا والله حكم كثيرة في خلقه وإبداعه، ثم مقداره وشكله، ~~ثم في سمكه وارتفاعه، ثم في نوره ولونه، ثم في وضعه من السماء وقربه ~~وبعده من منطقة الفلك، وارتباطه بغيره من الكواكب، ثم في حركته على ~~الدوام، وتشبهه بمبدئه العقلي الكامل على التمام، ثم استكماله في ~~عبوديته وطاعته لمبدء الكل وقاهر الجميع ذي الجلال والإكرام، الذي يضمحل ~~في جنب نوره نور كل عقل ونفس، وطبع وحس، وتبهر في إدراك عظمته عقول ~~الملائكة والخلائق والأنام. # سر آخر # ومن الأسرار التي يدركها الإنسان بملاحظة النيرين، وسائر الكواكب، أنه ~~كما أن نور القمر إنما هو عين نور الشمس، قد انعكس عن صفحة جرمه إلى أعين ~~الناظرين لصقالته وكثافته، فيتوهم الإنسان أن له نورا غير نور الشمس، ~~سواء كان مستقلا - كما توهمه العوام -، أو مستفادا منها كما أدركه ~~الخواص بدقة علومهم البحثية، وكلاهما زيغ وغلط من الحس او العقل. # بل الحق الحقيق بالتصديق، ما انكشف لدى الأخصين من خواص الناس، ~~المتخلصين عن ظلمات عالم الحواس، وأدناس القوى الوهمية المتعلقة ~~بالأرجاس، المقدسين عن إغواء شياطين الوهم بالوسواس، وهو أن النور الحسي ~~كالنور العقلي، حقيقة واحدة، لها مراتب متفاوتة في القوة والضعف، والقرب ~~والبعد من ينبوعها وأصلها، ومرايا وقوابل متعددة مختلفة في اللطافة ~~والكثافة، والصفاء والكدورة، والجلاء والخفاء، والإنقطاع والانطباع. # وهذا النور ذاتي للشمس بوجه، موجود لها بالذات، وعرضي لما سواها ~~موجود لها بالتبع، بمعنى أنها مظاهر لشهوده، ومجالي لوجوده بواسطة ~~العلاقة الوضعية، التي بها مع الشمس كالمقابلة أو ما في حكم المقابلة، ~~لأن حقيقة النور حالة فيها أو صفة قائمة بها، وهكذا يكون حكم نور الوجود، ~~لأنها حقيقة واحدة هي عين القيوم تعالى، ولها مظاهر مختلفة ومجالات ~~متعددة تدرك بحسبها ومن وراء حجبها حقيقة الوجود، على ما تقتضيه طبيعة ~~تلك المظاهر والحجب، من الماهيات والأعيان كل بحسبه، لا على ما عليه ~~الحقيقة في نفسها، ms1379 لامتناع الاكتناه لها والإحاطة بها # ولا يحيطون به علما # [طه:110] # وعنت الوجوه للحي القيوم # [طه:111]. # سر آخر # وهو أن لكل من الموجودات مرتبة في ظهور الوجود بحسب الواقع، وله مرتبة ~~فيه بحسب مدارك الناظرين، فقوة الوجود والظهور وضعفهما، كما يكونان ~~للشيء بحسب الواقع، كذا يكونان له في ملاحظة الناظرين، لأن فرط الظهور ~~قد يؤدي إلى الخفاء والقصور، بالقياس إلى المدارك الضعيفة، لقلة ~~الاحتمال، وعروض الكلال، ولهذا تكون عند أكثر الناس الأجسام ~~والمحسوسات. أقوى وجودا وأظهر انكشافا من العقول وكليات الحقائق، ~~لقصورهم عن دركها، والحق أخفى عندهم من كل شيء، مع أنه تعالى أظهر ~~الأشياء وأجلاها، وهذا لكونهم متوطنين في عالم الظلمات، فعيونهم ~~العقلية وبصائرهم الباطنية، في إدراك العقليات والالهيات، كعيون الخفافيش ~~وأبصار العمشان، بل العميان، في إدراك أنوار الحسيات، لقدرة الإشراق ~~منه، وضعف الأحداق منهم. # فإذا علمت هذا، فالحال في نوري النيرين على ذلك المنوال، من كون ~~أحدهما قوي الوجود والنورية بحسب نفسه في الواقع، ولكن لا تحتمله قوة ~~الإبصار فيعرض له الاستتار، والآخر ضعيف الوجود والنورية في الواقع ولكن ~~يقوى ظهوره عند الظلام، ويتجلى نوره في الليالي على أعين الأنام. # وهذان بعينهما مثالان للعقل والنفس، فإن أحدهما قوي الوجود والنورية ~~العقلية في الخارج، ولكنه لا يختفي وجوده وظهوره عن الخلق، والآخر بعكس ~~ما ذكر، بل هما مثالان للحق جل ذكره بالنسبة إلى النشأتين - نشأة ~~الدنيا ونشأة الأخرى -، فإن الحق مستور والخلق مشهود في هذا العالم، ~~بالقياس إلى مدارك ضعفاء العقول، المتوطنين في الظلمات كالخفافيش بعيونها ~~الضعيفة الناقصة، وأما وجوده في الحقيقة وبحسب النشأة الآخرة، وبالقياس ~~إلى العقول النيرة المقدسة، فمشهود جلي، ووجود الخلق مستور خفي، على ~~عكس ما هو عند أهل الحجاب. # فالشمس والقمر آيتان دالتان على رحمان الدنيا ورحيم الآخرة، فآية النهار ~~مثال لوجود الحق في العقبى، وآية الليل مثال لوجوده في الأولى، وبوجه ~~آخر، هما مثالان لوجود الحق والخلق، فإن أحدهما فياض النور على ذات ~~الآخر، ولهذا يختفي عند سطوع نوره الأقهر، وجلاله الأظهر، ويظهر عند ~~غيبته ms1380 عن الحواس، وانبساط ظلمة الليل على أعين الناس، فقوله: { ولا ~~الليل سابق النهار } من قبيل قوله: # أن يسبقونا سآء ما يحكمون # [العنكبوت:4]. # سر آخر # كلما بعد القمر عن جرم الشمس، امتلأ نورا وشروقا، وزاد جلاءا ~~وظهورا، وكلما قرب منها دق وضعف، واستقوس ظهره، وانحنت قامته، ~~حتى إذا صار في غاية القرب عند المقارنة الحقيقية، انمحق نوره بالكلية، ~~وزال ظهوره رأسا، فهو مثال السالك الواصل الفاني في مقام العندية ~~والقرب، وهو أيضا مثال المحجوب الباقي مع النفس في مقام الغيرية ~~والبعد، " فالليل " ، مثال هوية العبد وأنانيته، الموصوفة بظلمة الإمكان ~~وسواد الحدثان، " والنهار " ، مثال الوجود الفائض عليها من شمس الحقيقة ~~وقيوم الوجود، فالمحجوب المطرود عن باب الله، يتوهم أن لهويته ~~وجودا مستقلا سابقا في شهوده وإدراكه، على وجود الحق، فللإشارة إلى ~~نفي هذا الاحتمال عن بصائر أولي الأبصار، وقع قوله تعالى: { ولا ~~الليل سابق النهار }. # سر آخر # إعلم - أيدك الله تعالى -، أن القمر عاشق صادق لملك الكواكب، ~~وأمير السيارات، وقاهر الظلمات بالنور، حافظ الأزمنة والدهور، باسط ~~الخيرات على الكائنات، دافع الشياطين ومردة الجن والغيلان بالأنوار ~~الراجمات الزاجرات، منبع أنوار الحواس، وقامع وحشة الظلمة والوسواس، واهب ~~البهجة والسرور، محيي أموات النائمات من النفوس في مراقد كالقبور، بنفخ ~~صور الحرارة الغريزية في صباح النشور، مخرج حياة المواليد من القوة إلى ~~الفعل، مثال الله الأعظم في هذا العالم، مظهر رايات العبودية ومظهر آيات ~~العبودية. # ومن دأب العاشق المسكين، التوجه إلى جناب معشوقه، والتوصل إلى صحبة ~~محبوبه، فلهذا صار القمر سريع السير، لا يمكث في منزل إلا يوم واحد ~~غالبا، وربما يتخطى يوما واحدا منزلين، لشدة شوقه وسرعة سلوكه إلى ~~جناب معشوقه، فيسير سيرا حثيثا، حتى يرتقي من حضيض البعد والإنفصال: ~~إلى أوج القرب والإتصال، فإذا فنى عن ذاته عند الانمحاق، وتنور ~~بنور محبوبه في شدة القرب والإشراق، قال بلسان حاله هذا المقال: # وكان ما كان مما لست أذكره # فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر # ثم إذا رجع إلى ذاته، وعاد إلى الصحو بعد المحو، وسافر ms1381 من الجمع إلى ~~التفرقة والتفصيل، وأخذ منصب الخلافة والرسالة في إرشاد السالكين للسبيل، ~~وبعث لهداية المتوطنين في الظلمات، وتعليم النازلين في مراقد الجهالات، ~~قاربت المقابلة الوضعية الحسية، فانعكست إلى ذاته الأشعة الشمسية، وأضاءت ~~ذاته بأنوارها بعد ما كان مظلما، وأنار جوهره بأشعتها غب ما كان ~~مغيما، قائلا: " من رآني رأى الشمس " وربما نطق: # إذا تغيبت بدا # وان بدا غيبني # فلما نظر إلى ذاته، فما رأى شيئا خاليا من أنوار الشمس وعطاياها، فقال ~~عند ذلك في غاية سكره: " أنا الشمس " لولا أن ثبته الله بالقول الثابت، ~~مثل ما قال أبو يزيد، والحلاج وغيرهما من أصحاب التجريد، وسكارى شراب ~~المحبة والتوحيد، حيث كانوا أقمار سماء التفريد، ومرائي شمس الحقيقة ~~والتمجيد، فلما أضاءت أراضي قلوبهم، وصفحات وجوههم بنور الرب، باحوا ~~بالسر الخفي، إما لغاية السكر والوجد - فكلام المجانين يطوى ولا يروى -، ~~وإما للإشتباه بين المرآة والمرئي، أولا ترى أن المرايا المتعددة، ~~المختلفة في الصقالة والكدورة والإستقامة والإنحناء، إذا تجلت فيها ~~صورة واحدة في حالة واحدة، ظهرت فيها بحسبها، ولو كان تجليها في المرايا ~~حلولا أو قياما، لما أمكن حلول شيء واحد في محال متعددة مختلفة. # فاعلم وتثبت - أيها العارف السالك -، أن التجلي غير الحلول والاتحاد ~~والاتصال، لئلا تقع في الضلال والكفر والاحتجاب والانفصال، فتدعي ~~بوقاحتك الاتصاف بالكمال، وتسبق بنورك الموهوم، ووجودك المتهم المبهم ~~الميشوم، نور المهيمن المتعال، ووجود المبدء الفعال، ولا تتوهمن ~~أيها المحجوب لذاتك، وجودا، سوى ما أفاضه العزيز القهار، ولا تكونن ~~بظهور هويتك الموهومة، ممحا لظهور نور الأنوار، كاشفا لنوره عن شهودك، ~~كسف القمر نور الشمس عن عيون الناظرين من الأبصار، واتل قوله تعالى: { ~~ولا الليل سابق النهار }. # { وكل في فلك يسبحون } [40]: # " التنوين " في " كل ": عوض من المضاف إليه، و " الفلك " جرم ~~كروي، مجرى الكواكب، سمي به تشبيها بفلكة المغزل في الاستدارة ~~والحركة الدورية. # ذكر الشيخ أبو ريحان البيروني، في القانون المسعودي: " أن العرب والفرس، ~~سلكوا في تسمية السماء مسلكا واحدا، فان العرب يسمون السماء " فلكا ~~" تشبيها بفلك الدولاب، والفرس سموها ms1382 بلغتهم " آسمان " ، تشبيها لها ~~بالرحى، فإن " آس " هو " الرحى " بلسانهم و " مان " لفظ دال على التشبيه ~~" انتهى. # والمعنى: وكل واحد منهم - أي من الكواكب بدليل ذكر بعضها وهو الشمس ~~والقمر - في فلك من الافلاك يسبحون، ويتحركون من موضع إلى موضع، ومن وضع ~~إلى وضع، بالعقل والتدبير والإرادة والاختيار، طلبا لعبادة الله وطاعته، ~~كما يدل ضمير الجمع لذوي العقول، وليس في العقل انقباض عن كون الأفلاك ~~وما فيها أحياء ناطقون، بل في الأنظار العقلية والقواعد الحكمية، ما ~~يدل على كونهم عشاقا إلهيين، وعبادا راكعين ساجدين، طوافين على باب ~~حضرة رب العالمين، رقاصين متواجدين في إدراك عظمة أول الأولين، هو ~~الذي أدار رحاها، وبسم الله مجريها ومرساها. # وقد أطبق الطبيعيون بعلومهم الطبيعية، والآلهيون بفنون حكمتهم الالهية، ~~على أن الأفلاك بأجمعها، حية ناطقة، عاشقة، مطيعة لمبدعها وخالقها ~~ومنشئها ومحركها، إلا أن الطبيعيين تفطنوا به من جهة استدارة ~~الحركات من الأجرام، التي يتحدد بها الجهات، قبل وجود الأجسام المستقيمة ~~الحركات، حيث يحتاج دوامها إلى قوة روحانية عقلية، غير جسمانية متناهية ~~الأفعال والإنفعالات، وأما الآلهيون فعلموا بذلك، من جهة كثرة العقول، ~~وتعدد المباديء والغايات، ووجود الأشواق الكلية للعشاق الآلهية، ~~وحكموا بأن غرضها من حركاتها، نيل التشبه بجنابه ومقربيه، والتقرب ~~إلى سكان حضرته ومجاوريه. # والاشراقيون منهم، على أن حركاتها لورود الشوارق القدسية، وسنوح ~~البوارق الآلهية عليها آنا فآنا، فكل إشراق يقتضي شوقا وحركة، وكل ~~حركة تستدعي إشراقا وإفاضة، فتتصل الحركات حسب توارد الإشراقات، كما يقع ~~لأهل المواجيد من أصحاب البدايات في السلوك والتوحيد. وأما الكمل فلهم ~~مقام التمكين كالعقول المهيمين. # وذهب جم غفير من الحكماء، إلى أن كل كوكب، بل كل كرة أثيرية، له نفس ~~على حدة، تحركه بحركة مستديرة على نفسه، وحكمه في الشعور والإرادة ~~والشوق إلى مفارق عقلي، والتشبه بمعشوق قدسي، حكم الفلك الكلي، ~~فحكموا أن لا ميت في عالم الأثير. # وبعضهم ذهب إلى أن النفس الفلكي، يتعلق أولا بالكوكب، لأنه بمنزلة ~~القلب للحيوان الكبير، وبتوسطه تتعلق بالتداوير، والأفلاك الجزئية ~~والمتممات، التي هي بمنزلة ms1383 الأعضاء والأبعاض فيه. # والشيخ أبو علي بن سينا، مال إلى هذا القول ورجحه، وحكم به في النمط ~~السادس من اشاراته حكما بتيا حيث قال: " ويلزمك على أصولك أن تعلم أن ~~لكل جسم منها كان فلكا محيطا بالأرض، موافق المركز أو خارج المركز، أو ~~فلكا غير محيط بالأرض، مثل التدويرات أو كوكبا، شيئا هو مبدء حركته ~~المستديرة على نفسه، لا يتميز الفلك في ذلك عن الكواكب، وأن الكواكب ~~تنتقل حول الأرض بسبب الأفلاك التي هي مركوزة فيها، لا بأن تنخرق لها ~~أجرام الأفلاك. # ويزيدك في ذلك بصيرة، أنك إذا تأملت حال القمر في حركته المضاعفة ~~وأوجيه، وحال عطارد في أوجيه، وأنه لو كان هناك انخراق يوجبه ~~جريان الكواكب، أو جريان فلك تدوير، لم يعرض ذلك كذلك " انتهى. # وليس الغرض من هذا النقل، الركون إلى أصوله التي قد بنى عليها إثبات هذا ~~المرام، من امتناع الخرق على الفلكيات والالتئام، إذ لا استحالة عندنا ~~على حسب أصولنا اليقينية الإيمانية، في بوار الأفلاك وفناء السموات، بحسب ~~قدرة الله وإرادته، متى شاء، في أي وقت من الأوقات أراد، وإن كان الواقع ~~ثبات أجرامها منذ خلقت، وعدم انخراقها والتئامها، كما دل عليه قوله ~~تعالى: # وبنينا فوقكم سبعا شدادا # [النبأ:12] وقوله: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء:32]. # بل الغرض من ذلك أمران: ترجيح القول بأن الكواكب - بل الأفلاك - كلها ~~أحياء ناطقون مطيعون لله تعالى، كما دلت عليه هذه الآية، وقوله: # والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # [يوسف:4] وكسر سورة المصرين من المتفلسفين على إنكاره، وتسكين ~~صولة المشنعين من الفقهاء الظاهريين على من قال به. # وكفى في إثبات هذه الدعوى على المنكرين، ما وقع في بعض خطب إمام ~~الأولياء وسيد الأوصياء أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله من الرب ~~الأعلى، من قوله: " فملأهن أطوارا من ملائكته، فمنهم سجود لا يركعون، ~~وركوع لا ينتصبون وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم ~~العيون، ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان ". # ثم ما الباعث لجحود أهل الحجاب، إلا ما شاهدوا من هذه ms1384 الحيوانات ~~العصبية اللحمية المأنوسة لهم من الكلاب والذئاب، أنها ليست إلا ذوات ~~رؤوس وأذناب، بل لم يتوهموا نفوسهم، إلا هياكل محسوسة متكثرة الأدوات، ~~مركبة من القوى والآلات، ولم يعلموا أنها غير داخلة في مفهوم الحي ~~الدراك، فمنعوا من إطلاق الحياة على ما في الأفلاك، ولو تأملوا قليلا، ~~لعلموا أن نفوسهم التي بها أنانيتهم، ومنشأ جحودهم لهذا القول حية ~~قائمة، غير ذات رأس وذنب، وشهوة وغضب، فتعسا لجماعة جوزوا الحياة ~~والإدراك لمثل البعوضة والنملة فما دونها، ولم يسوغوا للأجرام الشريفة ~~الإلهية والبدائع اللطيفة النورانية. # وقد عظم الله أمرها في كتابه الكريم، فكم من سورة تشتمل على تفخيم ~~السماء والنجوم، وخصوصا النيرين وبعض السيارات، وكم من آية تشتمل على ~~القسم بها وبمواقعها، كقوله: # والسمآء ذات البروج # [البروج:1] # والسمآء والطارق * ومآ أدراك ما الطارق * ~~النجم الثاقب # [الطارق:1 - 3] # والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها # [الشمس:1 - 2] # فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس # [التكوير:15 - 16] # والنجم إذا هوى # [النجم:1] # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة:75 - 76]. # ومن الشواهد على كرامة ذواتها: وشرافة جواهرها، وقوام صورها المعراة عن ~~الأضداد والأنداد، ودوام نفوسها ومحركاتها بأمر المبدء الجواد، ~~جعلها واسطة لأرزاق العباد، حيث قال: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون # [الذاريات:5] وكونها مرتقى الكلمات الطيبات، والدعوات المستجابات ~~لقوله تعالى: # كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها ~~في السمآء # [إبراهيم:24]. # ومن الشواهد مدحه وثناؤه تعالى، على المتفكرين والناظرين في بدائع فطرة ~~السموات، فقال: # ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنآ ما ~~خلقت هذا باطلا # [آل عمران:191] وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " ويل لمن قرأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته " # أي تجاوزها من غير فكر وروية. # وتوبيخه المعرضين عنه فقال: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا وهم عن آياتها ~~معرضون # [الأنبياء:32] فأي نسبة لهذه المتغيرات من الأرض والبحار، إلى السموات ~~التي هي صلاب شداد، محفوظات عن التغير إلى أن يبلغ الكتاب أجله، ولذلك ~~سماه الله " محفوظا " كما مر، وقال أيضا: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها * رفع سمكها ~~فسواها # [النازعات:27 - 28]. # فانظر ms1385 إلى هذه القدرة والملكوت، لترى بعد ذلك عجائب العزة والجبروت، ولا ~~تظن أيها المغرور، بعلمك المشهور المكشوف عند الجمهور، الباعث لجاهك ~~الحقير في عالم الزور، أن معنى النظر إلى ملكوت السماء، بأن تمد البصر ~~إليه فترى زرقة السماء وضوء الكواكب وتعرفها، فإن البهائم والدواب ~~تشاركك في هذا النظر، بل انظر إليها نظرا عقليا، وتفطن بها إلى ~~ملكوتها، وتعبر من عالمها إلى عالم، آخر فيه خلائق روحانيون محبورون ~~على مشاهدة تقديس الله، حائرون في شهود جماله وملاحظة جلاله، لا يلتفتون ~~إلى ذواتهم المقدسة المتنورة بنور الحق، - فضلا عن التفاتهم إلى ما ~~دونهم -. # فتحول أيها السالك بقلبك أولا في ميادينها وأقطارها، وأطل ~~فكرك في كيفية حركاتها، وتفنن جهاتها ودورانها، ثم إلى جواهر ~~محركاتها من نفوسها وعقولها ومعشوقاتها، إلى أن تقوم بين يدي عرش ~~الرحمان، الذي هو معبود الكل والمعشوق الأول، فعند ذلك، ربما يرجى أن ~~يفيض عليك من رحمته الخاصة لعباده الصالحين، ويهديك إلى صراطه المستقيم ~~المنعم به عليهم - لا المنحرفين الضالين. # ولا يتيسر لك ذلك، إلا بمجاوزة الحد الأدنى، حتى تصل إلى الحد الأعلى ~~على الترتيب، فأدنى شيء إليك نفسك وبدنك، ثم الأرض التي هي مقرك، ~~ثم الهواء اللطيف المطيف بل المكتنف بك، ثم النبات والحيوان وما على وجه ~~الأرض وملكوتها، ثم عجائب الجو من ملائكة السحاب، وزواجر الرعد والمطر، ~~ومشيعي الثلج التي بيدها مثاقيل المياه، ومكائيل الأمطار - فتحتاج إلى ~~العلوم المتعلقة بها من علم النبات والحيوان وعلم كائنات الجو - ثم ~~السموات السبع بكواكبها وأشكالها وأوضاعها وحركاتها وأنظارها - فتحتاج ~~إلى علم الهيئة والنجوم، وعلم السماء والعالم - ثم الكرسي والعرش ~~الحافظان للزمان والمكان، المحددان للجهات والأبعاد والأحيان - فتحتاج ~~إلى كليات علم الطبيعي وسمع الكيان - ثم الملائكة الذين هم حملة العرش ~~وخزان السموات -، فتحتاج إلى علم الشريعة الحقة، ومعرفة عالم الملكوت ~~والجبروت، وهو علم المباديء والغايات، وعلم المفارقات. # ثم منه تجاوز النظر إلى رب العرش والكرسي، والسموات والأرض، ورب ~~الملائكة والروح، فتحتاج إلى علم التوحيد، الذي سلكه جميع الأنبياء من ~~لدن آدم إلى ms1386 الخاتم (عليه وعليهم السلام)، وإليه الغرض في بعثة نبينا ~~(صلى الله عليه وآله)، هذه سبيله وسبيل من اتبعه إلى يوم القيامة، لقوله ~~تعالى: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني # [يوسف:108]. # فبينك أيها الغافل وبين ما خلقت لأجله، هذه المفاوز العظيمة، ~~والأودية الشاقة، والعقبات الشاهقة، وأنت لم تفرغ من أدنى العقبات وهي ~~معرفة نفسك، ثم تدعي بوقاحتك معرفة الرب وتقول: عرفته وعرفت قدرته ~~وخلقه، ففي ماذا تفكر؟ وإلى ماذا تطلع؟. # وهذه غاية القصور، ونهاية الغرور، فارفع - قبل أن يستحكم فيك هذا ~~الجهل المركب، ويترسخ هذا الغرور المعجب - رأسك إلى السماء، وانظر فيها ~~نظر أولي العلم والدراية والحكمة - لا نظر البهائم إلى الدولاب والدعامة ~~-، وفي كواكبها وفي دورانها على الدوام، ودؤوبها على الاستمرار في طاعة ~~الله الملك العلام، من غير فتور في حركاتها، ومن غير تقصير في سعيها ~~وسيرها: ولا تغيير في نسقها وسننها، بل تجري جميعا في منازل ~~مرتبة بحساب مقدر، لا يزيد ولا ينقص، إلى أن يطويها الله طي السجل ~~للكتب. # ثم انظر كيفية أشكالها، فبعضها على صورة الحمل والثور، وبعضها على ~~صورة الأسد والعقرب، وبعضها على صورة البشر من الرامي والتوأمين، وما من ~~صورة في الأرض إلا ولها مثال في السماء. # ثم انظر إلى عظمة مقدارها، وقوة قواها وشدة أنوارها، وكثرة آثارها وقد ~~اتفق الناظرون في علم الهيئة، على أن الشمس مائة ونيف وستون أمثال ~~الأرض، وفي الأخبار ما يدل على عظمة الكواكب التي نراها، أصغرها هي مثل ~~الأرض ثمان مرات، وأكبرها تنتهي إلى قريب من مائة وعشرين مرة مثل الأرض ~~وفي الأخبار: " أن ما بين كل سماء وسماء مسيرة خمس مائة عام ". # وانظر كيف # " عبر جبرئيل (عليه السلام)، عن سرعة حركة الكواكب، إذ قال النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): هل زالت الشمس؟ فقال: لا، نعم. فقال: كيف تقول: ~~لا، نعم؟ فقال: من حين قلت: " لا " إلى أن قلت: " نعم " سارت الشمس مسيرة ~~خمسمائة عام ". # فانظر إلى عظم شخصها، ثم خفة سيرها وسرعة ms1387 طاعتها، ثم انظر إلى قدرة ~~الفاطر الحكيم، كيف أثبت صورتها مع اتساع أكنافها في مرآة إحدى حدقتيك مع ~~صغرها، حتى تجلس في الأرض وتفتح عينيك، بل أحدهما نحو السماء فترى ~~جميعها، بل انظر إلى بارئها ومنشئها كيف أبدعها ثم أمسكها من غير عمد ~~ترونها، ومن غير علاقة تتدلى بها، بل استحفظها بعينه التي لا تنام. # وكل العالم كبيت واحد والسماء سقفه، والعجب منك انك تطيل النظر ~~إلى بيت فيه تصاوير وزخرفات، ثم لا تلتفت بقلبك إلى هذا البيت العظيم، ~~وإلى أرضه وسقفه، وعجائب أمتعته، وغرائب حيواناته، وبدائع نقوشه ~~وتصاويره، فما هذا البيت دون البيت الذي شغفت به، ومع هذا لا تنظر إليه ~~نظر الشوق والمحبة، ليس لذلك سبب، إلا أنه بيت ربك، وهو الذي انفرذ ~~ببنائه وتزيينه، وأنت معرض عن إلهك، ناس لذكره، لأنك ممن نسيت ~~نفسك فأنساك الله ربك، لأن معرفة النفس تستلزم معرفة الرب، ونسيانها ~~نسيانه. # ولهذه الملازمة الواقعة بين المعرفتين والنسيانين، قال الله تعالى: # نسوا الله فأنساهم أنفسهم # [الحشر:19] وقال نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): # " من عرف نفسه فقد عرف ربه " # ، فاشتغلت ببطنك وفرجك، ليس لك هم إلا شهوتك أو حشمتك، فأنت غافل ~~عن بيت الله تعالى، وعن ملائكته الذين هم عمار بيته المعمور وسكان ~~سماواته، ولا تعرف من السماء إلا ما تعرفه النملة من سقف بيتها ومن صنع ~~الصانع فيه، ولا تعرف من ملائكة السموات إلا ما تعرفه النملة منك ومن ~~سكان بيتك. # والفرق بينكما، أنه ليس للنملة طريق إلى هذه المعارف، وليست مكلفة ~~بأداء شكر هذه النعم الجليلة، وأما أنت، فلك استعداد واقتدار على أن تجول ~~في عالم الملكوت فتعرف عجائبها، شاكرا لنعم الله التي أعطاكها، ~~عارفا بالله، حامدا له حق معرفته وحمده، بحسب ما أمكنك وتيسر منك، ~~لا على ما هو حقه بحسبه، لأن ذلك شيء عجز عنه الواصفون، واعترف بالقصور ~~الملائكة والأنبياء والمرسلون، سبحان ربك رب العزة عما يصفون. ### || [36.41] # " الذرية " ، كما أطلق على الأولاد أطلق على الآباء لأنها مأخوذة ~~من " ذرء ms1388 الله " أي: خلقها، فيسمى الأولاد ذرية لأنهم خلقوا ~~من الآباء، وسمي الآباء ذرية، لأن الأولاد خلقوا منهم، والمراد ها ~~هنا الآباء إن كانت " الفلك " يعني به سفينة نوح (عليه السلام) لا ~~المطلق، وإنما سميت بها، لأنها تدور في الماء كما تدور " الفلكة " في ~~المغزل، ويدور الفلك بالنجوم، أي من جملة الآيات العظيمة للناس، ~~الدالة على قدرة الله وحكمته وعنايته لهم، أنه حمل آبائهم وأجدادهم الذين ~~هؤلاء من نسلهم في الفلك المشحون - يعني سفينة نوح -، المملوءة من الناس ~~والدواب والوحش والطير، وسائر ما يحتاج إليه من فيها، فسلموا من ~~الغرق، فانتشر منهم بشر كثير. # قيل: أن الحواريين قالوا لعيسى (عليه السلام): " لو بعثت لنا رجلا شهد ~~السفينة يحدثنا عنها " فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ ~~كفا من ذلك التراب فقال: " أتدرون من هذا؟ " قالوا: " الله ورسوله أعلم ~~" فقال: " هذا كعب بن حام ". # فقال: فضرب الكثيب بعصاه فقال: " قم بإذن الله " ، فإذا هو قائم ~~ينفض التراب عن رأسه وقد شاب، فقال له عيسى (عليه السلام): " أهلكت؟ ~~" قال: " لا مت وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت ~~". # قال: " حدثنا عن سفينة نوح " قال: " كان طولها ألف ذراع، وعرضها ~~ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، طبقة للدواب والوحش، وطبقة للإنس، وطبقة ~~للطير " ثم قال: " عد بإذن الله كما كنت " فعاد ترابا. # وقيل: " الذرية " بمعنى النسل كما هو الأصل، ومعنى حمل الله ~~ذرياتهم فيها، أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين، وهم في أصلابهم هم ~~وذرياتهم، وإنما ذكر ذرياتهم دونهم، لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، وأدخل ~~في التعجب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح. # وقيل: اسم الذرية تقع على النساء لأنهن مزارعها، وفي الحديث: " أنه نهى ~~عن قتل الذراري " يعني النساء، وقيل: الذرية هم النساء والصبيان. # " والفلك " هي السفن الجارية في البحار، وخص الذرية بالحمل في ~~الفلك لضعفهم، وعدم قوتهم كالرجال على المشي في السفر، فسخر الله لهم ~~السفن للحمل في البحر، والإبل للمركوب في البر، فعلى هذا ms1389 يكون معنى قوله: # { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } [يس:42]. ### || [36.42] # وخلقنا لهم، من مثل الفلك مطلقا ما يركبون من الإبل التي هي ~~سفائن البر، وعلى الوجه الأول معناه: وخلقنا لهم من مثل ذلك الفلك ~~المشحون وصورته من السفن والزوارق، التي عملت بعد سفينة نوح (عليه ~~السلام)، ما يركبون فيها كما ركب فيه. # انظر كيف روعيت المناسبة اللفظية والمعنوية أولا بين لفظي " الفلك " ~~، و " الفلك " في الآيتين القرينتين. # أما المناسبة اللفظية فهي ظاهرة، أما المناسبة المعنوية فمنها ما نقلناه ~~أولا في تفسير الفلك - بفتحتين -، ومنها ما ذكرناه ثانيا في تفسير ~~الفلك - بالضم -. # ومنها: أنه لا بد لحركة كل منهما، بل لحركة كل من الثلاثة من محرك ~~نفساني ذي إدراك ونطق، أما في الأخيرين فظاهر مشهور للعامة، وأما في ~~الفلك بمعنى السماء، فهو أيضا مبين مكشوف للخاصة. # ومنها: أنه لا بد لحركة كل منها إلى محرك ملاصق هو طبيعة أو ~~صورة، فيحتاج كل منهما إلى المحركين المباشرين للتحريك: أحدهما: ~~المحرك المدبر المفارق - من نفس فلكي أو إنساني - وثانيهما: ~~المحرك المباشر من طبيعة طائعة مجبورة، أو كارهة مقسورة. # ومنها: أنها تحتاج فوق المحركين المذكورين، إلى محرك آخر مباين ~~مفارق، هو من رياح رحمة الله، وبوارق ألطافه الخاصة والعامة، العقلية ~~والحسية، فإن النفوس الفلكية، كما برهن في الحكمة، لا تحرك ~~الأفلاك حركة دائمة إلا بإمداد العقول القادسة، التي هي بوارق لطف الله، ~~وجهات جوده ورحمته، بتجدد اشراقاتها، وتوارد رياح رحماتها، كما ~~في قوله: # هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء ~~السحاب الثقال # [الرعد:12]. # وكذا النفوس الإنسانية، التي هي عمال السفائن، لا تنفع دقائق حيلها ~~وتدابيرها، في جري السفن من دون هبوب الرياح من رحمة الله المالكة ~~لجهات حركاتها، كما قال: # هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته # [الأعراف:57] وكذا الحال في " فلكة المغزل " فاعرفه. # ثم انظر كيف تحققت المشابهة ثانيا، بين " الفلك المشحون " و " ما ~~يركبون " ، أي: مراكب البحار، ومراكب البراري في الشكل والهيئة، ثم ~~الخلقة والطبيعة، ثم القوائم والأعمدة، ثم الجري ms1390 والحركة، ثم ~~الآلات من الطناب والحبال والأعصاب وغير ذلك، مما يحتاج بيانه إلى ~~التفصيل، ويؤدي ذكره إلى التطويل، فاقض العجب حامدا لله، مثنيا ~~عليه في خلقه تعالى هذه المخلوقات العجيبة، والعظيمة المنافع، ثم في ~~إخباره تعالى عنها، وعن منافعها بأوجز عبارة وأنور إشارة. # تلويح تأويلي # واعلم أصلحك الله، أن مثلك في هذه الدار، وبحر الهيولى المواجة ~~بما فيها من الصور والآثار، مثل السفينة في البحر، المحكمة ~~الآلة، المتقنة الأداة خلقها الله بحكمته، وسخرها لك ~~بعنايته، وأجراها برياح عنايته، فإنها لا يتهيأ لها السير إلا ~~بهبوب الرياح المحركة إياها إلى الجهات، فإذا سكنت الريح، وقفت ~~السفينة عن ذلك الجري، ولا ينقص شيء من آلاتها إلا ذهاب الرياح، كذلك ~~جسد الإنسان إذا فارقته النفس وانقطعت عنه الإفاضة، لا يتهيأ له تلك ~~الحركة، ولم يعدم من الله ولا ذهب من أعضائه شيء، إلا ذهاب الريح ~~وانقطاع الفيض عنه فقط. # ومعلوم بالبرهان، أن الريح ليس من جوهر السفينة ولا السفينة حاملة لها، ~~بل هي محركة لها، ولا تقدر السفينة ومن عليها على استرجاع الريح بعد ~~ذهابها، بحيلة يعملونها أو صنعة يصنعونها، كذلك الروح الذي من أمر ربه، ~~ليس من جوهر الجسم ولا الجسم حامل للروح، ولا يقدر أحد من العالم على ~~استرجاع النفس إذا فارقت. # فإذا تحقق ذلك، وثبت أن جسمك كسفينة معدة لهبوب الرياح ~~بها، وورودها عليها، علم أن هلاك السفينة إذا هلكت من أحد الحالين: # إما بفساد جرمها، وانحلال تركيبها فيدخلها الماء، ويكون ذلك سببا ~~لغرقها وهلاك من فيها إن غفلوا عنها، ولم يتداركوا بالإصلاح لها والتفقد ~~لحالها، كهلاك البدن من غلبة أحد العناصر، ودخول الرطوبة المعفنة ~~في البدن من بحر الهيولى، من تهاون صاحبه به وغفلته عنه، فلا تبقى الروح ~~معه إذا فسد مزاجه، وتعطل نظامه، وتعوجت نسبته، وضعفت آلته، ~~كما لا تبقى الريح للسفينة، والريح موجودة في هبوبها غير معدودة، كما أن ~~الروح باقية ببقاء علتها في انعقاد معادها. # وأما القسم الثاني: فهو أن يكون هلاك السفينة بقوة الريح العاصفة ms1391 ~~الهابة الواردة منها على السفينة، ما ليس في وسع آلتها حملها ولا ~~القدرة عليها، فتضعف الآلة وتكسر السفينة، فإن كان من فيها عارفين بعلم ~~السباحة، اطمأنت نفوسهم، ورضوا بقضاء الله فيهم، ووعظ بعضهم بعضا، ~~فنجوا عن ذلك من الهلاك في البحر. # كذلك حال الحكماء العارفين بأحوال المبدء والمعاد، والكاملين في العلم ~~والعمل، الناجين من غرق بحر الهيولى، العالمين بعلم السباحة، بل الطيران ~~في جو عالم القدس، بجناحي المعرفة والتقوى. # فإذا علمت هذا فنقول لك: " الذرية " في قوله تعالى: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم # [يس:41] إشارة إلى الروح الإنسانية، و " الفلك المشحون " إشارة إلى ~~البدن المخلوق كالسفينة، لأجل استكمال النفس وإخلاصها من هذه الدار، ~~ومنزل الأشرار، لكونها في أول الفطرة أمرا ضعيفا شبيها بالعدم، وعقلا ~~هيولانيا يكون كمالاته بالقوة، فيحتاج كالطفل إلى ما يكون له بمنزلة ~~المهد. # فكونه " مشحونا " ، إشارة إلى كون البدن مملوءا بالقوى المدركة ~~والمحركة، التي هي بمنزلة سكان السفينة وعمالها، ولكل منهم عمل ~~خاص، وآلة مخصوصة لجريان السفينة. # وقوله: { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } إشارة ~~إلى البدن المثالي البرزخي، الذي تتعلق به النفس، وتركب عليه، ما ~~دامت تكون في عالم البرزخ عند القبر قبل البعث، كما ذهب إليه الأقدمون من ~~الحكماء، ومال إليه كثير من الإسلاميين، ودل عليه الكتاب والسنة، ~~وأيدته الإمارات والشواهد، كانذارات النبوة والرؤيا الصالحة في حكايات ~~الموتى وغيرهما، مما يؤدي بيانه إلى التطويل، وموعد ذكره مقام أليق ~~من هذا في التنزيل. # تنبيه عرفاني # هذه الدنيا الفانية المهلكة، الداثرة الملهية، هي بعينها طريق إلى ~~الآخرة في حق من عرفها، وعرف درجات العبد إلى الله سبحانه، إذ ~~يعرف بنور البصيرة، أنها منزل من منازل السائرين إلى الله، وهي كجزيرة في ~~البحر، أعد فيها العلف والزاد وأسباب السفر إلى المقصود، فمن ~~تزود منها لآخرته، واقتصر منها على قدر الضرورة، فقد ربحت تجارته، ~~وفاز بنعيم الآخرة، ومن عرج عليها، واشتغل بلذاتها، هلك وخسر ~~خسرانا مبينا. # ومثال ذلك، الخلق فيها، كمثل قوم ركبوا في سفينة، فانتهت السفينة ~~بهم إلى ms1392 جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحوائج، وخوفهم ~~المقام واستعجال السفينة فتفرقوا فيها، فبادر بعضهم، وقضى حاجته ورجع إلى ~~السفينة، فوجد مكانا خاليا واسعا. # ووقف بعضهم ينظر في أزهار الجزيرة وأنوارها، وطرائف أحجارها وأصنافها، ~~وعجائب غياضها ونغمات طيورها، فرجع إلى السفينة فلم يجد إلا مكانا ~~ضيقا. # وأكب بعضهم على تلك الأصداف والأحجار، وأعجبه حسنها، فلم يسمح لنفسه ~~إلا بأن يستصحب شيئا منها، فلم يجد في السفينة إلا مكانا ضيقا، ~~وزادته الأحجار ثقلا على ثقل، وضيقا على ضيق، فلم يقدر على رميها، ولم ~~يجد لها مكانا فحملها على عنقه وهو ينوء تحت أعبائه. # وولج بعضهم الغياض، ونسي المركب، واشتغل بالتفرج على تلك الأزهار، ~~والتناول من تلك الثمار، وهو في تفرجه غير خال من خوف السباع، والحذر ~~من السقطات والظلمات، فلما رجع إلى السفينة لم يصادفها، فبقي على ~~الساحل فافترسته السباع ومزقته الهوام. # فهذه صورة أهل الدنيا بالإضافة إلى الدنيا، وأصنافهم بالنسبة إلى ~~العقبى، فتأملها واستخرج وجه الموازنة إن كنت ذا بصيرة، والمطابقة ~~بين هذه الآية والآية الآتية من قوله: # { وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ~~ينقذون * إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين } ~~[يس:43-44]: ### || [36.43-44] # إن نشأ نهلكهم في البحر إذا حملناهم في السفن، ونغرقهم بتهييج ~~الرياح القهرية والأمواج والإضطرابات، من آثار الغضب الإلهي، للفجار ~~والأشرار، الذين لا صلاح لوجودهم في هذه الدار. # { فلا صريخ لهم } أي لا مغيث لهم، أو لا إغاثة لهم، كما ~~يقال: " أتاهم الصريخ ". # { ولا هم ينقذون } أي لا ينجون من الموت والهلاك " إلا رحمة ~~منا " بأن نخلصهم في الحال من الأهوال والغرق والموت إلى وقت الآجال، ~~وموعد الإنفصال والإتصال، ونمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى النار، ~~إن كانوا من الفسقة والفجار، لما في وجودهم مدة في الدنيا مصلحة لغيرهم ~~في عمارة هذه الدار، أو نمتعهم متاعا حسنا إلى حين الأجل، لاستكمالهم ~~مدة في العلم والعمل، وصرفهم نعم الله، فيهم في العبادة والطاعة برهة ~~من الزمان شكرا لله عز وجل، لا في هواء النفس وشهواتها مع الحرس وطول ms1393 ~~الأمل، وقرأ الحسن: نغرقهم. # حكمة قرآنية تتجلى بها عناية رحمانية # اعلم أن الحكماء والمتكلمين اختلفوا في حكمة تعلق النفس بهذا البدن ~~المركب من العناصر المختلفة، وركوبها في هذه السفينة الجارية في بحر ~~الطبيعة بأمر الله مدة من الزمان، بمقتضى المشية، وتشعبوا القول فيها، ~~وما بلغ إلينا من أكابر العلماء، واطلعنا بمطالعة زبر القدماء من ~~الحكماء، وألهمنا الله بحسب متابعتنا طريقة الأنبياء والأولياء، هو أن ~~لكل نفس من النفوس، مرتبة من الفعلية والكمال في الوجود، ونصيبها ~~اللائق بحالها من خزائن الرحمة والجود، ولا يمكن الزيادة عليه حسب ما جبل ~~عليه وفطر، بحسب هويتها الشخصية من جهة الفاطر الودود، وهو لسان ~~عبادتها وتسبيحها للحق المعبود. # وسبب تعلقها بالبدن، استخراج ما في مكمن ذاتها، ومخزن هويتها من ~~القوة إلى الفعل والتحصيل، واستكمال جوهرها بالكمال اللائق بحالها من ~~تكرار الأفاعيل، وهذه المرتبة من الكمال الإضافي الوجودي، المختص بواحد ~~واحد من أفراد النفوس، غير ما يمكن حصوله لطبيعة هذا النوع الإنساني، ~~الذي هو الغاية القصوى في الكمال، ولطبقة خاصة من أفاضل أفراده ~~المقربين من الحق المتعال، ولا ينافي أيضا ما ذكرناه، شقاوة أكثر ~~الناس من الكفار والجهال وأصحاب الشمال، وحرمانهم وطردهم وبعدهم من ~~رحمة الله، المختصة بحال الكاملين في المعرفة والحال، المقربين ~~والسعداء المرتفعين عن مهابط الأرذال. # ولما سبق وثبت في صدر هذه الآية، أن " الذرية " إشارة إلى الأرواح ~~الإنسانية، و " الفلك المشحون " إلى البدن المملوء من القوى والمشاعر ~~الحسية، وقوله: # وخلقنا لهم من مثله ما يركبون # [يس:42] إشارة إلى البدن الأخروي البرزخي المثالي، فنقول: # إن النفوس المتعلقة بهذه الأبدان العنصرية، الراكبة على السفن الجارية ~~في بحر عالم الطبيعة، منقسمة إلى أقسام ثلاثة: # المغرقون في بحر اللذات، المحترقون بنار الشهوات، فلا صريخ لهم من ~~أبناء عالم القدس وسكان الجبروت، ولا هم ينقذون من قيود العالم ~~الأدنى، ومنزل الأبالسة والشياطين، المردودين إلى أسفل السافلين، تحطمهم ~~نيران جهنم الآخرة، التي يقال لها: هل امتلأت؟ فتقول هل من مزيد؟ ~~ويعذبهم الله العذاب الأكبر، بما لديهم من مؤذيات الأخلاق ms1394 الردية، ~~ومؤلمات الملكات المردية. # ومنهم المرحومون لسلامة فطرتهم، وقصور معاصيهم، وضعف علائقهم الجسمانية، ~~فهم من أهل الرحمة والشفاعة، سواء صفت نفوسهم عن الأخلاق الردية ~~والأمراض النفسانية، أو كانوا ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وذلك ~~لضعف عوائقهم، وقلة علائقهم، فنجوا من العذاب المهين، بشفاعة الشافعين. # ومنهم المقربون من أهل الكمال العلمي، فلهم الحظ الأوفى، والمنزلة ~~العظمى، سواء بقوا في الحساب مدة، وتعوقوا في بعض المنازل بسبب تقصيرهم ~~في بعض الأعمال، أو بشؤم اقترانهم بجنس سوء من القوى المتأبية عن طاعة ~~الروح في حق الله، المتعصية في الأفعال. # فقوله: { إن نشأ نغرقهم } إشارة إلى القسم الأول يدل عليه ~~مطابقة، وهم مثل الهالكين في البحر من التجار، والخاسرين في سعيهم ~~وتجارتهم # فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين # [البقرة:16] وهو أيضا إشارة إلى القسم الثاني، دال عليه التزاما، لأن ~~رفع المركب من الشيئين، قد يكون برفع أحد جزئيه، فتحقق عند هذا قسم آخر، ~~وهو الذي لا صريخ له من معلم أو مرشد يتعلم منه طريق الهداية، ويسلك ~~به سبيل النجاة، إلا أنه ينقذ وينجو من الهلاك بمجرد سلامة ذاته عن ~~الوزر والوبال، لقلة الأحمال والأثقال، وهو بازاء من ينجو من الغرق ~~عند انكسار السفينة في البحر، بيد صفر من رأس المال والربح فيحتاج إلى ~~صدقة الغير، وشفاعة من يشفع له من أهل الأرباح، ويسعى لأجله ما يتقوت ~~به باطنه ويكسو به ظاهره. # وقوله: { إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين } إشارة إلى ~~القسم الثالث من المقربين، حيث أمهلهم الله في الدنيا لأجل استكمالهم ~~بالعلم والعمل، وسلوكهم سبيل الحق وعالم القدس في سفينة البدن، حتى فازوا ~~بنعيم الأزل، ووصلوا إلى رضوان الله سبحانه، ومشاهدة صفاته وآياته قبل ~~انقضاء الأجل، وهم بازاء الرابحين بتجارتهم في سفر البحر، والواصلين ~~سالمين غانمين إلى منزلهم المعهود مع الأهل والولد، واجدين غاية سفرهم ~~وسعيهم من المال الذي بذلوا فيه غاية المجهود. ### || [36.45] # وإذا قيل للمشركين والفجار، المنافقين المغترين بعقولهم القاصرة، ~~وفطانتهم المبترة: اتقوا ما بين أيديكم من أمر الآخرة، فاعملوا ms1395 لها، ~~واحذروا عقوبتها وعذاب نيرانها، وما خلفكم من أمر الدنيا، فأحذروها ~~ولا تغتروا بظاهر زينتها ورونقها وتزويقها، وذلك كما في قوله ~~تعالى: # أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ~~من السمآء والأرض # [سبأ:9]. # لعلكم ترحمون: أي لتكونوا على رجاء رحمة من الله، لأن من خاصية ~~الإتقاء استجلاب الرحمة الالهية. # وعن مجاهد: اتقوا ما مضى من الذنوب، وما يأتي من الذنوب، أراد به: اتقوا ~~عذاب الله بالتوبة للماضي، والإجتناب للمستقبل. وعن قتادة: اتقوا العذاب ~~المنزل على الأمم الماضية، وما خلفكم من عذاب الآخرة. # وروى الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " معناه اتقوا ما بين ~~أيديكم من الذنوب، وما خلفكم من العقوبة ". وسيأتي لك لهذا الوجه زيادة ~~تحقيق وتطبيق. # وأما جواب " إذا " فهو محذوف، دل عليه قوله: # إلا كانوا عنها معرضين # [يس:46] تقدير الكلام: إذا قيل لهم اتقوا أعرضوا عن التأمل في الحجج ~~والبينات، وعن التفكر في أمور الآخرة، عن مأخذ العلوم اليقينية دون ~~ظواهر النقول والحكايات. # مكاشفة قلبية # إعلم أن المعلوم المكشوف عند أهل الله، أن تكرار الأفاعيل والأعمال، ~~يوجب حدوث الأخلاق والملكات، وهي مما سيظهر في النشأة الآخرة بصورة ~~تناسبها، فما هو سبب إيلام الأشقياء في العقبى، من الحيات والعقارب ~~والنيران والحميم، والزقوم، فهو بعينه موجود في سر قلبه، ومكنون ~~باطنه، وإن لم تشاهده هذه العين وهذه الحواس، لأنها ينحصر إدراكها، ~~بملاحظة الظواهر في صورها الدنيوية، وأما إدراكها بحقائقها وصورها ~~الباطنية، فإنما تختص بذلك مشاعر باطنية ومدارك أخروية. # فما ورد الأمر باتقائه في قوله: { ما بين أيديكم وما ~~خلفكم } ، يرجع إلى أمر واحد، تارة يكون في الدنيا بطور يناسب ~~ظهوره في هذه النشأة، من صورة شهية ملذة تتلذذ به الحواس، ويشتاق له ~~الوهم الحيواني والتخيل البهيمي، وتارة يكون في الآخرة، بطور يناسب ~~ظهوره فيها، من صورة مؤلمة موحشة مؤذية: تتألم بها نفوس الأشقياء، ~~ويستوحش منها كل من المشتغلين بها ها هنا، قائلا عند كشف الغطاء ورفع ~~الحجاب وحلول العذاب: # يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس ~~القرين # [الزخرف:38]. ms1396 # فبالحقيقة، ما يكون في الآخرة سبب إيلام المعذبين، ومنشأ عقوبة ~~الفاسقين، هو معهم ها هنا، وفي إهابهم من العقائد الباطلة والنيات ~~الفاسدة والأغراض النفسانية والدواعي الحيوانية، من حب المال والجاه ~~والكبر، والفخر والحسد، والرعونة والمكر، والحيلة والرياء، وطلب ~~الشهرة وميل الرياسة، وغير ذلك من الأمور، التي تندرج جميعها تحت حب ~~الدنيا، التي هي رأس كل خطيئة. # وهو " التنين " الذي يتولد منه للمحب للدنيا، المعرض عن طلب ~~الآخرة، تسع وتسعون حية، لكل حية تسعة وتسعون رأسا، ينهشونه ويلحسونه ~~وينفخون في جسمه إلى يوم القيامة، كما ورد في الحديث في باب عذاب الكافر ~~في قبره، فهذا التنين متمكن من صميم فؤاد الكفار والمنافقين، ينهشهم ~~ويلحسهم، لكن لا يدركون إيلام لدغه ولسعه، وإيحاش هيئته وشكله، ~~لسكر نفوسهم بمسكرات الدنيا، ونوم غفلتهم بمرقدات الهوى، واشتغالهم ~~بمزخرفات هذه الأدنى. # وأهل الآخرة لصحة معرفتهم، وقوة بصيرتهم، يشاهدون إيلام هذه المشتهيات، ~~ويتقون سمية هذه الحيات، المكنونة تحت نقوشها المزخرفات، ~~المستورة عن إدراك المكبين على طلب اللذات، وتحصيل المألوفات ~~الحسيات، المعرضين عما أعد الله لعباده الصالحين، من إدراك الحقائق ~~المعقولات، والمعارف الالهيات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت. # تعليم فرقاني فيه سر رباني # هل تعلم ما النكتة في التعبير عن الصور الواقعة في الدنيا، التي هي ~~دار المتغيرات والمتجددات، ودار الزراعة والحراسة، ب " ما ~~خلفكم " ، وفي التعبير عن أمور الآخرة التي هي دار الباقيات ~~الثابتات، ودار الثمرة والجزاء ب " ما بين أيديكم ". # النكتة فيه، أن نفس الإنسان من جملة المكونات لها، توجه طبيعي ~~إلى عالم الآخرة وعالم البقاء، فهي منذ خلقت مجبولة بحسب الفطرة، على ~~أن تسافر من منزل إلى منزل، وتتخطى من مرتبة إلى مرتبة، ومن حالة إلى ~~حالة، ومن طور إلى طور، حتى تنتهي إلى آخر منزل من منازل الدنيا، ~~وأول منزل من منازل الآخرة، ولكل إنسان، سواء كان من السعداء أو ~~الأشقياء، درجة معينة في الآخرة، ومقام من الجنة والنار يقف عنده - هو ~~آخر سيره ومنتهى سفره - إذ السلوك منقطع هناك، فالمنازل والدرجات ~~هناك، ms1397 بحسب مراتب السير ها هنا، كمالا ونقصا. # فإذا تقرر هذا فنقول: ما من منزل من المنازل الدنيوية، ونشأة من النشآت ~~الصورية، إلا وتتجاوزه النفوس وتتخطاه، وتجعله خلف ظهرها، وما من ~~منزل من منازل الآخرة، إلا وتستقبله نفس من النفوس، وتجعله نصب عينها، ~~ويكون حاضرا بين يديها، فكل نفس من النفوس البشرية، لها جادة معلومة عند ~~الله تسير فيها، بحسب ما يسر الله لها، فإن كانت بحسب ما تقرر في ~~القضاء السابق، أنها من جملة الأشقياء، فهي أبدا تتقوى في تجوهرها، ~~وتشتد في صورة طينتها، وتتطور في أطوار شقاوتها ودرجات بعدها من رحمة ~~ربها، إلى أن بلغت غاية أشدها الباطني. # وإن كانت بحسب التقدير من السعداء، فلا تزال تتقوى روحها بالأغذية ~~الروحانية العلمية، والأشربة العملية، فتترقى من طور إلى طور في سعادتها، ~~وسلك سبيل سيرها، ودرجات قربها من الرحمان، إلى أن بلغت أشدها ~~العقلي. ورشدها المعنوي، فإذا رفع الحجاب، وكشف الغطاء، كانت كل ~~واحدة منها في مرتبتها التي بلغت إليها طرفة عين. # وإنما الغرض الأصلي من إرسال الرسل وإنزال الكتب، الاعلام والتأكيد ~~لأهل الهداية، وزيادة التشويق والترغيب والإنذار والترهيب لهم، وإبلاغ ~~الحجة على أهل الشقاوة والجحود، وزيادة الإبعاد والطرد والحجاب فيهم، فإن ~~التعليم والإرشاد لا يوجب لأهل النقمة إلا غيا وضلالا، كما أن الماء ~~الصافي، لا يزيد في الجيفة إلا تعفينا وإفسادا، كقوله تعالى: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به ~~إلا الفاسقين # [البقرة:26] وكقوله تعالى: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال:42]. # فقوله: " اتقوا ": خطاب للمشركين أو لجميع المكلفين، إلا أن السامع ~~لهذا الكلام، والمطيع له، من عرف نهاية حال الواغلين في الشهوات، ~~ووخامة عاقبة المتلذذين بهذه المزخرفات، وأما الجهال والمنافقون، ~~فشأنهم الإعراض عن سماع هذه الآيات، والإستهزاء بمن أتى بالحجج ~~والبينات، كما دلت عليه هذه الآية وما يتلوها كناية وتصريحا. # وقوله: " ما بين أيديكم ": إشارة إلى الصورة المؤلمة التي يشاهدها ~~الأشقياء في القبر والقيامة، وعند البعث والحشر، وعند الصراط والسياق ~~إلى الجحيم. # وقوله: ms1398 " وما خلفكم ": إشارة إلى الأعمال والأفعال القبيحة، المؤدية ~~إلى الملكات والأخلاق الردية في عالم القلب الإنساني، المنكوس إلى ~~السفل، المنتجة في عالم الآخرة إلى الصورة المؤلمة الموحشة المعذبة، ~~من النيران والجحيم وسلاسلها وأغلالها، وحميمها وزقومها، وعقاربها ~~وحياتها، ووهداتها. ### || [36.46] # أي ليست تأتيهم آية - أية آية كانت من الآيات - إلا ذهبوا عنها ~~وأعرضوا عن النظر فيها، بمعنى أنه كلما ورد عليهم أو ألقي إليهم ما ~~يدل على أحوال المبدء والمعاد، من برهان علمي، أو موعظة خطابية، أعرضوا ~~عنها وأنكروها، ف " من " الأولى، للإستغراق، لكونها وقعت في سياق ~~النفي. و " من " الثانية للتبعيض، وذلك سبيل من ضل عن الهدى، إما ~~بكثرة حمقه واشتغاله بمشاغل هذا الأدنى، وإما باغتراره بفطانته ~~البتراء، وجحوده بما سوى ما أدركه ببصيرته العمشاء، أو تلقفه من ~~غيره تقليدا وتعصبا. # افتتاح كشفي # إعلم أن سبب إعراض الخلق عن استماع آيات الله وعن التفكر في أحوال ~~الآخرة، أمور ثلاثة: أحدها: شوائب الطبيعة ومزيناتها. وثانيها: وساوس ~~العادة وملهياتها. وثالثها: نواميس الأمثلة وتخيلاتها. # أما الأولى: فكدواعي الطبيعة وشهواتها، كشهوة البطن والفرج، ومحبة ~~الأهل والمال والولد، وذلك قوله تعالى: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع ~~الحياة الدنيا # [آل عمران:14]. # وأما الثانية: كدواعي النفس الحيوانية، وهي ألذ من اللذات الشهوية ~~وأجل رتبة من أغراضها ومقاصدها، وهي لذة الجاه والعلو في عالم الأرض ~~والرياسة على سائر الأقران، فرب إنسان سهل عليه ترك لذة الأكل ~~والمباشرة، وجمع المال واليسار، إلا أنه لا يمكنه ترك العلو ~~والافتخار، وهو آخر درجات الدنيا، الذي لا يمكن الوصول إلى نعيم الآخرة ~~إلا بالتجاوز عنه، كما قال سبحانه: # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين # [القصص:83]. # وأما الثانية: فكتسويلات النفس الأمارة بالسوء وتزيينها الأعمال الغير ~~الصالحة وترويجها الكواسد وتحسينها القبائج وإبرازها الباطل في صورة الحق ~~بسبب تخيلات فاسدة وتوهمات باطلة توجب إعجاب المرء بنفسه، منشأها خباثة ~~الباطن ودناءة الهمة وشيطنة الوهم، كما ms1399 في قوله تعالى: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف:103 - 104]. # وخصوصا ما يكون منشؤها هذه العلوم الرسمية، والفنون المشهورة، وهي ~~أغلظها حجابا، وأعسرها دفعا، وأكثرها فسادا، وأقواها إعجابا ~~للمرء بنفسه، واغترارا بحاله، فهي ما يقع لأكثر المتشبهين بالعلماء ~~الحقيقيين، من اغترارهم بظنونهم الفاسدة وأفكارهم الكاسدة، وما سمعوا من ~~ظواهر أحكام الشريعة، وتلقفوها من غير بصيرة ولا دراية، وضموا إليها ~~دعاوي باطلة، ومقاصد شيطانية، ولمقلديهم المشغوفين بما عندهم، من سماع ~~الحكايات والأمثال الواردة، وإجابتهم دعوة المضلين البطالين، الفارغي ~~الهمم عن مقاصد الدين، ومتابعتهم استهواء الشياطين من الجن والإنس، ~~والإغترار بخدعهم وتلبيساتهم المضلة المهلكة، وهم الذين حكى الله ~~عنهم وعن تحسرهم وندامتهم في العاقبة بقوله: # ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين # [فصلت:29]. # فهذه الأمور الثلاثة، هي مجامع أسباب الغواية وأبواب مهالك الخلق، ~~الباعثة لهم على الإعراض عن تدبر الآيات، لقوله: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف:105] وهي المشار إليها في الحديث النبوي (صلى الله عليه وآله): # " ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه ~~". # إلا أن أعظم هذه الآفات الحاجبة عن مكاشفة أسرار الدين، ومشاهدة أنوار ~~الحق واليقين، الموجبة لإعراض الناس عن سماع الآيات والحكم، واستئناسهم ~~بالدنيا، ونسيانهم أمر المعاد، هو حسبانهم أهل الظاهر وعلماء الدنيا - ~~الراغبين في طلب اللذات الباطلة العاجلة - هداة الخلق ورؤساء المذهب، ~~وأهل الاجتهاد في طلب الآخرة والمعاد، وهو أعظم فتنة في الدين، وأشد حجاب ~~في سبيل المؤمنين، لأن هؤلاء قطاع طريق الحقيقة واليقين، وهل هذا إلا ~~مثل أن يظن بالجاهل المريض طبيبا حاذقا، ويجعل السارق المفلس ~~أمينا # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن ~~الآخرة هم غافلون # [الروم:7] فلم تزدك متابعتهم والإقتداء بهم إلا الغواية والضلال، ~~والتردي في مزابل الجهال # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ~~إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون # [الأنعام:116]. # إنذار قرآني # ثم ان ms1400 نتيجة الإعراض عن سماع الآيات ونسيانها، وإنكار المعارف ~~الموضحات، هي الظلمة في القلب، والضيق في الصدر، والوحشة في الطبع، ~~والمعيشة الضنك في الآخرة، والعمى والحرمان في الحشر، وذلك لأن قوام ~~النشأة الآخرة للإنسان، وبقاء حقيقته وروحه بالأغذية العلمية ~~العرفانية، والأدوية الإيمانية اليقينية، فمن لا معرفة له لا حياة له ~~في الآخرة، إذ الآخرة دار الحياة العلمية، لقوله تعالى: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت:64]. # فبقدر نور المعرفة واليقين، وتذكر أحوال المبدء والمعاد، تزداد قوة ~~حياة الإنسان في الآخرة لقوله تعالى: # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم # [الحديد:12] ومن لا نور له لا عيش له في الآخرة لقوله تعالى: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا # [طه:124] ومن لم يتذكر آيات الله أصلا، ولم يتدبر في أسرار ~~الآخرة، يكون يوم الآخرة أعمى لقوله تعالى: # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا # [الإسراء:72] ولقوله تعالى: # ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى # [طه:124 - 126]. # وأي شقاوة أشد على الإنسان من أن يكون منسيا، والنسيان من قبله يوجب ~~العدم والهلاك، لأن صدور كل شيء منه إنما يكون بعلمه، بل الصدور منه ~~عين المعلومية والمذكورية عنده، كما أوضحه الحكماء في أنظارهم العلمية ~~فافهم. ### || [36.47] # إذا قيل للمشتغلين بالجمع والإدخار، الناسين للآخرة والرجوع إلى ~~الواحد القهار - لانهماكهم في طلب اللذات واقتناء الشهوات، ~~واستغراقهم في أبحر الشواغل الماديات، ورقودهم في مراقد الجهالات-: ~~أنفقوا شيئا مما رزقكم الله في طاعته، وأخرجوا ما أوجب عليكم ~~إخراجه من أموالكم، احتج الذين كفروا، وستروا أنوار الحق بظلمات صفاتهم ~~الردية، وأفعالهم القبيحة للذين آمنوا وشهدوا آيات معرفة الله ~~بنور بصيرتهم، في منع حقوق الله، وإنكار فرائضه، وإبطال أحكامه، بأن ~~قالوا: " كيف نطعم من يقدر الله على اطعامه، ولو شاء إطعامه ~~أطعمه؟ فإذا لم يطعم دل على أنه لم يشأ ". # وهذه شبهة واهية ومغلطة داحضة، احتج بها طائفة من ms1401 أهل الإباحة والضلال، ~~وانحبل بمثل هذه الحبال كثير من العوام والجهال، وهي أوهن من بيت ~~العنكبوت. ونظير هذا القول، قول من قال: " إن الله غني عن عبادتنا، ~~وغني عن أن يستقرض منا، فأي معنى لقوله تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة:245] وغني عن المعاملة معنا، فما وجه قوله: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة:111]؟ ولو شاء إطعام المساكين لأطعم، ولا حاجة لنا إلى صرف ~~أموالنا إليهم ". # فانظر كيف كانوا صادقين في دعواهم، وكيف هلكوا بصدقهم، كأكثر المتكلمين ~~في مجالس العوام والحكام، الممارين مع أهل الحق في مسائل الحلال والحرام، ~~بتمهيد بعض المقدمات المقبولة من النقليات، طلبا للشبهات، وإحلالا ~~للمحرمات، فسبحان من إذا شاء أهلك بالصدق، وإذا شاء أسعد بالجهل، # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة:26]. # وأما إفساد حجتهم، وحسم مادة شبهتهم فبأنه يجب أن يعلم كل أحد، أن ~~الصفات والأخلاق، مواريث الأفعال والمعاملات، وأن الأعمال علاج لمرض ~~القلوب، ودواء لما في الصدور، والأمراض الباطنية حاجبة عن وصول العبد إلى ~~سعادة الأبد، وهي مما لا شعور بها لأكثر الخلق، إلا من ألهمه الله ~~من الأنبياء والأولياء، ولكل مرض من أمراض القلوب دواء مخصوص، وله قدر ~~معلوم عند الله، والطبيب إذا أثنى على الدواء، لم يدل ذلك على أن الدواء ~~مراد لعينه، وعلى أن له فضيلة في نفسه، بل المطلوب الأصلي، هو الشفاء ~~اللازم من تناول الدواء. # فهؤلاء الجهلة الناقصون، لما ظنوا أنهم استخدموا لأجل المساكين، أو ~~لأجل الله، ثم قالوا: " لا حظ لنا في المساكين، ولا حظ لله فينا وفي ~~أموالنا وسعينا وجهادنا مع الأعداء، أنفقنا أو أمسكنا، بارزنا أم ~~قعدنا " فقد هلكوا بهذه البضاعة من العقل والتمييز، وتمردوا عن طاعة ~~الشريعة بهذه المرتبة الضعيفة من الفطانة، فضلوا عن السبيل، وانخرطوا في ~~سلك الحمقى الأضاليل، ولم يعلموا أن المسكين الآخذ لما لك من المال، ~~- وهو المهلك لك في المآل -، يزيل منك بواسطته مرض البخل المهلك، ويستخرج ~~من قلبك حب الدنيا الذي هو ms1402 رأس كل خطيئة، وحب الدينار الذي هو أس كل ~~فاحشة، كالحجام، يستخرج الدم منك، ليخرج بخروج الدم العلة المهلكة من ~~باطنك، فالحجام خادم لك، جالب نفع إليك، لأنك تخدمه وتجلب نفعا إليه، ~~ولا يخرج الحجام عن كونه خادما، بأن يكون له غرض في أن يصبغ شيئا ~~بالدم. # فهكذا الصدقات، وانفاق المساكين بالمال والطعام، مطهرة للبواطن ومزكية ~~للقلوب عن خبائث الملكات، وأمراض الصفات المهلكات، ولهذه الدقيقة امتنع ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أخذها، وانتهى عن تناولها، كما ~~نهى عن كسب الحجام، وسمى الصدقة " وسخ أبدان (أموال) الناس " ، وشرف ~~أهل بيته (عليهم السلام) بالصيانة عنها. # فإذا ثبت عندك أن الأعمال مؤثرات في القلب، والقلب بحسب تأثيرها، يستعد ~~لقبول الهداية ويستنير بنور المعرفة، فإذا انكشف لديك هذا القول الكلي، ~~والقانون الأصلي، الساري حكمه في جميع الأوامر والنواهي الشرعية، وسائر ~~التكاليف الدينية، فاعلم أن الجواب عن قول الكفار: " لو شاء الله اطعام ~~المساكين لأطعمهم " ، أن التكليف من الله شيء غير المشية، وتكليف ~~الله عباده بشيء من الطاعات، يضاهي إعلام الطبيب للمريض دواء خاصا ~~يوجب استفراغا لمواده الفاسدة، كالحجامة وغيرها، مع استغنائه عن ذلك، ~~فكذلك الباري يكلف عباده مع كونه غنيا عن العالمين. # ثم أن نفس التكليف بتناول الدواء من الطبيب، لا ينافي علمه بعدم تناول ~~المريض له، فكذا تكليفه تعالى، لا ينافي تحقق علمه الأزلي، وقضائه ~~السابق، بعدم قبول بعض العباد تكليفه، لما في ذلك من المصلحة الكلية ~~والفائدة. # فإن رجعوا وقالوا: " فما الفائدة في التكليف في حق من لا يقبل ذلك من ~~الكفار والفساق، حيث لم تتعلق المشية الأزلية بقبولهم، بل تعلقت بعدم ~~قبولهم "؟. # قلنا: فائدته ترجع إلى من سواهم من المؤمنين المطيعين، الذين تؤثر فيهم ~~الدعوة والتكليف، والإنذار والتخويف # إنمآ أنت منذر من يخشاها # [النازعات:45]. كما أن فائدة نور الشمس، تعود إلى أصحاب العيون الصحيحة. # وأما فائدة ذلك بالنسبة إلى من ختم الله على قلوبهم، وعلى أبصارهم ~~غشاوة، فكفائدة نور الشمس بالنسبة إلى الأكمه والأعمش # وأما الذين في قلوبهم ms1403 مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون # [التوبة:125] غاية ذلك، إلزام الحجة وإقامة البينة عليهم ظاهرا # لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل # [النساء:165] # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا # [طه:134] وهو بالحقيقة، النعي عليهم بأنهم في أصل الخلقة ناقصون أشقياء. # وهذا المعنى ربما لا يظهر لهم أيضا لغاية نقصانهم، كما أن الأكمه ~~ربما لا يصدق أولي الأبصار، ولا يعرف أن التقصير منه، وأن سائر ~~الشرائط، من محاذاة المرئي، وظهور المبصر موجود، وإنما يعرف نقصانهم ~~أرباب الأبصار، فكذلك يعرف قصور الناقصين عن البلوغ إلى قبول أحكام ~~الدين، وإدراك معالم الحق واليقين، ذوو البصائر السليمة عن غشاوة ~~الإمتراء، وآفة القصور والعمى. # تتمة # اختلف أهل التفسير في هؤلاء الذين قالوا ذلك، فعن الحسن: أن هؤلاء هم ~~اليهود حين أمروا باطعام الفقراء. # وعن مقاتل: إنهم مشركو قريش، قال لهم فقراء أصحاب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): " أطعمونا من أموالكم ما زعمتم أنه لله " يعنون به ~~قوله تعالى: # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم # [الأنعام:136] فحرموهم، وقالوا: (لو شاء الله لأطعمكم). # وقيل، هم الزنادقة كانوا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال الله بمشيته وإرادته فيقولون: " لو شاء ~~الله لأغنى فلانا " ، و " لو شاء الله لأعز فلانا " ، و " لو شاء ~~لكان كذا " ، فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين وبما كانوا ~~يقولونه من تعليق الأمور بمشيئة الله، معناه: أنطعم المقول فيه هذا القول ~~منكم؟ وذلك لأنهم كانوا دافعين أن يكون الغنى والفقر من الله، لأنهم ~~كانوا معطلة غير قائلين بالصانع. # وعن ابن عباس: كان بمكة زنادقة، فإذا أمروا بالصدقة على المساكين ~~قالوا: " لا والله، أيفقره الله ونطعمه نحن "؟. # وقيل: كانوا يوهمون أن الله تعالى لما كان قادرا على اطعامه ولا يشاء ~~إطعامه فنحن أحق بذلك. # وقيل: كانوا يقولون: " إن كان هو الرزاق فلا فائدة في التماس الرزق ~~منا وقد رزقنا وحرمكم فلم تأمرون ms1404 بإعطاء من حرمه الله ~~"؟. # وقوله: { إن أنتم إلا في ضلال مبين } ، يحتمل أن يكون ~~قول الله للكفار، ويحتمل أن يكون حكاية قول المؤمنين لهم، ويحتمل أن يكون ~~من تتمة جوابهم للمؤمنين. ### || [36.48] # كلمة " متى " ها هنا للاستعلام عن وقت قيام الساعة، وهي في عرف أهل ~~الحكمة، سؤال عن نسبة الشيء إلى زمانه المعين أو حد منه، والزمان كالمكان ~~من موجودات هذا العالم، لأنه كما ثبت في مقامه، مقدار الحركة السريعة ~~اليومية يتحدد به سائر الحركات المستديرة والمستقيمة، وما يطابقها من ~~الأزمنة والزمانيات، كما أن بموضوعه يتحدد سائر الأبعاد والأمكنة ~~والمكانيات، والقيامة خارجة عن هذا العالم لأنها واقعة في مكمن حجب ~~السماوات، فزمانها ومكانها نوعان آخران لا يمكن السؤال عنهما ب " متى " ~~و " أين " ، كما لا يمكن السؤال ب " ما هو " عما لا ماهية له، كالواحد ~~الحقيقي والمقدس القيومي، بل أمور القيامة كلها أسرار على العلم ~~الإنساني بحسب طور هذه النشأة الدنيوية. # فلا يتصور أن يحيط بها أحد ما دام في الدنيا، ولم يتخلص عن قيد الوهم ~~وأسر الطبيعة وزمانة الهوى، ولكل موطن ونشأة نوع خاص من الشعور والإدراك، ~~كما أن لكل محسوس من المحسوسات حاسة مخصوصة، فعلم المبصرات عند البصر، ~~وعلم المسموعات عند السمع، فكذا علم الساعة مردود إلى من كان عنده تعالى ~~وحشر في حضرته، وليس للكفار قوة إدراك الساعة، كما ليس للأكمه قوة إدراك ~~المبصرات. # فقولهم: " متى هذا الوعد "؟ سؤال عما يستحيل الجواب عنه على موجبه، كما ~~أن سؤال فرعون: " وما رب العالمين " ، سؤال عما يستحيل الجواب عنه على ~~موجبه، فإن أمر الساعة إذا كان كلمح البصر أو هو أقرب، وكان " متى " ~~سؤالا عن الزمان استحال جواب السائل عنه، وهو كقول الأكمه إذا وصف له ~~المبصرات المتلونة، فقال: " كيف تشم هذه المبصرات "؟ أو " كيف تلمس هذه ~~المتلونات "؟ والجواب الحق معه: أن علم المبصرات يوجد عند البصر، لا يمكن ~~طلبها بالذوق واللمس. # فالجواب الحق مع الكفار إذا قالوا: { متى هذا الوعد إن ~~كنتم صادقين }؟ أن يقال لهم: " العلم بذلك ms1405 عند الله " ، كما وقع ~~في القرآن من قوله تعالى: # عنده علم الساعة # [لقمان:34] فمن يرجع إلى الله عز وجل، وحشر إليه وكان عنده، فلا بد ~~وأن يعرف حينئذ حقيقة الساعة بالضرورة، لأنه عند الله، وعنده علم الساعة، ~~فإذن بالضرورة، لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول " الله " ، كما ~~روي في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # فثبت وتحقق تحقيقا لا شك فيه، أن علم الساعة مردود إلى الله تعالى كما ~~قال سبحانه: # إليه يرد علم الساعة # [فصلت:47]. وسؤال الكفرة والجهال عن ذلك نوع من الضلال والإضلال، وليس ~~لك أيها المؤمن بالله واليوم الآخر أن تعلم من أسرار القيامة وأغوارها، ~~ما دمت في هذه النشأة البشرية، إلا أن إيمانك بالغيب وتصديقك بما جاء في ~~الشريعة الحقة، تصديق الأكمه بوجود الألوان من جهة الخبر والإيمان ~~بالغيب، لا من جهة الإدراك واليقين. # وإياك أن تستشرف الإطلاع عليها من غير جهة الخبر والإيمان بالغيب، بأن ~~تريد أن تعلمها بعقلك المزخرف ودليلك المزيف، فتكون كالأكمه الذي يريد ~~أن يعلم الألوان بذوقه أو شمه أو سمعه أو لمسه، وهذا عين الجحود ~~والإنكار لوجود الألوان، فكذلك الطمع في إدراك أحوال الآخرة بعلم ~~الاستدلال وصنعة الكلام، عين الجحود والإنكار لها، فمن أراد أن يعرف ~~القيامة بفطانته المعروفة وعقله المشهور، فقد جحدها وهو لا يشعر. # فتأمل أولا في حال الأكمه كيف ينبغي له أن يؤمن بالألوان من طريق ~~الغيب، بأن يقطع نظره عن الحواس الأربع ومدركاتها، وعزلها عن أحكامها، ~~حتى يمكن ويتصور له أن يؤمن بالغيب من غير تشبيه ولا تعطيل، ثم طالب بعد ~~ذلك نفسك بمثل هذا الإيمان حتى تكون مؤمنا بالغيب، فتستعد لأن تصير ~~موقنا بالآخرة، كما قال سبحانه: # يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة # [البقرة:3] - إلى أن قال -: # وبالآخرة هم يوقنون # [البقرة:4] فكانوا أولا مؤمنين بالآخرة إيمانا بالغيب، وهذه المرتبة ~~في الإيمان بالله واليوم الآخر، تتأدى بالمؤمن إلى العمل بالأركان من ~~الصلاة والزكاة وغيرهما، والأعمال الصالحة بصدق النية وصفاء الطوية، ~~ينجر به إلى مرتبة الإيقان لقوله ms1406 تعالى: # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # [الحجر:99]. # اشارة # نسبة قيام الساعة إلى أزمنة الدنيا، ليست كنسبة طرف الزمان إلى الزمان، ~~ولا كنسبة شطر لاحق إلى سابقه - كالجمعة مثلا إلى الخميس وما قبلها - ~~فان الدار الآخرة ليست منسلكة مع هذه الدار في سلك واحد، وكذا ليس حيز ~~الآخرة الى احياز الدنيا كنسبة فوق هذا العالم إلى ما هو دونه، لأن كلا ~~منهما عالم آخر، والآخرة عالم تام برأسه لا يعوزه شيء من أشياء هذا ~~العالم، ولا يتصل بغيره، ولا هو واقع في جهة من جهات هذا العالم بحسب ~~الزمان والمكان، بل نسبة متاها إلى متى هذه الدنيا، أشبه بنسبة محيط ~~الدائرة إلى مركزها من نسبة بعض الخط إلى بعض آخر أو حد منه إلى غيره، ~~وكذلك الحال في قياس أينها إلى أيون هذا العالم. # لأن القيامة لو كانت واقعة في آخر شطر من أجزاء هذا الزمان الدنياوي، أو ~~في أبعد شطر من أبعاض هذا المكان الحسي - كما زعمه أهل الظن والتخمين -، ~~لكان بعيدا غاية البعد من النفوس الإنسانية وهو باطل، لأن الله تعالى ~~وصفها بالقرب منا بحسب الزمان والمكان جميعا. # أما الأول: فلقوله تعالى: # اقتربت الساعة # [القمر:1]. وأما الثاني: فلقوله تعالى: # وأخذوا من مكان قريب # [سبأ:51] # إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا # [المعارج:6 - 7] فكان نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)، يشاهد خازن ~~الجنة ويتناول بيده من ثمارها وفواكهها، وكذلك علماء أمته، وهم المؤمنون ~~حقا بأحوال الآخرة، كانوا مشاهدين للقيامة، وهي كانت قائمة في حقهم، ~~لأنهم كانوا محشورين في دنياهم إلى الحق، راجعين إلى الله. # " ولم يحكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بكون حارثة " مؤمنا ~~حقيقيا " ما لم يكن مشاهدا يوم الآخرة، ناظرا إلى أحوالها، حيث قال: " ~~أصبحت مؤمنا حقا " قال (صلى الله عليه وآله وسلم) " " لكل حق حقيقة، ~~فما حقيقة إيمانك "؟ قال: " رأيت أهل الجنة يتزاورون، ورأيت أهل النار ~~يتعاوون ورأيت عرش ربي بارزا " فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " ~~أصبت فالزم " ". # وهذا الحديث متفق عليه بين الفريقين، وإن اختلف ms1407 في صورة الألفاظ، فثبت ~~أن قيام الساعة قريب عند أهل الحق، وأما أهل الظن والتخمين، وأرباب ~~المجازفة في الكلام من غير خوض في المعارف، وتثبت في الإيقان، فهم الذين ~~يزعمون يوم القيامة بعيدا عن الإنسان بحسب الزمان # ومآ أظن الساعة قائمة # [الكهف:36] بحسب المكان # ويقذفون بالغيب من مكان بعيد # [سبأ:53]. ### || [36.49] # قرء ابن كثير وورش ومحمد بن حبيب عن الأعشى، وروح وزيد عن يعقوب " ~~يخصمون " بادغام التاء في الصاد مع فتح الخاء، وقرء أبو عمرو بفتح الخاء ~~أيضا إلا أنه يشمه الفتح ولا يشبعه، وقرء أهل المدينة غير ورش " ~~يخصمون " ساكنة الخاء مشددة الصاد، وقرء حمزة " يخصمون " ساكنة الخاء من ~~خصمه، وقريء " يخصمون " مكسورة الصاد " ويخصمون " اتباع الياء الخاء ~~في الكسر. # كشف إلهامي # قد أشرنا في الآية السابقة أن سر القيامة من الأسرار العظيمة التي لا ~~يمكن كشفها للمحبوسين في حبس هذا الزمان والمكان، والمسجونين بسجن هذا ~~العالم مع هذه الأقران، ولم يجز للأنبياء (عليهم السلام) كشفها للناس ما ~~داموا في قبور هذه الحواس # يسألونك عن الساعة أيان مرساها * فيم أنت من ~~ذكراها * إلى ربك منتهاهآ * إنمآ أنت منذر من ~~يخشاها # [النازعات:42 - 45]، يعني لا رخصة لهم في كشف حقيقتها، بل لهم أن ينذروا ~~بأهوالها وشدائدها وبعض حالاتها وأشراطها ومقدماتها. # ولهذا ذكر الله تعالى ها هنا شيئا من أشراطها ومقدماتها، ونبه على ~~أنهم - أي المحجوبين بقيود هذه النشأة الفانية - ما يمكنهم أن ينظروا من ~~حالاتها إلا صيحة واحدة - أي نفخة واحدة - وهي النفخة الأولى التي ~~تأتيهم بغتة وتفنيهم كلهم وهم يخصمون، يشتغلون بخصوماتهم في شهواتهم ~~ومجادلاتهم في معاملاتهم ومتاجرهم، يتبايعون في الأسواق ويتنافسون ~~بالأموال والأقوال، ويتفاخرون بالأنساب والألقاب، وسائر ما يتشاجرون فيه ~~ويتخاصمون به. # وبالجملة، تبغتهم وهم في أمنهم وغفلتهم كما ورد في الحديث: # " تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه، فما يطويانه حتى ~~تقوم، والرجل يرفع أكلته إلى فيه، فما تصل إلى فيه حتى تقوم، والرجل يليط ~~حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم ". # وقيل: وهم يختصمون هل ينزل بهم ms1408 العذاب أم لا؟. # ومعنى يخصمون: يخصم بعضهم بعضا. # وقيل: تأخذهم وهم عند أنفسهم يخصمون في الحجة في أنهم لا يبعثون. # رمز عرشي # " الصيحة ": ضرب من النفخة، وهي النفخة التي يصحبها شدة وهلاك ~~وعذاب، واللفظ كما مر مستعار لتأثير الفاعل الحق في إنشاء الصور، وإفادة ~~الأرواح، إما في هذا العالم بوساطة ملك روحاني أو روح بشري، أو في عالم ~~الآخرة تشبيها له بالنفخ في مادة النار - كالفحم وما أشبهه - الموجب ~~تارة لاشتعال النار الكامنة، أو حصولها في الفحم بسبب مجاورته لنار أخرى، ~~وتارة لخمودها. # وذلك أن النفوس الحيوانية الإنسانية بمنزلة نيران أو أنوار ملكوتية ~~حاصلة في مواد الأبدان، ولطائف أعضائه الدخانية والبخارية، المجاورة بسبب ~~صفائها ولطافتها لنار عالم الملكوت، حادثة فيها عند حصول الاستعداد التام ~~والتسوية بالنفخ الإلهي، كما في قوله تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي # [الحجر:29] أو بواسطة عبده المقرب كما في قوله تعالى: # فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله # [آل عمران:49]. # وكما أن المادة الدخانية المجاورة للنار الحسية، إنما تصير نارا مشتعلة ~~بواسطة نفخات متعددة، بعضها يحصل لها أصل الحرارة والكون، وبعضها شدة ~~التسخين والنارية، وبعضها التنوير والإضاءة، فكذلك خلق الله في مادة ~~الإنسان صورا ثلاثا بالنفخات الثلاث. # فبالنفخة الأولى تتولد قوة النماء والتغذي، وبالثانية تتولد قوة الحس ~~والحركة، وبالثالثة تتولد قوة النطق وإدراك المعقول. # ففي الأولى كان الإنسان بمنزلة النائم، وفي الثانية بمنزلة (حيران) ذي ~~هيمان، كمن تنبه من نوم شديد، وفي الثالثة ينبعث من نوم الغفلة ويستيقظ ~~من رقدة الجهالة قائما منتصبا لطلب العلوم ومعرفة الأحوال، والتفطن ~~بحال من أوجده وبعثه من نومه الجمادي، وسنته النباتية، وحيرته الحيوانية، ~~شاكرا لنعمته تعالى، عارفا بحقه، طالبا لخدمته، سالكا سبيل قربه ~~وجواره، منخرطا في سلك عباده الصالحين. # وإنما يستكمل بعد الإنتباه بكمال بعد كمال، من ساعده التقدير ووافقه ~~التدبير بإضافات ونفخات أخرى رحمانية، وإلهامات وإعلامات تترى سبحانية، ~~يرتقي بكل منها من عالم إلى عالم، ومن نشأة إلى نشأة أخرى، حتى بلغ ~~الغاية القصوى، ويرجع إلى ربه الأعلى، بعد ms1409 استنارته بنوره القدسي، رجوع ~~النار الكامن في الحطب بعد حصولها بالنفخات، واشتعالها إلى نار عظيمة هي ~~فوق هذا العالم الأدنى. # فالعالم بمنزلة شجرة ثمرتها " الإنسان " ، والإنسان كشجرة ثمرتها " ~~العقل النظري " ، وهو " كلمة طيبة " أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهو ~~أيضا كشجرة ثمرتها " العقل الفعال " و " الروح القدسي " ، الذي يكاد ~~زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، وهذا الروح القدسي كشجرة ثمرتها " لقاء ~~الله الواحد القهار " يهدي الله لنوره من يشاء من عباده، فارتقى نور ~~العبد إلى نور الرب بعد أن هبط منه وحصل بنفخه في مكامن الكون. # فإذا علمت هذا فاعلم، أن وحدة النفخ وكثرته، باعتبار وحدة المتعلق به ~~وكثرته، ولما كان لمجموع النفوس والأرواح - بل لجميع العالم - وحدة بها ~~يكون الجميع أمرا واحدا - كما ثبت في مقامه - فتكون النفخات المتعلقة ~~بها نفخة واحدة. # وأيضا قد ثبت وتحقق وانكشف وتنور، أن التعاقب والتجدد والتكثر والتعدد ~~الواقعين في هذا العالم بحسب الحضور والغيبة في المكانيات، والمضي ~~والحالية في الزمانيات، إنما يكونان بالقياس إلى الموجودات الواقعة في ~~هذا العالم، لتقيد (ليعتد) وجود كل منها بمادة مخصوصة، وانحصاره في زمان ~~معين، وأما بالقياس إلى العوالي والشواهق العقلية والنفسية، وما هو فوق ~~الإمكان ووراء الحدوث، فالمتغيرات الزمانية كلها كآن واحد، والمختلفات ~~المكانية كلها كنقطة واحدة، فعلى هذا كون النفخات الكثيرة حسب كثرة ~~المواد والأزمنة، نفخة واحدة بالقياس إليه لا يحتاج إلى مؤنة بيان ~~وبرهان، وللاشعار بأن جميع الممكنات حاصلة من فيض واحد من جانب الحق، ~~ونفخة واحدة وكلمة جامعة هي كلمة " كن " ، وعبر عن انبساط الفيض النوري ~~الوجودي عنه تعالى على هياكل الممكنات ب " النفس الرحماني " المشتمل على ~~الحروف الوجودية، والكلمات الكونية، الطالع من أفق شمس الحقيقة في صباح ~~نور الأزل، المنتشر ضوئه في أهوية الهويات الممكنة، وسطوح قوابل الماهيات ~~الاستعدادية، المنقسم باعتبار كل موطن من مواطن القرب والبعد، ومنزل من ~~منازل العلو والسفل، إلى الجواهر العقلية والنفسية والطبيعية، والأعراض ~~الكمية والكيفية والنسبية. # ثم اعلم بعد ذلك، أن من الجائز أن يكون نفخة واحدة إحياء ms1410 لقوم وإهلاكا ~~لآخرين - إما بحسب الإختلاف في نحو الصدور من النافخ رحمة وغضبا، ~~كاختلاف نفخة من الإنسان توجب حصول النارية، وأخرى منه توجب إخمادها - ~~كما مرت إليه الإشارة في قوله تعالى: # فإذا هم خامدون # [يس:29]. وإما بحسب اختلاف القوابل مع وحدة النفخ، بأن تكون نفخة واحدة ~~رحمة على قرية وغضبا على أخرى، وحياة لقوم وممات للآخرين، أو يكون راحة ~~لأحد، في وقت وكراهة ومشقة له في وقت آخر، أو يكون مكروها لطائفة في ~~أعينهم وهو خير لهم، أو محبوبا عندهم وهو في الواقع شر لهم، كما في قوله ~~تعالى: # وعسى أن تكرهوا # [البقرة:216] الآية. # ألا ترى كيف أخرج الله الجنين من مضيق بطن أمه إلى فضاء العالم وهو ~~مكروه له، مع كونه عين الرحمة له، حيث غفر ذنوبه الطبيعية التي اقترفها، ~~وسيئآته المادية التي اجترحها، منذ كونه نطفة وعلقة - من تلطخه بالأنجاس ~~وتغذيه بدم الحيض وهو أنجس المحرمات، وإخلاده إلى أرض الرحم بصحبة ~~الظلمات - فطهره عن تلوث الأنجاس والاخباث، وعوض له عن دم الحيض بلبن ~~سائغ شرابه من منبع نهر كالسلسبيل ليتغذى به بدنه. وتتقوى قواه الجسمانية ~~فيستريح في سعة العالم، ويتعيش في فضاء الأرض من حين تبدلت هذه الأرض عن ~~أرض الرحم، ويتبوء منها حيث يشاء، فخرج من ذنوبه السابقة كيوم ولدته أمه. # وكذلك إذا بلغ درجة العلم والتميز، وخرج من نوم الجهالة، غفر الله له ما ~~تقدم من ذنوب الجهل والنقصان. وسيئات العمى والحرمان، وطهره عن دنس ~~الغباوة والضلالة، وعوض له من الأغذية الجسمانية منذ أخذت في النقصان ~~والقصور بالأغذية النفسانية التي هي ألوان المعارف والتصورات والأغراض ~~الإنسانية. # ومن ها هنا ينبغي أن يعلم ويتحقق، أن إله الدنيا والآخرة لما كان واحدا ~~وسنته لا تتبدل ولا تتحول، فإذا كان منذ كون الإنسان وخلقه من لدن كونه ~~جمادا ونباتا ومضغة وعلقة إلى تمام خلقته وكمال عقله، كل صيحة من الله ~~وقعت عليه، أو نفخة نفخت فيه يوجب له تحولا من حياة دنية إلى حياة هي ~~أشرف وأعلى، فالظاهر أن ms1411 إماتة الله وتوفيه للإنسان، وإخراجه إياه عن بطن ~~هذا العالم يوجب له حياة كاملة تامة لا قصور معها ولا زوال، ولا آفة ولا ~~مرض ولا حزن، فيستحكم عند ذلك رجاؤه، ويقوى طمعه في جود الله، بين الصيحة ~~العظيمة وأن كانت ذات تهويل وفزع أكبر وزلزلة عظيمة صعق بها من في ~~السموات والأرض، إلا أن جانب المغفرة أرجح وفضاء الرحمة أبسط وأوسع، ~~فربما تكون هذه الصيحة لطفا لطائفة - وإن كانت سخطا لأخرى - أو تكون ~~إماتة في نشأة وهي بعينها إحياء في نشأة أخرى، كما أن موت الحواس حياة ~~للعقل، وموت الإرادة حياة الحقيقة، لأن الدنيا والآخرة متقابلتان - ما ~~يوجب فناء أحداهما فهو يوجب بقاء الأخرى - وسيأتيك زيادة كشف في تفسير ~~النفخة الثانية. ### || [36.50] # هذا إخبار عما يغشى الناس في النفخة الأولى عند قيام الساعة من الأحوال ~~والأهوال، وما ذكره من الأحوال المشتركة بين القيامتين الكبرى والصغرى. # أما أنهم لا يستطيعون - أي لا يقدرون على الإيصاء بشيء ينفعهم في أمر ~~آخرتهم أو في أعقابهم وأخلافهم - فلانقطاع العمل والسعي عند قيام الساعة، ~~وانتفاء العقب والأهل والولد بعد الموت، لأن ثبوت الشيء للشيء وإضافته ~~إليه متوقف على بقاء ذلك الشيء المنسوب إليه، بل بقاء الطرفين، والأول ~~منتف في القيامة الصغرى، والثاني في الكبرى. # وأما نفي القدرة على الرجوع إلى أهلهم، لما علمت من استحالة رجوع النفوس ~~من نشأة وقعوا فيها إلى نشأة سابقة عليها، لأن الطبائع مفطورة على التوجه ~~إلى غاياتها الذاتية، والتوجهات الفطرية والتطورات الطبيعية ممتنعة ~~الانعكاس والإنقلاب - فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~-، وهذا أصل متين قد أبتنى عليه كثير من القواعد والأحكام، وقد بنينا ~~عليه ابطال التناسخ كما هو مذكور في مقامه. ### || [36.51] # هذه هي النفخة الثانية التي يحيي بها أموات القبور للبعث والنشور، وإن ~~للنفخ صورة ونتيجة هي روحه وسره: # أما صورته: فإخراج الهواء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ فيه حتى يشتعل ~~الحطب أو الفحم، وبالجملة، الجسم القابل للصورة النارية، فالنفخ سبب ~~الإشتعال، وصورة النفخ ms1412 مستحيل في حق الله، لأنه قيوم صمد لا جوف له، ~~والمسبب والنتيجة غير محال في حقه، وقد يستعار بالسبب والمبدء عن المسبب ~~والفعل المستعار منه، فيعبر عن نتيجة الغضب بالغضب، وعن نتيجة الإنتقام ~~بالانتقام، كما في قوله تعالى: # وغضب الله عليهم # [الفتح:6] وقوله: # فانتقمنا منهم # [الأعراف:136] فإن حقيقة الغضب مستحيلة في حقه تعالى، لأنه عبارة عن ~~نوع تغير ونقصان في الغضبان، يتأذى به ويتشفى بالانتقام، ونتيجته ~~اهلاك المغضوب عليه أو إيلامه، يعبر به عن النتيجة، فكذا يعبر عن نتيجة ~~النفخ بالنفخ - وإن لم يكن على صورة النفخ - فيكون مجازا مرسلا -. # هكذا قيل، والأرجح عندي أن النفخ ها هنا عبارة عن مجرد إنشاء الأرواح ~~تشبيها بإنشاء النار، كتشبيه آلة النفخ بالصور على وزان تشبيه الأرواح ~~الكامنة في مكامن استعداداتها من الأبدان وغيرها بالنيران المختفية في ~~مكامن موادها الحطبية والدخانية، فيكون في الكلام استعارة مصرحة أو ~~مكنية أو تمثيلية، كل منها باعتبار. # هذا إذا كانت موضوعات هذه الألفاظ مما اشترط فيها كونها ذوات أشكال ~~وأوضاع وهيئات جسمانية، وإلا فمن الممكن أن يستعمل - ولو بحسب العرف ~~الخاص ولسان الشريعة - على معان هي غايات المعاني اللغوية وملاكها ~~وأسرارها وبواطنها، فتكون معقولات شرعية مستعملة في معانيها الحقيقية عند ~~أهل الحق. # فالصور - بسكون الواو - هو في اللغة بمعنى " القرن " ، فاستعير أو نقل ~~كما علمت لما يقع به النفخ مطلقا، سواء كان من قرن أو جوهر آخر، سواء ~~كان محسوسا أم غير محسوس، بل هو جوهر من جواهر عالم الملكوت الأعلى اسمه ~~" روح القدس " ، به يحيي الله أموات الأشباح الإنسانية بالأرواح الفائضة ~~من هذا الروح الأعظم، وهو الذي اشتعل به نور النفس في فتيلة النطفة عند ~~التسوية أولا، كما أشار إليه تعالى بقوله: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي # [الحجر:29]. # فقد علم أن النافخ ها هنا إنما هو الله بذاته، أو بواسطة ملك مقرب هو ~~الروح الإسرافيلي المقدس - المتوسط في فيض الحياة العقلية والنور النطقي ~~بين الله وبين الأرواح الجزئية الإنسانية التي هي أنوار ملكوتية متعلقة ~~بالأبدان ms1413 - كتوسط الشمس في فيض النور الحسي والحرارة الغريزية بين الله ~~وبين الأكوان العنصرية وطبائعها المستنيرة بالأنوار الحسية والحياة ~~الدنيوية. # ومنهم من جعل " الصور " جمع " صورة " ، وأكد ذلك بتحرك " الواو " في ~~قراءة بعض القراء، والمراد منها الصورة النوعية تتهيأ بها الأجسام ~~الإنسانية لقبول النفس، فيكون المراد منها ما يقبل النفخ الإلهي، لا ما ~~يقع به النفخ من الروح الإسرافيلي المشار إليه في قوله: { ونفخت فيه ~~من روحي } [الحجر:29]. # فإن قلت: جميع الأشياء إنما حصلت من إيجاد الله لها برحمته وفيضه، فما ~~معنى هذه النسبة؟ فإنها مما يؤذن بمزيد اتصال واقتران، فإن كان نسبه إلى ~~نفسه لأن وجود هذه الروح منه فالجميع كذلك، وقد نسب البشر إلى الطين ومنه ~~قد حصل روح سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن كان معناه أنه ~~جزء من الله أفاض على القالب كما يفيض الماء من إناء مملوء إلى إناء، أو ~~كما يعطي المال على السائل، فهذا يوجب تجزية ذات الله الواحد وتكثير ~~أحديته، وهو ممتنع، فقد بطل كون إفاضته بمعنى انفصال شيء عن شيء. # قلنا: الكلام فيه موهم، والعبارة عنه قاصرة عن بيان معنى هذه الإفاضة، ~~ولتكتف الضعفاء البصائر، القاصرون في إدراك العلوم الإلهية بمثال الشمس ~~في هذا القول، فإن الشمس لو نطقت وقالت: " أفضت على الأرض من نوري " لكان ~~حقا وصدقا، ويكون معنى هذه النسبة، أن النور الحاصل منها على وجه الأرض ~~من جنس نورها الذي يوجب حياة المكونات، ونشوء الحيوان والنبات، وانبعاث ~~النائمين من النفوس عن مراقد هي كقبور الأموات، ويقهر الظلمات ويعذب ~~الكفرة الخفافيش والفويسقات، ويطرد المؤذيات، ويبعد مردة الجن ~~والشياطين برواجم الساطعات. وهذه الجنسية ثابتة وإن كان الفائض الواقع ~~على وجه الأرض من النور في غاية الضعف بالقياس إلى نور الشمس. # فعلى هذا القياس، قد علم أن " الروح " منزه عن الجهة والإشارة والجسمية ~~ولوازمها المكانية والزمانية، وفي قوته العلم بحقائق الماهيات، والاطلاع ~~على المغيبات، والاقتدار على احضار صور المجردات، واستخدام ملائكة القوى ~~والروحانيات، وأخذ الأرض بقبضته وطي السماوات بيمينه، وهذه ms1414 كلها توجب ~~مضاهاة له مع الله وتشبه بأخلاقه تعالى، كما أشير إليه في الحديث النبوي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فلذلك وقعت له هذه الإضافة المعنوية وخصت بهذه ~~الكرامة الإلهية من بين سائر الموجودات التي ليست لها درجة التجرد عن ~~الماديات والإحاطة بالعقليات. # قوله: " من الأجداث " وهو جمع " جدث " أي: من القبور، وهي لغة أهل ~~العالية، ويقول أهل السافلة بالفاء " والنسول ": الإسراع في الخروج، أي: ~~يخرجون سراعا من القبور إلى الموضع الذي يحكم الله فيه، لا حكم لغيره ~~هناك. # مكاشفة قرآنية # ومن الأسرار العظيمة المتعلقة بقوله تعالى: { فإذا هم من ~~الأجداث إلى ربهم ينسلون } انه لما تحقق وانكشف لذوي ~~البصائر المستنيرة بنور الله والصدور المنشرحة للإسلام، أن الدنيا مثال ~~الآخرة، والقالب ظل القلب، فأحوال كل منهما شاهدة على أحوال الأخرى، ~~والعاقبة نتيجة السابقة، والظاهر عنوان الباطن، فنسل الأبدان من ~~القبور إلى مواقف الآخرة، كنسل الأرواح من الأبدان إلى المواقف الإلهية، ~~ليعلم أن الرب تعالى غاية قصد الإنسان وسعيه، كما أنه مبدء كونه وحدوثه، ~~ويتحقق حينئذ معنى قوله تعالى: { إلى ربهم ينسلون }. # وهذا مما لا يتيسر لأحد الإطلاع عليه إلا من جهة معرفة مبادئ تكون ~~الإنسان وغاياته بعدما تصور وتحقق أن الإنسان ذو وجهين، أحد وجهيه جسماني ~~مظلم متغير في ذاته قابل للفناء، والآخر منهما روحاني منير ثابت دائم ~~بدوام علته الفياضة، باق ببقاء ربه الحي القيوم # كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام # [الرحمن:26 - 27] والوجه الجسماني، انما حياته ودوامه بالوجه النفساني، ~~ومنه يصل الخير والمدد إلى هذا الوجه، ولو انقطع عن هذا فيضه لحظة لخرب ~~سريعا، وانهدم بناؤه وتعطلت آلاته وتفسخت صورته، فأنت إذا طلبت مبدء ~~الإنسان وفتشت عنه، فعليك أن تطلب وتفتش مبدء جوهريته جميعا - الجسماني ~~والروحاني -. # فاعلم أولا، أن غاية كل شيء ترتبط بمبدئه، بل هي عينه، كما وقعت ~~الإشارة إليه مرارا، وأن المبدء والغاية كلما كانا أرفع من الوقوع تحت ~~الأكوان المتغيرة، كانا إلى جهة الوحدة والجمعية أقرب، وكلما كانا أدنى ~~وأنزل، كانا إلى ms1415 التعدد والإفتراق أميل. # ثم اعلم أنه لا بد للخلق من المرور على المنازل والمراتب عند النزول عن ~~عالم الوحدة والجمعية، ثم الصعود إليها - ان ساعده التوفيق -، بل لكل من ~~الأكوان الطبيعية مبادئ مترتبة في النزول، وغايات مترتبة في الصعود إلى ~~جهة الحق، ومبدء كل شيء وغايته. # فمعرفة المبدء والغاية للإنسان، بل لكل شيء، أفضل أجزاء العلوم الحقيقية ~~والمعارف النبوية، والعلم بمعاد الإنسان وما يؤول إليه حاله، من أهم ~~المطالب، وهو الدواء النافع والدرياق الأعظم والأكسير الأحمر، والجهل ~~بالآخرة هو السم الناقع والمرض المهلك، وبه تكون مرارة النزع عند الموت، ~~والفزع عند البعث للنفوس المريضة بداء الجهالة، فمن عرف أن مجيئه من أين، ~~عرف أن ذهابه إلى أين، ومن تأمل في كل واحد واحد من الأفاعيل التي لها ~~غايات اختيارية أو طبيعية أو ذاتيه، وتدبر فيما هو المبدء بالذات ~~لصدورها، وما هو الغاية لوردوها، لعلم يقينا أن الغاية في كل شيء، هي ~~بعينها ما هو المبدء على وجه أشرف وأرفع. # ونحن سنبين العلم بحقائق المبادئ المتقدمة لوجود الإنسان بكلا جزئيه ~~على وجه الإجمال، ونشير إلى أن العلم بالغايات يناط بالعلم بالبادئ ~~ليستنتج وينكشف عن ذلك، الحكم بأن الأرواح الإنسانية لا بد لها من رجوعها ~~إلى ربها، إما راضية مرضية، مشرقة زاهرة ناضرة ناظرة، وإما منحوسة ~~منكوسة الرؤوس، مسجونة مقيدة بالسلاسل، محبوسة بالأغلال، مطرودة من باب ~~الله، معذبة بنار الله: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم # [السجدة:12] ليتحقق أن الكل - مع اختلاف دواعيهم ومساعيهم وتكثر نشآتهم ~~وحالاتهم - راجعون إليه تعالى، وينكشف معنى قوله تعالى: { فإذا هم ~~من الأجداث إلى ربهم ينسلون }. # أما تحصيل مبادي تكون الإنسان وأسباب تحققه بكلا جزئيه الجسماني ~~والروحاني، فمبادي جوهره الجسماني بعد الأسباب القصوى المشتركة بين الكل ~~من الملأ الأعلى والجواهر الملكوتية أمور: # أولها: القوة اليهولانية التي هي قوة صرفة واستعداد محض. # ثم: مرتبة الجسم المطلق الذي لا نعت له سوى الامتداد والانبساط في ~~الأبعاد، وهو مناط النقص والآفة، ومنبع الجهل والنسيان والكفر، إذ لا ~~حضور ms1416 لصورة جزء منه عند جزء آخر، والعلم ليس إلا ادراك صورة الشيء، وها ~~هنا غاب الكل عن الكل، والنفس إذا تعلقت به غابت عن نفسها ونسيت عالمها ~~وربها # نسوا الله فأنساهم أنفسهم # [الحشر:19]. # ثم: الجسم الطبيعي المركب، الذي وجدت له صورة طبيعية غير الصورة ~~الامتدادية، هي مبدء الكيفيات الفعلية والانفعالية. # ثم: الجسم النباتي الذي له صورة تفعل النماء وتطلب الغذاء، كالنطفة التي ~~حصلت فيها قوة الجذب والنشو، وهي العلقة، ليصير بعد ذلك كالمضغة. # ثم: الجسد الحيواني الذي يقبل الحس والحركة الإختيارية كالجنين والطفل. # ثم: البدن الإنساني الذي فيه قوة التمييز بين الضار والنافع، والخير ~~والشر. # فهذه خمسة مباديء وأجزاء متداخلة، وخمسة حجب مترتبة جسمانية للإنسان ~~عن باريه سبحانه بحسب هويته الجسمانية. # وأما المراتب التي له بإزائها بحسب هويته الروحانية عند ذوي الأبصار، ~~فأولها كحال النفس وقت تعلقها بالجسم المفرد الذي لا نعت له سوى الجسمية، ~~ويكون اسمها في هذه المرتبة: " القوة الطبيعية " ، ثم كحالها عند كونها ~~في الجسم المركب، واسمها عند ذلك: " القوة المزاجية ". # ثم كوقوعها في درجة الأجسام النباتية، واسمها حينئذ: " النفس النباتية ~~". # ثم كصيرورتها نفسا حيوانية كما في مرتبة الجنينية أو الصبوية فإن ~~أحدهما " حيوان نائم " والآخر " حيوان مستيقظ ". # ثم كصيرورتها نفسا آدمية كما في مرتبة البلوغ، وها هنا غاية امتزاج ~~النفس بالبدن، وتواصلهما بقواهما وآلاتهما، ونهاية تعانقهما بجنودهما، ~~والحق أن يقال عند ذلك: يبرز الإسلام كله والكفر كله. # ثم بعده يفترقان في التوجه إلى الغاية، ويستدعيان البلوغ إلى الوطن ~~الأصلي، فيتغالبان، فيقع التطارد بين جند الملائكة والشياطين في معركة ~~القلب، والقلب متردد بينهما، وهو في التغير والإنقلاب دائما من جهة هذه ~~الأسباب. # فالشهوات وأغراض الدنيا الدنية، منبعثة من القوى البدنية بوسوسة ~~الشيطان، وهو موجود خلقه الله لعمارة هذه النشأة الأولى وبنائها بجنوده ~~الشريرة من الشهوة، والعضب، والكبر، والحسد، وطول الأمل، ونسيان الآخرة، ~~واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، وغيرها مما يجري مجرى هذه ~~الصفات. # والعلوم والمعارف، والتقدس والتقوى، منبعثة من القوى الروحانية بإلهام ~~الملك، وهو ms1417 موجود أبدعه الله لعمارة الدار الآخرة بجنوده الخيرة ~~الفاضلة من الصبر، والشكر، والخضوع، والتواضع، والزهد، والقناعة، والخوف، ~~والرجاء، والتملق، والدعاء، والهيبة، والخشية وغيرها مما يجري مجرى هذه، ~~فالقلب واقع - ما دام التطارد باق بين الجندين - في ما بين الملك وإلهامه ~~والشيطان وإلهامه، لقوله تعالى: # فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس:8] ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمان " # إلى أن يفتح القلب لأحدهما فيوطنه الروح، فيكون اجتياز الثاني مجرد ~~اختلاس، وبه يتحقق حكم السعادة والشقاوة في الآخرة. # فمراتب الروح بعد ذلك الفتح بسبب الغاية أيضا خمس: فإنها إذا تهيأت ~~لرحمة الله، واكتساب الأسباب واستعداد النظر في عالم الملكوت، كان اسمها ~~" العقل العملي " و " النفس المطمئنة ". وإذا نظرت في حقائق الأشياء ~~وتأملت في المعالم الإلهية والمقاصد الإيمانية، تسمى ب " العقل النظري " ~~و " النفس الفاكرة " وإذا حصلت لها قوة الحفظ والاسترجاع تسمى ب " النفس ~~الحافظة " ، فإذا حصلت لها قوة المكالمة الحقيقية مع الحق، ومشاهدة ~~الحقائق بنور مستفاد من الله يقذف في قلبه، تسمى ب " النفس الناطقة ". # وإذا اتصلت إلى لقاء الله وانخرطت في المقربيين تسمى ب " روح القدس " ~~، وحينئذ بلغت إلى غايتها الأصلية، من غير علوق شيء من الأضداد والخصوم، ~~ومزاحمة شيء من العوائق والمؤذيات والهموم. # وأما إذا كانت الغلبة للجزء الظلماني بجنوده الظلمانية وقواه ~~الشيطانية، وكان الروح أسيرا بيد الشيطان وجنوده، فلا يبالي في أي واد ~~تهلكه من أودية الظلمات، وفي أي دركة تستهويه من دركات الجهالات. # وهذه الدركات الجحيمية معادن الشياطين، ومهالك الروح الإنسانية عند ~~متابعة النفس والشيطان، ومع ذلك يكون مرجع الكل إلى ربهم # وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # [الكهف:47] إلا أن حشر الخلائق إليه تعالى على أنحاء مختلفة حسب ~~أعمالهم ودرجاتهم، فبعضهم مستويا وبعضهم منكوسا، ولقوم على سبيل الوفد: # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم:85] ولقوم على وجه التعذيب: # ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار # [فصلت:19] # فوربك لنحشرنهم والشياطين # [مريم:68] - وبالجملة - حشر كل أحد إلى عمله، أو إلى ما يعمل لأجله ~~ويحبه: # احشروا الذين ms1418 ظلموا وأزواجهم # [الصافات:22] حتى أنه: " لو أحب حجرا لحشر معه ". # تنبيه # هذه الاختلافات الكثيرة متحققة فيما يحشر إليه الناس، ومع ذلك فالجميع ~~محشورون إلى الله، ألا إلى الله تصير الأمور، وإليه مصير كل صائر، كما ~~إليه بدو كل باد، وإليه معاد كل موجود، كما منه نشوء كل ناش، الله يبدء ~~الخلق ثم يعيده ثم إليه تحشرون، وذلك لسعة مملكته وتعدد جهاته وكثرة ~~أسمائه وشدة قوته، وإحاطة علمه وسمعه وبصره، وتجرد ذاته عن الأغشية ~~والحجب، فالزمان علة التغير والتجدد مطلقا، والمكان علة التكثر ~~والتعدد مطلقا، وهما مناط الغيبة والخفاء، فإذا ارتفعا في القيامة، ~~ارتفعت الحجب بين الخلائق فيجتمع الخلائق كلهم الأولون والآخرون في ~~عرصة القيامة لأهل القيامة، فهي يوم الجمع # يوم يجمعكم ليوم الجمع # [التغابن:9]. # مكاشفة أخرى # في تصوير معنى هذه الآية وخروج الخلق سراعا # من القبور إلى الله واسراعهم من الأجداث إلى ربهم # مما يجب أن يعلم كل من له نصيب من علم الكتاب، وله قدم في العمل بما فيه ~~من الخطاب، أن الإنسان من لدن حدوثه وتولده عند كونه نطفة ذات صورة ~~طبيعية، إلى نهاية أمره، يكون أبدا في التحول والانتقال نفسا وبدنا، ~~وفي السفر والارتحال سرا وعلنا، وفي التبدل والتطور من منزل إلى منزل، ~~ومن حال إلى حال، ومن صورة إلى صورة، ومن صفة إلى صفة إلى هذا الوقت الذي ~~بلغ أشده. # وهذا أمر يظهر لمن نظر في أحوال الإنسان، ولاحظ ترقياته وتوجهاته من ~~كونه أولا نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم جنينا، ثم خلقا آخر، فتبارك ~~الله أحسن الخالقين. # ثم يتدرج في التوغل في نشأة أخرى من كونه صبيا مميزا، ثم رجلا ~~عاقلا، ثم صبورا شكورا، ثم حكيما وقورا، وهكذا لا يزال في الإمعان ~~إلى تقوية الباطن وتوهين الظاهر، والتقرب إلى عالم الغيب والخروج عن عالم ~~الشهادة يسيرا يسيرا، فيصير كهلا، ثم شيخا، ثم هرما مضمحلا، ثم ~~فانيا، كل ذلك بحسب طبعه وجوهره - لا بأمر اتفاقي أو عرضي أو قسري -. # ثم إذا بطلت منه هذه الحياة الدنيوية، ms1419 بطلت صورة التأليف، وحصل الافتراق ~~والانفصال. # ثم لا يبقى في هذا الانفصال أيضا، بل يمعن البدن في الانحلال والتوجه ~~إلى مركز الاتصال حتى ينتهي إلى الأرضية، ثم إلى الهيولية والجوهرية ~~الصرفة، ويمعن النفس إذا كانت على الاستقامة في أطوارها وأحوالها، حتى ~~تبلغ الغاية القصوى التي موطنها الأصلي، وذلك لأن كل متوجه ومتحول من ~~مرتبة إلى مرتبة ومن منزل إلى منزل بحسب الطبع، فله لا محالة حيث يرتحل ~~ويبعد من مرتبة ويتوجه ويسلك إلى مرتبة أخرى تكون غاية طبيعية ذاتية هي ~~آخر ما يطمئن إليه ويسكن لديه ويتوطن فيه، ولا بد أيضا أن تكون هي أصلح ~~الحالات وأوفقها له في ذاته، وأنسب المراتب والدرجات وأليقها لديه ~~بجوهره، وما ذلك إلا ما يكون مبدء ذاته ومقوم وجوده. # فغاية ما يسافر إليه الشيء، يجب أن يكون أول ما سافر منه، وهو الموطن ~~الطبيعي والمعدن الأصلي - دون غيره من المراتب والغايات الإضافية والحدود ~~التي في الأوساط، لأن كلا منها لو كان غاية حقيقية، لما وقع التوجه منه ~~إلى غيره توجها طبيعيا ذاتيا - ودأب الرحمة الإلهية أن يمسك الشيء ~~على أشرف الحالات التي تليق به، وأعلى المراتب التي تتصور في حقه، من غير ~~انتقال منه وارتحال عنه. # وتمامية الشيء وكماله إنما يحصل له عند وصوله إلى الحالة الأصلية التي ~~كانت له بحسب الذات، إذ هي مما يوافق ذاته ويلائم طباعه، وكل ما يكون غير ~~تلك الحالة من سائر الحالات، فهي لا محالة غريبة عن ذاتها مؤلمة لها، ~~والحالات الغريبة عن الشيء تزول عنه، فيرجع الشيء آخر الأمر إلى الصفة ~~الأصلية التي له أولا كما مر. # والحالة الأصلية للشيء، إنما تحصل له في مأواها الطبيعي، والمأوى ~~الطبيعي للنفوس والأرواح الإنسانية، عالم الآخرة التي هي باطن هذا العالم ~~الظاهر، وغيب هذه الشهادة، وهو عالم الأرواح وموطنها الحقيقي ومعادها ~~بحسب طبقاتها ودرجاتها ومعادنها " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ". # ومبادئ النفوس ومواطنها مختلفة، وكلها من عالم الملائكة النورانية - ~~على كثرة طبقاتهم -، وكل منها يرجع إلى أصله إن لم يزاحمها ms1420 شيء من ~~العوائق والسيئآت # قل كل يعمل على شاكلته # [الإسراء:84] # ولكل درجات مما عملوا # [الأنعام:132]. # فالنفوس الصالحة المرضية، تحشر في زمرة الملائكة وتأوي إلى رحمة ~~الله، والنفوس الشقية تحشر مع الشياطين، ممنوعة عن عالمها، مطرودة عن ~~باب الله، محرومة عن مواطنها، وما لم تصل النفس إلى عالمها ومعدنها، لم ~~تسكن ولم تطمئن من انزعاجها واستفزازها، لأنها كانت في مأواها الأصلي ~~حية مختارة لطيفة، عالمة، قادرة بقوة مبدعها وسائحة في عالمها، فرحانة ~~مطمئنة عند بارئها في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فإذا هبطت من عالمها ~~ومأواها وجنة أبيها، وانحطت إلى السفل، وجولت إلى الدنيا وأجسامها ~~المكدرة الظلمانية، انقلبت حياتها موتا، وتبدل اختيارها اضطرارا، ~~ولطافتها كثافة، وقدرتها عجزا، وعلمها جهلا، فزالت كرامتها وشرفها ~~وكمالها إلى المذلة والهوان والخسة والنقص والوبال، وصدرت منه معاصي ~~كثيرة وآثار (آثام - ن) غريبة، كمن عرض له مرض شديد وحمى، فظهرت منه ~~آثار كثيرة غريبة، كالحرارة الشديدة - وهي علامة النار -، والثقل العظيم ~~- وهو أثر الأرض -، وتورمت أطرافه - وهو أثر الهواء - وسال العرق من ~~مساماته وعن عروقه كقطرات الأمطار، وهكذا الحال على الاتصال إلى أن يعود ~~إلى الحالة السابقة الأصلية، فتنعدم هذه التولدات، وتنعقد منه شيئا ~~فشيئا إلى أن يزول بالكلية - ان ساعده التوفيق -. # وهكذا حال النفس في سقوطها عن مرتبتها وهبوطها عن نشأتها، حيث تكونت ~~منها أمور مختلفة عند نقصانها وضعفها الذي يلحقها بسبب بعدها عن مقرها ~~وعالمها، إذ البعد عن الموطن الأصلي منشأ (مثار - ن) الضعف والآفة، ومناط ~~الكثرة والإنقسام، وتوزع البال واختلاف الأحوال، فإذا عادت إلى معادها، ~~زالت الكثرة والتفرقة عنها بالكلية، كأنها لم تكن إن لم تزاحمها قيود ~~السلاسل والأغلال المستصحبة إياها من جهة اقترانها بالأرذال، وعلوق غبار ~~الهيئات الردية وظلمات الأعمال البدنية المقترنة بها، بسبب مجاورة أقران ~~السوء، وشؤم صحبتهم ورجس خلطتهم. # أو لا ترى إلى الماء النازل من السماء، كيف كان مجموعا في مأواه ~~الأصلي، ذا وقار وثقل واطمئنان وصفاء تتراءى فيه الصور والنقوش، فإذا ~~انتقل إلى حيز النار، تبدلت الجمعية بالتفرقة، والثقل ms1421 بالخفة، ~~والاطمئنان بالإضطراب، والصفاء والاستقامة بالكدورة والإعوجاج، فوقع إلى ~~أودية الفراق وشعب الإفتراق، ثم إذا رجع إلى مأواه الذي كان فيه، زالت ~~الأحوال الغريبة والآفات، وعادت الحالة الأصلية، وكن قد خرج عن فطرتها، ~~ثم عاد إليها بعد تطورات وتشكلات بأشكال غريبة، وتسميات بأسماء كثيرة، ~~فكان بحرا، فإذا تبخر سمي " بخارا " ، وإذا تراكم بخارا سمي " ~~سحابا " ، وإذا تقاطر سحابه سمي " مطرا " ، وإذا سال يسمى " نهرا " ، ~~وإذا اتصل النهر بالبحر يسمى " بحرا " كما كان. # وكذا القياس في غيره من الأركان، وفي كل جماد ونبات وحيوان، فانظر إلى ~~حال السمك في مكان السمندل، والسمندل في مكان السمك # قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون # [الأنعام:98]. ### || [36.52] # قرئ " يا ويلتنا " ، وفي مصحف ابن مسعود " من أهبنا " من " هب من نومه ~~" إذا انتبه وأهبه غيره، وقرئ أيضا " من هبنا " بمعنى " أهبنا " وقرئ ~~" من بعثنا " و " من هبنا " على " من الجارة " وصيغة المجرور بها، لا على ~~" من الاستفهامية " وصيغة الماضي الموصولة بها. # و " هذا " مبتدأ وخبره ما بعده، سواء كان الخبر مفردا - إن كانت " ما " ~~مصدرية - أو جملة من صلة وموصول - إن كانت موصولة - ويكون المجموع جملة ~~مستأنفة، ويكون " من بعثنا من مرقدنا " كلاما تاما يوقف عليه. # ويحتمل أن يكون " هذا " صفة للمرقد، أي: " مرقدنا الذي كنا رقودا فيه ~~" فيكون الوقف على " مرقدنا هذا " ويكون " ما وعد " مبتدأ خبره محذوف ~~تقديره أي: " ما وعد الرحمن وصدق المرسلون حق عليكم " أو يكون خبر مبتدأ ~~محذوف، أي: " هذا وعد الرحمن، أي: فلما رأوا أهوال القيامة وشدائدها ~~لكونهم صاروا بسبب خروجهم عن قبورهم وقيامهم عن منامهم مكشوفي الغطاء ~~حديدي البصر، قالوا: " يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا وحشرنا من منامنا ~~الذي كنا فيه نياما؟ " ثم قيل لهم: " هذا بعينه ما وعد الرحمن وصدق ~~المرسلون " أي: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين - على تسمية الموعود ~~والمصدوق فيه بالوعد والصدق - إن جعلت " ما " مصدرية - وأما إن جعلت ~~موصولة، فيكون معنى: " الذي صدق المرسلون " بمعنى: والذي صدق فيه ~~المرسلون من قولهم: " صدقوهم في الحديث والقتال ms1422 " ومنه: " صدقني سن بكره ~~". # وإنما يطابق هذا الجواب لسؤالهم عن الباعث لهم عن مرقدهم، لكونه بمعنى: ~~بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث وأنبأكم به رسله، إلا أنه جيء به على ~~نهج التخويف والتهويل لقلوبهم، والنعي إليهم في أحوالهم، وذكر منشأ فزعهم ~~وأهوالهم من سبق كفرهم بالله، وتكذيبهم للرسل، والإخبار لهم بوقوع ما ~~أنذروا به على لسان الأنبياء. # ولا يبعد أن يكون المراد من طي الجواب، أن الحال أشد عليهم من أن يسع ~~لهم السؤال ويستأهلون للجواب عن سبب البعث والنشور، كأنه قيل لهم: ليس ~~بالبعث الذي عرفتموه - من بعث النائم في الدنيا من مرقده - حتى يسمع لكم ~~السؤال عمن يبعثه، إن هذا هو البعث الأكبر، والقيامة الكبرى ذات الشدائد ~~والأهوال والأحزان والأفزاع، وهو الذي وعده الله في مواضع كثيرة من كتبه ~~المنزلة على ألسنة رسله الصادقين، ومعانيها الواردة على قلوب أوليائه ~~الصالحين. # واختلف أهل التفسير في أن القائل لهذا الكلام من هو؟ فعن مجاهد: أنه ~~كلام الملائكة، حيث يقع للكفار هجعة بعد النفخة الأولى، يجدون فيها طعم ~~النوم، فإذا صيح بأهل القبور الصيحة الثانية، قالوا: { من بعثنا من ~~مرقدنا } فقالت لهم الملائكة: { هذا ما وعد الرحمن }. # وعن ابن عباس وعن الحسن: كلام المتقين. # وعن قتادة نحو ذلك حيث قال: أول الآية للكافرين وآخرها للمسلمين. قال ~~الكافرون: { يويلنا من بعثنا من مرقدنا }؟ وقال ~~المسلمون: { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون }. # وقيل: تمامه كلام الكافرين، يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به ~~أنفسهم أو بعضهم بعضا. # وقيل: أنهم لما عاينوا أهوال القيامة عدوا أحوالهم في قبورهم بالإضافة ~~إلى تلك الأهوال رقادا. # وقال قتادة: هي النومة بين النفختين، لا يفتر عذاب القبر إلا فيما ~~بينهما فيرقدون. # حكمة فرقانية # قد تحقق عند النفوس المستنيرة بأنوار العلوم الأخروية والمعارف ~~السلوكية، أن الإنسان أبدا في التحول والانتقال عن مراقد الدنيا إلى ~~فضاء الآخرة، وهو دائما في القيام والإنبعاث من هذه القبور والأجداث إلى ~~ساهرة القيامة، وهو لا يزال في طلب الخروج والارتحال بحسب الجبلة من ~~مكامن أرحام ms1423 هذه النشأة الأولى إلى سعة عرصات النشأة الأخرى، بل له كل ~~ساعة ولحظة خلع ولبس جديد إلى أن يلقى الله تعالى - إما فرحانا مسرورا ~~- وإما معذبا مقهورا - لقوله تعالى: # يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه * فأما من أوتي # [الانشقاق:6 - 12] - الآيات. # وأكثر الناس في غفلة عريضة وذهول طويل عنه لقوله تعالى: # لقد كنت في غفلة من هذا # [ق:22] وقوله: # بل هم في لبس من خلق جديد # [ق:15]، وقوله: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # [النمل:88]. # ومن هذا الجهل المحيط بهم، نشأ تعلقهم بهذه الحياة الفانية واخلادهم إلى ~~هذه الأجسام البالية، وركونهم إلى البدن، ونسيانهم أمر العاقبة، وجعلهم ~~الدنيا نصب أعينهم والآخرة خلف آذانهم، وانكبابهم إلى الشهوات، وإعراضهم ~~عن سماع الآيات، فكل هذه الأمور ناشئة من ذهولهم وغفلتهم عن زوال الدنيا ~~وثبات الآخرة، وجهلهم بأن الدنيا ليست إلا لحظات أوهام وخطرات أفهام، ~~ولمحات أبصار وفلتات خواطر، ولهذا تعجبوا عن ظهور الساعة وتحقق البعث ~~وكشف الغطاء قائلين: { يويلنا من بعثنا من مرقدنا }؟ ~~فقيل لهم { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون }. ~~فهؤلاء - وهم أكثر الناس - منكرون بالحقيقة للقيامة والبعث، شاكون في ~~قيام الساعة وتحقق المعاد، # إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا # [المعارج:6 - 7]. # وأما المقر بالآخرة، المؤمن بالمعاد، الموقن بيوم الحساب، فهو الذي ~~تنبهت نفسه من نوم الغفلة ورقدة الضلالة، وانبعثت من موت الجهالة، ~~وحييت بروح المعارف، وانفتحت لها عين البصيرة، فيشاهد يوم القيامة ويرى ~~كأنها قد قامت، فإذا سئل وقيل له: " كيف أصبحت؟ " قال: " أصبحت مؤمنا ~~حقا " ، فإذا قيل له: " وما حقيقة إيمانك؟ " قال: " أرى كأن القيامة قد ~~قامت، وكأني بعرش ربي بارزا، وكأن الخلائق في الحساب، وكأني بأهل الجنة ~~فيها منعمين، وأهل النار فيها معذبين " ، فقيل: " قد أصبت، فألزم بعين ~~الطريق " - كما ورد في الحديث المتفق على صحته -. # وهذا بعينه حال من مات عن حياة هذه النشأة، وحيي بحياة الآخرة، فقد قامت ~~عليه الساعة، وإن كان بعد في الدنيا بحسب الصورة الظاهرة، لقوله (صلى ~~الله عليه وآله): # " من مات فقد ms1424 قامت قيامته ". # وأما القيامة الكلية، فهي إنما تتحقق عند موت الجميع وفناء الكل، ~~والعارف لا يحتاج في مشاهدة أحوال الآخرة إلى فناء الكل وقيام الساعة على ~~الجميع، لأنه من أهل الأعراف المشاهدين لأحكام الآخرة وأحوال الدنيا، ~~العارفين بمن في الجنة والنار، لقوله تعالى: # وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ~~ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم ~~يدخلوها وهم يطمعون * وإذا صرفت أبصارهم ~~تلقآء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع ~~القوم الظالمين # [الأعراف:46 - 47]. # وهم الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، لأنهم قوم ~~انبعثوا من موت الجهالة وانتبهوا عن رقدة الغفلة، وانفتحت بصيرتهم ~~واستبصروا بعين اليقين ونور الهداية، وشاهدوا جميع الخلائق وحشرهم ~~وحسابهم، لأنهم حاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا يوم حساب الخلائق، وهم قوم ~~استوت عندهم الأماكن والأزمان، وتغاير الأمور وتصاريف الأحوال، فقد صارت ~~الأيام كلها يوما واحدا لهم، وعيدا واحدا، وجمعة واحدة في حقهم، ~~لتحققهم بقوله (صلى الله عليه وآله): # " بعثت أنا والساعة كهاتين ". # فيوم واحد عندهم كألف سنة مما تعدون، وخمسين ألف سنة لغيرهم، وصارت ~~الأماكن كلها مسجدا واحدا لتحققهم بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " وجعلت لي الأرض مسجدا " # والجهات كلها قبلة واحدة لتحققهم بقوله تعالى: # أينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة:115] وصارت حركاتهم كلها عبادة وسكناتهم طاعة، واستوى عندهم مدح ~~المادحين وذم الذامين، وتغاير الأمور وتصاريف الأحوال في الأزمنة ~~والدهور لتصديقهم قوله تعالى: # مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا ~~في كتاب من قبل أن نبرأهآ إن ذلك على الله ~~يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا ~~بمآ آتاكم # [الحديد:22 - 23] وكانت الدنيا وما فيها حقيرة عندهم، كما قال أمير ~~المؤمنين (عليه السلام): " والله ما دنياكم إلا كعفطة عنز " " والله ~~لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجزوم ". ### || [36.53] # { إن كانت إلا صيحة واحدة }: # ثم أخبر سبحانه عن سرعة بعث الخلائق إلى المحشر، وسعيهم إلى ربهم يوم ~~العرض الأكبر، بأن تلك المدة لم تكن إلا صيحة واحدة ms1425 بالقياس إلى قدرة ~~الله تعالى، وعالم قدرته وجبروته وسكان ملكوته من أهل قربته وولايته، وان ~~كانت صيحات عظيمة كثيرة حسب كثرة الخلائق، متمادية الأزمنة والدهور ~~بالقياس إلى من يقع عليهم من أهل القبور وسكنة عالم الهلاك والدثور، كما ~~أن الصاخة الصغرى زجرة واحدة لموت شخص واحد وقيامته، وهي زجرات متعددة ~~متمادية بالقياس إلى كثرة أعضائه وقواه، فإن جميع أحوال القيامة الصغرى ~~وأهوالها عند موت الإنسان واحد، وبعث روحه ونشر صحيفته وزلزلة أرض بدنه، ~~واندكاك جبال عظامه، وانفجار عرق جبينه، وتكور شمس قلبه، وانكدار نجوم ~~حواسه، وتعطل عشار قواه كلها دلائل وشواهد على أحوال القيامة الكبرى ~~التي لجميع الخلائق، لقوله (صلى الله عليه وآله): # " من مات فقد قامت قيامته " # ، وذلك لكون الإنسان عالما صغيرا فيه أنموذج من جميع ما في العالم ~~الكبير. # ولست أطول في موازنة جميع الأحوال، ولكني أقول كما قال بعض محققي ~~الإسلاميين وحكمائهم وموحديهم: إن بمجرد الموت تقوم عليك هذه القيامة، ~~ولا يفوتك من القيامة الكبرى شيء مما يخصك، بل ما يخص غيرك، فإن بقاء ~~الكواكب في حق غيرك ماذا ينفعك وقد انتشرت حواسك التي بها تنتفع ~~بالكواكب، والأعمى يستوي عنده الليل والنهار، وانكشاف الشمس وانجلائها، ~~لأنها قد كسفت في حقه دفعة واحدة، وهو حصته منها، فالانجلاء بعد ذلك حصة ~~غيره، وكذلك من انشق رأسه فقد انشق سماؤه، إذ السماء عبارة عما يلي جهة ~~الرأس، فمن لا رأس له لا سماء له، فمن أين ينفعه بقاء السماء في حق ~~غيره؟. # فهذه هي الصاخة الصغرى، والخوخ بعد أخضر والهول بعد مدخر، وذلك إذا ~~جاءت الطامة الكبرى، وارتفع الخصوص، وبطلت السموات والأرض ونسفت الجبال ~~وتمت الأهوال. # فهذه هي الصغرى، وإن طول في وصفها فانا لم نذكر عشر عشير أوصافها، فهي ~~بالنسبة إلى القيامة الكبرى كالولادة الصغرى بالنسبة إلى الولادة الكبرى، ~~فإن للإنسان ولادتين: # احداهما: الخروج من الصلب والترائب إلى مستودع الرحم في قرار مكين إلى ~~قدر معلوم، وله في سلوكه إلى الكمال منازل وأطوار، من نطفة وعلقة ومضغة ~~وغيرها، إلى ms1426 أن يخرج من مضيق الرحم إلى فضاء العالم، فنسبة عموم القيامة ~~الكبرى إلى خصوص القيامة الصغرى كنسبة سعة فضاء العالم إلى سعة فضاء ~~الرحم، ونسبة سعة العالم الذي تقدم عليه بالموت، إلى سعة فضاء الدنيا، ~~كنسبة سعة فضاء الدنيا أيضا إلى الرحم، بل أوسع وأعظم بكثير. # فقس الآخرة بالأولى: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان:28] وما النشأة الثانية إلا على قياس النشأة الأولى # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون # [الواقعة:62]. بل أعداد النشآت ليست محصورة في اثنين # وننشئكم في ما لا تعلمون # [الواقعة:61]. # فالمقر بالقيامتين مؤمن بعالم الغيب والشهادة، موقن بالملك والملكوت، ~~والمقر بالقيامة الصغرى دون الكبرى، ناظر بالعين العوراء إلى أحد ~~العالمين، وذلك هو الجهل والضلال والاقتداء بالأعور الدجال. # قوله سبحانه: # { فإذا هم جميع لدينا محضرون } [53]: # يعني إذا نفخ في الصور نفخة واحدة، اجتمعت الخلائق كلهم حاضرين عند ~~الله كما كانوا دائما، وعند أنفسهم جميعا في ساعة واحدة، لارتفاع ~~الحجب الواقعة بينهم بالموت، فيشاهد بعضهم بعضا، وكلهم كلا، فكل من ~~وجد في وقت من الأوقات وفي حيز من الأحياز من أول الدنيا إلى آخرها فهو ~~محشور مجموع مع غيره في زمان واحد متصل، هو مجموع الأزمنة، ومكان واحد ~~متصل هو مجموع الأمكنة، ومجموع الأزمنة كساعة واحدة في القيامة ومجموع ~~الأمكنة كمجلس واحد في الحشر. # وتحقيق ذلك؛ أن الموجودات الدنيوية لها أكوان ناقصة، لأنها من حيث كونها ~~الدنيوي أمور مادية وموجودات تعلقية، لأن جواهرها المفتقرة إلى مواضعها ~~كالأعراض المفتقرة إلى موضوعاتها، فهي لنقص تكونها وضعف وجودها وتغيرها ~~وانقلابها من صورة إلى صورة، وانتقالها من حال إلى حال، تحتاج كالأطفال ~~والصبيان إلى قابلة كالزمان ومهد كالمكان، وقد سبق منا أن المتحرك من ~~حيث كونه متحركا كالحركة في كونه غير قار الذات، وكذا الزماني كالزمان، ~~والمكاني كالمكان، وكل واحد من الزمان والمكان من الأمور الضعيفة الوجود، ~~لأن وجود كل جزء من كل منهما يقتضي عدم الجزء الآخر، وحضور كل جزء يقتضي ~~غيبة الجزء الآخر. # وأما وجود الآخرة فهو الكون التام، ms1427 وموجوداتها أكوان دائمة ثابتة ~~مستقلة، فيزول التغير عن المتغير، والزوال عن الزائل، والغيبة عن الغائب، ~~فيتصف المتغير هناك بالثابت، والغائب بالحاضر، لأن الآخرة دار الحقائق، ~~ولكل شيء حقيقة ثابتة، فلزمان الآخرة خاصية البقاء والثبات، ولمكانها ~~خاصية الحضور والجمعية # يوم يجمعكم ليوم الجمع # [التغابن:9]. لكن إذا أريد أن يخبر عنهما للمحبوسين في حبس الزمان، ~~والمسجونين في سجن المكان، يعبر عنهما بأمثلة زمانية أو مكانية. فعبر عن ~~حقيقة الزمان بأقل زمان. لأن الموجود من الزمان عند الجمهور ليس إلا ما ~~يسمونه " آنا " فقيل: # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل:77]. وإذا أشير إلى مكان الآخرة وحقيقة المكان، عبر عنهما بأوسع ~~مكان، لأن المكان شأنه السعة والإحاطة، ويتحدد بأوسع الأجسام، فقيل: # جنة عرضها السماوات والأرض # [آل عمران:133]. # وكذلك يعبر عن زمان القيامة. ب " الساعة " ، وعن مكانها ب " الساهرة " ~~، فيكون الخلائق مجموعين حاضرين في محشر واحد في ساعة واحدة، فكما أن يوم ~~القيامة يجمع فيه الناس كلهم من الأزل إلى الأبد، فكذلك جميع أمكنتهم ~~وأزمنتهم. # فوجه الأرض بمساحته المعينة التي عند المهندسين ها هنا يصير يوم ~~القيامة انبساطه وتماديه بحسب تمادي الأزمنة المارة عليه، فإن وجه الأرض ~~في كل لحظة وساعة غيره في لحظة وساعة أخرى، ووجه الأرض باعتبار محليته ~~لوقوع خلائق عليها غيره باعتبار محليته لوقوع خلائق أخرى، فإذا اجتمعت ~~يوم القيامة الخلائق الواقعة في القرون والدهور الماضية والمستقبلة، ~~اجتمعت بحسبها وجوه الأرض التي كانت الخلائق جميعا فيها من ابتداء ~~الدنيا إلى انتهائها في كل قرن ودهر، فيكون وجه الأرض يومئذ بمقدار يسع ~~فيه أهل المحشر كلهم. # ومن ها هنا يزول الاستبعاد ويندفع استنكار أهل الجحود والعناد، وينحل ~~شبهة المنكرين للمعاد في حضر الخلائق كلهم، السابقين واللاحقين في صعيد ~~واحد، لعدم تصورهم أرض القيامة التي هي بوجه غير أرض الدنيا: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا ~~لله الواحد القهار # [إبراهيم:48].. ### || [36.54] # لأنه يوم ايفاء الحقوق وجزاء الأعمال على وجه الحق والعدل في الثواب ~~والعقاب، إذ لا حكم لأحد غير ms1428 الواحد القهار، لارتفاع الأسباب العرضية ~~والعلل الإتفاقية، وانعدام أسباب الجور والظلم، من جهالة الحكام وعجزهم ~~عن امضاء الأحكام على التمام، وتدليس المتحاكمين وابدائهم الشبه ~~والأوهام، ولانتفاء القواسر والموانع، وانسلاب التزاحم والتصادم ~~والتضايق، وغير ذلك من الأمور التي هي من باب ضروريات الأكوان الدنيوية، ~~والقوابل المادية المركبة من العناصر المتضادات والأركان المتفاسدات ~~الموجبة للتغالب والتفاسد في الموجودات المتغيرة الأحوال، المتخالفة ~~الأغراض والآمال. # وأما الدار الآخرة، فالمؤثر هناك أسباب عالية بإذن ربهم، وعمال مؤتمرة ~~بأمر موجدهم، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والمتأثر ~~نفوس وأرواح إنسانية بحسب ضمائرهم ونياتهم، مجردة عن الأغشية واللبوسات، ~~ووساوس النفس وسوء العادات. # وبالجملة، الظلم إذا وقع، فإنما يقع من الشخص على نفسه، أو من غيره ~~عليه، وكلاهما مستحيلان يوم الآخرة. # أما استحالة الثاني فيه: فإن المؤثر في الشيء هناك ليس إلا ما هو علة ~~ذاتية لذلك الشيء، لارتفاع الأسباب العرضية والمبادئ القسرية، وعدم ~~تزاحم الأمور وتصادم الأسباب الاتفاقية، وتضايق الوجود فيه، والعلة ~~الذاتية للشيء مقوم لوجوده ومحصل لذاته وملائم لطبعه # ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف:49]. # وأما استحالة الشق الأول، فلأن ما يصل إلى أحد في الدار الآخرة ليس إلا ~~حاصل ما فعله في الدنيا، لأنها دار الثواب والجزاء بلا عمل، كما أن ~~الدنيا دار العمل بلا جزاء، فإن وقع ظلم من أحد على نفسه، فقد وقع في ~~الدنيا لا في العقبى، ولهذا قال بعض الكبراء: " ليس الخوف من سوء ~~العاقبة، إنما الخوف من سوء السابقة " ، " الشقي شقي في بطن أمه " أي في ~~الدنيا. # فقد ثبت قوله تعالى: { فاليوم لا تظلم نفس شيئا } ، أي ~~لا ينقص من له حق من حقه من الثواب، ولا يفعل به إلا بما يستحقه من ~~العقاب، إذ الأمور جارية على مقتضى الحق والحساب، معمولة على قانون ~~العدالة والصواب، وذلك قوله تعالى: { ولا تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون }. # بصيرة قلبية # إن قوله تعالى: { فاليوم لا تظلم نفس شيئا } ، مما يشعر ~~بانحصار تحقق الظلم والشر في هذه الدنيا الفانية، وأما الواصل إلى ~~الأشقياء ms1429 من عذاب النار وشدائدها، فإنما هو نتيجة أعمالهم في الدنيا، ~~وظلمهم على نفوسهم فيها، لقوله تعالى: # وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل:33] أي بما سبق منهم في الدنيا، وليس يتصور ظلم مستأنف في ~~الآخرة على أنفسهم ولا على غيرهم. # والسبب اللمي لاختصاص وقوع الظلم والشر في الدنيا دون الآخرة - مع أن ~~الإله والمؤثر فيهما جميعا واحد حق يفعل ما يشاء ويختار ما يريد من غير ~~مدافع أو مشارك - هو ما وقعت الإشارة إليه من أنها " دار الحركات ~~والاستعدادات " لأنها واقعة في آخر الدرجات من الوجود، في أسفل الدركات ~~من مراتب الخير والجود، وبعد مرتبتها في النزول والخسة، ليس إلا العدم ~~المحض، والبطلان، بل وجودها في مرتبة العدم. # إلا أنها بحسب نسخها وجوهرها الهيولي، مما لها قوة وجود أشياء كثيرة، ~~ولها استعداد للصور الحسية والنفسية والروحانية، بحسب امتزاجات وقعت بين ~~عناصرها المتضادة، التي كل منها لا يتحرك عن مواضعها الطبيعية إلا ~~بأسباب سماوية منبعثة لأغراض علوية، ومقاصد عقلية مترتبة على أشواقها ~~الكلية، وحركاتها الدورية، حسب قضاء الله ومشيئته المقتضية نشوء الكائنات ~~من الحيوان والنبات بعناصرها المتضادة وموادها المتفاسدة. # ثم لما كان نوع الإنسان أشرف أنواع الحيوان، وكان له استعداد الارتقاء ~~إلى رتبة الشرف والكمال، واحتمال البقاء والدوام في نشأة أخرى هي نشأة ~~التمام، ويوم قيام الخلائق بين يدي الحق العلام، ولا يمكن استكماله إلى ~~هذه الغاية إلا بأسباب أخرى خارجية اتفاقية من التأديب والتهذيب، ~~والهداية والارشاد، والوعد والإيعاد، منبعثة من جانب المبدء الجواد، ~~بإنزال الملائكة والكتب والرسل للإمداد، والهداية إلى يوم المعاد ورب ~~المعاد. # ولا يتعيش وجوده الدنيوي أيضا إلا بتعاون وقع من بني نوعه وجنسه، ~~وتمدن واجتماع ومعاملات وحكومة وسياسات وحدود وجرائم وقعت من سلطان قاهر ~~له أو عليه. # وهذه جملة من الأسباب لا تنعقد إلا ويلزمها نقائص وآفات، وتصادم شرور ~~وظلامات، فقد قضى الله بوجود هذه الشرور في هذه الدنيا لكونها لازمة ~~لخيرات جمة، وهي أسباب سياقة عباده إلى رضوانه، فعلم " أن الظلم في ~~الدنيا مقضي، والعدل ms1430 مرضي " ، وأما الآخرة التي هي دار المتقين، ~~ففيها عدل بلا جور، وخير بلا شر. # ولهذا قال تعالى في حق حبيبه (صلى الله عليه وآله وسلم): # وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى:4]. وقال حكاية عن دعاء خليله: # وألحقني بالصالحين # [الشعراء:83] وقال وليه وأخو رسوله (عليهما السلام) عند ضربة شهد فيها ~~ربه: " فزت ورب الكعبة " ، وذلك لأن الدنيا مشحونة بالآفات والمحن ~~والظلم والجور على أولياء الله وأحبائه. # ويحكى عن بعض من يعتقد هذا الرأي، أنه لقي أخا من أهل زمانه، فقال له: ~~كيف أصبحت يا أخي في هذه الدنيا؟. # قال: بخير، نرجو خيرا من هذه الدنيا - إن سلمنا من آفاتها وبلياتها ~~انشاء الله -، فكيف أنت وكيف حالك؟. # فقال: كيف حال من يصبح في دار غربة أسيرا وفقيرا لا يقدر على جر ~~منفعة ولا يرجو دفع مضرة؟ قال أخوه: كيف ذلك؟ # قال: لانا قد أصبحنا في الدنيا معذبين في صورة المنعمين، مجبورين في ~~صورة المختارين، مغرورين في صورة المغبوطين، أحرارا كراما في صورة عبيد ~~مهانين، مسلطا علينا خمسة حكام يسوموننا سوء العذاب، ينفذون علينا ~~أحكامهم شئنا أو أبينا. # قال له أخوه: أخبرني من هؤلاء الحكام؟ # قال نعم: أولهم هذا الفلك الدوار الذي نحن في جوفه محبوسين، وكواكبه ~~هذه السيارة التي لا تزال تدور علينا لا تهدأ ولا تسكن، تارة تجيئنا ~~بالليل وظلمته، وتارة بالنهار وهاجرته، وتارة بالصيف وحرارته، وتارة ~~بالشتاء وبرودته، وتارة بالرياح العاصفة، وتارة بالغيوم الغاشية والأمطار ~~والبروق الخاطفة، وتارة بالصواعق الزاجرة، والزلازل المهلكة، والأخاويف ~~الموحشة، والخسوفات والكسوفات والعلامات المظلمة، وتارة بالجدب والغلاء، ~~وتارة بالموت والوباء، وتارة بالحروب والفتن والبلاء، وتارة بالهموم ~~والأحزان، ليس منها خلاص، ولا من سهامها مناص إلا بالموت. # وأما الآخر، فهو هذه الطبيعة وأمورها المركوزة في الجبلة، من حرارة ~~الجوع، ولهب العطش، ونار الشبق، وحريق الشهوات، والآلام والأمراض ~~والأسقام، وكثرة الحاجات، ليس لها شغل إلا طلب الحيلة لجر منفعة أو لدفع ~~مضرة عن هذه الأجساد المستحيلة، التي لا تقف على حالة واحدة طرفة عين، ~~فنفوسنا في جهد وبلاء، ms1431 وكد وعناء، وبؤس وشقاء، ليس لنا راحة منها إلا ~~بالممات. فهذا اثنان. # وأما الثالث: فهو هذا الناموس الأكبر، وأحكامه وحدوده، وأوامره ونواهيه، ~~ووعده ووعيده، وزجره وتهديده وتوبيخه، وألم الجوع عند الصيام وتعب ~~الأبدان عند القيام، ومجاهدة النفس عند اخراج الزكوات، وتعب الأسفار عند ~~قضاء الحج، ومشقة الأبدان عند المهاجرة، وجراحتها بالسيف والسنان عند ~~المجاهدة ومحاربة أهل الكفر والعدوان، إلى غير ذلك من آلام ترك اللذات ~~والراحات، وشدائد اجتناب الشهوات والمحرمات. # وأما الرابع: فهذا السلطان الجائر المالك للرقاب قهرا وجورا والمستعبد ~~للعباد جبرا وكرها، فان قمنا بخدمته وواجب طاعته فما نقاسي من الجهد ~~والبلوي أكثر من أن يحصى، من تعب الأجساد، وهموم النفوس، وعناء الأرواح، ~~وتضييع العمر في خدمته، وسخط الباري يوم القيامة وعذاب الآخرة، والحجاب ~~عن الله في طاعته، وإن فررنا من سلطانه فلا عيش لنا إلا نكدا، ~~لافتقارنا في الدنيا إلى التعاون والتمدن والسياسة والرياسة. فهذه أربعة. # وأما الخامس: فهو شدة الحاجة إلى مواد خارجية، وأغذية بدنية لا قوام ~~لهذا الهيكل إلا بها، من المأكول والمشروب، واللباس والمسكن، والمنكوح ~~والمركوب، وما لا بد منه في قوام هذه الحياة الدنيا، وما نقاسي من الجهد ~~والبلوى في طلبها ليلا ونهارا، في تعلم الصنائع الشاقة، والتجارات ~~المتعبة، والمكاسب المكدة من الحرث والزرع والبيع والشراء والمناقشة في ~~الحسابات والمكايسة في المعاملات، والحرص والشره في جميع الأموال وحفظها ~~من اللصوص وحراستها من الآفات العارضة، ومكابرة القطاع، ومنازعة أهل ~~الجور والظلم، فهذه حالنا وأكثر أبناء جنسنا في هذه الدار. # وأما من يريد المقام في الدنيا، ويتمنى الخلود فيها مع هذه الآفات ~~والشدائد، فهو إما غير مؤمن بالآخرة، ولا مصدق بالمعاد، ولا متصور للوجود ~~إلا هكذا، أو يتوهم أن بعد الموت عدما صرفا أو شرا محضا، وعلى ~~الحالين يئس من الآخرة، كما يئس الكفار من أصحاب القبور. # وأما من تصور كيفية الدار الآخرة، وتحقق أمر المعاد وعرف فضلها وشرفها، ~~وسرور أهلها، ولذات السعداء ونعيمهم وملكهم، فأي عذر له في التمني للخلود ~~في الدنيا، والإخلاد إلى الأرض، ms1432 وطلب الرفعة والرياسة فيها، إلا خللا ~~وسفها في عقله، أو فسادا في اعتقاده وإيمانه، كأكثر من نراه من ~~المنتسبين إلى الإيمان، # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف:106]. # حكمة قرآنية # هذه الآية ونظائرها كقوله: # هل تجزون إلا ما كنتم تعملون # [النمل:90] وقوله: # ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى # [النجم:39 - 40] وقوله: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # [آل عمران:30] وغيرها، نصوص جلية وبراهين واضحة، على أن الثواب والعقاب ~~في دار الآخرة إنما يكونان بنفس الأعمال والأخلاق الحسنة والسيئة، لا ~~بشيء آخر يترتب عليها، فالملذ والمؤلم، والنعمة والنقمة، والجنة والنار ~~في دار القرار، هي نفس صور الأعمال والآثار، كما دل عليه قوله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): # " إنما هي أعمالكم ترد عليكم " # ، وقوله: # " إن الجنة قيعان وإن غراسها سبحان الله " # وكذا قوله تعالى: # يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين # [العنكبوت:54] وقد مر تحقيق هذا المطلب في سلف القول. # فالعقوبات الإلهية الواصلة إلى المجرمين، كما أنها ليست من باب الانتقام ~~الواقع عليهم من منتقم منفصل مبائن يوقع الآلام والشدائد عليهم، ويوصل ~~المكاره والمحن إليهم، فكذلك ليست الآلام والمكاره أمورا خارجة عن ذاتهم ~~وصفاتهم مترتبة عليها، بل الأعمال القبيحة الواقعة منهم في الدنيا بواسطة ~~ما في ضمائرهم ونياتهم، صارت ملكة راسخة في نفوسهم، وانحرفت بسببها ~~فطرتهم الأصلية، توجب لهم تصورات باطلة، وأفكارا مؤلمة موحشة موجودة ~~بوجود أخروي يناسبها، فتطلع على أفئدتهم ما كان مستكنا فيها. # ولو تيسر للشقي الفاجر أن يشاهد باطنه في الدنيا بنور البصيرة، ليراه ~~مشحونا بأصناف السباع والشياطين، وأنواع الوحوش والهوام، مثل لغضبه ~~وشهوته وحقده وحسده وعجبه ورياه ومكره وحيلته، وهي التي لا تزال تفترسه ~~وتنهشه، إلا أنه محجوب عن مشاهدتها، فإذا رفع هذا الحجاب، وانكشف ~~الغطاء، ووضع في قبره، عاينها وقد تمثلت بصورها وأشكالها الموافقة ~~لمعانيها. # وأول ما يقع بصر أحدهم على صورة عمله - المطابقة إياه -، يرى بعينه ~~العقارب والحيات قد أحدقت به، وإنما هي صفاته الحاضرة الآن قد انكشفت له ~~صورتها، فيقول: ms1433 # يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس ~~القرين # [الزخرف:38]، ويريد أن يهرب عنها، وأنى يتصور لأحد أن يهرب عن نفسه ~~ولازم نفسه!. # وعلى هذا القياس، حكم الأعمال الحسنة الواقعة من أهل السعادة الأخروية ~~المصورة في القيامة بصورة ملذة حسان، من حور وغلمان، وجنة ورضوان، فإن ~~حقيقة تلك الصور هي موجودة معه مختفية في باطنه، وإنما تصير حاضرة مشهودة ~~له يوم القيامة بواسطة رفع الحجاب، لقوله تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ~~جزآء بما كانوا يعملون # [السجدة:17]. ### || [36.55] # قد مر في تفسيرنا لآية الكرسي، أن أصحاب النار بالأصالة هي النفس ~~والشيطان، لأنهما ظلمانيتان بجوهريهما، حاصلتان من سنخ الطبيعة النارية ~~الكدرة الدخانية من عالم الأجرام السفلية، وأن أصحاب الجنة بالأصالة هي ~~الروح والملائكة، لأنهما نورانيتان بجوهرهما، حاصلتان من سنخ الحقيقة ~~النورية اللطيفة من عالم الأنوار العلوية. # وأما القلب الإنساني فهو ذو وجهين: وجه إلى النفس ووجه إلى الروح، إنما ~~ينقلب إلى أحد من هذين القبيلين بمزاولة أحوال (أعمال - ن) تناسبه، فيصير ~~أما من أصحاب الجنة - وهم أصحاب اليمين -، وإما من أصحاب النار - وهم ~~أصحاب الشمال -. والجنة موطن أهل السعادة ومصعدهم في جهة العلو، كما أن ~~النار موطن أهل الشقاوة ومهبطهم في جهة السفل. # والتنكير في قوله: " في شغل " ، مشعر بأن شغلهم شغل لا يوصف بحد من ~~جهة المشغول فيه والمشغول عنه جميعا: # أما المشغول فيه، فما ظنك بشغل من وصل إلى دار الكرامة، ومنزل ~~المصطفين الأبرار، ومنبع الخيرات الحسان، فاز بالنعيم الدائم، ووصل ~~إلى الحق القائم، ووقع في ملاذ وسعادات لا يكتنه وصفها ولا يحاط ~~بنعمتها، مع كرامة وتعظيم وشرف مقيم. # وأما المشغول عنه، فما ظنك بشغل من تخلص من هموم الدنيا وأحزانها، ~~وأمراضها وآلامها، وهجوم آفاتها وأهوالها من مشاق التكليف ومضائق التقوى ~~والخشية، ومرارة الصبر طول العمر عن اللذات والمرغوبات، وتخطي الأهوال ~~والأخطار والموت عن مأنوساتها بالاختيار والإضطرار، ومفارقة الأحبة ~~والإخوان، ومهاجرة الأولاد والأقران، ومقاسات المحن من الحساد والأعداء، ~~ومشاهدة أوضاع الفجرة والفساق، وسوء عقائدهم، وقبح أعمالهم، وغدرهم ms1434 ~~ومكرهم، وترفع حال الجهال وتصدر الأرذال، إلى غير ذلك من مكاره هذه ~~النشأة الدنيوية وشدائدها، وآفاتها ونقائصها، وآلامها ومحنها، وأمراضها ~~وأوجاعها - وبالجملة شرورها التي لا ينفك عنها إنسان، فكيف المؤمن الغريب ~~في هذه الدار المشحونة بالآفات والأخطار، الطافحة بشرور الأشرار، ثم ~~مرارة الموت وكربه، وزهوق الروح وتعبه، ووحشة القبر وخطره، وقيام الساعة ~~وهولها، والمناقشة في الحساب، ومعاينة ما لقي العصاة من العذاب. # وعن ابن عباس: " في افتضاض الأبكار ". لا يبعد أن يكون المراد منه كشف ~~الحقائق العلمية، وشهود المعارف العقلية - كشفا وشهودا لا يمكن البلوغ ~~والوصول إلى نيله إلى تلك الغاية إلا في الدار الآخرة -. # وعنه أيضا: " في ضرب الأوتار ". وليس ببعيد أيضا أن يكون المراد منه ~~سماع نغمات الأبرار، بل الاتصال بنفوس الضاربين الأوتار والأدوار، ~~المحركين لأشواق الدائرات في عشق جمال الأبد على الفلك الدوار، ~~والواهبين سوانح اللذات الدائمات على الرقاصين في ملاحظة جمال السرمد ~~على بساط الرحمة (بمشاغل - ن) الأنوار. # وعن ابن كيسان: " في التزاور " ، وعن بعضهم: " في ضيافة الله " ، وعن ~~الحسن: " شغلهم عما فيه أهل النار بما هم فيه " ، وعن الكلبي: " في شغل ~~عن أهاليهم من أهل النار، لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم لئلا يدخل عليهم ~~تنقيص في نعيمهم ". # واللفظ جاء بضمتين، وفتحتين، وضمة وسكون، وفتحة وسكون. # و " الفاكه ": المتنعم والمتلذذ، وكذا " الفكه " ومنه: " الفاكهة " ~~لأنها ما يتلذذ به، وكذا " الفكاهة " وهي المزاحة، وقريء " فكهون " بغير ~~ألف، وهو بكسر الكاف وضمها، كقولهم: " رجل حدث وحدث " أي كثير الحديث، ~~" ونطس ونطس " للمبالغ في الشيء، والباقون بالألف في كل القرآن، إلا ~~أن حفص وافق أبا جعفر في المطففين: # انقلبوا فكهين # [المطففين:31] وقرئ: " فاكهين " و " فكهين " على أنه حال، والظرف مستقر. # بصيرة أخروية # " الشغل " كثيرا ما يطلق ويراد منه الصنعة والكسب، وقد تحقق لنا ~~بأرصاد روحانية وأنظار دقيقة كشفية، أن النفس الإنسانية إذا استكملت ~~ذاتها بالعلم والتقوى، وتجردت عن غشاوة العالم الأدنى، وتشبهت بأخلاق ~~الله، وطارت بأجنحة الكروبيين، ووصلت إلى عالمها، وبلغت إلى فطرتها ~~الأولى، أصبحت مخترعة للصور الغيبية المستورة ms1435 عن الحواس، فاعلة للأشكال ~~الحسنة الجنانية الخارجة عن إدراك أهل الظن والقياس، لكونها شديدة الشبه ~~عند الاستكمال والتجرد عن هذا العالم بالمبدء الفعال في الصفات ~~والأفعال، كالحديدة الحامية المجاورة للنار، الفاعلة فعلها من الإنارة ~~والاشعال وسائر الآثار. # فما ظنك بنفوس كريمة تنورت بنور الله، وتلبست بلباس الهيبة والعظمة ~~والنور، وتسربلت بسربال الكرامة والسرور، في صيرورتها واهبة الحياة لما ~~تصورتها صورة أخروية، معطية الوجود والشروق لما أنشأتها نشأة ثانوية، ~~لكونها واقعة في أفق العظمة والإشراق، مستوطنة في دار كرامة الله العزيز ~~الخلاق، وجنة رحمته التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ولكل أحد ~~من أهل الله في الجنة ما تشتهيه، كما قال: # ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم # [فصلت:31]، وسيأتي بعد هذه الآية بأدنى فاصلة قوله: # ولهم ما يدعون # [يس:57]، إشارة إلى هذا المعنى. # فانظر كيف جعل الله النفس الإنسانية ذات اقتدار على إنشاء الصور المطهرة ~~في الدار الآخرة، المرتفعة عن أدناس عالم الحواس، لقيامها خاضعة خاشعة ~~بين يدي الحق رب العالمين، خلاق صور الأشياء بالإبداع والتكوين، مفيض ~~القوة والقدرة على المخلصين الصابرين، رب الطول والحول على ~~الوافدين، القارعين باب الرحمة والجود، العاكفين في جانب الحق ينبوع ~~الوجود. # فإذا تحققت هذا فاعلم أن معنى قوله: { أصحاب الجنة اليوم ~~في شغل فاكهون }؛ إنهم مشغولون بعمارة الجنة حيث ما يشاؤون، وهم ~~قائمون بإنشاء الصور البهية النقية الحسان، اللاتي لم يطمثهن أنس ~~قبلهم ولا جان، لصيرورتهم من جملة إخوان التقديس لا يشغلهم شأن عن شأن، ~~وسيأتي زيادة كشف لهذا المعنى. # وإنما خصص هذه الحالة لليوم الآخر، وإن كان لبعض المتجردين عن جلباب ~~البشرية أن تخترع نفوسهم صورا يشاهدونها في صقع من عالم الملكوت، لأن ~~تمام الإقتدار إنما يتيسر لهم عند قيام الساعة في دار القرار، وأما التي ~~يخترعونها ويشاهدونها قبل ذلك، فهي غير ثابتة لهم دائما، بل في بعض ~~الأحايين على وجه شبحي مثالي، ليس في غاية الإشراق والإنارة لشوائب ~~آفات الدنيا ومنقصاتها. ### || [36.56] # " هم " إما مبتدأ خبره إما " في ظلال " ، أو " على الأرائك متكئون ms1436 " ، ~~وإما تأكيد للضمير في " شغل " ، وفي " فاكهون " ، على أن أزواجهم ~~تشاركنهم في ذلك الشغل والتفكه. # و " الأرائك " جمع " أريكة " وهو: السرير في الحجلة، وقيل: " الأرائك " ~~الوسائد، وقال الأزهري: كل ما اتكئ عليه. # وقرئ: في ظلل. وقرأ ابن مسعود: متكين. # أخبر سبحانه عن بعض أحوال السعداء وقال: هم وأزواجهم في ظلال، أي: هم ~~وحلائلهم في الدنيا ممن وافقهم على إيمانهم في أستار عن وهج الشمس ~~وسمومها، كما أنهم في حفظ عن برد الزمهرير وجموده، فهم في حالة معتدلة لا ~~حر فيها ولا برد، لقوله: # لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا # [الإنسان:13]. # وقيل: أزواجهم اللاتي زوجهم الله في الجنة من الحور العين، في ظلال ~~أشجار الجنة، أو في ظلال تسترهم من نظر العيون إليهم، على الأرائك - وهي ~~السرر عليها الحجال. # مكاشفة # الضمير راجع إلى أرواح أهل الإيمان، الذين استكملوا بالعلم والتقوى، ~~فصاروا تحت ظلال الملكوت، مرتفعين عن عالم الناسوت، و " أزواجهم " ، ~~نفوسهم التي يسكنون إليها، فإن نسبة النفس إلى الروح نسبة الزوجة إلى ~~الزوج، لانفعالها وتأثرها عن واردات الروح، وانقيادها وتسليمها له، إذا ~~كانت صالحة مطواعة، غير ناشزة وأنفة عن طاعته، ولا كيادة غدارة في ~~صحبته. # أي: هم ونفوسهم الموافقة لهم في التوجه إلى الحق، المشايعة المطاوعة ~~إياهم في طريق العبودية لله، في ظلال من أنوار الصفات، وهي الحجب النورية ~~والوسائط العقلية المشار إليها في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كلما ~~انتهى إليه نظره " # ، على الأرائك - المقامات والدرجات - متكئون. # ويحتمل أن يكون " هم " مبتدأ خبره " على الأرائك متكئون " ، ويكون " ~~أزواجهم في ظلال " جملة حالية من مبتدء وخبر، فإن النفس واقعة في ظل ~~الروح، بل الظرفية تجويزية من باب عموم المجاز، لأن النفس هي بعينها ظل ~~نور الروح ودخانية ناره، كما أن البدن بصفوة أخلاطه وروحه النفساني في ظل ~~النفس وكدر صافها. ### || [36.57] # أي: لأصحاب الجنة في الجنة فواكه كثيرة، ولهم فيها ما يدعون، وهم ~~يفتعلون من الدعاء أي: ms1437 يدعون به لأنفسهم، كقولك: " اشتوى واجتمل " إذا ~~شوى وجمل لنفسه، وفي قول لبيد، " فاشتوى ليلة ريح واجتمل " ، ويجوز أن ~~يكون بمعنى " يتداعونه " كقولك: " ارتموه " و " تراموه ". # وقيل معناه: لهم فيها ما يتمنون ويشتهون. قال أبو عبيدة: تقول العرب: " ~~ادع علي ما شئت " أي: تمنه علي، و " فلان في خير ما ادعى " أي في خير ما ~~تمنى. # وقيل: معناه أن كل ما يدعي شيئا فهو بحكم الله، لأنه قد هذب طباعهم فلا ~~يدعون إلا ما يحسن منهم. # وقال الزجاج، هو مأخوذ من " الدعاء " ، يعني أن أهل الجنة كل ما يدعون ~~به يأتيهم. ### || [36.58] # " سلام " مبتدأ محذوف الخبر، لدلالة " لهم ما يدعون " عليه، كأنه قال: " ~~لهم ما يدعون ولهم سلام " ، ويجوز أيضا أن يكون بدلا من " ما يدعون " ~~، و " قولا " مفعول به، أي: يقول الله قولا يسمعونه من رب رحيم، فنودوا ~~بدوام الأمن والسلامة مع سبوغ النعمة والكرامة، أو مفعول مطلق، أي: يقال ~~لهم قولا من جهة رب رحيم. بمعنى أنه سبحانه يسلم عليهم بلا واسطة، أو ~~بواسطة الملائكة، تعظيما وتكريما لهم، وعلى تقدير البدلية، يكون ~~اشعارا بأن ذلك غاية ما يتمنونه وغاية منى أهل الجنة أن يسلم الله ~~عليهم، ولهم ذلك من غير منع. # وعن ابن عباس: الملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين. # وقيل: إن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب، يقولون: " سلام عليكم من ~~ربكم الرحيم ". # وفي الكشاف قيل: " ما يدعون " مبتدأ وخبره " سلام " ، بمعنى: ولهم ما ~~يدعون سالم خالص لا شوب فيه، و " قولا " مصدر مؤكد لقوله: " ولهم ما ~~يدعون سلام - أي عدة - من رب رحيم " ، والأوجه أن ينتصب على الاختصاص، ~~وهو من مجازه. # وقرئ: " سلم ". في قراءة ابن مسعود: " سلاما، نصبا على الحالية، أي: ~~لهم ما يدعون سالما. # مكاشفة برهانية # قد سبقت الإشارة إلى أن الإنسان إذا مات عن الدنيا ولذاتها، وصفت نفسه ~~عن درن الشهوات، وتنورت بأنوار العبودية والطاعة، وتخلقت بأخلاق ~~الله، وبلغت مقام الفناء في التوحيد، فحشر إلى ربه وتسرمد بسرمديته، ونفذ ~~حكمه في العالم ms1438 على حسب التابعية ومقام الرضا، واستشرقت ذاته اللطيفة ~~الصافية باشراق نور المحبة في أرجائها، فتكرم بكرامة التكوين والإيجاد، ~~فتسخر له ما في الملك والملكوت، ويسمع دعاؤه ودعوته في عالم الجبروت، ~~لكونه وليد القدس وخليفة الله في أرضه، ويكون ممن أمر الله سبحانه بواطن ~~الملكوت والروحانيين وعباده المسبحين بأن يسجدوا له كلهم، بقوله: # اسجدوا لآدم # [البقرة:34]. ويكون ممن يطيع له الملكوت ويسجدون له كما سجد الملائكة ~~كلهم لأبيه آدم حين أمرهم الله بسجوده، كما في قوله تعالى: # إني خالق بشرا من طين* فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين # [ص:71 - 72]، وها هنا يظهر سر ما ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): # " أن العالم يستغفر له من في السماء ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر ~~". # وبالجملة، الإنسان إذا انخرط في سلك المقربين، يصير نفس تصوره لكل ما ~~يتمناه نفس وجود ذلك الشيء في العين، كما أن قبل ذلك يعم لكل أحد إذا ~~تصور شيئا وتمناه خضع له في عالم توهمه، ويكون نفس تصوره لشيء وجودا ~~خياليا ذهنيا له، فلكل أحد ها هنا ما تشتهي نفسه في خياله وضميره، إلا ~~أن ضميره وباطنه في غاية القصور، وارادته وهمته في غاية الضعف، فيكون ~~للأشياء بالقياس إليه وجود كالعدم، وحضور كالغيبة، وأما في الآخرة فإذا ~~قوي روح الإنسان بالعلم والإيمان، وتخلص عن قيود الإمكان ورق الحدثان، ~~وسلاسل الذنوب وغل العصيان، كان الذهن له خارجا، والعلم عينا، والغيبة ~~حضورا، فيحضر ويوجد له دفعة واحدة كل ما يهمه ويهواه، هذا هو المراد ~~بقوله تعالى: { ولهم فيها ما يدعون }. # ثم اعلم أنه # " ورد في الحديث في خبر أهل الجنة: أنه يأتي إليهم الملك بعد أن يستأذن ~~منهم في الدخول عليهم، فإذا دخل ناولهم كتابا من عند الله بعد أن يسلم ~~عليهم من الله، فإذ في الكتاب لكل إنسان يخاطب به: من الحي القيوم إلى ~~الحي القيوم، أما بعد: فإني أقول للشيء " كن " فيكون، وقد جعلتك اليوم ~~تقول للشيء " كن " فيكون. فقال (صلى ms1439 الله عليه وآله وسلم): فلا يقول أحد ~~من أهل الجنة لشيء " كن " إلا ويكون ". # تأييد كشفي # قال بعض أهل المعرفة في شرح هذا الحديث: إن قوله (صلى الله عليه وآله): # " فلا يقول أحد من أهل الجنة لشيء كن إلا ويكون " # جاء (بشيء) نكرة، فعم، وغاية الطبيعة تكوين الأجسام وما تحمله مما لا ~~تخلو عنه وتطلبه بالطبع، وغاية النفس تكوين الأرواح الجزئية في النشآت ~~الطبيعية، فما أعطى العموم إلا للإنسان الكامل حامل السر الإلهي، فكل ما ~~سوى الله شطر من الإنسان الكامل - فاعقل إن كنت تعقل -. # ومن أراد أن يعرف كماله، فلينظر في نفسه وأمره ونهيه وتكوينه بلا واسطة ~~لسان ولا جارية ولا مخلوق غيره، فهو على بينة من ربه في كماله، فإن ~~أمر أو نهى، أو شرع في التكوين بواسطة جارحة من جوارحه، فلم يقع شيء ~~من ذلك، أو وقع في شيء دون شيء، ولم يعم - مع عموم ذلك بترك الواسطة - ~~فقد كمل، فلا يقدح في كماله ما لم يقع في الوجود عن أمره بالواسطة، فإن ~~الصورة الإلهية بهذا ظهرت في الوجود، فإنه أمر عباده على ألسنة رسله وفي ~~كتبه، فمنهم من أطاع ومنهم من عصى، وبارتفاع الوسائط لا سبيل إلا الطاعة ~~خاصة، كما قال (صلى الله عليه وآله): # " يد الله مع الجماعة " # ، وقدرته نافذة، ولهذا إذا اجتمع الإنسان في نفسه حتى صار شيئا واحدا، ~~نفذت همته فيما يريد، وهذا ذوق أجمع عليه أهل الله قاطبة، انتهى كلامه. # وقال في موضع آخر: " بالوهم يخلق كل إنسان في قوة خياله ما لا وجود له ~~إلا فيها، وهذا هو الأمر العام الفاشي، والعارف يخلق بالهمة ما يكون له ~~وجود من خارج محل الهمة، ولكن لا تزال الهمة تحفظه ولا يؤودها حفظ ما ~~خلقته، فمتى طرأ على العارف غفلة عن حفظ ما خلق، عدم ذلك المخلوق " ~~انتهى. # وقال الغزالي في رسالة المضنون به على غير أهله، " إن النوم مستحقر لأجل ~~انقطاعه، فلو كانت دائمة لم يظهر الفرق بين الخيالي والحسي، لأن التذاذ ~~الإنسان ms1440 بالصور من حيث انطباعها في الخيال والحس، لا من حيث وجودها في ~~الخارج، فلو وجد في الخارج ولم يوجد في حسه بالانطباع، فلا لذة له، ولو ~~بقي المنطبع في الحس وعدم في الخارج لدامت اللذة، وللقوة المتخيلة ~~قدرة على اختراع الصور في هذا العالم، إلا أن صورها المخترعة متخيلة، ~~وليست بمحسوسة ولا منطبعة في القوة الباصرة، فلذلك لو اخترع صورة جميلة ~~في غاية الجمال، وتوهم حضورها ومشاهدتها، لم تعظم لذته، لأنه ليس بصيرا ~~مبصرا كما في المنام. # فلو كانت له قوة على تصويرها في القوة الباصرة، كماله قوة على تصويرها ~~في القوة المتخيلة، لعظمت لذته، ونزلت منزلة الصورة الموجودة في الخارج، ~~ولم تفارق الدنيا الآخرة في هذا المعنى إلا من حيث كمال القدرة على ~~تصوير الصورة في القوة الباصرة، فكلما تشتهيه فيحضر عنده في الحال، فتكون ~~شهوته بسبب تخيله، وتخيله بسبب ابصاره، أي بسبب انطباعه في القوة ~~الباصرة، ولا يخطر بباله شيء يميل إليه إلا ويوجد في الخيال (الحال - ~~ن)، أي يوجد له بحيث يراه. # وإليه الإشارة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " أن في الجنة سوقا تباع فيه الصور " # ، والسوق عبارة عن اللطف الإلهي الذي هو منبع القدرة على اختراع الصور ~~بحسب المشية، وانطباع القوة الباصرة بعدها انطباعا ثانيا إلى دوام ~~المشية، لا انطباعا هو بمعرض الزوال من غير اختيار كما في النوم في هذا ~~العالم. # وهذه القدرة أوسع وأكمل من القدرة على الإيجاد عن خارج الحس، لأن ~~الموجود في خارج الحس لا يوجد في مكانين، وإذا صار مشغولا باستماع واحد ~~ومشاهدته ومماسته، صار مستغرقا محجوبا عن غيره، وأما هذا فيتسع ~~اتساعا لا ضيق فيه ولا منع، حتى لو اشتهى مشاهدة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) - مثلا - ألف شخص في ألف مكان في حالة واحدة لشاهدوه كلما خطر ~~ببالهم في الأمكنة المختلفة، وأما الإبصار الحاصل من شخص النبي (صل الله ~~عليه وآله) الموجود في خارج الحس، فلا يكون إلا في مكان واحد، وحمل ~~أمور الآخرة على ما هو أوسع ms1441 وأتم للشهوات وأوفى لها أولى. # ولا ينتقص عن رتبتها في الوجود انتفاء وجودها من الخارج، فإن وجودها ~~مراد لأجل حظه، وحظه من وجوده في حسه، فإذا وجد فقد توفر حظه، والباقي ~~فضل لا حاجة إليه، وإنما يراد لأنه طريق المقصود، وقد تعين كونه طريقا ~~في هذا العالم الضيق القاصر، أما في ذلك العالم، فيتسع الطريق ولا يتضيق ~~" انتهى كلامه. # مباحثة عقلية # إن هذا النحرير الخبير قد تتبع أثر كلام فاضل المشائين أبي علي بن سينا ~~في تحصيل مسألة المعاد الجسماني، حيث قال في أواخر كتابه المعروف ~~بالشفاء، بعد أن صحح اعتقاده بالمعاد بكون بعض الأجرام السماوية موضوعا ~~لتخيلات المتوسطين في السعادة والأشقياء، وفي جميع ما اعتقدوه من الأحوال ~~الأخروية، أو سمعوه من الإنذارات في الدنيا، من أحوال القبر والبعث ~~والثواب والعقاب بهذه العبارة: # " إن الصورة الخيالية ليست أضعف عن الحسية، بل تزداد عليها تأثيرا ~~وصفاءا كما يشاهد في المنام، فربما كان المحلوم به أعظم شأنا في بابه ~~من المحسوس، على أن الأخرى أشد استقرارا من الموجود في المنام بحسب قلة ~~العوائق وتجرد النفس وصفاء القابل، وليست الصورة التي ترى في المنام بل ~~والتي تحس في اليقظة - كما علمت - إلا المرتسمة في النفس، إلا أن ~~إحداهما تبتدئ من باطن وتنحدر إليه، والثانية تبتدئ من خارج وترتفع إليه، ~~فإذا ارتسم في النفس تم هناك الإدراك المشاهد، وإنما يلذ ويؤذي بالحقيقة ~~هذا المرتسم في النفس لا الموجود في الخارج، وكلما ارتسم في النفس فعل ~~فعله وإن لم يكن سبب من خارج، فإن السبب الذاتي هو هذا المرتسم، والخارج ~~هو سبب بالعرض أو سبب السبب " انتهت ألفاظه. # والعجب منهما جميعا، كيف اقتنعا في هذه المسألة المهمة الشريفة ~~الدينية، التي لا يخرج الإنسان من خطر سوء العاقبة إلا بتحقيقها ~~وتبيينها، بهذه المرتبة الدنية، وقصرا في الإعتقاد بيوم المعاد على هذه ~~الدرجة النازلة. # بل الحق الحقيق بالإعتقاد والتصديق، هو ما تنورت به نفوس الراسخين في ~~العلم والإيمان، المثبتين في الحكمة والعرفان، من علماء هذه الملة ~~البيضاء، ms1442 وحكماء هذه الشريعة الغراء، وهو أن الصور الموجودة الموعودة في ~~الدار الآخرة موجودات عينية وثابتات خارجية منفصلة عن النفس - لا أنها ~~حالة فيها حلول الصور الانطباعية - وإنما هي جواهرها جواهر عينية ~~وثابتات خارجية منفصلة عن النفس، وهي على أشكالها وهيئاتها وصفاتها ~~المنعوتة في الكتاب والسنة، وأقدارها واعظامها وإعدادها الموعودة في ~~لسان الشريعة من غير تجوزات واستعارات في اللفظ، وتكلفات وتمحلات في ~~الحكاية. # وهي أقوى تأثيرا وأدوم آثارا من موجودات هذا العالم، بل لا نسبة بينها ~~وبين هذه المؤثرات (الداثرات - ن) المستحيلات في باب الموجودية وترتب ~~الآثار بها، وليست أنها بحيث يمكن أن ترى بهذه الأبصار البالية الفانية ~~كما ذهب إليها الظاهريون، ولا أنها خيالية محضة لا وجود لها في العين، ~~أو مثالية محضة لا تشاهد إلا في مظاهر أخرى نفسانية أو خيالية، أو ~~أجرام فلكية أو كوكبية كما رآه آخرون، ولا أنها مجرد مفهومات عقلية ~~وأمور ذهنية كلية كما زعمه المشاؤون، ولا أنها مجرد مثالات عقلية ~~لأجسام نوعية وأرباب أنواع جسمانية لأصنام شخصية كما ذهب إليه ~~الرواقيون، ولا أنها أشخاص وأجسام ستوجد في هذا العالم ويتعلق بها ~~النفوس الناقصة والمتوسطة بعد مرور أكوار وأدوار كثيرة، ومضي دهور ~~وأحقاب عديدة، كما تمحله وانتحله التناسخية. # بل كما ذكرناه، صورة عينية جوهرية موجودة، لا في هذا العالم ودار ~~العمل، ولا يشاهد بهذه الحواس، وإنما هي ثابتة في عالم الآخرة ودار ~~الثواب. # وعالم الآخرة جنس لعوالم كثيرة، كل منها أعظم من هذا العالم بما لا نسبة ~~بينهما، ولكل نفس من نفوس الأخيار عالم عظيم الفسحة، ومملكة أعظم من ~~السماوات والأرض بعدة أضعاف. # ووجود أمور الآخرة وإن كان يشبه وجود الصور التي يراها الإنسان في ~~المنام أو في المرآة من وجه، إلا أن الموجودة في المنام والمرآة أمور ~~ضعيفة، شأنها الحكاية المحضة، وأما الصور الموجودة في الدار الآخرة فهي ~~أمور قوية الوجود شديدة التأثير، نسبتها إلى هذه الصور الدنيوية كنسبة ~~هذه الصور المحسوسة إلى الموجودة في المنام، من بقايا المرتسمات الوهمية ~~والمخزونات الخيالية، كما ورد ms1443 في الحديث من قوله (صلى الله عليه وآله): # " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا " # ، فيعلم منه أن الكون في الدنيا منام والعيش فيها أحلام. # وقد مرت في تفسيرنا لبعض الآيات إشارات لطيفة وتنبيهات على كيفية وجود ~~الصور الأخروية، وأما بيانه التفصيلي على المنهج البرهاني اللمي بالنظم ~~الحكمي المتعارف بين المباحثين، المناسب للناظرين، فقد أودعناه في بعض " ~~الأسفار الإلهية " الموسومة بالحكمة المتعالية. # وأما إجماله، فإنما يستفاد من هذه الآية ونظائرها، بملاحظة أن النفس ~~الناطقة الإنسانية من سنخ الملكوت وعالم القدرة والنورية، والنور فياض ~~لذاته، والملكوتيون لهم اقتدار على اختراع الصور من غير حاجة إلى مادة ~~وموضوع تصرفوا فيها كأرباب الصنائع في صنائعهم، ووجود المادة وعدمها مناط ~~الفرق بين الصنع والإبداع، فإن الحاصل بالإنشاء والإبداع يكون صورة من ~~غير مادة وموضوع، والحاصل بالصنع والتكوين صورة في مادة أو مع مادة. # لكن النفس ما دامت متعلقة بهذا البدن الكثيف الظلماني، المركب من ~~الأضداد، لا يمكنها إنشاء الصور والأشكال التي أرادت وشاءت إلا ضعيفة ~~الكون شبحية الوجود، بمنزلة الطلل والرسوم التي لا تترتب عليها الآثار ~~المطلوبة، ولا تكون أيضا ثابتة باقية بل دائرة زائلة، لأن مظهرها القوة ~~الخيالية، وهي دائمة التحلل والتجدد والزوال، والإنتقال من حال إلى حال ~~حسب اختلاف أمزجة محلها، بسبب ما يرد على الروح البخاري من المشوشات ~~والمتغيرات الخارجة والداخلة. # أولا ترى أن النفس كلما استراحت من الشواغل الضرورية وغير الضرورية ~~والحركات اللازمة لحفظ البدن، المجتمعة من الأمور المتضادة المتداعية إلى ~~الانفكاك، وتعطلت حواسها الظاهرة واحتبست عن استعمالها والاشتغال بها - ~~إما بالنوم، أو بتوجهها إلى الجنبة العالية بقوة في ذاتها نظرية أو كسبية ~~- اغتنمت الفرصة ورجعت إلى ذاتها النورية الفياضة، فأصبحت مخترعة للصور ~~مشاهدة إياها بحواسها التي لها في ذاتها بلا مشاركة البدن، فإن للنفس في ~~ذاتها بصرا وسمعا وذوقا وشما ولمسا من دون حاجة لها إلى البدن ~~وقواه، بل هي أتم وأقوى وأصفى من هذه التي في البدن، بل هذه هي ظلال تلك، ~~وكما أن حواس البدن كلها ترجع إلى حاسة ms1444 واحدة هي " الحس المشترك " ، ~~فجميع حواس النفس وقواها ترجع إلى قوة واحدة وهي ذاتها النورية الفياضة ~~للصور. # وقد أشرنا إلى أن نزول الشيء عن فطرته يكثره ويضعفه، فهذه الحواس على ~~كثرتها كأنها هي صفات النفس الموجودة في ذاتها بوجود واحد، تشعبت وتكثرت ~~في البدن، والضعف مما يوجب التكثر والإنقسام، كالنبض يتعدد ويتواتر عند ~~ضعفه، فإذا رجعت النفس إلى فطرتها وذاتها من هذا العالم، صار إدراكها ~~للأشياء عين قدرتها عليه، فيكون علمها فعلا وحسها قدرة، وكلما كانت أتم ~~قوة، وأقوى تجوهرا، وأقل مزاحمة من قواها وشواغلها، كانت ملاقاتها للصور ~~الغيبية ومشاهدتها إياها، وترتب آثار الوجود على صورها المشهودة ~~إلذاذا أو إيلاما أكثر. # وربما كانت قوة بعض النفوس لغاية جلالتها وقربها من الحق سبحانه بحيث ~~تفي بضبط الجانبين، وتسع للتصرف في النشأتين، فكانت مع تعلقها بهذا البدن ~~مشاهدا لعالم الآخرة، وذلك لنفضهم غبار هذه المحسوسات عن أذيال نفوسهم، ~~وعدم التفاتهم إلى صور هذه الدار إلا بعين الاحتقار، فلا يشغلهم شأن عن ~~شأن، ولا يحجبهم منزل عن منزل، ولا يلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ~~وتذكر الأمور الأخروية، فهي كالمبادئ الفعالة ذاتا وصفة وفعلا، فتقدر ~~على إيجاد الصور وإنشاء الأعيان، وذلك لظهور سلطان الآخرة على قلوبهم، ~~وقيامهم إلى الله عن هذه القبور البالية. # فهذه أنموذج لمعرفة أحوال الآخرة وما يراه الإنسان من الصور الملذة أو ~~المؤذية الموعودة أو المتوعدة عليها في الجنة والنار، ويعلم منه كيفية ~~احضار كل ما يشتهيه ويدعيه أهل الجنة في الجنة المشار إليه في هذه الآية ~~قوله: # ولهم ما يدعون # [يس:57]. # بل يعلم أيضا كل نفس - سواء كانت سعيدة أو شقية -، فهي إذا انقطعت عن ~~البدن، وارتحلت عن هذه الدار، وارتفعت عنها شواغلها صحبة الأغيار، ورجعت ~~إلى ذاتها وعالمها، وصارت جوانبها الباطنية لإدراك الأمور الأخروية قوية ~~حديدة، لقوله تعالى: # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق:22] فيشاهد الصور الغيبية المخزونة عنها من نتائج أعمالها وأفعالها، ~~ومطامح أنظارها ومقاصد طبائعها وغاية هممها وقصورها، فإن كانت هي من ~~الأمور القدسية ms1445 الدائمة الباقية المقربة إلى الحق، المؤكدة للروح ~~والريحان، والانس بروائح القدس، كانت الروح عند ملاقاتها مسرورة بها، ~~قريرة العين بمشاهدتها، كالجنة والرضوان ومجاورة الرحمان، وإن كانت من ~~باب اللذات الداثرات، والشهوات الدنية الفانية، كانت الروح عند ملاقاتها ~~في غصة وعذاب أليم، وتصليه جحيم. # مباحثة أخرى # ثم إني لأتعجب من بعض الشيوخ الموصوفين بالعلم والحكمة وفقه الآيات ~~بالإشراق والهمة، مع شدة توغله في فهم الأسرار وعلم الأنوار، واعتقاده ~~بوجود عالم الجنة والنار - إليه رجعى نفوس الأخيار والفجار - كيف صوب ~~واختار قول بعض العلماء، كما صوبه واختاره الشيخان الجليلان - وهما أبو ~~علي والغزالي - تصريحا وتلميحا، من كون جرم سماوي موضوعا لتخيلات ~~طوائف من السعداء والأشقياء، مستدلا بأنهم لم يتصور لهم العالم العقلي، ~~ولم تنقطع علاقتهم عن الأجرام، وهم بعد بالقوة التي احتاجت بها النفس إلى ~~علاقة البدن، وقال: " إنه كلام حسن " ، موافقا لما قال أبو علي بعد نقله ~~إياه: " أنه مما يشبه أن يكون كلاما حقا " وكما اختاره الغزالي في ~~مقالته المضنون بها - وهو ما نقلنا آنفا -. # إلا أن هذا الشيخ الاشراقي، خالفهما في تعلق نفوس الأشقياء بتلك ~~الأجرام الشريفة ذوات النفوس النورانية، حيث قال: " والقوة تحوجهم إلى ~~التخيل الجرمي، فليس يمتنع أن يكون تحت فلك القمر وفوق كرة النار جرم ~~كروي غير منخرق هو نوع بنفسه، ويكون برزخا بين العالم الأثيري والعنصري ~~موضوعا لتخيلاتهم، فيتخيلون به من أعمالهم السيئة مثلا من نيران وحيات ~~تلسع، وعقارب تلدغ، وزقوم تشرب، وغير ذلك ". # وقال: " ولست أشك لما اشتغلت به من الرياضات أن الجهال والفجرة لو ~~تجردوا عن قوة جرمية مذكرة لأحوالهم مستتبعة لملكاتهم وجهالاتهم، ~~مخصصة لتصوراتهم، نجوا إلى الروح الأكبر " انتهى. # ولا يخفى على الخبير البصير، أن كون جسم من الأجسام فلكي أو عنصري ~~موضوعا لتخيل النفس ومرآة لمشاهدتها صور الأشياء، لا تستم إلا بأن ~~يكون لها معه علاقة ذاتية أو وضعية بتوسط ما هو لها معه تلك العلاقة ~~بالذات، وبالجملة، لا بد من أن يكون ذلك الجسم في تصرف النفس بوجه من ~~الوجوه، ms1446 وأقله كما يكون في المرايا التي لها علاقة وضعية بالنسبة إلى ~~المادة البدنية، التي هي موضوعة لأفاعيل النفس ومحل لقواها، ومطرح ~~لأشعتها وأضوائها، المنبعثة عن ذاتها النيرة الواقعة عليك. # فإنك إذا كنت ترى صورة في المرآة، فهو لأجل علاقة وضعية لها ابتداء أو ~~بتوسط مرآة أخرى مع عينك التي هي أيضا مرآة في تصرف النفس بعلاقة ~~طبيعية، وليس الجرم الفلكي أو ما يجري مجراه، مما يؤثر فيه شيء من النفوس ~~إلا نفسه الفائضة عليه من مبدئه، وقد تقرر عندنا، أن الأجرام العلوية ~~ليست مطيعة لغير مباديها الذاتية، وهي ملائكة السماوات بأمر ربها، ولا ~~قابلة للتأثيرات الغريبة من القواسر، وليست لتلك النفوس المفارقة عن هذه ~~الأبدان أبدان أخرى، حتى تكون لأبدانها بالقياس إلى تلك الأجرام العلوية ~~علاقة وضعية، لتصير هي كمرآة لتلك النفوس يشاهدون ما فيها من الصور. # وعلى تقدير صحة كونها مرائي، تكون الصور المرتسمة في مرائيها هي تخيلات ~~الأفلاك وما في حكمها، لا تخيلات تلك النفوس، فكيف يجوزون أن تكون تلك ~~الصور مما يتلذذ به السعداء أو يتعذب به الأشقياء؟ كيف والصور المؤلمة ~~لهم - على ما اعترفوا به -، ليست إلا هيئاتهم الردية وتخيلاتهم ~~النفسانية المشوشة الباطلة، وعقائدهم الوهمانية الخبيثة الفاسدة، دون ~~الصور المطابقة لما هو الواقع، لأن الكائن في القابل الذي هو في غاية ~~الخلوص والنقاء - كالأجرام العالية - من الفاعل الذي في غاية الشرف ~~والبهاء - كالمبادي العقلية - لا يكون إلا صورا علمية مطابقة لما هو ~~عليه الأمر في نفسه. # ثم من المعلوم أن علاقة الجوهر الروحاني بجرم إنما هي لنسبة طبيعية بين ~~مادته البدنية وبين الجوهر الروحاني، فأيه نسبة حدثت بينهما بالموت حتى ~~أوجبت اختصاصه به وانجذابه من عالمه إليه دون غيره من الأجرام؟ بل إلى ~~حيزه دون بقية الاحياز من نوع ذلك الجرم؟ # ثم أن الجسم الذي هو موضوع التخيلات، يجب أن تتصرف فيه النفس وتحركه ~~بحركات جرمية، تابعة للحركات النفسانية وارادته الفكرية، كما يعرض لجوهر ~~الدماغ من الإنفعال والتغيرات، وظاهر، أن الجوهر الفلكي يأبى عن تصرف ~~فيه ms1447 من غير نفسه المحركة إياه حركة متشابهة مستمرة على نهج واحد. # وإن كان جرما مركبا دخانيا تحت كرة النار - كما زعمه قوم - فهو ~~أيضا غير صحيح، لعدم اعتدال فيه يصلح لقبول النفس المدبرة له، فإنه أن ~~قرب من النار فتحيله بسرعة إلى جوهرها، وأن بعد منها فيكون في حيز ~~الهواء، فأما أن يتخلخل فيصعد بحر، أو يتكاثف فينزل ببرد، وليس فيه جرم ~~محيط يغلب عليه من الصلابة واليبس ما يحفظه من التبدد ويحرسه عن ممازجة ~~غيره به، كما للجوهر الدماغي فينا، ليتعين فيه محل التخيل بتشكلاته، ولا ~~بد من جوهر يابس لتنحفظ فيه الصور، ورطب ليقبل. # ثم لما كانت النفوس المفارقة عن الأبدان الإنسانية غير متناهية عندهم، ~~لزم مما ذكروه اجتماع المفارقات كلها على جسم من أجسام العالم، فيلزم أما ~~نهاية تلك الجواهر، أو عدم نهاية ذلك الجسم، وكلاهما محال، فلا يستتم ما ~~قالوه ولا يستقيم ما تصوروه من كونها مما يتعذب به الأشقياء. # وكما لم يجز ذلك في الجرم الفلكي، فكذلك لا يصح في جرم إبداعي غير منخرق ~~منحصر نوعه في شخصه كما توهموه، بل هذا الجرم أيضا كما فرضوه، له طبيعة ~~خامسة فلكية وإن كانت تحت كرة القمر، للزوم كونه غير مستقيم الحركة، بل ~~ذا حركة مستديرة دائمة يخرج بها أوضاعه وكمالاته من القوة إلى الفعل، ~~وسائر صفات الأفلاك على رأيهم، ولعل عدد نفوس الأشقياء غير متناه على ~~رأيهم كما مر، فكيف يكون جرم دخاني متناه موضوعا لتصرفاتها وصورها ~~الإدراكية الغير المتناهية، إذ لا أقل من أن يكون فيه بإزاء تعلق كل نفس ~~وكل ارتسام صورة فيها قوة واستعداد لها، فيلزم أن يكون جرم واحد ذا قوة ~~غير متناهية مجتمعة، وذلك معلوم الفساد. # بل الحق، أن الصور الملذة للسعداء، والمؤذية للأشقياء، في النشأة ~~الثانية -، كما وعدت الشريعة الحقة النبوية، على الصادع بها وآله أفضل ~~الصلاة والتحية - هي واقعة في صقع آخر، مظاهرها نفوس هاتين الطائفتين ~~بضرب من الفعل والتأثير، كما أن الصور تقع في المرآة بضرب من القبول، ms1448 ولا ~~منافة بين صدور الفعل عن قوة بجهة، وانفعالها عنه بجهة أخرى، كما أن ~~الصحة والمرض البدنيين ينشئان من النفس في هذه الدار - كما هو التحقيق - ~~بواسطة ما سبق من أفعال تغير المزاج، ثم تنفعل النفس منهما، وتكون من ~~أحدهما في راحة ومن الآخر في مشقة. # وذلك لكونها ذات جهتي قوة وفعل، وكمال ونقص، ووجوب وإمكان، يفعل بأحدهما ~~وينفعل بالأخرى، وهكذا يكون حالها بحسب فعل الطاعات واقتراف السيئات ~~المؤدية إلى الصور الحسنة والقبيحة يوم الآخرة عند تجسم الأعمال، ~~فيتنعم أو يتعذب. # وهاتان الجهتان موجودتان في النفس ما لم يصر عقلا بسيطا صرفا يكون ~~فعالا ودراكا، وقد ثبت عندنا أن " عنه " و " فيه " في المفارقات ~~المحضة شيء واحد. # فقد وضح أن جميع ما يلحق النفس في الآخرة هو ما ينشأ منها، فظهر بطلان ~~قول هؤلاء المتشبثين بأذيال الأفكار الفلسفية، الواقفين عن الإرتقاء إلى ~~ذروة قدس الملة المصطفوية، وأوج عرفان الحكمة المحمدية، على الصادع بها ~~وآله أزكى الصلوات الأبدية. # تأييد تنبيهي # ومما يؤكد ويوضح ما ذكرناه، من بطلان قول هؤلاء بتعلق الأرواح بعد الموت ~~بأجسام فلكية أو دخانية، ليكون الحاصل في قواها من الصور المثالية هي ~~بعينها جنة السعداء وجحيم الأشقياء، وتصحيح أن تلك الصور والأشباح حادثة ~~عن الأرواح في صقع منها وفي عالمها المختص بها، نتيجة لأعمالها وأخلاقها ~~الحاصلة في الدنيا، هو ما صرح به بعض أهل الكشف بقوله: # " عليك أن تعلم أن البرزخ الذي تكون الأرواح فيه بعد المفارقة من النشأة ~~الدنيوية هو غير البرزخ الذي بين الأرواح المجردة والأجسام، لأن تنزلات ~~الوجود ومعارجه دورية، والمرتبة التي قبل النشأة الدنيوية هي من مراتب ~~التنزلات ولها الأولية، والتي بعدها من مراتب المعارج ولها الآخرية. # وأيضا، الصور التي تلحق الأرواح في البرزخ الأخير، إنما هي صور الأعمال ~~ونتيجة الأفعال السابقة في الدنيا، بخلاف صور البرزخ الأول، فلا يكون ~~أحدهما عين الآخر، لكنهما يشتركان في كونهما عالما روحانيا وجوهرا ~~مثاليا " - انتهى. # وقال في الباب الثالث والستين من فتوحاته المكية: " فجميع ما يدركه ~~الإنسان ms1449 بعد موته في البرزخ من الأمور لعين الصور التي هو بها في ~~الدنيا ". # وقال في آخر هذا الباب: " وكل إنسان في البرزخ مرهون بكسبه، محبوس في ~~صور أعماله، إلى أن يبعث يوم القيامة في النشأة الآخرة " انتهى كلامه. # وبه يعلم، أن تلك الصور الملذة والمؤلمة مبدء وجودها النفوس، لأنها ~~نتائج الأعمال اللاحقة، وهي ليست تخيلات الأفلاك وتصوراتها التي هي ~~بعينها صور عالم المثال السابقة عندهم، ولا يمكن أيضا أن ترتسم فيها صور ~~أخرى حاصلة من تلك النفوس، وإلا لانفعلت عنها وتأثرت من آثارها، ~~فانفسدت بكثرة التأثيرات الغريبة. # ويعلم من قوله: " فجميع ما يدركه الإنسان بعد موته - إلى آخره - " ~~وقوله: " كل إنسان في البرزخ مرهون بكسبه - إلى آخره - " أن الصور ~~الإعتقادية هي بعينها ستصير بعد القيامة موجودات عينية متحققة القوام، ~~مستمرة الثبات والدوام، مؤثرة في النفوس إلذاذا وإيلاما، وأن المكاسب ~~العملية هي بعينها ستصير إما منشأ انطلاق النفس عن وثاقها إلى سعة الرحمة ~~الإلهية، أو منشأ لانحباسها عن عالمها وتقيدها بسلاسل التعلقات، وضيق ~~عطنها وطردها عن الرحمة وبعدها عن الجنة في غصة وعذاب أليم، وانحدار إلى ~~مهوى الجحيم. ### || [36.59] # أي: انفصلوا وتفردوا واعتزلوا أيها المجرمون - من الكافرين والمنافقين ~~- عن المؤمنين الكاملين في العلم واليقين، وكونوا على حدة، وذلك حين ~~كشف الغطاء ورفع الحجب بالموت، بل عند القيام إلى المحشر عن هذه ~~القبور، ونحوه قوله تعالى: # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون * فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة ~~يحبرون * وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~ولقآء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون # [الروم:14 - 16]. # وعن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يدخل فيه فيردم بابه، لا يرى ~~ولا يرى، ومعناه: أن بعضهم يمتاز عن بعض # مكاشفة # قد سبقت الإشارة إلى كون أفراد الإنسان في النشأة الثانية وبحسب الباطن، ~~واقعة تحت أنواع كثيرة حسب اختلاف الصفات والملكات، لأن النفوس الإنسانية ~~- وإن كانت بحسب الفطرة الأولى متشابهة الحقيقة متماثلة الماهية، لكونها ~~صورة فائضة على المركب العنصري من الممتزج الواقع في عرض المزاج النوعي ~~الإنساني -، إلا أنها ms1450 مادة عقلية قابلة لهيئات نفسانية، وصور عقلية تصير ~~بها خارجة من القوة إلى الفعل في أطوار مختلفة. # فالنفوس السبعية تقبل عقولها الهيولانية هيئات سبعية من ~~الغضب والغلبة والجور والوقاحة والتعالي والتفاخر وغيرها، حتى تصير صورها ~~التي تخرج من القوة إلى الفعل صورا سبعية، ولكل نفس منها صورة ~~سبعية مخصوصة لنوع من أنواع السباع الذي يناسبه ويخصه تلك الهيئات ~~التي رسخت في تلك النفس. # وكذا النفوس البهيمية، تقبل عقولها الهيولانية هيئات بهيمية - من الشهوة ~~والحرص ولذة البطن ولذة الفرج والزينة والرعونة وغيرها -، حتى تصير مادة ~~تتكون فيها صورة بهيمية لكل نفس ما يناسبها من تلك الصور. # والنفوس الشيطانية تغلب عليها هيئات إبليسية من الجهل الراسخ، ~~والاستكبار، والمكر والحيلة والجربزة والوعد بالشر والإيعاد بالخير، ~~وغير ذلك من صفات أهل اللعنة والكفر والطرد، حتى تصير عقولها شياطين ~~بعينها. # وأما النفوس الملكية، فالغالب عليها مزاولة العلوم العقلية، وطلب ~~المعارف الإلهية، ومحبة الحق وملائكة الله المقربين، ومتابعة الرسل ~~والأئمة (عليهم السلام)، والصبر والورع عن محارم الله، والإعراض عن ~~الدنيا، والتجافي عن دار الغرور، وتذكر الموت والآخرة، حتى تصير من جنس ~~الملائكة المقربين لكل نفس بحسب قوة إيمانه وشدة اجتنابه عن اللذات. # فإذا تقرر هذا، ظهر أن كل نفس من النفوس الإنسانية، واقعة يوم القيامة ~~تحت نوع من أنواع تلك الأجناس الأربعة: " السبعية، والبهيمية، ~~والشيطانية، والملكية " وتحشر معه، فالنفوس البشرية منحصرة يوم الآخرة في ~~أجناس أربعة، لكل جنس أنواع كثيرة، لكل نوع منها أفراد غير محصورة. # وهذه الأجناس الأربعة من النفوس، اثنتان منها عمليتان شريرتان حاصلتان ~~من تكرر الأعمال السيئة، واثنتان منها علميتان حاصلتان من تكرر الأفكار ~~العلمية، إحداهما شريرة والأخرى خيرة. # وإنما لم تحصل من تكرر الأعمال الصالحة صورة، لأنها إما تروك محضة، أو ~~مؤدية إلى تروك وأعدام، بل يؤدي أكثرها إلى كسر القوى ورفض الدواعي، ~~والغاية الأصلية فيها تصفية الباطن وخلوه عن الحجب الدنيوية وعن ~~الغشاوات النفسانية، فلا يوجب مزاولتها صورة كمالية في النفس، بخلاف ~~الأعمال القبيحة والمعاصي، فإنها من باب اللذات الوجودية أو ms1451 الهيئات ~~الكمالية بوجه ما، فيؤدي إلى صورة في النفس - إما بهيمية أو سبعية ~~-. # وأما اكتساب العلوم، فمزاولة الأفكار لا محالة يؤدي تكررها إلى صيرورة ~~النفس أمرا بالفعل، فإن كانت الأفكار والتأملات مستقيمة موزونة مطابقة ~~للقوانين الدينية والحكمية، موافقة لأصول الموجودات الدائمة الحقيقية - ~~كالباري جل مجده وصفاته، وملكوته، وجبروته، وكلامه، وكتبه، ورسله واليوم ~~الآخر، واستواء الرحمان على العرش، وصراطه، وميزانه، وحسابه، وجمعه ~~للخلائق في عرصة واحدة، وجنته، وناره، وتفرده يوم القيامة بالموجودية ~~والوحدانية والقهر، - إلى غير ذلك من المعارف الإلهية والعلوم الربانية ~~- فيصير بها الإنسان من جملة الملائكة المقربين. # وإن كانت الأفكار والتأملات من باب الشبهات والمغالطات، الموجبة ~~للإغترار بالظنون الفاسدة والأوهام الكاسدة، والاحتجاب بها عن الحق ~~والارتهان بالأمور الباطلة، وترويج الباطل في صورة الحق، والمماراة مع ~~العلماء والمداراة مع السفهاء، وجعل العلوم وسيلة للجاه والمنزلة عند ~~الناس، وتحليل ما حرم الله، وتحريم ما حلله بالوسواس والقياس، والتلذذ ~~بمنادمة السلطان والترفع بها على الإخوان، وإلى غير ذلك من الأمور ~~الشيطانية التي اشتغل بها أكثر علماء الزمان، التي منشأها قصور النظر ~~وعدم التفرقة بين السفسطة والبرهان، والاشتباه بين المغلطة والإيقان ~~والبهتان والعرفان، والإلتباس بين التوفيق والخذلان، والوجدان والحرمان، ~~وإذا تكررت هذه الأفعال الشنيعة، وتراكمت الصفات الناشئة منها في النفس، ~~ورسخت فيها محبة الباطل والإعراض عن الحكمة، والإنحراف عن سمت الحق ~~والحقيقة، وصارت النفس عند ذلك شيطانا مريدا لعنه الله، وصورتها يوم ~~القيامة صورة تحسن عندها القردة والخنازير - كما ورد في الحديث -. # والله تعالى أشار إلى هذه الأجناس الرديئة من النفوس الشهوية والغضبية ~~والشيطانية بقوله: # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ~~من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت # [المائدة:60] ثم - قال إشارة إلى القسم الأخير - # أولئك شر مكانا وأضل عن سوآء السبيل # [المائدة:60]. # وتلك الشقاوة كالسعادة على ضربين: علمي وعملي. فالسعادة والشقاوة ~~العمليتان أبديتان مخلدتان غير منقطعتين، بخلاف الشقاوة العملية، فإنها ~~مما يحتمل الإنقطاع ومما ينفع فيها شفاعة الشافعين، وأما الكفر والجحود ~~وما يترتب عليهما من ms1452 الصفات، فلا مطمع لانقطاع عذابها، لأن عذاب الجهل ~~المشفوع بالإصرار، المركب مع الاغترار والإعجاب والاستكبار، مما لا يزول ~~أبدا مخلدا نعوذ بالله منه. # فقوله: { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } ، إشارة ~~إلى هذه الإمتيازات والانقسامات الواقعة إذا وقعت الواقعة، وهذه الصور ~~مباديء الفصول المقسمات المنكشفة يوم القيامة للخلائق، وإليه الإشارة ~~بقوله: # ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب ~~بآياتنا فهم يوزعون # [النمل:83]. # ومما يدل على أن الناس بحسب البواطن والقلوب أنواع مختلفة حسب اختلاف ~~الصفات الراسخة فيهم، قوله تعالى: # يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم # [الزلزلة:6]. # وفي القرآن آيات كثيرة دالة على أن النفوس الإنسانية كانت في مباديء ~~الفطرة وأوائل النشأة الدنياوية نوعا واحدا، ثم اختلفت بحسب الفطرة ~~الآخرة والنشأة الثانية أنواعا كثيرة، بواسطة اختلاف الضمائر والنيات ~~الحاصلة من الأعمال المناسبة لها، مثل قوله تعالى: # وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ~~ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما ~~فيه يختلفون # [يونس:19]. وقوله: # كان الناس أمة واحدة # [البقرة:213] وقوله: # ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل ~~من يشآء ويهدي من يشآء ولتسألن عما كنتم ~~تعملون # [النحل:93]. وقوله: # ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه ~~كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر:28]. فدلت هذه الآية على أن الإنسان مختلف الأنواع كالنبات ~~والحيوان، وأن العلماء وأهل الخشية نوع مبائن لغيرهم من أفراد البشر، ~~وإنما ذلك بحسب الفطرة الثانية والنشأة الآخرة. # قال بعض الحكماء المتقدمين: " من أراد الحكمة فليستحدث لنفسه فطرة أخرى ~~" ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور. # ثم لما كان الامتياز بين النفوس الآدمية في الدار الآخرة، وترتب الجزاء ~~على الأعمال، والثواب للمطيع المسلم، والعقاب للمسيء المجرم، منشأه ~~لأحدهما طاعة الله وللآخر طاعة الشيطان، وهي مشتركة بين تلك الأقسام ~~الثلاثة الشقية من النفوس البهيمية والسبعية والشيطانية - وإن كانت ~~اسوأها عاقبة هي النفوس الشيطانية الكافرة بنعمة الإيمان، التابعة في ~~أوهامها وتفكراتها للشيطان، لما مر من أن عذابها أبدي، وهي غير قابلة ~~للرحمة ولا ينفع فيها الشفاعة - خصهم الله تعالى ms1453 بالذكر عقيب هذه الآية ~~توبيخا لهم، ونعيا عليهم فيما هم فيه من الحسرة والندامة من جهة الهلاك ~~المؤبد والشقاء المخلد بقوله سبحانه: # { ألم أعهد إليكم يبني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني ~~هذا صراط مستقيم } [يس:60 - 61]. ### || [36.60-61] # و " العهد " في اللغة بمعنى " الوصية " ، و " عهد إليه ": إذا وصاه، ~~وقرئ " اعهد " - بكسر الهمزة وفتح الهاء - وقد جاء عند أهل اللغة ~~والاشتقاق كسر حرف المضارعة غير الياء في باب " فعل " كله، و " أعهد " ~~بفتح الهمزة وكسر الهاء، ونقل عن الزجاج تجويز كون هذا الفعل من باب " ~~نعم ينعم " و " ضرب يضرب " و " احهد " بإبدال العين حاء، و " أحد " ~~بإبدال الهاء أيضا حاء، ومنه قولهم: دحا محا. # وعهد الله إلى بني آدم، ما فطرهم الله على فطرة الاستعداد لإيداع علم ~~التوحيد في ذواتهم المشار إليه بقوله: # ألست بربكم # [الأعراف:172]. ولاقتناء الخيرات واكتساب السعادات الأخروية. # وميثاق ذلك العهد، ما ركز في نفوسهم من أوائل المعقولات وأدلة العقليات ~~وشواهد السمعيات للتوحيد، وإلزام ذلك العلم إياهم، وجعله من اللوازم ~~الذاتية لهم، بحيث إذا تجردوا عن الصفات النفسانية والغواشي الجسمانية، ~~تبين لهم ذلك وانكشف عليهم أظهر شيء وأبينه، وهو إشهادهم على أنفسهم، ~~لكون ذلك العلم فطريا لهم حينئذ، وإجابتهم لذلك بقولهم: " بلى " ، ~~قبولهم الذاتي. # ونقض ذلك العهد انهماكهم في اللذات البدنية والغواشي الطبيعية، ~~وتعبدهم للهوى والشيطان، بحيث احتجبوا عن علم التوحيد ومعارف الإيمان. # وعداوة الشيطان لبني آدم، هي اضلالهم عن الصراط المستقيم، المؤدي بسالكه ~~إلى الوصول بالحق وجنة النعيم، ودعوته إياهم إلى ما فيه هلاكهم. # وإنما قال: { إنه لكم عدو مبين } لأنه مجبول على ~~عداوتهم، إذ شأنه الوسوسة في الصدور، وجبلته الأمر بالفحشاء والمنكر ~~والبغي، والوعد بالشر والتوعد على الخير. # تذكرة لوحيه فيها تبصرة عرشية # إن أردت - أيها الراغب إلى فهم أسرار القرآن ودرك أغواره - أن تسمع ~~كلاما في كيفية عبادة أفراد النفوس الآدمية للشيطان وطاعتهم لجنوده، ~~فاستمع لما يتلى عليك إنشاء الله من تحقيق الكلام وتبيين المرام بأصول ~~عقلية هي دعائم ms1454 لكشف هذا المقام - والله ولي التوفيق والإلهام -: # الأصل الأول # إن لله تعالى صفتين متقابلتين من بين الصفات المتقابلة، اسمهما " الهادي ~~" و " المضل " ، وبإزائهما في المخلوقات معاني وصفات متضادة، وأفراد ~~وأنواع متفاسدة متعاندة: كالوجوب والإمكان، والخير والشر، والنور ~~والظلمة، والعلم والجهل، والسعادة والشقاوة، والتوفيق والخذلان، والملك ~~والشيطان، والرحمة والغضب، والجنة والنيران، والدنيا والآخرة - إلى غير ~~ذلك من الأمور المتقابلة المنسوبة في سلسلة المعلولية والحاجة إلى الله ~~-. # أما أحد الطرفين - وهو الأشرف، فأولا وبالذات وبالأصالة، وأما الطرف ~~الآخر، فثانيا وبالعرض وعلى سبيل التبعية والاستجرار، اللازمة لقصور ~~القوابل الإمكانية عن قبول الفيض والرحمة من الحق الصرف، والنور المحض ~~على التمام من غير نقص وآفة، لقوله: # " سبقت رحمتي غضبي " # فالخيرات كلها برضاه، والشرور كلها بقضاه، وبهذا يدفع شبهة الثنوية ~~القائلة بوجود مبدأين قادرين بالذات. # فالملائكة كلهم مخلوقون من نور رحمة الله، والشياطين صادرة من نار غضبه. ~~والإنسان في أول الفطرة حاصل من الله تعالى بحسب أسمائه المتقابلة، ممتزج ~~من جهتي نور وظلمة، مخمر طينته ببديه أربعين صباحا، مركب من روح وبدن، ~~وسر وعلن، أما روحه: فجوهر لطيف نوري علوي سماوي، حاصلة من نفخته ~~تعالى: وأما بدنه: فجوهر كدر ظلماني أرضى سفلي، حاصل من تركيب الأجساد ~~وامتزاج الأضداد. # وقلبه - أي نفسه الناطقة -: واقع بين الطرفين، متوسط بين النشأتين، له ~~وجه إلى البدن وقواه الجسمانية، ووجه إلى الروح وقواه الروحانية، وله ~~قوتان علميتان إحداهما كالملك - بحسب أصل الفطرة - وهي " القوة العاقلة ~~" ، وأخراهما كالشيطان - بحسب الفطرة - وهي " القوة الوهمية ". # وله أيضا قوتان اخريان عمليتان، إحداهما كالبهيمة، وكالمرأة الفاسقة، ~~اسمها " الشهوة " ، وفعلها طلب اللذة والنفع، واخراهما كالسبع الضاري ~~وكالرجل الظالم اسمها " الغضب " ، وفعلها الانتقام والغلبة. # ولكل من هاتين القوتين فروع وخدم كثيرة لا يمكن حصرها ولا يعلم عددها ~~إلا الله، لقوله تعالى: # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر:31] وجميعها مخلوقة في مملكة الآدمي لعبادة الله وطاعة العقل ~~الذي هو سر من أسرار الله، وخليفة الله في أرضه، مبعوث من جانبه على ~~تسخير هذه الجنود، وصرفها فيما خلقت ms1455 لأجله، ومنعها عن طاعة الوهم وعبادة ~~الشيطان، كما يدل عليه قوله في هذه الآية: { ألم أعهد إليكم ~~يبني آدم أن لا تعبدوا الشيطان }. # الأصل الثاني # إن مبادئ الأفعال الإختيارية من الإنسان - سواء كانت حسنة أو قبيحة، ~~طاعة أو معصية - أمور أربعة: # أولها: تصور الشيء الممكن إدخاله في الوجود بقدرتنا وفعلنا - جلبا أو ~~دفعا - والتصديق بفائدته أو ملائكته لنا بوجه. # وثانيها: الشوق، وهو توجه نفساني جبلي إلى الشيء المرغوب فيه طلبا ~~وهربا، مبدأه قوة حيوانية ذات شعبتين، إحداهما شهوية للطلب، والأخرى ~~غضبية للهرب. # وثالثها: العزم، وهو تصميم الشوق وتنفيذه، وهو قوة نفسانية ذات شعبتين ~~هما الإرادة والكراهة. # ورابعها: قوة جسمانية مباشرة للتحريك، شأنها أن تعد العضلات للإنتقال، ~~بأن تبسط العضل بإرخاء الأعصاب إلى جهة مبدئها لينبسط العضو - أي يزداد ~~طولا وينتقص عرضا - أو تقبضه بتحديد (بتمديد - ن) الأعصاب إلى جهة ~~مبدئها لينقبض العضو - أي يزداد عرضا وينتقص طولا -. # فهذه مبادي مترتبة للأفعال الإنسانية وبعدها عن عالم الحركة والفعل ~~العقل العملي في الإنسان باستخدام الوهم والخيال - إن كان من أهل الخير ~~والسعادة - أو الوهم باستخدامه - إن كان من أهل الشقاوة - ويليهما القوة ~~الشوقية، وهي الرئيسة في القوى المحركة الفاعلية، كما أن العقل العملي ~~أو الوهم هو الرئيس في القوة المدركة الباعثة، وبعد الشوقية وقبل ~~الفاعلية هو القوة المسماة باللذاذة والكراهة. # وآخرها هي المحركة المباشرة للتحريك. # الأصل الثالث # إن القلب الحقيقي للإنسان الذي هو الجوهر النطقي، مثاله مثال مرآة ~~منصوبة تجتاز عليها أصناف الصور المختلفة، فتترآى فيها صورة بعد صورة لا ~~تخلو عنها دائما، ومداخل هذه الآثار المتجددة في مرآة القلب، وسهام ~~الحوادث المتواردة على هدفه في كل حال، إما من الظاهر كالحواس، وإما من ~~الباطن كالخيال والشهوة والغضب والأخلاق الآدمية، فإنه مهما أدرك بالحواس ~~شيئا، حصل منها أثر في القلب، وكذلك إذا هاجت الشهوة والغضب، حصل من كل ~~منهما أثر في القلب، وإن كف عن الإحساس، فالخيالات الحاصلة في النفس ~~تبقى وتنتقل المتخيلة من شيء إلى شيء، ومن صورة إلى صورة، وبحسب ms1456 ~~انتقالها ينتقل باطن الإنسان من حال إلى حال، فباطنه إذن في التغير ~~والانتقال دائما من هذه الأسباب. # وأحضر (أخص - ن) الأسباب الحاضرة فيه هي " الخواطر " ، أي الأفكار ~~والأذكار التي من أنواع الإدراكات والتصورات، إما على الورود التجددي، أو ~~على سبيل التذكر والإستعراض من المحفوظات في الحافظة بالقوة المسترجعة ~~وهي المسماة بالخواطر، وهي المحركات للإرادات والأشواق، فإن النية والعزم ~~والإرادة إنما تكون بعد خطور ماهية المنوي بالبال، وحصول صورته في ~~الخيال، فمبدء الأفعال " الخواطر " ، ثم الخاطر يحرك " الرغبة " ، ~~والرغبة تحرك " العزم " ، والعزم يحرك " النية " ، والنية تحرك الأعضاء ~~بالقبض والبسط كما مر. # الأصل الرابع # إن لله تعالى في العالم مخلوقين، هما مؤثران آخران في قلوب بني آدم فوق ~~ما ذكرنا من المبادئ الأربعة، أحدهما بالخير والسعادة، والآخر بالشر ~~والشقاوة، اسم أحدهما " الملك " ، وهو مخلوق من نور رحمة الله، والآخر ~~" الشيطان " ، وهو مخلوق من نار غضبه. # وإلى هذين الصنفين وقعت الإشارة بقوله عليه وآله الصلاة والسلام: # " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ". # وروي أيضا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة. فأما لمة الشيطان فإيعاد ~~بالشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن ~~وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمده، ومن وجد الآخر فليتعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم " # - ثم قرأ: # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا # [البقرة:268]. # وتحقيق إثبات هذين المؤثرين في القلب الإنساني مما ذكرناه في مقامه ~~مستقصى، وتلخيص القول فيهما، أما في المؤثر الرحماني: فهو أن الأمور ~~النادرة الواقعة في هذا العالم من خوارق العادات، مثل الخسف والزلزلة ~~والزجر والوباء العام والقتل العام على أمة كفرت، مما لا يمكن أن ينسب ~~إلى عناية الحق الأول والعقول الصريحة بالذات - كما حققه بعض الحكماء - ~~بل بواسطة مدبر يفعل الأشياء بقصد جزئي، ويتخيل الأمور وينفعل عن دعاء ~~المظلومين، فيجيب الدعوات إغاثة للملهوفين، وينتقم من الظلمة، ويفعل ~~العقوبات، ويعذب قوما حل عليهم غضب الجبار، كل ذلك بإذن ms1457 من الحق ورحمته ~~في إيجاد هذا الموجود الملكي على سبيل العناية. # فقال بعضهم: " إنه نفس منثبتة (منبثة - ن) بعالم الكون والفساد " ، ~~والأكثر من الحكماء أنه نفس متولدة عن العقول والنفوس السماوية، وخصوصا ~~نفس فلك الشمس والفلك المائل، وأنه يدبر لما تحت فلك السماء بمعاضدة ~~الملائكة المتعلقة بالكواكب والسماوات، وبسطوع أنوار الرحمة الإلهية ~~المنبثة في عالم العقول، وقد لزم من تصوره بوجه الخير، انفعال المادة ~~العنصرية وتلبسها في الخارج بصورة ذلك المعقول. # قال ابن سينا في بعض كتبه: " يشبه أن يكون ذلك حقا، فلا ينبغي أن ينكر ~~أمثال هذه الوقائع في بدن العالم ونفسه، فإن العالم مشتمل على قوى فعالة ~~ومنفعلة تحدث منها أمور عجيبة نادرة حادثة، مرغمة لأنوف أعداء الله ~~الجاحدين للنبوات ". # وأما في المؤثر الشيطاني، فهو أنه ينبغي لك أن تتصور أولا ما قد وضح ~~لنا بالكشف الصحيح المطابق للعقل الصريح، أن في مقابلة ذلك المبدء للعالم ~~على وجه الخير والصلاح، المتكون في قوى الأجرام الفلكية، موجودا آخر ~~نفسانيا صرفا متولدا من طبقة دخانية نارية يغلب عليها الشرارة ~~والإغواء والإضلال، وتكون مدركاته من باب الأوهام الكاذبة والأقيسة ~~الداحضة، وتكون له سلطنة بحسب الطبع على الأجسام الدخانية والبخارية ~~وقواها ونفوسها الجزئية وطبائعها، فتطيعها تلك النفوس والقوى، لمناسبة ~~النقص والخسة، ويكون المسمى ب " إبليس " الوارد في الكتب الإلهية ~~وألسنة الأنبياء، هو هذا الشرير المغوي المضل. وكونه مجبولا على ~~الإغواء والإفساد، وإدعاء الاستكبار والعلو، كما يستفاد من قوله تعالى: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص:75]. إنما هو بمقتضى طبعه الغالب عليه النارية الموجبة للإهلاك، ~~والعلو المكاني الموهم لعلو المكانة والمنزلة. # وأما وجه تأثيره في نفوس الآدميين الموهم لعل المكانة والمنزلة. # وأما وجه تأثيره في نفوس الآدميين بالشر، أما من جانب المؤثر فللطافته ~~وسرعة نفوذه في عروقهم ودمائهم التي هي محال الشعور والإعتقادات، ~~واقتداره على إغوائهم بالوسوسة والتخيلات، وكما أن الشهوات ممتزجة بلحم ~~الآدمي ودمه، فسلطنة الشيطان أيضا سارية في لحمه ودمه، ويحيط بالقلب ~~الذي هو منبع الدم المركب للروح البخاري، الحامل للقوى ms1458 الوهمية والشهوية ~~والغضبية، ولذلك ورد في الحديث النبوي: # " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ". # وكما لا يتصور أن ينفك آدمي من وسواس، فلا يتصور أن ينفك من شيطان، ~~ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): # " ما من أحد إلا وله شيطان ". # وهذه الشياطين الجزئية من فروعات ذلك الموجود الشرير الذي ذكرنا، كما أن ~~العقول الجزئية الإنسانية من آثار الملك الملهم بالخيرات. # وأما من جانب القابل، فلقصور القوى الدراكة لأكثر الناس، وضعفها عن ~~المعارضة والمدافعة والمجاهدة مع جنوده وأحزابه من القوى لا سيما " ~~الوهمية " ، إلا من عصمه الله من عباده المخلصين، الذين أيدهم الله ~~بالعقل القويم وهداهم إلى الصراط المستقيم: # أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون # [المجادلة:22]، وذلك لأجل تسخيرهم قواهم البدنية وخصوصا الوهمية التي ~~هي أحد أعداء الله، المجيبة لدعوة الشيطان، إذا لم يسخره العقل المهتدي ~~بنور رحمة الرحمان. # الأصل الخامس # إن الله خلق للعقل الإنساني جنودا كثيرة لتكون مطيعة له معينة عليه، ~~خادمة إياه في طريق سفره إلى الله وسعيه، ولهذا خلقه وخلقها، إذ خلق ~~الإنسان في أول حدوثه ضعيفا في خلقته، ناقصا في فطرته، وفي وقته إدراك ~~عظمة الله وصفاته وآياته، وله استعداد الترقي من مرتبة إلى مرتبة، حتى ~~يصل إلى المعبود الحق، ولا بد لكل مسافر في طريق مخوف فيه أعداء وقطاع ~~من مركب وزاد وخدم، فمركبه مادة البدن، وزاده العلم والتقوى، وجنوده ~~الأعضاء والقوى، وعدوه الشيطان، وقطاع طريقه الدواعي النفسانية ~~والوهمية. # وهذه الجنود على صنفين: صنف يرى بالأبصار - وهي الأعضاء والجوارح -، ~~وصنف لا يرى بالأبصار ولا يدرك بالحواس الظاهرة - وهي القوى والمشاعر - ~~وجميعها خلقت خادمة للعقل مسخرة له بسبب فطرتها، وهو المتصرف فيها ~~والمحول لها بإصبعيه العاقلة والعاملة، وهي مجبولة على طاعته. # أما الجند الأول فلا يستطيعون له خلافا ولا عليه تمردا، فإذا أمر ~~العين للانفتاح انفتحت، وإذا أمر الرجل للحركة تحركت، وإذا أمر اللسان ~~بالكلام وجزم الحكم به تكلم، وكذا سائر الأعضاء. # وأما الجند الآخر، فهي أيضا كذلك، إلا أن الوهم ms1459 له شيطنة الفطرة، يقبل ~~إغواء الشيطان ومغاليطه فيعارض العقل في المعقولات، فيحتاج إلى تأييد من ~~جانب الحق ليقهره ويغلب عليه، وتسخر الحواس للعقل يشبه من وجه ~~تسخر الملائكة السماوية لله تعالى، حيث إنهم جبلوا على الطاعة، لا ~~يستطيعون له خلافا، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وتمرد ~~الوهم عن طاعة العقل يشبه تمرد الشيطان عن طاعة الله - وهذا مما يطول ~~شرحه -. # ومن رؤساء جنود العقل " الشهوة " و " الغضب " ، وهما قد ينقادان له ~~انقيادا تاما، فيعينانه على طريقه الذي يسلكه، وقد يستعصيان عليه ~~استعصاء بغي وتمرد لأجل طاعة الوهم المطيع للشيطان، حتى يملكانه ~~ويستعبدانه، وفيه هلاكه وانقطاعه عن سفره الذي به وصوله إلى سعادة الأبد. # وللعقل فوق ذينك الجندين جند إلهي، هو " العلم " و " الحكمة " ، وحقه ~~أن يستعين بهذا الجند، لأنه حزب الله، على الجندين الآخرين، الملتحقين ~~بحزب الشيطان الذي هو القوة الوهمية، فإن من ترك الاستعانة به - كما هو ~~حال أكثر الناس من أعداء الحكمة وأولياء الوهم - فقد سلط على نفسه الشهوة ~~والغضب، وهلك يقينا وخسر خسرانا مبينا. # وإني في مدة عمري ما رأيت أحدا من المعرضين عن تعلم الحكمة إلا وقد ~~غلب عليه حب الدنيا وطلب الرياسة فيها، والإخلاد إلى الأرض، وقد صار عقله ~~مسخرا لشهوته في استنباط وجوه الحيل للوصول إلى المستلذات النفسانية، ~~حتى استهواه الشيطان واستجاب لدعوته وكيده، فجعل آخر الأمر في نظم جنوده ~~وأوليائه، وخرج عن الانتظام في سلك حزب الله وأوليائه - نعوذ بالله منه ~~-. # وفي أدعية الصحيفة الملكوتية لمولانا وسيدنا علي بن الحسين (عليهما ~~السلام) ما وقع الاستعاذة به عن مثل ذلك من قوله: " اللهم اجعلنا في نظم ~~أعدائه، واعزلنا عن عداد أوليائه، لا نطيع له إذا استهوانا، ولا نستجيب ~~له إذا دعانا، اللهم واهزم جنده، وأبطل كيده، واهدم كهفه، وأرغم ~~أنفه ". # الأصل السادس # في استئناف القول في الخواطر وتقسيمها إلى خاطر الخير وخاطر الشر. # اعلم أن الخواطر المحركة للرغبة والرهبة في القلب الإنساني، تنقسم إلى ~~ما يدعو إلى الخير - أعني ما ينفع ms1460 في الدار الآخرة -، وإلى ما يدعو إلى ~~الشر، - وهو ما يضر في العاقبة -، وهما خاطران مختلفان، فافتقرا إلى ~~اسمين مختلفين، فالخاطر المحمود يسمى " إلهاما " ، والخاطر المذموم ~~يسمى " وسواسا " ، وكل منهما ينقسم عند أرباب الرياضيات والخلوات بدقيق ~~تأملاتهم ولطيف أفهامهم وتصرفاتهم بقسمين: # أما الأول: فإلى الرحمان والملكي، وأما الثاني: فإلى الشيطان والنفساني. # ولسنا الآن نشتغل بتحقيق كل قسم من قسمي القسمين بخصوصه لعدم الحاجة ~~إليه فيما كنا بصدده من بيان كيفية خصومة الشيطان لابن آدم، أي القوة ~~العاقلة، التي هي نتيجة الروح الأعظم والعقل الكلي الفعال، وهي حقيقة ~~الإنسان، وبيان العداوة الواقعة بينه وبين أعداء الله، وكيفية المحاربة ~~والمجاهدة بين حزب الله وحزب الشيطان. # ثم أنك قد علمت أن هذه الخواطر حادثة لما أشرنا إليه، وكل حادث لا بد له ~~من سبب، ومهما اختلفت المعلولات، دل اختلافها على اختلاف العلل، وكما أن ~~اتفاقها في أصل الإمكان دل على افتقارها إلى قيوم واحد، وجوده - كوحدته ~~- عين ذاته، فكذلك اختلافها يحتاج إلى أسباب مختلفة متوسطة بينها وبين ~~مسبب الأسباب، وهذا - مع قطع النظر عن الأنظار البرهانية - معروف في سنة ~~الله تعالى وعادته في ترتيب المسببات على الأسباب، فمهما استنارت مثلا ~~حيطان البيت وأظلم سقفه واسود بالدخان، علمت أن سبب الأسوداد غير سبب ~~الإستنارة، فحكمت بأن سبب الإستنارة نور النور، وسبب الاستظلام ظلمة ~~الدخان. # كذلك لأنوار القلب وظلماته سببان مختلفان: فسبب الخواطر الداعي إلى ~~الخير في عرف الشريعة يسمى " ملكا " ، وسبب الخواطر الداعي إلى الشر ~~يسمى " شيطانا " ، واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام الملك يسمى ~~" توفيقا " ، والذي به يتهيأ لقبول وسوسة الشيطان يسمى " إغواءا " و " ~~خذلانا " ، فإن المعاني المختلفة تحتاج إلى أسامي مختلفة. # وقد مر في الأصل الرابع، بيان ماهية الملك والشيطان، وأن أحدهما ~~عبارة عن خلق شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم، وكشف الحق والوعد ~~بالمعروف، وقد خلقه الله وسخره لذلك. والآخر عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك، ~~وهو الوعد بالشر والتخويف، كما دلت عليه الآية المنقولة، وقوله تعالى: # إن الشيطان لكم عدو ms1461 فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر:6]. وهما جوهران مسخران لقدرته في تقليب القلوب، كما أن لك ~~أصابع مسخرة لقدرتك في تقليب الأجسام، كما دل عليه الحديث المنقول، فإنه ~~يتعالى أن يكون له اصبع جسماني مركب من لحم وعظم ودم منقسم بالأنامل، ~~ولكن روح الإصبع ومعناه - كما ذكره بعض أعاظم المحققين - واسطة التحريك ~~والتقليب، والقدرة على التغيير والتصريف، وكما أنك تفعل بأصابعك فالله ~~سبحانه إنما يفعل ما يفعله باستسخار الملك والشيطان، وبهذا جرت حكمته ~~واستمرت سنته في نظم الأمور وترتيب الأشياء، لتكون أسبابا لمعرفته، ~~وطرقا إلى جنابه، وإلا فذاته غني عن العالمين، والوسائط مقهورة تحت ~~قدرته النافذة ونوره القاهر. # الأصل السابع # إن القلب الإنساني، لصفائه ولطافته، صالح في أصل الفطرة الهيولانية ~~لقبول آثار الملكية والشيطانية صلاحا متساويا، وإنما يترجح أحد ~~الجانبين باتباع الهوى والانكباب على الشهوات، أو الإعراض عنها ~~ومخالفتها، فإن اتبع الإنسان مقتضى شهوته، ظهر تسليط الشيطان بواسطة ~~الأوهام الكاذبة والخيالات الفاسدة المشيرة إلى اتباع الهوى والشهوات. ~~فصار القلب عش الشيطان ومعدنه، والبدن مملكة جنوده، لأن الهوى مرعى ~~الشيطان ومرتعه، لمناسبة ما بينهما ونحو من الاتحاد. # وإن جاهد الشهوات، ولم يسلطها على نفسه، ولم يذعن لها، بل عارضها بمدد ~~البرهان اليقيني على وجود نشأة ثانية باقية تضاد هذه النشأة الداثرة ~~الفانية، ودافع هذه الظنون والأوهام الكاذبة المستدعية للشهوات والركون ~~إلى الدنيا والوتوق بلذاتها، والإخلاد إلى الأرض، والإقتصاد على هذه ~~النشأة الناقصة الزائلة، وتشبه بأخلاق الملائكة في اقتناء المعلومات ~~الإلهية، وتذكر المعارف اليقينية، واستن بقوة الإيمان بسنة الأنبياء ~~والأولياء في ترك الدنيا والزهد فيها، صار قلبه مستقر الملائكة ومهبطهم، ~~ينزل كل يوم بزيارته كما بينا في موضعه. # ولما كان كل واحد من الناس، ما دام في هذا العالم لا يخلو عن شهوة وغضب ~~وحرص وطمع وطول أمل، إلى غير ذلك من الصفات البشرية، المتشعبة عن الهوى ~~المتبع للقوة الوهمية التي شأنها إدراك الأمور على غير وجهها، فلا ~~جرم لا يخلو الباطن عن جولان الشيطان فيه بالوسوسة، إلا ms1462 من عصمه ~~الله. # ولذلك # " قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " ما منكم إلا وله شيطان ". # قالوا: " وأنت يا رسول الله "؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " وأنا، ~~إلا أن الله أعانني عليه فأسلم على يدي " ". # فمهما غلب على النفس ذكر الدنيا ومقتضيات الهوى ومستلذات الشهوات، وجد ~~الشيطان المتدرع بها مجالا فوسوس لها، ومهما انصرفت النفس إلى ذكر الله، ~~ارتحل الشيطان وضاق مجاله، فأقبل الملك وألهم، والنفس هيولانية الوجود، ~~لها قابلية الإرتباط بكل من الملك والشيطان بتوسط قوتيه العقلية ~~والوهمية، باستعانة انكسار القوى الشهوية والغضبية والوهمية، وفتورها ~~واستيلائها وسورتها، وأكثر النفوس مما قد فتحها وسخرها جنود الشيطان ~~وملوكها، فامتلأت بالوسواس الداعية إلى إطراح الآخرة وإيثار العاجلة. # الأصل الثامن # في كيفية قبول الإنسان كلا من الإلهام والوسوسة من الملك والشيطان. # اعلم أن حصول الإلهام من الملك، والوسوسة من الشيطان، يقع في قلب ~~الإنسان على وجوه أربعة: # أحدها: كالهوى والشهوة الصادرتين عن جانب شمال القلب، في مقابلة العلم ~~واليقين، الحاصلتين في جانب يمينه. # وثانيها: كالصور العلمية الحاصلة من هيئة العالم الكبير، الذي هو كصورة ~~العالم الإنساني، وهي بمنزلة عقبة بين الوسوسة والإلهام، من حيث إنك لو ~~نظرت إلى آيات الآفاق والأنفس على سبيل الاشتباه والغفلة والإعراض عنها - ~~كما وقع لعوام الناس والمقلدين -، فشأنك منها الشبهة والوسواس في الواهمة ~~والمتخيلة، وهما على جانب الشمال # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف:105] وفي الحديث: # " ويل لمن تلى هذه الآية ثم مسح بها سبلته " # والآية # إن في خلق السماوات والأرض # [البقرة:164] - إلى آخرها -. # وإذا نظرت إلى تلك الآيات على سبيل النظام والإحكام مع التدبر اللائق ~~والتأمل التام، زالت عنك الشكوك والأوهام، وحصلت المعرفة واليقين في ~~القوة العاقلة التي هي على جانب اليمين، وصرت من الملائكة المقربين، ~~وخرجت من جنود الشياطين، فإن الآيات المحكمات بمنزلة الملائكة والعقول ~~والنفوس الكلية، لأنها مبادئ العلوم البرهانية، والمتشابهات بمنزلة ~~الشياطين والنفوس الوهمية والخيالية، لأنها مبادئ المقدمات السفسطية. # ومن الحكايات في هذا الباب، بعد ما ذكر ms1463 أن سبب وقوع النفوس الإنسانية في ~~هذا العالم أولا، ومنشأ ابتلاء بني آدم بهذه البليات الدنيوية التي ~~أحاطت بهم من الذنوب والمعاصي، كانت هي الخطيئة الواحدة التي اكتسبها ~~أبوهم " آدم " وأمهم " حواء " لما ذاقا الشجرة وبدت لهما سوآتهما - لنقص ~~امكاني في جوهريهما، وقصور جبلي في ماهيتيهما - هو أنه: # لما تمت حيلة إبليس على آدم، ونال بغيته بإيصال الأذية إليه، وبلغ ~~أمنيته بإيقاع الوسوسة عليه، سأل ربه بوسيلة بعض صفات الله كالعزة ~~والجلال، الإنظار إلى يوم يبعثون - فأجيب إلى يوم الوقت المعلوم -، أخذ ~~لنفسه جنة غرس فيها أشجارا، وأجرى فيها أنهارا، ووضع فيها أشكالا ~~وهيئات وتماثيل، وصورا شبيهة بما في الجنة من الصور الحسان، ليشاكل ~~الجنة التي أسكنها الله آدم وقاس عليها، وهندس على مثالها هندسة فانية لا ~~بقاء لها، وجعل مسكن أهله وأولاده وذريته وجنوده، وهي كمثل السراب الذي ~~يحسبه الظمآن ماءا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. # وذلك أنه كان من الجن، ومن شأن الجن - كما قيل - التخييل والتمثيل لما ~~لا حقيقة له، كذلك فعل إبليس وجنوده، إنما هو تمويه وتزويق ومخاريق ~~وتنميق لا حقيقة لها ولا حق عندها، كالقياس المغالطي السفسطي، ليصد بها ~~الناس عن سنن الحق والصراط المستقيم، وبذلك وعد ذرية آدم كما حكى الله ~~عنهم بقوله: # لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف:17]. # وثالثها: متابعة أهل الجحود والإنكار، وأهل التعطيل والمشبهة والكفار، ~~في مقابلة طاعة الرسول المختار، والأئمة الأطهار، والعلماء الأخيار - ~~صلوات الله عليهم من العزيز الغفار -، فكل من سلك سبيل الضلال، فهو ~~بمنزلة الشياطين، ومن تابعه فقد تابع الشيطان اللعين، وكل من سلك سبيل ~~الهداية، فهو من حزب الملائكة، ومن تابع أهل الله وذوي الإلهامات الحقة، ~~فقد تابع أنبياء الله وملائكته المقدسين الملهمين للإيمان واليقين: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء:80]. # ورابعها: من جهة الغايات وباعتبار الدرجات، فإن التوجه إلى الملائكة ~~العقلانية والمهيمة والمدبرات الكلية الملكوتية، يوجب الحشر إليهم، ~~والانخراط معهم، واستفاضة المعارف منهم، وكانت العلوم ms1464 المستفاضة منهم من ~~قبيل التعقلات والإلهامات الكلية، ويقابله التوجه إلى الأبالسة المحجوبة ~~عن الله، المطرودة عن جناب القدس، المحبوسة في الظلمات، واكتساب الحيل ~~والخديعة والمكر، وكان المستفاد منها من قبيل الأفكار الجزئية المتعلقة ~~بالأمور السفلية. # فالإنسان على الوجه الأول شابه الملائكة وجنود الرحمان، وعلى الثاني ~~شابه الشياطين ومردة الجن، المحبوسة في طبقات الجحيم، المحرومة في ~~الدنيا عن الارتقاء إلى ملكوت السماء، المحجوبة في الآخرة عن الجنة ~~والنعيم. # وقد انكشف من هذا، أن طبقة من الجن، وحزبا من مردة الشياطين، حيث ~~سقطت درجتهم عن درجة الملكوت مما لا اقتدار لهم على فعل الضرر على أولياء ~~الله، لأنهم صم بكم عمي، مقيدون في السلاسل والأغلال في الجحيم، ~~معذبون بالعذاب والنكال الأليم. # فقد ثبت أن أصل الضلال والعمى والجهل من الشيطان، وأن أصل الهدى ~~والبصيرة واليقين من الملك، والله الهادي والمضل فوق الكل، وإن اسم ~~إبليس كاسم " شجرة خبيثة " ، والشياطين بمنزلة أغصان تلك الشجرة الملعونة ~~وتمارها، تخرج في أصل الجحيم، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، فأنهم لآكلون ~~منها فمالئون منها البطون، واسم الملك كاسم " شجرة طيبة " ، أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وثمارها الحاصلة منها ~~هي العلوم الكلية الإلهية والمعارف الحكمية الربانية. # إذا تمهدت هذه الأصول فنقول: معنى قوله: { ألم أعهد إليكم ~~يبني آدم أن لا تعبدوا الشيطان }: انه خلقتكم على فطرة ~~العقل القادس، والبصيرة الباطنية التي لها القوة على إدراك الحقائق، ~~والنظر في مقدمات الأمور وأسباب الأشياء وأواخرها وغاياتها، وجعلت لكم ~~السمع والأبصار والأفئدة، والإقتدار على مدافعة تسويلات الوهم الموسوس ~~بالشيطان، وقهره بنور البرهان وقوة الإيمان، والإطلاع على حيله ومكره ~~وجنوده وأحزابه وأتباعه بسلامة الذوق والوجدان. # وقوله: { إنه لكم عدو مبين } معناه: أن الضدية والعناد ~~ثابتة بينكم وبينه كما بين الملك والجن، والنور والنار، والبرهان ~~والمغالطة، والإلهام والوسوسة، والتوفيق والخذلان، والهداية والضلال، ~~والسعادة والنكال. # وقوله: { وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم }: إنه إذا ~~وقعت المعارضة بين البرهان والسفسطة، والحق والباطل، والعقل والوهم، ~~وإلهام الملك بإيثار الآخرة على الأولى، ووسوسة ms1465 الشيطان بإيثار العاجلة ~~على الآجلة، فأطيعوا أمر الحق وامضوا حيث تؤمرون، واسمعوا قول العقل ~~الصريح والشرع الصحيح، واتبعوا سبيل المسلمين، ولا تتبعوا أمر المفسدين، ~~وانحرفوا عن طريق المجرمين، ولا تطيعوا أمرهم، أن هذا صراط مستقيم يؤدي ~~إلى عالم الرحمة والقرب والرضوان، وباقي الصرط معوجة منتهية إلى ~~عالم النقمة والطرد والخسران، والهلاك والنيران. # تبصرة برهانية # اعلم أن هذه العبادة المشار إليها في الآية، الموجبة للكون على الصراط ~~المستقيم، والتخلص عن الشيطان الرجيم، هو الاستقامة على طريق الحق بالعلم ~~والعمل، وأما أصل العلم الذي أفضل جزئي هذه العبادة، فهو العلم ~~الربوبي المتعلق بذات الله وصفاته وأفعاله وكتبه ورسله، وحقيقة الملائكة ~~والشياطين، وعلم القلب وأحواله، وكيفية سلوك العبد من الدنيا إلى الآخرة، ~~ومن الخلق إلى الحق، وطريق تخلصه عن اضلال الشيطان، واستعداده لإلهام ~~الملك. # فهذه هي أصل العلوم الإيمانية التي بها يمكن للإنسان المجاهدة مع أحزاب ~~الشيطان، وهي أصل الصراط المستقيم المدعو من الله في كل صلاة مرتين، وهو ~~دين التوحيد المسلوك لنبينا وسائر الأنبياء (عليه وعليهم السلام) ~~أجمعين، بقوله: # قل هذه سبيلي # [يوسف:108] وقوله: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه # [الشورى:13] وقوله: # كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله ~~العزيز الحكيم # [الشورى:3]. # وفي الأدعية السجادية والصحيفة العبادية على مرتبها ومنشئها أفضل ~~الصلاة والتحية، وقعت الإستعاذة من شر الشيطان بهذا الأصل كثيرا، حيث ~~قال: " اللهم أخسأه عنا بعبادتك، واكبته بدؤوبنا في محبتك، واجعل بيننا ~~وبينه سترا لا يهتكه وردما مصمتا لا يفتقه. # اللهم متعنا من الهدى بمثل ضلالته، وزودنا من التقوى ضد غوايته، واسلك ~~بنا من التقى خلاف سبيله من الردى. # اللهم لا تجعل له في قلوبنا مدخلا، ولا توطنن له فيما لدينا منزلا. # اللهم وما سول لنا من باطل فعرفناه، وإذا عرفتناه فقناه، وبصرنا ~~ما نكائده به، والهمنا ما نعده له، وأيقظنا عن سنة الغفلة بالركون ~~إليه، واحسن بتوفيقك عوننا عليه. # اللهم واشرب قلوبنا ms1466 انكار عمله، وألطف بنا في نقض حيله. # اللهم واعمم بذلك من شهد لك بالربوبية، وأخلص لك بالوحدانية، وعاداه لك ~~بحقيقة العبودية، واستظهر بك عليه في معرفة العلوم الربانية ". # وأما أصل العمل، فله فنون كثيرة مرجع الجميع إلى سلامة القلب عن كدورة ~~الشهوة وغشاوة الغضب، ولا شيء للإنسان بعد المعرفة أنفع من سلامة قلبه من ~~الكدورات والغواشي # يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # [الشعراء:88 - 89]. # وهذه المرتبة هي التي أمر الله بها خليله (عليه السلام): # إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين # [البقرة:131] # فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا # [الجن:14] فكل من سلم قلبه فقد فاز بدرجة الإسلام الحقيقي، وهذه أيضا ~~مما لا يتيسر إلا بتوفيق الله حسبما قدر له في الأزل أن يكون من جملة ~~الأخيار، آمنا من سخط الجبار، كما قال تعالى: # ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب # [آل عمران:179] فالمؤمن بالحقيقة من يتميز خبيثته الجسماني الشيطاني عن ~~طيبته الروحاني الملكي. # تقسيم استكشافي # اعلم أن القلوب الإنسانية في الثبات على الخير وعبادة الحق، أو الشر ~~وعبادة الشيطان، أو التردد بين الطرفين، على ثلاثة أقسام، كما ذكره بعض ~~علماء الإسلام: # أحدها: قلب عمر (طهر - ن) بالتقوى وزكى بالرياضة، ونقى عن خبائث ~~الأخلاق، وتنقدح فيه خواطر الخير من خزائن الملكوت، فيصرف عقله إلى ~~التفكر في عواقب الأمور والنظر في مقدماتها، ويطلع على أسرار الخيرات ~~والطاعات، وينكشف له بنور البصيرة جهة الخيرية فيها، فيحكم عقله بأنه لا ~~بد من فعلها، وترك أضدادها من المعاصي، فيدعوه إلى العمل الخير، وينهى ~~نفسه عن العمل الشر، فينظر الملك الهادي والمعلم للحقائق إلى قلبه - أي ~~نفسه الناطقة - فيجده طيبا بجوهره، طاهرا بتقواه، مستنيرا بضياء ~~العقل، فأفاض عليه أنوار المعرفة والهدى، وأيده بجنود لا ترى، ويهديه ~~إلى خيرات أخرى، وإلهامات تترى، حتى ينجر الخير إلى الخير، ويحشر النور ~~إلى النور. # وفي مثل هذه اللطيفة الربانية، يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية حتى ~~لا ms1467 يخفى فيه الشرك الخفي، الذي هو " أخفى من دبيب النملة السوداء في ~~الليلة الظلماء على الصخرة الصماء " ، ولا يؤثر فيه شيء من مكائد ~~الشيطان، بل يقف على باب قلبه ويوحي زخرف القول غرورا، وهو لا يلتفت إلى ~~مكره، ويتوجه إلى الله وذكره، وإلى مثله الإشارة في قوله تعالى: # إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون # [الأعراف:201]. # وثانيها: قلب مخذول مشحون بالهوى، ومقهور للشهوات، مفتوح عليه أبواب ~~الشياطين، مغلق عليه أبواب الملائكة، ومبدء الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر ~~من الهوى ويحبس فيه صورة من الشهوة، فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستفتي ~~منه، وهو قد ألف خدمة الهوى فأنس به، واستمر على مساعدة الهوى ~~واستنباط وجوه الحيل في جواب فتواه، فيشير إلى قوله، فينشرح الصدر ~~بالهوى، وينبسط فيه ظلماته لانحباس نور العلم عنه، وانقهار جند العقل عن ~~مدافعة الوهم، فيقوى سلطان الشيطان لاتساع مكانه بسبب انتشار الهوى، ~~فيقبل عليه بالتزيين والغرور والأماني، ويوحي بذلك زخرفا من القول ~~غرورا، فيضعف سلطنة البرهان على خوف القيامة، ويحجب نور الإيمان بالوعد ~~والوعيد، إذ يتصاعد إلى القلب دخان مظلم من الهوى، يملأ جوانبه، ويطفيء ~~سراج العقل وتصير البصيرة الباطنة كالعين التي ملأ الدخان أجفانها، فلا ~~يقدر أن يرى الأشياء كما هي. # وهكذا تفعل غلبة الشهوة وحب الجاه وطلب الرياسة بالإنسان، ولو بصره أحد ~~بعيوب نفسه بالوعظ والنصيحة، ويوقظه من هذا النوم الغالب عليه، وينبهه من ~~هذه الغفلة المحيطة به، ويستفيقه من هذا الشراب الذي أسكره، ويسمعه ما هو ~~الحق الصريح، عمي عن الفهم وصم عن السمع، كما أشير إليه بقوله تعالى: # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # [البقرة:171] وهاج شهوته وطغى غضبه، وصال عليه كالسبع الضاري والكلب ~~العقور، وتحركت جوارحه على وفق الهوى، واشتد مرضه المزمن، واشتعل نار ~~غيظه الخامد، وانتشر دمه الفاسد في ظواهر جلده الجامد، متكلما بحديثه ~~البارد في تخطئة هذا الناصح الفقير بصوته النكير، طلبا للانتقام ~~وتشفيا في حقده بالاقتحام، فظهرت المعصية عنه في عالم الشهادة من ms1468 خزائن ~~الغيب بقضاء الله وقدره. # وإلى مثل هذا القلب أشار تعالى بقوله: # أرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الفرقان:43] - إلى قوله - # بل هم أضل سبيلا # [الفرقان:44] وبقوله: # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون # [يس:7] - إلى قوله - # أم لم تنذرهم لا يؤمنون # [يس:10] ورب قلب هذا حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات دون بعض. # اعلم أن كلا من هاتين الطائفتين مشغوف بما عنده، مغرور بما لديه، فرحان ~~بما يجري على يديه # كل حزب بما لديهم فرحون # [المؤمنون:53]، فكما أن المحق مشغوف بما لديه من الحقائق والإلهامات ~~والبراهين النيرة الواضحة والمعارف الحقة الدائمة، فكذا المبطل مسرور ~~بما عليه من الوساوس المتبدلة والوهميات الكاذبة، مغرور بالأماني ~~الشيطانية والمزخرفات العامية والمقدمات المشهورة الجمهورية، التي تستعمل ~~في جلب القلوب وتكثير الشعوب. # فانظر إلى أنه كيف حكى الله تعالى كيفيه مناظرة وقعت بين محق ومبطل، ~~فالمحق هو شيخ الموحدين إبراهيم الخليل - على نبينا وعليه سلام الله ~~الملك الجليل - والمبطل هو نمرود اللعين، الذي هو من جملة الشياطين، في ~~قوله: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه ~~الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت قال أنا أحيي وأميت # [البقرة:258]. # فتأمل في أنه إذا كان هذا المقدار من الإحياء والإماتة، الذي قد كان ~~للملوك من اقتدارهم على قتل أحد وتخليص آخر من القتل، موجبا للاشتباه ~~والإغترار والمغالطة، حيث ادعى الملعون أن ما سماه بالإحياء والإماتة ~~إحياء حقيقي وإماتة حقيقية، فكيف في غير ذلك بسبب اغترار الشيطان وجنوده ~~في أكثر المباحث العنادية من هذا القبيل، ومرجعه إلى القياس الفقهي الذي ~~ورد أنه " أول من قاس به إبليس " في مقابلة النص، إذ كل ما يوجد في عالم ~~الملكوت يوجد مثاله في عالم الدنيا، وكل ما يوجد في قلب من استولت عليه ~~الرحمة من الإلهامات والكرامات وغيرها يوجد أمثاله وأظلاله الباطلة ~~الفانية في نفس من استولت عليه الجهة الظلمانية الشيطانية، من الوساوس ~~والأماني وغيرها. # وقد قيل: " العلم علمان، علم بالقلب وعلم باللسان " ، نعوذ بالله من ~~شرير ms1469 عليم اللسان جهول القلب، فوامصيبتاه من علماء الجهالة وصلحاء ~~الإفساد، الذين هم من علماء الدنيا وجهال الآخرة، المتذكرين لأداب صحبة ~~الخلق، الناسين لآداب صحبة الرب، المقبلين على دقائق علومهم الدنيوية، ~~المعرضين عن حقائق علوم الآخرة، وواشوقاه إلى لقاء الأشباه - ربنا افتح ~~بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين -. # وثالثها: قلب متردد بين طاعة الحق وطاعة الشيطان، فالمطاردة قائمة في ~~هذا القلب بين جنود الرحمان وجيوش الشيطان، بخلاف القسمين الأولين، فإن ~~في الأول تكون الجنود مطيعة عابدة لله، والأحزاب مؤتمرة بأمر رسوله، ~~منهية بنهيه، والمملكة الآدمية مفوضة لخليفة الله من القوة الملكية ~~العقلية، وفي الثاني تكون الجنود خادمة تابعة للشيطان، جارية فيها حكمه، ~~والمملكة مسخرة للهوى الذي هو أحد أولياء الشيطان، وأما هذا الثالث، ~~فالمطاردة قائمة في معركة روحه النفساني، إلا أن يغلب أحد الجندين حسب ~~ما جرى في قضاء الله وقدره، ويفتح الله المملكة لأحدهما، ولا يكون للآخر ~~إلا الإجتياز، - لا التوطن والاستقرار -. # وكيفية هذه المطاردة بين الحزبين، أنه يبتدئ في القلب أولا خاطر الهوى، ~~وهو من جنود الشيطان، فيدعوه إلى الشر، فيلحقه خاطر الإيمان وهو من جنود ~~الملك، فيدعوه إلى الخير، فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر، ~~فتقوى الشهوة وتحسن التمتع والتنعم. # فينبعث العقل إلى نصرة خاطر الخير، ويدفع في وجه الشهوة ويقبح فعلها ~~وينسبها إلى الجهل، ويشبهها بالبهيمة والسبع في تهجمها على الشر وقلة ~~اكتراثها بالعواقب، فتميل النفس إلى نصح العقل. # فيحمل الشيطان حملة على العقل ويقوي داعي الهوى، ويقول: " ما هذا التحرج ~~البارد والتزهد اليابس، لم تمتنع عن هواك وتؤذي نفسك؟ وهل ترى أحدا من ~~أهل عصرك يخالف هواه أو يترك غرضه؟ أفتترك ملاذ الدنيا لهم فيتمتعون ~~فيها وتحجر على نفسك حتى تبقى محروما شقيا متعوبا يضحك عليك أهل ~~الزمان؟ أتريد أن يزيد منصبك على فلان وفلان، وقد فعلوا مثل ما اشتهيت ~~ولم يمتنعوا؟ أما ترى العالم الفلاني ليس يحترز من مثل ذلك، ولو كان ذلك ~~شرا لامتنع منه؟ " فتميل النفس إلى الشيطان وتنقلب إليه. # فيحمل ms1470 الملك حملة على الشيطان ويقول: " هل هلك إلا من اتبع لذة الحال ~~ونسي العاقبة والمآل؟ أفتقتنع بلذة يسيرة وتترك لذة الجنة ونعيمها أبد ~~الآباد؟ أم تستثقل ألم الصبر عن شهوتك؟ ولا تستثقل ألم النار؟ أتغتر ~~بغفلة الناس عن أنفسهم واتباعهم هواهم ومساعدتهم للشيطان، مع أن عذاب ~~النار لا يخفف عنك بمعصية غيرك؟ أرأيت لو كنت في صيف ووقف الناس كلهم في ~~الشمس، وكان لك بيت بارد، أكنت تساعد الناس، أو تطلب لنفسك الخلاص؟ فكيف ~~تخالف الناس خوفا من حر الشمس ولا تخالفهم خوفا من حر النار؟ فعند ~~ذلك تميل النفس إلى قول الملك. # وإلى ها هنا تكون المطاردة بين الجندين لجمهور الناس، ويختص المنسوبون ~~إلى العلم والفقه بمراتب أخرى من المدافعة بينهما، وهي أنه بعد ذلك يحمل ~~الشيطان حملة أخرى وهي: " إن الله سمى نفسه " غفورا رحيما " ، فغفرانه ~~إنما يتحقق بفعل المعاصي منا، فلم تتأب أيها العقل عن الراحة وتتعب ~~نفسك وبدنك بهذه الرياضة الشاقة؟ ولنفسك عليك حق، وإن العمر طويل - فاصبر ~~". # فيحمل الملك تارة أخرى فيقول: " أيتها النفس! إن العقوبات الإلهية على ~~الخطيئات ليست من قبيل الانتقام، بل هي من لوازم المعاصي وتبعات الذنوب، ~~والله سبحانه حكيم عادل ومغفرته لا توجب قلب الحقائق، وترك الراحة ~~القليلة لأجل السعادة الأبدية مما تقتضيه بديهية كل عقل، وحق الله أعظم ~~من كل حق، وطول العمر مما ليس إلينا، فلعله لم يكن إلا ساعة، وقد ورد أن ~~" أكثر صيحة أهل النار من تسويف التوبة ". # ثم ليت شعري أيتها النفس! هل عجزت في الحال إلا لقوة الشهوة، وهي ليست ~~تفارقك يوما آخر أو سنة أخرى، بل هي قرينك في الدنيا حتى تهلكك ان قعدت ~~عن قلعها عن طينة قلبك ". # فلا يزال يتردد هذا القلب بين الجندين، متجاذبا بين الحزبين، منقلبا ~~بين الطرفين، والتطارد قائم في معركة الصدر الإنساني، إلى أن يغلب عليه ~~ما هو أنسب إليه وأولى بحسب ما قدره الله، ويفتح الله المملكة ~~الإنسانية وعماراتها وبيوتاتها، ومنازلها وخلائقها وجنودها وأرباب ~~صنائعها وحرفها، وحيواناتها ms1471 البهيمية والسبعية، ونباتاتها وجماداتها، ~~وفنون أطعمتها وأشربتها، ومياهها وأشجارها، وعمرانها وخرابها، وبرها ~~وبحرها لواحدة منهما، فصارت المملكة اقطاعا لها خاصة، وتخرج عنها ~~الثانية، وربما تخرج عنها بالكلية بحيث لا يبقى فيها عين ولا أثر. # فإن كانت الصفات التي في القلب، الغالب عليها الصفات الشيطانية التي ~~ذكرناها إما فطرة أو اكتسابا - من جهة المعاشرة مع الأشرار، والتدين ~~بدين الكفار - غلب عليه الشيطان، ومال القلب إلى جنسه من أحزاب الشيطان، ~~معرضا عن حزب الله وأوليائه، وجرى على جوارحه بسوابق التقدير ما هو سبب ~~بعده عن الله ورحمته. # وإن كان الغالب عليه الصفات الملكية، مال إلى حزب الله، ولم يصنع ~~إلى إغواء الشيطان وتسويلات النفس الأمارة، فظهرت منه الطاعة بموجب ما ~~سبق من القضاء على جوارحه، ويكون سبب قربه من الله ووصوله إلى رضوانه. # وهذه الطاعات والمعاصي تظهر من خزائن الغيب إلى عالم الشهادة بواسطة ~~خزانة القلب، لكونه من خزائن الملكوت، وهي أيضا إذا ظهرت كانت علامات ~~بها تعرف أرباب القلوب سابق القضاء فيها، فبعض النفوس ممن خلقت للجنة ~~وغلبت عليها جهة الرحمة، ويسر لها الطاعة وأسبابها. # وبعضها ممن خلقت للنار، يسر لها أسباب المعصية وسلط عليها أقران السوء، ~~وألقى في قلبها حكم الشيطان، فإنه بأنواع الوساوس يغتر الحمقى فيهلكهم، ~~يعدهم ويمنيهم # وما يعدهم الشيطان إلا غرورا # [النساء:120] كل ذلك بقضاء الله وقدره # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر:22] فجزاؤه الجنة الموعودة، وهو بإزاء من قسى قلبه واسود طبعه ~~فجزاؤه جهنم المتوعد عليها # فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله # [الزمر:22]. # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى:20]. # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السمآء كذلك يجعل الله ~~الرجس على الذين لا يؤمنون # [الأنعام:125]. # إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ~~ذا الذي ينصركم من بعده # [آل عمران:160]. ms1472 # فهو الهادي والمضل، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، أن الأبرار لفي نعيم ~~وأن الفجار لفي جحيم. # وفي الحديث الإلهي المتفق عليه، المروي في كتاب الكليني وغيره. # " خلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي، وخلقت هؤلاء للنار ولا أبالي " # ، والله الغني عن طاعة المطيعين، والمتعالي عن معصية العاصين، فإن آمنوا ~~بربهم فروح وريحان وجنة نعيم، وذلك هو الفوز العظيم والمن الجسيم، ~~وإن كفروا فنزول من حميم وتصلية جحيم، وهناك سلاسل وأغلال وعذاب ~~أليم؛ وحق الفريقين الثواب والعقاب # فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب # [الحديد:13]. # وقد أخرجنا أكثر هذه المعاني في عجائب القلب من كتب أهل الله، لما فيها ~~من لطائف الأسرار وبدائع الأنظار، وعظيم النفع في كشف معنى هذه الآية ~~المشيرة إلى معرفة ماهية الشيطان وجنوده، وكيفية عداوته وطريق التخلص عن ~~شره وفساده وإغوائه، المؤدي إلى نار الجحيم وسلوك سبيل المجرمين، ~~والنجاة عنه بنور المعرفة والإيمان وقوة الصبر والتقوى وسلوك الصراط ~~المستقيم، وثبات القدم والعزم القويم في المجاهدة مع أحزابه التي هي من ~~أعداء الله وقطاع سبيل المسلمين، ولا يتخلص عن شرها وضرها وإضلالها ~~وإفسادها إلا خلص أولياء الله المتقين، ولذلك عقب الآية بقوله # { ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا ~~تعقلون } [يس:62]. ### || [36.62] # قرأ أبو عمرو وابن عامر " جبلا " بضم الجيم وسكون الباء، وقرأ أهل ~~المدينة وعاصم " جبلا " بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ روح ~~وزيد " جبلا " بضم الجيم والباء وتشديد اللام وهو قراءة الحسن ~~والأعرج والزهري، وقرأ الباقون من القراء " جبلا " بضمهما وتخفيف ~~اللام، وهذه اللغات كلها واردة في معنى الخلق، وقرئ " جبلا " بكسر ~~الجيم وفتح الباء، جمع " جبله " بكسر الأول وسكون الثاني كفطر ~~وخلق، جمع فطرة، خلقة. # وروي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قرأ: " جيلا " واحد " ~~الأجيال " وهم أصناف الترك والروم. # مكاشفة # معناه: ولقد أضل الشيطان الرجيم كثيرا من خلائق الله بكيده ومكره ~~وحبائله وخدعه وشركه وأحزابه وأتباعه، ووعده بالشر ووعيده على ~~الخير وتمنيته، كما قال تعالى: # واستفزز من استطعت ms1473 منهم بصوتك وأجلب ~~عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال ~~والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا # [الإسراء:64] وترويجه الباطل في صورة اليقين وقبولهم دعوته بسبب ~~انحرافهم عن الصراط المستقيم، وتركهم طريق المجاهدة معه بإبطال كيده ودفع ~~معارضته بقوة البراهين، وإعراضهم عن الحكمة الإلهية، ورفضهم بالكلية ~~اقتناء المعارف الربوبية، وإفسادهم أذواقهم الفطرية عن ذوق المشرب وفهم ~~المطلب. # كما حكى الله عنهم بقوله: # ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن ~~خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون ~~الله فقد خسر خسرانا مبينا # [النساء:119] وإلا لكان يجب أن يسهل عليهم دفع كيد اللعين ويهون عندهم ~~الدنيا، وتنكشف لهم حقارتها ودثورها وفناؤها، وعظمة الآخرة وبقاؤها ~~ودوامها، ويظهر لهم كيفية الإرتقاء إليها والصعود إلى منازلها ومدارجها، ~~وكيفية التخلص عن سجن الدنيا وحبس النفوس، والتباعد عن دار الجحيم ~~ومهاويها ودركاتها. # فإن قلت: فما الحكمة في إيجاد مثل الشيطان، وتسلطه على أفراد الإنسان ~~حتى أغوى كثيرا منهم، وأهلكهم وأوقعهم في سخط الله وغضبه؟ # قلنا: الحكمة فيها كثيرة لا يحيط بها إلا الله، من جملتها أنه كما ~~ينتفع الإنسان من إلهام الملك، قد ينتفع من وسوسة الشيطان، فإن اتباع ~~الشيطان وأهل الضلال كلهم تبعة الوهم والخيال، ولو لم يكن أوهام المعطلين ~~وخيالات المتفلسفين والدهريين، وسائر أولياء الطاغوت ومراتب جربزتهم ~~وفنون إعوجاجاتهم وضلالاتهم وانحرافاتهم وخيالاتهم، لما انبعث أولياء ~~الله في طلب البراهين، لبيان علة حدوث العالم على نهج الكشف واليقين. # وهكذا في الأعمال، لو لم يكن اغتياب المغتابين وتجسس المتجسسين بعيوب ~~الناس، لم يجتنب الإنسان كل الإجتناب من العيوب الخفية، التي قد لا يراها ~~الأصدقاء، وإنما يظهر لهم تحققها من تدقيقات الأعداء، وفحصهم والتماسهم ~~ظهورها عليه وعلى غيره. # فكم من عدو انتفع العبد من عداوته أكثر مما ينتفع من محبة الصديق، فإن ~~المحبة مما تورث الغفلة عن عيوب المحبوب، والعمى عن رؤية نقائصه، والصمم ~~عن سماع مثالبه. # ومن ها هنا يظهر أن لوجود الأفاعيل الشيطانية - كإظهار العداوة والبغضاء ~~والحسد والغدر من الأعداء - فوائد كثيرة عائدة إلى المؤمنين، ms1474 ومن فوائد ~~عداوة الأعداء وكيد الخصماء وضرر الأشقياء للعبد في هذه الدنيا، سرعة ~~رجوعه وعوده إلى الله فرارا من أعداء الله، امتثالا لقوله: # ففروا إلى الله # [الذاريات:50]. # خلق راباتوجنين بدخوكند # تاترا ناجارروزانسوكند # وقوله: { أفلم تكونوا تعقلون } ، كأنه خطاب مع العلماء، ~~الذين كان في استعدادهم إدراك المعقولات فانفسخوا عنه، وهم الذين اشتغلوا ~~بالدنيا وقضاء شهواتها، وتولية موقوفات النفس، والتصدي لمراداتها، ~~والتصدر في تحصيل مرغوباتها ومستلذاتها. # أي: أو لم تتعظوا وتستيقظوا من رقدة جهالاتكم وسنة غفلاتكم، ولم ~~تحيوا بحياة العقل والإيمان من مهالك قلوبكم، وما يكفيكم في هذا الباب ~~وما يحملكم على النفر والنفور، ما سمعتم في القرآن من حكاية " بلعم بن ~~باعور " حيث انسلخ عن الفطرة الموجبة للارتقاء إلى عالم السماء ومعدن ~~النور، إلى فطرة السبع الضاري والكلب العقور، كقوله تعالى: # واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ ~~منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو ~~شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض ~~واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه ~~يلهث أو تتركه يلهث # [الأعراف:175 - 176]. # أما ينهاكم أيها المكبون على الشهوات، المتشبهون بالبهائم والحشرات، ~~ما ورد في حكاية " قارون " وقول الجهال في حقه وتمنيهم حاله، وجواب ~~العلماء الربانيين عنهم من قوله تعالى: # قال الذين يريدون الحياة الدنيا يليت لنا ~~مثل مآ أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال ~~الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن ~~آمن وعمل صالحا ولا يلقاهآ إلا الصابرون # [القصص:79 - 80]. # أما يشوقكم إلى العروج إلى سماوات عقلية ذات بروج مزينة ما لها من فروج؟ # أما يهيجكم إلى الخروج عن هذه الهاوية المظلمة إلى عالم النور ومعدن ~~السرور أقوال سلاطين الأنبياء والأولياء الربانيين، وحكايات أساطين ~~الحكماء والعلماء المتألهين في معارجهم ومصاعدهم حال التحرير؟ ومواصلاتهم ~~وعشقياتهم عند التقرير؟ # أما يطربكم للسير ويطيركم مثل الطير قول سيدنا ونبينا محمد المصطفى ~~(صلى الله عليه وآله) من وصفه الجنات العلى، وسدرة المنتهى عندها جنة ~~المأوى، وذكره الخلود والشهود والمقام المحمود في اليوم الموعود؟ # ثم أن ملاك الأمر في تخلص الإنسان من وسوسة ms1475 الشيطان، والنجاة من شره ~~وضره وشركه وأحزابه وأتباعه ومكائده ومصائده، ليس بصورة الأعمال ~~المستحسنة الظاهرة، ولا بقراءة الكتب المتداولة، ونقل الأحاديث ~~المتواترة، بل بإحكام النيات وصفاء الطويات، واستفاضة المعارف من ملهم ~~الأسرار، واستماع الآيات من مفيض الأنوار، والشهادة على وحدانية الله ~~وتقديسه، وتصحيح مرتبة متابعة نبي الله وأنبيائه، ودرجة ولاية ولي الله ~~وأوليائه، من غير تعصب في مذهب، أو غرض نفساني في مطلب، شهادة شهودية ~~ومعرفة وجودية، يحتاج نيلها إلى تصفية صفحة الباطن عن نقوش الأغيار، ~~وتجلية مرآة السرعن كدورات الأقوال والأنظار، وكنس القلب عن غبار ~~شوائب النفس والآثار، وتخلية بيت الله بحيث لا يكون في الدار غيره ديار، ~~شهادة خالصة من الشرك الخفي، الحاصل من امتزاج الملاعين وصحبة جنود ~~الشياطين. # واعلم أن الكفر كالإيمان على درجات متفاوتة: إذ بإزاء كل مرتبة من ~~الإيمان مرتبة من الكفر، فمن مراتبه: كفر القالب، وكفر النفسن، وكفر ~~القلب، وقد أوردنا تحقيق هذه المراتب في تفسير بعض الآيات. # فالكفر الأول هو ظاهر معلوم لكل أحد، فمن أنكر شيئا من ضروريات الدين، ~~أو رد علامة من علامات شريعة المسلمين، فقد كفر بفتوى الفقهاء والعلماء. # وأما الكفر الثاني الذي يتعلق بالنفس: فلأن معبودها الهوى، وهو الصنم ~~الأكبر المشار إليه في قوله تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية:23]. وفي الحديث المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله): # " أبغض إله عبد في الأرض الهوى ". # ولعل دعاء إبراهيم (على نبينا وآله وعليه السلام) فيما حكاه الله عنه ~~بقوله: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم:35] مشير إلى هذه الأصنام النفسانية التي عبدتها الخلائق، من ~~الهوى الكائن في باطن كل أحد، وقل من العباد من اجتنب عن عبادته، وإلا ~~فمثل الخليل وبنيه (عليهم السلام) كانوا أجل شأنا وأعظم مكانا وأقدس ~~طهارة من أن يتصور في حقهم عبادة الأصنام الحجرية والمدرية. # ولو سألت الحق، فما عبد عباد الأصنام إلا ما حضر عند نفوسهم من صورة ~~الهوى والأوهام، لأن عابد الصنم الحجري إنما يعبده بظن الإلهية له، وتصور ~~الربوبية فيه، وإلا فالأجسام ms1476 متشاركة، فيجب أن لا يكون عنده فرق بين ~~صمنه وغيره من الأجسام، فيلزم عليه أن يعبد كل جسم كان ويكون في العالم - ~~وحينئذ - فلم يبق فرق يعتد به في الواقع وعند أهل الآخرة بين الكفار ~~وعبادتهم المعروفة للصنم، وبين أرباب العقائد الجزئية في حق الله وأصحاب ~~المذاهب الجاهلية سوى الموحدين بالحقيقة، فجميعهم من أهل الهوى والطاغوت، ~~وعبدة الوهم والجهالات وأتباع النفس في الشهوات. # وكذا لا فرق بين نحت الأصنام باليد الجسمانية للعبودية، وبين إنشاء ~~الوهم الصور الوهمية بقوته المتصرفة، لينال بها الوصول إلى البغية ~~الشهوية واللذة الدنيوية. # وقد قلت في المثنوي أبياتا مناسبة لهذا المعنى. # هركه رانبوددرون باصفا # ازنقوش وهم ميسازدخدا # ميتراشد تيشه وهمش صنم # مبيرستدآن صنم رادمبدم # وهمها هستند جمله بت تراش # خودتراشد صورت وكويد خداش # بت نباشد غير صور تهاى وهم # كى درآيد صورت خارج بفهم # بت برستى خوديرستيدن بود # خواه نامش راصنم كن يا صمد # جون توغير ازحق برستى كافرى # خواه نامش حق كنى ياديكرى # خود برستى ميكنى إبليس وار # يكزمان ازحق تعالى شرم دار # دردرون سينه بت دارى همى # مى برستى دائما درهردمى # اين درونهاى توهم آميخته # كه بود اصنام ازوآويخته # كى شودباك ازبتان شك وريب # كى نماي حق دروانوار غيب؟ # تاترا برطاق دل هست اين صنم # كى شوى ايزدبرست اى متهم؟ # تازطاق كعبه أين اصنام را # مى نبردازى بنوراهتدا # تا بكتف روح باى عقل را # ننهى ازبرهان وكشف اى بينوا # بس نيندازى زطاق دل بفن # صورت اين وهمهاى جون وثن # كى شوداندر مدينة نفس تو # حق برستيدن ميسر أى عمو؟ # كى شوددر كافرستان درون # حق برستيدن ميسر جزفسون # وأما كفر القلب، وهو أن السالك إذا انجلت مرآة سره بحيث حوذي بها شطر ~~الحق، وتنقى عن عين قلبه الكدورات النفسانية، وارتفعت عنها الغشاوات ~~الدنيوية، فوقع فيها نور الحق ويتجلى لها جمال الأحدية، فإذا غافصه ~~تجليه فربما نسي هويته الإمكانية وخرج عن رتبة العبودية، ولم يثبت ~~بالقول الثابت فاعتقد لذاته " أنها عين الحق " ، وبادر وقال: " إنها فيها ms1477 ~~" " فأنا الحق " و " سبحاني ما أعظم شأني، فقد تدرع باللاهوت ناسوتي " ~~إلا أن يثبته الله بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، فيعرف أن الصورة ~~الإلهية ليست في مرآة ذاته، بل تجلت فيها، وما حلت فيها، بل ظهرت منها، ~~ولو حلت لما تصور أن تتجلى صورة واحدة لمرائي كثيرة في حالة واحدة، بل ~~كانت بحيث إذا حلت في مرآة واحدة ارتحلت عن الأخرى. # وهيهات! فإن الله لا يتجلى لجملة من العارفين دفعة واحدة، وإن كان في ~~بعض المجالي أظهر وأصح وأقوم وأوضح، وفي بعضها أخفى وأكتم وأبهم، وأميل ~~إلى الإعوجاج عن الاستقامة، وذلك لتفاوت المرائي في الصقالة والصفاء وصحة ~~الإستدارة والإستواء، في رفع الحجب عن بسيط وجهها كلا أو بعضا. # فافهم جدا واغتنم، وتنبه لما قيل " إن نور إبليس من نار العزة " لقوله ~~تعالى حكاية عنه: # خلقتني من نار # [الأعراف:12]. ولو أظهر نوره للخلق لعبدوه: # إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم ~~به مشركون # [النحل:100]. # وكم من سالك بلغ إلى هذا المقام الذي هو آخر الأقدام في السفر الأول، ~~فوقع في الكفر الأكبر، وضل وغوى، وهلك وهوى في الجحيم السفلى والحطمة ~~الكبرى # نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة # [الهمزة:6 - 7]. # والموحد إذا جاوز عن هذه المزلقة المهوية، وارتفع عن هذه المرتبة يقول: # وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض # [الأنعام:79] بعد ما وقع مروره على ملكوت السماوات والأرض، وعبوره على ~~الدرجات العلى من ملكوت ربه الأعلى، لقوله تعالى: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين # [الأنعام:75]. # وفي قوله: " ليكون " إشارة إلى أن السالك لا بد له من أن ينظر أولا في ~~حقائق الأشياء وملكوتها بالنظر الدقيق، واثباتها بالبراهين على وجه ~~التحقيق، ليمكن له أن يرتقي منها إلى ملاحظة الذات الأحدية، والشهادة على ~~وحدانية الباري وصفاته الصمدية. # وذكر بعضهم النكتة - في أنه (عليه السلام) لماذا قال: " هذا ربي " ، ~~لما جن عليه الليل رأى كوكبا؟ - بما روي عن كعب الأحبار، إنه كان قرء ~~في التوراة: " أن أرواح المؤمنين من نور جمال الله، وأن ms1478 أرواح الكافرين ~~من نار قهر الله ". # وفي الأدعية النبوية: " اللهم إني أعوذ بك من الشرك الخفي " ، وفي قوله ~~تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر:65]. # ونقل عن أبي يزيد البسطامي انه قال: إلهي إن قلت يوما: " سبحاني ما ~~أعظم شأني " ، فأنا اليوم كافر مجوسي، أقطع زناري وأقول: " أشهد أن لا ~~إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله ". # وقال الحلاج: # كفرت بدين الله والكفر واجب # لدي وعند المسلمين قبيح # وكتب أبو سعيد المهني إلى أبي علي بن سينا: " دلني على الدليل " ، فقال ~~في الرسالة على طريق الجواب: " الدخول في الكفر الحقيقي، والخروج عن ~~الإسلام المجازي، وأن لا تلتفت إلا بما وراء الشخوص الثلاثة، حتى تكون ~~مسلما وكافرا، وإن كنت وراء هذا فلست مؤمنا ولا كافرا، وإن كنت تحت ~~هذا فأنت مسلم كافر، وإن كنت جاهلا من جميع هذا فإنك تعلم أن لا قيمة لك ~~ولا نقد لك من جملة الموجودين " فأورده أبو سعيد في كتاب " المصابيح " ~~وقال: " أوصلتني هذه الكلمات إلى ما لا يوصل إليه عمر مأة سنة من العبادة ~~". # تتمة استبصارية # لما تحققت أيها السالك كيفية المطاردة بين جند الله وجنود الشيطان في ~~هذا العالم الإنساني، وعلمت أن مناط الغلبة لأحد الحزبين، ومنشأ الفتح عن ~~أحد الطرفين بالحقيقة، ليس إلا بأصل واحد حصل على وجه الرسوخ، وهو إما ~~الإيمان أو الكفر، فإن حصل " الإيمان الحقيقي " في القلب، كان الجنود ~~كلهم مطيعين للملك، وان حصل " الكفر " كان الجنود كلهم مطيعين للشيطان، ~~وإن لم يحصل شيء منهما على الحقيقة كانت المحاربة باقية، وأكثر الناس إما ~~كفار محضة، أو ضعفاء العقل والإيمان، مترددون بين الحق والباطل، فقد رجع ~~الأمر كله إلى أصل اليقين وحقيقة المعرفة. # لأن المجاهدة مع أعداء الله لا يمكن إلا بترك الذنوب والمعاصي، وهو لا ~~يتيسر إلا بالصبر، الذي هو عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر قام ~~القتال بينهما لتصادم مقتضياتهما ومطالبهما، والصبر لا يمكن إلا بمعونة ~~الخوف من عقاب الله، والخوف لا يحصل إلا بالعلم بأن المجاهدة ms1479 مع أعداء ~~الله واجبة، والعصيان عن أمر من نصبه للخلافة محرم، والفرار عن الزحف ~~كبيرة موبقة، وبالتصديق بأن ضرر الذنوب عظيم. # وهذا هو تصديق الله وتصديق رسوله، والإعتقاد باليوم الآخر، ونشأة الثواب ~~والعقاب والميزان والحساب. # و " الإيمان " عبارة عن هذه المعارف، فكأن من أصر على معصية، أو ترك ~~الصبر، أو قعد عن الحرب، فلأنه إما غير مؤمن، وإما ضعيف الإيمان، وكما أن ~~من فقد الإيمان بالكلية يوجب الإصرار على المعاصي، فكذلك ضعفه. # فإن سبب وقوع أكثر المنسوبين إلى الإيمان في المعصية، مع اعتقاد في ~~الجملة بأن المعصية من أسباب البعد عن الله والعقاب في الآخرة، أمور ~~ثلاثة: # أحدها: إن العقاب الموعود غيب غير محسوس، والنفس جبلت متأثرة بالحاضر ~~المحسوس. # الثاني: إن الشهوات الباعثة على الذنوب ناجزة آخذة بالمخنق، وقد قويت ~~واستولت بالاعتياد - والألف والعادة طبيعة خامسة - وليس كل من شرب في ~~مرضه ماء الثلج لشدة عطشه مكذبا بأصل الطب، وبأن ذلك مضر في حقه، ولكن ~~الشهوة تغلبه وألم الصبر ناجزة، فهون عليه الألم الموعود. # الثالث: انه ما من مذنب لقلبه رائحة من الإيمان، إلا وهو في الغالب ~~عازم على التوبة وتكفير السيئة بالحسنة، وقد وعد بأن ذلك منشأة المغفرة، ~~إلا أن طول الأمل غالب على الطباع، فلا يزال تسوف التوبة والتكفير، فمن ~~سبب رجاء توفيق التوبة رمبا يقدم عليه مع الإيمان. # الرابع: انه ما من مؤمن إلا وهو معتقد أن الذنب لا يوجب العقوبة ~~إيجابا لا يمكن العفو عنها - خلافا للمعتزلة -، فهو مذنب ينتظر العفو ~~اتكالا على فضل الله. # فهذه أسباب أربعة موجبة للإصرار مع بقاء أصل الإيمان، نعم ها هنا سبب ~~خامس يقدم المذنب به، وهو يقدح في أصل إيمانه، وهو كونه شاكا في صدق ~~الرسل في انذارهم، وهذا هو الكفر، كالذي يحذره الطبيب تناول ما يضره، ~~وهو ممن لا يعتقد فيه أنه عالم بالطب، فيكذبه أو يشك فيما يقوله، فما ~~يبالي. # ويمكن علاج جميع هذه الأسباب الخمسة بالفكر الصحيح: # أما الأول: فلما تقرر أن كل ما هو آت ms1480 آت، وإن غدا للناظرين قريب، وقد ~~مر تحقيق قرب الساعة، وإن الموت أقرب من كل أحد من شراك نعله # وما يدريك لعل الساعة قريب # [الشورى:17]. # وأما الثاني: ان المتأخر إذا وقع صار ناجزا، ويذكر نفسه أنه أبدا في ~~دنياه بتعب في الحال لخوف أمر في الاستقبال، وهذا ألمه ليس أقل من ألم ~~الصبر عن المعاصي. # وأما الثالث: فبأن أكثر صياح أهل النار وحسراتهم وزفراتهم من التسويف، ~~لأن المسوف بنى الأمر على ما ليس إليه - وهو البقاء - ولعله لا يبقى، ~~وإن بقي فلا يقدر على الترك غدا، كما لا يقدر عليه اليوم، ثم ليت شعري ~~هل عجز في الحال إلا لغلبة الشهوة، والشهوات لا تتفارق بالإصرار، بل ~~تتضاعف سورتها ويترسخ أصلها بالتكرار، ويتأكد خلقها بالإعتياد، وما ~~مثال المسوف إلا مثال من احتاج إلى قلع شجرة فرآها قوية لا تنقطع إلا ~~بمشقة شديدة، قال: " أأخرها سنة ثم أعود عليها " ، فلا حماقة أعظم من ~~حماقته. # وأما الرابع: فعلاجه بأن يتفكر في حال من يمكن العدو على نهب جميع ~~أمواله، ويترك نفسه وعياله فقيرا مستنظرا من فضل الله، راجيا أن يرزقه ~~العثور على كنز في أرض خربة، فإن إمكان العفو عن الذنب مثل هذا الإمكان، ~~والله قادر عليه، إلا أن هذا الرجل مما يحكم عليه كل عاقل بأنه في غاية ~~الحماقة. # وأما الخامس: فعلاجه التأمل في أسباب المعرفة بصدق الرسل، وذلك أيضا ~~ركن عظيم من أركان حكمة الله ومعرفته، وأكثر الناس غافلون عنه، ذاهلون عن ~~معرفة ماهية الرسالة وحقيقة الرسول، بل أكثرهم مستهزؤون بالأنبياء ~~باطنا، وإن أقروا بالرسالة لسانا وقولا، كما مر من قوله تعالى: # ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون # [الحجر:11] وأكثرهم معرضون عن آيات الله فهما ودراية، وإن تلوها ~~قراءة ودراسة: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف:105]. # فقد رجع الأمر في مجاهدة النفس والشيطان كله إلى تحصيل المعارف الإلهية ~~والعلوم الربانية، ثم المصابرة عليها بترك اللذات، والتقوى عن المحارم ~~والسيئآت، لقوله تعالى: # إنا جعلنا ms1481 الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون # [الأعراف:27]، وقوله: # والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت # [البقرة:257] فإذا تنور الباطن بنور المعرفة والإيقان، وتطهر القلب ~~بطهارة الورع، زالت عنه نجاسة الشرك والكفر، فيسري أثره في جميع القوى ~~والجنود والأحزاب، فتصير كلها مسلمة متوافقة متعاضدة متظافرة في سبيل ~~الله والسفر إليه، وكل منها ينقلب إلى أهله مسرورا. # وكما أن في الظاهر، إذا أسلم مشرك تزول عنه النجاسة وعن جميع بدنه ~~وأعضائه وملبوساته وما يلتصق به، فكذلك إذا حل معنى التوحيد الحقيقي في ~~القلب، وتقرر فيه المعارف الإيمانية بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والنبيين، وصدق بكلماته، وآمن بكتب الله المنزلة على رسله وأوليائه ~~(عليهم السلام)، تنورت القوى كلها بأشعة نور الإيمان الحقيقي، وتطهرت ~~الجنود كلها من رجس الشرك الخفي، ونجاسة الجهالة الشيطانية والكفر ~~الوهمي، فصارت النفس روحا، والوهم عقلا، والسفسطة برهانا، والشهوة ~~شوقا إلى العبودية، والغضب عزما على الطاعة، واللذة محبة، والحسد غيرة، ~~والقنوط رجاءا، والكفران شكرا، والحرص توكلا، والقسوة رأفة، والحمق ~~فهما، والتهتك عفة، والكبر تواضعا، والسفه علما، والهذر صمتا، ~~والاستكبار استسلاما، وبالجملة، جميع أجناد الشيطان تصير من توابع الملك ~~وجنود الرحمان، وهكذا جميع أفراسه ورواحله وشركه وحبائله ومنازله ومواضعه ~~تصير متعلقة بحزب الله، والملكة مسخرة لخليفة الله في أرض الباطن، ~~وأهلا ساجدة له خاضعة إياه، مطيعة لأوامره ونواهيه، قائلة كلهم بألسنة ~~أحوالهم: # صحى القلب عن سلمى وأقصر باطله # وعري أفراس الصبى ورواحله # ولقد أطنبنا الكلام، وقد بقي بعد خبايا في زوايا القلب لتبيين المرام ~~وتحقيق الكلام، تركناها لضيق المقام وقصر العمر عن التطويل في كل مقصد ~~على وجه التمام، على أن الصاد الشديد عنه موجود، والباعث القوي عليه ~~مفقود، وهما قصور الإفهام من الطلبة المحصلة، وشنعة اللئام من الجهلة ~~المطلعة. ### || [36.63] # واعلم أن العلم بحقيقة الجحيم والجنة والإيمان بوجودهما من المعارف التي ~~لا بد للسالك من معرفتها، والناس معرضون عنها إعراضهم عن سائر الآيات، ~~لانكبابهم على دواعي النفس والشهوات، وهي كسائر أسرار القيامة مما يختص ~~معرفتها بعلماء الآخرة، وليس لعلماء الدنيا نصيب من هذه المعارف إلا ms1482 ~~الأسامي والرسوم. # ولفظة: " هذه " ، الموضوعة للمشار إليه القريب، مع لفظة " العدة " ~~الموضوعة للأمر المتسوف حصوله، مشعرتان بأن ماهية النار والجنة من أقرب ~~الأشياء إلى ذات العبد ونفسه وروحه، وأن ظهور موعودهما موقوف على قيام ~~الساعة لقوله: # وبرزت الجحيم للغاوين # [الشعراء:91] وقوله: # وإن جهنم لمحيطة بالكافرين # [العنكبوت:54] وقوله: # إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها # [الكهف:29]. # والإشارة إلى ماهيتها بوجه، أن الإنسان ما لم يكن عارفا بالحق لا يمكن ~~سلوكه إليه، والعارف ما لم يكن محبا للحق لا يمكن سلوكه إليه، فالشوق ~~والمحبة ضرب من الوصول، وكماله هو الحشر مع المحبوب أو النزول في ~~دار ضيافته، فالمحبوب الحقيقي لهم هو الله، ودار رحمته وكرامته هي طبقات ~~الجنان ودرجاتها، ومحبوب أهل الكفر هو الهدى والطاغوت، ودار نزله ~~وضيافته هي طبقات الجحيم ودركاتها. # لكن المعرفة على درجات مختلفة: الظن، والعلم، والإبصار - أي المشاهدة -. # " الظن ": لأهل هذه النشأة الدنيوية من حيث يكون فيها، و " العلم ": ~~لأهل الآخرة من حيث هم فيها، و " المشاهدة " لأولياء الله، الذين نشأتهم ~~فوق هاتين النشأتين. # شأن أرباب الدنيا: # ألا إنهم في مرية من لقآء ربهم # [فصلت:54]. وشأن أهل الآخرة: # ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه # [الجاثية:26]. # وبوجه آخر: العلم في الدنيا والمشاهدة في الآخرة: # كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ~~ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر:5 - 7] فالأثر الذي يصل أولا إلى السالك من مطلوبه، الإيمان ~~بوجوده ووجوبه، والأثر الثاني هو الإتقان والتحقيق والمشاهدة: # إن هذا لهو حق اليقين # [الواقعة:95]. # وجميع هذه المراتب، كما يتحقق في المطلوب الخير، كذا يتحقق في مطلوب أهل ~~الشر، إلا أن مآل المشاهدة في الأول إلى البقاء والدوام والسعادة ~~المخلدة، والسرور الدائم والنعيم المقيم، وفي الآخر الدثور والهلاك ~~والزوال والعذاب الأليم، والعقاب الجسيم، فما أشد سخافة رأي أهل الظن ~~والتخمين، حيث يزعمون يوم القيامة بعيدا عن الإنسان بحسب الزمان ~~والمكان: # ومآ أظن الساعة قائمة # [الكهف:36] # ويقذفون بالغيب من مكان بعيد # [سبأ:53]. # وقد علمت فيما مر سابقا، أن أهل العلم واليقين يعلمونه قريبا بحسب ms1483 ~~الزمان والمكان: # اقتربت الساعة # [القمر:1] # وأخذوا من مكان قريب # [سبأ:51] # إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا # [المعارج:6 - 7] وكان نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) يشاهد خازن ~~الجنة ويتناول من ثمارها وفواكهها، ويشاهد النار ويتعوذ منها في صلاة ~~الكسوف - كما روي -، ولم يحكم بإيمان حارثة الأنصاري بالحقيقة ما لم يكن ~~مشاهدا للجنة وأهلها يتزاورون، وللنار وأهلها يتعاوون. ### || [36.64] # إن في هذه الآية نصا على أن الكفر - أي الجهل بحقيقة الساعة واليوم ~~الآخر - هو منشأ صلي جهنم والإحتراق بنارها، وذلك لما مر من أن الجهل ~~بوجود الآخرة يوجب الأقدام على ترك الطاعات، والإجتراء على المعاصي، ~~والتقاعد عن الخروج من دار المعصية ومعدن الآفة، والإخلاد إلى الأرض ~~والإغترار بظواهر الآثار، وتسويف التوبة والإعتماد على الشفاعة، كما حكى ~~الله عنهم بقوله: # هؤلاء شفعاؤنا عند الله # [يونس:18] والجهل بأن شرط تحقق الشفاعة حصول المناسبة، فلا يتصور بدونها ~~كما أشير إليه بقوله تعالى: # لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن # [طه:109] وقوله: # فما تنفعهم شفاعة الشافعين # [المدثر:48]. # وها هنا دقيقة لأهل القرآن الذين هم أهل الله وأهل العرفان، وهي أنه لما ~~تقرر عندهم ببصائرهم الشهودية، وارصادهم وآلاتهم الروحانية، إن الدنيا ~~وأحكامها، مرآة للآخرة وأحكامها، ولما كان الناس يوم القيامة أصنافا ~~ثلاثة لقوله تعالى: # وكنتم أزواجا ثلاثة * فأصحاب الميمنة مآ ~~أصحاب الميمنة # [الواقعة:7 - 8] إلى قوله # أولئك المقربون # [الواقعة:11] ولقوله: # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات # [فاطر:32] فكذلك الموجودون منهم في الدنيا على ثلاثة أقسام، كل قسم منها ~~مرآة ومثال لما يؤول إليه عاقبة أمره، وأحواله وأحكامه الحاضرة مثال ~~لأحواله وأحكامه الغائبة. # فالمتوطنون فيها، المكبون على شهواتها، أمثلة أصحاب الشمال الواقفون ~~على النار من الأشرار والأشقياء المردودون الجهال الضلال المقيدين ~~بالسلاسل والأغلال، وانكبابهم على شهواتها مثال احتراق أهل النار ~~لحرقاتها. # والمتعبدون الزاهدون من أهل السعادة والصلاح هم مثل أصحاب اليمين وأهل ~~النجاة. # وأما العلماء الراسخون السالكون إلى الله، والأحرار المرتفعون عن ~~الخسائس الدنية، المعرضين عن لذاتها الحيوانية، فهم المقربون إلى الله ~~تعالى، المارون على الصراط كالبرق ms1484 الخاطف، من غير أن يصل إليهم أثر حرها ~~وضرها، كما قال واحد من أهل بيت النبي (عليه وعليهم الصلاة والسلام) لما ~~سئل عن قوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا # [مريم:71] " جزناها وهي خامدة " ، وقوله تعالى عقيب ذلك: # ثم ننجي الذين اتقوا # [مريم:72] إشارة إلى أهل النجاة والسعادة، وقوله: # ونذر الظالمين فيها جثيا # [مريم:72] إشارة إلى أهل النكال والشقاوة. # ومن نظر إلى حال كل فرقة بعين الاستبصار والإعتبار، ورجع إلى عالم ~~الانصاف من الجور والاعتساف، انكشف عليه أن التضاد متحقق بين أهل التوحيد ~~وأصحاب الشمال، حيث إن أحواله وأفعاله على ضد أحوال هؤلاء وأفعالهم، ~~ويظهر له يقينا أن الجماعة المتشبهين بالعلماء - المكبين على الدنيا ~~وأغراض النفس والهوى - بمعزل عن درجة أهلية أهل العلم والتوحيد، وهم ~~بمراحل عن أهل الله ورضوانه بعيد، فهم في واد وأهل دين الله في واد. # فهؤلاء أهل التضاد والعناد، كما أن أولئك أهل التوحيد والحرية ~~والتفريد، وذلك لتقيدهم بعالم الحركات والتغيرات، من الأجسام المتضادة ~~الصور والمواد، المتقلبة في أحوالها، كالحدوث والزوال والكون والفساد، ~~والحياة والموت، والنوم واليقظة، والصحة والمرض، والقدرة والعجز، واللذة ~~والألم، والراحة والتعب، والشهوة والغضب، وذلك لتقيدهم بذواتهم ~~المستحيلة، وهوياتهم الكائنة الفاسدة، وعلومهم الجزئية المتغيرة، بحيث ~~لم يرتقوا عن خصوصيات هوياتهم، ولم يخرجوا قدما عن عتبة باب أبدانهم ~~العنصرية بنفوسهم الوهمية. # وإذ لا نجاة لشخص من نفسه وشخصه، فكيف لوازمه وحالاته، فهم محترقون بنار ~~الانقلابات وحرقة الشهوات # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء:56] وأي عذاب أشد من أن يكون متعذبا من نفسه، معاقبا بمعصية ~~هي ذاته ووجوده؟ كما قيل: " وجودك ذنب لا يقاس به ذنب " فلا جرم ~~يكونون أبدا في الجحيم بين أمور متضادة كالسموم والزمهرير يترددون في ~~الهاوية بين طرفي التضاد، لما بينا فيما مر، أن الهاوية من سنخ هذه ~~الدار يبرز يوم القيامة على الأشرار: # وبرزت الجحيم للغاوين # [الشعراء:91] كما برزت اليوم على الأخيار، لقوله: # وبرزت الجحيم لمن يرى # [النازعات:36] فمن كان يتعذب تارة بأحد ms1485 الضدين وتارة بالآخر: # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # [الزمر:16]. # برهوا برشود بسوزندش # برزمين بكذرد بدوزندش # دوزخ نقد مفسدان اين است # نسيه خود صد هزار جندين است # وأحوال أهل الجنة والأبرار، تعاكس أحوال أهل النار والأشرار بوجه، حيث ~~إن هؤلاء لما كانوا أول الأمر خارجين عن قيد الشرع، مسرحين عن عقال ~~العقل، غير مرتاضين بل سائمين في أرض الشهوات، خالعي عذار الشرع وزمام ~~العقل، فلا جرم يقيدون في الآخرة بقيود السلاسل والأغلال، يعذبون ~~بفنون العذاب والنكال، محتجبون بأنواع الحجب، مترددون في أسفل دركات ~~الجحيم # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا ~~فيها # [الحج:22]. # وأما الأبرار، فلهم الإرتقاء من كمال إلى كمال، لهم من فوقهم غرف ومن ~~تحتهم غرف، وهم المتخلصون من عذاب أهل التضاد، لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون. ### || [36.65] # وقرئ " يختم " بصيغة الغائب المجهول، و " تتكلم أيديهم " وقرئ " ~~ولتكلمنا أيديهم وتشهد " بلام (كي) والنصب على معنى: " ولذلك نختم على ~~أفواههم " ، وقرئ فيها بلام الأمر والجزم على أن الله يأمر الأعضاء ~~بالكلام والشهادة. # في الكشاف: " يروى أنهم يجحدون ويخاصمون، فيشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم ~~وعشائرهم، فيحلفون ما كانوا مشركين، فحيئنذ يختم على أفواههم وتكلم ~~أيديهم وأرجلهم، وفي الحديث يقول العبد يوم القيامة: إني لا أجيز علي ~~شاهدا إلا من نفسي، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي. فتنطق ~~بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكن وسحقا، فعنكن ~~كنت أناضل ". # واختلف المفسرون في كيفية شهادة الجوارح على وجوه: # أحدها: إن الله تعالى يخلقها خلقة يمكنها أن تتكلم وتنطق وتعترف ~~بذنوبها. # وثانيها: إن الله يجعل فيها كلاما، وإنما نسب الكلام إليها لأنه لا ~~يظهر إلا من جهتها. # وثالثها: إن معنى شهادتها وكلامها، إن الله يجعل فيها من الآيات ما يدل ~~على أن أصحابها عصوا الله بها. # مكاشفة أخروية # إن أهل الضلال وأصحاب الشمال إذا برزوا لله، وخرجوا من قبورهم إلى ~~المحشر، كانت لهم صور وأشكال على ما اقتضه صفاتهم وأخلاقهم البهيمية ~~والسبعية. # وفي الحديث: # " يحشر الناس على ms1486 صور نياتهم " # فيحشرون في الآخرة على صور الحيوانات العجم، المنتكسة الرؤوس، المنقلبة ~~الوجوه إلى أسفل، مختومين على أفواههم، تشهد على ضمائرهم ونياتهم هيئات ~~أيديهم وأرجلهم، وتشهد آذانهم على أنهم صم عن سماع آيات الله، وعيونهم ~~على أنهم عمي عن مشاهدة أهل الآخرة، وجلودهم وأبدانهم على أنهم حمق ~~عن إدراك المعاني، كما قال: # شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون # [فصلت:20]. # دقيقة كشفية # إن الله تعالى خلق في الأكوان أصنافا أربعة هي: الجسم العنصري، ~~والجماد، والنبات، والحيوان، غلب على كل منها بحسب الفطرة والطبيعة إحدى ~~الحجب من مراتب الاحتباس عن الجنان، وزلات الأقدام عن القيام إلى طاعة ~~الرحمان، ليعلم بالبصيرة الباطنية انطلاق الحقيقة الإنسانية بحسب فطرتها ~~العقلية عن هذه الحجب والقيود. # بل خلق في الحيوان أصنافا أربعة لمراتب أربع، متحققة في أفراد الإنسان، ~~ليعلم أهل الشهود كيفية احتجاب أهل الجحيم وانحباسهم في شجون أودية ~~الظلمات، وسجون مهاوي التعلقات لأرباب الضلالات عن لقاء الله، وينكشف ~~عليه كيفية انكشاف وجوه أهل الرحمة وانطلاقهم عن حجب هذا العالم، وعدم ~~انحباسهم في ظلمات ثلاث لقوى ثلاث، من شهوة البهيمية وغضب السبعية ~~وحيلة الشيطانية. # وذلك حيث لم يتحقق علامة الانفتاح، وطلاقة الوجه، ونقاء الجسد إلا في ~~واحد من تلك الأربعة - وهي الإنسان -، دون غيره من الأصناف الثلاثة، ~~البهيمية والوحوش والطيور، إذ فيه علامة أهل الجنة، الذي هم " جرد ~~مرد مكحلون " كما ورد في الحديث، ولغيره علامات المحبوسين والمسجونين ~~والمجرمين، - فهي التقيد بالأغلال في الأعناق والأيدي والأرجل، والإنسداد ~~عن الارتقاء إلى عالم النور، والاحتجاب بالأغشية الظلمانية، كما في قوله ~~تعالى: # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهى إلى ~~الأذقان فهم مقمحون * وجعلنا من بين أيديهم ~~سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون # [يس:8 - 9]. # ثم الإشارة إلى أن النفس الإنسانية باعبتار كونها عالما مشتملا على ~~أصناف المكونات والحيوانات، كمثل شاة في أول الأمر، لها قوائم أربعة، ~~قيدت بثلاثة أرجل هي قواها الطبيعية والنامية والحيوانية، وأطلقت بواحدة ~~هي قوتها الفكرية، خلق الله في كل واحد من الحيوانات الثلاثة ms1487 - سوى ~~الإنسان - ثلاث علامات من علامات الجحيم والعذاب، وخلق في الإنسان أضداد ~~هذه العلامات، ثلاث هي كعلامات أهل الجنة. # وذلك لأن لكل واحدة من تلك الحيوانات يوجد ثلاث عقد: إحداها: عقدة العمى ~~في العين عن مشاهدة آيات الآفاق والأنفس، ورؤية ما في كتاب الله لقراءة ~~آياته، والأخرى: عقدة الصم في الأذن عن استماع الكلام، والثالثة: عقدة ~~الانتكاس لنفوسها المتوجهة إلى الأغراض السفلية. # ونشأ من هذه العقد الثلاث عقد ثلاث أخرى شاهدة عليها، إحداها: اللسان ~~الشاهدة على صمم الآذان، وثانيها: عقدة اليدين الشاهدة على عماء العين، ~~والثالثة: الإنقلاب في البدن، لشهادة الانتكاس في النفس، فإن اللسان ~~كخليفة الأذن، لأن كل " أصم " فطرة فهو " أبكم " ، واليد الكاتبة كخليفة ~~العين، فإن " الأعمى " لا يقدر على الكتابة، والبدن كخليفة النفس، ~~فانقلابه دليل انتكاسها، كما أن انحناء الغلاف دليل انحناء السيف. ### || [36.66-67] # الطمس: محو الشيء حتى يذهب أثره، و " الطمس على العين ": تعفية شق العين ~~حتى تذهب وتعود ممسوحة، ومثله " الطمس على الكتاب " وهو إذهابه حتى لا ~~يقع عليه إدراك. # وقوله: " فاستبقوا الصراط " إما على طريقة الحذف والإيصال، أي فاستبقوا ~~إلى الصراط، أو بتضمين معنى " ابتدروا " ، أو يجعل الصراط مسبوقا لا ~~مسبوقا إليه، أو ينتصب على الظرف، أي: فلو قصدوا (تصدوا) أن يستبقوا إلى ~~الصراط فأنى يتيسر لهم، لكونهم عميا لا يبصرون الطريق. # و " المسخ ": قلب الصورة إلى خلقة مشوهة. و " المكانة " و " ~~المكان " واحد كالمقامة والمقام، وربما يفرق بينهما، فيكون الأول ~~للمعنوي، والثاني للوضعي. # وقرئ: مكاناتهم، وقريء: مضيا - بالحركات الثلاث -. # قد أخبر سبحانه، عن قدرته على كشف سرائر هؤلاء الكفار، وصورتهم الباطنية ~~الغائبة عن حواس أهل الدنيا، المناسبة لصفاتهم ونياتهم، وهي الصور التي ~~سيحشرون عليها يوم القيامة، فقال: ولو نشاء لطمسنا على أعينهم. # وعن ابن عباس، أي: لأعميناهم عن الهدى. وعن الحسن والجبائي وقتادة: ~~لتركناهم عميا يترددون. # فاستبقوا الصراط - أي: فطلبوا طريق الحق وقد عموا عنه - فأنى ~~يبصرون. وعن ابن عباس، وقيل معناه: فطلبوا النجاة والسبق إليها، لا ~~بصر لهم فكيف يبصرون وقد أعميناهم. ms1488 وقيل: طلبوا الطريق إلى منازلهم ~~فلم يهتدوا إليها. # ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم - التي هم فيها قعود، أي: لعذبناهم بنوع ~~آخر من العذاب، فأقعدناهم في منازلهم ممسوخين قردة وخنازير، وقيل معناه: ~~ولو نشاء لمسخناهم حجارة في منازلهم ليس فيهم أرواحهم. # فما استطاعوا مضيا ولا يرجون - أي: فلم يقدروا على ذهاب ولا مجيء. ~~وقيل معناه: فما استطاعوا مضيا من العذاب ولا رجوعا إلى الخلقة الأولى ~~بعد المسخ. # مكاشفة # " الطمس على العين ": إشارة إلى إزالة الإستعداد عنهم لإدراك الحقائق ~~بالبصيرة الباطينة، وهي القوة العاقلة النظرية، كما أن " المسخ على ~~مكانتهم " - وهو إجمادهم في مرتبتهم التي كانوا عليها من النقص -، إشارة ~~إلى قلب فطرتهم الإنسانية بحسب القوة العملية المستعدة لسلوك سبيل الحق ~~بفعل الخيرات وإقامة الصلاة والزكاة إلى فطرة الدواب والأنعام، التي ليست ~~لها قوة الإرتقاء إلى ملكوت السماء. # والحاصل، أن أهل الكفر والاحتجاب وأصحاب الضلال والعذاب، وان كانوا في ~~أصل الفطرة مستعدين لإدراك طريق الحق القويم، وقوة المشي على الصراط ~~المستقيم، إلا أنهم لانكارهم وجحودهم آيات الله ومعالم دينه وحكمته، ~~طمست عقولهم النظرية وعيونهم الفطرية، فصاروا من جملة الشياطين المردودين ~~إلى أسفل السافلين، ومسخوا بحسب قوتهم العملية فصاروا قردة وخنازير، فلو ~~راموا أن يستبقوا إلى الطريقة العاملة التي لكل أحد أن يسلكها إلى مقصده ~~الذي يناسبه بحسب أصل الفطرة - وهي الشريعة العامة التي بها نجاة كل أحد ~~- لم يقدروا، وتعايا عليهم أن يبصروا ويعلموا جهة السلوك فيها من علوم ~~المعاملات والمسائل الضروريات - فضلا عن غيره من علوم المكاشفات -. # ومع قطع النظر عن كون السلوك متوقفا على البصيرة، فصاروا لكثرة ~~اعتيادهم كالدواب والأنعام بالتوطن في عالم الأجرام، وانحباسهم كالحشرات ~~في قعر أرض البدن، ممسوخين على مكانتهم التي كانوا عليها، مجمودين في ~~عالم الصورة، غير مستطيعين مضيا إلى عالم الرحمة والنجاة، لفقد الآلة ~~وضعف البنية ومسخ الماهية، ولا راجعين إلى فطرتهم الأصلية، لاستحالة ذلك ~~بالبراهين القاطعة العقلية والشواهد الناصة (القاطعة) النقلية، كما ~~استحالت في سنة الله صيرورة الشيخ الكبير طفلا صغيرا. # وأما قوله: # قيل ms1489 ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا # [الحديد:13] فهو على سبيل التهكم بهم. # وإني قد رأيت من المستعدين من كان لهم بحسب الفطرة الأصلية لكلتا قوتيهم ~~النظرية والعملية استعداد إدراك بعض المعارف الحقة، والإقتدار على فعل ~~الطاعات والخيرات، والمصابرة على ترك الفسوق والشهوات، فصاروا بعد حين ~~بسبب ملاقاة أهل الإغترار، وملازمة أقران السوء، وصحبة أهل الغفلة ~~والجهالة، والانكباب على الدنيا، والإعراض عن الحكمة، في غاية الجمود ~~والبلاهة، والعمى عن إدراك المعقولات، لاعتيادهم بحفظ الوساوس الوهمية، ~~والكلمات الواهية، والأقوال المتناقضة الباطلة، وفي غاية الكسل عن ~~الخيرات والطاعات، لانهماكهم في طلب الشهوات النفسانية، وإفناد قواهم ~~في السعي على اقتناء المرغوبات الحسية، وتحصيل الرياسات الحيوانية. # وأكثر هؤلاء إذا تجاوزوا عن الأربعين وصاروا معمرين، وأخذت قواهم في ~~الانتكاس والذبول - كما أشير إليه في الآية التالية، توغلوا في الإعراض ~~عن الحق والخوض في الباطل، إلى أن صاروا أشد الناس عداوة للذين آمنوا ~~بحسب الضمير والإعتقاد، وأغلظ المعاندين والجاحدين لأهل الحق لغاية البعد ~~عن عالم المعاد، وأحرص الناس على حياة هذه الدنيا كاليهود الغالب على ~~نشأتهم أحكام الظاهر، ومحبة التجسم وعداوة أهل التجرد والتوحيد ~~والروحانيين. # كما قال تعالى: # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى ~~وبشرى للمؤمنين # [البقرة:97] ولقوله: # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال فإن الله عدو للكافرين # [البقرة:98] وهذا بالحقيقة معنى " الطمس " و " المسخ " الواقع في يهود ~~الأمم السابقة مكشوفا، وفي مجسمة هذه الأمة مستورا، لا التناسخ ~~بالمعنى المشهور بين الفلاسفة، لنهوض البراهين على استحالة انتقال النفس ~~من بدن عنصري إلى بدن آخر. # وأما انقلاب باطن الإنسان بحسب كثرة الأعمال الشهوية والغضبية والجربزية ~~إلى حقيقة البهائم والسباع والشياطين، فهذا مما اتفق عليه أكابر المحققين ~~من أهل الكشف والشهود، وأشار إليه أعاظم الحكماء الأقدمين من أصحاب ~~الإشراق والسلوك إلى الله المعبود، ونطقت به ألسنة الشرائع الحقة ~~الإلهية، ودلت عليه الآيات القرآنية، وصرحت به الأحاديث النبوية. # وكفاك في هذا المعنى قوله تعالى في حق من أنزلهم أخس المنازل ms1490 وأبعدهم عن ~~ساحة الشرف الإنسانية بمراحل، وأسكنهم في حضيض الجهال ومهوى الأرذال ~~محجوبين عن شهود الحقيقة، مخذولين عن صراط سوى الطريقة، بعدما كانوا ~~مكرمين من حيث استعدادهم بكرامة الآدمية، مشرفين بشرافة مسجودية ~~الملائكة من جهة الفطرية: # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ~~من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا ~~وأضل عن سوآء السبيل # [المائدة:60]. # فإنه صريح في أنهم جعلوا في جحودهم الحق، وإنهماكهم في الشهوات وطلب ~~الرياسات، أنزل رتبة وأسفل دركة من القردة والخنازير وعبد الطاغوت - ~~بحسب القوة العملية - وأعمى قلبا عن رؤية الحق، وأضل انحرافا عن الصراط ~~المستقيم من الشيطان الرجيم - بحسب القوة النظرية -، فإن الحيوانات - وإن ~~كانت أشرارا خسيسة دنية - والشياطين - وإن كانت خبيثة ضالة عن طريق ~~الحق - لكن ليس لها استعداد الارتقاء إلى مقارنة الحق الأعلى، ومجاورة ~~مقربيه وطبقات جنانه وملكوته، وأما هؤلاء فإنهم كانوا بحسب أصل الفطرة ~~وميثاق عهد الربوبية مستعدين لسلوك سبيل الله، والحشر إلى جناب رحمته، ~~والفوز بجنانه والوصل إلى رضوانه، وقد بطل استعدادهم النظري لرؤية ~~الأشياء كما هي، بالطمس على عيونهم، وفسد اقتدارهم العملي العروجي ~~بالمسخ، فصاروا مغلولي الأيدي ومقيدي الأرجل، كالقردة المغلولة، ~~والخنازير المقيدة، حيث زيد فيها غل على غل، وقيد على قيد. # ولذا قال تعالى نظرا إلى زوال القوة الدراكة بالطمس # إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون # [الأنفال:22] ونظرا إلى كلال القوة الحراكة بالمسخ: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف:179]. # فإن قلت: دعوى عدم الاستعداد رأسا للارتقاء إلى عالم السماء في ~~الحيوانات الصامتة وإن كان مسلما معلوما، لكن عدم استعداد ادراك ~~المعارف في الشيطان غير معلوم، لأنه كان واعظا للملائكة معلما لهم. # قلت: هذا عند أهل الله أمر محقق ثابت، ولهم في ذلك شواهد كشفية ودلائل ~~قرآنية: # منها: اعتراضه على الحق وتمرده عن سجدة آدم، فهذا دل على أن إدراكه من ~~باب التخيلات والأوهام، غير بالغة إلى حد التعقل، وليس من شأنه العروج ~~إلى سماء اليقينيات، وإنما ms1491 غاية سيره (مسيره) إلى سوافل الظنون والأوهام، ~~واستراق السمع من أهل التجرد والقدس والطهارة، وليس له إلا أن ينقل صورة ~~المسألة لغرض النفس والهوى، منضما إليها وجوه من الخبائث الباطنية ~~والدواعي النفسانية. # ومنها: قصور فهمه عن إدراك حقيقة الإنسان وفضيلة ذاته الأصلية - ان لم ~~يصبها آفة - على سائر الأقران، باعتبار جامعيته للنشأتين، واستحقاقه ~~لخلافة الله في العالمين. # ومنها: وقوعه في الغلط الفاحش والقياس المغالطي المبتني على الاشتباه ~~بين مادة الشيء وصورته، حيث لم يتفطن بأن رتبة الإنسان ليست من جهة ~~البنية العنصرية الأرضية، بل بحسب جوهر الروح، فكأنه لم يكن عارفا بوجود ~~المجردات العقلية. # ومنها: فعلية جوهره وغلبة النارية على ذاته، وعدم العجز والانكسار ~~والآفة البدنية فيه، فإن منشأ استحقاقية الإنسان للارتقاء إلى عالم القدس ~~والرضوان، ورحمة الله في حقه من جهة غاية عجزه وافتقاره وانكساره، وتقلب ~~ذاته من طور إلى طور، وانزعاج طبعه عن وحشة هذا العالم، وكثرة آفاته ~~وأمراضه، وضعف طبيعته في أول النشأة، كما قال تعالى: # وخلق الإنسان ضعيفا # [النساء:28]. # فكل من لم يكن أول الفطرة حاله هذا الحال، وكان له ضرب من الكمال ~~الوهمي، مبتهجا بزينة ذاته الاستعلائة وصورته النارية الاشتعالية، ~~فخورا بقهره وعلو جسميته الدخانية، فلا محالة لم يتوقع الكمال، ولم يكن ~~له حال منتظر يمكن له الوصول إليه بالجواز عن مقامه الذي فيه، والسالك ~~متى لم يمت عن نشأته التي هو فيها، لم يمكنه التجاوز إلى نشأة أخرى ~~فوقها. # ومن نظر إلى حال الإنسان من أول تكونه إلى غاية نشوه - حيث كان أولا ~~نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم جنينا، ثم طفلا - تيقن أن بناء استكماله ~~وبناء انتقاله إلى حالة أخرى، زواله عن الحالة الأولى، فما لم يخلع عن ~~ذاته كسوة صورة سابقة، لم يتلبس بكسوة صورة لاحقة، ومتى لم يمت عن نشأة، ~~لم يحي بحياة ثانية. # ومنها: أنه لو كان في ذاته إمكان الترقي إلى مشاهدة الحقائق الإلهية، ~~والتفطن بالعلوم الربانية، لكان بالغا إلى شيء منها في المدد المتطاولة ~~والألوف (الأيون) الجمة الغفيرة ms1492 من الأحقاف والإعمار والأدوار والأكوار ~~التي مضت عليه، مع كثرة الشواهد والآيات الدالة على حقيقة وجود الباري ~~الكريم الجواد، وكيفية صفاته وآثاره، وحقيقة أسرار المبدء والمعاد، ~~وانتفاء التالي يدل على انتفاء المقدم. # أما الملازمة فواضحة، وأما انتفاء التالي: فلأن أقل المراتب في معرفة ~~المبدء من علم الآفاق، والإيمان بقدرة الباري، ووجوب عبوديته، وامتثال ~~أمره ونهيه، وأدنى المراتب في معرفة المعاد، من علم الأنفس الإذعان بوجود ~~النشأة الباقية للإنسان، وفضيلته على سائر المكونات، ومعلوم أن هذا القدر ~~من المعرفة لم يكن حاصلا له ولو على وجه التقليد والظن الحاصلين لأكثر ~~العوام من أهل الإسلام. # ومنها: قوله تعالى: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص:75] فإنه كاشف عن خسة ذاته، وقصور جوهره عن أن يكون من العالين، وهم ~~سكان عالم التقديس وجواهر الملكوت العقلية، المرتفعون بحسب كمالهم العلمي ~~عن سوافل عالم الغواشي المادية الموجبة للجهالة، فإن بناء العلم ~~والإنكشاف على التجرد والخلاص عن اللواحق الغريبة، وتميز الخبيث عن ~~الطيب، وبناء الجهالة على التلبس بالأغشية الظلمانية السفلية. # فمن لم يكن بحسب جوهره وذاته من العالين - أي من جنس الملائكة العلويين ~~- فلا يصل إلى مقامهم - لا بالفعل ولا بالقوة -، فإن التعليم والتهذيب لا ~~يظهران إلا ما هو كامن في جبلة الشخص وذاته. # فهذه وجوه دالة على كون الشيطان ممنوع الذات والجبلة عن الاهتداء بطريق ~~الحق، والارتقاء إلى عالم الملكوت، مطرود الماهية عن الوصول إلى اقليم ~~النور والنعيم، محترق الطبيعة بنار الحرمان والبعد في أسفل دركة الجحيم. # ومنها: إنه خالف إجماع الملائكة في سجود آدم، وهذا دال على غاية خباثة ~~باطنه وسوء فطرته، حيث استبد برأيه، واستنكف عن الموافقة مع أهل الله ~~وإخوان التجريد وأولياء الله. # ومنها: أنه خاطبه الله خطاب الإمتحان بجوهر ذاته، ليظهر به حجة الله ~~عليه واستحقاقية اللعن والبعد وقال: # ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف:12] فلو كان ذا بصيرة لقال: " منعني تقديرك وقضاؤك ومشيتك ~~الأزلية " ، فلما كان أعمى بالعين التي ترى أحكام الله وتقديره وهويته، ~~بصيرا بالعين التي ترى أنانيته، فقال: ms1493 " أنا خير منه " أي: منعني خيريتي ~~منه أن أسجد لمن هو أدنى. # ومنها: استدلاله في مقابلة النص على خيرية ذاته بقوله: # خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف:12] يعني: النار علوية نورانية لطيفة، والطين سفلي ظلماني ~~كثيف، فهي خير منه، فأخطأ اللعين في الجواب، وفي الاستدلال، والقياس من ~~وجوه: # وقد قررنا خطأه في الجواب. # وأما في القياس: فأحد الوجوه أنا لو سلمنا أن النار أفضل وأشرف وأعلى من ~~الطين من حيث الظاهر والصورة، لكن من حيث الحقيقة والغاية الطين أفضل ~~وأشرف، لأن من خواص الطين الطين الإنبات والنشو والنمو، ولهذا السر كان ~~يعلق الروح به ليصير قابلا للترقي، والنار من خاصيها الإحراق والإفناء. # كه آدم راز ظلمت صد مدد شد # زنور إبليس ملعون ابد شد # وثانيها: أن في الطين لزوبة وامساكا، فإذا استفاد الروح منه بالتربية ~~هذه الخاصية، يصير ممسكا للفيض الإلهي، إذ لم يكن ممسكا في عالم ~~الأرواح، ولهذا السر كان آدم مسجودا للملائكة، وفي النار خاصية الإتلاف ~~وهو ضد الإمساك. # وثالثها: إنه مركب من الماء والتراب، والماء مطية الحياة لقوله تعالى: # من المآء كل شيء حي # [الأنبياء:30] والتراب مطية النفس وإذا امتزجا تتولد النفس الحيوانية، ~~وهي الروح الحيواني، وهي مطية الروح الإنسانية للمناسبة الروحية بينهما، ~~وفي النار ضد هذا من الإهلاك والإفساد. # هذا مع أن شرف مسجودية آدم وفضيلته على ساجديه، لم يكن بمجرد خواصه ~~الطينية التي هي جهة القبول والصلاحية، - وان تشرفت طينته بشرف التخمير ~~من غير واسطة - لقوله تعالى: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [ص:75] وكقوله (صلى الله عليه وآله): # " خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا " # - وإنما كانت فضيلته عليهم لاختصاصه بنفخ الروح المشرف بالإضافة إلى ~~الحضرة فيه من غير واسطة، كما قال تعالى: # ونفخت فيه من روحي # [الحجر:29] ولاختصاصه بالتجلي فيه عند نفخ الروح، كما في قوله (صلى ~~الله عليه وآله): # " إن الله خلق آدم فتجلى فيه " # ، وقد مر أن الملعون خلط بين جهة المادة وجهة الصورة، وشرافة آدم بصفة ~~الإنسانية وصورته الذاتية. ms1494 # ولهذا السر - ما أمر الله الملائكة بالسجود بعد تسوية قالب آدم من ~~الطين، بل أمرهم به بعد نفخ الروح فيه، كما قال تعالى: # إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين # [ص:71 - 72] وذلك لآن آدم بعد أن نفخ فيه الروح، صار مستعدا للتجلي لما ~~حصل فيه من لطافة الروح ونورانيته التي يستحق بها للتجلي، ومن امساك ~~الطين الذي يقبل الفيض الإلهي مسكة عند التجلي، فاستحق سجود الملائكة ~~لأنه صار قلبه كعبة حقيقية. # تفهم إنشاء الله وتغتنم وتنتفع به، ولا تكونن كالشيطان أعمى القلب عن ~~مطالعة هذه الحقائق، والمتكبر عن الإيمان بها فتخرج عن جنة هذه المعارف، ~~وروضة هذه العواطف، وتخاطب بقوله تعالى: # فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج ~~إنك من الصاغرين # [الأعراف:13]. # ومنها: كفره، لقوله تعالى: # وكان من الكافرين # [البقرة:34] والكفر عين الجهل. # واختلف المفسرون والفقهاء في أن كفره أهو قبل الإباء عن السجدة أم بعد؟ ~~وفيه قولان: # الأول: إنه كان إبليس عند اشتغاله بالعبادة منافقا كافرا، وفي هذا ~~وجهان: # أحدهما: حكى محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في أول كتاب " الملل والنحل ~~" عن شارح الأناجيل الأربعة - وهي المذكورة في التوراة متفرقة عن شكل ~~مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود -: قال ابليس: " إني أسلم ~~أن لي آلها هو خالقي وموجدي، وهو خالق الخلق، لكن لي على حكمة الله ~~أسئلة سبعة: # أحدها: ما الحكمة في خلق الكافر، لا سيما وقد كان عالما بأن الكافر لا ~~يستوجب عند خلقه إلا الألم؟ # الثاني: ما الفائدة في التكليف، مع أنه لا يعود إليه نفع ولا ضر، وكل ما ~~يعود على المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ # الثالث: هب أنه كلفني بمعرفته وطاعته، فلماذا كلفني السجود لآدم؟ # الرابع: ثم لما عصيته في ترك السجود لآدم لعنني وأوجب عقابي، مع أنه لا ~~فائدة له ولا لغيره فيه، ولي أعظم الضرر؟ # الخامس: لم مكنني من الدخول في الجنة ووسوسة آدم؟ # السادس: لما فعل ذلك، ms1495 فلم مكنني من إغوائهم وإضلالهم؟ # السابع: لما استمهلته المدة الطويل في ذلك فلم أمهلني؟ ومعلوم أن ~~العالم لو كان خاليا عن الشر لكان ذلك خيرا؟ ". # قال شارح الأناجيل: فأوحى الله تعالى إليه من سرادقات الجلال والكبرياء: ~~" يا إبليس، إنك ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء ~~من أفعالي، فإني أنا الله لا إله ألا أنا، لا أسأل عما أفعل ". # واعلم أنه لو اجتمع الأولون والآخرون من الخلائق لم يجدوا عن هذه الشبه ~~مخلصا من إسكات الجاحد المجادل البحاث إلا بهذا الجواب الإلهي، على أن ~~لكل من هذه الشبهات جوابا برهانيا حقا مبتنيا على الأصول الصحيحة ~~العرفانية والمقدمات الحقة اليقينية. # الوجه الثاني: قول أصحاب الموافاة، وهو أن الإيمان يوجب استحقاق الثواب ~~الدائم، والكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم، والجمع بينهما محال، والقول ~~بالاحباط باطل، فلم يبق إلا أن يقال أن هذا الفرض محال، وشرط حصول ~~الايمان في وقت أن لا يصدر الكفر عنه بعده، فإذا كانت الخاتمة على الكفر، ~~علمنا أن الذي يصدر عنه أولا ما كان ايمانا، وعلى هذا شواهد أخرى طوينا ~~ذكرها، لأنه يؤدي إلى التطويل، وفيما ذكرنا كفاية للمتأمل المهتدي سواء ~~السبيل. ### || [36.68] # قرئ " ننكسه " من " التنكيس " و " ننكسه " من " الانكاس " وقرئ " أفلا ~~تعقلون " بالتاء والياء. # وفي الآية إشارة إلى أن الانسان كلما أمعن في السن، نكس قواه البهيمية ~~والسبعية، وأخذت البنية في الذبول والخلقة في النقصان، وشرعت الصفات ~~والهيئات الباطنية في التأكد والرسوخ، وابتدأت أحوال الضمائر والبواطن في ~~الانكشاف والظهور، وقد جاءت أشراط الساعة للقيامة الصغرى، وبرزت علامات ~~السعادة والشقاوة لذوي البصائر العقلية، أفلا تعقلون أيها العاقلون. # أو ما تستحيون من استبطائكم هجوم الموت اقتداءا برعاع الغافلين الذين ~~لا ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا ~~إلى أهلهم يرجعون، فتأتيهم الأمراض نذيرا من الموت فلا ينزجرون، ويأتيهم ~~الشيب رسولا منه فلا يعتبرون، فيا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول ~~إلا كانوا به يستهزئون!. # أفيظنون أنهم في الدنيا خالدون؟ أو ms1496 لم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون ~~إنهم إليهم لا يرجعون؟ أم يحسبون أن الموتى الذين سافروا من عندهم فهم ~~معدومون؟ كلا، إن كل لما جميع لدنيا محضرون، ولكن ما يأتيهم من آية من ~~آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين، وذلك لأنا جعلنا من بين أيديهم سدا ~~ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون، فسواء عليهم أأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم لا يؤمنون. # اشارة أخرى # لما ذكر في الآية السابقة نفي استطاعة الرجوع للأشقياء إلى الفطرة ~~الأصلية التي كانت لهم بالطمس والمسخ، وإن كان أكثر الذين (الناس) ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا، وهم كانوا لغاية الحمق والجهالة والغرور يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا، ويتمنون آخر الآمر ومنتهى العمر حين انكسار قواهم ~~وقصور دواعيهم الجسمانية، وظهور أسباب المذلة والهوان، وأشراط ساعة ~~الموت والحرمان، الرجوع إلى أول العمر، وحين أوان القابلية والإستعداد ~~قبل إفناء الآلات، وصرفها في غير ما خلق الله لأجله وكلف به العباد، ~~وتحسر وتأسف على تضييعها لغير طائل وصرفها من غير حاصل، قائلا: # نهاية اقدام العقول عقال # وأكثر سعي العالمين ضلال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا # سوى أن جمعنا فيه قيل وقال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا # وحاصل دنيانا أذى ووبال # وكثيرا ما بعض الكفار يتمنون الرجوع إلى حالة الصبوية - بل الترابية ~~- عند ظهور أهوال القيامة وشدائد الساعة عليهم، كما في قوله تعالى: # ويقول الكافر يليتني كنت ترابا # [النبأ:40] فأشار إلى دفع هذا التمني، ونفي هذا الوسواس، وكشف فساد هذا ~~التشهي الفاسد، واستقباح هذا التصوف البارد بعد الأربعين. # يعني: متى لم يتيسر لهم قبل انطماس عيونهم القلبية، وانمساخ صورتهم ~~الباطنية، إدراك علم التوحيد، وملاحظة عالم المعاد، والسعي في طريق ~~العبودية لإدراك شواهد الربوبية، فبعد زوال الاستعداد، وفساد أكثر القوى ~~والآلات، وانتكاس الخلقة من أعلى درجة الاعتدال والاستواء إلى أدنى رتبة ~~الإعوجاج والانحناء، وانقلاب نور الحواس من غاية الاشتعال والذكاء إلى ~~غاية الخمود والإنطفاء، أنى يتصور لهم الشروع في طلب الاهتداء وسلوك ~~سبيل الله بهذه القوى، فمن مضت عليه أدوار السنين، ms1497 وعمره الله إلى ~~أربعين أو خمسين من غاية أشده المعنوي، أخذت خلقته في الذبول والانحلال، ~~وقواها في الانتكاس والإضمحلال. # وذكل لأن لكل أجل كتابا، ولكل مدة وفصل من فصول العمر خاصية في ظهور ~~الآثار، فسن الطفولية لحصول أصل الخلفة وحدوث القوى، وسن الشباب ~~لاستعمال القوى والأعضاء وصرفها في سبيل الله وطلب الكمال، وسن الكهولة ~~لظهور آثار التحصيل والتثبت بالقول الثابت والتحقق بحقائق الإيمان، وسن ~~الشيخوخة لإفاضة نور المعارف على المستعدين والقيام على مسند الإفادة ~~والإرشاد، فالأول " قوة " ، والثاني " استعداد " ، والثالث " كمال " و " ~~تمام " ، والرابع " فوق التمام ". # وهذه المراتب كما يتصور في السعادة، وهو صيروة الإنسان من جملة ~~الملائكة، كذا يتصور في الشقاوة، وهو صيرورة الإنسان إما من جملة ~~الشياطين - إن كان الغالب على نفسه الجربزة والمرك وطلب العلو ~~والاستكبار -، أو من جملة أنواع البهائم والسباع - إن كان الغالب على ~~نفسه طلب الشهوة والغضب والصفات المشعبة عن هاتين الصفتين - فيحشر على ~~صورة حيوان غلبت على جوهر ذاته صفات ذلك الحيوان كما مر مرارا. # وعلى أي تقدير، إذا استحكم الباطن، وقويت النفس، وخرجت من حد القوة إلى ~~حد الفعلية في أي صفة وجودية وصورة باطينة، توجهت النفس توجها فطريا ~~إلى عالم الآخرة، وأعرضت عن استعمال القوى، فأخذت الخلقة في الانتكاس، ~~والأعضاء في الإندراس شيئا فشيئا إلى أن يحل الأجل. # اشارة أخرى # لما كانت النفس في أول الخلقة ممنوة بتدبير البدن، وتحصيل مقدار ~~المادة، لأن المادة الحاصلة بالتوليد من فضل خلقة الوالد، لم يكن أولا ~~على مقدار لائق بحال الشخص المولود، فلا محالة وجب على النفس مما أودعه ~~الله فيها وغرز في جبلتها، أن يشتغل أولا بإكمال المادة قبل الاشتغال ~~بكمالها، لتوقف كمالها على استعمالها إياها، فاستكمل أولا صورتها ~~الحسية، واشتعل أنوار حواسها الظاهرة، وبلغ أشدها الصوري، وهو وقت نكاحها ~~الجسماني. # ألا ترى أن الطبيعة من وقت الطفولية إلى هذا الحد لا تفرغ عن تحصيل ~~المادة وإيراد ما يزداد في الإقطار زائدا على البدل المتحلل من البدن، ~~لضعف الأعضاء ونقصان القوى، وشدة الحاجة ms1498 إلى النمو والمتطلب، فانغمست عند ~~ذلك في البدن، مستعملة للطبيعة في ذلك، فلم تنفتح بصيرتها، ولم يشتعل نور ~~فطرتها، ولم يتبين رشدها إلا وقت بلوغ أشدها المعنوي - وهو سن الأربعين ~~- كما أشير إليه بقوله تعالى: # حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ~~رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ~~وعلى والدي # [الأحقاف:15]. # وذلك أوان نكاحها العقلي مع أبكار أفكار المعارف الأخروية، التي لم ~~يطمثهن أنس قبلهم ولا جان، وزمان استحقاقها لدفع أموالها العلمية ~~الموروثة من الآباء العقلية والأمهات النفسية، المشار إليها بقوله تعالى: # حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم # [النساء:6]. # فلما قربت الآلات من حد كمالها، ووصلت إلى ما يصلح لاستعمالها في ~~تصرفاتها، وانتقص الاحتياج إلى ما يزيد في أقطارها، فتفرغت إلى تحصيل ~~كمالها، فانفتحت بصيرة عقلها، فظهرت أنوار فطرتها واستعدادها، وتنبهت عن ~~نومها في مهد بدنها، وتيقظت عن سنة غفلتها، وتفطنت بقدس جوهرها، فطلبت ~~مركزها وغايتها لأمرين، صلاحية الآلات للاستعمال في الاستكمال، وفراغها ~~عن تكميل البدن بالإقبال لقلة الإشتغال. # لكنها ما دام سن النمو باقية، وزيادة الآلات في الكمية والقوة والشدة ~~ممكنة، ما توجهت بالكلية إلى الجهة العلوية، وما تجردت لتحصيل الكمالات ~~العقلية والمطالب الأخروية للاشتغال المذكور - وإن قل -، وذلك إلى منتهى ~~الثلاثين من العمر، وهو أول سن وقوف القوى - كما تبين في علم الطب -. # فلما جاوزتها وأخذت في سن الوقوف، أقبلت - إن كانت في السعداء - إلى ~~عالمها، وأشرقت أنوار فطرتها، فاشتدت في طلب كمالها لوقوع الفراغ لها ~~إليه، ورسخت فيها الهيئات العلمية والكمالات التجردية الشهودية. # وإن كانت من الأشقياء اشتدت فيها نيران الشهوات، ورسخت فيها اليهئات ~~الجهلية والسبعية والبهيمية، وتوجهت ذاتها بحسب ما كسبت يديها إلى مهوى ~~السفليات، وكلما ضعفت آلاتها تضاعفت شهوتها وحرصها في طلب اللذات، وكلما ~~نقصت جسميتها وانكسرت قواها قويت نفسانيتها واشتعلت نار قلبها واحترقت ~~فتيلة طبعها، وكلما قصر عمرها طال ألمها، وكلما شاب بدنها شبت هوى نفسها ~~كما ورد في الحديث: # " يشيب ابن آدم، ويشب فيه خصلتان ms1499 الحرص وطول الأمل ". # فقوله: { ومن نعمره ننكسه في الخلق } إشعار على أن ~~من لم يتوجه إلى طلب الآخرة، ولم يسلك صراط الله العزيز الحميد، بصرف ~~الآلات حين أشدها الصوري في طلب الحقائق والكمالات، بل سلك سبيل الطاغوت ~~في الانهماك إلى اللذات وصرفها في طلب الهوى والشهوات، فإذا تجاوز عمره ~~حد الأربعين وأخذ خلقتا بدنه وأعضائه في الانتكاس والذبول، وشرعت قواه ~~في النقصان، حان وقت ظهور النتائج عن مكامن غيب القلب، وآن زمان استضاءة ~~مشكاة القلب بنور معرفة الله من مصباح الروح، إذ توقد فتيلة النفس من ~~شرارة نار الهوى الكامنة في الطبيعة النطفية قبل ذلك بالرطوبات الغريزية، ~~واحتطب المواد الشهوية، وإنما خرجت من القوى إلى الفعل بكثرة النفاخات ~~الشهوية والغضبية، فإن لم يترسخ في القلب حب المعرفة وطلب الآخرة ورفض ~~البدن وترك اللذة والزهد في الدنيا، فلا يتصور بعد هذا استئناف طريق ~~الآخرة، وابتداء نشوء المعرفة عند بطلان الحواس وفقد الآلات، وقد قيل: " ~~من فقد حسا فقد علما " ، والعود إلى الفطرة الأصلية بعد عدمها، وقد ~~قيل: " المعدوم لا يعاد ". # وقوله: " أفلا تعقلون ": يحتمل أن يكون معناه: أفلا تتدبرون في أن من ~~قدر على كسر القوى الجسمانية للإنسان، وإضعاف بنيته وأعضائه بالذبول ~~والتحليل مع بقاء نفسه وذاته، وتأكد صفاتها وأخلاقها، وزيادة هيئاتها ~~النفسانية ودواعيها الباطنية، فهو قادر على إعادتها في النشأة الثانية ~~وبعثها، فإن تلك الأمور من علامات وقوع الساعة ومقدماتها وأشراطها، - كما ~~يعرفه أهل الكشف واليقين -، إن في هذا لبلاغا لقوم عالمين. ### || [36.69] # وهي أن جماعة من المشركين الجاهلين بأساليب كل طبقة من الكلام، وبأحوال ~~كل طائفة من اللئام والكرام، العاطلين عن التمييز بين ملفقات الهوى ~~والشيطان، وبين ما أفاضه الله على أرواح أحبائه وأيدهم بنور منه، وكتب ~~على ألواح قلوبهم تعلم الحق من العلم والإيمان، وعلمهم ما لم يكونوا ~~يعلمون، لقوله: # علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم # [العلق:4 - 5] كانوا يقولون لرسول الله (صلى الله عليه وآله): " إنه ~~شاعر " - وقيل: إن القائل " عقبة بن أبي معيط " - فقال سبحانه ردا ms1500 ~~عليهم، وتسفيها لعقولهم: { وما علمناه الشعر } أي: ليس ما ~~فاض على قلبه بإذن الله من قبيل القياسات الشعرية، ولا ما أجرى على لسانه ~~أشعارا موزونة، وأين المعاني التي يتخيلها الشعراء ويتقولها الأدباء ~~عن حقائق الإيمان؟ وأين عبارات أهل النظم وأساليبهم عن بدائع ألفاظ ~~القرآن؟- وما ينبغي له - أي: لا يليق به الشعر، لأن مأخذ معارفه ومنبع ~~مكاشفاته مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا هو، ومخزن معلوماته خزائن ~~معرفة الله التي لا تنزل إلا بقدر معلوم بواسطة بعث ملائكة الله ~~المقدسين عن تصرفان الوهم، والهوى، ومأخذ المعاني الشعرية هو مخزونات ~~الوهم والخيال مما تستنبطها النفس منها بوسيلة تلفيقات المتخيلة ودعابات ~~الوهم، فأين أحدهما من الآخر؟ # وفي قوله: { وما ينبغي له } اشعار بأن شأنه أجل ومرتبته أعلى من ~~أن يتصور منه ذلك، لا أنه لا يتسهل له ذلك. # وقيل معناه: ما يتسهل له الشعر وما كان يتزين له بيت شعر، حتى أنه إذا ~~تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا، كما روي عن الحسن # " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يتمثل بهذا البيت: " كفى ~~الإسلام والشيب للمرء ناهيا " فقال أبو بكر: " يا رسول الله إنما قال ~~الشاعر: # * " كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا " * # أشهد أنك رسول الله، وما علمك الشعر وما ينبغي لك ". # " وعن عائشة أنها قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتمثل ببيت ~~أخي بني قيس: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم تزود # فجعل يقول: " ويأتيك من لم تزود بالأخبار " فيقول أبو بكر: " ليس هكذا ~~يا رسول الله " فيقول: " إني لست بشاعر وما ينبغي لي ". # وقال صاحب الكشاف: " ما ينبغي له وما يصح له ولا يتطلب لو طلبه، أي ~~جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل، كما جعلناه أميا ~~لا يهتدي للخط ولا يحسنه، لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض ". # وعن الخليل: كان الشعر أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كثير ~~من الكلام، ولكن لا يتأتى له، وأما قوله: ms1501 (صلى الله عليه وآله): # أنا النبي لا كذب # أنا بن عبد المطلب # وقوله (صلى الله عليه وآله): # هل أنت إلا إصبع دميت # وفي سبيل الله ما لقيت # فقد قال قوم: إن هذا ليس بشعر، وقال آخرون: إنما هو اتفاق منه وليس بقصد ~~إلى قول الشعر، وما هو إلا كلام من جنس كلامه الذي كان يرمي به على ~~السليقة من غير صنعة فيه ولا تكلف، إلا أنه اتفق - من غير قصد إلى ذلك ~~ولا التفات منه إليه - أن جاء موزونا، كما يتفق في كثير من الإنشاءات ~~والخطب والرسائل للفصحاء بل كثيرا ما يتفق في محاورات الناس عبارات ~~موزونة وألفاظ منظومة من غير قصد ولا خطور بالبال - لا من المتكلم ولا ~~من السامع - إنها شعر. # وذكر صاحب الكشاف أن الخليل ما كان يعد المشطور من الرجز شعرا. # كشف حال وتزييف مقال # هذه كلها تكلفات مستغنى عنها، وتمحلات لا تعويل عليها، مبناه على الغفلة ~~عن هذا المرام، وعدم تحصيل الغرض المسوق إليه الكلام، وعدم التفطن بالجهة ~~التي بها يشين صنعة الشعر ويذم الشاعر، وذلك لأن المذموم من الشعر ليس ~~الوزن والتقفية، ولا معانيه الحقة التي فيها تأثير في النفس بالإنذار ~~والموعظة، بل لعمري لحري أن تعد سليقة الوزن من عداد الفضيلة لا الرذيلة، ~~وظلا من ظلال الوحدة الجمعية كالعدالة، ولائق بالمعاني الحقة أن تعد من ~~الحكمة لا الوسوسة. # بل المذموم من الشعر التخييلات الكاذبة الباعثة على الرغبة والرهبة ~~والمبالغات المهيجة للنفوس على الإقدام والإحجام من غير محافظة على الصدق ~~والحقيقة، وأما المكالمات المشتملة على المقاصد الصحيحة الثابتة في ألفاظ ~~منظومة من غير مبالغة تزيد على ما هي عليها، ولا تمزيج لها بالتخيلات ~~الباطلة فليست بضائرة. # وكان الشعر عند الحكماء الأوائل مجرد كلام تخييلي مفيد للتخيل المحض من ~~غير اشتراط وزن ولا قافية، وبهذا المعنى كان " هوميروس " معدودا من ~~الشعراء، وكذا في اصطلاح المنطقيين إحدى الصناعات الخمسة بلا شرط الوزن ~~والتقفية. # نعم شأن النبي أجل من أن يلتفت ويتوجه إلى تحصيل الوزن والقافية كما ms1502 ~~أنه أجل من أن يلتفت إلى إزالة البيت عن نظمه الذي كان له، وشيء من ~~الروايتين المنقولتين ما دل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان ~~متعمدا في تغيير النظم، بل على أنه جرى على لسانه غير النحو الذي قاله ~~الشاعر، فإذا اعترض عليه بذلك قال: # " إني لست بشاعر وما ينبغي لي " # ، أي: ليس لي قصد إلى صورة هذا المنظوم وسائر المنظومات، بل إلى معناه ~~إذا كان حقا، وما ينبغي لي أن أكون شاعرا، أي منشيا للمعاني ~~المتخيلة الشعرية، ولا متعمدا إلى ملاحظة الأوزان والبحور والقوافي، ~~لجلالة شأني ورفعة مكاني عنه، لا أنه حرم الله عليه الشعر وجعله عاجزا ~~عن الإتيان به، بحيث لو أراد لم يتأت له - كما ذكره الخليل وغيره - حاشاه ~~عن ذلك. # كيف والذوق السليم يحكم بأن القصور عن الإقتدار على إنشاء الشعر وانشاده ~~نقص في الفطرة، فيستحيل على من كان في حاق الاعتدال الإنساني، وبحبوحة ~~العدالة النفسانية من غير انحراف واعوجاج أصلا. # وأما علم الخط والسواد، فيحتاج إلى تعمل واكتساب وتكلف خارج عما فطر ~~الله النفس عليه، وكذا سائر الصناعات العملية الغير الكمالية، المفتقرة ~~إلى معاونة الآلات الخارجية، وهذه بخلاف العلوم الحقيقية والأخلاق ~~الكريمة والنبوة والحكمة، فإنها مع كونها كمالات نفسانية، ليست مما يفتقر ~~تحققها إلى التعملات والاكتسابات كل الإفتقار، بل قد يتحقق بمحض الموهبة ~~الربانية، لأنها ليست أمورا جسمانية متعلقة بالحركات والتعملات على ~~سبيل الوجوب والإضطرار. # وبالجملة - الشعر يطلق على معنيين: # أحدهما: الكلام المنظوم المعتبر فيه أحد الأوزان العروضية، وترجيع ~~القوافي، وهو قد يشتمل على الحكم والمواعظ، وقد يشتمل على المجازفات ~~الخيالية. # وثانيها: الكلام التخييلي المؤثر في النفس بسطا وقبضا، الموقع لها ~~ترغيبا وتنفيرا، وإقداما وإحجاما، كما في قولك: " الخمر ياقوتة ~~سيالة " حيث يفيد النفس ترغيبا كاملا في الإقدام على شربها مع ظهور ~~كذبه، وقولك: " العسل مرة مقيئة " ينفر الطبع عن تناوله، مع العلم بأنه ~~كذب، تنفرا موجبا للإحجام عنه، فالمذموم هو الثاني لا الأول مطلقا، بل ~~القسم الثاني منه. # وعلى هذا يحمل ما ms1503 ورد في الأخبار، من النهي عن انشاد الشعر في المساجد ~~وفي الصيام، لا ما كان في مدح أهل بيت النبي (عليه وعليهم السلام)، وهو ~~منشأ تهجين الشعراء في قوله تعالى: # والشعرآء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في ~~كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون # [الشعراء:224 - 226] لأن الغالب على أكثرهم إنشاء الجزافيات المضلة ~~والمخيلات الوهمية الكاذبة، ولهذا استثنى عن ذلك بقوله: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا ~~الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا # [الشعراء:227]. # والشعراء المؤمنون الذين يكثرون ذكر الله وأحوال الآخرة والملكوت، ~~وغالب أشعارهم في توحيد الله والثناء عليه بما هو أهله ومستحقه، والحكمة ~~والموعظة الحسنة، والمدح لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وأولياء أهل ~~بيته وأمته الصالحين، وما لا بأس به من المعاني التي لا يتلطخون فيها ~~بذنب، ولا يمزجون بشائنة وعيب، وكان هجاؤهم على سبيل الإنتصار ممن ~~يهجوهم، كما قال الله تعالى: # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ~~ظلم # [النساء:148]. # وحق القول (الكلام) فيه: أن الشعر باب من الكلام الحسن، فحسنه كحسن ~~الكلام وقبحه كقبح الكلام ولقد كثر الله من الشعراء الذين كانوا من ~~الفضلاء الممدوحين والحكماء المقبولين بل الأولياء المرضيين. # والأول كحسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك، من الذين كانوا ~~ينافحون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويكافحون هجاة قريش. # والثاني: كابن فارض، والشيخين: أبي علي وأبي نصر - ثم الشيخين - شهاب ~~الدين السهروردي، ومحي الدين بن عربي، ومن شعراء العجم: النسائي والعطار ~~ومولوي وسعدي ونظرائهم. # وأما الثالث: فأمام الكل في الكل أمير المؤمنين علي وأولاده الأطيبين ~~سلام الله عليهم أجمعين. # " وعن كعب بن مالك: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له: " اهجهم ~~فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل " وكان يقول (صلى الله عليه ~~وآله) لحسان بن ثابت: " قل وروح القدس معك " ". # ولما نفى الله تعالى أن يكون القرآن من جنس الشعر بالمعنى الذي مر ~~ذكره، قال: { إن هو إلا ذكر وقرآن مبين } يعني: ما ms1504 هو ~~إلا ذكر من الله يوعظ به الجن والإنس، كما قال: # إن هو إلا ذكر للعالمين # [يوسف:104] وما هو إلا كتاب سماوي يقرء في المعابد، ويتلى في المساجد، ~~ويتبرك بتلاوته، وينال الفوز بدراسته، فيه شفاء للصدور، ونجاة للنفوس، ~~ودواء للأسقام، وهداية للأنام، ومزيل للأوهام، ومصفاة للإفهام، ومصيدة ~~للطيور السماوية، ومطردة للأغوال المضلة، ومرقاة إلى السموات العلى ~~ومنازل الروحانيين هو حبل من الله متين إلى أعلى شواهق عليين، كتاب مرقوم ~~يشهدة المقربون، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين وأوهام ~~الموسوسين، وسلسلة من سلاسل المقيدين في مجالس أهل سجين، وهو كتاب فيه ~~دواوين الفجار الضالين المكذبين. # اشارة أخرى # في قوله تعالى: { إن هو إلا ذكر وقرآن مبين } ، إشارة ~~إلى قسمين من الأقسام الخمسة المشهورة من الكلام، وهما أشرف الصناعات ~~المنطقية وخير الطرق العلمية، يعني: الحكمة والموعظة الحسنة فان الذكر ~~يعني به الخطابة المفيدة للظن، والقرآن يعني به البرهان المفيد لليقين. # وذلك لأن أحد قسمي البرهان - وهو الذي يعطي اللم - ما كان المفيد ~~للتصديق، وهو الوسط في القياس علة لثبوت الحكم في الخارج، أي اتصاف ~~الموضوع بصفة كاتصاف الإنسان بالوجود، كما أنه علة للعلم به وثبوته في ~~النفس، فالمبرهن ها هنا من لاحظ ماهية العلة المعطية لوجود الشيء ~~وجعلها مقدمة للوصول إلى المطلوب. # هذا شأن الحكماء في اكتسابهم العلوم الإنفعالية الإرتسامية الذهنية، ~~وأما العلوم الشهودية الاشراقية كما هو شأن الأنبياء، فهي إنما تحصل لهم ~~بمشاهدة المبدء الفعال، وملاحظة العين الجمعي والعقل البسيط الذي هو ~~فعال الصور الفعلية الموجودة، وخلاق العلوم التفصيلية الاشراقية، وهو ~~مفتاح خزائن الأشياء، المشار إليها بقوله: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه # [الحجر:21]، وحقيقة القرآن عند أهل الله بحسب المعنى هو هذا العقل ~~البسيط، وهو مفتاح المفاتيح الغيبية المشار إليها في قوله: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام:59]. # فقد ثبت أن القرآن من جهة المعنى المعقول للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، أشرف ضروب البرهان، وأكسير سعادة الإنسان، وأما الأقسام الثلاثة ~~الأخيرة - وهي الجدل والشعر ms1505 والمغالطة -، فلا يفيد شيء منها اليقين ولا ~~الظن إلا في قسم من الجدل، وهو الذي يؤول إما إلى البرهان أو الخطابة، ~~ولهذا أضافه الله إليهما في قوله: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل:125] وهي المجادلة التي ترجع إلى أحدهما مع عموم اعتراف الخلائق ~~فيه المعتبر في مطلقه. # وأما ها هنا لم يعدها من أقسام كتاب الله الذي فيه جوامع الكلم وأصول ~~الحكم، لما عرفت من أن الفائدة فيها من حيث هي مجادلة ليست تكميل النفوس ~~بانفرادها مع قطع النظر عن الهيئة المدنية الجمعية، وإنما المقصود ~~الأصلي من الأنظار العلمية، هو تكميل جواهر النفوس بحسب ذواتها، وفيما ~~بينها وبين الله، مع قطع النظر عن النسب والأوضاع المنقطعة آخر الأمر، ~~لقوله تعالى: # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتسآءلون # [المؤمنون:101] وفي الحديث: # " كل نسب منقطع إلا نسبي ". # وأما الشعر: فلما عرفت من أن مداره على الأكاذيب، ومن ثمة قيل: " أحسن ~~الشعر أكذبه ". # وأما المغالطة: فالفائدة فيها تغليط الغير أو الإحتراز عن تغليطه، ~~ومرتبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينافي الأول ويتعاظم عن الثاني، ~~فيستحيل أن يكون النازل عليه شعرا أو مغالطة، فبقي أن يكون النازل من ~~الأقسام الثلاثة الباقية، كما دل عليه قوله: # ادع إلى سبيل ربك # [النحل:125] - الآية -. # وأما الإنحصار المستفاد من هذه الآية في الآيتين، فلما عرفت من رجوع ~~الجدل بحسب الذات إلى أحدهما، فلا منافاة بين الأثنين، والدليل على أن ~~الجدل من حيث هو جدل ليس مما له دخل في حصول الهداية العلمية وتكميل ~~النفوس الآدمية، بل ليس الغرض فيها شيء إلا غلبة الخصم والظفر على ~~العدو، وهو يشبه الحرب " والحرب خدعة " ، وليس صناعة برأسه ولا علما ~~ولا أدبا، وينبهك عليه مشاهدة ما يعرض لأهله والمشتغلين به، لا على وجه ~~الضرورة، من الحيرة والدهشة والشكوك والظنون والعداوة والبغضاء بينهم مثل ~~ما يعرض لأهل صناعة الجدل، فشكك الماضي منهم الآتي، وطعن اللاحق منهم ~~السابق، كقوله تعالى: # كلما دخلت أمة لعنت ms1506 أختها # [الأعراف:38]. # والعلة الموجبة لذلك أمور شتى، أعظمها أنهم ربما يكونون مقلدين في أصول ~~يجادلون فيها من المذاهب فينظرون في الفروع، ومن يكون مقلدا في الأصل ~~كيف يمكنه أن يكون محققا في الفرع؟ ومن يكون ذاهبا إلى الأصل بالتقليد ~~لقائد يقوده، كمن يقود أعمى في ليل مظلم، متى يكون ناظرا إلى الفرع بعين ~~البصيرة المستضيئة بنور الله؟. # وخصلة أخرى: أن أكثرهم ربما جادل فينصر المذاهب لا على سبيل الورع ~~والتدين، ولكن على سبيل التعصب والغرض النفساني، وحب العشيرة والقوم، ~~فيعمى عن الحق ويضل عن الصواب. # واعلم أنه ليس من طائفة تتعاطى العلم والأدب والكلام شر على العلماء، ~~ولا أضر على الأنبياء، ولا أشد عداوة لأهل الدين، ولا أفسد للعقول ~~السليمة للمسلمين، من كلام هؤلاء المجادلة وخصوماتهم في الآراء والمذاهب. # وذلك إن كانوا في زمان الأنبياء فهم الذين يطالبونهم بالمعجزات ~~ويعارضونهم بالخصومات، مثل ما قالوا لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم): # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء:90] الآية، وقالوا لنوح: # وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي # [هود:27] وهم الذين كانوا إذا مروا بالمؤمنين يتغامزون، وهم الذين أخبر ~~عنهم في هذه السورة بقوله: # ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون # [يس:30] وبقوله: # وإذا قيل لهم آمنوا كمآ آمن الناس قالوا ~~أنؤمن كمآ آمن السفهآء # [البقرة:13] وفي ذلك آيات كثيرة من هذا الباب، وقال الله تعالى في ذمهم ~~وتوبيخهم: # ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون # [الزخرف:58] فهذه حال من كان منهم في زمان الأنبياء، وأما إذا كانوا في ~~غير زمانهم، فهم الذين يجادلون أهل الدين والورع بالشبهات، وينبذون كتب ~~الأنبياء وراء ظهورهم، يفرغون إلى المذاهب والآراء بعقولهم الناقصة ~~وفطانتهم البتراء، ويضعون لمذاهبهم قياسات تناقضية وأحتجاجات مموهة، ~~ويعارضون عقولا سليمة من الأحداث والعامة فيغيرون فطرهم الأصلية، ~~ويضلونهم عن سنن الحق وسواء السبيل ويحرفون الكم عن مواضعه ويميلون ~~طبائع أهل الديانات النبوية عن موضوعات الشرائع الناسوسية وإنك تجد فيهم ~~من له جودة عبارة فصاحة ms1507 بيان، وسحر كلام ما يقدر أن يصور بالوصف البليغ ~~الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق وهو مع ذلك جاهل القلب ميت ~~الروح عن فهم حقائق الأشياء، بعيد الذهن عن درك المعارف، كما يروى عن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنه كان يقول: # " أخوف ما أخاف على أمتي منافق القلب عليم اللسان، غير حكيم القلب، ~~يغيرهم بفصاحة بيانه، ويضلهم بجهله وقلة معرفته ". # وتجد فيهم من يجادل ويحتج ويناظر، وكلامه ينقض بعضه بعضا، ولا يتفطن ~~ولا يحس بذلك، فإذا تنبه عليه لم يشعر به، وربما يصلح فاسده بما هو أفسد ~~وأسخف وأسقط من الأول. # وتجد فيهم الرجل العاقل (الغافل) المحصل، الركين في أشياء كثيرة من ~~أمور الدنيا وزينة أهلها، وفي علوم جزئية مثل الطب والبيطرة والنجوم ~~والنحو واللغة وغيرها، فإذا فتشت اعتقاده فيما هو أهل وأولى من أمور ~~دينه وأحوال مذهبه، وجدت رأيه واعتقاده في تلك الأمور، أسخف وأقبح من رأي ~~كثير من الجهال والصبيان، والعلة في ذلك أسباب شتى: # منها: شدة تعصبه فيما يعتقده تقليدا وافتخارا من غير بصيرة، وأخرى: ~~إعجابه بنفسه في اعتقاده، وأخرى: اعتقاده بأصول خفي عليه خطأه فيها، وهي ~~ظاهرة الشناعة في فروعها، فهو يلتزم تلك الشناعات في الفروع مخافة أن ~~ينقض عليه الأصول، ويطلب لها وجوه المراوغة من إلزام الحجة تارة بالشغب ~~وتارة بالتمويه وتارة بالمراوغة، فيروغ كالثعلب عن الجواب والإقرار ~~بالحق، ويأنف أن يقول: " لا أدري " و " الله ورسوله أعلم " اقتداء بأدب ~~الله كما قال: # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ~~ذلكم الله # [الشورى:10] فقال: # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم # [النساء:83] وقال: # إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه ~~تختلفون # [آل عمران:55] وآيات كثيرة في مثل هذا المعنى، ولكن من هؤلاء من يحتج ~~ويقول: معنى " الرجوع إلى الله " أي: إلى ثوابه. ### || [36.70] # قرئ بالتاء والياء كلاهما على صيغة الأفعال، فعلى الأول يكون المنذر هو ~~الرسول، وعلى الثاني يكون المنذر إما الله بالقرآن، أو القرآن ms1508 نفسه، ~~وقرئ: ولتنذر ولينذر من " نذر به " إذا علمه ". # لما حقق الله ماهية ما أنزل الله على رسوله، بأن حصره في قسمين هما ~~أشرف أقسام الكلام، لأن التقسيم باب من التعريب - وهو ضم قيود متخالفة ~~إلى المقسم ليحصل بانضمام كل قيد إليه ماهية قسم منه وحده -، أراد أن ~~يبين غاية المنزل، إذ الحقائق قد تعرف بغاياتها أيضا كما تعرف بقيودها ~~وأجزائها، فبين الفائدة فيه فذكر أن الفائدة فيه أمران: إنذار المؤمنين، ~~وإيجاب كلمة العذاب على المنافقين. # مكاشفة # تحقيق الآية يستدعي إشارات: # الأولى في معنى " الحي " هاهنا: # إن " الحياة " حياتان: حياة الجسد وحياة النفس، أما حياة الجسد: فهي " ~~النفس " بعينها، لأن بالنفس يتحرك ويحس وينمو ويتغذى، وأما حياة النفس ~~فهي قوة نورية بها تهتدي النفس إدراك المعارف الحقة الإلهية، التي توجب ~~بقاءها أبدا سرما مخلدا. # وتحقيق ذلك، أن ماهية الإنسان لما كانت مجموعة من بينه جسمانية ونفس ~~روحانية، وهما جوهران متضادان في الأحوال الذاتية، متبائنان في الصفات ~~الأصلية، مشتركان في الأفعال العارضة والآثار الزائدة، فصارت حياة كل ~~منهما شيئا آخر، وإحدى الحياتين - وهي الدنيوية - لا تحتمل البقاء ~~والدوام، لأن الحس والحركة مثاران (منشآن) للتغير والدثور، لأن قوامها ~~بالتجدد والإنفعال والتأثر والحركة، وأما الحياة الأخروية فهي باقية ~~دائمة، لأن العقل والإبداع اللذين فيها بإزاء الحس والحركة في الحياة ~~الحيوانية لا يحتملان العدم والإنقطاع - كما تقرر في مقامه -. # ولكل من الحياتين قوة واستعداد وكمال، فالقوة في الحياة الحسية كما ~~للمني، والاستعداد فيها كما للجنين ما دام كونه في مضيق الرحم، والكمال ~~كما للمولود، وأما القوة في الحياة الملكوتية فكما لكل نفس إنسانية في ~~أوائل درجتها ومبدء فطرتها التي فطر الله الناس عليها قبل أن يتغير أو ~~ينحرف، وأما الاستعداد فكما لأرواح أهل الإيمان والتقوى ما داموا في مضيق ~~رحم الدنيا ومشيمة الأبدان قبل خروجهم من حفرة القبور إلى سعة عالم ~~الآخرة والنشور، والجنة التي عرضها السموات والأرض، وأما الكمال فكما ~~لأهل المعرفة عند قيام الساعة عليهم - سواء قامت على غيرهم أم لا -. # قال ms1509 الجنيد - قدس سره - في هذه الآية: " الحي من تكون حياته بحياة ~~خالقه، لا من تكون حياته ببقاء هيكله، ومن يكون بقاؤه ببقاء نفسه فإنه ~~ميت وقت حياته، ومن كانت حياته بربه كانت حياته عند وفاته، لأنه يصل بذلك ~~إلى رتبة الحياة الأصلية ". # انتهى قوله. # الاشارة الثانية # في أن لكل من هاتين الحياتين افتقارا - في الخروج من القوة إلى الفعل ~~ومن النقص إلى الكمال - إلى أغذية وأدوية معينة. # أما أغذية الحيوانات الدنيوية وأدويتها فمعلومة لكل أحد، وقد تقع الحاجة ~~في معرفة بعض الأدوية وتمييزها، والفرق بين ضارها ونافعها، وترياقها ~~النافع وسمها الناقع إلى الأطباء والبيطارين. # وأما أغذية الأرواح الأخروية وأدويتها، فأغذيتها المعارف القرآنية ~~والعلوم الربانية، وأدويتها النافعة المواعظ الخطابية والآداب الدينية ~~والأعمال الشرعية. والمهلكات هي الجهل بالمعارف الإيمانية واكتساب ذمائم ~~الأخلاق، والأطباء العارفون بمنافع الأغذية والأدوية الروحانية، ومضار ~~السموم القاتلة المهلكة الشيطانية، هم الأنبياء، ثم الأولياء، والعلماء ~~الراسخون في العلم. # الاشارة الثالثة # لما ثبت أن الإنسان جملة مجموعة، فلا جرم صارت أفعال الخلق ما داموا ~~في الدنيا متبائنة متضادة، فصار كل أحد من حيث بدنه الجسماني الأرضي ~~مريدا للبقاء في الدنيا متمنيا للخلود فيها مخلدا في الأرض، ومن أجل ~~نفسه الروحانية طالبا للذات الآخرة متمنيا لحصول المعارف، وهكذا ~~أكثر أمورهم متبائنة متضادة، كالعلم والجهل، والجود والبخل، والنفع ~~والضر، والخير والشر، وما شاكلها من الأخلاق والأفعال والأقاويل ~~المتضادات والآراء المتناقضات. # والاختلافات الواقعة في المذاهب والآراء، كلها منشعبة من هاتين الجهتين ~~في الإنسان، وقل من الناس من يتجرد فيه احداهما عن الأخرى، بحيث لا ~~يشوبها أصلا. # فإن الصفات المختصة بالجسد المجرد، هو أنه جوهر ظلماني جسماني مركب، ~~وطبائع ممتزجة مفسد مستحيل، راجع إلى العناصر بعد انحلاله وترك استعمال ~~النفس إياه، حتى أن حياته الحسية نور من أنوار النفس وقعت عليه فيحيا به ~~البدن، إلا أن هذه الحياة مركب الروح الإلهي الشريف الذي هو نور من ~~أنوار الله المعنوية، وشعلة ملكوتية حاصلة في فتيلة النور الحسي والحياة ~~الحيوانية، بسبب النفخ الإلهي بوساطة نافخ هو ms1510 ملك مقدس اسمه " إسرافيل " ~~، وشأنه تصوير الصور العقلية بإذن الله، وإنشاء الحياة الثانية المخلدة ~~بإذن رب الصور المجردة. # وأما الصفات المختصة بالنفس، فهي إنها جوهر روحانية سماوية نورانية حية ~~بالذات بالحياة الأولوية فعلا، وبالحياة الأخروية قوة، علامة بالقوة، ~~قابلة للتقديس، فعالة في الأجسام بالآلة ومستعملة للآلات، ومتممة ~~للأجسام الحيوانية والنباتية إلى وقت معلوم، ثم إنها تاركة لها ومفارقة ~~إياها وراجعة إلى عنصرها ومعدنها ومبدئها ومعادها كما كانت بديا، إما ~~بربح وغبطة سرور، أو بندامة وخسران وحسرة، أما مشرقة ناضرة، إلى ربها ~~ناظرة، أو مظلمة مكدرة منكوسة معلقة معذبة لقوله تعالى: # كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق ~~عليهم الضلالة # [الأعراف:29 - 30] وقوله: # كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا ~~كنا فاعلين # [الأنبياء:104] وقال سبحانه: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون # [المؤمنون:115]. # وكفى بهذا أيها الأخ المسكين زجرا ووعيدا وتوبيخا وتهديدا، فتذكر ~~الموت ومفارقة الروح إن كنت من أهل الذكر والإنذار، متنبها من نوم ~~الغفلة، ومنبعثا من قبر الجهالة حيا بروح المعرفة، وأعيذك أن تكون من ~~الذين ذمهم الله بقوله: # لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بهآ أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف:179]. # ولما تبين أن أكثر أمور الإنسان مثنوية متضادة، من جهة أنه جملة مجموعة ~~من جوهرين متبائنين حصلا من اقليمين، صار لكل منهما حياة يتوقف بقاؤها ~~على أغذية وأشربة مخصوصة، ولكل منهما قنية، وصارت القنية نوعين اثنين ~~- جسمانية كالمال ومتاع الدنيا، وروحانية كالعلم والدين - وإنما معدن ~~العلم والدين هو الذكر الحكيم والقرآن المبين، ولهذا قال: { إن هو ~~إلا ذكر وقرآن مبين * لينذر من كان حيا } ~~[يس:69-70] أي بالحياة الروحانية الأخروية. # وكما أن بالمال يتمكن الإنسان من تناول اللذات - من الأكل والشرب في ~~الحياة الدنيا - فهكذا بقوة العلم واليقين يصل إلى الأغذية والإشربة ~~الروحانية، وبالعلم يضيء النفوس ويشرق ويكمل ويصح، كما أن بالأكل والشرب ~~ينمى الجسد ويزيد ويسمن. # وما ورد في الباب من الأحاديث والأخبار كثيرة: # منها: ما رواه أبو ms1511 جعفر محمد بن يعقوب الكليني عن سليم بن قيس، قال: ~~سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): # " منهومان لا يشبعان، طالب دنيا وطالب علم " # وفي رواية أخرى: # " منهوم العلم ومنهوم المال ". # ومنها ما رواه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: روحوا أنفسكم ~~ببديع الحكمة، فإنها تكل كما تكل الأبدان. # وقال بعض الحكماء: أليس الرجل إذا منع عنه الطعام والشراب يموت؟ قالوا: ~~بلى، قال: كذلك القلوب، إذا منعت عن الحكمة والعلم ثلاثة أيام تموت. # ولما كان هذا هكذا صارت المجالس اثنين، مجلس الأكل والشرب واللهو ~~واللعب، ولذات جسمانية من لحوم الحيوان ونبات الأرض، لصلاح الجسد ~~وحياته الفانية، وزيادة لذاتها وشهوتها، ومجلس للعلم والحكمة وسماع ~~روحاني، فيها قوة للنفوس، وقرة للأعين، ولذة للأرواح التي لا تبيد ~~جواهرها، ولا تنقطع حياتها وسرورها ولذتها وشهوتها في الدار الآخرة، كما ~~في قوله تعالى: # فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم ~~فيها خالدون # [الزخرف:71]. # الاشارة الرابعة # الكفر، هو الاحتجاب، والكافرون هم المحجوبون عن الله تعالى، لقوله ~~تعالى: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين:15] وسبب كفرهم وحجابهم أمران: إما غلبة حب الدنيا واستيلاء ~~القوى البدنية الحسية، وإما غلبة الهوى واستيلاء القوى النفسانية ~~الشيطانية وانحرافها وضلالها عن الهدى. # فالكفار هم أهل الإغترار، فمنهم من غرتهم الحياة الدنيا ومنهم من غرهم ~~بالله الغرور. # أما الذين غرتهم الحياة الدنيا، فهم أهل الحرص والشهوة، فلغاية ميلهم ~~إلى اللذات العاجلة وحرصهم إلى اقتناء المال واكتساب الشهوات، صاروا ~~محجوبين عن فهم القرآن ومعانيه، دون ألفاظه ومبانيه، وعن إدراك أمور ~~الآخرة وأحوال المبدء والمعاد، والعلم بالمفازات والربوبيات، فانكبوا عن ~~الطريق وحرموا عن الجدوى، جعلوا أصابعهم في آذانهم، واشتغشوا ثيابهم، ~~نسوا الله فأنساهم أنفسهم. # وأما الذين غرهم بالله الغرور - أي الهوى والشيطان والقياس الفاسد - فهم ~~الذين حادوا عن الطريق، وانحرفوا عن الحق بواسطة مرض قلوبهم وانحراف ~~طبائعهم عن الصراط المستقيم، واعوجاج نفوسهم عن درك المعارف بالبراهين ~~النيرة والآيات الربانية، وإنما سبب انحرافهم عن الحق وحيدهم عن ~~الصراط ms1512 أحد الأمرين: إما تعصب الآباء وتقليد الأسلاف، وإما الاستبداد ~~بالرأي الفاسد والفكر الكاسد، وكل ذلك يوجب العمى في القلب. # وهذا القسم من الكفار هم " المنافقون " ، وهم من أهل القهر الإلهي، لا ~~ينجع فيهم الإنذار ولا خلاص لأحدهم من النار. # والقرآن مع كونه شفاء للصدر، ونجاة من الأسقام، والترياق الأكبر لدفع ~~السموم، لا ينفع في إزالة هذا الداء المهلك، ولا ينجع في قطع هذا المرض ~~المزمن القاتل، ولا في دفع هذا السم الناقع. # كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا ~~أنهم لا يؤمنون # [يونس:33] # وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا ~~أنهم أصحاب النار # [غافر:6] بل الإنذار بالقرآن، والإشعار بآيات الله والتعليم بالكتاب ~~والحكمة يزيدهم شرا ووبالا، ويضاعف فيهم جهلا وضلالا، ويحق عليهم ~~عذابا ونكالا، ولهذا قال: { لينذر من كان حيا ويحق ~~القول على الكافرين }. # فما هو سبب الهداية والإنذار لقوم، فهو بعينه سبب نزول كلمة العذاب على ~~قوم آخرين من الكفار # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به ~~إلا الفاسقين * الذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه # [البقرة:26 - 27] - الآية -. # وأما القسم الأخير من الكافرين، فيمكن إزالة مرضهم ودفع غرورهم بهذا ~~القرآن، لأن منشأ كفرهم واحتجابهم ليس قوة نفسانية غير قابلة للتأثر ~~والإنفعال - لكونها قاسية كالحجارة أو أشد قسوة -، بل منشأها شهوة الطبع ~~ومحبة الدنيا، والشهوات أمور انفعالية قابلة للزوال والدثور، وأكثر ~~اغترارهم بالدنيا ولذاتها لأجل الشكوك، وشكوكهم ترجع إلى أن قالوا: " هذه ~~نقد، والنقد خير من النسية، فتكون الدنيا خيرا من الآخرة " أو قالوا: " ~~اليقين خير من الشك، ولذات الدنيا يقينية، ولذات الآخرة مشكوك فيها، ~~وكذا اللذة الحسية يقينية، واللذة العقلية بلقاء الله أمر مشكوك فيه، ~~والعاقل لا يترك اليقين بالشك ". # وهذه أوهام فاسدة وأقيسة باطلة، وعلاج المغرور بها، إما البرهان وإما ~~التصديق بمجرد الإيمان بما أخبر الله تعالى من قوله: # وما عند الله خير وأبقى # [القصص:60] # وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى:4] # وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور # [آل عمران:185] وقد أخبر رسول الله (صلى الله عليه ms1513 وآله) بذلك طوائف من ~~الكفار، فقلدوه وآمنوا به ولم يطالبوه بالبرهان، ومنهم من قال: " نشدتك ~~بالله أبعثك الله رسولا "؟ فكان يقول: " نعم " ، فيصدق. # وهذا إيمان العامة، وهذا بمنزلة تصديق الصبي والده في أن حضور المكتب ~~خير من حضور الملعب، مع أنه لا يدري وجه كونه خيرا، وأما المعرفة ~~بالبرهان، فهو أن يعرف وجه فساد القياس الأول بفساد إحدى مقدمتيه، وإن ~~كانت الأخرى صحيحة، فإن قوله: " النقد خير من النسية " محل التلبس، فإنه ~~لو كانت بين النقد والنسية مماثلة في القدر والمقصود، فالنقد خير من ~~النسية، وإلا فلا. # وأما القياس الثاني - وهو أكثر فسادا من الأول لأن كلا أصليه باطل - ~~أما قوله: " اليقين خير من الشك " ، إنما يصح في صورة التساوي وإلا فلا، ~~أو لا ترى أن التاجر في تعبه على يقين وفي ربحه على شك، ومع ذلك يترك ~~الراحة اليقينية طلبا للربح المشكوك فيه، وكذا المتفقه في اجتهاده على ~~يقين وفي إدراكه رتبة العلم على شك، ولهذا أمثلة كثيرة. # وأما أصله الآخر وهو: " إن الآخرة شك " فهو أيضا خطأ، بل ذلك يقين عند ~~المؤمنين، وليقينه مدركان: # أحدهما: الإيمان والتصديق تقليدا للأنبياء والأولياء، وذلك أيضا يزيل ~~الجهل والغرور، وهو مدرك عوام أهل الإسلام، وأكثر الخلق اطمأنوا به كما ~~تطمئن نفوس المرضى إلى تصديق قول الأطباء الحذاق، وهذا القدر من الإيمان ~~كاف لجملة الخلق متى لم تتغير فطرتهم الأصلية، كما لأحد صنفي الكفار من ~~المنافقين الأشرار. # والقرآن كما يشتمل على البراهين العقلية التي يكمل بها العلماء الأحياء ~~بالفعل - وهم أهل البرهان والكشف -، كذا يشتمل على ما ينتفع به من كان ~~معتقدا قول الأنبياء والأولياء سلام الله عليهم بعد السماع منهم، - وهم ~~أهل الحياة الآخرة بالقوة -، سواء حصل لهم استعداد قريب كجملة المؤمنين ~~المعتقدين بالله واليوم الآخر، الجازمين بصدق دعوى الرسول، المتابعين ~~للأئمة بعده، أو لم يحصل، ولكن من شأنهم أن يحصل لهم الاعتقاد اليقيني، ~~فهذا القدر من الإيمان والإعتقاد الجازم باليوم الآخر، الذي لجملة أهل ~~الإيمان يكفي للحث على العمل لأجل الآخرة ms1514 والعبادة لله، وصرف نعمه فيما ~~خلقها لأجله، ليستعدوا بذلك لليقين، وهو المعني بالحياة الأخروية ~~بالفعل، لقوله: # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # [الحجر:99]. # وأما المدرك الثاني للمعرفة، الموجب لبرد اليقين، فهو إما الوحي ~~للأنبياء أو الإلهام للأولياء، ولا تظن أن معرفة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) لأمر المبدء والمعاد، أو لأمور الدين، تقليد بجبرائيل بالسماع منه، ~~كما أن معرفتك تقليد له، حتى تكون معرفتك كمعرفته، وإنما يختلف المقلد ~~فقط - هيهات -، فإن التقليد ليس بمعرفة، بل هو اعتقاد صحيح أو فاسد، ~~والأنبياء عارفون بالله وآياته، ومعنى معرفتهم، إنهم كشفت لهم حقيقة ~~الأشياء كما هي عليها، فشاهدوها بالبصيرة الباطنية أوضح مما يشاهده الناس ~~بالحواس، وذلك بأن ينكشف لهم عن حقيقة الروح وهو سلم المعارف وأنه من ~~أمر الله، ليس المراد به معنى يقابل النهي، ولا المراد به الشأن والشيء - ~~حتى يعم الموجودات كلها - بل العالم عالمان: " عالم الأمر " و " عالم ~~الخلق " ، لأنه عبارة عن التقدير، وكل موجود منزه عن الكمية فهو من عالم ~~الأمر، وشرح معرفة الروح مما لا رخصة في ذكره، لاستضرار أكثر الخلق ~~بسماعه كاستضرار المزكوم بشم رائحة الورد، بل كاستضرار الجعل بشم رائحة ~~المسك، لا كاستضرار عين الخفاش برؤية الشمس. # فمن عرف سر الروح فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه عرف ما فوقه من ~~المفارقات، حتى تنتهي معرفتها إلى معرفة الحق الأول، فيعرف أن الجميع ~~مقهورون تحت أشعة نوره الأبهر وكبرياءه الأنور، وإذا علم نفسه وربه، علم ~~أنه أمر رباني بطبعه وفطرته وذاته، وأنه في العالم الجسماني غريب، وأن ~~هبوطه إليه لم يكن بمقتضى طبعه، بل بكره، لأجل أمر عارض غريب من ذاته ورد ~~على أبيه آدم أولا، وعبر عنه بالمعصية، وهي التي حطته عن الجنة التي ~~هي أليق به بمقتضى ذاته، فإنها في جوار ربه، وأنه أمر رباني، وحنينه إلى ~~جوار الرب تعالى له طبعي ذاتي، فيشتاق إلى طلب الآخرة إلى أن يصرفه عن ~~مقتضى طبعه عوارض العالم الغريب من ذاته، فينسى عند ذلك نفسه وذاته. # ومهما فعل ذلك، ms1515 فقد ظلم نفسه، واستحق الطرد والبعد، إذ قيل له: # ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ~~أولئك هم الفاسقون # [الحشر:19] أي الخارجون عن مقتضى طبعهم ومظنة استحقاقهم. # وانفتاح هذا الباب من سر القلب إلى عالم الملكوت يسمى " معرفة " و " ~~ولاية " ويسمى صاحبه " وليا " و " عارفا " ، وهي مبادئ مقامات ~~الأنبياء. وآخر مقامات الأولياء أول مقامات الأنبياء سلام الله عليهم. # وهذه إشارات إلى أسرار يهتز لاستنشاق روائحها العشاق الالهيون، ويشمئز ~~من سماع ألفاظها المغترون والقاصرون، فإنها تضرهم كما تضر رياح الورد ~~بالجعل، وكما تبهر الشمس أبصار الخفافيش. # فإذا تمهدت وتحققت لك أسرارها وأغوارها، يظهر لك أن لفظي " الإيمان " و ~~" الحياة القلبية " كالمترادفين في لغة القرآن وفي اصطلاح حامليه، كما ~~عند أهل الله وأبناء الحقيقة، وكذا " الموت القلبي " و " الكفر " يجريان ~~مجرى المترادفين، وإطلاق " الحي " على المؤمن و " الميت " على الكافر على ~~وجه يشعر بأن جهتي الحياة والموت هما الإيمان والكفر والمعرفة والجهل، ~~شائع كثير في الآيات والأحاديث، وقد مر أن الحياة لها مراتب بحسب القوة ~~والإستعداد، وكذا الموت الذي يقابلها، وما من نفس إلا وقد كانت في أصل ~~الفطرة حية بالقوة قبل أن تبطل استعدادها فكل من في وجه الأرض إما أموات ~~غير أحياء - وهم الكفار الجاحدون، حيث بطل استعدادهم للحياة القلبية ~~بالجحود والإنكار والتمرد والإستكبار - وإما مرضى - وهم أكثر الخلق - على ~~تفاوت جهلهم ومرضهم، وإما أصحاء - وهم العلماء بالله والمؤمنون حقا - ~~لكنهم ما داموا في الدنيا قبل قيام القيامة عليهم بمنزلة الأجنة في بطون ~~أمهاتهم، وفي مشيمة البدن بمنزلة الجنين في مشيمة الرحم. # والقرآن ليس شفاء للأموات لعدم السمع والبصر الباطنيين، اللذين هما ~~بابان لفهم المعارف لهم، وبطلان القلب الحقيقي الذي هو المشعر الإلهي ~~عنهم، كما قال تعالى: # إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء # [النمل:80]. وكقوله: # ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ~~ولو كانوا لا يعقلون * ومنهم من ينظر إليك ~~أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون # [يونس:42 - 43]. # فقد نبه الله تعالى لنبيه النذير المنذر (صلى الله عليه ms1516 وآله)، على أن ~~أصحاب (أهل) الحجاب الكلي سلب عنهم السمع الباطني الذي هو غاية المسع ~~الحسي - وهو فهم المقاصد وتعقل المطالب -، وكذا نبه على أنهم لا يبصرون ~~من الرجال الإلهيين إلا بقدر ما يراه بصر الدواب والأنعام من الصور ~~والأشكال وهيئات الأجسام. # وقال أيضا: في غير موضع من القرآن في حق المنسلخين عن الفطرة الإنسانية ~~" صم، بكم، عمي " سلب إدراك المعارف من طريق السمع عنهم، وسلب معرفة ~~الرجال وأولياء الله من باب البصر عنهم، وكذا سلب عنهم الفطرة الإنسانية ~~واستعداد الحياة البقائية الأخروية، كما أفصح الله عن انحطاط درجتهم عما ~~كانوا، ونزول رتبتهم عما فطروا عليه بقوله: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف:179]، وقال أيضا: # ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ~~* إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون # [الأنفال:21 - 22] وقال في النعي عليهم والصريح بموتهم ميتة الجاهلية: # أموات غير أحيآء وما يشعرون أيان يبعثون # [النحل:21]. # وإذا ثبت أن الكفار والمنافقين فقدت عنهم آلة السمع والبصر وجدوا هما، ~~وماتت قلوبهم فلا يجديهم سماع القرآن ظاهرا، ولا دراسة الكتاب والحديث ~~رواية بلا دراية، فقد ثبت أن القرآن لا يشفي عليلهم ولا يروي غليلهم، ~~لأنهم أهل الحجاب، الذي حقت عليهم كلمة العذاب، وغلقت عليهم الأبواب، ~~وهو معنى قوله: { ويحق القول على الكافرين } كما قال: # إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ~~ولو جآءتهم كل آية # [يونس:96 - 97]. # وقال أيضا: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال:23]. # واعلم أن حال أكثر المتظاهرين بالإيمان عند التحقيق هذا الحال - وإن ~~كانوا من جملة المعدودين عند الناس من أهل الفضل والكمال - كما مضى من ~~قوله تعالى في صدر هذه السورة " لقد حق القول على أكثرهم فم لا يؤمنون " ~~، فإن مجرد الإطلاع على ظاهر العربية من اللغة والنحو والصرف والعلوم ~~الجزئية، وكذا حفظ الأقوال في الحرام والحلال وصنعة المباحثة والقيل ~~والقال، وصنعة الكلام بالمجادلة من غير بصيرة بحقيقة الحال، لا يرتقي به ~~الإنسان عن درجة الجهال والأرذال، ولا ms1517 يرتفع إلى رتبة السعداء والمقربين ~~من الحق المتعال، ولا يهتدي بحقائق القرآن والآيات، بل يزيده شرا ~~ووبالا وجحودا واستكبارا عن سماع ما هو الحق، اللهم إلا بالقلب ~~السليم عن الآفات المهلكة والأمراض النفسانية كما مرت الإشارة إليه غير ~~مرة، ودل عليه قوله تعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء:82]. # فقد بقي كون القرآن منذرا لمن كان حيا، أي قابلا للحياة الأخروية، ~~مستعدا لفهم المعارف الإلهية، مؤمنا بالله واليوم الآخر - ولو بالسماع ~~والتسليم - من غير انحراف عن سنن الحق وحيد عن الصراط المستقيم، سواء ~~كان صحيح القلب بريئا عن المعاصي مطلقا، أو مريضا لكن غير مزمن المرض، ~~ولا المكذب للطبيب وهم الأولياء والحكماء. # فالدنيا بمنزلة دار الشفاء، والعلماء الربانيون هم الأطباء، والقرآن هو ~~الدواء، والحكمة التي بها تقع الشفاء - والإعراض عنه هو السم المهلك - ~~الموجب للشفاء # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ~~ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم ~~إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا # [الكهف:57]. # والنفوس الساذجة الغير الكاملة في العلم والعمل، هم المرضى، القابلون ~~للتداوي، المستعدون للصحة والحياة الكاملة، والنفوس الجاهلة الشقية الغير ~~السليمة - إن كانت لهم فطانة بتراء وجهل مشفوع بالإعتقاد، واعتقاد تقليدي ~~مركب بالنفاق والعناد - هم المرضى الغير القابلين للعلاج، بل يزيد فيهم ~~المرض يوما فيوما، كما قال الله تعالى: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب ~~أليم # [البقرة:10]. # وهؤلاء هم الذين كانوا مستعدين في الأصل للحياة، قابلين للنور، ولكن ~~احتجبوا بالرين المستفاد من اكتساب الرذائل وارتكاب الخطيئات ومزاولة ~~المكائد الشيطانية وطلب الترفعات الباطلة، حتى رسخت الهيئات الفاسقة في ~~صفحة باطنهم، وتراكمت الملكات المظلمة على مرآة قلوبهم، كما قال تعالى: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين:14]. # فلا تقبل التصفية والتطهير بعد ذلك، لتراكم ظلمتهم وعينية نجاستهم، كما ~~قال: # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل ~~الرجس على الذين لا يعقلون # [يونس:100] وذلك ms1518 لكونها كثيرة التعلق بالدنيا، متعلقة الوجود بأجسادها ~~وأبدانها الغالب عليها القوة الشهوية والغضبية مثل الكلب والخنزير، ~~والدنيا دار النجاسة وطالبها الأنجاس وطلبة الأرجاس، لقوله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): # " الدنيا جيفة وطلابها كلاب " # ، وورد أيضا في الحديث: # " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها ". # وإن لم يكونوا ذا فطانة وعقل ولا اعتقاد صادق أو كاذب، فهم إما ~~المطرودون والمبعدون طبعا من أهل الحجاب، أو المستضعفون من النساء ~~والولدان. # فالأول هم الأموات المعزولون عن الخطاب، المختوم على قلوبهم أزلا، كما ~~قال: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف:179] فالقرآن لا ينذرهم كما لا ينذر القسم الأول، إلا أن ~~المانع في أحدهما وهم المنافقون وجودي - وهو المرض المزمن -، وفي الثاني ~~وهم المطرودون عدمي، وهو الموت، - وقد أخبر الله تعالى عن نفي قبول ~~الإنذار عن أحدهما بقوله: # كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا ~~أنهم لا يؤمنون # [يونس:33] وعن نفيه عن الثاني بقوله: # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس:101] وقوله: # الذين كانت أعينهم في غطآء عن ذكري وكانوا لا ~~يستطيعون سمعا # [الكهف:101]. # وأما المستضعفون فهم غير معلومي العاقبة لا يعلم حالهم إلا الله. # فهذا ما حضرني الآن في بيان هذه الآية، والله أعلم بحقائق آياته وأسرار ~~كلماته. ### || [36.71] # ثم أعاد الكلام إلى ذكر شواهد التوحيد وآيات الربوبية، فقال: أولم يروا ~~أنا خلقنا لهم - أي: لأجل وجودهم، أو لأجل انتفاعهم - مما عملت أيدينا - ~~أي: مما تولينا خلقه بإبداعنا وانشائنا من غير مشاركة أحد ولا إعانة معين ~~فيه، لبدائع الفطرة وشواهد الحكمة فيها التي لا يصح أن يقدر عليها إلا ~~هو. # و " اليد " في اللغة يطلق على معان: منها: الجارحة المخصوصة، ومنها: ~~النعمة - يقال: لفلان يد بيضاء، ومنها: القوة - يقال: فلان تلقي قولي ~~باليدين، أي بالقوة والتقبل، ومنها: تحقيق الإضافة، كما في قول الشاعر: # دعوت لما نابني مسورا # فلبى فلبى يدي مسور # وإنما ثناه لتحقيق المبالغة في الإضافة إلى مسور، ويقولون: " هذا ما ~~جنت يداك " وهو المعني في الآية، وإذا قال رجل: " عملت ms1519 هذا بيدي " دل ~~ذلك على انفراده بعمله من غير أن يكله إلى غيره، وهو المعني في الآية. # وفي الكشاف: " عمل الأيدي استعارة من عمل ما يعملون بالأيدي ". # قلت: فعلى هذا كان قوله: { مما عملت أيدينآ } موضع " مما ~~عملنا بالأيدي ". # و " الأنعام " هي الإبل والبقر والغنم - فهم لها مالكون - ولو لم نخلقها ~~لما ملكوها ولما انتفعوا بها وبألبانها وركوب ظهورها ولحومها، أي: ~~خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم، فهم متصرفون فيها تصرف الملاك في ~~أملاكهم، وقيل: فهم لها ضابطون قاهرون لم نخلقها وحشية نافرة منهم لا ~~يقدرون على ضبطها، بل مسخرة مذللة، من قول الشاعر: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا # أملك رأس البعير أن نفرا # أي لا أضبطه. # تبيان كلامي وبرهان حكمي # قد تقرر عند كبراء الحكماء وأولياء المعرفة والإيقان، وأهل النسك ~~والإيمان، أن وجود الإنسان هو غاية إيجاد المكونات العنصرية من الجماد ~~والنبات والحيوان، لأن الغاية في كل موجود حادث هو الوصول إلى كمال ثان ~~له، والبلوغ إلى ما هو أشرف، فالكمال الثاني للجسم العنصري، هو الصورة ~~التركيبية التي للجماد، الحافظة له عن التبدد والانحلال والفساد، وكمال ~~مرتبة المعادن هي النفس النباتية المفيدة زيادة في الأقطار وتوليد ~~الأمثال، وكمال النبات هي النفس الحيوانية المفيدة للحس والحركة ~~بالإختيار، وكمال الحيوان هو البلوغ إلى درجة الإنسان، فالإنسان كمال ~~العالم العنصري وثمرته وغايته، ولا يلزم مما ذكرناه أن يكون كل جماد ~~ونبات وحيوان ممكن الوصول إلى ما هو فوقه إمكانا وقوعيا استعداديا، ~~بخصوص تعينه الخاص الشخصي أو النوعي، بل اللازم منه ذلك بحسب مطلق ~~طبيعته الواقعة في وسط من أوساط حدود التوجهات إلى غاية الوجود ومطلق ~~وجوده، الواقع في مرتبة من مراتب القرب والبعد من خلاق الخير والجود، ~~إذا لم يكن له حجاب من تعينه ووجوده، بل لا بد من توجهه إلى مرتبة تكون ~~فوقه، وانتقاله إلى درجة أخرى وتطور بطور آخر، من انزعاج في وجوده وقبول ~~تأثير ولين وانكسار سورة وقلة تمنع وشدة افتقار. # أولا ترى أن العناصر ما لم تنكسر قوتها وسورة كيفيتها ms1520 حتى كادت ~~أن تفنى وتنفسد وتتعرى عن كسوة الصورة، لم يترحم الباري عليها بإفاضة ~~وجود مستأنف وإعطاء كسوة جديدة، وكذا الحبوب والبذور المدفونة في الأرض، ~~ما لم تتعذب بصحبة المخالط الضد حتى كادت تنفسد، لم تحصل فيها قوة ~~النماء ولم تتخط من طور الجمادية إلى نشأة النبات. # وكذا ليس كل جسد نباتي قابلا لصورة الحيوان التام، بل ما مكث في جهنم ~~المعدة مدة الانهضام، ثم سلك المسالك الضيقة في العروق والمسام، وسعى في ~~خدمة الله وعمارة كعبة القلب الصوري الصنوبري وبيت الله الحرام، حتى يصير ~~سعيه مشكورا وذنبه مغفورا، وأعطاه الله صورة الحس والحركة وأحياه ~~بالحياة الحسية. # وكذا ليس كل حيوان يقبل النفس الناطقة التي من شأنها إدراك المعرفة ~~واليقين، والوصول إلى عالم الآخرة يوم الدين، بل الذي مضت عليه أيام ~~وشهور محبوسا في جهنم المعدة، مسجونا بسجن الرحم ومضيق المشيمة، معذبا ~~بيد مالك الطبيعة، مقيدا بقيود سدنة القوى الأربعة الهاضمة، وزبانية ~~القوى التسعة عشر الحيوانية، شاربا شراب الحميم، متغذيا بدم الحيض ~~الحار الأسود، متلطخا بالأفراث والأرواث، مصليا بنار الحرارة ~~الغريزية - وهكذا -، إلى أن يأذن الله له في الدخول إلى عالم النعيم ~~الإنساني، وجنة المشتهيات النفسانية، وكرمه بكرامة الصورة الآدمية، ~~المحمولة في بر الجسمانيات وبحر الروحانيات، المرزوقة من طيبات الكلمات ~~الحكمية والعقلية، المفضلة على كثير من المخلوقات، كقوله: # ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر ~~والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم ~~على كثير ممن خلقنا تفضيلا # [الإسراء:70]. # وهكذا الإنسان، لا يستعد لنفخ الروح الإلهي القابل للخلافة الإلهية، ~~ومسجودية الملائكة العلوية والسفلية، ما لم يرتض بالرياضات النفسانية، ~~ولم يتهذب بالتهذيبات العقلية، ولم يمتحن بالمحن الشديدة، والتكاليف ~~الشرعية والآداب النبوية - من الصيام والقيام وغيرها، وتكثير الأوراد ~~والدعوات، ومواصلة الأذكار والتسبيحات طول الليل والنهار - وهكذا حتى مضت ~~عليه مدة مديدة من الشهور والسنين، وبلغ أوان بلوغه الحقيقي الباطني إلى ~~قرب أربعين، وهكذا يتطور من طور إلى طور حتى بلغ إلى ما لم يمكن وصفه مما ~~لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ms1521 قلب بشر. # والمقصود أن خلقه المكونات من البسائط والمركبات - كما دلت عليه هذه ~~الآية وكثير من الآيات - لأجل ماهية الإنسان ووجوده الفائق على سائر ~~المخلوقات، على الوجه الذي مر بيانه، وقد أشرنا إلى أن المتحرك إلى ~~غاية، ما دام كونه متحركا إليها، يجب أن يكون أمرا بالقوة، شبيها ~~بالعدم، تحقيقا لمعنى الحركة، وتحت هذا أسرار لطيفة يختص فهمه لمن وفق ~~له. # اشارة قرآنية # اعلم أن قوله: { مما عملت أيدينآ } ، معناه - كما ذكره صاحب ~~الكشاف - عملنا بالأيدي، وذلك لما حقق أن المؤثر الحقيقي في خلق ~~الموجودات هو الباري سبحانه، والوسائط مسخرة لقدرته. سواء كانت ملائكة ~~علوية أو سفلية، أو كانت أجراما سماوية أو أرضية، إذ ليس لشيء منها ~~رتبة الإنشاء والإيجاد، اللهم ألا أن يراد بالعمل معنى التحريك والإعداد ~~بإذن الله المعطي الجواد. # وروح اليد ومعناه الأصلي ليس منحصرا في الجارحة المخصوصة التي اعتاد ~~أهل اللغة فهمها عند اطلاق لفظ " اليد " ، بل الواسطة الطبيعية بين ~~القدرة على القبض والبسط ومتعلقها، سواء كانت أمورا جسمانية من عظم ~~ولحم ورباط وعصب، أولم يكن، فكما أن ذات الله وصفاته لا تشبه ذوات الخلق ~~وصفاتهم، فكذلك كل ما نسب إليه من اليد، واليمين، والقلم، واللوح، ~~والكتابة، والرق المنشور، والبيت المعمور، والعرش، والكرسي، أما سمعت أن ~~متاع البيت يشبه رب البيت. # فكما أن ذاته لا يشبه الذوات، ف " يد الله " لا تشبه الأيدي، ولا قلمه ~~يشبه الأقلام، ولا خطه سائر الخطوط، فليس الله في ذاته يمكن أن يكون ~~بجسم ولا في مكان - بخلاف غيره -، ولا تكون يده من لحم وعظم ودم - بخلاف ~~سائر الأيدي - وكذا لا يكون قلمه من قصب، ولا لوحه من خشب، ومن توقف في ~~تنزيه بعض الأمور الإلهية دون بعض، ويؤمن ببعض ويكفر بما وراءه، فهو ~~كالمخنث بين فحولة التنزيه وأنوثة التشبيه، مذبذبا بين إثبات هذا ونفي ~~ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فكيف ينزه ذاته وصفاته من مشاركة ~~الأجسام وصفاتها، ولم ينزه يده وقلمه عنها؟ أو كيف يؤمن بذاته وصفاته ~~ويكفر ms1522 بيده وقلمه رأسا؟ # فإن كنت فهمت من معنى الصفات ما يوجب الإنفعال اللائق بالأجساد، ومن ~~معنى الإستواء على العرش ما يوجب الإفتقار والإعتماد، فكن حنبليا محضا ~~ومشبهيا مطلقا، كما يقال: " كن يهوديا صرفا وإلا فلا تلعب بالتوراة ~~". # وإن كنت فهمت من معانى الصفات ما ينحفظ معها التقديس والوحدة المحضة، ~~ومن الاستواء على العرش معنى الإستيلاء المعنوي عليه والتمكن في الإلهية ~~وظهور الرحمانية به، فكن منزها صرفا ومقدسا فحلا في كل الأمور ~~الإلهية. # فإذا كنت مؤمنا بجميع ما ورد في الآيات، مقدسا للباري عن وصمة ~~الجمسانيات، فتيقن أن الأيدي العمالة لله هي الوسائط العقلية والنفسية، ~~من الملائكة السماوية والأرضية، الموكلة بخلق مواد الحيوانات، من الجماد ~~والنبات، فبتعديلها صور الحيوانات في مواد النطف منقوشة، وبتقويمها بسائط ~~الأشكال على بسيط الهيولى مفروشة. # تفريع شهودي # " كلتا يدي الرحمان يمين " ، # يد الله فوق أيديهم # [الفتح:10] # والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه # [الزمر:67]، ومن انكشف له معرفة ذات الله وتقديسه عن وصمة الإشتراك ~~والإمكان، وتنزيه صفاته الحقيقية عن شوب التكثر والنقصان، وتمجيد ~~صفاته الفعلية العملية عن القصور والحدثان، فينكشف له أن معنى القدرة ~~الإلهية ليس كالقدرة التي في الحيوان - وهي القسمة المتساوية طرفاها، ~~المفتقرة إلى الداعي والرجحان - وينكشف له أن يمينه ليست كالأيمان. # فإذا علم معرفة الذات والصفة والقدرة واليد، يظهر له أن الشمس والقمر، ~~والكواكب والأفلاك، والمطر والغيم، والهواء والماء والأرض، وكل ما يحصل ~~منه وجود الحيوان من مواد النطف والأركان، كلها مسخرات بيمينه وفي ~~قبضة قدرته تسخر القلم في يد الكاتب، فإذا علم ذلك، انصرف عنه الشيطان ~~وخنس، لأن توحيده عن مزج الشرك مقدس، ووجه قلبه متوجه إلى فاطر ~~السماوات والأرض حنيفا مسلما وما كان من المشركين. # اشارة أخرى # في كيفية خلقة الحيوان مما عملته أيدي الرحمان # قد مرت الإشارة منا سابقا، إلى أن طينة الإنسان وحصته الحيوانية إنما ~~قبضتها وعملتها ملائكة الله، وبهذا الإعتبار توفته رسل الله، فلنبين ~~كيفية خلقه الحيوان مما عملته أيدي الرحمان، سواء كان مما هو داخل مملكة ms1523 ~~الإنسان وأجزاء هذا القوام، أو مما ملكه الله له من الدواب والأنعام، ~~وذلله وسخره للحمل والركوب له وللزينة وغيرها من أغراض عالم الأجسام، ~~ليحصل لك الإطلاع على أفعال بعض ملائكة الله السفلية الموكلة بعالم ~~الحيوان، بل الإنسان، المقبوضة المسخرة لملائكة أخرى علوية مطوية تحت ~~أيدي قدرة الله الرحمان، ليمكنك الشكر والحمد على نعمه المتعلقة بقوام ~~الحياة الدنيا، المتوقفة عليها أسباب معيشتك الأخرى، ومقدمات سفرك إلى ~~الله وقدومك بين يديه من مركبك وزادك، وإنما مركبك البدن والقوى، وزاد ~~سفرك الذي لأجله خلقت العلم، والتقوى، وأسباب ما خلقه الله وهيأ لك من ~~أجناس هذا العالم كالشجر والدواب والأنعام. # فمن نعم الله عليك، الملائكة الموكلة ببدنك وبما هو تحت تصرفك من ~~الأنعام والعبيد فيما يرجع إلى الأكل والغذاء، ويتوقف عليه الحيوان في ~~الحدوث والبقاء، فإن كل جزء من أجزاء بدنك - بل من أجزاء كل حيوان ونبات ~~- لا يتغذى إلا بأن يوكل به سبعة من الملائكة - هو أقل - إلى عشرة، إلى ~~مأة إلى ما وراء ذلك. # وبيانه أن معنى الغذاء أن يقوم جزء من الغذاء مكان جزء قد تلف من بدنك ~~لإستيلاء الحرارات المحللات عليه، وهي الغريزية والأسطقسية الداخلتان، ~~والشمسية والتحريكية الخارجتان، وحرارة الهواء المطيفة بك، وذلك الغذاء ~~جسم نباتي أو حيواني يصير دما في آخر الأمر، ثم يصير لحما وعظما ~~وعصبا، وهو لا يتحرك من مكانه بنفسه، ولا يتغير في حاله بنفسه، ومجرد ~~الطبع لا يكفي في تردده في جهاته وأطواره، كما أن البر بنفسه لا يصير ~~طحينا ثم عجينا ثم خبزا مستديرا مطبوخا إلا بصناع كثيرة، فكذلك ~~الدم لا يصير لحما وعظما وعروقا وعصبا إلا بصناع في الباطن هم ~~الملائكة، كما أن الصناع في الظاهر هم أهل البلد. # وقد أسبغ الله عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، فلا ينبغي أن تغفل عن نعمه ~~الباطنة وتجحدها، فنقول: لا بد أولا من ملك يجذب الغذاء ويقبض طينة ~~الخلقة إلى جوار اللحم والعظم، لما علمت أن الغذاء لا يتحرك بنفسه، بل ~~بمحرك غائب عن البصر، ثم لا ms1524 بد من ملك آخر يمسك الغذاء في جواره حتى ~~يتغير، لأن الاستحالة حركة، وكل حركة إنما وقعت في زمان، ثم لا بد من ~~ثالث يخلع عنه صورة الدم، ومن رابع يكسوه صورة اللحم والعظم أو العصب، ~~ومن خامس يدفع الفضل الفاضل من حاجة الغذاء، ومن سادس يلصق ما اكتسى ~~بصورة العظم بالعظم حتى لا يكون منفصلا، ولا بد من سابع يرعى المقادير ~~في الإلصاق. # شك وتحقيق # فإن قلت: فهلا فوضت هذه الأفعال إلى ملك واحد، ولم افتقرت إلى ~~سبعة أملاك، والحنطة أيضا تحتاج إلى من يطحن أولا، ثم إلى من يميز عنه ~~النخالة ويدفع عنه الفضالة ثانيا، ثم إلى من يصب عليه الماء ثالثا، ثم ~~إلى من يعجن رابعا، ثم إلى من يقطعه كرات مدورات خامسا، ثم إلى من ~~يرققها دوائر عريضة ورغفانا مستديرة سادسا، ثم إلى من يلصقها بالتنور ~~سابعا، فلا كانت أفعال الملائكة باطنا كأفعال الإنس ظاهرا؟ # فاعلم أن خلقة الملائكة تخالف خلقة الإنس، ما من واحد إلا وهو وحداني ~~الصفة، ليس فيه خلط وتركيب، فلا يكون لكل واحد إلا فعل واحد، وإليه ~~الإشارة بقوله: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات:164] نعم ربما يصدر منه - إذا كان علويا - أفعال متعددة ~~باستخدام وسائط مسخرة مقهورة له بجهات متعددة ترتقي إلى جهة واحدة. # وتحقيق ذلك موكول إلى علم آخر، به يعلم النظم والترتيب بين ملائكة الله ~~العلوية والسفلية، ولذلك ليس بينهم تنافس وتقابل ولا تفاخر، بل مثالهم في ~~تعيين ماهية كل واحد وفعله مثال الحواس الخمس، فإن البصر لا يزاحم السمع ~~ولا يشاركه في إدراك الأصوات، ولا الشم يزاحمها، ولا هما ينازعان الشم، ~~وليس كاليد اللحمي والرجل، فإنك قد تبطش بأصابع الرجل بطشا ضعيفا ~~فتزاحم به اليد، وقد تضرب غيرك برأسك مكان اليد التي هي آلة الضرب، ولا ~~كالإنسان الواحد الذي يتولى بنفسه الطحن والعجن والخبز، فإن هذا نوع من ~~الإعوجاج والعدول عن العدل، سببه اختلاف صفة الإنسان واختلاف دواعيه ~~وتكثر أغراضه، فلما لم يكن وحداني الصفة، لم يكن ms1525 وحداني الفعل، ولذلك ~~ترى الإنسان يطيع الله مرة ويعصيه أخرى لاختلاف دواعيه وصفاته الروحانية ~~والجسمانية، ولو تفرد الإنسان بذاته وطبعه، ولم يتغير عما فطره الله ~~عليه، لم تكن أفعاله إلا على نظم حكمي وترتيب طبيعي. # وذلك الإختلاف غير ممكن في طبائع الملائكة، بل هم مجبولون على الطاعة، ~~مفطورون على العبودية والخدمة، لا مجال للمعصية في حقهم، فلا جرم لا ~~يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون، والراكع منهم راكع أبدا، والساجد منهم ساجد أبدا، لا اختلاف في ~~أفعالهم ولا فتور في أعمالهم، ولكل واحد منهم مقام معلوم لا يتعداه. # وطاعتهم لله تعالى من حيث لا مجال للمخالفة فيهم، تشبه طاعة أطرافك لك، ~~فإنك مهما جزمت الإرادة بفتح الأجفان، لم يكن للجفن الصحيح تمرد وتردد ~~واختلاف في طاعتك مرة ومعصيتك أخرى، بل كأنه منتظر لأمرك ونهيك فينفتح ~~وينطبق متصلا بإشارتك، فهذا يشبهه من وجه ولكن يخالفه من وجه، إذ الجفن ~~لا علم له بما يصدر من الحركة فتحا وإطباقا، والملائكة أحياء عالمون ~~بما يفعلون. # فإذن هذه نعمة الله عليك من جملة الملائكة الأرضية العمالة، لخلقة ~~الحيوان، وهي بعض نعم الله عليك من الملائكة العلمية والعملية الموكلة ~~بباطنك وظاهرك وقلبك وقالبك، يجب عليك شكر هذه النعم الخفية والجلية. # ومن كفر بشيء منها كفر بالجميع من حيث لا يشعر، فإن من كفر بالقدرة على ~~فتح العين التي من جملة نعم الله في الأجفان، التي من جملتها خلق أطرافها ~~حادة منطبقة على الحدقة، وما يتوقف عليه من الغذاء وأسباب التغذية، فقد ~~كفر بالعين وما يتوقف عليه من الموجودات، إذ الأجفان لا تقوم إلا ~~بالعين، ولا العين إلا بالرأس، ولا الرأس إلا بجميع البدن، ولا البدن ~~إلا بالغذاء، ولا الغذاء إلا بالماء والأرض والهواء والمطر والغيم، ولا ~~تقوم هي إلا بالشمس والقمر والنجوم، ولا يقوم شيء منها إلا بالسموات، ~~ولا السموات إلا بالملائكة المحركة، ولا هي إلا بعالم الأمر لقوله ~~تعالى: # والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره # [الأعراف:54] وقوله: # وأوحى في ms1526 كل سمآء أمرها # [فصلت:12]. # فإن الكل كالشيء الواحد الطبيعي، المرتبط بعضه ببعض، كارتباط أعضاء بدن ~~الإنسان الواحد بعضها ببعض، وارتباط بدنه بنفسه، ونفسه بروحه وعقله، ~~والكل مرتبط به تعالى في الوجود، # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف:54]. فإذن، من كفر بفتح العين فقد كفر كل نعمة من نعم الله من ~~منتهى الثريا إلى منتهى الثرى من وجوه كثيرة: # منها: ما ذكرنا من وجود السوابق التي تتوقف هي عليه، كالنظر والمشاهدة ~~ثم التخيل، ثم التذكر، ثم التعقل، ثم الإنتقال من تعقل إلى تقعل آخر، ~~وهكذا إلى تعقل، المبادي الفعلية، ثم تعقل وجود المبدء تعالى، ثم صفاته ~~الجمالية، ثم الجلالية، ثم الإضافية الإلهية، ثم الافعالية، ثم الآثارية، ~~ثم الاستغراق في شهود كبريائه وجماله، والإنخراط في سلك عبيده المهيمين ~~في ملاحظة عظمته وجلاله، فإن الجميع مما يتوقف على فتح العين، فإن من فقد ~~حسا فقد علما، فمن جحدة فقد جحد الكل، فلم يبق فلك ولا ملك ولا ~~حيوان ولا نبات ولا جماد ولا بر ولا بحر إلا ويلعنه. # ولذلك ورد في الأخبار: " إن البقعة التي تجتمع فيها جماعة إما أن تلعنهم ~~إذا تفرقوا، أو تستغفر لهم " ، وكذلك ورد في الحديث: # " إن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر " # ، و " إن الملائكة يلعنون العصاة " ، في ألفاظ كثيرة لا يمكن إحصائها. # وكل ذلك إشارة إلى أن العاصي بتفريطة واحدة جنى على جميع ما في الملك ~~والملكوت، وقد أهلك نفسه إلا أن يتبع السيئة بالحسنة، فيتبدل اللعن ~~بالاستغفار، فعسى الله أن يتوب عليه ويتجاوز عنه، فافهم، ثم افهم. # ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: # من جملة ما يتوقف عليه وجود الأنعام وسائر الحيوان فضلا عن الإنسان مما ~~عملته أيدي الرحمان وملائكة الله العزيز المنان، تحصيل وجود الأطعمة حتى ~~تصير صالحة للاغتذاء، وتستعد لأن تتصرف فيها الملائكة السبعة المذكورة ~~أولا. # فاعلم أن الأطعمة كثيرة، ولله في خلقتها عجائب كثيرة لا يحصى عددها، ~~وأسباب متوالية لا يتناهي وصفها، وذكر ذلك في كل طعام مما يطول، إذ لا ms1527 ~~طعمة إما أغذية وإما أدوية وإما فواكه. # فلنأخذ الأغذية - فإنها الأصل -، ولنأخذ من جملتها الحبوب، بل حبة من ~~الشعير أو الحنطة التي يتغذى بها الحيوان أو الإنسان، فنقول: إذا وجدت ~~حبة أو حبات، فلو أكلتها أو أطعمت بها دابتك لفنت وبقيت جائعا أو ~~بقيت دابتك كذلك، فما أحوجك أن تنمو الحبة في نفسها أو تتضاعف حتى تفي ~~بجميع حاجاتك، فخلق الله في الحبة من القوى ما تتغذى - كما خلق فيك -، ~~فإن النبات إنما يفارقك في الحس والحركة لا في الإغتذاء، ولسنا نطنب في ~~ذكر آلات النبات في اجتذاب الغذاء إلى نفسه وامساكها، وهضمها ودفع ~~فضولها، ولكن كلامنا في نفس الغذاء - كيف يحصل - لا في الإغتذاء به. # فنقول: كما أن الخشب والتراب لا يصلح لغذائك، بل تحتاج إلى طعام مخصوص ~~مناسب لك، فكذا الحبة لا تغتذي بكل شيء، بل تحتاج إلى شيء مخصوص مناسب ~~لها، بدليل أنه لو تركتها في البيت لم تزد بمجرد مصادفة الهواء، ولو ~~تركتها في الماء لم تزد، ولو تركتها في أرض لا ماء فيها لم تزد، بل لا بد ~~من أرض فيها ماء يمتزج ماؤها بالأرض، فيصير طينا، وإليه الإشارة بقوله ~~تعالى: # فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا المآء ~~صبا # [عبس:24 - 25] - الآية. # ثم لا يكفي الماء والتراب، إذ لو تركتها في أرض ندية صلبة متراكمة، ~~لم تنبت لفقد الهواء، فيحتاج إلى أرض خربة متخلخلة، يتخلخل الهواء إليها، ~~ثم الهواء لا يتحرك إليها بنفسه، فيحتاج إلى ريح يحرك الهواء ويضربه بقهر ~~وعنف على وجه الأرض حتى ينفذ فيها، وإليها الإشارة بقوله تعالى: # وأرسلنا الرياح لواقح # [الحجر:22] وإنما لقاحها في إيقاع الإزدواج بين الهواء والماء والأرض، ~~ثم كل ذلك لا يكفي لو كان في برد مفرط وشتاء شاق، فيحتاج إلى حرارة ~~الربيع والصيف، فقد ثبت احتياج غذائها إلى هذه الأربع. # فانظر إلى ما يحتاج إليه الماء، فيسال في أرض الزراعة من البحار والعيون ~~والأنهار والسواقي، فانظر كيف خلق الله البحار، وفجر العيون، وأجرى منها ~~الأنهار بيد ملائكة موكلة ms1528 بها، تسمى بملك البحار وملك الأنهار. # ثم الأرض ربما تكون مرتفعة والمياه لا ترتفع إليها، فانظر كيف خلق الله ~~الغيوم، فسلط الرياح عليها لتسوقها تلك الرياح بإذنه إلى أقطار العالم - ~~وهي سحب ثقال حوامل بالماء -، ثم كيف يرسله مدرارا بيد ملك الأمطار ~~على وجه الأرض في وقت الربيع والخريف على حسب الحاجة. # وانظر كيف خلق الجبال لها قوة حافظة للمياه، وملكا موكلا بها، وآخر ~~موكلا بتفجير العيون منها تدريجا، فلو خرجت دفعة لخربت البلاد وهلك ~~الزرع والأنعام والمواشي، ونعم الله في السحاب والجبال والبحار والأمطار ~~لا يمكن احصاؤها وإحصاء ملائكة عمالة لها بإذن الله. # وأما الحرارة فإنها لا تحصل من الماء والأرض - وكلاهما باردان - فانظر ~~كيف سخر الشمس وكيف جعلها مع بعدها عن الأرض مسخنة للأرض في وقت دون ~~وقت آخر، فيحصل البرد عند الحاجة إليه، والحر عند الحاجة إليه، فهذه إحدى ~~حكم الشمس - والحكم فيها أكثر من أن تحصى -. # ثم النبات إذا ارتفع عن الأرض، فإن في كثير منها انعقادا وصلابة تفتقر ~~إلى رطوبة غريزية تنضج وتصبغها، فانظر كيف خلق القمر وجعل من خاصيته نضج ~~الفواكه وصبغها بتقدير الفاطر الحكيم. # بل نقول: كل كوكب في السماء فقد سخره لنوع فائدة وحكمة، كما سخر الشمس ~~للتسخين، والقمر للترطيب، بل لا يخلو واحد منها عن حكم كثيرة لا تفي قوة ~~البشر باحصائها، ولو لم يكن كذلك لكان خلقها عبثا وباطلا، ولم يصح قوله ~~تعالى: # ربنآ ما خلقت هذا باطلا # [آل عمران:191] وقوله: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما لاعبين # [الأنبياء:16] وكما أنه ليس في أعضائك عضو إلا لفائدة فالعالم كله كشخص ~~واحد، وآحاد أجسامه كالأعضاء له، وهي متعاونة تعاون أعضاء بدنك في جملة ~~بدنك، وشرح ذلك يطول، وأكثر الناس غافلون عن حكم الله في السماء والأرض، ~~جاحدون في خلقها، معرضون عن آياتها، لقوله تعالى: # وهم عن آياتها معرضون # [الأنبياء:32]. # وتوهم بعضهم أن التفكر في حكمة ما في السموات والتدبر في آياتها يستلزم ~~الإيمان بالنجوم المنهي عنه في الشرع، لجهلهم بامتياز هذا ms1529 العلم عن علم ~~الأحكاميين، الذين يحكمون على الكواكب بآثار أرضية في ساعات معينة رجما ~~بالغيب، بحسب تخمينات ومجازفات وتجارب ناقصة، فأحكامهم من هذه الجهة ~~كاذبة وأن اتفقت أحيانا. # وليس كذلك علم الهيئة والهندسة والحساب من الرياضي، ولا علم السماء ~~والعالم من الطبيعي، ولا البحث عن مبادئها وغاياتها والنظر في الآثار ~~والحكم المترتبة عليها كلية من العلم الإلهي، فإن جميع ذلك من العلوم ~~الشريفة ومن الحكمة الممدوحة في الكتاب والسنة، إلا أن بعضها أشرف من ~~بعض، وهو ما يكون أوثق برهانا، وأعلى لمية، وأقصى غاية، وأرفع غرضا ~~وفائدة، ولذلك # " نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى السماء وتدبر في نجومها وقرأ ~~قوله تعالى: { ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا ~~عذاب النار } [آل عمران:191] ثم قال: " ويل لمن قرأ هذه الآية ثم ~~مسح بها سبلته " # ومعناه أن يقرأ ويترك التأمل، ويقتصر من فهم ملكوت السموات على أن يعرف ~~لون السماء وضوء الكواكب وذلك مما يعرفه البهائم أيضا، فمن قنع منه ~~بمعرفة ذلك فهو الذي مسح سبلته. # وأقول: قوله (صلى الله عليه وآله) عقيب قراءة الآية، إشارة إلى تفسير ~~الآية ولمية عذاب النار، المفهوم من فحواها بواسطة " الفاء " التفريعية، ~~الدالة على أن التدبر في النجوم، والعلم بحقيقة ما في السماء يوجب ~~الوقاية عن عذاب النار، والجهل بها والإعراض عن آياتها يوجب العذاب ~~الدائم والحرمان عن لقائه والطرد عن رحمته، والبعد عن حضرته، فلله في ~~ملكوت السماء والأرض والآفاق والأنفس والحيوانات والنبات عجائب حكمة تطلب ~~معرفتها أهل المحبة الإلهية، فإن من أحب عالما أحب مطالعة تصنيفه، فلا ~~يزال مشغوفا بتصانيفه ليزداد بمزيد الوقوف على عجائب حكمته وعلمه وحاله، ~~فكذلك الأمر في عجائب صنع الله، فإن العالم كله من تصنيفه، بل تصنيف ~~المصنفين كلهم من تصنيفه الذي صنفه بواسطة عباده أو كتبه في قلوب ~~أوليائه # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة:22] فلا تتعجب من تصنيف المصنفين، بل من الذي سخرهم للتأليف ~~بما أنعم عليهم من هدايته وتسديده وتعريفه. # والمقصود، أن غذاء النبات لا ms1530 يحصل إلا بالماء والهواء والشمس والقمر ~~والكواكب، ولا يتم ذلك إلا بالأفلاك التي هي مركوزة فيها، ولا تتم ~~الأفلاك إلا بحركاتها، ولا تتم حركاتها إلا بملائكة سماوية يحركونها - ~~وكذلك تتمادى إلى أسباب قاصية - وهي حرية بأن تكون بأيدي الرحمن. # طريقة أخرى # اعلم أن الذي ينبت في الأرض من النبات، لا يمكن أن يقضم أو يؤكل - وهو ~~كذلك - بل لا بد في كل واحد من اصلاح وطبخ، وتركيب وتنظيف بالقاء البعض ~~وإبقاء البعض، إلى أمور أخرى كآلات الحصاد والتصفية (والتنقية) والنقل ~~والتحويل مما يطول. # فأول ما يحتاج إليه الحراث (الحرث) - ليزرع ويصلح الأرض - الثور الذي ~~يثير الأرض والفدان وجميع أسبابه، ثم بعد ذلك التعهد لسقي الماء مدة، ثم ~~تنقية الأرض من الحشيش، ثم الحصاد، ثم الفرك والتنقية، ثم الطحن، ثم ~~العجن، ثم الخبز إن كان للإنسان، فكذلك إن كان للحيوان الذي له حرمة، لأن ~~قضيمته تتوقف على الإنسان وهو يحتاج إلى الأكل. # فتأمل عدد هذه الأفعال التي ذكرناها وما لم نذكره، وعدد الأشخاص ~~القائمين بها، وعدد الآلات التي يحتاج إليها - من الحديد والخشب والحجر ~~وغيره - ويحتاج إليها النجار والحداد وغيرهم، الذين يعملون هذه الآلات ~~القريبة بآلات أخرى بعيدة حديدية أو خشبية، تفتقر هي أيضا في وجودها إلى ~~آلات غيرها وهكذا. # فانظر إلى حاجة الحداد إلى الحديد والرصاص والنحاس، وانظر كيف خلق ~~الجبال والأحجار، وكيف جعل الأرض قطعا متجاورات مختلفة، فإن فتشت علمت ~~أن رغيفا واحدا لا يستدير بحيث يصلح لأكلك - يا مسكين - ما لم يعمل ~~عليه أكثر من ألف صانع، فابتدئ من الملك الذي يزجي السحاب لينزل الماء ~~إلى آخر الأعمال التي من جهة الملائكة، حتى ينتهي إلى عمل الإنسان، فإذا ~~استدار فقد عمل فيه قريب من سبعة آلاف صانع، كل صانع أصل من أصول الصنائع ~~التي تتم بها مصلحة الخلق. # ثم تأمل كثرة أعمال الإنسان في تلك الآلات، حتى أن الإبرة - التي هي آلة ~~صغيرة يفتقر إليها في بعض أمور الحراثة، وفي خيط اللباس للزارع الذي يمنع ~~عنه البرد - لا ms1531 يصلح صورتها من حديد يصلح للإبرة إلا بعد أن تمر على يد ~~الإبري خمسة وعشرين مرة يتعاطى في كل مرة عملا. # فلو لم يجمع الله البلاد، ولو لم يسخر العباد، وافتقرت إلى عمل المنجل ~~الذي يحصد به البر والشعير مثلا بعد نباته ويبسه، لنفد عمرك وعجزت عنه. # ثم إن هؤلاء الصناع المصلحين للآلات والأطعمة وغيرها، لو تفرقت آراؤهم، ~~وتنافرت طباعهم - تنافر طباع الوحش -، لتبددوا وتفرقوا وتباعدوا، ولم ~~ينتفع بعضهم ببعض، بل كانوا كالوحش لا يحويهم مكان واحد، ولا يجمعهم غرض ~~واحد، فانظر كيف ألف الله بين قلوبهم، ولو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ~~ألفت بين قلوبهم، فلأجل الألف وتعارف الأرواح، اجتمعوا وائتلفوا وبنوا ~~المدن والبلاد، ورتبوا المساكن والدور متقاربة متجاورة، ورتبوا الأسواق ~~والخانات وسائر أصناف البقاع. # ثم هذه المحبة مما قد تزول بأغراض يتزاحمون عليها ويتنافسون فيها، وفي ~~جبلة الإنسان الغيظ والحسد والمنافسة، وذلك يؤدي إلى التقابل والتنافر، ~~فانظر كيف سلط الله السلاطين وأيدهم بالقوة والقدرة، وألقى رعبهم في ~~قلوب الرعايا حتى أذعنوا لهم طوعا أو كرها. # وكيف هدى الله السلاطين إلى طريق اصلاح البلاد حتى رتبوا أجزاء المدن ~~كأنها أجزاء شخص واحد يتعاون على غرض واحد، ينتفع البعض منها بالبعض، ~~ورتبوا الرؤساء والقضاة والسجن وزعماء الأسواق، واضطروا الخلق إلى قانون ~~العدل، وألزموهم التساعد والتعاون، حتى صار الحداد ينتفع بالقصاب، ~~والخباز، وسائر أهل البلد، وكلهم ينتفعون بالحداد، وصار الحجام ينتفع ~~بالحارث، والحارث بالحجام، وينتفع كل واحد بكل واحد، كما يتعاون جميع ~~أجزاء البدن وينتفع بعضها ببعض. # فانظر كيف بعث الأنبياء حتى أصلحوا السلاطين المصلحين للرعايا، وعرفوهم ~~قوانين الشرع في حفظ العدل بين الرعايا، وقوانين السياسة في ضبطهم، ~~وكشفوا عن أحكام الإمامة والقضاء والسلطنة، وأحكام الفقه في المعاملات ~~والمناكح والسياسات والحدود والجراحات ما اهتدوا به إلى اصلاح الدنيا، ~~فضلا عما أرشدوهم إليه من إصلاح الدين. # فانظر كيف أصلح الله الأنبياء بالملائكة - الذين هم أيدي الرحمان - وكيف ~~أصلح الله هذه الملائكة بعضهم ببعض، إلى أن ينتهي إلى المقربين الذين هم ~~أعين ms1532 الله التي لا تنام، كما قال: # فإنك بأعيننا # [الطور:48] وهكذا إلى أن ينتهي إلى الملك المقرب الذي لا واسطة بينه ~~وبين الله. # فالخباز يصلح الخبز، والطحان يصلح الحب بالطحن، والحراث يصلحه ~~بالحصاد، والحداد يصلح آلات الحراث، والنجار يصلح آلات الحداد، وكذا ~~جميع أرباب الصناعات المصلحين لآلات الأطعمة، والسلطان يصلح الصناعين، ~~والعلماء يصلحون السلاطين، والأنبياء يصلحون العلماء، الذين هم ورثة ~~الأنبياء، والملائكة يصلحون الأنبياء إلى أن ينتهي إلى حضرة الربوبية، ~~ويد الله التي فوق أيديهم، وقدرته النافذة في جميع المخلوقات، وسمعه ~~وبصره وعينه التي لا تنام، وشمس وجهه الذي هو ينبوع كل حسن ونظام، ومطلع ~~كل كمال وتمام، وغاية كل حركة وسعي واهتمام، وغاية كل معرفة وهداية وعلم ~~وكلام، والكل من رشحات وجوده وتوابع خيره وجوده، وهو منعم جميع النعم، ~~ورب الأرباب ومسبب الأسباب. # فإذا تقرر عندك - أيها القارئ لكتاب الله - هذه المقدمات، وتأملت في هذه ~~الأسباب المترتبة لخلقة الحيوان المعمولة لأجل الإنسان تأملا كاملا، ~~وتدبرت فيها تدبرا شافيا، علمت بما في هذه الآية من الإشارة إلى آثار ~~حكمة الله العظيمة وبدائع لطفه وإحسانه، والإشعار بنعمه الجسيمة ~~وامتنانه. # فقوله: { أولم يروا }: استفهام معناه الأمر بالنظر والإعتبار ~~والحث على التدبر والاستبصار في الأمور التي ذكرنا شطرا منها، مما ~~تتوقف عليها خلقة الحيوان، لينكشف على المتأمل أن أسباب خلقته لا تتم ~~إلا بما عملته أيدي الرحمان، ليتمكن على قليل من شكر نعمه العظيمة، ~~ويهتدي إلى لمعة من معرفة جوده وحكمته الجليلة. # ولولا فضله ورحمته وهدايته إذ قال: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت:69]، لما اهتدينا إلى معرفة هذه النبذة اليسيرة من نعمته ~~وحكمته # بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ~~وما يجحد بآياتنآ إلا الظالمون # [العنكبوت:49]. # ولولا عزله إيانا عن أن نطيح بعين الطمع إلى الإحاطة بكنه نعمه، ~~وتحذيره وتحذير رسوله إيانا عن التفكر في ذاته، لتشوقنا إلى طلب ~~الإحاطة والاستقصاء بكنه نعمه، وتطلعنا إلى التفكر في ذاته، وطلب ~~الإكتناه بحقيقته، لكن عزلنا بحكم القهر والقدرة، فقال: # وإن تعدوا نعمت الله ms1533 لا تحصوها # [إبراهيم:34] وحذرنا بحكم الصمدية وشدة النورية التي احتجب بها، فقال: # ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد # [آل عمران:30] وقال نبيه المنذر (صلى الله عليه وآله): # " تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله ". # فإن تكلمنا فبلطفه وإذنه انبسطنا، وإن سكتنا فبغلبة نوره وقهره انقبضنا، ~~فالحمد لله الذي ميزنا عن الجاحدين لأنوار الربوبية والكفار، وأسمعنا في ~~كل لحظة من لحظات العمر قبل انقضاء الأعمار نداء الملك الجبار: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر:16]. ### || [36.72] # من شواذ القراءات قراءة الحسن والأعمش: " ركوبهم " بالضم، وقراءة عائشة ~~وأبي بن كعب " ركوبتهم " أما الركوب فمصدر على حذف مضاف، كذو وأمثاله، ~~ويجوز أن يكون التقدير: " فمن منافعها ركوبهم " كما يقول الإنسان لغيره: ~~" من بركاتك وصول الخير إلي ". # وأما " الركوب " و " الركوبة " فهما ما يركب كالقتوب والقتوبة، والحلوب ~~والحلوبة - لما يقتب ويحلب - وقيل: " الركوبة " جمع. # وذللناها لهم - أي: سخرناها لهم حتى صارت منقادة، ولولا تذليله ~~وتسخيره لها وإلا فمن الذي يقدر عليها كما قيل: # يصرفه الصبي بكل وجه # ويحبسه على الخسف الجرير # وتضربه الوليدة بالهراوى # فلا غير لديه ولا نكير # ولهذا ألزم الله سبحانه الراكب أن يشكر هذه النعمة ويسبح بقوله: # سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين # [الزخرف:13]. # فمنها ركوبهم ومنها يأكلون - قسم الأنعام بأن جعل منها ما يركب، ومنها ~~ما يذبح فينتفع بلحمه ويؤكل. # تبصرة عقلية # لما أشار سبحانه إلى مبدء وجود الحيوان وغايته من ملائكة الله المكرمين ~~وأوليائه الصالحين، أراد أن يشير إلى بعض منافعه العرضية وفوائده ~~التبعية، وقد تقرر عند الحكماء في العلوم النظرية، الفرق بين ما هو علة ~~غائية ماهية وغاية ذاتية وجودا، وبين ما يتبعها - سواء كانت من ~~الضروريات اللازمة أو من التفضلات الزائدة - وبينوا ذلك بأدلة موضحة ~~وأمثلة كاشفة، وحكموا بأن أفعال الله تعالى وأن لم يكن لها علة غائية، ~~ولكن ذاته ذات لا تحصل منه الأشياء إلا على أتم ما ينبغي وأبلغ ما يتصور ~~من النظام - سواء كان ضروريا كوجود العقل للإنسان والمعرفة للعقل ms1534 والنبي ~~للأمة، أو غير ضروري لكنه من التفضلات المستحسنة، كإنبات الشعر على ~~الحاجبين، وتقعير الأخمصين للقدمين -. # فكما أن الماء والنار والشمس والقمر إنما تفعل أفاعيلها - من التبريد ~~والتسخين والتنوير - لحفظ كمالاتها، لا لانتفاع غيرها، ولكن يلزمها ~~انتفاع الغير، وكذلك مقصود الأفلاك في حركاتها هي الطاعة لله والخدمة لما ~~وراءها، والتشبه بالخير الأقصى بوساطة المعشوقات الكاملة العقلية، فلكل ~~منها مطاع معشوق يخصه - وإلا لما اختلفت الجهات والحركات - وللجميع إله ~~واحد ومحبوب واحد، يضمحل تحت نور كبريائه كل خير ومحبوب دونه، هو الذي ~~أدار رحاها وبسم الله مجراها ومرساها، ومطلوبها في الحركات والصلوات ~~والركوع والسجود، وطاعة الله وطلب التقرب منه والتشبه بما عنده، لا نظام ~~السفليات من الإنسان والحيوان والنبات، إلا أنها يترشح منها نظام ما ~~دونها على أبلغ وجه وأتمه، كما قيل: " وللأرض من كأس الكرام نصيب " ، ~~فإن الأرض والأرضيات مما لا قدر لها محسوسا حتى تتحرك لأجلها الفلكيات. # وأما الإنسان الكامل، فإنه وإن كان من جهة جسميته حقيرا سفليا غاية ~~الحقارة والسفلية، إلا أنه من حيث روحه وعرفانه مما يليق أن تطوف عليه ~~العناصر والأفلاك، وتدور حول كعبة قلبه الأجرام العلوية بما فيها من ~~النفوس والأملاك، لقوله تعالى: (لولاك لما خلقت الأفلاك). # فإذا تقرر عندك ما سردنا لك، ووضح لديك ما مهدنا لأجلك، فاعلم أن لوجود ~~الحيوان علة غائية هي جهة ماهية الإنسان بحسب وجودها في القضاء الإلهي ~~والعالم العقلي، وله غاية ذاتية هي ثمرة وجوده وتمامه وكماله - وهي وجود ~~الإنسان -، إذ لأجله بنى العالم العنصري وخلق الأكوان، فهو الأصل في ~~القصد من وجود الحيوان، والغرض من حدوث مواد العناصر والأركان، فهو الأول ~~في التصور والتفكر، والآخر في التحصيل والعمل، وهو اللباب الأصفى من ~~خلائق عالم الأركان، ومن فضالة وجوده خلق سائر الأكوان. # وها هنا دقيقة لا ينبغي الذهول عنها، وهي أن المواد الحيوانية كلها ~~متوجهة إلى أن يحصل منها وجود الإنسان - لأن وجوده كمالها وغايتها كما ~~علمت - ولا ينافي هذا المعنى عدم بلوغ أكثرها إلى هذه الدرجة لما فيها ms1535 من ~~الموانع والصوارف الداخلية والخارجية، الوجودية والعدمية مما يطول شرحها. # فالحيوان الكامل الواصل إلى غايته وثمرته، هو الذي وقع داخل ماهية ~~الإنسان من حصة حيوانيته الموجودة له وفيه، وأما غيرها فهي منقطعة السير ~~منبتة السفر - لأجل قصور قوتها - دون المرام، وإنبتات مسافتها قبل ~~التمام. # إلا أنها وأن تعوقت وتعطلت عن سفرها إلى ذات الإنسان، لكنها بحسب ~~الأكثر غير معوقة ولا معطلة عن خدمة الإنسان، بل مجبولة على طاعته، ساعية ~~نحو الوصول إلى لوازم وجوده وعوارض كونه - من الأكل، والركوب، والمشارب ~~والمنافع -، فغاية بعضها صيرورته غذاء الإنسان، وغاية بعض آخر كونه ~~حاملا لغذائه، وغاية بعض صيرورته ملاصقا لبدنه مركوبا له، وغاية بعض ~~آخر كونه حاملا لما يلاصق بدنه حملا لمحمول طبيعي كالجلود والأصواف أو ~~لمحمول غير طبيعي كالأثواب وغيرها، إلى غير ذلك من المنافع التي تعود إلى ~~الإنسان بوجه من الوجوه، مما يتعذر ذكرها جميعا على التفصيل. # والغرض أن وجود الإنسان هو الغاية الذاتية لوجود الحيوان وما يحتاج إليه ~~أو ينتفع به من الأكل والركوب، وسائر المنافع والمشارب وغيرها هي من ~~الغايات العرضية لوجوده، أو من التوابع اللازمة الضرورية أو غير الضرورية ~~له، والجميع راجعة بوجه من الوجوه إلى الإنسان، لأن وجوده غاية الأكوان، ~~وكمال هذا العالم وأجزائه من الأصول والأركان. ### || [36.73] # قد أجمل الله تعالى ها هنا ذكر منافع الحيوان لظهورها على البصير ~~المتأمل وإن غفل عنها الأكثرون، ولهذا فصلها في موضع آخر بقوله: # وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا # [النحل:80] الآية. # وقوله: أفلا يشكرون - أي: أفلا يعرفون نعمة الله ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولوا الألباب؟ أفلا ينظرون في بدائع حكمة الله وآثار قدرته ~~وجوده في هذه المخلوقات ومنافعها، ليدبروا في عظمة خالقها وصانعها، ~~ليعرفوا ذاته وصفاته والهيته وحكمته وقدرته ولطفه وجوده، وتخلصوا من عذاب ~~جهنم ونار القطيعة والطرد. # فمن منافعها وفوائدها التي لو نظر إليها الإنسان بعين التدبر - لا بعين ~~الغفلة والعادة - لأكثر التعجب من حكمة خالقها ومصورها، هي جلودها ~~وأصوافها وأوبارها وأشعارها، التي خلقها الله لباسا لخلقه، وأكنانا لهم ms1536 ~~في ظعنهم وإقامتهم، وآنية لاشربتهم، وأوعية لأغذيتهم، وصوانا ~~لأقدامهم، كما جعل ألبانها ولحومها أغذية لهم. # ومن فوائدها جعل بعضها زينة للركوب، وبعضها حاملة للأثقال وقاطعة ~~للبوادي، إلى غير ذلك من آثار نعم الله الجليلة والدقيقة فيها ومنافعها ~~الكثيرة التي خلقت لأجلها ولأجل غيرها. # ومعظم منافعها أنها مواضع حكمة الله لمن تدبر فيها، ومحال الشكر على ~~نعم الله لمن قدر على الشكر له، وإنها أسباب اهتداء الإنسان إلى معرفة ~~خالقه ورازقه إذا نظر وتأمل في دقائق النعمة وبدائع الصنعة المودعة فيها، ~~فعلم من آثار اللطف والرحمة على ما قضى العجب من الحكمة، حامدا لله ~~البارئ الحكيم، وشاكرا على نعماء الجواد الرحيم، حسبما أمر به وحث عليه ~~بقوله: { أفلا يشكرون }. # ومن نظر في خلقة واحد صغير من الحيوانات، لعلم من صنائع جود الله وآثار ~~حكمته فيه ما يعجز عن وصفه ويكل عن الإحاطة به، إذ ما من حيوان - صغير ~~ولا كبير - إلا وفيه من العجائب ما لا يحصى، بل لو أردنا أن نذكر عجائب ~~البقة أو النملة أو النحل أو العنكبوت - وهي من صغار الحيوانات - في ~~بناء بيتها، وفي جمع غذائها، وفي ألفها لزوجها، وفي إدخارها لنفسها، وفي ~~حذقها في هندسة بيتها، وفي هدايتها إلى حاجتها، لم نقدر. # فانظر إلى النحل ومسدساتها، وإلى اهتدائها وتفطنها بوحي الله إليها في ~~اتخاذ بيوتها من الجبال ومن الشجر ومما يعرشون، ثم اهتدائها إلى بناء ~~بيوتها على وضع الأشكال المناسبة لأبدانها، وحيث لم يمكن في أفضل الأشكال ~~ترامي (تراخي) بعضها لبعض من غير فرجة وفصل، تحرت من الأشكال إلى ما هي ~~الأشبه بالاستدارة - وهي المسدسات - لكون مساحتها كمساحة الدائرة، حاصلة ~~من تربيع نصف قطرها في نصف محيطها، وليس غير المسدس من المضلعات هكذا، ~~فسبحان من هداها من المعرفة والقياس ما لم يصل إليها فهم كثير من ~~الناس. # ثم انظر إلى العنكبوت ومثلثاته على طرف نهر أو باب، كيف يطلب أولا ~~فرجة بين موضعين متقاربين بمقدار ذراع، حتى يمكنه أن يصل بالخيط ~~اللعابي بين طرفيه، ثم يبتدئ ms1537 فيلقي لعابه الخيطي إلى جانب فيلتصق به، ~~فيعدو إلى الجانب الآخر، فيحكم الطرف الآخر من الخيط، ثم يحكم كذلك ~~ثانيا وثالثا ويجعل بعد ما بينها تناسبا هندسيا، حتى إذا أحكم ~~معاقد القمط ورتب الخيوط كاللحمة اشتغل بالتسديد، فيضيف السدى إلى ~~اللحمة، ويحكم العقد على موضع التقاء السدى باللحمة، ويرعى في جميع ذلك ~~تناسب الهندسية، ويجعل ذلك شبكة لاصطياد البق والذباب، ويقعد في زاوية ~~مترصدا لوقوع الصيد في الشبكة، فإذا وقع بادر إلى أخذه وأكله، فإن عجز ~~عن الصيد كذلك، طلب لنفسه زاوية من حائط، ووصل بين طرفيه في الزاوية ~~بخيط، ثم علق نفسه منها بخيط آخر وبقي متمسكا في الهواء ينتظر ذبابة ~~تطير، فإذا طار ذباب رمى نفسه إليه، فأخذه ولف خيطه على رجله وأحكمه ثم ~~أكله. # أفترى أنه يعلم هذه الصنعة من نفسه؟ أو كون نفسه؟ أو كونه آدمي ~~أو علمه؟ أو لا هادي له ولا معلم؟ أفيشك ذو بصيرة في أنها مسكينة عاجزة ~~ضعيفة؟ بل الفيل العظيم بشخصه، الظاهر قوته، عاجز عن أمر نفسه، فكيف هذا ~~الحيوان الضعيف، أفلا يشهد هو وشكله وصورته وحركته وهدايته وعجائب صنعته ~~بفاطره الحكيم ومدبره العليم؟ # فالبصير يرى في هذا الحيوان الصغير من عظمة الخالق المريد الخبير، ~~وجلاله وكمال قدرته ما تتحير فيه الألباب والعقول، فضلا عن سائر ~~الحيوانات من الأنعام وغيرها، وإنما سقط تعجب القلوب منها لأنسها ~~بكثرة المشاهدة. # والإنسان أعجب الحيوانات، وأعجب كل عجيب، وليس يتعجب من نفسه، وأكثر ~~الناس ناسون أنفسهم، غافلون عن عجائب القلب، شاكون في أمر المعاد وبقاء ~~النفس وسعادتها وشقاوتها، لأنهم عن الذكر لمبعدون، وعن السمع ~~لمعزولون، وعن آيات ربهم معرضون، لأنهم غرتهم الحياة الدنيا، ليسوا ~~من أهل المحبة الإلهية. # ولو أنك تعظم عالما بسبب معرفتك بعلمه، فلا تزال تطلع على غرائب ~~شمائله وآثاره، وصنائعه البديعة ونكاته الدقيقة، وتصانيفه الرشيقة ~~وأشعاره الحسنة وكتبه النفيسة، فكلما تصفحت غريبة غريبة من تصنيفه وشعره، ~~فتزداد به معرفة وتزداد به محبة، وله توقيرا وتعظيما واحتراما، حتى أن ~~كل كلمة من كلماته ms1538 وكل بيت من أبيات شعره يزيده محلا في قلبك ويستدعي ~~التعظيم له من نفسك. # فهكذا المحبون لله، العاشقون لصنعته وقدرته، ويتأملون في بدائع خلق ~~الله وتصنيفه، ويتدبرون في دقائق حكمة الله وعنايته في وجود السموات ~~والأرض وما بينهما، ثم اعلم أن نظر العشاق الإلهيين في كل شيء نظر آخر، ~~لأن عيونهم مكحلة بسواد الزبر الموروثة من الأنبياء، وبصائرهم منورة ~~بأنوار متابعة سيد الرسل (عليه وآله الصلاة والدعاء) وكلما نظروا فيه ~~بعين التوحيد، نظر غيرهم بعين التفرقة، وكلما ينظر فيه الطبيعي أو الطبيب ~~ويكون سبب ضلالهم وشقاوتهم، ينظر فيه الموحد الموفق ويكون سبب هدايته ~~وسعادته. # وما من ذرة في السماء والأرض والبر والبحر إلا والله يضل بها ما يشاء، ~~ويهدي من يشاء، فمن نظر في هذه الأمور من حيث إنها فعل الله وصنعه، وأثر ~~من آثار وجوده وكرمه وآلهيته، استفاد منها المعرفة واهتدى، ومن تأمل فيها ~~قاصرا للنظر، من حيث لها طبيعتها الجزئية وغايتها القريبة، ومن حيث يؤثر ~~بعضها في بعض، لا من حيث ارتباطها بمسبب الأسباب حتى يكون طريقا من طرق ~~الإرتقاء إلى فاطر الماهيات، فقد شقي وتردى - فنعوذ بالله من الضلال ~~ونسأله أن يجنبنا مزلة أقدام الجهال بمنه وفضله -. ### || [36.74-75] # لما ذكر لمعة من شواهد إلهيته، ودلائل توحيده وعظمته وقدرته، الموجبة ~~للإهتداء إلى طريق معرفته وعبوديته وشكر نعمته، أشار إلى سقوط درجة ~~النازلين إلى مهوى الهوى والهوان، الهابطين في مهبط الخزي والخسران، وهم ~~الذين اتخذوا من دونه آلهة يعبدونها لكي ينصرونهم ويدفعوا عنهم عذاب ~~الله، وبين فساد جهلهم الذي هو أصل كفرهم وشركهم بأن هذه الآلهة التي ~~اعتقدوها واتخذوها آلهة وعبدوها ليتقوا (ليتقربوا) بها، ويعتضدوا ~~بمكانها، لا يقتدر شيء منها على نصرهم، ولا يستطيع الذب عنهم، بل الأمر ~~على عكس ما قدروا وتصوروا، حيث هؤلاء من خدام آلهتهم محضرون معدون ~~لخدمتها يخدمونها ويذبون عنها ويغضبون لها كالجنود والأعوان. # وبهذا جرى حكم الله وقضاؤه باستيلاء الدواعي الباطلة على نفوس هؤلاء ~~البطالين الجهلة، لمصلحة قدرية وحكمة قضائية تعلقت بطاعتهم وخدمتهم لهذه ms1539 ~~الأصنام، وعبوديتهم لهذه التماثيل المنصوبة من الأجسام أو الأصنام أو ~~غيرها، لتشارك الجهالة وموت القلب، واتفاق الجنسية والظلمة والخسة ~~والدناءة. # وعن بعضهم: معناه: اتخذوهم لينصرونهم عند الله ويشفعوا لهم، والأمر خلاف ~~ما توهموا، حيث هم يوم القيامة جند معدون لهم، محضرون لعذابهم، لأنهم ~~يجعلون وقودا للنار. # وعن الجبائي: أن معنى قوله تعالى: { وهم لهم جند محضرون ~~}: إن هذه الآلهة معهم في النار محضرون، لأن كل حزب مع ما عبدته من ~~الأوثان في النار، فلا الجند يدفعون عنها الإحراق، ولا هي تدفع عنهم ~~العذاب. وهذا كما قال تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء:98]. # مكاشفة قرآنية # اعلم، هداك الله طريق معرفته وعبوديته، إن كل من أحب شيئا محبة ~~نفسانية، أو اعتقد معبودا حصر الإلهية فيه من المعتقدات المخالفة لما هو ~~الحق في ذاته، فهو بالحقيقة مشرك عابد للصنم - سواء كان صنمه صورة موهومة ~~أو شبحا محسوسا - وقد مر أنه لا يعتقد معتقد من المحجوبين الذين جعلوا ~~الآله منحصرا في صورة معتقدهم فقط، إلا بما جعل في نفسه وتصوره بوهمه، ~~فإن الإله من حيث ذاته منزه عن التعين والتقيد، وبحسب أسمائه وصفاته له ~~ظهورات في صور مختلفة، فكل من أحب غير الله كحب الله، فلم يكن أهلا ~~لمحبة الله مخلصا، بل طردته العزة والغيرة الإلهية إلى محبة الأنداد، ~~واتخاذ ما هو دون الله، سواء كانت الأهل والأولاد والأحجار والأجساد. # وتحقيق ذلك: أن كل محبة لشيء فهو عبودية له، والمحبة نوعان: محبة هي من ~~صفات النفس الإنسانية، - وهي من هوى النفس الأمارة بالسوء -، ومحبة هي ~~من صفات الحق - وهي محبة المعرفة والحكمة -، كما في قوله تعالى: (كنت ~~كنزا مخفيا، فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف) فكما أن محبوب الحق ~~كونه معروفا، فمحبوب أهل الله كونهم عارفين له، كما أشار إليه قوله: # يحبهم ويحبونه # [المائدة:54] فمن وكل إلى محبته النفسانية تعلقت محبته بما يلائم هوى ~~النفس وشهواتها - من الأصنام وغيرها -. # فكما أن الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها، وبعضهم يحبون العزى ms1540 ~~ويعبدونها، كذلك أهل الدنيا، بعضهم يحبون الأموال ويعبدونها، وبعضهم ~~يحبون الأولاد ويعبدونها، كما قال تعالى: # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله # [البقرة:165] ولقد حذر الله تعالى الخلق عن فتنة هذه الأشياء وأعلمهم ~~عداوتها بقوله: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [التغابن:15] وبقوله: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم # [التغابن:14] يعني: فاحذروا عن محبتهم، لأنها عدو لكم يمنعكم عن محبة ~~الله، - وهو الحبيب الحقيقي والمقصود الأصلي - وإنهم العدو. # فمن أحب الله، ينظر إلى ما سواه من حيث ما هو سواه بنظر العداوة، كما ~~كان حال الخليل (عليه السلام) فقال: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء:77]. # ومن كان في الأزل أهلا لمحبة الله وعبوديته، فما وكل إلى المحبة ~~النفسانية الشيطانية، بل جذبته العناية الأزلية ونظمته في سلك ~~الكناية من قول " يحبهم " فيتجلى لهم بصفة المحبة، فانعكست تلك المحبة ~~لمرائى قلوبهم، فبتلك المحبة يحبونه، فلا تتعلق تلك المحبة بغير الله، ~~لأنها فائضة من عالم الوحدة فلا تقبل الشركة، كما قال تعالى: # والذين آمنوا أشد حبا لله # [البقرة:165] ولو أحب غيره لأحبه من حيث كونه وليا له، نبيا مبعوثا ~~من حضرته، أو كتابا نازلا من عنده، أو أمة قانتا لله. # ولأن الأعداء - كأهل الدنيا - أحبوا الأنداد بمحبة فانية نفسانية، ~~والأحباء أحبوا الله بمحبة باقية أزلية، فلا محالة، لما تقطعت بالموت ~~عنهم هذه الأسباب، ورأوا مبادئ العذاب، يتبرء أهل هذه المحبة الفانية ~~بعضهم عن بعض، كما قال تعالى: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب # [البقرة:166] ويكون حاصل أمرهم الفرقة والعداوة والتبري، كقوله # يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس ~~القرين # [الزخرف:38] وقوله: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف:67]. # إذا تحققت ما ذكرناه، وفهمت ما مهدناه فاعلم أن المراد من قوله: { ~~واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون } ، هو ~~اتخاذ ما سوى الله للمحبة النفسانية التي ترجع إلى عبادة الصور الوهمية، ~~إذ من أحب غير الله فهو لا يزال يعبده ويخدمه ويتوسل إليه، ويتحرى ms1541 الطريق ~~إلى وصلته، والتقرب منه والاتحاد به، ويتصور أن الوصول إليه يستلزم ~~النصرة له، ويدخل السرور في قلبه، ويوجب له اللذة الوافرة والسكون ~~والراحة والطمأنينة. # وهذا حال أكثر الناس في المستلذات الحسية، مثل الأهل، والمال، والولد، ~~والجاه، والرفعة، والإشتهار، والصيت، والتقرب من الملوك والسلاطين، ~~وهكذا حال من يتولى الشياطين، ويحب أهل الملل الباطلة وأصحاب الأديان ~~الفاسدة، وكذا كل من يعتقد شيخا وإماما تعصبا وافتخارا لا من جهة ~~المحبة الإيمانية والمحبة الإلهية، وطلب الإهتداء بالله، وتحصيل المعرفة ~~واليقين، فإن الجميع متخذون من دون الله آلهة عابدون إياها، لاغترارهم ~~بظنونهم الفاسدة أن هذه الآلهة الباطلة ينصرونهم من دون الله. # وذلك لجهلهم بالمعارف الحقة، وإعراضهم عن ذكر الله والتدبر في آياته ~~وأفعاله، كما في قوله تعالى: # بل هم عن ذكر ربهم معرضون * أم لهم آلهة ~~تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ~~ولا هم منا يصحبون * بل متعنا هؤلاء ~~وآبآءهم حتى طال عليهم العمر # [الأنبياء:42 - 44] ومن عرف الله وعرف صفاته وأفعاله، ونظر إلى الأشياء ~~بنظر التوحيد الافعالي، يقول لهؤلاء المتخذين غير الله مخدومين معبودين: # أف لكم ولما تعبدون # [الأنبياء:67]، ويعلم أن لا هادي ولا معطي إلا الله، وأن لا يستطيع أحد ~~نصره إلا الله، ولا يشفع له شفاعة إلا بإذن الله، كما قال تعالى: { لا ~~يستطيعون نصرهم } وكقوله: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة:255]. # وأما قوله: { وهم لهم جند محضرون } فيحتمل أن يراد به أن ~~عبدة الهوى وأحباء الشهوة والدنيا، يتخذون الأهل والأولاد والأحفاد ~~والعبيد والخدام أحباء من دون الله بمحبة فانية نفسانية، ويعتقدون أن ~~هذه خدام لهم، وجنود وأعوان ينصرونهم - وهذا حال كل من طلب الدنيا وذهل ~~عن الآخرة ونسي ذكر الله -. # ولا يعلم المسكين المسخر للشيطان المسحور بسحر الدنيا، أن الشيطان ~~اللعين سخر عقله واستخدمه، وجعله رهين الشهوات وعرضة البليات والآفات، ~~وصيره دائما مشغوفا بتحصيل الأسباب وطلب المناصب والمهمات، وجمع ~~الذخائر والأموال، ومشغولا بالسعي والكد والتعب والقيل والقال، ومعارضة ~~الأعداء والحساد، والمجادلة مع الخصماء والأنداد، وارتكاب المخاطر ~~والأهوال، وقطع ms1542 المفاوز والبوادي البعيدة، وركوب البحار المهلكة، حتى ~~يهلكه في أي واد أراد، ويجعله جسرا يعبر به أهل الشهوات في طلب المراد ~~وطريقا إلى جهنم وبئس المهاد. # ومن نظر بعين الحقيقة، يعلم أن لا حاصل له في هذه المحن الشديدة، ولا ~~طائل تحت هذه المساعي الكثيرة، ولا فيما يتعلق به، إلا أنه صار بحسب ~~التقدير وسيلة لأن ينتظم أحوال شهوات جماعة ارتبطت شهواتهم بسعي هذا ~~الأحمق السفيه، وانتظمت أرزاقهم بكده وارتباطه، فعلى التحقيق هو من جملة ~~خدام القوى الشهوية والغضبية لهذه المسميات بالأهل والعبيد، والخدم ~~والجنود، لا أنهم عبيده وخدمه وجنوده، إلا أن هذا الأحمق وكثير من ~~الحمقى - الذين عقولهم في هذه المرتبة - يزعمون أن أمثالهم ومن هو في ~~مرتبتهم مخاديم والمتعلقون بهم أتباعهم وجنودهم. # ولما كان هذا من الأغلاط الفاحشة الشائعة بين الأنام، أراد الله أن يكشف ~~عنه وأزاحه عن الأوهام فقال: { وهم لهم جند محضرون } ، ~~وسبب ذلك، أن هذا العالم عالم الانتكاس والإنعكاس، يرى فيه الخادم ~~مخدوما والفقير غنيا، والنار نورا والظل حرورا، والقبيح حسنا، ~~والحسن قبيحا، والموت حياة والحياة مماتا، والذلة لذة، والناظرون بعين ~~الشهود والمعرفة يرون بواطن الأمور، ويشاهدون اشتغال الخلق بطلب ما هو ~~سبب النكال والوبال، ويتعجبون من شغفهم بصحبة المؤذيات، وسعيهم في خدمة ~~العقارب والحيات، وتسميتهم لها من الحظوظ واللذات، وطاعتهم للكلاب ~~والذئاب، وعدهم لها من جملة الأصحاب والأحباب، ويشاهدون عجائب عديدة ~~وغرائب كثيرة: # منها: أن رجلا يعيش في قعر بئر مظلم في مزبلة، عليها سماد طرية، وجيف ~~منتة، يأكل الدم والصديد والقاذورات، ويشرب الحميم والزقوم، وأكثر طعامه ~~من غسلين، وشرابه من أبوال الحيوانات، ويعاشر امرأة قبيحة منتنة ركيكة ~~مريضة، عليها أوجاع وجراحات لا تحصى، ويتغنى الرجل في جلود غير مدبوغة ~~بألحان غير موزونة، يصف بها حسن امرأته، وهو بنفسه يضرب الدف ويرقص فرحا ~~ويسأل الله أن يثبته على هذه الحالة أبدا. # ومنها: أن رجلا ضعيفا عاجزا به أمراض وجراحات ومحن لا تحصى، في خربة ~~من المغارة (المفازة) المنقوشة، يدعي أن تلك الخربة عمارات، وتلك ms1543 ~~الجراحات راحات، وتلك النقوش والصور خدمه وحشمه، وهو ملك عظيم قدير يفعل ~~ما يشاء، وبيده ملكوت الأشياء وعنده حقائق الأنباء. # فانتبه يا نائم، واستقم يا هائم، واعتصم بحبل الله المتين ليصعدك من ~~مهوى عالم الشياطين - العارفين بعلم السيمياء، القادرين على إراءة ~~الأشياء لا على ما هي عليها -، لعلك تنجو من عذاب أليم، وتصل إلى الرضوان ~~والنعيم. ### || [36.76] # قرئ " فلا يحزنك " - بفتح الياء - من " حزنه " وبضمها من " أحزنه ". # وقرئ " أنا " - بفتح الهمزة - ولا ضير فيه كما توهم، لأنه إما على حذف ~~لام التعليل، وهو شائع في القرآن والحديث، وقياس مطرد في الكلام دائر ~~على ألسنة الفصحاء، وعلى هذا يكون معناه ومعنى " أنا " - بالكسر - ~~واحدا، وكذلك في التلبية من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " إن الحمد والنعمة لك " # روى بعضهم الكسر في " ان " وبعضهم الفتح فيها، والمعنى لا يتغير، لأن ~~كلاهما تعليل، وإما على أن يكون بدلا من: " قولهم " كأنه قيل: " فلا ~~يحزنك أنا نعلم ما يسرون ما يعلنون " ، وهذا المعنى محتمل مع الكسر ~~أيضا إذ جعلت الجملة مفعولة للقول. # وعلى أي الوجهين - من الكسر والفتح - فالمعنى المختار؛ هو أنه لا يحزنك ~~قولهم، ولا يهمك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم، فإنا عالمون بما يسرون من ~~عداوتهم وما يعلنون من انكارهم، فنحن مجازون إياهم عليهما، فحق مثلك أن ~~يتسلى بهذا الوعيد لأعدائه، ويستحضر في نفسه صورة حاله في الدنيا وحالهم ~~في الآخرة حتى ترتفع عنه الهموم، أو يتصور صورة حاله في الآخرة وحالهم في ~~الدنيا كيلا ترهقه الأحزان. # فتعلق الحزن بكون الله عالما وعدم تعلقه لا يدوران على كسر " ان " ~~وفتحها كما توهم، وإنما يدوران على التقدير، فإن فتحت " أن " فتقدر معنى ~~التعليل ولا تقدر البدل، وإذا كسرتها فتقدر التعليل ولا تقدر المفعولية، ~~حتى تنجو من المعنى المعطى للكفر باعتقادك، على أن نهي رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) عن الحزن على كونه تعالى عالما بسرهم وعلانيتهم، ليس ~~مما يوجب شيئا نكرا، ولكن من قبيل قوله: # فلا تكونن ظهيرا للكافرين # [القصص:86] # ولا تكونن من ms1544 المشركين # [يونس:105] # ولا تدع مع الله إلها آخر # [القصص:88]. ### || [36.77] # لما أشار إلى مخاصمة أعداء الدين لسيد المرسلين، وتكذيبهم إياه في ما ~~أتى به من الآيات البينات، وما أنذر به من أمور الآخرة والقيامة والبعث ~~والحشر، وذكر ما يتسلى به الرسول (صلى الله عليه وآله)، فأراد أن يشير ~~إلى تقبيح إنكارهم للحق، ومخاصمتهم للرسول، وتكذيبهم للبعث بأبلغ وجه ~~وأشنع صورة، وأول دليل على غيهم وضلالهم، وتمادي كفرهم وإصرارهم، وأعدل ~~شاهد على جحودهم للنعم والأيادي، وعقوقهم بر المنعم عليهم وإحسانه، ~~وتغلغلهم في الخسة والدناءة، وتوغلهم في المذلة والرداءة، حيث قرر ذلك ~~بأن عنصرهم الذي خلقهم منه أخس شيء وأمهنه، وهو النطفة القذرة المذرة ~~المنتنة، الخارجة من الأحليل - الذي هو قناة النجاسة -. # ولقد كرر الله ذكر النطفة التي منها بدء خلقة الإنسان في مواضع كثيرة من ~~القرآن، ليتفكر أنه من أي شيء خلقه الله، ولئلا ينسى ذاته ويغفل عن شكر ~~منعمه وخالقه المعبود، الذي خلقه من أوهن مادة وأنجس طينة، وشرفه بكسوة ~~هذا الوجود، وصوره في أحسن صورة وتقويم، فقال: # قتل الإنسان مآ أكفره * من أي شيء خلقه * من ~~نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره * ثم ~~أماته فأقبره * ثم إذا شآء أنشره # [عبس:17 - 22]. وقال في موضع آخر: # ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذآ أنتم ~~بشر تنتشرون # [الروم:20] وقال أيضا: # ألم يك نطفة من مني يمنى # [القيامة:37] إلى غير ذلك من الآيات. # فتكرير ذكر النطفة في الكتاب العزيز، ليس بمجرد سماع لفظها ترك التفكر ~~في معناها، بل لينظر الإنسان إلى النطفة التي منها بدء خلقه، فيعلم أنها ~~مادة قذرة لو تركت ساعة ليضربها الهواء فسدت وتفتتت، وتفكر في أنها كيف ~~أخرجها ربها رب الأرباب من بين الصلب والترائب، ولولا عنايته وجوده في ~~حق هذا المولود، فمن الذي أخرجها ونقلها في أطوارها، ثم في أنه كيف جمع ~~بين الذكر والأنثى وألقى المحبة بينهما، بل كيف جمع بين الأجداد والجدات ~~وألقى المحبة بينهم والألفة في قلوبهم، وكيف قادهم بسلسلة المحبة والشهوة ~~إلى هذا ms1545 الإجتماع. # ثم كيف استخرج النطفة عن الرجل بحركة الوقاع، وكيف استجلب دم الحيض من ~~أعماق العروق وجمعها في الرحم، ثم كيف خلق المولود من النطفة وسقاه بدم ~~الحيض وغذاه حتى نما وتربى وكبر، وكيف جعل النطفة - وهي بيضاء - علقة ~~حمراء، ثم كيف جعلها مضغة، ثم كيف قسم أجزاء النطفة - وهي متشابهة ~~ومتساوية - إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم، ثم كيف ركب من ~~اللحم والعظم والأعصاب والعروق وغيرها من الأعضاء الظاهرة المتشكلة ~~بأشكال مختلفة، فدور الرأس، وشق السمع والبصر وسائر المنافذ، ثم مد ~~اليد والرجل وقسم رؤوسها بالأصابع، وقسم الأصابع بالأنامل، ثم كيف ركب ~~الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة ~~والأمعاء، كل واحد على شكل مخصوص ومقدار مشخص لعمل معين، ثم كيف قسم كل ~~عضو من هذه الأعضاء بأقسام: فركب العين من سبع طبقات لكل طبقة وصف مخصوص ~~وهيئة مخصوصة لفائدة معينة بحيث لو فقدت طبقة منها أو زالت عن موضعها ~~ووصفها لعطلت العين. # فلو ذهبنا نصف في آحاد هذه الأعضاء وأقسامها، وأقسام أقسامها، ~~وفوائدها وغاياتها، لانقضت الأعمار دون وصف عشر عشير من الأعشار. # فقد عجب الله تعالى من حال من كان أوله وأصله على هذه المهانة والخسة، ~~ثم يتصدى لمخاصمة من رباه وأنماه وأعطاه كسوة بعد كسوة، وصورة غب صورة، ~~وحرسه عن الآفات، وصانه عن المفسدات والمهلكات، وأخرجه من ظلمات ثلاث إلى ~~فضاء العالم ورزقه من الطيبات، ورقاه من طور إلى طور ومن حال إلى حال، ~~إلى أن كمل عقله وصار مكملا، فيتصدى لمخاصمة الجبار ويبرز المجادلة ~~للعزيز القهار، راكبا متن الباطل، متلبسا لباس اللجاج والعناد، ذاهبا ~~طريق الجاهلية الأولى، ناكصا على عقبيه، راجعا إلى المنزل الأدنى. # فهذا غاية شدة السفاهة والقباحة، ونهاية الخسة والوقاحة، حيث خاصم مثل ~~هذا الخسيس الأدنى لمثل ذلك العلي الأعلى، بعد سبق هذه العطايا المتوافرة ~~والنعم المتكاثرة، في أمر الهداية إلى طريق السعادة، وإنذار رسول مبلغ ~~مرسل من قبله من أعلى عليين إلى هذا الذليل المهين، الواقع في أسفل ~~السافلين، ليهديه ms1546 ويرشده هذا الناصح ويهذبه ويخلصه من مهوى الشياطين، ~~وينجيه من عذاب أليم، ويعرج به إلى الدرجات العلى في جوار رب ~~العالمين، فيكذب رسوله ويؤذيه ويستهزئ به، ويمده في طغيانه وجهله وعناده ~~واستكباره وإنكاره ليوم الدين. # فما أعجب هذا الطغيان! وما أشنع هذا الكفران! وما أنزل صاحبه في مهوى ~~الخسة والهوان! وما أبعده من رحمة الغفور الرحمان!. # نكتة فرقانية في كرامة نبوية # ومما يخطر بالبال في سياق هذه الآية واتصالها بما سبق، إنه قد سلى ~~سبحانه في الآية السابقة لرسوله (صلى الله عليه وآله) من مخاصمة أعدائه، ~~وتكذيبهم إياه، واعلانهم مخاصمته، وإضمارهم معاداته، بأنا نعلم ذلك، ومن ~~علم بما يصل إلى حبيبه من خصمائه وأعدائه من الأذى والجفاء - ظاهرة ~~وباطنة، إعلانا وأسرارا - وهو قادر على مجازاتهم وتعذيبهم وإيلامهم، ~~فمعلوم ثابت أنه يجازيهم بأبلغ الجزاء ويعاقبهم بأشد العقاب. # ثم ما اكتفى بهذه التسلية العظيمة التي جرت بها عادة المحبين في تسلية ~~محبوبيهم من خصومة الأعادي، حتى جعل خصوم الحبيب خصومه، وأخذ موبخا لهم ~~في هذه الخصومة، مقبحا لهم بأبلغ وجه وآكده، فإن قوله: { فإذا هو ~~خصيم مبين } ، إنما وقع موقع الأمر العجيب في الركاكة والقبح إذا ~~كانت خصومته مقيسة إلى من خلقه من أصله الخسيس، ورباه وقواه إلى أن صار ~~رجلا مميزا منطقيا، فإذا هو بعد ما كان ماءا مهينا صار خصيما ~~مبينا - يفعل الخصومة مع خالقه وربه -. # فإذا كانت خصومته في أمر المعاد مع خالقه الذي خلقه من أخس المواد، ~~وشرفه على جملة المكونات من الحيوان والنبات والجماد، وكان مبتدء ~~الكلام في مخاصمتهم وتكذيبهم للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد دل ~~السياق على أن الخصومة مع الرسول (صلى الله عليه وآله)، هي بعينها ~~الخصومة مع الله، وكان على وزان قوله تعالى: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح:10] ونظائر ذلك. ### || [36.78] # " روي أن جماعة من كفار قريش منهم أبي بن خلف الجمحي وأبو لهب ~~والعاصي بن وائل والوليد بن المغيرة تكلموا في ذلك، فقال واحد منهم: " ~~ألا ترون إلى ما ms1547 يقول محمد، أن الله يبعث الأموات؟ - ثم قال: - واللات ~~والعزى لأصيرن إليه ولأخصمنه " وأخذ عظما باليا فجعل يفته ~~بيده ويقول: " يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما رم؟ " قال (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): " نعم - ويبعثكم ويدخلك جهنم " ". # واختلفوا في القائل، فقيل هو أبي بن خلف - عن قتادة ومجاهد، وهو ~~المروي عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)، وقيل: القائل هو العاص بن ~~وائل السهمي - عن سعيد بن جبير - وقيل: أمية بن خلف - عن الحسن -. # وتسمية الله قوله: { من يحيي العظام وهي رميم } مثلا ~~يحتمل وجوها: # أحدها: أنه ضرب المثل في انكاره البعث بالعظم البالي، وفته بيده، ~~ويتعجب ممن يقول: " إن الله يحييه " ونسي خلقه، أي ترك النظر والتدبر في ~~خلق نفسه، إذ خلق من نطفة، فإن النطفة الذائبة ليست في وهنها وبعدها عن ~~الحياة أقل من العظم البالي في بعده عنه. # وثانيها: أن كونه مثلا لأجل ما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، ~~وهي إنكارهم قدرة الله على إحياء الموتى بعد تسليمهم انشاءه ابتداءا. # وثالثها: لما فيه من التشبيه، لأن ما أنكر من قبيل ما سلم من شمول ~~قدرته تعالى بدليل النشأة الأولى. # ورابعها: لاشتماله على ما يوجب تشبيهه تعالى بخلقه في العجز من احياء ~~شيء وإيجاد ماهية، فإن قدرته سارية في جميع الأشياء، فإذا قيل: " من الذي ~~يحيي العظام الرميم " كان ذلك تعجيزا لله وتشبيها له بخلقه في اتصافهم ~~بالعجز عن ذلك. # و " الرميم ": اسم لما بلي من العظام، غير صفة كالرمة والرفات ولذا ~~لم يؤنث مع كونه وقع خبر المؤنث. # تبيان # في هذه الآية إشارة إلى أن معرفة النفس الإنسانية أساس الإيمان بالله ~~واليوم الآخر، لأن قوله: { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه } ~~يدل على أن جحود الجاحد للحق إنما نشأ من نسيان ذاته وخلقه، فهو بمنزلة ~~عكس لقوله: # نسوا الله فأنساهم أنفسهم # [الحشر:19] تأمل. # وهم وتنوير # ومن الفقهاء من استدل بهذه الآية على أن الحياة سارية في العظام، ولولا ~~أن الحياة تحلها لما صح: # قل يحييها ms1548 الذي أنشأهآ أول مرة # [يس:79]، ففرع عليه أن عظام الميتة نجسة، لأن الموت يؤثر فيها من قبل ~~أنها مما تحله الحياة. # وهذا الاستدلال فاسد، لأن معنى إحياء العظام الرميم ليس تصيير العظام - ~~بما هي عظام - أحياء، بل إحياؤها انبات أعضاء قابلة للحياة عليها، والغرض ~~إثبات الإعادة للإنسان وصيرورته حيا بعد موته ورم عظامه، وليس الإنسان ~~عظما كما ليس لحما وعصبا، بل مجموعا مركبا من العظم واللحم ~~وغيرهما. # ومعنى حلول الحياة في اللحم دون العظم - كما قيل - ليس أن اللحم بنفسه ~~حيوان دون العظم، بل معناه أن بعض قوى الحيوان كالقوة اللمسية وغيرها ~~سارية في اللحم بتوسط الروح البخارية والعصب الحامل إياها، وليست هي ~~سارية في العظم، ولهذا إذا انقطعت الحياة عن الحيوان وفارقت نفسه، تلاشت ~~الأعضاء النافذة فيها قوة الحياة قريبا، وتغيرت فورا دون العظم ~~والشعر وغيرهما. ### || [36.79] # قل يا محمد، لهذا المتعجب من الإعادة: إن المحيي لهذه العظام، المعيد ~~لها يوم القيامة، هو الذي أنشأها أول مرة من المادة الترابية ثم المنوية، ~~والتراب أبعد مناسبة إلى الصورة الإنسانية، وكذا النطفة الذائبة الواهنة ~~الأساس، أبعد استعدادا في قبول التقويم من العظم الرميم، فمن قدر على ~~اختراع شيء أولا فهو على اعادته أقدر، وإنشاؤه عليه ثانيا أسهل وأيسر ~~وهو بكل خلق عليم، سواء كان ابتدائيا أو إعاديا، فيعلم به قبل أن يخلقه ~~أنه إذا خلقه كيف يكون، ويعلم به قبل أن يعيده أنه إذا أعاده كيف يكون، ~~فيكون قادرا عليه. # اشارة # لا يعبد أن يكون المراد من قوله: وهو بكل خلق عليم، أن مجرد علمه تعالى ~~بوجه الخير في كل شيء، هو السبب الداعي لوجود ذلك الشيء، ومن جملة ~~الأشياء المعلومة له تعالى، إعادة الإنسان، فتكون لا محالة واقعة، لكون ~~علمه تعالى فعليا. # اشارة أخرى # يحتمل أن يراد أن أحياء العظام وردها إلى ما كانت غضة رطبة ذات حياة ~~وحس بعد موتها ويبسها وتفتتها وإن كان بعيدا عن استعدادها واستحقاقها ~~في نظر العقول البشرية، إلا أن لكل مادة من المواد يتصور ms1549 بينها وبين ~~أية صورة شريفة أو خسيسة تراد، أمورا متوسطة متلاحقة متفاوتة في القرب ~~والبعد إلى تلك الصورة، ويكون لحوق تلك الأمور واحدا بعد آخر، مقربا ~~لها من الفاعل الواهب للصور، وطريقا منها مؤديا إلى قبول القدرة من ~~خالق القوى والقدر، تسلكه وتنتقل إليه من درجة إلى درجة، حتى تصل إلى ~~مرتبة يشتد بها الإستعداد لقبول تلك الصورة، وتتقرب بها من المعطي ~~الجواد، فلكل شيء طريق خاص إلى الله تعالى إذا سلكه يصل إلى رحمته وفيض ~~وجوده، إذ وجوده منبع كل الكمالات والخيرات - ولكل وجهة هو موليها -. # فقوله: { وهو بكل خلق عليم } ، أي أنه سبحانه عالم بكيفية ~~خلق كل شيء، وبالطريق التي يتهيأ بها وجوده، فيسبب أسبابه من تلك الطرق، ~~فيوجده بعد تحصيل أسبابه، ففيه إشارة إلى إحاطة علمه بطرق تأدية الأشياء ~~إلى ما قدر لها في القضاء السابق، فيعلم طريق كل أحد إلى سعادته وخيره، ~~وطريق كل أحد إلى شقاوته وضره، إلا أن الأول منوط بتوفيقه وتسديده، ~~والثاني مترتب على ما كسبته أيدي الناس عند انحرافهم عن الصراط بمتابعة ~~الناس والوسواس. # اشارة أخرى # هي أن الإنسان لا يحيط علمه بجميع وجوه المناسبات بين الأشياء، فلو ~~اجتمع العقلاء وجمعوا عقولهم في أن يدركوا جهة المناسبة بين المغناطيس ~~وجذبه للحديد لما قدروا على ادراكها، فعلم أن في الطبيعة عجائب غريبة، ~~وللقوى العالية الفعالة والقوى السافلة المنفعلة اجتماعات واتفاقات على ~~أسياء نادرة، فلكل معلول أسباب خفية لا يعلمها إلا الله. # والإنسان لجهله بوجود الأسباب ووجوه المناسبات بين كل حادث وسببه، أخذ ~~يتعجب من حدوث الآثار الغريبة عن بعض الأشياء، لكونها غير معهودة الحصول ~~عنده عن هذه الأشياء - كما في هذه المسألة -، فان المعهود عنده حصول ~~الإنسان من مادة منوية حاصلة من فضول رطوبات الأبوين، ولم يعهد عنده ~~حصول الإنسان مرة ثانية من عظامه الرميمة، فليستبعد غاية الاستبعاد ~~ويتعجب غاية التعجب، على أن أكثر الأشياء لو قطع النظر عن تكرر مشاهدة ~~الإنسان حدوثها، يكون حالها هذا الحال: # منها: حدوث الإنسان بعينه عن هذه ms1550 الأسباب، فإن أحدا لو لم يكن رأى تولد ~~الإنسان، وحكي له كيفية تولده عن الأبوين بعد اجتماعهما وانفصال شيء ~~قليل المقدار من أحدهما في جوف الآخر، ثم خروجه بعد تسعة أشهر من مسلك ~~ضيق شخصا متكثر الأعضاء، مختلف الأشكال، ذا حواس مختلفة وحركات متفننة، ~~مبائن الحقيقة لتلك الرطوبة في جميع صفاته سوى الجسمية، ثم بعد خروجه ~~اهتدائه بمص الضرع وبكائه أن منع منه ساعة، ففيه شهوة وغضب، ومحبة ~~وخصومة، وكذا سائر صفاته وآثاره المعلومة وغير المعلومة، فلا يكاد أن ~~يذعن به. # فهكذا حال المنكر للبعث، وتعجبه عن إعادة الإنسان مرة أخرى في دار ~~القيامة، فالله تعالى نبه على أن تعجبه إنما يكون لجهله بوجه المناسبة ~~بين كل مادة وما يخلق منها، فقوله تعالى: # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين * وضرب لنا مثلا ونسي خلقه # [يس:77 - 78] إشارة إلى أن التعجب في تولده ابتداءا أكثر من التعجب في ~~إعادته ثانيا، ففي كون الإنسان موضع التعجب بحسب خلقته من النطفة أولا، ~~أليق وأولى من كونه كذلك بحسب نشوه الأخروي من أعضائه البالية ثانيا. # وقوله: { وهو بكل خلق عليم }: إشارة إلى أن جهة الإرتباط ~~بين كل مادة وما يطرء عليها من الصور، لا يعلمها إلا هو، فيجب على ~~المكلف أن يؤمن بما أخبر به الصادق المصدق عن ربه. # ومما يؤيد هذا الوجه ويؤكده، تعقيب هذه الآية بما يتلوها وهو قوله ~~سبحانه: # { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذآ ~~أنتم منه توقدون } [يس:80]. ### || [36.80] # فإن المنكر للمعاد لما مثل لإثبات مدعاه من استحالة أن يبعث الإنسان ~~بمثال يتعجب به، وذلك هو تكون الإنسان من العظم البالي، فضرب الله ~~مثالا آخر في مقابلة مثاله، بكون تكون ما يتكون منه أعجب وأبعد في نظر ~~العقل مما يتعجب هو منه، ومع ذلك فهو أمر معلوم مشاهد لا يمكن لأحد ~~إنكاره، فذكر من بدائع خلقه وعجائب فطرته، مثال انقداح النار من الشجر ~~الأخضر، وهو أمر عجيب الشأن كثيرا، فإن النار مضادة للماء بكلتا ms1551 ~~كيفيتيه، لحرارتها وبرودته، ويبوستها ورطوبته، فينطفي عند وصوله إليها، ~~فكيف تتولد هي منه. # فلو قيل لأحد: إن الشجر الرطب المطفي للنار يتولد منه نار محرقة له، وأن ~~النار تنقدح من الشجر الأخضر، وأنها من الزناد التي توري بها الأعراب ~~وأهل البوادي، كما أذعن به ابتداء، فالمرخ والعفار من الأشجار لها هذه ~~الخاصية، يقطع منهما غصنتان مثل السواكين، وهما خضراوان يقطر منهما ~~الماء، فيتخذ الرجل وقوده منهما ويسحق " المرخ " وهو الذكر على " العفار ~~" وهي أنثى فتنقدح له النار بإذن الله. # وقيل: في كل شجر نار، إذا احتاج الإنسان حك بعضه ببعض فيخرج منه النار، ~~وفي أمثال العرب: " في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار ". # وعن ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب. قالوا: ولذلك ~~يتخذ منه كذينقات القصارين. # و " الأخضر " بالتذكير، لأنه محمول على اللفظ - وقرئ " الخضراء " حملا ~~على المعنى، ونحوه قوله تعالى: # من شجر من زقوم * فمالئون منها البطون * ~~فشاربون عليه من الحميم # [الواقعة:52 - 54] فالذي خلق بقدرته النار المحرقة من الشجرة الرطبة، ~~فبأن يكون قادرا على خلق الإنسان مما بقي منه أحرى، ولإذعان العقول به ~~أولى. # توضيح تنبيهي وتمثيل تفصيلي # إن أكثر أعداء الأنبياء وخصماء الأولياء هم جهلة الطبيعيين وأوساخ ~~الدهريين، ومن يحذو حذوهم - كالأطباء والمتشبهين بالحكماء، المتشبثين ~~بذيل الفلاسفة - عادتهم أن يأخذوا في طلب العلة واللمية لكل شيء، ~~وجعلوا مدار امتيازهم عن العوام وآحاد أهل الإسلام أن يعترضوا منكرين لكل ~~شيء، لم يعلموا أن خصوصيات المواد الجزئية ليس في وسع العقول البشرية - ~~ما دامت في كورة الطبيعة - أن تقيم الحجة على كل منها، بل لها بعد ~~الإطلاع على كليات المعارف الإعتقادية، قبول الخصوصيات التي لم يقم بين ~~يديها دليل على استحالتها عند سماعها عمن لا يشغل سره غير الحق، ولا ~~يتمجمج لسانه بالباطل، أو التوقف فيها إذا لم يترجح فيها جانب على جانب ~~لديه. # فالجاهل من الطبيعي ومن يحذو حذوه، يأخذون في طلب علة كل شيء خاصية ~~كالطبيعة التي لسقمونيا لاسهال الصفراء، وطبيعة افتيمون لإسهال السوداء، ms1552 ~~بما ليس في عناصره ومواده ذاك، وكذا الطبيعة المقناطيسية لجذب الحديد، ~~وكما أنهم يطلبون العلة في آحاد البسائط، ويريدون أن تكون العلة مستفادة ~~من عنصر الشيء، ولا يحيلونها إلى الأمور الإلهية التي تنبعث منها أسباب ~~كل شيء ومبادئه، بل يطلبون أن يخيل لهم كل قوة وكل طبيعة حتى تصير مرتسمة ~~في أذهانهم من غير ارتياض لهم في العقليات، ولا مكاشفات ذوقية لهم في ~~السمعيات، ولم يعلموا أن غاية ما يمكن أن يعطى من السبب في وجود الطبائع ~~وترتب آثارها العجيبة، من جذب المقناطيس، وتوري المرخ والعفار، وسمية ~~البيش وترياقية الجدوار أمور ثلاثة: # أحدها: الفاعل - وهو تدبير الصانع وجوده وعدله وإعطائه كل شيء بموجب ~~الحكمة والجود ما يليق اعطائه إياه، والصانع أعطى الهيولى التي أبدعها من ~~الصور ما كان يجب في حكمته وجوده على التقسيم والتقسيط، الذي كان يقتضيه ~~تقديره وعدله. # والثاني: القابل - وهو أن يقال إن القابل كان مستعدا لهذا الضرب من ~~التخليق والتصوير، وكان استعداد ما يحصل له في حال البساطة قبل التركيب ~~استعدادا آخر، وما يحصل له بعد التركيب وتلاحق الأمور به بحسب أنحاء ~~التركيب وأنواع التمزيج استعدا آخر. # والثالث: الغاية - وهو الغرض الحكمي في صنع الصانع ما صنع لأجله، وله ~~الخلق والأمر، تعالى عما يصفه الجاهلون - وعن خلو فعله عن داع وغاية كما ~~زعمه الأكثرون - علوا كبيرا. # فهذه الأمور غاية ما تصل إليه أفهام العقول، وأما ما وراء ذلك فمما يقصر ~~الإدراك البشري عن إدراكه، ولا يمكن الوصول إليه بطور العقل النظري إلا ~~بمتابعة الأنبياء والإقتداء بآثارهم، والاقتباس من مشكاة أنوارهم، والعجب ~~من هؤلاء إذ هم لا يتعجبون من النار كيف تفرق المجتمع، وكيف تحيل ~~أجساما كثيرة إلى مثل طبيعتها في ساعة، ولا يشتغلون بالبحث عن علته ~~وغايته، ما يجيبون عنه إذا سئلوا ذلك أن يقولوا: لأن النار حارة. # ثم السؤال عائد في النار لم تفعل هذا؟ فيكون منتهى الجواب للطبيعي أن ~~يقول: إن الحرارة قوة من شأنها أن تفعل ذلك الفعل. # ثم إن سئلوا بعد هذا ms1553 أنه لم كان هذا الجسم حارا دون البارد؟ لم يكن ~~جوابهم إلا الجواب الإلهي، إن إرادة الصانع هكذا، ثم يتعجبون من حكايات ~~الأنبياء ومعجزاتهم وأخبارهم عن خواص بعض الأشياء، وإنذارهم بالأمور ~~الأخروية وما يترتب على كل فعل إنساني، من الثواب للمحسن، والعقاب للمسيء ~~ويشتغلون في كل حكم بالبحث عن علته وطلب اللمية له، ولا يقتنعون بجواب ~~المجيب الإلهي، من أن خاصية هذا الشيء ترتب الأثر الفلاني عليه، وأن سبب ~~وجوده على هذا الوجه إرادة الصانع بجهات فاعلية عند حصول الأسباب ~~المستندة إليه تعالى. كما أن سبب كون السماء سماء والأرض أرضا ارادته ~~وعلمه الأزلي بكيفية نظام العالم، ويسخرون ممن يجيب بهذا الجواب. # وليس هذا الجواب قاصرا عن الجواب الأول الذي سبق ذكره، وليس ما يتعجب ~~المنكر للمعاد من احياء العظام الميتة البالية، بأعجب من إذابة النار ~~الحديد والحجر في ساعة قصيرة، لكن الناس تعجبوا عما استندروه، وحملهم ~~التعجب على طلب العلة فيما تعجبوا عنه، ولم يعرض لهم طلب اللم فيما كثرت ~~مشاهدتهم له، وإن كان المشاهد أعجب. # وفي المركبات العنصرية ما حكمه أعجب من الأمور النادرة، فإن حركة البدن ~~الثقيل إلى فوق وإلى جوانب مختلفة بمجرد إرادة النفس، أعجب من كل عجيب ~~يندر وجوده، ومع ذلك فكم من إنسان لا يتعجب عنها أصلا لعدم تنبه قلبه، ~~وأخذ يتعجب من مثل المغناطيس في جذبها الحديد، بل من حركات المشعبذين. # وهؤلاء المتفلسفة لما لم يعرفوا الأصول، وأخذوا يتعجبون من النادر ~~ينكرون أمور الوحي وما ينتمي إليه، حيث لم تضطرهم المشاهدة إلى الإقرار ~~إلا في دار القرار، وهناك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ~~أو كسبت في إيمانها خيرا. # فهؤلاء أعند المعاندين للحق، وأعدى الأعداء لله ولرسوله، حيث أنكروا ~~الوحي ومعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، بل الرؤيا والكهانة والوهم ~~والفراسة وكثيرا مما يقرب منها، وذلك لأنهم ليسوا من أهل الحرف ~~والصنائع المدنية لتكون درجتهم درجة العوام، أو يكون في وجودهم منفعة ~~يعود إلى أهل المدينة الفاضلة، ولا أنهم من أهل السلامة ms1554 والتسليم ~~والتقليد ليكونوا محشورين في زمرة من تشبهوا بهم من أهل السعادة ~~الأخروية، ولا لهم قوة الإرتقاء إلى الأمور العالية وتحقيق الحقائق ~~الإلهية ليتحققوا بالمعارف الدينية والأحكام الأخروية. # وأما المحققون من الحكماء، ففرقة موجبة لوجود ما ورد في الوحي أو ~~التنزيل وما أخبر به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير تأويل، لما ~~أمعنوا في البحث والتحقيق إمعانا قويا وبحثا مستقصى، وفرقة مجوزون ~~لجميع ذلك لما كادت درجتهم أن تبلغ درجة أولئك الفاضلين ولم تبلغها بعد، ~~والمشهورون من أهل الدرج الأولى قليل عددهم - ويوشك أن يكون من أعرفه ~~منهم في هذه الألف سنة بعد انقراض زمن النبي (صلى الله عليه وآله) ~~والأئمة الطاهرين سلام الله عليهم ولهم الأدعية الإلهية - لا يزيد عددهم ~~عن أوائل مراتب العدد دون الثواني. # ولهذا نحن نكره أن يشتغل الناس بهذه العلوم الربانية إلا على نهج ~~التقليد والتسليم إيمانا بالغيب، فإن المستعدين لها قليل، والمستفرغين ~~مجهودهم في سبيلها أقل، والصابرون الواصلون بعد الفراغ أندر كثيرا مثل ~~الكبريت الأحمر، ولهذا السبب وقع المنع في شريعتنا المطهرة عن البحث عن ~~سر القدر، وعن ماهية الروح التي من عالم الأمر وما يجري مجرى هذين. # والله نسأل أن يعصمنا من الضلال، وأن يحرسنا عن التردي إلى مهوى ~~النكال، وأن يسلك بنا سواء السبيل، ويحفظنا عن التشبيه والتعطيل، والله ~~ولي الفضل والنعمة ومعطي الفيض والرحمة. # فالغرض أن الله سبحانه مثل على المنكرين للمعاد وارتجاع النفوس الآدمية ~~إلى الأبدان وعودها إلى كلاية الأجساد بأمثلة ثلاثة، كل واحد منها أعجب ~~وأشكل عند العقول البحثية من أمر المعاد: # أحدها: مثال تعلق النفس بالبدن، فإنه أمر مشكل عجيب، فإنها كيف تعلقت ~~به، وهي ليست حالة فيه حلول الأعراض في محالها، ولا حلول الصور في ~~المواد، فإنها جوهر قائم بنفسه، تتوارد عليه الكيفيات النفسانية من ~~العلوم والأخلاق، وهو يعرف ذاته، ويعرف خالقه ويعرف كثيرا من المعقولات ~~الكلية من غير حاجة له فيها إلى البدن، ولا إلى شيء من الحواس، لأن ~~شيئا من هذه المعارف ليس ms1555 محسوسا، ومن استغنى عن شيء في وجود فعله أو ~~انفعاله فيكون مستغنيا عن ذلك الشيء في وجود ذاته على طريق الأولى، ~~فلا يكون وجود النفس في البدن وجود عرض في موضوعه ولا صورة في مادتها. # والإنسان في حال حياة البدن يمكن أن يتصور نفسه غافلا عن المحسوسات ~~كلها، وعن الأبدان والأبعاد والأجرام كلها، وهو في تلك الحالة عارف بنفسه ~~وذاته، ومن كان ذا قدم راسخ في معرفة الباري وعبوديته، فربما يغفل عما ~~سوى الله، ويجد ذاته كرشحة من بحر غير متناهي الفسحة، أو لمعة من نور غير ~~متناهي الشدة، والتجرد لذكر الله على الدوام في بداية السلوك، يفضي ~~بالسالك إلى هذه الحالة، حتى أن لا يحضر في شعوره من المحسوسات ~~والمعقولات سوى الحق الأول تعالى مجده، ولا يشعر بنفسه، ولا بعدم شعوره ~~بنفسه، ولا يشعر بشعوره بالحق، بل يكون شاعرا بالحق فقط، فإن الشعور ~~بالشعور، بالحق حجاب وغفلة عن الحق، وملاحظة الوصال فراق، فالمعنى ~~المتجرد لمعرفة الحق كيف يكون محتاجا إلى البدن. # فعلم أن تعلقها بالبدن ليس تعلق الحال بالمحل، وليس أيضا تعلقها به ~~تعلق المحل بالحال وهو ظاهر، ولا أيضا تعلقها به تعلق العلة ~~بالمعلول، ولا المعلول بالعلة - وإلا لما وجد أحدهما بدون الآخر - ولا ~~تعلق أحد المضافين الحقيقيين بالآخر، لأن لكل منهما ذاتا على حدة، ~~والمتضايفان ليسا كذلك - لما حقق في مقامه -، ولا أيضا تحريكها للبدن ~~كتحريك الدافع للشيء بالدفع، ولا تحريك الجاذب للشيء بالجذب، ولا تحريك ~~الحامل كالسفينة للساكن فيها، ولا المركوب للراكب، ولا الحامل للشيء على ~~عاتقه، لأن النفس مجردة، والمجرد يستحيل عليه هذه الحالات الوضعية. # فهذا التعلق الذي للنفس بالبدن أمر مشكل لا يعلمه أحد إلا بهداية الله ~~وتوفيقه، فأشار سبحانه إليه بقوله: # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه # [يس:78] - إلى قوله - # وهو بكل خلق عليم # [يس:79]. # والمثال الثاني: مثال توقد النار من الشجر الأخضر، وهو أيضا أمر عجيب ~~أعجب من تعلق النفس بالبدن مرة ثانية عند جمهور الأنام بل الخواص، ~~للتضاد الواقع بين الماء والنار، ms1556 فكيف يكون أحدهما سببا للآخر - وطبيعة ~~السبب لا بد وأن تكون قريبة من طبيعة المسبب - وإليه الإشارة بقوله: { ~~الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذآ أنتم ~~منه توقدون }. # فإن قيل: أن توقد النار من هذا الشجر، ليس إلا بعد السحق والحركة ~~الشديدة، والحركة تحيل جوهر الماء الذي فيه إلى الهواء، ثم إلى النار، ~~وليس أن الشجر الرطب - بما هو رطب - يتولد منه النار. # قلنا: لا نسلم ذلك، فإن تولد النار منه أمر محسوس، وانقلابه إلى الهواء ~~ثم إلى النار غير معلوم، لا بد له من برهان، ولا سبيل لنا إليه، ثم هب ~~إنه كذلك، فليس التعجب من توليد الحركة - وهي أمر ضعيفة الوجود بالقوة، ~~شبيهة بالعدم - الصورة الهوائية والنارية من الشجر الأخضر الذي يتقطر ~~منه الماء بأقل من توليد نفس الشجر لها. # والمثال الثالث: خلق مجموع السموات والأرض، فإن وجود الشيء المكاني عن ~~غير المكاني، وتحقق الزماني عن غير الزماني، أعجب العجائب، والله سبحانه ~~مما قد برهن على وجوده وعلى كونه خالق السموات والأرض، ومكون الكائنات ~~من غير مكان، وموجد الزمانيات في غير زمان، فأبدع الكل بقدرته إبداعا ~~واخترعها على مشيته اختراعا، فهو الأول بلا أولية والمبدء بلا ابتداء، ~~كما أنه الآخر بلا آخرية والمنتهى بلا نهاية، وهو أيضا مع كل شيء لا ~~بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة، فأمثال هذه المتناقضات لفظا متفقات في ~~حقه تعالى معنى، فجلال الله فوق الأوهام والعقول فضلا عن الأزمنة ~~والأمكنة. # فإيجاده للسماء والأرض وما فيهما من عجائب المكونات من البسائط ~~والمركبات بمجرد ارادته وأمره بوجود كل منها من غير مادة سابقة، أو حركة ~~لاحقة، أعجب من كل عجيب، فالله سبحانه حيث هو قادر على هذا الخلق العظيم ~~الشأن، القويم البنيان، مع ما فيه من الأنوار الشديدة الضياء، والهياكل ~~العظيمة البهاء، والأشخاص الرفعية المكان، السريعة الدوران، الحثيثة ~~الطوفان، عشقا وشوقا إلى مبدعها ومشوقها ومحركها العزيز المنان، ~~وموجدها من كتم العدم إلى منصة الوجود والوجدان، والشهود والعرفان، ~~بمجرد قوله الذي إذا قال لشيء " كن ms1557 " فيكون، فهو بأن يكون قادرا على ~~إنشاء النشأة الثانية للإنسان أخلق وأحرى عند الأذهان السليمة عن آفة ~~الجهل والطغيان، ومرض الجحود والكفران، وإليه الإشارة في قوله سبحانه: # { أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم } [يس:81]. ### || [36.81] # وقرئ " يقدر " بصيغة المضارع بدل اسم الفاعل، وقرئ " الخالق " بصيغة اسم ~~الفاعل بدل المضارع، يعني: من قدر على خلق مثل السموات والأرض مع عظم ~~شأنهما، فهو على خلق مثل الأناسي أقدر، وفي معناه قوله تعالى: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر:57]. # أما السموات فلا يخفى شرفها وفضلها، وعظم أكنافها، ووثاقة أجرامها، ~~ولطافة جواهرها، وضياء زواهرها ودراريها، وصفاء صورها ووفور أنوارها، ~~وعظمة أقدارها، وقوة قواها وآثارها، وسرعة دورانها وحركاتها، وقدرة ~~نفوسها المكتفية بذاتها على إقامة تحريكاتها، وإدامة تدبيراتها، وشرافة ~~عقولها الكاملة المكملة لنفوسها المشرقة المشوقة إياها بإيراد الاشراقات ~~العقلية والتشويقات النورية عليها، من غير فتور ودثور، وكونها مزينة ~~بمصابيح الكواكب ومشاعل النيرات لقوله تعالى: # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح # [الملك:5] وكون أنوارها مطردة للشياطين والظلمات لقوله: # وجعلناها رجوما للشياطين # [الملك:5]. # وعلامات يهتدي بها في ظلمات البر والبحر بقوله: # وبالنجم هم يهتدون # [النحل:16]. # وكونها مستضيئة بنور القمر، وجعل القمر فيهن نورا، مستنيرة بسراج ~~الشمس، وجعل الشمس سراجا، وكونه سقفا محفوظا، وسبعا طباقا، وسبعا ~~شدادا، وكون صورتها مشتملة على حكم بليغة وغايات صحيحة. # ربنآ ما خلقت هذا باطلا # [آل عمران:191] # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا # [ص:27]. # وكونها مصعد الأعمال ومهبط الأنوار، وقبلة الدعاء، ومحل الضياء والصفاء، ~~وكون ألوانها أحسن الألوان وهو المستنير، وأشكالها أفضل الأشكال وهو ~~المستدير. # ولما فيها من منافع البلاد ومصالح العباد، من طلوع شمسها فسهل معه ~~التقلب لقضاء الأوطار في الأطراف، وغروبها ليصلح معه الهدوء والقرار في ~~الأكناف، ولتحصل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى أعماق ~~الأعضاء. وأيضا لولا طلوع الشمس لانجمدت المياه وغلبت البرودة والكثافة ~~وأفضت إلى خمود الحرارة الغريزية وجمود الرطوبة الطبيعية، ولولا غروبها ~~لحميت الأرض ms1558 حتى يحترق كل من عليها من حيوان، فهي بمنزلة سراج يوضع لأهل ~~بيت بمقدار حاجتهم، ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا، فصار النور ~~والظلمة على تضادهما متظاهرين بقدرة الله على صلاح قطان الأرض. # وها هنا نكتة: كأن الله يقول: لو وقعت الشمس في جانب من السماء من غير ~~حركة، فالغني قد يرفع بناءه على كوة الفقير فلا يصل إليه، لكني أدير ~~الفلك وأسيرها حتى يجد الفقير نصيبه كما وجد الغني نصيبه. # وأما ارتفاع الشمس إلى سمت الرأس تارة وانحطاطها عنه أخرى، فقد جعله ~~الله سببا لإقامة الفصول الأربعة. # وأما القمر فهو تلو الشمس وخليفتها، وبه يعلم عدد السنين والحساب، ويضبط ~~المواقيت الشرعية، ومنه يحصل النماء والرواء، وقد ذكرنا في هذه السورة ~~كثيرا من فضائلهما وخيراتهما. # وأما الأرض فلعجائبها وغرائبها، ومن جبالها ومعادنها، وبحارها ودررها ~~وجواهرها، ومن كونها فراشا ومهادا، وكونها ذلولا ليمشوا في مناكبها، ~~وجعلها ساكنة في الوسط، وقورا لا تنزعج ولا تتكلم من توارد الأثقال، ومن ~~إرساء الجبال فيها أوتادا تمنعها من أن تميل، ثم توسيع أكنافها حتى عجز ~~الآدميون عن بلوغ جميع جوانبها وإن طالت أعمارهم وكثر تطوافهم، فيكون لهم ~~فراشا لقوله تعالى: # والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون * ~~والأرض فرشناها فنعم الماهدون # [الذاريات:47 - 48]. وقوله: # جعل لكم الأرض فراشا # [البقرة:22]. أي وسع أكنافها لتكون بساطا فراشا، وإلا فلا يمكن ~~الإفتراش عليها لكرويتها. # ولو لم يكن في حيزها الطبيعي في وسط الأفلاك، ولم تكن ساكنة في حيزها ~~الطبيعي، لم يمكن الاستقرار عليها وذلك لأن الأثقال تميل بالطبع إلى تحت ~~كما أن الخفاف تميل بالطبع إلى فوق، والفوق من جميع الجوانب ما يلي ~~السماء، كما أن التحت ما يلي المركز، فإذن لا حاجة في سكون الأرض إلى ~~علاقة من فوقها، ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفى إرادة مبدعها وإفادته ~~لها ميلا طبيعيا مستندا إلى أمر آلهي ركزه فيها، فأمالها إلى الوسط ~~الحقيقي بإرادته واختياره وحكمته وعدله الذي يمسك السماء أن تقع على ~~الأرض، وبقدرته التي تمسك السموات والأرض أن تزولا، ولئن ms1559 زالتا إن ~~امسكهما من أحد من بعده. # ومن عجائب خلقة الأرض، كونها لا في غاية الصلابة كالحجر ليمكن الزراعة ~~عليها، وحفر الآبار والقنوات فيها، واتخاذ الأبنية منها، ولا في غاية ~~اللين والإنغمار (الانفحاء - الإنغماء) كالماء ليسهل النوم والمشي عليها، ~~وبناء الدور والبيوت عليها. # ومنها: كونها لا في نهاية اللطافة لتستقر عليها الأنوار، ولا في غاية ~~الصلابة لئلا ينعكس عنها ساطع الشعاع بالكلية، بل نحو من الإقتصاد لينفذ ~~فيها شيء من الأشعة السماوية، المولدة لمواد الصور والنفوس الأرضية. # ومنها: جعلها (جعل بعضها) بارزة من الماء، مع أن طبعها الغوص فيه، ليصلح ~~تعيش الحيوانات البرية عليها. # ومنها: كونها قابلة للأشياء المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان ~~والآثار العلوية والسفلية، مما لا يعلم تفاصيلها إلا موجدها. # ومنها: أن يتخمر التراب الرطب به فيحصل التماسك في أبدان المركبات. # ومنها: اختلاف بقاعها في الرخاوة والصلابة والرمانة والوعورة بحسب ~~اختلاف الأغراض والحاجات # وفي الأرض قطع متجاورات # [الرعد:4]. # ومنها: اختلاف ألوانها # ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود # [فاطر:27]. # ومنها: انصداعها بالنبات # والأرض ذات الصدع # [الطارق:12]. # ومنها: جذبها للماء المنزل من السماء # وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في ~~الأرض # [المؤمنون:18]. # ومنها: العيون والأنهار العظام التي فيها # والأرض مددناها # [الحجر:19]. # ومنها: أن لها طبع الكرم والسماحة، تأخذ واحدا وتعطي سبعمائة # كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة # [البقرة:261]. # ومنها: حياتها وموتها # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها # [يس:33]. # ومنها: كون ظهرها مقرا للأحياء وبطنها موطن الأموات # ألم نجعل الأرض كفاتا أحيآء وأمواتا # [المرسلات:25 - 26]. # ومنها: تكون الدواب المختلفة فيها # وبث فيها من كل دآبة # [لقمان:10]. # ومنها: النباتات المتنوعة # وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج # [ق:7]. فاختلاف ألوانها آية، واختلاف طعومها آية، واختلاف روائحها آية. # ومنها: قوت البشر وقوت البهائم # كلوا وارعوا أنعامكم # [طه:54]. # ومنها: الطعام والآدام، ومنها الدواء، فانظر كيف أودع في عقاقيرها ~~المنافع الغريبة، فهذا النبات يغذي، وهذا يقوي، وهذا يحيي وهذا يقتل، ~~وهذا يمرض وهذا يصح، وهذا يبرد وهذا يسخن، وهذا يقمع ms1560 الصفراء من ~~أعماق العروق وهذا يولد الصفراء، وهذا يسهلها وهذا يستحيل إليها، وهذا ~~يدفع البلغم وهذا يقمع السوداء، وهذا يحيل إليها، وهذا يزيد في الدم، ~~وهذا يطفيه، وهذا يفرح، وهذا يقوم وهذا يضعف. # ومنها: الفواكه، ومنها كسوة البشر نباتية كالقطن والكتان، وحيوانية ~~كالشعر والصوف والإبريسم والجلود. # ومنها: الأحجار المختلفة بعضها للزينة وبعضها للأبنية، فانظر إلى الحجر ~~الذي تستخرج منه النار مع كثرته، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته، ~~وانظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير، وقلة النفع بذلك الخطير. # ومنها: ما أودع الله فيها من المعادن الشريفة كالذهب والفضة، ثم تأمل أن ~~البشر استنبطوا الحرف الدقيقة والصنائع العجيبة، واستخرجوا السمك من ~~قعر البحر، واستنزلوا الطير من أوج الهواء، لكن عجزوا عن اتخاذ الذهب ~~والفضة، والسبب فيه أن معظم فائدتهما ترجع إلى الثمنية، وهي لا تحصل إلا ~~عند العزة، والقدرة على اتخاذهما تبطل الحكمة، ولهذا ضرب الله دونهما ~~بابا مسدودا، ولهذا اشتهر في الألسنة " من طلب المال من الكيمياء أفلس ~~" ، إلى غير ذلك من الخيرات العظيمة والآثار العجيبة المترتبة على وجود ~~الأرض، ولهذا أكثر الله في كتابه ذكر الأرض، ليتفكر الإنسان في عجائبها، ~~واعترف بمدبر حكيم ومقدر عليم إن كان ممن يسمع ويعي ويبصر ويعتبر. # تذكرة عرفانية فيها تبصرة فرقانية # اختلفوا في أن السماء أفضل أم الأرض؟ قال بعضهم: السماء أفضل لأنها معبد ~~الملائكة، وما فيها بقعة عصي الله فيها، ولما أتى آدم (عليه السلام) بتلك ~~المعصية اهبط من الجنة، وقال: لا يسكن في جواري من عصاني، وقال: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء:32] وقال: # تبارك الذي جعل في السمآء بروجا # [الفرقان:61] وورد في الأكثر ذكر السماء مقدما على ذكر الأرض، والسموات ~~مؤثرة والأرضيات متأثرة - والمؤثر أشرف من المتأثر -. # وقال آخرون: الأرض أفضل، لأنه تعالى وصف بقاعها من الأرض بالبركة # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا # [آل عمران:96] # في البقعة المباركة # [القصص:30] # إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله # [الإسراء:1] # مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها # [الأعراف:137] يعني وصف الشام. # ووصف جملة ms1561 الأرض بالبركة: # وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها # [فصلت:10] إذ ما فيها إلا وهو مساكن خلق لا يعلمهم إلا الله، حتى ~~المفاوز المهلكة، فلهذه البركات قال: # وفي الأرض آيات للموقنين # [الذاريات:20] تشريفا لهم لأنهم هم المنتفعون، كما قال: # هدى للمتقين # [البقرة:2]. # وخلق الأنبياء من الأرض: # منها خلقناكم وفيها نعيدكم # [طه:55] وأكرم نبيه المصطفى (صلى الله عليه وآله)، فجعل الأرض كلها ~~مسجدا له وترابها طهورا، ولما خلق الأرض وكانت كالصدفة والدرة المودعة ~~فيها آدم وأولاده، ثم علم الله أصناف حاجاتهم، قال: يا آدم لا أحوجك إلى ~~شيء غير هذه الأرض التي هي لك كالأم الرحيمة، فقال: # أنا صببنا المآء صبا ثم شققنا الأرض شقا ~~فأنبتنا فيها حبا # [عبس:25 - 27] الآية. # وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم # [البقرة:22]. # يا عبدي، إن أعز الأشياء عندك الذهب والفضة، ولو أني خلقت الأرض منهما ~~هل كان يحصل منهما هذه المنافع، ثم إني جعلت هذه الأشياء في الدنيا مع ~~أنها سجن لك، فكيف الحال في الجنة. # فالحاصل أن الأرض لك كالأم بل أشفق لك من الأم، لأن الأم تسقيك نوعا ~~واحدا من اللبن، والأرض تطعمك ألوانا من الأطعمة والأشربة قال: # منها خلقناكم وفيها نعيدكم # [طه:55] معناه نردكم إلى هذه الأم، وليس هذا بوعيد، لأن المرء لا ~~يتوعد بأمه، وذلك لأن مقامك في الأم التي ولدتك أضيق من مقامك من ~~الأرض، ثم أنك كنت في بطن الأم تسعة أشهر وما مسك جوع ولا عطش، فكيف إذا ~~دخلت بطن أمك الكبرى؟ ولكن بشرط أن تدخل بطن الأم الكبرى كما كنت في بطن ~~الأم الصغرى، إذ ما كانت لك زلة - فضلا من أن يكون لك كبيرة - بل كنت ~~مطيعا لله، فحيث دعاك مرة بالخروج إلى الدنيا خرجت إليها بالرأس طاعة ~~منك لربك، واليوم يدعوك سبعين مرة إلى الصلاة فلا تجيبه برجلك. # وها هنا أسرار شريفة لا يمكن التصريح بها لدقتها وشرفها، وقصور الإفهام ~~عن دركها، فكتمناها عن الأغيار، وضننا بها على أهل الإغترار بظواهر ~~الآثار، وقد قيل: ms1562 " صدور الأحرار قبور الأسرار ". # ظل فرشي لتمهيد نور عرشي # وفي قوله: { أن يخلق مثلهم } ذكروا معنيين: # أحدهما: إنه قادر أن يخلق مثلهم في الصغر والحقارة بالإضافة إلى السموات ~~والأرض. # وثانيها: انه يقدر على أن يعيدهم تارة أخرى، لأن المعاد من الإنسان مثل ~~المبتدء وإن لم يكن هو بعينه، وكلا الوجهين لا يخلو عن ضعف. # أما الأول: فلأن بناء كمال القادرين ونقصهم في الخلق وقوتهم وضعفهم من ~~الإيجاد، ليس على عظم مقادير الجثث في المقدورات وصغرها، حتى يكون كل ما ~~هو أعظم مقدارا أكمل خلقه وأجل صنعا وأدل شهادة على قدرة القادر وعظمة ~~الخالق، وإلا لزم أن يكون تكوين الجمادات العظيمة المقادير، أفضل وأصعب ~~من تكوين الإنسان، واللازم بديهي البطلان، لوجود بدائع الفطرة وشواهد ~~الحكمة في خلقته أكثر من أن تحصى. # بل كمال لقدرة القادر، وعظمة الصانع، إنما تكون بفضيلة الوجود في ~~المقدور، وفضيلة الوجود إنما تظهر بكثرة ترتب الآثار الحسنة، ووفور ~~الخيرات اللازمة وبدائع المنافع الدائمة، وفضيلة السماويات على العنصريات ~~ليست بعظمة الجثة وزيادة المقدار، بل بفضيلة الوجود وكثرة الآثار ~~والأنوار، وبقوام الصنعة ودوام الخلقة، ووثاقة الجوهر وثبات الوجود، ~~وخلوص الصورة عن الآفة والكدورة عن طريان الضد والمفسد للذات والصفة. # وأما قوله تعالى: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر:57] فليس فيه دلالة على عظمة الخلق وفضيلة الإيجاد، لما ذكرنا من ~~دوام (قوام) صورتها وشرافة طبائعها، لا لكبر جرمها وعظم مقدارها فقط، كما ~~يدل عليه قوله: # ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر:57]. # وأما الثاني: فلأن مبناه على أن الشخص من الإنسان في النشأة الثانية غير ~~هذا الشخص الذي كان في الدنيا، وهذا مما يوجب مفاسد شتى، مثل أن يكون ~~المثاب أو المعاقب في الآخرة غير الذي فعل الطاعات أو المعاصي في الدنيا، ~~وهذا هو الظلم بعينه، وغير ذلك من المفاسد، وهو في الحقيقة نفي للمعاد لا ~~إثبات له. # اللهم إلا أن يعتذر عن الأول، بأن الكلام مع العوام الذين درجتهم درجة ~~البهائم والأنعام، لا ms1563 يعرفون كمال القدرة إلا في خلق الأجسام العظيمة ~~المقدار، لعدم اهتدائهم بوجوه المصالح والمنافع التي تكون في خلق ~~الإنسان، ومن عادة القرآن إيراد المقدمات المقبولة للطبائع الجمهورية مع ~~اشتمالها على البرهانيات القطعية العظيمة النفع لطالب الحق حقيقة. # ولو بواسطة الآلات في الجملة، وهو باق بعينه، وكذا الأجزاء الأصلية في ~~البدن، وهذا كما يقال للشخص من الصبا إلى الشيخوخة: " إنه هو الذي كان ~~صبيا " فهو بعينه وإن تبدلت جثته وتغيرت أشكاله وهيئاته، بل كثير من ~~أعضائه وآلاته، ولهذا لا يقال لمن جنى في الشباب فعوقب في المشيب: " إن ~~العقوبة بغير الجاني ". # وستسمع منا كلاما في تحقيق المعاد، ألهمني الله تعالى بنوره المشرق في ~~قلب من أراد من العباد، وهو الملهم للحق والجواد المطلق، وقد أثبتنا ~~مسائل معادية في مواضع متفرقة في تفاسير الآيات بحسب ما يليق بكل آية ~~من المعارف الأخرويات، ينبغي لطالبي الحقيقة وسالكي الطريقة أن يتناولوا ~~منها ما يتعلق بهذا الباب، مستعينين بالله في نيل الثواب. # اشراق نور برهاني لاراءة سر قرآني # إن الذي تستحسنه العقول الزكية، المستشرقة بأنوار المعارف القرآنية، ~~وتستقبله القلوب المهتدية بأسرار الحقائق الإيمانية، أن النكتة في قوله ~~تعالى: { أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر ~~على أن يخلق مثلهم } هي أنه لما تقرر عند أهل الحكمة ~~والبرهان، وأصحاب المكاشفة والعرفان، بالمقدمات التي بعضها حدسية وبعضها ~~برهانية، أن الإنسان بجميع أجزائه وأعضائه متحد الحقيقة بالعالم بجميع ~~أبعاضه وأفراده، أعني مجموع السموات والأرض بما فيهما، وأن الإنسان عالم ~~صغير، والعالم إنسان كبير، فالمضاهاة بينهما ثابتة والمماثلة فيهما ~~متحققة. # وقد ثبت أيضا في العلوم النظرية، أن كل حكم ثبت لبعض أفراد حقيقة واحدة ~~فقد أمكن ثبوته لسائر الأفراد البتة. # فلهذه المضاهاة والمماثلة الثابتة بين مجموع السموات والأرض وبين ~~الإنسان، جعل إيجاد أحدهما دليلا على امكان ايجاد الآخر، وإذا كان الفرد ~~الذي ثبت كونه مخلوقا له تعالى إنسانا كبيرا أكبر من سائر الأفراد، ~~فيثبت بالطريق الأولى كون الأفراد الصغيرة مما يمكن أن تكون مخلوقة له، ~~وكونه قادرا عليها. # فالضمير في ms1564 " مثلهم " راجع إلى الإنسان، ولفظ " المثل " إشارة إلى كل ما ~~هو مماثل له في الحقيقة النوعية، أعم من أن يكون المراد منه هذه الأفراد ~~التي تحقق وجودها أولا في الدنيا أو غيرها مطلقا حتى يثبت صحة الإعادة ~~في هذه الأفراد على طريق الانسحاب الكلي والشمول العمومي، كيف وقد صدق ~~على كل فرد من الناس أنه مثل للإنسان المطلق، كما أنه ثبت أنه عين له، ~~لكونه نوعا منتشرا غير محصور في واحد، على أن كل شيء يصدق عليه أنه مثل ~~نفسه، وكذا مثل مثله بحسب جواز التغاير الإعتباري بين الشيء ونفسه. # ثم من المحتمل الجائز أن يكون ضمير الجمع راجعا إلى مجموع السموات ~~والأرض بحسب التغليب لذوي العقول - أعني السموات - على غيرهم، - أعني ~~الأرض - لما ثبت برهانا وكشفا وقرآنا وسمعا أن السموات أحياء ناطقون ~~وعلماء عارفون بالله، عابدون له، خاضعون لعظمته، سالكون في سبيله، واجدون ~~أنوار لطفه، نائلون أشعة رحمته، منتظرون لأمره، فإذا كان ضمير الجمع ~~لمجموع السموات والأرض، وكان الإنسان مماثلا للمجموع من حيث هو مجموع ~~كما مر من كونه عالما صغيرا وكون المجموع إنسانا كبيرا. # فإذا تحقق كونه تعالى قادرا على خلق العالم الكبير والإنسان الكبير فقد ~~ثبت كونه تعالى قادرا على ما هو مثله وهو الإنسان الصغير، والعالم ~~الصغير مطلقا في أي وقت أراد وشاء ابتدائيا، كان أو إعاديا على طريق ~~الأولى، لأن إيجاد الأكبر أعظم وأشد من ايجاد الأصغر. # تتمة فيها تبصرة # ثم أجاب سبحانه عن الاستفهام الذي مفاده التقرير والتحقيق، وفحواه طلب ~~الإذعان والتصديق بقوله: " بلى " أي: بلى هو قادر على خلق مثلهم، وهو ~~الخلاق الذي ذاته بذاته خلاق الأشياء، وحقيقته بحقيقته فياض الوجودات، ~~إلا أنه ماهية يزيد عليها صفة الخلاقية. # وهو العليم بذاته، يعلم الأشياء كلها، كلياتها وجزئياتها، ثابتاتها ~~ومتغيراتها، مفارقاتها ومادياتها، قبل وجودها ومعها وبعدها، إذ علمه الذي ~~هو عين ذاته سبب وجود الأشياء، فإذا علم من ذاته صورة الحكمة في الأشياء، ~~ووجه المصلحة في الموجودات، كان علمه بنظام الخير كافيا في صدور الأشياء ms1565 ~~على النظم البديع المتضمن لوجوه المصلحة والحكمة على أفضل وجه وأتقنه، ~~وأحكم نظام وأتمه. # ومن جملة الحكمة إنشاء النشأة الآخرة، وإلا بطلت الغايات الحقيقية، ~~وفسدت الأغراض الإلهية المترتبة على وجود الإنسان وبقائه، وانفسخت ~~الفوائد المتصورة على عقله وتكليفه وفكره ووهمه، واضمحلت الآثار التابعة ~~لمشاعره وحواسه، وانقطعت المجازات الأخروية اللائقة عن فعله وتركه وطاعته ~~ومعصيته، وكان وجوده من الله هباءا وهدرا، وخلق الأقدار والتمكين فيها ~~سفها وعبثا، وحسناته معطلة ضائعة، وسيئاته وقبائحه غير محسوسة ولا ~~مستتبعة للوازمها وتبعاتها. # فأين حكمة الله في وجودها، وأين عدل الله في الأنام، وقد قال: # ومآ أنا بظلام للعبيد # [ق:29] # ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # [ص:27] وذلك ظن من لم يتصور أن لكل فعل غاية حكمية، ولكل حركة نهاية ~~طبيعية. # والحكماء الآلهيون باحثوا عن غايات الأشياء وأشواق الموجودات، وتوجهاتها ~~إلى عواقبها وثمراتها ونتائجها، وكما أن لكل قوة وطبيعة ووهم وتخيل وتعقل ~~مبدء فاعلي يتقوم به وجودها، فكذلك لكل منها غاية ذاتية تستعقبها ~~وتستتبعها، فللإنسان بما غرز في طباعه من الآلات والمشاعر والقوى العلمية ~~والعملية أفاعيل وآثار، ولها ملحقات وثمرات وعواقب وتبعات بعضها دنيوية ~~وبعضها أخروية، وللغايات الدنيوية أيضا غايات ولغاياتها غايات أخرى حتى ~~تنتهي إلى عاقبة العواقب وتنجر إلى آخر الغايات، وهي لا تكون إلا في ~~الدار الآخرة عند الله. # وإبطال الغاية يوجب ابطال المبدء، ولكل مبدء مبدء حتى ينتهي إلى مبدء ~~المباديء، وهو ذات الصانع جل اسمه، وبإبطال الأسباب والغايات والمبادئ ~~والنهايات ينسد باب معرفة الله وإثبات الصانع، فمن كفر بنعمة الله والدار ~~الآخرة فهو كافر به تعالى، ومؤمن بالطاغوت الذي هو من سنخ هذه النشأة ~~الفانية # ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ~~فأصبحتم من الخاسرين # [فصلت:23]. # موعد تحقيقي # أن الإعتقاد منافي أمر الإعادة هو أن المعاد في المعاد هو الإنسان ~~بمجموع النفس والبدن، وأن هذا البدن المعين الشخصي يعاد في الآخرة مع ~~النفس دون بدن آخر، - كما ذهب إليه قوم - وهذا هو الإعتقاد الحق في ~~المعاد، المطابق للشرع الصريح والعقل ms1566 الصحيح، فمن صدق وآمن بهذا، فقد ~~أصبح مؤمنا حقا وآمن بيوم الحساب والجزاء، والنقصان عن هذه المرتبة ~~خلل في أحد أركان الإعتقاد، وقصور في الإيمان بالمعاد، وإظهار شيء من ~~خبايا هذا المطلب الحقيق بالتحقيق وإخراج علق نفيس من هذا البحر الطافي ~~العميق، يستدعي تشييد أصول وتمهيد فصول: # الأصل الأول # أن تحصل كل ماهية نوعية وحقيقة تركيبية إنما كان بمبدء فصله الأخير، ~~وأما مبادئ باقي فصوله وأجناسه القريبة والبعيدة فهي بمنزلة اللوازم ~~والتوابع، وإنما دخولها في مفهوم الحد بما هو حد دون المحدود، كما ~~قررناه في أسفارنا الإلهية. # وكثيرا ما يكون في الحد زيادة على المحدود، كما صرح به صاحب الشفاء ~~وغيره، ومثلوا ذلك بتحديد القوس من الدائرة، والأصبع من الإنسان، حيث ~~يدخل في تحديد القوس الدائرة لا في ذات المحدود، وكذا يدخل في تحديد ~~الأصبع الإنسان مع خروجه عن ذات الإصبع، بل مفهوم العرض هكذا، حيث يدخل ~~في حده الموضوع دون ذاته، وكذلك كل مركب طبيعي له صورة منوعة هي مبدء ~~فصله الأخير، إنما يكون تحصله وتقومه من حيث حقيقته (المطلقة بنفس صورته ~~المقومة لها) وأما المادة، فإنما الحاجة إليها لحمل صورة الماهية لأجل ~~قصور وجودها الخارجي العنصري عن الاستقلال، وضعفه عن الإكتفاء بنفسه ~~وبمبادئه المقومة إياه كالفاعل والغاية، وانحطاط مرتبة شخصيته عن أن يكون ~~مجردا عن العوارض الغريبة، فلأجل كونه في وجوده العنصري مستصحبا لعوارض ~~- مسماة بالمشخصات - عرضت لحقيقة ذاته أن يفتقر إلى المادة الحاملة ~~لأعراضها المفارقة، وإلا فكل ذي حقيقة فهو - بما هو حق - مستغنى القوام ~~عن المادة ولواحقها، إلا بسبب أمر غريب عارض لها، كالقصور عن البلوغ إلى ~~كمال ذاته، والنقصان عن الوصول بتمام ماهيته، لأن المادة في كل شيء من ~~حيث هي مادة له، مستهلكة في صورته، إذ نسبتها إلى الصورة نسبة القوة إلى ~~الفعل، ونسبة النقص إلى التمام، لأنها مأخذ للجنس، ونسبة الجنس إلى الفصل ~~بحسب تحصل الماهية نسبة المادة إلى الصورة في تحصل الوجود. # فكما أن الجنس ماهية ناقصة للنوع، فالمادة وجود ناقص له، ms1567 فالخشب في ~~كونه مادة للسرير مطلقا لا يدخل فيه التعين الخشبي ولا غيره، وكذا حكم ~~جميع المواد. # ولهذا حكم بعض من له توقد في الطبع وصفاء في الذهن، بالاتحاد التركيبي ~~بين المادة والصورة، والسر فيه عموم المادة وإبهامها، بحيث يشتمل في ~~صدقها على الأشياء وتحققها لنفس الصورة المفردة بلا قرينة - كما حقق مثله ~~في معنى المشتق -، فلو أمكن وجود الصورة مجردا عن المواد لكان الحقيقة ~~بحالها كما في المثل الأفلاطونية والصور المفارقة، فالعالم عالم بصورته، ~~والإنسان إنسان بروحه المدبرة لا ببدنه. # الأصل الثاني # إن تشخص بدن الإنسان المعين الشخصي من حيث هو بدنه، إنما هو بنفسه ~~التي هي نحو وجوده، وصورته المقومة مرتبة ما من آحاد المقادير، ووضع ما ~~من أفراد الأوضاع، وكيف ما من أفراد الكيفيات، وأين ما من أعداد ~~الأيون، من غير أن تشترط خصوصية كل من أفراد هذه المقادير والأوضاع ~~والكيفيات والأيون إلا في خصوصيات أزمنة مدة البقاء. # وقد بينا في بعض شروحنا للكتب النظرية أن الموضوع للحركة الكمية، ~~كالنمو والذبول، هو شخص الإنسان المتقوم من نفس واحدة متعينة مع مادة ~~مبهمة الذات والكمية، وما تقع فيه تلك الحركة هي خصوصيات الكميات. # وبنينا ذلك على أن المعتبر في تشخص الإنسان هو وجود نفسه التي هي صورة ~~ذاته، وهي الباقية عند تبدل أعضائه من الطفولية إلى الشباب والشيب، فما ~~دامت النفس الشخصية باقية يكون الإنسان الشخصي باقيا وإن تبدلت أعضائه ~~كلا أو بعضا. # وكما أن تشخص ذاته بنفسه، فكذا تشخص بدنه - أعني هذا الجسم الطبيعي ~~بالمعنى الذي هو مادة - وكذا تشخصات أعضائه أيضا بالنفس السارية قواها ~~فيها، فاليد والرجل وسائر الأعضاء ما دامت تقومها النفس بقواها وتدبرها ~~وتحركها، ويصل إليها مدد الفيض منها وبها، وهي مضافة إليها إضافة طبيعية ~~لا قسرية ولا عرضية، فهي متعينة بها بأنها يدها، ورجلها، وأعضائها، وإن ~~تبدلت خصوصيات مقادير كل منها، وآحاد كيفياتها وأوضاعها، بعدما انحفظت ~~نسبتها الطبيعية إلى النفس الواحدة المعينة المستمرة من أول العمر إلى ~~آخره. # فالبدن له اعبتاران: اعتبار كونه ms1568 بدنا لهذه النفس، واعتبار كونه حقيقة ~~في حد ذاته وجوهره من جملة أجسام العالم، فهو بالإعتبار الأول باق مستمر ~~ببقاء النفس التي هي صورة ذاته وعلة وجوده وغاية تكونه، وهو بالإعتبار ~~الثاني زائل فاسد متبدل، وكل نمو وذبول وزيادة ونقصان عليه. # فلو سئل سائل وقال: هل بدن زيد - مثلا - في وقت الشباب هو بعينه بدنه ~~في وقت الطفولية؟ # فالجواب ب " لا " و " نعم " كلاهما صحيح، كل من السلب والإيجاب صادق ~~بوجه دون وجه، فهو من حيث هو بدن زيد شخصي ذو نفس شخصية صح أنه هو بعينه ~~ذلك البدن بلا تبدل إلا في عوارض هذا المعنى بما هو هدا المعنى، ومن حيث ~~إنه جسم له طبيعة جسمية - مع قطع النظر عن ارتباطه بأمر آخر - فهو في كل ~~سنة غير الذي كان في السنة الأخرى، بل في كل ساعة ولحظة هو غير الذي كان ~~وسيكون لكونه دائما في التحلل والذوبان. # فإذا حكمت هذا فاعلم إنه إذا فرض تبدل هذا البدن بالبدن الآخر مع بقاء ~~النفس فيهما، صح قولك بأن أحدهما بعينه هو الآخر، وصح اعتقادك بأن ما ~~يرى في المنام بعينه هو هذا البدن المتعين، ولا عبرة بتبدل المواد ~~والخصوصيات، أولا ترى أن النبي (صلى الله عليه وآله) شخص واحد، وقد ~~يرى في ليلة واحدة لألف رجل بهيئات وأشكال مختلفة، يرى لكل واحد منهم ~~بوضع خاص من الشيب والشباب مخالف لما يرى لغيره، ومع ذلك فكل من يراه في ~~المنام فقد يرى شخصه وذاته، لأن الشيطان لا يتمثل بصورة النبي (صلى الله ~~عليه وآله) مع أن جسده العنصري مدفون في روضة المدينة لم يتحرك من مرقده ~~الشريف، وذلك لأن حقيقته المقدسة ليست إلا روحه المطهرة مع أي بدن كان. # فكل من رأى ببصره القلبي نفسه المقدسة مع أي تمثل كان، فقد رأى صورة ~~ذاته بعينه، لأن العبرة بتعين الشيء هي نفسه وصورته مع أية مادة كانت، ~~والبدن بمنزلة الآلة المطلقة للنفس والمادة المطلقة لحقيقة صورة الإنسان، ~~والآلة من حيث هي آلة ms1569 إنما تتعين بذي الآلة، وكذا المادة وجودها في غاية ~~الإبهام، وإنما تتعين بالصورة وتستهلك فيها. # ولهذا تكون شخصية زيد وتعينه باقيا مستمرا من أول صباه إلى آخر ~~شيخوخته، مع أن جسميته مما تبدلت وتجددت بحسب الاستحالات والأمراض، وكذا ~~جسمية كل عضو من أعضائه، وكما أن زيدا الشخصي بمجموع ما يدخل في قوام ~~هويته من النفس والبدن باق مستمر، فكذا جسميته وبدنه أيضا من حيث كونه ~~بدنا له، ومرتبطا به ارتباطا طبيعيا، موجود شخصي واحد مستمر من أول ~~العمر إلى آخره، وإن تبدلت ذاته بذاته من حيث جسميته لا من حيث بدنيته، ~~لما علمت من الفرق بين الإعتبارين، فأتقن هذا كي ينفعك في كثير من ~~المطالب: # منها: إثبات الحشر الجسماني وإحياء عظام الموتى وهي رميم. # ومنها: حشر بعض الناس بصورة القردة والخنازير، مع كون المحشور هو بعينه ~~الذي كان في الدنيا متصورا بالصورة الإنسانية، وفيه سر آخر. # ومنها: كون شخص من الإنسان حين تجرده عن المواد والأبدان لم تبطل ~~شخصيته، بل يكون حين تجرده عنها وحين تعلقه بالبدن هو بعينه شيئا ~~واحدا شخصيا. # الأصل الثالث # إن تشخص كل شيء بنحو وجوده الذي يخصه، سواء كان مجردا أو ماديا، وما ~~اشتهر من كون المشخص في الماديات هي العوارض المادية، فإنما هو بمعنى ~~آخر، وهو أن كل شخص مادي يلزمه ما دام وجوده المادي كمية ما، وكيفية ما، ~~ووضع ما، وأين ما، وزمان ما، من حد خاص إلى حد خاص يناسب قوته وبقاءه في ~~عالم الطبيعة، فهي من لوازم كونه الطبيعي وإمارات وجوده الدنيوي، وليس أن ~~لا يتصور بقاء شخص بعينه بدون تلك الأعراض، بل يمكن تصور ذلك فيما له ~~إمكان أن يتقوى وجوده ويستكمل بحيث يستغني بعلته المفيضة (الفياضة) عن ~~المقارنات والمعاونات الغريبة والأسباب الحسية المادية. # كما في الصور الإنسانية عند تجردها واستقلالها، فإن الصورة الإنسانية ~~في أول التكون، لم تكن إلا متعلقا بالمادة البدنية، لأنها كانت نطفة ثم ~~علقة ثم مضغة، ثم نباتا، ثم حيوانا، ولكن بفضل الله ورحمته أنشأ فيها ms1570 ~~النشأة الآخرة الإنسانية، وأعطاها جناحين تطير بهما إلى صقع الملكوت متى ~~قويت قوتها بالأغذية الروحانية، وخلعت عن ذاتها اللباس الحسي، ونفضت عن ~~أطرافها هذه السلاسل والأغلال، بل النفس - وهي بعد في هذه الغواشي ~~الهيولانية - تكاد تترك عالم الأجسام كلها وعوارضها جملة مع بقائها ~~شخصا. # الأصل الرابع # إن الوحدة الشخصية في الجواهر المجردة، يجامع قبول التطور بالأطوار ~~المختلفة، والتشأن بالشؤون المتعددة، والإتصاف بصفات متضادة، وليس الجوهر ~~الجسماني في قبول سعة دائرة الوجود له كالجوهر الروحاني، فإن الجسم ~~الواحد يستحيل أن يجتمع عنده أوصاف متضادة وأعراض متقابلة، وذلك لضيق ~~وعائه الوجودي. # أولا ترى أن الجوهر الناطق من الإنسان مع وحدتها الشخصية جامعة ~~للتجسم والتجرد، حاصرة للسعادة والشقاوة، وهي مع وحدتها حائزة للحس ~~والخيال والعقل، وكل منها يكون من عالم آخر، وهي الحساس والمتخيل ~~والمتعقل والمتحرك والساكن وغيرها من الحالات التي كل منها في عالم من ~~العوالم. # وربما يكون في وقت واحد ملكا مقربا باعتبار، وشيطانا مريدا ~~باعتبار آخر، وذلك لأن إدراك كل شيء هو أن ينال حقيقة ذلك الشيء المدرك ~~بما هو مدرك، بل بالاتحاد معه كما يراه طائفة من العرفاء المحققون من ~~الحكماء، كفر فوريوس مقدم المشائين، وصرح به أبو نصر الفارابي في ~~كتبه، واعترف به أبو علي بن سينا في كتابه المسمى بالمبدء والمعاد، وفي ~~موضع من آلهيات الشفاء أيضا، حيث قال: " ثم كذلك حتى تستوفي في نفسها ~~هيئة الوجود كله، فتنقلب عالما معقولا موازيا للعالم المحسوس كله، ~~مشاهدة لما هو الحسن المطلق والخير المطلق، والجمال المطلق ومتحدة به ~~ومنتقشة بمثاله وهيئته، ومنخرطة في سلكه وصائرة من جوهره " انتهى. # ومن له قدم راسخ في تحقيق الحقائق المتعلقة بمعرفة النفس، يعلم أن ~~المدرك بجميع الإدراكات، والفاعل لجميع الأفاعيل الواقعة من الإنسان على ~~سبيل المباشرة، هو النفس الناطقة النازلة إلى مرتبة الحواس والآلات ~~والأعضاء، والصاعدة إلى مرتبة العقل الفعال في آن واحد، وذلك لسعة دائرة ~~وجودها وبسط جوهريتها وانتشار نورها في الأطراف والأكناف للبدن، بل تطور ~~ذاتها بالشؤون والأطوار، وظهورها في مظاهر ms1571 الأعضاء والقوى والأرواح، ~~وتنزلها بمنزل الأجسام والأشباح مع كونها من سنخ الأنوار وعالم الأسرار. # فمن هذا الأصل، تبين وتحقق كون شيء واحد تارة مجردا وتارة ماديا، وما ~~اشتهر من متأخري المشائين أن شيئا واحدا لا يكون له إلا أحد نحوي ~~الوجود - الرابطي أو الاستقلالي - غير بين ولا مبرهن عليه، بل الحق ~~خلافه، نعم، لو أريد منه أن الوجود الواحد من جهة واحدة لا يكون ناعتيا ~~وغير ناعتي لكان صحيحا. # الأصل الخامس # إن الصور والمقادير، كما تحصل من المبدء بحسب استعداد القابل والجهات ~~الإنفعالية، كذلك تتحصل منه بمجرد الجهات الفعلية وتصورات الفاعل ~~والحيثيات الفاعلية، من غير مشاركة مادة ما واشتراط حركة ما واستعداد ~~عنصر ما، ومن هذا القبيل وجود الأفلاك والكواكب وكليات الطبائع ~~والأنواع، حيث وجدت من المبادئ العقلية بمحض تصورات المباديء كيفية ~~وجودها ونظامها، وكما أن للأوهام تأثيرات في العالم الإنساني أحيانا ما ~~دامت النفس في هذه الدنيا، فحكم تعقلات المبادئ في سببيتها لوجود الأجرام ~~والأشكال، وحكم تصورات النفس في الدار الآخرة هكذا. # وإن سألت الحق، فالصور الخيالية صادرة عن النفس بقوتها الخيالية، وهي ~~ليست موجودة في هذا العالم، وإلا لرآها كل سليم الحس لأنها من جنس ~~المحسوسات، ولا أنها قائمة بالجرم الدماغي - كما زعمه الجمهور من الحكماء ~~ولا في عالم المثال - كما رآه الأشراقيون - بل هي مع عظمها وكثرتها من ~~الأشكال والصور العظيمة على عظم الأفلاك الكلية والصحاري الواسعة والبلاد ~~العظيمة موجودة في عالم النفس وفي صقع منها، إذ القلب الإنساني أعظم ~~بكثير من العرش وما حواه، بل العرش وما حواه لو كان في زاوية من زواياه ~~لما أحس بها، كما ذكره أبو يزيد عن نفسه، فهي صور موجودة لا في هذا ~~العالم، بل تراها النفس بباصرتها القلبية، وتشاهدها عند تغميض هذه العين ~~مشاهدة أصح من مشاهدتها الحسيات المادية. # وأما عدم ثباتها وعدم ترتب الآثار عليها، فلضعف تحصلها الوجودي لكثرة ~~شواغل النفس وانفعالها ساعة فساعة بما تورده الحواس الظاهرة عليها من ~~آثار هذا العالم، وتفرق قواها في البدن، وضعف ms1572 همتها وعدم اجتماع خواطرها، ~~حتى لو فرض أن يرتفع عن النفس الاشتغال بأفاعيل سائر القوى المحركة ~~والمدركة، وتزول انفعالات الحواس الظاهرة عنها، وتكون قواها منحصرة في ~~الخيال والتصوير، تكون الصور التي تتصورها حينئذ بقوتها الخيالية ~~وتشاهدها بباصرتها الباطنية في غاية ما فيها من قوة الوجود وترتب الأثر، ~~وتكون هي أقوى خطرا عن هذه المحسوسات بكثير. # وكما تكون تلك القوة يومئذ قوة باصرة، تكون هي بعينها قوة فعالة، فتصير ~~قوة واحدة من النفس عند قيامها عن شوائب هذه الدار، فاعلة ومدركة معا من ~~غير تغاير - لا بالذات ولا بالإعتبار -، فتكون مشاهدة النفس لتلك الصور ~~عين قدرتها عليها، كما هو مذهب الأشراقيين في علم الواجب، من أن علمه ~~بالموجودات راجع إلى بصره الذي هو عين قدرته عليها. # الأصل السادس # إن الله تعالى قد خلق النفس الإنسانية بحيث يكون لها اقتدار على إنشاء ~~الصور الباطنة عن الحواس، وكل صورة صادرة عن فاعلها بالذات فلها حصول له، ~~كما أن لها حصولا لقابلها إن كانت مادية، وليس حصولها لفاعلها وقيامها ~~به عبارة عن حلولها فيه وانصافه بها، بل إنما ذلك شأن حصول الصورة ~~للقابل، لأن القابل لنقصه الوجودي يستكمل بالصورة - جوهرية كانت أو عرضية ~~- ويتصف بها وينفعل عنها، وأما الفاعل فهو لا يستكمل بمفعوله ولا يتصف به ~~ولا ينفعل عنه، لأنه فياض يفضل عن وجوده وجود معلوله في مرتبة متأخرة. # فللنفس الإنسانية في ذاتها عالم خاص بها من الجواهر والأعراض المفارقة ~~والمادية، والأفلاك المتحركة والساكنة، والعناصر والمركبات وسائر ~~الخلائق الحاصلة عنها بقدرتها واختراعها، والنفس تشاهدها بنفس حصولاتها ~~لها لا بحصولات أخرى، وإلا يتسلسل لا إلى نهاية. # وهذه القدرة والقوة التي تكون لأصحاب الكرامات في إيجاد الصور الغيبية ~~في الدنيا، تكون لعامة الناس في الآخرة، سواء كانوا سعداء أو أشقياء، ~~إلا أن السعداء لسلامة قلوبهم عن الأمراض الباطنية، وصحة نفوسهم عن ~~العقائد الفاسدة، يكون قرينهم في الدنيا والآخرة صور حسنة مليحة من وجوه ~~الحسان والحور والغلمان والرضوان، وأنواع النعم والكرامات - على حسب ما ~~غلب عليهم من ms1573 العلوم والنيات وفعل الحسنات -. # وأما الأشقياء، فلخبث سيرتهم ودغل سريرتهم ورداءة أخلاقهم وملكاتهم، ~~وإعوجاج طبائعهم وفساد عقائدهم، والفهم بالدنيا، وعادتهم بالشهوات التي ~~هي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، يكون قرينهم في القيامة عذاب جحيم، ~~ونار حميم، وعقارب وحيات وصور موحشة قباح، وأنواع من العذاب والعقاب. # الأصل السابع # إنه لا بد لتجدد المتجددات من جهة استعدادية مرجعها إلى القصور والقوة، ~~وليس من شرط كل حادث أن تكون له مادة جسمانية تقبل مقدارا تعليميا ذا ~~وضع تنفعل منه هذه الحواس الدنيوية، بل المصحح لوجود هذه الهيولى أيضا ~~ليست إلا جهة من جهات الفاعل العقلي، إذ كل من الهيوليات الفلكية ~~والعنصرية إنما صدرت عن فاعلها القريب بجهة خسيسة فيه - هي الإمكان -، ~~ومنشأ الإمكان - ذاتيا كان أو استعداديا - في الجواهر المفارقة أو ~~المقارنة هو نقص الوجود وقصور التجوهر عن الوجود القيومي والتجوهر ~~الإلهي، فإذا علمت ذلك فنقول: # كما أن العقول عند المعتبرين من الحكماء والراسخين من العرفاء على ~~ضربين: منها العقول العالية الواقعة في سلاسل طولية، وهم الملائكة ~~الأعلون، ليس فيهم إلا جهة شريفة هي نسبتهم إلى المبدء تعالى جده، ~~وليس لهم التفات إلى ذواتهم النورية القدسية فضلا عما ورائهم، فلا ~~جرم لا يقع من جهاتهم الشريفة الوجودية الوجوبية إلا عقول أخرى. # ومنها العقول العرضية التي هي الملائكة الأدنين لقربهم بعالم ~~الأجسام، ويسمون ب " أرباب الأصنام " ، وهي أدون منزلة من القواهر ~~الطولية، ولهذا صدرت منهم الأصنام والأجسام بواسطة التفاتهم إلى ذواتهم ~~الفاقرة الموصوفة بالقصور الإمكاني، ولولا قصورهم الإمكاني والتفاتهم إلى ~~ذواتهم لما صدرت عنهم الأجسام. # فعلى شبه هذا التقسيم، تنقسم النفوس بحسب الإمكان الاستعدادي: فمنها ما ~~يتعلق بالأبدان المادية الإستعدادية والأجرام المستحيلة الكائنة الفاسدة، ~~فتنفعل عن هيئاتها وعوارضها المادية، لكونها بالقوة لا يمكن لها أن ~~تستكفي بذاتها. # ومنها ما لا يتعلق بالأبدان المستحيلة، بل الأبدان تنشأ منها نشأة ~~ثانية. وتوجد بتبعيتها كوجود الظل من ذي الظل، من غير استعداد مادة ~~وانفعال وتغير من حال إلى حال، بل بمجرد جهة فاعلية في النفس مع حيثية ms1574 ~~امكانها وقصورها عن درجة الكمال التام العقلي، إذ لو بلغت إلى حد العقل، ~~لم يتبعها تجسم وتكدر، فهذا القسم من النفوس تجردت عن الحس دون الخيال، ~~ولو تجردت عن الخيال والتمثيل لكانت عقولا صرفة. # فالنفس عند تفردها عن البدن العنصري، سواء كان بالنوم أو الموت، تصحبها ~~القوة الخيالية التي للنفس بمنزلة القوة الهيولانية للبدن، ويلزمها البدن ~~الناشيء عن النفس نشوء الظل عن الضوء، والعكس عن الشخص من غير انفعال. # وهذا القسم من النفوس سواء كانت أشرارا أو أخيارا - أقوى قوة وأشد ~~تأثيرا من النفوس العنصرية المنفعلة عن الأبدان وقد مر أن قوة النفس لا ~~تنافي شقاوتها. # فإذا تمهدت هذه الأصول، وتشيدت أركان هذه الفصول، فبعد تذكرها وتدبرها ~~من أوائلها إلى خواتمها بإدراك صحيح وطبع سليم ونظر ثاقب وفهم ذكي، تحقق ~~وتبين حقيقة المعاد الجسماني، وحقيقة الرجوع الإنساني بكلا جزئيه، ~~الجسماني والروحاني، وبها يندفع جميع شبه المنكرين وكافة أبحاث ~~الجاحدين للحق، المعاندين في إثبات المعادين، وذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء من عباده والله ذو الفضل العظيم، ومنه المن الجسيم. # ولولا مخافة التطويل المؤدي إلى الإطناب الممل، لا وردت واحدة واحدة ~~من الشبه المعقودة المذكورة في باب المعاد، وتبينت وجه التفصي عنها ~~باستعانة هذه الأصول الممهدة واستنباطها، ولكن الموفق المهتدي بنور ~~الحق يمكنه الإستعانة بها، والإستضاءة بأشعة أنوارها، والإقتباس من لوامع ~~أسرارها وبدائع آثارها، فيسلك بها طريق الآخرة، وينظر منها أسرار المعاد، ~~ويزيد بسببها الإيمان بالله، والإعتقاد بيوم الحساب - يوم الجزاء لأعمال ~~العباد، يوم يخرجون من أجداث الأجساد -. # وأما البليد الذهن المختوم على قلبه الواقف، أو العنيد المنحرف الممسوخ، ~~فلا ينفعه تكثير الفوائد ونشر الموائد، وبسط المقدمات وإفاضة الخيرات، بل ~~ما يزيدهم عن الحق إلا نفورا، وما زادتهم الحكمة إلا سفها وقصورا. ### || [36.82] # في هذه الآية مسائل # المسألة الأولى: في معنى الأمر # قيل: " الأمر " ها هنا بمعنى الشأن { إنمآ أمره } أي: إنما ~~شأنه، { إذآ أراد شيئا } ودعاه داعي حكمته ومصلحته إلى تكوينه { ~~أن يقول له كن فيكون } ولا بأس عليك أن ms1575 تحمل " الأمر " ها هنا ~~على ما يرادف معنى الحكم الإنشائي والأمر التكويني، فإن الأمر من الله ~~كباقي أقسام كلامه على ضربين: # أحدهما: ما هو بمعنى التكوين والإنشاء المطلق. # والثاني: هو بمعنى طلب الفعل من العبد، وهو الأمر التشريعي. # ومن القبيل الأول: # ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء:69] # كونوا قردة خاسئين # [البقرة:65] # كونوا حجارة # [الإسراء:50]. # ومن قبيل الثاني قوله تعالى: # كونوا قوامين بالقسط # [النساء:135]. # والمخاطب بالأمر التكويني والخطاب الإيجادي، لا يكون إلا ذوات الماهيات ~~المجعولة، المستعدة لسماع قول الحق بآذانهم السمعية، الواعية المطيعة ~~لأذان الحق وإذنه لهم وندائه عليهم بالدخول في دار الوجود، فسمعوا نداء ~~الحق بقوله: " كن " وأطاعوا أمره، وقالوا: سمعنا وأطعنا، ودخلوا في دار ~~رحمته وبلدة جوده ونعمته، كما قال مخاطبا للسموات والأرض: # ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت:11]. # وأما المخاطب بالأمر التشريعي والخطاب التكليفي، فلا يكون إلا ضربا من ~~النفوس الإنسانية حين وجودها العنصري، وكونها الدنيوي وبلوغها النفساني ~~وكمالها البدني. # وفي الأمر الأول، لا مجال للعصيان، لأنه الدين الفطري الإلهي الذي ~~يستحيل التمرد عنه والمعصية فيه، وبهذا جرت سنة الله التي لا تبديل لها، ~~وأما الأمر الذي أمر به عباده على ألسنة رسله وألواح كتبه، فمنهم من أطاع ~~ومنهم من عصى، وبارتفاع الوسائط لا سبيل لأحد إلا القبول والطاعة. # ومثال هذه القاعدة، النفس الإنسانية التي خلقها الله مثالا له ذاتا ~~وصفة، وجعلها سلما إلى حضرته، وصراطا مستقيما إلى جنابه، وحاملا ~~لسر ربوبيته وأمره ونهيه وكتبه ورسله وملائكته وعباده الصالحين ~~والطالحين من الجن والإنس أجمعين. # فمن أراد أن يعرف ما ذكرناه، فلينظر إلى نفسه في أمره ونهيه وتكوينه بلا ~~واسطة لسان ولا جارحة ولا مخلوق غيره، فهو على بينة من ربه في كماله، ~~وقد خلقت أعضاؤه مسخرة لا تستطيع له خلافا ولا عليه تمردا، فإذا أمر ~~العين للإنفتاح انفتحت، وإذا أمر الرجل للحركة تحركت، وإذا أمر اللسان ~~بالكلام وجزم الحكم به تكلم، وكذا سائر الأعضاء، فهي له من جهة أمثالها ~~بمنزلة أجرام السموات والأرض لله تعالى ms1576 في حركاتها وسكناتها. # وله جنود روحانية هي أقرب منزلة منه، وأسرع قبولا لطاعته، وأشد سماعا ~~لأمره ونهيه، وهي قواه الإدراكية أولا، وقواه التحريكية ثانيا، كل ~~منهما على طبقات متفاوتة في الشرف، ودرجات مترتبة في القرب منه والطاعة ~~لحكمه والسماع لأمره، هي كلها بمنزلة ملائكة الله العلوية والسفلية، ~~العلمية والعملية على شعوبها وقبائلها، المترتبة في مقاماتها النازلة في ~~مراتبها، كل له مقام معلوم، حيث أنهم كلهم جبلوا على الطاعة لا ~~يستطيعون له خلافا، بل لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. # وأما أمره ونهيه بالواسطة من لسان أو غيره، فقد يكون واقعا وقد يكون ~~غير واقع، فما شرع في التكوين بواسطة جارحة من جوارحه، فلم يقع في شيء ~~دون شيء بواسطة كلال الآلات الجارحية، وفتور الأعصاب والأدوات العرضية، ~~مع عموم ذلك إذا رفعت الوسائط وتركت من البين فلا يقدح في كماله. # المسألة الثانية # في معنى الإرادة من الله سبحانه # إن الإرادة فينا شوق متأكد عقيب داع، هو تصور الشيء الملائم الحسي أو ~~الظني أو الحقيقي تصورا تخيليا أو ظنيا أو عقليا موجبا لتحريك القوة ~~المحركة للأعضاء الآلية، كالأرواح ثم الأعصاب ثم الأعضاء، لأجل تحصيل ذلك ~~الشيء من حدود العلم إلى حدود العيان والشهود. # والإرادة في الواجب، هي المحبة الإلهية التابعة لابتهاجه بذاته التي ~~ينبوع كل فضيلة وكمال وخير، وهي عين الداعي، وهو نفس علمه بنظام الخير ~~الذي هو عين ذاته، المقتضية للنظام الكلي، المؤدية للخيرات أتم اقتضاء ~~وتأدية. # لأنه لما علم ذاته الذي هو أجل الأشياء بأجل علم، يكون مبتهجا بذاته ~~أشد الإبتهاج، ومن ابتهج بشيء ابتهج بجميع ما يصدر عنه من حيث كونها ~~صادرة عنه، فالواجب تعالى يريد الأشياء لا لأجل ذواتها الإمكانية، بل ~~لأجل أنها آثار صادرة عنه تعالى، فالداعي في إيجاده للممكنات والغاية لها ~~هو ذاته تعالى، فيكون ذاته فاعلا وغاية، فهو الأول والآخر. # قال بعض الحكماء: لو أن إنسانا عرف الكمال الذي هو حقيقة واجب الوجود، ~~وكان ينظم الأمور التي بعده على مثاله، حتى كانت الأمور ms1577 على غاية ~~النظام، لكان غرضه بالحقيقة واجب الوجود الذي هو الكمال، فإن كان واجب ~~الوجود هو الفاعل فهو الغاية والغرض. # ومن ها هنا تظهر حقيقة ما قاله بعض العرفاء، لولا العشق ما يوجد أرض ولا ~~سماء ولا بر ولا بحر ولا هواء ولا ماء. # ومما يجب عليك أن تعتقد، أن الباري تعالى، كما أنه غاية الأشياء بالمعنى ~~المذكور - أي الداعي والسبب الغائي -، فهو غاية أخيرة، بمعنى أن جميع ~~الأشياء طالبة لكمالاتها، ومتشوقة للخير الأتم، ومتشبهة به في تحصيل ما ~~يتصور في حقها من الخير كل بحسبه، فلكل منها عشق وشوق إليه إراديا كان ~~أو طبيعيا، ولأجل هذا المعنى حكم الحكماء الإلهيون بسريان العشق في جميع ~~الموجودات على تفاوت طبقاتها، وأثبتوا لكل مها شعورا وعلما، وإليه ~~الإشارة في قوله تعالى: # ولكل وجهة هو موليها # [البقرة:148] وقوله: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء:44]. # ويقتبس كل منها بنار الشوق نور الوصول لديه والقرب منه، كما قال واحد من ~~الحكماء المعلمين: صلت السماء بدورانها، والأرض برجحانها، والمطر ~~بهطلانه، كل يدور على المبدء. # وقيل أيضا مشيرا إلى حركة السماء وسكون الأرض: انهما لسيان في هذا ~~الشأن: # فذلك من عميم اللطف شكر # وهذا من رحيق الشوق سكر # المسألة الثالثة # إن حقيقة الأمر التكويني والإرادة الإلهية بالمعنى الذي مر، كلتاهما ~~واحدة، فأمره لكل شيء عين ارادته له، ولا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، ~~فكل ما أمر به أمرا تكوينيا فلا بد من وقوعه، وكذا كل ما أراد وقوعه ~~إرادة ذاتية أزلية فيجب تحققه. # المسألة الرابعة # في أن أمره للخلائق وإرادته للموجودات ليس أمر قسر وإجبار وإرادة قهر ~~واضطرار، بل ما أمرهم إلا ما أحبوه، ولا أراد منهم إلا ما عشقوه، بحسب ~~ذواتهم الأصلية وماهياتهم الذاتية، قبل أن ينحرفوا ويتغيروا عما فطرهم ~~الله عليه، بل الله سبحانه عامل كل أحد من خلقه معاملة لو لم يكن خلق ~~سواه كان عامله بها، واختار لكل موجود ما أن وكل أمره إلى نفسه اختار ~~ذلك. # ألم تسمع في الأخبار الواردة ms1578 أن الله عز وجل خلق الصنائع وعرضها على ~~بني آدم قبل أن يخلقهم هذا الوجود الدنيوي في بعض مواطن الغيوب ومكامن ~~النشآت، فاختار كل لنفسه صناعة، فلما أوجدهم اختار لهم ما اختاروا ~~لأنفسهم. # وهكذا الأمر في كل ما يجري على الإنسان، لا يختص ذلك بالصنائع، بل ذلك ~~مثال واحد من هذا الشأن، وقس عليه غيره، وليحسن كلكم ظنه بربه وليحبه ~~بكل قلبه، فإن ربه من الرحمة إليه والحنان له على ما وصنفاه، لا على ما ~~يظنه بعض المتفلسفة القائلة بأن " نظر الحمق بالرحمة والإيجاد إلى مجموع ~~النظام دون خصوصيات الآحاد ". # فكأنه لم يعلم معنى كونه أرحم الراحمين، وكأنه لم يفهم كون الله أحب ~~الأشياء للعباد، لأن المحبة والحنان يتبعان الملائمة، ولا يكون أشد ~~ملائمة وخيرا للعبد من الخالق الذي منه وجوده وإليه معاده، وهو أوله ~~وآخره وظاهره وباطنه وأمره كله، فالحق أن أمره لهم مسبوق بدعائهم له ~~وطلب الدخول إليه، فلولا سبق السؤال الاستحقاقي لما ورد الأمر من الله ~~بالدخول في دار الوجود بالفيض المقدس، كما أنه لولا الفيض الأقدس ~~المستدعي لماهياتهم وأعيانهم الثابتة التي هي كظلال أشعة الأسماء ~~الإلهية، لما سبق منهم الإستئذان والسؤال الوجودي الفطري الذي تسأله ~~الذات المطيعة السامعة لقول الله " كن " الداخلة امتثالا له في الوجود. # وقول " كن " ليس أمر قهر وقسر، لأن الله غني عن العالمين، ولا حاجة له ~~إلى وجودهم ليجبرهم عليه، كما لا حاجة له إلى عبادتهم وطاعتهم في الأمر ~~التشريعي، وإنما أمرهم بالأحكام الدينية لما رأى فيه صلاح حالهم في ~~النشأة الأخرى، كذلك أمرهم بالأمر التكويني أمر إذن، لأنه مسبوق بسؤال ~~الوجود منهم له، فكأنه قال العبد لربه: إئذن لي أن أدخل في عالمك وهو ~~الوجود، فقال الله " كن " أي " أدخل حضرتي فقد أذنت لك " كما حكى الله عن ~~عيسى (عليه السلام): # أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ ~~فيه فيكون طيرا بإذن الله # [آل عمران:49] فلولا سبق السؤال الوجودي عن الطائر أن يكون لم يسم ~~ذلك إذنا. # حجاب وكشف # فإن ms1579 قيل: أين للمعدوم لسان يسأل بها؟ # قلنا: إن ذلك بعد ثبوت أعيانهم، وثبوت ما هو بمنزلة لسانهم، كما أشرنا ~~إليه، وهو المشار إليه في قوله (صلى الله عليه وآله): # " ان الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره " # - الحديث -، فالأول إشارة إلى الفيض الأقدس، والثاني إلى الفيض المقدس، ~~وتحقيقها يحتاج إلى مجال آخر، لأنه من مزال الأقدام ومضال الأقوام، ومن ~~هاهنا ضلت المعتزلة من أهل الكلام، وذهبوا إلى انفكاك الماهيات عن ~~وجودها فبعدوا عن الحق بمراحل. # المسألة الخامسة # في لمية صدور العصيان وحصول الشقاوة لأفراد الانسان # لقائل أن يقول: لما تحقق أمره وإرادته تعالى للأشياء على الوجه الذي ~~قررت من كونها عين المحبة الإلهية، الجاعلة كل أحد على أفضل ما يختار له ~~ويحب لنفسه، فما معنى صدور المعاصي عنهم والآثام المعقبة لهم يوم ~~القيامة صنوفا من الآلام؟ # فنقول: كل ذلك حق، وسنطلعك على حقيقة الأمر فيه، فاعلم أن الطاعة، كل ~~هيئة تقتضيها ذات الإنسان على ما جبلت عليها لو خلت عن العوارض ~~الغريبة، وهي الفطرة الأولى التي فطر الله عليها العباد كلهم، والمعصية ~~كل ما يقتضيه ذاته بشرط أمر غريب يجري مجرى المرض، والخروج عن الحالة ~~الأولى، فيكون ميل الإنسان كشهوة أكل الطين التي هي غريبة بالنسبة إلى ~~المزاج الطبيعي لم يحدث إلا لعروض مرض وانحراف عن مذهب الطبيعة الأصلية. # وقد ورد في الحديث القدسي: # " إني خلقت عبادي كلهم حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين فأحتالتهم عن دينهم " # ، فالطاعة هي الحنيفية التي تقتضيها ذواتها لو لم تمسسهم أيدي الشياطين، ~~فإذا مستهم أيديها فسد عليهم مزاج فطرتهم، فاقتضوا أشياء منافية لهم ~~مضادة لجوهرهم البهي الإلهي من الهيئات الظلمانية ونسوا أنفسهم، وكادوا ~~أن يسقطوا عن درجتهم التي جبلوا عليها، فأتاهم رسول من الله يذكرهم العهد ~~القديم، ويتلوا عليهم آيات ربهم، ويعود عليهم بتلك الهيئات التي كانت ~~تقتضيها ذواتهم، فصرفوا عنها باللاحق الغريب، وتكرر عليهم بما يذكر ذلك ~~من الصلاة والصيام والزكاة والإطعام وصلة الأرحام، إلى غير ذلك من ~~الطاعات المعروفة، فإن كل ms1580 ذلك دين الله الذي دينه ودعا إليه عباده ~~أجمعين، وأمرهم به قبل خلق السموات والأرضين، فأطاعوه وتقلدوه طوعا ~~ورغبة وحنينا ومحبة. # ولو لم تكن هذه الهيئات مما تقتضيها ذواتهم، كانت دعوتهم إليها دعوة إلى ~~شقاوتهم، لأن سعادة الشيء ليست إلا ما تقتضيه ذاته ويلائم نشأته ويوافق ~~طبعه (طلبه)، ولا شقاوته إلا خلاف ما يقتضيه ذاته، وإنما كبرت الصلاة ~~وثقلت الطاعات على الناس لما انشب فيهم أظفار من العارض الغريب # بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون # [المؤمنون:71] # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق ~~القول مني # [السجدة:13] الآية. # فأما الخاشعون - وهم الذين باشرت أنوار الحق نفوسهم حتى خشعوا لها، فإن ~~الله إذا تجلى لشيء خشع له - فليست الصلاة كبيرة عليهم، ثم إن هذا المرض ~~الذي عرض لذواتهم، والحالة المنافية التي حلت بهم، لولا أن وجدوا قبولا ~~من ذواتهم لعروضها لهم، واذنا في لحوقها بهم، لم يكونا يعرضان لهم أبدا ~~ولا يلحقان بهم، فإذن كان مما يقتضيه ذواتهم أن تلحق بهم أمور منافية ~~لجواهرهم، فإذا لحقتهم تلك الأمور، اجتمعت فيها جهتان: جهة نورية فطرية، ~~وجهة ظلمانية وهمية، فكانت ملائمة منافية. # أما الملائمة فلأن ذواتهم اقتضتها، وأما كونه منافيا فلأنها اقتضتها ~~على أن تكون منافية لهم، فلو لم تكن منافية لهم لم يكن ما فرضناه مقتضى ~~لها، مقتضى لها، بل أمر آخر - وهذا خلف -. # فالشيء عند عروض مثل هذا المنافي ملتذ متألم، سعيد شقي، ملتذ ولكن لذته ~~ألمه، سعيد ولكن سعادته شقاوته، وهذا عجيب جدا، ولكن أوضحناه لك إيضاحا ~~لم يبق معه عجب وريب إنشاء الله. # ولهذه الواقعة أمثلة كثيرة في العلوم الطبيعيات، مثل الحركة القسرية، ~~فإنها صادرة عن الطبيعة بواسطة عروض ميل غريب، ومثل الحرارة الغريبة عند ~~الحمى، فإنها محللة للبدن، مضعفة له، مؤذية للنفس، مع أن النفس تحدثها ~~في البدن، لأجل انحراف الطبيعة عن اعتدالها اللائق بها في كل وقت. # ومثل الشكل الغريب الذي عرض للأرض أولا بواسطة أمر غريب حادث، فغيرها ~~عما كانت، وأخرجها عن الكروية التي مقتضى ms1581 طبيعتها الأصلية، فصار لها ~~طبيعيا قبلته الأرض وحفظته يبوستها التي هي كيفية طبيعية لها، فالذي كان ~~لها أولا بمنزلة الآفة والمرض، صار لها أخيرا بمنزلة المطبوع الموافق ~~كالصحة، فلو لم يكن في طبعها من القوة الهيولانية ما يقبل الأشكال ~~العارضة لأجل مصادفة الأمور الغريبة، لما قبلتها بوجه من الوجوه أصلا، ~~كالأفلاك وما فيها، فالذي قبلته الأرض من هذه التضاريس في سطحها، فإنما ~~قبلته لأنها مطبوعة من وجه، مقسورة من وجه. # وتحت هذه الأمثلة أسرار عظيمة لا يتفطن بها إلا الأقلون من العلماء # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # [العنكبوت:43]. # تفريع # فإذا علمت هذه القاعدة فمهما سمعت قول الله عز وجل يذكر هؤلاء ~~الأشقياء بالبعد والشقاوة، فهم أشقياء مبعدون لا شك في ذلك، فإن العذاب ~~مطبق عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ومهما سمعت عز وجل ينبئ عن خلقه ~~كله بالحسن والبهاء، ويذكر نفسه بالرحمة التي وسعت كل شيء، فاعلم أنه ~~بالنظر إلى تلك الجهة الدقيقة التي نبهناك عليها، أن ذواتهم لو لم تستدع ~~عروض العذاب الدائم لم يكن يفعل بهم ذلك، فإن الله عز وجل لا يولي ~~أحدا إلا ما تولاه عدلا منه ورحمة. # وقد ورد: أن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم قال لهم ليختر كل منكم صورة ~~أخلقه عليها، وهو قوله تعالى: # ولقد خلقناكم ثم صورناكم # [الأعراف:11] فمنهم من قال: " رب أخلقني خلقا حسنا أعدل ما يكون، حتى ~~لا يكون مثلي أحد في الحسن والجمال " ومنهم من قال: " أخلقني خلقا ~~قبيحا أبعد ما يكون من التناسب وأوغله في التنافر، حتى لا يكون مثلي في ~~القبح والبعد عن الإعتدال أحد " ، وكل منهما أحب لنفسه التفرد، فإن حب ~~الفرد نية فطرة الله السارية في كل الأمم التي يقوم بها وجود كل شيء، ~~فخلق الله كلا من الخلق على ما اختار لنفسه، وأراد لكل منهم ما أراده ~~لنفسه. # تفريع آخر # فاعلم يا حبيبي أن قبل كل نكرة معرفة، وقبل كل لعنة رحمة، وهي الرحمة ~~التي وسعت كل شيء، فإن ms1582 الله تولى كل أحد ما تولاه لنفسه، وهو قوله: # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وسآءت مصيرا # [النساء:115]. # وقد ورد في الخبر موقوفا على ابن مسعود في صفة يوم القيامة أن الله عز ~~وجل ينزل في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، فينادي مناد: أيها ~~الناس، ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا ~~تشركوا به شيئا، أن يولي كل أحد منكم ما كانوا يتولون ويعبدون في ~~الدنيا، أليس ذلك عدلا من ربكم؟. # قالوا: بلى. # قال: فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يتولون ويعبدون في الدنيا، ويمثل لهم ~~أشباه ما كانوا يعبدون، الحديث بطوله. # وكما يولون في الآخرة ما تولوا في الدنيا، فإنما يولون في الدنيا ما ~~تولوه في السوابق حين خلقوا في الظلمة، فإن شككت في ذلك فاتل قوله ~~تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان # [الأحزاب:72] - الآية. لتعلم أن الله لا يحمل أحدا شيئا قهرا وجبرا، ~~بل يعرض عليه أولا، فإن تولاه ولاه، وأن لم يتوله لم يوله، وهذا من ~~رحمة الله وارادته الخيالية عن الكراهة أصلا، ويرحم الله أمرءا آمن ~~بالكتاب كله ولم يبادر بالصرف والتأويل إلى ما يبلغه بعقله وبعقول غيره ~~من الأباطيل، ولم يسلك سبيل المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين. # وهم وتنبيه # لا يقال: ليس تولية الشيء ما تولاه عدلا من كل وجه، بل حيث يكون ذلك ~~التولي عن رشده وبصيرة، فإن السفيه قد يختار لنفسه ما هو شر بالنسبة إليه ~~وضر لجهله وسفاهته، ثم لا يكون توليته إياه عدلا وحكمة - بل ظلما ~~وجورا -، وإنما العدل والحكمة والشفقة في ذلك منعه إياه وصرفه عنه. # لأنا نقول: هذا التولي الذي كلامنا فيه، ليس توليا يحكم عليه بالرشد ~~والسفه، والمنفعة والمضرة، وإنما هو تول سابق على النفع والضر، حاكم ~~على الخير والشر، لأن به يصير الشيء متعينا في الخارج بالأسباب المقدرة ~~له، وما ms1583 يختاره السفيه لذاته إنما يسمى شرا، لأنه مناف لذاته، فلذاته ~~اقتضاء أول متعلق بنقيض هذا الاختيار، فذلك هو الذي أوجب لنا أن نسمي هذا ~~شرا بالنسبة إليه، وأما اقتضاؤه الأول فلا يمكن وصفه بالشر، لأنه لم يكن ~~قبله اقتضاء يكون هذا بخلافه فيوصف بأنه شر، بل هو الإقتضاء الذي لا يكون ~~إلا خيرا، لأن الخير ليس إلا ما يقتضيه ذات الشيء، ولو أطلق لفظ " ~~الشر " على ماهية امكانية تكون مرتبتها في درجة الوجود والفضيلة الحقيقية ~~دون مرتبة موجود آخر مع استحالته أن تكون هي إلا هي، لكان ذلك الإطلاق ~~على غير المعنى الذي كلامنا فيه الآن، فإن الشر معناه العرفي هو عدم وجود ~~ما، أو عدم كمال وجود ما - لما من حقه بما هو هو - أن يناله بحسب ~~استعداده الفطري أو الكسبي. # وأما كون الحمار ليس له وجود الإنسان وكماله، فلا يعد شرا بهذا المعنى، ~~والتولي الذي كلامنا فيه، إن الحق سبحانه ما ولى كل شيء إلا ما تولاه ~~بنفسه، هو الاستدعاء الذاتي الأولي، والسؤال الوجودي الفطري، الذي تسأله ~~الذات القابلة المطيعة السامعة لقول " كن " منه تعالى، فيدخل في عالمه ~~بعد الاستئذان منه، والأمر من الحق تعالى. # فهذا تحقيق الأمر الإبداعي والإرادة الأزلية المتعلقة بذوات الأشياء ~~وأما الأمر التشريعي والتكويني الحادثان، والإرادة المترتبة على استحقاق ~~العبد من جهة أعماله، فهي أيضا على ما يناسب الفطرة الثانية له في ~~الدنيا والآخرة، فمن تولى الله وأحب لقائه، وجرى على ما جرى عليه ~~الأوامر الشرعية والتكاليف الدينية، تولاهم الحق وهو يتولى الصالحين، ~~ومن تعدى ذلك فقد طغى وتولى الطواغيت واتبع الهوى، ولكل نوع من الهوى ~~طاغوت ولاه الله ما تولاه، فشخص لكل معبود ووجه إليه، وهو قرينه في ~~الدنيا والآخرة: # وما على الرسول إلا البلاغ المبين # [النور:54] # أعاذنا الله من متابعة الهوى والشياطين، وجعلنا من عباده الصالحين الذين ~~يتولاهم برحمته يوم الدين. # المسألة السادسة # في معنى القول # اعلم أن القول والكلام عبارة - عند المحققين من المتكلمين - عن إنشاء ما ~~يدل على المعنى، وليس ms1584 من شرط الدلالة المغايرة الذاتية بين الدال ~~والمدلول عليه، بأن تكون ذات المعنى المدلول عليه شيئا آخر غير ذات ما ~~يدل عليه، وإلا لم يفهم عند سماع الألفاظ والعبارات أنها ألفاظ وعبارات، ~~وكذا ليس يشترط كون الدال على المعنى من جنس الأصوات والحروف، بل قد ~~صرح المحققون من العرفاء وأهل الكشف والشهود، أن روح المعنى المقصود من ~~الكلام هو الإعلام. # وربما يستدلون عليه بتسبيح الحصاة وغيرها، وغير ذلك من الشواهد الدالة ~~على أن الأشياء متكلمة بألسنة ذاتها، ناطقة بحمد الله وتسبيحه من جهة ~~وجوه دلالاتها على وحدانية الله تعالى، وقد عبر سبحانه عن هذه الدلالة في ~~قوله سبحانه: # أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء # [فصلت:21]. # وما روي عن أمير المؤمنين ويعسوب الدين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~إنه قال ذات ليلة وقد سمع صوت ناقوس النصارى: " هذا الناقوس يقول التسبيح ~~الفلاني كذا وكذا " - الحديث -، وكذا ما روي عنه صلوات الله عليه أنه ~~قال: # " أنا كلام الله الناطق " # ، وكذا ما روي عنه أيضا أنه قال مخاطبا للإنسان: # وأنت الكتاب المبين الذي # بآياته يظهر المضمر # فيه دلالة واضحة على أنه ليس من شرط الكلام والكتاب أن يكون من جنس ~~الأصوات والحروف، وأمثال ذلك منقولة من كثير من الأكابر والعرفاء وأعاظم ~~العلماء. # والأحاديث الصحيحة الدالة على نطق الأحجار والأشجار لرسول الله (صلى ~~الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام) كثيرة من غير تعرض في جميع ذلك ~~بأنه كان بطريق الصوت، أم لا - وإن كان ذلك جائزا -، بل هو مما......... ~~...................................................................... ~~....... قد وقع في بعض الأحايين حيث اتفق لهم محاكاة هذه الدلالة الذاتية ~~بالنطق الظاهري أيضا، فيسمعونه كفاحا بسبب إشراق نور النبوة على مشكاة ~~حواسهم الظاهرة المنورة بأنوار صحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~فانعكس ظل السماع القلبي على قوة السمع الظاهري، فانطبع على لوح بنطاسيا ~~صورة ذلك السماع العقلي، على سبيل الإنحدار من العالي إلى المتوسط، ثم ~~إلى السافل، على عكس عادة الناس في إدراكهم صور حقائق الأشياء، حيث يقع ~~لهم الإحساس بها ms1585 أولا - ثم التخيل ثانيا، ثم التعقل آخرا. # فإذا علمت هذا، فاعلم أن كلام الله ليس معاني قائمة بذات الله تعالى ~~تكون هي من مدلولات الألفاظ التي وقعت في كتب الله النازلة على الأنبياء ~~- كما ذهب إليه الأشاعرة، وسموه ب " الكلام النفسي " وقالوا إنه مدلول ~~الكلام اللفظي - فإن ذلك يؤدي إلى مفاسد شنيعة ومثالب عظيمة يجب تنزيه ~~الله عنها، مما هو مذكور في كتب أهل البحث والكلام. # ولا ينحصر أيضا في خلق الألفاظ والعبارات المسموعة - كما زعمه المعتزلة ~~-. # بل مطلق إنشاء ما يدل على المعاني مع الشعور والإرادة للإعلام، ولهذا ~~قال تعالى: - مشيرا إلى جوهر عيسى (عليه السلام): # وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه # [النساء:171] وقال مشيرا إلى النفوس الناطقة الإنسانية: # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي # [الكهف:109] " والبحر " إشارة إلى الهيولى القابلة للتشكلات، والصور ~~الحادثة التي هي قوالب معاني النفوس، كالمداد القابل لتشكلات الحروف ~~الدالة على المعاني. # ذكر تنبيهي # اتفق أئمة أهل الكشف على أن النفس الإنساني تحاكي النفس الرحماني وهو ~~كصداه ينادي بندائه ويحاكي بأدائه، فمظاهرهما متطابقة، ومراتبهما متحاكية ~~متشابهة، ومنازلهما منحصرة في ثمانية وعشرين على ما ناح به لسان ~~العارفين. # اشراق افاضي # ذكر بعض أكابر العلماء أنه فرق ما بين " الكلام الإلهي " و " الكتاب ~~السماوي " ، فالكلام بسيط والكتاب مركب من حامل ومحمول، والكلام أمري # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس:82] والكتاب خلقي: # إن كتاب الأبرار لفي عليين ومآ أدراك ما ~~عليون * كتاب مرقوم يشهده المقربون # [المطففين:18 - 21] وعالم الأمر خال عن التضاد، بل أنه مقدس عن التغير ~~والتكثر: # ومآ أمرنآ إلا واحدة # [القمر:50] وأما عالم الخلق فمشتمل على التضاد والتغير # ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام:59]. # وكما أن الكلام يشتمل على الآيات: # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق # [البقرة:252] فكذا الكتاب يشتمل عليها # تلك آيات الكتاب المبين # [يوسف:1]. # والكلام إذا تشخص وتنزل من سماء التجرد صار كتابا، كما أن الأمر إذا ~~تنزل والحكم ms1586 إذا مضى صار فعلا { كن فيكون }. # فعلم مما تمهد وتقرر أن وجود عالم الأمر " هو قول الله " ، وصحيفة عالم ~~الخلق هي " كتاب الله " ، وآياتها أعيان الممكنات وماهيات الكائنات # إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في ~~السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون # [يونس:6]. # وهذه الآيات البينات إنما أبدعت وأنشأت أولا في جواهر عالم الأمر ~~والتدبير، ثم بنيت وتصورت في مواد عالم الخلق والتقدير، ليستعد أصحاب ~~التفكر والتذكر بسبب مطالعة أبواب هذه الكتب، ومشاهدة آياتها الفعلية ~~المثبتة في الآفاق، واستماع آياتها القولية المثبتة في الأنفس، للإرتقاء ~~إلى عالم الأمر والإنتقال من المحسوس إلى المعقول، والارتحال من الجزئي ~~إلى الكلي، والسفر من الخلق إلى الحق، ومن الشهادة إلى الغيب، ومن الدنيا ~~إلى الآخرة، ليفوزوا بالسعادة العظمى، ويصلوا إلى مشاهدة عالم الربوبية ~~والوحدانية الحقة وملكوت ربهم الأعلى # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت:53]. # حكمة برهانية # إن الإنسان ما دام كونه الدنيوي محبوسا في مضيق الحواس ومقيدا بسجن ~~عالم الزمان والمكان، فلا يمكنه سماع قول الحق كفاحا، ولا مشاهدة الآيات ~~الأفاقية والأنفسية إلا واحدة بعد واحدة، وزمانا بعد زمان ويوما بعد ~~يوم وساعة بعد ساعة، فيتلو آية وتغيب عنه أخرى، فتتوارد عليه الأوضاع ~~وتتعاقب عليه الآنات، # وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات # [إبراهيم:5]. # وهو على مثال من يقرأ طومارا وينظر إلى سطر منه بعد سطر، ويطالع حرفا ~~بعد حرف، وهذا القصور دركه عن مشاهدة الجميع دفعة واحدة، فإذا قويت ~~بصيرته وتكحلت بنور الهدياة والتوفيق - كما هي عند القيامة - فيتجاوز ~~نظره عن مضيق عالم الخلق والظلمات إلى سعة عالم الأمر والأنوار، فيطلع ~~على جميع ما في هذا الكتاب المبين، الجامع للأكوان الخلقية دفعة، كمن ~~يطوى عليه السجل الجامع للسطور والكلمات # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب # [الأنبياء:104] # والسماوات مطويات بيمينه # [الزمر:67]. # ويمين الله عالم الأمر، ولم يقل بشماله، لأن أهل الشمال وسكان عالم ~~الضلال ليس لهم نصيب من طي السموات، وكذلك كل من كان محبوسا في سجن ~~الأجسام، ms1587 مقيدا بقيود الحواس، فلا اقتدار له على مطالعة آيات الله ~~سبحانه والإطلاع على معانيها، وفهم حقائق المعارف التي فيها، ومن لم ~~يتمكن من فهم آيات الله فهو لا محالة معرض عنها، كأنه لم يسمعها، ويكون ~~حاله ما أفصح الله عنه بقوله: # يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا ~~كأن لم يسمعها، فبشره بعذاب أليم # [الجاثية:8]. # واعلم أن في الكلام والكتاب أسرارا عظيمة لا يحتمل المقام إيرادها ~~وذكرها، ولا يمكن لهذه الأسماع الدنيوية أن تسمعها، فوقع الاكتفاء بهذه ~~اللمعة اليسيرة من آيات كواكبها المنيرة. # المسألة السابعة # في حاصل معنى الآية وغرضها المسوق إليه على حسب طاقتنا # لما كانت عمدة ما يصد الناس عن الإعتقاد بأمر المعاد هي أن النفس بعد ~~خروجها عن غبار هذه الدار، وتفردها عن بدنها العنصري المستعار، وأركانها ~~المتداعية إلى الإضمحلال والبوار، يستحيل رجوعها تارة أخرى إلى تدبير هذا ~~البلقع الخراب، الخالي عن الإعتدال والإستعداد، الواقع في مهوى الزوال ~~والفساد، إلا بعد حركات فلكية، واستحالات مادية، وانفعالات هيولوية، وهو ~~ينافي حدوث الأبدان عند القيامة دفعة واحدة، ويلزم أيضا من عودها إلى ~~البدن ما يلزم القول بالتناسخ، فأشار سبحانه إلى حل هذه العقدة ودفع هذه ~~الشبهة، بأن إنشاء البدن الأخروي ليس من قبيل الأسباب الأرضية والجهات ~~الإنفعالية المادية، ومن طريق الاستكمالات العنصرية والإنقلابات ~~الهيولوية، بل جميع الأبدان والصور والأشكال الأخروية والأكوان الثانوية ~~إنما نشأت من العالم الأعلى دفعة واحدة بحسب إرادة الله التي ينبعث منها ~~عالم الأمر، فيحدث منها الأكوان والأبدان المكتسبة، لكل نفس بحسب ما ~~يناسبها من أخلاقها وصفاتها. # وتعلق النفس بالبدن الأخروي ليس كتعلقها بالبدن الدنيوي، ومن عادة ~~الله سبحانه أن يعبر عن اختراعه لشيء بلا توسط مادة جسمانية ب " الأمر " ~~و " القول " ، ففي هذه الآية إشعار بأن نشوء الآخرة وعالم المعاد ليس من ~~لواحق المواد وعوارض استعداد الأجساد، بل تكونها من عالم الأمر بحسب ~~إرادة الله المبدع الجواد، بلا توسط الأمزجة الحاصلة بالإمتزاج ~~والإعتدال، المتوسط بين أطراف التضاد، الموجب للمشابهة بالسبع الشداد، ~~الخالية بالكلية عن ms1588 الكيفيات المحسوسة القابلة للإشتداد الموجبة للتفاسد ~~والافساد. # والنفس في هذا العالم تنشأ من البدن كنشوء الشعلة من الفتيلة بتوسط روح ~~هي كالدخان، وفي الآخرة ينشأ البدن من النفس بحسب النيات والإعتقادات، ~~فبين الوجودين تعاكس في النشأتين. # وفي قوله: " كن فيكون " إعلام بأن الفاعل الحقيقي لا يجوز عليه مما يجوز ~~على الفاعل الطبيعي إذا فعل شيئا مما يقدر عليه من المباشرة لمواد الفعل ~~ومحال القدرة، من استعمال الآلات وما يتبع ذلك من المشقة والتعب واللغوب ~~والعطب، بل إنما أمره وفعله الخاص به كحدوث القول من القائل، لا كحدوث ~~الكتابة من الكاتب، بل كحدوث الشعاع من الشمس لا كحدوث المطر من السحاب. # وفيه أيضا إعلام بأن تخلف المعلول عن الفاعل الحقيقي في الأمور ~~الإختراعية مستحيل. # وأما المسمى ب " الفاعل " في عالم الطبيعة، فهو في التحقيق ليس علة ~~الوجود، بل هو سبب الحركة والإنتقال من حال إلى حال، فيحصل منه المعلول ~~على التدرج والمهلة في الحصول، ومثل هذا الفاعل هو أشبه بالمعد منه ~~بالمفيد الجاعل. # فهذا ما تيسر لنا في فهم هذه الآية ومنه الهداية في البداية والنهاية. ### || [36.83] # وقرئ " ملكة كل شيء " و " مملكة كل شيء " واعلم أن الملكة كالملكوت في ~~المعنى، كما أن المملكة كالملك فيه. # وقرئ " ترجعون " - بضم التاء وفتحها -. # فسبحان - تقديس لذاته تعالى عن مباشرة الأجسام في فاعليته وإيجاده ~~للأشياء، وعن استعماله القوى والآلات في صانعيته للموجودات، وتنزيه له ~~عما يوصفه الجاهلون، وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قاله الملحدون، و " ~~الفاء " للتفريع على ما ثبت في الآية السابقة من كيفية صنعه وإبداعه، حيث ~~بين فيها أن إيجاده لشيء عين إرادته. # وقوله تعالى: # كن فيكون # [يس:82] فيتفرع عنه تقديس الله عن القصور من الكمال والفتور في الأفعال، ~~لأنه الذي بيده ملكوت الأشياء، وله التصرف بموجبات (بمواجب) مشيته وقضايا ~~حكمته فيما شاء، وإليه رجوع كل شيء، لأنه الغاية الأصلية لكل ظل وفيء. # حكمة قرآنية فيها اشارات ربانية # أولاها: الإشارة إلى تقديس ذاته وتنزيه صفاته عن وصمة التغير والتجدد في ~~نسبة ms1589 الأفعال الحاصلة من مصادرها بالإنفعال إليه تعالى، وإبطال ما ارتكز ~~في أوهام أقوام من أهل الكلام " إن الفاعل ليس إلا ما هو علة التغير " ~~واشترط عندهم في مفهوم الفاعلية سبق الزمان موجودا أو موهوما. # وأما الإبداع المحض من غير اشتراط سبق زماني للفاعل بالذات على مجعوله، ~~ولا اقترانه بعدم المجعول وهو التأييس (التأسيس) المطلق له من ليس ساذج ~~غير زماني، فقوم لا يسمون مثل هذا التأييس (التأسيس) المطلق " فعلا " ، ~~لاشتراطهم انتقال الفاعل من حالة إلى حالة، وسبق العدم الزماني فيه، وهو ~~وهم باطل، إنما حداهم إليه حسبانهم إن حدوث العالم منه تعالى لا يتمشى ~~إلا بهذا الوجه. # وقد أوضحنا هذه المسألة بما لا توقف لها على نسبة التغير إليه سبحانه، ~~وفي القرآن تنبيهات بليغة على أن فعله تعالى ليس إلا الإبداع الصرف ~~والتأييس (التأسيس) المحض، من غير مباشرة ولا تغير وانفعال وتكثر، وقوله: ~~{ فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } إشارة إلى ~~تفريع الحكم السابق بأن فعله ليس إلا بأمره المطلق وإرادته المطلقة، ~~الخالية عن شوب قصور ووصمة حدوث وفتور. # الاشارة الثانية # الإشعار إلى تقديس ذاته وتنزيه صفاته عن أن يكون افتقار الممكن إليه في ~~الحدوث فقط من جهته لا في البقاء، كما ذهب إليه أيضا أوهام هؤلاء ~~القاصرين من المتكلمين، لما رأوا أن الابن يبقى بعد الأب، والبناء يبقى ~~بعد البناء، والسخونة تبقى بعد النار، ولم يتفطنوا أن هذه الأمور ليست ~~عللا بالحقيقة، فوقعوا في الغلط بسبب " أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات ". # وقد برهن في الحكمة الحقة، على أن جسما من الأجسام - ولا أحد جزئيه - ~~لا يكون علة لجسم آخر ولا لأحد جزئيه، وعلى أن علة كل جسم لا يكون إلا ~~ما هو بريء عن مخالطة الأجسام والمواد. # وأما مثل البناء فحركته علة لحركة لبن ما، ثم سكونه علة لسكونه، ~~وانتهاء تلك الحركة علة لاجتماع مادة، وذلك الإجتماع علة لشكل ما، ثم ~~انحفاظ ذلك فلما تقتضيه طبيعة الأرضية التي في اللبنات، وهي مما ~~أفادها الله بقوته التي تمسك السماء ms1590 والأرض أن تزولا، ومن أسمائه تعالى ~~" الحافظ " و " القابض ". # وكذلك النار علة لتسخين عنصر ما، لا أن تفيد السخونة، بل أن تبطل ~~البرودة التي كانت مانعة من حصول السخونة في الماء من جهة واهب الصور، ~~وأما حدوث السخونة واستحالة الماء إلى النار، فبالجاعل المفيد الذي يكسو ~~العناصر صورها، وقد عرفت أنها لا يصح أن تكون جسما أو جسمانيا، وأما ~~الأسباب السابقة فهي معدات ومغيرات وعلل بالعرض. # وقد ثبت وتقرر أن العلة يجب أن تكون متقدمة على المعلول بالذات لا ~~بالزمان، فكيف تكون نار علة لوجود نار أخرى، ولا نار أحق أن تكون علة ~~لنار متقدمة عليها بالذات من نار أخرى، وكذا الحكم في سببية إنسان - ~~كالأب - لإنسان - كالابن. # وبالجملة، كل ماهية نوعية لا تكون واجبة الوجود، لم يكن لها بد من ~~علة خارجة عن النوع، ولا تكون علتها إلا ما يتساوى نسبته إلى جميع ~~أفراده، ولا تحتاج في إيجاده إلى أمر خارج عنه وعما ينتهي إليه في سلسلة ~~الحاجة من زمان أو حركة، فكل ما سوى الله تعالى - سواء كان جوهرا أو ~~عرضا، أو حركة أو زمانا، موجودا أو موهوما - فهي مفتقرة إليه، فائضة ~~من لدنه، ففعله لا يكون إلا الأمر والابداع والتأييس (التأسيس) ~~والإختراع. # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وباطنه، وما به قوام حقيقته وذاته، فيكون ~~مثل هذا المبدع الحق والجاعل المطلق، علة الحدوث والهيئة دون بقاء الذات ~~وقوام الماهية - تعالى عما يقوله الظالمون علوا كبيرا -. # الاشارة الثالثة # إن قوله: { بيده ملكوت كل شيء } ، مع قوله: { وإليه ~~ترجعون } يدلان على أن ذاته المقدسة عن وصمة القصور والفتور، كما ~~أنه فاعل لجميع الممكنات كذلك غاية لها، فهو أول الأشياء وآخرها، ~~ومبدأها وتمامها، فالوجود كما صدر منه على الترتيب الصدوري والنظام ~~النزولي، كذا ورد عليه ورجع إليه بالترتيب الصعودي والنظام العروجي على ~~التعاكس في السلسلتين. # فكان أولا عقولا مجردة، ثم نفوسا منطبعة، ثم صورا منوعة، ثم صورا ~~مجسمة، ثم هيولى - هي نهاية تدبير الأمر لقوله: # يدبر الأمر من السمآء إلى ms1591 الأرض ثم يعرج ~~إليه # [السجدة:5] فيكون الحادث أولا من الهيولى جسما مطلقا، ثم نوعا ~~بسيطا، ثم مركبا، ثم نباتا، ثم حيوانا، ثم إنسانا ذا نفس مجردة على ~~مراتبها، ثم ذا عقل مفارق على درجاتها في الصعود، إلى أن ينتهي إلى الحق ~~المعبود، فوقع الإبتداء من العقل والإنتهاء إلى العاقل، وبينهما أمور ~~متفاضلة. # اعلم أنا كما أفادنا النظر في الوجود اثبات فاعل له، كذلك أفادنا إثبات ~~غاية له، فكما لا يجوز أن يكون الممكن موجودا إلا بموجد يفيد وجوده ~~لإفتقار ماهيته إلى مرجح، كذلك لا يجوز أن يكون موجودا إلا لغاية يتم ~~بها وجوده لقصور وجوده عن درجة التمامية الأخيرة. # وكما أن سلسلة الأسباب الفاعلية لا بد وأن تنتهي إلى فاعل لا فاعل له، ~~وإلا لم يكن شيء منها فاعلا ولا موجودا، لأنها على ذلك الفرض يكون ~~الكل على حكم الوسط - وهذا خلف -، فكذلك سلسلة الأسباب الغائية لا يجوز ~~أن تذهب إلى لا نهاية، بأن تكون لكل غاية غاية من غير انتهاء إلى غاية ~~أخيرة لا تكون لها غاية أصلا، وإلا لم يكن لشيء من الأشياء غاية أصلا ~~- وهو خرق الفرض -. # فثبت وتبين أن للممكنات كلها فاعل أول لا يكون له فاعل أصلا، وثبت ~~وتبين أيضا أن لها غاية أخيرة لا تكون لها غاية أصلا، ثم يجب أن تكون ~~هذه الغاية هي بعينها ما فرضناه فاعلا، لاستحالة تعدد الواجب تعالى، لأن ~~كلا منهما موصوف بالمفارقة الكلية عن وصف الإمكان والقصور، والمفارقة ~~الكلية تقتضي سلب الماهية، ويستحيل وجود شيئين كل منهما لا ماهية له، ~~فالله هو الأول والآخر، ليس كمثله شيء، منه ابتداء ملكوت كل شيء وأمره، ~~وإليه يرجع كمال وجوده وغايته إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور، ~~ألا إلى الله تصير الأمور. # خاتمة # في موضع نزول هذه السورة وعدد آياتها وبيان فضلها # أما موضع النزول: فهي مكة بالإتفاق، قال ابن عباس: إلا آية منها: وهي ~~قوله: # وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله # [يس:47] - الآية. نزلت بالمدينة. # وأما ms1592 عدد آياتها: فهي ثلاث وثمانون آية كوفي، واثنتان وثمانون عند ~~الباقين. واختلافها آية واحدة هي " يس " ، كوفي. # وأما فضلها: أبي بن كعب، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: # " من قرأ سورة يس، يريد بها وجه الله عز وجل، غفر الله له، وأعطي ~~من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتي عشرة مرة، وأيما مريض قرئت عنده سورة ~~يس، نزل عليه بعدد كل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفا، ~~ويستغفرون له، ويشهدون قبضه، ويتبعون جنازته، ويصلون عليه، ويشهدون ~~دفنه، وأيما مريض قرأها وهو في سكرات الموت، أو قرئت عنده، جاءه رضوان ~~خازن الجنة بشربة من شراب الجنة فسقاه إياها، وهو على فراشه، فيشرب فيموت ~~ريان، ويبعث ريان. ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء، حتى يدخل الجنة ~~وهو ريان ". # وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # " سورة يس، تدعى في التوراة المعمة، قيل: وما المعمة؟ قال: تعم صاحبها ~~خير الدنيا والآخرة، وتكابد عنه بلوى الدنيا، وتدفع عنه أهاويل الآخرة، ~~وتدعى المدافعة القاضية، تدفع عن صاحبها كل شر وتقضي له كل حاجة، ومن ~~قرأها عدلت له عشرين حجة، ومن سمعها عدلت له ألف دينار في سبيل الله، ومن ~~كتبها ثم شربها أدخلت جوفه ألف دواء، وألف نور، وألف يقين، وألف بركة ~~وألف رحمة، ونزعت منه كل داء وعلة ". # وعن أنس بن مالك، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: # " إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس ". # وعنه، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: # " من دخل المقابر، فقرأ سورة يس، خفف عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها ~~حسنات ". # وروى أبو بصير، عن أبي عبدالله جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: # " إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس، فمن قرأ يس في نهاره قبل أن يمسي، ~~كان في نهاره من المحفوظين والمرزوقين حتى يمسي، ومن قرأها في ليله قبل ~~أن ينام، كان في ليله من المحفوظين والمرزوقين حتى يصبح، ووكل به ألف ~~ملك يحفظونه من كل شيطان رجيم، ومن كل ms1593 آفة، وان مات في نومه، أدخله الله ~~الجنة، وحضر غسله ثلاثون ألف ملك، كلهم يستغفرون له ويشيعونه إلى قبره ~~بالاستغفار له، فإذا أدخل لحده، كانوا في جوف قبره، يعبدون الله ~~وثواب عبادتهم له، وفسح له في قبره مد بصره، وأمن من ضغطة القبر، ~~ولم يزل في قبره نور ساطع إلى عنان السماء، إلى أن يخرجه الله من قبره. # فإذا أخرجه، لم تزل ملائكة الله معه يشيعونه، ويحدثونه، ويضحكون ~~في وجهه، ويبشرونه بكل خير، حتى يجوزوا به الصراط والميزان، ويوقفوه ~~من الله موقفا لا يكون عند الله خلق أقرب منه إلا ملائكة الله ~~المقربون، وأنبياؤه المرسلون، وهو مع النبيين واقف بين يدي الله، لا ~~يحزن مع من يحزن، ولا يهتم مع من يهتم، ولا يجزع مع من يجزع، ثم ~~يقوله الرب تعالى: " إشفع عبدي أشفعك في جميع ما تشفع. ~~وسلني عبدي أعطك جميع ما تسأل ". # فيسأل فيعطى، ويشفع فيشفع، ولا يحاسب فيمن يحاسب، ولا ~~يذل مع من يذل، ولا يبكت بخطيئته، ولا بشيء من سوء عمله، ويعطى ~~كتابا منشورا، فيقول الناس بأجمعهم سبحان الله، ما كان لهذا العبد ~~خطيئة واحدة، ويكون من رفقاء محمد (صلى الله عليه وآله) ". # وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن لرسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) إثني عشر اسما، خمسة منها في القرآن: محمد وأحمد ~~وعبدالله ويس ون. # فهذا يا حبيبي آخر ما قصدنا ترقيمه وحاولنا تفهيمه من الصنائع العلمية ~~والعملية القرآنية، والذخائر العقلية البرهانية، المتعلقة بآيات هذه ~~السورة الكريمة، ولمعات هذه الدرة اليتيمة، لتكون وسيلة لمن اهتدى في ~~ظلمات البر والبحر، وخلص من دياجير الظلم والجور، وغلبة المضلين، وكثرة ~~أنواع الشياطين، وخمول الحق وأهله، وانقطاع طرقه وسبله. # فأنت أيها الرفيق الشفيق، المؤمن الموقن بحقيقة هذه الأسرار، الحريص على ~~اقتفاء هذه الآثار، كنت بين أهل زمانك وأقرانك، وأعداء إيمانك، وجحدة ~~ايقانك، كقادح زناد في ليلة ظلماء، ذات رياح عاصفة، وظلمات متراكمة، ~~وأهوية باردة، يريد استضاءة بنوره في طريق قد نفدت أدلتها، ~~واندرست ms1594 معالمها، وذهبت دلائلها، فلم يبق إلا طرق وعرة، وعلامات ~~داثرة، يصعب السلوك فيها، والقصد إليها، إلا على أصحاب اقتفاء الآثار ~~الخفية، بمعرفة قد سبقت عندهم وخفيت على الذين يريدون اطفاء نور الله ~~بأفواههم، بذهابها وإزالتها، لئلا ترتفع حجة الله من أرضه وتنمحي آثار ~~حكمته. # فلما أوراك الزناد بنوره، ودلك الدليل بظهوره، وصلت إلى بقعة من بقاع ~~الجنة، وروضة من رياضها، التي فيها تبدل الأرض غير الأرض، والسموات ~~مطويات يوم العرض، فيها رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ~~تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا، سيماهم في وجوههم من ~~أثر السجود. # والحمد لله الملك المعبود، والصلاة على محمد صاحب المقام المحمود، وآله ~~الهادين إلى سبيل المعرفة والشهود. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-2] # هذا من قبيل قولك: كانت الكاينة وحدثت الحادثة، والمراد القيامة ~~وساعتها. والناظرون في علم الكتاب بعين الاحتجاب، يظنون أن زمان الآخرة ~~وساعتها من جنس أزمنة الدنيا وساعتها، حتى أنهم يتوهمون أن يوم ~~القيامة يوم مخصوص متصل أوله بآخر أيام الدنيا، فيشكل عليهم وقوع ~~الإخبار عن وقوعه ووقوع حالاته بالفعل كما في هذه الآية. # وقد تكررت الأخبار عن وقوع القيامة وحالاتها في القرآن بألفاظ دالة ~~على ثبوتها وتحققها بالفعل، مثل قوله تعالى: # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض # [الزمر:68]. وقوله: # ونزعنا ما في صدورهم من غل # [الأعراف:43] - الآية - # ونادى أصحاب الجنة... # [الأعراف:44]، # ونادى أصحاب النار... # [الأعراف:50]، # ونادى أصحاب الأعراف... # [الأعراف:48] - الآيات - وأشباهها كثيرة، فوقعوا في تكلف أرباب المجاز ~~والمبالغة كما قيل في الكشاف وغيره: " إنها وصفت بالوقوع لأنها تقع ~~لا محالة " ولم يتفكروا بمعنى قوله تعالى: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان:28] فنسبة البعث إليه كنسبة الخلق. # فكما أن ايجاد الخلائق في أزمنتها وأوقاتها المتكثرة المتجددة إنما ~~هو من قبل الله تعالى، وبالقياس إلى مجاوريه ومقربيه من ذوات الملائكة ~~المقربين، وعقول أوليائه الصديقين في دفعة واحدة - وإليه أشير بقوله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): # " جف القلم بما هو كائن " # ، مع أنه ms1595 تعالى كل يوم هو في شأن، إذ له تعالى شأن واحد في شؤون كثيرة، ~~حيث لا يشغله شأن عن شأن وزمان عن زمان، ولا مكان عن مكان، لتعاليه عن ~~هذه الأشياء مع انبساط نور وجوده عليها، وارتفاعه عن الانحصار في عالم ~~الأرض والسماء، مع شمول علمه ونزول رحمته إلى ما تحت الثرى -، فكذلك بعث ~~الخلائق كلهم من أجداثهم في لحظة واحدة من جهته لقوله: # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل:77]. # ومن خواص يوم القيامة، أن مقداره بالقياس إلى طائفة خمسون ألف سنة ~~لقوله تعالى: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج:4]. وبالقياس إلى طائفة أخرى: # كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل:77]. # إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا # [المعارج:6 - 7]. # وكذلك من خواص الساعة أنها منتظرة الوقوع بالقياس إلى طائفة: # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # [الملك:25]. # ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى ~~تأتيهم الساعة بغتة # [الحج:55] وهي بالقياس إلى طائفة أخرى: # وأن الساعة آتية لا ريب فيها # [الحج:7]. # فقوله: " ليس " مع ما في حيزه صفة " الواقعة ". ويحتمل أن يكون عاملا ~~في الظرف كما تقول: " اليوم ليس لي عمل " ، ولا يحتاج إلى تأويل " ليس " ~~ب " لا يكون " - كما في بعض التفاسير- بناء على أنه لنفي الحال، فلا ~~يكون عاملا في ظرف لم يقع بعد لما وقعت الإشارة إليه. # وعلى الأول: إذا منصوبة بفعل مضمر - مثل أذكر ونحوه -، أو بمحذوف يعني ~~إذا وقعت كان كذا وكذا. # وفي الكشاف: فسرت كاذبة " بنفس كاذبة " ، وذكر في المعنى: أي لا يكون ~~حين تقع نفس تكذب على الله في تكذيب الغيب، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة ~~صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، كقوله تعالى: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده # [غافر:84]. # لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم # [الشعراء:201]. # ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى ~~تأتيهم الساعة # [الحج:55]. ولا يخفى ان القول بنفي وقوع الكذب على الله، والتكذيب ~~للغيب مطلقا من نفس أصلا، ms1596 مما يناقضه قوله تعالى: # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون # [الروم:55]. # وقوله: # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا # [الإسراء:72]. # وأيضا: الحكم بأن كل نفس عند قياس الساعة مؤمنة صادقة مصدقة، كلام ~~ناشىء ممن لا بصيرة له في إدراك المعارف الإيمانية، بل بناء معرفته على ~~ظواهر المنقولات وما اشتهر في المتداولات، وذلك لأن الإيمان بالله ~~واليوم الآخر هو غاية كمال النفس الإنسانية، لأنه عبارة عن نور من ~~أنوار الله يقذفه في قلب من يشاء من عباده، وهذا النور يطفي نار جهنم، ~~فكيف تتنور به نفوس الكفار والمنافقين؟ # وما ورد من الآيات في باب إيمانهم عند نزول العذاب، فبعضها محمول على ~~ظهور الشقاوة عليهم يومئذ، ومشاهدتهم آثار السيئات ونتائج الكفر ~~والعناد، وتبعات المعاصي والفسوق، وأضداد ما كانوا يحتسبون، كما في قوله ~~تعالى: # وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون # [الزمر:47]. وبعضها مما لا يفهم منه أزيد من اعترافهم باللسان، ~~ودعواهم الإيمان، كما في قوله تعالى: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده # [غافر:84]. وربما كانوا كاذبين في هذه الدعوى يومئذ، كما كذبوا في ~~قولهم للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كما قال الله تعالى حكاية عنهم ~~حيث قال: # قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم ~~إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون # [المنافقون:1] لا أنهم يصيرون بعد الموت عرفاء بالله وآياته، موحدين، ~~وإلا فكيف يعذبهم الله عذابا أبديا؟ إذ البراهين العقلية والسمعية ~~ناهضة على خروج أهل التوحيد عن النار، فالقول بأن كل نفس يوم القيامة ~~غير كاذبة في محل المنع. # نعم، منشأ الكذب والغلط ومبدأ الشر والوبال لا يكون إلا في هذا العالم ~~الذي هو منبع الشرور والعاهات، ومعدن النقايص والآفات، - كما بين في ~~مقامه -، والنفس الشقية الكذوبة، لا تكتسب مادة الكذب والبهتان، والكفر ~~والعصيان، ومنشأ التعذيب بالنيران، إلا بواسطة كونها مدة في هذا ~~العالم، ولأجل تعلقها بالأبدان، فهي حمالة حطب نيرانها من ها هنا، ~~والآخرة دار العدل والحساب والقضاء ms1597 بمؤدى الشهود والكتاب: - # لا ظلم اليوم # [غافر:17]. # والأولى أن تحمل الكاذبة على المصدر، كالعاقبة، أي: ليس لمجيئها ~~وظهورها كذب، ومعناه - كما في مجمع البيان - إنها واقعة حقا وصدقا، ~~وليس فيها ولا في الإخبار عن وقوعها كذب، واللام على الأول مثل ما في ~~قوله تعالى: # يليتني قدمت لحياتي # [الفجر:24] وعلى ما ذكرناه مثل. ### || [56.3] # إما صفتان بعد الصفة، أو خبران لمبتدأ محذوف، أي: هي خافضة تخفض ~~أقواما، ورافعة ترفع آخرين، بمعنى أن الأشقياء المدبرين يهبطون ~~وينحطون فيها إلى الدركات الهاوية، والسعداء المقبلين يصعدون فيها إلى ~~الدرجات العالية. # وهذا أمر متحقق الوقوع، كما تدل عليه الآيتان بصيغة اسم الفاعل ~~الدالة على الثبات والدوام، فما من نفس ما دامت في الدنيا إلا وهي إما ~~في الصعود أو الهبوط بحسب النشأة الثانية من جهة أعمالها الحسنة أو ~~السيئة، لكن ظهور هذه الأحوال، وكشف الأغطية عنها لجميع الخلايق، يتوقف ~~على قيام القيامة العظمى بموت الكل، وظهورها لكل واحد بخصوصه موقوف على ~~القيامة الصغرى بموته. ### || [56.4-6] # " إذا " مع ما يليه؛ بدل من " إذا وقعت ". أو هو منصوب ب " خافضة ~~رافعة ". # و " الرج " هو التحريك الشديد. فمعنى " رجت الأرض ": حركت ~~تحريكا شديدا حتى انهدم كل شيء عليها من الأبنية والجبال. وهي كذلك عند ~~قيام الساعة، كما انها كذلك عند أهل الكشف الذين غلب على باطنهم ظهور ~~سلطان الآخرة، فهم يرون الأرض ومن عليها دائمة التحول والنقل، لازمة ~~الانهدام والزوال من حال إلى حال. # و " البس " هو التفتيت للشيء والتفريق له حتى يعود كالسويق. وبست ~~الجبال، صارت متفرقة الأجزاء كالذرات المبثوثة في الهواء، وكذلك أصل ~~الجبال، فإنها في الأصل كانت أجزاء متفرقة في مدة طويلة لا يعلم ~~كميتها إلا الله، فجمعتها أيدي بعض ملائكة الله الموكلة بتصريف الرياح ~~وتمويج البحار، فانعقدت جبالا بإذن الله في بعض الأوقات، ثم تعود إلى ما ~~كانت وزالت عن مواضعها في كل وقت على التدريج ولو بهبوب الرياح ونزول ~~الأمطار وتأثير أشعة الشمس وغيرها من الأنوار، وتفسخها بالتحليل ~~والتبخير، وعلى هذا القياس يرجع ms1598 فيها كل شيء إلى أصله، ويظهر على صورته ~~الحقيقية التي كان عليها، ولا شك أن الآخرة إنما تحصل بارتفاع ~~الحجب وظهور الحقايق، وزوال التعينات، وتميز الحق عن الباطل. # على أن من اكتحلت عين بصيرته بنور الإيمان، وتنور قلبه بطلوع شمس ~~العيان، يجد أعيان الأفلاك والأركان متبدلة، وطبايع الصور والأكوان ~~متحولة متزايلة. فهي أبدا في السيلان والزوال والحركة والانتقال حركة ~~جوهرية وتجددا ذاتيا، لا بمجرد الصفات والأعراض فقط، وفي المقولات ~~الأربع لا غير - كما زعمه المحجوبون من أهل النظر -، بل كما أقيم عليه ~~البرهان مطابقا لما وجده أصحاب المكاشفة والعيان، من أن الطبيعة ~~السارية في أجسام هذا العالم، هي حقيقة سيالة متجددة الذات غير قارة ~~بحسب الجواهر. # وعلم من ذلك أن الدنيا بحذافيرها حادثة، وهي دار زوال وانتقال، والآخرة ~~دار قرار وثبات، كما يراه المليون حسبما وصل إليهم من حملة أسرار ~~الوحي والتنزيل، وخزنة علم النبوة والتأويل. ### || [56.7] # أي أصنافا ثلاثة. وذلك لأن الإنسان فيه مبادي إدراكات ثلاثة من جهة ~~قوى ثلاث: قوة العقل، وقوة الخيال، وقوة الحس. ولكل قوة كمال، ~~فكمال القوة العاقلة بإدراك المعارف الإلهية والعلوم الربانية، وبه ~~يشحر الإنسان في جوار الله وملكوته، وكمال القوة الخيالية في فعل ~~الخيرات وتهذيب الصفات وتبديل السيئات بالحسنات، وكمال القوة الحسية ~~بإدراك الملايم الحسي من الملاذ الجسمانية والأعراض البدنية. # والإنسان في أول تكونه بالقوة في كمال كل من هذه المبادي الثلاثة، ~~وهو بحسب كمال كل قوة يقع في عالم من العوالم بمقتضى طبيعة تلك القوة ~~إن لم يكن لها مانع، فله نشآت ثلاث بحسب قوى ثلاث، فهو بالقوة في أول ~~الوجود. فأول ما يخرج فيه من القوة إلى الفعل هو نشأة الحس، وكماله ~~بحسبه يقتضي السكون في هذه الدار، والإنسراح في مراتع الشهوات كالبهائم ~~والحشرات، فإذا تجاوز عن هذا المنزل، يحدث فيه العقل العملي. وقوة ~~التخيل، وكماله بحسب هذه القوة يقتضي له التشوق إلى الدار الآخرة، ~~والكون هناك من حيث يتخيل الخيرات المظنونة، ويقصد الأفعال الحسنة، ~~وينوي فعل الطاعات وترك القبايح والسيئات، ms1599 ومعاد الإنسان من حيث همته، ~~ثم إذا ساعده التوفيق الإلهي، وارتفع إلى كمال القوة النظرية يحيط ~~بالكليات ويتصل بالمفارقات، ويعرف المبادئ والغايات علما برهانيا ~~وإدراكا مقدسا عن شوب تغير وتجدد، أو ظن، أو تخمين فمنزلته منزلة ~~المقدسين. # فعلم ان الإنسان صار بحسب هذه المقامات منقسما على ثلاثة أقسام، ولكل ~~قسم أحوال مخصوصة بحسب الآخرة، وله منزل خاص من المنازل الكلية - وإن ~~كان تحت كل قسم أنواع بلا نهاية -، وهذا لا ينافي وحدة النوع الإنساني ~~قبل أن يصير باطنه خارجا من القوة النفسانية إلى الفعل الصوري ~~الباطني، في صفة من الصفات المكمونة فيه، والمخزونة في طينته، فوقعت ~~الإشارة إلى تفصيل هذه الأقسام الثلاثة في قوله عز اسمه: { فأصحاب ~~الميمنة مآ أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ~~مآ أصحاب المشأمة والسابقون السابقون }. ### || [56.8-10] # فأصحاب الميمنة، هم الذين يؤتون صحايف أعمالهم بأيمانهم، وأصحاب المشئمة ~~هم الذين يؤتونها بشمائلهم - وهما جميعا من أصحاب الأعمال، والغالب عليهم ~~القوة العملية -، لكن مبدأ أعمال الطائفة الأولى العقل العملي - كما ~~مر -، بوساطة الإدراكات الباطنة الجزئية كالتخيل وما يجري مجراه، ~~وغايتها طلب الخيرات المظنونة والسعادات المقبولة، ومبدأ أعمال الطائفة ~~الثانية هو القوة المحركة الحيوانية المسماة بالشوقية، بوساطة ~~الإدراكات الحسية، وغايتها إما طلب الشهوة بالأكل والجماع وما يجري ~~مجراهما، أو الغضب بالغلبة والإنتقام وما يشبههما. # وأما السابقون: فهم أعلى مرتبة من أن يكونوا من أهل العمل، وإنما ~~شأنهم مشاهدة الحقايق، وملاحظة عظمة الله وملكوته، وقد شغلهم الله ~~بمحبته عن محبة ما سواه، وأغناهم عن الطعام والشراب، وعن النظر إلى ~~غيره، فمنزلتهم منه منزلة الملائكة العليين المجردين عن الأجرام ~~كلها، وعن التعلق بها، سواء كانت من هذه الأجسام الكدرة الدنياوية أو ~~من الأجرام النورانية الأخروية. # وعن الحسن: المراد من أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة: أصحاب اليمن ~~والشؤم لأن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم، والأشقياء مشائيم عليها ~~بمعصيتهم. " والسابقون " المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه، ~~وشقوا الغبار في طلب مرضاة الله. # والأولى ما ذكر أولا. # وهنا وجه آخر ذكر في كثير من التفاسير ms1600 وهو: ان أصحاب الميمنة هم الذين ~~يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأصحاب المشئمة هم الذين يؤخذ بهم ذات ~~الشمال إلى النار. # وتحقيقه أن العالم بتمامه كشخص واحد، لأن وجوده ظل لوجود الحق، فله ~~وحدة طبيعية جمعية هي ظل للوحدة الحقة الإلهية، وله روح واحد هو الروح ~~الأعظم، والعقل الأول المشتمل على مجموع الأرواح الكلية العقلية ~~اشتمالا عقليا، وله كالإنسان جانبان: # أحدهما: جانب اليمين، وفيه الملكوت الأعلى، وهي المدبرات العلوية ~~المتعلقة بالبرازخ النورية، وفيها جنة السعداء، ومن ملائكتها من ~~يسوقون عباد الله إلى رضوانه، ومنهم كتاب حسناتنا يكتبون صحايف أعمالنا ~~الحسنة، وهم الملائكة العليون، وبأيديهم كتاب الأبرار: # إن كتاب الأبرار لفي عليين # [المطففين:18]. والكتابة عبارة عن تصوير الحقايق، والكتاب هم ~~المصورون الناقشون، والصحيفة هي محل التصوير والنقش، وكذا القلم هو ~~الواسطة بين يمين الكاتب والكتابة. فالمراد من الكاتب هنا جوهر ملكوتي ~~فعال علوي، ومن القلم قوته العملية المصورة، ومن الصحيفة نفوسنا ~~الناطقة الخالية عن النقوش في أول الفطرة، ولا شك أن هذه الكتابة لا ~~يمكن أن يشاهدها أحد بهذه الحواس الكدرة الترابية البالية، لأنها ~~مكتوبات غيبية وقعت في عالم الغيب، لكن أكثر الناس لا يؤمنون بالغيب، ~~ولا يعتمدون ولا يثقون إلا بوجود المحسوس بإحدى هذه الحواس. # وثانيهما: الشمال، وفيه الملكوت الأسفل، وهي المدبرات السفلية سدنة ~~البرازخ الظلمانية، وفيها جحيم الأشقياء، ولها طائفتان من الملائكة - كما ~~في الأول - إحداهما السائقة لأهل النار إلى النار، والثانية الكاتبة ~~لأعمال السيئات للفجار، لقوله تعالى: # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق:21]، والطائفة الأولى منهما هي: # ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله مآ أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم:6]. والطائفة الثانية هي ملائكة بأيديهم أقلام من النار يكتبون ~~المعاصي والشرور، وأقوال الكذابين وأهل الزور، في صحايف لايقة للاحتراق ~~بالنار، لما فيها من الأخبار الكاذبة والكلمات الواهية الباطلة. كما في ~~قوله تعالى: # إن كتاب الفجار لفي سجين ومآ أدراك ما سجين ~~كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين # [المطففين: 7 - 10]. # وهذا الوجه قريب المأخذ مما ذكر أولا، وذلك لأن ms1601 المراد من أصحاب ~~اليمين وأصحاب الشمال على الأول، كل من أوتي كتابه بيمينه، وكل من ~~أوتي كتابه بشماله، والمراد منهما على الوجه الأخير، كل من كان مآله إلى ~~الملكوت الأعلى وجنة السعداء مع العليين، وكل من كان مآله إلى الملكوت ~~الأسفل وجحيم الأشقياء مع أهل السجين، ولا شبهة في أن من أوتي كتابه ~~بيمينه كان حشره إلى ملائكة جانب اليمين والعليين، ومن أوتي كتابه ~~بشماله أو من وراء ظهره كان معذبا بأيدي سدنة النار وزبانية الجحيم ~~المعذبين لأهل النكال وأصحاب الشمال، وكان في طبقات السجين مع زمرة ~~الشياطين، فالمآل في الوجهين واحد. # ولفظة " ما " في الموضعين للتعجب، عجب الله ورسوله من حال الفريقين في ~~السعادة والشقاوة. والمعنى: أي شيء هذه الطائفة في السعادة، وأي شيء ~~هذه الأخرى في الشقاوة. # { والسابقون السابقون }: الأول مبتدأ والثاني خبره. وفي ~~الكواشي السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمته ورضوانه. # وفي الكشاف: السابقون من عرفت حالهم وبلغك وصفهم، كقول أبي النجم: " ~~أنا أبو النجم وشعري شعري.... # كأنه قال: وشعري ما انتهى إليك وسمعت فصاحته وبراعته. # وهنا وجه آخر، وهو انه كان ينبغي أن يقال: السابقون ما السابقون ~~إلا أن الله تعالى أراد أن يصفهم بوصف لا يكتنه فقال هكذا، فكأنه ~~قال: لا وصف لهم أفضل من هذا. وهذا من أوجه الوجوه. # ومنهم من جعل الثاني تأكيدا للأول، وجعل الخبر: # أولئك المقربون # [الواقعة:11] وليس بذاك، ووقف بعضهم على الأول وابتدأ بالثاني، وليس ~~بصواب، لأنه تمام الجملة، وهو في مقابلة القولين الأولين. ### || [56.11] # هم الذين قربت درجاتهم عند الله، وأعليت مراتبهم في الجنة، وهذا القرب ~~ليس بالمكان ولا بالزمان، بل إنما هو بحسب قربا معنويا لأجل الشرافة ~~والبراءة عن الدنيا وشرورها، ونقايص المواد وآفاتها، وذلك لأن ظل ~~الوجود إذا امتد وطال وانبسط عن الباري، ووقع على قوابل الماهيات حسب ~~اقتضاء الرحمة الواسعة - المعبر عنها بالنفس الرحماني -، فابتدأت ~~وترتبت الموجودات من جهة الإبداع على ترتيب الأشرف فالأشرف، منتهية إلى ~~الأخس الذي لا أخس منه كالهاوية والظلمة، ثم ms1602 عادت وتوجهت إلى الكمال ~~بعد التوحيد، وارتقت إلى الشرف بعد أن هبطت منه من جهة التكوين على ترتيب ~~الأخس فالأخس، حتى انتهت إلى الأشرف الذي لا اشرف منه في الإمكان، ~~وظاهر ان أشرف الممكنات وأعلاها مرتبة في سلسلة البدو هو الروح الأول ~~والقلم الأعلى، ثم سلسلة العقول - وهم الملائكة المقربون السابقون -، ~~ثم سلسلة النفوس المجردة -، وهم الملائكة المدبرون السابقون -، ثم ~~النفوس المنطبعة، ثم الصور الطبيعية، ثم المواد الجسمية إلى أسفل ~~السافلين - وهي غاية تدبير الأمر من السماء إلى الأرض -. # ثم يعرج إليه، وأخس الممكنات وأدناها منزلة في سلسلة العود هو الجسم ~~بما هو جسم، ويليه في الخسة الصور العنصرية، ثم سلسلة الجمادات، ثم ~~النباتات، ثم الحيوانات بنفوسها الحيوانية ومادة أرواحها البخارية ~~التي هي أجرام لطيفة شفافة، وأشرف أنواع الحيوان؛ الإنسان نفسا وبدنا، ~~لأن الاسطقسات في بدنه امتزجت غاية الامتزاج، حتى انتهت بروحه التي هي ~~جسم حار لطيف حاصل من صفوة الاخلاط تنبعث من القلب في التجويف الأيسر ~~منه، ثم اعتدلت في الدماغ اعتدالا بالغا حتى شابهت الجرم الفلكي في ~~صفائه ونقائه ونوره وضيائه، وبعده عن التضاد الموجب للفساد، فصارت مرآة ~~للنفس الناطقة، بها تدرك الوجود كله على هيئته التي كان عليها كليا ~~وجزئيا، أما كلياته فبذاتها المجردة. وأما جزئياته فبهذه المرآة ~~المجلوة. فإن في الإنسان شيئا كالملك، وشيئا كالفلك، فمن حيث ~~اعتدال مزاجه وعدم الأضداد فقد شابه السبع الشداد، ومن حيث مفارقة صورته ~~المواد القوابل، يشاكل العلل الأوايل والعقول الفواعل. # وأشرف الإنسان من بلغ في الشرف والبراءة إلى مرتبة السابقين الأولين ~~من الملائكة المقربين، فصار متحدا بالعقل الفعال اتحاد العاقل ~~بالمعقول، كما ذهب إليه كثير من الحكماء، وأشارت إليه كلمات الأولياء، ~~وشهدت عليه أذواق الصوفية، وبرهن عليه في الشواهد الربوبية. # فانظر إلى اتقان حكمة المبدع البديع، وجود الصانع المنيع كيف بدأ ~~بالوجود من الأشرف فالأشرف، حتى اختتم بالأجسام، وانتهى إلى معدن الشرور ~~والظلام، ثم شرع في التلطيف والتشريف والإنارة والتصعيد والتكميل، ~~بإفاضة ثانية ولطف جديد، ففتح فاتحة أخرى للجود والإفادة، ms1603 وأنشأ النشأة ~~الثانية للإعادة، وقد قال سبحانه: # كما بدأنآ أول خلق نعيده # [الأنبياء:104]. فعكس الترتيب الأول من الأخس فالأخس، إلى النفيس ~~فالأنفس، حتى بلغ به إلى أرواح كالأملاك، وأبدان كالأفلاك، وهكذا إلى أن ~~وقع الإختتام بروح أشرف الأنام، خاتم الرسل المضاهي بنوره نور العقل ~~الأول، ولهذا المعنى قال (صلى الله عليه وآله وسلم). # " أول ما خلق الله نوري ". # فتمت به دائرة الوجود، وعادت سلسلة الإفاضة والجود في النهاية حيث ~~وقعت منه [في] البداية، وهو سبحانه المبدأ والمنتهى في البداية ~~والرجعى. ### || [56.12] # إعلم أن هؤلاء الاصفياء، وإن كانوا من جهة هوياتهم العقلية مقربين ~~منه تعالى، لأنهم جالسون تحت قبة الجبروت، لكنهم من جهة نفوسهم ~~الحيوانية المطيعة لأمر الله المسلمة لحكمه منسرحون في مراتع اللذات، ~~متنعمون بنعيم الجنان، فإن لكل حقيقة درجات في الوجود، ومراتب بعضها ~~فوق بعض، لا ينفك بعض مراتبها عن بعض، فما من حقيقة كلية في مظهر اسم ~~من أسماء الله إلا ولها بعد مرتبة ذلك الإسم الإلهي عقل ونفس وطبيعة ~~وجسم، حتى إن هذه الخلايق الكونية إنما هي أصنام وأظلال لحقايق أخرى ~~عقلية روحانية، وهذه الأرض إنما هي صنم لأرض عقلية روحانية، وهذا ~~الإنسان الحسي إنما هو صنم للانسان العقلي، والإنسان العقلي مظهر لاسم ~~الله ونوره من أنواره حاصل من أمره في عالم الغيب. كما قال: # قل الروح من أمر ربي ومآ أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا # [الإسراء:85]. # ثم إذا ثبت أن لكل حق حقيقة ولكل محسوس معقولا، فيحتمل ان يراد من ~~الجنات: الجنات العقلية. فإن الجنة جنتان: جنة محسوسة بالحواس ~~الأخروية. وجنة معقولة مشاهدة ببصر الباطن العقلي. ولكل منهما درجات. ~~كما ان العالم عالمان: غيب وشهادة. ولكل منهما منازل. # فالإنسان السعيد لروحه الذي هو عقل بالفعل، جنة معنوية بما يحمله من ~~المعارف والعلوم، ولنفسه الحيوانية، جنة صورية بما يحمله من اللذات ~~والشهوات، ويناله من طريق قواها العملية الحسية من أكل وشرب ونكاح ~~وغيرها، جزاء بما صبرت عنها في الدنيا وحبست قوتها عن نيل قشورها ~~الكدرة الظلمانية حتى ms1604 صارت بلبوبها الصافية النورانية، فإن النفس ~~كلما ارتاضت صفت وتنورت، وبحسب صفائها ونورها كانت مخزوناتها الأخروية ~~وذخايرها العينية صافية نقية نورانية، فالمراتب والدرجات في الجنات، ~~بحسب المراتب والدرجات في الأشواق والرغبات. ### || [56.13-14] # " الثلة ": الجماعة الكثيرة من الناس، وأصلها من " الثل " وهو الكسر، ~~كما أن " الأمة " من " الأم " وهو الشج، كأنها جماعة قطعت من ~~الناس، وكونها في مقابلة القليل دال على الكثرة. وثلة: خبر مبتدأ ~~محذوف، اي: هم ثلة، والمراد أن السابقين المقربين كثير من الأمم ~~الماضية التي كانت قبل بعثة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقليل من ~~هذه الأمة. وقيل: جماعة من أوايل هذه الأمة وقليل من أواخرها. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): # " الثلتان جميعا من أمتي ". # والمراد أن هذه في السابقين، وتلك في أصحاب اليمين، فعدد المقربين ~~يتكاثر من مقدمي هذه الأمة دون متأخريها. لأن أكثر الأولياء والشهداء ~~والأئمة الكبراء كانوا في الأول حيث قربت أزمنتهم من زمان الوحي ~~والتنزيل، وعدد السعداء وأصحاب اليمين يتكاثر من الأولين والآخرين ~~جميعا. ### || [56.15] # قال المفسرون: مرمولة بالذهب، مشبكة بالدر والياقوت، متداخلة بعضها ~~في بعض كما يوضن حلق الدرع. # وقيل: متواصلة أدنى بعضها من بعض. # وقد ورد في الخبر: إن يوم القيامة يؤتى بمنابر وأسرة وكراسي كلها من ~~النور. فالمنابر للأنبياء (عليهم السلام)، والأسرة للأولياء، والكراسي ~~للعلماء. # ويحتمل أن يكون كناية عن مظاهر قلوبهم، أو مصادر أفعالهم. ### || [56.16] # أي مستندين عليها جالسين، من جلوس الملوك على أسرتهم، أو معتمدين عليها ~~ساكنين إليها الأرواح إلى النفوس. وهو حال من الضمير في " علي " أي: ~~استقروا عليها متكئين متقابلين، ينظر بعضهم بعضا لعدم الحجاب بينهم لا ~~خارجا ولا داخلا. أما نفي الحجاب الخارجي عنهم، فلعدم الأبدان الغليظة ~~لهم، والحواجز الكثيفة بينهم، وأما نفي الحجاب الداخلي عنهم، فلعدم ~~الكفر والفقر والجهل والعمى والحسد والبغض والغضب، وساير الأمراض ~~النفسانية في نفوسهم، فيشاهد كل منهم كلا منهم. إذ ذات كل واحد منهم ~~عين باصرة وأذن واعية دائما، وعقل دراك بالفعل، كما أنه نور مبصر، ~~وكلام حق ms1605 مسموع دائما، وحقيقة معقولة بالفعل. ### || [56.17] # أي: يدور حولهم، ويستنير بأنوارهم القدسية، ويستفيض من إشراقاتهم ~~العقلية أولاد روحانيون لهم نفوس مجردة متعلقة بأجرام كريمة نورية ~~مستديرة الحركات مخلدون في دوام حركاتهم الشوقية، لدوام الإشراقات ~~العقلية عليهم من آبائهم العقليين في النشأة الآخرة، لا في هذا العالم ~~الزايل، لزواله وانقطاعه وعدم استمرار الوجود فيه بالعدد، لا في ~~العنصريات ولا في الفكليات - كما بين في موضعه -. # وقيل: هم أولاد أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات ~~فيعاقبوا عليها. # وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): # " انه سئل عن أطفال المشركين؟ فقال: هم خدم أهل الجنة ". ### || [56.18] # يطوف عليهم بأكواب. وهي القداح الواسعة الرؤوس بلا خراطيم ولا عرى. # و " أباريق " هي ذات العرى والخراطيم. والمراد الأواني التي تبرق لصفاء ~~لونها وإشراقها، لا يوجد لها مماثل في هذا العالم إلا الكواكب ~~والتداوير الفلكية الدائرة التي تديرها النفوس السماوية بأيدي قواها ~~العملية طربا وشوقا وتقربا إلى مباديها وغاياتها ومعشوقاتها العقلية ~~ومحركاتها الفلكية ويطوفون عليهم ايضا بكأس مملوء من شراب الأحدية ~~معين جار في أنهار المدارك الشوقية، والمشارب الذوقية، مكشوف لأهل ~~المشاهدة والعيان، إذ منبعه منشأ الحياة والعقل والشهود، فكيف لا يعان ~~ولا يعاين. ### || [56.19] # لا يوجد من شربها صداع لصفائها من كدر الشر والآفة، وفساد التركيب ~~وغلبة أحد الأضداد كخمور هذه الدنيا، وتعاليهم عن تأثير المزاحمات، ~~وتصديع المصادمات، لتجردهم عن عوالم التراكيب والأضداد، وارتفاعهم عن ~~الطبقات السافلة التي يوجد فيها الشر والفساد. # وقيل: لا يتفرقون عنها. # وقرأ مجاهد: لا يصدعون بمعنى لا يتصدعون، اي لا يتفرقون، كقوله تعالى ~~في حق الكفار: # يومئذ يصدعون # [الروم:43]. وذلك لأن منشأ صحبتهم ومبدأ جمعيتهم هو مشرب المحبة ~~الإلهية، ونشأة الوحدة المعنوية، والوصلة الإيمانية والرابطة ~~الحكمية، ليس باعثها الأغراض النفسانية والأوضاع الجسمانية المؤدية ~~سريعا إلى التفرقة والوحشة والنفرة. # وقوله: " لا ينزفون " إن كان بفتح " الزاء " فمعناه: لا تذهب عقولهم ~~بالسكر، كما في قوله تعالى: # لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون # [الصافات:47] ms1606 وهذا في قراءة الكوفيين غير عاصم. # وإن كان بكسر الزاء - كما في قراءة الباقين -، فالمعنى: لا يفنى شرابهم ~~الروحاني ولا تزول نشأة مدامهم الحبي الإلهي، إذ منبعه منبع فيض الوجود ~~الأبدي، وعين ماء الحياة السرمدي، الذي لن يبرح من أسكوب الفضل سائلا ~~مائلا، ومن منبع الإفاضة والرحمة طائلا نائلا. ### || [56.20-21] # يتخيرون: يأخذون خيره. يقال: تخيرت الشيء: أخذت خيره وأفضله. ~~ويشتهون: يتمنون. فإن أهل الجنة إذا تخيروا شيئا واشتهوه خلقه الله ~~دفعة، فإذا تمنوا فاكهة - أي فاكهة كانت -، تكونت بإذن الله كما ~~تخيروه. وإذا تمنوا لحم الطير النضيج، خلق الله لهم لحم الطير نضيجا ~~من غير حاجة إلى ذبح الطير وإيلامه. # قال ابن عباس رضي الله عنه: يخطر على قلبه الطير فيطير ممثلا بين يديه ~~على ما اشتهى. # وهذه علم غفل عنه الأكثرون، وأدركه المكاشفون إدراكا علميا ذوقيا بعد ~~أن اعتقدوه اعتقادا إيمانيا، وربما يبلغ العارف إلى مقام يقال له ~~مقام: " كن " في عرفهم، فيكون هذا حاله، وإن كان بعد في الدنيا مثل ~~حال أهل الجنة، فما يقول لشيء " كن إلا ويكون ". # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنه قال - حين كان في غزوة ~~تبوك - كن أبا ذر. فكان أبا ذر. # وذلك لأن الله قد حول باطنه في النشأة الأخروية، بل ما من عارف ~~بالله من حيث التجلي الإلهي إلا وهو قبل النشأة الآخرة قد حشر في ~~دنياه ونشر في قبره، فهو يرى ما لا يراه الناس، ويشاهد ما لا يشاهدون، ~~ويفعل ما لا يفعلون، عناية من الله ببعض عباده. # كما أعرب عنه بعض العرفاء حكاية عن نفسه - وبيانه مما يحتاج إلى إظهار ~~لمعة من علوم المكاشفة قريبة المأخذ من علوم المناظرة -، وهو أن الله ~~سبحانه، قد خلق النفس الإنسانية وأبدعها مثالا له ذاتا وصفة - ولله ~~المثل الأعلى -، وفعلا، مع التفاوت العظيم بين المثال والممثل له، ~~ولذلك جعل معرفتها وسيلة إلى معرفته، كما يدل عليه الحديث المشهور: # " من عرف نفسه فقد عرف ربه ". # فهي قد أبدعت مفتاحا لمعرفة الله ms1607 تعالى ذاتا وصفة وأفعالا، لا لكونها ~~مثالا له كذلك، أما الذات، فقد خلقها الباري وجودا نوريا مفارقا عن ~~الأجرام والأحياز والأوضاع في ذاتها. وأما الصفات، فقد خلقت عالمة قادرة ~~حية سميعة بصيرة متكلمة، وهذه كلها صفات الله من حيث المفهوم. وأما ~~الأفعال، فذاتها عالمها، والبدن كأنه نسخة مختصرة من مجموع العالم ~~الدنيوي - أفلاكه وعناصره، بسايطه ومركباته، وجواهره وأعراضه -، ولها ~~أيضا في ذواتها مملكة خاصة شبيهة بمملكة بارئها، مشتملة على أمثلة ~~الجواهر والأعراض المجردة والمادية، وأصناف الأجسام الفلكية ~~والعنصرية، وساير الخلايق يشاهدها بنفس حصولها فيها، ومثولها بين ~~يديها، شهودا إشراقيا، ومثولا نوريا. # والناس في غفلة وذهول عن عجايب الفطرة الآدمية وغرايب القلب الإنساني، ~~لاهتمامهم بعالم المحسوس ونسيانهم أمر الآخرة ومعرفة الرب والرجوع إليه: # نسوا الله فأنساهم أنفسهم # [الحشر:19]. # فمن جملة المضاهاة الواقعة بين الرب والنفس، أنه جعلها ذات نشأتين: - ~~الغيب والشهادة -، كما انه عالم الغيب والشهادة، وذات عالمين: الملك ~~والملكوت، والخلق والأمر - كما له الخلق والأمر -، فأفعال النفس ~~بإرادتها على ضربين، فما يفعله باستخدام قواها البدنية وجنودها ~~الجسمانية، فهي متغيرة متجددة، لأنها كائنة بواسطة الحركات وانفعلات ~~مواد الآلات، والحركة لا تدوم لأنها عين الحدوث والإنقضاء، وربما تنقضي ~~القوى والطبايع لكلال آلاتها وفتور موضوعاتها، وأما ما يفعله بذاتها من ~~غير توسط القوى الطبيعية والآلات الجسمانية، فهي أمور ثابتة محفوظة ~~عندها ما دامت ذاتها تديمها وتحفظها بعد أن حصلت لها ملكة الحفظ ~~والإسترجاع، من جهة رجوعها إلى الباري، واتصالها بالملأ الأعلى والحفظة ~~الكرام الكاتبين. # فكذلك أفعال الله تنقسم إلى ثابتات ومتغيرات، مبدعات وكاينات، فعلم ~~من هذا أن الله خلق النفس الإنسانية ذات اقتدار على إيجاد صور الأشياء ~~في عالمها الخاص، ومملكتها الغائبة عن هذا العالم بمشيتها وإرادتها، ~~لأنها من سنخ الملكوت وعالم القدرة والجبروت، إلا أن ما تخترعه وينشأ ~~في عالمها ما دامت في هذا العالم وصحبة الأعدام والقوى والملكات تكون ~~حقيقة الوجود شبيهة بالأشباح والأظلال، فإذا قويت ذاتها وقربت من مبدئها ~~بقطع هذه العلايق المادية، أصبحت مخترعة للصور الغيبية المناسبة ~~لأخلاقها الحسنة ms1608 أو السيئة، إما ملذة أو موذية، ولم تفارق الدنيا عن ~~الآخرة إلا في كمال الصورة وقوة وجودها هناك، ونقصها وضعف وجودها هنا. # فلو كانت للنفس قدرة تامة على تصوير الصورة الملذة في عالم الحس، ~~كما لها قدرة على تصويرها في عالم الخيال، لكان نعيمها كنعيم أهل ~~الجنة، حيث تكون شهوتهم سبب تخيلهم، وتخيلهم سبب إحساسهم، فلا يخطر ~~ببالهم شيء ينالون إليه، إلا ويحضر عندهم دفعة. # وإليها الإشارة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " إن في الجنة سوقا تباع فيه الصور ". # والسوق، عبارة عن اللطف الإلهي الذي هو منبع القدرة على اختراع الصور ~~بحسب المشية، وانطباعها ووجودها في العين وجودا ثابتا ما دامت ~~المشية، لا وجودا هو بمعرض الزوال كما في منام هذا العالم. وهذه القدرة ~~أكمل وأوسع من القدرة على الإيجاد من خارج الحس، لأن الوجود من خارج ~~الحس يشغل بعضها عن إدراك البعض، ويحجب بعضها عن بعض لضيق عالمه، فإذا ~~صار الإنسان مشغولا بسماع واحد ورؤيته أو مماسته، صار مستغرقا محجوبا ~~عن غيره، وأما هذه النشأة فتتسع اتساعا لا ضيق فيه، حتى لو أراد أحد ~~من أهل الجنة أن يأكل جميع الفواكه لأكلها بعد أخطارها بباله، ولو أراد ~~كل أحد منهم أن يأكل ما يأكله غيره لوسعتهم لقمة واحدة، فتحضر تلك اللقمة ~~الواحدة في ساعة واحدة لألف شخص في ألف مكان، وحمل أمور الآخرة على ما هو ~~أوسع وأتم للشهوات وأوفى للدواعي والرغبات، أولى. # ومما ورد في الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " إنه يأتي إليهم الملك بعد أن يستأذن في الدخول عليهم، فإذا دخل ~~ناولهم كتابا من عند الله بعد أن يسلم عليهم من الله، فإذا في الكتاب ~~لكل إنسان مخاطب به: من الحي القيوم الذي لا يموت، إلى الحي القيوم ~~الذي لا يموت، أما بعد: فإني أقول للشيء: كن. فيكون، وقد جعلتك اليوم ~~تقول للشيء: كن. فيكون. فقال: فلا يقول أحد من أهل الجنة لشيء: كن. إلا ~~ويكون ". # قال بعض العرفاء: من أراد أن ms1609 يعرف كماله فلينظر في نفسه، في أمره ونهيه ~~وتكوينه، بلا واسطة لسان ولا جارحة ولا مخلوق غيره، فإن صح له المضاء في ~~ذلك، فهو على بينة من ربه في كماله، فإن أمر أو نهى أو شرع في التكوين ~~بواسطة خارجة فلم يقع، أو وقع ولم يعم، مع عموم ذلك بترك الواسطة فقد ~~كمل، ولا يقدح في كماله ما لم يقع في الوجود عن أمره بالواسطة، فإن ~~الصورة الإلهية بهذا ظهرت في الوجود، فإنه تعالى أمر عباده على ألسنة ~~رسله وفي كتابه، فمنهم من أطاع ومنهم من عصى، وبارتفاع الوسايط لا سبيل ~~إلا الطاعة خاصة، ولا يتمكن من إبائه. # قال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " يد الله مع الجماعة ". # وقدرته نافذة، ولهذا لو اجتمع الإنسان في نفسه حتى صار شيئا واحدا ~~أنفذت همته فيما يريد. # وقال أيضا في فصوص الحكم: " بالوهم يخلق كل إنسان في قوة خياله ما ~~لا وجود له إلا فيها، وهذا هو الأمر العام، والعارف يخلق بالهمة ما ~~يكون وجوده في خارج محل الهمة، ولكن لا تزال الهمة تحفظه ولا يؤودها ~~حفط ما خلقه، فمتى طرأ على العارف غفلة عن حفظ ما خلق، عدم ذلك المخلوق ~~". # وقال أبو علي في تعليقاته: " كلما كان أشد تصورا يكون أتم فعلا، ~~إلى أن ينتهي إلى الأول الذي ليس فيه شيء بالقوة، فيلزم أن يصدر عنه ~~كل موجود، والنفس ما دامت تصوراتها بالقوة، لا يصح صدور فعل عنها ~~إلا بصور يصور لها الأشياء ويخرجها من القوة إلى الفعل، والكواكب ~~تؤثر في نفوسنا دون العكس، لأنها غير متشعبة القوى، ونحن قوانا متشعبة ~~يصد بعضها عن فعل بعض بالتمام، ويشغلها عنه كما تشغل الحواس القوى ~~الخيالية عن فعلها بالتمام، وإذا لم يشغلها تم فعلها، كالحال في ~~المنام، والكواكب قواها غير متشعبة ولا صادة بعضها بعضا، بل كأنها ~~قوة واحدة، فالباصرة فيها هي القوة السامعة، وهي القوة المصورة، ~~فكأنها متوفرة على قوة واحدة، فلهذا تؤثر فينا ولا نؤثر فيها ". - ~~انتهى -. # والحاصل أن مبدأ صدور الأفاعيل، ms1610 هو تصورات المبادئ، سواء كانت ~~الأفاعيل دنيوية أو أخروية، بشرط قوة الهمة وشدة جمعية القوى، ~~فلما كان تفرق القوى وتوزع الدواعي مرتفعا في الآخرة - لكون الانقسام ~~والتفرق من خواص هذه النشأة -، فلا محالة يكون هناك للنفوس الكاملة ~~اقتدار تام على انشاء كل ما يتمنونه، واختراع كل ما يتخيرونه من ~~الصور المستلذات كالحور والقصور، والشراب والسلسبيل والزنجبيل، فلكل ~~نفس سعيدة عالم مثل هذا العالم، إلا أن عالمه أشرف وأصفى، لكون ~~موضوعه الجوهر النوري النفساني، وموضوع هذا العالم المادة الكثيفة ~~الظلمانية، وهذا اقل الدرجات وأدنى المنازل لعوام أهل الجنة، ولمن ~~ينجو من عذاب النيران بالشفاعة أو التفضل، وللجنة طبقات بعضها فوق بعض. ### || [56.22-23] # قرئ بالرفع، إما على تقدير: " وفيها حور عين ". أو على العطف على " ~~ولدان ". وبالجر: إما عطفا على " جنات النعيم " ، أو " أكواب ". ~~وبالنصب على تقدير: " ويؤتون حورا عين " ، أي: ذوات نفسانية نورية من ~~النفوس الواقعة تحت مراقبتهم العقلية، في مقام تجليات الجمال وسرادقات ~~الجلال، وفي مجال مشاهداتهم الصفات في روضات القدس وحضرة الأسماء، لأن ~~نسبة النفس إلى العقل المكمل لها بالإفاضة والتشويق. نسبة حواء إلى ~~آدم. # وإنما وصفت بالعين، لأن ذواتها كلها عيون لا يمدون طرفا عنها، كما ~~في قوله: # وعندهم قاصرات الطرف عين # [الصافات:48]. وذلك لفرط محبتهن وعشقهن لهم، لأنهم هم المعاشيق، لأن ~~الحب من لوازم الوجود لأنه خير محض، وكل خير محبوب مؤثر إذا ابرئ من ~~الشرور، وكلما هو عقل بالفعل فهو وجود بريء عن الشر، طاهر عن دنس ~~الآفات والنقايص، فيكون معشوقا بالفعل - عشقه غيره أم لا -، كما هو ~~معقول بالفعل - عقله غيره أم لا. ### || [56.24] # كل ذلك يؤتى لهم جزاء بأعمالهم، فإن جزاء علومهم وتعقلاتهم ليس ~~الجنة وما فيها، بل مشاهدة ذات الحق الأول وصفاته وأسمائه، وذوات ~~العقول المقدسين، والملائكة المقربين وصافتهم وآثارهم. # وتحقيق ذلك: ان اللذات تابعة للإدراكات، والإنسان جامع لجملة من القوى ~~والغرائز، ولكل قوة وغريزة لذة، ولذتها في نيلها لمقتضى طبعها الذي ~~خلقت له، وألمها في فقدان ذلك عنها، ولذة الغضب في التشفي ms1611 والإنتقام، ~~ولذة الشهوة في النكاح والطعام، ولذة البصر في درك الأضواء والأنوار، ~~ولذة السمع في الأصوات المناسبة والألحان، ولذة الوهم في الرجاء. وألم ~~كل منها في فقد ما يناسبه. فكذلك في قلب الإنسان قوة تسمى بالنور ~~الإلهي لقوله: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر:22]. # وقد تسمى بالروح الإلهي لقوله: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي # [الحجر:29]. وهو غير الروح الحيواني لكونه من عالم الخلق، وهو من ~~عالم الأمر لقوله: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء:85]. # وقد تسمى بالعقل النظري، وبالبصيرة الباطنة، وهو ممتاز عن ساير القوى ~~والمشاعر، في أن مدركاته هي المعاني التي ليست متخيلة ولا محسوسة، ~~ولذاته ونعمه في نيلها، وشقاوته وجحيمه في الجهل بها والجحود لها. # فهذه القوى قد خلقت وابدعت لكي تدرك حقايق الأمور كلها، فمقتضى طبعها ~~معرفة صور الأشياء العقلية، من إدراك الحق الإله وملائكته، وإدراك خلق ~~العالم، وافتقاره إلى خالق مدبر حكيم موصوف بالصفات الإلهية، وبها ~~تحصل لذته وسعادته، كما أن بمقتضى طبع ساير القوى تحصل لذتها. # ولا يخفى على ذوي البصائر، ان في المعرفة والحكمة لذة تفوق ساير ~~اللذات، ومن لم يدرك ان في الحكمة لذة وفي تركها ألما فذلك لأنه لم ~~يخلق بعد هذه الغريزة النورانية والبصيرة الباطنة في قلبه، فقد علم أن ~~سعادة الجوهر العقلي من الإنسان في إدراك الحقايق العقلية، وفيها نعيمه، ~~فنعيمه لا يوجد في السماء ولا في الأرض، ولا في الدنيا ولا في الآخرة، ~~ولا في الجنة ولا في النار. وبوجه يوجد في الجميع، إذ لكل واحدة منها ~~حقيقة عقلية، وصورة مفارقة يشاهدها العارف ويستلذ بها في مرائي ~~محسوساتها، ومظاهر قابلياتها محتجبة عن الأبصار، مختفية عن أنظار ~~الأغيار، إلا أنها لا تنكشف له حق الإنكشاف، ولا تتجلى له كل ~~التجلي إلا بعد الإنقطاع التام عن الدنيا، والإنتزاع عن المادة ~~البدنية، فتتجلى له حينئذ تجليا، ليكون انشكاف تجليها بالقياس إلى ~~ما علمه كانكاشف تجلي المرايا بلا حجاب بالقياس إلى أشباحها الخيالية، ~~بل المعرفة الحاصلة في ms1612 قلبه هي بعينها تستكمل في حقه، وتنقلب مشاهدة ~~صريحة، كما أن نفسه المدبرة لبدنه تنقلب في الاستكمال عقلا مفارقا، ~~ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف إلا من حيث ~~زيادة الكشف وتمام الوضوح كما في قوله: # نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ~~ربنآ أتمم لنا نورنا # [التحريم:8]. # ثم لا يخفى، ان لذة كل علم وإدراك عقلي، ليست في درجة واحدة، لظهور ~~أن لذة العلم بالحراثة والخياطة ليست كلذة العلم باله وصفاته وملائكته ~~وملكوت السموات، لأن زيادة اللذة في العلم بقدر زيادة شرف وجود ~~المعلوم، وزيادة شرف الوجود بقدر كماله وشدته وبراءته عن النقص ~~والإمكان، والزوال والتغير، فأجل اللذات وأعلى السعادات هو معرفة ~~الله تعالى، والنظر إلى وجهه الكريم، وإلى أسرار الأمور الإلهية، ~~وكيفية تدبيره لعالمي الملك والملكوت، وغاية العبارة عنه أن يقال: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة:17] وانه أعد لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر. # فإذا، جزاء المعرفة والحكمة هو جميع أقطار ملكوت السموات والأرض وجميع ~~صورها العقلية ميدان العارف، يتبوء منها حيث يشاء من غير حاجة إلى أن ~~يتحرك إليها بشخصه، فهو من ملاحظة جمال الملكوت في جنة عرضها السموات ~~والأرض، وكل عارف فله مثلها، من غير أن يضيق على غيره، إلا أنهم ~~يتفاوتون في سعة متنزهاتهم وكمال سعادتهم بقدر كثرة علومهم، وقوة ~~نظرهم، ورسوخ معرفتهم، وهم درجات عند الله. # وقد وقعت الإشارة فيما مر إلى أن أجناس العوالم والنشآت منحصرة في ~~ثلاثة - كما ان مشاعر الإنسان ومداركه ثلاث درجات -، وكل عالم ونشأة ~~له مشعر خاص من الإنسان، وهو أيضا بحسب كمال كل درجة من درجاته ~~الثلاث يقع في عالم من العوالم الثلاثة، ويكون من الصور الموجودة في ~~ذلك العالم. # فعالم الدنيا ونشأة المحسوسات تختص بإدراك صورها الحسية الحواس ~~الظاهرة، والإنسان يقع فيها ويدرك الصور المادية ويستلذ بها من حيث ~~اشتماله على الجوهر الحاس، وبذلك يشارك الحيوانات اللحمية. # وأما عالم الصور الأخروية - وهو النشأة ms1613 الغيبية -، فتختص بإدراكها ~~الحواس الباطنة، والإنسان يقع فيها ويدرك صورها المجردة عن المادة دون ~~المقدار والشكل، ويستلذ بها لاشتماله على جوهر العقل العملي والتخيل ~~بالفعل، وبذلك يشارك الجن وضربا من الملائكة النفسانية. # وأما عالم الصور المفارقة الإلهية، والمثل النورية، والنشأة ~~القدسية، فتختص بإداركها القوة الروحانية والبصيرة العقلية، ~~والإنسان يقع فيها ويدرك صورها ببصيرته العقلية وقوته القدسية، وهذه ~~القوة مفقودة في أكثر الناس - بل لا توجد إلا نادرا -، وعالم الدنيا ~~منبع الظلمات ومعدن الآفات، كما أن العالم الثالث محض الأنوار والخيرات ~~المفارقة عن الشر بالكلية. # وأما العالم الأوسط فينقسم إلى صور نورية وظلمانية، ولكل منها طبقات ~~هي طبقات الجنة والنار، فأهل الدنيا أشقياء محض، وأهل الله سعداء محض، ~~وأهل الآخرة ينقسمون إلى السعداء - وهم أصحاب اليمين وأهل الجنة -، وإلى ~~الأشقياء - وهم أصحاب الشمال وأهل النار -، فمن عمل للدنيا كان أجره ~~وجزاؤه المال والجاه، وعاقبته الحسرة والندامة والحرقة بالنار، ومن عمل ~~للآخرة كان أجره وجزاؤه الجنة والحور والقصور، ومن نظر في معرفة الله ~~وعلم مبدأه ومعاده وتصور حقايق الأشياء كما هي، وصدق بوجودها، كان ~~أجره وجزاؤه الإتصال بالملأ الأعلى، ومجاورة الحق الأول ومطالعة ~~ملكوته، ودوام النظر إلى وجهه الكريم، وذلك هو الفوز العظيم والفضل ~~الجسيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ولذلك جعل الله المذكورات ~~من السرر والولدان والكأس من معين، والفاكهة ولحم الطير والحور العين ~~جزاء للأعمال، لا جزاء العلوم والمعارف، إذ لا غاية لها إلا أنفسها. # قال بعض العرفاء: إن لله عبادا ليس يشغلهم عن الله خوف النار ورجاء ~~الجنة. # وهكذا حكى عن نفسه الشريفة أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له. وقد ~~سأله بعضهم: أخبرني أي شيء أهاجك إلى العبادة والإنقطاع عن الخلق؟ # فسكت، فقال: ذكر الموت؟ # فقال: أي شيء الموت؟ # فقال: ذكر خوف القبر؟ # فقال: وأي شيء هذا؟ # فقال: خوف النار ورجاء الجنة. فقال: وأي شيء هذا؟ فقال: إن ملكا ~~بيده هذا كله إن أحببته أنساك جميع ذلك، وإن كانت بينه وبينك معرفة كفاك ~~جميع هذا. # وفي ms1614 أخبار عيسى (عليه السلام): إذا رأيت التقي مشغوفا في طلب الرب ~~تعالى فقد ألهاه ذلك عن جميع ما سواه. # ولا يخفى عليك أن المشغوف بمعرفة الله وملكوته، هم العرفاء والإلهيون ~~والحكماء الربانيون، وإني لم أجد في وجه الأرض من له شغف بعلومهم ~~ومعارفهم إلا واحدا، تصديقا لقول من قال: " جل جناب الحق عن أن ~~يكون شريعة لكل وارد أو أن يطلع عليه إلا واحدا بعد واحد ". # وإذا بلغ الرجل إلى غاية يكون شغفه مقصورا على إدراك أحوال الربوبية، ~~انحطت درجته عند الناس - إذ يخرج كلامه عن حدود عقولهم -، ويهجرهم ~~ويهجرونه ويتركهم ودينهم وينفرد عنهم آخذا بدينه عاملا بوصية ربه - # قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون # [الأنعام:91]. ### || [56.25] # " اللغو " و " العبث " من فعل القوة المتخيلة إذا لم يكن معها غاية ~~عقلية أو فكرية. # و " التأثيم " من فعل القوة الطبيعية عند عصيانها عن طاعة النفس. # فالأول ناش من ضعف العقل، والثاني من غلبة الطبيعة وانقهار النفس ~~وعجزها، وهما منتفيان عن أهل الجنان وأصحاب الرضوان. ### || [56.26] # لسلامة صدورهم ونقاء سريرتهم عن الغش والعداوة، وسلامة أقوالهم ~~واعتقاداتهم عن الكذب والغلط، فلا يسمعون إلا قول بعضهم لبعض على وجه ~~التحية: سلاما سلاما. فيفشون بينهم السلام وحسن الكلام. # ونصب " سلاما " ، إما على البدلية ل " قيلا " ، وإما على كونه ~~مفعولا به، وإما على المصدرية بتقدير: سلمك الله سلاما. ### || [56.27] # لما ذكر بعض آثار مناقب المقربين، أراد أن يذكر بعض نتايج محاسن ~~السعداء، وجزاء أعمالهم، فذكرهم أولا، وعجب من حالهم نفخيما لشأنهم ~~في حسن مآلهم. ### || [56.28-31] # " السدر ": شجر النبق. و " المخضود ": ما لا شوك له. وأصل الخضد ~~عطف العود اللين، فكان المخضود لكونه لينا رطبا لا شوك له غالبا. # و " الطلح ": كل شجر عظيم الشوك. وقيل شجر الموز. وقيل شجر أم ~~غيلان، وله نور كثير الرائحة. # و " المنضود ": الذي نضد بعضه على بعض بالحمل من أسفل ساقه إلى أعلى ~~أفنانه، فليست له سوق بارزة بل كله ثمر. # و " ظل ممدود ": أي منبسط دائم لا يتقلص ولا تنسخه ms1615 الشمس. # و " ماء مسكوب ": أي مصبوب. # فإن قلت: بعض هذه اللذات مما لا يرغب فيها رغبة بالغة، بل يعافه طبع ~~أكثر الناس، وكذا الكلام في العسل واللبن والإستبرق، فما سبب إيرادها. # قلنا: سبب ذلك أمران: # أحدهما: أنها مما خوطب به جماعة عظمت هذه الأمور في أعينهم ويشتهونه ~~غاية الشهوة، ولكل إقليم مطاعم ومشارب وملابس يختص بذوقها قوم دون قوم، ~~ولكل أحد في الجنة ما يشتهيه كما قال تعالى: # ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما ~~تدعون # [فصلت:31]. # وثانيهما: لكل شيء يكون في الدنيا فله صورة في الآخرة وكثيرا ما تكون ~~صورته الدنيوية سمجة كريهة، وصورته الأخروية في غاية الحسن واللطافة، ~~أو لا ترى أن أهل الايمان كثيرا ما يكونوا في الدنيا شعثا غبرا صفر ~~الوجوده أو سودها، وفي الآخرة وجوههم أضوء من الشمس وأنور من القمر؟ أو ~~ما سمعت أن خلوق فم الصائم عند الملائكة أطيب من رائحة المسك الأذفر؟ # فهكذا قياس ساير هذه الأمور، فيحتمل أن يراد بهذه الألفاظ إما غير ~~معانيها المعهودة، أو خلاف أفرادها الموجودة - مخالفة نوعية أو بحسب ~~الكمال والنقص -. # أما السدر: فلا يبعد أن يراد به السدرة المنتهى، وهي الحد الذي ~~من تجاوز عنه تجاوز من عالم الصورة إلى عالم المعاني الصرفة، ولذا ~~قيل: إنها في منتهى الجنة وآخرها. وقيل في وصفها: إنها شجرة نبق في ~~السماء السابعة عن يمين العرش، ثمرها كقلال هجر، وورقها كآذان الفيلة، ~~تنبع من أصلها الأنهار التي ذكرها الله تعالى في كتابه، يسير الراكب في ~~ظلها سبعين عاما لا يقطعها. # وقيل: لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الملائكة وغيرهم، ولا يعلم أحد ~~ما وراءها. # وقيل: تنتهى إليها أرواح الشهداء، قال تعالى: # عندها جنة المأوى # [النجم:15]، أي تأوي إليها أرواح السعداء وأصحاب اليمين. # ومن قال إنها ينتهى إليها علم الملائكة وغيرهم، ولا يعلم أحد ما وراءها ~~أراد بالعلم التخيلية الجزئية المتعلقة بعالم الصور والأشباح، دون ~~المعارف العقلية المتعلقة بعالم المحضة، وأكثر إطلاق الملائكة على ~~الجواهر المتعلقة بالأجسام وملكوتها وباطنها، فتكون ms1616 علومها علوما ~~جزئية، دون علوم المقربين المجردين عن عالم الصور، وأراد من غيرهم ~~أصحاب اليمين، المقتصرين في العلوم على ما يسمعون بحسب النقل والرواية ~~فيما يتعلق بالأعمال، دون المكاشفات الغيبية بحقايق الأشياء وأحوالها. # وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " رأيت على كل ورقة من أوراقها ملكا قائما يسبح الله ". # وعند العرفاء: إن المراد من هذه الشجرة في العالم الكبير قوة ~~ملكوتية مظهرها السماء السابعة، شأنها تصوير الحقايق وتنزيلها منزلة ~~التخليق والتشكيل، وهي متوسطة بين عالم الأمر والخلق. # وفي العالم الصغير الإنساني، القوة الخيالية التي مظهرها اللطيفة ~~البخارية الواقعة في بعض تجاويف الدماغ، التي في لطافتها وشفافيتها تشبه ~~السماء السابعة، وهي - أيضا - متوسطة بين العقل والحس، شأنه تجسيم ~~المعقولات وتجريد المحسوسات. ولهذا وقع في بعض الروايات عن ابن مسعود ~~والضحاك: إنها شجرة ينتهي إليها ما يعرج إلى السماء وينزل إليها ما ~~يهبط من فوقها من أمر الله. # وروي أيضا: إنها ينتهي إليها ما يهبط من فوقها فيفيض منها، وإليها ~~ينتهي ما يعرج من الأرواح. # فإذا تقرر هذا، فيحتمل أن يراد من السدر المذكور في هذه السورة، هذه ~~القوة الإنسانية، ومن المذكور في سورة النجم تلك القوة الملكوتية ~~العظيمة الواقعة بين العالمين، التي بلغ إلى حدها معراج النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بشخصه وجسده، ثم تجاوز عنها بروحه المقدس. # وأما الطلح المنضود: ففيه شبه ما في السدر في نسبة صورته الأخروية، ~~وعن علي (عليه السلام) أنه قرأ عنده رجل: وطلح منضود، قال: ~~وطلع، وما شأن الطلح؟ - وقرأ قوله: لها طلع نضيد - فقيل له: ~~أو نحولها؟ # فقال (عليه السلام): # " إن القرآن لا يهاج اليوم ولا يحول ". # وعن ابن عباس: ورواه أصحابنا عن يعقوب بن شعيب، قال: قلت لأبي عبد الله ~~(عليه السلام): وطلح منضود؟ قال: لا، وطلع منضود. # وأما " الظل الممدود ": فيراد به ظل رحمة الله وعكس نوره وجوده ~~الواقع على المخلوقات - الأقرب فالأقرب -، كما في قوله: # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شآء ~~لجعله ساكنا # [الفرقان:45]. - الآية ms1617 -. # وأما " الماء المسكوب ": فيراد به عين ماء الحياة الأبدية الساكب ~~دائما من أسكوب منبع الفضل والرحمة، وقيل: يسكب لهم دائما أين شاؤوا ~~وكيف شاؤوا - لا يتعبون ولا يتعبون فيه -. وقيل: مصبوب، يجري على وجه ~~الأرض حيث أرادوا من غير أخدود. وقيل: مسكوب ليشرب على ما يرى من حسنه ~~وصفائه. ### || [56.32-33] # تكرير ذكر الفاكهة لاختلاف الصفة. فوصف فاكهة المقربين بأنها ~~متخيرة لهم، ووصف فاكهة أصحاب اليمين بأنها كثيرة غير مقطوعة ولا ~~ممنوعة عنهم. ولعل الوجه في هذا الاختلاف، أن المقربين لكونهم في مقام ~~الجمعية ودرجة الأمر والتكوين، فكلما هو موجود لهم فهو موجود عندهم وقد ~~مر أن شهواتهم وإراداتهم مبادي حصول الأشياء لأن علومهم فعلية، ~~وأما غيرهم: فإن كان من أصحاب الشمال ومن سكان عالم الحس والطبع، ~~فهو مجبور محض في فعله، لأن مرتبته مرتبة الطبيعة، ولها درجة الإنفعال ~~لمجاورتها واتصالها بالمواد الإنفعالية النازلة في صف النعال وفي ~~النزال، وإن كان من أصحاب اليمين فمقامه مقام النفس، إلا أنه نهى النفس ~~عن الهوى، وهوى إلى درجة الطبيعة والدنيا، والنفس من حيث هي نفس وإن ~~كانت مختارة في فعلها، إلا أن فعلها كاختيارها ليس يصدر عنها ~~بالإستقلال، بل بمشاركة مبدأ عقلي وإمداد جوهر قدسي، وتأييد ملك علوي ~~من الملائكة العلوية القعلية، فمنه تفيض كمالاتها، ومنه يأتي رزقها ~~رغدا، وليست أرزاقها بتقديرها بل بتقدير مقدر عليم، وإنما شأنها ~~استدعاء الرزق والنعمة واستجلابها وطلبها لا غير، ولها من الاختيار ~~والمشية هذا المقدار لا يزيد عليه. وأما التكوين والتحصيل فمن فوقها. # وأما وصف فاكهتهم بالكثرة وعدم الانقطاع المقابل له - تقابل العدم ~~والملكة -، المستلزم للاستمرار الإمتدادي الزماني، وعدم المنع المقابل له ~~هذا التقابل دون فاكهة المقربين: فلأن عالمهم عالم الصورة والمقدار، ~~وعالم المقربين عالم الوحدة والجمعية، وعالم المعاني المجردة ~~والجواهر المرتفعة عن الكثرة العددية، الخارجة عن الإمتداد واللاإمتداد ~~والاستمرار واللاإستمرار، المتبرئة عن الإنقطاع واللاإنقطاع لتجردهم عن ~~الزمان والمكان، وتقدسهم عن التجدد والحدثان، مع أن في ذلك العالم ~~يوجد جميع ما يوجد في عالم المقادير من صور ms1618 الأنواع الكثيرة، إلا أنها ~~فيه على وجه أعلى وأتم، وأحسن وأحكم. # وهذا مما حققه وقرر بعض الحكماء الراسخين، والأولياء الشامخين، من ~~المتقدمين المقتبسين نور الحكمة من مشكاة الوحي والنبوة في كتابه ~~المعروف بمعرفة الربوبية حيث قال: # " إن العالم الحسي كله مثال وصنم العالم العقلي، فإن كان هذا ~~العالم حيا فبالحري أن يكون ذلك حيا، وإن كان هذا العالم تاما ~~كاملا فبالحري أن يكون ذلك العالم أتم تماما وأكمل كمالا، لأنه هو ~~المفيض على هذا العالم الحياة والقوة والكمال والدوام. فإن كان العالم ~~الأعلى تماما في غاية التمام، فلا محالة إن هناك الأشياء كلها - إلا ~~أنها فيه بنحو أعلى وأشرف - فثم سماء ذات حياة وفيها كواكب مثل هذه ~~الكواكب التي في هذه السماء، غير أنها أنور وأكمل، وليس بينها افتراق ~~كما يرى ها هنا وذلك لأنها ليست جسمانية. وهناك أرض ليس ذات سباخ، ~~لكنها كلها حية عارمة وفيها الحيوانات كلها الأرضية التي هنا، وفيها ~~نبات مغروس في الحياة، وفيها بحار وأنهار جارية تجري جريا حيوانيا ~~وفيها الحيوانات المائية كلها، وهناك هواء وفيه حيوانات هوائية حية ~~شبيهة بذلك الهواء ". # " والأشياء التي هناك كلها حية لأنها في عالم الحياة المحض لا ~~يشوبها الموت البتة، وطبايع الحيوان التي هناك مثل طبايع هذه الحيوانات ~~إلا أن الطبيعة هناك أعلى وأشرف من هذه الطبيعة لأنها عقلية ". # وقال أيضا: " إن الأشياء التي هناك كلها مملوة غنى وحياة كأنها ~~حياة تغلي وتفور، وجري حياة تلك الأشياء إنما ينبع من عين واحدة، ~~وكيفية ذلك العالم كأنها حرارة واحدة أو ريح واحدة فقط، بل كلها ~~كيفية واحدة يوجد فيها كل طعم، وانك تجد في تلك الكيفية الواحدة طعم ~~الحلاوة والشراب وساير الأشياء - ذوات الطعوم وقواها، وساير الأشياء ~~الطيبة الروايح، وجميع الألوان الواقعة تحت البصر، وجميع الأشياء ~~الواقعة تحت اللمس، وجميع الأشياء الواقعة تحت السماع - اللحون كلها -، ~~وأصناف الايقاعات، وجميع الأشياء الواقعة تحت الحس، وهذه كلها موجودة ~~في كيفية واحدة مبسوطة، لأن تلك الكيفية الواحدة حيوانية عقلانية ~~تسع جميع الكيفيات التي ms1619 وصفناها، ولا تضيق عن شيء منها من غير أن يختلط ~~بعضها ببعض ويفسد بعضها ببعض، بل كلها فيه محفوظة كأن كل منها قائم ~~على حدة ". - انتهى كلامه بترجمة حنين بن اسحق -. # فقد صح أن كل شيء في العالم الأعلى العقلي مع وحدته عين أشياء ~~كثيرة، ففاكهة واحدة مع وحدتها مشتملة على فواكه كثيرة مما في العالم ~~الأوسط وجنة أصحاب اليمين، وهذا أمر محقق عند أهل الذوق والوجدان، ~~وثابت عند الواغلين في الحكمة بالبرهان. ### || [56.34-37] # وبسط عالية ليست على وجه هذه الأرض السفلية، كما يقال: بناء مرفوع، لا ~~أنها كانت محفوظة ثم رفعت. وقيل: منضود بعضها على بعض حتى ارتفعت أو ~~مرفوعة على الأسرة. # وعن الجبائي: إن معناه ونساء مرتفعات القدر في عقولهن وحسنهن ~~وكمالهن، بدلالة تعقبها بقوله: { إنآ أنشأناهن إنشآء }. ~~لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، فيقال لامرأة الرجل: فراشه، ومنه قوله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): # " الولد للفراش وللعاهر الحجر ". # وعلى التفسير الأول أضمر لهن، لأن ذكر الفراش - أي المضاجع - دل ~~عليهن. # { أنشأناهن }: أي ابتدأنا خلقهن من غير مادة ولا ولادة، لأن ~~أمور الآخرة كلها إنشاءات من غير مادة واستعداد وحركة، بخلاف أمور ~~الدنيا، فإن كلها ماديات متجددة منقضية، فاعلها طبيعة سيالة الوجود ~~تدريجية الحصول، وقابلها قوة إنفعالية تجددية، والتأثير من الفاعل ~~ليس إلا التحريك والإعداد - دون الإنشاء والايجاد -، فإما أن يراد بهن ~~اللاتي ابتدأ انشاءهن، أو اللاتي أعيد خلقهن على سبيل العود. # " وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن أم سلمة رضي الله عنها ~~سألته عن قول تعالى: { إنآ أنشأناهن إنشآء }؟ فقال: يا أم ~~سلمة، هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجايز شمطا رمصا، جعلهن ~~الله بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد في الاستواء، كلما أتاهن ~~أزواجهن وجدوهن أبكارا. # فلما سمعت عايشة ذلك قالت: واوجعاه. فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): ليس هناك وجع. # وقالت عجوز لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ادع الله أن يدخلني ~~الجنة. # فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إن ms1620 الجنة لا تدخلها العجايز. # فولت وهي تبكي. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أخبروها انها ليست ~~يومئذ بعجوز وقرأ الآية ". # عربا: - بضم الراء - وقرئ: بسكونها تخفيفا جمع " عروب " أي: ~~متحننات على أزواجهن متحببات إليهم، حسنات التبعل. # أترابا: متشابهات مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين، وكذلك أزواجهن، ~~لما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه يدخل الجنة أهل ~~الجنة جردا مردا بيضا جعدا مكحلين، أبناء ثلاث وثلاثين. ### || [56.38] # اللام من صلة " أنشأنا " أو " جعلنا ". ويحتمل كون الظرف مستقرا، أي: ~~هذا المذكور حاصل لأصحاب اليمين جزاء لأعمالهم وميراثا عن طاعتهم. ### || [56.39-40] # أي: طائفة من الأمم السابقة، وطائفة من مؤمني هذه الأمة. # قال الحسن: سابقوا الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة، وتابعو ~~الأمم الماضية مثل تابعي هذه الأمة، ويوافقه قول مقاتل وعطاء وجماعة من ~~المفسرين، والأرجح أن الثلتين جميعا من هذه الأمة - كما دل عليه ~~الحديث المنقول آنفا - وهو أيضا قول مجاهد والضحاك واختيار الزجاج. # ومما يؤيد هذا، أن نوع الإنسان منذ أول بعثة آدم كان سالكا سبيل ~~الحق بالاهتداء، متدرجا في الترقي والاستعلاء، متطورا في أطوار ~~الكمالات من جهة تلاحق الاستعدادات، وظهور الأسماء بمقتضى بعثة الانبياء، ~~ونزول الآيات وترادف المعجزات بحسب خصوصيات الأزمنة والأوقات، حتى وصلت ~~النوبة في السعادة والاهتداء، إلى ظهور نبوة خاتم الأنبياء (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، فبلغ الترقي في الكمال إلى منتهاه، ووصل الروح الآدمي ~~إلى مبتغاه بحسب الفطرة الثانية والنشأة الباقية. # وحكي عن أرسطاطاليس الحكيم أنه قال: وراء طور العقل طور آخر، لكنه ~~إنما يكون لأهل آخر الزمان، كما أن طور الحواس كان للأوايل ونبيهم ~~إدريس، فاطلعوا بحواسهم على ما في السموات من عدد الكرات الفلكية ~~والكواكب وهيآتها وحركاتها، ثم طور الوهم والهمة كان لبني اسرائيل وكان ~~نبيهم موسى، وكان إذا تأذى من قوم يهلك منهم بلحظة ألوفا كثيرة. # ثم طور العقل فهو لنا. ثم طور وراء طور العقل يكون لأهل آخر الزمان. # ثم قال رجل من الفلاسفة كان بعده. صدق فيما قال ms1621 أرسطو، ونبي هؤلاء ~~محمد بن عبد الله العربي، فإنه اطلع على أمور بحسب الوحي من الله لم ~~يدركها من كان قبله، ثم إن فضيلة هذا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~على ساير الأنبياء تدل على فضيلة أمته على ساير الأمم، كما في قوله: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران:110]. وزيادة الشرف والفضيلة في النبي تدل على كثرة عدد ~~الصحابة والتابعين والأئمة الهداة والمأمومين والأتباع الصالحين ~~والأشياع المؤمنين. # ومما يؤيد هذا القول ويعضده من طريق الرواية، ما رواه نقلة الأخبار ~~بالاسناد عن ابن مسعود قال: # " تحدثنا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة حتى أكثرنا ~~الحديث، ثم رجعنا إلى أهلنا، فلما أصبحنا غدونا إلى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فقال: عرضت علي الأنبياء الليلة بأتباعها من ~~أممها، فكان النبي يجيء معه الثلة من أمته، والنبي معه العصابة من ~~أمته، والنبي معه النفر من أمته، والنبي معه الرجل من أمته، والنبي ~~ما من أمته أحد، حتى أتى أخي موسى في كبكبة من بني اسرائيل، فلما ~~رأيتهم أعجبوني، فقلت: ربي من هؤلاء؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران ومن ~~معه من بين اسرائيل. # قلت: يا رب، فأين أمتي؟ قال: انظر عن يمينك. فإذ ظراب مكة قد سدت ~~بوجوه الرجال. فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمتك، أرضيت؟ فقلت: رب ~~رضيت. # وقال: انظر عن يسارك. فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال. فقلت: يا رب ~~من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمتك. أرضيت؟ فقلت: رب رضيت. # فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة بلا حساب، قال: ~~فأنشأ عكاشة بن محصن من بني أسد بن خزيمة، فقال: يا نبي الله، ادع ربك ~~أن يجعلني منهم. فقال: اللهم اجعله منهم. # ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله، ادع ربك أن يجعلني منهم. # فقال: سبقك بها عكاشة. # فقال نبي الله - صلوات الله عليه -: فداكم أبي وأمي، إن استطعتم أن ~~تكونوا من السبعين ألفا، فكونوا. وإن قصرتم وعجزتم فكونوا من أهل ~~الظراب، ms1622 وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من الأفق. وإني قد رأيت ثمة أناسا ~~كثيرا يتهارشون كثيرا. # فقلت: من هؤلاء؟ ومن السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم ناس ~~ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه، فانتهى حديثهم ~~إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ليس كذلك. ولكنهم الذين ~~لا يسرقون ولا يتكبرون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. # ثم قال: وإني لأرجو أن يكون من تبعني ربع أهل الجنة. قال: فكبرنا، ~~ثم قال: إني لأرجو أن يكونوا ثلث أهل الجنة، فكبرنا. ثم قال: إني ~~لأرجوا أن يكونوا شطر أهل الجنة. ثم تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) { ثلة من الأولين وقليل من الآخرين } ". ### || [56.41] # ثم ذكر سبحانه أصحاب الشمال، وعجب رسوله من حالهم، وهم الذين يؤخذ بهم ~~ذات الشمال إلى جهنم، أي قعر العالم، كما أفصح عن اسمها، يقال: بئر ~~جهنام إذا كانت بعيدة القعر. # أو الذين يأخذون كتبهم بشمالهم، أي من جانب الحس والطبيعة، وقد مر ~~بيان أن المعنيين متلازمان. وبيانه بوجه آخر: ان النفس الكلية ~~الموصوفة بالقوتين - المعبر عنها بلسان الشرع ب " اللوح المحفوظ " - ~~ظل للعقل الكلي - المعبر عنه ب " القلم الأعلى " و " النور المحمدي ~~" ، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " أول ما خلق الله نوري ". # كما أن الطبيعة ظلها، فما لم تمتد من ظل النفس وبقيت في درجة ~~النورية سميت بالزمردة الخضراء، وما امتد من ظل النفس فتسمى ~~طبيعة وكان امتدادها على جوهر الهيولى المظلمة، فظهر من جوهر الهيولى ~~والطبيعة الجسم الطبيعي مظلما، ولهذا شبهوه بالفحمة السوداء، وفي هذا ~~الجسم ظهرت صور هذا العالم وأشكاله. # فكما علمت هذا في النفس الكلية، فاعلم أن الحال في النفوس الجزئية ~~هكذا، لأنها رقائق للنفس الكلية، فلكل نفس جزئية جانبان: الأعلى وهو ~~اليمين، والأسفل وهو الشمال. وليس لها الانتقال من طرف إلى طرف إلا ~~أفراد النفوس الإنسانية، فإن كلا منها كطير له جناحان، بأحدهما يطير ~~إلى فوق - وهو القوة النظرية - وبالآخر يهوي إلى تحت، وهو القوة ~~العملية، فمن ms1623 طارت نفسه إلى العالم الأعلى، إما بقوة ذاته كالمجتهدين ~~العارفين، أو بقوة غيره كالمقلدين المريدين، فهو من أهل السعادة ~~الأخروية، إما من الفائزين المقربين، أو من أصحاب اليمين الناجين. # ومن هوت نفسه إلى العالم الأسفل، ونزلت درجته إلى درجة الطبيعة ~~والحواس، فهو من أهل الشقاوة الأخروية، وأصحاب الشمال والوبال، ~~لركونه وسكونه إلى عالم الطبيعة. فإذا زالت عنه القوى الطبيعية، ونفدت ~~منه هذه الحواس، كان كانسان مقطوع الأعضاء، ممثول الأطراف في ظلمة شديدة ~~لا أوحش منها، فما أصعب حال أصحاب الشمال، وما أشد نكال أهل الظلمة ~~والوبال. # فأراد سبحانه أن يكشف عن سوء أحوالهم وقبح وبالهم: ### || [56.42-44] # أي في ريح حارة حر نار تدخل مسامهم وخروقهم وفي ماء مغلي حار متناهي ~~الحرارة، وظل من دخان أسود شديد السواد، لا بارد يستراح إليه ويسكن لديه، ~~ولا كريم ينتفع به ويتخلص من يأوي إليه من ألم الحر وأذى الجحيم، ~~سماه " ظلا " ، ثم نفى عنه صفتي الظل، والمراد إثبات مقابل هذين ~~الصفتين، والمعنى أنه ظل حار ضار لا كظلال أهل الجنة، وللنفي في ~~مثل هذا الكلام بلاغة ليست للاثبات، لاشتماله على ضرب من التهكم بأصحاب ~~الشمال، وأنهم قد حرموا روح تلك الظلال العالية، وبردها ونفعها. # واعلم - إن كنت من أهله - أن صورة جهنم وأهلها هي بعينها من حقيقة هذه ~~الدنيا وأهلها، لكنها يظهر هناك باطنها ويبطن ظاهرها، كما أن ها هنا ~~طويت سرائرها ونشرت ظواهرها، فالسموم بالحقيقة هي من نار الطبيعة ~~الفاعلة للحرارة الشديدة في بواطن الأجسام المركبة من العناصر، فإن ~~فعلها في تحليل الرطوبات الحاصلة في بدن النبات والحيوان، وإفناء ~~فضلاتها، أقوى من فعل النار المحسوسة في الحطب اليابس، فنار الطبيعة ~~المستورة عن الأبصار، الكامنة في هذه الأجسام، هي أحق باسم النار من هذه ~~النار التي هي إحدى الأسطقسات، لأنها تفعل في بواطن الأجساد أكثر من ~~ظواهرها، بخلاف هذه، ولأنها أتم فعلا وأدوم تأثيرا حيث لا يصادم ~~تأثيرها مجاورة الماء لأنها تجامعه وتؤثر فيه. # على أن هذه النار المحسوسة أيضا مبدأ ناريتها ومنشأ ms1624 إحراقها وتفريقها ~~المختلفات، طبيعة غير محسوسة، ولها صورة أخروية قريبة من نار الطبيعة ~~الكلية في جميع الأجسام من صور غيرها من العناصر، وهي كلها بالقياس إلى ~~نار النفس الأمارة الموقدة التي تطلع على الأفئدة، كشرارة من نار ~~عظيمة، وهاتان الناران - أي نار الطبيعة ونار النفس الشريرة - كامنتان عن ~~مشاهدة الخلق هنا، ظاهرتان عليهم يوم القيامة. # وأما الحميم: فهو من حقيقة مياه هذا العالم إذا تسخنت في الأجسام ~~والأبدان النباتية والحيوانية، واشتدت سخونتها بفعل الحرارة الغريزية ~~الكامنة فيها، وخصوصا إذا انضمت إليها الحرارة الغريبة الحاصلة من ~~التعب والمشقة، أو الاستحمام، أو من الحميات الشديدة، أو من الهواء ~~المطيف بالبدن، أو من شدة تسخين الشمس أو تجميد الزمهرير - الموجب ~~لاحتباس الحرارة أيضا في الباطن -، أو غير ذلك مما لا يخلو عنه أهل ~~الدنيا. # وأهل السلامة الأخروية قد انقطعوا وتخلصوا بباطنهم عنها، فلا جرم ~~نجوا عن علوق أمثال هذه الأمور. وأهل الشقاوة لما تعلقوا بهذه الأمور ~~ظاهرا وباطنا، ففي القيامة أيضا يتعذبون بها أشد العذاب، لكشف ~~الغطاء وحدة البصر، وقوة الحاجة إلى الخلاص عن عذابها. # وأما الظل من يحموم، فهو من ظلال الأدخنة السوداء التي يسكن إليها ~~ويستريح بها أهل الدنيا لفقرهم وحاجتهم إلى ما يزيل عنهم أذى الحر، ~~واعتقادهم - لفرط الجهل والنقصان - بأن السكون عندها راحة للنفس وانتفاع ~~لها، وعدم تفطنهم بأن جميع لذات الدنيا آلام ومصيبات للنفس، وإنما ~~تضطر النفوس إلى ارتكابها لانسداد طرق النجاة وانغلاق أبواب الخلاص ~~عليها من عذاب جهنم الطبيعة، ودواعي تأثيرها وتحليلها ما دامت محبوسة في ~~سجنها، مقيدة بأيدي سدنتها في حميمها وزقومها. # ويحتمل أن يراد من " اليحموم " سماء الدنيا، لأنها من حقيقة الدخان ~~كما في قوله تعالى: # وهي دخان # [فصلت:11] وكل دخان فهو في ذاته أسود، وعند التراكم يظهر سواده ويشتد ~~- وإن لم يظهر عند التلطف -. أو طبيعة الجسم المطلق، الذي هو ظل ذو ~~ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب. أو هذه الأرض المظلمة. # ولفظة " من ": إما للبيان، أو للتبعيض، أو للسبب. فيراد من ms1625 " الظل ~~" إما نفس شيء من هذه الأجسام، أو جزءه، أو ما يتبعه كالبدن ونحوه، فإن ~~البدن - أيضا - كظل تسكن إليه النفس، وهو كجزء من الأرض وحاصل من ~~الطبيعة الأرضية المظلمة. # وروي: إن اليحموم جبل في جهنم يستغيث أهل النار إلى ظله. ### || [56.45-48] # لما ذكر سبحانه نبذا من أحوال أهل الضلال، وأصحاب الشمال بحسب ~~العاقبة والمآل، أراد أن يذكر نبذا من أسباب شقاوتهم من أحوالهم ~~وأفعالهم التي أوجبت لهم هذا النكال، وذهبت بهم إلى مضيق هذا الوبال، إذ ~~العاقبة لكل أحد من نتيجة السابقة، والنهاية من مقولة البداية. # ثم لا شك أن مجامع مبادئ الشر والعصيان في أفراد الإنسان، منحصرة في ~~أمور ثلاثة، لأن له قوى ثلاثا خلقها الله فيه لحاجته إليها ما دامت في ~~الدنيا لتكون وسيلة له إلى حسن العاقبة في الأخرى - إذا صرفها فيما خلقت ~~لأجله -، وهي بعينها أسباب الشقاوة - عند انصرافها في غير وجوه مصارفها ~~الشرعية ومواضعها الفطرية -. # إحداها: القوة الشهوية، التي من شأنها أن تستعمل في المستقبحات وتدفع ~~القاذورات. # والثانية: القوة الغضبية، التي من شأنها الغلبة والتهجم والإيذاء. # والثالثة: القوة الإدراكية، سيما الوهمية التي من شأنها الجربزة ~~والمكر والحيلة. # فقوله: { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } إشارة إلى فعل ~~القوة الشهوية على وجه الإفراط، أي: كانوا في الدنيا متنعمين مفرطين ~~في المآكل والمشارب اللذيذة والمناكحات الشهية. وبين سبحانه أن الترف ~~ألهاهم عن الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار، فكانوا تاركين للواجبات طلبا ~~للراحة. # وقوله تعالى: { وكانوا يصرون على الحنث العظيم } أي: ~~الذنب العظيم، إشارة إلى فعل القوة الغضبية، إذ الإصرار على الذنب أن ~~يقيم عليه ولا يقعد عنه بلوم لائم، ولا ينزجر بزجر زاجر، لشدة القوة ~~وإفراط الداعية. ولما كانت القوة الغضبية أقوى من الشهوية وأقرب إلى ~~الأفعال الباطنة فكان ذنبها عظيما بالقياس إلى ذنب الشهوة. فكذلك ذنب ~~القوة الوهمية اعظم من ساير الذنوب، كما أن طاعتها أعظم أجرا من طاعة ~~هذه القوى التي تحتها. # قيل: كانوا يخلفون أن لا يبعث الله من يموت، وأن الأصنام أنداد الله. # وقوله: ms1626 { يقولون أإذا متنا وكنا ترابا } ، إشارة إلى ~~فعل القوة الوهمية، وهو الاعتقاد الباطل في استحالة البعث والنشور، ~~بناء على مقدمات وهمية وقضايا كاذبة، يؤلف منها قياس مغالطي، أو ~~مقدمات مشهورة، وقضايا شبيهة بالحق يؤلف منها قياس جدلي، وهذا أشد ~~ضررا وأكثر فسادا وأصعب انقلاعا من قلوب الجماهير، مثل قول من قال من ~~منكري المعاد: إن الإنسان إذا مات وتلاشت أعضاؤه وصارت عظامه رميما ~~وأجزاؤه ترابا وأجزاؤه ترابا فكيف يقبل الحياة تارة أخرى؟ فإن قبلت ~~الأجزاء الباقية نفس الحياة التي زالت عنها يلزم إعادة المعدوم، وإن قبلت ~~غير تلك الحياة يلزم كونها حية بحياة أخرى، وحينئذ لم يبق فرق بين ~~المعاد والمستأنف، ولا فرق أيضا بين أن يقال: ذلك الشخص عاد حيا، أو ~~حدث شخص آخر. ولتساوي نسبته إلى ساير الأشخاص لا اختصص لواحد دون واحد في ~~كونه هذا الشخص بعينه، إذ لا عبرة بالأجزاء الترابية. # فقوله: { أإنا لمبعوثون أو آبآؤنا الأولون } - ~~يحتمل أن يكون للإشارة إلى ما ذكر - على قراءة من قرأ: " أو آباؤنا " ~~بسكون الواو، لتكون العاطفة فاصلة - وأما على قراءة من قرأ بتفح الواو ~~فيكون واصلة ودخلت عليه همزة الاستفهام - وهم أكثر القراء وقراءتهم أصح ~~- ليحسن العطف على المضمر في " لمبعوثون " من غير تأكيد ب " نحن " ~~، لوجود الفاصل الذي هو الهمزة، فيحتمل أن تكون الآية للإشارة إلى شبهة ~~أخرى لهم، وهي أن مقدار جرم الأرض مقدار محصور معدود بالفراسخ والأميال، ~~بل ممسوح بالأذرع والأشبار، وعدد النفوس غير متناه، فلا يفي مقدار الأرض ~~ولا يسع لأن تحصل منه الأبدان الغير المتناهية، ولا يكون فهيا أمكنة جميع ~~الخلايق السابقين منهم واللاحقين لعدم تناهيهم، إذ لا قائل بأن المحشور ~~والمعاد بعض الناس دون بعض. # وهذا الوجه أربط بما ذكره تعالى في الرد عليهم وهو: { قل إن ~~الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم ~~معلوم }. ### || [56.49-50] # وقرئ: لمجمعون. قد علم الله نبيه طريق رفع هذا الإعضال، ولقنه ~~تقرير الجواب عن هذا السؤال فقال: قل يا محمد - إن الأولين ~~والآخرين - أي الذين تقدموا عليكم ms1627 من آبائكم وغير آبائكم، والذين ~~يتأخرون عن زمانكم، - لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم - أي ~~لمحشورون إلى أجل وقت به الله عباده، وهو يوم معلوم عند الله، هو يوم ~~القيامة، فإن الميقات ما وقت به الشيء. # قال صاحب الكشاف: إن هذه الإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة والحق أنها ~~بيانية. # وهو يوم يسع الخلايق كلها، لأنه يشمل الأيام كلها لكون مقداره خمسين ~~ألف سنة، كما أن أرض المحشر تسعهم أجمعين لأنها جامعة الأرضين كلهن - ~~كما حققه العارفون -، فإن هذه المعية والجمعية للخلايق على ضرب ~~آخر، ليست كمعية زمانية أو جمعية مكانية، كيف وليس لجميع الأزمنة ~~زمان ولا لجميع الأمكنة مكان، ولا لمجموع هذه الدار دار أخرى إلا بمعنى ~~آخر له نحو آخر من الكون. # ولنمثل لاجتماع الخلايق عند الله في يوم واحد على الساهرة بمثال واحد ~~جزئي، وهو: ان ملاقاة الكرة المتدحرجة مع السطح المستوي لا يكون في كل ~~آن، ولا في كل زمان من أزمنة السكون إلا بنقطة واحدة متعينة، وتكون ~~ملاقاتها معه في زمان حركتها الدورية بخط واحد متصل، بل بنقطة واحدة ~~بجميع النقاط كلها، لا كجمعية النقاط التي تكون في مدار قار ساكن، ~~بل جمعية أخرى انطوت بسببها جميع أجزاء الخط، وجميع النقاط التي كل ~~منها واقعة في آن غير آن صاحبها في نقطة الملاقاة،وكذلك حال اجتماع ~~الخلايق في عرصة القيامة عند الله. فافهم واعتنم إن كنت من أهله. ### || [56.51-53] # ثم إنكم أيها الذين ضللتم عن طريق الهدى، ونكبتم عن هذه المحجة ~~البيضاء، وعمت بصائركم عن مشاهدة أنوار ملكوت الأرض والسماء، وفسدت ~~أذواق قرايحكم عن إدراك حقايق الأشياء، من جهة متابعة النفس والهوى، ~~وتغيرت مدارك قلوبكم وأرواحكم عما فطرها الله عليها بمرارة المراء ~~والإمتراء، فحرموا من جدواها، وحرم الله عليهم نعيم الجنة وطعوم أهلها، ~~لآكلون كالبهائم والأنعام من شجر من زقوم - أي: من شجر هو الزقوم، ~~فمن الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الشجر وتفسيره، لأنه اسم ~~شجرة تنبت في أصل نار الجحيم، ثمرها كأنه رؤوس الشياطين، كما وصفها الله ms1628 ~~سبحانه في سورة الصافات حيث قال: # إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم، طلعها ~~كأنه رءوس الشياطين # [الصافات:64 - 65]. # وهي شجرة النفس الخبيثة المتغيرة عن الفطرة العقلية بسبب اعتقادات ~~فاسدة أفسدتها، كشجرة طيبة تغيرت رائحتها لفساد تطرق إليها وغيرها ~~عن الطبيعة الأصلية، فصارت كريهة الطعم والرائحة، وهي بسب هذه ~~الإعتقادات نابتة في قعر جهنم، الطبيعة المتشعبة أفنانها في دركاتها ~~تتغذى بها قلوب الكفار ونفوس أهل النار، لأنها تنمو وتزيد بواطنهم في ~~النفسانية وقوة الشرية والفساد، وشدة الجحود والعداوة لأهل الدين ~~وأصحاب اليقين، وإليه الإشارة بقوله: # فمالئون منها البطون # [الصافات:66]. # فشجرة الزقوم كأنها مثال لنفوس الرؤساء وأئمة الضلال المبتدعين ~~للتعليم والإرشاد، وإليه الإشارة بقوله: # إنا جعلناها فتنة للظالمين # [الصافات:63]. إذ قد صارت تلك النفوس من جهة طلعها - أي حملها وثمرها ~~من العلوم المغالطية والأكاذيب الوهمية - رؤوس الشياطين. # و " الآكلون من زقوم " إشارة إلى نفوس الاتباع والمقلدين الذين ~~ظلوا عن سبيلهم ونكبوا عن دليلهم. وأكلهم منها: أخذهم الاعتقادات ~~الباطلة منها وتدينهم بدينها، وامتلاء بطونهم منها ونشوؤهم في هذه ~~العقايد الردية المسودة للقلوب، المغذية للنفوس الشقية، المنمية لها ~~فظاظة وغلظة، المورثة لها شدة وقسوة، فإن غذاء الأشرار من الشرور، وهذه ~~أغذيتهم الأخروية. # وبازاء أغذية هؤلاء، أرزاق أهل الله، ومقويات قلوبهم ومغذيات أرواحهم، ~~وهي المعلومات اليقينية والعقايد الصحيحة الإيمانية، من معرفة المبدأ ~~والمعاد، كما أشار إليه بقوله سبحانه: # أولئك لهم رزق معلوم، فواكه وهم مكرمون # [الصافات:41 - 42]. # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم # [الصافات:62]. أي: معلوماتهم التي هي من معلومات الله، مقوية لقلوبهم، ~~مغذية لأرواحهم، يتفكهون بها ويتلذذون في صحبة أتباعهم وأصحابهم ~~وقلوبهم بها مكرمة عند الله، جالسة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولا شك ~~أن اليقينيات التي تجعل العقول الهيولانية التي هي ملائكة بالقوة ~~ملائكة بالفعل خير نزلا ونزولا إليهم من الوهميات الكاذبة التي تجعل ~~النفوس الوهمانية التي هي شياطين بالقوة شياطين بالفعل. # وقرئ " من شجرة من زقوم " ، فعلى هذا، تذكير الضمير الراجع إليها في " ~~عليه " لكونها على تأويل الزقوم لكونه في معناه، وأما على ms1629 القراءة ~~المعروفة بتأنيث ضمير الشجر في " منها " على المعنى، وتذكيره في " عليه " ~~على اللفظ. ### || [56.54-55] # قرئ: " شرب " بالحركات الثلاث، فمفتوح الفاء والمضموم مصدران، وعن أبي ~~عبد الله (ع): " أيام أكل وشرب " - بتفح الشين -، وأما المكسورة ~~فبمعنى المشروب. # و " الهيم ": الإبل التي بها الداء المسماة ب " الهيام " ، وهي داء ~~تشرب منه ولا ترتوي، والمفرد " أهيم " و " هيماء ". قال ذو الرمة: # فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد # صداها ولا يقضي عليها هيامها # -كذا في الكشاف - وفيه أيضا: # قيل: " الهيم " الرمال. ووجهه أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل ~~الذي لا يتماسك. جمع على فعل، كسحب وسحاب، ثم خفف وفعل به ما فعل ~~بجمع أبيض، يعني: إذا ملئت بطون بواطنهم من تناول ثمرة الزقوم، حتى ~~صاروا كالممتلي غيظا وحقدا وحسدا وقت هيجانهم، سلط الله عليهم حرقة ~~القلب وعطش النفس لحب الدنيا والرياسة على الأقران وإيذاء الخلق - كمن ~~به داء الكلب لكلب النفس -، فشربوا عليها كاسات من حميم الأهواء ~~والأماني المذمومة الردية، وأشواق الأمور السفلية، وتصورات الشرور ~~المؤذية التي يكسر بها بعض شرارة النفس وسورة الغضب - وإن كانت مؤدية ~~أخيرا إلى ما صارت بها نفوسهم أسوء حالا وأكثر حرقة واضطرابا، ~~وطبايعهم أشد ثورانا وهيجانا من الأول، لغلبة الحرص والشهوة والحسد ~~والعداوة، كالناقة الهيماء. والكلب العقور الذي به أسوء الداء. ### || [56.56] # إعلم أن كل ما يأكله ويشربه أهل النار من أطعمة الدنيا وأشربتها فيصير ~~زقوما وحميما بحسب العاقبة، وهذا أمر مشهود لأهل الكشف والشهود، لأن ~~كل ما يرد إلى باطن الإنسان، يرتفع منه أثر إلى نفسه ويؤثر فيها بحسب ~~نياته واعتقاداته في الخير والشر. والنزل: ما يعد للنازل تكرمة له، ~~فالله سبحانه أشار إلى مآل ما يتنعمون به في الدنيا بقوله: هذا - أي ~~الزقوم والحميم - نزلهم الدنيوي وعاقبته في يوم الدين، وعلى هذا ~~لا يكون الظرف معلقا بقوله: " نزلهم " فلا يكون فيه تهكم بهم. # ويحتمل أن يكون المراد: إن هذا الحميم والزقوم بصورتيهما الأخرويتين ~~نزلهم في الآخرة، كما أنهما بصورتيهما الدنيويتين نزلهم في الدنيا، ~~فيكون ms1630 الظرف متعلقا به، وعلى هذا، ففيه تهكم كما في قوله: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران:21] وقرئ: نزلهم - بالتسكين -. ### || [56.57] # " لولا " كهلا، كلمة تحضيض، أي: نحن أوجدناكم أولا من غير مثال ~~وحركة وإرادة زايدة وداع فهلا تصدقون به، ولولا تعلمون كيفية الإيجاد ~~حتى تعلموا منها كيفية الإعادة، فإن من قدر على خلقكم في هذه النشأة ~~الدنيوية من غير مثال، أقدر على انشائكم في نشأة أخرى من غير مثال # كما بدأكم تعودون # [الأعراف:29]. # والمنكرون للبعث، وإن كانوا بزعمهم مصدقين بالخلق والإيجاد، لكن لا ~~يعلمون تحقيقه على وجهه، ولا كيفية ارتباط الموجودات به بوجه حتى ~~يعلموا النشأة الثانية الباقية، وإلا لم يشكوا فيها فكأنهم مكذبون ~~بالخلق. # ويحتمل أن يكون التحضيض على البحث، أي: لما علمتم بالخلق فهلا ~~تصدقون بامكان البعث، لأن من خلق أولا لا يمتنع عليه أن يخلق ~~ثانيا، كما في قوله: # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون # [الواقعة:62]. ### || [56.58-59] # هذا يرجح المعنى الأول لقوله: فلولا تصدقون. إذ فيه تنبيه على ~~أن جهلهم بالبعث لجهلهم بالخلق، ولو علموا بكيفية الإيجاد لعلموا ~~بكيفية الإعادة، وذلك لأن القوم زعموا أن الفاعل ما يفعل بحركة ~~ومباشرة، فكل من يباشر حركة أو يستعمل جسما حتى يتهيأ لفيضان شكل أو ~~صورة من الواهب الحقيقي، فهم يسمون ذلك المحرك فاعلا، ولهذا يظنون ~~الأب فاعلا للابن، والممني فاعلا للمني، والزارع فاعلا للزرع، ~~والبناء فاعلا للبناء، فهكذا تصوروا فاعلية الفاعل الأول جل ~~اسمه فوقعوا في الشرك، والله سبحانه نبه على فساد ظنهم، وبطلان عقيدتهم ~~بأن الممني ليس علة للمني، ولا البناءعلة للبناء، ولا الزارع علة ~~للزرع، بل حركة كل منهم علة لحركة شيء آخر، وذلك الشيء يصير مادة بتلك ~~الحركة مستعدة لأن يكسوها فاعل الكل صورة أو شكلا. # أما الأب: فهو علة لحركة المني، وحركة المني إذا انتهت على الجهة ~~المذكورة تأدت لحصول المني في القرار، وأما تصويره حيوانا أو إنسانا، ~~وبقاؤه حيوانا وإنسانا، فله علة أخرى ومبدأ أعلى. # وأما البناء، فحركته علة لحركة اللبنة، ثم سكونه بعدها وتركه ~~الحركة ms1631 علة لانتهاء تلك الحركة، وانتهاؤها علة الاجتماع، وأما تشكيل ~~المجتمع من اللبنات، وحفظه وإمساكه مدة فله فاعل آخر، هو الذي بقوته ~~يمسك السموات والأرض أن تزولا. # وكذا حكم الزارع، فإن حركته علة لحركة الحبة ثم سكونه بعدها، أو ترك ~~حركته، علة لسكون الحبة في قرارها من الأرض، مثل سكون النطفة في قرار ~~الرحم. # فإذا ثبت أن فعل الفاعل الحقيقي هو إفاضة الوجود - لا التحريك والإعداد ~~المورثان لإستعداد المواد كالنطف والبذور لقبول صروة الحيوان والنبات من ~~مبدأ جواد - تحقق ان الاعادة منه مثل الابتداء لا يتفقر فيها إلى سبق ~~مادة قابلة يستعملها التهيأ لحصول صورة ثانية، بل إذا شاء أنشأها ثانية ~~من غير مثال سابق. # فقوله: أفرأيتم ما تمنثون - معناه: افرأيتم ما تقذفونه بالحركة ~~الجماعية في أرحام النساء من النطف؟ إنكم مقدروه ومصوروه، أم نحن ~~مقدروه ومصوره؟ والأول باطل فتعين الثاني. فإذا ثبت أنه تعالى ~~مقدر الحياة بلا مادة، فهو مقدر الموت بلا مادة. # وقرأ أبو السماك " تمنون " بفتح التاء. يقال: أمنى النطفة ومناها، قال ~~سبحانه: # من نطفة إذا تمنى # [النجم:46]. # قال الرازي في الكبير: وجه الاستدلال بهذه الآية أن المني إنما يحصل ~~من فضلة الهضم الرابع، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء وبهذا ~~تشترك كل الأعضاء، ويجب غسلها بالالتذاذ الواقع لحصول الارتحال عنها ~~كلها، ثم إن الله يسلط قوة الشهوة على البنية حتى يجمع تلك ~~الأجزاء الطلية، بل إنها بحسب مادتها الغذائية كانت متفرقة في أطراف ~~العالم، ثم الله جمعها بقدرته في بدن الحيوان، ثم في أوعية المني، ثم ~~أخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها ~~وكون منها هذا الشخص، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه ~~جمعها مرة أخرى؟! # هذا كلامه. وفيه ما لا يخفى من وجوه التكلف، حيث اعتبر مقدمات لا ~~دلالة عليها ولا حاجة إليها، مع امكان المناقشة فيها وفي استلزامها ~~الدعوى بعد تسليمها. ### || [56.60-61] # لما نبه على أن فاعل صورة الإنسان ومقدر وجوده هو الله سبحانه، ~~بحسب جهات فاعلية ترجع ms1632 إليه من علمه وإرادته وحكمته - لا بحسب جهات ~~قابلية ترجع إلى القابل من مادته ووضعه وحركته -، لأن تلك الجهات هي ~~منشأ الفعلية، والوجوب لحصول أصل الوجود، وهذه الجهات منشأ القوة ~~والإمكان لتعينه، ولاختصاصه بزمان ومكان، وتعدد وانقسام، فاشار إلى ~~أنه المعيد كما أنه المنشئ، فإن إيجاد الخلق إفادة أصل الوجود لهم، ~~والإعادة إفادة أصل الوجود وثمرته وغايته. فالمجيء إلى الدنيا من الجنة ~~هو النزول من الكمال إلى النقص، والخروج من الفطرة الأصلية، ولا محالة ~~صدور الخلق من الحق لم يكن إلا على هذا الطريق. # والذهاب من الدنيا إلى الآخرة هو التوجه من النقص إلى الكمال، والرجوع ~~من الحالة الغربية إلى الفطرة الأصلية، ولا محالة رجوع الخلق إلى الحق ~~ليس إلا على هذا الطريق # الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون # [الروم:11]. # لكن السعداء يتوجهون إليه تعالى بنفوس راضية، وقلوب سليمة عن العلايق ~~الظلمانية والعوائق الردية، وأما الأشقياء فيرجعون إليه بنفوس مظلمة ~~كدرة، كثيرة التعلق بالدنيا ومؤذياتها، وقلوب مسودة منكوسة متعلقة ~~إلى الأسفل. # و " التقدير ": ترتيب الأمر على مقدار. قوله: { نحن قدرنا ~~بينكم الموت } يحتمل أن يراد منه: نحن خلقنا الأبدان الأخروية ~~عند الموت بهيآت متفاوتة مختلفة وقسمناها بين أرواحكم مناسبة لأعمالكم ~~وأخلاقكم، فإن الموت قد يطلق على حال الإنسان بعد هذه الحياة الدنيوية. # وعن مقاتل: المراد من قدرنا الموت: قسمناه عليكم قسمة الرزق، على ~~اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيتنا، فاختلفت أعماركم بين قصير وطويل. # وعن الضحاك: معناه سوينا فيه بين المطيع والعاصي وبين اهل السماء ~~والأرض. # وقوله: وما نحن بمسبوقين - أي: لا يسبقنا أحد منكم عليه، ولا ~~يعجزنا عنه، تقول: سبقته على شيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه. # وقيل: إنه من تمام ما قبله، فمعناه: لا يغلبنا أحد منكم على ما ~~قدرناه من الموت بأن يدفعه. # وقيل: إنه متصل بما بعده - وهو قوله: عز اسمه: { على أن ~~نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون }. # إعلم أن الروح الإنساني أوجده الله دائما مدبرا للصورة الطبيعية، ~~سواء كان في الدنيا، أو ms1633 في الجنة أو في النار، أو في غيرها، فأول صورة ~~لبسها بعد الصورة التي أخذ عليها الميثاق، هي صورة دنيوية حشرة بها في ~~رابع شهر من حين تكون صورة جسده في الرحم إلى ساعة موته وله فيها ~~انتقلات متصلة تتوارد عليها الأمثال على نعت الاتصال، حتى يظن أكثر ~~الناس أن بدنه بعينه واحد شخصي من ابتداء العمر إلى انتهائه، وليس ~~كذلك، بل له في كل حين حشر من صورة إلى أخرى مشابهة، ولتشابه الصور ~~يلتبس ذلك عليهم، كقوله تعالى: # بل هم في لبس من خلق جديد # [ق:15] ويحتمل أن يكون اللبس من اللباس، وفي هذا تشبيه حسن كما في ~~تفسيره بالاشتباه والالتباس. # ثم إذا مات حشر إلى صورة أخرى من حين موته إلى وقت سؤاله، فإذا جاء ~~وقت سؤاله، حشر من تلك الصورة إلى صورة جسده الموصوف بالموت، فيجد نفسه ~~الإنسان الميت المقبور بعينه فيحيا به، ويؤخذ بأسماع الناس وأبصارهم عن ~~حياته إلا من خصه الله بالكشف عن ذلك من نبي أو ولي من الثقلين. # ثم يحشر بعد السؤال إلى صورة أخرى في البرزخ، بل تلك الصورة عين البرزخ ~~يمسك فيها إلى نفخة البعث لقوله تعالى: # ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون # [المؤمنون:100] فيبعث عن تلك الصورة ويحشر إلى الصورة التي كان فارقها ~~في الدنيا إن كان بقي عليه سؤال وحساب، وإن لم يكن من أهل ذلك الصنف، حشر ~~في الصورة التي يدخلها بها الجنة، والمسؤول إذا فرغ من سؤاله، حشر إلى ~~صورة يدخل بها الجنة أو النار - وأهل النار كلهم مسؤولون محاسبون -. # فإذا استقر أهل الجنة فيها، ثم دعوا إلى الرؤية ونودوا إلى الكثيب ~~حشروا في صورة لا تصلح إلا للرؤية، فإذا عادوا حشروا إلى صورة يدخلون ~~فيها إلى سوق الجنة، فإذا دخلوا سوق الجنة ورأوا ما فيه من الصور فأية ~~صورة رأوها واستحسنوها انتقلوا إليها، وحشروا فيها، فلا يزالون في ~~الجنة دائما يحشرون من صورة إلى صورة إلى ما لا نهاية له، لأن قدرة ~~الله واسعة. # - فاعلم هذا ms1634 فإنه من لباب المعرفة الإلهية - # وقوله: { وننشئكم في ما لا تعلمون } ، إشارة إلى حشر ~~الأرواح إلى عالم المفارقات المحضة، المقابل لحشر الأمثال والأجسام إلى ~~عالم الصور الجانية او الجهنمية، ذلك للمقربين، وهذه لأصحاب الشمال. # ويحتمل أن يكون المراد منه: وننشئكم فيما لا تعلمون من الهيئات ~~المختلفة على حسب أعمالكم ونياتكم فإن المؤمن يخلق على أحسن هيئة ~~وأجمل صورة، والمنافق على أقبح صورة وأوحش شكل، وربما يحشر بعض الناس ~~على صورة حيوان لم يعهد مثله في قبح المنظر وكآبة الصورة، بواسطة تركيب ~~الأخلاق السيئة في نفسه، التي يوجد لكل منها قبح صورة متفرقة وقد ~~اجتمعت في ذاته، مثل من اجتمعت في ذاته شهوة الحمار، ودناءة الخنزير، ~~وتكبر الأسد، وحرص النمل، وحقد الجمل، وحسد الغراب، وجبن الصلصل وغير ~~ذلك، فيتركب هيئة صورة جسده من هيئات صور هذه الحيوانات. # وفي الحديث: يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القردة والخنازير. ### || [56.62] # إعلم أن من علم وتفطن بصنعة الباري ومسلك عنايته وحكمته في وجود ~~النشأة الأولى للإنسان، ومذهب طبيعته وقوى نفسه في التدرج في الأحوال، ~~والترقي من صورة إلى صورة عند الاستكمال - حيث ابتدىء أولا من تراب ~~ثم من نطفة، ثم من ماء مهين، ثم كان علقة جامدة في قرار مكين، ثم كان ~~مضغة مخلقة، ثم كان جنينا مصورا تاما، ثم كان طفلا متحركا ~~حساسا، ثم كان صبيا ذكيا فهيما، ثم شابا متصرفا قويا نشيطا، ~~ثم كان كهلا مجربا، ثم كان شيخا كاملا إما في الحكمة والمعرفة ~~فيكون حكيما أو وليا من أولياء الله، ثم بعد الموت يكون ملكا سماويا ~~أو من الملائكة المقربين، أو في المكر والجربزة فيكون محتالا مكارا ~~عدوا للدين من أعداء الله، ثم يكون بعد الموت شيطانا مريدا لعنه ~~الله، محشورا في حزب الشياطين وأصحاب النار، وإما في طلب اللذات ~~الحسية من الشهوة والغضب، فيكون إما ظالما محشورا بعد الموت في صورة ~~السباع والحيات، أو فاجرا محشورا في صورة البهائم والحشرات، فيعلم ~~يقينا أن للانسان نشأة أخرى فوق هذه النشأة ms1635 الأولى، بل الدنيا والآخرة ~~واقعتان تحت جنس المضاف بحسب المفهوم، فتعقل كل منهما وتذكره يستلزم ~~تعقل الأخرى وتذكرها. فإن الدنيا عبارة عن حالتك القريبة قبل الموت، ~~والآخرة عن حالتك البعيدة بعد هذه الحياة، فكل منها مقيسة إلى الأخرى ~~ومضافة إليها. # وكما أن للإنسان أطوارا متفاوتة في الدنيا - بعضها فوق بعض -، كذلك له ~~مواطن وأطوار متفاوتة في الآخرة، بعضها صورية وبعضها معنوية، يسافر في ~~مواطن الآخرة، وتتوارد عليه الأمثال، وتتعاقب له الأحوال، مثل: العرض ~~والحساب والميزان والكتاب والصراط والأعراف والجنة والنار. # ويحتمل أن يكون المراد: إنك يا إنسان، لما علمتك نشأتك الدنيوية، ~~وحالتك الدنية الأولى التي قد وقعت لك فيها الانتقالات من رتبة إلى رتبة ~~فوقها، فكنت أولا جمادا، ثم نباتا، ثم حيوانا، ثم بشرا سويا ~~سميعا بصيرا متفكرا، ولم تنتقل من رتبة من هذه المراتب إلا وقد خلعت ~~عنك صورة خسيسة وأعراض ناقصة، وألبست ما هو أجود منها وأشرف، فكذلك ينبغي ~~لك ويجب عليك أن لا تتوانى عن استعمال القوة العاقلة التي هي آخر ما حصل ~~لك في هذه النشأة، في تذكر أمور الآخرة، وأن الغايات كانت بازاء ~~البدايات، ومعرفة من منه الابتداء وإليه الرجوع للكل. # فلا ترقى درجة العلوم والمعارف، إلا وتخلع عن نفسك أخلاقا وعادات ~~وأعمالا كنت معتادا عليها منذ الصبا من غير بصيرة ولا روية، حتى ~~يمكن أن تفارق هذه الصورة البشرية، وتلبس لباس الأخيار وتتصور بصور ~~الملائكة ويمكنك الصعود إلى المنازل العالية، والترقي إلى المراتب ~~الجنانية مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # وقرئ: النشأة والنشاءة. # وفي الكشاف: إن في هذه الآية دليلا على صحة القياس، حيث جهلهم في ~~ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى. # ولا يخفى أن هذا ليس من باب القياس، فإنه من باب ملاحظة النهايات من ~~البدايات، والاستدلال من ذوي الغايات على غايتها تؤول إليها، فكما أن ~~النشأة النباتية غاية النشأة الجمادية، والحيوانية غاية النباتية، ~~والحياة العقلية غاية الحياة الحسية وكمالها، فكذلك النشأة الأخرى غاية ~~النشأة الأولى. ms1636 # فمن نظر إلى ترتيب الأمور، وتفاوت الموجودات في مراتب الشرف والخسة، ~~والكمال والنقص، ووجد أن لكل ناقص خسيس توجها غريزيا إلى ما هو أقرب ~~منه إلى الشرف والكمال، ثم نظر إلى حال الإنسان فوجد أن له انتقالات من ~~صورة إلى صورة فوقها، واستحالات من صفة إلى صفة يعلم علما يقينيا أن له ~~نشأة ثانية باقية يقع له فيها الرجوع إلى موجد الكل وغاية الجميع. # وهذا استلال برهاني ومسلك شريف جدا، فإن الله تعالى قد ذكره ونبه ~~عليه في مواضع كثيرة تعليما لعباده: # منها ما قال في سورة الحج: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة # [الحج:5] - إلى قوله - # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت # [الحج:5] ثم قال: # ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى ~~وأنه على كل شيء قدير * وأن الساعة آتية ~~لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور # [الحج:6 - 7]. # وقال في سورة المؤمنون بعد ذكر مراتب الخلقة: # ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم ~~القيامة تبعثون # [المؤمنون:15 - 16]. # وقال في سورة لا أقسم: # ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة ~~فخلق فسوى # [القيامة:37 - 38]. # وقال في سورة الطارق # فلينظر الإنسان مم خلق # [الطارق:5] إلى قوله: # إنه على رجعه لقادر # [الطارق:8]. # فهذا المسلك في معرفة المعاد، ليس قياسا فقهيا كما توهم، إذ القياس ~~الفقهي من أضعف الأدلة ومما لا يفيد إلا ظنا ضعيفا. ثم القياس على ~~تقدير صحته إنما يصح في العمليات، إذ الغرض فيها مجرد العمل - دون ~~الاعتقاد - فكفى فيه الترجيح بالاجتهاد، وأما العقايد الحقة الدينية - ~~سيما معرفة المبدأ والمعاد - فيجب على كل مكلف تحصيل اليقين فيها ولا ~~يكفي الظن. وقد ذم الله تعالى أهل الظن والتخمين في قوله: # وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا # [يونس:36]. ### || [56.63-67] # قد نبه الله سبحانه في هذه السورة على ثبوت المعاد وحقية حشر ~~الأجساد بوجوه مختلفة، بعضها لدفع شبه الجاحدين المنكرين والضالين ~~المكذبين، ms1637 وبعضها لزيادة تنوير قلوب أهل الدين: # منها قوله: # أفرأيتم ما تمنون # [الواقعة:58] - الآية -، وقد مر وجه الاستدلال به. # ومنها: إن الحبة المزروعة جوهر جامد أرضي، غاية فعل الإنسان فيه أن ~~يدفنه في التراب ويسقيه الماء، وغاية في التراب فيه أن يفسده ويعفنه ~~ويجعله ترابا مثله ورمادا - كما يفعل بأجساد الحيوانات -، وكذا فعل ~~الماء في الأشياء، فإن فعل طبيعة الحبة المزروعة في مادتها التثقيل ~~والتسكين، لا الاصعاد إلى جانب السماء، ثم الإثمار والإيلاد بعد حصول ~~النشوء والنماء، فلولا أن الله أفادها بمحكمته قوة أخرى باطنية، وكلمة ~~فعالة ملكوتية يفعل بها ما يغذيها أولا، ثم ينميها ثانيا، ثم ~~يولدها ثالثا بما يقع منه الانتفاع بجنود وأعوان، وخدم منتشرة فيها ~~يستخدمها ثلاثة رؤساء: - الغاذية والنامية والمولدة -، لكانت إما ~~رمادا، أو هشيما تذروه الرياح، أو حطاما لا ينتفع به حيوان في مطعم ولا ~~في ملبس، أو تبنا لا نفع فيه ولا غذاء منه، فثبت تحقق عند العارف ~~المحقق، أن الله قد أودع في مواد الكاينات قبول فنون من الصور ~~والكمالات والقوى والكيفيات، وأودع بعنايته وحكمته في صورها توجها ~~طبيعيا إلى ما هو أشرف وأقرب إلى أفق النور وعالم الرحمة والسرور، ثم ~~أفاض عليها رحمة بعد رحمة، وهداية بعد هداية، حتى أوصلها إلى غايات ~~درجاتها، ونهايات حركاتها، وهكذا إلى أن تنتهي حركاتها وانتقالاتها إلى ~~الحيوانية ثم إلى الإنسانية، وكلما حصل فيها كمال أتم وصورة أقوى، ~~كان عشقها وشوقها إلى ما هو كمال وغاية لها أكثر وأشد. # فإذا، ثبت وتحقق، أنه لا يجوز أن تقف حركة الوجود عند الإنسان وتسكن ~~لديه ولا تتجاوزه إلى ما هو خير حقيقي، لنقصانه ما دام في الدنيا عن تمام ~~الارتقاء إلى عالم الدوام والبقاء. # فقوله: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: تبذرون حبوبه في الأرض، ~~وقوله: { أأنتم تزرعونه } أي: تنبتونه وتغذونه وتنمونه، ~~وتجعلونه في أطوار الخلقة، وتبلغونه إلى أن يبلغ الغاية ويصل النهاية. # وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " لا يقولن أحدكم زرعت، وليقل حرثت ". # وسبب نهيه عن ذلك، الاشتباه ms1638 الواقع للناس بين المعد والموجد كما ~~مر. # وقوله: { فظلتم } - وقرئ فظللتم، على الأصل، { تفكهون }: ~~أي تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم حيث جعل حطاما وصار هشيما لا ينتفع ~~به. # وعن الحسن وقتادة وعكرمة: تندمون على تعبكم فيه وانفاقكم عليه، وأصله من ~~التفكه في الحديث، وهو التلهي به. فكأنهم يتروحون إلى الندم كما ~~يتروح الفكه إلى الحديث بما يزيل الهم. # وقرئ: يتفكنون. وفي الكشاف: منه الحديث: مثل العالم كمثل الحمة ~~يأتيها البعداء ويتركها القرناء، فبيناهم إذ غار ماؤها فانتفع بها قوم ~~وبقي قوم يتفكنون. أي: يتندمون. # وقوله: { إنا لمغرمون }: وقرئ: لأنا - أي لملزمون غرامة ما ~~انفقنا فيه، أو مهلكون - لهلاك رزقنا - من الغرام وهو الهلاك. # وقوله: { بل نحن محرومون } - أي: قوم مبخسون ممنوعون من ~~الرزق، عادموا الخط والبخت، ولو كنا قوما مجدودين غير محارفين لما ~~جرى علينا ذلك. ### || [56.68-70] # الماء المشروب؛ هو الماء العذب الصافي الصالح للشرب. والمزن: السحاب. ~~واحده مزنة. # لما ذكر في الآية السابقة مادة المطعوم وصورته، وفاعله الذي هو الخالق ~~الرازق، وغايته التي هي انتفاع الإنسان به وقوام ونشأته الدنيوية مدة ~~عمره منه، ليتهيأ في تلك المدة للعود إلى النشأة الآخرة والرجوع إلى ~~غاية الأشياء، وأشير فيها إلى طريق الاستدلال على اثبات البعث، ذكر في ~~هذه الآية مادة المشروب وصورته، وكيفية نزوله، ومبدأ وجوده، وحكمة كونه ~~وغايته. # وطريق الاستدلال به على إثبات فاعل الكل وغايته، هو أن الماء جسم ثقيل ~~بالطبع تجبره على النزول طبيعته، فإصعاده على خلاف مقتضى الطبع لا بد ~~فيه من قوة قاهرة من عالم الأمر، هي فوق المادة والطبيعة، تجبرهما على ~~الصعود كما تجبرها على الاصعاد قوة العزيز الحميد الذي له الملك ~~والملكوت، والخلق والأمر، فإذا اصعدته تلك القوة التي هي ملك نوراني من ~~ملائكة الله أداه إلى يد ملك من ملائكة السحاب وهو خادمه حامل للماء ~~الثقيل وممسك له في جو السماء إلى أن يأذن الله له في إرساله وتقطيعه ~~قطرات كل قطرة بالقدر الذي قدره الله على الشكل الذي شاء، وهو أفضل ms1639 ~~الأشياء وأشرفها، لكونه أبسطها وأوسعها وأدومها وأتمها، وفاعلها ومظهرها ~~ودليلها. # ثم ترى ملك السحاب يرش الماء بتسيير الرياح وينزل المطر مدرارا في ~~مظان الحاجة إلى الأرض الجرز، ويرسله قطرات متفاصلة لا تدرك قطرة منها ~~قطرة، ولا تتصل واحدة بأخرى ولا تزاحمها في الطريق بل تنزل كل منها في ~~الطريق الذي رسم لها لا تعدل عنه يمنة ويسرة، ولا يتقدم المتأخر منها ~~ولا يتأخر المتقدم حتى تصيب الأرض التي عينت لها ولكل حيوان فيها من ~~طير ووحش وبهيمة ودود مكتوب على تلك القطرة بخط إلهي لا يدرك ~~بهذه العين الظاهرة: " إنه رزق الدود الفلاني في الوقت الفلاني يصل إليه ~~وقت حاجته وعطشه ". هذا وغير ذلك من الحكم التي أنشأها الله تعالى في ~~الماء وانزاله من السحاب في وجوه مختلفة وعلى هيآت متعددة، مثل البرد ~~والثلج والصقيع وغيرها، مع انعقاد البرد الصلب من الماء اللطيف، ~~وتناثر الثلوج كالقطن المندوف من تأثير محرك قوي نداف مع انه لا ~~تشاهده العين لغاية لطافته وشفافيته مما لا تحصى عجايبه، كل ذلك فضل من ~~الجبار القاهر والخلاق القادر ما لأحد من الخلايق فيه شرك ومدخل، بل ~~ليس للمؤمنين من خلقه ولا الملائكة المسبحين إلا الاستكانة والخضوع تحت ~~جلاله، ولا للعميان الجاحدين إلا الجهل بكفيفية خلقه وأمره في شيء، ~~ورجم الظن بذكر فاعله وعلته. # فيقول الجاهل المغرور القاصر النظر: إنما ينزل الماء من السحاب لأنه ~~ثقيل بالطبع، وطبيعته سبب نزوله، ويظن أن هذا معرفة انكشفت له ويفرح ~~به. # ولو قيل له: ما معنى الطبع؟ وما الذي أجبر طبع الماء حتى رقى إلى جانب ~~السماء؟ حتى لو احتالوا تخيلوا وجها آخر وقالوا: إن الهواء انقلب ~~بطبعه ماء في كرة الزمهرير لبرودته العارضة لأنه صعد الماء إلى هناك. # قلنا له: أيها الجاهل بعلم ما فوق الطبيعة، والغافل عمن بيده الخلق ~~والأمر فمن الذي أجبر طبيعة الهواء حتى انقلب ماء والبرودة كيفية ~~عرضية، والعرض لا يقلب صورة الجوهر؟ ثم من الذي أجبر طبيعة الماء ~~المصبوب في أسفل الأشجار حتى رقى ms1640 إلى أعلى الأغصان وهو ثقيل بطبعه، فإذا ~~هوى إلى الأسفل كيف ارتفع ثانيا إلى فوق في داخل تجاويف الأشجار شيئا ~~فشيئا، بحيث انتشر في جميع أطراف الأغصان والأوراق؟ فغذاء كل جزء من كل ~~ورقة يجري إليه من تجاويف عروق شعرية دقيقة غير مرئية يرى منها العرق ~~الكبير الذي هو أصل الورقة، ثم ينتشر من ذلك العرق الكبير الممتد في ~~الطول عروق صغار، فكان الكبير نهرا وما انشعب عنه جداول، ثم ينشعب من ~~الجداول سواقي أصغر منها، ثم تنتشر منها خطوط عنكبوتية دقيقة تخرج عن ~~ادراك البصر حتى تنبسط في جميع عرض الورقة فيصل الماء في أجوافها إلى ~~ساير أجزاء الورق ليغذيه وينميه ويبقي طراوته ونظارته، كذلك في ساير ~~الأشجار والحيوانات. # والغرض منها كلها خلقة الإنسان وإنما كونت من فضالته ساير الأكوان ~~كما حققه أهل الكشف والبرهان. # وإن كان زمام أمر الماء بيده، فكيف يتحرك إلى فوق وهو مخالف طبعه؟! وإن ~~كان زمامه بيد جاذب فما الذي سخر ذلك الجاذب حتى يجذبه إلى فوق وساير ~~الجوانب؟ فإن كان ينتهي بالآخرة إلى خالق السماوات والأرض وجبار الملك ~~والملكوت فلم لا يحال عليه في أول الأمر حتى يخلص من هذا الشرك؟؟ ~~فنهاية أمر الجاهل بداية حال العاقل. # فقوله: { المآء الذي تشربون } - أي: تشربون أنتم وأشجاركم ~~وزروعكم، بل شرب الأشجار والزروع لدي الاعتبار عند أولي الأبصار وهو ~~شرب الإنسان، فإن الماء يبدرق الطعام إلى ما يتغذى به النبات والحيوان ~~ويسوقه من المواضع البعيدة إلى الإنسان بعد الاستحالات. # وقوله: { لو نشآء جعلناه أجاجا } - أي: جعلناه ملحا ~~زعاقا لا يقدر على شربه كما كان أولا في البحر، أو أبقيناه فيه على ~~حاله من غير أن نصعده إلى فوق ثم نرسله إلى مواضع الأرض. # { فلولا تشكرون } - أي: لا تعرفون قدر هذه النعمة العظيمة، ~~فإن الشكر كساير المقامات له جزء علمي - هو كالأصل -، وجزء عملي ~~كالفرع فمن عرف الأصول التي منها تحصل الأطعمة وتصير صالحة لأن يتغذى ~~بها الإنسان يعلم أن تلك الأسباب لأجل سياقه العباد إلى عالم ms1641 المعاد، ~~فيعمل بالضرورة عمل أهل الآخرة، كما قال تعالى: # فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا المآء ~~صبا # [عبس:24 - 25] - الآية -. # فإنك إذا نظرت إلى طعامك عرفت انه قد حصل من الماء والتراب، وإذا نظرت ~~إليهما عرفت انهما بصرافتهما لا يغذيانك، فتحتاج إلى البذور والحبوب، ~~فإذا وجدت حبة أو حبات فلو أكلتها لفنيت وبقيت جائعا فيما أحوجك إلى أن ~~تنمو الحبة في نفسها وتزيد وتتضاعف حتى تبقى لحاجاتك، فخلق الله في ~~حبه الحنطة والشعير من القوى ما يغذى له كما خلق فيك، فإن النبات لا ~~يفارقك في الاغتذاء والنماء، بل يفارقك في الحس والحركة الإرادية، وكما ~~أن كل شيء لا يغذيك فكذلك النبات لا يتغذى بكل شيء، يل يحتاج إلى ~~طعام مخصوص، بدليل أنه لو تركته في البيت لم يزدد بمجرد مصادفة الهواء، ~~ولو تركتها في الماء لم تنم وكذلك لو تركتها في أرض لا ماء فيها، بل ~~لا بد فيه من أرض فيها ماء يمتزج بها، ومن هواء يتخلخل فيهما، ومن حرارة ~~تؤثر فيها، فيحتاج إلى العناصر الأربعة لتحصل منها مادة غذائية. # ثم الماء لا يتحرك بنفسه، فالله سبحانه يحركه بأيدي الملائكة ~~الموكلة عليه - كما أشير إليه في قوله: # أنا صببنا المآء صبا # [عبس:25] -. # ثم الهواء لا يتحرك بنفسه، ولو تركت الحبة في أرض ندية صلبة متراكمة ~~لم تنبت - لفقد الهواء في جوفها - ولا بد من تركها في أرض رخوة متخلخلة ~~يتخلخل إليها الهواء، فيحتاج إلى ريح تحرك الهواء وتضربه بقهر وعنف على ~~الأرض حتى تنفذ فيها. # وإليه الإشارة بقوله: # وأرسلنا الرياح لواقح # [الحجر:22]. # وإنما لقاحها في إيقاع الازدواج بين الهواء والماء والأرض ثم يحتاج ~~إلى حرارة الربيع والصيف وهي لا تحصل من الماء والأرض لأنهما الباردان، ~~ولا من الهواء، لقلة حرارته الذاتية ولتبرده بمجاورتهما، ولا من كرة ~~النار لبعدها، فانظر كيف سخر الله الشمس وكيف جعلها مع بعدها عن ~~الأرض مسخنة لها في وقت دون وقت عند الحاجة، وجعل القمر نائبا عنها في ~~نضج الفواكه لما فيه من الترطيب، كما ms1642 فيها من التسخين. # وهذه إحدى فوائد الشمس والقمر، والحكم فيهما وفي السماويات كثيرة لا ~~تحصى، ثم إذا عرفت حاجة النبات إلى الشمس والقمر والكواكب علم أن ~~وجودها لا يكون ولا يتم إلا بأفلاك هي مركوزة فيها، ولا تتم الأفلاك ~~إلا بحركاتها، ولا تتم حركاتها الإرادية الشوقية إلا بملائكة ~~نفسانية تحركها بإرادات وأشواق إلى ما هي فوقها من غايات عقلية، فلا ~~يتم إلا بملائكة عقلية مفارقة عن الأجسام وأشواقها وأعراضها لتعاليها ~~عن النظر إلى غير وجه الله، لأنهم المعتكفون تحت قبة الجبروت فهم أبدا ~~في مشاهدة جماله، متحيرون لا يرومون النظر إلى ما سواه، لأنهم صائرون ~~إليه # ألا إلى الله تصير الأمور # [الشورى:53]. # فمن عرف أن كل نعمة من نعم الله لا تتم إلا بأمثال هذه الأمور ~~المرتبة المذكورة بعضها المطوية أكثر منها لخفائها ودقتها من الأسباب ~~المؤدية إلى عظايم عوالم ملكه وملكوته وجبروته، ثم إلى مرتبة الإلهية ~~وأسمائها، ثم إلى تحت قبابه الأحدية وكبريائه العينية، فيعلم أن بدء ~~الأشياء منه تعالى، فيأخذ في شكر نعمه، ويجعل كل شيء في مصرفه الذي صرفه ~~الله إليه، فينكشف له ان مواد الأغذية كالماء والأرض والنار والهواء ~~لفائدة الاغتذاء وحصول صورة الغذاء، وهي لحصول النشوء والنماء وهما لتمام ~~خلقة الشخص وبقاء النوع مما لا يقبل شخصه قوة البقاء، ثم تمام الخلقة ~~إنما يكون لحصول النفس الحساسة المتحركة وهي النفس المتخيلة، وهي ~~للناطقة العارفة بالحق وملكوته بالقوة، وهي للقوة العاقلة بالفعل ~~الصائرة عقلا فعالا يفيض منه المعقولات لأنه قلم الحق الأول الذي ~~ينشأ منه تصوير الحقايق على ألواح القلوب والنفوس، والقلم بيد القدرة ~~مقبوضة مسخرة متحركة بها ولأجلها، والقدرة تنتهي إلى القادر فمنه ~~الابتداء وإليه الانتهاء. # فإذا علم هذا بلغ إلى مقام التوكل والرضاء. فإن بلغ إليهما وأحكمهما ~~يصل إلى مقام الوحدة، فيصير عبدا مخلصا عن شوب الشرك بالكلية إذ في ~~الشكر ضرب من الشرك الخفي لكونه لاستجلاب المزيد، وكذا في التوكل ~~فإنه يستدعي متوكلا ومتوكلا عليه يتوكل المتكلف في حوالة أمره إلى ~~الوكيل، والرضا ms1643 وإن كان باب الله الأعظم، ففيه أيضا رائحة من الاشتراك ~~فإن الراضي يستدعي وجودا مقابلا لوجود المرضي عنه، وله مجال تصرف ~~تركه بالاختيار، وهذه المرتبة أيضا قاصرة عن درجة الواصلين إلى درجة ~~التوحيد، فإن ارتقى من هذه الدرجات وصل إلى مقام الفناء المحض، ومحو ~~الأثر بالكلية، وهو منزل أهل الوحدة المطلقة فإن إلى الله المنتهى ~~وإليه الرجعى. ### || [56.71-72] # ثم ذكر الله سبحانه حكمة النار بعد ذكر الأرض المزروعة - لدلالة الزرع ~~عليها بالإلتزام - وذكر الماء والهواء لكونهما أشرف العناصر وأصفاها ~~وأبعدها مكانا عنا، مخاطبا لنا للحث على النظر في عجيب أمرها وحكمة ~~تكونها في وجه الأرض مع بعد حيزها الطبيعي عنها بقوله: { ~~أفرأيتم النار } - أي: نظرتم نظر المعتبر المتفكر في خلقتها ~~وحكمتها - { التي تورون } - أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد ~~والمقادح، وهما أبعد شيء عن قبول الصورة النارية. # قيل: إن العرب تقدح بعودين يحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: " ~~الزند " والأسفل: " الزندة " ، وشبهوهما بالفحل والمطروقة. # وقد مر في سورة يس عند قوله تعالى: # الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذآ أنتم ~~منه توقدون # [يس:80] إن المرخ والعفار يقطع الرجل منهما عصيين مثل السواكين، وهما ~~خضراوان يقطر منهما الماء، فيسحق المرخ - وهو ذكر - على العفار - وهي ~~أنثى - فيقدح بإذن الله فتعلق بالحطب وغيره، فينشئ شجرتها التي تنقدح ~~منها النار - { أأنتم أنشأتم شجرتهآ } - أي: أنبتموها ~~وابتدأتموها - { أم نحن المنشئون } - إياها على وجه يصلح لأن ~~تتعلق بها الدار لتكون خليفة للشمس والقمر على وجه الأرض للإضاءة ليلا ~~ولأن تنضج به من الطعوم ما لا تنضجه الكواكب فلا يمكن لأحد أن يقول إنه ~~أنشأ تلك الشجرة غير الله. # ثم إن النار صاعدة بالطبع كما أن الماء والشجر وغيرهما هابطة بالطبع. # وأيضا: النار نورانية والشجرة ظلمانية، والنار حارة يابسة والشجرة ~~باردة رطبة فقد أمسك الله في داخل تلك الشجرة الظلمانية هذه الأجزاء ~~النوارنية فقد جمع بقدرته بين هذه الأجزاء المتنافرة وجبرها على ~~الالتيام ليستصلح بها حال النباتات ويهيأ بها للإنسان الطعام وليأخذ من ~~يشاء من عباده ms1644 طريق الآخرة ودار السلام بهذا المركب البدني، وزاد ~~المعرفة التي هي نور من أنوار الله العقلية يهتدي به في ظلمات بر ~~الدنيا وبحر الآخرة ويستضيء به طريق المعاد وسبيله. # وهو المحرك لأهل الإيمان إلى الجنة والرضوان، والساعي بهم إلى عالم ~~القدس ومجاورة الرحمن، كما في قوله: # يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم # [الحديد:12]. ### || [56.73] # إن الله جعلها تذكرة ليتذكر بها الإنسان كثيرا من دقائق صنع الله ~~وعجايب حكمته. # منها ما مر، ومنها أنها تدل على النار الأخروية الكبرى لما روي عن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " ناركم هذه التي يوقد بني آدم جزء من سبعين جزء من حر جهنم " # فإذا رآها الإنسان ذكر جهنم وأهوالها فاستعاذ بالله منها. # ومنها: أنها تدل على نار النفس التي هي شعلة ملكوتية يتوقد بها ~~القلب بواسطة الروح البخارية التي هي كفتيلة دخانية استعدت للاشتعال # ولو لم تمسسه نار # [النور:35]، كمادة فيها كيفية كبريتية، وتلك النفس هي التي سواها ~~الله # فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس:8]، فتذكر قوله: # قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها # [الشمس:8 - 10] فتأخذ في تزكية النفس وتطهيرها من الآفة والنقص. # ومنها: أنها جوهر نوارني سماوي، والنور حقيقة بسيطة تختلف مراتبه ~~بالشدة والضعف، وغاية كماله الأنوار العقلية والنفسية، وهي كظلال ~~وأضواء للنور الأحدي الإلهي، فيتذكر بها عالم الربوبية ويسافر منها ~~إليه كما وقع لموسى على نبينا وآله وعليه السلام. # ومنها: أنها مادة خلقة الشياطين وجنوده، فيتذكر بها إبليس وكيده ~~ويتعوذ بالله منه بأن ينور نار نفسه بنور المعرفة، ويتقي من استيلاء ~~شرارة الغضب وحرارة الشهوة ودخان المعصية عليه، ويطفئ بنور إيمانه نار ~~جهنم، كما ورد في الحديث: # " إنها تقول للمؤمن: جزني يا مؤمن فإن نورك أطفأ ناري " # تأويلا لقوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر ~~الظالمين فيها جثيا # [مريم: 71 - 72]. # وقوله: { ومتاعا للمقوين } - أي جعلناها بلغة ومنفعة ~~للمسافرين عن ابن عباس والضحاك وقتادة: يعني الذين نزلوا الأرض القواء ~~- وهي القفر. # وعن عكرمة ومجاهد: ms1645 للمتمتعين بها من الناس أجمعين المسافرين ~~والحاضرين. فيكون المقوي عن الأضداد - الذي صار ذا قوة من المال ~~والنعمة، والذي ذهب ماله، ونزل بالقواء من الأرض -. # وفيه إشارة لطيفة وهي: أن الروح الإنساني المسافر إلى عالم الغيب من ~~عالم الشهادة ما دام نزوله في البدن وهو مكان قفر مظلم لا يوجد فيه شيء ~~من نعيم الآخرة بنتفع بحرارة نار الطبيعة التي في البدن لأنها فاعلة فيه ~~بتسخين البدن، فتصطلي بها قواه وتستضيء بها حواسه وتفعل التغذية وتهضم ~~الطعام وتطبخ الطبيخ من اللحوم والحبوب والتوابل وغيرها في قدر المعدة ~~أولا، ثم في قدر الكبد ثانيا. وأما إذا ارتحل الروح عن البدن ووصل ~~إلى موطنه، استغنى بأنوار المعارف الإلهية الفاعلة للحياة الأخروية ~~الدائمة عن أنوار الحس والحركة الناشئة عن طبيعة البدن، كما استغنى ~~المقوي عن النار التي كان ينتفع بها في الأرض القواء ليلا - إذا رجع ~~إلى منزله نهارا - بأنوار الشمس. # وأما أهل الجحيم، فهم بمنزلة الفقراء المحتاجين المضطرين الذين اشتدت ~~حاجتهم إلى النار، حيث كانوا لشدة الفقر - سواء كانوا في المسكن أو في ~~القفر -، فإنهم إذا رجعوا إلى مواطنهم في الشتاء، سكنوا في الأتونات ~~والمزابل والمواضع المظلمة، وذلك لبرودة قواهم الطبيعية بالهرم والموت ~~وانطفاء أنوار حواسهم، فليس لأحدهم نور، لا نور المعرفة ولا نور الحس ~~ولا نار الطبيعة، لأنهم باعوا حرارة الطبيعة وأنوار الحواس بثمن بخس من ~~اللذات الدنيوية، ولم يصرفوها في اكتساب نور المعرفة حتى يربحوا ~~ويفوزوا فوزا عظيما، فهم قد خسروا خسرانا مبينا كما قال سبحانه: # فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين * مثلهم ~~كمثل الذي استوقد نارا فلمآ أضاءت ما حوله ~~ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ~~* صم بكم عمي فهم لا يرجعون # [البقرة:16- 17]. ### || [56.74] # لما ذكر سبحانه ما دل على قدرته وحكمته وإنعامه على وجه العناية ~~الخالية عن شوب الأغراض التي تعود إليه، أمر نبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) - تعليما للعباد - على انشاء التسبيح، إما تقديسا له عن فعل ~~العبث والجزاف وعن الإرادة المعللة بالدواعي والأغراض الزايدة، ms1646 وتنزيها ~~له عما يقول الظالمون الذين يجحدون بآياته ويكفرون بوحدانيته، وإما ~~تعجبا من أمر المبدع لهذه العجايب المصنوعة لأمره، أو من أمر من ينظر ~~إلى هذه الآلاء الباهرة والأيادي الظاهرة ثم يمر عليها معرضا عن ~~التدبر فيها والتفكر في منافعها وبماديها وغاياتها، كما قال: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف:105]. وإما شكرا لله على هذه النعم العظيمة التي عددها ونبه ~~عليها وعلى منافعها الدنيوية وغاياتها الأخروية. # وحقيقة التسبيح، ليست مجرد أن يقول الإنسان: " سبحان الله " بل روح ~~التسبيح ومعناه، اعتقاد أنه تعالى مجرد عن الأوصاف والنقايص الإمكانية، ~~منزه عن العلايق الجسمانية والعوايق الظلمانية، وهذه لا تتيسر إلا ~~لمن كان له نصيب من القدس والتجرد، كضرب من الملائكة وطائفة من أهل ~~الوحدة وإخوان التجريد، فإن كل معتقد يعتقد في ذات الله تعالى وصفاته ~~بحسب مقامه وحاله، فأهل الحواس يعبدون الله في مقام التشبيه، والعقلاء ~~المجردون يعبدونه في مقام التنزيه، وأما أهل الله الواصلون الكاملون، ~~فيشاهدون الله ويعبدونه في جميع المقامات والأحوال في كل مقام، ~~ويسبحونه ويعظمونه عن الأشباه والأمثال. ### || [56.75-76] # " لا " زائدة من قبيل قوله: # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد:29] وقيل: " لا " يزاد في القسم، فيقال: " لا والله " و " لا ~~وعمرك " وكقول امرئ القيس: # لا وأبيك ابنة العامري # لايدعي القوم اني أفر # وقيل: " لا " رد لما يقوله الكفار في القرآن إنه سحر مفترى أو ~~كهانة، ثم استأنف الكلام وأقسم. وقيل: " لا " مثبتة، والمعنى: لا أقسم ~~على هذه الأشياء فإن الأمر أظهر من أن يحتاج فيه إلى اليمين. # ومواقع النجوم، قيل: هي مساقطها أو مغاربها، وجهه في الكشاف ~~بأنه لعل لله في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى الغروب أفعالا مخصوصة ~~عظيمة، أو للملائكة عبادات موصولة، أو لأنه وقت قيام المتهجدين ~~والمبتهلين إليه. # وفيه ما لا يخفى من الخدش: فإن سقوط النجم وغروبه لا يختص بآخر الليل، ~~بل ما من وقت إلا ويكون فيه أفول نجم وغروب نوره في الأفق. # وقيل: أراد بمواقعها منازلها ومساراتها، وله ms1647 تعالى في ذلك من الدليل على ~~عظمة القدرة والحكمة ما لا يحيط به الوصف، ولا يبعد أن يكون المراد بها ~~النجوم أنفسها لأنها مواقع قدرة الله ومنازل جوده وحكمته بأن تكون ~~الإضافة بيانية. أو يراد بالنجوم نفوسها المنورة. وبالمواقع أجرامها ~~التي هي مواقع تلك الأنوار - فتكون الإضافة لامية -. # وفي الشواذ قرأ الحسن والثقفي " فلا أقسم " بمعنى: " فلانا أقسم ~~" بلام ابتدائية دخلت على جملة من مبتدأ وخبر، ثم حذف المبتدأ وهو " ~~أنا " وليس لامه للقسم لعدم اقترانها بالنون المؤكدة - كما هو دأبهم - ~~ولأن فعل القسم يجب أن يكون للحال وجوابه للاستقبال. # وقوله: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } جملة وقعت ~~اعتراضا بين القسم والمقسم عليه وهو قوله # إنه لقرآن كريم # [الواقعة:77]. " ولو تعلمون " اعتراض بين موصوف وصفة، فهو اعتراض في ~~اعتراض. # وإنما وصف هذا القسم بالعظمة المقسم به، فإن الله سبحانه قد عظم ~~أمر السماء وما فيها من الكواكب، فكم من سورة يشتمل على تفخيمها في ~~مواضع، وكم من قسم أقسم به القرآن كقوله: # والسمآء ذات البروج # [البروج:1] # والسمآء والطارق # [الطارق:1] # والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها # [الشمس:1 - 2] # فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس # [التكوير:15 - 16] # والنجم إذا هوى # [النجم:1]. وذلك لشرفها ونوريتها وملكوتها ودوام دورتها وطاعتها لله ~~تعالى، وسرعة حركاتها الدورية والإرادية في طلب الحق الأول وتلألؤ ~~جماله وورود إشراقاته عليها لا لداع حيواني من شهوة أو غضب أو التفات ~~لها إلى ما دونها. # فلها في كل إشراق أشواق، وفي كل شوق وجد ورقص وخضوع، ولكل حركة ~~وسجود وركوع لمعة أخرى وشروق نور آخر، فهكذا تدوم الإشراقات العقلية ~~بدوام الحركات الدورية، وتدوم الحركات الشوقية بدوام اللمعات الإلهية، ~~وما من موضع في السماء إلا وفيه ملك ساجد وراكع من نفس أو عقل. # ولعلو منزلتها وقربها من أفق الإلهية أقسم الله تعالى بها وأحال ~~الأرزاق إليها، فقال: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون # [الذاريات:22] ومدح الناظرين في أمرها، وأثنى على المتفكرين في خلقها ~~القائلين: # ربنآ ما خلقت هذا باطلا # [آل عمران:191]. # " وقال رسول الله (صلى الله عليه ms1648 وآله وسلم) لما نظر إلى السماء ~~والكواكب وقرأ قوله تعالى { إن في خلق السماوات والأرض } ~~[البقرة:164]. - الآية -: # " ويل لمن قرأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته " # أي: قرأها وتجاوزها من غير أن يتأمل فيها ويتدبر في ملكوتها. # وليس معنى المتفكر أن يعرف أحد رزقة السماء وضوء الكواكب كالعوام ~~والأنعام، أولا ترى أن الله تعالى قد ذم المعرضين عن التدبر في ~~آياتها فقال: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا وهم عن آياتها ~~معرضون # [الأنبياء:32]. فعلم أن معنى النظر إلى ملكوت السموات ليس بأن يمتد ~~البصر إلى شكلها أو زرقتها وضوء الكواكب وحركتها من غير أن يتفطن ~~بمحركها ومحرك محركها - وهكذا - إلى أن ينتهي النظر إلى لمعات أنوار ~~الربوبية، ومعاني الأسماء الإلهية، فيرتقي إلى عالم الأسماء من عالم ~~السماء، بأن يعلم أن كل جرم سماوي له طبع ونفس وعقل وسام آلهي متصل ~~به الكل. # فإن كان مجرد ذلك هو المراد، فلم مدح الله خليله إبراهيم (ع) خاصة ~~بقوله: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين # [الأنعام:75]، بل كلما يدركه بحاسة البصر وساير الحواس فهو من الدنيا ~~- وتشترك فيه البهائم مع الإنسان - والقرآن يعبر عنه بالملك والشهادة، ~~وما غاب عن ادراك الحواس فهو من الآخرة ويعبر عنه بالغيب والملكوت. ~~والله تعالى عالم الغيب والشهادة فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول، وهو جبار الملك والملكوت فلا يستطيع أحد أن ينفذ فيهما ~~إلا من اصطفى من نبي: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان # [الرحمن:33]. أي: بنور قاهر. # قال المسيح الممسوح بنور الله: لن يلج ملكوت السماوات من لم يولد ~~مرتين - مرة من رحم المواد ومرة من مشيمة الحواس. # واعلم أن ارتباط هذه الآية بما سبق، أنه سبحانه لما ذكر مواد خلقة ~~الإنسان وأسباب غذائه الجسماني الذي به قوام بنيته ونشأته الدنيوية من ~~العناصر الأربعة، وذكرها على الترتيب من الأسفل الأخس إلى الأعلى الأشرف ~~حتى بلغ إلى ذكر ما هو أشرفها وأقصاها ms1649 - وهي النار -، فذكر حكمتها ~~ومنفعتها وحاجة الخلق إليها، فأراد ان يهدي الناس إلى معرفة السماء ~~ومواقع النجوم، لأنها منشأ أرواح بني آدم ومادة ميلاد نفوسهم في نشأة ~~المعاد وعند قيامهم عند الله لأن روح الإنسان إنما تتغذى بمعارف ~~القرآن وتحيى بحياة العلم والعرفان. # والقرآن بما فيه من العلوم الحقة والمعارف الإلهية إنما ثبت أولا ~~من القلم الأعلى في اللوح المحفوظ، وهما من السماوات العلى، ثم نزل إلى ~~هذه السماء الدنيا منجما، ولهذا فسر بعضهم مواقع النجوم بأوقات ~~نجوم القرآن - أي: أوقات نزولها - وانما لم يقسم بتلك الأجسام العنصرية ~~مع ما فيها من عجايب القدرة، وأقسم بهذه المواضع لعظم أمرها وشرف ~~ملكوتها، فأي نسبة لجميع العنصريات إلى السماء وما فيها من الكواكب ~~وملكوتها ومن أدرك الكل وفاته عجايب ملكوت الله واعداد حكمة الله فيها ~~فقد فاته الكل تحقيقا، إذ هو الأمر كله، فالأرض والبحار والهواء وكل ~~جسم سوى السماويات بالإضافة إليها كقطرة في بحر عظيم. ### || [56.77-78] # وقرئ: " المتطهرون " ، و " المطهرون " بالإدغام و " المطهرون " من ~~أطهره بمعنى طهره، والمطهرون بصيغة الفاعل بمعنى أنهم يطهرون أنفسهم ~~أو غيرهم بالتعليم والاستغفار لهم، إذ القرآن الكريم عند الله، لكونه ~~كلام الله، يتكلم به خواص ملائكته وصفوة أنبيائه في الدنيا، وخواص ~~عباده المؤمنين في الآخرة، لدلالة قوله ولا يكلمهم الله عليه ~~بالمفهوم، ولأنه رفيع المرتبة مصون عن النسخ ومحفوظ عن التغيير والتبديل ~~لكونه علما بحقايق الأشياء التي لا تتبدل بتغيير الملل والمذاهب، فهو ~~عند الله شريف المنزلة. # وقيل: إنه كريم بمعنى أنه كثير المنفعة، وهو أيضا حق لأنه عام ~~المنافع كثير الخيرات والبركات، ينال الأجر العظيم بتلاوته تاليه، ويفوز ~~بالثواب الجسيم العامل بما فيه، ولكونه نورا يهتدى به في ظلمات الأرض ~~كما قال: # ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من ~~عبادنا # [الشورى:52] والنور كثير البركة لكونه حكمة، والحكمة مفتاح كل سعادة ~~لقوله: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة:269]. # وقيل: إنه كريم، بمعنى إنه حسن مرضي في جنسه، لأنه معجزة للنبي ~~الكريم المشتمل على ms1650 كل دقيق وجليل من العلوم، وعلى المواعظ والأحكام، ~~والإخبار عن المغيبات. # في كتاب مكنون - أي: مستور ما فيه عن الخلق، لكونه من عالم ~~الغيب، والخلق من عالم الشهادة، بل مصون من أعين غير المقربين من ~~الملائكة لا يطلع عليه من سواهم، وسوى من وصل إلى مقامهم من الأنبياء ~~المصطفين، وذلك الكتاب هو اللوح المحفوظ عن المحو والتغير والنسخ، لأنه ~~جوهر مجرد عال عن عالم الأجرام التي يتطرق إليها الكون والفساد وعن ~~عالم الألواح القدرية التي يعتريها المحو والإثبات، وأرواحها التي يجري ~~فيها النقل والتغيير والتبديل والنسخ، فهو بجوهره عالم عقلي محل للقضاء ~~الإلهي، ولوح كلي مكتوب فيه جميع ما قضى الله بقلم الحق الأعلى كما في ~~قوله (صلى الله عليه وآله وسلم). # " إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي ". # فهو مكتوب عنده فوق العرش بقلم القدرة الإلهية - وهو المسمى ب " أم ~~الكتاب " لقوله: # وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم # [الزخرف:4] لأن جميع العلوم الحقة الموسومة باللدنية - التي لا ~~تعلم إلا بتوفيق الله - ثابتة فيه فائضة منه بإفاضة الله على قلب من ~~يشاء من عباده، كما قال: # اقرأ وربك الأكرم * الذى علم بالقلم * علم ~~الإنسان ما لم يعلم # [العلق:3 - 5] # وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ~~عظيما # [النساء:113]. # فكما أن عالم اللوح القضائي - وهو مجموع الجواهر العقلية والأرواح ~~المفارقة بالكلية التي هي مفاتيح الغيب لقوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام:59] - محل القضاء الإلهي، وهي أيضا خزائن ما في علم الله، ~~فالعالم النفساني بجرمه السماوي محل القدرة لقوله تعالى: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر:21]. # فمحل حصول المعلومات الكلية هو عالم النفوس الناطقة وإنما ترتسم ~~صورها في الألواح القدرية على سبيل التنزل، إذ الصور الكلية العقلية ~~في عالم القضاء في غاية الصفاء لا تتراءى ولا تتمثل في معلوميتها لما ~~تحتها لشدة نوريتها وجمالها، كمرآة مضيئة ترد البصر عن ادرك ما فيها من ~~الصور بشعاعها، ms1651 فتنتسخ تلك الصور منه في لوح النفس الناطقة الكلية التي ~~هي قلب العالم، كما ينتسخ بالقلم في اللوح صورا معلومة مضبوطة بعللها ~~وأسبابها على وجه كلي. # وهذا مثل ما يظهر في قلوبنا عند استحضارنا المعلومات الكلية كالصور ~~النوعية في باب حدود التصورات، وككبريات القياس في باب براهين ~~التصديقات عند الطلب للأمر الجزئي المنبعث عنه الإرادة للفعل والعزم ~~عليه، وذلك الأول كالعلم الإجمالي الذي لنا، وهو عقل بالفعل تنشأ منه ~~الصور الكلية عند الاستحضار، ثم ينتفش من عالم النفوس الناطقة الكلية ~~في النفوس الحيوانية السماوية والحساسة المنطبعة في أجرامها نقوش ~~جزئية متشخصة بأشكال وأوضاع معينة، مقارنة لاوقات مقدرة من لواحق ~~المادة على ما يظهر في الخارج. وهذا كما ينتقش في قوتنا الخيالية ~~كالصور الشخصية، وكصغيرات القياس - ليحصل بانضمامها إلى كبرياتها نتيجة ~~جزئية ينبعث منه رأي جزئي يحصل عنه قصد جازم إلى فعل معين فيجب عنه ~~حصوله في الخارج. # وذلك العالم هو لوح القدر، وخيال العالم، وكتاب المحو والإثبات، لأن ~~جزئيات العلوم متبدلة فيه وكلياتها مضبوطة فيما فوقه، لقوله تعالى: # يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب # [الرعد:39]. # وهذا الكتاب أيضا يسمى بالدفتين الزمردتين، وبالسماء الدنيا التي نزل ~~إليها القرآن الكريم أولا من اللوح المحفوظ وغيب الغيوب، ثم ظهر في ~~عالم الشهادة، فقوله: { إنه لقرآن كريم } إشارة إلى المرتبة ~~الجمعية الإلهية الموسومة ب " القلم الأعلى " و " العقل الأول " أعني ~~العقل الإجمالي الذي هو فعال صور المعقولات في العقول والنفوس. وقوله: ~~في كتاب مكنون - هو اللوح العقلي المحفوظ عن التجدد والتغير ~~وفيه علم الفرقان. # وإنما وصف القرآن بالكريم - دون الفرقان - لأنه العقل البسيط الذي ~~تنشأ منه الصور العقلية التفصيلية، وتتأخر منه العلوم الاستحضارية ~~تأخر المعلوم عن العلة والمركب عن البسيط، وإنما هو العقل الفعال ~~ومجده بالعقل القرآني لا بالعقول الفرقانية. ### || [56.79] # إن القرآن كالإنسان المنقسم إلى سر وعلن، ولكل منها ظهر وبطن، ولبطنه ~~بطن آخر - إلى أن يعلمه الله - ولعلانيته علانية أخرى إلى أن تدركه ~~الحواس وأهلها. # أما ظاهر علنه فهو المصحف ms1652 المحسوس الملموس، والرقم المنقوش الممسوس. # وأما باطن علنه فهو ما يدركه الحس الباطن، ويستثبته القراء والحفاظ ~~في خزانة محفوظاتهم كالخيال ونحوه، والحس الباطن لا يدرك المعنى صرفا، ~~بل خلطا مع عوارض جسمانية، إلا انه يستثبته بعد زوال المحسوس، فإن ~~التخيل والوهم أيضا كالحس لا يحضران في الباطن المعنى الصرف ~~كالإنسانية المطلقة، بل نحو ما يدركه الحس من خارج مخلوطا بزوايد ~~وغواش من كم وكيف وضع وأين، فإذا حاول أحدهما أن تتمثل له ~~الصورة الإنسانية المطلقة بلا زيادة أخرى لم يمكنه ذلك، بل إنما يمكنه ~~اشتثبات الصورة المقيدة بالعلايق المأخوذة عن أيدي الحواس وإن فارق ~~المحسوس، بخلاف الحس فإنه لا يمكنه ذلك، فهاتان المرتبتان من القرآن ~~أوليتان دنويتان مما يدركه كل إنسان. # وأما باطنه وشره فهما مرتبتان أخرويتان لكل منهما درجات: # فالأولى مما تدركه الروح الإنسانية التي تتمكن من تصور المعنى بحده ~~وحقيقته، منفوضا عنه اللحواق القريبة، مأخوذا من المبادي الفعالة من ~~حيث تشترك فيه الكثرة وتجتمع عنده الأعداد في الوحدة، ويضمحل فيه ~~التخالف والتضاد وتتصالح عليه الآحاد، ومثل هذا الأمر لا تدركه الروح ~~الإنسانية ما لم تتجرد عن مقام الخلق، ولم تنفض عنها الحواس ولم ترتق ~~إلى مقام الأمر متصلة بالملأ الأعلى، إذ ليس من شأن المعقول من حيث هو ~~معقول أن يحس، كما ليس من شأن المحسوس من حيث هو محسوس أن يعقل، ولن ~~يستتم الإدراك العقلي بآلة جسمانية، فإن المتصور فيها مخصوص مقيد ~~بوضع ومكان وزمان، والحقيقة الجامعة العقلية لا تتقرر في منقسم مشار ~~إليه بالحس، بل الروح الإنسانية تتلقى المعقولات بجوهر عقلي من حيز ~~عالم الأمر ليس بمتحيز في جسم ولا متمكن في حس ولا داخل في وهم. ثم ~~لما كان الحس تصرفه فيما هو من عالم الخلق والعقل تصرفه فيما هو من ~~عالم الأمر، فما هو فوق الخلق والأمر فهو محتجب عن الحس والعقل جميعا، ~~ولا شك أن كلام الله من حيث هو كلامه قبل نزوله إلى عالم الأمر - وهو ~~اللوح المحفوظ - وقبل نزوله إلى عالم ms1653 السماء - وهو لوح المحو والإثبات ~~وعالم الخلق - له مرتبة فوق مرتبة الخلق والأمر جميعا فلا يتلاقاه ولا ~~يدركه أحد من الأنبياء إلا في مقام الوحدة الإلهية عند تجرده عن ~~الكونين - الدنيا والآخرة - وعروجه وخرقه العالمين - الخلق والأمر -. # كما قال أفضل الأنبياء: # " لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب، ولا نبي مرسل ". # فإذا تقرر هذا، ثبت أن للقرآن منازل ومراتب، كما للإنسان درجات ~~ومعارج، فلا بد لمس القرآن في كل مرتبة ودرجة من طهارة وتجرد عن بعض ~~العلايق، فالضمير في " لا يمسه " إن كان عائدا إلى المصحف الذي بأيدي ~~الناس ويدركه جمهور أرباب الحواس، فلا يجوز لغير المتطهر من الأحداث ~~والأنجاس - كالجنابة والحيض والنفاس - مس كتابته أو مس المصحف، كما هو ~~عند البعض، وروي عن محمد بن علي الباقر (ع)، وعطا، وطاووس، وسالم، وهو ~~مذهب الشافعي ومالك، ولا لغير المتطهر من نجاسة كفر القالب بالإقرار ~~بالشهادتين وتلاوته وحفظ ألفاظه، فيكون " لا يمسه " خبرا بمعنى النهي. # وإن كان عائدا إلى كتاب مكنون، وجعلت الجملة الفعلية صفة له، فالمعنى: ~~لا يمس اللوح المحفوظ ولا يحمله بما فيه إلا المجردون عن جلباب ~~البشرية من الإنسان والملائكة، الذين وصفوا بالطهارة من آثام الأجرام ~~كجبرئيل حاملا التنزيل في مقام التفضيل. # وإن كان عائدا إلى القرآن الكريم من حيث يحمله القلم الأعلى في مقام ~~الإجمال - حتى تكون الجملة الإسمية صفة له، والفعلية صفة أخرى بعد ~~صفة، وهما جميعا صفتان له بعد صفة الكرامة - فيكون المعنى: لا يمسه ~~إلا المطهرون عن نقايص الإمكان وأحداث الحدثان، وهم أعاظم الأنبياء ~~والمرسلين، وأكابر الملائكة المقربين. # وبالجملة، للقرآن درجات كما مر، وكذلك للإنسان بحسبها، ولكل درجة من ~~درجاته حملة يحملونه وحفظة يحفظونه، ولا يمسونه إلا بعد طهارتهم عن ~~حدثهم أو حدوثهم، وتقدسهم عن شواغل مكانهم أو إمكانهم، وأدنى المنازل في ~~القرآن ما في الجلد والغلاف - كما أن أدون الدرجات للإنسان هو ما في ~~الجلد والبشرة -، ويجب أن لا يحمله الإنسان البشري إلا بعد تطهير لبشرته ~~وغلافه من النجاسة. # وهذا كما ms1654 ورد أن للإيمان ليس بابا واحدا، بل هو نيف وسبعون بابا ~~أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. # ومثاله قول القائل: ليس الإنسان موجودا واحدا، بل هو نيف وسبعون ~~موجودا، أعلاها الروح، وأدناها إماطة الأذى عن البشرة - بأن يكون مقصوص ~~الشارب مقلوم الأظفار، نقي البشرة عن الأخباث - حتى يتميز عن البهائم ~~المرسلة الملوثة بارواثها، المستكرهة الصور بطول مخالبها وأظلافها. # فعلم من هذا، أن الإنسان ومراتبه مثال مطابق للإيمان ومراتبه، وكذا حكم ~~القرآن. وسيأتيك زيادة كشف. ### || [56.80] # هذه صفة رابعة للقرآن، أي: منزل من عند رب العالمين إلى أهل هذا ~~العالم، وإنما وصف بالمصدر، لأنه من حيث هذا الوجود الكوني نزل ~~منجما بحسب الدواعي الكونية والمصالح الخلقية في الأوقات المعينة، ~~فكأنه في نفسه تنزيل لتعالي الباري القيوم عن وصف التغير والتجدد ~~وكثرة الدواعي والإرادات. # وأما كيفية هذا التنزيل: فنقول في بيانها: إن الذات الأحدية بحقيقة ~~الصمدانية مما لا سبيل لأحد إلى إدراكها - سواء كان من الملائكة أو من ~~الإناس - وغاية السبيل إليه لأهل الكونين إدراك أفعاله وآثاره، وكلامه ~~وكتابه عندنا من جملة أفعاله وآثاره - إلا أن أحدهما - وهو الكلام، من ~~عالم أمره، بل هو الأمر كله، لقوله تعالى: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس:82] وأمره منزه عن التجدد والتضاد لقوله: # ومآ أمرنآ إلا واحدة # [القمر:50]. # وثانيهما - وهو الكتاب - من عالم خلقه، بل هو عالم خلقه لاشتماله على ~~التجدد والتضاد لقوله تعالى: # ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام:59]. # ولكل منهما منازل ومراتب، وكل واحدة من مراتب الكلام قضاء، وكل واحدة ~~من مراتب الكتاب قدر، وأعلى مراتب القضاء قضاء محض ليس فوقه قضاء، وهو ~~الكلام الإلهي المبدع له في الحقيقة. # وأدنى مراتب القدر، " قدر محض " لا قدر تحته، وهو الكتاب الكوني الذي ~~فيه كتابه أعمال أهل الشمال. # وكما أن كلام الله مشتمل على الآيات، وهي آيات الله الكبرى الواقعة في ~~المواقف العقلية المثالية - # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق # [البقرة:252] ms1655 وكذلك كتابه المبين مشتمل على آيات وهي الآفاق والأنفس # تلك آيات الكتاب المبين # [يوسف:1] - وكل كلام إذا نزل وتشخص يصير كتابا، كما أن الأمر إذا نزل ~~صار فعلا - # كن فيكون # [البقرة:117] فالكتاب نايب الكلام، وأصل الكلام إنما يراد لتصوير ما ~~يتضمنه باطن المتكلم في باطن المخاطب فيصير مثله، فإذا عجز المخاطب عن ~~مس باطن المتكلم - مس الخاتم للشمعة ليجعله بمثله في نقشه ورقشه - ~~اتخذ بين الباطنين سفيرا من الظاهرين، إما رسولا هوائيا متكلما به، ~~أو رسالة سطحية ناطقة بما فيها. فإن الهواء بتموجه الصوتي على هيئة ~~الحرفية كتاب بالقياس إلى ما فوقه - وهو نفس المتكلم -، وهو بعينه ~~كلام بالقياس إلى ما تحته - وهو صحيفة الرسالة أو بسيط السماخ بهيئاتها ~~الكتابية -. # فعلى هذا، كل واحدة من الذوات المفارقة والملائكة العقلية التي هي ~~علوم إبداعية وصور مجردة، كلام الله باعتبار، وقلمه باعتبار. وكل واحد ~~من الجواهر الفعلية والملائكة المدبرة كتاب الله باعتبار، ولوحه ~~باعتبار. # وكذا الألواح القدرية والصحايف السماوية، كل منها كتاب مشتمل على ~~آيات الربوبية ودلائل القدرة، وهكذا صحيفة الأكوان وطومار حوادث الزمان، ~~ودفتر الصور الجسمانية، كتاب فيه آيات الليل والنهار التي ينشر بعضها ~~وينطوي بعض آخر ويظهر ويكمن، كما قال: # إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في ~~السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون # [يونس:6]. # فعالم الكلام والقول، فيه آيات أمرية عقلية وعلمية، وعالم الكتاب ~~والفعل، فيه آيات خلقية كونية عملية، وما لم يطلع الإنسان أولا ~~بمشاعر نفسه وبدنه هذه الآيات الفعلية الكتابية الآفاقية والأنفسية ~~لم تترق بها ذاته من مقام الحس والنفس إلى مقام القلب والروح فيسمع ~~ويفهم تلك الآيات العقلية الكلامية حتى يعرف بها الحق الأول، كما ~~قال: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت:53]. # فإذا علمت الفرق بين الكلام والكتاب، فاعلم أن هذا القرآن كلام الله ~~وكتابه جميعا، وهو بما هو كلام الله نور من أنوار الله المعنوية، نازل ~~من لدنه، ومنزله الأول قلب من يشاء من عباده المحبوبين لقوله: # ولكن جعلناه ms1656 نورا نهدي به من نشآء من ~~عبادنا # [الشورى:52]. وقوله: مخاطبا نبيه: # نزل به الروح الأمين * على قلبك # [الشعراء:193] وقوله: # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل # [الإسراء:105]. # وهو بما هو كتاب نقوش وأرقام، وفيها آيات أحكام نازلة من السماء نجوما ~~على صحايف قلوب المحبين، وألواح قلوب السالكين وغيرهم، يكتوبنها بأيديهم ~~في صحايف أعمالهم وألواح أفكارهم، بحيث يقرأها كل قارئ ويعمل بأحكامها ~~كل عامل، ويتساوى في هديها الأنبياء والأمم، كما في قوله: # وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس # [آل عمران:3 - 4] وقوله: # وعندهم التوراة فيها حكم الله # [المائدة:43]. # وأما القرآن الكريم، ففيه عظايم علم الله، يتعلم به نبي الله لقوله ~~تعالى # وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ~~عظيما # [النساء:113] وفيه عظايم أخلاق الله يتخلق به خاتم الأنبياء - عليه ~~وعليهم السلام - لقوله: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم:4]. # فإذا تقررت هذه المقدمات، وتبينت، فنقول في كيفية تنزيل الكلام ~~وإنزال الكتب: إن الروح الإنسانية كمرآة مجلوة إذا صقلت بصقالة العقل ~~النطري، وزالت عنها غشاوة والطبيعة ورين المعصية، فحينئذ لاح لها نور ~~المعرفة والإيمان، وهو المسمى عند أئمة الحكمة بالعقل بالفعل، وبهذا ~~النور تتراءى فيها حقائق الملكوت، وخفايا الجبروت، كما تتراءى الأشباح ~~المثالية في المرايا العقلية إذا لم تفسد صقالتها بطبع ورين، لقوله: # وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون # [التوبة:87] # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين:14]. # فإذا اعرضت عن البدن والاشتغال بما تحتها من الشهوة والغضب والحس ~~والتخيل، وتوجهت وولت بوجهها تلقاء عالم الملكوت الأعلى اتصلت ~~بالسعادة القصوى، ورأت عجايب الملكوت والآيات، كما في قوله: # لقد رأى من آيات ربه الكبرى # [النجم:18]. ثم إن هذه الروح إذا كانت قدسية شديدة القوى، قوية ~~الإنارة لما تحتها، لا تشغلها جهة فوقها عن جهة تحتها، فتفي للجانبين ~~وتضبط للطرفين، لا يستغرقها لغاية قوتها وشدة تمكنها حسها الباطن عن ~~حسها الظاهر، وليست كالأرواح العامية الضعيفة إذا مالت إلى الجانب ~~الباطن غابت عن الجانب الظاهر، وإذا رجعت إلى مطالعة الظاهر غابت عن ~~مطالعة الباطن، وإذا حضرت في ms1657 شهود نشأة احتجبت عن النشأة الأخرى، بل إذا ~~ركنت إلى مشعر من المشاعر ذهلت عن الآخر، وكذلك في القوى العملية إذا ~~اشتغلت بما تورده قوة تعطلت عما تورده قوة أخرى، وكذلك، البصر منها ~~يخل بالسمع، والخوف يشغلها عن الشهوة، والشهوة تصدها عن الغضب، والفكر ~~يعطلها عن الفعل، والذكر يصرفها عن الفكر. # والروح القدسية لا يشغلها شأن عن شأن، ولا تحجبها نشأة عن نشأة. فإذا ~~توجهت إلى الأفق الأعلى وتلقت المعارف بلا تعليم بشري من الله، أو من ~~ملائكة الله، يتعدى تأثيرها إلى قواها، وتتمثل صورة ما شاهدها في روحها ~~البشري، ومنها إلى أجسام العالم، فتذعن لها طبيعة الخلق الأكبر وقواها ~~من النفوس الجزئية كما تذعن للملائكة الأقربين لاتصالها بهم، فيكون ~~حكمها حكمهم عند اتصالها بأفق النور الإلهي. # والملائكة العلمية ذوات حقيقة ولها ذوات مضافة إلى ما دونها تشنأ منها ~~الملائكة اللوحية، وأما ذواتها الحقيقية فهي أمرية كلامية قضائية، ~~وأما ذواتها الإضافية النفسية فهي خلقية كتابية قدرية. # وإنما يلاقي الصنف الأول للملائكة من القوى البشرية الروح القدسية ~~في اليقظة، فإذا اتصلت الأرواح النبوية بعالمهم - عالم الوحي الإلهي - ~~تسمع كلام الله وهو إعلام الحقايق بالمكالمة الحقيقية بينها وبينه لكونها ~~في مقام القرب ومقعد الصدق. والوحي هو الكلام الحقيقي الإلهي كما مر. ~~فكذلك تعاشر تلك الملائكة وتخاطبهم وتسمع صرير أقلامهم كما حكاه النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عن نفسه. # ثم إذا نزل إلى ساحة الملكوت السماوي، تتمثل به صورة ما شاهده في ~~لوح نفسه الواقعة في عالم الأرواح، ثم يتعدى منه الإنزال إلى الظاهر، ~~وحينئذ يقع للحواس الظاهرة شبه نوم ودهش، لما علمت من أن الروح ~~القدسي، لضبطه الجانبين، يستعمل المشاعر الحسية ويشغلها في سبيل معرفة ~~الله وإطاعة الحق، فإذا خاطبه الله خطابا بلا حجاب من الخلق بواسطة ~~الملك أو بدونه واطلع على آيات ربه، وانطبع في فص نفسه الناطقة نقش ~~الملكوت وصورة اللاهوت، وكان يتشبح له مثال من الوحي وتحامله إلى الحس ~~الباطن، فتنجذب قوة الحس الظاهر إلى فوق، ويتمثل لها ms1658 صورة الملك بحسب ~~ما يحتملها، فيرى ملكا على غير صورته التي كانت في عالم الأمر، بل على ~~صورته الخلقية القدرية، ويسمع كلامه بعد ما كان وحيا أو يرى لوحا ~~بيده مكتوبا. فيكون الموحي إليه يتصل بالملك بباطنه وروحه، ويتلقى ~~بروحه القدسية منه المعارف الإلهية ويشاهد آيات الله ويسمع كلام الله ~~الحقيقي العلمي من الملك الذي هو الروح الأعظم، ثم يتمثل له الملك ~~بصورة محسوسة، وكلامه بصورة أصوات وحروف منظومة مسموعة وفعله وكتابه ~~بصورة أرقام ونقوش مبصرة، فيكون كل من الوحي والملك تتأدى إلى مشاعره ~~وقواه المدركة من وجهين، ويعرض للقوى الحسية شبه الدهش، وللموحى إليه ~~شبه الغشى، ثم يرى ويسمع ويقع الإنباء. # فهذا معنى تنزيل الكلام وإنزل الكتاب من رب العالمين، وعلم منه وجه ما ~~قيل: إن الروح القدسية تخاطب الملائكة في اليقظة، والروح النبوية ~~تعاشرها في النوم، ولكن يجب ان يفرق بين نوم الأنبياء ونوم غيرهم، فإن ~~نومهم عين اليقظة. ### || [56.81-82] # أفأنتم بهذا الحديث الذي جاء من الغيب إلى الشهادة متهاونون. وتقديم ~~الظرف على عامله للاهتمام به والإعتناء بأمره للمبالغة في أن المداهنة - ~~أي لين الجانب وعدم التصلب في مثله -، مما يستغرب ويتعجب منه، بخلاف ~~غيره من الأحاديث التي تنشأ أولا من عالم المحسوس إلى السمع، ثم ~~ترتقي إلى الباطن، فإن أكثر الناس متخيلهم يتبع محسوسهم، وكذا معقولهم ~~يتبع متخيلهم، ولذا قيل: " من فقد حسا فقد فقد علما " وذلك لعكوف ~~أكثر النفوس في عالم المحسوس، وليس كذلك نفوس الأنبياء، فهم كما مر يرون ~~ويسمعون في باطنهم أولا من عالم الغيب، ثم يتكلمون بما شاهدوه. # والرزق ما يتغذى ويتقوى به العبد سواء كان حراما أو حلالا، محسوسا ~~أو غير محسوس. وما قيل: " إن الحرام ليس من الرزق " ، معناه: إنه لا ~~يحصل به البقاء على السعادة الأخروية. فكما أن الملائكة غذاؤهم التسبيح ~~والتقديس، وأهل السعادة من الناس غذاؤهم العلم وزادهم التقوى، فكذلك ~~الشياطين وأهل الشقاوة، غذاؤهم تكذيب الحق والإبعاد عنه، وترويج الباطل ~~وإبطال الحقايق بالشبهات والتمويهات، لأنهم بهذه الأفاعيل المزخرفة ~~يتظاهرون ms1659 ويتطاولون على الناس، ويترسخ في باطنهم نار الجحيم، ويشتد ~~بزيادة الفظاظة والغلظة عذابهم الأليم. # كما قال تعالى: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب ~~أليم بما كانوا يكذبون # [البقرة:10]. # وفي الكشاف: { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } على ~~حذف المضاف، أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب. أي: وضعتم التكذيب موضع ~~الشكر. # وقيل: نزلت في الأنوار ونسبة المنافقين السقيا إليها، والرزق: المطر. # وعن ابن عباس: أصاب الناس عطش في بعض أسفاره (ص) فدعا، فسقوا فسمع ~~رجلا يقول: مطرنا بنوء كذا. فنزلت الآية. # أي: وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث، إنكم تكذبون بكونه من الله، ~~حيث تنسبونه إلى النجوم. # وعن الحسن: معناه: وتجعلون حظكم من القرآن الذي رزقكم التكذيب به. # وقرئ: تكذبون. لأنهم كذبوا في قولهم القرآن سحر وشعر وافتراء، أو ~~قولهم: المطر من الأنواء. وكذا في تكذيبهم لما هو حق، فإن كل مكذب ~~بالحق كاذب. ### || [56.83-87] # ترتيب الكلام وأصله هكذا، فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير ~~مدينين. وباقي الكلام وقع اعتراضا أو تأكيدا. أي: فلولا ترجعون النفس - ~~أي: الروح المحتضر - إن كنتم غير مدينين، أو في تكذيبكم البعث أو غيره ~~صادقين إذا بلغت الحلقوم عند الموت، وأنتم يا أهل الميت حينئذ ترون تلك ~~الحال منه، وقد صار إلى أن تخرج منه روحه. ف " لولا " الثانية مكررة ~~مؤكدة للأولى، والمستكن المرفوع في: " بلغت " والبارز المنصوب في " ~~ترجعونها " للنفس، والمجرور في: " أقرب إليه " للمحتصر. # و { غير مدينين } - أي: غير مسوسين بسياسة. من دان السلطان ~~رعيته إذا ساسهم. # وقوله: { ونحن أقرب إليه منكم } إثبات لمعيته تعالى ~~لكل شيء وقربه منه معية قيومية وقرب معنوي إلهي، لا بمداخلة ولا ~~بمماسة كمعية جسم لجسم، ولا كمعية صورة لمادة، ولا كعرض لمحل ولا ~~بالعكس، ولا كمعية مقوم الماهية - كالجنس والفصل - للماهية، أو مقوم ~~الوجود كالمادة والصورة للموجود المتقوم بهما خارجا أو عقلا - فإن ~~الباري قيوم لكل شيء وغاية له، لأنه مقوم لشيء بأحد هذه المعاني. ~~وأقرب أسباب الشيء ومقوماته إليه هو الفاعل الحقيقي، والغاية له، لأنه ms1660 ~~مسبب الأسباب من غير سبب. # وقيل المعنى: ونحن أقرب إليه بقدرتنا وعلمنا، ومرجع هذا الكلام أيضا ~~إلى ما مر. لأن قدرته وعلمه غير زايدين على ذاته. # وقيل المعنى: ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم، ولكن لا تبصرون ~~رسلنا ولا تعلمون قبضهم للأرواح من الأجساد، لأن إدراك الأمور الأخروية ~~ومقدماتها موقوف على وجود البصيرة الباطنة، وهي إنما تختص بأهل الله ~~وأصحاب الكشف والشهود، وأما قوله: # ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم # [الأنعام:93]. # حيث أتى بلفظة " لو " الدالة على النفي أو الامتناع، مع كون المخاطب هو ~~الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): فليس متعلق " لو " نفس الرؤية مطلقا ~~ليدل على نفيها أو نفي إمكانها منه مطلقا، بل مقيدة بجماعة مخصوصة أو ~~زمان مخصوص قبل موتهم أو بعده، أو بغير ذلك من الموانع الخارجية، وإلا ~~فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان عارفا بملائكة الموت وعدد أيدهم ~~وكيفية إخراجهم لنفوس الكفار عن أبدانهم، وبملائكة الحياة وأعوانهم ~~وكيفية قبضهم لأرواح المؤمنين من أبدانهم ونفوسهم. # ومعنى الآية: إنكم أيها الجاحدون لحقائق الإيمان، والمنكرون للنشأة ~~الآخرة والبعث والصراط والميزان، ورجوع الخلايق كلها إلى الرحمن الرحيم، ~~والذاهبون إلى مذهب الإهمال والتعطيل في كل شيء ينسب إلى الحق المنان، ~~وملائكته المدبرين للأكوان، المقتصرون على عالم الحس والشهادة، حيث ~~إنكم تجحدون أفعال الله وآياته وملائكته ورسله في كل شيء، فتنسبون ~~الكتاب والكلام إلى الشعر والإفتراء، وتنسبون الأرزاق إلى النجوم التي في ~~السماء، ومصادفة الأمطار في وقت الحاجة وزمان الدعاء إلى الأنواء، ~~والحياة والموت والصحة والمرض وغيرها إلى تأثير الأمزجة والأهوية، ~~وتلتمسون الشفاء من الأدوية فمالكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد ~~بلوغها الحلقوم، وإن لم يكن ثم قابض ومخرج من الأمور الغائبة عن عالمكم ~~عالم الشهادة والأسباب البعيدة عن شهود إدراككم، فهلا إن كنتم صادقين ~~في دعواكم ترجعونها بالتدابير الطبية والبخورات والعزائم الكهانية ~~والنيرنجات والطلسمات النجومية، ولو على سبيل الندرة والإتفاق -، إن لم ~~يكن قضاء حتم وقدر لازم من أمر الله بموت ms1661 كل إنسان في وقت معين لا ~~يحيط به علم البشر. # واعلم أن هذا حال أكثر المنتسبين إلى العلم والكياسة كالمتفلسفة ~~وعامة الأطباء والمنجمين، وساير الطبيعيين والدهريين المعطلين ~~الذين عطلوا الله عن جوده وتدبيره للعالم، وانحصرت علومهم في أحوال ~~الطبايع الجسمانية وقواها وكيفياتها، وبهم زمانة عقول الجمهور عن ~~الارتقاء إلى عالم الغيب فلا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم، وهكذا ~~درجة أكثر المتكلمين من المجسمة والحنابلة والكرامية ومن يحذو حذوهم ~~في عدم الإيمان بما وراء المحسوس وما بعد الطبيعة، وإنما امتازوا عن ~~ساير الجحدة والمنكرين وأتباع مردة الشياطين، بإقرارهم بأحكام الشرايع ~~والأديان وعملهم بظواهر الأركان، وأما المؤمنون الحقيقيون فهم الذين ~~يؤمنون بالغيب وعالم الملكوت الرباني، ويذعنون بالنشأة الآخرة ضميرا ~~وقلبا، وهم ليسوا إلا العارفين خاصة، وما سواهم إن لم يكونوا من أهل ~~سلامة الصدور والإقتداء بأهل الدين وأصحاب اليقين، والإتباع لسبيل ~~المؤمنين، فكانوا من حزب الشياطين المبتدعين، وجنود ابليس أجمعين، فمآلهم ~~كمآل أهل النكال وأصحاب البدع والضلال والإضلال، في صلي الجحيم ~~والحرمان عن النعيم لقوله: # ومن...ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى ونصله جهنم # [النساء:115]. # فما بالك أيها المسلم، الذي ولدت على فطرة الإسلام، تترك متابعة ~~الرسول وأهل بيته وأتباعه الذين دبروا بعقولهم المنورة وآرائهم ~~الرزينة أمر الدنيا والآخرة وسلكوا سبيل الله، وأنابوا إليه، ولا تتبع ~~سبيل من أناب، واتبعت رأي الفلاسفة. فلو استنبطت من معادن وجودك ~~باستعمال الأدوات والقوى فيما هداك إليه الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، لانفجرت مياه العلوم من صميم قلبك، وانفتحت عين عقلك، وهديت ~~بأشعة بصيرتك إلى عوالم الغيوب وشاهدت بعين بصيرتك الجنة والنار ودار ~~العذاب والقرار، كما قال: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات:21]؟ # أو ما علمت أن الفلاسفة قد فنيت أعمارهم في الغوص في بحار الأفكار ~~فغرقت عقولهم فيها، وتاهوا في سلوك أودية الأنظار، وانقطع بهم سير الفكر ~~في منتهى عالم الملك والشهادة، ولم يدخل اسكندر نظرهم في تردده عالم ~~الظلمات إلى عين حياة اليقين - التي من شرب منها لا يموت -، فماتت جنة ~~فطرهم في ms1662 مضيق عالم الشهادة، ولم يخرجوا من جوف الدنيا وظلماتها التي ~~بعضها فوق بعض، إلى معرفة عالم الآخرة وأنوارها وعالم الغيب وأسراره. # أو لم يتفكروا في قول الله تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة:257]. وقوله تعالى: # الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة:3]. وقوله: # ولله غيب السماوات والأرض # [هود:123]. وقوله: # عالم الغيب والشهادة # [الأنعام:73]. # فالله تعالى أوجد الملك والشهادة لقضية اسمه " الظاهر " ، وأوجد ~~الملكوت والغيب لقضية اسمه " الباطن ". # فما بك أيها العاقل صرت مفتونا بأن لا يصدر عن الواحد إلا الواحد، ~~وحرفت الكلمة عن مواضعها، فلو وقفت بعلم الأسماء لرأيت كل اسم آية ~~ودليلا كذلك ككواكب السماء على سر صفة مستودع فيها حقيقة علة معلول، ~~فكبرت لديك العلل والمعلولاته، وانعكس في مرآة وجودك جلال الأسماء ~~والصفات، من غير انثلام قاعدة الوحدة في الإفاضة والإيجاد مع صدور ~~الأنواع والأعداد. فأين هذا العلم الموهوب من خزائن الجود الأزلي ~~السرمدي، من العلم المتولد لأبناء الشياطين من الفكر الردي. # فطوبى لأهل الشريعة والدين، المنقادين بالسمع والطاعة لله ولرسوله ~~ولأئمة المسلمين. # وليعلم أن العقل حجة الله في أرضه، وهو أول ما خلقه، يهدي به من ~~يحبه فيجعله فيه مكتحلا بنور الهداية، ويضل به من يبغضه فيجعله فيه ~~عريا عن نور الهداية لإثبات الحجة، إذ لو غاب العقل رأسا ما ثبتت ~~الحجة، وهو مناط الثواب والعقاب، وليس للفلاسفة ومن يحذو حذوهم إلا ~~العكوف على باب عقولهم، والاقتصار على ما أدركوه بمبادئ عقولهم وأوايلها، ~~وجحودهم لما وراءها، وعدم اقتباسهم أنوار حقايق الأشياء من مشكاة ~~النبوة والولاية. # فمن أثبت فلكا ولم ير ملكا، وأثبت معقولا وأنكر منقولا، فهو كالأعور ~~الدجال، فهلا نظر بالعينين وما أثبت العالمين بحسب كل موجود، وما جمع ~~بين المعقول والمنقول والعقل والشرع، فالشرع عقل ظاهر، والعقل شرع باطن، ~~كما أن الفلك ملك ظاهر والملك فلك باطن، فإذا حكمت أيها العاقل بأن ~~الفلك له اختيار وفعل - ولم تدر أن الفعل والاختيار للملك الموكل به - ~~فقد أخطأت، فصورة الفلك وطبعه من عالم الشهادة، وصورة الملك ms1663 وحقيقته من ~~عالم الغيب، فمن لم يؤمن بالملائكة لم يؤمن بالغيب. # وهكذا الكواكب وما تضيف إليها من التدبير والتأثير، هو من الأملاك ~~الموكلين بها، وهي في ذواتها أموات، والفلك كأرض موات أحياها الملائكة ~~وعمرتها بالذكر والتسبيح، وإذا سمعت صوت الرعد وحكمت بعقلك أنه اصطكاك ~~الأجرام من الحرارة والبرودة، فالذي أدركته بعقلك الظاهر صحيح لا ينكر، ~~ولكن حرمت القضية الأخرى بأنه ملك يسوق السحاب ولا تكاد تدرك ذلك لأنه ~~من أحكام عالم الغيب وبك زمانة السكون والوقوف في عالم الشهادة، ولا ~~سبيل لك إلى بوادي عالم الملكوت. # فقس على هذا ساير التأثيرات العلوية من الزلازل والصواعق والهدات ~~والموتات وغير ذلك كالخسوف والكسوف، فإنها من تخويف الله عباده، واظهار ~~قدرته، ليستدلوا بالقدرة على القادر الحق، وليرتقوا في الأسباب مع ما ~~ثبت بالهندسة في عالم الهيئة، فإن خسوف القمر يكون بحجاب نور الشمس عن ~~القمر بحيلولة الأرض، وكسوف الشمس يكون بحجاب نورها عن البصر بحيلولة ~~القمر. # فأهل الإيمان لا ينكرون ما دلت عليه البراهين الهندسية، ولكن ~~الجاحدين لنور الشريعة ينكرون أحكام الغيب، وعلى هذا القياس ما حكمت ان ~~الأرض كروية الخلق، والفلك كروي: مسلم لك، فهو منتهى الحدود وهذه مركز ~~الأثقال فأين أنت من الأرضين السبع التي هي منتهى حدود عالم الملك، ثم ~~أين أنت من السموات العلى التي أولاهن محيطة بجميع الأفلاك وما فيها ~~فكلها حشو السماء الأولى، و كل سماء بالنسبة إلى الأخرى كحلقة في أرض ~~فلاة، وهكذا إلى أن يصير الأرضون السبع والسموات السبع وساير ما احتوت ~~عليه من العناصر والأفلاك بالنسبة إلى الكرسي كحلقة في أرض فلاة والكرسي ~~بما احتوى عليه كذلك بالنسبة إلى العرش العظيم. فسبحان فاطر السموات ~~والأرض ومبدع الخلق والأمر، الذي تلاشت الأوهام وتضاءلت الأفهام في إدراك ~~عظمته، ولم يدر أحد من عظيم خلقه وأمره إلا القدر اليسير وإليه المرجع ~~والمصير. ### || [56.88-89] # قد مر في أوائل هذه السورة أن الناس بالقياس إلى العاقبة وسلوك الطريق ~~الآخرة تنقسم إلى ثلاثة أنواع: السابقين، وأصحاب الجنة، وأصحاب النار، ~~والأخيار ms1664 والأبرار، والأشرار المشار إليهم في قوله: # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات # [فاطر:32] وأشير إلى أحوال كل واحد من الثلاثة، فإعادة ذكرهم هاهنا ~~لأن المنظور إليه بيان أحوال أرواحهم المفارقة الموت إن كان الكلام في ~~روح المحتضر، لأن الغرض هاهنا بيان أوصاف أخرى لهم. # أي: فأما إن كان روح المتوفى من أهل الكشف واليقين والسابقين المقربين ~~الذين هم أهل التوحيد والعلماء بالله وآياته وهم الأخيار الأحرار ~~المرتفعون عن عالم السير والسلوك لوصولهم إلى المقصود الحقيقي، بل هم ~~مقصد السالكين # ولا تعد عيناك عنهم # [الكهف:28] وهم الذين قيل في وصفهم: " ان حضروا لم يعرفوا وان غابوا لم ~~يقصدوا " فحالهم بعينه حال الملائكة المقربين. { فروح } - أي: فلروحه ~~روح الاطمينان وراحة السكون عند الله وبرد اليقين، ولقلبه ريحان من رزق ~~معلوم تفوح منه رائحة اليقين التي بها قوة القلوب، ولنفسه جنة نعيم ~~يسرح فيها ويرتع في رياضها قضاء لشهواتها الحيوانية، فيها ما تشتهي ~~الأنفس وتلذ الأعين، وهي المشتهيات التي كانت ممنوعة من قشورها بأمر ~~رائض الشرع مدة الرياضة في اصطبل الدنيا ومآب الدواب وموطن الحيوانات ~~الهالكة. # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان # [العنكبوت:64]، فهي موطن الحيوانات الباقية. # وقرأ يعقوب: فروح - بالضم - وهي قراءة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وابن عباس والحسن، ومعناه فله البلوغ إلى مقام الروح العلوي من ~~مقام الطبع والنفس، أو له الاتصال بالروح الأعظم والقلم الأعلى. # وقال الحسن: الروح - بالضم - الرحمة الإلهية، لأنها كالحياة ~~للمرحوم. وقيل: البقاء. # والريحان: الرزق. أي فهذان له معا، وهو الخلود مع الرزق والنعيم. # وقيل: والريحان كل نباهة وشرف. وقيل: الريحان: المشموم من رياحين ~~الجنة يؤتى به عند الموت فيشمه. وقيل: روح في القبر وريحان في البعث، ~~وجنة نعيم عند دخوله دار القرار. ### || [56.90-91] # وأما إذا كان المتوفى من أصحاب اليمين وأهل سلامة القلب من الأمراض ~~النفسانية - كالجهل المركب والحسد والكبر والمكر والغيلة والجحود - ~~سواء كانت صحيفة أعمالهم ساذجة من آثار الأعمال، وألواح نفوسهم خالية عن ~~النقوش والأفكار، أو كانوا - لصفاء قلوبهم، واقتدار نفوسهم ms1665 - وفقهم الله ~~لفعل الحسنات والطاعات، والاجتناب عن المعاصي والسيئات، أو كانوا من أهل ~~المعصية ثم أنابوا وتابوا إلى الله فقد تاب الله عليهم، وانغسلت صفحة ~~باطنهم بماء التوبة - والتائب من الذنب كمن لا ذنب له -. # أو كانوا ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، لكن رجح لهم جانب المغفرة ~~والنجاة إذ كل هؤلاء من أصحاب اليمين على تفاوت درجاتهم، وهم من أهل ~~السلامة والنجاة من عذاب الجحيم - فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك ~~وأصحابك المؤمنين أصحاب اليمين وأهل سلامة القلب وصفاء الصدر - أي: ~~يسلمون عليك ويلقون اليك التحية، كقوله: # إلا قيلا سلاما سلاما # [الواقعة:26] وقوله: # وتحيتهم فيها سلام # [يونس:10]. # وعن قتادة: فسلام لك أيها الإنسان الذي هو من أصحاب اليمين من عذاب ~~الله، وسلمت عليك ملائكته. # وقيل معناه: فترى فيهم يا محمد ما تحب لهم من السلامة من الخوف ~~والمكاره. وقال الفراء: فسلام لك إنك من أصحاب اليمين - فحذف إنك. ### || [56.92-94] # وقرئ: { وتصلية جحيم } - بالرفع - عطفا على نزل - وبالجر - ~~عطفا على حميم. أي: إن كان المتوفى من أهل الشمال والنكال والشر ~~والوبال، وهم المضلون المكذبون بيوم الدين، والضالون الناكبون عن منهج ~~الدين، لعدم نور المعرفة واليقين، فله نزل من حميم جهنم بإزاء ما يعد ~~للضيف من الأطعمة والأشربة، وتصلية نار الجحيم أي: إدخالها له إياها ~~لأن حقيقة ذواتهم النفسانية حصلت من نار الطبيعة وشرورهم من شررها، كما ~~مرت إليه الإشارة، فلا جرم أن الشيء يعود إلى أصله. # وتلك النار الأخروية كانت كامنة في بواطنهم، متسخنة في قلوبهم، وكانوا ~~في الدنيا محترقين بها وهم لا يشعرون لغلظ الحجاب، فإذا أزيل بالموت ظهر ~~أنها موقدة تطلع على الأفئدة، كما قال الله تعالى: # نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة # [الهمزة:6 - 7]. وطبايعهم أصلها وقلوبهم القاسية كالحجارة والحديد ~~وقدودها، لقوله تعالى: # وقودها الناس والحجارة # [البقرة:24] وقد قال: # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ~~أو أشد قسوة # [البقرة:74]. # واعلم أن النار التي يصل إليها من هو من أهلها في الآخرة مشهودة اليوم ~~لك ms1666 من حيث موضوعها ومصداقها - لا من حيث صورتها -، وينقلب فيها أهل ~~الجحيم على الحالة التي هم عليها، وكذا الجنة مشهودة لك أيضا وأنت ~~تتقلب فيها وتترقى من درجة منها إلى درجة، ومن باب إلى باب، - إن كنت من ~~أهل الجنة والترقي - وأنت لا تعلم ولا تشاهدهما، لأن الصورة الدنيوية ~~تحجبك عن ملاحظة حقيقتهما وصورتهما الأخروية، فأهل الكشف الذين أدركوا ~~ما غاب عنهم، يرون موضوعات الأمور الأخروية ويرون من كان من أهل الجنة ~~في روضة خضراء، ويرون تقلبهم في مراتبها وترددهم في غرفاتها، ويرون ~~الجهنمي متى استقر له دار الجحيم وكيف يتقلب فيها ويهوي إلى منازلها ~~ودركاتها، وما يكون فيها من لغوب ونصب وحرور وزمهرير، كما في قوله: # ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع ~~بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات ~~الجنات # [الشورى:22]. وأكثر أهل الكشف في ابتداء طريقتهم يرون هذا، ومن لم يكشف ~~الله عن تبصيرته وبقي في عماء حجابه لا يدرك هذا، ويكون مثل الأعمى الذي ~~في بستان، فإن لم ير ما هو فيه فلم يلزم من ذلك أن لا يكون فيه. # وقد نبه الشرع على ذلك بقوله تعالى: # وإن جهنم لمحيطة بالكافرين # [العنكبوت:54]. # وعلى بعض مواضع الجنة والنار بقوله: # " ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ". # وبقوله في وداي محسر بمنى وغير ذلك: " من أودية النار ". ولهذا شرع ~~الإسراع في الخروج عنه لأمته، فإنه يرى ما لا يرون ويشهد ما لا يشهدون. # وأخبر أيضا في نهر النيل والفرات وسيحان وجيحان إنها: " من أنهار ~~الجنة ". # وأهل الكشف يرون هذه الأنهار من عسل وماء وخمر ولبن كما هو في ~~الجنة، ومن الناس من يستصحبه هذا الكشف، ومنهم من لا يستصحبه لحكمة ~~أخفاها الله تعالى في خلقه. # وإلى هذا الكشف وقعت الإشارة. ### || [56.95] # أي: هذه المذكورات من الأحكام الثلاثة للطوايف الثلاثة مما لا شبهة فيه ~~ولا ريب يعتريه عند أهل الكشف، بل هو مشهود لهم، إذ معنى حق اليقين هو ~~اليقين البالغ حد الشهود، فلأهل الله أعين يبصرون بها، ms1667 ولهم آذان ~~يسمعون بها، ولهم قلوب يعقلون بها، وألسنة يتكلمون بها، غير ما هي هذه ~~الأعين والآذان والقلوب والألسنة عليه من الصورة، فكلامهم في كل ما ~~يخبرون به مصيب، فإنهم يشاهدون ببصائرهم المنورة بنور الحق اليقين، # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج:46]. عن الحق، أي الصدور المنشرحة بالكفر، لقوله: # ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من ~~الله # [النحل:106]. # وأما الصدور المنشرحة للإسلام ففيها قلوب منورة من الله، لقوله: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه فويل للقاسية قلوبهم # [الزمر:22] فانهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون عن الله، فهم لا يرجعون ~~إلى الله، ووالله إن عيونهم لفي وجوههم، وإن اسماعهم لفي آذانهم، وإن ~~قلوبهم لفي صدورهم، وإن ألسنتهم لفي أفواههم، ولكن العناية ما سبقت لهم ~~بالحسنى، فلا يرون ما يرون، ولا يسمعون ما يسمعون، ولا يعقلون ما يعقلون، ~~وعن السمع لمعزولون، كما في قوله: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه # [الأنفال:24] وقوله: # ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون # [الأعراف:100]. # وهكذا حال أهل النار من الأشرار، كما اعترفوا بذنبهم في يوم القيامة: # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير # [الملك:10]. ولله الحمد والشكر، وله التسبيح والتقديس على ما هدانا ~~وأولانا حيث حبانا تلك القلوب والأعين والآذان والألسن. # ولقد ورد في حديث نبوي صحيح عند أهل الكشف - وإن لم يثبت طريقه عند أهل ~~النقل لضعف الراوي - أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: # " لولا تزييد في حديثكم وتمزيج في قلوبكم لرأيتم ما رأى وسمعتم ما أسمع ~~". # وقال الله تعالى: # لتبين للناس ما نزل إليهم # [النحل:44]. وأكثر من هذا البيان الذي وقع في القرآن، سيما في هذه ~~السورة، لا يمكن، لكن أين من يقرع محله لآثار ربه ليقبلها وينقلها من ~~غير زيادة وتحريف؟؟ هذا قليل نادر جدا، والله ولي التوفيق. ### || [56.96] # أي: قدس الله ونزهه عن التشبيه والتعطيل، وعن الغرض والتعليل في ~~الأفاعيل، وقصد التشفي عن الغضب بالانتقام في ms1668 تعذيب المكذبين الضالين ~~وإيلام الكفرة المنافقين، وعظمه بحسن الثناء عليه بما رباك وهداك ~~مولاك إلى طريق الدين، ونور قلبك بحق اليقين، وأراك معادك ومبدأك، وفي ~~أولاك نشأة أخراك، وعاقبة أحبائك في الجنة مع الملائكة المقربين، ~~ومقام أعدائك في النار مع زمرة المردة والشياطين فتراهم معذبين بالحميم ~~وتصلية جحيم، # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # [غافر:46]، وهم مع ذلك لفرط غفلاتهم، وتراكم جهالاتهم، فرحون بما ~~عندهم، مغترون بما هم عليه، كما في قوله: # فزين لهم الشيطان أعمالهم # [النحل:63]. وقوله: # وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول # [فصلت:25] وقوله: # فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست ~~قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون # [الأنعام:43]. # فلا جرم حالهم كما قيل شعرا: # تسر بما تفنى وتشغل بالمنى # كما اغتر باللذات في النوم حالم # نهارك يا مغرور سهو وغفلة # ونومك نوم والردى لك لازم # وتعمل شيئا سوف يكره غيه # كذلك في الدنيا تعيش البهائم ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1] # إن هذه السورة مشتملة على المقصد الأقصى واللباب الأصفى من كيفية ارتقاء ~~العباد من حضيض النقصان والخسران إلى أوج الكمال والعرفان، وبيان السفر ~~إلى الله تعالى طلبا للقائه، والارتحال من أسفل السافلين وتحت الثرى في ~~البعد والحرمان عن مجاورة الرحمن، إلى أوج عوالي العليين، وفوق ~~السموات العلى من قرب رب الإنس والجان، وخالق النيران والجنان. # فإن خلاصة دعوة العباد، ونقاوة سياقهم إلى الملك الجبار، منحصرة في ~~أقسام ستة: ثلاث منها كالدعائم والأصول المهمة، وهي تعريف الحق المسوق ~~إليه المصمود له، وبيان الصراط المستقيم الذي يجب سلوكه للوصول إليه، ~~وبيان الحال عند الوصول: # فالأول: هو معرفة المبدأ، والآخر هو معرفة المعاد، والأوسط هو معرفة ~~الطريق. # وأما الثلاثة الأخيرة، فهي كالمعينة المتممة التي كالنوافل، والقرب ~~الحاصل بها للعبد من الحق هو قرب النوافل، كما أن القرب الحاصل ~~بالثلاثة الأول هو قرب الفرائض المشار إليه في الحديث المشهور. # فأحدها: تعريف السالكين إلى الحق تعالى، المجيبين دعوة العزيز الوهاب، ~~ولطائف تربية الرب لهم، ودقائق صنعه فيهم، ms1669 لصفاء جواهرهم، وطهارة أعيانهم ~~عن الخبث والشين، ونقاوة وجه مرآتهم عن الطبع والرين، وتهيؤهم ~~واستعدادهم لقبول صورة الحق، وتوصيف الناكبين عن الطريق، الضالين، وكيفية ~~حلول غضب الله عليهم، وكيفية تنكيله بهم، لسوء استعداداتهم، وخبث جواهرهم ~~وذواتهم، وتراكم الرين والطبع على مرآتهم، والمقصود فيه إما ~~التشويق والترغيب - كما في أحوال المحبوبين -، أو الاعتبار والترهيب - ~~كما في أحوال المغضوب عليهم -. # وثانيها: حكاية افتضاح حال الجاحدين، وكشف عواقبهم، وتسفيه عقولهم، ~~وتجهيلهم في تحريهم طريق الهلاك والبطلان بالمجادلة والمحاجة على طريق ~~الحق، والمقصود منه في جنبة الباطل، الإفضاح للتحذير والتنفير، وفي ~~جنبة الحق الإيضاح للتثبيت والتقرير. # وثالثها: تعليم عمارة المراحل إلى الله تعالى، وكيفية أخذ الزاد والأهبة ~~والاستعداد، والمقصود منه أن معاملة الإنسان مع أعيان هذه الدنيا، يجب أن ~~تكون مثل معاملة المسافر مع أعيان مرحلة من مراحل سفره البعيد الذي يطلب ~~به تجارة لن تبور. # فهذه هي المقاصد الستة المشتملة عليها والمنحصرة فيها سور القرآن ~~وآياته، وهذه السورة الواحدة لغاية شرفها وفضلها عقلا ونقلا، حيث # " روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) " أن في المسبحات آية أفضل ~~من ألف آية يشتمل عليها وينحصر فيها جميع القرآن " ". # ولنشرع في استنباط هذه النفائس الشريفة، عن هذا البحر الخضيم بقوة ~~العزيز الحكيم، ولنسم كل واحد من المعارف الثلاثة القرآنية التي هي ~~الأصول باسم يناسبه، كما فعله بعض أكابر العلماء، وقد وجدناه في بعض ~~مصطلحات العرفاء، وذلك للدلالة على أن هذه المعارف في درجات متفاوتة من ~~الشرف والفضيلة، مع اشتراك الجميع في الخير والمنفعة، فأين معرفة ذات ~~الحق وصفاته وأفعاله، من معرفة علف الدابة وسقيها في طريق السفر إليه. # فشرح المعارف الإلهية المشتملة على معرفة ذات الحق الأول، ومعرفة صفاته، ~~ومعرفة أفعاله، هو المصطلح عليه ب " الكبريت الأحمر " الحاصل من الخوض ~~في لجة بحر القرآن وأبعاضه والغوص في أعماقها. # وشرح طريق السلوك إلى الله تعالى، وتعريف التبتل إليه والانقطاع عن ~~الدنيا، هو المسمى ب " العنبر الأشهب " , " العود الأنفر " الحاصلين من ~~السياحة في سواحل هذا البحر المحيط، ms1670 المتشعب عنه علوم الأواخر والأوائل - ~~كما تتشعب من البحر الأنهار والجداول -. # وشرح أحوال المسافرين عند الوصول إلى المهيمن المتعال، هو المقلب ب " ~~الترياق الأكبر " و " المسك الأذفر " الحاصلين من التغلغل إلى جزائره عند ~~استدرارهما من حيواناته. # ولك أن تسمي الثلاثة الروادف وأقسام كل قسم منها باسم يناسبه. # ولا يخفى على الذكي المتبصر، مناسبة كل قسم بما وقعت التسمية به عليه، ~~وإياك وأن تحمل هذه الأسامي على الاستعارات الرسمية والتكلفات ~~المجازية، فإنها ممقوتة عند ذوي الجد من أبناء الحقيقة، بل تحتها رموز ~~وإشارات إلى معان خفية يعرفها من يعرف الموازنة والمماثلة بين عالمي ~~الملك والملكوت، والشهادة والغيب، ولو ذهبنا إلى تحقيق الموازنة بين ~~هذه الأمثلة الحسية، وحقائقها الغيبية، لأدى إلى الإطناب. # فلنعرض عنه إلى الخوض في الكتاب، مستمدا من العزيز الوهاب. # لما لاح لك أن المعارف الإلهية المشتمل عليها القسم الأول الذي يتوزع ~~إلى معرفة الذات ومعرفة الصفات ومعرفة الأفعال هي " الكبريت الأحمر " ~~فاعلم أن هذه الثلاثة ليست على رتبة واحدة، فكما أن أخص فوائد الكبريت هو ~~الياقوت الأحمر لانه أجل قدرا وأعز وجودا، لا يقع إلا يسير منه ~~بيد الملوك والسلاطين، وربما يظفر بما دونه بالكثير، فكذلك معرفة الذات، ~~لكونها أجل قدرا ورتبة وأعظم رفعة لا يظفر بشيء منها إلا ملوك الآخرة ~~وسلاطينها - مثل الأولياء والأنبياء عليهم الصلاة والدعاء، " جل جناب ~~الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد، وأن يطلع عليه إلا واحدا بعد واحد ~~". # ولكون معرفة الذات أضيق المعارف الإلهية مسلكا ومجالا، وأصعبها على ~~الضمير اعتقادا ومقالا، وأعصاها على الروية والفكر إذعانا، وأنفرها ~~عن التحفظ والذكر ضبطا، فلذلك لا يشتمل القرآن منها إلا على إشارات ~~وتلويحات يرجع أكثرها إلى السلوب والتقاديس، كقوله تعالى بعد ما ختم سورة ~~الواقعة بالأمر بالتسبيح. # سبح لله - أي: نزهه وقدسه عما لا يليق بشأنه، مما يوجب التكثر ~~والتغير وبرأه من كل نقص - ما في السموات والأرض. # وهو العزيز - في ذاته - والحكيم - في أفعاله، لكونها على أحكم ترتيب ~~وأتقن نظام. # والصيغة تدل - ها هنا - على ms1671 أن ما أسند إليه الفعل ذلك هجيراه ~~وديدنه، ويؤكد ذلك مجيئه على صيغة المضارع أيضا في بعض الفواتح، وهذا ~~الفعل يتعدى باللام تارة وبنفسه أخرى، وأصله الثاني، لأنه المنقول من ~~سبح، إذا ذهب وبعد، فمعنى سبحته: بعدته عن الشين. # فاللام فيه إما أن يكون كاللام في " نصحته " و " نصحت له " ، أو يكون ~~معنى الكلام: أحدث التسبيح ابتغاء لوجه الله وخالصا له. # قال مقاتل: يعني كل شيء من ذي الروح وغيره وكل خلق فيهما. ولعل الغرض أن ~~العقلاء يسبحونه قولا واعتقادا، وما ليس بعاقل من سائر الحيوانات ~~والجمادات فيسبحه بما فيه من الأدلة الدالة على وحدانية مبدعه ~~وصفاته التي تخصه، فعبر سبحانه عن هذه الدلالة بالتسبيح، كأنها إقرار ~~منهم بلسان الحال من جهة إمكانها وحدوثها، على الصانع القديم الواجب ~~لذاته. # ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك بين اللفظ والدلالة لإسناده إلى ما ~~يتصور منه، وعليهما عند من جوز إطلاق اللفظ على معنييه، وجوز بعضهم أن ~~يكون " ما " - ها هنا - بمعنى " من " ، ويؤيده ما حكى أبو زيد أن ~~الحجازيين كانوا إذا سمعوا الرعد قالوا: " سبحان ما سبحت له ". وقيل: ~~المراد منه، كل ما يتأتى منه التسبيح. # هذا تمام كلام الأعلام في هذا المقام، ولا يخفى عدم ملائمة كل من ~~التأويل والتخصيص المستفاد من كلامهم لكثير من الآيات القرآنية والأحاديث ~~النبوية الدالة على تسبيح جميع الموجودات حقيقة - حتى المسمى بالجماد ~~والنبات -. # منها: قوله تعالى: # ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات ~~والأرض والطير صآفات كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه # [النور:41]. # ومنها: قوله تعالى: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب # [الحج:18]. # وفي هاتين الآيتين، إشعار بأن هذا تسبيح فطري وسجود ذاتي نشأ عن تجلي ~~الحق لكل من خلق وأنطقه الذي أنطق كل شيء، فأحبوه وتواضعوا له من غير ~~تكليف، بل اقتضاء ذاتي طباعي، والذي يمنع من هذه العبادة الذاتية ~~الأفكار الوهمية والتخيلات الشيطانية، ms1672 التي تكون لأكثر الناس والتي بها ~~يستحق كثير منهم العقوبة والعذاب، كقوله تعالى: # وكثير حق عليه العذاب # [الحج:18]. # والنكتة في أن " ألم تر " ، أتي بها بصيغة خطاب المفرد: أن غير النبي ~~لم يشهد ذلك، فهو له عيان ولنا إيمان. # ومنها: قوله تعالى: # أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ~~ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا لله وهم ~~داخرون # [النحل:48]. # وكذا أمثالها ونظائرها من الآيات الدالة على وقوع التسبيح من جميع ~~الموجودات حقيقة على وجه يستلزم الشعور والإدراك، وكفاك في هذا التعميم ~~والشمول قوله تعالى: # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء:44]. # وحكاية تسبيح الحصى في كف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسماعه ~~وإسماعه، أمر مشهور، وفي ألسنة الرواة مذكور، وبالإيمان والتصديق مقرون ~~عند الجمهور. # ويعتضد أيضا بما روي عن ابن مسعود أنه قال: كنت مع رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله حجر ولا شجر ~~إلا ويقول: السلام عليك يا رسول الله. # وأمثاله كثير في الروايات، فلا وجه للعدول عن الظاهر المنقول المتلقى ~~بالقبول عند أرباب الكشف والشهود. وأصحاب الإيمان والتسليم. # فإن قلت: التسبيح بالمعنى الظاهر منتف عن الجماد لعدم الإدراك فيه. # قلنا: لا نسلم ذلك، لعدم ما يدل على نفي الشعور فيه مطلقا، بل الدليل ~~قائم في العلوم العقلية على أن الطبائع النوعية لها غايات طبيعية مترتبة ~~على أفاعيلها، وفيها علل غائية وأسباب مستدعية لوقوع الفعل المخصوص منها، ~~إلا أن غير أهل الكشف والحال، إذا لم يقنعوا بمجرد التقليد في العقائد ~~والأقوال، تأبت عقولهم عن الإيمان بهذا التسبيح، وتعصت عن دركه أفكارهم ~~إلى أن يأتي الله لهم بالفتح أو أمر من عنده. # مكاشفة # واعلم أن إثبات الشعور والإدراك لجميع ما في العناصر والأفلاك، مما دلت ~~عليه المباحث البرهانية وشهدت به العلوم الذوقية، وأيدته المقامات ~~الكشفية، كما أشرنا إليه، وهو مذهب جم غفير من الراسخين في العلم ~~واليقين، ورأي ms1673 طائفة عظيمة من المكاشفين، منهم الشيخ العارف والمحقق ~~المكاشف محيي الدين الأعرابي وأتباعه وتلاميذه. # قال - قدس سره -: " إن المسمى بالجماد والنبات لهم أرواح بطنت عن إدراك ~~غير أهل الكشف إياها في العادة فلا يحس بها مثل ما يحس به من الحيوان، ~~فالكل عند أهل الكشف حيوان بل ناطق، غير أن هذا المزاج الخاص يسمى ~~إنسانا لا غير، ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف، فقد سمعنا الأحجار ~~تذكر الله رؤية عين بلسان تسمعها آذاننا منه، وتخاطبنا مخاطبة العارفين ~~بجلال الله، مما ليس يدركه كل إنسان ". # وتحقيق هذا التسبيح، يستدعي بسطا في الكلام لا يسعه هذا المقام، ~~وربما يؤدي ذلك إلى شنعة الجهال واللئام عند سماعهم شيئا يخالف ما ~~تلقفوه ممن أخذوا منه تعصبا وتقليدا، والذي يليق ذكره ها هنا هو أن لكل ~~نوع من الأنواع الجسمانية ملكا موكلا عليه مدبرا لآحاده، ومعتنيا ~~بتربية أفراده - كما ذهب إليه أفلاطون والحكماء المشرقيون - طباقا ~~للشريعة الحقة من تسمية بعض ملائكة الله المدبرين لأنواع الأجسام ~~بالإضافة إلى نوع ما يتعلق به تعلق التدبير والتأثير بإذن ربه العليم ~~الخبير، كملك الجبال وملك البحار وملك الرياح وملك الأمطار. # فهذه أحزاب من الملائكة، موكلة بجنس الأجسام، ونسبة كل منها إلى أفراد ~~مظهره الذي يقال له في عرف بعض عرفاء الحكماء " الطلسم " أتم في باب ~~المعية من نسبة النفوس إلى أبدانها، بل نسبته إليها نسبة حقيقة الشيء ~~وذاته المطلقة عن العوارض الخارجة إلى ذلك الشيء. # فكما أن الأفعال الصادرة عن الإنسان بالاختيار، إنما تصدر عن هويته ~~وذاته الباطنة عن إدراك الحس - وهو نفسه المدبرة له - والبدن في ذاته من ~~حيث هو بدن لا شعور له بل لا وجود له كما حققنا ذلك في موضعه -، فكذلك ~~هذه الأجسام الطبيعية، إنما يصدر ما نيسب إليها من الحركة والسكون ~~والتغذية والتنمية والتوليد وغيرها من حيث ملكوتها وبواطنها، التي هي ~~صورة حقيقتها ومقوم ذاتها، لا من حيث جسميتها ومادتها. # ثم إنه قد ثبت في المعارف الربوبية، إن كل ما يصدر عن المبادئ الذاتية ms1674 ~~فهو إنما يصدر عنها تضرعا ورجوعا إلى باريها العالي، لا التفاتا إلى ~~السافل، وحقيقة التسبيح ليست إلا ما يستلزم الخضوع والتمجيد، سواء كان ~~باللسان أو بآلة أخرى، فأشخاص العالم بأسرها في هذه العبادة الذاتية وهذا ~~السجود الفطري، متدينة بهذا الدين الإلهي الذي قام به وواظب عليه الجميع، ~~إلا كل مخلوق له قوة التفكر والروية وليس إلا النفوس الناطقة ~~الإنسانية - والحيوانية خاصة - من حيث أعيان نفوسهم لا من حيث هياكلهم، ~~فإن هياكلهم كسائر موجودات العالم في التسبيح والسجود له، ألا تراها تشهد ~~على النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود والأيدي والأرجل والألسنة ~~والسمع والبصر، وجميع القوى، فالحكم لله العلي الكبير. # فإن قلت: فما تقول في الاستثناء الواقع في قوله تعالى: # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين # [البقرة:34]، فإن السجدة المأمور بها لآدم في الحقيقة، سجدته لله تعالى، ~~وطاعة لأمره، فإباء إبليس عن سجدة آدم عين إبائه عن سجدة ربه، ولهذا كان ~~من الكافرين، فينافى ذلك بحسب الظاهر عموم الآيات المنقولة، وكلية الحكم ~~بعبادة كل موجود من حيث هو موجود عبادة جبلية. # قلنا: إن إباء إبليس عن السجود، واستكباره وعصيانه بحسب ظاهر الأمر، هو ~~عين سجوده وطاعته وخدمته وتواضعه لربه، باعتبار القضاء الأزلي، فإن ~~العزيز الجليل أقامه في حجاب العزة والجلال ذليلا محجوبا حتى يكون ~~إبليس مطرودا ملعونا محترقا بنار البعد والضلال في الدنيا، ومعذبا ~~بنار الجحيم والنكال في الآخرة - حسب ما جرى عليه القضاء -، فلم يكن له ~~بد من موافقة علمه تعالى الذي هو عين إرادته، ولذلك أقسم بعزته تبارك ~~وتعالى للإغواء، لأن الإغواء من مقتضيات العزة، والاحتجاب بحجب الجلال. # ولعل في قوله: { وهو العزيز الحكيم } - في هذه الآية - ~~إيماء بأن طاعة الموجودات وتسبيحها للحق تعالى على النهج الطباعي ~~الشمولي الذي جرى عليه القضاء الأزلي، ولا يمكن لأحد التفصي عنه والعدول ~~إلى غيره، فعصيان العصاة وتمردهم نحو من الطاعة والامتثال لحكم الأسماء، ~~فأهل الحجاب، أو عباد الكثرات لا يجيبون دعوة التوحيد، ومن كان ms1675 في مرتبة ~~الجمع، يطلع على مراتبهم ويعذر الكل فيما هم عليه، ويعلم أن إنكارهم عين ~~الإقرار وفرارهم عين الإجابة لدعوة العزيز الجبار. # كما نقل عن سيد الأولياء أمر المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: " تشهد له ~~أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود ". ### || [57.2] # المالك للشي: هو المتصرف فيه بأي وجه أراد من التصرف، وهذا بالحقيقة لا ~~يكون إلا لمن له ذات ذلك الشيء بحيث يحييه ويميته إذا أراد، وإلا ~~لكان تصرفه متوقفا على تأثير سبب مبائن، فلا يكون له التصرف بأي وجه ~~شاء، بل ببعض وجوه التصرف. فالمالك بالحقيقة من له ذات كل شيء، فعبر عن ~~الجميع بالأجسام العظام، لأنها الجلية المكشوفة الواقعة في عالم ~~الشهادة. # وفي قوله تعالى: { وهو على كل شيء قدير } ، إشعار لطيف ~~بما ذكر، وبرهان شريف عليه، لأن الموجودات مرتبطة بعضها ببعض، متوقفة ~~بعضها على بعض كأعضاء بدن واحد، فلو لم يكن الباري موجدا للكل، لم يكن ~~مالكا للبعض بالحقيقة. # مكاشفة # واعلم أن الموجود قد يكون وجوده لنفسه، وقد يكون لشيء آخر كالأعراض ~~والصور لأن وجوداتها ليست إلا نعوتا وأوصافا لغيرها لا لذاتها، ~~بخلاف الأعيان الجوهرية، لأن ماهياتها ليست نعوتا لغيرها. # والتحقيق: إن وجود الموجودات في أنفسها ليس إلا وجودها له تعالى، لأن ~~جميعها فعل الحق، والفعل من حيث هو فعل لاقوام له في نفسه إلا بالفاعل، ~~وما وجد من الأفعال والآثار مستقلة دون ما تصدر عنها، فليست هي ~~بالحقيقة آثارا لها، بل تتعلق بها على نوع آخر من التعلق. # وموضع " يحي " وما ينعطف عليه، إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو ~~منصوب على أنه حال من الضمير المجرور في: " له ". ويحتمل عدم تعلق هذه ~~الجملة لشيء، فلا يكون لها موضع من الإعراب، كقوله: { له ملك ~~السماوات }. أو معناه: يحي النطف والبيض في الدنيا، والموتى ~~يوم القيامة، ويميت الأحياء في الآخرة. # وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): يحيى بالطاعة ويميت بالمعصية. # وعن أبي بكر الوراق: يحيى بالعلم ويميت بالجهل. # وعن ابن عباس: يحيى عند البعث ms1676 ويميت في الدنيا. # وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة في المعنى، فإن حياة العلم والطاعة من ~~قبيل حياة الأرواح في الآخرة، وموت الجهل والمعصية من قبيل موت الأجسام ~~في الدنيا. # مكاشفة # إن نوع الإحياء مختلف في النشأتين، لأنه في الأولى تدريجي وفي الآخرة ~~دفعي، يدل على ذلك قوله تعالى: # وهو أهون عليه # [الروم:27]، مع كونه على كل شيء قدير بنسبة واحدة من قبله، فلا تتأبى ~~قدرته عن شيء من المقدورات، كما لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السموات. # فإن قلت: ما وجه صدور الإماتة منه تعالى مع كونه محض الرحمة ومنبع الخير ~~والحياة؟ # قلنا: فعل الإماتة منه تعالى لكونها مستلزمة للاحياء على وجه أبقى ~~وأشرف، حسن، كما أن الأمر بالقصاص لكونه يوجب الحياة على وجه أكثر وأصح، ~~حسن. # أو نقول: موت البدن من ضروريات قوام الروح بذاتها حية موجودة بالفعل، ~~وإن كانت من أرواح الأشقياء المردودين، وممن يأتيه الموت من كل مكان وما ~~هو بميت. # ومما يؤيد أن الحياة الآخرة نوع أقوى من الحياة الدنيا قوله تعالى: # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق:22]، إذ حدة البصر والبصيرة تدل على قوة الحياة والوجود. ### || [57.3] # الواوات الثلاثة للجمعية، لكن الأولى للدلالة على أنه تعالى مجمع صفتي ~~التقدم والتأخر، والثالثة للدلالة على أنه مجمع الظهور والبطون، والوسطى ~~للدلالة على أنه الجامع بين ذينك المجموعين - مجموع الأولية والآخرية، ~~ومجموع الجلاء والخفاء -. # وعن عبد العزيز: إن الواوات مقحمة، والمعنى: هو الأول الآخر الظاهر ~~الباطن. لأن من كان منا أولا لا يكون آخرا، ومن كان ظاهرا لا يكون ~~باطنا، وهذا يلائم القول بأن أوليته عين آخريته، وظاهريته عين ~~باطنيته. # وعن ابن عباس: الأول قبل كل شيء بلا ابتداء، والآخر بعد فناء كل شيء بلا ~~انتهاء، فهو الكائن لم يزل، والباقي لا يزال، والظاهر: الغالب العالي على ~~كل شيء فكل شيء دونه. والباطن: العالم بكل شيء، فلا أحد أعلم منه. # وتوجيه هذا المنقول - وإن كان فيه عدول عن الظاهر المفهوم - أنه مأخوذ ~~من بطن ms1677 الشيء بمعنى علم باطنه، ولهذا أردف بقوله: { وهو بكل ~~شيء عليم } ، لأن العالم بوجوه الشيء عالم بما سواه. # وعن الضحاك: هو الذي أول الأوائل وأخر الأواخر، وأظهر الظاهر وأبطن ~~الباطن. # وقال البلخي: هو كقول القائل " فلان أول هذا الأمر وآخره وظاهره وباطنه ~~" أي: عليه يدور الأمر وبه يتم. # وقيل: هو المستمر الوجود في جميع الأزمنة الماضية والآتية، الظاهر في ~~جميعها بالأدلة والشواهد، الباطن عن إدراك الحواس والمشاعر الجلية، ~~فيكون حجة على من جوز رؤيته تعالى في الآخرة بهذه الحاسة. # وقيل: إن الأول والآخر صفة الزمان بالذات، والظاهر والباطن صفة المكان ~~كذلك، والحق تعالى وسع المكان ظاهرا وباطنا، ووسع الزمان أولا وآخرا، ~~وهو منزه عن الافتقار إلى المكان والزمان، فإنه كان ولا مكان ولا زمان. # مكاشفة # الأولية: قد تكون بمعنى كون الشيء فاعلا، والآخرية بمعنى كونه غاية ~~مترتبة على وجود الفعل في العين - وإن كانت الغاية بحسب وجوده في العلم ~~متقدمة أيضا -، فالله سبحانه أول كل شيء، بمعنى أن وجوده حصل منه، ~~وبمعنى أن الغرض في حصول ذلك الشيء منه هو علمه بالمصلحة، وكونه تماما ~~في الجود والرحمة فياضا على الأشياء بلا عوض، وآخر كل شيء، بمعنى أن ~~الغاية التي تطلبه الأشياء وتقصده طبعا وارادة. # والعرفاء المتألهون، حكموا بسريان نور المحبة له والشوق إليه في جميع ~~المخلوقات - على تفاوت طبقاتهم -، فالكائنات السفلية كالمبدعات العلوية ~~على اقتراف شوق من هذا البحر الخضيم، واعتراف شاهد مقر بوحدانية الحق ~~العليم: # ولكل وجهة هو موليها # [البقرة:148]، فهو الحق الأول الذي منه ابتدأ أمر العالم، وهو الآخر ~~الذي إليه ينساق وجود الأشياء سيما بني آدم، إذ منه صدر الوجود، ولأجله ~~وقع الكون. # وهو الآخر أيضا بالإضافة إلى سير المسافرين إليه، فإنهم لا يزالون ~~مترقين من رتبة إلى رتبة حتى يقع الرجوع إلى تلك الحضرة بفنائهم عن ~~ذاتهم وهويتهم، واندكاك جبل وجودهم وآنيتهم، فهو أول في الوجود وآخر ~~في المشاهدة، والله - عز اسمه - حيث أنبأ عن غاية وجود العالم قال: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات:56] ms1678 أي: ليعرفون: وقوله: كنت كنزا مخفيا فأحببت أن ~~أعرف فخلقت الخلق لأعرف. فدلنا على أنه الغاية القصوى لوجود ~~العالم معروفا، كما أنه الفاعل له موجودا، ودلنا أيضا على بعض ~~الغايات المتوسطة الضرورية بقوله: لولاك لما خلقت الأفلاك. # فالمبدأ والغاية لوجود العالم ولقاء الآخرة هو الله سبحانه، ولذلك بنى ~~العالم، ولأجله نظم النظام. # قال بعض الحكماء: ولو أن أحدا من الخلق عرف الكمال الذي هو الخير ~~الأقصى، ثم كان ينظم الأمور التي صدرت منه على الوجه الذي صدرت هي عليه ~~وعلى مثاله، حتى كانت الأمور على غاية من النظام والتمام، لكان غرضه ~~بالحقيقة هو ذات الباري، فهو الأول والآخر بهذا المعنى أيضا. # تتميم # قد انكشف أن الموجودات العالية كلها بحسب فطرتها التي فطرها الله عليها ~~متوجهة نحو غايات حقة، وأغراض صحيحة، بل الغاية في الجميع أمر واحد، هو ~~الخير الأقصى، إلا أن هاهنا غايات وهمية زينت لطوائف من المكلفين، ~~فهم سالكون إليها في لبس وعماية من غير بصيرة ودراية، فهذه الطوائف مع ~~ولي الوجود ومنبع الرحمة والجود في شقاق، واتباعها ليسوا عباد الله في ~~الحقيقة، ولا الله مولاهم الحق، وحيث ما يتولونه فلهم لا محالة ولي، ~~وهو شيطان من الطواغيت، ولما كان فعل الشيطان الوسوسة والإضلال، ولا ~~يطيعه الإنسان إلا بقوته الوهمية التي هي من جنود الشيطان، فإن شئت ~~سمهم عبدة الهوى، وإن شئت سمهم عبدة الطاغوت، فقد نزل لكل ~~ذلك القرآن. # فمن تولي الله وأحب لقاءه، وجرى على ما أجري عليه النظام فقد تولاهم و # مولاهم الحق # [الأنعام:62] # وهو يتولى الصالحين # [الأعراف:196]. من كان لله كان الله له، و # من كان يرجو لقآء الله فإن أجل الله لآت # [العنكبوت:5]. # ومن تعدى ذلك وطغى، وتولى الطواغيت، واتبع الهوى، فلكل نوع من الهوى ~~طاغوت، فشخص كل إلى معبوده ووجه إليه كما في قوله تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية:23]. # وإنك لتعلم أن النظامات الوهمية والغايات الجزئية تضمحل وتبقى، فكل من ~~كان إلهه هواه، ووليه الطاغوت - والطاغوت من جوهرة هذه النشأة الدنيوية ms1679 ~~التي هي دار الغرور وموطن الزور -، كلما أمعنت هذه النشأة في العدم، ~~ازداد الطاغوت اضمحلالا فيذهب به ممعنا في وروده العدم، منقلبا به في ~~الدركات حتى يحله دار البوار. # عصمنا الله وإخواننا في اليقين من متابعة الهوى، والركون إلى زخارف ~~الدنيا، وجعلنا من عباده الصالحين الذين يتولاهم برحمته يوم الدين. # وأما كونه ظاهرا: فلكونه نور السموات والأرض، والنور حقيقته الظهور، ~~لأن ما ليست حقيقته النور فإنما يظهر بالنور، والنور بنفسه ظاهر وبذاته ~~متجل. # وأما كونه باطنا - أي مختفيا -: فلشدة ظهوره وغاية وضوحه، ولأجل ذلك ~~يختفي على الضمائر والأنظار، ويحتجب عن العقول والأبصار، فذاته بذاته ~~متجل للاشياء ولأجل قصور بعض الذات عن قبول تجليه يحتجب، فبالحقيقة لا ~~حجاب إلا في المحجوبين. # والحجاب هو القصور والضعف والنقص، وليس تجليه إلا حقيقة ذاته، إذ ~~لا معنى له بذاته، إلا صريح ذاته، لان صفاته ليست زائدة على ذاته كما ~~أوضحه الربانيون. # أو لا ترى الشمس التي هي أشد الأنوار الحسية، وأقوى الأضواء ~~البصرية، كيف احتجبت لفرط ظهورها على الحاسة البصرية، حتى لا يمكن ~~للبصر لأجل ضعف قوته ملاحظتها إلا من وراء الحجاب، كالمرآة أو الماء أو ~~السحاب الرقيق، كما قال الشاعر: # كالشمس يمنعك اجتلاؤك وجهها # فإذا اكتست برقيق غيم أمكنا # فكذلك الحق سبحانه، فإنه وإن لم تحط بحقيقته العقول والأفكار، ولم تدرك ~~ذاته البصائر والأبصار، إلا أنه ليس لوجهه نقاب إلا النور، ولا لذاته ~~حجاب إلا الظهور، ولم يمنع القلوب من الاستنارة والاستجلاء بعد تزكيها ~~عن كدورات الشهوات إلا شدة الإشراق وضعف الأحداق. # فسبحان من اختفى عن بصائر الخلق نوره، واحتجب عن عقولهم لفرط الوضوح ~~ظهوره، وهو بكل شيء عليم، لأنه بنور ذاته يظهر جميع الأشياء على ذاته، إذ ~~العلم بالشيء ليس إلا ظهوره عند شيء آخر، ومثوله بين يديه، والله خالق ~~كل شيء فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، إذ بيده ملكوت ~~الأشياء، ومنه تنشأ حقائق الأنباء. ### || [57.4] # { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش ms1680 } # أصل الخلق: التقدير. والاستواء: الاعتدال والاستقامة، ونقيضه: الاعوجاج. ~~والعرش: السرير، ومنه: # ولها عرش عظيم # [النمل:23]. والعرش: الملك، يقال: ثل عرشه. والعرش: السقف، ومنه ~~قوله تعالى: # وهي خاوية على عروشها # [البقرة:259]. # والمعنى: إنه لما ذكر أن جميع الموجودات تمجده وتسبحه وتعظمه - كل ~~منها على قدر وعاء وجوده، وحوصلة إدراكه وشعوره - لعظمته ومجده وجماله ~~وجلاله، وبين ذلك بأن له التصرف في الجميع بالمالكية والإفادة والإحياء ~~والإماتة، وأنه أول كل شيء وآخره وظاهره وباطنه، والمملوك لا محالة يكون ~~خاضعا ساجدا لربه ومطيعا لخالقه، فأراد أن يشعر بأن كونه بحيث يخضع ~~ويسجد له الجميع، ليس أمرا جزافيا أو اتفاقيا، أو حكما إجباريا من ~~غير استحقاق، بل هو أمر يليق بشأنه، واقع في مقابلة لطفه وإحسانه وكرمه ~~وامتنانه، حيث نظم أمور العالم على أبدع نظام، وأفاد وجود كليات ~~الجواهر وعظائم الأجرام على أشرف وضع ونظام. # إذ أنشأ أعيان السموات وأبدعها لا من شيء يقتضيه، ولا على مثال يحتذيه، ~~ثم أمسكها بلا عماد، وأنشأ الأرض وأوجدها بلا اعتماد، في ستة أيام، ولم ~~يخلقها في لحظة واحدة - وإن كان مقدورا له تعالى - لأن خلقها في هذه ~~المدة أصلح وأليق بحال الكائنات وأنسب بنظام المخلوقات. # ورتبها على أيام الأسبوع، فابتدأ بالأحد وختم بالجمعة، فاجتمع له الخلق ~~يوم الجمعة، فلذلك تسمى جمعة - عن مجاهد -. # وقيل: إن إيجاد الحوادث على إنشاء شيء بعد شيء على التدريج والترتيب، ~~أدل على كون فاعله عالما مدبرا يصرفه على اختياره كيف يشاء، حريا ~~بأن يعبده ويسجد له ويطيع أمره جميع عباده ومن كان في ملكه وملكوته. # وقوله تعالى: { ثم استوى على العرش } أي: استوى أمره إلى ~~ملكه، لأن الأمور والتدابير تنزل منه. # وعن الحسن: يعني استقر ملكه واستقام بعد خلق السموات والأرض وظهر ذلك ~~للملائكة. # وإنما أخرج هذا على المتعارف في كلام العرب كقولهم: " استوى الملك على ~~عرشه " - إذا انتظمت أمور مملكته -، وإذا اختل أمر ملكه قالوا: " ثل ~~عرشه ". ولعل ذلك الملك لا يكون له سرير أصلا، ولا يجلس على سريره ~~أبدا، قال الشاعر: ms1681 # إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم # وأودت كما أودت إياد وحمير # وقيل: معناه: ثم قصد إلى خلق العرش، عن الفراء وجماعة، واختاره القاضي. ~~ويلزم منه أن يكون خلق العرش بعد خلق السموات والأرض، وليس بذاك، مع ~~بعده عن اللفظ. # وروي عن مالك بن أنس أنه قال: الاستواء غير مجهول، وكيفيته غير معلومة، ~~والسؤال عنه بدعة. # وعن أبي حنيفة أنه قال: أقرؤه كما جاء. # أي: لا تفسروه. # مكاشفة # اعلم أنه خلق العالم على ترتيب قويم وتدبير محكم، فأبدع الأفلاك ثم ~~زينها بالكواكب مع نفوسها المجردة المحركة إياها بأمر باريها طاعة ~~وخدمة لمبدعها، وتشوقا إلى جاعلها، كما أشار إليه بقوله: # فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل ~~سمآء أمرها # [فصلت:12]. # وعمد إلى إيجاد الأجرام السفلية، فخلق جسما قابلا للصور المتبدلة ~~والهيآت المختلفة، ثم قسمها بصور نوعية متضادة الآثار والأفعال، وأشار ~~إليه بقوله: خلق الأرض - أي: ما في جهة السفل - في يومين. ثم أنشأ أنواع ~~المواليد الثلاثة بتركيب موادها أولا، وتصويرها ثانيا، كما قال بعد ~~قوله: # خلق الأرض في يومين # [فصلت:9]، وجعل فيها رواسي من فوقها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ~~- أي مع اليومين الأولين - لقوله في سورة السجدة: # الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام # [السجدة:4]. # ثم لما تم عالم الملك بأمره عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على عرشه ~~لتدبير المملكة، فدبر الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير ~~الكواكب وتمزيج القوى والكيفيات مما يلج في الأرض وما يخرج منها، ~~وإمدادها بما ينزل من السماء، وهدايتها بما يعرج فيها، وهو أقرب إلى ~~كل شيء من هذه الوسائط، لأن له التأثير والإيجاد، ومنها التهيئة ~~والإعداد، فهو تعالى مع كل شيء أينما كان، وهو القائم على كل نفس بما ~~كسبت. # مكاشفة # إعلم أن المكشوف عند ذوي البصائر؛ أن الحق سبحانه خلق السموات والأرض في ~~ستة أيام من الأيام الإلهية التي كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، وهي ~~من زمان آدم إلى زمان محمد (صلى الله عليه وآله ms1682 وسلم) جميع دور خفاء ~~الذات واحتجابها بالأسماء وظهور الأسماء في مظاهر الأشياء، كل يوم منها ~~ميلاد واحد من الأنبياء العظام من آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - ~~صلوات الله عليهم أجمعين -. # ثم استوى على عرش الذات - وهو الروح الأعظم - باسم الرحمن في اليوم ~~السابع، وهو يوم الجمعة، لحشر الخلائق فيه، وجمعهم وحسابهم وميزانهم ~~لقوله تعالى: # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # [هود:103]. # وقد اشتهر فيما بين الناس في جميع الأمصار، ان مدة الدنيا سبعة آلاف سنة ~~على عدد الكواكب السبعة، فكل الف سنة يوم من أيام الله لقوله تعالى: # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج:47]. # فالستة منها هي التي خلق الله فيها السموات والأرض وما فيهما، لأن الخلق ~~حجب الحق. فمعنى خلق: اختفى بهما فأظهرهما وبطن، ويوم السابع هو يوم ~~الجمع، وزمان الاستواء على العرش، والظهور بالأسماء، وهذا الظهور يبتدئ ~~في السابع مع ظهور محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كما روي أنه قال: # " بعثت أنا والساعة كهاتين - وجمع بين السبابة والوسطى - ". # ويزداد إلى تمام سبعة آلاف سنة من لدن آدم أول الأنبياء، إلى زمان ~~خاتم الأولياء - المهدي صاحب الزمان (عليه السلام) -، وتنقضي الخفايا ~~لظهور التام لقيام الساعة، ووقوع القيامة الكبرى، وعند ذلك يظهر فناء ~~الخلق والبعث والنشور والحساب والميزان، ويتميز أهل الجنة والنار، ويرى ~~عرش الله بارزا - كما حكى بعض العرفاء عن شهوده -. # وتمام ظهور هذه الأمور في الآخرة، وان كان العارفون يشاهدونها في مرآة ~~الدنيا، فابتداء يوم القيامة - الذي قد طلع فجره - ببعثة نبينا محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، فالمحمديون لكونهم خير أمة أخرجت للناس، ~~أهل الجمعة، ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) صاحبها وخاتم النبيين. # واتفق أهل الملل كلها من إليهود وغيرهم على ان الله فرغ من خلق السموات ~~والأرض في اليوم السابع، إلا أن إليهود قالوا: إنه السبت، وابتداء الخلق ~~من الأحد. وعلى ما ذكر يكون هو الجمعة. # وإن جعلنا الأحد أول الأيام، ووقت ابتداء الخلق، كان جميع دور النبوة ms1683 ~~دور الخفاء، وفي السادس ابتداء الظهور، وازداد في الخواص كما ذكر أنه " ~~يوم خلق آدم " - أي: الحقيقي - " ويوم الساعة " " ويوم المزيد " ، حتى ~~ينتهي إلى تمام الظهور وارتفاع الخفاء في آخره عند خروج المهدي (عليه ~~السلام)، ويعم الظهور في السابع الذي هو السبت. # ولزيادة توضيح هذا المقام، نمهد مقدمة من الكلام، فنقول: # إن ما أوجده الله تعالى بحكمته البالغة، ونظمه بنظمه البديع لا ~~يخلو عن قسمين: إما أمور طبيعية جسمانية، وإما أمور إلهية روحانية. # أما الأمور الطبيعية الجسمانية، فحدوثها وانشاؤها لا يكون إلا على سبيل ~~التدريج، وممر الدهور والأزمان، إذا المعني بالطبيعي؛ هو ما يصدر عن ~~الطبيعة بقدرة الله تعالى، والطبيعة بما هي طبيعة ليست حقيقتها إلا ~~منشأ الحركة والسكون في الجسم الطبيعي، - وهما زمانيان كما حقق في مظانه ~~-، والطبيعي إذا تدريجي لا محالة، فوجود العالم الجسماني - فلكيا كان ~~أو عنصريا - تدريجي، لأن حقيقتهما متقومة بالتغير. # فكل عاقل لبيب، إذا فكر في كيفية إيجاد الأجسام الطبيعية وعوارضها ~~وصفاتها الطبيعية، يعلم ويتحقق أنها واقعة في مقدار من الزمان، ويتيقن أن ~~هيولى الكل قد أتى عليه دهر طويل وأمد مديد إلى أن تمحض وتميز اللطيف ~~منها من الكثيف، والعالي منها من السافل، والفلكي منها من العنصري، ~~والنير من المظلم، وتقبل الكرات الفلكية والأنوار الكوكبية وتحيط بعضها ~~ببعض، وإلى أن استدارت الأجرام الكلية والكرات الكوكبية وركزت على ~~مراكزها، وإلى أن تميزت الأركان الأربعة وترتبت مراتبها ومزجت فنون ~~تمزيجاتها لينتظم الكل كأنها شخص واحد متعاون بعضها مع بعض، منتفع بعضها ~~من بعض، كأبعاض بدن واحد إنساني في مدة العمر. والدليل على ذلك قول الله ~~سبحانه: # الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام # [السجدة:4]، # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج:47]. # وأما الأمور الربانية والأشعة الإلهية، فهي كأنها من مراتب علمه الأزلي ~~وعالم قضائه وأمره السرمدي، وحجب ربوبيته وسرادقات عزته، لا يبلغ عقول ~~البشر كنهها، وقد يعبر عنها في لسان الشريعة بعبارات ورموز لا يفهم ~~مغزاها إلا من أيده الله بتوفيق ms1684 خاص، وهي المشار إليها في قوله تعالى: # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر:50]، تنبيها على عدم تجددها وتغيرها وارتفاعها عن عالم الزمان ~~والتغيير. # وقد وقع في بعض شرايع السابقين وملل الأقدمين، إشارة إلى كيفية حدوث ~~الأفلاك وما في جوفها من أمر الله سبحانه على سبيل الرمز: # انه قد أتى دهر طويل على النفس الكلي - أي الملك الأعظم الحامل للعرش ~~الرئيس على جملة الحملة والمدبرات السماوية -، قبل تعلقها بالجسم ذي ~~الأبعاد، وكانت في عالمها الروحاني ومحلها النوراني مقبلة على مفيضها ~~ومبدعها ومكملها، تقبل عنه الفيض والفضائل الكثيرة، وكانت منعمة ملتذة ~~مستريحة فرحانة بتلك الفضائل والخيرات، فأخذها شبيه المخاض، فأقبلت تطلب ~~ما تفيض عليه من تلك الخيرات، وكان الجسم بحسب هيوليته فارغا قبل ذلك من ~~الأشكال والصور والنقوش، فأقبلت النفس على الهيولى لتميز الكثيف من ~~اللطيف، وتفيض عليه تلك الفضائل والخيرات. # فلما رأى الباري جل ذكره ذلك منها، ومن الجسم تهيؤ لها، فخلق من ذلك ~~الجسم عالم الأفلاك وأطباق السموات من لدن العرش إلى قرار الأرضين على ~~أحسن نظام وترتيب مما هي عليه الآن، وهكذا يفيض تلك الفضائل والخيرات من ~~الصور والكيفيات متجددة متعاقبة في أزمنة متطاولة ودهور كثيرة، لاستحالة ~~الجمع بين الصورتين في زمان واحد. # فمهما استوفت إفاضة الصور والكيفيات المقدرة في قضاء الله وقدره على ~~المواد الفلكية والعنصرية، سكنت الأفلاك عن الدوران، والكواكب عن السير، ~~والأركان عن الاختلاط والمزاج، وكلت القوى الجسمانية والآلات، وبلي ~~الحيوان والمعادن والنبات، وخلع الصور والأشكال والنقوش، وانفطرت السموات ~~وانشقت، وهدمت الجبال وبست، وتبقى فارغة كما كانت بديا. # فرجعت النفس المدبرة الكلية إلى عالمها الروحاني، ومحلها النوراني، ~~وحالتها الأولى، وأعرضت عن شغلها الذي كان، وأقبلت نحو علتها المفيضة ~~ولحقت بها. لان مثل النفس في إقبالها على الجسم، واشتغالها بتدبيره ~~واصلاحه - بعد ما كانت مقبلة على مبدعها مستفيدة منه الفيض - كمثل الرجل ~~الخير العاقل المقبل أولا على أستاذه المحب لعلمه، الحريص في تعليمه ~~للعلوم والحكم والمعارف، المتخلق بأخلاقه الجميلة وآدابه الصحيحة برهة ~~من الزمان، حتى امتلأ ms1685 من الخيرات والفضائل والعلوم والحكم، أخذه عند ~~ذلك شبه المخاض، واشتهى وتمنى وطلب من يفيض عليه من تلك الخيرات والفضائل ~~ويفيده إياها، فإذا وجد تلميذا يعلم أنه يقبل منه ويفهم عنه علمه ~~وحكمته، أقبل عليه بالفيض والإرشاد والإفادة - طمعا في إصلاحه وحرصا ~~على تعليمه وتأديبه تشبها بأستاذه الأول -، فإذا فرغ من تعليمه وتأديبه، ~~أقبل عند ذلك على عبادة ربه، وطلب الخلوات بمناجاته وتمنى اللحوق بأسلافه ~~وأقاربه، والدخول في زمرة الملائكة. # وهكذا كانت سيرة الأنبياء (عليهم السلام)، وكذلك كانت سيرة الحكماء ~~المتقدمين الذين أخذوا الحكمة من مشكاة النبوة، كل ذلك تشبها بالله في ~~إظهار حكمته وفيض فضائله على بريته وإغداق نعمته على خليقته. # كلام من الحكماء شبه رمز # ذكروا أن ملكا عظيم الشأن، عزيز السلطان، واسع المملكة، كثير الجنود ~~والعبيد، ولد له ولد ذكر كان أقرب الخلق به شبها وإلى والده (والديه - ~~ن) طبعا وخلقا، فلما تربى ونشأ وكمل، ولاه أبوه بعض مملكته، وأمر ~~أجناده وعبيده بطاعته، وأوصاه بحسن سياستهم، وأباحه جميع النعم - غير أنه ~~نهاه عن مرتبته -. # فمكث ذلك الابن زمانا طويلا قدر نصف يوم متنعما متلذذا، إلا أنه ~~كان ساهيا، فحسده بعض عبيد الملك ممن كان متينا قبله، فقال: " انك لا ~~تعرف نعمة، ولا تجد لذة، لأنك ممنوع من أرفع نعمة، منهي عن ألذ شهوة ". # فاغتر بقوله، وطلب ما ليس له أن يتناوله قبل حينه، فسقطت مرتبته وانحطت ~~درجته عند أبيه، وبدت له سوأته وخسته، واستبانت خطيئته، فهرب خوفا من ~~أبيه ذاهبا في مملكته شبه المستتر، فأصابه العناء ولقيه البأساء ~~والضراء والجهد والبلاء، فتذكر يوما ما كان فيه من نعمة أبيه، فحزن على ~~ما فاته وبكى أسفا، ثم نعس فنام، فحمل إلى أبيه. فقال: " دعوه نائما ~~إلى يوم الجمعة ". # ثم إنه ولد في اليوم الثاني ابن آخر أشبه الناس بأخيه، فتربى ونشأ ~~وكمل ونما، وكان حكيما وقورا صبورا شكورا، فولاه أبوه بعض مملكته، ~~وأمرهم بطاعته، وأوصاه بسياستهم. فدعاهم وأمرهم ونهاهم. فلم يسمعوا ولم ~~يطيعوا له أمره، لأنه كان شبيه ms1686 زحل، بل آذوه، فصبر زمانا ثم شكى إلى ~~أبيه، فغضب عليهم ورمى أكثرهم في الماء. # فلما رأى ما أصابهم اغتم وحزن ونعس فنام وحمل إلى أبيه، فقال: " ~~اتركوه نائما إلى يوم الجمعة ". # ثم إنه رزق في اليوم الثالث ابن آخر، وكان أشبه بأخويه اللذين تقدم ~~ذكرهما، وكان خيرا فاضلا نجحا، فولاه أبوه مكان أخويه، وأمرهم ~~بطاعته، وأوصى إليه بما أوصى إلى أخويه من قبل، فدعاهم وأمرهم ونهاهم، ~~فلم يسمعوا ولم يطيعوا لأنه كان يشبه المشتري وفزعوه بالنار، فذهب إلى ~~أبيه وبنى له هيكلا ونذر له قربانا وعلم مناسكا. ونادى في الناس: " ~~تعالوا لتروا ما لم تروا، وتسمعوا ما لم تسمعوا ". # ثم نام وحمل إلى أبيه فقال: " اتركوه نائما إلى يوم الجمعة ". # وبقي نداؤه في مسامع النفوس يتوارثونه من غير أن يسمعوا، ويذهبون إلى ~~هيكله فيرون ظاهره - ومرماه مما لا يبصرون -، ويفعلون شبه مناسكه، ولكن ~~أكثرهم لا يفهمون لأنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون. # ثم إنه رزق في اليوم الرابع ابن آخر، فنشأ وكمل ونما وكان جلدا قويا ~~مقداما، فولاه أبوه مكان اخوته وأمرهم بطاعته، فدعاهم وأمرهم ونهاهم، ~~فلم يسمعوا ولم يطيعوا، لأنه كان يشبه المريخ. وبارزوه وبارزهم، وناوشوه ~~وناوشهم ونازعهم، وكان مؤيدا بقوة أبيه، فغلبهم وبدد شملهم وفرق جمعهم ~~وشتت ألفهم، ورمى بهم في البر والبحر، ثم بقي وحيدا كالغريب يدعو ~~فلا يجاب ويأمر فلا يهاب، فاغتم وحزن ونعس فنام وحمل إلى أبيه، فقال: " ~~دعوه نائما إلى يوم الجمعة ". # ثم إنه رزق في اليوم الخامس ابن آخر، أشبه الناس بأخيه الأول، فتربى ~~ونشأ وكمل ونما، وكان هاديا رشيدا طيبا رفيعا، فولاه أبوه مكان ~~اخوته، فدعاهم وأمرهم ونهاهم، فلم يسمعوا له إلا قليلا، ولم يطيعوه ~~إلا يسيرا، لأنه كان يشبه الزهرة، ثم وثبوا عليه فأخذوا قميصه ~~الذي ألبسته أمه إياه، فذهب إلى أبيه فاستفز عليهم بجنوده وأيدهم بروح ~~منه، فسرى في نفوسهم وتحكم في لاهوتهم بدلا وقصاصا لما تحكموا في ~~ناسوته، وأراد أن ينزل من الرأس، فقال أبوه: " اصبر إلى ms1687 يوم الجمعة ". # ثم قال الملك في اليوم السادس للمنجمين: " اختاروا لابني الذي يشبه ~~عطارد يوما لينزل إلى عالم الكون والفساد فينبه إخوته النيام، ويناديهم ~~إلى ربهم، فقد رضيت عنهم، ويأمرهم بالاستعداد للصلاة فإن غدا هو يوم ~~العيد - يوم الجمعة - فيبرز للقضاء ويحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون ~~". # فاجتمع سادة النجوم ورؤساء الكواكب في بيت المريخ، وتشاوروا بينهم، ~~فقال رئيس الكواكب وملكها: " أنا أختار له من قوتي وازوده من فضائلي: ~~العظمة والجلالة، والرئاسة والسلطان، والعز والرفعة، والبهجة والبهاء، ~~والمجد والثناء، والبذل والعطاء ". # وقال شيخهم كيوان: " أنا أختار له من قوتي وازوده من فضائلي: الحلم ~~والوقار، والصبر والثبات، وبعد الغور وعلو الهمة، والحفظ ~~والأمانة، والفكر والروية ". # وقال برجيس القاضي العادل: " أنا أختار له من فضائلي وازوده من قوتي: ~~الدين والورع، والخير والصلاح، والعدل والإنصاف، والصدق والصيانة ~~والمروة ". # وقال بهرام صاحب الجيوش: " أنا أختار له من قوتي وازوده من فضائلي: ~~العزم والصرامة، والنجدة والشجاعة، والهمة والنشاط، والظفر والغلبة، ~~والبذل والسخاء، والتيقظ والأنفة ". # وقالت ناهيد أخت النجوم: " أنا أختار له من قوتي وأزوده من فضائلي: ~~الحسن والجمال والكمال، والرأفة والرحمة، والزينة والنظافة، والحب ~~والمودة والسرور واللذة ". # وقال أخوهم الأصغر - وهو أخفاهم منظرا وأجلهم مخبرا الذي صنعته ~~أظهر وعلومه أكثر وعجائبه أشهر -: " أنا أختار له من قوتي وأزوده من ~~فضائلي واؤيده من مناقبي: النطق والفصاحة، والتميز والفطنة والقراءة، ~~والعلوم والحكمة ". # قالت أم النجوم: " أنا أرضعه وأربيه، واختار له من قوتي وأزوده ~~من فضائلي: النور والبهاء، والزيادة والنماء، والحركة في الأقطار، ~~والتنقل في الأسفار، وبلوغ الآمال، والسير والاختبار، وعلوم مواقيت ~~الآجال ". # ثم إنه دارت الأفلاك وتمخضت قوى الروحانيات - أهل السموات -، فنزل إلى ~~عالم الكون والفساد في ليلة القدر قبل طلوع الفجر صاحب النشور، لينفخ في ~~الصور، فمكث هذا المولود في الرحم أربعين يوما من أيام الشمس، وعشرين ~~يوما في الرضاع، حتى تربى ونشأ وكمل ونما، وكان أشد الناس شبها بأخيه ~~الثالث، لأنه كان يشبه عطارد الذي هو أخو المشتري. # فصار هذا المولود من بين اخوته أتمهم ms1688 بنية وأكملهم صورة، وكان ~~أديبا عالما حكيما ملكا عزيزا رحيما إماما عادلا نبيا مرسلا، ~~فولاه أبوه مملكة اخوته كلها، فظهر وقهر من خالفه، ورفع واعز من وافقه، ~~وحكم في مملكته نحو ثلاثين يوما من أيام الشمس، ثم أصابته العين فاعتل ~~وبقي على الفراش نحو يوم من أيام القمر، مريض الجسم عليل النفس، ثم تحول ~~إلى دار أخرى، ونهض قليلا ومشى، ونشط وانبسط، ودخل إلى كهف أبيه ونام مع ~~اخوته. # فمكثوا زمانا، فلما انقضى دور الرقاد، وتقارب الميعاد، ناداهم ~~الملك: " ألم يأن لكم أن تنتبهوا من نومكم، وتستيقظوا وتتذكروا ما ~~نسيتم من أمر مبدأكم، وترجعوا معادكم من أسفاركم، وتأووا إلى دار مقامكم ~~من غربتكم؟ فقد تم خلق السموات السبع في ستة أيام، وغدا الجمعة، يستوى ~~بكم على العرش ويحمله يومئذ ثمانية ". # فانتبه لذلك الأخوة الذين قيل: # ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم # [الكهف:22] بعد رقدتهم ثلثمائة وأربعة وخمسين من أيام الشمس بحساب ~~القمر، يتذاكرون # كم لبثتم # [الكهف:19] في كهفكم؟ فقال أبوهم لأخيهم: - # فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا ولا تستفت ~~فيهم منهم أحدا # [الكهف:22]. # فأخفى أمرهم، وكتم أسرارهم لأنه # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا ~~أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم ~~بما عملوا يوم القيامة # [المجادلة:7]، وهو يوم جمع الخلائق كلهم للجزاء. # وكما أن للملك مدينة فيها جنوده وممالكيه، ولأهل تلك المدينة عمال ~~وصناع لهم أجرة وأرزاق، وفيها تجار وبياع يتعاملون بموازين ومكائيل، ~~ولهم مظالم وخصومات، ولهم فيها قضاة وعدول، ولهم فقه واحكام وفصول، وان ~~من سنة القضاة البروز والجلوس في كل سبعة أيام يوما واحدا: فهكذا يجري ~~حكم النفوس الكلية وملائكة الله تعالى العمالة بإذنه في الأنفس الجزئية ~~في كل سبعة أيام - كل يوم ألف سنة -، لعرض الخلائق لدى العزيز الجبار، ~~الواحد القهار، لفصل القضاء بينها باستخدام الملائكة العمالة بإذنه: # فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من ~~خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء:47]. # وروي ms1689 عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه قال: # " عمر الدنيا سبعة آلاف سنة بعثت في آخرها ألفا ". # وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " لا نبي بعدي على هذه الأمة ". # تقوم القيامة وهو يوم العرض الثاني، كما أن يوم العرض الأول ما أشار ~~تعالى إليه بقوله: # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ~~شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين # [الأعراف:172]. # وبين اليومين مدة سبعة آلاف سنة. # وكما أن لأهل المدينة فيها جنان وميادين وأنهار وبساتين، وفيها مجالس ~~ومضائق ومساجن - فالأولى لنزاهة النفس وبهجتها وسرورها ولذتها ونعيمها، ~~والثانية لعقوبتها وعذابها على قدر جرائمها وذنوبها - فهكذا في طبقات ~~الوجود ومراتب الكون، فسحة وسعة - أهلها في جنات النعيم وروح وريحان ~~ونعمة ورضوان - ومجالس ودركات - أهلها في عذاب أليم وعقاب شديد وغصة ~~عظيمة - كما ذكره الله في التوراة والإنجيل والفرقان في مواضع كثيرة من ~~نعت الجنان ولذاتها، ووصف النيران وآفاتها. # هذا تلخيص ما وجدنا من كلام الأكابر العظام، فأوردناه توضيحا للمقام، ~~وليعذرني بعض أعلام الأنام من أولي الدراية والأفهام، في الخروج عن طورهم ~~لبعد المرام، والله ولي الهداية في البداية والنهاية. # قوله عز وجل: # { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ~~ينزل من السمآء وما يعرج فيها وهو معكم أين ~~ما كنتم والله بما تعملون بصير }. # أي: يعلم ما يدخل في جوف الأرض ويستتر فيها من البذور وغيرها، وما يبرز ~~من الأرض وما يتكون منها. # أو يعلم ما يتربى في الأرض من المعادن والنبات والحيوان، وما يخرج منها ~~ويكون على ظهرها من هذا، فيعلم أعيانها وأطوارها، وتقلباتها وأحوالها - ~~من القوة والفعل، والكون والبروز -، ومدة بقائها ووقت فنائها. ويعلم ما ~~ينزل من السماء - من مطر وملك وغير ذلك -، حتى القوى والكيفيات ~~ومباديها، وفواعلها وأرزاق الخلق، إذ الجميع مما ينزل من السماء لقوله ~~تعالى: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون # [الذاريات:22]، وما يعرج فيها - أي يصعد إليها -، من الملائكة الحفظة ~~وما يكتبون ms1690 من أعمال الخلائق كلها. # وهو معكم، أي: عالم بكم أينما كنتم، وفي أي أحوال من أحوالكم وصفاتكم ~~التي أنتم عليها، وأفعالكم وأقوالكم التي فعلتموها وقلتموها. # والله بما تعملون - من خير وشر - بصير، أي: شهيد، فيجازيكم على وفق ~~أعمالكم. # مكاشفة # يعلم ما يلج في أرض العالم الجسماني التي هي تحت عوالم الأمر من الصور ~~النوعية، لأنها من صور معلوماته، وما يخرج من الأرواح التي تفارقها، ~~والصور التي تزائلها عند الفناء والفساد، وهي بعينها التي تنزل من سماء ~~عالم الغيب إلى أرض عالم الشهادة، وتعرج فيها بعد الاستكمال، وتطير إليها ~~بجناحي العلم والعمل. # أو ما ينزل من سماء الروح الكلي من العلوم الكلية والأنوار العقلية ~~الفائضة على القلب، وينزل منه إلى أرض النفس جزئية، وما يعرج فيها من ~~الكليات المنتزعة من الجزئيات المحسوسة، وهيآت الأعمال المزكية. # والأول: إشارة إلى العلوم الموهبية التي تفيض أولا على القلب فتتمثل ~~في الخيال حكايتها وتنزل إليه مثالها. # والثاني: إشارة إلى العلوم الكسبية التي ترتقي إلى العقل بعد أن يقع ~~الإحساس بالجزئيات الجسمانية، وتنتزع منه الكليات لأجل المشاركات بينها ~~والمبائنات. # والأول: طريق الأبرار: والثاني: مسلك النظار. # وهو معكم أينما كنتم؛ لأن موجودية أعيانكم الثابتة بظهوره في مظاهرها ~~وتجليه في مرائيها. # والله بما تعملون بصير؛ لكونه مشهودا له حاضرا عنده منقوشا في ~~الألواح العالية وملكوتها بحضرته. # لمعة إلهية # ان معيته تعالى للاشياء، ليست كمعية جسم لجسم، أو جسم لعرض، أو عرض ~~لعرض، وبالجملة، ليست تلك المعية معية في الوضع والمكان، ولا في الزمان ~~والآن، ولا في المحل والحال، ولا في الفعل والانفعال، ولا في الحركة ~~والانتقال: لتعإليه عن هذه الأوصاف والأشباه والأمثال. # وليست أيضا معية في الوجود، لكونه قبل كل موجود، وقبليته لا تنقلب ~~إلى المعية التي يقابلها. بل معيته تعالى نحو آخر من المعية مجهولة ~~الكنه. # وإنما يعرف الراسخون في العلم لمعة منها، ويشمون رائحة من كيفياتها، ~~وإذا أردوا أن يفيضوا على غيرهم من المستعدين شيئا منها، مثلوا لهم ~~مثال المرآة وقالوا: إن الله تعالى يتجلى للاشياء ms1691 كما تتجلى صورة الشخص ~~في المرائي المتعددة المختلفة صغرا وكبرا، واستقامة واعوجاجا، ~~وصفاءا وكدورة، وغشا وخلاصا، وان التجلي من قبله حاصلة دائما ~~لجميع الأشياء - لأنه نور، والنور من حقيقته التجلي والظهور على المجالي ~~والمظاهر -، لكن عدم ظهور هذا التجلي إما لضعف فيها وصغر في مرآة ذاتها، ~~لا تطيق احتمال النور العظيم الباهر - كما لا تطيق نور الشمس أبصار ~~الخفافيش وعيون العمشان إلا ظلالا ضعيفة منه -، وهذا مثال الأجسام ~~والنفوس الناقصة كالجماد والنبات، وغير الناطق من الحيوان والناقص من ~~الإنسان. # وإما لكدورة في المرآة - كالأبصار التي عليها غشاوة -، وهذا مثال نفوس ~~العصاة من الناس، الذين على قلوبهم وعلى أبصارهم غشاوة. أي على عقولهم ~~وعلى أبصارهم التي بها تحصل معرفة الله وملكوته غشاوة المعاصي والشهوات ~~التي بها يقع الحجاب عن شهود معرفته تعالى. # وإما لاعوجاج وانكسار في المرآة، تقع الصورة فيها على خلاف ما هو ~~الواقع، - كما في الحول وغيره من الأمراض العينية التي يقع بسببها ~~الغلط في رؤية ما يتنور بنور الشمس من حقائق الأجسام -، وهذا مثال نفوس ~~الجاحدين للحق، المتعصبين لمذاهب تقليدية رسخت في نفوسهم من أول الأمر، ~~بحيث لا يمكن زوالها أصلا، فتظهر لبصيرتهم الحولاء، وفطنتهم العوجاء، ~~صور الحقائق المستنيرة بنور الله تعالى على خلاف ما هي عليها، وإلا ~~فالحق متجل على كل شيء. # كقوله - وهو أصدق القائلين -: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق:16]. # وفي الحديث النبوي (صلى الله عليه وآله وسلم): # " أنه تعالى فوق كل شيء، وتحت كل شيء، وقد ملأت كل شيء عظمته فلم تخل ~~منه أرض ولا سماء، ولا بحر ولا بر ولا هواء، هو الأول لم يكن قبله شيء، ~~وهو الآخر ليس بعده شيء، وهو الظاهر ليس فوقه شيء، وهو الباطن ليس دونه ~~شيء، فلو دلي على الأرض السفلى لهبط على الله ". # وفي طريق أهل البيت (عليهم السلام) أحاديث كثيرة متقاربة المعنى قريبة ~~من معنى هذا، وكذا حديث قرب النوافل. # وقد روي عن موسى - على نبينا وآله وعليه السلام -: أقريب أنت ~~فأناجيك، أم بعيد ms1692 فأناديك؟ فاني أحس حسن صوتك ولا أراك فأين أنت؟ # فقال الله: أنا خلفك وأمامك، وعن يمينك وشمالك، أنا جليس من ذكرني، وأنا ~~معه إذا دعاني. # فما عليك - أيها المتقي عن المعاصي البدنية والقلبية، إلا أن تنفي عن ~~عين عقلك كدورته بالتخلي عن الرذائل، وتقوي حدقته بكحل الطاعات ~~والعبادات والقيام في الليالي والأوقات، مع استقامة الفهم والتدبر في ~~المعاني العقلية والآيات، فإذا هو فيه، إذ ليس هناك ما ينافيه، فإذا ~~غافصك تجليه، ولم تثبت هناك فبادرت وقلت إنه فيه - كما نقل عن المحجوبين ~~بالحق عن مراتب مظاهر الآلهية، ولوازم الأسماء ما قالوا - إلا أن ~~يثبتك الله بالقول الثابت فتقول: إن الصورة ليست في المرآة، ولا المعية ~~بينهما كمعية الحال للمحل، ولا المتمكن للمكان، ولا غيره من أنحاء ~~المعية، بل تجلت لها وظهرت فيها، ولو حلت لما تصور أن تحل صورة ~~واحدة لمرائي كثيرة مختلفة في حالة واحدة، بل كانت إذا حلت في واحدة ~~ارتحلت عن الأخرى، وهيهات، فإنه يتجلى لجملة من العارفين دفعة واحدة. # نعم، يتجلى في بعض المرائي أصح وأظهر وأقوم وأوضح، وفي بعضها أخفى ~~وأميل إلى الاعوجاج عن الاستقامة، وذلك بحسب صفاء المرائي وصقالتها، وصحة ~~استدارتها واستقامة بسيط وجهها. # وكما يتجلى حقيقة الحق لجملة من العارفين من الملائكة المقربين، وعباد ~~الله الصالحين، كذلك يتجلى بوجه ظلي للأشياء جميعها - على تفاوت ~~درجاتهم في الضعف والقصور -. # ولهذا المعنى قال واحد من الحكماء المتقدمين: " إن المحسوسات كلها ~~تشتبه بالحق، إلا أنها لكثرة قشورها، وقلة نورها، لا تقدر على حكاية ~~الحق من وصفها ". # وبالجملة: لا تخلو ذرة من ذرات الكائنات من نور الحق وتجليه وظهور فيه، ~~لكن تحصيل هذه المعرفة، والوصول إلى مشاهدة هذا التجلي هو الإكسير ~~الأحمر المستفاد من بحر عميق من بحار القرآن. ### || [57.5] # أي: يتصرف فيهما كيف يشاء، إلا أن مشيته تعالى تعلقت بتحريك الأفلاك ~~وتسيير الكواكب وتسكين الأرض في وسط الكل، لقبولها الآثار النازلة عليها ~~من السماء - من الأنوار والأمطار -، ليتولد منها المركبات، وتتكون منها ~~الكائنات - من المواليد الثلاثة ms1693 وغيرها -، الحاصلة من الأسباب الفعلية ~~والانفعالية السماوية والأرضية، ثم ترجع إليه الأمور يوم القيامة ليجزى ~~كل واحد بما عمل. # وقيل: جميع من ملكه شيئا في الدنيا يزول ملكه، ويتفرد هو سبحانه ~~بالملك، - كما كان كذلك قبل أن خلق الخلق -. # مكاشفة # إعلم أن كل ما يصدر عن فاعل فهو في آخر الأمر يرجع إليه، كما ينكشف لنا ~~من تتبع الأمثلة الجزئية، فإن من بنى بيتا ليسكن فيه فالداعي له في ~~بنائه هو الراحة التي يتصورها عند تمام البيت، فهو مع هذا التصور، فاعل ~~لفعله الذي تصل صورة منه ثانيا إليه، فكل من فعل شيئا فإنما يفعل ~~لنفسه. # فلما أفادنا النظر في خلق السموات والأرض وما فيهما إثبات فاعل لها، ~~موجد له ملكها، كذلك أفادنا إثبات غاية يرجع إليها الجميع، ويجب أن تكون ~~تلك الغاية هي بعينها ما هو الفاعل لوجودها، لأنا لو جعلنا الغاية أمرا ~~معلوما، لكان لوجودها غاية غيرها - كما أن لها فاعلا - فيتسلسل أو ~~يدور. # وأيضا: لا يكون ما فرض غاية غاية، إذ الكلام في الغاية القصوى، ولكان ~~الباري يحتاج في فعله إلى داع يستولي عليه ويجبره في فعله. # وأيضا: يلزم أن يكون ناقصا في فاعليته، مستكملا بغيره مما فرض غاية، ~~والتوالي بأسرها باطلة، فكذا المقدم. # ثم إنا لو وصفنا كلا من الفاعل والغاية بالمباينة الكلية، لاقتضى ذلك ~~تعدد الباري، ولاقتضى أيضا سلب الماهية عنهما، ويستحيل وجود شيئين كل ~~منهما لا ماهية له، فالله هو الأول الذي تبتدئ منه الأمور، والآخر الذي ~~ترجع إليه الأمور، فمنه تحصل الأشياء في الابتداء، وإليه تنساق الموجودات ~~في الانتهاء، وهو الفاعل للوجود، والغاية له في الشهود. # فإن قلت: كيف يكون ماهو العلة الفاعلية علة غائية؟ والفاعل قبل الشيء ~~لينبعث منه الشيء، والغاية بعد الشيء ليستتبعها الشيء؟ # قلنا: إن العلة الغائية - إن تأملت - فهي بالحقيقة العلة الفاعلية ~~دائما، - لا في هذه المادة خاصة -، فإن الجائع إذا أكل ليشبع، فإنما أكل ~~لأنه تخيل الشبع فحاول أن يستكمل له وجود الشبع، فيصير من حد التخيل - ~~وهو ms1694 وجود ضعيف - إلى حد العين - وهو وجود قوي -، فهو من حيث إنه شبعان ~~تخيلا هو الذي يأكل ليصير شبعان، وجودا، فالشبعان تخيلا هو العلة ~~الفاعلية، والشبعان وجودا هو العلة الغائية، فالأكل صادر من الشبع ومصدر ~~للشبع، فالشبع هو الذي كان علة فاعلية للأكل وعلة غائية له، ولكن ~~باعتبارين: فهو باعتبار الوجود العلمي فاعل وعلة غائية، وباعتبار الوجود ~~العيني غاية. # لكن يجب للعارف البصير أن يفرق بين الفاعل الناقص الواقع تحت الكون، ~~وبين الفاعل التام المرتفع عن الكون، المقدس عن الاثنينية والتركيب لا ~~في الذات ولا في الاعتبار، لأن فاعليته تامة ليست له غاية زائدة على ~~ذاته، وعلمه بالأشياء كباقي صفاته عين ذاته، فإفاضة الخيرات منه على ~~الماهيات، إنما هو لكونه بذاته جوادا، وبعلمه بوجه الخير في النظام، ~~ينشأ من الأشياء على أحسن الأنحاء وأفضلها في التمام. ### || [57.6] # أي: يدخل ما نقص من كل منهما في الآخر حسب ما دبره فيه من مصالح ~~العباد والبلاد - كما نقل عن عكرمة وابراهيم -. # وهو عليم بمكمونات أسرار خلقه، وخفيات ضمائر عباده، كما يعلم وجوه ~~الخير في نظام العالم، كيف ولو لم يكن عليما بخفيات الأسرار، لم تصدر ~~عنه المخلوقات على أفضل ترتيب وأحسن نظام، فانظر أيها المتفكر في حكمة ~~الباري وجوده، انه لو لم يخلق الأجرام النيرات على الوضع الذي يقع ~~التفاوت بين الليالي والأيام، والتفاضل بين النور والظلام، بأن يلج ~~أحدهما في الآخر بأمره تارة، وبالعكس تارة أخرى، كذلك على نسق مضبوط ~~ونظام محكم من غير اختلال ولا قصور، لما انصلح حال الخلايق والأنام على ~~هذه الكيفية والتمام. # ألم تر كيف خلق الله النيرات العلوية على هيآت وأوضاع تنتفع منها ~~الكائنات السفلية، من أنها لو ثبتت أنوارها، أو لازمت دائرة الوجود، ~~لأثرت بافراط فيما حاذاها، وتفريط فيما وراء ذلك، ولو لم يكن لها حركة ~~سريعة لفعلت ما يفعله السكون واللزوم، ولو لم تكن الأنوار الكوكبية ذات ~~حركة سريعة مشتركة واخرى بطيئة مختصة، ولم يجعل دوائر الحركات البطيئة ~~وسموتها مائلة عن سمت الحركة، لما ms1695 مالت تلك الأنوار إلى النواحي ~~شمالا وجنوبا، فلم تنتشر منافعها على بقاع الأرض، ولولا أن حركة الشمس ~~على هذا المنوال من تخالف سمتها لسمت الحركة السريعة، لما حصلت ~~الفصول الأربعة التي يتم بها الكون والفساد، وتنصلح منها أمزجة البقاع ~~والبلاد. ### || [57.7] # خاطب سبحانه ذوي العقول كافة من الآدميين، دون الملائكة لكونهم مفطورين ~~على العلم بالله ورسوله، مقدسين عن مزاولة الخبائث ليحتاجوا إلى التزكية ~~بالإنفاق، دون سائر الحيوانات وما هو أدون منها من الجماد والنبات، ~~لانحطاط درجتها عن استماع هذا الخطاب، فقال: معاشر العقلاء المكلفين: - ~~آمنوا بالله - أي: اعتقدوا بوجود الحق الأول، وكونه آله الخلق، وأقروا ~~بوحدانيته وتنزيهه وتمجيده. - ورسوله - أي: بكونه مرسلا إياه، أو ~~صدقوا رسوله واعترفوا برسالته، لاتصافه بخصائص الأنبياء من خوارق ~~العادات والعلم بالمغيبات. - وانفقوا - تقربا إلى طاعته، وتخلصا عما ~~يلهيكم عن معرفته، ويبعدكم عن جواره، - مما جعلكم مستخلفين فيه - أي: ~~من مال الله وغيره الذي خلقه لمصالح عباده، وإنما موليكم إياه لتكونوا ~~خلفاء من قبل الله في صرفه لوجوه المنافع والمحاويج، وخولكم الاستمتاع ~~والانتفاع. # فليست الأموال بالحقيقة إلا لمن خلقها، لا لمن كان متصرفا فيها ~~بنقلها من موضع إلى موضع، أو مضافة هي إليه، فإن مجرد الإضافة إلى شيء لا ~~توجب التسلط لأنها نحو ضعيف من التعلق، وإنما يكون التعلق القوي ~~والتسلط التام على شيء بالقدرة على إيجاده واعدامه، والقادر على ما يشاء ~~إنما كان هو الله تعالى دون غيره، فالأموال كلها عارية في يد المتولين ~~لها، إلا أن الله جعلهم برهة من الزمان بمنزلة وكلاء مستخلفين فيها. # وإنما أوضح الله سبحانه كون المال عارية بيد صاحبه ليهون على الناس ~~الإنفاق منه، كما يهون عليهم النفقة من مال غيرهم إذا كانوا مأذونين فيه ~~مأمورين به. # وعن الحسن: أنفقوا من المال الذي استخلفكم الله فيه بوراثتكم إياه عمن ~~قبلكم. وفي هذا تنبيه على أن المال حيث انتقل وصار اليكم ممن قبلكم، ~~وسيصير منكم إلى من خلفكم، ينبغي أن تعتبروا بحال من سبقكم وعدم انتفاعه ~~به نفسه، وأن تنتفعوا ms1696 أنفسكم بالإنفاق منه، وأن تستوفوا حظوظكم البدنية ~~والعقلية الدنيوية والدينية منه قبل أن يخرج الأمر من يدكم وينتقل المال ~~إلى غيركم. # مكاشفة # واعلم أن هذا الحكم كما يشمل النعم الخارجية، كذلك يشمل النعم الداخلية؛ ~~من الأعضاء والحواس والقوى التي أنعم الله بها علينا، وخولنا الاستمتاع ~~بها في الدنيا وللانتفاع بها لأجل الآخرة، بأن نصرفها في عبادته ومعرفته، ~~وستزول وتتخلف عنا عن قريب، بل النعم الداخلية البدنية كالنعم المالية ~~الخارجية في كونها مبائنة لأرواحنا، خارجة عن ذواتنا، عارية في تصرفنا، ~~إلا أن بعضها نعمة طبيعية متصلة بالبدن موجودة له، وبعضها نعمة خارجة ~~عن البدن مبائنة له كما للروح، وسيهلك البدن ويفنى كل ما عليه وفيه من ~~القوى والآلات والمشاعر، وتبقى الروح وحيدة منفردة عنه عائدة إلى ربها ~~إما شاكرة وإما كافرة. # قوله عز وجل: { فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم ~~أجر كبير } أي: جزاء عظيم وثواب جسيم، لا تكدره آفة ولا ينقصه ~~زوال، وإنما يكون كذلك، لان كمال الإنسان منوط بالعلم والعمل، لتتزين ~~ذاته العقلية بالمعارف الحقة والإلهيات، وتتخلص نفسه العملية عن التعلق ~~بالشهوات المؤذيات، باقتناء الفضائل، والاجتناب عن الرذائل، ولا شك أن ~~أفضل المعارف: معرفة الحق الأول وصفاته وأفعاله وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر، وهي المعني بالإيمان، وأفضل الأعمال المزكية للقلب: الإنفاق ~~للمال الذي هو الوسيلة إلى جميع اللذات الحيوانية والشهوات البهيمية. # ويمكن أن يكون الإيمان كناية عن العلوم الحقة الحقيقية مطلقا، والإنفاق ~~كناية عن الزهد في الدنيا مطلقا، إذ بهذين الأمرين، يطير القلب بجناحيه ~~إلى حظائر القدس، ولعل في قوله تعالى: لهم أجر كبير، إيماء إلى أن أجر ~~الآخرة جزاء لازم وثمرة ضرورية مترتبة على اقتناء الملكات العلمية ~~والعملية، بحيث لا يحتاج حصولها إلى جعل مستأنف وتأثير جديد، كما أشير ~~إليه بقوله: # وإن الدين لواقع # [الذاريات:6]، يعني أن الجزاء لازم، كما أن الآلام والعقوبات الأخروية ~~لواحق ضرورية لفعل المعاصي والشهوات، الموجبة لرداءة الأخلاق والملكات، ~~كما يدل عليه قوله تعالى: # سيجزيهم وصفهم # [الأنعام:139]، # وإن جهنم لمحيطة بالكافرين # [التوبة:49]. ### || [57.8] # قرأ أبو عمرو: ms1697 " أخذ " بضم الهمزة، و " ميثاقكم " بالرفع، والباقون ~~بصيغة المعلوم، ونصب " ميثاقكم " على المفعولية، والضمير يعود إلى الله ~~تعالى، وجملة: " لا تؤمنون " حال من معنى الفعل في " مالكم ". # حاصله: وما تصنعون كفارا بالله - مع وضوح البراهين على وحدانيته -، ~~والحال ان الرسول يدعوكم للايمان بقواطع الحجج والبينات، ويتلو عليكم ~~الكتاب الناطق والآيات المبينات؟ ففي الكلام حالان متداخلان. # وقرئ: ومالكم لا تؤمنون بالله ورسوله والرسول يدعوكم، أي. وأي عذر لكم ~~في ترككم الاعتقاد بوحدانية المبعود، وما أتى به النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وقد أقيمت البراهين على ما تؤمرون به سمعا وعقلا؟ # أما الأول: فلأن الرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم، والعقل السليم عن ~~الأمراض، والآفات النفسانية، مجبول على الاعتقاد بصدق قوله، بما أظهره ~~الله على يده من المعجزات التي هي خارجة عن طوق البشر. # وأما الثاني: فلنهوض البراهين القاطعة الدالة على الإيمان بالله ~~والرسول، وكون الغريزة الإنسانية مرتكز فيها التصديق بحقائق مفطورة ~~عليها، كما أشار إليه بقوله تعالى: وقد أخذ ميثاقكم. # والحاصل أنه: أي عذر لكم في ترك الإيمان بعد ما أزيحت عنكم العلل، ~~وأوضحت لكم السبل، بما ركب فيكم من غرائز العقول، ونصب لكم من دعوة ~~الرسول المؤيدة بالدلائل والآيات التي ينبه لكم بها على الإيمان بمن هو ~~ربكم، دون من هو مربوب مثلكم؟ إن كنتم مؤمنين -، أي ممن يهمكم التصديق ~~بما يقوم البرهان الواضح على صحته، فقد قام ذلك عقلا وسمعا، وهما فطرة ~~العقول ودعوة الرسول. # هذا إذا جعل خطابا للمشركين، فإن جعل خطابا للمؤمنين فمعناه: أي سبب ~~يزيلكم عن الإيمان، والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى الثبات عليه، وقد ~~أخذ هو عليه ميثاقكم إن كنتم مؤمنين موقنين بشرائط الإيمان؟ وهو كقوله: # يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من ~~الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم ~~كافرين * وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ~~آيات الله وفيكم رسوله # [آل عمران:100] وعلى التأويل الأول، أخذ الميثاق من الله على عباده هو ~~ميثاق الخلقة، وقيل هو أخذ ميثاق الذرية. # مكاشفة # يحتمل أن يكون معنى قوله تعالى: إن ms1698 كنتم مؤمنين: إن كنتم ممن تتمشى منه ~~المعرفة والإيقان، لا من الذين انحطت درجتهم عن هذا وقيل فيهم: أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا، ولا من الذين طبع على قلوبهم فهم لا ~~يفقهون، فالبراهين والدلائل العقلية والسمعية ليست نافعة في حق الأشقياء ~~الناقصين بحسب الفطرة، لامتناع قبولهم للهداية لعدم استعدادهم رأسا، ولا ~~لأهل الجحود والإنكار، لزوال استعدادهم ومسخهم وطمسهم بالكلية لفساد ~~اعتقادهم، فهم أهل الخلود في النار إلا ما شاء الله. # فالخطاب في هذه الآية، إما لأهل الفضل والثواب، سواء كانوا من المقربين ~~والسابقين، أو من أصحاب اليمين، على تفاوت طبقاتهم، أو كانوا من أهل ~~الرحمة الباقين على سلامة نفوسهم وصفاء قلوبهم، المتبوئين درجات الجنة ~~على حسب استعداداتهم من فضل ربهم، لا على حسب كمالاتهم من ميراث عملهم، ~~أو كانوا من أهل العفو الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، سواء كان ~~العفو عنهم لقوة اعتقادهم وعدم رسوخ سيئاتهم، أو لمكان توبتهم عنها ~~وإنابتهم إلى الله - فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات -. # أو لأجل نجاتهم من الجحيم بعد أن زال عنهم درن ما كسبوا من السيئات، ~~كالسبيكة من الذهب التي تخرج من النار خالصة، وهم أهل العدل والعقاب، ~~والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا، لكن الرحمة الإلهية ~~تتداركهم وتنالهم بالآخرة. ### || [57.9] # وقرئ: " لرؤف ". # لما حث سبحانه المكلفين على المعرفة بالله وملكوته من جهة ما ركب فيهم ~~من فطرة العقول، وقرع أسماعهم من دعوة الرسول، أخبر بأنه لزمت دعوته ~~وقبولكم إياها لما أيده الله به من المعجزات البينة التي أظهرها على ~~يديه، أو الآيات الفرقانية خاصة، ليخرجكم الله سبحانه بواسطة تلك الآيات ~~من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والمعرفة. # أو ليخرجكم الرسول بدعوته، أو ليخرجكم المنزل بما فيه من الحجج المنيرة ~~والبراهين الواضحة. # وإن الله بكم لرؤوف رحيم -، حيث بعث الرسول ونصب الأدلة، وهذا يدل على ~~كمال الرأفة والرحمة، وللاشعار به اقترن الكلام بوجوه من التأكيد: منها ~~الجمع بين لفظين مترادفين، وقيل: " الرأفة ": النعمة على المضرور، و " ~~الرحمة " النعمة على ms1699 المحتاج. # قيل: في هذه الآية دلالة على بطلان قول المجبرة، فإنه بين أن الغرض في ~~إنزال القرآن الإيمان به. # اقول: تحقيق هذا المقام يحتاج إلى طور آخر من اقتناص المعارف غير ما ~~أكب عليه علماء الكلام، لكن يجب على كل عاقل متفكر، أن يفرق بين الغاية ~~الأخيرة والمتوسطة، وكذا بين الغاية بمعنى الداعي وما يسمى بالضروري الذي ~~يلزم الفعل من غير أن يكون داعيا إليه، كقوله تعالى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص:8]. # مكاشفة # إعلم أن الله تعالى، كما ينزل على أشرف رسله محمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) آيات بينات ليخرج الناس من ظلمة الغباوة والغواية إلى نور ~~الدراية والهداية، فما من عبد من عباده المهتدين، إلا ويأتيه من قبله ~~تعالى إشارات وتنبيهات، وتنزل منه على قلبه أنوار متتاليات ليخرج بها من ~~ظلمة الحجب الدنيوية إلى نور المعارف الأخروية، ولكن الناس أكثرهم ~~غافلون عنها لاشتغالهم بما يلهيهم عن ذكر الله، وينسيهم امر الآخرة، فلا ~~يبعد أن تكون هذه الآية بيانا لأخذ الميثاق المذكور في الآية المتقدمة، ~~فإن الله سبحانه خلق عباده على فطرة التجرد والنقاء عن علائق الأجرام، ~~والتقدس والصفاء عن كدورات الآثام، والتهيؤ لقبول دعوة الحق والإلهام ~~واستعداد الترقي بواسطة العلم والعمل إلى أرفع المنازل في دار السلام، ثم ~~إذا أنشأهم في هذه الحياة الدنيا، رباهم واكملهم وأعطاهم العقل والتميز، ~~وبعث إليهم الرسول مؤيدا بالمعجزات، فلا يزال ينزل على قلوبهم آيات ~~بينات من أنوار معرفته، ويفتح عليهم أبوابا من فنون رحمته وهدايته، ~~ليهديهم إلى صراط مستقيم، ويخرجهم من ظلمات الجحيم إلى أنوار النعيم. # وإنما ينسي الناس ذكر مواثيقهم الجبلية مع الحق، وعهودهم الذاتية مع ~~سكان ملكوته، وسائر ما كانوا مفطورين عليه بطهارة ذواتهم المخمرة بيد ~~القدرة أربعين صباحا، واستعدادهم للمعرفة واليقين، تعلقاتهم بمشاغل ~~الكون لضرورة حياتهم الدنيوية، ويشغلهم عما يرد على قلوبهم من أنوار ~~المعارف باطنا وظاهرا، ويلهيهم عن ألطاف الحق الواصلة إليهم داخلا ~~وخارجا، ارتكابهم الخطيئات، واقترافهم السيئات المبعدة لهم عن جوار ~~الله وقربه، لان ms1700 المعاصي تعمي أبصارهم، وتصم أسماعهم عن إدراك أنوار ~~الحق وإلهاماته، فأعرضوا بها عن ذكر الله وسماع آياته البينات، واشتغلوا ~~بما يلهيهم به الشيطان عما يلهمهم به الرحمان، لقوله تعالى: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف:36]. # وتمام التحقيق في هذا المرام، أن قلب الإنسان ذو وجهين: # وجه إلى عالم الملكوت - وهو عالم المعرفة، وعالم الآخرة، وعالم الإلهام ~~-، ووجه إلى عالم الحس - وهو عالم الجهل وعالم الدنيا وعالم الوسواس -، ~~ثم إن الخواطر التي ترد على قلبه وتبعثه على الأفعال والحركات إما أن ~~تنبعث من الجنبة العالية وتدعوه إلى الخير - كالعبادة والمعرفة -، أو ~~تنبعث من الجنبة السافلة وتدعوه إلى الشر، - كالمعصية والغفلة -، فهما ~~خاطران مختلفان، فافتقر إلى اسمين مختلفين - أيضا - وهما حادثان، ~~فاحتاجا إلى سبببين مختلفين، لان اختلاف المعاليل الحادثة يدل على اختلاف ~~عللها القريبة، وان كان المؤثر في فيضان الوجود مطلقا هو الله لبراءته ~~عن شوائب الإمكان والدثور. # فسبب الخاطر الداعي إلى الخير، يسمى في عرف الشريعة " ملكا " ، وذلك ~~الخاطر " إلهاما " ، وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى " شيطانا " ، ~~والخاطر " وسوسة ". والله تعالى خالق كل شيء، فخلق الملائكة لصفة رحمته ~~ولطفه، وخلق الشياطين لصفة قهره وغضبه، وكما أن الجنة أثر من آثار رحمته ~~ونور من أنوار لطفه ورأفته، فكذلك النار أثر من آثار غضبه وشعلة من شعل ~~قهره، فالإنسان متى اشتغل بعبادة ربه ومعرفة خالقه، انخرط في سلك رحمته ~~ودخل في زمرة الملكوتيين، ومهما اشتغل بالمعاصي والشهوات ومتابعة الهوى ~~والشيطان، استعد لمقته وغضبه، وعد من جملة الشياطين، فالإلهامات من ~~جانب الحق بواسطة الملك لعباده الصالحين، في مقابلة الوساوس من جانب ~~الشيطان. # وإنما يسلط الشيطان على قلب ابن آدم بواسطة " الخذلان " الحاصل له من ~~مخالفته الحق، والعصيان، وإلا فليس له في ذاته هذا التسلط على الإنسان، ~~وإنما يدفع كيده عنه بواسطة " التوفيق " الذي يجلبه الإنسان بفعل الطاعة ~~والعبادة، فإذا زال كيده ودفع وسواسه عن القلب، استعد لقبول الإلهامات ~~الداعية إلى الخير والنور، الصارفة له عن الشرور والظلمات، فأهل ms1701 الرحمة ~~مآلهم إلى الجنة والنعيم، وأهل السخط مآلهم إلى النار والجحيم، وكل جنس ~~يحن إلى جنسه، وكل طائر يطير إلى عشه الأصلي ومعدنه الفطري، إما من جهة ~~التوفيق والهداية، أو من جهة السخط والخذلان، والكل بمشية الله وقدرته. # وقوله سبحانه: هو الذي ينزل على عبده آيات بينات - يمكن أن يكون إشارة ~~إلى الواردات التي ترد من جانب الرحمن على قلوب السالكين من عباده بواسطة ~~ملائكة الرحمة، من الإلهامات والمعارف الحقة الواضحة لديهم أنها من جانب ~~الحق. # وقوله: { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } ~~[الحديد:9] -، إشارة إلى ثمرة هذه الألطاف والأنعام في حقهم وفي حق ~~غيرهم، إذ بها تنتقل النفوس الإنسانية من القوة الهيولانية الظلمانية إلى ~~العقل بالفعل المتنور بأنوار المعرفة والإيمان بالله وآياته واليوم ~~الآخر، أو من ظلمات الصفات الشيطانية إلى أنوار الأخلاق الملكية، أو ~~الجمع بينهما ليكون بها للعبد الخروج من القوة إلى الفعل بحسب كلتا قوتيه ~~- العلمية والعملية -. # وكما أن الإنسان، بالتأمل في أسرار معرفة الله وسماع آيات ملكوته، ~~والتفكر في امر الآخرة يخرج من ظلمات الجهل والنقصان إلى نور المعرفة ~~والكمال، فكذلك في ارتكاب شهوات الدنيا، ومتابعة الهوى والشيطان، يخرج من ~~نور الإدراكات الحسية إلى ظلمات العمى والحرمان عن مشتهيات الدنيا، لفقد ~~(لفتور - ن) الآلات عند الفساد والبطلان، ويدل عليه قوله تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات # [البقرة:257]. والله أعلم بأسرار كلامه. ### || [57.10] # قرأ القراء سوى ابن عامر: " وكلا وعد الله " بالنصب على المفعولية ~~لأنه بمنزلة " زيدا وعدت خيرا ". وقرأ ابن عامر: وكل وعد الله. ~~بالرفع، محتجا بأن الفعل إذا تقدم عليه مفعوله لم يقو عمله فيه قوته ~~إذا تأخر، والدليل أن من قال: " زيد ضربت " وزيد بحسب المعنى مفعول ضربت، ~~فإذا تأخر المفعول فوقع بعد الفاعل يتغير إعرابه نصبا، فكذلك قوله ~~تعالى: { وكلا وعد الله الحسنى } يكون على إرادة " الهاء ~~" وحذفها كما يحذف من الصفات والصلات. # وأما معناه: فقد حث سبحانه على الإنفاق الذي ms1702 هو من الأعمال الحسنة ~~الجامعة لتكميل الشخص وتهذيبه من ذمائم الأخلاق المنوطة لمحبة الأمر ~~الفاني مع مصلحة النوع، إذ بالإنفاق ينتشر ما به ينتفع الناس ويصرف في ~~وجوه المصالح كأهبة المجاهدين وغيرها ليستحفظ به الشريعة، فقال: وما لكم ~~ألا تنفقوا - أي: في أن لا تنفقوا - في سبيل الله -، أي: أي شيء لكم ~~في ترك الإنفاق في طريق الحق والجهاد في سبيله مع كونه خيرا نافعا لكم ~~ولغيركم، والحال أن المال في معرض الزوال عمن بيده عن قريب، إما بهلاك ~~أحدهما، أو كليهما في نفسه عن الآخر. - ولله ميراث - كل موجود - في ~~السموات والأرض. إذ الكل يفنى وهو يبقى، فالله يرث كل شيء فيهما من مال ~~وغيره، فما أقبح للعاقل أن يبخل بمال يكون عارية بيده من غيره، وسينتقل ~~إليه، وهو يأمره بالإنفاق الذي فيه صلاح له ولغيره، فالآية من أعظم الحث ~~وأبلغ البعث على الإنفاق في سبيله. # ثم بين سبحانه مراتب المنفقين في الفضيلة والأجر، وتفاوت درجاتهم بحسب ~~الإنفاق في سبيله فقال: - لا يستوى منكم من أنفق - من قبل فتح مكة وشوكة ~~الإسلام، وكثرة أهله وقوتهم، وقلة الحاجة إلى القتال ونفقة المقاتلين، ~~ومن أنفق من بعد الفتح. وحذف لوضوح دلالة الكلام عليه، وقرئ: " قبل ~~الفتح ". # أولئك - أي: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين أنفقوا قبل ~~الفتح وجاهدوا في سبيل الله - أعظم درجة - عنده - من الذين أنفقوا - بعد ~~الفتح، ثم سوى بين الجميع في الوعد ومطلق الخير والمثوبة الحسنى، وهي ~~الجنة، مع التفاضل في الرتب والدرجات. # والله سبحانه - لكونه عالما، لا يخفى عليه شيء من الدقيق والجليل، خبير ~~بما تعملون من إنفاقكم وجهادكم، بصير بموازين الأفعال والأعمال ومراتب ~~فضلها بحسب الصعوبة والمشقة، ودرجات شرفها بحسب النية والبصيرة والإخلاص ~~والسريرة. # مكاشفة # واعلم أنه كما تتفاوت درجات المؤمنين بحسب أعمالهم البدنية، وأفعالهم ~~الظاهرية، قبل انتشار نور الإسلام وظهور عزه وقوة أهله ودخول الناس في ~~دين الله أفواجا، وبعده، كذلك تتفاوت درجات أهل الله وأولياء معرفته، ~~بحسب سلوكهم الباطني، وسفرهم إلى شهود معرفة الله، ms1703 ومهاجرتهم عن موطن ~~النفس ابتغاء لوجه الله، ومجاهدتهم مع أعداء الله وأولياء الطاغوت ~~تقربا إلى الحق بحسب معارفهم وعلومهم الاعتقادية الحاصلة قبل المكاشفة، ~~فإن من كانت اعتقاداته حقة مطابقة لنفس الأمر، وعمل بموجباتها من الإنفاق ~~والزهد والجهاد في سبيل الله، قبل كشف الغطاء ومعاينة الحقائق الدينية ~~بالموت الإرادي، فهو أعظم جلالة وأجل مرتبة من الذين زهدوا في الدنيا ~~وجاهدوا مع النفس والهوى بعد ذلك. # إذ الإنسان لو لم يكن مؤيدا من قبل الله تعالى بتأييد قدسي ومدد سماوي، ~~لما كان حاله في ترك المشتهيات ومقاومة القوى النفسانية ومجاهدة الوساوس ~~الشيطانية قبل كشف الغطاء وفتح مملكة البدن من يدي القوى الأمارة، كحاله ~~بعد ذلك، إذ الزهد الحقيقي والورع عن محارم الله، صعب على الإنسان وقت ~~الاحتجاب، واما عند ظهور الحقائق معاينة فليس كذلك. # ويحتمل أن يكون في الآية إشارة إلى تفاوت درجات القوى التي للإنسان، ~~وتفاضل بعضها عن بعض بحسب الصفاء والكدورة، والقرب من عالم القدس والبعد ~~عنه، فإن في العالم الصغير الإنساني خلائق مختلفة، وقوى متعددة، بعضها ~~ملكية شبيهة بضرب من الملائكة، وبعضها شيطانية شبيهة بضرب من الشياطين، ~~وبعضها شهوية كالبهائم، وبعضها غضبية كالسباع. والجميع خلقت لتكون ~~مطيعة لأمر الله، مسخرة للقوة العاقلة، وهي مكلفة بالمجاهدة مع هذه ~~القوى الجسمية الشهوية، والغضبية، والوهمية الفاسقة والظالمة والكافرة، ~~ودفع معارضتها ومنازعتها مع القوة العقلية التي هي من أولياء الله إذا ~~كملت بالعلم والعمل، وإنما انبعثت من جانب الله لتسخير قواها وإرجاعها عن ~~متابعة الطاغوت إلى متابعة الحق وعودها بالمجاهدة من عالم الغرور إلى ~~عالم النور، ومن معدن الكذب إلى مقعد الصدق. # والقوة العقلية التي أرسلت وجاءت من عالم الملكوت مبعوثة على عالم البدن ~~وجنوده وقواه مأمورة من قبل الله تعالى بمعاداة الشيطان ومطاردة حزبه ~~وجنوده، لقوله تعالى: # يأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور * ~~إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر:5 - 6]. # فالإنسان بالقوة العقلية مأمور باتخاذ الشيطان وحزبه ms1704 عدوا له، ~~وبالمناقضة معها والمغالبة عليها، ولا يمكن الغلبة عليها إلا بتسخير ~~القوى، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب، وكل واجب مأمور به ~~ولو تبعا. # فالقوة العقلية مأمورة من قبل الله بتسخير القوى البدنية، وفتح هذه ~~البلدة المحرمة التي هي فيها بجنود لم تروها، من الأخلاق السليمة ~~والصفات الملكية الحاصلة بتأييده سبحانه وإمداده في بعض الآدميين، وبجنود ~~منقادة لها من عالم الجسم والبدن، وهي التي ليست مزاحمة للقوة العقلية ~~بعناية الله ولطفه، لتتسلط على المملكة والجنود، فتصير القوى في جميع ~~أوامرها وزواجرها طائعات، ولسلوك سبيل الله مستتبعات بعدما كانت عائقات، ~~وتلك الأخلاق الحسنة كقوة الذكاء، وسرعة التفكر، والجود، والكرم، والعزم، ~~والصبر الجميل، والتوكل وغيرها مما تتفاوت وتتفاضل في الشرف بحسب أنواعها ~~المختلفة بالحقيقة واشخاصها المختلفة بالمحل، وفي المطاوعة والمتابعة ~~لرئيسها وخليفة الله عليها في أرض البدن، فلا تزال المطاردة والمقاتلة ~~بين جنود الملائكة وجنود الشياطين قائمة في معركة النفس الإنسانية، إلى ~~أن تنفتح المملكة الآدمية لأحدهما فيستوطن فيها ويطرد الأخرى ويخرجها عن ~~البلدة بحيث لا يكون لها الدخول فيها إلا اجتيازا. # واكثر النفوس مما قد فتح مملكتها البدنية وسخرها جنود الشيطان وملوكها، ~~فامتلأت بالوساوس الداعية إلى إيثار العاجلة واطراح الآخرة، وقليل منها ~~قد استولت فيها القوة العاقلة على القوى الشيطانية وسخرتها، فأسلمت ~~وأطاعت كلمة الله وأمره، وأجابت دعوة الحق وانخرطت مع ساير القوى المسلمة ~~المطيعة طاعة رئيسها المطلق ومخدومها بأمر الحق. # والنفس الإنسانية لصفائها ولطافتها صالحة بحسب أصل الفطرة لقبول آثار ~~الملكية والشيطانية لتقلبها في النشآت وتطورها بالأطوار وتلونها ~~بالألوان المختلفة، كالإناء الزجاجي اللطيف الذي يتلون بلون ما فيه. # كيف، ولو لم يكن لها من اللطافة وقبول الأثر ما يقبل كل صورة وينتقش بكل ~~نقش، لم تقبل آثار الملكية، ولم تنتقش فيها صور الحقائق الإلهية، فهي في ~~أول الفطرة تصلح للآثار الحقة والباطلة - صلاحا متساويا -، وإنما يترجح ~~أحد الجانبين على الآخر باتباع الهوى والشهوات، والإعراض عنها. # فإن اتبع الإنسان مقتضى شهوته وغضبه، ظهر تسليط الشيطان بواسطة اتباع ms1705 ~~الهوى والشهوات بالأوهام والخيالات الفاسدة الكاذبة، فصارت المملكة إقطاع ~~[أقطار - ن] الشيطان، وصار القلب عشه ومسكنه، والهوى مرتعه ومرعاه ~~لمناسبة ما بينهما. # وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه، وقابل بصفوف جنود الملائكة صفوف ~~جنود الشياطين، فتقابل الصفان، وتقاتل الجندان، وتدافع الحزبان، فدفع كل ~~من حزب الله ما يقابله من حزب الشيطان، فبقوة البرهان اليقيني بوجود ~~النشأة الباقية، عارض الأوهام الكاذبة والظنون الباطلة الداعية إلى ~~الشهوات، والركون إلى زخارف الدنيا، والإخلاد إلى أرض البدن، والاقتصار ~~على هذه النشأة الزائلة، وبقوة الصبر عارض الهوى، وبقوة الخوف عن سوء ~~العاقبة عارض الأمن من مكر الله، وبقوة الرجاء عارض القنوط من رحمة ~~الله، وبالعزيمة طرد الكسل. # وهكذا يدفع بكل جند من جنود الرحمن جندا يقابله من جنود الشيطان، حتى ~~ينفتح للقوة العاقلة أول بيت وضع للناس للذي ببكة الصدر، وأول معبد ~~ومسجد وضع للقلب الحقيقي بمكة الصدر المعنوي الذي هو مزدحم القوى ~~المتوجهة إليه، وهذا هو المسجد الحرام دخوله على القوى المشركة ~~الطبيعية الدهرية لقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا # [التوبة:28] خطابا للقوة الدراكة، # إنما المشركون # [التوبة:28] من القوى الطبيعية، # نجس # [التوبة:28] لمباشرتها الأرجاس البدنية والقاذورات بالإحالة والهضم ~~والنقل من موضع إلى موضع # فلا يقربوا المسجد الحرام # [التوبة:28] وهو معبد (مسجد) القلب المتنور بنور المعرفة والإخلاص، # بعد عامهم هذا # [التوبة:28]، أي: عام الفتح وزمانه # وإن خفتم # [التوبة:28] من منعها عن الدخول فيه # عيلة # [التوبة:28] من عدم الفعل الغاذية وغيرها، # فسوف يغنيكم الله من فضله إن شآء # [التوبة:28] بأن يحصل لكم التقوت بالمعرفة والاستغراق في شهوده بحيث لم ~~يبق لكم كثير حاجة إلى فعل هذه القوى كما يحصل لأهل الله. # ولقوله تعالى: # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين ~~على أنفسهم بالكفر # [التوبة:17] لكونهم جسمانية، والتجرد شرط الإيمان والمعرفة # أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون * ~~إنما يعمر مساجد الله # [التوبة:17 - 18] بالمعرفة والعبودية # من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة # [التوبة:18] أي ذكر الله # وآتى الزكاة # [التوبة:18] أي من الأجساد التي في تصرفه فيزكيها ms1706 بتحليلها بالرياضات ~~والعبادات في سبيل المعرفة # ولم يخش إلا الله # [التوبة:18] لكونه عالما به، وإنما يخشى الله من عباده العلماء # فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين # [التوبة:18] إلى طريق الآخرة وعالم القدس # أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام # [التوبة:19] اللتان هما فعل الغاذية والنامية، إذ القوى الطائفة بكعبة ~~البيت الحرام في مسجد الصدر، إنما تتقوت من فعل الغاذية، وجسمية هذا ~~المسجد إنما يتعمر بفعل النامية # كمن آمن بالله واليوم الآخر # [التوبة:19] وهي القوة العقلية # وجاهد في سبيل الله # [التوبة:19] بمعارضتها ومصادمتها للواهمة ووساوسها الشيطانية # لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين # [التوبة:19] # الذين آمنوا وهاجروا # [التوبة:20] من موطن الجسمية إلى عالم التجرد والملكوت، # وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم # [التوبة:20] من المواد البدنية والقوى المحمولة لها، # أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون* ~~يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ~~لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيهآ أبدا إن ~~الله عنده أجر عظيم # [التوبة:20 - 22]. # وكما أنه قد يستعين المجاهدون في مجاهدة طائفة من الكفار بطائفة أخرى ~~منهم، كذلك في مجاهدة النفس يقع نظيره، كما يدفع الإنسان ثورة (سورة) ~~الشهوة بالغضب، فإن بالغضب تنكسر الشهوة، كما ينهزم الخنزير من النمر، ~~فالحكيم تارة يكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه، ومرة يدفع ضراوة ~~هذا الكلب بتسليط الخنزير عليه، ليجعل الكل مقهورا تحت سياسته، ~~منخرطا في سلك عباد الله المسلمين، ويظهر العدل في مملكة البدن، ويجري ~~الكل على الصراط المستقيم. # إذا تحقق ما ذكرناه فنقول: إن القوة العاقلة - التي هي خليفة الله في ~~مملكة البدن - إذا غلبت بجنودها الذين هم من حزب الله، - كالمعرفة ~~والتقوى والذكاء والصبر وغيرها -، على القوة الوهمية وجنودها وخدامها ~~الذين هم من جنود الشيطان في أول الأمر، وزمان الجاهلية الأولى، وصارت ~~مسلمة بيدها مقهورة تحتها، إذا جاء نصر الله والفتح إياها، ودخلت سائر ~~القوى في دين الله - الذي هو طريق معرفة الحق والعمل بمقتضاها - أفواجا، ~~عند هذا الفتح المعنوي الذي هو عبارة عن مشاهدة حقائق هذه الأشياء كما ~~هي، ms1707 فبعض هذه القوى منذ صحبت القوة العاقلة قبل حصول الكشف والشهود، كانت ~~مطيعة لأمر الله، خادمة للقوة العاقلة، مؤتمرة بأوامرها، منتهية ~~بنواهيها، منفقة لمادتها البدنية ومحللة لرطوباتها الدماغية الحاملة لها ~~في طريق التفكر في آيات الله وسبيل ملكوته، والمجاهدة مع كفرة الأوهام ~~الكاذبة الفاسدة. # وبعضها كانت عاصية إياها بعد، متمردة عن أوامرها ونواهيها. # فكل قوة أسلمت وأطاعت أمر الله، وأنفقت في طريق المعرفة ما تحمله من ~~المواد الجسمية، وجاهدت في سبيل الله، وعارضت الكفرة والظلمة والفسقة ~~تقربا إلى طاعة الحق قبل الولادة المعنوية والولاة الحقيقية، فهي أعظم ~~أجرا وأجل رتبة من سائر القوى، وأقربها إلى أفق المجردات النورية، وكل ~~من هذه الجنود والقوى له استحقاق الحسنى من عند الله، والمثوبة، إذا ~~أسلمت وصارت مسخرة للقوة العاقلة، ثابتة في طاعتها لأمر الله، ومشايعتها ~~إياها في السلوك إليه تعالى، واستنارتها بنور المعرفة واهتدائها بهداها. # فإن قلت: هذه القوى الجسمانية قائمة بهذه المادة العنصرية، فهي داثرة ~~هالكة غير باقية بعد خراب البدن، فأنى تكون لها المثوبة والسعادة؟ # قلت: هذه القوى البدنية الداثرة - ادراكية كانت الحواس، أو تحريكية - ~~كالشهوة والغضب، كلها آثار وظلال للقوى والمشاعر التي هي في ذات القوة ~~العاقلة، فإن لها في ذاتها بصرا وسمعا وذوقا وشما ولمسا - من دون ~~الحاجة إلى البدن -، وكذا لها في ذاتها محبة وقهرا وقبضا وبسطا، ويدا ~~معنوية، وجارحة روحانية، وهذه بمنزلة المعلومات والآثار لتلك، وكما إن ~~الحواس البدنية كلها ترجع إلى حاسة واحدة - هي الحس المشترك -، فجميع ~~حواس النفس ترجع إلى قوة واحدة - هي قوتها النظرية التي تشاهد بها ~~المعقولات، وتتصرف فيها، وتحضرها عند العقل بقدرتها التي لها في ذاتها من ~~دون البدن -. # ألا ترى أن الإنسان في حالة النوم - والتي هي شبيهة لحالة الموت في ~~تعطل الحواس البدنية -، يبصر ويسمع ويذوق ويلمس ويتحرك، مع أن حواسه ~~الظاهرة وكثيرا من قواها العلمية معطلة عن الإدراك والأفاعيل؟. # فللنفس الإنسانية قوى وخدم في ذاتها، وجنود معنوية وآلات روحانية باقية ~~معها في النشأة الأخروية. # وكما أن لها في الدنيا ms1708 صورا وأشكالا وهيآت تناسبها، فكذلك تحشر يوم ~~القيامة وتظهر بصور وهيآت مناسبة لصفاتها وأعمالها، حين يشهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. ### || [57.11] # قرئ: فيضعفه، وقرئا منصوبين على جواب الاستفهام، وبالرفع عطفا على " ~~يقرض " ، أو على الخبرية، أي: فهو يضاعفه. # قد شبه تعالى الإنفاق في سبيله بالقرض الحسن، فأطلق هذا اللفظ عليه ~~مجازا لعلاقة المشابهة من إعطاء شيء وأخذ شيء لغرض الإحسان. # - فيضاعفه له - أي: يعطيه الله أجره على إنفاقه مضاعفا بأضعاف من رحمته ~~وجوده، وله أجر كريم في نفسه وقد ضم إليه الأضعاف. # مكاشفة # القرض الحسن عند أهل الله والعرفاء، أن ينفق الإنسان في طريق معرفة ~~الله وسبيل ملكوته والتفكر في آيات جبروته، مواده الدماغية، وأرواحه ~~النفسانية، وقواه الطبيعية، التي هي أعز نقود هذه البلدة وأجناسها، ~~ليعوض عنها ويحصل في قلبه من نفائس الأثمار المعنوية، وشرائف نقود ~~المعارف الإلهية التي بها يصير الإنسان من أكابر الآخرة وأغنيائها، ~~فائقا على الأشباه والأقران، متخلصا من سجن الحسرة والحرمان، وفاقة ~~الجهل والنقصان. # فالله تعالى حيث هيأ أسباب المعرفة والعبادة للناس، سيما ذوي البصائر ~~والأكياس، فكأنه أراد منهم هذا القرض الحسن، بتضعيف أجرهم، وأخبر أن هذا ~~الأجر كريم في نفسه، لأن المعارف الربانية جليلة عظيمة، لأن شرف العلم ~~وكرامته بنسبة شرف المعلوم وكرامته، وليس في الوجود ما هو أكرم وأشرف من ~~ذات المعبود وصفاته وأسمائه وأفعاله، فالسعي في طريقة وصوله، والإنفاق في ~~ابتغاء وجهه، يكون شريفا كريما أيضا، لأن وسيلة الشيء مناسبة له. ### || [57.12] # الظرف متعلق بقوله: وله أجر كريم. أو منصوب بتقدير " أذكر " ، تعظيما ~~لذلك اليوم. فعلى الأول معناه: يصل هذا الأجر الكريم إليهم يوم القيامة، ~~- وهو يوم يسعى للمؤمنين نورهم بين أيديهم وبأيمانهم إلى الجنة، فإن ~~الطريق إلى جنة المقربين إنما يكون على الوجه الأول -، لأنها عقلية ~~واقعة في سلسلة الأسباب المؤدية إلى وجود الإنسان، يسلكها العالم ~~الرباني مرتقيا إليها بأنوار المعارف العقلية - وإلى جنة السعداء على ~~الوجه الثاني -، لأنها جسمانية واقعة في السلسلة العرضية المعلولية، ~~فيتوجه ms1709 إليها أهل النسك والصلاح وأصحاب اليمين، منعطفا إليها بنور ~~العبادة وقوة الأعمال الحسنة، ولهذا المعنى قيل: - اليمين طريق الجنة -. # وقد صرح بعض أهل الكشف والعرفان، بأن البرزخ الذي تكون الأرواح فيها بعد ~~المفارقة من النشأة الدنيوية، هو غير البرزخ الذي بين الأرواح المجردة ~~والأجسام، لان تنزلات الوجود ومعارجه دورية، لكنهما يشتركان في كونهما ~~عالما نورانيا وموطنا ملكوتيا، فالسعداء مطلقا يؤتون صحائف أعمالهم ~~من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم. # وقوله: { بشراكم } اليوم؛ بمنزلة حال، أي: يسعى نورهم حين يقول لهم ~~الملائكة الذين يتلقونهم: { بشراكم اليوم } ، وهؤلاء الملائكة ~~المبشرون بالجنات مختلفو الدرجات في القرب إليه تعالى حسب تفاوت منازل ~~أهل الجنان في التقديس والخلوص، مع اتفاقهم في حصول الحقائق وصورها ~~الحسان، فالجميع { جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم } أي: الخلاص عن كل ~~مرهوب، والظفر بكل محبوب، فإن كل واحد من أهل الجنان له ما يشتهيه وتصل ~~إليه همته، إلا أن الهمم متفاوتة حسب تفاوت الأحوال. # قال ابن عباس رضي الله عنه: " هذا النور يكون على الصراط ". وقيل: " في ~~عرصة القيامة ". ولا نور هنالك إلا نور الإيمان والطاعة، وكل يعطى ~~نورا على قدر علمه (عمله). # مكاشفة # هذا النور المشار إليه في هذه الآية، هو نور المعرفة واليقين، فإن النفس ~~الإنسانية من عالم النور والمعرفة، لكنها بسبب التعلق بعالم الأجسام ~~الكثيفة صارت ظلمانية محجوبة عن الإدراكات، فإذا ارتاضت ذاتها بالرياضات ~~الدينية والأعمال الشرعية من الأفكار والأذكار والعبادات، وخرجت من مرتبة ~~القوى الهيولانية إلى مرتبة الفعلية، حصل لها العقل المستفاد، وهو نور ~~يستضيء ويضيء في المعاد، فصار نورا على نور. وهذا النور العارض، إنما ~~يقذف في قلب المؤمن من عالم الملكوت، بسبب اكتساب العقليات واليقينيات ~~عند تصوره الخير الحقيقي، أو بسبب اكتساب الاعتقادات المحمودة والظنون ~~الحسنة عند تصوره الخير المظنون. # فالأول: نور عقلي يختص بالمقربين، يسعى بين أيديهم، ويصعد بهم إلى جوار ~~الله وجنات المعارف العقلية التي قيل في وصفها: " ما لا عين رأت ~~ولا ms1710 أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ". # والنور الآخر: نور يختص بغيرهم من السعداء، يسعى بأيمانهم ويذهب بهم إلى ~~جنات جسمانية منورة غاية ما يتصور فيها لهم وفي حقهم من الصفاء والنورية ~~والضياء. واشراق نور كل أحد بقدر قوة معرفته وإيمانه، ولهذا وقع في ~~الأخبار: " إن أنوار الأخيار والأبرار مختلفة في الإضاءة والآثار ". # قال قتادة: " ان المؤمن يضيء له نوره كما بين عدن إلى صنعاء ودون ذلك، ~~حتى أن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه ". # وقال عبد الله بن مسعود: " ويؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من نوره ~~مثل الجبل، وأدناهم نورا نوره على قدر أبهام قدميه فيضيء مرة وينطفئ ~~أخرى فإذا أضاء قدمه مشى وإذا انطفأ قام ". # ولما كانت الحركة والإدراك متلازمين لقوله تعالى: # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق:21]، فالأول: إشارة إلى قوة التحريك، والثاني: إشارة إلى قوة ~~الإدراك. ثم لكل إدراك حركة تناسبه، فمرورهم على الصراط على قدر نور ~~إيمانهم، ومن كان نوره كالشمس، كان مروره كطرف العين، ومن كان نوره دون ~~ذلك، كان مروره على قدره، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم كالسحاب، ومنهم ~~كانقضاض الكواكب، ومنهم من يمر كشد الفرس، والذي أعطي نورا على أبهام ~~قدمه، يحبو على وجهه ويديه ورجليه يجر يدا ويعلق أخرى، ويجر رجلا ~~ويعلق أخرى، وتصيب جوانبه النار، فلا يزال كذلك حتى يخلص، وبهذا يقاس ~~تفاوت الناس في المعارف. # ولذلك جاء في الخبر: # " أنه تعالى يخرج يوم القيامة من النار من في قلبه مثقال ذرة من ~~الإيمان، ونصف مثقال وربع مثقال، وشعيرة وذرة " # كل ذلك تنبيه على تفاوت درجات الإيمان بحسب قوة اليقين وإشراقه، وسرعة ~~التفطن والتحدس بحقائقه وأسراره، وأن هذه المقادير من الإيمان لا تمنع من ~~دخول النار. # وقال بعض العلماء في مفهوم هذا الخبر: " إن من إيمانه يزيد على مثقال ~~فإنه لا يدخل النار، إذ لو دخل لأمر باخراجه أولا، وان من في قلبه مثقال ~~ذرة لا يستحق الخلود في النار وإن دخلها ". # وقوله تعالى: ms1711 # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران:139]، تفضيل للمؤمن العارف على المسلم، وهو المقلد مع سلامة ~~قلبه عن النفاق. # وأما قوله تعالى: # يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات # [المجادلة:11]، فأراد هاهنا " بالذين آمنوا "؛ الذين صدقوا تقليدا من ~~غير علم برهاني أو كشفي، وميزهم عن الذين أوتوا العلم. ويدل ذلك على أن ~~اسم المؤمن يقع على المقلد - وإن لم يكن تصديقه على بصيرة وكشف -. # وفسر ابن عباس قوله تعالى: # والذين أوتوا العلم درجات # [المجادلة:11] قال: يرفع العالم فوق المؤمن بسبعمأة درجة بين كل درجتين ~~منها ما بين السماء والأرض. # وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " أكثر أهل الجنة البله. وعليون لذوي الألباب ". # وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " فضل العالم على العابد كفضلي على رجل من أصحابي " # وفي كتاب الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: # " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فضل العالم على العابد ~~كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر ". # فهذه الشواهد يتضح بها تفاوت درجات أهل الجنان بحسب تفاوت قلوبهم في ~~الإشراق والكدورة. # وملخص القول: ان اكتساب العلوم الحقة، وفعل الحسنات في الدنيا، ينتجان ~~تقرر الأخلاق والملكات، ورسوخ المعارف والاعتقادات، والمعرفة إذ اشتدت ~~صارت مشاهدة عند رفع الحجب بالموت، فمشاهدة كل أحد بقدر معرفته، وهي ~~المراد من النور، إلا أن المعارف اليقينية الدائمة العقلية البرهانية ~~الربانية تورث المشاهدات والمكاشفات العقلية في جنة الكاملين في العلم، ~~والمعارف الظنية الخيالية تورث المشاهدات الجسمانية في جنة أصحاب ~~اليمين، والصور الحسان التي فيها إنما هي بمنزلة تماثيل وعلامات لما في ~~تلك الجنات العلى، لأن العوالم متطابقة والنشآت متوافقة مع تفاضلها في ~~الشرف والرتبة، لقوله تعالى: # وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا # [الإسراء:21]. ### || [57.13-15] # قرأ حمزة: " انظرونا " ، بقطع الهمزة وفتحها وكسر الظاء، من " ~~النظرة " ، وهي: الإمهال. أطلق على الإيطاد والتبطي في المشي إلى أن ~~يدرك المتأخر المتقدم. وقرأ الباقون: " انظرونا " بهمزة الوصلة ~~المضمومة، أي: انتظرونا، لأنهم كالبروق الخاطفة مسروع بهم على ركاب تذف، ~~وهؤلاء مشاة حفاة بطيئو ms1712 السير، أو انظروا إلينا لنستقبلكم بوجوهكم ~~فنستضيء بكم، لأن النور قدامهم فيحصل الاقتباس من نورهم عند المواجهة. # وقرأ أبو جعفر وابن عامر ويعقوب: " لا تؤخذ منكم " بالتاء لتأنيث ~~الفاعل، وقرأ الباقون بالياء، للفصل الواقع بين الفعل والفاعل، ولأن ~~التأنيث غير حقيقي. # وقرئ: " الغرور " بضم الغين، معناه الاغترار - بتقدير المضاف، أي ~~وغرتكم بالله سلامة الاغترار، أي سلامة حالكم مع اغتراركم. # وقال الزجاج: الغرور: كل ما غر من متاع الدنيا. # وقوله: " يقول " بدل: من: " يوم ترى " ، يعني: ذلك اليوم، يوم يقول أهل ~~النفاق للذين آمنوا ظاهرا وباطنا: " انظرونا نستضيء بنوركم ونبصر ~~الطريق فنتخلص من هذه الظلمات " ، لان المنافقين إذا خرجوا من قبورهم ~~اختلطوا فيمشون في نورهم، فيسرع المؤمنون بقوة إيمانهم، فيتباعد ~~المنافقون عنهم بالتخلف، فيقطع أثر نورهم عنهم. # قيل ارجعوا وراءكم: القائل: إما المؤمنون، أو الملائكة الهادون لهم. ~~ارجعوا إلى الموقف خلفكم فالتمسوا هنالك النور حيث أعطيناه، فمن ثم ~~يقتبس ويحمل، فيرجعون فلا يجدون نورا لظنهم أنهم أخذوا النور من موضع ~~هناك، ولا يعلمون أن هذا النور يكتسب في الدنيا بتحصيل سببه - وهو ~~الإيمان -، بل هذا النور وهو نفس الإيمان والمعرفة ليظهر إشراقه عند ~~القيامة. وقولهم: " ارجعوا " ، توبيخ في صورة الأمر، لاستحالة هذا الرجوع ~~أو التناسخ. أو أمر بمعنى: تنحوا عنا خائبين، فالتمسوا نورا آخر فلا ~~سبيل لكم إلى هذا النور. وهو إقناط وتخييب لهم، لأنهم يعلمون أن لا نور ~~وراءهم، ويحتمل أن تكون للمنافقين مرتبة ضعيفة من النور غير كافية للمشي ~~إلى الجنة وهم يدعون الزيادة، فوقع المنع لهم من المؤمنين: أن ليس لكم ~~إلا ما اكتسبتم من خلفكم - أي الدنيا - فارجعوا من هذا الاطلاع على ما ~~وراءكم فالتمسوا نورا من عملكم واكتفوا به ضرورة، فيكون امرا تحقيقا. # فضرب بينهم - أي بين الفريقين - بسور: والباء مزيدة - أي حجاب حائل بين ~~شق الجنة وشق النار. وقيل: هو حائط بين الجنة والنار. وقيل: هو الأعراف. # له باب - أي: لذلك السور باب، وقيل: أي طريق لاهل الجنة يدخلون إليها. ~~باطن السور أو الباب الذي ms1713 يلي الجنة، فيه الرحمة، وظاهره الذي يظهر لاهل ~~النار - من قبله - أي من عنده ومن جهته، العذاب، وهو الظلمة والنار. # ينادونهم - أي: ينادى المنافقون المؤمنين: ألم نكن معكم في الدنيا ~~والمنازل والمساجد نصلي كما تصلون ونصوم كما تصومون - بناء على أنهم ~~وافقوا المؤمنين في الأعمال الظاهرة من الصلاة والصيام وغير ذلك - قالوا ~~بلى كنتم معنا في ظواهر الأعمال دون بواطن النيات والمعارف - ولكنكم ~~فتنتم أنفسكم - أي محنتموها بالنفاق وأهلكتموها. وقيل أثمتم، وتربصتم - ~~أي: انتظرتم بالمؤمنين الدوائر، أو بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~كما قالوا: # نتربص به ريب المنون # [الطور:30]. وقيل دافعتم الأوقات بالإيمان بالله ورسوله على الإخلاص. ~~وقيل: أخرتم التوبة، - وارتبتم - أي: شككتم في حقيقة الإسلام. أو في ~~البعث، - وغرتكم الأماني - الكاذبة والآمال الطويلة، - حتى جاء أمر الله ~~- وهو الموت وما بعده. - وغركم بالله الغرور - أي: الشيطان، بأن الله ~~لا يعذبكم لأنه غفور كريم، ولم يفقهوا أن منشأ العذاب خسة جوهرهم وقبح ~~سريرتهم، أو الاغترار والطمع في الدرجات الأخروية من غير سبق عمل، كما ~~حكى الله عن بعضهم: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف:36]. # - فاليوم لا يؤخذ منكم فدية - أي: ما يفتدى به، - ولا من المعلنين ~~بالكفر، - هي موليكم -، أي هي أولى بكم، كما في قول لبيد: # فغدت كلا الفرجين تحسب أنه # مولى المخافة خلفها وأمامها # أو: هي ناصركم، أي: لا ناصر لكم سواها. والمراد نفي الناصر على القطع. ~~ومن هذا القبيل قوله تعالى: # يغاثوا بمآء كالمهل # [الكهف:29]، ونحو قول العلماء: الحق تعالى موجود لذاته بذاته في ذاته. ~~أي: لا لغيره ولا بغيره ولا في غيره. # وقيل: تتولاكم كما توليتم في الدنيا وأعمال أهل النار. # مكاشفة # إعلم أن الدرجات الأخروية ودركاتها تتوزع على الحسنات والسيئات، فإن ~~مبادئ أحوال الآخرة أحوال الدنيا، لأن الدنيا عبارة عن حالتك قبل الموت، ~~والآخرة عبارة عن حالتك بعد الموت، وقدومك إلى الله، فدنياك وآخرتك ~~صفاتك وأحوالك، يسمى الداني منها " دنيا " ، والمتأخر " آخرة " ، وهما ~~من جنس المضاف، يعرف مفهوم كل منهما مع ms1714 الآخر، والانتقال من الأولى إلى ~~الأخرى كالانتقال من المحسوس إلى المعلوم، ولهذا المعنى قيل: " من ~~فقد حسا فقد علما ". # فالآخرة نشأة علمية، وكما أن في هذا اليوم المعلوم غائب، والمحسوس ~~حاضر، ففي يوم الآخرة على عكس ذلك، يتجلى الغائب ويخفى الظاهر، لأنها # يوم تبلى السرآئر # [الطارق:9]، ونحن الآن نتكلم في هذه النشأة الدنيا الحسية من النشأة ~~الأخرى العلمية، ولا يتصور شرح النشأة العلمية لمن هو في عالم المحسوس - ~~من حيث هو في عالم المحسوس - إلا بمثال، فإن من تفطن بالعقليات فهو ~~إنما يعقلها من حيث كونه في عالم المعقول، كما قال الله تعالى: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # [العنكبوت:43]. # وما ذاك لأن هذا العالم نوم بالإضافة إلى ذلك العالم، كما قال (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): # " الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا ". # وما سيكون في اليقظة لا يتبين في النوم إلا بضرب الأمثال المحوجة إلى ~~التعبير، وكذا ما سيكون في يقظة الآخرة، لا يتبين في نوم الدنيا إلا في ~~كسوة الأمثال على طرز ما يثبت في علم التعبير، فإن التعبير من أوله إلى ~~آخره أمثلة، فيعرفك ممارسة ذلك العلم طريق ضرب الأمثال. # وليس للأنبياء (عليهم السلام) أن يتكلموا مع الخلق إلا بضرب ~~الأمثال، لأنهم كلفوا أن يكلموا الناس على قدر عقولهم لأنهم في حالة ~~النوم، والنائم لا يكشف له شيء إلا بمثل، فإذا ماتوا انتبهوا وعرفوا ~~أن المثل صادق. # وإنما يعنى بالمثل أداء المعنى في صورة إن نظر إلى معناه وجد ~~صادقا، وإن نظر إلى صورته وجد كاذبا. # فإذا تقرر هذا فنقول: هذه الآية مثال يوضح به سوء عاقبة حال أهل النفاق، ~~ووخامة مآل المغرورين من الجهال، المتشبهين بأصحاب الكمال، فإنهم ~~باشتغالهم بظواهر الأعمال الحسنة الممدوحة عند الجمهور - كمدارسة العلوم ~~وفعل الطاعات -، ظنوا أنفسهم علماء أخيارا، وهم مع ذلك من الحمقى ~~الأشرار، وهم عند أنفسهم من المقربين، وفي نفس الأمر من الفجار ~~المنافقين، والله يشهد أنهم لكاذبون. # وذلك لأنهم لم يراقبوا قلوبهم، ولم يهذبوا أعمالهم من الأغراض الدنيوية ms1715 ~~والشهوانية، فإذا انكشف الغطاء، وارتفع الاشتباه والمغالطة، ظهر أن ~~قلوبهم من أنوار المعرفة خلاء، وأيديهم من آثار الهداية صفر، وهم في ظلمة ~~الجهل والاغترار مغروقون، وفي مضائق عالم الجهل محبوسون، لا ينكشف لهم من ~~طريق الحق موضع قدم لفقد نور البصيرة عنهم أصلا، ولا في باطنهم قوة ~~السلوك إليه رأسا. # وذلك لعدم قصد منهم وتوجه لهم شطر الحق خالصا، أما الإدراك: فلم ~~يدركوا إلا اعتقادات موروثة تعصبية مبتنية على أغراض نفسانية، فرسخت في ~~قلوبهم وصارت مسامير مؤكدة، لان طبائعهم كانت أليفة إليها في مبادئ ~~النشوء أنيسة بها، وقد أخذوها من معلميهم بحسن الظن في أول التعاليم، ~~فصارت حجابا لهم عن إدراك الحقائق الحقة، فبقوا في ظلمة شديدة ولا أوحش ~~منها. # وأما العمل: فإنه فرع العلم، فمتى لم يكن المعبود في التصور معبودا ~~حقا، لم تكن العبادة له عبادة للحق، فلم ينتج ذهابا إليه وقربانا منه. # فنقول: قوله سبحانه: انظرونا نقتبس من نوركم - مثال لحال بعض ~~المتشبهين بالعلماء من أهل الظاهر، حيث انتبه قليلا في آخر أمره عند ~~خمود حرارة الشهوات والأغراض الدنيوية، وانطفاء أنوار الحواس، وفتور ~~القوى، على فقدان نور المعرفة، وبرد اليقين في قلبه، ومع ذلك مغرور من ~~جهة أنه يظن أنه بأدنى اشتغال إلى التعلم، وطلب استفاضة أنوار المعارف من ~~حامليها من المعلمين على الحقيقة، يصير ذا علم ومعرفة ونور عقلي، ~~فيتوجه نحو المؤمنين حقيقة والعلماء حقا، فيخاطبهم ويأمرهم بالتوجه ~~إليه والإلتفات نحوه قائلا: انظرونا نقتبس من نوركم - ظنا منه أن ذلك ~~منة عليهم، لأنه من جملة المعتبرين عند نفسه وعند بعض الحمقى الجاهلين. # فالعلماء حقا، لحسن إرشادهم وغاية إشفاقهم على أمثاله من الناقصين، ~~يهدونهم طريق السلوك إلى الحق، ويرشدونهم إلى كيفية استفاضة المعارف ~~قائلين: إن لكل مسألة من المسائل الإلهية والأسرار الناموسية مبادئ ~~ومقدمات، لا يمكن التفطن إلى تلك المسألة إلا بعد تفطنها، سواء كان ~~بحدس وحركة سريعة - كما هي طريقة الأنبياء والأولياء وذوي الأبصار -، أو ~~بفكر وحركة بطيئة - كما هي طريقة العلماء والنظار وأولي الاعتبار -، ~~وقبل ms1716 الخوض في العقليات واستحصالها، يجب الاشتغال بعلم اللغة، والنحو، ~~والصرف، وعلم الأخلاق، وعلم الحلال والحرام، ومن لم يحصل شيئا منها على ~~وجهه مع نية صادقة واخلاص في العمل، لا يمكنه الدخول في فقه الأسرار ~~وعلم الأنوار، لقوله تعالى: # وأتوا البيوت من أبوابها # [البقرة:189] فقوله تعالى: # قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا # [الحديد:13]، إشارة إلى هذا الحال. # ومن هذا القبيل، ما حكاه الله سبحانه عن حال الجاهلين المغرورين من ~~أصحاب النار، وامتناع استفاضتهم المعارف من المعلمين والرؤساء الذين هم ~~من أصحاب الجنة بقوله سبحانه: # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا ~~علينا من المآء أو مما رزقكم الله # [الأعراف:50]، أي من ماء المعارف الإلهية التي تكون بها الحياة الأخروية ~~العقلية، أو شيء من سائر العلوم العقلية التي رزقها الله للعلماء مزيدا ~~لكمالهم وحالهم: # قالوا إن الله حرمهما على الكافرين * الذين ~~اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة ~~الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم ~~هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون # [الأعراف:50 - 51]. # ومثال هذه الحكاية: أن رجلا شيخا من الجهال كان بليدا في أصل ~~الفطرة، فاشتغل في أيام عمره بشيء من العلوم التي لا تسمن ولا تغني، ثم ~~تصدى للأمور الدنيوية كالقضاء وتولية الأوقاف وغيرهما من الأعمال التي ~~يتقلدها المتشبهين بأهل العلم في أكثر الأزمان - من غير استئهال -، وهذا ~~الشيخ الجاهل البليد، لم يتعلم أيضا من المقدمات شيئا يعول عليه في ~~اكتساب العلوم اليقينية، ولم يمارس المقاصد الإلهية أصلا، فيقول لعالم ~~رباني ارتاضت نفسه بفنون من العلوم العقلية وغيرها: " أفض على قلبي ~~دقائق علومك الإلهية " ، فيقول: " إن الله حرمه على الجاهلين ". # معناه: ان الاستعداد لقبوله، إنما يكتسب بذكاء أصلي وممارسة طويلة، بعد ~~تعلم ما يتوقف عليه من العلوم الأدبية وغيرها، مع اخلاص في النيات، ~~وتنزه عن الفحشاء والمنكر والبغي - من الأغراض الشهوية والغضبية ~~والشيطانية -، وإذا بطل الاستعداد وفاتت المناسبة الأصلية فاستحالت ~~الاستفاضة وحرمت، كما يستحيل إفاضة العلوم العقلية على أجسام البهائم ~~والسباع التي لا شغل لها سوى طاعة الشهوة والغضب التي أمرت نفوسها، لأن ~~الناطقة ms1717 التي خدمت القوة الشهوية، منزلتها منزلة أبدان البهائم المطيعة ~~لنفوسها، بل أنزل منها رتبة - كما بيناه في تفسير قوله تعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف:179]. # وأما قوله تعالى: فضرب بينهم بسور له باب - إلى آخره -؛ فهو مثال ~~لصورة الشريعة الحقة التي ظاهرها حصن يحرس الناس عن المقاصد والأعمال ~~القبيحة، والعقائد الباطلة، ومن تطرق إغواء المضلين والشياطين من أهل ~~البدع والمذاهب الجاهلية. وباطنها أسرار حقة وأنوار محضة، بها يصل العبد ~~إلى رحمة الله ورضوانه، فالشريعة سوط الله بها يسوق عباده إلى رضوانه، ~~فمن نظر إلى صورة السوط الذي هو لأجل تأديب المستعدين، لم ير منه إلا ~~أنه عذاب اليم، ومن نظر إلى الغرض المكمون في باطنه يعلم أنه محض الشفقة. # وكذا من اغتر بظواهر الشريعة من غير تدبر في أسرارها وبواطنها، لم ير ~~فيها إلا تعب الجوارح ورياضة الجسد الموجب لظلمة الإعياء، لا سير الفكر ~~الموجب لزيادة النور في قلوب العقلاء، فيثقل عليه حملها والعمل بها، لعدم ~~اطلاعه على المقصود منها. # أو لا ترى إلى الصلاة # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # [البقرة:45] فإنها قرة عيونهم، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): # " جعل قرة عيني في الصلاة ". # ظاهرش برتن لئيمان بند # باطنش بردل حكيمان بند # وأما قوله تعالى: { ألم نكن معكم } [الحديد:14]: حكاية لحال ~~المنافقين المغترين بأعمالهم التي توافق أعمال المستبصرين في الصورة، ~~إلا أنها كانت مشحونة بأنواع الأغراض الشيطانية والشرك الخفي، من طلب ~~الجاه والمنزلة عند الناس، والتفوق على أهل الله بسبب التقرب إلى ~~الظلمة والأمراء، وتعجبهم من تخلفهم عن مراتب الرجال، وسلوكهم طريق ~~الضلال مع توافقهم مع هؤلاء في الأفعال والأعمال. # وقوله تعالى: { قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم ~~} [الحديد:14] - إلى آخر الآية - كشف فضائحهم، وإيضاح أحوالهم، وهتك ~~أستارهم، لان الآخرة يوم الحساب ويوم تبلى السرائر. أي: جعلتم أنفسكم ~~بسبب مباشرة تلك الأعمال ممتحنة بفنون الأغراض الدنيوية والمحن الشديدة ~~حالا أو مآلا، كل ذلك طلبا للجاه الوهمي وتهالكا على الترأس الخيالي ~~والتبسط في البلاد، والشهرة عند العباد، ms1718 وتربصتم الفساد والهلاك - ولو ~~ضميرا - لمن خالفكم ولم يصدقكم في آرائكم الباطلة، ولم يمكنكم في طلب ~~الترفع وإن كانوا على الحق، وأضمرتم النفاق والفساد لأهل الحكمة ~~والمعرفة - وهم المؤمنون حقا -، وشككتم في دينكم منذ كنتم لتصادم ~~الشكوك وتعارض الأدلة التي لا يخلص منها إلا المخلصون - وهم على خطر ~~عظيم وخوف ووجل شديد - وغرتكم الآمال التي منشؤها ظواهر الأعمال، وغركم ~~بالله الشيطان، وشركه وحبائله وخدعه وغروره، أكثرها يعتري المنتسبين إلى ~~العلوم الدينية من غير تهذيب الباطن - عصمنا الله وإخواننا الصالحين ~~حيثما كانوا -. # وعلى ما ذكر يكون شديد المناسبة إليه. ### || [57.16] # قرأ نافع: " وما نزل " خفيفة الزاي. والباقون بالتشديد. فعلى الأول يكون ~~المرفوع ضميرا عائدا إلى الموصول، وعلى الثاني هو عائد إلى الله، ~~والعائد إلى الموصول ضمير منصوب محذوف من الصلة. # وقرأ رويس: " ولا تكونوا " بالتاء على الالتفات، أو على النهي عن مماثلة ~~أهل الكتاب في قسوة القلوب. والباقون بالياء عطفا على " تخشع ". # ألم يأن - من " أنى الأمر يأني ": إذا جاء أناه، أي وقته. و " الخشوع ~~": لين القلب والانقياد للحق، ومثله " الخضوع ". و " القسوة ": غلظ القلب ~~بالجفاء عن قبول الحق. و " الحق ": ما دعا إليه العقل السليم من الأمراض ~~النفسانية، وهو الذي من عمل به نجا، ومن عمل بخلافه هلك. # وهذه الآية قيل: إنها نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة. وقيل: إنها ~~نزلت في المؤمنين. # قال ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع ~~سنين، فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضا. # وعن ابن عباس: ان الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة ~~من نزول القرآن بهذه الآية. # وعن الحسن: أما والله لقد استبطأهم الله وهم يقرؤون من القرآن أقل مما ~~تقرؤون، فانظروا في طول ما قرأتم منه، وما ظهر فيكم من الفسق. # وقيل: كانت الصحابة بمكة مجدبين، فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ~~سنين، فتغيروا عما كانوا عليه، وينبغي للمؤمن أن يزداد يقينا وإخلاصا ~~في طول صحبة الكتاب. # والمعنى: أما حان للمؤمنين - أي المنتسبين إلى الإيمان - أن ms1719 تخشع ~~قلوبهم وترق لذكر الله - مما يذكرهم الله وصفاته وأفعاله، وكيفية كونه ~~مبدأ للعباد ومعادا لهم يوم الميعاد، وما نزل من الحق من الآيات ~~والنذر القرآنية؟، والمراد من الخشوع لها: خشية القلوب عند ذكر الله، ~~وتقوي إيمانهم عند تلاوة آياته، كقوله: # إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا # [الأنفال:2]. # ومن شدد فالمراد ما نزله الله من المعارف الحقة. # ولا يكونوا - كأهل الكتاب الذين كانوا في العهد الأول فطال عليهم الأمد، ~~أي: الزمان بينهم وبين نبيهم، أو الأمد للجزاء - أي: لم يعاجلوا ~~بالعقوبة أو مجيء القيامة. وقرئ: " أمد " أي الوقت الأطول، فاغتروا ~~بذلك، فقست قلوبهم - أي: غلظت وجفت، - وكثير منهم فاسقون - خارجون عن ~~دينهم، متمرنون على المعاصي، معتادون بها، فكانوا بحيث لا ينفعهم نصح ~~الأنبياء، ولا ينجع معهم وعظ الواعظين، ومن لا ينفعه في الدنيا نصح ~~الناصحين، لا تنفعه في الآخرة شفاعة الشافعين، فلا تكونوا مثهلم فيحكم ~~الله فيكم بمثل ما حكم فيهم. # مكاشفة # ينبغي أن يكون هذا الخطاب متوجها إلى جماعة مخصوصين من أهل الإيمان ~~ومعالم الدين، لم يوجد منهم خشوع فحثوا على الرقة، كما يدل عليه ~~قوله تعالى: ألم يأن. أي أما حان وقت الخشوع منهم فكيف فعله؟ ففي الآية ~~تنبيه عظيم وإشعار بليغ على قبح سير أولئك المخصوصين، وفساد بواطنهم ~~وقسوة قلوبهم، حيث نهوا عن مماثلة إليهود والنصارى الذين كانوا أغلظ ~~الناس قلبا، وأسوأهم ضميرا وأظلمهم باطنا في قسوة القلوب بعد أن ~~وبخوا، وذلك لما نقل أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين ~~مشتهياتهم، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم، فلما ~~طال عليهم الزمان، غلب عليهم الجفاء والقسوة فاختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا ~~من التحريف وغيره. # وأكثر من وردت التشديدات العظيمة في حقهم في القرآن والحديث هم علماء ~~السوء الذين كان قصدهم من الاطلاع على معالم الدين وتعلم مناهج الشرع ~~المبين التنعم بالدنيا والتوسل إلى الجاه والمنزلة عند ذويها وبنيها، ~~فدلت الأخبار والآثار من المصطفين الأخيار، وشهدت بصائر أصحاب ~~الاستبصار، وأنوار ضمائر ms1720 أرباب الفكر والمتفكرين في مراتب الصنع والإيجاد ~~الفائضة عن الله القهار، على أن أشد الأشرار عذابا في النار هم علماء ~~السوء الذين تكون ظواهرهم الأخيار وبواطنهم بواطن الكفار. # وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): # " إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ". # والسر في ذلك، أنهم يريدون أن يتوسلوا بأشرف الأشياء - وهو العلم ~~بالله وأحكامه - إلى أخس الأشياء - وهو الجاه المنزلة في الدنيا، ~~والتفاخر بما فيها، والركون إلى زخارفها، والإخلاد إلى الأرض -. وهذه ~~أمور وهمية باطلة كما قال الله تعالى # وما هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ولعب وإن ~~الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون # [العنكبوت:64]. # وقال: # أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر ~~بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث ~~أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ~~ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد # [الحديد:20]. فقد مثل الله تعالى الدنيا وشهواتها في كثير من آيات ~~القرآن بأمور وهمية باطلة تغتر بها نفوس الجاهلين والناقصين، كما في ~~قوله تعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا # [النور:39]. فويل لمن يعد نفسه من العلماء وهو في الحقيقة من الحمقى ~~الجاهلين المغترين بلوامع السراب، الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ~~وغرتهم الحياة الدنيا. فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله. # ومثل الله تعالى في القرآن بلعم بن باعورا - وكان عالما فاجرا أخلد ~~إلى الشهوات -، بالكلب حيث قال سبحانه: # واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ ~~منها # [الأعراف:175] حتى قال: # فمثله كمثل الكلب # [الأعراف:176]، في الإخلاد إلى الشهوات، سواء أوتي الحكمة أو لم يؤت، ~~فهو مصر فيها، مخلد إليها. # وقيل: مثل علماء السوء مثل قناة الحش ظاهرها خضر وباطنها نتن، ومثل ~~قبور الكفرة والظلمة، ظاهرها عامر وباطنها اللعنة والعذاب. # همجو كور كافران بيرون حلل # وز درون قهر خدا عز وجل # وقد قيل: أقل درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخستها وكدورتها ~~وزوالها وانصرامها، وعظم أمر الآخرة ودوامها وصفاء نعيمها وجلالة ملكها، ~~ويعلم أنهما متضادان ms1721 متفاسدان، مهما صلحت إحداهما فسدت الأخرى، وإنهما ~~كالضرتين مهما ارتضيت إحداهما أسخطت الأخرى، فإن من لم يعلم حقارة ~~الدنيا وكدورتها، وانصرام ما يصفو منها بحسب الوهم، فهو فاسد العقل، فكيف ~~يعد من لا عقل له من العلماء؟ ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة ودوامها فهو ~~كافر مسلوب الإيمان، فكيف يكون من لا إيمان له من العلماء؟ ومن لا يعلم ~~مضادة الدنيا للآخرة وأن الجمع بينهما مستحيل فهو جاهل بشريعة الأنبياء ~~كلهم - صلوات الله عليهم أجمعين - بل كافر بالقرآن من أوله إلى آخره، ~~فكيف يعد من زمرة العلماء؟ ومن علم هذا كله ثم يؤثر الدنيا على ~~الآخرة، فهو جاهل أسير شيطان قد أهلكته شهوته وغلبت عليه شقوته، فكيف ~~يعد من أحزاب العلماء من هذه درجته في الخسة؟ # فهذا دليل واضح على أن من آثر الدنيا على الآخرة فهو مغرور، وقد ركب ~~فيه جهل الجهال وفتنة الدجال. # وكتب رجل إلى أخ له: " إنك قد أوتيت علما فلا تطفئن نور علمك ~~بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم ". # وقال عيسى (عليه السلام): " كيف يكون من أهل العلم، من مسيره إلى آخرته ~~وهو مقبل على دنياه "! # وقال صالح بن كيسان البصري: " أدركت الشيوخ وهم يتعوذون بالله من الفاجر ~~العالم بالسنة ". # وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: # " أوحى الله إلى بعض الأنبياء: " قل للذين يتفقهون لغير الدين، ~~ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون للناس جلود ~~الكباش، وقلوبهم قلوب الذئاب، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من ~~الصبر: إياي يخادعون، وبي يستهزؤون، لأفتحن لهم فتنة تذر الحكيم ~~حيرانا " ". # وإليه أشار قوله تعالى: # يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم مرض فزادهم ~~الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون # [البقرة:9 - 10]. # وقوله تعالى: # الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم ~~يعمهون* أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين # [البقرة:15 - 16]. # وفي طريق أهل البيت (عليهم السلام): أحاديث كثيرة ms1722 في ذم علماء الدنيا ~~المعرضين عن الآخرة. # منها: ما رواه الشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الكافي بسنده ~~عن سليم بن قيس، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " منهومان لا يشبعان - طالب دنيا وطالب علم - فمن اقتصر من الدنيا على ~~ما أحل الله له سلم، ومن تناولها من غير حلها هلك، إلا أن يثوب أو ~~يراجع، ومن أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه نجى، ومن أراد به الدنيا فهي ~~حظه ". # وعن أبي عبد الله (ع): من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في ~~الآخرة نصيب. # وعنه (ع) قال: إذا رأيتم العالم محبا لدنياه فاتهموه على دينكم، فإن ~~كل محب لشيء يحوط ما أحب. # وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أوحى الله إلى داود (ع): لا تجعل ~~بيني وبينك عالما مفتونا فيصدك عن طريق محبتي، فإن أولئك قطاع طريق ~~عبادي المريدين، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من ~~قلوبهم. # وعن أبي جعفر (ع) قال: من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به ~~السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوء مقعده من النار، إن الرئاسة ~~لا تصلح إلا لأهلها. # وعن علي بن إبراهيم - رفعه إلى أبي عبد الله (ع) قال: طلبة العلم ثلاثة ~~فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم: صنف يطلبه للجهل والمراء، وصنف يطلبه ~~للاستطالة والختل، وصنف يطلبه للفقه والعقل. # فصاحب الجهل والمراء مؤذ ممار، متعرض للمقال في أندية الرجال، بتذاكر ~~العلم وصفة الحلم، قد تسربل بالخشوع وتخلى من الورع، فدق الله من هذا ~~خيشومه وقطع منه حيزومه. # وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق، يستطيل على مثله من أشباهه ~~ويتواضع للأغنياء من دونه، فهو لحلوائهم هاضم، ولدينه حاطم، فأعمى الله ~~على هذا خبره، وقطع من آثار العلماء أثره. # وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر، قد تحنك في برنسه، وقام الليل ~~في حندسه، يعمل ويخشى، وجلا داعيا مشفقا، مقبلا على شأنه، ~~عارفا بأهل زمانه، مستوحشا من ms1723 أوثق إخوانه، فشد الله من هذا أركانه ~~وأعطاه يوم القيامة أمانه. # وعن الحسين الصيقل، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يقبل ~~الله عملا إلا بمعرفة ولا معرفة إلا بعمل، فمن عرف دلته المعرفة ~~على العمل، ومن لم يعمل، فلا معرفة له، إلا أن الإيمان بعضه مثل بعض. # وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) يحدث عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): - أنه قال في كلام له -: العلماء رجلان: عالم آخذ بعلمه، فهذا ~~ناج. وعالم تارك لعمله، فهذا هالك. وان أهل النار ليتأذون من ريح ~~العالم التارك لعلمه، وان أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا إلى ~~الله فاستجاب له وقبل منه، فأطاع الله فأدخله الله الجنة وأدخل الداعي ~~النار بترك علمه واتباعه الهوى وطول الأمل. # أما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة. # فهذه الأخبار تبين أن العالم الذي هو من أبناء الدنيا، أخس حالا ~~وأشد عذابا يوم القيامة من الجاهل، وأن علماء الآخرة هم الفائزون ~~المقربون، ولهم علامات: # منها: ما مر ذكرها من إعراضهم عن الدنيا وزخارفها، وزهدهم في شهواتها، ~~وإقبالهم إلى الآخرة، ورغبتهم في درجاتها ومعارفها وحقائقها. # ومنها: أن يكون أكثر اهتمامهم بالمعارف الباطنية، ومعرفة عالم الملكوت ~~والروحانيات، وأسرار المبدأ والمعاد، ومعرفة النفس الإنسانية، وكيفية ~~ارتقائها إلى الكمال، وخلاصها من النقص، وطريقها إلى الآخرة، حتى تصير ~~نفسه عالما معقولا موازيا للعالم المحسوس، مشاهدا لصورة (كمال) ~~الكل، آخذا هيئة الوجود من المبدأ الأول - إلى الترتيب الصدوري ~~النزولي منه، والعروجي إليه - وكيفية استكشاف هذه الأمور بالمجاهدة ~~والمراقبة ومباشرة العبادات والأعمال الظاهرة والباطنة، والجلوس مع الله ~~في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة، والانقطاع إلى الله عما سواه، ~~فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف، فلا تكون مزاولتهم للعلوم الشرعية ~~الظاهرة أكثر من مواظبتهم على المعارف الإلهية، بل ما لم يحيطوا بحظ وافر ~~منها لم يشتغلوا باستقصاء مسائل الحلال والحرام إلا ما هو الواجب العيني ~~بقدر ما لا بد منه - دون الواجب الكفائي الذي يقوم كل أحد فيه ms1724 مقام الآخر ~~-، وذلك لوجوب الاشتغال أولا بالأهم - والأهم: هو العلم بالله وملكوته ~~وصفاته وأفعاله وكتبه ورسله واليوم الآخر، دون العلم بأوامره ونواهيه. # كما قال الشيخ الفاضل والفقيه الكامل زين المجتهدين رحمه الله - ناقلا ~~في بعض مؤلفاته عن بعض المحققين -: العلماء ثلاثة: # عالم بالله غير عالم بأمر الله، فهو عبد استولت المعرفة الإلهية على ~~قلبه، فصار مستغرقا لمشاهدة نور الجلال والكبرياء، فلا يتفرغ لتعلم علم ~~الأحكام إلا ما لا بد منه. # وعالم بأمر الله غير عالم بالله، وهو الذي يعرف الحلال والحرام ودقائق ~~الأحكام، لكنه لا يعرف أسرار جلال الله. # وعالم بالله وبأمر الله، فهو جالس على الحد المشترك بين عالم ~~المعقولات وعالم المحسوسات، فهو تارة مع الله بالحب له، وتارة مع الخلق ~~بالشفقة والرحمة، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار معهم كواحد منهم كأنه لا ~~يعرف الله، وإذا خلا بربه. مشتغلا بذكره وخدمته، فكأنه لا يعرف الخلق. # فهذا سبيل المرسلين والصديقين، وهو المراد بقوله (عليه السلام): سائل ~~العلماء، وخالط الحكماء، وجالس الكبراء. # والمراد بقوله: " سائل العلماء " العلماء بأمر الله غير العالمين بالله، ~~فأمر بمساءلتهم عند الحاجة إلى الاستفتاء، وأما الحكماء، فهم العالمون ~~بالله الذين لا يعلمون أوامر الله، فأمر بمخالطتهم. وأما الكبراء فهم ~~العالمون بهما، فأمر بمجالستهم، لأن في مجالستهم خير الدنيا والآخرة. # ثم قال: ولكل واحد من الثلاثة ثلاث علامات: فللعالم بأمر الله: الذكر ~~باللسان دون القلب، والخوف من الخلق دون الرب، والاستحياء من الناس في ~~الظاهر ولا يستحي من الله في السر. # والعالم بالله: ذاكر، خائف. مستحي. أما الذكر: فذكر القلب لا اللسان، ~~والخوف: خوف الرجاء لا خوف المعصية، والحياء: حياء ما يخطر على القلب لا ~~حياء الظاهر. # وأما العالم بالله وأمره له ستة أشياء: الثلاثة المذكورة للعالم بالله ~~فقط مع ثلاثة اخرى: كونه جالسا على الحد المشترك بين عالم الغيب وعالم ~~الشهادة، وكونه معلما للمسلمين، وكونه حيث يحتاج الفريقان الأولان إليه ~~وهو مستغن عنهما فمثل العالم بالله وبأمر الله، كمثل الشمس لا تزيد ولا ~~تنقص، ومثل ms1725 العالم بالله فقط، كمثل القمر يكمل تارة وينقص اخرى، ومثل ~~العالم بأمر الله، كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء غيره - انتهى كلامه -. # ومنها: أن لا يكون متسرعا إلى الفتوى مشتاقا إليه، بل يكون متوقفا ~~متحرزا ما وجد إلى الخلاص سبيلا، فإن سئل عما يعلمه تحقيقا بنص ~~كتاب أو نص حديث أو إجماع أو مشاهدة باطنية جلية أفتى، وإن سئل عما شك ~~فيه قال: لا أدري، وهذا لفظ كأن علماء هذا الزمان حرموا على أنفسهم ~~التلفظ به عند الاستفتاء منهم. # وفي الخبر: أن العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة قائمة، ولا أدري. # وقيل: " من سكت حيث لا يدري لله فليس أقل أجرا ممن نطق " ، لان ~~الاعتراف بالنقص أسد على النفس، فثوابه أزيد، وهكذا كانت عادة السابقين، ~~وكان بعضهم يقول حين سئل عن الفتوى، أتريدون أن تجعلونا جسرا تعبرون ~~علينا إلى جهنم. # قال ابن مسعود: " الذي يفتي الناس لمجنون ". # ومنها: أن يكون أكثر بحثه في علم الأعمال عما يفسدها، ويشوش القلب، ~~ويهيج الوسواس، ويثيب الشرور، وذلك للتوقي عنه والاحتراز من الشر، لا ~~للمرايا والمماراة، كما أن وضع علم المغالطات في المنطق إنما هو لكي ~~يحترز الإنسان عن الغلط، لا لأن يوقع غيره في الغلط. # وأما علماء الدنيا فأكثر اهتمامهم بتتبع غرائب التفريعات في الأقضية ~~والحكومات، والتعب في استنباط الصور الدقيقة والاحتمالات البعيدة التي ~~تنقضي الدهور ولا يقع مثلها، وإن وقع كان لغيرهم لا لهم، ومع ذلك لا ~~تخلو الأرض عمن يقوم باستنباطها والشغف بتحصيلها طلبا للجاه والشهرة، ~~حسبما قدره الله وأودع في غريزة كل أحد ما يناسبه وتنتظم به أمور غيره في ~~عالمه، وما أبعد عن السعادة من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر، ~~إيثارا لخدمة الخلق وقبولهم على القرب من الله، وحضوره عنده، وتهالكا ~~على أن يسميه البطالون فاضلا عالما بالدقائق، وجزاؤه من الله تعالى ما ~~ذكره بقوله: # أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم ~~الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا ~~يزكيهم # [آل عمران:77]. # ومن علامات علماء الآخرة وأولياء الله، ms1726 ومجامع نعوتهم، أنهم منبعثون من ~~موت الجهالة، منتبهين من رقدة الغفلة، عارفين بحقائق الأشياء، مشاهدين ~~حساب يوم الدين، قوم تستوي عندهم الأماكن والأزمان، وتغاير الأمور ~~وتصاريف الأحوال، فقد صارت الأيام كلها [عندهم] عيدا واحدا، وجمعة ~~واحدة، وصارت الأماكن كلها مسجدا واحدا، والجهات كلها محرابا واحدا - ~~وذلك لخروجهم بعقولهم الصافية وأذهانهم العالية عن مطمورة عالم الزمان ~~والمكان -، وتوجهت قلوبهم شطر الحق، وتولت ذواتهم وجه الله، فصارت ~~حركاتهم كلها عبادة لله، وسكناتهم كلها طاعة له، واستوى عندهم مدح ~~المادحين وذم الذامين، لا تأخذهم في الله لومة لائم، قياما لله بالقسط، ~~شهداء لله بالحق، وهم على صلواتهم دائمون، تحققوا بقوله تعالى: # فأينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة:115]. # لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ ~~آتاكم # [الحديد:23]. # وصار دعاؤهم مستجابا، لأنهم لا يسألون إلا ما يكون، ولا يكون إلا ما قد ~~كان في سابق العلم، فقلوبهم في راحة من التعلق بالأسباب، وأرواحهم فارغة ~~من التكلف بما لا يعني، ونفوسهم ساكنة عن الوسواس، وأبدانهم في راحة من ~~أنفسهم، والناس منهم في راحة وأمان، لا يريدون لأحد سوء ولا يضمرون ~~لأحد شرا - عدوا كان أو صديقا -، وذلك لعلمهم بحقارة الدنيا وخسة ~~شركائها ودثور أهلها، وارتفاعهم عن الالتفات إلى هذا المنزل الأدنى. # كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " والله لدنياكم هذه أهون في ~~عيني من عراق خنزير في يد مجذوم ". # وقال أيضا: " ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ". # ان أردت يا حبيبي أن لا يشتبه عليك الفرق بين علماء الدنيا المغترين ~~بلامع السراب: # الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا # [الكهف:104]. وبين علماء الآخرة الناجين من عذاب يوم الحساب، الفائزين ~~بشهود رب العالمين، فتأمل فيما وصفناه، وتذكر ما ذكرناه من خواص أهل ~~الله، لتعرف منه خواص أضدادهم وأضداد خواصهم، وإن شئت زيادة التميز بين ~~هاتين الطائفتين، فتأمل في حكاية وقعت بين رجلين، أحدهما من أولياء الله ~~وعباده الصالحين الذين أنجاهم من عذاب جهنم وأعتقهم من أسرها، وأخلص ~~نفوسهم من عداوة ms1727 أهلها، وأراح قلوبهم من آلام المعذبين فيها. والآخر من ~~الهالكين المعذبين فيها بألوان (بأنواع) العذاب، المحترقة قلوبهم بحرارة ~~عداوة أهلها، المتألمة نفوسهم بعقوباتها. # قال الناحي للهالك: كيف أصبحت يا فلان؟ # قال: أصبحت في نعمة من الله، طالبا الزيادة راغبا فيها، حريصا على ~~جمعها، ناصرا لدين الله، معاديا لاعدائه، محاربا لهم. # فقال الناجي له: من أعداء الله؟ # قال: كل من خالفني في مذهبي واعتقادي. # قال: إن ظفرت بهم ماذا تفعل؟ # قال: أدعوهم إلى مذهبي ورأيي واعتقادي. # قال: فإن لم يقبلوا منك؟ # قال: أقاتلهم وأسفك دماءهم وأسبي ذراريهم. # قال: فإن لم تقدر عليهم؟ # قال: أدعو عليهم ليلا ونهارا، وألعنهم في صلاتي. # كل ذلك قربانا إلى الله تعالى. # قال الناجي: فهل تعلم أنك إذا دعوت عليهم ولعنتهم أيصيبهم شيء؟ # قال: لا أدري، ولكن إذا فعلت ما وصفت لك وجدت لقلبي راحة ولنفسي لذة، ~~ولغليل صدري شفاء. # قال له الناجي: أتدري لم ذلك؟ # قال: لا. ولكن قل أنت. # قال: لأنك مريض النفس، معذب القلب، معاقب الروح. لأن اللذة إنما هي ~~الخروج من الألم، وليس في هذا الذي ذكرته من أحوالك شيء من تصلب في ~~الدين، ولا تقوية للشرع المبين، وإنما هي خدمة لقوتك الغضبية التي ~~تسلطت عليك، وجعلت قلبك مسخرا لها في دواعيها، رهينا لمآربها ~~السبعية. وقد استهزأ بك الشيطان حيث غرك بأن هذا ترويج للدين، ~~وخدمة للشرع المبين، وبه تمن على سيد المرسلين - عليه وآله الصلاة ~~والسلام -، شبه ما حكاه الله سبحانه عن بعض المنافقين بقوله: # يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي ~~إسلامكم # [الحجرات:17]. # واعلم بأنك محبوس في طبقة من طبقات جهنم - وهي: # ومآ أدراك ما الحطمة* نار الله الموقدة * التي ~~تطلع على الأفئدة # [الهمزة:5 - 7]. وإنما تشاهد عذابها يوم القيامة عيانا، إلا أن تتقي ~~منها بالفكر الصحيح والعقل السليم، وتتخلص بنفسك من عذابها، وتنجو بقلبك ~~من عقابها إنشاء الله، كما وعد بقوله: # ثم ننجي الذين اتقوا (بمفازتهم) ونذر الظالمين ~~فيها جثيا # [مريم:72]. # ثم قال الهالك للناجي: فأخبرني أنت عن رأيك ومذهبك ms1728 وحال نفسك. # قال: نعم، أما أنا، فإني قد أصبحت في نعم الله واحسان لا يحصى عددها ~~ولا يؤدى شكرها، راضيا بما قسم لي وقدر، صابرا لأحكامه، لا أريد ~~لأحد من الخلق سوء، ولا أضمر له دغلا، ولا أنوي لهم شرا. نفسي في ~~راحة، وقلبي في فسحة، والخلق من جهتي في أمان. أسلمت لربي، مذهبي وديني ~~دين أبي إبراهيم (عليه السلام)، أقول كما قال: # فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم # [إبراهيم:36]. # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة:118]. # واعلم أيها السالك إلى جوار الله، أن أمثال هذه الآراء والاعتقادات ~~كثيرة، وأكثر هذه الجدليات مؤلمة لنفوس معتقديها ومعذبة لقلوبهم، وهو ~~جزاء لنفوسهم وعقوبة لهم في الدنيا إلى وقت معلوم وأجل معدود، وفي ~~الآخرة أشد وأدهى، وهي إذا اشتدت في الآخرة بحسب الظهور والتحقق صارت ~~نيرانا ملتهبة نزاعة للشوى، وحرقات مشتعلة فظاعة قطاعة للقلوب كما ~~أشار إليه بقوله: # فإذا جآءت الطآمة الكبرى * يوم يتذكر ~~الإنسان ما سعى * وبرزت الجحيم لمن يرى # [النازعات:34 - 36]. وقوله: # كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ~~ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر:5 - 7]. # واعلم أنه لا يصل الإنسان إلى معرفة الله على الحقيقة، إلا بعد جوازه ~~على بعض هذه الآراء الفاسدة - إما في أيام صباه أو بعد ذلك -. ثم إن الله ~~يهدي من يتقي الشرك به وينجيه منها كما وعد وقال: # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر ~~الظالمين فيها جثيا # [مريم:71 - 72]. ### || [57.17] # قيل: يحييها بالنبات بعد يبسها وجدوبتها، فكذلك يحيي قلب الكافر ~~بالهدى إلى الإيمان بعد موته بالضلال والكفر. وقيل: هذا تمثيل لأثر الذكر ~~في القلوب، وإنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض. وقيل: معناه: إن الله ~~يلين القلوب بعد قسوتها بالألطاف والتوفيقات. # قد بينا لكم الآيات -: من شواهد العقل والنقل، كالحجج الواضحات، ~~والدلائل الباهرات - لعلكم تعقلون -: فتعلمون بمقتضاها وترجعون إلى ~~العبودية التامة. # مكاشفة # إعلم أن مرجع هذه الأقوال الثلاثة إلى شيء واحد في المثال والممثل ms1729 له ~~جميعا، فإن الأرض مثال للنفس الناطقة الإنسانية، المعبر عنها بالقلب ~~الحقيقي، لتقلبها بالأحوال، لا الجسم الصنوبري الموجود في الحمير ~~والبغال، وموتها مثال لكونها هيولانية ليس فيها شيء من المعارف والعلوم ~~الحقة التي بها تستتم حقيقة الإنسان، أو بتوسطها وإعدادها يستعد للحياة ~~العقلية. # والآيات المبينة له، إشارة إلى المقدمات اليقينية التي يتوسل بها في ~~تحصيل الكمال العقلي، وهو صيرورته عقلا وعاقلا بالفعل، بتأييد من الحق ~~الأول بواسطة بعض الملائكة العلامة الفعالة للحقائق بإذنه تعالى. # وهذه الحياة العقلية هي التي وقعت الإشارة إليها بقوله: # ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل ~~أحياء # [البقرة:154]. # عند ربهم يرزقون * فرحين بمآ آتاهم الله من ~~فضله # [آل عمران:169 - 170]. وظاهر أن المراد من الحياة التي تكون عند الله، ~~هي الحياة المعنوية دون الجسمية (الحسية). # والمراد من رزق الله: أن يكون عنده رزق المعارف والعلوم التي بها تتغذى ~~وتتقوى الأرواح المقدسة، لا الأغذية الجسمية التي تنمو بها الأجسام ~~المحسوسة، كما في قوله: # ورزق ربك خير وأبقى # [طه:131]. # وإن أردت حقيقة المقال في بيان النفس الإنسانية ومراتبها في الاستكمال، ~~وبلوغها إلى حد الكمال، فعليك بمطالعة ما بيناه في معرفة النفس في كتاب ~~" المبدأ والمعاد " ، فإنها من الغوامض التي قلما يصل إليها - إلا من ~~أيده الله تعالى بنور الكشف والشهود -، ولا يذكر من علم النفس في كتب ~~الحكماء إلا قدر يسير ومرتبة نازلة منه، مناسبة لمباحث الطبيعة وأحوال ~~البدن، وذلك القدر اليسير أيضا قرة عين السالكين، وقد غفل عنه الجمهور ~~كغفلتهم عن سائر المعارف الضرورية في سلوك سبيل الحق. # ومما يجب لا أقل على كل عارف (عاقل - ن)، أن يعرف من أحوال نفسه التي ~~هي مرقاة إلى معرفة الله سبحانه، إنها جوهر ملكوتي من شأنها أن تعرف ~~ربها، ويتقرب إلى الله تعالى، ويعلم أن من الله مبدأها، والى الله ~~منتهاها، إذا سلكت طريق الحق، واكتسبت المعارف الحقيقية والعلوم، ويعلم ~~أنها غير البدن الذي أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بينهما ~~حامل العذرة، ويعلم أيضا أن ms1730 جهلها موتها وهلاكها في الآخرة، - كما ذهب ~~إليه كثير من الحكماء والعرفاء -، وان حياتها الأخروية عبارة عن وجود نور ~~مستفاد هو مبدأ للتعقلات ومنشأ لفعل الخيرات، كا ان حياتها الدنيوية ~~البدنية عبارة عن كونها منشأ الإحساس والتحريك، وهو نور يقذف من الحق ~~الأول فيها فينفعل منه كما ينفعل من نور الشمس وجه الأرض، فأشرقت بها ~~كما أشرقت الأرض بنور ربها، فعند ذلك تظهر بها الحقائق والماهيات التي ~~ليست معقولة بذاتها، كما تظهر بضوء النهار الأجسام الأرضية المظلمة ~~الذوات، المستنيرة بنور الشمس، وحينئذ يستعد للاتصال بالملأ الأعلى وعالم ~~القدس. # ولما كان كل ما يخرج من القوة إلى الفعل، ومن الموت إلى الحياة، ومن ~~الظلمات إلى النور، يخرج بسبب متوسط بينه وبين الله، لكونه تعالى في غاية ~~الوحدة والإشراق والعظمة، لا يحتمل شدة نوريته النافذة في العالم، ~~ضعفاء البصائر والأبصار إلا بمتوسط عقلاني وعالم رباني، ورسول من الحق ~~إلى الخلق - كالملائكة للأنبياء، والأنبياء للخلائق - فيجب أن يخرج هذه ~~القوة الميتة الهيولانية بشيء يكون كاملا بالذات، فعالا للمعقولات، ~~والأنوار العقلية كالشمس الفعالة للأنوار المحسوسة، وليست فيه شائبة نقص ~~وآفة وقوة إلا الإمكان الذاتي الذي هو اعتبار ما في الذهن وقد صار ~~مخفيا تحتي سطوع النور الأول الحق، بحيث يمتنع ظهوره من كتم الخفاء، ~~لتحقق هذا الجوهر العقلي بالوجود الحقاني، واتصافه بالوجود الإرتباطي، ~~ولكونه تعالى قهارا للعدم بالوجود والتحصيل، جبارا لما بالقوة بالفعل ~~والتكميل، فما يفيض منه سبحانه على سنة الإبداع، هي أوائل الموجودات ~~والماهيات في ملاحظة جماله وجلاله، لا التفات لهم إلى ذواتهم النورية ~~المنورة بنور الأول تعالى، فضلا عن غيرهم من عالم الأجسام والظلمات. # فتلك الطبقة العليا من الجواهر المفارقة، أنوار عقلية لا ظلام في ~~عالمها، وصباحات ضوائية لا ليالي لها، وإنما توجد من الطبقة التالية ~~العرضية التي هي في صف آخر من صفوف العقول والملائكة القادسة، وهم ~~الأدنون في أسافل العالم الجسماني ليال عشر، من غير التفات منها إلى ما ~~دونها، بل عند التفاتهم إلى ذواتهم المستنيرة بنور الحق الأول، المشاهدة ms1731 ~~له سبحانه، وقعت منهم ظلال الأجسام الكلية وليالي الهيوليات العشر - تسع ~~للأفلاك، وواحدة للعناصر وما يتركب منها -، وكما يفيض مما يلينا منهم ~~والأقرب بالقياس الينا هيولى هذا العالم السفلي، فكذلك يفيض منه على ~~القوابل والأراضي العقلية والحسية بما فيه من آثار رحمة الله الصور ~~والنفوس والهيآت والنقوش من كمالاتها الثانوية كما في قوله: # فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتهآ # [الروم:50]. # وكذلك تخرجون # [الروم:19]. # فمن هناك تفيض على أرواحنا العلوم الحقة والمعارف اليقينية الحاصلة ~~فيها من ذلك العالم، إذ من المتحقق أن صور جميع ما أوجده الله تعالى ~~حاصلة في عالم الجبروت على وجه مقدس، لا يشاهد بهذه العين الداثرة، فذلك ~~الفياض للعلوم والمعارف، المكمل للأرواح والنفوس، وهو المسمى ب " روح ~~القدس " ، وهو المعلم الشديد القوي، والمؤيد بإلقاء الوحي والإلهام ~~للأنبياء والأولياء الذي كتب في قلوبنا الإيمان والمعارف، إذا توجهنا شطر ~~كعبة الحق والجنبة العالية، وإذا أعرضنا عنه بالتوجه إلى مشاغل ~~الجنبة السافلة، انمحت تلك النقوش عن النفوس، كمرآة صقيلة إذا أقبلت ~~إلى النير تشعشعت، وإذا أعرضت عنه تخلت - من غير تغير في النير ~~الأعظم بل في أحوال المرآة -. # فإذا تحقق هذا المجمل الذي قد فصل في مقامه، علم علما يقينيا: ان ~~الله تعالى يحيى أراضي النفوس القابلة والعقول الهيولانية بعد موتها - أي ~~تعلقها بالبدن وغمودها في النشأة الحسية التي هي منبع الجهل والغفلة ~~والموت - بتبيين الآيات العقلية، وإفاضة المعارف اليقينية التي بها ~~تتنور نفس الإنسان وتحيى بروح المعارف، وتتخلص من موت الجهالة، وتستيقظ ~~من نوم الغفلة، وتتنبه من رقدة الطبيعة، وتصير معقولا وعاقلا بذاتها، ~~فاعلة للصور المعقولة، وإليه أشار بقوله: { لعلكم تعقلون } ~~[الحديد:17]. ### || [57.18] # قرأ ابن كثير وأبو بكر بتخفيف الصاد في اللفظين، والباقون بتشديدهما. # فمن خفف كان الكلام عنده بمنزلة قوله تعالى: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات # [البقرة:277]، لأن المصدقين - بالتخفيف - مأخوذ من " صدق " بمعنى " ~~آمن " ، فهم الذين آمنوا واقرضوا - أي: عملوا الصالحات - إما لأن القرض ~~الحسن من جملة الأعمال الصالحة، لأن معه أن يتصدق ms1732 من المال الطيب عن ~~طيبة النفس وصحة النية على من استحق للصدقة، أو لأن المراد منه مطلق ~~الفعل الحسن والعمل الصالح الذي له أجر كريم، سواء كان بإيتاء أمر عيني ~~أو غيره، كما أن التصديق حينئذ يتضمن الصدقة. # ومن شدد، كان الوجه عنده أن قوله: أقرضوا الله قرضا حسنا - اعتراض ~~بين الخبر والمخبر عنه، فهو للصدقة أشد ملائمة منه للتصديق، ولأحد أن ~~يمنع كونه اعتراضيا ألبتة، لاحتمال أن يكون معطوفا على معنى الفعل في ~~المصدقين، لأن اللام فيه بمعنى (الذين)، واسم الفاعل بمعنى اصدقوا أو ~~صدقوا. # وقرئ: " يضعف " بالتشديد، و " يضاعف " بكسر العين، أي: يضاعف الله ~~لهم من الجزاء أمثال ما أنفقوا في وجوه الخير - ولهم أجر كريم -، لأنه ~~يترتب لذاته على فعل الخير، وكلما يترتب على فعل الخير يكون أجرا ~~كريما، لأن أمور الآخرة تكون شديدة قوية في الإلذاذ - إن كانت لذيذة -، ~~وفي الإيلام، إن كانت أليمة -، لعدم الغشاوات والموانع عن الإدراك هناك، ~~وكون المدرك قويا، والمدرك مكشوفا، وليست اللذة إلا إدراك الملائم، ~~ولا الألم إلا إدراك المنافي. # فالمدرك للملائم والمنافي إذا كان في غاية القوة والحدة: # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق:22]، والمدرك منهما إذا كان كنه حقيقة الشيء ولبه وباطنه وسريرته: # يوم تبلى السرآئر # [الطارق:9] والإدراك أيضا في غاية التحقيق واليقين حيث ينتهي إلى ~~مشاهدة العين: # كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ~~ثم لترونها عين اليقين * ثم لتسألن ~~يومئذ عن النعيم # [التكاثر:5 - 8]. - يكون الإلذاذ والإيلام في غاية القوة والشدة، وهذا ~~هو البيان في كون أمور الآخرة في بابها عظيمة شددة. # مكاشفة # النكتة في ان فعل الحسنة يكون أجره مضاعفا، وفعل السيئة يكون أجره ~~مثله، - كما في قوله تعالى: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جآء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها # [الأنعام:160] - وجهان: أحدهما من جهة القابل، والآخر من جهة الفاعل. # أما الوجه الأول: فهو أن حقيقة النفس الإنسانية هي من عالم الأمر وعالم ~~الآخرة وسنخ الروحانيات النورية، فوقعت في هذا العالم الجسماني الظلماني ~~لجناية ms1733 صدرت من أبي البشر آدم الأول، حيث أهبط من الجنة إلى الأرض غريبا ~~وحيدا أسيرا في أيدي الظلمات، ملسوعا بلسع حيات الشهوات وموذيات ~~اللذات، مسحورا بسحر الطبيعة ووساوس الشياطين، كما في قوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم ~~رددناه أسفل سافلين # [التين:4 - 5]. # ثم إن كل عمل وفعل صدر من الإنسان في هذا العالم، يحصل منه أثر في قلبه، ~~لارتباط شديد بين النفس والبدن، فيحصل من تكرر الأفاعيل في النفس، أخلاق ~~وملكات هي مواريث المعاملات، فإذا تكررت الأفاعيل الحسنة - من الصيام، ~~والقيام، والإطعام، والصدقات بحسن النيات وصدق الطويات -، ظهرت من ~~دوام تكررها هيآت حسنة راسخة في النفس، فيتنور عندها بنور الصفات ~~الملكية، ويسهل معها صدور الفضائل والخيرات، كما قال الله تعالى: # فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * ~~فسنيسره لليسرى # [الليل:5 - 7]. # وكذلك إذا تكررت الأفعال الذميمة والسيئات - من البخل، والاستكبار، ~~والكذب، وغيرها -، حصلت من دوام تكررها صفات ذميمة راسخة في النفس، ~~فتنكدر عندها بكدورة المعاصي، فيسهل معها صدور القبائح منها مما لم يكن ~~يصدر قبل ذلك بتلك السهولة، كما قال سبحانه: # وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * ~~فسنيسره للعسرى # [الليل:8 - 10]، ولو لم يكن تكرر الأفاعيل مورثا لحصول الملكات في ~~النفس، لم يحصل للإنسان الصناعات العلمية والعملية. # ثم لما كانت الأفعال الحسنة مناسبة لعالم القدس وموطن النفس، مقربة ~~لها من عالمها، مذكرة لها عهدها القديم مع أقاربها وأوالفها. والأفعال ~~القبيحة، مناسبة لعالم الجحيم، مبعدة لها عن عالمها - والمناسب للشيء ~~يكون أسرع تأثيرا من المخالف الغريب في إخراج ذلك الشيء عما يقتضي طبعه ~~-، فالأفعال الحسنة والخيرات أقوى تأثيرا في سعادة النفس وكمالها ~~وتذكرها وقربها إليه تعالى من الأفعال القبيحة والشرور في شقاوتها ونقصها ~~ونسيانها وبعدها عنه تعالى. # وثانيهما: إن رحمته تعالى فائقة على غضبه سابقة عليه، كما قال: # " سبقت رحمتي غضبي " # حتى أن عين الغضب وماهيته إنما وجدت منه تعالى برحمته التي وسعت كل شيء. ~~كيف والوجود الفائض منه على كل شيء، هو عين الرحمة عليه، فوجود الغضب ~~إنما هو من رحمة ms1734 الله على عين الغضب، فسبقت نسبة الرحمة إليه تعالى على ~~نسبة الغضب، وذلك لأن الرحمة ذاتية للحق، وعين الغضب ناشئة من عدم قابلية ~~بعض الأشياء للكمال المطلق والرحمة التامة، وإليه الإشارة في قوله ~~سبحانه: # مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن نفسك # [النساء:79] أي من سوء استعدادك، وإن كان الكل من عند الله، إذ لا ~~استقلال لغيره في الإيجاد. # وفي الحديث النبوي (صلى الله عليه وآله وسلم): # " ان الخير كله بيديك، والشر ليس إليك ". # ومن أمعن النظر في لوازم الغضب - من الأمراض والآلام والفقر والجهل ~~والموت وغير ذلك -، يجدها كلها أمورا عدمية، فالرحمة ذاتية للحق، ~~والغضب حالة عرضية ناشئة من أسباب عرضية. # فإذا كان كذلك، كان باعث الرحمة أسهل وجودا وأقل أسبابا وأيسر ~~تحققا، إذ يكفيه إمكان القبول لها، وباعث الغضب بخلافه، إذ لا يكفي مجرد ~~إمكان المحل، بل لا يتحصل إلا من وجود المنافي للرحمة، المانع ~~إياها، فقابل الرحمة وداعيها لا يحتاج إلى تعمل كثير، غير صفاء الذات، ~~وخلوص الفطرة، وصقالة وجه القلب عن الكدورات، بخلاف داعية الغضب، فإنها ~~لوجود المعاصي والقبائح الغريبة من الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها، ~~ولهذه الدقيقة عبر عن باعث الرحمة: " بالكسب " ، وعن باعث الغضب: " ~~بالاكتساب " لما في مفهومه من التعمل الزائد على ما في الطبع في قوله ~~تعالى: # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # [البقرة:286]. # فإن قلت: ما الوجه لخصوصية ذكر العشرة في التضعيف لا غيرها من الأعداد؟ # قلنا: وجه ذلك، كون الإنسان معوقا في الدنيا عن فعله الخاص به - الذي ~~هو ذكر الله ومعرفة ملائكته ورسله والدار الآخرة -، لانغمار نفسه في ~~الحسيات، واشتغاله بالجسمانيات، وهذا بخلاف فعل المعاصي والشهوات، فإنها ~~مما يلائم البدن وقواه، فلا يزاحمها بل تعين عليها القوى البدنية. ولما ~~كان المبدأ الإدراكي للأفاعيل العقلية والطاعات قوة واحدة - هي الناطقة ~~-، والمبدأ الإدراكي للأفاعيل الحسية والمعاصي قوى عشرة - أي الحواس ~~الخمس الظاهرة، والخمس الباطنة - فكل حسنة تصدر عن القوة العاقلة لا بد ~~فيها - لكونها على خلاف طبائع ms1735 القوى - من مجاهدة وقعت من العاقلة مع كل ~~واحدة من تلك العشرة، وكل مجاهدة لها أجر واحد، فكل حسنة تستلزم عشر ~~حسنات، مستدعية لعشرة أمثال أجر إحداها، وإليه الإشارة في قوله تعالى: # إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ~~وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين ~~كفروا # [الأنفال:65]. ### || [57.19] # { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ~~ونورهم... } # الصديق: الكثير الصدق المبالغ فيه. وهو اسم مدح وتعظيم. # قال الزمخشري: " أي: هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء، وهم الذين ~~سبقوا إلى التصديق، واستشهدوا في سبيل الله - لهم أجرهم ونورهم - أي مثل ~~أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم ". # ثم استشكل بعض المفسرين في هذه المماثلة بينهم في الأجر والجزاء مع ~~تفاوت قدرهم. فأجاب عنه بعضهم بإعطاء الله تعالى أجر المؤمنين مضاعفا ~~بفضله ورحمته، حتى يساوي أجرهم مع المضاعفة أجر أولئك. # وفيه نظر بعد، لأن باب الرحمة والتضعيف كما انفتحت لهؤلاء، انفتحت ~~لأولئك، لأن الله تعالى واحد لا تغير فيه، فياض على الجميع، ولو كان ~~المراد أن أجر هؤلاء مع التضعيف مثل أجرهم - لا معه -، يفوت مدح ~~المؤمنين، - والمقام مما يقتضيه -. # والأولى أن يراد من الإيمان بالله والرسول مرتبة كاملة من المعرفة ~~التي لا تتحقق إلا في العلماء، أو يراد منه الإيمان الحقيقي الباطني ~~الكشفي، وهو الذي يكون للأولياء والعرفاء خاصة، فإنهم هم الصديقون ~~والشهداء لغاية تصديقهم الحاصل بالكشف، وفنائهم عن ذاتهم الحاصل بسبب ~~المجاهدة الباطنية مع النفس وقواها الأمارة. # قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صديق شهيد - وقرأ هذه الآية. # لهم أجرهم ونورهم: أي لهم ثواب طاعتهم ونور إيمانهم، وهو النور الذي ~~يهتدون به إلى طريق الجنة، وهذا قول عبد الله بن مسعود، ورواه البراء بن ~~عازب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # وروى العياشي: بالاسناد عن منهال القصاب، قال: قلت لابي عبد الله (عليه ~~السلام): أدع الله أن يرزقني الشهادة. # فقال (عليه السلام): إن المؤمن شهيد - وقرأ هذه الآية -. # وعن الحارث بن المغيرة، ms1736 قال: كنا عند أبي جعفر (عليه السلام) فقال: ~~العارف منكم هذا الأمر، المنتظر له، المحتسب فيه الخير، كمن جاهد والله ~~مع قائم آل محمد بسيفه. # ثم قال: بل والله كمن جاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بسيفه. # ثم قال الثالثة: بلى والله كمن استشهد مع رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في فسطاطه، وفيكم آية من كتاب الله - وقرأ هذه الآية، ثم ~~قال: - صرتم والله صادقين شهداء عند ربكم. # وقيل: إن " الشهداء " منفصل عما قبله مستأنف، والمراد بالشهداء: ~~الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم - وهو قول ابن عباس ومسروق ومقاتل بن ~~حيان، واختاره الفراء والزجاج. # وقيل: هم الذين استشهدوا في سبيل الله - عن مقاتل بن سليمان وابن جرير. # مكاشفة # إعلم - أيها السالك -، أن لفظ " الإيمان بالله والرسول " ، يطلق ~~بالاشتراك والمجاز العرفي بين مراتب متفاوتة في المعرفة: # إحداها: ما تلقفه العامي تقليدا أو تسليما من غير بصيرة كشفية ولا ~~معرفة كسبية، سواء كانت برهانية أو جدلية -، وهو الإيمان باللسان، ~~وفائدته: العصمة لصاحبه في الدنيا عن السيف والسنان. # وثانيتها: ما يستفاد من صناعة الجدل وطريق المتكلمين، وفائدتها: حراسة ~~العقيدة عن الجاحدين والمفسدين وقطاع طريق الحق للسالكين، وليس فيه ~~انشراح وانفتاح، ولكنه يحفظ صاحبه من العذاب في الآخرة خالدا - ان كان ~~مع شرائطه -. # والثالثة: ما يستفاد من البرهان اليقيني - كما في طريقة الحكماء - ~~وفائدتها: حصول المعرفة الحقيقية للمبدأ القيوم وصفاته وأفعاله. # والرابعة: ما يستفاد من الرياضات والمجاهدات، وترك التعلقات، والزهد ~~الحقيقي في الدنيا وطيباتها، وفائدتها: الوصول إلى جناب الحق ومشاهدة ~~صفاته وأسمائه وأفعاله من حيث هي أفعاله. # فالإيمان ينقسم إلى قشر، وقشر القشر، ولب، ولب اللب، كالجوز مثلا ~~فإن له قشرين ولبين. # فالمرتبة الأولى أن يقول: " لا إله إلا الله " ، وربما كان مع الغفلة ~~أو مع الإنكار القلبي، كما في المنافقين. # والثانية: أن يصدق بمعنى اللفظ ضميرا، كما يصدق به عموم المسلمين وهو ~~اعتقاد بوجه له مناسبة إلى ما هو الحقيقة، بخلاف الأول، فإنه تقليد محض. # والثالثة: أن يشاهد ذلك ms1737 بالنظر إلى طبيعة العالم وإمكانها وافتقارها إلى ~~ما يرجح وجودها على عدمها، ثم بما يلزم الوجوب الذاتي من الرحمة والجود، ~~وهداية الحق بارسال الرسل وإنزال الكتب، والجزاء لهم يوم المعاد، والثواب ~~للمحسن، والعقاب للمسيء أو العفو عنه، إلا أن يكون فيه ما ينافيه من ~~الكفر والإصرار والجهل والاستكبار. # الرابعة: أن يشاهد ذلك مشاهدة الموجود الحقيقي وصفاته وآثاره، ولا يرى ~~للأفعال والآثار وجودا استقلاليا، فلا ينظر إلى شيء إلا ويرى الحق ~~فيه مع تفاوت المرائي صفاء وكدورة، وتفاوت ظهور الحق فيها جلاء وخفاء. # وهذا عبد قد استولت عليه الأنوار الأحدية، وظهرت له سواطع العظمة ~~الإلهية، فجعله هباء منثورا، ويندك عنده جبل إنيته، فيخر له خرورا، ~~وفي هذا المقام يستهلك في نظره الأغيار، وتحترق بنوره الحجب والأستار، ~~فينادي الحق: لمن الملك اليوم؟ ويجيب بنفسه لنفسه: لله الواحد القهار. ~~والمؤمن بهذه المرتبة يقال له: " الولي " و " الصديق " و " الشهيد ". # أما كونه وليا؛ فلأنه لا يحب الله أحدا غيره وهو لا يحب غير الله، أما ~~الأول: فلأن غيره لا يعرف الله، والمحبة تتبع المعرفة بل عينها - لأنها ~~إدراك الملائم من حيث هو ملائم، والملائم لكل أحد سلم مذاقه عن ~~الأمراض النفسانية، ولم يخدر طبعه بالمعاصي الجسمانية، هو المعبود الحق ~~الذي به وجود كل شيء وكماله -. وأما الثاني: فلأن غير الله لا وجود له ~~عند الولي، والمحبة تتبع الوجود للشيء عند المحب. # وأما كونه صديقا: فلكون كمال رتبة الصديق يكون بكمال رتبة المعرفة، ~~وأكمل مراتب المعرفة هي المشاهدة، فمن شاهد الوجود الحقيقي ومرتبته في ~~الكمال وشمول الإفاضة وعموم الرحمة منه على كل شيء، بحيث لا مشارك له - ~~لا في الوجود ولا في الإيجاد -، فهو الصديق الأعظم لا غيره ممن لا يعرف ~~الحق وفيضه إلا بالدليل أو التقليد من غير بصيرة وكشف. # واما كونه شهيدا: فلشهادة نفسه في طريق الحق، وعدم التفاته إلى هذه ~~الحياة الدنيا، إذ الشهادة عبارة عن قبض الروح في حالة لم يبق في القلب ~~سوى حب الله، وخرج حب جميع الملاذ والشهوات ms1738 عن القلب، لأن من يهجم على ~~صف القتال فهو يوطن نفسه على الموت حبا لله، وطلبا لرضاه، وبائعا ~~دنياه بآخرته، راضيا بالبيع الذي بايعه الله، إذ قال الله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة:111]، والبائع راغب عن المبيع لا محالة، ومثل هذه الحالة تحصل ~~للقلب في بعض الأحوال في غير العرفاء، ولكن لا يتفق زهوق الروح فيها، ~~فالوقوع في صف القتال سبب لزهوق الروح على مثل هذه الحال، هذا فيمن ليس ~~يقصد الغلبة والغنيمة والصيت بالشجاعة، فإن من هذا حاله - وان قتل في ~~المعركة - فهو ليس بشهيد، لبعده عن مثل هذه الرتبة، كما دلت عليه ~~الأخبار. # فقد علم أن رتبة الشهداء إنما تحصل لأجل أنهم جردوا أنفسهم عن التعلق ~~بالحياة الجسمانية ابتغاء لوجه الله ونصرة لأوليائه في نية اظهار شريعته ~~وخرجوا عن الدنيا عند تكلف هذه الحالة، ففازوا بالنعيم الأبدي. # وأما العرفاء فقد خرجوا عن التعلقات بما سوى الله تعالى، وقصروا النظر ~~على وجه الله، من غير التفات إلى ذواتهم فضلا عن غيرها، وحصل لهم الموت ~~الإرادي عن هذه النشأة الدنيوية، وهذه الحالة هجيراهم من غير تعمل ~~وكلفة، فهم الشهداء بالحقيقة قبل حصول الموت الطبيعي أو القتل لهم، ~~لأنهم قبل انقضاء هذه الحياة الدنيوية، وانهدام بناء هذه الجثة الطبيعية ~~- أحياء عند ربهم - حياة طيبة عقلية، يرزقون - بالأرزاق المعنوية ~~والأغذية العلمية - فرحين بما آتاهم الله من فضله - فحينئذ يستقيم معنى ~~الآية من غير تمحل. # قوله عز وجل: # {... والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك ~~أصحاب الجحيم }. # الكفر: هو عدم الإيمان عما من شأنه أن يكون مؤمنا، والإيمان - كما ~~علمت -: هو المعرفة بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، فالكفر هو الجهل ~~بهذه المعارف، سواء كان مع الجحود والاستكبار وتكذيب الرسول وما أتى به، ~~أم لا، والأول يستلزم الخلود في النار قطعا، والثاني يحتمل النجاة ولو ~~بعد المكث طويلا أو قصيرا، ويدل على خلود الكفار المكذبين في النار، ~~التعبير عنهم والحكم عليهم بأصحاب الجحيم. # مكاشفة # كما ان مجامع سعادات الإنسان ms1739 ترجع إلى تحلية قوته العلمية بالعلوم ~~الحقيقية وحقائق الإيمان بالله واليوم الآخر، وتخلية قوته العملية من ~~ذمائم الأخلاق ورذائل الملكات، كذلك جوامع الشقاوات ترجع إلى انتقاش ~~النفس بنقائض المعارف الحقة، واتصافها بنقائص الصفات الذميمة. # وإنما صار الجهل الراسخ - المعبر عنه بالكفر -، والخلق الكريه - ~~المؤدي إلى تكذيب الرسول المؤيد بالمعجرات -، موجبا للخلود في النار، ~~لأن الجنسية علة للضم، والمرء يحشر مع محبوبه، والجحيم إنما هي من حقيقة ~~هذه الدار، لكن ظهورها في هذه الدنيا بصورة الشهوات واللذات، وفي الآخرة ~~بصورة النيران والجحيم والزقوم، فإذا رسخت محبة الدنيا في النفس ونسيت ~~ذكر الله، صارت في الآخرة محجوبة عن لقاء الله ولقاء أوليائه الصالحين، ~~وبقيت في كرب السعير وعذاب الجحيم، لرسوخ محبتها إياها في هذه النشأة، ~~وارتكان [ارتكاز - ن) تعلقها بها. # وإنما لم تتألم النفس بعذاب الشهوات، ولم تتأذ بلسع حيات ملاذ الدنيا ~~وعقاربها قبل الموت - مع كونها متصلة محيطة بها غير مفارقة عنها لقوله ~~تعالى: # وإن جهنم لمحيطة بالكافرين # [التوبة:49] - لخدر الطبيعة وسكرها الحاصل بسبب قلة المعرفة، وكثرة ~~الاشتغال باكتساب أسباب الدنيا وجمع حطامها. # وربما يوجد من الناس من يجد الألم عين الراحة، والراحة عين الألم، فيأكل ~~الحميم والزقوم في هذه الحياة الفانية، مشتهيا لذيذا عند إدراكه، ~~ويعوق عن إدراك العقائد الحقة التي هي العسل المصفى، واللبن الذي لم ~~يتغير طعمه، لكونه محجوبا عن إدراك كل من القبيلين بصورته الظاهرة، ~~فالشهوات لذيذة حلوة عنده، والموعظة الحسنة والكلمات الحقة كريهة مرة ~~لديه. # وهذا لأجل مرضه الواقع بسوء العادات، كما يلتذ بعض الناس بأكل الطين، ~~وكما يستبشع بعض المرضى الأشياء الحلوة، ويستحلي الأشياء المرة، كمن به ~~مرض " بوليموس " حيث يأوف حسه لغلبة الخلط السوداوي، وتخدر ذائقته عن ~~إدراك الطعوم على وجهها، فيجد المر حلوا مرا، كما قيل شعرا: # فمن يك ذا فم مر مريض # يجد مرا به الماء الزلالا # وإلا فالقلب السليم والعقل الصحيح لا يلتذ إلا بذكر الله ومعرفته ~~ولقائه، لأن ذلك كماله وغذاؤه وقوته، لا الأمور المحسوسة الدنيوية من ~~المال والبنين وغيرهما ms1740 من الأمور التي خلقت لأجل الانتفاع بها في طلب ~~الآخرة والسلوك إلى الله تعالى، لا للالتذاذ والتعشق، ولما كان الكمال ~~الحقيقي والخير المحض هو معرفة الحق الأول وملكوته التي ستقلب في الآخرة ~~مشاهدة له، وهو إنما يتأتى بالقلب السليم من مرض العادات السيئة من ~~مؤانسة المحسوسات، قال سبحانه: # يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # [الشعراء:88 - 89]. ### || [57.20] # زهد الله سبحانه الناس عن الركون إلى الحياة الدنيا، ورهبهم عن التورط ~~في مشتهياتها بأبلغ وجه وآكده، حيث بين ان محقرات مشتهياتها ومختصرات ~~لذاتها ليست في الواقع وعند أولياء الله الذين نظرهم على حقائق الأمور ~~وبواطنها، إلا أمورا وهمية باطلة زائلة، وهي اللهو واللعب والزينة ~~والتفاخر والتكاثر، إلا أنها كذلك من باب التجوز والتشبيه لعلاقة ~~الاشتراك بينهما في عدم البقاء - كما وقع في بعض التفاسير -، فإن ذلك ~~بحسب النظر الجليل وإدراك أهل الحجاب. ولا انها كذلك بحسب المبالغة ~~والتخييل كما هو عادة الشعراء وأهل القصص - أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين -، بل هي بحسب التحقيق ليست إلا هذه المذكورات وليست إلا ~~متاع الغرور، كما مثل الله تعالى: # كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه ~~لم يجده شيئا # [النور:39]. وكما أن أمور الدنيا ليست إلا أوهام محضة وخيالات صرفة، ~~فأمور الآخرة بعكس ذلك، إذ ليست إلا أمورا عظيمة ثابتة إلهية. لأنها ~~بواطن الأشياء وحقائقها التي لا تبيد ولا تنقص. # وقيل: " اللعب " ما رغب في الدنيا، و " اللهو " ما الهى عن الآخرة، و " ~~الزينة " ما يتنزينون به في الدنيا ويتحلون في أعين أهلها ثم يتلاشى. # ومنشأ التفاخر بين الناس، هو القوة الغضبية والهيئة السبعية التي ~~لا تزال توجب التفوق على الأقران، والترفع على الأشباه، ومنشأ التكاثر هو ~~القوة الشهوية والصفة البهيمية التي لا تزال تطلب تزايد المشتهيات. # ثم إنه تعالى مثل حال الدنيا وسرعة انقضائها وفنائها مع قلة جدواها ~~بنبات أنبته المطر فاستوى واستكمل وأعجب الكفار نباته - دون غيرهم -، ~~لأنهم هم المغترون بالأمور الباطلة الواهية، بسبب ما يخيل ويروق ms1741 لهم ~~من ظواهر زينتها بما ينكرون الآخرة ولا يعرفونها، فهم بها أعلق، وهي لهم ~~أروق وألمع، لا لأهل الله والمؤمنين حقا. # وليس المراد منه المبالغة في وصف النبات وبيان حسنه بأنه يعجب الكفار، ~~مع جحودهم لنعمة الله فيما رزقهم - كما قيل -، بل إعجاب الكافر بيان ~~للواقع في الحكاية التي مثل بها الحياة الدنيا. ويجوز أن يكون إشارة إلى ~~القصة المذكورة في القرآن لصاحب الجنة والجنتين. # وقيل: الكفار: الزراع، ثم بعث عليه الآفة فهاج، أي يبس واصفر وصار ~~حطاما، أي: ما ينحطم وينكسر بعد يبسه عقوبة لهم على جحودهم وكفرانهم، ~~وفي الآخرة عذاب شديد، أي: لمن رغب في الدنيا فيشغله ذلك عن الآخرة - ~~ومغفرة من الله ورضوان، أي: لمن تزود منها للآخرة. # وما الحياة الدنيا، لمن ركن إليها وتطمئن بها، - إلا متاع الغرور - ~~كلامع السراب للظمآن حيث يتخيل له لغاية ظمئه ان له حقيقة. # كذلك حكم الدنيا للناقصين وضعفاء العقل، يتخيل لهم ما فيها لذة وكمالا ~~فيغترون بها. # إعلم أن ما يوجب عقوبة أهل الجحيم في الآخرة، وتعذيبهم بالعذاب الأليم، ~~هو بعينه موجود معهم في الدنيا، يعذب باطنهم بنيرانه، وذلك هو الاعتقادات ~~الفاسدة والأخلاق الردية التي كلها نيرانات ملتهبة وحرقات مشتعلة تؤذي ~~صاحبها وتوجب العداوة والبغضاء له مع أبناء الدنيا، الذين سيصيرون من ~~أصحاب الجحيم، والخصومة معهم في مقاصدهم ومآربهم الخسيسة الدنيوية، وهذه ~~الجهالات وذمائم الملكات، كما توجب التعذب بها لصاحبها في الأولى، فهي ~~بعينها التي توجب التعذب بها لهم في الآخرة على وجه أشد وأبقى، لقوله ~~تعالى: # ولعذاب الآخرة أشد وأبقى # [طه:127]. فإن أمور البدن وأشغال الدنيا ها هنا تلهي وتغفل الروح عن ~~دركها كما هي، بخلاف النشأة الثانية، فإن البدن الأخروي لا يلهي الروح عن ~~إدراك الآلام - ان كانت شقية - كما لا يلهيها عن إدراك اللذات الأخروية ~~ان كانت سعيدة. # فأهل النار - إذا دخلوها - تسلط النار على ظواهرهم وبواطنهم، لأن ~~ظواهرهم عين بواطنهم - كما حققناه في بعض كتبنا عند إثباتنا المعاد ~~الجسماني بالاستبصار العقلي أيضا، كما هو ثابت عند ms1742 الجمهور من المليين ~~والحكماء الإسلاميين بالنص النقلي -، وليس لحقيقة العذاب تسلط ها هنا على ~~ظواهر الأشقياء، لكن ظواهرهم مبائنة لبواطنهم - إلا نحوا ضعيفا لم ~~يتنبهوا عليه لخدر الطبيعة وسكر البدن وجهل المادة -. # فإذا تسلط عذاب النار على ظاهرهم وباطنهم، وأحاط بهم سرادقها، ملكهم ~~الجزع والاضطراب، فيكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا، متخاصمين ~~متقاولين، كما نطق به كلام الله في مواضع متعددة، مثل قوله تعالى: # كلما دخلت أمة لعنت أختها # [الأعراف:38]. وقوله تعالى: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص:64]. # وكما ان هيآت أمراض الجهل وغيره من الصفات، إذا كانت راسخة مقرونة مع ~~العناد والاستكبار، لا يمكن أن تزول أصلا، فكذلك الأشقياء المردودون من ~~الكفرة والمتجبرين، لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون، فكلما طلبوا ~~أن يخفف عنهم العذاب وأن يقضى عليهم، واستغاثوا أن يرجعوا إلى الدنيا لم ~~يجابوا إلى طلباتهم، كما حكى الله تعالى عن اقتراحهم واستغاثتهم بقوله ~~تعالى: # يمالك ليقض علينا ربك # [الزخرف:77] وعن عدم إجابتهم بل منعهم عن السؤال وطردهم عن الاقتراح ~~بمثل قوله تعالى: # إنكم ماكثون # [الزخرف:77]. # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون:108]. # فلما يئسوا وطنوا أنفسهم على العذاب والمكث على ممر السنين ~~والأحقاب، وتعللوا بالأعذار، ومالوا إلى الاصطبار وقالوا: # سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص # [إبراهيم:21]. # فإن قلت: كيف حكم الله على الحياة الدنيا بأنها لهو ولعب - أي باطل ~~موهوم لا حقيقة لها - مع أنها ثابتة في الواقع، والثابت في الواقع لا ~~يكون باطلا موهوما؟ # قلنا: يمكن الجواب عن هذا بحسب جليل النظر انه ليس المراد مما ذكره ~~سبحانه ان الحياة الدنيا - التي هي القوة على الحس والحركة - أمر موهوم، ~~إذ لا شك في أنها أمر ثابت في بعض الأوقات - وإن لم يكن دائميا -، بل ~~الغرض منه إن هذه الحياة ليست حقيقية يمكن ثبوتها في حق الإنسان بما هو ~~إنسان - أي ذو جوهر روحاني هو محل معرفة الله -، لأن حياته حياة علمية ~~نطقية أخروية والحياة الحسية الدنيوية هي حياة تتصف بها الحيوانات بما هي ms1743 ~~كذلك - أي ذو جوهر حساس -، وإذا اتصف بها الإنسان في بعض الأوقات، ~~فإنما يكون بما هو به حيوان، لا بما هو به إنسان. # فاتصاف الإنسان بتلك الحياة الحسية باعتبار أن له قلبا حقيقيا هو محل ~~معرفة الله أمر وهمي، إذ لا وجود لها للإنسان إلا مجازا لعلاقة ~~الارتباط بين حقيقة الإنسان - الذي هو روحه المشار إليها ب " أنا " - ~~والجسد الحيواني الواقع تحت جنس الحيوان عند أخذه لا بشرط شيء، أي ~~بالاعتبار الذي به حيوان - لا بما هو به بنية ومادة -، وقد تبين ~~الفرق بينهما في علم الميزان. # ويمكن أن يقال بحسب دقيق النظر: إن المراد من الحياة الدنيا نفس الإدراك ~~الحسي للأمور الدنيوية - تسمية للشيء باسم ما ينبعث عنه ويتم به -، فإن ~~الحياة الحيوانية إنما تتم بالحس والحركة. وغاية الحركة أيضا هي الحس في ~~غير الإنسان. والإحساس بالشيء لا يتم إلا بالتوهم والتخيل، والموهوم أو ~~المتخيل - بما هو موهوم أو متخيل - لا وجود له في الخارج - بل في الذهن ~~-، وكل ما لا وجود له في الخارج فهو لهو ولعب، أي باطل. # ولو تفطن متفطن، لعلم أن كل من يلتذ بأمر من الأمور الدنيوية أو ~~يتألم به، فإنما يلتذ ويتألم بما هو حاضر في ذهنه - مع قطع النظر عن ~~الخارج - حتى لو جزم إنسان بوجود أمر ملائم له لكانت لذته بذلك الملائم ~~متحققة وإن عدم في الواقع. وذلك كمن عشق واحدا واعتقده في غاية الحسن ~~والجمال، إذ ربما كان التذاذه بوجوده وتشوقه لجماله ثابت مدة مديدة يظن ~~أنه موجود في موضع كذا من داره - وهو قد مات منذ أول تلك المدة -، فعلم ~~أن وجوده الخارجي ليس موضوع هذه المحبوبية لفقده، فقس عليه حال جميع ~~المحبوبات والمعشوقات الدنيوية في أنها أوهام محضة لا وجود لها في ~~الخارج، والحياة الدنيا ليست إلا حالتك قبل الموت بالقياس إلى هذه ~~المحسوسات. # ومما ينبغي لك أن تعلم، انه ليس حصول التعقلات الكلية، وادراك المعارف ~~الإلهية، ونيل الحقائق الكونية على النحو التي هي عليه للإنسان من جملة ms1744 ~~الحياة الدنيا الحسية أصلا، بل إنما هي له لأجل ما به من النشأة ~~الأخروية والحياة الإدراكية العقلية. # وقد علم مما ذكر أن ها هنا حكمين: إحدهما: كون الأمور الدنيوية من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، في أنفسها وبحسب جواهرها ~~وذواتها أمورا وهمية. وثانيهما: ان وجود الأشياء للإنسان وهمي. وكلا ~~الحكمين حق وصواب. # أما الثاني: فلما أشرنا إليه، من أن وجود الذهب في نفسه ليس ملذا ~~للإنسان، بل الاعتقاد بوجوده له مما يتلذ به. # وأما الأول: فلما حققناه في موضعه، موافقا لما عليه المحققون من ~~العلماء فضلا عن الأولياء والعرفاء، من أن المركبات المحسوسة الجزئية ~~لا وجود لها منفردا عن الحقائق البسيطة المعقولة التي تتقوم بها تلك ~~الجزئيات، وقد صرحوا بأن مناط وجود الجزئيات المادية محسوسيتها، ومناط ~~المحسوسية وجود الشيء للجوهر الحاس، وقد علمت أن الإحساس لا يتم إلا ~~بالتوهم، أي الوجود للقوة الوهمية التي هي من جنود الشيطان. # واعلم أن لذات الحياة الدنيا إنما هي لعب ولهو لأنها من فعل ~~الشيطان، وإلا فليست أمور الدنيا بما هي هي - أي بالحيثية التي هي بها ~~ثابتة وحق - لذيذة، لأن لكل شيء حقية، وحقية أمور الدنيا، تجددها ~~وزوالها وانصرامها وفناؤها، لأنها أكوان ناقصة واقعة في جهة السلوك إلى ~~الله تعالى والارتقاء إليه. والسالك بما هو سالك ليس له في حدود سلوكه ~~كمال، فإن الحركة هي نفس الخروج من القوة إلى الفعل، فهي ما بين صرافة ~~القوة والفاقة ومحوضة الفعل، والوجود واللذة الحقة من توابع الوجود ~~الحق الذي تتوجه إليه الموجودات، والتوجه إلى الحق إنما هو بقطع الحجب ~~الظلمانية الساترة للحق لأجل الوجود الموهوم، ينسب إليها بحسب القوة ~~الوهمية، فعالم الكون كله خيال في خيال كما يقال: # كل ما في الكون وهم أو خيال # أو عكوس في المرايا أو ظلال # فحقية العكس أو الخيال أو الظل إذا أخذ من حيث كونه عكسا أو خيالا أو ~~ظلا، وأما إذا أخذ العكس أصلا، والخيال عينا، والظل شخصا، فيكون كل ~~منها باطلا، كما في قول لبيد: ms1745 # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وكل نعيم لا محالة زائل # لان ما خلا الحق تعالى معلول ممكن، والمعلول إذا أخذ منسوبا إلى الحق ~~كان حقا بحقية الحق وواجبا بوجوبه، وإذا أخذ غير منسوب إليه - بل ~~منفردا عنه - كان باطلا، فالعالم بما هو عالم وسوى الحق باطل، لكنه ~~موهوم الوجود، كما ان الظل موهوم الوجود، والوهم من فعل الشيطان، ~~والواهمة من جنوده، وكذا كل متوهم من حيث هو متوهم - أي مذعن لأحكام ~~الوهم - من جنود الشيطان. # كما ان العقل من جنود الحق، وكذا كل عاقل - أي مذعن لأحكام العقل -. وقد ~~علمت أن التطارد بينهما في معركة القلب الإنساني قائم كما مر، ~~والمعقولات جنة العقل وجنوده، يلتذ بها ويتبوء فيها حيث يشاء، كما ~~ان الموهومات جنة الوهم وجنوده، يستلذ بها وينسرح فيها حيث يشاء. # قال بعض العلماء: إن إبليس لما تمت حيلته على آدم، ووصل بالأذية إليه، ~~ونال بغيته وبلغ أمنيته، وسأل ربه الإنظار إلى يوم يبعثون، فاجيب إلى يوم ~~الوقت المعلوم، اتخذ لنفسه جنة غرس فيها أشجارا وأجرى فيها أنهارا ~~ليشاكل بها الجنة التي أسكنها آدم، وقاس عليها وهندس على مثالها هندسة ~~فانية مضمحلة لا بقاء لها، وجعلها مسكن أهله وولده وذريته وهي كمثل ~~السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وذلك انه من ~~الجن، وقد قيل: إن للجن التخيل والتمثل لما لا حقيقة له، كذلك فعل إبليس ~~وجنوده، إنما هو تمويه وتزويق ومخاريق لا حقيقة لها ولا حق عندها، ليصد ~~بها الناس عن الطريق القويم والصراط المستقيم، وبذلك وعد ذرية آدم إذ ~~قال: # لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف:17]. # والجنة التي غرسها إبليس لذريته ليصدوا بها ذرية آدم عن الجنة التي ~~كان فيها، هي الأمور الدنيوية والشهوات الدنية الوهمية وفعل الخطايا ~~والمآثم، وارتكاب المحارم، وحب القنية الفانية، والخروج عن طاعة الله، ~~ومتابعة الذين أخلدوا إلى الأرض ورغبوا في الدنيا وعاجلها، ودعوا ~~الآخرة وآجلها، التي هي ms1746 دار القرار ومحل الأخيار ومقام الأبرار، وجميع ~~هذه الأمور لعب ولهو كما وصفها الله تعالى به، فالعاقل هو الذي وفق ~~للخروج من جنة إبليس فيرجع إلى جنة أبيه وذريته الطاهرين، ويتخلص من ~~أدناس ذرية إبليس أجمعين وأتباعهم، وهم المعتكفون على الأمور الدنيوية، ~~المكبون على اللذات والشهوات الدنية التي ستنقلب بعينها في الدار ~~الآخرة إلى ألوان العقوبات وأنواع الآلام والمحن الشديدة، كما أشار ~~سبحانه بقوله في هذه الآية: { وفي الآخرة عذاب شديد } ~~[الحديد:20]، فهم في العذاب مشتركون، وبذلك وعد ربهم إذ قال لإبليس: # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # [ص:85]. ### || [57.21] # الإعداد: التهيئة. أي: وضع الشيء لما يكون في المستقبل على ما يقتضيه أو ~~يناسبه. و " الفضل " و " الإفضال " و " التفضل " واحد، وهو: النفع. وهو ~~إما المعنى الحدثي المصدري، أو الأمر الحاصل به، والثاني هو المراد ها ~~هنا. # ومعنى الآية: انه تعالى بعدما بين ان الحياة أمر لا حقيقة لها سوى ~~كونها خيالا موهوما - بالوجه الذي مر بيانه -، ومثلها بمثال ينبه ~~العاقل على دثورها وزوالها، وأشار إلى أن الحياة الآخرة أمر محقق ثابت في ~~نفس الأمر، لكنها إما عذاب شديد، وإما غفران ورضوان، أحدهما للسعداء ~~والآخر للأشقياء، ثم كرر الإشارة إلى أنها لمن لم يعمل لآخرته في متاع ~~الغرور، فرغب سبحانه في المسابقة إلى طلب أحد الأمرين الأخرويين - ~~المشار إليهما في الآية السابقة -، وهو الذي يترتب على استعمال الحياة ~~الدنيا في طلب التوصل إلى لقاء الله واليوم الآخر قائلا: سابقوا - أي ~~سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم ونظرائهم في المضمار، واردعوا العوارض ~~القاطعة عن السلوك إلى البغية بالأعمال الصالحة العلمية والعملية، مقبلين ~~إلى ما يوجب الفوز بمغفرة من ربكم. # قال الكلبي: إلى التوبة. وقيل: إلى الصف الأول للصلاة، وقيل: إلى النبي. ~~وفي معناه: إلى كل هاد ودليل من الأئمة وبعدهم من المشايخ والمعلمين، ~~والى - جنة عرضها كعرض السماء والأرض -، أي: وسابقوا إلى استحقاق ثواب ~~جنة هذه سعتها وعظمتها. وفي ارتكاب حذف المضاف، أو ما في حكمه في ~~الموضعين، نظر كشفي لا يسع ms1747 المقام. # قال السدي: كعرض سبع سموات وسبع أرضين. # وفي ذكر العرض دون الطول وجوه: # أحدها: إن كل ما له امتدادان مختلفان فإن عرضه يكون أقل من طوله، فإذا ~~وصف عرضه بالبسطة، عرف أن طوله أبسط وأمد. # وثانيها: ان الطول قد يكون بلا عرض، بخلاف العكس. # وثالثها: الإشعار بأن طولها لا يمكن أن يقاس إلى شيء من هذا العالم. # ورابعها: ان المراد منه مطلق البسطة، كقوله تعالى: # فذو دعآء عريض # [فصلت:51]. وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة أحد: " يا عثمان ~~ذهبت عريضا ". # قال الحسن: إن الله يفني الجنة ويعيدها على ما وصفه، فلذلك صح وصفها ~~بأن عرضها كعرض السماء والأرض. # وقال بعضهم: إن الله قال: { عرضها كعرض السمآء والأرض } ~~، والجنة المخلوقة هي فوق السماء السابعة فلا تنافي. # وقوله: { أعدت للذين آمنوا } أي: ادخرت للمؤمنين بالله ~~ورسله، وفيه ما لا يخفى من التمحل، وذلك - أي الفوز بالمغفرة والجنة - ~~من فضل الله - لكونه موجودا كاملا تاما فوق التمام، فيفضل منه الوجود، ~~وكمال الوجود على غيره ممن يشاء - والله ذو الفضل العظيم - لأن العالم ~~وما فيه من فضل وجوده وفيضه، فلا استبعاد في أن يجزي الدائم الباقي على ~~العمل القليل الفاني، ولو اقتصر على قدر ما يستحق بالأعمال كان عدلا، ~~لكنه تفضل بالزيادة. # كما انه لو أمسك عن إفاضة الوجود على العالم كان تاما في واجبيته ~~ومملكته وسلطانه، لكنه، تفضل بوجود العالم نافلة من غير ضرورة زائدة على ~~ذاته، وداعية مستولية عليه، وأن أحدا لا ينال خيرا في الدنيا والآخرة ~~إلا بفضل الله، فإنه لو لم يدعنا إلى الطاعة، ولم يبين لنا الطريق، ~~ولم يوفقنا للعمل الصالح لما اهتدينا إليه، فذلك كله من فضل الله. # وقال أبو القاسم البلخي: إن الله سبحانه لو اقتصر لعباده في طاعتهم على ~~مجرد إحسانه السابق إليهم لكان عدلا، فلهذا جعل سبحانه الثواب والجنة ~~فضلا. # قيل: وفي هذه الآية أعظم رجاء لاهل الإيمان، لأنه ذكر أن الجنة معدة ~~للمؤمنين، ولم يذكر مع الإيمان شيئا آخر، وانت علمت ms1748 مما سبق، ان الإيمان ~~بالله والرسول وما جاء هو به أجل مراتب الكمالية للإنسان، وبه يستحق ~~السعادة العظمى، والغرض من الأعمال الصالحة هو خلاص النفس عن العلائق ~~الدنية، المكدرة لمرآة القلب، المانعة عن إدراك الحقائق والمعارف ~~الإيمانية، فالعقيدة الحقة الإلهية لا تتيسر إلا بقطع الأغراض الدنيوية ~~بالأعمال الصالحة المقربة للقدس، ولا يتيسر الإخلاص في العمل إلا ~~بالعقيدة الإيمانية، فالإيمان هو المبدأ والغاية في كل خير وكمال، على ~~وجه لا يدور على نفسه دورا مستحيلا، ويحتاج بيانه إلى كلام مشبع لا ~~يناسب المقام. # مكاشفة # في أن الجنة والنار حق # إعلم أن قوله تعالى: { أعدت للذين آمنوا } [الحديد:21]، ~~وكذا قوله: # أعدت للمتقين # [آل عمران:133]، دليل واضح على أن الجنة مخلوقة الآن، موجودة للمؤمنين ~~والمتقين، لأنها نتيجة أعمالهم (وان فيها جزاء لهم ونتائج لأعمالهم - ن) ~~وأفعالهم. # ومن جملة الآراء السخيفة، رأي من زعم أن الجنة والنار لم توجدا بعد، ولا ~~توجدان إلا بعد بوار العالم وتهافت السموات والأرضين، واشير إلى فساد ~~هذا الرأي في قوله: # إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا # [المعارج:6 - 7]. وفي قوله # أولئك ينادون من مكان بعيد # [فصلت:44]. # ومن الآراء السخيفة أيضا؛ اعتقاد أكثر الناس أن أجسام أهل الجنة أجساد ~~لحمية كثيفة، مركبة من أخلاط أربعة قابلة للاستحالات معرضة للآفات. ~~وإذا تأمل أحد فيما وصف الله تعالى من صفات أهل الجنة، ظهر له فساد هذا ~~الرأي، وذلك قوله سبحانه: # لا يمسهم فيها نصب # [الحجر:48]، و: # لا يذوقون فيها الموت # [الدخان:56]. وأنهم # فيها خالدون # [البقرة:25]. و: # ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة:62]. # ومن علامات حقية الاعتقادات؛ أن لا يقع فيها تناقض وتخالف، وهرج ومرج، ~~وأكثر آراء المجادلين والمتشبهين بالعلماء - كأكثر الكلاميين -، يكون ~~بحيث إذا عرضه صاحبه على عقله أنكره ضميرا - وان أقر به لسانا -، ~~ويجده مناقضا لسائر اعتقاداته وأصوله، فيقع عند ذلك في شك وحيرة وسوء ظن ~~بربه، كما قال الله تعالى: # وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ~~فأصبحتم من الخاسرين # [فصلت:23]. # ولا بد لكل أحد أن يعلم أن الجنة والنار الجسمانيتين ms1749 غير معلومتي ~~الكنه إلا للمكاشفين، الذين اكتحلت عيونهم بنور الله، وغلب عليهم ~~ظهور سلطان الآخرة، فصاروا بحيث تكون أبدانهم في الدنيا ساكنة، وأرواحهم ~~في الآخرة سائرة، فهم من أهل الاطلاع على حقائق الأمور الأخروية، ولا بد ~~للمحجوبين ومن لم يقف على أسرارهم ولم يصل بعد إلى مقامهم، أن يعتقدوا - ~~إيمانا بالغيب - أن الجنة التي عرضها السموات والأرض موجودة في عالم ~~الغيب، بحيث لا يمكن مشاهدتها بهذه العين، وليست أجسام الآخرة من هذه ~~الأجسام حتى يقع بينها تزاحم وتضائق، بل التزاحم والتضائق من خواص هذه ~~الأجساد التي تشاهد بهذه الحواس الداثرة المستحيلة، وتلك الأجساد لا ~~تشاهد إلا بالبصيرة الباطنية. # ولا بد أيضا أن يعلم كل من آمن باليوم الآخر، أن للأعمال والأفعال ~~الدنيوية - باعتبار تأثيرها في عادات النفس وملكاتها - علاقة طبيعية مع ~~أعيان الأمور الأخروية. فكما أن الأمر المسمى " بالمعصية " في الدينا، ~~يؤدي بصاحبها في الآخرة إلى الاحتراق بالنار، والتعذيب بالحميم والزقوم، ~~والتصلية للجحيم، فكذا المسمى " بالطاعة " يظهر في الآخرة بصورة الجنة ~~والرضوان، والتنعم بالفواكه والحور والغلمان، والولدان، فهذه الأفعال ~~المحمودة التي هي الطاعات، إنما تراد لأجل اكتساب الأخلاق الحسنة، وكذا ~~الأفعال المذمومة إنما تترك لأجل أنها ستنجر إلى الأخلاق السيئة. # فالغرض من الأوامر الشرعية - أفعالا كانت أو تروكا - إنما هو تحسين ~~العادات، وتقويم الملكات، وتبديل السيئات منها إلى الحسنات، بتوفيق من ~~الله وتأييد منه، كما قال سبحانه في حق المخلصين من عباده: # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان:70]. # وكما ان كل صفة في الدنيا تغلب على باطن الإنسان وتستولي على نفسه، بحيث ~~تصير ملكة له توجب صدور أفعال منه مناسبة لها بسهولة، ويصعب عليه صدور ~~أضدادها غاية الصعوبة، وربما يبلغ ضرب من الأولى حد اللزوم، وضرب من ~~الثانية حد الامتناع. فهكذا حال الملكات والأخلاق في الآخرة، إذ كل صفة ~~بقيت في النفس ورسخت فيها وانتقلت معها إلى تلك الدار، صارت كأنها لزمتها ~~ولزمت لها الآثار والأفعال الناشية منها بصور تناسبها، وليست الأفعال ~~والآثار الدنيوية في لزومها لمصادرها التي هي الملكات ms1750 بتلك المثابة، إذ ~~الدنيا دار اكتساب، وللعلل الاتفاقية فيها تداول وجولان، وللدواعي ~~والصوارف الخارجية تسلط ودوران، فالشقي ربما يصير بالاكتساب سعيدا، ~~وبالعكس، - بخلاف الدار الآخرة -، فإن باب الاكتساب والتحصيل فيها مسدود، ~~ولكل نفس فيها حد محدود، كما اشير إليه في قوله تعالى: # لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو ~~كسبت في إيمانها خيرا # [الأنعام:158]. # ولأن الدنيا دار تعارض الأضداد وتفاسد المتمانعات بخلاف الآخرة، لكونها ~~دار الجمع والاتفاق من غير تزاحم ولا تضاد، فالأسباب هناك لا تكون إلا ~~عللا ذاتية كالفواعل الحقيقية والغايات الذاتية دون العرضية، فكل ما ~~يصلح أثرا لصفة نفسانية لا يتخلف عنها هناك - كما يتخلف عنها ها هنا - ~~فلا سلطنة هناك للعلل العرضية والأسباب الاتفاقية، بل الملك لله ~~الواحد القهار كما في قوله: # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له # [سبأ:23]. أي لا تأثير هناك للعلل الاتفاقية، بل للذاتية. وكذا في قوله: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة:255]. وقوله: # فما تنفعهم شفاعة الشافعين # [المدثر:48]. أي العلل الاتفاقية دون المأذونين في الشفاعة كالرسول ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأجل حصول الاستعداد والمناسبة الحاصلة من ~~دعوته لأمته، التي كانت خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر. # وهذا القدر من المعرفة، أقل ما يكفي المستبصر لأن يؤمن بجميع ما وعده ~~الله ورسوله أو توعد عليه بلسان الشرع من الصور الأخروية المترتبة على ~~الاعتقادات والأخلاق المستتبعة للذات والآلام، إن لم يكن من أهل ~~المكاشفة الباطنية والمشاهدة الأخروية. # وأما معرفة التفاصيل في نتيجة كل صفة وعمل وعد به أو توعد عليه ~~الشرع الأنور بحكومة أخروية، فيتوقف على كشف تام ومعرفة كاملة، واتصال ~~قوي بعالم الغيب، وتجرد بالغ من علائق هذا العالم، فكل من له تحدث في ~~العلوم، يجب عليه أن يتأمل في الصفات النفسانية والأخلاق الباطنية، ~~وكيفية منشأيتها للآثار والأفعال الظاهرة منها، ليجعل ذلك ذريعة لأن يفهم ~~كيفية استتباع الأخلاق المكتسبة في الدنيا من تكرر الأفاعيل للآثار ~~المخصوصة في الآخرة، تحقيقا لقوله (صلى الله عليه ms1751 وآله وسلم): # " الدنيا مزرعة الآخرة ". # فكما ان شدة الغضب والغيظ في رجل غضبان يوجب ثوران دمه، واحمرار وجهه، ~~وحرارة جسده، واحتراق مواده الرطبة - التي أرطب من الحطب اليابس - على ان ~~الغضب صفة نفسانية موجودة في عالم الروح الإنساني وملكوته، والحركة ~~والحمرة والحرارة والاحتراق من صفات الأجسام، وقد صارت هذه الصفة الواحدة ~~النفسانية مصورة بهذه الهيآت والعوارض الجسمانية في هذا العالم، فلا عجب ~~من أن يكون رسوخ هذه الصفة المذمومة مما يلزمها في النشأة الآخرة نار ~~جهنم التي تطلع على الأفئدة فيحرق صاحبها. # وكما يعرض أيضا له بسببها ها هنا أمور مستنكرة وأفعاله مستكرهة - إذا ~~لم يكن له صارف عقلي - من ضربان العروق واضطراب الأعضاء وقبح المنظر، ~~وربما يؤدي بصاحبها إلى الضرب الشديد والقتل لغيره - بل لنفسه -، وربما ~~يموت غيظا، فكذا القياس فيما يعرض هناك على وجه أشد وأبقى. # وبهذه الموازنة بين النشأتين يشعر قوله تعالى: # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون # [الواقعة:62]، فإذا تأمل أحد في استتباع هذه الصفة المذمومة الواحدة ~~لتلك الآثار واللوازم الذميمة، فيمكن له أن يقيس عليها باقي الصفات ~~المؤذيات، والاعتقادات المهلكات، وكيفية انبعاث نتائجها ولوازمها منها ~~يوم الآخرة من النيران وغيرها، كما في قوله تعالى: # سيجزيهم وصفهم # [الأنعام:139]. # وكذا حال أضدادها من حسنات الأخلاق وحقائق الاعتقادات، وكيفية استتباعها ~~للنتائج والثمرات - من الجنان والرضوان، والوجوه الحسان - فعلى هذا يثبت ~~القول بوجود الجنة والنار بالحقيقة، ولا يحتاج إلى تجوز في قوله: # أعدت للمتقين # [آل عمران:133]. وقوله: # وإن جهنم لمحيطة بالكافرين # [التوبة:49]. ### || [57.22] # " المصيبة في الأرض ": نحو الجدب، وقلة النبات، وآفات الزروع ونقص ~~الثمار، وتلف الحيوانات، وموت الإنسان. " والمصيبة في الأنفس " نحو ~~الأدواء والأمراض والأوجاع والثكل بالأولاد والموت وغيرها من الشرور ~~والآفات الخارجية والداخلية، وربما كان بعض أنواع الوجودات والخيرات ~~لطائفة من الناس، - هي بعينها -، مصائب وآفات لجماعة أخرى منهم ~~بالاستجرار. # إلا في كتاب - يعني: إلا وهو مثبت مذكور في لوح محفوظ من ~~الألواح العالية المحفوظة عن التحريف والفساد والبطلان. # من قبل أن نبرأها - يعني: المصائب، أو الأرض، أو ms1752 الأنفس. # ان ذلك - أي: إثبات ذلك على كثرته وتفصيله هين على الله سهل يسير، وان ~~كان عسيرا على غيره. # مكاشفة # إعلم أن حقائق الأشياء مسطورة أولا في العالم المسمى باللوح المحفوظ، ~~بل في قلوب الملائكة المقربين المحفوظين بحفظ الله وتبقيته وحراسته ~~إياهم عن الخلل والنقصان والنسيان، وكما أن المهندس يسطر صورة أبنية ~~الدار في نسخة، بل في خياله أولا، ثم يخرجها إلى الوجود على وفق تلك ~~النسخة المسطورة أولا في الخيال، - سطرا لا يشاهد بهذه العين -، فكذلك ~~فاطر السموات والأرض، كتب نسخة العالم من أوله إلى آخره في العالم ~~الأعلى العقلي، ثم النفسي، ثم الخيالي، ثم أخرجه على وفق تلك النسخة إلى ~~الوجود الحسي المدرك بإحدى الحواس. # فعلمه تعالى بالأشياء الكائنة على هذا الترتيب بالوجه العقلي، بخلاف ~~علمنا الانفعالي بها، الذي يحصل منها على عكس هذا الترتيب، فإن العالم ~~الموجود الذي خرج إلى الوجود بصورته، تتادى منه صورة أخرى إلى الحواس، ~~ثم إلى الخيال، ثم إلى النفس، ثم إلى العقل المنفعل المتحد بالعقل ~~الفعال. فترتيب الصعود العودي، على عكس ترتيب النزول البدوي، ~~فالحاصل في العقل الإنساني، موافق للعالم الموجود قبله على التعاكس في ~~أنحاء الحصول. # وتوضيح ذلك: ان من ينظر إلى السماء والأرض ثم يغض بصره، يرى صورة السماء ~~والأرض في خياله كأنه ينظر إليهما، ولو انعدمت السماء والأرض في أنفسهما ~~كأنه شاهدهما أو ينظر إليهما. ثم يتأدى من خياله أثر إلى العقل، فتحصل ~~فيه حقائق الأشياء التي دخلت في الحس والخيال، فالعالم الموجود في اللوح ~~العقلي، وهو سابق على وجوده في القدر والصور المثالية، وهو سابق على ~~وجوده الجسماني، ويتبعه وجوده الخارجي الكوني، ويتبع وجوده الخارجي وجوده ~~الخيالي، ويتبع وجوده الخيالي وجوده العقلي - أعني وجوده في القوة ~~العاقلة الإنسانية المتحدة بالعقل الفعال -، وكما أن تلك الصور ومحالها ~~نازلة من الله تعالى في سلسلة البدو، فكذلك صاعدة إلى الله تعالى في ~~سلسلة العود، فالله تعالى منه البدو وإليه الرجعى. # ثم لما كانت بعض هذه الموجودات روحانية عقلية، وبعضها مثالية، وبعضها ms1753 ~~حسية، فكان الموجود الصادر من الحق عقلا، ثم نفسا، ثم حسا، فدار على ~~نفسه فصار حسانيا، ثم نفسانيا، ثم عقلانيا. # وان اشتهيت زيادة الاطلاع على حكمة الله تعالى في خلق العالم، وعجائب ~~صنعه في الموجودات، حيث أبرز مكنونات المكونات بقدرته وارادته أولا في ~~قضائه وقدره، ثم أظهر مستورات الحقائق وخفيات المخلوقات ثانيا بتوسط ~~القلم الأعلى واللوح الأعظم، على منصات الأكوان في عالم الزمان والمكان، ~~فاستمع لشرحه اليسير الذي يتيسر سماعه للمحدق البصير: # فنقول: إن الباري تعالى، لما شرع في الإفاضة والجود، فأول ما أفاد ~~وجوده هو العالم العقلي المشتمل على صور روحانية، هي جواهر مجردة عن ~~الأجسام والمواد، منزهة عن العوائق الخارجية والفساد، مدركة لذواتها ولما ~~عداها بذواتها - على ما بين بالبرهان، ونص عليه في الحديث والقرآن، ~~وصرح به في كتب أهل العرفان -، وهي من عالم الأمر كما قال: # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي # [الإسراء:85]. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): # " إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي. فهو ~~مكتوب عنده فوق العرش ". # وهذا العالم، عالم الملائكة الموكلين بعالم السموات والأرضين على وجه ~~الإفاضة والتأثير، وأعلى منهم الكروبيون، وهم العاكفون في حظيرة القدس ~~لا التفات لهم إلى الأجسام، بل لا التفات لهم إلى غير الله، لاستغراقهم ~~بشهود جمال الحضرة الربوبية وجلالها، ولا يستبعد أن يكون في عباد الله من ~~يشغله جلال الحق عن الإلتفات إلى غيره. # وقد وقع في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " إن لله أرضا بيضاء مشحونة خلقا لا يعلمون أن الله يعصى في الأرض، ~~ولا يعلمون أن الله خلق آدم وابليس ". # وهذا الصنف من المفارقات التي ليست واقعة في سلسلة علل الأجسام، وليست ~~فيها جهة نقص يكون بإزائها قصور في معلولاتها القريبة الجسمانية، فعبر عن ~~تلك الجهة بعدم علمها بعصيان العصاة لأن علومها فعلية، فتدبر. # وبالجملة، الجميع أنوار محضة عقلية، إلا أن بعضهم المهيمون - وهم ~~الأعلون - وبعضهم الأدنون في الصنف الأخير، وهم أنوار ms1754 قاهرة فيما تحتها ~~من النفوس والأجرام بتأثير الله تعالى، وقاهريتها صورة صفة قاهرية الله ~~تعالى وجباريته، كما أن نوريتها من سبحات وجهه وجماله تعالى، وبهذه ~~الاعتبار تسمى " الملائكة المقربون ". وعالمها عالم القدرة، وعالم ~~الجبروت، إذ يفيض فيها صور الأشياء وحقائقها بإفاضة الحق سبحانه، وكذا ~~يفيض عنها صفاتها وكمالاتها التي بها يجبر نقائصها، فعلم أن جميع الحقائق ~~بأعيانها وكمالاتها منتقشة فيها، وبهذا الاعتبار تسمى: " عقولا ". # وذلك الانتقاش هو صورة القضاء الإلهي، فالقضاء عبارة عن ثبوت صور جميع ~~الأشياء في العالم العقلي على الوجه الكلي، ومحله عالم الجبروت لتقدسه ~~تعالى عن شوب الكثرة، وهو المسمى " بأم الكتاب " ، الذي أشار إليه قوله ~~تعالى: # يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب # [الرعد:39]. # وكل ما يفيض علينا من العلوم الحقة الموسومة بالعلوم اللدنية تفيض ~~عنه كما قال تعالى: # اقرأ وربك الأكرم * الذى علم بالقلم # [العلق:3 - 4]. وتلك الجواهر خزائن غيبه كما قال: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر:21]. # وكما أن العالم الروحاني بجوهره المجرد محل القضاء، فالعالم النفساني ~~بجرمه السماوي محل القدر، إذ الصور العقلية الكلية في عالم القضاء في ~~غاية الصفاء والوحدة، لا يتراءى ولا يتمثل لغيرها لشدة نوريتها، كمرآة ~~مضيئة ترد البصر عن إدراك ما فيها من الصور بشعاعها، فتنتسخ تلك الصور ~~منه في النفس الناطقة الكلية التي هي قلب العالم، كما تنتسخ بالقلم في ~~اللوح صور معلومة مضبوطة منوطة بعللها وأسبابها على وجه كلي، كما يظهر في ~~قلوبنا عند استحضارنا للمعلومات الكلية كالصور النوعية - مثلا - وكبريات ~~القياس عند الطلب للرأي الجزئي المنبعث عنه العزم على الفعل، وهو " اللوح ~~المحفوظ " ، ومحل القضاء، لانضباط تلك الصور فيه وانحفاظها عن التغير ~~والزوال. # ثم ينتقش منه في النفوس الحيوانية الجزئية السماوية، التي هي قوى نفوسها ~~الناطقة، منبعثة منها، منطبعة في أجرامها نقوش جزئية مشخصة بأشكال وهيآت ~~معينة، مقارنة لأوقات معينة، مقدرة لمقادير وأوضاع معينة من لواحق المادة ~~- على ما يظهر في الخارج -، كما تنتقش في قوتنا الخيالية المعلومات ~~الجزئية كالصور ms1755 الشخصية وصغريات القياس مثلا، ليحصل بانضمامها إلى تلك ~~الكبريات رأي جزئي ينبعث عنه القصد الجازم إلى الفعل المعين، فيجب عنه ~~ذلك الفعل بعينه، وذلك العالم هو: " لوح القدر ". # " فالقدر " عبارة عن حصول جميع الموجودات في العالم النفسي على الوجه ~~الجزئي، مطابقة لما في المواد الخارجية، مستندة إلى أسبابها، واجبة بها، ~~لازمة لأوقاتها. وعالمه: " عالم المثال " ، لأنه خيال العالم وسماء ~~الدنيا التي تنزل إليها الكائنات أولا من غيب الغيوب، ثم تظهر في عالم ~~الشهادة - كما ورد في الحديث -. # وتلك النفوس من قوى نفوسه الناطقة، بمثابة قوانا الخيالية من نفوسنا، ~~وكل منها " كتاب مبين " ، كما أشير إليه بقوله تعالى: # ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس ~~إلا في كتاب مبين # [الأنعام:59]. وقوله: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ~~ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين # [هود:6]. # وحصول تلك الصور المعينة المقيدة بوقتها المعين هو " قدر الشيء " ~~المعين الخارجي كما قال: # وما ننزله إلا بقدر معلوم # [الحجر:21]. ومحل هذا القدر هو الهيولى الأولى، التي هي بعينها " لوح ~~ذلك القدر " الذي محله الملكوت العمالة بإذن الله، كما أن محل القدر ~~ولوح القضاء هو: " العالم النفسي " ، ومحل القضاء هو: " عالم الجبروت ". # وهذه التي ذكرناها جملة تحتاج إلى التفصيل والتدقيق في غير هذا الموقف، ~~وقد فصلناها وبسطنا القول فيها وفي نظائرها من المقاصد الربوبيات في ~~كتابنا الكبير المسمى ب " الأسفار الأربعة ". # ومن عجائب صنع الله سبحانه، أنه أبدع نظائر جملة هذه الحقائق المتعلقة ~~بذاته المقدسة من القلم، واللوح، والقضاء، والقدر، وعالمي الخلق والأمر، ~~والشهادة والغيب، والدنيا والآخرة. وأودع من كل واحد من تلك المعاني ~~أنموذجا ومثالا في فطرة الآدمي وروحه، لتصير صورة الإنسان مثالا له ~~ذاتا وصفاتا وأفعالا، وان لم يكن مثلا له لتعإليه عن الشبه والمثل. # فكما أن لأفعال الإنسان - عند إرادة صدورها منه وبروزها من مكامن غيبها ~~إلى مظاهر شهادتها - أربعة مراتب: # لكونها أولا في مكمن روحه العقلي، الذي هو غيب غيوبه في غاية الخفاء، ~~كأنها غير مشعور بها ms1756 # ثم تنزل إلى حيز قلبه الحقيقي ونفسه الناطقة عند استحضارها وإخطارها ~~بالبال كلية. # ثم تنزل إلى مخزن خياله ونفسه الحيوانية مشخصة جزئية. # ثم تتحرك أعضاؤه عند إرادة إظهاره فيظهر في الخارج. # فكذلك الحال فيما يحدث في العالم بعناية الله تعالى وارادته من الحوادث، ~~إذ الأولى بمثابة القضاء، ومحله بمثابة القلم. والثانية بمثابة نقش اللوح ~~المحفوظ، ومحله اللوح المحفوظ من الفساد، لأنه جوهر روحاني ناطق لا يفسد ~~بفساد البدن. # والثالثة بمثابة الصورة في السماء الدنيا، ونقش لوح القدر على ما نراه، ~~ومحله اللوح المقدر والجسم الصيقل البخاري الدخاني المشابه للسماء وهي ~~دخان، والرابعة بمثابة الصور الحادثة في المواد العنصرية. # ولا شك أن النزول الأول لا يكون إلا بارادة كلية، والنزول الثاني ~~بارادة جزئية خفية تنظم إلى الإرادة الأولى الكلية، فتتخصص بها وتصير ~~جزئية، فينبعث بحسب ملائمتها ومنافرتها رأي جزئي يستلزم إرادة جازمة ~~داعية إلى إظهاره، فتتحرك الأعضاء والجوارح ويظهر الفعل، فحركة الأعضاء، ~~بمثابة حركة السماء، وظهور الفعل هو القدر على المذهب الثاني. # وكما أن سلطان الروح - الذي هو التعقل والإدراك في البدن - لا يظهر ~~إلا في الدماغ - لمكان الروح الدماغي النفساني -، فكذلك سلطان الروح ~~الكلي - الذي هو روح العالم -، لا يكون إلا في العرش لمكان القوة ~~المحركة السارية فيه، فهو من العالم بمنزلة الدماغ من الإنسان. # وكما أن مظهر الأول فينا هو " القلب " الذي هو منبع الحياة، فكذلك مظهره ~~الأول فيه هو " الفلك الرابع " الذي هو فلك الشمس، ووسط العالم، ومنبع ~~حياة العالم، ومنشأ تدبير الكائنات ومنورها بالنور الحسي المظهر لكل شيء ~~من الأجرام، والمعطي لها حقها من الحياة الحيوانية الحسية، كما أن الباري ~~تعالى منبع الحياة العقلية للذوات العقلية النورية، والمنور لذواتها، ~~والمكمل لها بافاضة العشق والنور والوجود على ذواتها التي أبدعت على ~~كمالها الأتم وعشقها وتألهها منذ أول الفطرة، من الله مبدؤها وإليه ~~منتهاها. # فالشمس: مثال الله الأعظم، وخليفته في عالم الأجسام بروحها وقوتها ~~الساريتين في كل جسم من العالم، وكذلك القلب مثاله وخليفته في عالم البدن ~~الإنساني بروحه ms1757 الحيواني وقوتها الساريتين في كل عضو من الإنسان. # فروح الفلك بمثابة الروح الحيواني الذي في القلب، إذ به تحيى جميع ~~الأعضاء. وهو " البيت المعمور " المشهور في الشريعة انه في السماء ~~الرابعة، المقسم به في التنزيل حيث قال: # والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * ~~والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر ~~المسجور # [الطور:1 - 6]. ولهذا جعلت مقام عيسى روح الله - على نبينا وآله وعليه ~~السلام -، و " الكتاب المسطور " هو نقش القضاء الأول الثابت في الروح ~~الأول العقلي، وذلك الروح هو " الرق المنشور " ، " والسقف المرفوع " هو ~~السماء الدنيا المذكورة، وقريب بالبيت المعمور، لنزول الصورة منها ونفخ ~~الروح منه، فيتم بهما خلق الحيوان، و " البحر المسجور " هو بحر الهيولى ~~السيالة المملوة بالصور، وهي الهاوية والجحيم عند ظهور القيامة - والله ~~أعلم -. ### || [57.23] # وقرأ أبو عمرو: { بمآ آتاكم } - بالقصر -، ويكون الفاعل الضمير ~~الراجع إلى الموصول. والآخرون بالمد ليكون هو الضمير العائد إلى اسم ~~الله، و " الهاء " محذوفة من الصلة، تقديره: بما آتاكموه. # لما ذكر سبحانه أن جميع ما أوجده الله تعالى مثبت في كتاب سابق، أراد ~~أن يعلل ذلك ويبين حكمته فيه، فقال: لكيلا تأسوا ولا تفرحوا. أي: فعلنا ~~ذلك لئلا تحزنوا على ما يفوتكم من نعم الدنيا، ولا تفرحوا بما أعطاكم ~~الله منها، والذي يوجب نفي الأسى والفرح، أن الإنسان إذا علم أن كلما ~~حكم عليه في القضاء السابق الأزلي ليس إلا من مقتضيات ذوات الأشياء ~~التي لا يمكن التفصي عنها، يحصل له الاطمينان الكلي والراحة الكلية بأن ~~كل كمال تقتضيه حقيقته، وكل رزق صوري أو معنوي يطلبه عينه، لا بد أن يصل ~~إليه. # كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " ألا إن الروح الأمين نفث في روعي: أنه لا تموت نفس حتى تستكمل ~~رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ". # فيستريح عن تعب الطلب، وان طلب أجمل ولا يخاف من الفوات ولا ينتظر، ~~لعلمه بأن الله سبحانه في كل حين يعطيه من خزائنه ما يناسب وقته ~~واستعداده، فهو واجد دائما من مقصوده شيئا فشيئا، وما لا يقدر ms1758 له لا ~~يراه من الغير، فلا يبقى له حزن على فوات شيء. وكذلك من علم أن بعض الخير ~~واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال، لم يعظم فرحه عند نيله. # فإن قلت: بعض بني الإنسان ربما كان مقتضى ذاته أمورا لا تلائم نفسه ~~كالفقز، وسوء المزاج، وقلة الاستعداد، ولا يرى سببا للخلاص، إذ مقتضى ~~الذات لا يزول، فيحصل له غاية الأسى من هذا الوجه ولذلك قيل: " العلم ~~بسر القدر يعطي النقيضين: الراحة الكلية والعذاب الدائم " ، فكيف يستقيم ~~الحكم بعدم الأسى والحزن على فوات الأمور؟ # قلنا: ليس المراد نفي الأسى والفرح الصادرين عن الشخص بحسب الطبع، بل ~~المراد نفي صدورهما من العاقل على سبيل الاختيار المنبعث عن تصور الفائدة ~~والنفع، وليس للحزن فائدة فيما ذكر. # ويمكن أن يقال: إن العالم بسر القدر لا يكون شقيا، والشقي لا يكون ~~عالما به، فمن قال: " ان العلم بسر القدر يعطي النقيضين " فلا وجه له ~~ظاهرا. # وأما ما قيل في بيان عدم الأسى والفرح: ان الإنسان إذا علم أن ما فات ~~منه ضمن الله تعالى العوض عليه في الآخرة، فلا ينبغي أن يحزن لذلك، وإذا ~~علم أن ما ناله كلف الشكر عليه والحقوق الواجبة، فلا ينبغي أن يفرح ~~لذلك، فكلام حسن محمود في المواعظ. # فإن قلت: إذا كان عدم الحزن والفرح عند المضرة والمنفعة الواصلتين ~~للإنسان ليس مقدورا له إذ لا يملك أحد نفسه عند ورود أحدهما عن أحدهما - ~~فكيف يلائم ويحسن هذا التعليل؟ والعلة الغائية أو الغاية الذاتية للشيء ~~ينبغي أن يكون بينها وبينه علاقة سببية، أو أن تكون الغاية مترتبة على ~~الفعل. # قلنا: المراد نفي الأثر المذهل صاحبه عن الصبر، المانع له عن التسليم ~~لأمر الله، والفرح المطغي الملهي عن الشكر، الموجب للبطر والاختيال، ~~فأما الحزن الذي لا يكاد أحد يخلو منه مع الاستسلام لحكم الله والسرور ~~بنعمة الله مع إعطاء حقه - من الشكر - والتفطن لما يلزمه من الانتقال ~~والدثور، والعمل بموجبه فلا بأس بهما. # وللإشعار بأن المراد من الفرح المذكور هو الذي ms1759 يوجب البطر والخيلاء ~~عقبه بقوله: والله لا يحب كل مختال فخور -، أي: معجب بما أوتي، متكبر ~~على الناس بالدنيا، فإن الفرق بين " الخيلاء " " والفخر " كالفرق بين " ~~العجب " " والتكبر " في أن أحدهما بحسب نفس الموصوف به، والآخر له ~~بالقياس إلى غيره دون مقابله، لأن النكتة في ذكر شقاوة الموصوف بأحد ~~المتقابلين دون الآخر، أن هذا أشقى منه ولأن الإتصاف بأحد هذين الوصفين ~~يستلزم الإتصاف بالآخر، إذ قل من يكون له الفرح المطغي عند حظ دنيوي ~~ولا يضطرب عند المصيبة، بل الغالب أن لا تثبت نفسه حالة الضراء، كما لا ~~تثبت نفسه حالة السراء، فكل مختال فخور يكون جزوعا غير صبور، وكلا ~~الأمرين نقص وخسة، والله لا يحب كل ناقص خسيس. # ففي هذه الآية إشارة إلى أربعة أشياء: # أحدها: حسن الخلق. لأن من استوى عنده وجود الدنيا وعدمها لا يحسد، ولا ~~يعادي، ولا يشاح، لأن جميعها من أسباب سوء الخلق، وهي من نتائج النقص ~~والخسة. # وثانيها: استحقار الدنيا وأهلها إذا لم يفرح بوجودها ولم يحزن بعدمها، ~~وإليه أشار - عليه وآله والسلام - بقوله: " لا يفقه الرجل كل الفقه حتى ~~يرى الناس أمثال الأباعر ". يعني لا يحفل بوجودهم ولا يغيره ذلك ما لا ~~يغير بوجود بعير عنده وتمام الخبر: " ثم هو يرجع إلى نفسه فيكون أعظم ~~حاقر لها ". # وثالثها: تعظيم الآخرة لما سئل فيها من الثواب الدائم الخالص من ~~الشوائب، لأنه لما يئس من وجدان اللذة والنعيم في الدنيا، توجه إلى ~~طلبهما في الآخرة، وأهل الدنيا بعكس ذلك، لأنهم لما يئسوا من الآخرة ~~ولذاتها ونعيمها، انكبوا إلى الدنيا واطمأنوا بها ويئسوا من الآخرة: # كما يئس الكفار من أصحاب القبور # [الممتحنة:13]. # ورابعها: الافتخار بالحق والتشبث به دون أسباب الدنيا، ويروى أن علي ~~بن الحسين (عليهما السلام) جاءه رجل فقال: ما الزهد؟ # قال: الزهد عشرة اشياء، فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة ~~الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا، ألا وان ~~الزهد في آية من كتاب الله عز وجل: { لكيلا تأسوا ms1760 على ما ~~فاتكم ولا تفرحوا بمآ آتاكم } [الحديد:23]. # وقيل: لبزرجمهر: مالك أيها الحكيم لا تأسف على ما فات ولا تفرح بما هو ~~آت؟ فقال: لأن الفائت لا يتلاقى بالعبرة، والآتي لا يستدام بالخبرة. # مكاشفة # قد وضح من هذه الآية إن كل ما وقع أو سيقع في هذا العالم مقدر بهيآته ~~وزمانه، مكتوب بوصفه وخصوصيته في عالم آخر قبل وجوده، فإن اشتبه عليك ~~الحال في الأفعال المنسوبة إلى الاختيار، وتخيل لك انها على هذا التقدير ~~يلزم أن يكون بالاضطرار، فما بالنا نجد الفرق بين المضطر والمختار؟ ~~ولماذا نتصرف فيها بالتدبير والتغيير ونصرفها بالتقديم والتأخير؟ # ثم إذا كان الكل بالقضاء والقدر، فلماذا يؤاخذ بها ويعاقب عليها، أو ~~يؤجر ويثاب بقصدها؟ وما الفرق بين سهونا وعمدنا؟ فكيف يتجه المدح ~~والذم لنا؟ وأي فائدة للتكليف بالطاعات والعبادات، ودعوة الأنبياء ~~بالآيات والمعجزات؟ وأي تأثير للسعي والجهد؟ وأي توجيه للوعيد والوعد؟ ~~وما معنى الابتلاء في قوله تعالى: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [الملك:2] وما لا يحصى من الآيات الدالة على أن مدار التكليف هو ~~الاختيار، وبناء الأمر في الاختبار على الاختيار؟ # فتأمل جريان الأمر والنهي في مجاري القضاء والقدر، وتفكر في سلسلة ~~الأسباب والعلل، وتدبر في مباني الأمور حق التدبر، ومعاني الآيات بقوة ~~التفكر - ان كنت من أهله وخلقت لاجله -، عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر ~~من عنده، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وينكشف لك ما ينكشف لأهل اليقين ~~والراسخين في العلم، وتتخلص عن الشرك الخفي، فبادر عند التفطن بما ~~يتفطن به العرفاء الكاملون إلى الاعتذار والتوجه والاستغفار. # واعلم أن القضاء والقدر إنما يوجبان ما يوجبان بتوسط أسباب وعلل مترتبة ~~منتظمة، بعضها فاعلات مقتضيات كالمبادئ العالية من الجواهر العقلية، ~~وبعضها مدبرات ومعدات كالنفوس السماوية والحركات والأوضاع الفلكية ~~والصور واللواحق والأمور الجارية مجرى الأشياء الاتفاقية - التي هي ~~لزومية من وجه -، وغيرها من الإدراكات والإرادات الإنسانية، والحركات ~~والسكنات الحيوانية، وبعضها قوابل واستعدادات ذاتية، أو عارضية تختص ~~بسببها بحال دون حال، وصورة دون صورة - ترتيبا وانتظاما متقنا معلوما ~~في ms1761 القضاء السابق -، فاجتماع تلك الأمور من الأسباب والشرائط، مع ارتفاع ~~الموانع، علة تامة يجب عند وجودها ذلك الأمر المدبر والمقضي المقدر، ~~وعند تخلف واحد منها، أو حصول مانع يبقى وجوده في حيز الامتناع. ومع ~~قطع النظر عن وجود جميع الأسباب وعدمه يبقى في حيز الإمكان. # فإذا كان من جملة الأسباب - وخصوصا القريبة منها - وجود هذا الشخص ~~المكلف الإنساني، وادراكه، وعلمه وارادته، وقبوله التكليف بتفكره وتخيله ~~اللذين يختار بهما أحد طرفي الفعل والترك، كان ذلك الفعل اختياريا ~~واجبا وقوعه بجميع تلك الأمور المسماة علة تامة، ممكنا بالنسبة إلى ~~بعض منها، فوجوبه لا ينافي إمكانه، ومجبوريته لا تنافي كونه بالاختيار، ~~كيف وانه ما وجب إلا بعد كونه ممكنا، وما جبر عليه إلا بعد كونه ~~مختارا. # فمن نظر إلى بعض الأسباب قاصرا نظره إلى القريبة منها، ورآها مؤثرة ~~بالاستقلال قال بالقدر والتفويض - أي بكونها واقعة بقدرتنا الاستقلالية ~~مفوضة الينا -، ولهذا قال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " القدرية مجوس هذه الأمة " # لأنها تثبت مبدأين قادرين مستقلين كالمجوس القائلين بيزدان وأهرمن، ~~وان أحدهما فاعل الخير، والآخر فاعل الشر بالاستقلال. # ومن نظر إلى السبب الأول، وكون تلك الأسباب والوسائط مستندة بأسرها على ~~الترتيب المعلوم في سلسلة العلل والمعلولات إلى الله تعالى استنادا ~~واجبا وترتيبا معلوما على وفق القضاء والقدر، وقطع النظر عن الأسباب ~~القريبة، أو نفى التأثير مطلقا في العلل والمعلولات، وأبطل حكمة الله في ~~نظم الأسباب وتقدمها على المسببات قال بالجبر وخلق الأفعال، ولم يفرق ~~بين أفعال الأحياء وأفعال الجمادات. # وكلاهما أعور دجال لا يبصر بإحدى عينيه. أما القدري فبالعين اليمنى - ~~أي النظر الأقوى - الذي به يدرك الحقائق. وأما الجبري فباليسرى - أي ~~الأضعف - الذي به يدرك الظواهر. # وأما من نظر حق النظر فأصاب، فقلبه ذو عينين، يبصر الحق باليمنى فيضيف ~~الأفعال إليه - خيرها بالذات وشرها بالعرض -، ويبصر الخلق باليسرى ~~فيثبت تأثيرهم في الأفعال به سبحانه لا بالاستقلال، وبالإعداد لا ~~بالإيجاد، ويتحقق بمعنى قول الصادق (عليه السلام): " لا جبر ولا تفويض ~~ولكن أمر بين أمرين " فيتخذه ms1762 مذهبا، وذلك هو الفضل الكبير. # وأما من أضاف الأفعال إلى الله تعالى بنظر التوحيد، وإسقاط الإضافات، ~~ومحو الأسباب والمسببات - لا بمعنى خلق الأفعال فينا أو خلق قدرة وإرادة ~~جديدتين متبائنتين لقدرته وإرادته عند صدور الفعل عنا -، فهو الذي طوى ~~بساط الكون، وخلص عن مضيق البون، وخرج من البين والأين، وفني في العين، ~~لكنه بقي في المحو ولم يجئ إلى الصحو، ما زاغ بصره عن مشاهدة جماله ~~وسبحات وجهه وجلاله، فاضمحلت الكثرة في شهوده، واحتجب التفصيل عن وجوده، ~~وذلك هو الفوز العظيم. # فإذا رجع إلى الصحو بعد المحو، ونظر إلى التفصيل في عين الجمع، غير ~~محتجب برؤية الحق عن الخلق، ولا بالخلق عن الحق، ولا مشتغل بوجود الصفات ~~عن الذات، ولا بالذات عن الصفات، فهو الولي المحق الصديق، صاحب ~~التمكين والتحقيق، ينسب الأفعال إلى الله تعالى بالإيجاد، ولا يسلب عن ~~العباد بالإعداد، كما في قوله تعالى: # وما رميت إذ رميت ولكن الله # [الأنفال:17]. # تكميل وتوضيح # فعلم مما ذكر، أن الدعوة والتكليف، والإرشاد والتهذيب، والوعد ~~والترغيب، والإيعاد والتهديد، أمور جعلها الله تعالى مهيجات الأشواق، ~~ودواعي إلى خيرات وطاعات، واكتساب فضائل وكمالات، ومحرضات على أعمال ~~حسنة، وعادات محمودة، وأخلاق جميلة، وملكات فاضلة مرضية نافعة في ~~معاشنا ومعادنا، يحسن بها حالنا في دنيانا، وتحصل لنا سعادة عقبانا، أو ~~محذرات عن أضدادها من الشرور والقبائح، والذنوب والرذائل، مما يضرنا في ~~العاجل، ويشقى بنا في الآجل، لم يحصل لنا شيء من الطرفين إلا بتلك ~~الأسباب ونقائضها، # " وكانت تلك الوسائط أيضا مقدرة لنا، واجبة باختيارنا كما قال - عليه ~~وآله السلام - لمن سأله: هل يغني الدواء والرقية من قدر الله؟ # قال: " الدواء والرقية أيضا من قدر الله... " ". # ولما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " " جف القلم بما هو كائن " قيل: ففيم العمل؟ " # فقال: " اعملوا، فكل ميسر لما خلق له ". # ولما سئل: " أنحن في أمر فرغ منه أو أمر مستأنف "؟ # قال: " في أمر فرغ منه، وفي أمر مستأنف ". # ومن هذا علم أن كل ما يصدر عنا من الحركات والإرادات، ms1763 والحسنات ~~والسيئات، محفوظة مكتوبة علينا، واجب صدورها عنا، مع كونها باختيارنا، ~~كما قال تعالى: # وكل شيء فعلوه في الزبر* وكل صغير وكبير ~~مستطر # [القمر:52 - 53]. # وقال: # ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه ~~في إمام مبين # [يس:12]. فيه معرفات لسعادتنا وشقاوتنا في العقبى، وليست بموجبات ~~لهما، وكذلك ما يصل الينا من الرغائب والمكاره، كما قال النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): # " اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد ~~كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد ~~كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ". # وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): " اعلموا علما يقينيا، أن الله ~~لم يجعل للعبد - وإن اشتد جهده وعظمت حيلته وكثرت مكابدته - أن يسبق ما ~~سمي له في الذكر الحكيم " - أي اللوح المحفوظ - والشواهد في هذا الباب ~~أكثر من أن تحصى. # وأما الابتلاء: فهو إظهار ما كتب علينا في القدر، وابراز ما أودع فينا ~~وغرز في طباعنا بالقوة، بما يظهره من الشواهد، ويخرجه إلى الفعل من ~~الوقائع والحوادث والتكاليف الشاقة، بحيث يترتب عليه الثواب والعقاب، ~~فإنها ثمرات ولوازم وتبعات وعوارض لأمور موجودة فينا بالقوة، فإذا لم ~~تصدر عنا مباديها في الدنيا، لم تخرج هي إلى الفعل في العقبى، فكما أن ~~المثوبات الأخروية ليست بقصد وإرادة جزافية واقعة من الحق المقدس من ~~النقص والشين، والتفات حاصل من العالي بالقياس إلى السافل، بل من باب ~~الاستجرار ونظم الأسباب وترتيب المسببات عليها بحكمة المدبر العليم، ~~وإرادة الصانع الحكيم، الذي له الملك والملكوت، وبذاته التامة ~~الفاعلية يفيض الأشياء ويخلق ما يشاء من غير مصلحة زائدة وإرادة متجددة ~~فكذلك العقوبات الإلهية والتعذيبات الأخروية، ليست من باب الانتقام من ~~فاعل يحدث فيه انفعال غضبي ينتقم لأجل التشفي والتخلص من حرقة الغضب ~~وشدة اللهب، بل النفس الشقية العاصية إنما هي حمالة حطب نيرانها، لسوء ~~أفعالها ورداءة أخلاقها كمن به مرض أدت نهمته السابقة إلى المحن الشديدة ~~والأوجاع والآلام على سبيل اللزوم والانجرار، لا ms1764 لمنتقم خارجي، فكيف تحصل ~~الأسباب والمقدمات لشيء ولا تحصل ثمراتها وتبعاتها التي هي عوارضها ~~ولوازمها، والجميع معلومة لله تعالى قبل وجودها ومعه وبعده، من غير تغير ~~في ذاته ولا في صفاته، بل باعتبار تجدد الأشياء وتعاقبها في مرتبة حضورها ~~وشهودها التجددي، والتي هي آخر مرتبة من مراتب علمه بالأشياء، التي هي ~~عين الأشياء. # فقوله تعالى: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين # [محمد:31] وأمثالها، معناه: نعلمهم موصوفين بهذه الصفة، بحيث يترتب ~~عليها الجزاء، وأما قبل ذلك الابتلاء، فإنه علمهم مستعدين للمجاهدة ~~والصبر، صائرين إليها بعد حين. # فإن رجعت وقلت: إذا كانت الأسباب والمقدمات - وبالجملة الفضائل ~~والرذائل، والطاعات والمعاصي، والخيرات والشرور - كلها مقدرة مكتوبة ~~علينا قبل صدورها منا، معجونة فينا مربوطة بأوقاتها، فما بالنا لا ~~نتساوى في الفضيلة والنقص؟ ولا نتعادل في الخيرات والشرور؟ ولم لا ~~نتشاكل في الطاعات والمعاصي ولا نتماثل؟ وكيف نحترز عما يجب الاحتراز ~~عنه فننجو من وباله وتبعاته؟ وبأي شيء يتفضل السعيد على الشقي وقد تساويا ~~فيما قدر لهما؟ وأين عدل الله فينا وقد قال تعالى: # ومآ أنا بظلام للعبيد # [ق:29]. # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل:118]. # فنجيبك يا أخا الجدل بمثل ما قال الشاعر: # هون على بصري ما شق منظره # فإنما يقظات العين أحلام # اصبر واستمع ما يشفيك من غيضك، ويكفيك في إزالة ريبك، واعلم أن الأعيان ~~والماهيات متنوعة، والصفات والاستعدادات متفننة، والأرواح الإنسية بحسب ~~الفطرة الأولى مختلفة في الصفاء والكدورة، والضعف والقوة، مرتبة في درجات ~~القرب والبعد من الله، والمواد السفلية بأزائها بحسب الخلقة متباعدة في ~~اللطافة والكثافة، ومزاجاتها متبائنة في القرب والبعد من الاعتدال ~~الحقيقي، فقابليتها لما يتعلق بها من الأرواح متفاوتة، وقد قدر بازاء كل ~~روح ما يناسبه من المواد بحسب الفيض الأقدس، فحصل من مجموعها استعدادات ~~مناسبة لبعض العلوم والأخلاق والصفات والكمالات، موافق لبعض الأعمال ~~والصناعات دون بعض، على ما قدر لها في العناية الأولى والقضاء السابق، ~~كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ". # وتتفاوت العقول والإدراكات ms1765 والأشواق والإرادات بحسب اختلاف الطبائع ~~والغرائز فيسرع بعضهم بطبعه إلى ما ينفر عنه الآخر، ويستحسن أحدهم بهواه ~~ما يستقبحه الثاني، والعناية الإلهية تقتضي نظام الوجود على أحسن ما يمكن ~~ويتصور. # على أن الموجودات مظاهر لصفاته العليا، ومجالي لأسمائه الحسنى، وهي ~~متخالفة في المفهوم، متباعدة في المعنى، مع أحدية ذاته الحقة وبساطة ~~حقيقته المقدسة، فكل واحد من الممكنات مبدؤه ومعاده إلى اسم من الأسماء ~~الإلهية، محكوم بحكمه، ملائم لما يتوجه إليه، مناسب لما يبتدأ منه " ~~وكل ميسر لما خلق له " ، # سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص # [إبراهيم:2]. # كيف؛ ولو تساوت الأشياء في الاستعدادات، لفات الحسن في ترتيب النظام، ~~وارتفع الصلاح عن العالم، ولبقوا كلهم في طبقة واحدة، على حالة واحدة، في ~~مرتبة واحدة، ولا تتمشى أمورهم، ولبقيت في كتم العدم المراتب الباقية - ~~مع إمكان وجودها -، فكان حيفا عليها وجورا، لا عدلا وقسطا، وبقي ~~الاحتياج إليها في العالم مع فقدها، فالعدل هو تسوية المواد والأشباح ~~بحسب الصور والأرواح، وتعديل الأمزجة بحسب الأنواع، وتوزيعها على الأصناف ~~والأشخاص، وتوجيه الأفراد من الأجناس إلى ما يناسبها من الأمور والأشغال. # فمن أساء عمله، وأخطأ في اعتقاده، فإنما ظلم نفسه بظلمة جوهره وكثافة ~~طبعه وقصور استعداده، وكان أهلا للشقاوة في معاده، ينادى على لسان ~~المالك: مهلا " فيداك أو كتاوفوك نفخ " # ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين # [هود:118 - 119] واختلاف الغرائز كاختلاف الأشكال والطبائع. # وأما أنه كيف السبيل إلى الاحتراز عما يجب الاحتراز عنه: فإن شريف ~~النفس بحسب الجوهر الطيب الأصل، قلما يهم بشيء خسيس مما ليس في فطرته، ~~ولم يقدر له من الفواحش والرذائل لعدم المناسبة، وإذا هم نادرا لغلبة ~~صفة من صفات نفسه وقواه، واستيلاء هواه، وهيجان شهوة أو غضب فيه بأمر ~~قبيح، ينزجر بأقل زاجر من عقله وهداه، وربما يعود قبل صدور الفعل وامضاء ~~الهم النفساني إلى عقله وتقواه من غير عزم على الفعل، كما قال تعالى في ~~يوسف: # ولقد همت ms1766 به وهم بها لولا أن رأى برهان ~~ربه # [يوسف:24]. # وإذا كان دون ذلك في صفاء الفطرة والاستعداد، فلا ينزجر بزاجر من الشرع ~~والسياسة والناصح والأديب، لخسة نفسه وخبث جوهره ودناءة طبعه، وكل يشتاق ~~إلى ما يفعله بطبعه، ويحبه ويستحسنه، وان كان الآخر يعلم أن ضده أجود ~~وأحسن، كمحبة الزنجي ولده مع قبحه، دون الغلام التركي مع علمه بحسنه. # ولكل من القسمين مرتبة خالصة عن الآخر، وطبقات متفاوتة متفاضلة يكون في ~~كل منها نصيب من الآخر المقابل له، وتكون النجاة ومقابلها بحسب الغلبة ~~لصفات الخير على صفات الشر أو بالعكس. # وبالجملة، فأعظم السعادات مطلقا لأجود الاستعدادات، وأكمل الكمالات ~~لأشرف الأرواح الذي هو القطب الحقيقي، والحقيقة المحمدية - وهو القطب ~~المطلق -، لا القطب الإضافي بحسب كل وقت وزمان - كسائر الأنبياء سابقا ~~وسائر الأولياء لاحقا. # سيما أولاده المعصومين - سلام الله عليهم أجمعين -، كما قال الله ~~تعالى: # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض # [البقرة:253] - إلى قوله تعالى - # ورفع بعضهم درجات # [البقرة:253]. وقوله: # ذرية بعضها من بعض # [آل عمران:34]. فله المرتبة العظمى في الاستعداد، والسعادة الكبرى في ~~المعاد، المعبر عنها " بأعلى عليين " ، وكلما قصر الاستعداد نقصت ~~السعادة، وقصر العرض بينها وبين الشقاوة القصوى المعبر عنها " بأسفل ~~سافلين " ، فلكل صفو كدر، ولكل صاف عكر، وتقابل كل نور ظلمة، وبإزاء كل ~~حسن قبح. # والسعادة قسمان: دنيوية واخروية: # والدنيوية قسمان: بدنية كالصحة والسلامة، ووفور القوة والشهامة. وخارجية ~~كترتب أسباب المعاش، وحصول ما يحتاج إليه من المال. # والأخروية أيضا قسمان: علمية كالمعارف والحقائق. وعملية كالطاعات. ~~والأولى جنة المقربين. والثانية جنة أصحاب اليمين، وكما أن الحسن ~~والجمال من عوارض القسم الأول من الدنيوية، فالفضائل والأخلاق الجميلة من ~~عوارض القسم الأول من الأخروية. # وتتعدد أقسام الشقاوة بازائها. # قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): " صف العالم "؟ فوصفه. # فقيل: " صف الجاهل "؟ قال: قد فعلت. # فالسعادة والشقاوة بحسب العلم والجهل ذاتيان أزلا وأبدا، مخلدتان ~~دائما وسرمدا. وبحسب الأعمال الحسنة والسيئة تترتب عليهما المكافآت ~~والمجازاة، وتتقدر بحسبهما المثوبات والعقوبات، كقوله تعالى: # جزآء بما كانوا يكسبون # [التوبة:82]. ولا ms1767 تكون هذه الشقاوة مخلدة إلا ما شاء الله، وقد يتركب ~~بعضها مع بعض وينفرد، إلا أن أكثر السيئات وأكبرها يتبع الجهل، وأغلب ~~الحسنات وأعظمها يتبع العلم. # اللهم اجعلنا من السعداء المقبولين، ولا تجعلنا من الأشقياء المردودين. # ولقد أشبعنا في الكلام، ونقلنا شطرا من كتب الكرام، لكثرة تحير الناس ~~في هذا المقام، وقد بقي بعد خبايا من الخفايا بها يتم المرام، تركناها ~~في سنبله مخافة شنعة اللئام، الذين آرادوا أن يعرجوا إلى كنه المعارف ~~بعلم الكلام، الموضوع لحراسة عقائد العوام من إفساد المجالدين الخصام، ~~وقطاع طريق النجاة في الإسلام، وقد فرقنا كثيرا من المكاشفات المتكررة ~~المتعلقة بهذا المقصد في كتبنا ورسائلنا، سيما ما يتعلق بتعذيب الجاحدين ~~والكافرين مؤبدا، وبقائهم في الجحيم مخلدا. # وفيما ذكرناه كفاية لمن تيسر له، ولا ينجع أكثر من لمن تعسر عليه، ~~فليرجع من أراد الوقوف والاطلاع إليه، وبالله العياذ من التقصير، وبه ~~يتيسر كل عسير. ### || [57.24] # قرأ نافع وابن عامر: { فإن الله هو الغني } وهو في مصاحف ~~أهل المدينة والشام كذلك، والباقون بإثبات { هو } لوجوده في مصاحفهم. ~~والضمير ينبغي أن يكون فصلا، لا مبتدأ، لأن حذف الفصل أسهل - إذ لا موضع ~~له من الأعراب - بخلاف المبتدأ، ألا ترى أنه قد يحذف فلا يخل بالمعنى. ~~وقرئ: " بالبخل ". # وقوله: { الذين } بدل من قوله: # كل مختال فخور # [الحديد:23] كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون. وفيه دلالة على أن ذا الفرح ~~المطغي متكبر بما أوتي، فخور على الناس. وإذا رزق هو وأشباهه مالا وحظا ~~من الدنيا فلابتهاجهم به والتذاذهم منه وعزته لديهم، وعظمته في أعينهم - ~~لاجل قصور عقلهم ونقص فطرتهم وخلل جوهرهم - يزوونه عن حقوق الله ويبخلون ~~به، ولا يكفيهم ذلك حتى يأمروا الناس بالبخل ويحملوهم عليه، ويرغبوهم ~~بالإمساك ويزينونه لهم، وذلك كله من نتائج فرحهم به وبطرهم عند إصابته، ~~والفرح بالمحقرات الدنية الدنيوية من لوازم قصور الذات وخسة الجوهر ~~وقلة العقل، حيث لم يتنبه بدثورها وفنائها، ولما كان الابتهاج بمتاع ~~الحياة الدنيا، والبخل عن أداء الحقوق الواجبة وغير ذلك من ms1768 ذمائم ~~الأخلاق، ناشئة عن التوجه إلى الجنبة السافلة المستلزم للإعراض عن الحق ~~والتولي عن قبول أوامره - كالإنفاق - ونواهيه - كالبخل -، أشار إلى أنه ~~غني عن العباد وانفاقهم، محمود في ذاته، لا يقدح في كمال ذاته ووجوب ~~وجوده الإعراض عن شكره. # مكاشفة # إن في قوله: " هو الغني الحميد " من التهديد ما لا يخفى، للإشعار بأن ~~الأمر بالإنفاق لمصلحة تعود إلى المنفق، فإذا فات عنه ما هو المصلح ~~لذاته، المذكي له عن ذمائم الأخلاق - كالبخل وحب الدنيا الذي هو رأس كل ~~خطيئة -، كانت عاقبته السوء. # وليس في بخل العبد وإمساكه ضرر على الله تعالى، بل الأمر بالإنفاق ~~والتأكيد فيه، إنما وقع من الله تعالى لغاية رحمته على عباده، حيث هداهم ~~طريق التخلص عن عذاب الأخلاق الذميمة في الدنيا والآخرة، مع كونه غنيا ~~عن العالمين فكيف عن العبد وانفاقه. # وقد بالغ في الحث على الإنفاق، حتى طلب الصدقات منهم بقوله: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة:245] وقال: # ويأخذ الصدقات # [التوبة:104]. # وقد سلكت طائفة من المخذولين طريق الإباحة وقالوا: إن الله غني عن ~~إنفاقنا، وغني عن أن يستقرض منا، فأي معنى لقوله تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة:245] ولو شاء اطعام المساكين لأطعمهم، فلا حاجة لنا إلى صرف ~~أموالنا إليهم. كما قال الله تعالى حكاية عن الكفار بقوله: # وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال ~~الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشآء ~~الله أطعمه # [يس:47]. وقال تعالى أخبارا عنهم: # لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا # [الأنعام:148]. # فانظر كيف كانوا صادقين في كلامهم، وكيف هلكوا بصدقهم. # فسبحان من إذا شاء أهلك بالصدق، وإذا شاء أصعد بالجهل. # كه آدم راز ظلمت صد مدد شد # زنور ابليس ملعون أبد شد # رب تال للقرآن والقرآن يلعنه. رب رجل فقيه متعبد، يكون فقهه ~~وتعبده سببا لهلاكه، ورب جاهل مذنب يكون تحسره وحزنه على قصوره ~~وعصيانه سببا لنجاته # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة:26]. # فهؤلاء لما ظنوا أنهم استخدموا لأجل المساكين أو ms1769 لأجل الله، تحيرت ~~عقولهم وضلت أفهامهم فقالوا: لا حظ لنا في المساكين، ولا حظ لله فينا ~~وفي أموالنا أنفقنا أو أمسكنا ولم يعلموا أن المسكين الآخذ لمالك، يزيل - ~~أو يقلل - حب البخل وحب الدنيا من باطنك، فإنه مهلك لك، فهو كالحجام ~~يستخرج الدم من عروقك ليخرج العلة المهلكة من باطنك. # ولما كانت الصدقات مطهرة للبواطن ومزكاة لها عن خبائث الصفات، ~~وغسالة لذنوبهم - لأن بالمال يتمكن الإنسان من المعاصي -، امتنع رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أخذها وانتهى عنها، كما نهى عن كسب ~~الحجام، وسمى الصدقات أوساخ أموال الناس، وشرف أهل بيته بالصيانة عنها. # فهذا هو القول الكلي والسبب العقلي في وجوب الإنفاق، وقد سبق أن الأعمال ~~مؤثرات في القلب، والقلب بحسب تأثيرها يستعد إما لقبول الهداية ونور ~~المعرفة والإلهام، وإما لقبول الغواية وظلمة الجهل والوسواس، ولا يبعد أن ~~يكون قوله تعالى: # ولا طعام إلا من غسلين * لا يأكله إلا ~~الخاطئون # [الحاقة:36 - 37]. إشارة إلى حال عاقبة عمال الزكاة ومتولي الأوقاف ~~الذين يأكلون حقوق المساكين من غير استيهال ولا اضطرار. ### || [57.25] # أقسم سبحانه أنه أرسل الرسل المبعوثين منه - وهم الملائكة والأنبياء ~~عليهم التقديس والتسليم - بالحجج والمعجزات الباهرة، وأنزل معهم الوحي ~~والميزان. والأول للهداية إلى العلوم والتعليمات، والثاني للإرشاد إلى ~~الأعمال والمعاملات، ولهذا عقبه بقوله: ليقوم الناس بالقسط - أي: في ~~معاملتهم بالعدل. # روي أن جبرائيل (عليه السلام) نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال: " مر ~~قومك يزنوا به ". # وعن ابن زيد والجبائي. ومقاتل بن سليمان معناه: وأنزلنا معهم من السماء ~~الميزان ذا الكفتين يوزن به - وفيه سر -. # وعن قتادة ومقاتل بن حيان: معناه أنزلنا صفة الميزان، أي أمرنا الناس ~~بالعدل، كقوله: # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان # [الشورى:17]. # وأنزلنا الحديد - الذي يتخذ منه آلات الحروب للذب عن بيضة الإسلام، ~~ولبأس أهل الفساد ومنفعة الناس، إذ ما من منفعة به الناس دينا ودنيا ~~إلا والحديد آلتها كالكتابة والزراعة وغيرهما. # روى ابن عمر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: # " إن الله ms1770 - عز وجل - أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد ~~والماء والنار والملح ". # ومعنى الإنزال عند أهل المعنى: الإنشاء منها، لأن الحوادث الكونية إنما ~~تخلق من الله بتوسط الأسباب الفاعلة السماوية، والمواد القابلة الأرضية، ~~فمعنى قوله: أنزلنا الحديد: أنشأناه وأحدثناه، كقوله: # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # [الزمر:6]. وعلى هذا المعنى أيضا يحمل أمثال قوله: # وأنزلنا من السمآء مآء # [الفرقان:48] فإن السموات ليست حياضا وغدرانا للمياه ولا اصطبلا ~~للدواب، وإلى شبه هذا ذهب مقاتل فقال: " معناه: بأمرنا كان الحديد ". # وقال قطرب: معنى " أنزلنا " ها هنا " هيأنا " من النزل، وهو ما يهيأ ~~للضيف، أي: أنعمنا بالحديد وهيأنا، لكم. # وقيل: " نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان والكلبتان ~~والميقعة والمطرقة والإبرة ". # وروي: ومعه المر والمسحاة. # وقوله: ليعلم الله من ينصره ورسوله -، معطوف على قوله: ليقوم الناس ~~بالقسط - أي: ليعاملوا بالعدل، وليعلم الله نصرة من ينصره ورسله ~~باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح. ويحتمل أن يكون معطوفا على محذوف ~~دل عليه ما قبله، فإنه حال متضمن تعليلا، واللام صلة لمحذوف، أي: أنزله ~~ليعلم الله -. # وقوله: بالغيب - حال من المستكن في: " ينصره " ، أي: ينصره ورسله ~~غائبا عنهم بمجرد العلم الواقع بالنظر والاستدلال من غير مشاهدة حسية، ~~كما قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه. # ان الله قوي -، على إهلاك من أراد إهلاكه، - عزيز -، منيع لا يفتقر إلى ~~نصرة، وإنما كلفهم الجهاد لينتفعوا به في العاجل، ويستوجبوا الثواب ~~بامتثال الأمر به في الآجل، وليجمعوا بين الرحمة في الدنيا والمغفرة في ~~الآخرة. # مكاشفة # هذه الآية - كنظائرها - مشتملة على إشارات إلى فوائد نفيسة من علم ~~المبدأ والمعاد، وتنبيهات على فوائد شريفة من معرفة سلوك طريق الآخرة، ~~وأخذ الزاد، ينبغي التنبيه عليها: # الفائدة الأولى # الإشارة إلى كيفية إرسال الرسل وإنزال الكتب # وبيانه: أن سعادة الإنسان منوطة بأمرين: # أحدهما: الاطلاع على الحقائق والمعقولات بالعلوم الكلية. # وثانيهما: الاتصاف بالصفات المحسنات، والتنزه عن القيود والمضائق ~~السفليات بالآراء العلمية. # وهذه الكمالات، مما يخلو الإنسان منها في أول الحدوث، لكونه ضعيف ms1771 ~~الخلقة، كما أشار إليه بقوله: # وخلق الإنسان ضعيفا # [النساء:28]. بل فائضة عليه من الله تعالى بتوسط الملائكة العلوية، وليس ~~كل واحد من الناس مما تيسر له التفطن بالكمالات، والاتصال بعالم العلويات ~~إلا من أيد بروح قدسي يتصل بفيض علوي، ويعلم الأشياء بإلهام غيبي ~~ومدد سماوي، وهذا الإنسان هو " النبي " أو " الولي " ، وما يقبله بحسب ~~صفاء باطنه وإشراق روحه عن الملك الملقي إليه المعارف، هو " الوحي " ~~للأنبياء، أو " الإلهام " للأولياء. وستعلم الفرق بينهما. # فلا بد لهداية الخلق وإرشادهم إلى طريق النجاة، وإيصالهم إلى المعادن، ~~من وجود متوسط بينهم وبين الله يأخذ منه العلوم والكمالات من غير تعليم ~~بشري، ويوصله إليهم: # ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل ~~لفي ضلال مبين # [الجمعة:2]، كيف ولو أخذ كل إنسان علمه من إنسان آخر - من غير أن ينتهي ~~إلى الوحي والإلهام -، لأدى ذلك إلى غير النهاية، فلا بد من الانتهاء ~~إلى من يأخذ العلوم والكمالات من معدن اللاهوت بلا تعلم أو تقليد. # ولا يتوهمن أن النبي يأخذ العلوم عن الملك الموحى إليه على سبيل ~~التقليد، - هيهات -، العلم التقليدي ليس علما في الحقيقة، إذ العلم هو ~~اليقين، وهو لا يحصل إلا مع الظفر بالمبادئ والأسباب بسبب اتصال النفس ~~القدسية بالملائكة، وأخذها العلوم منهم، فإن الغير المنطبع لولا احتجابه ~~بالبدن وقواه، وتعلقه بالدنيا، واخلاده إلى الأرض، يتصل بالمبادئ ~~العالمية والملائكة المقربين، وخصوصا بما يقرب الينا ويؤثر في عالمنا ~~هذا، وهو المسمى ب " روح القدس " المعلم للأنبياء، و " جبرائيل " على ~~لغة السريانيين، فلو اتصلت به لتلألات فيه النقوش العلمية والصفات ~~الكمالية التي فيها، إذ لا مباينة بين المجردات إلا المادة، ولا منع ~~ولا تقصير ولا بخل في الجود والإفاضة، لأن هذه الأشياء من خواص عالم ~~الأجسام لتضايقها وتمانعها، فلدى الارتفاع عن ذلك يطالع المغيبات. # ومن جرب من نفسه صحة المنامات - والنوم إنما هو انحباس الروح عن الظاهر ~~في الباطن -، لا يستبعد من أن يكون نفس شديدة الارتفاع عن هذا العالم، ~~قوية الاتصال بالملكوت الأعلى تتلقى منه المعارف الكلية ms1772 والحقائق ~~العقلية، كما تتلقى أكثر النفوس في بعض الأحايين من الملكوت الأوسط شيئا ~~من المغيبات الزمانية المادية. # ومنبع المكاشفات العقلية المعنوية، عالم العقول والملائكة العقلية، ~~ومعدن المكاشفات الصورية الحسية، عالم النفوس الفلكية والملائكة العملية. # فالمكاشفة العقلية أحد أجزاء النبوة، وهو جزء مشترك بين الأنبياء ~~والأولياء، وللنبوة جزءان مختصان: # أحدهما: أن يكون النبي مأمورا من السماء بإصلاح النوع. # والثاني: طاعة الهيولى العنصرية له، بل طاعة هيولى الأفلاك بالشق والرم ~~بسيدهم وخاتمهم (صلى الله عليه وآله وسلم) لظهور المعجزات وخوارق ~~العادات. # وتحقيق ذلك؛ أن الإنسان ملتئم من أجزاء ثلاثة، من عوالم ثلاثة، هي مبادئ ~~إدراكات ثلاثة: التعقل، والتخيل والإحساس. # فبكل من هذه القوى يتصرف في عالم من العوالم الثلاثة: الدنيا، والآخرة، ~~وما هو فوقهما - أي عالم الوحدة -، وقد ثبت أن كل إدراك هو ضرب من ~~الوجود، فكمال كل واحد من هذه القوى يوجب التصرف في عالم من تلك العوالم، ~~والنبي هو الإنسان الذي تقوى فيه وتكمل وتشتد جميع هذه القوى الثلاث، ~~فبالقوة العاقلة يتصل بالقدسيين، ويجاوز المقربين، وينخرط في سلكهم - بل ~~يفوق عليهم عند اتصاله بالحق وفنائه عن الخلق واندكاك جبل إنيته، كما ~~أخبر عن نفسه بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ". # وبالقوة المصورة، يشاهد الأشباح المثالية والأشخاص الغيبية، ويتلقى ~~الأخبار الجزئية منهم، ويطلع بهم على الحوادث الآتية والماضية. # وبالقوة الحساسة - المساوقة للقوة المحركة - يتسلط على أفراد البشرية، ~~وتنفعل عنه المواد، وتخضع له القوى والطبائع الجرمانية تسلط العالي على ~~السافل، وخضوع السافل للعالي. # فالدرجة الكاملة من الإنسان بحسب نشأته الجامعة لجميع العوالم، هي التي ~~يكون الإنسان بها معظما عند الله، مؤيدا منه بتأييد تام، وإلهام ~~غيبي، وإمداد ملكي، واعانة فلكية يكون بحسبها قوي القوى الثلاث كلها، ~~ليستحق بها خلافة الله ورئاسة الخلق من قبله. # فعلم مما ذكرنا، أن أصول المعجزات والكرامات، هي كمالات ثلاثة تختص ~~بقوى ثلاث: # الخاصية الأولى: كمال القوى العاقلة، وهي أن يصوف عقل الإنسان صفاء يكون ~~شديد ms1773 الشبه بالملائكة المقربين - المسماة عند بعضهم بالعقول الفعالة - ~~ليتصل بهم من غير كثير تفكر وتعمل، حتى يفيض عليه العلوم اللدنية من ~~غير توسط تعليم بشري، بل تكاد أرض نفسه الناطقة تشرق بنور ربها، وزيت ~~عقله المنفعل يضيء لغاية الاستعداد بنور العقل الفعال، الذي ليس هو ~~بخارج عن كمال ذاته وان لم تمسسه نار التعليم البشري، لكن عند تميز ذاته ~~القابلة للمعقول عن ذات المقبول من العقول، صارت نورا على نور، يهدي ~~الله لنوره من يشاء. # الخاصية الثانية: كمال القوة المصورة، وهو كونها في الشدة والقوة بحيث ~~يشاهد في اليقظة عالم الغيب - كما قد يشاهد النائم في نومه -، وذلك لأن ~~قوى النفس وان كانت متجاذبة متنازعة، كلما انجذبت النفس إلى بعضها - ~~كالظواهر - انقطعت عن الأخرى - كالبواطن -، لكن إذا لم يكن ضعيفة منفعلة ~~عن الجوانب، بل كانت قوية غير منفعلة عنها وسيعة للجانبين تحفظ الجميع، ~~فعند استعمال الحواس الظاهرة تستعمل الباطنة، وتشاهد المغيبات في ~~اليقظة، فتدرك المعقولات والكليات عن الوسائط العقلية، وتشاهد الصور ~~الجميلة والأصوات الحسنة المنظومة على الوجه الجزئي في مقام هو رقليا، أو ~~في غيرها من العوالم المتوسطة البرزخية الباطنية. # وليعلم أن العوالم متطابقة متحاكية، فكل ما يدرك هذا الإنسان من عالم ~~العقل، يقع له حكاية منه في عالم الأشباح الباطنية، فذات العقل المفيض ~~مطابقة البدن للروح، واللفظ للمعنى، فتكون الصورة المحاكية للجوهر الشريف ~~العقلي هي الملك الذي يراه النبي والولي، أما النبي بما هو نبي، فعلى ~~طريق الحكاية والصورة، وأما الوي بما هو ولي، فعلى طريق التجرد الصرف، ~~وهذا أفضل أجزاء النبوة. # لكن النبي - لكمال قوته البدنية والعقلية - جميعا -، يدرك الملك الموحي ~~على الوجهين - بخلاف غيره من الأولياء -، وكذا الحكم في المعارف التي تصل ~~إلى النبي معنى وحكاية، وإلى الولي معنى فقط، فالشخص الملقي للمعارف على ~~الوجه المذكور، هو الملك الموحي بإذن الله، والكلام النازل منه في غاية ~~الفصاحة هو كلام الله والوحي. # فعلم مما ذكر، أن للملائكة ذواتا حقيقة أمرية، وذواتا بحسب ~~القياس الينا من جهة القوة المصورة ms1774 التي شأنها حكاية المعقولات، حكاية ~~صحيحة طبيعية، وكذا للقرآن حقيقة معقولة لا يطلع عليها أحد إلا من شاء ~~الله تعالى، وحقيقة بالقياس إلى مداركنا وحواسنا، كما أن للحق تعالى ~~ذاتا أحدية لا يكتنهها أحد غيره، وذاتا متصفة بالإضافات والاستواء على ~~العرش. # فلينظر كيف لطف الله تعالى بخلقه في نزوله عن عرش جلاله إلى درجة أفهام ~~خلقه، وفي إيصال كلامه إلى أفهام خلقه، وانظر كيف يجبل لهم إياه في حروف ~~وأصوات - هي صفات البشر -، ولو استتر كنه جمال كلامه بكسوة الحروف لما ~~ثبت لسماع كلامه عرش ولا ثرى، ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه وسبحات ~~نوره، ولولا أن ثبت الله موسى - على نبينا وعليه السلام -، لما أطاق ~~سماع كلامه، كما لم يطق الجبل مبادئ تجليه حيث صار دكا دكا. # وقد عبر بعض العارفين عن هذا وقال: إن كل حرف من كلام الله في اللوح ~~أعظم من جبل قاف، وان الملائكة لو اجتمعت على الحرف الواحد أن ينقلوه لما ~~أطاقوه، حتى يأتي إسرافيل - وهو ملك اللوح -، فيرفعه فينقله بإذن الله لا ~~بقوته وطاقته، ولكن الله طوقه ذلك واستعمله به. # فقوله: " كل حرف من كلام الله أعظم من كذا. # .. " ، المراد منه أن كل معنى من المعاني العقلية بحيث لا يمكن حمله ~~بقوة جسمانية - لما ثبت من أن المعنى العقلي لا يحمله المحل الجسماني -، ~~والملائكة الذين لا يطيقون حمل المعاني العقلية الكلية، هم الملائكة ~~الجسمانيون، فحق أن المعاني القرآنية ما لم تنزل بكسوة التعينات الجزئية ~~والأصوات والألفاظ، لا تحملها الطبائع الجسمانية والمدارك الخيالية ~~الانطباعية. # والمراد بإسرافيل، إما الملك العقلاني المفيض لفلك الشمس التي هي بمنزلة ~~قلب العالم - كما مر -، أو الملك النفساني المدبر لها. وظاهر أن العقول ~~المجردة لا تحمل المعاني الكلية إلا بافاضة الله تعالى عليها. # الخاصية الثالثة: قوة في النفس الإنساني من جهة جزئها العملي وقواها ~~التحريكية لتؤثر في هيولى العالم بازالة صورة ونزعها عن المواد، ~~وبإيجادها وكسوتها إياها، فتؤثر في استحالة الهواء إلى الغيم، وحدوث ~~الأمطار، وحصول الطوفانات، وإهلاك أمة فجرت ms1775 وعتت عن أمر ربها ورسله، ~~وشفاء المرضى، وإرواء العطشى، وخضوع الحيوانات. # وهذا أيضا غير مستحيل، لما قد علمت، أن الأجسام مطيعة للمجردات، بل هي ~~ظلال لها وعكوس عنها، فكلما أزدادت النفس تجردا وتشبها بالمبادئ ~~القصوى، ازدادت قوة وتأثيرا في ما دونها، وإذا صدقت أن مجرد التصور ~~والتوهم يحدث هذه التغيرات والانفعالات في هيولى البدن، وليس ذلك لكون ~~النفس ملاصقة بالبدن منطبعة فيه، بل لتعلق قهري وارتباط علي (عقلي)، ~~وعلاقة شوقية لها به، فلا تتعجب من نفس شريفة قوية تؤثر في بدن الغير، ~~وفي هيولى العالم مثل هذا التأثير، لأجل مزيد قوة شوقية، واهتزاز علوي، ~~ومحبة الهية لها، وشفقة لها على خلق الله شفقة الوالد على ولده والأم على ~~ولدها، فتؤثر نفسه في إصلاحها وإهلاك ما يضرها، والمجاهدة لما يفسدها. # وكما ان الخاصية الثانية توجد بوجه غير مرضي ولا محمود في نفوس الأشرار، ~~فكذا هذه الخاصية يوجد شيء منها في بعض النفوس القوية من غير تأله ولا ~~معرفة، بل لشدة قوتها التأثيرية قد يتعدى تأثيرها في بدن آخر حتى يفسد ~~الروح بالتوهم، ويعبر عن هذا بإصابة العين. # كما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه قال: # " العين تدخل الرجل القبر، والجمل القدر " # وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا: # " العين حق ". # فإذا كان هذا النحو من التأثير - أي بدون آلة جسمانية - ممكنا في حق ~~الأشرار، فما ظنك بنفوس عظيمة شديدة القوة شديدة البراءة عن المواد، كيف ~~لا يتعدى تأثيرها عن بدنها وعالمها الصغير إلى غيره فيؤثر في هيولى ~~العالم تأثيرها في بدنه، ومثل هذا يعبر بالكرامة والمعجزة عند الناس. # والخاصية الأولى أفضل أجزاء النبوة عند الخواص، ولهذا كان أعظم معجزات ~~نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن، وهو كما ترى مشتمل على ~~المعارف الإلهية. # وحقائق المبدأ والمعاد، وسلوك الطريق إلى الله تعالى، وبيان أحوال ~~الواصلين إليه تعالى على وجه عجز عن دركه إلا الأقلون من الراسخين ~~من أمته. وفيه الأخبار عن المغيبات والأفعال الخارقة للعادات، مع أن نفسه ~~أيضا من ms1776 المعجزات العقلية التي كلت أذهان العقلاء عن دركها، وخرست ~~ألسن الفصحاء عن وصفها. # فهذا ما أوردناه من معنى إرسال الرسل وكيفية إنزال الكتب. # الفائدة الثانية # الإشارة إلى تكميل القوة النظرية وتعديل القوة العملية المستفادين من ~~لفظي الكتاب والميزان والاقتران بينهما في الإنزال، والتعليل لهما بقيام ~~الناس بالقسط. # وبيان ذلك: ان للإنسان هوية مجردة عن الأحياز والأمكنة، وهي لطيفة ~~ملكوتية، وكلمة روحانية مضافة إلى الحق، فائضة بأمره من غير وساطة المواد ~~واستعدادها إلا بالعرض - كما حققناه في موضعه -، وهي المشار إليه ~~بقولنا: " أنا " ، وهي الجوهر الباقي منا إلى يوم الحشر والحساب، مع ~~اضمحلال الأجزاء البدنية، وهي المحشورة إلى ربها عند القيامة بالبدن ~~الأخروي المماثل لهذا البدن، بل عينه، لأن هوية البدن وتشخصه إنما هو ~~بالنفس في مدة بقاء الكون، وان تبدلت الأعضاء بالاستحالات الحاصلة من ~~الحرارات الغريزية الطبيعية، والغريبة الداخلة، والمطيفة بالبدن الخارجة. # وبالجملة، حقيقة الإنسان ليست إلا ذاته المجردة، وكل ذات إنما يكون ~~هلاكها في نقصها وضعفها وآفتها، ومجاورة ضدها، وبقاؤها في كمالها وقوتها ~~وصحتها ومجاورة أشباهها، ولكل شيء كمال خاص، فكمال القوة الشهوية نيل ~~المشتهيات واللذائذ الحسية، وكمال القوة الغضبية الظفر بالانتقام، وكمال ~~القوة الحسية إدراك المحسوسات، وكمال القوة المتخيلة تصوير المتمثلات، ~~وكمال الواهمة الظنون والرجاء. # وللنفس الإنسانية في ذاتها كمال يخصها، ولها قوتان: إحداهما عاقلة نظرية ~~متوجهة إلى الحق، والأخرى عاملة محركة للبدن متوجهة إليه، فكمال النفس ~~بحسب قوتها النظرية بمعرفة حقائق الأشياء وكلياتها، والمبادئ القصوى في ~~الوجود، وبالجملة معرفة الحق الأول بما له من صفات جماله، ونعوت جلاله، ~~وكيفية صدور أفعاله عنه ورجوعها إليه، ومعرفة كونه غاية الأشياء الذي ~~تتوجه إليه الموجودات في بقائها، كما تبتدئ منه في حدوثها، إلى غير ذلك ~~من المعارف الحقة التي كانت مستعدة لها أولا عند كونها هيولانية الذات، ~~ثم تحصل لها بسبب حصول المقدمات صورها على نحو البرهان الدائم اليقيني، ~~ثم ستصير مشاهدة إياها فائضة من الحق الأول، ثم تصير متصلة بها، منخرطة ~~في سلكها مستغرقة في شهود مبدئها ومعادها، بحيث ms1777 لا تلتفت إلى ذاتها ~~العارفة به تعالى، فضلا عن غيرها، بل الاضمحلال في المعروف يذهلها عن كل ~~شيء حتى عن ذاتها وعن عرفانها لمبدئها. # فاليقين الأول هو العلم، والثاني هو العين، والثالث هو الحق، فهذا هو ~~كمال النفس بحسب قوتها النظرية، ولا شبهة في أنه لا يحصل هذا الكمال ~~إلا بسبق معرفة الحقائق والعلم بالمعقولات، ولا شبهة في أن كتاب الله ~~مشتمل على جلها بل كلها، ولا شك في أن حصول المعارف والعلوم متوقف على ~~وساطة الرسول، ووساطته إنما تحصل بانزال القرآن، فقوله تعالى: { ~~وأنزلنا معهم الكتاب } [الحديد:25]، إشارة إلى ما تستكمل به ~~القوة النظرية. # واما كمال النفس بحسب القوة العملية الذي يكون الميزان إشارة إليه ~~فبيانه: أن النفس لما كانت في أول نشأتها ناقصة ضعيفة القوام بذاتها، ~~فتحتاج في استكمالها بالكمال الذي قد سبق ذكره، إلى مادة بدنية تفيض ~~وتستفيد بواسطة آلاته الجسمانية، ومشاعره الإدراكية، مبادئ إدراكاتها ~~التصورية والتصديقية من الأوليات الحاصلة من المشاركات والمبائنات بين ما ~~يقع الإحساس بها من المحسوسات الجسمانية، فتكون النفس في أول الاستكمال ~~محتاجة إلى البدن وقواه على الوجه المذكور، ولذا قيل: " من فقد حسا ~~فقد علما ". # ثم إن البدن جسم مركب من عناسر متضادة، فله بحسب كل منها أضداد يجب ~~الاحتراز عنها في مدة بقائها، وهو في أول التكون قليل المقدار صغير ~~الجسم، لكون كل بدن حاصلا من مثله في النوع بفضلة تحصل منه، وفضلة الشيء ~~لا يمكن أن تساويه، فلهذا الوجه ولوجوه أخر مذكورة في مظانها، لا بد أن ~~يكون في أول الحداثة قليل المقدار غير تام الخلقة، ويكون تمامه بورود ~~الجسم الشبيه به - قليلا قليلا - في مدة حياته، وهو الغذاء، وطلبه إنما ~~يكون بالشهوة، والشهوة لا بد لها من إدراك سابق، لأن كل جسم لا يصلح ~~للتغذي، إذ ربما يكون سما قاتلا أو مضرا، فيحتاج الإنسان إلى قوة ~~ما يدرك المصلح من المفسد في الأجسام الغذائية، ولا بد أن يكون مدركا ~~بادراك جزئي من الحواس الظاهرة - لاجل التمييز -، والباطنة - لأجل الحفظ ms1778 ~~والذكر -، إذ ربما لا يكون في كل جسم ما يشهد كونه ملائما أو منافيا في ~~كل وقت. # فثبت أن استكمال النفس متوقف على بقاء البدن مدة، وبقاء البدن متوقف على ~~قوى ثلاث لأمور ثلاثة: قوة العلم للتمييز بين المصلح والمفسد، وقوة الغضب ~~لدفع المفسدة، وقوة الشهوة لجلب المنفعة. # ومباشرة النفس لهذه القوى الثلاث، من باب الضرورة كما علمت، وإلا ~~فكمالها في التجرد عنها، ومن ابتلي بصحبة الأخساء من الأضداد، فما دام ~~اشتغاله بها وعدم الخلاص عنها، فالتوسط بين الأضداد بمنزلة الخلو عنها، ~~فإن الماء الفاتر بمنزلة الخالي عن الحرارة والبرودة، فكمال النفس - عند ~~استقلالها بالقوى الثلاث واستعمالها إياها -، توسطها بين الإفراط ~~والتفريط فيها لئلا ينفعل عنها ولا يطاوعها في مآربها، بل يستعملها على ~~هيئة الاستعلاء عليها لا الانقهار بها، وهي إنما تحصل بالتوسط فيها. # أما قوة العلم - أي استعمال الحواس الظاهرة والباطنة في أمور الدنيا -، ~~فتوسطها واعتدالها يسمى " بالحكمة " ومعناها غير العلم العقلي بحقائق ~~الأشياء بالقوة النظرية، فإنها كلما كانت أوفر كانت أفضل: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة:269]، والإفراط في هذه القوة يسمى: " الجزبرة " وهي المكر ~~والخديعة، والتفريط بها هو " البلاهة " و " السفاهة " ، وكلا الطرفين ~~مذمومان. # وأما قوة الغضب: فتوسطها واعتدالها " الشجاعة " - وهي فضيلة كالجود -، ~~وكلا جانبيها - وهما " التهور " و " الجبن " - رذيلتان، كما أن طرفي ~~الجود كالبخل والإسراف - مذمومان لقوله تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # [الإسراء:29] وقوله: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان:67]. # واما قوة الشهوة فتوسطها واعتدالها هو " العفة " ، وطرفاها - وهما " ~~الشره " و " الخمود " رذيلتان. # ومن تركيب هذه القوى الثلاث، وامتزاج أوساطها الثلاثة، تحصل قوة أخرى ~~لها توسط - هي الفضيلة - المعبر عنها " بالعدالة ". # ولها طرفان مذمومان: طرف الإفراط وهو: " الظلم " وطرف التفريط وهو " ~~الانظلام ". # فهذه الصفات الأربع أصول الفضائل العلمية، وأطرافها الثمانية هي ~~الرذائل، ومجموعها حسن الخلق إذا صارت ملكة يناط بها خلاص الإنسان ~~من ذمائم الأخلاق الموجب لسخط الباري وغضب الخلاق، والتعذب بالاحتراق ms1779 ~~بالجحيم لاجل الانحراف عن العدالة - المعبر عنها بالصراط المستقيم -، ~~فخير الأمور في هذا العالم أوسطها، فكما ان نفس الطريق المستقيم ليست ~~مقصودا، بل جوازها يؤدي إلى المقصود، فكذلك حسن الخلق ليس كمالا، ~~بل الاتصاف به يورث الخلاص من الجحيم، وإنما الكمال الحقيقي والمقصود ~~الأصلي هو معرفة الحق الأول وما يليه من الصفات الجمالية والأفعال ~~الإلهية التي تكمل بها النفس، وتقر بمشاهدتها العين السليمة من الأمراض ~~الباطنية. # فالميزان الذي يقوم فيه الناس بالقسط، وتعتدل به نفوسهم ويحسن خلقهم، ~~هو إشارة إلى مجامع الأخلاق الحسنة. # وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: # " أثقل ما يوزن في الميزان خلق حسن ". # وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ". # " وقيل: " ما الدين "؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " الخلق ~~الحسن " ". # وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " حسن الخلق خلق الله ". # وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا: # " إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ". # وإليه الإشارة في قوله تعالى: # ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * ~~قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها # [الشمس:7 - 10]. # وكما ان للحسن الظاهر أركانا - كالعين، والأنف، والفم، والخد -، ولا ~~يوصف الظاهر بالحسن ما لم يحسن جميعها، فكذلك للنفس التي هي باطن ~~الإنسان وجه إلى الخلق، ووجه إلى الحق، ووجهها الذي يلي الحق هو جهة ~~وحدتها وبساطتها، ووجهها الذي يلي الخلق جهة تركيبها من الأخلاق، ~~وللأخلاق أركان واصول، فلا بد من حسن جميعها حتى يحسن الخلق، ولهذا كان ~~في الأدعية النبوية " اللهم حسن خلقي " لحسن الوجه العملي التدبيري، و: ~~" اللهم أرني الأشياء كما هي " لحسن الوجه العلمي الشهودي. # والعدالة عبارة عن هيئة تحصل بها حسن وجه النفس، وهي فضيلة متضمنة لجميع ~~الفضائل الخلقية، كما ان الحسن الظاهري فضيلة جسمانية متضمنة لكمال ~~سائر الفضائل الخلقية، وتناسب جميع الهيآت البدنية، والتخاليط ~~والتشكيلات الجسمانية، ويعبر عنها بالميزان، لاشتراكها معه فيما يعرف به ~~مقدار الشيء، إذ يعبر (يعرف - ن) بها فقد الأخلاق - التي بها زينة جوهر ~~الذات الإنسية - عن ms1780 زيفها، واستقامة الأعمال عن ميلها وحيفها، وخلاصها عن ~~غشها. # والموازين لا يجب أن تتساوى جميعا في الذات والماهية، بل في كونها ~~ميزانا، وانها مما يعرف به حال الشيء كمية أو كيفية، فإن الاسطرلاب ~~ميزان والمسطرة ميزان، والعروض ميزان، والنحو ميزان، والمنطق ميزان، ~~لاشتراك جميعها فيما به يسمى الميزان ميزانا، وإن اختلفت في الماهية، ~~لكن هذا الميزان الذي كلامنا فيه هو بعينه ما سيعود يوم القيامة بصورته ~~المناسبة للنشأة الآخرة، فيعرف به كل واحد من الناس مقدار عمله بمعيار ~~صادق، ثم يحاسبون على أقوالهم وافعالهم وضمائرهم ونياتهم مما أبدوه أو ~~أخفوه، ثم يساقون إلى الصراط - وهو جسر ممدود بين منازل الأشقياء ~~والسعداء أحد من السيف وأدق من الشعر، يخف عليه من استوى في الدنيا ~~على الصراط المستقيم، الذي هو صورة العدالة ومثاله في الآخرة. # وقد أشرنا إلى أن فضيلة العدالة ليست فضيلة حقيقية للإنسان وخيرا ~~حقيقيا، بل هي طريق مستقيم إلى الكمال والخير الحقيقيين، فلا بد من ~~جوازها حتى تصل النفس إلى كعبة المقصود، وتتنعم بالنعيم ومجاورة المعبود. # فهذا ما أردنا من بيان معنى الميزان الذي يقوم به الناس بالقسط. # الفائدة الثالثة # الإشارة إلى ترتيب سلسلة الموجودات وتقدم بعضها على بعض وتأخر بعضها عن ~~بعض بحسب الشرف والكمال والحاجة والافتقار في النزول منه والصعود إليه: # وبيان ذلك؛ بأن أوائل الموجودات الصادرة عنه تعالى، التي صدرت بمحض ~~الجود والخير من غير استعداد وتركيب - وهي التي تسمى " بعالم الأمر " ، ~~لوجودها عنه تعالى بمجرد أمره، من غير توسط وجود قابل، واستدعاء افتقار ~~ثابت وتضرع بلسان استعداد لوجودها، وصدورها عنه تعالى على هذا الوجه، وهي ~~عقول مفارقة - هي " الملائكة المقربون " ، وعالمها " عالم القضاء ". # ثم نفوس مجردة هي " الملائكة المدبرون " ، وعالمها " عالم التقدير ~~والتدبير ". # ثم أجرام سماوية، وعالمها " عالم الأعمال والحركات " التي تنشأ منها ~~العناصر الأربعة بتوسط هيولاتها المشتركة، وهي نهاية تدبير الأمر المشار ~~إليه في قوله تعالى: # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض # [السجدة:5]. # وأما الموجودات الفائضة عنه بتوسط المواد والقوابل والاستعداد، فهي ~~المركبات على ms1781 هذا الوجه: المعادن، ثم النبات، ثم الحيوان، ثم أول درجة ~~الإنسان، وهو الذي في أوائل العقول، ثم مرتبة أهل الإيمان، ثم مرتبة ~~العلماء، ثم الأولياء والأنبياء. # وعند الوصول إلى رتبة الأولياء والأنبياء، وقع الوصول إلى الحق، فرجعت ~~سلسلة الموجودات في الصعود إلى الحق ثانيا عند ارتفاعها عن درجة النقصان ~~والخسة، إلى حيث نزلت منه تعالى أولا، فهو تعالى مبدأ الأشياء وغايتها، ~~وهو الأول والآخر. # وإذا تمهد هذا: فقوله: لقد أرسلنا - إشارة إلى عالم الملكوت المتوسطة ~~بينه وبين الخلق، وهو مشتمل على الملائكة والأنبياء، ولا تتم النبوة ~~إلا بالملك النفساني الذي يخبر بالحوادث الآتية والماضية، ولا تنصلح ~~أخباره للرسول إلا بعد استعلامه من الملك العقلاني المتوسط بينه وبين ~~الله، الذي تستفاد منه حقائق الاعتقادات الكلية، فكما أن الأنبياء ~~يصلحون اعتقادات الخلائق، فكذلك الملائكة يصلحون بعضهم بعضا، إلى أن ~~ينتهي إلى حضرة الربوبية التي هي ينبوع كل قوام، ومطلع كل حسن ونظام. # وقوله: { وأنزلنا معهم الكتاب } [الحديد:25]، إشارة إلى ~~الملك النازل على قلوب الأنبياء بالوحي، وحكم الأنبياء عند اتصالهم بعالم ~~الغيب ومشاهدتهم الملائكة، هو بعينه حكم الملائكة في منزلتهم ومرتبتهم في ~~الوجود، وإن صدق عليهم حين نزولهم من عالم تقدسهم إلى درجة أفهام ~~الخلق قوله تعالى: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم # [فصلت:6]. # ثم إن الإرسال والإنزال أمران نسبيان، يدلان على المنزل والمهبط ~~بالالتزام، ومهبط نزول الرسل (الوحي - ن) والملائكة عالم الأجسام، ~~والهبوط لا بد فيه من المرور على المراتب المتوسطة بين عالم القدس وعالم ~~الجرم الأرضي الذي هو أسفل السافلين، فقد وقعت الإشارة إلى المراتب ~~الكلية لسلسلة النزول. # واما الإشارة إلى سلسلة الصعود: فلفظ الميزان مما يحتمل أن يكون إشارة ~~إلى التعادل في العناصر الذي يقال له المزاج، المشار إليه بقوله: # والسمآء رفعها ووضع الميزان # [الرحمن:7]، وهو الذي به تتهيأ المواد العنصرية لأن تحصل منه المواليد ~~الثلاثة، فإن المانع عن قبول الحياة والشرف من الله تعالى في الأجسام ~~السفلية هي التضاد، وإلا فالجود مبذول والرحمة واسعة، أولا ترى أن ~~الأجرام العلوية لخلوها ms1782 عن التضاد في الكيفيات، حية مطيعة لله تعالى في ~~أوامره ونواهيه، لا كارهة كالأرضيات، كما وقعت الإشارة في قوله تعالى: # فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها # [فصلت:11]، وقوله: # وأوحى في كل سمآء أمرها # [فصلت:12]. # فكلما أوغلت العناصر عند الامتزاج في الاعتدال والتوسط بين أطراف ~~الأضداد، الذي هو بمنزلة الخلو عنها، يستعد لافاضة كمال أشرف وحياة ~~أرفع. # فأول ما يحصل لها من التوسط والاعتدال، هو ما تحصل منه المعادن على ~~مراتبها ثم النبات كذلك، ثم الحيوان على أنواعه، ثم الإنسان على طبقاته ~~في الشرف والبراءة من الأضداد، وقد تقرر في العلوم الإلهية: ان الطبيعة ~~ما لم تستوف النوع الأخس لم تتخط إلى النوع الأشرف، فقوله: { ليقوم ~~الناس بالقسط } [الحديد:25] إشارة إلى وجود صورة الإنسان بحسب ~~القسط والعدل في كيفيات عناصره وكمياتها، وهو المزاج المعتدل الإنساني، ~~الذي هو أشرف الأمزجة المعبر عنه بالتسوية في قوله: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي # [الحجر:29]. # وكون الميزان إشارة إلى الاعتدال في الكيفيات والصفات الجسمانية لأجزاء ~~البدن، لا ينافي كونه إشارة إلى العدالة في الأخلاق النفسانية، أما علمت ~~أن وجوه فهم القرآن لا تنحصر في واحد، فإن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ~~ومطلعا - كما ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) -، بل ~~ذلك الوجه يلائم هذا الوجه ويطابقه تطابق الظاهر للباطن، إذ العوالم ~~متطابقة، والنشآت متحاذية، فالاعتدال في المزاج يستدعي أن تكون الصورة ~~الإنسانية الفائضة عليه عدلا في الصفات المعنوية، واصول الأخلاق ~~النفسانية، التي هي بمنزلة صور الكيفيات الجسمانية. # وقوله: { وأنزلنا الحديد } [الحديد:25]، إشارة إلى درجة ~~المعادن، وهي الدرجة النازلة من المواليد، كما أن الدرجة الإنسانية من ~~الحيوان - المشار إليها بقوله: { ليقوم الناس بالقسط } ~~[الحديد:25]، هي الدرجة العالية منها. # وقوله: { ومنافع للناس } [الحديد:25]، يومئ إلى درجة النباتات، ~~لأن الحديد آلة الحرث والغرس. على أن من الإشارة إلى الجماد والى نوع من ~~الحيوان - وهما الطرفان النازل والعالي من المركبات -، لزمت الإشارة إلى ~~النبات بالالتزام، على ما مر من توقف النوع الأشرف على النوع الأخس في ms1783 ~~سلوك الطبيعة درجات الصعود إلى الحق، كما يتوقف الأخس على الأشرف في ~~النزول عنه، والى الحيوان بالتضمن، لأن الحيوان بما هو حيوان جزء من ~~الإنسان، ودلالة الشيء على جزئه بالتضمن. # وأما قوله: { وليعلم الله من ينصره } ، إشارة إلى درجة ~~أهل الإيمان والمعرفة، لأنهم ينصرون دين الله بالمجاهدة مع الكفار، وهم ~~متفاوتون في الفضيلة، وأفضلهم العلماء الذين ينصرون دينه تعالى بالاجتهاد ~~والاستنباط بالفكر الصحيح. # وقوله: { ورسله } ، إشارة إلى درجة الأنبياء والأولياء، الذين بهم ~~ينتهي ارتقاء المكونات في توجههم شطر كعبة الحق وتلقاء مدينة الخير ~~الحقيقي، الذي لا يشوبه شوب قصور وزوال، وهو الله العزيز المتعال، ~~القوي الشديد في الآثار والأفعال، ولذلك وقع الانتهاء باسم ذاته تعالى ~~صريحا مع ذكر صفة كمالية إضافية، واخرى جلالية سلبية، كما وقع الابتداء ~~به ضمنا، وكذا وقع الالتفات من التكلم إلى الغيبة، لأن السلسلة الأولى ~~شعورية، والأخرى إشعارية، فابتدأت الأولى بما يناسبها من الشعور دون ~~الإشعار، وانتهت الثانية أيضا بما يناسبها من الإشعار، ولأن أهل السلسلة ~~الأولى أصحاب الجبر والاستغراق في الشهود والفناء والهيمان، فلا التفات ~~لهم إلى ذواتهم، ولا إرادة لهم سوى إرادة الله، وأهل السلسلة الثانية ~~أصحاب الاختيار والإرادة المنفصلة عن إرادة الله، وذلك لوجود الوهم ~~والخيال فيهم، وهو مناط التكليف، لزعمهم أن لهم وجودا مستقلا بالذات، ~~فالإضمار والتكلم يناسب الأولى، والإبراز والغيبة يناسب الثانية. # الفائدة الرابعة # الإشارة إلى علمه بالجزئيات الزمانية على الوجه الجزئي. # وهو الذي حارت فيه أفهام الحكماء والفضلاء حيث ذكروا أن العلم بالشيء ~~على سبيل التجدد والتعاقب يوجب التجسم والتغير في ذات العالم، مع أن ~~القرآن مشحون بذكر ما يدل على تجدد اختبار وابتلاء، واستيناف نحو من ~~أنحاء العلم، كقوله تعالى في هذه الآية: { وليعلم الله من ~~ينصره } [الحديد:25]، وكقوله: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [هود:7]. # ومن هذا القبيل، كل آية وقعت فيها نسبة الابتلاء إليه تعالى، وهذا أمر ~~لا يعرفه النظار بقوة البحث والنظر إلا من أيده الله بتوفيق خاص ~~إلهي، يصل به إلى إدراك الحق بأقدام العبودية والإخلاص في ms1784 العلم والعمل، ~~وقد أومأنا إليه وإلى كشفه في مواضع متفرقة من الأسفار. # الفائدة الخامسة # الإشارة إلى الفرق بين معاني الغاية التي قد يقع بأزائها. # حرف " اللام " # فإن الغاية قد يراد بها: " السبب الغائي " ، وهو ما به يكون الفاعل ~~فاعلا تاما، وقد يراد بها: " ما يؤدي إليه الفعل " من غير أن يكون ~~مقصودا للفاعل في فعله، ويقال له: " الضروري " ، وقد يراد بها " ما ~~ينتهي إليه الفعل " بحسب الذات والقصد جميعا. # والغاية بالمعنى الأول في أفعاله تعالى لا تكون إلا ذاته، لأنه تام ~~الفاعلية والإيجاد، وبالمعنى الثالث، لو أريد به آخر ما ينتهي إليه ~~الفعل، فهو أيضا ذاته، وقد يكون غيره، كما في الحديث القدسي عنه تعالى: ~~" لولاك لما خلقت الأفلاك ". # وأما المعنى الثاني، فهو لا يكون إلا غير ذاته. # ومثال المعنى الأول: تصور السكنى في بناء البيت للباني، بل تصور الراحة ~~التي يتصورها عند السكنى. # ومثال المعنى الثاني: المنفعة الحاصلة للأجير في بنائه. # ومثال الثالث: وجود السكنى أو الراحة الذي ينتهي إليه الحركات البنائية. # فقوله: - أرسلنا رسلنا - وما عطف عليه، إشارة إلى العلة الغائية بالمعنى ~~الأول، لأن الإرسال والإنزال فعلان اختياريان، لا بد فيهما من علة غائية، ~~وقوله: ليقوم الناس، إشارة إلى الغاية بمعنى الضروري، وقوله: وليعلم الله ~~من ينصره -، إشارة إلى الغاية الذاتية التي ينتهي إليها الفعل بالذات. # الفائدة السادسة # الإشارة إلى عنايته وحكمته في خلق الحديد وعجائبه وفوائده، وكيفية حدوثه ~~من الأدخنة والأبخرة المحتبسة في الجبال، والمعادن، مدة مديدة بإذن الله ~~تعالى بتوسط الكبريت والنفط والقير وغيرها، مما يتوسط في القوام بين رقة ~~الأدخنة ولطافتها، وغلظ الحديد وكثافته، واطاعته للإنسان في قبول الذوبان ~~واللين بالحرارة النارية، وقبول الاستطراق تحت المطارق، وبقاء لينه عند ~~الطرق حتى تتخذ منه الآلات الصناعية على أي وجه أريد، ثم رجوعه إلى جموده ~~الأصلي عند التبرد لتبقى التشكلات المقصودة منه في كل صنعة. # فانظر إلى رحمة الله كيف هدى الناس إلى تحصيله من الجبال، ثم إلى كيفية ~~تليينه بالنار، واتخاذ آلات الصنائع منها لجلب المنفعة ms1785 ودفع المضرة، ~~الحاصلتين عند استعمالها بداعية العمال الشهوية والغضبية، المنبعثتين عند ~~استعمال النفس المدبرة إياها بإشارة العقل المكمل الهادي إليها بإلهام ~~الحق له، وهو تعالى الأول في البداية، والآخر في النهاية، ومنه الإفاضة ~~والجود في المبدأ والغاية. ### || [57.26] # عطف سبحانه على ما تقدم من ذكر المرسلين مجملا، بذكر نوح وإبراهيم - ~~على نبينا وعليه السلام - مفصلا، وإنما خصهما بالذكر، وذكر قصتهما، ~~لفضلهما وكونهما أبوي الأنبياء، كما يدل عليه قوله تعالى: { وجعلنا ~~في ذريتهما النبوة والكتاب } ، فإن الأنبياء كلهم من ~~نسلهما وذريتهما - عن ابن عباس -. # الكتاب: الخط بالقلم. يقال: كتب كتابا وكتابة. # ثم أخبر تعالى عن حال الذرية بحسب النشأة الأخروية، فقال: فمنهم - أي ~~فمن الذرية، أو من المرسل إليهم -، لدلالة ذكر الإرسال عليه - مهتد - ~~إلى طريق الحق، - ومنهم فاسق - عن أمر ربه، والغلبة للفساق. # مكاشفة # إعلم أن لوجود كل من الصنفين مصلحة وخيرا تخصه وتليق به، لئلا يلزم أن ~~يكون الخير قليلا والشر كثيرا في أشرف أنواع الكائنات. # فليس لأحد أن يقول: أكثر أفراد الإنسان يغلب عليهم الشر على ما دلت عليه ~~الآية، ولأن مناط تحصيل السعادة والشقاوة للنفس الآدمية إنما هو استعمال ~~قواها الثلاثة: - الإدراكية، والشهوية، والغضبية - إذ هي مبادئ الأفاعيل ~~والانفعالات، ومن تكرر الأفاعيل والانفعالات تحصل أخلاق وملكات هي ~~المنتجة للسعادة أو الشقاوة في العاجل والآجل، والغالب على أكثر الناس - ~~على ما نراه - أضداد الأخلاق الحسنة، من الجهل، وغلبة الشهوة، واستيلاء ~~حب الدنيا، وميل الرياسة، والبخل، والحسد، والكبر، والرياء، وأشباهها. ~~وما يترتب عليها وينبعث عنها من الفسوق والمعاصي، فيلزم كونهم من الأشرار ~~المردودين عن رحمة الله، على أن رحمته وسعت كل شيء، فما معنى كونه تعالى ~~محض الرحمة التي لا جهة شرية فيها؟ وما معنى قول الربانيين من ~~الحكماء: " إن الخير مرضي والشر مقضي "؟ # لانا نقول: لا بد أن يعلم أن الخلق الذي لا نجاة معه في الآخرة، هو ~~صفة واحدة للنفس من حيث جزؤها العلمي، وهي ضرب من الجهل، وهو ما يكون ~~مركبا مع الاعتقاد الراسخ المضاد للحق، ms1786 وأما من حيث جزؤها العملي، ~~فليس كل رذيلة توجب الحرمان عن الغفران، بل الرذائل التي رانت على القلوب ~~وصيرتها فاسدة الجوهر، كجرم المرآة التي أحاطت بها النداوة ظاهرا ~~وباطنا، وغاصت فيها وأفسدتها سطحا وعمقا، وكون أكثر الناس فساقا ذوي ~~صفات ذميمة لا يستلزم كونهم مطرودين من رحمة ربهم، بل كما أن الجهل ~~المركب الراسخ المضاد لليقين، الذي يوجب الشقاوة الأبدية، نادر كوجود ~~اليقين الذي يوجب خيرا كثيرا وقسطا وافرا من السعادة، والجهل البسيط ~~الذي لا يضر في المعاد عام فاش في هذا النوع، فكذلك حال القوتين ~~الأخريين. # فالبالغ في فضيلة العقل والخلق - وان كان نادرا -، كالشديد النزول ~~فيهما، لكن المتوسطين على مراتبهم أغلب وأوفر، وإذا ضم إليهم الطرف ~~الأعلى، كانت لأهل النجاة غلبة عظيمة. # وما أشبه حال الأرواح في انقسامها إلى هذه الأقسام بحسب السعادة ~~والشقاوة الأخرويتين، بحال الأبدان في انقسامها بحسب السعادة والشقاوة ~~الدنيويتين إلى العالي في الجمال والصحة، والمتوسط فيهما - وهو الأكثر -، ~~والقبيح السقيم - وهو أقل من عدد المتوسط فضلا عن مجموع القسمين. # فإذن قد ثبت أن السعيد أكثر من الشقي، فالحكم بأن رحمة الله تعالى لا ~~تنال إلا قليلا من عباده غير صحيح، وقد قال تعالى: # ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون # [الأعراف:156]. # وأما خلود أهل الكفر في النار، ففيه سر لا ينكشف لأحد إلا من يشاء من ~~خلص عباده وهو العليم الحكيم. ### || [57.27] # قرأ الحسن " الأنجيل " - بفتح الهمزة -، والأمر فيه هين لأن الكلمة ~~أعجمية لا يلزم فيها حفظ أبنية العرب، بخلاف أمر " البرطيل " " والسكين ~~" فيمن رواهما بالفتح. # وقرأ " رآفة " على وزن فعالة. # و " التقفية ": جعل شيء إثر شيء على نهج الاستمرار، ولهذا قيل لقواطع ~~الشعر " قوافي " إذا كانت تتبع البيت على أثر بيت مستمرا في غيره على ~~منهاجه. # و " الرهبانية " أصلها من الرهبة والخوف، يوصف بها النصارى لترهبهم بعد ~~موت عيسى (عليه السلام) في الجبال فرارا من الفتنة في الدين، لظهور ~~الجبابرة على مؤمني ذلك الزمان، واخلاصا لأنفسهم في عبادة الرب عند ~~التفرد عن الخلق، ms1787 فهي " الفعلة " المنسوبة إلى الرهبان - بالفتح -، ~~وهو الخائف، " فعلان " من " رهب " ، كخشيان من خشي، وقرئ: " ورهبانية " ~~بالضم منسوبة إلى " الرهبان وهو جمع " راهب " ، كركبان جمع راكب، وهي ~~عبادة مخصوصة بالنصارى، لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): # " لا رهبانية في الإسلام " # وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " رهبانية امتي الحج والجهاد ". # وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر، أي: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، ~~ويجوز أن تكون معطوفة على ما قبلها، والجملة بعدها صفة لها في محل النصب، ~~والمعنى: ثم اتبعنا بالإرسال على آثار المذكورين كنوح وإبراهيم ومن ~~أرسلنا إليهم أو من عاصرهم من الرسل برسل آخرين، أي: اتبعنا رسولا بعد ~~رسول، وقفينا سابقا بلا حق حتى انتهى الأمر إلى عيسى بن مريم بعدهم، ~~فارسلناه رسولا وأعطيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه من ~~الحواريين وأتباعهم للتراحم والتعاطف بينهم رأفة ورحمة، بأن أمرهم الله ~~بهما ورغبهم فيهما، أو خلق في قلوبهم الرأفة والرحمة. # وإنما مدحهم على ذلك - وان كان من فعله - لأنهم تعرضوا لهما وابتدعوا ~~رهبانية لم يكتبها عليهم، وهي خصلة من العبادة يظهر فيها معنى الرهبة، ~~إما في كنيسة (شعشعة - شعثة - ن)، أو توحش عن الخلق، أو تفرد عن ~~الجماعة، أو غير ذلك من الأمور التي تعلق بنسك صاحبه. # وقيل: إن الرهبانية التي ابتدعوها هي رفض النساء واتخاذ الصوامع - عن ~~قتادة -. وعلى تقدير عطفها على ما قبلها يكون المعنى: وجعلنا في قلوبهم ~~رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم. بمعنى: وفقناهم للتراحم بينهم، ~~ليبتغوا بها رضوان الله ويستحقوا بها الثواب، والاستثناء منقطع، أي ما ~~فرضناها تعبدناهم بها " ، حتى يكون مشتملا على نفي الإيجاب والندب ~~المستلزمين لمطلق الراجحية والتقرب، وهذا وان كان مخالفا لقوله: { ~~ابتدعوها } ، لكن يوجه بأن يقال: معناه: ولكنهم ابتدعوها ثم ندبوا ~~إليها. # وابتدعوها: بمعنى: استحدثوها من قبل أنفسهم ووافوا بها، فما رعوها حق ~~رعايتها، أي: الذين بعدهم ما رعوا جميعا للرهبانية، أو للمذكورات من ~~الرأفة، والرحمة، والرهبانية - حق رعايتها، ولكن بعضهم رعاها، وبعضهم ضم ~~إليها التثليث، والقول بالإلحاد، وقصد السمعة والرياء والكفر ms1788 بمحمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، ونحو هذه الأشياء، كما ان المنسوبين إلى التصوف ~~في هذه الأزمنة والدورة الإسلامية بعضهم مما رعوا حقه - من تصفية ~~الباطن، والتزهد في الدنيا، والانقطاع عن أهلها وذويها طلبا لمرضاة الله ~~-، وأكثرهم لم يراعوا حقه، بل ضموا إليه السمعة والرياء، والتغني ~~والسماع، والاشتغال بالملاهي وصحبة الأباطيل، والمعطلين عن الفكر والسير ~~في الملكوت وعن ذكر الله إلا بمجرد اللسان عند مجمع الخلائق. # فآتينا المؤمنين المراعين منهم لهم أجرهم، وكثير منهم فاسقون - وهم ~~الذين لم يراعوها ولم يوفوا بها. # قال الزجاج: إن تقدير { ما كتبناها عليهم }: ما كتبنا إلا ~~ابتغاء رضوان الله وهو اتباع ما أمر به - فهذا وجه -. # قال: وفيها وجه آخر في التفسير، وهو أنهم كانوا يرون من ملوكهم ما ~~لا يصبرون عليه، فاتخذوا أسرابا وصوامع وابتدعوا ذلك، فلما ألزموا ~~أنفسهم ذلك التطوع ودخلوا عليه، لزمهم تمامه، كما أن الإنسان إذا جعل على ~~نفسه صوما لم يفرض عليه لزمه أن يتم. # قال: وقوله: { فما رعوها حق رعايتها } على ضربين: أحدهما: ~~أن يكونوا قصروا فيما ألزموا به أنفسهم، والآخر - وهو الأجود -: أن ~~يكونوا حين بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يؤمنوا به، وكانوا ~~تاركين لطاعة الله، فما رعوا تلك الرهبانية حق رعايتها، ودليل ذلك قوله: ~~{ فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } ، يعني الذين ~~آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). { وكثير منهم ~~فاسقون } أي كافرون - انتهى كلام الزجاج -. # ويؤيده ما روي عن ابن مسعود قال: # " دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا ابن مسعود، ~~اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة، نجا منهم اثنتان وهلك ~~سايرهن، فرقة قاتلوا الملوك على دين عيسى (عليه السلام) فقتلوهم، وفرقة ~~لم يكن لهم طاقة لموازاة الملوك ولا أن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى ~~دين الله تعالى، ودين عيسى (عليه السلام)، فساحوا في البلاد، وترهبوا، ~~وهم الذين قال الله لهم: " ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ". # ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): من آمن بي ms1789 وصدقني واتبعني فقد ~~رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون ". # مكاشفة # في هذه الآية حجة على عدم خلو الزمان عمن تقوم به حجة الله على خلقه، ~~إذ علم أنه بهذا جرت سنة الله من لدن آدم ونوح وآل إبراهيم، إلى وقت ~~نبينا - صلوات الله عليهم أجمعين -، ولن تجد لسنة الله تبديلا، لكن ~~النبوة قد ختمت برسولنا (صلى الله عليه وآله وسلم)، والولاية التي هي ~~باطن النبوة باقية إلى يوم القيامة، فلا بد في كل زمان - بعد زمان ~~الرسالة - من وجود ولي يعبد الله على الشهود الكشفي من غير تعلم، ويكون ~~عنده مأخذ علوم العلماء والمجتهدين، وله الرئاسة العامة في أمر الدين ~~والدنيا، وهو الداعي للخلق بحسب الفطرة من قبل الله، سواء أطاعته ~~الرعية أو لا، والناس أجابوه أو أنكروه، وسواء كان ظاهرا مشهورا، أو ~~مستترا مغمورا، كأكثر الأئمة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين -. # وكما ان النبوة والشريعة قد ختمت برسولنا (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~فالولاية التي هي باطنها تختم بآخر أولاده المعصومين، وهو الذي يواطي ~~اسمه اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومعناه معناه، وبجوده ~~أقيمت البلاد، ورزقت العباد، وبظهوره يملأ الله الأرض قسطا وعدلا ~~بعدما ملئت ظلما وجورا. # وفي حديث كميل بن زياد النخعي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، ما يدل ~~على هذا المطلب، وهو قوله - بعد كلام سابق -: # " يا كميل، مات خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي ~~الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، آه آه، إن هاهنا - ~~وأشار بيده الشريفة إلى صدره المقدس - لعلما جما، لو أصبت له ~~حملة، بلى أصيب له لقنا غير مأمون، يستعمل آلة الدين في الدنيا، ~~ويستظهر بحجج الله على خلقه، وبنعمه على عباده، أو منقادا للحق لا بصيرة ~~له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض شبهة. ألا - لا ذا ولا ذاك ~~- أو منهوما باللذات سلس القيادة للشهوات، أو مغرما بالجمع ~~والادخار، ليسا من رعاة الدين في شيء، أقرب شيء شبها بهما الأنعام ms1790 ~~السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه. # اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهرا مشهورا، واما ~~خائفا مغمورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته وكم ذا وأين أولئك؟ أولئك ~~والله الأقلون عددا، والأعظمون عند الله قدرا، يحفظ الله بهم حججه ~~وبيناته حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم ~~العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استعوره ~~المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان ~~أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى ~~دينه، آه آه شوقا إلى رؤيتهم. # وفيه إشعار بأمور: # الأول: إن العالم الحقيقي، له الولاية على الدين والرئاسة فيه. # الثاني: إن سلسلة العرفاء بالله والولاية المطلقة لا تنقطع أبدا. # الثالث: إن عمارة العالم الأرضي، ووجود أفراد الإنسان وسائر الحيوانات ~~وغيرها من الكائنات، إنما يكون بوجود العالم الرباني، وقد يقام عليه ~~البرهان في الحكمة المتعالية، فيلزم منه الاعتراف بوجود إمام حافظ للدين ~~في كل زمان. # الرابع: ان هذا القائم بحجة الله، لا يجب أن يكون ظاهرا مشهورا ~~كمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في أيام تمكنه من الخلافة الظاهرة، ~~بل ربما يكون خاملا مستورا - كهو (عليه السلام) قبل ذلك الوقت، ~~وكأولاده الأحد عشر بعده، سيما القائم المنتظر امامنا المهدي - سلام الله ~~عليه وآله وآبائه الطاهرين - المشار إليهم في قوله تعالى: # ذرية بعضها من بعض # [آل عمران:34]. # وفيما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): # " لا تزال أمتي بخير ما وليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش ". # الخامس: ان من خواص أولياء الله وحججه، أن تكون علومهم ومعارفهم حاصلة ~~بحدس تام وإلهام من الله من غير تعمل وتكسب، كما دل عليه قوله (عليه ~~السلام): " هجم بهم العلم على حقائق الأمور، وباشروا روح اليقين " أي ~~أطلعهم الله على حقائق الموجودات، وقذف في قلوبهم نورا من لدنه، يريهم ~~الأشياء كما هي، وهذه هي الحكمة الحقيقية التي من أوتيها فقد أوتي خيرا ~~كثيرا. # السادس: انه قد علم شرف الحكمة الإلهية ومنزلة حامليها، حيث ms1791 اشتاقت نفسه ~~الشريفة (عليه السلام) إلى لقائهم مع كونه قدوة الربانيين ومقدم ~~السائرين إلى الله بقوة الحكمة والعرفان، وبه تنتهي سلسلة السالكين ~~وأصحاب الطريقة والصوفيين ومن يحذو حذوهم في التأله والمعرفة - لا في ~~مجرد الرياضة البدنية وجلوس الصوامع ولبس الخرقة، إذ لا كمال فيه يعتد به ~~-. # وذلك لأن الجنسية علة الضم، والجنس يحن إلى جنسه، ولأن فنون التقرب ~~إلى الله تعالى متعددة، وأذواق الكاملين مختلفة، مع اشتراكهم في غلبة ~~جانب التوحيد والعلم والفناء والبقاء، فلا يبعد أن يكون الاشتراك في جهة ~~الكمال المطلق، ومظهرية الذات الأحدية يوجب أصل المحبة، والاختلاف في ~~ظهور بعض المظاهر الاسمائية والصفاتية، وخفاء بعضها، يوجب التشوق بجهة ~~خفاء اسم أو صفة إلى جهة ظهور اسم أو صفة، فإن تجليات الحق بحسب الأسماء ~~والصفات غير متناهية عددا، فكذلك تختلف المظاهر والمجالي اختلافا غير ~~متناه شخصيا. # ومما يدل على وجود الإمام المطاع في الأحكام في جميع الأزمنة، ما اتفقت ~~روايته بين الخاص والعام في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية ". # وقد اتفقت الأمامية على أن الإمام في زماننا هذا هو المهدي (عليه ~~السلام)، الموعود ظهوره في آخر الزمان، واستبعاد أهل السنة وجوده وبقاءه ~~إلى الآن في غاية السقوط، إذ الأدلة الطبية والنجومية على امتناع بقاء ~~الإنسان بعد المأة والعشرين غير تامة، ومع ذلك منقوض بوجود الأعمار ~~الطويلة للسابقين، كما هو المشهور من آدم ونوح (عليه السلام)، وغيرهما، ~~وببقاء الدجال اللعين من اللاحقين مدة طويلة هي من زمن الرسول - عليه ~~وآله السلام - إلى وقت خروج المهدي (عليه السلام). # وأسقط من ذلك تشنيعهم على الفرقة الإمامية بأن أي ثمرة في وجود امام لا ~~يمكن التوصل إليه وأخذ المسائل الدينية منه؟ فإن مجرد المعرفة بإمامته ~~ورئاسته، والتصديق بوجوده وأنه خليفة الله في أرضه، ثمرة ينتفع بها، ~~وليست الفائدة منحصرة في مشاهدته، أولا ترى أن من كان في عهد النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وصدق بوجوده وبرسالته، كان مؤمنا حقا ~~وان لم ms1792 يره مشاهدة كأويس القرني - رضي الله عنه - فكذا ها هنا. # و # " روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري: " ان النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ذكر المهدي فقال: ذلك الذي يفتح الله على يده مشارق الأرض ~~ومغاربها، يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت فيها إلا من امتحن الله قلبه ~~للإيمان. # قال جابر: فقلت: يا رسول الله - هل لشيعته انتفاع به في غيبته. # فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أي والذي بعثني بالحق، أنهم يستضيئون ~~بنوره، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها السحاب ~~" ". # والعجب أنهم حملوا الإمام في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) على أهل ~~الشوكة الظاهرة من ملوك الدنيا - كائنا من كان، عالما أو جاهلا، ~~عادلا أو فاسقا - فتشنيعهم على الإمامية مقلوب عليهم بأشد وجه بأن ~~يقال: أي ثمرة تترتب على معرفة الجاهل الفاسق ليكون من مات ولم يعرفه مات ~~ميتة جاهلية؟ # وأما رجوعهم عن هذا الحمل لغاية سخافته، إلى أن المراد بالإمام في ذلك ~~الحديث هو " الكتاب " ، فدفعته الإمامية بما نقله بعض الأعلام منهم ~~بقوله: إن إضافته إلى زمان ذلك الشخص يشعر بتبدل الأئمة في الأزمنة، ~~والقرآن لا تبدل له - بحمد الله - على مر الأزمان، ولأن المراد بمعرفة ~~الكتاب، إن أريد بها معرفة ألفاظه أو الاطلاع على معانيه، أشكل الأمر ~~على كثير من الناس، حيث يكون موتهم ميتة جاهلية، وإن أريد مجرد التصديق ~~بوجوده، فلا وجه للتشنيع علينا إذا قلنا بمثله. # اعلم أنه ذكر الشيخ محي الدين الأعرابي في الباب الثلاثمائة والست ~~والستين من كتاب الفتوحات المكية كلاما بهذه العبارة يدل على أنه كان ~~معتقدا وجود المهدي (عليه السلام)، وقد نقل بعض الأعلام من الكرام تمام ~~هذا الكلام في كتاب الأربعين من أراد الاطلاع عليه فلينظر فيه، ونورد فيه ~~نبذة منه هي: # " وان لله خليفة يخرج من عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~ولد فاطمة (عليها السلام) يواطئ اسمه اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، جده الحسين بن علي (عليهما ms1793 السلام)، يبايع بين الركن والمقام ". # - وعد بعض نعوته وأوصافه الشريفة إلى أن قال: - " يبايعه العارفون من ~~أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهي، له رجال إلهيون يقيمون دعوته ~~وينصرونه، لولا أن السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله، ولكن الله يظهره ~~بالسيف والكرم فيخافون ويقبلون حكمه من غير إيمان، ويضمرون خلافه، ~~ويعتقدون فيه إذا حكم فيهم بغير مذهب أئمتهم أنه على ضلال في ذلك ". - ~~انتهى -. # واعلم أن كل عالم رباني ذي مكاشفة تامة يعرف طريق التبتل إلى الله ~~تعالى، وكيفية التخلص عن ورطة التعلق بالمهلكات الدنيوية والمؤذيات ~~النفسانية، فإن اتباعه وتعلم السلوك منه واجب عقلا، كما أن اتباع ~~الرسول والأئمة (عليهم السلام) واجب عقلا وسمعا، فكما أن المريض ومن ~~به داء مهلك، عند التساهل عنه، إذا وجد طبيبا حاذقا يعرف معالجة ذلك ~~المرض المهلك يجب عليه اتباعه وقبول ما أمر به، بحسب ما جبل عليه من ~~التحفظ على الحياة البدنية، فكذلك من به مرض الجهل وداء الخلق الردي ~~النفساني الذي به تفوت الحياة السرمدية، يجب عليه بالضرورة أن يتبع ~~العارف الواقف بكيفية إزالة الجهل وسائر الأخلاق الذميمة، ويتعلم منه ~~طريق الاستكمال، ويتأسى به، ويسلك بسلوكه، ويقبل منه النصائح في كيفية ~~التقرب إلى المبدأ الفعال. # وكما ان من تيسر له خدمة عالم متأله، ثم تساهل في ملازمته وتحمل ~~المعارف منه - خوفا من سقوط منزلته عند الناس، وتحفظا على جاهه الحقير ~~لدى العوام الناقصين -، فيوشك أنه إذا خرج الإمام المهدي (عليه السلام) - ~~الذي وجبت إطاعته عقلا - تمرد على حكمه وتحاشى إطاعته، إذا انحطت عند ~~ذلك مرتبته عند الناس وسقط به جاهه الخسيس، اللهم إلا خوفا أو طمعا، ~~لا تقربا إلى الله تعالى، وإلا لأطاع كل من له قدم راسخ في العلم ~~بالله وملكوته، وذلك لمرض نفسه، وخبث جوهره، وقصور ذاته بحسب نفس الأمر، ~~وسقوط منزلته عند الله حيث تصده المنزلة عند الخلق عن تحصيل المنزلة ~~عنده، ويرجح عنده رضاء الخلق على رضاء الخالق، وقد قال سبحانه: # ورضوان من الله أكبر # [التوبة:72]. ### || [57.28] # الكفل: النصيب. ms1794 # يا أيها الذين آمنوا - أي: اعتقدوا توحيده وعلمه وقدرته وصدقوا ~~بأنبيائه (عليهم السلام)، - اتقوا الله - فيما نهاكم عنه من قبائح ~~الأفعال ورذائل الصفات - وآمنوا برسوله -: محمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم). # أو: يا أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # وعن ابن عباس: يا أيها الذين آمنوا ظاهرا، آمنوا باطنا، يعطكم ~~نصيبين من رحمته، نصيبا لإيمانكم بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~ونصيبا لإيمانكم بمن قبله من الأنبياء (عليهم السلام)، إن كان خطابا ~~لمؤمني أهل الكتاب، ولا يبعد أن يثابوا بما عملوا في دينهم السابق وإن ~~كان منسوخا. # هكذا قيل، وفيه تفصيل: فإنهم إن لم يكونوا معاندين، بل كانوا منقادين ~~للحق إذا ظهر عليهم، فكل ما عملوا سابقا طلبا لمرضاة الله، كانوا ~~مثابين به إلى أن وصل إليهم صيت الإسلام، فإذا اجتهدوا في تحقيق الأمر ~~حتى ظهر لهم، فلا شبهة في أن لهم كفلين من رحمة الله، وان لم يكونوا ~~كذلك، بل كانوا متعصبين لدينهم، متصامين عن استماع الحق، فلا اعتداد ~~بالأعمال التي فعلها الإنسان تعصبا وتجاهلا من غير طلب البصيرة. # وقيل: الخطاب للنصارى، الذين كانوا في عهده (صلى الله عليه وآله ~~وسلم). # وان كان خطابا لغير أهل الكتاب فالمعنى: اتقوا الله وأثبتوا على ~~إيمانكم برسوله يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب من الكفلين في قوله: # أولئك يؤتون أجرهم مرتين # [القصص:54]. ولا ننقصكم من مثل أجرهم لإنكم مثلهم في أنكم لا تفرقون بين ~~أحد من رسله. # ويجعل لكم يوم القيامة نورا تمشون به - اي: هدى يهتدون به. # وعن ابن عباس: " النور ": القرآن، لما فيه من الأدلة النيرة على كل حق، ~~والهداية إلى كل خير، وبه الاستحقاق لحصول الضياء في القلب الذي يمشي به ~~يوم القيامة. # ويغفر لكم - أي: يستر عليكم ذنوبكم التي أسلفتم من الكفر والمعاصي. # روى سعيد بن جبير: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جعفرا في ~~سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه، فقدم عليه ودعاه، فاستجاب له وآمن به، ~~فقال أناس ms1795 ممن آمن به من أهل مملكته، وهم أربعون رجلا: " إئذن لنا فنأتي ~~هذا النبي فنسلم ". # فأذن لهم. فقدموا مع جعفر، وقد تهيأ (صلى الله عليه وآله وسلم) لوقعة ~~أحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من خصاصة، استأذنوا رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فرجعوا وقدموا لهم بأموال لهم، فواسوا بها المسلمين، ~~فأنزل الله فيهم: # الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون # [القصص:52] الى قوله: # ومما رزقناهم ينفقون # [القصص:54]. # فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن به قوله # أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا # [القصص:54] فخروا على المسلمين فقالوا: " أما من آمن بكتابكم وكتابنا ~~فله أجره مرتين، وأما من لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجركم، فما فضلكم ~~علينا "؟ # فنزلت الآية، فجعل لهم أجرين، وزادهم النور والمغفرة. # وروي ان مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون ~~أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم، فنزلت. # مكاشفة # يا أيها المعدودون من أهل الإيمان، اتقوا الله بتكثير الحسنات وتنقيص ~~السيآت، وآمنوا برسوله أي: حصلوا لأنفسكم ملكة المعرفة بالله، وكيفية ~~إرسال الرسول، وإنزال الكتب عليه، وإفاضة الحقائق العلمية على قلبه ~~بواسطة الملك الموحى إليه بإذن الله، والتصديق برسالته واطلاعه على ~~المغيبات وحقيته في كل ما أتى به. # والأول: رعاية للجزء العملي من النفس الإنسانية، ومحافظة على حصول ثمرته ~~التي هي تصفية وجود (وجه) النفس بتقوى الله، والزهد الحقيقي عن كدورات ~~الشهوات الدنيوية من المعاصي والقبائح. # والثاني: رعاية للجزء النظري منها، وايصاله بكماله الذي هو المقصود من ~~وجود الإنسان، وهو اكتساب المعارف الحقة الباقية معه أبدا مخلدا. # وحيث كان كمال الإنسان ومنزلته عند الله، وحصوله المثوبة الأخروية له، ~~منوطا بثمرة استكمال كل من هاتين القوتين، فلا بد لكل من آمن بالله ~~واليوم الآخر، أن لا يتوانى عن اكتساب الأحوال والأعمال، واقتناء العلوم ~~والملكات المؤدية إلى هاتين الثمرتين. # أما ثمرة الأعمال الصالحة، فالتخلص من ذمائم الأخلاق ورداءة الأوصاف ~~والتعلقات الدنيوية المانعة عن قبول الرحمة والهداية، وإلا فالجود ~~مبذول والرحمة واسعة عند عدم المانع. # وأما ثمرة العقائد ms1796 الحقة، فمشاهدة الأعيان الشريفة النورية، ومنادمة ~~الملائكة القدسية، وأهل الصفوة، وعباد الله المقربين، وقبول التجليات ~~الإلهية. # أما صاحب رتبة العمل دون العلم، فهمته متوجهة نحو لذات الجنان، ~~والمشتهيات من الحور والغلمان، وكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين بقوة ~~التخيل وتصل همتها إليه - وان كان نازلا عما يهمه ويقصده المقربون ~~من العرفاء، كالسدر المخضود والطلح المنضود. # واما صاحب المعرفة، فهمته متوجهة نحو عالم القدس والوحدة، ومشاهدة ~~الجمال والجلال، فله المثوبة الكبرى والدرجة الكبرى والدرجة العظمى، ~~والمشرب الكافوري - وما هو دون ذلك إن أراد كالمشرب الزنجبيلي - # فلما أمر سبحانه أهل الإيمان بالتقوى والمعرفة، وكل منهما ينتج ثمرة ~~خاصة ونصيبا مخصوصا من فيضه ورحمته، وقعت الإشارة إلى حصول النصيبين ~~لهم من الرحمة، نصيبا لأجل العلم، ونصيبا لأجل العمل. # ولما كانت ثمرة العلم أجل رتبة وأفضل قدرا من ثمرة العمل - فضيلة ~~الإدراك على الحركة، وشرافة العين على القدم -، أشار أولا إلى ذكر ثمرة ~~العلم وتعيين ماهيتها بقوله: { ويجعل لكم نورا تمشون به ~~} [الحديد:28]، فإن هذا النور بعينه هو النور المذكور في قوله: # نورهم يسعى # [التحريم:8]. # ثم أشار إلى ثمرة العمل بقوله: { ويغفر لكم } ، ثم أشار إلى كون ~~ذاته تعالى منشأ جميع الخيرات ومبدأ فنون المبرات بقوله: { والله ~~غفور } ، نظرا إلى إمداد لطفه في اجتناب الإنسان عن الرذائل، وقبول ~~توبته { رحيم } ، نظرا إلى إفاضة جوده في تلبس الإنسان للفضائل. ### || [57.29] # " لا " في " لئلا يعلم " زائدة. و " أن " في " أن لا يقدرون " مخففة من ~~الثقيلة، واسمها محذوف وهو الشأن، أو ضمير راجع إلى أهل الكتاب أي: لأن ~~يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء مما ذكر من فضل الله من الكفلين ~~والنور والمغفرة، ولا يتمكنون من نيل شيء منه، لأن جميعه مشروط بالاعتقاد ~~الصحيح في حق الله ورسوله، وهم لم يؤمنوا برسول الله، فلا ينفعهم إيمانهم ~~بغيره من الأنبياء بعدما فرقوا بين رسل الله، وليعلموا أن الفضل بيد الله ~~وقدرته، ويؤتيه من يشاء بمشيته السابقة، وارادته الأزلية المنبعثة عن ~~علمه باختلاف القوابل وتفنن الماهيات - والله ms1797 ذو الفضل العظيم -، بإفاضة ~~نور الوجود على هياكل الممكنات. # وقيل: إن المراد بفضل الله ها هنا النبوة، أي: لا يقدرون على نبوة ~~الأنبياء، ولا على صرفها عمن يشاء الله أن يخصه بها، فيصرفوها عن محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى من يحبونه، بل النبوة كسائر الفضائل ~~الموهبية بيد الله، لا مدخل لتعمل الناس في استجلابها، يعطيها من يشاء ~~ممن هو أهلها ومستحقها. # وقيل: " لا " ها هنا في حكم الثبات، والمعنى: لأن لا يعتقد أهل الكتاب ~~أن النبي والمؤمنين به لا يقدرون على شيء من فضل الله ولا ينالونه، فعلى ~~هذا يكون الضمير في " يقدرون " للنبي والمؤمنين، ويكون " أن الفضل " ~~عطفا على " أن لا يعلم ". أو لأن لا يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون أن ~~يؤمنوا، ويكون المراد: لكي يعلموا أنهم يقدرون على الإيمان وطلب الفضل ~~والثواب. # وقرأ الحسن: " ليلا يعلم " - بفتح اللام وسكون الياء -، وروي بكسر ~~اللام أيضا - وتوجيهه على ما قيل، بأن حذفت الهمزة من " لان " لثقلها ~~حتى صار " لن " ، ثم أدغمت " النون " في " اللام " للمجانسة بينهما، فصار ~~" للا " - بالكسر - ثم أبدلت اللام الثانية المدغمة في الثالثة " ياء " ~~، كإبدالهم الواو المدغمة وغير المدغمة ياء في " ديوان " و " قيراط " ، ~~فإن الانتقال من المضاعف إلى المعتل متعارف عند أهل اللسان. # وأما الفتح - كما في قراءة الحسن: فعلى أن أصل لام الجر هو الفتح، وقرئ: ~~" لكي يعلم " ، و " لكيلا يعلم " ، و " ليعلم " ، و " لأن يعلم " - ~~بادغام النون في الياء، " ولين يعلم " بقلب الهمزة ياء، وإدغام النون في ~~الياء، كما ذكر في الكشاف. # مكاشفة # إنما يستشعر من الآية الكريمة، أن لأهل الإيمان اقتدارا على استجلاب ~~فضل الله وتمكنا من استدرار رحمته، ومفهوم الخلاف وان لم يكن معتبرا ~~عند الأكثر، سيما في مثل هذا المقام حيث عقب بقوله: { وأن الفضل ~~بيد الله يؤتيه من يشآء } [الحديد:29]، إلا أنه مما يمكن ~~تصحيحه ها هنا بوجه عقلي، فإن الفضل وان كان كله من عند الله بحسب مشيئته ~~بلا تأثير لغيره في الإجارة، وتوسيط لما سواه ms1798 في الإفاضة، لكن لا بد من ~~تعلق المشية بواحد دون واحد من مخصص، لامتناع الترجيح من غير مرجح، - ~~كما هو المذهب المنصور -. # فللعبد اختيار في اكتساب المرجح بتحصيل المعارف الإيمانية والعقائد ~~الحقة - أولا -، ثم العمل بمقتضاها - ثانيا -، ثم الانتظار لهبوب رحمة ~~الله وفضله - ثالثا -. # فإن من حصل المعرفة بالله ورسوله واليوم الآخر، والاعتقاد والثواب ~~للمحسن، والعقاب للمسيء - وان كان على وجه التقليد والظن -، حصل لنفسه ~~تشوق إلى تكميل جوهره بتحصيل اليقين والوصول إلى ثواب الله والتقرب ~~إليه، فيبعثه ذلك على قمع الشهوات الظاهرة عن النفس - أولا -، ثم على ~~قلع الصفات الذميمة الباطنة عن القلب - ثانيا -، ثم يختار العزلة ~~والخلوة عما يشوش ذكره ويوسوس طبعه، فيجلس للمراقبة والذكر والفكر، ثم ~~يؤدي به ذلك إلى أن يجعل همومه ومقاصده وأغراضه واحدا - هو التشوق إلى ~~طلب الحق -. # وإذا غلب ذلك على قلبه، فهو بعد ناقص محروم، ما لم يكن من المتفكرين ~~وأهل العلم، فإن كان له مجال في التفكر، وحركة معنوية في الباطن، شغله ~~ذلك عند التجرد عن محاربة الشيطان ووساوس الوهم، بإبداء الشبهات والشكوك ~~في قلبه، حتى يضله ذلك عن الطريق، وان لم يكن له سير في الباطن، وحركة ~~معنوية في الملكوت، فلا تنجيه الأوراد المتواصلة والصلوات المتعاقبة، بل ~~يحتاج معها إلى تكليف الحضور لقلبه بالأفكار المعنوية، فإن التفكر في ~~الباطن هو الذي يستغرق القلب ويسخر النفس دون الأوراد الظاهرة. # وربما لم يسلم مع ذلك من الآفات الشاغلة له في بعض الأوقات من الفكر ~~والذكر ضرورية كانت أو غير ضرورية، كمرض وخوف، أو إيذاء من مخاصم، أو ~~طغيان من مخالط لضرورة المعيشة أو اشتغال بمطعم أو ملبس مما يحوجه ~~إلى شغل تولاه بنفسه، فإن تيسر له قطع هذه العلائق لتسلم له أكثر ~~الأوقات، فيصفو قلبه، وينشر فكره في عالم الملكوت، وينكشف له من أسرار ~~الله ما لا يقدر على شيء قليل منه جملة الأذكياء المشتغلين بقلوبهم ~~بالدنيا وعلائقها. # وهذا أقصى المقامات التي لاختيار العبد مدخلية في أن تنالها بالاكتساب ~~والجهد، فأما مقادير ms1799 ما ينكشف له من فضل الله، ومبالغ ما يرد عليه من ~~رحمته، فهو خارج عن اختياره واقتداره، فإنه يجري مجرى الصيد، وهو بحسب ~~الرزق والطالع الأسمائي، الذي طالع طالعه السمائي، فقد يقل الجهد ويحل ~~الصيد، وقد يطول الجهد ويقصر الحظ، فالمعول بعد ذلك على جذبة من جذبات ~~الحق التي توازي عمل الثقلين، وليس ذلك باختيار العبد، وان كان له اختيار ~~في أن يتعرض لتلك اجذبة بالاكتساب من الرياضات الفكرية والعملية ~~(العلمية). # وإليه الإشارة بقوله: إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا ~~فتعرضوا لها. # وذلك بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا، فإن المجذوب إلى أسفل السافلين كيف ~~ينجذب إلى أعلى عليين، وذلك لأن تلك النفحات والجذبات أرزاق معنوية ~~بمنزلة الرزق الصوري، فلها أسباب سماوية رحمانية، كما أن للرزق الصوري ~~أسبابا سماوية جسمانية، إذ قال: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون # [الذاريات:22]. فإن هذه السماء الجسمانية مثال وظل لمبدء رحمانيته تعالى ~~المنبعث عنها الأرزاق الصورية والمعنوية كلها، ولهذا وقعت الإشارة بقوله: # الرحمن على العرش استوى # [طه:5]. # وهذا الذي كلامنا فيه، من أجل مراتب الرزق المعنوي، فهو أيضا من أسباب ~~سماوية قدسية، والأمور السماوية غائبة عنا فلا يدرى متى يسر الله ~~أسباب الرزق، فما علينا إلا تفريغ محل القلب والانتظار لنزول الرحمة ~~وبلوغ الكتاب أجله، - كالذي يصلح أرض الزراعة وينقيها من الحشيش ويبث ~~فيها البذر -، بأن يصفي المريد القلب عن ذمائم الصفات، ويبث فيه بذر ~~المعارف الإلهية - وكل ذلك لا ينفعه إلا بنزول المطر - ولا يدري متى ~~يقدر الله أسباب المطر، إلا أنه يثق بفضل الله وسنته في أن لا يخلي ~~الأرض سنة عن مطر، فكذلك قل ما يخلو قلب المريد الصافي في شهر أو يوم عن ~~جذبة من جذبات الحق. # وبالجملة - فقد علم أن تطهير القلب عن حشيش الشهوات، والبذر فيه ببذر ~~الإيمان بالله ورسله وملكوته، وجعله لمهاب فضل الله مما لاختيار العبد ~~مدخل فيه، إلا أن يكون في غاية الجمود والقساوة لسبق الكفر المتمادي، ~~أو الفسوق المتراكم كالجاحدين من أهل الكتاب. # وأما ms1800 نزول أمطار الفضل، وهبوب رياح الرحمة، فلا اختيار للعبد فيه، بل ~~كله بيد الله يؤتيه من يشاء. # فقوله: ليعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله، نعي عليهم ~~وإبعاد وويل لهم، حيث لا يمكنهم تطهير الباطن وتصفيته عن الرذائل ~~لاستدرار رحمة الله وفضله، وذلك لجمود قرائحهم الجاسية، وفساد قلوبهم ~~القاسية. # كما قال: # فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله # [الزمر:22]. # خاتمة # هذه السورة مدنية، وهي تسع وعشرون آية، وقيل: ثمان وعشرون والاختلاف في ~~قوله: # من قبله العذاب # [الحديد:13] و # وآتيناه الإنجيل # [الحديد:27]. # وعدد كلماتها خمسمأة وثلاث وسبعون. # وحروفها ألفان وأربعمأة وتسعون. # وانتظام ختم الواقعة بافتتاحها أنهما في التسبيح. # وانتظام السورتين أن تلك السورة في ذكر السابقين وأصحاب اليمين ~~والمكذبين الضالين، وهذه السورة في كيفية الارتقاء إلى درجة السابقين ~~وأصحاب اليمين بالمعارف الحقة والأعمال الصالحة، وفي حث الفائزين ~~بالوصول إلى درجة المقربين والسعداء بسبب الإيمان، على تقويته وتوسيع ~~دائرته وتكثير فوائده، ودفع المطفين لأنواره، والجاهدين لآثاره، من ~~الكفرة الفجرة، وترغيب المؤمنين في مجاهدة الكافرين والإنفاق على ~~المجاهدين. # فافتتحت السورة بتقديس الله عن النقائص وصفات الممكنات، وسمات الحادثات، ~~بلسان كل من في سموات عالم الملكوت، وما في أرض عالم الملك، وبذكر أن ~~جميع ما وقع عليه اسم الوجود ملكه، وتحت تسخيره، جار عليه سلطانه، نافذ ~~فيه حكمه، سار فيه أمره، يصرفه كيف يشاء بالإحياء والإماتة. # ثم ذكر أن منشئ مملكة السموات والأرض وبانيها - مع تمادي أزمنة بقائها، ~~واتساع أمكنة أرضها وسمائها -، مما لا يغيب عنده زمان عن زمان، ولا يفوت ~~لديه مكان عن مكان، بل جميع الأزمنة والزمانيات - لإحاطته القيومية - في ~~حكم آن واحد في الحضور لديه، وكافة الأمكنة والكائنات بتمامية الإلهية في ~~حكم نقطة واحدة في المثول بين يديه، من غير تطرق تجدد وتغير في ذاته، ~~أو احتمال تجز وتكثر (تجبر وتكسر - ن) في صفاته، وذلك لأنه هو الأول ~~في عين آخريته، وهو الظاهر في عين باطنيته، ولما كان هذا مستلزما ~~لشمول علمه بجميع الموجودات، وإحاطة شهوده بجملة الكائنات ms1801 ذكر عقيبه: # وهو بكل شيء عليم # [الحديد:3] و [الأنعام:101]. # ثم أشير إلى أن عمله بكل شيء بنحو العلم بأسباب ذلك الشيء وعلله، - الذي ~~هو أجل مراتب العلم وأوثقها وأتقنها -، ليعلم أن عالميته بالأشياء بأي ~~نحو من ضروب العالمية وليعلم أنه ليس باحساس ولا بانفعال، وإلا يلزم ~~استكمال الكامل بالناقص، وانفعال العالي عن السافل، فذكر أنه مبدع ~~الأشياء وخالق الأرض والسماء في أقل من عدد كامل - هو السبعة - أعني ~~الستة. # ثم لما كان أسباب وجود الكائنات وشرائط حفظها وبقائها: من الأرزاق ~~والآجال، ينزل من عنده بواسطة السموات وقواها المحركة لها شوقا إلى ~~طاعة بارئها فنون الحركات، وصنوف اختلاف الأوضاع والنسب التي تنشأ منها ~~الكائنات، وينبعث منها الحيوان والنبات على ما جرت عليه سنة الله التي ~~لا تبديل لها، وجملة المتحركات السماوية والأكر الكوكبية في فلك واحد ~~عظيم مشتمل على الجميع اشتمال الشخص الإنساني على أعضائه وجوارحه ~~وأركانه، هو المحدد بجسميته للجهات والأبعاد، وبمقدار حركته للأزمنة ~~والحركات، فهو بنفسه وعقله يدبر الكل، ويسوس الجميع بإذن مبدعه ~~ومحركه ومدوره وموجد نفسها ومحركها، تحريكا شوقيا بالحركات النفسانية، ~~والأوراد والأذكار القدسية، والانتقالات العلمية، والطاعات الملكية، كل ~~ذلك تشوقا إلى جنابه، وتقربا إلى طاعته، وامتثالا لأمره، وتضرعا ~~وابتهالا نحوه وتشفعا لديه لإنجاح مقاصد الملهوفين، واستغاثة عنده ~~لإغاثة المحتاجين، واصلاح أحوال الهابطين إلى معدن الظلمات، وإعلاء مرتبة ~~النازلين في مهوى عالم الجهالات من أهل الاستعداد، وإصعادهم عن رتبة ~~السافلين إلى أوج العليين بالهامهم معرفة المبدأ والمعاد، وتوسطا لجبر ~~كسير وخلاص أسير، فاريد التنبيه على أن هذه الوسائط، مما لا مدخلية لها ~~في الإيجاد والإعطاء، بل هي مظهر الرحمة ومستوى الرحمن، وهو الذي استوى ~~على العرش لانتظام ما في الكون، وتسبيب الأسباب، وتهييج الأشواق، وانشاء ~~الدواعي، وتوسيط القوى الفعالة، ووضع القوابل المنفعلة، كل ذلك على سبيل ~~العناية بالسافلات، وترشيح الخير الدائم على المنفعلات الكائنات بوساطة ~~عالم الحركات العاليات، الصادرات بأمره تعالى عن الملائكة المدبرات، ~~وعباده الساجدات الراكعات، كما أشير إليهم بقوله تعالى: # غلاظ شداد لا يعصون الله مآ ms1802 أمرهم ويفعلون ~~ما يؤمرون # [التحريم:6]. # ثم عاد إلى بيان علمه بالجزئيات، بزيادة استيضاح على هذا الوجه المذكور ~~من سبيل أخرى، فأشار إلى أن من هو شأنه هكذا، لا بد وأن لا يعزب عن علمه ~~مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل يعلم الوالج في الأرض من أسباب ~~قابلية الوجود للكائنات - كالبذور والنطف وغيرها من المقادير والكيفيات ~~الاستعدادية -، والخارج منها -، كاجساد المواليد الثلاثة وأبدانها، من ~~الجماد والنبات والحيوان -، والنازل من السماء، - كقواها وصورها ~~ونفوسها وما يتحصل ويتقوى به أعضاؤها وأحجامها كالأمطار والثلوج ~~وغيرهما -، والعارج فيها من العقول الصافية الإنسانية التي صارت طيورا ~~سماوية طائرة إليها من أقفاص الأبدان بجناحي العلم والعمل، بخلاف النفوس ~~المتعلقة المقيدة بشهوات هذا العالم، التي تكون أبدانهم بالقياس إلى ~~نفوسهم البهيمية اسطبل الدواب لا أقفاص الطيور، فليس لهم قوة الارتقاء ~~إلى ملكوت السماء، ولا لهم سبيل إلى عالم التقديس وعالم المعنى. # ثم لما تقدم أنه سبحانه مما لا يتجدد عليه شيء بالغيبة والحضور، ~~والوجود والدثور، ولا يفوته شيء من الأشياء، بل الماضي والمستقبل بالنسبة ~~إليه كالآن في الحضور لديه، ومع ذلك هو القائم على كل نفس بما كسبت ~~بيديه، لاستوائه برحمانيته على عرش وجود الحوادث والكائنات، واستقلاله ~~بالإفاضة والإيجاد على الموجودات من غير تأثير لغيره إلا في الإعداد. ~~فظهر أن لا واسطة بينه وبين كل موجود، ولا تفاوت فيها عنده، ولا تعاقب ~~لوجود على وجود لديه، بل هو بوحدته مقوم ذات الجميع، وبفردانيته مقرر ~~ماهية الكل، أثبت معيته لنا أينما كنا ومتى كنا، عالين أو سافلين، ~~سابقين أو لاحقين، فإذا كان كذلك، كان علمه حضوريا شهوديا، إشراقيا ~~نوريا، فعبر عن ذلك بأنه # بما تعملون بصير # [الحديد:4]. # ولما علم مما ذكر سابقا كونه مبدأ فاعليا للجميع، أراد التنبيه على ~~أنه المبدأ الغائي أيضا للكل، وحيث كان الأول كاشفا عن الثاني ~~مستلزما له، ذكر رجوع الأمور إليه بعدما أعاد ذكر نسبة ملك السموات ~~والأرض إليه، ليعلم أنه الغاية القصوى للكل، كما أنه المبدأ الأعلى ~~للجميع بتوسط (بتوسيط - ن) ms1803 المنافع والغايات الجزئية، وتسبيب (تسبب - ن) ~~الأسباب المتوسطة لوجود الأشياء على الوجه الذي أراد وشاء. # ثم لما مرت الإشارة إلى الأسباب القابلية الأرضية والفاعلية السماوية ~~لخلق المركبات العنصرية، أراد أن يشير إلى أن تأثير الأسباب العالية في ~~القوابل السافلة متوقف على الحركة المتجددة، ليقرب المعلول إلى علته - ~~فإن الأمور مرهونة بأوقاتها الحاصلة من حركات أسبابها وتغيراتها، ~~فاختلاف الحركات والأوقات سبب لاختلاف الحوادث والكائنات، كما يشاهد تبدل ~~الفصول الموجب لتخالف الليالي والأيام، المستلزم لاختلاف أحوال الخلائق ~~والأنام -، عبر عن تفاوت الليل والنهار على الوجه المشاهد المستلزم ~~لاعتدال الكائنات بولوج كل منهما في صاحبه، موميا إلى المنافع والغايات ~~المترتبة على تفاوتهما في المقدار واختلافهما في الآثار، وبين أن الجاعل ~~لهما على هذا الوجه المقرر، والمولج لكل منهما في الآخر: - هو سبحانه -، ~~لتدبير الكائنات ومصلحة الموجودات. فإنه سبحانه لو لم يجعل الأنوار ~~الكوكبية ذات حركة سريعة مشتركة، واخرى بطيئة مختصة، ولم يجعل دوائر ~~الحركات البطيئة مائلة عن دائرة الحركة السريعة، لما مالت إلى النواحي ~~شمالا وجنوبا، فلم تنتشر منافعها على بقاع الأرض. # ولولا أن حركة الشمس - خصوصا - على هذا المنوال، من تخالف سمتها ~~لسمت الحركة السريعة، لما حصلت الفصول الأربعة التي يتم بها الكون ~~والفساد، وتنصلح بها أمزجة البقاع والبلاد، ولما كان القمر نائبا للشمس ~~خليفة لها في النضج والتحليل، والإصلاح والتعديل، وإذا كان قوي النور جعل ~~مجراه يخالف مجراها، فالشمس تكون في الشتاء جنوبية والقمر شماليا لئلا ~~ينعقد السببان، وفي الصيف بعكس ذلك لئلا يجتمع المسخنان، ولما كانت ~~الشمس في أيام الصيف الطوال شمالية الحركة، وفي أيام الشتاء القصار ~~جنوبيتها، ولها أوج وحضيض متقابلان بينهما نصف دور، جعل الله تعالى ~~بحكمته البالغة أوجها في الشمال وحضيضها في الجنوب، لينجبر قرب الميل ~~عن سمت الرأس ببعد المسافة لئلا يشتد التسخين بالتنوير، وينكسر بعده ~~بقربها لئلا تضعف القوة المسخنة عن التأثير، كل ذلك لحكمة العليم القدير، ~~الحاصلة من تخالف الليل والنهار وتفاوتهما في المقدار. # ولما كان بيده وجود الأسباب المؤدية إلى خلقة الإنسان بدنا ms1804 ونفسا، ~~صورة ومعنى، كان عالما بصفاته الظاهرة البدنية وملكاته الباطنة ~~النفسانية، فذكر أنه عليم بذات الصدور، ليعلم أنه ناقد بصير لا يخفى عليه ~~قليل ولا كثير، فيجازي على كل عمل قلبي، كما يجازي على كل حركة بدنية. # ولما بين أنه سبحانه متصف بغاية العظمة والجلال، منعوت بكونه مبدأ ~~أعلى وغاية قصوى للكل، يتضح لذوي البصيرة أن الكل محتاجون إليه في ~~الوجود، وخصوصا المعلول الذي تضاعفت فيه وجوه الحاجة، وكثرت عنده جهات ~~الإمكانات الذاتية والاستعدادية، ولا شبهة في أن من هو موصوف بغاية ~~الفقر والفاقة، من شأنه التشبث بمن هو منعوت بالكرم والإفضال، ومن دأبه ~~التضرع والابتهال وطلب التخلص عن القصور والوبال، ممن هو على غاية ~~التمام والكمال، واستدعاء الاستمداد والاستكمال ممن هو في نهاية العظمة ~~والجلال، متبرئ الذات عن النقص والعدم والزوال، كائنا بذاته الفردانية ~~الأحدية، منبع كل صورة وكمال، ومنشأ كل خير وجمال. # ثم لا يخفى إن كل ناقص يسوغ له الانتقال من حدود النقص إلى ذروة الكمال، ~~فله طريق خاص ومنهج معين في الترقي إلى أوج الترفع والإقبال، فللأجسام - ~~بما هي أجسام - الحصول في مطلق الحيز والفضاء وللعناصر في الحركة نحو ~~المكان الأسفل والأعلى، وللنبات في الاغتذاء والنماء، وللعجم من ~~الحيوان في حياته الدنيوية بأنفاسه وحركته بإرادته وإحساسه، وما من دابة ~~فما دونها إلا ومن شأنه البلوغ إلى أقصى ما لها في ذاتها ما لم يعقها ~~عائق، ولنوع الإنسان كمال يخصه هو الإيمان بالله وأفعاله القريبة بحسب ~~جزئه العلمي، والتجرد عن الدنيا واللذات البهيمية بحسب جزئه العملي، ~~ولهذا وقع له الأمر بالإيمان بالله ورسوله والإنفاق مما زاد على ضرورات ~~بقائه الكوني. # ثم بين سبحانه عظم أجر الإنسان الذي سلك مسلك المعرفة والتجرد ~~بقوله: # لهم أجر كبير # [الحديد:7]، لأنه بهذين الأمرين يقرب من الملكوت ويتخلص عن الناسوت. # ثم أظهر سبحانه الاستنكار والتعجب ممن لم يتفطن بالمعرفة بالله عند تحقق ~~الرسول - المعلم للبشر الداعي إلى طريق الحق -، مع قابلية الذوات ~~ومناسبتها لمعرفة الحق بحسب الفطرة الأصلية المعبر عنها " بأخذ الميثاق ms1805 ~~". # ثم بين عظم رتبة هذا المعلم البشري وكيفية ارتقائه إلى مرتبة الرسالة ~~ودرجة التبليغ، وهو إنما يكون بتنزيل الله سبحانه على عبده المستجمع ~~للفضائل والملكات البشرية الآيات البينة والمعارف الحقة، لتتنور ذاته ~~بالأنوار القيومية، ويستشرق عقله المنفعل بالأضواء الأحدية، وتستضيء ~~نفسه التي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار بالإشراقات الصمدية، ويصير ~~عندما مسته نار الأنوار والشعلات الجبروتية نورا على نور، ليتنور بنور ~~ذاته المستضيئة بأنوار الله المنتكسين في دياجير الجهل والظلمات، ~~الهابطين إلى مهوى الغفلة والشهوات، المتزحزحين لضعف الأحداق عن عالم ~~الإشراق، ويخرجهم من ظلمات الأجسام إلى نور عالم الأرواح ومرجع نفوس ~~السعداء والكرام. # ولما كان إرسال الرسول وانزال الوحي وتنزيل الآيات إلى قلبه منه تعالى ~~على وجه لطيف، حيث صار موجبا لنظم أمور الدنيا، وتعيش الإنسان على ~~أبلغ نظام مع تحصيل الأهبة في سفر الآخرة له، وأخذه الزاد وربح التجارة ~~في المعاد، والفوز بأرفع مقام ومراد - فقد كان فيه نفع العاجل مشفوعا ~~بسعادة الآجل -، أشار إلى هذا التلطف في الهداية والتكميل والإخبار عن ~~تعلق صفتي الرأفة والرحمة بالعباد لترتبهم في الوجود والبقاء من جهتي ~~المعاش والمعاد. # ولما أمر أولا بالإيمان والإنفاق اللذين هما خلاصتا الكمال العلمي ~~والعملي. ثم أخذ يسأل شبه المتعجب المستفهم عن التاركين للإيمان في تركهم ~~إياه مع دعوة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذ الميثاق - أي وجود ~~المعلم وقابلية المتعلم -، وتأييده سبحانه هذا المعلم بصنوف أسباب ~~الهداية والتعليم، فعاد ثانيا شبه المتعجب المستفهم عن التاركين للإنفاق ~~في تركهم إياه، محتجا عليهم في استقباح هذا البخل والإمساك منهم بأن ما ~~في تملكهم ليس باقيا لهم، بل في معرض الزوال، هو عنهم وهم عنه، وأن ~~الجميع بالحقيقة ملكه يعود إليه، وله ميراث كل شيء، سواء في ذلك المال ~~وذو المال. # ثم ذكر تفاضل المنفقين والمجاهدين قبل الفتح وبعده، وتفاوتهم في درجة ~~الجزاء والثواب، فإن أفضل الأعمال أحمزها، مع أنه وعد الجميع بالحسنى ~~لاشتراكهم في أصل الفعل الحسن، وذكر أنه خبير بمراتب الإخلاص في العمل ~~وحسن النيات، ms1806 كما أنه خبير بظواهر الأعمال وبواعث الأفعال. # ثم وعد الأجر الكبير مع المضاعفة في مقدار الثواب لمن يقرض الله قرضا ~~حسنا. # ثم بين الموضع الذي تتحقق فيه المجازاة على الأعمال، وتتبين فيه ~~الدرجات والأحوال، ويتميز فيه السعداء عن الأشقياء، فذكر شيئا من أحوال ~~المؤمنين، وشيئا من أحوال المنافقين في ذلك اليوم، وذكر تخلف المنافقين ~~عن المؤمنين في سلوكهم طريق النجاة بنور المعرفة والسداد، وتمنيهم ~~الاقتباس من نور معرفة المؤمنين مع استحالة ذلك ببطلان استعدادهم الفطري، ~~وزوال قابليتهم الجبلية. وذكر رد المؤمنين ملتمسهم ومقترحهم ~~بالتنبيه على فقدان القبول لهذا الاقتباس، والإشعار بما يوجب لهم الخذلان ~~واليأس. # ثم ذكر أنه وقع عند ذلك حاجز ذو باب باطنه يلي عالم القدس والرحمة ~~والنعمة، وظاهره يلي عالم الظلمة والغضب والنقمة. # ثم أشار إلى نداء أهل الجحيم لأهل النعيم، وسؤالهم إياهم بسبب علو ~~مرتبتهم وانحطاط مرتبة مرتبتهم مع الاتفاق بينهم في ظواهر الأعمال ~~البدنية، والتساوي في مزاولة العلوم الدينية، وبطلان ترجيح أحد ~~المتساويين على الآخر بلا مرجح، فحكى الجواب لهذه الشبهة الواهية التي هي ~~أوهن من بيت العنكبوت من قبل البارعين في العلم من أفاضل المؤمنين: إن ~~ملاك التقرب إلى الله تعالى، والصعود إلى معارج القدس، إنما هو بالإخلاص ~~في النيات، والسير المعنوي في الملكوت، والتفكر في بدائع الفطرة مع صدق ~~الطويات، وأنتم سلكتم مسالك الأماني والشهوات، والاغترار بالدنيا ~~واللذات، بتسلط الغار المغوي عليكم، وإراءة الشيطان لكم الباطل في صورة ~~الحق، حتى ترسخت فيكم ذمائم الصفات، وتراكمت في قلوبكم ريون المعاصي ~~والشهوات. # فلن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم، ولا يسمع منكم معذرة، ولا يؤخذ منكم فدية ~~ولا من الكفار، النار مأواكم، والجحيم مولاكم، إذ كل شيء يصير إلى أصله، ~~وكل مريض يداوى بعقاقير بلده، ومأواكم بئس المأوى (وموليكم بئس المولى - ~~ن)، ومصيركم بئس المصير. # ثم لما ذكر حسن أحوال المخلصين، ووخامة عاقبة المنافقين لأجل اغترارهم ~~بالدنيا، عاتب المؤمنين المشتغلين باكتساب الدنيا وقلة التشوق إلى دار ~~الآخرة، حيث تطرقت فيهم قساوة القلوب لتطاول الأمد، كما في بني ms1807 إسرائيل، ~~ونهاهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلب. # ثم تداركهم باللطف بعد هذا التوبيخ بأن قلوبكم وان قست وقصرت عما كان ~~في سابق الإسلام، وماتت بنسيان المعرفة وقلة تلاوة الآيات والذكر ~~الحكيم، لكن الله يحييها بنور المعرفة والتلاوة والذكر، لبقاء قابليتها ~~بثبوت أصل الإيمان فيها، كما يحيى الأرض بعد يبسها، لبقاء جوهرها، وان ~~عدمت عنها الطراوة التي هي بمنزلة تذكر الآيات في الإنسان. # والقلوب التي لم يبق فيها أصل الاعتقاد، بمنزلة الأرض التي فسدت ذاتها ~~وأرضيتها، وانقلبت سبخة أو رمادا أو ملحا، لا يمكن إحياؤها بأنوار ~~المعارف الحقة، ومياه الأعمال الصالحة، كما لا تنصلح المملحة للعشب ~~بأضواء الشمس ومياه المطر. # ثم رجع إلى الترغيب والحث للإنسان على اكتساب العلم والعمل، بحكاية حال ~~العاملين والعالمين، بذكر الوعد للذين تصدقوا واقرضوا الله قرضا حسنا، ~~- بتضعيف جزائهم وكرامة أجرهم -، وبذكر الفضيلة للمؤمنين بالله ورسله ~~إيمانا حقيقيا، بأنهم هم الصديقون والشهداء عند ربهم، والوعد لهم بأجر ~~ونور مخصوصين بهم لمزيد شرفهم ومنزلتهم عند الله، لمكان المعرفة اليقينية ~~والعمل المنبعث عن محض المعرفة، والإخلاص الذي لا يوجد مثله في غيرهم، ~~أما الأجر ففي مقابلة أعمالهم الخالصة، وأما النور فمن لوازم معرفتهم ~~المحضة بلا شوب غرض ورياء في الأول، ولا تطرق شبهة وريب في الثاني. # ثم ذكر لتوضيح هذه المنزلة في الاعتقاد والعمل وشرافته، بذكر ضدها ~~فيهما، وهو الكفر الذي هو أفسد مراتب الجهل - بازاء فضيلة المعرفة بالله ~~-، والتكذيب بآيات الله الذي هو أقبح القبائح العملية - بازاء فضيلة ~~العمل الصالح -، وذلك لأن الأشياء تعرف بأضدادها. # وأخبر بأنهم أصحاب الجحيم بحسب غريزتهم الأصلية، كما أنهم من أهل هذه ~~الدنيا بحسب طبيعتهم الفطرية، إذ الجحيم من سنخ هذه الدار الفانية ~~الهالكة الباطلة، ولهذا وقع الاشتراك بينهما في الخصائص والأحوال. # أما ترى أن شأن كل منهما الإحالة والتحليل، ودأبهما الإماتة والتبديل، ~~أشخاصهما أبدا في الذوبان والانتقال، وأجسامهما دائما في الحركة ~~والارتحال، حال الساكنين في الدينا نظير ما حكى الله عن حال سكان الجحيم ~~بقوله: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم ms1808 جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء:56]. فاشتركوا في الاستحالة والذوبان، وكذا حال أهل الدنيا في ~~تضاد عناصرهم في الكيفيات المحسوسة، وتباغض نفوسهم في الأغراض الخسيسة ~~النفسانية، والدواعي القبيحة الدنية، وتخالف مذاهبهم الناشئة عن ~~المخاصمة والعناد، والمناقشة في الحسد واللداد، كحال أصحاب الجحيم فيما ~~ذكره سبحانه بقوله: # كلما دخلت أمة لعنت أختها # [الأعراف:38]. وبقوله: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص:64]. إلى غير ذلك من الخصائص الجامعة للدنيا والجحيم، والصفات ~~المشتركة بينهما، التي تدل على أن الدنيا بعينها صورة الجحيم، والجحيم ~~بعينها حقيقة الدنيا. # وعلى هذا الرأي شواهد عقلية، ومؤيدات نقلية، وإشارات قرآنية، ورموزات ~~نبوية، ونصوص الهامية، وبراهين حدسية، يستيقنها من يعرفها، ويستنكرها ~~من ينكرها. # وإذ قد ثبتت جهة الاتحاد بين الجحيم والدنيا، وان أصحاب الجحيم هم ~~بأعيانهم من أصحاب الدنيا أشار سبحانه إلى بيان ماهية الدنيا ليعلم كيفية ~~استتباعها للنار، واستلزام التلذذ بشهواتها للتعذب بعقوبات الجحيم، فأمر ~~بمعرفة ماهيتها وخصائصها، وحقيقة زهراتها ولذاتها، بكونها لعب ولهو، وما ~~ينبعث منها كالتفاخر في الأمور الخسيسة والتكاثر فيها، وهي أمور باطلة ~~وهمية لا حقيقة لها، كما لا حقيقة للنار إلا كونها قطاعة نزاعة ~~مفرقة للاتصال، معدمة للكون والحياة، وجميع ما ذكرناه أمور عدمية لا ~~حقيقة لها. # وهذأ الإشراق والنورية، والتلون الذي يتراءى من هذه النار الدنيوية ~~ليست داخلة في حقيقة ناريتها، لأنها ليست نارا صرفة، بل نار مخلوطة ~~بنور، ولها مرتبة في الكون والتحصل، وأما النار الصرفة الأخروية فهي ~~ليست إلا إهلاكا وإيلاما، ولذلك قيل: " هذه النار الدنيوية غسلت ~~بسبعين ماء عند مراتب تنزلها إلى هذه الدنيا " ، ليمكن الانتفاع بها ~~رحمة من الله تعالى، والنار الأخروية مخلوقة من عين غضبه تعالى على من ~~يستحقه. # ثم ذكر مثالا مناسبا لدثورها وزوالها، ثم أشار إلى أن المتوغلين فيها، ~~المطمئنين إليها مآلهم إلى الجحيم، حيث عقب ذكر التمثيل في فنائها ~~وفسادها واعجاب الكفار بزينتها بقوله: # وفي الآخرة عذاب شديد # [الحديد:20]، ولما كان من عادة القرآن أن لا يتجرد ذكر الغضب والعذاب ~~فيه عن ذكر الرحمة والمغفرة، عطف ms1809 عليه قوله: # ومغفرة من الله ورضوان # [الحديد:20]. # ثم رجع إلى تأكيد ذم الحياة الدنيا بأنها متاع الغرور. # ثم أكد في بيان الاجتناب عن الدنيا بأن أمر بالمسارعة في التباعد عنها ~~للوصول إلى المغفرة والجنة، كمسارعة السابقين في المضمار، وذكر تشويقا ~~للعباد في هذه المسارعة بوصف عظمة الجنة وسعة ملكها بما يتصور من البسطة ~~والسعة، وأنها معدة للعارفين بالله ورسله، وأنها من مراتب فضل الله ~~ودرجات تجليه على الأفعال والآثار وتطوره بالأطوار، وذكر أنه ذو الفضل ~~العظيم، فإن جميع العوالم والنشآت من فضائل ذاته المتعالية عن الشبه ~~والنظير، ومن رشحات فيضه المتعالي عن القصور والتقتير، وهذه الفضائل ~~الأفعالية زائدة على شؤونات ذاته وتجليات وجهه في غيب غيوبه التي لا ~~يحيط بها العد والإحصاء، ولا يمكن لها النعت والثناء. # ولهذا ذكر عقيبه بأن كل ما يوجد في هذا العالم، سواء كانت أمورا خارجية ~~أو ذهنية، آفاقية أو أنفسية، فهي مما كانت قبل خلقها في كتاب من علمه ~~تعالى الذي هو من مراتب شؤونه الصفاتية تفصيلا، أو الذاتية إجمالا. # وذكر أن من نتائج هذ المعرفة عدم الأسى على الفائت ونفي الفرح عن ~~الآتي. # ومن نتائج الجهل بها الخيلاء والفخر المبغوضان له تعالى المنهيات ~~بنهيه. # وينبعث عنهما كثير من الصفات الذميمة والأخلاق الردية، كالبخل وحمل ~~الناس عليه، وجميع ذلك مما يورث البعد عن الحق، والتولي عنه إلى الأمور ~~الباطلة، ويضر في معاد الشخص من غير نقصان في سلطانه تعالى وملكه، ولذلك ~~عقب ذلك بقوله: ومن يتول فإن الله غني - في ذاته - حميد - في صفاته. # وحيث يمكن أن يختلج لأحد في قلبه أن صفة الغناء المطلق تنافي طلب ~~الصدقات والطاعات وسائر حقوق الله على العباد بألسنة الرسل والكتب، أشار ~~إلى دفع هذا التوهم، بأن الغاية في ارسال الرسل بالمعجزات وإنزال الكتب، ~~وقانون العدالة في الأفعال والصفات، ليس إلا استقامة الناس واصلاح ~~نفوسهم بملكة العدالة، وحصول المعاملة بينهم بالقسط والإنصاف، من غير ~~تعد وجور، وتفريط ونقص لتدوم معيشتهم الدنيوية وصولا إلى سعادتهم ~~الأخروية. # وكما انه ليس ms1810 المقصود في خلق أسباب الهداية من الرسل والكتب والقوانين ~~إلا تبقية الناس بحسب الدارين، لا منفعة تعود إلى ذاته - تعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا - كذلك في خلق الأسباب الجسمانية من أدوات الحروب وغيرها ~~ليس المقصود منه إلا منفعة العباد لا غيرها، ولذلك عقب ذكر المقصود من ~~الأولى بذكر المقصود من إنزال ما هو من قبيل الثانية، وذكر أن في إنزال ~~الحديد وخلق آلات الحروب وآلات الصنائع، ليس الداعي فيه إلا ما يرجع ~~إلى الخلائق، إذ الفائدة فيه بأس شديد ومنافع للناس، ولأن في استعمال ~~الأسلحة المتخذة منه تبين رتبة حال المجاهدين في سبيل الله، والناصرين ~~له ولرسله حين الغيبة عنهم، لا لحاجته - تعالى عن ذلك - إلى الناصر له في ~~إهلاك أعدائه، لأن الله إذا أراد إهلاكهم، قوي على ذلك، عزيز لا نقص في ~~قدرته ولا قصور في عزته. # وللإشعار بأن المقصود من إيجاد الممكنات وهدايتهم طريق الحق بارسال ~~الرسل ونصب الأدلة والآيات، ليس غرضا يعود إلى ذاته، بل إنما هو مجرد ~~عناية بالقياس إليهم، وفيض رحمة عليهم على سبيل الرشح، ونظم للأمور ~~وترتيب للأسباب وصولا إلى المسببات، مترتبة عليها الغايات الجزئية، ~~ومصالح للعباد، من غير التفات من جنابه العالي إلى السافل، أخبر سبحانه ~~أنه قد خلق الأنبياء وأرسلهم وذريتهم إلى الخلق، مع تأييده إياهم بجنود ~~لم تروها من الملائكة، وتنويره قلوبهم بالوحي والكتاب، والحال أنهم مع ~~ذلك لم يقع الاهتداء بهم إلا من بعض الناس دون بعض، وكثير منهم فاسقون. # ولو كان له تعالى ارادة جزافية، وأغراض جزئية، ومقاصد سفلية - كما ~~يتصوره العامة -، لم يتصور ذلك، ولما كان أولياء الله وأحباؤه ممتحنين ~~بيد الأعادي، مقهورين بقهر الكفرة الفجرة، ممنوعين عن ارشاد الخلق ~~معوقين عن هدايتهم مدة مديدة بسبب كيد المنافقين وافساد الظلمة. # ثم أكد هذا المعنى بالإخبار عن اتصال سلسلة الرسل والمصطفين الأخيار ~~على ما هو مقتضى حكمته البالغة، من عدم تخلية العالم عمن يوحده، ويمجده ~~ويعظمه، ويعرفه، ويصفه بصفات العظمة والجمال، ويثني عليه بنعوت ~~الكبرياء والجلال من الأنبياء والأولياء ms1811 والعرفاء، ثم الأمثل فالأمثل، ~~إلى أن بلغت نوبة الإجادة والإفضال إلى الأداني والأرذال، من غير تعلق ~~قصد بوجود هذا القسم إلا على سبيل الاستجرار والاستتباع، كما ان الصانع ~~الحاذق والنجار المحدق إذا تمت صنعته في موضوع معين لها كالخشب مثلا ~~للسرير أو الباب، وبقي من الموضوع شيء، لا يضيع حق قابلية هذه الفضالة، ~~بل يصنع منه ما هو أدون منزلة من الأول، وهكذا، كالوتد والخلال، إلى أن ~~يبقى شيء من الموضوع الجسماني، فهكذا الباري تعالى - وهو أشرف الصانعين ~~-، يقع من صنعة وجوده الأشرف فالأشرف إلى الأخس فالأخس، حتى ينتهي إلى ~~وجود الأشرار والفسقة والكفرة، فكان الغرض المقدم في إيجاد المكونات ~~(الممكنات - ن) خلقه أشراف نوع الإنسان، فخلق من فضالته سائر الأكوان، ~~لئلا يفوت كل ذي حق حقه، ولا يضيع عن القابل مستحقه، كل ذلك على سبيل ~~الحكمة والعناية الخاليتين عن النقص والشين. # وذكر أنه عقب الرسل بالرسل، وقفى بعضهم على أثر بعض، مؤيدا بالآيات ~~من لدن نوح وابراهيم إلى عيسى بن مريم (عليه السلام)، وكان في كل أمة ~~الغلبة للفساق والنجاة للمهتدين - وهم الأقلون عددا من المتوسطين ~~والهالكين -، وكذا في أمة عيسى (عليه السلام) كان بعضهم ممن آمنوا به ~~واتبعوه، وكان في قلوبهم رأفة ورحمة فأتوا أجرهم، وكثير منهم فاسقون. # ولما أخبر تعالى عن ارسال الأنبياء متصلين إلى عيسى، وذكر حال قومهم ~~وقومه الغابرين، شرع في ذكر نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) وحال ~~قوته الظاهر الحاضر، مخاطبا إياهم، آمرا لهم بالتقوى والإيمان، واعدا ~~لهم كفلين من رحمته ونصيبين من فضله وجوده، لشرافتهم وفضيلتهم على ~~سائر الأمم، لقوله: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران:110]. جاعلا لهم نورا يمشون به يوم القيامة - وهو نور ~~المعرفة - جزاء إيمانهم بالرسول، وجزاء تقواهم المغفرة لذنوبهم السابقة، ~~لأن العلم شرف وتحلية، والعمل نجاة وتخلية. # وهذه المراتب السنية لهم فوق سائر الأمم، لأجل استحقاقهم الذاتي، وصفاء ~~قرائحهم الفطرية، فإن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، بعضهم أصفى ~~وبعضهم أكدر، ولهذا أشار سبحانه تنبيها على تفاوت طبقات ms1812 الخلق في الكمال ~~بحسب الجواهر والاستعدادات بقوله: { لئلا يعلم أهل ~~الكتاب ألا يقدرون على شيء } ، لخسة جوهرهم ونقصان ~~قابليتهم، والفاعل الفياض وان كان متشابها في فيضه وجوده، كما أشار ~~بقوله: { وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء ~~والله ذو الفضل العظيم } ، لكن تختلف آثاره باختلاف ~~القابليات: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة:26]. # أما ترى أن الماء حقيقة واحدة متشابهة لكن تختلف آثاره حسب اختلاف ~~الأراضي كما في قوله تعالى: # هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ~~ومنه شجر فيه تسيمون * ينبت لكم به الزرع ~~والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ~~إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون # [النحل:10 - 11]. # والشمس ذات واحدة وفعلها الخاص بها الإضاءة والإشراق، ومع ذلك يكون ~~لفعلها الوحداني أثران متضادان كتبييض ثوب القصار وتسويد وجهه. # فهذا ما خطر ببالي المنكسر، وحضر في ذهني الفاتر والقاصر، من النكات ~~المتعلقة بهذه الكريمة، مع تضيق المجال وتعسر الحال وفشو داء الجهل ~~والوبال في الأطراف والأكناف، وترفع حال الجهلة والأرذال، وتصدرهم على ~~الأخيار والأشراف، وخلو البقاع والبلاد عمن يعرف قدر المعارف والأسرار، ~~الفائضة على قلوب العباد من خبايا علوم المبدأ والمعاد، والى الله ~~المشتكى من زمان شاع فيه الجهل والعناد (والفساد)، وكثر فيه الحسد ~~واللداد، وانسد طريق المعرفة والسداد، واستكبر الناس عن تعلم الحق بحسب ~~ما حصلوه بالوسواس، وسموه علم المذهب لتوصلهم به إلى مراجعة الخلائق ~~إليهم والاستيناس. # وله الشكر فيما أخرجنا الله به عن مضائق ظلمات الأبحاث الجدلية ~~والكلامية، إلى أفضية الأنوار الإلهية القرآنية، ولرسوله الهادي إلى طريق ~~التوحيد بأسرار كلماته ورموز آياته - محمد وآله - الصلاة والدعاء، كفى ~~ارشادهم للخلق وافضالهم، وجزاء هدايتهم للناس وإكمالهم أولا وآخرا. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1] # جر هذه النعوت لأنها تابعة للاسم المجرور. وفي الكشاف: قرئت صفات الله ~~تعالى بالرفع على المدح، كأنه قيل: " هو الملك القدوس " ، ولو قرئت ~~منصوبة لكان وجها، كما قيل: " الحمد لله أهل الحمد ". # أي: يقدس الله وينزهه ويمجده كل ما في العلو والسفل والملكوت الأعلى ~~والأسفل. وإنما قال ms1813 مرة: { سبح لله } بصيغة الماضي، ومرة: { ~~يسبح لله } بصيغة المضارع ليكون تنبيها للناظر الخبير والأديب ~~الأريب على دوام وقوع تنزيهه عن صفات الموجودات المتغيرات، وعن سمات ~~الممكنات الثابتات فيما سبق وفيما لحق، أي: سبح له سوابق الممكنات، ~~ويسبح له لواحق الكائنات مما في الأرض والسموات من جهة أسبابها وعللها ~~السابقة، وعوارضها ونتايجها اللاحقة. # إشراق # الأسماء الحسنى في الآية الشريفة # قد مر تفسير لفظ الجلالة في تفسيرنا لآية الكرسي. # والملك الحق: ما له وجود كل شيء ويفتقر إليه كل شيء. فإن من لا ~~يكون موجدا الكل ما سواه لم يكن له التصرف في شيء واحد من الأشياء حيث ~~شاء ومتى شاء وبأي وجه شاء، فلم يكن ملكا حقا لشيء، بل مع شركة من ~~الغير وافتقار له إلى الغير، فكل ملك حق يجب أن يكون موجد الكل وإله ~~الجميع. # و " القدوس ": هو المجرد المستغني في وجوده وحقيقته عن التعلق ~~والارتباط بغيره سواء كان ذلك الغير فاعلا له، أو غاية، أو مادة، أو ~~صورة أو موضوعا أو عرضا، أو جزء مطلقا، وسواء كان التعلق في ~~الخارج، أو في العقل، كتعلق وجود الشيء ذي الماهية بماهيته، وكتعلق ~~النور بجنسه أو فصله، أو تعلق أحدهما بالآخر، فالله سبحانه مقدس عن ~~التعلق بشيء من المبادئ المقومة بسبب من الأسباب المحصلة، لا سبب به ~~يحصل، ولا سبب له يوجد، ولا منه ولا عنه ولا فيه ولا معه، لأن كلا ~~من هذه الأمور تسقط أوليته وتصادم تقدمه وإلهيته، وهو مبدأ للأشياء ~~ومنتهاها، وأولها وآخرها وظاهرها وباطنها. # و " العزيز ": بالحقيقة هو المتبرئ عن كل نقص وآفة، والمتمجد عن كل ~~قصور وشين، والممتنع عن أن تصل إلى نيل جلاله أفهام العاقلين فضلا عن ~~الغافلين، أو أن تدرك كنه جماله أنظار الموحدين فضلا عن أوهام الملحدين ~~والمعطلين. # و " الحكيم ": العالم الذي يعلم نظام الخير في الأشياء ويضع الأشياء ~~على وجه يودي إلى غاياتها الذاتية وتترتب عليها وجوه المنافع وتتخلى ~~عن الشرور والآفات بقدر الإمكان، وبالجملة، على وجه يؤدي المجموع إلى ~~الخير ms1814 المحض والاجمال المطلق والكمال الأتم والجلال الأرفع. # فالحكمة مفهومها متحصل من علم تام وقدرة بالغة. إذ القدرة صفة تؤثر ~~وفق العلم والإرادة، وهي فينا من الكيفيات النفسانية مصححة للفعل ~~وتركه، وقوة على الشيء وضده، وتعلقها بالطرفين على السوية، فلا تكون ~~تامة لأنها فينا إمكان صرف وقوة محضة لأن مبادي أفاعلينا ~~الاختيارية واردة علينا من خارج - كالعلم بالفائدة أو ما في حكمه -، ثم ~~الشوق، ثم الإجماع المسمى بالإرادة والكراهة. # وفيه تعالى هي الفعل مطلقا إذ لا جهة إمكانية فيه سبحانه، وليست قدرته ~~مندرجة تحت إحدى المقولات، بل هي نفس وجود ذاته وكونه بحيث تصدر عنه ~~الموجودات لأجل علمه بنظام الخير الذي هو عين ذاته، فإذا نسبت إليه ~~الممكنات من حيث إنها صادرة عن علمه، كان علمه بهذا الاعتبار قدرة، وإذا ~~نسبت إليه من حيث أن علمه كاف في صدورها، كان علمه بهذا الاعتبار إرادة، ~~وإذا كانت الأشياء الصادرة عن علمه على غاية الإحكام والاتقان وخيرية ~~النظام، كان علمه بهذا الاعتبار حكمة. # حكمة إشراقية عرشية # سريان التسبيح # إن في القرآن نصوصا قاطعة على سريان تسبيح الحق كسريان نور الوجود ~~والشهود في جميع المجودات، حتى الجماد والنبات، وعليه دلائل وشواهد ~~عقلية وكشفية، وأمارات وإشارات نقلية وسمعية. # فمن الطريق الأول مسلكان: # الأول: أن كل موجود من الموجودات العالمية دال - لمن نظر وتأمل ~~فيه - على وجود صانعه ووحدانيته وعلمه وإرادته وقدرته وحكمته، دلالة ~~عقلية واضحة، فهي كلها مسبحة مهللة محمدة مكبرة، إذ حقيقة التسبيح ~~والتهليل والتكبير والتحميد، هي الشهادة على وحدانية الصانع وتنزيهه عن ~~النقائص، وإظهار عظمته وكبريائه، والدلالة على إلهيته وقدرته، سواء كانت ~~بالألفاظ أو بالذوات أو بالصفات، وسواء كانت الدلالة بوضع واضع وجعل ~~جاعل، أو يكون وجود الدال عين كونه دالا بلا تخلل وضع واضع وجعل جاعل، ~~فكل موجود بمنزلة كلام ناطق دال على تنزيهه تعالى وتقديسه، إذ يفهم منه ~~وحدانيته تعالى، واتصافه بصفات الكمال، وتقدسه عن سمات النقص والزوال، ~~وأعلى المراتب في الشهادة والدلالة؛ دلالة ذاته لذاته، وشهادة صفاته على ~~ذاته وصفاته ms1815 وأفعاله، ثم دلالة أفعاله عليها، وهم الملائكة المقربون، ~~ثم النفوس الصالحون المقدسون، ثم سائر المكونات، كما قال تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط # [آل عمران:18]. قوله: # ويسبح الرعد بحمده # [الرعد:13]. # المسلك الثاني: أن للحق تعالى معية ثابتة مع جميع الموجودات، ~~وظهورا خاصا منه في كل الهويات، ليس كمعية جوهر مع جوهر، أو جوهر ~~مع عرض، أو عرض مع أحدهما، بل أشد من جميع المعيات حتى معية ~~الوجود مع الماهية، فلا يكون ممازجا ولا مواصلا ولا مغايرا ولا ~~مفاصلا ولا متحدا كاتحاد موجود بموجود، ولا كاتحاد ماهية متحصلة ~~بماهية متحصلة، بل كما قال إمام الموحدين ومقتدى العارفين أمير ~~المؤمنين (ع): " مع كل شيء لا ببمازجة، وغير كل شيء لا بمزايلة ". # فكل موجود من الموجودات كقطرة في بحر وجوده، وذرة متواصلة في إشراق ~~ظهوره وشعاع نوره، فإذا كان الحق بجميع صفاته الكمالية ونعوته ~~الجمالية والجلالية متجليا على جميع الأشياء، فلكل من الموجودات عين ~~شاهدة لأوصاف جماله، ولسان ملكوتي مسبح مقدس لنعوت كماله، فكل ما في ~~السموات وما في الأرض يسبحه ويهلله ويمجده ويكبره بجميع ألسنة ذاتها ~~وقواها ومشاعرها وضمائرها وأسرارها وظواهرها وأطوارها قولا وفعلا ~~وضميرا واعتقادا. # إشارة حكمية # قد تقرر في أنظارنا الحكمية، وأسفارنا الإلهية، أن جميع الموجودات ~~متوجهة نحو الحق تعالى طبعا وإرادة وعقلا، وهذا المعنى مشاهد في ~~أكثر المحسوسات الجوهرية، مثل بذر النبات في حركاته نحو الكمال، ونطفة ~~الحيوان في تطوراته من حال إلى حال، وخلقة الإنسان في شؤوناته من لدن ~~كونه عقلا هولانيا مهيأ للاستكمال شيئا فشيئا إلى أن يبلغ مراتب ~~الرجال الواصلين إلى درجة العقل المستفاد - بل الفعال -، ثم يترقى في ~~طور الولاية والقرب إلى أن يصل إلى الله العزيز المتعال. # وإذا ثبت هذا وتقرر، ظهر أن كل موجود على حسب وجوده عارف بربه ~~المتصف بصفات الجمال، المنزه عن نقائص الإمكان والزوال، ومن عرف الله ~~فلا محالة يسبحه ويقدسه وينزهه بلسان الحال أو المقال أو الفعال، ~~فكل موجود يسبح بحمده إلا ms1816 من غلب عليه الوهم المغير لخلق الله. # هذا من سوانح هذا المقام فافهم واغتنم. # وأما الطريق الثاني: # وهو طريق الذين لا يصدقون بالأشياء إلا بمباشرة الحواس، لا ببرهان ~~وقياس، فالمنقول من الآيات والأحاديث الدالة على تسبيح الموجودات - حتى ~~الجمادات - كثيرة غير محصورة، فمنها ما أفصح الله عنه بقوله: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب # [الحج:18]. # ومنها قوله: # أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ~~ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا لله وهم ~~داخرون # [النحل:48]. فقد بين سبحانه أن ذلك التفيؤ يمينا وشمالا سجود لله ~~وعبودية وخضوع وصغار وذلة لجلاله وجماله. # ومنها قوله تعالى متمما لهذا المعنى: # ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من ~~دآبة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ~~ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون # [النحل:49 - 50] أي ممن يدب عليها ثم قال: { وهم } يعني أهل ~~السموات والملائكة، يعني التي ليست في سماء ولا في أرض { لا ~~يستكبرون } عن عبادة ربهم، ثم وصفهم بالخوف ليعلمنا أنهم ~~عالمون بمن سجدوا له، ثم وصف المأمورين منهم أنهم { ويفعلون ما ~~يؤمرون }. # ثم قال في حق الذين هم عند ربهم: # يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون # [فصلت:38] أي لا يملون ولا يفترون، كل ذلك للدلالة على أن العالم ~~كله في مقام الشهود والعبادة والعلم والشهادة، إلا كل مخلوق له قوة ~~التفكر، وليس إلا النفوس الوهمانية الشيطانية والحيوانية خاصة من ~~أعيان نفوسهم لا من حيث هياكلهم وظلالهم فإن هياكلهم وظلالهم كساير ~~أعيان نفوسهم لا من حيث هياكلهم وظلالهم فإن هياكلهم وظلالهم كساير ~~أعيان العالم في التسبيح والتقديس والسجود، فأعضاء البدن كلها مسبحة ~~ألا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود والأيدي ~~والألسن والسمع والبصر وجميع القوى، فالحكم لله العلي الكبير. # وأما النفوس الوهمية فهي مؤتمرة للشيطان، مغيرة خلق الله عما فطر ~~عليه، مبتكة آذان الأنعام. # ومنها: ما في الأدعية ms1817 النبوية - على الداعي وآله أفضل الصوات ولهم أجزل ~~الدعوات -: " إلهي أنت الذي سجد لك السماء والأرض وسجد لك سواد الليل ~~ونور النهار. وضوء القمر وشعاع الشمس، وحفيف الشجر ودوي الماء ". # وإنما ذكر هذه الأمور الضعيفة الوجود استظهارا لتحقق السجود ~~والعبودية والشهادة والشهود لمباديها الجوهرية الصورية ومقوماتها ~~النوعية النورية - فافهم واغتنم -. # إشراق عرشي # حقيقة التسبيح ومراتبها # حقيقة التسبيح وروحه تجريد الذات الإلهية عن علائق الأكوان وشوائب ~~الحدثان والإمكان، وهذا لا يتحصل إلا ممن كان له نحو من التجرد ~~والطهارة، فكل من كان أشد تجردا وأقوى براءة عن المواد الكونية، ~~وأتم تخلصا عن الغواشي الدنيوية، فهو أتم تسبيحا للحق، لأن كل أحد ~~لا يعتقد شيئا إلا بما في جوهره وذاته. # وهذه الحقيقة لها مراتب: # إحداها: مرتبة الذات الأحدية الإلهية، سبوح قدوس رب الملائكة ~~والروح. # وثانيها: تسبيح الملائكة المقربين والعقول المهيمين، ولكل واحد منهم ~~تسبيح واحد مشتمل على أعداد تسبيحات التي دونه. # وثالثها: تسبيح الملائكة السماوية، ولكل منهم تسبيحات متعددة حسب ~~أعداد الدورات الأكرية الفلكية الكوكبية وأعداد الارتباطات والقرانات ~~والأنظار والاتصالات، وبالجملة حسب تكرر الحوادث الماضية والآتية التي ~~وقعت لكل كرة من الكرات، منسلكة كالسبحة في مسلك امتداد الأزمنة ~~والأوقات. # ورابعها: تسبيح الملائكة الأرضية والنفوس النطقية مع طبائعها وقواها ~~الطبيعية السفلية. # وخامسها: ذكر الأبدان والأبعاد مع أعضائها وأجزائها، وكل واحد منها ~~مسبح وذاكر لربه بلسان يخصه، بل كل واحد لسان لذكر الحق وتسبيحه ~~بوجه، كما ذكره صاحب فصوص الحكم بقوله: " فالكل ألسنة الحق ناطقة ~~بالثناء عليه، بل إن شئت قلت: كل واحد تسبيح وذكر لربه ". # والعالم كله أيضا من جهة الوحدة الطبيعية له كما أثبتها المحققون، ~~تسبيح واحد وذكر مفرد لوصف جماله تعالى وجلاله، وسبحة واحدة بوجه آخر ~~يوصف بها كماله تعالى وربوبيته، وشخص مسبح بوجه آخر، ولسان ذاكر له ~~بوجه آخر. # هذا باعتبار وحدته وإجماله، وأما باعتبار كثرته وتفصيله، فألسنة ~~متعددة وتسبيحات كثيرة أو مثنيات ومسبحات حسب تعدد الموجودات وتكثر ~~الممكنات، فإن كل طبيعة نوعية لها أفراد غير متناهية، فله مثال عقلي ms1818 ~~هو رب أصنافها الشخصية، ونور ظلال أفرادها المادية، وهو الملك الهادي ~~الملهم لها طريق الخير والكمال، الصارف عنها الآفة والشر والوبال، وذلك ~~الملك المدبر المربي لها يسبح الحق بألسنة تلك الأفراد كلها، كما ~~أشير إليه في الإشارات النبوية والرموز الولوية. # وبهذا يتضح ويستكشف تسبيح الجمادات والنباتات بلا مرية، حيث لكل نوع ~~منها وجه إلى الحق لأول، وهو طباعة التام وحقيقته الأصلية، وهو ~~المقوم لأفراده المتمم لآحاده، بحيث يكون فعلها فعله، وذاتها ذاته لأن ~~نسبة أفراد كل نوع طبيعي متكثر الأجسام متخالف الأصنام إلى ما يدبر ~~أجسامها ويربي أصنامها، نسبة البدن بما فيه من الأجزاء والقوى إلى النفس ~~الناطقة، إلا أنه لا ينفعل ولا يتأثر بها كما تنفعل نفوسنا عن أبداننا ~~وقواها ما دمنا في هذا العالم. # فكما أن وجود البدن وقواه متحد مع وجود النفس وأفعاله، مستهلك في ~~أفعالها، فكذلك الحكم فيما أشرنا إليه. # وهذا الوجه في تسبيح هذه الموجودات قريب المأخذ مما ذكره بعض العارفين ~~في تأويل هذه الآية وهو قوله: " المسبح ": هو الروح المنبث في سائر ~~الأرواح، والقائم بالصور والأشباح، وهو وجه الوجوه إلى الحق، وسر ~~الذوات المتنوعة بتنوعات الخلق، قال الله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص:88]. ف " الهاء " في " وجهه " عائدة إلى الشيء الهالك الذي لا ~~يفنى حقيقة بفناء قالبه الحسي وصورته الحسية، والروح هي المسبحة ~~الطائعة والمشاهدة السامعة مستمرة الحكم بذلك في الوجود، منها التسبيح ~~والسجود حين الصعق اللاحق بها في الآخرة، حين يقول الله سبحانه: # لمن الملك اليوم # [غافر:16]، فلا يجيبه أحد لخمودها بالصعق الأخروي، فيجيب نفسه بنفسه: # لله الواحد القهار # [غافر:16]. ### || [62.2] # وفيه إشراقات شمسية وأنوار قمرية: # الأول: في اللغة: # بعث في الأمين يعني أرسله في العرب لأنهم كانوا أمة لا تكتب ولا ~~تقرأ، ولم يبعث إليهم نبي - عن مجاهد وقتادة -. # وقيل: يعني أهل مكة، لأن مكة - شرفها الله - تسمى أم القرى. # وعن بعض المحققين من أهل الكشف: إن الرسول يسمى بالأمي لأنه منسوب ~~إلى أم الكتاب، أي اللوح المحفوظ، وبهذا الإعتبار ms1819 تكون أمته أميين، ~~فهو رسول مبعوث من الله في الأميين مع كونه من جنس الآدميين متعلقا ~~بقالب البشرية المركب من الماء والطين، ليمكن الوصول إليه والاجتماع ~~بحضرته والاقتداء به والاستفادة من ذاته بجهة الحصة البشرية، ~~والاستضاءة من أشعة عقله المنور بوسيلة المشاركة الحسية من ثقب ~~إصطرلابات الحواس والعقول، والاستماع لتلاوة آيات الله القرآنية منه في ~~عالم المخاطبة الكلامية والمقارعة الهوائية. # نور قمري # خصائص النبي # بعثته (صلى الله عليه وآله وسلم)، كونه مأمورا بإصلاح هذا النوع الآدمي ~~بواسطة استجماعه لشرائط الرسالة الإلهية، وخصاص السعادة الربانية من ~~أوصاف شريفة كثيرة، ونعوت كريمة غفيرة، تشملها خصائص ثلاث متعلقة بروحه ~~ونفسه وحسه: # أما الأولى: - وهي أشرف الجميع - فكونه مطلعا على العلوم الإلهية ~~عالما بحقائق الأشياء كما هي، من المبدأ الأعلى وملكوته العلوي والسفلي، ~~وحقيقة النفس بكلا جزئيها العلمي والعملي، وكلتا نشأتيها الآخرة والأولى، ~~وأحوال الخلائق في تلك الدار، ورجوع الكل إلى الواحد القهار، علما ~~مستفادا من الهام الله بطريق الشكف الروحي والإلقاء السبوحي، لا بوسيلة ~~التعلم البشري والتعمل الفكري. # وأما الثانية: فكونه ذا قوة باطنية بها تتمثل له الحقائق بكسوة ~~الأشباح المثالية في العالم المتوسط بين العالمين، بل تسري قوته إلى ~~الحس الظاهر، فهي تتشبح له في هذا العالم، فيشاهد الملك الملقي ~~عيانا، ويسمع كلام الله منه شفاها، بعبارات أنيقة وألفاظ فصيحة دقيقة ~~المعاني، في غاية الفصاحة والسلامة والنفاسة، ويطلع بتعليمه والقائه على ~~المغيبات الجزئية ويخبر عن الحوادث الماضية والآتية. # وأما الثالثة: فكونه ذا قوة قوية وبسطة شديدة، بها يقهر المعاندين ~~والمنكرين ويتسلط على أعداء الله وأولياء الشياطين، وذا مصابرة على ~~الشدائد والامتحانات، واقتدار وتمكن على تجهيز الجيوش وتثبت في الحروب ~~والمبارزات. # فمجموع هذه الثلاث من خاصية الرسالة، فأما آحاد هذه الخواص، فقد يوجد ~~في غير الأنبياء بوجه، فإن الأولى مما تتحقق في الأولياء والحكماء، ~~وضرب من الخاصية الثانية توجد في أهل الكهانة والرهبانيين، والثالثة قد ~~تكون في الملوك الشديدي البأس والهمة. # إشراق شمسي # جامعية النبي للنشآت الثلاث # جوهر النبي (صلى الله عليه وآله ms1820 وسلم) كأنه مجتمع من ثلاثة أشخاص عظيمة ~~كل منهم رئيس مطاع في نوعه، فبروحه وعقله يكون ملكا من المقربين، ~~وبمرآة نفسه ولوح ذهنه يكون فلكا مرفوعا عن أدناس العنصريين ولوحا ~~محفوظا من مس الشياطين # لا يمسه إلا المطهرون # [الواقعة:79]. وبحسه يكون ملكا من عظماء الملوك والسلاطين. # وتحقيق ذلك: أن النشآت ثلاث: نشأة الحس، ونشأة النفس، ونشأة العقل. ~~والعوالم ثلاثة بحسبها: عالم الدنيا، وعالم الآخرة، وعالم الربوبية. ~~والإنسان بحسب غلبة كل نشأة داخل في عالم من العوالم الثلاثة، فمن جهة ~~حسه ونفسه وروحه داخل في هذه العوالم إما بالقوة أو بالفعل، فبحسه ~~من جملة الدنيا وتحت جنس الحيوانات، وبنفسه من جملة الملكوت الأسفل، ~~وبروحه من جملة الملكوت الأعلى، لكن الغالب على أكثر الناس نشأة الحس ~~وموطن الدنيا # وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى # [الكهف:88]. # وأما جوهر النبوة فله جامعية النشآت الثلاث، لكونه كامل القوى الثلاث ~~الحسية والمثالية والعقلية، فله السيادة العظمى والرئاسة الكبرى ~~والخلافة الإلهية في العوالم كلها، فهو شارع ورسول ونبي، يحكم ~~بالأول كالملك، ويخبر بالثاني كالفلك، ويعلم بالثالث كالملك. فافهم ~~واغتنم. # إشراق آخر # الاستكمال العلمي النبوي # إمتنانه تعلى على الأمة بأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم ~~كما يدل عليه قوله: رسولا منهم -، وقوله تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز # [التوبة:128]. وقوله تعالى: # ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ~~وينذرونكم لقآء يومكم هذا # [الأنعام:130]. للإشعار بأن هذه المرتبة الشريفة النبوية من المراتب ~~التي قد بلغت إليه النفس الإنسانية عند استكمال قوتيها بالعلم والطاعة، ~~وهي مما حصلت للنفس المحمدية - عليه وآله الصلاة والتحية - بالأصالة، ~~ولخواص أمته وأولياء الله بالوارثة والتبعية، لقوله تعالى: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران:31] وقوله: # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين # [النساء:69]. # وفي الحديث: # " العلماء ورثة الأنبياء ". # وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): # " إن في هذه الأمة محدثون متكلمون ". # وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا: # " ان لله عبادا ليسوا ms1821 بأنبياء يغبطهم الأنبياء ". # وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا: # " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ". # وفي الرواية: # " قلب المؤمن عزلي ". # فأنت أيها العالم - ما لم تكن علومك مقتبسة من مشكاة النبوة فلست ~~بعالم بالحقيقة، بل بالتسمية المجازية، لدلالة قوله: { ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة } ، بحسب مفهوم العكس على ذلك فافهم. # ومن لم يكن هاشميا بأن تكون ولادته المعنوية - المعبر عنه عند ~~الصوفية - ب " الفتح " من جهة نسبته (صلى الله عليه وآله وسلم) لها، ~~باعطاء صور المعارف الإيمانية لمادة عقله، فليس مؤمنا حقيقيا، لأن ~~المؤمن الحقيقي من تكون روحه وليد القدس، ويكون الرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أبوه المقدس، بأن تحصل في مادة عقله الهيولاني التي بمنزلة ~~التراب صورة إعتقادية إيمانية بمنزلة صورة النطفة الآدمية قابلة ~~للتربية والتنمية بأغذية المقاصد العلمية والمطالب القرآنية، وأشربة ~~الأعمال والأفعال الشرعية، ونحن قد بينا شرح هذه الولادة في مقامه، ~~فالمؤمن الحقيقي من يكون من أهل بيت الرسالة الإلهية، متشبها في أخلاقه ~~بأخلاق أبيه المقدس، وقوله تعالى: # ملة أبيكم إبراهيم # [الحج:78] وقوله في حق نوح (ع): # إنه ليس من أهلك # [هود:46] ينور ما قررناه، وقوله (ع): " واشوقاه إلى لقاء الأشباه " ~~يعطى ما ذكرناه. # إشراق آخر # فائدة البعثة # فائدة البعثة جسيمة، ونتيجة الرسالة التي قد من الله بها على المؤمنين ~~في هذه الآية وغيرها منة عظيمة، كقوله: # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا # [آل عمران:164]. هي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويبين لهم أحوال الآخرة ويحل لهم ~~الطيبات ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، لأجل جهالة ~~الهيودية وبلاهة النصرانية، اللتين كانتا مركوزتين في النفوس بحسب ~~إفراطها وتفريطها في الصفات والأعمال، وخروجها في التشبيه والتنزيه عن ~~جادة الإعتدال الذي يكون لهذه الملة البيضاء والشيعة الغراء - على ~~الصادع بها وآله أفضل تسليمات الله تعالى - كما دل عليه قوله تعالى: { ~~وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } وقوله في سورة يس: # لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم فهم غافلون # [يس:6]. ms1822 # وكأن قوله: { ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~} عطف تفسيري لقوله: { يتلو عليهم آياته } ، وشرح له، وبيان ~~حاصل الأثر في تلاوة الآيات على سبيل الإجمال، فإن الغرض الأصلي من بعثة ~~الرسول، وتلاوة الآيات على العقول، سياقتهم إلى رضوان ربهم وهدايتهم إلى ~~جواره الأطهر وملكوته الأنور. # وهي إنما تناط بشيئين: # أحدهما: إصلاح الجزء العملي من الإنسان بالتصفية والتهذيب. # وثانيهما: تكميل جزئه العلمي بالتصوير والتقريب. # فالقرآن المنزل على سر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولا، وعلى ~~قلوب أمته ثانيا يجب أن يكون مشتملا على أمور ثلاثة: # الأول: في الحكمة العملية المبينة للأفعال والأعمال، الشارحة للأخلاق ~~والآداب المفيدة للعبد قطع تعلقه عن الأسباب، وترك التفاته إلى الدنيا ~~وما فيها، والمعالم الأدبية تثبت في القرآن على أبلغ وجه وآكده، كما ~~أشار إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: # " أدبني ربي فأحسن تأديبي ". # الثاني: في الحكمة العلمية والمعارف التي تبلغ إليه عقول العلماء ~~والحكماء بقوتهم الفكرية، بتعليم الأنبياء والأولياء (ع) إياهم. # وهذان القسمان من العلوم والمعارف، التي يقع فيها الإشتراك لساير الكتب ~~السماوية مع القرآن، لكن يكون ما في القرآن أوثقها برهانا، وأجلها ~~شأنا، وأرفعها رتبة، وأعلاها مأخذا، وأقومها غاية، وإليه الإشارة ~~بقوله: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء:9]. وبقوله: # ويهديكم سنن الذين من قبلكم # [النساء:26]. وقوله: # مصدقا لما بين يديه من التوراة # [المائدة:46]. # الثالث: في الحكمة التي لا يبلغ إلى طورها إلا الخلص من أحباء الله ~~وأوليائه الصالحين، وهي المشار إليها في قوله: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه ~~على كل شيء شهيد # [فصلت:53]. وهذه الحكمة من خواص المحبوبين لله، كما أن الحكمتين ~~الأوليين من خواص المحبين لله، وإليهم الإشارة في قوله تعالى: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه # [المائدة:54]. # وفي الحديث القدسي: # " لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه.... ". # تأييد عرفاني # مراتب الإيمان # إن مراتب الإيمان ثلاث: مرتبة العوام، ومرتبة الخواص وهم المحبون، ~~ومرتبة الأخصين وهم المحبوبون. ولكل من هذه المراتب الثلاث ms1823 علم وعمل. # فمرتبة العوام: أما من جهة العلم، فهي أن يؤمن بكل ما جاء به النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) على سبيل التسليم والطمأنينة القلبية إيمانا ~~بالغيب. وأما من جهة العمل، فبأن يفعل الحسنات ويترك المعاصي والسيئات ~~طلبا لجزيل الثواب وتخلصا عن أليم العقاب. # وأما مرتبة الخواص: من حيث العلم، فهي أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله وأوليائه وبالبعث بعد الموت، وبالجنة والنار، وبالقدر خيره ~~وشره - كما ورد في الحديث ويعرف هذه المعارف الإيمانية والاعتقادات ~~الأركانية كلها بالبراهين النيرة القدسية والمبادئ الإلهية. وأما ~~مرتبتهم من حيث العمل: فهي أن الله تعالى إذا تجلى لعبد بصفة من صفاته، ~~خضع له جميع أجزاء وجوده وتبعه قواه ومشاعره، وآمنت بالكلية بعد ما كان ~~قلبه يؤمن بالغيب، ونفسه تكفر بما آمن به قلبه، إذا كانت النفس عن تنسيم ~~روائح الغيب بمعزل، كما أشير إليه في الكتاب: # فلما تجلى ربه للجبل # [الأعراف:143] أي: جبل القلب - # جعله دكا وخر موسى # [الأعراف:143] أي: موسى النفس - # صعقا فلمآ أفاق # [الأعراف:143] - بعد رفع الحجب قال: - # تبت إليك وأنا أول المؤمنين # [الأعراف:143]. وفي قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " أسلم شيطاني على يدي " # ، تنبيه على هذا - فانتبه يا مسكين وانزعج من مرقد النائمين. # وأما مرتبة الأخصين: فهي من حيث العلم والعمل إنما تكون بعد رفع حجب ~~الأنانية بتجلي الحق بالصفات التمجيدية والنعوت التقديسية، فإذا ~~أفناه عنه بصفة الجلال، يبقيه بصفة الجمال، ويعيد إليه عقله وسمعه وبصره، ~~فلم يبق له الأين والبين، وبقي في العين، فيشاهد بنور الحق جميع ~~الحقائق العينية، وينفذ نور بصره في أعيان الملك والملكوت والخلق ~~والأمر، وفي هذه المرتبة يكون العلم والعمل شيئا واحدا. # والإيمان في المرتبة الأولى غيبي، وفي الثانية عيني، وفي الثالثة ~~عياني، وهذا كما كان حال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة المعراج، ~~فلما بلغ السدرة كان بعد في حيز الأين، فلما جذبته العناية من ~~الأين إلى العين فأوحى إلى عبده ما أوحى، وهو المشار إليه بقوله تعالى: # آمن الرسول ms1824 بمآ أنزل إليه من ربه # [البقرة:285]. أي: من صفات ربه وأفعاله، فآمنت ذاته بذاته، وصفاته ~~بصفاته، وأفعاله بأفعاله، فصار كل وجوده مؤمنا بالله إيمانا عيانيا. # وفي هذا المقام أسرار عظيمة لا تحتملها العقول المجردة فضلا عن العقول ~~الملابسة المغشاة بغشاوة الوهم والخيال، وتشمئز عنها طبائع أهل التقليد ~~والجدال - اللهم لا تجعل هذه الكلمات مضلة الجهال والأرذال، واجعلها ~~سببا لزيادة بصيرة أهل الكمال، وموجبة لانارة قلوب الرجال الذين لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله العزيز المتعال -. # إشراق # ما يختص بالقرآن من بيان مراتب الإيمان # إنك إذا علمت ما ذكرناه، من اشتمال القرآن على هذه المراتب الثلاث من ~~الإيمان، وعلمت اشتراك سائر الكتب السماوية معه في المرتبتين الأوليين، ~~واختصاصه بالمرتبة الأخيرة، فقد أحطت علما بأن أنزال القرآن - بما فيه ~~- إكمال للدين وإتمام لنعمة الله على المؤمنين، وتحققت بمعنى قوله ~~تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي # [المائدة:3]. - الآية - أي: جعلت الكمالية في الدين من الأزل نصيبا ~~لكم من بين جميع أهل الملل والأديان، وأتممت عليكم نعمة الإيمان العياني ~~باظهار دينكم على الآديان كلها في الظاهر والحقيقة جميعا، ورضيت لكم ~~الإسلام دينا به تجازون وتثابون، وبه تتعاملون وتناكحون، فإن الإسلام ~~في هذه الأمة دين طريق به يوصل إلى الإيمان الحقيقي، وهو بمنزلة ~~الإيمان من سائر الأمم مع زيادة كمالية لم تكن حاصلة من قبل لقوله ~~تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران:85]. # وذلك لأن حقيقة الدين، هي سلوك سبيل الله عز وجل بعدم الخروج عن هذا ~~الوجود المجازي للوصول إلى الوجود الحقيقي، والإنسان مخصوص به من بين ~~ساير الموجودات، ولهذه الأمة اختصاص بالكمالية في السلوك من بين ساير ~~الأمم. # فالدين من عهد آدم صفي الله، كان في التكامل بسلوك الأنبياء - صلوات ~~الله عليهم أجمعين - سبيل الحق إلى عهد نبينا (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، فسلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جميع المسالك التي سلكها ~~الأنبياء (ع) الماضون بأسرهم، فلم يتحقق له الخروج أيضا بقدم السلوك ms1825 في ~~الحركات الباطنية من الوجود المجازي بالكلية، حتى تداركته العناية ~~الأزلية لاختصاصه بالمحبوبية من بينهم، فبلغ من القرب إلى الكمالية ~~في الدين - وهو سر " أو أدنى " -، فاستعد لسعادة الوصول إلى الوجود ~~الحقيقي بالإيمان العياني بعد الإيمان العيني والغيبي جميعا - وهو سر " ~~فأوحى إلى عبده ما أوحى " - في الحقيقة قيل له في هذه الحالة: أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي. # ولكن في حجة الوداع عند وقوفه بالجحفة، أظهر على الأمة عند أظهاره ~~على الأديان كلها، وظهور كمالية الدين بنزول الفرائض والأحكام بالتمام، ~~وتعيين الخلافة ونصب الإمامة لعلي (ع) والتنصيص عليه بإمامة المسلمين ~~وإمرة المؤمنين. # ومما يدل على ذلك، مشاهدة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الأنبياء ~~(ع) في مقامات ملكوت السماء بحسب درجات قربهم إلى الله تعالى، وصعوده ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عن جميع مقاماتهم إلى سدرة المنتهى، ثم إلى ~~الغاية القصوى. # وكذا ما ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: # " مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا ~~موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت ~~هذه اللبنة قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين " # فجعل الناس يتعجبون. يصحح ما ذكرناه، وينور ما قررناه من مقامات ~~الأنبياء، وتكامل بنيان الدين بهم، وكماليته بالنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وخروجه عن هذا الوجود المجازي بالكلية، وتبعية خواص أمته ~~الذين هم خير أمة أخرجت للناس، لانهم أخص خواص هذا النوع. # ويدل على هذا المعنى أيضا: # " إن الأنبياء كلهم يوم القيامة يقولون نفسي نفسي، والنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يقول: أمتي أمتي " # ، لفناء الوجود وبقائه بالحق الودود. فافهم جدا. # نور قمري # الحكمة وتقسيمها # المراد من الحكمة في هذه الآية إما العلم الصحيح، وإما الفعل الصواب، ~~كما أن إطلاق الإنسان إما على الروح أو على البدن. # والروح أيضا ذو وجهين: وجه إلى القدس وعالم الآخرة، ووجه إلى البدن ~~وعالم الدنيا. والعلم لتكميل الوجه الأول، والعمل لتكميل الثاني على ~~وجه يؤدي ms1826 نفعه إلى تكميل الأول، ونفس العمل لنفس البدن. # ويروى عن مقاتل انه قال: تفسير الحكمة في القرآن يقع على أربعة وجوه: # أحدها: مواعظ القرآن: ففي النساء: # وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة # [النساء:113] ومثلها في آل عمران. # وثانيها: الحكمة بمعنى الفهم والعلم، قوله: # وآتيناه الحكم صبيا # [مريم:12] # ولقد آتينا لقمان الحكمة # [لقمان:12]. يعني الفهم والعلم، وفي الأنعام: # أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم # [الأنعام:89]. # وثالثها: الحكمة بمعنى النبوة، وفي ص: # وآتيناه الحكمة # [ص:20] يعني النبوة، وفي البقرة: # وآتاه الله الملك والحكمة # [البقرة:251]. # واربعها: القرآن بما فيه من عجائب الأسرار، وفي النحل: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة # [النحل:125] # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة:269]. # وأنت - يا حبيبي - إذا تأملت في جميع هذه الوجوه الأربعة وجدت مرجعها ~~جميعا إلى العلم، بل لو نظرت في جميع موارد استعمالات لفظة الحكمة لم ~~تجده خارجا عن العلم بحقائق الأشياء، والعمل بموجبها - وهو التجرد عن ~~الدنيا وما فيها -، ولهذا قيل في حدها: " إنه التخلق بأخلاق الله " ، ~~أي: في الإحاطة بصور المجردات والتقدس عن الماديات. # وإليها الإشارة في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله: # " تخلقوا بأخلاق الله " # أي: تشبهوا به في هذين الأمرين. # ثم اعلم أن الحكمة لا يمكن خروجها من هذين المعنيين، وذلك لأنها كمال ~~الإنسانية بلا شبهة، وكمال الإنسان منحصر في شيئين: # أحدهما: أن يعرف الخير لذاته. # والثاني: أن يعرف الخير لأجل العمل به. # فالمرجع بالأول إلى العلم والإدراك المطابق، وبالثاني إلى الفعل العدل. # وكمال هذين الأمرين في نوع الإنسان مرتبة النبوة والولاية، وقد حكى الله ~~عن إبراهيم الخليل وهو شيخ الأنبياء (ع) أنه قال: # رب هب لي حكما # [الشعراء:83] - وهو الحكمة النظرية - # وألحقني بالصالحين # [الشعراء:83] - وهو الحكمة العملية. # ونادى موسى ربه فقال: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا # [طه:14] وهو الحكمة النطرية، ثم إنه قال: # فاعبدني # [طه:14] وهو الحكمة العملية. # وقال عيسى (ع) كما حكى الله عنه: # إني عبد الله آتاني الكتاب # [مريم:30] - الآية - كل ذلك الحكمة النظرية، ms1827 ثم قال: # وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا # [مريم:31] وهو الحكمة العملية. # وقال الله سبحانه آمرا لرسوله الخاتم وحبيبه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): فاعلم أنه لا إله إلا الله - وهو الحكمة النظرية، ثم ~~قال: # واستغفر لذنبك # [محمد:19]. # وهو الحكمة العملية. لأن علم التوحيد لا يحصل بكماله إلا بعد ~~الإطلاع على جميع أبواب الحكمة النظرية، والعمل الخالص من شوب أغراض ~~النفس، لا يتيسر إلا بأن يكون الإنسان حكيما عارفا بأن ما عند الله ~~خير للأبرار. # وقال في حق جميع الأنبياء: # ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء ~~من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا # [النحل:2] وهو الحكمة النظرية، ثم قال: # فاتقون # [النحل:2]. وهو الحكمة العملية، والقرآن مملوء من الآيات الدالة على ~~أن كمال الإنسان ليس إلا في تكميل هذين الجزءين من النفس بهاتين ~~الحكمتين. # وقال أبو مسلم: الحكمة " فعلة " من " الحكم " كالنحلة من النحل، ~~ورجل حكيم: إذا كان ذا حجى ولب وغصابة رأي، وهو في هذا الموضع في معنى ~~الفاعل. ويقال: أمر حكيم، أي: محكم. وهو " فعيل " بمعنى مفعول، كما قال ~~الله تعالى: # فيها يفرق كل أمر حكيم # [الدخان:4]. # وهذا الذي ذكره أبو مسلم من اشتقاق اللغة، يناسب ما ذكرناه من معناه ~~الحقيقي. # إشراق # معلم الحكمة ومفيضها # إعلم أن معلم الحكمة غير مفيضها وموجدها في النفس، ومخرجها من ~~القوة إلى الفعل، وذلك لأن القواطع البرهانية دالة على أن فياض ~~المعارف على النفوس هو الله سبحانه، باستخدام بعض ملائكته العلوية ~~البرئية من كل وجه عن القوة والاستعداد، وملابسة الأجسام والمواد، كما ~~أن الباري جل مجده مبرء من جميع الوجوه عن الإمكان وملابسة ~~الماهيات لأنه محض وجوب بلا إمكان، ووجود بلا ماهية، فالمنذر ~~والمعلم هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والله الهادي لمن يشاء، ~~الفياض على قلوب عباده بصورة الأشياء كما يدل عليه قوله: # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء # [البقرة:272]. # وتوضيح ذلك: ان الحكمة ان فسرناها بالعلم، لم تكن من العلوم ~~الضرورية لأنها حاصلة للبهائم ms1828 وعامة الناس والمجانين والأطفال، وهي لا ~~توصف بأنها حكماء، فهي لا محالة مفسرة إما بالعلوم النظرية مطلقا، ~~أو بصفة تكون مبدأ الأفعال الحسنة نظرا إلى قسميها، فإن الغاية في أحد ~~قسميها نفس تلك العلوم، وفي الآخرة تحصيل الخلق الجيد، والملكة ~~الملكية، وعلى أي التقديرين، فيلزم أن تكون صورة العلوم النظرية ومنشأ ~~الأفعال الحسنة حادثة في نفس الإنسان واردة عليه من خارج، فيكون حصولها ~~في نفسه بتأثير مؤثر خارج عن ذاته، إذ الشيء لا يتأثر عن نفسه، وأيضا: ~~لا يكون الشيء أشرف من ذاته وأعلم منها. # فذلك المؤثر الخارجي يجب أن يكون عليما حكيما عاقلا بالفعل لا بالقوة، ~~وإلا لافتقر أيضا إلى ما يخرجه من القوة إلى الفعل، ومن النقص إلى ~~الكمال، وهكذا حتى يلزم وجود العقل الفعال المبدأ للاستكمال دفعا ~~للدور والتسلسل، والمبدأ الفعال للكل هو الذات الإلهية البريئة عن شوب ~~الإمكان والزوال بالكلية، فقد ثبت أن الحكمة نور فائض من الحق الأول ~~على قلب من يشاء من عباده، وإليه الإشارة بقوله: # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل ~~العظيم # [الحديد:21].، يشير إلى أن ما يفيضه ويؤتيه لخواص عباده، رشحة من ~~رشحات بحار علمه، ولمعة من لمعات أنوار حكمته اللامتناهية. # تنبيه # تأمل - أيها العارف - إن الله تعالى ما أعطى لعباده إلا القليل من ~~العلم، لقوله: # ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء:85]. وسمى الدنيا بحذافيرها قليلا: # قل متاع الدنيا قليل # [النساء:77]. # ثم قال في العلم الموهوب لعباده: # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء # [الجمعة:4] وقال أيضا: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة:269]. # فانظر كم هو مقدار هذا القليل حتى تعرف عظمة ذلك العظيم الكثير. # والبرهان العقلي أيضا يطابقه، لأن الدنيا بأسرها متناهية المقدار، ~~ومتناهية العدد، ومتناهية المدة، والعلم لا نهاية لمراتبه وعدده ومدة ~~بقائه، والسعادات الحاصلة منه، وذلك دال على فضيلة الحكمة. # وهم وإزاحة # لا تدل الآية على مذهب الجبر # استدل صاحب التفسير الكبير بمثل هذه الآية وبمثل قوله تعالى: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ms1829 كثيرا # [البقرة:269]. على أن أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه. # وذلك الاستدلال فاسد، فإن الحكمة نور من أنوار الله، وهي ليست من فعل ~~العبد أصلا، وإن كان حصولها وفيضانها من الله مما يتوقف على تصفية بيت ~~القلب بمكناس الرياضة، وتطهيره بإزالة الأوهام الباطلة وإزاحة العقائد ~~الفاسدة بالتأملات والتفكرات الموافقة لصورة الحق، وهي من جملة ~~الحركات الاختيارية النفسية، والأعمال البشرية القلبية المعدة لورود ~~أشعة نور الله تعالى، ولا اختيار للعبد إلا في مثل ما ذكر، وأما في ~~وقوع نور الحكمة في قلبه، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لا اختيار لأحد ~~فيه، إلا أن الغالب عدم تخلف ذلك النور عن قلب العبد المجاهد الصبور ~~مع شرائط الحضور. اللهم إلا أن تفسر الحكمة بنفس الأفعال الحسنة وهو ~~ليس بصحيح، وإلا لكان كل فعل حسن حكمة، وكل فاعل يفعل فعلا حسنا ~~حكيما - وإن كان من المجانين والسفهاء - بل المراد من الحكمة - كما وقعت ~~إليه الإشارة - إما نفس العلوم الحقيقية، أو الخلق الذي هو منشؤها، أو ~~الملكة الصادرة عنها الأفعال على وجه الصواب، وعلى أي وجه من هذه لم تكن ~~الحكمة من الأفعال البشرية، بل تكون إما من الكيفية النفسانية، أو ~~الجوهر المفارق. # - تأمل -. # فتلك الآية وأمثالها ما دلت إلا على أن الحالة النفسانية مخلوقة ~~للحق، ولا نزاع لأحد من أهل الكلام فيها، ولا دلالة فيها على أن أفعال ~~البشرية مخلوقة له تعالى من غير اختيار للعبد فيها. # وتحقيق هذه المسألة العظيمة التي فيها مزلة الأفهام ومزلقة الأقدام، ~~مما يحتاج إلى بسط في الكلام لا يليق بهذا المقام، وظني أن لا ثلمة في ~~الإسلام أكثر مما وقع من جهة الإفارط والتفريط في هذا المرام فكم من ~~مقصر وغال فيه، وما أشد سخافة ما ذهب إليه أصحاب أبي الحسن من الاعتقاد ~~بخلق الأفعال في العباد على الوجه الذي صوروه وتصوروه واعتقدوه، إذ بها ~~تنسد أبواب المعرفة والحكم وتنفسخ الإعتقادات البرهانية وتطبل الغايات ~~والنتائج العقلية المبتنية كلها على إثبات الترتيب والعلية ~~والمعلولية بين الموجودات، ووجود سلسلة الأسباب ms1830 المؤدية إلى الغايات. # وأما ما تنورت به قلوب المهتدين بأنوار حكمة الأنبياء، وذهب إليه ~~المحققون من أكابر الحكماء، من كون الوجود على الإطلاق فائضا من الحق ~~على كل موجود لا بالإتفاق، بل بترتيب لازم واستحقاق ثابت، فما تقدم ~~متقدم ولا تأخر متأخر إلا بقضاء سابق وقدر لاحق، فهو الحق الذي لا ~~محيد عنه، وهو معنى التوحيد في الأفعال مع إثبات الحكمة والمصلحة والنظام ~~من غير اختلال، وتحقيق هذا فوق ما تصل إليه أذهان الأشاعرة وأهل الاعتزال ~~- فسبحان من تنزه عن الفحشاء، وسبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء ~~-. # وبحث وتحصيل # المقصود من الحكمة ليس القرآن أو النبوة # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الحكمة المستعملة في عدة مواضع ~~من القرآن، إما النبوة، أو القرآن، أو قوة الفهم، أو الخشية - على ما ~~هو قول الربيع بن أنس -؟ # قلنا: الدليل المذكور يدفع هذه الاحتمالات، لأنه ثبت بالنقل المتواتر، ~~أنه يستعمل لفظ الحكيم في غير الأنبياء، فتكون الحكمة مغايرة للنبوة، ~~والقرآن، ولو كانت بمعنى قوة الفهم، لكان كل قوي الفهم حكيما، وكذا لو ~~كانت بمعنى الخشية لكان كل خاش حكيما، وليس كذلك. # وأما الخشية الكاملة التي لا تتحقق إلا في الحكماء، كما يدل عليه ~~قوله: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر:28]. فهي أيضا من لوازم الحكمة وليست نفسها، لأنها معللة ~~بالعلم والحكمة كما يدل عليه تعليق الحكم بالوصف، ثم إن الخشية ~~الموجودة فيهم ليست خشية العقاب، بل خشية القرب، فكيف تتحقق إلا بعد ~~المعرفة التامة والحكمة الكاملة، فمن فسر الحكمة بالخشية، فكأنه أراد ~~به تفسيرها باللازم والأعم أو المساوي - فافهم -. ### || [62.3] # وفيه ظلال فرشية وإشراقيات عرشية. # ظل فرشي # في الإعراب # قوله: { وآخرين } صفة لمجرور معطوف على الأميين، يعني إنه بعث في ~~الأميين، وفي من يجيء بعدهم إلى يوم الدين. وفي الكشاف: يجوز أن ينتصب ~~عطفا على المنصوب في " يعلمهم " ، أي: يعلمهم ويعلم آخرين، ووجه ~~ذلك بأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى أوله، ms1831 ~~فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه. # واعلم أن هذا الوجه الذي ذكره في كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~معلما لكل من يجيء إلى يوم القيامة - وإن كان موجها على طريقة أهل ~~الحجاب وأرباب العقول النظرية وحملة الكتاب، كقول أصحاب الحكمة ~~الرسمية في أرسطو: إنه معلم أول لمن يجيء بعده من أتباع المشائين من ~~الفلاسفة -، إلا أن أصحاب العيون المكحلة بأنوار الإهتداء، العارفين ~~بحقيقة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)، يرون ببصيرتهم السليمة ~~عن غشاوة الامتراء، أن إمداد روحه وسره نافذ في تقويم أرواح من لحقه من ~~الأولياء والعلماء، إلى قيام المهدي (ع)، بل في أرواح من سبقه زمانا من ~~الأنبياء والحكماء من وقت آدم من جهة السبب الباطني الفاعلي والغائي ~~جميعا. وقد بين هذا في موضعه. # إشراق # المراد من الآخرين قيل: هم الذين لم يلحقوا بالأميين بعد وسيلحقون بهم، ~~وهم الذين بعد الصحابة من التابعين. # وقيل: هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة، فإن الله سبحانه بعث ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم، وشريعته تلزمهم وإن لم يلحقوا ~~بزمان الصحابة - عن مجاهد وابن زيد -. # وقيل: هم الأعاجم ومن لا يتكلم بلغة العرب، فإن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) مبعوث إلى من شاهده، والى كل من بعدهم من العرب والعجم - عن ~~ابن عمر وسعيد بن جبير وهو المروي عن أبي جعفر (ع) -. # وقيل: # " لما نزلت هذه الآية، قيل: من هم يا رسول الله؟ فوضع يده على كتف ~~سلمان وقال: لو كان الإيمان في الثريا لناله رجال من هؤلاء ". # وعلى هذين الوجهين فإنما قال: " منهم " لأنهم إذا أسلموا صاروا ~~منهم، كما قال: " المسلمون كلهم يد واحدة على من سواهم وأمة واحدة وإن ~~اختلفت أنواعهم " وكما قال سبحانه: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # [التوبة:71]. ومن لم يؤمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فانهم ~~ليسوا ممن عناهم الله بقوله: { وآخرين منهم } - وإن كان مبعوثا ~~إلى كافة الخلق بالدعوة، وبقوله: # ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة # [آل عمران:164] ms1832 - فإن من لم يؤمن لم يكن ممن زكاه الله تعالى وعلمه ~~القرآن والحكمة. # وقيل: إن قوله لما يلحقوا بهم - يعني في الفضل والسابقة، فإن ~~التابعين لا يدركون سيادة السابقين من الصحابة وخيار المؤمنين - تأمل -. # إشراق عرشي # تحقيق الكلام وتلخيص المرام في هذا السبق واللحوق: أن الناس في الإيمان ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والنبيين والكتب والأئمة والدنيا والآخرة ~~وعالم البرزخ - وغير ذلك - على ثلاث طبقات: # لأنهم إما أن ينالوا ذلك بإلهام الله ووحيه من غير تعليم بشري أصلا، ~~أم لا. فالأول مرتبة الأنبياء - صلوات الله عليهم -. واما الثاني فلا ~~يخلو، إما أن يصلوا إلى مقام الاستفاضة من الله بحسب التابعية بلا تعمل ~~فكري أم لا. فالأول مرتبة الأولياء ذوي الاستبصار والثالث مرتبة ~~الحكماء والعلماء النظار. # وأما أهل التقليد: فهم بمعزل عن البلوغ إلى حقيقي الإيمان، بل إنما ~~يصلون إلى شبح منه، فينالون في الآخرة ضربا من رحمة الله وتفضله بحسب ~~ما تصوروه من هذه المعارف على سبيل التمثيل وبحكم: " من تشبه بقوم ~~فهو منهم ". يحشرون في القيامة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين، فحياتهم الأخروية بالعرض كحياة الشعر والظفر من الإنسان، ~~فإن الحياة القائمة بنفس الإنسان وروحه تسري في أعضائه الحساسة قصدا ~~وفي غيرها تبعا. # إذا تقرر هذا فنقول: السابقية في الإيمان هي مواضع من القرآن - كقوله: # والسابقون السابقون * أولئك المقربون # [الواقعة:10 - 11] إشارة إلى مرتبة أولياء هذه الملة في الإيمان ~~واللاحقية فيه إشارة إلى مرتبة علمائها قبل وصولهم إلى مرتبة الكشف ~~والعيان، وهم المشار إليهم بأصحاب اليمين، وأما مجرد السابقية ~~واللاحقية بين المؤمنين في الزمان، فليس فيه كثير تفاضل بحسب نفس ~~الأمر، وقد تعاظم وتقدس كتاب الله عن أن يعتبر فيه تقادم الأزمنة ~~والآجال بين الناس في تفاضل أحوال الرجال، بل يجب أن يكون ملاك الأمر في ~~ذلك تفاوت القرب والبعد من الحق المتعال، ودرجات شدة انقطاع النفس عن ~~هذه الدنيا الفانية منزلة الجهال والأرذال. ### || [62.4] # ظل قمري # في الكشاف: ذلك الفضل الذي أعطاه محمدا (صلى الله عليه وآله ms1833 وسلم) ~~وهو أن يكون نبي أبناء عصره ونبي أبناء العصور الغوابر هو فضل الله ~~يؤتيه من يشاء إعطاءه وتقتضيه حكمته. # وفي مجمع البيان: عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم يرفعه، قال: # " جاء الفقراء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول ~~الله - إن للأغنياء ما يتصدقون وليس لنا ما نتصدق. ولهم ما يحجون ~~وليس لنا ما نحج ولهم ما يعتقون وليس لنا ما نعتق. # فقال: من كبر الله مائة مرة كان أفضل من عتق رقبة، ومن سبح الله مائة ~~مرة كان أفضل من مائة فرس في سبيل الله يسرجها ويلجمها للجهاد ومن هلل ~~الله مائة مرة كان أفضل الناس عملا في ذلك اليوم إلا من زاد # . فبلغ ذلك الأغنياء فقالوه، فرجع الفقراء إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله، قد بلغ الأغنياء ما قلت فصنعوه. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~". # نور عرشي # المراد بالفضل # ما يتراءى من مواضع استعمالات هذه اللفظ في القرآن وغيره مع ضرب من ~~إلهام الله تعالى وتأييده، هو أن الفضل عبارة عما به يفضل الإنسان على ~~جميع ما في هذا العالم من الجواهر والأعراض، ويستحق بذلك مسجودية ~~الملائكة والجان، وهو عبارة عن الإيمان بالله، والعلم بحقائق الأشياء ~~كما هي، والتجرد عن العالم الحسي، وهو إنما حصل عيانا للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بالإصالة، ولأولياء الله من أهل بيت نبوته وولايته ~~تبعا، وحصل علما برهانيا لحكماء أمته، وسماعا تقليديا لعوام أهل ~~الإيمان، كل ذلك بواسطة إشراق نور النبوة على أراضي قابلية قلوبهم، ~~إلا أن في الأول وقوع النور، وفي الثاني انعكاسه، وفي الثالث ظله، # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور:40]. # فقوله تعالى: " ذلك " إشارة إلى ما تضمنه قوله: # ويعلمهم الكتاب والحكمة # أي: العلم بهما. فكل من كان أو يكون من العلماء الربانيين، والحكماء ~~الإلهيين أو سيجيء في هذا العالم، فهو من الذين ms1834 يزكيهم الرسول ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة، فهم من الذين شاء الله أن يؤتيهم هذا الفضل، ~~ومأخذ هذا التعليم هو ما يدل عليه قوله: # آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا ~~علما # [الكهف:65]. # بل لا يقتبس نور العلم والحكمة إلا من مشكاة النبوة، ولهذا من يؤتاها ~~فقد أوتي خيرا كثيرا، ويشهد بذلك قوله: # وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ~~عظيما # [النساء:113]. # فالتخلق بأخلاقه (صلى الله عليه وآله وسلم) مما يوجب للعبد استعدادا ~~لقبول المعارف الإلهية الفايضة على قلبه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ~~سبيل الانعكاس منه على قلب هذا العبد المطيع لله ولرسوله، لقوله: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء:80]. # وأما من لم يكن متأدبا بآدابه، متخلقا بأخلاقه، ولا مهتديا بهداه ~~ضميرا واعتقادا، سواء تكلف في ذلك ظاهرا كأكثر المنتحلين لمذهبه من ~~غير بصيرة باطنية ولا انقياد سري، أو كان من المنكرين الجاهدين رأسا، ~~فحالهم ما كشف عنه تعالى بقوله: # سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون # [البقرة:6] فالتزكية والتعليم لا ينجع معهم لأن نفعه مختص بالمؤمنين، ~~وإن كان نور الهداية والرحمة ينتشر منه على العالمين لقوله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء:107]. # والدعوة أيضا شاملة للمكلفين كافة إلا أن نصيب النفوس الكدرة ~~والأوهام العسوفة منها ليس إلا الوحشة والعمى والظلمة والضلال والخسران ~~والوبال، وعليه جرى القلم، ونفذ فيه فحكم القضاء الحتم والقدر المبرم. ~~ولذلك خلقهم # وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته وهو السميع العليم # [الأنعام:115]. لأن نظام العالم لا يتمشى إلا بنفوس غلاظ شداد، ولا ~~تنصلح العمارة في الدنيا إلا بطبائع جسمانية يعملون أعمالا حسية بحسب ~~ما يحملون عليه من الدواعي الشهوية والصوارف الغضبية والأغراض ~~البهيمية والسبعية. # ثم العجب أن نفس التزكية والتعليم كما يوجب الفضل الجسيم للقلوب ~~الصافية والضمائر النقية، كذلك يوجب العذاب الأليم على سبيل التبع ~~والعرض للنفوس المريضة بداء الجهالة والغلظة والمعلومة بعلة الجحود ~~والاستنكار. وذلك كرائحة المسك بالقياس إلى خيشوم المزكوم ونور الشمس ~~بالنسبة إلى عين الأخفش. # تبصرة ms1835 كشفية # الكتاب والنبي هاديان ومضلان # وهنا هنا يتحقق وينكشف عند البصير المحدق والخبير المحقق انه إذا ~~تجلت شمس عظمة القرآن، ووقعت أشعة أنواره على صفائح هياكل الأرواح ~~الإنسية، وسطوح قوابل العقول الهيولانية، فكما يظهر منه بالإرادة ~~الإلهية والمشية الربانية جوهر النور المحمدي، وإكسير الخلاص ~~السرمدي، ومعدن السعادة الأبدية، ومولد النشأة الثانية الدائمية، فكذلك ~~ينشأ منه جوهر النار الإبلسية، وبذر الشجرة الخبيثة الشيطانية. # وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): # " بعثت داعيا وليس إلي من الهداية شيء وخلق إبليس مضلا وليس إليه ~~من الإضلال شيء ". # فكما ينشأ من التعليم المحمدي (صلى الله عليه وآله وسلم) في النفوس ~~السقيمة زيادة في مرض الجهل والضلال لقوله تعالى: # فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم # [البقرة:10] وقوله: # ما زادهم إلا نفورا # [فاطر:42]. فربما ينشأ من الإغواء الإبليسي في القلوب السليمة الخالصة ~~المخلصة زيادة في العصمة والهداية لهم من الله، كما قال تعالى في حق ~~يوسف الصديق - على نبينا وعليه السلام -: # كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء إنه من ~~عبادنا المخلصين # [يوسف:24]. فالله الهادي والمضل. # وهاهنا أسرار لا تحتملها الأفهام تركناها مخافة شنعة اللئام. # تذكرة تنبيهية # القهر واللطف ومظاهرهما # قوله: { يؤتيه من يشآء } -، فيه إشارة إلى أن مشيته الأزلية ~~متعلقة بأمور متكثرة متخالفة بحسب صفات وأسماء متعددة متقابلة، فإن ~~لله تعالى صفتي لطف وقهر، ومن الواجب في الحكمة أن يكون الملك - وخصوصا ~~ملك الملوك - كذلك، إذ كل منها من أوصاف الكمال كما لا يخفى، ولا بد ~~لكل من الوصفين من مظهر، فالملائكة ونفوس المقربين والأخيار ومن ~~ضاهاهم مظاهر اللطف، والشياطين والأشرار ومن والاهم مظاهر القهر، ومظاهر ~~اللطف هم أهل الجنة والأعمال المستعقبة لها، ومظاهر القهر هم أهل النار ~~والأفعال المعقبة إياها. # ثم اعلم - يا مسكين - أن لكل نور ظلمة في عالم الإمكان ولكل كمال ~~نقصا، وأن كل ممكن زوج تركيبي كما أشار إليه الحكماء، وبهذا جرت ~~المشية الأزلية والسنة الإلهية. # وعلى هذا، يكون مقتضى السلطنة الربانية بحسب ازدواج صفتي القهر ~~والمحبة والغضب والرحمة، ومنهما تنشأ الهداية ms1836 والضلال والتوفيق ~~والخذلان، والسعادة والشقاوة، والجنة والنار، والآخرة والدنيا، والأرواح ~~والأجرام بحسب غلبة أحد الطرفين، وإن كان لكل جمال أيضا جلال ~~كالهيمان الحاصل من الجلال الإلهي، فإنه عبارة عن انقهار العقل منه ~~وتحيره فيه، ولكل جلال جمال وهو اللطف المستور في القهر الإلهي، كما ~~قال تعالى: # ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب # [البقرة:179]. # وقال أمير المؤمنين (ع) في بعض خطبه: سبحان من اتسعت رحمته لأوليائه في ~~شدة نقمته، واشتدت نقمته لأعدائه في سعة نعمته. # ومن هنا يعلم سر قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): حفت الجنة ~~بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. # فهو الله الباري المصور الغفار لقوم، وهو الله الواحد العزيز ~~القهار المتكبر لقوم آخرين، ولا اعتراض عليه في تخصيص كل من الفريقين ~~بما خصصوا به، فإنه لو عكس الأمر لكان الاعتراض بحاله. # إشراق شمسي # السعادة والشقاوة والإنسان المختار # ثم اعلم أن كل ما في عالم الملك والملكوت له طبع خاص تصدر عنه آثار ~~وأفعال مخوصة، وكل طبع مسخر لفعل خاص، كالنار للتسخين، والماء ~~للتبريد، وله حد محدود لا يتجاوزه، ومقام معلوم لا يتعداه من أعلى ~~شواهق عالم الأمر إلى أدنى منازل عالم الخلق، إلا الإنسان، فإنه ~~مسخر للاختيار، فالاختيار له بمنزلة الفعل الطبيعي لغيره، لأن ذاته ~~ليست مما يقف على حد ومقام في جوهرها وهويتها، بل تنقلب من طور إلى ~~طور، ومن نشأة إلى نشأة، وسعة هذه التقلبات في الإنسان الكامل أكثر، ~~وتخالف أطواره أشد، وقوسه الصعودية أعظم، وارتقاؤه إلى عالم الملكوت ~~أعلى وأتم، فلذلك قيل: إن الإنسان مضطر في صورة مختار. # فالمختارية مطبوعة فيه اضطرارية له، وهو مجبول عليه كما جبل طبع الماء ~~والنار والخبز واللحم على التبريد والتسخين والتغذية، فهو من لدن أول ~~تكونه النطفي، إلى تمام بلوغه الحسي واستعداده النطقي، لم يكن لاختياره ~~في الترقيات والتقلبات مدخل، حتى بلغ إلى مرتبة حيوان تام الحيوانية ~~منتصب القامة عريض الأظفار بادي البشرة، ثم من عند كونه عاقلا مكلفا ~~ينتقل باختياره الذي هو عين اضطراره، ويتطور بأطواره في مراتب افتقاره، ms1837 ~~فهو إما أن يرتقي إلى أعلى عليين، أو يتردى إلى أسفل سافلين، أو يقع ~~في أحد أوساط المتوسطين حسب ما شاء الله وكتب في كتابه المبين: # فمنهم شقي وسعيد * فأما الذين شقوا ففي ~~النار لهم فيها زفير وشهيق # [هود:105 - 106] - الآية - # وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها # [هود:108] - الآية - أما السعيد فلا يختار إلا عمل أهل السعادة، وأما ~~الشقي فلا يختار إلا عمل أهل الشقاوة: # أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات ~~المأوى نزلا بما كانوا يعملون * وأما الذين ~~فسقوا فمأواهم النار كلمآ أرادوا أن يخرجوا ~~منهآ أعيدوا فيها # [السجدة:19 - 20]. # ومع ذلك فلا اعتذار لأحد في الشريعة، بل الجميع خوطبوا بخطاب واحد " ~~اعملوا فكل ميسر لما خلق له ". # ومن هنا نشأت لك شبهة قديمة غير منحلة - إلا لمن أيده الله بكشف ~~الحقائق -، وهي أن الكل إذا كان بمشية الله، فما الفائدة في بعثه ~~الرسول وتزكيته والتهذيب وإنذاره والتأديب؟ # فيقال لك: إنزال الكتب وإرسال الرسل، كما هو سبب من أسباب سعادة السعداء ~~كذلك هو بعينه سبب من أسباب شقاوة الأشقياء، وبهذا السبب كما يرتقي ~~السعيد إلى منازل الملكوت، يهوي الشقي إلى مهاوي الطاغوت - كما أشير ~~إليه -. # واعلم أن شهوات الدنيا مقرونة بالآفات العظيمة، وحلاواتها ممزوجة ~~بالسموم المهلكة القتالة، وفائدة البعثة والإنزال إعلام الخلائق ~~وإنذارها عن تناولها والتشاغل بها، فمن كان ذا فطرة صحيحة صدق الرسول ~~وسمع القرآن بقلبه فانتهى عن تناولها، ومن لم يصدق الرسول ويصم عن ~~سماع الكتاب ويعمى عن رؤية الآيات، وكان مريض النفس عليل القلب، أخلد ~~إلى الأرض واتبع هواه، فوقع في الهلاك ويئس من الآخرة كما يئس الكفار ~~من أصحاب القبور. # فكما أن الملك والقرآن والنبي رسل الله إلى هؤلاء، فالهوى والنفس ~~والشيطان رسل الله إلى هؤلاء العميان، فاقرأ قوله تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة:257] - الآية -، وقوله: # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع ~~عليم # [البقرة:268] # يختص برحمته من يشآء # [البقرة:105]. وقوله - في الحديث القدسي -: # " خلقت ms1838 هؤلاء للجنة ولا أبالي، وخلقت هؤلاء للنار ولا أبالي ". # فالمؤمن الحقيقي من يقبل دعوة الله ويرد دعوة الشيطان، ولا يقع في ~~حبائل غروره وشرك مكره، ويسمع بسمع التيقظ قول المبلغ: رب شهوة ~~ساعة أورثت حزنا طويلا. # والرسول قد حذره بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) # " الدنيا حية فقاتلوها ". # والقرآن علمه بالبيان والبرهان: # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال # [الحديد:20]. # والمنافق يرد دعوة الرحمن ويقبل دعوة الشيطان: # لا تفتح لهم أبواب السمآء ولا يدخلون ~~الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك ~~نجزي المجرمين * لهم من جهنم مهاد ومن ~~فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين # [الأعراف:40 - 41]. # قال بعض أصحاب القلوب: إن الله يعامل العباد في الأبد على ما عاملهم في ~~الأزل. # وقال بعضهم: ليس الخوف من سوء العاقبة، إنما الخوف من سوء السابقة. # فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله # [الروم:30]. # فالسعيد سعيد في الأزل، والشقي لم يزل. واتل قوله: # منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة # [آل عمران:152]. وقوله: # ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب ~~الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين # [آل عمران:145]. ### || [62.5] # وفيه إشراقات: # الأول # في الغرض المسوق إليه هذا التمثيل # إن الله تعالى قد مثل الذين حملوا الكتب السماوية وكلفوا القيام ~~بها والعمل بموجبها، وهم لم يحملوها حق حملها من أداء حقها، ولم ~~يتدبروا فيها ولم ينظروا بعين الاستبصار والاعتبار، بل حفظوها بالتكرار ~~لفظا، ودونوها في الأسفار لأغراض عاجلة لهم في هذه الدار، ثم لم ~~يعملوا بما فيها، بالحمار الذي يحمل أسفارا، لأن الحمار الذي يحمل كتب ~~الحكمة على ظهره، لا يشعر بما فيها، فمثل من يحفظ الكتاب ولا يدرك ~~أسراره ومعانيه فلا يعمل بمؤداه ومقتضاه، كمثل دابة تحمل على ظهرها ~~الكتب - لا تعلم بما فيها -. # قال ابن عباس: فسواء حمل على ظهره أو جحده إذا لم يعمل به. # وعلى هذا، فمن تلا القرآن ولم يفهم معناه، وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج ~~إليه، فكان حريا ms1839 بهذا المثل، وكذا من تدبر في إعراب إلفاظه ودقائق ~~عربيته ونكاته البديعية، وهو بمعزل عن أسرار حكمته ومقاصده الأصلية من ~~المعارف الإلهية، والعلوم الربانية، وأسرار المبدأ والمعاد وعلم ~~الروحانيين والملائكة والشياطين، وكيفية الوحي والتنزيل، وعلم النفس ~~ومعرفة الروح، وورودها إلى هذا العالم، وردها إلى أسفل سافلين، ثم ~~عودها ورجوعها إلى باريها ومبقيها إما راضية مرضية إن آمنت وعملت ~~الصالحات، أو ناكسة منكوسة منحوسة محجوبة مظلمة إذا جحدت وعملت ~~السيئات، وكيفية نشو الآخرة من الدنيا، وأحوال القبر والبعث والحشر ~~والنشر، إلى غير ذلك من المعارف التي هي الغرض الأصلي من إنزال الكتاب ~~والوحي والإلهام والخطاب. # فلمن لم يطلع من القرآن إلا على تفسير الألفاظ وتبين اللغات ودقائق ~~العربية والفنون الأدبية، وعلم الفصاحة والبيان وعلم بدائع اللسان، وهو ~~عند نفسه انه من علم التفسير في شيء، وان القرآن انما انزل لتحصيل هذه ~~المعارف الجزئية، فهو أحرى بهذا التمثيل ممن لا خبر له أصلا، لا من ~~إعراب الألفاظ ولا من حقائق المعاني، مع اعترافه بعجزه وقصوره. # وممن أنشد في هذا الباب شعرا أبو سعيد الضرير حيث قال: # زوامل للأسفار لا علم عندهم # بجيدها، إلا كعلم الأباعر # لعمرك ما يدري المطي إذا غدا # بأسفاره إذ راح ما في الغرائر # وفي قوله: بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله -، تنبيه بليغ على ~~كلية هذه القضية، وحقية هذا المثل، من غير اختصاصها بشأن اليهود ~~الذين كذبوا بالآيات الدالة على إعجاز القرآن، وجلالة قدر محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، بل كل من جحد ما وراء فهمه، وأنكر ما سوى ما أخذه ~~من معلميه وأشياخه على غير بصيرة، أو وصل إليه من ظواهر النقول ~~والروايات، فهو حقيق بهذا التمثيل، بالقياس إلى ما جحده وأنكره عند ~~التحقيق. # الإشراق الثاني # المقصود من المثل # إن قوله: بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله -، معناه: بئس القوم ~~قوم مثلهم هذا، لأن اليهود إنما صاروا مذمومين مطرودين عن باب الله، ~~لإنكارهم حقية الرسول، وإعراضهم عن مطالعة آيات الله، وجحودهم لما سمعوا ~~من ms1840 الحقائق الإيمانية والمعارف الربانية التي لم تبلغ أفهامهم إليها من ~~قبل، ولم تسمع من شيوخهم الماضين ومعلميهم وآبائهم السابقين كما حكى ~~الله عنهم بقوله: # ما سمعنا بهذا في آبآئنا الأولين # [المؤمنون:24] - الآية -. # وكل من هذا صفته بالنسبة إلى أهل الحق وأصحاب الحكمة القرآنية في ~~وراء معلومه وفوق مفهومه، من الإعراض والإنكار اغترارا بظواهر الآثار ~~وما سمعه وتلقفه من أشياخه ومعلميه، أو إعجابا بما حصله بالبحث ~~والتكرار من غير استكشاف واستبصار، فهو داخل في هذا الحكم، ومكذب لأيات ~~الله بالحقيقة، لأن مقاصد أهل الله هي بعينها معارف الكتاب والسنة، وهو ~~حري بهذا التمثيل، لأنه - وإن لم يكن يهودي النحلة - لكنه يهودي ~~الخصلة. # فكما أن القدرية مجوس هذه الأمة، فالظاهرية والمشبهة يهود هذه ~~الأمة، والباطنية نصرانيو هذه الأمة، فإن جميع المذاهب القديمة توجد ~~في أمة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) بواحد يزيد عليها - وهي الفرقة ~~الناجية - والباقون في النار، كما دل عليه الحديث المشهور. وهذه الفرقة ~~الناجية في غاية الخمول والخفاء والندرة والإنزواء. # الإشراق الثالث # المؤمن الحقيقي هو العارف الرباني # إن المؤمن الحقيقي من يكون من الحكماء الإلهيين والأولياء ~~الربانيين، وإن غيرهم إما من أهل الإغرار وحملة الأسفار، ومتحملة ~~الأوزار، المنسلخين عن الفطرة الأصلية كالحمار، المقيدين بسلاسل ~~تعلقات هذه الدار، لا يهديهم الله لظلمهم وفسادهم سبيلا للارتقاء إلى ~~دار القرار، ولا يوفقهم للنجاة من منازل الأشرار ومهاوي الفجار إلى ~~عالم الأسرار ومعدن الأبرار. # وإما من أهل السلامة والتسليم، والطاعة والانقياد من غير جحود ولا ~~إنكار ولا استنكار، لبقائهم على فطرتهم الأصلية، ونقاء صحائف خواطرهم ~~وأذهانهم عن نقوش الأقاويل المظلمة المضلة، فهم من أهل الرحمة والنجاة، ~~الذين ينالهم ضرب من الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء. # والدليل على ما ادعيناه، من كون المؤمن الحقيقي هو العارف الرباني ~~والحكيم الإلهي، مما يستفاد من هذه الآيات على أتم وجه وأوضحه، فإن ما ~~ذكره تعالى في علة البعثة وغاية الرسالة من قوله: # يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة # [الجمعة:2] - يدل دلالة واضحة على أن ms1841 نتيجة البعثة دعوة الخق إلى ~~العلم والحكمة، وأن الإيمان بالله والرسول عبارة عن تعلم الكتاب ~~والحكمة بالحقيقة لا بالمجاز، وإلا لكان الإيمان إيمانا بالمجاز، فيكون ~~المؤمن المجازي مسلوبا عنه الإيمان الحقيقي، كما هو قاعدة إطلاق اللفظ ~~على سبيل المجاز. # فثبت أن الإيمان الذي كون فائدة البعثة وثمرة إنزال القرآن، عبارة عن ~~صيروة كون العبد المسلم حكيما عارفا بحقائق ما في الكتاب، - لا بمجرد ~~حفظ الألفاظ وتكرارها، ولا بمجرد تفسير العربية ونكاتها البديعية - ~~فإن معرفة ألفاظ العرب ودقائق علم البيان، ليس من مقصود علم القرآن من ~~شيء، بل المقصود سياقة الخلق إلى جوار الله بالعلم بحقائق الأشياء، ~~والتجرد عن علائق الدنيا، وهو لا يحصل بمجرد الاطلاع على علم العربية ~~والكلام، والقرآن إنما نزل بلغة العرب ليكون أوضح دلالة وأفصح بيانا، إذ ~~لا يكون في دقة الألفاظ وغرابة أبنية الكلام فائدة يعتد بها كما دلت ~~عليه آيات كثيرة مثل قوله تعالى: # إنآ أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون # [يوسف:2] وقوله: # وهذا لسان عربي مبين # [النحل:103]. # الإشراق الرابع # طهارة القلب واستكماله بفضل الله # ثم لما بين فائدة البعثة وثمرة الرسالة - وهو تزكية الأمة بإصلاح ~~الجزء العملي من نفوسهم ليكونوا صلحاء حلماء، وتعليمهم الكتاب والحكمة ~~بتكميل الجزء العملي منها ليكونوا علماء حكماء -، أشار إلى أن طهارة ~~القلب عن رذائل الصفات، واستكماله بمعارف الآيات الإلهيات، من فضل الله ~~يؤتيه من يشاء، أي لا بد فيه من سابقة عناية أزلية، وهداية إلهية، ~~وجذبة ربانية لا يوازيها عمل وكسب، وهي من الحكمة التي من يؤتها فقد ~~أوتي خيرا كثيرا، يعني أن ذلك مزية نوارنية ونعمة روحانية لا تناط ~~بكثرة التكرار آناء الليل وأطراف النهار، ولا بحمل الكتب والأسفار، لا ~~بطول المراجعة إلى أهل الاشتهار والتبسط في البلاد والديار طلبا لحطام ~~هذه الدار، كما هو عادة المشتغلين بكسب الشيخوخة ورياسة المذهب، وشيمة ~~طلاب الافتخار قصدا للجمع والإكثار، مع اشتباه واغترار بأن ما فهمه من ~~علم الدين وأسرار اليقين. # ومنشأ هذه الغلظة وبذر هذا النفاق، هو حب الجاه الذي يعمي ms1842 القلب عن ~~رؤية الحقائق، ويصم السمع عن الشعور بغير ما يتوسل به إلى تحصيل ~~المنزلة عند الناس، فإن من غلب على قلبه حب الجاه وميل الثروة، صار ~~مقصور الهم على مراعاة الخلق، ولا يزال في أقواله وأفعاله، وتحصيله ~~ظواهر العلوم واتيانه بصور العبادات والخيرات، متلفتا إلى ما يعظم ~~منزلته عندهم، وربما يهم ويشتهي أن يجمع الدنيا مع الدين، ويراعي الخلق ~~مع الحق بظنه الفاسد وطمعه الكاسد، ان ذلك أمر ممكن. # ولا يدري الجاهل المسكين أن ذلك بذر النفاق، ومادة الفساد، وسبب ~~الجحود والعناد في العلوم، ومنشأ المراءاة في النسك والعبادات للتوسل ~~بها إلى اقتناص القلوب وجلب خواطر الخلق. ثم لا يدري السفيه أن من ~~أراد أن يجمع بين الدين والدنيا صار في آخر الأمر بحيث لا دين له ولا ~~دنيا. # على أن الدنيا لا حقيقة لها عند العقلاء، بل هي من قبيل الأوهام ~~والأحلام وصورة المرايا والظلال. # وقد شبه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حب الجاه والشرف ~~وافسادهما للدين بذئبين ضاريين - كما هو المروي عنه في كتب العامة ~~والخاصة -. # وهذا الحديث روي عن بعض ساداتنا المعصومين - صلوات الله عليهم أجمعين - ~~في مدح صفوان بن يحيى حيث قال: ما ذئبان ضاريان قد وقعا في غنم غاب عنها ~~رعاؤها بأضر في دين المسلم من حب الرياسة لكن صفوان لا يحب الرياسة. # وروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنه قال: # " حب الجاه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل ". # فعلم أن حب الجاه والشهرة من المهلكات التي لا يمكن النجاة لأحد منها، ~~وإهلاكه وإفساده للمغترين بظواهر العلوم أشد وأكثر من إهلاكه للمتغرين ~~بظواهر الأعمال، بقدر التفاوت بين قبح الكفر الذي هو ضرب من فساد العلم، ~~وبين الفسق الذي هو ضرب من فساد العمل، ومن الأمور الواضحة المستبينة عند ~~أرباب الإطلاع على كيفية تحصيل المعارف اليقينية، أن حب الجاه وحب ~~التكبر يحجب القلوب عن مطالعة الآيات ومشاهدة الحقائق، كما قال الله ~~تعالى: # سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ms1843 ~~بغير الحق # [الأعراف:146]. # ثم انظر أنه تعالى كيف أشار إلى أن المؤمنين هم أولياء الله والحكماء ~~والإلهيون، وأن المتغرين بظوهر الآثار من الفجار والمنافقين حيث أثبت ~~أولا أغراض الرسالة وفائدة البعثة، وأنهما تصفية القلوب من الجهل ~~والرذائل، وتكميلها بعلم الكتاب والحكمة التي هو رئيس الفضائل. # ثم ضرب الله مثلا لليهود ومن يجري مجراهم الحمار في حملهم الكتب ~~والأسفار، وتركهم التدبر والإعتبار، وإنكار ما ورد من آيات الله على ~~ألواح أنبيائه، وجحود ما قذف من أنوار الله في قلوب أوليائه وأحبائه. # ثم أشار بعد لك إلى بطلان زعمهم وفساد ادعائهم انهم من أولياء الله ~~وأحبائه، أنهم لو كانوا كذلك لوجب أن يعرضوا عن الدنيا وطيباتها ~~ويحبوا الموت، لكونه وسيلة إلى لقاء الله، ولا يكونوا أحرص الناس على ~~حياة هذه النشأة الجسمانية، وحيث إنهم كانوا على أضداد صفات أولياء ~~الله والحكماء، فقد علم أنهم من أعداء الله تعالى، المنكرين للدار ~~الآخرة وعالم الغيب وعالم الأرواح، الكارهين لقاء الله، ومن كره لقاء ~~الله كره الله لقاءه لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون. كلا إنهم ~~يومئذ عن ربهم لمحجوبون. # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين:14]. # الإشراق الخامس # فهم القرآن # كل من اكتفى بظاهر العربية، وبادر إلى تفسير القرآن بمجرد نقل الكتب ~~وحمل الأسفار، من دون الارتقاء إلى عالم الأنوار وفقه الأسرار، ونقاء ~~السريرة من أغراض هذه الدار، وخلاص القلب عن غشاوة هذه الآثار، فهو حري ~~بهذا التمثيل، فإن الاطلاع على ظاهر العربية وحفظ النقل عن أئمة ~~التفسير في ترجمة الألفاظ، لا يكفي في فهم حقائق المعاني، ومن أراد أن ~~ينكشف له أن هذه المرتبة ليست من مرتبة إدراك المعاني القرآنية، ~~والاطلاع على حقائقها، فليتأمل في مسألة واحدة منها، وعجز المفسرين عن ~~دركها، ليقيس عليها غيرها، وهو أن الله تعالى قال: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال:17]. # وظاهر تفسيره واضح جلي، وحقيقة معناه في غاية الغموض، فإنه إثبات للرمي ~~ونفي له، وهما متضادان في الظاهر ما لم يفهم أنه ms1844 رمى من وجه ولم يرم من ~~وجه، ومن الوجه الذي لم يرم رماه الله تعالى، ثم يفهم انه ما جهة ~~الوحدة والهوهوية، وما جهة الغيرية والكثرة. # وكذلك قال تعالى: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم # [التوبة:14]. فإذا كانوا هم القاتلين كيف يكون الله هو المعذب، وإن كان ~~الله هو المعذب بتحريكهم فما معنى أمرهم بالقتال؟ # فالتحقيق في مثل هذا المقام يحتاج إلى العلوم المتعالية عن علوم ~~المعاملات، ولا تغني عنه علوم العربية وتفسير الألفاظ، ولعل العمر لو ~~أنفق في استكشاف أسرار هذا المعنى وما يرتبط بمقدماته ولواحقه، لانقطع ~~العمر قبل الوصول إلى الإحاطة بجميع لواحقه، والقرآن مشحون بأمثاله، بل ~~ما من كلمة من القرآن إلا وتحقيقها محوج إلى مثل ذلك، وإنما ينكشف ~~للعلماء الراسخين في العلم من أسراره وأنواره بقدر غزارة علومهم وصفاء ~~قلوبهم وتوفر دواعيهم على التدبر وتجردهم للطلب، ويكون لكل واحد حد ~~في الترقي إلى درجة منه، فأما الاستيفاء التام فلا مطمع لأحد فيه، ولو ~~كان البحر مدادا والأشجار أقلاما والخلائق كتابا لنفد البحر قبل أن ~~تنفد كلمات الله، فأسرار كلماته وأنوار آياته مما لا نهاية لها ولا ~~بداية، فمن هذا الوجه يتفاضل الخلق في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر ~~التفسير. # فقس على هذا المثال جميع ما ورد في الكتاب والسنة، ولا تغتر بما ~~سمعته وتلقفته من معلميك في أوان الجاهلية وزمان الاحتجاب، فإنها ~~كلها تماثيل وأشباح للحقائق - إن لم تكن أغلاطا فاسدة -، وإنها قوالب ~~وصور بلا معنى إن لم تكن أوهاما باطلة، وظواهر أعمال بلا فائدة تبقى، ~~وخيال أشخاص من غير صورة بها تحيى، ومثال أشجار بلا ثمرة تجنى، وحبال ~~وعصي يخيل من سحرهم انها حية تسعى - # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف:103 - 104]. # ومن الأمثلة أيضا في فهم الأسرار والأنوار المودعة في ألفاظ القرآن ~~والحديث، ما ذكره بعض أصحاب القلوب في معنى قوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في سجوده: # " أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من ms1845 سخطك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ~~ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ". # وهو انه لما قيل له: # واسجد واقترب # [العلق:19]. فوجد القرب في سجوده، فنظر إلى الأفعال فاستعاذ من ~~بعضها ببعض، ثم زاد في قربه فنظر إلى الصفات فاستعاذ من بعضها ببعض، ~~فإن الرضا والسخط صفتان، ثم زاد في قربه واندرج القرب الأول فيه ~~فترقى إلى الذات وقال: أعوذ بك منك. # ثم زاد قربه واستحيى عن الاستعاذة على بساط القرب فالتجأ إلى الثناء ~~فأثنى بقوله: لا أحصي ثناء عليك، ثم علم أن ذلك قصور فقال: أنت كما ~~أثنيت على نفسك. # فهذه وأمثالها خواطر تفتح لأرباب المعاني وأصحاب القلوب، ثم لها أغوار ~~وأسرار وراء هذا المعنى وهو معنى فهم القرب واختصاصه بالسجود، ومعنى ~~الاستعاذة من فعل إلى فعل، ومن صفة إلى صفة، ومنه به. # وأسرار ذلك كثيرة، ولا يدل ظاهر تفسير اللفظ عليها، ومع ذلك فليس ~~مناقضا لظاهر التفسير، بل هو استكمال له ووصول إلى لبابه عن قشره، فإن ~~للقرآن حقيقة كالإنسان، وله قشران ولبان كالجوز، ولكل منها مراتب كثيرة ~~حسب تعدد النشآت، وكما أن الإنسان الحسي صنم لسائر مراتبه، واقع في ~~أول درجات الإنسانية ومراتبها ومعارجها، وأعلى منه الإنسان المثالي، ثم ~~الإنسان النفسي، ثم العقلي كالحكماء، ثم الإلهي كالمتألهين من العرفاء ~~والأولياء فهكذا يجب أن يعلم مراتب فهم القرآن فكل أحد لا يفهم إلا بما ~~يتحقق فيه. # والقرآن بحسب حقيقته الأصلية خلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وكل ما فهمه المفسرون، ويصل إليه إدراكهم ظل من ظلاله القريبة ~~والبعيدة، وشبح من أشباحه العالية والدانية - فافهم هذا واغتنم -. ### || [62.6-7] # وفيه إشراقات: # الإشراق الأول # في اللغة # هاد يهود: إذا تهود، أي: انتحل مذهبهم ورأيهم في ذات الله وصفاته ~~وأفعاله وكتبه ورسله واليوم الآخر. أما في الذات: فكذهابهم إلى أنه ~~تعالى ذو ولد وصاحبة. وأما في صفاته: فبإلحادهم فيها وتشبيههم. وأما في ~~الأفعال: فبإنكارهم النسخ والتغيير، وقولهم يد الله مغلولة. وأما في ~~الكتب والرسل: فبإنكارهم حقيقة القرآن وحقيقة الرسول المنذر به. ms1846 وأما في ~~اليوم الآخر: فلما قالوا: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة:80]. # و " الزعم ": قول عن ظن وتخمين. # والأولياء: جمع ولي، وهو الحقيق بالنصرة التي يوليها عند الحاجة، والله ~~ولي المؤمنين لأنه يوليهم النصرة عند حاجتهم، والمؤمن ولي الله لهذه ~~العلة لأنه ينصر دينه، ويجوز أن يكون لأنه يولي المطيع له وينصره وعند ~~حاجته. # و " التمني ": قول القائل لما كان: ليته لم يكن. ولما لم يكن: ~~ليته كان، فهو يتعلق بالماضي والمستقبل، وهو من جنس الكلام عند الجبائي ~~والقاضي، وقال أبو هاشم: هو معنى في النفس يوافق هذا القول. وهو ليس ~~بشيء، إذ جميع أقسام الكلام - خيرا كان أو انشاء - من هذا القبيل، حيث ~~أن لها معاني في النفس وضعت بازاء ألفاظ تطابقها وتوازيها. # وقرأ: فتمنوا الموت - بكسر الواو - تشبيها بلو ~~استطعنا. # و " لا " ك " لن " لنفي المستقبل، ولا فرق بينهما إلا أن في " لن ~~" زيادة تأكيد أو تأييد ليس في " لا ". فأتى مرة مؤكدا: ولن ~~يتمنوه. ومرة بدونه: " ولا يتمنونه ". # الإشراق الثاني # في النظم # لما تقدم ذكر اليهود في إنكارهم لما في التوارة من المعاني التي ~~تستنبط منها أو تتضح فيها بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) وتحريفهم ~~الكلم عن مواضعه كما هو عادة المتشبثين بذيل الدنيا وشهواتها وأغراضها ~~من صرفهم الكتاب إلى معان توافق طباعهم الخبيثة وتناسب مقاصدهم الخسيسة، ~~وادعاؤهم مع ذلك أنهم من أولياء الله وأنصاره دينه، أمر سبحانه نبيه ~~أن يخاطبهم بما يفحمهم فقال: قل - يا محمد - { قل يأيها ~~الذين هادوا } - أي انتحلوا دين اليهود واتصفوا بأوصافهم - { ~~إن زعمتم أنكم أوليآء لله } - أي إن كنتم تظنون على ~~زعمكم أنكم أنصار الله وأن الله ينصركم - { من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } - في دعواكم أنكم ~~أولياء الله وأحباؤه، فإن الموت من أسباب الوصلة إليه تعالى. # ثم أخبر عن حالهم وكذب مقالهم وفساد زعمهم وقبح سيرتهم ودغل سريرتهم ~~وسوء شكيمتهم واضطراب رأيهم وتزلزل دعواهم ووخامة عاقبتهم وآخرتهم وأنهم ~~غير واقفين بما يقولون إذ ليس بناؤه على ms1847 أصل صحيح عاقبتهم متين. # بل على مجرد ظن فاسد واغترار بما يستحسنه أهل الظاهر، فقال: { ولا ~~يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } من الكفر والمعاصي، ~~معناه: ولا يتمنون الموت لما اكتسبت نفوسهم من ملكة محبة الدنيا ~~ولذاتها وشهواتها وملكة الانجذاب إلى دواعيها وأغراضها، فصارت نفوسهم ~~مقيدة بها، محبوسة فيها، لتكرر الأفاعيل البدنية الشهوية والغضبية، ~~وتكثر الأعمال الحيوانية البهيمية والسبعية الموجبة للركون إلى ~~نعيم الدنيا وزهرتها، والإخلاد إلى أرض الشهوات والاستغراق في بحر ~~اللذات. # ومنشأ هذه الأعمال والأفعال كلها، هو الفساد في الاعتقاد، والشك في ~~بقاء النفس في المعاد، ورجوعها إلى الواحد القهار، فصارت هذه الأخلاق ~~الردية، والملكات الدنية الحاصلة من تكرر الالتفاتات إلى عالم الخلق، ~~وتكثر الاعراض، والاستيحاش عن عالم الحق وملكوته الأعلى، وإنكار وجود ~~المفارقات، ونفي ثبوت الملائكة العقليات، مسامير مؤكدة وأوتادا ~~مستحكمة في النفس، بحيث لا فرق عندهم بين ترك البدن ونزع الروح عن الدنيا ~~وبين ترك اللذات للذات، ونزع الروح عن الروح، لأن نفوسهم صارت كأنها ~~عين البدن. # ولهذا لا يمكنهم تصور بقاء النفس من دون استعمالها للحواس واشتغالها ~~بالمحسوسات، فلو فرضوا أن أحدا يقوم بنفسه من غير مباشرة الأكل والشرب ~~والوقاع، ولا مصادقة الأقرباء والعشاير والديار والعقار والضياع والمواشي ~~وغيرها، بل يكتفي بذكر الله وعالم ملكوته، لاستحالوا ذلك، أو عدوا حاله ~~من أسوء الحالات، وشبهوه بحالة الأموات والجمادات جهلا بأن غاية ما ~~سموه لذة وغبطة بالنسبة إلى ما يجده أولياء الله من ملاحظة حضرة ~~الربوبية ومشاهدة العاكفين لجنابه أشبه بأن يسمى عذابا وانما حق ان ~~يسمى لذة وراحة. كيف ولو كان ما زعموه حقا لكان البغال والحمير أوفر ~~سعادة وأجل سرورا وغبطة من ملائكة الله الذين طعامهم الذكر والتحميد، ~~وشرابهم التنزيه والتقديس؟! # الإشراق الثالث # الفطرة التوحيدية في الإنسان بالقوة # إن في الآية إشعارا بأن طبيعة أكثر الناس متنفرة عن حقيقة الدين، ~~معرضة عن لقاء الحق، لكونهم غير متمنين للموت بل مستكرهين له، فهم ~~ليسوا من أولياء الله بحسب قاعدة عكس النقيض، بل من أولياء الطاغوت، ~~فلذلك طبائعهم ms1848 مجبولة على حب الدنيا وزينتها ورياستها، والجوهر الروحاني ~~الذي جبل على فطرة الله، وفطر على قبول دعوة الإسلام ودين التوحيد، هو ~~مودع في الإنسان بالقوة كالجوهر في المعدن، لا يستخرج إلى الفعل إلا ~~بجهد جهيد، وكد شديد، وسعي تام، وتنقية للقلب، وتصفية للباطن عن أغراض ~~النفس، وأعمال وعبادات على قانون الشريعة الحقة، ومتابعة تامة للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في أوامره وزواجره، وأحكامه ورموزه وإشاراته. ~~وبعده لورثة علمه وخزان كتابه، وهم الأئمة المعصومون من أهل بيت ~~نبوته وولايته، والعلماء الربانيون الراسخون في العلوم الإلهية، ~~المتأدبون بالآداب السبحانية خلفا بعد خلف وخليفة بعد خليفة، إلى ~~آخر الدور والقرون، ومنتهى العصر والزمان. # وفي زمان كل واحد منهم جمهور الناس - بل أكثر علمائهم وفقهائهم - مع ~~دعوى إيمانهم علانية ينكرون أطوار الأئمة وسيرهم ضميرا وسرا ~~ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة والانقطاع عن الخلق - وهو بعينه تمنى ~~الموت - وينكرون التبتيل إلى الله بالكلية بالموت الإرادي طلبا للحياة ~~المعنوية الأبدية إلا من كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح ~~منه، وهو نتيجة الصدق في الطلب وحسن الإرادة الحاصلين من بذر " ~~يحبهم ويحبونه ". # وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء - وإلا فمن خصوصية الإنسان ~~بحسب ما ذكر فيه من الطبيعة الظلمانية التي لأصحاب الشيطان أن يمرق من ~~الدين كما يمرق السهم من الرمية، وان كانوا يصلون ويصومون ويزعمون ~~أنهم متدينون ولكن بالتقليد - لا بالتحقيق -، اللهم إلا من شرح الله ~~صدره للإسلام فهو على نور من ربه # فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله # [الزمر:22]. # تنبيه: # لا يخفى عليك أن في الإخبار بعدم تمنيهم الموت - ولو بحسب القول ~~واللسان - معجزة من معجزات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما روي ~~أنه قال لهم: # " والذي نفسي بيده، لا يقولها أحد منكم إلا غص الله بريقه " # فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لتمنوا ذلك، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم ~~الوعيد، فما تمالك أحد منهم أن يتمنى. # الإشراق الرابع # تمني الموت دليل كون ms1849 صاحبه أهل السعادة # قد نبه الله في هذه الآية على كذب اليهود في دعواهم ولاية الله وقربه. ~~ونبه في موضع آخر على كذبهم في دعواهم أن الآخرة خير لهم من الأولى. ~~وأن الدار الآخرة خالصة لهم، وكشف عن ذلك أيضا بهذا الطريق فقال ~~مخاطبا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة ~~من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين # [البقرة:94] فأخبر بأنهم لن يتمنوا الموت أبدا بما قدمت أيديهم من ~~سوء الأفعال وقبح الأعمال وفساد الأنظار والأطوار، المؤدية إلى الاحتراق ~~بالنار. كما قال طبق هذا المقال: # ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله ~~عليم بالظالمين # [البقرة:95] تنبيها على أنهم ليسوا من أهل سلامة الآخرة وسعادة تلك ~~الدار، إذ ليسوا من أهل المحبة الإلهية، والمودة والروحانية، فإن ~~لمحبة الله وولايته التي للأولياء المقربين علامات مرجعها إلى ترك ~~الالتفات إلى غير الله، وقطع النظر عما سواه، وتنقية القلب عن سائر ~~المحبوبات. # والمتضمن لهذه التروك كلها هو الموت، فمن أحب لقاء الله اشتاق إلى ~~الموت، إذ بالموت يتخلص عن صحبة الأغيار بالكلية ويرجع إلى لقاء الله ~~العزيز القهار. # ومن جملة الأغيار المحبوبة بالمحبة المجازية هي النفس والأهل والولد، ~~والمال والجاه والشهرة، وكل محبة لمحبوب مجازي يمنعه عن نحو من ~~العبودية التامة والمحبة الحقيقية لله تعالى، فمن غلبت عليه محبة ~~المال منعته عن الزكاة، ومحبة الوطن تمنعه عن الحج، ومحبة البدن ~~بالأكل والشرب تمنعه عن الصوم، ومحبة النفس تمنعه عن الجهاد، ومحبة ~~الجاه والشهرة تمنعه عن تعلم العلوم الحقيقية عن الغير، والاعتراف ~~بقصوره وجهله والإقرار بفضيلة من هو أعلم منه كثيرا. # فترك كل منها علامة من علامات محبة الله من جهة امتثال أمره بما يكرهه ~~ونهيه عما هو يحبه، فمهما ترك جميع محبوباته فحصلت له علامة الاستعداد ~~للقاء الله فيهون عند ذلك عليه الموت، لأن محبة كل شيء سوى الله فرع ~~محبة النفس، فمهما ترك بمحبة الله محبة النفس زالت عنه محبة كل شيء ~~سوى ms1850 الله، فصار وليا من أولياء الله عارفا به، مشتاقا إليه وإلى عالم ~~ملكوته فيتمنى الموت. # فتمني الموت لهذا الوجه يكون من علامة ولاية الله وعرفانه، ولذا قال: { ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } -، ومن كان حاله على ~~مضادة هذا الحال، حيث يحب النفس والولد والأهل والمال والعشيرة والجاه، ~~يكون من أعداء الله، كما قال سبحانه: # قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونهآ أحب ~~إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره # [التوبة:24]. # الإشراق الخامس # الإنسان لماذا لا يتمنى الموت # قد نفى الله تعالى عن اليهود ومن يحذو حذوهم من أولي الطبائع الغليظة ~~والقلوب القاسية، عن قبول نور المعرفة والحكمة، تارة درجة الولاية والقرب ~~- كما في هذه الآية -، وأخرى درجة السعادة الأخروية - كما في الآية ~~المنقولة -. # والسبب في ذلك، أن أهل الآخرة إن كانوا من الكاملين في المعرفة واليقين ~~فهم من أولياء الله المقربين، وإن كانوا من الكاملين في العمل فهم من ~~أصحاب اليقين. وجزاء المقربين مجاورة الحق الأول، ومشاهدة لقاءه ولقاء ~~العاكفين في حضيرة قدسه وساحة ملكوته، وجزاء أصحاب اليمين السيحان في ~~روضات الجنان، ومنادمة الحور والغلمان، والابتهاج باللؤلؤ والمرجان، ~~وهاتان المرتبتان كلتاهما مسلوبتان عنهم رأسا، لفساد اعتقادهم لعنادهم ~~وجحودهم للعلوم الحقة الحقيقية، واعتمادهم على أوهام وظنون تقليدية ~~تلقفوها من غير دارية، وبطلان أعمالهم لغلبة دواعيهم الحيوانية، ~~وانكبابهم على طلب هذه الدنيا الدنية، فينفى عنهم ما يؤدي إلى الكمال ~~العلمي والعملي بالكلية فيمتنع عليهم تمنى الموت. # وإنما يتمناه من كان حكيما عارفا الله، حارسا لآخرته، عاملا عمل ~~أهل الآخرة من الزهد في الدنيا وترك مرغوباتها ومستلذاتها ورياساتها، ~~حتى يكون الموت موصلا إياه إلى محبوبه الأصلي، ومطلقا له عن أسر ~~الطبيعة وحبس الظلمات، وصحبة الأضداد والمؤذيات، وقاطعا عنه كلفة ~~العبادات وشدة الرياضات والمحن والأمراض. # الإشراق السادس # تمني الموت عن علامات أهل النجاة # إن في كل واحدة من هذه الآية ونظيراتها إشارة إلى أن أصحاب العلوم ~~الظاهرة، المنكرين على أرباب المعارف ms1851 الحقيقية، يزعمون أنهم من أهل ~~النجاة وأهل الدرجات دون هؤلاء المحققين المعرضين عن الصيت والاشتهار ~~وطلب الافتخار، والتقلب في البلاد والديار، والتعرض للشيخوخة والقضاء ~~وتولية الأوقاف. # فجعل الله تعالى علامة أهل النجاة السآمة من حياة هذه الدنيا وتمني ~~الموت. وأشار إلى أن هذا حال السالك والمحب الصادق، والمحقق العاشق، ~~كما قال بعضهم: # اقتلوني يا ثقاتي # إن في قتلي حياتي # فإن العبد المطيع يحب الرجوع إلى مولاه، والعبد العاصي الآبق يكره ~~الرجوع إلى مولاه. وفي الحديث: # " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله ~~لقاءه " # أي: محبة العبد للقاء الله نتيجة محبة الله للقاء العبد بحسب الجذبة ~~الإلهية التي لا يوازيها عمل الثقلين. ولذا قال: # يحبهم ويحبونه # [المائدة:54] بتقديم الأول على الثاني دون العكس. # وبالمقايسة إلى حال السالك العارف، يعرف حال الواقف الجاهل، والمبتدع ~~المضل المداهن الحريص على الدنيا، لأن حال العدو بخلاف حال الولي، ~~وحال الساكن الواقف في النشأة الأولى، بخلاف حال المسافر الساير إلى ~~النشأة الأخرى: # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون # [الواقعة:62]. # ولذا قال سبحانه في وصفهم: # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين ~~أشركوا # [البقرة:96] لأن المشركين وإن كانوا حريصين على الحياة، ولكن لم يكن ~~لهم خوف العذاب لانكارهم البعث، وأما المغرور الممكور، فيكن له حرص ~~الحياة وخوف العقاب، فيكون أحرص الناس على الحياة من المشرك. # وبالجملة، حب الدنيا نتيجة الغفلة من الله، فأشدهم منه غفلة أحبهم ~~للدنيا، وحال المؤمن على ضد هؤلاء كما عرفت. # الإشراق السابع # حكمة خلق العصاة وذوي القلوب القاسية # قوله تعالى: { والله عليم بالظالمين } - إشارة إلى أن ~~إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين أمور مرتبة بالعلم الأزلي والقضاء ~~الأولي، بحسب اقتضاء الأسماء الإلهية الموجبة لأن يكون وجود هذا العالم ~~السفلي والمحل الهيولي ممتزجا بالأنوار والظلمات، مركبا من الشرور ~~والخيرات، لأن نظامه حاصل من تركيب الأضداد وطبائع متخالفة المواد ~~والأجساد، ولا ينصلح تعميرها إلا بنفوس فظاظ غلاظ شداد وقلوب قاسية ~~كالحجارة متلطخة بالظلمة والسواد، لا يلينها إلا النار الآخرة التي ~~وقودها ms1852 الناس والحجارة أعدت للكافرين، ولا يؤثر فيها الوعظ والنصيحة ~~والإنذار، ولا ينجع لها تلاوة الكتاب والسنة بالدرس والتكرار، لعدم ~~اهتدائهم بعالم آخر إليه رجعى نفوس الأخيار معدن العلوم والأنوار. # وعن بعضهم: إن الله قد أبطل قول اليهود وأظهر لهم كذبهم في هذه السورة ~~في ثلاثة أمور: افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه فكذبهم في قوله: { ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } وبأنهم أهل الكتاب ~~والعرب لا كتاب لهم، فشبههم بالحمار يحمل أسفارا. وبالسبت وأنه ليس ~~للمسلمين مثله، فشرع الله لهم الجمعة - والله ولي الهداية والتوفيق. ### || [62.8] # وفيه إشراقات: # الإشراق الأول # في القراءة # قرأ زيد بن علي (ع): " إنه ملاقيكم " بدون الفاء، وفي قراءة ابن مسعود: ~~" تفرون منه ملاقيكم " وهي ظاهرة. وأما التي بالفاء فلتضمن الذي معنى ~~الشرط. وقيل: إن التقدير: قل إن الموت هو الذي تفرون منه، فجعل الذي ~~في موضع الخبر، لا صفة للموت، ويكون " فإنه " مستأنفا، وكذلك في قراءة ~~زيد قد جعل: إن الموت الذي تفرون منه، كلاما برأسه، أي إن الموت هو ~~الشيء الذي تفرون منه، ثم استؤنف: إنه ملاقيكم. # الإشراق الثاني # لا ينفع الفرار من الموت # قل - يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) - إن الموت الذي ~~تفرون منه - لاعتباركم بصحبة أهل الدنيا وأبنائها وشهواتها ~~ونسائها ومالها وأسبابها وبنائها - فأنه ملاقيكم - أي إنكم ~~وإن فررتم من الموت أو القتل بتقوية المزاج، وأكل الأغذية الجيدة ~~والمشروبات المقوية، والتداوي بالأدوية والترياقات لدفع السموم والآفات، ~~وتحصيل الوقايات من الأسلحة الدافعة والدروع الواقية، واتخاذ الأبنية ~~والحصن الرفيعة والقلاع العالية الحصينة والبروج المشيدة الحارسة عن ~~العدو - إلى غير ذلك من التدابير البشرية والحيل الآدمية لمدافعة ~~الموت -، فإنه لا ينفعكم عند حلول الأجل المعلوم عند الله، ولا بد أن ~~ينزل بكم الموت ويلاقيكم ويدرككم، ولا ينفعكم الهرب منه # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة # [النساء:78]. # وإنما قال بالفاء وحرف التأكيد والجملة الاسمية مبالغة في الدلالة على ~~أنه لا ينفع الفرار منه، فسواء فروا منه أو لم يفروا فإنه ملاقيهم، ~~بل ربما ms1853 كان نفس الفرار من أسباب الموت، كما يشاهد في بعض مواضع ~~الاحترازات والعلاجات الطبية والنجومية حيث يصير بعينه سببا من أسباب ~~الوقوع فيما وقع الفرار منه. فإذا كان الفرار كالسبب في ملاقاة ما يفر ~~منه فلا معنى للتعرض للفرار لأنه لا يباعدهم على أي وجه. # وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين (ع): كل امرئ لاق ما يفر منه ~~والأجل مساق النفس، والهرب منه موافاته. # وقال زهير: # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه # ولو نال أسباب السماء بسلم # ولا شك أنها تناله هابها أو لم يهبها، ولكنها ذا كانت بمنزلة السبب ~~للمنية فالهيبة لا معنى لها. # الإشراق الثالث # في حكمة الموت # إعلم أنه قد تقرر في العلوم الكلية بيان حكمة الموت، وحكمة نفرة ~~النفس عنه، أما حكمة الموت، فلأن كون النفس في هذه الدنيا حال نقص دون ~~التمام، وكونها في الآخرة حال تمام، فالبقاء على حال التمام أفضل وأكمل ~~وألذ وأشرف، كما ان حال الأبدان في الأرحام حال نقص عن التمام والكمال، ~~وحالها بعد الولادة حال تمام وكمال كما لا يخفى على أحد، ولا يجوز في ~~العناية الربانية إهمال شيء من الكمالات والخيرات، وعدم الإجادة به على ~~مستحقه، فيجب بمقتضى جوده ورحمته إكمال كل ناقص بكماله اللائق بحاله. # وكما أنه لا يمكن الوصول إلى تمام الخلقة البدية في الدنيا إلا بعد ~~تقدم حال النقص في الرحم، والجواز عليه، والخروج عنه، فهكذا حال الأرواح ~~في تمام تكونها الأخروي ونشأتها الثانوية، فإنها لا يصل إليها إلا ~~بعد تقدم حال النقص في رحم الدنيا والورود فيها والجواز عليها والخروج ~~عنها، فحال الأرواح بعد الموت على موازنة حال الأبدان بعد مفارقتها ~~الأرحام، لأن الموت ليس معناه سوى مفارقة الروح الجسد والدنيا كما أن ~~الولادة ليست سوى مفارقة الجسد المشيمة والرحم، فالدنيا كالرحم، والبدن ~~كمالمشيمة، والروح كالجنين. وألم النزع كألم الولادة، وملك الموت ~~كالقابلة، والقبر كالمهد، وفضاء الآخرة وأنوارها الإلهية والجبروتية ~~والملكوتية بالنسبة إلى ضيق الدنيا وظلماتها الثلاث التي بعضها فوق بعض، ~~ظلمة الهيولى وظلمة الطبيعة وظلمة ms1854 النفس بدواعيها الشهوية والغضبية ~~والوهمية، كفضاء الدنيا وأنوارها الشمسية والقمرية والسراجية بالنسبة ~~إلى ضيق الجوف وظلماته الثلاث ظلمة المشيمة وظلمة الرحم وظلمة البطن، أو ~~ظلمات الجمادية والنباتية والحيوانية. # وأما حكمة كراهة الموت للأرواح: فإن الله - جل ثناؤه - جعل بواجب ~~حكمته في طبع النفوس محبة الوجود والبقاء أبدا سرمدا، وجعل في جبلتها ~~كراهة الفناء والعدم، لأن الوجود خير محض مؤثر عند الكل، فيحبه كل ~~أحد ويبغض زواله، والموت يزيل هذا الوجود الدنيوي، فيكون مكروها. هذا ~~هو السبب الفاعلي، وأما السبب الغائي وحكمته، فلتحرص النفوس بطباعها ~~وغرايزها على حفظ البقاء وتهرب عن الأضداد والمفسدات قبل بلوغها إلى درجة ~~الكمال. # وهاهنا وجهان آخران: # أحدهما: أن الباري جل مجده لما كانت ذاته بذاته علة الموجودات ~~ومقوم الحقائق ومقيم الكائنات وممسك السموات والأرض، وهو باق أبدا، ~~صارت الموجودات كلها تحب البقاء وتشتاق إليه لأنه صفة موجدها وعلتها ~~والمعلول يحب علته وصفاتها ويشتاق إليها، فمحبة البقاء وكراهة الفناء ~~من فروع محبة الباري جل ذكره، فمن أجل هذا قال الحكماء الأقدمون ~~والعرفاء المحققون: إن الباري جل ثناؤه هو المعشوق الأول، تشتاقه ساير ~~الخلايق جبلة وفطرة، ويدور عليه الكل طبعا وإرادة. # وثانيهما: أن أكثر النفوس لا تدري بأن لها وجودا خلوا عن الأجسام، ~~فتتوهم أن الموت فناء الذات بالكلية. # قيل: لم لا يلهم الله النفوس بأن لها وجودا مستقلا ولا حاجة فيه إلى ~~هذا البدن؟ # قلنا: لأنه لا يصلح لها العلم بهذه المعاني، إذ لو علمت لفارقت أجسادها ~~قبل أن تتم وتكمل، أو تهاونت في تدبيرها كما ينبغي فأدت الأجساد إلى ~~الفساد قبل استعداها للمعاد، وهذا مما يبطل حكمة الإيجاد. # وأيضا: إذا فارقت النفوس الأجساد قبل ذلك، بقيت فارغة معطلة بلا شغل ~~وعمل، ولا معطل في الوجود، والحكمة تقتضي أن لا يكون شيء من الموجودات ~~مهملا معطلا، كما أن الباري - جل ذكره - لم يخل أبدا من تدبير ~~وصنعة حتى يكون فارغا بلا تدبير وإفاضة، بل كل يوم هو في شأن. # فظهر أن الموت لا بد وان يلاقيه الإنسان ms1855 من جهة القضية الربانية مع ~~كونه مكروها تفر وتنفر منه النفوس بحسب ما هو مركوز في غرايزها من جهة ~~التدبير الإلهي، ولذلك سلط عليها دواعي هي أسباب دوامها الدنيوي، وهي ~~بعينها أسباب عطبها وهلاك هياكلها وشقاوة نفوسها، وهذا من عجائب حكمة ~~الله في هذا العالم، حيث يكون سبب البقاء بعينه سبب الهلاك والشقاوة، ~~وتلك الأسباب والدواعي المسلطة هي مثل الجوع والعطش والشهوات المختلفة ~~والأشواق واللذات الزايلة. # أما قصد الباري في تكوين الجوع والعطش وتسليطهما على النفوس، ليدعوها ~~إلى الأكل والشرب ليخلف على أبدانها من الكيموسات الصالحة بدلا عما ~~يتحلل منها ساعة فساعة، ليبقى بها الشخص والنوع، إذ كانت أجسامها دائما ~~في التحلل والذوبان والسيلان. # وأما الشهوات المستولية، فلأن يدعوها إلى الأغذية الجيدة والمأكولات ~~المختلفة الموافقة لامزجة أبدانها، وما تحتاج إليه طباعها مدة الكون. # وأما اللذة: فلأن يكون ما يأكل ويشرب بقدر الحاجة ولا يزيد ولا ينقص، ~~وأما الذي يعرض لها من الآلام والأوجاع عند الأمراض والعاهات العارضة ~~لأجسادها فلأن تحرص النفوس على حفظ أجسادها من الآفات لتبقى إلى وقت ~~معلوم ولا تفسد قبل بلوغ النفس إلى كمالها اللائق بحالها، فإن استكمالها ~~بالعلم والعمل، وبلوغها إلى درجة العقل والمعقول بالفعل، إنما يحصل ~~بآلات البدن واستعمال حواسه الظاهرة والباطنة مدة مديدة، ولذا قيل: " ~~من فقد حسا فقد علما ". # الإشراق الرابع # لمية لحوق الموت الطبيعي # إعلم أنا بينا في بعض فصول أسفارنا علة لحوق الموت الطبيعي لكل نفس ~~منفوسة بوجه تحقيقي غير ما اشتهر في الكتب الطبيعية والطبية، واستنبطنا ~~ذلك من بعض الآيات القرآنية حسبما ألهمني الله، وأثبتناه بالبيان ~~البرهاني على نهج الحكماء الإلهيين، لا بالبيانات التي هي مسلك الأطباء ~~والطبيعيين. # وحكاية القول فيه: أن في جبلة النفوس بل المكونات العنصرية كلها ~~الترقي من حال إلى حال، والتدرج إلى كمال بعد كمال، والتوجه والسير ~~الحثيث إلى المبدأ الفعال والقيوم المتعال، وهذا أمر مشاهد في النبات ~~والحيوان فضلا عن الإنسان، وقد أقيم في مواضعه عليه البرهان. # أو لا ترى أن النفس الإنسانية منذ أول ms1856 تكونها النطفي قبل حين ~~تكونها النطقي، كانت لها قوة قابلة هيولانية شبيهة بالعدم، كما قال ~~تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا # [الإنسان:1]. ثم دخلت في دائرة النبات، ثم في دائرة الحيوان، ثم ظهرت ~~منها آثار البشرية حتى بلغ غاية النمو وكمال الخلقة حين أشدها ~~الصوري، فصارت قوية القوى الشهوية والغضبية. # ثم إذا جاوزت عن وقت بلغ غاية النمو فشرعت في الذبول الخلقي والفتور ~~البدني، ولم يكن منشأ ذلك آفة خارجية وردت عليها، أو قصور عرض لها في ~~حين حركتها نحو الكمال. # وقد علمت أن الفائض من المبدأ الحق ليس إلا خيرا وكمالا، لا ~~عدما وشرا، واستدعاء القابل منه ليس إلا البقاء والدوام لا الذبول ~~والفساد، بل منشؤه توجه الطبيعة النفسانية نحو نشأة ثانية، وسلوكها ~~مسلكا آخر إلى عالم آخر، كما سننبه عليه تنبيها يليق بهذا الموضع. # وأما حديث تناهي القوى الجسمانية في فعلها وانفعالها، وكلال الآلات عن ~~تمادي الحركات والتغيرات إلى ما لا نهاية، فهو إنما يصدق فيما تكون ~~الأفعال والانفعالات صادرة عنها على الاستقلال، وأما على سبيل الاستمداد ~~عما هو أرفع منها فيحتمل اللانهاية كما حركات الأفلاك على رأيهم. # وأما حديث قصور مزاج الغذاء الذي يصير بدلا عما يتحلل بحسب الكيفية ~~عن مزاج أصل البدن من جهة نقصان مراتب الهضم والتعديل فيه عن مراتبهما في ~~مادة البدن بمرتبة واحدة، وذلك لأن النطفة مما وردت عليه خمسة هضوم ~~وتعديلات: أحدها في المعدة. والثاني في الكبد، والثالث في العروق. ~~والرابع عند الأعضاء، والخامس في أوعية المني مثل الأنثيين والرحم. بخلاف ~~الغذاء، فإنه يقصر عن المني في تلك المراتب بمرتبة واحدة أخيرة، وهي ~~التي يصير المني بها تام الاستعداد لقبول الصورة الحيوانية، فلا يكاد ~~فيما يزيد منها على البدن لما ينقص من الأعضاء عنه، فلهذا يعرض الفناء، ~~فهو أيضا أمر تخميني مبناه على الظنون والترجيحات الخيالية - لا على ~~المقدمات الاضطرارية البرهانية - والبرهان هو المتبع. # قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين # [البقرة:111والنمل:64]. # وأما حكاية النجوم وأحكامها في ms1857 باب مقادير الأعمار: فأكثرها مجازفات ~~وتخمينات. # وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا # [يونس:36]. # بل الحق الحقيق بالتصديق: أن الطبيعة بحسب ما أودعه الله في جبلتها ~~إذا جاوزت النوع الأخس - وقد بقيت بعد - فلا بد وأن تتخطى النوع ~~الأشرف، وإلا لكانت معطلة لا معطل في الوجود. وقد تقرر أيضا في ~~العلوم الإلهية أن الطبيعة العنصرية ما لم يوف النوع الأخس لم ~~يتجاوز منه إلى النوع الذي فوقه. # ثم لا شبهة في أن الإنسان بحسب كمال خلقته البدنية أشرف الأنواع ~~الحيوانية، لكونه تام الحواس مع قوتين آخريين يخصان به، وهما نظرية ~~وعملية، فمعلوم أن طبيعته قد تجاوزت عن جميع الحدود المترتبة التي في ~~سائر الحيوانات، بعدما تجاوزت عن سائر الدرجات النباتية المتجاوزة عن ~~الجمادية والجسمية والجوهرية المطلقة والشيئية العامة، وهي بعد في ~~الحركة المعنوية، ولم يبق من الصور والأنواع الممكنة في عالم الطبيعة ~~والنشأة الدنيوية إلا وتجاوزت عنه متوجهة نحو غيره، فلا بد من توجهها ~~ورجوعها إلى عالم الآخرة عند الله، سواء كانت سعيدة مسرورة أو شقية ~~مخذولة معذبة منكوسة، لأن هذه الحركة من النفس ليست اختيارية بل ~~اضطرارية جبلية. # فالموت الطبيعي عبارة عن تجاوز الطبيعة الإنسانية عن مراتب الاستكمالات ~~الحيوانية المناسبة لها في هذه الدار، وهي عالم الشهادة، إلى أول نشأة ~~تكون لها في الدار الآخرة وعالم الغيب. # فهذا هو السبب البرهاني اللمي لعروض الموت، كما أن ما ذكرناه أولا ~~هو السبب الغائي له. فافهم واغتنم، فانه مع كمال وثاقته وقوته ووضوحه ~~وجلائه ربما خفي على الأذهان القاصرة الغير المناسبة لمطالعة المبادئ ~~الإشراقية وأخذ النتائج المطلوبة منها، لاعتيادها بالتلقف والاكتساب عن ~~المبادئ التقليدية الحسية - والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم -. # تذكرة تمثيلية # يجب الاستغناء عن البدن قبل خرابه # إن معنى الموت في الحقيقة يرجع إلى ترك النفس اسعمال الجسد، لأن البدن ~~للنفس بمنزلة الدكان للصانع، والأعضاء بمنزلة الآلات، فإذا كلت آلات ~~الصانع أو انكسرت أو خرب الدكان وانهدم بناؤه فإن الصانع لا يقدر على ms1858 ~~عمل شيء من الصنعة إلا أن يجدد دكانا آخر وأدوات متجددة أخرى. # فكل صانع حكيم، إذا فكر في أمره، ونظر في عواقب عمره، علم بأنه لا بد ~~وأن يخرب يوما دكانه، وتكل أدواته، وتضعف قوة بدنه، وتذهب أيام ~~شبابه، فمن بادر واجتهد قبل خراب الدكان وكسر الآلات وذهاب القوة، ~~واكتسب مالا يغنيه عن الدكان واستغنى عن السعي، فإنه لا يحتاج بعد ذلك ~~إلى دكان آخر وأدوات أخرى مجددة، بل يستريح من العمل ويتسقل بالتمتع ~~والالتذاذ بما كسب وادخر، فهكذا تكون حال النفوس الفاضلة بعد خراب ~~أبدانها وعطب أجسامها. # فتفكر - يا مسكين - وبادر واجتهد وتزود قبل خراب هذا الدكان وفساد ~~الآلات، فإن خير الزاد التقوى. # شك وتحقيق # حكمة بقاء النفوس الكاملة في الدنيا # إن قيل: ما العلة في بقاء النفوس الكاملة المجردة بذاتها المتسغنية عن ~~البدن وقواه مدة في هذه الدار، مع ما يعتري اصحابها من المحن والآلام، ~~وما يحلقهم من الأوجاع والشدائد وعداوة الجهال وفتنة الأشرار؟ # يقال: الحكمة في ذلك كون تلك النفوس مشغولة بتدبير النفوس الناقصة ~~المتجسدة كيلا تتم هذه وتتخلص من النفس، وتكمل تلك وتصير فوق التمام ~~وبالغة إلى كمال بعد الكمال، والى حال أشرف وأعلى من ذلك الحال # وأن إلى ربك المنتهى # [النجم:42]. # والمثال في ذلك: الأب الشفيق والأستاذ الرفيق في تعليم التلامذة ~~والأولاد وإخرجه إياهم من الظلمات والجهالات إلى فسحة العلوم والمعارف ~~ليتمون هؤلاء ويكمل أولئك الآباء والأساتذة ويخرجوا ما في قوة نفسهم من ~~العلوم والصنايع والحكم إلى الفعل والظهور اقتداء بالباري سبحانه، ~~وتشبها بالحكيم الأول في حكمته وجوده، إذ هو السبب في إخراج الموجودات ~~من القوة والبطون إلى الفعل والظهور، فكل نفس هي أكثر علوما وأحكم ~~صنعة وأجود عملا، وعلى غيرها أكثر إفاضة وجودا وإفادة، فهي أقرب إلى ~~الله نسبة وأشد تشبها. # وهذه أولا هي مرتبة الملائكة الذين # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم:6] # يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب # [الإسراء:57]. # ولهذا قال أئمة الحكمة القديمة في تعريفها: إنها هي التشبه بالإله ms1859 ~~بقدر الطاقة البشرية. # وفي الحكمة المحمدية - على الصادع وآله أفضل التقديسات والتسليمات -: ~~تخلوا بأخلاق الله. يعني من تكون علومه حقيقية وصنائعه محكمة وأعماله ~~صالحة صافية من الغش والدغل، وأخلاقه جميلة وآراؤه صحيحة وفيضه على من ~~دونه متصلا فهو من أولياء الله المؤمنين المقربين منه وأحبائه ~~المزدلفين لديه. # الإشراق الخامس # التوحيد الأفعالي # في قوله تعالى: { ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة }. # إعلم أنه قد وقعت نسبة قبض الأرواح وجذب النفوس وردها إلى عالم ~~الآخرة تارة إلى الله تعالى كما في قوله: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر:42]. وتارة إلى بعض ملائكة الله المقربين كما في قوله تعالى: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة:11] وتارة إلى رسل الله كما في قوله تعالى: # توفته رسلنا وهم لا يفرطون # [الأنعام:61]. وتارة إلى النفس ذاتها كما في قوله تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية # [الفجر:27 - 28]. وتارة لم ينسب إلى فاعل معين وقابض معلوم كما في هذه ~~الآية، ونحن قد ذكرنا في تفسير سورة يس ما يستفاد منه وجه في تعدد هذه ~~النسبة وتكثر المبادئ في هذا الفعل، فليرجع إليه من أراد ذلك، ولكن لا ~~نسكت هنا عن ذكر شيء يسير من المقال يشير إلى لمية الحال. # فنقول: إن بين الذات الأحدية الإلهية وبين كل موجود طبيعي أمور ~~متوسطة هي أسباب تحققه ووسائط تكوينه، ومنها ما هو أسباب جذب الأرواح ~~والنفوس من أسفل سافلين، كما أنها بعينها أسباب وجودها وورودها من أعلى ~~عليين. # فأولها اسم الله القابض في العالم الإلهي، ثم الملك المقرب الذي ~~يجذب الأرواح في عالم القدس، ثم نفوس رسل الله وهم الدعاة إلى الله، ثم ~~النفوس المطمئنة الراجعة إلى ربها راضية مرضية في عالم النفوس، ثم ~~الطبيعة الإنطباعية في عالم الطبائع، وإن كان لكل إنسان قوة محركة ~~جاذبة للجسم الغذائي الترابي إلى درجة الطبيعة النباتية، وله قوة أخرى ~~حيوانية فاعلة للحس والحركة الإرادية بجذب لطائف الأخلاط إلى أفق ~~الأرواح البخارية، وله قوة نطقية فوق القوة الحيوانية تجذبها إلى ms1860 ~~مرتبة النفس النطقية، وفوقها قوة نبوية تدعو النفس النطقية جاذبة إلى ~~عالم الملكوت الغيبية، وفوقها قوة جبرئيلية ترافقها وتصعد بها إلى ~~عالم الربوبية، والله سبحانه بقوته التي تمسك السموات والأرض أن تزولا ~~فوق الكل، # وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة # [الأنعام:61] ويقبض الكل باسمه " القابض " # والأرض جميعا قبضته يوم القيامة # [الزمر:67]. # فللإشارة إلى هذه المراتب المقتضية لقبض الأرواح وجذب النفوس إلى الله ~~تعالى، وقعت نسبة الترقي تارة إلى الله تعالى، وتارة إلى الملك ~~الروحاني، والى ملائكة هي دونه في الرتبة، وتارة إلى رسل الله، وتارة إلى ~~النفس، وتارة إلى الطبيعة المسخرة - كما في هذه الآية -، تنبيها على ~~اختلاف هذه النشآت، وتعدد العوالم، وتفاوت الدرجات للإنسان. # لكن يجب على الناظر المتأمل أن يعلم مما أكثرنا ذكره وكررنا إثباته ~~في توضيح أسرار بعض الآيات، أن كل فعل إذا نسب إلى الباري القيوم يكون ~~بالحقيقة لا بالمجاز، وإن نسب إلى ما سواه يكون بالمجاز، وذلك لأن ~~الأسباب مستهلكة الذوات والمهيات عند مسببها، فإذا سمعت مثل قوله ~~تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر:42]، فاحمله على الحقيقة في التوفي، وإذا سمعت مثل قوله: # قل يتوفاكم ملك الموت # [السجدة:11] فاحمله على المجاز. # فالكامل في العرفان من كان في حدقة عرفانه نوران: نور التوحيد، ونور ~~الحكمة. ولا يطفئ أحدهما نور الآخر، فبأحد النورين ينظر إلى توحيده ~~تعالى، وبالنور الآخر ينظر إلى حكمته في ترتيب الأسباب للمسببات، ويرى ~~كثرة صور الأعيان التي هي مظاهر الأسماء في وحدة وجوده وفيض جوده. # وأكثر الناس ممن يشغلهم شأن عن شأن، فمنهم من راعى جانب التوحيد في ~~الأفعال فأهمل رعاية الحكمة والترتيب، كالأشاعرة المنكرين للقول بالعلة ~~والمعلول وترتيب الأسباب، أو لم يتدبروا في خلق السموات والأرض وما ~~بينهما من عجائب الحكمة وبدائع الفطرة، وقد قال سبحانه: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين # [الدخان:38]. وقال تعالى: # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما ~~خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب ~~أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون * من يضلل ms1861 ~~الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأعراف:185 - 186]. # فهذه الآية ناصة على وجوب النظر في المسائل الحكمية على من وفق له، ~~ومنهم من راعى جانب الحكمة في إثبات والوسائط، لكن أهمل جانب التوحيد ~~الأفعالي، وصارت رؤية الأسباب القريبة حجابا له عن رؤية مسبب الأسباب، ~~وهذا كالمعتزلة المثبتين للعبد قوة مستقلة. # وأما الذي تزين به محققو الإسلام وحكماء شريعة سيد الأنام - عليه ~~وآله السلام - وهم الراسخون في علم القرآن، والعالمون بتأويل الأحاديث، ~~فهو الجمع بين التوحيد والشريعة الحكمية، ولأجل هذا الجمع والتوفيق ~~نسب الله الأفعال في القرآن مرة إلى الملائكة أو العباد، ومرة إلى ~~نفسه، فقال في القبض تارة # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة:11] وتارة: { الله يتوفى الأنفس حين موتها } ~~[الزمر:42] وتارة: # ارجعي إلى ربك # [الفجر:28] وقال في باب الحراثة: # أفرأيتم ما تحرثون # [الواقعة:63]. ثم قال: # أنا صببنا المآء صبا * ثم شققنا الأرض شقا * ~~فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا # [عبس:25 - 28]. وقال في باب نفخ الأرواح في الأجساد مرة: # فأرسلنآ إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا # [مريم:17]. ومرة: # فنفخنا فيه من روحنا # [التحريم:12] ومرة: # فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله # [آل عمران:49]. # وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصف ملك ~~الأرحام: # " إنه يدخل الرحم فيأخذ النطفة في يده، ثم يصورها جسدا فيقول: يا ~~رب أذكر أم انثى أسوي أم معوج؟ فيقول الله ما شاء، ويخلق الملك ". # وفي لفظ آخر: يصور الملك فيها الروح بالسعادة والشقاوة. وقال بعض ~~السلف: إن الملك الذي يقال له الروح، هو الذي يولج الأرواح في الأجسام، ~~وإنه يتنفس بوصفه فيكون كل نفس من أنفاسه روحا يلج في جسم، ولذلك ~~سمي روحا. # وما ذكره في مثل هذا الملك وصفته فهو حق يشاهده أصحاب القلوب ببصائرهم، ~~وهذا بعينه كحال المتكلم بالكلام الحكمي، حيث إن كل نفس من أنفاسه ~~يفيد معنى عقليا يلج في تشكل كلامه، وكذلك ذكر الله في القرآن الآيات ~~الدالات على وجوده ووحدانيته، مثل قوله تعالى: # إن في خلق ms1862 السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # [آل عمران:190]. # ومثل قوله: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت:53]. فنسب الدلالة على وجود ذاته، والشهادة على وحدانيته إلى ~~الموجودات الآفاقية والأنفسية، ثم قال: # أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد # [فصلت:53]. # وقال أيضا: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران:18]. فبين أنه الدليل على نفسه. # وليس ذلك بمتناقض، بل طرق المعرفة مختلفة، بعضها من جهة الحكمة والترتيب ~~في النظام، وبعضها من جهة التوحيد وأحدية الجمع، فكم من سالك عرف ذاته ~~بوسيلة النظر إلى الموجودات، وكم من طالب عرف بالنظر إليه كل الموجودات، ~~فقال: عرفت ربي بربي، ولولا ربي لما عرفت ربي، وهذا بعينه مسلك ~~الصديقين، والأول مسلك ذوي الأنظار. # وأيضا قد وصف الله نفسه بأنه المحيي والمميت، ثم فوض الموت والحياة ~~إلى ملكين. ففي الخبر: # " إن ملك الموت وملك الحياة تناظرا فقال ملك الموت: أنا أميت. وقال ملك ~~الحياة: أنا أحيي الأموات. فأوحى الله إليهما: كونا على عملكما وما ~~سخرتما له من الصنع، فأنا المحيي والمميت، ولا محيي ولا مميت سواي ". # فالمحقق العارف هو الذي ينشكف له بنور معرفته أن لا قوام للأشياء عنده ~~بأنفسها، وإنما قوامها بغيرها، فهي باعتبار أنفسها باطلات الذوات هالكات ~~الهويات والإنيات، وإنما حقيتها بغيرها لا بأنفسها من حيث هي هي، ~~فإذا لا حق عند المحقق المحق إلا الحق القيوم الذي ليس كمثله شيء، ~~فهو القائم بذاته، وكل ما سواه قائم بقدرته، فهو الحق وما سواه باطل. # ولما جرى هذا المعنى لسان بعض الأعراب قصدا واتفاقا صدقه رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أصدق بيت قال الشاعر قول لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وكل نعيم لا محالة زائل # فكل شيء هالك إلا وجهه # الإشراق السادس # المحيي هو المميت # لما علمت أن للإنسان مراتب مختلفة في الوجود، لتحصيل كل مرتبة أسباب ~~وعلل أوجدها الله تعالى، فاعلم أن محصل كل مرتبة عالية للإنسان ~~بالذات، مستتبع ms1863 لزوال مرتبة دانية له بالعرض والتبعية، فمحيي الإنسان في ~~كل نشأة هو مميته في النشأة المتقدمة عليها، ولذا قيل لقابض الروح أنه ~~ملك الموت نظرا إلى هاتين الجهتين، ويسمى بأبي يحيى على الرسم، لا ~~من باب تسمية الشيء باسم ضده كما هو عادة العرب، وأما نسبة الإحياء إلى ~~ملك آخر غير ملك الموت كما سبق، فذلك التعدد بالقياس إلى وجود مرتبة ~~ونشأة وعدم مرتبة ونشأة أخرى. # الإشراق السابع # في لمية توجه الروح الإنساني إلى الله سبحانه # إن من الحكمة البالغة والنعمة السابغة، أن الله قد جمع في سنخ حقيقة ~~الإنسان ما أفرد به الملائكة المقربين والحيوانات المبعدين، فضلا عما ~~خص به غير هذين الجنسين من العالمين أجمعين. # فمن ذلك أنه تعالى أفرد الملك بنور روحاني علوي باق أبدي، لأنه ~~نور من أنوار الله وسر من أسرار الله، وأفرد الحيوانات بروح سفلي فان ~~ظلماني، فأفرد الإنسان بالتركيب بين الروحين فيه: فان حيواني وباق ملكي، ~~فالحكمة في ذلك أن الروح الملكي غير متغذ ولا نام، وإنما بقاؤه ~~بالتسبيح والتقديس، وهما بمثابة النفس للحيوان، ولهذا ليس للملك ~~الترقي من مقامه لقوله: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات:164]. # والروح الحيواني قابل للترقي لأنه متغذ، فجعل الإنسان مركبا من ~~الروحين لتنطبع روحه الملكي بطبع روحه الحيواني في التغذي وقبول الفناء ~~الذي يعبر عنه بالموت، ليصير مترقيا كالحيوان، قابلا لأن ينتقل من ~~هذه الدار إلى دار البقاء، مترقيا إلى العالم الأعلى، وينطبع روحه ~~الحيواني بطبع روحه الملكي ليصير مسبحا ومقدسا كالملك، باقيا بعد ~~المفارقة، عارفا بالله - بخلاف الحيوانات -. # ولكن من اختصاص الروح الحيواني بالتغذي، أن يجعل الغذاء من جنس ~~المتغذي ولونه وصفته. ومن اختصاص الروح الإنساني أن يكون متلونا بلون ~~الغذاء ومتصفا بصفته، وذلك لأن غذاء الروح الحيواني الطعام والشراب، ~~وهما من الجماد والنبات، والحيوان المذبوح المطبوخ، وفيها الرطوبة ~~واليبوسة والحرارة والبرودة مركوزة بالطبع، والروح الحيواني غالب عليهما ~~ومتصرف فيهما يجعلهما من جنس المتغذي، وغذاء الروح الإنسان ذكر الله ~~وطاعته والشوق إلى جنابه، والمحبة إلى ms1864 لقائه، كما قال الله تعالى في ~~أواخر هذه السورة: # واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون # وقوله: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد:28]. # وأمثال ذلك وفيه النور والجذبة الإلهية، وهما غالبان عليه، فالروح ~~يتجوهر بجوهرهما وفي تجوهره بتجوهر الروح الرباني نوع من الفناء عن ~~وجوده والبقاء بنوريته، فهو بمثابة ميت ذاق الموت ثم أحيي بنور ربه، ~~كما قال تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # [الأنعام:122]. # وقد انشكف هذا المعنى لبعض الحكماء السابقين كفرفوريوس مقدم ~~المشائين - وهو أعظم تلامذة أرسطاطاليس الحكيم - حيث ذهب إلى أن النفس ~~الإنسانية ستصير بعد إحكام نور المعرفة عين النور العقلي الذي هو بذاته ~~عقل بالفعل وفاعل للمعقولات التفصيلية. # وظاهر أن النفس ما لم تفن عن نشأتها النفسانية لم تتحد بالعقل ~~الفعال المنور لما في الدار الآخرة من الصور والماهيات، فهذا الفضاء ~~الذي استحق به الروح الإنساني الإحياء الأخروي بنور الله، إنما ~~استفاده بسبب النفس الحيوانية التي هي ذائقة الموت وقابلة الفناء، فافهم ~~واغتنم فإنه عزيز الجدوى. # الإشراق الثامن # ظهور صور الأعمال والملكات في الآخرة # إن قوله تعالى: { فينبئكم بما كنتم تعملون } إشارة ~~إلى ظهور صور الأعمال والأخلاق يوم القيامة، فإن الناس يحشرون يوم ~~القيامة على صور نياتهم، وهيئات ضمائرهم، وأشكال أخلاقهم وصفاتهم ~~الحاصلة من تكرر الأفاعيل، والمعاملات المؤثرة في القلوب إنارة ~~وإظلاما فإن الأعمال هنا بمنزلة الحراثة والزراعة وطرح البذور في أراضي ~~القلوب، والنيات والاعتقادات المستورة فيها بمنزلة البذور، ومدة الكون ~~في الدنيا كمدة الشتاء التي تحتجب الأرض فيها عن الشمس عن سمت رؤوس ~~أهلها، فإذا ارتفع النهار واشتدت حرارة الشمس وقت الربيع يظهر ما كمن في ~~باطن الأرض من البذور وتحصل الأزهار والأثمار، وانكشف ما ستر في بواطن ~~الأشجار من الأنواع المختلفة والألوان المتضادة، فتكون كل ثمره مناسبا ~~لحبه وبذره ويكون بعضها حلوا وبعضها مرا وبعضها حامضا، وبعضها ~~ترياقا نافعا وبعضها سما ناقعا. # فهكذا يكون الحال يوم قيام الساعة وطلوع شمس الحقيقة من مغربها، وعند ~~ذلك يكون حشر الحقائق: # وحشرناهم ms1865 فلم نغادر منهم أحدا # [الكهف:47]. وبروزها للحق تعالى: # وبرزوا لله الواحد القهار # [إبراهيم:48]. وظهور بواطنها وسرائرها: # يوم تبلى السرآئر # [الطارق:9]. ويكون الحشر لهم على أنحاء مختلفة فلقوم على سبيل الوفد: # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم:85]. ولقوم على سبيل الوهن والعذاب: # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا # [مريم:86] # ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار # [فصلت:19]. وقوم يساقون على وجوههم كالحيوانات المؤذية. # وبالجملة، كل أحد يحشر إلى ما يعمل لأجله ويحبه، كما يدل عليه مثل ~~قوله تعالى: # قل كل يعمل على شاكلته # [الإسراء:84]. وقوله: # فوربك لنحشرنهم والشياطين # [مريم:68]. حتى أنه لو أحب أحدكم حجرا لحشر معه - كما ورد في ~~الحديث -، ولا شك أن المحشور مع الحجر كان من جنس الحجر. وفيه سر غامض. # وبالجملة إن أفاعيل الأشقياء المدبرين المتوقفين بحسب هممهم ~~القاصرة عن الإرتقاء إلى عالم الملكوت في البرازخ الحيوانية وما دونها ~~بأعمال يناسبها، فلا جرم تكون تصوراتهم مقصورة على أغراض شهوية أو ~~غضبية، أو محبة أجساد جمادية كالذهب والفضة والياقوت فيحشرون على ~~صور تلك الحيوانات، وما هو أنزل منها في الدار الآخرة كما دل عليه قوله ~~تعالى: # وإذا الوحوش حشرت # [التكوير:5] وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): # " يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القردة والخنازير ". # وربما يتصور بعضهم في هذه الدار بصورهم الحقيقية الأخروية لأهل الكشف ~~والشهود وذلك لغلبة سلطان الآخرة على بواطنهم. # إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون # [الروم:24] ### || [62.9] # وفيه إشراقات: # الإشراق الأول # في اللغة والقراءة # قال الشيخ أبو علي الطبرسي (ره): " الجمعة " و " الجمعة " لغتان ~~وجمعهما " جمع " و " جمعات " ، قال الفراء: وفيه لغة ثالثة: " ~~جمعة " - بفتح الميم - كضحكة وهمزة. # وفي الكشاف: يوم الجمعة يوم الفوج المجموع كقولهم: " ضحكة " ~~للمضحوك منه. ويوم الجمعة - بفتح الميم - يوم الوقت الجامع كقولهم " ~~ضحكة " و " لعنة " و " لعبة " ، ويوم الجمعة تثقيل للجمعة ~~كما قيل: عسرة في عسرة، وقرئ بالوجود الثلاثة. # و " من " بيانية مفسرة ل " إذا ". # و " النداء " الأذان. وقد كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~مؤذن واحد، ms1866 وكان إذا جلس على المنبر أذن المؤذن على باب المسجد، فإذا ~~نزل أقام الصلاة، وكان ذلك مستمرا إلى زمان عثمان، فكثر الناس، وتباعدت ~~المنازل، فأحدث الأذان الثاني، فزاد مؤذنا آخر، فأمر بالتأذين الأول ~~على داره التي تسمى زوراء، فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، ~~فإذا نزل أقام الصلاة. # وإنما سميت جمعة لأن الله تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء، فاجتمعت فيه ~~المخلوقات. وفيه سر سنشير إليه. # وقيل: لأنه تجتمع فيه الجماعات. # وقيل: إن أول من سماها جمعة كعب بن لؤي، وهو أول من قال: " أما بعد ~~". وكان يقال لها " العروبة " - عن أبي سلمة -. # وقيل: أول من سماها جمعة الأنصار، وذكر ابن سيرين: جمع أهل المدينة ~~قبل قدوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول هذه السورة، فقالت ~~الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، ~~فهلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله فيه ونصلي. فقالوا: يوم ~~السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة. # فاجتمعوا إلى سعد بن زارة فصلى بهم يومئذ ركعتين، وذكرهم فسموه يوم ~~الجمعة لاجتماعهم فيه، فأنزل آية الجمعة، فهي أول جمعة كانت في ~~الإسلام. # وأما أول جمعة جمعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهي أنه ~~لما قدم المدينة مهاجرا، نزل قبا على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم ~~الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة ~~عامدا المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد ~~لهم، فخطب وصلى الجمعة. # الإشراق الثاني # في فضل يوم الجمعة # عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): # " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، وفيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، ~~وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة ". # وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) # " أتاني جبرئيل وفي كفه مرآة بيضاء، وقال: هذه الجمعة يعرضها عليك ~~ربك لتكون لك عيدا ولامتك من بعدك. وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ~~ندعوه إلى الآخرة يوم المزيد ". # وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): ms1867 # " إن لله في كل جمعة ستمائة ألف عتيق من النار ". # وفي الحديث: # " إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد بأيديهم صحف من ~~فضة وأقلام من ذهب، يكتبون الأول فالأول على مراتبهم ". # قيل: كانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة ~~بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج. # وقيل: أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجمعة. # وعن أبي جعفر (ع) يقول: ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة. # وروى سهل بن زياد عن أبي بصير، عن أبي الحسن الرضا (ع) قال # " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ان يوم الجمعة سيد ~~الأيام يضاعف الله فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات ويرفع فيه الدرجات ~~ويستجيب فيه الدعوات وتكشف فيه الكربات، وتقضي فهي الحوائج العظام وهو ~~يوم المزيد لله فيه عتقاء وطلقاء من النار ما دعا الله فيه أحد من الناس ~~وعرف حقه وحرمته إلا كان حقا على الله أن يجعله من عتقائه وطلقائه من ~~النار، فإن مات في يومه أو ليلته مات شهيدا وبعث آمنا، وما استخف ~~أحد بحرمته وضيع حقه إلا كان حقا على الله عز وجل أن يصليه نار ~~جهنم إلا أن يتوب ". # وفي فضله أحاديث كثيرة، وفيما نقلناه كفاية للمستبصر. # الإشراق الثالث # في الحكمة المتعلقة بالنداء - أي الأذان - # إعلم أنه لما كان كل واحد من الأوضاع الشرعية مشتملا على سر إلهي ~~نوري كاشتمال الإنسان المكلف به على لطيفة ربانية نورية، ليكون له ~~قربة إلى جناب الحق، ووصلة إلى رضوانه، ومناجاة له، ومن جملة تلك ~~الأوضاع: الأذان، فشرع قبل الصلاة ليتنبه ويعرض عن غير الله، ويتوجه ~~بشراشر قلبه وسره إلى جناب القدس ليتأهل لمناجاة الحق، لأن الإنسان ~~متغير عما هو عليه حالا بعد حال، متعرض للانتقال والزوال، ليس له ~~قوة الثبات على أمر، ولهذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع ~~جلالة قدره وعلو سره، يؤمر بالثبات والاستقامة، ويسأل الثبات على الدين ~~والطاعة، فكأن شرع الأذان موجبا لانتباه النفوس الراقدة، معدا لأن ~~تتأهل ms1868 النفس لذكر الله، لأنه معراج المؤمن، وذكر العبد لله مستلزم لذكر ~~الله العبد، كما قال تعالى: # فاذكروني أذكركم # [البقرة:152]. # وفي الحديث القدسي: # " من ذكرني في خلاء ذكرته في خلاء ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير ~~منه ". # ومعلوم أن من ذكر الحق فقد جالسه، لقوله تعالى: أنا جليس من ذكرني. # ومن جالس من ذكره وهو ذو بصيرة رأى جلسيه وشاهده، ومن شاهده فقد أدركه، ~~وهذا غاية مطلب الصديقين، ومآل حال أهل الله # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد:28]. # ثم الأذان مجمع صفات الجلال والإكرام، وأول أجزائه: الله أكبر، وهو ~~إيذان بأن الله أكبر من جميع الأشياء، بل هو أكبر من أن تنسب إليه هذه ~~النسبة، فإن الكبرياء رداؤه، والعظمة إزاره، ووظيفة السامع من استماع ~~هذه الكلمة الرجوع إلى الله تعالى، ورفض ما سواه الذي هو ظله، لأن ~~الوجود كله لله من حيث ذاته ومن حيث أسمائه الحسنى ومن حيث أفعاله لا ~~وجود لما سواه. # ولما كانت النوبة الأولى لم تثبت النفوس المشتغلة المادية غالبا، شرع ~~التكرار لاثبات معنى الألوهية الجامعة لجملة الأسماء والصفات في مرآة ~~النفس الناطقة. # ثم كلمة الشهادة، التي هي كالعنوان لما حصل في النفس من معنى الجزء ~~الأول من التصديق الذي هو عمل القلب، والجزء الأول يشير إلى اثبات ~~الواحد الحق، والثاني يشير إلى نفي شريكه، وقد علمت مما سبق إليك في ~~التعاليم، أن الإيمان بالله يجعل للنفس استعداد لقبول الفيض الإلهي ~~الموجب للقربة والزلفى، وينقي النفس عن المضار الدنيوية والأخروية - ~~على ما بين فيما سبق من تفسير آية النور -، أن كلمة التوحيد بمنزلة ~~المصقلة في إزالة ظلمة الرين والطبع عن مرآة القلب. # ثم عقب بالكلمة الثالثة المشيرة إلى الاعتراف برسالة محمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ليحصل لهم بذلك التزام أوامره ونواهيه، وقد علمت ~~الاحتياج إلى وجود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما مرت إليه ~~الإشارة من أن الناس صنفان: صنف يستوي عندهم المعقول والمحسوس - وهم ~~الأنبياء -، وصنف لا يتعدى نظرهم عن عالم المحسوس ms1869 - وهم أكثر الخلق - ~~فلا بد لهم من مرشد يرشدهم إلى ما لا يهتدى إليه بالحس بل بالعقل، فإن ~~للنبوة طورا وراء طور لا يدرك إلا بالكشف الشهودي، وليس لكل عبد أن ~~ينال درجة النبوة، بل رتبة الولاية، فإن جناب الحق جل عن أن يكون ~~شريعة لكل وارد، أو يطلع عليه إلا واحدا بعد واحد. # على أن النبوة قد ختمت بنبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه ~~في أعلى مرتبة العلم والحكمة، وله الدرجة العليا والزلفى، وقد طلب ~~إبراهيم الخليل (ع) في دعائه عن الله تعالى بعثة منه في ذريته، حيث قال ~~تعالى حكاية عن دعائه: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم # [البقرة:129]. # ثم ذكر بعد كلمتي الشهادة دعوة الخلق إلى مناجاة الحق، وطلب الوقوف ~~بين يدي الرب سبحانه للدعاء والصلاة الموجبة للفلاح - وهو إدراك ~~المنية والبغية، إما في الدنيا، كالسعادة التي يطلب بها حياتهم في ~~دنياهم، وإما في العقبى، وهو بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ~~ذل، وعلم بلا جهل - # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت:64]. # ثم إنه ختم بما بدأ منه، إشارة إلى استغنائه عن الجميع - فإن الله ~~غني عن العالمين -، والأمر كله منه ابتداؤه، وإليه انتهاؤه، وإليه ~~يرجع الأمر كله، وهو المقصود الأول والمرتجى وإليه الرجعى - كما قيل: # محرك الكل أنت القصد والغرض # وغاية مالها مرمى ولا غرض # من كان في قلبه مثقال خردلة # سوى جلالك فاعلم أنه مرض # واعلم أن سر الإقامة قد علم مما سبق، ونذكر فيها نكتتين: # الأولى: الإفراد ليكون أسرع إلى المراد هو الصلاة وفيه إشارة إلى طلب ~~زيادة الإخلاص والخشوع والتواضع لقربه من الوقوف بين يدي الله. # والثانية: زيادة لفظ " قد قامت الصلاة " للدلالة على أن ذكر الله قائم ~~على باطن كل نفس، فيجب أن يكون الظاهر موافقا للباطن والعلانية حاكية ~~عن السر. # الإشراق الرابع # في الحكمة المتعلقة بوجوب الصلاة يوم الجمعة # اعلم أنه لما اقتضت الأسماء ms1870 الحسنى الإلهية ظهور آثارها جميعا في ~~المظاهر الكونية، لئلا يتعطل طرف من الألوهية، ظهرت من نوع الإنسان ~~الذي أوجده لأجل العبادة، كما أشار إليه بقوله: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات:56]. وطبائع أكثر الناس مجبولة على العدول عن منهج الحق، ~~والانحراف عن سنن العدل، كما أشار إليه بقوله: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ:13] وقوله: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف:103] وقوله: # وأكثرهم للحق كارهون # [المؤمنون:70]. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. # وقد تقرر هذا البيان بنيانه في كثير من الأحاديث القدسية مثل قوله ~~تعالى: # " كلكم ضال إلا من هديته فاسألوني الهدى اهدكم، وكلكم فقير ~~إلا من أغنيته فاسألوني أرزقكم، وكلكم مذنب إلا من غفرته فمن علم منكم ~~أني ذو قدرة على المغفرة فاستغفرني غفرت له ولا أبالي ". # فلو أن الناس أهملوا وطبائعهم، وتركوا سدى، وخلي بينهم وبين ~~طبائعهم لتوغلوا في الدنيا وانهمكوا في اللذات الجسمانية، وطلبوا دواعي ~~القوى الظلمانية لضرواتهم بها واعتيادهم من الطفولية والصبا، حتى زالت ~~استعداداتهم، وانحطوا عن رتبة الإنسانية فمسخوا ومثلوا بالبهائم والسباع ~~كما قال تعالى: # وجعل منهم القردة والخنازير # [المائدة:60]. # وإن حوفظوا ودعوا بالسياسات الشرعية والعقلية والحكم والآداب ~~والمواعظ الوعدية الوعيدية، ترقوا من حد البهيمة، وتنورت بواطنهم ~~بنور الملكية، كما قال الشاعر: # هي النفس إن تهمل تلازم خساسة # وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج # فلهذا وضعت العبادات، وفرض عليهم تكرارها في الأوقات المعينة لتزول ~~عنهم بها درن الطبائع المتراكمة في أوقات الغفلات وظلمة الشواغل ~~العارضة في أزمنة اتخاذ اللذات، وارتكاب الشهوات، فتتنور بواطنهم بنور ~~الحضور، وتتنقش قلوبهم بالتوجه إلى الحق عن السقوط في هاوية النفس ~~والعثور، وتستريح بروح الروح وحب الوحدة عن وحشة الهوى وتفرق الكثرة. # كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما من الصغائر ما اجتنبت الكبائر ". # ألا ترى كيف أمرهم عند الحدث الأكبر، ومباشرة الشهوة، بتطهير البدن ~~بالغسل، وعند الحدث الأصغر بالوضوء، وعند الاشتغال بالأشغال الدنيوية في ~~ساعات اليوم والليلة بالصلوات الخمس المزيلة لكدورات مدركات الحواس ~~الخمس، ms1871 الحاصلة في النفس منها كل بما يناسبه. # ولذلك وضعوا بإزاء وحشة تفرقة الأسبوع، وظلمة انفرادهم بدؤوب الأشغال ~~والمكاسب والملابس البدنية والملاذ الجسمانية اجتماع قوم على العبادة، ~~والتوجه، لتزول وحشة التفرقة بأنس الاجتماع والحضور، ويحصل بينهم نور ~~المحبة الإيمانية، والمؤالفة القلبية، وتزول عنهم ظلمة الاشتغال ~~بالأمور الدنيوية، والإعراض عن الحق من جهة الأغراض المختصة الشخصية، ~~فوضع لليهود في قديم الزمان أول الأسابيع لكونهم أهل المبدأ والحس ~~الظاهر، وللنصارى ما بعده آخرها لكونهم أهل المعاد الروحاني، وأهل الباطن ~~المتأخرين عبد المبدأ والظاهر، وللمسلمين آخرها الذي هو يوم الجمعة ~~لكونهم في آخر الزمان، وهم أهل النبوة الختمية وأهل الوحدة الجمعية ~~للكل. وإن جعل السبت آخر الأسبوع - على ما نقل أنه السبع فالبنسبة إلى ~~الحق تعالى لأن عالم الحس الذي إليه دعوة اليهود، وهو آخر العوالم ~~بالنسبة إليه، وأول العوالم عالم العقل الذي إليه دعوة النصارى، ~~والجمعة هي يوم الجمع والختم - هذا على ما ذكر بعض أهل القرآن. رحمه ~~الله. # اشتشهاد قرآني # علة تعيين الجمعة للمسلمين # ومما يناسب ما ذكر ويؤكده، ما استفيد من كلام بعض المحققين وهو أن ~~موسى (ع) لما كان باعتبار قومه من أهل المبدأ وصاحب التنزيل، كان من ~~جانب الغرب، وهو موضع أفول النور، كما أشير إليه بقوله تعالى: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر # [القصص:44]. # وإن عيسى (ع) لما كان من أهل المعاد وصاحب التأويل، كان مكانه في ~~الشرق - وهو موضع النور وطلوعه -، # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها ~~مكانا شرقيا # [مريم:16]. # وإن نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) لما كان جامع المنزلتين - ~~المبدأ والمعاد - والبرزخ المتوسط بين الجانبين - المشرق والمغرب - ~~بوجه، والمبرأ عن العالمين - الدنيا والآخرة بوجه -، كان مكانه متوسطا ~~بين الشرق والغرب. # أما كونه جامعا للمبدأ والمعاد، فلأن له منزلة في المبدأ " كنت ~~نبيا وآدم بين الماء والطين " - ولكل شيء جوهر وجوهر الخلق محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وله (صلى الله عليه وآله وسلم) منزلة في المعاد، ~~إذ هو شفيع يوم ms1872 المحشر لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " # وأما كونه متوسطا فلأن قبلة موسى (ع) إلى الغرب من وسط العالم، ~~وقبلة عيسى (ع) منه إلى المشرق، وقبلة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بينهما كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " ما بين المشرق والمغرب قبلتي ". # وأما كونه مبرءا عنهما فلقوله تعالى: # لا شرقية ولا غربية # [النور:35] وهما حرامان على أهل الله. # الإشراق الخامس # في لمية وجوب الصلاة مطلقا # لما علم الشارع أن جميع أفراد الإنسان لا يرتقون في مدارج العقل إلى ~~درجة العرفان، فلا جرم سوى لهم رياضة بدنية، وسياسة تكليفية تخالف ~~أهواءهم الطبيعية وحفظ لهم الصورة الإنسانية، وراعى فيهم حكاية النسك ~~العقلية، فمهد لهم قاعدة في الأذكار والأوراد، وألزمهم ترك النسيان ~~بتكرير الأعداد، وهي أعم وفي الحس أعظم لترتبط بظواهر الإنسان وتمنعهم ~~عن التشبه بسائر أفراد الحيوان، وأقر بهذا الهيكل الظاهر على كل بالغ ~~عاقل فقال: # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # ولو قال: " صلوا كصلاتي " فمن الذي صلى مثل صلاته؟ لأنه كان يصلي ~~وبصدره أزير كأزير المرجل من البكاء، وكان في صلاته يرى من خلفه. # فقد ظهر أن في صلاة القالب مصلحة كثيرة لا تخفى على اللبيب العاقل، ولا ~~يقر به لسان الجاهل العادل، وهذا المعنى من الصلاة قد كانت واجبة على ~~الأمم السابقة على أعداد أكثر من أعداد صلاتنا لعموم جدواها، وكانوا ~~مكلفين بأعمال جسمانية كثيرة المشقة لغلبة الجسمانية عليهم وقلة ~~آثار الملكوتيين فيهم، وشريعتنا المحمدية - على الصادع بها وآله أفضل ~~الصلاة والتحية - أقل تكلفا وأكثر فائدة، لصفاء القوابل ولطافة ~~القلوب ورقة الحجاب في أمته (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك قال (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): # " بعثت بالشريعة السهلة السمحاء ". # الإشراق السادس # في لمية وجوب الصلاتين الجسمانية والروحانية # إن الله تعالى قد بعث النبيين معلمين بالكتاب والحكمة، واضعين ~~الشريعة والملة، مقيميمن للعدل والقسط لقوله تعالى: # وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط # [الحديد:25] فوضعوا للناس النواميس الإلهية ليخرجوهم عن حضيض البرزخ ~~الظلماني، ms1873 ويبلغوهم إلى أوج العالم النوراني، لينخرطوا في سلك الملائكة ~~المقربين، ويتنعموا في جوار القدس مع النبيين والصديقين، رحمة من الله ~~وفضلا ونعمة منه وإحسانا، فشرع كل منهم بإذن الله لأمته حسب ما أعطته ~~العناية الإلهية، واقتضته الرحمة الأزلية في ذلك الوقت والزمان، من ~~الأعمال القلبية والبدنية، ما تكمل به قوتاهم العلمية والعملية بحسب ~~طاقتهم. # ولما كانت الحكمة المحمدية - على مقيمها وآله أفضل المحامد العلية - ~~حكمة فريدة، لأنه أكمل موجود في هذا النوع الإنساني، بل هو أكمل ~~الممكنات علويها وسفليها، روحانيها وجسمانيها، وكان تأثيره قوة ~~نبوته في تكميل نوع الإنسان أبلغ وأتم، وكماله أقوم، وحكمته أحكم، ~~وكتابه وشريعته أبلغ وأعم، كانت أمته خير الأمم وأعدلها، وأشرف الفرق ~~وأكملها، كما قال تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران:110]. # وإليه أشار (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: # " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ". # فخص المحمديون بوجوب حقيقة الصلاة والذكر القلبي، والمعرفة الإلهية ~~التي هي روح الصلاة، كما وجب عليهم صورة الصلوات الخمس المكتوبة، وأمروا ~~بالمواظبة عليها والمحافظة لها، وتكريرها في كل يوم بهيئة مخصوصة مشتملة ~~على سر إلهي في أوقات معينة، وهي ذكر له تعالى وقربة إلى جناب الحق ~~ومناجاة معه، وروح الصلاة أشد وجوبا على بواطن العقلاء الكاملين من ~~وصورتها على ظواهر سائر الناس، وقد قال سبحانه: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى # [طه:124]. # الاشراق السابع # في تحقيق القول من سبيل آخر # قد بان لك أن في الإنسان شيئا من العالم الأسفل، وشيئا من العالم ~~الأعلى، وأعني بالعالم الأسفل: الدنيا وما فيها، وأعني بالعالم الأعلى: ~~الآخرة ما فيها، كذلك في كل عمل من الأعمال الدينية قشر ظاهر ولب ~~باطن، فالقشر متعلق بالدنيا، واللب متعلق بالآخرة، فكما أن مقصود ~~الشارع من طهارة الثوب - وهما القشر الخارج -، ثم من طهارة البدن - وهو ~~القشر القريب -، إنما هو طهارة القلب وهو اللب الباطن، وطهارة القلب عن ~~نجاسات الأخلاق الذميمة؛ كالكفر والحسد والبخل والإسراف وغيرها، فكذلك ~~مقصود الشارع من صورة كل ms1874 عبادة هو الأثر الحاصل منها في القلب. # ولا يبعد أن يكون لأعمال الجوارح آثار في تنوير القلب وإصلاحه، كما لا ~~يبعد أن يكون لطهارة الظاهر أيضا تأثير في إشراق نورها على القلب، فإنك ~~إذا أسبغت الوضوء واستشعرت نظافة ظاهرك، صادفت في القلب انشراحا وصفاء ~~لا تصادفه قبله، كيف، وإدراك النظافة يوجب حصول صورتها في القلب، وهذا ~~ضرب من الوجود فعل الطهارة اوجب حصوله في القلب - ولو بوجه ضعيف -. # وذلك لسر العلاقة بين عالم الشهادة وعالم الغيب، وعالم ~~الملكوت، فإن ظاهر البدن من عالم الشهادة والقلب من عالم الملكوت ~~وعالم الغيب بأصل فطرته، وإنما يكون هبوطه إلى هذا القالب كالغريب عن ~~موطنه الأصلي، ونزوله إلى أرض عالم الشهادة عن الجنة التي هي موطنه ~~وموطن أبيه المقدس، لجناية صدرت أولا عن أبيه، وكما تنحدر عن معارف ~~القلب آثار إلى البدن، فكذلك ترتفع من أحوال الجوارح أنوار إلى القلب، ~~ولذلك أمر بالصلاة مع أنها حركات للجوارح وهي من عالم الشهادة. # وبهذا الوجه جعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الدنيا فقال: # " أحببت من دنياكم ثلاثا - الحديث - وعد الصلاة من جملتها ". # ومن هنا قد شممت شيئا يسيرا من روائح أسرار الطهارة أيضا، فإن كنت ~~بحيث لا تصادف بعد الطهارة وإسباغ الوضوء شيئا من الصفاء الذي وصفناه، ~~فاعلم أن الخدر الذي عرض على قلبك من كدورة شهوات الدنيا وشواغلها، ~~اقتضى كلال حس قلبك، فصار لا يحس باللطائف والأشياء الخفية اللطيفة ~~كأكثر الناس، فاشتغل بجلاء قلبك فذلك واجب عليك من كل ما أنت فيه. # فإذا تقرر هذا عندك، وعلمت بمثل هذا التقسيم فيها وفي جميع العبادات، ~~واتضح أيضا لك وتأكد عندك حسبما قدمناه إليك، أن الصلاة منقسمة إلى ~~رياضي جسماني وإلى حقيقي روحاني، فاعلم أن نفوس الإنسان متفاوتة بحسب ~~آثار القوى والأرواح الدواعي المركبة فيها، فمن غلب عليه الروح الطبيعي ~~والحيواني فإنه عاشق البدن، يحب نظامه وتزيينه وأكله وشربه ولبسه، ~~وطالب لجذب منفعته ودفع مضرته، وهذا الطالب من عداد الحيوانات وفي زمرة ~~البهائم، فأيامه ms1875 مستغرقة باهتمام بدنه، وأوقات عمره موقوفة على مصالح ~~جثته وشخصيته، فهو غافل عن الحق، جاهل بأمره، فلا يجوز له التهاون ~~بهذا الأمر الشرعي اللازم الواجب، وإن قعد عنه فبالسياسات والزواجر يكره ~~عليه ويجبر حتى لا يفوت عنه بالكلية حق التضرع والاشتياق إلى الله ~~تعالى، ليفيض عليه بجوده وينجيه من عذاب وجوده، ويخلصه من آمال بدنه، ~~ويوصله إلى منتهى أمله، فإنه لو انقطع عنه قليل خير لتسارع إليه كثير ~~شر، ولكان أدنى درجة من البهائم، وأضل سبيلا من الأنعام. # ومن غلبت عليه قواه الروحانية، وتسلطت على هواه قوته الناطقة، وتجردت ~~عن محبة الدنيا وعلائق العالم الأدنى، فهذا الأمر الحقيقي والتعبد ~~الروحاني، وذكر الله بالقلب، ومناجاته وقربانه واجب عليه أشد وجوبا ~~وأقوى إلزاما كما قيل: " الحكمة أشد تحكما على باطن العاقل من السيف ~~على ظاهر الأحمق ". لأنه استعد بطهارة نفسه وشرافة عقله ليفيض عليه ~~ربه، فلو أقبل عليه بمشقة، واجتهد في تعبده، لتسارعت إليه جميع ~~الخيرات العلوية والسعادات الأخروية، حتى إذا انفصل عن جسمه، وفارق ~~الدنيا تدخل عليه الملائكة من كل باب، ويشاهد مفيضه وموجده ومكلمه رب ~~الأرباب، ويجاور حضرته، ويلتذ بمنادمته حينئذ ومجاوريه، وهم سكان ملك ~~الملكوت وقطان عالم الجبروت.. # الإشراق الثامن # في سر الصلاة وروحها وفي تمثيل الصلاة الكاملة بالإنسان الكامل من جهة ~~اشتمالها على ظاهر جسماني وباطن روحاني # إعلم أن الصلاة عبارة عن تشبه ما للنفس الإنسانية بالأشخاص ~~الفلكية، فما أشد شباهة حال الإنسان حين الاشتغال بالصلاة الكاملة بتلك ~~الأجرام الكريمة، بأرواحها الملكية في تعبدها الدائم، وركوعها وسجودها ~~وقيامها وقعودها، طلبا للثواب السرمدي، وتقربا إلى المعبود الصمدي. # ولذلك قال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " الصلاة معراج المؤمن ". # وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) # " الصلاة عماد الدين ". # وأصل الدين تصفية الروح عن الكدورات الشيطانية والهواجس النفسانية، ~~والصلاة هي التعبد للعلة الأولى والمعبود الأعظم والخير الأعلى، ~~والتعبد في الحقيقة عرفان الحق جل مجده، والعلم به وبآياته، بالسر ~~الصافي، والقلب النقي، والنفس الفارغة، فسر الصلاة التي هي عماد الدين، ~~هو العلم بوحدانية ms1876 الله تعالى، ووجوب وجوده، وتنزه ذاته، وتقدس صفاته، ~~وإحكام آياته، ومعرفة أمره وخلقه، وقضائه وقدره، وعنايته وحكمته، ~~وإرادته وقدرته ويده، وقلمه ولوحه ورقمه، وملائكته وكرام الكاتبين، وكتبه ~~ورسله، واليوم الآخر لمعاد عباده إليه، ورجوع الخلائق لديه، ومثول ~~الأرواح والنفوس بين يديه، مع الإخلاص له في العبودية. # وأعني بالإخلاص؛ أن يعبد الله بلا مشاركة أحد، وأن يعلم ذاته وصفاته ~~بوجه لا يبقى للكثرة فيه مشرعا وللإضافة مترعا، ومن فعل هذا فقد أخلص ~~وصلى، وما ضل وما غوى، ومن لم يفعل هكذا فقد افترى وعصى، والله تعالى ~~أجل من ذلك وأعلى. # ثم إنك لما قرع سمعك مرارا أن موجودات العالم الطبيعي والنشأة ~~الدنيوية مثنوية، وحقيقة الإنسان من جملتها لها ظاهر جلي وباطن خفي، ~~ولها صورة مشهورة وحقيقة مستورة، فهو منقسم إلى ظاهر متغير، وباطن ثابت ~~هو قلبه وسره، فالصلاة التي هي أشرف أعماله، منقسمة إلى ظاهر خلقي - وهو ~~الرياضي المتعلق بالظاهر -، وباطن أمري - وهو الحقيقي الملتزم به الباطن ~~-. # والأول يجري مجرى السياسات للأبدان والرياضات للقوى والأدوات الصورية، ~~به يناط نظام الجمعية التمدنية، وقوام الشعرية المصلحية لاصلاح الخلق ~~بحسب حالهم، على وجه يؤدي إلى كمالهم وإصلاح بالهم لسلامة مآلهم، ~~وكلتاهما واجبتان عقلا وشرعا، فالأولى كلف بها الشارع بالغا عاقلا ~~ليتشبه بدنه بما يختص به روحه من التضرع والخشوع إلى الجنبة العالية، ~~ليفارق البهائم بهذه الهيئة الشرعية، فإن البهائم متروكة عن الخطاب، ~~مسلمة عن العذاب، فأما الإنسان فإنه مخاطب ومحاسب مثاب ومعاقب، إذ يجب ~~عليه امتثال الأوامر الشرعية والعقلية، والاجتناب عن المناهي الشرعية ~~والعقلية، فلما رأى الشارع الحكيم أن العقل المنور بنور معرفة الله ~~أكرم عند الله، ألزم النفس بالصلاة الحقيقية المجردة، وهي عرفان الله ~~وملكوته، وكلف البدن بالصلاة الجسمانية اثرا على تلك الصلاة وعنوانا ~~لها لتكون قواه العملية مشايعة لقواه الإدراكية لئلا تزاحمها. # وهذا الذي ذكرنا نظير مطالعة البصر الأرقام الهندسية عند مطالعة العقل ~~براهينها الكلية، وكذا المحاكاة الخيالية والبدنية عن التعمق في ~~العلوم الدقيقة وأشباهها، وذلك لعلاقة شديدة بين النفس والبدن، فإذا ms1877 كانت ~~حركات القالب محاكية لما يتصوره القلب، تكون أعمال القلب آكد وأصفى عن ~~المزاحمة، فلذلك اوجب الشارع صورة الصلاة على الإنسان تتميما لصلاته ~~الحقيقية ما دام في الدنيا، كما أثبت الله له الوجود الجسدي ما دام ~~الدنيا، وقاية لروحه وحفظا وإمساكا له عن الخلل والفساد إلى حين بلوغه ~~العقلي، ووصوله إلى عالم المعاد، فركب أعداد هذا التعبد الجسماني، ~~ونظم أركانه على أبلغ نظام في أحسن صورة وأتم هيئة، لتتابع الأجسام ~~الأرواح في التعبد - وإن لم تطابقه في المرتبة والتوحد -، وتتابعه في ~~التكرار، وإن لم توافقه في الدوام والإتصال -. # الإشراق التاسع # في منشأ وجوب هذا التعبد الروحاني # هذه الصلاة قد وجبت على سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في ليلة ~~قد صعد إلى العالم العلوي، وتجرد من بدنه، وتنزه من أمله، ولم يبق معه ~~من آثار الحيوانية شهوة ولا من لوازم الطبيعة قوة، ولا من الدواعي ~~النفسانية بقية، فناجى ربه بقلبه وروحه، فقال كما روي عنه: # " وجدت لذة غريبة في ليلتي هذه فاعطني هدى ويسر علي طريقا توصلني ~~كل وقت إلى لذتي ". # فأمره الله بالصلاة فقال: " يا محمد - المصلي مناج ربه ". # ولا يخفى على المتأمل العاقل أن مناجاة الله لا تكون بالأعضاء ~~الجسمانية، ولا بالألسن الحسية، لأن هذه المكالمة لا تصلح إلا لمن ~~يحويه مكان وتعتريه حركة وزمان، أما الواحد المقدس الذي لا يحيط به ~~مكان، ولا يحويه زمان، ولا يدركه حس أحد، ولا يشار إليه بجهة من الجهات، ~~ولا يختلف حكمه في صفة من الصفات، ولا يتغير في وقت من الأوقات، فكيف ~~يعاينه الإنسان المشكل المجسم المحدود بجسمه وقوله وفعله وحسه، وكيف ~~يناجي في هذ العالم المركب الخروب من لا يعرف حدود جهاته ولا يرى جناب ~~صفاته، فإن الموجود المطلق عن عالم المثل والمحسوسات، بل المرتفع عن ~~العقول القادسات غائب عن الحواس غير مشار إليه بالأخماس، ولا يدرك ~~بالإلماس، ومن عادة الجسم والجسمي أن لا يناجي ولا يجالس إلا مع من يراه ~~بالبصر ويحس بالحس، ويدركه بإحدى الخمس، وإذا ms1878 لم ينظر إليه يعده ~~غائبا، ويكون بفقده عن المشاعر خائبا، فمن كان خارجا عن هذا الباب ~~مقدسا عن طرفي هذا النفي والإثبات جميعا، وعن المداخلة والمزايلة رفيعا، ~~فمناجاته بإحدى الظواهر والآلات أمحل المحالات، وأفحش الخرافات ~~والموهومات. # فإذا قوله: " المصلي مناج ربه " محمول على عرفان النفوس العرافة ~~العلامة المجردة عن جهات الجسم والمكان، وحوادث الحركة والزمان، فهم ~~يشاهدون الحق مشاهدة عقلية، ويبصرون الإله ببصيرة نورية ويسمعون كلامه ~~سماعا روحانيا. # تفريع # درجات الانتفاع من الصلاة # فتبين أن الصلاة الحقيقية التي تنهى عن فحشاء القوة الشهوية ~~البهيمية، ومنكر القوة الغضبية السبعية، وبغي القوة الوهمية ~~الإبليسية، هي المعارفة الربانية والمشاهدة الإلهية والمكالمة ~~العقلية، وهي التضرع بالنفس الناطقة نحو الإله الحق والموجود المطلق. # ولأصحاب العلوم الظاهرة من هذه حظ ناقص، وإن ارتقوا من منزل البهائم ~~قليلا وارتفعوا من درجة العوام والأنعام يسيرا، وللمحققين قسم وافر ~~ونصيب كامل من هذا البحر الزاخر، ولهم قرة عين في الصلاة، ومن كان حظه ~~أكمل فثوابه أجزل، فالعاقل يتأمل سلوك طريق التعبد والمداومة على ~~الصلاة ويلتذ بمناجاة ربه لا بشخصه، وينطقه لا بقوله، ويبصره لا ببصره، ~~ويحسه لا بحسه. # وأما الجاهل المغرور فيطلب ربه بشخصه وجسمه، ويطمع في رؤيته بعينه، ~~وكذا العالم الممكور المشغوف بما عنده من القشور، الطالب في مناجاته ~~للذات عال الزور، المتوجه إلى تحصيل المنزلة والجاه عند أصحاب القبور، ~~ومن آثر الهوى واتبع الشيطان، انحرف عن الحق والهدى، وحرم الله عليه ~~لذيذ مناجاته، كما ورد في أخبار داود - على نبينا وعليه السلام - " إن ~~أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرم عليه لذيذ ~~مناجاتي. # وقال مالك بن دينار: قرأت في بعض الكتب: " إن الله عز وجل يقول: إن ~~أهون ما أصنع بالعالم إذا أحب الدنيا أن أخرج مناجاتي في قلبه ". - # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور:40]. # الإشراق العاشر # في سر الأسبوع ولمية وضع أيامها # اعلم - أن كل وضع من الأوضاع إذا لم تطلع على سره العقول البشرية، ~~فلا بد ms1879 في إدراك لميته وسببه من طور آخر وراء طور العقل المشوب بالوهم، ~~وذلك لامتناع التخصيص من غير مخصص، كحروف التهجي، وأيام الأسبوع، فما ~~ثبت للعقول الكشفية من أصحاب الذوق والعرفان أنها وضعت بإزاء الأيام ~~الإلهية التي هي مدة عمر الدنيا - وهي سبعة آلاف - كما هو المشهور بين ~~الجمهور - على عدد أدوار الكواكب السبعة السيارة التي مدة دورة كل ~~منها الخاصة ألف سنة. # وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه قال: # " عمر الدنيا سبعة إلاف سنة، بقيت في آخرها ألف ". # وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " لا نبي بعدي على هذه الأمة إلى يوم القيامة ". # وهو يوم العرض الأكبر، ويوم العرض الثاني، كما أن يوم الميثاق يوم ~~العرض الأول، كما أشار إليه تعالى بقوله: # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ~~شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين # [الأعراف:172]. # وبين اليومين مدة سبعة أيام، كل يوم كألف سنة مما تعدون. # فكما أن الدنيا كمدينة جامعة ومصر جامع، فيها من كل الخلائق والرجال ~~والنسوان والمشايخ والصبيان، فمنهم أخيار وأشرار، وصلحاء وفجار، وعلماء ~~وجهال، وهم مختلفو الطبائع والأحوال والأخلاق والآراء والأعمال، فهكذا ~~في العالم الكبير، نفوس كثيرة بسيطة، ونفوس جزئية مختلفة الحالات، فمنها ~~نفوس علامة خبيرة فاضلة، ومنها نفوس دراكة شريرة وهمية، ومنها نفوس ~~جاهلة شريرة، ومنها جاهلة غير شريرة. # فالأول جنس الملائكة، وصالحو المؤمنين والعلماء الربانيون، والثانية ~~مردة الشياطين، وسحرة الجن والإنس، والفراعنة والدجالون، والثالثة أنفس ~~السباع الضارية، والجهال الأشرار من السباع، والرابعة أنفس الحيوانات ~~السليمة كالغنم والحمام وغيرها، والنفوس الساذجة من الإنسان. # وكما أن المدنية الجامعة فيها مساجد وبيع وصلوات، ولأهل الدين فيها ~~مجالس وجماعات، وأعياد وجمعات، وعبادات وأذكار، فهكذا في فضاء الملكوت ~~وأرض القيامة وفسحة الجنان وسعة العرش والسموات، جموع من الملائكة ~~وأرواح الأنبياء والأولياء والعلماء، ولهم تسبيحات ودعوات مستجابات، كما ~~ذكر الله تعالى بقوله: # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء:20] وقال: # وترى الملائكة ms1880 حآفين من حول العرش يسبحون ~~بحمد ربهم # [الزمر:75] - الآية -. # وكما أن لأهل المدينة فيها حبوس ومطامير عليها شرط وأعوان، فهكذا في ~~العالم الكبير، للنفوس الشريرة جهنم وسجين ونيران وهاوية، عليها زبانية ~~وملاك وغضبان. # وكما أن تلك المدينة فيها لأهلها صنائع وأعمال، وللصناع والعمال أجرة ~~وأرزاق، وفيها بائعون وتجار يتعاملون بموازين ومكائيل، ولهم مظالم ~~وخصومات ودعاوى، ولهم فيها قضاة وعدول، ولهم فقه وأحكام وفصول، وأن من ~~سنة القضاة والحكام البروز والجلوس لفصل القضاء في كل سبعة أيام يوم ~~واحد، فهكذا يجري حكم الله وحكم النفوس الكلية يوم القيامة ويوم العرض ~~الأكبر، ففي كل سبعة أيام يوم واحد وضع لعرض النفوس الجزئية لدى النفوس ~~الكلية لفصل القضاء بينهم، لقوله تعالى: # وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء ~~بالنبيين والشهدآء وقضي بينهم بالحق وهم ~~لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو ~~أعلم بما يفعلون # [الزمر:69 - 70]. # وقوله: # فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من ~~خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء:47]. # الإشراق الحادي عشر # في سر يوم الجمعة # اعلم أن اليوم السابع من الأيام الربانية الأسبوعية، هو الذي وقع ~~فيه ظهور النور التوحيدي في المظهر الجمعي المحمدي، وإكمال الدين ~~وارتقاء النفوس إلى المبدأ الذي هبطت منه، وقطع القوس العروجية إلى ~~غايتها الأصلية، هو يوم الجمعة، وهو آخر يوم من آيام الدنيا بوجه، ~~وأول يوم من أيام الآخرة بوجه، لقيام الساعة فيه، والظهور التام ~~للحق، ووقوع القيامة الكبرى، وعند ذلك يظهر فناء الخلق والبعث والنشور ~~والحساب، وفيه يتميز عند عرفاء أمته أهل الجنة وأهل النار، وفيه يرى ~~عرش الله بارزا كما حكينا في حديث حارثة الأنصاري (ره) عن شهوده. # وقد مر في تفسير سورة الحديد عند قوله تعالى: # خلق السماوات والأرض في ستة أيام # [الحديد:4]. أن الأيام الستة الماضية هي مدة احتجاب الحق بالخلق، ~~لأن الخلق حجاب على وجه الحق، فمتى خلقهم اختفى بهم، وقد بينا هناك ~~بوجه حكمي؛ أن بقاء الدنيا وعالم الطبيعة عين حدوثها وتغييرها، ~~ووجودها عين عدمها وزوالها، واليوم ms1881 السابع هو يوم الجمعة، وزمان استواء ~~الرحمن على العرش بالظهور في جميع الصفات، وابتداء يوم القيامة الذي طلع ~~فجره ببعثه نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم). # فالمحمديون أهل الجمعة، ومحمد صاحبها وخاتم النبيين، وبه اكمال الدين ~~لقوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة:3] - الآية -. # تتمة: # اتفق أهل الملل كلها من اليهود وغيرهم على أن الله قد فرغ من خلق ~~السموات والأرض في اليوم السابع، إلا أن اليهود قالوا: " إنه السبت ~~وابتداء الخلق من يوم الأحد " ، وعلى التأويل الذي ذكرنا يكون هو يوم ~~الجمعة. # وكون الأحد ابتداء الخلق، يأول بأن أحدية الذات منشأ الكثرة، وإن ~~جعلنا الأحد أول الأيام ووقت ابتداء الخلق، كان جميع دور النبوة دور ~~الخفاء، وفي السادس ابتدأ وازداد في الخواص، كما ذكر انه يوم خلق آدم ~~الحقيقي، ويوم الساعة، ويوم المزيد، ويوم دخول الجنة، وسيد الأيام - ~~كما مر ذكره في الأحاديث المروية في فضل يوم الجمعة -، حتى ينتهي إلى ~~تمام الظهور، وارتفاع الخفاء في آخره عند خروج المهدي (ع) ويعم الظهور ~~في السابع الذي هو السبت. # إكمال: # لما كان هذا اليوم - أي الجمعة - موضوعا بأزاء المعنى المذكور ندب ~~الناس فيه إلى الفراغ من الأشغال الدنيوية التي هي حجب كلها، وإلى ~~الحضور والاجتماع في الصلاة وأوجب السعي إلى ذكر الله وترك البيع والسعي ~~في الدنيا لكي تتظاهر النفوس بهيئة الاجتماع في صلاة الحضور المعد ~~للوصول إلى حضرة الجمع بالصلاة الحقيقية، والتعبد الروحاني، عسى أن ~~يتذكر أحدهم بالفراغ عن الأشغال الدنيوية التجرد عن الحجب الخلقية، ~~وبالسعي إلى ذكر الله السلوك في طريق الوصول إليه، وبالصلاة مع الاجتماع ~~الوصول إلى حضرة الجمع فيفلح - { ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون } - أي سر ذلك وحقيقته. # الإشراق الثاني عشر # في ما قيل في قوله تعالى: { إلى ذكر الله } # قال المفسرون: أي إلى الخطبة والصلاة، ولتسمية الله الخطبة ذكرا له، ~~ذهب أبو حنيفة وأتباعه إلى أنه ان اقتصر الخطيب على مقدار ما يسمى ذكر ~~الله - كقوله: الحمد لله. سبحان الله - لكفى. # وقيل إن عثمان ms1882 صعد المنبر فقال: " الحمد لله " وأرتج عليه، قال: إن ~~أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى إمام فعال ~~أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب. ثم نزل وكان ذلك بحضور ~~الصحابة فلم يعب عليه. # وعند الشافعي وصاحبيه؛ لا بد من كلام يسمى خطبة، وعند فقهائنا ~~الإماميين - رضوان الله عليهم أجمعين - تجب الخطبتان، ويجب في كل ~~منهما: الحمد لله بما هو أهله، والصلاة على النبي وآله، والموعظة وقراءة ~~سورة خفيفة. # وقيل: يجزئ ولو آية واحدة مما تتم به فائدتها. # وفي رواية سماعة: يحمد الله ويثني عليه، ثم يوصي بتقوى الله، ويقرأ ~~سورة خفيفة من القرآن، ثم يجلس، ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه ويصلي ~~على النبي وآله وعلى أئمة المسلمين، ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات. # فإن سئل: كيف يفسر ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والثناء ~~عليه وعلى أئمة المسلمين، وأهل بيته، وأتقياء المؤمنين، والموعظة ~~والتذكير فهو في حكم ذكر الله، وأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم ~~والثناء عليهم والدعاء لهم وهم أحقاء بعكس ذلك فمن ذكر الشيطان، نعوذ ~~بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام. # الإشراق الثالث عشر # في قوله تعالى: { وذروا البيع } # أي: دعوا المبايعة. قال الحسن: كل بيع تفوت منه الصلاة يوم الجمعة ~~فإنه بيع حرام لا يجوز، وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر الآية، لأن النهي ~~يدل على فساد المنهي عنه مطلقا، عبادة كان أو غيرها. # وأكثر فقهائنا الإماميين - رضوان الله عليهم - على أن البيع حرام إلا ~~أنه غير فاسد بل منعقد، لأن النهي في العبادات وإن كان مستلزما للفساد ~~لاستحالة الجمع بين المأمور به في الجملة والمنهي عنه، ولكن في غيرها ~~غير مستلزم له. # وقيل: إن النهي فيها أيضا غير مستلزم للفساد إلا أن يكون المنهي ~~منافيا لها أو لبعض أركانها، كالصلاة في الدار المغصوبة، لأن خروج ~~المكلف عنا مأمور به، والقيام منهي عنه وهو ركن في الصلاة، والحركة ~~والسكون متنافيان فلا يكونان مأمورا بهما معا، وكيف يكونان مأمورا ~~بهما حتى يلزم أن ms1883 يكون قيام واحد مأمورا به ومنهيا عنه، وهو محال، ~~لأن الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضده العام بل الخاص - على رأي -، ~~وتنقيح هذه المسألة موكول إلى علم أصول الفقه، فليطلب من هناك. # الإشراق الرابع عشر # في قوله تعالى: { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } # أي: ما أمرتم به من حضور الجمعة واستماع الذكر وأداء الفريضة وترك ~~البيع، أنفع لكم عاقبة إن كنتم عالمين بمنافع الأمور ومضارها، ومصالح ~~أنفسكم وأرواحكم ومفاسدها. # وفيه دليل على أن ملاك الأمر في العبادات على العلم الصحيح والنيات ~~الخالصة. # وقيل: معناه: اعملوا ذلك. عن الجبائي. # وفي هذه الآية دلالة على وجوب الجمعة وتحريم جميع التصرفات عند سماع ~~أذان الجمعة، والبيع إنما خص بالنهي عنه لكونه أعم التصرفات في ~~أسباب المعايش. # وفي الكشاف: لأن يوم الجمعة يوم يهبط الناس من قراهم وبواديهم ~~وينصبون إلى المصر من كل اوب ووقت لسقوطهم واجتماعهم واختصاص الأسواق ~~بهم إذا انتفخ النهار وتعالى إلى الضحى، ودنا وقت الظهيرة، وحينئذ تجرى ~~التجارة ويتكاثر البيع والشراء وقيل لهم: بادرو تجارة الآخرة واتركوا ~~تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح، وذروا ~~البيع الذي نفعه يسير وربحه مقارب، ومما يدل على تحريم شواغل الدنيا عن ~~حضور الجمعة عند النداء، أن الله سماه خيرا، وترك الخير الكثير من ~~العالم به لأجل النفع الحقير - وإن كان الحقير عاجلا والكثير آجلا - ~~حرام عقلا، فكيون حراما شرعا، كما هو عند أصحابنا القائلين بالتحسين ~~والتقبيح العقليين. # تفريع: # في هذه الآية دلالة على أمور: # الأول: أن الخطاب للأحرار لأن العبيد لا يملكون البيع. # الثاني: اختصاص الجمعة بمكان معين. ولذلك اوجب السعي إليه. # الثالث: اختصاص وجوبها على من يقدر على الحركة والسعي، فخرج من ~~المكلفين أصحاب الأعذار من السفر والمرض والعمى والعرج، أو أن يكون ~~امرأة أو شيخا هما لا حراك به، أو عبدا أو يكون على رأس أكثر من فرسخين ~~من الجامع. # وعند حضور هذه الشروط ونفي الأعذار لا يجب إلا عند حضور السلطان العادل ~~أو من ms1884 نصبه للصلاة. والعدد يتكامل عند أكثر فقهاء أهل البيت - عليهم ~~السلام - بخمسة لصحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد الله (ع) قال: يجمع ~~القوم يوم الجمعة إذا كان خمسة فما زاد، وإن كانوا أقل من خمسة فلا جمعة ~~لهم. وغير ذلك من الروايات. # وقيل: بسبعة لما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: تجب الجمعة ~~على سبعة نفر من المسلمين ولا تجب على أقل منهم: الإمام وقاضيه، ~~والمدعي حقا، والذي عليه الحق، والشاهدان، والذي يضرب الحدود بين يدي ~~الإمام. # وعند أبي حنيفة والثوري يتكامل العدد بثلاثة سوى الإمام. # وعند الشافعي ينعقد بأربعين رجلا أحرارا بالغين مقيمين. # وعند أبي يوسف ينعقد بإثنين سوى الإمام. # وعند الحسن وداود ينعقد بواحد غير الإمام كسائر الجماعات. # وقال صاحب الكشاف: " عند أبي حنيفة لا ينعقد إلا في مصر جامع لما روي ~~عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): # " لا جمعة ولا تشريق ولا فطرة ولا أضحى إلا في مصر جامع " # - والمصر الجامع ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام -. # ومن شروطها الإمام أو من يقوم مقامه، لوقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~" فمن تركها وله إمام عادل - الحديث - ". وقوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): # " أربع إلى الولاة - الفيء والصدقات والحدودات والجماعات " # " فإن أم رجل بغير إذن الأمام أو من ولاه من قاضي أو صاحب شرطة لم ~~يجز، فإن لم يمكن الاستيذان فاجتمعوا على واحد فصلى بهم جاز، وهي تنعقد ~~بثلاثة سوى الإمام " - انتهى - # والاختلاف بين الفقهاء في مسائل الجمعة كثير موضع بيانه كتب الفقه. ### || [62.10] # وفيه إشراقات: # الإشراق الأول # في الإشارة إلى ما قيل فيه # قيل: إن الانتشار في الأرض ليس لطلب دنيا، ولكن مثل عيادة مريض وحضور ~~جنازة وزيارة أخ في الله. # وقال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول: المراد من الابتغاء من فضل الله: طلب ~~العلم. # وروري عن أبي عبد الله (ع) انه قال: الصلاة يوم الجمعة. والانتشار يوم ~~السبت. # وروى عمر بن زيد عن أبي عبد الله (ع) انه قال: إني لأركب ms1885 في الحاجة ~~التي كفاها الله تعالى، ما أركب فيها إلا التماس أن يراني الله أضحى في ~~طلب الحلال، أما تسمع قولا لله عز وجل: { فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } ، أرأيت ~~لو أن رجلا دخل بيتا وطين عليه بابه ثم قال: " رزقي ينزل علي " ~~أكان يكون هذا؟ أما إنه أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم. # قال: - قلت -: من هؤلاء الثلاثة؟ # قال: رجل يكون عنده المرأة فيدعو عليها فلا يستجاب له لأن عصمتها في ~~يده، لو شاء ان يخلي سبيلها يخلي سبيلها، والرجل يكون له الحق على ~~الرجل ولا يشهد عليه فيجحده حقه، فيدعو عليه فلا يستاب له، لأنه ترك ما ~~أمره به، والرجل لا يكون عنده الشيء فيجلس في بيته فلا ينتشر ولا يطلب ~~ولا يلتمس حتى يأكله، ثم يدعو فلا يستجاب له. # وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا نظرا ~~لهذه الآية. # الإشراق الثاني # في الإشارة إلى لب المعنى # إن الأمر بالانتشار في الأرض وابتغاء الفضل بعد قضاء الصلاة إشارة إلى ~~الرجوع والمعاشرة مع الخلق بالإرشاد والتعليم، والانتشار في أرض الحقائق، ~~ونشر الفضائل في أراضي قلوب المستعدين، وإفاضة الصور الكمالية على قوة ~~قابلياتهم بعد العزلة عنهم والإنزعاج والتوحش عن حصبتهم، والاختلاء مع ~~الله والوقوف بين يديه بالصلاة الحقيقية. # فإن السالك في أوائل سلوكه وانزعاجه عن الخلق إلى الحق لا يحتمل الهمس ~~من الحفيف، وأما بعد الوصول فإما له استغراق في الحق واشتغال به عن كل ~~شيء وسير فيه ووقوف مع الجمع، فيكون أيضا محجوبا بالحق عن الخلق، بل ~~بالذات عن الصفات، وإما سعة للجانبين وانشراح صدر للطرفين، فالانتشار في ~~الأرض هو السياحة في أرض الحقائق وإيفاء حقوق الخلائق بالمحبة ~~الأفعالية الناشية من محبة الذات ومحبة الصفات والأسماء، فيرى ذاته ~~تعالى في مرائي الصفات، وصفاته في مظاهر الأسماء، فيقول بلسان حاله ~~ومقاله - ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه أو معه -، فيحب الخلائق ~~بمحبة خلاقهم، ويبتغي من فضل الله بطلب ms1886 حظوظ التجليات الصفاتية ~~والأسمائية، ويرجع من سماء القدس إلى أرض النفس، لتوفية حظوظها بالحق، ~~ويهبط من جنة المعارف الإلهية إلى عالم البدن، لتوفية حظوظ النفس التي ~~هي بمنزلة زوجة العقل في جنة الصفات # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها ~~زوجها ليسكن إليها # [الأعراف:189] كما أن حواء زوجة آدم في جنة الأفعال # ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة # [البقرة:35]. # وكذلك الرجال البالغون، لهم أن يتصرفوا في الدنيا وزينتها، والشهوات ~~النفسانية ولذتها عند بلوغهم بنور المعرفة والتقوى إلى مرتبة لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله بقوة ربانية وبصيرة روحانية، لا بشهوة ~~حيوانية ولذة نفسانية، فقد علم كل أناس مشربهم، ويكون لهم ذلك ~~ممدا في العبودية ومجدا في سلوك طريق الربوبية، كما قال تعالى: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق # [الأعراف:32]. # المطلع العاشر # في قوله سبحانه: { واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون } # وفيه إشراقات: # الإشراق الأول # إنما أمر الله عباده ووصاهم بإكثار الذكر حتى لا يلهيهم شيء من تجارة ~~ولا بيع ولا أكل ولا شرب ولا غيرها عن معرفة الله وعبوديته، ولا تكون ~~هممهم مصروفة عن الترقي إلى عالم الربوبية، ونفوسهم منغمرة في طلب ~~الأغراض الحيوانية، لأن فلاحهم في الخلاص عن النشأة السافلة الدنيوية ~~وفوزهم منوط بالارتقاء منه إلى النشأة العالية الأخروية، ولذلك قيل ~~معناه: أذكروا الله في تجارتكم وأسواقكم. # كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: # " من ذكر الله في السوق مخلصا عند غفلة الناس وشغلهم بما فيه، كتب ~~الله له ألف حسنة، ويغفر له يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر ". # واعلم أن المداومة على تذكر شيء ومعاودة اسمه، توجب وصاله، ولهذا قيل: ~~العبادة باعثة للمحبة، والمحبة باعثة للرؤية. # وعن أبي عبد الله (ع): إن العبد يرفع رغبته إلى مخلوق، فلو أخلص نيته ~~لله لأتاه الذي يريد في أسرع من ذلك. # ومن علامة المحبة ذكر المحبوب: من أحب شيئا أكثر ذكره. # وقيل: المراد بالذكر هنا الفكر، كما قال (صلى ms1887 الله عليه وآله وسلم): # " تفكر ساعة خير من عبادة سنة " # وروي: سبعين سنة - أيضا -. # وذلك يشبه أن يكون حقا، فإن الفكر بالحقيقة هو الذكر الحقيقي القلبي، ~~لأن حقيقة الإنسان وروحه هو باطنه وسره، لا بدنه وهيكله المحسوس، ~~فالذكر الحقيقي منه ما يقع من لسان قلبه وإحضاره وإخطاره صورة المذكور في ~~باله، ولهذا ورد في الحديث القدسي: # " أنا جليس من ذكرني " # والله سبحانه أجل وأرفع من أن يكون جليس البدن حاضرا عنده، ولكن مع ~~تجرده وتقدسه مما يحضر في قلب العارف ويقع عليه نوره. # واعلم أني لا أظن أحدا من الناس أوفى بعهد الله وعمل بمقتضى هذه ~~التوصية منه في باب إكثار ذكر الله والمداومة عليه بالحقيقة إلا الحكماء ~~العارفين بالله، لأنهم هم الذاكرون الله كثيرا، وهم الذين يذكرون الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ~~وهم كالمشغوفين بهذا الأمر، والذين آمنوا أشد حبا لله. # وذلك لأن كل أحد سواهم له دوام شغل بغير الله وآياته وأفعاله من ~~صنايعهم العلمية والعملية. # مثلا: النحوي أكثر اهتمامه بحفظ قوانين النحو، لأنه الغالب على طبعه، ~~وكذا اللغوي، والشاعر وما يجري مجراهم، وهمة المنجم طول عمره مصروفة ~~في ضبط حركات الأفلاك وتقاويم الكواكب واستنباط الأحكام من حركاتها ~~وأوضاعها وانتقالاتها وارتباطاتها، وإلا لم يكن منجما بارعا فائقا ~~على الأقران، وكذا الطبيب لو لم يكن مشغوفا بعلمه، مستفرغا جهده في ~~طلبه، ثم في حفظه وضبطه قوانين العلاج ومعرفة الأدوية المفردة والمركبة ~~على أبلغ وجه وآكده، لم يكن من البارعين في فنه، وكذا الفقيه الحاوي ~~لفروع الفقه، المستحضر لمسائله، المدقق في وجوه الاستنباطات الدقيقة ~~وتفريع الاحتمالات البعيدة مع جلوسه في مسند الفتوى والحكومات، لا بد له ~~من استغراق القلب وصرف العمر واستيعاب الخاطر وبذل الوسع والطاقة فيه، ~~حتى يكون فائقا على الأقران، مشارا إليه بالأنملة والبنان، وكذا ~~المحدث في استعمال أوقاته في علم الرواية أعني في سماعة الحديث، وجمع ~~الطرق الكثيرة، وطلب الأسانيد العالية الغربية، فهمته أبدا مصروفة في ~~أن يحصل عنده ما لم يحصل ms1888 عند كثير من الناس، ولهذا يدور في البلاد ويرى ~~الشيوخ ليقول: " أنا أروي عن فلان " ، " ولقد لقيت فلانا " " ومعي من ~~الأسانيد العالية ما ليس مع غيري ". # وكذلك سائر العلوم والصناعات، إلا الحكيم الإلهي والعالم الرباني، ~~فإن موضوع علمه ومادة صناعته هو الموجود المطلق والإله الحق - جل ~~مجده - فتمام عمره مشغول بالحق، وجميع همه مصروف بالكشف عن توحيده ~~وتقديس صفاته، وأحكام أفعاله، ومعرفة نعوته وأسمائه وآياته، فلا شغل له ~~إلا ذكر الله وذكر آلائه، وله علمان شريفان نوريان: علم المبدأ وعلم ~~المعاد، وله في الأول بابان شريفان، أحدهما أشرف وأنور من الآخر، وهو ~~العلم بوجوده ووحدانيته وتقدس صفاته وأسمائه، وسكان جبروته من ~~المفارقات والربوبيات، والآخر، العلم بأفعاله من السماوات والأرضين ~~والبسائط والمركبات. # وإلى الأول أشير بقوله تعالى: # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم # [آل عمران:191]. # وإلى الثاني بقوله تعالى: # ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنآ ما ~~خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار # [آل عمران:191] # وإلى علم المعاد أشير بقوله: # سبحانك فقنا عذاب النار # [آل عمران:191]. # وكذا أشير إلى أحد المنهجين في معرفة المبدأ بقوله: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت:53] وإلى الآخر بقوله: # أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد # [فصلت:53]. # قال بعض الفضلاء في تفسيره الكبير: القرآن مشحون بذكر هذه العلوم ~~الثلاثة، فإن للإنسان أياما ثلاثة - الأمس؛ والبحث عنه يسمى بمعرفة ~~المبدأ، واليوم الحاضر؛ والبحث عنه يسمى بالعلم الأوسط، واليوم الآخر؛ ~~والبحث عنه يسمى علم المعاد. # وقد وقعت في آخر سورة البقرة إشارة إلى العلوم الثلاثة، فقوله تعالى: # آمن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله # [البقرة:285]. إشارة إلى علم المبدأ. وقوله: # وقالوا سمعنا وأطعنا # [البقرة:285]، إشارة إلى علم الوسط، وقوله: # غفرانك ربنا وإليك المصير # [البقرة:285] أشارة إلى علم المعاد. # وكذا قوله تعالى: # ربنا # [البقرة:286] - إشارة إلى الأول، وقوله: # لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا # [البقرة:286] إلى قوله تعالى: # ما لا طاقة لنا # [البقرة:286]. إشارة ms1889 إلى الأوسط، وقوله: # واعف عنا واغفر لنا # [البقرة:286]. - الخ - إشارة إلى علم المعاد. # وقال في آخر سورة هود إشارة إلى هذه المعارف الثلاثة: # ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر # [هود:123]. إشارة إلى أولها. # وأما علم الوسط، وهو علم يجب اليوم أن يشتغل به، فله أيضا مرتبتان، ~~البداية والنهاية. أما البداية، فعلم النفس والاشتغال بالعبودية، وأما ~~النهاية، فقطع النظر عن المواد والأسباب والتجرد التام، والاتصال ~~بالمبدأ الفعال، وتفويض الأمور إلى مبدأ المبادئ ومسبب الأسباب، وذلك ~~هو التوكل، فذكر هذين المقامين فقال: # فاعبده وتوكل عليه # [هود:123]. # وأما علم المعاد فهو مشار إليه بقوله: # وما ربك بغافل عما تعملون # [هود:123] أي: إن ليومك غدا ستصل إليك فيه نتائج أعمالك وثمرات ~~أفعالك. # وفي كلام أمير المؤمنين ويعسوب الدين - عليه أزكى تسليمات المصلين - ~~إشراة إلى هذه العلوم الثلاثة للإنسان لإصلاح الأيام الثلاثة له حيث ~~قال: " رحم الله امرئ أعد لنفسه واستعد لرمسه، وعلم من أين وفي أين ~~وإلى أين ". # فقد اشتملت هذه الآية على العلوم الثلاثة، ونظيرها أيضا قوله تعالى: # سبحان ربك رب العزة عما يصفون # [الصافات:180] إشارة إلى علم المبدأ، وقوله: # وسلام على المرسلين # [الصافات:181] إشارة إلى علم الوسط، وقوله: # والحمد لله رب العالمين # [الصافات:182] إشارة إلى علم المعاد، ولهذا قال في صفة أهل المعاد: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس:10]. # وهذه العلوم الثلاثة مع أجزائها وأبوابها وفصولها، من علم الكليات ~~وأحكام الماهيات، والعلم بالعلل الأربع، والأسباب القصوى لوجود الأشياء ~~الكائنة، فاعلها وغايتها ومادتها وصورتها، والعلم بمبادئ الحركات ~~الكلية وغاياتها، وعلم المفارقات، وعلم النبوات، وعلم السماء والعالم، ~~وعلم الروحانيات، وعلم النفس وأحوالها بعد الموت، وعلم انبعاث الرسل ~~وكيفية الوحي والتنزيل، والكتاب والتأويل، وعلم النبوة والرسالة، وعلم ~~الإمامة والسياسة، كلها ذكر الله وذكر صفاته وأسمائه وآلائه ونعمائه. # فالحكماء الأفاضل سيما الأنبياء والأولياء منهم - سلام الله عليهم - ~~كلهم مشتغلون بذكره، مشغوفون بمناجاته ومخاطباته، فهم الذاكرون الله ~~كثيرا دون غيرهم، إذ ليس عشق المبدأ الأعلى ومعرفة ذاته داخلا في ~~موضوعات علوم غيرهم وصنايعهم، ولا ms1890 مقوما لمطلوباتهم - من حيث هي ~~مطلوباتهم ومسائلهم -، ولا غاية لأنظارهم وأفكارهم، وثمرة لأفعالهم ~~وأعمالهم القلبية إلا بوجه من التكلف والتجوز البعيد، والتمحل ~~الشديد، فأولئك تحروا رشدا دون غيرهم. # فهم أحقاء بأن يكونوا عباد الله الصالحين، واولياء الله المتقين، وأن ~~الحق جليسهم ورفيقهم حسبما ورد من قوله: # " أنا جليس من ذكرني " # وبأن يكون الحق حاضرا عندهم مشاهدا لهم بمقتضى قوله: " أنا عند ~~المنكسرة قلوبهم، أنا عند المندرسة قبورهم ". إذ لهم قلوب منكسرة وأبدان ~~كقبور مندرسة، لتوحشهم عن الناس، وتفردهم عن الخلق بالموت الإرادي، ~~وتضررهم بها للمنافاة والتضاد بين سلوكهم وسلوك غيرهم، فإن الرجل بقدر ~~إمعانه في العلوم الباطنية، يتوحش عن الخلق، ويتأذى عن صحبة أهل ~~الظاهر، وعلى مبلغ عرفانه بالحق يتناكر عن الناس. # ولهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أعرف العرفاء بالحق: # " ما أوذي نبي مثل ما أوذيت ". # وأما غير العالم الرباني، فليس له هذا التوحش عن أهل الدنيا والخوف ~~والخشية والموت الإرادي عن مرغوباتها، والرياضة البدنية بالأعمال ~~والعبادات، والنفسية بالأفكار والتأملات، لاشتغال هؤلاء بما يوجب تقوية ~~القوى، ومماشاة الهوى، والركون إلى أهل الدنيا، والإخلاد إلى الأرض ~~السفلى، والإنسراح إلى مراتع الحظوظ النفسانية بالحكومة والفتوى، ~~والاغترار بظواهر الرخص الشرعية حيث لم يقفوا على كنه الأمر، ولا لهم ~~الخوض والإمعان في غرض الشارع منها بحسب الغاية القصوى. # فأكثر الخلق كما أخبر الله عن حالهم بقوله: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قآئما # [الجمعة:11] - # يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا # [الفرقان:27] فلم يبق منهم مع خطيب الأنبياء إلا قليلا، وأهل الله في ~~غاية الندرة والقلة. وهم العارفون بأن ما عند الله خير من اللهو ومن ~~التجارة ومن الدنيا ومستلذاتها ومن الجنة ومشتهياتها، وهم الذين لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة، لعلمهم بأن ما عند الله ~~خير لأولي الألباب. # الإشراق الثاني # مراتب الذكر والذاكر # قال الله تعالى لنبيه: # واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل:8]. وقال نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): # " ألا أنبئكم بخير أعمالكم ms1891 وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، ~~وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم ~~فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذلك - يا رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) -؟ قال: ذكر الله عز وجل ". # وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا: # " سبق المفردون، سبق المفردون. # قيل: ومن هم - يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: ~~المستهترون بذكر الله تعالى، وضع الذكر عنهم أوزارهم فوردوا القيامة ~~خفافا ". # واعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر المتسنيرة بنور المعرفة، أن ذكر ~~الله أفضل الأعمال الروحية والقلبية والنفسية والبدنية، ولكن له ~~مراتب بعضها قشور وبعضها لباب، وللذاكر أيضا مراتب بحسبه، ولكل ذكر ~~نتيجة أيضا، فإن نتجية ذكر العبد لله ذكر الله له، كما قال تعالى: # فاذكروني أذكركم # [البقرة:152]. # وقيل: في هذه العبارة تقديم وتأخير، لأن الله أمرهم بالذكر مع فاء ~~التعقيب، كقوله: # يحبهم ويحبونه # [المائدة:54]. وقوله تعالى: # رضي الله عنهم ورضوا عنه # [المائدة:119]. وذلك لأن ذكر العبد لله نتيجة ذكر الله له، كما أن ~~محبتهم له ورضاهم عنه تعالى نتيجة محبته إياهم ورضوانه عنهم. # والحق، أن لكل من القولين وجها وجيها، لأن التقدم في الأول على ~~سبيل الإعداد والتهيئة، وفي الثاني على سبيل العلية واللزوم، لأن جميع ~~حالات العبد تابعة لما في علم الله وقضائه الإجمالي، ثم التفصيلي، ~~فذكرنا له تعالى مسبب عما في اللوح المحفوظ والذكر الحكيم، فافهم ~~هذا. # وأيضا -، فإن ذكر العبد لله ومحبته له ورضاه عنه، وسائر صفاته الحسنة ~~وأعماله الصالحة، مؤدية له إلى أمثال هذه النتائج على وجه أكمل وأعلى، ~~فإن لكل شيء حادث، كما له مبدأ، كذلك قد يكون له غاية، والمبادئ ~~للأشياء ذوات الغايات هي نفس الغايات بالذات، وغيرها بالاعتبار - كما ~~حقق في مظانه -، أو لا ترى أن تصور كل فاعل مختار لنتيجة فعله ~~وكماله عمله متقدم علما على ثبوت تلك الغاية، وهي متأخرة عنه عينا. # فإذا كان هذا هكذا، فنقول: لما كان الله سبحانه مبدأ كل شيء وغايته، ~~وأول كل فكر وذكر ms1892 ونهايته، وظاهر كل موجود وباطنه، فالأول فيه عين ~~الآخر، والباطن عين الظاهر، والعلم هناك عين العين، فقد صح كل من ~~الوجهين في الذكر له، وهذا أيضا من العلوم المختصة بأحباء الله ~~ومشتاقيه المجذوبين إليه - هذا. # ولنرجع إلى ما كنا فيه من بيان مراتب الذكر والذاكر، ونتيجة كل مرتبة، ~~فنقول: # أما مراتب الذكر والذاكر: فذكر اللسان، وذكر الجوارح والأركان، وذكر ~~النفس، وذكر القلب، وذكر الروح، وذكر السر. # وأما تعيينها وتعيين نتائجها: # فذكر اللسان: الإقرار ونتيجته احتقان الدم والمال بالأمان، فاذكروني ~~بالايمان أذكركم بالأمان. # وذكر الأركان: باستعمال الطاعات والعبادات للوصول إلى المثوبات، ~~فاذكروني بالطاعات أذكركم بالمثوبات. # وذكر النفس: بالاستسلام للأوامر والنواهي للفوز بنور الإسلام، فاذكروني ~~بالإستسلام أذكركم بنور الإسلام. # وذكر القلب: تبديل الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الكريمة، للتشبه ~~بالحق، والإنخراط في سلك أحبائه والاتصال بجنابه، فاذكروني بالأخلاق ~~أذكركم بالاستغراق. # وذكر الروح: بالتفريد والمحبة لحصول المعرفة والحكمة، فاذكروني ~~بالتفريد والمحبة، أذكركم بالتوحيد والقربة. # وذكر السر: ببذل الوجود لوجدان المعبود، فاذكروني ببذل الوجود والفناء، ~~أذكركم بنيل الشهود والبقاء. # وهذا حقيقة قوله في الحديث القدسي: # " وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي " # وهذا هو لب الألباب، وهو الذكر الحقيقي والغاية الأخيرة لما في الخطاب، ~~وهو يجعل الذاكر مذكورا، والمذكور ذاكرا، بل الذكر والمذكور والذاكر ~~واحدا، كما قال سبحانه: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر:16]. # كما قال قائلهم: # رق الزجاج ورقت الخمر # فتشابها وتشاكل الأمر # فكأنه خمر ولا قدح # وكأنها قدح ولا خمر # فافهمه واعلم قدره. # فإذا تقرر ذلك فقوله: " واذكروا الله كثيرا " يحتمل الجميع، وكذا ~~قياس ما هو نتيجة له بحسب الأقسام من قوله: " لعلكم تفلحون " ~~فلكل ذكر من أقسام الأذكار فلاح يناسبه معناه، فاذكروا الله باللسان ~~لعلكم تفلحون بالاطمئنان والأمان، وبعمل الأركان لعلكم تفلحون بالوصول ~~إلى مثوبات الجنان، وبالنفس بالاستسلام لعلكم تفلحون بنور الإسلام، ~~وبمحبة القلب لعلكم تفلحون بمعرفته وحكمته، وبالسر من جهة الفناء فيه ~~لعلكم تفلحون بنيل شهوده وجماله، والبقاء به بعد الفناء فيه. # هداية عرفانية # المراتب المختصة بهذه الأمة من الذكر ms1893 # اعلم أن مراتب الذكر كمراتب الحكمة، إما متعلقة بذات الله أو صافته ~~أو أفعاله. فنقول: ذكر الذات فضيلة مختصة بفضلاء هذه الأمة دون غيرهم، ~~وكذا جزاء الذكر بالذكر المستفاد من قوله: # فاذكروني أذكركم # [البقرة:152] فضيلة مختصة بهم دون سائر الأمم، والدليل عليه قوله ~~تعالى: # يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم # [البقرة:122] فقد أمر هذه الأمة بذكر الذات، كما أمر الله موسى (ع) ~~بذكر النعماء. # وذلك لأن معارج الفكر والذكر والشهود لم تتجاوز في الأمم السابقة من ~~طبقات الأفلاك وما فيها، ومثوبات اقتصرت على نيل درجات الجنان، وأما ~~فضلاء هذه الأمة - رضوان الله عليهم - فلهم أن يتخذوا مع الرسول سبيلا، ~~ويتجاوزوا بمتابعته عن عالم الخلق، بل الأمر، ليكون هاديا لهم ودليلا. # بهمراهى خواجه انس وجان # توان برشدن تابأقصى الجنان # فافهم وتدبر. # الاشراق الثالث # أعلى مراتب الذكر # لما قرع سمعك مراتب الذكر ودرجات الذاكر، ونتيجة كل مرتبة، وأن بعضها ~~فوق بعض فوقية الشرف والذات، إلى حيث يصير الذكر والذاكر والمذكور شيئا ~~واحدا، فاعلم أن ذلك إنما يتصور بأن يتمكن المذكور في القلب تمكنا ~~شديدا، وحصولا مشرقا نوريا، بحيث ينمحي الذكر أو يخفى، ولا يلتفت القلب ~~إلى الذكر أصلا، ولا إلى الذاكر - أي القلب نفسه - بل تستغرق جملته في ~~المذكور، ومهما ظهر له في أثناء ذلك التفات إلى الذكر يكون ذلك حجابا عن ~~المقصود وهويته بالنسبة إلى الغاية الأصلية، وذلك بأن يغيب عن نفسه حتى ~~لا يحس بشيء من ظواهر جوارحه ولا من العوارض الباطنة فيه، بل يفنى عن ~~جميع ذلك، ويغيب عنه جميع ذلك ذاهبا إلى ربه أولا، كما قال الخليل - ~~على نبينا وعليه السلام - فيما حكى الله تعالى عنه: # إني ذاهب إلى ربي # [الصافات:99] - ثم ذاهبا فيه كما يومئ إليه قوله: # سيهدين # [الصافات:99] فإن خطر له في أثناء ذلك أنه ذهب إلى ربه وفني عن ~~نفسه، وغاب عن ذاته، فذلك سكون عن الذهاب في الجملة ووقوف مع النفس، فهو ~~شوب وكدورة، بل الكمال في أن يفنى عن نفسه، ويفنى عن ms1894 الفناء أيضا، ~~فالفناء عن الفناء غاية الفناء ونتيجته البقاء. # والغيبة عن الغيبة كمال الغيبة وفائدته الحضور. # وهذا يظنه الفقيه الرسمي أنه مجرد ألفاظ بلا طائل، أو طامات غير ~~معقولة - وليس كذلك - بل هذه الحالة للعرفاء الكاملين - بالإضافة إلى ~~مقصودهم - كحالته بالقياس إلى أكثر مطالبه مما يحبه كثيرا من جاه أو ~~مال، أو تقرب من سلطان، أو تفوق في البحث على مشارك أو غير ذلك، فإنه ~~قد يصير مصروف الهم مستغرقا لشدة الغضب بالفكر في عدو أو منازع له ~~في علمه أوجاهه عند الناس، أو مسغرقا لشدة الشهوة بالفكر فيما هو ~~معشوقه، حتى لا يكون فيه متسع لإدراك آخر، فعند ذلك الحال ربما يخاطب ~~ولا يفهم، ويجتاز بين يديه غيره فلا يراه وعيناه مفتوحتان، ويتكلم عنده ~~ولا يسمع وما باذنه صمم وهو في هذا الاستغراق غافل عن كل شيء، وعن ~~الاستغراق أيضا، فإن الملتفت إلى الاستغراق غافل عن المستغرق فيه. # وإنما سموا هذه الحالة فناء - وإن كان الشخص والظل باقيا - لأن ~~الأشخاص والأظلال بل سائر المحسوسات ليس لها حقيقة الوجود، بل وجودها ~~كحكايات المرائي والظلال، وإنما الوجود الحقيقي لعالم الأمر والملكوت، ~~والقلب من عالم الأمر، قال الله تعالى: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء:85]. والقوالب من عالم الخلق، وليس هذا إشارة إلى قدم الروح ~~وحدوث القالب، بل هما جميعا حادثان، وإنما أعني بعالم الخلق ما يقع فيه ~~التقدير والمساحة وهي الأجسام وصفاتها، وبعالم الأمر ما لا يتطرق إليه ~~التقدير والمساحة. # ونحن خاصة قد بينا ذلك وبرهنا على أن المقدار الاتصالي - جوهرا ~~كان أو عرضا - غير موجود في نفسه، وعلى أنه مناط الجهالة والنسيان، ~~كما أنه مناط العدم والفقدان، لزوال كل جزء، وغيبة كل بعض عن كل بعض، ~~وعن الكل أيضا، فالعالم الجسماني ليس وجوده إلا كوجود الظل، فهو من ~~العالم العقلي كالظل من الشخص، فكما ليس لظل الشخص حقيقة الشخص، فليس ~~للشخص - أي الجسم - حقيقة الوجود، بل هو ظل حقيقة الوجود، والكل من صنع ~~الله # ولله يسجد من في السماوات والأرض ms1895 طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد:15] وسجود عالم الأمر لله طوع، وسجود الظلال كره، وتحت هذا سر بل ~~أسرار يحرك أوائلها سلسلة المجانين والحمقى فضلا عن أواخرها. # الإشراق الرابع # أحوال الذكر ومراتب سلوكه # إذا فهمت معنى مراتب الذكر والذاكر، وفناء الذاكر بحسب المرتبة الأخيرة ~~في المذكور، فإياك والاستنكار والتكذيب بما لم يحط به علمك، ولم تحط ~~بعلمه، كما قال سبحانه: # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه # [يونس:39]. وقال أيضا: # وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم # [الأحقاف:11]. # واعلم: أول الأمر هو الذهاب إلى الله، وإنما الهدى بعده كما مر ذكره ~~في قوله تعالى حكاية عن الخليل (ع): # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات:99]، فأول الأمر ذهاب إلى الله، ثم ذهاب في الله تعالى، وذلك ~~هو الفناء والاستغراق به، ولكن هذا أولا يكون كالبرق الخاطف قلما يدوم ~~ويثبت، فإن دام وصارت ملكة راسخة وهيئة ثابتة عرج به إلى العالم ~~الأعلى، وطالع الوجود الحقيقي للمولى، وانطبع فيه نقش الملكوت، وتجلى ~~لذاته قدس اللاهوت. # وأول ما يتمثل له من ذلك العالم جواهر الملائكة وأرواح الأنبياء ~~والأولياء (ع) في صور جميلة يفيض بواسطتها عليه بعض الحقائق، وذلك في ~~البداية إلى أن تعلو درجته عن المثال، فيكافح بصريح الحق في كل شيء، ~~فاذا رد إلى العالم المجازي وجواهره التي هي كالظلال، ينظر إلى الخلق ~~نظر مترحم عليهم لحرمانهم عن مطالعة جمال حضرة القدس، ويعجب من أصحاب ~~الفهوم الفكرية وأرباب العلوم والعقائد الجزئية وقناعتهم بالظلال، ~~وانخداعهم بعالم الغرور والخيال، مع ما كان لهم أولا من الاستعداد ~~لطلب الكمال والارتقاء إلى عالم الحق المتعال، فأفسدوه بانكبابهم على ~~أغراض هذا الأدنى، وإعراضهم عن الطريق المثلى، وانحرافهم عن مطالعة آيات ~~الله الكبرى، ومع ذلك فيعاشرهم ويخالطهم بالظاهر، ويكون البعد بينه ~~وبينهم بحسب الباطن كما بين المشرق والمغرب، فيكون معهم حاضرا بشخصه ~~غائبا بقلبه، تعجب هو من حضوره ويتعجبون من غيبته لو تفطنوا. # فهذه ثمرة لباب الذكر، وإنما مبدؤها ذكر اللسان، ثم ذكر النفس ~~تكلفا ثم ذكر القلب ms1896 طبعا، ثم استيلاء المذكور على الروح، ثم انمحاء ~~الذكر عن السر حقيقة. وهذا سر قوله: { واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون }. # وسر قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله ". # بل سر قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فضل الذكر الخفي على الذكر الذي ~~يسمعه الحفظة سبعين ضعفا. # فإن كل ذلك يشعر به قلبك فيسمعه الحفظة، وذلك لأن شعورهم يقارن ~~شعورك كما يعلمه الراسخون في الحكمة، حتى إذا غاب ذكرك من شعورك بسبب ~~ذهابك في المذكور بالكلية، فيغيب ذكرك عن شعور الحفظة، وما دام القلب ~~يشعر بالذكر ويلتفت إليه، فهو معرض عن الله، وغير منفك عن شرك خفي حتى ~~يصير مستغرقا الواحد الحق، فذلك هو التوحيد، كذلك المعرفة إذ هما واحد ~~كما علمت. # قال بعض العارفين في مقاماته: من آثر العرفان للعرفان فقد قال الثاني، ~~ومن وجد العرفان كأنه ما وجده، بل وجد المعروف به فقد خاض لجة الوصول، ~~أي هو الذي استمكن من حقيقة الوصال، وحل بحبوحة القدس. # فهذه أمور نبهت عليها لتكون متشوقا إلى أن تصير من أهل الذوق والمحبة ~~بها، فإن لم تكن، فمن أهل العلم بها، فإن لم تكن، فمن أهل الإيمان بها ~~إيمانا بالغيب: # يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات # [المجادلة:11]. # وإياك وأن تكون من المنكرين لها فتلقى العذاب الشديد إذا كوشفت بالحق ~~عند ملاقاة سكرات الموت الذي كنت منه تحيد، وقيل: لك: # لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك ~~فبصرك اليوم حديد # [ق:22]. ### || [62.11] # وفيه إشراقات: # الإشراق الأول # فيما قيل في معنى الآية # قالوا: أخبر الله عن جماعة عادلين قابلوا أكرم الكرم بألوم اللوم، ~~وباعوا أنفس النفيس بأخس الخسيس، فقال: { وإذا رأوا تجارة ~~أو لهوا } - أي إذا عاينوا ذلك، أو علموا بعلامة وهي الطبل - عن ~~مجاهد، - أو المزامير - عن جابر -. # { انفضوا إليها } - أي تفرقوا عنك خارجين إليها. وعن الفراء: ~~مالوا إليها. والضمير للتجارة، وإنما خصت بإرجاع الضمير إليها لأنها ~~كانت أهم إليهم ms1897 وهم بها أسر وأفرح من الطبل، لأن الطبل إنما دل ~~على التجارة. # وقيل: عاد الضمير إلى أحدهما اكتفاء به، وكأنه على حذف، والمعنى: وإذا ~~رأوا تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه، فحذف " إليه " ~~لأن " إليها " دال عليه. # وروي أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقدم دحية بن خليفة ~~بتجارة من زيت الشام، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب يوم ~~الجمعة، فقاموا إليه خشية أن يسبقوا إليه، فما بقي معه إلا يسير، قيل: ~~ثمانية - عن الكلبي -، وقيل: أحد عشر - عن ابن كيسان -، وقيل: إثنا عشر - # " عن جابر بن عبد الله، قال: أقبلت عير ونحن نصلي مع رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) الجمعة، فانفض الناس إليها، فما بقي غير إثنا ~~عشر رجلا أنا فيهم. وقيل: أربعون، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~والذي نفس محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده، لو خرجوا جميعا لأضرم ~~الله عليهم الوادي نارا ". # وكانوا إذا أقلبت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، فهو المراد باللهو، ~~فعلى هذا تعين إرجاع الضمير إلى التجارة لأنها كانت مقصودهم الأصلي، ~~وكان الطبل طريق اطلاعهم عليها. # وعن قتادة ومقاتل: فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل يوم لعير تقدم من ~~الشام، وكل ذلك وافق يوم الجمعة. # " وقال المقاتلان: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب يوم ~~الجمعة، إذ قدم دحية بن خليفة بن فروة الكلبي، ثم أحد بني الخزرج، ثم ~~أحد بين زيد بن مناة بتجارة من الشام، وكان إذا قدم لم يبق بالمدينة ~~إلا آتيه، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق أو بر أو ~~غيره، فينزل عند أحجار الزيت - وهو مكان في سوق المدينة -، ثم يضرب ~~بالطبل ليؤذن الناس بقدومه، فيخرج إليه الناس ليتبايعوا معه، فقدم ذات ~~جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قائم ~~على المنبر يخطب، فخرج الناس فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا ~~وامرأة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ms1898 لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة ~~من السماء، وأنزل الله هذه الآية ". # وروي عن أبي عبد الله (ع) إنه قال: انصرفوا إليها وتركوه قائما يخطب ~~على المنبر. # وقال جابر بن سمرة: ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب ~~إلا وهو قائم فمن حدثك أنه خطب وهو جالس، فكذبه. # وسئل عبد الله بن مسعود: أكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب ~~قائما؟ فقال: أما تقرأ وتركوك قائما؟ وقيل: أراد قائما في الصلاة. # الإشراق الثاني # إيمان الأكثرين عادة وتقليد # اعلم أن الغالب على الخلق حب التلذذ بالدنيا، والتمتع بطيباتها ~~التي هي خبائث العالم الأعلى، لأن التجسم غالب على طباع الناس إلا ~~الأقلين، كما أشار إليه قوله تعالى: # إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات # [العصر:2 - 3]. # وقل من الإنسان من آمن بوجود المبدأ والمعاد إيمانا حقيقيا، وصدق ~~بالله واليوم الآخر إذعانا يقينيا، وأكثر الذين يدعون الإيمان لهذه ~~الأركان إذا فتشت عن إيمانه يكون مرجعه إما القول باللسان فقط، وإما ~~هو مع التقليد المحض للمشايخ والآباء من غير برهان ولا حجة إقناعية، ~~كالعميان، واما التعصب لمذهب نشأ فيه مع الأصحاب والرفقاء والخلان، ~~وإلف وعاده حصلا له بسبب المعاشرة مع المسلمين، أو التشبه بأهل العلم ~~واليقين بصور أعمالهم وألفاظهم الدائرة على ألستنهم، من القول بوجود ~~الإله الملك، والنبي والإمام، والكتاب والوحي والقبر والبعث، والحشر ~~والنشر للصحائف، والتطاير للكتب، أو مجرد الظن والتخيل لهذه المسموعات ~~على سبيل التجويز العقلي، من غير وصول إلى حقيقة الأمر، أو حصول طمأنينة ~~قلبية توجد للنفوس السليمة عن الأمراض الباطنية، كما للسعداء من أصحاب ~~اليمين. # وشيء من تلك الأمور لا يؤثر في قلب الإنسان اثرا يوجب انتزاع نفسه عن ~~الدنيا، وحسم مادة الميل إلى شهواتها، بحيث ينزجر بلا زاجر خارجي، ~~ويرتدع من غير رادع يجبره بحكومة عرفية أو شرعية، فمتى وقعت مسامحة أو ~~توهمت من طرفهما، أو انبعث داع مجدد يحرك سلسلة الحرص والهوى، فيرجع ~~مسرعا إلى ما اقتضته طبيعته وآدميته، وينقلب إلى ما يميل إليه ms1899 ذوقه ~~وهواه، كالحجر المستكن في الهواء قسرا إذا خلي وطبعه يميل إلى أسفل ~~السافلين، وأما المؤمن الحقيقي العارف بالحق، المصدق لما أتى به ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمشاهدة لليوم الآخر كشفا، والموقن ~~بأن الآخرة خير له من الأولى، فهو في غاية الندور، وقد وقع التصريح به ~~في كثير من الآيات القرآنية بأن أكثر المتسمين بالمؤمنين كافرون ~~ضميرا وقلبا، منافقون بالله ورسوله، مثل قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله # [السناء:136] وقوله تعالى: # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف:106]. وقوله تعالى: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف:103] وقوله: # يحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به يستهزئون # [يس:30] وقوله تعالى: # يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم ~~الكافرون # [النحل:83]. وقوله تعالى: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف:105]. # الإشراق الثالث # النور الفائض على القلب # اعلم أن كلام الرسول الخارجي لا يسمعه من لم يكن له في الباطن رسول ~~قلبي بوارد من واردات الحق سحبانه، ويكون القلب به حيا كما قال تعالى: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل:80] وقال: # لينذر من كان حيا # [يس:70]. فالقلب الحي بنور وارد الحق، يسمع بذلك النور كلام الرسول ~~الخارجي ويفهمه ويقبله، فسر القلب الذي هو قابل لفيض نور وارد الحق ~~يكون الرسول بين الحق والعبد، فيأخذ الأسرار والمعاني والحكم والمواعظ ~~من نور وارد الحق، ويبلغها إلى قواه الداخلة والخارجة، وسائر الأمة ~~المسلمة من الأوصاف والأخلاق الحسنة. # كما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): # " واعظ في قلب كل مؤمن ". # وقال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي. # وتحقيق ذلك: أن كل إنسان يلاقي الأمور الغيبية والشهادية بما في ~~نفسه وطبعه، بل كل قوة تدرك وتنال شيئا إنما تدركه وتناله بما في ~~ذاتها، فالبصر مثلا إنما يدرك الأضواء والألوان لأنه من جنسها، لكونه ~~شفافا نورانيا، والسمع يدرك كيفية تموج الهواء الحاصل من المقروع ~~والمقلوع، لأن من شأنه أن ينقرع وينقلع حامله بتموج ما يجاوره من ~~الهواء الراكد، ms1900 وكذا القوة الشمية القائمة بعصب اللسان، تنفعل ~~بالمذيقات بسبب تكيف آلتها التي هي رطوبة لعابية بكيفية المطعومات، ~~ونسبة تلك الرطوبة إلى كيفية الطعوم كنسبة الجرم الشفاف إلى كيفية ~~الضوء واللون، وهكذا قياس سائر الحواس الظاهرة والباطنة. # فالوهم يدرك الموهومات، والعقل الذي هو جوهر مفارق يدرك الحقائق ~~المجردة عن الغواشي الماديات، فالإنسان بكل قوة وبكل نشأة يكون له ~~وفيه حصة منها يدرك ما في تلك النشأة من الأمور الغريبة. # ولهذا قال بعض الحكماء: العقل نور الله، ولا يهتدي إلى النور إلا ~~النور، ولا تظهر صورة فرادنية إلا في مرآة فردانية، والنفس مرآة ~~العقل، ومرآة العقل لا تشبه مرآة الأجسام، ومرآة الله لا تشبه مرآة غير ~~الله - انتهى. # وإليه الإشارة بقوله تعالى: # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور:40]. # فإذا علمت ما ذكرناه -، فاعلم أن من جملة القوى المودعة من أمر الله ~~العالم الإنساني، هو نور فائض من الله على قلب المؤمن المجاهد في سبيل ~~الله، وهو إنما يجيء إليه من عالم الملكوت، ويقذف في قلبه بعد استكماله ~~بمراتب الحس والخيال والوهم والعقل بالعلوم الرسمية والآداب الشرعية، ~~وطور ذلك النور فوق أطوار سائر المدارك والمشاعر والعقول الجمهورية، وهو ~~من أنوار النبوة والولاية. # فبذلك النور يقبل الأحكام النبوية، ويفهم الأسرار الإلهية، وينال الحظ ~~الوافر من العلوم الربانية، فيتبع الرسول الخارجي والمبلغ العيني ~~بالرسول الداخلي والمبلغ الغيبي، فالبرسل يدرك الرسول، وبالنور ينال ~~النور، كما أن بالعقل يعقل العقل والمعقول، وبالحس يحس الحس ~~والمحسوس، فمن لا يكون له وارد من الحق، ولا نصيب من نوره، لا يفهم لسان ~~النبي الوارد من الحق إلى الخلق، ولا يدرك النور الذي معه، والكتاب الذي ~~أنزل إليه، # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور:40]. # وهكذا حال أكثر الناس # وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا # [يونس:36]. ولذلك لم يبق مع الرسول من العدد الكثير لأصحابه في ألطف وقت ~~من أوقات صحبته، وأنور ساعة من ساعات خدمته ms1901 معدة لمرافقتهم إياه، ~~وصحبتهم. له (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعروجهم معه إلى العالم الأعلى، ~~وهو وقت ذكر الله، والصلاة التي هي معراج المؤمن، وعمود الدين، ومناجاة ~~العبد للرب، فخلوه وتركوه قائما إيثارا لهذا الخسيس الدني على ~~الشريف العلي. # نظير ذلك ما وقع لهم في ترك النجوى مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~حين أوجبت عليهم الآية صدقة يسيرة - حبة أو شعيرة -، ففوتوا ذلك الأمر ~~العظيم بإمساك هذا التراب الرميم، لما روي أنهم أكثروا مناجاة الرسول ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بما يريدون، حتى آلموه وأبرموه، فنزلت: # أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات # [المجادلة:13]. وأمروا بأن من أراد أن يناجيه قدم قبل مناجاته صدقة. # " وعن أمير المؤمنين (ع): لما نزلت، دعاني رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقال: ما تقول في دينار؟ قلت: لا يطيقونه. قال: كم؟ # قالت: حبة أو شعيرة. قال: إنك لزهيد. فلما رأوا ذلك اشتد عليهم ~~فارتدعوا وكفوا عن النجوى حتى نسخت ". # وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): # " إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي. ~~كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم ". # فانظر في هذه الحكاية بنظر التأمل، حتى تعلم أن أهل المودة ~~الأخروية في غاية القلة والندرة بالنسبة إلى أهل المودة الدنيوية، ~~وأن عدد طالبي الحق بالنسبة إلى طالبي الهوى كعدد الشعرة البيضاء في ~~جلد البقرة السوداء. # في قوله سبحانه: # { قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ~~والله خير الرازقين } # وفيه إشراقات: # الإشراق الأول # إجمال معنى الآية # { قل } - يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) - لهذه النفوس المحجوبة ~~عن عالم الربوبية وما يليه من سكان عالم الجبروت والملكوت، وهي مبادي ~~الصور الفائضة على مواد هذا العالم بعد نزولها ومرورها على المراتب، ~~وينابيع اللذات والخيرات النازلة منها على قوابل الأجساد وطبائع الأجرام، ~~بعد تكدرها بالشوائب، ومفاتيح خزائن النعمة والرحمة والايمان، وأبواب ~~الوصول إلى الجنة والرضوان: إن ما عند الله أحمد عاقبة وثوابا، ms1902 وأجل ~~مرجعا ومآبا من اللهو والتجارة، وهما هوسان زائلان، والله خير الرازقين ~~يرزقكم من حيث لا تحتسبون، وإن لم تتركوا الخطبة والجمعة - وما من ~~دابة إلا على الله رزفها -، فمن ابتغى زاد الآخرة كان له نعمة ~~الدنيا والآخرة، ومن ابتغى تحصيل الدنيا حرم عن الآخرة. # قال الله تعالى: # من كان يريد ثواب الدنيا # [النساء:134] -الآية -. # أي: من كان دني الهمة قصير النظر خسيس الطلب حتى يطلب من الله الدنيا ~~الدنية، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، فللإنسان أن يطلب منه ما هو ~~أعظم من الدنيا، فإن الله من سعة كرمه وبسطة جوده، وفيض وجوده الذي هو ~~ينبوع ينابيع الخير والرحمة، ومفتاح مفاتيح الجود والنعمة، يحب أن يسأل ~~العبد منه عوالي الأمور، ومعالى الأشياء، ويبغض أن يطلب منه دنياتها ~~وسفسافها، فلا يرضى أن يقتنع منه بالدنيا لأنها دنية، بل لا شيء لأن ~~وجودها وجود تبعي ظلي، وعند الله ثواب الدنيا والآخرة، لأن إحداهما من ~~أشعة ذاته وأضواء جماله وجلاله، والأخرى من ظلال أنوار كماله، فمن تكون ~~منزلته عند الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فقد وجد الله ووجد ما عنده ~~من الدنيا والآخرة، وكان الله عطوفا رحيما على عباده، سميعا لحاجات ~~طالبيه ومناجاة مشتاقيه، بصيرا بمصالح دينهم ودنياهم، فلكمال رأفته ~~ورحمته، أمرهم بالرجوع إليه في الأمور، ونهاهم عن الانكباب إلى عالم ~~الدثور، والانخراط في سلك أصحاب القبور. # الاشراق الثاني # أقسام الرزق ومستحقيه # إعلم أن للإنسان أرزاقا مختلفة سوى رزق المعدة، وهي رزق القلب ورزق ~~الروح، ورزق السر، وكل إنسان في هذا العالم يستحق بجسميته رزق ~~القالب، لأن هذا أدنى درجات الحيوان - بما هو حيوان -، والإنسان بحصة ~~حيوانيته يكون من أهل استحقق الجحيم، وإليه الإشارة بقوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها # [مريم:71]. لأن معدة الإنسان تنور، وجاءت حرارته من فوح نار جهنم التي ~~قيل لها: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد. وهي التي وقودها الناس ~~والحجارة أعدت للكافرين المجرمين. # ولبعض الناس رزق القلب - # ومن رزقناه منا رزقا حسنا # [النحل:75] والى هذين الرزقين ms1903 أشير بقوله: # يرزقكم من السمآء والأرض # [النمل:64]. ولقوله: # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # [المائدة:66]. # وأما رزق الروح فلقوله تعالى: # ورزق ربك خير وأبقى # [طه:131]. # وأما رزق السر فكقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ". # فقوله تعالى: { والله خير الرازقين } -، يحتمل الجميع، فإن ~~الرزاق الحقيقي في كل رزق إنما هو ذاته، وأما في القسم الأخير فدرك ~~معناه يحتاج إلى لطف قريحة - فافهم -. # الإشراق الثالث # الرزق المخصوص بالإنسان # إعلم أن الرزق والنعمة وما يجري مجراهما وقد يعبر بها عن كل مطلوب ~~ومستلذ، والمطالب والمستلذات للإنسان على ثلاثة أجناس، لأنها إما ~~عقلية، وإما نفسية وإما بدنية والأول: كلذة العلم والحكمة، ~~والثاني: كلذة الجاه والسلطان، والثالث كلذة الأكل والمجامعة. # وفي الأخيرين يقع الإشتراك بينه وبين سائر الحيوانات. # وأما المطالب العقلية، فهي أقلها وجودا وأشرفها رتبة، أما قلتها ~~فلأن المعرفة لا يتسلذها إلا العلماء، والحكمة لا ينالها إلا ~~الحكماء، وما أقل أصحاب العلم والحكمة، وما أكثر المتسمين بإسمهم ~~والمترسمين برسمهم، وأما شرفها، فلأنها لذة لا تزول أبدا - لا في ~~الدنيا ولا في الآخرة -، ودائمة لا تمل، والطعام والشراب يشبع منه، ~~وشهوة الوقاع تفرغ وتستثقل، ومن قدر على الشريف الباقى أبد الآباد إذا ~~رضي بالخسيس الفاني أقرب الآماد، فهو سفيه في عقله، محروم بشقاوته ~~وإدباره. # ثم العلم لذيذ ونافع وجميل في كل حال، والمال والأولاد تارة تجذب إلى ~~الهلاك، وتارة تجذب إلى النجاة، ولهذا قال تعالى: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [التغابن:15]. # وأما قصور أكثر الخلق عن إدراك لذة العلم، فإما لعدم الوجدان والذوق، ~~فمن لم يعرف لم يذق، ومن لم يذق لم يشتق، إذ الشوق تابع للذوق. وإما ~~لفساد فطرتهم الأصلية، ومرض قلوبهم بسبب اتباع الشهوات، كالمريض الذي ~~لا يدرك حلاوة العسل ويراه مرا، وإما لقصور فطرتهم، إذ لم يخلق بعد ~~لهم الغريزة التي بها يستلذ العلم كالطفل الرضيع الذي لا يدرك لذة ~~الطعوم اللذيذة إلا اللبن. # فالقاصر عن لذة المعرفة ms1904 والحكمة ثلاثة: إما من لم يحي باطنه، كالجنين ~~بل كالمني، وإما من مات بعد الحياة باتباع الشهوات، وإما من مرض بسبب ~~الصفات المكتسبة مثل العصبية والعناد واللجاج والعجب وسوء الظن ~~والتكبر وحب الرياسة. # وقوله تعالى: # في قلوبهم مرض # [البقرة:10]. إشارة إلى مرض القلب ولذا قال: # فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم # [البقرة:10]، لأن مرض القلب مما يشتد يما فيوما، ويرسخ حتى يؤدي ~~إلى الهلاك السرمدي والعذاب الأبدي، وقوله تعالى: # لينذر من كان حيا # [يس:70] إشارة إلى من لم تمت حياته الباطنية، وكل حي بالبدن ميت ~~القلب فهو عند الله من الموتى، وإن كان عند أهل الحجاب من الأحياء، وكذا ~~كل ميت بالبدن حي بالقلب فهو من الأحياء، لأن العبرة في عالم الحقيقة ~~بالقلب لا بالقالب، ولذلك كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون بالأرزاق ~~المعنوية، فرحين بما آتيهم الله من فضله - وهي اللذات العقلية - وإن ~~كانوا موتى بالأبدان. # وأما اللذة التي يشارك الإنسان بها بعض الحيوانات، فهي كلذة الغلبة ~~والاستيلاء والرياسة، أو كلها، فهي كلذة البطن والفرج، فإن الأولى ~~موجودة في الأسد والنمر وأشباهها، والثانية موجودة في سائر الحيوانات، ~~فهذه أكثرها وجودا وأخسها رتبة، ولذلك اشترك فيها كل ما دب على الأرض ~~ودرج حتى الديدان والحشرات. # ومن جاوز هذه الرتبة تستثبت فيه لذة الغلبة وهي أشدها التصاقا ~~بالمتعاقلين. # فإن جاوز ذلك ارتقى إلى الثالث، فصارت أغلب اللذات عليه لذة العلم ~~والحكمة، ولا سيما معرفة الحق الأول، ومعرفة صفاته وأفعاله من الجواهر ~~الملكية والفلكية، والنفوس الأرضية وما بعدها، من جهة مباديها ~~وغاياتها وهذه رتبة الصديقين، وهي المسماة عند الحكماء والعرفاء بالخير ~~الحقيقي، وباقي الخيرات خيرات بالاضافة. # وإلى الخير الحقيقي أشار بقوله تعالى: # وما عند الله خير للأبرار # [آل عمران:198] وإلى الخير الإضافي أشار بقوله تعالى: { قل ما عند ~~الله خير من اللهو ومن التجارة } ، لما بينا ان عند ~~الله يوجد كل نعمة ورزق دنيوي وأخروي، لأن الجميع ظلال أنواره ورشحات ~~بحاره. # الاشراق الرابع # معرفة الله أجل اللذات # إعلم أن دعوى كون ما ms1905 عند الله خيرا من اللهو الذي هو لذة القوة ~~الحسية وشهوة النفس البهيمية، ومن التجارة التي هي لذة القوة ~~الخيالية والنفس السبعية، إذ بها يحصل الجاه والحشمة مما يشكل إثباته ~~على أكثر الناس لغلبة التجسم عليهم، وكثافة الحجاب فيهم، فإن كون معرفة ~~الله وصفاته، ومعرفة ملكوت سماواته وأسرار ملكه، أعظم من لذة الرياسة ~~وسائر المرغوبات، مما يختص دركه بمن نال رتبة المعرفة وذاق مشرب ~~الحكمة، ولا يمكن إثباته على من لا قلب له، لأن القلب معدن هذه القوة، ~~كما لا يمكن إثبات لذة الرياسة ورجحانها على لذة الوقاع عند الأداني ~~والسفهاء ولا إثبات لذة الوقاع على لذة اللعب بالكرة والصولجان عند ~~الصبيان، ولا إثبات لذة الروائح عند فاقد الشامة، كالجعل، أو مريضها، ~~كالمزكوم، لفقدهم القوة التي بها تدرك هذه اللذة أو سلامتها. # ولكن من كان ذا ذائقة، وسلمت ذائقته عن الأمراض والآفات، فيدرك - لا ~~محالة - ما يناسبه من اللذات، وعند هذا ينبغي أن يقال لفاقد تلك ~~الغريزة الباطنية: " إن من ذاق عرف ". # ومما ينبهك أن معرفة الله ألذ الأشياء، أن طلاب العلوم - وإن لم ~~يشتغلوا بطلب المعارف الإلهية واللطائف الربوبية -، قد استنشقوا رائحة ~~من روائح هذه اللذة عند انكشاف المشكلات وانحلال الشبهات التي قوي حرصهم ~~على طلب العلوم التي يطلبونها فإنها أيضا معارف وعلوم، وإن كانت ~~معلوماتها غير شريفة، لأن كل علم هو حضور صورة مجردة عن مادتها عند ~~الذهن، والصورة المجردة أصفى وألذ من الصورة المادية. # فإذا كانت هذه هكذا، فما ظنك بلذة من طال فكره في الملكوت حتى انتهى ~~إلى معرفة الله، وقد انشكف له شيء من أسرار ملك الله وملكوته؟ أو لم ~~يصادف في قلبه عند حصول ذلك طربا عقليا وفرحا قدسيا ما يكاد يترك ~~به عالم الأجسام كلها ويطير إلى عالم القدس، نعم، يوجد من يصادف ذلك في ~~كثير من أوقاته، ويتعجب من نفسه في ثباته واحتماله لقوة طربه وسروره، ~~وهذا مما لا يدرك إلا بالذوق، والحكاية قليلة الجدوى فيه. # الإشراق الخامس # حب التفرد عن الخلق ms1906 # لذة معرفة الله والنظر إلى وجهه الكريم، والمطالعة لجمال الحضرة ~~الربوبية، والشهود لأسرار الأمور الإلهية، ألذ اللذات الباطنية من ~~الرياسة والحكومة، وأعلى الشهوات الغالبة على أنفس الناس وخير الأرزاق ~~الصورية والمعنوية يرزق بها من يشاء من عباده المقربين وأوليائه ~~الصالحين. # ولهذا ترى العارف الرباني يؤثر التفرد عن الخلق، والخلوة مع الحق، ~~بالتبتل والفكر والذكر على الدوام، ويترك الرياسة، ويستحقر الخلق، ~~ويستهزئ بهم كما هم يستهزؤون به، لعلمه بفناء شهوتهم وانقطاع رياستهم ~~وانفساخ أرزاقهم الصورية الحسية والخيالية، وكونها مشوبة بالكدورات، ~~منغضة بالمزاحمات، مقطوعة بالموت الذي يهدم اللذات ويقطع الرياسات، ولا ~~بد منه مهما # أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلهآ ~~أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا أو ~~نهارا # [يونس:24] - الآية - فتشغله - بالإضافة إلى هذه اللذات المحقرات - لذة ~~الحكمة والمعرفة بالله، والمطالعة لصفاته وملكوت أفعاله، ونظام مملكته ~~الآخذة من أعلى عليين إلى أسفل السافلين، فإنها خالية عن المزاحمات ~~والمكدرات، متسعة للمتواردين لا تضيق عليهم بكثرتها، وإنما عرضها من ~~حيث التقدير عرض السموات والأرضين، لأنه إذا خرج النظر عن عالم المساحة ~~والخلق والتقدير، فلا نهاية لعرضها، فلا يزال العارف بمطالعتها في جنة ~~عرضها السماوات والأرض، يرتع في رياضها، ويقتطف من ثمارها وهو آمن من ~~انقطاعها إذ ثمار هذه الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة، ثم هي أبدية ~~سرمدية لا يقطعها الموت، إذ الموت لا يهدم محل معرفة الله تعالى، لأن ~~محله الروح الذي هو أمر نوارني سماوي وإنم يغير الموت أحوالها، ويقطع ~~أفعالها الدنيوية وشواغلها وعوائقها ويخليها وعالمها. # فأما أن يعدم ذاتها وصفاتها وكمالاتها الذاتية فلا، لقوله تعالى: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بمآ آتاهم ~~الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا ~~بهم # [آل عمران:169 - 170]. ولا تظنن أن هذا مخصوص بالمقتول في المعركة، ~~فإن للعارف بكل نفس درجة ألف شهيد. # وفي الخبر: # " إن الشهيد يتمنى في الآخرة أن يرد إلى الدنيا ليقتل مرة أخرى ~~لعظم ما يراه من ثواب الشهداء " # ، وإن الشهداء يتمنون أن يكونوا من ms1907 العلماء، لما يرونه من علو درجة ~~العلماء. # وفي الحديث أيضا: إذا كان يوم القيامة توضع الموازين فيوزن مداد ~~العلماء مع دماء الشهداء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء. # فإذن جميع أقطار ملكوت السموات والأرض ميدان الحكيم العارف، يتبوء منها ~~حيث يشاء، من غير حاجة إلى أن يتحرك إليها بجمسه وشخصه، فهو من ملاحظة ~~جمال الملكوت في جنة عرضها كعرض السموات والأرض، وكل عارف فله مثلها من ~~غير مزاحمة بينهم، إلا أنهم يتفاوتون في سعة متنزهاتهم بقدر سعة ~~معارفهم - وهم درجات عند الله - وهكذا حالهم في الدنيا وفي ~~الآخرة قبل الموت وبعده، إلا أن الموت يزيدهم انكشافا وظهورا وجلاء ~~ووضوحا لمعارفهم ومقاصدهم - فافهم واغتنم -. # الإشراق السادس # في تأكد ما عند الله خير الخيرات وأبهج اللذات وأن كل لذة وبهجة ~~تنظوي في إدراك ذاته وشهود صفاته # فإذا علمت أن لذة العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~ألذ اللذات عند العارف الرباني، فلا تتعجب من إيثاره هذه اللذة على ~~سائر اللذات، واستيحاشه عن صحبة الخلق ومستلذاتهم إلى حيث يصير، طرده ~~الناس واستحقروه خصوصا المشغوفين بالعقول الناقصة الدنيوية، والعلوم ~~الجزئية المعروفة عند الناس، التي توجب مراجعة الخلق لهم. # ولهذا قال بعضهم: إذا بلغ الرجل إلى غاية يستغرق في العلم بالله رماه ~~الناس بالحجارة. أي يخرج كلامه عن حد عقولهم فيرون ما يقوله جنونا. # وقصد العارفين كلهم ملاحظة لقائه ومشاهدة ملكوته فقط، فهي قرة أعينهم ~~التي لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، فصارت الهموم كلها فيهم ~~هما واحدا، بل من عرف الله عرف أن اللذات المغرقة بالشهوات المختلفة، ~~كلها تنطوي تحت هذه اللذة، كما قال بعضهم: # كانت لقلبي أهواء مفرقة # فاستجمعت إذ رأتك العين أهوائي # فصار يحسدني من كنت أحسده # وصرت مولى الورى إذ صرت مولائي # تركت للناس دنياهم ودينهم # شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي # وقال بعضهم: # وهجره أعظم من ناره # ووصله أطيب من جنته # فمن عرف الله انمحقت عنه الهموم والدواعي، سواء كانت من باب الدرهم ~~والدينار، أو من باب ms1908 الجنة والنار، أو من باب البحث والتكرار والصيت ~~والاشتهار، واضمحلت عنه الشهوة والغضب وقهر تشويشهما، فغلبة المعرفة ~~بالله مبدأ كل حب وطلب، فلا داعي له سوى الله جلب منفعة أو دفع ~~مضرة، فلو ألقي في النار لم يحس بها، ولو عرض عليه نعيم الجنة لم ~~يلتفت إليها، فكيف إلى هذه اللذات المخدجة. # ولهذا قال أمير المؤمينن (ع): ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في ~~جنتك، بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك. # وقال بعض العرفاء: إن أدخلني الله الجنة بمرادي فويل لي، وإن أدخلني ~~النار بمراده فنعم الحبس. # وقال أبو سليمان الداراني: إن لله عبادا ليس يشغلهم عن الله خوف النار ~~ورجاء الجنة، فكيف تشغلهم الدنيا عن الله؟ # وقال بعض إخوان معروف الكرخي له: أخبر أي شيء أهاجك إلى العبادة ~~والتفرد عن الخلق؟ فسكت. # فقال له: ذكر الموت؟ # فقال: ذكر الموت؟ فقال له: وأي شيء الموت؟ # فقال: ذكر القبر والبرزخ؟ فقال: أي شيء من هذا؟ # فقال: خوف النار ورجاء الجنة؟ فقال: وأي شيء من هذا -؟ فقال: إن ~~ملكا بيده هذه كلها أن أحببته أنساك جميع ذلك. وان كانت بينه وبينك ~~معرفة كفاك جميع هذا. # خاتمة # في ذكر نبذ من مواعظ حكمية ونصائح قرآنية ينتفع بها من له قلب سليم، ~~مأخوذة بعضها من كلام الله تعالى وأحاديث نبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وأهل بيته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعضها من أقوال العرفاء ~~ونصائح الحكماء في هذا الباب، طمعا في أن يصير سببا لتنبيه القلوب ~~الراقدة في مراقد الغفلات، وباعثا على إيقاظ النفوس النائمة في مضاجع ~~الجهالات وإن كان معلوما أن أهل هذا العصر ممن قال في حقهم الشاعر: # وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر # إلا أن أرض الله لا تخلو عن مؤمن تقي وصالح نقي، وبلاد الله لا تكون ~~ذات حبوب وثمار وأشجار لأجل الدواب والأنعام كالفرس والحمار، بل لا بد ~~لوجود ذوي الألباب ليكون معاني صور هذا الكتاب. # قال الله تعالى ناصحا لرسوله وحبيبه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ms1909 هاديا ~~له طريق الفلاح لتهتدي أمته بهداه، ويتنور باطنهم بنور ورعه وتقواه: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ~~ربك خير وأبقى # [طه:131]. فنهى سبحانه رسوله عن النظر إلى متاع الدنيا وزهرة حياتها ~~الفانية، كيلا تتلوث طهارة ذاته المجردة وعينه المقدسة بكثافة ~~مستلذاتها وخبائث مشتهياتها. # وأمثال هذه الآية من الآيات والنصوص الدالة على ذم الدنيا وتهجين ~~أهلها، ومدح الآخرة وتحصين أهلها، أكثر من أن تحصى، مثل قوله: # فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم # [النجم:29 - 30]. # وكقوله: # ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا # [الكهف:28]. إلى غير ذلك. # قال المولوي في المثنوي: # كفتن حق بارها به ييغمبر # كه بدنيا وأهل أو منكر # وفي كتاب الكافي عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): # " لا يجد الرجل حلاوة الإيمان في قلبه حتى لا يبالي من أكل الدنيا ". # ثم قال: حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتى تزهد في الدنيا. # وعنه (ع) إنه قال: # " من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه، وبصره ~~عيوب الدنيا داءها وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار السلام ". # وعنه (ع): # " جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا ". # وعنه (ع) قال: خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو محزون، فأتاه ~~ملك ومعه مفاتيح خزائن الأرض، فقال: يا محمد، هذه مفاتيح خزائن الأرض، ~~يقول لك ربك: افتح وخذ منها ما شئت، من غير أن تنقص شيئا عندي. # فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): # " الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له ". # فقال الملك: والذي بعثك بالحق نبيا لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقوله ~~في السماء الرابعة حين أعطيت المفاتيح. # وروى الشيخ الجليل عماد الإسلام أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني في هذا ~~الكتاب مسندا إلى جابر - رضي الله عنه ms1910 - عن أبي جعفر (ع) حديثا طويلا ~~في باب ذم الدنيا والزهد فيها ذكر فيه: # - يا جابر - الآخرة دار قرار، والدنيا دار فناء وزوال، ولكن أهل الدنيا ~~أهل غفلة، وكأن المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة لم يصمهم عن ذكر ~~الله - جل اسمه - ما سمعوا بآذانهم، ولم يعمهم عن ذكر الله ما رأوا من ~~الزينة بأعينهم ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم. # - وفيه إشعار بأن الفقه ليس معناه - في عرف الأئمة ولسان السابقين ~~الأولين - هذه الصناعة المشهورة، بل العلم الذي يوجب الاستغراق في أمر ~~الآخرة وأحوال الباطن، والإعراض عن الدنيا بالكلية. # ثم قال فيه: - واعلم يا جابر أن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة ~~وأكثرهم لك معونة تذكر فيعينونك وإن نسيت ذكروك قوالون بأمر الله ~~قوامون على أمر الله، قطعوا محبتهم بمحبة ربهم، ووحشوا الدنيا لطاعة ~~مليكهم، ونظروا إلى الله - عزو جل - وإلى محبته بقلوبهم. # - ثم قال (ع): - فانزل الدنيا كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه، أو كمال ~~وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء، إني إنما ضربت لك هذا مثلا ~~لأنها عند أهل اللب والعلم بالله كفيء الظلال. # وعن أمير المؤمنين (ع) في بعض خطبه: من عظمت الدنيا في عينه، وكبر ~~موقعها في قلبه، آثرها على الله تعالى، فانقطع إليها، وصار عبدا لها، ~~ولقد كان في رسوله الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كاف لك في الأسوة ~~ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها، وكثرة مخازيها ومساويها إذ قبضت عنه ~~أطراقها ووطئت لغيره أكنافها وفطم عن رضاعها وزوي عن زخارفها. # وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله (ع) إذ يقول: # رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير # [القصص:24] والله ما سأله إلا خبزا يأكله، لأنه كان يأكل بقلة الأرض، ~~ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذب لحمه. # وإن شئت ثلثت بداود (ع) صاحب المزاميز وقارئ أهل الجنة، فلقد كان يعمل ~~سفائف الخوص بيده، ويقول لجلسائه: " أيكم يكفيني بيعها " ويأكل قرص ~~الشعير من ثمنها. # وإن شئت قلت ms1911 في عيسى (ع) [فلقد كان] يتوسد الحجر ويلبس الخشن ويأكل ~~الجشب وكان إدامه الجوع، وسراجه بالليل القمر، وظلاله في الشتاء مشارق ~~الأرض ومغاربها، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم، ولم يكن له ~~زوجة تفتنه ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته، ولا طمع يذله، ~~ودابته رجلاه، وخادمه يداه. # فتأس بنبيك الأطيب الأطهر - صلوات الله عليه - فإن فيه أسوة لمن ~~تأسى، وعزاء لمن تعزى. # ... قضم الدنيا قضما، ولم يعرها طرفا، أهضم أهل الدنيا كشحا ~~وأخمصهم من الدنيا بطنا، عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها، وعلم أن ~~الله سبحانه أبغض شيئا فأبغضه، وحقر شيئا فحقره، وصغر شيئا فصغره، ~~ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله ورسوله، وتعظيمنا ما صغر الله ~~ورسوله، لكفى به شقاقا لله ومحادة عن أمر الله. # ولقد كان - صلوات الله عليه - يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف ~~بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري ويردف خلفه، ويكون ~~الستر على باب بيته، فيكون فيه التصاوير فيقول لإحدى أزواجه: " يا فلانة ~~غيبيه عني، فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها " فأعرض عن ~~الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها من نفسه، وأحب أن تغيب زينتها عن عينه ~~لكيلا يتخذ منها رياشا، ولا يعتقدها قرارا ولا يرجو فيه مقاما، ~~فأخرجها من النفس، وأشخصها عن القلب، وغيبها عن البصر، وكذلك من أبغض ~~شيئا أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده. # ولقد كان في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يدلك على مساوي ~~الدنيا وعيوبها إذ جاع فيها مع خاصته، وزويت عنه زخارفها مع عظيم ~~زلفته. # فلينظر ناظر بعقله: أكرم الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك ~~أم أهانه؟! # فإن قال: " أهانه " فقد كذب والله العظيم، وأتى بالإفك القديم. وإن قال ~~" أكرمه " فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا، وزواها عن أقرب ~~الناس منه فتأسى متأس بنبيه، واقتص أثره وولج مولجه وإلا فلا يأمن ~~الهلكة، فإن الله جعل محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) علما للساعة، ~~ومبشرا بالجنة، ومنذرا ms1912 بالعقوبة، خرج من الدنيا خميصا، وورد الآخرة ~~سليما، لم يضع حجرا على حجر حتى مضى لسبيله، وأجاب داعي ربه، فما ~~أعظم منة الله عندنا حين أنعم علينا به سلفا نتبعه وقائدا نطأ عقبه. # والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي ~~قائل: ألا تنبذها عنك؟ فقلت: أغرب عني فعند الصباح يحمد القوم ~~السرى. انتهى كلامه عليه من الله سلامه وإكرامه. # وفي كلام بعض الحكماء على طريق الرمز ما قال: لكل قهوة سكارى، ولكل ~~بحر مغرقون، كم بين حاير في الظلمات زحزح عن نور الشمس، وبين حاير أغرقه ~~ضوؤها في قربها الأقرب. # وقال أيضا: بباب الحق قوم لا تشغلهم صدمات الأسباب، ولا يجزعون من ~~البلاء، فإن البلاء صراط الله به عبرت قوافل الرجال، ولو سلكته لوجدت ~~عليه آثارهم ولعرفت فيه أخبارهم، فكل أرض لم يصبها صيب من المصائب أبت ~~أن تنبت نبت النجاح. # وقال: إن تعبد الله حبا خير لك من أن تعبده خوفا، فإن التعبد ~~بالتخويف دين اللئام. # وقال: نقش نفسك يا إنسان بأفضل ما يمكن، ونزهها عن خبيثات الأمور، ~~فإن قيم المواد بصورها. # وقال: أسلك سبيل الله أيها الفكور بقلب يقظان، وقف موقف التعظيم، ~~واطلب بارئ الكل في القرب وإن كان في العلو الأعلى قهرا وشرفا فقال ~~أمر الله لا يتعطل بما توانيت أيها المتخلف، ولكنك تبقى عريا عن ~~الفضائل، مد عينك مدا، وابسطها بسطا، واترك الشاغلات من نبات الظلمة ~~لترى القيوم قائما بالقهر على رأس الوجود كله بالمرصاد. # وقال: لا يترك أهل السيف الجاهلين أن يدنوا، ولا المرأة الشهوية ~~الملقية بالجسد في الطريق أن تشبث بذيلك، وطوائف من النيران التي قل ~~ضوؤها وكثر دخانها طفقت تنطفي بهبوب ريح زعزع كأن عبدة البطن والفرج في ~~الدارين لعنوا لعنا يقطع أدبارهم، ويردهم إلى سواء البرزخ المشحون ~~بالعذاب. # وقال يحيى بن معاذ: مثقال ذرة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة ~~بلا حب. # قال أبو القاسم القشيري: الشوق نار الله أشعلها في قلوب أوليائه، ويحرق ~~ما ms1913 في قلوبهم من الخواطر والإرادات. # ورأى بعض الشيوخ بشر بن الحارث في النوم، فقال: ما فعل أبو نصر التمار ~~وعبد الرحمن الوراق؟ قال: تركتهما الساعة بين يدي الله يأكلان ويشربان. ~~قلت: فأنت؟ قال: علم الله قلة رغبتي في الأكل والشرب فأعطاني النظر إليه. # وعن علي بن موفق أنه قال: رأيت في النوم كأني أدخلت الجنة، فرأيت ~~رجلا قاعدا على مائدة، وملكان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع ~~الطيبات وهو يأكل، ورأيت رجلا قائما على باب الجنة يتصفح وجوه قوم، ~~فيدخل بعضهم ويرد بعضا، - قال: - ثم جاوزتهما إلى حظيرة القدس، ~~فرأيت في سرادق العرش رجلا قد شخص ببصره ينظر إلى الله لا يطرق، فقلت ~~لرضوان: من هذا؟ فقال: معروف الكرخي، عبد الله لا خوفا من ناره ولا ~~شوقا إلى جنته، بل حبا له فأباحه الله النظر إليه إلى يوم القيامة. # وقال: أبو سليمان: من كان اليوم مشغولا بربه يكون غدا ناظرا إليه. # وقال الثوري لرابعة: ما حقيقة إيمانك؟ قالت: ما عبدته خوفا لناره ~~ولا حبا لجنته، فأ:ون كالأجير السوء، بل عبدته حبا وشوقا إليه. # وقالت في معنى المحبة نظما: # أحبك حبين: حب الهوى # وحبا لأنك أهل لذاك # فأما الذي هو حب الهوى # فشغلي بذكرك عمن سواك # وأما الذي أنت أهل له # فكشفك للحجب حتى أراك # فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي # ولكن لك الحمد في ذا وذاك # قال بعض أكابر العلماء في معنى نظمها: لعلها أرادت " بحب الهوى " حب ~~الله، لإحسانه إليها وإنعامه عليها بحظوظها العاجلة، وبحبه لانه أهل له ~~حبه من حيث جماله وجلاله الذي انكشف لها، وهو أعلى الحبين وأقواهما، ~~ولذة مطالعة جمال الربوبية التي عبر عنها النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) حيث قال حكاية عن الله: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا إذن سمعت " # - الحديث -. # واعلم أن عبادا قد يعجل لهم بعض هذه اللذات العلي - وهم بعد في ~~حياتهم الدنيا - لأنه قد انتهى صفاء قلوبهم ولطافة أذهانهم إلى الغاية، ~~ولذا قال بعضهم: إني لأقول ms1914 " يا رب يا الله " ، فأجد ذلك أثقل على قلبي ~~من الجبال، لأن النداء يكون من وراء حجاب، وهل رأيت جليسا ينادي جليسه؟ # وحكي أن رجلا جاء إلى أبي يزيد فقال: " بأي شيء أستعين على عبادة ~~ربي "؟، فقال: " بالله إن كنت تعرفه، لأن أدنى منازل العارف علمه بأنه ~~ليس به شيء من الحول والقوة، فإذا علم بذلك، صارت الأشياء كلها له؟ ". # وقال فضيل: من عرف الله حق معرفته صارت جميع حركاته طاعة، وجميع ~~أنفاسه ذكرا، وجميع أحواله أنسا، وجميع إرادته هوية. # وسئل بعض أصحاب القلوب عن حقيقة المعرفة فقال: طيران القلب في عليين، ~~وجولانه في حجب القدرة التي لا يعرفها إلا من أصم أذنيه عن سماع ~~الباطلات، وأعمى عينيه عن النظر إلى الشهوات، وأخرس لسانه عن التكلم ~~بالفضولات. وهو ما قيل في حقيقة المعرفة: والعارفون صم بكم عمي. وقيل: ~~من عرف الله كل لسانه ودهش عقله ودام تحيره. # وقال بعضهم: إن للعارف نارا ونورا، نار الخشية ونور المعرفة، فالدنيا ~~تبكي عليه بعين الفناء، والآخرة تضحك إليه بعين البقاء، فكيف يقدر ~~الشيطان أن يدنو من ظاهره وباطنه إلا كالبرق الخاطف والريح العاصف، ~~فيستعيذ بالله من الشيطان بعينه بلسان العبرة، وبنفسه بلسان الخدمة، ~~وبعقله بلسان الفكرة، وبقلبه بلسان المحبة، وبسره بلسان المؤانسة، فإن ~~أتاه من قبل العين أحرقه نور العبرة، وإن أتاه من قبل النفس أحرقه ~~نور الخدمة، وإن أتاه من قبل العقل أحرقه نور الفكرة، وإن أتاه من ~~قبل القلب أحرقه نور المحبة، وإن أتاه من قبل السر أحرقة نور ~~المؤانسة. وهو إشارة إلى قوله تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحجر:42]. # قال رويم للجنيد: " كم تنادي على الله بين يدي العامة "؟ فقال: " أنا ~~أنادي على العامة بين يدي الله ". # قال عباس بن يوسف: إذا رأيت رجلا مشتغلا بالله فلا تسأل عن إيمانه، ~~وإذا رأيته مشتغلا بالدنيا فلا تسأل عن نفاقه. # وقال رويم: قوم أفنوا أسرارهم بالحظوظ، وأفنوا أبصارهم باللحوظ، أنى ~~لهم إلى ذكر الحق سبيل. # قال حسين بن منصور: " بسم ms1915 الله " منك، بمنزلة " كن " منه، فإذا أحسنت ~~أن تقول: " بسم الله " ، تحققت الأشياء بقولك: " بسم الله " ، كما ~~تحقق بقوله: " كن ". ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1] # لما فيها من الشواهد الجلية والخفية على معرفة ذاته وصفاته، ولهذا ~~عظم الله أمر السماء والنجوم في كتابه المجيد، فأقسم بهما في كثير من ~~الآيات كقوله: # والسمآء ذات البروج # [البروج:1] وقوله: # والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها # [الشمس:1 - 2] وقوله: # فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس # [التكوير:15 - 16] وقوله: # والنجم إذا هوى # [النجم:1] وقوله: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة:75 - 76] كل ذلك تنبيها على أنها صومعة القدوسين، ومعبد ~~الروحانيين، ودلائل صنع خالق السموات والأرضين، وآيات عظمة أول ~~الأولين، هو الذي نورها وصورها، ودورها ورقصها في دوام إشراقاته ~~عليها، وشوقها إلى مزيد إفاضاته ورسالاته إليها، وحركها بالتسبيح ~~والتهليل، وهداها التوسل إلى الرب الجليل. # فما من شخص من أشخاص السماء إلا وله نفس وعقل يحركانه شوقا وطربا ~~إلى حضرة الباري رب الملأ الأعلى، وما من جرم كري نوراني إلا وفيه ~~شواهد وآيات عظيمة دالة على عظمة مبدعها ومنشئها، ولهذا كرر الله ~~ذكرها، وأشار إلى شواهدها وآياتها الدالة عليه سبحانه في مثل قوله: # إن في خلق السماوات والأرض # [البقرة:164] - الآية -، وقد مدح الناظرين فيها، وأثنى على المتفكرين ~~في خلقها بقوله: # ويتفكرون في خلق السماوات والأرض # [آل عمران:191]. # وقال رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " ويل لمن قرأ هذه الآية ثم مسح به سبلته " # أي تجاوزها عن غير فكر وذكر. # وذم المعرضين عن التدبر فيها فقال: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا وهم عن آياتها ~~معرضون # [الأنبياء:32]. # وقال: # أولم ينظروا في ملكوت السماوات # [الأعراف:185]. # ولا يتوهمن أحد أن معنى النظر إلى عالم ملكوت السماء بأن يمتد البصر ~~إليه فيرى زرقة السماء وضوء الكواكب وصور البروج، فإن البهائم تشارك ~~الإنسان في هذا النظر، فإن كان هذا هو المراد فلم مدح الله به إبراهيم ~~- على نبينا وأله وعليه السلام - في قوله: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات # [الأنعام:75]. بل المقصود منه التفطن لما فيها من ms1916 الدلائل والآيات ~~العجيبة الشأن، والشواهد العظيمة البرهان المنبئة عن أزلية الحق الأول، ~~ووجوب وجوده، وكمال قدرته وإرادته، وتمام حكمته وجوده. # فصل # وجوه دلالات وجود السماء على وجود الباري جل مجده # أما دلالتها على وجود الباري جل اسمه، فمن وجوه: من حيث الوجود، ~~والإمكان، والجسمية، وطلوع الكواكب وأفولها - إلى غير ذلك - وككونها ~~مركبات الوجود من مادة وصورة، وككونها ذوات نفوس لها إرادة وعلم وصلاة ~~وتسبيح. # أما الأول: فلأن وجودها الممكن هو المحوج إلى السبب، إذ الإمكان - ~~لكون معناه سلب ضرورة طرفي الوجود والعدم بالنظر إلى الذات المتصفة به - ~~هو علة الحاجة إلى المؤثر، لأنها لما استوى طرفاها امتنع وجودها إلا ~~لمرجح - وهو الله تعالى -. # أما أن الممكن ما يستوي طرفاه، فلاستحالة أن يكون طرفيه أولى به ~~لذاته، لأنه حينئذ إن أمكن طريان الطرف الآخر، فهو إما بسبب، أو لا ~~بسبب، فإن كان الأول، فتفتقر الأولية إلى عدم ذلك السبب، وإن كان ~~الثاني، فيلزم إمكان ترجيح المرجوح من غير مرجح - وهو باطل -. # وإن لم يمكن طريان الطرف الآخر، كان ذلك الطرف ممتنعا، وهذا الطرف ~~واجبا، فيقدح في إمكانه - وهو خلق الفرض -. # وإذ قد علم استواء طرفي الممكن، فلا بد من مرجح يرجح وجوده على عدمه، ~~وهو الله سبحانه، دفعا للدور والتسلسل. # وأما الوجه الثاني: فلأن الممكن ما لم يتعين وجوده عن وجود مؤثر لم ~~يوجد وهو الوجوب السابق، وإذا وجد، فحال وجوده لا يمكن عدمه، وهو الوجوب ~~اللاحق، وكل ممكن محفوف لا محالة بالوجوبين السباق واللاحق، وهما صفتان ~~عرضيتان له - لا من ذاته بل من غيره -، وهو الصانع جل اسمه، ولأن ~~الممكن يستصحب الاحتياج إلى المؤثر حال البقاء لبقاء الإمكان المقتضي ~~للحاجة إلى المؤثر، فلا بد له من علة مبقية تحفظه ولا يؤودها حفظه ~~وادامته وهو الحق تعالى، فظهر أن إمكان السماء يدل على وجود الحق ~~تعالى، ولولا إرادة الاختصار لأطنبنا الكلام فيه. # وأما الدليل على إمكانها، فجسميتها الباعثة للتركيب عن مادة وصورة، ~~أو عن جسمية مطلقة وأمر يخصه ولعدم خلوها عن ms1917 الإنفعال والحركات. # وأما الوجه الثالث: وهو من حيث جسميتها، فلأنه قد دل البرهان عندنا ~~على أن الأجسام من حيث جسميتها حادثة، أي واقعة في هويتها الشخصية ~~تحت جنس الحركة والزمان، لأن الزمان من جملة مشخصاتها، وهو - أي الزمان ~~- اتصال التجدد والتقضي، وعدد التغيرات بأجزائه المنفصلة عند الوهم ~~كالأيام، والشهور والسنين والسماء بهويتها الشخصية الواقعة تحت الحركة ~~والحدوث تحتاج إلى محدث غير حادث ولا متجدد يحدثها، وإلا ننقل الكلام ~~إلى علة حدوث ذلك المحدث وتجدده، ويفضي إما إلى التسلسل أو الدور - ~~وهما باطلان -، وإما إلى علة قديمة لا تكون متغيرة أصلا - وهو الواجب ~~جل ذكره -. # فالله سبحانه هو قيوم السماوات والأرض، وإليه تنتهي سلسلة الأسباب ~~والمسببات، وليس لغيره رتبة الإفاضة والايجاد، بل التهييئة والإعداد. # لا يقال: الأفلاك والكواكب أحياء ناطقون بأدلة القرآن والعقل، وهي ~~مؤثرة في أحوال العنصريات بدليل ارتباط الحوادث العنصرية بالحركات ~~السماوية والاتصالات الكوكبية. # لأنا نقول: هذا تمسك بالدوران، وهو لا يفيد الظن فكيف البرهان - ~~وان الظن لا يغني من الحق شيئا -، والمتبع هو البرهان ~~النير الوارد من الحق في القلب، على أن لنا دلائل قطعية على أن لا ~~مؤثر في الوجود إلا الله، وما زعمتم فذلك مبني على علم الهيئة ~~والنجوم، وهو لا يدل على الربط العقلي بين الأشياء بل على الارتباطات ~~الوضعية، والتأثير أمر عقلي لا يستنبط إلا بالبرهان # قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين # [البقرة:111]. # فإن قيل: إسناد الحوادث إليها كفر أم لا؟ # قلت: نعم، كفر، لكن لو قيل: إن المؤثر هو الله سبحانه، وهو قد أجرى ~~حكمته على هذا النظم والترتيب، وربط هذه الآثار بهذه الأسباب، فلا بأس إذ ~~نسبة الآثار إليها كنسبة القطع إلى السكين، والكتابة إلى القلم، لأنها ~~بمنزلة الصحائف المكتوبة فيها آجال الخلق وأرزاقهم، وعقولها ونفوسها ~~المحركة إياها بمنزلة أقلام الحق الأول، والقدرة بمنزلة يد الرحمن، ~~والكاتب هو الله. ومن انكشف له أمر العالم كما هو، علم أن الأفلاك ~~والكواكب لا تتحرك ما لم تحرك، وكذلك محركها، وهكذا إلى أن ينتهي ~~إلى ms1918 المحرك الأول الذي لا محرك له ولا هو متحرك في نفسه، فهي كلها ~~مسخرات بيده كتسخير القلم والقرطاس بيد الكاتب. # فالتفات العبد في النجاة إلى السماء والكواكب، يضاهي التفات من أخذ ~~للحبس أو القتل فكتب الملك توقيعا بالعفو عنه، فيرى نجاته من القلم ~~والقرطاس. لا من محرك القلم عليه، فأخذ يشتغل بالحمد والشكر لهما، وهذا ~~غاية الجهل، ومن علم أن القلم - بما هو قلم - لا حكم له في نفسه، وإنما ~~هو مسخر في يد الكاتب، لم يلتفت إليه، ولم يشكر إلا الكاتب، فالشمس ~~والقمر والنجوم والسحاب والمطر كلها مسخرات في قبضة القدرة كتسخير ~~القلم والقرطاس في يد الكاتب، والمفتاح في يد مفتح الأبواب، كما في ~~الأدعية السجادية في الصحيفة الكاملة حيث قال الداعي بها (ع) في ~~مخاطباته للقمر وقت الهلال: " جعلك مفتاح شهر حادث لأمر حادث ". # وإذا انكشف لك أن جميع ما في السموات والأرض مسخر له تعالى كما أشار ~~إليه بقوله: # ولله يسجد من في السماوات والأرض # [الرعد:15] - الآية - انصرف عنك الشيطان خائبا، وأيس عن مزج توحيده ~~الأفعالي بهذا الشرك المستكن في طبع المنجم والطبيب، فيأتيك لكي يوقعك ~~في المهلكة الأخرى - وهو الشرك في الوجود والبقاء لغير الله -، فتحتاج ~~إلى سلوك طريق الموحدين لتنجو منها، ولنا بفضل الله وملكوته طريقة خاصة ~~لوحنا إليها في مواضع تليق به. # وأما الوجه الرابع: وهو من حيث طلوعها وأفولها - فلأن التغير والحركة ~~من خواص الأجسام ولواحقها، مما يستدعي مؤثرا غير الجسمية المشتركة ~~يخص بعض الأجسام بها دون بعض، إذ لو كانت الحركة مثلا من مقتضيات ~~الجسمية بما هي جسمية، لم يوجد جسم إلا متحركا، وكذلك نخصصها بوجوه ~~مخصوصة وأنحاء مختلفة من السرعة والبطؤ والتشرق والتغرب وغيرها تحتاج ~~إلى صانع يخصها بها. # لا يقال: لكل واحد منها طبيعة خاصة تحركها على الوجه المخصوص. لأنا ~~نقول: الطبيعة المختصة غير كافية في إفادة الحركة وتعيينها على هذا ~~الوجه كما سنشير إليه، بل تحتاج إلى مؤثر غير متناهي القوة والتأثير - ~~وهو الله سبحانه -. # كيف وكل من أنصف ms1919 من نفسه، يعلم أن التغير والحركة - ولو باعتبار ~~المادة والمحل والمتعلق به بوجه، يناديان عليه بالإمكان والحدوث ~~والحاجة إلى مؤثر مقدس عن التغير والتجدد. # ولهذا أعرض إبراهيم على نبينا وعليه السلام عن الأجسام النيرة ~~وطبايعها المختصة لما ظن فيها الربوبية وقال فيها: # لا أحب الآفلين # [الأنعام:76] بصيغة الجمع بالياء والنون الدالة على كونها من ذوي ~~العقول، فإنه (ع) مع علمه بأن لكل منها باطنا ملكوتيا له قوة ~~نفسانية، وأخرى عقلية - نفى عنهم الإلهية، وحكم بأن درجتهم لكونهم ~~واقعين في هوى الحدوث وأفول الإمكان منحطة عن استحقاق نسبة الإلهية ~~إليهم، فتوجه بوجه قلبه إلى فاطر السموات والأرض حنيفا مسلما من غير ~~إشراك كما حكى الله عنه بقوله: # إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا ومآ أنا من المشركين # [الأنعام:79]. # وأما الوجه الخامس: فهو أن الهيولى لا فعل لها، وإلا لزمها في ذاتها ~~جهتا قبول وفعل، ثم ننقل الكلام - على تقدير عدم بساطتها - إلى هيولى ~~الهيولى، وهكذا إلى، لا نهاية - هذا محال -، والصورة دون الهيولى لا ~~تفعل، بل تختص آثارها بمالها معه علاقة وضعية، فلا بد من توسط ~~الهيولى في فعلها، بل في تعينها، ومع ذلك لكل منهما حاجة إلى الأخرى من ~~غير استقلال كما علمت. أما الهيولى ففي وجودها وبقائها، وأما الصورة ~~ففي تشخصها وتشكلها، فهما متلازمان في الوجود معان في التحقق، فلا ~~بد لهما من مقيم يقيم كلا منهما بالأخرى، وهو غير جسم ولا جسماني، ~~فيكون هو الواجب الوجوذ، أم ملكا مقربا عقلانيا يديم كلا منهما ~~بالأخرى بإذن الله تعالى، دفعا للدور والتسلسل. # وأما الوجه السادس: فهو أن لكل من السماويات محركا نفسانيا له ~~قوة عقلية، وذلك لأن حركة السماء والكواكب ليست طبيعية لوجوه ثلاثة: # أحدها: أن الحركة الطبيعية تصدر عنها عند حالة غير طبيعية، فهي ~~مؤدية إلى حالة طبيعية هي سكونها، وذلك عند ارتفاع الحالة الغير ~~الطبيعية، والأفلاك وما فيها دائمة الحركات ما دام وجودها بإذن الله. # وثانيها: أن الحركة الطبيعية تطلب أمرا تسكن عنده طلبا على أقرب ms1920 ~~الطرق، فهي إذن مستقيمة وحركاتها مستديرات - كما يشاهد -، ولأن ~~المستقيمة لا تصلح لأن يحفظ بها وجود الزمان المتصل الذي يستحيل أن ~~تنفصل أجزاؤه في الوجود، اللهم إلا في الوهم - كما قرر في موضعه -. # وثالثها: إن الطبيعة لا تقتضي مهروبا عنه مطلوبا، ولا تهرب عن ~~مطلوبها، والمستدير بخلاف ذلك. # فهي إذن غير طبيعية ولا قسرية - إذ القسر خلاف مقتضى الطبع - فهي ~~نفسانية حيوانية، وليست مجرد الحيوانية المطلقة منشؤها، إذ مطلوب ~~الحيوان - بما هو حيوان - في حركته الإرادية إما جلب منفعة - وهو ~~الشهوة - أو دفع مضرة - وهو الغضب - وهما مختصان بالأبدان القابلة ~~للنمو والذبول، وجسمية الأفلاك لم تحصل من استكملات الأجسام الناقصة ~~الخلقة العنصرية الفطرة كالمني والبذور ونحوهما، بل هي كظلام الأنوار ~~العالية الحاصلة من بعض الجهات للمبادي الفاعلية - كالإمكان ونحوه -، ~~على طريق الإقتضاء لا الاستعداد، ولهذا موضع تأمل يغفل عنه الأكثرون. # لأنها لو كانت حسية من باب الشهوة أو الغضب، فلا محالة تسكن عنده، وإذ ~~ليس فليس. # فهي إذن ليست إرادية حسية، فلا يخلو إما أن يكون غرضها شيئا واقعا ~~فيما طلبته بالحركة، أو مطلوبا دفعي الحصول فسكنت إن نالت، أو قنطت إن ~~لم تنله في مدد متطاولة، فلها مطلب كلي، فيلزمها إرادة كلية موجبة لعلم ~~كلي دال على نفس ناطقة محركة لها، مبطلة لجحود الجاحدين المنكرين ~~لإرادتها وعلمها. # فالنفس الناطقة علة دورانها، وحافظة زمانها من زيادتها ونقصانها، ~~وممسكة عنانها في جادة الحق ومجرية سفينتها باسم الله في بحر ~~الحقيقية. # ثم ليس غرضها أمرا مظنونا من الثناء والمدح، فإن الحركات الكلية ~~الدائمة لا بد وأن تكون لأمر مقطوع به واجب الدوام - وليس المظنون كذا ~~-، فمبدأ حركاتها ليس أمرا وهميا. # ثم هذا العالم الذي هو موطن الأوهام وما ينبعث عنها، أحقر بالنسبة إلى ~~تلك الأجرام الشريفة النورية من أن تتحرك لأجلها، وصاحب الحدس الصحيح ~~يحكم بهذا قبل الرجوع إلى البرهان. # فحركتها المعشوق، إما لينال ذاته، أو لتشبه بصفة رفيعة أو لتشبه ~~تجددي، والأولان يوجبان ما سبق من الوقفة، فتعين الثالث، وليس ~~المتشبه ms1921 به جرما فلكيا وإلا لكانت الحركات متفقة، ولا نفسها وإلا ~~لتشابهت التحريكات، ولا شيئا واحدا وإلا لاتفقت، بل المتشبه به إما ~~الواجب سبحانه بواسطة أمور عقلية صادرة عنه مكثرة لجهات التحريكات ~~والتشبيهات كما قال تعالى: # وأوحى في كل سمآء أمرها # [فصلت:12] وإما تلك الأمور العقلية، ولا بد من انتهائها إلى الله ~~تعالى - كما علمت -، ولأنها لما اشتركت في دورية الحركات فلها معشوق ~~واحد هو مبدأ الكل وغاية الكل، وهو الموجود المطلق والوجود الحق. # وإذا اختلفت في الجهات والسرعة والبطؤ، فلكل منها ذات عقلية هي بالفعل ~~من جميع الوجوه تتشبه بها، وبواسطتها تتشبه بالحق الأول، فعدد ~~حركاتها بعدد محركاتها العقلية، ثم النفسية، لأن في الحركة لا بد ~~من إدراكات جزئية بقوة نفسانية تتخيل الحدود المسافية، لأن نسبة ~~المراد العقلي إلى جميع الحدود والمرادات الجزئية نسبة واحدة، فلا ~~يقتضي تقديم بعضها على بعض، فلكل سماء وكوكب، محرك مزاول متشوق منفعل ~~هو نفسه، ومحرك غير متحرك بل مفارق ومعشوق غير منفعل بل فاعل، هو عقله، ~~وللكل محرك واحد ومعشوق واحد هو إله الكل ومبدأ الكل وغاية الكل. # فثبت أن الأفلاك وما فيها متقربات إلى الله تعالى بوسيلة الحركات، إذ ~~بها تحصل الاستكمالات اللائقة بها، والكمال مما يوجب قرب المستكمل به من ~~الكامل بالفعل في جميع الوجوه. # فإن قلت: لم صارت الحركات منشأ استكمالاتها دون شيء غير الحركة؟ # قلت: لأن الفلكيات في جواهرها وصورها وكيفياتها وكمياتها اللائقة ~~بها، وسائر الأمور الممكنة في حقها بالامكان العام، كانت بالفعل بحسب ~~أول فطرتها ولم يبق فيها شيء بالقوة إلا أمر ضعيف الوجود، سهل الحصول ~~من باب النسب والاضافات وهي أوضاعها، فيقصر وجودها عن الجمع بينها، فلو ~~دامت على واحد لدامت الباقيات على القوة العدمية، والقاصر عن استبقاء ~~الذات بالعدد يسعى في استبقائها النوعي، فأخرجت أشخاصها إلى الفعل بما ~~أمكنها من التبادل التعاقبي الجالب لإضافة الأنوار من العوالي، الراشح ~~للخير الدائم على السوافل، قصدا إلى تحصيل هذا الكمال الموجب لضرب من ~~التقرب إلى المبدأ الفعال، والتشبه به مهما ms1922 تيسر من الأحوال ~~والأفعال، لا قصدا إلى نفع السوافل إلا على نحو التبع والاستجرار، ~~وإلا لزم كون المعلول علة لكمال الفاعل. # ومن ظن أن المتشبه به واحد ولكن الأفلاك جمعت بين غرضها ونفع السوافل ~~عند استواء الجهات، كرجل خير اختار سلوك أحد الطريقين المتساويين له ~~لنفع محتاج، فما درى أنه لو صح هذا في اختيار الجهة، لصح في اختيار ~~أصل الحركة على السكون، فيقال تساويا عندها، فاختارت الحركة لنفع السافل، ~~فلما لم يجز ذلك في أصل الحركة لتعاليها عليه، لم يجز لتعيين الجهة، ~~وليس علينا أن نعلم كنه ذلك التشبه إلا بقدر ما نرى من أنفسنا عند ~~اهتزازنا وابتهاجنا بأمور روحانية عند سماع آيات قرآنية قراءتها مشيرة ~~إلى أحوال العاكفين حول جناب الحق، كيف يستتبع ذلك تغيرا واحمرارا في ~~وجوهنا، وقياما في شعورنا، وقشعريرة في جلودنا، كما قال تعالى: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # [الزمر:23]. فهي أيضا في حركاتها كالمناجي مع ربه بأمور عقلية يتحرك ~~شيء من أعضائه بحسب ما يتفكر فيه، فحركاتها إذن عبادة ما فلكية، وصلاة ~~ما ملكية، لاستجلاب شوارق النور بوارق الحضور. # لمعة إشراقية # المراد من السماء # يمكن أن يراد بقوله: " والسماء والطارق " ، سماء العالم الصغير، أو ~~سماء العالم الكبير، لصحة إطلاقهما عليها بحسب المفهوم - وهو الفوقية ~~والإحاطة -، فإن كان الأول، فيكون إشارة إلى رأس الإنسان بما فيه من ~~أنوار القوى الظاهرة، والطارق، إشارة إلى النفس الناطقة. # أو تكون السماء إشارة إلى النفس الناطقة، لأنها محل الواردات الغيبية ~~الإلهية، كما أن السماء محل عجائب صنع الله في سير الكواكب وحركاتها ~~المختلفة سرعة وبطؤا، ورجوعا واقامة واستقامة، ونسبة بعضها إلى بعض ~~بالمقارنة والمقابلة والتثليث والتربيع والتسديس والخسف والكسف، وساير ~~أوضاعها وحالاتها، على شبه أحوال الصور الإدراكية للنفس، والأحكام ~~العلمية لها، كاقتران بعضها مع بعض، ومقابلة بعضها البعض، والتعاكس ~~بينهما، والتباعد والتقارب في المقدمات القياسية، وانتقاض بعضها ببعض ~~واحتجابه بذلك، فيكون " الطارق " إشارة إلى ms1923 ما يرد عليها من العالم ~~الإلهي والفيض القدسي من السوانح الملكوتية والمواهب الربانية. # وإن كان الثاني، فيكون المراد من السماء مجموع الأفلاك بما فيها، ومن " ~~الطارق " إما جنس الكواكب، وإما المفارقات النورية المتعلقة بها ~~تصريفا وتدبيرا، أو تشويقا وإفاضة وتنويرا. ### || [86.2-3] # كما أن حقيقة الإنسان هي روح معناه، ونفسه الناطقة، وعقله المدبر له، ~~كذلك حقيقة كل ذي روح عقلي، كما يصح إطلاق اسم الإنسان على كل من ~~النفس والبدن - وعلى المجموع أيضا كل باعتبار كما حقق في موضعه - كذلك ~~القياس في اطلاق اللفظ في كل ما له روح وجسد، فحقيقة كل كوكب هي نفسه ~~المدبرة له، وعقله الفياض عليه. # فإذا كان الطارق إشارة إلى جنس المفارقات العقلية، ينبغي أن يراد ~~بالنجم الثاقب، عقله الذي يثقب ظلام عالم الإمكان بتنويره وإشراقه على ~~مادة الكواكب، ويطرد العدم عن مهيته بإفاضة وجوده عليها، كما أن ~~جسمية الكواكب بصورتها النوعية وطبيعتها النورية الحسية تثقب ظلام ~~عالم الأجسام بضوئها فينفذ فيه. # ولذلك أيضا يقال للكوكب: " دري " لأنه يدرء الظلمة، أي: يدفعها. # وأما وصفه: " بالطارق " فلأنه يبدو بالليل في عالم الحس عند احتجاب ~~الشمس عن الأبصار، كما أن الحقيقة العقلية تبدو على العقل في ظلمة ليل ~~الإمكان وجهة التعيين الإمكاني قبل إشراق شمس الحقيقة على البصائر، ~~الماحية لأنوار التعينات الإمكانية الظاهرة على آثار الوجودات ~~الأعيانية، ولذلك يقال في اللغة للآتي ليلا: " طارق ". # وقيل: لأنه يطرق الجني، أي: يصكه. # وبالجملة، المراد بحسب عالم الحس، جنس النجوم، أو جنس الشهب التي تطرد ~~بها الظلام أو ترجم بها الشياطين، كما ترجم شياطين النفوس الوهمانية عن ~~بلوغ سماء عالم الحكمة بأنوارها العقلية. # وفي الكشاف: فإن قلت: ما يشبه قوله: { ومآ أدراك ما الطارق ~~النجم الثاقب } إلا ترجمة كلمة بأخرى، فبين لي: أي فائدة ~~تحته؟ # قلت: أراد الله - عز من قائل - أن يقسم بالنجم الثاقب تعظيما له، لما ~~عرف فيه من عجيب القدرة ولطيف الحكمة، وأن ينبه على ذلك، فجاء بما هو ~~صفة مشتركة بينه وبين غيره وهو: الطارق. ثم قال: ms1924 { ومآ أدراك ما ~~الطارق } ، ثم فسره بقوله: { النجم الثاقب } كل هذا إظهار ~~لفخامة شأنه كما قال: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة:75 - 76]. ### || [86.4] # هذا جواب القسم، سواء كانت " إن " نافية، وذلك في قراءة " لما " ~~مشددة، بمعنى " إلا " ، أو كانت مخففة من الثقلية - وذلك في قراءتها ~~مخففة - على أن " ما " صلة، إذ على أي التقديرين، وأية القراءتين هي ~~مما يتلقى به القسم، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ مهيمن عليها رقيب، ~~أو أن كل نفس لعليها قائم مقيت. # وإنما أدخل سور الموجبة الكلية في الشق الأول على النفس، ليعم جميع ~~النفوس من المفارقات والفلكيات والعنصريات، والحافظ الرقيب لها على وجه ~~العموم، هو الله سبحانه لقوله تعالى: # وكان الله على كل شيء رقيبا # [الأحزاب:52]. # وكان الله على كل شيء مقيتا # [النساء:85]. # ولكل نفس رقيب خاص، وهو ملك يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكسب من خير ~~وشر. # روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): # " وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل ~~الذباب، ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين ". # وللنفوس الإنسانية رقيب واحد عقلي يسمى ب " روح القدس " عند أهل ~~الشرع، وب " العقل الفعال " عند الحكماء، وب " روان بخش " عند الحكماء ~~الفارسيين - وسيأتي إيضاحه. # فإن قيل: إذا حملت " إن " على إن المخففة، كان ذلك صحيحا، وأما إن ~~حملت على النافية فيكون المعنى: " ليس كل نفس " فيكون السور سور السلب ~~الجزئي، فلا يعم. فما وجه التوفيق بين القراءتين؟ # قلنا: نجيب عنه من وجهين: # الأول: إن السور وأمثاله من المصطلحات المحدثة، ولا يجب تطبيق كلام ~~الله عليه، واللفظ في جوهره يفيد العموم لأنه نكرة وقعت في سياق النفي - ~~على ما هو مبين في كتب الأصول والعربية -. # والثاني: أنه لما تبين بالدلالة العقلية أن لكل نفس حافظا، وقد ~~عبرت عنه القراءة الأولى. فالقراءة الثانية وإن دلت على السلب الجزئي، ~~فالأولى أن يحمل على العموم مجازا، ولصدق السلب الجزئي على السلب ~~الكلي صدق العام ms1925 على الخاص، وذلك إذا أخذ لا بشرط شيء - كما تقرر ~~في علم الميزان - ليحصل التوافق بين القراءتين والجمع بين الدلالتين. # هداية عقلية # أدلة تجرد النفس # من تأمل في حال النفوس الإنسانية، لعلم يقينا أن لها حافظا عقليا ~~هو ملك من الملاكئة المقربين، وله جنود وأعوان من جنس الملائكة الذين ~~مرتبتهم دون مرتبة المقربين، كما دل عليه الحديث المنقول آنفا، وذلك ~~لأن النفس جوهر مجرد، أما جوهريتها فلكونها محل الصفات المتعاقبة ~~عليها مع بقائها، وهو من خواص الجواهر، وأما تجردها عن المواد ~~فبأدلة كثيرة: # منها: أنها تدرك المعقولات، وهي معان مجردة عما سواها، وكل إدراك ~~فهو بحصول صورة المدرك أو حضور ذاته عند المدرك، وكلما يحصل في جسم ~~فإنه يؤثر فيه ما يلزم الجسم في وجوده الإنفعالي، وتشخصه المادي، - ~~مثل الشكل والمقدار والوضع وغيرها -، فلو حصل معقول في جسم لكان يحصل له ~~مقدار وشكل ووضع، فكان يخرج عن أن يكون معقولا، بل يكون محسوسا تنفعل عنه ~~الحواس عند المصادفة. # ومنها: أنها تشعر بذاتها، ولو كانت موجودة في جسم أو آلة لم تشعر ~~بذاتها لعدم حضورها لذاتها، بل لمادة ذاتها. # ولذلك أشار مقدم الفلاسفة أرسطاطاليس الحكيم: كل راجع إلى نفسه فهو ~~روحاني، إذ لو كانت في آلة لا تدرك ذاتها إلا عند إدراك آلتها، فكانت ~~بينها وبين آلتها آلة ويتسلسل، أو لا ترى أن البصر لا يدرك إلا ذاته، ~~ولا يدرك آلة ذاته إلا بآلة أخرى متوسطة بينها وبين آلته، والنفس تدرك ~~بذاتها، وتدرك آلاتها أيضا بذاتها - لا بالآلات - بحضورها بذواتها ~~حضورا إشراقيا عند النفس من غير حاجة إلى صورة أخرى. # وبالجملة: فكل موجود في آلة فذاته لغيره، وكل ما ينال ذاته فذاته له ~~لا لغيره، فيكون مجردا عن الأغيار. # ومنها: أنها تدرك الأضداد معا، بحيث يمتنع ان يوجد على ذلك الوجه في ~~المادة. # ومنها: أن البدن في التحلل والذوبان دائما، لاتيلاء الحرارات ~~الغريزية والغريبة الداخلة والمطبقة عليه، والنفس ذاتها غير متبدلة، ~~لأنك أنت الذي كنت صبيا وشابا بعينك، فتعاليت عن الانطباع ms1926 وأن تكون ~~نفس المزاج. # ومنها: أنك تذهل عن كل عضو من أعضائك أحيانا - من قلب أو دماغ أو ~~غيرهما - وعن البدن مجموعا، وخصوصا وقت النوم أو السكر، ولا تذهل عن ~~ذاتك، فأنت وراء ذلك كله، فأنت أنت لا ببدنك، ولا بجزء بدنك، فاعرفها ~~ولا تكونن من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم. # ولهذا المطلب وجوه كثيرة من البراهين والاقناعيات لا نطول الكلام ~~بذكرها، وفيما ذكرناه كفاية لما نحن بصدده إن شاء الله تعالى. # مراتب النفس: # وإذا ثبت أنها جوهر غير جرمي، وهي قابلة لادراك العقليات بالقوة ~~أولا، ثم بالفعل أخيرا، فلها مراتب، أولها الاستعداد المحض سميت به ~~العقل الهيولاني. # ثم استعداد آخر قريب عند حصول أوائل العلوم المهيئة لإدراك الثواني، ~~إما بالفكر أو الحدس، سميت به العقل بالملكة. # ثم يحصل لها بعد ذلك قوة وكمال، أما القوة فهي أن يكون لها حالة ~~عقيب الأنظار وتكرار المشاهدات، بها تحضر المعقولات متى شاءت من غير طلب ~~وتعمل، وهذا هو أقرب الاستعدادات، وسميت به العقل بالفعل # يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار # [النور:53]. # وأما الكمال، فهو أن تكون المعقولات لها حاصلة بالفعل، مشاهدة سميت به ~~العقل المستفاد، وعند ذلك شبهت بالمبادي العالية، صائرة عالما عقليا ~~يضاهي العالم العيني في الصورة لا في المواد. # مخرج النفس من القوة إلى الفعل وحافظها: # فإذا علمت هذا، فاعلم أن مخرج النفس من القوة إلى الفعل في كمالها ~~العقلي ليس ذاتها، إذ الشيء لا يخرج ذاته من النقص إلى الكمال، وإلا ~~لكان الشيء أشرف واكمل من ذاته، ضرورة أن المعطي للكمال لا يقصر عنه، ~~ولأن جهة الفعل غير جهة الإنفعال، وهي ليست جسما مركبا من مادة وصورة ~~- حتى تفعل باحداهما وتنفعل بالأخرى - ولا الجسم أيضا هو مكمل النفس، ~~لأن مرتبته دون مرتبتها، ولا نفس أخرى من نوعها إذ لا أولوية لبعض ~~أفراد طبيعة واحدة بحسب ذاته النوعية، ولأن النفس - بما هي نفس - لا ~~تؤثر إلا بمشاركة الجسم ووساطة الوضع، وإلا لكانت عقلا محضا، وكم من ~~نفس شريفة رامت ms1927 إخراج نفس من القوة إلى الفعل فسمعت من الحق: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص:56]. # فمخرجها إلى الكمال ملك كريم روحاني، عنده صور الأشياء بالفعل، وهو ~~فعال المعقولات ومفيضها على قلب من يشاء بإذن الله تعالى. # وأيضا: إن النفس إذا غابت عنها صورة عقلية كانت أدركتها، ولها الرجوع ~~إليها متى شاءت دون كسب، فلا بد لها من خزانة عقلية تحفظ لها المعقولات ~~عند ذهولها، وليست الخزانة فيها أو في جسمها. # أما الأول: فلعدم تجزيها بجزءين، بأحدهما تدرك وتتصرف، وبالآخر تحفظ ~~وتخزن. # وأما الثاني: فلما علمت من أن المعقولات تحل الجسم المنقسم بالمقادير ~~الوضعية، فإذن لها مكمل وهو ملك مقرب عقلي لم تكن فيه جهة القوة ~~والاستعداد أصلا وإلا لكانت نفسا محتاجة إلى مخرج آخر ومكمل لها، ~~فيتسلسل أو يدور - وكلاهما محال -، أو ينتهي إلى أمر عقلي بالفعل، وهو ~~مطلوبنا، فكل نفس لها حافظ من جواهر الملائكة المقربين، يحفظ لها ~~وعليها كمالاتها، إذا اتصلنا به أيدنا بالأنوار وكتب في قلوبنا الإيمان ~~لأنه قلم الحق الأول، وإذا أعرضنا عنه بالتوجه إلى المحسوسات، انمحت ~~الكتابة، ونفوسنا كمرآة إذا أقبلت إليه عند نقائها عن الكدورات والمعاصي ~~قبلت، وإذا أعرضت أو احتجبت تخلت، ونسبته إلى نفوسنا كنسبة الشمس إلى ~~الأبصار. # وليست المقدمات بذاتها موجدة للنتيجة لأنها أعراض، والعرض لا يوجد ~~شيئا، بل المقدمات وغيرها معدات، والواهب غيرها. # فان قلت: ما الحاجة إلى اثبات هذا المبدأ العقلي بعد اثبات الحق ~~الأول؟ # قلت: النفوس كثيرة لا بد لها من مبدأ ذي جهات كثيرة في الفاعلية، ~~والجهات الكثيرة مرتبتها منحطة عن مرتبة الذات الأحدية الصرفة بمراحل ~~كثيرة، فلا بد من وسائط بيننا وبينه لغاية مجده وعلوه، ونهاية عجزنا ~~وقصورنا، فلا نصل إلى جناية إلا بعد طي مراتب حجابه. # وفي الحديث: # " إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها أحرقت سبحات وجهه كل ~~ما انتهى إليه نظره ". # فإذا تحقق ذلك، فاعلم أن الله سبحانه خلق للإنسان جنودا وحفظة ~~غائبة عن عالم الحواس، تخدمه وتحفظه من الآفات، وكتب ms1928 عليه أعماله وتضبط ~~له آجاله، فبعض هذه الجنود مبادي الإدراكات والإنفعالات، وبعضها مبادي ~~التحريكات، وبعضها كتبة الأعمال، وبعضها حفظة الأقوال، ولكل صنف منها ~~رؤساء ومرؤوسين وخدام ومخدومين. # فمخدوم المبادىء الإدراكية مبدأ نظري شهيد عليها، ثم بعده مخاديم ~~عشرة مرتبتها دون مرتبته، هو ينظر إليها ويستخدمها كما تستخدم هي غيرها ~~من صور أشياء تكون من نوعها وجنسها، ولبعضها جنود وأعوان لا يمكن إحصاؤها ~~كثرة، انبثت في مملكة البدن، ليس فيه موضع قدم يخلو منها. # ومخدوم المبادي التحريكية - أيضا - مبدأ شوقي مخدوم لها، وله جندان ~~خادمان له، أحدهما يخدمه لجلب ما يشتهيه من الأشياء الكثيرة الملائكة ~~لطبعه، والآخر يخدمه لدفع ما يكرهه من المضار والمنافيات لطبعه، ولهما ~~جنود غير محصورة تخدمهما، سبعة منها بمنزلة الدعائم والرؤساء للبواقي، ~~لكل منها اسم خاص عند الله، وصفة خاصة، وفعل خاص، ولكل منها محل ~~خاص هو موضع سلطانها، ومحل عام هو مواضع تصرفاتها، وقد مكن الله ~~جميها على التصرف في مواد الأجسام الحيوانية والنباتية وغيرها مما ~~في الأرض بالجذب والدفع، والقبض والبسط، والحبس والإمساك، والإحالة ~~والتبديل، والنضج والإلصاق، والتصوير والتشكيل. # كما أشار إليه بقوله: # خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة:29]. # كما قد مكن الله جميع الصنف الأول على التصرف في صور تلك المواد ~~وغيرها بنزعها وإدخالها وإحضارها في صقع النفس وعالمها، وتقديمها ~~وتأخيرها وتأليف بعضها ببعض، وانتاجها - الى غير ذلك من أنحاء التصرفات ~~كالحفظ والاسترجاع -، كل ذلك بأمر الله المطاع وعنايته بتعمير هذه ~~النشأة الإنسانية في هذا العالم، كما دل عليه الحديث المنقول آنفا. # فإن معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " لو وكل العبد إلى نفسه لاختطفته الشياطين " # أنه لولا إفادة الله له هذه الجنود الباطنية الطبيعية والنفسانية، ~~حتى يقيمه ويديمه مدة في هذه الدنيا ليتزود للآخرة بالأعمال الصالحة، ~~ويكتسب المعارف الحقيقية بتأييد الملك المفارق المكمل له، لاختطفته ~~شياطين هذا العالم، من الجواهر الطبيعية النفسانية المستولية على ~~الأجسام بالإفساد والقطع والتحليل والقتل والإهلاك، فإن بدن الإنسان في ~~معرض الآفات، ومعدن البليات، كالحرق بالنار، والغرق ms1929 في الماء، والتسخين ~~والتبريد المفرطين من الهواء، والخسف والزلازل من الأرض، وشرب السموم ~~والأدوية الضارة الجمادية والنباتية، ومصادفة العدو الحيواني كالسبع ~~الضاري، والكلب العقور، والأفاعي، ومواجهة الخصماء من الإنس وغير ذلك. # فكل هذه من توابع الشياطين بصدد اختطاف العبد في هذا العالم إن وكل ~~إلى نفسه، ولم يحفظه الحفظة بأمر الله. # ولولا إفادة الله أيضا لعباده المخلصين جنودا أخرى يحفظونه ويذبون ~~عنه في طريق الآخرة عن اختطاف ضرب آخر من مردة الشياطين، وهم الذي يريدون ~~أن يسمعوا إلى الملأ الأعلى، فيقذفون من كل جانب، دحورا ولهم عذاب ~~واصب، إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ويقول سفيههم على الله شططا ~~من إثبات الصاحبة والولد له سبحانه، ويحكم على غير المحسوس، وإلا على ~~الخير وإراءتهم الباطل على صورة الحق، والحق على صورة الباطل - والله ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ### || [86.5] # لما قرر سبحانه أن على كل نفس حافظا ومبقيا لوجوده، وهو علته ~~الفاعلية، أراد أن يهديه سبيل معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله، إذ بها ~~تتم حياته الكاملة في النشأة الدائمة، وبدونها موت الجهالة وهلاك السرمد ~~وعذاب الأبد، وهي متوقفة على معرفة النفس، لأن النفس سلم المعارف ~~كلها والمرقاة إلى الحضرة الإلهية، فمعرفتها منشأ معرفة الحق ذاتا ~~وصفة وفعلا، والشيء من ذوي الأسباب لا يمكن العلم به إلا من جهة العلم ~~بأسبابه. # والأسباب أربعة من المركب: فاعل، وغاية، ومادة، وصورة، وفي الأمر ~~الصوري - كالنفس - ثلاثة: لأن صورته ذاته، بخلاف المركب فإن صورته ~~ليست ذاته بل جزؤه وعلة جزئه الآخر بمعنى آخر، كما أن المادة جزؤه ~~الآخر - وهي أيضا - علة الصورة لا بهذا المعنى، بل بمعنى آخر. # فالإنسان صورته نفسه الناطقة، ومادته حاصلة من الطين اللازب، ثم من ~~المني المركب من العناصر الحاصل منه الأخلاط الأربعة، ومن لطافتها ~~ودخانيتها الأرواح البخارية، ومن كثافتها ورماديتها الأعضاء، وتتوسط ~~بينهما الأعصاب والعروق والأوردة والشرايين والعضلات، ومجموعها البدن، ~~وهو المادة القريبة للإنسان المأخوذ منها جنسه وفصله مأخوذ من النفس ~~التي صورته وفاعله الملك المتصرف فيه بأمر ms1930 الله، بإمداد ملائكة أخرى ~~موكلة على السموات والأرضين كما أشار إليه بقوله: عليها حافظ. # وغايته عبادة الله وطاعته، كما أشار إليه بقوله: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات:56]. # فلذلك أمره ووصاه بالنظر في أسباب مهيته ووجوده في نشأته الأولى، ~~ليعلم ويستدل بها على قدرته تعالى على النشأة الثانية، كما نبه عليه ~~قوله تعالى: # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون # [الواقعة:62] أي: حال نشأتكم الثانية والنظر في ترتيب أمور معلومة ~~للتأدي إلى مجهول، فمادته خلقة الإنسان، وصورته من حيث هي صورته من ~~هذه النشأة، وأما فاعله وغايته فلهما النشأة الأخرى. # والمادة أقدم في الزمان، فقدمت معرفتها وسبيل النظر إليها والاستدلال ~~بها على غيرها، فقال: { فلينظر الإنسان مم خلق } أتى ب ~~(ما) الاستفهامية المستعملة لطلب تمام حقيقة الشيء، أو شرح مهيته ~~ومرتبتها بأول الوجهين، بعد " هل " البسيطة الطالبة للتصديق بوجوده ~~وبالثاني قبلها، إذ ما نعلم شرح اسم الشيء لا نطلب معرفة وجوده، فأجاب: ~~بقوله جل اسمه: ### || [86.6-7] # و " الدفق ": صب فيه دفع. ومعنى الدافق: إما المدفوق، كعيشة راضية - ~~بمعنى مرضية -، والغرض فيه الانتساب إلى الدفق الذي هو مصدر؛ لا قيام ~~المصدر به كالحداد والمشمس. وإما الإسناد المجازي، لأن الدفق للمني ~~كالقطع لصاحب السكين، قال الفراء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى ~~المفعول في كثير من كلامهم، نحو: سر كاتم، و: هم ناصب. و: ليل ~~نائم. # وإنما قيل: " من ماء " ولم يقل: من ماءين، مع أن أصل المولود ~~منهما جميعا، لامتزاجهما واتصالهما ماء واحدا في الرحم حين ابتداء ~~الخلقة. # وأما قول بعض الأطباء، إن ماء المرأة هو الأصل كاللبن، وماء الرجل ~~للانعقاد كالأنفحة، فهو قول مرجوح لا يصار إليه، على أن الدفق لا ~~يلائمه، بل الحمل على مني الرجل أولى، لأنه كالصورة للمركب، ومني ~~المرأة كالمادة له، والشيء بالصورة هو بالفعل، وبالمادة هو بالقوة، ~~أولا ترى أن نسبة المولود إلى الأب أوكد من نسبته إلى الأم. # يخرج - من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام الصدر، و " ~~الصلب " فيه لغات أربع: بفتحتين، وبضمتين، ms1931 وبالضم والسكون، وبصيغة ~~الفاعل. # وفي الكشاف: قيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة. # وهذا أيضا مؤكدا لما مر من كون مني الرجل هو الأصل، إذ قد ثبت أن ~~مثل العظم والعصب من الأعضاء الأصلية متكونة من المني، والزائدة ~~كاللحم وغيره متكونة من الغذاء. # فإن قلت: إن النطفة متكونة من فضلة الهضم الرابع وتنفصل عن جميع ~~الأعضاء حتى تستعد أن تتولد منها تلك الأعضاء، فلم قال: { يخرج ~~من بين الصلب والترآئب } التي هي عظام الصدر؟ # قلت: اختلف الحكماء والأطباء في انفصال المني عن جميع الأعضاء أو عن ~~الأنثيين فقط، وفي كون المني متشابه الأجزاء أو مختلف الأجزاء، فأرسطو ~~وشيعته ذهبوا إلى تشابه الأجزاء لانفصاله من الأنثيين، وذهب أبقراط ~~وشيعته إلى أنه ليس متشابه الأجزاء، لأنه يخرج من كل البدن، فيخرج من ~~اللحم شبيه به، ومن العظم شبيه به، وهكذا في جميع الأجزاء، فأجزاؤه غير ~~متشابهة الحقيقة، بل حقائقها متخالفة حسب اختلاف حقائق ما ينفصل عنها، ~~فهو غير متشابه الأمشاج، بل متاشبه الامتزاج متصل عند الحس. # ولكل من الطرفين حجج كثيرة مسطورة في كتب الطب. # أما ما تمسك به أبقراط في تصحيح مذهبه. # فمنها: عموم اللذة لجميع البدن. # ومنها: المشاكلة الكلية، فلولا أن كل عضو يرسل قسطا لكانت المشاكلة ~~بحسب عضو واحد. # ومنها: مشاكلة عضو الولد لعضو ناقص من والديه، أو عضو ذي شامة أو زيادة. # وقدح أرسطو في هذا المذهب وأبطله بوجوه: # أحدها: أن المشابهة تقع في الظفر والشعر وليس يخرج منهما شيء. # ثانيها: أن المني لا ترسله الأعضاء الآلية مع أن المشابهة تقع فيها. # وثالثها: لزوم كون المولود في الرحم إنسانين. # ورابعها: جواز تكون الولد من مني المرأة وحدها لانفصاله من جميع ~~أعضائها. # وخامسها: أن الحيوان قد يسفد سفادا واحدا فيتولد منه أكثر من واحد، ~~فلو لم يكن منية متشابه الأجزاء لم يتولد منه إلا واحد. # وسادسها: مشابهة الولد لجد بعيد، لا لوالديه. وقد حكى أبو علي في حيوان ~~الشفاء، ان واحدة ولدت من حبشي بنتا بيضاء، ثم ms1932 هي ولدت بنتا سوداء. # وسابعها: كثير من الحيوانات يلد من غير جنسه. # وثامنها: لزوم كون المني حيوانا صغيرا. # فهذه حجج الفريقين، وفي الكل نظر، ذكره يؤدي إلى التطويل، وعلى أي ~~المذهبين يتأتى الجواب عما قلت. # أما على مذهب أرسطو وتابعيه، فلقرب الموضعين من أوعية المني، خصا ~~بالذكر. # وأما على مذهب الأخيرين، فلورود هذه الفضلة من الأعضاء إلى الأنثيين ~~بعد ورودها على هذه العظام صلب الرجل وترائب المرأة، ولذلك ورد استحباب ~~وضع اليد على ثدي المرأة عند إرادة المجامعة معها قبل الدخول لتشتد ~~رغبتها بسبب تهيج مادة الشهوة وتحريكها من ذلك الموضع. # وفي الكشاف: " الترائب " هي عظام الصدر حيث تكون القلادة، وقيل ~~الترائب: اليدان والرجلان والعينان - عن الضحاك -، وسئل عكرمة عن ~~الترائب فقال: هذه - ووضع يده على صدره بين ثدييه -، وقيل: ما بين ~~المنكبين والصدر - عن مجاهد -، وقيل: المشهور من كلام العرب أنها عظام ~~الصدر والنحر. # شك وتحقيق # كيف تتولد الأعضاء المختلفة من المني # قيل: إن المني متشابه الأجزاء، والقوة المولدة لا شك أنها قوة ~~عديمة الشعور والإدراك، وعلى تقدير شعورها وإدراكها، فسبيلها سبيل ~~البسائط المؤثرة على نهج واحد وسنة متشابهة، والتي هذا شأنها إذا فعلت ~~في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن تفعل فيها فعلا واحدا متشابها، فكان ~~يلزم أن يكون المولد من المني كرة واحدة لها طبع واحد، والمشاهد خلافه، ~~وهذا هو الحجة في إثبات كروية البسائط. # وهذا الشك مدفوع - لا بما ذكره صاحب التفسر الكبير - من أن اللازم ~~المذكور - وهو كون المتولد كرة - لازم على تقدير كون المني مختلف ~~الأجزاء أيضا، لأنا إذا فرضنا مركبا فلا بد وأن تكون الأجزاء البسيطة ~~حاصلة فيه بالفعل، ولكل منها قوة بسيطة تفعل في مادة بسيطة، فيجب أن ~~تكون كل واحد منها كرة، والمتولد من المني كرات مضمومة بعضها ببعض، ~~فإنه أيضا فاسد لأنه جدلي - كما لا يخفى -. # بل (لأنه) لا يلزم من اقتضاء القوة البسيطة استدارة الجسم المتشابه ~~الأجزاء المقدارية التي لم تتألف من أجسام مختلفة الصور كالبسائط ~~العنصرية والفلكية، اقتضاؤها لاستدارة ms1933 الجسم المتشابه الأجزاء ~~المقدارية التي تألفت من أجسام مختلفة الصور، لظهور الفرق القادح، فإن ~~القوة البسيطة يمتنع اختلاف تأثيرها في الأول دون الثاني لاختلاف ~~المادة المتصرف فيها بتهيئة المغيرة لكل غضو مادة تليق به، ثم ~~بإفادة المصورة ما يحسن لها من التصوير والتشكيل. # تذكرة: # ولبعض الحكماء كلام في هذا الباب ليس ببعيد عن الصواب، لا بأس بذكره، ~~وهو أن المادة المنوية تستعد لأمر واحد وهو النفس، ولكن النفس لها ~~آلات ولوازم وقوى متخالفة تتحد نوعا من الاتحاد، فيجب أن يكون في ~~المادة استعدادات بالقوة مختلفة متحدة على ضرب من وجوه الوحدة، وهي ~~كيفية المزاج، كاتحاد أشياء بالانتساب إلى مبدأ واحد، لأن اختلاف ~~الاستعدادات في المادة أمور بالفعل فكان أشياء فيها تركيب، ثم كل قوة ~~يجب أن تكون قد تركبت فيها هيآت هي لوازم لتلك القوى بها تصير فعالة، ~~فبسبب هذه الآلات ينقسم عضو واحد إلى أعضاء كثيرة، وبسبب اختلاف ترتيبات ~~القوى تختلف أوضاع هذه الأعضاء، كما أن بالعلوم والمعقولات التي وجدت ~~للأول والعقول وجد ما بعده، وكما تنتقش في العقول تلك الصور على سبيل ~~اللزوم من دون شركة المادة واستعداداتها، فكذلك تنتقش في القوة ~~المصورة من النفس هيآت تنبعث منها صورة شكل الإنسان بشركة المادة لوجود ~~هذه القوة في المادة. # تتمة # القلب رئيس أعضاء الحيوان # يجب للمتفكر أن يعلم أن النفس إذا تعلقت بأول عضو كالقلب، صار البدن ~~نفسانيا، فالنفس تحيي الحيوان بالقلب، وإن فرض مجردا عن باقي الأعضاء ~~ما دام صلوحه للتعلق، وهو كونه ذا بخار لطيف في تجويفه، ولكن إنما يتم ~~مزاج الروح الذي يصلح لحمل قوى الحس والحركة في الدماغ لحصول الاعتدال ~~هناك على وجه الكمال، كما أن قوى التغذية يتم فعلها بالكبد وينشأ ~~حاملها من القلب، فجميع هذه القوى أولا تنفذ من القلب إلى غيره، كما ~~أن عند مخالف هذا القول يكون مبدأ الحس في الدماغ، لكن أفعال الحس لا ~~تتم به بل بأعضاء أخرى. # وإنما وقع هؤلاء فيما وقعوا لغفلتهم عن أن القلب هو بالحقيقة ms1934 العضو ~~الرئيس الذي به يصير الجسم حيوانا ذا نفس، وما سواه خدام له. # والكلام في تفصيل الآلات والقوى النفسانية وكيفية ظهورها، وكيفية ~~تكون الجنين، خروج عن ظهور هذا المقام - والله ولي الإنعام -. ### || [86.8] # بين الحق سبحانه في الأول حال المبدأ، وأمر الإنسان بأن ينظر بدو ~~أمره ومادة وجوده. # وأشار ثانيا إلى أن يعلم من أصل خلقته ومادة طينته ما يتسبب به أمر ~~معاشه ومعاده، وليكتسب الحكمة الخلقية والمنزلية والمدنية، ويعلم ~~أن محله العجز والافتقار، ومقامه النقص والاضطرار، ليس له على شيء يد، ~~ولا له على نفسه سلطان، ويستفيد من ذلك العلم بقدرة الحق وسلطانه، وباهر ~~حكمته ببرهانه، وتفرده بوجوب الوجود، واستغنائه عن كل موجود. # وأشار ثالثا إلى معاده، وأنه ممكن مقدور عليه، ولا تتقاصر عنه القدرة ~~الإلهية والمكنة الجبروتية. # ولما كان العلم بالموت من اليقينيات التي لا شبهة فيها، أعرض عن ذكره ~~صفحا، وذكر المعاد الذي هو من مزال الأقدام ومداحض العقول والأفهام، ~~وتعرض لبيانه على وجه التعريض والتلويح - ورب تعريض أبلغ من التصريح - ~~فقال: إنه -، الضمير للخالق، لدلالة " خلق " عليه - لقادر - ~~ليبين أن القدرة لا يتأبى عنها شيء من المقدورات ولا يعجز، يعني أن ~~الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة هي أمر بالقوة في غاية الوهن والسخافة، ~~وقبول الآفة والفساد، فهو قادر على إعادته. # والتنكير في قوله: " لقادر " للتفخيم، أي لقادر وأي قادر، ~~ونظيره: " انني لفقير ". # ومعنى " الرجع " رد الشيء إلى أول حاله، فعن الحسن والجبائي وقتادة: ~~إن الذي خلقه ابتداء من هذا الماء يقدر على أن يرجعه حيا بعد الموت. # وعن عكرمة ومجاهد: إنه لقادر على رد الماء في الصلب. # وعن الضحاك: إنه على رد الإنسان ماء كما كان قادر. # وقال مقاتل بن حيان: كأنه يقول: " إنه قادر على رد الإنسان من ~~الكبر إلى الشباب، ومنه إلى الصبى، ومنه إلى النطفة، ومنه إلى ~~الإحليل، ومنه إلى الصلب، فكيف لا يقدر على إحيائه بعد الموت. # والأصح القول الأول، لأن قوله جل اسمه: ### || [86.9] # منصوب ب " رجعه " ، اللهم إلا أن ms1935 نصب من جعل الضمير في " رجعه ~~" للماء، وفسره برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب، أو الإحليل، أو ~~للإنسان، وفسره برده ماء، أو بما فسره مقاتل بمضمر الإبتلاء ~~والاختبار. # و " السرائر ": جمع " السريرة " ، وهي ما أسر في القلوب من العقائد ~~والنيات، أو في النفوس من الأخلاق والصفات. # و " بلاؤها ": تعرفها، والتميز بين حقها وباطلها، وحسنها وقبحها، ~~وطيبها وخبيثها. قال الشاعر: # ستبقى لها في مضمر القلب والحشا # سريرة ود يوم تبلى السرائر # وعن الحسن: إنه سمع رجلا ينشد هذا البيت، فقال: ما أغفله عما في: # والسمآء والطارق # [الطارق:1]. # تبصرة # العوالم الثلاثة وسير الإنسان فيها # إعلم أن الله خلق الوجود ثلاث عوالم: دنيا وبرزخا وأخرى. ويعبر عن ~~كل منها بيوم، فكل يوم من أيام الدنيا مدة دورة الفلك الأعظم، وربما ~~يطلق على زمان دورة القمر، بل على زمان دورة الشمس أيضا، ومجموعها سبعة ~~آلاف سنة، وكل يوم من أيام البرزخ ألف سنة مما تعدون، أو سبعة آلاف ~~سنة مما تعدون، وكل يوم من أيام الآخرة - وهي أيام الله - يكون خمسين ~~ألف سنة لقوله تعالى: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج:4]. # فخلق الله الجسم عن الدنيا، والنفس عن البرزخ، والروح عن الآخرة، وجعل ~~الوسائط الحاكمة الناقلة لتنوعات عوالم الإنسان ثلاثة: ملك الموت، ~~ونفخة الفزع، ونفخة الصعق. # فالموت للأجسام، والفزع للنفوس، والصعق للأرواح، فإذا كان الإنسان في ~~هذا الدار، كان الحكم فيها ظاهرا للجسم، وهو المشهود بمشاهد الحس، ~~والمباشر للأحكام والأفعال التي تناسبه وتليق به، والنفس وأحوالها والروح ~~وأسرارها مندرجتان في وجوده، مختفيتان تحت حجابه وحجب صفاته وآثاره، ~~والإمدادات متصلة بهما بواسطته. # فإذا شاء الحق تعالى نقل النفس والروح إلى دار البرزخ، أمات الجسم ~~بواسطة ملك الموت وأعوانه، ثم تنشأ النفس في البرزخ النشأة النفسانية ~~الثانوية وتكون في عالمها البرزخي، وكانت هي المشهود بحواسها ومشاعرها، ~~فإن للنفس في ذاتها سمعا وبصرا وذوقا وشما، وهذه الحواس الدنيوية ~~ظلال تلك الحواس وحجاباتها، أولا ترى أنها تنفتح وتعمل فعلها عند ~~رقود هذه ms1936 الحواس، كما في المنام - والنوم أخ الموت -. # وهي أيضا هناك مباشرة للأحكام وقادرة على الأفعال بنفس تلك الحواس، ~~لأن مبادي الحواس ومبادي الأفاعيل هناك متحدة، والإمدادات يومئذ متصلة ~~بالجسم والروح بواسطتها، وصورتها في البرزخ على صورة ما غلب عليها من ~~الأعمال والأخلاق والنيات. # فقوله تعالى: # إنه على رجعه لقادر # [الطارق:8] - أي: على رجع النفس، والتذكير بتأويل أنها عين الإنسان ~~المذكور صريحا، أو المخلوق المذكور ضمنا. # و " اليوم " ، في قوله: { يوم تبلى السرآئر } ، يوم ~~البرزخ، وهو القيامة الوسطى، إذ فيه تختبر سرائر النفس، لأنه يوم ~~علنت الضمائر النفسية وخفيت الظواهر الجسمية، وفيه يحشر الناس على ~~صور نياتهم - كما ورد في الحديث -. وورد أيضا: " يحشر بعض الناس على ~~الصورة تحسن عندها القردة والخنازير ". # وذلك لاستيلاء الصفات الشهوية والغضبية على نفوسهم أكثر مما تستولي ~~على نفوس تلك الحيوانات، وفيه يتميز الخبيث من الطيب المشار إليه في ~~قوله تعالى: # حتى يميز الخبيث من الطيب # [آل عمران:179] - الآية - وفيه امتياز المجرمين عن المؤمنين، كما في ~~قوله تعالى # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس:59]. # فالبرزخ عالم مستقل بين عالمي الدنيا والآخرة المحضة، كالشفق والفجر ~~بين الليل والنهار، وهو مستقر الأنفس والأرواح المنتقلة عن هذه الدار من ~~بدو الزمان إلى حين انقضائه لقيام الساعة الكبرى، والقيامة العظمى، وله ~~آيات تشير إليه: # قال الله تعالى: # ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون # [المؤمنون:100] # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # [مريم:62]. وقال: # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # [غافر:46] يعني دار البرزخ. # ونبه عن الدار الآخرة بقوله: # ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب # [غافر:46]، لأن فرعون وآله كانوا من أهل الشقاوة العقلية، والحجاب ~~السرمدي عن رؤية ربهم، كما أشير إليه في قوله: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين:15]. # وذلك لمكنة استعداداتهم، وعلو فطرتهم بسبب مزاولتهم العلوم الجدلية ~~والمحاجات السفسطية. # ومما يدل على عالم البرزخ أيضا قوله: # فأما الذين شقوا ففي النار # [هود:106] - الآيتان - يعني - والله أعلم -: جنة البرزخ وجحيمه، لأن ~~مدة الخلود فيهما مقدر بدوام السموات والأرض، فإذا انقضى حكمهما ms1937 جسما ~~ونفسا بالتبديل الأخروي إلى عالم العقل والجبروت وموطن الأرواح ~~العقلية، انقضت مدة الخلود فيهما، فخلودهما لأمد وجوده بشرط غيره. # وليس كذلك دوام أهل الآخرة الكبرى، إذ لا أمد لها، ولا وجودها مقدر ~~بوجود غيرها. # ومما يدل على البرزخ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران ". # وما وري أيضا عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): # " إن أرواح المؤمنين في حواصل طير بيض، وأرواح الشهداء في حواصل طير ~~خضر، ترتع في الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش ". # وهذه حالة الروح في جنة البرزخ، حين تصور النفس بالصور الإنسانية ~~البرزخية، فهي في هذه الحالة في عالم بين العالمين: عالم الأجسام ~~وعالم الأرواح. فإذا أراد الله تعالى نقل الأنفس من دار البرزخ حين كمل ~~اليوم الدنيوي، نقلت الأنفس من البرزخ بنفخة الفزع، وتعاد إليها الأجساد ~~الدنيوية كما قال الله تعالى: # ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن ~~في الأرض إلا من شآء الله # [النمل:87]. # ثم بين أن نفخة الفزع مختصة بنقل الأنفس من دار البرزخ بقوله تعالى: # وكل أتوه داخرين # [النمل:87]. # وقال أيضا مخبرا عن النشأة الأخروية الروحانية بقوله: # ثم الله ينشىء النشأة الآخرة # [العنكبوت:20] وهذه نشأة تكون بعد صعق الأرواح حين يقول سبحانه: # لمن الملك اليوم # [غافر:16] فلا يجيبه أحد فيجيب نفسه بنفسه فيقول: - # لله الواحد القهار # [غافر:16] وذلك لأن المجيب قبل ذلك هو الروح السامعة المجيبة المقرة ~~الطائعة، فلما اجريت عليها هذه الوفاة المميزة لها بصفة الحدوث، ~~المنزهة لبارئها بصفة القدم، لم تجب. وهذا الصعق هو نهاية الأجل ~~المسمى عنده، المعبر عنه بخمسين ألف سنة. # ثم يحي من هذا الصعق بالنفخة الثانية بمزيد اختصاص التجلي الأكمل في ~~المظهر الأعظم المظهر للأسماء الباطنية التي نبه عليها بقوله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) على ما روي عنه: # " فأحمده بمحامد لا أعرفها الآن ". # ففي هذه النشأة الأخروية الروحانية، كانت الروح هي المشهودة المباشرة ~~للأحكام الأخروية، والنفس والجسم مندمجان فيها مختفيان تحتها. # وفي قوله ms1938 تعالى: # الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون # [الروم:11] إشارة إلى هذه النشآت الثلاث، والله أعلم بسرائر الأمور. ### || [86.10] # " القوة ": كالسمع والبصر والنامية والغاذية. و " الناصر ": كالأهل ~~والولد والخيل والبغال، وكلاهما مسلوبان في النشأة الثانية عن الإنسان، ~~وذلك لأن وجودهما بإمداد الأسباب العرضية، والعلل الخارجية ~~الإتفاقية التي يختص وجودها بهذا العالم، وهو عالم المواد ~~والاستعدادات الناشية عن الجهات القابلة والحركات. # وأما النشأة الآخرة، فالمبادي هناك ذاتية لا اتفاقية، والجهات ~~منحصرة في الجهات الفاعلية الآخذة من المبدأ الأعلى، فيكون الحق ~~متفردا في ذلك اليوم بالحكم والاقتدار، وبه التمكن والإقدار، والنصرة ~~والإنتصار، فلا قوة ولا منعة للإنسان في ذلك اليوم يمتنع بها، ولا ناصر ~~ولا دافع يمنع ويذب عنه، لارتفاع النسب الوضعية والأنساب العنصرية ~~البشرية، فالأمر يؤمئذ لله، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، ليس لأحد ~~غيره ملك ولا سلطان، ولا قدرة ولا قوة على شيء، بل الكل يكونون يومئذ ~~مشغولين بأنفسهم # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصاحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس:34 - 37]. # فإن قيل: هل فيه دليل على نفي الشفاعة؟ # يقال: لا، لأن الضمير في " له " راجع إلى الإنسان، وهو كالمهملة في ~~قوة الجزئية - هذا ما قيل -، ويخدشه قوله تعالى: # لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس:37] لأنه يدل على العموم. # والحق أن الشفاعة لا تثبت إلا بعد تحقق المناسبة الذاتية بين ~~الشافع وما يشفع له، وكون الشافع من الوسائط العقلية لا الوضعية، فعلى ~~هذا لا تنافي ثبوتها كلية الحكم المذكور، إذ السلب من جهة والإيجاب من ~~جهة أخرى كما علمت. ### || [86.11-12] # هذا قسم آخر منه سبحانه تأكيدا لأمر القيامة. # و " الرجع ": المطر. سمي رجعا كما سمي " أوبا " لأنه يرجع ~~ويؤوب كل حين - من باب إطلاق المصدر وإرادة المشتق، أو من باب حمل ~~معناه عليه مبالغة، أو لإرادة التفاؤل - فسموه رجعا وأوبا ليرجع ~~ويؤوب، ولا يبعد أن يقال: سمي بالرجع، لأن الريح ترفع الأبخرة والأدخنة ~~من البحر والأرض وتسير بهما إلى الجو وتنعقد سحابا ماطرا ms1939 فتمطر، ~~والمطر يرجع إلى حيث رفع منه، لأن السيول والأودية تجريان وتنصبان إلى ~~البحر أخيرا. # وقيل: رجع السماء: إعطاؤها الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال على ~~مرور الأزمان، فترجع بالغيث وأرزاق العباد. # ولأحد أن يقول: السماء ذات الرجع، لاستدارة حركتها، فهي كل آن ترجع ~~إلى موضع فارقته. أو أنها ذات الرجع، لكونها ذات كواكب راجعة في سيرها، ~~وسمي الكوكب " رجعا " بأحد الوجهين المذكورين، وهي الخمسة المتحيرة ~~التي يكون كل منها في فلك غير شامل للأرض يسمى بالتدوير، يحمله فلك شامل ~~لها يسمى: بالحامل، نسبة حركة أحدهما وهو " التدوير " إلى حركة الآخر ~~سرعة، أعظم من نصف قطر الآخر إلى نصف قطره، ونسبة حركة الآخر إلى الأول ~~بطؤا، بالعكس - كما برهن عليه في علم الهيئة بمقدمات هندسية -. # وهذا يوافق ما نقل عن ابن زيد في مجمع البيان أن المعني بالرجع شمسها ~~وقمرها ونجومها لأنها تغيب ثم تطلع. # وهنا وجه آخر؛ وهو أن الإنسان لما كان عالما صغيرا فيه جميع ما في ~~هذا العالم، فلا يبعد أن يراد بقوله: { والسمآء ذات الرجع } ~~- الدماغ وما فيه من القوى المدركة والمتصرفة، وما يحصل له من الأحوال ~~المذكرة، والإلهامات والعلوم الراجعة المتكررة، وإن شئت خصصت الرجوع ~~بالقوة المذكرة ويقال لها: " المسترجعة " ، ومحلها التجويف المؤخر من ~~الدماغ، فأعرفها فإنها دقيقة نفيسة. وعند تأويل السماء بالدماغ، ينبغي ~~أن تأول الأرض بمثل المعدة أو الكبد، حيث يتصدع عما ينبعث منه من ~~الأغذية والأبخرة. # و " الصدع ": اسم ما يتصدع عنه الأرض من النبات، أو تنشق من الأشجار ~~والعيون وغيرها. # ولا يبعد أن يراد من الأرض والنبات قلب الإنسان، أعني نفسه الناطقة، ~~ومراتب استعداداتها الناشية منها بامداد الفعال الذي هو كالسماء، فان ~~النبات له أزواج متفاوتة وأصناف مختلفة، فيكون بعضها إشارة إلى المرتبة ~~الأولى للاستعداد وهو العقل الهيولاني الذي هو أول مراتب النفس القابلة ~~للمعاني الكلية. # وبعضها يكون تلويحا إلى ثاني مراتبها المسمى بالعقل بالملكة الحاصل ~~باستعمال الحواس وحصول الأوليات، وهو مناط التكليف. # وبعضها يكون إيماء إلى المرتبة الثالثة، ms1940 ويسمى حينئذ عقلا بالفعل عند ~~تحصيل النظريات لها، بمعنى أنها متى شاءت والتفتت إليها حصلتها بلا ~~كسب وتعمل. # وبعضها يكون إشارة إلى المرتبة الرابعة، وهي حصول العلوم الكلية ~~والحقائق العقلية لها مشاهدة، ويسمى العقل المستفاد المضيء في دار ~~المعاد. # وعند هذا التأويل، يكون معنى " السماء ذات الرجع " العقل الفعال، لأنه ~~يسترجع النفوس من هذا العالم إلى ما هبطت منه من المحل الأعلى كما قال ~~بعض الحكماء: # هبطت إليك من المحل الأرفع # ورقاء ذات تعزز وتمنع # وما أشبه حال هذه المراتب الحاصلة من أرض النفس الناطقة بتأثير سماء ~~عالم العقل، بحال المواليد الحاصلة من الأرض، فإن الجماد بإزاء العقل ~~الهيولاني، لما فيه من قابلية كونه غذاء للإنسان، والنبات بإزاء العقل ~~بالملكة، وفيه استعداد تغذيته بالحيوان وخصوصا الحصة من الجنس التي ~~تكون في الإنسان بإزاء العقل بالفعل، لأنه قريب التهيؤ لأن يصير ~~إنسانا، والإنسان الحسي بإزاء العقل المستفاد الذي هو الإنسان العقلي - ~~فاعلمه فإنه كثير الجدوى -. ### || [86.13-14] # هذا جواب القسم، والضمير للقرآن، يعني أن القرآن يفصل بين الحق ~~والباطل بالبيان عن كل واحد منهما، ولذلك يقال له: " الفرقان " وهذا هو ~~المروي عن الصادق (ع). # فإن قلت: لم يسبق ذكر القرآن ليصح إرجاع الضمير إليه. # قلت: الأمن من الالتباس مسوغ هذا الإضمار، لأن وصف كونه فصلا ليس ~~بهزل، مشعر بأن المراد هو الكتاب العزيز الذي لا يتأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه. # وقيل: معناه إن الوعد بالبعث والاحياء بعد الموت قول فصل، أي مقطوع به ~~لا خلاف ولا ريب فيه. # ولا يبعد أن يراد بالقول ما هو بمعنى التكوين - على إرادة المفعول -، ~~ويكون إشارة إلى تحقق البعث، وفيه يتميز المحق من المبطل، ولهذا ~~يكون يوم القيامة " يوم الفصل " لأن الآخرة دار الفصل والتميز ~~والافتراق تتفرق فيه المختلفات معنى، وتتميز فيها المتشابهات صورة - # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون # [الروم:14] والدنيا دار اشتباه ومغالطة يتشابك فيها الحق والباطل، ~~ويتعانق فيها الخير والشر، والنور والظلمة. # وإن صدق على الآخرة أنها يوم الجمع، لأن هذه ms1941 الأزمنة والأمكنة ~~الدنيوية سببان لاحتجاب الكائنات بعضها عن بعض، فإذا ارتفعا في القيامة، ~~ارتفعت الحجب بين الخلائق فيجتمع الخلائق كلهم، الأولون والآخرون # قل إن الأولين والآخرين * لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # [الواقعة:49 - 50] فهي يوم الجمع، ويوم الفصل، ولا منافاة بين هذا ~~الجمع وذلك الفصل، بل هذا يوجب ذاك كما قال سبحانه: # هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين # [المرسلات:38]. # وما هو - أي القرآن - بالهزل - بل هو جد كله. أو القول بوقوع ~~الساعة ليس مجازفة، بل أمر يقيني، وعلى هذا التأويل الذي ذكرناه، يكون ~~معناه أن تكوين القيامة ليس عبثا، بل لغرض المجازاة وإصابة كل أحد بما ~~قدمت يداه، نحو قوله تعالى # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما لاعبين # [الأنبياء:16] وذلك لأن الهزل والجزاف والعبث ينبئ عن نقصان قابله أو ~~قصور فاعله، وأنه سبحانه هو الكامل المطلق والقيوم بالحق والعزيز ~~العليم، الذي لا يحام حول سرادقات عزته وجلاله نقصان. # كيف وليست إرادته ومشيته ناشيتين عن داع زائد على ذاته يقهره وغرض ~~يجبره، لأن كبرياءه أرفع من أن يتطرق إليه تمثال أحد، وجنابه أشمخ من ~~أن يتخاطاه قدم ممكن، فقد جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد، ~~أو أن يطلع عليه ألا واحدا بعد واحد. # مناجاة: # فانتهي - يا نفس - عن الهزل واللدد، وتخلقي بأخلاق الله الواحد ~~الأحد، واستيقظي عن نوم الغافلين، وانتبهي من رقدة الجاهلين الذين لا ~~يهممهم إلا هواهم، ولا يحركهم إلا مناهم ومشتهاهم # ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله وما نزل من الحق # [الحديد:16] يا نفس دعي الهوى واسلكي سبل ربك بالهدى، ألم يأن لك وقد ~~شبت وما انتبهت، وبلغت سنك إلى خمسين وما خرجت عن باب عتبتك قدما ~~إلى منازل القديسين. # اللهم أتمم لنا نورنا، واغفر لنا ذنوبنا، إنك على كل شيء قدير ~~وبإعانة الملهوفين جدير. ### || [86.15-16] # الضمير راجع إلى مشركي مكة، لأن السورة مكية، أي: يعملون المكايد ~~والحيل في إبطال القرآن، وإطفاء نور الله - ويأبى الله إلا أن ~~يتم نوره -، فيكايدهم ويقابلهم بكيده، أي: يدبر ms1942 ما ينقض تدابيرهم ~~ويهدم مكائدهم. وسمي ذلك كيدا من حيث خفائه عليهم أولا، وظهوره ~~أخيرا على نحو الاستدراج ونحوه. # ولا يبعد أن يراد بالكائدين القوى النفسانية وخصوصا الوهمية المكارة ~~المنازعة للقوى القدسية في طريق الحق، فإنها وإن كانت منازعة إياها، ~~إلا أن الله بإفاضته نور الهدى على قلب عبده المؤمن، وإعطائه له ~~البرهان النير القدسي، والتأييد التام الحدسي، يغلبها على قواها ~~كلها، ويظهرها عليها، ويخلصها من كيد القوى سيما الوهم الذي هو خليفة ~~الشيطان في عالم الإنسان، ويجذبها إلى عالم القدس بإبطال كيد جنود ~~الشيطان، وجعلها مسخرة خادمة للقوة القدسية، مطيعة مناقادة مشايعة ~~معها إلى جناب الحق مسلمة مسالمة، بعدما كانت أنفة منازعة متأبية ~~عن طاعة الحق كافرة جاحدة. # كشف # معنى إسناد الكيد إليه تعالى # إسناد الكيد إليه سبحانه من باب المجاز - كما هو الظاهر -، فتكون ~~العلاقة هي المزاوجة، كقوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40]. وإطلاق اسم الضد على الضد أو ترتب الغاية، فإن أوصافه ~~تعالى الفعلية في أكثر المواضع إنما توجد باعتبار الغايات لا باعتبار ~~المبادئ كالرحيم والمنتقم وغيرهما - مما لا تنفك مباديها عن انفعال ~~وتأثير في الموصوف بها، فكيده تعالى عبارة عن إنزال المكروه بالمكيد من ~~حيث لا يشعر، استعارة من فعل الكايد بمن يكيده. # فالمعنى: إنه تعالى يجازي الذين شمروا لإبطال القرآن أو إطفاء نور ~~الرسول الذي هو هدى للناس ورحمة، أو إبطال نور القوة القدسية التي هي ~~نور يهتدى به في ظلمات بر المحسوسات، وبحر المعقولات، بكيد منه. # فيظهر الكتاب على سائر الكتب السماوية، ويظهر الدين الذي صدع به على ~~الدين كله ولو كره المشركون، ويقهر النور القدسي على ظلمات سائر القوى ~~الوهمية والخيالية والحسية التي بعضها فوق بعض. # ثم أن تقييد الفعلين بالمصدر المؤكد وتنكيره، إشعار بأن الأمر ذو شأن ~~عظيم وخطب جليل. " الحق أبلج والباطل لجلج ". # وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا # [الإسراء:81]. ### || [86.17] # أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يمهلهم، ولا يتصدى للانتقام ~~منهم ولا يشتغل بمكايدتهم ms1943 ومماراتهم، ولا يقدم على مجادتلهم ومباراتهم، ~~وأن يستظهر بكيد الله عنه ومناضلته دونه، ومن ثم جاء بفاء السببية ~~ليدل على أنه إذا علم أن الله يكيد له ويذب عنه لزمه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أمهالهم والوثوق بصنع الله. # ويعلم من قوله: " رويدا " أن النصرة تأتيه عما قريب، فإنه اسم ~~للإمهال اليسير. فإن كان المراد عذاب يوم بدر، فالمعنى " لا تعجل علي في ~~طلب هلاكهم، بل اصبر عليهم قليلا، فإن الله يجزيهم لا محالة بالقتل ~~والذل في الدنيا " ، وإن كان المراد عذاب يوم القيامة ونكال الآخرة، ~~فالمعنى " قلل الإمهال ولا تعاجلهم بعذاب الله وانتظر بهم، وارض بتدبير ~~الله فيهم وقضائه عليهم، لأن ما هو كان آت لا محالة فهو قليل ". # والنكتة في تكرير أصل اللفظ مع تغيير الهيئة، إفادة زيادة التسكين منه ~~والتصبير عليه. # وقال ابن جني: قوله { فمهل الكافرين أمهلهم } غير ~~اللفظ لأنه آثر التوكيد وكره التكرير، فلما تجشم إعادة اللفظ انحرف ~~عنه بعض الإنحراف بتغيير المثال، فانتقل عن لفظ " فعل " إلى لفظ " ~~أفعل " فقال: أمهلهم، فلما تجشم التثليث جاء بالمعنى وترك اللفظ ~~قطعا فقال: " رويدا ". # لمعات رحمانية عن أنوار قرآنية: # إن في الآية تنبيهات على علو منصب الرسالة وكمال عناية الله في شأن ~~الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) # أحدها: أنه لم يأمره بمكايدتهم ومماكرتهم إيذانا بأنهم ليسوا بمراتب ~~معارضته، بل هم أقل وأخس وأحقر وأذل من أن يتصدى (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لمدافعتهم وممانعتهم. # وثانيها: أنه قابل كيدهم بكيده تعالى إشعارا بأنه تعالى للرسول ~~بمنزلة المحب الموافق للحبيب، أو الأب الشفيق للولد، حتى تكون مخاصمتهم ~~له مخاصمتهم لله تعالى. # وثالثها: الإشارة إلى أن كل من خالف أمره ونهيه أذن بحرب من الله ~~كما إليه الإشارة بقوله: # " من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب " # وفي رواية: # " من بارز لي وليا فقد بارزني ". # فكيف بإيذاء من هو سيد الأنبياء وأكمل الأولياء (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ومبارزته؟ # ورابعها: أنه تعالى أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يمهلهم ms1944 ويهملهم ~~ولا يشغل سره بدفعهم ومنعهم، فلا يشوش ضميره المنير، ولا يكدره، ولا ~~يوزع خاطره الشريف بالتفكر في خصومتهم، بل يلتجي في استدفاع مضرتهم ~~واستكفاء مؤنتهم إلى جناب الحق، ليجازيهم على مكائدهم وساير أفعالهم ~~السيئة أسوأ الجزاء، من غير أن يسعى هو في ذلك، تعظيما لشأنه وإجلالا ~~لمكانه، واسترفاها لباله، وتصفية لضميره الذي هو محل الواردات ~~القدسية ومورد السكينات الإلهية. # وخامسها: الدلالة بطريق المفهوم على تسلية خاطره (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بأنه تعالى يبيد أعداءه، فإن المعنى: أمهلهم أنت ولا تكايدهم، ~~فإني أكفيك كيدهم، وأدفع شرهم، فاكتف بكفايتنا، واستظهر بعنايتنا، ~~فإنا نعصمك من الناس ونكفيك الناس، ونعيذك من شر الوسواس الخناس، كل ~~ذلك طمأنينة له وتسكينا لقلبه المقدس. # وفيه إيماء إلى أنه ينبغي أن يرفق بالدعوة، ويدرج في التكميل، ويمهل ~~المدعوين ريثما ينظروا ويتفكروا، فعسى أن يهتدي فيهم من قدرت هدايته. # وبلفظ الهداية نختم الكلام، رجاء أن يجعلنا من المهتدين، حامدين لله على ~~نعمه وسوابغ منحه، ومصلين على ملائكته وأنبيائه واوليائه، خصوصا على ~~حبيبه محمد خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأهل بيته وعترته ~~الطاهرين، جعلنا الله من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بفضله وكرمه ~~ومنه وجوده ونعمه. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-3] # ليس المراد من صيغة الأمر في مثل " سبح " و " أحمد " " واشكر " و " ~~اذكر " بحسب الوضع العرفي، مجرد التلفظ بما يدل على وقوع معناه ~~الحدثي، بل المراد إيقاع معانيها وإدخالها في الوجود بوجه يتأتى من ~~المخاطب المأمور، وكذلك ليس المطلوب في لفظ " سبح " هنا مجرد قولك " ~~سبحان ربي الأعلى " ، ولا في آخر الواقعة مجرد قولك " سبحان ربي ~~العظيم " فقط، نظرا إلى ظاهر ما روي في الحديث: انه # " لما نزلت: { فسبح باسم ربك العظيم } [الواقعة:74] ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إجعلوها في ركوعكم، فلما ~~نزلت: { سبح اسم ربك الأعلى } - قال: اجعلوها في سجودكم " # وكانوا يقولون في الركوع " اللهم لك ركعت " وفي السجود: " اللهم لك ~~سجدت ". بل المقصود الأصلي منه تحصيل العلم والمعرفة بتنزيهه ms1945 تعالى عما ~~لا يصح فيه من النقائص الإمكانية، وتقديسه عما لا يجوز له من المثالب ~~الجسمانية، وكل ما يوجب ثلما لوحدانيته الحقة، ويلزم نقصا على وجوب ~~وجوده من التكثر والتغير والتجسم والتصرم وساير مذاهب الجاهلية في ~~ذاته أو في صفاته، والإلحاد في عظمة اسمائه وحيثياته، كالجبر والتشبيه ~~والسفه والتعطيل الناشية من قصور أو خلل أو فساد في البصيرة الباطنية ~~كحول الفلاسفة، وعور المعتزلة، وعمه الأشاعرة، وكمه الحنابلة، ~~ونحو ذلك، مثل أن يفسر " الأعلى " في هذه الآية بمعنى الارتفاع عن درجة ~~الإمكان، والعلو عما تصل إليه العقول والأذهان بقوة الدليل والبرهان، ~~لا بمعنى العلو في المكان، والإستواء على العرش حقيقة. # وهاهنا سر آخر، وهو أن المراد بالتسبيح في عرف المتألهين، كون ~~المسبح ذاتا مجردة عن المواد وعوارضها، والأجسام وصورها، لأن مبدأ ~~كل صفة على وجه الكمال، يجب أن يكون في مرتبة ذاته متحققا بها على وجه ~~آكد وأقوى. # فمعنى قوله: { سبح اسم ربك } أي: جرد ذاتك عن الدنيا ~~وغواشيها، حتى تعرف تقدس اسم الله عن النقائص الإمكانية، واجل مرآة ~~قلبك عن مطالعة الكائنات، حتى يمكنك ملاحظة ذاته وصفاته وأفعاله من غير ~~شوب تشبيه في ذاته وتعطيل في صفاته، وتغيير وتبديل في سنن أفعاله. # ويحتمل أن يكون المراد من { اسم ربك الأعلى } المعلول الأول، ~~وهو الملك المقدس الروحاني، فإن اسم الحق - جل شأنه - ليس من جنس ~~الأصوات، وعلامة ذاته لا تكون كعلامة سائر الذوات من الهيآت والتشكيلات ~~العارضة للهواء، الخارج من المخارج، بل علامة ذاته واسمه المقدس ما ~~يناسب ويليق لحقيقته الحقة الأحدية. # والعبارة أيضا لا تساعد على غير هذا إذ الأمر بتسبيح الاسم - بمعنى ~~الصوت - غير مناسب، لأنه يسبح به، لا يسبح له. # بل المأمور به هو الاعتقاد بأن الفعل الرباني والاسم الإلهي موجود ~~روحاني مقدس عن الأجسام والجسمانيات، مجرد عن الأحياز والمكانيات. # وذلك لأن الصادر الأول عن الحق سبحانه، يجب أن يكون أمرا واحدا ~~بالفعل، مستقلا في الوجود والتأثير. وغير الجوهر العقلي لا يكون كذلك ~~لانتفاء الوحدة من الجسم، والفعلية ms1946 من الهيولى، واستقلال الوجود عن ~~الصورة والعرض والتأثير من النفس. # ويؤيده ما ذكرناه قوله سبحانه: # تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام # [الرحمن:78] لأن وصف الشيء بذلك يدل على أنه عاقل لذاته. # واعلم أن " اليمين " و " اليد " و " الأمر " و " القلم " في قوله ~~تعالى: # والسماوات مطويات بيمينه # [الزمر:67] وقوله: # يد الله فوق أيديهم # [الفتح:10] وقوله: # والسمآء بنيناها بأييد # [الذاريات:47] وقوله: # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر:50] وقوله: # اقرأ وربك الأكرم * الذى علم بالقلم # [العلق:3 - 4] كلها عبارات عن هذا الملك المقدس الروحاني، الذي هو ~~يمين الله، وواسطة فيضه، وقلم كتابته الحقائق على ألواح النفوس، وحجاب ~~ذاته وسرادق غيبه، الذي ينتهي إليه سير السالكين إلى الله تعالى، فلهذا ~~أمر سيدهم وقائدهم بتسبيحه وتمجيده الدالين علو الحق ومجده. # فمن جملة الطرق الموصلة إلى معرفة علوه ورفعته في كونه تعالى رفيعا في ~~وجوده عن درجة الأجسام، الاستدلال عليه بخلق الحيوان الذي هو أشرف ما في ~~العناصر والأركان، بنوعين من البيان، حسب تركب حقيقته من النفس والبدن. # أما الاستدلال على علو ذاته وسمو صفاته عن درجة الأجرام بخلقة ~~الحيوان، فهو الذي أشار تعالى إليه بقوله تعالى: { الذي خلق ~~فسوى }. # وذلك: أن بدن كل مقدر بمقدار معين وكمية خاصة تتعين له وتختص ~~به، لأجل صدور أفعاله المختصة، وحركاته وانفعالاته الناشية عن قوته ~~التحريكية والإحساسية، فلا جرم قدر الباري بعنايته المحكمة لكل ~~حيوان مقدارا من التجسم الصالح لصدور أفعاله وآثاره الحيوانية، وهذا ~~التقدير هو الخلق، لأن الخلق في اللغة هو التقدير. # وأيضا كل بدن حيواني مركب من عناصر وأجزاء بعضها حار خفيف، وبعضها ~~بارد ثقيل، وبعضها رطب لقبول الهيئة والتشكل، وبعضها يابس لحفظ ما أفيد ~~من التقويم والتعديل، ويجب أن يكون لكل منها قدر معين، ليقع بينها ~~التصالح والتقاوم حتى يتولد عن كيفياتها المتعادلة المتفاوتة، المزاج ~~المخصوص، ولو زادت تلك الأجزاء أو نقصت، كان الحادث غير مزاجه الخاص به، ~~وهذا هو التسوية. # فعلم من إيجاده قدرا معينا من أقدار الجسم لائقا بخلقة نوع من ~~الحيوان، وقدرا معينا ms1947 آخر منها لائقا بخلقة نوع آخر منه، تساوي نسبته ~~إلى جميع الأجسام، وكل ما يكون كذلك لا يكون جسما ولا جسمانيا. # أما الأول: فلظهور أنه لو كان جسما لكان فردا خاصا منه، له مقدار ~~معين - إذ العام لا وجود له في الخارج -، وقد ثبت تساوي نسبته إلى سائر ~~الأجسام، فيلزم الترجيح من غير مرجح. # ولأنه لو كان جسما، لامتنع كونه موجدا لجسم، لامتناع تقدم بعض أفراد ~~طبيعة واحدة على بعض، وأولويته منه - حسبما تقرر في مقامه -. # وأما الثاني: فلأنه لو كان أحدهما لزم إما اختصاصه بفرد من الجسم، أو ~~افتقاره إليه، وقد نفيناه عنه. # وقد علم أيضا من التسوية، تصرفه في الأجسام كيف يشاء في التركيب ~~والتفصيل، والنضج والتحليل، فلا يكون جسما ولا جمسانيا. # وأما الاستدلال على ذلك بنفس الحيوان، فهو قوله: { والذي قدر ~~فهدى } -، لأن معناه: أنه سبحانه قدر لكل واحد من أعضاء الحيوان ~~وأجزائه المخصوصة قوة مختصة بذلك العضو، مصدرا لأفاعيله، ومبدأ ~~لآثاره ومنافعه ومصالحه، مثل القوة الباصرة للعين، والسامعة للأذن، ~~والهاضمة للمعدة، والنفسانية للدماغ، والحيوانية للقلب، والطبيعية ~~للكبد، فقدر لكل مزاج حيواني نوعا من القوى، وجعل كل مركب مزاجي ~~آلة لقوة نفسانية أو طبيعية، وهداها إلى خصائص أفاعيلها وخصوصيات ما ~~ينفعل منها، وألهمها إلى ما ينتفع منها. # فانظر إلى النحل كيف أوحى الله تعالى إليه في وضع بيوتها على هيئة ~~المسدسات وإلى العنكبوت كيف هداها إلى وضع المشبكات لاقتناص ما يتقوت ~~به من الذباب والبعوض، ومما يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة ~~عميت وقد ألهمها الله إن مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها ~~بصرها، فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام، فتطوي تلك ~~المسافة على طولها وعلى عماها حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة ~~الرازيانج - لا تخطئها - فتحك بها عينيها وترجع باصرتها بإذن الله ~~تعالى. # وهدايات الحق وإلهاماته للحيوانات - نواطقها وعجمها وطيورها وبهائمها، ~~وهوامها - إلى ما لا يحد من مصالحها، ولا يعد من حوايجها في أغذيتها ~~وأدويتها، وفي باب أولاها وأخراها ms1948 ودنياها باب واسع من معرفة الله تعالى، ~~لا تحيط به العقول والأوهام، بل إن لكل جسم طبيعي أو فلكي مبدأ ~~فاعليا وجوهرا نفسانيا وصورة محركة طالبة لفعل خاص يكون بصدوره ~~منها على كمالها الخاص بها محصلة به، وكونها على أشرف حالها مبتدية به ~~إلى ما يقربها إلى باريها وجاعلها، ومتشبهة في إفاضة الخير والمنفعة على ~~الغير بغايتها وفاعلها، - جلت عظمته وعظمت إلهيته -، فإيجاده بعلمه ~~وحكمته لكل جسم من الأجسام أمرا ملكوتيا وقوة باطنية تكون مقوم نوعه ~~وحافظ كماله، خدمة لبارئها وطاعة لربها، وعبادة لمعبودها، دليل واضح على ~~علو ذاته عن الملك والملكوت، وسمو درجته عن الخلق والأمر، وبعد سمكه ~~عن عالم السموات والأرضين وارتفاع حضرته عن جملة الأجسام والجسمانيين. # فسبحان ربي الأعلى من العليين، وأعظم من عوالي القديسين والكروبين. ### || [87.4-5] # " الغثاء " - بالضم - الدرن اليبس الذي يحمله السيل. # و " الأحوى ": الأسود. فأحوى صفة لغثاء، أي: أخرج المرعى وأنبت العشب ~~فجعله بعد طراوته وخضرته هشيما درينا أسود، ويحتمل أن يكون " أحوى " ~~حالا من " المرعى " ، أي: أنبته أسود، لشدة الخضرة والرعي فجعله غثاء ~~بعد حوية. # ووجه الاستدلال به نوعان: # الأول: هو أن النبات جسم مؤلف من عناصر متضادة متداعية إلى الإنفكاك ~~والإفتراق إلى أمكنتها الطبيعية، فلا بد في اجتماعها في مكان واحد من ~~قاهر مختار يجبرها على الإلتيام وحفظها عن الافتراق، وليس هو نفسها ~~النباتية، لأن حدوثها مسبوق بحدوث المزاج المسبوق بحدوث الاستحالات ~~النباتية في كيفياتها المتضادة، والحركات لا تقع إلا في زمن مسبوق ~~بحالة اجتماعها، فلو كان الجابر لها على الالتيام، والحافظ لها عن ~~الافتراق هو النفس النباتي، لزم تقدم الشيء على نفسه بمراتب، ولا نفس ~~حيوانية لتقدم النبات على الحيوان طبعا، فلو كان نفسه سببا لاجتماعها ~~لزم الدور - وهو محال -. # فثبت أن الموجد لأجزاء النبات، والمتصرف فيها بالجمع والحفظ عن ~~الافتراق والإنبتات، موجود مقدس عن التركيب والامتزاج، مرتفع عن عالم ~~الأجسام والأحياز وعن التخصص بالأمكنة والجهات. # النوع الثاني: في الاستدلال باختلاف أحوال النبات من ريعانه وطراوته ~~أولا، ويبسه وفنائه أخيرا، فإن ms1949 المحيل له من حال إلى حال، والمتصرف ~~فيه من جهة الحدوث والزوال، موجود باق متعال عن التجدد والانتقال، إذ لو ~~جاز فيه التحول والتغير - وكل متحول لا بد فيه من محول يحوله ~~وهكذا، ننقل الكلام من حاله إلى حال، فلو لم تنته السلسلة إلى محول غير ~~متحول، وإلى مغير غير متغير يلزم الدور أو التسلسل - وكلاهما ~~مستحيلان. # فثبت وجود موجود مقدس عن التغير والزمان، ومتعال عن التجسم والمكان، ~~إذ الزمان والمكان متلازمان. # فإن قال قائل: لم لا يجوز أن يكون المؤثر في خلق الحيوان وتوليد ~~النبات شيء من طبائع الأفلاك والكواكب بحسب الأوضاع والأنوار، لا الفاعل ~~المختار؟ # قلنا: هذا مستحيل عند العقل، لأن المني الذي يتولد من الحيوان، والبذر ~~الذي يتكون منه النبات، جسم متشابه في نفسه، وبحسب وضعه عند الفلك، ~~وقبوله لنور الكواكب، لكونه مع سائر أجزاء الأرض والمركبات التي فيها ~~وعليها، كنقطة واحدة بالقياس إلى الجرم الأثيري البسيط المتشابه طبعا ~~وتأثيرا، فالجسم البسيط المتشابه إذا أثر في جسم متشابه الذات متشابه ~~النسبة الوضعية والاستعدادية تأثيرا متشابها، فيستحيل أن تتولد ~~وتتكون منه أحوال مختلفة وأعضاء متباينة في الصورة والكيفية. # ألا ترى إذا وضع أحد شمعا مضيئا، وكان ما يستضاء منه خمسة أذرع من ~~جانب، وجب أن يضيء بهذا المقدار من سائر الجوانب؟ وأما أن يضيء من أحد ~~الجوانب خمسة أذرع ولا يضيء من الجانب الآخر إلا نصف ذراع - من غير حاجز ~~ولا مانع ولا اختلاف في الجسم الذي حوله بالشفيف وعدمه، واللطافة ~~والكثافة - فهو غير معقول. # فثبت أن مؤثرات الطبائع الجسمانية يجب أن يكون تأثيراتها متشابهة، ~~فلما رأينا كيف تولدت من بعض أجزاء النطفة العظام، ومن بعض أجزائها ~~أعصاب وعضلات وعروق ورباطات، ورأينا كيف تكونت من بعض أجزاء البذر ~~والأوراق، ومن بعضها الأغصان والعيدان والقشور والثمار، علمنا وتيقنا ~~أن التأثير فيها ليس تأثير مؤثر يفعل بالطبع والإيجاب والإجبار، بل ~~تأثير مؤثر قادر يفعل بالعلم والاختيار، وحكيم يؤثر بالجهات والحيثيات ~~حسبما اقتضاه علمه بوجوه المنافع والخيرات، وأفادت حكمته الداعية إلى ms1950 ~~إخراج ما في عنايته وقضائه من المكونات إلى القدر بحسب مصالح الممكنات في ~~المواد والأوقات، فسبحان العليم القدير، الذي حكمته أفادت هذه المكونات، ~~وقدرته أوجدت هذه المركبات، ليعلم المتوقد الذكي أنه مقدس عن عالم ~~الأجسام والجسمانيات، متعالي المنزلة عن الأمكنة والمكانيات. ### || [87.6-9] # إعلم أن هذا المطلوب يتوقف على معرفة مقاصد ثلاثة: # الأول: صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذاته وصفاته وجوهره. # والثاني: كيفية تكميل الناقصين منه. # والثالث: اختلاف الناس في قبول هذا الكمال منه. # أما الأول: فاعلم أن النبي - من حيث هو نبي - إنما تتحقق نبوته ~~بكمال وشرف يتعلق بنفسه وروحه، لا بقوة وحشمة تتعلق ببدنه وجسمه، ~~وكمال النفس يكون بوجهين: # أحدهما: توجهه إلى الحق وهو الذي يعبر عنه بالقوة النظرية، وهو ما ~~يكون كمالا لها بحسب هويتها وذاتها، وعند رجوعها إلى باريها وعودها إلى ~~عالمها ونشأتها. # والثاني: توجهه إلى الخلق الذي يعبر عنه بالقوة العملية، وهو ما ~~يكون كمالا لها بحسب نسبتها إلى أمور خارجة عنها، بتأثيرها فيها وعدم ~~انفعالها عما دونها، وبتكميلها وإمداداها ونفعها فيما سواها، وعدم قبول ~~النقص والآفة والشر من أضدادها وأعدائها، فنفس النبي - لكونه متوسطا ~~بين الحق والخلق - لا بد وأن تكون كاملة في هاتين القوتين جميعا، وإن ~~كان الكمال الحقيقي والقرب من الحق يمكن أن يتحقق بمجرد استكمال ~~القوة العقلية مع التوسط في العملية كبعض أولياء الله المقربين. # وأما الكاملين في العمل - دون العلم -، فهم ليسوا من الكاملين في ~~الحقيقة، بل لهم نوع نجاة وصلاح حال في الآخرة، وليس لهم رتبة النبوة ~~والخلافة عندنا - خلافا لجماعة من المتكلمين - حيث لم يشترطوا إلا ~~العلم بما يتعلق بالأحكام والسياسة الجمعية، والحكومات الفصلية في ~~الخصومات، وسائر ما يتعلق بحفظ الحياة الدنيوية، وذلك لذهولهم عن أن ~~الغرض الأصلي من بعثة الأنبياء، وإنزال الكتب السماوية والصحف ~~الملكوتية، سياقة الخلق إلى جوار رحمة الله وجوده، بتعليمهم طريق ~~المعرفة لتتنور ذواتهم، وتصير مناسبة للعالم الآخر، والغرض من تعيش ~~الإنسان مدة أمهله الله تعالى فيها، هو تحصيله زادا للآخرة بالعلم ms1951 ~~بحقائق الأمور، بشرط قطع علائقه وعوائقه عن عالم الغرور بالتقوى. # فالبتقوى يحصل الخلاص والنجاة، وبالعلم يحصل القرب والمنزلة عند الله، ~~والمتوسط بينه وبيننا لا بد وأن يكون كاملا في العلوم الحقيقية، ~~بإلهام الحق تعالى بوساطة بعض الملائكة العقلية لا بالتعلم، وإلا لم ~~يكن متوسطا بين الحق والخلق، بل بين الخلق والخلق، فلم يكن ما فرضناه ~~نبيا نبيا - هذا خلف -. # ولا بد أن يكون كاملا فيما يتعلق بالأحكام والسياسات الدينية ~~مؤيدا بالمعجزات الظاهرة لتكون دعوته للخلق مسموعة لهم خوفا من سطوته ~~وسياسته، وإلا فالجحود والإنكار والاستنكار عن سماع الحق، والاشتغال ~~بطلب الشهوات غالب على أكثر الخلق، فلا يمكن إيصال المعاني اللطيفة إلى ~~قلوبهم إلا بعد أن تلين قلوبهم ويسكن انكارهم ويزول استكبارهم. # فثبت أن النبي لا بد وأن يكون كاملا في القوتين: العقل والعمل، ~~قويا في النشأتين: الأخذ من الحق والتبليغ إلى الخلق. # ولما ثبت بالبرهان أن القوة العاقلة وكمالها أشرف من القوة العاملة ~~وكمالها، لا جرم وجب تقديم العاقلة من جهة شرفها في الذكر على العاملة، ~~وإليه وقعت الإشارة بقوله: { سنقرئك فلا تنسى } - والمعنى ~~أنه سبحانه بشره بإعطاء قوة ملكوتية ونور عقلاني يتقوى بهما جوهر ~~روحه ويكمل بحيث يصير نفسا قدسية ونورا شعشعانيا مشرقا بالعلوم ~~الحقيقية والمعارف الإلهية، ويصير بحيث إذا عرف شيئا لا ينساه، ويكاد ~~زيت نفسه الناطقة يضيء بنور عقله المستفاد من الجوهر المفارق العقلاني ~~الذي هو نار معنوية من نور الله، ولو لم تمسسه نار التعليم البشري. # وهذا هو الذي فهمناه من قوله تعالى: { سنقرئك فلا تنسى } - ~~لما روي أن (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعجل بالقراءة إذا لقنه ~~جبرئيل (ع)، فقيل له: لا تعجل، فإن جبرئيل مأمور بأن يقرأ عليك قراءة ~~مكررة، إلى أن تحفظه ثم لا تنساه. # وقوله تعالى: { إلا ما شآء الله } - قيل: الغرض منه نفي ~~النسيان رأسا كما يقول الرجل لصاحبه: أنت سهمي فيما أملك إلا فيما شاء ~~الله، ولا يقصد استثناء شيء. وهو من استعمال القلة مكان النفي. # وقيل: قوله: فلا ms1952 تنسى - على النهي، والألف مزيدة للفاصلة، يعني فلا ~~تغفل قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه بنسخه، من رفع ~~حكمه وتلاوته. وعلى هذا فالإنساء نوع من النسخ. # وقيل: إن جوهر النفس الإنسانية ما دامت في هذه النشأة الظلمانية ~~الهيولانية لا تصير عقلا صرفا لا يكون فيه ما بالقوة، فلا جرم قد ~~يلحقها فتور في قدرتها وضعف في حفظها وإمساكها للمعقولات. # وأقول: يمكن أن يقال: إن المعقولات التي هي بمنزلة الدعائم والأصول في ~~المعارف الإلهية، كانت بحيث لا يتطرق إليها الغفلة والنسيان عنها في ~~نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي التي لم يجز النسخ في حكمها، ~~ولا الخلاف بين ملل الأنبياء (ع) بحسبها، وأما ما لم تكن بهذه المثابة، ~~فهي المعقولات التي بمنزلة الفروع والفضول، فيجوز فيها الإهمال والنسيان ~~والاختلاف في ثبتها ونسخها بحسب اختلاف الأزمنة وأحوال الأمم. # وأما قوله تعالى: { إنه يعلم الجهر وما يخفى } فهو ~~إشارة إلى إثبات العلم له تعالى والتخلص من ذميمة الجهل والنقص. # وبيانه: أنه لما وعد نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجعل جوهر ~~نفسه الشريف عالما بحقائق المعلومات، متصفا بالعلوم الحقة المطابقة ~~لما هي عليها في الواقع، محيطا بها، وقد حقق في الصنايع الكلية ~~والمقامات العقلية، ان المؤثر في كل كمال وجمال للموجود - بما هو ~~موجود - لا بد وأن يكون كماله وجماله أقوى وأجل مما في الأثر، والعلم ~~لا شبهة في كونه كمالا للموجود من غير أن يلزم فيه تجسم أو تركب، فإذا ~~وجد وتحقق في الخلق، فلا بد وأن يتحقق في الخالق بوجه أعلى وأشرف. # فلولا كون الباري سبحانه عالما بالمعلومات كلها، لما قدر على جعل روح ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مبرأ عن السهو والنسيان، مقدسا عن ~~الجهل والنقصان. # وقد ثبت في العلوم الحقيقية، أن كل من كمل في العلم الحقيقي لا بد ~~وأن يكون كاملا في جميع الصفات الكمالية للموجود بما هو موجود، مبرأ ~~عن جميع النقائص التي بأزائها، فيعلم من هذا أن الباري منزه ms1953 عن جميع ~~النقائص - فسبحان من تقدست كبرياؤه وتعظمت الاؤه -. # وفي الكشاف: يعني أنك تجهر بالقراءة مع قراءة جبرئيل (ع) مخافة ~~التفلت، والله يعلم جهرك معه، وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، فلا ~~تغفل فأنا أكفيك ما تخافه، أو يعلم ما أسررتم وما أعلنتم من أقوالكم ~~وأفعالكم، وما ظهر وما بطن من أحوالكم، وما هو مصلحة لكم في دينكم ~~ومفسدة، فينسي من الوحي ما يشاء، ويترك محفوظا ما يشاء. # وأقول: كلا الوجهين لا يخلو عن بعد، والأولى المصير إلى ما ذكرناه. # وأما الإشارة إلى تكميل نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في القوة ~~العملية، وبحسب نسبته إلى الخلق، فهو المراد في قوله: { ونيسرك ~~لليسرى } - لان معناه ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، ووجه ~~ذلك: أن الناس كلهم مشتركون في أصل القدرة على الفعل الحسن والفعل ~~القبيح، والعفة والفجور، والورع والفسوق، إلا أن من الإنسان من يكون ~~وجه تحصيل الملكات الفاضلة عليه أسهل، وطبعه عن الصفات الرذيلة أميل، ~~ونفسه على سلوك طريق الخير والسعادة أقدر، والاجتناب عن طريق الشر ~~والشقاوة عليه أيسر، لكونه شريف النفس نجيب الطبع. # وهذه السهولة في الطبع عبارة عن الصفة المسماة بالخلق، فمن كان ~~سعيدا لطيف الذات شريف النفس طاهرا زكيا نقيا، كانت نفسه سهلة القبول ~~للسعادات، يسيرة التفهم لوجوه الخير في الأعمال والأفعال، سريعة ~~الانقياد لطاعة الحق، شديدة الانفعال عن المبدأ الفعال، قوية الاتصال ~~بالواهب الفياض المتعال، فلا محالة يكون بما استفاض وتعلم من الجنبة ~~العالية من الخيرات والعلوم والكمالات، مفيضا على بني نوعه، ومعلما ~~لقومه، وهاديا ومرشدا لمن دونه من أمته، فقوله تعالى: { ~~ونيسرك لليسرى } - إشارة إلى هذه الدرجة، كما أن قوله ~~تعالى: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم:4] إشعار باستحقاق نبينا بحسب خاصية ذاته، وقوة نفسه، وصفاء ~~فطرته، وتنور عقله، مرتبة النبوة والرسالة. # فقد وقعت الإشارة إلى اتصاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمجموع ~~الكمالين اللذين لا بد للنبي - من حيث هو نبي - أن يجتمعا فيه، وأشير ~~أولا إلى كمال القوة النظرية التي ms1954 بحسب حاق جوهر نفسه، ثم إلى كمال ~~القوة العملية بحسب نسبته إلى غيره وتدبيره لما دونه، فقوله: { ~~ونيسرك لليسرى } - معطوف على قوله: { سنقرئك } - ~~وقوله: { إنه يعلم الجهر وما يخفى } - اعتراض. # وقيل: المراد من اليسرى: الشريعة السمحة التي هي أيسر الشرايع وأسهلها ~~مأخذا. # وقيل: نوفقك لعمل الجنة. وهذين الوجهين مرجعهما إلى ما ذكرنا - فتأمل ~~فيه -. # وأما المقصد الثاني من النبوة، فهو الاشتغال بدعوة الخلق إلى طريق ~~الحق. وسياقهم إلى جوار الله وعالم الملكوت. # وقد أشرنا إلى أن من كان كاملا في مجموع القوة النظرية والقوة ~~العملية في الغاية، بحيث يقدر على تكميل غيره فهو النبي، وإن لم يكن ~~كاملا في المجموع بل في النظرية فقط، مستغرقا في شهود جمال الحق ~~وجلاله، بحيث لا يسعه الاشتغال عنه إلى ذاته المستنيرة بنور الله - فضلا ~~عما هو خارج عنه وعن مولاه - فهو الولي الكامل والفاني المضمحل. # ومقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلى من مقام الولي المحض ~~مجردا عن الرسالة، لأن الكمال الملطق إنما يتحقق بأن يكون الشيء ~~تاما وفوق التمام، وضيق الصدر عن أحد الجانبين - وهو جانب الخلق - مع ~~سعته لجانب الحق، نوع قصور، والكامل المطلق من كان جالسا في الحد ~~المشترك بين عالم الأمر وعالم الخلق، واسعا صدره الخلق والحق، ويكون ~~تارة مع الله بالعبودية والحب له، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة ~~عليهم، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار كواحد منهم كأنه لا يعرف الحق، ~~وإذا خلا بربه مشتغلا بذكره وخدمته، فكأنه لا يعرف الخلق، فهذا سبيل ~~المرسلين والصديقين. # فلما حصل تمام نفس النبي بحسب كمال الجانبين وتمام القوتين: - ~~العملية والعلمية -، وجب أن يصير فوق التمام بإفاضة الكمالات على ~~الناقصين، وإشراق الأنوار على وجوه المستعدين، وذلك هو دعوة العباد إلى ~~طاعة المبدأ والمعاد، وسياقتهم إلى سبيل النجاة من آفة النقص، والوصول ~~إلى منبع الحياة - وهي المسماة بالرسالة -، وملاكها التذكير والتعليم ~~المشار إليه بقوله: " فذكر " - وهو أمر، فالنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) مأمور من الله تعالى بفعل الرسالة، أي تكميل ms1955 الناقصين على قدر ~~استعدادهم، وتعليمهم على قدر قوتهم وطاقتهم لدرك العلوم الحقيقية. # وأكثر الخلق لا يدرك الحقائق الكلية وأصول الموجودات إلا على سبيل ~~التمثيل والتشبيه، والأنبياء مأمورون بدعوة الخلق والتكلم معهم على مبلغ ~~عقولهم، لقوله: # " نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم ". # وعقول أكثر الناس بمنزلة الخيال والوهم، ولذلك كان تعليمهم الحقائق ~~الإيمانية، على رتبة التمثيلات التي تناسب طبائعهم الغليظة، خصوصا ~~الأعراب والبدويين -، وربما بلغ بعضهم في الغباوة والبلادة حيث لا ينجع ~~معهم نصح ولا ينفع فيهم وعظ، وخوطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لأجلهم بقوله تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص:56] وبقوله: # إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء # [النمل:80]. # فقوله سبحانه: { إن نفعت الذكرى } - وإن كان بحسب الظاهر ~~شرطا للتذكير، لكن ليس الغرض منه أن تذكيره (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إياهم مشترط بالنفع، بل الرسول مأمور بالوعظ والتذكير مطلقا - سواء نفع ~~أو لم ينفع -، كما أن الشمس من شأنها الإضاءة والتنوير، سواء قبلت ~~الأجسام التي تحاذيها أم لم تقبل، فنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~في إفاضة الأنوار العلمية على النفوس بمنزلة الشمس في إفاضتها الأنوار ~~الحسية على الأجسام المختلفة الاستعداد لقبول النور، ونفوس الناس بعضها ~~بمنزلة القمر، وبعضها بمنزلة الأجسام المستنيرة كالمرايا الصقلية، وبعضها ~~بمنزلة الأجسام المظلمة الكدرة، بل الغرض منه الإشعار بغباوة بعض النفوس ~~وتعصيهم عن إدراك الحقائق، والإخبار عن غلظة طبائعهم وجمود قرايحهم، ~~والاستبعاد لتأثير الذكرى فيهم، والتسجيل على قلوبهم بالطبع والرين، ~~كما تقول للواعظ: " عظ فلانا إن سمع منك الوعظ وقبل النصيحة ". قاصدا ~~بهذا الشرط مجرد الاستبعاد لذلك، وأنه لن يتحقق، لا غيره. # فظهر من هذه المباحث، أن الله تعالى، كما يعلم الكليات والعقليات، ~~يعلم الجزئيات والحسيات، وكما يعلم الجهريات النورية العقلية، يعلم ~~الخفيات الظلمانية الحسية. وكما أنه واقف بأسرار القلوب ومطلع على ~~ضمائر العقول، كذلك هو بصر بأعمال العباد. سميع بأقوال خلقه في البلاد. # فسبحان الذي لا يجري شيء في ملكه وملكوته إلا بقضائه وقدره، ms1956 وسبحان من ~~تقدست ذاته عن أن يغفل عن ما يفعل عباده من خيره وشره ونفعه وضره. ### || [87.10-13] # وبيان ذلك: أن الخلق في كيفية قبول دعوة النبوة وتبليغ الرسالة، ~~وإخراجهم بتعليم الهداية عن ورطة الضلالة، ينقسمون إلى قسمين: # منهم من ينتفع بتعليم الأنبياء، ويتذكر بتذكير المرسلين، لأجل رقة ~~قلبه، ولين طبعه، وخوفه وخشيته من سوء العاقبة. # ومنهم من لا ينتفع ولا يتذكر. وذلك لغلظة قلبه وجمود طبعه، وغفلته عن ~~عواقب الأمور، ونسيانه أمر الآخرة وأمر النفس، وكيفية عوده إلى النشأة ~~الثانية. # فالقسم الأول: هو المشار إليه بقوله: { سيذكر من يخشى } - ~~فإن الخشية والتذكر متلازمان، كل منهما يوجب الآخرة فإن من سمع دعوة ~~الأنبياء ثم خطر بباله أن هذه الدنيا واهية فانية، داثرة فاسدة على كل ~~حال، فلو لم يشتغل بعمارة النشأة الآخرة، فربما وقع في الهلاك السرمدي، ~~فقد حصل له الخوف، فإذا حصلت له هذه الخشية، تحمله على النظر في دعوة ~~الأنبياء، والتأمل في أمور الآخرة، ومراتب سعادة النفس وشقاوتها، وما به ~~نجاتها أو هلاكها، وهذا التذكر وهذا التذكير يبعثه على الاجتناب عن ~~المعاصي والرذائل، والاكتساب للطاعات والفضائل، خوفا من الهلاك والعذاب، ~~وطمعا للنجاة والراحة، فهو الذي ينتفع بدعوة الأنبياء. # وأما القسم الثاني: الذين لا ينتفعون بدعوتهم، ولا تحملهم الخشية على ~~تحصيل الدرجات، وطلب التخلص عن العقوبات، فإليهم الإشارة بقوله تعالى: { ~~ويتجنبها الأشقى * الذى يصلى النار الكبرى }. ~~وذلك لأن من أعرض عن ذكر الآخرة لأجل تسلط الشهوات الدنيوية على قلبه، ~~واستيلاء الحرص في طلب المآرب الحيوانية من المال والجاه والنساء ~~والبنين وغيرها على طبعه، لا يكون بصدد استكمال النفس بالعلم والعمل، ولا ~~يشتغل بفعل الطاعات وترك المعاصي والشهوات، فيتوغل في الدنيا الدنية، ~~ويخلد إلى الأرض، وتستحكم علاقته مع البدن والشهوات، وتقوى محبته لها، ~~وكل من اشتدت محبته وعلاقته لشيء، فإن زال اشتدت محنته ومصيبته عند ~~مفارقته ومزايلته عنه، فإذا مات الإنسان الذي تأكدت علاقته الشوقية مع ~~الدنيا ولذاتها، فقد فارق ما كان محبوبا، وذهب إلى موضع ليس له به ~~معرفة ولا ms1957 له بأهل الآخرة انس ومعارفة، فالبضرورة، كان له أذى عظيم أعظم ~~من احتراق هذه النار الدنيوية التي هي النار الصغرى كل ذلك لأجل إعراضه ~~عن الذكر في أمر آخرته عند رجوعه إلى بارئه، كما في قوله تعالى: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا # [طه:124] وقد ظهر بالمشاهدة الروحانية للأنبياء ومن تبعهم حق ~~المتابعة، ظهورا أوضح من المعاينة الحسية، أن أصناف الآلام الأخروية ~~المتعاقبة على روح من آثر الحياة الدنيا، ثلاثة كلها روحانية واقعة قبل ~~مقاساة عذاب النار الجسمانية، التي تكون في آخر الأمر، وهي حرقة ~~المشتهيات، وخزي خجلة المفضحات، وحسرة فوت المحبوبات. # وبيان كل منها يحتاج إلى بسط في الكلام لا يسعه هذا المقام. # - وبالجملة -، العذاب والألم ليس منحصرا في الإحراق بالنار، والتجميد ~~بالزمهرير اللذين مرجع التألم فيهما إلى تفرق الاتصال في جوهر مباين ~~لجوهر الروح التي لها نوع تعلق جسمي، وارتباط شوقي به وبأحواله، بسبب ~~ذلك، يتألم بفقد حالة من حالاته، وبالحقيقة، منشأ هذا التألم الحاصل من ~~النار الجسمانية، الذي يكون أشد مراتب آلام الحسية، هو المحبة والإلف ~~بالبدن وهو جسم، والأجسام خارجة عن حقيقة الروح. # فإذا كان هذا حال الروح لأجل فقد الاتصال أو الامتزاج بين أجزاء هذا ~~المحبوب المباين عن ذات الروح، فكيف يكون حالها عند وجدان الخلل والقصور ~~والافتراق في جوهر ذاتها عند فقد آلات الوصول إلى مشتهياتها ومحبوباتها ~~كلها، كما في قوله تعالى: # وحيل بينهم وبين ما يشتهون # [سبأ54]. # فهذه هي نار الله المعنوية # نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة # [الهمزة:6 - 7]، التي نسبة إيلامها إلى إيلام هذه النار الجسمانية نسبة ~~الروح إلى البدن في الوجود والإدراك، وسائر الأشياء التي تتصف بها الروح ~~بالأصالة، والذات والبدن بالتبعية والعرض، فقوله سبحانه: { يصلى ~~النار الكبرى } -، يمكن أن يكون إشارة إلى النار المعنوية، التي ~~ملاكها عدم الإيمان مع الجحود والجهل المضاد للعلم بالمعارف الحقة ~~الإلهية التي بها قوام الروح الإنسانية ووجودها الإستقلالي - كما برهن ~~عليه في مقامه -، مع اكتساب الرذائل في إيثار الدنيا على الآخرة، وهي ms1958 غير ~~النار الجسمانية الصغرى التي ينضم إيلامها إلى إيلام الكبرى، فإن ألم ~~الكبرى يتعلق بالروح لأجل ترك التذكر لمعرفة الله بالجهل المركب ~~والرذائل النفسانية، وألم الصغرى يتعلق بالجسم لأجل المعاصي البدنية ~~والمظالم الحسية التي تشهد بها الجوارح والأعضاء. # ويؤيد ذلك ما قيل: الكبرى نار الآخرة، والصغرى نار الدنيا. # وقوله تعالى: { ثم لا يموت فيها ولا يحيا } - يرجح ما ~~ذكرناه وأشرنا إليه، وبيانه بوجه إجمالي؛ أن الحياة الأخروية وما به ~~قوام الروح في النشأة الآخرة، إنما يكون بالمعرفة بأحوال المبدأ ~~والمعاد، وكيفية إنزال الكتب وإرسال الرسل، والاعتقاد بحقيقة ما جاء به ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما تدل عليه النصوص الشرعية ~~والأحكام العقلية، وقد بسطنا القول فيه في بعض كتبنا الحكمية الإلهية. # وهذه الحياة الحاصلة للروح لأجل المعارف، حياة روحانية، وما به تزول ~~هذه الحياة عنها - وهي الجهل المضاد لها -، هي نار معنوية لا محالة، ~~فأقل مراتب الحية المستقرة للروح الإنسانية عند الآخرة، إنما يحصل ~~بتحصيل هذه المعارف الإيمانية على وجه يطمئن به القلب، وإن لم يبلغ إلى ~~درجة البرهان القطعي، ولم يتجاوز عن الظن الغالب - كما في أكثر عوام أهل ~~الإسلام -، بشرط السلامة عن الهيآت الخبيثة الشديدة، والرذائل الراسخة في ~~القلوب، وذلك أقل مراتب النجاة. # ثم كلما ازداد يقينا وانكشافا، ازدادت حياته قوة واستقرارا، حتى ~~يلتذ بلذات النعيم الأخروي على وجه الكمال، كإنسان تام الأعضاء، صحيح ~~المزاج، قوي القوى الإدراكية. # وأما فاقد أصل الإيمان أو العمل رأسا، فهو بمنزلة إنسان مقطوع الأعضاء ~~والأطراف، الذي لا استقرار لحياته الجسمانية، فكما أن من هذا حاله في ~~الدنيا يقال: " إنه متوسط بين الحياة والموت في الدنيا " ، فكذلك حال ~~الروح التي ليس لها معرفة حقيقية ولا اعتقاد حق، حالها في الآخرة ~~أنها: { ثم لا يموت فيها ولا يحيا }. # فقد ظهر أن الله تعالى - لسابق قضائه الأزلي - نظم ترتيب العالم ~~الأخروي على وفق نظام العالم الدنيوي، فكما أن بعض الناس بحسب الحالة ~~الدنيوية سعيد وبعضهم شقي، فهكذا في الآخرة، بعضهم سعداء أخيار، ~~وبعضهم أشقياء ms1959 أشرار، كل ذلك يدل على علمه بوجه النظام الأوفق. وقدرته ~~على إيجاد كل مرتبة من الوجود واعطائه لكل شخص ما هو له أليق. # وكما أن السعادة قسمان: دنيوية وأخروية. والدنيوية قسمان: داخلية - ~~كالصحة والسلامة -، وخارجية - كترتب أسباب المعاش، وحصول ما يحتاج ~~إليه من المال والجاه -. # والأخروية أيضا قسمان: علمية - كالمعارف والحقائق -، وعملية - ~~كالطاعات والخيرات -، فكذلك تتعدد أقسام الشقاوة بإزائها، لكن السعادة ~~والشقاوة بحسب العلم والجهل ذاتيتان أزلا وأبدا، مخلدتان دائما ~~وسرمدا. وأما بحسب الأعمال الحسنة والسيئة فتترتب عليها المجازاة ~~والمكافاة، وتتقدر بحسبها المثوبات والعقوبات، كقوله تعالى: # جزآء بما كانوا يكسبون # [التوبة:82] فلا يكون أصحاب هذه الشقاوة مخلدين إلا ما شاء الله ~~ويتركب بعضها مع بعض ويتفرد، إلا أن أكثر السيئات وأكبرها يتبع ~~الجهل المركب، وأغلب الحسنات وأعظمها يتبع العلم. # ولهذا قد وقعت أولا الإشارة إلى قسمة الخلق بالسعادة والشقاوة اللتين ~~بحسب العلم والجهل - المعبر عنهما بالتذكر والتجنب - إلى من يخشى بسبب ~~تذكره الأمور الآخرة، والى من لا يخشى بجهله وغفتله عنها، وبينت وخامة ~~عاقبة الموصوف بشقاوة الجهل بأشد وجه، حيث عبر عنه بصيغة التفضيل، ~~المشعر بأن شقاوة الجهل أعظم من شقاوة المعاصي البدنية، وأوعد عليه ~~بصلي النار الكبرى المعنوية التي إيلامها أشد مراتب الإيلام. # ثم أخبر بأنه لا رتبة له في الوجود، لكونه كسائر الأشياء الضعيفة ~~القوام والوجود - كالهيولى والزمان والحركة التي لا قوام لها في أنفسها ~~إلا بأمر خارج عن ذاتها كالمحل وغيره -، وذلك لأن قوام الدار الآخرة ~~بالمعارف، فمن لا معرفة له لا حياة له ولا موت أيضا، لأن الروح ~~الإنسانية الناطقة لا تفسد بالكلية - كما برهن عليه -، فلها عند قصورها ~~عن درجة التمام حالة متوسطة بين الحياة المستقرة والوجود الاستقلالي، ~~وبين الموت والعدم المحض. # وأهمل بيان عاقبة الموصوف بسعادة العلم، لعدم إمكان تفهم الناس كيفية ~~ما وعد للعرفان الإلهيين - وأعد لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر -، فبعد ذلك وقعت الإشارة منه إلى قسمة الناس بالسعادة ~~والشقاوة بحسب العمل، كما سنوضحه ms1960 إن شاء الله تعالى. ### || [87.14-16] # تزكى، أي: تطهر من الشرك والمعاصي، والمراد تنقية القلب والباطن عن ~~الرذائل، استعدادا للصلاة العقلية، واستفاضة المعارف الحقيقية ~~بالتكلم الحقيقي مع الله، فإن الصلاة معراج المؤمن، والمصلي مناج ربه، ~~أو تطهر للصلاة، وهذا بحسب تنظيف الثوب وتهذيب البدن عن الأخباث ~~والأحداث استعدادا للصلاة الجسمانية التي هي رياضة جسدية للمؤمن بحسب ~~حياته الحيوانية. # ونسبة الصلاة المعنوية إلى هذه الصلاة الظاهرية نسبة الروح إلى البدن، ~~حيث يحتاج كل منهما إلى الآخرة ما دامت الحياة الدنيا باقية، وأما عند ~~الآخرة، فلا تنقطع عن المعارف تلك الصلاة الروحانية أبدا. # وقيل: معنى: تزكى - تكثر في التقوى، لأنه من الزكاء وهو النماء، أو ~~" تفعل " من الزكاة، كتصدق من الصدقة. # فصلى - أي: فصلى الصلوات الخمس وغيرها، كمثل قوله: # وأقام الصلاة وآتى الزكاة # [البقرة:177]. # وعن أمير المؤمنين (ع): أي: أعطى زكاة الفطر فتوجه إلى المصلى فصلى ~~صلاة العيد. وذكر اسم ربه فكبر تكبيرة الافتتاح. # وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح، وعلى أنها مغايرة للصلاة لأنها ~~معطوفة عليها، وعلى أن الافتتاح جايز بكل اسم من أسماء الله تعالى. # وعن ابن عباس: ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له. # والوجه العرفاني في هذه الآية: أن الصلاة الجسمانية وإن كانت عبدة ~~بدنية، لكن صحتها موقوفة على معرفة المعبود، وتذكره بأسمائه وصفاته ~~التي تليق به، بل الأعمال كلها لا تتم شرعيتها وصحتها إلا بنية ~~التقرب اليه، والطاعة لأمره ونهيه، وخصوصا الصلاة من جملتها، لأنها ~~عماد الدين، وبها تمتاز هيئة الإنسانية في ظاهر الأمر عن هيئة الحيوانات ~~التي لا خضوع لها، فذكر " الذكر " هنا من باب المقدمة لما ذكرنا أن ~~سوق الآية لبيان قسمة حال الإنسان إلى السعادة العملية والشقاوة التي ~~بإزائها فيما تقدم. والوجه في اختصاص الصلاة والزكاة من بين الأعمال ~~الصالحة هو أن الغرض من الأعمال الرياضة البدنية لتحصل للروح هيئة ~~التنزه عن الأعراض الحسية والتجرد عن الأمور الكثيفة المادية ~~الظلمانية، وصفة الاستعلاء لها على القوى الإدراكية والتحريكية لتجرها ~~بالتعويد من عالم الغرور إلى عالم ms1961 السرور، ومن معدن الجور والزور والثبور ~~إلى منبع الحياة والرحمة والنور، حيث لا تزاحمها في مطالبها بل تشايعها ~~في مآربها وتهتدي بهداها وتطيعها وتسلم لها في أوامرها وزواجرها حتى ~~تنخرط معها في سلك طاعة الله وعبوديته. # ثم لا شبهة في أن بناء تمرد القوى وعصيانها عن طاعة الله إنما يكون ~~بأحد أمرين: أولهما: ميلها إلى الشهوات والمرغوبات الحسية المضادة ~~للأمور الروحانية والأغراض العقلية. وثانيهما: الكسل والتبطي عن طاعة ~~العقل وإزالة كل منهما لا يكون إلا بقطع سببه وحسم مادته أو بورود ~~ضده عليه، وعمدة أسباب الوصول إلى الشهوات هو المال، لأن بالمال يتمكن ~~الإنسان من تناول كل لذيذ، ومباشرة كل شهي فبترك المال يقطع جميع ~~أسباب الشهوات الدنيوية، وهو المراد بقوله: { قد أفلح من ~~تزكى }. # ومنشأ الكسالة في الطبع، هو إنما يكون لأجل استيلاء السكون والضعف، ~~وعدم النشاط والانبعاث في القوى المحركة، فيعالج هذا المرض والآفة فيما ~~بفعل ضده، وهو التحريكات البدنية كالصلاة والصوم والحج، فالصلاة عمدة ~~الجميع، فاكتفى بذكرها، إذ مع كونها متضمنة للأذكار والأوراد، مشتملة ~~على الحركات البدنية من القيام والقراءة والركوع والسجود، حتى قيل إن ~~بدن الإنسان - لأجل قواه النفسانية - بمنزلة خشبة جامدة يراد انعطافها ~~ولينها، فعرضت على النار فلانت، فلذلك يجعل البدن منحنيا بالركوع، ثم ~~يترك ليستقيم مرة أخرى، ثم يجعل أشد انحناء بالسجود مرتين، فإن هذا ~~الدين متين فأوغل فيه بالرفق لا تبغض طاعة الله على نفسك. # وقيل أيضا: إذا وقعت السجدة الثانية فقد حصل ثلاثة أنواع من الطاعة: ~~ركوع واحد وسجدتان. فالبركوع ينجو من عقبة الشهوات، وبالسجود الأول من ~~عقبة الغضب - الذي هو رئيس بالموذيات -، وبالسجود الثاني من عقبة الهوى ~~الداعي إلى كل المضلات، فاذا تجاوزت نفس الإنسان عن هذه الدركات، ~~وتخلصت عن هذه المهلكات، وصلت إلى الدرجات العاليات، وملكت الباقيات ~~الصالحات. # وأما الحج؛ فلاشتماله على الحركات الشديدة في البراري، والرياضات ~~البدنية وغيرها لا يحتاج إلى البيان لظهوره. # وأما الصوم؛ - فإنه وإن كان في ظاهر الأمر من باب السكون - إلا أنه ~~يحرك الباطن تحريكا ms1962 شديدا، ويشوقه إلى طلب المعارف والسلوك إلى الجنبة ~~العالية كما يحكم به الوجدان. # فالحاصل، أن فعل الصلاة وإيتاء الزكاة عمدتا الأعمال الصالحة البدنية، ~~وهما مستلزمان لسائر الخيرات والطاعات العملية التي بها تحصل للانسان ~~السعادة الأخروية. # وأما الشقاوة التي تكون بإزائها فهي إنما تحصل للإنسان لأجل فعل ~~المعاصي وترك الطاعات، ومنشأ ذلك انقياد القوة العقلية وطاعتها للنفس ~~الأمارة وهواها الشيطاني وقواها الشهوية والغضبية. والعقل الإنساني في ~~طاعته وخدمته لهذه القوى الثلاثة - أي الهوى والشهوة والغضب - بعينه ~~بمنزلة إنسان يخدم شيطانا مريدا وكلبا عقورا وخنزيرا نجسا ويتردد ~~في تحصيل مطالبها، ويصرف عمره في تيسير ملاذها ومرغوباتها. # ومثل هذا الإنسان، لو بقي هكذا مدة عمره، ولم يرجع إلى طاعة الله ~~بالتوبة والإنابة والتدارك فيما فرط في جنب الله تعالى، ولم يسع في ~~تلافي ما وقع منه، فمنزلته أخس من منزلة الحيوانات الهالكة لقوله تعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف:179]. لأن خادم الشيء ووسيلته أدون منزلة من المخدوم والغاية. # فسبحان من أفاد الخير والسعادة برضائه ومنته، وأحدث الشر والشقاوة ~~بقضائه وحكمته، جل جنابه عن النقص والقصور في الصفات والأفعال، وتقدست ~~ذاته عن تخيل الأشباه والأمثال، وتمجد جنابه عن تصوير الأضداد والأنداد ~~- وغير ذلك مما يتوهمه الفكر والخيال من المحال، تعالى عما يصفه ~~العقلاء فضلا عن الجهال. # باك از آنها كه عاقلان كفتند # باكتر زانكه غافلان كفتند ### || [87.17] # فهذه الآية إشارة إلى مطلبين: # المطلب الأول # أن سبب إعراض أكثر الخلق عن اكتساب المعارف الإلهية، واقتناص الحقائق ~~العقلية، إيثارها الحياة الدنيوية وشهواتها على الآخرة وخيراتها، وذلك ~~لاستيلاء الدواعي الجسمانية - من القوى الوهمية والشهوية والغضبية - ~~على القوة العاقلة، فبحسب تسلط القوة الجسمانية على القوة العقلية، ~~تكون قوة الرغبة إلى الدنيا وشدة النفرة من الآخرة. # ولا يخفى عليك، أن دنياك ليست إلا حالتك قبل الموت، من جهة استعمال ~~آلة الحس والحركة في جلب المنافع البدنية، ودفع المضار الجسمانية ~~بقوتي الشهوة والغضب، وآخرتك ليست إلا حالتك بعد الموت، وقطع علاقتك عن ~~هذا البدن المظلم، من جهة استعمال المشاعر ms1963 الأخروية - من السمع والبصر ~~وغيرهما - حسبما يناسب أعمالك وأفعالك - وشرح ذلك مما يطول -. # - وبالجملة - كل من غلب عليه الميل إلى المزخرفات الدنيوية، لا بد ~~وأن يكون أعمى القلب عن إدراك الأمور الأخروية، بعيدا عن تذكر الآيات ~~الإلهية، ولذا لا ينفع التذكير والنصح لهم - كما أشير اليه سابقا -. # المطلب الثاني # في أن نيل السعادة الأخروية، ودرك اللذات الآجلة التي تنال بمشاعر ذلك ~~العالم، أجل وأدوم # والدليل على هذا المطلب أمور: # أولها: أن كل واحد من اللذات العاجلة - كالفوز بالشهوات البهيمية، ~~والرياسات الحيوانية - لا تخلو من نقائص جمة، كشوب مكروه، ووصمة ~~انقطاع، وتقضي وتعقب إملال إما في ذواتها، أو في الخصائص الحاصلة ~~منها. # الأول: كما في تقضي الشهوة وداعية الغضب فإنهما سيزولان سريعا. # والثاني: كالملك، فإن الملك وإن لم يمل بذاته، لكن لا ينفك عن الإملال ~~في المقاصد التي يطلب لأجلها الملك - وذلك ظاهر -. # واللذة الأخروية بالخلاف في جميع ما ذكر لبراءتها وخلوصها عن شوب ~~مكروه أو وصمة نفاد، أو تعقب إملال، لا في ذاتها ولا فيما يصحبها. # وثانيها: أن كل مرتبة نيلت من لذات الدنيا لن يقنع المطمئن إلى ~~زخارفها دون البدار إلى الإحاطة بما فوقها، والتشوق إلى الوصول إلى ما ~~وراءها، مع استحالة الوصول إلى لذة لا تكون وراءها لذة فوقها، وهذه ~~بخلاف لذة الآخرة، إذ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، ولكل واحد من ~~أهل الآخرة ما تبلغ إليه همته ويصل اليه قصده وشهوته. # وثالثها: أن اللذة الدنيوية مشتركة فيما بين الناس والبهائم والديدان ~~والخنافس، واللذات الأخروية مشتركة فيما بين أفاضل من الناس من الأنبياء ~~والأولياء والسعداء وأفاضل الملائكة. # ورابعها: أن هذه اللذات الدنيوية، لو كانت خيرات حقيقية وسعادات، ~~لكانت كلما كانت أكثر، كان الفائز بها أكمل وسعادته أكثر، ومعلوم أنه ~~ليس كذلك، لأنا لو فرضنا رجلا من العقلاء لا هم له إلا الأكل والشرب ~~والوقاع، وكان مدة عمره مقصورا على تحصيل هذه المهمات، لكان عند ~~العقلاء منسوبا إلى الخسة والدناءة، والى أنه كالبهيمة. # وأما من كان إعراضه عن ms1964 هذه الأحوال أشد وبعده عنها أكثر، كان إلى ~~الكمال والشرف أقرب، والى الروحانيات وأهل الله أنسب وبهم أشبه. # فعلم من ذلك، أن اللذات الأخروية وما عند الله خير عند أولي الألباب ~~وذوي الآراء الصحيحة من اللذات الدنيوية، ولهذا السبب كان الإنسان لا ~~يقدم على الجماع عند حضور الناس، فلو كانت تلك اللذات من باب الكمال، ~~لكان إظهاره أولى من إخفائه لا محالة، وكذا لا يفتخر العاقل بكثرة الأكل ~~والشرب، ويفتخر بالعلم - ولو في شيء خسيس - ويفرح به، ويغتم بالجهل - ~~ولو في شيء حقير -، وحتى أن الإنسان لا يكاد يتجاوز عن التحدي بالعلم ~~والافتخار به في الأشياء الحقيرة، والعالم بالشطرنج - على خسته - لا ~~يطيق السكوت عن التعليم وإظهار المعرفة فيه، كل ذلك لفرط لذة العلم وما ~~يستشعر من كونه كمالا حقيقيا، فإن العلم من أخص صفات الربوبية - وهو ~~منتهى الكمال -، أما ترى أن الإنسان كيف يرتاح إذا أثني عليه بالذكاء ~~وغزارة العلم، لأنه يستشعر عند ذلك جمال ذاته وحسن نفسه حسنا لازما ~~أبديا، فيعجب بنفسه ويلتذ بها. # ثم ليست لذة العلم بالمتغيرات والعلوم الجزئية والصنايع كالنحو ~~والصرف والعروض، وصنعة الحراثة والخياطة، كلذة العلم بالله وصفاته ~~وملائكته وملكوت السموات والأرض، لأن لذة العلم بقدر شرفه، وشرفه بقدر ~~شرف المعلوم، وليت شعري هل في الوجود شيء أجل وأشرف وأعظم من الحق ~~المعبود وصفاته وملائكته وملكوت سماواته وأرضه وكتبه ورسله. # وبهذا يتبين أن العلم لذيذ، وأن العلوم العلم بالله وصفاته وأفعاله ~~وتدبيره في مملكته، ولهذا اعتنى بتحصيله الأنبياء والحكماء والعرفاء، ~~وهو الذي به يتحقق شرفهم وكمالهم وفضيلتهم على سائر الخلق، لا بنفس ~~الأعمال الجزئية والأفعال البدنية، والعلوم التي تتعلق باصلاح تلك ~~الأعمال والأفعال التي وجودها بقدرتنا واختيارنا. # -وبالجملة -، العلم مال الروح، والعمل كمال البدن، وكما أن جوهر الروح ~~أشرف من جوهر البدن، كانت لذتها وكمالها أشرف وألذ من كمال البدن، ~~فالابتهاج بمعرفة الله - وهي أصل المعارف - أشرف من الابتهاج بالمطعم ~~الهني، والمنكح الشهي، والملبس البهي، والظفر بالاستيلاء على العدو ~~الدني الحيواني، والمعرفة من الأمور ms1965 الأخروية التي تظهر للنفس بقدر ~~ظهور سلطان الآخرة عليها. # وكما أن الدار الآخرة موجودة الآن - كما عليه المحققون -، وظهورها ~~يتوقف على رفع الحجاب بالموت، فكذلك المعرفة وإن كانت حاصلة للعرفاء، ~~ولكن قدر اللذة بها فانية في الدنيا لأجل الحجاب، والحجاب بينك وبين الله ~~هو الدنيا، ودنياك اشتغالك وتعلقك بعلايقك الداثرة الفانية - من مات ~~فقد قامت قيامته -، أي القيامة الصغرى. # فعلم مما ذكرنا أن حصول أصل المعرفة بالله تعالى في الدنيا يوجب ~~اللذة العظيمة الوافرة الدائمة عن رفع الحجاب - أي في الآخرة -. # بل التحقيق أن نفس المعرفة الحاصلة ها هنا بالبرهان اليقيني، هي التي ~~تستكمل بعينها في الوضوح والجلاء عند زوال الغشاء وكشف الغطاء، وتنقلب ~~بمشاهدة، ولا يكون بين المعلوم في الدنيا بالعلم البرهاني والمشاهد في ~~الآخرة، إلا من حيث شدة الوضوح وضعفه، ولهذا قيل: " المعرفة بذر ~~المشاهدة ". # وكما أن اختلاف البذر يوجب اختلاف الزروع والثمرات، حيث يحصل من البر ~~البر، ومن الشعير الشعير، فكذلك الدنيا مزرعة الآخرة، ومعارف الناس في ~~الدنيا مختلفة، فتكون مشاهداتهم في الآخرة مختلفة نوعا وعددا وقوة ~~وضعفا، فمن لم يعرف الله في الدنيا، فكيف يراه في الآخرة بالشهود القلبي ~~والبصيرة العقلية؟! # وكما أنك ترى في الدنيا من يؤثر لذة الرياسة على المنكوح والمطعوم، ~~وترى من يؤثر لذة العلم لانكشاف مشكلات ملكوت السموات والأرض وسائر ~~الأمور الإلهية على الرياسة وعلى المنكوح والمأكول - جميعا -، فكذلك ~~يكون في الآخرة قوم يؤثرون لذة النظر إلى وجه الله تعالى على نعيم ~~الجنة، إذ يرجع نعيمها إلى المنكوح والمطعوم، وهؤلاء بأعيانهم هم الذين ~~حالهم في الدنيا ما وصفناه، من إيثار لذة العلم والمعرفة، والاطلاع على ~~أسرار الربوبية، وقالوا: " الجار ثم الدار ". فلا التفات لهم إلى ~~الجنة بل إلى رب الجنة، فكل من لم يعرف الله في الدنيا فلا ينظر إليه ~~في الآخرة، ولا يتجلى الله له أصلا، إذ ليس يستأنف لأحد شيء في الآخرة ~~ما لم يستصحبه في الدنيا، فلا يحصد إلا ما زرع # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة ms1966 أعمى ~~وأضل سبيلا # [الإسراء:72]. # هركه امروز نبيند أثر قدرت دوست # غالب آنست كه فرداش نبيند ديدار # فقد علم من جميع ما ذكرناه وفصلناه في مواضع من كتبنا ورسائلنا، أن ~~العيش عيش الآخرة، وأن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون، ~~لأنها دار العلم ودار الحياة العقلية، وأن منشأ إيثار الحياة الدنيا ~~على الآخرة إنما يكون الجهل بلذة المعارف، والعمى، والحرمان، وكثافة ~~الطبع، وغلظة القلب، وتجسم النفس، حتى أن نفس بعض الآدميين بمنزلة ~~بدن مقطوع الأعضاء الذي لا ثمرة له في الحياة ولا حصل له في الكون، وكل ~~من انتهى حاله إلى إدراك المعرفة الإلهية، فلا بد أن يلتذ بالمعرفة، ~~ويحب لقاء الله ومشاهدة ذاته بالبصيرة العقلية، فيحب الموت ولا يكرهه ~~البتة، إلا من حيث ينتظر زيادة استكمال فيها، لأن بحر المعرفة لا ساحل ~~له، والإحاطة بكنه جلال الله وعظمته مما لا مطمع فيها. # وعلامة عدم العرفان عدم حب اللقاء، وعلامة عدم الحب كراهة الموت ~~وإيثار الحياة الدنيا، مع كون الآخرة خير وأبقى في نفس الأمر وعند أولي ~~الألباب. # قال الله تعالى: # قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم ~~أوليآء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن ~~كنتم صادقين # [الجمعة:6] فجعل سبحانه تمني الموت علامة صدق الولاية والمعرفة. # وقال سيد الموحدين وإمام العارفين علي بن أبي طالب (ع): والله لابن ~~أبي طالب انس بالموت من الطفل بثدي أمه. # وقال (ع) عند وقوع الضربة عن ابن ملجم - لعنه الله - على رأسه الشريف: ~~فزت ورب الكعبة. لعلمه اليقيني بأن الآخرة خير له، إذ بها يظفر ~~بالمقصود ويشاهد جمال المعبود. # فسبحان من تجلى لقلوب أوليائه بنور الجمال، وكشف عن بصائر أحبائه حجب ~~الجلال، فتاهت أرواحهم من الملكوت، وبقوا حيارى في كشف الجبروت، فخاضوا ~~في بحر اليقين، وأصبحوا في جمال الذات هائمين، وبحق العبادة الذاتية ~~قائمين، قائلين: اللهم الطف أسرارنا بإشراق المحبة في أرجائها، ~~وشوق أرواحنا إلى شهود جمالك بفنائها حتى تحيرت في سبحات وجهك ~~الكريم، وطاشت ودهشت عند تجليات حسنك وتلاشت، فحكم الشهود عليها ms1967 بنفي ~~الوجود وألزمها الاعتراف ب " لا إله إلا الله الواحد الأحد المعبود ~~المشهود ". ### || [87.18-19] # يعني أن هذه المعارف المسطورة في هذه السورة والمشار إليها في طي هذه ~~الآية الكريمة الإلهية، واردة من الله في الصحف الأولى للأنبياء، فائضة ~~على صفحات ضمائر الأولياء، لأن سعادة الإنسان وكرامة نفسه لا تحصل إلا ~~بالاشتغال بهذه المطالب، وخلاصه عن شقاوة الجهل منوط بالإعراض عن الدنيا ~~وساير الرغائب. # وروى صاحب الكشاف مرفوعا # " عن أبي ذر - رضي الله عنه -: أنه سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): " كم أنزل الله من كتاب "؟ # فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): مائة وأربعة كتب. منها على آدم عشر ~~صحف، وعلى شيث خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ - وهو إدريس - ثلاثون صحيفة، وعلى ~~إبراهيم عشر صحائف، والتوارة، والزبور، والإنجيل، والفرقان ". # وجميعها مشتركة في طريق واحد ومسلك جامع، هو العلم بالله وأسمائه ~~وأفعاله وكتبه ورسله واليوم الآخر، مع الخلوص عن غشاوة الدنيا بإصلاح ~~الجزء العلمي من النفس، وهذه سبيل الموحدين جميعا من الأنبياء والأولياء ~~والعرفاء. # وقال الله تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء:25]. # وقال تعالى: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني # [يوسف:108]. # وسلم هذه المعارف هو علم حقيقة النفس، وكيفية استكمالاتها وتطوراتها ~~من لدن حدوثها وكونها عقلا هيولانيا، إلى غاية تمامها وكمالها عقلا ~~فعالا متصلا بعالم القدس والحضرة الإلهية، والغرض الأصلي من بعثة جميع ~~الأنبياء والمرسلين يرجع ألى أمرين: التجرد عن العلائق، والاستكمال ~~بالحقائق. # قال بعض العرفاء: وكما أن الاسم الإلهي جامع لجميع الأسماء مشتمل عليها ~~مع أحديته، كذلك طريق عرفانه ودعوته، جامع طرق جميع الأسماء كلها ~~ودعوتها، وإن كان كل من تلك الطرق مختصا بالاسم الذي يريد صاحبه ~~ومظهره، ويعبده للظهور من ذلك الوجه، ويسلك سبيله المستقيم الخاص بذلك ~~الاسم. # وليس الجامع لها إلا ما سلك عليها المظهر المحمدي (ص) والنشأة الجامعة ~~الأحمدية - صلوات الله وسلامه عليه وآله وأتباعه إلى يوم القيامة - وهو ~~طريق التوحيد ms1968 الذي عليه جميع الأنبياء والأولياء، ومنها تتفرق الطرق ~~وتتشعب. # روي أن رسول الله (ص) لما أراد أن يبين ذلك للناس، خط خطا ~~مستقيما، ثم خط عن جانبيه خطوطا خارجة من ذلك الخط، وجعل الأصل، ~~الصراط المستقيم الجامع، والخطوط الخارجة منها سبل الشيطان. كما قال: # ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام:153]. # واعلم أن الحقائق والمعارف التي بها يستكمل الإنسان، ليس عند جمهور ~~الناس شيء منها إلا الخيالات والأشباح، ولذلك لا يحصل لهم منها بعد ~~تقليدهم من الأنبياء واعترافهم بها تسليما وانقيادا إلا شبح الكمال ~~ومثاله، دون حقيقته، لأنها علوم وأسرار لطيفة لا تنكشف لأحد إلا بعد ~~تلطف نفسه، وتنور روحه، وتقدس جوهره، وصفاء ذهنه، إما بحسب الفطرة ~~كما للأنبياء والأولياء، أو بحسب الرياضة كما للحكماء والعلماء. # ولهذا قال بعض الحكماء: من أراد الحكمة الإلهية فليستحدث لنفسه فطرة ~~أخرى. # فالأنبياء، لغاية نقاء أذهانهم، وفرط ذكاء عقولهم، أخذوا هذا العلم عن ~~الملائكة الفعالة وحيا وإلهاما بتأييد الله - عز وجل -، وأما ~~الجمهور من الناس، فليس لهم طريق إلى هذه المعرفة إلا إيمانا وتسليما ~~وتصديقا بما جاء به المخبرون الصادقون عن الله تعالى. # وأما الذين لا يرضون أن يأخذوا هذا العلم تسليما وتصديقا، بل يريدون ~~طريق الكشف والبرهان، والوصول إلى الحقائق واستيضاحها بالبصائر العقلية ~~التي نسبتها إلى العقليات الحقيقية المنورة بنور الحق، نسبة البصر ~~إلى الحسيات المادية المستنيرة بنور الشمس، فهم يحتاجون إلى أن تكون ~~لهم نفوس زكية، وقلوب صافية، وأذان واعية، وأخلاق ظاهرة، وأن يكونوا غير ~~متعصبين لمذهب دون مذهب في هذه الآراء التي لا تختلف باختلاف الأديان ~~والملل، كما نبه عليه قوله تعالى: # آمن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا ~~سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير * لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت # [البقرة:285 - 286]. # فهذه الآية إشارة إلى هذه المراتب الثلاثة للإنسان في الاعتقاد بالمعارف ~~الإلهية. # فقوله: # آمن الرسول بمآ أنزل إليه ms1969 من ربه # [البقرة:285] -، إشارة إلى مرتبة الأنبياء، وهي الدرجة العليا في ~~الإيمان والمعرفة، لأنها حاصلة من جهة نزول المعارف الإلهية، وفيضان ~~الحقائق الربانية على عقولهم الزكية النورية، التي يكاد يضيء زيت ~~نفوسهم الناطقة لفرط استعدادها نورا عقلانيا ولو لم تمسسه نار التعليم ~~البشري، كالكبريت الذي ربما يشتعل بنفسه بأدنى وصول حرارة إليه، نارا ~~محرقا تمامه من غير تخلف مادة رمادية، لا يقبل النارية والنور، كذلك ~~حكم نفوس الأنبياء، حيث إن أبدانهم المكتسبة، لها خاصية الروح من جهة ~~الإدراك والصعود إلى عالم الأفلاك، والولوج في عالم الجنان، ودار الحيوان ~~مع الأبدان. # وقوله: # والمؤمنون كل آمن بالله # [البقرة:285] الى قوله: - # وإليك المصير # [البقرة:285] - إشارة إلى مرتبة الحكماء والعرفاء والعلماء الربانيين، ~~حيث بلغوا إلى مراتب العلم والعرفان، ووصلوا إلى حقائق الإيمان من العلم ~~بأحوال المبدأ وكيفية الصنع والابداع وكيفية خلقة الملائكة الروحانيين ~~وإفاضة العلوم والمعارف الحقة على الألواح العقلية المحفوظة عن الفساد، ~~ثم على الكتب السماوية المحروسة عن النسخ والآفات، ثم على قلوب ~~أنبيائه الصالحين المعصومين عن الخطأ بحسب مصالح العباد على وجه كلي ~~يؤدي إلى سعادتهم في المعاد، من غير اختلاف لأحد من الرسل وأصحاب ~~الأديان في وصول الحقائق الحاصلة لهم من الله سبحانه بقوة ملكوتية، ~~ولخواص أمتهم بقوة الذكاء والوجدان وتصفية الباطن بالرياضات العملية ~~والعبادات القلبية، واتباعهم للأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - في ~~طريق السلوك إليه تعالى، بتكميل ذواتهم بصفة الكمال الذي ينحصر في ~~المعرفة بالله وصفاته وأفعاله، بعد إصلاح الجزء العلمي من نفوسهم بسماع ~~الآيات والذكر الحكيم وطاعة الملكوت في تسخير القوى الشهوية والغضبية ~~والوهمية واستخدامها في أوامر الله ونواهيه بحسب ما تقتضيه الشريعة ~~الحقة ابتغاء لغفران الله ورضوانه عند المصير اليه والانقطاع عنها وعما ~~تعلقت بها. # وقوله: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة:286] إشارة إلى النفوس الساذجة التي ليس فيها ما يوجب التمرد ~~والاستكبار عن قبول الحق من دواعي الشر والفساد، وطلب الرياسة والعناد ~~واللداد كعوام أهل الإسلام، حيث أجابوا دعوة الحق انقيادا وتسليما، ~~وقبلوا النصائح والمواعظ في ms1970 فعل الطاعات البدنية والعبادات الجسمانية ~~وترك المعاصي والإفراط في اللذات والشهوات لئلا يكونوا هائمين غافلين ~~بالكلية عن الله واليوم الآخر، غير مقربين بالثواب والعقاب والجزاء في ~~الأعمال والأفعال يوم الحساب. # فلا محالة لهم نصيب من الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء، فإن ~~الاستحقاق للرحمة المبذولة، إنما يتحقق بمجرد عدم المضادة للرحمة ~~المنافي للمغفرة - أي الهيآت الردية والأخلاق الظلمانية الحاصلة للنفوس ~~بسبب تكرر الأعمال القبيحة، والتمرد عن طاعة الحق، والاستكبار عن سماع ~~الآيات والإعراض عن تكلم الكلمات -. # والداء العضال الذي لا نجاة معه يوم الآخرة، حب الرياسة وطلب الدنيا ~~الذي هو رأس كل خطيئة، فبقدر قوة ذلك، يكون الإنسان بعيدا عن درك ~~الحق ونيل السعادة الأخروية. # أعاذنا الله تعالى - من الإنكباب إلى عالم الغرور والزور، ونجانا عن ~~صحبة المؤذيات والظلمات في معدن الآفات والشرور، وصعد بنا - بمساعدة ~~العلم والتقوى - إلى منبع النور ودار الرحمة والسرور - إنه ولي الجود ~~وغاية الوجود. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1] # كلمة " إذا " يراد بها الوقت، ووقت الآخرة ليس كهذه الأوقات الدنيوية، ~~كما أن يومها وساعتها ليس كأيام الدنيا وساعاتها المضبوطة بحركات هذا ~~الفلك الأقصى، إذ نسبة يوم الآخرة إلى هذه الأيام، كنسبة الروح الأعظم ~~إلى هذه الأرواح الجزئية، وذلك اليوم الحق الذي فيه يمترون. # ومن خواص ذلك اليوم، أن مقداره بالقياس إلى طائفة خمسون ألف سنة: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج:4] وبالقياس إلى طائفة كلمحة واحدة: # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل:77] # إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا # [المعارج:6 - 7]. # فهذا الوقت المدلول عليه بكلمة " إذا " هنا يستوعب سائر الأوقات ~~والأزمنة والساعات، وهو بعينه قد وقع ظرفا لزلزلة الأرض، والأصل في ~~الظروف الزمانية والمكانية أن تطابق مظروفاتها ولوازمها من الحركات ~~والأجرام. # وقد بين في العلوم القرآنية والمعالم البرهانية، أن الأرض وما فيها ~~دائمة الحركة، فقوله: إذا زلزلت -، من قبيل قوله: # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب # [الأنبياء:104] فكما أن طي السماء لا يختص وقوعه بزمان الدنيا - بل ~~بيوم ms1971 القيامة، ولا يمكن لأحد مشاهدة ذلك إلا من كان من أهل النشأة ~~الآخرة كما قال سبحانه: # والسماوات مطويات بيمينه # [الزمر:67] فلذلك زلزلة الأرض هذه غير مختصة الوقوع بزمان معين من هذه ~~الأزمنة، بل ظرف تحققها يوم الآخرة، وشاهد وجودها أهل الآخرة وأصحاب ~~اليمين، فهي مطوية بيمين الحق بالقياس إلى أصحاب اليمين. # وأما من كان من أصحاب الشمال وأهل الجحيم والنكال، فليسوا مفتوحي العين ~~ولا حديدي البصر حتى يقرؤوا الكتب السماوية وينظروا إلى سجل دوراتها ~~وطومار أوقاتها دفعة، إلا حرفا بعد حرف، وكلمة غب كلمة، ولا يمكنهم ~~أيضا مشاهدة آيات الأفلاك والأنفس بالحقيقة إلا كمشاهدة الدواب ~~والأنعام خلف أغشية حجب العزة والجلال، وأغطية الظلمة والوبال، والبعد ~~عن عالم النور والجمال، فتتوارد عليهم الأوضاع والتغيرات وتتحكم عليهم ~~الأزمنة والاوقات. # وأما من قوي نظره وحد بصره - كما هو عند القيامة - فيطلع على جميع ما ~~في هذا الكتاب الجامع للأكوان دفعة واحدة لا يغادر حرفا منه، مثل من ~~يطوي عنده السجل الجامع للكلمات والحروف، كما قال النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): # " أوتيت جوامع الكلم ". # إنما قال: # والسماوات مطويات بيمينه # [الزمر:67] لأن أصحاب الشمال وسكان دار الظلمات، لا نصيب لهم من طي ~~السموات، لأنهم أهل الحجاب - كما مر - فهكذا حال هذا الزلزال للأرض ليس ~~مما يدركه كل أحد، لأنه غير مختص الوقوع بوقت جزئي من أوقات الدنيا، ~~فلا يشاهده الإنسان بمشاعر هذا الأدنى، لأن هذه الحواس التي يشترك فيها ~~الدواب والأنعام مع الناس، تختص بمشاهدتها بما يحدث هنا من الحوادث ~~الجزئية والأكوان الزمانية، والقيامة وأحوالها من عظام الأمور الكلية ~~ليست من جزئياتها، # إن زلزلة الساعة شيء عظيم # [الحج:1]. # فكما أن أرض القيامة غير هذه الأرض بوجه - لأنها يومئذ مبدلة مقبوضة - ~~وسماؤها غيره هذه السماء بوجه - لأنها مطوية كما قال الله سبحانه: # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [إبراهيم:48]. وقوله: # والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه # [الزمر:67]. # فكذلك زلزلة الأرض يوم القيامة غير هذه الزلازل الجزئية. # تنبيه: # إن أهل الحجاب وأصحاب الارتياب ذاهلون عن ms1972 كون الأزمنة والحركات منطوية ~~يوم القيامة منشورة ها هنا، ولا يمكن لهم أن يعرفوا بهما جميعا، والعجب ~~أنهم كما لم يؤمنوا هنا بطي السموات وما فيها يوم القيامة، لاشتغال ~~قلوبهم بأحوال الدنيا، فكذلك إذا بعثوا إلى الآخرة أنكروا زمان مكثهم في ~~الدنيا ونشر الحركات فيها، إذ تشغلهم أهوال يوم القيامة عن ذلك، كما قال ~~جل ذكره: # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون * وقال الذين ~~أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله ~~إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم ~~كنتم لا تعلمون # [الروم:55 - 56]. # حجة كلامية: # إن في قوله تعالى: # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت ~~وتضع كل ذات حمل حملها # [الحج:2] بعد قوله - # إن زلزلة الساعة شيء عظيم # [الحج:1] دليلا واضحا على ما ذكر، لدلالة الكلية على الشمول العمومي ~~لجميع المرضعات وذوات الأحمال، متى كان وأين كان. # تنوير قرآني وتذكير برهاني: # إن نسبة البعث إليه تعالى كنسبة الخلق: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان:28] # كما بدأكم تعودون # [الأعراف:29] فكما أن الله من جهة الخلق أوجد جميع الخلائق - على ~~كثرتها واختلاف أزمنتها - بإيجاد واحد وإفاضة واحدة - وحدة غير زمانية ~~-، وهي في أنفسها وبقياس بعضها إلى بعض، أمور متكثرة متجددة، ومختصة ~~بأزمنتها وأوقاتها، وله تعالى أيضا شأن واحد في شؤون كثيرة، إذ كل يوم ~~هو في شأن، ولا يشغله شأن عن شأن، فكذلك من جهة البعث، يبعث الخلق كلهم ~~في ساعة واحدة على صعيد واحد كقوله تعالى: # فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة # [النازعات:13 - 14]. # فهذه الساعة: # كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل:77]. من جهة. ومن جهة المخلوقات واختلاف قوابلها واستعداداتها: # كان مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج:4] وعليها يقاس حكم الحركات والأمكنة فإن لها هاتين الجهتين. # قال تعالى نظرا إلى الزمان من جهة القرب والوحدة: # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر:1]. # وأن الساعة آتية لا ريب فيها # [الحج:7] # ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة # [يونس:45]. # ومن جهة البعد بالقياس إلى أهل الحجاب والظلمة: ms1973 # هيهات هيهات لما توعدون # [المؤمنون:36] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين * قل ~~لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شآء الله ~~لكل أمة أجل إذا جآء أجلهم فلا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون # [يونس:48 - 49]. # وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون # [الأنبياء:109]. # أم يجعل له ربي أمدا # [الجن،:25]. # وقال نظرا إلى المكان من جهة القرب: # وأخذوا من مكان قريب # [سبأ:51] # وإن جهنم لمحيطة بالكافرين # [العنكبوت:54]. # وما هم عنها بغآئبين # [الانفظار:16]. # إنآ أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما ~~قدمت يداه # [النبأ:40]. ومن جهة البعد: # وأنى لهم التناوش من مكان بعيد # [سبأ:52]. # وقال نظرا إلى الوجهين: # إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا # [المعارج:6 - 7]. فالأول: بالقياس إلى المحبوسين في سجن المكان، ~~المقيدين بقيد الزمان، والثاني: بالقياس إلى المتخلصين عن رق الحدثان، ~~الناظرين إلى حقائق الأشياء بعين العيان. # إشارة نورية: # إن إضافة الزلزال إلى الضمير العائد إلى الأرض، الدالة على الاختصاص، ~~تشير إلى أن هذه نوع حركة معهودة من الأرض، مختصة بها، واقعة منها على ~~حسب الجبلة والغريزة، وأنها مركوزة في طبيعتها، والأمور الغريزية ~~للأشياء غير منسلخة عنها، ولا متراخية إلى حين - إذا خليت وطبايعها - ~~فهكذا حكم هذا الزلزال. # وقد حقق في المعالم الإلهية بالبراهين النوارنية، أن الأرض والأرضي ~~كالسماء والسماوي، في أن لها حركة ذاتية جوهرية لا تفتر عنها لحظة، ~~وما من طبيعة أو ذي طبيعة إلا وهو أبدا في الحركة الاستكمالية ~~الجوهرية، وبها يطلب الحق الأول، ويرجع إليه، كما في قوله سبحانه: # فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ ~~أتينا طآئعين # [فصلت:11] فالإتيان لله سبحانه: إما من السماء وما فيها، فكان في أول ~~الأمر على جهة الطوع لكونها مفطورة على كمالها الأتم في أول النشأة، ~~مطيعة لله تعالى بحسب فطرتها الأولى، وإما من الأرض ومن عليها فكان على ~~جهة القسر أولا، لأنها ناقصة الفطرة الأولى، وإنما اكتسبت الكمال ~~والتقرب إلى الله بحسب فطرة أخرى ونشأة ثانية. فالأرضيات بعد استكمالها ~~بالنفوس الكاملة الإنسانية، صارت مطيعة لله تعالى بلا إكراه ~~كالسماويات، فاتفقتا ms1974 في سلوك طريق الحق والسير إلى الله، والإتيان ~~إليه ولهذا قالتا: أتينا طائعين. # وفي الكشاف: معنى هذه الإضافة، زلزالها الذي تستوجبه في الحكمة، وهو ~~مشية الله، وهو الزلزال الشديد الذي ليس بعده، ونحوه قولك: أكرم التقي ~~إكرامه، وأهن الفاسق إهانته. تريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة. أو ~~زلزالها كله وجميع ما هو ممكن منه. # وقد أجرى الله على لسانه من الحق ما يمكن أن يراد منه مجموع الانتقالات ~~الأرضية الواقعية من جملة الأرض وما فيها من ساير المركبات التامة ~~والناقصة، وبسائطها إذا أخذت دفعة واحدة، وشوهدت شهودا أخرويا، وما ~~يختص بأهل الآخرة وبأهل المعرفة وإن لم يحشروا بعد بحسب قالبهم إلى ~~الله، وذلك لأنهم قد حشروا إلى الله بحسب قلوبهم. # وهذه الحركة إذا أخذت هكذا، فهي حركة عقلية شوقية من الله مبدأها، ~~وإلى الله منتهاها، وباسمه مجراها ومرساها، كما قال تعالى # يسألونك عن الساعة أيان مرساها * فيم أنت من ~~ذكراها * إلى ربك منتهاهآ # [النازعات:42 - 44]. # وقد بين أيضا في المعالم الإلهية إثبات العقل والإرادة للأرض بالبرهان ~~المنور بأنوار القرآن، مثل قوله: # أتينا طآئعين # [فصلت:11] # وأشرقت الأرض بنور ربها # [الزمر:69]. وقوله: # إن الذي أحياها لمحى الموتى # [فصلت:39]. ومن اكتحلت عين بصيرته بنور الحكمة الحقة، يعلم أن كل جرم ~~- غليظا كان أو لطيفا - فله حياة ونفس وعقل، إذ ما من جسم إلا وله ~~صورة طبيعية هي مبدأ حركته القريب، وكل جسم من شأنه التفرق والانقطاع ~~والتكثر، وعند القطع والتكثير تنعدم ذاته ويزول اتصاله، وكل طبيعة من ~~شأنها الاستحالة والسيلان دائما - كما حقق في مقامه - فالنفس الروحانية ~~هي علة اتصال الأجرام ووحدانيته، فالوحدة والاتصال مستفادان في كل ~~جرم من النفس، وكذا البقاء والاستمرار له لسيلان طبيعته واستحالتها - لما ~~مر -. # والنفس لا يتم وجودها إلا بالعقل، لأنها أيضا من حيث الفعل والتدبير ~~طبيعة، ومن حيث الذات والحقيقة عقل، فثبت أن الأرض ذات حياة نفسانية، ~~ولها كلمة فعالة روحانية. # واستدل معلم أسلاف الحكماء، على أن الأرض ذات حياة بأنها تنمو وتنبت ~~الجبال - فإنها نبات أرضي -، وفي ms1975 داخل الجبال حيوانات كثيرة ومعادن، ~~وإنما تتكون هذه منها لأجل الكلمة ذات النفس فإنها هي التي تصور في ~~داخل الأرض هذه الصورة. وهذه الكلمة هي صورة الأرض الفاعلة فيها هذه ~~الأفاعيل، ولا يمكن أن تكون ميتة وتفعل هذه الأفاعيل العجيبة العظيمة، ~~فان كانت حية فانها ذات نفس لا محالة. # فإن كانت هذه الأرض الحسية حية - وهي صنم - فبالحري أن تكون الأرض ~~العقلية حية - انتهت حكاية كلامه -. # وبناؤه على أن لكل طبيعة جسمانية صورة عقلية في عالم الأرواح ~~العقلية - وهي المسماة بالمثل النورية والصور المفارقة عند شيخه ~~أفلاطون، ومن تقدمه من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وعرجوا ~~بنفوسهم الصافية وقلوبهم الطاهرة إلى عالم القدس، وشاهدوا هذه الصورة ~~الإلهية مظاهر أسماء الله تعالى، فهم أهل بيت الحكمة، كما أن أئمتنا ~~أهل بيت النبوة والولاية - سلام الله عليهم أجمعين -. # تذكرة: # هذه الحركة الأرضية، التي قد مرت الإشارة إلى أنها إرادية شوقيه ~~عقلية، ليست واقعة في احدى المقولات الأربع العرضية، لما مر أنها غير ~~محسوسة، ولا قابلة لأن تحس بإحدى هذه الحواس، بل هي حركة ذاتية واقعة ~~في مقولة الجوهر. والمقتصرون على البحث البحت من النظار وذوي الأفكار، ~~لم يجوزوا الحركة في مقولة الجوهر، ولم يمكنهم أن يتفطنوا بدقة ~~أفكارهم وحدة أنظارهم لهذه الحركة الذاتية، لأن إدراكها يحتاج إلى ~~تأييد إلهي وإلهام نوري رباني، يختص بأصحاب المكاشفات للقلوب المنورة ~~بنور الإيمان ثم العرفان. # فهم قد رأوا بالمشاهدة العيانية، أن الأعيان الجوهرية دائمة التوجه ~~إلى الله تعالى توجها معنويا وحركة ذاتية، وما من جوهر عيني له صورة ~~وجودية إلا وله هذا السير الحثيث إلى الحضرة الإلهية، وهو أبدا في ~~الانتقال من صورة إلى صورة، ومن طور إلى طور - حركة رجوعية وسيرا ~~استكماليا - كما قال سبحانه: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء # [النمل:88]. # فهكذا حكم الإنسان، فإنه أبدا بحسب غريزته، والتبدل والميلان من نشأة ~~إلى نشأة، وطور إلى طور، ومن هوية إلى هوية، ومن تبدل هذه ms1976 الهويات ~~عليه، تستمر له هوية ثابتة يحكم بها عليه أن ذاته هي التي كانت موجودة ~~أولا، فله هوية ثانية هي التي بعينها متبدلة، فانظر ماذا ترى. # وعلى هذه الحركة الانقلابية للإنسان شواهد كثيرة من القرآن، مثل قوله ~~جل اسمه: # يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه # [الانشقاق:6] وقوله: # وينقلب إلى أهله مسرورا # [الانشقاق:9]. وقوله: # إنا لله وإنآ إليه راجعون # [البقرة:156]. وقوله: # كل إلينا راجعون # [الانبياء:93]. وقوله: # وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون # [فصلت:21]. # وهذه الحركة الجبلية إليه تعالى وإلى الدار الآخرة، ولا تنافي الشقاوة ~~والكفر، بل تعم السعيد والشقي، والمؤمن والكافر، كما بين، وكذا لا ~~تنافى الذبول الطبيعي والموت الطبيعي، لأن توجه النفس إلى جهة الآخرة ~~بعد تمام الاستكمال البدني، يوجب انصراف تدبيرها عن البدن شيئا فشيئا، ~~حتى إذا تم التوجه إليها والانصراف عنه بالكلية عرض له الموت، فلهذا ~~المعنى يكون الذبول طبيعيا والموت طبيعيا، لا كما اشتهر فيما بين الناس ~~من أن سببهما نقصان القوة من الأول وفناؤها في الثاني. فإذن قد بزغ ~~الحق، وانكشف الأمر في أن الأرض بما فيها دائمة التحول والحركة من ~~جوهر محسوس أدنى إلى جوهر محسوس أعلى، ثم تتحرك بعد طي مراتب ~~المحسوسات الجوهرية إلى الجواهر الغير المحسوسة، فيتحرك من الأخس منها ~~وجودا والأقل آثارا إلى الأشرف منها وجودا والأكثر آثارا، وهكذا ~~تتدرج في الاستكمال وتسير في الأطوار السلوكية والأحوال من صورة إلى ~~صورة حتى تنتهي نوبة الانتقال والإرتحال من الجواهر النفسانية إلى ~~الجواهر العقلانية، فإذا وصلت إلى الحضرة الإلهية وعالم الأسماء بعد ~~عالم الأرض والسماء، فيحشر إلى اسم من أسمائه - # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا ~~لله الواحد القهار # [إبراهيم:48]. # تذكرة: # هذه الحركة المعنوية للأرض، التي تعود بجملة ما فيها ومعها إلى الدار ~~الآخرة، وترجع بها إلى الله تعالى، قد وقعت الإشارة إليها في آيات كثيرة ~~من الكتاب الإلهي، مثل قوله: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة # [الحج:5] إلى قوله: # ذلك بأن ms1977 الله هو الحق وأنه يحيي الموتى ~~وأنه على كل شيء قدير * وأن الساعة آتية ~~لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور # [الحج:6 - 7]. # وقوله: # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا # [الزمر:71] إلى قوله: # قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس ~~مثوى المتكبرين * وسيق الذين اتقوا ربهم ~~إلى الجنة زمرا # [الزمر:72 - 73] إلى قوله: # فادخلوها خالدين # [الزمر:73]. ### || [99.2] # إذا فهمت ما مر من الكلام، عملت أن هذا موكد لما ذكرناه ومنور ~~لما قررناه، إذ فيه إشارة إلى غاية هذه الحركة الأرضية، فإن الحركة لا ~~بد لها من غاية، بل ليس معناها إلا التأدي إلى غاية، والطلب لكمال، ~~والخروج من قوة إلى فعل، ولهذا حدت بأنها: " كمال أول لما ~~بالقوة من حيث هو بالقوة ". # فغاية زلزلة الأرض ظهور أواخر ما في مكامن استعداداتها، وبروز نهايات ~~كمالاتها الجوهرية يوم القيامة من أفراد طبايع النفوس الإنسانية ~~السعيدة أو الشقية، وكذا أفراد نفوس الشياطين والجن المعبر عنهما ~~جميعا بالأثقال - جمع الثقل، وهو متاع البيت ومتاع المسافر -. # شبه إخراج الطبيعة المحركة الأرضية ما في مكن قوتها ومخزن ~~استعداداتها إلى الفعلية والبروز بشخص أخرج أمتعته من داخل البيت إلى ~~عرصة التميز وموقف الأشهاد، ليظهر رايجها من كاسدها، وصحيحها من فاسدها، ~~وتميز خبيثها من طيبها، وكذلك يوم عرض الخلائق في عرصة القيامة - ليميز ~~الله الخبيث من الطيب -، فتعرف أعمالهم وأفعالهم وضمائرهم ونياتهم، ثم ~~يجزون بما كانوا يعملون فيثابون أو يعاقبون. # هداية حكمية: # ليس لأحد أن ينكر صحة اجتماع الخلائق كلهم من الأولين والآخرين في ~~وقت واحد على ساهرة واحدة، بعدما بليت أجسادهم، ورمت عظامهم، كما حكى ~~الله سبحانه عن المنكرين الجاحدين لأمر المعاد، وأمر نبينه بالقول ~~الهادي إلى طريق السداد وسبيل الرشاد فقال: # يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون * أو آبآؤنا الأولون * قل إن الأولين ~~والآخرين * لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم # [الواقعة:47 - 50]. وذلك لأن القدرة واسعة، والعناية داعية، والحكمة ~~مقتضية، والموانع ساقطة، إذ زمان الآخرة يسع الأزمنة كلها، وكذا ~~مكانها يسع الأمكنة، والله سبحانه يمد الأرض ms1978 ذلك اليوم بقدرته مد ~~الأديم - كما ورد في الخبر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) - وكما قال ~~سبحانه: # وإذا الأرض مدت * وألقت ما فيها وتخلت * ~~وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق:3 - 5]. # ومما يثبت ذلك عقلا، أن الزمان بكميته الإتصالية شخص واحد موجود في ~~وعاء الدهر، وكذا الحركة القطعية بامتدادها الاتصالي لها هوية ~~ومقدارية حاضرة عند الباري - جل ذكره -، وعباده المقربين المقيمين عنده ~~- من الملائكة والنبيين والشهداء -، وكذا كل ما يقترن الزمان والحركة ~~له حضور جمعي يوم الجمع - لا ريب فيه -، فسطح الأرض وإن كان في كل زمان ~~بجملة ما عليه غير ما هو في زمان آخر - سابقا كان أو لاحقا - لعدم ~~اجتماع أجزائه كلها، ولعدم حضور ما يقارنها ويوازيها من المتجددات ~~والمتغيرات عند المحبوسين في سجن المكان المقيدين بقيود الزمان، بل في ~~كل زمان يسع وجه الأرض عددا معينا محصورا من الخلائق، ثم يفرغ عنها ~~ويسع خلقا جديدا غيرها، إلا أنه إذا انكشف الغطاء، واخذت جملة الزمان ~~شخصا متصلا واحدا، كما هو عند المرتفعين عن قيود الزمان والمكان، كان ~~يجب أن يتصور شكل وجه الأرض على هيئة سطح واحد متصل يتضمن جميع السطوح ~~الأرضية الموجود كل منها في زمان معين من الأزمنة الكائنة من ابتداء ~~وجود العالم إلى انتهائه، وتكون جميع هذه السطوح التي لا يمكن احصاؤها ~~سطحا واحدا يسع الخلائق كلها يوم القيامة الموجودة في الآزال ~~والآباد. # وإذا أخذ ذلك السطح على هذا الوجه، لم يكن من ذوات الأوضاع الحسية، إذ ~~ليس حاصلا في جهة معينة من الجهات، ولا في زمان معين من الأزمنة، ولا ~~محسوسا بإحدى هذه الحواس، بل إنما يدرك بالحواس الآخرة. # وهكذا مجموع الأمكنة إذا أخذت جملة واحدة، لم يكن موجودا حسيا له ~~وحدة حسية، بل موجودا عقليا له وحدة عقلية، وهكذا مجموع عالم الأجسام ~~- بما هو مجموع - ليس مما يناله الحس، بل يشعر به إما العقل بذاته، أو ~~بآلة أخرى من مشاعر عالم الآخرة، إذ ليس لعالم الأجسام كله وضع خاص ولا ~~إليه إشارة حسية، ولا له ms1979 جهة، ولا فيه مكان، فإذا كان وجود سطح الأرض ~~على هذا الوجه من مقدورات الله تعالى من غير شبهة ولا ريب، فإنه مما ~~قاد إليه البرهان ويحكم به الوجدان، ولا تنازع فيه لأحد ممن له قدم راسخ ~~في المعارف العقلية، وقد راض نفسه بالرياضات الحكمية، وحقق الأمر في ~~نسبة المتغيرات والمتجددات إلى الثابتات والكلمات التامات، وعلم معنى ~~الدهر والسرمد، ونحو وجود الحركة بهويته الإتصالية، والزمان بكميته ~~الامتدادية التجددية، وما انطبقا عليه ووجدا معه وبه - بالذات أو ~~بالعرض - فكيف تقصر قدرته - جلت كلمته - عن جمع الخلائق كلها دفعة ~~واحدة في ساهرة واحدة، وكما قال: # فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة # [النازعات:13 - 14]. وكذا قوله: # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة * وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة # [الحاقة:13 - 14]. وقوله: # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون # [يس:53]. ### || [99.3] # هذا القول منه، يحتمل أن يكون بلسان الحال طبق لسان المقال، بمعنى أن ~~وجود الإنسان يكشف عما طرأ لها في الزلزال من الأحوال وشدايد الأهوال، ~~وذلك عند النفخة الثانية، لما لفظت ما في بطنها، وأخرجت أمواتها أحياء، ~~فيعلم أن الغرض الداعي لها في هذه الزلزلة، خروج الأموات من بطنها ~~أحياء، كما يخرج الجنين من بطن الأم عند اضطرابها وانزجارها. # وقد روى محمد بن علي بن بابويه القمي - رحمه الله - في كتاب " من لا ~~يحضره الفقيه " - بسنده المتصل إلى جابر بن عبد الله الأنصاري قال: # قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " إذا انقطع الرزق المقدر للولد من سرة أمه، زجره الملك زجرة ~~فانقلب فزعا من الزجرة، وصار رأسه قبل المخرج، فإذا وقع إلى الأرض وقع ~~إلى هول عظيم " # - في حديث طويل -. # فالمعنى - والله أعلم -، أن حضور الخلائق يوم القيامة، وحشر النفوس ~~الإنسانية إلى الله بعد انقضاء تكونها التدريجي، وانقطاع حياتها ~~الدنيوية المسبوقة بالتكوينيات المادية والاستحالات الأرضية والتطورات ~~الاستكمالية، يكشف الغطاء عن لمية حركات الأرض وزلازلها ويفصح عنها، ~~لأن هذا اليوم يوم كشف الغطاء، ويوم بروز الحقائق وظهور السرائر، فعلى ~~هذا ms1980 تكون " ما " موصولة، ويؤيد هذا: # قوله عز من قائل: { يومئذ تحدث أخبارها }. ### || [99.4] # هذا التحديث منها على سبيل الحقيقة، لأن حقيقة الكلام إبداء ما في ~~الضمير، وإعلام المكنونات مع الإرادة، سواء كان بغير لسان مثل كلام الله ~~وكلام الملائكة، أو بلسان. # فالأول: بأن ينكشف عنها يوم القيامة دقائق صنع الله فيها، وعجائب حكمته ~~في خلقها، والغايات التي خلقت لأجلها، وسبقت إليها وبعثت لها. # وأما الثاني: فبعد صيرورتها جوهرا ناطقا، أنطقه الله الذي أنطق كل ~~شيء، إذ ما من شيء إلا وهو ناطق - إما بالفعل أو بالقوة -، فيخرج من ~~حد القوة إلى حد الفعل بالحركة الاستكمالية المعنوية التي مرت إليها ~~الإشارة، كما قال جل ذكره: # الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه:50]. # فهذه الهداية الإلهية هي التي يخرج الله بها الخلائق إلى رحمته، ويسوق ~~بها عباده إلى رضوانه، وذلك بعد إدخال كل من المكونات في باب ~~الإنسانية، إذ هو باب الله الذي منه يؤتى، وصراطه المستقيم إليه، فيؤخذ ~~كل شيء إليه بالنواصي والأقدام و # ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي ~~على صراط مستقيم # [هود:56]. والدابة كل ماش، وما من كائن في العالم إلا وهو ماش - ~~كما مر - وله حياة وتسبيح خاص، ويذكر الله باسم خاص يمشي به إلى جانب ~~الحق، وهكذا عند صاحب الكشف والشهود. # وكل ماش فهو على صراط الإنسانية، والحق آخذ بناصيته يتصرف فيه ~~ويجره إليه بحسب أسماء يسلك بها إليه، والكل مهتد من هذا الوجه، ~~والضلال من العوراض الطارية، كما أن الرحمة وسعت كل شيء، والغضب عارض، ~~فالمآل إلى الرحمة التي وسعت كل شيء. # وقد انساق الكلام هنا إلى مقام تدق عن دركه خواطر الأنام، بل تضيق عن ~~تحقيقه حواصل أفهام الفضلاء الكرام - فضلا عن أصحاب اللقلقة والكلام. # وفي الكشاف: هو مجاز عن إحداث الله تعالى فيها من الأحوال ما يقوم مقام ~~التحديث باللسان، حتى ينظر من يقول ما لها إلى تلك الأحوال فيعلم لم ~~زلزلت ولم لفظت الأموات، وأن هذا ما كان الأنبياء ms1981 ينذرون به ويحذرون ~~منه. # وقيل: ينطقها الله على الحقيقة ويخبر بما عمل علهيا من خير وشر. # وروي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): # " تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها ". # وهذه الأحوال غير منافية لما ذكرنا، بل مؤكدة لما بينا. # وقوله سبحانه: " يومئذ " ، بدل من: " إذا " واقع في حيزه، ~~فتكونان معمولي فعل واحد ينصبهما وهو " تحدث " ، ويجوز أن ينتصب ~~الأول بعامل مضمر مثل " اذكر " أو ما يجري مجراه، والثاني بتحدث، ~~ومفعوله الأول محذوف، والثاني: " أخبارها ". # وفي قراءة ابن مسعود: تنبئ أخبارها. وسعيد بن جبير: " تنبئ " - ~~التخفيف -. ### || [99.5] # الباء للسببية، وهي متعلقة ب " تحدث " ، أي: تحدث أخبارها بسبب ~~إيحاء ربك يا محمد لها، وأمره إياها بالتحديث بألسنة ناطقة بإذن الله، ~~من مواضع النطق والإعلام، ومشاهدة الإظهار والإخبار، وذلك بحسب صور ~~كمالاتها الأخروية، وغايات استكمالاتها المؤدية إلى النشأة الثانية، ~~نشأة الأرواح والنفوس، وموطن المجازاة على الأعمال والحركات. # ومثل هذا التحديث من الأرض في ذلك اليوم، شهادة الأيدي والأرجل والجلود ~~بما كانوا يعملون، فكما أن الأعمال البشرية والأفعال الصادرة من أفراد ~~الإنسان مدة كونهم في هذه الدار، تتأدي بهم يوم الآخرة إلى صور هيآت ~~تقتضيها الأخلاق والنيات الحاصلة من تكرر تلك الأعمال والأفعال، ~~وبحسبها، يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء # [فصلت:21]. # فكذلك حكم زلزلة الأرض. واندكاك الجبل، وانشقاق السماء، ينطق كل منها ~~بلسان يخصه، بوحي يوحى إليه عن أحواله وأفعاله بنطق حسي أو عقلي، كما ~~أوحاه الله إليه وأنطقه به. # وقوله: أوحى لها - بمعنى: أوحى إليها. وقيل: " الباء " للصلة، ويكون ~~المعنى: يومئذ تحدث بتحديث أن ربك أوحى لها أخبارها، على أن تحديثها ~~بأن ربك أوحى لها، تحديث بأخبارها، كما تقول: " نصحتني بكل نصيحة بأن ~~نصحتني في الدين ". # وقيل: يجوز أن يكون " بأن ربك " بدلا من " أخبارها " كأنه قيل: ~~يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى لها. لأنك تقول: حدثته كذا، ~~وحدثته بكذا. ### || [99.6] # صدور الناس: خروجهم من مكامن ms1982 قبروهم وأجداث أجسادهم الأرضية إلى الله ~~تعالى، كما في قوله: # فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون # [يس:51]. وقوله: # يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى ~~نصب يوفضون # [المعارج:43]. وبروزهم من أغشيتهم المادية وأغطيتهم الهيولانية إلى ~~عالم الآخرة كما في قوله: # وبرزوا لله جميعا # [إبراهيم:21]. أشتاتا متفرقين وأنواعا متكثرين. # فحشر الخلائق على أنحاء مختلفة حسب أعمالهم وأفعالهم ونياتهم ~~ومعتقداتهم، فلقوم على سبيل الوفد # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم:85]. ولقوم على نهج سياق الدواب: # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا # [مريم:86]. ولقوم: # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * في ~~الحميم ثم في النار يسجرون # [غافر:71 - 72]. ولقوم: # ونحشر المجرمين يومئذ زرقا # [طه:102]. ولقوم: # ونحشره يوم القيامة أعمى # [طه:124]. وقوم مكبون على وجوههم: # أفمن يمشي مكبا على وجهه # [الملك:22]. # وبالجملة يحشر كل أحد إلى غاية سعيه ونهاية عمله، وما كان يحبه في ~~الدنيا ويعمل لأجله، حتى أنه لو أحب أحدكم حجرا لحشر معه. # فإن تكرر الأفاعيل يوجب حدوث الملكات، وكل ملكة وصفة نفسانية ~~تغلب على باطن الإنسان تتصور في الآخرة بصورة تناسبها # قل كل يعمل على شاكلته # [الإسراء:84] ولا شك أن أفاعيل الأشقياء المردودين المدبرين إنما هي ~~بحسب هممهم القاصرة النازلة في مراتب البرازخ الحيوانية، وتصوراتهم ~~مقصورة على أغراض بهيمية أو سبعية تغلب على نفوسهم، فلا جرم ~~يحشرون على صور تلك الحيوانات المناسبة لأفعالهم وملكاتهم، كما في ~~قوله تعالى: # وإذا الوحوش حشرت # [التكوير:5]. # وفي الحديث: # " يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القردة والخنازير ". # حكمة إلهية: # إن الإنسان من حيث بدنه الدنيوي، ونفسه المتعلقة بها، نوع واحد وله حد ~~واحد، ولكن من جهة نشأته الثانية، والصورة الأخروية والفائضة على مواد ~~النفوس بحسب هيآتها النفسانية، ستصير أنواعا كثيرة. # والسبب اللمي في ذلك أن النفس الإنسانية لها جهتان: جهة قوة وجهة ~~فعل. # فهي من حيث فعليتها صورة فائضة على مادة البدن، وهي من هذه الحيثية ~~أمر واحد هو مبدأ فصل الإنسان، يمتاز به عن سائر المركبات الحيوانية ~~وغيرها. # وأما من جهة كونها بالقوة، فلها ms1983 استعداد كل صفة من الصفات ~~النفسانية، ولها قوة كل صورة من الصور الأخروية، فتخرج من القوة ~~إلى الفعل في كل أمر يغلب عليها صفاته وهيآته. # وهاتان الجهتان لا تكثران ذاته، ولا توجبان تركبه من مادة وصورة، ~~لأنهما بحسب نشأتين، فما هو صورة في هذه النشأة فهو بعينه مادة النشأة ~~الثانية، فهي كأنها واسطة بين الطرفين، وبرزخ بين العالمين, وحاجز بين ~~البحرين، وسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ~~ولهذا المعنى سماها بعض المحققين طراز عالم الأمر، لأنها نهاية ~~الجسمانيات وبداية الروحانيات. # فثبت بالحكمة الموضحة والبرهان النير، أن الإنسان - وإن كان بحسب ~~النشأة الحسية نوعا متشابهة أفراده متماثلة أعداده -، إلا أنه عند ~~خروج أعداد نفوسها من القوة الهيولانية إلى فعل الصور الباطنية، ستصير ~~أنواعا متخالفة بحسب غلبة الصفات ورسوخ الملكات، كل نوع من جنس ما ~~يغلب عليه من صفات البهائم أو السباع أو الشياطين أو الملائكة، إذ قد ~~خمر في طينة الإنسان من جهة قوته العلمية المتشعبة إلى العاقلة ~~المدركة للكليات بذاتها، والواهمة المدركة للجزئيات بآلاتها الخيالية ~~الحسية والعملية الشوقية المتشعبة إلى قوة الشهوة لطلب الملائم، ~~وقوة الغضب لدفع المنافر. # فهذه رؤساء القوى المركوزة في جبلة الآدمي، وبكل قوة منها يشارك ~~جنسا من أجناس الملائكة والشياطين والبهائم والسباع، وليس في جواهر ~~الممكنات شيء خارج عن هذه الأربع، فإذا صارت القوة فعلا، والاستعداد ~~صورة، بورزت الإعتقادات والسرائر، وظهرت النيات والضمائر، # أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما ~~في الصدور # [العاديات:9 - 10]، # وبرزت الجحيم لمن يرى # [النازعات:36] # وأزلفت الجنة للمتقين # [الشعراء:91]. # فكل إنسان يوم القيامة إما بهيمة من البهائم، إن كان الغالب عليه صفة ~~الشهوة والحرص، وما يجري مجراهما من فروعات النفس الشهوية. # وإما سبعا من السباع، إن كان الغالب عليه صفة الغلبة وحب الرياسة ~~وأمثالها من دواعي النفس الغضبية. # وإما شيطانا من الشياطين إن كان الغالب عليه صفة المكر والخديعة ~~والغرور، وأشباههما من دواعي النفس الشيطانية. # وإما ملكا من الملائكة إن كان الغالب عليه إدراك المعقولات والتجرد ~~عن ms1984 الجسمانيات، والسلامة عن هذه الأمراض النفسانية. # فأفراد الإنسان وإن كانوا متماثلين في عالم الشهادة وبحسب الظاهر، إلا ~~أنهم متخالفو الحقائق بحسب الباطن عند الشحر، فها هنا يصدق عليهم حد ~~الإنسانية -، وهو الجوهر النامي الحساس المميز المتفكر - وما هو ~~مبدأ فصله الأخير معنى واحد - وهو الجوهر النطقي والعقل المنفعل منه -، ~~وهو بعينه يصير مادة صورته الأخروية، والمعنى الواحد وإن لم يجز أن ~~يكون فصلا أو صورة لحقائق مختلفة، ولكنه يجوز أن يكون جنسا أو مادة ~~لحقائق مختلفة، وذلك لاعتبار التعين والتحصل في الأول، والإبهان ~~والنقص في الثاني، والنفس صورة تمامية لهذه الأجسام الحسية الدنيوية، ~~ومادة منفعلة للصور الأخروية والنشآت الثانوية. # وهذا المعنى أمر ثابت محقق عند أئمة الكشف والشهود، والمعتضد بإشارات ~~قرآنية، ورموز نبوية، دلت عليه آيات كثيرة وروايات غير يسيرة: # أما الآيات: فمثل قوله تعالى: # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون # [الروم:14]. # وقوله: # ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب ~~بآياتنا فهم يوزعون # [النمل:83]. # وقوله: # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس:59]. # وقوله: # أفنجعل المسلمين كالمجرمين # [القلم:35]. # وقوله: # أم نجعل المتقين كالفجار # [ص:28]. # وقوله: # هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر:9]. # وقوله: # سوآء محياهم ومماتهم # [الجاثية:21]. # كله على سبيل الاستفهام الإنكاري - وهو أبلغ -. # ومما يدل على كون الإنسان متحد الماهية في النشأة الدنيا والفطرة ~~الأولى، متخالف الحقائق في النشأة الأخرى والفطرة الثانية، من جهة سبق ~~أعمال واعتقادات وملكات، قوله تعالى: # وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا # [يونس:19] وقوله: # ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل ~~من يشآء ويهدي من يشآء # [النحل:93]. وقوله: # يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا # [النبأ:18]. # ومن هذا الباب الآيات الدالة على النسخ، فإن المراد منها نسخ البواطن، ~~وقد أولها أهل التناسخ إلى انتقال النفوس إلى أبدان أخرى حيوانية في ~~هذه النشأة، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وقد بينا فساد ما ذهبوا إليه في ~~موضعه ببرهان خاص عرشي لا نطول الكلام بذكره، وهي مثل قوله: # وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم ms1985 ما فرطنا في الكتاب من شيء # [الأنعام:38]. # وكقوله: # يوم يسحبون في النار على وجوههم # [القمر:48]. # وقوله: # أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي ~~سويا على صراط مستقيم # [الملك:22]. # وقوله: # الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم ~~أولئك شر مكانا وأضل سبيلا # [الفرقان:34]. # وقوله تعالى: # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم ~~سعيرا # [الإسراء:97]. # وقوله: # إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون # [الأنفال:22]. # وقوله: # قل كل يعمل على شاكلته # [الإسراء:84]. # وقوله: # إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل # [الفرقان:44]. # وقوله في حق بلعم وأمثاله: # فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو ~~تتركه يلهث # [الأعراف:176] - الآية -. # وأما الحديث فكما مر، وكقوله: # " يحشر الناس يوم القيامة على صور نياتهم ". # وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): # " يحشر الناس على وجوه مختلفة ". # وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في صفة أقوام: # " إخوان العلانية أعداء السريرة، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر ~~من الصبر، يلبسون للناس مسوك الكباش من اللين، وقلوبهم كقلوب الذئاب ". # وقول أمر المؤمنين (ع): الناس أبناء ما يحسنون. # فهذه الأحاديث أيضا دالة على مسخ البواطن وانقلابها، وهذا كثير في هذه ~~الأمة، فترى الصورة أناسي، وفي الباطن غير تلك الصورة من ملك أو شيطان ~~أو كلب أو أسد أو ذئب أو قرد أو خنزير وغير ذلك، كما كثر المسخ في الصورة ~~الظاهرة في بني إسرائيل، كما قال سبحانه: # وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت # [المائدة:60]. وقوله: # كونوا قردة خاسئين # [البقرة:65]. # وقد بينا في الشواهد الربوبية منشأ الفرق بين مسخ الظواهر على هذا ~~الوجه الجايز الذي كان في قوم موسى (ع)، وبين التناسخ على الوجه المستحيل ~~الذي ذهبت إليه التناسخية، والعلة في جواز ذلك، وبطلان ما ذهبوا إليه، ~~وهذا أيضا من العلوم الشريفة التي تختص بأهل القرآن، وهم أهل الله خاصة ~~كما ورد في الحديث. # قوله عز من قائل: # { ليروا أعمالهم } # قيل: أي جزاء أعمالهم - بحذف المضاف -، ولا حاجة إليه، لما تحقق عند ~~أهل الحقيقة ms1986 أن الصور الأخروية هي صور الأعمال القلبية والنيات ~~الباطنية، وهذه الصور - سواء كانت مؤلمة كما للأشقياء، أو ملذة كما ~~للسعداء - موجودة الآن في باطن كل إنسان، إلا أنها مستورة مختفية عن ~~الأبصار غير مترقبة عليها الآثار لخفائها وضعفها، وإنما موطن ظهورها ~~وإلذاذها وإيلامها هو الدار الآخرة. # فلا فرق بينها في الدنيا والآخرة إلا من جهة الخفاء والظهور، ولهذا ~~قال: { ليروا أعمالهم }. وقال: # ووجدوا ما عملوا حاضرا # [الكهف:49]. # وقراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) " ليروا - بالفتح - وهذا ~~أصرح في المعنى وأشد ملائمة لما بعده. # وقرأ ابن عباس وزيد بن علي (ع) " يره " - بالضم، # وهو أنه قد مر أن أفراد الإنسان بحسب مزاولة الأعمال الحسنة ~~والسيئة، يحشرون على وجوه مختلفة، وأنهم أبناء ما عملوا وثمرات ما ~~فعلوا، فيصدق على المحشور من كل واحد أنه صورة عمله، كما قال سبحانه في ~~حق ابن نوح النبي (ع): # إنه عمل غير صالح # [هود:46] وقال: # قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن ~~هو أهدى سبيلا # [الإسراء:84]. # وفي الخبر: # " خلق الله الكافر من ذنب المؤمن ". # تذكرة: # هذه اللام للغاية، أي يصدر الناس أشتاتا من مقابرهم وأجسادهم إلى عالم ~~الآخرة، ويخرجون يوم القيامة أشتاتا متفرقين على صور مختلفة، وهيآت ~~متباينة ليشاهدوا صور أعمالهم، وغاية سلوكهم وحركاتهم، ومنتهى قصودهم ~~ونياتهم، وجزاء حسناتهم وسيئاتهم، فيثابون أو يعاقبون بحسبها. ### || [99.7-8] # الذرة: النملة الصغيرة، وقيل: الذرة: ما يرى شعاع الشمس من الهباء ~~المنثور في الهواء. # أي: كل أحد إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، يرى ما عمله ~~في الدنيا من خير أو شر محضرا، ويصادف دقيق ذلك أو جليله مسطرا في ~~ميزان عمله، وكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما ~~علموا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا. # وذلك الكتاب، إما صحيفة ذاته، أو صحيفة أعلى منها، فكل إنسان يكون بعد ~~كشف غطائه ورفع حجابه وحدة بصره مبصرا لنتائج أعماله، ومشاهدا لآثار ~~أفعاله، قاريا لصفحة كتابه، مطلعا على حساب حسناته وسيئاته، قال الله ~~سبحانه: # وكل إنسان ms1987 ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ ~~كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء:13 - 14]. # فمن جملة أحوال القيامة نشر الصحائف، وتطاير الكتب، لأن صحائف الأعمال ~~وكتب القلوب وألواح النفوس وأقلام العقول كلها مكنونة ها هنا، مطوية ~~مستورة عن الأبصار في الدنيا، وهي بارزة منشورة يوم القيامة، مكشوفة على ~~الأبصار. كما أن منشورات هذا العالم تصير مطوية في الآخرة، لأن ~~الأرواح منغمرة هنا في هذه الأجسام، وفي القيامة على عكس هذه الحال، ~~فكلما يدركه الإنسان هنا بحواسه، ويعلمه بجوارحه وآلاته، يرتفع منه أثر ~~إلى الروح، ويجتمع في صحيفة قلبه، ويختزن في خزانة معلوماته. كما قال ~~سبحانه: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون # [الجاثية:29]. # وهو كتاب منطو اليوم عن مشاهدة الأبصار والحواس، فإذا ارتفع الحجاب، ~~وانكشف الغطاء، وزال غبار الطبيعة عن لوح النفس، وانجلى، يشاهد كل أحد ~~في ذاته ما يغيب عن بصره في الحياة الدنيا مسطورا مكشوفا، فيطالع صحيفة ~~ذاته، ويقرأ كتاب نفسه، وإذا حان وقت أن يقع بصره إلى وجه ذاته عند فراغه ~~عن أشغال الحياة الدنيا، وما توردها الحواس والتفاته إلى صفحة باطنه ~~ووجه قلبه، وهو المعبر عنه بقوله: # وإذا الصحف نشرت # [التكوير:10]. # ومن كان في غفلة عن أحوال نفسه وروحه، يقول عند حضور ذاته لذاته، وكشف ~~غطائه, وحدة بصره عند البعث، ومطالعة صفحة كتابه: # مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا # [الكهف:49]. # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا # [آل عمران:30]. # ومما يجب أن يعلم، أن الإنسان إن كان الغالب عليه التصورات العقلية ~~والتأملات القدسية، وفعل الخيرات والطاعات، فيكون كتابه في عليين، ~~وعليون، هم الملائكة المقربون المرتفعون عن حضيض الأجرام: # كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين * ومآ أدراك ~~ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده المقربون # [المطففين:18 - 21]. # وإن كان الغالب عليه فعل الخيرات والحسنات، وسلامة الصدر عن الأمراض ~~النفسانية - مبادي ms1988 السيئات - فهو من أصحاب اليمين، ويأتي كتابه من جانب ~~اليمين # فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا * وينقلب إلى أهله مسرورا # [الإنشقاق:7 - 9]. # وإن كان من الفجار المنافقين، الذين قرؤوا كتابا لمكنة استعدادهم ~~ودرسوه ثم لم يعملوا به لمرض قلوبهم، وأهملوه فنبذوه وراء ظهورهم ~~واشتروا به ثمنا قليلا - فبئس ما يشترون -، فيأتي كتابه من وراء ظهره # وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره * فسوف يدعو ~~ثبورا * ويصلى سعيرا # [الإنشقاق:10 - 12]. # وإن كان من الجهال والمردودين إلى أسفل السافلين، المجرمين المنكوسين ~~فهو من أصحاب الشمال، ويأتي كتابه من الجهة السافلة، وعالم النكال ~~والوبال # وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يليتني ~~لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه # [الحاقة:25 - 26]. # فالطائفة الأولى: من أهل البرهان واليقين، وهم السابقون السابقون، أولئك ~~المقربون، درجتهم في أعلى عليين، وكتابهم في صحف مكرمة مرفوعة عن ~~النسخ والتغيير، لا يمسه المطهرون عن أدناس الطبيعة # بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ # [البروج:21 - 22]. عن مس الشياطين المضلين. # وأما الثانية: فهم أهل السلامة # فسلام لك من أصحاب اليمين # [الواقعة:91] وحسن الظن بربهم # فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم ~~اقرؤا كتابيه * إني ظننت أني ملاق حسابيه * ~~فهو في عيشة راضية * في جنة عالية # [الحاقة:19 - 22]. # وأما الثالثة: فهم أهل الشك والجحود والعداوة لأهل الله، والنفاق، وهم ~~الذين يكذبون بيوم الدين # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * ~~كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين:14 - 15]. ولا كتاب للمنافق يوم القيامة، إذ كتابه هو الذي ~~نبذه وراء ظهره واشترى به ثمنا قليلا، وإنما قرينه الشيطان بتسويلاته ~~وتخييلاته المضلة، وأغاليطه الكاذبة # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف:36]. # فإذا كان يوم القيامة قيل له. خذ كتابك من وراء ظهرك، من الموضع الذي ~~نبذته فيه في حياتك الدنيا # قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا # [الحديد:13]. فإنه حين نبذه وراء ظهره # إنه ظن أن لن يحور # [الإنشقاق:14] أي جزم، كما قال الشاعر: # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج # أي: أجزموا -. # وأما الرابعة: فهم ms1989 أهل الجهل والظلمات، المحترقين بنار الشهوات، ~~المختوم على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم كما ~~للمنافقين عذاب أليم، مرجعهم أسفل سافلين وكتابهم في سجين # إن كتاب الفجار لفي سجين * ومآ أدراك ما ~~سجين * كتاب مرقوم # [المطففين:7 - 9]. بالكلمات الباطلة والنقوش المعطلة، صالح لللاحتراق ~~بنار الجحيم، فإن أصل كل سعادة هو العلم واليقين، ومادة كل شقاوة هي ~~الجهل بالله وبيوم الدين، والنفوس الساذجة بمنزلة قرطاس خالية عن ذكر ~~الحسنات والسيئات، فإذا انتقشت بالعلوم والحكمة والأدب، صلحت لأن تكون ~~خزانة أسرار الملك، وإذا انتقشت هي بعينها بالكلمات الواهية المعطلة ~~المزخرفة، لم تصلح إلا للإحتراق بالنار والانمحاق. # حكمة قرآنية: # إعلم أن القول والفعل ما دامت حقيقتهما في أكوان الأصوات والحركات، فلا ~~حظ لها من البقاء والثبات، فإذا تكونت بالوجود الكتبي، حصلت لها مرتبة ~~من البقاء والثبات، وكذا كل من فعل فعلا وتكلم بكلام حصل منه أثر في ~~نفسه وحال تبقى زمانا، وإذا تكررت الآثار في النفس فصارت الأحوال ~~ملكات تصدر بسببها الأفعال بسهولة من غير روية وقصد وحاجة إلى تجشم ~~اكتساب ومزيد اعتمال، فالحال والملكة في عالم النفس، بإزاء التكلم ~~والكتابة في عالم البدن، ومن هذا النمط تستنبط الصنايع وتتعلم المكاسب ~~العلمية والعملية. # ولو لم يكن للآثار الحاصلة في النفس من الأعمال والأقوال دوام وثبات ~~وقوة واشتداد يوما فيوما، إلى حد تصير ملكة راسخة، لم يكن لأحد تعلم ~~شيء من الصنايع والحرف، ولم ينجع فيه التأديب والتهذيب، ولم يكن في ~~تأديب الأطفال وتمرينهم فائدة، ولا لهم تفاوت من أول الحداثة إلى آخر ~~حد الكمال، وتكون التكاليف الشرعية عبثا لا فائدة فيها في العاقبة. # فعلم أن الآثار الحاصلة من الأحوال والأقوال في القلوب والأرواح، ~~بمنزلة النقوش الكتابية في الألواح # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه # [المجادلة:22]. # وتلك الألواح النفسية يقال بها: " صحائف الأعمال " وتلك الصور والنقوش ~~الكتابية تحتاج في حصولها إلى مصور وكاتب، لأنها ممكنة معلولة، ~~والمعلول لاينفك عن علته القريبة، فالمصورون والكتاب - كتابة غائبة ~~عن هذه الأبصار - هم الكرام ms1990 الكاتبون المرتفعون عن الوقوع في نقائص هذا ~~العالم، الغائبون عن إدراك حواس الناس إلا أهل الله، وهم ضرب من ~~الملائكة المتعلقة بأعمال العباد وأقوالهم # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق:18]. # وإنهم طائفتان: إحداهما: ملائكة اليمين، وهم الذين يكتبون أعمال أصحاب ~~اليمين، والأخرى: ملائكة الشمال، وهم الذين يكتبون أعمال أصحاب الشمال # إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد # [ق:17]. # وفي الحديث: " من قال: # " " سبحان الله العظيم " غرست له نخلة في الجنة ". # وفي الخبر: # " إن من عمل حسنة كذا، يخلق الله منه ملكا يثاب به، ومن عمل سيئة ~~كذا، يخلق الله منها شيطانا يعذب به ". # قال الله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة # [فصلت:30] إلى قوله: # نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة # [فصلت:31]. # وفي الطرف الآخر قوله: # هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل ~~على كل أفاك أثيم # [الشعراء:221 - 222]. # وكذلك قوله: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف:36]. # واعلم أن هذا المبدأ الداعي للنفوس إلى الخير أو الشر، هو المسمى عند ~~الحكماء باسم الملكة، وعلى لسان الشريعة باسم الملك والشيطان، أحدهما ~~الملهم للخير، والآخر الملهم للشر. ولو لم يكن لتلك الملكات من ~~البقاء والثبات ما يبقى أبد الآباد، لم يكن لخلود أهل الطاعات في النعيم ~~وأهل المعاصي في الجحيم وجه- كما أشرنا إليه -، فإن منشأ الثواب أو ~~العقاب على وجه الاستيجاب، لو كان نفس العمل والقول - وهما زائلان -، ~~فكيف يتصور بقاء المعلول مع زوال السبب الموجب؟ وكيف يكون الفعل ~~الجسماني الواقع في زمان معين قليل المقدار، باعثا للجزاء السرمدي؟ ~~ومثل هذه المجازاة لا تليق بالحكيم وقد قال: # ومآ أنا بظلام للعبيد # [ق:29]. وقال: # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم # [البقرة:225]. # ولكن إنما يخلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بالثبات ~~والدوام الحصلين للأخلاق والملكات. # وفي كلام بعض أوائل الحكماء، أنه ستعارض لك في أقوالك وأفعالك وأفكارك، ~~وسيظهر لك من من كل ms1991 حركة قولية أو فعلية إلى آخره، ومنشأ ذلك، أن ~~مواد الصور الأخروية هي التصورات الباطنة والتأويلات الفكرية ~~والأفكار. # وفي الحديث: # " إن الجنة قاع صفصف، وإن غراسها " سبحان الله " ". # فالإنسان إذا انطقع وانكشف عنه الغطاء، وتجرد عن غشاوة الطبيعة، كان ~~الغيب له شهادة، والعلم عينا، والخبر معاينة. ms1992