######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : كتاب الإيضاح في شرح المصباح ¶ المؤلف : القاضي العلامة أحمد بن يحيى حابس رضي الله تعالى عنه #META# auth: القاضي العلامة أحمد بن يحيى حابس رضي الله تعالى عنه #META# cat: التوحيد وأصول الدين #META# bkid: 38 #META# الكتاب: كتاب الإيضاح في شرح المصباح #META# bkord: 35 #META# idx: 1 #META# iso: كتاب الايضاح في شرح المصباح #META# comp: 1 #META# bk: كتاب الإيضاح في شرح المصباح #META# max: 336 #META# المؤلف: القاضي العلامة أحمد بن يحيى حابس رضي الله تعالى عنه #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | AUTO كتاب الإيضاح في شرح المصباح # تأليف # القاضي العلامة أحمد بن يحيى حابس رضي الله تعالى عنه # [ خطبة الكتاب ] # بسم الله الرحمن الرحيم ، وبه نستعين # الحمد لله الذي أنشأ العالم من العدم، واخترعه اختراعا، وأوجده بعد العدم ~~المحض ، وأبتدعه ابتداعا، وجعل حدوث المعلوم بقبوله الزيادة والنقصان، ~~وملازمة المحدث من الأعراض إذ الانفكاك خارج عن دائرة الإمكان، والعرض ~~معدود منه غير خارج عنه ، دليلا على وجود ذاته جل وعلا وكمال صفاته سبحانه ~~وتعالى عما يقول الجاحدون وما يعتقده الملحدون (علوا كبيرا) ، وأشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة سببها اليقين به والنظر المؤدي إلى ~~معرفته مدخرة ليوم القيامة أرجو بها الفوز والكرامة،وأن محمدا عبده ورسوله ~~الذي أيده بالمعجزات الدالة على صدقه التي أعظمها (ما هو الآن) بين أظهرنا ~~وهو القرآن ، إذ نظمه خارج عن طوق البشر حيث تحدى به العرب وهم يومئذ الصمم ~~والخلاصة وممن يشار إليهم بالبنان ، فأقحموا عن المعارضة ورجعوا إلى الحرب ~~الدالة على العجز إذ ليست هي بإقامة برهان، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين ~~الطاهرين وأصحابه المحقين وتابعيهم وتابع التابعين بإحسان إلى يوم الدين. # وبعد: فلما كان علم الكلام أشرف العلوم، (إذ هو لمعرفة الحي القيوم) ، ~~والعلم يشرف بشرف المعلوم،وكان سبب افتراق الأمة إلى الفرق الهالكة ~~والناجية اختلاف العقائد،وقد جمع سلفنا الصالح من الأدلة الصحيحة على مذاهب ~~العترة الناجية ما هو (مطلوب الطالب و) بغية الرايد وضالة الناشد. PageV01P001 # ووجدت بين القدماء والمتأخرين اختلافا في مسائل معروفة وأطراف مألوفة لا ~~ينبغي لرصين عقل أن يجعل ذلك سلما إلى التفرقة بين العترة الكرام والأئمة ~~الأعلام إذ لم يختلفوا مع التحقيق فيما يوجب هلكة أحدهم،ولا فيما يقدح في ~~نجاتهم وعلو مرتبتهم ودقة نظرهم، ووجدت الهمم قد تقاعدت عن اقتناص فوائدهم ~~وعن تتبع معرفة حقائق عقائدهم. # أحببت أن أعلق شرحا مفيدا على الكتاب الشهير المعروف بمصباح العلوم في ~~معرفة الحي القيوم لسهولة المأخذ منه على الطالبين وكونهم لطلب المذاكرة ~~فيه لا يزالون سائلين،منبها على عقائد القدماء من ms001 أئمتنا الهادين ، ذاكرا ~~أدلتهم وبراهينهم مميزا لها أكمل تمييز على مذاهب المتأخرين،وكما أن للأول ~~فضيلة الموصل السابق فللمتأخر درجة المقتدي اللاحق. # نجوم سماء كلما انقض كوكب بدا كوكب تأوي إليه كواكبه ### || AUTO مقدمة # ينبغي قبل الشروع في شرح ألفاظ الكتاب،معرفة حد علم الكلام ،وثمرته، ~~واستمداده،ولم سمي علم الكلام؟، وفضله على غيره من سائر العلوم. # أما حده: فهو القواعد اللاتي يتوصل بها إلى معرفة توحيد الله تعالى وعدله ~~وما يترتب عليهما، فقولنا القواعد نعني بها القوانين الكلية،كقولنا كل ما ~~لم يخل من المحدث فهو محدث متوصلين إلى معرفة الله تعالى بذلك،ونعني بقولنا ~~وما يترتب عليهما الكلام في النبؤات والإمامة ومسائل الوعد والوعيد و(غير ~~ذلك) ، ونعني بالترتيب الترتب الأخص بحيث لا يكون أحدهما أصلا والثاني ~~فرعا،فلا يرد دخول مسائل الشرع الفرعية في قيد الترتيب . # وأما ثمرته: فهي ثلاث فوائد:- # الأولى: أن يكون الإنسان من دينه على يقين،ومن علمه وعمله على بصيرة، ~~ليعرف ما PageV01P002 يقدم عليه من دينه، وما يحجمه عنه،وليخرج من ضمن من دخل في قوله تعالى { إذ ~~تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب } ~~(البقرة:166.)وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تكونوا إمعة تقولوا ~~إن أحسن الناس أحسنا وإن أساؤا أسأنا ولكن وطنوا أنفسكم أنه إن أحسن الناس ~~أن تحسنوا وإن أساؤا لم تسيؤا).وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(تفترق أمتي ~~على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة)، فلينظر الإنسان لنفسه ليدخل في ~~الفرقة الناجية. # الفائدة الثانية: أن يكون آمنا عن أن يخدعه عن الحق المبطلون، ويدخله في ~~الضلالة الضالون،ويدخل في الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~(من أخذ دينه عن التفكر في ألآء الله والتدبر لكتاب الله والتفهم لسنتي ~~زالت الرواسي ولم يزل ، ومن أخذ دينه عن أفواه الرجال وقلدهم فيه ذهبت به ~~الرجال من يمين إلى يسار وكان من دين الله على أعظم زوال). # الفائدة الثالثة: أن يكون متمكنا من إرشاد الضالين وهداية الغاوين، ويدخل ~~في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ms002 وسلم وهو قوله:(يا علي لأن يهدي ~~الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس)، وفي الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم (أنه قال) : (ما أهدى المسلم لأخيه المسلم أفضل من ~~كلمة حكمة سمعها فانطوى عليها ثم علمه إياها يزيده الله بها هدى أو يرده عن ~~ردى،وإنها لتعدل عند الله إحياء نفس ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا). PageV01P003 # وأما استمداده: فمن العقل باستعمال الفكر في صنع الله تعالى وقياس فعل ~~الباري على فعلنا في الاحتياج إلى المحدث مع الاشتراك في الحدث، وسيأتيك ~~نبأه ومن السمع أيضا فيصح الاستدلال على الباري تعالى بالآيات المثيرة ~~لدفائن العقول وهي زهاء خمسمائة آية عند أئمتنا عليهم السلام والجمهور ، ~~وعند أبي رشيد وبعض متأخري صفوة الشيعة : أنه يصح الاستدلال بالقطعي مطلقا. ~~وعند الإمامية والبكرية وبعض المحدثين : أنه يصح بالظني مطلقا. وقال أبو ~~هاشم: لا يصح بالجميع مطلقا. # قلنا: المعلوم قطعا باتفاق علماء الكلام أن الدليل ما اهتدى به العقل إلى ~~المطلوب بواسطة النظر ولو بالتدريج والانتقال من دليل إلى دليل إلى ~~المطلوب، والآيات التي وصفناها تدل العقل بواسطة النظر إلى الدليل على كون ~~ذلك الدليل مصنوعا ، إذ لابد من النظر فيها بدليل قوله تعالى{أفلا يتدبرون ~~القرآن}الآية(النساء:82.)، ونحو ذلك. (وينتقل) إلى كونه له صانع يشهد بذلك ~~تفسيرهم اسم الله تعالى في قوله تعالى{هو الظاهر والباطن}(الحديد:3.)حيث ~~قالوا: هو الظاهر بصنعه ولا يكون ظاهرا حتى يعرف حق معرفته ولا يعرف حق ~~معرفته حتى تعرف صفاته وكالاستدلال على (كونه حيا) بالمصنوع. # وأبو هاشم يجريها مجرى محض الدعوى ولم يقر بأنها منبهة وهو مردود بعدم ~~الفرق بينهما وبين الاستدلال بالصنع على كونه تعالى حيا،وبقوله تعالى{إن ~~هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}(الإسراء:9.)ولم يفصل ، (وبقول) علي عليه ~~السلام في خطبة الأشباح: فانظر أيها السائل بعقلك فما دلك (القرآن عليه) من ~~صفته فأتمر به. PageV01P004 ### || AUTO [ تعريف علم الكلام وأدلة من الكتاب والسنة ] # وأما لم سمي علم الكلام ؟:فذلك اسم غلب عليه وإن كان كل علم كلاما،كما ~~غلب على علم النحو ms003 اسم النحو وإن كان كل علم منحوا أي مقصودا، وكذا علم ~~الفقه فإنه غلب عليه هذا الاسم وإن كان كل علم مفقوها. وقال الغزالي: إنه ~~العلم الكلي لأنه كلام في كل شيء من الخالق والمخلوق والمعدوم والموجود ~~والقديم والمحدث. # وأما فضله: على سائر العلوم فمن جهة العقل والسمع، أما من جهة العقل فلأن ~~الشيء يشرف بشرف معلومه ، ألا ترى أن التفاسير لما كان معلومها كتاب الله ~~تعالى واستخراج أسراره شرفت بشرفه،ولما كان معلوم الفقه الحلال والحرام ~~والتمييز بينهما # شرف بذلك،ومعلوم هذا الفن الله تعالى وصفاته وعدله وهو أعظم الأشياء فوجب ~~أن يشرف بذلك وأن يكون أشرف العلوم. # وأما من جهة السمع فالكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وألوا ~~العلم } (آل عمران:18) فذكرهم الله بعد ملائكته،وأخبر أنهم شهدوا على ~~وحدانيته،ولا يقال ليس في الآية دليل على أنها واردة في أهل علم الكلام ~~خاصة لأن ظاهرها يقتضي العموم، لأنا نقول الشهادة لا تكون إلا على القطع ~~لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام:(مثل هذه الشمس وإلا فدع)، ~~ولا يعرف الله على القطع الذي تجوز معه الشهادة إلا أهل هذا العلم، ولا ~~يقال دلالتها على فضل العلماء (لا العلم) ، وذلك خروج من المطلوب ،لأنا ~~نقول المعلوم قطعا استواءهم لهم وغيرهم في كونهم بشرا مكلفين فلابد من مزية ~~اختصوا بها ففضلوا وليست إلا شهادتهم بالواحدانية ، (وفي ذلك) حكم بفضيلة ~~هذه المزية كما لا يخفى ، والله أعلم. PageV01P005 # وأما السنة: فما روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~يارسول الله علمني من غرائب العلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(وماذا صنعت في رأس العلم حتى تسألني عن غرائبه؟ فقال الرجل: يارسول ~~الله وما رأس العلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: معرفة الله ~~حق معرفته، قال: وما معرفة الله حق معرفته؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أن تعرفه بلا مثل ولا شبيه وأن تعرفه إلاها واحدا ms004 أولا آخرا ظاهرا باطنا لا ~~كفو له ولا مثل له). وما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (رأس ~~مالي التوحيد وكنزي عقلي ومالي عملي).وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ~~(قسم الله العقل ثلاثة أجزاء،حسن المعرفة بالله،وحسن الطاعة،وحسن الصبر ~~لله). وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلا سأله فقال يارسول الله أي ~~العمل أفضل؟، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (العلم بالله. ثم قال: أي ~~العمل أفضل يارسول الله؟ قال: العلم بالله. فأعادها عليه الثالثة فقال ~~الرجل: يارسول الله أسألك عن العمل وتخبرني عن العلم فقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ( إن قليل العمل مع العلم كثير وكثير العمل لا ينفع مع الجهل). ~~وعنه صلى الله عليه وآله وسلم:(لو عرفتم الله حق معرفته لزلزلت لدعائكم ~~الرواسي ولو خفتم الله حق خيفته لعلمتم العلم الذي ليس معه جهل). وعنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم:(يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين). ويدل على ذلك أيضا ما ورد من ~~الأخبار في فضل آية الكرسي وسورة الإخلاص. قال الزمخشري: إنما خصتا بهذا ~~الفضل لما تضمنتا من توحيد الله تعالى. إلى غير ذلك من الأخبار الواردة عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم. PageV01P006 # وأما الإجماع: فلا خلاف بين علماء الإسلام أن معرفة الله تعالى وما يتصل ~~بذلك أفضل العلوم، وأن من فضل علما من سائر العلوم فإنه يقول بعد المعارف ~~الإلاهية بلسان المقال أو بلسان الحال بحيث لو سئل عن ذلك لاعترف به. # بسم الله الرحمن الرحيم # ابتدأ المصنف ببسم الله ، لدليلين عقلي ، وسمعي. # أما العقلي: فلما تقرر في العقول من وجوب شكر المنعم ضرورة،وقد علمنا ~~قطعا توارد نعم الله علينا قال تعالى{وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها}(النحل:18) والشكر هو الثناء باللسان والعمل بالأركان والاعتقاد ~~بالجنان فيكون ذكره شعبة من شعب الشكر. # وأما السمع: فأدلة ثلاثة الكتاب ، والسنة ، والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى{بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب ~~العالمين}(الفاتحة:1،2) وقوله تعالى{إنه من سليمان ms005 وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم}(النمل:30) وقوله تعالى{اقرأ باسم ربك الذي خلق}(العلق:1). # وأما السنة: فما روي عن عائشة أنه أتي إليها بقميص مخيط فقالت: هل ذكر ~~عليه اسم الله؟، قيل: لا، قالت: ردوه فافتقوه ثم سموا عليه وخيطوه فإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (كل أمر ذي بال لا يذكر ~~عليه اسم الله فهو أجذ) (وقيل أقطع وقيل أبتر) وقيل خداج. والمعنى بذلك أنه ~~منزوع البركة. # قال الدواري: هكذا في الرواية وهو يحتمل وجهين أن يكون الشك في الرواية ~~عن عائشة،وأن يكون منها عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأول ~~أقرب.ومعنى ذي بال: أي خطر بالبال،وقيل له خطر وشأن. PageV01P007 # وأما الإجماع : فلا خلاف بين العلماء أن من ألف بابا أو صنف كتابا أو قام ~~خطيبا إلى غير ذلك ولم يذكر اسم الله عليه فإنه معترض عليه ما لم يكن فعل ~~قلب أو كلاما أوله ذكر الله كالأذان والخطبة وإن لم يورد على جهة التسمية ~~أو كتاب غضب ويكون للكاتب على المكتوب سطوة كسورة براءة فإنها نزلت على ~~المشركين بوعد ووعيد وزجر وتهديد.وروي أن عليا عليه السلام كان يكاتب ~~معاوية بن أبي سفيان بكتب محذوفة التسمية وفيه يقول الشاعر: # يدل على وجد الهمام كتابه وتخليفه للصدر عمن يكاتبه # والمراد بالبداية باسم الله تعالى أن يذكر في أول الأمر اسم من أسماء ~~الله مثل بسم الله أو الله أو الرحمن أو الرحيم أو الرب وغير ذلك. # قلت:لا يبعد أن للتسمية على تلك الهيئة أرجحية لما في الكتاب العزيز من ~~قوله{بسم الله الرحمن الرحيم،الحمد لله رب العالمين}(الفاتحة:1،2).ولقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم:(بسم الله الرحمن الرحيم مفتاح كل كتاب)، رواه ~~السيوطي في الجامع الصغير عن الخطيب في الجامع عن أبي جعفر مرسلا.ولا تبعد ~~دعوى الإجماع على ذلك. # نعم: ولا بأس بتحقيق الأسماء الشريفة التي اشتملت (البسملة عليها) . # فنقول : أما الجلالة فذهب المتكلمون إلى أنها اسم لله بإزاء صفة ذات ، ~~وتلك الصفة هي صفات الكمال اللاتي لأجلها تحق له العبادة . ومعنى ms006 أنه موضوع ~~بإزائها : أنه إذا أطلق يفهم منه تلك الصفات ، وهو مشتق من الإله وهو الفرع ~~، وهو فعال بمعنى مفعول كإمام بمعنى مأموم لكنه قد صار اسم جنس لمن يحق له ذلك . # وقال البلخي: بل هو مشتق من وله العباد أي فزعهم. # قلنا: إذا لقيل الولاه لا إله بالهمزة . # وقالت النحاة : بل هو علم. PageV01P008 # قلنا: العلم لا يفيد المدح إذ لا يزيد على تمييز مسماه من جنسه مع أن الله ~~تعالى لا جنس له ، وأيضا الأعلام ألقاب وهي لا تجوز على الله تعالى لأنها ~~للغائب كالإشارة إلى الحاضر. # قال بعض المحققين : لا خلاف عائد إلى المعنى لأن المتكلمين إنما يمنعون ~~أن يكون الله تعالى موضوعا على العلمية من أصل وضعه كزيد وعمرو ~~ونحوهما،وهذه هي الألقاب التي لا تجوز على الله تعالى ، وأما كونه صار علما ~~بالغلبة بعد أن كان في الأصل غير علم بل موضوعا بإزاء صفة ذات ، فهذا مما ~~لا سبيل إلى منعه فيكون قولهم الله هو من تحق له العبادة في الأصل قبل ~~الإدغام والتفخيم ، ثم أنه بقي ذلك المعنى ملحوظا فيه أيضا بعد الغلبة كما ~~هو حكم الأعلام الغالبة . # قلت: هذا يحتاج إلى تأمل ، فإن دعوى أن الله كان جريه على الألسن بلفظ ~~الإله قريب من دعوى علم الغيب ، فإنه لم يسمع في جاهلية ولا إسلام إلا لفظ ~~الجلالة ولا يطلق على غير الباري ، وأما الإلاه فكانت الجاهلية تطلقه على ~~آلهتها ، فمن أين لكم أنه كان ينطق به على لفظ الإله قبل الاهتداء إلى ~~الجلالة ؟ # وأما الرحمن الرحيم : فهما صفتان لله تعالى حقيقيتان دينيتان،وقال ~~المتأخرون: بل مجاز. # قال في الأساس:لو كانا مجازين (كما زعموا) لافتقرا إلى القرينة وهما لا ~~يفتقران (إلى قرينة) بل لا يجري رحمن مطلقا ورحيم غير مضاف الإله تعالى ، ~~وليستا لغويتين لاستلزامهما التشبيه لو كانا كذلك ورحيم منقول إذ هو كلمة ~~تستعمل للخالق والمخلوق ، ففي المخلوق (لا تجوز) إلا بحذف التعريف وإثبات ~~الإضافة هكذا قيل. PageV01P009 # قال الدواري : والصحيح أنه يجوز بالتعريف وحذف الإضافة للخبر ms007 الذي فيه: ~~(ألا وإن العالم الرحيم) (وأما الرحمن) فهو غير منقول إذ لم يطلق على غير ~~الباري لغة البتة.وقولهم رحمن اليمامة كقول الصوفية الله للمرأة الحسناء . ~~وأما الرحمة فإنما أثبتت للباري على سبيل المجاز بعد وجود خلقه تشبيها ~~لفعله بفعل ذي الحنو والشفقة فلا يصح إدعاء اشتقاق الرحمن الرحيم منها. # اعلم أيها الطالب للعبادة أنه لا ينبغي لك الاشتغال بها قبل معرفة ~~المعبود . وأن أول ما يجب والواجب في أصل اللغة الساقط كما يقال : وجبت ~~الشمس أي سقطت.ومنه: وجبت جنوبها. والثابت : قال صلى الله عليه وآله وسلم : ~~(إذا وجب المريض فلا تبكيه باكية) وهو في عرف اللغة والاصطلاح : ما يستحق ~~الثواب بفعليهما السلامله والعقاب بتركه أو ما استحق المدح على فعله والذم ~~على تركه بوجه ما ، يدخل فيه كل واجب المعين والمخير والمضيق والموسع ~~والكفاية.إذ المخير يستحق الذم لتركه وترك ما يقوم مقامه، والكفاية يستحقه ~~عند عدم قيام غيره به. # على المكلف : هو من أعلم بوجوب بعض المقدورات عليه وقبح بعضها منه ، وما ~~الأولى له إيجاده وما الأولى له تركه مع مشقة تلحقه في الفعل والترك أو ~~أحدهما أو في سبب ذلك أو ما يتصل بذلك ما لم يبلغ الحال به حد الإلجاء. # قلنا: أعلم ليدخل الكفار لأنهم أعلموا ولم يعملوا بالتكاليف الشرعية وهم ~~مكلفون بها. # وقلنا: بوجوب بعض المقدورات وقبح بعضها لأنه مكلف بهما، وما الأولى ~~إيجاده كالمندوب، وما الأولى تركه كالمكروه. # وقلنا: مع مشقة احتراز من أهل الجنة فإنهم مع علمهم لا مشقة معهم. PageV01P010 # وقلنا: أو في سبب ذلك كعلم المتنبه بالله فلا مشقة عليه فيه وإنما المشقة ~~في سببه وهو النظر. # وقلنا: أو ما يتصل بذلك نحو حراسة الفعل من الرياء والسمعة وغير ذلك من ~~المحبطات وإن كان الفعل لا مشقة فيه كتلاوة القرآن بالصوت الحسن وبعض ~~العبادات لمن اعتادها ووفق لها، وإنما المشقة في المحافظة على صيانته من ~~الرياء والعجب. وقد احترزنا عن الباري بقولنا أعلم، وبقولنا مع مشقة لأنه ~~سبحانه لا يعلم ولا تلحقه مشقة، ms008 وقولنا ما لم يكن ملجأ احترازا من المحتضر ~~وأهل الآخرة فإنهم عالمون بالواجبات والمقبحات وليسوا بمكلفين لما هم فيه ~~من الإلجاء وزيادة هذا القيد مبني على القول بأن الإلجاء بجامع الوجوب، ~~وعلى القول بأنه لا يجامعه لا لحاجة إليه. # قال الدواري: الأولى أن يحذف من الحد ما الأولى فعله وتركه لأنه لا يكلف ~~بهما إلا على جهة التبع للواجب والقبيح، ففي الواجب والقبيح غنية عن ~~ذكرهما. # نعم وما يلزم المكلف على ضربين عقلي وشرعي : # أما العقلي: فهو ما عرف من جهة العقل، أما وجوبه كمعرفة الله تعالى وقضاء ~~الدين ورد الوديعة وشكر المنعم وما أشبه ذلك، وأما قبحه كالجهل بالله تعالى ~~والظلم والكذب والعبث وترك رد الوديعة وما أشبه ذلك. # وأما الشرعي: فهو ما عرف من جهة الشرع، أما وجوبه كالصلاة والزكاة والصوم ~~والحج وما أشبه ذلك، وأما قبحه كالزنا والسرقة وشرب الخمر وترك الصلاة ~~والزكاة والحج والصوم ويعتبر في التكليف العقلي كمال العقل فقط . PageV01P011 ### || AUTO [ العقل ] # واختلفوا في العقل ما هو؟ وأين هو؟ أما حقيقته فهو عند أئمتنا عليهم ~~السلام والمعتزلة : عرض .وذهبت المطرفية : إلى أنه القلب لقوله تعالى{لمن ~~كان له قلب}(ق:37) أي عقل . # وذهب بعض الفلاسفة : إلى أنه جوهر بسيط ويعنون بالبسيط غير المتحيز، وقال ~~بعضهم:جوهر لطيف، ومنهم من قال : إنه قوة للنفس لأجلها يتمكن من تحصيل ~~العلوم عن النظر وهذا يحكى عن الغزالي وغيره. # وقال بعض الطبائعية: بل طبيعة مخصوصة. # والحجة لنا: على أنه عرض أنه يزول عند النوم ونحوه ويعود عند خلافه، فلو ~~كان القلب كما زعمت المطرفية أو جوهر على ما زعمت الفلاسفة لم يزل، وأما ~~القوة والطبيعة فإن كان المراد بهما العرض الذي ذكرنا فقول حق (لا خلاف) ~~وإلا كان قولا لا يعقل وهو باطل ، واحتجاج المطرفية بالآية باطل لأن ~~(المراد به قلب) يعقل به دليله الآية الأخرى وهي قوله تعالى{لهم قلوب لا ~~يعقلون بها}(الأعراف:179). ونظيره ما يقال هذا الأمر واضح لمن له عين وأذن ~~وتارة يزاد يبصر بها أو يسمع بها فبطل ما ms009 قالوا . # وأما محله : فمذهب أئمتنا عليهم السلام والمعتزلة أن محله القلب لقوله ~~تعالى { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها } (الحج:46) ، ~~ودلالتها على المطلوب ظاهرة لأنه كما يحكم في قول القائل له عين يبصر بها. ~~إن البصر معنى محله العين كذلك يحكم بأن معنى قوله{يعقلون بها} أن العقل ~~معنى محله القلب هذا لاشك فيه ولا مرية ولا دليل على ما ذكرناه سوى السمع ~~وقد صح الاستدلال به كما يأتي إنشاء الله تعالى . PageV01P012 # وقالت الفلاسفة : محله الدماغ ودليلهم ما يعلم من كي دماغ متغير العقل ~~وصلاحه به وذلك يدل دلالة ظاهرة على كونه فيه ولا حجة لهم في هذا إلا ما ~~نقول له مادة من الدماغ ككي باطن العقب لبعض أوجاع البطن، وكالمجبوب فإنها ~~لا تنبت لحيته والفساد وقع بالجب وموضع نبات الشعر سالم، لكن هناك مواد من ~~ناحية الموضع الذي جب فلما انقطعت تلك المواد لم تنبت الشعر، فالشعر دليل ~~على الذكر ولا بعدم الشعر مع وجود الذكر إلا في النادر من الناس ويقال له ~~الكوسج الذي ذمه أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: لا يوجد في أربعين ~~كوسجا رجل خير. # ثم اعلم إن الذين قالوا : بأن العقل عرض محله القلب كما هو المختار. ~~اختلفوا في تعيينه فقال جمهور أئمتنا : إنه معنى غير العلوم العشرة ~~الضرورية إذ هو مدرك وهي إدراك فهو في منزلة المعنى الموجود في الحدق وهي ~~بمنزلة المشاهدة، وقال المهدي عليه السلام والمعتزلة : بل هو مجموع العلوم ~~العشرة الضرورية وقد جمعها الإمام المهدي عليه السلام في قوله:- # فعلم بحال النفس ثم بديهة كذا خبرة ثم المشاهد رابع # ودائرة والقصد بعد تواتر جلي أمور والتعلق تاسع # وعاشرها تمييز حسن وضده فتلك علوم العقل مهما تراجع # بيانها : أما العلم بحال النفس فالمراد : علمه بكونه مريدا وكارها ~~ومشتهيا ونافرا وغير ذلك. # ومعنى البديهة نحو : ما يعلم من أن العشرة أكثر من الخمسة. # والخبرة تعني : ما كان يستند إلى الخبرة والتجربة نحو كون الحجر تكسر ~~الزجاجة والنار تحرق القطن. # والمشاهدة ms010 تعني : علم ما نشاهده وذلك واضح. PageV01P013 # والدائرة يعني : بها علمه بالقسمة الدائرة بين النفي والإثبات نحو زيد لا ~~يخلو إما أن يكون في الدار أولا ونحو الشيء لا يخلو من كونه موجودا أو ~~معدوما فيعلم أنه لا يصح اجتماع الأمرين ولا يخلو من أحدهما. # والقصد المراد به : علمه بمقاصد المخاطبين الجلية نحو أن يقول الغير ~~أرأيت زيدا؟ فإنك تعلم مقصده الذي هو الاستفهام عن رؤية زيد. # وقوله بعد تواتر المراد به : العلم بمخبر الأخبار المتواترة كتواتر ~~الأخبار بمكة فإنه يعلمها من لم يشاهدها لتواتر الأخبار خلافا لأبي هاشم ~~فإنه لم يعد ذلك من علوم العقل. # وقوله جلي أمور المراد به : العلم بالأمور الجلية قريبة العهد كالزلازل ~~الظاهرة وموت سلطان البلد وإطباق الغيم ونحو ذلك. # وقوله التعلق تاسع المراد به : العلم بإسناد الفعل إلى فاعله كإسناد ~~البناء إلى بانيه والكتابة إلى كاتبها. # وقوله وعاشرها تمييز حسن وضده المراد به : العلم بحسن الحسن وقبح القبيح ~~نحو علم الواحد منا بحسن رد الوديعة ووجوب قضاء الدين وغير ذلك وعلمه بقبح ~~الظلم والكذب ونحو ذلك. PageV01P014 ### || AUTO فهذه العلوم العشرة زعم المهدي والمعتزلة ومن تابعهم أنها نفس ~~العقل وكلامهم باطل .وبيان بطلانه أنا نعلم قطعا أنه يعد من العقلاء من لم ~~يتصور جميعها بل بعضها وأيضا فإن العاقل منا يشتغل بدقيق الفكر والنظر ~~ويستنبط العلوم الغامضة ولا يخطرها (جميعا بباله) ذلك معلوم عند كل عاقل ~~غير مكابر، فلو كانت هي العقل لم يعد من العقلاء إلا من تصور جميعها، ولما ~~أمكن عاقلا الاشتغال بنحو النظر إلا بإحضارها جميعا بباله وقد بينا بطلانه، ~~هذا وأما تكليف المكلف بالشرعي فيعتبر فيه ما تقدم من كمال العقل وبلوغه ~~بالاحتلام أو الإنبات أو السنين أو نحو ذلك على ما هو مقرر في كتب الفقه. ~~وقد بنى إمام زماننا القاسم بن محمد أيده الله تعالى على أن من عد من ~~العقلاء وأولي الألباب فهو مخاطب بالكل لأنه لم يفصل الدليل والخطاب وقد ~~قال تعالى { واتقون يا أولي الألباب } (البقرة:193) ( هو) ms011 : النظر . # [ النظر ] ### || AUTO اختلف فيه فقيل : لفظة مشتركة وهو قول الأكثر، وقيل : معناه ~~مفرد وهو نظر الفكر الذي هو المراد هنا وهو حقيقة فيه مجاز في غيره، ~~والظاهر ما عليه الأكثرون من القول باشتراكه بين معان خمسة:- # [ معاني النظر ] # القول باشتراكه بين معان خمسة:- # أولها : نظر العين وهو تقلب الحدقة السليمة إلى جهة المرئي التماسا ~~لرؤيته ومنه قول الشاعر: # نظروا إليك بأعين مزورة نظر التيوس إلى شفار الجازر # وعلى هذا حمل قوله تعالى في قصة المنافقين{وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم ~~إلى بعض هل يراكم من أحد}(التوبة:127) معناه قلب بعضهم حدقته السليمة في ~~جهة البعض الآخر التماسا لرؤيته. PageV01P015 # وثانيها: نظر المقابلة يقال الجبلان يتناظران والداران تتناظران معناه ~~تتقابلان ويدل عليه قول الشاعر: # إذا نظرت إلي جبال أحد أفادتني بنظرتها سرورا # معناه قابلتني . # قال الدواري: فيه نظر إذ مقصود الشاعر بنظر جبال أحد تقليب أحداقها أورده ~~على جهة الاستعارة والتجوز. # وثالثها: نظر الانتظار وهو التوقع لحصول أمر في المستقبل ومنه قول ~~الشاعر: # وجوه يوم بدر ناظرات إلى الرحمن يأتي بالخلاص # معناه منتظرة وعليه قول الله تعالى في قصة بلقيس السبأية { إني مرسلة ~~إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون } (النمل:35) معناه منتظرة. # ورابعها: نظر الرحمة وهو إرادة حصول منفعة للغير أو دفع مضرة عنه ومنه ~~قول الشاعر: # أنظر إلي بنظرة من رحمة فالفقر يزري والنعيم متجل # ويروى بعين برك نظرة . # قال الدواري: فيه نظر لأنه أراد تقليب الحدقة ، وكأنه جعل للرحمة حدقة ، ~~ولتلك الحدقة نظرات تعطف ورأفة فأمره أن ينظر إليه بتلك النظرات ، وهذا على ~~جهة الاستعارة الرائقة ، ويشهد بذلك أن الرحمة قد ذكرت فلا (يصح أن يكون ~~المراد) نظر الرحمة ، ومن ذلك قول الله تعالى في قصة أهل النار { ولا ينظر ~~إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم } (آل عمران:77) معناه ولا يرحمهم. # وخامسها: نظر الفكر وهو المراد هنا وهو إجالة الخاطر في شيء لتحصيل ~~اعتقاد ويرادفه التفكر ، وعليه حمل قول الشاعر: # انظر بفكرك تستبين المنهجا .... واعلم بأن الفكر هو سبب النجا PageV01P016 ومنه قوله تعالى ms012 { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت...الآية } (الغاشية:17) ~~معناه أفلا يتفكرون في خلقها لأنهم قد كانوا ينظرون إليها نظر الأحداق ~~فحثهم على ما أهملوه ، وهو الفكر بالقلب وهو منقسم إلى صحيح وفاسد، فالصحيح ~~ما تتبع به أثر نحو التفكر في المصنوع ليعرف الصانع. والثاني : ما كان رجما ~~بغيب نحو التفكر في ماهية الروح وذات الباري. # نعم والقول بأن النظر الصحيح يجب على المكلف هو مذهب أئمتنا عليهم السلام ~~وصفوة الشيعة والمعتزلة وغيرهم، ووجوبه من جهة العقل و(من جهة) السمع على ~~ما نبينه، وإنما قالوا : بوجوبه لأنه المؤدي أي الموصل إلى معرفة الله ~~تعالى وهو موجب لها، وأنكر أبو علي الأسواري وصاحب الجوهرة ذلك ، وقالا: ~~ليس بموصل إليها ولا موجب لها وإنما هو شرط اعتيادي كما يشترط في الحفظ ~~الدرس، وعلى القولين فالمعرفة هي المقصودة،ولكن لولاه لما حصلت،واختلفوا ~~أيهما أحق بأن يطلق عليه أنه أول الواجبات.فقالت الزيدية والمعتزلة البصرية ~~: الأحق بهذا الاسم النظر لأنه سابق لتأدية المعرفة. وقالت البغدادية : ~~الأحق بهذا الاسم المعرفة لأنها المقصودة وإنما هو وصلة إلى حصولها . # وخالف في وجوبه قوم منهم أهل المعارف والتقليد ومنهم أهل الخبرة قالوا: ~~وجدنا كل فرقة قد بذلت وسعها وأفضى بها النظر إلى صحة اعتقادها وبطلان ~~اعتقاد مخالفها فوجب اطراح النظر ومنهم أهل التكافؤ قالوا: وجدنا كل فرقة ~~قد أقامت البراهين على اعتقادها وعتقدت أنما نظر فيه المخالف لها شبهة وليس ~~بعض ذلك أولى من بعض فوجب اطراح النظر. PageV01P017 # والجواب: أن الدلالة الصحيحة قد دلتنا على وجوب النظر@ عقلا وسمعا ولا يترك ~~ما دلت عليه الدلالة الجلية لأجل أمر محتمل، أما من جهة العقل فالمعلوم ~~قطعا أن شكر المنعم واجب وإن الإخلال به قبيح ، وجهله يستلزم الإخلال بشكره ~~على النعم، لأن توجيه الشكر إلى المنعم مترتب على معرفته ضرورة وهي واجبة ~~لذلك لا لغيره.ولا طريق للمكلفين إليها سواه ، أي النظر لامتناع أن تعرفه ~~بالبديهة وإلا لما اختلف العقلاء فيه،ومعلوم خلافهم، وبالمشاهدة لأنها لو ~~صحت مشاهدته في حال من الأحوال لشاهدناه الآن،ومعلوم أنا لا نشاهده ms013 الآن ~~وسيأتي لهذا مزيد إيضاح.وبالأخبار المتواترة لأن الأخبار المتواترة لا تكون ~~طريقا إلى العلم إلا إذا كانت مستندة إلى المشاهدة بدليل أنه لو أخبرتنا ~~طائفة عظيمة بوجود بلد في الدنيا يقال لها بغداد لعلمنا ذلك ، ولو أخبرتنا ~~تلك الطائفة أن الله تعالى يرى بالأبصار لم نعلم صحة خبرها ، ولم يكن فرق ~~إلا أن الأول مستندة إلى المشاهدة التي لا يجوز فيها الالتباس ، والثاني ~~مستندة إلى الاعتقاد الذي يدخله الالتباس . فلما سبرنا هذه الأقسام ولم نجد ~~واحدا منها يصح أن يكون طريقا إلى معرفة الباري ، علمنا أنه لا طريق إليها ~~سوى النظر الذي هو الفكر،إذ لا طريق تعدو هذه الأربع . # وإذا تقرر ذلك علمنا وجوب النظر، لأن من المعلوم : أن ما لا يتم الواجب ~~الذي هو المعرفة مثلا إلا به يكون واجب كوجوبه ، وإلا وقع الإخلال بالواجب ~~، وقد قضى العقل بقبحه . PageV01P018 # دليل ذلك : أن من وجب عليه قضاء دين أو رد وديعة أو نحو ذلك ولم يتمكن من ~~ذلك إلا بالقيام وفتح الباب وإخراج المال فإنها تجب عليه هذه الأفعال كلها، ~~وإنما وجبت عليه لكونها وصلة إلى الواجب، بدليل أن العقلاء يذمون على ~~الإخلال بها كما يذمون على الإخلال برد الوديعة. فتقرر بهذا الدليل وجوب ~~النظر لأجل كون المعرفة لا تحصل إلا به. # تنبيه : ما ذكرناه في أثناء الدليل من قولنا : أن جهل المنعم (مستلزم ~~للإخلال) بشكره . فمبني على أن الطاعات شكرا كما هو مذهب الهادي عليه ~~السلام وقدماء العترة،وأما من يقول : أن الشرائح ألطاف في العقليات،وأن ~~الشكر الاعتراف فقط . كما هو مذهب المهدي عليه السلام ، وكثير من المعتزلة ~~وبعض صفوة الشيعة فيقولون : إن وجه وجوب المعرفة كونها ألطافا في أداء ~~الواجبات . ومعنى ذلك أن العبد إذا عرف أن له خالقا يثيبه إن أطاعه ويعاقبه ~~إن عصاه كان أقرب إلى أداء الواجبات ، وكلامهم من أصله باطل لقوله تعالى { ~~اعملوا آل داود شكرا } (سبأ:13) ، وإجماع أهل العربية على أن الشكر قول ~~باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان في مقابلة النعمة قال الشاعر: ### || AUTO ms014 أفادكم النعماء مني ثلاثة .... يدي ولساني والضمير المحجبا # [ أدلة وجوب النظر ] # وأما الدليل:على وجوب النظر من جهة السمع فقوله تعالى { أفلا ينظرون إلى ~~الإبل كيف خلقت } (الغاشية:17). ونحوها،وقصرت المجبرة الاستدلال على ذلك ~~على السمع وأنكرت أن يكون العقل دليلا بناء منهم على أصلهم وهو إنكار ~~التحسين والتقبيح العقليين،وكلامنا عليهم من جهة إبطال أصلهم بالكلية،ومن ~~جهة إبطال إنكار أن يكون العقل دليلا على وجوب النظر خاصة. PageV01P019 # أما الأول:فهو أنا نعلم من حال العقلاء أنهم يصوبون من مدح المحسن أو أحسن ~~إليه،ومن ذم المسيء أو عاقبه وما ذاك إلا لكونهم يرون الإحسان في العقل ~~حسنا والإساءة في العقل قبيحة،فإنكارهم لذلك مخالفة لما عليه العقلاء. # وأما الثاني : فإنه يلزم من قولكم أحد محذورين،أما الدور وأما الكفر. أما ~~الدور فحيث نقول بوجوب النظر على المكلفين في صحة دعوى الأنبياء عليهم ~~السلام. لأنه لا يجب النظر إلا بالسمع والسمع لا يثبت إلا بالنظر،وأما ~~الكفر فحيث نقول بعدم وجوب ذلك عليهم لأنه يلزم منه تصويب من أعرض عن دعوة ~~الأنبياء عليهم السلام إذ لا واجب عليه وذلك كفر لأنه رد لما جاءت به الرسل ~~وما علم من دين كل نبي ضرورة،وأيما كان فهو باطل. # ثم اعلم أن الذين قالوا بوجوب النظر اختلفوا هل هو فرض عين أو فرض ~~كفاية؟. # فالذي عليه أئمتنا والجمهور أنه فرض عين. وقال أبو إسحاق بن عياش والبلخي ~~والعنبري ورواية عن القاسم ورواية عن المؤيد بالله: بل فرض كفاية، ثم ~~افترقوا في التقليد،فابن عياش والعنبري وغيرهما ورواية عن المؤيد بالله ~~يجوز مطلقا أي تقليد المحق وغيره هكذا رواه في الأساس عنهم،ونسب الدواري ~~ذلك إلى البلخي والحشوية،ونسب إلى ابن عياش جواز التقليد لمن غفل عن طريق ~~النظر كالنساء والعبيد والعوام،قال وقد روي مثل ذلك عن البلخي أيضا،قال ~~الدواري: وذكر القاسم أن مقلد المحق ناج . قال في الأساس: هذه رواية عنه ~~وهو مذهب البلخي. PageV01P020 # قلنا: أما القول بصحة التقليد مطلقا فبطلانه ظاهر،وذلك لأن الله تعالى لم ~~يكن مطابقا لكل اعتقاد فالمخطي جاهل به والجاهل ms015 به كافر إجماعا،وتقليد ~~الكافر في كفره كفر إجماعا،وقد ذم الله المقلدين في كتابه حيث قال حاكيا { ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } (الزخرف:23) ~~ونحوها.وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أخذ دينه ) الخبر.وأما القول : ~~بجواز تقليد المحق . فإنه لا يحصل العلم بالمحق إلا بعد معرفة الحق ولا ~~يعرف الحق إلا بالنظر ، فيمتنع التقليد حينئذ. # تنبيه : اختلف في معرفة الله تعالى مع سائر مسائل أصول الدين الواجب ~~معرفتها عندنا. فذهب أهل المعارف كالجاحظ وأبي علي الأسواري والشيخ الرصاص ~~صاحب الجوهرة إلى : أن معرفة الله وجميع المعارف الإلهية ضرورية في الدنيا ~~والآخرة. وذهب أبو القاسم البلخي ومن تابعه إلى : أنها لا تعلم إلا ~~بالاستدلال في الدنيا والآخرة. # المذهب الثالث التفصيل : وهو أن الله تعالى يعرفه أهل الآخرة والمحتضر ~~ضرورة،وأما أهل الدنيا فاختلف فيهم على ثلاثة أقوال، والذي عليه الأكثر من ~~أهل العدل وغيرهم أنهم لا يعرفونه إلا بالدلالة . # المذهب الثاني:ذهب إليه السيد المؤيد بالله والفقيه حميد أنه يجوز أن ~~يكون في الأنبياء والملائكة والصالحين من يعرف الله ضرورة. دلالة القول ~~الثالث ذكره ابن متويه وهو أيضا للفقيه حميد أن الله تعالى يعلم ضرورة جملة ~~وتفصيلا دلالة. PageV01P021 # الجواب: أنه تعالى لو كان معلوما ضرورة لكان الجاهل به معذورا، إذ العلم ~~الضروري حاصل من جهة الله لا اختيار للعبد فيه ومعلوم أن الكفار غير ~~معذورين، للزم أن يشترك العقلاء في العلم به.ومعلوم أنهم مختلفون ، وأن لا ~~ينتفي العلم به بشك ولا شبهة،ومعلوم أن بعض من برز في هذا الفن واشتهر به ~~خالجتهم الشبه حتى أن بعظهم أفضى به ذلك إلى التعطيل كابن الراوندي وأبي ~~عيسى الوراق. # تنبيه : أطلق كثير من أصحابنا أن العلم والمعرفة مترادفان،قالوا: وبهذا ~~لا يصح أن يثبت الباري بأحدهما وينفى بالآخر وهذا فيه إشكال،فإنه قد فرق ~~بينهما أهل العربية حيث جعلوا العلم يتعدى إلى مفعولين والمعرفة إلى مفعول ~~واحد،ووافقهم في ذلك أهل المنطق حيث جعلوا العلم متعلق بالمركبات والمعرفة ~~بالمفردات ، ومن ثم يقال : عرفت الله دون علمته،وفرق بينهما ms016 بعضهم بأن ~~العلم نقيضه الجهل، والمعرفة نقيضها الإنكار،وقال بعضهم: المعرفة علم ناقص ~~، ومن ثم يقال الله تعالى عالم ولا يقال : (أنه عارف) ، ومنع بعضهم أن يطلق ~~على الله أنه عارف وإنما يقال أنه عالم،قال لأن المعرفة هي العلم المسبوق ~~بالجهل والله متعال عن ذلك. قيل: ومن ثم لم ترد لفظة عارف في أسماء الله ~~الحسنى ولا وصف بها نفسه في كتابه العزيز مع كثرة ما وصف نفسه بالعلم وما ~~تصرف فيه. PageV01P022 ### || AUTO باب إثبات الصانع وذكر توحيده وذكر عدله ووعده ووعيده. # معنى إثبات الصانع اعتقاد ثبوته ووجوده،وعطف التوحيد عليه يشعر بأن مسألة ~~إثبات الصانع غير داخلة في التوحيد وهي أصل باب التوحيد على ما قرره ~~أصحابنا ويظهر ذلك في حد التوحيد على ما يجيء بيانه،وجعل المذكورة بابا ~~واحدا لا يخلو من تسامح،وكان اللائق عند سلوك نهج التبويب أن يجعل الكتاب ~~أبوابا أربعة. # الأول:في وجوب النظر وقد تقدم. # والثاني:في التوحيد. # والثالث:في العدل وما يتبعه. # والرابع:في الوعد والوعيد وما يتبعهما.وفي كل باب مسائل مذكورة على جهة ~~الأصالة أو التبعية . # اعلم (أن المهمات من ما) يجب على المكلف من فن أصول الدين بعد النظر ~~ثلاثون مسألة ،في التوحيد عشر،وفي العدل وما يتبعه عشر،وفي الوعد والوعيد ~~وما يتعلق بذلك عشر،وذكر قاضي القضاة فصلين الأول في التوحيد والثاني في ~~العدل وجعل جميع ما ذكر داخلا تحت العدل.قال الدواري: وهي لعمري قسمة حسنة ~~لم يسبق إليها وينبغي معرفة وجوه الترتيب بين الأبواب،فتقديم النظر لكونه ~~يوجب العلم بالتوحيد، وتقديم التوحيد على العدل لوجهين، أحدهما أن بعض ~~مسائله دالة على بعض مسائل العدل وباقي مسائله تابعة ودليل الشيء يتقدم ~~عليه. الثاني أن التوحيد كلام في ذاته تعالى وصفاته والعدل كلام في أفعاله ~~، ومهما لم تعلم ذاته تعالى وصفاته لم تعلم أفعاله، وقدم العدل على الوعد ~~والوعيد لوجهين : # أحدهما : أن بعض مسائله دالة على بعض مسائل الوعد والوعيد. # الثاني : أن الوعد والوعيد كلام في أحكام أفعاله ومهما لم تعلم الأفعال ~~لم تعلم أحكامها،هذا ما ذكره أصحابنا.قال الدواري: والأولى PageV01P023 في ms017 الوجه الثاني أن يقال قدم العدل،لأن من جملة مسائل العدل إثبات كون ~~القرآن كلام الله ، والوعد والوعيد كلام في أنه تعالى قد وعدنا وتوعدنا ~~وأنه لا يخلف وعده ولا وعيده ولا يمكن (أن نتكلم) في أنه وعد ولا يخلف حتى ~~نعلم كون القرآن كلامه ، وألحقنا سائر مسائل العدل بمسألة القرآن اتباعا. # واعلم :أن الكلام في مسائل الاعتقاد يتعلق بثمانية أمور: # أولها : بيان المذهب في المسألة. # ثانيها : بيان الدليل على صحة ذلك المذهب. # ثالثها : بيان تحقيق ذلك الدليل. # رابعها: بيان الأسئلة الواردة على ذلك الدليل والتحقيق. # خامسها : بيان أجوبة تلك الأسئلة . # سادسها : بيان مذاهب المخالفين في تلك المسألة . # سابعها : بيان شبههم التي يتعلقون بها . # ثامنها : حل تلك الشبه وإبطالها. وبتمام هذه الثمانية يكمل معرفة ما ~~يتعلق بتلك المسألة . # وتنقسم باعتبار وجوبها على المكلف إلى ثلاثة أقسام فرض عين بكل حال وهي ~~معرفة الثلاثة الأول ، وفرض كفاية على كل حال وهي معرفة مذهب المخالف ~~وشبهته وسؤاله ، وفرض عين في حال دون حال وهي معرفة حل شبهة المخالف وجواب ~~سؤاله ، لأنهما إن قدحا حتى دخل الشك في علم المكلف كانا فرض عين وإن لم ~~يقدحا كانا من فروض الكفاية. PageV01P024 ### | AUTO باب التوحيد # هو في اللغة:مصدر وحد الشيء جعله واحدا بالفعل أو القول. # وفي الاصطلاح : ما حكي عن الوصي أمير المؤمنين صلوات الله عليه التوحيد ~~أن لا تتوهمه . وقد ذكر السيد مانكديم في شرح الأصول حده فقال: التوحيد ~~العلم بأن الله تعالى واحد لا ثاني معه يشاركه فيما يستحقه من الصفات نفيا ~~وإثباتا على الحد الذي يستحقها مع الإقرار به . فقولنا : العلم بأن الله ~~تعالى واحد لا ثاني معه . هذا هو التوحيد في الحقيقة وبه سمي باب التوحيد ، ~~وقلنا : يشاركه في الصفات التي يستحقها نفيا وإثباتا. فالنفي مما يستحيل ~~عليه من الصفات ، والإثبات ما يثبت له منها على ما سيأتي. وقلنا : على الحد ~~الذي يستحقها . احترازا عن الواحد منا فإنه وإن شارك القديم في بعض هذه ~~الصفات كالعالمية والقادرية ونحو ذلك ، فهي في حقه ms018 تعالى واجب إذ هي بالذات ~~لا بجعل جاعل ولا لمعنى ولا لأمر غير الذات ، وفي حق المخلوق جائزة فلم ~~يشاركه على الحد الذي يستحقها. وأما (قوله : مع) الإقرار به . فلا حاجة ~~إليه لأن من اعتقد التوحيد موحد ، وإن لم يقر ولعله ذكر ذلك في تسمية ~~الواحد منا لغيره موحدا ، فإنا لا نسميه موحدا حتى يقر أو ذكره لأن ذلك من ~~شرط التوحيد عند التهمة.قال بعض المحققين: هذا الحد يشمل العلم بالذات ~~وبالصفات. PageV01P025 # نعم ويشتمل هذا الباب على عشر مسائل : ### || AUTO المسألة الأولى: أن لهذا العالم صانعا صنعه ومدبرا دبره # الكلام في إثبات الصانع وقدمها على الصفات لأنها فرع عليها لأن من لم ~~يعلم الذات لم يعلم الصفات فيجب على المكلف أن يعلم أن لهذا العالم صانعا ~~صنعه ومدبرا دبره، وحقيقة العالم في مواضعة المتكلمين الأجسام والأعراض ~~الموجودة على الترتيب المشاهد مثل السماوات والأرض وما بينهما،وهو في الأصل ~~اسم لجميع المخلوقات ومنه حديث وهب بن منبه أن لله تعالى ثمانية عشر ألف ~~عالم الدنيا وما فيها عالم واحد، وقيل : اسم لمن يعلم وهو الملائكة ~~والثقلان . وقيل : مشتق من العلم . وقيل : هو اسم لما يعلم به الله . وقيل ~~: كل عصر يسمى عالم . ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة وقد ذكرت ~~عندها مريم(تلك سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء العالمين). والقول بأن ~~لهذا العالم صانعا فاعلا مختار هو مذهب جميع فرق الإسلام وأكثر فرق الكفر ~~من أهل الكتب وكثير من عبدة الأوثان. # والخلاف في ذلك مع الملحدة والفلاسفة والدهرية والطبائعية والباطنية ، ثم ~~اختلفت هذه الفرق الضالة على قولين فالملحدة والدهرية والطبائعية والفلاسفة ~~المتقدمون ينفون المؤثر ويقولون : لا صانع جملة ولا تفصيلا . ويقولون : ~~العالم قديم وما ثم إلا ليل ونهار وشمس وأقمار وفلك دوار. وقد حكى الله ~~مقالة الدهرية في قوله تعالى { وما يهلكنا إلا الدهر } (الجاثية:24).والقول ~~الثاني وهو قول الباطنية والفلاسفة الإسلاميين إثبات مؤثر جملة. PageV01P026 # قالت الفلاسفة الإسلامية: إن أصل العالم علة موجبة ، وتلك العلة غير موصوفة ~~بشيء من صفات الإثبات ms019 لأنها لو وصفت لتعددت وتكثرت ، وتلك العلة غير مختارة ~~والعالم ملازم لها في الوجود وفي القدم ملازمة شعاع الشمس لها، قالوا: ثم ~~أن تلك العلة أثرت في ذات يقال لها عقلا فحصل لهذا العقل خلال ثلاث عقل ~~لباريه ، وهي العلة الموصوفة وصحة وجوده في نفسه وإمكان وجوده من باريه، ~~وهذه الخصال تتفاوت عندهم في الرتبة والشرف أشرفها صحة وجوده من باريه، ~~وأوسطها عقل لباريه ، وأدناها إمكان وجوده في نفسه،ولأجل هذه الخلال ~~الحاصلة له أثر في ثلاثة أشياء لأجل الأشرف أشرف ولأجل الأوسط أوسط ولأجل ~~الأدون أدون أثر لأجل عقله لوجوده من جهة باريه في عقل ، ولأجل عقله لإمكان ~~وجوده في نفسه في فلك ، ولأجل عقله لباريه في (نفس فلك) ، ثم حصل لهذا ~~العقل من الخلال ما حصل للأول ، وأثر في مثل ما أثر فيه العقل الأول ، ولم ~~تزل العقول كذلك إلى أن بلغت عشرة والأفلاك تسعة والنفوس تسع والعقل العاشر ~~هو المتولي بتدبير جميع العالم من الإيجاد والإحياء والإماتة وسائر ما ~~اشتمل عليه العالم منوط بهذا العاشر،فأما الذات المتقدمة وما يليها إلى ~~العاشر فلاحظ لها في شيء من أمر العالم،ولهم أقوال تخالف ذلك ، وكلها متفقة ~~أن الذي ينتهي إليه جميع العالم علة ، وأن العالم ملازم في وجوده وجودها في ~~القدم ، وسموا هؤلاء فلاسفة إسلاميين لأنهم يقرون بظواهر الإسلام،وقيل ~~الحدوث مذهبهم بعد بعثة النبي صلى الله # عليه وآله وسلم. # وأما الباطنية: فلهم أقوال جمة من جملة أقوالهم قول يشابه هذا القول إلا ~~أنه يفارقه من ثلاثة أوجه : PageV01P027 # الأول: أنهم يقولون : إن هذه العلة غير موصوفة بنفي ولا إثبات حتى أنهم ~~قالوا لو لا الضرورة لما سميناها الله. والفلاسفة لم يتكلموا على النفي. # الثاني:أنهم يسمون العقل الأول سابقا والثاني تاليا. # الثالث: أنهم يقولون إن العقل الثالث تحير ، لأنه لم يحصل له العلم من ~~أول وهلة كما حصل لغيره من العقول من الخلال الثلاث ، فحط في المنزلة ~~العاشرة وسبقه ما بعده على سبيل العقوبة له فهو المنوط به أمر العالم عقوبة ~~له، ويسمون ms020 هذا العالم عالم الكون والفساد، ومنهم من قال أمر العالم منوط ~~بالعقل الثاني المسمى بالتالي. ويحكى عنهم أقاويل باطلة غير ذلك. PageV01P028 # واعلم أن الكلام إنما هو في الأجسام نفسها وأما تراكيبها فلا خلاف في حدوث ~~كثير منها كالحوادث اليومية. والدليل على ذلك المذهب الصحيح وهو أن هذا ~~العالم لابد له من فاعل مختار من وجوه كثيرة اعتمد كثير من الموحدين منها ~~دليل الدعاوى وهو الذي ذكره في الكتاب لما أورد على غيره من الأسئلة التي ~~يصعب الجواب عنها إلا بالرجوع إليه،وأول من حرر هذا الدليل هو الشيخ أبو ~~الهذيل،وذكر الشيخ أحمد بن محمد بن الحسن الرصاص أنه إبراهيم الخليل صلوات ~~الله عليه كما حكاه الله عنه في آية الأفول. وقال السيد المؤيد بالله: إن ~~الصحابة والتابعين كانوا يستدلون بالتأليف فيقولون العالم مؤلف وكل مؤلف ~~لابد له من مؤلف إلى أن جاء أبو الهذيل فحرر هذا الدليل. وبيان هذا الدليل ~~أن هذه الأجسام على تنوعها من حيوان وجماد ونام وغير نام محدثة، والأجسام ~~جمع جسم وحقيقته الطويل العريض العميق ومعنى ذلك أنه مؤتلف من أجزاء طولا ~~وعرضا وعمقا. وكثير من المتكلمين يعبر عن تلك الأجزاء بأنها جواهر، وأن ~~حقيقة الطول ائتلاف الجوهرين أو الجواهر في سمت واحد، وحقيقة العرض ائتلاف ~~ماذكر عن يمين الخط ويساره ، والعمق على ضربين عمق مطلق وهو ائتلاف الجوهر ~~أو الجوهران أو الجواهر من أعلى إلى أسفل مع الصفيحة وهي معنى العرض ويعبر ~~عنها بالسطح أيضا، وعمق الأجسام وهو الجواهر المؤتلفة أربعة فصاعدا من أعلى ~~إلى أسفل (على ما صححه الدواري مع الصفيحة) . ونقول: إن كان المراد ~~(بالجوهر ما اصطلح) عليه بعض المعتزلة من أنه الذي يشغل الحيز من جهة واحدة ~~دون الثلاث فذلك مما لا يعقل لأن ما منع الحيز من جهة لا يعقل إلا يمين ~~وشمال وأمام وخلف وفوق وتحت، وإن كان المراد به المتحيز غير PageV01P029 المنقسم مما ليس له طول وعرض وعمق فذلك صحيح. وبيان ذلك أن أهل الإسلام ~~وكثيرا من الفرق الكفرية ذهبوا ms021 إلى أن الجسم لا يزال ينقسم إلى حد لا يمكن ~~انقسامه وذلك هو الجوهر. وقال النظام والمطرفية: لا يزال الجسم يمكن في ~~المقدور أن ينقسم أبدا مؤبدا إلى ما لا نهاية له. وذهبت الفلاسفة إلى أنه ~~لا يزال يمكن في المقدور أن ينقسم حتى يبلغ حدا لا يمكن انقسامه بالفعل ثم ~~يتكثر بعد ذلك حتى يصير ممكنا انقسامه وعندهم أن الجوهر لا ينقسم بالفعل ~~وإنما يمكن انقسامه بالقوة والأصح الأول وقد ألزم النظام القول بالطفر حيث ~~لا يمكن قطع المسافة اليسيرة إلا بقطع الأخرى وهي لا تتناهى عنده وقطع ما ~~لا يتناهى محال فقال إن القاطع بطفر ما لا يتناهى والطفر في نفسه غير معقول ~~لأنه كون الجسم في جهة بعد أن كان في جهة أخرى من غير قطع مسافة بينهما ~~وذلك محال. هذا وما ذكرناه من أن أهل الإسلام وغيرهم أجمعوا على أن الجسم ~~لا يزال ينقسم إلى حد لا يمكن انقسامه وهو الجوهر حكاه الدواري وهو مصرح ~~بأن لا قائل بإنكار الجوهر وهو خلاف ما عثرت عليه في حقائق المعرفة للمتوكل ~~على الله أحمد بن سليمان (عليه السلام) فإنه أنكر فيه الجوهر بالكلية وقال ~~ليس إلا جسم أو عرض وهكذا ذكر السيد حميدان رحمه الله تعالى ورواه عن ~~الحسين بن القاسم العياني عليه السلام قالوا لأنه تفكر فيما لم نكلف ~~بالتفكر فيه من إثبات جزء لا ينقسم. PageV01P030 # والمحدث: هو الموجود الذي لوجوده أول لابد له قطعا من محدث. والذي يدل على ~~أن هذه الأجسام محدثة أنها لم تخل من الأعراض المحدثة ولم تتقدمها، وتحرير ~~هذا الدليل وتقريره بأربعة أصول:الأول أن في الجسم عرضا غيره.الثاني أن تلك ~~الأعراض محدثة.الثالث أن الجسم لم يخل من العرض ولم يتقدمه.الرابع أن ~~ملازمته إياها تستلزم حدوثه. وقد دل عليها كلام الكتاب. # أما الأصل الأول: وهو أن في الجسم عرضا غيره، وحقيقة العرض هو مالا يشغل ~~الحيز فذلك هو المذهب. وذهبت فرقة من الفلاسفة وحفص الفرد من المجبرة ~~والأصم من النواصب (وهشام بن الحكم) ms022 إلى أنه لا عرض في الجسم وهؤلاء هم ~~المعروفون بنفاة الأعراض. وذهب أبوالحسين وابن الملاحمي والإمام يحي بن ~~حمزة إلى نفي المعاني وجعلوا الأعراض كلها صفات للجسم بالفاعل، وبه قال ابن ~~الخطيب الرازي وكثير من الأشاعرة والمجبرة، قال ابن زيد وهو مذهب القاسم ~~والهادي عليهما السلام ومعنى ذلك أن الحركة والسكون ونحوهما هي التي يعبر ~~بها عن كونه متحركا وساكنا ومجتمعا ومفترقا وهذه الصفات إنما تثبت بالفاعل ~~ويؤيد ذلك أن من قال هو متحرك وليس فيه حركة يعد مناقضا وكذا سائرها. ~~فعلمنا استواء كونه متحركا وفيه حركة وليس هناك معنى زائد على الصفة. وذهب ~~جماعة من المعتزلة ومال إليه بعض متأخري الزيدية كالمهدي إلى إثبات المعنى ~~وهو الموجب صفة للجسم، فالحركة أوجبت كونه متحركا ونحو ذلك من تأثير العلة ~~وهو تأثير الإيجاب، وعندنا أن لا مؤثر حقيقة إلا الفاعل المختار إذ تقدمه ~~يدل على اختصاصه بصفة المؤثر والعلة مقارنة لمعلولها فما تخصيص PageV01P031 أحدهما بكونه مؤثرا والآخر مؤثرا بأولى من العكس وهذا مما لاشك فيه وسيأتي ~~لهذا مزيد تحقيق. وأما ما ذهب إليه نفاة الأعراض فباطل. قال ابن الملاحمي: ~~إذ ثبوتها معلوم ضرورة على الجملة وقال غيره، قال الدواري: وهو الأصح ~~الأحسن التفصيل وهو أن يقال الحاصل في الجسم لا يخلو إما أن يكون جسما أو ~~معنى أو صفة لا يجوز أن يكون جسما، لوجهين: أحدهما أن الواحد منا ليس بقادر ~~على الجسم ولا يقف على اختياره وكون الجسم متحركا يقف على اختيارنا. الثاني ~~(أن كون) الجسم متحركا يتجدد ثبوته في حال بقاء الجسم والجسم لا يتجدد ~~ثبوته في حال بقاءه، ولا يجوز أن يكون معنى لأن المعنى يعلم على انفراده ~~وكون المتحرك متحركا لا يعلم على انفراده، وإنما يعلم تبعا للعلم بذي ~~الاحتراك فلم يبق إلا أنه صفة. PageV01P032 # وأما الأصل الثاني: وهو أن تلك الأعراض محدثة فذلك هو المذهب، وذهبت طائفة ~~من الفلاسفة إلى أنها قديمة مع الإقرار بثبوتها وهؤلاء هم أهل الكمون ~~والظهور يثبتون الأعراض ويجعلونها قديمة فيقولون إذا ms023 تحرك الجسم ظهرت ~~الحركة وكمن السكون والعكس. قلنا: الدليل على حدوثها أنها تعدم والقديم لا ~~يعدم، أما أنها تعدم فلأن الأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع ~~والافتراق متضادة فالحركة ضد السكون والعكس والاجتماع ضد الافتراق والعكس ~~فمتى سكن الجسم عدمت الحركة والعكس وعلى هذا القياس، وإذا تقرر في العقول ~~عدمها ثم وجودها علم قطعا أنها محدثة إذ ذلك حقيقة المحدث، وأما أن القديم ~~لا يعدم فلأنه قديم بالذات ليس داخلا في جنس المقدورات وما هو قديم بالذات ~~فذاته ثابتة مستمرة لا يتطرق إليه الإيجاد والإعدام إذ خروج الموصوف عن صفة ~~ذاته لا يجوز. وأما القول بالكمون والظهور فذلك باطل لوجهين: أحدهما أن ذلك ~~إثبات لشيء لا دليل عليه وذلك يفتح باب الجهالات. الثاني أن الكمون والظهور ~~لا يتعقلان إلا في المتحيزات إذ الكمون اختفاء الشيء بعد أن كان ظاهرا، ~~والظهور بدو الشيء بعد أن كان خافيا وهذا كما ترى من أوصاف المتحيزات. PageV01P033 # وأما الأصل الثالث: وهو أن الأجسام لم تخل من الأعراض المحدثة ولم يتقدمها ~~في الوجود فهذا هو مذهبنا ومذهب أكثر الفرق والخلاف في ذلك مع قوم من ~~الفلاسفة فإنهم مقرون بالأكوان وبحدوثها إلا أنهم يقولون إن أصل العالم ~~متعر عنها ثم حلته بعد ذلك وأهل هذه المقالة يسمون أهل الهيولى والصورة ~~وأهل العنصر والاستقص والطينة فسموا أهل الهيولى والصورة، لأن منهم من ~~يقول: أصل العالم جوهران بسيطان موجودان غير متحيزين ولا محسوسين ولا ~~ملموسين ولا كائنين في جهة اسم أحدهما الصورة والثاني الهيولى ثم حلت ~~الصورة في الهيولى فتحيزا واحتملا الأعراض. ومنهم من قال: أصل العالم جوهر ~~موجود غير متحيز. ومنهم من قال: أصل العالم جواهر موجودة غير متحيزة فلذلك ~~سموا أهل هذه الدعوى أهل الاستقص والعنصر والطينة لأن هذه العبارات تستعمل ~~في أصل الشيء وعبروا بهذه العبارات عن أصل العالم الذي ذهبوا إليه. PageV01P034 # والجواب: أنه لو جاز خلو الجسم من الأعراض فيما مضى من الزمان لجاز خلوه ~~عنها الآن لأن مرور الزمان لا تأثير له فيما يجب ms024 للجسم أو يجوز أو يستحيل، ~~ألا ترى أن الجسم لما وجب له التحيز وجب له في كل مكان وزمان ولما جاز عليه ~~التنقل جاز في كل مكان وزمان ولما استحال عليه كونه في جهتين في حالة واحدة ~~استحال عليه في كل زمان ومكان ومعلوم قطعا أنه لا يجوز خلوه عنها الآن، إذ ~~لو جاز ذلك لم يمتنع أن يكون كثير من الأجسام موجودة وهي غير متحركة ولا ~~ساكنة وقد علمنا أن من جوز ذلك فقد كابر حكم عقله، ولو@ أخبرنا مخبر أنه ~~شاهد أجساما في بعض البلاد القاصية وهي غير متحركة ولا ساكنة لتبادر ~~العقلاء إلى تكذيبه من غير توقف في أمره فتقرر أن الجسم لا يخلو من الأعراض ~~المحدثة. # وأما القول بالهيولى والصورة فقول غير صحيح لأنهما قديمان عندهم، فليس أحدهما # بأن يكون صورة والآخر هيولى أولى من خلافه وهذه التسمية عندهم موضوعة ~~لإفادة معنى مختلف، ولهذا كان أحدهما حالا والآخر محلا، فأما إن كانت ~~التسمية لقبا فلا ضير عليهم في ذلك. # تنبيه: # اعلم أن إطلاق القول بأن الأجسام لا تخلوا من الأعراض المحدثة كما هو ~~واقع في عبارات كثير من أصحابنا، لا يخلوا من تسامح، لأن الذي عليه الزيدية ~~والمعتزلة جميعا وأكثر الفرق، التفصيل وهو أن يقال الأعراض باعتبار وجودها ~~في الجسم وعدمها على ثلاثة أضرب : # منها ما لا يجوز خلو الجسم عنه لكل حال وهي هذه الأكوان فإنه لا يجوز ~~خلوها عنه بحال. # ومنها ما يجوز خلوها عنه بكل حال وهو كل عرض غير باق أو باق ولا ضد له، ~~فغير الباقي كالإرادة والاعتقاد والأصوات ونحو ذلك، والباقي ولا ضد له ~~كالقدرة والحياة والتأليف. PageV01P035 # ومنها ما يجوز خلوها منه قبل حلوله فيه وبعد حلوله لا يجوز خلوها عنه أو عن ~~ضده وذلك كل عرض باق له ضد كالألوان والطعوم ونحوهما، فأما المصنف فقد أشار ~~إلى ما ذكرنا عن الزيدية ومن وافقهم بقوله: لم يخل من الأعراض المحدثة التي ~~هي الحركة والسكون إلى آخره. # وأماالأصل الرابع: وهو أن ما ms025 لم يخل من المحدث ولم يتقدمه فهو محدث مثله. ~~فهذا هو مذهبنا وهو الذي عليه أهل العدل وأكثر ملل الكفر، وقال قوم من ~~الفلاسفة: الجسم قديم مع أنه لم يخل من الأعراض المحدثة ولم يتقدمها وحرر ~~لهم ابن الراوندي لعنه الله شبهتهم لتقرير مذهبهم بأن قال إن الجسم لم يخل ~~من حادث وقبل الحادث حادث وقبله حادث إلى ما لا نهاية له وذكر أن جملتها ~~قديمة وآحادها محدثة فالجسم لم يخل منها وهو مقارن لأولها والأول لا أول له ~~وكان الجسم قديما. # والجواب: أنا إذا علمنا أن الجسم لم يخل من الأعراض وأنه لم يسبقها كما ~~تقدم ذلك في الدعوى الثالثة وهي محدثة كما تقدم في الدعوى الثانية لزم ~~حدوثه لأن الجسم لا يخلو إما أن يوجد قبلها أو معها أو بعدها والأول باطل ~~لما بينا من أنه لم يتقدمها والأخيران يلزم منهما حدوثه لأن ما وجد مع ~~المحدث أو بعده فهو محدث، وقول ابن الراوندي أن آحادها محدثة وجملتها قديمة ~~باطل،لأن صفتي القدم والحدوث يرجعان إلى الأجزاء وهي الآحاد فإذا كانت ~~محدثة كانت الجملة كذلك فثبت بما قررناه من الأصول الأربعة أن هذه الأجسام ~~محدثة وبطل قول من قال بقدمها، وبقي أن يقال قلتم والمحدث لابد له من محدث ~~والمطلوب بيان دليله. PageV01P036 # قلنا: الذي يدل على أن المحدث لابد له من محدث أمران: أحدهما ما ذكره الشيخ ~~أبو الحسين والرازي من المجبرة وغيرهما من المعتزلة والجبرية وهو ما يعلم ~~أنه أي الجسم إذا كان في الأصل معدوما ثم خرج من العدم إلى الوجود لم يكن ~~له بد من مخرج أخرجه وإلا وجب بقاءه على عدمه الأصلي، أما أنه كان في الأصل ~~معدوما فقد دللنا على حدوثه والمحدث هو الموجود بعد أن لم يكن، وأما أنه ~~لابد من أمر فلا شك في ذلك إذ هو يعلم بأدنى نظر وتأمل، بل من أصحابنا من ~~قال هو معلوم ضرورة فصح أن ثم مؤثرا على سبيل الجملة. الأمر الثاني ما ذكره ~~جمهور المعتزلة ms026 كأبي علي وأبي هاشم وغيرهما وأكثر الزيدية وهو القياس على ~~أفعالنا كالبناء والكتابة بجامع الحدوث، وبيان ذلك أن أفعالنا محتاجة إلينا ~~قطعا لأنها توجد بحسب قصودنا ودواعينا وتنتفي بحسب # كراهتنا وصوارفنا مع سلامة الأحوال إما محققا وإما مقدرا، ونريد بالمحقق ~~فعل العالم المميز لفعله، والمقدر فعل الساهي والنائم فإنه لم يوجد بحسب ~~قصده وداعيه وهو مع ذلك مضاف إليه،وإذا تقرر حاجتها إلينا فلابد من علة وهي ~~إما عدمها ولا يصح لأن العدم نفي والنفي لا يحتاج إلى مؤثر (أو بقاؤها بعد ~~وجودها) ، ولا يصح أيضا بدليل أن أحدنا يخرج عن كونه قادرا بل عن كونه حيا ~~وأفعاله باقية مستغنية في بقائها عنه، فلم يبق إلا أن تكون محتاجة إلينا في ~~حدوثها فيجب أن تكون علة احتياجها هي حدوثها، فإذا شاركها الجسم في الحدوث ~~وجب مشاركته لها في الاحتياج إلى فاعل مختار وإلا بطل كونها علة، وهاهنا ~~أصل وفرع وعلة وحكم، فالأصل أفعالنا، والفرع الأجسام والعلة الحدوث، والحكم ~~وجوب الاحتياج إلى محدث وهذا هو القياس العقلي. # تنبيه: PageV01P037 # قال بعض المحققين:من كان طريقه في الحكم باحتياج الجسم إلى محدث قياس ~~الأجسام على أفعالنا فهو يحكم بأن المجبر لا يعلم الصانع لجهله الدليل على ~~إثباته حيث أنكر أن للعبد أفعالا وهو الأصل المقيس عليه. وقد أورد على هذا ~~الدليل سؤالان يصعب الجواب عنهما، ولهذا مال عنه بعض المعتزلة والأشاعرة ~~واستدلوا بما ذكرناه في الأمر الأول وهو الذي اعتمده المصنف في الكتاب وبعض ~~أصحابنا المتأخرين، قال في حكايته عنهم قالوا العالم حدث مع الجواز فلابد ~~من مؤثر وإلا لم يكن بأن يحدث أولى من أن لايحدث، ثم يستدلون على أنه حدث ~~مع الجواز بأنه لو كان حدوثه مع الوجوب لم يكن بأن يحدث في وقت أولى من وقت ~~فيلزم قدمه والمعلوم والمفروض حدوثه وبأنه لو حدث مع الوجوب لكان جنسا ~~واحدا غير مختلف في صفاته والمعلوم خلافه، فإن بعضه حيوان وبعضه جماد وبعضه ~~سماء وبعضه أرض وبعضه إنسان وبعضه فرس ونحو ذلك. فعلم أنه ms027 لابد من أمر ~~لأجله حدث في وقت دون وقت وعلى صفة دون صفة وهو المطلوب. قال وهذا الدليل ~~قوي لا يرد عليه شيء مما ورد على ما قبله. # تنبيه: # الدليل القرآني المثير لدفين العقل على حدوث العالم على ما هو مذهب جمهور ~~أئمتنا عليهم السلام قوله تعالى{إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء ~~من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح ~~والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون}(البقرة:164). PageV01P038 # قال في الأساس: بيان الاستدلال بهذه الآية، أما السماوات والأرض فإنا نظرنا ~~في خلقهما فوجدناهما لم ينفكا عن إمكان الزيادة والنقصان والتحويل والتبديل ~~والجمع بينهما وتفريق كل منهما، فذلك الإمكان إما قديم أو محدث ليس الأول ~~لأن الإمكان لا يكون إلا مع التمكن والتمكن لا يكون إلا عند أن يصح الفعل، ~~والفعل لا يصح إلا بعد وجود الفاعل ضرورة، وما كان بعد غيره فهو محدث فثبت ~~الثاني وهو حدوثه فلزم حدوث لازمه وهو السماوات والأرض، فهما مع ذلك ~~الإمكان إما قديمان أو محدثان ليس الأول لأنا قد علمنا ضرورة أنهما لا ~~يعقلان منفكين عنه وكل ذي حالة لا يعقل منفكا عن حالته يستحيل ثبوته منفكا ~~عنها كالعمارة مثلا فإنه يستحيل وجودها منفكة عن إمكانها وكالمستحيل فإنه ~~يستحيل تخلفه عن عدم إمكانه فلو كانا قديمين لكانا قد تخلفا عن ذلك الإمكان ~~لأن الإمكان لا يكون إلا مع التمكن منهما والتمكن لا يكون إلا بعد صحة ~~الفعل وصحة الفعل لا تكون إلا بعد وجود الفاعل، وما كان بعد وجود غيره ~~فلاشك في حدوثه ولزم حدوث ما يتوقف عليه من جميع ذلك، ولو كانا قديمين لزم ~~تخلفهما عنه قبل حدوثه وهو محال لما بينا فثبت الثاني وهو حدوثهما، وأيضا ~~هما مختلفان فاختلافهما إما للعدم أو لعلة فرضا أو لفاعل ليس الأول لأن ~~العدم لا تأثير له ولا الثاني لأن تأثير العلة إيجاب بزعمهم، فلو ms028 كان كذلك ~~لوجب أن تكون السماء أرضا والعكس، والسفلى من السماوات عليا والعكس، إذ ما ~~جعل أحدهما أرضا والآخر سماء ونحو ذلك بأولى من العكس لعدم الاختيار، فثبت ~~أنه لفاعل مختار ولزم تقدمه إذ لا يصح كونه فاعلا مختارا إلا مع تقدمه ~~ضرورة وما تقدم عليه غيره فهو محدث، فثبت بما تقرر من دليل PageV01P039 أهل المذهب الصحيح أن لهذا العالم صانعا صنعه ومدبرا دبره، وذلك الصانع إما ~~فاعل أو غيره أو لا فاعل ولا غيره ونعني بالفاعل الصانع المختار وحقيقته هو ~~من وجد من جهته بعض ما كان قادرا عليه، الثالث باطل لأن تأثيرا لا مؤثر له ~~محال وبذا نعرف بطلان قول عوام الملحدة: الدجاجة والبيضة محدثتان ولا محدث ~~لهما، وقول ثمامة بن الأشرس من علماء المعتزلة المتولد محدث ولامحدث له ~~وإلا لزم أن يوجد بناء بلا بان وهو محال، وخلافهم هذا يدل على أن العلم بأن ~~المحدث لابد له من محدث استدلالي لا ضروري خلاف أبي القاسم البلخي. قلنا: ~~إذا لأشترك العقلاء في العلم به، والثاني باطل أيضا إذ ذلك الغير إما علة ~~كما تقوله بعض الفلاسفة والعلة غير معقولة في نفسها سلمنا فلا صحة لتأثيرها ~~إذ تأثيرها إيجاب وقد مر إبطاله، سلمنا فلابد في المؤثر من كونه قادرا حيا ~~على ما سيأتي بيانه ولا حياة لها ولا قدرة. PageV01P040 # وأما الطبع كما يقوله الطبائعية وهو أيضا غير معقول إذ لا يعلم ضرورة وإلا ~~لاشترك في العلم به كل عاقل ولا دليل عليه وإلا لظهر واستدل به وإذا كان لا ~~يعلم ضرورة ولا استدلالا فهو غير معقول فإن أرادوا به الباري فخطأ في ~~العبارة إذ أطلقوا على الباري لفظا لا معنى له وذلك لا يصح في حقه تعالى، ~~ولو سلمنا أن الطبع في نفسه يعقل فلا حياة له فضلا عن القدرة والعلم وذلك ~~لابد منه في المؤثر. وتحقيق مذهب الطبائعية أن الذي يحدث من تراكيب الأجسام ~~وما فيها من الأعراض كان بطبعها. وأما النجوم كما تقوله المنجمة وهي أجسام ~~جمادات ms029 مسخرة خلقها الله تعالى لمنافع عباده كما قال سبحانه{إنا زينا ~~السماء الدنيا بزينة الكواكب}(الصافات:6) وقال (تعالى){وجعلناها رجوما ~~للشياطين}(الملك:5) ولا حياة لها فضلا عن القدرة والعلم، ولابد من ذلك في ~~المؤثر كما سيأتي@، وأيضا (فإن الجسم) لا يقدر على إحداث جسم على ما يجيء. ~~وهؤلاء المنجمة فريقان منهم من يقول لا صانع غيرها ومنهم من يقر بالصانع ~~ويقول إن الصانع أحال التدبير إلى النجوم والمتولي لتدبير سائر الحوادث ~~سبعة من النجوم وهي زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر قال ~~الشاعر جامعا لها: # زحل شرى مريخه من شمسه فتزهرت بعطارد أقمار PageV01P041 وتدبيرها مرتب كترتيب ذكرها في البيت أولها زحل وآخرها في التدبير القمر، ~~قالوا فكل نجم يتولى تدبير شهر فإذا فرغت عاد التدبير إلى الأول، ومن ~~كلامهم أن هذه النجوم المذكورة تدبر الجنين في بطن أمه أولا فأولا شهرا ~~فشهرا فإذا أكمل الشهر السابع عاد التدبير إلى أولها وهو زحل فيدير الجنين ~~في الشهر الثامن فإن خرج فيه الولد هلك لأن من طبع زحل البرودة واليبس وإن ~~خرج في التاسع عاش إلا لعارض إذ طبع المشتري الحرارة واللين ثم كذلك، وهم ~~مجمعون على أن النجوم تنفع وتضر، لكن منهم من يقول تأثيرها على جهة الإيجاب ~~ولا قدرة لها ولا حياة وهو قول أكثرهم، ومنهم من يقول تأثيرها على جهة ~~الصحة والاختيار وهي حية قادرة عالمة وهذه دعوى لا دليل عليها. # وإذا بطل أن تكون هذه الأشياء مؤثرة لم يبق إلا أن يكون المؤثر الصانع ~~المختار وهو الله تعالى لا غيره، لأن غيره ممن كان صانعا مختارا إن قلنا ~~إنه هو الذي أحدث نفسه فباطل، إذ لابد من التمييز بين المؤثر والمؤثر ولأنه ~~يلزم أن يتقدم على نفسه لتقدم المؤثر على المؤثر وهكذا يجري في كل جسم، وإن ~~كان المحدث غيره والحال أنه غير الله فباطل أيضا لأنه لا يصح من جسم إحداث ~~جسم وإلا لصح منا إما في الحال أو بأن توجد فينا قدرة مخصوصة ومعلوم أنه لا ~~يصح منا بوجه من ms030 الوجوه، إذ لو صح منا لكان إما على جهة المباشرة أو التعدي ~~أو الاختراع والكل مستحيل، أما الأولان فلأن المباشر ما وجد في محل القدرة ~~بواسطة فعل في محلها والجسم لا يصح حلوله في جسم آخر وإلا لزم ~~التداخل،والمتعدي ما وجد في محل غير محل القدرة. PageV01P042 # وأما الثالث فمعلوم الاستحالة أيضا وإلا لم تكن جهة أولى به من جهة فيلزم ~~وجوده في جهات متعددة وفي وقت واحد ويلزم وجود الأجسام الكثيرة في جهة ~~واحدة في وقت واحد لعدم المخصص. فإن قيل: اختيار الفاعل يخصص وجوده بجهة ~~دون جهة كما في صدور الأجسام عن القديم تعالى . قلنا: قد تصدر الأفعال من ~~أحدنا وهو غير عالم بها كالساهي والنائم ولا اختيار هناك فيلزم المحال ~~المذكور ومن هنا يعرف بطلان قول المفوضة الغلاة وهم فرقة من الروافض حيث ~~يقرون بالباري ويقولون إنه فوض إلى بعض الأنبياء أمر الخلق، ومنهم من يقول ~~كل من ظهر عليه معجز أو كرامة فهو رب، وأول من ابتدع الغلو ابن سبأ وكان ~~يقول في علي عليه السلام هو الله تعالى، وبعضهم قال محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم رسول علي بن أبي طالب عليه السلام، وروي أن أمير المؤمنين عليه ~~السلام حرق جماعة منهم وتمثل في ذلك بقوله: # لما رأيت الأمر أمرا منكرا أضرمت ناري ودعوت قنبرا # وقيل أن بعضهم ازداد فيه بذلك غلوا وقال لا يحرق بالنار إلا رب النار، PageV01P043 ويعرف أيضا بطلان قول المطرفية حيث وافقونا أن للعالم صانعا مختارا هو الله ~~تعالى ولكنهم يقولون إنه تعالى صانع لأصول الأشياء وهي الماء والهواء ~~والريح لا غير والنار زادها بعضهم، واختلفوا فمنهم من قال صارت مستقلة ~~بالتأثير ولا تأثير لله فيها الآن حتى أنه لو عدم الله تعالى لاستقامت على ~~ما هي عليه، ومنهم من قال ما من طرفة عين إلا وله تعالى فيها تأثير ذلك ~~التأثير كونه المؤثر في أصلها وما أثر في الأصل فهو المؤثر في الفرع، ففي ~~عبارتهم أنه المؤثر وفي المعنى هم كالأولين. ms031 وحكي عن المطرفية القول ~~بالصانع المختار وحدوث العالم كما ذكرنا ولكنهم يقولون: إن الحوادث اليومية ~~كالنبات والمولودات والحياة والموت والآلام ونحوها حادثة من الطبائع ~~الحاصلة في الأجسام ولا تأثير للقديم فيها أصلا. وقد اشتهر عن أبي القاسم ~~البلخي من المعتزلة القول بالطبع وهو أن تركيب الإنسان وغيره من التراكيب ~~الحادثة حاصلة من تركيب الطبائع الأربع مع أن الله تعالى قادر على أن يبتدي ~~الخلقة من غير تركيب. PageV01P044 # تنبيه: # قد أورد القائلون بقدم العالم شبها ينبغي حلها ليتم المطلوب لما عرفت من ~~عظم شأن هذه المسألة. # قالوا: تعلق القدرة به حال عدمه محال. # قلنا: بل محال تعلق القدرة بالموجود، وإنما تعلق بالمعدوم لتحصيله لأن ~~المقدور لو كان حاصلا حين تعلق القدرة به لتحصيله لأغنى ذلك عن تعلق القدرة به . # قالوا: تعلقت القدرة بالحجارة للعمارة والحجارة موجودة. # قلنا: الحجارة من جملة آلة العمارة فتعلق القدرة بالعمارة إنما هو حال ~~عدمها بواسطة الآلة. قالوا: العمارة هي نفس الحجارة وإنما كانت كامنة في نفسها. # قلنا: هذا هو المحال لأن كمون الشيء في نفسه لا يعقل. PageV01P045 ### || AUTO المسألة الثانية ((أن الله تعالى قادر)) # وهي أول مسائل الصفات ، اعلم أن الصفة والحالة والمزية في الاصطلاح بمعنى ~~واحد ولها معان فتارة يعبر بها عن شيء هو الذات كما يقال قدرة الله، ويعبر ~~بها عن ثبوت الذات على شيء نحو ثبوت الحيوان على حياته، ويعبر بها عن اسم ~~لذات باعتبار تعظيم نحو قولنا أحد نريد به الله تعالى، فإنه عبارة عن ذاته ~~باعتبار كونه المنفرد بما لا يكون من الأوصاف الجليلة إلا له، وباعتبار ~~معنى نحو قولنا قائم ونريد به إنسانا فإناسم له باعتبار معنى هو القيام، ~~وبمعنى الوصف وهو عبارة عن قول الواصف كقولك زيد كريم مثلا علم ذلك ~~بالاستقراء. وقال المهدي عليه السلام: ليست إلا بمعنى الوصف فقط. قلنا: ~~يلزم أن تكون صفاته تعالى نحو كونه قادرا عبارة عن قول الواصف وذلك بين ~~البطلان. وقد فرقت الأمورية بين الصفة والحكم، فقالوا: الصفة لها معنيان ~~أعم وهو ms032 المزية التي تعلم الذات عليها وهذا ليشمل الحكم، وأخص وهو المزية ~~التي تعلم الذات عليها من دون اعتبار غير ولا ما يجري مجرى الغير فيخرج ~~الحكم فإنه المزية التي لا تعلم الذات عليها إلا باعتبار غير أو ما يجري ~~مجراه فالحكم المعلوم بين الغيرين المماثلة والمخالفة إذ هما حكمان لا ~~يعلمان إلا باعتبار غير إذ الشيء لا يماثل نفسه ولايخالفه، فلا تعقل مماثلة ~~ولا مخالفة حتى تعلم ذات أخرى، ومثال ما يعلم بين الذات وما يجري مجرى ~~الغير صحة وجود الفعل، فإنه حكم يعلم بين ذات المقدور وبين وجوده بحيث لو ~~لم يخطر بباله ذات المقدور ووجوده لم يعلم صحة وجوده. PageV01P046 # قال في الأساس: الملجي لهم إلى ذلك وصفهم لصفات الباري تعالى حيث جعلوها ~~أمورا زائدة على الذات بأنها غير، نحو العالمية غير القادرية ومثل نحو ~~العالمية زائدة على الذات مثل القادرية ومنعهم وصفها بأنها قديمة أو محدثة ~~وفروا حين إلزامهم بذلك أن الصفات لا توصف والفرق تحكم ولا مانع من دعوى أن ~~سائر ما توصف به الصفات أحكام مثلها. فإذا عرفت ذلك، فاعلم أنه يجب على ~~المكلف أن يعلم أن الله تعالى قادر وحقيقة القادر هو من يصح منه الفعل مع ~~سلامة الأحوال وهذا قول من يقر بالصانع المختار، والخلاف في ذلك مع ~~الباطنية فإنهم يقولون بأن الله لا يوصف بأنه قادر ولا لا قادر ولاشيء من ~~الصفات أصلا لا إثباتا ولا نفيا إذ لو وصف مثلا بأنه قادر كان تشبيها وإن ~~وصف بأنه غير قادر كان تعطيلا، وقد ألزمت المطرفية بأنه لا يوصف بذلك لأن ~~طريقنا إلى كونه قادرا وجود هذه الحوادث من الأجسام وغيرها منه تعالى، ~~وعندهم أنها لم تحدث من الله بل حدثت بالفطرة والتركيب. PageV01P047 # والدليل على ذلك المذهب الصحيح،أن الفعل وحقيقته هو ما وجد من جهة من كان ~~قادرا عليه قد صح منه تعالى، وليس المراد بالصحة الإمكان التي هي مقابل ~~الاستحالة وإنما المراد الصحة والاختيار الذي هو مقابل الإيجاب، فإن الصحة ~~الأولى لا تدل ms033 على القادرية، فإن المسبب يصح صدوره عن السبب والمعلول عن ~~العلة، ولا يدل على أن السبب والعلة قادران. وبيان ذلك أنه قد صح منه الفعل ~~وجوده منه فلا يخلو إما أن يكون على وجه الإيجاب أو على وجه الصحة ~~والاختيار، والأول باطل وإلا لم يكن بأن يوجد في وقت أولى من وقت فيلزم ~~وجوده في الأزل وهو محال لأنه قد ثبت حدوثه ولأنه كان يلزم أن يكون من جنس ~~واحد إذ لا مخصص لوقوعه على صفة دون صفة فثبت أنه وجد على سبيل الصحة ~~والاختيار وهذا هو معنى قولنا إن الفعل قد صح منه، هذا كلام بعض المحققين، ~~وقد ذكر في الخلاصة أن المراد بالصحة الإمكان الذي هو مقابل الاستحالة وهو ~~الذي اعتمده مؤلف الكتاب حيث قال والآخر يتعذر عليه وقد عرفت ما يرد على ~~ذلك. قال الدواري: ويمكن الاعتذار بأن يقال أن الصحة التي هي مقابلة ~~الاستحالة إذا أضيفت إلى الفعل فإنها تستدعي الصفة التي هي التخير في إيجاد ~~المقدور وذلك يدل على كون القادر قادرا فكان ذكرها يؤذن بالصحة التي هي ~~التخير وبها يستدل بخلاف الصفة الصادرة عن العلة والسبب فإنه لا يقال فيهما ~~صحة الفعل من العلة والسبب فافترقت الحال، وإذا تقرر أن الفعل قد صح منه ~~فالفعل قطعا لا يصح إلا من قادر، دليل ذلك أي كون الفعل لا يصح إلا من ~~قادر، أنا وجدنا في الشاهد ذاتين كان الأجود أن يقول حيين أو جملتين ليسقط ~~عنه مؤنة إبطال أن يكون المؤثر في صحة الفعل كونه حيا وكثير من الصفات ~~الراجعة إلى PageV01P048 الجملة أو إلى الآحاد. أحدهما إذا حاول حملا ثقيلا حمله كالصحيح السليم ~~والآخر يتعذر عليه ذلك كالمريض المدنف، فالذي صح منه الفعل يجب أن يفارق من ~~تعذر عليه ذلك، فالمفارقة معلومة بالضرورة، ويجب أن يختص القادر عليه ~~بمزية، تلك المزية هي التي عبرنا عنها بكونه قادرا، فإذا كان الله سبحانه ~~قد صح منه من الأفعال ما يتعذر على غيره ثبت أنه قادر. # فإن قيل: ms034 هذا قياس الغائب على الشاهد ومثله إنما يفيد الظن لأن علته غير قطعية. # قلنا:لا نسلم أنه قياس وإنما هو رجوع إلى كلية وهي أن من يصح منه الفعل ~~فهو قادر، وعرفنا هذه الكلية بأن الفعل لابد له من مقتضي وذلك المقتضي هو ~~الصفة التي عبرنا عنها بالقادرية، وإنما ذكرنا الشاهد على وجه التمثيل ~~والتقريب. # تنبيه: # ذهب إمام زماننا أيده الله تعالى إلى أن كون الفعل لا يصح إلا من قادر لا ~~يحتاج إلى الاستدلال بل هو أمر ضروري . # ونقول: لاشك في إثبات الصفة التي هي القادرية للقادر، ولكن اختلفوا فقيل ~~المرجع بها إلى الجملة. قال الدواري: وهو الذي عليه الزيدية وجمهور ~~المعتزلة وغيرهم، وقال أبو القاسم المرجع بكونه قادرا إلى الصحة واعتدال ~~المزاج. وقال أبو الحسين وابن الملاحمي المرجع بكونه قادرا إلى النية ~~المخصوصة في الشاهد من اللحم والدم وما يصحب ذلك من الأعصاب والرطوبة ~~واليبوسة وفي الغائب إلى ذات الباري المخصوصة. قلت: هذا هو مذهب جمهور ~~أئمتنا عليهم السلام بل إطباق قدمائهم على ذلك لأن الصفات عندهم هي الذات ~~على ما يجيء بيانه إنشاء الله ، وقد غفل الدواري في إطلاقه الرواية عن ~~الزيدية وسببه ريح الاعتزال والإعراض عن تتبع مذاهب الأئمة فالله المستعان. PageV01P049 # تنبيه: # المقدورات ثلاثة وعشرون جنسا وهي الأجسام والألوان والروائح والطعوم ~~والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والشهوة والنفرة والحياة والقدرة ~~والفناء فهذه يقدر الله على أعيانها وأجناسها ومن كل جنس على ما لا يتناهى ~~لأنه تعالى قادر بالذات ولا اختصاص لذاته بجنس دون جنس. وأما العشرة ~~الباقية وهي الأكوان والاعتمادات والتأليفات والأصوات والآلام والاعتقادات ~~والإرادات والكراهات والظنون والأفكار فهذه يقدر العباد على أعيانها ~~وأجناسها لما مكنهم الله تعالى منها، ويقدر الله على أجناسها ومن كل جنس ~~على ما لا يتناهى لما ذكر من أنه تعالى قادر بذاته فلا تنحصر مقدوراته جنسا ~~ولا عددا، وهو تعالى قادر فيما لم يزل وفيما لا يزال ولا يجوز خروجه عن هذه ~~الصفة بحال من الأحوال إذ هو يستحقها تعالى بذاته، وهذا ما ms035 يجب على المكلف ~~معرفته من مسألة قادر. ### || AUTO المسألة الثالثة ((أن الله تعالى عالم)) # أنه يجب على المكلف أن يعلم أن الله تعالى عالم، وحقيقته هو من يمكنه ~~إحكام الأشياء المتباينة وتمييز كل منها بما يميزه أو من إدراك الأشياء ~~إدراك تمييز وإن لم يقدر على فعل محكم، وقيل هو المختص لصفة لكونه عليها ~~يصح منه الفعل المحكم إذا لم يكن ثم مانع ولا ما يجري مجراه وهذا هو مذهب ~~المقرين بالصانع المختار، والخلاف في ذلك مع الباطنية تصريحا (والمطرفية ~~إلزاما) كما تقدم. PageV01P050 # والدليل على ذلك المذهب الصحيح، أن الأفعال المحكمة وحقيقة المحكم هو الفعل ~~الواقع عقيب فعل أو مع فعل على وجه لا يمكن سائر القادرين إيجاده على ذلك ~~الحد ابتداء. وحقيقة الحكمة هي كل فعل حسن له صفة زائدة على جنسه، وحقيقة ~~الإحكام إيجاد فعل عقيب فعل أو مع فعل على حد لا يمكن سائر القادرين إيجاده ~~على ذلك الحد ابتداء، والأفعال بحسب الحكمة، والإحكام تنقسم إلى أربعة ~~أقسام: محكم وحكمة نحو الخط الحسن في نفاعة مسلم،ولا محكم ولا حكمة نحو ~~الخطوط التي لا حروف فيها مفصلة إذا كان ذلك لمضرة مسلم أو نحو ذلك، ومحكم ~~دون حكمة نحو الخط الحسن الذي لا غرض فيه، وحكمة دون محكم نحو الخط الذي لا ~~تميز حروفه لنفع مسلم، ولا يوجد في أفعال الباري تعالى إلا ما فيه الحكمة ~~والإحكام أو الحكمة دون الإحكام ونحن نقطع بأن الأفعال المحكمة قد صحت منه ~~ابتداء والمراد وجودها على سبيل الصحة والاختيار كما مر. وبيان الاستدلال ~~على إرادة ذلك أن يقال قد وقع الفعل المحكم من الله تعالى فأما أن يقع على ~~جهة الإيجاب أو على جهة الاختيار، باطل وقوعه على جهة الإيجاب لأنه كان ~~يلزم وقوع العالم دفعة واحدة ولأنه يلزم من ذلك قدم العالم فإذا بطل أن ~~يكون وقوعه على جهة الإيجاب ثبت أنه على سبيل الاختيار. وذهب صاحب الخلاصة ~~إلى أن المراد بالصحة الإمكان الذي يقابل الاستحالة كما مر في مسألة ms036 قادر، ~~وتبعه المؤلف هنا أيضا وقد ألزم فيما صدر عن العلل والأسباب أن الصحة ثابتة ~~وثبوتها لا يدل على أن المؤثر فيها عالم.قال الدواري:يمكن الاعتذار بأن ~~الصحة التي ثبتت لما ذكر ليست صحة لفعل محكم، وأما صحة الفعل المحكم فهي لا ~~تصدر إلا من فاعل مختار فاستدلالنا على أن ذلك غير مستحيل يكشف PageV01P051 عن صدوره من مختار. وأخذ المصنف في إتمام تحرير الدليل فقال:والأفعال ~~المحكمة لا تصح إلا من عالم والدليل على أن الأفعال المحكمة قد صحت منه ~~ابتداء أنه أوجد العالم على سبيل الترتيب والنظام معناهما واحد وذلك ظاهر ~~في ملكوت السماوات والأرض وما بينهما مع إحالة الفكر، لأن فيه من بدائع ~~الحكمة وعجائب الصنعة ما يزيد على كل صناعة محكمة في الشاهد من بناء وكتابة ~~وغيرهما،فإنا نظرنا فوجدنا العالم موجودا على مطابقة مصلحة الخلق واتساق ~~مرافقهم ألا ترى أنه خلق المخلوقات أصنافا حيوانا وغير حيوان ونام وغير نام ~~ومائع وجامد إلى غير ذلك،ثم جعل لكل صنف أصلا،إذا أراد قاصد حصول ذلك الصنف ~~عمد إلى ذلك الأصل، بدليل أن الواحد منا إذا أراد حصول ولد عمد إلى الوطئ ~~لآدمية، وإذا أراد حصول حيوان عمد إلى ما ينتج ذلك الحيوان فإذا أراد فرسا ~~أنزى ذكور الخيل على إناثها، وإن أراد إبلا فكذلك، وإن أراد بقرا فكذلك، ~~وإن أراد صنفا من النبات عمد إلى بذره فألقاه في الأرض ثم سقاه، واطردت ~~العادات بجميع ذلك بحيث لاتختلف، هذا كما مر رفقا بنا ومطابقة لمصلحتنا، ~~حتى لو لم يكن كذلك وأراد أحدنا شيئا من ذلك لم يهتد إلى تحصيله، PageV01P052 ثم انظر إلى خلق السماء ورفعها وكونها كالسقف ثم إلى بسط الأرض ثم إلى ما ~~أعد الله فيها من النبات والأمواه الجارية المستخرجة والجبال الراسية ~~والأخاديد والآكام والشم الشوامخ ليعمد كل واحد إلى ما تميل إليه نفسه من ~~ذلك، ثم زينت السماء بالقمرين والشهب فهي كالمصابيح المضيئة، فمثل السماء ~~والأرض كمثل البيت المسقوف ومثل القمرين والنجوم كالمصابيح المعدة للاهتداء ~~بها إلى رؤية ما في ms037 البيت وغير ذلك، والواحد منا كالمالك يتصرف في بيته مع ~~الشموع المشعلة والمصابيح المضيئة. ثم انظر إلى تركيب ابن آدم وما فيه من ~~لطائف الحكمة وعظيم التدبير إذ هو العالم الصغير كما قال الحكماء وقد أكثر ~~الحكماء في الإشارة إلى بيان طرف من الحكمة في خلق ابن آدم منهم أمير ~~المؤمنين عليه السلام فقال: عجبا لابن آدم ينظر بشحم، ويتكلم بلحم، ويتنفس ~~من خرق ، ويسمع بعظم، ثم انظر إلى كون وجهه في أعلاه وهو أعظم أعضاءه هيئة ~~وجمالا، والعينان في رأس الوجه صيانة لهما من أن ينالهما ما ينال الرجلين، ~~ثم الجفنان عليهما يغطيانهما أحيانا صيانة لهما وينفتحان أحيانا بالإحساس ~~وغيره، ثم انظر إلى اللسان إذ هو لحمة تتقلب وما يتفجر منه من الكلام ~~والحكم ويبلغ صاحبه به إلى الإبانة ويكشف عن كل ما يريد وغيره من اللحم إذا ~~قلب لم يصدر منه شيء من ذلك، ثم الريق في الفم الذي لأجله يتهيأ للأكل ~~الأكل بحيث لو كثر ماء الفم أو نقص لتعذر عليه ذلك وغيره، PageV01P053 ثم انظر إلى الحكمة في جعل مقدم الأسنان حدادا مصطفة لكونها كذلك أجمل في ~~الخلقة وحدادا لتقطع ما نهشته ثم تلقيه إلى الدواخل وهي عراض مسطحة سفلا ~~وعلوا كالرحا لطحن وما يلقى فيها فإذا طحنت ألقته إلى الحلق فيزدرده ثم ~~يصير إلى البطن وازدراد ذلك إلى الحلق ثم إلى البطن بسهولة وإن كان الفم في ~~بعض الأحوال سفلا والحلق علوا لكن تجذب ذلك القوة التي دبرها قادر الذات ~~عالمها، ولو رام جسم أن يعتمد على الطعام الذي في الفم ليلقيه إلى الحلق ثم ~~إلى البطن لم يتهيأ ذلك إلا بعد مشقة شديدة وألم الأكل، ثم انظر إلى تشريح ~~أعضاء الإنسان ونفع كل عضو النفع الذي لا يقوم غيره مقامه، (ثم انظر إلى ~~مفاصل العظام التي لو لم تكن لتعذر كثير من نفع الأعضاء) ، ثم انظر إلى ~~تركيبها ملائمة للطبع فلو كان باطن الكف ذي شعر لتنغص الأكل ولم يستمر ما ~~يؤكل، ثم انظر إلى ms038 مخرج الأذى من السبيلين عند الحاجة وكيف يخرج ذلك بسهولة ~~من غير جاذب ولا دافع وفي غير حاجة الخروج محتبس من غير أن يكون ثم حابس بل ~~مخارجها على حالها لم يحصل هناك حتم ولاسد، فسبحان من رجعت العقول حسيرة عن ~~إدراك حكمته وتدبيره في أصغر مخلوقاته حجما ولو أحيلت العقول في فهم يسير ~~من ذلك لجلد ما يكثر من الكتب والإشارة تكفي اللبيب. PageV01P054 # والذي يدل على أن الأفعال المرتبة المنظومة لا تصح إلا من عالم، أنا وجدنا ~~في الشاهد قادرين اشتركا في القدرة كالكاتب بالقوة الأمي والذي يمكنه فعل ~~الكتابة لكن أحدهما يصح منه الكتابة (المرتبة المحكمة) كالكاتب أي فاعل ~~الكتابة بالإمكان والآخر يتعذر عليه ذلك كالأمي وهو الذي (يصلح أن) يكتب ~~ولا يمكنه فلا شك أن هنا مفارقة فلابد من مزية فارقة، فالذي صح منه ذلك يجب ~~أن يفارق من تعذر عليه ويختص عليه بمزية، تلك المزية هي التي عبرنا عنها ~~بكونه عالما، فإذا كان الله تعالى قد صح منه الفعل المحكم وجب أن يكون ~~عالما وفيه من السؤال والجواب ما تقدم في مسئلة قادر فثبت بهذا الدليل ~~القطعي أن الله تعالى عالم ووجب على المكلف أن يعلم أن الله تعالى عالم ~~فيما لم يزل وفيما لا يزال ولا يجوز خروجه عن هذه الصفة بحال من الأحوال ~~(وهو عالم) بما كان ويكون وبما هو كائن وما لم يكن لو كان كيف كان يكون ~~وبما كان لو لم يكن كيف كان الحال فيه فإنه عالم بجميع أعيان المعلومات على ~~جميع الوجوه التي يصح أن تعلم عليها لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في ~~السماء ولا غير ذلك . PageV01P055 # تنبيه: # ذكر إمام زماننا أيده الله تعالى أن كون الفعل المحكم لا يصح إلا من عالم ~~لا يحتاج إلى استدلال (بل هو) أمر ضروري. # ونقول: لا مرية في إثبات الصفة التي هي العالمية للعالم ولكن اختلفوا في ~~المرجع بها،فعند كثير من المعتزلة وجماعة من الزيدية أن للعالم بكونه عالما ~~صفة ms039 زائدة على ذاته ر اجعة إلى الجملة في الشاهد وإلى الحي في الغائب، وقال ~~أبو الحسين وابن الملاحمي المرجع بها إلى تبيين العالم للمعلوم وهو تعلق ~~العالم بالمعلوم ولم يثبتا صفة زائدة على التعلق للباري تعالى وللواحد منا ~~إلا أن أبا الحسين سمى هذا التعلق صفة لقلب الواحد منا، وابن الملاحمي لم ~~يجعل ذلك صفة وكلامهما هو المطابق لما عليه جمهور أئمتنا عليهم السلام ~~وقدماؤهم من كون الصفات هي الذات على مايجيء بيانه وإقامة البرهان عليه ~~إنشاء الله تعالى. PageV01P056 # تنبيه: # إذا تقرر في العقول أن الله تعالى عالم فمن جملة ما هو عالم به ما سيكون ~~وهل يحتاج في علمه به إلى ثبوته في الأزل ولا خلاف بين العلماء، فعند جمهور ~~أئمتنا عليهم السلام وقدمائهم وهو الذي مال إليه إمام زماننا أيده الله ~~تعالى أن علمه بما سيكون لا يحتاج إلى ثبوت ذلك المعلوم في الأزل بمعنى أنه ~~يعلم الأشياء وهي في العدم المحض لا ثبوت لها ولاوجود وأنه لا يجوز أن يوصف ~~بالثبوت فيما لم يزل إلا الله وحده لا شريك له والله سبحانه قادر على أن ~~يخلق خلقا بعد خلق إلى ما لا نهاية له، ولا يجوز أن توصف مقدوراته بأنها ~~ثابتة فيما لم يزل لأجل كونه سبحانه قادرا فيما لم يزل. (وقال متأخروا) ~~الزيدية كالمهدي عليهم السلام وبعض صفوة الشيعة وبعض المعتزلة: بل يجب ~~ثبوتها ليصح تعلق العلم بها، فقالوا ذوات العالم ثابتة في الأزل ولم يقولوا ~~أعيان العالم موجودة في القدم ففرقوا بين الذات والعين وبين الأزل والقدم ~~وبين الثبوت والوجود وأثبتوا لهم مذهبا متوسطا بين مذهب العترة وهو القول ~~بحدوث العالم ذاته وصفاته وبين مذهب الفلاسفة وهو القول بأن أعيان العالم ~~موجودة في القدم لأنهم عابوا مذهب العترة ومذهب الفلاسفة. PageV01P057 # والجواب: أن ذلك يستلزم الحاجة إليها وقد ثبت بما سيأتي أنه ليس بمحتاج، ثم ~~أنكم مجموعون (معنا على أن) ذوات العالم هي العالم والعالم محدث والمحدث ~~نقيض الأزل فيجب أن يستحيل الجمع بين وصف ذوات ms040 العالم بأنها محدثة وثابتة ~~فيما لم يزل، وكذلك فإنه يستحيل بإجماعهم وجود ذوات العالم فيما لم يزل، ~~فيجب أن يستحيل ثبوتها فيما لم يزل لعدم الفرق المعقول بين الثبوت ~~والوجودية ولأن الله تعالى قد أخبر في محكم كتابه بأنه الأول وثبت بأدلة ~~العقل أنه سبحانه ثابت فيما لم يزل وأنه لا أول لثبوته، فلو كانت ذوات ~~العالم كما زعموا ثابتة فيما لم يزل لم يكن ما لأول لثبوته أولى بالأولوية ~~مما لثبوته أول، ثم التعبير بالأزل بدلا عن القدم وبالثبوت بدلا عن الوجود ~~وبالذات بدلا عن العين مخالف لما عليه عرف أهل اللغة العربية من ترادف هذه ~~الألفاظ ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال الله سبحانه قديم غير أزلي ولا موجود ~~غير ثابت بل هو كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: دليله آياته، ووجوده ~~إثباته. وكل اسم مبتدع لم يدل عليه دليل فهو من الأسماء المسماة التي ما ~~أنزل الله بها من سلطان وما هذا حاله وجب رده. PageV01P058 # دليل آخر إجماعهم معنا على كون الباري تعالى صانعا للعالم فلا يخلو إما أن ~~يكون صنعه هو ذات العالم أو صفاته أو هو الذات والصفات معا. فإن قالوا: ~~صنعه هو الذات بطل قولهم بثبوتها فيما لم يزل، وإن قالوا: صنعه هو الصفة ~~التي هي الوجود وتوابعه بطل إقرارهم بأن الباري سبحانه صانع للعالم، لأن ~~ذوات العالم هي العالم بإجماعهم فإذا لم يكن صانعا للذوات بمعنى أنه جعلها ~~ذواتا فليس بصانع للعالم، وإن قالوا: أنه صانع للذوات (بمعنى أنه جعلها ~~ذواتا فليس بصانع للعالم، وإن قالوا: أنه صانع للذوات) والصفات خرجوا من ~~مذهبهم. # دليل آخر لو صح القول بثبوت ذوات مقدورات الباري سبحانه فيما لم يزل وأنه ~~لا تأثير له في كونها ذواتا أدى إلى القول بتعجيزه عن خلق العالم، والقول ~~بأنه سبحانه لا يعلم الإيجاد فيما لم يزل كما هو مذهبهم حيث يقولون أنه ~~تعالى لا تأثير له إلا في الصفة الوجودية وليست هي بصفة معلومة له فيما لم ~~يزل يؤدي ms041 إلى القول بأنه سبحانه جاهل بتأثيره قبل أن يؤثر فيه وكل قول يؤدي ~~إلى تعجيزه سبحانه وتجهيله فهو ظاهر البطلان. ومما يدل على بطلان قول ~~المخالفين إجماعهم مع العترة على إنكار قول من زعم أن أعيان العالم قديمة ~~ولا فرق بين ذلك وبين قولهم أن ذوات العالم ثابتة في الأزل بدليل أنه ما من ~~دليل يصح أن يستدل به على بطلان أن أعيان العالم قديمة إلا ويصح أن نستدل ~~به على بطلان أن ذوات العالم ثابتة في الأزل.ومما يشهد بصحة ما قلنا الكتاب ~~والسنة وأقوال الأئمة. PageV01P059 # أما الكتاب فقول الله تعالى {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا}(مريم:09)وقوله ~~تعالى{هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا}(الإنسان:01)وقوله سبحانه مذكورا من التأكيد لنفي كون المعدوم شيئا ~~مما لا يجوز لمسلم إنكاره. # وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:(كان الله ~~ولا شيء)وأنه ذكر في بعض خطبه (أن الله) سبحانه (مشيء الأشياء). # وأما أقوال الأئمة:فقول أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: الحمد ~~لله الذي دل على وجوده بخلقه وبحدوث خلقه على أزليته.وقوله: كذب العادلون ~~وخاب المفترون وخسر الواصفون بل هو الواصف لنفسه والملهم لربوبيته والمظهر ~~لآياته إذ كان ولا شيء كائن.وقوله: والذي الحدث يلحقه فالأزل بيانه.وقوله: ~~عالم إذ لا معلوم ورب إذ لا مربوب وقادر إذ لا مقدور.وقول علي بن الحسين ~~عليهما السلام في توحيده: فسبحان من ابتدع البرايا فأجادها،وأنشأها ~~فأمارها،وشيئها فأصارها. وقوله: كيف يستحق الأزل من لا يمتنع من ~~الحدث.وقوله: له جل جلاله معنى الربوبية إذ لا مربوب وحقيقة الإلاهية ولا ~~مألوه ومعنى العلم ولا معلوم. # وقول جعفر بن محمد الصادق عليهم السلام في كتاب الاهليلجة: في كل شيء أثر ~~تدبير وتركيب شاهد يدل على صنعه والدلالة على من صنعه ولم يكن شيئا. # وقول القاسم بن إبراهيم عليهم السلام في كتاب الرد على النصارى: جل جلاله ~~عن أن يصح عليه تشبيه شيء أو يناله في أزلية قديمة أو ذات أو صفة ما كانت ms042 ~~من الصفات، إذ في ذلك لو كان كذلك إشراك غيره معه في الإلاهية إذ كان شريكا ~~له في القدم والأزلية.وقوله في كتاب الرد على ابن المقفع: الأشياء ليست إلا ~~قديما أو حادثا (لا يتوهم متوهما وجها ثالثا فيها) . PageV01P060 # وقول محمد بن القاسم عليه السلام في كتاب الوصية: الحمد لله الحي القيوم ذي ~~العظمة والجلال الذي لم يزل ولا شيء غيره. # وقول الهادي إلى الحق عليه السلام في كتاب المسترشد: ولم يزل سبحانه قبل ~~كل شيء وهو المشي لكل الأشياء.وقوله: نريد بقولنا شيء إثبات الموجود ونفي ~~العدم المفقود لأن الإثبات أن نقول شيء والعدم أن لا نثبت شيء. وقول ابنه ~~المرتضي عليه السلام في كتاب الشرح والتبيين:الأشياء محدثة مجعولة، مبتدعة ~~مخلوقة، لأن الله سبحانه كان ولا شيء. # وقول الحسين بن القاسم العياني عليهما السلام في كتاب شواهد الصنع: إذا ~~كان هذا المحدث عدما قبل حدوثه فالعدم لا شيء ، ولا شيء لا يكون شيئا (بعد شيء) . # وقول الإمام أبي الفتح بن الحسين الديلمي عليه السلام في تفسيره (لقول ~~الله سبحانه) {وهو أهون عليه}: إنما بين الله تعالى للإنسان تنقل أحواله ~~حتى استكمل خلقه ليعلم نعمته عليه وحكمته فيه وأن بعثه بعد الموت أهون من ~~إنشاءه ولم يكن شيئا. PageV01P061 ### || AUTO المسألة الرابعة ((أن الله تعالى حي)) # أنه يجب على المكلف أن يعلم أن الله تعالى حي، وحقيقة الحي هو من يمكنه ~~إدراك الأشياء عند اجتماع شرائط الإدراك أو القدرة عليها مع سلامة الأحوال، ~~وحقيقة الحياة تارة يعبر بها عن الذات كقولنا حياة الباري إذ المرجع بها ~~إلى ذاته على الأصح،قال أبو الحسين والشيخ محمود: المرجع بكونه حيا إلى أنه ~~لا يستحيل أن يقدر ويعلم وتارة يعبر بها عن ثبوت الحيوان على صفة بها خالف ~~الجمادات،وحقيقة الحيوان هو الحي بحياة عند أهل علم الكلام،وأما أهل المنطق ~~فيقولون الجسم الحساس المتحرك بالإرادة.قال الدواري:والأول حذف المتحرك ~~بالإرادة من الحد إذ لا حاجة إلى ذلك.والقول بأن الله تعالى حي هو مذهب ~~جميع من أقر بالصانع المختار إلا ms043 أنه يلزم المطرفية أن لا يكون حيا والخلاف ~~في ذلك مع الباطنية.والدليل على ذلك المذهب الصحيح ما تقرر بالأدلة القطعية ~~من أنه تعالى قادر عالم جرت عادة الشيوخ أن يجمعوا بين هاتين الصفتين في ~~الاستدلال على كونه تعالى حيا وإن كانت إحداهما كافية في ذلك.وتحرير هذا ~~الدليل أن نقول قد ثبت أن الله تعالى قادر عالم،والقادر العالم لا يكون إلا ~~حيا فهذان أصلان لابد (لكل منهما) من دليل، أما الدليل على أنه تعالى قادر ~~عالم فقد تقدم في مسألة قادر ومسألة عالم، وأما الدليل على أن القادر ~~العالم لا يكون إلا حيا فلأن من المعلوم في الشاهد وجود ذاتين أحدهما يصح ~~أن يقدر ويعلم كالواحد منا والآخر يستحيل أن يقدر ويعلم مثل الميت والجماد ~~إذ هما لا يعلمان شيئا ولا يقدران عليه ضرورة، فلابد من مفارقة لولاها لما ~~صح من أحدهما ما استحال على الآخر، وقد عبر أهل اللغة عن هذه المفارقة بأن ~~سموا من صح أن يقدر ويعلم حيا دون الآخر ويرد هنا من PageV01P062 السؤال والجواب مثل ما تقدم في المسئلتين السابقتين. فإن قيل: دليلكم على ~~أن الله تعالى حي قادر عالم لا صحة أن يقدر ويعلم والمفارقة في الشاهد التي ~~لزم منها الصفة إنما هي بين من يصح أن يقدر ويعلم وبين لا يصح منه ذلك وأين ~~أحدهما من الآخر. قلنا: الصحة المذكورة هي نقيض الاستحالة، فإذا كان الله ~~تعالى قادرا عالما فقد صح أن يقدر ويعلم فلزم حصول الصفة له كما في الشاهد. # تنبيه: # قال إمام زماننا أيده الله تعالى دليل كونه حيا كونه قادرا وعالما. ~~ومعلوم بالضرورة أن الجماد لا قدرة له، فثبت بما بيناه من الدليل القطعي أن ~~الله تعالى حي ويجب على المكلف أن يعتقد ذلك له تعالى في ما لم يزل وفيما ~~لا يزال ولا يجوز خروجه عن هذه الصفة في حال من الأحوال. ### || AUTO المسألة الخامسة ((أن الله تعالى سميع بصير)) # أنه يجب على المكلف أن يعلم أن الله تعالى سميع بصير، ms044 اتفقت المعتزلة على ~~أن الله سبحانه وتعالى يوصف بأنه سميع بصير وسامع مبصر مدرك للمدركات، فأما ~~كونه سميعا بصيرا فالأكثر على أنها ليست بصفة زائدة على كونه حيا لا آفة به ~~بل المرجع بها إليه خلافا لأبي هاشم في أحد قوليه، وأما كونه سامعا مبصرا ~~فهي صفة الإدراك وهي بمعنى عالم، عند البغداذية وعند البصرية صفة زائدة ~~عليها، ومنهم من يعبر عن صفة مدرك بسامع مبصر، ومنهم من يعبر عنها بكونه ~~مدركا، قالوا وهو أعم إذ يدخل فيه المسموع والمبصر وغيرهما، ومنهم من يجمع ~~بينهما فيقال سامع مبصر مدرك للمدركات، هذا ما قيل في حكاية الخلاف. PageV01P063 # وقد ذكر في الأساس أن الخلاف في هذه المسألة أعني سميعا بصيرا بين جمهور ~~أئمتنا والبغداذية وبين بعض أئمتنا وشيعتهم والبصرية، فالأولون ذهبوا إلى ~~أنهما بمعنى عالم وأنه لا فرق بين قولنا عالم وبين قولنا سميع بصير وسامع ~~مبصر ومدرك بل الكل راجع إلى العلم، والآخرون ذهبوا إلى أنهما بمعنى حي لا ~~آفة به يوصف بهما الباري في الأزل وفرقوا بينهما وبين سامع مبصر وجعلوهما ~~صفة مدرك والباري لا يوصف بهما في الأزل بل تجددت له بعد وجود المدرك ~~والمصرح به في أقوالهم أن المراد بذلك المرجع بهما إلى ما ذكرنا لأن ذلك ~~على سبيل الماهية فإنهم عند التحديد لهما لم يخلوهما من معنى الإدراك ولهذا ~~قال في الخلاصة حقيقة السميع البصير هو المختص بصفة لكونه عليها يصح أن ~~يدرك المسموع والمبصر إذا وجد، وقوله إذا وجدا يحترز من لزوم أحد محذورين، ~~أما القول بأنه غير سميع بصير فيما لم يزل وهو خلاف ما عليه المسلمون، أو ~~القول بأن معنى سميع بصير يصح أن يسمع ويبصر في الأزل وهذه الصفة واجبة له ~~تعالى والصفة الواجبة متى صحت وجبت فيجب أن يسمع ويبصر في الأزل وأن يكون ~~هناك مسموع ومبصر وفي ذلك قدم العالم وهو غير صحيح كما تقدم، هذا ما قيل في ~~توجيه كلامه. إذا عرفت ذلك، فاعلم أنه ينبغي الاشتغال بكلام الكتاب أولا ms045 ثم ~~نذكر النزاع في صفة الإدراك وبيان المختار من الأقوال وإقامة البرهان عليه. ~~فنقول: القول بأن الله سميع بصير هو مذهب جميع المقرين بالصانع المختار إلا ~~أنه يلزم المطرفية ألا يصفوه بذلك والخلاف في ذلك مع الباطنية كما مر. ~~والدليل على ذلك المذهب الصحيح أنه تعالى حي لا آفة به. هذه المقدمة الأولى ~~وقد ينازع بأن مصنف الكتاب ممن يقول المرجع بسميع بصير إلى كونه PageV01P064 حيا لا آفة به فيكون ذلك استدلالا بالشيء على نفسه، وقد يجاب بأنه لم يذكر ~~ذلك على سبيل الاستدلال على معنى السميع البصير وإنما أورده استدلالا على ~~الوصف له تعالى بكونه سميعا بصيرا وكل من كان حيا لا آفة به فهو سميع بصير. ~~فهذان أصلان لابد من إقامة البرهان على كل منهما، أما أنه تعالى حي فقد ~~تقدم في مسألة حي، وأما أنه (تعالى) لا آفة به فلأن معنى الآفات فساد ~~الآلات وهذا هو المعقول من إطلاق اسم الآفة في الشاهد، والآلات لا تجوز إلا ~~على الأجسام والله سبحانه ليس بجسم ولا عرض، فإذا كان الله تعالى ليس بجسم ~~ولا عرض استحال أن تكون له آلة تنطرق إليها الآفة، وقلنا أنه ليس بجسم لأن ~~الأجسام محدثة كما مر والله تعالى قديم على ما يجيء بيانه إنشاء الله ~~تعالى. قال الدواري: الأولى في الاستدلال أن يقال أنه تعالى حي والآفة ~~مستحيلة عليه فيجب أن يكون سميعا بصيرا دليله الشاهد فإن الواحد منا إذا ~~كان حيا لا آفة به كان سميعا بصيرا وإن كانت الآفة جائزة عليه ففي حق ~~الباري أولى لأن الآفة مستحيلة عليه واستحالتها أقوى في زوالها من عدمها مع ~~جوازها، فثبت بذلك الدليل القطعي أن الله سميع بصير، ويجب على المكلف ~~اعتقاد أن الباري (تعالى) كذلك فيما لم يزل وفيما لا يزال، وأنه لا يجوز ~~خروجه من هذه الصفة بحال من الأحوال. # تنبيه: # كونه تعالى مدركا للمدركات يرجع إلى كونه عالما بالمعلومات فهو يدرك ~~المدركات # على حقيقتها بعلمه أي ذاته لأن علمه ذاته على ms046 ما سنقرره إنشاء الله تعالى. PageV01P065 # قال في الأساس: ولا فرق بين سميع بصير وبين سامع مبصر ومدرك في الرجوع إلى ~~العلم. وبيان ذلك أن السميع حقيقة لغوية مستعملة لمن يصح أن يدرك المسموع ~~بمعنى محله الصماخ،والبصير حقيقة كذلك لمن يصح أن يدرك المبصر بمعنى محله ~~الحدق والله ليس له كذلك فلم يبق إلا أنهما بمعنى عالم وقال تعالى{أم ~~يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون}(الزخرف:80) ~~والسر إضمار في القلب غير صوت قال تعالى{فأسرها يوسف في نفسه}(يوسف:77) وقد ~~عرفت ما حكينا عن جماعة من الفرق بين سميع بصير وبين سامع مبصر،فسميع بصير ~~بمعنى حي لا آفة به يوصف بهما الباري تعالى في الأزل،وسامع مبصر بمعنى مدرك ~~وهي صفة له متجددة بعد وجود المدركات زائدة على كونه تعالى عالما،وعلى ~~الجملة فالخلاف مبني على قاعدة وهي هل الإدراك راجع إلى الجملة أو إلى ~~الحاسة في الشاهد وإلى الذات المخصوصة في الغائب مذهب مخالفينا ~~الأول،ومذهبنا الثاني دليلنا أن الواحد منا يجد بحاسة السمع والبصر مالا ~~يجد للجبهة ولا لسائر الجملة بالضرورة لأن كل عاقل متى علم تعلق حاسته ~~بالمدرك علم كونه مدركا وإن فقد كل أمر يشار إليه مما عدا ذلك،ومتى لم يعلم ~~تعلق حاسته بالمدرك لم يعلم كونه مدركا وإن حصل كل أمر يشار إليه مما عدا ~~ذلك،فلو كان الإدراك أمرا سوى ذلك ما صحت هذه القضية فثبت أن الإدراك أمر ~~يرجع إلى الحاسة لا إلى الجملة كما يدعيه المخالف، وقولهم وهي صفة متجددة ~~يعنون غير محدثة ولا يخفى نبوه عن عرف أهل اللغة العربية إذ لا فرق بين ~~المتجدد والمحدث في كون كل واحد منهما كائنا بعد العدم وفي الحاجة إلى مكون ~~كونهما، ولا فرق بين التكوين والإيجاد والإحداث والتجديد في المعنى. PageV01P066 # قال السيد حميدان :ومن أوضح الأدلة على كون تجديد المعتزلة محالا وصفهم له ~~بأنه لا شيء ولا لا شيء مع أنهم لو جاز لهم تجويز ذلك في المسموع والمبصر ~~لجاز تجويز تجديد سائر الإدراكات التي لا تجوز ms047 إضافتها إلى الله تعالى نحو ~~إدراك لذة المشتهيات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقد أوردوا شبهة وهي أن ~~أحدنا قد يعلم مالا يدرك ويدرك مالا يعلم وحصول كل واحدة من الصفتين مع عدم ~~الأخرى دليل على التغاير بينهما،أما أنه قد يدرك ما لا يعلم فلأن أحدنا قد ~~يدرك قرص البق والبراغيث في حال نومه ولا يعلمه وكذلك يدرك الأصوات الجارية ~~بحضرته وهو لا يعلمها وكذلك الساهي فإنه قد يدرك كثيرا من المبصرات ~~والمسموعات ولا يعلمها حتى أنه ربما ينكر إدراكها،وأما أنه قد يعلم مالا ~~يدرك فذلك ظاهر كلو شاهد أحدنا الجبل العظيم ثم غمض عينيه فإنه حال التغميض ~~عالم به غير مدرك له فتم قولنا أنه قد يدرك ما لا يعلم ويعلم ما لا يدرك ~~وبهذا يعلم التغاير.قلنا: مطلوبنا الأهم الذي نحن مخاطبون به وملزمون ~~بمعرفته ما كان يتعلق بالباري من هذه الأوصاف ونحن وإن سلمنا ما ذكرتم في ~~الشاهد فلا يثبت ذلك في الغائب الذي هو المراد من العقيدة.وبيان ما قلنا ~~أنا لا ننفي إدراكه تعالى للمدركات لكنه بذاته،وأما قياسكم ففاسد لأنه ليس ~~لله من الإحساس ما يدرك به قرص البراغيث ونحوها إذ هو ليس بجسم ولا عرض على ~~ما يأتي إنشاء الله وليس بذي عينين يفتحهما ثم يغمضهما تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. فالفرق بينكم وبينه جلي إذ لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس ~~ليس كمثله شيء. PageV01P067 # ومما يشهد بصحة هذه الجملة من أقوال الأئمة قول أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) في بعض خطبه عند المشاهدة لخلقه، ومشاهدته لخلقه أن لا امتناع منه ~~سمعه الإتقان لبريته. وقول علي بن الحسين عليهما السلام في توحيده: سميع لا ~~بآلة بصير لا بأداة. وقول جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام في كتاب ~~الأهليلجة: إنما سمي تعالى سميعا بصيرا لأنه لا يخفى عليه شيء.وقول محمد بن ~~القاسم عليهما السلام في كتاب الشرح والتبيين: إنما عنى بقوله تبارك وتعالى ~~سميع بصير الدلالة لخلقه على دركهم وعلمه لأصواتهم التي إنما يعقلون دركها ~~عنه ms048 بالأسماع وأنه مدرك عالم بجميع أشخاصهم وهيئاتهم وصورهم وألوانهم ~~وصفتهم وحركاتههم التي إنما يعقلون دركها بالعيون والأبصار، إذ إدراك ~~المخلوقين للأصوات والأشخاص بالأسماع والعيون التي ربما كلت وتحيرت وأخطأت ~~وأدركت ظاهرا دون باطن وقصرت،ودرك الله سبحانه وتعالى لهذا كله درك واحد ~~محيط بما ظهر وما بطن وبما بعد وقرب وهو درك علمه الذي لا يفوته من ~~المدركات شيء.وقول الهادي إلى الحق عليه السلام في كتاب المسترشد: معنى ~~سميع هو عليم،والحجة على ذلك قول الرحمن الرحيم{أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم بلى...الآية}والسر فهو ما انطوت عليه الضمائر.وقوله (تعالى){بصير ~~بالعباد}(آل عمران:15) يريد عالم محيط بكل أمرهم،مطلع على خفي ~~سرائرهم.وقوله في كتاب الديانة: وهو السميع البصير ليس سمعه غيره ولا بصره ~~سواه ولا السمع غير البصر ولا البصر غير السمع.وقول القاسم بن علي ~~(العياني) عليهما السلام في كتاب التجريد: والله فعظيم الشأن قوي السلطان ~~لم يزل مدركا للأشياء قبل تكوينها ولا فرق بين دركه لها بعد تكوينها ودركه ~~لها قبل تكوينها. PageV01P068 ### || AUTO المسألة السادسة ((أن الله تعالى قديم)) # أنه يجب على المكلف أن يعلم أن الله تعالى قديم، (وقد) اشتملت هذه ~~المسألة على مسئلتين مسألة موجود، ومسألة قديم، إذ القدم هو الوجود في ~~الأزل ولهذا قال ومعنى القديم في اصطلاح المتكلمين هو الموجود الذي لا أول ~~لوجوده، وكان القياس تصدير المسألة بمسألة موجود،لأن القدم كيفية في ~~الوجود،والكيفية لا تعرف إلا بعد معرفة ما هي كيفية له، إلا أنه لما كان من ~~ضرورة الكلام على مسألة قديم إثبات كونه موجودا ولهذا قدم إثبات معنى قديم ~~وفيه ذكر الموجود صدر الكلام بالوصف له تعالى بأنه قديم دون ~~الموجود،والموجب للعدول تفخيم شأنه تعالى إذ وصفه بالقدم أفخم ويدخل تحته ~~الوجود. # وقد ذكر في الأساس: مسألة موجود على جهة الاستقلال واستدل عليها بأن ~~العدم لا تأثير له ضرورة.قال بعضهم اعلم أن من لم يجعل الوجود صفة زائدة ~~على ذات الموجود لا يحتاج إلى استدلال على هذه المسألة،بل إذا ثبت أن ~~للعالم صانعا فهو موجود قطعا إذ ms049 هو ذات، والذوات كلها موجودة،ولهذا من نفى ~~كون الوجود صفة زائدة لا يجعل الذوات ثابتة في حال العدم كما هو مذهب أبي ~~الحسين وابن الملاحمي والرازي وغيرهم،وقد قررنا فيما سلف أنه القول ~~الحق،ومن جعلها صفة زائدة جعل الذوات ثابتة في حال العدم فلابد من الدليل ~~حينئذ على كونه موجودا،والقول بأنه تعالى موجود هو مذهب من أقر بالصانع ~~المختار إلا أنه يلزم المطرفية عدم وصفه بذلك والخلاف في ذلك مع الباطنية. PageV01P069 # دليلنا: أنه قد ثبت أنه تعالى قادر عالم والقادر العالم لا يكون إلا موجودا ~~لأن المعدوم يستحيل أن يكون قادرا على شيء وعالما به،ألا ترى أن كثيرا من ~~الموجودات كالجمادات والأعراض يستحيل أن تكون قادرة على شيء وعالمة به مع ~~وجودها،فإذا كان كذلك فالمعدوم أولى أن لا يكون قادرا على شيء ولا ~~عالما،وقد ثبت أن الله تعالى عالم قادر فلا يكون إلا موجودا،وحقيقة القديم ~~في اللغة ما تقادم وجوده يقال بناء قديم ورسم قديم لمتقادم الوجود وحمل على ~~هذا المعنى قوله تعالى{حتى عاد كالعرجون القديم}(يس:39) والعرجون هو العذق ~~في طرفه شماريخ التمر وهو مقدار الذراع طولا فيكون عند الجذاذ ممتدا ثم إذا ~~يبس وتقادم احقوقف وصار كهيئة الهلال لتقادم وجوده على ما هو قريب العهد ~~بالجذاذ. # وفي الاصطلاح: ما قاله المصنف وإن شئت قلت هو الموجود الذي لم يسبق وجوده ~~عدم،وإن شئت قلت هو الموجود بغير موجد.قال صاحب الخلاصة: فلا يصح أن يوصف ~~بهذا الوصف على الإطلاق إلا الباري تعالى نظرا منه إلى هذه الحقيقة ~~الاصطلاحية. # وقال في الأساس:أن الوصف بقديم غير مختص بالباري لثبوت بناء قديم ورسم ~~قديم بين الأمة بلا تناكر وهذا نظر إلى اللغة،والقول بأن الله تعالى قديم ~~هو مذهبنا.والخلاف للباطنية لا يأتي هنا لأنهم يصفون العلة التي هي الباري ~~عندهم بأنها قديمة ويأتي خلاف غيرهم. PageV01P070 # والذي يدل على ما ذهبنا إليه من أنه تعالى قديم أنه لو لم يكن قديما لا أول ~~لوجوده لكان محدثا لعدم الواسطة ولو كان محدثا لاحتاج إلى محدث أحدثه قطعا ~~لما ms050 تقدم أن كل محدث يحتاج إلى محدث لأن علة الحاجة هي الحدوث وكذلك محدثه ~~يحتاج إلى أنا نتكلم فيه فنقول هو إما قديم أو محدث فإن كان محدثا تكلمنا ~~في محدثه وقلنا هو يحتاج إلى محدث ومحدثه إلى محدث فيتسلسل حينئذ إلى ما لا ~~نهاية له وذلك محال فوجب الاقتصار على قديم لا يحتاج إلى محدث وهو الله ~~سبحانه وهو المطلوب. فإن قيل:ظاهر ما ذكرتموه أنه يلزم من بطلان التسلسل ~~إثبات قدم الصانع وذلك غير مسلم، إذ قد يقال بحدوثه، ولا يتسلسل بأن ينتهي ~~المحدثون إلى قديم لا يحتاج إلى محدث.قلنا: القديم الذي ينتهي إليه ~~المحدثون هو صانع العالم وما سواه من المحدثين فهو من جملة العالم إذ هم ~~أجسام وأعراض، وفاعل العالم ليس بجسم ولا عرض فثبت بما ذكرناه من الدليل ~~القطعي أن الله تعالى قديم، ويجب على المكلف أن يعتقد أن الله تعالى موجود ~~فيما لم يزل وفيما لا يزال، ولا يجوز خروجه عن هذه الصفة بحال من الأحوال. PageV01P071 # تنبيه: # قال جمهور أئمتنا (عليهم السلام) وأبو الهذيل وأبو الحسين البصري ~~والملاحمية من المعتزلة ومن تابعهم ما تقدم من الصفات الثابتة للباري تعالى ~~بمزايا زائدة على ذاته وليست بذوات على انفرادها بل صفات راجعة إلى الذات ~~والمتفكر في أمر أو معنى زائد على ذات الباري تعالى قد ارتكب خطأ عظيما إذ ~~أثبت التعدد في القدم وتفكر في ذات الباري وفي الأثر الصحيح(من تفكر في ~~المخلوق وحد ومن تفكر في الخالق ألحد)وهو المتصف بالغلو والتجاوز لحد العقل ~~المنهي عنه في قوله تعالى{يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم}(النساء:171) ~~وفيه يقول الهادي إلى الحق عليه السلام وإلى الله أبرأ من كل معتزل غال ومن ~~جميع الفرق الشاذة ونعوذ بالله من كل مقالة غالية.ولا بد من فرقة ناجية ~~عالية وسيتضح لك من الأدلة على هذا ما ينفي عنك شبه المخالفين وتخيلاتهم ~~الباطلة،وإذا كان ذلك هو المذهب الحق لم يحتج إلى بيان كيفية استحقاق ~~الباري لصفاته هل لذاته أو لغيرها إذ لا شيء ms051 غير الذات يحتاج إلى أن يقال ~~فيه أنه مستحق لها والعجب من الدواري حيث بنى على ما بنى عليه المتأخرون من ~~إثبات المزية الزائدة وقال الخلاف في ذلك مع المطرفية فإنهم يقولون إن هذه ~~الصفات ذات الباري لا غير فكونه قادرا ذاته وكونه عالما حيا ذاته أيضا ~~وكذلك سائرها وبعض هذه الصفات هو البعض الآخر لأنه ليس عندهم إلا مجرد ~~الذات.قال وحكي عن أبي الهذيل أن علم الله هو الله وحملة العلماء على أنه ~~أراد به أنه صفة ذاتية انتهى. PageV01P072 # قلت: هذه مقالة من لم يغمس يده في علوم الأئمة،أين أنت من كلام الهادي عليه ~~السلام في كتاب الديانة وكتب المرتضى والناصر وأصحابهم بل ذلك إطباق قدماء ~~العترة كما يأتي بيانه في حكاية أقوالهم،وقولك إن العلماء حملوا كلام أبي ~~الهذيل على ما ذكرت، نقول فيه تلك ليست مقالة العلماء كما رويت وما ذكرها ~~إلا السيد مانكديم في الشرح وكان له مندوحة عن جملة كلام أبي الهذيل على ~~خلاف الظاهر وقد أبقاه الشيخ محمود بن الملاحمي والإمام المهدي عليه السلام ~~على ظاهره.وأما من جعل صفاته تعالى أمورا زائدة على ذاته فهم فريقان: # الفريق الأول: يقول بأنه يستحقها تعالى لذاته على معنى أنه لم يؤثر له ~~فيها ذات أخرى وهذا هو مذهب بعض أئمتنا المتأخرين كالمهدي عليه السلام ~~وغيره وبعض شيعتهم وأبي علي والبهشمية.قال الدواري:وهو مذهب أهل العدل ~~قاطبة وكثير من فرق الكفر. PageV01P073 # قلت:في إطلاق أهل العدل نظر.ثم اختلف هذا الفريق فالذي عليه أبو علي وأبو ~~الحسين الخياط وأبو القاسم البلخي قال الدواري: وأبو الهذيل وغيرهم أن الله ~~تعالى يستحق صفاته الأربع كونه قادرا عالما حيا موجودا لذاته من غير توسط ~~صفة بينهما وبين ذاته تعالى كسائر الصفات المستحقة للذات،فأهل هذه المقالة ~~لا يثبتون الصفة الأخص وسيجيء تحقيقها عند أهل القول بها وربما لقب هؤلاء ~~بالعلية لأنهم يقولون أن ذات الباري علة موجبة لصفاته وتأثيرها تأثير العلة ~~عندهم،وذهب أبو هاشم والقاضي وتلامذتهما وعول عليه بعض متأخري أئمتنا ~~كالمهدي عليه السلام وغيره إلى ms052 أن الله تعالى يستحقها لصفته الأخص وأنها ~~مقتضاة عنها ،وأهل هذا القول يثبتون الصفة الأخص،وقد حكى ناس من متأخري ~~أصحابنا عن القاسم القول بها وزعموا أنه صرح بذلك حيث قال لله صفة لا ~~يشاركه فيها مشارك ولا يملكها عليه مالك،قالوا: وهو أيضا قول الهادي (عليه ~~السلام) والناصر (عليه السلام) وغيرهما. # قلت:أصولهم وصرائح أقوالهم تأبى ذلك وسنلقيها إليك إنشاء الله تعالى فلا ~~يرعك ما حكاه المتأخرون، ثبتنا الله وإياك وجعلنا من متبعي كبراء آل محمد ~~صلى الله عليه وعليهم أجمعين.وحقيقة الصفة الأخص عند القائلين بها هي الصفة ~~الواجبة لله تعالى التي لا يستحقها عينا ولا جنسا ولا نوعا إلا هو، وإن شئت ~~قلت هي الصفة الواجبة المقتضية لصفات أربع ، وإن شئت قلت هي الصفات الواجبة ~~التي لا يستحق جنسها وقبيلها إلا ذات واحدة وهي ذات الله وربما لقب هؤلاء ~~بالمقتضية لقولهم بالمقتضى وهي الصفة الأخص،والفرق بينه وبين العلة أنها ~~ذات عندهم موجبة لصفة أو حكم والمقتضى ليس بذات ومن شرطهما أن لا يتقدما ~~على ما أثرا فيه وجودا بل رتبة،ومن شرط الذي أثرا فيه أن لا يتخلف ~~عنهما،وقد عرفت ما قدمنا من إبطال القول بتأثير الإيجاب. PageV01P074 # واتفق أهل القولين على أن كونه مدركا صفة مقتضاة عن كونه حيا وأن القدم ~~كيفية لوجوده تعالى والكيفية ثبوت الوجود في الأزل وأما سميع بصير فهي ~~راجعة إلى كونه حيا لا آفة به عندهم،قال الشيخ محمود: ولم يكن للمشائخ ~~المتقدمين كلام في ذلك حتى جاء الشيخ أبو هاشم.قال واعلم أن الشيخ أبا هاشم ~~وأصحابه هم المثبتون للأحوال فيثبتون لله تعالى حالة بكونه قادرا وحالة ~~بكونه عالما وحالة بكونه حيا وبكونه موجودا ومريدا وكارها،ويثبتون له تعالى ~~حالة ذاتية غير هذه الأحوال في الشاهد للحي القادر العالم المريد الكاره ~~منا،ويثبتون له تعالى حالة ذاتية غير هذه الأحوال (توجب هذه الأحوال) إلا ~~كونه مريدا أوكارها فإنهما تجبان لوجود إرادة وكراهة لا في محل، والشيخ أبو ~~القاسم وأبو علي وأصحابهما وشيوخ بغداد ينفون الأحوال وغيرهم من الشيوخ ~~المتقدمين لم ms053 يجر لهم قول في إثبات الأحوال ونفيها،قالوا والجهات التي ~~تستحق منها هذه الصفات أربع.وبيانه أن الذوات ثلاث لا رابعة لها وهي ذات ~~الباري سبحانه وذات المتحيز وذات العرض،وجهات الصفات أربع لا خامس لها ~~يستحق من جهة الذات وهي الذاتية، PageV01P075 ومن جهة الاقتضاء المقتضاة ، ومن جهة المعنى المعنوية، ومن جهة الفاعل التي ~~بالفاعل. فالباري تعالى يستحق الصفات من جهة الذات وهي الصفة الأخص ومن جهة ~~الاقتضاء وهي الصفات الخمس كونه قادرا وعالما وحيا وموجودا ومدركا، ويستحق ~~من جهة المعنى كونه مريدا وكارها، وسيأتي بطلان ما قالوا في مريد وكاره في ~~مسألة الإرادة إنشاء الله تعالى، قالوا: ولا يستحق صفة بالفاعل أصلا لأنه ~~قديم لا فاعل له، ويستحق العرض من ثلاث جهات وهي الذاتية والمقتضاة والتي ~~بالفاعل ولا يستحق صفة معنوية أصلا لأن المعنى لا يوجب المعنى لعدم ~~الاختصاص الذي هو شرط في الإيجاب، (وأما) المتحيز فيستحق من الجهات الأربع ~~أجمع من جهة الذات الجوهرية، ومن المقتضاة التحيز ومن المعنى الكائنية، ~~وغيرها ومن جهة الفاعل الوجود، قالوا: فصفات الباري تنقسم إلى قسمين جائزة ~~وواجبة، فالجائزة كونه مريدا وكارها، والواجبة على ضربين، ذاتية وهي الصفة ~~الأخص ومقتضاة وهي مقتضاة من جهتين مقتضاة عن الذاتية ومقتضاة عن المقتضاة، ~~فالأولى كونه قادرا عالما حيا وموجودا فهي مقتضاة عن الصفة الأخص،والثانية ~~كونه مدركا فإنها مقتضاة عن كونه حيا وكونه حيا مقتضاة عن الصفة الأخص. # ،، PageV01P076 قال أهل القولين: والدليل على أنه تعالى يستحق صفاته لذاته أنه قد ثبت أن ~~الله تعالى قادر عالم سميع بصير فلا يخلو إما أن يستحقها لذاته أو ~~لغيره،والغير لا يخلو إما أن يكون فاعلا أو علة،والعلة لا تخلو إما أن تكون ~~معدومة أو موجودة، والموجودة لا تخلو إما أن تكون قديمة أو محدثة،والأقسام ~~كلها باطلة سواء أنه يستحقها لذاته إما أنه لا يجوز أن يستحقها للفاعل ~~فلأنه قد ثبت أنه تعالى قديم فلا فاعل له، وأما أنه لا يجوز أنيستحقها ~~لمعان معدومة فلأن العدم مقطعة الاختصاص (والعلة لا توجب إلا لشرط ~~الاختصاص) ms054 فإذا زال الشرط زال المشروط،وأما أنه لا يجوز أن يستحقها لمعان ~~قديمة كما تقوله الأشعرية كما يأتي فلأنه لو جاز ذلك عليه لوجب في تلك ~~المعاني أن تكون أمثالا لله تعالى لمشاركتها له في القدم الذي به فارق سائر ~~المحدثات وقد ثبت أن الله تعالى لا مثل له على ما يأتي بيانه إنشاء الله ~~تعالى،ولأنه إذا ثبت أن هذه الصفات واجبة لله تعالى عندنا وعند المخالف ثم ~~لم نحتج في وجوب وجوده تعالى إلى معنى قديم وجب في سائر الصفات أن يستغني ~~في وجوب ثبوتها له سبحانه عن معان قديمة لأنه لا مخصص يقضي حاجة بعضها إلى ~~معنى قديم دون الآخر. PageV01P077 # الفريق الثاني: قالوا إن الله تعالى يستحق هذه الصفات الأربع لمعان،وهذا ~~قول أكثر المجبرة ثم افترقوا في ذات بينهم فذهبت الكلابية إلى أن الله ~~تعالى عالم بعلم لا يوصف بحدوث ولا قدم ولا وجود ولا عدم إذ هو صفة والصفة ~~عندهم لا توصف وإلا لزم التسلسل عندهم وربما لقب هؤلاء بالصفاتية لأنهم ~~أثبتوا لله صفات حاصلة عن معان ثم جعلوا تلك المعاني صفات لا توصف فرارا ~~مما يلزمهم من المحال إن وصفوها بالقدم أو الحدوث،وقولهم ظاهر البطلان ~~لتناقضه لأنهم جعلوها معاني وذوات ثم ادعوا بعد ذلك أنها صفات وبينهما فرق ~~جلي وقد وافقهم الأمورية في أن الصفات لا توصف لكنهم أبطلوا قولهم بأنهم ~~جعلوها ذوات فيلزمهم وصفها وإبطال هذا الأصل سيقرع سمعك.وقالت الأشعرية ~~والكرامية: بل الله يستحقها لمعان قديمة توجب تلك الصفات والمعاني هي العلم ~~والقدرة والحياة ونحو ذلك،وتلك المعاني قائمة بذاته لكن الأشعرية يقولون ~~أنها قائمة بذات الله لا على وجه الحلول، ويقولون أيضا أن تلك المعاني ليست ~~إياه ولا بعضه ولا غيره فرارا مما يلزمهم لو جعلوها مستقلة مغايرة لله ~~تعالى من أن يكون مع الله تعالى قدماء غيره،وفي قولهم هذا مناقضة ظاهرة ~~لأنهم قالوا ليست إياه ولا بعضه ولا غيره وهذا محال لأنه قد ثبت أن كل ~~مذكورين يجب أن يكون أحدهما غير الآخر إذا لم ms055 يكن بعضا له. PageV01P078 # وأما الكرامية: فإنهم يقولون بل تلك المعاني غيره ويصرحون أيضا بأنها قديمة ~~قائمة بذات الباري على وجه الحلول وقد ارتكبوا من المحالات كلما فر عنه من ~~قبلهم من كون الله تعالى محلا لغيره وإثبات قدماء مع الله وعلى الجملة فكلا ~~القولين باطل،لأن قدم المعاني يوجب مماثلتها للباري ويوجب تماثلها لأنه وصف ~~ذاتي، والاشتراك في صفة من صفات الذات يوجب الاشتراك في سائر صفات الذات ~~فيلزم كونها آلهة كما أنه إلاه وكون كل واحد منها قدرة علما حياة فيستغني ~~بأحدهما عن باقيها إذ قد صار كل واحد منها مثلا كجميعها سادا مسده فتوجب ~~للقديم تعالى من الصفات مثل جميع ما يوجب كل واحد منها ولأن علمه واجب ~~فتستغني عن موجب كقدمه كما تقدم.(وقال) هشام بن الحكم: أن الله تعالى عالم ~~بعلم محدث يحدثه لنفسه فيوجب له الصفة وإليه ذهب قوم من الروافض ولم يشتهر ~~عنه قول في باقي الصفات،وحكي عنه حكاية مغمورة في باقي الصفات أنه يستحقها ~~لمعان محدثة، وحكي عن جهم بن صفوان وأتباعه القول بمقالة هشام بن الحكم أنه ~~تعالى عالم بعلم محدث. قلنا:العلم كالفعل المحكم لا يوجده إلا عالم بوجوهه، ~~فإذا كان العلم لا يوجد إلا بعد علم آخر تكلمنا في ذلك العلم الآخر، فقلنا ~~هو ثابت في الأزل أو محدث فإن كان محدثا كان مسبوقا بعلم آخر وهلم جرا، ~~فأما أن تنتهي العلوم إلى علم يكون مسبوقا بالعلم الأول الذي كان الكلام ~~فيه أولا فيدور حينئذ إذ لا يحصل هذا العلم الأول إلا بعد هذه العلوم ولا ~~تحصل هذه العلوم إلا بعده لحاجة كل واحد منها إلى الآخر والدور محال لأنه ~~يلزم منه توقف الشيء على نفسه وسبقه في الوجود على نفسه وكلاهما محال، وأما ~~أن تذهب العلوم إلى غير النهاية فيتسلسل PageV01P079 والتسلسل محال.وما أدى إلى المحال فهو محال.قالت الأمورية:وإذا بطلت هذه ~~الأقوال كلها تقرر ما ذهبنا إليه من القول بأنه تعالى يستحق صفاته لذاته ~~وتعين القول بأن صفاته تعالى أمور زائدة على ذاته ms056 لا هي الله ولا هي غيره ~~ولا هي شيء ولا لا شيء،وهكذا نقول في الصفة الأخص من قال بها.قال السيد ~~حميدان (عليه السلام) : اصطلحوا على تسمية الصفات على الجملة أمورا لا ~~أشياء وثابتة لا موجودة وأزلية لا قديمة وزوائد على الذات لا أغيارا لها ~~وعلى وصفها بأنها لا شيء ولا لا شيء ولا قديمة ولا محدثة ولا موجودة ولا ~~معدومة وأنها لا تعلم مع الذات ولا منفردة وأشباه ذلك مما لم يسبقهم إلى ~~القول به موحد ولا يتبعهم إلا مقلد،وأصلوا لهم من هذا أصلا على جهة الإلجاء ~~أن الصفات لا توصف.والحاجة إلى إبطال هذه المقالة وتقرير مذاهب الأئمة ~~عليهم السلام ومن وافقهم من القول بأنها ليست بأمور زائدة على ذاته تعالى ~~بل هي ذاته داعية إلى إبطال مذهبهم على الجملة. فهو أنه مذهب حادث بغير ~~دليل معقول ولا مسموع وكل مذهب حادث فهو باطل لقول الله تعالى{قل إنما حرم ~~ربي الفواحش ما ظهر منها}إلى قوله{وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون}(الأعراف:33)وقوله تعالى{ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا ~~هدى ولا كتاب منير}(الحج:08) وقوله في مثل ذلك{إن هي إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان}(النجم:23) وقوله تعالى {إن تتبعون ~~إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون}(الأنعام:148).ولما روى الحاكم عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال:(يوشك أن ينتقل الشرك من ربع إلى ربع ومن ~~قبيلة إلى قبيلة.قيل يا رسول الله وما ذلك الشرك قال: قوم يأتون بعدكم ~~يحدون الله حدا بالصفة).،، PageV01P080 وأيضا فإن علمهم بذلك لا يخلو إما أن يكون عن التفكر في الله أو التفكر في ~~غيره أو عن التفكر لا في ذاته ولا في غيره،فإن كان عن التفكر لا في الله ~~ولا في غيره فهو تفكر لا في شيء،وإن كان عن التفكر في غير الله فالتفكر في ~~غير الله لا يؤدي إلى العلم بكيفية استحقاقه لصفات ذاته، وإن كان عن التفكر ~~فيه سبحانه فذلك باطل لتحريمه سبحانه عليهم أن يقولوا عليه ما لا ms057 يعلمون ~~وقد أخبر سبحانه أنهم لا يحيطون به علما ولقول النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(تفكروا في ألآء الله ولا تفكروا في الله).وقوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم):(تفكروا في المخلوق ولا تفكروا في الخالق). ولقول أمير المؤمنين عليه ~~السلام من فكر في الصنع وحد،ومن فكر في الصانع ألحد. وأيضا فإن أكثر ~~أقوالهم متناقضة وكل متناقض فهو باطل.مثال ذلك قولهم الصفات لا توصف ونقضهم ~~لذلك بوصفهم لبعضها بالأزل ولبعضها بالتجدد،وكذلك قولهم أنها لا تغاير ~~نقضوه بجعلهم لبعضها مقتضيا وبعضها مقتضى وكل مذكورين على هذا الوجه فإنه ~~يجب أن يكون أحدهما غير الآخر،ومن جملة المناقضة وصفهم لها بأنها لا شيء ~~ولا لاشيء وأنها زائدة على الذات وليست غيرها.والذي ألجأهم إلى القول بأن ~~الصفات لا توصف أنهم ألزموا بأن يصفوا الأمور الزائدة بالوجود والعدم ~~والحدوث والقدم،فإن قالوا معدومة فهو باطل للزوم أن يكون الباري معدوما ~~لعدم صفته الوجودية،وإن قالوا موجودة،قيل أقديمة أم محدثة؟ فإن قالوا قديمة ~~لزمهم مشاركتها للباري في القدم والإلاهية وهو باطل لما يأتي، وإن قالوا ~~محدثة لزمهم حدوث الباري بحدوث صفته الوجودية فدفعوا هذا الإلزام بأن قالوا ~~مذهبنا الصفات لا توصف لئلا يتسلسل ويقال لهم إذا تقرر في العقول،، PageV01P081 ثبوت وصف الصفة أطلق ذلك الوصف عليها وذلك وصف قطعا، وإن سكت عن وصفها فلا ~~وصف حينئذ فلا تسلسل، وأيضا ففي قولهم إثبات الفرق بين أمور لا فرق بينها ~~لا لغة ولا عرفا نحو الأمر والشيء والزائد والغير والقدم والأزل والحدوث ~~والتجدد وأشباه ذلك مما توصلوا بتحريفهم لمعانيه المعقولة إلى أن يعبروا به ~~عما لا يعقل مع كونهم غير مفوضين ولا حكماء ولا معصومين عن الدخول في زمرة ~~من ذمهم الله سبحانه على تحريفهم للكلم عن مواضعه، وأيضا فإن إثباتهم لأمور ~~متوسطة بين النفي والإثبات نحو قولهم لاشيء ولا لاشيء محال يعلم ذلك ضرورة ~~كما يعلم ضرورة أن قول من يقول زيد لا في الدار ولا في غيرها محال وأيضا ~~فإن ظاهر مذهبهم في قولهم إن صفات الله أمور زائدة على ms058 ذاته موافق لقول من ~~قال صفات الله أشياء غير ذاته وأشباه ذلك مما لا فرق بينه إلا ما جروا عليه ~~من مجرد الاصطلاح الذي لا يجوز قبوله فضلا عن أن يجب، ومما يشهد بصحة هذه ~~الجملة من أقوال الأئمة عليهم السلام قول أمير المؤمنين عليه السلام: ~~باينهم بصفته ربا كما باينوه بحدوثهم خلقا، فمن وصفه فقد شبهه ومن لم يصفه ~~فقد نفاه، ووصفه أنه سميع ولا صفة لسمعه، وقوله وكمال الإخلاص له نفي ~~الصفات عنه بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير ~~الصفة، فمن وصف الله فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه ومن ثناه فقد جزأه ومن ~~جزأه فقد جهله، (وقوله من وصفه فقد حده ومن حده فقد عده ومن عده فقد أبطل ~~أزليته) . وقول ابنه الحسن عليه السلام: في جوابه لابن الأزرق الذي حكاه ~~الحاكم في السفينة أصف إلهي بما وصف به نفسه وأعرفه بما عرف به نفسه لا ~~يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس. وقول القاسم بن إبراهيم عليه PageV01P082 السلام: في جواب مسألة الطبريين فهذه صفته (تبارك و) تعالى في الأينية ~~والذات ليست فيه جل جلاله بمختلفة ولا ذات أشتات ولو كانت فيه مختلفة لكان ~~اثنين أو أكثر في (الذكر والعدد) وإنما صفته سبحانه هو. وقول ابنه محمد ~~عليهما السلام في كتاب الأصول: وصفته لذاته هو قولنا لنفسه نريد بذلك حقيقة ~~وجوده. وقول الهادي عليه السلام في كتاب المسترشد: وليس قولنا صفتان ~~قديمتان إن مع الله سبحانه صفة يوصف بها ولا نقول أن ثم صفة وموصوفا ولا أن ~~ثم شيئا سوى الله عند ذوي العقول مجهولا ولا معروفا. وقوله في كتاب ~~الديانة: من زعم أن علمه وقدرته وسمعه وبصره صفات له لم يزل موصوفا بها قبل ~~أن يخلق وقبل أن يكون أحدا يصفه بها وقبل أن يصف هو بها نفسه وتلك الصفات ~~زعم لا يقال هي الله ولا يقال هي غيره فقد قال منكرا من القول وزورا. وقول ~~القاسم بن علي عليهم السلام في كتاب ms059 التوحيد: إن زعم زاعم أنه عالم بعلم ~~ليس هو هو ولا هو غيره لم يكن بينه وبين من زعم أنه تعالى عالم بعلم هو هو ~~وهو غيره فرق. وقول ابنه الحسين بن القاسم عليهما السلام في جوابه ليحي بن ~~مالك الصعدي: ما تفسير علم الله وقدرته إلا كتفسير وجهه ونفسه فهل يقول أحد ~~يعقل بأن له وجها كوجه الإنسان أو نفسا كأنفس ذوي الأبدان هذا ما لا يقول ~~به أحد من ذوي الألباب ولا يعتقده في الله رب الأرباب وإنما وجهه هو ذاته ~~وكذلك علمه وقدرته. PageV01P083 # وأما إبطال قول من يقول بالصفة الأخص خاصة فنقول: هي لا دليل عليها رأسا ثم ~~إن دعوى أن تأثيرها تأثير العلة من أوضح دليل على الإقرار ببطلانها إذ ~~تأثيرها في الصفات تأثير إيجاب وقد عرفت أن المؤثر مقارن للمؤثر وحينئذ فما ~~ادعاء تأثير أحدهما في الآخر بأولى من العكس، ثم إن قولكم لا هي الله ولا ~~هي غيره ولاشيء ولا لاشيء مما يدل على بطلانها إذ ذلك مناقضة ظاهرة وكل قول ~~متناقض فهو باطل، ثم القول بها لا يخلو من تفكر في ذات الباري وذلك لا يجوز ~~كما مر، ثم إن الخوض فيها تجاوز لحد العقل ومما لم يجر عليه شريعة إذ لم ~~يعرف ذلك في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولازمن الخلفاء وكل قول ~~مبتدع لا دليل عليه من عقل ولا سمع فهو باطل وأيضا لامحيص لكم من القول ~~بأنها معدومة أو موجودة، إن قلتم معدومة فذلك باطل إذ العدم لا تأثير له ~~وإن قلتم موجودة قلنا أقديمة أم محدثة؟ إن قلتم قديمة فهو باطل إذ لا قديم ~~إلا الله تعالى وإن قلتم محدثة لزمكم أن تكون صفات الباري محدثة إذ هي ~~المؤثرة فيها بزعمكم وأنتم لا تقولون بشيء من هذه اللوازم وحاشاكم فيلزمكم ~~العقول بتلاشيها، وإن قلتم لا نصفها بوجود ولا عدم ولا حدوث ولا قدم. قلنا: ~~هذا هو المحال لأن المعلوم عند العقلاء أن كل مذكورين فلا بد من ms060 اتصافه بما ~~ذكر وإلا عدوا من نفى ذلك خارجا عن قوانين العقلاء ويكفيك في بطلانه قول أن ~~يؤدي إلى ذلك، وأما دعوى كل من يدعي أن (القاسم والهادي) وغيرهما من الأئمة ~~يقولون بها فهو مردود بما حكينا من أقوالهم بلفظها وهي صريحة في أن الصفات ~~هي الذات وذلك ينافي القول بالصفة الأخص إذ بعض من يجعلها أمورا زائدة ينفي ~~الصفة الأخص كما عرفت فضلا عمن قال هي الذات وذلك PageV01P084 واضح لكل من لم يعم التعصب عين بصيرته. وأما ما ذكره القاسم عليه السلام ~~فهو يعني بتلك الصفة كونه شيئا لا كالأشياء المراد بقوله تعالى{ليس كمثله ~~شيء}(الشورى:11) يدل على ذلك أول كلامه وآخره لأنه قال في كتاب الدليل ~~الكبير وهذا الباب من خلافه سبحانه لأجزاء الأشياء كلها فيما يدرك من فروع ~~الأشياء جميعا وأصولها مما لا يوجد أبدا إلا بين الأشياء وبينه ولا يوصف ~~بها أبدا غيره سبحانه وهي الصفة التي لا يشاركه فيها مشارك ولا يملكها عليه ~~مالك ولا يعم الأشياء اختلاف عمومه ولا تصحح الألباب أبدا إلا لله معلومة ~~لأنه وإن وقع بين الأشياء ما يقع من الاختلاف فليس يوجد واقعا إلا بين ذوات ~~الأوصاف وكل واحد منها وإن خالف غيره في صفة فقد يوافقه في صفة أخرى كان ~~مما يعقل أو كان مما يلمس ويرى. وقد أوردت الجبرية أهل المعاني آيات من ~~متشابهة القرآن تعلقوا بها منها قوله تعالى {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا ~~بما شاء}(البقرة:255) وقوله تعالى{أنزله بعلمه}(النساء:166) وقوله ~~تعالى{فلنقصن عليهم بعلم}(الأعراف:07) وقوله تعالى{ذو القوة ~~المتين}(الذاريات:58) وقوله تعالى{والسماء بنيناها بأيد}(الذاريات:47) ~~والأيدي القوة. # ووجه تعلقهم بذلك أن ظاهر الآي تفيد أن لله تعالى علما وقدرة والعلم ~~والقدرة معنيان. PageV01P085 # والجواب: أن القرآن نزل خطابا للعرب على لغتهم وهم لا يعقلون ما ذكرتم من ~~المعاني وإذا لم يعقلوها لم يصح أن يخاطبهم الله تعالى بذلك ويريد منهم فهم ~~المعاني ولم يبين لهم تعالى عقيب الخطاب المعنى الذي قصد منهم فهمه إذ ذلك ~~يجري مجرى الإلغاز والتلبيس وهو تعالى منزه ms061 عن ذلك. والذي يعقله أهل اللغة ~~على ما عرف بالنقل الصحيح استعمالهم العلم بمعنى العالم مرة وبمعنى المعلوم ~~أخرى فاستعمالهم العلم بمعنى العالم كقولهم جرى هذا بعلمي أي وأنا عالم به ~~واستعمالهم له بمعنى المعلوم كقولهم هذا علم فلان أي معلومه كما نقول في ~~زماننا هذا علم أهل البيت والفقهاء أي المعلومات التي علموها، فإذا ثبت هذا ~~فمعنى قوله تعالى {أنزله بعلمه} أي وهو عالم به. ومعنى قوله {فلنقصن عليهم ~~بعلم} أي ونحن عالمون به. ومعنى قوله {ولا يحيطون بشيء من علمه} أي من ~~معلوماته، ومع الحمل على ما ذكرناه تقع المطابقة بين الأدلة العقلية ~~والسمعية وكذلك القدرة تستعمل بمعنى القادر مرة، يقول مالي بهذا الأمر قدرة ~~أي ما أنا قادر عليه. وبمعنى المقدور مرة كقولهم انظر إلى قدرة الله تعالى، ~~أي مقدوراته. فيحمل قوله تعالى{ذو القوة المتين} على القادرية وكذلك قوله ~~تعالى{والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} أي ونحن قادرون. فثبت ما ذهبنا ~~إليه وبطل ما قاله المخالف. وأورد المخالفون جميعا القائلون بأن الصفات ~~ليست هي الذات كما هو مذهبنا من الأمورية والجبرية شبهة وهي أن الصفات لو ~~(كانت ذات) الله لم يجب تكرير النظر في معرفتها إذ من عرف الذات عرفها ومن ~~عرف صفة منها عرف سائر الصفات. # والجواب: أن ذلك غير لازم إذ معرفة الباري لا تحصل إلا بتكرير النظر ~~فتكرير النظر لم يكن بعد معرفة ذات الله إذ النظر في الصفات معدود من النظر ~~في معرفة الذات فقط ، فالناظر في إثبات الصانع فقط أو في صفة أو في صفتين ~~لا معرفة له تامة بالذات أصلا. PageV01P086 ### || AUTO المسألة السابعة ((أن الله تعالى لا يشبه الأشياء)) # وهي الأولى من مسائل النفي أنه يجب على المكلف أن يعلم أن الله لا يشبه ~~الأشياء. فليس بجسم ولا عرض ولا جوهر وهذا هو مذهب العترة عليهم السلام ~~وصفوة الشيعة والمعتزلة وبقية أهل العدل وكثير من الفرق الداخلة في الإسلام ~~والخارجة عنه. والخلاف في ذلك مع طوائف منهم الحشوية فإنهم ذهبوا إلى أنه ms062 ~~تعالى جسم وله أعضاء وجوارح ولهم كلامات ضالة، قال بعضهم: أنه تعالى صفيحة ~~مصمتة ملقاة على العرش، وقال بعضهم:أنه تعالى جسم لا يحاط به لعظمته، وقال ~~بعضهم:أنه جسم على أتم ما يكون من الصور، وقال قوم من اليهود: أنه تعالى ~~على صورة آدم، وقال قوم : أنه على صورة شيخ أبيض اللحية والشعر، ومن كلام ~~المجسمة الشاهد بسخافة عقولهم وضلالهم قولهم أنه تعالى شاب أجرد أمرد قطط ~~الشعر له سبتان من ذهب، ومن كلامهم أنه تعالى ينزل يوم عرفة على بعير له ~~خفان من ذهب، ومن كلامهم أنه تعالى رمد فزارته الملائكة وهو متكي على سرير ~~كهيئة ملوك البشر مستلقيا على قفاه واضعا أحد رجليه على الأخرى وأنه خلق ~~خيلا في الجنة من زغب ذراعيه وأنه رأى نفسه في ماء ثم خلق آدم تشبيها ~~بصورته، وممن أفرط في التشبيه الهشامان هشام بن الحكم وهشام الجوالقي وقد ~~صنف هشام بن الحكم كتابا في أعضاء الرب وسماه كتاب التوحيد ومن كلامه أن ~~الله تعالى سبعة أشبار وقيل خمسة فقيل بأي شبر فقال شبر PageV01P087 نفسه فألزمه أبو الهذيل أن يكون كالذرة لأنه لا يمكن أن تكون مساحتها هذه ~~الأشبار. وقالت الثنوية: أنه تعالى نور والنور جسم، ومنهم من يقول: بأنه ~~تعالى عرض وهذا قول الصوفية وبعض الكرامية، ثم اختلفوا، فمنهم من قال أنه ~~تعالى عرض غير حال، ومنهم من قال : أنه تعالى عرض حال في الصورة ~~الحسنة،ومنهم من يقول: بأنه تعالى جوهر فبعض الفلاسفة يقول جوهر بسيط وهو ~~العلة عندهم،والنصارى تقول: أنه جوهر على الحقيقة ثلاثة أقانيم على ~~الحقيقة،وبعضهم يقول:أنه جواهر مبثوثة في كل مكان ويستشهدون لذلك بما ورد ~~في الدعاء يا من هو في كل مكان وكل مكان منه ملآن. # والدليل على ذلك المذهب الصحيح وهو القول بأن الله لا يشبه الأشياء، أنه ~~لو أشبهها لكان محدثا مثلها أو كانت قديمة مثله ولا يجوز أن يكون تعالى ~~محدثا ولا أن تكون الأشياء سواه قديمة.طول الشيخ في الاستدلال وكان يكفيه ~~أن يقول لو كان ms063 تعالى مشبها لها لكان محدثا وقد أبطلناه حيث أقمنا الدليل ~~على أنه تعالى قديم وبينا أنه لو كان جسما لما صح منه الفعل إذ لا يصح من ~~جسم إحداث جسم، وهذه الدلالة التي ذكرها الشيخ مبنية على أصلين أحدهما أنه ~~لو أشبهها لكان محدثا مثلها أو كانت قديمة مثله.والثاني أن ذلك لا يجوز. PageV01P088 # أما الأصل الأول: فالذي يدل عليه أن من حق المثلين أن يشتركا في وجوب ما ~~يجب وجواز ما يجوز واستحالة ما يستحيل فيما يكون وجوبه وجوازه واستحالته ~~راجعا إلى ذاته ذلك معلوم قطعا،ألا ترى أن الجوهر من أي الجسمين لما كانا ~~مثلين اشتركا في وجوب ما يجب لهما من التحيز والشغل للجهات وجواز ما يجوز ~~عليهما من التنقل في الأمكنة واستحالة ما يستحيل عليهما من الكون في جهتين ~~في وقت واحد وإنما وجب ذلك لكونهما مثلين ولهذا لم يجب في الجوهر والعرض ~~لما لم يكونا مثلين.فظهر أن العلة في الاشتراك التماثل فإذا كانت العلة هي ~~التماثل وجب اطرادها في جميع ما يصح أن تدعى فيه المشابهة وثبت حكمها الذي ~~هو الاشتراك # فيما ذكر وإلا عاد عليها بالنقض والإبطال، وقوله فيما كان راجعا إلى ~~الذات يحترز مما كان وجوبه وجوازه واستحالته ليس براجع إلى الذات وذلك ~~كوجوب كون الواحد منا مدركا فإن الجماد لا يشاركه في ذلك وإن كان مثلا له ~~وجواز كونه مريدا أوكارها فإن الجماد لا يشاركه في ذلك واستحالة عدم جواز ~~ذلك لما كان هذا الوجوب والجواز والاستحالة غير راجع إلى الذات، وإنما يرجع ~~جواز ذلك ووجوبه واستحالته إلى كوننا أحياء على قول في مدرك وهي ليست بصفة ~~واجبة لنا أو إلى كوننا عالمين في مدرك على قول وهو الصحيح كما مر وهي كذلك ~~فثبت بما ذكرناه الأصل الأول وهو لزوم أن يكون تعالى محدثا كالأشياء أو أن ~~تكون قديمة كالباري عند إدعاء المشابهة بينهما. PageV01P089 # وأما الأصل الثاني:وهو أن كونه تعالى محدثا كالأشياء أو هي قديمة مثله لا ~~يجوز فهو معلوم ضرورة لأن اجتماع النقيضين ms064 محال كما تقتضيه العقول، هذا فيه ~~نظر، والأولى أن يقال لا يجوز ذلك لما تقدم من كون الباري تعالى قديما وقد ~~أقمنا عليه البرهان القطعي فلا يثبت كونه محدثا كالأشياء ومن كون هذه ~~الأجسام والأعراض محدثة وقد بينا دليله القطعي فلا تثبت كونها قديمة، وإذا ~~علمنا تخالفهما في ذلك بالأدلة القطعية لم تصح دعوى المشابهة بينهما في حال ~~من الأحوال وغاية ما يعتذر به عن ذلك أن يقال إذا ثبت ما ذكرتم فلا مانع من ~~دعوى أن يقال هو قديم محدث أو هي قديمة محدثة فإن الدليل إنما دل على قدم ~~الباري وعلى حدوث العالم . # قلنا: يكون ذلك جمعا بين النقيضين لما تقرر في العقول من المناقضة بين ~~القديم والمحدث على أن الدليل الدال على القدم مانع من الحدوث والدليل ~~الدال على الحدوث مانع من القدم فتأمل. # ((فصل)) # وإذا ثبت أنه تعالى لا يشبه الأشياء لم يجب عليه ما يجب عليها، إذ ذلك من ~~شأن المختلفين من التحيز في الجهة وهي الفراغ الذي يتحيز فيه الجسم، فهي ~~أمر عدمي فهو سبحانه لا يتحيز في جهة، وشغل المكان وهو الجسم الذي يقل ~~الثقيل ويمنعه من الهوي فليس تعالى بذي مكان. PageV01P090 # والنزول والصعود يعني بذلك الانتقال في الجهات من جهة إلى جهة وهذان ~~متلازمان فكل ذي مكان فهو ذو انتقال والعكس والله تعالى لا يجوز عليه شيء ~~من ذلك، والقول بأنه ليس بذي مكان ولا انتقال هو مذهب العدلية جميعا وأكثر ~~المجبرة وقول المجسمة أنه يتمكن من الأماكن مبني على أصلهم الباطل.وقالت ~~الكلابية: من المجبرة أن الله تعالى على العرش تصديقا لما ورد به القرآن ~~لكنه بلا استقرار عملا بما دلت عليه الأدلة العقلية من نفي التجسيم،وقال ~~بعض الكرامية: أنه تعالى بجهة فوق إذ لابد له من جهة وإلا لكان نفيا، ~~قالوا: والقول بأنه لا داخل في العالم ولا خارج عنه قول ينفيه إذ من أراد ~~أن ينفي لا يزيد على هذا (وتلك هي) جهة فوق لأنها الجهة التي تنزل منها ~~الأوامر ms065 والنواهي والكتب وإرسال الرسل ومنها تنزل الرحمة والعذاب وإليها ~~يتوجه الدعاء وتطلب الحاجات ولقوله تعالى{يخافون ربهم من فوقهم}(النحل:50) ~~وقوله تعالى{وهو القاهر فوق عباده}(الأنعام:18)ونحو ذلك. PageV01P091 # قلنا: القول بأنه ذو مكان وانتقال يستلزم الجسمية لأن كل ما تمكن في ~~الأماكن أو شغل الجهات فهو متحيز وكل متحيز فهو من قبيل الأجسام، والجسمية ~~تستلزم الحدوث لما تقدم في دليل الدعاوى أن كل جسم محدث فيلزم أن يكون ~~تعالى جسما محدثا وقد بطل في حقه تعالى حيث بينا أنه قديم ثم بينا أنه ليس ~~بجسم، وأما قولهم أن القول بأنه لا داخل في العالم ولا خارج عنه نفي له ~~فغير مسلم وإنما هو نفي لأن يكون من جنس العالم،ونحن نقول كذلك،وأما كون ~~الأوامر والنواهي وإنزال الوحي ونحو ذلك من جهة فوق فلا يدل على الجهة كما ~~زعموا وإنما أجرى الله العادة بذلك لما فيه من الألطاف،إذ الأمر الذي يتوقع ~~إتيانه من فوقنا ليس كالأمر الذي يأتينا من سائر الجهات.وأما الآيات ~~الكريمة فالفوق فيها بمعني القدرة والقهر كما قال تعالى{يد الله فوق ~~أيديهم}(الفتح:10)ومعنى قوله تعالى{على العرش استوى}(طه:05) أي استولى كما ~~قال الشاعر: # قد استوى بشر على العراق من غير (سفك لدم) مهراق # فالاستواء في الآية بمعنى الاستيلاء سواء أريد بالعرش جميع الملك أو أريد ~~به الخلق العظيم المخصوص كما جاء في بعض الآثار وفيها ما يقضي بأنه حيوان ~~ودليل أنه قد يعبر به عن جميع الملك قول الشاعر: # إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم وأودت كما أودت إياد وحمير PageV01P092 وأنكر جمهور أئمتنا (عليهم السلام) ونشوان أن يكون المراد به الخلق العظيم ~~المخصوص في الآية،قالوا: والآثار (في الآيات) من روايات الحشوية ولا وثوق ~~بها وبنى الجمهور من العلماء ومتأخري الزيدية كالمهدي وغيره على خلافه، ~~وقالوا بصحة الآثار الواردة في ذلك وفيه كلام يطول ذكره يخرجنا عما نحن ~~بصدده من الاختصار،وأما رفع الأيدي إلى السماء عند الدعاء فلأنها قبلة ~~للدعاء ومنها تنزل البركات والخيرات وليس هذا يوجب كونه تعالى فيها. # تنبيه: قال الجمهور ولا يصح أن يقال ms066 أنه تعالى بكل مكان بمعنى حافظ مدبر ~~سواء أطلق القول فيه أو قيد،فقال عقيب ذلك أي حافظ مدبر،وقال أبو القاسم ~~البلخي بل يجوز مع التقييد. # قلنا:المكان حقيقة للأجسام واستعماله بذلك المعنى مجاز فلا يجوز إلا بإذن ~~سمعي ولم يرد سمع بذلك وتحقيق هذه القاعدة أن الأسماء التي لا تضمن مدحا لا ~~يجوز إطلاقها على الباري تعالى، ومن هنا نص القاسم والهادي عليهما السلام ~~على أنه لا يجوز أن يجري على الباري لفظ شيء إلا مع قيد لا كالأشياء لتفيد ~~المدح خلافا للمهدي وأبي هاشم، وما تظمن مدحا جاز إطلاقه على الباري لكن إن ~~كان حقيقة فلا يفتقر إلى إذن سمعي عند الجمهور.قال (إمام زماننا) أيده الله ~~تعالى: إلا ما سمى به نفسه من الحقائق الدينة يعني كرحمن ورحيم فتفتقر إلى ~~إذن سمعي كالمجاز، وقال المرتضى والبلخي وجمهور الأشعرية: بل الحقيقة ~~مفتقرة كالمجاز. PageV01P093 # قلنا:إذا لامتنع وصفه تعالى بما يجوز له ممن عرفه ولا تبلغه الرسل ولا مانع ~~عقلا،وكذلك لا يجوز على الباري تعالى الزيادة والنقصان وأن يكون محلا لغيره ~~وكذلك أوصاف الحي من الأجسام لا تجوز عليه تعالى كالاستراحة والغم والسرور ~~والألم واللذة هذا مذهب أهل العدل وأكثر أهل الملل الكفرية بل العقلاء، ~~وبعض النصارى تقول أنه ولد عيسى ، وبعض اليهود تقول أنه ولد عزيرا، فجعلوه ~~محلا إذ الولد يستلزم الحلول والانفصال، وقوم من الروافض جوزوا عليه البدا، ~~وقوم من المجوس جوزوا عليه الفكرة فقالوا:حدث إهرمن من فكرة يزدان الردية ~~وسيأتي قولهم.وقالت الكرامية: إن الحوادث تحل في ذاته تعالى فإذا أحدث شيئا ~~أحدث معنى حالا في ذاته وهو الإحداث صرح بذلك متكلمهم ابن الهيصم في كتاب ~~المقالات، وأبو البركات البغداذي قال: ولا يصح إثبات الإلاهية إلا ~~بذلك،وجوزت الفلاسفة عليه تعالى اللذة قالوا: إنه يتلذذ بإدراك ذاته ~~وكماله،وحكي هذا عن الغزالي وروى ابن الراوندي عن الجاحظ أنه حكي عن أبي ~~شعيب وهو من قدماء المعتزلة أنه يجوز عليه الغم والسرور والأسف والغيرة. # قلنا:قد ثبت بالدليل القطعي بطلان أن يكون تعالى جسما وإذا ms067 ثبت ذلك بطل ~~جميع ما ادعاه المخالفون، لأن ذلك الذي أثبتوه للباري من توابع الجسمية ~~والتحيز، وهو تعالى ليس بجسم ولا متحيز كما ذكرنا،وإذا بطل الأصل بطل جميع ~~ما تفرع عليه قطعا. PageV01P094 # تنبيه: # ذهبت الكرامية إلى أن الله تعالى ليس بجسم على الحقيقة ولا مماثل للأجسام ~~ولكنه جسم لا كالأجسام فليس (بجسم طويل) عريض عميق وهذه مناقضة ظاهرة لأن ~~المعقول من الجسم الطويل العريض العميق بدليل أنه لا يجوز أن يثبت بأحد ~~اللفظين وينفى بالآخر،فلا يجوز أن يقول قائل هذا جسم وليس بطويل ولا عريض ~~ولا عميق،ولا أن يقال هذا طويل عريض عميق وليس بجسم بل يعد من قال مناقضا ~~جاريا قوله مجرى قول من يقول هذا جسم وليس بجسم ولأن أهل اللغة يستعملون ~~لفظ الجسم فيما كان طويلا عريضا عميقا فيقول قائلهم الفيل أجسم من الإبل ~~لما اشتركا في الطول والعرض والعمق وزاد أحدهما على الآخر في ذلك .قال ~~الشاعر. # وأجسم من عاد جسوم رحالهم وأكثر إن عدوا عديدا من الترب PageV01P095 ولأنه لو جاز أن يسمى جسما لا كالأجسام لجاز أن يسمى إنسان لا كالناس وشابا ~~لا كالشباب وشيخا لا كالشيوخ ونحو ذلك وذلك لا يجوز لإيهام الحدوث، فكذلك ~~لا يجوز أن يسمى جسما لا كالأجسام إذ العلة واحدة. وأما الذين قالوا: بأنه ~~تعالى عرض على اختلاف أقوالهم فمذهبهم باطل أيضا،لأنه لو كان مشبها للأعراض ~~لجاز عليه ما جاز عليها من العدم والحدوث لأن ذلك شأن المثلين وهو تعالى لم ~~يجز عليه العدم والبطلان والحلول في المحال لأن ذلك من توابع الأعراض وهو ~~تعالى ليس بعرض لما قررنا أن العرض محدث وأن الله تعالى قديم والقديم لا ~~يجوز خروجه عن صفته الذاتية وهي القدم إذ ذلك لا يصح كما مر فلم يجز عليه ~~تعالى العدم والحدوث والحلول في المحال لمنافاته العرض لما ذكرنا، وأيضا ~~فإن العرض ليس بحي ولا قادر ولا فاعل وقد ثبت أنه تعالى حي قادر فاعل ولا ~~يخفاك أن الزيادة والنقصان مما لا يمتنع على الأعراض ms068 وأن الحلول في المحال ~~على عمومه لايمتنع على الأجسام فإن خص بأنه لاعلى جهة الشغل فذلك مختص ~~بالعرض وكذا العدم والبطلان مما يجري في الأجسام لا أن يقال أن الفناء تبدد ~~وتفريق لا إعدام محض كان العدم يختص بالعرض لكنه خلاف مذهب أئمتنا والجمهور ~~أن الله تعالى يفني العالم ويعدمه كذهاب المصباح والسحاب، فتخصيص PageV01P096 المؤلف لبعض الأوصاف بالجسم وبعضها بالعرض لا يخلو من تسامح. نعم قد يقال ~~إنما لم يجز عليه تعالى الفناء لأن الفناء لا يكون إلا بقدرة قادر ولا ~~تأثير لغير القادر كما مر والله ليس من جنس المقدورات فلا تعلق به القدرة. ~~وقال بعض العلية بل لأن ذاته أوجبت وجوده والذات ثابتة في الأزل وهو لا ~~يتخلف عنها كما ذلك شأن العلة، وقالت المقتضية بل لأن المقتضي أوجب وجوده ~~كما مر. # قلنا: هذا مبني على أصل وهو القول بالأمور الزائدة الموجبة عن الذات ~~بواسطة أو لا واسطة وقد تبين لك بحمد الله بطلانه، وأما الذين قالوا: (بأن ~~الله) تعالى جوهر فقولهم باطل، لأن ذلك إثبات ما لا طريق إليه، وأيضا فإن ~~الجوهر ليس بحي ولاقادر، وقد ثبت (أنه تعالى) حي قادر. وقد تعلق المخالفون ~~بآيات متشابهات وهي التي فيها ذكر الأعضاء ومن ذلك قوله تعالى{ويبقى وجه ~~ربك ذو الجلال والإكرام} وقوله تعالى{بل يداه مبسوطتان} وقول تعالى{يد الله ~~فوق أيديهم} وقوله تعالى{تجري بأعيننا}وقوله تعالى{ولتصنع على عيني} وقوله ~~تعالى{يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} وقوله تعالى{والسماوات مطويات ~~بيمينه}إلى غير ذلك وظاهرها يقتضي أنه تعالى جسم. PageV01P097 # الجواب: أن الأدلة العقلية قد دلت على أنه تعالى ليس بجسم كما مر وكذلك ~~الآيات المحكمة نحو قوله تعالى{ليس كمثله شيء} وقوله تعالى{فلا تجعلوا لله ~~أندادا} وغير ذلك مما لا يدخله احتمال، والآيات التي احتججتم بها لا تخلوا ~~إما أن تبقى على ظاهرها وفيه ثبوت مناقضة كلام الحكيم وخلاف صريح العقل ~~وذلك لا يصح من الحكيم تعالى، وإما أن تتأول وتأويلها فرع احتمالها للمعاني ~~الحقيقية والمجازية وما هو كذلك فهو من المتشابه ms069 ولابد من رده إلى المحكم ~~الذي هو أصله كما نبه الله على ذلك في قوله {منه آيات محكمات هن أم الكتاب ~~وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} فنقول تلك ~~الآيات واردة على جهة الاستعارة والتجوز، فالوجه عنى به الذات كما يقال ~~عملت هذا لوجه الله أي لله، ومنه قولهم هذا وجه الرأي أي هو الرأي، وقوله ~~تعالى{بل يداه مبسوطتان} اليد (هاهنا) بمعنى النعمة وثناها لأن المراد بذلك ~~نعمة الدين والدنيا وقيل نعمة الدنيا والآخرة،واليد في قوله تعالى{يد الله ~~فوق أيديهم} بمعنى القوة والقدرة،واليد بمعنى القدرة شائع في كلام العرب ~~قال شاعرهم: # فقالا سقاك الله والله ما بنا لما حملت منك الضلوع يدان PageV01P098 والعين في قوله تعالى{تجري بأعيننا} (وقوله){ولتصنع على عيني}بمعنى ~~العلم،من كلام العرب ما صدر منك من إحسان أو إساءة فهو على عيني.ويعني أي ~~علمي،والجنب في قوله تعالى{يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله}بمعنى الجانب ~~الذي لله وهو الطاعة،من كلام العرب الناس جنب والأمير جنب أي في جانب وهو ~~في جانب إذ حملها على ظاهرها غير صحيح عندنا وعندهم لأن التفريط في ~~المقدورات وذات الله غير مقدورة فلا تفريط فيها.ومن شبههم قوله تعالى{ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ~~ولا أكثر إلا هو معهم} ودعواهم أيضا إجماع المسلمين أن الله تعالى في كل ~~مكان وكل مكان منه ملآن. # والجواب: بأن المراد بقوله تعالى{ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم}أي ~~علمه وسلطانه فهو لذلك في حكم الحاضر بل أبلغ إذ الحاضر لا يعلم بواطنهم ~~والباري تعالى يعلم الباطن والظاهر،وكذلك قولهم في كل مكان أي قدرته ~~وسلطانه وعلمه. # نعم وأما الكلابية فأثبتوا له تعالى الأعضاء يدا وعينا وجنيا ونحو ذلك ~~وقالوا هي صفات لا جوارح على التخصيص وهو قريب من مذهب الكرامية حيث قالوا ~~إنه جسم لا كالأجسام وقد تقدم إبطاله. PageV01P099 # وأما أهل الوقف فهم الذين يقولون: نقف على معاني ما جاء في القرآن من ms070 ~~المتشابه المشعر ظاهره بالتشبيه، فإن قالوا: نقطع أنه ليس بجسم ولا ندري ~~بعد ذلك ما أراد الله بهذه الألفاظ كما روي عن داود الظاهري وغيره فهؤلاء ~~لا غير مجسمين، وإن قالوا: لا ندري ما أراد الله بها هل هي الجسمية على ~~ظاهرها أم غيرها؟ فهؤلاء حكمهم حكم المجسمين لأنهم جاهلون بالله تعالى، ~~فثبت بذلك الذي بيناه من الأدلة القطعية وقطع أقوال المخالفين بالبراهين ~~الواضحة أن الله تعالى لا يشبه الأشياء ويجب على المكلف اعتقاد ذلك له ~~تعالى فيما لم يزل وفيما لا يزال ولا يجوز خروجه عن هذه الصفة بحال من ~~الأحوال. PageV01P100 ### || AUTO المسألة الثامنة ((أن الله تعالى غني)) # أنه يجب على المكلف أن يعلم أن الله تعالى غني وهي صفة نفي إذ معناه نفي ~~الحاجة، وحقيقة الغني في اللغة: من استغنى بما في يده عما في أيدي الناس. ~~وفي الشرع:من ملك مالا تجب فيه الزكاة عند جميع أهل الشرع أومن ملك زائدا ~~علىمنزله وخادمه وثياب بدنه قدر نصاب من المال وإن لم تجب عليه فيه الزكاة ~~على ما ذكره بعض أهل البيت عليهم السلام.وأما في الاصطلاح: فهو ضربان أعم ~~وأخص، فالاصطلاح الأعم هو عرف أهل كل زمان وأهل كل جهة ولا يكاد يطلق الغني ~~في الأمصار ونحوها إلا لذي المال الكثير ولا حد للكثرة لكن يعتبر في ذلك ما ~~وقع في اصطلاح أهل كل ناحية أنه غني. والاصطلاح الأخص ما عليه المتكلمون ~~وهو أن حقيقة الغني هو الحي الذي ليس بمحتاج فيحترز بالحي عن الجماد إذ ~~الجماد لا يوصف بالغنا ولو كان غير محتاج، وقوله ليس بمحتاج لأنه لو كان ~~محتاجا لم يكن غنيا إذ خاصة الغنا عدم الحاجة وهذه الحقيقة لا محقق لها إلا ~~الله تعالى، إذ ما من حي إلا وهو محتاج غير غني مطلقا، واعتقاد أن الباري ~~جل وعلا غني (مما لا) يعلم فيه خلاف إلا ما ورد في الكتاب العزيز عن بعض ~~اليهود (وهو قوله تعالى{لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن ms071 ~~أغنياء}(آل عمران:180)ووصفوه تعالى بالبخل. قال تعالى{وقالت اليهود يد الله ~~مغلولة غلت أيديهم}(المائدة:64)) وغل اليد في وضع اللغة عبارة عن البخل ومن ~~هؤلاء اليهود رجل يقال له فنحاص (لعنه الله تعالى) . PageV01P101 # والدليل على ذلك: القول الصحيح أن الحاجة لا تجوز إلا على من جازت عليه ~~الشهوة والنفار لأن معنى الحاجة الدواعي الداعية إلى جلب نفع أو دفع ضرر ~~بدليل أنه لا يجوز أن يثبت بأحد اللفظين وينفى بالآخر، فلا يجوز أن يقال ~~أنا محتاج إلى هذا الطعام وما دعاني إليه داع ولا يقال دعاني إليه داع ولست ~~بمحتاج إليه بل يعد من قال ذلك مناقضا. فثبت أن الحاجة هي الدواعي الداعية ~~إلى جلب نفع أو دفع ضرر، والمنفعة: هي اللذة والسرور وما أدى إليهما بدليل ~~أنه لا يثبت بأحد اللفظين وينفى بالآخر فلا يجوز أن يقول قائل انتفعت بهذا ~~الفعل وما تلذذت به ولا سررت ولا العكس بل يعد (من قال ذلك) مناقضا. ~~واللذة: هي المعنى المدرك بمحل الحياة فيه مع الشهوة له، وحقيقة السرور هو ~~علم الحي أو ظنه أو اعتقاده بأن له في الفعل جلب منفعة أو دفع مضرة والذي ~~يؤدي إليهما كالطاعات فإنها وإن كانت شاقة متعبة في الحال فإنها تسمى منفعة ~~لأنها تؤدي إلى المنفعة، والشيء قد يسمى باسم ما يؤدي إليه قال الله ~~تعالى{قال أحدهما أني أراني أعصر خمرا}(يوسف:36) فسماه خمرا لما كان مؤديا ~~إلى الخمر. والمضرة هي الألم والغم وما يؤدي إليهما بدليل أنه لا يجوز أن ~~يثبت بأحد اللفظين وينفى بالآخر، فلا يجوز أن يقال تضررت بهذا الفعل وما ~~تألمت به ولا العكس بل يعد من قال ذلك مناقضا. والألم: هو المعنى المدرك ~~بمحل الحياة فيه مع النفرة عنه. والغم: هو علم الحي أو ظنه أو اعتقاده بأن ~~عليه في الفعل جلب مضرة أو فوت منفعة والذي يؤدي إليهما كالمعاصي فإنها وإن ~~كانت شهية لذيذة في الحال فإنها تسمى مضرة لما كانت تؤدي إلى المضرة وهو ~~العقاب الدائم، والشيء قد يسمى باسم ما يؤدي ms072 إليه قال تعالى{إن الذين PageV01P102 يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا (وسيصلون سعيرا) ~~}(النساء:10) فسمى ما يأكلون نارا لما كان يؤدي إلى النار. فعلم بهذا ~~التدريج ملازمة الحاجة للشهوة والنفار، وعلم أيضا ملازمة الشهوة والنفار ~~للذة والألم يعرف ذلك بتأمل الحدود التي ذكرنا فافهم أرشدك الله . فوجب ~~القطع بأن الشهوة والنفار لا تجوزان إلا على من جازت عليه اللذة والألم ~~فيلتذ بإدراك ما يشتهيه ويستر به ويتألم بإدراك ما ينفر عنه ويغتم به. ~~(واللذة والألم) لا تجوزان إلا على من جازت عليه الزيادة والنقصان لحصول ~~الزيادة باللذة والنقصان بالألم وعند النظر في حقيقة الألم واللذة لا يحتاج ~~إلى واسطة الزيادة والنقصان إذ هما لا يجوزان إلا على الأجسام وعند جعلهما ~~واسطة، يقال والزيادة والنقصان لا يجوزان إلا على من كان جسما ذلك معلوم ~~قطعا، والقصر كما أسلفنا (في المسألة التي قبل هذه) فيه نظر إذ ذلك يدخل ~~الأعراض كما لا يخفى (والله أعلم) . وهو تعالى ليس بجسم لأن الأجسام محدثة ~~وهو تعالى قديم (على ما) تقدم من بيان ذلك وإقامة الدليل عليه، وأيضا فإن ~~الشهوة والنفار عرضان ولا يكونان إلا في جسم وهو تعالى ليس بجسم، PageV01P103 وأيضا فإنه لو كان تعالى مشتهيا ونافرا لكان مشتهيا ونافرا بذاته لبطلان ~~غيرها كما مر في الصفات ولزوم أن توجد المشتهيات جميعا إذ لا اختصاص لذاته ~~لمشتهى دون مشتهى، وإذا اشتهاها أوجدها لقدرته عليها، ولو كان نافرا لذاته ~~لم يخلق شيئا من المنفرات، فلما لم يوجد المشتهيات وثبت خلقة لشيء من ~~المنفرات مع عدم المانع دل ذلك على غناه، ومن الأدلة على أنه تعالى غني أنه ~~لم يجبر من عصاه على الطاعة مع القدرة على ذلك، فثبت بذلك المذكور من ~~الأدلةالقطعية أن الله غني لا يحتاج إلى شيء أصلا لا في وجوده ولا في ذاته ~~ولا في شيء من صفاته ولا في أفعاله وتأثيراته ولا في ما يحتاج إليه الحي من ~~منافعه وشهواته، ولهذا بطل قول المعتزلة أن الصفات وجبت له تعالى ms073 وجازت ~~علينا فلابد من أمر أوجبها له إما العلة أو المقتضى وهو الصفة الأخص، ويجب ~~على المكلف اعتقاد أن الباري جل وعلا غني فيما لم يزل وفيما لا يزال ولا ~~يجوز خروجه عن هذه الصفة بحال من الأحوال. PageV01P104 ### || AUTO المسألة التاسعة ((أن الله لا يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا ~~في الآخرة)) # أنه يجب على المكلف أن يعلم أن الله لا يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة وهذا هو مذهب العدلية جميعا والنجارية من المجبرة والخوارج والمرجئة ~~وأكثر الفرق الخارجة عن الإسلام، قالوا لا يصح أن يرى نفسه ولا يصح أن يراه ~~غيره، فعلى هذا كان اللائق بالعبارة، والله تعالى لا تجوز عليه الرؤية ~~لشموله دون الأولى واشتهرت المسألة بنفي الرؤية وفيها وقع الخلاف وإلا ~~فالمراد أنه لا يجوز أن يدرك بشيء من الحواس. والخلاف في ذلك مع الحشوية ~~والمجبرة على طبقاتها إلا النجارية ثم اختلفوا في ذات بينهم فمنهم من قال: ~~يصح أن يرى نفسه ولا يراه غيره حكاه الرازي عن بعضهم وقد روي هذا عن أبي ~~القاسم البلخي وهو غير مشهور عنه، ومنهم من قال: يراه غيره أيضا وعليه ~~أكثرهم ثم اختلفوا فقيل يراه الكل من المؤمنين والعصاة وهو مذهب الحشوية ~~وبه قال محمد بن اسحاق بن خزيمة وفرقة تسمى السالمية، وقالت المجبرة: يراه ~~البعض وهم المؤمنون دون الكفار والمستحقين للعقوبة وذلك لأن الرؤية عندهم ~~ثواب والثواب لا يستحقه إلا المؤمنون، ثم من القائلين بالرؤية من قال يرى ~~في الدنيا والآخرة وهذا القول للحشوية قال بعضهم: تجوز رؤيته في الدنيا ~~وملامسته ومصافحته، وقال قوم: الناس كلهم يرون الله تعالى إلا أنهم لا ~~يعرفونه، وقالت المجبرة: لا يجوز أن يرى إلا في الآخرة بناء منهم على أن ~~الرؤية ثواب كما مر، ثم منهم من قال: يرى في جهة على حد رؤية الأجسام وهو ~~قول المجسمة (بناء على) أنه جسم وقد أبطلناه، وقالت المجبرة: يرى لا في جهة ~~بل يرى في الآخرة بلى كيف، والأشعرية قالوا: (يرى بهذه ms074 الحاسة) بخلق معنى ~~وهو الإدراك، وروي عن الأشعرية رواية مغمورة أنه تعالى PageV01P105 يدرك بجميع الحواس، قال أصحابنا هذه رواية غير معقولة، قال الرازي: مراد ~~أصحابنا يعني الأشعرية لأنه أشعري بالرؤية أن يحصل لنا انكشاف تام بالنسبة ~~إلى ذاته المخصوصة سبحانه وتعالى يجري مجرى الانكشاف الحاصل عند إبصار ~~الألوان وهذا الانكشاف لا يقتضي أن يكون المكشوف حاصلا في جهة، وقال في ~~موضع آخر ربما عاد الخلاف بين أصحابنا وبين المعتزلة إلى العبارة في هذه ~~المسألة يعني أن هذا الانكشاف الذي يسمونه رؤية بالحاسة هو الذي تسميه ~~المعتزلة علما ضروريا لكن المشهور أن الخلاف بين الفريقين معنوي، وقال ضرار ~~بن عمرو: أنه تعالى يرى في الآخرة بحاسة سادسة لما رأى أن إدراكه تعالى ~~بإحدى هذه الحواس محال وقوله هذا لا يعقل إذ الرؤية اسم للإدراك بهذه ~~الحاسة ومما يلزمه هو والأشعرية جميعا صحة أن يكون الله تعالى مطعوما ~~وملموسا ومسموعا ومشموما إما على جهة غير ما نعقله في الشاهد كما قالته ~~الأشعرية في الرؤية أو بحواس أخر كما قاله ضرار فيها وكل ذلك معلوم ~~الاستحالة. # والدليل على ذلك المذهب الصحيح وهو القول بأن الله تعالى لا يرى أبدا أنه ~~لو كان يرى في حال من الأحوال لوجب أن نراه الآن. اعلم أن أصحابنا يستدلون ~~على نفي رؤية الباري من العقل بدليلين دليل الموانع ودليل المقابلة ~~واختلفوا في ترجيح أيهما، فقال القاضي عبدالجبار وغيره هما مستويان في ~~إفادة المطلوب ورجح أبو هاشم وابن الملاحمي والمهدي دليل الموانع واعتمده ~~الشيخ في الكتاب ورجح أبو علي دليل المقابلة وبه قال السيد المؤيد بالله. PageV01P106 # وتحرير دليل الموانع: أن يقال لو كان الباري تعالى يرى في حال من الأحوال ~~لرأيناه الآن لوجود شرائط الإدراك الثلاثة للمرئيات وهي سلامة الحاسة ~~وارتفاع الموانع ووجود المدرك. وذلك لأن من المعلوم قطعا أن الحواس سليمة ~~بدليل أن المدركات يدرك بها ولو كانت سقيمة لم تدرك بها، والحواس خمس حاسة ~~السمع والبصر والشم والذوق واللمس، فحقيقة حاسة السمع هي ما أدرك بها ms075 ~~الأصوات، وحقيقة حاسة البصر هي ما أدرك بها المتحيزات والألوان، وحقيقة ~~حاسة الشم هي ما أدرك بها الروائح، وحقيقة حاسة الذوق هي ما أدرك بها ~~المطعوم ، وحقيقة حاسة اللمس هي ما أدرك بها الحرارة والبرودة هذا على كلام ~~بعضهم، ومنهم من قال اللمس ليس بحاسة لأن للحاسة شرطين أحدهما أن يدرك بها ~~ما لا يدرك بغيرها من الحواس، والثاني أن يكون في حكم الغير لصاحبها بمعنى ~~يدرك بها. وحاسة اللمس ليست كذلك بل جسد الحيوان جميعه يلمس به وليس هو في ~~حكم الغير، والموانع مرتفعة وهي ثمانية البعد والقرب المفرطان والرقة ~~واللطافة والحجاب الكثيف وكون المرئي في خلاف جهة # الرائي وكون محله في بعض هذه الأوصاف وعدم الضياء المناسب للعين ، فمثال ~~البعد المفرط الإنسان الذي يكون على بعد منا نحو بريد أو شبهه، والقرب ~~المفرط كالميل في العين ونحو ذلك، والرقة كأجسام الملائكة والجن، واللطافة ~~كالجوهر الفرد في اصطلاح المعتزلة، والحجاب الكثيف كالجدار والجبل وما يجري ~~مجرى ذلك مما يحول بيننا وبين المرئي، PageV01P107 وقولنا الكثيف احتراز عن الحجاب الرقيق كالزجاج ونحوه وكون المرئي في خلاف ~~جهة الرائي وذلك نحو أن يكون المرئي خلف الرائي وكون محله في بعض هذه ~~الأوصاف هذا مانع من رؤية اللون تبعا لمحله والموانع المتقدمة مانعة من ~~رؤية المتحيزات وهذا يمنع من رؤية اللون فقط، وعدم الضياء يمنع من رؤية ~~الجميع، ومثال عدم الضياء أن يفتح الإنسان جفنه في موضع مظلم فإنه لا يرى ~~لما لم يكن هناك ضوء في الهواء يعين ضوء العين على الرؤية. فقد عرفت أن هذه ~~الموانع لا تمنع إلا من رؤية الأجسام والألوان والله تعالى ليس بجسم ولا ~~لون كما بينا فيما سلف وأقمنا عليه البرهان، ولا يصح ادعاء أن هناك مانعا ~~سواه إذ لو جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون بين أيدينا أجسام عظيمة ولا نراها ~~لذلك المانع فترتفع الثقة بالمشاهدات ونجوز خلاف ما نعلمه ضرورة فكان يجوز ~~أن يكون أحدنا على جناح نسر أو في لجة بحر ونحن لا نرى ms076 الجناح ولا النسر ~~ولا البحر لمانع غير هذه، وهو تعالى موجود كما تقدم الكلام عليه وهذه ~~الأمور الثلاثة هي الشروط التي تصح معها الرؤية للمرئيات، فلما لم نره ~~تعالى مع وجودها علمنا أنه لا يرى، ودليل أنها شروط الرؤية للمرئي، أنها ~~متى اجتمعت رأينا ما تصح رؤيته ومتى عدمت أو بعضها لم نره، وليس هناك أمر ~~تعلق به الرؤية سوى مجموع هذه الشرائط إذ لو PageV01P108 كان ثم أمر لصح اجتماعها ولا نرى الواحد منا بأن لا يحصل ذلك الأمر أو يصح ~~أن يرى وإن لم تجتمع هذه الأمور بأن يحصل ذلك الأمر. وقد علمنا خلاف ذلك ~~فصح أن هذه الشرائط التي معها ترى المرئيات، ومتى قيل هي موجودة فيقال بأنه ~~يرى. وقولكم لم نره الآن دعوى تحتاج إلى دليل. # قلنا: الذي يدل عليه أنا لا نراه الآن، أنا لو رأيناه الآن لكان معلوما ~~لنا بطريق المشاهدة ومعلوم ضرورة أنا لا نشاهده الآن إذ لو شاهدناه الآن ~~لما اختلفت العقلاء فيه فهذا دليل الموانع. # وأما دليل المقابلة: فتحريره أن يقال الواحد منا إنما يرى بالشعاع ~~والرآئي بالشعاع إنما يرى ما كان متحيزا أو مختصا بجهة يتصل بها الشعاع ~~(فلو صحت رؤيته لكان متحيزا أو لاختص بجهة يختص بها الشعاع) وذلك باطل في ~~حقه تعالى كما مر في نفي التجسيم. # فإن قيل إن هذين الدليلين العقليين إنما يدلان على أنا لا نراه تعالى ~~وأما أنه لا يرى نفسه فلا دليل فيهما على ذلك. PageV01P109 # قلنا: إن الأمة قد افترقت على قولين، فرقة قالت: أنه لا يرى نفسه ولا يراه ~~غيره ، وفرقة قالت يرى نفسه (ولا يراه) غيره، فالقول بأنه يرى نفسه ولا ~~يراه غيره قول ثالث رافع للقولين السابقين فيكون خرقا للإجماع، وأما ما روي ~~أن بعضهم قال به فهي حكاية شاذة على أن الإجماع منعقد قبل ذلك القائل وبعده ~~فلا اعتداد بخلافه، فثبت بذلك المذكور من دليل العقل القطعي أن الله تعالى ~~لا يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة وبطل ms077 ما قاله المخالفون جميعا ~~وقد جاء السمع مؤكدا لما دل عليه العقل من نفي الرؤية قال تعالى{لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}(الأنعام:103) فنفى سبحانه أن ~~يدرك بالبصر مطلقا في كل وقت وكل بصر لأن الفعل وقع في سياق النفي المطلق ~~والأبصار جمع معرف باللام فكل ذلك يوجب الاستغراق. وقد اعترض الرازي على ~~الاستدلال بالآية الكريمة فقال: إما أن تحملوا الأبصار على حقيقتها أو ~~تجعلوها بمعنى المبصرين، إن قلتم الأول لم يصح لكم الاستدلال لأنا لا نقول ~~إن الأبصار هي المدركة له تعالى وإنما يدركه المبصرون، وإن قلتم بالثاني ~~لزمكم في قوله تعالى{وهو يدرك الأبصار} أن يكون معناه وهو يدرك المبصرين ~~وهو تعالى يبصر ويدرك نفسه وكل من قال بأنه يدرك نفسه قال بأنه يدركه غيره. # الجواب: أنا لا نحمل الأبصار على حقيقتها إذ لا مدح حينئذ، ولا على أن ~~المراد بها المبصرون مطلقا إذ لا دليل فيها على ذلك بل على المبصرين ~~بالأبصار فيكون معناه لا يدركه أهل الأبصار وهو يدرك أهل الأبصار والقديم ~~تعالى ليس من أهل الأبصار فاندفع الإشكال. PageV01P110 # غاية ما يلزم أنه لا يكون في الآية دليل على نفي إدراكه لنفسه صريحا وإنما ~~نفى أن يدركه أهل الأبصار فقط لكنه يلزم من ذلك نفي إدراكه لنفسه لأن كل من ~~قال أنه لا يدركه غيره قال بأنه لا يدرك نفسه. ومما يدل على ما ذهبنا إليه ~~أيضا قوله تعالى حكاية عن موسى (عليه السلام) {رب أرني أنظر إليك قال لن ~~تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني}(الأعراف:143) فإنه ~~نفى الرؤية والنفي بلن يقتضي التأبيد وأيضا فإنه علق الرؤية بشرط مستحيل ~~وهو استقرار الجبل ومعلوم أن الجبل قد تدكدك ولم يستقر فكأنه علق الرؤية ~~باستقراره وقت تدكدكه وهو محال وما علق بالمحال كان محالا، وأما سؤال موسى ~~عليه السلام فلم يكن لنفسه فإنه أعلم الناس بالله وبصفاته وإنما سؤاله ~~لقومه لكي يحصل لهم من الأدلة السمعية ما يعلمون به أنه تعالى لا تصح ms078 رؤيته ~~وإنما نسبها إلى نفسه ليكون ذلك أبلغ في الدلالة (على أنه) تعالى لا يرى ~~وتوبته إنما كانت عن سؤاله بحضرتهم ولم يكن للنبي (صلى الله عليه وسلم) أن ~~يفعل ذلك قبل الاستأذان. PageV01P111 # ويدل على ما ذهبنا إليه من السنة: ما روي بالإسناد الموثوق به إلى جابر بن ~~عبدالله الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(إنكم لن تروا الله في الدنيا ولا في الآخرة) وروي عن عائشة أنها سئلت ~~هل رأى محمد ربه؟ فقالت: يا هذا لقد قف شعري مما قلت، ثلاثا من زعم أن ~~محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله عز وجل إلى غير ذلك. احتجت ~~الأشعرية وضرار بقوله تعالى {وجوه يومئذ ناضره إلى ربها ~~ناظره}(القيامة:22،23) والمراد بالأول مشرقة من النضارة وهي الحسن ~~وبالثانية رائية. وقوله تعالى{للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}(يونس:26) ~~والزيادة هي الرؤية على ما جاء في بعض الأحاديث. وقوله تعالى{كلا إنهم عن ~~ربهم يومئذ لمحجوبون}(المطففين:15) والمراد بها الكفار فمفهومها أن ~~المؤمنين غير محجوبين وهو معنى الرؤية، وفي الحديث(سترون ربكم يوم القيامة ~~كالقمر ليلة البدر) وفي بعض الأخبار(لا تضامون في رؤيته) بتشديد الميم ~~وتخفيفها قالوا وهذا الخبر مما تلقته الأمة بالقبول. # والجواب: أنا قد بينا بالأدلة القطعية التي لا يدخلها التشكيك والاحتمال ~~أن الباري PageV01P112 لا تصح رؤيته في حال من الأحوال وما استدللتم به مما يدخله الاحتمال قطعا ~~وذلك هو المتشابه الذي يجب رده إلى المحكم واعتمادكم على المتشابه دليل على ~~حصول الزيغ في قلوبكم مع أنكم أيها المجبرة تعتقدون أن الله سبحانه (وتعالى ~~يفعل) ما يشاء من فنون القبائح وهي غير قبيحة منه لأنه غير مربوب ولا منهي ~~فلا تأمنوا أن تكون هذه الآيات التي هي شبهة لكم كذبا اخترعه تعالى وليس ~~بقبيح منه فاستدلالكم بالسمع الذي لا طريق له سواه بزعمكم مبني على قاعدة ~~منهارة وهي عدم القول بالعدل والحكمة ونحن نريكم كيفية رد حججكم إلى الأدلة ~~القطعية. # فنقول: معنى قوله تعالى{إلى ربها ناظره}أي منتظرة لثوابه إذ الانتظار أحد ms079 ~~معاني النظر كما مر وهذا التأويل يروى عن علي عليه السلام وعن مجاهد وأبي ~~صالح والحسن البصري وغيرهم وقد جاء الانتظار متعديا بإلى في صحيح الكلام ~~كقول حسان:- # وجوه يوم بدر ناظرات إلى الرحمن يأتي بالخلاص PageV01P113 وأيضا فإن من معاني النظر الحقيقية تقليب الحدقة اتفاقا بيننا وبينكم فإذا ~~أمكن الحمل عليه فهو الأولى والمحققون منكم حملوه هنا على الرؤية لا تقليب ~~الحدقة وقد أمكن حمله على الحقيقة لكن على تقدير مضاف محذوف إلى ثواب ربها ~~ناظرة وحذف المضاف كثير في القرآن وغيره نحو((واسأل القرية)) وهذا التأويل ~~مروي عن (أمير المؤمنين) علي عليه السلام أيضا وعن ابن عباس والسدي ومجاهد ~~وعكرمة وغيرهم سلمنا فهي ظنية لحصول هذه الاحتمالات، وما نحن فيه يحتاج إلى ~~قطعي، ومعنى الزيادة في قوله تعالى{للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}غرفة في ~~الجنة لها أربعة أبواب وتلك الغرفة من لؤلؤة كما قد روي وهو المناسب، لأن ~~الزيادة تجب أن تكون من جنس المزيد عليه والرؤية ليست جنسا للحسنى، ولهذا ~~نقول شريت كذا حريرا وقطنا وزيادة يعني على ذلك العدد من ذلك الجنس فإن ~~أراد غيره قال وشيء آخر، وأما قوله تعالى{إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبين}فمعناه محجوبين عن رحمة الله وثوابه والمؤمنون غير محجوبين عن ذلك ~~وأيضا فدلالتها على ما ادعيتم من باب المفهوم وهو منازع في الأخذ به في ~~فروع الفقه فضلا عن أصول الدين. ومن شبههم قوله تعالى{تحيتهم يوم يلقونه ~~سلام}(الأحزاب:44) واللقاء الرؤية ولا دليل على ذلك لأنك تقول رأيت فلان ~~وما لقيته، ونقول لقي الضرير الأمير وما رآه، فيكون المعنى يوم يلقون ثوابه ~~وملائكته كما حكى الله تعالى في قوله{والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ~~سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}(الرعد:23،24) وأما قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم(سترون ربكم يوم القيامة...الخبر) فنقول هذا الخبر مقدوح في ~~روايته لأنه مسند إلى قيس بن أبي حازم وقيس يرويه عن جرير بن عبدالله البجلي PageV01P114 وكلاهما مطعون في دينه، أما جرير فيروى أنه كان يخون أمير المؤمنين (علي) ~~عليه السلام ويكتب بأسراره ms080 إلى معاوية وقال ليس علي من أوليائي إنما وليي ~~الله ورسوله وصالح المؤمنين ثم لحق بمعاوية بعد ذلك. وأما قيس فيروى أنه ~~كان يرى رأي الخوارج ويقول دخل بغض علي في قلبي، ومن دخل بغض علي في قلبه ~~فأقل منازله أن تطرح رواياته لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يبغضك إلا ~~منافق) وقد قيل أنه مختل الضبط لأنه خولط في عقله في آخر مدته، يروى أنه ~~كان محبوسا فكان يقرع الباب بيده فإذا صوت الباب ضحك، وقيل أنه كان يسأل ~~الدراهم ليشتري بها عصيا ليضرب بها الكلاب ولعله روى هذا الخبر في هذه ~~الحال. وإن سلمنا صحته قلنا: أنه ظني لا يصلح حجة فيما نحن فيه ولا يقوى ~~على معارضة الأدلة القطعية التي تقدمت مع أنه يحتمل التأويل بأن يقال معناه ~~ستعلمون لأن الرؤية قد تكون بمعنى العلم كما قال تعالى{ألم تر إلى ربك كيف ~~مد الظل}(الفرقان:45) وقال تعالى{أولم ير الإنسان أنا خلقناه من ~~نطفة}(يس:77) وقال الشاعر: # رأيت الله إذ سمى نزارا وأسكنهم بمكة قاطنين # ولم يتعد إلى مفعولين لأنه بمعنى المعرفة فيكون معنى الحديث ستعرفون ~~ربكم، فثبت ما قلناه واندفعت شبهة المخالفين. PageV01P115 ### || AUTO المسألة العاشرة ((أن الله تعالى واحد)) # أنه يجب على المكلف أن يعلم أن الله تعالى واحد. الواحد في أصل اللغة ~~يستعمل بمعنى واحد العدد يقال واحد اثنان. قال الدواري: وبمعنى أنه لا ~~يتجزأ كما يقوله في الجوهر أنه واحد على معنى أنه لا يتجزأ. وفي عرف اللغة ~~بمعنى المنفرد بصفات الكمال على حد تقل مشاركته فيها،ولا يجوز أن يطلق على ~~الباري تعالى أنه واحد على معنى أنه واحد العدد لأنه يقتضي أنه من أعداد ~~وهو من جنسهم وذلك لا يجوز عليه تعالى،ولهذا قال علي عليه السلام في وصف ~~الله تعالى واحد لا بعدد،ولا يجوز أن يطلق على الباري أنه واحد بالمعنى ~~العرفي لأن معناه ثبوت مشارك ولا مشارك له عز وجل،ويطلق على الباري أنه ~~واحد بمعنى أنه متفرد بصفات الإلاهية لا ثاني له يشاركه في القدم ms081 ~~والإلاهية،والمعنى في ذلك أي حد الواحد في اصطلاح المتكلمين أنه منفرد ~~بصفات الكمال وهي كونه قادرا على جميع أجناس المقدورات، عالما بجميع أعيان ~~المعلومات،حيا قديما لم يزل ولا يزال على حد لا يشاركه فيها غيره على الوجه ~~الذي استحقها وهو للذات بواسطة أو لا واسطة، وعلى قول الأئمة وأبي الحسين ~~والشيخ محمود: القدر الأخير مغير للمعنى إذ لا كلام لهم في الاستحقاق كما ~~مر.والقول بأن الله تعالى واحد لا إله غيره هو مذهب جميع أهل الإسلام ~~العدلية والجبرية إذ لا يقول أحد منهم بأن معه تعالى قديما ~~مستقلا،واختلافهم إنما هو في قديم غير مستقل، فعند أهل العدل لا قديم معه ~~مطلقا،وعند المجبرة معه قديم # غير مستقل وهي المعاني كما مر لهم وقد تقدم بطلان مقالتهم. # والخلاف في ذلك مع فرق ست وهم الثنوية، والمجوس، والنصارى، والمطرفية، ~~والباطنية، والفلاسفة. PageV01P116 # أما الثنوية: وسموا ثنوية لقولهم بإلاهين اثنين فإنهم يقولون بأن النور ~~والظلمة صانعان للعالم قديمان، وإن النور مجبول على الخير لا يقدر على فعل ~~الشر، والظلمة مجبولة على الشر لا تقدر على فعل الخير، فإنهما امتزجا فحصل ~~منهما العالم، وأن جهة النور العلو وجهة الظلمة السفل. # وأما المجوس: فإنهم يقولون: بأن العالم له صانعان يسمون أحدهما يزدان ~~والثاني إهرمن وأن جميع ما في العالم من الخير وهو ما تشتهيه النفوس فهو من ~~يزدان، وما وقع فيه من الشر فهو من إهرمن، والشر عندهم ما تنفر عنه النفوس، ~~والمشهور عنهم أنهم يعبرون بيزدان على الباري ويعتقدونه كما نعتقده، ~~وبإهرمن عن الشيطان ويعتقدونه كما نعتقده، ثم منهم من قال: هما جسمان، ~~ومنهم من قال: ليسا بجسمين، ومنهم من قال يزدان جسم دون إهرمن، ومنهم: من ~~عكس، ثم اختلفوا في إهرمن، فمنهم من قال إنه قديم، ومنهم من قال: إنه محدث، ~~ثم اختلفوا، فمنهم من قال: حدث من عفونة كانت مع يزدان، والعفونة هي ~~المزبلة، ومنهم من قال: حدث من فكرة ردية ليزدان وذلك أن يزدان لما استتب ~~له الأمر نظر فقال: لو كان معي ms082 منازع كيف كانت الحال فحدث إهرمن من ذلك ~~وقال: أنا منازعك ومخاصمك فاقتتلا قتالا شديدا ثم تهادنا بعد ذلك على أن ~~يقيم الشيطان في الأرض مدة معلومة، قالوا: ونحن الآن في تلك المدة. ~~واختلفوا إذا انقضت المدة، ماذا يكون؟ ولهم في ذلك خرافات طويلة. PageV01P117 # وأما النصارى: فعندهم أن الله تعالى جوهر على الحقيقة ثلاثة أقانيم على ~~الحقيقة، أقنوم أب وهو ذات الباري، وأقنوم الابن وهو الكلام وقبل العلم، ~~وأقنوم روح القدس وهو الحياة، فالآخر هو الرابط بين الأولين وقالت فرقة ~~منهم إن أقنوم الابن اتحد بالمسيح فصارا ذاتا واحدة، أي صار جوهر اللآهوت ~~وجوهر الناسوت شيئا واحدا، ثم اختلفوا هؤلاء في هذا الاتحاد فمنهم من قال : ~~اتحد به وحدة نوعية، ويقولون: إن جوهر اللآهوت دخل في جوهر الناسوت واتخذه ~~له هيكلا،وربما قالوا: إن جوهر اللاهوت ادرع جوهر الناسوت كما يدرع الدهن ~~السمسم، ومنهم من قال: اتحد به وحدة حقيقة أي صار الجوهران جوهرا واحدا ~~وهؤلاء هم اليعقوبية منهم، وقد يحكى عنهم إطلاق أنه سبحانه اتحد بالمسيح من ~~غير تخصيصه بأقنوم الابن، وبعضهم يجعل هذا الاتحاد اتحاد مشية بمعنى أن ~~إرادتهما وكراهتهما صارت واحدة وهما مختلفان من جهة الذات فجوهر الناسوت ~~غير جوهر اللآهوت وهؤلاء هم بعض النسطورية منهم. # وأما المطرفية: فمذهبهم أن الله تعالى أربعين اسما وأنها قديمة وكل اسم ~~هو ذاته،فمقتضى كلامهم أنه أربعون فقد زادوا على النصارى في الإحالة،قال ~~بعض أهل العدل وقيل أنه الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام فعلى هذا أن كل ~~مطرفي ثلاثة عشر نصرانيا وثلث لأن النصراني يقول أنه واحد ثلاثة، ومقتضى ~~كلام المطرفية أنه واحد وأربعون. PageV01P118 # وأما كلام الباطنية والفلاسفة: فإنهم يقولون بالعلة القديمة التي هي الرب ~~عندهم والنفوس القديمة والعقول القديمة والأفلاك القديمة على ما تقدم، ~~فمقتضى كلامهم أن في القدم مع العلة التي هي الرب عندهم ثمانية وعشرون ~~قديما. فهذي حكاية أقوال هذه الفرق الضالة التي افترت على الله الكذب وهذا ~~كله وإن كان شغلا للأوراق إلا أنا قصدنا بذلك التنبيه ms083 على عقائدهم الفاسدة ~~تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. والدليل على صحة مذهب أهل الإسلام أنه ~~تعالى واحد لا ثاني له أنه لو كان له ثان قديم وجب أن يشاركه في سائر صفات ~~الإلاهية وهي كونه قادرا على جميع أجناس المقدورات، عالما بجميع أعيان ~~المعلومات، حيا لم يزل إذ القدم صفة ذاتية لأنا قد بينا أن الشيئين متى ~~كانا مثلين كانا قد اشتركا في صفة ذاتية كالسوادين فإنهما إنما كانا مثلين ~~لاشتراكهما في كونهما سوادين ويجب اشتراكهما في سائر الصفات الذاتية. إذ لو ~~اشتركا في صفة ذاتية وافترقا في صفة أخرى ذاتية لكانا مثلين مختلفين ~~لاشتراكهما فيما يقتضي التماثل ويقتضي الاختلاف وذلك محال، فثبت أنه تعالى ~~لو كان له ثان قديم وجب أن يشاركه في صفات الذات الذي قدمنا ووجب أن يكون ~~مثلا له فهذا أصل أول. PageV01P119 # الأصل الثاني: أنه لا يجوز أن يكون له تعالى مثل وإلا لصح بينهما الاختلاف ~~والتمانع لأنه كما لا يمتنع أن يتفق مرادهما لا يمتنع أن يتضادا، لأن من ~~حكم كل كفوين قادرين صحة اختلافهما وتمانعهما وإنما صح ذلك بينهما لكونهما ~~قادرين، فإذا صح ذلك في الشاهد لم يمتنع مثله في الغائب، وكان يجب إذا أراد ~~أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه في حال واحد أن لا يخلو الحال من ثلاثة ~~أقسام: إما أن يحصل مرادهما معا فيكون الجسم متحركا ساكنا في حالة واحدة ~~وذلك محال ، وإما أن لا يحصل مرادهما معا فيخلو الجسم من الحركة والسكون ~~وذلك محال أيضا، وإما أن يحصل مراد أحدهما دون الآخر فمن حصل مراده فهو ~~الإلاه القديم ومن تعذر مراده فهو عاجز ممنوع والعجز والمنع لا تجوزان إلا ~~على المحدثات والحدوث يبطل الإلاهية كما مر، والقول بالقديم الثاني قد أدى ~~إلى هذه المحالات فيجب القضاء بفساده، وأيضا لو كان له تعالى ثان لرأينا ~~آثار صنعه كالباري تعالى ولأتتنا رسله ولم يقع شيء من ذلك، فهو إما لعدم ~~الآلهة إلا الله فهو الذي نريد أو الاضطرار إلى المصالحة أو لقهر ms084 الغالب ~~المغلوب، وأيما كان فهو عجز والعجز لا يكون إلا في المخلوقين، وقد دل السمع ~~الكتاب والسنة والإجماع على الوحدانية، قال تعالى{لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا}(الأنبياء:22) وفي الآيات دلالة على أنه لو كان له ثان لتمانعا ~~ومثلها قوله تعالى {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل ~~إله بما خلق ولعلى بعضهم على بعض}(المؤمنون:91) وقال تعالى {وما من إله إلا ~~إله واحد}(المائدة:73) وقوله تعالى{قل هو الله أحد}(الإخلاص:01) وقوله ~~تعالى{الله لا إله إلا هو}(البقرة:255) وقوله PageV01P120 تعالى{شهد الله أنه لا إله إلا هو}(آل عمران:18)وقوله{فاعلم أنه لا إله إلا ~~الله}(محمد:19) وقوله{لا إله إلا أنا فاعبدون}(الأنبياء:25) إلى غير ذلك ~~مما يكثر في الكتاب العزيز. # وأما السنة والإجماع: فمعلوم ضرورة من دينه صلى الله عليه وآله وسلم ومن ~~إجماع المسلمين أنه لا قديم مع الله يشاركه في الإلاهية. # وأما ما تقوله الثانوية: من قدم النور والظلمة فقولهم باطل، لأنهما جسمان ~~عندنا وعند أبو الهذيل عرضان، والخلاف في التحقيق عائد إلى إطلاق الاسم، ~~فنحن أطلقناه على الجسم والسواد والبياض وصفا لذلك، وأبو الهذيل أطلقه ~~عليهما لأنه السابق إلى الفهم،وقد بينا أن الأجسام والأعراض محدثة فبطل ما ~~ادعوه. وأما من قال من المجوس بقدم إهرمن فهو قول باطل لأن الشيطان من جملة ~~الأجسام والأجسام محدثة كما بينا. وأما من قال إن إهرمن محدث ثم أضاف إليه ~~هذه الشرور التي تنفر عنها النفوس فلا يصح قوله لأنها أجسام وأعراض ضرورية ~~ولا يقدر على ذلك إلا الله تعالى لكونه قادرا بذاته، وإهرمن إذا كان محدثا ~~كان قادرا بقدرة فلا يصح منه فعل الأجسام على ما تقدم. # وأما بقية المخالفين: ففي ما قدمنا مايدل على بطلان أقوالهم مع كون ~~أكثرها غير معقول في نفسه فضلا من أن (يدل على) صحته على أن الدليل قد دل ~~على بطلانه فافهم. فثبت بذلك الذي ذكرنا من الأدلة الدالة على صحة مذهب أهل ~~الإسلام وبطلان قول من خالفهم أن الله تعالى واحد لا ثاني له. PageV01P121 # تنبيه: # اعلم ms085 أن الله سبحانه وتعالى لم يكلف عباده العقلاء من معرفته إلا ما مر ~~من إثبات الصانع وصفاته الإيجابية والسلبية لتعذر تصوره تعالى لما ثبت أنه ~~تعالى ليس بجسم ولاعرض، والتصور إنما يكون لهما ضرورة وينبغي للعاقل بل يجب ~~عليه بعد استتمام الدلالة على معرفته تعالى بالأدلة التي قدمنا ونحوها، أن ~~يردع نفسه عما يوسوس به الشيطان ويلقيه في روعه إذا بعثه على التفكر في ذات ~~الله ، وكيف هذه الذات وأزمع في نفسه استعمال النظر ليقع على عرفان كيفية ~~ذات الله فإن هذا الوسواس أعظم أبواب الشيطان إلى الإلحاد والكفر، وهو خلاف ~~ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وصالح المسلمين في ~~الأثر النبوي (إن الشيطان ليأتي أحدكم فيقول الله خلق الخلق فمن خلق الله) ~~فمن وسوس الشيطان في صدره بذلك فليقل آمنت بالله وذلك حقيقة الإيمان وينظر ~~في مصنوعات الله تعالى. فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كان كثيرا ما يكرر ~~الإقرار بالله تعالى ووحدانيته وصفاته الإثباتية والسلبية وينظر في مصنوعات ~~الله الدالة على ذلك ويأمر بالنظر فيها وينهى عن النظر في ذات الله، وهكذا ~~كان أمير المؤمنين (علي) عليه السلام، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(تفكروا ~~في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لن تقدروا قدره) وقال علي عليه ~~السلام: من تفكر في خلق الله وحد، ومن تفكر في الله ألحد. والله سبحانه ~~وتعالى لم يأمرنا في كتابه العزيز إلا بالتفكر في مصنوعاته لا غير والقرآن ~~مشحون بذلك. وقال القاسم عليه السلام: جعل الله في جميع المكلفين شيئين ~~العقل والروح وهما قوام الإنسان لدينه ودنياه وقد حواهما جسمه وهو يعجز عن ~~صفتهما، فكيف يتعدى بجهله إلى عرفان ماهية الخالق، ومن لم يعرف PageV01P122 عقله وروحه والملائكة والجن والنجوم وهذه مدركة أو في حكمها، كيف ترمي به ~~نفسه المسكينة إلى عرفان من ليس كمثله شيء. ولبعض العلماء الموحدين من ~~اطمأن إلى موجود أدرك حقيقته فهو مشبه، ومن اطمأن إلى النفي المحض فهو ~~معطل، ومن قطع بموجود يعجز عن ms086 إدراك حقيقته فهو موحد، قال أمير المؤمنين ~~عليه السلام وقيل أبو بكر:- # العجز عن درك الإدراك إدراك والبحث عن فحص كنه الذات إشراك # ويروى لصاحب شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد شعرا:- # فيك يا أغلوطة الفكري تاه عقلي وانقضى عمري # سافرت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفر # رجعت حسرى وما وقفت لا على عين ولا أثر # فلحا الله الأولى زعموا أنك المعلوم بالنظر # كذبوا إن الذي زعموا خارج عن قوة البشر # ولأمير المؤمنين عليه السلام في خطبة الأشباح في نهج البلاغة مالفظه؛ ~~وماكلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه ولا في السنة أثره فكل ~~علمه إلى الله فإن ذلك منتهى حق الله عليك، فإن الراسخين في العلم أغناهم ~~الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح الله اعترافهم عن ~~تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى بتركهم التعمق رسوخا، فاقتصر على ذلك ولا ~~تقدر عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين، هو الذي ارتمت الأوهام ~~لتدرك كنه صفاته، وغمضت مداخل العقول لتناول علم ذاته، ردعها تعالى فرجعت ~~إذ جبهت معترفة أنه لا ينال كنه معرفته ولا يخطر ببال ذوي الرويات خاطرة من ~~تقدير جلال عزته، وكلما خلق حجة له ودليلا عليه وإن كان خلقا صامتا محجته ~~بالتدبير ناطقة. PageV01P123 # وقد اختلف في العقول بأن لله تعالى ماهية يعلمها ولانعلمها، فالذي عليه أهل ~~العدل والخوارج وأكثر فرق الإسلام أنه ليس لله ماهية يعلمها ولا نعلمها. ~~وقال الإمام يحي (عليه السلام) وأبو الحسين من العدلية وضرار وحفص الفرد من ~~المجبرة: بل له ماهية يختص بعلمها، واختلفوا فالإمام يحي وأبو الحسين قالا: ~~معناه أن الله تعالى يعلم نفسه على تلك الصفة التي يختص بعلمها. وقال ضرار ~~وحفص الفرد: بل يعلم نفسه ويراها لقولهم بالرؤية فيرى نفسه على صفة لا ~~نعلمها نحن، وقد تقدم في مسألة الرؤية ما يرشد إلى معرفة بطلان هذا القول. ~~ثم نقول: لمن أثبت الماهية على الإطلاق، الماهية ما يتصور في الذهن وقد ~~امتنع أن يتصوره الخلق حيث ms087 لم يتمكنوا إلا من تصور المخلوقات اتفاقا بيننا ~~وبينهم، وهو تعالى لا يعلم بالتصور اتفاقا، فإن أرادوا بذلك ذاتا لا يحيط ~~بها المخلوق علما فصحيح، وقد أقسم أبو # هاشم ما يعلم الله من ذاته إلا مثل ما يعلمه هو. # قلت: هذه فرية ما فيها مرية ولقد ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء لأن الله ~~تعالى يقول{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما}(طه:110) ~~والله تعالى قد أحاط بكل شيء علما على معنى لا يغيب شيء عن علمه لا أن ~~المراد كإحاطة الأسوار، وبتمام ذلك تم الكلام في باب التوحيد. PageV01P124 ### | AUTO ))باب العدل)) # هو في اللغة يستعمل للفعل والفاعل، فحقيقته في الفعل هو توفير حق الغير ~~واستيفاء الحق منه للغير وترك ما لا يستحق عليه، وحقيقته في الفاعل الموفر ~~حق الغير والمستوفي الحق منه للغير والتارك أخذ ما لا يستحق على الغير. # وفي الاصطلاح: قال الوصي صلوات الله عليه: والعدل ألا تتهمه. قال في ~~الخلاصة: حقيقة العدل في اصطلاح المتكلمين هو الذي لا يفعل القبيح كالظلم ~~والعبث ولا يخل بواجب كالتمكين لمن كلفه والبيان لمن خاطبه، وهذه حقيقة لا ~~يندرج تحتها إلا محقق واحد وهو الباري تعالى. # قلت: عندنا أنه لا يصح إطلاق القول بأنه يجب على الله تعالى واجب لإيهامه ~~التكليف بل هو تفضل منه يفعله قطعا. وقالت المعتزلة: أنه يجب على الله ~~للمكلف ستة أمور فثلاثة ليس الموجب لها ابتداء، التكليف: وهو العوض على ~~الألم والانتصاف بسبب التخلية، وقبول التوبة لبقاء التكليف، وثلاثة يوجبها ~~ابتداء التكليف وهي التمكين، والإثابة، واللطف. # واعلم أن هذا الباب يشتمل على عشر مسائل ذكرها الشيخ في الكتاب وهي من ~~الحادية عشرة إلى العشرين وقد شرع فيها فقال: PageV01P125 ### || AUTO المسألة الحادية عشرة ((أن الله تعالى عدل حكيم)) # أنه يجب على المكلف أن يعلم أن الله تعالى عدل حكيم وإذا كان كذلك كانت ~~أفعاله كلها حسنة، ليس في أفعاله ما هو قبيح لا ظلم ولا عبث ولا سفه ولا ~~كذب ولاشيء من القبائح، والقائل ms088 بأنه تعالى يفعل القبيح لا يكون قائلا ~~بالعدل، ومن قال فعله ليس بحسن ولا قبيح فكذا أيضا، لأن القول بالعدل مما ~~يستحق به الثواب، فمن قال إن أفعال الله ليست بحسنة ولا قبيحة فإنه يكون ~~كاذبا، لأن الفعل لا يخلو من الحسن أو القبح، والقول بأنه تعالى لا يفعل ~~القبيح هو مذهب الزيدية والمعتزلة والإمامية وكثير من أهل القبلة، لأنه لو ~~فعله قبح منه إذ قبح الفعل لوقوعه على وجه من الوجوه كالظلم ونحوه، وحسنه ~~لتعريه عن ذلك ونافى أن يكون عدلا حكيما. # والخلاف في ذلك مع المجبرة والحشوية فإنهم يقولون: إن كل قبيح يقع في ~~العالم فهو فعل الله كالظلم والكذب ونحو ذلك (تعالى الله) عما يقولون علوا ~~كبيرا، وهم موافقون لنا في أنه لا يجوز إطلاق القول بأنه تعالى يفعل القبيح ~~لأن عندهم أنه تعالى يفعله ولا يقبح منه ، فخلافهم في المعنى دون اللفظ ~~ويختلفون في ذات بينهم بعد اتفاقهم أنه يفعل الظلم ونحوه ولا يقبح منه ~~تعالى. فالأشعرية قالوا:إنما لم يقبح منه تعالى لأن وجه قبح الفعل كون ~~فاعله منهيا والنهي منتف في حقه تعالى. وبعض المجبرة قالوا: (إنما لم) يقبح ~~منه لكونه ربا لأن وجه قبح الفعل كون فاعله مربوبا، وهذه المسألة أعني ~~مسألة أن الباري يقبح منه القبيح لو فعله فيجب نفيه عنه عندنا لا عند ~~مخالفينا من المجبرة هي أصل مسائل العدل. فإذا تقرر بطلان قول المخالفين ~~فيها بطل كل قول لهم يتفرع منها. PageV01P126 # فنقول: قول الأشعرية أن القبيح لا يقبح منه تعالى لكونه غير منهي باطل، لأن ~~العلة في قبح القبيح ليست هي النهي لأنه قد يستقبح الفعل من لا يعلم النهي ~~كالملحدة النافين للصانع فإنهم لا يعلمون الناهي فضلا عن النهي، فلو كان ~~علة قبحه هي النهي عنه لم يعلموا قبحه إذ لا يعلمون النهي. سلمنا لزم من ~~ذلك أن يحسن الحسن للأمر لأن القبح يقابل الحسن والنهي يقابله الأمر فلا ~~يحسن من الله حسن لأنه غير مأمور جل وعلا، وقول بعض ms089 المجبرة: أنه لا يقبح ~~منه تعالى قبيح لأنه غير مربوب باطل أيضا، لأن العلة في القبح لو كانت كون ~~الفاعل مربوبا لما علم القبح من لا يعلم الرب كالملحدة النافين للصانع ~~والمعلوم خلاف ذلك، ويلزمهم (في ذلك) أن تكون الأفعال كلها قبيحة لأن نسبة ~~الملك والربوبية إليها نسبة واحدة، فقبح بعضها من دون بعض تخصيص من غير ~~مخصص وهو محال، ثم أنا لو جوزنا أن الله تعالى يفعل نحو الكذب لزم أن لا ~~يوثق بخبره تعالى وذلك تكذيب لله تعالى حيث يقول{لا ريب فيه}(البقرة:02) ~~وقوله تعالى{لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه}(فصلت:42). # ولنا أيضا دليل الكتاب وهو قوله الدليل على ذلك أي القول بأنه تعالى عدل ~~حكيم لا يفعل القبيح أنه تعالى عالم بقبح القبيح هذا الدليل مبني على أربعة أصول: # الأول: أنه تعالى عالم بقبح القبيح إذ هو عالم بالذات على ما تقدم ومن حق ~~العالم بالذات أن يعلم جميع المعلومات إذ لا اختصاص لذاته بمعلوم دون معلوم ~~والقبائح من جملة المعلومات فيجب أن يكون عالما بها على ما هي عليه. # والثاني: أنه تعالى غني عن فعله لما قدمنا من أنه تعالى غني فلا تجوز ~~عليه الحاجة إلى شيء أصلا فيدخل تحت ذلك الحسن والقبيح. PageV01P127 # والثالث: أنه تعالى عالم باستغنائه عنه إذ هو عالم بذاته تعالى كما مر. # والرابع: أن كل من كان بهذه الأوصاف فإنه لا يفعل القبيح ولا يختاره ولا يرضاه. # والذي يدل على ذلك ما نعلمه في الشاهد أن الواحد منا إذا كان عاقلا عالما ~~بقبح الكذب وقيل له إن صدقت أعطيناك درهما وإن كذبت أعطيناك درهما فإنه لا ~~يختار الكذب على الصدق وإنما لا يختاره لعلمه بقبح الكذب وغناه عن فعله ~~وعلمه بغنائه عن فعله إذ لو زال عنه بعض هذه الأوصاف لم يكن عالما بقبح ~~الكذب بأن يكون زائل العقل أولم يكن مستغنيا عنه بالصدق بأن يزاد في الأجرة ~~على الكذب زيادة لا يستغني عنها أولم يكن عالما باستغنائه عنه بأن يعتقد ms090 أن ~~الدرهم المتعلق بالكذب أوفى من الدرهم المتعلق بالصدق وإن كان ذلك جهلا منه ~~وأنه في جميع هذه الأحوال لا يمتنع أن يختار الكذب على الصدق فعلمنا بذلك ~~أن الواحد منا إنما يمتنع من الكذب لاجتماع هذه الأوصاف. فإذا ثبت ذلك ~~علمنا أن الله تعالى أعلم العلماء بقبح القبيح وأغنى الأغنياء عن فعلها، ~~وأعلم العلماء باستغنائه عنها فهو أولى أن لا يختار فعل شيء منها. فبهذه ~~الطريقة ثبت أن الله تعالى عدل حكيم ومن العدل والحكمة أن لا يفعل القبيح ~~كما مر. PageV01P128 ### || AUTO المسألة الثانية عشرة ((أن أفعال العباد حسنها وقبيحها منهم)) # في أفعال العباد، والفعل على ضربين مخترع وغير مخترع، فحقيقة المخترع ما ~~وجد من جهة القادر عليه لا فيه ولا بسبب فيه. وقالت البغداذية: إنه الفعل ~~الواقع من الفاعل بغير آلة وسبب، وغير المخترع على ضربين مباشر ومتعد، ~~فحقيقة المباشر ما وجد من جهة من كان قادرا عليه في محل قدرته وهو على ~~ضربين مبتدأ ومتولد، فحقيقة المبتدأ ما وجد من جهة القادر عليه في محل ~~قدرته من غير واسطة وذلك نحو الإرادة والكراهة والظن والنظر، وحقيقة ~~المتولد ما وجد من جهة القادر في محل قدرته بواسطة فعل وذلك نحو العلم فإنه ~~يحصل بواسطة النظر وكذلك غيره مما يوجد متولدا فينا كالتأليف PageV01P129 والكون والاعتماد، وأما المتعدي فحقيقته ما وجد من جهة من كان قادرا عليه ~~متعديا عن محل قدرته بواسطة في محلها. واختلف الناس في أفعال العباد بعد ~~الاتفاق على أنها منسوبة إليهم في الجملة. فذهب أهل العدل كافة وهم الزيدية ~~والمعتزلة وبه قالت الخوارج وبعض الإمامية وهو قول أكثر الفرق الخارجة عن ~~الإسلام إلى أن أفعال العباد جميعها الحسن منها والقبيح والمبتدأ والمتولد ~~غير مخلوقة فيهم بل هي منهم وفعلهم وتأثيرهم ونسبتها إليهم حقيقة كنسبة ~~أفعال القديم إليه، ولا يصح القول بأنها من الله تعالى وخلقه وتأثيره ~~البتة.واختلف المعتزلة في ذلك فقال أبو الحسين: كون أفعال العباد منهم ~~معلوما بالضرورة حتى أن الصبيان يعلمون ذلك، ألا ترى ms091 أنك لو رأيت صبيا يبكي ~~فقلت: من ضربك؟ فقال: فلان، فنسب الضرب إلى فاعله،قال والمجبرة لا يناظرون ~~في هذه المسألة لأنهم أنكروا الضرورة. وذهب أكثر المعتزلة إلى أنها ~~استدلالية وأن المعلوم ضرورة إنما هو نسبتها إليهم جملة وهو الفرق الذي ~~نجده بينها وبين الصور والألوان، وقد صرح جماعة من الأشاعرة أيضا بأن هذا ~~الفرق ضروري، وأما الكلام بأن المؤثر فيها هو قدرتنا أو قدرة القديم تعالى ~~فأمر وراء ذلك لا يعلم إلا بالاستدلال. وقد خالف في ذلك طوائف المجبرة وبه ~~سموا مجبرة لقولهم أن العبد مجبر على فعله أي مكره عليه لا اختيار له فيه ~~وابتدأ مذهبهم من معاوية وظهر في سلطان بني أمية ولهذا يقال الجبر أموي ~~والعدل هاشمي، وهم مجمعون على أن أفعال العباد جميعها من الله تعالى وأنه ~~أحدثها وأنها واقعة بقضاءه وإرادته.ثم اختلفوا، فقالت الجهمية وهم جهم بن ~~صفوان ومتابعوه: لا فعل للعبد البتة بل جميع ما يصدر منه فهو فعل الله وإنما PageV01P130 أضيف إلى العبد لأنه طرفه كما يضاف إليه اللوم فنسبة الكل إليه عندهم من ~~باب المجاز، فقام وقعد وصلى وصام مثل طال وقصر وأبيض وأسود كما تضاف حركة ~~الشجرة إليها وهي تحرك بتحريك الله تعالى وإرادته من غير تصرف لها في تلك ~~الحركة ولا اختيار . # ومذهب جهم هذا حدث في زمن الظاهرية من بني العباس ظهر بنيسابور ومات ~~قتلا. وذهبت (النجارية والكلابية) وضرار بن عمرو وحفص الفرد إلى أن جميع ~~أفعال العباد منهم خلق له كسب للعبد فأثبتوا لفعل العبد جهتين كونه خلقا ~~وكونه كسبا لما رأوا من بطلان قول الجهمية للفرق الضروري بين أفعالنا ~~وألواننا ونحوها لكنهم أثبتوا ما لا يعقل فكانوا أعظم جهلا من الجهمية. ~~وذهبت الأشعرية إلى الفرق بين المباشر والمتولد فقالوا في المتولد بقول ~~الجهمية وفي المباشر بقول النجارية ومن ذكر معهم، فكانوا أعظم في الجهالة ~~ممن تقدمهم لذهابهم إلى الفرق من غير فارق، وأما متأخروا علمائهم كالجويني ~~والغزالي والرازي وأبي إسحاق الإسفرائيني وقاضيهم الباقلاني فلم يذهبوا إلى ~~شيء ms092 من ذلك بل ذهبوا إلى أن قدرة العبد هي المؤثرة لكنهم جعلوها موجبة ~~مقارنة فلزمهم نسبة الأفعال إلى الله لأن فاعل السبب فاعل المسبب. وأما ~~المطرفية فإنهم يقولون: الفعل الموجود في الفاعل من جهته والذي في غيره من ~~(جهة الله) . PageV01P131 # والدليل على ذلك المذهب الصحيح وهو مذهب أهل العدل ومن وافقهم أن أفعال ~~العباد غير مخلوقة فيهم بل هي موجودة بإحداثهم وتأثيرهم وإرادتهم أنه يحسن ~~أمرهم ببعضها ونهيهم عن بعض وثوابهم ومدحهم على الحسن منها. وحقيقة الحسن ~~مالا يستحق على فعله الذم فيشمل الواجب والمندوب والمباح والمكروه وأنت ~~خبير بأنه لا مدخل للثواب في المباح أصلا ولا فعل المكروه بل في تركه، ~~فإطلاق أنه يحسن الثواب على الحسن لا يخلو من خبط، اللهم إلا أن يكون ~~المراد به المعنى الخاص وهو ما فعله أولى من تركه كالواجب والمندوب فقط ~~فذلك مستقيم ولكن المعنى الأول هو المراد حيث أطلق في هذا الفن وعقابهم ~~وذمهم على القبيح منها. والقبيح له حقيقتان: حقيقية، ورسمية، فالحقيقية هو ~~ما ليس للقادر عليه المتمكن من فعله الإقدام عليه على الإطلاق، والرسمية هو ~~ما إذا فعله من كان قادرا عليه استحق الذم على بعض الوجوه، وقولنا على بعض ~~الوجوه نحترز عن الخطأ وما يصدر عن النائم والساهي من القبائح وكذلك أفعال ~~الصبيان والبهائم وكذلك المسبب للقبيح إذا تراخى عن سببه إذا وقعت التوبة ~~قبل حصوله فإن هذه قبائح ولا يستحق على فعلها الذم. فثبت أن أفعال العباد ~~يتعلق بها الثواب والعقاب والمدح والذم. فلو كانت من الله لما حسن فيها شيء ~~من ذلك كما لم يحسن شيء من ذلك على صورهم وألوانهم، فإذا حسن ثوابهم ~~وعقابهم ومدحهم وذمهم على أفعالهم ولم يحسن شيء من ذلك على صورهم وألوانهم ~~علمنا الفرق بين أفعال العباد وبين الصور والألون ودل ذلك على أن أفعالهم ~~منهم لا من الله تعالى وذلك متقرر في عقل كل عاقل. دليل ثان: وقوع الفعل ~~بحسب داعي العبد وإرادته وانتفاؤه بحسب صارفه وكراهته ولو كانت منه ms093 تعالى ~~ما كانت PageV01P132 فيها هذه القضية فهذان أصلان: والذي يدل على الأول أن الواحد منا إذا دعاه ~~الداعي المكين إلى إيجاد فعل منها حصل منه لا محالة، ومتى كرهه أو منعه منه ~~مانع لم يحصل، والذي يدل على الثاني أن أفعالنا لو كانت من الله تعالى لجرت ~~مجرى الصور والألوان فكما أن صورهم وألوانهم لا توجد بحسب قصودهم ودواعيهم ~~ولا ينتفي بحسب كراهتهم وصوارفهم لما كانت (فعل الله) فكذلك كان يجب في ~~أفعالنا لو كانت منه (تعالى). فلما علمنا الفرق بين الأفعال وبين الصور ~~والألوان دل ذلك على أن أفعالنا منا لا من الله تعالى. دليل ثالث: هو أن ~~أفعال العباد لو كانت من الله لوجب أن يشتق له منها اسما فيسمى بفعله للظلم ~~ظالما وبفعله للجور جائرا، كما أنه لما كان فاعلا للعدل والإحسان سمي عادلا ~~ومحسنا ولاشك أن من وصف الله تعالى بالظلم والجور فقد خرج عن دائرة ~~المسلمين ودخل في زمرة الملحدين، فبطل إضافتها إلى الله تعالى. وأما ما ~~يتعلق به أهل الكسب فهو تعلق لا طائل تحته وركون إلى غير معقول، وإنما ~~غرضهم بذلك الفرار مما ألزمهم أهل العدل من قبح الأمر والنهي وإنزال الكتب ~~وإرسال الرسل، لأن الأفعال إذا كانت خلقا لله تعالى لم يحسن إرسال الرسل ~~ولا إنزال الكتب، لأن لهم أن يقولوا إذا كانت أفعالنا خلقا لله سبحانه فينا ~~فلأي غرض جئتمونا فإرسالكم يكون قبيحا لأن الله تعالى إن فعلها فينا حصلت ~~وإن لم يفعلها لم تحصل، فلا فائدة حينئذ في إرسالكم إلينا، ثم أنا نقول لهم ~~الكسب لا يخلو إما أن يكون شيئا خلقه الله أو شيئا لم يخلقه الله، فإن ~~قالوا هو شيء خلقه الله فقد لحقوا بمقالة الجهمية ولزمهم ما ألزمناهم وإن ~~قالوا هو شيء لم يخلقه الله فقد أثبتوا العبد فاعلا لشيء لم يخلقه PageV01P133 الله سبحانه وهو الذي نريد، ولأن المعقول من الكسب في لغة العرب هو إحداث ~~الفعل لجلب منفعة إلى الفاعل أو دفع مضرة عنه، ولهذا لم ms094 نجز أن يسمى الباري ~~سبحانه مكتسبا لاستحالة المنافع والمضار عليه، فإذا ثبت أن العبد محدث ~~لفعله بطل ما تعلقوا به من الكسب ووجه إضافته إلى العبد من كل وجه من ~~الوجوه، وقد أضاف الله تعالى أفعال العباد إليهم في كتابه الكريم بمعنى ~~الفعل والخلق والعمل والكسب فقال تعالى{والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا ~~على ما فعلوا وهم يعلمون}(آل عمران:135) وقال { وتخلقون إفكا}(العنكبوت:17) ~~وقال تعالى{وإذ نخلق من الطين كهيئة الطير}(المائدة:110) وقال تعالى{يوم ~~تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه ~~أمدا بعيدا}(آل عمران:30) وقال تعالى{ولهم أعمال من دون ذلك هم لها ~~عاملون}(المؤمنون:63) وقال {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريا فقد ~~احتمل بهتانا وإثما مبينا}(النساء:112). فإذا تطابقت الأدلة من العقل ~~والسمع على أن أفعال العباد منهم لم نجز إضافتها إلى الله تعالى، قالوا: ~~قال الله تعالى{والله خلقكم وما تعملون}(الصافات:96) وما مصدرية أي وعملكم. PageV01P134 # قلنا: بل هي موصولة ومعناه وخلقكم والحجارة التي تعملونها أصناما بدليل أول ~~الكلام وهو قوله تعالى{أتعبدون ما تنحتون}(الصافات:95).فثبت بذلك الذي ~~ذكرنا من الأدلة القطعية.مذهبنا أن العباد أفعالهم منهم لا من الله وبطل ما ~~ذهب إليه المخالفون، وأما ما ذهب إليه ابن الولهان من أن فعل المعصية ليس ~~من العبد بل من الشيطان يدخل في العبد فيغلبه على جوارحه ويتصرف بها ،فباطل ~~لأنه لو كان كذلك لم يجز العقاب عليها (لأن ذلك ظلم ولا يظلم ربك أحدا) وقد ~~قال تعالى{ولا تزر وازرة وزر أخرى}(الإسراء:15). # تنبيه: # ذهب جهم بن صفوان ومتابعوه إلى نفي القدرة للعبد أصلا وقال لا قادر إلا ~~الله تعالى، والعقل وصريح القرآن من نحو قوله تعالى{من عمل صالحا ~~فلنفسه}(فصلت:46) شاهد أن نكذب قوله.وقالت العدلية وأكثر المجبرة: بإثباتها ~~للعبد،وافترقوا،فقالت العدلية لها ثلاثة أحكام: أولها أنها متقدمة على ~~المقدور وجوبا وأقله يؤقت.وثانيها أنها غير موجبة له بل إنما توجب بها على ~~جهة الاختيار.وثالثها أنها صالحة للضدين ms095 ووجود أحدهما دون الآخر باختيار ~~القادر ليس إلا،قالوا: وهذه الثلاثة الأحكام متلازمة فيلزم من القول بأحدها ~~القول بالآخرين.وذهب النجارية إلى العكس فجعلوها مقارنة موجبة غير صالحة . PageV01P135 # قلنا: دليل الأول أنها لو قارنت لما تعلق الفعل بالقادر لأنه قبل وجوده غير ~~قادر عليه لعدم القدرة وبعد وجوده لا اختيار له فيه ولا تعلق له به بل إنما ~~يكون تعلقه بفاعل القدرة،وأيضا فلا يكون إيجاد أحدهما للآخر بأولى من ~~العكس.ودليل الثاني: أنها لو أوجبت مقدورها لزم أمران أحدهما:أن لا يتعلق ~~الفعل بالقادر ولا ينسب إليه البتة بل إنما يتعلق بفاعل القدرة لأنها موجبة ~~له وفاعل السبب فاعل المسبب وكون القادر محلا للسبب غير موجب تعلقه بمسببه ~~كما في حركة الشجرة فإنها تنسب إلى فاعل سبب التحرك فيها لا إليها نفسها. # فإن قيل: غاية ما يلزمهم القول بالجبر وهو عين مذهبهم الذي يظهرونه ~~ويفتخرون به . PageV01P136 # قلنا:تعلق الفعل بفاعله والفرق بين حركة الصاعد والساقط ضروري ومتفق عليه ~~فيلزمهم نفيه وهو بين الاستحالة.وثانيهما:أنه يلزمهم أن لا يكون الكافر ~~قادرا على الإيمان لعدم وجوده منه، وعدم الموجب يدل على عدم الموجب وهو ~~مكلف به قطعا مع عدم القدرة عليه فيكون تكليفه له تكليفا لما لا يطاق ~~وأكثرهم لا يقولون بجوازه وأكثر من قال بجوازه لا يقول بوقوعه.ودليل ~~الثالث: أنها لو لم تصلح للضدين لجوزنا أن نقدر على حركة يمنة أميالا ~~وفراسخ دون حركة يسرة شيئا يسيرا لأن إحدى الحركتين ضد الأخرى والضرورة ترد ~~ذلك وترفعه.واعلم أن العدلية قد اتفقت على انقسام فعل العبد إلى مبتدأ وهو ~~الموجود في محل القدرة ومتولد وهو ما ليس كذلك.واختلفوا في المتولد فالذي ~~عليه الزيدية بأسرهم وجمهور المعتزلة أن فعل العبد وتأثيره كالمبتدأ. PageV01P137 # والخلاف في ذلك مع النظام والجاحظ وثمامة بن الأشرس وصالح قبة، ثم افترقوا، ~~فمنهم من قال: لا فعل للعبد إلا ما كان مباشرا، وأما المتعدي فليس هو فعل ~~له وهذا قول معمر والنظام وصالح قبة، ثم افترقوا، فقال النظام: المتعدي ~~مضاف إلى الله تعالى بواسطة الطبع،وقال معمر إلى ms096 الطبع وليس بمضاف إلى الله ~~وعنده أنه لا فعل لله غير المتحيز،ومنهم من قال: لا يفعل العبد سوى الإرادة ~~وما عداها غير متعلق بالعبد وهذا قول الجاحظ وثمامة بن الأشرس، ثم افترقا ، ~~فقال الجاحظ: ماخلا الإرادة فهو حاصل بالطبع،وقال ثمامة: حدث لا محدث ~~له.قال الدواري: واعلم أن المجبرة أحسن حالا من هؤلاء وأدخل في العذر في ~~نفي الفعل عن العبد لأن المجبرة اعتقدوا قبح اعتقاد أن يكون في الأحياء ~~فاعل ومحدث غير الله تعالى فلم يكن لهم بد من نفي الفعل عن الواحد ~~مناوإضافته إلى الله تعالى وهؤلاء اعترفوا بأن العبد محدث لبعض الأفعال فلا ~~معذرة لهم في نفي غيرها عن كونهم محدثين لها،والدلالة على أن العبد محدث ~~للجميع واحدة والطبع الذي جعله الجاحظ مؤثرا وجعله النظام واسطة وهو غير ~~معقول، فإن أرادا به الاعتماد كان كقولنا ويلزمهم أن لا يجوز القصاص ولا ~~العقاب إلا على الإرادة على قول الجاحظ وثمامة أو المباشر على قول النظام ~~ومعمر،وإن سلم لزم استواء عقاب من قتل زيدا وعقاب من أراد قتل عمرو ~~والاقتصاص منهما،وكذلك يلزم استواء من قتل بالمتعدي ومن فعل فعلا مباشرا ~~ولم يقتل به وذلك باطل. PageV01P138 ### || AUTO المسألة الثالثة عشرة ((أن الله لا يقضي بالمعاصي)) # أنه لا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي من قضاء الله وقدره وإنما جعلت هذه ~~من مسائل العدل وإن كان المراد بباب العدل بيان ما يحسن من الباري ويقبح ~~وهذه مما يقبح منا إطلاقه لتضمنها أن الباري غير خالق للمعاصي ولا أمر بها ~~وسائر أفعالنا حكمها أنه غير خالق لها ولا أمر ببعضها،وخالفت المجبرة وجوزت ~~إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله وقدره بل لهجهم بذلك وتقحمهم عليه ~~كثير، والدليل على مذهبنا وفساد ما ذهبوا إليه، أن القضاء والقدر لفظتان ~~مشتركتان بين معان،فالقضاء بمعنى الخلق والتمام قال تعالى{فقضاهن سبع ~~سماوات في يومين}(فصلت:12) معناه أتم خلقهن،وبمعنى الإلزام قال تعالى{وقضى ~~ربك ألا تعبدوا إلا إياه}(الإسراء:23) معناه أمر وألزم،وبمعنى الإخبار ~~والإعلام قال تعالى{وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض ms097 ~~مرتين ولتعلن علوا كبيرا}(الإسراء:04) معناه أخبرنا وأعلمنا،فهذه ثلاثة ~~معان.والقدر له ثلاث معان أيضا بمعنى الخلق قال تعالى{وقدر فيها ~~أقواتها}فصلت:10) معناه خلق فيها أقواتها،وبمعنى العلم قال تعالى{ينزل بقدر ~~ما يشاء}(الحجر:21) وقال تعالى {إلا امرأته قدرناها من الغابرين}(الحجر:60) ~~معنى ذلك علمنا من حالها،وبمعنى الكتابة وفي الأساس بمعنى الإعلام قال ~~العجاج: # واعلم بأن ذي الجلال قد قدر في الصحف الأولى التي كان سطر # أمرك هذا فاجتنب منه التبر # بمعنى الهلاك ويروى النتر بالنون والتاء فيكون معناه الفساد. PageV01P139 # قال في الأساس: وبمعنى الأجل قال تعالى{إلى قدر معلوم}(المرسلات:22) وبمعنى ~~الحتم قال تعالى{وكان أمر الله قدرا مقدورا}(الأحزاب:38) ودليل اشتراك ~~القضاء والقدر في معانيهما المذكورة انهما إذا أطلقنا لم يسبق إلى فهم ~~السامع بعض معانيهما دون بعض إلا بقرينة وهذه علامة الاشتراك، وإذا ثبت ~~اشتراك كل واحد منهما بين كل من معانيه فنحن نقطع بأن بعض هذه المعاني صحيح ~~وبعضها فاسد إطلاقه على الباري خطأ،فإذا أطلقناهما مع ثبوت ذلك قطعنا على ~~أن إطلاقهما يوهم المعنى الفاسد وهو أنه تعالى خلقهما كما تقوله المجبرة، ~~وذلك أصل قد أبطلناه فلا ثبوت له حينئذ ولا يجوز القول به، لأنا قد بينا ~~بالدليل القطعي فيما مر أن العباد أفعالهم منهم وحدوثها على حسب دواعيهم ~~وانتفاؤها على حسب صوارفهم لا منه تعالى. PageV01P140 # وإذا تقرر ذلك علمنا أن ذلك المعنى في حق الباري فاسد، فإطلاق اللفظين ~~المذكورين يوهمه وكل لفظة هذا حالها فإنه لا يجوز إطلاقها،وليس العلة مجرد ~~الاعتقاد بحيث يصح الإطلاق مع اعتقاد المعنى الصحيح لأنه إن لم يكن هناك ~~اعتقاد فربما توهم السامع الخطأ في المتكلم وإن لم يكن هناك آدمي يعلمه ~~المتكلم فيجوز أن يكون هناك آدمي وهو لا يعلمه المتكلم فإن قدر القطع على ~~أنه ليس هناك آدمي فإن الملائكة والجن إذا سمعوا ذلك منه توهموا الخطأ منه ~~في اعتقاده وتعريض المكلف نفسه للتهمة باعتقاد الخطأ،ولا يجوز لأن ذلك ضرر ~~يلحق النفس ودفع الضرر عن النفس واجب.قال الدواري: وكان يلزم على أصول ~~المجبرة ألا يجوز إطلاق القول بذلك في ms098 جميع أفعالنا لأن من جملة معنى ~~القضاء كونه بمعنى الأمر وهم ينزهون الباري تعالى عن الأمر بالمعاصي لقوله ~~تعالى{إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون}(الأعراف:28).ولكن كان ذلك منهم للهجهم بالقضاء والقدر وتقحمهم ~~للمهالك الموردة إلى النار لنسبتهم القبيح إلى مولانا ومولاهم نعوذ بالله ~~من دأبهم،ثم أنه يقال لهم من قضى بعبادة الأوثان والنيران؟ فإن قالوا: الله ~~تعالى أكذبهم القرآن لقوله تعالى{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه}(الإسراء:23) وإن قالوا: غير الله رجعوا إلى الحق وتركوا مذهبهم ولا ~~شك أن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل. # تنبيه: PageV01P141 # من جملة الألفاظ المشتركة الهدى والضلال، فالهدى قد يكون بمعنى الدعاء إلى ~~الخير قال تعالى{وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}(فصلت:17) ~~وبمعنى زيادة البصيرة بتنوير القلب بزيادة في العقل قال تعالى{والذين ~~اهتدوا زادهم هدى}(محمد:17) ومثله قوله تعالى{إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا}(الأنفال:29) أي تنويرا تفرقون به بين الحق والباطل.وبمعنى الثواب ~~قال تعالى{يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار}(يونس:09) أي في حال ~~جري الأنهار،وبمعنى الحكم والتسمية به قال الشاعر: # مازال يهدي قومه ويضلنا جهرا وينسبنا إلى الفجار # وإذا عرفت هذه المعاني فاعلم أنه يجوز أن يقال إن الله تعالى لا يهدي ~~القوم الظالمين، بمعنى لا يزيدهم بصيرة لما لم يبصروا أو لا يثيبهم أو لا ~~يحكم لهم بالهدى ولا يسميهم به،ومقتضى ما قدمنا في القضاء والقدر أنه لا ~~يجوز إطلاق القول بذلك بل مع القرينة المشعرة بأحد هذه المعاني الصحيحة ~~وإلا أوهم المعنى الفاسد،وهو بمعنى لا يدعوهم إلى الخير،وبفساد هذا المعنى ~~قالت العدلية خلافا للمجبرة فجوزوا أن يقال أن الله لا يهدي القوم الظالمين ~~بمعنى لا يدعوهم إلى الخير. PageV01P142 # قلنا: ذلك رد لما علم من الدين ضرورة لدعاء الله الكفار وغيرهم بإرساله ~~إليهم الرسل وإنزاله الكتب وقال تعالى{فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى ~~على الهدى}(فصلت:17) وقال تعالى{وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}(فاطر:24) ~~والضلال بمعنى الإغواء عن طريق الحق قال تعالى{وأضلهم السامري}(طه:85) أي ~~أغواهم عن الحق،وبمعنى الهلاك قال تعالى{أئذا ضللنا في ms099 الأرض إنا لفي خلق ~~جديد}(السجدة:10) أي هلكنا،وبمعنى العقاب قال تعالى{إن المجرمين في ضلال ~~وسعر}(القمر:24) أي في عقاب والسعر جمع سعير وهو العذاب المستعر أي ~~المشتد،وبمعنى الحكم والتسمية كقول الشاعر: # مازال يهدي قومه ويضلنا جهرا وينسبنا إلى الفجار # أي يحكم على قومه بالهدى ويسميهم مهتدين وعلينا بالضلال ويسمينا ضالين. # وإذا عرفت هذه المعاني فاعلم أنه يجوز أن يقال أن الله يضل الظالمين ~~بمعنىيحكم عليهم بالضلال ويسميهم به لما ضلوا، وبمعنى يهلكهم أو يعذبهم، ~~ولا بد من التقييد بما ذكر لإيهام الإطلاق المعنى الفاسد وهو أن يكون ~~المعنى يغويهم عن طريق الحق، وبفساد هذا المعنى قالت العدلية خلافا ~~للمجبرة. # قلنا: ذلك ذم لله تعالى وتزكية لإبليس وجنوده (لعنهم الله) وذلك كفر. # فائدة: # الطبع على القلب المشار إليه في القرآن بقوله تعالى{كذلك يطبع الله على ~~كل قلب متكبر جبار}(غافر:35) والختم المذكور بقوله تعالى{ختم الله على ~~قلوبهم}(البقرة:07)لا يمنع الكافر من الإيمان عند العدلية.وقالت المجبرة: ~~بل يمنع والأكثر منهم فسروه بخلق الكفر وقيل هو خلق القدرة الموجبة له. PageV01P143 # قلنا: كل من هذين التفسيرين فاسد لغة وعقلا، أما اللغة فلم ينقل عن أحد من ~~أهل اللغة وضعهما لما ذكروه، وأما العقل فلما تقدم من بطلان أن يكون الكفر ~~بخلق الله وبإيجاب القدرة، وننقض تفسيرهم أيضا بقوله {بل طبع الله عليها ~~بكفرهم}(النساء:155) أي بسبب كفرهم فجعل الطبع غير الكفر، قال بعض العدلية ~~واعتمده المهدي عليه السلام: ويجوز أن يكونا بمعنى جعل علامة لأن الطبع في ~~اللغة هو الرقم الثابت، والختم هو السد والرتق فهما علامة جعلهما الله على ~~قلب كل كافر مأيوس الإيمان كنقطة سوداء مثلا كما ورد في بعض الآثار، وإنما ~~جعل الله تعالى تلك العلامة ليتميز ذلك الكافر للملائكة وفيه نوع لطف لأحد ~~المكلفين من الملائكة وغيرهم وإلا كان عبثا وهو لا يجوز على الله تعالى. PageV01P144 # قال (إمام زماننا أيده الله) في الأساس: وفيه نظر لأنها إن كانت للحفظة كما ~~ذكرتم فأعمال الكفار أوضح منها مع أنهم عليهم السلام لا يرون ما وراء ~~اللباس من ms100 العورة كما ورد أنهم يصرفون أبصارهم عند قضاء الحاجة فبالأحرى ~~أنهم لا يرون القلب والله غني عنها لأنه عالم الغيب والشهادة لا يعزب عنه ~~شيء، قال أيده الله تعالى فالتحقيق أنه عبارة عن سلب الله إياهم تنوير ~~القلب الزائد على العقل الكافي لأن من أطاع الله نور الله قلبه قال ~~تعالى{ومن يؤمن بالله يهد قلبه}(التغابن:11) وقال تعالى{والذين اهتدوا ~~زادهم هدى}(محمد:17) وقال تعالى{إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا}(الأنفال:29) أي تنويرا كما مر ومن عصى الله لم يمده بشيء من ذلك ~~مادام مصرا على عصيانه فشبه الله سلبه إياهم ذلك التنوير بالختم والطبع، ~~وأما قوله تعالى{وعلى أبصارهم غشاوة}(البقرة:07) وقوله تعالى حاكيا{وفي ~~آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب}(فصلت:05) فتشبيه لحالهم حيث لم يعملوا ~~بمقتضى ما سمعوا وأبصروا ولا بنصيحة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمن في ~~أذنيه وقر فلم يسمع وعلى بصره غشاوة فلا يبصر وبمن بينه وبين الناصح حجاب ~~لا تبلغ إليه نصيحته مع ذلك الحجاب. # واعلم أرشدك الله أن الأمة قد اتفقت على أن القدرية اسم ذم وقد ورد في ~~ذمها من الآثار ما هو متفق على صحته وصرنا نترامى نحن والمجبرة بهذا الاسم، ~~فنحن نقول القدرية هم المجبرة وهم يقولون بل أنتم القدرية. # قلنا: طريقة الإنصاف أن نتبع الدليل في ذلك ويشهد بما قلنا ثلاثة أدلة. PageV01P145 # الدليل الأول أن القدرية لفظة مشتقة وهم يقولون بالقدر ونحن ننفيه والأسماء ~~لا تشتق من النفي بل من الإثبات ولذلك سمي الثنوية ثنوية لإثباتهم الثاني ~~ولم نسم بذلك لنفينا له. # فإن قيل: أنتم تقولون بقدرة العبد فهو منسوب إليها. # قلنا: فكان يجب ضم القاف. # فإن قيل: أنتم تقولون المعاصي بقدر العبد. # قلنا: لا نتولع بذلك وليس من عباراتنا. # الدليل الثاني أن لهجهم بإطلاق هذه العبارة والعرب يسمون من لهج بشيء ~~باسم ذلك الشيء ولهذا سمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم تمريا لبنيا لكثرة ~~لهجه بهذين الجنسين، والمجبرة لا يفعلون صغيرا من الأفعال ولا كبيرا إلا ~~ويقولون قضى الله علينا بذلك. PageV01P146 # الدليل الثالث ms101 أنا وجدنا في صحيح الأخبار أوصافا للقدرية ليست إلا فيكم ~~لأنه قد روي أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم:(صنفان من أمتي لا تنالهما ~~شفاعتي لعنهم الله على لسان سبعين نبيئا وهم القدرية والمرجئة قيل يا رسول ~~الله من القدرية؟ قال:الذين يعملون المعاصي ويقولون هي من الله سبحانه. وفي ~~رواية هي من قبل الله وفي أخرى يقولون إن الله قدرها عليهم، قيل ومن ~~المرجئة؟ قال: الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل). وما قال صلى الله عليه ~~وآله وسلم في القدرية نص صريح في أنهم هم القدرية لأنهم أهل هذه المقالة ~~وليت شعري ما عذرهم قاتلهم الله، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لقدرية ~~مجوس هذه الأمة وهم خصماء الرحمن وشهود الزور وجنود إبليس) وطريقة الإنصاف ~~أنا ننظر فيمن وجدت فيه هذه الأوصاف فهو المراد بالقدرية، أما كونهم مجوس ~~هذه الأمة فليس المراد مذهب المجوسية على الحقيقة إذ ليس في هذه الأمة مجوس ~~بل المراد من مذهبه أشبه بمذهبهم، وقد نظرنا فإذا هم أشبه بهم إذ قالوا ~~القادر على الخير لا يقدر على الشر كالكفر لأن القدرة غير صالحة للضدين ~~وهذا بنفسه عين مذهب المجوس على (ما تقدم) ، وأما كونهم خصماء الرحمن ~~فلأنهم هم المخاصمون للرحمن فإنه إذا احتج يوم القيامة على العصاة وأظهر ~~أنهم أتوا من قبل أنفسهم وأنه ليس ظالما لهم، قامت المجبرة فردوا عليه ~~الحجة، وقالوا: بل أنت الذي خلقت فيهم العصيان وخاطبتهم بما لا قدرة فيهم ~~عليه وهو الطاعة ثم أخذت الآن فعاقبتهم على فعل ذلك وتوبخهم عليه، وأما ~~كونهم شهود الزور فإن الله تعالى إذا سأل الشياطين لم أضللتم العباد ~~وأغويتموهم؟ قالوا أنت الذي أظللتهم وأغويتهم ثم لا يجدون من يشهد لهم إلا ~~المجبرة دون سائر PageV01P147 الأمم، قال بعض المفسرين قوله تعالى{ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة}(الزمر:60) واردة في المجبرة لأنهم يحشرون فيخرج من أفواههم ~~دخان فيقع على وجوههم فتسود بذلك وجوههم، وأما كونهم جنود إبليس فإنهم ~~الذين يتعصبون لإبليس ويحتجون له على ms102 مقالته رب بما أغويتني، ويقولون: إنه ~~غير مستحق للذم والبراءة لأنه لا فعل له بل الله هو المظل والمغوي. وإذا ~~ثبت حصول هذه الأوصاف فيهم كانوا هم المرادين بالقدرية من غير شك ولا مرية، ~~وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تجالسوا القدرية ولا تفاتحوهم) وهذا خبر ~~متلقى بالقبول. وطريقة الإنصاف: أنا ننظر من في مجالسته مفسدة فلما نظرنا ~~وجدناهم المجبرة لوجوه: أحدها:أن مجالستهم تؤدي إلى إساءة الظن بالله من ~~حيث أنهم يجوزون صدور كل قبيح منه تعالى.الثاني: أن مجالستهم تؤدي إلى ~~الاستهزاء بكلام الله تعالى لأن السامع متى سمع الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد وهو يعتقد ما يعتقدونه استهزأ بالخطاب العزيز ويقول إن فعلها فينا ~~وجدت وإن لم يفعلها فينا لم توجد فلأي شيء أمرنا ونهانا؟.الثالث:أنه يؤدي ~~إلى التمادي في المعصية من حيث أنه يعتقد أن الله تعالى فاعلها ويستمر على ~~ذلك ويقول الفعل لغيري وهو الله تعالى.الرابع: أنه يؤدي إلى التكاسل عن ~~الطاعة متى سمعهم يقولون إن الطاعات فعل الله تعالى لأن من لا يقدر على شيء ~~لا يهتم بفعله.الخامس:أنه يؤدي إلى أن الله تعالى لا يستحق العبادة لأن من ~~مذهبهم أنه يجوز أن يكون الله تعالى لم يفعل هذه المنافع قاصدا بها وجه ~~الإحسان إلينا بل من غير فضيلة أو فعلها استدراجا لنا بها إلى النار فإذا ~~كان كذلك لم يستحق العبادة لأنها لا تستحق إلا على أصول النعم وفروعها PageV01P148 والنعم من حقها أن يقصد بها فاعلها وجه الإحسان.وقد روي عن أمير المؤمنين ~~علي عليه السلام أنه لما قفل من صفين قال له شيخ ممن كان معه: أترى يا أمير ~~المؤمنين أن مسيرنا إلى الشام كان بقضاء الله وقدره؟ فقال عليه السلام: ~~والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما علونا تلعة ولا هبطنا واديا إلا بقضاء الله ~~وقدره.فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر شيئا،فقال علي ~~عليه السلام: مه أيها الشيخ لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حتما، لو كان ذلك ~~كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط ms103 الأمر والنهي،ولما كانت محمدة من الله ~~لمحسن،ولا مذمة (من الله) لمسيء،ولما كان المحسن بثواب الإحسان أولى من ~~المسيء،ولما كان المسيئ (بعقوبة المذنب) أولى من المحسن، فتلك مقالة عبدة ~~الأوثان وجنود الشيطان وخصماء الرحمان وشهود الزور وأهل العمى في الأمور ~~قدرية هذه الأمة ومجوسها،إن الله تعالى أمر تخييرا،ونهى تحذيرا،وكلف ~~يسيرا،لم يعص مغلوبا،ولم يطع مكرها،ولم يرسل الرسل عبثا،ذلك ظن الذين كفروا ~~فويل للذين كفروا من النار.قال الشيخ: فما القضاء والقدر اللذان ما سرنا ~~إلا بهما؟ فقال علي عليه السلام: الأمر من الله والحكم ثم تلا قوله ~~تعالى{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} فنهض الشيخ مسرورا وأنشأ يقول: # أنت الإمام الذي نرجوا بطاعته يوم النشور من الرحمان رضوانا # أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا جازاك ربك عنا فيه إحسانا # نفسي الفدا لخير الناس كلهم بعد النبي علي الحبر مولانا # نفى الشكوك مقال منك متضح وزاد ذا العلم والإيمان إيمانا # فليس معذرة في فعل فاحشة يوما لفاعلها ظلما وعدوانا PageV01P149 كلا ولا قائل ناهيه أوقعه فيها عبدت إذن يا قوم شيطانا # وهذا الخبر نص صريح في أن القدرية هم المجبرة وكلامه عليه السلام عندنا حجة. # وقد أوردوا شبهة تعلقوا بها: وهي ما يروونه من المناظرة بين آدم وموسى ~~عليهما السلام فإنهم قالوا: إن آدم وموسى اتفقا في السماء فقال موسى لأدم: ~~أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته فلم عصيته؟ ~~فقال آدم أترى أن المعصية التي فعلتها كتبها الله علي قبل خلقي بألفي عام ~~أم لا. فقال موسى بل كتبها عليك.كذلك فقال آدم: فلم تلومني على شيء كتبه ~~الله علي؟ فانقطعت حجة موسى عليه السلام. PageV01P150 # والجواب:من وجوه أحدها:أن هذا الخبر لم يصح من النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم.والثاني:أنه من أخبار الآحاد. الثالث:أنه مخالف دلالة العقل ومحكم ~~القرآن.الرابع:أنه لو صح ما ذكروه لوجب أن تكون الحجة لإبليس على آدم ~~ولفرعون على موسى بأن يقول إبليس لمن ذمه وأنكر عليه مخالفته لربه كما رووا ~~أن آدم عليه السلام احتج به، فكذلك ms104 يقول فرعون مثل ذلك، وهذا يوجب كون ~~الحجة للعصاة على الله تعالى الله عن ذلك، وقد قال تعالى{لئلا يكون للناس ~~على الله حجة}(البقرة:150) وإذا كان كذلك وجب رد هذا الخبر والقطع على أنه ~~كذب على نبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أنه يتقرر هذا لنا بأصل نرجع ~~إليه قد قام عليه البرهان وهو أن سبق العلم بالمعاصي والطاعات ليس يدل على ~~الجبر وعدم التمكن بل العلم سابق غير سائق،وكذلك سبق علمه بنزول المصيبة لا ~~ينافي العوض عليها دليله أن الله تعالى عالم بسعادة المكلف بسبب عمله وهو ~~فعله الطاعة وشقاوته بسبب عمله وهو فعله المعصية أو بنزول المصيبة بسبب ~~عمله وهو الاستقامة فيكون امتحانا أو الانحراف عن الطاعة فيكون عقوبة وربما ~~كان منه دعاء علمه الله تعالى فيكون سببا في عدم نزول المصيبة كما جاء في ~~الأثر (إن الدعاء والبلاء يلتقيان في العرش فيعتلجان حتى تكون الغلبة ~~للدعاء) وقد عرفنا أن (الله تعالى) قد علم أنه لو حصل ضد تلك الأسباب لحصل ~~ضد المسببات،ألا ترى أن الله تعالى علم أنه صلى الله عليه وآله وسلم يولي ~~فرارا من أهل الكهف ويملأ رعبا لو حصل منه بسبب ذلك وهو الاطلاع عليهم ~~،فلما لم يحصل منه السبب لم يحصل المسبب وحصل (ضد السبب) فحصل ضد ~~المسبب،فإذا فرضنا أن المطيع يعصي وأن العاصي يطيع وأن من تنزل به المصيبة يدعو PageV01P151 وانقلبت الحال لم يكشف عن جهل في حقه تعالى بعد علمه بالكل كما قررنا، ثم ~~إن العلم ليس بجبر كعلمك بأن الكافر يعبد الصنم فليس علمك مجبرا له على ~~ذلك، ويشهد بهذا ما جاء في الحديث عن عمر بن الخطاب قال : قال صلى الله ~~عليه وآله وسلم:(مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي أظلتكم والأرض التي ~~تقلكم) فكما لا تستطيعون الخروج من السماء والأرض فكذا لا تستطيعون الخروج ~~من علم الله وكما لا تحملكم السماء والأرض على الذنوب فكذلك لا يحملكم علم ~~الله عليها. ولما أورد الشيخ الحديث الذي في الكتاب استدلالا ms105 على أنه لا ~~يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله وقدره، قال في آخر المسألة كما هي ~~عادته فثبت بما ذكرنا من الدليل القطعي أنه لا يجوز إطلاق القول بأن ~~المعاصي بقضاء الله وقدره وبطل ما قاله المخالف. PageV01P152 ### || AUTO المسألة الرابعة عشرة ((أن الله لا يكلف عباده ما لا يطيقون)) # أنه يجب على المكلف أن يعلم أن الله لا يكلف عباده ما لا يطيقون، وهذا هو ~~قولالأكثر، واختلفوا، فقيل: لأنه قبيح كما يجيء في دليل الكتاب وهو تعالى ~~لا يفعل القبيح كما مر وهذا قول العدلية، ومنهم من قال: إنه لا يكلف ما لا ~~يطاق لأنه تعالى لا ينفرد بفعل القبيح، ويقولون: يصح منه تعالى أن يكلف ~~العبد ما لا يطيقه إذا كلفه بذلك غيره فيفعل ذلك مشتركا وهذا قول النجارية، ~~وعندهم أن تكليف الكافر بالإيمان ليس بتكليف لما لا يطاق وإن لم يكن فيه ~~قدرة على الإيمان، قالوا: لأن الإيمان يصح من الكافر ويجوز ويتوهم فيحسن من ~~الله ولا يقبح،ومنهم من قال: لا يكلف ما لا يطاق لا لقبحه فهو لا يقبح منه ~~ولكن لعدم الداعي إذ لا داعي له إلى تكليف ما لا يطاق بل يستحيل عليه كما ~~يستحيل على الواحد منا الداعي إلى تحريك الجمادات وهذا قول الغزالي. قال ~~بعض أصحابنا: وقد ألزمنا المجبرة على قولهم بإيجاب القدرة وخلق الأفعال ~~وعدم القبيح العقلي أن يكون الله تعالى قد كلف عباده ما لا يطيقونه وكانت ~~المجبرة لا تلتزمه وإن لم يقولوا بقبحه عقلا بل قالوا لأنه لا يليق من ~~الحكيم لما فيه من النقص شاهدا، ولم يزالوا على ذلك حتى صرح أبو الحسن (بن ~~بشر) الأشعري بجوازه على الله بناء على قياس مذهبهم كما ذكرنا، قال بعض ~~المحققين لما لا يطاق صورا أربع: # الأولى: الجمع بين الضدين مما هو غير مقدور أصلا لا له تعالى ولا لنا ~~لأنه يستحيل الجمع بين الضدين من جهتنا ومن جهة الباري تعالى . # الثانية: مالا يطاق من جهتنا وهو مقدور للباري تعالى وهذا ms106 نحو إيجاد ~~الأجسام وبعض الأعراض ونحو ذلك. # الثالثة: ما يصح منا جنسه إلا أنه لا يمكنا إيجاده على الوجه الذي يقع ~~عليه من جهة الباري وهذا نحو الطيران. PageV01P153 # الرابعة: ما يدخل تحت مقدورات القدر إيجاده في مقداره وصفته إلا أن العبد ~~لم توجد فيه قدرة وذلك على زعمهم، فأما الصور الثلاث الأول فإنهم ينفون على ~~الله التكليف # بها، قالوا: لأن السمع ورد بأن الله تعالى لا يفعل ذلك وإن كان العقل ~~يقضي عندهم بجواز ذلك من الله تعالى، وأما الصورة الرابعة فإنهم يجوزونها ~~على الله تعالى ويقولون إن الله يكلف الكافر بالإيمان الذي يمكن غيره من ~~المكلفين إيجاده وكلف الكافر ذلك ولا قدرة له على الإيمان. واختلف أصحابنا ~~هل قبح تكليف مالا يطاق معلوم ضرورة أو استدلالا؟ فقال أبو الحسين وابن ~~الملاحمي: ذلك معلوم ضرورة جملة وتفصيلا فلا يحتاج فساده إلى دليل، قالا: ~~والمجبرة عوام وعلماء فالعوام تبع لعلمائهم والعلماء مكابرون ومتعصبون ~~لمذهبهم الفاسد، والذي عليه الجمهور من أصحابنا أن قبح ذلك جملة معلوم ~~ضرورة في الشاهد والغائب، وأما التفصيل فيحتاج إلى دليل ومن هنا قال ~~الشيخ:- PageV01P154 الدليل على ذلك أي أن الله لا يكلف عباده مالا يطيقون ،أن تكليف ما لا يطاق ~~قبيح وقد بينا فيما سلف بالدليل القطعي أن الله تعالى لا يفعل القبيح، وقد ~~بينا فيما تقدم أيضا بطلان أن تكون القدرة موجبة وغير صالحة للضدين وذلك هو ~~أصل مذهبهم (هنا أنه) تعالى يكلف مالا يطاق. وإذا تقرر بطلان هذين الأصلين ~~وهما أنه تعالى يفعل القبيح وأن القدرة موجبة غير صالحة بطل ما تفرع عليهما ~~من القول بجواز تكليف مالا يطاق، لأنه إذا بطل الأصل بطل الفرع، ومتى قيل ~~وما الذي يدل على أن تكليف مالا يطاق قبيح؟ قلنا: قبحه على الجملة هو معلوم ~~ضرورة ولم تدر أنك أيها الخصم ممن يجهل الضروريات فإن غفل عقلك وتاه عن ~~الصواب قلنا منبهين لك على أن ذلك ضروري، ألا ترى أنه يقبح في الشاهد من ~~الواحد منا أن يأمر الأعمى ms107 بنقط المصحف نقطا صحيحا، وأن يأمر المقعد بالجري ~~مع الخيل العربية، وأن يأمر من لا جناح له بالطيران، وقبح ذلك معلوم ضرورة، ~~ولم يقبح ذلك إلا لكونه (تكليفا لما) لا يطاق لفقد ما يصح تعليق الحكم عليه ~~سواه فصار القبح يدور على كونه تكليفا لما لا يطاق وجودا وعدما، بدليل أنا ~~متى علمنا أن ذلك تكليف لما لا يطاق قضينا بقبحه، ومتى لم نعلمه تكليفا لما ~~لا يطاق لم نقض بقبحه إذا لم يحصل هناك وجه آخر من وجوه القبح وليس هناك ما ~~تعليق الحكم به أولى إذ لو كان هناك ما تعليق الحكم به أولى لجاز أن نعلمه ~~تكليفا لما لا يطاق ولا نعلم قبحه بأن لا نعلم ذلك الأمر المؤثر في القبح ~~أو لجاز أن نعلم قبحه وإن لم نعلمه لا يطاق ولا علمنا وجها من وجوه القبح ~~سوى ذلك، فلو كلف الله عباده ما لا يقدرون عليه لكان قبيحا والله تعالى لا ~~يفعل القبيح كما تقدم. PageV01P155 # قلت وفي قول الشيخ: أن الذي يدل على أن تكليف مالا يطاق قبيح هو معلوم ~~ضرورة ركاكة وقلقلة وكان الأولى في التعبير أن يقال وقبح تكليف ما لا يطاق ~~معلوم ضرورة كما هو مؤدى عبارة((الخلاصة)). ومما يؤيد ما ذهبنا إليه قول ~~الله تعالى{لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}و{إلا ما آتاها}. وقوله{فاتقوا ~~الله ما استطعتم}وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا أمرتم بأمر فأتوا ~~به ما استطعتم). احتج المخالف: بأن الله تعالى كلف أبا جهل ما لم يطق حيث ~~أمر أن يعلم بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالإيمان معا، ومن ~~جملة ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإخبار بأنه كافر فإعلامه ~~به تكليف ويلزم التكليف بلازمه وهو الكفر مع الإيمان فالجمع بينهما لا يطاق. # الجواب: عن ذلك من وجهين: # أحدهما: ذكره في الأساس وهو أن كفر أبي جهل سبب الإعلام بأنه كافر ضرورة ~~لا أن ذلك الإعلام سبب لحصول كفره، وإذا لم يكن الإعلام سببا ms108 لم يلزم ~~التكليف بالكفر ولأنه لم يكلف أبو جهل بالعلم بأنه كافر لحصوله عنده بسبب ~~كفره إذ تحصيل الحاصل محال، وكذلك أمر الحكيم به محال. فثبت أنه لم يكلف ~~إلا بالإيمان فقط. # والثاني: ذكره بعض أصحابنا وهو أنه إنما كلفه بتصديق النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فيما جاء به على الجملة، لا في كل فرد إلا فيما بلغه منها فقط، ~~ولا نسلم أن هذا مما بلغه إذ لا يجب التبليغ إلا إلى من له فيه مصلحة من ~~حكم أو غيره ولا مصلحة لأبي جهل في ذلك. فثبت بذلك الذي قررنا من الأدلة ~~وقطع شبهة المخالف أن الله تعالى لا يكلف عباده مالا يقدرون عليه وبطل ما ~~قاله المخالف. PageV01P156 ### || AUTO المسألة الخامسة عشرة ((أن الله تعالى لا يثيب أحدا إلا بعمله ~~ولا يعاقبه إلا بذنبه)) # أنه يجب على المكلف أن يعلم أن الله تعالى لكونه عدلا حكيما لا يثيب أحدا ~~إلا بعمله ولا يعاقبه إلا بذنبه هذا مذهبنا. والخلاف في ذلك مع الأشعرية ~~والحشوية والجهمية ويلزم المطرفية، أما الحشوية فإنهم قطعوا: أن الله يعذب ~~أطفال المشركين بذنوب آبائهم يوم القيامة، وأما الأشعرية فيجوزون ذلك، ~~والفريقان متفقان على أن الله تعالى يجوز أن يثيب بغير عمل ويعاقب بغير ذنب ~~لأنه غير منهي فلا يقبح منه قبيح أصلا، وأما المطرفية فإنهم يقولون: إن ~~الله ما سوغ لنا ملك أولاد المشركين واسترقاقهم وإنزال المصائب بهم إلا ~~لأجل ذنوب آبائهم فألزمهم أهل العدل جواز أن يعاقبهم الله تعالى في الآخرة ~~لأجل ذنوب آبائهم. # والدليل على ذلك: المذهب الصحيح وهو مذهبنا أن المجازاة بالثواب والعقاب ~~لمن لا يستحقها قبح ، والله تعالى لا يفعل القبيح فهذان أصلان لابد من ~~إقامة الدليل على كل واحد منهما. PageV01P157 # أما الأصل الأول: فأخذ في بيان دليله فقال: أما الدليل على أنه لا يثيب ~~أحدا إلا بعمله، فهو أن الثواب يتضمن التعظيم لا يخفى ما في هذه العبارة من ~~الركة لأن الاشتغال بإبانة أن الثواب لمن لا يستحقه قبيح وفي تصدير ms109 الكلام ~~بقوله أما الدليل على أنه لا يثيب أحدا إلا بعمله رجوع إلى نفس المسألة لا ~~إلى الاستدلال على أصلها المبنية هي عليه وبيان ما قصده الشيخ أن الثواب في ~~اصطلاح المتكلمين، المنافع المستحقة المفعولة على جهة التعظيم، فقولنا ~~المنافع جنس الحد، وقولنا المستحقة يخرج التفضل لأن حقيقته هي المنافع التي ~~ليست بمستحقة، وقوله على جهة التعظيم يخرج العوض واللطف، لأن حقيقة العوض ~~المنافع المستحقة المفعولة لا على جهة التعظيم وحقيقة اللطف ما يدعو المكلف ~~إلى فعل ما كلف فعله أو ترك ما كلف تركه أو إلى مجموعهما على الوجه الذي ~~كلف به. PageV01P158 # وقال في الأساس: هو تذكير بقول أو غيره حامل على فعل الطاعة وترك ~~المعصية.قال المهدي عليه السلام وأبو هاشم: ويجوز كون فعل زيد لطفا لعمرو ~~وتقدم اللطف بأوقات ولو قبل بلوغ المكلف ما لم يصر في حكم المنسي خلافا ~~لأبي علي.حجتنا عليه حصول الالتطاف بالمواعظ وهي فعل الغير وبأموات القرون ~~الماضية وتهدم مساكنهم وهي متقدمة، فقد عرفت أن المنافع أربع تفضل وثواب ~~وعوض ولطف، وأن الثواب هو المنافع المستحقة المفعولة على جهة الإجلال ~~والتعظيم،فلو أوصلها الله إلى من لا يستحقها لكان قد عظم من لا يستحق ~~التعظيم ومعلوم قطعا أن تعظيم من لا يستحق التعظيم قبيح، دليله ما نعلمه في ~~الشاهد ألا ترى أنه يقبح من الواحد منا تعظيم البهائم كتعظيم الأنبياء ~~وتعظيم الأجانب كتعظيم الوالدين وأن ينزل المسيء في باب التعظيم منزلة ~~المحسن ولم يقبح ذلك لدليل منفصل بل إنما قبح ذلك لكونه تعظيم من لا يستحق ~~التعظيم أي تعظيم الأنبياء وتعظيم الوالدين لا التعظيم المطلق فقد يكون ~~الأجنبي مؤمنا يستحق التعظيم وهذه هي العلة في القبح لا غيرها إذ لا تجد ما ~~تعليق الحكم به أولى فثبت أنها هي العلة، وإذا ثبت ذلك لزم من إثابة الباري ~~من لا يستحق الثواب فعله القبيح وهو لا يصح منه تعالى كما مر، ولهذه العلة ~~قبح السجود للأصنام لأنه تعظيم من لا يستحق التعظيم. وأما الدليل على أنه ms110 ~~لا يعاقب أحدا إلا بذنبه، النظر هاهنا كما مر لأن الاشتغال ببيان دليل أصل ~~المسألة وهو أن عقاب من لا يستحق العقاب قبيح وهذا رجوع إلى نفس المسألة ~~وفي بعض النسخ بلفظ لا يعاقب PageV01P159 من لا يستحق العقاب. فلأن عقاب من لا يستحق العقاب يكون ضررا عاريا عن جلب ~~نفع ودفع ضرر واستحقاق، وهذه حقيقة الظلم. قال الدواري: الأجود في حقيقته ~~أن يقال هو الضرر العاري عن استحقاق أو جلب منفعة أو دفع مضرة، أو الضرر ~~الذي لا يعرى عنها أو عن أحدها ولم يقض العقل أو الشرع بحسن ذلك الضرر أو ~~العاري عن ظن جلب النفع أو دفع الضرر أو الذي لا يعرى عن ظن ذلك ولم يكن ~~فعله حسنا ولا يكون في الحكم كأنه في جهته غير فاعل الضرر، قلنا الضرر لأن ~~النفع لا يكون ظلما، قلنا العاري عن جلب منفعة أو دفع مضرة كما وصفنا لأن ~~الضرر لأجل النفع أو دفع الضرر المذكورين لا يكون ظلما كمن شرط أذن ولده ~~لدفع ضرر هو أعظم من ذلك، أو يقطع إصبعا من يده خشية فساد جميع اليد، وكذلك ~~إنزاله به مشقة السفر لما يرجو له من النفع الذي هو أعظم من تلك المشقة لا ~~يكون ظلما، قلنا أو استحقاق لأن المقتص من غيره عن نفس أو مال لما وجب له ~~من القصاص لا يكون ظلما وكذلك عقاب الله لأهل المعاصي بالنار والحدود. قلنا ~~أو الظن للنفع أو دفع الضرر الموصوفين وذلك لأن ظنهما قائم مقام حصولهما ~~لأن المنافع والمضار تقوم الظن مقام وقوع المظنون وهذا مما قضت به قضايا ~~العقول، ولم يذكر فيهما ظن الاستحقاق لأنه لا يجوز إيلام الغير لظن ~~الاستحقاق فلا تقتل شخصا لظنك أنه قتل ولدك ولا نحو ذلك، هذا قول الزيدية ~~وجمهور المعتزلة، وقال أبو هاشم بل يحسن لظن الاستحقاق. PageV01P160 # قلنا:ولا يكون في الحكم كأنه من جهة غير فاعل الضرر ليحترز به من الملقى في ~~النار والبحر فأن ضرره كان من جهة غير الله وإن ms111 كان الله هو الفاعل لذلك ~~فكان الضرر من غيره وهو الملقي وتبعته عليه لأنه فعل الإلقاء وقد أجرى الله ~~العادة بالهلاك عنده فكان الملقي هو المهلك. قال الدواري:قالا وأوجز من هذه ~~الحقيقة ما ذكره المؤيد بالله عليه السلام والحاكم في حقيقة الظلم فقالا هو ~~الضرر القبيح والدليل على أن ذلك الضرر ظلم أن من علم ضررا هذا حاله علمه ~~ظلما ومن لم يعلمه بهذه الصفة لم يعلمه ظلما بدليل ما ذكرناه في قيود الحد ~~فثبت أن عقاب من لا يستحق العقاب ظلم، والظلم قبيح بدليل أن من علمه ظلما ~~علمه قبيحا ومن لم يعلمه ظلما لم يعلمه قبيحا والله تعالى لا يفعل القبيح ~~وقد جاء السمع بتصحيح ما ذكرنا قال الله تعالى{ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى}(الإسراء:15) وقوله {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}(النجم:39) وقوله ~~تعالى{فكلا أخذنا بذنبه}(العنكبوت:40) ولا شك أن الطفل لا ذنب له فلا يجوز ~~تعذيبه بذنب أبيه. وقوله تعالى{إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون}(يونس:44) ولا ذنب أعظم من تعذيب من لا ذنب له فيجب نفيه عن ~~الله تعالى كما نفاه عن نفسه، ويدل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه نهى في بعض الغزوات عن قتل (أولاد المشركين) فقيل يا رسول ~~الله أوليسوا أولاد المشركين فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(أوليس خياركم ~~أولاد المشركين كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعزب عنها لسانها إما شاكرا ~~وإما كفورا) وفي بعض الأحاديث(إنما أبواه يهودانه (ويمجسانه وينصرانه) ) ~~قوله أوليس خياركم أولاد المشركين قال الدواري: يعني بذلك نفسه PageV01P161 المقدسة صلى الله عليه وآله وسلم. # قلت:في ذلك تردد إذ الرواية مخنلفة في كون بعض آباء رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم على ملل صحيحة فيكون كل آبائه مسلمين أو على الكفر فيكون ~~بعضهم كفارا وقد بسطنا القول في ذلك بعض البسط في شرح التكملة، وقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم على الفطرة المراد بها الخلقة الدالة على توحيد الله ~~كما قال{فطر السموات والأرض}(الأنعام:79) ms112 أي خلقهما فيكون معنى الخبر كل ~~نسمة تولد على الخلقة الدالة على توحيد الله تعالى وعدله، وإنما تؤتى في ~~إيمانها وكفرها من جهة نفسها أو من جهة الأبوين لا من جهة الخلقة. # وأما الأصل الثاني: فأخذ في بيان دليله فقال: وأما أنه تعالى لا يفعل ~~القبيح فقد تقدم بيانه وإقامة البرهان عليه، فثبت بذلك الدليل القطعي ما ~~ذهبنا إليه من أن الله تعالى لا يثيب أحدا إلا بعمله ولا يعاقبه إلا بذنبه ~~وبطل ما قاله المخالف. PageV01P162 ### || AUTO المسألة السادسة عشرة (( في الإرادة )) # اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين أن الباري يوصف بأنه مريد وكاره وقد نطق ~~به القرآن الكريم ومن خالف في ذلك فقد كفر، ولكن اختلفوا. فقال جمهور ~~أئمتنا عليهم السلام والبلخي والنظام وأبو الهذيل: المرجع بكونه تعالى ~~مريدا لأفعاله إلى أنه أوجد أفعاله وهو عالم غير ساه ولاممنوع، والمرجع ~~بكونه مريدا لأفعال غيره أنه أمر بها، والمرجع بكونه كارها لأفعال غيره أنه ~~ناه عنها وهو معنى قول أئمتنا عليهم السلام إن إرادة الله تعالى مراده وقد ~~زعم الدواري أن القائل إن إرادة الله مراده هو قول المطرفية إلا أن هناك ~~صفة له، ولا معنى غير المراد وكلامه ظاهر الدلالة على أن قولهم يخالف قول ~~من تقدم، قال وتمسكوا بلفظة رووها عن الهادي عليه السلام وهي قوله إن إرادة ~~الله مراده، قال إن صح ذلك عن الهادي عليه السلام فالمعنى كمراده. PageV01P163 # قلت: وهو خلاف الظاهر، وأما أبو الحسين وابن الملاحمي فإنهما قالا: المرجع ~~بكون المريد مريدا إلى أن له داعيا والمرجع بكون الكاره كارها إلى أن له ~~صارفا، ثم افترقا بعد ذلك، فابن الملاحمي أطلق ذلك شاهدا وغائبا، وأبو ~~الحسين قال: ذلك في الغائب فقط وفي الشاهد كمذهب جمهور المعتزلة كما نبينه ~~الآن. وقالت الأشعرية: المرجع بكونه كارها إلى أنه غير مريد. وقال بعض ~~الزيدية وجمهور المعتزلة بل هو تعالى مريد على حد إرادة الواحد منا فهو ~~مريد بإرادة خلقها الله تعالى مقارنة لخلق المراد غير مراده في نفسها ms113 ولا ~~محل لها وهي عرض لا في محل إذ الباري لا يحله العرض ولو حلت في غيره كان ~~إذا هو المريد فاختصت به على أبلغ الوجوه لأن الباري لا في محل، وقالوا لم ~~يردها فرارا من التسلسل ،وقالوا: مقارنة إذ لا يجوز تقدمها على المراد لأن ~~أحدنا لا يتقدم إرادته إلا لتوطين النفس على تحمل المشقة أو لتعجيل المسرة ~~وكلاهما مستحيل على الله تعالى. PageV01P164 # قلنا:قولكم مبني على أصل باطل وهو أنكم على زعمكم اعتمدتم ذلك بطريقة سبر ~~وهو أن الباري لا يخلو إما أن يكون مريدا لذاته أو لغيره، باطل أن يكون ~~مريدا لذاته للزوم أن توجد جميع المرادات إذ لا اختصاص لبعضها حينئذ، فإن ~~كان لغيره فلا يخلو إما أن يكون فاعلا أو علة، باطل أن يكون فاعلا وإلا لزم ~~أن يكون الباري من جنس المقدورات وقد مر بطلانه، فإن كان علة فلا يخلو إما ~~أن تكون قديمة أو محدثة باطل أن تكون قديمة إذ لا قديم غير الله تعالى كما ~~مر بيانه، بقي أن تكون لعلة محدثة وهو العرض الذي لا محل له المخلوق بغير ~~إرادة، ونقول رمتم حصر الأقسام فما استوفيتموها ما لكم لا تقولون أولا ~~لذاته ولا لغيره فإن هذا القسم المعتمد الذي قام عليه الدليل وذهب إليه ~~أئمة العترة لأنه كما أنه فاعل لا بحركة فهو مريد لا بإرادة لوجوب كونه ~~سبحانه في ذلك بخلاف المخلوق، وقولهم أنه خلقها ولم يردها باطل إذ المعلوم ~~عند كل عاقل أن الفاعل إذا فعل شيئا لا يريده فهو إما زائل العقل أو ساه أو ~~ملجأ والله يتعالى عن هذه الأوصاف، وقولهم أنها مختصة بالباري على أبلغ ~~الوجوه لأجل كون الباري موجودا لا في محل، باطل أيضا لأنه إذا لم يجز أن ~~يؤدي الدليل إلى إثبات عرض لا في محل في حق المخلوق لم يجز أن يؤدي إلى ذلك ~~في حق الباري أولى وأحرى وهم مجمعون مع الأئمة على أنه يستحيل في الشاهد ~~وجود عرض لا في محل ولم ms114 يستحل إلا لكونه عرضا ولا مخصص في ذلك العرض دون ~~ماعداه وإلا لزم تجويز وجود حركة لا في متحرك وذلك باطل، وقولهم إن الدليل ~~أداهم إلى ذلك في حق الباري لأجل كونه لا في محل باطل أيضا لأن جملة العالم ~~لا في محل فيلزم اختصاصه بعرض لا في محل إذ PageV01P165 العلة قائمة، ثم إنه لو جاز أن يثبت للباري إرادة لا في محل جاز أن نثبت له ~~حركة لا في محل وشهوة لا في محل ونحو ذلك من المحالات، ومما يشهد بصحة هذه ~~الجملة من أقوال الأئمة قول أمير المؤمنين علي عليه السلام: بقول ولا يلفظ، ~~ويحفظ ولا يتحفظ، ويريد ولا يضمر، ويحب ويرضى من غير رقة، ويغضب ويبغض من ~~غير مشقة. وقوله عليه السلام ومشيئته الإنفاذ لحكمه، وإرادته الإمضاء ~~لأموره. وقول علي بن الحسين عليهما السلام في توحيده: فاعل لا باضطراب، ~~إلاه مقدر لا بجولان فكرة، مدبر لا بحركة، مريد لا بهمامة، وقول جعفر بن ~~محمد الصادق عليهم السلام في كتاب الإهليلجة: الإرادة من العباد الضمير وما ~~بعد ذلك من الفعل فأما عن الله عز وجل فالإرادة للفعل إحداثه لأنه لا يرى ~~ولا يتفكر. وقول الهادي إلى الحق عليه السلام في كتاب المسترشد: ألا ترى أن ~~الفاعل لما لا يريد فجاهل مذموم من العبيد فكيف يقال ذلك (في الله) الواحد ~~الحميد وقوله لا فرق بين إرادة الله ومراده وأن الإرادة منه هي المراد وأن ~~مراده هو الموجود الكائن المخلوق. PageV01P166 # قلت: كلامه هذا أوضح دليل على بطلان تأويل بعض المتأخرين لكلامه. وقول ابنه ~~المرتضى لدين الله عليه السلام في كتاب الشرح والبيان: العرض لا يقوم بنفسه ~~ولابد له من شبح يقوم فيه وبه. وقول أخيه الناصر عليهما السلام في كتاب ~~النجاة: لا يقوم عرض إلا في جسم ولا جسم إلا في عرض.وقول القاسم بن علي ~~عليهما السلام في كتاب التجريد: فإن قال السائل فلا أرى لله إرادة إذا كان ~~مراده وجود فعله، فإنا نقول إن مراده لو لم يكن وجود ms115 فعله لكانت صفاته ~~كصفات خلقه. وقول ابنه الحسين بن القاسم عليهما السلام في كتاب الرد على ~~الملحدين: ولو كانت إرادته قبل فعله لكانت كإرادة المخلوقين ولكانت عرضا من ~~جسم ولو كان جسما لأشبه الأجسام، وإنما إرادته فعله وفعله مراده وليس ثم ~~إرادة غير المراد فيكون مشابها للعباد. وذكر الإمام المنصور بالله عليه ~~السلام في الرسالة الناصحة: إن من جملة محالات المطرفية قولهم في الإحالة ~~أنها لا حالة ولا محلولة محال وذلك يدل على أن قول من قال في الإرادة أنها ~~لا حالة ولا محلولة محال كالقول في الإحالة. نعم وفي الناس من يزعم أن ~~الباري مريد بإرادة قديمة وهؤلاء هم الكلابية والأشعرية من المجبرة بناء ~~منهم على أصلهم في سائر الصفات وقد مر إبطاله. وقالت النجارية من المجبرة: ~~بل هو تعالى مريد لذاته وكلامهم باطل لأنه يلزم أن تكون متقدمة على المراد، ~~والإرادة المتقدمة توطين النفس وذلك لا يصح على الباري ويلزم أن تكون ذاته ~~مختلفة لأن إرادته الصيام في رمضان خلاف إرادته تركه يوم الفطر لأن التخالف ~~لا يكون إلا بين شيئين فصاعدا. وقال هشام بن الحكم ومتابعوه من الرافضة: ~~إرادته تعالى حركة لا هي هو ولا هي غيره، وقولهم هذا غير معقول PageV01P167 ويحتمل أن يريدوا الحركة على حقيقتها على القول بالتجسيم وأن يريدوا بها ~~صفة المريدية التي أثبتها غيرهم فيكون خطأ في العبارة فقط. وقال الحضرمي ~~وعلي بن متيم: بل حركة في غيره. # قلنا: إذا فالمريد غيره وإن سلم لزم الحاجة إليه وأن يكون أول مخلوق غير ~~مراد لعدم وجود غيره تعالى وذلك يستلزم نحو العبث كما مر. # واعلم أنه يرادف الإرادة في اللفظ الرضى والمحبة والولاية، فإذا قيل رضي ~~الله عن فلان أو والاه أو أحبه فمعناه أراد نفعه منه ومن غيره وكره ضره منه ~~ومن غيره. # وتحقيق ذلك المعنى الحكم باستحقاق الثواب قبل وقته وإيصاله إليه (في ~~وقته) والكراهة ضد المحبة ومعناها الحكم باستحقاق العذاب قبل وقته وإيصاله ~~إليه في وقته، والسخط بمعنى الكراهة. # ثم اعلم ms116 أن كل فعل يصدر منه تعالى فهو مريد له عندنا خلافا لمن قال خلق ~~إرادة ولم يردها وهو تعالى مريد لفعل الطاعات وترك المقبحات لا فعل المباح ~~إذ لا ترجيح لفعله على تركه خلافا للبلخي، ومريد لأكل أهل الجنة إذ هو أكمل ~~للنعمة، وإذ لا خلاف # بين العقلاء أن الموفر العطاء من أهل المروة والسخاء يريد أن يقبل المعطى ~~ما وفر إليه والله جل وعلا أولى بذلك وهذا مذهب أبي هاشم خلافا لأبي علي، ~~وأما فعل المعاصي فقالت العدلية: إن الله تعالى منزه عن إرادته فهو تعالى ~~لا يريد الظلم ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد بل ذلك حادث بإرادة ~~العباد وهي منهم توطين النفس على الفعل أو الترك وقد يكون مقارنة للمراد. ~~وقالت المجبرة: بل هو تعالى مريد لكل واقع إذ لا يقع في ملك الله إلا ما ~~يريده ويرضاه ويحبه. PageV01P168 # والدليل على ذلك المذهب الصحيح وهو مذهب العدلية أن الرضى والمحبة يرجعان ~~إلى الإرادة كما ذكرنا أنها أسماء مترادفة بدليل أنه لا يصح نفي بعضها ~~وإثبات الآخر ومعلوم أن إرادة القبيح قبيحة والله تعالى لا يفعل القبيح هذا ~~الأصل قد قام الدليل عليه، وأما الأصل الذي قبله وهو أن إرادة القبيح قبيحة ~~فقد أخذ في بيان دليله فقال: والذي يدل على أن إرادة القبيح قبيحة هو ما ~~نعلمه في الشاهد مما لا خلاف فيه ولهذا إن العقلاء يذمون من أراد القبيح ~~كما يذمون من فعله وتسقط منزلة المريد للقبيح كما تسقط منزلة من فعله فلو ~~أخبر عن نفسه مخبر وهو من أهل العفة والصلاح أنه يريد القبائح ويحبها لا ~~على معنى أنه يشتهيها بل على معنى الإرادة الحقيقية، تبادرت العقلاء إلى ~~ذمه وسقطت منزلته عندهم وذلك ظاهر لكل عاقل وقد جاء السمع بتأييد ما ذهبنا ~~إليه في أصل المسألة قال تعالى{ولا يرضى لعباده الكفر}(الزمر:07) وقال ~~تعالى{وما الله يريد ظلما للعباد}(غافر:31) وقال تعالى{والله لا يحب ~~الفساد}(البقرة:205) فنفى عن نفسه إرادة ما ذكر فلا يجوز إثبات ما نفاه ~~(الله ms117 تعالى) لأنه يكون تكذيبا للصادق وذلك لا يجوز، وقد أثبت لنفسه كراهة ~~المعاصي فقال تعالى{كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها}(الإسراء:38) ،فإذا كان ~~كارها لها بطل أن يكون مريدا لها. PageV01P169 # ويدل على ذلك قول النبي صلى الله علي وآله وسلم:(إن الله كره لكم العبث في ~~الصلاة والرفث في الصيام والضحك بين المقابر)، فإذا كان الله تعالى كارها ~~لهذه الأفعال فكيف يجوز لمن يدعي الإسلام أن ينسب إلى الله إرادة قتل ~~الأنبياء عليهم السلام وسائر الفواحش تعالى الله (عما يقولون) علوا كبيرا، ~~ومن أنصف من نفسه كفاه الدليل ومن كابر فضحه الدليل. # دليل آخر على أن الله لا يريد القبائح أنه قد ثبت أن الشياطين يريدون ~~القبائح من العباد وثبت أن الأنبياء عليهم السلام كارهون لها فلو كان الله ~~تعالى مريدا للقبائح كما تزعمه المجبرة لكانت الشياطين موافقين لله تعالى ~~في إرادته ولكان الأنبياء عليهم السلام مخالفين لله سبحانه في إرادته وكل ~~مذهب أدى إلى أن يكون الشيطان موافقا لله والنبي مخالفا له وجب القضاء ~~بفساده. وأما ما يتعلق به المخالف من قوله لو وقع في ملك الله مالا يريده ~~لكان ضعيفا عاجزا فذلك لايصح، لأنا نقول له إنما يدل على عجزه لو وقع على ~~سبيل المغالبة ولاشك أن الله تعالى قادر على منع العصاة من القبيح لكن لو ~~منعهم بالقهر لبطل التكليف، ولأن الله تعالى قد أمر بالطاعة ونهى عن ~~المعصية فوجد في ملكه ما نهى عنه ولم يوجد في ملكه ما أمر به، وكما أن ذلك ~~لا يدل على عجزه وضعفه كذلك في مسألتنا، وكذلك ما يتعلقون به من لفظ ~~المشيئة نحو قوله تعالى{ولو شاء ربك ما فعلوه}(الأنعام:112) وقوله ~~تعالى{ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا}(يونس:99) وغير ذلك، فنقول ~~المراد بهذا كله وما أشبهه مشيئة الإكراه لأنه قادر على أن يجبر العباد على ~~الإيمان وعلى أن يمنعهم من العصيان لكن لو منعهم من ذلك لبطل التكليف لأن ~~من شرائط حسن التكليف زوال المنع PageV01P170 والإلجاء وإذا منعهم الله ms118 تعالى لم يستحقوا على الحسن مدحا ولا ثوابا ولا ~~على القبيح ذما ولا عقابا. يؤيد ذلك قول الله تعالى{سيقول الذين أشركوا لو ~~شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك كذب الذين من ~~قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ~~وإن أنتم إلا تخرصون}(الأنعام:148) وقوله تعالى{وقال الذين أشركوا لو شاء ~~الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا} إلى قوله{فهل على الرسل إلا ~~البلاغ المبين}(النحل:35) فحكى الله عن المشركين أنه شاء شركهم وأكذبهم ~~ووبخهم على ذلك وأخبر أنهم يتبعون الظن وقد قال {إن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا}(يونس:36) وأخبر أنهم يخرصون: والخرص هو الكذب ثم قال تعالى{قل هل ~~عندكم من علم فتخرجوه لنا}(الأنعام:148) وهذا لا يقال إلا للمبطل. فثبت ~~بهذه الجملة مذهبنا أن الله تعالى لا يريد الظلم ولا يرضى الكفر ولا يحب ~~الفساد وبطل ما قاله المخالف. PageV01P171 ### || AUTO المسألة السابعة عشرة ((في الآلام)) # في الآلام وما في حكمها وما يتعلق بها من الأعواض وغيرها، والألم هو ~~المعنى المدرك بمحل الحياة فيه مع النفرة عنه، والذي في حكمه الغم وهو علم ~~الواحد منا أو ظنه أو اعتقاده بنزول مخوف في المستقبل به أو بمن يحب، وإنما ~~قلنا إن الغم في حكم الألم لأن العوض يستحق عليهما معا،وقد يقال المرجع به ~~عند أبي الحسين والإمام يحي وهو مقتضى ما روي عن القاسم والهادي إلى صفة ~~للمتألم وهي كونه متألما وهذه صفة بالفاعل فما وقع من ذلك باختيارنا فالصفة ~~حاصلة منا وما كان بغير اختيارنا فهو صفة من جهة (الله تعالى) . واعلم أن ~~الآلام مضرة عاجلة وإنما تحسن لوجوه خفية حتى أن الجهل بوجوه حسنها أصل في ~~ضلال فرق كثيرة كالدهرية فإنهم قالوا لو كان للعالم صانع مختار لما صدر عنه ~~هذه الآلام الضارة التي لا غرض فيها أصلا، والثنوية فإنهم جعلوا لها فاعلا ~~غير فاعل الخير لاعتقادهم كونها شرا محضا وقد مر إبطال مقالة هاتين ms119 ~~الفرقتين الضالتين. والتناسخية لما لم يروا بدا من القول بحسنها ارتكبوا ~~لتصحيح ذلك أن أرواح الأطفال والبهائم قد عصت في هياكل غير هذه فعوقبت في ~~هذه، وقولهم لم يدل عليه دليل وكان يلزم أن يحسن سب الطفل والبهيمة عند ~~ألمهما. والبكرية لما لم يصح لهم ذلك التناسخ نفوا تألم الأطفال والبهائم ~~أصلا وقالوا إنها لا تدرك ألما البتة وكلامهم مخالف لما هو معلوم من شاهد ~~الحال من تضررهما ضرورة. والمجبرة لما جهلوا حسنها قالوا: لا يقبح من الله ~~قبيح وأنه يفعل في ملكه ما يشاء ولو وقع مثل ذلك منا لقبح، فهؤلاء كلهم قد ~~ضلوا بسبب جهلهم وجه حسن الألم فتعين حينئذ وجوب معرفة ذلك الوجه. PageV01P172 # ونقول: الآلام لا تكون إلا من فعل فاعل لبطلان تأثير غير الفاعل وهو من ~~المقدورات المشتركة بيننا وبين الباري على ما يجيء بيانه إنشاء الله. # وقالت الطبائعية وسائر المطرفية: بل من الطبائع وإحالات الأجسام. # وقالت المنجمة: بل من النجوم. # قلنا: حادث مع الجواز وإلا لم يكن وقت أولى به من وقت فلا بد له من محدث ~~قادر لما مر في إثبات محدث العالم، ثم إن طبع الطبائعي غير معقول في نفسه، ~~ثم نقول له لو كان موجبا عن الطبع على حد إيجاب العلل لم يختلف الحال فكان ~~يجب فيمن صار في ذلك الموضع ومن أتى عليه ذلك الزمان أن ينزل به ذلك الألم ~~ومعلوم أن أحوال الناس تختلف في ذلك، وأما اختلافه باختلاف الزمان والمكان ~~فذلك باختيار الله تعالى وإحداثه وإجرائه العادة في استمرار ذلك في الغالب ~~لمصلحة يعلمها الله تعالى كما في حصول المولود من ذكر وأنثى وحصول النبات ~~عند البذر والسقي وكون (الحيوان والنبات) بعضها من جنس ما هو أصل فيها. ~~وأما ما رواه جهلة المطرفية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(حاذروا ~~بلاد الأسدام فإنها تحث في الآجال). PageV01P173 # فجوابه: من وجوه: أحدها أن هذا خبر آحادي ومسألتنا قطعية. الثاني أنه معارض ~~بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms120 أنه قال:(لا عدوى ولا طيرة في ~~الإسلام) (ومن أعدى الأول). الثالث أن الخبر إن صح فمعناه أنه لا يمتنع أن ~~يعلم الله تعالى أن الصلاح بإماتة كثير ممن دخلها ومرضه بخلاف غيرها كما ~~علم أن الصلاح متعلق بالموت عند تناول السم وإن كان تناول السم غير مؤثر في ~~الموت ولا موجب له. فإن قيل إن كانت الأمراض النازلة بنا في بلاد الوباء ~~والأسدام من فعله تعالى فلم أمرنا بالتوقي لذلك ونهانا عن السكون في بلاد ~~الأسدام، وإن كان في المرض الذي يصيبنا فيه مصلحة؟. # قلنا: من حيث أن ذلك ضرر ودفع الضرر النازل بنا من الله تعالى ومن غيره واجب PageV01P174 كما أمرنا تعالى وقضى العقل بدفع ما نزل بنا من الأمراض وإن كانت مصلحة لنا ~~لو دامت ثم إذا ارتفعت بالدواء تبين أنه لم يكن لنا مصلحة فيما رفعه الله ~~منها أو أن لنا في رفع المرض مصلحة أكثر من مصلحة المرض كذلك الحكم في ~~الألم في بلاد الأسدام والتوقي منه، إذا عرفت ذلك فاعلم أن جميع الآلام ~~والنقائص النازلة بالأطفال والمجانين وسائر الممتحنين من المكلفين وغيرهم ~~اللاتي من الله حسنة لا قبح فيها. والخلاف في ذلك مع من يقر بحدوثها ثم ~~ينفيها عن الله تعالى، فإنهم يقولون إنها قبيحة ولهذا نفوها عن الله وقد ~~بينا فيما سلف إبطال مقالتهم من أنه قد ثبت بالدليل القطعي أنها من فعل ~~الله وأفعاله كلها حسنة. ونقول: ما كان منها مستحقا فوجه حسنه الإستحقاق، ~~ومالم يكن منها مستحقا فنقطع أنه لابد فيها من مجموع الأمرين العوض للمؤلم ~~والاعتبار له إن كان مكلفا ولغيره إن كان غير مكلف ولا يحسن منه بمجرد ~~العوض لأنه يمكن إيصاله من دون ألم فيكون الإيلام عبثا ولا لمجرد الاعتبار ~~لأنه لا يتصور في البهائم والأطفال فيكون إيلامها لاعتبار غيرها ظلما،وقال ~~عباد بن سليمان: بل يحسن منه تعالى للاعتبار فقط. وقال أصحاب اللطف وهم بشر ~~بن المعتمر وأصحابه: بل يحسن منه لأجل العوض فقط. وقالت المجبرة: يحسن ~~خاليا عنهما، ms121 واختلفوا، فبعضهم قال: لا يعلل حسنه، وبعضهم يعلل بكونه تعالى ~~مالكا وربا أو ليس منهيا. PageV01P175 # والدليل على ذلك القول الصحيح وهو أنه لا بد من مجموع الأمرين وإلا قبحت ~~الآلام أنها لو خلت من العوض لكانت ظلما لأنه يكون ضررا عاريا عن جلب نفع ~~ودفع ضرر أو استحقاق وهذه هي صفة الظلم أي حقيقته كما قدمنا، والظلم قبيح ~~بالضرورة والله تعالى لا يفعل القبيح كما تقدم. نعم حقيقة العوض هو المنافع ~~المستحقة لا على وجه الإجلال والتعظيم.قلت: هكذا قيل وهو مبني على القول ~~بوجوبه على الباري تعالى لا على القول بأنه تفضل وهو الصحيح، واختلف فيه هل ~~يدوم كالثواب أولا. فقال جمهور أئمتنا عليهم السلام وأبو الهذيل وأحد قولي ~~أبي علي وهو القديم منهما وجماعة من المعتزلة كالصاحب الكافي وبعض ~~البغداذية: أنه يدوم،وقال بعض أئمتنا عليهم السلام منهم المهدي عليه السلام ~~والبهشمية: بل يجوز انقطاعه لأنه كالأروش المستحقة بالجنايات في الشاهد ~~فكما لا يجب دوامها لا يجب دوامه. # قلنا: انقطاعه يستلزم تضرر المعوض (أو فناؤه) وحصول أيهما بلى عوض لا ~~يجوز على الله تعالى وبعوض آخر يستلزم أن تكون الآخرة دار امتحان وبلاء لا ~~دار جزاء فقط والإجماع على خلاف ذلك. # فإن قيل: يتفضل عليه بعد انقطاعه. PageV01P176 # قلنا: قد استحق بوعد الله الذي لا يبدل القول لديه أن يبعث للتنعيم فلا وجه ~~للتخصيص بجعل بعضه مستحقا وبعضه غير مستحق، ويتفرع على القول بالدوام القول ~~بانحباط العوض بالمعصية لمنافاته العقاب كالثواب، وعلى القول بعدمه عدم ~~الانحباط، والقول بأن لا منافاة بين العوض والعقاب فافهم ولو خلت الآلام عن ~~الاعتبار لكانت عبثا لأن العبث هو الفعل الواقع من العالم به عاريا عن غرض ~~مثله بإضافة غرض إلى مثله إذ الأغراض تختلف باختلاف الأفعال وهذا المعنى ~~حاصل في الألم لو خلى عن الاعتبار لأنه كان يمكن ويحسن اتصال نفع العوض إلى ~~المؤلم من دون الألم، ولا شك في أن العبث قبيح وقبحه معلوم ضرورة وهو تعالى ~~لا يفعل القبيح كما مر،ويدل على ثبوت ms122 الاعتبار وهو ما يدعو المكلف إلى فعل ~~الطاعة وترك المعصية قول الله تعالى{أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة ~~أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون}(التوبة:126) والمراد بالفتنة في هذه ~~الآية الامتحان بالمرض وغيره فأخبر الله أنه امتحنهم وأن غرضه أن يتوبوا ~~وأن يذكروا، وإنما قلنا أن الفتنة هي الامتحان لأنها لفظة مشتركة بين معان ~~أربعة أحدها ما ذكرنا ويدل عليه قول الله تعالى{الم أحسب الناس أن يتركوا ~~أن يقو لوا آمنا وهم لا يفتنون}(العنكبوت:1،2) معناه يمتحنون. وثانيها: ~~بمعنى العذاب والتحريق قال الله تعالى{يوم هم على النار ~~يفتنون}(الذاريات:13) أي يعذبون، وقال تعالى{إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات}(البروج:10) معناه حرقوهم، وثالثها: بمعنى الإغواء عن الدين قال ~~تعالى{يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من ~~الجنة}(الأعراف:27) معناه لأغوينكم عن الدين. ورابعها بمعنى الكفر والضلال ~~قال تعالى{وقاتلوهم حتى PageV01P177 لا تكون فتنة}(البقرة:193) معناه حتى لا يكون كفر وضلال ولا يجوز في الآية ~~التي ذكرنا شيء من هذه المعاني سوى الامتحان. فثبت بهذه الجملة أن جميع ~~الآلام والنقائص لابد فيها من العوض والاعتبار وبطل ما قاله المخالف. # تنبيه: # لا بأس بعد تقرير كلام الكتاب أن نأتي بتحصيل القول في الألآم على تأسيس ~~صاحب الأساس أمير المؤمنين أيده الله. فنقول: الألآم لا تخلوا إما أن تكون ~~من الباري تعالى أو من المخلوق، إن كان من الباري فلا يخلو إما أن ينزله ~~على غير مكلف أو على مكلف، إن كان الأول حسن منه تعالى لمصلحة يعلمها الله ~~تعالى لأنه عدل حكيم لا ينزل الألم إلا لمصلحة لذلك المؤلم وذلك يكون تفضلا ~~والعوض تفضل لا يجب عليه تعالى. PageV01P178 # قلت: والعوض من المصلحة التي يعلمها الله تعالى فإن كان إنزال الألم له فهو ~~يفعله قطعا لا أنه واجب عليه، وعلى هذا فالاعتبار والعوض غير معتبرين في ~~إنزال الآلام خلافا لما في الكتاب وهو الذي اعتمده المهدي (عليه السلام) ~~وجمهور البصرية، وإن كان الثاني فلا يخلو إما أن يكون الذي نزل به الألم ~~مؤمنا أو غير مؤمن، ms123 إن كان مؤمنا حسن إيلامه لاعتبار نفسه فقط إذ هو نفع ~~كالتأديب ولتحصيل سبب الثواب فقط وهو الصبر عليه والرضى به لأن ذلك عمل لا ~~حصر للثواب عليه كما قال تعالى{إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب}(الزمر:10) ولحط الصغائر عنه وفاقا للزمخشري إذ هو دفع ضرر كالفصد، ~~وفي الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم(من وعك ليلة كفر الله عنه ذنوب ~~سنة) هذا لفظ الحديث أو معناه. وفي نهج البلاغة لأمير المؤمنين عليه السلام ~~الآلام تحط الأوزار وتحتها كما تحت أوراق الشجر أو كما قال، وكقوله عليه ~~السلام جعل الله ما تجد من شكواك حطا لسيئاتك أو كما قال، والأدلة السمعية ~~في ذلك متواترة معنى ولمصلحة له يعلمها كما مر في إيلام غير المكلف ~~ولمجموعها لجميع ما مر من الأدلة، ويمكن أن يكون إيلام من قد كفر الله عنه ~~جميع سيئاته كالأنبياء (عليهم السلام) تعريضا للصبر والرضى إذ هو حسن ~~كالتأديب، وأما إذا كان غير مؤمن بل صاحب كبيرة فإيلامه إما لتعجيل عقوبة ~~فقط وقيل لا عقاب قبل الموافاة. PageV01P179 # حجتنا قوله تعالى{وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم }(الشورى:30) ولا ~~خلاف في أن الحد عقوبة ولقوله تعالى{وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين}(النور:02) ونحوه، وإما لاعتبار نفسه فقط كما ذكرنا أنه كالتأديب ~~ولقوله تعالى{أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ~~ولاهم يذكرون}(التوبة:126) وأما لمجموعهما أعني لتعجيل العقوبة والاعتبار ~~ولا يجوز أن يكون إيلامه للعوض لمنافاته العقاب فينحبط كالثواب كما قررناه ~~أولا خلافا لرواية المهدي (عليه السلام) عن المعتزلة وعليه بنى وهو مقتضى ~~كلام الكتاب لأنهم يقولون لو خلت الآلام عن العوض والاعتبار قبحت خلافا ~~للمجبرة. # حجتنا: على المهدي (عليه السلام) والمعتزلة قوله تعالى{ولا يخفف عنهم من ~~عذابها}(فاطر:36) وقوله تعالى{ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم ~~الخياط}(الأعراف:40) فلا عوض حينئذ،وأما إذا كان الإيلام من المخلوق فقد ~~يكون حسنا وقد يكون غير حسن،فالحسن هو ما وقع على جهة العقوبة كالقصاص أو ~~ظن حصول منفعة كالتأديب أو دفع مضرة ms124 كالفصد أو لإباحة الله تعالى كذبح ~~الأضاحي أو نحو ذلك،والقبيح ما كان على خلاف ذلك وهو ما وقع على جهة ~~الجناية وتحصيل القول في ذلك أن نقول لا يخلو الجاني إما أن يكون مكلفا أو ~~غير مكلف، إن كان مكلفا فإما أن يوقعه بمكلف أو غير مكلف، إن كان أوقعه ~~بمكلف فلا يخلو إما أن يكون عدوانا أولا، إن كان عدوانا ولم يتب قال الهادي ~~عليه السلام: زيد في عذابه بقدر جنايته وأخبر المجني عليه بذلك فإن كان ~~مؤمنا أثيب على صبره. PageV01P180 # قال إمام زماننا أيده الله تعالى: ويحط بالألم من سيئاته بسبب التخلية لقول ~~الوصي عليه السلام: فأما السب فسبوني فهو لي زكاة أي تطهرة أي كفارة، وإن ~~كان ذا كبيرة فلا يزاد على إخباره لانحباط العوض لمنافاته العقاب عندنا كما ~~مر، ويمكن أن يجعله الله تعالى تعجيل عقوبة في حقه فلا يخبر كما فعل الله ~~ببني إسرائيل حين سلط عليهم بخت نصر فقال تعالى{فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا ~~عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا ~~مفعولا}(الإسراء:05) ونحوها، وإن تاب جاز أن يقضي الله عنه لأن التوبة صيرت ~~الفعل كأن لم يكن فيبطل كل ما هو فرع عليه من عوض وعقاب، فكما لا يعاقبه لا ~~ينقص من عوضه وهذا الوجه هو الذي اعتمده أبو القاسم البلخي وجاز أن ينقص من ~~أعواضه إن كان له أعواض. # قالت البهاشمة: واعتمده المهدي عليه السلام هذا هو الوجه وما ذكره أبو ~~القاسم غير سديد لأن ذلك تفضل لا إنصاف ولابد من الإنصاف. # قلت: (المحكي عن) قاضي القضاة وغيره من المعتزلة وعول عليه المهدي عليه ~~السلام أنه لا يجوز أن يمكن الله حيوانا من إيلام غيره إلا حيث علم من حال ~~ذلك الحيوان أنه يوافى في الآخرة وله من العوض ما يوافي ذلك الغير وإلا ~~منعه منه وقبح منه تمكينه، وخالفهم في هذا أبو هاشم وقال يجوز تمكينه ويكون ~~الذي يوفي عنه هو الله، وردوا على أبي هاشم قوله بأن ms125 ذلك تفضل لا إنصاف. PageV01P181 # قال إمام زماننا أيده الله تعالى: أنه يجوز الوجهان (ويجوز أن يقضى أيضا) ~~من أحد نوعي الثواب وهو التنعيم دون التعظيم ولا مانع من تفضله بالقضاء ~~كالمتفضل بقضاء الأرش وقد حصل الانصاف لأنه عن الجناية فلا وجه لقول ~~البهاشمة، وإذا وجد ما يقضى عنه من عوض أو نحوه فلا موجب لاستحقاق أن يقضى ~~عنه فلا وجه لما قاله أبو القاسم، وإن كان المجني عليه غير مكلف فلمصلحة ~~يعلمها الله تعالى كما مر للتخلية، ويجوز ذلك مع عدم أعواض الجاني فيوفي ~~الله عنه وفاقا لأبي هاشم وخلافا للقاضي وغيره. # قالوا:لأن ذلك تفضل لا إنصاف. PageV01P182 # قلنا: قد حصل الإنصاف مع الحكم بالزيادة في عذاب الجاني كما قدمنا فيكون ~~كالقصاص، فإن كانت الجانية على جهة الخطأ كانت كجناية التائب في الوجهين، ~~أعني حيث يكون المجني عليه مكلفا وغير مكلف وسواء كان الجاني مؤمنا أو ذا ~~كبيرة لعموم أدلة العفو عن الخطأ. واعلم أن الله تعالى يبعث البهائم يوم ~~القيامة ويتفضل عليها بما شاء من الأعواض لقوله تعالى{وما من دابة في الأرض ~~ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ~~ربهم يحشرون}وقال تعالى{وإذا الوحوش حشرت}(التكوير:05) ولا يمتنع أن يديم ~~الله التفضل عليها بدوام الجنة والنار، قال بعضهم: يجوز أن يدخل الله النار ~~منها ما كان مبغضا منفورا عنه كالحيات والسباع مع كونها متلذذة بذلك، ويدخل ~~الجنة منها ما كان حسن الصورة محبوب النظر، وقال أبو هاشم: يجوز أن تعوض في ~~الدنيا فلا تعاد، وقال عباد بل تحشر ثم تبطل بمصيرها ترابا كما قال بعض ~~المفسرين في قوله تعالى{ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا}(النبأ:40) أو غير ~~ذلك، لنا ما مر. نعم قد دل على ثبوت الانتصاف للمظلومين من الظالمين قوله ~~تعالى{ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفسا شيئا وإن كان مثقال ~~حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين}(الأنبياء:47) وإذا كان تعالى لا ~~يضيع مثقال حبة من خردل فكيف يضيع عنده ما هو ms126 أكثر من ذلك. ويدل على ذلك ~~قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(ينادي مناد يوم القيامة يسمعه جميع من ~~حضر الموقف أنا الملك الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ~~وعليه لأحد من أهل النار مظلمة حتى أقتصها منه ولا ينبغي لأحد من أهل النار ~~أن يدخل النار وعليه لأحد من أهل الجنة مظلمة حتى # أقتصها منه) وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الله ينتصف للشاة الجما من ~~ذي القرنين). PageV01P183 ### || AUTO المسألة الثامنة عشرة في الكلام # وحده ما انتظم من حرفين فصاعدا وكان مسموعا مميزا، فقولنا وكان مسموعا ~~يخرج الكتابة، وقولنا مميزا يخرج الصراخ ونحوه. قال أكثر العدلية: المرجع ~~به إلى هذه الأصوات المقطعة المميزة التي نسمعها فليس بمعنى زائد على ~~الصوت. وقال النظام: الصوت جسم والكلام حركة اللسان. وقال أبو الحسين وابن ~~الملاحمي: المرجع به إلى صفة للجسم. وقال أبو علي: هو معنى زائد على الحروف ~~والأصوات يسمع معها تقارن الملفوظ والمكتوب والمحفوظ وهو باق ويصح وجوده في ~~المحال المتعددة وغير ذلك من الأحكام التي تخالف بها هذا الملفوظ. وقالت ~~الأشعرية: بل الكلام معنى في نفس المتكلم شاهدا وغائبا وهذه الحروف ~~والأصوات عبارة عنه، قالوا: والكلام النفساني هو المعنى عند أهل اللغة ~~لقولهم في نفسي كلام ونحو ذلك. والصحيح هو القول الأول. PageV01P184 # والذي يدل عليه أنا متى علمنا أصواتا أو حروفا متقطعة متميزا بعضها من بعض ~~سميناها كلاما وسمينا الفاعل لها متكلما، فلو كان الكلام أمر غير الذي ~~ذكرناه لصح انفصال أحدهما عن الآخر فيكون الكلام مع فقد هذه الأصوات أو لا ~~يكون الكلام مع وجود هذه الأصوات إذ لا علقة بين هذه الأصوات وبين الكلام ~~الذي تزعمونه ، فلو علمنا أن الكلام يقف العلم به على العلم بهذه الأصوات ~~نفيا وإثباتا علمنا أنها هي الكلام، فاحتجاج الأشعرية بقولهم في نفسي كلام ~~باطل، لأن ذلك من قبيل المجاز، إذ لا دليل على ذلك الكلام النفساني لأن ~~أحدنا لا يجد من نفسه حال التكلم ولا قبله إلا العلم ms127 بترتيبه أو التفكر ~~فيه، فإن عنوا بالكلام النفسي ذلك العلم والتفكر فخطأ في العبارة وغلط في ~~الإطلاق وإن أرادوا غير ذلك فغير معقول وإلا لزم أن نسمي الساكت متكلما ~~وكذا الأخرس وقد بينا بطلانه. واعلم أن الناس مختلفون في هذا القرآن المتلو ~~في المحاريب الموجود بين المسلمين المحفوظ في الصدور وله أسماء ثمانية ~~قرآن، وفرقان، وكتاب، وذكر، وروح قال الله تعالى{وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا}(الشورى:52) ونور قال تعالى{فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي ~~أنزلنا}(التغابن:08) وهدى قال تعالى{وهدى للناس}(الأنعام:91) هل هو كلام ~~الله أو غيره، فالذي ذهب إليه أكثر أهل العدل وهو قول كثير من الفرق أنه ~~كلام الله@ دون أن يكون كلاما لغيره وطريقنا إلى ذلك أنه لا يمكن القادرون ~~بالقدرة إيجاده على ذلك الحد من الترتيب والنظم وكونه في أعلى طبقات ~~البلاغة لا يوجد مثله في فصاحته إلا بزيادة علم من الله تعالى يعرف هذا من ~~عرف السير والتواريخ حيث عجزت العرب- وهم حينئذ الصميم- عن الإتيان ببعض PageV01P185 منه وكذا من عرف قوانين البلاغة وهي مدونة في علوم العربية فنعم الوسيلة هي ~~فتكون حينئذ كالكلام الذي يوجد في الأشجار والأحجار في خروج كل عن طاقة البشر. # وقال بعضهم: كلام الله هو الله، وقيل هو بعضه. # وقالت الأشعرية: هو معنى قديم قائم بذاته لا هو الله ولا هو غيره كما ~~يقولونه في سائر المعاني. # وقالت الكلابية: هو معنى أزلي قائم بذاته ليس بحروف ولا أصوات وهو يعود ~~إلى قول الأشعرية سوى أن الكلابية فروا عن التعبير بالقديم وهم منغمسون ~~فيما هربوا منه. قال الدواري: إذ معنى القديم والأزلي واحد. # قالت المطرفية: بل هو صفة ضرورية قائمة بقلب ملك يقال له ميخائيل. # قالت الفرق الثلاث: والكلام الذي بيننا عبارة عنه فقط. # وقالت الباطنية: هذا الذي نتلوه كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ومعانيه حصلت له بالفيض من النفس الكلية وهي نفس التالي إلى نفسه وهي النفس ~~الجزئية فصاغ هذه الحروف والقرآن كلامه. # والدليل على ذلك المذهب الصحيح وهو أن كلام الله هو الذي ms128 نتلوه المتواتر ~~لدينا، إن المتكلم فاعل الكلام قطعا وذلك دليل على أن كلام الله فعله، وقد ~~ثبت بما مر أن الكلام هو الحروف والأصوات، والحروف والأصوات غيره تعالى ~~لأنها أعراض وهو ليس بجسم ولا عرض، ويقال لمن أثبت الكلام النفسي هو، إما ~~الحروف والأصوات فيلزم حدوثه كهذا الذي هو عبارة عنه أو غيرهما فلا يصح أن ~~يكون هذا عبارة عنه لاختلاف الماهيتين. PageV01P186 # قال السيد أبو طالب: وأيضا فإن كلامه تعالى لا يخلو من أن يكون من جنس ~~الكلام المعقول فيما بيننا وهو أن يتركب من جنس الأصوات والحروف أو مخالفا ~~لذلك، فإن كان من جنس الأصوات والحروف فلا شبهة في حدوثه، وإن كان مخالفا ~~لذلك لم يصح أن يكون كلاما وأن يفهم به شيء، والمثبت لكلام مخالف للكلام ~~المعقول فيما بيننا وأنه في حكم من يثبت جسما مخالفا للأجسام المعقولة فيما ~~بيننا ويثبت مع الله جسما قديما مخالفا لسائر الأجسام، ومن يزعم أن الكلام ~~معنى في النفس وأن الحروف المسموعة دلالة عليه فهو في التجاهل بمنزلة من ~~يزعم أن الصوت معنى في النفس وأن المسموع منه دلالة عليه وأن اللون معنى في ~~النفس والمرئي منه دلالة عليه، وأيضا فإنه يلزم أن يكون هاذرا أو عابثا ~~فيما لم يزل ومخاطبا للمعدوم فهو يقول فيما لم يزل يا موسى يا عيسى يا ~~إبراهيم وغير ذلك مما احتوى عليه القرآن من التهديد والوعيد والقصص ~~والمواعظ كل ذلك يحدث به نفسه ويهذوا به ولا ينفك عن التكلم به وقد علم أن ~~مثل ذلك هذيان ولا يحسن في رجل موصوف برزانة العقل وجودة الوقار فكيف نجعل ~~لازمه لملك الملوك وعلام الغيوب المنزه عن دقائق النقائص وصغائر العيوب ~~تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يدين بذلك أي بأنه كلام الله تعالى ويخبر به وهو صلى الله عليه ~~وآله وسلم لا يدين إلا بالحق ولا يخبر إلا بالصدق، فهذان أصلان نبه على ~~كونهما مقطوعا بهما بقوله وذلك معلوم ms129 ضرورة عند كل من عرف النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم (وروى آثاره وعرف أخباره) ولا فرق بين الأثر والخبر، فإنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم قد شهد له المعجز بالصدق وإصابة ما اعتقده PageV01P187 بظهوره على يديه لأن ظهوره على من لم يكن كذلك قبيح والله تعالى لا يفعل ~~القبيح لما تقدم بيانه.وإذا ثبت ذلك وجب علينا تصديقه فيما قال واتباعه ~~فيما أدان به، ومعلوم بالضرورة أنه كان يرى ويعتقد أن القرآن الذي أتى به ~~كلاما الله دون أن يكون كلاما له عليه السلام أو لغيره من المتكلمين ويخبر ~~الناس بذلك واستمر على هذا إجماع المسلمين بعده صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى أن حدث مذهب هذه الطوائف التي ضلت وأضلت فيكون الإجماع حجة عليهم ، ~~ونقل ما ذكر عن النبي صلى الله عليه آله وسلم وإن كان بالآحاد فمعناه ~~متواتر شبيه بأخبار سخاء حاتم وفصاحة امرؤ القيس وشجاعة عنترة فإن كل خبر ~~منها وإن كان آحاديا إلا أن معناه قد صار متواترا فيفيد القطع إذ المعنى هو ~~المقصود وقد جاء السمع بتأييد ما ذهبنا إليه أيضا قال (الله) تعالى{وإن أحد ~~من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه}(التوبة:06) ~~ولا شك أن الكلام المسموع هو القرآن والمعنى غير مسموع. # فإن قالوا:ذلك مجاز. PageV01P188 # قلنا:خلاف المجمع عليه عن أهل اللسان العربي ولعدم الاحتياج إلى نصب ~~القرينة عند إطلاقه على المسموع، ولو سلم لزم جعل للتفاسير ماله من الأحكام ~~إذ هي عبارة عنه، وقال تعالى{وإذا قرء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ~~ترحمون}(الأعراف:204) وقال تعالى{إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى ~~الرشد}وقوله تعالى{إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى}(الأحقاف:30) وقوله ~~{إنا لما سمعنا الهدى آمنا به}(الجن:13) إلى غير ذلك من الآيات، ثم نقول ~~لهم أخبرونا عن الكلام الذي سمعه موسى من الشجرة هل سمع الشجرة ولم يسمع ~~الكلام أو سمع الكلام؟ فإن قالوا سمع الشجرة ولم يسمع الكلام، أحالوا ~~وخالفوا جميع الأئمة والأمة ويلزم أن تكون الشجرة هي الحجة دون الكلام فلم ~~يبق ms130 إلا أن يكون المسموع هو الكلام الذي خلقه الله وجعل محله الشجرة وذلك ~~هو الحجة. وقال (رسول الله) صلى الله عليه وآله وسلم(إني تارك فيكم ماإن ~~تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف ~~الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم(زينوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا) إلى غير ذلك ~~من الأخبار، وأما قولهم أن كلام الله تعالى معنى قديم وأزلي، فذلك قول باطل ~~لأنا قد بينا أنه لا قديم سوى الله تعالى، وأما قولهم أنه قائم بذات الباري ~~تعالى ، PageV01P189 فإن أرادوا بذلك أنه حال فيه كما يقال الكون قائم بالجسم أي حال فيه، فذلك ~~قول باطل لأن الحلول لا يجوز إلا على المحدثات وإن أرادوا بالقيام بالذات ~~الحفظ كما قال تعالى{أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت}(الرعد:33) أي حافظ، ~~فذلك لا يجوز على مذهبهم لأنه متى كان قديما لم يحتج إلى من يحفظه. # وإن قالوا: أنا نريد أنه موجود به. # قيل لهم: إن أردتم بذلك أنه فاعل له كما يقال السماوات والأرض موجودة ~~بالله تعالى بمعنى أنه الفاعل لهما فذلك هو الذي نقول لكنه يبطل مذهبكم من ~~القول بقدمه، وإن أردتم أنه لولا الله لما وجد القرآن فهو أيضا يحصل منه ~~غرضنا وهو القول بحدوثه لكن هذا اللفظ لا يصح إطلاقه لأنه ليس يلزم فيما ~~وقف وجوده على وجود غيره أن يقال أنه قائم بذاته، ألا ترى أن العلم يحتاج ~~في وجوده إلى الحياة ولا يصح أن يقال أن العلم قائم بذات الحياة فيبطل ~~قولهم بإثبات كلام قائم بذات الباري. فثبت بذلك الذي قررناه من الأدلة ونفي ~~شبه المخالفين، أن القرآن كلام الله دون أن يكون كلاما لغيره وبطل ما قاله ~~المخالف. ### || AUTO المسألة التاسعة عشرة أن هذا القرآن # الذي هو بقيام الأدلة القطعية كلام الله محدث هذا هو مذهب أهل العدل ~~وغيرهم. وقالت الحشوية: بل القرآن هو الذي نقرؤه في المصاحف ms131 ونتلوه في ~~المحاريب قديم. وأما الأشعرية والكرامية فإنهم يوافقوننا في أن هذا المتلو ~~فيما بيننا محدث وإنما يخالفوننا في إثبات الكلام النفساني القائم بذات ~~القديم ويجعلونه قديما كما تقدم من حكاية مذهبهم وإبطال مقالتهم. وأما ~~المطرفية فعندهم أن هذا القرآن ليس بمحدث ولاقديم ويقولون: أنه حدوث وكذلك ~~قولهم في سائر الأعراض . قال الجمهور من القائلين بأنه محدث: ويوصف أيضا ~~بأنه مخلوق. وقال محمد بن شجاع من علماء المعتزلة وبه قالت الأشعرية ~~والكرامية: لا يوصف بأنه مخلوق وإن كان معنى الخلق حاصلا فيه لإيهامه أنه ~~مكذوب لأن الخلق قد يستعمل في اللغة بمعنى الكذب نحو {وتخلقون ~~إفكا}(العنكبوت:17) ونحو {إن هذا إلا اختلاق}. PageV01P190 # الذي يدل على ذلك المذهب الصحيح وهو القول بأنه محدث مخلوق أنه حروف وأصوات ~~وهي غير باقية فضلا على أن تكون قديمة وأنه متعدد مرتب، أما التعدد فلأنه ~~حروف وكلمات ذات كثرة وتعدد، وأما الترتيب فلتقدم بعض حروفه على بعض وتأخر ~~بعضها عن بعض وإذا قطعنا بأنه متعدد ومرتب منظوم في الوجود يوجد بعضه في ~~أثر بعض وجب القطع بأنه محدث لأن المرتب على هذا الوجه يجب أن يكون محدثا ~~وذلك ظاهر، فإن وجوب ترتيبه من ضروريات إفادته ألا ترى أن قوله تعالى{ ~~الحمد لله}(يونس:10) حروف وقد تقدم بعضها على بعض فلو لا أن اللام متقدمة ~~على الحاء والحاء متقدمة على الميم والميم متقدمة على الدال لم تكن كلمة ~~مفيدة لهذا المعنى بل كان يجب لو وجدت معا أن لا تكون حمدا أولى من أن تكون ~~دمحا فبان أنه مرتب في الوجود وأن بعضه متقدم على بعض والذي يدل أن ماذاك ~~حاله يجب أن يكون محدثا أن المسبوق من حروفه يجب أن يكون محدثا لأنه قد ~~تقدم غيره وهو السابق له في الوجود وما تقدمه غيره فهو محدث وكذلك السابق ~~على المحدث بوقت واحد أو أوقات محصورة محدث أيضا لأنه قد صار لوجوده أول ~~يشار إليه، وقد جاء السمع بتأييد ما ذهبنا إليه قال تعالى{ما يأتيهم من ذكر ~~من ms132 ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون}(الأنبياء:02) وقال تعالى{وما يأتيهم ~~من ذكر من الرحمن محدث ... الآية}(الشعراء:05) وجه الاستدلال: بالآية ~~الأولى أن الكفار كانوا يلعبون ويلغون عند استماع القرآن ونزوله فنزلت هذه ~~الآية ذما لهم وإخبارا عن حالهم وأن قلوبهم لاهية عن ذلك فكان ذلك معهودا ~~يصرف الخطاب إليه ويثبت بهذه الآية حدوث الذكر لأن القرآن يسمى ذكرا لقول ~~الله تعالى{وإنه لذكر لك ولقومك}(الزخرف:44) وقوله تعالى{إنا PageV01P191 نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(الحجر:09) وهكذا وجه الدلالة في الآية ~~الثانية.وغير ذلك من الأدلة السمعية كقوله تعالى{الله نزل أحسن الحديث ~~كتابا متشابها}(الزمر:23) وهذه الآية تدل على حدوث القرآن من وجوه: # أحدها:أنه وصفه الله بأنه منزل والقديم لا يجوز عليه النزول. # وثانيها: بأنه وصفه الله بأنه حسن والحسن من صفات المحدث . # وثالثها: بأنه وصفه بأنه حديث والحديث يناقض القديم. # ورابعها: بأنه وصفه بأنه كتاب والكتاب هو المجتمع ولذلك سميت الكتيبة ~~كتيبة لاجتماعها والاجتماع من صفات المحدثات. # وخامسها:أنه وصفه بأنه متشابه والمراد بذلك أن بعضه يشبه البعض في جزالة ~~الفاظه وجودة معانيه والقديم لا يشبهه غيره. فثبت أن قول الحشوية بأن هذا ~~القرآن الذي نتلوه في المحاريب قديم في غاية السقوط ونهاية البطلان، وأما ~~القائل بالكلام النفساني بأنه هو القديم وهذا محدث فقد تقدم الجواب عليه في ~~المسألة الأولى ولا كلام عليه في هذه المسألة إذ هو موافق في أن هذا القرآن ~~محدث، وأما ما يقوله محمد بن شجاع ومن وافقه من أن القرآن ليس بمخلوق فذلك ~~باطل لأن المخلوق في أصل اللغة هو المحدث مقدرا، يقولون خلقت الأديم هل ~~يحيي منه مطهرة أي قدرته.قال الشاعر:- # ولا أنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري PageV01P192 وقال تعالى{وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير}(المائدة:110) أي مقدر، وإنما لم ~~يوصف أحدنا الآن بأنه الخالق إذا أوجد منه فعل مقدر لأن الشرع منع من ذلك ~~ولا يسمى خالقا إلا الله تعالى.وإذا ثبت ذلك:فالقرآن محدث مقدر ومعنى ~~التقدير فيه وجوده بحسب المصلحة وعلى قدر الحاجة من غير زيادة ولا نقصان ~~وقد ms133 قال تعالى{إنا جعلناه قرآنا عربيا}(الزخرف:03) معناه خلقناه بدليل قوله ~~تعالى{وجعل الظلمات والنور}(الأنعام:01) أي خلقهما. وقد روينا عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال:(كان الله ولا شيء ثم خلق الذكر)وقد بينا أن ~~القرآن يسمى ذكرا فصح وصفه بأنه مخلوق. وأما ما تقوله المطرفية من أنه ليس ~~بمحدث ولا قديم فهو تجاهل وخروج عن قضايا العقول لأن كل عاقل يعلم أن ~~الموجود لايخلو من قدم أو حدوث وقد ثبت أن القرآن موجود وبطل أن يكون ~~قديما، فيجب أن يكون محدثا، فصح بهذه الجملة ماذهبنا إليه وبطل ماقاله ~~المخالفون. PageV01P193 # تنبيه: # جميع ماذكرنا من الأحكام الثابتة للقرآن في المسألتين فهو في سائر الكتب ~~المنزلة كذلك، والكتب التي أنزلت على الأنبياء مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل ~~منها على شيث عليه السلام خمسين كتابا، وأنزل على إدريس عليه السلام ثلاثين ~~كتابا، واسم إدريس بلغة الأعاجم أخنوخ وهو أول من خط بالقلم، وأنزل على ~~إبراهيم عليه السلام عشرة كتب، وأنزل على موسى عليه السلام قبل التوراة ~~عشرة، وأنزل الزبور على داود عليه السلام، وأنزلت التوراة على موسى عليه ~~السلام، والإنجيل على عيسى عليه السلام، والقرآن على نبيئنا محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وروي أن صحف إبراهيم عليه السلام أنزلت أول ليلة من رمضان، ~~وأنزلت التوراة لست ليال من رمضان بعد صحف إبراهيم بسبعمائة عام، وأنزل ~~الزبور لاثنتي عشرة ليلة من رمضان بعد التوراة بخمسمائة عام، وأنزل الإنجيل ~~لثماني عشرة ليلة من رمضان بعد الزبور بألف عام ومائتي عام، وأنزل الفرقان ~~لأربع وعشرين ليلة من رمضان بعد الإنجيل بستمائة وعشرين عاما، وكل هذه ~~الكتب مخلوقة قبل بعثة من أنزلت عليه من النبيئين قضى بذلك الأثر النبوي، ~~وللقرآن خاصة نزولان نزول إلى السماء الدنيا وذلك في شهر رمضان أنزل جملة ~~في ليلة القدر كما قال تعالى{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن}(البقرة:185) ~~وقد قال تعالى{إنا أنزلناه في ليلة القدر}(القدر:01) النزول الثاني نزوله ~~على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان نزوله من سماء الدنيا إلى النبي ~~صلى ms134 الله عليه وآله وسلم ابتداؤه في رمضان وأنزل شيئا فشيئا PageV01P194 وكان تمام نزوله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد البعثة لثلاث ~~وعشرين سنة أو اثنتين وعشرين وكان جبريل عليه السلام ينزله على النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بحسب الحوادث والمصلحة بأمر الله تعالى، قيل وكيفية ~~ذلك أن يعرف معناه فيحفظه أو يسمعه سماعا فيحفظه وينزله ثم يبلغه الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى المكلفين هكذا ذكره الدواري، وقال في موضع آخر ~~في الآثار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتلقى الوحي عن جبريل عليه ~~السلام مشافهة وجبريل يتلقاه كذلك من ملك آخر فوقه قيل هو ميكائيل والملك ~~الآخر يتلقاه كذلك من ملك فوقه وفي بعض الآثار مايدل على أنه إسرافيل ~~وسيأتي. PageV01P195 # قلت: وقد ذكر الهادي عليه السلام ما يدل على ذلك لأنه قال وقد سأله الرازي ~~كيف يأخذ جبريل الوحي؟ وكيف يعلمه؟ وكيف السبيل فيه حتى يفهمه؟ فقال الهادي ~~عليه السلام: اعلم هداك الله أن القول فيه عندنا كما قد روي فيه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سأل جبريل عليه السلام عن ذلك فقال آخذه ~~من ملك فوقي ويأخذه الملك من ملك فوقه فقال صلى الله علي وآله وسلم كيف ~~يأخذه ذلك الملك ويعلمه فقال جبريل عليه السلام يلقى في قلبه إلقاء ويلهمه ~~إلهاما، قال الهادي عليه السلام وكذلك هو عندنا أنه يلهمه الملك الأعلى ~~إلهاما فيكون ذلك الإلهام من الله وحيا كما ألهم الله تبارك وتعالى النحل ~~لما تحتاج وعرفها سبيلها. قلت: وفي رواية صححها الدواري أن الملك الأعلى ~~يأخذه من اللوح المحفوظ والقلم يكتبه بأمر الله له وهذه الرواية معارضة ~~لرواية الهادي عليه السلام، ويقع من كلام أئمتنا عليهم السلام عدم صحة ~~القول بإثبات القلم واللوح وهذه الكيفية تجري في سائر الكتب.وفي الثعلبي: ~~أن الله تعالى أودع جميع ما أنزل من الكتب في هذه الكتب الأربعة المتأخرة ~~ثم أودع ما في التوراة والإنجيل والزبور في القرآن ثم أودع ms135 ما في القرآن من ~~العلوم المفصل ثم أودع علوم المفصل الفاتحة، وفي الأثر عن أمير المؤمنين ~~عليه السلام أنه يتمكن من تفسيرها بما يكتب في أوراق توقر سبعين بعيرا، ~~وكانت صحف إبراهيم عليه السلام أمثالا مضروبة وعبرا منها: أيها الملك ~~المسلط إني لم أبعثك لجمع الدنيا بعضها إلى بعض ولكني بعثتك لترد عني دعوة ~~المظلوم، وفيها: وعلى العاقل أن يكون له أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربه ~~وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر في صنع الله وساعة يخلو فيها لحاجته من PageV01P196 المطعم والمشرب ونحو ذلك، وكانت صحف موسى عليه السلام عبرا منها: عجبا لمن ~~أيقن بالموت ثم هو يفرح وعجبا لمن أيقن بالقدر ثم ينصب وعجبا لمن رأى ~~الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها، إلى نحو ذلك فرع: القرآن كله عربي ~~وقال قوم منهم بن الحاجب وابن عباس وعكرمة والباقلاني فيه رومي وهو ~~القسطاس، وفارسي وهو سجيل، ومشكاة للطاقة الغير النافذة فإنها هندية وهذا ~~لا يصح عندنا بل هي عربية طابقت لغة الروم والفرس والهند لقوله تعالى{بلسان ~~عربي مبين}(الشعراء:195) وقوله تعالى{قرآنا عربيا}(الزمر:28). # واعلم أن نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس هو على ~~النحو المرسوم في المصحف في السور والآيات بل من السور ما هو متأخر في ~~كتابة المصحف وهو متقدم في النزول وكذلك الآيات وإنما كان تسوير السور ~~وترتيبها وترتيب الآيات بتوقيف من النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يأمرهم بوضع الآيات مواضعها وإن نزل منها شيء بعد شيء وكان يأمر في السور ~~كذلك، رتبه صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، كذلك قال الدواري:ما خلى ~~سورة التوبة فمات صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبين موضعها وكانت قصتها ~~(تشبهة بقصة) الأنفال فقرنت إليها. # قلت: في عموم كلام لإمامنا أيده الله تعالى ذكره في بعض جواباته ما يشعر ~~بنفي التخصيص وما يقوله المفسرون هكذا ذكر في المصحف والأثر يعنون بذلك ~~مصحف عثمان وما نسخ عليه ولم يخالفه في رسم ولا قراءة وفيه ما يخالف اصطلاح ms136 ~~النحاة، والسبب في نسبته إلى عثمان أن الصحابة كثر اختلافهم في المصاحف في ~~ولاية عثمان. PageV01P197 # قال إمام زماننا أيده الله تعالى:بل لأن بعض الصحابة كتب التفسير بين كلام ~~القرآن كابن مسعود كالتفاسير في زماننا فجمعت الصحابة المصاحف في ولاية ~~عثمان ووقع اتفاق من علي عليه السلام ومن الصحابة على مصحف أمر عثمان ~~باتباعه وشدد في النهي عن خلافه وهي كلها متفقة في السور لكن كان في بعضها ~~اختلاف في شيء من الإعراب وقراءة القراء ومواضع في فصل الآيات ونحو ذلك، ~~وأمر عثمان بأن يكتب على تلك النسخة ست نسخ وفرقت في النواحي وأمر باتباعها ~~وشدد في ذلك، وأما ماروي أن عثمان هو المؤلف فذلك باطل، لأنه لا دليل صحيح ~~يدل على ذلك ولعل الراوي لذلك من الذين مردوا على النفاق وورد في الأثر ~~أنهم يجلون عن الحوض ويطردون ولو سلمنا صحة الرواية فهي من رواية الآحاد ~~والقرآن شرفه الله تعالى ولا يثبت بالآحاد وكذلك ترتيبه وإلا لجوزنا تعكيسه ~~وتحويل كلماته التي تحتمل بذلك التحويل والتعكيس معانيها وقوله تعالى{اليوم ~~أكملت لكم دينكم}(المائدة:03) وقوله تعالى{وإنا له لحافظون}(الحجر:09) يقضي ~~ببطلان ذلك، هكذا ذكره إمامنا أيده الله تعالى. # فائدة: # في فضل تلاوة القرآن، قال الدواري: روى عثمان بن عفان العسقلاني عن أبيه ~~عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جبريل عن ميكائيل عن ~~إسرافيل عن اللوح عن القلم عن الله(من قرأ آية معربة من كتاب الله تعالى ~~كتب الله له مائة حسنة ولمستمعها عشر حسنات فإن كانت غير معربة كتب الله ~~لقارئها عشر حسنات ولمستمعها حسنة، الحسنة ألف ومئتا قنطار، القنطار ألف ~~ومئتا بهار، البهار ألف ومئتا مدلاة، المدلاة ألف ومئتا رطل، الرطل ألف ~~ومئتا أوقية، الأوقية ألف ومئتا قيراط، القيراط مثل جبل أحد) قال الدواري: ~~هذا الخبر موثوق به ولا أعلم خبرا في مقدار الحسنة إلا ما ورد في هذا ~~الخبر، فيحتمل أن يكون تفسير الحسنة هكذا في كل حسنة تذكر، ويحتمل أن هذا ~~تفسير حسنة التلاوة للقرآن وسماعه ms137 فأما حسنة غير ذلك فمقدارها مما يستأثر ~~الله تعالى العلم به. # قلت: قد مر أن رواية الهادي عليه السلام تخالف شيئا (كاللوح والقلم) مما ~~دلت عليه هذه الرواية. PageV01P198 ### || AUTO المسألة العشرون في النبوءة # وهذه المسألة أصل لجميع القواعد الشرعية وعليها تنمو أغصانها وهي أم ~~مسائل أصول الدين بعد معرفة الله وعدله، فينبغي الاهتمام بتهذيب أدلتها ~~وتحقيق فصولها ووجه اتصالها بباب العدل، إنها بيان لحال المؤدي عن الله ~~تعالى ما نشكره به في مقابلة النعمة وذلك من العدل والحكمة إذ لو أراد منا ~~شكره بغير ما نعلمه كان تكليفا بما لا يعلم # وذلك لا يصح عند أهل العدل، وهذا على القول بأن الطاعات شكر. PageV01P199 # قال إمام زماننا أيده الله : وذلك هو أصل قدماء العترة وقد صرح بذلك الهادي ~~عليه السلام لأنه قال: لابد من رسول لينبي عن الله ببيان أداء شكره بما شاء ~~من الشرائع على ما من به من النعم ويميز بذلك من يشكره ممن لا يشكره، إذ قد ~~ثبت أنه تعالى ليس بجسم فامتنع أن يلقى مشافهة، والحكيم لا يترك ما شأنه ~~كذلك هملا. وذهب المهدي عليه السلام وكثير من المعتزلة وبعض صفوة الشيعة: ~~أنه يجب على الله تعالى إرسال الرسل لأن البعثة لطف للرسول والمرسل إليه ~~وهو يجب على الله تعالى، والشرائع ليست شكرا وإنما هي ألطاف في العقليات، ~~والشكر الاعتراف فقط، وقد قدمنا في بطلان مقالتهم ما يغني عن الإعادة. ~~والنبوءة: تستعمل في اللغة بالهمز وغير الهمز فبالهمز من الإنباء وهو ~~الإخبار، وبغير الهمز من نبا ينبوا إذا ارتفع، فالنبي إما بالتشديد فهو ~~فعيل بمعنى فاعل كعليم وسميع، وأما بالهمز فهو فعيل بمنى مفعل بكسر العين ~~كنذير أو بفتحها كالقرآن الحكيم وقد منع أبو علي أن يسمى نبيئنا محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم نبيئا بالهمز من الإنباء وهو الإخبار لأنه حين قال له ~~الأعرابي يا نبي الله بالهمز قال لست نبيء الله وإنما (نبي الله أنا) ، ~~وكلامه ضعيف لأن قواعد اللغة تقتضي صحة الإطلاق بحصول المعنى ms138 وورد في ~~القراءات السبع وهي متواترة في قول كثير من العلماء (خلاف الزمخشري) ~~والإمام يحي (عليه السلام) وغيرهما. ومعتمد أئمتنا عليهم السلام قراءة أهل ~~المدينة. PageV01P200 # قال الهادي عليه السلام: ولم يتواتر غيرها، وقول من قال أنها كلها آحادية ~~باطل لأن الله تعالى يقول{لاريب فيه}(البقرة:02) وخبر الواحد لايفيد القطع ~~إذ من الجائز في الواحد أن يسمعه خبرا فيتوهمه قرآنا فلابد من التواتر إذ ~~لايجوز الكذب فيما نقل تواترا عادة. وإذا ثبت أن القرآت متواترة وقد ورد ~~فيها استعمال نبيء بالهمز بطل قول أبي علي. وفي الاصطلاح: هي وحي الله إلى ~~أزكى البشر عقلا وطهارة من ارتكاب القبيح وأعلاهم منصبا بشريعة. والرسالة ~~لغة: القول المبلغ، وشرعا كالنبوة إلا أنه يقال موضع بشريعة لتبليغ شريعة ~~لم يسبقه بتبليغ جميعها أحد، وهذا مبني على أن النبي أعم من الرسول وهذا ~~مذهب (الهادي والقاسم) والزمخشري وقاضي القضاة فالرسول من أتى بشريعة جديدة ~~من غير واسطة رسول، وذهب الإمام المهدي عليه السلام والبلخي: إلى أنهما ~~مترادفان. # حجتنا قوله تعالى{وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي}(الحج:52) فعطف ~~العام على الخاص وذلك يقتضي المغايرة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه سئل عن عدد الأنبياء فقال(هم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا) ~~وسئل عن عدد الرسل فقال(هم ثلاثمائة وثلاثة عشر)، وقولنا في الحد إلى أزكى ~~البشر إلى آخره، إشارة إلى الصفة التي تجب أن يكون الأنبياء (عليهم السلام) ~~عليها فيكون الناس أقرب إلى قبول كلامهم، وهذه الصفة على ضربين، ضرب من جهة ~~الله، وضرب من جهة النبي ، فالذي من جهة الله أربعة أشياء : # الأول: حسن الخلقة فلا تكون صورته من الصور المستنكرة الشنيعة. # الثاني: أن يكون سليم الأعضاء عن النقصان. # الثالث: أن يكون سليما عن العاهات كالجذام والبرص. # الرابع: أن يكون أوفر العقل، وقد جرت العادة من الله تعالى بخلقه النبيين ~~على أتم ما يكون من أهل زمانهم وبالخصال المحمودة من أفعالهم، وأما التي ~~ترجع إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) فأمور ثلاثة: # الأول: أن ms139 يكون مجتنبا للكبائر قبل البعثة وبعدها. PageV01P201 # الثاني: أن يكون مجتنبا للمعاصي مطلقا المتعلقة بإبلاغ الرسالة. # الثالث: أن يكون مجتنبا للمباحات المنفرة كالمداعبة المنفرة والأكل في ~~الأسواق ومجامع الناس منفردا بذلك دون غيره، وكذلك سائر الخلال التي ينسب ~~فاعلها أو تاركها إلى # خلاف مكارم الأخلاق بل ينسب إلى الخلق الذميم. وأما الصغائر فإنها جائزة ~~على الأنبياء بشرطين : أحدهما أن لا تكون منفرة. الثاني أن لا تكون متعلقة ~~بإبلاغ الرسالة وتأدية الشرائع فأما ما كان كذلك فإنه لا يجوز عليهم عمدا ~~ولا خطأ، واشترط أبو علي شرطا ثالثا وهو أن يكون فعلها بتأويل وهو يأتي على ~~مذهب قدماء أئمتنا عليهم السلام، وإمام زماننا أيده الله تعالى أن وقوعها ~~منهم إما على جهة التأويل أو السهو لا على جهة التعمد كما سيأتي بيانه ~~إنشاء الله تعالى به قال أكثر العقلاء وبعثة الأنبياء عليهم السلام حسنة ~~غير قبيحة ولا ممتنعة لما قررنا أنها من العدل والحكمة. وقالت البراهمة: ~~إنها قبيحة لا تحسن إذ العقل كاف في إدراك القبيح والحسن، فنحن نعمل به ولا ~~نقبل ما خالفه فإنا نعلم بعقولنا ضرورة قبل الأنبياء قبح ذبح البهائم، كما ~~نعلم قبح كل ظلم وبعد ذلك من علوم العقل، فلو قبلنا من الأنبياء الحكم ~~بحسنه لكنا قد أبطلنا حكم العقل الذي لا يصح رفعه ولا يجوز نسخه ولكنا نجوز ~~أن يأتي بعض الأنبياء بحسن الظلم والكذب وجميع القبائح العقلية فيبطل العقل ~~أصلا وهو محال. # الجواب: أنا لم نجعل الشرع مثبتا لما قد أدركه العقل فإن في العقل غنية ~~عنه، بل لأنا لا نهتدي إلى أمر المنعم ونهيه بما شاء أن يستأدي منا شكره ~~إلا بالأنبياء، وأما ما ذكروه PageV01P202 في نحو ذبح البهائم فإن العقل لم يحكم بقبحه إلا لاندراجه تحت ماهية الظلم ~~الذي هو ماهية القبح، وإنما كان ظلما لتعريه عن النفع والاستحقاق فلما ~~أباحه الشرع علمنا أنه قد ضمن لها عوضا يقابله فارتفع عنه حقيقة الظلم فزال ~~القبح لزوال علته وهذا غير مصادم للعقل وإنما يكون مصادما ms140 له لو رفع قبح ~~الظلم أصلا الذي قضى به العقل وليس كذلك فهذا كلام في النبوءة جملة . وأما ~~نبوة نبيئنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاعلم أن من أنكر الصانع أنكر ~~نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأما المقرون بالصانع فاختلفوا، فالذي ~~عليه أهل الإسلام قاطبة وكثير من الفرق الخارجة عن الإسلام (أن النبي) صلى ~~الله عليه وآله وسلم نبي صادق وأنه يجب علينا تصديقه واتباع ما جاء به من ~~قول أو فعل أو تقرير. والخلاف في ذلك مع اليهود والنصارى والباطنية ~~والمطرفية، واشتهر إنكار عبدة الأوثان وغيرهم من كفار الجاهلية نبوته صلى ~~الله عليه وآله وسلم، أما النصارى فإنهم يقولون: أنه لم يظهر عليه معجزة ~~فلم يكن نبيا. وأما اليهود فهم أكثر من خالفنا في هذه المسألة ولهم أقوال، ~~منهم من قال: أنه لم يكن نبيا لأنه أتى بنسخ شريعة موسى ونسخ الشرائع لم ~~يقض به العقل ولا السمع. ومنهم من قال: لم يكن نبيا لأنه أتى بنسخ شريعة ~~موسى وقد قضى السمع بعدم جواز ذلك لما يروونه من قول موسى عليه السلام ~~شريعتي لا تنسخ أبدا وإن أجاز ذلك العقل. ومنهم من قال: لم يكن نبيا لعدم ~~ظهور المعجزة عليه، ومنهم من قال: أنه مرسل إلى العرب دون العجم وهؤلاء ~~يسمون العيسوية وهم من أماثلهم، ولليهود شريعة مخالفة لشريعة الإسلام، منها ~~أنهم لا يزوجون إلا بحضرة (ثلاثة شهود) ولا يزوجون إلا على مائتي قفلة PageV01P203 للبكر والثيب لها النصف من ذلك، ولهم طهور مخصوص وهو أن الواحد منهم إذا ~~أراد الطهور غسل بدنه ثلاثا واستنشق ثلاثا واستنثر واحدة وغسل وجهه ثلاثا ~~وذراعيه واحدة واحدة وتمضمض ثلاثا وغسل رجله اليسرى ثلاثا ورجله اليمنى ~~ثلاثا وغسل يديه ثلاثا، ولهم صيام من غروب الشمس إلى غروبها، ولهم تكليف في ~~يوم السبت إذا عصى الواحد منهم فيه لم يكن له حد إلا القتل. وأما المطرفية: ~~فإنهم وإن تظاهروا بالإقرار بنبوته فهم منكرون كونه مبعوثا بعثه الله على ~~الحد الذي نقوله لأن ms141 منهم من يقول إن النبوة يفعلها النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لنفسه فمن شاء كان نبيا، ومنهم من قال هي جزاء على العمل، ومنهم ~~من قال هي حكمة وتسمية. وأما الباطنية: فعندهم أن النبوءة مادة ترد من ~~السابق على قلب من وقعت للتالي به عناية وأن المعجزات ظهرت على يدي النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لما اختص به من العلم بطبائع الأشياء وخواصها ~~وأنها من قبيل الحيل. # والدليل على ذلك المذهب الصحيح وهو القول بصحة نبؤة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن المعجز على كثرة اختلاف أجناسه ظهر على يديه عقيب دعوى ~~النبوءة. # قال في الأساس: حقيقة المعجز ما لا يطيقه بشر ولا يمكن التعلم لإحضار ~~مثله ابتداء سواء دخل جنسه في مقدورنا كالكلام أم لا كحنين الجذع. وقال في ~~الخلاصة: حقيقته هو الفعل الناقض للعادة المتعلق بدعوى المدعي للنبؤة ~~ومجموع الحدين قد أفاد شروطه الأربعة: # الأول أن يكون من فعل الله كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وأما فتق ~~الحبل ونحوه فالمعجز في الحقيقة هو إقداره على ذلك وهو من فعل الله . PageV01P204 # الثاني أن يتعذر مثله عنا عادة ولو دخل جنسه في مقدورنا كالقرآن لحصول ~~المقصود وهو العجز عن الإتيان بمثله. # الثالث أنه لابد أن يقع عقيب الدعوى للنبؤة لانتفاء تجويز وقوعه على سبيل ~~الاتفاق حينئذ، والمراد بعقيب الدعوى الوقت الذي يطلب منه ظهوره فيه ويعد ~~به لأن في عدم # ظهوره حينئذ دلالة على كذبه وتكذيب الصادق لا يجوز من الحكيم . # الرابع أن يكون ظهوره والتكليف باق وإلا لجوزناه خارقا للعادة من جملة ~~الخوارق الحادثة كطلوع الشمس من المغرب وخروج الدابة ونحو ذلك، وفي الحقيقة ~~لا حاجة إلى هذا الشرط لأن الكلام هو في المعجز الدال على صدق المدعي ~~للنبؤة المستلزمة لبقاء التكليف بل لابد فيه من تكليف جديد فهذا أصل أول ~~وهو أنه ظهر المعجز على يده عقيب دعوى النبوءة، وأما الأصل الثاني فقد نبه ~~عليه بقوله وكل من ظهر (على يديه المعجز) عقيب دعوى النبوءة ms142 فهو نبي صادق، ~~والذي يدل على هذا الأصل أن المعجز يجري مجرى التصديق بالقول لمن ظهر عليه ~~وتصديق الكاذب كذب والكذب قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح، فإذا بطل أن ~~يكون من ظهر عليه المعجز كاذبا ثبت أنه صادق إذ لا واسطة بينهما. وبيان ذلك ~~بالقسمة المفيدة للقطع الدائرة بين النفي والإثبات وهي أن يقال المخبر عن ~~الشيء لا يخلو إما أن يكون ما أخبر به على ما هو به أو لا يكون فإن كان فهو ~~الصدق والمخبر صادق، وإن لم يكن فهو الكذب والمخبر كاذب، وقد بطل أن يكون ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم كاذبا فوجب أن يكون صادقا وعلى هذا فلا يصح ~~نبي إلا بمعجز، خلافا للحشوية فقالوا: يصح بغيره. PageV01P205 # قلنا: المعجز شاهد بصدقه وإذا عدم الشاهد لم يحصل التمييز بين الصادق ~~الأمين ونحو مسيلمة اللعين والله عدل حكيم (لا يلبس) خطابه بالكذب ~~والافتراء فبطل ما قالوا. # قال جمهور أئمتنا عليهم السلام والبهشمية ولا يجوز ظهوره لغير نبي إذ فيه ~~(حط مرتبة) الأنبياء (عليهم السلام) حيث يحصل الاستواء بينهم وبين غيرهم ~~بظهوره على يدي كل. وقالت الإمامية: بل يجب للأئمة بناء منهم على أنهم ~~كالأنبياء، وقال عباد بن سليمان: يجوز ظهوره على حجج الله تعالى في كل زمان ~~على أهله ليكون حجة على وجوب اتباعهم. وقالت الملاحمية والحشوية: بل يجوز ~~ظهوره للصالحين وبه قال أبو رشيد وأبو الحسين البصري وهو اختيار المؤيد ~~بالله عليه السلام والمنصور بالله ورجحه الدواري، وهو قريب من قول عباد. ~~وقالت الأشعرية: يجوز ظهوره للصالحين وللكفرة أيضا من ادعى الربوبية كفرعون ~~والنمرود ومن لم يدعها كعبدة الأوثان لقيام البراهين العقلية على كذبه، لا ~~لمن يدعي النبوءة كاذبا لأن في ذلك هدما للشرائع وهو نقص لا يجوز على ~~الحكيم، وكل أقوال هؤلاء باطلة سواء القول بأنه لا يجوز ظهوره على غير نبي ~~لما ذكرنا من لزوم التسوية بين الأنبياء وبين سائر الناس، وفي ذلك هدم ~~للشرائع المعلوم وجوبها من الدين ضرورة، إذ الكفار يقولون ms143 للنبي لا نصدقك ~~لأنه قد أتى بهذا من ادعى الربوبية وهو كاذب ومن ادعى الإمامة وهو كاذب أو ~~الصلاح أو كونه محقا في حجته فلعل المعجزة كانت لبعضها لكنك تجرأت الكذب ~~طمعا في نيل الدرجة العليا وهي النبوءة والله تعالى حكيم لا يفعل ذلك، ~~وأيضا لا يكون معجزا إلا إذا كان معرفا بالنبوءة ولم يقع تعريف أو بعد ~~الدعوى والدعوى لا تكون إلا بعد الوحي أن سيفعل ذلك وليس الوحي إلا ~~للأنبياء إجماعا. PageV01P206 # قال أئمتنا (عليهم السلام) : فأما الكرامات التي تحصل للصالحين نحو إنزال ~~الغيث وإشفاء المريض وتعجيل عقوبة بعض الظالمين الحاصلة بسبب دعائهم فليست ~~بمعجزات لعدم حصول شرط المعجز وإنما هي إجابة من الله تعالى لدعائهم لأن ~~الله تعالى قد تكفل لهم بالإجابة. # قلت:وهم يعنون بالكرامات ما ليس من الخوارق الناقضة للعادة كفلق البحر ~~وقلب العصا حية إذ في ظهورها عليهم حط لمرتبة الأنبياء وقد صرح بذلك المهدي ~~عليه السلام.والذي يدل على الأصل الأول وهو أن المعجز ظهر على يده عقيب ~~دعوى النبوءة أنه جاء بالقرآن.ذلك معلوم ضرورة عند من عرف الأخبار وروى ~~السير والآثار وجعله معجزا له وذلك معلوم ضرورة كما مر ولم يسمع من غيره ~~قبله وإنما جعل القرآن عمدة من بين سائر المعجزات لكونه منقولا بالتواتر ~~بلى خلاف وغيره وإن كان قد تواتر كحنين الجذع عند أئمتنا عليهم السلام ~~والبغداذية إلا أن شهرة تواتر القرآن أكثر، ولهذا خالف أبو علي وأبو هاشم ~~في تواتر غيره ولما تضمن من العلوم الغيبية ولأنه في كل وقت يفصح بالتحدي ~~والدلالة على العجز عن معارضته والإقرار بأنه معجز، ووجه إعجازه عند أئمتنا ~~(عليهم السلام) والجمهور بلاغته الخارقة للعادة لأنه تحدى به فصحاء العرب ~~فلم يأتوا بشيء من ذلك،ومعنى التحدي هو طلب الفعل ممن عرف الطالب عجزه عنه ~~(إظهار لعجزه) عنه وإنما لم يأتوا به لعجزهم عنه فوجب أن يكون القرآن معجزة ~~ظاهرة على يديه عقيب دعوى النبوءة صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك ظاهره أن ~~الإشارة راجعة إلى الأصول الثلاثة ms144 وهي:أنه جاء بالقرآن، وأنه جعله معجزة ~~له، وأنه تحدى به العرب، فتكون كلها محتاجة إلى الفحص والتفتيش، وصاحب ~~الخلاصة PageV01P207 جعل الأولين مما لا يحتاج إلى فحص وتفتيش بخلاف الثالث مع الاشتراك في أنها ~~معلومة بالضرورة.قال الدواري:بل هي محتاجة إلى ذلك إلا أنه في الآخر أكثر. ~~والحاصل أن لنا في بيان ذلك طريقين.أحدهما:أنه معلوم ضرورة لمن كان له أدنى ~~فحص وتفتيش، فمن عرف أحواله عليه السلام وسمع سيره وأخباره، علم أنه كان ~~يغشى به مجامع العرب ومشاهدهم، ويتلوه عليهم ويحدثهم به والأمر في ذلك ~~ظاهر،والطريق الثاني أن القرآن مشحون بآيات التحدي وقد رتب الله التحدي في ~~ثلاث مراتب. الأولى أنه تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن قال تعالى{أم ~~يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا ~~صادقين}(الطور:33،34) ثم أخبر أنهم لا يأتون بمثله قال تعالى{قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا}(الإسراء:88) فلما لم يأتوا بشيء من ذلك أنزلهم مرتبة ثانية ~~فتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله فقال تعالى{فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ~~وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين}(هود:13) فلما لم يأتوا بشيء ~~من ذلك أنزلهم الله مرتبة ثالثة فتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله قال ~~تعالى{وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين}(البقرة:23) فلما لم يأتوا بشيء من ذلك ~~توعدهم وتهددهم فقال{فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها ~~الناس والحجارة أعدت للكافرين}(البقرة:24) (وهذا) غاية التحدي الباعث على ~~المعارضة ولاشك أنهم كانوا يستمعون هذه الآيات كما كانوا يستمعون سائر ~~القرآن، فهذه ثلاثة أصول مقطوع بها. وأما الأصل الرابع وهو أنهم بعد التحدي ~~لم يأتوا بشيء PageV01P208 من ذلك فقد بينه بقوله{فلم يأتوا بحديث مثله}(الطور:34) علم ذلك ضرورة وإلا ~~لنقل لعلمنا ضرورة أن العرف يقتضي ذلك في كل متعارضين ألا ترى إلى نقائض ~~جرير والفرزدق كيف استوى نقلهما في الاستفاضة والظهور، وكان الموجب ms145 لذلك أن ~~ما يدعوا إلى نقل أحدهما من تعجب وتعصب هو بعينه يدعوا إلى نقل الآخر وهذه ~~القضية في القرآن ألزم لعظم خطره في نفسه من حيث اقتضى إثبات نبؤة ونسخ ~~شريعة، فكانت معارضته تقوى بحسب قوته وكانت دواعي المتمسكين به متوفرة إلى ~~نقل المعارضة لو كانت ليثبتوا به أن المعارضة غير قادحة فيه وأن المكذبين ~~له لم يعدم منهم الإتيان بمثله إلا لعجزهم عنه لأن حالهم كحال المتمسكين به ~~في أن دواعيهم كانت متوفرة قوية إلى معارضته ليبطلوا به نبؤته صلى الله ~~عليه وآله وسلم وذلك لأنه ادعى عليهم المرتبة العظمى، وهو أنه أولى بهم من ~~أنفسهم وله التصرف في أرواحهم وأموالهم بسبب ما جاء به من القرآن الذي جعل ~~عجزهم عن معارضته دليلا على صدقه فلم يعارضوه بل عدلوا إلى القتال حتى ذهب ~~كثير منهم قتلا وأسرا، فلو قدروا على المعارضة لم يعدلوا عنها لسهولتها ~~وعلمهم أن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبطل بها، فلما عدلوا إلى ~~المحاربة الشاقة الصعبة وتحملوا خطوبها وأخطارها وتلك المحاربة من الأمور ~~التي لا تدل على صحة صحيح ولا بطلان باطل دل ذلك على عجزهم عن معارضة ~~القرآن لعلمنا أن العاقل (لا يقدم على) الأمر الشاق الذي فيه هلاك نفسه ~~وذهاب أمواله وأولاده مع القدرة على تحصيل غرضه بالأمر الذي لا مشقة فيه ~~ولا خطر معه، فثبت بتقرير هذه الأصول أنه أي القرآن معجز دال على نبؤة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وصدقه. PageV01P209 # وأما احتجاج اليهود بقول موسى عليه السلام تمسكوا بالسبت أبدا، وشريعتي لا ~~تنسخ أبدا فذلك مما لا يلتفت إليه ولا يعول عليه لأن الأدلة القطعية قد ~~انتهضت على صحة نبؤة نبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم وصدقه فيما جاء به ومن ~~جملة ما جاء به إبطال التمسك بالسبت # والخبر المروي عن موسى عليه السلام، نقطع بكذبه لأنه آحادي لا يقاوم ~~القطعي بل يبطل، سلمنا فمعناه ما لم يأتكم نبي مصدق بالمعجز وذكر التأبيد ~~مجاز يجب حمله على ms146 غير الدوام للدلالة الموجبة لذلك ولهذا قال (الله) ~~تعالى{ولن يتمنوه أبدا}(البقرة:95) ثم أخبر أنهم يتمنونه. PageV01P210 # ومما يؤيد ما ذهبنا إليه: البشارات الواردة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~في التوراة فإن يعقوب عليه السلام قال لا يزول الملك من يهوذا والوحي من ~~بين رحيله حتى يأتي الذي له الملك وإياه تنتظر الأمم محمرة عيناه كشارب ~~الخمر بيضاء أسنانه كشارب اللبن، وقد روي أن بحيرا@ تأمل حمرة عيني رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وبياض أسنانه فوجده كما ذكر في التوراة وكان ~~ذلك سببا لإسلامه، وكذلك عبدالله بن سلام لما عرف العلامات المذكورة في ~~التوراة الدالة على نبؤته كان ذلك سببا لإسلامه، وكذلك فإن في التوراة في ~~السفر الثاني البشارة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم (وهو قول الله) ~~تعالى{{جاء الرب من سيناء وأشرق من ساعير وأنور واستعلن من جبال فاران}} ~~والمراد بذلك أمر الرب وهي البشارة بموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم لأن جبال مكة هي جبال فاران، وإذا تظاهرت الأدلة على نبؤته صلى الله ~~عليه وآله وسلم وهو ما قدمنا من ظهور المعجز عليه والبشارات الواردة في ~~الكتب المتقدمة، (ثبت بهذه) الجملة أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم نبي ~~صادق. ووجب الإقرار بذلك والمتابعة له فيما جاء به كما لزم فيمن تقدم من ~~الأنبياء عليهم السلام. PageV01P211 # تنبيه: # يشتمل على ثلاث فوائد: # الأولى في أنه صلى الله عليه وآله وسلم مرسل إلى الثقلين الإنس والجن ~~وذلك معلوم ضرورة من دينه صلى الله عليه وآله وسلم، ومعلوم من إجماع ~~المسلمين وعليه من الكتاب قوله تعالى{وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ~~ونذيرا}(سبأ:28) وقال تعالى{يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا}(الأعراف:158) وقال تعالى{وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن}إلى قوله تعالى{يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به... ~~الآيات}(الأحقاف:29-31) وقال تعالى حاكيا عن الجن{إنا سمعنا قرآنا عجبا ~~يهدي إلى الرشد فآمنا به}(نوح:1،2) وقررهم على ذلك فدل على أنهم مكلفون بما ~~فيه، وفي الأثر عن النبي صلى الله عليه وآله ms147 وسلم (بعثت إلى الأحمر ~~والأسود) والأسود عبارة عن السودان والعرب لتقارب ألوانهم، والأحمر عبارة ~~عن الترك والروم ونحوهم مما لا خضرة في ألوانهم، فأما غير نبيئنا صلى الله ~~عليه وآله وسلم فلا نقطع بأنه بعث إلى الكافة وإن جاز، وحكى الشيخ أبو ~~القاسم عن قوم أن الأنبياء كلهم مبعوثون إلى الكافة. وإذا تقررت هذه الأدلة ~~لم يصح ما قاله بعضهم أنه يجوز أن يكون في المكلفين من لم تبلغه دعوة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فلا تلزمه شريعته، لأنه إذا ثبت كونه مرسلا إلى ~~الكافة وجب أن يكون لهم طريق إلى العلم بنبؤته وشريعته وتوفر الدواعي إلى ~~نقل ذلك إليهم نقلا متواترا، وتوفر دواعيهم إلى البحث عن ذلك وطلبه حتى ~~يحصل لهم العلم ويتمكنوا من ذلك، ولو لم يكن كذلك كلفوا ما لم يعلموا وذلك ~~قبيح فتعالى الله عنه، وأما المدة التي لا يمكن فيها بلوغ العلم إلى ~~المبعوث إليهم فإنه لا تكليف عليهم في تلك المدة لتعذر إمكان العلم (بما ~~كلفوه) . PageV01P212 # فإن قيل: إن يأجوج ومأجوج بيننا وبينهم الردم وهم من الناس فكيف يكون ~~الاتصال بهم للتبليغ. # قلنا: ذكر الدواري في الجواب ما لفظه، ذكر في المحيط لابن متويه انتهى ~~ولم يذكر بعد ذلك شيئا، وفي التهذيب للحاكم يحتمل أن يكونوا غير مكلفين، ~~ويحتمل أنها لم تبلغهم دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعدم الإمكان، ~~ويحتمل أن الذين يتداولون الردم سمعوا ذلك فيكونون مكلفين به. قلت: وعموم ~~الأدلة تقضي بذلك إذ هو مرسل إلى الثقلين الجن والإنس وهم من الإنس. # الثانية في طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معرفة نبؤة نفسه هو ~~خبر جبريل مثلا، لكن لابد أن يظهر معجز على يدي جبريل يدل على صدقه، وأما ~~جبريل فطريق معرفته لرسالة نفسه هو سماع كلام من رب العزة بخلقه في جسم ~~ويقرنه بما يدل على أنه ليس من كلام غير الله تعالى حتى يعلم ذلك جبريل ~~(عليه السلام) يقينا لاشك فيه بوجه أصلا. # الثالثة في ms148 فضل الملائكة على الأنبياء وفضل نبيئنا خاصة على سائر ~~الأنبياء. أما فضل الملائكة على الأنبياء فذلك مختلف فيه. فعند أئمتنا ~~عليهم السلام ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم أن الملائكة أفضل من الأنبياء ~~ومعنى ذلك أن ثواب أدنى الملائكة لا يساويه ثواب أفضل الأنبياء. وقالت ~~الأشعرية: بل الأنبياء أفضل. PageV01P213 # حجتنا: قوله تعالى{لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}(التحريم:06) ~~فدلت على عصمتهم من جميع المعاصي صغيرها وكبيرها بخلاف الأنبياء فإنها تجوز ~~عليهم الصغائر، وقوله تعالى مخاطبا لنبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم{قل لا ~~أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ~~ملك}(الأنعام:50) وقوله تعالى حاكيا عن وسوسة إبليس لآدم وحوى{ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين}(الأعراف:20) ~~وقريب منه قوله تعالى{لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون}(النساء:172) وبيان الاستدلال بها أن ذلك ترق من درجة إلى أعلى ~~منها يعرف ذلك العالم بأساليب أهل اللسان العربي، يقال لا يأنف فلان من ~~تعظيم العالم ولا من هو أعظم منه، وأما سجود الملائكة (عليهم السلام) فلم ~~يكن لآدم على الحقيقه بل لله لإحداثه تلك الخلقة الكريمة وكان آدم قبلة ~~لسجودهم فقط، ولا نسلم أن تكليف البشر أشق من تكليف الملائكة لأنا نقطع أن ~~لهم شهوة ونفرة مع استمرارهم على الطاعة على مضي الأزمان والقرون، ولئن ~~سلمنا ذلك لكن ربما كان التكليف الذي مدته في غاية الطول يقتضي من الثواب ~~أكثر مما يقتضيه التكليف الشاق الذي مدته قصيرة يسيرة، وأما كون الملائكة ~~كانوا من أنصار نبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم فليس فيه ما يقتضي أفضليته ~~(عليه الصلاة والسلام) عليهم. وأما فضل نبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم ~~خاصة على سائر الأنبياء فهو معلوم من دينه ضرورة ومن إجماع المسلمين وقد ~~قال صلى الله عليه وآله وسلم:(أنا سيد ولد آدم ولافخر، آدم ومن دونه تحت ~~لوائي يوم القيامة، وكذا أنا أول من يقرع باب الجنة، وأنا أول من تنشق عنه ~~الأرض، وأنا ms149 # أول شافع ومشفع) ونحو ذلك، وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لاتفضلوني ~~على يونس بن متى) فقد تؤل بأنه لم يكن قد علم أفضليته أو أراد لاتفضلوني في ~~صحة النبوة ووجوب الإتباع أو قال ذلك ردعا للجاهلين حين طعنوا على يونس ~~لذهابه مغاضبا أو إيثارا للتواضع كما يفعله صالح المكلفين ويجوز تفاضل سائر ~~الأنبياء خلافا لضرار. # حجتنا قوله تعالى{ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض}(الإسراء:55) ولامانع ~~منه من جهة العقل. PageV01P214 ### | AUTO باب الوعد والوعيد # وحقيقة الوعد الخبر عن إيصال النفع أو دفع الضرر إلى الغير في مستقبل ~~الزمان من جهة المخبر إلى المخبر، فقولنا الخبر جنس الحد، وقولنا عن إيصال ~~النفع أو دفع الضرر احترازا من الخبر عن إيصال الضرر فإن ذلك لايسمى وعدا ~~بل وعيدا كما سيأتي، وقلنا إلى الغير احترازا عن الخبر بوصوله إلى نفسه، ~~وقلنا في مستقبل الزمان لنخرج منه # الخبر عن الماضي والحال فإنه لايسمى وعدا، وقولنا من جهة المخبر إلى ~~المخبر احترازا من الخبر بإيصال النفع من جهة الغير فإن ذلك لايسمى وعدا ~~(ولا فاعله) واعدا بل ذلك بشارة والفاعل يسمى بشيرا، ولهذا فإن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يسمى بشيرا لنا لأنه أخبرنا بإيصال النفع إلينا من جهة ~~الله تعالى لامن جهته. وحقيقة الوعيد هو الخبر عن إيصال الضرر وفوات النفع ~~إلى الغير في مستقبل الزمان من جهة المخبر إلى المخبر، وهو في الاحترازات ~~كما في الوعد إلا أن الضرر فيه يذكر في موضع النفع من الوعد وفوات النفع في ~~موضع دفع الضرر، والوعد من الله إخبار بالثواب، والوعيد منه إخبار بالعقاب. ~~قالت العترة وصفوة الشيعة والمعتزلة وغيرهم: وهما مستحقان عقلا وسمعا هكذا ~~في الأساس. PageV01P215 # قلت: والتعبير بالاستحقاق للثواب لايأتي على رأي جمهور الأئمة (عليهم ~~السلام) لأنهم يقولون لايجب عليه واجب ولايستحق عليه حينئذ لأن تأدية هذه ~~التكاليف شكر على ماأنعم به تعالى وهذه التكاليف يسيرة في شكر المنعم وغير ~~مقاومة لها. وروى في الأساس عن المجبرة أنهما يستحقان سمعا فقط. # قلت: المشهور عن ms150 مذهبهم أن الثواب لايجب عليه تعالى بناء على أصلهم وهو ~~أنه لايجب على الله واجب ولايقبح منه قبيح، وعلى قولهم لايقبح منه قبيح ~~يلزم منه عدم استحقاق العقاب للعاصي وقد صرح به بعضهم، وإنما الخلاف ~~المشهور في هذه المسألة للكرامية وابن الراوندي والسيدأبي القاسم الموسوي ~~من المعتزلة فقالوا: إن مايعلم استحقاقهما سمعا فقط وهي أدلة الوعد ~~والوعيد. # وحجتنا عليهم تبادر العقلاء إلى تصويب من طلب المكافأة على الإحسان ومن ~~عاقب على الإساءة، وذلك دليل على حسنهما واستحقاقهما إذ طلب مالايستحق ~~وفعله خارج عن تصويب العقلاء فعلمنا أن العلة في التصويب هي الاستحقاق. ~~واختلف في PageV01P216 الثواب والعقاب هل يجوز استوائهما أو لابد من الرجحان. فذهب الجمهور من ~~المعتزلة فيهم أبوعلي وأبو هاشم وقاضي القضاة إلى المنع من جواز الاستواء ~~والذي عليه جماعة من أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم وغيرهم جواز ذلك، ~~فمن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) زين العابدين علي بن الحسين والقاسم ~~والمؤيد بالله (والمنصور بالله) والحقيني ومن شيعتهم القاضي جعفر والشيخ ~~الحسن والفقيه حميد، قالوا: لأنه لامانع منه عقلا ولاشرعا، قال الأولون: ~~لادليل عليه من العقل وإنما المانع السمع وهو الإجماع على أنه لابد للمكلف ~~من الجنة أو النار، ولو استويا لم يستحق المكلف جنة ولانارا. قال الإمام ~~المهدي عليه السلام: في دعوى الإجماع نظر لاشتهار خلاف من ذكر أولا، وقد ~~قال باستوائهما أيضا فرقة من الصوفية لكنهم يثبتون دارا ثالثة بين الجنة ~~والنار يدخلها من المكلفين من استوى ثوابه وعقابه قالوا: وهي التي ذكرها ~~الله تعالى بقوله{وعلى الأعراف رجال}(الأعراف:46) وقال بعض أصحابنا إن ~~الأعراف أعالي الجنة وقيل هي أعالي الحجاب الذي بين الجنة والنار وهو ~~المراد بقوله {وبينهما حجاب}(الأعراف:46) وأنه يحبس فيه من قصر عمله عن ~~السبق إلى دخول الجنة أو من استوت حسناته وسيئاته على الخلاف ثم يدخلون ~~الجنة وهم المعنيون بقوله (تعالى){ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم ~~تحزنون}(الأعراف:49). # واعلم أنه إذا فعل المكلف العاصي طاعة من دون أن يتوب من معصية الفسق فقد ~~سقط القضاء ms151 إجماعا. وهل تسقط الطاعة شيئا من عقاب المعصية أو لا خلاف؟ PageV01P217 # فذهب الشيخ أبو علي إلى أن الإحباط وهو إسقاط العقاب لجميع الثواب والتكفير ~~وهو اسقاط الثواب لجميع العقاب يقعان بسقوط الأقل بالأكثر سواء تقدم ~~استحقاق الثواب أو استحقاق العقاب، فمن له أحد عشر جزء من الثواب وفعل ما ~~يوجب عشرة أجزاء من العقاب سقط الأقل وهو العشرة وبقي الأكثر وهو الأحد عشر ~~وكذا في العكس. # وقال المهدي عليه السلام والبهشمية: وهو إدعاء القاضي جعفر الإجماع أن ~~الإحباط والتكفير يقعان بالموازنة فتساقط العشرتان ويبقى له جزء من الثواب ~~وكذا في العكس وهذه تسمى مسألة الموازنة. # حجة أبي علي من وجوه ثلاثة: # أحدها: أن سقوط الثواب عقاب والعكس فيلزم في الصورتين السابقتين أن يكون ~~مثابا معاقبا في حالة واحدة بخلاف ما إذا أسقطنا الأقل بالأكثر فلا يلزمنا شيء. # وثانيها: أن الموازنة تقع بين الطاعة والمعصية فإذا سقط أحدهما بالآخر ~~سقط جميع ما يستحق عليه جملة واحدة فلا يصح أن يوازن به بعد سقوطه وهذا ~~الوجه مبني على أن الموازنة في الأفعال، والبهشمية وموافقوهم يخالفون في ~~هذا الأصل ويقولون الموازنة بين الثواب والعقاب. # وثالثها: حجة السمع وهو قوله تعالى{وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه ~~هباء منثورا}(الفرقان:23) ولا يكون هباء منثورا إلا إذا سقط بجملته ولم ~~يسقط عنهم شيئا من العقاب ومثله قوله تعالى{ولا تبطلوا أعمالكم}(محمد:33) ~~وقوله {أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}(الحجرات:02) وقوله تعالى{لئن ~~أشركت ليحبطن عملك}(الزمر:65) فهذه الآيات تدل على أن الثواب يذهب في جنب ~~العقاب الذي هو أكثر منه نسيا منسيا غير مسقط شيئا من أجزاء العقاب. PageV01P218 # قلت: في كلام الأساس لإمام زماننا أيده الله ما يدل على انحباط الطاعة بفعل ~~المعصية قلت الأجزاء أم كثرت، وحكاه أيده الله تعالى عن أبي علي ~~والأخشيدية، ولما احتج المخالف بقوله تعالى{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره}(الزلزلة:07) وقوله {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا}(الكهف:30) رد عليه ~~بأن ذلك عام مخصوص بقوله تعالى {إنما يتقبل الله من المتقين}(المائدة:27) ~~فلو كانت مسقطه كانت ms152 متقبلة وبقوله تعالى{إني لاأضيع عمل عامل منكم من ذكر ~~أو أنثى}(آل عمران:195) والخطاب للمؤمنين فقط. وقد ذكر السيد حميدان رحمه ~~الله تعالى مايشعر بمثل كلامه أيده الله لأنه قال إن المعتزلة عارضوا آيات ~~الإحباط بآيات الموازنة ليمكنهم تجويز السلامة في حق من خالف من الصحابة ~~وغيرهم، قال والذي (تبطل به) هذه المعارضة هو كونها معارضة المحكم ~~بالمتشابه والحقيقة بالمجاز.وبيان ذلك أن آيات الإحباط لا يعقل معناها إلا ~~إذا حملت على ظاهرها وذلك الذي يدل على صحة كونها محكمة حقيقة وليس كذلك ~~آيات الموازنة فإنه لا يعقل معناها إلا إذا تؤلت على غير ما يفيده ظاهرها ~~أو حملت على أن المراد بها ضرب المثل بدليل أنها لو حملت على ظاهرها للزم ~~من ذلك تجويز وزن الأعراض وكون ذلك محال معلوم ضرورة ولزم تجويز كون أفعال ~~العباد أجساما وكونه محالا معلوم ضرورة وذلك هو الذي يدل على كون ما كان ~~كذلك متشابها أو مجازا، وإن قيل أن الوزن يقع على ما هي مكتوبة فيه كان ذلك ~~عدولا عن الظاهر لكون ماهي مكتوبة فيه ليس بطاعة ولا معصية ولأن الصحيح من ~~المذهب أن كل من كان خاتمة معاصيه التوبة النصوح فهو من أهل الجنة ومن كانت ~~خاتمة طاعته الإصرار على معصية واحدة فهو من أهل النار وذلك مما يرجح PageV01P219 القول بالإحباط على القول بالموازنة. # وقد خالفت المرجئة في هذا الأصل فقالوا ببطلان التكفير والإحباط وصحة ~~استحقاق الثواب والعقاب في وقت واحد، فمنهم من قال أنه يفعل بصاحب الذنب ما ~~يستحقه من العقاب ثم ينقطع ويفعل به ما يستحقه من الثواب ويدوم ولا ينقطع، ~~ومنهم من قال إن الله يوفي أقلها في الدنيا ثوابا كان أو عقابا ويفعل الآخر ~~في الآخرة ويدوم، ومنهم من أطلق صحة اجتماعهما وقولهم باطل لأن الثواب دائم ~~والعقاب دائم وهما متنافيان فاستحال إجتماعهما إذ يستحيل كون الواحد معظما ~~مستخفا به في حالة واحدة في وقت واحد من فاعل واحد فيتساقطا وهو معنى ~~التكفير والإحباط، وأما إذا فعل المكلف طاعات ms153 ثم فعل معصية أحبطت ثوابه ثم ~~تاب بعد إنحباط ثوابه على الطاعات السابقة فهل يعود أو لا؟ ففي ذلك ثلاثة أقوال. # الأول:لا يعود ثوابه مطلقا إذ بعقاب تلك الكبيرة صار ذلك الثواب كالمعدوم ~~لسقوطه بالموازنة فلا سبيل إلى عوده، وهذا مذهب أبي هاشم وجمهور البصرية ~~وبنى عليه إمام زماننا أيده الله تعالى. # الثاني: يعود مطلقا وهو مذهب بشر بن المعتمر وأبي القاسم والبخاري من ~~البهشمية. PageV01P220 # الثالث: التفصيل لا يعود ما كان قد اجتمع قبل فعل الكبيرة ولا الذي منعت ~~الكبيرة عن استحقاقه من وقت فعلها إلى وقت التوبة ويعود الاستحقاق المتجدد ~~في المستقبل وهو قول ابن الملاحمي والإمام المهدي عليه السلام، قال بعض ~~أصحابنا وهو الموافق للقواعد والأصول إذا كان المانع من استحقاق الثواب على ~~تلك الطاعات هو إستحقاق العقاب على تلك المعصية وعند بطلانها بالتوبة زال ~~المانع من استحقاق الثواب إذ الطاعة باقية لم يطرأ عليها ما تصير به ~~كالمعدومة فيعود استحقاق الثواب في المستقبل وهو أيضا اللائق بالعدل ~~والحكمة وإلا لزم التساوي بين من قطع عمره في طاعة الله وعبادته ثم فعل ~~كبيرة وتاب عنها قبل موته وبين من قطع عمره في عصيان الله والكفر به ثم تاب ~~قبل موته والفرق بينهما مما لا شك فيه. # فإن قيل: فيلزم في من تاب من معصية ثم عاد إليها أن يتجدد له استحقاق ~~عقاب الأولى لمثل ما ذكرتم هنا . # قلنا: قد قال بذلك بشر بن المعتمر وطرد قاعدته المتقدمة من الإطلاق، ونحن ~~نقول بينهما فرق جلي فإن الطاعات المتقدمة في هذه المسألة باقية في نفسها ~~إذ سقوط ثوابها PageV01P221 في الزمان الماضي إلى وقت التوبة بالموازنة بينه وبين عقاب المعصية لا ~~بمصيرها كالمعدومة إذ الموازنة بين الثواب والعقاب فقط كما هو قول أبي ~~هاشم، لا بين الطاعة والمعصية كما هو قول أبي علي فالطاعة غير ساقطة بل ~~إنما منع من استحقاق ثوابها مانع وقد زال بخلاف سقوط المعصية بالتوبة في ~~هذه المسألة فليس بالموازنة على الصحيح الحال والمآل، وهكذا القول فيمن ms154 فعل ~~معصية (ولم يتب) ثم فعل طاعة كفرت عقاب بل التوبة صيرت تلك المعصية ~~كالمعدومة لأنها تحتها حتا فبطلت المعصية في تلك المعصية ثم ندم على تلك ~~الطاعة على وجه يوجب سقوطها فعلى قول إبن الملاحمي والإمام المهدي عليه ~~السلام يتجدد له إستحقاق العقاب على تلك المعصية في المستقبل لأن سقوطها ~~إنما كان بموازنة تلك الطاعة فلم تصر بذلك كالمعدومة وقد بطلت تلك الطاعة ~~فيعود إستحقاق العقاب وتصير كأنه فعلها وقت الندم على الطاعة. نعم أما من ~~فعل طاعة ثم ندم عليها ندما يوجب سقوطها ثم تاب بعد ذلك فإنه لا يعود شيء ~~من ثواب طاعته تلك الماضية على قول الإمام عليه السلام وغيره، لأنها بالندم ~~عليها صارت كالمعدومة فتبطل في الحال والمآل. # ثم اعلم أنه لا يجوز خلف الوعد على الله تعالى للمثابين لأن ذلك أخو ~~الكذب وهو يتعالى عنه لأنه لا يفعل القبيح خلافا للمجبرة، ويحسن منه العفو ~~عن المعاصي إن علم إرتداعه كالتائب اتفاقا، ولا يحسن إن علم عدم ارتداعه ~~وفاقا للبلخي وابن المعتمر وخلافا للبصرية. # قلنا: يصير كالإغراء وهو قبيح عقلا، وكذا لا يجوز خلف الوعيد من الله ~~تعالى للمعاقبين وكل هذا سنحققه ونقيم عليه البرهان في ثلاث مسائل هي أول ~~مسائل الوعد والوعيد (وثانيها وثالثها) ، فالأولى نبه عليها بقوله. PageV01P222 ### || AUTO المسألة الحادية والعشرون # أنه يجب على المكلف أن يعلم أن من وعده الله بالجنة من المؤمنين فإنه إذا ~~مات تائبا غير مصر على شيء من الكبائر فإنه صائر إلى الجنة ومخلد فيها ~~دائما. وهذه المسئلة معلومة ضرورة من الدين ولا خلاف فيها إلا رواية عن جهم ~~والبطيحي فإنهما نفيا معنى الدوام وهذا بالنظر إلى السمع، وأما الجواز ~~فيجوز عند المجبرة أن يخلف وعده بالثواب للمؤمنين إذ لا يقبح منه قبيح وقد ~~ذكرنا إبطال هذه القاعدة فيما مضى، ثم أخذ المصنف في بيان دليل كون ذلك ~~معلوما من الدين ضرورة فقال والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يدين بذلك ويخبر به، ms155 لأن من المعلوم ضرورة أنه كان يدعو الخلق إلى ~~طاعته ومتابعته ويعدهم على ذلك الجنة التي عرضها السماوات والأرض أعدت ~~للمتقين والقرآن الكريم ناطق بذلك، وهو صلى الله عليه وآله وسلم لا يدين ~~إلا بالحق ولا يخبر إلا بالصدق، لما تقدم من شهادة المعجز بصدقه، ودليل ثان ~~وهو الإجماع لأن الأمة أجمعت على دخول المؤمنين الجنة، والخلود وهو الدوام ~~الذي لا انقطاع له فيها ونقل الإجماع على ذلك ظاهر مشهور فثبت بذلك أن ~~المؤمنين يدخلون الجنة خالدا فيها أبدا. PageV01P223 ### || AUTO المسألة الثانية والعشرون # أنه يجب على المكلف أن يعلم أن من توعده الله بالنار من الكفار فإنه إذا ~~مات مصرا على كفره غير تائب منه فإنه يصير إلى النار ومخلد فيها خلودا ~~دائما. وهذا هو الذي عليه أهل العدل بل جمهور أهل الإسلام. والخلاف في ذلك ~~مع مقاتل بن سليمان وقوم من أهل خراسان، فإنهم قطعوا أن الكفار لا يدخلون ~~النار ولكنهم لا يظهرون هذا المذهب لكل أحد بل يظهر ذلك منهم في حق الفاسق ~~فقط، وقد روي مثل ذلك عن الكرامية، وأما دوام عقابهم فالخلاف مع جهم ~~والبطيحي والكرامية، فإنهم منعوا من دوام العقاب، فأما جهم فذكر أنهم لا ~~يخرجون من النار لكن ينقطع عذابهم ويصيرون في النار كالزبانية وديدان الخل. ~~وأما الكرامية فذكروا أن الكفار يخرجون من النار ويقرب أن البطيحي يقول كذلك. # والدليل على ذلك المذهب الصحيح من جهة العقل ومن جهة السمع، أما العقل ~~فهو أنا نعلم تلازم الذم والعقاب لاتحاد مقتضيهما ولأن الذم فيه إضرار ~~واستخفاف وهو لا يحسن إلا للمستحق، وإذا ثبت تلازمهما فمن المعلوم من أحوال ~~الكفار حسن ذمهم دائما وهذا لا خلاف فيه، فيجب أن يكون العقاب مستحقا كذلك، ~~وهكذا الكلام في الفساق ولكن ليست هذه المسألة مسألتهم،فأما السمع وهو ما ~~نعلمه ضرورة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يدين بذلك ويخبر به، فإن ~~من المعلوم الذي لا شك فيه أنه كان يتوعد من كان خالفه وجحده ما جاء به ms156 ~~بالنار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين،وهو صلى الله عليه وآله ~~وسلم لا يدين إلا بالحق ولا يخبر إلا بالصدق لشهادة المعجز بصدقه كما مر، PageV01P224 وقد ورد به القرآن الكريم قال تعالى{فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ~~التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين}(البقرة:24) وقال تعالى بعد ذكر ~~الفجار{وما هم عنها بغائبين}(الإنفطار:16) والفجار يشمل الكفار والفساق ~~بالإجماع وهذا صريح في الدوام والتأبيد، إذ لو انقطع لكانوا قد غابوا عنها ~~وغير ذلك من الآيات اللاتي سيأتي ذكرها في مسألة الإرجاء إنشاء الله تعالى، ~~وكذلك السنة دالة على ذلك فإنها قد وردت به الأخبار كما روي عنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال:(من تحسا سما فسمه في يده يتحساه في النار خالدا ~~فيها مخلدا)وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:(من تردى من جبل فهو ~~يتردى من جبل في النار خالدا فيها مخلدا) وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال:(من وجى نفسه بحديدة فحديدته في يده يجابها بطنه في النار خالدا ~~مخلدا ومن علق سوطا بين يدي سلطان جائر جعل الله ذلك السوط حية طولها سبعون ~~ذراعا تسلط عليه في نار جهنم خالدا فيها وله عذاب أليم) وهذا على سبيل ~~الاستظهار وإن كانت هذه الأحاديث لا تصلح حجة في هذا المقام. وهو إجماع ~~المسلمين في الصدر الأول وفي من كان قبل هؤلاء المخالفين حتى أحدثوا هذا ~~القول، فالإجماع حجة واجبة الاتباع لقوله تعالى{ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ماتولى}(النساء:115) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تجتمع أمتي ~~على ضلالة) والعترة مجمعة على ذلك أيضا وإجماعهم حجة واجبة الإتباع على ما ~~ذلك كله مقرر في مواضعه من أصول الفقه. فثبت بذلك الذي ذكرنا من الأدلة ~~القطعية خلود الكفار في النار وبطل قول المخالفين. PageV01P225 ### || AUTO المسألة الثالثة والعشرون # أنه يجب على المكلف أن يعلم أن من توعده الله من الفساق بالنار كمرتكبي ~~الفواحش التي هي غير مخرجة من الملة من الزنا وشرب الخمر وتاركي الصلاة ~~والزكاة ونحو ذلك، فإنه إذا مات ms157 مصرا على فسقه غير تائب منه فإنه صائر إلى ~~النار ومخلد فيها خلودا دائما،هذه هي مسألة الإرجاء الكثيرة الأنظار ~~العظيمة الأخطار وسنهديك فيها إنشاء الله إلى منهاج الصواب ونوقفك من ~~براهين الحق الواضحة على ما ينفي عنك كل شك وارتياب وذلك بإعانة الله ~~سبحانه وتوفيقه وهدايته فهو قادر على ما يشاء كريم وهاب. PageV01P226 # فنقول: ما ذكره الشيخ مؤلف الكتاب من القول بتخليد الفساق المصرين في أنواع ~~العقاب، فهو الذي عليه جمهور أهل العدل من (المعتزلة والزيدية) .والخلاف في ~~ذلك مع المرجئة على طبقاتها فعندهم أن الفساق من أهل القبلة لا يقطع ~~بخلودهم في النار وهم مجمعون على ذلك، ثم افترقوا، فمنهم من قطع على أن ~~الفساق لا يدخلون النار وهم الكرامية ومقاتل بن سليمان والخراسانية بل ~~قالوا ذلك في المشرك كما مر. # القول الثاني: لبشر المريسي من الفقهاء فإنه قطع بدخولهم النار وخروجهم منها. # القول الثالث: لمحمد بن شبيب من المعتزلة أن الفاسق يستحق عقوبة دائمة ~~إلا أنه (في الآخرة) يجوز أن يعفو الله عنه وإذا عفى عن البعض عفى عن الكل ~~وإلا أدى إلى المحاباة وهي لا تجوز عليه تعالى. # القول الرابع: للخالدي فإنه ذهب إلى أن الفاسق الذي صدرت منه طاعة تنقطع ~~عقوبته لأنها ترد عقوبته من الدوام إلى الانقطاع. ومنهم من قال إن آي الوعد ~~والوعيد متعارضة فنقف (وهذا يروى) عن جماعة منهم أبي حنيفة، ومنهم من تردد ~~في دخولهم النار وقطع على خروجهم إن دخلوا، ومنهم من قطع بدخولهم وتردد في ~~خروجهم، والذي عليه المرجئة الخلص تجويز الدخول وعدمه وتجويز الخروج بعد ~~الدخول وعدمه وهذا هو مذهب أبي قاسم البستي وكان من أصحاب المؤيد بالله ~~وهذا هو الإرجاء الحقيقي لأن الإرجاء هو التردد في الأمور وهؤلاء مترددون ~~ومذهبهم أعني المرجئة حادث بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام بخلاف ~~الخوارج فمذهبهم حادث في أيامه. PageV01P227 # والدليل على ذلك المذهب الصحيح وهو قول جمهور العدلية قوله تعالى{ومن يعص ~~الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا}(الجن:23) فتوعد الله ms158 كل عاص ~~على سبيل العموم بالخلود في النار، والخلود هو الدوام بدليل قوله تعالى{وما ~~جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفئن مت فهم الخالدون}(الأنبياء:34) فنفى تعالى ~~في هذه الآية أن يكون لأحد من البشر خلود في هذه الدنيا ومعلوم أنه لم ينف ~~بذلك البقاء المنقطع لأن كل واحد منهم قد بقي بقاء منقطعا ولا يرد ما يقال ~~خلد السلطان فلانا في السجن والمراد البقاء المنقطع لأنا نقول حقيقة الخلود ~~هو الدوام فإن استعمل في غيره فعلى سبيل المجاز فيكون ذلك مجازا. وقوله ~~تعالى{إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم الدين، وما ~~هم عنها بغائبين}(الإنفطار:13،14،15،16) فحكم بعدم غيبوبة الفجار عن النار، ~~والفجار يطلق على الكفار والفساق. وهاتان الآيتان عامتان كما ذكرنا، وإذا ~~ثبت ذلك علمنا أنهما تدلان على دخول كل عاص النار وعلى دخول كل فاسق وفاجر ~~النار وخلودهم فيها ومثلهما قوله تعالى{بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}(البقرة:81) والفاسق قد أحاطت به خطيئته ~~إذ معنى أحاطت الخطيئة زيادة عقابها على ثوابه إذ لا معنى لها هنا إلا ذلك ~~(فوجب خلوده) في النار والخلود الدوام، وقوله تعالى{ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه}(النساء:93) إلى غير ذلك من ~~الآيات العامة بالوعيد للكافر والفاسق ولا يعلم مخصصا صحيحا ، وإذا كانت ~~عامة ولا مخصص لها وجب حملها على ظاهرها، وإذا وجب حملها على ظاهرها فهي ~~قاضية بالوعيد بتخليد العصاة في النار، PageV01P228 فلو جوزنا إخلافه كشف عن الكذب وهو قبيح ضرورة والله لا يفعل القبيح. # واعلم أن هذه الدلالة لا تقرر إلا بمقدمات أربع. # الأولى: أن في اللغة ألفاظا موضوعة للعموم وذلك ثابت لاشك فيه بدليل أن ~~أسماء الشرط وهي من ونحوها، والجمع المعرف باللام ونحوها، ألفاظ عامة لسبق ~~العموم إلى الأذهان عند إطلاقها وصحة الاستثناء منها، ألا ترى (إلى من) ~~قال: من دخل داري أكرمته، يعم كل عاقل بدليل صحة استثناء زيد وعمرو فالمنكر ~~كونها للعموم لا يلتفت إليه. # الثانية: أن ms159 كون تلك الألفاظ موضوعة للعموم معلوم مقطوع به فإنا لما ~~استقرأنا اللغة العربية وتتبعناها وبحثنا في مفهومات تلك الألفاظ ~~واختبرناها وجدناها مفيدة للعموم وعلمنا ذلك علما قطعيا لا تعتريه الشكوك، ~~لا يقال معاني الألفاظ إنما تعرف بالنقل، فإن كان تواترا فكيف خالف فيه ~~كثير من الناس وهو ضروري، وإن كان آحاديا فلا يفيد القطع، لأنا نقول نفس ~~الألفاظ منقولة إلينا بالتواتر، وأما معانيها فإنما علمت بالبحث والاختبار ~~فكان العمل بها نظريا بواسطة النقل التواتري لنفس الألفاظ فاحتملت الخلاف. PageV01P229 # الثالثة: أن دلالة تلك العمومات على مدلولاتها قطعية إذ يقطع بمدلولاتها ~~بعد البحث عن المخصص فلم يوجد وينتفي التجويز لاستثناء ونحوه. وقال أبو شمر ~~يجوز أن يكون في عمومات الوعيد استثناء أو شرط مخصص له بالكافر تقديره إلا ~~أن أعفو أو إن لم أعف، أو إن لم يكن مقرا بلسانه أو نحو ذلك. والدليل على ~~بطلان ما ادعاه أنه إذا ثبت أن العموم هو مدلول تلك الألفاظ وأن الله تعالى ~~لا يجوز أن يخاطب بخطاب ويريد به غير ظاهره وإلا كان معميا وملبسا، ثبت أن ~~دلالتها على المعاني قطعية غير مشكوك فيها البتة لاسيما العمومات التي لا ~~يتعلق بها عمل، بل إنما يطلب بها الاعتقاد فقط كما ذهب إليه المحققون من ~~أهل أصول الفقه. # الرابعة: أن العموم بعد تخصيصه باق على حجته القطعية فيما بقي بعد ~~التخصيص وخالف في ذلك الأصم وغيره من المجبرة وبعض المعتزلة، وقالوا العموم ~~إذا خصص بطلت حجته وصار مجملا يفتقر إلى البيان ودليلنا عليهم أنه إذا ثبت ~~أن دلالة العموم على مدلوله قطعية ثم خصصنا منه بعض مفرداته بدليل مخصص ~~فإنه يجب أن تكون دلالته على الباقي بعد التخصيص قطعية كما كانت لم يطر ~~عليها ما يغيرها وإنما كان التغيير في المخرج لا في الباقي، وإذا تقررت هذه ~~الأربع المقدمات بالدلالة القطعية ثبت ذلك الدليل ووجب القطع بما دل عليه. PageV01P230 # قالوا: قد جاء في القرآن عمومات في الوعد عامة للمؤمن والفاسق كقوله ~~تعالى{يا عبادي الذين أسرفوا على ms160 أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا}(الزمر:53) وقال تعالى{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~مادون ذلك لمن يشاء}(النساء:48) إلى غير ذلك من الآيات وعلى الجملة فالقرآن ~~مملوء وإجماع المسلمين منعقد على وصف الله بأنه غافر وغفور وغفار وكثير ~~المغفرة وواسع الرحمة وأرحم الرحمة وأرحم الراحمين وأكرم الأكرمين وكثير ~~العفو والإحسان وعظيم التجاوز والامتنان ونحو ذلك من الأوصاف المشعرة ~~بالعفو وعدم المؤاخذة، فإما أن يكون ذلك مع وجود التوبة من العبد أو تكفير ~~ثوابه لعقابه أو يكون مع عدمهما، والأول باطل إذ المسقط لعقاب المعصية ~~حينئذ هو التوبة والثواب وليس لله حينئذ تفضل عندكم بعد المؤاخذة إذ قبول ~~التوبة ثابت قطعا والمؤاخذة بعدها قبيح منه فكيف يتمدح به ويصف نفسه بغاية ~~الكرم ونهاية الجود وأي سعة في (رحمته ومغفرته) إذا كان يفعل بالعبد كل ما ~~يستحقه قطعا ولا يعفو عن وزن حبة خردل إلا إذا سقطت بنفسها بتوبة أو تكفير ~~ثواب، وحينئذ قد سقط حقه منها تعالى فتركه للعقاب عليها لا يكون عفوا ولا ~~مسامحة فتعين الثاني وهو أن يكون ذلك مع عدم سقوط العقاب بتوبة أو ثواب وهو ~~الذي نقوله ونذهب إليه ويجب حينئذ حمل آيات الوعيد التي ذكرتم على آيات الوعد. PageV01P231 # الجواب: والله الموفق أنا قد بينا بما مهدنا من المقدمات الأربع أن عموم ~~الوعيد أدلة قطعية ظاهرة الدلالة، وعمومات الوعد مجملة غير مبينة ، ألا ترى ~~إلى قوله تعالى{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن ~~يشاء}(النساء:48) فإنها مجملة من جهة الغفران والمغفور له معا وكذلك سائرها ~~عند التأمل، وإذا ثبت ذلك وجب الاعتماد على آيات الوعيد إذ لا يترك القطعي ~~بما ليس بقطعي، وأيضا فإن في عمومات الوعيد ما لم يمكن تأويله ولا إخراجه ~~عن ظاهره بوجه من الوجوه، وقوله تعالى{ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ~~من يعمل سوءا يجز به}(النساء:123) نزلت الآية خطابا للمسلمين قيل سبب ~~نزولها أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبيئنا قبل ~~نبيئكم ms161 وكتابنا قبل كتابكم. وقال المسلمون: نحن أولى منكم نبيئنا خاتم ~~النبيئين وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبل ويشهد عليها فنزلت الآية، ~~قال الحسن البصري ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، ~~إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا: ~~نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل. PageV01P232 # قال الإمام المهدي عليه السلام: لولا هذه الآية لكان الحق ما ذهب إليه أبو ~~حنيفة من القول بالوقف لتعارض عمومات الوعد والوعيد وعدم علمنا بالمخصص ~~منهما للآخر وهذا بناء من المهدي عليه السلام على أن الترجيح إنما يفيد ~~الظن أو لأن العام دلالته ظنية كما هو قول الأكثر في أصول الفقه، فعدل إلى ~~الاحتجاج بالآية هذه لأن دلالتها على نفي الإرجاء قطعية فإن العام إنما ~~يكون ظني الدلالة عند بعضهم فيما عدا سببه، فأما في سببه فهو قطعي فيه ~~اتفاقا، وأما قول المخالفين إن المغفرة لا تكون مع التوبة والتكفير فقول ~~باطل، لأن حقيقة المغفرة هي أن لا تعجل للعبد ما يستحقه من العقاب فإنه ~~تعالى قد قابل أنواع الكفور والعصيان بسبوغ النعم والإحسان ولاشك أن ذلك ~~أعظم الحلم وأوسع الغفران وقد سمى الله تأخير العقاب عفوا كما في قصة ~~اليهود{ثم عفونا عنكم من بعد ذلك} {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفو عن كثير}(الشورى:30). وأيضا فإنا نقول أراد بذلك المغفرة مع التوبة، ~~وقولكم لا يسمى حينئذ غفرانا. PageV01P233 # قلنا: قد سماه الله غفرانا فإن كتاب الله مملوء بالمغفرة مع التوبة فكيف لا ~~يسمونه غفرانا قال الله تعالى{وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى}(طه:82) وقال تعالى{يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ~~عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم ~~يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما واستغفروا ربكم إنه كان غفارا ولو أنهم ~~إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا ~~رحيما والذين إذا فعلوا فاحشة أو ms162 ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم}إلى قوله{جزاءهم مغفرة من ربهم إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ~~فإن الله غفور رحيم فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ليغفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا} إلى غير ذلك ~~مما يكثر تعداده. ثم نقول: قد وردت المغفرة في هذه الآيات ونحوها مقيدة ~~بالتوبة ولابد من الاتفاق على ذلك ووردت فيما احتججتم به مطلقة غير مقيدة ~~بها ومن الأصول المقررة حمل المطلق على المقيد (ولا سيما) مع كثرة المقيد ~~وقلة المطلق كما في مسألتنا وبذلك بطل ما تمسكوا به وتم ما أردنا والحمد ~~لله رب العالمين. فثبت بذلك الذي ذكرنا خلود كل فاسق وفاجر في النار وبطل ~~ما قاله المخالفون. PageV01P234 ### || AUTO المسألة الرابعة والعشرون ((في المنزلة بين المنزلتين)) # وتسمى أيضا مسألة الأسماء والأحكام، وحقيقة المنزلة بين المنزلتين لغة: ~~كون الشيء بين شيئين ينحدر إلى كل واحد منهما بشبه، واصطلاحا: كون صاحب ~~الكبيرة ممن ليس بكافر له (أسماء وأحكام) بين أحكام المؤمن والكافر ~~وأسمائهما، والمراد بالمنزلة بين المنزلتين هو الفاسق وفسقه بسبب عصيانه ~~بما هو كبير غير مخرج من الملة لا إن أتى صغيرا فمؤمن أو كبيرا مخرجا من ~~الملة فكافر وحينئذ يتوجه الكلام إلى قسمة المعاصي إلى كبائر وصغائر. # فنقول: قد نطق القرآن بذلك قال الله تعالى{لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها}(الكهف:49) وقال تعالى{وكل صغير وكبير مستطر}(القمر:53) وقال {كبائر ~~الإثم والفواحش إلا اللمم} وما ارتكبه الأنبياء عليهم السلام فنقطع بصغره ~~لوقوعه منهم على جهة التأويل وهو إما لتفريطهم في التحرز لظنهم أنهم لا ~~يقعون فيها، ومن ذلك خطيئة آدم عليه السلام أو لظنهم أنها غير معصية، ومن ~~ذلك خطيئة يونس وداود عليهما السلام ولا يجوز منهم ذلك فيما يتعلق بالأداء ~~البتة كالكذب والكتمان، إذ لو جوزنا ذلك في حقهم لم نأمن أن يكون بعض ما ~~جاؤا به ليس عن الله أو أنهم كتموا شيئا أمرهم الله بتبليغه إلينا وذلك ~~خلاف الحكمة وقدح في الحكيم ms163 حيث أظهر المعجز على من ذاك حاله ولا يجوز وقوع ~~المعصية منهم عمدا عند الهادي والناصر وبعض البغداذية خلافا للمهدي ~~والبصرية. PageV01P235 # قلنا: إن تعمدوها لأجل تعريفهم أنها صغائر فذلك إغراء وهو لا يجوز على الله ~~تعالى، وإن تعمدوها جرأة على الله من غير مبالاة بصغرها وكبرها وحاشاهم، ثم ~~بينت من بعد فذلك مؤد إلى التنفير من قبول ما أتوا به وذلك باطل، وقد قال ~~تعالى{فنسي ولم نجد له عزما} وقال{فظن أن لن نقدر عليه}أي لن نضيق عليه أي ~~لانؤاخذه، وأما غير الأنبياء من المكلفين فنقطع بأن ما وقع منهم على جهة ~~العمد فهو كبير وما وقع منهم خطأ أو نسيانا أو بإكراه فهو صغير، فالصغير ~~متعين فيما ذكر هذا هو مذهب الناصرية وظاهر كلام الهادي عليه السلام وصريح ~~قول المرتضى وقول القاسم بن علي العياني عليهم السلام وبعض البغداذية، وقال ~~بعض الزيدية وبعض البغداذية والطوسي بل بعض العمد ليس بكبيرة. وحجتنا قوله ~~تعالى{ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} ولم بفصل ، ~~وقوله تعالى{ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله ~~عذاب مهين} ولم يفصل ولم يغفر سبحانه سيئة من غير توبة إلا الخطأ والنسيان ~~والمضطر إليه لقوله تعالى{وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به}(الأحزاب:05) ~~وقوله تعالى معلما لعباده ومرشدا{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا}(البقرة:286) واستثنى تعالى المضطر إليه، وقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم(رفع عن أمتي الخطأ والنسيان...الخبر) فعلمنا بذلك أن الكبائر ما وقع ~~عمدا من غير اضطرار. PageV01P236 # وقالت البصرية: بل الكبيرة ما وجب فيها حدا ونص على كبره وغير ذلك محتمل ~~وورود الوعيد لا يدل على الكبر عندهم لدخول الصغير في عموم قوله تعالى{ومن ~~يعص الله ورسوله...الآية}(النساء:14) وخالفهم أبو القاسم وقال: إن الوعيد ~~لا يشمل الصغيرة. قال المهدي عليه السلام: مبينا لكلام البصرية تعيين ~~الكبيرة بأن يصفها الله تعالى بالفحش نحو قوله تعالى في الزنا{إنه كان ~~فاحشة...الآية}(النساء:22) أو العظم نحو قوله تعالى في القذف{وتحسبونه هينا ~~وهو عند الله عظيم}(النور:15) أو الكبر نحو ms164 قوله تعالى في قتل الأولاد{إنه ~~كان خطأ كبيرا}(الإسراء:31) أو الإحباط كما استدللنا على كبر الشرك لو وقع ~~من الأنبياء (عليهم السلام) لقوله تعالى{لئن أشركت ليحبطن عملك}(الزمر:65) ~~أو نحو ذلك كوصف صاحب الذنب بأن عليه غضب الله أو لعنته بالنص الصريح نحو ~~قوله تعالى في الفرار من الزحف{ومن يولهم يومئذ دبره} إلى قوله{فقد باء ~~بغضب من الله}(الأنفال:16) ونحوه قوله تعالى في قاتل المؤمن{وغضب الله عليه ~~ولعنه...الآية}(النساء:93)، وكذلك كل من أمر الله بإقامة الحد عليه كالسرقة ~~وقطع الطريق وشرب الخمر ونحو ذلك. وقد اختلف الناس في كمية ما يتعين من ~~الكبائر، فروي عن عبد الله بن عمر أنها تسع الشرك بالله وقتل النفس بغير حق ~~وقذف المحصنة والزنا والفرار من الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وعقوق ~~الوالدين المسلمين والإلحاد في الحرم، وزاد أبو هريرة أكل الربا، وزاد علي ~~عليه السلام السرقة وشرب الخمر، وزاد الجمهور الخروج على الإمام وبعضهم ~~البغي على المحق مطلقا، وزاد بعضهم النميمة لقوله تعالى{إن جاءكم فاسق ~~بنبأ...الآية}(الحجرات:06) وغير ذلك من الاختلافات، وإذا علم ذلك فاعلم: أن ~~أصحاب الكبائر PageV01P237 من هذه الأمة كشارب الخمر والزنا ومن جرى مجراهما يسمون فساقا وفجارا ~~إجماعا، والفسق في اللغة الخروج على جهة الإضرار، ومنه قيل للفارة فويسقه ~~لخروجها من جحرها لطلب المضرة، وفي الاصطلاح عبارة عن معاصي مخصوصة مستحق ~~لأجلها أحكام مخصوصة وعقاب عظيم دون العقاب الأعظم، وحقيقة الفاسق من استحق ~~عقابا عظيما دون العقاب الأعظم مع أحكام دنيوية مخصوصة، ولا يسمون مؤمنين ~~عندنا خلافا للمرجئة بناء منهم على أن الإيمان هو المعرفة والإقرار أو ~~أحدهما والأعمال خارجة عنه فالفاسق مؤمن بإيمانه فاسق بفسقه، ولا يسمون ~~منافقين خلافا للحسن البصري وفي ذلك وقعت المناظرة بينه وبين واصل بن عطاء ~~واحتج الحسن بوجهين: أحدهما: أن الفاسق لو كان يقطع بصدق الوعد والوعيد ~~والجنة والنار لما ارتكب الكبيرة الموجبة المهلكة والموقعة في العذاب ~~الدائم. وثانيهما: قوله تعالى{إن المنافقين هم الفاسقون}(التوبة:67). ولا ~~يسمون كفارا خلافا للخوارج فإنهم يقولون إنه فاسق كافر ثم افترقوا، فمنهم ~~من قال ms165 هو كافر لفظا دون الحكم فلا يكون حكمه حكم الكافر، ومنهم من قال ~~أصحاب الكبائر كفار لفظا ومعنى ويجرون على من هذا حاله أحكام الكفر التي ~~نذكرها بعد، ثم اختلف هذا الفريق فبعضهم وهم الأباضية جوزوا أن يقال فيه ~~إنه مشرك والذي عليه أكثرهم المنع، واشتهر للناصر عليه السلام القول بأنه ~~يسمى كافر نعمة، قال لأن فعل الطاعات واجتناب المعاصي كالشكر على نعم ~~الباري تعالى، فإذا ارتكب العبد شيئا من هذه المعاصي كان كمن لم يشكر نعمة ~~الله ، وحكى في الأساس مثل هذا عن ابن عباس والصادق والقاسم والهادي وأحمد ~~بن سليمان عليهم السلام قال فيه وروى أنه إجماع قدماء العترة والشيعة. PageV01P238 # قلت: وهو الحق لما قدمنا من الدليل على أن الطاعات شكر، والدليل على أن ~~الفاسق لا يسمى كافرا كما زعمت الخوارج أن الكافر له أحكام مخصوصة وأسماء ~~معلومة لا تجوز على الفاسق، أما أحكامه فنحو حرمة المناكحة والموارثة ~~والدفن في مقابر المسلمين. أجمعت الصحابة على أنه لا يثبت في حق الفاسق شيء ~~من هذه الأحكام ولهذا فإنهم كانوا يقيمون الحدود على الجناة ولا يفرقون ~~بينهم وبين أزواجهم فلو كان الجناة يسمون كفارا لحرمت المناكحة بينهم إذ لا ~~مناكحة بين أهل ملتين. # ويدل على ذلك أن الله شرع اللعان بين الزوجين متى قذف الزوج زوجته ورماها ~~بالزنا فإنهما يترافعان إلى الحاكم فإذا أصرا على ذلك حلفهما ثم يفرق ~~بينهما بعد ذلك، فلو كان الفسق كفرا كما تقوله الخوارج لحصلت البينونة ~~بينهما بنفس المعصية ولم يحتج إلى تفريق الحاكم لأن أحدهما يكون فاسقا لا ~~محالة لأن الزوج إن كان صادقا كانت الزوجة فاسقة لأجل الزنا وإن كان كاذبا ~~كان فاسقا لأجل القذف الذي نص الله على أنه فسق بقوله تعالى{أولئك هم ~~الفاسقون}(النور:04) إذ لا ملاعنة مع بطلان الزوجية كما لا ملاعنة بين ~~الأجنبيين، فلما علمنا صحة الملاعنة بينهما دل ذلك على أن الفسق ليس بكفر. ~~وأما الأسماء فيقال كافر وملحد لأنه جاحد لله تعالى ولرسوله ولجنته وناره ~~ولاشك أن الفاسق ms166 لا يفعل شيئا من ذلك. وقد بطل بما قررنا ما تقوله الخوارج، ~~وقوله (كافر وملحد) ما كان ينبغي لأن إطلاق الكافر على الفاسق هو عين محل ~~النزاع، وأما ملحد فهو اسم لكافر مخصوص وهو الجاحد للصانع فعدم إطلاقه على ~~الفاسق كعدم إطلاقه على من كفر بغير ذلك فافهم. PageV01P239 # تنبيه: # الكفر في أصل اللغة التغطية ومنه سمي الليل كافرا لتغطية ما أبانه نور ~~النهار، ومنه سمي الزراع كافرا لتغطيته البذر بالتراب، ومنه سمي المستلئم ~~كافرا لتغطيه بلامة حربه، وفي عرفها الإخلال بالشكر قال الشاعر:- # نبئت عمرا غير شاكر نعمتي والكفر مخبثة لنفس المنعم # وفي الاصطلاح مستعمل في معاصي مخصوصة يستحق عليها العقاب الأعظم مع أحكام ~~دنيوية مخصوصة تتبع ذلك العقاب، وحقيقة الكافر المستحق للعقاب الأعظم مع ~~أحكام دنيوية مخصوصة ومقتضى كلام الأساس أنه المرتكب لمعصية مخرجة له من ~~ملة الإسلام. # وأما الدليل على أن الفاسق لا يسمى منافقا كما يزعمه الحسن البصري. فلأن ~~المنافق بإجماع الصحابة من أبطن الكفر وأظهر الإسلام ومعلوم أن الفاسق لا ~~يكون كذلك فكيف يكون منافقا، وأيضا المنافق يقدم على المعصية وهو مستحل لها ~~غير خائف عقابا من أجلها ولا تبعة بسببها، والفاسق ليس كذلك إذ الفاسق يفسق ~~خائفا من عقاب تلك الكبيرة التي أقدم عليها وإنما يسوف التوبة أو يرجي ~~المغفرة وليس منافقا قطعا وبهذا عرف الجواب عما تمسك به أولا، وأما ما تمسك ~~به ثانيا. # فجوابه: أن الذي في الآية أن المنافق فاسق ونحن كذلك نقول فمن أين لك أن الفاسق # منافق وهو محل النزاع. # تنبيه: # النفاق في أصل اللغة إظهار خلاف ما أبطن، والمنافق من أظهر خلاف ما أبطن، ~~وهو مأخوذ من النافقاء وهو حجر اليربوع لأنه يتخذ في بيته بابين أو أبوابا ~~ويظهر منها واحدا ويكتم الآخر فإذ منع من الباب الذي أظهره لخروجه خرج من ~~الباب المكتوم أو من أحد الأبواب الأخر. PageV01P240 # وقال في الأساس: النفاق في اللغة الرياء، ودينا مثل ما ذكره الشيخ، وقد حكي ~~عن القاسم عليه السلام أنه الرياء فقط ms167 بناء على عدم النقل لقوله تعالى{هم ~~للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان}(آل عمران:167) فلو كانوا كفارا ما قال ~~تعالى هم أقرب إليه وهم فيه. # قلنا: المراد مائلون إليه دون الإيمان لقوله تعالى فيهم{وما منعهم أن ~~تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم ~~كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون}(التوبة:54) ولتصريحهم بتكذيب الله فيما ~~حكى الله عنهم في قوله {وقالوا ما وعدنا الله ورسوله إلا ~~غرورا}(الأحزاب:12) فثبت بذلك أن المنافق كافر ولكن هل تجري عليه أحكام ~~الكفار الدنيوية التي ذكرناها (في المنع) من المناكحة والموارثة والدفن ~~وغير ذلك، لصاحب شرح الأصول كلامان: أحدهما أنه تجري عليه وكلام الفقيه ~~حميد يقضي بذلك وفي موضع آخر من الشرح لا تجري عليه. قال الدواري: فأما ~~القتل وإباحة المال فإنه لا يكون حكمه حكم الكفار في ذلك إذ المعلوم من ~~أحكام المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقن دمائهم ~~وأموالهم وهم في ذلك يشبهون أهل الملة، فأما عقاب الآخرة فيقرب أن عقابهم ~~أعظم لقوله تعالى{إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}(النساء:145) وأما ~~الدليل على أن الفاسق لا يكون مؤمنا كما تزعمه المرجئة، أن المؤمن وإن كان ~~في اللغة المصدق فقد نقل إلى من أتى بالواجبات واجتنب المقبحات وهو الذي ~~يستحق الثواب والمدح والتعظيم بدليل أنه يحسن تواسطه بين أوصاف المدح، ~~فيقال فلان بر تقي مؤمن صالح زكي فلو لم يكن مدحا لم يحسن توسيطه بين أوصاف ~~المدح ما ليس بمدح. وإذا تقرر ذلك فالفاسق لا يستحق المدح PageV01P241 والتعظيم بل يستحق الذم والإهانة بلا خلاف بين المسلمين، ولهذا فإن الصحابة ~~كانوا يقيمون الحدود على الجناة على وجه الإهانة. وقد دل الدليل السمعي على ~~نقل اسم المؤمن إلى من يستحق الثواب ونحوه، قال تعالى{إنما المؤمنون الذين ~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم ~~يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون ~~حقا}(الأنفال:2،3،4) وقال تعالى في وصف المؤمن على وجه التفسير والتعريف ms168 ~~بما يكون المؤمن مؤمنا{قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين ~~هم عن اللغو معرضون}(الحج:1،2،3) إلى آخر الآيات، فقد أفادت أن هذه الأوصاف ~~هي الإيمان وأن المؤمن هو الذي يستحق الثواب وهو المراد بالفلاح في هذه ~~الآية. وقال تعالى{أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون}(السجدة:18) ~~فنفى تعالى مساواة المؤمنين والفاسقين فدل على أن الفاسق لا يكون مؤمنا إذ ~~لو كان كذلك لكان قد نفى مساواة الشيء لنفسه، وقال تعالى{بئس الاسم الفسوق ~~بعد الإيمان}(الحجرات:11) وهذا يقضي بأن الفاسق غير مؤمن. ومما يدل على ما ~~قلنا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا ~~يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، فإذا ~~فعل ذلك انتزع الإيمان من قلبه وإن تاب تاب الله عليه، قيل يا رسول الله ~~(أو كافر) هو قال لا قيل فما هو قال فاسق) وهذا نص فيما ذهبنا إليه. نعم ~~وقولنا إن المؤمن اسم في الشرع لمن يستحق الثواب دليل على شمول ذلك ~~للملائكة والأنبياء عموما ومن له ثواب غير محبط من الإنس والجن، وخرج من ~~التعريف الكافر والفاسق ومن ليس له ثواب ولا عقاب إما لكونه غير مكلف PageV01P242 أو تساوى ثوابه وعقابه على القول بجواز التساوي، فالمؤمن عندنا هو من اعتقد ~~بقلبه وأقر بلسانه وعمل بجارحته، فإن أخل بالأول فقط كان منافقا، وإن أخل ~~بالثاني كان كافرا،وإن أخل بالثالث كان فاسقا، وإنما قلنا إن المؤمن من جمع ~~الثلاثة الأمور المذكورة لما قررناه من الأدلة على ذلك.فثبت بذلك التقرير ~~أن الفاسق لا يسمى مؤمنا ولا كافرا ولا منافقا وبطل ما قاله المخالفون . # تنبيه: # قال أصحابنا الإسلام والإيمان والدين سواء في الشرع وهو فعل الطاعات ~~واجتناب المحظورات والمكروهات وإن كانت في أصل اللغة مختلفة، فالإيمان ~~التصديق، والإسلام هو الاستسلام والإنقياد، والدين يستعمل في اللغة بمعنى ~~الجزاء وبمعنى العادة وبمعنى الملة وهو ما يتخذه الإنسان له دينا وبمعنى ~~الطاعة لكنها قد صارت في الشرع بعد النقل # بمعنى واحد ms169 وهو ما ذكرنا. PageV01P243 ### || AUTO المسألة الخامسة والعشرون ((في شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)) # ووجه اتصالها بباب الوعد والوعيد أنها إحدى شبه المرجئة في عدم خلود ~~الفساق في النار للأثر الذي يروونه كما يأتي، وهي في أصل اللغة مأخوذة من ~~الشفع وهو نقيض الوتر، والشفع الزوج، والوتر الفرد، ولذلك يقال شاه شافع ~~إذا كان معها ولدها، وسمي الشفيع شفيعا لانضمامه إلى المشفوع له ومنه سميت ~~الشفعة شفعة لما كان غرض الشافع بها ضم المال المشفوع إلى ماله الأصلي. ~~وحقيقتها في الاصطلاح: السؤال لجلب نفع الغير أو دفع الضرر عنه على وجه ~~يكون غرض السائل حصول ما سأل لأجل سؤاله، فقولنا السؤال ليخرج بذلك ما ليس ~~بسؤال، وقولنا لجلب نفع إلى الغير أو دفع ضرر عنه لنحترز بذلك عن السؤال ~~لجلب الضرر أو فوت النفع وقولنا إلى الغير لنحترز بذلك عن سؤال ذلك للنفس ~~فإنه لا يكون شفاعة (وللفاعل وجه ما يكون شفاعة وللفاعل) وقلنا على وجه ~~يكون غرض السائل حصول ما سأل لأجل سؤاله لنحترز به عما إذا لم نقصد بذلك بل ~~قصدنا نفع أنفسنا ولهذا فأنا نسأل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الوسيلة ~~والدرجة الرفيعة ولا نكون شافعين له لأنا لم نقصد بسؤالنا ذلك حصوله له لأن ~~الله تعالى قد أخبرنا أنه يفعل ذلك من غير سؤالنا، وإنما قصدنا بسؤالنا ~~تحصيل الثواب لأنفسنا مع أنا متعبدون بذلك، PageV01P244 واعلم أنه لا خلاف بين أهل العدل قاطبة بل أهل الإسلام أن شفاعة النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يوم القيامة ثابتة مقبولة لا يخالف في ذلك إلا ~~المطرفية فإنهم منعوا من شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا: لأنه إن ~~شفع في أمر واجب فالله يفعله وإن لم يشفع، وإن شفع في أمر لا يجب لبعض ~~المكلفين فهذه محاباة والله منزه عنها. وقولهم باطل لما ذكرنا من إجماع ~~الأمة قبل حدوث مذهبهم الباطل فالإجماع حجة وقوله تعالى{عسى أن يبعثك ربك ~~مقاما محمودا}(الإسراء:79) وعسى في اللغة تفيد الترجي وفي كتاب ms170 الله تعالى ~~تكون للقطع. ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم?من كذب بالشفاعة لم ~~ينلها) ولكن اختلفوا لمن تكون شفاعته من أمته. فقال جمهور العدلية: إن ~~شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تكون لمن يستحق النار من الكفار ~~والفساق أصلا وإنما تكون للمؤمنين أهل الثواب فقط، واختلف أهل هذا القول في ~~ثمرتها للمؤمنين، فالذي عليه أكثرهم أنها تكون لزيادة نعيما إلى نعيمهم ~~وسرورا إلى سرورهم وهو الذي عنى بقوله حتى يزيدهم الله بها شفاعة النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم تشريفا ورفعة في الدرج بالتفضلات. وقال أبو الهذيل بل ~~ثمرتها إعادة ما أحبطته المعصية من الثواب، القول الثالث أشار إليه بقوله ~~أو تكون لمن تستوي حسناته وسيئاته على القول بصحة الاستواء فيشفع له النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ليدخل الجنة تفضلا. والخلاف في ذلك مع المرجئة ~~فإنهم يقولون إن شفاعته تكون لفساق هذه الأمة الذين استحقوا العقاب، فمنهم ~~من يقطع بها، ومنهم من لا يجوزها، PageV01P245 قالوا: إذ الشفاعة موضوعة لدفع الضرر وأهل الجنة مستغنون. والدليل على أن ~~شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم لا تكون لأحد من الظالمين أي الفاسقين إذ ~~لا خلاف بين المسلمين أن الفاسق ظالم وقد قال تعالى{ومن يتعد حدود الله فقد ~~ظلم نفسه}(الطلاق:01) والفاسق من جملة من تعدى حدود الله. # واعلم أن الشفاعة لا تخلو إما أن تسقط العقاب بنفسها أو يكون المسقط له ~~هو المشفوع إليه عندها والأول باطل إذ العقاب حق للمشفوع إليه لا للشفيع ~~فلا يسقط بإسقاط الشفيع فيتعين الثاني وحينئذ يكون إسقاطه للعقاب إنما هو ~~على وجه التفضل مع بقاء الاستحقاق وإسقاطه كذلك مما لا مدخل للعقل فيه بل ~~إنما يعرف بالسمع، وأدلة السمع قد دلت على عدم الشفاعة لهم كقوله تعالى{ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع}(غافر:18) والظالمين جمع معرف باللام وشفيع ~~نكرة في سياق النفي فيقضي العموم في كل منهما وقد تقدم أن دلالة العام في ~~مثله قطعية وقوله تعالى خطابا لنبيه صلى الله عليه ms171 وآله وسلم{أفأنت تنقذ من ~~في النار}(الزمر:19) وقوله تعالى{لا تجزئ نفس عن نفس شيئا}(البقرة:48) ثم ~~قال تعالى{ولا تنفعها شفاعة}(البقرة:123) ثم قال{ولاهم ينصرون}(البقرة:48) ~~ونفس وشفاعة وينصرون نكرات في سياق النفي فتكون عامة. وقوله تعالى{قبل أن ~~يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة}(البقرة:254) وقوله تعالى{وما ~~للظالمين من أنصار}(البقرة:270) وقوله تعالى{وما هم عنها ~~بغائبين}(الإنفطار:16) ولو صحت الشفاعة لهم لغابوا عنها، وقوله تعالى{مالهم ~~من الله من عاصم}(يونس:27) وقوله تعالى{ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من ~~خشيته مشفقون}(الأنبياء:28) وهذا عن الملائكة وقد ثبت أنهم أفضل من ~~الأنبياء فنفى شفاعتهم إلا لمن ارتضى والفاسق غير مرضي، وقوله أيضا ~~عنهم{ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين PageV01P246 تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم}(غافر:07) فهذه أدلة قطعية لا يدخلها ~~التشكيك على أن الشفاعة موضوعها جلب النفع كدفع الضرر كما ذكرنا ذلك في ~~ماهيتها. ومما يؤيد ذلك ما يقال يشفع الوزير إلى الأمير ليزيد فلانا في ~~رواتبه وعطيته، كما يقال شفع إليه ليصفح عن جرمه وخطيئته. # وقال الشاعر:- # فذاك فتا إن جئته لصنيعة .... إلى ماله لم تأته بشفيع # وقد دلت الدلالة القطعية على قصرها في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~على جلب النفع، ألا ترى إلى قوله تعالى{ما للظالمين من حميم ولا شفيع ~~يطاع}(غافر:18) ونحوها كيف نفى الله الشفاعة لهم على العموم وإثبات ما نفاه ~~الله تعالى يكون تكذيبا له وردا لكلامه وذلك لا يجوز بلا خلاف بين ~~المسلمين، فلو شفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأحد من هؤلاء الظالمين ~~لأدى ذلك إلى أحد باطلين، إما أن يطاع وتقبل شفاعته فيكون ذلك تكذيبا للآية ~~وإبطالا لمعناها، وإما أن لا يطاع فيكون ذلك إسقاطا لمنزلته صلى الله عليه ~~وآله وسلم وخرطا للإجماع المنعقد على أن شفاعته مقبولة في ذلك اليوم ~~ومخالفة للمقام المحمود الذي وعده الله تعالى أن يبعثه فيه. ويدل على ذلك ~~أيضا: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(ذخرت شفاعتي لثلاثة من أمتي رجل ~~أحب أهل بيتي بقلبه ولسانه، ورجل قضى لهم ms172 حوائجهم لما احتاجوا إليه، ورجل ~~ضارب بين أيديهم بسيفه) وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من آذاني في أهل ~~بيتي فقد آذى الله ومن أعان على أذاهم وركن إلى أعدائهم فقد أذن بحرب من ~~الله ولا نصيب له في شفاعتي) وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(صنفان من أمتي ~~لا تنالهما شفاعتي ولن أشفع لهما سلطان غشوم وغال في الدين مارق) وقال صلى ~~الله عليه وآله PageV01P247 وسلم:(إن أقربكم مني غدا وأوجبكم علي شفاعة أصدقكم لسانا وأحسنكم خلقا ~~وأداكم لأمانته وأقربكم من الناس) فكل ذلك يوضح ما ذهبنا إليه ويبطل ما ~~اعتمده المخالف. # ودليل آخر عقلي: لاشك أن صاحب الكبيرة مسخوط عليه وأن الله تعالى قد تبرأ ~~منه وعاداه ونفى الإيمان عمن يواده بقوله تعالى{لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله...الآية}(المجادلة:22)،فلو شفع له ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكان قد رضي عمن سخط الله عليه، ولكان قد ~~والى وأحب من تبرأ الله منه وعاداه، ومن ظن برسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم شيئا من ذلك فقد ارتكب عظيما. ثم يقال للمرجئة هل يحسن من الإنسان أن ~~يدعو إلى الله أن يدخله في شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ فإن قالوا ~~لا، خالفوا الإجماع، وإن قالوا نعم، قلنا فهل يحسن منه أن يدعو إلى الله ~~تعالى أن يميته فاسقا حتى يشفع له النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فإن ~~قالوا: نعم خالفوا الإجماع والمعقول. # وإن قالوا: لا يحسن. # قلنا: قد ثبت أن شفاعته عليه الصلاة والسلام لا تكون لفاسق، ثم يقال لهم ~~ما يقولون في رجل حلف بطلاق نسائه وعتق عبيده وإمائه وصدقه ماله ليفعلن ما ~~يستحق به الشفاعة شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هل يؤمر بالبر ~~والإحسان أم يؤمر بفعل العصيان؟ فإن قالوا بالثاني خرجوا من الدين ومما ~~عليه جميع المسلمين، وإن قالوا بالأول ثبت ما ذهبنا إليه من أن الشفاعة لا ~~تستحق إلا بالإيمان. قالوا ورد الاستثناء في قوله تعالى{وأما الذين شقوا ms173 ~~ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما ~~شاء ربك}(هود:106،107). PageV01P248 # قلنا: المعنى هم خالدون في النار مدة القيامة إلا مدة وقوفهم في المحشر ~~للقطع بالوقوف فيه للحساب كما في الاستثناء في حق أهل الجنة في قوله ~~تعالى{إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ}(هود:108) إذ لا خلاف في ذلك أن ~~المراد بالاستثناء قبل دخول الجنة والفرق تحكم. # قالوا: قد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال(شفاعتي لأهل ~~الكبائر من # أمتي). # قلنا: يجب طرحه لمصادمته البراهين المتقدمة السمعية والعقلية ولمعارضته ~~بصحيح من الأخبار وهو ما روى الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال(ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) ثم لو صح الخبر ولم يكن ~~فيه هذه الزيادة فإنه من (أخبار الآحاد) التي لا توصل إلى العلم ومسئلتنا ~~هذه يجب أن يؤخذ فيها بالأدلة الموصلة إلى العلم لأنها من أصول الدين التي ~~يجب على كل مكلف العلم بها ولا يجوز له الاقتصار فيها على التقليد، ولأنه ~~يمكن تأويل الخبر على ما يوافق الآيات التي نفت الشفاعة عن كل ظالم. # فنقول: إن شفاعته لأهل الكبائر من أمته إذا تابوا وتكون فائدة تخصيصه لهم ~~بالذكر وإن كانت شفاعته (صلى الله عليه وآله وسلم) للتائب وسائر المسلمين ~~أن لا يتوهم متوهم أنه لاحظ لهم في شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم وإن ~~تابوا فأزال هذا التوهم ولأن الشفاعة في حق التائبين أوقع ونفعها أعظم ~~لأنهم قد كانوا أحبطوا ما استحقوا من الثواب فصاروا في أعداد الفقراء ~~والإحسان للفقير ليس كالإحسان إلى الغني مع اشتراكهما في أن الإحسان منفعة ~~وهذا على القول الصحيح، خلافا لمن يقول إن بالتوبة يعود ثواب الطاعة ~~المتقدمة، ولمن يقول إن التوبة تسقط العقوبة لكثرة ثوابها لا بمجردها. PageV01P249 # تنبيه: # اختلف في عموم شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسائر الأمم، فمنهم ~~من قال شفاعته ليست عامة وإنما هي لأمته فقط، ومنهم من قال لها ولسائر ~~الأمم. قال الدواري: وهذا هو ms174 الذي تقضي به الآية يعني قوله تعالى{عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا...الآية}. وكذلك ظواهر الآثار وهو الصحيح، ويقال هل ~~لأحد من الأنبياء # غير نبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم شفاعة. # قلنا: نعم لهم شفاعة مقبولة عند ربهم رفعا لمنازلهم وإكراما لهم بل قد ~~ورد في الآثار للعلماء والشهداء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم(يشفع يوم القيامة ثلاثة أصناف الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء) وقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم:(يؤتى يوم القيامة بمنابر من ذهب مرصعة بالدر ~~والياقوت مجلجلة بالديباج والإستبرق ثم ينادي منادي الرحمن أين جلساء أمة ~~محمد، أين من أهدى إلى أمة محمد علما أراد به وجه الله، ثم يؤتى بالعلماء ~~فيقعدون على تلك المنابر ثم يقال لهم اشفعوا تشفعوا ثم ادخلوا الجنة) وفي ~~الأثر عنه صلى الله عليه وآله وسلم(يشفع الشهيد لسبعين من أهل # بيته فإن لم يكونوا فلسبعين من جيرانه) وغير ذلك من الأخبار المؤدية إلى ~~هذا المعنى. PageV01P250 ### || AUTO المسألة السادسة والعشرون ((في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر)) # ووجه إلحاق هذه المسألة ومسائل الإمامة بباب الوعد والوعيد على ما هو ~~اعتماد الشيخ وكثير من المتكلمين أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ~~يستباح معهما القتل وغيره من العقوبات وكذلك الإمامة فإنها تراد لإقامة ~~الحدود ودفع الكفار وأهل المعاصي بالقتل ونحوه من العقوبات، فكان لهما علقة ~~بباب الوعيد لأنه موضوع لاستحقاق أهل الكبائر العقوبة وفعلها بهم، ولأن ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدخلان إلا فيما يدخله الوعد بالثواب ~~والوعيد بالعقاب، وكذلك الإمامة لا تراد إلا للقيام بما يتوجه على المكلفين ~~من فعل ما وعدوا بالثواب على فعله وتوعدوا بالعقاب على تركه، والمراد ~~بالأمر ما يشمل القول والفعل كالضرب ونحوه، وكذلك النهي والمعروف يشمل ~~الفرض والنفل، والمنكر يشمل القبيح والمكروه كراهة تنزيه. # قالت الزيدية والمعتزلة: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على ~~كل مكلف وجوب كفاية سواء كان ثم إمام أم لا على قدر الطاقة والإمكان ~~والقدرة عليهما بالقول على مراتبه وهو القول اللين ms175 أولا ثم الخشن ثانيا ثم ~~التهدد والوعيد ثالثا، ثم بعد القول يجب القتال بالعصى ونحوها أولا والسيف ~~بعد ذلك جرحا أولا وقتلا ثانيا إن لم ينته إلا به، فعلى هذه المراتب يجب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يتجاوز إلى أعلى مع حصول المقصود ~~بالأدنى، قال بعض السادة من أهل العصر فإن كان التفكر في القدر الكافي مخلا ~~بالمدافعة بحيث يفعل المحظورة في مدة التفكر وجب # دفعه بغير روية ولو بالأضر. # قال إمام زماننا أيده الله وهو قوي لعدم حصول الانزجار لولاه ولا بد من ~~ذكر تفصيل ها هنا. PageV01P251 # فنقول: الأمر والنهي إما بالقول أو بالسيف، أما بالقول فإنه يجب على كل ~~مكلف ولا كلام في ذلك لكن إذا كان المأمور به والمنهي عنه من قبيل ~~الاعتقادات وجب على الآمر الناهي أن يبين بطلان المنهي عنه ويحل شبهته ~~ويبين حقيقة المأمور ويظهر دليله، ولا يجوز أن يأمره بالاعتقاد مجردا إذ ~~الأمر بالتقليد لا يجوز، وأما بالسيف فالمأمور به أو المنهي عنه إما ~~اجتهادي أو قطعي، فالاجتهاديات لا يجوز القتال عليها بالسيف إلا للإمام فقط ~~إذ له أن يلزم الغير اجتهاده وإن اختلف هل له ذلك مطلقا أو فيما تقوى به ~~شوكته فقط كما هو الأصح، وأما القطعيات فالمعروف: على ضربين عقلي وشرعي، ~~فالعقلي يقاتل عليه بالسيف الإمام وكل أحد كقضاء الدين ورد الوديعية، وأما ~~الشرعي فلا يقاتل عليه بالسيف إلا الإمام فقط، وادعى بعضهم الإجماع على ذلك ~~لكن منه ما يجوز للإمام الإجبار عليه كأخذ الزكاة كرها ونحوه ومنه ما ليس ~~له ذلك كالصلاة والصوم لأنها متوقفة على البينة التي لا يصح الإجبار عليها ~~ولا يقوم غيرها مقامها، لكن للإمام حبسه أو قتله بعد استتابته (ويتأنى به) ~~ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتله وقتله حدا، وأما المنكر: فإنه يلزم كل مكلف ~~القتال عليه بالسيف وقتل فاعله دونه إن لم ينته، وإنما فرقنا بين الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر في أن فاعل المنكر القطعي يمنع منه ولو بالقتل ~~وتارك المعروف لا ms176 يجبر على فعله بالقتل من أحاد الناس لأن المنكر إذا قتل ~~من أراد فعله فقد حصل الغرض وهو عدم وقوعه ولا كذلك الواجب. # فإن قيل:من تركه لا يحصل منه الغرض الذي هو وقوع الواجب فافترقا. PageV01P252 # قلت: ويخرج من عموم الكتاب الأمر بالمندوب فإنه مندوب والنهي عن المكروه ~~فإنه مندوب أيضا. نعم وإنما يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند ~~الزيدية والمعتزلة إذا تكاملت شروطهما وهي خمسة: # الأول: أن يعلم الآمر الناهي أن الذي يأمر به معروف حسن والذي ينهي عنه ~~منكر قبيح ولا يكفي الظن، فإن أقدم على الأمر والنهي من غير علم كان إقدامه ~~منكرا فإن عرف جنسه والتبس عليه أفرض هو أم نفل أو عرف كراهته والتلبس ~~كراهة تنزية أم كراهة حضر حسن منه الأمر والنهي بالقول فقط من غير تهدد ~~ونحوه، ويعني بكونه منكرا أو معروفا أنه كذلك عند المأمور والمنهي وإن كان ~~مذهب الآمر والناهي بخلافه، فإذا رأينا رجلا يشرب المثلث لم يجب نهيه بل لم ~~يحسن لجواز أن يكون حنفيا، فإن علمنا أنه ليس حنفيا وجب الإنكار عليه وسواء ~~كان المنكر حنفيا أو غيره. # الثاني: أن يعلم أو يظن أن لأمره ونهيه تأثير وإن لم يعلم ذلك ولا يظنه ~~فلا وجوب قطعا، قيل لكنه يحسن لأنه دعى إلى الخير، وقيل لا يحسن لأنه عبث، ~~وفي الأساس: يشترط ظن التأثير حيث كان المأمور والمنهي عارفين بأن المأمور ~~به معروف والمنهي عنه منكر وإلا وجب التعريف وإن لم يظن التأثير لأن إبلاغ ~~الشرائع واجب إجماعا والأصل في ذلك قوله تعالى{إن الذين يكتمون ما أنزلنا ~~من البينات والهدى...الآية}(البقرة:159) ونحوها، وقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(من كتم علما مما ينتفع به الناس ألجمه الله بلجام من نار). PageV01P253 # قال إمام زماننا أيده الله : ويجب أيضا أمر العارف بالمعروف ونهي العارف عن ~~المنكر وإن لم يحصل الظن بالتأثير لقوله تعالى{وإذ قالت أمة منهم لم تعظون ~~قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا، قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم ~~يتقون}(الأعراف:164) والمعذرة لا تكون ms177 عما لا يجب، قال عليه السلام: وإنما ~~يجب ذلك ريثما يتحول المتمكن من الهجرة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا ~~يحل لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل). # الثالث: أن لا يعلم الآمر الناهي ولا يظن أن أمره ونهيه يؤديان إلى منكر ~~آخر وهو مثل المنكر الأول أو أعظم، وسواء علم أو ظن أنهما يؤديان إلى ذلك ~~أم لا بل بقي شاكا، فإذا علم أنهما يؤديان إلى ذلك أو ظنه لم يحسن أمره ولا ~~نهيه. وفي الأساس: وحصول القدرة على التأثير مع ظن الانتقال إلى منكر غيره ~~لا يرخص في الترك لأن هذا منكر معلوم وذلك مجوز مظنون أو مع حصول الظن ~~بوقوع شيء من ذلك مع عدم ظن التأثير لا يجوزان لأنهما حينئذ كالإغراء، ومع ~~ظن التأثير لا يجبان وفي حسنهما تردد. PageV01P254 # الرابع: أن لا يعلم ولا يظن أن أمره ونهيه يؤديان إلى مضرة في نفسه من قتل ~~أو حبس طويل أو ذهاب عضو من أعضائه أو ماله المجحف فإن علم ذلك أو ظنه سقط ~~الوجوب قطعا، وأما الحبس فمنهم من قال يسقط أيضا لأنه إلقاء بالنفس إلى ~~التهلكة وقد نهى الله عن ذلك، ومنهم من قال يحسن صبرا في الله تعالى كما ~~صبر كثير من الصالحين لله تعالى فإنهم كانوا ينشرون بالمناشير ويقرضون ~~بالمقاريض ونحو ذلك وهم صبر وكان ذلك كثيرا في صالحي الأمم الماضية كسحرة ~~فرعون لعنه الله تعالى وغيرهم، وكان في بدء الإسلام وقد مدحهم الله تعالى ~~على ذلك وهذا هو مذهب السيد المؤيد بالله وغيره، ومنهم من فصل (قال وإن) ~~كان هذا الذي يجري عليه ذلك يقتدى به ويكون سببا لتحريك قلوب المسلمين على ~~الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسن كفعل الحسين بن علي وزيد بن ~~علي عليهم السلام ونحوهما، وإن كان لا يقتدى به ولا يكون أسوة لم يحسن وهذا ~~التفصيل قول الجماهير من العلماء من الزيدية والمعتزلة وغيرهم ويقرب أن ~~خوفهم من الضرب والجرح يكون حكمه حكم الخوف على ms178 النفس أو على عضو، والذين ~~قالوا بعدم حسن ذلك حملوا فعل الحسين بن علي وزيد بن علي عليهم السلام على ~~أحد وجهين، إما أنهم لم يعلموا ولا غلب في ظنونهم تلفا، أو يقال أن الحسين ~~بن علي وزيد بن علي عليهم السلام قتلا جهادا والجهاد مخالف حكمه حكم الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر من وجوه: # أحدها: أن الجهاد واجب وإن خشي المجاهد على نفسه التلف بخلاف الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر. PageV01P255 # ومنها: أن الجهاد يجوز فيه ترك الكافر على ما هو عليه من المعصية@ ويسلم ~~الجزية أو نحوها بخلاف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه لا يجوز تقرير ~~صاحبه عليه بحال بمال ولا بغير مال. # ومنها: أن النهي عن المنكر تقتل فيه المرأة والصبي بخلاف الجهاد فأما إن ~~خشي أخذ شيء من المال، فمن المتكلمين من قال يجب الأمر والنهي كما يجب على ~~المجاهد الجهاد وإن خشي قتل دابته وعلى المتوضي شراء الماء بما أمكن من ~~المال إذا وجده، قيل وذلك رأي المنصور بالله وبه قال الفقيه حميد، ومنهم من ~~قال لا تجب وهو ظاهر الخلاصة وقول كثير من المتكلمين، وأما السب وخوفه فإن ~~كان لا يضع منزلة المسبوب لم يسقط الوجوب وإن وضع من منزلته فيقرب أن الحكم ~~فيه كالحكم فيمن خشي على عضو من أعضاءه، وفي الأساس: وتجويز ما يقع على ~~الآمر والناهي بسببهما من نحو قتل وتشريد وانتهاب مال غير مرخص في الترك ~~وفاقا بين كثير من العلماء لقوله تعالى{وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر ~~على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أفضل ~~الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(اجعل مالك ~~وعرضك دون دينك... الخبر) أو كما قال وكالجهاد. # قلت: وما ذهب إليه في الأساس هو مذهب المؤيد بالله ومن معه. PageV01P256 # الخامس: أن يعلم أو يظن أنه إن لم يأمر بالمعروف ضاع وإن لم ينه عن المنكر ~~وقع كمن شاهد غيره لم يصل الفريضة من أول الوقت ms179 إلى أن بقي ما يسع الفريضة ~~فقط فإنه يتضيق عليه الأمر لئلا يضيع المعروف ولا يتضيق في غير ذلك، وكذا ~~من شاهد آلات المنكر حاضرة وغلب على ظنه أنه لم ينه وقع المنكر فإنه يتضيق ~~عليه النهي، فأما بعد ضياع المعروف وبعد الفراغ من المنكر فإنه لا يجب ~~الأمر والنهي لعدم الفائدة اللهم إلا أن يكون ذلك على جهة التذكير والوعظ ~~فيكون المقصود بذلك ألا يقع أمثاله في المستقبل فيكون ذلك حسنا وإن لم يكن ~~واجبا، وقد علم أن من هذه الشروط ما هو مشروط في الوجوب والحسن ومنها ما هو ~~مشروط في الوجوب فقط، ومنها ما يقوم الظن فيه مقام العلم ومنها ما ليس ~~كذلك. نعم (وأما ما) ذكرناه من القول بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر عند تكامل شروطهما هو مذهب الزيدية والمعتزلة قاله بعض أصحابنا، ~~وحكي عن الحشوية: أنه لا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلقا، والذي ~~ذكره الدواري: أن أهل القبلة قاطبة مجمعون على وجوبهما، وإنما الخلاف في ~~مسألة وهي هل من شرطه الإمام أم لا، فالذي عليه الأكثر أنه لا يشترط الإمام ~~بل يجبان من دونه، وقالت الإمامية: لابد فيه من الإمام، ثم اختلفوا، فمنهم ~~من قال: لا تجب قولا ولا فعلا إلا بالإمام، والذي عليه أكثرهم أنه لابد من ~~الإمام في الفعل أما القول فالإمام غير شرط فيه. PageV01P257 # والدليل على ذلك المذهب الصحيح من جهة العقل مختلف فيه، فذهب أبو علي إلى ~~أنه: يجب ذلك عقلا سواء لحق أحدنا ضرر أم لا، إذ لو جوزنا عقلا ظهور ~~المنكرات وانتشارها من غير نكير لجرى ذلك مجرى الإباحة والرضى بها وهو قبيح ~~عقلا، وذهب أبو هاشم إلى أنه: لا يجب عقلا إلا في موضع واحد وهو حيث يلحق ~~الواحد منا ضرر بذلك المنكر كأن يرى يتيما يضرب أو ضعيفا يظلم فيلحق الرائي ~~الغم والمضض بذلك فيجب عليه إزالة ذلك المنكر دفعا للضرر عن نفسه، وهذا ~~القول هو الذي رجحه المهدي عليه السلام قال: لأنه لو ms180 وجب عقلا لم يكن وجوبه ~~إلا لوجه كما هو حكم الواجبات العقلية، ولا وجه لوجوبه من جهة العقل إلا ~~كونه أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر إذ لا وجه يصلح للعلة غير ذلك، ولو كان ~~وجوبه علينا وألجأنا للمأمورين المنهيين لهذه العلة لأطرد في حق الباري ~~تعالى وكان يلجي المكلفين إلى فعل المعروف وترك المنكر لأن ما وجب وقوعه ~~على وجه اطرد شاهدا وغائبا، واتفق العلماء الذين قالوا بوجوب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر على أن السمع دليل على ذلك وهو قوله تعالى{وليكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}(آل ~~عمران:104) فهذا أمر عام لكل مكلف وكل وقت والأمر يقتضي الوجوب لقوله ~~تعالى{فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ~~أليم}(النور:63) إلا أنه فرض كفاية على الكافة لأنه أمر لطائفة غير معينة، ~~وهذه الآية لا تدل على وجوب القتال فلابد من أن تنظم إليها الآية الأخرى ~~وهي قوله تعالى{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}(الحجرات:09) ~~فهذه الآية PageV01P258 دلت على عموم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقول ثم بالسيف وهو ~~المراد بالمقاتلة، ومما يدل على وجوبهما من السنة قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانا جائرا ~~لا يرحم صغيركم ولا يوقر كبيركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم). # قال في الخلاصة: ومما يدل على وجوبهما قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(وأمروا بالمعروف تخصبوا وانهوا عن المنكر تنصروا). قال الدواري: قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم:وأمروا بالمعروف تخصبوا لا دلالة فيه على الوجوب ~~لأن طلب النفع لا يجب فكذلك ما يؤدي إليه، وقوله: وانهوا عن المنكر تنصروا ~~يدل على الوجوب لأن الانتصار إما جهادا وإما دفع ضرر وكله واجب وما أدى ~~إليه فهو واجب. ومما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(والذي نفسي ~~بيده ليخرجن أقوام من أمتي من قبورهم على صورة القردة ms181 والخنازير بما داهنوا ~~أهل المعاصي وكفوا عن نهيهم وهم يستطيعون) وقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(ما من رجل بين ظهراني قوم يعمل بين ظهرانيهم المعاصي ولا يأخذون على ~~يده إلا أوشك أن يعمهم الله منه بعقاب) وروي عن موسى عليه السلام أنه سأل ~~الله تعالى عن أحب خلقه إليه قال: أسرعهم إلى رضائي كسرعة النسر إلى وكره ~~والذي يغضب عند محارمي كغضب النمر لنفسه فإنه متى غضب لنفسه لم يبالي ~~بالناس قلوا أم كثروا. وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(التارك للأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر غير مؤمن بي ولا بالقرآن) وقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم:(لا يحل لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل) والمراد ~~بالانتقال هو الهجرة، وقالت المعتزلة: هو من ذلك المكان إلى مكان لا يرى ~~فيه، وقولهم باطل لأن المراد بالتحريم لأجل العلم مع القرب بحيث يمكن أن ~~يرى المعصية وإلا لقال حتى تغير أو تغمض. # فثبت بذلك الدليل القطعي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على ~~كل مكلف كفاية وبطل ما قاله المخالف. PageV01P259 ### || AUTO المسألة السابعة والعشرون ((في إمامة علي عليه الصلاة ~~والسلام)) # وينبغي ذكر مقدمة قبل ذلك تشتمل على ماهية الإمامة ودليلها وما يتعلق بذلك. # فنقول: الإمامة في أصل اللغة الاقتداء والإمام هو المقتدى به قال الله ~~تعالى{واجعلنا للمتقين إماما}(الفرقان:74) وقال تعالى{يوم ندعوا كل أناس ~~بإمامهم}(الإسراء:71) وحقيقتها في الاصطلاح: رئاسة عامة لشخص من الأشخاص في ~~أمور الدين والدنيا المتعلقة بالسياسة على حد لا يكون فوق يده يد، فقولنا ~~رئاسة عامة لنحترز بذلك عن الرئاسة الخاصة كرئاسة الرجل على أهل بيته ~~ورئاسة الولاة والقضاة ونحوهم، وقولنا لشخص واحد من الأشخاص احتراز من ~~النبوءة فإنه يصح ثبوتها في وقت واحد لأكثر من شخص واحد بخلاف الإمامة ~~فإنها لا تثبت في وقت واحد لأكثر من شخص واحد عند بعض أهل المذهب وهو مذهب ~~المعتزلة والأشعرية والخوارج خلافا للكرامية وبعض الزيدية منهم الناصر عليه ~~السلام وهو أحد قولي المؤيد بالله ورجحه الإمام يحي وهو مذهب الجاحظ ms182 وعباد ~~من المعتزلة كما كان الهادي والناصر عليهما السلام في وقت واحد وكان الناصر ~~يقول من كان في ناحيتنا أجاب دعوتنا ومن كان في ناحية الهادي أجاب دعوته، ~~وكثير من أهل البيت يقول لم تثبت إمامة الناصر إلا بعد موت الهادي عليه ~~السلام. PageV01P260 # حجة الأولين: إجماع الصحابة فإن الأنصار لما قالوا للمهاجرين منا أمير ~~ومنكم أمير قال عمر بن الخطاب سيفان في غمد لا يصلحان فانقادوا لذلك كلهم ~~فصار إجماعا، وقولنا في أمور الدين والدنيا نحو أخذ الزكاة ممن وجبت عليه ~~وإقامة الحدود والجمعة وغزو ديار الحرب ونحو ذلك مثل حفظ أموال المساجد ~~والمناهل والولاية على الأوقاف ونحو ذلك. وقولنا المتعلقة بالسياسة نحترز ~~به مما لا يتعلق بالإمام كالصلاة والصيام ونحو ذلك وإنما تجب طاعة الإمام ~~في أمور الدين والدنيا التي تتعلق بالسياسة وصلاحها كالجهاد والولايات ~~والحدود وأخذ الزكاة كما ذكرنا، وقولنا على حد لا يكون فوق يده يد لنحترز ~~بذلك عمن يجعل له الإمام ولاية عامة في جميع الأمور فإن من هذه حاله قد ~~صارت له ولاية عامة إلا أنه لا يكون إماما لأن فوق يده يد وهي يد الإمام ~~بدليل أنه لو وقع منه معصية يستوجب بها الحد فإن الإمام يحده.واختلف الناس ~~في وجوبها فذهب الأكثر وهو مذهبنا إلى أنها واجبة لكن العلم بها جملة من ~~فروض الأعيان وتفاصيلها من فروض الكفايات، وافترقوا، فمنهم من قال تجب عقلا ~~وسمعا وهو مذهب بعض أئمتنا (عليهم السلام) ، منهم إمام زماننا أيده الله ~~تعالى وبه قال البلخي وأبو الحسين والجاحظ والإمامية، وقال بعض أئمتنا ~~(عليهم السلام) والجمهور بل سمعا فقط، وقالت الخوارج وبعض الحشوية وهشام ~~الفوطي من المعتزلة (وضرار والأصم) من المجبرة لا تجب الإمامة وجوبا مستمرا ~~لا عقلا ولا شرعا، وإن اختلفت مقالة هؤلاء، فالأصم يقول لا تجب إلا عند ~~ظهور الظلمة وظلم الخلق فتجب لدفع الظلم، والحشوية يقولون لا تجب مطلقا ~~لعدم الدليل، وهشام يقول: لا يجب على الإمام القيام إذا خشي القتل وثوران PageV01P261 الفتنة، والصحيح عندنا وجوبها عقلا ms183 وسمعا، أما وجوبها عقلا: فإن الناس مع ~~رئيس ينظمهم ومدبر يدبرهم أحسن حالا وأقرب إلى ترك التظالم وترك التظالم ~~واجب عقلا وما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا كوجوبه، ولهذا فإن العرب لم ~~تخل نفسها من زعيم ينقادون لأمره ونهيه ويهتدون بهديه وهذه الشيمة في العجم ~~أظهر فإنهم لا ينفكون عن رئيس ينقادون له، وعليه قول الشاعر:- # لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا # وأما وجوبها سمعا: فمن الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى{إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ~~ينال عهدي الظالمين}(البقرة:124) وقوله تعالى{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}(النساء:59) وأولي الأمر هم أئمة ~~الحق من أهل البيت عليهم السلام الذين لا يجوز خلو الزمان من واحد منهم ~~يصلح للإمامة بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أهل بيتي كالنجوم كلما ~~أفل نجم طلع نجم) وسيأتي بيان أنهم المرادون بأولي الأمر وقصر ذلك عليهم ~~دون غيرهم. # وأما السنة: فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( من مات ولم يعرف إمام زمانه ~~مات ميتة جاهلية) قال الهادي عليه السلام يعني إما باسمه إن كان حاظرا وإما ~~بصفته إن كان في زمان فترة. PageV01P262 # قلت: وسبب الفترة قهر الظلمة المعين للمنتصب لها الذي هو شرط في وجوبها أو ~~بخذلان الأكثر فمن عزم على الإعانة مع القهر والغلبة فهو غير مخل إذ العزم ~~كاف كمن يجبر على ترك الصلاة، وكالحج فإنه لا يجب إلا مع التمكن من شرط ~~وجوبه وهو الزاد والراحلة وكفاية من يمون حتى يرجع، وقد ذكر معنى ذلك إمام ~~زماننا أيده الله تعالى، وجميع ما يدل على إمامة أهل البيت عليهم السلام ~~مما يأتي ذكره يدل على مطلوبنا هاهنا. # وأما الإجماع: فمعلوم أن الصحابة أجمعت على أن الحد إلى الإمام والتكليف ~~به مستمر وما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه.وأول من استدل بهذا الدليل ~~نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم عليه السلام، ثم ذكره الشيخان أبو علي ~~وأبو هاشم، ms184 وقد اعترض بأن قيل ما أنكرتم أن وجوب الحد ونحوه مشروط بوجود ~~الإمام كوجوب الزكاة فإنه مشروط بالنصاب والحج فإنه مشروط بالاستطاعة وهذا ~~الاعتراض أقوى ما يرد على هذا الدليل، وقد أجيب عنه بجوابات أقواها ما ذكره ~~بعضهم وهو مبني على أصل وهو أن الأمر إذا ورد مطلقا غير مقيد وجب تحصيل ما ~~لا يتم إلا به، وقد ثبت أن وجوب الحد ونحوه مطلقا فوجب علينا تحصيل شرطه ~~لأنه شرط في الأداء لا في الوجوب بخلاف الحج والزكاة، أما الحج (فالأمر به ~~ورد) مقيدا بالاستطاعة فكانت الاستطاعة شرط في الوجوب، والأمر بالزكاة ورد ~~مرتبا على وجود المال نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(في مائتي درهم ~~خمسة دراهم، وفي أربعين شاة شاة) ونحو ذلك فكان النصاب شرطا في الوجوب فظهر ~~الفرق بين الحد ونحوه وبين الزكاة والحج ونحوهما، واستدل المؤيد بالله على ~~وجوب الإمامة بإجماع الصحابة فإنهم فزعوا إلى إمامة الإمام حالا بعد حال ~~وقال أبو بكر: لا بد PageV01P263 لهذا الأمر ممن يقوم به فأقروه على ذلك، وإنما وقع الخلاف في محلها فقط، ~~وإذا قد أثبتنا على ما أردنا من ذكر المقدمة فلنعد إلى ما نحن بصدده فنقول: # اختلف الناس في الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل، ~~فقالت الزيدية قاطبة على رواية بعض أصحابنا كالسيد صاحب شرح الأصول والفقيه ~~حميد والمنصور بالله وغيرهم، والجارودية منهم على رواية الشيخ في الواسطة ~~وغيره،قلت أو إلى البترية منهم على رواية بعض أصحبنا المتأخرين وبه قالت ~~الإمامية، أن الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وأن طريقة إمامته النص، ثم اختلفوا ~~ذات بينهم في النص، فذهب الزيدية إلى أن النص في إمامة علي عليه السلام نص ~~خفي، وعند الإمامية نص جلي يكفرون منكره ويفسقونه ولأجل ذلك حكموا بفسق ~~المشائخ وغيرهم. # واعلم أن الزيدية فريقان جارودية وصالحية، فالجارودية: تتفق رواية ~~أصحابنا عنهم بتقديم علي عليه السلام في الإمامة ms185 على المشائخ وأنهم يفسقون ~~المشائخ ونحوهم .وأما الصالحية: فمن أصحابنا من يروي عنهم تقديم علي عليه ~~السلام على المشائخ إلا أنهم لا يفسقون المشائخ، ومنهم من يروي عنهم تقديم ~~المشائخ كقول سائر الفرق. PageV01P264 # والخلاف في ذلك مع المعتزلة والخوارج والمرجئة وسائر فرق أهل القبلة فإنهم ~~يقولون: إن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر ثم عمر ~~ثم عثمان ثم علي عليه الصلاة والسلام، وقالت العثمانية: بل الإمام بعد ~~عثمان معاوية، ثم اختلفوا في طريقة إمامة أبي بكر، فمنهم من قال العقد ~~والاختيار وهذا قول الأكثر منهم، ومنهم من قال بالنص وهو قول الحسن البصري ~~والبكرية والكرامية، ثم اختلفوا، فمنهم من قال النص جلي وهو مذهب البكرية ~~والكرامية، ومنهم من قال خفي وهو قول الحسن البصري. # والدليل على ذلك المذهب الصحيح وهو قول الزيدية ومن تابعهم، الكتاب ~~والسنة وإجماع العترة. # أما الكتاب: فقوله تعالى{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}(المائدة:55). # قال في الأساس: والمراد بالذين آمنوا في الآية علي عليه السلام لوقوع ~~التواتر بذلك من المفسرين وأهل التواريخ وإطباق العترة وشيعتهم على ذلك. PageV01P265 # وقال في الخلاصة: الأصل في ذلك الخبر المستفيض وهو أن سائلا سأل في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي يصلي فلم يعطه أحد شيئا،فقال: ~~اللهم اشهد إني سألت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعطني ~~أحد شيئا، فأشار علي عليه السلام إلى السائل وهو راكع بخنصره اليمنى وكان ~~يتختم فيها فأخذ السائل الخاتم، ثم نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بهذه الآية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى المسجد والناس بين قائم وقاعد وقارئ وراكع وساجد وبصر بالسائل فقال له ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم:( هل أعطاك أحد شيئا؟ قال:نعم خاتما من ذهب، ~~فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: على أي حال أعطاك ؟ قال: أعطاني ~~وهو راكع، فكبر النبي صلى ms186 الله عليه وآله وسلم وتلا{ومن يتول الله ورسوله ~~والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}(المائدة:56)).وقد ضعف الإمام ~~المهدي (عليه السلام) استدلال أصحابنا بهذه الآية الكريمة وما قطع بأنها ~~نزلت في علي عليه السلام خاصة، ولا أستبعد أن يكون معنى قوله {إنما وليكم ~~الله} إنما ناصركم الله ورسوله ومن كان من المؤمنين مقيما للصلاة ومؤتيا ~~للزكاة خاضعا لله. PageV01P266 # قلت: إذا قد صح إجماع العترة عليهم السلام على أنها نزلت في علي عليه ~~السلام خاصة، بطل أن يكون المراد بها (غيره ولأن) إجماع العترة عليهم ~~السلام حجة كما هو مقرر في مواضعه من أصول الفقه، وورد بلفظ الجمع زيادة في ~~الامتحان وهو من باب إطلاق العام على الخاص فنظيره قوله تعالى{هم الذين ~~يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله...الآية}(المنافقون:07) والمعني بها ~~عبدالله بن أبي وحده، لنقل المسفرين ذلك ولأن الله تعالى ذكر وليا للمؤمنين ~~هو الله ورسوله والذين آمنوا جعله أيضا وليا فيجب أن يكون الولي من ~~المؤمنين غير المولى عليه، لأن من حق العطف التغاير، وكلمة ولي في اللغة ~~مشتركة بين معان هي المودة والنصرة والملك للتصرف إلا أن الملك للتصرف قد ~~صار غالبا عليها (في عرف) الاستعمال بدليل أنه متى قيل هذا ولي القوم سبق ~~إلى الأفهام أنه المالك للتصرف فيهم فيجب حملها على هذا المعنى لأجل سبقه ~~إلى الأفهام وهذا يجري على قاعدة أئمتنا والجمهور وعلى قاعدة غيرهم أن ~~اللفظ المشترك إذا قامت قرينة تدل على أنه أريد به أحد معانيه حمل عليه، ~~والقرينة هنا العرف.ووجه ثان يتنزل على قاعدة أئمتنا والجمهور فقط وهو أن ~~اللفظة المشتركة يجب حملها على جميع معانيها التي هي غير ممتنعة بدليل أنها ~~إن لم تحمل على معنى ألحقنا كلام الحكيم (تعالى) بالهذر وذلك مما لا يصح ~~وإن حمل على بعض المعاني بغير دليل كان تخصيصا من غير مخصص وهو لا يصح ~~أيضا، فلم يبق إلا أن يحمل على جميع معانيه وهو ما قلنا، وإذا حمل على جميع ~~معانيه فمن جملتها مالك التصرف ms187 فكأنه قال إنما مودكم وناصركم والذي يملك ~~التصرف عليكم هو الله ورسوله وعلي بن أبي طالب عليه السلام، ومالك التصرف ~~هو معنى PageV01P267 الإمامة قطعا بدليل أنا لا نعني بقولنا فلان إمام إلا أنه يملك التصرف على ~~الكافة في أمور مخصوصة وتنفيذ أحكام شرعية، وقد بينا أن عليا عليه السلام ~~ولي لكافة المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيجب أن يكون ~~مالكا للتصرف عليهم. # والدليل على إمامة علي عليه السلام من السنة: ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال لعلي عليه السلام صواب العبارة في علي عليه السلام ~~لما خطب المسلمين يوم غدير خم قال:(أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم ~~قالوا:بلى يا رسول قال: # من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره ~~واخذل من خذله)قال جمهور أصحابنا إن هذا الخبر متواتر وقد ذكر ذلك في شرح ~~الأصول وغيره وبنى عليه إمام زماننا أيده الله تعالى في أساسه وقال صاحب ~~الخلاصة ليس بمتواتر وإنما هو متلقى بالقبول مجمع على صحته وعلى كل حال فهو ~~مفيد للعلم لأن المتلقى بالقبول في إفادته للقطع كالمتواتر في الأصح وإذا ~~كان ثابت المتن عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإجماع فالخلاف ~~إنما هو في دلالته على الإمامة أو على الفضيلة فقط فعندنا أن ذلك نص صريح ~~على إمامته عليه الصلاة والسلام. PageV01P268 # وبيان:ذلك أن لفظة مولى مشتركة بين معان بدليل أنها متى أطلقت في الأصل لم ~~يسبق إلى الفهم معنى من المعاني وهو معنى الاشتراك، ومعانيها عشرة المعتق ~~والمعتق كما يقال العبد مولى لفلان أي معتقه، والسيد مولى العبد أي ~~معتقه،والمود، والناصر قال الله تعالى{ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم}(محمد:11)، وابن العم قال تعالى حاكيا عن زكريا عليه ~~السلام{وإني خفت الموالي من ورائي}(مريم:05) أي يريد بني العم قال الشاعر:- # إذا ظلم المولى فزعت لظلمه وحرك أحشائي وهرت كلابيا # والجار والحليف ، ومنه قول بعضهم : # جزا الله خيرا ms188 والجزا بكفه كليب بن يربوع وزادهم مجدا هم خلطونا بالنفوس ~~وألجموا إلى نصر مولاهم مسودة جردا # والمالك للتصرف كما يقال هذا مولى الدار يملك التصرف فيها قال الأخطل في ~~عبد الملك بن مروان:- # فما وجدت فيها قريش لأمرها أعف وأوفى من أبيك وأمجدا # وأروى بزنديه ولو كان غيره غداة اختلاف الناس أكدى وأصلدا # فأصبحت مولاهم من الناس كلهم وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا # والأحق والأولى كما قال تعالى{`مأواكم النار هي مولاكم} أي أولى بكم، ~~والصاحب قال الشاعر:- # لما رأى واشق إقعاص صاحبه ولا سبيل إلى عقل ولا قود # قالت له النفس إني لا أرى طمعا وإن مولاك لم يسلم ولم يصد PageV01P269 ومالك الرق قال تعالى{وهو كل على مولاه}(النحل:76) أي مالك رقه، ويستعمل في ~~المنعم المسلم على يديه عند الدعاء إلى الإسلام.وإذا ثبت اشتراك لفظة مولى ~~بين هذه المعاني ومن جملتها مالك التصرف أفاد معنى الإمامة قطعا على قواعد ~~كل مذهب، أما على قواعد أئمتنا عليهم السلام والجمهور فظاهر، وأما على ~~قواعد غيرهم فقد أجمعوا على أن المشترك يحمل على أحد معانيه إن دلت عليه ~~قرينة، ومعنى الإمامة قد دلت عليه قرينة وهي قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(ألست أولى بكم من أنفسكم لا أمر لكم معي) وقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في آخره:(وانصر من نصره واخذل من خذله) وبعض أصحابنا المتأخرين قال: ~~أنه قد صار الملك للتصرف غالبا عليها بعرف الاستعمال لسبق الفهم عرفا عند ~~أن يقال فلان مولى القوم أي مالك التصرف، وملك التصرف هو معنى الإمامة لما ~~قدمنا أنا لا نعني بقولنا إمام إلا أنه مالك التصرف وقد عرف من هذا التقرير ~~أنه يستدل بهذا الخبر على إمامته عليه السلام من وجوه أربعة: # الأول: أن المولى لفظة مشتركة في الأصل إلا أنه صار الغالب عليها في ~~العرف هو المالك للتصرف فيجب أن تحمل عليه. # الثاني: أنه باق على الاشتراك لكن في الخبر قرينة لفظية وهو قول صلى الله ~~عليه وآله وسلم:(ألست أولى بكم من أنفسكم) فإنها تدل على أن ms189 المراد بالمولى ~~هو المالك للتصرف. # الثالث: أن فيه قرينة معنوية وهو أن ماعدا المالك للتصرف لا تصح إرادته ~~إما لأنه مستحيل كما في المعتق أو لأنه معلوم ككونه ابن عمه ومحبه وناصره ~~فتعين أن يكون المراد هو المالك للتصرف. # الرابع: أنا وإن سلمنا أن لا قرينة فإنه يجب الحمل على كل المعاني ~~الصحيحة دون ما لا يصح كالمعتق. PageV01P270 # ومما يدل على إمامته عليه السلام من السنة أيضا ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال :(أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي ~~بعدي)، هذا الخبر قد روي من طرق شتى وإن كان دون خبر الغدير، وقد اختلف ~~أصحابنا فيه، فقيل: هو خبر متواتر كخبر الغدير وهذا هو مذهب المنصور بالله ~~ورواه في شرح الأصول عن كثير من السادات وعول على هذا إمام زماننا أيده ~~الله تعالى، ومنهم من لم يقض بكونه متواترا وإنما استدل على صحته بإجماع ~~العترة وتلقته بالقبول من غير مناكرة فيه، بل هم بين مستدل به على إمامته ~~ومستدل به على فضله وإلى هذا ذهب صاحب شرح الأصول، وبيان الاستدلال بهذا ~~الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أثبت لعلي عليه السلام جميع منازل ~~هارون من موسى بدليل أنه استثنى النبوة وهو يدل على الاستغراق، ولاشك أن ~~هارون خليفة على قومه لإجماع المسلمين على ذلك ولقوله تعالى{وقال موسى ~~لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}(الأعراف:142)، ~~ولولا استحقاقه للخلافة وصلاحه لها لم يكن ليستخلفه، ومن منازله الشركة في ~~الأمر كما حكى الله عن موسى بقوله{رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة ~~من لساني يفقهوا قولي}(طه:26،27،28) إلى قوله {قد أوتيت سؤلك يا ~~موسى}(طه:36) ومن جملة منازل هارون من موسى كونه أفضل أمته فيجب أن تثبت ~~جميع هذه المنازل لعلي عليه السلام لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يستثنها مع النبوة. PageV01P271 # وإذا ثبت بهذا استحقاق علي عليه السلام الخلافة والشركة في الأمر فهو معنى ~~الإمامة قطعا، ms190 لأنا لا نعني بقولنا إمام إلا مالك التصرف فيجب أن يكون عليا ~~عليه السلام شريكا له في ذلك، وأولى بالتصرف في الأمة بعد النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، لأن الاستحقاق قد كان ثابتا له بما قدمنا في وقت الني صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وبقي نفاذ التصرف موقوفا إلى وفاة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بإجماع أنه لم يكن لأحد من الأمة تصرف في هذه الأمور التي ~~قدمنا ذكرها في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فصح بذلك إمامة علي ~~عليه السلام. # فإن قيل: هذا إنما يستقيم لو عاش هارون بعد موسى فأما وهو مات قبله فلا ~~يصح. قلنا: نحن نعلم قطعا أنه لو عاش بعده لكان خليفة، فالمنزلة ثابتة قطعا ~~وبطلانها بعارض الموت لا يقدح في ذلك. فثبت بذلك لعلي عليه السلام أي كونه ~~خليفة (رسول الله) ودل على أنه الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بلا فصل. # الدليل الرابع: على إمامته إجماع أهل البيت عليهم السلام على أنه الإمام ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإجماعهم حجة كما ثبت في موضعه. ~~الدليل الخامس: على إمامته عليه السلام ما ثبت أنه أفضل الناس بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وباقي الصحابة مفضولون، وإمامة المفضول لا ~~تصح، قال بعض أصحابنا لكن هذا لا يدل على إمامته بل على بطلان إمامة من ~~سواه فقط. ومن مشهور فضائله فضيلة القرابة، وفضيلة النجابة، وفضيلة طيب ~~المنشأ، وفضيلة السبق، وفضيلة العلم، وفضيلة الصبر، وفضيلة الصدق والوفاء، ~~وفضيلة التخصيص بالكرامات المنبهة على علو منزلته عند الله . PageV01P272 # أما فضيلة القرابة: فلأنه ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبيه ~~وأمه، وشاهد ذلك قول أبي طالب: # إن عليا وجعفرا ثقة عند شدائد الأمور والكرب # لا تخذلاه وانصرا ابن عمكما أخي لأمي من بينهم وأبي # ولذلك فإنه عليه الصلاة والسلام لما علم احتجاج قريش على الأنصار ~~بالقربى، قال: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة، وقال في معنى ذلك:- # وإن كنت ms191 بالشورى ملكت أمورهم فكيف تليها والمشيرون غيب # وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك أولى بالنبي وأقرب # وأما فضيلة النجابة: فلأن نسبه هو نسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يفرق بينهما من الأمهات إلا فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي عليه السلام ~~وفضائلها مشهورة، ومما يؤيد ذلك: حكاية الحاكم رحمه الله تعالى في كتاب ~~تنبيه الغافلين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال(إن الله تعالى ~~خلق روحي وروح علي قبل أن يخلق آدم عليه السلام بما شاء الله، فلما خلق آدم ~~أودع أرواحنا في صلبه فلم يزل ننقلها من صلب طاهر إلى رحم طاهر لم يصبها ~~دنس الشرك ولا عهر الجاهلية حتى أقرها في صلب عبد المطلب ثم أخرجها من صلبه ~~فقسمها قسمين فجعل روحي في صلب عبد الله وروح علي في صلب أبي طالب، فعلي ~~مني وأنا من علي نفسه كنفسي وطاعته كطاعتي، لا يحبني من يبغضه، ولا يبغضني ~~من يحبه). PageV01P273 # وأما فضيلة طيب المنشأ: فلأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي كفله ~~وآواه وأدبه ورباه فلم يسجد لصنم ، ولم يقع في مأثم، وقد بين عليه السلام ~~ذلك في بعض خطبه المذكورة في نهج البلاغة فقال: وقد علمتم موضعي من (رسول ~~الله) بالقرابة القريبة والمزية الخصيصة وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى ~~صدره ويكنفني في فراشه ويمسني جسده ويشمني عرقه وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه ~~وما وجدلي كذبة في قول ولا خطية في فعل. # وأما فضيلة السبق: فلأنه عليه السلام أول ذكر آمن بالنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وصلى معه، وله مع فضيلة السبق فضيلة العصمة وفضيلة إيتاء الحكمة ~~في حال صغره ومن شعره في معنى ذلك قوله: # سبقتكم إلى الإسلام طرا غلاما ما بلغت أوان حلمي # وآتاني ولايته عليكم رسول الله يوم غدير خم # وأما فضيلة العلم: فلأنه عليه السلام وارث علم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم والمخصوص بمكنون سره، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم(أنا ~~مدينة ms192 العلم وعلي بابها) وكان كل الصحابة محتاجا إلى علمه ولم يكن محتاجا ~~إلى علم أحد منهم، ومما يؤيد ذلك: حكاية الحاكم عنه عليه السلام في كتاب ~~تنبيه الغافلين أنه قال: لو كسرت لي الوسادة ثم جلست عليها لقضيت بين أهل ~~التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين ~~أهل الفرقان بفرقانهم، والله ما من آية # نزلت في بر ولا بحر ولا سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل ولا ليل ولا نهار ~~إلا وأنا أعلم متى نزلت وفي أي شيء نزلت، وما من رجل من قريش جرت عليه ~~المواسي إلا وأنا أعلم أي آية نزلت فيه تسوقه إلى جنة أو نار. PageV01P274 # وأما فضيلة الصبر: فلأنه ذكر في كتاب المحن أن الله سبحانه ابتلى صبره في ~~أربعة عشر موطنا، سبعة في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسبعة بعد ~~وفاته، وجملة ذلك أنه بلي من المحن ما لم يبل به غيره من الصحابة، وظهر من ~~صبره عليها ما لم يظهر من غيره مثله على ما هو دونها وذلك عند مبيته على ~~فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم موطنا لنفسه على الصبر للقتل إلى ما ~~كان من صبره في مواطن الزحف التي تزل فيها الأقدام وتبلغ القلوب الحناجر ~~إلى ما كان من صبره على ما أبتلي به من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وإجماع أكثر الصحابة في ذلك الحال على استغنام الفرصة في أخذ حقه ~~والاستيثار بالأمر دونه وعظم الصبر على قدر البلوى وعظم البلوى على قدر عظم ~~حال المبتلى، وقد مدح الله الصابرين وجعل من ثواب بعضهم استحقاق الإمامة ~~فقال سبحانه{وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا...الآية}(الأنبياء:73). # وأما فضيلة الصدق والوفاء: فلأنه عليه السلام لم ينكث عهدا، ولم يخلف ~~موعدا، وشاهده في ذلك قول الله سبحانه {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ~~فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر}(الأحزاب:23) وهو علي كرم الله وجهه ، ~~وقوله تعالى{يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا}(الإنسان:07). # وأما فضيلة ms193 التخصيص بالكرامات: المنبهة على علو مرتبته (عليه السلام) عند ~~الله فهي أكثر من أن تحصى كما قد نظم ذلك الإمام المنصور بالله عليه السلام ~~في شعره الذي يقول فيه:- # ردت له شمس الضحى فردها من أعظم الآيات والفضائل # ولو عددت ما قضيت حقه ومن يعد حب رمل هائل # وصرفت عنه لغير موجب بل لهنات قيل أو دغايل PageV01P275 ومن الأخبار الدالة على فضله وإمامته ما روي بالسند الصحيح إلى ابن عباس ~~رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف بالكعبة إذ ~~بدت رمانة فاخضر المسجد لحسن خضرتها فتناولها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ثم مضى في طوافه فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طوافه ~~صلى في المقام ركعتين ثم فلق الرمانة كأنها قدت نصفين فأكل نصفا ثم ناول ~~عليا عليه السلام فأكلا منها فزنخت أشداقهما لعذوبتها ثم التفت إلى أصحابه ~~فقال:(إن هذا قطف من قطوف الجنة ولا يأكله إلا نبي أو وصي ولولا ذلك ~~لأطعمناكم)، ومن ذلك ما روي بالسند الصحيح إلى ابن عباس رضي الله عنهما عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:(من آذى عليا فقد آذاني، إن ~~عليا أولكم إيمانا وأوفاكم بعهد الله، أيها الناس من آذى عليا بعث يوم ~~القيامة يهوديا أو نصرانيا، فقال جابر بن عبدالله رضي الله عنه وإن شهد أن ~~لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله فقال: يا جابر كلمة يحتجرون بها أن ~~تسفك دماؤهم وأموالهم وأن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، PageV01P276 ومن ذلك ما روي بالسند الصحيح إلى أنس بن مالك قال :قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لأبي بكر وعمر:(امضيا إلى علي يحدثكما ما كان منه في ليلته، ~~وأنا على أثركما قال أنس: فمضيا ومضيت معهما فاستأذن أبو بكر وعمر على علي ~~عليه السلام فخرج إليهما فقال: يا أبا بكر حدث شيء، قال: لا، وما حدث إلا ~~خير، قال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms194 ولعمر امضيا إلى علي يحدثكما ما ~~كان منه في ليلته، وجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: حدثهما ما كان ~~منك في ليلتك، فقال: أستحي يا رسول الله فقال : حدثهما فإن الله لا يستحي ~~من الحق، فقال علي: أردت الماء للطهور وأصبحت جنبا وخفت أن تفوتني الصلاة ~~فوجهت الحسن في طريق والحسين في طريق في طلب الماء فأبطيا علي فأحزنني ذلك ~~فرأيت السقف قد انشق ونزل علي منه سطل مغطى بمنديل فلما صار في الأرض نحيت ~~المنديل عنه وإذا فيه ماء فتطهرت للصلاة واغتسلت وصليت ثم ارتفع السطل ~~والمنديل والتأم السقف فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أما السطل فمن ~~الجنة وأما الماء فمن نهر الكوثر وأما المنديل فمن استبرق الجنة من مثلك يا ~~علي جبريل يخدمك في ليلتك)، PageV01P277 وروي بالسند الصحيح إلى أنس بن مالك قال: أهدي لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بساط من خندف فقال لي: يا أنس ابسطه فبسطته، ثم قال: ادع لي ~~العشرة فدعوتهم فلما دخلوا أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجلوس ~~على البساط ثم دعا عليا عليه السلام فناجاه طويلا ثم رجع فجلس على البساط ~~ثم قال: يا ريح احملينا فحملتنا الريح فإذا البساط يدف بنا دفا، ثم قال: يا ~~ريح ضعينا فوضعتنا، ثم قال أتدرون في أي مكان أنتم، قلنا: لا، قال: هذا ~~موضع أصحاب الكهف والرقيم، قوموا فسلموا على إخوانكم، قال: فقمنا رجلا رجلا ~~فسلمنا عليهم فلم يردوا علينا السلام ، فقام علي بن أبي طالب (رضي الله ~~عنه) فقال: السلام عليكم معاشر الصديقين والشهداء، فقالوا: عليك السلام ~~ورحمة (الله قال) : فقلت ما بالهم ردوا عليك السلام ولم يردوا علينا فقال : ~~ما بالكم لا تردوا على إخواني، فقالوا: إنا معاشر الصديقين لا نكلم بعد ~~الموت إلا نبيا أو وصيا، ثم قال: يا ريح احملينا فحملتنا تدف بنا دفا، ثم ~~قال: يا ريح ضعينا فوضعتنا فإذا نحن بالحرة قال: قال علي عليه السلام: ندرك ~~النبي صلى الله عليه وآله ms195 وسلم في آخر ركعة وطوينا وأتينا وإذا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقرأ في آخر ركعة{أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم ~~كانوا من آياتنا عجبا}(الكهف:09). # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:(من أحب أن يتمسك بالقضيب ~~الياقوت الأحمر الذي غرسه الله في جنة عدن فليتمسك بحب علي بن أبي طالب ~~عليه السلام). PageV01P278 # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:(تختموا بالعقيق فإنه أول ~~حجر شهدت لله بالوحدانية ولي بالنبوءة ولعلي بالوصاية ولولديه بالإمامة ~~ولشيعته بالجنة). وروي بالإسناد الصحيح إلى أنس بن مالك أنه قال: انقض كوكب ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(انظروا إلى هذا الكوكب ~~فأيكم وقع في داره فهو الخليفة من بعدي قال: فوجدناه قد انقض في دار علي بن ~~أبي طالب فنزل قول الله تعالى{والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما ~~غوى}(النجم:1،2)). # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:(إنما مثل علي في هذه ~~الأمة كمثل # الوالد)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إنما مثل علي في هذه الأمة كمثل ~~قل هو الله أحد في القرآن)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(يدخلون الجنة ~~سبعون ألفا لا حساب عليهم، ثم التفت إلى علي عليه السلام فقال: هم شيعتك ~~وأنت إمامهم)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لو أن الغياض أقلام والبحر ~~مداد والجن كتاب والإنس حساب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام). # ولنقتصر على هذا القدر الذي هو قطرة من مطرة ومجة من لجة مما يدل على أن ~~عليا (عليه السلام) أفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه ~~أولى الخلق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم{إن في ذلك لذكرى لمن ~~كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}. ولعمري أن الأمر في ذلك واضح كضوء ~~المصباح بل كفلق الصباح ولا يجد المخالف عشر المعشار في (أئمته اللذين) ~~ادعى فضلهم وإمامتهم مما جاء في أمير المؤمنين (عليه السلام) : # ولكن تعامى وتجاهل ms196 وضل عن سواء السبيل وأضل # وليس يصح في الأفهام شيء .... إذا احتاج النهار إلى دليل # ولكن الأمر كما قيل: لهوى النفوس سريرة لا تعلم # كم حار فيه عالم ومتكلم PageV01P279 تنبيه: # لا بأس بذكر شبه المخالفين والرد عليها، وحكم من تقدم عليا (عليه السلام) ~~في الإمامة، وحكم من أحربه، وحكم من توقف في إمامته، لأن هذه المسألة مما ~~يحسن فيها التقرير لما فيها من كثرة الشقاق بين الأمة. # فنقول: احتج من قال بأن النص في أبي بكر جلي بأنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم نص على إمامته نصا جليا. # والجواب: أن هذا النص إن كان آحاديا لم يصح التعلق به في هذه المسألة ~~لأنها قطعية، وإن كان متوترا وجب أن يكون معلوما ظاهرا لكل من يلزمه فرض ~~الإمامة لأن التكليف متى تعلق بشيء وجب أن يكون طريقه معلومة على الحد الذي ~~يتناوله التكليف وإلا كان تكليفا بما لا يعلم وهو قبيح، ولا شبهة أن فرض ~~الإمامة عام لكل المكلفين. # واحتج: من قال بالنص الخفي على إمامة أبي بكر بقوله تعالى{قل للمخلفين من ~~الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون}(الفتح:16). # قالوا: والداعي لهم أبو بكر لأنه أول من دعى إلى القتال بعد موت النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه دعى إلى قتال أهل الردة، ولا يجوز أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الداعي لهم لأنه قد قال تعالى{فاستأذنوك ~~للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا}(التوبة:83). # الجواب: من وجهين: # أحدهما: أنه لا طريق إلى أن المراد بالآية أبو بكر بل المراد بها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو دعاؤه إلى قتال هوازن ولكن لم يخرجوا معه، ~~والآية لم تمنع إلا من الخروج معه لا من الدعاء ، وقيل: المراد بها علي ~~عليه السلام في دعائه إلى أهل الجمل وصفين والنهروان. PageV01P280 # الثاني: أنه ليس في الآية ما يدل على ما ذكروه ولو سلمنا لهم أنها في أبي ~~بكر إذ ليس فيها إلا أنهم يدعون وهو يدعو وهذا لا ms197 يقتضي بكون الداعي إماما، ~~لا يقال في الآية مدح له ولا مدح إلا على أمر له صفة زائدة على حسنه، وأيضا ~~فتوعدهم على التخلف وهو لا يكون إلا لمن إجابة دعوته واجبة وهو معنى ~~الإمامة، لأنا نقول: هب أن الأمر كذلك والدعاء واجب والمدعو إليه واجب فإن ~~هذا لا يقتضي الإمامة، وذلك لأن قتال المشركين واجب والدعاء إليه واجب ~~خصوصا إذا قصدوا ديار المسلمين. # وتعلقوا أيضا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر أبا بكر ~~في حال مرضه أن يؤم بالناس في الصلاة. # وقالوا: هذا منه صلى الله عليه وآله وسلم تنبيه على تقدمه في الإمامة. # الجواب: أنه لا يصح التعلق بهذا الخبر من وجوه: # أحدها: أنه لم يصح أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك وإنما كان ~~الأمر من عائشة. # الثاني: أنه وإن صح أنه صلى الله عليه وآله وسلم الآمر فهو خبر آحادي ~~ومسألتنا قطعية. # الثالث: أنه لا يصح قياس الإمامة الكبرى على الإمامة الصغرى، لأن إمامة ~~الصلاة تصح ممن لا تصح إمامته كالأعمى والمملوك وولد الزنا. # الرابع: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد قدم غير أبي بكر للصلاة فإنه قدم ~~عبدالرحمن # وابن أم مكتوم. PageV01P281 # احتج من قال: بأن طريق إمامة أبي بكر العقد والاختيار وذلك هو طريقة ~~الإمامة بزعمهم مطلقا بالإجماع من الصحابة على إمامة أبي بكر سيما في آخر ~~الأمر فإنه قد بايعه سائر الأنصار والمهاجرين، وفي أول الأمر كان الناس بين ~~راض بها مبايع وساكت سكوت رضى، فلو لم يكن إماما لكان المبايع مخطئا ~~والساكت عن النكير مخطئا والراضي مخطئا وفي هذا إجماع الأمة على الخطأ. # الجواب: أنا قد بينا بالدليل القطعي أن الإمام بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم علي (عليه السلام) ، فلو صح هذا الإجماع لأدى إلى تناقض ~~الأدلة على غير وجه النسخ وذلك لا يصح. ثم أنا نقول: لا يصح الإجماع إلا ~~حيث لا يعتد بأكابر الصحابة الذين رأسهم علي عليه السلام، فإن المنقول ms198 عنهم ~~والمعروف من حالهم عند من له أدنى بحث في السير والتواريخ المنازعة ~~والاختلاف الشديد هذا علي عليه السلام فإنه لما قال له العباس بن عبدالمطلب ~~بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امدد يدك أبايعك فيقول الناس ~~عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بايع ابن أخيه فلا يختلف اثنان، قال ~~عليه السلام: لو كان أخي جعفر وعمي حمزة حيين لفعلت، وروي أنه عليه السلام ~~قال في جوابه لمعاوية: وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم بغيت، فإن ~~يكن كذلك فليس الجناية عليك ليكون العذر فيها إليك، وقلت أني كنت أقاد كما ~~يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، فلعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح ~~فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في ~~دينه ولا مرتابا بيقينه، وهذه حجة إلى غيرك قصدها، ولكني أطلقت لك بقدر ما ~~سنح في ذلك، وقال عليه السلام: لولا حضور الحاضر، ووجوب الحجة لوجود PageV01P282 الناصر لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، قال هذا لما طلب ~~بالبيعة بعد قتل عثمان، وقال عليه السلام في خطبته المعروفة بالشقشقية: ~~والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وأنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من ~~الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقي إلي الطير فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها ~~كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم ~~فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أن ~~الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي الحلق شجى وفي العين قذى، أرى تراثي نهبا، ~~حتى إذا مضى الأول لسبيله، ثم أدلى بها إلى عمر بعد وفاته، فيا عجبا! بينا ~~هو يستقبلها في حياته إذ أدلى بها إلى آخر بعد وفاته، إلى أخر ما ذكره عليه ~~السلام. PageV01P283 # وروى عامر بن واثلة قال: كنت على باب السقيفة يوم الشورى إذ دخل علي عليه ~~السلام وأهل الشورى وحضرهم عبدالله بن عمر، فسمعت عليا عليه ms199 السلام يقول: ~~بايع الناس أبا بكر فسمعت وأطعت، وبايعوا عمر فسمعت وأطعت، ويريدوا ~~المبايعة لعثمان فإذا أسمع وأطيع، ولكني محتج عليكم، أنشدكم الله، هل فيكم ~~أحد أخاه رسول الله غيري؟ قالوا: اللهم لا، قال: أنشدكم الله، هل فيكم من ~~أحد له أخ كأخي جعفر له جناحان أخضران يطير بهما في الجنة غيري؟ قالوا: ~~اللهم لا، قال:أنشدكم الله، هل فيكم من أحد له عم كعمي حمزة سيد الشهداء؟ ~~قالوا: اللهم لا، قال:أنشدكم الله، هل فيكم أحد له زوجة كزوجتي فاطمة سيدة ~~نساء أهل الجنة؟ قالوا: اللهم لا، قال: أنشدكم الله، هل فيكم من له سبطان ~~كسبطاي الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة؟ قالوا: اللهم ~~لا، قال: أنشدكم الله، وبحق نبيئكم، هل فيكم من أحد وحد الله قبلي؟ قالوا: ~~اللهم لا ، قال: أنشدكم الله ، هل فيكم من أحد صلى إلى القبلتين غيري؟ ~~قالوا: اللهم لا، قال: أنشدكم الله، هل فيكم من أحد ولي غسل (رسول الله) ~~بالروح والريحان مع الملائكة المقربين غيري؟ قالوا: اللهم لا، قال: أنشدكم ~~الله، هل فيكم من أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اغسلني أنت ~~فإنه لا يرى أحد شيئا من عورتي إلا عمي غيرك يا علي؟ قالوا: اللهم لا، قال: ~~أنشدكم الله، هل فيكم من أمر الله تعالى بمودته حيث يقول{قل لا أسألكم عليه ~~أجرا إلا المودة في القربى}(الشورى:23) غيري؟ قالوا: اللهم لا، قال: أنشدكم ~~الله، هل فيكم من لم يسد بابه حين أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسد ~~الأبواب التي إلى المسجد غيري؟ قالوا: اللهم لا، ولم قلتم للنبي PageV01P284 صلى الله عليه وآله وسلم سددت أبوابنا وأخرجتنا من المسجد وتركت عليا، قال ~~صلى الله عليه وآله وسلم:(ما أنا أخرجتكم ولا سددت أبوابكم ولا تركت عليا، ~~ولكن الله أمرني بإخراجكم وترك علي)، قالوا: اللهم لا، إلى غير ذلك مما ~~احتج به عليه السلام، وأورده عليهم بيانا لإمامته وفضله، ثم قال: اللهم ~~اعلم واشهد وكفى بالله شهيدا بيني وبينكم ms200 أسمع وأطيع وأصبر حتى يأتي الله ~~بالفتح أو أمر من عنده، شأنكم فاصنعوا ما بدا لكم، ثم قال هذه الأبيات:- # محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي # وجعفر الذي يضحي ويمسي يطير مع الملائكة ابن أمي # وبنت محمد سكني وعرسي مسوط لحمها بدمي ولحمي # وسبطا أحمد ابناي منها فمن هذا له سهم كسهمي # سبقتكم إلى الإسلام طرا غلاما ما بلغت أوان حلمي # وأتاني ولايته عليكم رسول الله يوم غدير خم # فويل ثم ويل ثم ويل لمن يلقى الإله غدا بظلم # فهذا كلامه عليه السلام، وقد علمت أنه لا تصح دعوى الإجماع مع مخالفته، ~~بل لا ينبغي مساواة كلام الناس جميعا بقوله فإنه يجب طرح أقوالهم واعتماد ~~قوله لأن قوله PageV01P285 حجة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(علي مع الحق والحق مع علي، علي مع ~~القرآن والقرآن مع علي)، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمار:(إذا سلك ~~الناس واديا وعلي واديا فعليك بعلي وخل عن الناس)، أو كما قال: ولأنه معصوم ~~مع ذلك. وقد نقل بالسند الصحيح مخالفة غيره، فإنه لما بويع لأبي بكر حمل ~~الناس عمر على ذلك طوعا وكرها حتى أفضت الحال إلى أمور شنيعة، فمن ذلك كسر ~~سيف الزبير بن العوام، واستخف بسلمان، وضرب عمار بن ياسر، وأسقط سعد بن ~~عبادة من مرتبته حتى قال قائلهم: قتلتم سعدا فقال عمر: قتله الله فإنه ~~منافق وأخذ عمر سيفه واعترض به صخرة فقطعه، وكذلك فإن المروي أن عمر بن ~~الخطاب قال لعلي (عليه السلام) : بايع لأبي بكر، قال: فإن لم، قال: ضربنا ~~عنقك، وكذلك فإن المروي عن أبي بكر أنه قال لسعد بن عبادة: لئن نزعت يدا من ~~طاعة أو فرقت جماعة لأضربن الذي فيه عيناك، إلى غير ذلك من الأمور الشنيعة. ~~وكفى في بطلان دعوى الإجماع بما رواه الإمام المتوكل على الله أحمد بن ~~سليمان (عليه السلام) في حقائق المعرفة قال: لما بويع أبو بكر وارتقى ~~المنبر منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان ممن قعد عن بيعته ms201 اثني ~~عشر رجلا ستة من المهاجرين وستة من الأنصار، فكان من المهاجرين خالد بن ~~سعيد وأبو ذر وعمار والمقداد وسلمان وأبي بن كعب، وكان من الأنصار قيس بن ~~سعد بن عبادة الخزرجي وأبو الهيثم بن التيهان وسهل بن حنيف وأبو بردة ~~الأسلمي وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبو أيوب الأنصاري، فقال بعضهم لبعض: ~~قوموا إلى هذا الرجل فأنزلوه من منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فقال بعضهم: إن هذا الرجل اتفقت عليه الأمة ولكن انطلقوا بنا إلى صاحب هذا PageV01P286 الأمر حتى نشاوره ونستطلع رأيه وانطلقوا القوم حتى أتوا أمير المؤمنين ~~(عليه السلام علي بن أبي طالب) ، فقالوا: يا أمير المؤمنين كنا في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورأينا هذا الرجل قد صعد منبر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فأردنا أن ننزله عنه فكرهنا أن ننزله دونك ونحن ~~نعلم أن الحق لك، فقال عليه السلام، أما أنكم لو فعلتم ما كنتم إلا حربا ~~لهم وما كنتم إلا كالكحل في العين أو كالملح في الزاد وقد اتفقت هذه الأمة ~~التاركة قول نبيئها الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، وقد شاورت في ذلك أهل بيتي ~~فأبوا إلا السكوت لما يعلمون من وغر صدور القوم وبغضهم لأهل بيت محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم ولكن انطلقوا إليه وأخبروه بما سمعتم من قول نبيئكم ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا تتركوا شبهة من أمره ليكون ذلك أوكد في ~~الحجة وأبلغ في العقوبة إذا لقي الله وقد عصاه وخالف أمر نبيئه، فانطلق ~~القوم في يوم جمعة في وقت صلاة الظهر حتى جثوا حول منبر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فأقبل أبو بكر فصعد المنبر، فقال المهاجرون للأنصار: قوموا ~~فتكلموا بما سمعتم من قول نبيئكم صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الأنصار ~~للمهاجرين: بل أنتم قوموا فتقدموا فإن الله قدمكم علينا في كتابه قال الله ~~تعالى{لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار}(التوبة:117) وكان أول ~~من تكلم خالد بن سعيد ms202 فقام قائما على قدميه وقال: معاشر المسلمين أنشدكم ~~الله وبحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشهدون بأن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال لي:(هذا خالد صديق قومه)؟ فقالوا : بلى والله نشهد ~~بذلك، فقال: يا معاشر المسلمين فأنا أشهد أني سمعت رسول الله صلى PageV01P287 الله عليه وآله وسلم وهو يقول(علي قائد البررة وقاتل الكفرة وهو أحق بالأمر ~~من بعدي) ثم جلس، وقام من بعده أبو ذر الغفاري فقال: يا معشر الناس أنشدكم ~~بالله وبحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشهدون بأن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: (يرحمك الله يا أبا ذر تموت وحدك وتدفن وحدك ~~وتحشر وحدك وتحاسب وحدك وتدخل الجنة وحدك (يكرم بك) الله سبعة نفر يلون ~~غسلك ودفنك)، قالوا: نشهد والله بذلك، قال: فأنا أشهد أني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول?علي أخي وابن عمي وأبو سبطي والحجة من ~~بعدي)، ثم جلس. وقام سلمان الفارسي فقال يا معشر المسلمين ناشدتكم بالله ~~وبحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشهدون بأن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال:(سلمان منا أهل البيت) قالوا: بلى والله نشهد بذلك، ~~قال: فأنا أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول:(علي ~~إمام المتقين وقائد الغر المحجلين والأمير من بعدي)، ثم جلس. ثم قام من ~~بعده المقداد بن الأسود الكندي ثم قال: معشر المسلمين أشهد أني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول:(علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا ~~أنه لا نبي بعدي فالفائز من تولاه والكافر من عاداه)، ثم جلس. وقام من بعده ~~عمار بن ياسر فقال: يا معشر المسلمين ناشدتكم الله وبحق رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم تشهدون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال(يا آل ياسر ~~أبشروا مأواكم الجنة)، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم):(عمار مع الحق والحق ~~مع عمار حيث ما دار دار الحق معه)، وقال (صلى ms203 الله عليه وآله وسلم):(يا ~~عمار تقتلك الفئة الباغية يكون آخر زادك من الدنيا قعب من لبن)، فقالوا: بلى PageV01P288 والله نشهد بذلك، ثم أقبل بوجهه إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر ارجع عن ظلعك ~~واقبر شرك والزم منزلك وابك على خطيئتك ورد الأمر إلى من جعله الله (ورسوله ~~له) ولا تركن إلى الدنيا ولا يغرنك من قريش أوغادها فعن قليل ترتحل عن ~~دنياك وما ربك بظلام للعبيد، ثم جلس. وقام من بعده أبي بن كعب وقال: يا ~~معاشر المسلمين ألستم تشهدون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رقى ~~المنبر يوم غدير خم وقام علي عليه السلام إلى جانبه وحط يده اليمنى وشالا ~~أيديهما حتى رؤي بياض إبطيهما ثم قال : (يا معشر الناس من كنت نبيه فهذا ~~علي وليه، ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من ولاه وعاد من ~~عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله) ثم جلس. وقام من بعده قيس بن سعد بن ~~عبادة فقال: يا أبا بكر ألست تشهد أن (رسول الله) صلى الله عليه وآله وسلم ~~يوم كنا بين يديه فأقبل عليك بوجهه فقال?يا أبا بكر من أحب عليا فقد أحبني ~~ومن أبغض عليا فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله ومن أبغض الله كان ~~حقيقا على الله أن يكبه على منخريه في نار جهنم) فقال: بلى أشهد بذلك، ثم ~~قال: يا معشر المسلمين أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول?أنا حرب لمن حارب عليا وسلم لمن سالم عليا)، ثم جلس. وقام من بعده أبو ~~الهيثم بن التيهان فقال: يا معاشر المسلمين ألستم تشهدون بأن (رسول الله) ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال:(هذا ابن التيهان ما كذبني منذ آمن بي ولا ~~نافقني منذ صدقني)، قالوا: بلى نشهد بذلك، قال: يا معاشر المسلمين أشهد أني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول:(علي سفينة من ركبها نجا ~~ومن تخلف عنها غرق أو قال في النار هوى)،ثم جلس. ms204 وقام من بعده PageV01P289 سهل بن حنيف فقال: معشر المسلمين إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: (علي باب حطة من دخل منها كان آمنا)، ثم جلس. وقام من بعده أبو ~~بردة الأسلمي فقال: معاشر المسلمين أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول :(علي أخي، وابن عمي، وحامل رايتي يوم القيامة، والخليفة من ~~بعدي، المؤمن من تابعه والكافر من خالفه)، ثم جلس.وقام من بعده خزيمة بن ~~ثابت ذو الشهادتين وقال: يا معاشر المسلمين ألستم تشهدون بأن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قبل شهادتي وحدي ولم يزد معي غيري، قالوا: بلى نشهد ~~بذلك، فقال: إني أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ~~يقول:( ألا إن الله ربكم ومحمدا نبيئكم والقرآن إمامكم والإسلام دينكم ~~وعليا هاديكم فوالى الله من والاه وعادى من عاداه)، ثم جلس.وقام من بعده ~~أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أبا بكر ألست تذكر هذه الآية يوم نزلت {إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا}(المائدة:55) فقمت أنت وصاحبك فقبلتما بين ~~كتفيه وقلتما: أصبحت والله مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فقال: بلى قد كان ~~ذلك ، فقال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول:( ~~علي عين الله في خلقه ولايته الصراط المستقيم والحجة على الأمة بعدي)، فلما ~~سمع أبو بكر ذلك نزل عن المنبر ودخل منزله فمكث لا يخرج إلى الناس ثلاثة ~~أيام، فلما أن كان في اليوم الرابع أتاه عمر وعثمان وعبدالرحمن بن عوف ~~وسالم مولى حذيفة والأشعث بن قيس وأبو موسى الأشعري وقنفذ مولى عمر مع كل ~~رجل منهم عشرة رجال شاهرين لأسيافهم حتى أخرجوه من منزله حتى علا المنبر ~~فخطب وجعلوا يدورون في المدينة وهم يقولون: والله لئن عاد أحد إلى مثل (ما تكلم PageV01P290 به) بالأمس لنعلونه بأسيافنا، فأمسك القوم للقوم عند ذلك ولم يردوا جوابا، ~~فهذا ما حكي عنهم، وهل تصح دعوى الإجماع مع صدور ذلك من هؤلاء، هذا باطل، ~~وإذا قيل: هذه ms205 الروايات آحادية، قلنا: كل من روى الإجماع على البيعة التي ~~تدعونها يروي هذه الأخبار، فما أجبتم فهو جوابنا، قالوا: وقع الخلاف في ~~الابتداء ثم وقع الإجماع بعد ذلك. قلنا: إن سلمتم وقوع الاختلاف في ~~الابتداء فعلى مدعي الاتفاق بعد ذلك إيراد الدلالة القاطعة بالاتفاق، ثم ~~أنا نقول للمخالف: خبرنا عن إمامة أبي بكر حال الخلاف هل هي صحيحة أو غير ~~صحيحة؟ إن قال: صحيحة، قلنا: كيف تصح مع الخلاف؟ وإن قال: باطلة، قلنا: ~~فيلزمك استمرار البطلان، لأن من قال ببطلانها في ابتداء الأمر قال كذلك في ~~انتهائه إذ لا قائل بالفصل بينهما، قالوا: بايع علي أبا بكر، قيل: بعد نصف ~~سنه وقيل غير ذلك.قلنا: العترة مجمعة على أنه عليه السلام ما بايع أبا بكر ~~بيعة عهد ورضى وإجماعهم حجة وأكثر أهل البيت (عليهم السلام) ينفي وقوعها ~~ومن ذكرها فعلى وجه الإكراه لما روي: أنه أتى ملبيا، وقيل: في عنقه حبل ~~وتوعده بالقتل، (وقيل: أنه قال) إن لم تبايع ضربنا عنقك مع قوله اللهم ~~اشهد، وذلك مما لا اعتبار به فكأن لم تكن لو صح وقوعها، قالوا: مسألة ~~الإمامة مسألة اجتهادية وكل مجتهد فيها مصيب وهذا الإيراد للحشوية ومن جرى ~~مجراهم، قلنا: هي بمعزل عن الظن لأن طريق وجوبها وثبوتها وطريق شروطها وما ~~لا يتم إلا به إنما هي قطعيات فلا طريق للاجتهاد إليها، أما طريق وجوبها ~~فهو إجماع الصحابة المعلوم وقد مر، وأما ثبوتها حيث تثبت فإنها لا تثبت إلا ~~في منصوص عليه بنص معلوم كما في أمير المؤمنين فإن أدلة إمامته عند الإنصاف PageV01P291 مما لا يدخلها تشكيك أو فيمن ادعى كامل الشروط بالقطع لا بالظن، وأما طريق ~~شروطها فكلها مجمع عليها من الصحابة والمسلمين بعدهم وعليها أدلة قطعية ~~وسيأتي بيانها إنشاء الله تعالى، وأما الدعوة فطريق ثبوتها إجماع العترة ~~عليها بعد بطلان قول أهل النص، فبطل أن تكون اجتهادية، وثبت كونها قطعية ~~يقطع بخطأ المخالف فيها. # وأما حكم من تقدم على أمير المؤمنين عليه السلام في الإمامة كأبي بكر ms206 ~~وعمر وعثمان، فالذي انعقد عليه إجماع العترة أنهم مخطئون بالتقدم عليه ~~عاصون بذلك، لأن النصوص على إمامة علي عليه السلام قطعية متنا ودلالة كما ~~بينا.قال الدواري: وأكثر العترة لا يفسقهم، ومنهم من يفسق، ومن لم يفسق ~~منهم اختلفوا، فمنهم من توقف وهو قول كثير من الزيدية، ومنهم من رضى وبه ~~قال السيد المؤيد بالله والكني والقاضي جعفر وغيرهم. # قلت: وهو قول أكثر متأخري الزيدية. قالوا: لسابقتهم وثناء الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم عليهم وما جاء في القرآن من الأخبار برضى الله عنهم ~~كقوله تعالى{لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}(الفتح:18) ~~وعلى الجملة فنحن من إيمانهم على يقين ولا ننتقل عنه إلا بيقين. # قلت: هذا قول لولا أن يقال أن تلبسهم بالمعصية قطعا قد نسخ العلم ~~بإيمانهم في الظاهر وأما الثناء عليهم والإخبار بأنهم من المرضي عنهم فذلك ~~باعتبار ما هم عليه قبل التلبس بالمعصية. # قالوا: معصيتهم محتملة للكبر والصغر فلا نسخ إذ لا تفسيق إلا (بدليل ~~قاطع) . PageV01P292 # قلت: مع الإقرار بأن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي ~~عليه السلام (لا احتمال) لأنهم منعوا الإمام فيما إليه التصرف فيه وهذا بغي ~~والبغي فسق بالإجماع مع أن الأصل في كل معصية الكبر كما دل عليه الدليل ~~القاطع وهذا مذهب عيون العترة عليهم السلام كما مر. # قالوا: هي صغيرة في حقهم لكثرة ثوابهم. # قلت: إن كان ذلك بدليل فأبرزوه وإن لم يكن بدليل فهو باطل. # قال في أنوار اليقين: وروينا في تفسير الثعلبي رفعه إلى ابن المسيب عن ~~أبي هريرة أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(يرد علي ~~يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلؤن عن الحوض فأقول يا رب أصحابي أصحابي ~~فيقال إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى). ~~ومن صحيح مسلم: رفعه إلى ابن عباس (رضي الله عنه) قال: قام فينا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بموعظة فقال:(يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى ms207 الله ~~عراة حفاة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين، ألا ~~وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) ، ألا ~~وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقال ~~إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك). ومن الجمع بين الصحيحين قال: وأخرجه البخاري ~~من حديث عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال:(بينا أنا قائم إذ أقبلت زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل بيني وبينهم ~~فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم، قال: ~~إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم، خرج ~~رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما PageV01P293 شأنهم قال إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل ~~همل الغنم) انتهى. فتأمل أيها المنصف فإنك لا تجد لدعوى صغر معصية الصحابة ~~في تقدمهم على علي عليه السلام إلا مجرد المحاباة وإلا فهلم الدليل على ~~الفارق والمخصص لما ذكرنا من الأحاديث. # قالوا: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يتولاهم ويرضى عنهم. # قلت: إن صح ذلك فمعارض بما رواه أئمة الهدى من التجرم والشكوى من أخذهم ~~حقه والعزم على حربهم لو وجد الناصر، وقد قدمنا في ذلك من الروايات ما فيه ~~كفاية. ثم أنا نقول: للمعترض أخبرنا عن توليه عليه السلام لهم. هل كان مع ~~علمه بأنه الإمام ومع عزمه على قتلهم وقتالهم فذلك باطل إذ هم عنده عاصون ~~محادون الله ورسوله وحاشا أمير المؤمنين أن يتولى من حاد الله ورسوله، وقد ~~قال الله تعالى{لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله}، أو كان لأجل جهله بالدليل على إمامته واعتقاد أنهم الأئمة، فذلك ~~خلاف مذهبك لأنك تقول باستحقاقه الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بلا فصل وخلاف ما هو المعلوم من حاله من ادعائه للإمامة وعلمه بالأدلة ~~كيف وقد ms208 قال صلى الله عليه وآله وسلم(أنا مدينة العلم وعلي بابها). PageV01P294 # قال إمام زماننا أيده الله تعالى: الحق أنهم إن لم يعلموا استحقاقه عليه ~~السلام للإمامة فلا إثم عليهم وإن أخطئوا لقوله تعالى{وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به}(الأحزاب:05) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه)، وإن علموا فخطيئتهم كبيرة للإجماع على أن من ~~منع إمام الحق من تناول (الواجب منه) فقد بغي عليه وإن البغي عليه فسق ~~ولأنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، وقد قال تعالى{ومن يتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ماتولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}(النساء:115). # قال أيده الله تعالى : ولعل توقف كثير من أئمتنا عليهم السلام لعدم حصول ~~العلم بأنهم علموا أو جهلوا وأخرجنا عن تبقيتهم على الأصل، بأن الأصل في ~~أعمال المكلفين المتعلقة بالحقوق العمد ولا يصح التولي إلا مع العلم ~~بالإيمان في الظاهر بإجماع العترة . # قلت: قد تظافرت الروايات بتعريفهم من أكابر الصحابة بإمامته عليه السلام ~~وإخبار علي عليه السلام بأن أبا بكر يعلم أن محله منها محل القطب من الرحى ~~ولكن العذر في ذلك أن هذه الروايات آحادية لا تفيد إلا الظن ومسئلتنا قطعية ~~فلا نقطع (أنهم أقدموا) مع علمهم أو جهلوا فلا يصح تفسبقهم مع ذلك، ولكن ~~هذا إنما يصح إذا قلنا: بأن معرفة إمامة علي عليه السلام فرض كفاية كما هو ~~مذهب بعضهم، أو على القول: بأنها فرض عين والمخل بها مخطئ خطأ محتملا كما ~~هو مذهب بعضهم، وأما على القول: بأنها فرض عين لا يعذر جاهلها فذلك لا ~~يتأتى، ودليل أنها فرض عين أن أحوال إمام الزمان مقيسة عليه، PageV01P295 وقد قال الهادي عليه السلام: في كتاب الأحكام أن من لم يعلم ولاية أمير ~~المؤمنين عليه السلام فلا ينجو من عذاب الرحمن ولا يتم له اسم الإيمان حتى ~~يعتقد ذلك بأيقن الإيقان لأن الله سبحانه يقول{إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا...الآية}(المائدة:55) ثم أطال الكلام عليه السلام حتى خرج فيه ~~كلام صريح بالتفكير والإتيان بالجرم العظيم لمن تقدم أمير المؤمنين ولم ms209 ~~يعلم إمامته من العالمين. # قال في أنوار اليقين: انعقد إجماع أهل البيت (عليهم السلام) على أنه يجب ~~على كل مكلف العلم بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام وأنها واجبة على ~~الأعيان. # وأما المنصور بالله عليه السلام: فقد حكى الدواري عنه قولين، قول بصغر ~~معصية القوم، وقول بالتوقف. # قلت: الذي حكي عن السيد حميدان رحمه الله والإمام الحسن بن بدر الدين أنه ~~قال في الجواب الكاشف للإشكال في الفرق بين التشيع والاعتزال وسألت عمن ~~يرضي على الخلفاء ويحسن الظن بهم وهو من الزيدية ويقول أنا أقدم عليا وأرضي ~~عن المشائخ، ما يكون حكمه وهل تجوز الصلاة خلفه؟ PageV01P296 # والجواب: عن ذلك أن هذه المسئلة غير صحيحة فيتوجه الجواب عنها لأن الزيدية ~~على الحقيقة هم الجارودية ولا نعلم في الأئمة عليهم السلام بعد زيد بن علي ~~عليه السلام من ليس بجارودي وأشياعهم كذلك وأكثر ما نقل وصح عن السلف هو ما ~~(قلنا على) تلفيق واجتهاد وإن كان الطعن والسب من بعض الزيدية ظاهر إنما ~~هذا رأي المحصلين منهم، وإنما هذا القول قول بعض المعتزلة يفضلون عليا ~~ويرضون عن المشائخ فليس هذا يطلق على أحد من الزيدية لأنا نقول قد صح النص ~~على أمير المؤمنين (عليه السلام) من (الله ورسوله) وصحت معصية القوم وظلمهم ~~وتعديهم لأمر الله سبحانه وإن كانت جائزة المعصية والترضية فما أبعد قول ~~الشاعر في قوله: # إن كان يجزى بالخير فاعله شرا ويجزى المسيء بالحسنى # فويل تالي القرآن في ظلم الليل وطوبى لعابد الوثن # فنهاية الأمر أن المروي عن السلف الصالح أنهم لا يسبون وهكذا قال المؤيد ~~بالله ولم يصرح بالترضية فأما القول بالترضية فمبني على القطع لصغر معصيتهم ~~وذلك مما يحتاج إلى برهان وصاحب هذه المقالة لا يجده أو على عصمتهم ولا ~~قائل بذلك من الأئمة وشاهد الحال لو ادعى ذلك لفضحه لأن طلحة والزبير من ~~أفاضلهم وقد صح فسقهما بالخروج على إمام الحق، وإنما رويت توبتهما ولم ترو ~~عن الثلاثة توبة عما أقدموا عليه من الإمامة وتأخير علي عليه السلام ms210 من ~~مقامه الذي أقامه الله ورسوله فيه، وأما الصلاة خلف من ذكرت ففي الصلاة ~~خلاف طويل وقد أجازها الأكثر خلف المخالفين ما لم يكن خلافهم كفرا والأمر ~~في ذلك يهون والاحتراز خلف من يقول بذلك أولى. PageV01P297 # ومن شعره عليه السلام في معنى ذلك:- # فعد عن المنازل والتصابي وهات لنا حديث غدير خم # فيالك موقفا ما كان أسنى ولكن مر في آذان صم # لقد مال الأنام معا علينا كأن خروجنا من خلف ردم # وأما حكم من حاربه عليه السلام فلا شبهة في فسقه لمحاربته إمام الحق، ~~والمحاربون له ثلاثة كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (تقاتل ~~الناكثين والمارقين والقاسطين) والناكثون طلحة والزبير وعائشه وقد روي ~~توبتهم، والقاسطون معاوية وأصحابه، ومن أصحابنا من كفر معاوية لأمور منها ~~أنه كان يدين بالجبر ويعتقده ومنها أنه كان يستشفي بالأصنام وقد وجد في ~~عنقه حين مات صليب وقيل أنه كان منافقا إلى غير ذلك مما يدل على كفره، ~~والمارقون الخوارج. وأما حكم الذين تخلفوا عنه ولم يقولوا بإمامته بعد ~~الثلاثة كابن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وكعب بن مالك وأسامة بن ~~زيد وغيرهم فاختلف (في حكمهم) أصحابنا، فبعضهم حكم بمعصيتهم من غير فسق ~~ومنهم من قضى بفسقهم لتركهم نصرة أمير المؤمنين وخذلانهم له، وقد قال صلى ~~الله عليه وآله وسلم في خبر الغدير:(وانصر من نصره واخذل من خذله) ولا شبهة ~~أنهم من الخاذلين له ، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على من ~~خذل أمير المؤمنين (عليه السلام) على القطع بالخذلان ومن خذله الله ودعا ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخذلان فليس من المؤمنين. PageV01P298 ### || AUTO المسألة الثامنة والعشرون ((في إمامة الحسن بن علي عليهما ~~السلام)) # بعد أبيه علي كرم الله وجهه في الجنة، واختلف في ذلك، فقالت الزيدية ~~والإمامية والمعتزلة: أن الإمام بعد علي عليه السلام ابنه الحسن عليه ~~السلام، وأنكرت الخوارج إمامته وزعم بعض الطغام أن الحسن إمام إلى أن صالح ~~معاوية ثم صار ms211 معاوية بعد ذلك إماما، وكان الأولى جمع الكلام في هذه ~~المسألة والتي بعدها بأن يقال: المسألة الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون ~~أن الإمام بعد علي عليه السلام ابنه الحسن ثم الحسين لأن الدليل على ~~إمامتهما واحد وقد نبه عليه بقوله: والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال:(الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما)، ~~وصحة هذا الخبر إما لأنه متواتر على رأي وإما متلقى بالقبول على آخر، ولأن ~~العترة أجمعت على صحته وإجماعهم حجة وهو نص صريح في إمامتهما وفيه أيضا (نص ~~صريح) بأن عليا عليه السلام إمام لورود النص فيه بأنه خير منهما، ومن حق ~~الإمام أن يكون أفضل أهل زمانه أو من جملة أفاضلهم بإجماع الصحابة على ذلك ~~وإجماعهم حجة، بل في الخبر ما هو كالصريح بإمامته لا لكونه أفضل بل لأنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال:(الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما ~~خير منهما)وليس المراد بذلك إلا أنه خير منهما في الوصف الذي وصفهما به وهو ~~الإمامة لا في غيره، ولهذا فإن قائلا لو قال زيد شجاع أو كريم وعمرو خير ~~منه لم يسبق إلى الفهم إلا أنه خير منه في الشجاعة أو الكرم، فهذا الخبر ~~دال بالتصريح على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام. والدليل الثاني على ~~إمامتهما أن كل واحد منهما قام ودعا وهو جامع لخصال الإمامة وهذه طريق ~~الإمامة عندنا على ما يجيء إنشاء الله تعالى. الدليل الثالث: إجماع العترة على PageV01P299 إمامتهما وإجماعهم حجة، الدليل الرابع: أنهم أفضل الآدميين بعد أبيهما ~~لإجماع العترة على ذلك والأفضل لا تصح إمامة غيره مع وجوده، ومتى قيل: ~~دلالة الخبر على إمامتهما على الإطلاق فمن أين لكم هذا الترتيب الذي ~~ادعيتم؟ # قلنا: لاشك أن إمامة الحسن قبل أخيه الحسين بالإجماع، فدل الإجماع على ~~الترتيب كما دل على عدم استحقاقهما للأمر في زمن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لأن الخلق كلهم كانوا منقادين لأمره وفي زمان علي عليه السلام ~~لانقيادهم لأمره أيضا، فبقي ماعدا ms212 هذه الأزمنة داخلا تحت النص فلو لم نقل ~~بإمامتهما عليهما السلام لأجل الخبر لبطلت فائدة الخبر وذلك لا يجوز، فأما ~~(ما قاله) الخوارج وغيرهم من القدح في إمامة الحسن لما هادن معاوية وأنه ~~سلم إليه الإمامة فتلك مقالة باطلة لأن إمامته ثابتة بالنص فلا يصح الخروج ~~عنها ولا يسلم الأمر لمعاوية بحيث يكون معاوية إماما ويخرج عنها فإن شيئا ~~من ذلك لا يجوز لا الخروج من الإمامة ولا كون معاوية إماما، وقد قال ~~تعالى{لا ينال عهدي الظالمين}(البقرة:124) وإنما الذي كان من الحسن عليه ~~السلام كف الحرب مع بقائه على إمامته واعتقاد ذلك واعتقاد كون معاوية على ~~الباطل وأنه غير إمام وسبب الهدنة أن الحسن قدم عبيدالله بن العباس لحرب ~~معاوية فأرسل إليه معاوية وقال: إن الحسن قد صالح وخدع عبيدالله بن العباس ~~بذلك فأرسل عبيدالله بن العباس إلى معاوية يطلب منه الأمان لأجل الخديعة ~~التي دسها إليه معاوية فاضطرب عسكر الحسن بن علي عليه السلام لأجل ذلك، ~~وحدث على الحسن عليه السلام من الخوارج ما هو معلوم من الانتهاب وطعن عليه ~~السلام في فخذه، فلما رأى ذلك اضطر إلى صلح معاوية للوهن الذي لحق أصحابه وقلة PageV01P300 ثقته بهم فاستحسن المهادنة لعدم الأنصار وضعف عزائم من معه، والإمام يجوز ~~له مصالحة الكفار والبغاة وغيرهم عند عدم الأنصار ولا حرج في ذلك، وروي أن ~~الحسين عليه السلام قال لأخيه الحسن عليه السلام عند صلح معاوية: أجاد أنت ~~فيما أرى من موادعة معاوية، فقال: نعم، فقال الحسين: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون، لو لم نكن إلا في ألف لكان ينبغي لنا أن نقاتل على حقنا حتى يترك ~~أو الموت وقد أعذرنا. قال الحسن: وكيف لنا بألف من المسلمين إني أذكرك الله ~~يا أخي أن لا ترد الأمر علي أو تفسد علي ما أريد فوالله ما آلوك ونفسي وأمة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم نصحا غير أنك ترى ما نقاسي من الناس وما كان ~~أبوك يقاسي منهم حتى كان يرغب إلى الله تعالى ms213 في فراقهم صباحا ومساء، وإنا ~~اليوم (لعدم الأنصار) في سعة وعذر. ### || AUTO المسألة التاسعة والعشرون ((أن الإمام بعد الحسن أخوه الحسين ~~عليهما السلام)) # لما ذكرنا من الإجماع على الترتيب بعد ورود الدليل الدال على إمامتهما، ~~والقول بإمامته عليه السلام بعد أخيه الحسن عليه السلام هو مذهب الزيدية ~~والإمامية والمعتزلة. والخلاف في ذلك مع الخوارج: فإنهم ينكرون إمامته عليه ~~السلام كأخيه الحسن بن علي عليه السلام على مامر، وعند الحشوية اليزيدية أن ~~يزيد بن معاوية هو الإمام وأن الحسين خارج عليه يجوز قتله. # قلت: قاتلهم الله لقد تسموا بالإسلام لفظا لا معنى. PageV01P301 # والدليل على ذلك وهو القول بإمامته عليه السلام ما قدمنا من الحديث المقطوع ~~بصحته وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(الحسن والحسين إمامان قاما أو ~~قعدا...الحديث،) وما دل على إمامة الحسن عليه السلام مما ذكرناه أولا دل ~~على إمامة الحسين عليه السلام وقد صرحنا بذلك فيما سلف، فثبت بذلك المذكور ~~من الأدلة القطعية إمامتهما عليهما السلام على النحو المذكور وبطل ما قاله ~~المخالفون. وإذا ثبتت إمامتهما عليهما السلام بما قدمنا قطعنا بفسق من ~~حاربهما والمحارب لهما معاوية ويزيد وقد تقدم حكم معاوية، وأما يزيد فهو ~~فاسق بلا شبهة لخروجه على إمام الحق ومحاربته له، وقد روي بالسند الصحيح ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما نظر إلى الحسن والحسين عليهما ~~السلام قال:(أنا حرب لمن حاربكم سلم لمن سالمكم) وفي رواية أخري :(أنا حرب ~~لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم) مخاطبا بذلك عليا عليه السلام وفاطمة والحسن ~~والحسين عليهم السلام، وقيل: إن يزيدا كافر لأنه لما جيء إليه برأس الحسين ~~عليه السلام دعا بقضيب خيزران وجعل ينكث ثنايا الحسين عليه السلام، فقال ~~أبو بردة الأسلمي: أتنكث ثغر الحسين أشهد أني قد رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقبل ثناياه وثنايا الحسن أخيه ويقول:(أنتما سيدا شباب أهل ~~الجنة فقتل الله قاتلكما وأعد له نار جهنم وساءت مصيرا)، أما أنك يا يزيد ~~تجيء يوم القيامة وشفيعك بن زياد ويجيء ms214 هذا وشفيعه محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم فغضب يزيد لما ذكر أبو بردة وأمر بإخراجه وسجنه وأقبل ينكث ثنايا ~~الحسين وهو يقول:- PageV01P302 ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل # فأهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا يا يزيد لا شلل # فجزيناهم ببدر مثلها وأقمنا ميل بدر فاعتدل # لست من أشياخي إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل # وهذه الأبيات قال بعضها ابن الزبعرى شاعر قريش يوم أحد وزاد يزيد البعض ~~من أبياتها فلابن الزبعرى الأول والثالث وليزيد الثاني والرابع وكلامه هذا ~~فيه أوفى دليل على كفره لأنه جعل ما وقع في ذلك انتقاما بما فعله رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. ### || AUTO المسألة الثلاثون ((في بيان من يستحق الإمامة بعد الحسنين ~~عليهما السلام)) # والذي عليه الزيدية بأسرهم أن الإمامة بعد الحسن والحسين عليهما السلام ~~فيمن قام # ودعا من أولادهما فقط ولو بعدت درجته عنهما إذا كان ذكرا منتسبا إلى ~~أحدهما بذكر لم يتخلل بين آبائه أنثى نكحها من ليس من ذرية الحسنين فولدت ~~واحدا من آبائه، هذا إطلاق صاحب الخلاصة وشرح الأصول، والذي ذكره في ~~الواسطة والفقيه حميدان أن هذا مذهب الجارودية من الزيدية دون الصالحية فإن ~~مذهبهم كمذهب المعتزلة كما نذكره الآن. وذهبت المرجئة والمعتزلة والمجبرة ~~إلى أن الإمامة بعدهما في سائر قريش والأكثرون منهم قالوا: لا تصلح في ~~غيرهم، ومنهم من قال: تصح الإمامة في غيرهم. وهذا القول ظهر في أيام ~~(المنصور بالله) ((أبو الدوانيق)) منهم والمهدي، وعند الكيسانية أنها في ~~ولد محمد بن الحنفية دون غيرهم، وعند الخوارج أنها جائزة في جميع الناس، PageV01P303 وحكي عن النظام مثل ذلك حكاية ليست بالشهيرة، وبه قال قوم من قدماء الصحابة ~~وغيرهم وكلام عمر يقضي بذلك حيث قال: لو كان سالم مولى حذيفة حيا ما ~~خالجتني فيه الشكوك، وجماعة من المعتزلة القدماء قالوا بذلك وهو مذهب نشوان ~~وبعض الزيدية ، وعند الإمامية أن الإمامة مقصورة في ولد الحسين عليه السلام ~~دون ولد الحسن ويحتجون بالنص الوارد عن النبي صلى ms215 الله عليه وآله وسلم في ~~تعيين الأئمة ويروون نصوصا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنهم من قال ~~نص عليه الصلاة والسلام على بعضهم ثم بعضهم على غيره وأكثرهم الاثنا عشرية ~~القائلون: بأن الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاثني عشر منهم ~~علي عليه السلام وولداه وتسعة من ولد الحسين متناسلون بعضهم من بعض من غير ~~واسطة، أولهم علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، ثم ولده محمد بن علي ~~الباقر، ثم ولده جعفر بن محمد الصادق، ثم ولده موسى بن جعفر الكاظم، ثم ~~ولده علي بن موسى الرضا، ثم ولده محمد بن علي الباقر الصغير، ثم ولده علي ~~بن محمد، ثم ولده الحسن بن علي، ثم ولده محمد بن الحسن وهو المنتظر عندهم، ~~والإمامة عندهم فيمن عدا هؤلاء وإن بلغ أعلى رتبة في خصال الإمامة بل هو ~~ظالم باغي، ومن الناس من قال بجوازها في أولاد علي عليه السلام، ومنهم من ~~قال بجوازها في أولاد الحسن والحسين وأولاد العباس دون غيرهم، نعم وقول ~~الشيخ: فيمن قام ودعا إشعار بأن الدعوة في غير من نص عليه هي الموجبة ~~للإمامة في حق الإمام وطريق لغيره إلى معرفة إمامته. PageV01P304 # ومعنى الدعوة: هي التجرد للقيام بالأمر والعزم عليه وتوطين النفس على تحمل ~~أثقاله ومباينة الظالمين وذلك هو مذهبنا، وعند المعتزلة والصالحية والخوارج ~~وأصحاب الحديث وكثير من الناس أن الموجب لإمامة الإمام العقد والاختيار وفي ~~حق معرفة الغير بأنه إمام طريقها العقد والاختيار أيضا، ثم اختلف القائلون: ~~بالعقد في عدد العاقدين، فمنهم من قال: يعقد خمسة لسادس وهذا قول أبي علي ~~وأبي هاشم وقاضي القضاة، وأكثر القائلين بالعقد قالوا: ذلك اعتبار إنما جرى ~~يوم السقيفة من العقد لأبي بكر وكان العاقدون خمسة وهم عمر بن الخطاب ~~وعبدالرحمن بن عوف وأبوعبيدة وأسيد بن حضير وبشير بن سعد وقيل سالم مولى ~~حذيفة مكان عبدالرحمن بن عوف، واعتبر بعضهم ستة قياسا على عدد أهل الشورى، ~~وقال بعضهم أربعة قياسا على شهود الزنا، وقال أبو ms216 القاسم ثلاثة قياسا على ~~ما ذكر عمر في أهل الشورى وكانوا ستة إذا اختلفوا كان الرأي للنصف الذي ~~فيهم عبدالرحمن بن عوف، وقال سليمان بن جرير اثنان قياسا على الشهادات في ~~سائر المعاملات، وبعضهم قال يكفي في ذلك عقد واحد لواحد وهو مروي عن الشيخ ~~أبي علي البصري، وقال أكثر المعتزلة منهم أبو هاشم الإمام إذا عهد إلى غيره ~~بالإمامة كان إماما، وقال أبو علي: لابد من رضى أهل العقد بذلك، وذهبت ~~الحشوية والكرامية والنواوي إلى أن طريقها القهر والغلبة ثم ذهبوا إلى أن ~~الحسين عليه السلام باغ على يزيد بن معاوية لعنه الله، وذهبت الراوندية ~~والعباسية إلى أن طريقها الإرث، وذهبت المطرفية إلى أنها جزاء على الأعمال ~~وهو قول بعض الإمامية وحكي عن الجاحظ. PageV01P305 # نعم وأقوال هؤلاء المخالفين في الطرفين معا في المنصب والطريق باطلة، ~~والدليل على بطلانها يأتي بعد إثبات شروط الإمام التي لا بد أن يكون عليها ~~كما أشار إليه بقوله وهو جامع لخصال الإمامة وهي اثني عشر ذكر الشيخ منها ~~سته وأهمل ستة أخرى وهي أن يكون الإمام ذكرا حرا بالغا عاقلا وأن يكون من ~~العترة وأن لا يكون في عصره إمام سبقت دعوته، وعذره في إغفال الأربعة الأول ~~كونها جلية، وفي إغفال اشتراط كونه من العترة لكونه قد أقام الدلالة عليها ~~فيما يأتي وقد جعل ذكره صدرا للمسألة فلم يحتج إلى عده شرطا، وأما اشتراط ~~كونه لم يسبقه داع في عصره فلا عذر له في إغفاله، ووجه اشتراط كونه ذكرا أن ~~المرأة مأخوذ عليها من التستر ما يمنع من قيامها بهذا الشأن ولأن المرأة ~~مولى عليها في النكاح فلا يصح أن تلي على غيرها ولأنه لا يصح توليها في ~~القضاء خلافا لأبي يوسف إلا في الحدود فأحق وأولى في الإمامة ولأن الإجماع ~~منعقد على أن إمامتها لا تجوز، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لن يفلح قوم ~~تملكهم امرأة)، ووجه اشتراط كونه حرا أن المملوك لا يلي أمر نفسه فكيف يلي ~~أمر غيره ولأن قيامه بأمر ms217 الإمامة يؤدي إلى فوت المنافع التي هي ملك سيده، ~~ووجه اشتراط كونه بالغا عاقلا أن الصبي والمجنون لا يليان أمر أنفسهما ~~فيليان أمر غيرهما ولأنهما غير مميزين بين الحسن والقبيح والواجب غالبا ومع ~~هذا يبطل الغرض بالإمامة، ووجه اشتراط كونه من أولاد الحسن والحسين سيأتي، ~~ووجه اشتراط أن لا يسبق دعوته دعوة إمام إجماع الصحابة كما مر بيانه. PageV01P306 # والستة التي ذكرها الشيخ هي:العلم والمعتبر منه حتى يبلغ نصاب الاجتهاد إذ ~~لا بد أن يكون مجتهدا، وعن الغزالي وغيره من الفقهاء جواز إمامة المقلد ~~للضرورة، وبه قال الإمام يحي عليه السلام: إذا عدم المجتهد كما في الحاكم ~~وقد (حكي ذلك عن) كثير من أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ذكره الدواري ~~ورجحه، والمجتهد لا يكون مجتهدا إلا بعد أن أحرز علوما ثمانية، أصول الدين ~~ويكفيه في ذلك مختصر مفيد قال الدواري: كنابغة القاضي شمس الدين ونحوها، ~~وأصول الفقه وعلومه الأوامر والنواهي والعموم والخصوص والمجمل والمبين ~~والناسخ والمنسوخ وحكم أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتروكه ~~واستبشاره والقياس والاجتهاد وصفة المفتي والمستفتي والحظر والإباحة ويكفيه ~~في ذلك مختصر، قال الدواري: كالفائق للرصاص والتقريب للقاضي شمس الدين. # قلت: ينبغي أن يعتبر التحقيق فيه خاصة إذ هو قطب رحى الاجتهاد لأنه لا ~~يقدر على استنباط الأحكام على الوجه المعتبر إلا ذو القدم الراسخة فيه، ~~والعلم بالآيات التي في كتاب الله المتعلقة بالأحكام الشرعية وقيل أنها إلى ~~قدر خمسمائة آية، والعلم بأخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويكفي في ~~ذلك كتاب مما يشمل الأحاديث المتعلقة بالأحكام كأصول الأحكام أو أحد الكتب ~~الصحيحة المشهورة. PageV01P307 # قال الدواري: وربما أن الذي يوجد من الحديث في كتب أصحابنا البسيطة كشرح ~~القاضي زيد وشرح التجريد وشرح التحرير مغن عما سواه في الحديث النبوي، ~~والآيات الشرعية، والعلم بطرف من النحو واللغة، والعلم بطرف من المعاني ~~والبيان وإن كان قد دخل في علم العربية، وأما علم المنطق فمنهم من اعتبره ~~والأصح أنه لا يعتبر وهو يدور على أصلين هما الحدود وما ms218 يصح منها وما لا ~~يصح وكيفية تركيب الأدلة وما يصح وما لا يصح، ووجه اشتراط العلم أن الغرض ~~بالإمامة القيام بمصالح المكلفين والعلم بما أوجب الله تعالى من علم وغيره ~~والبعث على ترك ما هو قبيح أو مكروه من علم وعمل وهذا لا يتم حتى يكون ~~الإمام عالما بما تقدم عليه فعلا أو أمرا أو يحجم تركا أو نهيا وهذا الشرط ~~هو ملاك شروط الإمام وأصلها وليس منها ما يساويه في احتياج الإمام إليه ~~واشتراط أن يكون ذلك عن اجتهاد لإجماع الصحابة على ذلك. # والورع: وهو الكف عن المحرمات والقيام بالفرائض الواجبات، وقالت الحشوية: ~~لا يشترط. وهو قول باطل لقوله تعالى{لا ينال عهدي الظالمين}(البقرة:124) ~~والمراد بالعهد الإمامة ولأن من لا يكون ورعا لا تقع الثقة بقيامه بأعباء ~~الإمامة وما يجب عليه من ذلك بترك ما يقبح فبطل الغرض بها، ولا يجوز أن ~~يكون الإمام كافرا ولا فاسقا من جهة التأويل خلافا لبعظهم وهو قول ساقط، ~~لأن الله قد أمر بجهاد الكفار والبغاة من غير فصل بين مصرح ومتأول فكيف تجب ~~طاعته مع وجوب جهاده. # قال في الأساس: والإجماع منعقد على اعتبار العدالة في الإمام ولهذا اشترط ~~اجتنابه للمهن المسترذلة خلافا للحشوية. PageV01P308 # والفضل: قال المنصور بالله: ليس بشرط زائد بل المراد به اجتماع الشرائط ~~المذكورة في حق المدعي للإمامة، والذي عليه الأكثر أنه شرط زائد وأن معناه ~~أن يكون له من المحافظة على الطاعات والتجنب للمكروهات ما يعهد لكثير من ~~الفضلاء وأن يكون بينه وبين القبيح حاجز، وكذلك بينه وبين الإخلال بالواجب ~~احتراز عن الإقدام والترك وهذا سمة لكثير من الصالحين يستلزمون لكثير من ~~الطاعات غير الواجبة ويقفون عند الشبهات وإن لم يحصل لهم القطع بقبحها، وفي ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(لكل ملك حمى وأن حمى الله محارمه ~~وأنه من دار حول الحمى يوشك أن يقع فيه)، ووجه اشتراط الفضل إجماع الصحابة ~~لأنهم لما اختلفوا ذهب كل فريق إلى ذكر مفاخره ومناقبه وفضائله، ولما حاجهم ~~أبو بكر ذكر ms219 ما اختص به المهاجرون من الفضائل، ولما دخل أمير المؤمنين عليه ~~السلام في الشورى أورد مناقبه وفضائله وقال: فيالله متى اعترى في الشك مع ~~الأولين حتى أقرن مع هذه النظائر، واختلف في إمامة المفضول، فالذي عليه ~~الزيدية أنه لا تجوز إمامة المفضول بحال وهو مما نص عليه القاسم والهادي ~~والناصر والمؤيد بالله عليهم السلام، قال الناصر: ويفسق المفضول إذا سبق ~~الأفضل بالدعوة، والمراد بالأفضل الأجمع لخصال الفضل، والأشهر في ذلك ~~الأكثر الثواب فلا طريق إلى ذلك وذهبت الحشوية إلى جواز إمامة المفضول ~~مطلقا، وإذا قام إمام ثم وجد أفضل منه بعد قيامه، فقال القاسم والناصر: يجب ~~عليه التسليم له فإن أبى فسق إذ لا يجوز قيام المفضول مع وجود الأفضل، وقال ~~المؤيد بالله وأبو طالب: لا يجب لأنه قد تحمل أعباء الأمر فصار أفضل، وذهبت ~~الحشوية إلى جواز إمامة المفضول مطلقا، وفصل بعض PageV01P309 المعتزلة فقال: تجوز إمامة المفضول إذا كان هناك عذر في إمامة الأفضل وبه ~~قال الإمام يحي عليه السلام، قيل: وهو قول من قال من المعتزلة بأن عليا ~~عليه السلام أفضل الصحابة إلا أن الإمامة في أبي بكر وعمر وعثمان جازت مع ~~فضله عليهم لعذر وهو كونه عليه السلام كان في نفوس كثير من الناس عليه شيء ~~لما كان منه في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قتل صناديد ~~العرب والشدة في ذات الله ، وهذا عذر باطل إذ لا يجوز مخالفة النصوص لمثل ~~هذا العذر وإلا أدى إلى ترك الصلاة والصيام وكثير من الواجبات عند # حصول عذر من الأعذار ودليلنا إجماع الصحابة على اشتراط الأفضل كما قررنا. # والشجاعة: والمراد بها أن يكون له رباطة جأش يمكنه تدبير الحروب عند ~~التحام القتال وشدة كلب العدو وبحيث لا يدهش لبه في تلك الحال وتعمى عليه ~~الأمور ولا يعتبر في الشجاعة مبارزة الأقران ومجادلة الفرسان، هذا ذكره ~~الناصر وغيره، وذكر الهادي أن الشجاعة معناها أن يخلط الصفوف بالصفوف ويحمل ~~على الألوف، ووجه اشتراط الشجاعة أنه لو لم يكن ms220 شجاعا لم يؤمن أن يحضر في ~~عسكره في وجه العدو ثم ينهزم فيكون في ذلك وهنا في الدين وعلوا في شنار ~~المفسدين وهذا خلاف الغرض بالإمام ولأن الجبان لا يتمكن إذا حضر العسكر من ~~نظم أموره على وجه يحصل به نكاية العدو، ولأن جبنه يمنعه من إقامة الحدود ~~على أكابر الناس وكل هذا يبطل الغرض بالإمامة. # والسخاء: والمراد به أن لا يشح بوضع مال الله في أهله ولا يعتبر سماحته ~~بماله غير ما يجب عليه من الإنفاق في سبيل الله تعالى، ووجه اشتراط السخاء ~~وجه اشتراط الورع إذ السخاء داخل تحت الورع. PageV01P310 # والقوة: على تدبير الأمر، والقوة على ذلك لها معنيان أحدهما أن يكون له رأي ~~وتدبير بحيث يفزع إليه عند النوازل. الثاني أن لا يكون به علة تمنعه من ~~مخالطة الناس كالجذام والبرص والعمى وأن يكون سليم الحواس والأطراف التي ~~يختل القيام بثمرة الإمامة بفقدها، ووجه اشتراط القوة على تدبير الأمر ~~بالمعنيين الذين ذكرناهما أن الغرض بالإمامة تدبير أمر الأمة في دينها ~~ودنياها، فمهما لم يكن قويا على ذلك لم يقع الغرض بالإمامة فلا تصح إمامته، ~~فهذه شروط (الإمامة عندنا) ، ولا يشترط عندنا سواها، وزاد أبو العباس ~~والإمامية العصمة ولا دليل عليها إلا تقدير حصول المعصية لو لم يكن معصوما ~~وذلك حاصل في المعصوم لقوله تعالى{لئن أشركت ليحبطن عملك}(الزمر:15) وزاد ~~الإمامية أن يولد عالما، وذلك باطل، حيث لم تثبت للأنبياء صلوات الله عليهم ~~قال تعالى{ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان}(الشورى:52) وقال تعالى{ووجدك ~~ضالا فهدى}(الضحى:07) وقال تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام {قال فعلتها ~~إذا وأنا من الضالين}(الشعراء:20) ولما فرغ من بيان الشروط أخذ في بيان ~~دليل حصر الإمامة في أولاد الحسن والحسين، ثم أتبعنا ذلك ببيان الدليل على ~~أن طريق الإمامة في غير من نص عليه القيام والدعوة لا غيرهما كما زعمه ~~المخالفون على اختلاف آرائهم. فقال: الدليل على ذلك المذهب الصحيح وهو ~~القول بأن الإمامة محصورة في أولاد البطنين أن الأمة أجمعت على جواز ~~الإمامة فيهم، لأن ms221 من قال إن الإمامة جائزة في سائر الناس فهم من الناس بل ~~خيارهم، ومن قال أنها جائزة في قريش فقط فهم من قريش بل (من أخيارهم) ، ومن ~~قال أنها في البطنين فقط فهم البطنان ولا دليل على صحتها في غيرهم، أما من أجازها PageV01P311 في سائر الناس فمذهبه باطل بإجماع الصحابة بعد منازعة الأنصار يوم السقيفة ~~حين أرادوا أن يبايعوا سعد بن عبادة فاحتج عليهم المهاجرون بالقرب من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وبكونهم من قريش، فلم يكن لكلامهم منكر ولا ~~رده راد بل انقادوا لذلك طائعين فكان إجماعا، ومن ثم قال علي عليه السلام ~~لما بلغه أن الأنصار طلبوا الأمر لو كان الأمر فيهم ما كانت الوصاية بهم، ~~وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أطيعوا السلطان ولو عبدا حبشيا)، ~~فمحمول على عامل الإمام للإجماع على أن العبد لا يصح تصرفه بغير إذن سيده، ~~وأما من أجازها في سائر قريش فلا حجة له، وقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(الأئمة من قريش) لا يقتضي ذلك لأن من للتبعيض فوجب حينئذ الاقتصار ~~على المجمع عليه وترك المختلف فيه. # فإن قيل: كيف ندعي الإجماع على صحتها في جميع أولاد البطنين مع خلاف ~~الإمامية في ذلك؟. # قلنا: إنا لم ندع الإجماع إلا بعد قيام الدليل القاطع على بطلان قول ~~أصحاب النصمن الإمامية لأن ذلك النص على الأئمة الذين ذكروا إن كان آحاديا ~~لم يؤخذ به في مسألتنا لأنها قطعية، وعلى تقدير أنها ظنية فلا تعارض أدلتنا ~~القاطعة، PageV01P312 وإن كان متواترا وجب أن لا يختص بالعلم به فريق دون فريق لأن الإمامة من ~~أصول الدين المهمة التي يلزم كل مكلف معرفتها فيجب أن تكون أدلتها ظاهرة ~~للجميع ليتمكن كل مكلف من النظر فيها وإلا سقط التكليف عمن لم يعلم الدليل ~~لأن تكليف ما لم يعلم قبيح فكان يجب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يظهره لجميع الأمة وإلا كان كتمانه تغريرا أو تلبيسا وذلك لا يجوز عليه صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ms222 ولاشك أنا إذا راجعنا أنفسنا علمنا من حالها أنها غير ~~عالمة بذلك النص لا ضرورة ولا استدلالا بل المعلوم أن أكثر الأمة من ~~الزيدية والمعتزلة والجبرية والمرجئة والخوارج أنهم ما وقفوا على هذا النص ~~المتواتر ولا تواتر لهم مع شدة البحث والحرص في طلبه وهذه الطريقة هي التي ~~عرفنا بها عدم معارضة القرآن وعدم صلاة سادسة وحج إلى غير الكعبة، ولو ~~جوزنا تواطئ الأمة على كتم ذلك النص الضروري لجوزنا كتمهم كثيرا من أصول ~~الشرائع فلا تقع الثقة بشيء من التكاليف الشرعية وهذا ظاهر الفساد، فعلم ~~بهذا الدليل أن قول الإمامية ساقط ولا يلتفت إليه ولا يعد خارقا للإجماع. # فإن قيل: مدعاكم هو قصرها على البطنين، فكيف يصح الاحتجاج بالإجماع عليه ~~والإجماع إنما هو على صحتها فيهم لا على قصرها عليهم؟ # قلنا: لم نحتج بالإجماع على قصرها عليهم بل القصر له طرفان صحتها فيهم ~~ونفيها عن غيرهم، فاحتججنا على الطرف الأول بالإجماع وعلى الثاني بعدم ~~الدليل إذ لا دليل شرعي يدل على جوازها في غيرهم فوجب نفيه. PageV01P313 # فإن قيل: كثيرا ما يتكرر أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول فكيف ~~تستدلون بعدم الدليل على جوازها في غيرهم على عدم الجواز؟. قلنا: عدم ~~الدليل لا يدل على عدم المدلول في الأمور العقلية، وأما في الشرعية فيدل ~~وإلا لجوزنا تكاليف شرعية كثيرة ولا دليل عليها وفيه هدم الشرائع وبطلان ~~التكاليف وأنه محال، وإذا علمنا إجماع الأمة على جواز الإمامة في البطنين، ~~وأنه قد اختلف فيمن عداهم ولم يدل دليل على جوازها فيه علمنا وجوب قصرها ~~فيهم وعدم تعديها في غيرهم لأن الأمة إجماعهم حجة واجبة الاتباع ومحرم ~~مخالفتها لقوله تعالى{ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم ~~وساءت مصيرا}(النساء:115)وقوله صلى الله عليه وآله وسلم(لا تجتمع أمتي على ~~ضلالة)، إلى غير ذلك مما هو مقرر في مواضعه وذلك ظاهر لمن أنصف، فثبت بذلك ~~الدليل القطعي حصرها فيهم عليهم السلام دون غيرهم من الناس، وبطل ما قاله ~~المخالفون. وأما الدليل على أن طريقها ms223 الدعوة دون غيرها كما زعمه المخالفون ~~على اختلاف أقوالهم وهو أن الأمة أجمعت على اعتبار معنى الدعوة الذي ~~ذكرناها في حق الإمام إلا أصحاب النص وقد بطل قولهم فيتعين الحق في قول من ~~عداهم ولا دليل يدل على اعتبار (أمور زائدة) على الدعوة من العقد والاختيار ~~والإرث والجزاء والقهر، وما لم يقم عليه دليل لم يجز إثباته لأنه يفتح باب ~~الجهالات، ثم أنا نقول لأهل العقد والاختيار نظرنا في كتاب الله فوجدنا فيه ~~قوله تعالى{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي}(المائدة:03) PageV01P314 ونظرنا في السنة فوجدنا فيها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ما تركت شيئا ~~يقربكم إلى الجنة إلا دللتكم عليه... الخبر) ومقتضى هذا قد وجدناه فإن ~~الشارع علمنا كل أمر حتى قضاء الحاجة، فكيف يقال بأنه ترك بيان أهم شيء في ~~الدين وأعظمه وهو الإمامة، ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يهمل أمته في ~~حال حضوره ولا تركهم بلا زعيم مختار لهم في كل غيبة فأحق وأولى أن لا ~~يهملهم بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، ثم لو كانت بالعقد والاختيار ~~لما جاز لأبي بكر أن يجعلها في عمر من غير شورى ولا جاز لعمر أن يجعلها في ~~ستة مخصوصين، ولأن قولكم في أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يوهم استخلاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم له، وهم يقولون هم الذين ~~استخلفوه، ولذلك قيل أن أبا بكر لما كتب إلى أسامة بن زيد كتابه الذي يقول ~~فيه: من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أسامة بن ~~زيد، أما بعد، فإن المسلمين ولوني على أنفسهم، فإذا قرأت كتابي هذا فاقدم ~~أنت ومن معك. أجابه أسامة بكتابه الذي يقول فيه: من أسامة بن زيد مولى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي بكر بن أبي قحافة، أما بعد، فإنك ~~كتبت إلي كتابا ينقض آخره أوله، فلو كنت خليفة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لم تحتج إلى ms224 ولاية المسلمين ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~توفي وقد أمرني عليك فمن أمرك علي بعده. فخل المكان لأهله والحق بموضعك ~~الذي أمرك به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. PageV01P315 # ومما يبطل قول العباسية ومن وافقهم أن طريقها الإرث، أن العباس رضي الله ~~عنه كان أولى العصبات بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يدعها لنفسه بل ~~روي عنه ما قدمنا من أنه قال لعلي عليه السلام: امدد يدك أبايعك، وقال ~~العباس في ذلك شعرا:- # ما كنت أحسب أن الأمر منتقل من هاشم ثم منها عن أبي حسن # أليس أول من صلى لقبلتكم وأعرف الناس بالمفروض والسنن # وأقرب الناس عهدا بالنبي ومن جبريل عون له بالغسل والكفن # من فيه ما فيكم من كل مكرمة وليس في كلكم ما فيه من حسن # فما الذي صدكم عنه لنعرفه ها إن بيعتكم من أول الفتن # ولو كانت تجري مجرى الوراثة لادعاها أولاد العباس كعبدالله وعبيدالله ~~وقثم وهم لم يدعوها بل كانوا يعتقدون أنها لعلي عليه السلام وكانوا متولين ~~من تحت يده ومتصرفين عن أمره، واعلم، أن هذه المقالة إنما حدثت في زمان ~~المتولين من ظلمة بني العباس، أحدثها لهم ابن الراوندي يريد بذلك التقرب ~~إليهم. ومما يبطل قول من قال أنها جزاء على الأعمال، أن من حق الجزاء على ~~الأعمال الصالحة أن يكون شهيا لذيذا PageV01P316 ولاشك أن الإمامة من الأمور الشاقة المتعبة بل هي من جملة التكاليف التي ~~يجب على الإمام القيام بها، فكيف يجوز أن يجازى بتكليف على تكليف. ومما ~~يبطل قول من يقول أن طريق الإمامة القهر والغلبة أن المبطل الظالم قد يغلب ~~المحق العادل فلا تجوز ثبوت الإمامة له. وإلى هاهنا تم ما أردنا وكمل ما ~~أوردنا من شرح الثلاثين مسألة الواجبة معرفتها على الأعيان على كل مكلف، ~~فالحمد لله على هذه النعمة العظيمة والمنة الجسيمة. قال الشيخ: وهذه ثلاثون ~~مسألة في أصول الدين يجب على المكلف المصير فيها إلى العلم اليقين ولا يجوز ~~لأحد من المكلفين فيها التقليد ms225 بل لابد من النظر لما قررنا من الأدلة على ~~وجوبه فيما سلف بعد إيراد كلام المخالفين فلا يحتاج إلى إعادة ذلك. ومن ~~الأدلة على ذلك أن الله سبحانه قد ذم المقلدين وعاتبهم في التقليد فقال وهو ~~أصدق القائلين{وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا ~~عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون}(البقرة:170) وغير ~~ذلك من الآيات. ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم المروي عنه بالإسناد ~~الموثوق به:(من أخذ دينه عن التفكر في آلاء الله وعن التدبر لكتابه والتفهم ~~لسنتي زالت الرواسي ولم يزل، ومن أخذ دينه عن أفواه الرجال وقلدهم فيه ذهبت ~~به الرجال من يمين إلى شمال وكان من دين الله على أعظم زوال)، وكفى بذلك ~~زاجرا عن تقليد الرجال وباعثا على النظر والاستدلال، فينبغي للعاقل أن ~~يجتهد في خلاص نفسه من عذاب يوم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه ~~وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤيه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه. PageV01P317 # ولنختم هذا الشرح المبارك إنشاء الله تعالى ببيان الفرقة الناجية، إذ ذلك ~~من المهمات واللوازم، فنقول: اعلم، أن الأمة قد تفرقت إلى فرق شتى وهي على ~~كثرة مذاهبها وتباين مطالبها وتضليل بعضها لبعض لا يجوز أن تكون مصيبة كلها ~~بل بعضها مصيب وبعضها مخطىء لا محالة بل كلها هالكة إلا فرقة واحدة كما ~~يقضي به الأثر النبوي المتلقى بالقبول المجمع عليه وهو في (الصحاح ~~المشهورة) وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين ~~فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة)، وقد يروى أن أوله(افترقت أمة أخي موسى ~~على إحدى وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة، وافترقت أمة أخي عيسى على ~~اثنين وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة وستفترق أمتي ..... الخبر)، ~~وروى الغزالي في كتاب التفرقة أنها ناجية إلا فرقة واحدة، والرواية الأولى ~~هي المعتمدة وقد قضى صلى الله عليه وآله وسلم فيها بأن أمته كلها هالكة إلا ~~فرقة واحدة، وهذا مما يعلم عقلا، أعني ms226 أن الفرق المختلفة في الأصول لا يجوز ~~أن تكون على حق فيما هي عليه بل بعضها محق وبعضها مبطل. PageV01P318 # قال الإمام يحي عليه السلام: ومصداق الحديث أن الروافض عشرون والخوارج ~~عشرون والمعتزلة عشرون والمرجئة ست والمجبرة أربع ثم الباطنية والحلولية ~~والثالثة والسبعون هم الزيدية، فإذا قضى صلى الله عليه وآله وسلم بالهلاك ~~على كل فرقة سوى واحدة، وجب على كل عاقل أن يعرف تلك الفرقة لأنها هي ~~المحقة فيكون من جملتها ليسلم من الهلاك، ولم يكن صلى الله عليه وآله وسلم ~~ليموت إلا وقد بينها لنا لأنه بعث مبينا للدين وهاديا إلى طريقة الحق ~~المبين، فلا بد أن يكون قد بين هذه الفرقة قبل وفاته صلى الله عليه وآله ~~وسلم سيما وقد قال تعالى (فيما أنزل عليه) {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}(المائدة:03) وقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(ليس شي يباعدكم من النار إلا وقد ذكرته لكم ولا شيء يقربكم من الجنة ~~إلا وقد دللتكم عليه) ، فنظرنا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فإذا هما قاضيان بأن الفرقة الناجية العترة المطهرة وهم أهل بيت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى{إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}(الأحزاب:33)، وقد وردت آثار كثيرة في حديث ~~الكساء تقضي بأن أهل البيت عليهم السلام الذين أرادهم الله تعالى بالآية ~~العترة عليهم السلام دون غيرهم. PageV01P319 # من ذلك ما روي عن واثلة بن الأسقع، قال: طلبت عليا عليه السلام في منزله، ~~فقالت فاطمة عليها السلام: ذهب يأتي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~قال: فجاءا جميعا فدخلا ودخلت معهما، فأجلس عليا عليه السلام عن يساره ~~وفاطمة عن يمينه والحسن والحسين بين يديه ثم التفع عليهم بثوب فقال: إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، اللهم هؤلاء أهلي، ~~اللهم أهلي أحق، قال واثلة:فقلت من ناحية البيت وأنا من أهلك يا رسول ~~الله،قال: أنت من أهلي، قال: فذلك من أرجا ms227 ما أرجو من عملي، إلى غير ذلك من ~~الطرق المروية في حديث الكساء وغرضنا التنبيه دون الاستقصاء، وإذا صح إخبار ~~الله تعالى بإرادة تطهيرهم من الرجس المراد به تطهيرهم من الأوزار لأنه ~~ينجس منهم ما ينجس من غيرهم فلا يحمل على معناه الحقيقي الذي هو النجاسة ~~وتطهيره لهم بألطافه وتوفيقاته، ثبت أنهم على حق في عقائدهم وأعمالهم لأنه ~~سبحانه لا يطهر الفجرة وإنما يطهر البررة، فصح أنهم أطهار ناجون وأن ما ~~أجمعوا عليه حجة يجب الرجوع إليه لأنه حق لا باطل. وقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله ~~وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي ~~الحوض) وهذا الخبر مما ظهر بين الأمة واشتهر ولم يقدح أحد منهم في صحته بل ~~تلقوه بالقبول. PageV01P320 # وقال في الأساس: بل هو متواتر وفيه دلالة على أن العترة عليهم السلام على ~~حق من وجوه. # منها: أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمننا من الضلال إذا تمسكنا بهم فلو ~~كان مذهبهم الذين يجمعون عليه خطأ وضلالا لما حسن منه أن يؤمنا من الضلال ~~عند تمسكنا بهم لأن ذلك يكون كذبا وتلبيسا على العباد وتغريرا وهذا لا يجوز ~~عليه صلى الله عليه وآله وسلم لأنه معصوم عنه، فلو جاز عليه لبطلت عصمته ~~وانتقض الغرض ببعثته ،لأن الغرض بها إذا كان تعريف مصالح العباد فلا شبهة ~~أن الكذب والتلبيس يبطلها وحاشا له صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك وهو ~~أمين الله في أرضه والمتحمل لشرائعه، فإذا لم يجز عليه ذلك قضينا بأن ~~العترة عليهم السلام على الحق الذي يجب على كل عاقل الرجوع إليه والتمسك به. # ومنها: أنه جمع عليه الصلاة والسلام بين العترة والكتاب فلولا أن التمسك ~~بالعترة واجب كالكتاب لما جمع بينهما لأنه لا يحسن في الحكمة أن يجمع بين ~~ما هو حجة وما ليس بحجة لاسيما وقد علق نفي الضلال عليهما. PageV01P321 # ومنها: أنه صلى الله عليه ms228 وآله وسلم أخبر أنهما لن يفترقا، أعني العترة ~~والكتاب حتى يردا عليه الحوض، وهذا يدل على أن العترة لا تحكم بخلاف الكتاب ~~ولا تعدل عن الصواب وإلا كانت قد فارقته، وإذا كان كذلك كان المتمسك بهم ~~على يقين من إصابته وثقة من صحة ديانته وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وقد ~~قال صلى الله عليه وآله وسلم:(مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ~~ومن تخلف عنها غرق وهوى ومن قاتلنا في آخر الزمان فكأنما قاتل مع الدجال)، ~~وهذا الخبر مجمع على صحته أيضا فجعل صلى الله عليه وآله وسلم العترة بمنزلة ~~سفينة نوح وقد علمنا أنه لم ينج من أهل الأرض في زمن نوح عليه السلام إلا ~~من ركب في السفينة دون من لم يركبها، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~(مثل أهل بيتي كالنجوم كلما أفل نجم طلع نجم) فشبههم في باب الهداية ~~بالنجوم،(وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن ~~النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت النجوم من السماء أتى أهل الأرض ما ~~يوعدون )) فجعلهم صلى الله عليه وآله وسلم أمانا لأهل الأرض فلولا أنهم على ~~حق لما جاز ذلك منه صلى الله عليه وآله وسلم، وقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم(أهل بيتي كالكهف لأصحاب الكهف وهم باب السلم فادخلوا في السلم كافة، ~~وهم باب حطة من دخله غفر له)، وقد علم أنه ما نجا من أصحاب الكهف إلا من ~~دخله ولا نجا من أصحاب موسى إلا من دخل باب حطة. PageV01P322 # وروي عن ابن عباس (رضي الله عنهما) في قوله تعالى{سلام على آل ~~ياسين}(الصافات:130) قال على آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وروي عن ~~الباقر أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام في قوله عز وجل{وعمل ~~صالحا ثم اهتدى}(طه:82) قال إلى ولايتنا أهل البيت، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في قوله تعالى{ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور ~~شكور}(الشورى:23) قال المولاة لآل محمد صلى الله ms229 عليه وآله وسلم، وروي أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم (صلى و) استقبل القبلة ودعا الله تعالى بما شاء ثم ~~أكب إلى الأرض وذرفت عيناه بدموع غزيرة فعل ذلك ثلاث مرات وعنده الحسين بن ~~علي عليه السلام فوثب إليه الحسين فضمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وقال له الحسين إني رأيتك يا رسول الله تصنع صنعا لم تصنع مثله فقال : يا ~~بني سررت بكم سرورا لم أسر مثله وإن حبيبي جبريل أتاني وأخبرني أنكم قتلى ~~وأن مصارعكم شتى فأحزنني ذلك فدعوت الله لكم، فقال الحسين عليه السلام: يا ~~رسول الله من يزورنا على تشتتنا وتباعد قبورنا فقال: طائفة من أمتي يريدون ~~بذلك صلتي إذا كان يوم القيامة زرتهم بالموقف فأخذت بأعضادهم فأنجيتهم من ~~أهوالها وشدائدها، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(الإسلام لباسه الحياء ~~وزينته الوفاء ومروته العمل الصالح وعماده الورع ولكل شيء أساس وأساس ~~الإسلام حبنا أهل البيت)، PageV01P323 وعنه صلى الله عليه وآله وسلم:(ثلاثة أنا شفيعهم يوم القيامة الضارب بسيفه ~~أمام ذريتي والقاضي لهم حوائجهم لما احتاجوا إليه والمحب لهم بقلبه ~~ولسانه)، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم:(من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ~~ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات ~~تائبا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب ~~آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد ~~يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد ~~جعل الله زوار قبره بالرحمة الملائكة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على ~~السنة والجماعة) # وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وقاتلهم ~~وعلى المعين عليهم أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله يوم ~~القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم:(أحبوا ~~الله لما ms230 يغذوكم من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لي ). ومما يدل ~~على نجاتهم قصر الإمامة فيهم كما مر دليله، وقد قال تعالى{يا قومنا أجيبوا ~~داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب ~~داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال ~~مبين}(الأحقاف:31،32)،وقال تعالى{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم}،وداعي الله وأولي الأمر من أهل البيت قطعا ~~بالدليل الدال على قصر الإمامة فيهم دون غيرهم، وبدليل قوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم:(من سمع واعيتنا أهل البيت ولم يجبها أكبه الله على منخريه في ~~نار جهنم) وهذا غاية الوعيد والزجر على التخلف من داعي أهل البيت، فإذا ثبت ~~وجوب طاعتهم ثبت أنهم ناجون إذ لا يجوز من الباري تعالى أن يوجب علينا طاعة ~~من هو هالك في الهالكين. PageV01P324 # وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجع ~~من سفر له وهو متغير اللون فخطب خطبة بليغة وهو يبكي ثم قال:((يا أيها) ~~الناس إني قد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وأرومتي (أهل بيتي) ولن ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض، ألا وإني أنتظرهما، ألا وإني أسألكم يوم ~~القيامة في ذلك عند الحوض، ألا وإنه سيرد علي يوم القيامة ثلاث رايات من ~~هذه الأمة راية سوداء فتقف فأقول: من أنتم؟ فينسون ذكري. ويقولون: نحن أهل ~~التوحيد من العرب. فأقول: أنا محمد نبي العرب والعجم. فيقولون: نحن من ~~أمتك.فأقول: كيف خلفتموني في عترتي وكتاب ربي؟ فيقولون: أما الكتاب ~~فضيعناه، وأما العترة فحرصنا على أن نبيدهم. فأولي وجهي عنهم، فيصدرون عطشى ~~قد اسودت وجوههم. ثم ترد راية أخرى أشد سوادا من الأولى فأقول: لهم من ~~أنتم؟ فيقولون: كالقول الأول نحن من أهل التوحيد فإذا ذكرت اسمي قالوا: نحن ~~من أمتك. فأقول: كيف خلفتموني في الثقلين كتاب ربي وعترتي؟ فيقولون: أما ~~الكتاب فخالفنا، وأما العترة فخذلناهم ومزقناهم كل ممزق. فأقول: لهم إليكم ~~عني فيصدرون ms231 عطشى مسودة وجوههم. ثم ترد علي راية أخرى تلمع نورا فأقول: من ~~أنتم؟ فيقولون: نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى نحن أمة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم ونحن بقية أهل الحق حملنا كتاب ربنا فأحللنا حلاله وحرمنا حرامه ~~وأحببنا ذرية محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فنصرناهم من كل ما نصرنا به ~~أنفسنا وقاتلنا معهم وقتلنا من ناواهم. فأقول: لهم أبشروا فأنا نبيئكم محمد ~~لقد كنتم كما وصفتم ثم أسقيهم من حوضي فيصدرون رواة . ألا وإن جبريل أخبرني ~~بأن أمتي تقتل ولدي الحسين بأرض كرب وبلاء، ألا ولعنة الله على قاتله ~~وخاذله أبد الدهر أبد الدهر) ثم نزل ولم يبق أحد إلا وتيقن أن الحسين ~~مقتول، وإذا تأمل المنصف هذا الخبر الشريف عرف قطعا أن الزيدية هم أهل ~~الراية الثالثة لأنهم PageV01P325 المنابذون على أهل بيت نبيئهم صلى الله عليه وآله وسلم باللسان والسيف ~~والسنان، وعلم يقينا أن أهل الرايتين الأولتين هم بنو أمية وبنو العباس ~~الذين عاندوا الذرية الزكية (واجتهدوا في هلاكهم) قاتلهم الله تعالى ولعنهم ~~وأخزاهم. ومما يدل على نجاتهم ما جاء في فضل شيعتهم ذكر بعض المفسرين في ~~قوله تعالى{ولله جنود السماوات والأرض}، أن جنود السماء الملائكة وجنود ~~الأرض الزيدية، وورد في شيعة أهل البيت آثار كثيرة، منها قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم(يدخلون الجنة من أمتي سبعون ألفا لا حساب عليهم ثم التفت ~~إلى علي عليه السلام فقال هم شيعتك وأنت إمامهم) وعنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال:(يا علي إن الله قد غفر لك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك ~~ولمحبي محبي شيعتك فأبشر فإنك أنت الأنزع البطين منزوع من الشرك بطين من ~~العلم) وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:(يا علي إن شيعتنا يخرجون من ~~قبورهم يوم القيامة على ما بهم من العيوب والذنوب ووجوههم كالقمر ليلة ~~البدر وقد فرجت عنهم الشدائد وسهلت لهم الموارد وأعطوا الأمن والأمان يخاف ~~الناس ولا يخافون ويحزن الناس ولا يحزنون شرك نعالهم يتلألأ نورا على نوق ~~بيض لها أجنحة ms232 قد ذللت من غير مهابة ونجبت من غير رياضة أعناقها من ذهب ~~أحمر ألين من الحرير لكرامتهم على الله عز وجل)، وفي الأثر عنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم(إن لله حرسا في السماء هم الملائكة وحرسا في الأرض هم ~~الشيعة)، والشيعة ثمانية عشر فرقة يجمعها كلها محبة (أمير المؤمنين علي) ~~عليه السلام وتفضيله على غيره وأنه أولى بالإمامة من أبي بكر وغيره، ~~والتشيع اسم مدح، وقد عرفت ما ورد فيهم من الثناء عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. PageV01P326 # قال في الأساس: الوارد في أهل البيت عليهم السلام مما يدل على نجاتهم زهاء ~~ألف ألف حديث من رواية الموالف والمخالف، وحكى في الأساس عن المعتزلة أنهم ~~يقولون أنهم هم الفرقة الناجية لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أبرها ~~وأتقاها الفرقة المعتزلة). # قال أيده الله تعالى: إن صح الخبر فالمراد به الفرقة المعتزلة عن الباطل ~~بشهادة ما مر من الأدلة. وقد ذكر الدواري أن الفرقة الناجية هم الزيدية ومن ~~طابقها في العقائد الدينية وهم المعتزلة. # قال في السفينة: روى الحاكم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم(ستفترق ~~أمتي على ثلاث وسبعين فرقة أبرها وأتقاها الفئة المعتزلة). # قال الدواري: وهم كذلك لأنهم متبعون لعقيدة أمير المؤمنين عليه السلام ~~وأولاده وهو مستندهم في دينهم ولم يأخذوا ما ذهبوا إليه إلا منه عليه ~~السلام وأكثر علماء التابعين وتابعيهم وأئمة العلم كأبي حنيفة والشافعي ~~ومالك وأئمة الحديث على محبة أهل البيت عليهم السلام وإمامة زيد بن علي ~~عليه السلام لكن لم يجر عليهم اسم التشيع لتسترهم بمذهبهم في ذلك إذ كان ~~السلطان سلطان بني أمية وبني العباس وهم أضداد لأهل البيت عليهم السلام. PageV01P327 # وقال المهدي عليه السلام: لم يسمع عن أحد من أهل البيت عليهم السلام تكفير ~~المعتزلة ولا تفسيقهم وإن كان في كلام الهادي عليه السلام إشارة إلى تهليك ~~بعضهم حيث قال: ومن كل معتزلي غال، والبراءة لا تكون إلا ممن خرج من زمرة ~~الناجين، ولكن يرد على هذا أن يقال الخبر النبوي قاض بهلاك ms233 جميع الفرق إلا ~~فرقة واحدة ويلزم منه هلاك المعتزلة على اختلاف فرقها. قال عليه السلام: ~~وقد يجاب بأن المعتزلة كلها هالكة إلا من كان على صفة الزيدية في سلامة ~~اعتقاده من الشوائب المهلكة وصار المراد بالخبر النبوي أن الفرق كلها هالكة ~~إلا فرقة واحدة وهو من كمل اعتقاده في العدل والتوحيد وسلم من أن يشوبه ~~باعتقاد مهلك، وهذه الفرقة إنما هي الزيدية ومن وافقها. PageV01P328 # وأما السيد حميدان فله في التشديد والإغلاظ على تجنب مذاهب المعتزلة ومنع ~~اتباع أقوالهم كلام واسع حتى أنه ألف كتابا سماه كتاب الأقوال العاصمة من ~~الاعتزال، وقال في كتاب التصريح: وأما الفصل الثامن وهو في ذكر جملة مما ~~يعتذر به من جمع بين التشيع والاعتزال فالغرض التنبيه بذكر بعضها وبيان ~~بطلانها على خدعهم بإظهار التشيع لمن لم يكن ليدخل معهم في مذهب الاعتزال ~~لو لا خدعهم له بذلك فمما ينبه من ذلك على أشباهه إيهامهم أنهم (لا يجدون) ~~للأئمة في أصول الدين وأصول الفقه من العلم مثل الذي وجد للمعتزلة في الدقة ~~والكثرة والبيان وأنهم لم يتبعوهم في ذلك إلا من طريق النظر والاستدلال لا ~~من طريق التقليد وأنهم لو اكتفوا في ذلك بعلوم الأئمة عليهم السلام للزمهم ~~أن يكونوا مقلدين ومفرطين واعتذارهم للأئمة فيما نسبوا إليهم من التقصير ~~بأنهم قنعوا بالجمل واشتغلوا بالجهاد، وقولهم أن المعتزلة شيوخ لكثير من ~~الأئمة في العلم وقول بعضهم أن لفظة الاعتزال ما وردت في الكتاب والسنة إلا ~~صفة مدح، قالوا وخطأ المعتزلة في الإمامة هين في جنب (ما وضعوا) في العدل ~~والتوحيد وهذا بناء على القول بالموازنة. PageV01P329 # والجواب عن هذه الشبه: أما إيهامهم أنهم لم يجدوا للأئمة في الأصولين مثل ~~الذي وجدوا للمعتزلة فلو وقفوا على كتب الأئمة وعقلوا ما فيها لعلموا أن ~~الذم للمعتزلة في إتيانهم بغير ما في الكتاب والسنة، وفي كتب الأئمة أولى ~~من مدحهم لأجل إتيانهم بما لا يعقل وبما يعلم كونه محالا على ما تقرر فيما ~~سلف وليس أحد من العلماء المخالفين إلا وفي ms234 كتبهم من البدع ما لا يوجد ~~للأئمة مثله فلا معنى لتخصيص المعتزلة فيما خالفوا الأئمة به لأجل تسميتهم ~~له علما، وأما إيهامهم أنهم لم يتبعوهم في ذلك الأمر إلا من طريق النظر ~~والاستدلال لا من طريق التقليد فخلاف ذلك ظاهر لأنهم إن زعموا أنهم نظروا ~~واستدلوا على صحة علوم المعتزلة قبل تعلمهم فيها فذلك محال إذ لا طريق لهم ~~إلى ذلك إلا أخبار الغير لهم عنه وإن زعموا أنهم نظروا في صحتها واستدلوا ~~بعد تعلمهم فيها فقد قلدوا من علمهم في بدء أمرهم وفي حال اتباعهم له حتى ~~أدخلهم في مذهبه، وأما إيهامهم أنهم لو اكتفوا بعلوم الأئمة للزمهم التقليد ~~والتفريط فغلاطهم في ذلك بين لأن الأئمة لا يعلمون من اتبعهم إلا في معقول ~~بينة أدلته أو مسموع منصوص عليه أو فيما يجب رده إليهم كما يجب رده إلى ~~الرسول لأن الله سبحانه قد أخبر أنهم لو ردوه إليهم لعلموه وذلك يعم كل ~~مختلف فيه معقولا كان أو مسموعا لأن الله أدخل حرف من الذي هو للتبعيض على ~~اسم شيء الذي هو أعم النكرات في قوله تعالى{وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه ~~إلى الله}(الشورى:10) فوجب أن يستغرق لكونه عموما لا مخصص له وحكم الله ~~سبحانه وتعالى في كل مختلف فيه أن يرد إلى الكتاب أو السنة إن عدم في ~~الكتاب، أو إلى أولي الأمر إن عدم في السنة، وأما اعتذارهم PageV01P330 للأئمة في التقصير عن بلوغ درجة المعتزلة في علوم الدين بأنهم قنعوا بالجمل ~~واشتغلوا بالجهاد فذلك قول من لا يعرف الجمل ولا شروط الجهاد لأن تلك الجمل ~~التي زعموا أنهم قنعوا بها هي منتهى ما يعقل ويجب ولا متعد بعدها لعقل مكلف ~~من البشر إلا إلى الغلو والإفراط والخوض والتوهم المنهي عن تكلفه والخوض ~~فيه، ولأن الجهاد للنفس عن التقصير مقدم على الجهاد للغير والجهاد بالسيف ~~فرع على الجهاد بالعلم لأن من شرط الإمام الذي يجب عليه الجهاد أن يكون ~~سابقا والسابق لا يوصف بأنه قانع في علوم الدين بالجمل ms235 لكون القانع بالجمل ~~مسبوقا ومع ذلك فإن أكثر الأئمة عليهم السلام لم يكن لهم شغل إلا الجهاد ~~بالعلم دون الجهاد بالسيف لقلة الأتباع وخذلان الأشياع. # وأما قولهم: أن المعتزلة شيوخ لكثير من الأئمة في العلم فإن أرادوا بذلك ~~الإيهام بأن الأئمة محتاجة إلى المعتزلة في علوم الدين فذلك خلاف ما اقتضته ~~أدلة الكتاب والسنة وانعقد عليه إجماع العترة، وإن أرادوا أن من الأئمة من ~~قرأ في علوم المعتزلة على شيوخهم فليس لهم في ذلك حجة لأنه يجوز أن يقرأ في ~~كل فن من سائر العلوم على شيوخ أهله إذا كان فيه صلاح، وإن أرادوا أن من ~~العترة من اعتزل فلو صح ذلك لم يكن لهم فيه حجة لأن الله سبحانه قد أخبر أن ~~من العترة من هو ظالم لنفسه. PageV01P331 # وأما قول من قال منهم: إن لفظة الاعتزال ما وردت في الكتاب والسنة إلا صفة ~~مدح فذلك دليل على أنهم لم يحيطوا بعلم ألفاظ القرآن فضلا عن معانيه لأن ~~الله تعالى قد وصف الكفار بالاعتزال في قوله تعالى{فإن لم تؤمنوا لي ~~فاعتزلون}(الدخان:21) ونحو ذلك مما يدل أنه لا مدح في لقب الاعتزال لمن ~~اعتزل الحق وأهله واكتفى في الدين بنفسه واعتمد فيه على رأيه. # وأما قولهم: إن خطأ المعتزلة في الإمامة صغير بالنظر إلى ما وضعوا في ~~العدل والتوحيد فذلك مبني على القول بالموازنة دون الإحباط وقد قدمنا في ~~إبطاله ما فيه كفاية. وحكى صاحب المسفر عن الناصر للحق الحسن بن علي عليه ~~السلام جوابه عن تعمقات الفلاسفة ثم قال وخص بالإنكار المعتزلة لأنهم ~~خائضون فيما دق عليهم ولم يكلفوه وهم معروفون به، فقال عليه السلام في كتاب ~~الكفر والإيمان: ثم انصدعت من هذه الملة طائفة تحلت باسم الاعتزال استهواها ~~واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد إلى قوله ولأن غرضه عليه السلام ترك الخوض فيما ~~دق والقول على الله ما لا يعلم وقد قال تعالى{ويخلق مالاتعلمون}(النحل:08) ~~إلى قوله وتكلموا من دقيق الكلام بما لم يكلفوا وبما لعل حواسهم خلقت مقصرة ~~عن ms236 إدراك حقيقتها وعاجزة عن قصد السبيل فيها. وقالت المجبرة: بل هي الناجية ~~لقوله صلى الله علي وآله وسلم:(عليكم بالسواد الأعظم)، ويقولون هم ~~المتمسكون بالسنة والجماعة ويلقبون نفوسهم بالسنية. # الجواب: أن المراد بالأعظم في الخبر الأعظم عند الله وليس كذلك إلا الذين ~~حكم الله بنجاتهم وأبان أنهم على الحق وأوجب التمسك بهم كالتمسك بالكتاب ~~وهذه صفات عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا غيرهم كما بيناه ~~بالأدلة القطعية. PageV01P332 # وأما قولهم: أنهم أهل السنة والجماعة فإنهم لم يعرفوا معنى هذين اللفظين، ~~فإن معنى السنة والمراد بها سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~والمراد بالجماعة ما كان عليه أهل الحق في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم، ~~ولم يوجد في المجبرة التحلي بصفات سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وأهل ~~الحق، وإنما تحلى بذلك أهل البيت عليهم السلام ومن وافقهم. بيان ذلك: أنهم ~~يدينون بأن الله عدل حكيم وعلى ذلك انعقد إجماع الصحابة وإجماع الأمة وأهل ~~البيت عليهم السلام ثابتون على ذلك بخلافهم وذلك لأن عندنا أنه تعالى لا ~~يخلق القبائح ولا يقضي بها، وهم يقولون بأن كل ما وجد في الدنيا من ظلم ~~وعدوان وزور وبهتان وسفه وعبث وجور وأمر بباطل ونهي عن واجب وحسن وتخريب ~~المساجد وقتل الأنبياء والأوصياء والأئمة والأولياء والأطفال فإن ذلك كله ~~من الله عز وجل لا شريك له في صنعه وأنه الذي تفرد بابتداعه وإنشاءه ~~واختراعه وأنه يرضى بذلك كله ويحبه ويشاءه، ومعلوم أن من فعل ذلك لا يكون ~~حكيما ولا عدلا، فإذا كنا ننفي عن الله هذه القبائح كنا على السنة والجماعة ~~وإذا كانوا يضيفونها إلى الله تعالى لم يكونوا كذلك، لأنا قد علمنا أن من ~~السنة تنزيه الله تعالى عن القبائح وتقديسه عن الفضائح، فأين هم من السنة ~~والجماعة، فصح أنهم للسنة مفارقون وعن الجماعة نازحون. PageV01P333 # وقد روينا: عن أمير المؤمنين عليه السلام أن ابن الكوى لما سأله عن السنة ~~والجماعة والفرقة والبدعة، فقال عليه السلام: السنة والله سنة رسول الله ~~صلى ms237 الله عليه وآله وسلم، والبدعة والله ما خالفها، والجماعة والله أهل ~~الحق وإن قلوا، والفرقة والله متابعة أهل الباطل وإن كثروا. وهذا خلاف ما ~~يظنونه أن الكثرة تدل على الحق وأن القلة تدل على الباطل وقد ذم الله ~~الأكثرين ومدح الأقلين في آيات كثيرة من كتابه الكريم فقال عز وعلا{وأكثرهم ~~للحق كارهون}(المؤمنون:70) وقال تعالى{وما أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين}(يوسف:103) وقال تعالى{ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو ~~اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم}(النساء:66) وقال تعالى{وقليل ما ~~هم}(ص:24) وقال تعالى{وقليل من عبادي الشكور}(سبأ:13) وقال تعالى{وما آمن ~~معه إلا قليل}(هود:40). # وقد روينا عن أمير المؤمنين عليه السلام أن الحارث بن حوط سأله فقال: ~~أترى يا أمير المؤمنين أن أهل الشام مع كثرتهم على الباطل وأهل العراق مع ~~قلتهم على الحق؟ فقال # له: يا حار إنه لملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال وإنما الرجال يعرفون ~~بالحق فاعرف الحق تعرف أهله قلوا أم كثروا، واعرف الباطل تعرف أهله قلوا أم ~~كثروا وإن الباطل لا يعرف بالقلة. PageV01P334 # وروينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سأله رجل فقال: يا رسول الله ~~أخبرني بكلمات جوامع نوافع ، فقال:(اعبد الله ولا تشرك به شيئا، وزل مع ~~القرآن حيث زال، قال: زدني، قال:من أتاك بالحق فاقبله وإن كان بعيدا بغيضا ~~ومن أتاك بالباطل فاردده وإن كان حبيبا قريبا)، ولو كانت الكثرة تدل على ~~صحة صحيح لأرشده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ودله عليها. وبالإسناد ~~الموثوق به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:(واقنع بقبول الحق ~~من حيث ورد عليك وميز بعقلك ما اشتبه عليك فإنه حجة الله عليك ووديعة عندك ~~وبرهانه فيك)، وكيف تكون الكثرة دالة على الحق والنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان في ابتداء أمره في قلة من أصحابه وهو على الحق ومن اتبعه، ومن عند ~~عنه من الكفار على أنهم ملئ الأرض على ضلال، فهل كان يسعهم الاعتذار من ترك ~~متابعته بأنهم أولى بالحق منه بمكان كثرتهم ms238 ، كلا بل هو صلى الله عليه وآله ~~وسلم المحق وهم المبطلون والمهتدي وهم الضالون. ومما يوضح لك الحال: أن ~~الغالب على أكثر أهل الدنيا أنواع الفسق من الظلم والكذب والبغي والعدوان ~~وسائر أصناف العصيان، والعدل الثقة قليل جدا بالإضافة إلى غيره بل ربما لا ~~يوجد العدل المرضي بالبلاد الكبيرة وعلى كثرة أهلها، فكيف يرجح ذوي تمييز ~~مذهبه لكثرة القائلين به. وفيما ذكرناه كفاية لمن أنصف نفسه ولم يعم التعصب ~~عين بصيرته، ومن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها. PageV01P335 # قال الشيخ رحمه الله تعالى: ونحن نسأل الله العظيم أن يجعلنا بالعلم عاملين ~~كما جعلنا له حاملين، فقد روينا عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال:(العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه أتعب (نفسه صاحبه) في ~~جمعه ثم لم يصل إلى نفعه). # قال المؤلف أمتع الله بحياته وأشركني في صالح دعواته: وهذا حين فرغنا من ~~نسخ هذا الكتاب وتأليفه وذلك في يوم الثلاثاء لتسع عشرة مضين من شهر رجب ~~الأصب سنة ثمان وعشرين وألف، جعله الله وسيلة إلى رضاه، ومقدمة للفوز يوم ~~لقاه بحق محمد وآله صلى الله عليهم أجمعين آمين. # قال في الأم: # وكان الفراغ من زبر هذا الكتاب المبارك شرح الثلاثون المسأله يوم السبت ~~لعله سادس عشر شهر شوال من شهور سنة ستة وخمسين وثلاثمائة وألف، ختمت بخبر. ~~بقلم أسير ذنبه ورهين كسبه الراجي من الله العفو والغفران الحقير الفقير ~~أحمد بن إسماعيل شويل وفقه الله تعالى آمين . PageV01P336 ms239